Lafzullah

Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — هود 11:44 – هود 11:123

المؤلف / المصدر: Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah

المحتويات
  1. هود 11:44
  2. هود 11:45
  3. هود 11:46
  4. هود 11:47
  5. هود 11:48
  6. هود 11:49
  7. هود 11:50
  8. هود 11:51
  9. هود 11:52
  10. هود 11:53
  11. هود 11:54
  12. هود 11:55
  13. هود 11:56
  14. هود 11:57
  15. هود 11:58
  16. هود 11:59
  17. هود 11:60
  18. هود 11:61
  19. هود 11:62
  20. هود 11:63
  21. هود 11:64
  22. هود 11:65
  23. هود 11:66
  24. هود 11:67
  25. هود 11:68
  26. هود 11:69
  27. هود 11:70
  28. هود 11:71
  29. هود 11:72
  30. هود 11:73
  31. هود 11:74
  32. هود 11:75
  33. هود 11:76
  34. هود 11:77
  35. هود 11:78
  36. هود 11:79
  37. هود 11:80
  38. هود 11:81
  39. هود 11:82
  40. هود 11:83
  41. هود 11:84
  42. هود 11:85
  43. هود 11:86
  44. هود 11:87
  45. هود 11:88
  46. هود 11:89
  47. هود 11:90
  48. هود 11:91
  49. هود 11:92
  50. هود 11:93
  51. هود 11:94
  52. هود 11:95
  53. هود 11:96
  54. هود 11:97
  55. هود 11:98
  56. هود 11:99
  57. هود 11:100
  58. هود 11:101
  59. هود 11:102
  60. هود 11:103
  61. هود 11:104
  62. هود 11:105
  63. هود 11:106
  64. هود 11:107
  65. هود 11:108
  66. هود 11:109
  67. هود 11:110
  68. هود 11:111
  69. هود 11:112
  70. هود 11:113
  71. هود 11:114
  72. هود 11:115
  73. هود 11:116
  74. هود 11:117
  75. هود 11:118
  76. هود 11:119
  77. هود 11:120
  78. هود 11:121
  79. هود 11:122
  80. هود 11:123

هود 11:44

(p-٥٨٣)قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِنَ أمْرِ اللهِ إلا مِنَ رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ ﴿وَقِيلَ: يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ: بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ﴾ ظَنَّ ابْنُ نُوحٍ أنَّ ذَلِكَ المَطَرَ والماءَ عَلى العادَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا عاصِمَ﴾، قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ عَلى لَفْظَةِ فاعِلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَن رَحِمَ﴾ يُرِيدُ: إلّا اللهُ الراحِمُ، فَـ "مَن" كِنايَةٌ عَنِ اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، المَعْنى: لا عاصِمَ اليَوْمَ إلّا الَّذِي رَحِمَنا فَـ "مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إلا مَن رَحِمَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قالَ: لا عاصِمَ اليَوْمَ مَوْجُودٌ، لَكِنْ مَن رَحِمَ اللهُ مَوْجُودٌ، وحَسَّنَ هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، أنَّ نَفْيَ العاصِمِ يَقْتَضِي نَفْيَ المَعْصُومِ. فَهو حاصِلٌ بِالمَعْنى. وأمّا مِن جِهَةِ اللَفْظِ، فَـ "مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ النابِغَةِ: ؎ إلّا الأُوارِيَّ............. ∗∗∗..................... ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ إذْ هَذانَ أنِيسُ ذَلِكَ المَوْضِعِ القَفْرِ، والمَعْصُومُ هُنا لَيْسَ بِعاصِمٍ بِوَجْهٍ، وقِيلَ: " عاصِمٌ " مَعْناهُ: ذُو اعْتِصامٍ، فَـ " عاصِمٌ " -عَلى هَذا- في مَعْنى مَعْصُومٍ، ويَجِيءُ الِاسْتِثْناءُ مُسْتَقِيمًا، و"مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و"اليَوْمَ" ظَرْفٌ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (p-٥٨٤)﴿مِن أمْرِ اللهِ﴾، أو بِالخَيْرِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: كائِنٌ اليَوْمَ، ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ " عاصِمَ " لِأنَّهُ كانَ يَجِيءُ مُنَوَّنًا: "لا عاصِمًا اليَوْمَ"، يَرْجِعُ إلى أصْلِ النَصْبِ لِئَلّا يَرْجِعُ ثَلاثَةُ أشْياءَ واحِدًا، وإنَّما القانُونُ أنْ يَكُونَ الشَيْئانِ واحِدًا: "لا" وما عَمِلَتْ فِيهِ، ومِثالُ النَحْوِيِّينَ في هَذِهِ المَسْألَةِ: لا أمْرًا يَوْمَ الجُمْعَةِ لَكَ، فَإنْ أعْمَلْتَ في يَوْمٍ لَكَ قُلْتَ: لا أمْرَ. و"بَيْنَهُما" يُرِيدُ:: بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ، فَكانَ الِابْنُ مِمَّنْ غَرِقَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ الآيَةُ، بِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ أبْلَغُ في التَعْظِيمِ والجَبَرُوتِ، وكَذَلِكَ بِناءُ الأفْعالِ -بَعْدَ ذَلِكَ- في سائِرِ الآيَةِ ورُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: هَذا كَلامُ القادِرِينَ، و"البَلْعُ" هو تَجَرُّعُ الشَيْءِ وازْدِرادُهُ، فَشَبَّهَ قَبْضَ الأرْضِ لِلْماءِ وتَسَرُّبَهُ فِيها بِذَلِكَ، وأُمِرَتْ بِالتَشْبِيهِ وأضافَ الماءَ إلَيْها إذْ هُو عَلَيْها وحاصِلٌ فِيها، و"السَماءُ" في هَذِهِ الآيَةِ، إمّا السَماءُ المُظِلَّةُ، وإمّا السُحُبُ، و"الإقْلاعُ" عَنِ الشَيْءِ تَرْكُهُ، والمَعْنى: أقْلِعِي عَنِ الإمْطارِ، وغِيضَ مَعْناهُ: نَقَصَ، وأكْثَرُ ما يَجِيءُ فِيما هو بِمَعْنى جُفُوفٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَغِيضَ الماءُ﴾، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ [الرعد: ٨]، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ ذَلِكَ في الحَيْضِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعَفُرَ: ؎ ......................... ∗∗∗ ∗∗∗ ما غِيضَ مِن بَصَرِي ومِن أجْلادِي (p-٥٨٥)وَذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ الهَرَمَ إنَّما تَنَقُّصُهُ بِجُفُوفٍ وقَضافَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ القِصَّةِ: بَعْثُ الماءِ وإهْلاكُ الأُمَمِ وإنْجاءُ أهْلِ السَفِينَةِ. ورُوِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ رَكِبَ في السَفِينَةِ مِن عَيْنِ ورْدَةَ بِالشامِ أوَّلَ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، وقِيلَ: في العاشِرِ مِنهُ، وقِيلَ: في الخامِسَ عَشَرَ، وقِيلَ: في السابِعَ عَشَرَ، واسْتَوَتِ السَفِينَةُ في ذِي الحِجَّةِ، وأقامَتْ عَلى الجُودِيِّ شَهْرًا، وقِيلَ: لَهُ: اهْبِطْ في يَوْمِ عاشُوراءَ فَصامَهُ وصامَهُ مَن مَعَهُ مِن ناسٍ ووُحُوشٍ: وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ ما يَقْتَضِي أنَّهُ أقامَ عَلى الماءِ نَحْوَ السَنَةِ، وذَكَرَ أيْضًا حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "أنَّ نُوحًا رَكِبَ في السَفِينَةِ أوَّلَ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، وصامَ الشَهْرَ أجْمَعَ، وجَرَتْ بِهِمُ السَفِينَةُ إلى يَوْمِ عاشُوراءَ، فَفِيهِ أرْسَتْ عَلى الجُودِيِّ، فَصامَهُ نُوحٌ ومَن مَعَهُ"». ورُوِيَ أنَّ نُوحًا لَمّا طالَ مُقامُهُ عَلى الماءِ بَعَثَ الغُرابَ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ كَمالِ الغَرَقِ فَوَجَدَ جِيفَةً طافِيَةً فَبَقِيَ عَلَيْها فَلَمْ يَرْجِعْ بِخَبَرٍ، فَدَعا عَلَيْهِ نُوحٌ فاسْوَدَّ لَوْنُهُ وخُوِّفَ مِنَ الناسِ، فَهو لِذَلِكَ مُسْتَوْحَشٌ، ثُمَّ بَعَثَ نُوحٌ الحَمامَ فَجاءَتْهُ بِوَرَقِ زَيْتُونَةٍ في فَمِها ولَمْ تَجِدْ تُرابًا تَضَعُ رِجْلَيْها عَلَيْهِ، فَبَقِيَ أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ بَعَثَها فَوَجَدَتِ الماءَ قَدِ انْحَسَرَ عن مَوْضِعِ الكَعْبَةِ، وهي أوَّلُ بُقْعَةٍ انْحَسَرَ الماءُ عنها، فَمَسَّتِ الطِينَ بِرِجْلَيْها وجاءَتْهُ، فَعَلِمَ أنَّ الماءَ قَدْ أخَذَ في النُضُوبِ، ودَعا لَها فَطُوِّقَتْ وأنْسِتْ. فَهي لِذَلِكَ تَأْلَفُ الناسَ ثُمَّ أوحى اللهُ إلى الجِبالِ أنَّ السَفِينَةَ تَرْسِي عَلى واحِدٍ مِنها فَتَطاوَلَتْ كُلُّها وبَقِيَ الجُودِيُّ- وهو جَبَلٌ بِالمُوصِلِ في ناحِيَةِ الجَزِيرَةِ- لَمْ يَتَطاوَلْ تَواضُعًا لِلَّهِ، فاسْتَوَتِ السَفِينَةُ بِأمْرِ اللهِ عَلَيْهِ، وبَقِيَتْ عَلَيْهِ أعْوادُها، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: "لَقَدْ بَقِيَ مِنها شَيْءٌ أدْرَكَهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ"». وقالَ (p-٥٨٦)الزَجّاجُ: الجُودِيُّ هو بِناحِيَةِ آمِدَ. وقالَ قَوْمٌ: هو عِنْدَ باقِرْدى. ورُوِيَ أنَّ السَفِينَةَ لَمّا اسْتَقَلَّتْ مِن عَيْنِ ورْدَةَ جَرَتْ حَتّى جاءَتِ الكَعْبَةَ فَوَجَدْتَها قَدْ نَشَزَتْ مِنَ الأرْضِ فَلَمْ يَنَلْها غَرَقٌ فَطافَتْ بِها أُسْبُوعًا ثُمَّ مَضَتْ إلى اليَمَنِ ورَجَعَتْ إلى الجُودِيِّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَصَصُ في هَذِهِ المَعانِي كَثِيرٌ صَعْبٌ أنْ يُسْتَوْفى، فَأشَرْتُ مِنهُ إلى نُبَذٍ ويَدْخُلُهُ الِاخْتِلافُ كَما تَرى في أمْرِ الكَعْبَةِ واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ. واسْتَوَتْ مَعْناهُ: تَمَكَّنَتْ واسْتَقَرَّتْ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَلى الجُودِيِّ" بِكَسْرِ الياءِ وشَدِّها، وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "عَلى الجُودِي" بِسُكُونِ الياءِ، وهُما لُغَتانِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى عَطْفًا عَلى "وَقِيلَ" الأوَّلِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ نُوحٍ والمُؤْمِنِينَ، والأوَّلُ أظْهَرُ وأبْلَغُ.

هود 11:45

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِن الجاهِلِينَ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها دُونَ تَرْتِيبٍ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كانَتْ في أوَّلِ ما رَكِبَ نُوحٌ في السَفِينَةِ ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الطَبَرِيِّ أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ غَرَقِ الِابْنِ، وهو مُحْتَمَلٌ، والأوَّلُ ألْيَقُ. وهَذِهِ الآيَةُ احْتِجاجٌ مَن نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ أمَرَهُ بِحَمْلِ أهْلِهِ، وابْنُهُ مِن أهْلِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ، فَأظْهَرَ اللهُ لَهُ أنَّ المُرادَ مَن آمَنَ مِنَ الأهْلِ، ثُمَّ حَسَّنَ المُخاطَبَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾، وبِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾، فَإنَّ هَذِهِ الأقْوالَ (p-٥٨٧)مُعِينَةٌ في حُجَّتِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ ظَنَّ أنَّ ابْنَهُ مُؤْمِنٌ، وذَلِكَ أشَدُّ الِاحْتِمالَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا نُوحُ﴾ الآيَةَ، المَعْنى: قالَ اللهُ تَعالى: يا نُوحُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾: لَيْسَ بِوَلَدٍ لَكَ، وزَعَمَتْ أنَّهُ كانَ لِغَيَّةٍ وأنَّ امْرَأتَهُ الكافِرَةَ خانَتْهُ فِيهِ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ وعَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ: وقالَ ابْنُ أبْزى إنَّما قَضى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالوَلَدِ لِلْفِراشِ مِن أجْلِ ابْنِ نُوحٍ، وحَلَفَ الحَسَنُ أنَّهُ لَيْسَ بِابْنِهِ، وحَلَفَ عِكْرِمَةُ والضَحّاكُ أنَّهُ ابْنُهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَوَّلَ الحَسَنُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾، وعَوَّلَ الضَحّاكُ وعِكْرِمَةُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢]. وقَرَأ الحَسَنُ ومَن تَأوَّلَ تَأْوِيلَهُ: "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ" -عَلى هَذا- المَعْنى، وهي قِراءَةُ السَبْعَةِ سِوى الكِسائِيِّ، وقِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ، وقالَ مَن خالَفَ الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ عَمَّهُمُ الوَعْدُ لِأنَّهُ لَيْسَ عَلى دِينِكَ وإنْ كانَ ابْنَكَ بِالوَلاءِ. فَمَن قَرَأ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ: "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ" جَعْلَهُ وصَفًّا لَهُ بِالمَصْدَرِ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، فَوَصَفَهُ بِذَلِكَ كَما قالَتِ الخَنْساءُ تَصِفُ ناقَةً ذَهَبَ عنها ولَدُها:(p-٥٨٨) ؎ تَرْتَعُ ما غَفَلَتْ حَتّى إذا ادَّكَرَتْ ∗∗∗ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ أيْ" ذاتُ إقْبالٍ وإدْبارٍ. وقَرَأ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: "إنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صالِحٍ"، وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ، ورَوَتْ هَذِهِ القِراءَةَ أمُّ سَلَمَةَ وعائِشَةَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ وطَعَنَ في الحَدِيثِ بِأنَّهُ مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وعائِشَةَ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "إنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ". وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ" عَلى قِراءَةِ جُمْهُورِ السَبْعَةِ عَلى سُؤالِ نُوحٍ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ وقَدْ فَسَّرَهُ آخِرُ الآيَةِ ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أنْ تَسْألَنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ". وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى رُكُوبِ ولَدِ نُوحٍ مَعَهُمُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ سُؤالُ نُوحٍ، المَعْنى: أنَّ رُكُوبَ الكافِرِ مَعَ المُؤْمِنِينَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ أنَّ كَوْنَكَ مَعَ الكافِرِينَ وتَرْكَكَ الرُكُوبَ مَعَنا عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأْوِيلٌ لا يَتَّجِهُ مِن جِهَةِ المَعْنى. وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ قالَ: إنَّ القَوْلَ بِأنَّ الوَلَدَ كانَ لِغَيَّةٍ ووَلَدَ فَراشٍ خَطَأٌ مَحْضٌ وقالُوا: إنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ « "أنَّهُ ما زَنَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ"». قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الحَدِيثُ لَيْسَ بِالمَعْرُوفِ، وإنَّما هو مِن كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَضِيَ اللهُ عنهُ ويُعَضِّدُهُ شَرَفُ النُبُوَّةِ. وقالُوا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَخانَتاهُما﴾ [التحريم: ١٠] إنَّ الواحِدَةَ كانَتْ (p-٥٨٩)تَقُولُ لِلنّاسِ: هو مَجْنُونٌ والأُخْرى كانَتْ تُنَبِّهُ عَلى الأضْيافِ، وأمّا غَيْرُ هَذا فَلا، وهَذِهِ مَنازِعُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وحُجَجُهُ وهو قَوْلُهُ: وقَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ الناسِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي مَلِيكَةَ: "فَلا تَسَلْنِي" بِتَخْفِيفِ النُونِ وإثْباتِ الياءِ وسُكُونِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَخْفِيفِ النُونِ وإسْقاطِ الياءِ وبِالهَمْزِ "فَلا تَسْألْنِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِكَسْرِ النُونِ وشَدِّها والهَمْزِ وإثْباتِ الياءِ "فَلا تَسْألَنِّي"، وقَرَأ نافِعٌ ذَلِكَ دُونَ ياءٍ "فَلا تَسْألْنِّ" وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ "فَلا تَسْألَنَّ" بِفَتْحِ النُونِ المُشَدَّدَةِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ "فَلا تَسَلْنِ" خَفِيفَةَ النُونِ ساكِنَةَ اللامِ، وكانَ أبُو عَمْرٍو يُثْبِتُ الياءَ في الوَصْلِ، وحَذَفَها عاصِمٌ وحَمْزَةُ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ إذْ وعَدْتُكَ فاعْلَمْ يَقِينًا أنَّهُ لا خُلْفَ في الوَعْدِ فَإذْ رَأيْتَ ولَدَكَ لَمْ يُحْمَلْ فَكانَ الواجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَقِفَ وتَعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ بِحَقٍّ عِنْدَ اللهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَكِنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ حَمَلَتْهُ شَفَقَةُ النُبُوَّةِ وسَجِيَّةُ البَشَرِ عَلى التَعَرُّضِ لِنَفَحاتِ الرَحْمَةِ والتَذْكِيرِ، وعَلى هَذا القَدْرِ وقَعَ عِتابُهُ، ولِذَلِكَ جاءَ بِتَلَطُّفٍ وتَرْفِيعٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾، وقَدْ قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ( فَلا تَكُونَنَّ )، وذَلِكَ هُنا بِحَسَبِ الأمْرِ الَّذِي عُوتِبَ فِيهِ وعَظَمَتِهِ، فَإنَّهُ لِضِيقِ صَدْرِهِ بِتَكالِيفِ النُبُوَّةِ، وإلّا فَمُتَقَرِّرٌ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أفْضَلُ البَشَرِ وأولاهم بِلِينِ المُخاطَبَةِ، ولَكِنَّ هَذا بِحَسَبِ الأمْرَيْنِ لا بِحَسَبِ النَبِيِّينَ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّما وُقِّرَ نُوحٌ لِسِنِّهِ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّما حَمَلَ اللَفْظُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ كَما يَحْمِلُ الإنْسانُ عَلى المُخْتَصِّ بِهِ الحَبِيبِ إلَيْهِ. (p-٥٩٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ. ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، أيْ: لا تَطْلُبْ مِنِّي أمْرًا لا تَعْلَمُ المَصْلَحَةَ فِيهِ عِلْمَ يَقِينٍ، ونَحا إلى هَذا أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ: إنَّ "بِهِ" يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِلَفْظَةِ "عِلْمٌ" كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ كانَ جَزائِي بِالعَصا أنْ أُجْلَدا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِهِ بِمَنزِلَةِ فِيهِ، فَتَتَعَلَّقُ الباءُ بِالمُسْتَقِرِّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واخْتِلافُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ إنَّما هو لَفْظِيٌّ، والمَعْنى في الآيَةِ واحِدٌ، ورُوِيَ أنَّ هَذا الِابْنَ إنَّما كانَ رَبِيبَهُ وهَذا ضَعِيفٌ وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ في أنْ تَعْتَقِدَ أنِّي لا أفِي لَكَ بِوَعْدٍ وعَدْتُكَ بِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأْوِيلٌ بَشِعٌ، ولَيْسَ في الألْفاظِ ما يَقْتَضِي أنَّ نُوحًا اعْتَقَدَ هَذا وعِياذًا بِاللهِ، وغايَةُ ما وقَعَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ رَأى تَرْكَ ابْنِهِ مُعارِضًا لِلْوَعْدِ فَذَكَّرَ بِهِ، ودَعا بِحَسَبِ الشَفَقَةِ لِيَكْشِفَ لَهُ الوَجْهَ الَّذِي اسْتَوْجَبَ بِهِ ابْنُهُ التَرْكَ في الغَرْقى.

هود 11:46

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِن الجاهِلِينَ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها دُونَ تَرْتِيبٍ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كانَتْ في أوَّلِ ما رَكِبَ نُوحٌ في السَفِينَةِ ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الطَبَرِيِّ أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ غَرَقِ الِابْنِ، وهو مُحْتَمَلٌ، والأوَّلُ ألْيَقُ. وهَذِهِ الآيَةُ احْتِجاجٌ مَن نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ أمَرَهُ بِحَمْلِ أهْلِهِ، وابْنُهُ مِن أهْلِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ، فَأظْهَرَ اللهُ لَهُ أنَّ المُرادَ مَن آمَنَ مِنَ الأهْلِ، ثُمَّ حَسَّنَ المُخاطَبَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾، وبِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾، فَإنَّ هَذِهِ الأقْوالَ (p-٥٨٧)مُعِينَةٌ في حُجَّتِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ ظَنَّ أنَّ ابْنَهُ مُؤْمِنٌ، وذَلِكَ أشَدُّ الِاحْتِمالَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا نُوحُ﴾ الآيَةَ، المَعْنى: قالَ اللهُ تَعالى: يا نُوحُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾: لَيْسَ بِوَلَدٍ لَكَ، وزَعَمَتْ أنَّهُ كانَ لِغَيَّةٍ وأنَّ امْرَأتَهُ الكافِرَةَ خانَتْهُ فِيهِ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ وعَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ: وقالَ ابْنُ أبْزى إنَّما قَضى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالوَلَدِ لِلْفِراشِ مِن أجْلِ ابْنِ نُوحٍ، وحَلَفَ الحَسَنُ أنَّهُ لَيْسَ بِابْنِهِ، وحَلَفَ عِكْرِمَةُ والضَحّاكُ أنَّهُ ابْنُهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَوَّلَ الحَسَنُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾، وعَوَّلَ الضَحّاكُ وعِكْرِمَةُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢]. وقَرَأ الحَسَنُ ومَن تَأوَّلَ تَأْوِيلَهُ: "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ" -عَلى هَذا- المَعْنى، وهي قِراءَةُ السَبْعَةِ سِوى الكِسائِيِّ، وقِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ، وقالَ مَن خالَفَ الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ عَمَّهُمُ الوَعْدُ لِأنَّهُ لَيْسَ عَلى دِينِكَ وإنْ كانَ ابْنَكَ بِالوَلاءِ. فَمَن قَرَأ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ: "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ" جَعْلَهُ وصَفًّا لَهُ بِالمَصْدَرِ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، فَوَصَفَهُ بِذَلِكَ كَما قالَتِ الخَنْساءُ تَصِفُ ناقَةً ذَهَبَ عنها ولَدُها:(p-٥٨٨) ؎ تَرْتَعُ ما غَفَلَتْ حَتّى إذا ادَّكَرَتْ ∗∗∗ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ أيْ" ذاتُ إقْبالٍ وإدْبارٍ. وقَرَأ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: "إنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صالِحٍ"، وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ، ورَوَتْ هَذِهِ القِراءَةَ أمُّ سَلَمَةَ وعائِشَةَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ وطَعَنَ في الحَدِيثِ بِأنَّهُ مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وعائِشَةَ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "إنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ". وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ" عَلى قِراءَةِ جُمْهُورِ السَبْعَةِ عَلى سُؤالِ نُوحٍ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ وقَدْ فَسَّرَهُ آخِرُ الآيَةِ ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أنْ تَسْألَنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ". وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى رُكُوبِ ولَدِ نُوحٍ مَعَهُمُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ سُؤالُ نُوحٍ، المَعْنى: أنَّ رُكُوبَ الكافِرِ مَعَ المُؤْمِنِينَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ أنَّ كَوْنَكَ مَعَ الكافِرِينَ وتَرْكَكَ الرُكُوبَ مَعَنا عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأْوِيلٌ لا يَتَّجِهُ مِن جِهَةِ المَعْنى. وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ قالَ: إنَّ القَوْلَ بِأنَّ الوَلَدَ كانَ لِغَيَّةٍ ووَلَدَ فَراشٍ خَطَأٌ مَحْضٌ وقالُوا: إنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ « "أنَّهُ ما زَنَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ"». قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الحَدِيثُ لَيْسَ بِالمَعْرُوفِ، وإنَّما هو مِن كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَضِيَ اللهُ عنهُ ويُعَضِّدُهُ شَرَفُ النُبُوَّةِ. وقالُوا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَخانَتاهُما﴾ [التحريم: ١٠] إنَّ الواحِدَةَ كانَتْ (p-٥٨٩)تَقُولُ لِلنّاسِ: هو مَجْنُونٌ والأُخْرى كانَتْ تُنَبِّهُ عَلى الأضْيافِ، وأمّا غَيْرُ هَذا فَلا، وهَذِهِ مَنازِعُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وحُجَجُهُ وهو قَوْلُهُ: وقَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ الناسِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي مَلِيكَةَ: "فَلا تَسَلْنِي" بِتَخْفِيفِ النُونِ وإثْباتِ الياءِ وسُكُونِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَخْفِيفِ النُونِ وإسْقاطِ الياءِ وبِالهَمْزِ "فَلا تَسْألْنِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِكَسْرِ النُونِ وشَدِّها والهَمْزِ وإثْباتِ الياءِ "فَلا تَسْألَنِّي"، وقَرَأ نافِعٌ ذَلِكَ دُونَ ياءٍ "فَلا تَسْألْنِّ" وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ "فَلا تَسْألَنَّ" بِفَتْحِ النُونِ المُشَدَّدَةِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ "فَلا تَسَلْنِ" خَفِيفَةَ النُونِ ساكِنَةَ اللامِ، وكانَ أبُو عَمْرٍو يُثْبِتُ الياءَ في الوَصْلِ، وحَذَفَها عاصِمٌ وحَمْزَةُ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ إذْ وعَدْتُكَ فاعْلَمْ يَقِينًا أنَّهُ لا خُلْفَ في الوَعْدِ فَإذْ رَأيْتَ ولَدَكَ لَمْ يُحْمَلْ فَكانَ الواجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَقِفَ وتَعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ بِحَقٍّ عِنْدَ اللهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَكِنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ حَمَلَتْهُ شَفَقَةُ النُبُوَّةِ وسَجِيَّةُ البَشَرِ عَلى التَعَرُّضِ لِنَفَحاتِ الرَحْمَةِ والتَذْكِيرِ، وعَلى هَذا القَدْرِ وقَعَ عِتابُهُ، ولِذَلِكَ جاءَ بِتَلَطُّفٍ وتَرْفِيعٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾، وقَدْ قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ( فَلا تَكُونَنَّ )، وذَلِكَ هُنا بِحَسَبِ الأمْرِ الَّذِي عُوتِبَ فِيهِ وعَظَمَتِهِ، فَإنَّهُ لِضِيقِ صَدْرِهِ بِتَكالِيفِ النُبُوَّةِ، وإلّا فَمُتَقَرِّرٌ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أفْضَلُ البَشَرِ وأولاهم بِلِينِ المُخاطَبَةِ، ولَكِنَّ هَذا بِحَسَبِ الأمْرَيْنِ لا بِحَسَبِ النَبِيِّينَ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّما وُقِّرَ نُوحٌ لِسِنِّهِ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّما حَمَلَ اللَفْظُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ كَما يَحْمِلُ الإنْسانُ عَلى المُخْتَصِّ بِهِ الحَبِيبِ إلَيْهِ. (p-٥٩٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ. ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، أيْ: لا تَطْلُبْ مِنِّي أمْرًا لا تَعْلَمُ المَصْلَحَةَ فِيهِ عِلْمَ يَقِينٍ، ونَحا إلى هَذا أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ: إنَّ "بِهِ" يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِلَفْظَةِ "عِلْمٌ" كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ كانَ جَزائِي بِالعَصا أنْ أُجْلَدا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِهِ بِمَنزِلَةِ فِيهِ، فَتَتَعَلَّقُ الباءُ بِالمُسْتَقِرِّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واخْتِلافُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ إنَّما هو لَفْظِيٌّ، والمَعْنى في الآيَةِ واحِدٌ، ورُوِيَ أنَّ هَذا الِابْنَ إنَّما كانَ رَبِيبَهُ وهَذا ضَعِيفٌ وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ في أنْ تَعْتَقِدَ أنِّي لا أفِي لَكَ بِوَعْدٍ وعَدْتُكَ بِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأْوِيلٌ بَشِعٌ، ولَيْسَ في الألْفاظِ ما يَقْتَضِي أنَّ نُوحًا اعْتَقَدَ هَذا وعِياذًا بِاللهِ، وغايَةُ ما وقَعَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ رَأى تَرْكَ ابْنِهِ مُعارِضًا لِلْوَعْدِ فَذَكَّرَ بِهِ، ودَعا بِحَسَبِ الشَفَقَةِ لِيَكْشِفَ لَهُ الوَجْهَ الَّذِي اسْتَوْجَبَ بِهِ ابْنُهُ التَرْكَ في الغَرْقى.

هود 11:47

(p-٥٩١)قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿قِيلَ: يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ فِيها إنابَةُ نُوحٍ وتَسْلِيمُهُ لِأمْرِ اللهِ تَعالى واسْتِغْفارُهُ، بِالسُؤالِ الَّذِي وقَعَ النَهْيُ عَلَيْهِ والِاسْتِعاذَةُ والِاسْتِغْفارُ مِنهُ هو سُؤالُ العَزْمِ الَّذِي مَعَهُ مُحاجَّةً وطِلْبَةً مُلِحَّةً فِيما قَدْ حُجِبَ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ وأمّا السُؤالُ في الأُمُورِ عَلى جِهَةِ التَعَلُّمِ والِاسْتِرْشادِ فَغَيْرُ داخِلٍ في هَذا. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] يَعُمُّ النَحْوَيْنِ مِنَ السُؤالِ، فَلِذَلِكَ نَبَّهْتُ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ، و"الخاسِرُونَ" هُمُ المَغْبُونُونَ حُظُوظَهم مِنَ الخَيْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ﴾ كانَ هَذا عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَفِينَةِ مَعَ أصْحابِهِ لِلِانْتِشارِ في الأرْضِ، و"السَلامُ" هُنا السَلامَةُ والأمْنُ ونَحْوُهُ، و"البَرَكاتُ" الخَيْرُ والنُمُوُّ في كُلِّ الجِهاتِ، وهَذِهِ العِدَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ أيْ: مِن ذُرِّيَّةِ مَن مَعَكَ ومِن نَسْلِهِمْ، فَـ"مِن" -عَلى هَذا- هي لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: مِن هَؤُلاءِ تَكُونُ هَذِهِ الأُمَمُ، و"مَن" مَوْصُولَةٌ، وصِلَتُها "مَعَكَ" وما يَتَقَدَّرُ مَعَها نَحْوُ قَوْلِكَ: مِمَّنِ اسْتَقَرَّ مَعَكَ ونَحْوُهُ ثُمَّ قَطَعَ قَوْلُهُ: "وَأُمَمٌ" عَلى وجْهِ الِابْتِداءِ إذْ كانَ أمْرُهم مَقْطُوعًا مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الكُفّارُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ الآيَةُ إشارَةٌ إلى القِصَّةِ، أيْ: هَذِهِ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي تَقادَمَ عَهْدُها ولَمْ يَبْقَ عِلْمُها إلّا عِنْدَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولَمْ يَكُنْ عِلْمُها أو عِلْمُ أشْباهِها عِنْدَكَ ولا عِنْدَ قَوْمِكَ، ونَحْنُ نُوحِيها إلَيْكَ لِتَكُونَ لَكَ هِدايَةً وأُسْوَةً فِيما (p-٥٩٢)لَقِيَهُ غَيْرُكَ مِنَ الأنْبِياءِ، وتَكُونَ لِقَوْمِكَ مِثالًا وتَحْذِيرًا، لِئَلّا يُصِيبَهم إذا كَذَّبُوكَ مِثْلُ ما أصابَ هَؤُلاءِ وغَيْرَهم مِنَ الأُمُورِ المُعَذِّبَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا المَعْنى ظَهَرَتْ فَصاحَةُ قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أيْ: فاجْتَهِدْ في التَبْلِيغِ وجِدَّ في الرِسالَةِ واصْبِرْ عَلى الشَدائِدِ واعْلَمْ أنَّ العاقِبَةَ لَكَ كَما كانَتْ لِنُوحٍ في هَذِهِ القِصَّةِ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ".

هود 11:48

(p-٥٩١)قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿قِيلَ: يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ فِيها إنابَةُ نُوحٍ وتَسْلِيمُهُ لِأمْرِ اللهِ تَعالى واسْتِغْفارُهُ، بِالسُؤالِ الَّذِي وقَعَ النَهْيُ عَلَيْهِ والِاسْتِعاذَةُ والِاسْتِغْفارُ مِنهُ هو سُؤالُ العَزْمِ الَّذِي مَعَهُ مُحاجَّةً وطِلْبَةً مُلِحَّةً فِيما قَدْ حُجِبَ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ وأمّا السُؤالُ في الأُمُورِ عَلى جِهَةِ التَعَلُّمِ والِاسْتِرْشادِ فَغَيْرُ داخِلٍ في هَذا. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] يَعُمُّ النَحْوَيْنِ مِنَ السُؤالِ، فَلِذَلِكَ نَبَّهْتُ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ، و"الخاسِرُونَ" هُمُ المَغْبُونُونَ حُظُوظَهم مِنَ الخَيْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ﴾ كانَ هَذا عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَفِينَةِ مَعَ أصْحابِهِ لِلِانْتِشارِ في الأرْضِ، و"السَلامُ" هُنا السَلامَةُ والأمْنُ ونَحْوُهُ، و"البَرَكاتُ" الخَيْرُ والنُمُوُّ في كُلِّ الجِهاتِ، وهَذِهِ العِدَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ أيْ: مِن ذُرِّيَّةِ مَن مَعَكَ ومِن نَسْلِهِمْ، فَـ"مِن" -عَلى هَذا- هي لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: مِن هَؤُلاءِ تَكُونُ هَذِهِ الأُمَمُ، و"مَن" مَوْصُولَةٌ، وصِلَتُها "مَعَكَ" وما يَتَقَدَّرُ مَعَها نَحْوُ قَوْلِكَ: مِمَّنِ اسْتَقَرَّ مَعَكَ ونَحْوُهُ ثُمَّ قَطَعَ قَوْلُهُ: "وَأُمَمٌ" عَلى وجْهِ الِابْتِداءِ إذْ كانَ أمْرُهم مَقْطُوعًا مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الكُفّارُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ الآيَةُ إشارَةٌ إلى القِصَّةِ، أيْ: هَذِهِ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي تَقادَمَ عَهْدُها ولَمْ يَبْقَ عِلْمُها إلّا عِنْدَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولَمْ يَكُنْ عِلْمُها أو عِلْمُ أشْباهِها عِنْدَكَ ولا عِنْدَ قَوْمِكَ، ونَحْنُ نُوحِيها إلَيْكَ لِتَكُونَ لَكَ هِدايَةً وأُسْوَةً فِيما (p-٥٩٢)لَقِيَهُ غَيْرُكَ مِنَ الأنْبِياءِ، وتَكُونَ لِقَوْمِكَ مِثالًا وتَحْذِيرًا، لِئَلّا يُصِيبَهم إذا كَذَّبُوكَ مِثْلُ ما أصابَ هَؤُلاءِ وغَيْرَهم مِنَ الأُمُورِ المُعَذِّبَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا المَعْنى ظَهَرَتْ فَصاحَةُ قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أيْ: فاجْتَهِدْ في التَبْلِيغِ وجِدَّ في الرِسالَةِ واصْبِرْ عَلى الشَدائِدِ واعْلَمْ أنَّ العاقِبَةَ لَكَ كَما كانَتْ لِنُوحٍ في هَذِهِ القِصَّةِ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ".

هود 11:49

(p-٥٩١)قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿قِيلَ: يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ فِيها إنابَةُ نُوحٍ وتَسْلِيمُهُ لِأمْرِ اللهِ تَعالى واسْتِغْفارُهُ، بِالسُؤالِ الَّذِي وقَعَ النَهْيُ عَلَيْهِ والِاسْتِعاذَةُ والِاسْتِغْفارُ مِنهُ هو سُؤالُ العَزْمِ الَّذِي مَعَهُ مُحاجَّةً وطِلْبَةً مُلِحَّةً فِيما قَدْ حُجِبَ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ وأمّا السُؤالُ في الأُمُورِ عَلى جِهَةِ التَعَلُّمِ والِاسْتِرْشادِ فَغَيْرُ داخِلٍ في هَذا. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] يَعُمُّ النَحْوَيْنِ مِنَ السُؤالِ، فَلِذَلِكَ نَبَّهْتُ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ، و"الخاسِرُونَ" هُمُ المَغْبُونُونَ حُظُوظَهم مِنَ الخَيْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ﴾ كانَ هَذا عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَفِينَةِ مَعَ أصْحابِهِ لِلِانْتِشارِ في الأرْضِ، و"السَلامُ" هُنا السَلامَةُ والأمْنُ ونَحْوُهُ، و"البَرَكاتُ" الخَيْرُ والنُمُوُّ في كُلِّ الجِهاتِ، وهَذِهِ العِدَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ أيْ: مِن ذُرِّيَّةِ مَن مَعَكَ ومِن نَسْلِهِمْ، فَـ"مِن" -عَلى هَذا- هي لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: مِن هَؤُلاءِ تَكُونُ هَذِهِ الأُمَمُ، و"مَن" مَوْصُولَةٌ، وصِلَتُها "مَعَكَ" وما يَتَقَدَّرُ مَعَها نَحْوُ قَوْلِكَ: مِمَّنِ اسْتَقَرَّ مَعَكَ ونَحْوُهُ ثُمَّ قَطَعَ قَوْلُهُ: "وَأُمَمٌ" عَلى وجْهِ الِابْتِداءِ إذْ كانَ أمْرُهم مَقْطُوعًا مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الكُفّارُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ الآيَةُ إشارَةٌ إلى القِصَّةِ، أيْ: هَذِهِ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي تَقادَمَ عَهْدُها ولَمْ يَبْقَ عِلْمُها إلّا عِنْدَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولَمْ يَكُنْ عِلْمُها أو عِلْمُ أشْباهِها عِنْدَكَ ولا عِنْدَ قَوْمِكَ، ونَحْنُ نُوحِيها إلَيْكَ لِتَكُونَ لَكَ هِدايَةً وأُسْوَةً فِيما (p-٥٩٢)لَقِيَهُ غَيْرُكَ مِنَ الأنْبِياءِ، وتَكُونَ لِقَوْمِكَ مِثالًا وتَحْذِيرًا، لِئَلّا يُصِيبَهم إذا كَذَّبُوكَ مِثْلُ ما أصابَ هَؤُلاءِ وغَيْرَهم مِنَ الأُمُورِ المُعَذِّبَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا المَعْنى ظَهَرَتْ فَصاحَةُ قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أيْ: فاجْتَهِدْ في التَبْلِيغِ وجِدَّ في الرِسالَةِ واصْبِرْ عَلى الشَدائِدِ واعْلَمْ أنَّ العاقِبَةَ لَكَ كَما كانَتْ لِنُوحٍ في هَذِهِ القِصَّةِ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ".

هود 11:50

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ "وَإلى عادٍ" عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "إلى قَوْمِهِ" في قِصَّةِ نُوحٍ، و"عادٌ" قَبِيلَةٌ وكانَتْ عَرَبًا- فِيما ذُكِرَ- و"هُودٌ" عَلَيْهِ السَلامُ مِنهُمْ، وجَعَلَهُ "أخاهُمْ" بِحَسَبِ النَسَبِ والقَرابَةِ فَإنْ فَرَضْناهُ لَيْسَ مِنهم فالأُخُوَّةُ بِحَسَبِ المَنشَإ واللِسانِ والجِيرَةِ. وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: "هِيَ أُخُوَّةٌ بِحَسَبِ النَسَبِ الآدَمِيِّ" فَضَعِيفٌ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يا قَوْمِ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يا قَوْمُ" بِرَفْعِ المِيمِ، وهي لُغَةٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "غَيْرُهُ" بِالرَفْعِ عَلى النَعْتِ أوِ البَدَلِ مِن مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ". وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِكَسْرِ الراءِ، حَمْلًا عَلى لَفْظِ: "إلَهٍ" وذَلِكَ أيْضًا عَلى النَعْتِ أوِ البَدَلِ، ويَجُوزُ "غَيْرَهُ" نَصْبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ. و"مُفْتَرُونَ" مَعْناهُ: كاذِبُونَ أفْحَشَ كَذِبٍ في جَعْلِكُمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ اللهِ تَعالى، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى الدُعاءِ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، والمَعْنى: (p-٥٩٣)ما أجْرِي وجَزائِي إلّا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، ثُمَّ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾، فَجَعَلَها صِفَةً رادَّةً عَلَيْهِمْ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَفْعَلُ، فَجُعِلَ الوَصْفُ بِذَلِكَ في دَرْجِ كَلامِهِ، مُنَبِّهًا عَلى أفْعالِ اللهِ تَعالى، وأنَّهُ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، و"فَطَرَ" مَعْناهُ: اخْتَرَعَ وأنْشَأ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَجالِ القَوْلِ بِأنَّ غَيْرَ الفاطِرِ إلاهٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: أفَلا تَعْقِلُونَ إذْ لَمْ أطْلُبْ عَرَضًا مِن أعْراضِ الدُنْيا إنِّي إنَّما أُرِيدُ النَفْعَ لَكم والدارَ الآخِرَةَ والأوَّلُ أظْهَرُ، و"الِاسْتِغْفارُ" طَلَبُ المَغْفِرَةِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِاللِسانِ، وقَدْ يَكُونُ بِإنابَةِ القَلْبِ وطَلَبِ الِاسْتِرْشادِ والحِرْصِ عَلى وُجُودِ المَحَجَّةِ الواضِحَةِ، وهَذِهِ أحْوالٌ يُمْكِنُ أنْ تَقَعَ مِنَ الكُفّارِ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهُمُ:اطْلُبُوا غُفْرانَ اللهِ بِالإنابَةِ، وطَلَبَ الدَلِيلِ في نُبُوَّتِي، ثُمَّ تُوبُوا بِالإيمانِ مِن كُفْرِكُمْ، فَيَجِيءُ التَرْتِيبُ -عَلى هَذا- مُسْتَقِيمًا وإلّا احْتِيجَ في تَرْتِيبِ التَوْبَةِ بَعْدَ الِاسْتِغْفارِ إلى تَحَيُّلٍ كَثِيرٍ فَإمّا أنْ يَكُونَ: ( تُوبُوا ) أمْرًا بِالدَوامِ، و"الِاسْتِغْفارُ" طَلَبُ المَغْفِرَةِ بِالإيمانِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَبَرِيُّ، وقالَ أبُو المَعالِي في الإرْشادِ: "التَوْبَةُ" في اصْطِلاحِ المُتَكَلِّمِينَ هي النَدَمُ، بَعْدَ أنْ قالَ: إنَّها في اللُغَةِ الرُجُوعُ، ثُمَّ رَكَّبَ -عَلى هَذا- أنْ قالَ إنَّ الكافِرَ إذا آمَنَ لَيْسَ إيمانُهُ تَوْبَةً وإنَّما تَوْبَتُهُ نَدَمُهُ بَعْدُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي أقُولُ: "إنَّ التَوْبَةَ عَقْدٌ في تَرْكِ مَتُوبٍ مِنهُ يَتَقَدَّمُها عِلْمٌ بِفَسادٍ المَتُوبِ مِنهُ وصَلاحِ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ، ويَقْتَرِنُ بِها نَدَمٌ عَلى فارِطِ المَتُوبِ مِنهُ لا يَنْفَكُّ مِنهُ وهو مِن شُرُوطِها" فَأقُولُ: إنَّ إيمانَ الكافِرِ هو تَوْبَتُهُ مِن كُفْرِهِ، لِأنَّهُ هو نَفْسُ رُجُوعِهِ. و"تابَ" في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ: رَجَعَ إلى الطاعَةِ والمُثْلى مِنَ الأُمُورِ، وتَصَرُّفُ اللَفْظَةِ في القُرْآنِ بِـ "إلى" يَقْتَضِي أنَّها الرُجُوعُ لا النَدَمُ، وإنَّما لا حَقَّ لازِمٌ لِلتَّوْبَةِ كَما قُلْنا، وحَقِيقَةُ التَوْبَةِ تَرْكُ مِثْلِ ما تِيبَ مِنهُ عن عَزْمَةٍ مُعْتَقَدَةٍ عَلى ما فَسَّرْناهُ، واللهُ المُسْتَعانُ. و"مِدْرارًا" هو بِناءُ تَكْسِيرٍ، وكانَ حَقُّهُ أنْ تَلْحَقَهُ هاءٌ، ولَكِنْ حُذِفَتْ عَلى نِيَّةِ النَسَبِ وعَلى أنَّ السَماءَ المَطَرُ نَفْسُهُ، وهو مِن دَرَّ يَدُرُّ ومِفْعالٌ قَدْ يَكُونُ مِنِ اسْمِ (p-٥٩٤)الفاعِلِ الَّذِي هو مِن ثُلاثِيٍّ، ومِنِ اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو مِن رُباعِيٍّ، وقَوْلُ مَن قالَ: "إنَّهُ ألْزَمُ لِلرُّباعِيِّ" غَيْرُ لازِمٍ. ويُرْوى أنَّ "عادًا" كانَ اللهُ تَعالى قَدْ حَبَسَ عنها المَطَرَ ثَلاثَ سِنِينَ، وكانُوا أهْلَ حَرْثٍ وبَساتِينَ وثِمارٍ، وكانَتْ بِلادُهم شَرْقَ جَزِيرَةِ العَرَبِ، فَلِهَذا وعَدَهم بِالمَطَرِ، ومِن ذَلِكَ فَرَحُهم حِينَ رَأوُا العارِضَ، وقَوْلُهُمْ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، وحَضُّهم عَلى اسْتِنْزالِ المَطَرِ بِالإيمانِ والإنابَةِ، وتِلْكَ عادَةُ اللهِ في عِبادِهِ، ومِنهُ قَوْلُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١]، ومِنهُ فِعْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ حِينَ جَعَلَ جَمِيعَ قَوْلِهِ في الِاسْتِسْقاءِ ودُعائِهِ اسْتِغْفارًا فَسُقِيَ، فَسُئِلَ عن ذَلِكَ، فَقالَ: "لَقَدِ اسْتَنْزَلْتُ المَطَرَ بِمَجادِيحِ السَماءِ". وقَوْلُهُ: ﴿وَيَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ في جَمِيعِ ما يُحْسِنُ اللهُ تَعالى فِيهِ إلى العِبادِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ اللهُ تَعالى قَدْ حَبَسَ نَسْلَهُمْ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ أيِ: الوَلَدَ، ويُحْتَمَلُ أنْ خَصَّ القُوَّةَ بِالذِكْرِ إذْ كانُوا أقْوى العَوالِمِ فَوُعِدُوا بِالزِيادَةِ فِيما بَهَرُوا فِيهِ، ثُمَّ نَهاهم عَنِ التَوَلِّي عَنِ الحَقِّ والإعْراضِ عن أمْرِ اللهِ. و"مُجْرِمِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "تَتَوَلَّوْا".

هود 11:51

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ "وَإلى عادٍ" عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "إلى قَوْمِهِ" في قِصَّةِ نُوحٍ، و"عادٌ" قَبِيلَةٌ وكانَتْ عَرَبًا- فِيما ذُكِرَ- و"هُودٌ" عَلَيْهِ السَلامُ مِنهُمْ، وجَعَلَهُ "أخاهُمْ" بِحَسَبِ النَسَبِ والقَرابَةِ فَإنْ فَرَضْناهُ لَيْسَ مِنهم فالأُخُوَّةُ بِحَسَبِ المَنشَإ واللِسانِ والجِيرَةِ. وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: "هِيَ أُخُوَّةٌ بِحَسَبِ النَسَبِ الآدَمِيِّ" فَضَعِيفٌ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يا قَوْمِ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يا قَوْمُ" بِرَفْعِ المِيمِ، وهي لُغَةٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "غَيْرُهُ" بِالرَفْعِ عَلى النَعْتِ أوِ البَدَلِ مِن مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ". وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِكَسْرِ الراءِ، حَمْلًا عَلى لَفْظِ: "إلَهٍ" وذَلِكَ أيْضًا عَلى النَعْتِ أوِ البَدَلِ، ويَجُوزُ "غَيْرَهُ" نَصْبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ. و"مُفْتَرُونَ" مَعْناهُ: كاذِبُونَ أفْحَشَ كَذِبٍ في جَعْلِكُمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ اللهِ تَعالى، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى الدُعاءِ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، والمَعْنى: (p-٥٩٣)ما أجْرِي وجَزائِي إلّا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، ثُمَّ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾، فَجَعَلَها صِفَةً رادَّةً عَلَيْهِمْ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَفْعَلُ، فَجُعِلَ الوَصْفُ بِذَلِكَ في دَرْجِ كَلامِهِ، مُنَبِّهًا عَلى أفْعالِ اللهِ تَعالى، وأنَّهُ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، و"فَطَرَ" مَعْناهُ: اخْتَرَعَ وأنْشَأ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَجالِ القَوْلِ بِأنَّ غَيْرَ الفاطِرِ إلاهٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: أفَلا تَعْقِلُونَ إذْ لَمْ أطْلُبْ عَرَضًا مِن أعْراضِ الدُنْيا إنِّي إنَّما أُرِيدُ النَفْعَ لَكم والدارَ الآخِرَةَ والأوَّلُ أظْهَرُ، و"الِاسْتِغْفارُ" طَلَبُ المَغْفِرَةِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِاللِسانِ، وقَدْ يَكُونُ بِإنابَةِ القَلْبِ وطَلَبِ الِاسْتِرْشادِ والحِرْصِ عَلى وُجُودِ المَحَجَّةِ الواضِحَةِ، وهَذِهِ أحْوالٌ يُمْكِنُ أنْ تَقَعَ مِنَ الكُفّارِ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهُمُ:اطْلُبُوا غُفْرانَ اللهِ بِالإنابَةِ، وطَلَبَ الدَلِيلِ في نُبُوَّتِي، ثُمَّ تُوبُوا بِالإيمانِ مِن كُفْرِكُمْ، فَيَجِيءُ التَرْتِيبُ -عَلى هَذا- مُسْتَقِيمًا وإلّا احْتِيجَ في تَرْتِيبِ التَوْبَةِ بَعْدَ الِاسْتِغْفارِ إلى تَحَيُّلٍ كَثِيرٍ فَإمّا أنْ يَكُونَ: ( تُوبُوا ) أمْرًا بِالدَوامِ، و"الِاسْتِغْفارُ" طَلَبُ المَغْفِرَةِ بِالإيمانِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَبَرِيُّ، وقالَ أبُو المَعالِي في الإرْشادِ: "التَوْبَةُ" في اصْطِلاحِ المُتَكَلِّمِينَ هي النَدَمُ، بَعْدَ أنْ قالَ: إنَّها في اللُغَةِ الرُجُوعُ، ثُمَّ رَكَّبَ -عَلى هَذا- أنْ قالَ إنَّ الكافِرَ إذا آمَنَ لَيْسَ إيمانُهُ تَوْبَةً وإنَّما تَوْبَتُهُ نَدَمُهُ بَعْدُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي أقُولُ: "إنَّ التَوْبَةَ عَقْدٌ في تَرْكِ مَتُوبٍ مِنهُ يَتَقَدَّمُها عِلْمٌ بِفَسادٍ المَتُوبِ مِنهُ وصَلاحِ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ، ويَقْتَرِنُ بِها نَدَمٌ عَلى فارِطِ المَتُوبِ مِنهُ لا يَنْفَكُّ مِنهُ وهو مِن شُرُوطِها" فَأقُولُ: إنَّ إيمانَ الكافِرِ هو تَوْبَتُهُ مِن كُفْرِهِ، لِأنَّهُ هو نَفْسُ رُجُوعِهِ. و"تابَ" في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ: رَجَعَ إلى الطاعَةِ والمُثْلى مِنَ الأُمُورِ، وتَصَرُّفُ اللَفْظَةِ في القُرْآنِ بِـ "إلى" يَقْتَضِي أنَّها الرُجُوعُ لا النَدَمُ، وإنَّما لا حَقَّ لازِمٌ لِلتَّوْبَةِ كَما قُلْنا، وحَقِيقَةُ التَوْبَةِ تَرْكُ مِثْلِ ما تِيبَ مِنهُ عن عَزْمَةٍ مُعْتَقَدَةٍ عَلى ما فَسَّرْناهُ، واللهُ المُسْتَعانُ. و"مِدْرارًا" هو بِناءُ تَكْسِيرٍ، وكانَ حَقُّهُ أنْ تَلْحَقَهُ هاءٌ، ولَكِنْ حُذِفَتْ عَلى نِيَّةِ النَسَبِ وعَلى أنَّ السَماءَ المَطَرُ نَفْسُهُ، وهو مِن دَرَّ يَدُرُّ ومِفْعالٌ قَدْ يَكُونُ مِنِ اسْمِ (p-٥٩٤)الفاعِلِ الَّذِي هو مِن ثُلاثِيٍّ، ومِنِ اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو مِن رُباعِيٍّ، وقَوْلُ مَن قالَ: "إنَّهُ ألْزَمُ لِلرُّباعِيِّ" غَيْرُ لازِمٍ. ويُرْوى أنَّ "عادًا" كانَ اللهُ تَعالى قَدْ حَبَسَ عنها المَطَرَ ثَلاثَ سِنِينَ، وكانُوا أهْلَ حَرْثٍ وبَساتِينَ وثِمارٍ، وكانَتْ بِلادُهم شَرْقَ جَزِيرَةِ العَرَبِ، فَلِهَذا وعَدَهم بِالمَطَرِ، ومِن ذَلِكَ فَرَحُهم حِينَ رَأوُا العارِضَ، وقَوْلُهُمْ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، وحَضُّهم عَلى اسْتِنْزالِ المَطَرِ بِالإيمانِ والإنابَةِ، وتِلْكَ عادَةُ اللهِ في عِبادِهِ، ومِنهُ قَوْلُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١]، ومِنهُ فِعْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ حِينَ جَعَلَ جَمِيعَ قَوْلِهِ في الِاسْتِسْقاءِ ودُعائِهِ اسْتِغْفارًا فَسُقِيَ، فَسُئِلَ عن ذَلِكَ، فَقالَ: "لَقَدِ اسْتَنْزَلْتُ المَطَرَ بِمَجادِيحِ السَماءِ". وقَوْلُهُ: ﴿وَيَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ في جَمِيعِ ما يُحْسِنُ اللهُ تَعالى فِيهِ إلى العِبادِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ اللهُ تَعالى قَدْ حَبَسَ نَسْلَهُمْ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ أيِ: الوَلَدَ، ويُحْتَمَلُ أنْ خَصَّ القُوَّةَ بِالذِكْرِ إذْ كانُوا أقْوى العَوالِمِ فَوُعِدُوا بِالزِيادَةِ فِيما بَهَرُوا فِيهِ، ثُمَّ نَهاهم عَنِ التَوَلِّي عَنِ الحَقِّ والإعْراضِ عن أمْرِ اللهِ. و"مُجْرِمِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "تَتَوَلَّوْا".

هود 11:52

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ "وَإلى عادٍ" عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "إلى قَوْمِهِ" في قِصَّةِ نُوحٍ، و"عادٌ" قَبِيلَةٌ وكانَتْ عَرَبًا- فِيما ذُكِرَ- و"هُودٌ" عَلَيْهِ السَلامُ مِنهُمْ، وجَعَلَهُ "أخاهُمْ" بِحَسَبِ النَسَبِ والقَرابَةِ فَإنْ فَرَضْناهُ لَيْسَ مِنهم فالأُخُوَّةُ بِحَسَبِ المَنشَإ واللِسانِ والجِيرَةِ. وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: "هِيَ أُخُوَّةٌ بِحَسَبِ النَسَبِ الآدَمِيِّ" فَضَعِيفٌ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يا قَوْمِ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يا قَوْمُ" بِرَفْعِ المِيمِ، وهي لُغَةٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "غَيْرُهُ" بِالرَفْعِ عَلى النَعْتِ أوِ البَدَلِ مِن مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ". وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِكَسْرِ الراءِ، حَمْلًا عَلى لَفْظِ: "إلَهٍ" وذَلِكَ أيْضًا عَلى النَعْتِ أوِ البَدَلِ، ويَجُوزُ "غَيْرَهُ" نَصْبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ. و"مُفْتَرُونَ" مَعْناهُ: كاذِبُونَ أفْحَشَ كَذِبٍ في جَعْلِكُمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ اللهِ تَعالى، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى الدُعاءِ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، والمَعْنى: (p-٥٩٣)ما أجْرِي وجَزائِي إلّا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، ثُمَّ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾، فَجَعَلَها صِفَةً رادَّةً عَلَيْهِمْ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَفْعَلُ، فَجُعِلَ الوَصْفُ بِذَلِكَ في دَرْجِ كَلامِهِ، مُنَبِّهًا عَلى أفْعالِ اللهِ تَعالى، وأنَّهُ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، و"فَطَرَ" مَعْناهُ: اخْتَرَعَ وأنْشَأ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَجالِ القَوْلِ بِأنَّ غَيْرَ الفاطِرِ إلاهٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: أفَلا تَعْقِلُونَ إذْ لَمْ أطْلُبْ عَرَضًا مِن أعْراضِ الدُنْيا إنِّي إنَّما أُرِيدُ النَفْعَ لَكم والدارَ الآخِرَةَ والأوَّلُ أظْهَرُ، و"الِاسْتِغْفارُ" طَلَبُ المَغْفِرَةِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِاللِسانِ، وقَدْ يَكُونُ بِإنابَةِ القَلْبِ وطَلَبِ الِاسْتِرْشادِ والحِرْصِ عَلى وُجُودِ المَحَجَّةِ الواضِحَةِ، وهَذِهِ أحْوالٌ يُمْكِنُ أنْ تَقَعَ مِنَ الكُفّارِ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهُمُ:اطْلُبُوا غُفْرانَ اللهِ بِالإنابَةِ، وطَلَبَ الدَلِيلِ في نُبُوَّتِي، ثُمَّ تُوبُوا بِالإيمانِ مِن كُفْرِكُمْ، فَيَجِيءُ التَرْتِيبُ -عَلى هَذا- مُسْتَقِيمًا وإلّا احْتِيجَ في تَرْتِيبِ التَوْبَةِ بَعْدَ الِاسْتِغْفارِ إلى تَحَيُّلٍ كَثِيرٍ فَإمّا أنْ يَكُونَ: ( تُوبُوا ) أمْرًا بِالدَوامِ، و"الِاسْتِغْفارُ" طَلَبُ المَغْفِرَةِ بِالإيمانِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَبَرِيُّ، وقالَ أبُو المَعالِي في الإرْشادِ: "التَوْبَةُ" في اصْطِلاحِ المُتَكَلِّمِينَ هي النَدَمُ، بَعْدَ أنْ قالَ: إنَّها في اللُغَةِ الرُجُوعُ، ثُمَّ رَكَّبَ -عَلى هَذا- أنْ قالَ إنَّ الكافِرَ إذا آمَنَ لَيْسَ إيمانُهُ تَوْبَةً وإنَّما تَوْبَتُهُ نَدَمُهُ بَعْدُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي أقُولُ: "إنَّ التَوْبَةَ عَقْدٌ في تَرْكِ مَتُوبٍ مِنهُ يَتَقَدَّمُها عِلْمٌ بِفَسادٍ المَتُوبِ مِنهُ وصَلاحِ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ، ويَقْتَرِنُ بِها نَدَمٌ عَلى فارِطِ المَتُوبِ مِنهُ لا يَنْفَكُّ مِنهُ وهو مِن شُرُوطِها" فَأقُولُ: إنَّ إيمانَ الكافِرِ هو تَوْبَتُهُ مِن كُفْرِهِ، لِأنَّهُ هو نَفْسُ رُجُوعِهِ. و"تابَ" في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ: رَجَعَ إلى الطاعَةِ والمُثْلى مِنَ الأُمُورِ، وتَصَرُّفُ اللَفْظَةِ في القُرْآنِ بِـ "إلى" يَقْتَضِي أنَّها الرُجُوعُ لا النَدَمُ، وإنَّما لا حَقَّ لازِمٌ لِلتَّوْبَةِ كَما قُلْنا، وحَقِيقَةُ التَوْبَةِ تَرْكُ مِثْلِ ما تِيبَ مِنهُ عن عَزْمَةٍ مُعْتَقَدَةٍ عَلى ما فَسَّرْناهُ، واللهُ المُسْتَعانُ. و"مِدْرارًا" هو بِناءُ تَكْسِيرٍ، وكانَ حَقُّهُ أنْ تَلْحَقَهُ هاءٌ، ولَكِنْ حُذِفَتْ عَلى نِيَّةِ النَسَبِ وعَلى أنَّ السَماءَ المَطَرُ نَفْسُهُ، وهو مِن دَرَّ يَدُرُّ ومِفْعالٌ قَدْ يَكُونُ مِنِ اسْمِ (p-٥٩٤)الفاعِلِ الَّذِي هو مِن ثُلاثِيٍّ، ومِنِ اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو مِن رُباعِيٍّ، وقَوْلُ مَن قالَ: "إنَّهُ ألْزَمُ لِلرُّباعِيِّ" غَيْرُ لازِمٍ. ويُرْوى أنَّ "عادًا" كانَ اللهُ تَعالى قَدْ حَبَسَ عنها المَطَرَ ثَلاثَ سِنِينَ، وكانُوا أهْلَ حَرْثٍ وبَساتِينَ وثِمارٍ، وكانَتْ بِلادُهم شَرْقَ جَزِيرَةِ العَرَبِ، فَلِهَذا وعَدَهم بِالمَطَرِ، ومِن ذَلِكَ فَرَحُهم حِينَ رَأوُا العارِضَ، وقَوْلُهُمْ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، وحَضُّهم عَلى اسْتِنْزالِ المَطَرِ بِالإيمانِ والإنابَةِ، وتِلْكَ عادَةُ اللهِ في عِبادِهِ، ومِنهُ قَوْلُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١]، ومِنهُ فِعْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ حِينَ جَعَلَ جَمِيعَ قَوْلِهِ في الِاسْتِسْقاءِ ودُعائِهِ اسْتِغْفارًا فَسُقِيَ، فَسُئِلَ عن ذَلِكَ، فَقالَ: "لَقَدِ اسْتَنْزَلْتُ المَطَرَ بِمَجادِيحِ السَماءِ". وقَوْلُهُ: ﴿وَيَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ في جَمِيعِ ما يُحْسِنُ اللهُ تَعالى فِيهِ إلى العِبادِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ اللهُ تَعالى قَدْ حَبَسَ نَسْلَهُمْ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ أيِ: الوَلَدَ، ويُحْتَمَلُ أنْ خَصَّ القُوَّةَ بِالذِكْرِ إذْ كانُوا أقْوى العَوالِمِ فَوُعِدُوا بِالزِيادَةِ فِيما بَهَرُوا فِيهِ، ثُمَّ نَهاهم عَنِ التَوَلِّي عَنِ الحَقِّ والإعْراضِ عن أمْرِ اللهِ. و"مُجْرِمِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "تَتَوَلَّوْا".

هود 11:53

(p-٥٩٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عن قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ المَعْنى: ما جِئْتَنا بِآيَةٍ تَضْطَرُّنا إلى الإيمانِ بِكَ، ونَفَوْا أنْ تَكُونَ مُعْجِزاتُهُ آيَةً بِحَسَبِ ظَنِّهِمْ وعَماهم عَنِ الحَقِّ، كَما جَعَلَتْ قُرَيْشٌ القُرْآنَ سِحْرًا وشِعْرًا ونَحْوَ هَذا، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ"» الحَدِيثُ، وهَذا يَقْضِي بِأنَّ هُودًا وغَيْرَهُ مِنَ الرُسُلِ لَهم مُعْجِزاتٌ وإنْ لَمْ يُعَيَّنْ لَنا بَعْضُها. وقَوْلُهُمْ: ﴿عن قَوْلِكَ﴾ أيْ: لا يَكُونُ قَوْلُكَ سَبَبَ تَرْكِنا إذْ هو مُجَرَّدٌ عن آيَةٍ، وقَوْلُهُمْ: ﴿إنْ نَقُولُ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: ما نَقُولُ إلّا أنَّ بَعْضَ الآلِهَةِ لَمّا سَبَبْتَها وضَلَّلْتَ عَبَدَتَها أصابَكَ بِجُنُونٍ، يُقالُ: عَرَّ يَعُرُّ واعْتَرى يَعْتَرِي إذا ألَمَّ بِالشَيْءِ، فَحِينَئِذٍ جاهَرَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ بِالتَبَرِّي مِن أوثانِهِمْ وحَضَّهم عَلى كَيْدِهِ هم وأصْنامُهُمْ، ويُذْكَرُ أنَّ هَذِهِ كانَتْ لَهُ مُعْجِزَةً وذَلِكَ أنَّهُ حَرَّضَ جَماعَتَهم عَلَيْهِ مَعَ انْفِرادِهِ وقُوَّتِهِمْ وكُفْرِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى نِيلِهِ بِسُوءٍ. و"تُنْظِرُونِ" مَعْناهُ: تُؤَخِّرُونِي، أيْ: عاجِلُونِي بِما قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ. (p-٥٩٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللهِ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: أنَّ تَوَكُّلِي عَلى اللهِ الَّذِي هو رَبِّي ورَبُّكم مَعَ ضَعْفِي وانْفِرادِي وقُوَّتِكم وكَثْرَتِكم يَمْنَعُنِي مِنكم ويَحْجِزُ بَيْنِي وبَيْنَكم ثُمَّ وصَفَ قُدْرَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعِظَمَ مُلْكِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾، وعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِـ "الناصِيَةِ"، إذْ هي في العُرْفِ حَيْثُ يَقْبِضُ القادِرُ المالِكُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، كَما يُقادُ الأسِيرُ والفَرَسُ ونَحْوُهُ حَتّى صارَ الأخْذُ بِالناصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ ناصِيَةَ الأسِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ لِتَكُونَ تِلْكَ عَلامَةً أنَّهُ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ. و"الدابَّةُ": جَمِيعُ الحَيَوانِ، وخُصَّ بِالذِكْرِ إذْ هو صِنْفُ المُخاطَبِينَ والمُتَكَلِّمِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يُرِيدُ أنَّ أفْعالَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ هي في غايَةِ الإحْكامِ، وقَوْلُهُ: الصِدْقُ، ووَعْدُهُ الحَقُّ فَجاءَتِ الِاسْتِقامَةُ في كُلِّ ما يَنْضافُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ. فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.

هود 11:54

(p-٥٩٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عن قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ المَعْنى: ما جِئْتَنا بِآيَةٍ تَضْطَرُّنا إلى الإيمانِ بِكَ، ونَفَوْا أنْ تَكُونَ مُعْجِزاتُهُ آيَةً بِحَسَبِ ظَنِّهِمْ وعَماهم عَنِ الحَقِّ، كَما جَعَلَتْ قُرَيْشٌ القُرْآنَ سِحْرًا وشِعْرًا ونَحْوَ هَذا، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ"» الحَدِيثُ، وهَذا يَقْضِي بِأنَّ هُودًا وغَيْرَهُ مِنَ الرُسُلِ لَهم مُعْجِزاتٌ وإنْ لَمْ يُعَيَّنْ لَنا بَعْضُها. وقَوْلُهُمْ: ﴿عن قَوْلِكَ﴾ أيْ: لا يَكُونُ قَوْلُكَ سَبَبَ تَرْكِنا إذْ هو مُجَرَّدٌ عن آيَةٍ، وقَوْلُهُمْ: ﴿إنْ نَقُولُ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: ما نَقُولُ إلّا أنَّ بَعْضَ الآلِهَةِ لَمّا سَبَبْتَها وضَلَّلْتَ عَبَدَتَها أصابَكَ بِجُنُونٍ، يُقالُ: عَرَّ يَعُرُّ واعْتَرى يَعْتَرِي إذا ألَمَّ بِالشَيْءِ، فَحِينَئِذٍ جاهَرَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ بِالتَبَرِّي مِن أوثانِهِمْ وحَضَّهم عَلى كَيْدِهِ هم وأصْنامُهُمْ، ويُذْكَرُ أنَّ هَذِهِ كانَتْ لَهُ مُعْجِزَةً وذَلِكَ أنَّهُ حَرَّضَ جَماعَتَهم عَلَيْهِ مَعَ انْفِرادِهِ وقُوَّتِهِمْ وكُفْرِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى نِيلِهِ بِسُوءٍ. و"تُنْظِرُونِ" مَعْناهُ: تُؤَخِّرُونِي، أيْ: عاجِلُونِي بِما قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ. (p-٥٩٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللهِ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: أنَّ تَوَكُّلِي عَلى اللهِ الَّذِي هو رَبِّي ورَبُّكم مَعَ ضَعْفِي وانْفِرادِي وقُوَّتِكم وكَثْرَتِكم يَمْنَعُنِي مِنكم ويَحْجِزُ بَيْنِي وبَيْنَكم ثُمَّ وصَفَ قُدْرَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعِظَمَ مُلْكِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾، وعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِـ "الناصِيَةِ"، إذْ هي في العُرْفِ حَيْثُ يَقْبِضُ القادِرُ المالِكُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، كَما يُقادُ الأسِيرُ والفَرَسُ ونَحْوُهُ حَتّى صارَ الأخْذُ بِالناصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ ناصِيَةَ الأسِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ لِتَكُونَ تِلْكَ عَلامَةً أنَّهُ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ. و"الدابَّةُ": جَمِيعُ الحَيَوانِ، وخُصَّ بِالذِكْرِ إذْ هو صِنْفُ المُخاطَبِينَ والمُتَكَلِّمِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يُرِيدُ أنَّ أفْعالَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ هي في غايَةِ الإحْكامِ، وقَوْلُهُ: الصِدْقُ، ووَعْدُهُ الحَقُّ فَجاءَتِ الِاسْتِقامَةُ في كُلِّ ما يَنْضافُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ. فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.

