Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — يوسف 12:73 – يوسف 12:111
المحتويات
- يوسف 12:73
- يوسف 12:74
- يوسف 12:75
- يوسف 12:76
- يوسف 12:77
- يوسف 12:78
- يوسف 12:79
- يوسف 12:80
- يوسف 12:81
- يوسف 12:82
- يوسف 12:83
- يوسف 12:84
- يوسف 12:85
- يوسف 12:86
- يوسف 12:87
- يوسف 12:88
- يوسف 12:89
- يوسف 12:90
- يوسف 12:91
- يوسف 12:92
- يوسف 12:93
- يوسف 12:94
- يوسف 12:95
- يوسف 12:96
- يوسف 12:97
- يوسف 12:98
- يوسف 12:99
- يوسف 12:100
- يوسف 12:101
- يوسف 12:102
- يوسف 12:103
- يوسف 12:104
- يوسف 12:105
- يوسف 12:106
- يوسف 12:107
- يوسف 12:108
- يوسف 12:109
- يوسف 12:110
- يوسف 12:111
يوسف 12:73
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ﴾
هَذا مِنَ الكَيْدِ الَّذِي يَسَّرَهُ اللهُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ في دِينِ يَعْقُوبَ أنْ يُسْتَعْبَدَ السارِقُ، وكانَ في دَيْنِ مِصْرَ أنْ يُضْرَبَ ويُضَعَّفَ عَلَيْهِ الغُرْمُ، فَعَلِمَ يُوسُفُ أنَّ إخْوَتَهُ -لِثِقَتِهِمْ بِبَراءَةِ ساحَتِهِمْ- سَيَدْعُونَ في السَرِقَةِ إلى حُكْمِهِمْ، فَتَحَيَّلَ لِذَلِكَ، واسْتَسْهَلَ الأمْرَ عَلى ما فِيهِ مِن رَمْيِ أبْرِياءَ بِالسَرِقَةِ وإدْخالِ الهَمِّ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ وعَلَيْهِمْ، لِما عَلِمَ في ذَلِكَ مِنَ الصَلاحِ في الأجَلِ، وبِوَحْيٍ لا مَحالَةَ وإرادَةٍ مِنَ اللهِ مِحْنَتَهم بِذَلِكَ. هَذا تَأْوِيلُ قَوْمٍ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦].
وقِيلَ: إنَّما أُوحِيَ إلى يُوسُفَ أنْ يَجْعَلَ السِقايَةَ فَقَطْ، ثُمَّ إنْ حافِظَها فَقَدَها، فَنادى بِرَأْيِهِ عَلى ما ظَهَرَ إلَيْهِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وتَفْتِيشُ الأوعِيَةِ يَرُدُّ عَلَيْهِ.
وقِيلَ: إنَّهم لَمّا كانُوا قَدْ باعُوا يُوسُفَ اسْتَجازَ أنْ يُقالَ لَهم هَذا، وأنَّهُ عُوقِبَ عَلى ذَلِكَ بِأنْ قالُوا: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧].
(p-١٢٠)وَقَوْلُهُ: "جَعَلَ" أيْ بِأمْرِهِ خَدَمَهُ وفِتْيانَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَجَعَلَ" بِزِيادَةِ واوٍ.
و"السِقايَةَ": الإناءُ الَّذِي بِهِ يَشْرَبُ المَلِكُ، وبِهِ كانَ يَكِيلُ الطَعامَ لِلنّاسِ، هَكَذا نَصُّ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والضَحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، وفي كُتُبِ مَن حَرَّرَ أمْرَها أنَّها شَكْلٌ لَهُ رَأْسانِ ويَصِلُ بَيْنَهُما مِقْبَضٌ يَمْسِكُ بِالأيْدِي، فَيُكالُ الطَعامُ بِالرَأْسِ الواحِدِ، ويُشْرَبُ بِالرَأْسِ الثانِي أو بِهِما، فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ لِشَرابِ أضْيافِ المَلِكِ وفي أطْعِمَتِهِ الجَمِيلَةِ الَّتِي يَحْتاجُ فِيها إلى عَظِيمِ الأوانِي.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصُواعُ مِثْلَ المَكُّوكِ الفارِسِيِّ، وكانَ إناءُ يُوسُفَ الَّذِي يَشْرَبُ فِيهِ، وكانَ إلى الطُولِ ما هُوَ، قالَ: وحَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ كانَ لِلْعَبّاسِ مِثْلُهُ يَشْرَبُ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الصُواعُ: المَكُّوكُ الفارِسِيُّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفاهُ، كانَتْ تَشْرَبُ فِيهِ الأعاجِمُ، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ مِن فِضَّةٍ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ مَن ذَهَبٍ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: كانَ مِن مَسْكٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَدْ رُوِيَ هَذا بِفَتْحِ المِيمِ.