هود 11:55

(p-٥٩٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عن قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ المَعْنى: ما جِئْتَنا بِآيَةٍ تَضْطَرُّنا إلى الإيمانِ بِكَ، ونَفَوْا أنْ تَكُونَ مُعْجِزاتُهُ آيَةً بِحَسَبِ ظَنِّهِمْ وعَماهم عَنِ الحَقِّ، كَما جَعَلَتْ قُرَيْشٌ القُرْآنَ سِحْرًا وشِعْرًا ونَحْوَ هَذا، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ"» الحَدِيثُ، وهَذا يَقْضِي بِأنَّ هُودًا وغَيْرَهُ مِنَ الرُسُلِ لَهم مُعْجِزاتٌ وإنْ لَمْ يُعَيَّنْ لَنا بَعْضُها. وقَوْلُهُمْ: ﴿عن قَوْلِكَ﴾ أيْ: لا يَكُونُ قَوْلُكَ سَبَبَ تَرْكِنا إذْ هو مُجَرَّدٌ عن آيَةٍ، وقَوْلُهُمْ: ﴿إنْ نَقُولُ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: ما نَقُولُ إلّا أنَّ بَعْضَ الآلِهَةِ لَمّا سَبَبْتَها وضَلَّلْتَ عَبَدَتَها أصابَكَ بِجُنُونٍ، يُقالُ: عَرَّ يَعُرُّ واعْتَرى يَعْتَرِي إذا ألَمَّ بِالشَيْءِ، فَحِينَئِذٍ جاهَرَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ بِالتَبَرِّي مِن أوثانِهِمْ وحَضَّهم عَلى كَيْدِهِ هم وأصْنامُهُمْ، ويُذْكَرُ أنَّ هَذِهِ كانَتْ لَهُ مُعْجِزَةً وذَلِكَ أنَّهُ حَرَّضَ جَماعَتَهم عَلَيْهِ مَعَ انْفِرادِهِ وقُوَّتِهِمْ وكُفْرِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى نِيلِهِ بِسُوءٍ. و"تُنْظِرُونِ" مَعْناهُ: تُؤَخِّرُونِي، أيْ: عاجِلُونِي بِما قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ. (p-٥٩٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللهِ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: أنَّ تَوَكُّلِي عَلى اللهِ الَّذِي هو رَبِّي ورَبُّكم مَعَ ضَعْفِي وانْفِرادِي وقُوَّتِكم وكَثْرَتِكم يَمْنَعُنِي مِنكم ويَحْجِزُ بَيْنِي وبَيْنَكم ثُمَّ وصَفَ قُدْرَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعِظَمَ مُلْكِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾، وعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِـ "الناصِيَةِ"، إذْ هي في العُرْفِ حَيْثُ يَقْبِضُ القادِرُ المالِكُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، كَما يُقادُ الأسِيرُ والفَرَسُ ونَحْوُهُ حَتّى صارَ الأخْذُ بِالناصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ ناصِيَةَ الأسِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ لِتَكُونَ تِلْكَ عَلامَةً أنَّهُ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ. و"الدابَّةُ": جَمِيعُ الحَيَوانِ، وخُصَّ بِالذِكْرِ إذْ هو صِنْفُ المُخاطَبِينَ والمُتَكَلِّمِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يُرِيدُ أنَّ أفْعالَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ هي في غايَةِ الإحْكامِ، وقَوْلُهُ: الصِدْقُ، ووَعْدُهُ الحَقُّ فَجاءَتِ الِاسْتِقامَةُ في كُلِّ ما يَنْضافُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ. فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.

هود 11:56

(p-٥٩٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عن قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ المَعْنى: ما جِئْتَنا بِآيَةٍ تَضْطَرُّنا إلى الإيمانِ بِكَ، ونَفَوْا أنْ تَكُونَ مُعْجِزاتُهُ آيَةً بِحَسَبِ ظَنِّهِمْ وعَماهم عَنِ الحَقِّ، كَما جَعَلَتْ قُرَيْشٌ القُرْآنَ سِحْرًا وشِعْرًا ونَحْوَ هَذا، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ"» الحَدِيثُ، وهَذا يَقْضِي بِأنَّ هُودًا وغَيْرَهُ مِنَ الرُسُلِ لَهم مُعْجِزاتٌ وإنْ لَمْ يُعَيَّنْ لَنا بَعْضُها. وقَوْلُهُمْ: ﴿عن قَوْلِكَ﴾ أيْ: لا يَكُونُ قَوْلُكَ سَبَبَ تَرْكِنا إذْ هو مُجَرَّدٌ عن آيَةٍ، وقَوْلُهُمْ: ﴿إنْ نَقُولُ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: ما نَقُولُ إلّا أنَّ بَعْضَ الآلِهَةِ لَمّا سَبَبْتَها وضَلَّلْتَ عَبَدَتَها أصابَكَ بِجُنُونٍ، يُقالُ: عَرَّ يَعُرُّ واعْتَرى يَعْتَرِي إذا ألَمَّ بِالشَيْءِ، فَحِينَئِذٍ جاهَرَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ بِالتَبَرِّي مِن أوثانِهِمْ وحَضَّهم عَلى كَيْدِهِ هم وأصْنامُهُمْ، ويُذْكَرُ أنَّ هَذِهِ كانَتْ لَهُ مُعْجِزَةً وذَلِكَ أنَّهُ حَرَّضَ جَماعَتَهم عَلَيْهِ مَعَ انْفِرادِهِ وقُوَّتِهِمْ وكُفْرِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى نِيلِهِ بِسُوءٍ. و"تُنْظِرُونِ" مَعْناهُ: تُؤَخِّرُونِي، أيْ: عاجِلُونِي بِما قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ. (p-٥٩٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللهِ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: أنَّ تَوَكُّلِي عَلى اللهِ الَّذِي هو رَبِّي ورَبُّكم مَعَ ضَعْفِي وانْفِرادِي وقُوَّتِكم وكَثْرَتِكم يَمْنَعُنِي مِنكم ويَحْجِزُ بَيْنِي وبَيْنَكم ثُمَّ وصَفَ قُدْرَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعِظَمَ مُلْكِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾، وعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِـ "الناصِيَةِ"، إذْ هي في العُرْفِ حَيْثُ يَقْبِضُ القادِرُ المالِكُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، كَما يُقادُ الأسِيرُ والفَرَسُ ونَحْوُهُ حَتّى صارَ الأخْذُ بِالناصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ ناصِيَةَ الأسِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ لِتَكُونَ تِلْكَ عَلامَةً أنَّهُ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ. و"الدابَّةُ": جَمِيعُ الحَيَوانِ، وخُصَّ بِالذِكْرِ إذْ هو صِنْفُ المُخاطَبِينَ والمُتَكَلِّمِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يُرِيدُ أنَّ أفْعالَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ هي في غايَةِ الإحْكامِ، وقَوْلُهُ: الصِدْقُ، ووَعْدُهُ الحَقُّ فَجاءَتِ الِاسْتِقامَةُ في كُلِّ ما يَنْضافُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ. فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.

هود 11:57

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "تَوَلَّوْا" بِفَتْحِ اللامِ والتاءِ عَلى مَعْنى "تَتَوَلَّوْا"، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ، والأعْرَجُ: "تُوَلُّوا" بِضَمِّ التاءِ واللامِ، و"إنْ" شَرْطٌ، والجَوابُ في الفاءِ وما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾، والمَعْنى: أنَّهُ ما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمِّ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَبْلِيغِ، وأنْتُمْ أصْحابُ الذَنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوَلَّوْا فِعْلًا ماضِيًا، ويَجِيءُ في الكَلامِ رُجُوعٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، أيْ فَقُلْ: قَدْ أبْلَغْتُكم. (p-٥٩٧)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيَسْتَخْلِفُ" بِضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ بِذَلِكَ، وقَرَأ عاصِمٌ - فِيما رَوى هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عنهُ-: "وَيَسْتَخْلِفْ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الفاءِ مِن قَوْلِهِ: فَقَدْ. وقَوْلُهُ: ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا يَحْتَمِلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما ولا تَضُرُّونَهُ بِذَهابِكم وهَلاكِكم شَيْئًا أيْ لا يَنْتَقِصُ مُلْكُهُ، ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، وعَلى هَذا المَعْنى قَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "وَلا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا". والمَعْنى الآخَرُ: ولا تَضُرُّونَهُ، أيْ: ولا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ ولا عَلى الِانْتِصارِ مِنهُ ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِكم بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ. ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ رَبَّهُ حَفِيظٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عالِمٌ بِهِ، وفي تَرْدِيدِ هَذِهِ الصِفاتِ ونَحْوِها تَنْبِيهٌ وتَذْكِيرٌ. و"الأمْرُ" واحِدُ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ أمَرَ يَأْمُرُ، أيْ أمْرُنا لِلرِّيحِ أو لِخَزَنَتِها ونَحْوُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: "بِرَحْمَةٍ"، إمّا أنْ يَكُونَ إخْبارًا مُجَرَّدًا عن رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لَحِقَتْهُمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَصْدًا إلى الإعْلامِ أنَّ النَجاةَ إنَّما كَمُلَتْ بِمُجَرَّدِ رَحْمَةِ اللهِ لا بِأعْمالِهِ فَتَكُونُ الآيَةُ- عَلى هَذا- في مَعْنى قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: « "لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ". قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَتِهِ"». وقَوْلُهُ: ﴿وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَذابَ الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وكانَتِ النَجاةُ المُتَقَدِّمَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ الرِيحَ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ عَلى هَذا، تَعْدِيدَ النِعْمَةِ، ومَشْهُورُ عَذابِهِمْ بِالرِيحِ هو أنَّها كانَتْ تَحْمِلُهم وتَهْدِمُ مَساكِنَهم وتَنْسِفُها وتَحْمِلُ الظَعِينَةَ كَما هي ونَحْوُ هَذا. وحَكى الزَجّاجُ أنَّها كانَتْ تَدْخُلُ في أبْدانِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا. وتَعَدّى "جَحَدُوا" بِحَرْفِ جَرٍّ لَمّا نُزِّلَ مَنزِلَةَ "كَفَرُوا"، وانْعَكَسَ ذَلِكَ في الآيَةِ بَعْدَ (p-٥٩٨)هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾، شُنْعَةٌ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّ في تَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبَ سائِرِ الرُسُلِ وعِصْيانَهُمْ، إذِ النُبُوّاتُ كُلُّها مُجْمِعَةٌ عَلى الإيمانِ بِاللهِ والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هُودٌ. وآدَمُ، ونُوحٌ عَلَيْهُمُ السَلامُ. و"العَنِيدُ": فَعِيلٌ مِن "عَنَدَ" إذا عَتا. ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العَنَدا أيِ: الصِعابَ مِنَ الإبِلِ، وكانَ التَجَبُّرُ والعِنادُ مِن خُلُقِ عادٍ لِقُوَّتِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُنْيا لَعْنَةً﴾ الآيَةُ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ لِكُفْرِهِمْ وإصْرارِهِمْ حَتّى حَلَّ العَذابُ بِهِمْ، و"اللَعْنَةُ": الإبْعادُ والخِزْيُ، وقَدْ تَيَقَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ وافَوْا عَلى الكُفْرِ فَيُلْعَنُ الكافِرُ المُوافِي عَلى كُفْرِهِ ولا يُلْعَنُ مُعَيَّنٌ حَيٌّ، لا مِن كافِرٍ، ولا مِن فاسِقٍ، ولا مِن بَهِيمَةٍ، كُلُّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ بِالأحادِيثِ. و"يَوْمَ" ظَرْفٌ مَعْناهُ: أنَّ اللَعْنَةَ عَلَيْهِمْ في الدُنْيا وفي يَوْمِ القِيامَةِ. ثُمَّ ذُكِرَتِ العِلَّةُ المُوجِبَةُ لِذَلِكَ وهي كُفْرُهم بِرَبِّهِمْ وتَعَدّى "كَفَرَ" بِغَيْرِ الحَرْفِ إذْ هو بِمَعْنى جَحَدُوا كَما تَقُولُ شَكَرْتُ لَكَ وشَكَرْتُكَ، وكَفَرَ نِعْمَتَهُ وكَفْرَ بِنِعْمَتِهِ، و"بُعْدًا" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وهو مَقامٌ ذَلِكَ الفِعْلِ.

هود 11:58

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "تَوَلَّوْا" بِفَتْحِ اللامِ والتاءِ عَلى مَعْنى "تَتَوَلَّوْا"، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ، والأعْرَجُ: "تُوَلُّوا" بِضَمِّ التاءِ واللامِ، و"إنْ" شَرْطٌ، والجَوابُ في الفاءِ وما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾، والمَعْنى: أنَّهُ ما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمِّ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَبْلِيغِ، وأنْتُمْ أصْحابُ الذَنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوَلَّوْا فِعْلًا ماضِيًا، ويَجِيءُ في الكَلامِ رُجُوعٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، أيْ فَقُلْ: قَدْ أبْلَغْتُكم. (p-٥٩٧)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيَسْتَخْلِفُ" بِضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ بِذَلِكَ، وقَرَأ عاصِمٌ - فِيما رَوى هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عنهُ-: "وَيَسْتَخْلِفْ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الفاءِ مِن قَوْلِهِ: فَقَدْ. وقَوْلُهُ: ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا يَحْتَمِلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما ولا تَضُرُّونَهُ بِذَهابِكم وهَلاكِكم شَيْئًا أيْ لا يَنْتَقِصُ مُلْكُهُ، ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، وعَلى هَذا المَعْنى قَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "وَلا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا". والمَعْنى الآخَرُ: ولا تَضُرُّونَهُ، أيْ: ولا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ ولا عَلى الِانْتِصارِ مِنهُ ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِكم بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ. ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ رَبَّهُ حَفِيظٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عالِمٌ بِهِ، وفي تَرْدِيدِ هَذِهِ الصِفاتِ ونَحْوِها تَنْبِيهٌ وتَذْكِيرٌ. و"الأمْرُ" واحِدُ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ أمَرَ يَأْمُرُ، أيْ أمْرُنا لِلرِّيحِ أو لِخَزَنَتِها ونَحْوُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: "بِرَحْمَةٍ"، إمّا أنْ يَكُونَ إخْبارًا مُجَرَّدًا عن رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لَحِقَتْهُمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَصْدًا إلى الإعْلامِ أنَّ النَجاةَ إنَّما كَمُلَتْ بِمُجَرَّدِ رَحْمَةِ اللهِ لا بِأعْمالِهِ فَتَكُونُ الآيَةُ- عَلى هَذا- في مَعْنى قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: « "لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ". قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَتِهِ"». وقَوْلُهُ: ﴿وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَذابَ الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وكانَتِ النَجاةُ المُتَقَدِّمَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ الرِيحَ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ عَلى هَذا، تَعْدِيدَ النِعْمَةِ، ومَشْهُورُ عَذابِهِمْ بِالرِيحِ هو أنَّها كانَتْ تَحْمِلُهم وتَهْدِمُ مَساكِنَهم وتَنْسِفُها وتَحْمِلُ الظَعِينَةَ كَما هي ونَحْوُ هَذا. وحَكى الزَجّاجُ أنَّها كانَتْ تَدْخُلُ في أبْدانِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا. وتَعَدّى "جَحَدُوا" بِحَرْفِ جَرٍّ لَمّا نُزِّلَ مَنزِلَةَ "كَفَرُوا"، وانْعَكَسَ ذَلِكَ في الآيَةِ بَعْدَ (p-٥٩٨)هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾، شُنْعَةٌ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّ في تَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبَ سائِرِ الرُسُلِ وعِصْيانَهُمْ، إذِ النُبُوّاتُ كُلُّها مُجْمِعَةٌ عَلى الإيمانِ بِاللهِ والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هُودٌ. وآدَمُ، ونُوحٌ عَلَيْهُمُ السَلامُ. و"العَنِيدُ": فَعِيلٌ مِن "عَنَدَ" إذا عَتا. ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العَنَدا أيِ: الصِعابَ مِنَ الإبِلِ، وكانَ التَجَبُّرُ والعِنادُ مِن خُلُقِ عادٍ لِقُوَّتِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُنْيا لَعْنَةً﴾ الآيَةُ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ لِكُفْرِهِمْ وإصْرارِهِمْ حَتّى حَلَّ العَذابُ بِهِمْ، و"اللَعْنَةُ": الإبْعادُ والخِزْيُ، وقَدْ تَيَقَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ وافَوْا عَلى الكُفْرِ فَيُلْعَنُ الكافِرُ المُوافِي عَلى كُفْرِهِ ولا يُلْعَنُ مُعَيَّنٌ حَيٌّ، لا مِن كافِرٍ، ولا مِن فاسِقٍ، ولا مِن بَهِيمَةٍ، كُلُّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ بِالأحادِيثِ. و"يَوْمَ" ظَرْفٌ مَعْناهُ: أنَّ اللَعْنَةَ عَلَيْهِمْ في الدُنْيا وفي يَوْمِ القِيامَةِ. ثُمَّ ذُكِرَتِ العِلَّةُ المُوجِبَةُ لِذَلِكَ وهي كُفْرُهم بِرَبِّهِمْ وتَعَدّى "كَفَرَ" بِغَيْرِ الحَرْفِ إذْ هو بِمَعْنى جَحَدُوا كَما تَقُولُ شَكَرْتُ لَكَ وشَكَرْتُكَ، وكَفَرَ نِعْمَتَهُ وكَفْرَ بِنِعْمَتِهِ، و"بُعْدًا" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وهو مَقامٌ ذَلِكَ الفِعْلِ.

هود 11:59

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "تَوَلَّوْا" بِفَتْحِ اللامِ والتاءِ عَلى مَعْنى "تَتَوَلَّوْا"، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ، والأعْرَجُ: "تُوَلُّوا" بِضَمِّ التاءِ واللامِ، و"إنْ" شَرْطٌ، والجَوابُ في الفاءِ وما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾، والمَعْنى: أنَّهُ ما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمِّ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَبْلِيغِ، وأنْتُمْ أصْحابُ الذَنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوَلَّوْا فِعْلًا ماضِيًا، ويَجِيءُ في الكَلامِ رُجُوعٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، أيْ فَقُلْ: قَدْ أبْلَغْتُكم. (p-٥٩٧)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيَسْتَخْلِفُ" بِضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ بِذَلِكَ، وقَرَأ عاصِمٌ - فِيما رَوى هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عنهُ-: "وَيَسْتَخْلِفْ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الفاءِ مِن قَوْلِهِ: فَقَدْ. وقَوْلُهُ: ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا يَحْتَمِلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما ولا تَضُرُّونَهُ بِذَهابِكم وهَلاكِكم شَيْئًا أيْ لا يَنْتَقِصُ مُلْكُهُ، ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، وعَلى هَذا المَعْنى قَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "وَلا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا". والمَعْنى الآخَرُ: ولا تَضُرُّونَهُ، أيْ: ولا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ ولا عَلى الِانْتِصارِ مِنهُ ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِكم بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ. ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ رَبَّهُ حَفِيظٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عالِمٌ بِهِ، وفي تَرْدِيدِ هَذِهِ الصِفاتِ ونَحْوِها تَنْبِيهٌ وتَذْكِيرٌ. و"الأمْرُ" واحِدُ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ أمَرَ يَأْمُرُ، أيْ أمْرُنا لِلرِّيحِ أو لِخَزَنَتِها ونَحْوُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: "بِرَحْمَةٍ"، إمّا أنْ يَكُونَ إخْبارًا مُجَرَّدًا عن رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لَحِقَتْهُمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَصْدًا إلى الإعْلامِ أنَّ النَجاةَ إنَّما كَمُلَتْ بِمُجَرَّدِ رَحْمَةِ اللهِ لا بِأعْمالِهِ فَتَكُونُ الآيَةُ- عَلى هَذا- في مَعْنى قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: « "لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ". قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَتِهِ"». وقَوْلُهُ: ﴿وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَذابَ الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وكانَتِ النَجاةُ المُتَقَدِّمَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ الرِيحَ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ عَلى هَذا، تَعْدِيدَ النِعْمَةِ، ومَشْهُورُ عَذابِهِمْ بِالرِيحِ هو أنَّها كانَتْ تَحْمِلُهم وتَهْدِمُ مَساكِنَهم وتَنْسِفُها وتَحْمِلُ الظَعِينَةَ كَما هي ونَحْوُ هَذا. وحَكى الزَجّاجُ أنَّها كانَتْ تَدْخُلُ في أبْدانِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا. وتَعَدّى "جَحَدُوا" بِحَرْفِ جَرٍّ لَمّا نُزِّلَ مَنزِلَةَ "كَفَرُوا"، وانْعَكَسَ ذَلِكَ في الآيَةِ بَعْدَ (p-٥٩٨)هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾، شُنْعَةٌ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّ في تَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبَ سائِرِ الرُسُلِ وعِصْيانَهُمْ، إذِ النُبُوّاتُ كُلُّها مُجْمِعَةٌ عَلى الإيمانِ بِاللهِ والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هُودٌ. وآدَمُ، ونُوحٌ عَلَيْهُمُ السَلامُ. و"العَنِيدُ": فَعِيلٌ مِن "عَنَدَ" إذا عَتا. ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العَنَدا أيِ: الصِعابَ مِنَ الإبِلِ، وكانَ التَجَبُّرُ والعِنادُ مِن خُلُقِ عادٍ لِقُوَّتِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُنْيا لَعْنَةً﴾ الآيَةُ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ لِكُفْرِهِمْ وإصْرارِهِمْ حَتّى حَلَّ العَذابُ بِهِمْ، و"اللَعْنَةُ": الإبْعادُ والخِزْيُ، وقَدْ تَيَقَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ وافَوْا عَلى الكُفْرِ فَيُلْعَنُ الكافِرُ المُوافِي عَلى كُفْرِهِ ولا يُلْعَنُ مُعَيَّنٌ حَيٌّ، لا مِن كافِرٍ، ولا مِن فاسِقٍ، ولا مِن بَهِيمَةٍ، كُلُّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ بِالأحادِيثِ. و"يَوْمَ" ظَرْفٌ مَعْناهُ: أنَّ اللَعْنَةَ عَلَيْهِمْ في الدُنْيا وفي يَوْمِ القِيامَةِ. ثُمَّ ذُكِرَتِ العِلَّةُ المُوجِبَةُ لِذَلِكَ وهي كُفْرُهم بِرَبِّهِمْ وتَعَدّى "كَفَرَ" بِغَيْرِ الحَرْفِ إذْ هو بِمَعْنى جَحَدُوا كَما تَقُولُ شَكَرْتُ لَكَ وشَكَرْتُكَ، وكَفَرَ نِعْمَتَهُ وكَفْرَ بِنِعْمَتِهِ، و"بُعْدًا" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وهو مَقامٌ ذَلِكَ الفِعْلِ.

هود 11:60

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "تَوَلَّوْا" بِفَتْحِ اللامِ والتاءِ عَلى مَعْنى "تَتَوَلَّوْا"، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ، والأعْرَجُ: "تُوَلُّوا" بِضَمِّ التاءِ واللامِ، و"إنْ" شَرْطٌ، والجَوابُ في الفاءِ وما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾، والمَعْنى: أنَّهُ ما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمِّ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَبْلِيغِ، وأنْتُمْ أصْحابُ الذَنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوَلَّوْا فِعْلًا ماضِيًا، ويَجِيءُ في الكَلامِ رُجُوعٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، أيْ فَقُلْ: قَدْ أبْلَغْتُكم. (p-٥٩٧)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيَسْتَخْلِفُ" بِضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ بِذَلِكَ، وقَرَأ عاصِمٌ - فِيما رَوى هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عنهُ-: "وَيَسْتَخْلِفْ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الفاءِ مِن قَوْلِهِ: فَقَدْ. وقَوْلُهُ: ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا يَحْتَمِلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما ولا تَضُرُّونَهُ بِذَهابِكم وهَلاكِكم شَيْئًا أيْ لا يَنْتَقِصُ مُلْكُهُ، ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، وعَلى هَذا المَعْنى قَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "وَلا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا". والمَعْنى الآخَرُ: ولا تَضُرُّونَهُ، أيْ: ولا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ ولا عَلى الِانْتِصارِ مِنهُ ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِكم بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ. ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ رَبَّهُ حَفِيظٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عالِمٌ بِهِ، وفي تَرْدِيدِ هَذِهِ الصِفاتِ ونَحْوِها تَنْبِيهٌ وتَذْكِيرٌ. و"الأمْرُ" واحِدُ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ أمَرَ يَأْمُرُ، أيْ أمْرُنا لِلرِّيحِ أو لِخَزَنَتِها ونَحْوُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: "بِرَحْمَةٍ"، إمّا أنْ يَكُونَ إخْبارًا مُجَرَّدًا عن رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لَحِقَتْهُمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَصْدًا إلى الإعْلامِ أنَّ النَجاةَ إنَّما كَمُلَتْ بِمُجَرَّدِ رَحْمَةِ اللهِ لا بِأعْمالِهِ فَتَكُونُ الآيَةُ- عَلى هَذا- في مَعْنى قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: « "لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ". قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَتِهِ"». وقَوْلُهُ: ﴿وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَذابَ الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وكانَتِ النَجاةُ المُتَقَدِّمَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ الرِيحَ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ عَلى هَذا، تَعْدِيدَ النِعْمَةِ، ومَشْهُورُ عَذابِهِمْ بِالرِيحِ هو أنَّها كانَتْ تَحْمِلُهم وتَهْدِمُ مَساكِنَهم وتَنْسِفُها وتَحْمِلُ الظَعِينَةَ كَما هي ونَحْوُ هَذا. وحَكى الزَجّاجُ أنَّها كانَتْ تَدْخُلُ في أبْدانِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا. وتَعَدّى "جَحَدُوا" بِحَرْفِ جَرٍّ لَمّا نُزِّلَ مَنزِلَةَ "كَفَرُوا"، وانْعَكَسَ ذَلِكَ في الآيَةِ بَعْدَ (p-٥٩٨)هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾، شُنْعَةٌ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّ في تَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبَ سائِرِ الرُسُلِ وعِصْيانَهُمْ، إذِ النُبُوّاتُ كُلُّها مُجْمِعَةٌ عَلى الإيمانِ بِاللهِ والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هُودٌ. وآدَمُ، ونُوحٌ عَلَيْهُمُ السَلامُ. و"العَنِيدُ": فَعِيلٌ مِن "عَنَدَ" إذا عَتا. ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العَنَدا أيِ: الصِعابَ مِنَ الإبِلِ، وكانَ التَجَبُّرُ والعِنادُ مِن خُلُقِ عادٍ لِقُوَّتِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُنْيا لَعْنَةً﴾ الآيَةُ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ لِكُفْرِهِمْ وإصْرارِهِمْ حَتّى حَلَّ العَذابُ بِهِمْ، و"اللَعْنَةُ": الإبْعادُ والخِزْيُ، وقَدْ تَيَقَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ وافَوْا عَلى الكُفْرِ فَيُلْعَنُ الكافِرُ المُوافِي عَلى كُفْرِهِ ولا يُلْعَنُ مُعَيَّنٌ حَيٌّ، لا مِن كافِرٍ، ولا مِن فاسِقٍ، ولا مِن بَهِيمَةٍ، كُلُّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ بِالأحادِيثِ. و"يَوْمَ" ظَرْفٌ مَعْناهُ: أنَّ اللَعْنَةَ عَلَيْهِمْ في الدُنْيا وفي يَوْمِ القِيامَةِ. ثُمَّ ذُكِرَتِ العِلَّةُ المُوجِبَةُ لِذَلِكَ وهي كُفْرُهم بِرَبِّهِمْ وتَعَدّى "كَفَرَ" بِغَيْرِ الحَرْفِ إذْ هو بِمَعْنى جَحَدُوا كَما تَقُولُ شَكَرْتُ لَكَ وشَكَرْتُكَ، وكَفَرَ نِعْمَتَهُ وكَفْرَ بِنِعْمَتِهِ، و"بُعْدًا" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وهو مَقامٌ ذَلِكَ الفِعْلِ.

هود 11:61

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِن الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (p-٥٩٩)التَقْدِيرُ: وأرْسَلَنا إلى ثَمُودَ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذا وفي مَعْنى الأُخُوَّةِ في قِصَّةِ هُودٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَإلى ثَمُودَ" بِغَيْرِ صَرْفٍ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "وَإلى ثَمُودٍ" بِالصَرْفِ حَيْثُ وقَعَ، فالأُولى عَلى إرادَةِ القَبِيلَةِ، والثانِيَةُ عَلى إرادَةِ الحَيِّ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ الدالَّةِ عَلى الجُمُوعِ ما يَكْثُرُ فِيهِ إرادَةُ الحَيِّ كَقُرَيْشٍ وثَقِيفٍ وما لا يُقالُ فِيهِ بَنُو فُلانٍ وفِيها ما يَكْثُرُ فِيهِ إرادَةُ القَبِيلَةِ كَتَمِيمَ وتَغَلِبَ، ألا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ تَغْلِبُ ابْنَةُ وائِلٍ، وقالَ الطِرِّمّاحُ: ؎ .......................... ∗∗∗ إذا نَهَلَتْ مِنهُ تَمِيمٌ وعَلَّتِ وقَوْلُ الآخَرِ: تَمِيمُ بْنُ مَرٍّ وأشْياعُها وفِيها ما يَكْثُرُ فِيهِ الوَجْهانِ كَثَمُودَ وسَبَإٍ، فالقِراءَتانِ هُنا فَصِيحَتانِ مُسْتَعْمَلَتانِ. وقَرَأتْ فِرْقَةُ: "غَيْرُهُ" بِرَفْعِ الراءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا. و﴿أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ: اخْتَرَعَكم وأوجَدَكُمْ، وذَلِكَ بِاخْتِراعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ: فَكَأنَّ إنْشاءَ آدَمَ إنْشاءٌ لِبَنِيهِ. و"اسْتَعْمَرَكُمْ": أيِ: اتَّخَذَكم عُمّارًا، كَما تَقُولُ: اسْتَكْتَبَ واسْتَعْمَلَ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها مِنَ العُمْرِ أيْ عَمَّرَكُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ قَوْلِهِ: (p-٦٠٠)﴿فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ.﴾. ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾، أيْ: إجابَتُهُ وغُفْرانُهُ قَرِيبٌ مِمَّنْ آمَنَ وأنابَ، و"مُجِيبٌ" مَعْناهُ: بِشَرْطِ المَشِيئَةِ. والظاهِرُ الَّذِي حَكاهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ: "مَرْجُوًّا" مَعْناهُ: مُسَوَّدًا، نُؤَمِّلُ فِيكَ أنْ تَكُونَ سَيِّدًا سادًّا مَسَدَّ الأكابِرِ، ثُمَّ قَرَّرُوهُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ في زَعْمِهِمْ- بِقَوْلِهِمْ: "أتَنْهانا"، وحَكى النَقّاشُ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ: حَقِيرًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَأمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ "مَرْجُوًّا" بِمَعْنى حَقِيرٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وإنَّما يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَفْسِيرِ لِلْمَعْنى، وذَلِكَ أنَّ القَصْدَ بِقَوْلِهِمْ: "مَرْجُوًّا" يَكُونُ: لَقَدْ كُنْتَ فِينا سَهْلًا مَرامُكَ قَرِيبًا رَدُّ أمْرِكَ، مِمَّنْ لا يُظَنُّ أنْ يَسْتَفْحِلَ مِن أمْرِهِ مِثْلُ هَذا فَمَعْنى "مَرْجُوٍّ" أيْ: مَرْجُوٌّ اطِّراحُهُ وغَلَبَتُهُ ونَحْوُ هَذا، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاحْتِقارِ، فَلِذَلِكَ فُسِّرَ بِحَقِيرٍ، ويُشْبِهُ هَذا المَعْنى قَوْلُ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ: "لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ..." الحَدِيثُ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُمْ: "أتَنْهانا" عَلى جِهَةِ التَوَعُّدِ والِاسْتِشْناعِ لِهَذِهِ المَقالَةِ مِنهُ. و﴿ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ يُرِيدُونَ بِهِ الأوثانَ والأصْنامَ، ثُمَّ أوجَبُوا أنَّهم في شَكٍّ مِن أمْرِهِ وأقاوِيلِهِ، وأنَّ ذَلِكَ الشَكَّ يَرْتابُونَ بِهِ زائِدًا إلى مَرْتَبَتِهِ مِنَ الشَكِّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الحالِ وبَيْنَ حالَةِ التَصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ، ومُرِيبٍ مَعْناهُ: مُلْبِسٌ مُتَّهَمٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يا قَوْمِ ما بالُ أبِي ذُؤَيْبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ كُنْتُ إذا أتَيْتُهُ مِن غَيْبِ ؎ يَشُمُّ عَطْفِي ويَمَسُّ ثَوْبِي ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّنِي أرْبَتْهُ بِرَيْبِ (p-٦٠١)

هود 11:62

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِن الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (p-٥٩٩)التَقْدِيرُ: وأرْسَلَنا إلى ثَمُودَ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذا وفي مَعْنى الأُخُوَّةِ في قِصَّةِ هُودٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَإلى ثَمُودَ" بِغَيْرِ صَرْفٍ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "وَإلى ثَمُودٍ" بِالصَرْفِ حَيْثُ وقَعَ، فالأُولى عَلى إرادَةِ القَبِيلَةِ، والثانِيَةُ عَلى إرادَةِ الحَيِّ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ الدالَّةِ عَلى الجُمُوعِ ما يَكْثُرُ فِيهِ إرادَةُ الحَيِّ كَقُرَيْشٍ وثَقِيفٍ وما لا يُقالُ فِيهِ بَنُو فُلانٍ وفِيها ما يَكْثُرُ فِيهِ إرادَةُ القَبِيلَةِ كَتَمِيمَ وتَغَلِبَ، ألا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ تَغْلِبُ ابْنَةُ وائِلٍ، وقالَ الطِرِّمّاحُ: ؎ .......................... ∗∗∗ إذا نَهَلَتْ مِنهُ تَمِيمٌ وعَلَّتِ وقَوْلُ الآخَرِ: تَمِيمُ بْنُ مَرٍّ وأشْياعُها وفِيها ما يَكْثُرُ فِيهِ الوَجْهانِ كَثَمُودَ وسَبَإٍ، فالقِراءَتانِ هُنا فَصِيحَتانِ مُسْتَعْمَلَتانِ. وقَرَأتْ فِرْقَةُ: "غَيْرُهُ" بِرَفْعِ الراءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا. و﴿أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ: اخْتَرَعَكم وأوجَدَكُمْ، وذَلِكَ بِاخْتِراعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ: فَكَأنَّ إنْشاءَ آدَمَ إنْشاءٌ لِبَنِيهِ. و"اسْتَعْمَرَكُمْ": أيِ: اتَّخَذَكم عُمّارًا، كَما تَقُولُ: اسْتَكْتَبَ واسْتَعْمَلَ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها مِنَ العُمْرِ أيْ عَمَّرَكُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ قَوْلِهِ: (p-٦٠٠)﴿فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ.﴾. ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾، أيْ: إجابَتُهُ وغُفْرانُهُ قَرِيبٌ مِمَّنْ آمَنَ وأنابَ، و"مُجِيبٌ" مَعْناهُ: بِشَرْطِ المَشِيئَةِ. والظاهِرُ الَّذِي حَكاهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ: "مَرْجُوًّا" مَعْناهُ: مُسَوَّدًا، نُؤَمِّلُ فِيكَ أنْ تَكُونَ سَيِّدًا سادًّا مَسَدَّ الأكابِرِ، ثُمَّ قَرَّرُوهُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ في زَعْمِهِمْ- بِقَوْلِهِمْ: "أتَنْهانا"، وحَكى النَقّاشُ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ: حَقِيرًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَأمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ "مَرْجُوًّا" بِمَعْنى حَقِيرٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وإنَّما يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَفْسِيرِ لِلْمَعْنى، وذَلِكَ أنَّ القَصْدَ بِقَوْلِهِمْ: "مَرْجُوًّا" يَكُونُ: لَقَدْ كُنْتَ فِينا سَهْلًا مَرامُكَ قَرِيبًا رَدُّ أمْرِكَ، مِمَّنْ لا يُظَنُّ أنْ يَسْتَفْحِلَ مِن أمْرِهِ مِثْلُ هَذا فَمَعْنى "مَرْجُوٍّ" أيْ: مَرْجُوٌّ اطِّراحُهُ وغَلَبَتُهُ ونَحْوُ هَذا، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاحْتِقارِ، فَلِذَلِكَ فُسِّرَ بِحَقِيرٍ، ويُشْبِهُ هَذا المَعْنى قَوْلُ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ: "لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ..." الحَدِيثُ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُمْ: "أتَنْهانا" عَلى جِهَةِ التَوَعُّدِ والِاسْتِشْناعِ لِهَذِهِ المَقالَةِ مِنهُ. و﴿ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ يُرِيدُونَ بِهِ الأوثانَ والأصْنامَ، ثُمَّ أوجَبُوا أنَّهم في شَكٍّ مِن أمْرِهِ وأقاوِيلِهِ، وأنَّ ذَلِكَ الشَكَّ يَرْتابُونَ بِهِ زائِدًا إلى مَرْتَبَتِهِ مِنَ الشَكِّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الحالِ وبَيْنَ حالَةِ التَصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ، ومُرِيبٍ مَعْناهُ: مُلْبِسٌ مُتَّهَمٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يا قَوْمِ ما بالُ أبِي ذُؤَيْبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ كُنْتُ إذا أتَيْتُهُ مِن غَيْبِ ؎ يَشُمُّ عَطْفِي ويَمَسُّ ثَوْبِي ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّنِي أرْبَتْهُ بِرَيْبِ (p-٦٠١)

هود 11:63

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِن اللهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ قَوْلُهُ: "أرَأيْتُمْ" هو مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، أيْ: أتَدَبَّرْتُمْ؟ والشَرْطُ الَّذِي بَعْدَهُ وجَوابُهُ يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ لـ"أرَأيْتُمْ": و"البَيِّنَةُ": البُرْهانُ واليَقِينُ، والهاءُ في "بَيِّنَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هاءَ تَأْنِيثٍ، و"الرَحْمَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: النُبُوَّةُ وما انْضافَ إلَيْها، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أيَضُرُّنِي شَكُّكم أو أيُمْكِنُنِي طاعَتُكم ونَحْوُ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِمَعْنى الآيَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ مَعْناهُ: فَما تُعْطُونَنِي فِيما أقْتَضِيهِ مِنكم مِنَ الإيمانِ وأطْلُبُكم بِهِ مِنَ الإنابَةِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ لِأنْفُسِكُمْ، وهو مِنَ الخَسارَةِ، ولَيْسَ التَخْسِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا لَهم وفي حَيِّزِهِمْ، وأضافَ الزِيادَةَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو مُقْتَضٍ لِأقْوالِهِمْ مُوكَلٌ بِإيمانِهِمْ، كَما تَقُولُ لِمَن تُوصِيهِ: "أنا أُرِيدُ بِكَ خَيْرًا وأنْتَ تُرِيدُ بِي شَرًّا". فَكَأنَّ الوَجْهَ البَيِّنَ: "وَأنْتَ تُرِيدُ شَرًّا" ولَكِنْ مِن حَيْثُ كَنْتَ مُرِيدَ خَيْرٍ ومُقْتَضٍ ذَلِكَ حَسُنَ أنْ تُضِيفَ الزِيادَةَ إلى نَفْسِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللهِ﴾ الآيَةُ، اقْتُضِبَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ أوَّلِ أمْرِ الناقَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ طَلَبُوا مِنهُ آيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ، فَأخْرَجَ اللهُ، جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، لَهُمُ الناقَةَ مِنَ الجَبَلِ، ورُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا تَعْيِينَ خُرُوجِ الناقَةِ مِن تِلْكَ الصَخْرَةِ، (p-٦٠٢)فَرُوِيَ أنَّ الجَبَلَ تَمَخَّضَ كالحامِلِ، وانْصَدَعَ الحَجَرُ، وخَرَجَتْ مِنهُ ناقَةٌ بِفَصِيلِها، ورُوِيَ أنَّها خَرَجَتْ عُشَراءَ، ووَضَعَتْ بَعْدَ خُرُوجِها، فَوَقَّفَهم صالِحٌ وقالَ لَهُمْ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكم آيَةً﴾، ونَصْبُ "آيَةً" عَلى الحالِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَأْكُلْ" بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَأْكُلُ" عَلى طَرِيقِ القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، أو عَلى أنَّهُ الحالُ مِنَ الضَمِيرِ في "ذَرُوها". وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ عامٌّ في العَقْرِ وغَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ هَذا بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ إلَيْهِ أنَّ قَوْمَكَ إذا عَقَرُوا الناقَةَ جاءَهم عَذابٌ قَرِيبُ المُدَّةِ مِن وقْتِ المَعْصِيَةِ، وهي الأيّامُ الثَلاثَةُ الَّتِي فَهِمَها صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ مِن رُغاءِ الفَصِيلِ عَلى جَبَلِ القارَّةِ. وأضافَ العَقْرَ إلى جَمِيعِهِمْ لِأنَّ العاقِرَ كانَ مِنهم وكانَ عن رِضًى مِنهم وتَمالُؤٍ، وعاقِرُها قُدارٌ، ورُوِيَ في خَبَرِ ذَلِكَ أنَّ صالِحًا أوحى اللهُ إلَيْهِ أنَّ قَوْمَكَ سَيَعْقِرُونَ الناقَةَ ويَنْزِلُ بِهِمُ العَذابُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأخْبَرَهم بِذَلِكَ فَقالُوا: عِياذًا بِاللهِ أنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ، فَقالَ: إنْ لَمْ تَفْعَلُوا أنْتُمْ ذَلِكَ أوشَكَ أنْ يُولَدَ فِيكم مَن يَفْعَلُهُ، وقالَ لَهُمْ: صِفَةُ عاقِرِها أحْمَرَ أزْرَقَ أشْقَرَ، فَجَعَلُوا الشَرْطَ مَعَ القَوابِلِ وأمَرُوهم بِتَفَقُّدِ الأطْفالِ، فَمَن كانَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ قُتِلَ، وكانَ في المَدِينَةِ شَيْخانِ شَرِيفانِ عَزِيزانِ، وكانَ لِهَذا ابْنٌ ولِهَذا بِنْتٌ، فَتَصاهَرا فَوُلِدَ بَيْنَ الزَوْجَيْنِ قُدارٌ، عَلى الصِفَةِ المَذْكُورَةِ، فَهَمَّ الشُرَطُ بِقَتْلِهِ، فَمَنَعَ مِنهُ جَدّاهُ حَتّى كَبِرَ، فَكانَ الَّذِي عَقَرَها بِالسَيْفِ في عَراقِيبِها، وقِيلَ: بِالسَهْمِ في ضَرْعِها وهَرَبَ فَصِيلُها عن ذَلِكَ، فَصَعِدَ عَلى جَبَلٍ يُقالُ لَهُ القارَّةُ، فَرَغا ثَلاثًا، فَقالَ صالِحٌ: هَذا مِيعادُ ثَلاثَةِ أيّامٍ لِلْعَذابِ، وأمَرَهم قَبْلَ رُغاءِ الفَصِيلِ أنْ يَطْلُبُوهُ عَسى أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ فَيَنْدَفِعَ عنهُمُ العَذابَ بِهِ، فَرامُوا الصُعُودَ إلَيْهِ في الجَبَلِ، فارْتَفَعَ الجَبَلُ في السَماءِ حَتّى ما تَنالُهُ الطَيْرُ، وحِينَئِذٍ رَغا الفَصِيلُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي دارِكُمْ﴾ هي جَمْعُ "دارَةٍ" كَما تَقُولُ: ساحَةٌ وساحٌ وسُوحٌ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ: ؎ لَهُ داعٍ بِمَكَّةَ مُشْمَعِلُّ ∗∗∗ وآخَرُ عِنْدَ دارَتِهِ يُنادِي (p-٦٠٣)وَيُمْكِنُ أنْ يُسَمّى جَمِيعَ مَسْكَنِ الحَيِّ دارًا، والثَلاثَةُ أيّامٍ تَعْجِيزٌ قاسَ الناسُ عَلَيْهِ الإعْذارَ إلى المَحْكُومِ عَلَيْهِ ونَحْوِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ عِنْدِي مُفْتَرِقٌ لِأنَّها في المَحْكُومِ عَلَيْهِ والغارِمِ في الشُفْعَةِ ونَحْوِهِ تَوْسِعَةٌ، وهي هُنا تَوْقِيفٌ عَلى الخِزْيِ والتَعْذِيبِ، ورَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "لَوْ صَعَدْتُمْ عَلى القارَّةِ لَرَأيْتُمْ عِظامَ الفَصِيلِ".

هود 11:64

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِن اللهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ قَوْلُهُ: "أرَأيْتُمْ" هو مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، أيْ: أتَدَبَّرْتُمْ؟ والشَرْطُ الَّذِي بَعْدَهُ وجَوابُهُ يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ لـ"أرَأيْتُمْ": و"البَيِّنَةُ": البُرْهانُ واليَقِينُ، والهاءُ في "بَيِّنَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هاءَ تَأْنِيثٍ، و"الرَحْمَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: النُبُوَّةُ وما انْضافَ إلَيْها، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أيَضُرُّنِي شَكُّكم أو أيُمْكِنُنِي طاعَتُكم ونَحْوُ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِمَعْنى الآيَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ مَعْناهُ: فَما تُعْطُونَنِي فِيما أقْتَضِيهِ مِنكم مِنَ الإيمانِ وأطْلُبُكم بِهِ مِنَ الإنابَةِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ لِأنْفُسِكُمْ، وهو مِنَ الخَسارَةِ، ولَيْسَ التَخْسِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا لَهم وفي حَيِّزِهِمْ، وأضافَ الزِيادَةَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو مُقْتَضٍ لِأقْوالِهِمْ مُوكَلٌ بِإيمانِهِمْ، كَما تَقُولُ لِمَن تُوصِيهِ: "أنا أُرِيدُ بِكَ خَيْرًا وأنْتَ تُرِيدُ بِي شَرًّا". فَكَأنَّ الوَجْهَ البَيِّنَ: "وَأنْتَ تُرِيدُ شَرًّا" ولَكِنْ مِن حَيْثُ كَنْتَ مُرِيدَ خَيْرٍ ومُقْتَضٍ ذَلِكَ حَسُنَ أنْ تُضِيفَ الزِيادَةَ إلى نَفْسِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللهِ﴾ الآيَةُ، اقْتُضِبَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ أوَّلِ أمْرِ الناقَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ طَلَبُوا مِنهُ آيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ، فَأخْرَجَ اللهُ، جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، لَهُمُ الناقَةَ مِنَ الجَبَلِ، ورُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا تَعْيِينَ خُرُوجِ الناقَةِ مِن تِلْكَ الصَخْرَةِ، (p-٦٠٢)فَرُوِيَ أنَّ الجَبَلَ تَمَخَّضَ كالحامِلِ، وانْصَدَعَ الحَجَرُ، وخَرَجَتْ مِنهُ ناقَةٌ بِفَصِيلِها، ورُوِيَ أنَّها خَرَجَتْ عُشَراءَ، ووَضَعَتْ بَعْدَ خُرُوجِها، فَوَقَّفَهم صالِحٌ وقالَ لَهُمْ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكم آيَةً﴾، ونَصْبُ "آيَةً" عَلى الحالِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَأْكُلْ" بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَأْكُلُ" عَلى طَرِيقِ القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، أو عَلى أنَّهُ الحالُ مِنَ الضَمِيرِ في "ذَرُوها". وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ عامٌّ في العَقْرِ وغَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ هَذا بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ إلَيْهِ أنَّ قَوْمَكَ إذا عَقَرُوا الناقَةَ جاءَهم عَذابٌ قَرِيبُ المُدَّةِ مِن وقْتِ المَعْصِيَةِ، وهي الأيّامُ الثَلاثَةُ الَّتِي فَهِمَها صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ مِن رُغاءِ الفَصِيلِ عَلى جَبَلِ القارَّةِ. وأضافَ العَقْرَ إلى جَمِيعِهِمْ لِأنَّ العاقِرَ كانَ مِنهم وكانَ عن رِضًى مِنهم وتَمالُؤٍ، وعاقِرُها قُدارٌ، ورُوِيَ في خَبَرِ ذَلِكَ أنَّ صالِحًا أوحى اللهُ إلَيْهِ أنَّ قَوْمَكَ سَيَعْقِرُونَ الناقَةَ ويَنْزِلُ بِهِمُ العَذابُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأخْبَرَهم بِذَلِكَ فَقالُوا: عِياذًا بِاللهِ أنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ، فَقالَ: إنْ لَمْ تَفْعَلُوا أنْتُمْ ذَلِكَ أوشَكَ أنْ يُولَدَ فِيكم مَن يَفْعَلُهُ، وقالَ لَهُمْ: صِفَةُ عاقِرِها أحْمَرَ أزْرَقَ أشْقَرَ، فَجَعَلُوا الشَرْطَ مَعَ القَوابِلِ وأمَرُوهم بِتَفَقُّدِ الأطْفالِ، فَمَن كانَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ قُتِلَ، وكانَ في المَدِينَةِ شَيْخانِ شَرِيفانِ عَزِيزانِ، وكانَ لِهَذا ابْنٌ ولِهَذا بِنْتٌ، فَتَصاهَرا فَوُلِدَ بَيْنَ الزَوْجَيْنِ قُدارٌ، عَلى الصِفَةِ المَذْكُورَةِ، فَهَمَّ الشُرَطُ بِقَتْلِهِ، فَمَنَعَ مِنهُ جَدّاهُ حَتّى كَبِرَ، فَكانَ الَّذِي عَقَرَها بِالسَيْفِ في عَراقِيبِها، وقِيلَ: بِالسَهْمِ في ضَرْعِها وهَرَبَ فَصِيلُها عن ذَلِكَ، فَصَعِدَ عَلى جَبَلٍ يُقالُ لَهُ القارَّةُ، فَرَغا ثَلاثًا، فَقالَ صالِحٌ: هَذا مِيعادُ ثَلاثَةِ أيّامٍ لِلْعَذابِ، وأمَرَهم قَبْلَ رُغاءِ الفَصِيلِ أنْ يَطْلُبُوهُ عَسى أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ فَيَنْدَفِعَ عنهُمُ العَذابَ بِهِ، فَرامُوا الصُعُودَ إلَيْهِ في الجَبَلِ، فارْتَفَعَ الجَبَلُ في السَماءِ حَتّى ما تَنالُهُ الطَيْرُ، وحِينَئِذٍ رَغا الفَصِيلُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي دارِكُمْ﴾ هي جَمْعُ "دارَةٍ" كَما تَقُولُ: ساحَةٌ وساحٌ وسُوحٌ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ: ؎ لَهُ داعٍ بِمَكَّةَ مُشْمَعِلُّ ∗∗∗ وآخَرُ عِنْدَ دارَتِهِ يُنادِي (p-٦٠٣)وَيُمْكِنُ أنْ يُسَمّى جَمِيعَ مَسْكَنِ الحَيِّ دارًا، والثَلاثَةُ أيّامٍ تَعْجِيزٌ قاسَ الناسُ عَلَيْهِ الإعْذارَ إلى المَحْكُومِ عَلَيْهِ ونَحْوِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ عِنْدِي مُفْتَرِقٌ لِأنَّها في المَحْكُومِ عَلَيْهِ والغارِمِ في الشُفْعَةِ ونَحْوِهِ تَوْسِعَةٌ، وهي هُنا تَوْقِيفٌ عَلى الخِزْيِ والتَعْذِيبِ، ورَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "لَوْ صَعَدْتُمْ عَلى القارَّةِ لَرَأيْتُمْ عِظامَ الفَصِيلِ".

هود 11:65

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِن اللهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ قَوْلُهُ: "أرَأيْتُمْ" هو مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، أيْ: أتَدَبَّرْتُمْ؟ والشَرْطُ الَّذِي بَعْدَهُ وجَوابُهُ يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ لـ"أرَأيْتُمْ": و"البَيِّنَةُ": البُرْهانُ واليَقِينُ، والهاءُ في "بَيِّنَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هاءَ تَأْنِيثٍ، و"الرَحْمَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: النُبُوَّةُ وما انْضافَ إلَيْها، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أيَضُرُّنِي شَكُّكم أو أيُمْكِنُنِي طاعَتُكم ونَحْوُ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِمَعْنى الآيَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ مَعْناهُ: فَما تُعْطُونَنِي فِيما أقْتَضِيهِ مِنكم مِنَ الإيمانِ وأطْلُبُكم بِهِ مِنَ الإنابَةِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ لِأنْفُسِكُمْ، وهو مِنَ الخَسارَةِ، ولَيْسَ التَخْسِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا لَهم وفي حَيِّزِهِمْ، وأضافَ الزِيادَةَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو مُقْتَضٍ لِأقْوالِهِمْ مُوكَلٌ بِإيمانِهِمْ، كَما تَقُولُ لِمَن تُوصِيهِ: "أنا أُرِيدُ بِكَ خَيْرًا وأنْتَ تُرِيدُ بِي شَرًّا". فَكَأنَّ الوَجْهَ البَيِّنَ: "وَأنْتَ تُرِيدُ شَرًّا" ولَكِنْ مِن حَيْثُ كَنْتَ مُرِيدَ خَيْرٍ ومُقْتَضٍ ذَلِكَ حَسُنَ أنْ تُضِيفَ الزِيادَةَ إلى نَفْسِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللهِ﴾ الآيَةُ، اقْتُضِبَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ أوَّلِ أمْرِ الناقَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ طَلَبُوا مِنهُ آيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ، فَأخْرَجَ اللهُ، جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، لَهُمُ الناقَةَ مِنَ الجَبَلِ، ورُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا تَعْيِينَ خُرُوجِ الناقَةِ مِن تِلْكَ الصَخْرَةِ، (p-٦٠٢)فَرُوِيَ أنَّ الجَبَلَ تَمَخَّضَ كالحامِلِ، وانْصَدَعَ الحَجَرُ، وخَرَجَتْ مِنهُ ناقَةٌ بِفَصِيلِها، ورُوِيَ أنَّها خَرَجَتْ عُشَراءَ، ووَضَعَتْ بَعْدَ خُرُوجِها، فَوَقَّفَهم صالِحٌ وقالَ لَهُمْ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكم آيَةً﴾، ونَصْبُ "آيَةً" عَلى الحالِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَأْكُلْ" بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَأْكُلُ" عَلى طَرِيقِ القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، أو عَلى أنَّهُ الحالُ مِنَ الضَمِيرِ في "ذَرُوها". وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ عامٌّ في العَقْرِ وغَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ هَذا بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ إلَيْهِ أنَّ قَوْمَكَ إذا عَقَرُوا الناقَةَ جاءَهم عَذابٌ قَرِيبُ المُدَّةِ مِن وقْتِ المَعْصِيَةِ، وهي الأيّامُ الثَلاثَةُ الَّتِي فَهِمَها صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ مِن رُغاءِ الفَصِيلِ عَلى جَبَلِ القارَّةِ. وأضافَ العَقْرَ إلى جَمِيعِهِمْ لِأنَّ العاقِرَ كانَ مِنهم وكانَ عن رِضًى مِنهم وتَمالُؤٍ، وعاقِرُها قُدارٌ، ورُوِيَ في خَبَرِ ذَلِكَ أنَّ صالِحًا أوحى اللهُ إلَيْهِ أنَّ قَوْمَكَ سَيَعْقِرُونَ الناقَةَ ويَنْزِلُ بِهِمُ العَذابُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأخْبَرَهم بِذَلِكَ فَقالُوا: عِياذًا بِاللهِ أنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ، فَقالَ: إنْ لَمْ تَفْعَلُوا أنْتُمْ ذَلِكَ أوشَكَ أنْ يُولَدَ فِيكم مَن يَفْعَلُهُ، وقالَ لَهُمْ: صِفَةُ عاقِرِها أحْمَرَ أزْرَقَ أشْقَرَ، فَجَعَلُوا الشَرْطَ مَعَ القَوابِلِ وأمَرُوهم بِتَفَقُّدِ الأطْفالِ، فَمَن كانَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ قُتِلَ، وكانَ في المَدِينَةِ شَيْخانِ شَرِيفانِ عَزِيزانِ، وكانَ لِهَذا ابْنٌ ولِهَذا بِنْتٌ، فَتَصاهَرا فَوُلِدَ بَيْنَ الزَوْجَيْنِ قُدارٌ، عَلى الصِفَةِ المَذْكُورَةِ، فَهَمَّ الشُرَطُ بِقَتْلِهِ، فَمَنَعَ مِنهُ جَدّاهُ حَتّى كَبِرَ، فَكانَ الَّذِي عَقَرَها بِالسَيْفِ في عَراقِيبِها، وقِيلَ: بِالسَهْمِ في ضَرْعِها وهَرَبَ فَصِيلُها عن ذَلِكَ، فَصَعِدَ عَلى جَبَلٍ يُقالُ لَهُ القارَّةُ، فَرَغا ثَلاثًا، فَقالَ صالِحٌ: هَذا مِيعادُ ثَلاثَةِ أيّامٍ لِلْعَذابِ، وأمَرَهم قَبْلَ رُغاءِ الفَصِيلِ أنْ يَطْلُبُوهُ عَسى أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ فَيَنْدَفِعَ عنهُمُ العَذابَ بِهِ، فَرامُوا الصُعُودَ إلَيْهِ في الجَبَلِ، فارْتَفَعَ الجَبَلُ في السَماءِ حَتّى ما تَنالُهُ الطَيْرُ، وحِينَئِذٍ رَغا الفَصِيلُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي دارِكُمْ﴾ هي جَمْعُ "دارَةٍ" كَما تَقُولُ: ساحَةٌ وساحٌ وسُوحٌ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ: ؎ لَهُ داعٍ بِمَكَّةَ مُشْمَعِلُّ ∗∗∗ وآخَرُ عِنْدَ دارَتِهِ يُنادِي (p-٦٠٣)وَيُمْكِنُ أنْ يُسَمّى جَمِيعَ مَسْكَنِ الحَيِّ دارًا، والثَلاثَةُ أيّامٍ تَعْجِيزٌ قاسَ الناسُ عَلَيْهِ الإعْذارَ إلى المَحْكُومِ عَلَيْهِ ونَحْوِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ عِنْدِي مُفْتَرِقٌ لِأنَّها في المَحْكُومِ عَلَيْهِ والغارِمِ في الشُفْعَةِ ونَحْوِهِ تَوْسِعَةٌ، وهي هُنا تَوْقِيفٌ عَلى الخِزْيِ والتَعْذِيبِ، ورَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "لَوْ صَعَدْتُمْ عَلى القارَّةِ لَرَأيْتُمْ عِظامَ الفَصِيلِ".

هود 11:66

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ الأمْرُ جائِزٌ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ مِن أمَرَ، وجائِزٌ أنْ يُرادَ بِهِ: واحِدُ الأُمُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَقْصِدَ أنَّ التَنْجِيَةَ إنَّما كانَتْ بِمُجَرَّدِ الرَحْمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفَ حالٍ فَقَطْ: أخْبَرَ أنَّهُ رَحِمَهم في حالِ التَنْجِيَةِ. وقَوْلُهُ: "مِنّا" الظاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِرَحْمَةٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "نَجَّيْنا". وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَمِن خِزْيٍ يَوْمَئِذٍ" بِتَنْوِينِ "خِزْيٍ" وفَتْحِ المِيمِ مِن "يَوْمَئِذٍ"، وذَلِكَ يَجُوزُ فِيهِ أنْ تَكُونَ فَتْحَةُ المِيمِ إعْرابًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بُنِيَ الظَرْفُ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، فَأنْتَ مُخَيَّرٌ في الوَجْهَيْنِ، والرِوايَتانِ في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَمِن خِزْيٍ يَوْمِئِذٍ" بِإضافَةِ "خِزْيٍ" وكَسْرِ المِيمِ مِن "يَوْمِئِذٍ"، وهَذا تَوَسُّعٌ في إضافَةِ المُصْدَرِ إلى الظَرْفِ كَما قالَ: "مَكْرُ اللَيْلِ والنَهارِ"، ونَحْوُ هَذا، وقِياسُ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يُقالَ "سِيرَ عَلَيْهِ يَوْمُئِذٍ" (p-٦٠٤)بِرَفْعِ المِيمِ، وهَذِهِ قِراءَتُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١]، و﴿مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ [النمل: ٨٩]، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ كَذَلِكَ إلّا في قَوْلِهِ: "مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ" فَإنَّهُما نَوَّنا العَيْنَ وفَتَحا المِيمَ واخْتُلِفَتْ عن نافِعٍ في كَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها، وهو يُضِيفُ في الوَجْهَيْنِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: "مِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ" بِتُرْكِ التَنْوِينِ وفَتْحِ المِيمِ مِن يَوْمَئِذٍ وهَذا جَمْعٌ بَيْنَ الإضافَةِ وبِناءِ الظَرْفِ. وقَرَأ: "وَمِن فَزَعٍ"كَعاصِمٍ وحَمْزَةَ، وأمّا "إذْ" فَكانَ حَقُّها: "إذْ" ساكِنَةً إلّا أنَّها مِن حَقِّها أنْ تَلِيَها الجُمَلُ فَلَمّا حُذِفَتْ لَها هاهُنا الجُمْلَةُ عُوِّضَتْ بِالتَنْوِينِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "يَوْمِئِذٍ" إلى يَوْمِ التَعْذِيبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ «أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهم حِينَ رَغا الفَصِيلُ: سَتَصْفَرُّ وُجُوهُكم في اليَوْمِ الأوَّلِ وتَحْمَرُّ في الثانِي وتَسْوَدُّ في الثالِثِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ تَكَفَّنُوا في الأنْطاعِ واسْتَعَدُّوا لِلْهَلاكِ وأخَذَتْهم صَيْحَةٌ فِيها مِن كُلِّ صَوْتٍ مَهُولٍ، صَدَعَتْ قُلُوبَهم وأصابَتْ كُلَّ مَن كانَ مِنهم في شَرْقِ الأرْضِ وغَرْبِها، إلّا رَجُلًا كانَ في الحَرَمِ فَمَنَعَهُ الحَرَمُ مِن ذَلِكَ ثُمَّ هَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ،» فَفي مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ مَن ذَلِكَ الرَجُلُ؟ قالُوا أبُو رُغالٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، وخِلافُهُ في السِيَرِ. وذَكَّرَ الفِعْلَ المُسْنَدَ إلى الصَيْحَةِ إذْ هي بِمَعْنى (p-٦٠٥)الصِياحِ، وتَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وقِيلَ: جازَ ذَلِكَ وهي مُؤَنَّثَةٌ لَمّا فَصَلَ بَيْنَ الفِعْلِ وبَيْنَها. كَما قالُوا: "حَضَرَ القاضِيَ اليَوْمَ امْرَأةٌ"، والأوَّلُ أصْوَبُ، و"الصَيْحَةُ" إنَّما تَجِيءُ مُسْتَعْمَلَةً في ذِكْرِ العَذابِ لِأنَّها فَعْلَةٌ تَدُلُّ عَلى مَرَّةٍ واحِدَةٍ شاذَّةٍ، والصِياحُ يَدُلُّ عَلى مَصْدَرٍ مُتَطاوِلٍ، وشَذَّ في كَلامِهِمْ قَوْلُهُمْ: "لَقِيتُهُ لِقاءَةً واحِدَةً"، والقِياسُ لَقْيَةٌ. و"جاثِمِينَ" أيْ: بارِكِينَ قَدْ صَعِقَ بِهِمْ، وهو تَشْبِيهٌ بِجُثُومِ الطَيْرِ، وبِذَلِكَ يُشْبِهُ جُثُومَ الأثافِيِّ وجُثُومَ الرَمادِ. و"يَغْنَوْا": مُضارِعٌ مَن غَنِيَ في المَكانِ إذا أقامَ فِيهِ في خَفْضِ عَيْشٍ وهي المَغانِي: وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "ألا إنَّ ثَمُودَ" وكَذَلِكَ في "الفُرْقانِ والعنكَبُوتِ والنَجْمِ"، وصَرَفَها الكِسائِيُّ كُلَّها. وقَوْلُهُ: "ألا بُعْدًا لِثَمُودَ"، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، فَرَوى عنهُ حَفْصٌ تَرْكَ الإجْراءِ كَحَمْزَةَ، ورَوى عنهُ أبُو بَكْرٍ إجْراءَ الأرْبَعَةِ وتَرْكَهُ في قَوْلِهِ: "ألا بُعْدًا لِثَمُودَ"، وقَرَأ الباقُونَ: "ألا إنَّ ثَمُودًا" فَصُرِفَتْ، "ألا بُعْدًا لِثَمُودَ" غَيْرَ مَصْرُوفٍ، والقِراءَتانِ فَصِيحَتانِ، وكَذَلِكَ صَرَفُوا في "الفُرْقانِ والعنكَبُوتِ والنَجْمِ".

هود 11:67

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ الأمْرُ جائِزٌ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ مِن أمَرَ، وجائِزٌ أنْ يُرادَ بِهِ: واحِدُ الأُمُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَقْصِدَ أنَّ التَنْجِيَةَ إنَّما كانَتْ بِمُجَرَّدِ الرَحْمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفَ حالٍ فَقَطْ: أخْبَرَ أنَّهُ رَحِمَهم في حالِ التَنْجِيَةِ. وقَوْلُهُ: "مِنّا" الظاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِرَحْمَةٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "نَجَّيْنا". وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَمِن خِزْيٍ يَوْمَئِذٍ" بِتَنْوِينِ "خِزْيٍ" وفَتْحِ المِيمِ مِن "يَوْمَئِذٍ"، وذَلِكَ يَجُوزُ فِيهِ أنْ تَكُونَ فَتْحَةُ المِيمِ إعْرابًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بُنِيَ الظَرْفُ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، فَأنْتَ مُخَيَّرٌ في الوَجْهَيْنِ، والرِوايَتانِ في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَمِن خِزْيٍ يَوْمِئِذٍ" بِإضافَةِ "خِزْيٍ" وكَسْرِ المِيمِ مِن "يَوْمِئِذٍ"، وهَذا تَوَسُّعٌ في إضافَةِ المُصْدَرِ إلى الظَرْفِ كَما قالَ: "مَكْرُ اللَيْلِ والنَهارِ"، ونَحْوُ هَذا، وقِياسُ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يُقالَ "سِيرَ عَلَيْهِ يَوْمُئِذٍ" (p-٦٠٤)بِرَفْعِ المِيمِ، وهَذِهِ قِراءَتُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١]، و﴿مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ [النمل: ٨٩]، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ كَذَلِكَ إلّا في قَوْلِهِ: "مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ" فَإنَّهُما نَوَّنا العَيْنَ وفَتَحا المِيمَ واخْتُلِفَتْ عن نافِعٍ في كَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها، وهو يُضِيفُ في الوَجْهَيْنِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: "مِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ" بِتُرْكِ التَنْوِينِ وفَتْحِ المِيمِ مِن يَوْمَئِذٍ وهَذا جَمْعٌ بَيْنَ الإضافَةِ وبِناءِ الظَرْفِ. وقَرَأ: "وَمِن فَزَعٍ"كَعاصِمٍ وحَمْزَةَ، وأمّا "إذْ" فَكانَ حَقُّها: "إذْ" ساكِنَةً إلّا أنَّها مِن حَقِّها أنْ تَلِيَها الجُمَلُ فَلَمّا حُذِفَتْ لَها هاهُنا الجُمْلَةُ عُوِّضَتْ بِالتَنْوِينِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "يَوْمِئِذٍ" إلى يَوْمِ التَعْذِيبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ «أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهم حِينَ رَغا الفَصِيلُ: سَتَصْفَرُّ وُجُوهُكم في اليَوْمِ الأوَّلِ وتَحْمَرُّ في الثانِي وتَسْوَدُّ في الثالِثِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ تَكَفَّنُوا في الأنْطاعِ واسْتَعَدُّوا لِلْهَلاكِ وأخَذَتْهم صَيْحَةٌ فِيها مِن كُلِّ صَوْتٍ مَهُولٍ، صَدَعَتْ قُلُوبَهم وأصابَتْ كُلَّ مَن كانَ مِنهم في شَرْقِ الأرْضِ وغَرْبِها، إلّا رَجُلًا كانَ في الحَرَمِ فَمَنَعَهُ الحَرَمُ مِن ذَلِكَ ثُمَّ هَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ،» فَفي مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ مَن ذَلِكَ الرَجُلُ؟ قالُوا أبُو رُغالٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، وخِلافُهُ في السِيَرِ. وذَكَّرَ الفِعْلَ المُسْنَدَ إلى الصَيْحَةِ إذْ هي بِمَعْنى (p-٦٠٥)الصِياحِ، وتَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وقِيلَ: جازَ ذَلِكَ وهي مُؤَنَّثَةٌ لَمّا فَصَلَ بَيْنَ الفِعْلِ وبَيْنَها. كَما قالُوا: "حَضَرَ القاضِيَ اليَوْمَ امْرَأةٌ"، والأوَّلُ أصْوَبُ، و"الصَيْحَةُ" إنَّما تَجِيءُ مُسْتَعْمَلَةً في ذِكْرِ العَذابِ لِأنَّها فَعْلَةٌ تَدُلُّ عَلى مَرَّةٍ واحِدَةٍ شاذَّةٍ، والصِياحُ يَدُلُّ عَلى مَصْدَرٍ مُتَطاوِلٍ، وشَذَّ في كَلامِهِمْ قَوْلُهُمْ: "لَقِيتُهُ لِقاءَةً واحِدَةً"، والقِياسُ لَقْيَةٌ. و"جاثِمِينَ" أيْ: بارِكِينَ قَدْ صَعِقَ بِهِمْ، وهو تَشْبِيهٌ بِجُثُومِ الطَيْرِ، وبِذَلِكَ يُشْبِهُ جُثُومَ الأثافِيِّ وجُثُومَ الرَمادِ. و"يَغْنَوْا": مُضارِعٌ مَن غَنِيَ في المَكانِ إذا أقامَ فِيهِ في خَفْضِ عَيْشٍ وهي المَغانِي: وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "ألا إنَّ ثَمُودَ" وكَذَلِكَ في "الفُرْقانِ والعنكَبُوتِ والنَجْمِ"، وصَرَفَها الكِسائِيُّ كُلَّها. وقَوْلُهُ: "ألا بُعْدًا لِثَمُودَ"، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، فَرَوى عنهُ حَفْصٌ تَرْكَ الإجْراءِ كَحَمْزَةَ، ورَوى عنهُ أبُو بَكْرٍ إجْراءَ الأرْبَعَةِ وتَرْكَهُ في قَوْلِهِ: "ألا بُعْدًا لِثَمُودَ"، وقَرَأ الباقُونَ: "ألا إنَّ ثَمُودًا" فَصُرِفَتْ، "ألا بُعْدًا لِثَمُودَ" غَيْرَ مَصْرُوفٍ، والقِراءَتانِ فَصِيحَتانِ، وكَذَلِكَ صَرَفُوا في "الفُرْقانِ والعنكَبُوتِ والنَجْمِ".

هود 11:68

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ الأمْرُ جائِزٌ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ مِن أمَرَ، وجائِزٌ أنْ يُرادَ بِهِ: واحِدُ الأُمُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَقْصِدَ أنَّ التَنْجِيَةَ إنَّما كانَتْ بِمُجَرَّدِ الرَحْمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفَ حالٍ فَقَطْ: أخْبَرَ أنَّهُ رَحِمَهم في حالِ التَنْجِيَةِ. وقَوْلُهُ: "مِنّا" الظاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِرَحْمَةٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "نَجَّيْنا". وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَمِن خِزْيٍ يَوْمَئِذٍ" بِتَنْوِينِ "خِزْيٍ" وفَتْحِ المِيمِ مِن "يَوْمَئِذٍ"، وذَلِكَ يَجُوزُ فِيهِ أنْ تَكُونَ فَتْحَةُ المِيمِ إعْرابًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بُنِيَ الظَرْفُ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، فَأنْتَ مُخَيَّرٌ في الوَجْهَيْنِ، والرِوايَتانِ في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَمِن خِزْيٍ يَوْمِئِذٍ" بِإضافَةِ "خِزْيٍ" وكَسْرِ المِيمِ مِن "يَوْمِئِذٍ"، وهَذا تَوَسُّعٌ في إضافَةِ المُصْدَرِ إلى الظَرْفِ كَما قالَ: "مَكْرُ اللَيْلِ والنَهارِ"، ونَحْوُ هَذا، وقِياسُ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يُقالَ "سِيرَ عَلَيْهِ يَوْمُئِذٍ" (p-٦٠٤)بِرَفْعِ المِيمِ، وهَذِهِ قِراءَتُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١]، و﴿مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ [النمل: ٨٩]، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ كَذَلِكَ إلّا في قَوْلِهِ: "مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ" فَإنَّهُما نَوَّنا العَيْنَ وفَتَحا المِيمَ واخْتُلِفَتْ عن نافِعٍ في كَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها، وهو يُضِيفُ في الوَجْهَيْنِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: "مِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ" بِتُرْكِ التَنْوِينِ وفَتْحِ المِيمِ مِن يَوْمَئِذٍ وهَذا جَمْعٌ بَيْنَ الإضافَةِ وبِناءِ الظَرْفِ. وقَرَأ: "وَمِن فَزَعٍ"كَعاصِمٍ وحَمْزَةَ، وأمّا "إذْ" فَكانَ حَقُّها: "إذْ" ساكِنَةً إلّا أنَّها مِن حَقِّها أنْ تَلِيَها الجُمَلُ فَلَمّا حُذِفَتْ لَها هاهُنا الجُمْلَةُ عُوِّضَتْ بِالتَنْوِينِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "يَوْمِئِذٍ" إلى يَوْمِ التَعْذِيبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ «أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهم حِينَ رَغا الفَصِيلُ: سَتَصْفَرُّ وُجُوهُكم في اليَوْمِ الأوَّلِ وتَحْمَرُّ في الثانِي وتَسْوَدُّ في الثالِثِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ تَكَفَّنُوا في الأنْطاعِ واسْتَعَدُّوا لِلْهَلاكِ وأخَذَتْهم صَيْحَةٌ فِيها مِن كُلِّ صَوْتٍ مَهُولٍ، صَدَعَتْ قُلُوبَهم وأصابَتْ كُلَّ مَن كانَ مِنهم في شَرْقِ الأرْضِ وغَرْبِها، إلّا رَجُلًا كانَ في الحَرَمِ فَمَنَعَهُ الحَرَمُ مِن ذَلِكَ ثُمَّ هَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ،» فَفي مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ مَن ذَلِكَ الرَجُلُ؟ قالُوا أبُو رُغالٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، وخِلافُهُ في السِيَرِ. وذَكَّرَ الفِعْلَ المُسْنَدَ إلى الصَيْحَةِ إذْ هي بِمَعْنى (p-٦٠٥)الصِياحِ، وتَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وقِيلَ: جازَ ذَلِكَ وهي مُؤَنَّثَةٌ لَمّا فَصَلَ بَيْنَ الفِعْلِ وبَيْنَها. كَما قالُوا: "حَضَرَ القاضِيَ اليَوْمَ امْرَأةٌ"، والأوَّلُ أصْوَبُ، و"الصَيْحَةُ" إنَّما تَجِيءُ مُسْتَعْمَلَةً في ذِكْرِ العَذابِ لِأنَّها فَعْلَةٌ تَدُلُّ عَلى مَرَّةٍ واحِدَةٍ شاذَّةٍ، والصِياحُ يَدُلُّ عَلى مَصْدَرٍ مُتَطاوِلٍ، وشَذَّ في كَلامِهِمْ قَوْلُهُمْ: "لَقِيتُهُ لِقاءَةً واحِدَةً"، والقِياسُ لَقْيَةٌ. و"جاثِمِينَ" أيْ: بارِكِينَ قَدْ صَعِقَ بِهِمْ، وهو تَشْبِيهٌ بِجُثُومِ الطَيْرِ، وبِذَلِكَ يُشْبِهُ جُثُومَ الأثافِيِّ وجُثُومَ الرَمادِ. و"يَغْنَوْا": مُضارِعٌ مَن غَنِيَ في المَكانِ إذا أقامَ فِيهِ في خَفْضِ عَيْشٍ وهي المَغانِي: وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "ألا إنَّ ثَمُودَ" وكَذَلِكَ في "الفُرْقانِ والعنكَبُوتِ والنَجْمِ"، وصَرَفَها الكِسائِيُّ كُلَّها. وقَوْلُهُ: "ألا بُعْدًا لِثَمُودَ"، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، فَرَوى عنهُ حَفْصٌ تَرْكَ الإجْراءِ كَحَمْزَةَ، ورَوى عنهُ أبُو بَكْرٍ إجْراءَ الأرْبَعَةِ وتَرْكَهُ في قَوْلِهِ: "ألا بُعْدًا لِثَمُودَ"، وقَرَأ الباقُونَ: "ألا إنَّ ثَمُودًا" فَصُرِفَتْ، "ألا بُعْدًا لِثَمُودَ" غَيْرَ مَصْرُوفٍ، والقِراءَتانِ فَصِيحَتانِ، وكَذَلِكَ صَرَفُوا في "الفُرْقانِ والعنكَبُوتِ والنَجْمِ".

هود 11:69

(p-٦٠٦)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ "الرُسُلُ": المَلائِكَةُ وهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَدَلَ إسْرائِيلَ: عِزْرائِيلُ- مَلَكُ المَوْتِ- ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ مِنهم كانَ مُخْتَصًّا بِإهْلاكِ قَرْيَةِ لُوطٍ، ومِيكائِيلُ مُخْتَصًّا بِتَبْشِيرِ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ. وإسْرافِيلُ مُخْتَصًّا بِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن مَعَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي بِاشْتِراكِهِمْ في البِشارَةِ بِإسْحاقَ وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهِيَ الأكْثَرُ-: "البُشْرى" هي بِإسْحاقَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "البُشْرى" هي بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وقَوْلُهُ: "سَلامًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ كَأنَّهُ قالَ: أُسَلِّمُ سَلامًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ: سَلامًا حِكايَةً لِمَعْنى ما قالُوهُ لا لِلَفْظِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُدِّيُّ، فَلِذَلِكَ عَمِلَ فِيهِ القَوْلُ، كَما تَقُولُ- الرَجُلُ قالَ:،لا إلَهَ إلّا اللهُ": "قَلْتَ حَقًّا أو إخْلاصًا"، ولَوْ حَكَيْتَ لَفْظَهم لَمْ يَصِحَّ أنْ تُعْمِلَ فِيهِ القَوْلَ وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿قالَ سَلامٌ﴾ حِكايَةٌ لِلَفْظِهِ، و"سَلامٌ" مُرْتَفِعٌ إمّا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلَيْكم وإمّا عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] إمّا عَلى تَقْدِيرِ فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "قالُوا سَلامًا قالَ: سَلامٌ" وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "قالُوا سَلامًا، قالَ: سَلْمٌ" وكَذَلِكَ اخْتِلافُهم في سُورَةِ الذارِياتِ. وذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ السَلامَ بِعَيْنِهِ، كَما قالُوا حِلٌّ وحَلالٌ وحِرْمٌ وحَرامٌ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ مَرَرْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ∗∗∗ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَوائِحُ (p-٦٠٧)اكْتَلَّ: اتَّخَذَ إكْلِيلًا أو نَحْوَ هَذا، قالَ الطَبَرِيُّ: ورُوِيَ: كَما انْكَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "السِلْمِ": ضِدَّ الحَرْبِ، تَقُولُ نَحْنُ سِلْمٌ لَكم. وكانَ سَلامُ المَلائِكَةِ دُعاءً مَرْجُوًّا- فَلِذَلِكَ نَصَبَ- وحَيّا الخَلِيلُ بِأحْسَنَ مِمّا حُيِّيَ وهو الثابِتُ المُتَقَرِّرُ ولِذَلِكَ جاءَ مَرْفُوعًا. وقَوْلُهُ: ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، وفي "لَبِثَ" ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، و"أنْ جاءَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: بِأنْ جاءَ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً وإنْ جاءَ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "لَبِثَ" أيْ: ما لَبِثَ مَجِيئُهُ، ولَيْسَ في "لَبِثَ" -عَلى هَذا- ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، وُفي لَبِثَ ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، و"أنْ جاءَ" خَبَرُ "ما"، أيْ: فَلَبِثَ إبْراهِيمُ مَجِيئَهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، وفي أدَبِ الضَيْفِ أنْ يَجْعَلَ قِراهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ. و"الحَنِيذُ" بِمَعْنى المَحْنُوذِ ومَعْناهُ: بِعِجْلٍ مَشْوِيٍّ نَضِجٍ يُقَطَّرُ ماؤُهُ، وهَذا القَطْرُ يَفْصِلُ الحَنِيذَ مِن جُمْلَةِ المَشْوِيّاتِ، ولَكِنْ هَيْئَةُ المَحْنُوذِ في اللُغَةِ الَّذِي يُغَطّى بِحِجارَةٍ أو رَمْلٍ مَحْمِيٍّ أو حائِلٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ النارِ يُغَطّى بِهِ والمُعَرَّضُ مِنَ الشِواءِ: الَّذِي (p-٦٠٨)يُصَفَّفُ عَلى الجَمْرِ، والمُهْضَّبُ: الشِواءُ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ النارِ حائِلٌ، يَكُونُ الشِواءُ عَلَيْهِ لا مَدْفُونًا لَهُ، والتَحْنِيذُ في تَضْمِيرِ الخَيْلِ هو أنْ يُغَطّى الفَرَسُ بِجُّلٍّ عَلى جُلٍّ لِيَتَصَبَّبَ عَرَقُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهُمْ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَنْكُتُونَ بِقِداحٍ كانَتْ في أيْدِيهِمْ في اللَحْمِ ولا تَصِلُ أيْدِيهِمْ إلَيْهِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مِن أدَبِ الطَعامِ أنَّ لِصاحِبِ الضَيْفِ أنْ يَنْظُرَ مِن ضَيْفِهِ هَلْ يَأْكُلُ أمْ لا؟ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِتَلَفُّتٍ ومُسارَقَةٍ لا بِتَحْدِيدِ النَظَرِ، فَرُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا أكَلَ مَعَ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَرَأى سُلَيْمانَ في لُقْمَةِ الأعْرابِيِّ شَعْرَةً فَقالَ لَهُ: أزِلِ الشَعْرَةَ عن لُقْمَتِكَ، فَقالَ لَهُ: أتُنْظَرُ إلَيَّ نَظَرَ مَن يَرى الشَعْرَ في لُقْمَتِي واللهِ لا أكَلْتُ مَعَكَ. و"نَكِرَهُمْ" -عَلى ما ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ- مَعْناهُ: أنْكَرَهُمْ، واسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِالبَيْتِ الَّذِي نَحَلَهُ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ الأعْشى وهُوَ: ؎ وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَيْبُ والصَلَعا وقالَ بَعْضُ الناسِ: "نَكِرَ" هو مُسْتَعْمَلٌ فِيما يُرى بِالبَصَرِ فَيُنْكَرُ، و"أنْكَرَ" هي مُسْتَعْمَلَةٌ فِيما لا يُقَرَّرُ مِنَ المَعانِي، فَكَأنَّ الأعْشى قالَ: وأنْكَرْتَنِي مَوَدَّتِي وأدْمَتِي (p-٦٠٩)وَنَحْوَهُ، ثُمَّ جاءَ بِـ "نَكِرَ" في الشَيْبِ والصَلَعِ الَّذِي هو مَرْئِيٌّ بِالبَصَرِ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎ فَنَكِرْنَهُ فَنَفَرْنَ وامْتَرَسَتْ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ هَوْجاءُ هادِيَةٌ وهادٍ جُرْشَعُ والَّذِي خافَ مِنهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ امْتِناعُهم مِنَ الأكْلِ، فَعُرْفُ مَن جاءَ بِشَرٍّ ألّا يَأْكُلَ طَعامَ المَنزُولِ بِهِ، و"أوجَسَ" مَعْناهُ: أحَسَّ في نَفْسِهِ خِيفَةً مِنهُمْ، و"الوَجِيسُ": ما يَعْتَرِي النَفْسَ عِنْدَ الحَذَرِ وأوائِلِ الفَزَعِ، فَأمَّنُوهُ بِقَوْلِهِمْ: "لا تَخَفْ"، وعَلِمَ أنَّهُمُ المَلائِكَةُ. ثُمَّ خَرَجَتِ الآيَةُ إلى ذِكْرِ المَرْأةِ وبِشارَتِها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قائِمَةٌ خَلْفَ سِتْرٍ تَسْمَعُ مُحاوَرَةَ إبْراهِيمَ مَعَ أضْيافِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قائِمَةٌ في صَلاةٍ، وقالَ السُدِّيُّ مَعْناهُ: قائِمَةٌ تَخْدِمُ القَوْمَ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَهِيَ قائِمَةٌ وهو جالِسٌ". وقَوْلُهُ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: حاضَتْ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ اللُغَوِيُّونَ: ؎ وضِحْكُ الأرانِبِ فَوْقَ الصَفا ∗∗∗ ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِقا وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ قَلِيلُ التَمَكُّنِ، وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ أنْ يَكُونَ في كَلامِ العَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنى: حاضَتْ، وقَرَّرَهُ بَعْضُهُمْ، ويُقالُ ضَحِكَ إذا امْتَلَأ وفاضَ، ورَدَّ الزَجّاجُ قَوْلَ مُجاهِدٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هو الضَحِكُ المَعْرُوفُ، واخْتُلِفَ مِمَّ ضَحِكَتْ؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ضَحِكَتْ مِن تَأْمِينِهِمْ لِإبْراهِيمَ بِقَوْلِهِمْ: لا تَخَفْ. وقالَ قَتادَةُ: ضَحِكَتْ هُزُؤًا مِن قَوْمِ لُوطٍ أنْ يَكُونُوا عَلى غَفْلَةٍ وقَدْ نَفَذَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى فِيهِمْ ما نَفَذَ. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ضَحِكَتْ مِنَ البِشارَةِ بِإسْحاقَ، وقالَ: هَذا مُقَدَّمٌ بِمَعْنى التَأْخِيرِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ: ضَحِكَتْ لِظَنِّها بِهِمْ أنَّهم يُرِيدُونَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ قالَ القاضِيَ: وهَذا قَوْلٌ خَطَأٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، وقَدْ حَكاهُ الطَبَرِيُّ، وإنَّما ذَكَرْتُهُ لِمَعْنى التَنْبِيهِ عَلى فَسادِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ضَحِكَتْ مِن فَزَعِ إبْراهِيمَ مِن ثَلاثَةٍ وهي تَعْهَدُهُ يَغْلِبُ الأرْبَعِينَ مِنَ الرِجالِ، وقِيلَ: المِائَةُ. وقالَ السُدِّيُّ: ضَحِكَتْ مِن أنْ تَكُونَ هي تَخْدِمُ وإبْراهِيمُ يَحْفِدُ ويَسْعى والأضْيافُ لا يَأْكُلُونَ. وقِيلَ: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِصِدْقِ ظَنِّها، لِأنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ، إنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِقَوْمِ لُوطٍ، ورُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ مَسَحَتِ العِجْلَ فَقامَ حَيًّا فَضَحِكَتْ لِذَلِكَ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ الأعْرابِيُّ: "فَضَحَكَتْ" بِفَتْحِ الحاءِ. وامْرَأةُ إبْراهِيمَ هَذِهِ هي سارَّةُ بِنْتُ هارُونَ بْنِ ناحُورَ، وهو إبْراهِيمُ بْنُ آزَرَ بْنِ ناحُورَ فَهي ابْنَةُ عَمِّهِ، وقِيلَ: هي أُخْتُ لُوطٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أظُنُّ ذَلِكَ إلّا أُخُوَّةَ القَرابَةِ لِأنَّ إبْراهِيمَ هو عَمُّ لُوطٍ فِيما رُوِيَ: وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا قَدَّمَ العِجْلَ قالُوا لَهُ: إنّا لا نَأْكُلُ طَعامًا إلّا بِثَمَنٍ، فَقالَ لَهُمْ: ثَمَنُهُ أنْ تَذْكُرُوا اللهَ تَعالى عَلَيْهِ في أوَّلَ، وتَحْمَدُوهُ في آخِرٍ، فَقالَ جِبْرِيلُ لِأصْحابِهِ: بِحَقٍّ اتَّخَذَ اللهُ هَذا خَلِيلًا. وقَوْلُهُ: فَبَشَّرْناها أضافَ فِعْلَ المَلائِكَةِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللهِ تَعالى إذْ كانَ بِأمْرِهِ ووَحْيِهِ، وبَشَّرَ المَلائِكَةُ سارَّةَ بِإسْحاقَ وبِأنَّ إسْحاقَ سَيَلِدُ يَعْقُوبَ، ويُسَمّى ولَدُ الوَلَدِ مِنَ الوَراءِ، وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى وراءٍ في الظُرُوفِ إذْ هو ما يَكُونُ خَلْفَ الشَيْءِ وبَعْدَهُ ورَأى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلًا مَعَهُ شابٌّ، فَقالَ لَهُ: مَن هَذا؟ فَقالَ لَهُ: ولَدُ ولَدِي، فَقالَ: هو ولَدُكَ مِنَ الوَراءِ، فَغَضِبَ الرَجُلُ، فَذَكَرَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الآيَةَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ "يَعْقُوبُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ المُقَدَّمُ، وهو -عَلى هَذا- دَخَلَ في البُشْرى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: رَفْعُهُ عَلى القَطْعِ بِمَعْنى: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَحْدُثُ يَعْقُوبُ، وعَلى هَذا لا يَدْخُلُ في البِشارَةِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ "يَعْقُوبَ" بِالنَصْبِ واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، فَمِنهم مَن جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى "إسْحاقَ" إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْصَرِفْ، واسْتَسْهَلَ هَذا القائِلُ أنْ فُرِّقَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالمَجْرُورِ، وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُ هَذا إلّا عَلى إعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وهو كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ اليَوْمَ وأمْسِ عَمْرٍو، فالوَجْهُ عِنْدَهُ: وأمْسِ بِعَمْرٍو، وإذا لَمْ يَعُدْ فَفِيهِ كَبِيرُ قُبْحٍ، والوَجْهُ في نُصْبِهِ أنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَدُلُّ عَلَيْهِ البِشارَةُ وتَقْدِيرُهُ: ومِن وراءِ إسْحاقَ وهَبْنا يَعْقُوبَ، وهَذا رَجَّحَهُ أبُو عَلِيٍّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ أنَّ سارَّةَ كانَتْ في وقْتِ هَذِهِ البِشارَةِ بِنْتَ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وإبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ. وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذَبِيحَ هو إسْماعِيلُ وأنَّهُ أسَنُّ مِن إسْحاقَ وذَلِكَ أنَّ سارَةَ كانَتْ في وقْتِ إخْدامِ المَلِكِ الجائِرِ هاجَرُ أمُّ إسْماعِيلَ امْرَأةً شابَّةً جَمِيلَةً حَسَبَما في الحَدِيثِ، فاتَّخَذَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أمَّ ولَدٍ، فَغارَتْ بِها سارَّةُ، فَخَرَجَ بِها وبِابْنِها إسْماعِيلَ مِنَ الشامِ عَلى البُراقِ وجاءَ مِن يَوْمِهِ مَكَّةَ فَتَرَكَهُما- حَسَبَما في السِيَرِ- وانْصَرَفَ إلى الشامِ مِن يَوْمِهِ ثُمَّ كانَتِ البِشارَةُ بِإسْحاقَ، وسارَّةُ عَجُوزٌ مُتَجالَّةٌ، وأمّا وجْهُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّ إسْحاقَ لَيْسَ بِالذَبِيحِ فَهو أنَّ سارَّةَ وإبْراهِيمَ بُشِّرا بِإسْحاقَ وأنَّهُ يُولَدُ لَهُ يَعْقُوبُ، ثُمَّ أُمِرَ بِالذَبْحِ حِينَ بَلَغَ ابْنُهُ مَعَهُ السَعْيَ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِذَبْحِ ولَدٍ قَدْ بُشِّرَ قَبْلُ أنَّهُ سَيُولَدُ لِابْنِهِ ذَلِكَ، وأيْضًا فَلَمْ يَقَعْ قَطُّ في أثَرٍ أنَّ إسْحاقَ دَخَلَ الحِجازَ وإجْماعٌ أنَّ أمْرَ الذَبْحِ كانَ بِمِنًى، ويُؤَيِّدُ هَذا الغَرَضَ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: « "أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ"» يُرِيدُ أباهُ عَبْدَ اللهِ وأباهُ إسْماعِيلَ، ويُؤَيِّدُهُ ما نَزَعَ بِهِ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ مِنَ الِاحْتِجاجِ بِرُتْبَةِ سُورَةِ الصافّاتِ فَإنَّهُ بَعْدَ كَمالِ أمْرِ الذَبِيحِ قالَ: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا كُلِّهِ مَوْضِعُ مُعارَضاتٍ لِقائِلِ القَوْلِ الآخَرِ: إنَّ الذَبِيحَ هو إسْحاقُ، ولَكِنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ هو الأرْجَحُ واللهُ أعْلَمُ.

هود 11:70

(p-٦٠٦)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ "الرُسُلُ": المَلائِكَةُ وهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَدَلَ إسْرائِيلَ: عِزْرائِيلُ- مَلَكُ المَوْتِ- ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ مِنهم كانَ مُخْتَصًّا بِإهْلاكِ قَرْيَةِ لُوطٍ، ومِيكائِيلُ مُخْتَصًّا بِتَبْشِيرِ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ. وإسْرافِيلُ مُخْتَصًّا بِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن مَعَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي بِاشْتِراكِهِمْ في البِشارَةِ بِإسْحاقَ وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهِيَ الأكْثَرُ-: "البُشْرى" هي بِإسْحاقَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "البُشْرى" هي بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وقَوْلُهُ: "سَلامًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ كَأنَّهُ قالَ: أُسَلِّمُ سَلامًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ: سَلامًا حِكايَةً لِمَعْنى ما قالُوهُ لا لِلَفْظِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُدِّيُّ، فَلِذَلِكَ عَمِلَ فِيهِ القَوْلُ، كَما تَقُولُ- الرَجُلُ قالَ:،لا إلَهَ إلّا اللهُ": "قَلْتَ حَقًّا أو إخْلاصًا"، ولَوْ حَكَيْتَ لَفْظَهم لَمْ يَصِحَّ أنْ تُعْمِلَ فِيهِ القَوْلَ وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿قالَ سَلامٌ﴾ حِكايَةٌ لِلَفْظِهِ، و"سَلامٌ" مُرْتَفِعٌ إمّا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلَيْكم وإمّا عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] إمّا عَلى تَقْدِيرِ فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "قالُوا سَلامًا قالَ: سَلامٌ" وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "قالُوا سَلامًا، قالَ: سَلْمٌ" وكَذَلِكَ اخْتِلافُهم في سُورَةِ الذارِياتِ. وذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ السَلامَ بِعَيْنِهِ، كَما قالُوا حِلٌّ وحَلالٌ وحِرْمٌ وحَرامٌ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ مَرَرْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ∗∗∗ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَوائِحُ (p-٦٠٧)اكْتَلَّ: اتَّخَذَ إكْلِيلًا أو نَحْوَ هَذا، قالَ الطَبَرِيُّ: ورُوِيَ: كَما انْكَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "السِلْمِ": ضِدَّ الحَرْبِ، تَقُولُ نَحْنُ سِلْمٌ لَكم. وكانَ سَلامُ المَلائِكَةِ دُعاءً مَرْجُوًّا- فَلِذَلِكَ نَصَبَ- وحَيّا الخَلِيلُ بِأحْسَنَ مِمّا حُيِّيَ وهو الثابِتُ المُتَقَرِّرُ ولِذَلِكَ جاءَ مَرْفُوعًا. وقَوْلُهُ: ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، وفي "لَبِثَ" ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، و"أنْ جاءَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: بِأنْ جاءَ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً وإنْ جاءَ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "لَبِثَ" أيْ: ما لَبِثَ مَجِيئُهُ، ولَيْسَ في "لَبِثَ" -عَلى هَذا- ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، وُفي لَبِثَ ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، و"أنْ جاءَ" خَبَرُ "ما"، أيْ: فَلَبِثَ إبْراهِيمُ مَجِيئَهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، وفي أدَبِ الضَيْفِ أنْ يَجْعَلَ قِراهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ. و"الحَنِيذُ" بِمَعْنى المَحْنُوذِ ومَعْناهُ: بِعِجْلٍ مَشْوِيٍّ نَضِجٍ يُقَطَّرُ ماؤُهُ، وهَذا القَطْرُ يَفْصِلُ الحَنِيذَ مِن جُمْلَةِ المَشْوِيّاتِ، ولَكِنْ هَيْئَةُ المَحْنُوذِ في اللُغَةِ الَّذِي يُغَطّى بِحِجارَةٍ أو رَمْلٍ مَحْمِيٍّ أو حائِلٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ النارِ يُغَطّى بِهِ والمُعَرَّضُ مِنَ الشِواءِ: الَّذِي (p-٦٠٨)يُصَفَّفُ عَلى الجَمْرِ، والمُهْضَّبُ: الشِواءُ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ النارِ حائِلٌ، يَكُونُ الشِواءُ عَلَيْهِ لا مَدْفُونًا لَهُ، والتَحْنِيذُ في تَضْمِيرِ الخَيْلِ هو أنْ يُغَطّى الفَرَسُ بِجُّلٍّ عَلى جُلٍّ لِيَتَصَبَّبَ عَرَقُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهُمْ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَنْكُتُونَ بِقِداحٍ كانَتْ في أيْدِيهِمْ في اللَحْمِ ولا تَصِلُ أيْدِيهِمْ إلَيْهِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مِن أدَبِ الطَعامِ أنَّ لِصاحِبِ الضَيْفِ أنْ يَنْظُرَ مِن ضَيْفِهِ هَلْ يَأْكُلُ أمْ لا؟ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِتَلَفُّتٍ ومُسارَقَةٍ لا بِتَحْدِيدِ النَظَرِ، فَرُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا أكَلَ مَعَ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَرَأى سُلَيْمانَ في لُقْمَةِ الأعْرابِيِّ شَعْرَةً فَقالَ لَهُ: أزِلِ الشَعْرَةَ عن لُقْمَتِكَ، فَقالَ لَهُ: أتُنْظَرُ إلَيَّ نَظَرَ مَن يَرى الشَعْرَ في لُقْمَتِي واللهِ لا أكَلْتُ مَعَكَ. و"نَكِرَهُمْ" -عَلى ما ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ- مَعْناهُ: أنْكَرَهُمْ، واسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِالبَيْتِ الَّذِي نَحَلَهُ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ الأعْشى وهُوَ: ؎ وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَيْبُ والصَلَعا وقالَ بَعْضُ الناسِ: "نَكِرَ" هو مُسْتَعْمَلٌ فِيما يُرى بِالبَصَرِ فَيُنْكَرُ، و"أنْكَرَ" هي مُسْتَعْمَلَةٌ فِيما لا يُقَرَّرُ مِنَ المَعانِي، فَكَأنَّ الأعْشى قالَ: وأنْكَرْتَنِي مَوَدَّتِي وأدْمَتِي (p-٦٠٩)وَنَحْوَهُ، ثُمَّ جاءَ بِـ "نَكِرَ" في الشَيْبِ والصَلَعِ الَّذِي هو مَرْئِيٌّ بِالبَصَرِ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎ فَنَكِرْنَهُ فَنَفَرْنَ وامْتَرَسَتْ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ هَوْجاءُ هادِيَةٌ وهادٍ جُرْشَعُ والَّذِي خافَ مِنهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ امْتِناعُهم مِنَ الأكْلِ، فَعُرْفُ مَن جاءَ بِشَرٍّ ألّا يَأْكُلَ طَعامَ المَنزُولِ بِهِ، و"أوجَسَ" مَعْناهُ: أحَسَّ في نَفْسِهِ خِيفَةً مِنهُمْ، و"الوَجِيسُ": ما يَعْتَرِي النَفْسَ عِنْدَ الحَذَرِ وأوائِلِ الفَزَعِ، فَأمَّنُوهُ بِقَوْلِهِمْ: "لا تَخَفْ"، وعَلِمَ أنَّهُمُ المَلائِكَةُ. ثُمَّ خَرَجَتِ الآيَةُ إلى ذِكْرِ المَرْأةِ وبِشارَتِها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قائِمَةٌ خَلْفَ سِتْرٍ تَسْمَعُ مُحاوَرَةَ إبْراهِيمَ مَعَ أضْيافِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قائِمَةٌ في صَلاةٍ، وقالَ السُدِّيُّ مَعْناهُ: قائِمَةٌ تَخْدِمُ القَوْمَ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَهِيَ قائِمَةٌ وهو جالِسٌ". وقَوْلُهُ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: حاضَتْ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ اللُغَوِيُّونَ: ؎ وضِحْكُ الأرانِبِ فَوْقَ الصَفا ∗∗∗ ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِقا وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ قَلِيلُ التَمَكُّنِ، وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ أنْ يَكُونَ في كَلامِ العَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنى: حاضَتْ، وقَرَّرَهُ بَعْضُهُمْ، ويُقالُ ضَحِكَ إذا امْتَلَأ وفاضَ، ورَدَّ الزَجّاجُ قَوْلَ مُجاهِدٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هو الضَحِكُ المَعْرُوفُ، واخْتُلِفَ مِمَّ ضَحِكَتْ؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ضَحِكَتْ مِن تَأْمِينِهِمْ لِإبْراهِيمَ بِقَوْلِهِمْ: لا تَخَفْ. وقالَ قَتادَةُ: ضَحِكَتْ هُزُؤًا مِن قَوْمِ لُوطٍ أنْ يَكُونُوا عَلى غَفْلَةٍ وقَدْ نَفَذَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى فِيهِمْ ما نَفَذَ. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ضَحِكَتْ مِنَ البِشارَةِ بِإسْحاقَ، وقالَ: هَذا مُقَدَّمٌ بِمَعْنى التَأْخِيرِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ: ضَحِكَتْ لِظَنِّها بِهِمْ أنَّهم يُرِيدُونَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ قالَ القاضِيَ: وهَذا قَوْلٌ خَطَأٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، وقَدْ حَكاهُ الطَبَرِيُّ، وإنَّما ذَكَرْتُهُ لِمَعْنى التَنْبِيهِ عَلى فَسادِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ضَحِكَتْ مِن فَزَعِ إبْراهِيمَ مِن ثَلاثَةٍ وهي تَعْهَدُهُ يَغْلِبُ الأرْبَعِينَ مِنَ الرِجالِ، وقِيلَ: المِائَةُ. وقالَ السُدِّيُّ: ضَحِكَتْ مِن أنْ تَكُونَ هي تَخْدِمُ وإبْراهِيمُ يَحْفِدُ ويَسْعى والأضْيافُ لا يَأْكُلُونَ. وقِيلَ: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِصِدْقِ ظَنِّها، لِأنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ، إنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِقَوْمِ لُوطٍ، ورُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ مَسَحَتِ العِجْلَ فَقامَ حَيًّا فَضَحِكَتْ لِذَلِكَ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ الأعْرابِيُّ: "فَضَحَكَتْ" بِفَتْحِ الحاءِ. وامْرَأةُ إبْراهِيمَ هَذِهِ هي سارَّةُ بِنْتُ هارُونَ بْنِ ناحُورَ، وهو إبْراهِيمُ بْنُ آزَرَ بْنِ ناحُورَ فَهي ابْنَةُ عَمِّهِ، وقِيلَ: هي أُخْتُ لُوطٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أظُنُّ ذَلِكَ إلّا أُخُوَّةَ القَرابَةِ لِأنَّ إبْراهِيمَ هو عَمُّ لُوطٍ فِيما رُوِيَ: وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا قَدَّمَ العِجْلَ قالُوا لَهُ: إنّا لا نَأْكُلُ طَعامًا إلّا بِثَمَنٍ، فَقالَ لَهُمْ: ثَمَنُهُ أنْ تَذْكُرُوا اللهَ تَعالى عَلَيْهِ في أوَّلَ، وتَحْمَدُوهُ في آخِرٍ، فَقالَ جِبْرِيلُ لِأصْحابِهِ: بِحَقٍّ اتَّخَذَ اللهُ هَذا خَلِيلًا. وقَوْلُهُ: فَبَشَّرْناها أضافَ فِعْلَ المَلائِكَةِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللهِ تَعالى إذْ كانَ بِأمْرِهِ ووَحْيِهِ، وبَشَّرَ المَلائِكَةُ سارَّةَ بِإسْحاقَ وبِأنَّ إسْحاقَ سَيَلِدُ يَعْقُوبَ، ويُسَمّى ولَدُ الوَلَدِ مِنَ الوَراءِ، وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى وراءٍ في الظُرُوفِ إذْ هو ما يَكُونُ خَلْفَ الشَيْءِ وبَعْدَهُ ورَأى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلًا مَعَهُ شابٌّ، فَقالَ لَهُ: مَن هَذا؟ فَقالَ لَهُ: ولَدُ ولَدِي، فَقالَ: هو ولَدُكَ مِنَ الوَراءِ، فَغَضِبَ الرَجُلُ، فَذَكَرَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الآيَةَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ "يَعْقُوبُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ المُقَدَّمُ، وهو -عَلى هَذا- دَخَلَ في البُشْرى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: رَفْعُهُ عَلى القَطْعِ بِمَعْنى: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَحْدُثُ يَعْقُوبُ، وعَلى هَذا لا يَدْخُلُ في البِشارَةِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ "يَعْقُوبَ" بِالنَصْبِ واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، فَمِنهم مَن جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى "إسْحاقَ" إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْصَرِفْ، واسْتَسْهَلَ هَذا القائِلُ أنْ فُرِّقَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالمَجْرُورِ، وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُ هَذا إلّا عَلى إعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وهو كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ اليَوْمَ وأمْسِ عَمْرٍو، فالوَجْهُ عِنْدَهُ: وأمْسِ بِعَمْرٍو، وإذا لَمْ يَعُدْ فَفِيهِ كَبِيرُ قُبْحٍ، والوَجْهُ في نُصْبِهِ أنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَدُلُّ عَلَيْهِ البِشارَةُ وتَقْدِيرُهُ: ومِن وراءِ إسْحاقَ وهَبْنا يَعْقُوبَ، وهَذا رَجَّحَهُ أبُو عَلِيٍّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ أنَّ سارَّةَ كانَتْ في وقْتِ هَذِهِ البِشارَةِ بِنْتَ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وإبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ. وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذَبِيحَ هو إسْماعِيلُ وأنَّهُ أسَنُّ مِن إسْحاقَ وذَلِكَ أنَّ سارَةَ كانَتْ في وقْتِ إخْدامِ المَلِكِ الجائِرِ هاجَرُ أمُّ إسْماعِيلَ امْرَأةً شابَّةً جَمِيلَةً حَسَبَما في الحَدِيثِ، فاتَّخَذَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أمَّ ولَدٍ، فَغارَتْ بِها سارَّةُ، فَخَرَجَ بِها وبِابْنِها إسْماعِيلَ مِنَ الشامِ عَلى البُراقِ وجاءَ مِن يَوْمِهِ مَكَّةَ فَتَرَكَهُما- حَسَبَما في السِيَرِ- وانْصَرَفَ إلى الشامِ مِن يَوْمِهِ ثُمَّ كانَتِ البِشارَةُ بِإسْحاقَ، وسارَّةُ عَجُوزٌ مُتَجالَّةٌ، وأمّا وجْهُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّ إسْحاقَ لَيْسَ بِالذَبِيحِ فَهو أنَّ سارَّةَ وإبْراهِيمَ بُشِّرا بِإسْحاقَ وأنَّهُ يُولَدُ لَهُ يَعْقُوبُ، ثُمَّ أُمِرَ بِالذَبْحِ حِينَ بَلَغَ ابْنُهُ مَعَهُ السَعْيَ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِذَبْحِ ولَدٍ قَدْ بُشِّرَ قَبْلُ أنَّهُ سَيُولَدُ لِابْنِهِ ذَلِكَ، وأيْضًا فَلَمْ يَقَعْ قَطُّ في أثَرٍ أنَّ إسْحاقَ دَخَلَ الحِجازَ وإجْماعٌ أنَّ أمْرَ الذَبْحِ كانَ بِمِنًى، ويُؤَيِّدُ هَذا الغَرَضَ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: « "أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ"» يُرِيدُ أباهُ عَبْدَ اللهِ وأباهُ إسْماعِيلَ، ويُؤَيِّدُهُ ما نَزَعَ بِهِ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ مِنَ الِاحْتِجاجِ بِرُتْبَةِ سُورَةِ الصافّاتِ فَإنَّهُ بَعْدَ كَمالِ أمْرِ الذَبِيحِ قالَ: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا كُلِّهِ مَوْضِعُ مُعارَضاتٍ لِقائِلِ القَوْلِ الآخَرِ: إنَّ الذَبِيحَ هو إسْحاقُ، ولَكِنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ هو الأرْجَحُ واللهُ أعْلَمُ.

هود 11:71

(p-٦٠٦)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ "الرُسُلُ": المَلائِكَةُ وهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَدَلَ إسْرائِيلَ: عِزْرائِيلُ- مَلَكُ المَوْتِ- ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ مِنهم كانَ مُخْتَصًّا بِإهْلاكِ قَرْيَةِ لُوطٍ، ومِيكائِيلُ مُخْتَصًّا بِتَبْشِيرِ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ. وإسْرافِيلُ مُخْتَصًّا بِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن مَعَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي بِاشْتِراكِهِمْ في البِشارَةِ بِإسْحاقَ وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهِيَ الأكْثَرُ-: "البُشْرى" هي بِإسْحاقَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "البُشْرى" هي بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وقَوْلُهُ: "سَلامًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ كَأنَّهُ قالَ: أُسَلِّمُ سَلامًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ: سَلامًا حِكايَةً لِمَعْنى ما قالُوهُ لا لِلَفْظِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُدِّيُّ، فَلِذَلِكَ عَمِلَ فِيهِ القَوْلُ، كَما تَقُولُ- الرَجُلُ قالَ:،لا إلَهَ إلّا اللهُ": "قَلْتَ حَقًّا أو إخْلاصًا"، ولَوْ حَكَيْتَ لَفْظَهم لَمْ يَصِحَّ أنْ تُعْمِلَ فِيهِ القَوْلَ وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿قالَ سَلامٌ﴾ حِكايَةٌ لِلَفْظِهِ، و"سَلامٌ" مُرْتَفِعٌ إمّا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلَيْكم وإمّا عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] إمّا عَلى تَقْدِيرِ فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "قالُوا سَلامًا قالَ: سَلامٌ" وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "قالُوا سَلامًا، قالَ: سَلْمٌ" وكَذَلِكَ اخْتِلافُهم في سُورَةِ الذارِياتِ. وذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ السَلامَ بِعَيْنِهِ، كَما قالُوا حِلٌّ وحَلالٌ وحِرْمٌ وحَرامٌ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ مَرَرْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ∗∗∗ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَوائِحُ (p-٦٠٧)اكْتَلَّ: اتَّخَذَ إكْلِيلًا أو نَحْوَ هَذا، قالَ الطَبَرِيُّ: ورُوِيَ: كَما انْكَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "السِلْمِ": ضِدَّ الحَرْبِ، تَقُولُ نَحْنُ سِلْمٌ لَكم. وكانَ سَلامُ المَلائِكَةِ دُعاءً مَرْجُوًّا- فَلِذَلِكَ نَصَبَ- وحَيّا الخَلِيلُ بِأحْسَنَ مِمّا حُيِّيَ وهو الثابِتُ المُتَقَرِّرُ ولِذَلِكَ جاءَ مَرْفُوعًا. وقَوْلُهُ: ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، وفي "لَبِثَ" ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، و"أنْ جاءَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: بِأنْ جاءَ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً وإنْ جاءَ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "لَبِثَ" أيْ: ما لَبِثَ مَجِيئُهُ، ولَيْسَ في "لَبِثَ" -عَلى هَذا- ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، وُفي لَبِثَ ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، و"أنْ جاءَ" خَبَرُ "ما"، أيْ: فَلَبِثَ إبْراهِيمُ مَجِيئَهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، وفي أدَبِ الضَيْفِ أنْ يَجْعَلَ قِراهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ. و"الحَنِيذُ" بِمَعْنى المَحْنُوذِ ومَعْناهُ: بِعِجْلٍ مَشْوِيٍّ نَضِجٍ يُقَطَّرُ ماؤُهُ، وهَذا القَطْرُ يَفْصِلُ الحَنِيذَ مِن جُمْلَةِ المَشْوِيّاتِ، ولَكِنْ هَيْئَةُ المَحْنُوذِ في اللُغَةِ الَّذِي يُغَطّى بِحِجارَةٍ أو رَمْلٍ مَحْمِيٍّ أو حائِلٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ النارِ يُغَطّى بِهِ والمُعَرَّضُ مِنَ الشِواءِ: الَّذِي (p-٦٠٨)يُصَفَّفُ عَلى الجَمْرِ، والمُهْضَّبُ: الشِواءُ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ النارِ حائِلٌ، يَكُونُ الشِواءُ عَلَيْهِ لا مَدْفُونًا لَهُ، والتَحْنِيذُ في تَضْمِيرِ الخَيْلِ هو أنْ يُغَطّى الفَرَسُ بِجُّلٍّ عَلى جُلٍّ لِيَتَصَبَّبَ عَرَقُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهُمْ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَنْكُتُونَ بِقِداحٍ كانَتْ في أيْدِيهِمْ في اللَحْمِ ولا تَصِلُ أيْدِيهِمْ إلَيْهِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مِن أدَبِ الطَعامِ أنَّ لِصاحِبِ الضَيْفِ أنْ يَنْظُرَ مِن ضَيْفِهِ هَلْ يَأْكُلُ أمْ لا؟ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِتَلَفُّتٍ ومُسارَقَةٍ لا بِتَحْدِيدِ النَظَرِ، فَرُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا أكَلَ مَعَ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَرَأى سُلَيْمانَ في لُقْمَةِ الأعْرابِيِّ شَعْرَةً فَقالَ لَهُ: أزِلِ الشَعْرَةَ عن لُقْمَتِكَ، فَقالَ لَهُ: أتُنْظَرُ إلَيَّ نَظَرَ مَن يَرى الشَعْرَ في لُقْمَتِي واللهِ لا أكَلْتُ مَعَكَ. و"نَكِرَهُمْ" -عَلى ما ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ- مَعْناهُ: أنْكَرَهُمْ، واسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِالبَيْتِ الَّذِي نَحَلَهُ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ الأعْشى وهُوَ: ؎ وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَيْبُ والصَلَعا وقالَ بَعْضُ الناسِ: "نَكِرَ" هو مُسْتَعْمَلٌ فِيما يُرى بِالبَصَرِ فَيُنْكَرُ، و"أنْكَرَ" هي مُسْتَعْمَلَةٌ فِيما لا يُقَرَّرُ مِنَ المَعانِي، فَكَأنَّ الأعْشى قالَ: وأنْكَرْتَنِي مَوَدَّتِي وأدْمَتِي (p-٦٠٩)وَنَحْوَهُ، ثُمَّ جاءَ بِـ "نَكِرَ" في الشَيْبِ والصَلَعِ الَّذِي هو مَرْئِيٌّ بِالبَصَرِ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎ فَنَكِرْنَهُ فَنَفَرْنَ وامْتَرَسَتْ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ هَوْجاءُ هادِيَةٌ وهادٍ جُرْشَعُ والَّذِي خافَ مِنهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ امْتِناعُهم مِنَ الأكْلِ، فَعُرْفُ مَن جاءَ بِشَرٍّ ألّا يَأْكُلَ طَعامَ المَنزُولِ بِهِ، و"أوجَسَ" مَعْناهُ: أحَسَّ في نَفْسِهِ خِيفَةً مِنهُمْ، و"الوَجِيسُ": ما يَعْتَرِي النَفْسَ عِنْدَ الحَذَرِ وأوائِلِ الفَزَعِ، فَأمَّنُوهُ بِقَوْلِهِمْ: "لا تَخَفْ"، وعَلِمَ أنَّهُمُ المَلائِكَةُ. ثُمَّ خَرَجَتِ الآيَةُ إلى ذِكْرِ المَرْأةِ وبِشارَتِها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قائِمَةٌ خَلْفَ سِتْرٍ تَسْمَعُ مُحاوَرَةَ إبْراهِيمَ مَعَ أضْيافِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قائِمَةٌ في صَلاةٍ، وقالَ السُدِّيُّ مَعْناهُ: قائِمَةٌ تَخْدِمُ القَوْمَ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَهِيَ قائِمَةٌ وهو جالِسٌ". وقَوْلُهُ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: حاضَتْ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ اللُغَوِيُّونَ: ؎ وضِحْكُ الأرانِبِ فَوْقَ الصَفا ∗∗∗ ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِقا وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ قَلِيلُ التَمَكُّنِ، وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ أنْ يَكُونَ في كَلامِ العَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنى: حاضَتْ، وقَرَّرَهُ بَعْضُهُمْ، ويُقالُ ضَحِكَ إذا امْتَلَأ وفاضَ، ورَدَّ الزَجّاجُ قَوْلَ مُجاهِدٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هو الضَحِكُ المَعْرُوفُ، واخْتُلِفَ مِمَّ ضَحِكَتْ؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ضَحِكَتْ مِن تَأْمِينِهِمْ لِإبْراهِيمَ بِقَوْلِهِمْ: لا تَخَفْ. وقالَ قَتادَةُ: ضَحِكَتْ هُزُؤًا مِن قَوْمِ لُوطٍ أنْ يَكُونُوا عَلى غَفْلَةٍ وقَدْ نَفَذَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى فِيهِمْ ما نَفَذَ. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ضَحِكَتْ مِنَ البِشارَةِ بِإسْحاقَ، وقالَ: هَذا مُقَدَّمٌ بِمَعْنى التَأْخِيرِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ: ضَحِكَتْ لِظَنِّها بِهِمْ أنَّهم يُرِيدُونَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ قالَ القاضِيَ: وهَذا قَوْلٌ خَطَأٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، وقَدْ حَكاهُ الطَبَرِيُّ، وإنَّما ذَكَرْتُهُ لِمَعْنى التَنْبِيهِ عَلى فَسادِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ضَحِكَتْ مِن فَزَعِ إبْراهِيمَ مِن ثَلاثَةٍ وهي تَعْهَدُهُ يَغْلِبُ الأرْبَعِينَ مِنَ الرِجالِ، وقِيلَ: المِائَةُ. وقالَ السُدِّيُّ: ضَحِكَتْ مِن أنْ تَكُونَ هي تَخْدِمُ وإبْراهِيمُ يَحْفِدُ ويَسْعى والأضْيافُ لا يَأْكُلُونَ. وقِيلَ: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِصِدْقِ ظَنِّها، لِأنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ، إنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِقَوْمِ لُوطٍ، ورُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ مَسَحَتِ العِجْلَ فَقامَ حَيًّا فَضَحِكَتْ لِذَلِكَ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ الأعْرابِيُّ: "فَضَحَكَتْ" بِفَتْحِ الحاءِ. وامْرَأةُ إبْراهِيمَ هَذِهِ هي سارَّةُ بِنْتُ هارُونَ بْنِ ناحُورَ، وهو إبْراهِيمُ بْنُ آزَرَ بْنِ ناحُورَ فَهي ابْنَةُ عَمِّهِ، وقِيلَ: هي أُخْتُ لُوطٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أظُنُّ ذَلِكَ إلّا أُخُوَّةَ القَرابَةِ لِأنَّ إبْراهِيمَ هو عَمُّ لُوطٍ فِيما رُوِيَ: وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا قَدَّمَ العِجْلَ قالُوا لَهُ: إنّا لا نَأْكُلُ طَعامًا إلّا بِثَمَنٍ، فَقالَ لَهُمْ: ثَمَنُهُ أنْ تَذْكُرُوا اللهَ تَعالى عَلَيْهِ في أوَّلَ، وتَحْمَدُوهُ في آخِرٍ، فَقالَ جِبْرِيلُ لِأصْحابِهِ: بِحَقٍّ اتَّخَذَ اللهُ هَذا خَلِيلًا. وقَوْلُهُ: فَبَشَّرْناها أضافَ فِعْلَ المَلائِكَةِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللهِ تَعالى إذْ كانَ بِأمْرِهِ ووَحْيِهِ، وبَشَّرَ المَلائِكَةُ سارَّةَ بِإسْحاقَ وبِأنَّ إسْحاقَ سَيَلِدُ يَعْقُوبَ، ويُسَمّى ولَدُ الوَلَدِ مِنَ الوَراءِ، وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى وراءٍ في الظُرُوفِ إذْ هو ما يَكُونُ خَلْفَ الشَيْءِ وبَعْدَهُ ورَأى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلًا مَعَهُ شابٌّ، فَقالَ لَهُ: مَن هَذا؟ فَقالَ لَهُ: ولَدُ ولَدِي، فَقالَ: هو ولَدُكَ مِنَ الوَراءِ، فَغَضِبَ الرَجُلُ، فَذَكَرَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الآيَةَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ "يَعْقُوبُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ المُقَدَّمُ، وهو -عَلى هَذا- دَخَلَ في البُشْرى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: رَفْعُهُ عَلى القَطْعِ بِمَعْنى: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَحْدُثُ يَعْقُوبُ، وعَلى هَذا لا يَدْخُلُ في البِشارَةِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ "يَعْقُوبَ" بِالنَصْبِ واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، فَمِنهم مَن جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى "إسْحاقَ" إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْصَرِفْ، واسْتَسْهَلَ هَذا القائِلُ أنْ فُرِّقَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالمَجْرُورِ، وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُ هَذا إلّا عَلى إعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وهو كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ اليَوْمَ وأمْسِ عَمْرٍو، فالوَجْهُ عِنْدَهُ: وأمْسِ بِعَمْرٍو، وإذا لَمْ يَعُدْ فَفِيهِ كَبِيرُ قُبْحٍ، والوَجْهُ في نُصْبِهِ أنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَدُلُّ عَلَيْهِ البِشارَةُ وتَقْدِيرُهُ: ومِن وراءِ إسْحاقَ وهَبْنا يَعْقُوبَ، وهَذا رَجَّحَهُ أبُو عَلِيٍّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ أنَّ سارَّةَ كانَتْ في وقْتِ هَذِهِ البِشارَةِ بِنْتَ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وإبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ. وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذَبِيحَ هو إسْماعِيلُ وأنَّهُ أسَنُّ مِن إسْحاقَ وذَلِكَ أنَّ سارَةَ كانَتْ في وقْتِ إخْدامِ المَلِكِ الجائِرِ هاجَرُ أمُّ إسْماعِيلَ امْرَأةً شابَّةً جَمِيلَةً حَسَبَما في الحَدِيثِ، فاتَّخَذَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أمَّ ولَدٍ، فَغارَتْ بِها سارَّةُ، فَخَرَجَ بِها وبِابْنِها إسْماعِيلَ مِنَ الشامِ عَلى البُراقِ وجاءَ مِن يَوْمِهِ مَكَّةَ فَتَرَكَهُما- حَسَبَما في السِيَرِ- وانْصَرَفَ إلى الشامِ مِن يَوْمِهِ ثُمَّ كانَتِ البِشارَةُ بِإسْحاقَ، وسارَّةُ عَجُوزٌ مُتَجالَّةٌ، وأمّا وجْهُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّ إسْحاقَ لَيْسَ بِالذَبِيحِ فَهو أنَّ سارَّةَ وإبْراهِيمَ بُشِّرا بِإسْحاقَ وأنَّهُ يُولَدُ لَهُ يَعْقُوبُ، ثُمَّ أُمِرَ بِالذَبْحِ حِينَ بَلَغَ ابْنُهُ مَعَهُ السَعْيَ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِذَبْحِ ولَدٍ قَدْ بُشِّرَ قَبْلُ أنَّهُ سَيُولَدُ لِابْنِهِ ذَلِكَ، وأيْضًا فَلَمْ يَقَعْ قَطُّ في أثَرٍ أنَّ إسْحاقَ دَخَلَ الحِجازَ وإجْماعٌ أنَّ أمْرَ الذَبْحِ كانَ بِمِنًى، ويُؤَيِّدُ هَذا الغَرَضَ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: « "أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ"» يُرِيدُ أباهُ عَبْدَ اللهِ وأباهُ إسْماعِيلَ، ويُؤَيِّدُهُ ما نَزَعَ بِهِ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ مِنَ الِاحْتِجاجِ بِرُتْبَةِ سُورَةِ الصافّاتِ فَإنَّهُ بَعْدَ كَمالِ أمْرِ الذَبِيحِ قالَ: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا كُلِّهِ مَوْضِعُ مُعارَضاتٍ لِقائِلِ القَوْلِ الآخَرِ: إنَّ الذَبِيحَ هو إسْحاقُ، ولَكِنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ هو الأرْجَحُ واللهُ أعْلَمُ.

هود 11:72

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ: يا ويْلَتى وأظْهَرُ ما فِيها أنَّها بَدَلُ ياءِ الإضافَةِ، أصْلُها: يا ويْلَتِي، كَما تَقُولُ: يا غُلاما ويا غَوْثا وقَدْ تُرْدَفُ هَذِهِ الألِفُ بِهاءٍ في الكَلامِ، ولَمْ يُقْرَأْ بِها، وأمالَ هَذِهِ الألِفَ عاصِمٌ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍو. ومَعْنى يا ويْلَتى في هَذا المَوْضِعِ العِبارَةُ عَمّا دَهَمَ النَفْسَ مِنَ العَجَبِ في وِلادَةِ عَجُوزٍ، وأصْلُ هَذا الدُعاءِ بِالوَيْلِ ونَحْوِهِ في التَفَجُّعِ لِشِدَّةٍ أو مَكْرُوهٍ يُهِمُّ النَفْسَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بَعْدُ في عَجَبٍ يَدْهَمُ النَفْسَ وقالَ قَوْمٌ: إنَّما قالَتْ: يا ويْلَتى لَمّا مَرَّ بِفِكْرِها مِن ألَمِ الوِلادَةِ وشِدَّتِها، ثُمَّ رَجَعَتْ بِفِكْرِها إلى التَعَجُّبِ ونَطَقَتْ بِقَوْلِها أألِدُ وأنا عَجُوزٌ؟ الآيَةُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أألِدُ" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَخْفِيفِ الأولى وتَحْقِيقِ الثانِيَةِ، وفي النُطْقِ بِهَذِهِ عُسْرٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِتَحْقِيقِ الأُولى وتَخْفِيفِ الثانِيَةِ، والتَخْفِيفُ هُنا مَدُّها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "ءاألِدُ" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ ومَدَّةٍ بَيْنَهُما. و"العَجُوزُ" المُسِنَّةُ، وقَدْ حَكى بَعْضُ الناسِ: أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: العَجُوزَةُ، و"البَعْلُ": الزَوْجُ، وشَيْخًا نُصِبَ عَلى الحالِ وهي حالٌ مِن مُشارٍ إلَيْهِ لا يُسْتَغْنى عنها لِأنَّها مَقْصُودُ الإخْبارِ، وهي لا تَصِحُّ إلّا إذا لَمْ يَقْصِدِ المُتَكَلِّمُ التَعْرِيفَ بِذِي الحالِ، مِثْلُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ يَعْرِفُهُ وأمّا إذا قَصَدَ التَعْرِيفَ بِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ التَعْرِيفُ في الخَبَرِ قَبْلَ الحالِ، وتَجِيءُ الحالُ عَلى بابِها مُسْتَغْنًى عنها، ومِثالُ هَذا قَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ قائِمًا، إذا أرَدْتَ التَعْرِيفَ بِزَيْدٍ. أو كانَ مَعْرُوفًا وأرَدْتَ التَعْرِيفَ بِقِيامِهِ، وأمّا إنْ قَصَدَ المُتَكَلِّمُ أنَّ زَيْدِيَّتَهُ إنَّما هي مادامَ قائِمًا، فالكَلامُ لا يَجُوزُ. وقَرَأ الأعْمَشُ "هَذا بَعْلِي شَيْخٌ"، قالَ أبُو حاتِمٍ وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ورَفَعُهُ عَلى وُجُوهٍ: مِنها: أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَما تَقُولُ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، ومِنها: أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هو شَيْخٌ ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ الناسِ قَرَأهُ: "وَهَذا بَعْلِي هَذا شَيْخٌ"، وهَذِهِ القِراءَةُ شَبِيهَةٌ بِهَذا التَأْوِيلِ. ومِنها: أنَّهُ بَدَلٌ مِن بَعْلِي ومِنها: أنْ يَكُونَ قَوْلُها بَعْلِي بَدَلًا مِن هَذا أو عَطْفَ بَيانٍ عَلَيْهِ، ويَكُونَ "شَيْخٌ" خَبَرُ هَذا. ويُقالُ شَيْخٌ وشَيْخَةٌ- وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ شَيْخٌ. ورُوِيَ أنَّ سارَّةَ كانَتْ وقْتَ هَذِهِ المَقالَةِ مِن تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مِن تِسْعِينَ- قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ - وقِيلَ: مِن ثَمانِينَ وكَذَلِكَ قِيلَ: في سِنِّ إبْراهِيمَ، إنَّهُ كانَ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مِائَةَ سَنَةٍ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: قالُوا لِلْمَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ: مِن أمْرِ اللهِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ واحِدَ الأُمُورِ، أيْ مِنَ الوِلادَةِ في هَذِهِ السِنِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَصْدَرَ أمَرَ، أيْ مِمّا أمَرَ اللهُ في هَذِهِ النازِلَةِ. وقَوْلُهُ: رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ يَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يَكُونَ دُعاءً وأنْ يَكُونَ إخْبارًا، وكَوْنُهُ إخْبارًا أشْرَفُ، لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ الرَحْمَةِ والبَرَكَةِ لَهُمْ، وكَوْنُهُ دُعاءً إنَّما يَقْتَضِي أنَّهُ أمْرٌ يُتَرَجّى ولَمْ يَتَحَصَّلْ بَعْدُ. ونَصْبُ أهْلَ البَيْتِ عَلى الِاخْتِصاصِ- هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، ولِذَلِكَ جُعِلَ هَذا والنَصْبُ عَلى المَدْحِ في بابَيْنِ. كَأنَّهُ مَيَّزَ النَصْبَ عَلى المَدْحِ بِأنْ يَكُونَ المُنْتَصِبُ لَفْظًا يَتَضَمَّنُ بِنَفَسِهِ مَدْحًا كَما تَقُولُ: هَذا زَيْدٌ عاقِلَ قَوْمِهِ، وجُعِلَ الِاخْتِصاصُ إذا لَمْ تَتَضَمَّنِ اللَفْظَةُ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: إنّا مُعاشِرَ الأنْبِياءِ وإنّا بَنِي نَهْشَلٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا يَكُونُ الِاخْتِصاصُ إلّا بِمَدْحٍ أو ذَمٍّ، لَكِنْ لَيْسَ في نَفْسِ اللَفْظَةِ المَنصُوبَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ تُعْطِي أنَّ زَوْجَةَ الرَجُلِ مِن أهْلِ بَيْتِهِ لِأنَّها خُوطِبَتْ بِهَذا، فَيَقْوى القَوْلُ في زَوْجاتِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ بِأنَّهُنَّ مِن أهْلِ بَيْتِهِ الَّذِينَ أذْهَبَ اللهُ عنهُمُ الرِجْسَ، بِخِلافِ ما تَذْهَبُ إلَيْهِ الشِيعَةُ، وقَدْ قالَهُ أيْضًا بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، قالُوا: "أهْلُ بَيْتِهِ" الَّذِينَ حُرِمُوا الصَدَقَةَ، والأوَّلُ أقْوى وهو ظاهِرٌ جَلِيٌّ مِن سُورَةِ الأحْزابِ لِأنَّهُ ناداهُنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿يا نِساءَ النَبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٣٠] ثُمَّ بِقَوْلِهِ: أهْلَ البَيْتِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَقَعَ في البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: أهْلُ بَيْتِهِ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَدَقَةَ بَعْدَهُ فَأرادَ ابْنُ عَبّاسٍ: أهْلَ بَيْتِ النَسَبِ الَّذِينَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِمْ: «إنَّ الصَدَقَةَ لا تَحِلُّ لِأهْلِ بَيْتِي إنَّما هي أوساخُ الناسِ.» والبَيْتُ في هَذِهِ الآيَةِ وفي سُورَةِ الأحْزابِ بَيْتُ السُكْنى فَفي اللَفْظِ اشْتِراكٌ يَنْبَغِي أنْ يُتَحَسَّسَ إلَيْهِ. فَفاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنها مِن أهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالوَجْهَيْنِ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالواحِدِ، وزَوْجاتُهُ بِالآخَرِ، وأمّا الشِيعَةُ فَيَدْفَعُونَ الزَوْجاتِ بُغْضًا في عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها. وحَمِيدٌ أيْ أفْعالُهُ تَقْتَضِي أنْ يُحْمَدَ، ومَجِيدٌ أيْ مُتَّصِفٌ بِأوصافِ العُلُوِّ، ومَجُدَ الشَيْءُ إذا حَسُنَتْ أوصافُهُ.

هود 11:73

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في الألِفِ الَّتِي في قَوْلِهِ: يا ويْلَتى وأظْهَرُ ما فِيها أنَّها بَدَلُ ياءِ الإضافَةِ، أصْلُها: يا ويْلَتِي، كَما تَقُولُ: يا غُلاما ويا غَوْثا وقَدْ تُرْدَفُ هَذِهِ الألِفُ بِهاءٍ في الكَلامِ، ولَمْ يُقْرَأْ بِها، وأمالَ هَذِهِ الألِفَ عاصِمٌ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍو. ومَعْنى يا ويْلَتى في هَذا المَوْضِعِ العِبارَةُ عَمّا دَهَمَ النَفْسَ مِنَ العَجَبِ في وِلادَةِ عَجُوزٍ، وأصْلُ هَذا الدُعاءِ بِالوَيْلِ ونَحْوِهِ في التَفَجُّعِ لِشِدَّةٍ أو مَكْرُوهٍ يُهِمُّ النَفْسَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بَعْدُ في عَجَبٍ يَدْهَمُ النَفْسَ وقالَ قَوْمٌ: إنَّما قالَتْ: يا ويْلَتى لَمّا مَرَّ بِفِكْرِها مِن ألَمِ الوِلادَةِ وشِدَّتِها، ثُمَّ رَجَعَتْ بِفِكْرِها إلى التَعَجُّبِ ونَطَقَتْ بِقَوْلِها أألِدُ وأنا عَجُوزٌ؟ الآيَةُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أألِدُ" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَخْفِيفِ الأولى وتَحْقِيقِ الثانِيَةِ، وفي النُطْقِ بِهَذِهِ عُسْرٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِتَحْقِيقِ الأُولى وتَخْفِيفِ الثانِيَةِ، والتَخْفِيفُ هُنا مَدُّها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "ءاألِدُ" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ ومَدَّةٍ بَيْنَهُما. و"العَجُوزُ" المُسِنَّةُ، وقَدْ حَكى بَعْضُ الناسِ: أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: العَجُوزَةُ، و"البَعْلُ": الزَوْجُ، وشَيْخًا نُصِبَ عَلى الحالِ وهي حالٌ مِن مُشارٍ إلَيْهِ لا يُسْتَغْنى عنها لِأنَّها مَقْصُودُ الإخْبارِ، وهي لا تَصِحُّ إلّا إذا لَمْ يَقْصِدِ المُتَكَلِّمُ التَعْرِيفَ بِذِي الحالِ، مِثْلُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ يَعْرِفُهُ وأمّا إذا قَصَدَ التَعْرِيفَ بِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ التَعْرِيفُ في الخَبَرِ قَبْلَ الحالِ، وتَجِيءُ الحالُ عَلى بابِها مُسْتَغْنًى عنها، ومِثالُ هَذا قَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ قائِمًا، إذا أرَدْتَ التَعْرِيفَ بِزَيْدٍ. أو كانَ مَعْرُوفًا وأرَدْتَ التَعْرِيفَ بِقِيامِهِ، وأمّا إنْ قَصَدَ المُتَكَلِّمُ أنَّ زَيْدِيَّتَهُ إنَّما هي مادامَ قائِمًا، فالكَلامُ لا يَجُوزُ. وقَرَأ الأعْمَشُ "هَذا بَعْلِي شَيْخٌ"، قالَ أبُو حاتِمٍ وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ورَفَعُهُ عَلى وُجُوهٍ: مِنها: أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَما تَقُولُ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، ومِنها: أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هو شَيْخٌ ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ الناسِ قَرَأهُ: "وَهَذا بَعْلِي هَذا شَيْخٌ"، وهَذِهِ القِراءَةُ شَبِيهَةٌ بِهَذا التَأْوِيلِ. ومِنها: أنَّهُ بَدَلٌ مِن بَعْلِي ومِنها: أنْ يَكُونَ قَوْلُها بَعْلِي بَدَلًا مِن هَذا أو عَطْفَ بَيانٍ عَلَيْهِ، ويَكُونَ "شَيْخٌ" خَبَرُ هَذا. ويُقالُ شَيْخٌ وشَيْخَةٌ- وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ شَيْخٌ. ورُوِيَ أنَّ سارَّةَ كانَتْ وقْتَ هَذِهِ المَقالَةِ مِن تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مِن تِسْعِينَ- قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ - وقِيلَ: مِن ثَمانِينَ وكَذَلِكَ قِيلَ: في سِنِّ إبْراهِيمَ، إنَّهُ كانَ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مِائَةَ سَنَةٍ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: قالُوا لِلْمَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ: مِن أمْرِ اللهِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ واحِدَ الأُمُورِ، أيْ مِنَ الوِلادَةِ في هَذِهِ السِنِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَصْدَرَ أمَرَ، أيْ مِمّا أمَرَ اللهُ في هَذِهِ النازِلَةِ. وقَوْلُهُ: رَحْمَتُ اللهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ يَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يَكُونَ دُعاءً وأنْ يَكُونَ إخْبارًا، وكَوْنُهُ إخْبارًا أشْرَفُ، لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ الرَحْمَةِ والبَرَكَةِ لَهُمْ، وكَوْنُهُ دُعاءً إنَّما يَقْتَضِي أنَّهُ أمْرٌ يُتَرَجّى ولَمْ يَتَحَصَّلْ بَعْدُ. ونَصْبُ أهْلَ البَيْتِ عَلى الِاخْتِصاصِ- هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، ولِذَلِكَ جُعِلَ هَذا والنَصْبُ عَلى المَدْحِ في بابَيْنِ. كَأنَّهُ مَيَّزَ النَصْبَ عَلى المَدْحِ بِأنْ يَكُونَ المُنْتَصِبُ لَفْظًا يَتَضَمَّنُ بِنَفَسِهِ مَدْحًا كَما تَقُولُ: هَذا زَيْدٌ عاقِلَ قَوْمِهِ، وجُعِلَ الِاخْتِصاصُ إذا لَمْ تَتَضَمَّنِ اللَفْظَةُ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: إنّا مُعاشِرَ الأنْبِياءِ وإنّا بَنِي نَهْشَلٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا يَكُونُ الِاخْتِصاصُ إلّا بِمَدْحٍ أو ذَمٍّ، لَكِنْ لَيْسَ في نَفْسِ اللَفْظَةِ المَنصُوبَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ تُعْطِي أنَّ زَوْجَةَ الرَجُلِ مِن أهْلِ بَيْتِهِ لِأنَّها خُوطِبَتْ بِهَذا، فَيَقْوى القَوْلُ في زَوْجاتِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ بِأنَّهُنَّ مِن أهْلِ بَيْتِهِ الَّذِينَ أذْهَبَ اللهُ عنهُمُ الرِجْسَ، بِخِلافِ ما تَذْهَبُ إلَيْهِ الشِيعَةُ، وقَدْ قالَهُ أيْضًا بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، قالُوا: "أهْلُ بَيْتِهِ" الَّذِينَ حُرِمُوا الصَدَقَةَ، والأوَّلُ أقْوى وهو ظاهِرٌ جَلِيٌّ مِن سُورَةِ الأحْزابِ لِأنَّهُ ناداهُنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿يا نِساءَ النَبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٣٠] ثُمَّ بِقَوْلِهِ: أهْلَ البَيْتِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَقَعَ في البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: أهْلُ بَيْتِهِ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَدَقَةَ بَعْدَهُ فَأرادَ ابْنُ عَبّاسٍ: أهْلَ بَيْتِ النَسَبِ الَّذِينَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِمْ: «إنَّ الصَدَقَةَ لا تَحِلُّ لِأهْلِ بَيْتِي إنَّما هي أوساخُ الناسِ.» والبَيْتُ في هَذِهِ الآيَةِ وفي سُورَةِ الأحْزابِ بَيْتُ السُكْنى فَفي اللَفْظِ اشْتِراكٌ يَنْبَغِي أنْ يُتَحَسَّسَ إلَيْهِ. فَفاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنها مِن أهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالوَجْهَيْنِ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالواحِدِ، وزَوْجاتُهُ بِالآخَرِ، وأمّا الشِيعَةُ فَيَدْفَعُونَ الزَوْجاتِ بُغْضًا في عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها. وحَمِيدٌ أيْ أفْعالُهُ تَقْتَضِي أنْ يُحْمَدَ، ومَجِيدٌ أيْ مُتَّصِفٌ بِأوصافِ العُلُوِّ، ومَجُدَ الشَيْءُ إذا حَسُنَتْ أوصافُهُ.

هود 11:74

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عن إبْراهِيمَ الرَوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عن هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ الرَوْعُ: الفَزَعُ والخِيفَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وكانَ ذَهابُهُ بِإخْبارِهِمْ إيّاهُ أنَّهم مَلائِكَةٌ. والبُشْرى: تَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ الوَلَدَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ البُشْرى بِأنَّ المُرادَ غَيْرُهُ، والأوَّلُ أبْيَنُ. وقَوْلُهُ: يُجادِلُنا فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ جائِزٌ أنْ يَسُدَّ مَسَدَّ الماضِي الَّذِي يَصْلُحُ لِجَوابِ "لَمّا"، لا سِيَّما والإشْكالُ مُرْتَفِعٌ بِمُضِيِّ زَمانِ الأمْرِ ومَعْرِفَةِ السامِعِينَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ ظَلَّ أو أخَذَ ونَحْوَهُ يُجادِلُنا، فَحُذِفَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ، يُجادِلُنا حالًا مِن إبْراهِيمَ أو مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: جاءَتْهُ، ويَكُونُ جَوابُ "لَمّا" في الآيَةِ الثانِيَةِ: "قُلْنا: يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عن هَذا" واخْتارَ هَذا أبُو عَلِيٍّ، و"المُجادَلَةُ": المُقابَلَةُ في القَوْلِ والحُجَجِ، وكَأنَّها أعَمُّ مِنَ المُخاصَمَةِ فَقَدْ يُجادِلُ مَن لا يُخاصِمُ كَإبْراهِيمَ. وفِي هَذِهِ النازِلَةِ وُصِفَ إبْراهِيمُ "بِالحِلْمِ" قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَغْضَبْ قَطُّ لِنَفْسِهِ إلّا أنْ يَغْضَبَ لِلَّهِ. و"الحِلْمُ": العَقْلُ إلّا إذا انْضافَ إلَيْهِ أناةٌ واحْتِمالٌ. والأوّاهُ مَعْناهُ: الخائِفُ الَّذِي يُكْثِرُ التَأوُّهَ مِن خَوْفِ اللهِ تَعالى ويُرْوى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَسْمَعُ وجَيْبَ قَلْبِهِ مِنَ الخَشْيَةِ، قِيلَ: كَما تُسْمَعُ أجْنِحَةُ النُسُورِ ولِلْمُفَسِّرِينَ في "الأوّاهِ" عِباراتٌ كُلُّها تَرْجِعُ إلى ما ذَكَرْتُهُ وتَلْزَمُهُ. والمُنِيبُ: الرَجاعُ إلى اللهِ تَعالى في كُلِّ أمْرِهِ. وصُورَةُ جِدالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَتْ أنْ قالَ إبْراهِيمُ: إنْ كانَ فِيهِمْ مِائَةُ مُؤْمِنٍ أتُعَذِّبُونَهُمْ؟ قالُوا لا. قالَ: أفَتِسْعُونَ؟ قالُوا لا. قالَ: أفَثَمانُونَ؟ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى بَلَغَ خَمْسَةً ووَقَفَ عِنْدَ ذَلِكَ وقَدْ عَدَّ في بَيْتِ لُوطٍ امْرَأتَهُ فَوَجَدَهم سِتَّةً بِها فَطَمِعَ في نَجاتِهِمْ ولَمْ يَشْعُرْ أنَّها مِنَ الكَفَرَةِ، وكانَ ذَلِكَ مِن إبْراهِيمَ حِرْصًا عَلى إيمانِ تِلْكَ الأُمَّةِ ونَجاتِها، وقَدْ كَثُرَ اخْتِلافُ رُواةِ المُفَسِّرِينَ لِهَذِهِ الأعْدادِ في قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَعْنى كُلُّهُ نَحْوٌ مِمّا ذَكَرْتُهُ، وكَذَلِكَ ذَكَرُوا أنَّ قَوْمَ لُوطٍ كانُوا أرْبَعَمِائَةِ ألْفٍ في خَمْسِ قُرى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ يُجادِلُنا في مُؤْمِنِي قَوْمِ لُوطٍ- وهَذا ضَعِيفٌ- وأمْرُهُ بِالإعْراضِ عَنِ المُجادَلَةِ يَقْتَضِي أنَّها إنَّما كانَتْ في الكَفَرَةِ حِرْصًا عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: قُلْنا يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنِ المُجادَلَةِ في هَؤُلاءِ القَوْمِ والمُراجَعَةِ فِيهِمْ، فَقَدْ نَفَذَ فِيهِمُ القَضاءُ، وجاءَ أمْرُ رَبِّكَ الأمْرُ هُنا: واحِدُ الأُمُورِ بِقَرِينَةِ وصَفِهِ بِالمَجِيءِ، فَإنْ جَعَلْناهُ مَصْدَرَ أمَرَ قَدَّرْنا حَذْفَ مُضافٍ، أيْ جاءَ مُقْتَضى أمْرِ رَبِّكَ ونَحْوَ هَذا وقَوْلُهُ: آتِيهِمْ عَذابٌ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ "إنَّ" وقِيلَ: آتِيهِمْ خَبَرُ "إنَّ" فَهو اسْمُ فاعِلٍ مُعْتَمِدٌ، وعَذابٌ فاعِلٌ بِـ آتِيهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ مُقْتَضِيَةٌ أنَّ الدُعاءَ إنَّما هو أنْ يُوَفِّقَ اللهُ الداعِيَ إلى طَلَبِ المَقْدُورِ، فَأمّا الدُعاءُ في طَلَبِ غَيْرِ المَقْدُورِ فَغَيْرُ مُجْدٍ ولا نافِعٍ.

هود 11:75

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عن إبْراهِيمَ الرَوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عن هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ الرَوْعُ: الفَزَعُ والخِيفَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وكانَ ذَهابُهُ بِإخْبارِهِمْ إيّاهُ أنَّهم مَلائِكَةٌ. والبُشْرى: تَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ الوَلَدَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ البُشْرى بِأنَّ المُرادَ غَيْرُهُ، والأوَّلُ أبْيَنُ. وقَوْلُهُ: يُجادِلُنا فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ جائِزٌ أنْ يَسُدَّ مَسَدَّ الماضِي الَّذِي يَصْلُحُ لِجَوابِ "لَمّا"، لا سِيَّما والإشْكالُ مُرْتَفِعٌ بِمُضِيِّ زَمانِ الأمْرِ ومَعْرِفَةِ السامِعِينَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ ظَلَّ أو أخَذَ ونَحْوَهُ يُجادِلُنا، فَحُذِفَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ، يُجادِلُنا حالًا مِن إبْراهِيمَ أو مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: جاءَتْهُ، ويَكُونُ جَوابُ "لَمّا" في الآيَةِ الثانِيَةِ: "قُلْنا: يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عن هَذا" واخْتارَ هَذا أبُو عَلِيٍّ، و"المُجادَلَةُ": المُقابَلَةُ في القَوْلِ والحُجَجِ، وكَأنَّها أعَمُّ مِنَ المُخاصَمَةِ فَقَدْ يُجادِلُ مَن لا يُخاصِمُ كَإبْراهِيمَ. وفِي هَذِهِ النازِلَةِ وُصِفَ إبْراهِيمُ "بِالحِلْمِ" قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَغْضَبْ قَطُّ لِنَفْسِهِ إلّا أنْ يَغْضَبَ لِلَّهِ. و"الحِلْمُ": العَقْلُ إلّا إذا انْضافَ إلَيْهِ أناةٌ واحْتِمالٌ. والأوّاهُ مَعْناهُ: الخائِفُ الَّذِي يُكْثِرُ التَأوُّهَ مِن خَوْفِ اللهِ تَعالى ويُرْوى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَسْمَعُ وجَيْبَ قَلْبِهِ مِنَ الخَشْيَةِ، قِيلَ: كَما تُسْمَعُ أجْنِحَةُ النُسُورِ ولِلْمُفَسِّرِينَ في "الأوّاهِ" عِباراتٌ كُلُّها تَرْجِعُ إلى ما ذَكَرْتُهُ وتَلْزَمُهُ. والمُنِيبُ: الرَجاعُ إلى اللهِ تَعالى في كُلِّ أمْرِهِ. وصُورَةُ جِدالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَتْ أنْ قالَ إبْراهِيمُ: إنْ كانَ فِيهِمْ مِائَةُ مُؤْمِنٍ أتُعَذِّبُونَهُمْ؟ قالُوا لا. قالَ: أفَتِسْعُونَ؟ قالُوا لا. قالَ: أفَثَمانُونَ؟ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى بَلَغَ خَمْسَةً ووَقَفَ عِنْدَ ذَلِكَ وقَدْ عَدَّ في بَيْتِ لُوطٍ امْرَأتَهُ فَوَجَدَهم سِتَّةً بِها فَطَمِعَ في نَجاتِهِمْ ولَمْ يَشْعُرْ أنَّها مِنَ الكَفَرَةِ، وكانَ ذَلِكَ مِن إبْراهِيمَ حِرْصًا عَلى إيمانِ تِلْكَ الأُمَّةِ ونَجاتِها، وقَدْ كَثُرَ اخْتِلافُ رُواةِ المُفَسِّرِينَ لِهَذِهِ الأعْدادِ في قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَعْنى كُلُّهُ نَحْوٌ مِمّا ذَكَرْتُهُ، وكَذَلِكَ ذَكَرُوا أنَّ قَوْمَ لُوطٍ كانُوا أرْبَعَمِائَةِ ألْفٍ في خَمْسِ قُرى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ يُجادِلُنا في مُؤْمِنِي قَوْمِ لُوطٍ- وهَذا ضَعِيفٌ- وأمْرُهُ بِالإعْراضِ عَنِ المُجادَلَةِ يَقْتَضِي أنَّها إنَّما كانَتْ في الكَفَرَةِ حِرْصًا عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: قُلْنا يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنِ المُجادَلَةِ في هَؤُلاءِ القَوْمِ والمُراجَعَةِ فِيهِمْ، فَقَدْ نَفَذَ فِيهِمُ القَضاءُ، وجاءَ أمْرُ رَبِّكَ الأمْرُ هُنا: واحِدُ الأُمُورِ بِقَرِينَةِ وصَفِهِ بِالمَجِيءِ، فَإنْ جَعَلْناهُ مَصْدَرَ أمَرَ قَدَّرْنا حَذْفَ مُضافٍ، أيْ جاءَ مُقْتَضى أمْرِ رَبِّكَ ونَحْوَ هَذا وقَوْلُهُ: آتِيهِمْ عَذابٌ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ "إنَّ" وقِيلَ: آتِيهِمْ خَبَرُ "إنَّ" فَهو اسْمُ فاعِلٍ مُعْتَمِدٌ، وعَذابٌ فاعِلٌ بِـ آتِيهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ مُقْتَضِيَةٌ أنَّ الدُعاءَ إنَّما هو أنْ يُوَفِّقَ اللهُ الداعِيَ إلى طَلَبِ المَقْدُورِ، فَأمّا الدُعاءُ في طَلَبِ غَيْرِ المَقْدُورِ فَغَيْرُ مُجْدٍ ولا نافِعٍ.

هود 11:76

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عن إبْراهِيمَ الرَوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عن هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ الرَوْعُ: الفَزَعُ والخِيفَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وكانَ ذَهابُهُ بِإخْبارِهِمْ إيّاهُ أنَّهم مَلائِكَةٌ. والبُشْرى: تَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ الوَلَدَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ البُشْرى بِأنَّ المُرادَ غَيْرُهُ، والأوَّلُ أبْيَنُ. وقَوْلُهُ: يُجادِلُنا فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ جائِزٌ أنْ يَسُدَّ مَسَدَّ الماضِي الَّذِي يَصْلُحُ لِجَوابِ "لَمّا"، لا سِيَّما والإشْكالُ مُرْتَفِعٌ بِمُضِيِّ زَمانِ الأمْرِ ومَعْرِفَةِ السامِعِينَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ ظَلَّ أو أخَذَ ونَحْوَهُ يُجادِلُنا، فَحُذِفَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ، يُجادِلُنا حالًا مِن إبْراهِيمَ أو مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: جاءَتْهُ، ويَكُونُ جَوابُ "لَمّا" في الآيَةِ الثانِيَةِ: "قُلْنا: يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عن هَذا" واخْتارَ هَذا أبُو عَلِيٍّ، و"المُجادَلَةُ": المُقابَلَةُ في القَوْلِ والحُجَجِ، وكَأنَّها أعَمُّ مِنَ المُخاصَمَةِ فَقَدْ يُجادِلُ مَن لا يُخاصِمُ كَإبْراهِيمَ. وفِي هَذِهِ النازِلَةِ وُصِفَ إبْراهِيمُ "بِالحِلْمِ" قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَغْضَبْ قَطُّ لِنَفْسِهِ إلّا أنْ يَغْضَبَ لِلَّهِ. و"الحِلْمُ": العَقْلُ إلّا إذا انْضافَ إلَيْهِ أناةٌ واحْتِمالٌ. والأوّاهُ مَعْناهُ: الخائِفُ الَّذِي يُكْثِرُ التَأوُّهَ مِن خَوْفِ اللهِ تَعالى ويُرْوى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَسْمَعُ وجَيْبَ قَلْبِهِ مِنَ الخَشْيَةِ، قِيلَ: كَما تُسْمَعُ أجْنِحَةُ النُسُورِ ولِلْمُفَسِّرِينَ في "الأوّاهِ" عِباراتٌ كُلُّها تَرْجِعُ إلى ما ذَكَرْتُهُ وتَلْزَمُهُ. والمُنِيبُ: الرَجاعُ إلى اللهِ تَعالى في كُلِّ أمْرِهِ. وصُورَةُ جِدالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَتْ أنْ قالَ إبْراهِيمُ: إنْ كانَ فِيهِمْ مِائَةُ مُؤْمِنٍ أتُعَذِّبُونَهُمْ؟ قالُوا لا. قالَ: أفَتِسْعُونَ؟ قالُوا لا. قالَ: أفَثَمانُونَ؟ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى بَلَغَ خَمْسَةً ووَقَفَ عِنْدَ ذَلِكَ وقَدْ عَدَّ في بَيْتِ لُوطٍ امْرَأتَهُ فَوَجَدَهم سِتَّةً بِها فَطَمِعَ في نَجاتِهِمْ ولَمْ يَشْعُرْ أنَّها مِنَ الكَفَرَةِ، وكانَ ذَلِكَ مِن إبْراهِيمَ حِرْصًا عَلى إيمانِ تِلْكَ الأُمَّةِ ونَجاتِها، وقَدْ كَثُرَ اخْتِلافُ رُواةِ المُفَسِّرِينَ لِهَذِهِ الأعْدادِ في قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَعْنى كُلُّهُ نَحْوٌ مِمّا ذَكَرْتُهُ، وكَذَلِكَ ذَكَرُوا أنَّ قَوْمَ لُوطٍ كانُوا أرْبَعَمِائَةِ ألْفٍ في خَمْسِ قُرى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ يُجادِلُنا في مُؤْمِنِي قَوْمِ لُوطٍ- وهَذا ضَعِيفٌ- وأمْرُهُ بِالإعْراضِ عَنِ المُجادَلَةِ يَقْتَضِي أنَّها إنَّما كانَتْ في الكَفَرَةِ حِرْصًا عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: قُلْنا يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنِ المُجادَلَةِ في هَؤُلاءِ القَوْمِ والمُراجَعَةِ فِيهِمْ، فَقَدْ نَفَذَ فِيهِمُ القَضاءُ، وجاءَ أمْرُ رَبِّكَ الأمْرُ هُنا: واحِدُ الأُمُورِ بِقَرِينَةِ وصَفِهِ بِالمَجِيءِ، فَإنْ جَعَلْناهُ مَصْدَرَ أمَرَ قَدَّرْنا حَذْفَ مُضافٍ، أيْ جاءَ مُقْتَضى أمْرِ رَبِّكَ ونَحْوَ هَذا وقَوْلُهُ: آتِيهِمْ عَذابٌ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ "إنَّ" وقِيلَ: آتِيهِمْ خَبَرُ "إنَّ" فَهو اسْمُ فاعِلٍ مُعْتَمِدٌ، وعَذابٌ فاعِلٌ بِـ آتِيهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ مُقْتَضِيَةٌ أنَّ الدُعاءَ إنَّما هو أنْ يُوَفِّقَ اللهُ الداعِيَ إلى طَلَبِ المَقْدُورِ، فَأمّا الدُعاءُ في طَلَبِ غَيْرِ المَقْدُورِ فَغَيْرُ مُجْدٍ ولا نافِعٍ.

هود 11:77

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أو آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ "الرُسُلُ" هُنا هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ كانُوا أضْيافَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا خَرَجُوا إلى بَلَدِ لُوطٍ- وبَيْنَهُ وبَيْنَ قَرْيَةِ إبْراهِيمَ ثَمانِيَةُ أمْيالٍ- وصَلُوهُ، فَقِيلَ: وجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ، وقِيلَ: وجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي ماءً في نَهْرِ سَدُومَ- وهي أكْبَرُ حَواضِرِ قَوْمِ لُوطٍ- فَسَألُوها الدَلالَةَ عَلى مَن يُضَيِّفُهُمْ، ورَأتْ هَيْئَتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ لُوطٍ، وقالَتْ لَهُمْ: مَكانَكم وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقالُوا لَهُ: نُرِيدُ أنْ تُضَيِّفَنا اللَيْلَةَ، فَقالَ لَهُمْ: أوَ ما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ؟ فَقالُوا وما عَمَلُهُمْ؟ فَقالَ أشْهَدُ بِاللهِ لَهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ وقَدْ كانَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ قالَ لِلْمَلائِكَةِ: لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ لُوطٌ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ لِأصْحابِهِ: هَذِهِ واحِدَةٌ وتَرَدَّدَ القَوْلُ بَيْنَهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَهادَةَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ لُوطٌ بِهِمُ المَدِينَةَ وحِينَئِذٍ سِيءَ بِهِمْ أيْ أصابَهُ سُوءٌ. وسِيءَ فِعْلٌ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ، و"الذَرْعُ": مَصْدَرٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الذِراعِ، ولَمّا كانَ الذِراعُ مَوْضِعَ قُوَّةِ الإنْسانِ قِيلَ: في الأمْرِ الَّذِي لا طاقَةَ لَهُ بِهِ: ضاقَ بِهَذا الأمْرِ ذِراعُ فُلانٍ، وذَرْعُ فُلانٍ، أيْ حِيلَتِهِ بِذِراعِهِ، وتَوَسَّعُوا في هَذا حَتّى قَلَبُوهُ فَقالُوا: فُلانٌ رَحْبُ الذِراعِ، إذا وصَفُوهُ بِاتِّساعِ القُدْرَةِ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يا سَيِّدُ ما أنْتَ مِن سَيِّدٍ ∗∗∗ مُوَطَّأ الأكْنافِ رَحْبَ الذِراعِ وقَوْلُهُ: هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ أشارَ بِهِ إلى ما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن تَعَدِّي قَوْمِهِ عَلى أضْيافِهِ واحْتِياجِهِ إلى المُدافَعَةِ مَعَ ضَعْفِهِ عنها، وعَصِيبٌ بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ مَعْناهُ: يَعْصِبُ الناسَ بِالشَرِّ كَما يَعْصِبُ الخابِطُ السَلَمَةَ إذا أرادَ خَبْطَها ونَفْضَ ورَقِها، ومِنهُ قَوْلُ الحَجّاجِ في خُطْبَتِهِ: ولَأعْصِبَنَّكم عَصَبَ السَلَمَةِ، فَهو مِنَ العِصابَةِ ثُمَّ كَثُرَ وصْفُهُمُ اليَوْمَ بِعَصِيبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ، وهو عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ فَإنَّكَ إلّا تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ فَ "عَصِيبٌ" - بِالجُمْلَةِ- في مَوْضِعِ شَدِيدٍ وصَعْبِ الوَطْأةِ، واشْتِقاقُهُ كَما ذَكَرْنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ الكافِرَةَ لَمّا رَأتِ الأضْيافَ ورَأتْ جَمالَهم وهَيْئَتَهم خَرَجَتْ حَتّى أتَتْ مَجالِسَ قَوْمِها فَقالَتْ لَهُمْ: إنَّ لُوطًا أضافَ اللَيْلَةَ فِتْيَةً ما رُئِيَ مِثْلُهم جَمالًا وكَذا وكَذا، فَحِينَئِذٍ جاءُوا يُهْرَعُونَ إلَيْهِ، ومَعْناهُ يُسْرِعُونَ، والإهْراعُ هو أنْ يُسْرِعَ أمْرٌ بِالإنْسانِ حَتّى يَسِيرَ بَيْنَ الخَبَبِ والجَمْزِ، فَهي مِشْيَةُ الأسِيرِ الَّذِي يُسْرِعُ بِهِ، والطامِعِ المُبادِرِ إلى أمْرٍ يَخافُ فَوْتَهُ، ونَحْوُ هَذا يُقالُ هُرِعَ الرَجُلُ وأهْرَعَهُ طَمَعٌ أو عَدُوٌّ أو خَوْفٌ ونَحْوُهُ. والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ: "يُهْرَعُونَ" بِضَمِّ الياءِ أيْ يُهْرِعُهُمُ الطَمَعُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَهْرِعُونَ" بِفَتْحِ الياءِ، مَن هَرَعَ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: ؎ فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أسارى ∗∗∗ ∗∗∗ تَقُودُهُمُ عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ وقَوْلُهُ: ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ، أيْ كانَتْ عادَتُهم إتْيانَ الفاحِشَةِ في الرِجالِ، فَجاءُوا إلى الأضْيافِ لِذَلِكَ فَقامَ إلَيْهِمْ لُوطٌ مُدافِعًا، وقالَ: هَؤُلاءِ بَناتِي فَقالَتْ فِرْقَةٌ أشارَ إلى بَناتِ نَفْسِهِ ونَدَبَهم في هَذِهِ المَقالَةِ إلى النِكاحِ، وذَلِكَ عَلى أنْ كانَتْ سُنَّتُهم جَوازَ نِكاحِ الكافِرِ المُؤْمِنَةَ، أو عَلى أنَّ في ضِمْنِ كَلامِهِ أنْ يُؤْمِنُوا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ الكَلامُ مُدافَعَةً لَمْ يُرِدْ إمْضاؤُهُ، رُوِيَ هَذا القَوْلُ عن أبِي عُبَيْدَةَ، وهو ضَعِيفٌ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن يَنْهى عن مالِ الغَيْرِ: الخِنْزِيرُ أحَلُّ لَكَ مِن هَذا وهَذا التَنَطُّعُ لَيْسَ مِن كَلامِ الأنْبِياءِ ﷺ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أشارَ بِقَوْلِهِ: بَناتِي إلى النِساءِ جُمْلَةً إذْ نَبِيُّ القَوْمِ أبٌ لَهُمْ، ويُقَوِّي هَذا أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم وأشارَ أيْضًا لُوطٌ- في هَذا التَأْوِيلِ- إلى النِكاحِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ- هي الجُمْهُورُ- "هُنَّ أطْهَرُ" بِرَفْعِ الراءِ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ومُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "أطْهَرَ" بِالنَصْبِ قالَ سِيبَوَيْهِ: هو لَحْنٌ، قالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: احْتَبى فِيهِ ابْنُ مَرْوانَ في لَحْنِهِ، ووَجْهُهُ عِنْدَ مَن قَرَأ بِهِ النَصْبُ عَلى الحالِ بِأنْ يَكُونَ بَناتِي ابْتِداءٌ وهُنَّ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ هَؤُلاءِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ إعْرابٌ مَرْوِيٌّ عَنِ المُبَرِّدِ، وذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ وهو خَطَأٌ في مَعْنى الآيَةِ، وإنَّما قَوَّمَ اللَفْظَ فَقَطْ والمَعْنى إنَّما هو في قَوْلِهِ: أطْهَرُ وذَلِكَ قُصِدَ أنْ يُخْبَرَ بِهِ فَهي حالٌ لا يُسْتَغْنى عنها- كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: وهَذا بَعْلِي شَيْخًا، والوَجْهُ أنْ يُقالَ: هَؤُلاءِ بَناتِي ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهُنَّ فَصْلٌ وأطْهَرَ حالٌ وإنْ كانَ شَرْطُ الفَصْلِ أنْ يَكُونَ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ لِيُفْصَلَ الكَلامَ مِنَ النَعْتِ إلى الخَبَرِ، فَمِن حَيْثُ كانَ الخَبَرُ هُنا في أطْهَرَ ساغَ القَوْلُ بِالفَصْلِ، ولَمّا لَمْ يَسْتَسِغْ ذَلِكَ أبُو عَمْرٍو ولا سِيبَوَيْهِ لَحَّنا ابْنَ مَرْوانَ، وما كانا لِيَذْهَبَ عَلَيْهِما ما ذَكَرَ أبُو الفَتْحِ، و"الضَيْفُ": مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَماعَةُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ أيْ يَزَعُكم ويَرُدُّكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّ قَوْمَ لُوطٍ كانُوا قَدْ خَطَبُوا بَناتِ لُوطٍ فَرَدَّهُمْ، وكانَتْ سُنَّتُهم أنَّ مَن رُدَّ في خِطْبَةِ امْرَأةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أبَدًا، فَلِذَلِكَ قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبَعُدَ ألّا تَكُونَ هَذِهِ الخاصِّيَّةَ، فَوَجْهُ الكَلامِ: إنّا لَيْسَ لَنا إلى بَناتِكَ تَعَلُّقٌ، ولا هم قَصْدُنا ولا لَنا عادَةٌ نَطْلُبُها في ذَلِكَ وقَوْلُهُمْ: وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ، إشارَةٌ إلى الأضْيافِ فَلَمّا رَأى اسْتِمْرارَهم في غَيِّهِمْ وغَلَبَتَهم وضَعْفَهُ عنهم قالَ- عَلى جِهَةِ التَفَجُّعِ والِاسْتِكانَةِ- لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً وأنَّ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: لَوِ اتَّفَقَ أو وقَعَ ونَحْوُ هَذا، - وهَذا مُطَّرِدٌ في "أنَّ" التابِعَةِ لِ "لَوْ" - وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ وحَذْفُ مِثْلِ هَذا أبْلَغُ، لِأنَّهُ يَدَعُ السامِعَ يَنْتَهِي إلى أبْعَدِ تَخَيُّلاتِهِ، والمَعْنى لَفَعَلْتُ كَذا وكَذا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أو آوِي" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ: "أو آوِيَ" بِالنَصْبِ، التَقْدِيرُ أو أنْ آوِيَ، فَتَكُونُ "أنْ" مَعَ "آوِي" بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، كَما قالَتْ مَيْسُونُ بِنْتِ بِحَدْلَ: ؎ ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي ∗∗∗ ∗∗∗ ويَكُونُ تَرْتِيبُ الكَلامِ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أو أوِيًّا، و"أوى" مَعْناهُ: لَجَأ وانْضَوى، ومُرادُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بالرُكْنِ العَشِيرَةُ والمَنَعَةُ بِالكَثْرَةِ، وبَلَغَ بِهِ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ إلى هَذا- مَعَ عِلْمِهِ بِما عِنْدَ اللهِ تَعالى-، فَيُرْوى أنَّ المَلائِكَةَ وجَدَتْ عَلَيْهِ حِينَ قالَ هَذِهِ الكَلِماتِ، وقالُوا: إنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "يَرْحَمُ اللهُ لُوطًا لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ،» فالعَجَبُ مِنهُ لَمّا اسْتَكانَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا نَقْدٌ لِأنَّ يَلْفِظَ لُوطٌ بِهَذِهِ الألْفاظِ، وإلّا فَحالَةُ النَبِيِّ ﷺ وقْتَ طَرْحِ سَلا الجَزُورِ ومَعَ أهْلِ الطائِفِ وفي غَيْرِ ما مَوْطِنٍ تَقْتَضِي مَقالَةَ لُوطٍ لَكِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يَنْطِقْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَزامَةً مِنهُ ونَجْدَةً، وإنَّما خَشِيَ لُوطٌ أنْ يُمْهِلَ اللهُ أُولَئِكَ العِصابَةَ حَتّى يَعْصُوهُ في الأضْيافِ كَما أمْهَلَهم فِيما قَبْلَ ذَلِكَ مِن مَعاصِيهِمْ، فَتَمَنّى رُكْنًا مِنَ البَشَرِ يُعاجِلُهم بِهِ، وهو يَعْلَمُ أنَّ اللهَ تَعالى مِن وراءِ عِقابِهِمْ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَمْ يَبْعَثِ اللهُ تَعالى بَعْدَ لُوطٍ نَبِيًّا إلّا في ثَرْوَةٍ مِن قَوْمِهِ"» أيْ في مَنَعَةٍ وعِزَّةٍ.

هود 11:78

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أو آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ "الرُسُلُ" هُنا هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ كانُوا أضْيافَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا خَرَجُوا إلى بَلَدِ لُوطٍ- وبَيْنَهُ وبَيْنَ قَرْيَةِ إبْراهِيمَ ثَمانِيَةُ أمْيالٍ- وصَلُوهُ، فَقِيلَ: وجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ، وقِيلَ: وجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي ماءً في نَهْرِ سَدُومَ- وهي أكْبَرُ حَواضِرِ قَوْمِ لُوطٍ- فَسَألُوها الدَلالَةَ عَلى مَن يُضَيِّفُهُمْ، ورَأتْ هَيْئَتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ لُوطٍ، وقالَتْ لَهُمْ: مَكانَكم وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقالُوا لَهُ: نُرِيدُ أنْ تُضَيِّفَنا اللَيْلَةَ، فَقالَ لَهُمْ: أوَ ما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ؟ فَقالُوا وما عَمَلُهُمْ؟ فَقالَ أشْهَدُ بِاللهِ لَهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ وقَدْ كانَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ قالَ لِلْمَلائِكَةِ: لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ لُوطٌ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ لِأصْحابِهِ: هَذِهِ واحِدَةٌ وتَرَدَّدَ القَوْلُ بَيْنَهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَهادَةَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ لُوطٌ بِهِمُ المَدِينَةَ وحِينَئِذٍ سِيءَ بِهِمْ أيْ أصابَهُ سُوءٌ. وسِيءَ فِعْلٌ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ، و"الذَرْعُ": مَصْدَرٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الذِراعِ، ولَمّا كانَ الذِراعُ مَوْضِعَ قُوَّةِ الإنْسانِ قِيلَ: في الأمْرِ الَّذِي لا طاقَةَ لَهُ بِهِ: ضاقَ بِهَذا الأمْرِ ذِراعُ فُلانٍ، وذَرْعُ فُلانٍ، أيْ حِيلَتِهِ بِذِراعِهِ، وتَوَسَّعُوا في هَذا حَتّى قَلَبُوهُ فَقالُوا: فُلانٌ رَحْبُ الذِراعِ، إذا وصَفُوهُ بِاتِّساعِ القُدْرَةِ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يا سَيِّدُ ما أنْتَ مِن سَيِّدٍ ∗∗∗ مُوَطَّأ الأكْنافِ رَحْبَ الذِراعِ وقَوْلُهُ: هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ أشارَ بِهِ إلى ما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن تَعَدِّي قَوْمِهِ عَلى أضْيافِهِ واحْتِياجِهِ إلى المُدافَعَةِ مَعَ ضَعْفِهِ عنها، وعَصِيبٌ بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ مَعْناهُ: يَعْصِبُ الناسَ بِالشَرِّ كَما يَعْصِبُ الخابِطُ السَلَمَةَ إذا أرادَ خَبْطَها ونَفْضَ ورَقِها، ومِنهُ قَوْلُ الحَجّاجِ في خُطْبَتِهِ: ولَأعْصِبَنَّكم عَصَبَ السَلَمَةِ، فَهو مِنَ العِصابَةِ ثُمَّ كَثُرَ وصْفُهُمُ اليَوْمَ بِعَصِيبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ، وهو عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ فَإنَّكَ إلّا تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ فَ "عَصِيبٌ" - بِالجُمْلَةِ- في مَوْضِعِ شَدِيدٍ وصَعْبِ الوَطْأةِ، واشْتِقاقُهُ كَما ذَكَرْنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ الكافِرَةَ لَمّا رَأتِ الأضْيافَ ورَأتْ جَمالَهم وهَيْئَتَهم خَرَجَتْ حَتّى أتَتْ مَجالِسَ قَوْمِها فَقالَتْ لَهُمْ: إنَّ لُوطًا أضافَ اللَيْلَةَ فِتْيَةً ما رُئِيَ مِثْلُهم جَمالًا وكَذا وكَذا، فَحِينَئِذٍ جاءُوا يُهْرَعُونَ إلَيْهِ، ومَعْناهُ يُسْرِعُونَ، والإهْراعُ هو أنْ يُسْرِعَ أمْرٌ بِالإنْسانِ حَتّى يَسِيرَ بَيْنَ الخَبَبِ والجَمْزِ، فَهي مِشْيَةُ الأسِيرِ الَّذِي يُسْرِعُ بِهِ، والطامِعِ المُبادِرِ إلى أمْرٍ يَخافُ فَوْتَهُ، ونَحْوُ هَذا يُقالُ هُرِعَ الرَجُلُ وأهْرَعَهُ طَمَعٌ أو عَدُوٌّ أو خَوْفٌ ونَحْوُهُ. والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ: "يُهْرَعُونَ" بِضَمِّ الياءِ أيْ يُهْرِعُهُمُ الطَمَعُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَهْرِعُونَ" بِفَتْحِ الياءِ، مَن هَرَعَ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: ؎ فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أسارى ∗∗∗ ∗∗∗ تَقُودُهُمُ عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ وقَوْلُهُ: ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ، أيْ كانَتْ عادَتُهم إتْيانَ الفاحِشَةِ في الرِجالِ، فَجاءُوا إلى الأضْيافِ لِذَلِكَ فَقامَ إلَيْهِمْ لُوطٌ مُدافِعًا، وقالَ: هَؤُلاءِ بَناتِي فَقالَتْ فِرْقَةٌ أشارَ إلى بَناتِ نَفْسِهِ ونَدَبَهم في هَذِهِ المَقالَةِ إلى النِكاحِ، وذَلِكَ عَلى أنْ كانَتْ سُنَّتُهم جَوازَ نِكاحِ الكافِرِ المُؤْمِنَةَ، أو عَلى أنَّ في ضِمْنِ كَلامِهِ أنْ يُؤْمِنُوا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ الكَلامُ مُدافَعَةً لَمْ يُرِدْ إمْضاؤُهُ، رُوِيَ هَذا القَوْلُ عن أبِي عُبَيْدَةَ، وهو ضَعِيفٌ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن يَنْهى عن مالِ الغَيْرِ: الخِنْزِيرُ أحَلُّ لَكَ مِن هَذا وهَذا التَنَطُّعُ لَيْسَ مِن كَلامِ الأنْبِياءِ ﷺ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أشارَ بِقَوْلِهِ: بَناتِي إلى النِساءِ جُمْلَةً إذْ نَبِيُّ القَوْمِ أبٌ لَهُمْ، ويُقَوِّي هَذا أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم وأشارَ أيْضًا لُوطٌ- في هَذا التَأْوِيلِ- إلى النِكاحِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ- هي الجُمْهُورُ- "هُنَّ أطْهَرُ" بِرَفْعِ الراءِ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ومُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "أطْهَرَ" بِالنَصْبِ قالَ سِيبَوَيْهِ: هو لَحْنٌ، قالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: احْتَبى فِيهِ ابْنُ مَرْوانَ في لَحْنِهِ، ووَجْهُهُ عِنْدَ مَن قَرَأ بِهِ النَصْبُ عَلى الحالِ بِأنْ يَكُونَ بَناتِي ابْتِداءٌ وهُنَّ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ هَؤُلاءِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ إعْرابٌ مَرْوِيٌّ عَنِ المُبَرِّدِ، وذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ وهو خَطَأٌ في مَعْنى الآيَةِ، وإنَّما قَوَّمَ اللَفْظَ فَقَطْ والمَعْنى إنَّما هو في قَوْلِهِ: أطْهَرُ وذَلِكَ قُصِدَ أنْ يُخْبَرَ بِهِ فَهي حالٌ لا يُسْتَغْنى عنها- كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: وهَذا بَعْلِي شَيْخًا، والوَجْهُ أنْ يُقالَ: هَؤُلاءِ بَناتِي ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهُنَّ فَصْلٌ وأطْهَرَ حالٌ وإنْ كانَ شَرْطُ الفَصْلِ أنْ يَكُونَ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ لِيُفْصَلَ الكَلامَ مِنَ النَعْتِ إلى الخَبَرِ، فَمِن حَيْثُ كانَ الخَبَرُ هُنا في أطْهَرَ ساغَ القَوْلُ بِالفَصْلِ، ولَمّا لَمْ يَسْتَسِغْ ذَلِكَ أبُو عَمْرٍو ولا سِيبَوَيْهِ لَحَّنا ابْنَ مَرْوانَ، وما كانا لِيَذْهَبَ عَلَيْهِما ما ذَكَرَ أبُو الفَتْحِ، و"الضَيْفُ": مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَماعَةُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ أيْ يَزَعُكم ويَرُدُّكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّ قَوْمَ لُوطٍ كانُوا قَدْ خَطَبُوا بَناتِ لُوطٍ فَرَدَّهُمْ، وكانَتْ سُنَّتُهم أنَّ مَن رُدَّ في خِطْبَةِ امْرَأةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أبَدًا، فَلِذَلِكَ قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبَعُدَ ألّا تَكُونَ هَذِهِ الخاصِّيَّةَ، فَوَجْهُ الكَلامِ: إنّا لَيْسَ لَنا إلى بَناتِكَ تَعَلُّقٌ، ولا هم قَصْدُنا ولا لَنا عادَةٌ نَطْلُبُها في ذَلِكَ وقَوْلُهُمْ: وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ، إشارَةٌ إلى الأضْيافِ فَلَمّا رَأى اسْتِمْرارَهم في غَيِّهِمْ وغَلَبَتَهم وضَعْفَهُ عنهم قالَ- عَلى جِهَةِ التَفَجُّعِ والِاسْتِكانَةِ- لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً وأنَّ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: لَوِ اتَّفَقَ أو وقَعَ ونَحْوُ هَذا، - وهَذا مُطَّرِدٌ في "أنَّ" التابِعَةِ لِ "لَوْ" - وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ وحَذْفُ مِثْلِ هَذا أبْلَغُ، لِأنَّهُ يَدَعُ السامِعَ يَنْتَهِي إلى أبْعَدِ تَخَيُّلاتِهِ، والمَعْنى لَفَعَلْتُ كَذا وكَذا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أو آوِي" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ: "أو آوِيَ" بِالنَصْبِ، التَقْدِيرُ أو أنْ آوِيَ، فَتَكُونُ "أنْ" مَعَ "آوِي" بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، كَما قالَتْ مَيْسُونُ بِنْتِ بِحَدْلَ: ؎ ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي ∗∗∗ ∗∗∗ ويَكُونُ تَرْتِيبُ الكَلامِ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أو أوِيًّا، و"أوى" مَعْناهُ: لَجَأ وانْضَوى، ومُرادُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بالرُكْنِ العَشِيرَةُ والمَنَعَةُ بِالكَثْرَةِ، وبَلَغَ بِهِ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ إلى هَذا- مَعَ عِلْمِهِ بِما عِنْدَ اللهِ تَعالى-، فَيُرْوى أنَّ المَلائِكَةَ وجَدَتْ عَلَيْهِ حِينَ قالَ هَذِهِ الكَلِماتِ، وقالُوا: إنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "يَرْحَمُ اللهُ لُوطًا لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ،» فالعَجَبُ مِنهُ لَمّا اسْتَكانَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا نَقْدٌ لِأنَّ يَلْفِظَ لُوطٌ بِهَذِهِ الألْفاظِ، وإلّا فَحالَةُ النَبِيِّ ﷺ وقْتَ طَرْحِ سَلا الجَزُورِ ومَعَ أهْلِ الطائِفِ وفي غَيْرِ ما مَوْطِنٍ تَقْتَضِي مَقالَةَ لُوطٍ لَكِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يَنْطِقْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَزامَةً مِنهُ ونَجْدَةً، وإنَّما خَشِيَ لُوطٌ أنْ يُمْهِلَ اللهُ أُولَئِكَ العِصابَةَ حَتّى يَعْصُوهُ في الأضْيافِ كَما أمْهَلَهم فِيما قَبْلَ ذَلِكَ مِن مَعاصِيهِمْ، فَتَمَنّى رُكْنًا مِنَ البَشَرِ يُعاجِلُهم بِهِ، وهو يَعْلَمُ أنَّ اللهَ تَعالى مِن وراءِ عِقابِهِمْ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَمْ يَبْعَثِ اللهُ تَعالى بَعْدَ لُوطٍ نَبِيًّا إلّا في ثَرْوَةٍ مِن قَوْمِهِ"» أيْ في مَنَعَةٍ وعِزَّةٍ.

هود 11:79

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أو آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ "الرُسُلُ" هُنا هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ كانُوا أضْيافَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا خَرَجُوا إلى بَلَدِ لُوطٍ- وبَيْنَهُ وبَيْنَ قَرْيَةِ إبْراهِيمَ ثَمانِيَةُ أمْيالٍ- وصَلُوهُ، فَقِيلَ: وجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ، وقِيلَ: وجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي ماءً في نَهْرِ سَدُومَ- وهي أكْبَرُ حَواضِرِ قَوْمِ لُوطٍ- فَسَألُوها الدَلالَةَ عَلى مَن يُضَيِّفُهُمْ، ورَأتْ هَيْئَتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ لُوطٍ، وقالَتْ لَهُمْ: مَكانَكم وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقالُوا لَهُ: نُرِيدُ أنْ تُضَيِّفَنا اللَيْلَةَ، فَقالَ لَهُمْ: أوَ ما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ؟ فَقالُوا وما عَمَلُهُمْ؟ فَقالَ أشْهَدُ بِاللهِ لَهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ وقَدْ كانَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ قالَ لِلْمَلائِكَةِ: لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ لُوطٌ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ لِأصْحابِهِ: هَذِهِ واحِدَةٌ وتَرَدَّدَ القَوْلُ بَيْنَهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَهادَةَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ لُوطٌ بِهِمُ المَدِينَةَ وحِينَئِذٍ سِيءَ بِهِمْ أيْ أصابَهُ سُوءٌ. وسِيءَ فِعْلٌ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ، و"الذَرْعُ": مَصْدَرٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الذِراعِ، ولَمّا كانَ الذِراعُ مَوْضِعَ قُوَّةِ الإنْسانِ قِيلَ: في الأمْرِ الَّذِي لا طاقَةَ لَهُ بِهِ: ضاقَ بِهَذا الأمْرِ ذِراعُ فُلانٍ، وذَرْعُ فُلانٍ، أيْ حِيلَتِهِ بِذِراعِهِ، وتَوَسَّعُوا في هَذا حَتّى قَلَبُوهُ فَقالُوا: فُلانٌ رَحْبُ الذِراعِ، إذا وصَفُوهُ بِاتِّساعِ القُدْرَةِ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يا سَيِّدُ ما أنْتَ مِن سَيِّدٍ ∗∗∗ مُوَطَّأ الأكْنافِ رَحْبَ الذِراعِ وقَوْلُهُ: هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ أشارَ بِهِ إلى ما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن تَعَدِّي قَوْمِهِ عَلى أضْيافِهِ واحْتِياجِهِ إلى المُدافَعَةِ مَعَ ضَعْفِهِ عنها، وعَصِيبٌ بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ مَعْناهُ: يَعْصِبُ الناسَ بِالشَرِّ كَما يَعْصِبُ الخابِطُ السَلَمَةَ إذا أرادَ خَبْطَها ونَفْضَ ورَقِها، ومِنهُ قَوْلُ الحَجّاجِ في خُطْبَتِهِ: ولَأعْصِبَنَّكم عَصَبَ السَلَمَةِ، فَهو مِنَ العِصابَةِ ثُمَّ كَثُرَ وصْفُهُمُ اليَوْمَ بِعَصِيبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ، وهو عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ فَإنَّكَ إلّا تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ فَ "عَصِيبٌ" - بِالجُمْلَةِ- في مَوْضِعِ شَدِيدٍ وصَعْبِ الوَطْأةِ، واشْتِقاقُهُ كَما ذَكَرْنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ الكافِرَةَ لَمّا رَأتِ الأضْيافَ ورَأتْ جَمالَهم وهَيْئَتَهم خَرَجَتْ حَتّى أتَتْ مَجالِسَ قَوْمِها فَقالَتْ لَهُمْ: إنَّ لُوطًا أضافَ اللَيْلَةَ فِتْيَةً ما رُئِيَ مِثْلُهم جَمالًا وكَذا وكَذا، فَحِينَئِذٍ جاءُوا يُهْرَعُونَ إلَيْهِ، ومَعْناهُ يُسْرِعُونَ، والإهْراعُ هو أنْ يُسْرِعَ أمْرٌ بِالإنْسانِ حَتّى يَسِيرَ بَيْنَ الخَبَبِ والجَمْزِ، فَهي مِشْيَةُ الأسِيرِ الَّذِي يُسْرِعُ بِهِ، والطامِعِ المُبادِرِ إلى أمْرٍ يَخافُ فَوْتَهُ، ونَحْوُ هَذا يُقالُ هُرِعَ الرَجُلُ وأهْرَعَهُ طَمَعٌ أو عَدُوٌّ أو خَوْفٌ ونَحْوُهُ. والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ: "يُهْرَعُونَ" بِضَمِّ الياءِ أيْ يُهْرِعُهُمُ الطَمَعُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَهْرِعُونَ" بِفَتْحِ الياءِ، مَن هَرَعَ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: ؎ فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أسارى ∗∗∗ ∗∗∗ تَقُودُهُمُ عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ وقَوْلُهُ: ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ، أيْ كانَتْ عادَتُهم إتْيانَ الفاحِشَةِ في الرِجالِ، فَجاءُوا إلى الأضْيافِ لِذَلِكَ فَقامَ إلَيْهِمْ لُوطٌ مُدافِعًا، وقالَ: هَؤُلاءِ بَناتِي فَقالَتْ فِرْقَةٌ أشارَ إلى بَناتِ نَفْسِهِ ونَدَبَهم في هَذِهِ المَقالَةِ إلى النِكاحِ، وذَلِكَ عَلى أنْ كانَتْ سُنَّتُهم جَوازَ نِكاحِ الكافِرِ المُؤْمِنَةَ، أو عَلى أنَّ في ضِمْنِ كَلامِهِ أنْ يُؤْمِنُوا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ الكَلامُ مُدافَعَةً لَمْ يُرِدْ إمْضاؤُهُ، رُوِيَ هَذا القَوْلُ عن أبِي عُبَيْدَةَ، وهو ضَعِيفٌ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن يَنْهى عن مالِ الغَيْرِ: الخِنْزِيرُ أحَلُّ لَكَ مِن هَذا وهَذا التَنَطُّعُ لَيْسَ مِن كَلامِ الأنْبِياءِ ﷺ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أشارَ بِقَوْلِهِ: بَناتِي إلى النِساءِ جُمْلَةً إذْ نَبِيُّ القَوْمِ أبٌ لَهُمْ، ويُقَوِّي هَذا أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم وأشارَ أيْضًا لُوطٌ- في هَذا التَأْوِيلِ- إلى النِكاحِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ- هي الجُمْهُورُ- "هُنَّ أطْهَرُ" بِرَفْعِ الراءِ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ومُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "أطْهَرَ" بِالنَصْبِ قالَ سِيبَوَيْهِ: هو لَحْنٌ، قالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: احْتَبى فِيهِ ابْنُ مَرْوانَ في لَحْنِهِ، ووَجْهُهُ عِنْدَ مَن قَرَأ بِهِ النَصْبُ عَلى الحالِ بِأنْ يَكُونَ بَناتِي ابْتِداءٌ وهُنَّ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ هَؤُلاءِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ إعْرابٌ مَرْوِيٌّ عَنِ المُبَرِّدِ، وذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ وهو خَطَأٌ في مَعْنى الآيَةِ، وإنَّما قَوَّمَ اللَفْظَ فَقَطْ والمَعْنى إنَّما هو في قَوْلِهِ: أطْهَرُ وذَلِكَ قُصِدَ أنْ يُخْبَرَ بِهِ فَهي حالٌ لا يُسْتَغْنى عنها- كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: وهَذا بَعْلِي شَيْخًا، والوَجْهُ أنْ يُقالَ: هَؤُلاءِ بَناتِي ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهُنَّ فَصْلٌ وأطْهَرَ حالٌ وإنْ كانَ شَرْطُ الفَصْلِ أنْ يَكُونَ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ لِيُفْصَلَ الكَلامَ مِنَ النَعْتِ إلى الخَبَرِ، فَمِن حَيْثُ كانَ الخَبَرُ هُنا في أطْهَرَ ساغَ القَوْلُ بِالفَصْلِ، ولَمّا لَمْ يَسْتَسِغْ ذَلِكَ أبُو عَمْرٍو ولا سِيبَوَيْهِ لَحَّنا ابْنَ مَرْوانَ، وما كانا لِيَذْهَبَ عَلَيْهِما ما ذَكَرَ أبُو الفَتْحِ، و"الضَيْفُ": مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَماعَةُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ أيْ يَزَعُكم ويَرُدُّكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّ قَوْمَ لُوطٍ كانُوا قَدْ خَطَبُوا بَناتِ لُوطٍ فَرَدَّهُمْ، وكانَتْ سُنَّتُهم أنَّ مَن رُدَّ في خِطْبَةِ امْرَأةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أبَدًا، فَلِذَلِكَ قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبَعُدَ ألّا تَكُونَ هَذِهِ الخاصِّيَّةَ، فَوَجْهُ الكَلامِ: إنّا لَيْسَ لَنا إلى بَناتِكَ تَعَلُّقٌ، ولا هم قَصْدُنا ولا لَنا عادَةٌ نَطْلُبُها في ذَلِكَ وقَوْلُهُمْ: وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ، إشارَةٌ إلى الأضْيافِ فَلَمّا رَأى اسْتِمْرارَهم في غَيِّهِمْ وغَلَبَتَهم وضَعْفَهُ عنهم قالَ- عَلى جِهَةِ التَفَجُّعِ والِاسْتِكانَةِ- لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً وأنَّ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: لَوِ اتَّفَقَ أو وقَعَ ونَحْوُ هَذا، - وهَذا مُطَّرِدٌ في "أنَّ" التابِعَةِ لِ "لَوْ" - وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ وحَذْفُ مِثْلِ هَذا أبْلَغُ، لِأنَّهُ يَدَعُ السامِعَ يَنْتَهِي إلى أبْعَدِ تَخَيُّلاتِهِ، والمَعْنى لَفَعَلْتُ كَذا وكَذا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أو آوِي" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ: "أو آوِيَ" بِالنَصْبِ، التَقْدِيرُ أو أنْ آوِيَ، فَتَكُونُ "أنْ" مَعَ "آوِي" بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، كَما قالَتْ مَيْسُونُ بِنْتِ بِحَدْلَ: ؎ ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي ∗∗∗ ∗∗∗ ويَكُونُ تَرْتِيبُ الكَلامِ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أو أوِيًّا، و"أوى" مَعْناهُ: لَجَأ وانْضَوى، ومُرادُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بالرُكْنِ العَشِيرَةُ والمَنَعَةُ بِالكَثْرَةِ، وبَلَغَ بِهِ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ إلى هَذا- مَعَ عِلْمِهِ بِما عِنْدَ اللهِ تَعالى-، فَيُرْوى أنَّ المَلائِكَةَ وجَدَتْ عَلَيْهِ حِينَ قالَ هَذِهِ الكَلِماتِ، وقالُوا: إنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "يَرْحَمُ اللهُ لُوطًا لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ،» فالعَجَبُ مِنهُ لَمّا اسْتَكانَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا نَقْدٌ لِأنَّ يَلْفِظَ لُوطٌ بِهَذِهِ الألْفاظِ، وإلّا فَحالَةُ النَبِيِّ ﷺ وقْتَ طَرْحِ سَلا الجَزُورِ ومَعَ أهْلِ الطائِفِ وفي غَيْرِ ما مَوْطِنٍ تَقْتَضِي مَقالَةَ لُوطٍ لَكِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يَنْطِقْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَزامَةً مِنهُ ونَجْدَةً، وإنَّما خَشِيَ لُوطٌ أنْ يُمْهِلَ اللهُ أُولَئِكَ العِصابَةَ حَتّى يَعْصُوهُ في الأضْيافِ كَما أمْهَلَهم فِيما قَبْلَ ذَلِكَ مِن مَعاصِيهِمْ، فَتَمَنّى رُكْنًا مِنَ البَشَرِ يُعاجِلُهم بِهِ، وهو يَعْلَمُ أنَّ اللهَ تَعالى مِن وراءِ عِقابِهِمْ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَمْ يَبْعَثِ اللهُ تَعالى بَعْدَ لُوطٍ نَبِيًّا إلّا في ثَرْوَةٍ مِن قَوْمِهِ"» أيْ في مَنَعَةٍ وعِزَّةٍ.

هود 11:80

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أو آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ "الرُسُلُ" هُنا هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ كانُوا أضْيافَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا خَرَجُوا إلى بَلَدِ لُوطٍ- وبَيْنَهُ وبَيْنَ قَرْيَةِ إبْراهِيمَ ثَمانِيَةُ أمْيالٍ- وصَلُوهُ، فَقِيلَ: وجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ، وقِيلَ: وجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي ماءً في نَهْرِ سَدُومَ- وهي أكْبَرُ حَواضِرِ قَوْمِ لُوطٍ- فَسَألُوها الدَلالَةَ عَلى مَن يُضَيِّفُهُمْ، ورَأتْ هَيْئَتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ لُوطٍ، وقالَتْ لَهُمْ: مَكانَكم وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقالُوا لَهُ: نُرِيدُ أنْ تُضَيِّفَنا اللَيْلَةَ، فَقالَ لَهُمْ: أوَ ما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ؟ فَقالُوا وما عَمَلُهُمْ؟ فَقالَ أشْهَدُ بِاللهِ لَهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ وقَدْ كانَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ قالَ لِلْمَلائِكَةِ: لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ لُوطٌ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ لِأصْحابِهِ: هَذِهِ واحِدَةٌ وتَرَدَّدَ القَوْلُ بَيْنَهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَهادَةَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ لُوطٌ بِهِمُ المَدِينَةَ وحِينَئِذٍ سِيءَ بِهِمْ أيْ أصابَهُ سُوءٌ. وسِيءَ فِعْلٌ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ، و"الذَرْعُ": مَصْدَرٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الذِراعِ، ولَمّا كانَ الذِراعُ مَوْضِعَ قُوَّةِ الإنْسانِ قِيلَ: في الأمْرِ الَّذِي لا طاقَةَ لَهُ بِهِ: ضاقَ بِهَذا الأمْرِ ذِراعُ فُلانٍ، وذَرْعُ فُلانٍ، أيْ حِيلَتِهِ بِذِراعِهِ، وتَوَسَّعُوا في هَذا حَتّى قَلَبُوهُ فَقالُوا: فُلانٌ رَحْبُ الذِراعِ، إذا وصَفُوهُ بِاتِّساعِ القُدْرَةِ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ يا سَيِّدُ ما أنْتَ مِن سَيِّدٍ ∗∗∗ مُوَطَّأ الأكْنافِ رَحْبَ الذِراعِ وقَوْلُهُ: هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ أشارَ بِهِ إلى ما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن تَعَدِّي قَوْمِهِ عَلى أضْيافِهِ واحْتِياجِهِ إلى المُدافَعَةِ مَعَ ضَعْفِهِ عنها، وعَصِيبٌ بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ مَعْناهُ: يَعْصِبُ الناسَ بِالشَرِّ كَما يَعْصِبُ الخابِطُ السَلَمَةَ إذا أرادَ خَبْطَها ونَفْضَ ورَقِها، ومِنهُ قَوْلُ الحَجّاجِ في خُطْبَتِهِ: ولَأعْصِبَنَّكم عَصَبَ السَلَمَةِ، فَهو مِنَ العِصابَةِ ثُمَّ كَثُرَ وصْفُهُمُ اليَوْمَ بِعَصِيبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ، وهو عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ فَإنَّكَ إلّا تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ فَ "عَصِيبٌ" - بِالجُمْلَةِ- في مَوْضِعِ شَدِيدٍ وصَعْبِ الوَطْأةِ، واشْتِقاقُهُ كَما ذَكَرْنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ الكافِرَةَ لَمّا رَأتِ الأضْيافَ ورَأتْ جَمالَهم وهَيْئَتَهم خَرَجَتْ حَتّى أتَتْ مَجالِسَ قَوْمِها فَقالَتْ لَهُمْ: إنَّ لُوطًا أضافَ اللَيْلَةَ فِتْيَةً ما رُئِيَ مِثْلُهم جَمالًا وكَذا وكَذا، فَحِينَئِذٍ جاءُوا يُهْرَعُونَ إلَيْهِ، ومَعْناهُ يُسْرِعُونَ، والإهْراعُ هو أنْ يُسْرِعَ أمْرٌ بِالإنْسانِ حَتّى يَسِيرَ بَيْنَ الخَبَبِ والجَمْزِ، فَهي مِشْيَةُ الأسِيرِ الَّذِي يُسْرِعُ بِهِ، والطامِعِ المُبادِرِ إلى أمْرٍ يَخافُ فَوْتَهُ، ونَحْوُ هَذا يُقالُ هُرِعَ الرَجُلُ وأهْرَعَهُ طَمَعٌ أو عَدُوٌّ أو خَوْفٌ ونَحْوُهُ. والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ: "يُهْرَعُونَ" بِضَمِّ الياءِ أيْ يُهْرِعُهُمُ الطَمَعُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَهْرِعُونَ" بِفَتْحِ الياءِ، مَن هَرَعَ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: ؎ فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أسارى ∗∗∗ ∗∗∗ تَقُودُهُمُ عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ وقَوْلُهُ: ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ، أيْ كانَتْ عادَتُهم إتْيانَ الفاحِشَةِ في الرِجالِ، فَجاءُوا إلى الأضْيافِ لِذَلِكَ فَقامَ إلَيْهِمْ لُوطٌ مُدافِعًا، وقالَ: هَؤُلاءِ بَناتِي فَقالَتْ فِرْقَةٌ أشارَ إلى بَناتِ نَفْسِهِ ونَدَبَهم في هَذِهِ المَقالَةِ إلى النِكاحِ، وذَلِكَ عَلى أنْ كانَتْ سُنَّتُهم جَوازَ نِكاحِ الكافِرِ المُؤْمِنَةَ، أو عَلى أنَّ في ضِمْنِ كَلامِهِ أنْ يُؤْمِنُوا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ الكَلامُ مُدافَعَةً لَمْ يُرِدْ إمْضاؤُهُ، رُوِيَ هَذا القَوْلُ عن أبِي عُبَيْدَةَ، وهو ضَعِيفٌ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن يَنْهى عن مالِ الغَيْرِ: الخِنْزِيرُ أحَلُّ لَكَ مِن هَذا وهَذا التَنَطُّعُ لَيْسَ مِن كَلامِ الأنْبِياءِ ﷺ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أشارَ بِقَوْلِهِ: بَناتِي إلى النِساءِ جُمْلَةً إذْ نَبِيُّ القَوْمِ أبٌ لَهُمْ، ويُقَوِّي هَذا أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم وأشارَ أيْضًا لُوطٌ- في هَذا التَأْوِيلِ- إلى النِكاحِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ- هي الجُمْهُورُ- "هُنَّ أطْهَرُ" بِرَفْعِ الراءِ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ومُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "أطْهَرَ" بِالنَصْبِ قالَ سِيبَوَيْهِ: هو لَحْنٌ، قالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: احْتَبى فِيهِ ابْنُ مَرْوانَ في لَحْنِهِ، ووَجْهُهُ عِنْدَ مَن قَرَأ بِهِ النَصْبُ عَلى الحالِ بِأنْ يَكُونَ بَناتِي ابْتِداءٌ وهُنَّ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ هَؤُلاءِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ إعْرابٌ مَرْوِيٌّ عَنِ المُبَرِّدِ، وذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ وهو خَطَأٌ في مَعْنى الآيَةِ، وإنَّما قَوَّمَ اللَفْظَ فَقَطْ والمَعْنى إنَّما هو في قَوْلِهِ: أطْهَرُ وذَلِكَ قُصِدَ أنْ يُخْبَرَ بِهِ فَهي حالٌ لا يُسْتَغْنى عنها- كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: وهَذا بَعْلِي شَيْخًا، والوَجْهُ أنْ يُقالَ: هَؤُلاءِ بَناتِي ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهُنَّ فَصْلٌ وأطْهَرَ حالٌ وإنْ كانَ شَرْطُ الفَصْلِ أنْ يَكُونَ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ لِيُفْصَلَ الكَلامَ مِنَ النَعْتِ إلى الخَبَرِ، فَمِن حَيْثُ كانَ الخَبَرُ هُنا في أطْهَرَ ساغَ القَوْلُ بِالفَصْلِ، ولَمّا لَمْ يَسْتَسِغْ ذَلِكَ أبُو عَمْرٍو ولا سِيبَوَيْهِ لَحَّنا ابْنَ مَرْوانَ، وما كانا لِيَذْهَبَ عَلَيْهِما ما ذَكَرَ أبُو الفَتْحِ، و"الضَيْفُ": مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَماعَةُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ أيْ يَزَعُكم ويَرُدُّكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّ قَوْمَ لُوطٍ كانُوا قَدْ خَطَبُوا بَناتِ لُوطٍ فَرَدَّهُمْ، وكانَتْ سُنَّتُهم أنَّ مَن رُدَّ في خِطْبَةِ امْرَأةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أبَدًا، فَلِذَلِكَ قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبَعُدَ ألّا تَكُونَ هَذِهِ الخاصِّيَّةَ، فَوَجْهُ الكَلامِ: إنّا لَيْسَ لَنا إلى بَناتِكَ تَعَلُّقٌ، ولا هم قَصْدُنا ولا لَنا عادَةٌ نَطْلُبُها في ذَلِكَ وقَوْلُهُمْ: وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ، إشارَةٌ إلى الأضْيافِ فَلَمّا رَأى اسْتِمْرارَهم في غَيِّهِمْ وغَلَبَتَهم وضَعْفَهُ عنهم قالَ- عَلى جِهَةِ التَفَجُّعِ والِاسْتِكانَةِ- لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً وأنَّ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: لَوِ اتَّفَقَ أو وقَعَ ونَحْوُ هَذا، - وهَذا مُطَّرِدٌ في "أنَّ" التابِعَةِ لِ "لَوْ" - وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ وحَذْفُ مِثْلِ هَذا أبْلَغُ، لِأنَّهُ يَدَعُ السامِعَ يَنْتَهِي إلى أبْعَدِ تَخَيُّلاتِهِ، والمَعْنى لَفَعَلْتُ كَذا وكَذا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أو آوِي" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ: "أو آوِيَ" بِالنَصْبِ، التَقْدِيرُ أو أنْ آوِيَ، فَتَكُونُ "أنْ" مَعَ "آوِي" بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، كَما قالَتْ مَيْسُونُ بِنْتِ بِحَدْلَ: ؎ ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي ∗∗∗ ∗∗∗ ويَكُونُ تَرْتِيبُ الكَلامِ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أو أوِيًّا، و"أوى" مَعْناهُ: لَجَأ وانْضَوى، ومُرادُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بالرُكْنِ العَشِيرَةُ والمَنَعَةُ بِالكَثْرَةِ، وبَلَغَ بِهِ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ إلى هَذا- مَعَ عِلْمِهِ بِما عِنْدَ اللهِ تَعالى-، فَيُرْوى أنَّ المَلائِكَةَ وجَدَتْ عَلَيْهِ حِينَ قالَ هَذِهِ الكَلِماتِ، وقالُوا: إنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "يَرْحَمُ اللهُ لُوطًا لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ،» فالعَجَبُ مِنهُ لَمّا اسْتَكانَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا نَقْدٌ لِأنَّ يَلْفِظَ لُوطٌ بِهَذِهِ الألْفاظِ، وإلّا فَحالَةُ النَبِيِّ ﷺ وقْتَ طَرْحِ سَلا الجَزُورِ ومَعَ أهْلِ الطائِفِ وفي غَيْرِ ما مَوْطِنٍ تَقْتَضِي مَقالَةَ لُوطٍ لَكِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يَنْطِقْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَزامَةً مِنهُ ونَجْدَةً، وإنَّما خَشِيَ لُوطٌ أنْ يُمْهِلَ اللهُ أُولَئِكَ العِصابَةَ حَتّى يَعْصُوهُ في الأضْيافِ كَما أمْهَلَهم فِيما قَبْلَ ذَلِكَ مِن مَعاصِيهِمْ، فَتَمَنّى رُكْنًا مِنَ البَشَرِ يُعاجِلُهم بِهِ، وهو يَعْلَمُ أنَّ اللهَ تَعالى مِن وراءِ عِقابِهِمْ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَمْ يَبْعَثِ اللهُ تَعالى بَعْدَ لُوطٍ نَبِيًّا إلّا في ثَرْوَةٍ مِن قَوْمِهِ"» أيْ في مَنَعَةٍ وعِزَّةٍ.

هود 11:81

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُبْحُ ألَيْسَ الصُبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ الضَمِيرُ في قالُوا ضَمِيرُ المَلائِكَةِ، ويُرْوى أنَّ لُوطًا لَمّا غَلَبُوهُ وهَمُّوا بِكَسْرِ البابِ وهو يُمْسِكُهُ قالَتْ لَهُ الرُسُلُ: تَنَحَّ عَنِ البابِ، فَتَنَحّى وانْفَتَحَ البابُ فَضَرَبَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ بِجَناحِهِ فَطَمَسَ أعْيُنَهم وعَمُوا، وانْصَرَفُوا عَلى أعْقابِهِمْ يَقُولُونَ: النِجاءَ النِجاءَ، فَعِنْدَ لُوطٍ قَوْمٌ سَحَرَةٌ، وتَوَعَّدُوا لُوطًا، فَفَزِعَ حِينَئِذٍ مِن وعِيدِهِمْ، فَحِينَئِذٍ قالُوا لَهُ: إنّا رُسُلُ رَبِّكَ فَأمِنَ، ذَكَرَ هَذا النَقّاشُ وفي تَفْسِيرِ غَيْرِهِ ما يَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُمْ: إنّا رُسُلُ رَبِّكَ كانَ قَبْلَ طَمْسِ العُيُونِ، ثُمَّ أمَرُوهُ بِالسُرى وأعْلَمُوهُ أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِالقَوْمِ، فَقالَ لَهم لُوطٌ: فَعَذِّبُوهُمُ الساعَةَ، قالُوا لَهُ: إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُبْحُ أيْ بِهَذا أمَرُ اللهُ، ثُمَّ آنَسُوهُ في قَلَقِهِ بِقَوْلِهِمْ: ألَيْسَ الصُبْحُ بِقَرِيبٍ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ "فاسْرِ" مِن سَرى إذا سارَ في أثْناءِ اللَيْلِ، وقَرَأ الباقُونَ "فَأسْرِ" إذا سارَ في أوَّلِ اللَيْلِ و"القِطْعُ" القِطْعَةُ مِنَ اللَيْلِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ لُوطًا أسْرى بِأهْلِهِ مِن أوَّلِ اللَيْلِ حَتّى جاوَزَ البَلَدَ المُقْتَلِعَ، ووَقَعَتْ نَجاتُهُ بِسَحَرٍ فَتَجْتَمِعُ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ قَوْلِهِ: إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ وبَيْتُ النابِغَةِ جَمَعَ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ في قَوْلِهِ: ؎ أسْرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الجَوْزاءِ سارِيَةٌ ∗∗∗ تُزْجِي الشَمالُ عَلَيْهِ جامِدَ البَرَدِ فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ سَرى وأسْرى بِمَعْنًى واحِدٍ واحْتَجُّوا بِهَذا البَيْتِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأقُولُ إنَّ البَيْتَ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، وذَلِكَ أظْهَرُ عِنْدِي لِأنَّهُ قَصَدَ وصْفَ هَذِهِ الدِيمَةِ، وأنَّها ابْتَدَأتْ مِن أوَّلِ اللَيْلِ وقْتَ طُلُوعِ الجَوْزاءِ في الشِتاءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو "إلّا امْرَأتُكَ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٌ وهَذا هو الأوجَهُ إذا اسْتُثْنِيَ مِن مَنفِيٍّ، كَقَوْلِكَ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، وهَذا هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المُلْتَفِتِينَ، وقَرَأ الباقُونَ "إلّا أمَرْأتَكَ" بِالنَصْبِ، ورَأتْ ذَلِكَ فِرْقَةٌ مِنَ النُحاةِ الوَجْهَ في الِاسْتِثْناءِ مِن مَنفِيٍّ، إذِ الكَلامُ المَنفِيُّ في هَذا مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ كالمُوجَبِ، فَإذْ هو مِثْلُهُ في الِاسْتِقْلالِ، فَحُكْمُهُ كَحُكْمِهِ في نَصْبِ المُسْتَثْنى وتَأوَّلَتْ فِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ: "إلّا امْرَأتَكَ" بِالنَصْبِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ وقَعَ مِنَ الأهْلِ كَأنَّهُ قالَ: "فَأسْرِ بِأهْلِكَ إلّا امْرَأتَكَ". وعَلى هَذا التَأْوِيلِ لا يَكُونُ إلّا النَصْبُ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ: لَوْ كانَ الكَلامُ: "وَلا يَلْتَفِتْ" - بِالرَفْعِ- لَصَحَّ الرَفْعُ في قَوْلِهِ: "إلّا امَرْأتُكَ" ولَكِنَّهُ نَهْيٌ، فَإذا اسْتُثْنِيَتِ "المَرْأةُ" مِن أحَدٍ وجَبَ أنْ تَكُونَ "المَرْأةُ" أُبِيحَ لَها الِالتِفاتُ فَيَفْسُدُ مَعْنى الآيَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الِاعْتِراضُ حَسَنٌ، يُلْزِمُ الِاسْتِثْناءَ مِن "أحَدٌ" رَفَعْتَ التاءَ أو نَصَبْتَ والِانْفِصالُ عنهُ يَتَرَتَّبُ بِكَلامٍ حُكِيَ عَنِ المُبَرِّدِ، وهو أنَّ النَهْيَ إنَّما قُصِدَ بِهِ لُوطٌ وحْدَهُ، و"الِالتِفاتُ" مَنفِيٌّ عنهم بِالمَعْنى، أيْ لا تَدَعْ أحَدًا مِنهم يَلْتَفِتُ، وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: لا يَقُمْ مِن هَؤُلاءِ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، وأُولَئِكَ لَمْ يَسْمَعُوكَ، فالمَعْنى: لا تَدَعْ أحَدًا مِن هَؤُلاءِ يَقُومُ والقِيامُ بِالمَعْنى مَنفِيٌّ عَنِ المُشارِ إلَيْهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وجُمْلَةُ هَذا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ هو لَفْظُ قَوْلِنا: لا يَقُمْ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، ونَحْنُ نَحْتاجُ أنْ يَكُونَ مَعْناها مَعْنى قَوْلِنا: لا يَقُمْ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ وذَلِكَ اللَفْظُ لا يَرْجِعُ إلى هَذا المَعْنى إلّا بِتَقْدِيرِ ما حَكَيْناهُ عَنِ المُبَرِّدِ، فَتَدَبَّرْهُ. ويَظْهَرُ مِن مَذْهَبِ أبِي عُبَيٍدٍ أنَّ الِاسْتِثْناءَ، إنَّما هو مِنَ الأهْلِ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ إلّا امْرَأتَكَ" وسَقَطَ قَوْلُهُ: ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ . والظاهِرُ في يَلْتَفِتْ أنَّها مِنِ التِفاتِ البَصَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَن لَفَتَ الشَيْءَ يَلْفِتُهُ إذا ثَناهُ ولَواهُ، فَمَعْناهُ: ولا يَتَثَبَّطْ. وهَذا شاذٌّ مَعَ صِحَّتِهِ وفي كِتابِ الزَهْراوِيِّ: أنَّ المَعْنى: ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ إلى ما خَلَّفَ، بَلْ يَخْرُجُ مُسْرِعًا مَعَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ورُوِيَ أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ لَمّا سَمِعَتِ الهَدَّةَ رَدَّتْ بَصَرَها وقالَتْ: واقَوْماهُ، فَأصابَها حَجَرٌ فَقَتَلَها. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الصُبُحُ" بِضَمِّ الباءِ.

هود 11:82

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَ مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ واقْتَلَعَها ورَفَعَها حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَماءِ الدُنْيا صُراخَ الدِيَكَةِ ونُباحَ الكِلابِ، ثُمَّ أرْسَلَها مَعْكُوسَةً، وأتْبَعَهُمُ الحِجارَةَ مِنَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ أخَذَهم بِخَوافِي جَناحِهِ: ويُرْوى أنَّ مَدِينَةً مِنها نُجِّيَتْ كانَتْ مُخْتَصَّةً بَلُّوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ يُقالُ لَها: زَغْرُ. وأمْرُنا في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن أمَرَ ويَكُونُ في الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: مُقْتَضى أمْرِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: عالِيَها سافِلَها لِلْمُدُنِ، وأُجْرِيَ أمْطَرْنا عَلَيْها كَذَلِكَ، والمُرادُ عَلى أهْلِها، ورُوِيَ أنَّها الحِجارَةُ اسْتَوْفَتْ مِنهم مَن كانُوا خارِجَ مُدُنِهِمْ حَتّى قَتَلَتْهم أجْمَعِينَ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مِنهم في الحَرَمِ رَجُلٌ فَبَقِيَ حَجَرُهُ مُعَلَّقًا في الهَواءِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ فَقَتَلَهُ الحَجَرُ، و"أمْطَرَ" أبَدًا إنَّما يُسْتَعْمَلُ في المَكْرُوهِ، ومَطَرَ يُسْتَعْمَلُ في المَحْبُوبِ، هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ كَذَلِكَ وقَوْلُهُ تَعالى: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا يَرُدُّ هَذا القَوْلَ لِأنَّهم إنَّما ظَنُّوهُ مُعْتادَ الرَحْمَةِ، وقَوْلُهُ: مِن سِجِّيلٍ اخْتُلِفَ فِيهِ: فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سِجِّيلٌ: اسْمُ السَماءِ الدُنْيا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، ويَرُدُّهُ وصْفُهُ بِـ مَنضُودٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَأْخُوذٌ مَن لَفْظِ السِجِلِّ، أيْ هي مِن أمْرٍ كُتِبَ عَلَيْهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ السَجْلِ إذا أُرْسِلَ الشَيْءُ كَما يُرْسَلُ السَجْلُ وكَما تَقُولُ: قالَها مُسْجَلَةً. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مِن سِجِّيلٍ مَعْناهُ: مِن جَهَنَّمَ لِأنَّهُ يُقالُ: سِجِّيلٌ وسِجِّينٌ حُفِظَ فِيها بَدَلَ النُونِ لامٌ، كَما قالُوا: أُصَيْلالٌ وأُصَيْلانٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: سِجِّيلٌ مَعْناهُ: شَدِيدٌ وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ: ؎ ضَرْبًا تَواصى بِهِ الأبْطالُ سِجِّيلا والبَيْتُ في قَصِيدَةٍ نُونِيَّةِ: سِجِّينًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سِجِّيلٌ لَفْظَةٌ أصْلُها غَيْرُ عُرِّبَتْ أصْلُها "سَنْجٌ وجِلٌ. وقِيلَ: غَيْرُ هَذا في أصْلِ اللَفْظَةِ. ومَعْنى هَذا اللَفْظِ ماءٌ وطِينٌ. هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُدِّيِّ وغَيْرِهِمْ، وذَهَبَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ إلى أنَّ الحِجارَةَ الَّتِي رُمُوا بِها كانَتْ كالآجُرِّ المَطْبُوخِ كانَتْ مِن طِينٍ قَدْ تَحَجَّرَ- نَصَّ عَلَيْهِ الحَسَنُ-. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ يُشْبِهُ. وهو الصَوابُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُوُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى سِجِّيلٍ حَجَرٌ مَخْلُوطٌ بِطِينٍ أيْ حَجَرٌ وطِينٌ. قالالقاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ هَذا إلى الَّذِي قَبْلَهُ، لِأنَّ الآجُرَّ وما جَرى مَجْراهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيهِ حَجَرٌ وطِينٌ لِأنَّهُ قَدْ أخَذَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِحَظِّهِ. هي طِينٌ مِن حَيْثُ هو أصْلُها. وحَجَرٌ مِن حَيْثُ صُلِبَتْ. ومَنضُودٌ مَعْناهُ: بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ. أيْ تَتابَعَ وهي صِفَةٌ لِ سِجِّيلٍ وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "نَضْدُهُ": أنَّهُ في السَماءِ مَنضُودٌ مُعَدٌّ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ. ومُسَوَّمَةً مَعْناهُ: مُعَلَّمَةٌ بِعَلامَةٍ، فَقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: إنَّهُ كانَ فِيها بَياضٌ وحُمْرَةٌ: ويُحْكى أنَّهُ كانَ في كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ صاحِبِهِ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ هي مِن سَوَّمَ إذا أعْلَمَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: « "سَوِّمُوا فَقَدْ سَوَّمَتِ المَلائِكَةُ"». ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُسَوَّمَةٌ هاهُنا بِمَعْنى: مُرْسَلَةٍ، وسَوْمُها مِنَ الهُبُوطِ. وقَوْلُهُ: وما هي إشارَةٌ إلى الحِجارَةِ. والظالِمِينَ قِيلَ: يَعْنِي قُرَيْشًا. وقِيلَ: يُرِيدُ عُمُومَ كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِالظُلْمِ، وهَذا هو الأصَحُّ لِأنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "سَيَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ بِالحِجارَةِ"»، وقَدْ ورَدَ أيْضًا حَدِيثٌ: « "إنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ بِمَنجاةٍ مِن ذَلِكَ"». وقِيلَ: يَعْنِي بِـ هِيَ: المُدُنُ، ويَكُونُ المَعْنى: الإعْلامُ بِأنَّ هَذِهِ البِلادَ قَرِيبَةٌ مِن مَكَّةَ - والأوَّلُ أبْيَنُ- ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ البِلادَ كانَتْ بَيْنَ المَدِينَةِ والشامِ، وحَكى الطَبَرِيُّ في تَسْمِيَةِ هَذِهِ المُدُنِ: صَيْعَةَ، وصَعَدَةَ وعَمَزَةَ، ودُوما وسَدُومَ وهي القَرْيَةُ العُظْمى.

هود 11:83

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَ مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ واقْتَلَعَها ورَفَعَها حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَماءِ الدُنْيا صُراخَ الدِيَكَةِ ونُباحَ الكِلابِ، ثُمَّ أرْسَلَها مَعْكُوسَةً، وأتْبَعَهُمُ الحِجارَةَ مِنَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ أخَذَهم بِخَوافِي جَناحِهِ: ويُرْوى أنَّ مَدِينَةً مِنها نُجِّيَتْ كانَتْ مُخْتَصَّةً بَلُّوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ يُقالُ لَها: زَغْرُ. وأمْرُنا في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن أمَرَ ويَكُونُ في الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: مُقْتَضى أمْرِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: عالِيَها سافِلَها لِلْمُدُنِ، وأُجْرِيَ أمْطَرْنا عَلَيْها كَذَلِكَ، والمُرادُ عَلى أهْلِها، ورُوِيَ أنَّها الحِجارَةُ اسْتَوْفَتْ مِنهم مَن كانُوا خارِجَ مُدُنِهِمْ حَتّى قَتَلَتْهم أجْمَعِينَ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مِنهم في الحَرَمِ رَجُلٌ فَبَقِيَ حَجَرُهُ مُعَلَّقًا في الهَواءِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ فَقَتَلَهُ الحَجَرُ، و"أمْطَرَ" أبَدًا إنَّما يُسْتَعْمَلُ في المَكْرُوهِ، ومَطَرَ يُسْتَعْمَلُ في المَحْبُوبِ، هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ كَذَلِكَ وقَوْلُهُ تَعالى: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا يَرُدُّ هَذا القَوْلَ لِأنَّهم إنَّما ظَنُّوهُ مُعْتادَ الرَحْمَةِ، وقَوْلُهُ: مِن سِجِّيلٍ اخْتُلِفَ فِيهِ: فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سِجِّيلٌ: اسْمُ السَماءِ الدُنْيا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، ويَرُدُّهُ وصْفُهُ بِـ مَنضُودٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَأْخُوذٌ مَن لَفْظِ السِجِلِّ، أيْ هي مِن أمْرٍ كُتِبَ عَلَيْهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ السَجْلِ إذا أُرْسِلَ الشَيْءُ كَما يُرْسَلُ السَجْلُ وكَما تَقُولُ: قالَها مُسْجَلَةً. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مِن سِجِّيلٍ مَعْناهُ: مِن جَهَنَّمَ لِأنَّهُ يُقالُ: سِجِّيلٌ وسِجِّينٌ حُفِظَ فِيها بَدَلَ النُونِ لامٌ، كَما قالُوا: أُصَيْلالٌ وأُصَيْلانٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: سِجِّيلٌ مَعْناهُ: شَدِيدٌ وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ: ؎ ضَرْبًا تَواصى بِهِ الأبْطالُ سِجِّيلا والبَيْتُ في قَصِيدَةٍ نُونِيَّةِ: سِجِّينًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سِجِّيلٌ لَفْظَةٌ أصْلُها غَيْرُ عُرِّبَتْ أصْلُها "سَنْجٌ وجِلٌ. وقِيلَ: غَيْرُ هَذا في أصْلِ اللَفْظَةِ. ومَعْنى هَذا اللَفْظِ ماءٌ وطِينٌ. هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُدِّيِّ وغَيْرِهِمْ، وذَهَبَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ إلى أنَّ الحِجارَةَ الَّتِي رُمُوا بِها كانَتْ كالآجُرِّ المَطْبُوخِ كانَتْ مِن طِينٍ قَدْ تَحَجَّرَ- نَصَّ عَلَيْهِ الحَسَنُ-. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ يُشْبِهُ. وهو الصَوابُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُوُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى سِجِّيلٍ حَجَرٌ مَخْلُوطٌ بِطِينٍ أيْ حَجَرٌ وطِينٌ. قالالقاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ هَذا إلى الَّذِي قَبْلَهُ، لِأنَّ الآجُرَّ وما جَرى مَجْراهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيهِ حَجَرٌ وطِينٌ لِأنَّهُ قَدْ أخَذَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِحَظِّهِ. هي طِينٌ مِن حَيْثُ هو أصْلُها. وحَجَرٌ مِن حَيْثُ صُلِبَتْ. ومَنضُودٌ مَعْناهُ: بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ. أيْ تَتابَعَ وهي صِفَةٌ لِ سِجِّيلٍ وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "نَضْدُهُ": أنَّهُ في السَماءِ مَنضُودٌ مُعَدٌّ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ. ومُسَوَّمَةً مَعْناهُ: مُعَلَّمَةٌ بِعَلامَةٍ، فَقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: إنَّهُ كانَ فِيها بَياضٌ وحُمْرَةٌ: ويُحْكى أنَّهُ كانَ في كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ صاحِبِهِ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ هي مِن سَوَّمَ إذا أعْلَمَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: « "سَوِّمُوا فَقَدْ سَوَّمَتِ المَلائِكَةُ"». ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُسَوَّمَةٌ هاهُنا بِمَعْنى: مُرْسَلَةٍ، وسَوْمُها مِنَ الهُبُوطِ. وقَوْلُهُ: وما هي إشارَةٌ إلى الحِجارَةِ. والظالِمِينَ قِيلَ: يَعْنِي قُرَيْشًا. وقِيلَ: يُرِيدُ عُمُومَ كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِالظُلْمِ، وهَذا هو الأصَحُّ لِأنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "سَيَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ بِالحِجارَةِ"»، وقَدْ ورَدَ أيْضًا حَدِيثٌ: « "إنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ بِمَنجاةٍ مِن ذَلِكَ"». وقِيلَ: يَعْنِي بِـ هِيَ: المُدُنُ، ويَكُونُ المَعْنى: الإعْلامُ بِأنَّ هَذِهِ البِلادَ قَرِيبَةٌ مِن مَكَّةَ - والأوَّلُ أبْيَنُ- ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ البِلادَ كانَتْ بَيْنَ المَدِينَةِ والشامِ، وحَكى الطَبَرِيُّ في تَسْمِيَةِ هَذِهِ المُدُنِ: صَيْعَةَ، وصَعَدَةَ وعَمَزَةَ، ودُوما وسَدُومَ وهي القَرْيَةُ العُظْمى.

هود 11:84

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ أوفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا الناسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ التَقْدِيرُ: وإلى مَدْيَنَ أرْسَلَنا أخاهم شُعَيْبًا، واخْتُلِفَ في لَفْظَةِ مَدْيَنَ فَقِيلَ: هي بُقْعَةٌ، فالتَقْدِيرُ عَلى هَذا: وإلى أهْلِ مَدِينَ- كَما قالَ: وسْئَلِ القَرْيَةَ - وقِيلَ: كانَ هَذا القُطْرُ في ناحِيَةِ الشامِ، وقِيلَ: مَدْيَنُ اسْمُ رَجُلٍ كانَتِ القَبِيلَةُ مِن ولَدِهِ فَسُمِّيَتْ بِاسْمِهِ، ومَدْيَنُ لا يَنْصَرِفُ في الوَجْهَيْنِ، حَكى النَقّاشُ أنَّ مَدْيَنَ هو ولَدُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ لِصُلْبِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ وقَدْ قِيلَ: إنَّ شُعَيْبًا عَرَبِيٌّ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ هَذا ولَيْسَ لِلْعَرَبِ اتِّصالٌ بِإبْراهِيمَ إلّا مِن جِهَةِ إسْماعِيلَ فَقَطْ، ودُعاءُ "شُعَيْبَ" إلى "عِبادَةِ اللهِ" يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوثانَ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن قَوْلِهِمْ فِيما بَعْدُ، وكُفْرُهم هو الَّذِي اسْتَوْجَبُوا بِهِ العَذابَ لا مَعاصِيهِمْ، فَإنَّ اللهَ لَمْ يُعَذِّبْ قَطُّ أُمَّةً إلّا بِالكُفْرِ، فَإنِ انْضافَتْ إلى ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ كانَتْ تابِعَةً، وأعْنِي بِالعَذابِ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ العامِّ، وكانَتْ مَعْصِيَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الشَنِيعَةِ أنَّهم كانُوا تَواطَأُوا أنْ يَأْخُذُوا مِمَّنْ يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِهِمْ وافِيًا ويُعْطُوا ناقِصًا في وزْنِهِمْ وكَيْلِهِمْ، فَنَهاهم شُعَيْبٌ بِوَحْيِ اللهِ تَعالى عن ذَلِكَ، ويَظْهَرُ مِن كِتابِ الزَجّاجِ أنَّهم كانُوا تَراضَوْا بَيْنَهم بِأنْ يَبْخَسَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقَوْلُهُ: بِخَيْرٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: في رُخْصٍ مِنَ الأسْعارِ، و"عَذابُ اليَوْمِ المُحِيطِ" هو حُلُولُ الغَلاءِ المُهْلِكِ. ويَنْظُرُ هَذا التَأْوِيلُ إلى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «ما نَقَصَ قَوْمٌ المِكْيالَ والمِيزانَ إلّا ارْتَفَعَ عنهُمُ الرِزْقُ» وقِيلَ: لَهم قَوْلُهُ: بِخَيْرٍ عامٌّ في جَمِيعِ نِعَمِ اللهِ تَعالى، و"عَذابُ اليَوْمِ" هو الهَلاكُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ في آخِرٍ، وجَمِيعُ ما قِيلَ: في لَفْظِ "خَيْرٍ" مُنْحَصِرٌ فِيما قُلْناهُ. ووَصْفُ "اليَوْمِ" بِـ "الإحاطَةِ" وهي مِن صِفَةِ العَذابِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ إذْ كانَ العَذابُ في اليَوْمِ: وقَدْ يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ "اليَوْمُ" بِـ "الإحاطَةِ" عَلى تَقْدِيرٍ: مُحِيطٍ شَرُّهُ. ونَحْوُ هَذا. وكَرَّرَ عَلَيْهِمُ الوَصِيَّةَ في "الكَيْلِ والوَزْنِ" تَأْكِيدًا وبَيانًا وعِظَةً لِأنَّ "وَلا تَنْقُصُوا" هو "أوفُوا" بِعَيْنِهِ. لَكِنَّهُما مَنحَيانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّهُ سَمِعَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ عَلى المِنبَرِ بِمِصْرَ يَعِظُ الناسَ في الكَيْلِ والوَزْنِ فَقالَ: اعْتَبَرُوا في أنَّ الإنْسانَ إذا رَفَعَ يَدَهُ بِالمِيزانِ فامْتَدَّتْ أصابِعُهُ الثَلاثُ والتَقى الإبْهامُ والسَبّابَةُ عَلى ناصِيَةِ المِيزانِ جاءَ مِن شَكْلِ أصابِعِهِ صُورَةُ المَكْتُوبَةِ فَكَأنَّ المِيزانَ يَقُولُ: اللهُ اللهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وعْظٌ مَلِيحٌ مُذَكِّرٌ. والقِسْطُ العَدْلُ ونَحْوُهُ، و"البَخْسُ" النُقْصانُ، وتَعْثَوْا مَعْناهُ: تَسْعَوْنَ في فَسادٍ، وكَرَّرَ مُفْسِدِينَ عَلى جِهَةِ التَأْكِيدِ، يُقالُ عَثا يَعْثُو أو عَثى يَعْثِي، وعَثَّ يَعُثُّ، وعاثَ يَعِيثُ- إذا أفْسَدَ ونَحْوُهُ مِنَ المَعْنى، والعُثَّةِ: الدُودَةُ الَّتِي تُفْسِدُ ثِيابَ الصُوفِ. وقَوْلُهُ: بَقِيَّتُ اللهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مَعْناهُ: الَّذِي يُبْقِي اللهُ لَكم مِن أمْوالِكم بَعْدَ تَوْفِيَتِكُمُ الكَيْلَ والوَزْنَ خَيْرٌ لَكم مِمّا تَسْتَكْثِرُونَ أنْتُمْ بِهِ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرٌ يَلِيقُ بِلَفْظِ الآيَةِ وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: طاعَةُ اللهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - أيْضًا- مَعْناهُ: رِزْقُ اللهِ، وهَذا كُلُّهُ لا يُعْطِيهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما المَعْنى عِنْدِي- إبْقاءُ اللهِ عَلَيْكم إنْ أطَعْتُمْ. وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عن أهْلِ المَدِينَةِ بِتَخْفِيفِ الياءِ وهي لُغَةٌ. وقَوْلُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شَرْطٌ في أنْ تَكُونَ البَقِيَّةُ خَيْرًا لَهُمْ، وأمّا مَعَ الكُفْرِ فَلا خَيْرَ لَهم في شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ، وجَوابُ هَذا الشَرْطِ، مُتَقَدِّمٌ، و"الحَفِيظُ" المُراقِبُ الَّذِي يَحْفَظُ أحْوالَ مَن يَرْقُبُ، والمَعْنى: إنَّما أنا مُبَلِّغٌ والحَفِيظُ المُحاسِبُ هو الَّذِي يُجازِيكم بِالأعْمالِ.

هود 11:85

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ أوفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا الناسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ التَقْدِيرُ: وإلى مَدْيَنَ أرْسَلَنا أخاهم شُعَيْبًا، واخْتُلِفَ في لَفْظَةِ مَدْيَنَ فَقِيلَ: هي بُقْعَةٌ، فالتَقْدِيرُ عَلى هَذا: وإلى أهْلِ مَدِينَ- كَما قالَ: وسْئَلِ القَرْيَةَ - وقِيلَ: كانَ هَذا القُطْرُ في ناحِيَةِ الشامِ، وقِيلَ: مَدْيَنُ اسْمُ رَجُلٍ كانَتِ القَبِيلَةُ مِن ولَدِهِ فَسُمِّيَتْ بِاسْمِهِ، ومَدْيَنُ لا يَنْصَرِفُ في الوَجْهَيْنِ، حَكى النَقّاشُ أنَّ مَدْيَنَ هو ولَدُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ لِصُلْبِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ وقَدْ قِيلَ: إنَّ شُعَيْبًا عَرَبِيٌّ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ هَذا ولَيْسَ لِلْعَرَبِ اتِّصالٌ بِإبْراهِيمَ إلّا مِن جِهَةِ إسْماعِيلَ فَقَطْ، ودُعاءُ "شُعَيْبَ" إلى "عِبادَةِ اللهِ" يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوثانَ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن قَوْلِهِمْ فِيما بَعْدُ، وكُفْرُهم هو الَّذِي اسْتَوْجَبُوا بِهِ العَذابَ لا مَعاصِيهِمْ، فَإنَّ اللهَ لَمْ يُعَذِّبْ قَطُّ أُمَّةً إلّا بِالكُفْرِ، فَإنِ انْضافَتْ إلى ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ كانَتْ تابِعَةً، وأعْنِي بِالعَذابِ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ العامِّ، وكانَتْ مَعْصِيَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الشَنِيعَةِ أنَّهم كانُوا تَواطَأُوا أنْ يَأْخُذُوا مِمَّنْ يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِهِمْ وافِيًا ويُعْطُوا ناقِصًا في وزْنِهِمْ وكَيْلِهِمْ، فَنَهاهم شُعَيْبٌ بِوَحْيِ اللهِ تَعالى عن ذَلِكَ، ويَظْهَرُ مِن كِتابِ الزَجّاجِ أنَّهم كانُوا تَراضَوْا بَيْنَهم بِأنْ يَبْخَسَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقَوْلُهُ: بِخَيْرٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: في رُخْصٍ مِنَ الأسْعارِ، و"عَذابُ اليَوْمِ المُحِيطِ" هو حُلُولُ الغَلاءِ المُهْلِكِ. ويَنْظُرُ هَذا التَأْوِيلُ إلى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «ما نَقَصَ قَوْمٌ المِكْيالَ والمِيزانَ إلّا ارْتَفَعَ عنهُمُ الرِزْقُ» وقِيلَ: لَهم قَوْلُهُ: بِخَيْرٍ عامٌّ في جَمِيعِ نِعَمِ اللهِ تَعالى، و"عَذابُ اليَوْمِ" هو الهَلاكُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ في آخِرٍ، وجَمِيعُ ما قِيلَ: في لَفْظِ "خَيْرٍ" مُنْحَصِرٌ فِيما قُلْناهُ. ووَصْفُ "اليَوْمِ" بِـ "الإحاطَةِ" وهي مِن صِفَةِ العَذابِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ إذْ كانَ العَذابُ في اليَوْمِ: وقَدْ يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ "اليَوْمُ" بِـ "الإحاطَةِ" عَلى تَقْدِيرٍ: مُحِيطٍ شَرُّهُ. ونَحْوُ هَذا. وكَرَّرَ عَلَيْهِمُ الوَصِيَّةَ في "الكَيْلِ والوَزْنِ" تَأْكِيدًا وبَيانًا وعِظَةً لِأنَّ "وَلا تَنْقُصُوا" هو "أوفُوا" بِعَيْنِهِ. لَكِنَّهُما مَنحَيانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّهُ سَمِعَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ عَلى المِنبَرِ بِمِصْرَ يَعِظُ الناسَ في الكَيْلِ والوَزْنِ فَقالَ: اعْتَبَرُوا في أنَّ الإنْسانَ إذا رَفَعَ يَدَهُ بِالمِيزانِ فامْتَدَّتْ أصابِعُهُ الثَلاثُ والتَقى الإبْهامُ والسَبّابَةُ عَلى ناصِيَةِ المِيزانِ جاءَ مِن شَكْلِ أصابِعِهِ صُورَةُ المَكْتُوبَةِ فَكَأنَّ المِيزانَ يَقُولُ: اللهُ اللهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وعْظٌ مَلِيحٌ مُذَكِّرٌ. والقِسْطُ العَدْلُ ونَحْوُهُ، و"البَخْسُ" النُقْصانُ، وتَعْثَوْا مَعْناهُ: تَسْعَوْنَ في فَسادٍ، وكَرَّرَ مُفْسِدِينَ عَلى جِهَةِ التَأْكِيدِ، يُقالُ عَثا يَعْثُو أو عَثى يَعْثِي، وعَثَّ يَعُثُّ، وعاثَ يَعِيثُ- إذا أفْسَدَ ونَحْوُهُ مِنَ المَعْنى، والعُثَّةِ: الدُودَةُ الَّتِي تُفْسِدُ ثِيابَ الصُوفِ. وقَوْلُهُ: بَقِيَّتُ اللهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مَعْناهُ: الَّذِي يُبْقِي اللهُ لَكم مِن أمْوالِكم بَعْدَ تَوْفِيَتِكُمُ الكَيْلَ والوَزْنَ خَيْرٌ لَكم مِمّا تَسْتَكْثِرُونَ أنْتُمْ بِهِ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرٌ يَلِيقُ بِلَفْظِ الآيَةِ وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: طاعَةُ اللهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - أيْضًا- مَعْناهُ: رِزْقُ اللهِ، وهَذا كُلُّهُ لا يُعْطِيهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما المَعْنى عِنْدِي- إبْقاءُ اللهِ عَلَيْكم إنْ أطَعْتُمْ. وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عن أهْلِ المَدِينَةِ بِتَخْفِيفِ الياءِ وهي لُغَةٌ. وقَوْلُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شَرْطٌ في أنْ تَكُونَ البَقِيَّةُ خَيْرًا لَهُمْ، وأمّا مَعَ الكُفْرِ فَلا خَيْرَ لَهم في شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ، وجَوابُ هَذا الشَرْطِ، مُتَقَدِّمٌ، و"الحَفِيظُ" المُراقِبُ الَّذِي يَحْفَظُ أحْوالَ مَن يَرْقُبُ، والمَعْنى: إنَّما أنا مُبَلِّغٌ والحَفِيظُ المُحاسِبُ هو الَّذِي يُجازِيكم بِالأعْمالِ.

هود 11:86

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ أوفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا الناسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ التَقْدِيرُ: وإلى مَدْيَنَ أرْسَلَنا أخاهم شُعَيْبًا، واخْتُلِفَ في لَفْظَةِ مَدْيَنَ فَقِيلَ: هي بُقْعَةٌ، فالتَقْدِيرُ عَلى هَذا: وإلى أهْلِ مَدِينَ- كَما قالَ: وسْئَلِ القَرْيَةَ - وقِيلَ: كانَ هَذا القُطْرُ في ناحِيَةِ الشامِ، وقِيلَ: مَدْيَنُ اسْمُ رَجُلٍ كانَتِ القَبِيلَةُ مِن ولَدِهِ فَسُمِّيَتْ بِاسْمِهِ، ومَدْيَنُ لا يَنْصَرِفُ في الوَجْهَيْنِ، حَكى النَقّاشُ أنَّ مَدْيَنَ هو ولَدُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ لِصُلْبِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ وقَدْ قِيلَ: إنَّ شُعَيْبًا عَرَبِيٌّ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ هَذا ولَيْسَ لِلْعَرَبِ اتِّصالٌ بِإبْراهِيمَ إلّا مِن جِهَةِ إسْماعِيلَ فَقَطْ، ودُعاءُ "شُعَيْبَ" إلى "عِبادَةِ اللهِ" يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوثانَ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن قَوْلِهِمْ فِيما بَعْدُ، وكُفْرُهم هو الَّذِي اسْتَوْجَبُوا بِهِ العَذابَ لا مَعاصِيهِمْ، فَإنَّ اللهَ لَمْ يُعَذِّبْ قَطُّ أُمَّةً إلّا بِالكُفْرِ، فَإنِ انْضافَتْ إلى ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ كانَتْ تابِعَةً، وأعْنِي بِالعَذابِ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ العامِّ، وكانَتْ مَعْصِيَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الشَنِيعَةِ أنَّهم كانُوا تَواطَأُوا أنْ يَأْخُذُوا مِمَّنْ يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِهِمْ وافِيًا ويُعْطُوا ناقِصًا في وزْنِهِمْ وكَيْلِهِمْ، فَنَهاهم شُعَيْبٌ بِوَحْيِ اللهِ تَعالى عن ذَلِكَ، ويَظْهَرُ مِن كِتابِ الزَجّاجِ أنَّهم كانُوا تَراضَوْا بَيْنَهم بِأنْ يَبْخَسَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقَوْلُهُ: بِخَيْرٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: في رُخْصٍ مِنَ الأسْعارِ، و"عَذابُ اليَوْمِ المُحِيطِ" هو حُلُولُ الغَلاءِ المُهْلِكِ. ويَنْظُرُ هَذا التَأْوِيلُ إلى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «ما نَقَصَ قَوْمٌ المِكْيالَ والمِيزانَ إلّا ارْتَفَعَ عنهُمُ الرِزْقُ» وقِيلَ: لَهم قَوْلُهُ: بِخَيْرٍ عامٌّ في جَمِيعِ نِعَمِ اللهِ تَعالى، و"عَذابُ اليَوْمِ" هو الهَلاكُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ في آخِرٍ، وجَمِيعُ ما قِيلَ: في لَفْظِ "خَيْرٍ" مُنْحَصِرٌ فِيما قُلْناهُ. ووَصْفُ "اليَوْمِ" بِـ "الإحاطَةِ" وهي مِن صِفَةِ العَذابِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ إذْ كانَ العَذابُ في اليَوْمِ: وقَدْ يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ "اليَوْمُ" بِـ "الإحاطَةِ" عَلى تَقْدِيرٍ: مُحِيطٍ شَرُّهُ. ونَحْوُ هَذا. وكَرَّرَ عَلَيْهِمُ الوَصِيَّةَ في "الكَيْلِ والوَزْنِ" تَأْكِيدًا وبَيانًا وعِظَةً لِأنَّ "وَلا تَنْقُصُوا" هو "أوفُوا" بِعَيْنِهِ. لَكِنَّهُما مَنحَيانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّهُ سَمِعَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ عَلى المِنبَرِ بِمِصْرَ يَعِظُ الناسَ في الكَيْلِ والوَزْنِ فَقالَ: اعْتَبَرُوا في أنَّ الإنْسانَ إذا رَفَعَ يَدَهُ بِالمِيزانِ فامْتَدَّتْ أصابِعُهُ الثَلاثُ والتَقى الإبْهامُ والسَبّابَةُ عَلى ناصِيَةِ المِيزانِ جاءَ مِن شَكْلِ أصابِعِهِ صُورَةُ المَكْتُوبَةِ فَكَأنَّ المِيزانَ يَقُولُ: اللهُ اللهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وعْظٌ مَلِيحٌ مُذَكِّرٌ. والقِسْطُ العَدْلُ ونَحْوُهُ، و"البَخْسُ" النُقْصانُ، وتَعْثَوْا مَعْناهُ: تَسْعَوْنَ في فَسادٍ، وكَرَّرَ مُفْسِدِينَ عَلى جِهَةِ التَأْكِيدِ، يُقالُ عَثا يَعْثُو أو عَثى يَعْثِي، وعَثَّ يَعُثُّ، وعاثَ يَعِيثُ- إذا أفْسَدَ ونَحْوُهُ مِنَ المَعْنى، والعُثَّةِ: الدُودَةُ الَّتِي تُفْسِدُ ثِيابَ الصُوفِ. وقَوْلُهُ: بَقِيَّتُ اللهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مَعْناهُ: الَّذِي يُبْقِي اللهُ لَكم مِن أمْوالِكم بَعْدَ تَوْفِيَتِكُمُ الكَيْلَ والوَزْنَ خَيْرٌ لَكم مِمّا تَسْتَكْثِرُونَ أنْتُمْ بِهِ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرٌ يَلِيقُ بِلَفْظِ الآيَةِ وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: طاعَةُ اللهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - أيْضًا- مَعْناهُ: رِزْقُ اللهِ، وهَذا كُلُّهُ لا يُعْطِيهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما المَعْنى عِنْدِي- إبْقاءُ اللهِ عَلَيْكم إنْ أطَعْتُمْ. وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عن أهْلِ المَدِينَةِ بِتَخْفِيفِ الياءِ وهي لُغَةٌ. وقَوْلُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شَرْطٌ في أنْ تَكُونَ البَقِيَّةُ خَيْرًا لَهُمْ، وأمّا مَعَ الكُفْرِ فَلا خَيْرَ لَهم في شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ، وجَوابُ هَذا الشَرْطِ، مُتَقَدِّمٌ، و"الحَفِيظُ" المُراقِبُ الَّذِي يَحْفَظُ أحْوالَ مَن يَرْقُبُ، والمَعْنى: إنَّما أنا مُبَلِّغٌ والحَفِيظُ المُحاسِبُ هو الَّذِي يُجازِيكم بِالأعْمالِ.

هود 11:87

(p-٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أو أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَشِيدُ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عنهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أصَلَواتُكَ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "أصَلاتُكَ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ قَرَأ في التَوْبَةِ: إنَّ صَلاتَكَ، وفي (المُؤْمِنُونَ): "عَلى صَلاتِهِمْ"، كُلُّ ذَلِكَ بِالإفْرادِ. واخْتُلَفَ في مَعْنى الصَلاةِ هُنا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا الصَلَواتِ المَعْرُوفَةَ، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ صَلاةً، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبِيًّا إلّا فَرْضَ عَلَيْهِ الصَلاةَ والزَكاةَ. وقِيلَ: أرادُوا: قِراءَتُكَ، وقِيلَ: أرادُوا: أمَساجِدُكَ؟ وقِيلَ: أرادُوا: أدَعَواتُكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأقْرَبُ هَذِهِ الأقْوالِ الأوَّلُ والرابِعُ. وجَعَلُوا "الأمْرَ" مَن فَعَلَ الصَلَواتِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن حَصَلَ في رُتْبَةٍ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ فَفي الأكْثَرِ تَدْعُوهُ رُتَبُهُ إلى التَزَيُّدِ مِن ذَلِكَ النَوْعِ، فَمَعْنى هَذا: ألَمّا كُنْتَ مُصَلِّيًا تَجاوَزْتَ إلى ذَمِّ شَرْعِنا وحالِنا؟ فَكَأنَّ حالَهُ مِنَ الصَلاةِ جَسَّرَتْهُ عَلى ذَلِكَ، فَقِيلَ: أمَرَتْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الصَلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقَوْلُهُمْ: ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ نَصٌّ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَفْعَلُ" و "نَشاءُ" بِنُونِ الجَماعَةِ فِيهِما، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ قَيْسٍ: "تَفْعَلُ" و "تَشاءُ" بِتاءِ المُخاطَبَةِ فِيهِما، ورُوِيَتْ عن أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نَفْعَلُ" بِالنُونِ. "ما تَشاءُ" بِالتاءِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَأمّا مَن قَرَأ بِالنُونِ فِيهِما فـَ "أنْ" الثانِيَةُ عَطْفٌ عَلى "ما" لا عَلى "أنْ" الأُولى؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ (p-٦)أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ؟ وهَذا قَلْبُ ما قَصَدُوهُ، وأمّا مَن قَرَأ بِالتاءِ فِيهِما فَيَصِحُّ عَطْفُ "أنْ" الثانِيَةُ عَلى "أنْ" الأُولى، قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: ويَصِحُّ عَطْفُها عَلى "ما" ويَتِمُّ المَعْنى في الوَجْهَيْنِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَجِيءُ "نَتْرُكَ" في الأوَّلِ بِمَعْنى: نَرْفُضُ، وفي الثانِي بِمَعْنى: نُقَرِّرُ، فَيَتَعَذَّرُ عِنْدِي هَذا الوَجْهُ لِما ذَكَرْتُهُ مِن تَنَوُّعِ التَرْكِ عَلى الحُكْمِ اللَفْظِيِّ، أو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ؛ ألا تَرى أنَّ التَرْكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالنُونِ في الفِعْلَيْنِ إنَّما هو بِمَعْنى الرَفْضِ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ، وأمّا مَن قَرَأ بِالنُونِ في "نَفْعَلُ" والتاءِ في "تَشاءُ" فَـ "أنْ" مَعْطُوفَةٌ عَلى الأُولى، ولا يَجُوزُ أنْ تَنْعَطِفَ عَلى "ما" لِأنَّ المَعْنى أيْضًا يَنْقَلِبُ فَتُدَبِّرُهُ. وظاهِرُ فِعْلِهِمْ هَذا الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ هو بَخْسُ الكَيْلِ والوَزْنِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ورُوِيَ أنَّ الإشارَةَ هي إلى قَرْضِهِمُ الدِينارَ والدِرْهَمَ وإجْراءَ ذَلِكَ مَعَ الصَحِيحِ عَلى جِهَةِ التَدْلِيسِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وغَيْرُهُ. ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ قالَ: قَطَعُ الدَنانِيرِ والدَراهِمِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ، فَتَأوَّلَ ذَلِكَ بِهَذا المَعْنى المُتَقَدِّمِ، وتُؤَوَّلُ أيْضًا بِمَعْنى أنَّهُ تَبْدِيلُ السِكَكِ الَّتِي يَقْصِدُ بِها أكْلَ أمْوالِ الناسِ. واخْتُلِفَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَشِيدُ﴾ فَقِيلَ: إنَّما كانَتْ ألْفاظُهُمْ: "إنَّكَ لَأنْتَ الجاهِلُ السَفِيهُ" فَكَنّى اللهُ عن ذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ هَذا لَفْظُهم بِعَيْنِهِ إلّا أنَّهم قالُوهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَشِيدُ عِنْدَ نَفْسِكَ، وقِيلَ: بَلْ قالُوهُ عَلى جِهَةِ الحَقِيقَةِ وأنَّهُ اعْتِقادُهم فِيهِ، فَكَأنَّهم فَنَّدُوهُ أيْ: أنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ فَلا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَأْمُرَنا بِهَذِهِ الأوامِرِ، ويُشْبِهُ هَذا المَعْنى قَوْلَ اليَهُودِ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ قالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "يا إخْوَةَ القِرَدَةِ"»: "يا مُحَمَّدُ ما عَلِمْناكَ جَهُولًا". (p-٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والشُبَهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ إنَّما هو بِالمُناسَبَةِ بَيْنَ كَلامِ شُعَيْبٍ وتَلَطُّفِهِ، وبَيْنَ ما بادَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بَنِي قُرَيْظَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ مُراجَعَةٌ لَفْظِيَّةٌ واسْتِرْسالٌ حَسَنٌ واسْتِدْعاءٌ رَفِيقٌ، ولِهَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها مِن مُحاوَرَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ".» وجَوابُ الشَرْطِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أأضِلُّ كَما ضَلَلْتُمْ وأتْرُكُ تَبْلِيغَ الرِسالَةِ؟ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِهَذِهِ المُحاجَّةِ؟ و ﴿بَيِّنَةٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: (بَيانٌ) أو بَيِّنٌ، ودَخَلَتِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلامَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، فَتَكُونُ الهاءُ هاءَ تَأْنِيثٍ. وقَوْلُهُ: ﴿وَرَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ يُرِيدُ: خالِصًا مِنَ الفَسادِ الَّذِي أدْخَلْتُمْ أنْتُمْ في أمْوالِكُمْ، ثُمَّ قالَ لَهُمْ: ولَسْتُ أُرِيدُ أنْ أفْعَلَ الشَيْءَ الَّذِي نَهَيْتُكم عنهُ مِن نَقْصِ الكَيْلِ والوَزْنِ فَأسْتَأْثِرَ بِالمالِ لِنَفْسِي، وما أُرِيدُ إلّا إصْلاحَ الجَمِيعِ، وأُنِيبُ مَعْناهُ: أرْجِعُ وأتُوبُ وأسْتَنِدُ.

هود 11:88

(p-٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أو أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَشِيدُ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عنهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أصَلَواتُكَ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "أصَلاتُكَ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ قَرَأ في التَوْبَةِ: إنَّ صَلاتَكَ، وفي (المُؤْمِنُونَ): "عَلى صَلاتِهِمْ"، كُلُّ ذَلِكَ بِالإفْرادِ. واخْتُلَفَ في مَعْنى الصَلاةِ هُنا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا الصَلَواتِ المَعْرُوفَةَ، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ صَلاةً، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبِيًّا إلّا فَرْضَ عَلَيْهِ الصَلاةَ والزَكاةَ. وقِيلَ: أرادُوا: قِراءَتُكَ، وقِيلَ: أرادُوا: أمَساجِدُكَ؟ وقِيلَ: أرادُوا: أدَعَواتُكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأقْرَبُ هَذِهِ الأقْوالِ الأوَّلُ والرابِعُ. وجَعَلُوا "الأمْرَ" مَن فَعَلَ الصَلَواتِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن حَصَلَ في رُتْبَةٍ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ فَفي الأكْثَرِ تَدْعُوهُ رُتَبُهُ إلى التَزَيُّدِ مِن ذَلِكَ النَوْعِ، فَمَعْنى هَذا: ألَمّا كُنْتَ مُصَلِّيًا تَجاوَزْتَ إلى ذَمِّ شَرْعِنا وحالِنا؟ فَكَأنَّ حالَهُ مِنَ الصَلاةِ جَسَّرَتْهُ عَلى ذَلِكَ، فَقِيلَ: أمَرَتْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الصَلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقَوْلُهُمْ: ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ نَصٌّ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَفْعَلُ" و "نَشاءُ" بِنُونِ الجَماعَةِ فِيهِما، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ قَيْسٍ: "تَفْعَلُ" و "تَشاءُ" بِتاءِ المُخاطَبَةِ فِيهِما، ورُوِيَتْ عن أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نَفْعَلُ" بِالنُونِ. "ما تَشاءُ" بِالتاءِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَأمّا مَن قَرَأ بِالنُونِ فِيهِما فـَ "أنْ" الثانِيَةُ عَطْفٌ عَلى "ما" لا عَلى "أنْ" الأُولى؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ (p-٦)أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ؟ وهَذا قَلْبُ ما قَصَدُوهُ، وأمّا مَن قَرَأ بِالتاءِ فِيهِما فَيَصِحُّ عَطْفُ "أنْ" الثانِيَةُ عَلى "أنْ" الأُولى، قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: ويَصِحُّ عَطْفُها عَلى "ما" ويَتِمُّ المَعْنى في الوَجْهَيْنِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَجِيءُ "نَتْرُكَ" في الأوَّلِ بِمَعْنى: نَرْفُضُ، وفي الثانِي بِمَعْنى: نُقَرِّرُ، فَيَتَعَذَّرُ عِنْدِي هَذا الوَجْهُ لِما ذَكَرْتُهُ مِن تَنَوُّعِ التَرْكِ عَلى الحُكْمِ اللَفْظِيِّ، أو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ؛ ألا تَرى أنَّ التَرْكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالنُونِ في الفِعْلَيْنِ إنَّما هو بِمَعْنى الرَفْضِ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ، وأمّا مَن قَرَأ بِالنُونِ في "نَفْعَلُ" والتاءِ في "تَشاءُ" فَـ "أنْ" مَعْطُوفَةٌ عَلى الأُولى، ولا يَجُوزُ أنْ تَنْعَطِفَ عَلى "ما" لِأنَّ المَعْنى أيْضًا يَنْقَلِبُ فَتُدَبِّرُهُ. وظاهِرُ فِعْلِهِمْ هَذا الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ هو بَخْسُ الكَيْلِ والوَزْنِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ورُوِيَ أنَّ الإشارَةَ هي إلى قَرْضِهِمُ الدِينارَ والدِرْهَمَ وإجْراءَ ذَلِكَ مَعَ الصَحِيحِ عَلى جِهَةِ التَدْلِيسِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وغَيْرُهُ. ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ قالَ: قَطَعُ الدَنانِيرِ والدَراهِمِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ، فَتَأوَّلَ ذَلِكَ بِهَذا المَعْنى المُتَقَدِّمِ، وتُؤَوَّلُ أيْضًا بِمَعْنى أنَّهُ تَبْدِيلُ السِكَكِ الَّتِي يَقْصِدُ بِها أكْلَ أمْوالِ الناسِ. واخْتُلِفَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَشِيدُ﴾ فَقِيلَ: إنَّما كانَتْ ألْفاظُهُمْ: "إنَّكَ لَأنْتَ الجاهِلُ السَفِيهُ" فَكَنّى اللهُ عن ذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ هَذا لَفْظُهم بِعَيْنِهِ إلّا أنَّهم قالُوهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَشِيدُ عِنْدَ نَفْسِكَ، وقِيلَ: بَلْ قالُوهُ عَلى جِهَةِ الحَقِيقَةِ وأنَّهُ اعْتِقادُهم فِيهِ، فَكَأنَّهم فَنَّدُوهُ أيْ: أنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ فَلا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَأْمُرَنا بِهَذِهِ الأوامِرِ، ويُشْبِهُ هَذا المَعْنى قَوْلَ اليَهُودِ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ قالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "يا إخْوَةَ القِرَدَةِ"»: "يا مُحَمَّدُ ما عَلِمْناكَ جَهُولًا". (p-٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والشُبَهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ إنَّما هو بِالمُناسَبَةِ بَيْنَ كَلامِ شُعَيْبٍ وتَلَطُّفِهِ، وبَيْنَ ما بادَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بَنِي قُرَيْظَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ مُراجَعَةٌ لَفْظِيَّةٌ واسْتِرْسالٌ حَسَنٌ واسْتِدْعاءٌ رَفِيقٌ، ولِهَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها مِن مُحاوَرَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ".» وجَوابُ الشَرْطِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أأضِلُّ كَما ضَلَلْتُمْ وأتْرُكُ تَبْلِيغَ الرِسالَةِ؟ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِهَذِهِ المُحاجَّةِ؟ و ﴿بَيِّنَةٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: (بَيانٌ) أو بَيِّنٌ، ودَخَلَتِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلامَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، فَتَكُونُ الهاءُ هاءَ تَأْنِيثٍ. وقَوْلُهُ: ﴿وَرَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ يُرِيدُ: خالِصًا مِنَ الفَسادِ الَّذِي أدْخَلْتُمْ أنْتُمْ في أمْوالِكُمْ، ثُمَّ قالَ لَهُمْ: ولَسْتُ أُرِيدُ أنْ أفْعَلَ الشَيْءَ الَّذِي نَهَيْتُكم عنهُ مِن نَقْصِ الكَيْلِ والوَزْنِ فَأسْتَأْثِرَ بِالمالِ لِنَفْسِي، وما أُرِيدُ إلّا إصْلاحَ الجَمِيعِ، وأُنِيبُ مَعْناهُ: أرْجِعُ وأتُوبُ وأسْتَنِدُ.

هود 11:89

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمِ نُوحٍ أو قَوْمِ هُودٍ أو قَوْمِ صالِحٍ وما قَوْمِ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ مَعْناهُ: لا يَكْسِبْنَكُمْ، يُقالُ: جَرَّمَهُ كَذا وكَذا وأُجَرِّمُهُ إذا أكْسَبَهُ، (p-٨)كَما يُقالُ: كَسَبَ وأكْسَبَ بِمَعْنى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ولَقَدْ طَعنتَ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَجْرِمَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "يُجْرِمَنَّكُمْ" بِضَمِّها، و "شِقاقِي" مَعْناهُ: مُشاقَتِي وعَداوَتِي، و"أنْ" مُفَعْوَلَةٌ بِـ "يَجْرِمَنَّكُمْ". وكانَتْ قِصَّةُ قَوْمِ لُوطٍ أقْرَبَ القِصَصِ عَهْدًا بِقِصَّةِ قَوْمِ شُعَيْبٍ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وما مَنازِلُ قَوْمِ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ في المَسافَةِ، ويَتَضَمَّنُ هَذا القَوْلُ ضَرْبَ المَثَلِ لَهم بِقَوْمِ لُوطٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِثْلُ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ "يُصِيبْكُمْ"، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مِثْلَ" بِالنَصْبِ؛ وذَلِكَ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ "مِثْلَ" فاعِلًا، وفَتْحَةُ اللامِ فَتْحَةَ بِناءٍ لِما أُضِيفَ لِغَيْرٍ مُتَمَكِّنٍ، فَإنَّ "مِثْلَ" قَدْ يَجْرِي مَجْرى الظُرُوفِ في هَذا البابِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا مَحْضًا، وإمّا أنْ يُقَدَّرَ الفاعِلُ مَحْذُوفًا يَقْتَضِيهِ المَعْنى، ويَكُونُ "مِثْلَ" مَنصُوبًا عَلى النَعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إصابَةُ مِثْلَ. وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ الآيَةَ. تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذا مِن تَرْتِيبِ هَذا الِاسْتِغْفارِ قَبْلَ التَوْبَةِ، و "وَدُودٌ" مَعْناهُ أنَّ أفْعالَهُ ولُطْفَهُ بِعِبادِهِ لَمّا كانَتْ في غايَةِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ كانَتْ كَفِعْلِ مَن يَتَوَدَّدُ ويَوَدُّ المَصْنُوعَ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ﴾ الآيَةَ. "نَفْقَهُ" مَعْناهُ: نَفْهَمُ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ (p-٩)قُرَيْشٍ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥]، ومَعْنى ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾: أيْ ما نَفْقَهُ صِحَّةَ قَوْلِكَ، وأمّا فِقْهُهم لَفْظَهُ ومَعْناهُ فَمُتَحَصِّلٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وشَرِيكٍ القاضِي في قَوْلِهِمْ: "ضَعِيفًا" أنَّهُ كانَ ضَرِيرَ البَصَرِ أعْمى، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأعْمى: ضَعِيفٌ، كَما يُقالُ لَهُ: ضَرِيرٌ، وقِيلَ: كانَ ناحِلَ البَدَنِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ ولا تَقُومُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ بِضَعْفِ بَصَرِهِ أو بَدَنِهِ، والظاهِرُ مِن قَوْلِهِمْ: "ضَعِيفًا" أنَّهُ ضَعِيفُ الِانْتِصارِ والقُدْرَةِ، وأنَّ رَهْطَهُ الكَفَرَةَ كانُوا يُراعُونَ فِيهِ. و الرَهْطُ: جَماعَةُ الرَجُلِ، ومِنهُ الراهِطاءُ؛ لِأنَّ اليَرْبُوعَ يَعْتَصِمُ بِهِ كَما يَفْعَلُ الرَجُلُ بِرَهْطِهِ. و "لَرَجَمْناكَ" قِيلَ: مَعْناهُ بِالحِجارَةِ، وهو الظاهِرُ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ: لَرَجَمْناكَ بِالسَبِّ، وبِهِ فَسَّرَ الطَبَرَيُّ، وهَذا أيْضًا تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]، وقَوْلُهُمْ: "بِعَزِيزٍ" أيْ: بِذِي مَنَعَةٍ وعِزَّةٍ ومَنزِلَةٍ في نُفُوسِنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي﴾ الآيَةَ. "الظِهْرِيُّ": الشَيْءُ الَّذِي يَكُونُ وراءَ الظَهْرِ، وقَدْ يَكُونُ الشَيْءُ وراءَ الظَهْرِ بِوَجْهَيْنِ في الكَلامِ: إمّا بِأنْ يُطْرَحَ، كَما تَقُولُ: جَعَلَتَ كَلامِي وراءَ ظَهْرِكَ ودُبُرَ أُذُنِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎ تَمِيمَ بْنَ زَيْدٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي ∗∗∗ ∗∗∗ بِظَهْرٍ فَلا يَعْيا عَلَيَّ جَوابُها (p-١٠)وَإمّا بِأنْ يُسْنِدَ إلَيْهِ ويَلْجَأ. ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في دُعائِهِ: « "وَألْجَأتُ ظَهْرِي إلَيْكَ"،» فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ "واتَّخَذْتُمُ اللهَ ظَهْرِيًّا -أيْ: غَيْرَ مُراعًى- وراءَ الظَهْرِ" عَلى مَعْنى الِاطِّراحِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرَيُّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ عِنْدِي عَلى حَذْفٍ مُضافٍ ولا بُدَّ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "واتَّخَذْتُمُوهُ" عائِدٌ عَلى أمْرِ اللهِ وشَرْعِهِ، إذْ يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: أتَرَوْنَ رَهْطِي أعَزَّ عَلَيْكم مِنَ اللهِ وأنْتُمْ تَتَّخِذُونَ اللهَ سَنَدَ ظُهُورِكم وعِمادَ آمالِكُمْ؟ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَوْلُ الجُمْهُورِ عَلى أنْ كانَ كُفْرُ قَوْمِ شُعَيْبٍ جُحْدًا بِاللهِ تَعالى وجَهْلًا بِهِ، وهَذا القَوْلُ الثانِي عَلى أنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِالخالِقِ الرازِقِ ويَعْتَقِدُونَ الأصْنامَ وسائِطَ ووَسائِلَ، ونَحْوَ هَذا، وهاتانِ الفِرْقَتانِ مَوْجُودَتانِ في الكَفَرَةِ، ومِنَ اللَفْظَةِ: الِاسْتِظْهارُ بِالبَيِّنَةِ، وقَدْ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الظِهْرِيُّ: الفَضْلُ، مَثَلُ الجَمّالِ يَخْرُجُ مَعَهُ بِإبِلٍ ظَهارِيَّةٍ يُعِدُّها إنِ احْتاجَ إلَيْها وإلّا فَهي فَضْلَةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا كُلُّهُ مِمّا يُسْتَنَدُ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ تَوَعَّدٌ، ومَعْناهُ: مُحِيطٌ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ.

هود 11:90

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمِ نُوحٍ أو قَوْمِ هُودٍ أو قَوْمِ صالِحٍ وما قَوْمِ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ مَعْناهُ: لا يَكْسِبْنَكُمْ، يُقالُ: جَرَّمَهُ كَذا وكَذا وأُجَرِّمُهُ إذا أكْسَبَهُ، (p-٨)كَما يُقالُ: كَسَبَ وأكْسَبَ بِمَعْنى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ولَقَدْ طَعنتَ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَجْرِمَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "يُجْرِمَنَّكُمْ" بِضَمِّها، و "شِقاقِي" مَعْناهُ: مُشاقَتِي وعَداوَتِي، و"أنْ" مُفَعْوَلَةٌ بِـ "يَجْرِمَنَّكُمْ". وكانَتْ قِصَّةُ قَوْمِ لُوطٍ أقْرَبَ القِصَصِ عَهْدًا بِقِصَّةِ قَوْمِ شُعَيْبٍ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وما مَنازِلُ قَوْمِ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ في المَسافَةِ، ويَتَضَمَّنُ هَذا القَوْلُ ضَرْبَ المَثَلِ لَهم بِقَوْمِ لُوطٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِثْلُ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ "يُصِيبْكُمْ"، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مِثْلَ" بِالنَصْبِ؛ وذَلِكَ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ "مِثْلَ" فاعِلًا، وفَتْحَةُ اللامِ فَتْحَةَ بِناءٍ لِما أُضِيفَ لِغَيْرٍ مُتَمَكِّنٍ، فَإنَّ "مِثْلَ" قَدْ يَجْرِي مَجْرى الظُرُوفِ في هَذا البابِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا مَحْضًا، وإمّا أنْ يُقَدَّرَ الفاعِلُ مَحْذُوفًا يَقْتَضِيهِ المَعْنى، ويَكُونُ "مِثْلَ" مَنصُوبًا عَلى النَعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إصابَةُ مِثْلَ. وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ الآيَةَ. تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذا مِن تَرْتِيبِ هَذا الِاسْتِغْفارِ قَبْلَ التَوْبَةِ، و "وَدُودٌ" مَعْناهُ أنَّ أفْعالَهُ ولُطْفَهُ بِعِبادِهِ لَمّا كانَتْ في غايَةِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ كانَتْ كَفِعْلِ مَن يَتَوَدَّدُ ويَوَدُّ المَصْنُوعَ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ﴾ الآيَةَ. "نَفْقَهُ" مَعْناهُ: نَفْهَمُ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ (p-٩)قُرَيْشٍ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥]، ومَعْنى ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾: أيْ ما نَفْقَهُ صِحَّةَ قَوْلِكَ، وأمّا فِقْهُهم لَفْظَهُ ومَعْناهُ فَمُتَحَصِّلٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وشَرِيكٍ القاضِي في قَوْلِهِمْ: "ضَعِيفًا" أنَّهُ كانَ ضَرِيرَ البَصَرِ أعْمى، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأعْمى: ضَعِيفٌ، كَما يُقالُ لَهُ: ضَرِيرٌ، وقِيلَ: كانَ ناحِلَ البَدَنِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ ولا تَقُومُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ بِضَعْفِ بَصَرِهِ أو بَدَنِهِ، والظاهِرُ مِن قَوْلِهِمْ: "ضَعِيفًا" أنَّهُ ضَعِيفُ الِانْتِصارِ والقُدْرَةِ، وأنَّ رَهْطَهُ الكَفَرَةَ كانُوا يُراعُونَ فِيهِ. و الرَهْطُ: جَماعَةُ الرَجُلِ، ومِنهُ الراهِطاءُ؛ لِأنَّ اليَرْبُوعَ يَعْتَصِمُ بِهِ كَما يَفْعَلُ الرَجُلُ بِرَهْطِهِ. و "لَرَجَمْناكَ" قِيلَ: مَعْناهُ بِالحِجارَةِ، وهو الظاهِرُ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ: لَرَجَمْناكَ بِالسَبِّ، وبِهِ فَسَّرَ الطَبَرَيُّ، وهَذا أيْضًا تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]، وقَوْلُهُمْ: "بِعَزِيزٍ" أيْ: بِذِي مَنَعَةٍ وعِزَّةٍ ومَنزِلَةٍ في نُفُوسِنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي﴾ الآيَةَ. "الظِهْرِيُّ": الشَيْءُ الَّذِي يَكُونُ وراءَ الظَهْرِ، وقَدْ يَكُونُ الشَيْءُ وراءَ الظَهْرِ بِوَجْهَيْنِ في الكَلامِ: إمّا بِأنْ يُطْرَحَ، كَما تَقُولُ: جَعَلَتَ كَلامِي وراءَ ظَهْرِكَ ودُبُرَ أُذُنِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎ تَمِيمَ بْنَ زَيْدٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي ∗∗∗ ∗∗∗ بِظَهْرٍ فَلا يَعْيا عَلَيَّ جَوابُها (p-١٠)وَإمّا بِأنْ يُسْنِدَ إلَيْهِ ويَلْجَأ. ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في دُعائِهِ: « "وَألْجَأتُ ظَهْرِي إلَيْكَ"،» فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ "واتَّخَذْتُمُ اللهَ ظَهْرِيًّا -أيْ: غَيْرَ مُراعًى- وراءَ الظَهْرِ" عَلى مَعْنى الِاطِّراحِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرَيُّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ عِنْدِي عَلى حَذْفٍ مُضافٍ ولا بُدَّ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "واتَّخَذْتُمُوهُ" عائِدٌ عَلى أمْرِ اللهِ وشَرْعِهِ، إذْ يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: أتَرَوْنَ رَهْطِي أعَزَّ عَلَيْكم مِنَ اللهِ وأنْتُمْ تَتَّخِذُونَ اللهَ سَنَدَ ظُهُورِكم وعِمادَ آمالِكُمْ؟ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَوْلُ الجُمْهُورِ عَلى أنْ كانَ كُفْرُ قَوْمِ شُعَيْبٍ جُحْدًا بِاللهِ تَعالى وجَهْلًا بِهِ، وهَذا القَوْلُ الثانِي عَلى أنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِالخالِقِ الرازِقِ ويَعْتَقِدُونَ الأصْنامَ وسائِطَ ووَسائِلَ، ونَحْوَ هَذا، وهاتانِ الفِرْقَتانِ مَوْجُودَتانِ في الكَفَرَةِ، ومِنَ اللَفْظَةِ: الِاسْتِظْهارُ بِالبَيِّنَةِ، وقَدْ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الظِهْرِيُّ: الفَضْلُ، مَثَلُ الجَمّالِ يَخْرُجُ مَعَهُ بِإبِلٍ ظَهارِيَّةٍ يُعِدُّها إنِ احْتاجَ إلَيْها وإلّا فَهي فَضْلَةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا كُلُّهُ مِمّا يُسْتَنَدُ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ تَوَعَّدٌ، ومَعْناهُ: مُحِيطٌ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ.

هود 11:91

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمِ نُوحٍ أو قَوْمِ هُودٍ أو قَوْمِ صالِحٍ وما قَوْمِ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ مَعْناهُ: لا يَكْسِبْنَكُمْ، يُقالُ: جَرَّمَهُ كَذا وكَذا وأُجَرِّمُهُ إذا أكْسَبَهُ، (p-٨)كَما يُقالُ: كَسَبَ وأكْسَبَ بِمَعْنى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ولَقَدْ طَعنتَ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَجْرِمَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "يُجْرِمَنَّكُمْ" بِضَمِّها، و "شِقاقِي" مَعْناهُ: مُشاقَتِي وعَداوَتِي، و"أنْ" مُفَعْوَلَةٌ بِـ "يَجْرِمَنَّكُمْ". وكانَتْ قِصَّةُ قَوْمِ لُوطٍ أقْرَبَ القِصَصِ عَهْدًا بِقِصَّةِ قَوْمِ شُعَيْبٍ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وما مَنازِلُ قَوْمِ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ في المَسافَةِ، ويَتَضَمَّنُ هَذا القَوْلُ ضَرْبَ المَثَلِ لَهم بِقَوْمِ لُوطٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِثْلُ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ "يُصِيبْكُمْ"، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مِثْلَ" بِالنَصْبِ؛ وذَلِكَ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ "مِثْلَ" فاعِلًا، وفَتْحَةُ اللامِ فَتْحَةَ بِناءٍ لِما أُضِيفَ لِغَيْرٍ مُتَمَكِّنٍ، فَإنَّ "مِثْلَ" قَدْ يَجْرِي مَجْرى الظُرُوفِ في هَذا البابِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا مَحْضًا، وإمّا أنْ يُقَدَّرَ الفاعِلُ مَحْذُوفًا يَقْتَضِيهِ المَعْنى، ويَكُونُ "مِثْلَ" مَنصُوبًا عَلى النَعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إصابَةُ مِثْلَ. وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ الآيَةَ. تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذا مِن تَرْتِيبِ هَذا الِاسْتِغْفارِ قَبْلَ التَوْبَةِ، و "وَدُودٌ" مَعْناهُ أنَّ أفْعالَهُ ولُطْفَهُ بِعِبادِهِ لَمّا كانَتْ في غايَةِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ كانَتْ كَفِعْلِ مَن يَتَوَدَّدُ ويَوَدُّ المَصْنُوعَ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ﴾ الآيَةَ. "نَفْقَهُ" مَعْناهُ: نَفْهَمُ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ (p-٩)قُرَيْشٍ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥]، ومَعْنى ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾: أيْ ما نَفْقَهُ صِحَّةَ قَوْلِكَ، وأمّا فِقْهُهم لَفْظَهُ ومَعْناهُ فَمُتَحَصِّلٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وشَرِيكٍ القاضِي في قَوْلِهِمْ: "ضَعِيفًا" أنَّهُ كانَ ضَرِيرَ البَصَرِ أعْمى، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأعْمى: ضَعِيفٌ، كَما يُقالُ لَهُ: ضَرِيرٌ، وقِيلَ: كانَ ناحِلَ البَدَنِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ ولا تَقُومُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ بِضَعْفِ بَصَرِهِ أو بَدَنِهِ، والظاهِرُ مِن قَوْلِهِمْ: "ضَعِيفًا" أنَّهُ ضَعِيفُ الِانْتِصارِ والقُدْرَةِ، وأنَّ رَهْطَهُ الكَفَرَةَ كانُوا يُراعُونَ فِيهِ. و الرَهْطُ: جَماعَةُ الرَجُلِ، ومِنهُ الراهِطاءُ؛ لِأنَّ اليَرْبُوعَ يَعْتَصِمُ بِهِ كَما يَفْعَلُ الرَجُلُ بِرَهْطِهِ. و "لَرَجَمْناكَ" قِيلَ: مَعْناهُ بِالحِجارَةِ، وهو الظاهِرُ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ: لَرَجَمْناكَ بِالسَبِّ، وبِهِ فَسَّرَ الطَبَرَيُّ، وهَذا أيْضًا تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]، وقَوْلُهُمْ: "بِعَزِيزٍ" أيْ: بِذِي مَنَعَةٍ وعِزَّةٍ ومَنزِلَةٍ في نُفُوسِنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي﴾ الآيَةَ. "الظِهْرِيُّ": الشَيْءُ الَّذِي يَكُونُ وراءَ الظَهْرِ، وقَدْ يَكُونُ الشَيْءُ وراءَ الظَهْرِ بِوَجْهَيْنِ في الكَلامِ: إمّا بِأنْ يُطْرَحَ، كَما تَقُولُ: جَعَلَتَ كَلامِي وراءَ ظَهْرِكَ ودُبُرَ أُذُنِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎ تَمِيمَ بْنَ زَيْدٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي ∗∗∗ ∗∗∗ بِظَهْرٍ فَلا يَعْيا عَلَيَّ جَوابُها (p-١٠)وَإمّا بِأنْ يُسْنِدَ إلَيْهِ ويَلْجَأ. ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في دُعائِهِ: « "وَألْجَأتُ ظَهْرِي إلَيْكَ"،» فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ "واتَّخَذْتُمُ اللهَ ظَهْرِيًّا -أيْ: غَيْرَ مُراعًى- وراءَ الظَهْرِ" عَلى مَعْنى الِاطِّراحِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرَيُّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ عِنْدِي عَلى حَذْفٍ مُضافٍ ولا بُدَّ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "واتَّخَذْتُمُوهُ" عائِدٌ عَلى أمْرِ اللهِ وشَرْعِهِ، إذْ يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: أتَرَوْنَ رَهْطِي أعَزَّ عَلَيْكم مِنَ اللهِ وأنْتُمْ تَتَّخِذُونَ اللهَ سَنَدَ ظُهُورِكم وعِمادَ آمالِكُمْ؟ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَوْلُ الجُمْهُورِ عَلى أنْ كانَ كُفْرُ قَوْمِ شُعَيْبٍ جُحْدًا بِاللهِ تَعالى وجَهْلًا بِهِ، وهَذا القَوْلُ الثانِي عَلى أنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِالخالِقِ الرازِقِ ويَعْتَقِدُونَ الأصْنامَ وسائِطَ ووَسائِلَ، ونَحْوَ هَذا، وهاتانِ الفِرْقَتانِ مَوْجُودَتانِ في الكَفَرَةِ، ومِنَ اللَفْظَةِ: الِاسْتِظْهارُ بِالبَيِّنَةِ، وقَدْ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الظِهْرِيُّ: الفَضْلُ، مَثَلُ الجَمّالِ يَخْرُجُ مَعَهُ بِإبِلٍ ظَهارِيَّةٍ يُعِدُّها إنِ احْتاجَ إلَيْها وإلّا فَهي فَضْلَةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا كُلُّهُ مِمّا يُسْتَنَدُ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ تَوَعَّدٌ، ومَعْناهُ: مُحِيطٌ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ.

هود 11:92

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمِ نُوحٍ أو قَوْمِ هُودٍ أو قَوْمِ صالِحٍ وما قَوْمِ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ مَعْناهُ: لا يَكْسِبْنَكُمْ، يُقالُ: جَرَّمَهُ كَذا وكَذا وأُجَرِّمُهُ إذا أكْسَبَهُ، (p-٨)كَما يُقالُ: كَسَبَ وأكْسَبَ بِمَعْنى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ولَقَدْ طَعنتَ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَجْرِمَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "يُجْرِمَنَّكُمْ" بِضَمِّها، و "شِقاقِي" مَعْناهُ: مُشاقَتِي وعَداوَتِي، و"أنْ" مُفَعْوَلَةٌ بِـ "يَجْرِمَنَّكُمْ". وكانَتْ قِصَّةُ قَوْمِ لُوطٍ أقْرَبَ القِصَصِ عَهْدًا بِقِصَّةِ قَوْمِ شُعَيْبٍ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وما مَنازِلُ قَوْمِ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ في المَسافَةِ، ويَتَضَمَّنُ هَذا القَوْلُ ضَرْبَ المَثَلِ لَهم بِقَوْمِ لُوطٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِثْلُ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ "يُصِيبْكُمْ"، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مِثْلَ" بِالنَصْبِ؛ وذَلِكَ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ "مِثْلَ" فاعِلًا، وفَتْحَةُ اللامِ فَتْحَةَ بِناءٍ لِما أُضِيفَ لِغَيْرٍ مُتَمَكِّنٍ، فَإنَّ "مِثْلَ" قَدْ يَجْرِي مَجْرى الظُرُوفِ في هَذا البابِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا مَحْضًا، وإمّا أنْ يُقَدَّرَ الفاعِلُ مَحْذُوفًا يَقْتَضِيهِ المَعْنى، ويَكُونُ "مِثْلَ" مَنصُوبًا عَلى النَعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إصابَةُ مِثْلَ. وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ الآيَةَ. تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذا مِن تَرْتِيبِ هَذا الِاسْتِغْفارِ قَبْلَ التَوْبَةِ، و "وَدُودٌ" مَعْناهُ أنَّ أفْعالَهُ ولُطْفَهُ بِعِبادِهِ لَمّا كانَتْ في غايَةِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ كانَتْ كَفِعْلِ مَن يَتَوَدَّدُ ويَوَدُّ المَصْنُوعَ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ﴾ الآيَةَ. "نَفْقَهُ" مَعْناهُ: نَفْهَمُ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ (p-٩)قُرَيْشٍ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥]، ومَعْنى ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾: أيْ ما نَفْقَهُ صِحَّةَ قَوْلِكَ، وأمّا فِقْهُهم لَفْظَهُ ومَعْناهُ فَمُتَحَصِّلٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وشَرِيكٍ القاضِي في قَوْلِهِمْ: "ضَعِيفًا" أنَّهُ كانَ ضَرِيرَ البَصَرِ أعْمى، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأعْمى: ضَعِيفٌ، كَما يُقالُ لَهُ: ضَرِيرٌ، وقِيلَ: كانَ ناحِلَ البَدَنِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ ولا تَقُومُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ بِضَعْفِ بَصَرِهِ أو بَدَنِهِ، والظاهِرُ مِن قَوْلِهِمْ: "ضَعِيفًا" أنَّهُ ضَعِيفُ الِانْتِصارِ والقُدْرَةِ، وأنَّ رَهْطَهُ الكَفَرَةَ كانُوا يُراعُونَ فِيهِ. و الرَهْطُ: جَماعَةُ الرَجُلِ، ومِنهُ الراهِطاءُ؛ لِأنَّ اليَرْبُوعَ يَعْتَصِمُ بِهِ كَما يَفْعَلُ الرَجُلُ بِرَهْطِهِ. و "لَرَجَمْناكَ" قِيلَ: مَعْناهُ بِالحِجارَةِ، وهو الظاهِرُ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ: لَرَجَمْناكَ بِالسَبِّ، وبِهِ فَسَّرَ الطَبَرَيُّ، وهَذا أيْضًا تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]، وقَوْلُهُمْ: "بِعَزِيزٍ" أيْ: بِذِي مَنَعَةٍ وعِزَّةٍ ومَنزِلَةٍ في نُفُوسِنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي﴾ الآيَةَ. "الظِهْرِيُّ": الشَيْءُ الَّذِي يَكُونُ وراءَ الظَهْرِ، وقَدْ يَكُونُ الشَيْءُ وراءَ الظَهْرِ بِوَجْهَيْنِ في الكَلامِ: إمّا بِأنْ يُطْرَحَ، كَما تَقُولُ: جَعَلَتَ كَلامِي وراءَ ظَهْرِكَ ودُبُرَ أُذُنِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎ تَمِيمَ بْنَ زَيْدٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي ∗∗∗ ∗∗∗ بِظَهْرٍ فَلا يَعْيا عَلَيَّ جَوابُها (p-١٠)وَإمّا بِأنْ يُسْنِدَ إلَيْهِ ويَلْجَأ. ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في دُعائِهِ: « "وَألْجَأتُ ظَهْرِي إلَيْكَ"،» فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ "واتَّخَذْتُمُ اللهَ ظَهْرِيًّا -أيْ: غَيْرَ مُراعًى- وراءَ الظَهْرِ" عَلى مَعْنى الِاطِّراحِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرَيُّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ عِنْدِي عَلى حَذْفٍ مُضافٍ ولا بُدَّ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "واتَّخَذْتُمُوهُ" عائِدٌ عَلى أمْرِ اللهِ وشَرْعِهِ، إذْ يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: أتَرَوْنَ رَهْطِي أعَزَّ عَلَيْكم مِنَ اللهِ وأنْتُمْ تَتَّخِذُونَ اللهَ سَنَدَ ظُهُورِكم وعِمادَ آمالِكُمْ؟ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَوْلُ الجُمْهُورِ عَلى أنْ كانَ كُفْرُ قَوْمِ شُعَيْبٍ جُحْدًا بِاللهِ تَعالى وجَهْلًا بِهِ، وهَذا القَوْلُ الثانِي عَلى أنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِالخالِقِ الرازِقِ ويَعْتَقِدُونَ الأصْنامَ وسائِطَ ووَسائِلَ، ونَحْوَ هَذا، وهاتانِ الفِرْقَتانِ مَوْجُودَتانِ في الكَفَرَةِ، ومِنَ اللَفْظَةِ: الِاسْتِظْهارُ بِالبَيِّنَةِ، وقَدْ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الظِهْرِيُّ: الفَضْلُ، مَثَلُ الجَمّالِ يَخْرُجُ مَعَهُ بِإبِلٍ ظَهارِيَّةٍ يُعِدُّها إنِ احْتاجَ إلَيْها وإلّا فَهي فَضْلَةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا كُلُّهُ مِمّا يُسْتَنَدُ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ تَوَعَّدٌ، ومَعْناهُ: مُحِيطٌ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ.

هود 11:93

(p-١١)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ مَعْناهُ: عَلى حالاتِكُمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: مَكانَةُ فُلانٍ في العِلْمِ فَوْقَ مَكانَةِ فُلانٍ، يُسْتَعارُ مِنَ البِقاعِ إلى المَعانِي. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعاصِمٌ: "مَكانَتِكُمْ" بِالجَمْعِ، والجُمْهُورِ عَلى الإفْرادِ. وقَوْلُهُ: "اعْمَلُوا" تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، وهو نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. وقَوْلُهُ: ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مَن" مَفْعُولَةً بِـ "تَعْلَمُونَ"، والثانِيَةُ عَطْفٌ عَلَيْها. قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الأوَّلُ أحْسَنُ لِأنَّها مَوْصُولَةٌ ولا تُوصَلُ في الِاسْتِفْهامِ، ويَقْضِي بِصِلَتِها أنَّ المَعْطُوفَةَ عَلَيْها مَوْصُولَةٌ لا مَحالَةَ، والصَحِيحُ أنَّ الوَقْفَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ثُمَّ ابْتِداءُ الكَلامِ بِالوَعِيدِ، و"مَن" مَعْمُولَةٌ لـ "تَعْلَمُونَ" وهي مَوْصُولَةٌ. وقَوْلُهُ: "وارْتَقِبُوا" كَذَلِكَ تَهْدِيدٌ أيْضًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ الآيَةَ. الأمْرُ هاهُنا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ أمْرٍ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ إمّا أنْ يَقْصِدَ الإخْبارَ عَنِ الرَحْمَةِ الَّتِي لَحِقَتْ شُعَيْبًا لِنُبُوَّتِهِ وحُسْنِ عَمَلِهِ وعَمَلِ مُتَّبِعِيهِ، وإمّا أنْ يَقْصِدَ أنَّ النَتِيجَةَ لَمْ تَكُنْ إلّا بِمُجَرَّدِ رَحْمَةٍ لا بِعَمَلٍ مِن أعْمالِهِمْ، وأمّا "الصَيْحَةُ" فَهي صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، ورُوِيَ أنَّهُ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً جَثَّمَ لَها كُلُّ واحِدٍ مِنهم في مَكانِهِ حَيْثُ سَمِعَها مَيِّتًا قَدْ تَقَطَّعَتْ حُجَبُ قَلْبِهِ. والجُثُومُ أصْلُهُ في الطائِرِ إذا ضَرَبَ بِصَدْرِهِ إلى الأرْضِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِ إذا كانَ مِنهُ بِشَبَهٍ. (p-١٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ الآيَةَ. الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فِيها" عائِدٌ عَلى "الدِيارِ"، و "يَغْنَوْا" مَعْناهُ: يُقِيمُونَ بِنِعْمَةٍ وخَفْضِ عَيْشٍ، ومِنهُ المَغانِي، وهي المَنازِلُ المَعْمُورَةُ بِالأهْلِ، وقَوْلُهُ: "ألّا" تَنْبِيهٌ لِلسّامِعِ، وقَوْلُهُ: "بُعْدًا" مَصْدَرُ دَعا بِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: "سَقْيًا لَكَ، ورَعْيًا لَكَ، وسُحْقًا لِلْكافِرِ" ونَحْوَ هَذا، وفارَقَتْ هَذِهِ قَوْلَهُمْ: "سَلامٌ عَلَيْكَ"، لِأنَّ هَذا كَأنَّهُ إخْبارٌ عن شَيْءٍ قَدْ وجَبَ وتَحْصَّلَ، وتِلْكَ إنَّما هي دُعاءٌ مُتَرَجًّى، ومَعْنى البُعْدِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ "بَعِدَتْ" بِكَسْرِ العَيْنِ: الهَلاكُ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، ومِنهُ قَوْلُ خِرْنِقَ بِنْتِ هُنّانٍ: ؎ لا يَبْعِدَنَّ قَوْمِيَ الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزُرِ ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ: ؎ يَقُولُونَ لا تَبْعَدْ وهم يَدْفِنُونَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا وأمّا مَن قَرَأ: "بَعُدَتْ" وهو السُلَمِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ- فَهو مِنَ البُعْدِ الَّذِي ضِدُّهُ القُرْبُ، ولا يُدْعى بِهِ إلّا عَلى مَبْغُوضٍ.

هود 11:94

(p-١١)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ مَعْناهُ: عَلى حالاتِكُمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: مَكانَةُ فُلانٍ في العِلْمِ فَوْقَ مَكانَةِ فُلانٍ، يُسْتَعارُ مِنَ البِقاعِ إلى المَعانِي. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعاصِمٌ: "مَكانَتِكُمْ" بِالجَمْعِ، والجُمْهُورِ عَلى الإفْرادِ. وقَوْلُهُ: "اعْمَلُوا" تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، وهو نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. وقَوْلُهُ: ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مَن" مَفْعُولَةً بِـ "تَعْلَمُونَ"، والثانِيَةُ عَطْفٌ عَلَيْها. قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الأوَّلُ أحْسَنُ لِأنَّها مَوْصُولَةٌ ولا تُوصَلُ في الِاسْتِفْهامِ، ويَقْضِي بِصِلَتِها أنَّ المَعْطُوفَةَ عَلَيْها مَوْصُولَةٌ لا مَحالَةَ، والصَحِيحُ أنَّ الوَقْفَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ثُمَّ ابْتِداءُ الكَلامِ بِالوَعِيدِ، و"مَن" مَعْمُولَةٌ لـ "تَعْلَمُونَ" وهي مَوْصُولَةٌ. وقَوْلُهُ: "وارْتَقِبُوا" كَذَلِكَ تَهْدِيدٌ أيْضًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ الآيَةَ. الأمْرُ هاهُنا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ أمْرٍ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ إمّا أنْ يَقْصِدَ الإخْبارَ عَنِ الرَحْمَةِ الَّتِي لَحِقَتْ شُعَيْبًا لِنُبُوَّتِهِ وحُسْنِ عَمَلِهِ وعَمَلِ مُتَّبِعِيهِ، وإمّا أنْ يَقْصِدَ أنَّ النَتِيجَةَ لَمْ تَكُنْ إلّا بِمُجَرَّدِ رَحْمَةٍ لا بِعَمَلٍ مِن أعْمالِهِمْ، وأمّا "الصَيْحَةُ" فَهي صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، ورُوِيَ أنَّهُ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً جَثَّمَ لَها كُلُّ واحِدٍ مِنهم في مَكانِهِ حَيْثُ سَمِعَها مَيِّتًا قَدْ تَقَطَّعَتْ حُجَبُ قَلْبِهِ. والجُثُومُ أصْلُهُ في الطائِرِ إذا ضَرَبَ بِصَدْرِهِ إلى الأرْضِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِ إذا كانَ مِنهُ بِشَبَهٍ. (p-١٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ الآيَةَ. الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فِيها" عائِدٌ عَلى "الدِيارِ"، و "يَغْنَوْا" مَعْناهُ: يُقِيمُونَ بِنِعْمَةٍ وخَفْضِ عَيْشٍ، ومِنهُ المَغانِي، وهي المَنازِلُ المَعْمُورَةُ بِالأهْلِ، وقَوْلُهُ: "ألّا" تَنْبِيهٌ لِلسّامِعِ، وقَوْلُهُ: "بُعْدًا" مَصْدَرُ دَعا بِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: "سَقْيًا لَكَ، ورَعْيًا لَكَ، وسُحْقًا لِلْكافِرِ" ونَحْوَ هَذا، وفارَقَتْ هَذِهِ قَوْلَهُمْ: "سَلامٌ عَلَيْكَ"، لِأنَّ هَذا كَأنَّهُ إخْبارٌ عن شَيْءٍ قَدْ وجَبَ وتَحْصَّلَ، وتِلْكَ إنَّما هي دُعاءٌ مُتَرَجًّى، ومَعْنى البُعْدِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ "بَعِدَتْ" بِكَسْرِ العَيْنِ: الهَلاكُ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، ومِنهُ قَوْلُ خِرْنِقَ بِنْتِ هُنّانٍ: ؎ لا يَبْعِدَنَّ قَوْمِيَ الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزُرِ ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ: ؎ يَقُولُونَ لا تَبْعَدْ وهم يَدْفِنُونَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا وأمّا مَن قَرَأ: "بَعُدَتْ" وهو السُلَمِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ- فَهو مِنَ البُعْدِ الَّذِي ضِدُّهُ القُرْبُ، ولا يُدْعى بِهِ إلّا عَلى مَبْغُوضٍ.

هود 11:95

(p-١١)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ مَعْناهُ: عَلى حالاتِكُمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: مَكانَةُ فُلانٍ في العِلْمِ فَوْقَ مَكانَةِ فُلانٍ، يُسْتَعارُ مِنَ البِقاعِ إلى المَعانِي. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعاصِمٌ: "مَكانَتِكُمْ" بِالجَمْعِ، والجُمْهُورِ عَلى الإفْرادِ. وقَوْلُهُ: "اعْمَلُوا" تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، وهو نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. وقَوْلُهُ: ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مَن" مَفْعُولَةً بِـ "تَعْلَمُونَ"، والثانِيَةُ عَطْفٌ عَلَيْها. قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الأوَّلُ أحْسَنُ لِأنَّها مَوْصُولَةٌ ولا تُوصَلُ في الِاسْتِفْهامِ، ويَقْضِي بِصِلَتِها أنَّ المَعْطُوفَةَ عَلَيْها مَوْصُولَةٌ لا مَحالَةَ، والصَحِيحُ أنَّ الوَقْفَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ثُمَّ ابْتِداءُ الكَلامِ بِالوَعِيدِ، و"مَن" مَعْمُولَةٌ لـ "تَعْلَمُونَ" وهي مَوْصُولَةٌ. وقَوْلُهُ: "وارْتَقِبُوا" كَذَلِكَ تَهْدِيدٌ أيْضًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ الآيَةَ. الأمْرُ هاهُنا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ أمْرٍ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ إمّا أنْ يَقْصِدَ الإخْبارَ عَنِ الرَحْمَةِ الَّتِي لَحِقَتْ شُعَيْبًا لِنُبُوَّتِهِ وحُسْنِ عَمَلِهِ وعَمَلِ مُتَّبِعِيهِ، وإمّا أنْ يَقْصِدَ أنَّ النَتِيجَةَ لَمْ تَكُنْ إلّا بِمُجَرَّدِ رَحْمَةٍ لا بِعَمَلٍ مِن أعْمالِهِمْ، وأمّا "الصَيْحَةُ" فَهي صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، ورُوِيَ أنَّهُ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً جَثَّمَ لَها كُلُّ واحِدٍ مِنهم في مَكانِهِ حَيْثُ سَمِعَها مَيِّتًا قَدْ تَقَطَّعَتْ حُجَبُ قَلْبِهِ. والجُثُومُ أصْلُهُ في الطائِرِ إذا ضَرَبَ بِصَدْرِهِ إلى الأرْضِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِ إذا كانَ مِنهُ بِشَبَهٍ. (p-١٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ الآيَةَ. الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فِيها" عائِدٌ عَلى "الدِيارِ"، و "يَغْنَوْا" مَعْناهُ: يُقِيمُونَ بِنِعْمَةٍ وخَفْضِ عَيْشٍ، ومِنهُ المَغانِي، وهي المَنازِلُ المَعْمُورَةُ بِالأهْلِ، وقَوْلُهُ: "ألّا" تَنْبِيهٌ لِلسّامِعِ، وقَوْلُهُ: "بُعْدًا" مَصْدَرُ دَعا بِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: "سَقْيًا لَكَ، ورَعْيًا لَكَ، وسُحْقًا لِلْكافِرِ" ونَحْوَ هَذا، وفارَقَتْ هَذِهِ قَوْلَهُمْ: "سَلامٌ عَلَيْكَ"، لِأنَّ هَذا كَأنَّهُ إخْبارٌ عن شَيْءٍ قَدْ وجَبَ وتَحْصَّلَ، وتِلْكَ إنَّما هي دُعاءٌ مُتَرَجًّى، ومَعْنى البُعْدِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ "بَعِدَتْ" بِكَسْرِ العَيْنِ: الهَلاكُ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، ومِنهُ قَوْلُ خِرْنِقَ بِنْتِ هُنّانٍ: ؎ لا يَبْعِدَنَّ قَوْمِيَ الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزُرِ ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ: ؎ يَقُولُونَ لا تَبْعَدْ وهم يَدْفِنُونَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا وأمّا مَن قَرَأ: "بَعُدَتْ" وهو السُلَمِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ- فَهو مِنَ البُعْدِ الَّذِي ضِدُّهُ القُرْبُ، ولا يُدْعى بِهِ إلّا عَلى مَبْغُوضٍ.

هود 11:96

(p-١٣)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرَ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأورَدَهُمُ النارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِفْدُ المَرْفُودُ﴾ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ الآياتُ: العَلاماتُ، و السُلْطانُ: البُرْهانُ والبَيانُ في الحُجَّةِ، قِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ السَلِيطِ الَّذِي يُسْتَضاءُ بِهِ، وقِيلَ: مِن أنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلى كُلِّ مُناوٍ ومُخاصِمٍ، والمَلَأُ: الجَمْعُ مِنَ الرِجالِ، والمَعْنى: أرْسَلْناهُ إلَيْهِمْ لِيُؤْمِنُوا بِاللهِ تَعالى فَصَدَّهم فِرْعَوْنُ فاتَّبَعُوا أمْرَهُ ولَمْ يُؤْمِنُوا وكَفَرُوا. ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عن أمْرِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَيْسَ بِرَشِيدٍ، أيْ: لَيْسَ بِمُصِيبٍ في مَذْهَبِهِ ولا مُفارِقٍ لِلسَّفاهَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ. أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عن فِرْعَوْنَ أنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ قَوْمِهِ المُغْرَقِينَ مَعَهُ وهو يَقْدُمُهم إلى النارِ، وأُوقِعَ الفِعْلُ الماضِيَ في "فَأورَدَهُمُ" مَوْقِعَ المُسْتَقْبَلِ لِوُضُوحِ الأمْرِ وارْتِفاعِ الإشْكالِ عنهُ، ووَجْهُ الفَصاحَةِ مِنَ العَرَبِ في أنَّها تَضَعُ أحْيانًا الماضِيَ مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ أنَّ الماضِيَ أدَلُّ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ وحُصُولِهِ. و "الوُرُودُ" في هَذِهِ الآيَةِ هو وُرُودُ الدُخُولِ، ولَيْسَ بِوُرُودِ الإشْرافِ عَلى الشَيْءِ والإشْفاءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فِي القُرْآنِ أرْبَعَةٌ: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] وهَذِهِ في مَرْيَمَ، وفي الأنْبِياءِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. قالَ: وهي كُلُّها وُرْدُ دُخُولٍ، ثُمَّ يُنْجِي اللهُ (p-١٤)الَّذِينَ اتَّقَوْا. و"المَوْرُودُ" صِفَةٌ لِمَكانِ "الوِرْدِ" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وبِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ المَوْرُودِ. وقِيلَ: "المَوْرُودُ" ابْتِداءٌ والخَبَرُ مُقَدَّمٌ. والمَعْنى: المَوْرُودُ بِئْسَ الوِرْدُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي هَذِهِ﴾ يُرِيدُ دارَ الدُنْيا، و "اللَعْنَةُ": إبْعادُهم بِالغَرَقِ والِاسْتِئْصالِ وقَبِيحِ الذَكْرِ غابِرَ الدَهْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: يُلْعَنُونَ أيْضًا بِدُخُولِهِمْ في جَهَنَّمَ، قالَ مُجاهِدٌ: "فَلَهم لَعْنَتانِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ التَقْسِيمَ هو أنَّ لَهم في الدُنْيا لَعْنَةً، ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ ما يَرْفِدُونَ بِهِ، فَهي لَعْنَةٌ واحِدَةٌ أوَّلًا، وقُبْحُ إرْفادٍ آخِرًا". وقَوْلُهُ: ﴿بِئْسَ الرِفْدُ المَرْفُودُ﴾ أيْ: بِئْسَ العَطاءُ المُعْطى لَهُمْ، والرِفْدُ في كَلامِ العَرَبِ: العَطِيَّةُ، وسُمِّي العَذابُ هُنا رِفْدًا لِأنَّ هَذا هو الَّذِي حَلَّ مَحَلَّ الرِفْدِ، وهَذا كَما تَقُولُ: يا فُلانُ لَمْ يَكُنْ خَيْرُكَ إلّا أنْ تَضْرِبَنِي، أيْ: لَمْ يَكُنِ الَّذِي حَلَّ مَحَلَّ الخَيْرِ مِنكَ. والإرْفادُ: المَعُونَةُ، ومِنهُ رِفادَةُ قُرَيْشٍ، مَعُونَتُهم لِفُقَراءِ الحَجِّ بِالطَعامِ الَّذِي كانُوا يُطْعِمُونَهُ في المَوْسِمِ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى﴾ الآيَةَ. "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ العُقُوباتِ النازِلَةِ بِالأُمَمِ المَذْكُورَةِ، و الأنْباءُ: الأخْبارُ، و ﴿القُرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها القُرى الَّتِي ذُكِرَتْ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ خاصَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ القُرى عامَّةً، أيْ: هَذِهِ الأنْباءُ المَقْصُوصَةُ عَلَيْكَ هي عَوائِدُ المُدُنِ إذا كَفَرَتْ، فَيَدْخُلُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- فِيها المُدُنُ المُعاصِرَةُ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ مِنها عامِرٌ ودائِرٌ، وهَذا (p-١٥)قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ -فِي أنَّها تِلْكَ القُرى المَخْصُوصَةُ- يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ بِمَعْنى: قائِمُ الجُدْرانِ ومُتَهَدِّمٌ لا أثَرَ لَهُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ، والآيَةُ بِجُمْلَتِها مُتَضَمِّنَةٌ التَخْوِيفَ وضَرْبَ المَثَلِ لِلْحاضِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ.

هود 11:97

(p-١٣)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرَ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأورَدَهُمُ النارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِفْدُ المَرْفُودُ﴾ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ الآياتُ: العَلاماتُ، و السُلْطانُ: البُرْهانُ والبَيانُ في الحُجَّةِ، قِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ السَلِيطِ الَّذِي يُسْتَضاءُ بِهِ، وقِيلَ: مِن أنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلى كُلِّ مُناوٍ ومُخاصِمٍ، والمَلَأُ: الجَمْعُ مِنَ الرِجالِ، والمَعْنى: أرْسَلْناهُ إلَيْهِمْ لِيُؤْمِنُوا بِاللهِ تَعالى فَصَدَّهم فِرْعَوْنُ فاتَّبَعُوا أمْرَهُ ولَمْ يُؤْمِنُوا وكَفَرُوا. ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عن أمْرِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَيْسَ بِرَشِيدٍ، أيْ: لَيْسَ بِمُصِيبٍ في مَذْهَبِهِ ولا مُفارِقٍ لِلسَّفاهَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ. أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عن فِرْعَوْنَ أنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ قَوْمِهِ المُغْرَقِينَ مَعَهُ وهو يَقْدُمُهم إلى النارِ، وأُوقِعَ الفِعْلُ الماضِيَ في "فَأورَدَهُمُ" مَوْقِعَ المُسْتَقْبَلِ لِوُضُوحِ الأمْرِ وارْتِفاعِ الإشْكالِ عنهُ، ووَجْهُ الفَصاحَةِ مِنَ العَرَبِ في أنَّها تَضَعُ أحْيانًا الماضِيَ مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ أنَّ الماضِيَ أدَلُّ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ وحُصُولِهِ. و "الوُرُودُ" في هَذِهِ الآيَةِ هو وُرُودُ الدُخُولِ، ولَيْسَ بِوُرُودِ الإشْرافِ عَلى الشَيْءِ والإشْفاءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فِي القُرْآنِ أرْبَعَةٌ: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] وهَذِهِ في مَرْيَمَ، وفي الأنْبِياءِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. قالَ: وهي كُلُّها وُرْدُ دُخُولٍ، ثُمَّ يُنْجِي اللهُ (p-١٤)الَّذِينَ اتَّقَوْا. و"المَوْرُودُ" صِفَةٌ لِمَكانِ "الوِرْدِ" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وبِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ المَوْرُودِ. وقِيلَ: "المَوْرُودُ" ابْتِداءٌ والخَبَرُ مُقَدَّمٌ. والمَعْنى: المَوْرُودُ بِئْسَ الوِرْدُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي هَذِهِ﴾ يُرِيدُ دارَ الدُنْيا، و "اللَعْنَةُ": إبْعادُهم بِالغَرَقِ والِاسْتِئْصالِ وقَبِيحِ الذَكْرِ غابِرَ الدَهْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: يُلْعَنُونَ أيْضًا بِدُخُولِهِمْ في جَهَنَّمَ، قالَ مُجاهِدٌ: "فَلَهم لَعْنَتانِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ التَقْسِيمَ هو أنَّ لَهم في الدُنْيا لَعْنَةً، ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ ما يَرْفِدُونَ بِهِ، فَهي لَعْنَةٌ واحِدَةٌ أوَّلًا، وقُبْحُ إرْفادٍ آخِرًا". وقَوْلُهُ: ﴿بِئْسَ الرِفْدُ المَرْفُودُ﴾ أيْ: بِئْسَ العَطاءُ المُعْطى لَهُمْ، والرِفْدُ في كَلامِ العَرَبِ: العَطِيَّةُ، وسُمِّي العَذابُ هُنا رِفْدًا لِأنَّ هَذا هو الَّذِي حَلَّ مَحَلَّ الرِفْدِ، وهَذا كَما تَقُولُ: يا فُلانُ لَمْ يَكُنْ خَيْرُكَ إلّا أنْ تَضْرِبَنِي، أيْ: لَمْ يَكُنِ الَّذِي حَلَّ مَحَلَّ الخَيْرِ مِنكَ. والإرْفادُ: المَعُونَةُ، ومِنهُ رِفادَةُ قُرَيْشٍ، مَعُونَتُهم لِفُقَراءِ الحَجِّ بِالطَعامِ الَّذِي كانُوا يُطْعِمُونَهُ في المَوْسِمِ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى﴾ الآيَةَ. "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ العُقُوباتِ النازِلَةِ بِالأُمَمِ المَذْكُورَةِ، و الأنْباءُ: الأخْبارُ، و ﴿القُرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها القُرى الَّتِي ذُكِرَتْ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ خاصَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ القُرى عامَّةً، أيْ: هَذِهِ الأنْباءُ المَقْصُوصَةُ عَلَيْكَ هي عَوائِدُ المُدُنِ إذا كَفَرَتْ، فَيَدْخُلُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- فِيها المُدُنُ المُعاصِرَةُ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ مِنها عامِرٌ ودائِرٌ، وهَذا (p-١٥)قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ -فِي أنَّها تِلْكَ القُرى المَخْصُوصَةُ- يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ بِمَعْنى: قائِمُ الجُدْرانِ ومُتَهَدِّمٌ لا أثَرَ لَهُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ، والآيَةُ بِجُمْلَتِها مُتَضَمِّنَةٌ التَخْوِيفَ وضَرْبَ المَثَلِ لِلْحاضِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ.

هود 11:98

(p-١٣)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرَ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأورَدَهُمُ النارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِفْدُ المَرْفُودُ﴾ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ الآياتُ: العَلاماتُ، و السُلْطانُ: البُرْهانُ والبَيانُ في الحُجَّةِ، قِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ السَلِيطِ الَّذِي يُسْتَضاءُ بِهِ، وقِيلَ: مِن أنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلى كُلِّ مُناوٍ ومُخاصِمٍ، والمَلَأُ: الجَمْعُ مِنَ الرِجالِ، والمَعْنى: أرْسَلْناهُ إلَيْهِمْ لِيُؤْمِنُوا بِاللهِ تَعالى فَصَدَّهم فِرْعَوْنُ فاتَّبَعُوا أمْرَهُ ولَمْ يُؤْمِنُوا وكَفَرُوا. ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عن أمْرِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَيْسَ بِرَشِيدٍ، أيْ: لَيْسَ بِمُصِيبٍ في مَذْهَبِهِ ولا مُفارِقٍ لِلسَّفاهَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ. أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عن فِرْعَوْنَ أنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ قَوْمِهِ المُغْرَقِينَ مَعَهُ وهو يَقْدُمُهم إلى النارِ، وأُوقِعَ الفِعْلُ الماضِيَ في "فَأورَدَهُمُ" مَوْقِعَ المُسْتَقْبَلِ لِوُضُوحِ الأمْرِ وارْتِفاعِ الإشْكالِ عنهُ، ووَجْهُ الفَصاحَةِ مِنَ العَرَبِ في أنَّها تَضَعُ أحْيانًا الماضِيَ مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ أنَّ الماضِيَ أدَلُّ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ وحُصُولِهِ. و "الوُرُودُ" في هَذِهِ الآيَةِ هو وُرُودُ الدُخُولِ، ولَيْسَ بِوُرُودِ الإشْرافِ عَلى الشَيْءِ والإشْفاءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فِي القُرْآنِ أرْبَعَةٌ: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] وهَذِهِ في مَرْيَمَ، وفي الأنْبِياءِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. قالَ: وهي كُلُّها وُرْدُ دُخُولٍ، ثُمَّ يُنْجِي اللهُ (p-١٤)الَّذِينَ اتَّقَوْا. و"المَوْرُودُ" صِفَةٌ لِمَكانِ "الوِرْدِ" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وبِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ المَوْرُودِ. وقِيلَ: "المَوْرُودُ" ابْتِداءٌ والخَبَرُ مُقَدَّمٌ. والمَعْنى: المَوْرُودُ بِئْسَ الوِرْدُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي هَذِهِ﴾ يُرِيدُ دارَ الدُنْيا، و "اللَعْنَةُ": إبْعادُهم بِالغَرَقِ والِاسْتِئْصالِ وقَبِيحِ الذَكْرِ غابِرَ الدَهْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: يُلْعَنُونَ أيْضًا بِدُخُولِهِمْ في جَهَنَّمَ، قالَ مُجاهِدٌ: "فَلَهم لَعْنَتانِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ التَقْسِيمَ هو أنَّ لَهم في الدُنْيا لَعْنَةً، ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ ما يَرْفِدُونَ بِهِ، فَهي لَعْنَةٌ واحِدَةٌ أوَّلًا، وقُبْحُ إرْفادٍ آخِرًا". وقَوْلُهُ: ﴿بِئْسَ الرِفْدُ المَرْفُودُ﴾ أيْ: بِئْسَ العَطاءُ المُعْطى لَهُمْ، والرِفْدُ في كَلامِ العَرَبِ: العَطِيَّةُ، وسُمِّي العَذابُ هُنا رِفْدًا لِأنَّ هَذا هو الَّذِي حَلَّ مَحَلَّ الرِفْدِ، وهَذا كَما تَقُولُ: يا فُلانُ لَمْ يَكُنْ خَيْرُكَ إلّا أنْ تَضْرِبَنِي، أيْ: لَمْ يَكُنِ الَّذِي حَلَّ مَحَلَّ الخَيْرِ مِنكَ. والإرْفادُ: المَعُونَةُ، ومِنهُ رِفادَةُ قُرَيْشٍ، مَعُونَتُهم لِفُقَراءِ الحَجِّ بِالطَعامِ الَّذِي كانُوا يُطْعِمُونَهُ في المَوْسِمِ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى﴾ الآيَةَ. "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ العُقُوباتِ النازِلَةِ بِالأُمَمِ المَذْكُورَةِ، و الأنْباءُ: الأخْبارُ، و ﴿القُرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها القُرى الَّتِي ذُكِرَتْ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ خاصَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ القُرى عامَّةً، أيْ: هَذِهِ الأنْباءُ المَقْصُوصَةُ عَلَيْكَ هي عَوائِدُ المُدُنِ إذا كَفَرَتْ، فَيَدْخُلُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- فِيها المُدُنُ المُعاصِرَةُ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ مِنها عامِرٌ ودائِرٌ، وهَذا (p-١٥)قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ -فِي أنَّها تِلْكَ القُرى المَخْصُوصَةُ- يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ بِمَعْنى: قائِمُ الجُدْرانِ ومُتَهَدِّمٌ لا أثَرَ لَهُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ، والآيَةُ بِجُمْلَتِها مُتَضَمِّنَةٌ التَخْوِيفَ وضَرْبَ المَثَلِ لِلْحاضِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ.

هود 11:99

(p-١٣)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرَ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأورَدَهُمُ النارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِفْدُ المَرْفُودُ﴾ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ الآياتُ: العَلاماتُ، و السُلْطانُ: البُرْهانُ والبَيانُ في الحُجَّةِ، قِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ السَلِيطِ الَّذِي يُسْتَضاءُ بِهِ، وقِيلَ: مِن أنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلى كُلِّ مُناوٍ ومُخاصِمٍ، والمَلَأُ: الجَمْعُ مِنَ الرِجالِ، والمَعْنى: أرْسَلْناهُ إلَيْهِمْ لِيُؤْمِنُوا بِاللهِ تَعالى فَصَدَّهم فِرْعَوْنُ فاتَّبَعُوا أمْرَهُ ولَمْ يُؤْمِنُوا وكَفَرُوا. ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عن أمْرِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَيْسَ بِرَشِيدٍ، أيْ: لَيْسَ بِمُصِيبٍ في مَذْهَبِهِ ولا مُفارِقٍ لِلسَّفاهَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ. أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عن فِرْعَوْنَ أنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ قَوْمِهِ المُغْرَقِينَ مَعَهُ وهو يَقْدُمُهم إلى النارِ، وأُوقِعَ الفِعْلُ الماضِيَ في "فَأورَدَهُمُ" مَوْقِعَ المُسْتَقْبَلِ لِوُضُوحِ الأمْرِ وارْتِفاعِ الإشْكالِ عنهُ، ووَجْهُ الفَصاحَةِ مِنَ العَرَبِ في أنَّها تَضَعُ أحْيانًا الماضِيَ مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ أنَّ الماضِيَ أدَلُّ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ وحُصُولِهِ. و "الوُرُودُ" في هَذِهِ الآيَةِ هو وُرُودُ الدُخُولِ، ولَيْسَ بِوُرُودِ الإشْرافِ عَلى الشَيْءِ والإشْفاءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فِي القُرْآنِ أرْبَعَةٌ: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] وهَذِهِ في مَرْيَمَ، وفي الأنْبِياءِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. قالَ: وهي كُلُّها وُرْدُ دُخُولٍ، ثُمَّ يُنْجِي اللهُ (p-١٤)الَّذِينَ اتَّقَوْا. و"المَوْرُودُ" صِفَةٌ لِمَكانِ "الوِرْدِ" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وبِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ المَوْرُودِ. وقِيلَ: "المَوْرُودُ" ابْتِداءٌ والخَبَرُ مُقَدَّمٌ. والمَعْنى: المَوْرُودُ بِئْسَ الوِرْدُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي هَذِهِ﴾ يُرِيدُ دارَ الدُنْيا، و "اللَعْنَةُ": إبْعادُهم بِالغَرَقِ والِاسْتِئْصالِ وقَبِيحِ الذَكْرِ غابِرَ الدَهْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: يُلْعَنُونَ أيْضًا بِدُخُولِهِمْ في جَهَنَّمَ، قالَ مُجاهِدٌ: "فَلَهم لَعْنَتانِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ التَقْسِيمَ هو أنَّ لَهم في الدُنْيا لَعْنَةً، ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ ما يَرْفِدُونَ بِهِ، فَهي لَعْنَةٌ واحِدَةٌ أوَّلًا، وقُبْحُ إرْفادٍ آخِرًا". وقَوْلُهُ: ﴿بِئْسَ الرِفْدُ المَرْفُودُ﴾ أيْ: بِئْسَ العَطاءُ المُعْطى لَهُمْ، والرِفْدُ في كَلامِ العَرَبِ: العَطِيَّةُ، وسُمِّي العَذابُ هُنا رِفْدًا لِأنَّ هَذا هو الَّذِي حَلَّ مَحَلَّ الرِفْدِ، وهَذا كَما تَقُولُ: يا فُلانُ لَمْ يَكُنْ خَيْرُكَ إلّا أنْ تَضْرِبَنِي، أيْ: لَمْ يَكُنِ الَّذِي حَلَّ مَحَلَّ الخَيْرِ مِنكَ. والإرْفادُ: المَعُونَةُ، ومِنهُ رِفادَةُ قُرَيْشٍ، مَعُونَتُهم لِفُقَراءِ الحَجِّ بِالطَعامِ الَّذِي كانُوا يُطْعِمُونَهُ في المَوْسِمِ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى﴾ الآيَةَ. "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ العُقُوباتِ النازِلَةِ بِالأُمَمِ المَذْكُورَةِ، و الأنْباءُ: الأخْبارُ، و ﴿القُرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها القُرى الَّتِي ذُكِرَتْ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ خاصَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ القُرى عامَّةً، أيْ: هَذِهِ الأنْباءُ المَقْصُوصَةُ عَلَيْكَ هي عَوائِدُ المُدُنِ إذا كَفَرَتْ، فَيَدْخُلُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- فِيها المُدُنُ المُعاصِرَةُ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ مِنها عامِرٌ ودائِرٌ، وهَذا (p-١٥)قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ -فِي أنَّها تِلْكَ القُرى المَخْصُوصَةُ- يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ بِمَعْنى: قائِمُ الجُدْرانِ ومُتَهَدِّمٌ لا أثَرَ لَهُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ، والآيَةُ بِجُمْلَتِها مُتَضَمِّنَةٌ التَخْوِيفَ وضَرْبَ المَثَلِ لِلْحاضِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ.

هود 11:100

(p-١٣)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرَ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأورَدَهُمُ النارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ ﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِفْدُ المَرْفُودُ﴾ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ الآياتُ: العَلاماتُ، و السُلْطانُ: البُرْهانُ والبَيانُ في الحُجَّةِ، قِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ السَلِيطِ الَّذِي يُسْتَضاءُ بِهِ، وقِيلَ: مِن أنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلى كُلِّ مُناوٍ ومُخاصِمٍ، والمَلَأُ: الجَمْعُ مِنَ الرِجالِ، والمَعْنى: أرْسَلْناهُ إلَيْهِمْ لِيُؤْمِنُوا بِاللهِ تَعالى فَصَدَّهم فِرْعَوْنُ فاتَّبَعُوا أمْرَهُ ولَمْ يُؤْمِنُوا وكَفَرُوا. ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عن أمْرِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَيْسَ بِرَشِيدٍ، أيْ: لَيْسَ بِمُصِيبٍ في مَذْهَبِهِ ولا مُفارِقٍ لِلسَّفاهَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ. أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عن فِرْعَوْنَ أنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ قَوْمِهِ المُغْرَقِينَ مَعَهُ وهو يَقْدُمُهم إلى النارِ، وأُوقِعَ الفِعْلُ الماضِيَ في "فَأورَدَهُمُ" مَوْقِعَ المُسْتَقْبَلِ لِوُضُوحِ الأمْرِ وارْتِفاعِ الإشْكالِ عنهُ، ووَجْهُ الفَصاحَةِ مِنَ العَرَبِ في أنَّها تَضَعُ أحْيانًا الماضِيَ مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ أنَّ الماضِيَ أدَلُّ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ وحُصُولِهِ. و "الوُرُودُ" في هَذِهِ الآيَةِ هو وُرُودُ الدُخُولِ، ولَيْسَ بِوُرُودِ الإشْرافِ عَلى الشَيْءِ والإشْفاءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فِي القُرْآنِ أرْبَعَةٌ: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] وهَذِهِ في مَرْيَمَ، وفي الأنْبِياءِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. قالَ: وهي كُلُّها وُرْدُ دُخُولٍ، ثُمَّ يُنْجِي اللهُ (p-١٤)الَّذِينَ اتَّقَوْا. و"المَوْرُودُ" صِفَةٌ لِمَكانِ "الوِرْدِ" عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: وبِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ المَوْرُودِ. وقِيلَ: "المَوْرُودُ" ابْتِداءٌ والخَبَرُ مُقَدَّمٌ. والمَعْنى: المَوْرُودُ بِئْسَ الوِرْدُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي هَذِهِ﴾ يُرِيدُ دارَ الدُنْيا، و "اللَعْنَةُ": إبْعادُهم بِالغَرَقِ والِاسْتِئْصالِ وقَبِيحِ الذَكْرِ غابِرَ الدَهْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: يُلْعَنُونَ أيْضًا بِدُخُولِهِمْ في جَهَنَّمَ، قالَ مُجاهِدٌ: "فَلَهم لَعْنَتانِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ التَقْسِيمَ هو أنَّ لَهم في الدُنْيا لَعْنَةً، ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ ما يَرْفِدُونَ بِهِ، فَهي لَعْنَةٌ واحِدَةٌ أوَّلًا، وقُبْحُ إرْفادٍ آخِرًا". وقَوْلُهُ: ﴿بِئْسَ الرِفْدُ المَرْفُودُ﴾ أيْ: بِئْسَ العَطاءُ المُعْطى لَهُمْ، والرِفْدُ في كَلامِ العَرَبِ: العَطِيَّةُ، وسُمِّي العَذابُ هُنا رِفْدًا لِأنَّ هَذا هو الَّذِي حَلَّ مَحَلَّ الرِفْدِ، وهَذا كَما تَقُولُ: يا فُلانُ لَمْ يَكُنْ خَيْرُكَ إلّا أنْ تَضْرِبَنِي، أيْ: لَمْ يَكُنِ الَّذِي حَلَّ مَحَلَّ الخَيْرِ مِنكَ. والإرْفادُ: المَعُونَةُ، ومِنهُ رِفادَةُ قُرَيْشٍ، مَعُونَتُهم لِفُقَراءِ الحَجِّ بِالطَعامِ الَّذِي كانُوا يُطْعِمُونَهُ في المَوْسِمِ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى﴾ الآيَةَ. "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ العُقُوباتِ النازِلَةِ بِالأُمَمِ المَذْكُورَةِ، و الأنْباءُ: الأخْبارُ، و ﴿القُرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها القُرى الَّتِي ذُكِرَتْ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ خاصَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ القُرى عامَّةً، أيْ: هَذِهِ الأنْباءُ المَقْصُوصَةُ عَلَيْكَ هي عَوائِدُ المُدُنِ إذا كَفَرَتْ، فَيَدْخُلُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- فِيها المُدُنُ المُعاصِرَةُ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ مِنها عامِرٌ ودائِرٌ، وهَذا (p-١٥)قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ -فِي أنَّها تِلْكَ القُرى المَخْصُوصَةُ- يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ بِمَعْنى: قائِمُ الجُدْرانِ ومُتَهَدِّمٌ لا أثَرَ لَهُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ، والآيَةُ بِجُمْلَتِها مُتَضَمِّنَةٌ التَخْوِيفَ وضَرْبَ المَثَلِ لِلْحاضِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ.

هود 11:101

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عنهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخْذُ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ الناسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ المَعْنى: وما وضَعْنا عِنْدَهم مِنَ التَعْذِيبِ ما لا يَسْتَحِقُّونَهُ، لَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِهِمُ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ، والعِبادَةِ في جَنَبَةِ الأصْنامِ، فَما نَفَعَتْهم تِلْكَ الأصْنامُ ولا دَفَعَتْ عنهم حِينَ جاءَ عَذابُ اللهِ. والتَتْبِيبُ: الخُسْرانُ، ومِنهُ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد: ١] ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ عَرارَةُ مِن بَقِيَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ∗∗∗ ألا تَبًّا لِما عَمِلُوا تِبابًا أيْ: خَسارًا، وصُورَةً زِيادَةِ الأصْنامِ التَتْبِيبُ إنَّما تُتَصَوَّرُ: إمّا بِأنَّ تَأْمِيلَها والثِقَةَ بِها والتَعَبَ في عِبادَتِها -شَغَلَتْ نُفُوسَهم وصَرَفَتْها عَنِ النَظَرِ في الشَرْعِ وعاقَتْها، فَلِحَقَ عن ذَلِكَ عَنَتٌ وخُسْرانٌ، وإمّا بِأنَّ عَذابَهم عَلى الكُفْرِ يُزادُ إلَيْهِ عَذابٌ عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأوثانِ. (p-١٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾، الإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْداثِ في الأُمَمِ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ تَعُمُّ قُرى المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ ﴿ظالِمَةٌ﴾ أعَمُّ مِن "كافِرَةٌ"، وقَدْ يُمْهِلُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بَعْضُ الكَفَرَةِ، وأمّا الظَلَمَةُ -فِي الغالِبِ- فَمُعاجَلُونَ، أمّا أنَّهُ يُمْلى لِبَعْضِهِمْ، وفي الحَدِيثِ -مِن رِوايَةِ أبِي مُوسى - أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ اللهَ يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخْذُ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾» الآيَةَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العَطارِدِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "رَبّكَ إذْ أخَذَ القُرى"، والجُمْهُورُ الأعْظَمُ: ﴿إذا أخَذَ القُرى﴾، وأنْحى الطَبَرِيُّ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ هَذِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةٌ مُتَمَكِّنَةُ المَعْنى، ولَكِنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ تُعْطِي بَقاءَ الوَعِيدِ واسْتِمْرارَهُ في الزَمانِ، وهو البابُ في وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾، المَعْنى: إنَّ في أمْرِ هَذِهِ القُرى وما حَلَّ بِها لِعِبْرَةً وعَلامَةَ اهْتِداءٍ لِمَن خافَ أمْرَ الآخِرَةِ، وتَوَقَّعَ أنْ يَنالَهُ عَذابُها فَنَظَرَ وتَأمَّلَ؛ فَإنَّ نَظَرَهُ يُؤَدِّيهِ إلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى، ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ أمْرَ يَوْمِ القِيامَةِ بِوَصْفِهِ بِما تَلْبَّسَ بِأجْنَبِيٍّ مِنهُ لِلسَّبَبِ المُتَّصِلِ بَيْنَهُما وبِعَوْدِ الضَمِيرِ عَلَيْهِ، و ﴿الناسُ﴾ -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "الناسُ" رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، و ﴿مَجْمُوعٌ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. (p-١٧)وَهَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ عَنِ الحَشْرِ، و ﴿مَشْهُودٌ﴾ عامٌّ عَلى الإطْلاقِ يَشْهَدُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ والجِنِّ والحَيَوانِ -فِي قَوْلِ الجُمْهُورِ- وفِيهِ -أعْنِي الحَيَوانَ الصامِتَ- اخْتِلافٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ الآيَةَ. المَعْنى: وما نُؤَخِّرُ يَوْمَ القِيامَةِ عَجْزًا عن ذَلِكَ، ولَكِنَّ القَضاءَ السابِقَ قَدْ نَفَذَ فِيهِ بِأجَلٍ مَحْدُودٍ لا يَتَقَدَّمُ عنهُ ولا يَتَأخَّرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُؤَخِّرُهُ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "يُؤَخِّرُهُ" بِالياءِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ بِحَذْفِ الياءِ مَن (يَأْتِي) في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِها في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِإثْباتِها في الوَصْلِ وحَذْفِها في الوَقْفِ، ورُوِيَتْ أيْضًا كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، والياءُ ثابِتَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وسَقَطَتْ في إمامِ عُثْمانَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "يَوْمَ يَأْتُونَ"، وقَرَأ بِها الأعْمَشُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَقْفِ التَشْبِيهُ بِالفَواصِلِ، وإثْباتُها في الوَجْهَيْنِ هو الأصْلُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَصْلِ التَخْفِيفُ، كَما قالُوا: "لا أُبالِ ولا أدْرِ"، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ؎ كَفاكَ كَفٌّ ما تَلِيقُ دِرْهَمًا ∗∗∗ ∗∗∗ جُودًا وأُخْرى تُعْطَ بِالسَيْفِ الدَما (p-١٨)وَقَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في " يَأْتِي " وهو العائِدُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ﴾، ولا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى قَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي "، لِأنَّ اليَوْمَ المُضافَ إلى الفِعْلِ لا يَكُونُ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، إذِ المُضافُ مُتَعَرَّفٌ بِالمُضافِ إلَيْهِ، والفِعْلُ مُتَعَرَّفٌ بِفاعِلِهِ ولَيْسَ في نَفْسِهِ شَيْئًا مَقْصُودًا مُسْتَقِلًّا دُونَ الفاعِلِ، وقَوْلُهُمْ: "سَيِّدُ قَوْمِهِ، ومَوْلى أخِيهِ، وواحِدُ أُمِّهِ" مُفارِقٌ لِما لا يَسْتَقِلُّ، فَلِذَلِكَ جازَتِ الإضافَةُ فِيها، ويَكُونُ قَوْلُهُ: " يَوْم يَأْتِي " عَلى هَذا- في مَوْضِعِ الرَفْعِ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾، وفي الكَلامِ- عَلى هَذا- عائِدٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ صِفَةً لِقَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي "، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ خَبَرًا عن قَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي ". وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ﴾ يُرادُ بِهِ اليَوْمُ الَّذِي قَبْلَهُ لَيْلَتُهُ، وقَوْلُهُ: " يَوْم يَأْتِي " يُرادُ بِهِ الحِينُ والوَقْتُ لا النَهارُ بِعَيْنِهِ، فَهو كَما قالَ عُثْمانُ: "إنِّي رَأيْتُ ألّا أتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذا"، وكَما قالَ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَإنَّ الأمانَةَ اليَوْمَ في الناسِ قَلِيلٌ". ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ﴾: وصْفُ المَهابَةِ يَوْمَ القِيامَةِ وذُهُولُ العَقْلِ وهَوْلُ القِيامَةِ، وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ كَلامِ أهِلَ المَوْقِفِ في التَلاوُمِ والتَساؤُلِ والتَجادُلِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِإذْنٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ هَذِهِ هُنا مُخْتَصَّةً في تَكَلَّمَ شَفاعَةً أو إقامَةَ حُجَّةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمِنهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿نَفْسٌ﴾ إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ.

هود 11:102

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عنهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخْذُ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ الناسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ المَعْنى: وما وضَعْنا عِنْدَهم مِنَ التَعْذِيبِ ما لا يَسْتَحِقُّونَهُ، لَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِهِمُ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ، والعِبادَةِ في جَنَبَةِ الأصْنامِ، فَما نَفَعَتْهم تِلْكَ الأصْنامُ ولا دَفَعَتْ عنهم حِينَ جاءَ عَذابُ اللهِ. والتَتْبِيبُ: الخُسْرانُ، ومِنهُ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد: ١] ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ عَرارَةُ مِن بَقِيَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ∗∗∗ ألا تَبًّا لِما عَمِلُوا تِبابًا أيْ: خَسارًا، وصُورَةً زِيادَةِ الأصْنامِ التَتْبِيبُ إنَّما تُتَصَوَّرُ: إمّا بِأنَّ تَأْمِيلَها والثِقَةَ بِها والتَعَبَ في عِبادَتِها -شَغَلَتْ نُفُوسَهم وصَرَفَتْها عَنِ النَظَرِ في الشَرْعِ وعاقَتْها، فَلِحَقَ عن ذَلِكَ عَنَتٌ وخُسْرانٌ، وإمّا بِأنَّ عَذابَهم عَلى الكُفْرِ يُزادُ إلَيْهِ عَذابٌ عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأوثانِ. (p-١٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾، الإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْداثِ في الأُمَمِ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ تَعُمُّ قُرى المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ ﴿ظالِمَةٌ﴾ أعَمُّ مِن "كافِرَةٌ"، وقَدْ يُمْهِلُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بَعْضُ الكَفَرَةِ، وأمّا الظَلَمَةُ -فِي الغالِبِ- فَمُعاجَلُونَ، أمّا أنَّهُ يُمْلى لِبَعْضِهِمْ، وفي الحَدِيثِ -مِن رِوايَةِ أبِي مُوسى - أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ اللهَ يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخْذُ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾» الآيَةَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العَطارِدِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "رَبّكَ إذْ أخَذَ القُرى"، والجُمْهُورُ الأعْظَمُ: ﴿إذا أخَذَ القُرى﴾، وأنْحى الطَبَرِيُّ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ هَذِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةٌ مُتَمَكِّنَةُ المَعْنى، ولَكِنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ تُعْطِي بَقاءَ الوَعِيدِ واسْتِمْرارَهُ في الزَمانِ، وهو البابُ في وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾، المَعْنى: إنَّ في أمْرِ هَذِهِ القُرى وما حَلَّ بِها لِعِبْرَةً وعَلامَةَ اهْتِداءٍ لِمَن خافَ أمْرَ الآخِرَةِ، وتَوَقَّعَ أنْ يَنالَهُ عَذابُها فَنَظَرَ وتَأمَّلَ؛ فَإنَّ نَظَرَهُ يُؤَدِّيهِ إلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى، ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ أمْرَ يَوْمِ القِيامَةِ بِوَصْفِهِ بِما تَلْبَّسَ بِأجْنَبِيٍّ مِنهُ لِلسَّبَبِ المُتَّصِلِ بَيْنَهُما وبِعَوْدِ الضَمِيرِ عَلَيْهِ، و ﴿الناسُ﴾ -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "الناسُ" رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، و ﴿مَجْمُوعٌ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. (p-١٧)وَهَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ عَنِ الحَشْرِ، و ﴿مَشْهُودٌ﴾ عامٌّ عَلى الإطْلاقِ يَشْهَدُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ والجِنِّ والحَيَوانِ -فِي قَوْلِ الجُمْهُورِ- وفِيهِ -أعْنِي الحَيَوانَ الصامِتَ- اخْتِلافٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ الآيَةَ. المَعْنى: وما نُؤَخِّرُ يَوْمَ القِيامَةِ عَجْزًا عن ذَلِكَ، ولَكِنَّ القَضاءَ السابِقَ قَدْ نَفَذَ فِيهِ بِأجَلٍ مَحْدُودٍ لا يَتَقَدَّمُ عنهُ ولا يَتَأخَّرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُؤَخِّرُهُ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "يُؤَخِّرُهُ" بِالياءِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ بِحَذْفِ الياءِ مَن (يَأْتِي) في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِها في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِإثْباتِها في الوَصْلِ وحَذْفِها في الوَقْفِ، ورُوِيَتْ أيْضًا كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، والياءُ ثابِتَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وسَقَطَتْ في إمامِ عُثْمانَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "يَوْمَ يَأْتُونَ"، وقَرَأ بِها الأعْمَشُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَقْفِ التَشْبِيهُ بِالفَواصِلِ، وإثْباتُها في الوَجْهَيْنِ هو الأصْلُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَصْلِ التَخْفِيفُ، كَما قالُوا: "لا أُبالِ ولا أدْرِ"، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ؎ كَفاكَ كَفٌّ ما تَلِيقُ دِرْهَمًا ∗∗∗ ∗∗∗ جُودًا وأُخْرى تُعْطَ بِالسَيْفِ الدَما (p-١٨)وَقَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في " يَأْتِي " وهو العائِدُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ﴾، ولا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى قَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي "، لِأنَّ اليَوْمَ المُضافَ إلى الفِعْلِ لا يَكُونُ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، إذِ المُضافُ مُتَعَرَّفٌ بِالمُضافِ إلَيْهِ، والفِعْلُ مُتَعَرَّفٌ بِفاعِلِهِ ولَيْسَ في نَفْسِهِ شَيْئًا مَقْصُودًا مُسْتَقِلًّا دُونَ الفاعِلِ، وقَوْلُهُمْ: "سَيِّدُ قَوْمِهِ، ومَوْلى أخِيهِ، وواحِدُ أُمِّهِ" مُفارِقٌ لِما لا يَسْتَقِلُّ، فَلِذَلِكَ جازَتِ الإضافَةُ فِيها، ويَكُونُ قَوْلُهُ: " يَوْم يَأْتِي " عَلى هَذا- في مَوْضِعِ الرَفْعِ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾، وفي الكَلامِ- عَلى هَذا- عائِدٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ صِفَةً لِقَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي "، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ خَبَرًا عن قَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي ". وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ﴾ يُرادُ بِهِ اليَوْمُ الَّذِي قَبْلَهُ لَيْلَتُهُ، وقَوْلُهُ: " يَوْم يَأْتِي " يُرادُ بِهِ الحِينُ والوَقْتُ لا النَهارُ بِعَيْنِهِ، فَهو كَما قالَ عُثْمانُ: "إنِّي رَأيْتُ ألّا أتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذا"، وكَما قالَ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَإنَّ الأمانَةَ اليَوْمَ في الناسِ قَلِيلٌ". ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ﴾: وصْفُ المَهابَةِ يَوْمَ القِيامَةِ وذُهُولُ العَقْلِ وهَوْلُ القِيامَةِ، وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ كَلامِ أهِلَ المَوْقِفِ في التَلاوُمِ والتَساؤُلِ والتَجادُلِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِإذْنٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ هَذِهِ هُنا مُخْتَصَّةً في تَكَلَّمَ شَفاعَةً أو إقامَةَ حُجَّةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمِنهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿نَفْسٌ﴾ إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ.

هود 11:103

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عنهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخْذُ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ الناسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ المَعْنى: وما وضَعْنا عِنْدَهم مِنَ التَعْذِيبِ ما لا يَسْتَحِقُّونَهُ، لَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِهِمُ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ، والعِبادَةِ في جَنَبَةِ الأصْنامِ، فَما نَفَعَتْهم تِلْكَ الأصْنامُ ولا دَفَعَتْ عنهم حِينَ جاءَ عَذابُ اللهِ. والتَتْبِيبُ: الخُسْرانُ، ومِنهُ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد: ١] ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ عَرارَةُ مِن بَقِيَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ∗∗∗ ألا تَبًّا لِما عَمِلُوا تِبابًا أيْ: خَسارًا، وصُورَةً زِيادَةِ الأصْنامِ التَتْبِيبُ إنَّما تُتَصَوَّرُ: إمّا بِأنَّ تَأْمِيلَها والثِقَةَ بِها والتَعَبَ في عِبادَتِها -شَغَلَتْ نُفُوسَهم وصَرَفَتْها عَنِ النَظَرِ في الشَرْعِ وعاقَتْها، فَلِحَقَ عن ذَلِكَ عَنَتٌ وخُسْرانٌ، وإمّا بِأنَّ عَذابَهم عَلى الكُفْرِ يُزادُ إلَيْهِ عَذابٌ عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأوثانِ. (p-١٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾، الإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْداثِ في الأُمَمِ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ تَعُمُّ قُرى المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ ﴿ظالِمَةٌ﴾ أعَمُّ مِن "كافِرَةٌ"، وقَدْ يُمْهِلُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بَعْضُ الكَفَرَةِ، وأمّا الظَلَمَةُ -فِي الغالِبِ- فَمُعاجَلُونَ، أمّا أنَّهُ يُمْلى لِبَعْضِهِمْ، وفي الحَدِيثِ -مِن رِوايَةِ أبِي مُوسى - أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ اللهَ يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخْذُ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾» الآيَةَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العَطارِدِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "رَبّكَ إذْ أخَذَ القُرى"، والجُمْهُورُ الأعْظَمُ: ﴿إذا أخَذَ القُرى﴾، وأنْحى الطَبَرِيُّ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ هَذِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةٌ مُتَمَكِّنَةُ المَعْنى، ولَكِنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ تُعْطِي بَقاءَ الوَعِيدِ واسْتِمْرارَهُ في الزَمانِ، وهو البابُ في وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾، المَعْنى: إنَّ في أمْرِ هَذِهِ القُرى وما حَلَّ بِها لِعِبْرَةً وعَلامَةَ اهْتِداءٍ لِمَن خافَ أمْرَ الآخِرَةِ، وتَوَقَّعَ أنْ يَنالَهُ عَذابُها فَنَظَرَ وتَأمَّلَ؛ فَإنَّ نَظَرَهُ يُؤَدِّيهِ إلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى، ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ أمْرَ يَوْمِ القِيامَةِ بِوَصْفِهِ بِما تَلْبَّسَ بِأجْنَبِيٍّ مِنهُ لِلسَّبَبِ المُتَّصِلِ بَيْنَهُما وبِعَوْدِ الضَمِيرِ عَلَيْهِ، و ﴿الناسُ﴾ -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "الناسُ" رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، و ﴿مَجْمُوعٌ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. (p-١٧)وَهَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ عَنِ الحَشْرِ، و ﴿مَشْهُودٌ﴾ عامٌّ عَلى الإطْلاقِ يَشْهَدُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ والجِنِّ والحَيَوانِ -فِي قَوْلِ الجُمْهُورِ- وفِيهِ -أعْنِي الحَيَوانَ الصامِتَ- اخْتِلافٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ الآيَةَ. المَعْنى: وما نُؤَخِّرُ يَوْمَ القِيامَةِ عَجْزًا عن ذَلِكَ، ولَكِنَّ القَضاءَ السابِقَ قَدْ نَفَذَ فِيهِ بِأجَلٍ مَحْدُودٍ لا يَتَقَدَّمُ عنهُ ولا يَتَأخَّرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُؤَخِّرُهُ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "يُؤَخِّرُهُ" بِالياءِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ بِحَذْفِ الياءِ مَن (يَأْتِي) في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِها في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِإثْباتِها في الوَصْلِ وحَذْفِها في الوَقْفِ، ورُوِيَتْ أيْضًا كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، والياءُ ثابِتَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وسَقَطَتْ في إمامِ عُثْمانَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "يَوْمَ يَأْتُونَ"، وقَرَأ بِها الأعْمَشُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَقْفِ التَشْبِيهُ بِالفَواصِلِ، وإثْباتُها في الوَجْهَيْنِ هو الأصْلُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَصْلِ التَخْفِيفُ، كَما قالُوا: "لا أُبالِ ولا أدْرِ"، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ؎ كَفاكَ كَفٌّ ما تَلِيقُ دِرْهَمًا ∗∗∗ ∗∗∗ جُودًا وأُخْرى تُعْطَ بِالسَيْفِ الدَما (p-١٨)وَقَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في " يَأْتِي " وهو العائِدُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ﴾، ولا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى قَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي "، لِأنَّ اليَوْمَ المُضافَ إلى الفِعْلِ لا يَكُونُ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، إذِ المُضافُ مُتَعَرَّفٌ بِالمُضافِ إلَيْهِ، والفِعْلُ مُتَعَرَّفٌ بِفاعِلِهِ ولَيْسَ في نَفْسِهِ شَيْئًا مَقْصُودًا مُسْتَقِلًّا دُونَ الفاعِلِ، وقَوْلُهُمْ: "سَيِّدُ قَوْمِهِ، ومَوْلى أخِيهِ، وواحِدُ أُمِّهِ" مُفارِقٌ لِما لا يَسْتَقِلُّ، فَلِذَلِكَ جازَتِ الإضافَةُ فِيها، ويَكُونُ قَوْلُهُ: " يَوْم يَأْتِي " عَلى هَذا- في مَوْضِعِ الرَفْعِ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾، وفي الكَلامِ- عَلى هَذا- عائِدٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ صِفَةً لِقَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي "، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ خَبَرًا عن قَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي ". وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ﴾ يُرادُ بِهِ اليَوْمُ الَّذِي قَبْلَهُ لَيْلَتُهُ، وقَوْلُهُ: " يَوْم يَأْتِي " يُرادُ بِهِ الحِينُ والوَقْتُ لا النَهارُ بِعَيْنِهِ، فَهو كَما قالَ عُثْمانُ: "إنِّي رَأيْتُ ألّا أتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذا"، وكَما قالَ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَإنَّ الأمانَةَ اليَوْمَ في الناسِ قَلِيلٌ". ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ﴾: وصْفُ المَهابَةِ يَوْمَ القِيامَةِ وذُهُولُ العَقْلِ وهَوْلُ القِيامَةِ، وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ كَلامِ أهِلَ المَوْقِفِ في التَلاوُمِ والتَساؤُلِ والتَجادُلِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِإذْنٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ هَذِهِ هُنا مُخْتَصَّةً في تَكَلَّمَ شَفاعَةً أو إقامَةَ حُجَّةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمِنهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿نَفْسٌ﴾ إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ.

هود 11:104

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عنهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخْذُ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ الناسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ المَعْنى: وما وضَعْنا عِنْدَهم مِنَ التَعْذِيبِ ما لا يَسْتَحِقُّونَهُ، لَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِهِمُ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ، والعِبادَةِ في جَنَبَةِ الأصْنامِ، فَما نَفَعَتْهم تِلْكَ الأصْنامُ ولا دَفَعَتْ عنهم حِينَ جاءَ عَذابُ اللهِ. والتَتْبِيبُ: الخُسْرانُ، ومِنهُ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد: ١] ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ عَرارَةُ مِن بَقِيَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ∗∗∗ ألا تَبًّا لِما عَمِلُوا تِبابًا أيْ: خَسارًا، وصُورَةً زِيادَةِ الأصْنامِ التَتْبِيبُ إنَّما تُتَصَوَّرُ: إمّا بِأنَّ تَأْمِيلَها والثِقَةَ بِها والتَعَبَ في عِبادَتِها -شَغَلَتْ نُفُوسَهم وصَرَفَتْها عَنِ النَظَرِ في الشَرْعِ وعاقَتْها، فَلِحَقَ عن ذَلِكَ عَنَتٌ وخُسْرانٌ، وإمّا بِأنَّ عَذابَهم عَلى الكُفْرِ يُزادُ إلَيْهِ عَذابٌ عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأوثانِ. (p-١٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾، الإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْداثِ في الأُمَمِ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ تَعُمُّ قُرى المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ ﴿ظالِمَةٌ﴾ أعَمُّ مِن "كافِرَةٌ"، وقَدْ يُمْهِلُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بَعْضُ الكَفَرَةِ، وأمّا الظَلَمَةُ -فِي الغالِبِ- فَمُعاجَلُونَ، أمّا أنَّهُ يُمْلى لِبَعْضِهِمْ، وفي الحَدِيثِ -مِن رِوايَةِ أبِي مُوسى - أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ اللهَ يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخْذُ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾» الآيَةَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العَطارِدِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "رَبّكَ إذْ أخَذَ القُرى"، والجُمْهُورُ الأعْظَمُ: ﴿إذا أخَذَ القُرى﴾، وأنْحى الطَبَرِيُّ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ هَذِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةٌ مُتَمَكِّنَةُ المَعْنى، ولَكِنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ تُعْطِي بَقاءَ الوَعِيدِ واسْتِمْرارَهُ في الزَمانِ، وهو البابُ في وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾، المَعْنى: إنَّ في أمْرِ هَذِهِ القُرى وما حَلَّ بِها لِعِبْرَةً وعَلامَةَ اهْتِداءٍ لِمَن خافَ أمْرَ الآخِرَةِ، وتَوَقَّعَ أنْ يَنالَهُ عَذابُها فَنَظَرَ وتَأمَّلَ؛ فَإنَّ نَظَرَهُ يُؤَدِّيهِ إلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى، ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ أمْرَ يَوْمِ القِيامَةِ بِوَصْفِهِ بِما تَلْبَّسَ بِأجْنَبِيٍّ مِنهُ لِلسَّبَبِ المُتَّصِلِ بَيْنَهُما وبِعَوْدِ الضَمِيرِ عَلَيْهِ، و ﴿الناسُ﴾ -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "الناسُ" رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، و ﴿مَجْمُوعٌ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. (p-١٧)وَهَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ عَنِ الحَشْرِ، و ﴿مَشْهُودٌ﴾ عامٌّ عَلى الإطْلاقِ يَشْهَدُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ والجِنِّ والحَيَوانِ -فِي قَوْلِ الجُمْهُورِ- وفِيهِ -أعْنِي الحَيَوانَ الصامِتَ- اخْتِلافٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ الآيَةَ. المَعْنى: وما نُؤَخِّرُ يَوْمَ القِيامَةِ عَجْزًا عن ذَلِكَ، ولَكِنَّ القَضاءَ السابِقَ قَدْ نَفَذَ فِيهِ بِأجَلٍ مَحْدُودٍ لا يَتَقَدَّمُ عنهُ ولا يَتَأخَّرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُؤَخِّرُهُ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "يُؤَخِّرُهُ" بِالياءِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ بِحَذْفِ الياءِ مَن (يَأْتِي) في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِها في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِإثْباتِها في الوَصْلِ وحَذْفِها في الوَقْفِ، ورُوِيَتْ أيْضًا كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، والياءُ ثابِتَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وسَقَطَتْ في إمامِ عُثْمانَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "يَوْمَ يَأْتُونَ"، وقَرَأ بِها الأعْمَشُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَقْفِ التَشْبِيهُ بِالفَواصِلِ، وإثْباتُها في الوَجْهَيْنِ هو الأصْلُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَصْلِ التَخْفِيفُ، كَما قالُوا: "لا أُبالِ ولا أدْرِ"، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ؎ كَفاكَ كَفٌّ ما تَلِيقُ دِرْهَمًا ∗∗∗ ∗∗∗ جُودًا وأُخْرى تُعْطَ بِالسَيْفِ الدَما (p-١٨)وَقَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في " يَأْتِي " وهو العائِدُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ﴾، ولا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى قَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي "، لِأنَّ اليَوْمَ المُضافَ إلى الفِعْلِ لا يَكُونُ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، إذِ المُضافُ مُتَعَرَّفٌ بِالمُضافِ إلَيْهِ، والفِعْلُ مُتَعَرَّفٌ بِفاعِلِهِ ولَيْسَ في نَفْسِهِ شَيْئًا مَقْصُودًا مُسْتَقِلًّا دُونَ الفاعِلِ، وقَوْلُهُمْ: "سَيِّدُ قَوْمِهِ، ومَوْلى أخِيهِ، وواحِدُ أُمِّهِ" مُفارِقٌ لِما لا يَسْتَقِلُّ، فَلِذَلِكَ جازَتِ الإضافَةُ فِيها، ويَكُونُ قَوْلُهُ: " يَوْم يَأْتِي " عَلى هَذا- في مَوْضِعِ الرَفْعِ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾، وفي الكَلامِ- عَلى هَذا- عائِدٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ صِفَةً لِقَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي "، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ خَبَرًا عن قَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي ". وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ﴾ يُرادُ بِهِ اليَوْمُ الَّذِي قَبْلَهُ لَيْلَتُهُ، وقَوْلُهُ: " يَوْم يَأْتِي " يُرادُ بِهِ الحِينُ والوَقْتُ لا النَهارُ بِعَيْنِهِ، فَهو كَما قالَ عُثْمانُ: "إنِّي رَأيْتُ ألّا أتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذا"، وكَما قالَ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَإنَّ الأمانَةَ اليَوْمَ في الناسِ قَلِيلٌ". ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ﴾: وصْفُ المَهابَةِ يَوْمَ القِيامَةِ وذُهُولُ العَقْلِ وهَوْلُ القِيامَةِ، وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ كَلامِ أهِلَ المَوْقِفِ في التَلاوُمِ والتَساؤُلِ والتَجادُلِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِإذْنٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ هَذِهِ هُنا مُخْتَصَّةً في تَكَلَّمَ شَفاعَةً أو إقامَةَ حُجَّةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمِنهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿نَفْسٌ﴾ إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ.

هود 11:105

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عنهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخْذُ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ الناسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ المَعْنى: وما وضَعْنا عِنْدَهم مِنَ التَعْذِيبِ ما لا يَسْتَحِقُّونَهُ، لَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِهِمُ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ، والعِبادَةِ في جَنَبَةِ الأصْنامِ، فَما نَفَعَتْهم تِلْكَ الأصْنامُ ولا دَفَعَتْ عنهم حِينَ جاءَ عَذابُ اللهِ. والتَتْبِيبُ: الخُسْرانُ، ومِنهُ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد: ١] ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ عَرارَةُ مِن بَقِيَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ∗∗∗ ألا تَبًّا لِما عَمِلُوا تِبابًا أيْ: خَسارًا، وصُورَةً زِيادَةِ الأصْنامِ التَتْبِيبُ إنَّما تُتَصَوَّرُ: إمّا بِأنَّ تَأْمِيلَها والثِقَةَ بِها والتَعَبَ في عِبادَتِها -شَغَلَتْ نُفُوسَهم وصَرَفَتْها عَنِ النَظَرِ في الشَرْعِ وعاقَتْها، فَلِحَقَ عن ذَلِكَ عَنَتٌ وخُسْرانٌ، وإمّا بِأنَّ عَذابَهم عَلى الكُفْرِ يُزادُ إلَيْهِ عَذابٌ عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأوثانِ. (p-١٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾، الإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْداثِ في الأُمَمِ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ تَعُمُّ قُرى المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ ﴿ظالِمَةٌ﴾ أعَمُّ مِن "كافِرَةٌ"، وقَدْ يُمْهِلُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بَعْضُ الكَفَرَةِ، وأمّا الظَلَمَةُ -فِي الغالِبِ- فَمُعاجَلُونَ، أمّا أنَّهُ يُمْلى لِبَعْضِهِمْ، وفي الحَدِيثِ -مِن رِوايَةِ أبِي مُوسى - أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ اللهَ يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخْذُ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾» الآيَةَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العَطارِدِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "رَبّكَ إذْ أخَذَ القُرى"، والجُمْهُورُ الأعْظَمُ: ﴿إذا أخَذَ القُرى﴾، وأنْحى الطَبَرِيُّ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ هَذِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةٌ مُتَمَكِّنَةُ المَعْنى، ولَكِنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ تُعْطِي بَقاءَ الوَعِيدِ واسْتِمْرارَهُ في الزَمانِ، وهو البابُ في وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾، المَعْنى: إنَّ في أمْرِ هَذِهِ القُرى وما حَلَّ بِها لِعِبْرَةً وعَلامَةَ اهْتِداءٍ لِمَن خافَ أمْرَ الآخِرَةِ، وتَوَقَّعَ أنْ يَنالَهُ عَذابُها فَنَظَرَ وتَأمَّلَ؛ فَإنَّ نَظَرَهُ يُؤَدِّيهِ إلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى، ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ أمْرَ يَوْمِ القِيامَةِ بِوَصْفِهِ بِما تَلْبَّسَ بِأجْنَبِيٍّ مِنهُ لِلسَّبَبِ المُتَّصِلِ بَيْنَهُما وبِعَوْدِ الضَمِيرِ عَلَيْهِ، و ﴿الناسُ﴾ -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "الناسُ" رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، و ﴿مَجْمُوعٌ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. (p-١٧)وَهَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ عَنِ الحَشْرِ، و ﴿مَشْهُودٌ﴾ عامٌّ عَلى الإطْلاقِ يَشْهَدُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ والجِنِّ والحَيَوانِ -فِي قَوْلِ الجُمْهُورِ- وفِيهِ -أعْنِي الحَيَوانَ الصامِتَ- اخْتِلافٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الشاهِدُ: مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ الآيَةَ. المَعْنى: وما نُؤَخِّرُ يَوْمَ القِيامَةِ عَجْزًا عن ذَلِكَ، ولَكِنَّ القَضاءَ السابِقَ قَدْ نَفَذَ فِيهِ بِأجَلٍ مَحْدُودٍ لا يَتَقَدَّمُ عنهُ ولا يَتَأخَّرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُؤَخِّرُهُ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "يُؤَخِّرُهُ" بِالياءِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ بِحَذْفِ الياءِ مَن (يَأْتِي) في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِها في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِإثْباتِها في الوَصْلِ وحَذْفِها في الوَقْفِ، ورُوِيَتْ أيْضًا كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، والياءُ ثابِتَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وسَقَطَتْ في إمامِ عُثْمانَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "يَوْمَ يَأْتُونَ"، وقَرَأ بِها الأعْمَشُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَقْفِ التَشْبِيهُ بِالفَواصِلِ، وإثْباتُها في الوَجْهَيْنِ هو الأصْلُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَصْلِ التَخْفِيفُ، كَما قالُوا: "لا أُبالِ ولا أدْرِ"، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ؎ كَفاكَ كَفٌّ ما تَلِيقُ دِرْهَمًا ∗∗∗ ∗∗∗ جُودًا وأُخْرى تُعْطَ بِالسَيْفِ الدَما (p-١٨)وَقَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في " يَأْتِي " وهو العائِدُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ﴾، ولا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى قَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي "، لِأنَّ اليَوْمَ المُضافَ إلى الفِعْلِ لا يَكُونُ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، إذِ المُضافُ مُتَعَرَّفٌ بِالمُضافِ إلَيْهِ، والفِعْلُ مُتَعَرَّفٌ بِفاعِلِهِ ولَيْسَ في نَفْسِهِ شَيْئًا مَقْصُودًا مُسْتَقِلًّا دُونَ الفاعِلِ، وقَوْلُهُمْ: "سَيِّدُ قَوْمِهِ، ومَوْلى أخِيهِ، وواحِدُ أُمِّهِ" مُفارِقٌ لِما لا يَسْتَقِلُّ، فَلِذَلِكَ جازَتِ الإضافَةُ فِيها، ويَكُونُ قَوْلُهُ: " يَوْم يَأْتِي " عَلى هَذا- في مَوْضِعِ الرَفْعِ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾، وفي الكَلامِ- عَلى هَذا- عائِدٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ صِفَةً لِقَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي "، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ خَبَرًا عن قَوْلِهِ: " يَوْم يَأْتِي ". وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ﴾ يُرادُ بِهِ اليَوْمُ الَّذِي قَبْلَهُ لَيْلَتُهُ، وقَوْلُهُ: " يَوْم يَأْتِي " يُرادُ بِهِ الحِينُ والوَقْتُ لا النَهارُ بِعَيْنِهِ، فَهو كَما قالَ عُثْمانُ: "إنِّي رَأيْتُ ألّا أتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذا"، وكَما قالَ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَإنَّ الأمانَةَ اليَوْمَ في الناسِ قَلِيلٌ". ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ﴾: وصْفُ المَهابَةِ يَوْمَ القِيامَةِ وذُهُولُ العَقْلِ وهَوْلُ القِيامَةِ، وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ كَلامِ أهِلَ المَوْقِفِ في التَلاوُمِ والتَساؤُلِ والتَجادُلِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِإذْنٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ هَذِهِ هُنا مُخْتَصَّةً في تَكَلَّمَ شَفاعَةً أو إقامَةَ حُجَّةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمِنهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿نَفْسٌ﴾ إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ.

هود 11:106

(p-١٩)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبُّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ شَقُوا﴾ -عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ في الِاسْتِثْناءِ الَّذِي في آخِرِ الآيَةِ -يُرادُ بِهِ كُلُّ مَن يُعَذَّبُ مِن كافِرٍ وعاصٍ، وعَلى بَعْضِها- كُلُّ مَن يُخَلَّدُ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الكَفَرَةِ خاصَّةً. والزَفِيرُ: صَوْتٌ شَدِيدٌ خاصٌّ بِالمَحْزُونِ أوِ الوَجَعِ أوِ المُعَذَّبِ ونَحْوِهِ، والشَهِيقُ كَذَلِكَ، كَما يَفْعَلُ الباكِي الَّذِي يَصِيحُ خِلالَ بُكائِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الزَفِيرُ: صَوْتٌ حادٌّ. و الشَهِيقُ: صَوْتٌ ثَقِيلٌ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الزَفِيرُ مِنَ الصَدْرِ، و الشَهِيقُ مِنَ الحَلْقِ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، وقالَ قَتادَةُ: الزَفِيرُ: أوَّلُ صَوْتِ الحِمارِ، و الشَهِيقُ: آخِرُهُ، فَصِياحُ أهْلِ النارِ كَذَلِكَ، وقِيلَ: الزَفِيرُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الزَفْرِ وهو الشِدَّةُ، و الشَهِيقُ: مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شاهِقٌ أيْ عالٍ، فَهُما -عَلى هَذا المَعْنى- واحِدٌ أو مُتَقارِبٌ، والظاهِرُ ما قالَ أبُو العالِيَةِ، فَإنَّ الزَفْرَةَ هي الَّتِي يُعَظَّمُ مَعَها الصَدْرُ والجَوْفُ، والشَهْقَةُ هي الوَقْعَةُ الأخِيرَةُ مِنَ الصَوْتِ المُنْدَفِعِ مَعَها النَفَسُ أحْيانًا، فَقَدْ يَشْهَقُ المُحْتَضِرُ ويَشْهَقُ المَغْشِيُّ عَلَيْهِ. وأُمًّا قَوْلُهُ: ﴿ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ﴾ فَقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يُبَدِّلُ السَمَواتِ والأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَجْعَلُ الأرْضَ مَكانًا لِجَهَنَّمَ والسَماءَ مَكانًا لِلْجَنَّةِ، ويَتَأبَّدُ ذَلِكَ، فَقَرَنَتِ الآيَةُ خُلُودَ هَؤُلاءِ بِبَقاءِ هَذِهِ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللهَ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ مِن نُورِ العَرْشِ ثُمَّ يَرُدُّهُما إلى هُنالِكَ في الآخِرَةِ، فَلَهُما ثُمَّ بَقاءٌ دائِمٌ". وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ﴾ العِبارَةُ عن (p-٢٠)التَأْبِيدِ: بِما تَعْهَدُهُ العَرَبُ، وذَلِكَ أنَّ مِن فَصِيحِ كَلامِها إذا أرادَتْ أنْ تُخْبِرَ عن تَأْبِيدِ شَيْءٍ أنْ تَقُولَ: "لا أفْعَلُ كَذا وكَذا مَدى الدَهْرِ، وما ناحَ الحَمامُ، وما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ"، ونَحْوَ هَذا مِمّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِن غَيْرِ نِهايَةٍ، فَأفْهَمَهُمُ اللهُ تَعالى تَخْلِيدَ الكَفَرَةِ بِذَلِكَ، وإنْ كانَ قَدْ أخْبَرَ بِزَوالِ السَماواتِ والأرْضِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فَقِيلَ فِيهِ: إنْ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي نَدَبَ الشَرْعُ إلى اسْتِعْمالِهِ في كُلِّ كَلامٍ، فَهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] اسْتِثْناءٌ في واجِبٍ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ في حُكْمِ الشَرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: "إنْ شاءَ اللهُ"، فَلَيْسَ يَحْتاجُ إلى أنْ يُوصَفَ بِمُتَّصِلٍ ولا بِمُنْقَطِعِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن طُولِ المُدَّةِ، وذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ مِن أنَّ جَهَنَّمَ تُخَرَّبُ ويُعْدَمُ أهْلُها وتُغْلَقُ أبْوابُها، فَهم -عَلى هَذا- يَخْلُدُونَ حَتّى يَصِيرَ أمْرُهم إلى هَذا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ، والَّذِي رُوِيَ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ إنَّما هو الدَرْكُ الأعْلى المُخْتَصُّ بِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، وهو الَّذِي يُسَمّى جَهَنَّمَ، وسُمِّيَ الكُلُّ بِهِ تَجَوُّزًا. وقِيلَ: إنَّما اسْتُثْنى ما يَلْطُفُ اللهُ تَعالى بِهِ لِلْعُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ في إخْراجِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ النارِ، فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ أيْ: لِقَوْمٍ ما، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والضَحّاكِ، وأبِي سِنانَ، وغَيْرِهِمْ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ عامًّا في الكَفَرَةِ والعُصاةِ كَما قَدَّمْنا، ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن ﴿خالِدِينَ﴾، وقِيلَ: "إلّا" بِمَعْنى الواوِ، فَمَعْنى الآيَةِ: "وَما شاءَ اللهُ زائِدًا عَلى ذَلِكَ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٢١) ؎ وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا البَيْتُ يَصِحُّ الِاسْتِشْهادُ بِهِ عَلى مُعْتَقَدِنا في فَناءِ الفَرْقَدَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ العالَمِ، وأمّا إنْ كانَ قائِلُهُ مِن دَهْرِيَّةِ العَرَبِ فَلا حُجَّةَ فِيهِ، إذْ يَرى ذَلِكَ مُؤَبَّدًا فَأجْرى "إلّا" عَلى بابِها. وقِيلَ: "إلّا" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى سِوى، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، كَما تَقُولُ: "لِي عِنْدَكَ ألْفا دِرْهَمٍ، إلّا الألْفَ الَّتِي كُنْتُ أسْلَفْتُكَ "، بِمَعْنى: سِوى تِلْكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ سِوى ما شاءَ اللهُ زائِدًا عَلى ذَلِكَ"، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءَ، فَإنَّهُ يُقَدِّرُ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ بِ "سِوى"، وسِيبَوَيْهِ يُقَدِّرُهُ بِـ "لَكِنْ"، وقِيلَ: "سِوى ما أعَدَّهُ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ مِمّا لا يُعْرَفُ كالزَمْهَرِيرِ ونَحْوِهِ"، وقِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ السَماواتِ والأرْضِ، المُدَّةِ الَّتِي فَرَطَتْ لَهم في الحَياةِ الدُنْيا، وقِيلَ: في البَرْزَخِ بَيْنَ الدُنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: في المَسافاتِ الَّتِي بَيْنَهم في دُخُولِ النارِ، إذْ دُخُولُهم إنَّما هو زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَفِي النارِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: "إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن تَأْخِيرٍ عن ذَلِكَ"، وهَذا قَوْلٌ رَواهُ أبُو نَضْرَةَ عن جابِرٍ أو عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، ثُمَّ أخْبَرَ مُنَبِّهًا عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ- "سَعِدُوا" بِفَتْحِ السِينِ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في (p-٢٢)رِوايَةِ حَفْصٍ-: "سُعِدُوا" بِضَمِّ السِينِ، وهي شاذَّةٌ ولا حُجَّةَ في قَوْلِهِمْ: "مَسْعُودٌ"، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أسْعَدَ عَلى حَذْفِ الزِيادَةِ، كَما يُقالُ: مَحْبُوبٌ، مِن أحَبَّ، ومَجْنُونٌ مِن أجَنَّهُ اللهُ، وقَدْ قِيلَ في مَسْعُودٍ: إنَّما أصْلُهُ الوَصْفُ لِلْمَكانِ، يُقالُ: مَكانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ ثُمَّ نُقِلَ إلى التَسْمِيَةِ بِهِ، وذُكِرَ أنَّ الفَرّاءَ حَكى أنْ هُذَيْلًا تَقُولُ: سَعَدَهُ اللهُ، بِمَعْنى: أسْعَدَهُ، وبِضَمِّ السِينِ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ. والأقْوالُ المُتَرَتِّبَةُ في اسْتِثْناءِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ تَتَرَتَّبُ هاهُنا إلّا تَأْوِيلَ مَن قالَ: "هُوَ اسْتِثْناءُ المُدَّةِ الَّتِي تُخَرَّبُ فِيها جَهَنَّمُ"، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ويَزِيدُ هُنا قَوْلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ في المُدَّةِ الَّتِي يُقِيمُها العُصاةُ في النارِ، ولا يَتَرَتَّبُ أيْضًا تَأْوِيلُ مَن قالَ في تِلْكَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ هو مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفِي النارِ﴾. وقَوْلُهُ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، و المَجْذُوذُ: المَقْطُوعُ، والجَذُّ: القَطْعُ، وكَذَلِكَ الجَدُّ، وكَذَلِكَ (الحَزُّ).

هود 11:107

(p-١٩)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبُّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ شَقُوا﴾ -عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ في الِاسْتِثْناءِ الَّذِي في آخِرِ الآيَةِ -يُرادُ بِهِ كُلُّ مَن يُعَذَّبُ مِن كافِرٍ وعاصٍ، وعَلى بَعْضِها- كُلُّ مَن يُخَلَّدُ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الكَفَرَةِ خاصَّةً. والزَفِيرُ: صَوْتٌ شَدِيدٌ خاصٌّ بِالمَحْزُونِ أوِ الوَجَعِ أوِ المُعَذَّبِ ونَحْوِهِ، والشَهِيقُ كَذَلِكَ، كَما يَفْعَلُ الباكِي الَّذِي يَصِيحُ خِلالَ بُكائِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الزَفِيرُ: صَوْتٌ حادٌّ. و الشَهِيقُ: صَوْتٌ ثَقِيلٌ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الزَفِيرُ مِنَ الصَدْرِ، و الشَهِيقُ مِنَ الحَلْقِ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، وقالَ قَتادَةُ: الزَفِيرُ: أوَّلُ صَوْتِ الحِمارِ، و الشَهِيقُ: آخِرُهُ، فَصِياحُ أهْلِ النارِ كَذَلِكَ، وقِيلَ: الزَفِيرُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الزَفْرِ وهو الشِدَّةُ، و الشَهِيقُ: مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شاهِقٌ أيْ عالٍ، فَهُما -عَلى هَذا المَعْنى- واحِدٌ أو مُتَقارِبٌ، والظاهِرُ ما قالَ أبُو العالِيَةِ، فَإنَّ الزَفْرَةَ هي الَّتِي يُعَظَّمُ مَعَها الصَدْرُ والجَوْفُ، والشَهْقَةُ هي الوَقْعَةُ الأخِيرَةُ مِنَ الصَوْتِ المُنْدَفِعِ مَعَها النَفَسُ أحْيانًا، فَقَدْ يَشْهَقُ المُحْتَضِرُ ويَشْهَقُ المَغْشِيُّ عَلَيْهِ. وأُمًّا قَوْلُهُ: ﴿ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ﴾ فَقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يُبَدِّلُ السَمَواتِ والأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَجْعَلُ الأرْضَ مَكانًا لِجَهَنَّمَ والسَماءَ مَكانًا لِلْجَنَّةِ، ويَتَأبَّدُ ذَلِكَ، فَقَرَنَتِ الآيَةُ خُلُودَ هَؤُلاءِ بِبَقاءِ هَذِهِ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللهَ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ مِن نُورِ العَرْشِ ثُمَّ يَرُدُّهُما إلى هُنالِكَ في الآخِرَةِ، فَلَهُما ثُمَّ بَقاءٌ دائِمٌ". وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ﴾ العِبارَةُ عن (p-٢٠)التَأْبِيدِ: بِما تَعْهَدُهُ العَرَبُ، وذَلِكَ أنَّ مِن فَصِيحِ كَلامِها إذا أرادَتْ أنْ تُخْبِرَ عن تَأْبِيدِ شَيْءٍ أنْ تَقُولَ: "لا أفْعَلُ كَذا وكَذا مَدى الدَهْرِ، وما ناحَ الحَمامُ، وما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ"، ونَحْوَ هَذا مِمّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِن غَيْرِ نِهايَةٍ، فَأفْهَمَهُمُ اللهُ تَعالى تَخْلِيدَ الكَفَرَةِ بِذَلِكَ، وإنْ كانَ قَدْ أخْبَرَ بِزَوالِ السَماواتِ والأرْضِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فَقِيلَ فِيهِ: إنْ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي نَدَبَ الشَرْعُ إلى اسْتِعْمالِهِ في كُلِّ كَلامٍ، فَهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] اسْتِثْناءٌ في واجِبٍ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ في حُكْمِ الشَرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: "إنْ شاءَ اللهُ"، فَلَيْسَ يَحْتاجُ إلى أنْ يُوصَفَ بِمُتَّصِلٍ ولا بِمُنْقَطِعِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن طُولِ المُدَّةِ، وذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ مِن أنَّ جَهَنَّمَ تُخَرَّبُ ويُعْدَمُ أهْلُها وتُغْلَقُ أبْوابُها، فَهم -عَلى هَذا- يَخْلُدُونَ حَتّى يَصِيرَ أمْرُهم إلى هَذا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ، والَّذِي رُوِيَ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ إنَّما هو الدَرْكُ الأعْلى المُخْتَصُّ بِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، وهو الَّذِي يُسَمّى جَهَنَّمَ، وسُمِّيَ الكُلُّ بِهِ تَجَوُّزًا. وقِيلَ: إنَّما اسْتُثْنى ما يَلْطُفُ اللهُ تَعالى بِهِ لِلْعُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ في إخْراجِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ النارِ، فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ أيْ: لِقَوْمٍ ما، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والضَحّاكِ، وأبِي سِنانَ، وغَيْرِهِمْ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ عامًّا في الكَفَرَةِ والعُصاةِ كَما قَدَّمْنا، ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن ﴿خالِدِينَ﴾، وقِيلَ: "إلّا" بِمَعْنى الواوِ، فَمَعْنى الآيَةِ: "وَما شاءَ اللهُ زائِدًا عَلى ذَلِكَ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٢١) ؎ وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا البَيْتُ يَصِحُّ الِاسْتِشْهادُ بِهِ عَلى مُعْتَقَدِنا في فَناءِ الفَرْقَدَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ العالَمِ، وأمّا إنْ كانَ قائِلُهُ مِن دَهْرِيَّةِ العَرَبِ فَلا حُجَّةَ فِيهِ، إذْ يَرى ذَلِكَ مُؤَبَّدًا فَأجْرى "إلّا" عَلى بابِها. وقِيلَ: "إلّا" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى سِوى، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، كَما تَقُولُ: "لِي عِنْدَكَ ألْفا دِرْهَمٍ، إلّا الألْفَ الَّتِي كُنْتُ أسْلَفْتُكَ "، بِمَعْنى: سِوى تِلْكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ سِوى ما شاءَ اللهُ زائِدًا عَلى ذَلِكَ"، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءَ، فَإنَّهُ يُقَدِّرُ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ بِ "سِوى"، وسِيبَوَيْهِ يُقَدِّرُهُ بِـ "لَكِنْ"، وقِيلَ: "سِوى ما أعَدَّهُ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ مِمّا لا يُعْرَفُ كالزَمْهَرِيرِ ونَحْوِهِ"، وقِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ السَماواتِ والأرْضِ، المُدَّةِ الَّتِي فَرَطَتْ لَهم في الحَياةِ الدُنْيا، وقِيلَ: في البَرْزَخِ بَيْنَ الدُنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: في المَسافاتِ الَّتِي بَيْنَهم في دُخُولِ النارِ، إذْ دُخُولُهم إنَّما هو زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَفِي النارِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: "إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن تَأْخِيرٍ عن ذَلِكَ"، وهَذا قَوْلٌ رَواهُ أبُو نَضْرَةَ عن جابِرٍ أو عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، ثُمَّ أخْبَرَ مُنَبِّهًا عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ- "سَعِدُوا" بِفَتْحِ السِينِ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في (p-٢٢)رِوايَةِ حَفْصٍ-: "سُعِدُوا" بِضَمِّ السِينِ، وهي شاذَّةٌ ولا حُجَّةَ في قَوْلِهِمْ: "مَسْعُودٌ"، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أسْعَدَ عَلى حَذْفِ الزِيادَةِ، كَما يُقالُ: مَحْبُوبٌ، مِن أحَبَّ، ومَجْنُونٌ مِن أجَنَّهُ اللهُ، وقَدْ قِيلَ في مَسْعُودٍ: إنَّما أصْلُهُ الوَصْفُ لِلْمَكانِ، يُقالُ: مَكانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ ثُمَّ نُقِلَ إلى التَسْمِيَةِ بِهِ، وذُكِرَ أنَّ الفَرّاءَ حَكى أنْ هُذَيْلًا تَقُولُ: سَعَدَهُ اللهُ، بِمَعْنى: أسْعَدَهُ، وبِضَمِّ السِينِ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ. والأقْوالُ المُتَرَتِّبَةُ في اسْتِثْناءِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ تَتَرَتَّبُ هاهُنا إلّا تَأْوِيلَ مَن قالَ: "هُوَ اسْتِثْناءُ المُدَّةِ الَّتِي تُخَرَّبُ فِيها جَهَنَّمُ"، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ويَزِيدُ هُنا قَوْلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ في المُدَّةِ الَّتِي يُقِيمُها العُصاةُ في النارِ، ولا يَتَرَتَّبُ أيْضًا تَأْوِيلُ مَن قالَ في تِلْكَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ هو مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفِي النارِ﴾. وقَوْلُهُ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، و المَجْذُوذُ: المَقْطُوعُ، والجَذُّ: القَطْعُ، وكَذَلِكَ الجَدُّ، وكَذَلِكَ (الحَزُّ).

هود 11:108

(p-١٩)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبُّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ شَقُوا﴾ -عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ في الِاسْتِثْناءِ الَّذِي في آخِرِ الآيَةِ -يُرادُ بِهِ كُلُّ مَن يُعَذَّبُ مِن كافِرٍ وعاصٍ، وعَلى بَعْضِها- كُلُّ مَن يُخَلَّدُ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الكَفَرَةِ خاصَّةً. والزَفِيرُ: صَوْتٌ شَدِيدٌ خاصٌّ بِالمَحْزُونِ أوِ الوَجَعِ أوِ المُعَذَّبِ ونَحْوِهِ، والشَهِيقُ كَذَلِكَ، كَما يَفْعَلُ الباكِي الَّذِي يَصِيحُ خِلالَ بُكائِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الزَفِيرُ: صَوْتٌ حادٌّ. و الشَهِيقُ: صَوْتٌ ثَقِيلٌ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الزَفِيرُ مِنَ الصَدْرِ، و الشَهِيقُ مِنَ الحَلْقِ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، وقالَ قَتادَةُ: الزَفِيرُ: أوَّلُ صَوْتِ الحِمارِ، و الشَهِيقُ: آخِرُهُ، فَصِياحُ أهْلِ النارِ كَذَلِكَ، وقِيلَ: الزَفِيرُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الزَفْرِ وهو الشِدَّةُ، و الشَهِيقُ: مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شاهِقٌ أيْ عالٍ، فَهُما -عَلى هَذا المَعْنى- واحِدٌ أو مُتَقارِبٌ، والظاهِرُ ما قالَ أبُو العالِيَةِ، فَإنَّ الزَفْرَةَ هي الَّتِي يُعَظَّمُ مَعَها الصَدْرُ والجَوْفُ، والشَهْقَةُ هي الوَقْعَةُ الأخِيرَةُ مِنَ الصَوْتِ المُنْدَفِعِ مَعَها النَفَسُ أحْيانًا، فَقَدْ يَشْهَقُ المُحْتَضِرُ ويَشْهَقُ المَغْشِيُّ عَلَيْهِ. وأُمًّا قَوْلُهُ: ﴿ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ﴾ فَقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يُبَدِّلُ السَمَواتِ والأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَجْعَلُ الأرْضَ مَكانًا لِجَهَنَّمَ والسَماءَ مَكانًا لِلْجَنَّةِ، ويَتَأبَّدُ ذَلِكَ، فَقَرَنَتِ الآيَةُ خُلُودَ هَؤُلاءِ بِبَقاءِ هَذِهِ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللهَ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ مِن نُورِ العَرْشِ ثُمَّ يَرُدُّهُما إلى هُنالِكَ في الآخِرَةِ، فَلَهُما ثُمَّ بَقاءٌ دائِمٌ". وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ﴾ العِبارَةُ عن (p-٢٠)التَأْبِيدِ: بِما تَعْهَدُهُ العَرَبُ، وذَلِكَ أنَّ مِن فَصِيحِ كَلامِها إذا أرادَتْ أنْ تُخْبِرَ عن تَأْبِيدِ شَيْءٍ أنْ تَقُولَ: "لا أفْعَلُ كَذا وكَذا مَدى الدَهْرِ، وما ناحَ الحَمامُ، وما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ"، ونَحْوَ هَذا مِمّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِن غَيْرِ نِهايَةٍ، فَأفْهَمَهُمُ اللهُ تَعالى تَخْلِيدَ الكَفَرَةِ بِذَلِكَ، وإنْ كانَ قَدْ أخْبَرَ بِزَوالِ السَماواتِ والأرْضِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فَقِيلَ فِيهِ: إنْ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي نَدَبَ الشَرْعُ إلى اسْتِعْمالِهِ في كُلِّ كَلامٍ، فَهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] اسْتِثْناءٌ في واجِبٍ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ في حُكْمِ الشَرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: "إنْ شاءَ اللهُ"، فَلَيْسَ يَحْتاجُ إلى أنْ يُوصَفَ بِمُتَّصِلٍ ولا بِمُنْقَطِعِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن طُولِ المُدَّةِ، وذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ مِن أنَّ جَهَنَّمَ تُخَرَّبُ ويُعْدَمُ أهْلُها وتُغْلَقُ أبْوابُها، فَهم -عَلى هَذا- يَخْلُدُونَ حَتّى يَصِيرَ أمْرُهم إلى هَذا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ، والَّذِي رُوِيَ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ إنَّما هو الدَرْكُ الأعْلى المُخْتَصُّ بِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، وهو الَّذِي يُسَمّى جَهَنَّمَ، وسُمِّيَ الكُلُّ بِهِ تَجَوُّزًا. وقِيلَ: إنَّما اسْتُثْنى ما يَلْطُفُ اللهُ تَعالى بِهِ لِلْعُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ في إخْراجِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ النارِ، فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ أيْ: لِقَوْمٍ ما، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والضَحّاكِ، وأبِي سِنانَ، وغَيْرِهِمْ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ عامًّا في الكَفَرَةِ والعُصاةِ كَما قَدَّمْنا، ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن ﴿خالِدِينَ﴾، وقِيلَ: "إلّا" بِمَعْنى الواوِ، فَمَعْنى الآيَةِ: "وَما شاءَ اللهُ زائِدًا عَلى ذَلِكَ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٢١) ؎ وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا البَيْتُ يَصِحُّ الِاسْتِشْهادُ بِهِ عَلى مُعْتَقَدِنا في فَناءِ الفَرْقَدَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ العالَمِ، وأمّا إنْ كانَ قائِلُهُ مِن دَهْرِيَّةِ العَرَبِ فَلا حُجَّةَ فِيهِ، إذْ يَرى ذَلِكَ مُؤَبَّدًا فَأجْرى "إلّا" عَلى بابِها. وقِيلَ: "إلّا" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى سِوى، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، كَما تَقُولُ: "لِي عِنْدَكَ ألْفا دِرْهَمٍ، إلّا الألْفَ الَّتِي كُنْتُ أسْلَفْتُكَ "، بِمَعْنى: سِوى تِلْكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ سِوى ما شاءَ اللهُ زائِدًا عَلى ذَلِكَ"، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءَ، فَإنَّهُ يُقَدِّرُ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ بِ "سِوى"، وسِيبَوَيْهِ يُقَدِّرُهُ بِـ "لَكِنْ"، وقِيلَ: "سِوى ما أعَدَّهُ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ مِمّا لا يُعْرَفُ كالزَمْهَرِيرِ ونَحْوِهِ"، وقِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ السَماواتِ والأرْضِ، المُدَّةِ الَّتِي فَرَطَتْ لَهم في الحَياةِ الدُنْيا، وقِيلَ: في البَرْزَخِ بَيْنَ الدُنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: في المَسافاتِ الَّتِي بَيْنَهم في دُخُولِ النارِ، إذْ دُخُولُهم إنَّما هو زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَفِي النارِ﴾، كَأنَّهُ قالَ: "إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن تَأْخِيرٍ عن ذَلِكَ"، وهَذا قَوْلٌ رَواهُ أبُو نَضْرَةَ عن جابِرٍ أو عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، ثُمَّ أخْبَرَ مُنَبِّهًا عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ- "سَعِدُوا" بِفَتْحِ السِينِ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في (p-٢٢)رِوايَةِ حَفْصٍ-: "سُعِدُوا" بِضَمِّ السِينِ، وهي شاذَّةٌ ولا حُجَّةَ في قَوْلِهِمْ: "مَسْعُودٌ"، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أسْعَدَ عَلى حَذْفِ الزِيادَةِ، كَما يُقالُ: مَحْبُوبٌ، مِن أحَبَّ، ومَجْنُونٌ مِن أجَنَّهُ اللهُ، وقَدْ قِيلَ في مَسْعُودٍ: إنَّما أصْلُهُ الوَصْفُ لِلْمَكانِ، يُقالُ: مَكانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ ثُمَّ نُقِلَ إلى التَسْمِيَةِ بِهِ، وذُكِرَ أنَّ الفَرّاءَ حَكى أنْ هُذَيْلًا تَقُولُ: سَعَدَهُ اللهُ، بِمَعْنى: أسْعَدَهُ، وبِضَمِّ السِينِ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ. والأقْوالُ المُتَرَتِّبَةُ في اسْتِثْناءِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ تَتَرَتَّبُ هاهُنا إلّا تَأْوِيلَ مَن قالَ: "هُوَ اسْتِثْناءُ المُدَّةِ الَّتِي تُخَرَّبُ فِيها جَهَنَّمُ"، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ مِثْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ويَزِيدُ هُنا قَوْلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ في المُدَّةِ الَّتِي يُقِيمُها العُصاةُ في النارِ، ولا يَتَرَتَّبُ أيْضًا تَأْوِيلُ مَن قالَ في تِلْكَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ هو مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفِي النارِ﴾. وقَوْلُهُ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، و المَجْذُوذُ: المَقْطُوعُ، والجَذُّ: القَطْعُ، وكَذَلِكَ الجَدُّ، وكَذَلِكَ (الحَزُّ).

هود 11:109

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿وَإنَّ كُلا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ لَفْظُ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمَعْنى لَهُ ولِأُمَّتِهِ، ولَمْ يَقَعْ لِأحَدٍ شَكٌّ فَيَقَعْ عنهُ نَهْيٌ، ولَكِنْ مِن فَصاحَةِ القَوْلِ في بَيانِ ضَلالَةِ الكَفَرَةِ إخْراجَهُ في هَذِهِ العِبارَةِ، أيْ حالُهم أوضَحُ مِن أنْ يُمْتَرى فِيها، والمِرْيَةُ: الشَكُّ، و﴿هَؤُلاءِ﴾ إشارَةٌ إلى كُفّارِ العَرَبِ عَبَدَةِ الأصْنامِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ﴾ المَعْنى: أنَّهم مُقَلِّدُونَ (p-٢٣)لا بُرْهانَ عِنْدَهم ولا حُجَّةَ، وإنَّما عِبادَتُهم تَشَبُّهًا مِنهم بِآبائِهِمْ لا عن بَصِيرَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ وعِيدٌ، ومَعْناهُ: العُقُوبَةُ الَّتِي تَقْتَضِيها أعْمالُهُمْ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ أنَّ عَلى الأوَّلِينَ كِفْلًا مِن كُفْرِ الآخِرِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَمُوَفُّوهُمْ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "لَمُوفُوهُمْ" بِسُكُونِ الواوِ وتَخْفِيفِ الفاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ الآيَةُ. تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وذِكْرُ قِصَّةِ مُوسى مَثَلٌ لَهُ: أيْ: لا يَعْظُمُ عَلَيْكَ أمْرُ مَن كَذَّبَكُ فَهَذِهِ هي سِيرَةُ الأُمَمِ، فَقَدْ جاءَ مُوسى، بِكِتابٍ فاخْتَلَفَ الناسُ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ أُمَّةَ مُوسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنْ يَعُمَّهُمُ اللَفْظُ أحْسَنُ عِنْدِي، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإنَّ كُلا﴾ و"الكَلِمَةُ" هاهُنا عِبارَةٌ عَنِ الحُكْمِ والقَضاءِ، ومَعْنى ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: لَفُصِلَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ بِنَعِيمِ هَذا وعَذابِ هَذا. ووَصْفُ الشَكِّ بِالمُرِيبِ تَقْوِيَةٌ لِمَعْنى الشَكِّ. وقَرَأ الكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو: "وَإنَّ كُلًّا لَما" بِتَشْدِيدِ النُونِ وتَخْفِيفِ المِيمِ مِن "لَما"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ بِتَخْفِيفِهِما، وقَرَأ حَمْزَةُ بِتَشْدِيدِهِما، وكَذَلِكَ حَفَصٌ عن عاصِمٍ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - بِتَخْفِيفِ "إنْ" وتَشْدِيدِ المِيمِ مِن "لَمّا"، وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وسُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ: "وَإنَّ كُلًّا لَمًّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ وتَنْوِينِها، وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ: "وَإنْ كُلُّ لَمّا" بِتَخْفِيفِ "إنْ" ورَفْعِ "كُلُّ" وشَدِّ "لَمّا"، وكَذَلِكَ قَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ "لَما"، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإنْ كُلٌّ إلّا لِيُوَفِّيَنَّهُمْ"، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: الَّذِي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "وَإنْ مِن كُلٍّ إلّا لِيُوَفِّيَنَّهم أعْمالَهُمْ". فَأمّا الأوَّلُ فَ "إنَّ" فِيها عَلى بابِها، و "كُلًّا" اسْمُها، وعُرْفُها أنْ تَدْخُلَ عَلى (p-٢٤)خَبَرِها لامٌ، وفي الكَلامِ قَسَمٌ تَدْخُلُ لامُهُ أيْضًا عَلى خَبَرِ "إنَّ"، فَلَمّا اجْتَمَعَ لامانِ فُصِلَ بَيْنَهُما بِ "ما"، هَذا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾. وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" خَبَرَ "إنَّ"، وهي لِمَن يَعْقِلُ لِأنَّهُ مَوْضِعُ جِنْسٍ وصِنْفٍ، فَهي بِمَنزِلَةِ "مَن"، كَأنَّهُ قالَ: "وَإنَّ كُلًّا لَخَلْقٌ لِيُوَفِّيَنَّهُمْ"، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا واخْتارَهُ، أمّا إنَّهُ يَلْزَمُ القَوْلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَوْصُوفَةً إذْ هي نَكِرَةٌ، كَما قالُوا: مَرَرْتُ بِما مُعْجِبٍ لَكَ، ويَنْفَصِلُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ يَقُومُ مَعْناهُ مَقامَ الصِفَةِ، لِأنَّ المَعْنى: "وَإنَّ كُلًّا لَخَلْقٌ مُوَفّى عَمَلَهُ". وأمّا مَن خَفَّفَها -وَهِيَ القِراءَةُ الثانِيَةُ في تَرْتِيبِنا- فَحُكْمُ "إنْ" وهي مُخَفَّفَةٌ حُكْمُها مُثَقَّلَةٌ، وتِلْكَ لُغَةٌ فَصَيْحَةٌ، حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ الثِقَةَ أخْبَرَهُ: أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: "إنْ عَمْرًا لِمُنْطَلِقٌ"، وهو نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ ووَجْهٌ مُشْرِقُ النَحْرِ ∗∗∗ كَأنْ ثَدْيَيْهِ حُقّانِ رَواهُ أبُو زَيْدٍ، ويَكُونُ القَوْلُ في فَصْلِ "ما" بَيْنَ اللامَيْنِ حَسْبَما تَقَدَّمَ، ويَدْخُلُها القَوْلُ الآخَرُ مِن أنْ تَكُونَ "ما" خَبَرَ "إنْ". وأمّا مَن شَدَّدَها أو خَفَّفَ "إنْ" وشَدَّدَ المِيمَ فَفي قِراءَتَيْهِما إشْكالٌ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: "إنَّ "لَمّا" بِمَعْنى "إلّا"، كَما تَقُولُ: "سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا وكَذا" (p-٢٥)بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ "لَمّا" هَذِهِ لا تُفارِقُ القَسَمَ. وقالَ بَعْضُ الناسِ: أصْلُها "لَمَن ما" فَقُلِبَتِ النُونُ مِيمًا، وأُدْغِمَتْ في الَّتِي بَعْدَها فَبَقِيَ "لَمَمّا" فَحُذِفَتِ الأُولى تَخْفِيفًا لِاجْتِماعِ الأمْثِلَةِ، كَما قَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: والبَغْيِ يَعِظُكم بِهِ بِحَذْفِ الياءِ مَعَ الياءِ، وكَما قالَ الشاعِرُ: ؎ وأشْمَتَّ العُداةَ بِنا فَأضْحَوْا ∗∗∗ ∗∗∗ لَدىْ يَتَباشَرُونَ بِما لَقِينا قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا ضَعِيفٌ، وقَدِ اجْتَمَعَ في هَذِهِ السُورَةِ مِيماتٌ أكْثَرُ مِن هَذِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] ولَمْ يُدْغَمْ هُناكَ فَأحْرى ألّا يُدْغَمَ هُنا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ بَعْضُ الناسِ: أصْلُها "لَمَن ما"، فَ "مَن" خَبَرُ "إنَّ"، و "ما" زائِدَةٌ، وفي التَأْوِيلِ الَّذِي قَبْلَهُ أصْلُهُ: "لَمَن ما"، فَ "ما" هي الخَبَرُ دَخَلَتْ عَلَيْها "مِن" عَلى حَدِّ دُخُولِها في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِسانَ مِنَ الفَمِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لَمّا" أصْلُها "لَمًّا" مُنَوَّنَةً، والمَعْنى: وإنْ كُلًّا عامًّا حَصْرًا شَدِيدًا، (p-٢٦)فَهُوَ مَصْدَرُ: لَمَّ يَلُمُّ، كَما قالَ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُراثَ أكْلا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩]، أيْ: شَدِيدًا، قُلْتُ: ولَكِنَّهُ تَرَكَ تَنْوِينَهُ وصَرْفَهُ وبُنِيَ مِنهُ (فَعْلى) كَما فَعَلَ في [تَتْرىَ]، فَقُرِئَ: "تَتْرا". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، حُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ وجْهَ التَثْقِيلِ في "لَمّا". قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأمّا مَن قَرَأ "لَمّا" بِالتَنْوِينِ وشَدِّ المِيمِ فَواضِحُ الوَجْهِ كَما بَيَّنّا. وأمّا مَن قَرَأ: "وَإنْ كُلٌّ لَما" فَهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، وحَقُّها في أكْثَرِ لِسانِ العَرَبِ - أنْ يَرْتَفِعَ ما بَعْدَها، و "لَما" هُنا بِمَعْنى "إلّا"، كَما قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، ومَن قَرَأ "إلّا" مُصَرَّحَةً فَمَعْنى قِراءَتِهِ واضِحٌ. وهَذِهِ الآيَةُ وعِيدٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَعْمَلُونَ" بِياءٍ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "تَعْمَلُونَ" بِتاءٍ عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ.

هود 11:110

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿وَإنَّ كُلا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ لَفْظُ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمَعْنى لَهُ ولِأُمَّتِهِ، ولَمْ يَقَعْ لِأحَدٍ شَكٌّ فَيَقَعْ عنهُ نَهْيٌ، ولَكِنْ مِن فَصاحَةِ القَوْلِ في بَيانِ ضَلالَةِ الكَفَرَةِ إخْراجَهُ في هَذِهِ العِبارَةِ، أيْ حالُهم أوضَحُ مِن أنْ يُمْتَرى فِيها، والمِرْيَةُ: الشَكُّ، و﴿هَؤُلاءِ﴾ إشارَةٌ إلى كُفّارِ العَرَبِ عَبَدَةِ الأصْنامِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ﴾ المَعْنى: أنَّهم مُقَلِّدُونَ (p-٢٣)لا بُرْهانَ عِنْدَهم ولا حُجَّةَ، وإنَّما عِبادَتُهم تَشَبُّهًا مِنهم بِآبائِهِمْ لا عن بَصِيرَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ وعِيدٌ، ومَعْناهُ: العُقُوبَةُ الَّتِي تَقْتَضِيها أعْمالُهُمْ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ أنَّ عَلى الأوَّلِينَ كِفْلًا مِن كُفْرِ الآخِرِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَمُوَفُّوهُمْ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "لَمُوفُوهُمْ" بِسُكُونِ الواوِ وتَخْفِيفِ الفاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ الآيَةُ. تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وذِكْرُ قِصَّةِ مُوسى مَثَلٌ لَهُ: أيْ: لا يَعْظُمُ عَلَيْكَ أمْرُ مَن كَذَّبَكُ فَهَذِهِ هي سِيرَةُ الأُمَمِ، فَقَدْ جاءَ مُوسى، بِكِتابٍ فاخْتَلَفَ الناسُ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ أُمَّةَ مُوسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنْ يَعُمَّهُمُ اللَفْظُ أحْسَنُ عِنْدِي، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإنَّ كُلا﴾ و"الكَلِمَةُ" هاهُنا عِبارَةٌ عَنِ الحُكْمِ والقَضاءِ، ومَعْنى ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: لَفُصِلَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ بِنَعِيمِ هَذا وعَذابِ هَذا. ووَصْفُ الشَكِّ بِالمُرِيبِ تَقْوِيَةٌ لِمَعْنى الشَكِّ. وقَرَأ الكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو: "وَإنَّ كُلًّا لَما" بِتَشْدِيدِ النُونِ وتَخْفِيفِ المِيمِ مِن "لَما"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ بِتَخْفِيفِهِما، وقَرَأ حَمْزَةُ بِتَشْدِيدِهِما، وكَذَلِكَ حَفَصٌ عن عاصِمٍ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - بِتَخْفِيفِ "إنْ" وتَشْدِيدِ المِيمِ مِن "لَمّا"، وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وسُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ: "وَإنَّ كُلًّا لَمًّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ وتَنْوِينِها، وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ: "وَإنْ كُلُّ لَمّا" بِتَخْفِيفِ "إنْ" ورَفْعِ "كُلُّ" وشَدِّ "لَمّا"، وكَذَلِكَ قَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ "لَما"، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإنْ كُلٌّ إلّا لِيُوَفِّيَنَّهُمْ"، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: الَّذِي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "وَإنْ مِن كُلٍّ إلّا لِيُوَفِّيَنَّهم أعْمالَهُمْ". فَأمّا الأوَّلُ فَ "إنَّ" فِيها عَلى بابِها، و "كُلًّا" اسْمُها، وعُرْفُها أنْ تَدْخُلَ عَلى (p-٢٤)خَبَرِها لامٌ، وفي الكَلامِ قَسَمٌ تَدْخُلُ لامُهُ أيْضًا عَلى خَبَرِ "إنَّ"، فَلَمّا اجْتَمَعَ لامانِ فُصِلَ بَيْنَهُما بِ "ما"، هَذا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾. وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" خَبَرَ "إنَّ"، وهي لِمَن يَعْقِلُ لِأنَّهُ مَوْضِعُ جِنْسٍ وصِنْفٍ، فَهي بِمَنزِلَةِ "مَن"، كَأنَّهُ قالَ: "وَإنَّ كُلًّا لَخَلْقٌ لِيُوَفِّيَنَّهُمْ"، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا واخْتارَهُ، أمّا إنَّهُ يَلْزَمُ القَوْلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَوْصُوفَةً إذْ هي نَكِرَةٌ، كَما قالُوا: مَرَرْتُ بِما مُعْجِبٍ لَكَ، ويَنْفَصِلُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ يَقُومُ مَعْناهُ مَقامَ الصِفَةِ، لِأنَّ المَعْنى: "وَإنَّ كُلًّا لَخَلْقٌ مُوَفّى عَمَلَهُ". وأمّا مَن خَفَّفَها -وَهِيَ القِراءَةُ الثانِيَةُ في تَرْتِيبِنا- فَحُكْمُ "إنْ" وهي مُخَفَّفَةٌ حُكْمُها مُثَقَّلَةٌ، وتِلْكَ لُغَةٌ فَصَيْحَةٌ، حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ الثِقَةَ أخْبَرَهُ: أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: "إنْ عَمْرًا لِمُنْطَلِقٌ"، وهو نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ ووَجْهٌ مُشْرِقُ النَحْرِ ∗∗∗ كَأنْ ثَدْيَيْهِ حُقّانِ رَواهُ أبُو زَيْدٍ، ويَكُونُ القَوْلُ في فَصْلِ "ما" بَيْنَ اللامَيْنِ حَسْبَما تَقَدَّمَ، ويَدْخُلُها القَوْلُ الآخَرُ مِن أنْ تَكُونَ "ما" خَبَرَ "إنْ". وأمّا مَن شَدَّدَها أو خَفَّفَ "إنْ" وشَدَّدَ المِيمَ فَفي قِراءَتَيْهِما إشْكالٌ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: "إنَّ "لَمّا" بِمَعْنى "إلّا"، كَما تَقُولُ: "سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا وكَذا" (p-٢٥)بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ "لَمّا" هَذِهِ لا تُفارِقُ القَسَمَ. وقالَ بَعْضُ الناسِ: أصْلُها "لَمَن ما" فَقُلِبَتِ النُونُ مِيمًا، وأُدْغِمَتْ في الَّتِي بَعْدَها فَبَقِيَ "لَمَمّا" فَحُذِفَتِ الأُولى تَخْفِيفًا لِاجْتِماعِ الأمْثِلَةِ، كَما قَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: والبَغْيِ يَعِظُكم بِهِ بِحَذْفِ الياءِ مَعَ الياءِ، وكَما قالَ الشاعِرُ: ؎ وأشْمَتَّ العُداةَ بِنا فَأضْحَوْا ∗∗∗ ∗∗∗ لَدىْ يَتَباشَرُونَ بِما لَقِينا قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا ضَعِيفٌ، وقَدِ اجْتَمَعَ في هَذِهِ السُورَةِ مِيماتٌ أكْثَرُ مِن هَذِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] ولَمْ يُدْغَمْ هُناكَ فَأحْرى ألّا يُدْغَمَ هُنا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ بَعْضُ الناسِ: أصْلُها "لَمَن ما"، فَ "مَن" خَبَرُ "إنَّ"، و "ما" زائِدَةٌ، وفي التَأْوِيلِ الَّذِي قَبْلَهُ أصْلُهُ: "لَمَن ما"، فَ "ما" هي الخَبَرُ دَخَلَتْ عَلَيْها "مِن" عَلى حَدِّ دُخُولِها في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِسانَ مِنَ الفَمِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لَمّا" أصْلُها "لَمًّا" مُنَوَّنَةً، والمَعْنى: وإنْ كُلًّا عامًّا حَصْرًا شَدِيدًا، (p-٢٦)فَهُوَ مَصْدَرُ: لَمَّ يَلُمُّ، كَما قالَ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُراثَ أكْلا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩]، أيْ: شَدِيدًا، قُلْتُ: ولَكِنَّهُ تَرَكَ تَنْوِينَهُ وصَرْفَهُ وبُنِيَ مِنهُ (فَعْلى) كَما فَعَلَ في [تَتْرىَ]، فَقُرِئَ: "تَتْرا". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، حُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ وجْهَ التَثْقِيلِ في "لَمّا". قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأمّا مَن قَرَأ "لَمّا" بِالتَنْوِينِ وشَدِّ المِيمِ فَواضِحُ الوَجْهِ كَما بَيَّنّا. وأمّا مَن قَرَأ: "وَإنْ كُلٌّ لَما" فَهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، وحَقُّها في أكْثَرِ لِسانِ العَرَبِ - أنْ يَرْتَفِعَ ما بَعْدَها، و "لَما" هُنا بِمَعْنى "إلّا"، كَما قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، ومَن قَرَأ "إلّا" مُصَرَّحَةً فَمَعْنى قِراءَتِهِ واضِحٌ. وهَذِهِ الآيَةُ وعِيدٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَعْمَلُونَ" بِياءٍ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "تَعْمَلُونَ" بِتاءٍ عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ.

هود 11:111

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿وَإنَّ كُلا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ لَفْظُ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمَعْنى لَهُ ولِأُمَّتِهِ، ولَمْ يَقَعْ لِأحَدٍ شَكٌّ فَيَقَعْ عنهُ نَهْيٌ، ولَكِنْ مِن فَصاحَةِ القَوْلِ في بَيانِ ضَلالَةِ الكَفَرَةِ إخْراجَهُ في هَذِهِ العِبارَةِ، أيْ حالُهم أوضَحُ مِن أنْ يُمْتَرى فِيها، والمِرْيَةُ: الشَكُّ، و﴿هَؤُلاءِ﴾ إشارَةٌ إلى كُفّارِ العَرَبِ عَبَدَةِ الأصْنامِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ﴾ المَعْنى: أنَّهم مُقَلِّدُونَ (p-٢٣)لا بُرْهانَ عِنْدَهم ولا حُجَّةَ، وإنَّما عِبادَتُهم تَشَبُّهًا مِنهم بِآبائِهِمْ لا عن بَصِيرَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ وعِيدٌ، ومَعْناهُ: العُقُوبَةُ الَّتِي تَقْتَضِيها أعْمالُهُمْ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ أنَّ عَلى الأوَّلِينَ كِفْلًا مِن كُفْرِ الآخِرِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَمُوَفُّوهُمْ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "لَمُوفُوهُمْ" بِسُكُونِ الواوِ وتَخْفِيفِ الفاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ الآيَةُ. تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وذِكْرُ قِصَّةِ مُوسى مَثَلٌ لَهُ: أيْ: لا يَعْظُمُ عَلَيْكَ أمْرُ مَن كَذَّبَكُ فَهَذِهِ هي سِيرَةُ الأُمَمِ، فَقَدْ جاءَ مُوسى، بِكِتابٍ فاخْتَلَفَ الناسُ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ أُمَّةَ مُوسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنْ يَعُمَّهُمُ اللَفْظُ أحْسَنُ عِنْدِي، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإنَّ كُلا﴾ و"الكَلِمَةُ" هاهُنا عِبارَةٌ عَنِ الحُكْمِ والقَضاءِ، ومَعْنى ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: لَفُصِلَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ بِنَعِيمِ هَذا وعَذابِ هَذا. ووَصْفُ الشَكِّ بِالمُرِيبِ تَقْوِيَةٌ لِمَعْنى الشَكِّ. وقَرَأ الكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو: "وَإنَّ كُلًّا لَما" بِتَشْدِيدِ النُونِ وتَخْفِيفِ المِيمِ مِن "لَما"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ بِتَخْفِيفِهِما، وقَرَأ حَمْزَةُ بِتَشْدِيدِهِما، وكَذَلِكَ حَفَصٌ عن عاصِمٍ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - بِتَخْفِيفِ "إنْ" وتَشْدِيدِ المِيمِ مِن "لَمّا"، وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وسُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ: "وَإنَّ كُلًّا لَمًّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ وتَنْوِينِها، وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ: "وَإنْ كُلُّ لَمّا" بِتَخْفِيفِ "إنْ" ورَفْعِ "كُلُّ" وشَدِّ "لَمّا"، وكَذَلِكَ قَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ "لَما"، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإنْ كُلٌّ إلّا لِيُوَفِّيَنَّهُمْ"، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: الَّذِي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "وَإنْ مِن كُلٍّ إلّا لِيُوَفِّيَنَّهم أعْمالَهُمْ". فَأمّا الأوَّلُ فَ "إنَّ" فِيها عَلى بابِها، و "كُلًّا" اسْمُها، وعُرْفُها أنْ تَدْخُلَ عَلى (p-٢٤)خَبَرِها لامٌ، وفي الكَلامِ قَسَمٌ تَدْخُلُ لامُهُ أيْضًا عَلى خَبَرِ "إنَّ"، فَلَمّا اجْتَمَعَ لامانِ فُصِلَ بَيْنَهُما بِ "ما"، هَذا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾. وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" خَبَرَ "إنَّ"، وهي لِمَن يَعْقِلُ لِأنَّهُ مَوْضِعُ جِنْسٍ وصِنْفٍ، فَهي بِمَنزِلَةِ "مَن"، كَأنَّهُ قالَ: "وَإنَّ كُلًّا لَخَلْقٌ لِيُوَفِّيَنَّهُمْ"، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا واخْتارَهُ، أمّا إنَّهُ يَلْزَمُ القَوْلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَوْصُوفَةً إذْ هي نَكِرَةٌ، كَما قالُوا: مَرَرْتُ بِما مُعْجِبٍ لَكَ، ويَنْفَصِلُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ يَقُومُ مَعْناهُ مَقامَ الصِفَةِ، لِأنَّ المَعْنى: "وَإنَّ كُلًّا لَخَلْقٌ مُوَفّى عَمَلَهُ". وأمّا مَن خَفَّفَها -وَهِيَ القِراءَةُ الثانِيَةُ في تَرْتِيبِنا- فَحُكْمُ "إنْ" وهي مُخَفَّفَةٌ حُكْمُها مُثَقَّلَةٌ، وتِلْكَ لُغَةٌ فَصَيْحَةٌ، حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ الثِقَةَ أخْبَرَهُ: أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: "إنْ عَمْرًا لِمُنْطَلِقٌ"، وهو نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ ووَجْهٌ مُشْرِقُ النَحْرِ ∗∗∗ كَأنْ ثَدْيَيْهِ حُقّانِ رَواهُ أبُو زَيْدٍ، ويَكُونُ القَوْلُ في فَصْلِ "ما" بَيْنَ اللامَيْنِ حَسْبَما تَقَدَّمَ، ويَدْخُلُها القَوْلُ الآخَرُ مِن أنْ تَكُونَ "ما" خَبَرَ "إنْ". وأمّا مَن شَدَّدَها أو خَفَّفَ "إنْ" وشَدَّدَ المِيمَ فَفي قِراءَتَيْهِما إشْكالٌ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: "إنَّ "لَمّا" بِمَعْنى "إلّا"، كَما تَقُولُ: "سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا وكَذا" (p-٢٥)بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ "لَمّا" هَذِهِ لا تُفارِقُ القَسَمَ. وقالَ بَعْضُ الناسِ: أصْلُها "لَمَن ما" فَقُلِبَتِ النُونُ مِيمًا، وأُدْغِمَتْ في الَّتِي بَعْدَها فَبَقِيَ "لَمَمّا" فَحُذِفَتِ الأُولى تَخْفِيفًا لِاجْتِماعِ الأمْثِلَةِ، كَما قَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: والبَغْيِ يَعِظُكم بِهِ بِحَذْفِ الياءِ مَعَ الياءِ، وكَما قالَ الشاعِرُ: ؎ وأشْمَتَّ العُداةَ بِنا فَأضْحَوْا ∗∗∗ ∗∗∗ لَدىْ يَتَباشَرُونَ بِما لَقِينا قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا ضَعِيفٌ، وقَدِ اجْتَمَعَ في هَذِهِ السُورَةِ مِيماتٌ أكْثَرُ مِن هَذِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] ولَمْ يُدْغَمْ هُناكَ فَأحْرى ألّا يُدْغَمَ هُنا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ بَعْضُ الناسِ: أصْلُها "لَمَن ما"، فَ "مَن" خَبَرُ "إنَّ"، و "ما" زائِدَةٌ، وفي التَأْوِيلِ الَّذِي قَبْلَهُ أصْلُهُ: "لَمَن ما"، فَ "ما" هي الخَبَرُ دَخَلَتْ عَلَيْها "مِن" عَلى حَدِّ دُخُولِها في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِسانَ مِنَ الفَمِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لَمّا" أصْلُها "لَمًّا" مُنَوَّنَةً، والمَعْنى: وإنْ كُلًّا عامًّا حَصْرًا شَدِيدًا، (p-٢٦)فَهُوَ مَصْدَرُ: لَمَّ يَلُمُّ، كَما قالَ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُراثَ أكْلا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩]، أيْ: شَدِيدًا، قُلْتُ: ولَكِنَّهُ تَرَكَ تَنْوِينَهُ وصَرْفَهُ وبُنِيَ مِنهُ (فَعْلى) كَما فَعَلَ في [تَتْرىَ]، فَقُرِئَ: "تَتْرا". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، حُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ وجْهَ التَثْقِيلِ في "لَمّا". قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأمّا مَن قَرَأ "لَمّا" بِالتَنْوِينِ وشَدِّ المِيمِ فَواضِحُ الوَجْهِ كَما بَيَّنّا. وأمّا مَن قَرَأ: "وَإنْ كُلٌّ لَما" فَهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، وحَقُّها في أكْثَرِ لِسانِ العَرَبِ - أنْ يَرْتَفِعَ ما بَعْدَها، و "لَما" هُنا بِمَعْنى "إلّا"، كَما قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، ومَن قَرَأ "إلّا" مُصَرَّحَةً فَمَعْنى قِراءَتِهِ واضِحٌ. وهَذِهِ الآيَةُ وعِيدٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَعْمَلُونَ" بِياءٍ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "تَعْمَلُونَ" بِتاءٍ عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ.

هود 11:112

قوله عزّ وجلّ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النارُ وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أولِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَأقِمِ الصَلاةَ طَرَفَيِ النَهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أمْرُ النَبِيِّ ﷺ بِالِاسْتِقامَةِ وهو عَلَيْها إنَّما هو أمْرٌ بِالدَوامِ والثَباتِ، وهَذا كَما تَأْمُرُ إنْسانًا بِالمَشْيِ والأكْلِ ونَحْوِهُ وهو مُتَلَبِّسٌ بِهِ. والخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأصْحابِهِ الَّذِينَ تابُوا مِنَ الكُفْرِ، ولِسائِرِ أُمَّتِهِ بِالمَعْنى، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ رَأى النَبِيِّ ﷺ في النَوْمِ فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ بَلَغَنا عنكَ أنَّكَ قُلْتَ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ (p-٢٧)وَأخَواتُها"، فَما الَّذِي شَيَّبَكَ مِن هُودٍ؟ قالَ لَهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَأْوِيلُ المَشْهُورُ في قَوْلِهِ ﷺ: « "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها"» أنَّها إشارَةٌ إلى ما فِيها مِمّا حَلَّ بِالأُمَمِ السابِقَةِ، فَكانَ حَذَرُهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ مِثْلَ ذَلِكَ شَيَّبَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿أُمِرْتَ﴾ مُخاطَبَةُ تَعْظِيمٍ، وقَوْلُهُ: "وَمَن" مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ﴾، وحَسُنَ ذَلِكَ دُونَ أنْ يُؤَكَّدَ لِطُولِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَما أُمِرْتَ﴾. و﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ مَعْناهُ: ولا تَتَجاوَزُوا حُدُودَ اللهِ تَعالى، و الطُغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١]، وقَوْلُهُ في فِرْعَوْنَ: "إنَّهُ طَغى"، وقِيلَ في هَذِهِ: مَعْناهُ: ولا تُطْغِيَنَّكُمُ النِعَمُ، وهَذا كالأوَّلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَعْمَلُونَ" بِتاءٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: "يَعْمَلُونَ" بِياءٍ مِن تَحْتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا تَرْكَنُوا" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وقَتادَةُ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَمْرٍو، فِيما رَوى عنهُ هارُونُ - بِضَمِّها، وهو لُغَةٌ، يُقالُ: رَكِنَ يَرْكَنُ ورَكَنَ يَرْكُنُ، ومَعْناهُ السُكُونُ إلى الشَيْءِ والرِضا بِهِ، قالَ أبُو العالِيَةِ: (p-٢٨)الرُكُونُ: الرِضا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرُكُونُ: الإذْعانُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالرُكُونُ يَقَعُ عَلى قَلِيلِ هَذا المَعْنى وكَثِيرِهِ، والنَهْيُ هُنا يَتَرَتَّبُ مِن مَعْنى الرُكُونِ عَلى المَيْلِ إلَيْهِمْ بِالشِرْكِ مَعَهم إلى أقَلِّ الرُتَبِ مِن تَرْكِ التَغْيِيرِ عَلَيْهِمْ مَعَ القُدْرَةِ، و " الَّذِينَ ظَلَمُوا" هُنا هُمُ الكُفّارُ، وهو النَصُّ لِلْمُتَأوِّلِينَ، ويَدْخُلُ بِالمَعْنى أهْلُ المَعاصِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَتَمَسَّكُمُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وعَلْقَمَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، وحَمْزَةُ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "فَتِمَسَّكُمْ" بِكَسْرِ التاءِ، وهي لُغَةٌ في كَسْرِ العَلاماتِ الثَلاثِ دُونَ الياءِ الَّتِي لِلْغائِبِ، وقَدْ جاءَ في الياءِ "يِيجَلُ" و"يِيبىُ"، وعُلِّلَتْ هَذِهِ بِأنَّ الياءَ الَّتِي ولِيَتِ الأُولى رَدَّتْها إلى الكَسْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: " أقِمِ الصَلاةَ " الآيَةُ. لَمْ يَخْتَلِفْ أحَدٌ في أنَّ الصَلاةَ في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِها الصَلَواتُ المَفْرُوضَةُ، واخْتُلِفَ في "طَرَفَيِ النَهارِ وزُلَفِ اللَيْلِ" -فَقِيلَ: الطَرَفُ الأوَّلُ: الصُبْحُ، والثانِي: الظُهْرُ والعَصْرُ، والزُلَفُ: المَغْرِبُ والعَشاءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ. ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ في المَغْرِبِ والعِشاءِ: "هُما زُلْفَتا اللَيْلِ".» وقِيلَ: الطَرَفُ الأوَّلُ: الصُبْحُ، والثانِي: العَصْرُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ. والزُلَفُ: المَغْرِبُ والعِشاءُ، ولَيْسَتِ الظُهْرُ في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- بَلْ هي في غَيْرِها. وقِيلَ: الطَرَفانِ: الصُبْحُ والمَغْرِبُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ أيْضًا، والزُلَفُ: العِشاءُ، ولَيْسَتِ الظُهْرُ والعَصْرُ في الآيَةِ. وقِيلَ: الطَرَفانِ: الظَهْرُ والعَصْرُ، والزُلَفُ: المَغْرِبُ والعِشاءُ والصُبْحُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّ هَذا القائِلَ راعى جَهْرَ القِراءَةِ، والأوَّلُ أحْسَنُ هَذِهِ الأقْوالِ عِنْدِي، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ أنَّ الطَرَفَيْنِ: الصُبْحُ والمَغْرِبُ، وأنَّهُ الظاهِرُ إلّا أنَّ عُمُومَ الصَلَواتِ الخَمْسِ بِالآيَةِ أولى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُلَفًا" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، (p-٢٩)وَعِيسى، وابْنُ إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ: "زُلُفًا" بِضَمِّ اللامِ كَأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ، وقَرَأ "زُلْفًا" بِسُكُونِ اللامِ مُجاهِدٌ، وقَرَأ أيْضًا: "زُلْفى" عَلى وزْنِ "فُعْلى"، وهي قِراءَةُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والزُلَفُ: الساعاتُ القَرِيبُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: ؎ ناجٍ طَواهُ الأيْنُ مِمّا وجَفا طَيَّ اللَيالِي زُلَفًا فَزُلَفا ؎ سَماوَةَ الهِلالِ حَتّى احْقَوْقَفا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ﴾ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ مِن صَحابَةٍ وتابِعِينَ إلى أنَّ "الحَسَناتِ" يُرادُ بِها الصَلَواتُ الخَمْسُ، وإلى هَذِهِ الآيَةِ ذَهَبَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ عِنْدَ وُضُوئِهِ عَلى المَقاعِدِ، وهو تَأْوِيلُ مالِكٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَسَناتُ: قَوْلُ الرَجُلِ: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ إنَّما هو عَلى جِهَةِ المِثالِ في الحَسَناتِ، ومِن أجْلِ أنَّ الصَلَواتِ الخَمْسَ هي أعْظَمُ الأعْمالِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لَفْظٌ عامٌّ في الحَسَناتِ خاصٌّ في السَيِّئاتِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ".» ورُوِيَ «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، قِيلَ: هو أبُو اليُسْرِ بْنُ عَمْرٍو، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبّادٌ، خَلا بِامْرَأةٍ فَقَبَّلَها (p-٣٠)وَتَلَذَّذَ بِها فِيما دُونَ الجِماعِ، ثُمَّ جاءَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَشَكا إلَيْهِ، فَقالَ: قَدْ سَتَرَ اللهُ عَلَيْكَ فاسْتُرْ عَلى نَفْسِكَ، فَقَلِقَ الرَجُلُ فَجاءَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَشَكا إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ مِثْلَ مَقالَةِ عُمَرَ، فَقَلِقَ الرَجُلُ فَجاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَصَلّى مَعَهُ ثُمَّ أخْبَرَهُ وقالَ: اقْضِ فِيَّ ما شِئْتَ، فَقالَ الرَسُولُ ﷺ: لَعَلَّها زَوْجَةُ غازٍ في سَبِيلِ اللهِ، قالَ: نَعَمْ، فَوَبَّخَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقالَ: ما أدْرِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَدَعاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَتَلاها عَلَيْهِ، فَقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: يا رَسُولَ اللهِ، خاصَّةً؟ قالَ: بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً.» ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ كانَتْ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ واسْتَعْمَلَها رَسُولُ اللهِ ﷺ في ذَلِكَ الرَجُلِ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ ما حُكِيَ عن مُعاذٍ. ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "الجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، والصَلَواتُ الخَمْسُ، ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ- كَفّارَةٌ لِما بَيْنَها إنِ اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ".» فاخْتَلَفَ أهْلُ السُنَّةِ في تَأْوِيلِ هَذا الشَرْطِ في قَوْلِهِ: (إنِ اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ) - فَقالَ جُمْهُورُهُمْ: هو شَرْطٌ في مَعْنى الوَعْدِ كُلِّهِ، أيْ: إنِ اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ كانَتِ العِباداتُ المَذْكُورَةُ كَفّارَةً لِلذُّنُوبِ، فَإنْ لَمْ تُجْتَنَبْ لَمْ تُكَفِّرِ العِباداتُ شَيْئًا مِنَ الصَغائِرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: "إنِ اجْتُنِبَتْ" أيْ: هي الَّتِي لا تَحُطُّها العِباداتُ، فَإنَّما شَرَطَ ذَلِكَ لِيَصِحَّ بِشَرْطِهِ عُمُومُ قَوْلِهِ: "ما بَيْنَهُما"، وإنْ لَمْ تُجْتَنَبْ لَمْ تَحُطُّها العِباداتُ وحَطَّتِ الصَغائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِهَذا أقُولُ: وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَدِيثُ خُرُوجِ الخَطايا مَعَ قَطْرِ الماءِ (p-٣١)وَغَيْرُهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِشَرْطِ التَوْبَةِ مِن تِلْكَ الصَغائِرِ وعَدَمِ الإصْرارِ عَلَيْها، وهَذا نَصُّ الحُذّاقِ الأُصُولِيِّينَ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ تَجِيءُ هَذِهِ مَخْصُوصَةً في مُجْتَنِبِي الكَبائِرِ فَقَطْ. وقَوْلُهُ:" ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ، ووَصَفَها بِـ "ذِكْرى"، أيْ: هي سَبَبُ ذِكْرٍ ومَوْضِعُ ذِكْرى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ: إشارَةٌ إلى الإخْبارِ بِأنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الذِكْرى تَحُضُّ عَلى الحَسَناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي في هَذِهِ السُورَةِ، وهو تَفْسِيرُ الطَبَرِيِّ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالصَبْرِ. وجاءَتْ هَذِهِ الآياتُ في نَمَطٍ واحِدٍ: أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُوَفِّي جَمِيعَ الخَلائِقِ أعْمالَهُمُ، المُسِيءَ والمُحْسِنَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالِاسْتِقامَةِ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ، ثُمَّ أمَرَهُ بِإقامَةِ الصَلَواتِ ووَعَدَ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالصَبْرِ عَلى التَبْلِيغِ والمَكارِهِ في ذاتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ وعَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾.

هود 11:113

قوله عزّ وجلّ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النارُ وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أولِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَأقِمِ الصَلاةَ طَرَفَيِ النَهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أمْرُ النَبِيِّ ﷺ بِالِاسْتِقامَةِ وهو عَلَيْها إنَّما هو أمْرٌ بِالدَوامِ والثَباتِ، وهَذا كَما تَأْمُرُ إنْسانًا بِالمَشْيِ والأكْلِ ونَحْوِهُ وهو مُتَلَبِّسٌ بِهِ. والخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأصْحابِهِ الَّذِينَ تابُوا مِنَ الكُفْرِ، ولِسائِرِ أُمَّتِهِ بِالمَعْنى، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ رَأى النَبِيِّ ﷺ في النَوْمِ فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ بَلَغَنا عنكَ أنَّكَ قُلْتَ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ (p-٢٧)وَأخَواتُها"، فَما الَّذِي شَيَّبَكَ مِن هُودٍ؟ قالَ لَهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَأْوِيلُ المَشْهُورُ في قَوْلِهِ ﷺ: « "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها"» أنَّها إشارَةٌ إلى ما فِيها مِمّا حَلَّ بِالأُمَمِ السابِقَةِ، فَكانَ حَذَرُهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ مِثْلَ ذَلِكَ شَيَّبَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿أُمِرْتَ﴾ مُخاطَبَةُ تَعْظِيمٍ، وقَوْلُهُ: "وَمَن" مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ﴾، وحَسُنَ ذَلِكَ دُونَ أنْ يُؤَكَّدَ لِطُولِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَما أُمِرْتَ﴾. و﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ مَعْناهُ: ولا تَتَجاوَزُوا حُدُودَ اللهِ تَعالى، و الطُغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١]، وقَوْلُهُ في فِرْعَوْنَ: "إنَّهُ طَغى"، وقِيلَ في هَذِهِ: مَعْناهُ: ولا تُطْغِيَنَّكُمُ النِعَمُ، وهَذا كالأوَّلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَعْمَلُونَ" بِتاءٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: "يَعْمَلُونَ" بِياءٍ مِن تَحْتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا تَرْكَنُوا" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وقَتادَةُ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَمْرٍو، فِيما رَوى عنهُ هارُونُ - بِضَمِّها، وهو لُغَةٌ، يُقالُ: رَكِنَ يَرْكَنُ ورَكَنَ يَرْكُنُ، ومَعْناهُ السُكُونُ إلى الشَيْءِ والرِضا بِهِ، قالَ أبُو العالِيَةِ: (p-٢٨)الرُكُونُ: الرِضا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرُكُونُ: الإذْعانُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالرُكُونُ يَقَعُ عَلى قَلِيلِ هَذا المَعْنى وكَثِيرِهِ، والنَهْيُ هُنا يَتَرَتَّبُ مِن مَعْنى الرُكُونِ عَلى المَيْلِ إلَيْهِمْ بِالشِرْكِ مَعَهم إلى أقَلِّ الرُتَبِ مِن تَرْكِ التَغْيِيرِ عَلَيْهِمْ مَعَ القُدْرَةِ، و " الَّذِينَ ظَلَمُوا" هُنا هُمُ الكُفّارُ، وهو النَصُّ لِلْمُتَأوِّلِينَ، ويَدْخُلُ بِالمَعْنى أهْلُ المَعاصِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَتَمَسَّكُمُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وعَلْقَمَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، وحَمْزَةُ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "فَتِمَسَّكُمْ" بِكَسْرِ التاءِ، وهي لُغَةٌ في كَسْرِ العَلاماتِ الثَلاثِ دُونَ الياءِ الَّتِي لِلْغائِبِ، وقَدْ جاءَ في الياءِ "يِيجَلُ" و"يِيبىُ"، وعُلِّلَتْ هَذِهِ بِأنَّ الياءَ الَّتِي ولِيَتِ الأُولى رَدَّتْها إلى الكَسْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: " أقِمِ الصَلاةَ " الآيَةُ. لَمْ يَخْتَلِفْ أحَدٌ في أنَّ الصَلاةَ في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِها الصَلَواتُ المَفْرُوضَةُ، واخْتُلِفَ في "طَرَفَيِ النَهارِ وزُلَفِ اللَيْلِ" -فَقِيلَ: الطَرَفُ الأوَّلُ: الصُبْحُ، والثانِي: الظُهْرُ والعَصْرُ، والزُلَفُ: المَغْرِبُ والعَشاءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ. ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ في المَغْرِبِ والعِشاءِ: "هُما زُلْفَتا اللَيْلِ".» وقِيلَ: الطَرَفُ الأوَّلُ: الصُبْحُ، والثانِي: العَصْرُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ. والزُلَفُ: المَغْرِبُ والعِشاءُ، ولَيْسَتِ الظُهْرُ في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- بَلْ هي في غَيْرِها. وقِيلَ: الطَرَفانِ: الصُبْحُ والمَغْرِبُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ أيْضًا، والزُلَفُ: العِشاءُ، ولَيْسَتِ الظُهْرُ والعَصْرُ في الآيَةِ. وقِيلَ: الطَرَفانِ: الظَهْرُ والعَصْرُ، والزُلَفُ: المَغْرِبُ والعِشاءُ والصُبْحُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّ هَذا القائِلَ راعى جَهْرَ القِراءَةِ، والأوَّلُ أحْسَنُ هَذِهِ الأقْوالِ عِنْدِي، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ أنَّ الطَرَفَيْنِ: الصُبْحُ والمَغْرِبُ، وأنَّهُ الظاهِرُ إلّا أنَّ عُمُومَ الصَلَواتِ الخَمْسِ بِالآيَةِ أولى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُلَفًا" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، (p-٢٩)وَعِيسى، وابْنُ إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ: "زُلُفًا" بِضَمِّ اللامِ كَأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ، وقَرَأ "زُلْفًا" بِسُكُونِ اللامِ مُجاهِدٌ، وقَرَأ أيْضًا: "زُلْفى" عَلى وزْنِ "فُعْلى"، وهي قِراءَةُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والزُلَفُ: الساعاتُ القَرِيبُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: ؎ ناجٍ طَواهُ الأيْنُ مِمّا وجَفا طَيَّ اللَيالِي زُلَفًا فَزُلَفا ؎ سَماوَةَ الهِلالِ حَتّى احْقَوْقَفا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ﴾ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ مِن صَحابَةٍ وتابِعِينَ إلى أنَّ "الحَسَناتِ" يُرادُ بِها الصَلَواتُ الخَمْسُ، وإلى هَذِهِ الآيَةِ ذَهَبَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ عِنْدَ وُضُوئِهِ عَلى المَقاعِدِ، وهو تَأْوِيلُ مالِكٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَسَناتُ: قَوْلُ الرَجُلِ: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ إنَّما هو عَلى جِهَةِ المِثالِ في الحَسَناتِ، ومِن أجْلِ أنَّ الصَلَواتِ الخَمْسَ هي أعْظَمُ الأعْمالِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لَفْظٌ عامٌّ في الحَسَناتِ خاصٌّ في السَيِّئاتِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ".» ورُوِيَ «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، قِيلَ: هو أبُو اليُسْرِ بْنُ عَمْرٍو، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبّادٌ، خَلا بِامْرَأةٍ فَقَبَّلَها (p-٣٠)وَتَلَذَّذَ بِها فِيما دُونَ الجِماعِ، ثُمَّ جاءَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَشَكا إلَيْهِ، فَقالَ: قَدْ سَتَرَ اللهُ عَلَيْكَ فاسْتُرْ عَلى نَفْسِكَ، فَقَلِقَ الرَجُلُ فَجاءَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَشَكا إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ مِثْلَ مَقالَةِ عُمَرَ، فَقَلِقَ الرَجُلُ فَجاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَصَلّى مَعَهُ ثُمَّ أخْبَرَهُ وقالَ: اقْضِ فِيَّ ما شِئْتَ، فَقالَ الرَسُولُ ﷺ: لَعَلَّها زَوْجَةُ غازٍ في سَبِيلِ اللهِ، قالَ: نَعَمْ، فَوَبَّخَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقالَ: ما أدْرِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَدَعاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَتَلاها عَلَيْهِ، فَقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: يا رَسُولَ اللهِ، خاصَّةً؟ قالَ: بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً.» ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ كانَتْ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ واسْتَعْمَلَها رَسُولُ اللهِ ﷺ في ذَلِكَ الرَجُلِ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ ما حُكِيَ عن مُعاذٍ. ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "الجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، والصَلَواتُ الخَمْسُ، ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ- كَفّارَةٌ لِما بَيْنَها إنِ اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ".» فاخْتَلَفَ أهْلُ السُنَّةِ في تَأْوِيلِ هَذا الشَرْطِ في قَوْلِهِ: (إنِ اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ) - فَقالَ جُمْهُورُهُمْ: هو شَرْطٌ في مَعْنى الوَعْدِ كُلِّهِ، أيْ: إنِ اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ كانَتِ العِباداتُ المَذْكُورَةُ كَفّارَةً لِلذُّنُوبِ، فَإنْ لَمْ تُجْتَنَبْ لَمْ تُكَفِّرِ العِباداتُ شَيْئًا مِنَ الصَغائِرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: "إنِ اجْتُنِبَتْ" أيْ: هي الَّتِي لا تَحُطُّها العِباداتُ، فَإنَّما شَرَطَ ذَلِكَ لِيَصِحَّ بِشَرْطِهِ عُمُومُ قَوْلِهِ: "ما بَيْنَهُما"، وإنْ لَمْ تُجْتَنَبْ لَمْ تَحُطُّها العِباداتُ وحَطَّتِ الصَغائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِهَذا أقُولُ: وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَدِيثُ خُرُوجِ الخَطايا مَعَ قَطْرِ الماءِ (p-٣١)وَغَيْرُهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِشَرْطِ التَوْبَةِ مِن تِلْكَ الصَغائِرِ وعَدَمِ الإصْرارِ عَلَيْها، وهَذا نَصُّ الحُذّاقِ الأُصُولِيِّينَ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ تَجِيءُ هَذِهِ مَخْصُوصَةً في مُجْتَنِبِي الكَبائِرِ فَقَطْ. وقَوْلُهُ:" ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ، ووَصَفَها بِـ "ذِكْرى"، أيْ: هي سَبَبُ ذِكْرٍ ومَوْضِعُ ذِكْرى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ: إشارَةٌ إلى الإخْبارِ بِأنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الذِكْرى تَحُضُّ عَلى الحَسَناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي في هَذِهِ السُورَةِ، وهو تَفْسِيرُ الطَبَرِيِّ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالصَبْرِ. وجاءَتْ هَذِهِ الآياتُ في نَمَطٍ واحِدٍ: أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُوَفِّي جَمِيعَ الخَلائِقِ أعْمالَهُمُ، المُسِيءَ والمُحْسِنَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالِاسْتِقامَةِ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ، ثُمَّ أمَرَهُ بِإقامَةِ الصَلَواتِ ووَعَدَ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالصَبْرِ عَلى التَبْلِيغِ والمَكارِهِ في ذاتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ وعَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾.

هود 11:114

قوله عزّ وجلّ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النارُ وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أولِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَأقِمِ الصَلاةَ طَرَفَيِ النَهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أمْرُ النَبِيِّ ﷺ بِالِاسْتِقامَةِ وهو عَلَيْها إنَّما هو أمْرٌ بِالدَوامِ والثَباتِ، وهَذا كَما تَأْمُرُ إنْسانًا بِالمَشْيِ والأكْلِ ونَحْوِهُ وهو مُتَلَبِّسٌ بِهِ. والخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأصْحابِهِ الَّذِينَ تابُوا مِنَ الكُفْرِ، ولِسائِرِ أُمَّتِهِ بِالمَعْنى، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ رَأى النَبِيِّ ﷺ في النَوْمِ فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ بَلَغَنا عنكَ أنَّكَ قُلْتَ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ (p-٢٧)وَأخَواتُها"، فَما الَّذِي شَيَّبَكَ مِن هُودٍ؟ قالَ لَهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَأْوِيلُ المَشْهُورُ في قَوْلِهِ ﷺ: « "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها"» أنَّها إشارَةٌ إلى ما فِيها مِمّا حَلَّ بِالأُمَمِ السابِقَةِ، فَكانَ حَذَرُهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ مِثْلَ ذَلِكَ شَيَّبَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿أُمِرْتَ﴾ مُخاطَبَةُ تَعْظِيمٍ، وقَوْلُهُ: "وَمَن" مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ﴾، وحَسُنَ ذَلِكَ دُونَ أنْ يُؤَكَّدَ لِطُولِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَما أُمِرْتَ﴾. و﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ مَعْناهُ: ولا تَتَجاوَزُوا حُدُودَ اللهِ تَعالى، و الطُغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١]، وقَوْلُهُ في فِرْعَوْنَ: "إنَّهُ طَغى"، وقِيلَ في هَذِهِ: مَعْناهُ: ولا تُطْغِيَنَّكُمُ النِعَمُ، وهَذا كالأوَّلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَعْمَلُونَ" بِتاءٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: "يَعْمَلُونَ" بِياءٍ مِن تَحْتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا تَرْكَنُوا" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وقَتادَةُ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَمْرٍو، فِيما رَوى عنهُ هارُونُ - بِضَمِّها، وهو لُغَةٌ، يُقالُ: رَكِنَ يَرْكَنُ ورَكَنَ يَرْكُنُ، ومَعْناهُ السُكُونُ إلى الشَيْءِ والرِضا بِهِ، قالَ أبُو العالِيَةِ: (p-٢٨)الرُكُونُ: الرِضا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرُكُونُ: الإذْعانُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالرُكُونُ يَقَعُ عَلى قَلِيلِ هَذا المَعْنى وكَثِيرِهِ، والنَهْيُ هُنا يَتَرَتَّبُ مِن مَعْنى الرُكُونِ عَلى المَيْلِ إلَيْهِمْ بِالشِرْكِ مَعَهم إلى أقَلِّ الرُتَبِ مِن تَرْكِ التَغْيِيرِ عَلَيْهِمْ مَعَ القُدْرَةِ، و " الَّذِينَ ظَلَمُوا" هُنا هُمُ الكُفّارُ، وهو النَصُّ لِلْمُتَأوِّلِينَ، ويَدْخُلُ بِالمَعْنى أهْلُ المَعاصِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَتَمَسَّكُمُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وعَلْقَمَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، وحَمْزَةُ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "فَتِمَسَّكُمْ" بِكَسْرِ التاءِ، وهي لُغَةٌ في كَسْرِ العَلاماتِ الثَلاثِ دُونَ الياءِ الَّتِي لِلْغائِبِ، وقَدْ جاءَ في الياءِ "يِيجَلُ" و"يِيبىُ"، وعُلِّلَتْ هَذِهِ بِأنَّ الياءَ الَّتِي ولِيَتِ الأُولى رَدَّتْها إلى الكَسْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: " أقِمِ الصَلاةَ " الآيَةُ. لَمْ يَخْتَلِفْ أحَدٌ في أنَّ الصَلاةَ في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِها الصَلَواتُ المَفْرُوضَةُ، واخْتُلِفَ في "طَرَفَيِ النَهارِ وزُلَفِ اللَيْلِ" -فَقِيلَ: الطَرَفُ الأوَّلُ: الصُبْحُ، والثانِي: الظُهْرُ والعَصْرُ، والزُلَفُ: المَغْرِبُ والعَشاءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ. ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ في المَغْرِبِ والعِشاءِ: "هُما زُلْفَتا اللَيْلِ".» وقِيلَ: الطَرَفُ الأوَّلُ: الصُبْحُ، والثانِي: العَصْرُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ. والزُلَفُ: المَغْرِبُ والعِشاءُ، ولَيْسَتِ الظُهْرُ في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- بَلْ هي في غَيْرِها. وقِيلَ: الطَرَفانِ: الصُبْحُ والمَغْرِبُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ أيْضًا، والزُلَفُ: العِشاءُ، ولَيْسَتِ الظُهْرُ والعَصْرُ في الآيَةِ. وقِيلَ: الطَرَفانِ: الظَهْرُ والعَصْرُ، والزُلَفُ: المَغْرِبُ والعِشاءُ والصُبْحُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّ هَذا القائِلَ راعى جَهْرَ القِراءَةِ، والأوَّلُ أحْسَنُ هَذِهِ الأقْوالِ عِنْدِي، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ أنَّ الطَرَفَيْنِ: الصُبْحُ والمَغْرِبُ، وأنَّهُ الظاهِرُ إلّا أنَّ عُمُومَ الصَلَواتِ الخَمْسِ بِالآيَةِ أولى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُلَفًا" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، (p-٢٩)وَعِيسى، وابْنُ إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ: "زُلُفًا" بِضَمِّ اللامِ كَأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ، وقَرَأ "زُلْفًا" بِسُكُونِ اللامِ مُجاهِدٌ، وقَرَأ أيْضًا: "زُلْفى" عَلى وزْنِ "فُعْلى"، وهي قِراءَةُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والزُلَفُ: الساعاتُ القَرِيبُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: ؎ ناجٍ طَواهُ الأيْنُ مِمّا وجَفا طَيَّ اللَيالِي زُلَفًا فَزُلَفا ؎ سَماوَةَ الهِلالِ حَتّى احْقَوْقَفا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ﴾ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ مِن صَحابَةٍ وتابِعِينَ إلى أنَّ "الحَسَناتِ" يُرادُ بِها الصَلَواتُ الخَمْسُ، وإلى هَذِهِ الآيَةِ ذَهَبَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ عِنْدَ وُضُوئِهِ عَلى المَقاعِدِ، وهو تَأْوِيلُ مالِكٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَسَناتُ: قَوْلُ الرَجُلِ: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ إنَّما هو عَلى جِهَةِ المِثالِ في الحَسَناتِ، ومِن أجْلِ أنَّ الصَلَواتِ الخَمْسَ هي أعْظَمُ الأعْمالِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لَفْظٌ عامٌّ في الحَسَناتِ خاصٌّ في السَيِّئاتِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ".» ورُوِيَ «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، قِيلَ: هو أبُو اليُسْرِ بْنُ عَمْرٍو، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبّادٌ، خَلا بِامْرَأةٍ فَقَبَّلَها (p-٣٠)وَتَلَذَّذَ بِها فِيما دُونَ الجِماعِ، ثُمَّ جاءَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَشَكا إلَيْهِ، فَقالَ: قَدْ سَتَرَ اللهُ عَلَيْكَ فاسْتُرْ عَلى نَفْسِكَ، فَقَلِقَ الرَجُلُ فَجاءَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَشَكا إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ مِثْلَ مَقالَةِ عُمَرَ، فَقَلِقَ الرَجُلُ فَجاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَصَلّى مَعَهُ ثُمَّ أخْبَرَهُ وقالَ: اقْضِ فِيَّ ما شِئْتَ، فَقالَ الرَسُولُ ﷺ: لَعَلَّها زَوْجَةُ غازٍ في سَبِيلِ اللهِ، قالَ: نَعَمْ، فَوَبَّخَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقالَ: ما أدْرِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَدَعاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَتَلاها عَلَيْهِ، فَقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: يا رَسُولَ اللهِ، خاصَّةً؟ قالَ: بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً.» ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ كانَتْ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ واسْتَعْمَلَها رَسُولُ اللهِ ﷺ في ذَلِكَ الرَجُلِ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ ما حُكِيَ عن مُعاذٍ. ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "الجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، والصَلَواتُ الخَمْسُ، ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ- كَفّارَةٌ لِما بَيْنَها إنِ اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ".» فاخْتَلَفَ أهْلُ السُنَّةِ في تَأْوِيلِ هَذا الشَرْطِ في قَوْلِهِ: (إنِ اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ) - فَقالَ جُمْهُورُهُمْ: هو شَرْطٌ في مَعْنى الوَعْدِ كُلِّهِ، أيْ: إنِ اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ كانَتِ العِباداتُ المَذْكُورَةُ كَفّارَةً لِلذُّنُوبِ، فَإنْ لَمْ تُجْتَنَبْ لَمْ تُكَفِّرِ العِباداتُ شَيْئًا مِنَ الصَغائِرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: "إنِ اجْتُنِبَتْ" أيْ: هي الَّتِي لا تَحُطُّها العِباداتُ، فَإنَّما شَرَطَ ذَلِكَ لِيَصِحَّ بِشَرْطِهِ عُمُومُ قَوْلِهِ: "ما بَيْنَهُما"، وإنْ لَمْ تُجْتَنَبْ لَمْ تَحُطُّها العِباداتُ وحَطَّتِ الصَغائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِهَذا أقُولُ: وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَدِيثُ خُرُوجِ الخَطايا مَعَ قَطْرِ الماءِ (p-٣١)وَغَيْرُهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِشَرْطِ التَوْبَةِ مِن تِلْكَ الصَغائِرِ وعَدَمِ الإصْرارِ عَلَيْها، وهَذا نَصُّ الحُذّاقِ الأُصُولِيِّينَ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ تَجِيءُ هَذِهِ مَخْصُوصَةً في مُجْتَنِبِي الكَبائِرِ فَقَطْ. وقَوْلُهُ:" ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ، ووَصَفَها بِـ "ذِكْرى"، أيْ: هي سَبَبُ ذِكْرٍ ومَوْضِعُ ذِكْرى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ: إشارَةٌ إلى الإخْبارِ بِأنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الذِكْرى تَحُضُّ عَلى الحَسَناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي في هَذِهِ السُورَةِ، وهو تَفْسِيرُ الطَبَرِيِّ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالصَبْرِ. وجاءَتْ هَذِهِ الآياتُ في نَمَطٍ واحِدٍ: أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُوَفِّي جَمِيعَ الخَلائِقِ أعْمالَهُمُ، المُسِيءَ والمُحْسِنَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالِاسْتِقامَةِ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ، ثُمَّ أمَرَهُ بِإقامَةِ الصَلَواتِ ووَعَدَ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالصَبْرِ عَلى التَبْلِيغِ والمَكارِهِ في ذاتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ وعَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾.

هود 11:115

قوله عزّ وجلّ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النارُ وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أولِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَأقِمِ الصَلاةَ طَرَفَيِ النَهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أمْرُ النَبِيِّ ﷺ بِالِاسْتِقامَةِ وهو عَلَيْها إنَّما هو أمْرٌ بِالدَوامِ والثَباتِ، وهَذا كَما تَأْمُرُ إنْسانًا بِالمَشْيِ والأكْلِ ونَحْوِهُ وهو مُتَلَبِّسٌ بِهِ. والخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأصْحابِهِ الَّذِينَ تابُوا مِنَ الكُفْرِ، ولِسائِرِ أُمَّتِهِ بِالمَعْنى، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ رَأى النَبِيِّ ﷺ في النَوْمِ فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ بَلَغَنا عنكَ أنَّكَ قُلْتَ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ (p-٢٧)وَأخَواتُها"، فَما الَّذِي شَيَّبَكَ مِن هُودٍ؟ قالَ لَهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَأْوِيلُ المَشْهُورُ في قَوْلِهِ ﷺ: « "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها"» أنَّها إشارَةٌ إلى ما فِيها مِمّا حَلَّ بِالأُمَمِ السابِقَةِ، فَكانَ حَذَرُهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ مِثْلَ ذَلِكَ شَيَّبَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿أُمِرْتَ﴾ مُخاطَبَةُ تَعْظِيمٍ، وقَوْلُهُ: "وَمَن" مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ﴾، وحَسُنَ ذَلِكَ دُونَ أنْ يُؤَكَّدَ لِطُولِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَما أُمِرْتَ﴾. و﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ مَعْناهُ: ولا تَتَجاوَزُوا حُدُودَ اللهِ تَعالى، و الطُغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١]، وقَوْلُهُ في فِرْعَوْنَ: "إنَّهُ طَغى"، وقِيلَ في هَذِهِ: مَعْناهُ: ولا تُطْغِيَنَّكُمُ النِعَمُ، وهَذا كالأوَّلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَعْمَلُونَ" بِتاءٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: "يَعْمَلُونَ" بِياءٍ مِن تَحْتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا تَرْكَنُوا" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وقَتادَةُ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وأبُو عَمْرٍو، فِيما رَوى عنهُ هارُونُ - بِضَمِّها، وهو لُغَةٌ، يُقالُ: رَكِنَ يَرْكَنُ ورَكَنَ يَرْكُنُ، ومَعْناهُ السُكُونُ إلى الشَيْءِ والرِضا بِهِ، قالَ أبُو العالِيَةِ: (p-٢٨)الرُكُونُ: الرِضا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرُكُونُ: الإذْعانُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالرُكُونُ يَقَعُ عَلى قَلِيلِ هَذا المَعْنى وكَثِيرِهِ، والنَهْيُ هُنا يَتَرَتَّبُ مِن مَعْنى الرُكُونِ عَلى المَيْلِ إلَيْهِمْ بِالشِرْكِ مَعَهم إلى أقَلِّ الرُتَبِ مِن تَرْكِ التَغْيِيرِ عَلَيْهِمْ مَعَ القُدْرَةِ، و " الَّذِينَ ظَلَمُوا" هُنا هُمُ الكُفّارُ، وهو النَصُّ لِلْمُتَأوِّلِينَ، ويَدْخُلُ بِالمَعْنى أهْلُ المَعاصِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَتَمَسَّكُمُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وعَلْقَمَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، وحَمْزَةُ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "فَتِمَسَّكُمْ" بِكَسْرِ التاءِ، وهي لُغَةٌ في كَسْرِ العَلاماتِ الثَلاثِ دُونَ الياءِ الَّتِي لِلْغائِبِ، وقَدْ جاءَ في الياءِ "يِيجَلُ" و"يِيبىُ"، وعُلِّلَتْ هَذِهِ بِأنَّ الياءَ الَّتِي ولِيَتِ الأُولى رَدَّتْها إلى الكَسْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: " أقِمِ الصَلاةَ " الآيَةُ. لَمْ يَخْتَلِفْ أحَدٌ في أنَّ الصَلاةَ في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِها الصَلَواتُ المَفْرُوضَةُ، واخْتُلِفَ في "طَرَفَيِ النَهارِ وزُلَفِ اللَيْلِ" -فَقِيلَ: الطَرَفُ الأوَّلُ: الصُبْحُ، والثانِي: الظُهْرُ والعَصْرُ، والزُلَفُ: المَغْرِبُ والعَشاءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ. ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ في المَغْرِبِ والعِشاءِ: "هُما زُلْفَتا اللَيْلِ".» وقِيلَ: الطَرَفُ الأوَّلُ: الصُبْحُ، والثانِي: العَصْرُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ. والزُلَفُ: المَغْرِبُ والعِشاءُ، ولَيْسَتِ الظُهْرُ في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- بَلْ هي في غَيْرِها. وقِيلَ: الطَرَفانِ: الصُبْحُ والمَغْرِبُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ أيْضًا، والزُلَفُ: العِشاءُ، ولَيْسَتِ الظُهْرُ والعَصْرُ في الآيَةِ. وقِيلَ: الطَرَفانِ: الظَهْرُ والعَصْرُ، والزُلَفُ: المَغْرِبُ والعِشاءُ والصُبْحُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّ هَذا القائِلَ راعى جَهْرَ القِراءَةِ، والأوَّلُ أحْسَنُ هَذِهِ الأقْوالِ عِنْدِي، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ أنَّ الطَرَفَيْنِ: الصُبْحُ والمَغْرِبُ، وأنَّهُ الظاهِرُ إلّا أنَّ عُمُومَ الصَلَواتِ الخَمْسِ بِالآيَةِ أولى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُلَفًا" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، (p-٢٩)وَعِيسى، وابْنُ إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ: "زُلُفًا" بِضَمِّ اللامِ كَأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ، وقَرَأ "زُلْفًا" بِسُكُونِ اللامِ مُجاهِدٌ، وقَرَأ أيْضًا: "زُلْفى" عَلى وزْنِ "فُعْلى"، وهي قِراءَةُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والزُلَفُ: الساعاتُ القَرِيبُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: ؎ ناجٍ طَواهُ الأيْنُ مِمّا وجَفا طَيَّ اللَيالِي زُلَفًا فَزُلَفا ؎ سَماوَةَ الهِلالِ حَتّى احْقَوْقَفا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ﴾ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ مِن صَحابَةٍ وتابِعِينَ إلى أنَّ "الحَسَناتِ" يُرادُ بِها الصَلَواتُ الخَمْسُ، وإلى هَذِهِ الآيَةِ ذَهَبَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ عِنْدَ وُضُوئِهِ عَلى المَقاعِدِ، وهو تَأْوِيلُ مالِكٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَسَناتُ: قَوْلُ الرَجُلِ: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ إنَّما هو عَلى جِهَةِ المِثالِ في الحَسَناتِ، ومِن أجْلِ أنَّ الصَلَواتِ الخَمْسَ هي أعْظَمُ الأعْمالِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لَفْظٌ عامٌّ في الحَسَناتِ خاصٌّ في السَيِّئاتِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ".» ورُوِيَ «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، قِيلَ: هو أبُو اليُسْرِ بْنُ عَمْرٍو، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبّادٌ، خَلا بِامْرَأةٍ فَقَبَّلَها (p-٣٠)وَتَلَذَّذَ بِها فِيما دُونَ الجِماعِ، ثُمَّ جاءَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَشَكا إلَيْهِ، فَقالَ: قَدْ سَتَرَ اللهُ عَلَيْكَ فاسْتُرْ عَلى نَفْسِكَ، فَقَلِقَ الرَجُلُ فَجاءَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَشَكا إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ مِثْلَ مَقالَةِ عُمَرَ، فَقَلِقَ الرَجُلُ فَجاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَصَلّى مَعَهُ ثُمَّ أخْبَرَهُ وقالَ: اقْضِ فِيَّ ما شِئْتَ، فَقالَ الرَسُولُ ﷺ: لَعَلَّها زَوْجَةُ غازٍ في سَبِيلِ اللهِ، قالَ: نَعَمْ، فَوَبَّخَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقالَ: ما أدْرِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَدَعاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَتَلاها عَلَيْهِ، فَقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: يا رَسُولَ اللهِ، خاصَّةً؟ قالَ: بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً.» ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ كانَتْ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ واسْتَعْمَلَها رَسُولُ اللهِ ﷺ في ذَلِكَ الرَجُلِ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ ما حُكِيَ عن مُعاذٍ. ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "الجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، والصَلَواتُ الخَمْسُ، ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ- كَفّارَةٌ لِما بَيْنَها إنِ اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ".» فاخْتَلَفَ أهْلُ السُنَّةِ في تَأْوِيلِ هَذا الشَرْطِ في قَوْلِهِ: (إنِ اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ) - فَقالَ جُمْهُورُهُمْ: هو شَرْطٌ في مَعْنى الوَعْدِ كُلِّهِ، أيْ: إنِ اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ كانَتِ العِباداتُ المَذْكُورَةُ كَفّارَةً لِلذُّنُوبِ، فَإنْ لَمْ تُجْتَنَبْ لَمْ تُكَفِّرِ العِباداتُ شَيْئًا مِنَ الصَغائِرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: "إنِ اجْتُنِبَتْ" أيْ: هي الَّتِي لا تَحُطُّها العِباداتُ، فَإنَّما شَرَطَ ذَلِكَ لِيَصِحَّ بِشَرْطِهِ عُمُومُ قَوْلِهِ: "ما بَيْنَهُما"، وإنْ لَمْ تُجْتَنَبْ لَمْ تَحُطُّها العِباداتُ وحَطَّتِ الصَغائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِهَذا أقُولُ: وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَدِيثُ خُرُوجِ الخَطايا مَعَ قَطْرِ الماءِ (p-٣١)وَغَيْرُهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِشَرْطِ التَوْبَةِ مِن تِلْكَ الصَغائِرِ وعَدَمِ الإصْرارِ عَلَيْها، وهَذا نَصُّ الحُذّاقِ الأُصُولِيِّينَ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ تَجِيءُ هَذِهِ مَخْصُوصَةً في مُجْتَنِبِي الكَبائِرِ فَقَطْ. وقَوْلُهُ:" ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ، ووَصَفَها بِـ "ذِكْرى"، أيْ: هي سَبَبُ ذِكْرٍ ومَوْضِعُ ذِكْرى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ: إشارَةٌ إلى الإخْبارِ بِأنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الذِكْرى تَحُضُّ عَلى الحَسَناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي في هَذِهِ السُورَةِ، وهو تَفْسِيرُ الطَبَرِيِّ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالصَبْرِ. وجاءَتْ هَذِهِ الآياتُ في نَمَطٍ واحِدٍ: أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُوَفِّي جَمِيعَ الخَلائِقِ أعْمالَهُمُ، المُسِيءَ والمُحْسِنَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالِاسْتِقامَةِ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ، ثُمَّ أمَرَهُ بِإقامَةِ الصَلَواتِ ووَعَدَ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالصَبْرِ عَلى التَبْلِيغِ والمَكارِهِ في ذاتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ وعَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾.

هود 11:116

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِنَ قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ "فَلَوْلا" هي الَّتِي لِلتَّحْضِيضِ، لَكِنْ يَقْتَرِنُ بِها هُنا مَعْنى التَفَجُّعِ والتَأسُّفِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ مِنَ البَشَرِ عَلى هَذِهِ الأُمَمِ الَّتِي لَمْ تَهْتَدِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿يا حَسْرَةً عَلى (p-٣٢)العِبادِ﴾ [يس: ٣٠]، و"القُرُونُ" مِن قَبْلِكم هم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ ومَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والقَرْنُ مِنَ الناسِ: المُقْتَرِنُونَ في زَمانٍ طَوِيلٍ أكْثَرُهُ -فِيما حَدَّ الناسُ- مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: ثَمانُونَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ إلى ثَلاثِينَ سَنَةٍ، والأوَّلُ أرْجَحُ لِقَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "أرَأيْتَكم لَيْلَتَكم هَذِهِ فَإنَّ إلى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنها لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ"،» قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يُرِيدُ أنَّها تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ، و"البَقِيَّةُ" هُنا يُرادُ بِها النَظَرُ والعَقْلُ والحَزْمُ والثُبُوتُ في الدِينِ، وإنَّما قِيلَ: "بَقِيَّةٌ" لِأنَّ الشَرائِعَ والدُوَلَ ونَحْوَها قَوَّتُها في أوَّلِها ثُمَّ لا تَزالُ تَضْعُفُ، فَمَن ثَبَتَ في وقْتِ الضَعْفِ فَهو بَقِيَّةُ الصَدْرِ الأوَّلِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَقِيَةٍ" بِتَخْفِيفِ الياءِ، وهو رَدُّ فَعِيلَةٍ إلى فَعِلَةٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "بُقْيَةٍ" بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ القافِ عَلى وزْنِ فُعْلَةٍ. و"الفَسادُ في الأرْضِ" هو الكُفْرُ وما اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ المَعاصِي، وهَذِهِ الآيَةُ فِيها تَنْبِيهٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وحَضٌّ عَلى تَغْيِيرِ المُنْكِرِ والنَهْيِ عَنِ الفَسادِ، ثُمَّ اسْتَثْنى اللهُ تَعالى القَوْمَ الَّذِينَ نَجّاهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ وهم قَلِيلٌ بِالإضافَةِ إلى جَماعاتِهِمْ، و"قَلِيلًا" نَصْبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وهو مُنْقَطِعٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، والكَلامُ عِنْدَهُ مُوجَبٌ، وغَيْرُهُ يَراهُ مَنفِيًّا مِن حَيْثُ مَعْناهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أُولُو بَقِيَّةٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "واتَّبَعَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "وَأُتْبِعَ" عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو. و﴿ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أيْ: عاقِبَةُ ما نُعِّمُوا بِهِ -عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ-، والمُتْرَفُ: المُنَعَّمُ الَّذِي شَغَلَهُ تَرَفُّهُ عَنِ الحَقِّ حَتّى هَلَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تُهْدِي رُؤُوسَ المُتْرَفِينَ الصُدّادْ ∗∗∗ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ المُمْتادْ (p-٣٣)يُرِيدُ: المَسْؤُولُ، يُقالُ: مادَهُ إذا سَألَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِظُلْمٍ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِظُلْمٍ مِنهُ لَهم -تَعالى عن ذَلِكَ-، قالَ الطَبَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِشِرْكٍ مِنهم وهم مُصْلِحُونَ في أعْمالِهِمْ وسَيْرِهِمْ، وعَدْلِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ، أيْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن مَعْصِيَةٍ تَقْتَرِنُ بِكُفْرِهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما ذَهَبَ قائِلُهُ إلى نَحْوِ ما قِيلَ: "إنَّ اللهَ تَعالى يُمْهِلُ الدُوَلَ عَلى الكُفْرِ ولا يُمْهِلُها عَلى الظُلْمِ والجَوْرِ". ولَوْ عَكَسَ لَكانَ ذَلِكَ مُتَّجِهًا، أيْ: ما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَ أُمَّةً بِظُلْمِهِمْ في مَعاصِيهِمْ وهم مُصْلِحُونَ في الإيمانِ، والِاحْتِمالُ الأوَّلُ في تَرْتِيبِنا أصَحُّ إنْ شاءَ اللهُ.

هود 11:117

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِنَ قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ "فَلَوْلا" هي الَّتِي لِلتَّحْضِيضِ، لَكِنْ يَقْتَرِنُ بِها هُنا مَعْنى التَفَجُّعِ والتَأسُّفِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ مِنَ البَشَرِ عَلى هَذِهِ الأُمَمِ الَّتِي لَمْ تَهْتَدِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿يا حَسْرَةً عَلى (p-٣٢)العِبادِ﴾ [يس: ٣٠]، و"القُرُونُ" مِن قَبْلِكم هم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ ومَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والقَرْنُ مِنَ الناسِ: المُقْتَرِنُونَ في زَمانٍ طَوِيلٍ أكْثَرُهُ -فِيما حَدَّ الناسُ- مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: ثَمانُونَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ إلى ثَلاثِينَ سَنَةٍ، والأوَّلُ أرْجَحُ لِقَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "أرَأيْتَكم لَيْلَتَكم هَذِهِ فَإنَّ إلى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنها لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ"،» قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يُرِيدُ أنَّها تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ، و"البَقِيَّةُ" هُنا يُرادُ بِها النَظَرُ والعَقْلُ والحَزْمُ والثُبُوتُ في الدِينِ، وإنَّما قِيلَ: "بَقِيَّةٌ" لِأنَّ الشَرائِعَ والدُوَلَ ونَحْوَها قَوَّتُها في أوَّلِها ثُمَّ لا تَزالُ تَضْعُفُ، فَمَن ثَبَتَ في وقْتِ الضَعْفِ فَهو بَقِيَّةُ الصَدْرِ الأوَّلِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَقِيَةٍ" بِتَخْفِيفِ الياءِ، وهو رَدُّ فَعِيلَةٍ إلى فَعِلَةٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "بُقْيَةٍ" بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ القافِ عَلى وزْنِ فُعْلَةٍ. و"الفَسادُ في الأرْضِ" هو الكُفْرُ وما اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ المَعاصِي، وهَذِهِ الآيَةُ فِيها تَنْبِيهٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وحَضٌّ عَلى تَغْيِيرِ المُنْكِرِ والنَهْيِ عَنِ الفَسادِ، ثُمَّ اسْتَثْنى اللهُ تَعالى القَوْمَ الَّذِينَ نَجّاهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ وهم قَلِيلٌ بِالإضافَةِ إلى جَماعاتِهِمْ، و"قَلِيلًا" نَصْبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وهو مُنْقَطِعٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، والكَلامُ عِنْدَهُ مُوجَبٌ، وغَيْرُهُ يَراهُ مَنفِيًّا مِن حَيْثُ مَعْناهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أُولُو بَقِيَّةٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "واتَّبَعَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "وَأُتْبِعَ" عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو. و﴿ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أيْ: عاقِبَةُ ما نُعِّمُوا بِهِ -عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ-، والمُتْرَفُ: المُنَعَّمُ الَّذِي شَغَلَهُ تَرَفُّهُ عَنِ الحَقِّ حَتّى هَلَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تُهْدِي رُؤُوسَ المُتْرَفِينَ الصُدّادْ ∗∗∗ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ المُمْتادْ (p-٣٣)يُرِيدُ: المَسْؤُولُ، يُقالُ: مادَهُ إذا سَألَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِظُلْمٍ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِظُلْمٍ مِنهُ لَهم -تَعالى عن ذَلِكَ-، قالَ الطَبَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِشِرْكٍ مِنهم وهم مُصْلِحُونَ في أعْمالِهِمْ وسَيْرِهِمْ، وعَدْلِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ، أيْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن مَعْصِيَةٍ تَقْتَرِنُ بِكُفْرِهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما ذَهَبَ قائِلُهُ إلى نَحْوِ ما قِيلَ: "إنَّ اللهَ تَعالى يُمْهِلُ الدُوَلَ عَلى الكُفْرِ ولا يُمْهِلُها عَلى الظُلْمِ والجَوْرِ". ولَوْ عَكَسَ لَكانَ ذَلِكَ مُتَّجِهًا، أيْ: ما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَ أُمَّةً بِظُلْمِهِمْ في مَعاصِيهِمْ وهم مُصْلِحُونَ في الإيمانِ، والِاحْتِمالُ الأوَّلُ في تَرْتِيبِنا أصَحُّ إنْ شاءَ اللهُ.

هود 11:118

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهم وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبُّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مَن الجِنَّةِ والناسِ أجْمَعِينَ﴾ المَعْنى: لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً مُؤْمِنَةً -قالَهُ قَتادَةُ - حَتّى لا يَقَعَ مِنهم كُفْرٌ ولا تَنْزِلَ بِهِمْ مُثْلَةٌ، ولَكِنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، فَهم لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ في الأدْيانِ والآراءِ والمِلَلِ. هَذا تَأْوِيلُ الجُمْهُورِ. قالَ الحَسَنُ، وعَطاءُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمُ: المَرْحُومُونَ المُسْتَثْنَوْنَ هُمُ المُؤْمِنُونَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ اخْتِلافٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ في السَعادَةِ والشَقاوَةِ، وهَذا قَرِيبُ المَعْنى مِنَ الأوَّلِ إذْ هي ثَمَرَةُ الأدْيانِ والِاخْتِلافِ فِيها، ويَكُونُ الِاخْتِلافُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يَدْخُلُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ إذْ هم مُخالِفُونَ لِلْكَفَرَةِ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ في الغِنى والفَقْرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ مَعْناهُ مِن مَعْنى الآيَةِ. (p-٣٤)ثُمَّ اسْتَثْنى اللهُ تَعالى مِنَ الضَمِيرِ في "يَزالُونَ" مَن رَحِمَهُ مِنَ الناسِ بِأنْ هُداهُ إلى الإيمانِ ووَفَّقَهُ لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ المُتَأوِّلُونَ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ولِشُهُودِ اليَوْمِ المَشْهُودِ- المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ- خَلَقَهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] أيْ: لِهَذا خَلَقَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ المَعْنَيانِ وإنْ صَحّا فَهَذا العَوْدُ المُتَباعِدُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ورَوى أشْهَبُ عن مالِكٍ أنَّهُ قالَ: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى أنْ يَكُونَ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَعِيرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَجاءَتِ الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى الأمْرَيْنِ مَعًا: الِاخْتِلافُ والرَحْمَةُ، وقَدْ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ واخْتارَهُ الطَبَرِيُّ، ويَجِيءُ عَلَيْهِ الضَمِيرُ في "خَلَقَهُمْ" لِلصِّنْفَيْنِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: "ذَلِكَ" عائِدٌ عَلى الرَحْمَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهُ: ﴿إلا مَن رَحِمَ﴾، أيْ: ولِلرَّحْمَةِ خَلَقَ المَرْحُومِينَ، قالَ الحَسَنُ: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الِاخْتِلافِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُعْتَرَضُ هَذا بِأنْ يُقالَ: كَيْفَ خَلَقَهم لِلِاخْتِلافِ؟ وهَلْ مَعْنى الِاخْتِلافِ هو المَقْصُودُ بِخَلْقِهِمْ؟ فالوَجْهُ في الِانْفِصالِ أنْ نَقُولَ: إنَّ قاعِدَةَ الشَرْعِ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ خَلْقًا لِلسَّعادَةِ وخَلْقًا لِلشَّقاوَةِ، ثُمَّ يَسَّرَ كُلًّا لِما خُلِقَ لَهُ، وهَذا نَصٌّ في الحَدِيثِ الصَحِيحِ، وجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الِاخْتِلافَ في الدِينِ عَلى الحَقِّ هو أمارَةَ الشَقاوَةِ، وبِهِ (p-٣٥)تَعَلُّقُ العِقابِ، فَيَصِحُّ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ هُنا: "وَلِلِاخْتِلافِ خَلَقَهُمْ" أيْ: لِثَمَرَةِ الِاخْتِلافِ وما يَكُونُ عنهُ مِنَ الشَقاوَةِ. ويَصِحُّ أنْ يَجْعَلَ اللامَ في قَوْلِهِ: "وَلِذَلِكَ" لامَ الصَيْرُورَةِ، أيْ: وخَلَقَهم لِيَصِيرَ أمْرُهم إلى ذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِمُ الِاخْتِلافَ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أيْ: لِآمُرَهم بِالعِبادَةِ، وأُوجِبَها عَلَيْهِمْ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِثَمَرَةِ الأمْرِ ومُقْتَضاهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيْ نَفَذَ قَضاؤُهُ وحَقَّ أمْرُهُ، واللامُ في "لَأمْلَأنَّ" لامُ قَسَمٍ، إذِ "الكَلِمَةُ" تَتَضَمَّنُ القَسَمَ، و الجِنُّ: جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهو مِن أجَنَّ إذا سَتَرَ، و الهاءُ في "الجِنَّةِ" لِلْمُبالَغَةِ، وإنْ كانَ الجِنُّ يَقَعُ عَلى الواحِدِ فالجِنَّةُ جَمْعُهُ.

هود 11:119

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهم وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبُّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مَن الجِنَّةِ والناسِ أجْمَعِينَ﴾ المَعْنى: لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً مُؤْمِنَةً -قالَهُ قَتادَةُ - حَتّى لا يَقَعَ مِنهم كُفْرٌ ولا تَنْزِلَ بِهِمْ مُثْلَةٌ، ولَكِنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، فَهم لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ في الأدْيانِ والآراءِ والمِلَلِ. هَذا تَأْوِيلُ الجُمْهُورِ. قالَ الحَسَنُ، وعَطاءُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمُ: المَرْحُومُونَ المُسْتَثْنَوْنَ هُمُ المُؤْمِنُونَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ اخْتِلافٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ في السَعادَةِ والشَقاوَةِ، وهَذا قَرِيبُ المَعْنى مِنَ الأوَّلِ إذْ هي ثَمَرَةُ الأدْيانِ والِاخْتِلافِ فِيها، ويَكُونُ الِاخْتِلافُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يَدْخُلُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ إذْ هم مُخالِفُونَ لِلْكَفَرَةِ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ في الغِنى والفَقْرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ مَعْناهُ مِن مَعْنى الآيَةِ. (p-٣٤)ثُمَّ اسْتَثْنى اللهُ تَعالى مِنَ الضَمِيرِ في "يَزالُونَ" مَن رَحِمَهُ مِنَ الناسِ بِأنْ هُداهُ إلى الإيمانِ ووَفَّقَهُ لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ المُتَأوِّلُونَ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ولِشُهُودِ اليَوْمِ المَشْهُودِ- المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ- خَلَقَهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] أيْ: لِهَذا خَلَقَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ المَعْنَيانِ وإنْ صَحّا فَهَذا العَوْدُ المُتَباعِدُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ورَوى أشْهَبُ عن مالِكٍ أنَّهُ قالَ: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى أنْ يَكُونَ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَعِيرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَجاءَتِ الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى الأمْرَيْنِ مَعًا: الِاخْتِلافُ والرَحْمَةُ، وقَدْ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ واخْتارَهُ الطَبَرِيُّ، ويَجِيءُ عَلَيْهِ الضَمِيرُ في "خَلَقَهُمْ" لِلصِّنْفَيْنِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: "ذَلِكَ" عائِدٌ عَلى الرَحْمَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهُ: ﴿إلا مَن رَحِمَ﴾، أيْ: ولِلرَّحْمَةِ خَلَقَ المَرْحُومِينَ، قالَ الحَسَنُ: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الِاخْتِلافِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُعْتَرَضُ هَذا بِأنْ يُقالَ: كَيْفَ خَلَقَهم لِلِاخْتِلافِ؟ وهَلْ مَعْنى الِاخْتِلافِ هو المَقْصُودُ بِخَلْقِهِمْ؟ فالوَجْهُ في الِانْفِصالِ أنْ نَقُولَ: إنَّ قاعِدَةَ الشَرْعِ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ خَلْقًا لِلسَّعادَةِ وخَلْقًا لِلشَّقاوَةِ، ثُمَّ يَسَّرَ كُلًّا لِما خُلِقَ لَهُ، وهَذا نَصٌّ في الحَدِيثِ الصَحِيحِ، وجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الِاخْتِلافَ في الدِينِ عَلى الحَقِّ هو أمارَةَ الشَقاوَةِ، وبِهِ (p-٣٥)تَعَلُّقُ العِقابِ، فَيَصِحُّ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ هُنا: "وَلِلِاخْتِلافِ خَلَقَهُمْ" أيْ: لِثَمَرَةِ الِاخْتِلافِ وما يَكُونُ عنهُ مِنَ الشَقاوَةِ. ويَصِحُّ أنْ يَجْعَلَ اللامَ في قَوْلِهِ: "وَلِذَلِكَ" لامَ الصَيْرُورَةِ، أيْ: وخَلَقَهم لِيَصِيرَ أمْرُهم إلى ذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِمُ الِاخْتِلافَ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أيْ: لِآمُرَهم بِالعِبادَةِ، وأُوجِبَها عَلَيْهِمْ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِثَمَرَةِ الأمْرِ ومُقْتَضاهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيْ نَفَذَ قَضاؤُهُ وحَقَّ أمْرُهُ، واللامُ في "لَأمْلَأنَّ" لامُ قَسَمٍ، إذِ "الكَلِمَةُ" تَتَضَمَّنُ القَسَمَ، و الجِنُّ: جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهو مِن أجَنَّ إذا سَتَرَ، و الهاءُ في "الجِنَّةِ" لِلْمُبالَغَةِ، وإنْ كانَ الجِنُّ يَقَعُ عَلى الواحِدِ فالجِنَّةُ جَمْعُهُ.

هود 11:120

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ قَوْلُهُ: "وَكُلًّا" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ بِـ "نَقُصُّ"، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ ضَعِيفانِ. (p-٣٦)و"ما" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "وَكُلًّا"، و﴿نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ: نُؤْنِسُكَ فِيما تَلْقاهُ، ونَجْعَلُ لَكَ الأُسْوَةَ في مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي هَذِهِ﴾، قالَ الحَسَنُ: هي إشارَةٌ إلى دارِ الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلى السُورَةِ والآياتِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ قَصَصِ الأُمَمِ. وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ السُورَةِ بِوَصْفِها بِـ"الحَقِّ"- والقُرْآنُ كُلُّهُ حَقٌّ- أنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ والتَنْبِيهَ لِلنّاظِرِ أيْ: جاءَكَ في هَذِهِ السُورَةِ الحَقُّ الَّذِي أصابَ الأُمَمَ الظالِمَةَ، وهَذا كَما يُقالُ عِنْدَ الشَدائِدِ: "جاءَ الحَقُّ"، وإنْ كانَ الحَقُّ يَأْتِي في غَيْرِ شَدِيدَةٍ وغَيْرِ ما وجْهٍ، ولا يُسْتَعْمَلُ في ذَلِكَ "جاءَ الحَقُّ"، ثُمَّ وصَفَ أيْضًا أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ السُورَةُ هي مَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، فَهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ لَفْظَةَ "الحَقُّ" إنَّما تَخْتَصُّ بِما تَضَمَّنَتْ مِن وعِيدٍ لِلْكَفَرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ، أيِ: اعْمَلُوا عَلى حالاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِن كُفْرِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ هُنا: "مَكانَتِكُمْ" واحِدَةٌ دالَّةٌ عَلى جَمْعٍ، وألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تَصْلُحُ لِلْمُوادَعَةِ، وتَصْلُحُ أنْ تُقالَ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ المَحْضِ والحَرْبُ قائِمَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ آيَةُ تَعَظُّمٍ وانْفِرادٍ بِما لا حَظَّ لِمَخْلُوقٍ فِيهِ، وهو عِلْمُ الغَيْبِ، وتَبْيِينِ أنَّ الخَيْرَ والشَرَّ وجَلِيلَ الأشْياءِ وحَقِيرَها - مَصْرُوفٌ إلى أحْكامِ مالِكِهِ، ثُمَّ أمَرَ النَبِيَّ ﷺ بِالعِبادَةِ والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وفِيها زَوالُ هَمِّهِ وصَلاحُهِ ووُصُولُهِ إلى رِضْوانِ اللهِ. وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرُ نافِعٍ "يَرْجِعُ الأمْرُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ نافِعٌ: وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "يُرْجَعُ الأمْرُ" عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ، ورَواها ابْنُ أبِي الزِنادِ عن أهْلِ (p-٣٧)المَدِينَةِ. وقَرَأ "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، والحَسَنِ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى بْنِ عَمْرٍو، وقَتادَةَ، والجَحْدَرَيِّ، واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ، وعِيسى. وقَرَأ الباقُونَ: "يَعْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى كِنايَةِ الغائِبِ. تَمَّ بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى تَفْسِيرُ سُورَةِ هُودٍ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

هود 11:121

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ قَوْلُهُ: "وَكُلًّا" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ بِـ "نَقُصُّ"، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ ضَعِيفانِ. (p-٣٦)و"ما" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "وَكُلًّا"، و﴿نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ: نُؤْنِسُكَ فِيما تَلْقاهُ، ونَجْعَلُ لَكَ الأُسْوَةَ في مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي هَذِهِ﴾، قالَ الحَسَنُ: هي إشارَةٌ إلى دارِ الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلى السُورَةِ والآياتِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ قَصَصِ الأُمَمِ. وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ السُورَةِ بِوَصْفِها بِـ"الحَقِّ"- والقُرْآنُ كُلُّهُ حَقٌّ- أنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ والتَنْبِيهَ لِلنّاظِرِ أيْ: جاءَكَ في هَذِهِ السُورَةِ الحَقُّ الَّذِي أصابَ الأُمَمَ الظالِمَةَ، وهَذا كَما يُقالُ عِنْدَ الشَدائِدِ: "جاءَ الحَقُّ"، وإنْ كانَ الحَقُّ يَأْتِي في غَيْرِ شَدِيدَةٍ وغَيْرِ ما وجْهٍ، ولا يُسْتَعْمَلُ في ذَلِكَ "جاءَ الحَقُّ"، ثُمَّ وصَفَ أيْضًا أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ السُورَةُ هي مَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، فَهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ لَفْظَةَ "الحَقُّ" إنَّما تَخْتَصُّ بِما تَضَمَّنَتْ مِن وعِيدٍ لِلْكَفَرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ، أيِ: اعْمَلُوا عَلى حالاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِن كُفْرِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ هُنا: "مَكانَتِكُمْ" واحِدَةٌ دالَّةٌ عَلى جَمْعٍ، وألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تَصْلُحُ لِلْمُوادَعَةِ، وتَصْلُحُ أنْ تُقالَ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ المَحْضِ والحَرْبُ قائِمَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ آيَةُ تَعَظُّمٍ وانْفِرادٍ بِما لا حَظَّ لِمَخْلُوقٍ فِيهِ، وهو عِلْمُ الغَيْبِ، وتَبْيِينِ أنَّ الخَيْرَ والشَرَّ وجَلِيلَ الأشْياءِ وحَقِيرَها - مَصْرُوفٌ إلى أحْكامِ مالِكِهِ، ثُمَّ أمَرَ النَبِيَّ ﷺ بِالعِبادَةِ والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وفِيها زَوالُ هَمِّهِ وصَلاحُهِ ووُصُولُهِ إلى رِضْوانِ اللهِ. وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرُ نافِعٍ "يَرْجِعُ الأمْرُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ نافِعٌ: وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "يُرْجَعُ الأمْرُ" عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ، ورَواها ابْنُ أبِي الزِنادِ عن أهْلِ (p-٣٧)المَدِينَةِ. وقَرَأ "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، والحَسَنِ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى بْنِ عَمْرٍو، وقَتادَةَ، والجَحْدَرَيِّ، واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ، وعِيسى. وقَرَأ الباقُونَ: "يَعْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى كِنايَةِ الغائِبِ. تَمَّ بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى تَفْسِيرُ سُورَةِ هُودٍ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

هود 11:122

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ قَوْلُهُ: "وَكُلًّا" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ بِـ "نَقُصُّ"، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ ضَعِيفانِ. (p-٣٦)و"ما" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "وَكُلًّا"، و﴿نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ: نُؤْنِسُكَ فِيما تَلْقاهُ، ونَجْعَلُ لَكَ الأُسْوَةَ في مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي هَذِهِ﴾، قالَ الحَسَنُ: هي إشارَةٌ إلى دارِ الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلى السُورَةِ والآياتِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ قَصَصِ الأُمَمِ. وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ السُورَةِ بِوَصْفِها بِـ"الحَقِّ"- والقُرْآنُ كُلُّهُ حَقٌّ- أنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ والتَنْبِيهَ لِلنّاظِرِ أيْ: جاءَكَ في هَذِهِ السُورَةِ الحَقُّ الَّذِي أصابَ الأُمَمَ الظالِمَةَ، وهَذا كَما يُقالُ عِنْدَ الشَدائِدِ: "جاءَ الحَقُّ"، وإنْ كانَ الحَقُّ يَأْتِي في غَيْرِ شَدِيدَةٍ وغَيْرِ ما وجْهٍ، ولا يُسْتَعْمَلُ في ذَلِكَ "جاءَ الحَقُّ"، ثُمَّ وصَفَ أيْضًا أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ السُورَةُ هي مَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، فَهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ لَفْظَةَ "الحَقُّ" إنَّما تَخْتَصُّ بِما تَضَمَّنَتْ مِن وعِيدٍ لِلْكَفَرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ، أيِ: اعْمَلُوا عَلى حالاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِن كُفْرِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ هُنا: "مَكانَتِكُمْ" واحِدَةٌ دالَّةٌ عَلى جَمْعٍ، وألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تَصْلُحُ لِلْمُوادَعَةِ، وتَصْلُحُ أنْ تُقالَ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ المَحْضِ والحَرْبُ قائِمَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ آيَةُ تَعَظُّمٍ وانْفِرادٍ بِما لا حَظَّ لِمَخْلُوقٍ فِيهِ، وهو عِلْمُ الغَيْبِ، وتَبْيِينِ أنَّ الخَيْرَ والشَرَّ وجَلِيلَ الأشْياءِ وحَقِيرَها - مَصْرُوفٌ إلى أحْكامِ مالِكِهِ، ثُمَّ أمَرَ النَبِيَّ ﷺ بِالعِبادَةِ والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وفِيها زَوالُ هَمِّهِ وصَلاحُهِ ووُصُولُهِ إلى رِضْوانِ اللهِ. وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرُ نافِعٍ "يَرْجِعُ الأمْرُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ نافِعٌ: وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "يُرْجَعُ الأمْرُ" عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ، ورَواها ابْنُ أبِي الزِنادِ عن أهْلِ (p-٣٧)المَدِينَةِ. وقَرَأ "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، والحَسَنِ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى بْنِ عَمْرٍو، وقَتادَةَ، والجَحْدَرَيِّ، واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ، وعِيسى. وقَرَأ الباقُونَ: "يَعْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى كِنايَةِ الغائِبِ. تَمَّ بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى تَفْسِيرُ سُورَةِ هُودٍ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

هود 11:123

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ قَوْلُهُ: "وَكُلًّا" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ بِـ "نَقُصُّ"، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ ضَعِيفانِ. (p-٣٦)و"ما" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "وَكُلًّا"، و﴿نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ: نُؤْنِسُكَ فِيما تَلْقاهُ، ونَجْعَلُ لَكَ الأُسْوَةَ في مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي هَذِهِ﴾، قالَ الحَسَنُ: هي إشارَةٌ إلى دارِ الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلى السُورَةِ والآياتِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ قَصَصِ الأُمَمِ. وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ السُورَةِ بِوَصْفِها بِـ"الحَقِّ"- والقُرْآنُ كُلُّهُ حَقٌّ- أنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ والتَنْبِيهَ لِلنّاظِرِ أيْ: جاءَكَ في هَذِهِ السُورَةِ الحَقُّ الَّذِي أصابَ الأُمَمَ الظالِمَةَ، وهَذا كَما يُقالُ عِنْدَ الشَدائِدِ: "جاءَ الحَقُّ"، وإنْ كانَ الحَقُّ يَأْتِي في غَيْرِ شَدِيدَةٍ وغَيْرِ ما وجْهٍ، ولا يُسْتَعْمَلُ في ذَلِكَ "جاءَ الحَقُّ"، ثُمَّ وصَفَ أيْضًا أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ السُورَةُ هي مَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، فَهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ لَفْظَةَ "الحَقُّ" إنَّما تَخْتَصُّ بِما تَضَمَّنَتْ مِن وعِيدٍ لِلْكَفَرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ، أيِ: اعْمَلُوا عَلى حالاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِن كُفْرِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ هُنا: "مَكانَتِكُمْ" واحِدَةٌ دالَّةٌ عَلى جَمْعٍ، وألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تَصْلُحُ لِلْمُوادَعَةِ، وتَصْلُحُ أنْ تُقالَ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ المَحْضِ والحَرْبُ قائِمَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ آيَةُ تَعَظُّمٍ وانْفِرادٍ بِما لا حَظَّ لِمَخْلُوقٍ فِيهِ، وهو عِلْمُ الغَيْبِ، وتَبْيِينِ أنَّ الخَيْرَ والشَرَّ وجَلِيلَ الأشْياءِ وحَقِيرَها - مَصْرُوفٌ إلى أحْكامِ مالِكِهِ، ثُمَّ أمَرَ النَبِيَّ ﷺ بِالعِبادَةِ والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وفِيها زَوالُ هَمِّهِ وصَلاحُهِ ووُصُولُهِ إلى رِضْوانِ اللهِ. وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرُ نافِعٍ "يَرْجِعُ الأمْرُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ نافِعٌ: وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "يُرْجَعُ الأمْرُ" عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ، ورَواها ابْنُ أبِي الزِنادِ عن أهْلِ (p-٣٧)المَدِينَةِ. وقَرَأ "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، والحَسَنِ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى بْنِ عَمْرٍو، وقَتادَةَ، والجَحْدَرَيِّ، واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ، وعِيسى. وقَرَأ الباقُونَ: "يَعْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى كِنايَةِ الغائِبِ. تَمَّ بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى تَفْسِيرُ سُورَةِ هُودٍ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