وقِيلَ: كانَ يُشْبِهُ الطاسَ، وقِيلَ: مِن نُحاسٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ولِعِزَّةِ الطَعامِ في تِلْكَ الأعْوامِ قُصِرَ كَيْلُها عَلى ذَلِكَ الإناءِ. وكانَ هَذا الجَعْلُ بِغَيْرِ عِلْمِ يامِينَ. قالَهُ السُدِّيُّ، وهو الظاهِرُ.
فَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ بِأوقارِها، وخَرَجَتْ مِن مِصْرَ فِيما رُوِيَ -وَقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ قَبْلَ الخُرُوجِ مِن مِصْرَ - أُمِرَ بِهِمْ فَحُبِسُوا، و﴿أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾، ومُخاطَبَةُ العِيرِ تَجَوُّزٌ، والمُرادُ أرْبابُها، وإنَّما المُرادُ: أيَّتُها القافِلَةُ أوِ الرُفْقَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ دَوابُّهم حَمِيرًا، ووَصَفَهم بِالسَرِقَةِ مِن حَيْثُ سَرَقَ -فِي الظاهِرِ- أحَدُهُمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: "بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فَلانًا" وإنَّما قَتَلَهُ أحَدُهم. فَلَمّا سَمِعَ إخْوَةُ يُوسُفَ هَذِهِ المَقالَةَ أقْبَلُوا عَلَيْهِمْ، وساءَهم أنْ يُرْمَوْا بِهَذِهِ المَنقَبَةِ، وقالُوا: ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ لِيَقَعِ التَفْتِيشُ فَتَظْهَرَ بَراءَتُهُمْ، ولَمْ يَلُوذُوا بِالإنْكارِ مِن أوَّلَ، بَلْ سَألُوا إكْمالَ الدَعْوى عَسى أنْ يَكُونَ فِيها (p-١٢١)ما تَبْطُلُ بِهِ فَلا يُحْتاجُ إلى خِصامٍ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "تُفْقِدُونَ" بِضَمِّ التاءِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ﴾ وهو المِكْيالُ، وهو السِقايَةُ، رَسْمُهُ أوَّلًا بِإحْدى جِهَتَيْهِ وآخِرًا بِالثانِيَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "صُواعَ" بِضَمِّ الصادِ وبِألِفٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "صِواعَ" بِكَسْرِ الصادِ وبِألِفٍ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٌ: "صاعَ المَلِكِ" بِفَتْحِ الصادِ دُونَ واوٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ عَوْفٍ: "صُوعَ" بِضَمِّ الصادِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "صَوْعَ".
وهَذِهِ لُغاتٌ في المِكْيالِ، قالَهُ أبُو الفَتْحِ وغَيْرُهُ، وتُؤَنَّثُ هَذِهِ الأسْماءُ وتُذَكَّرُ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُؤَنَّثُ الصاعُ مِن حَيْثُ سُمِّيَ سِقايَةً، ويُذَكَّرُ مِن حَيْثُ هو صاعٌ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "صَوْغَ" بالِغِينَ مَنقُوطَةً، وهَذا عَلى أنَّهُ الشَيْءُ المَصُوغُ لِلْمَلِكِ عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ مِن ذَهَبٍ أو مِن فِضَّةٍ، فَهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عن أبِي رَجاءٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ: "صُواغَ" بِضَمِّ الصادِ وألِفٍ وغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ: لِمَن دَلَّ عَلى سارِقِهِ وفَضَحَهُ وجَبَرَ الصُواعَ عَلى المَلِكِ، وهَذا جُعْلٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ حَمالَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ الطَعامُ لا يُوجَدُ إلّا عِنْدَ المَلِكِ فُهِمَ عَنِ المُؤَذِّنِ أنَّهُ إنَّما جَعَلَ عن غَيْرِهِ، فَلِخَوْفِهِ ألّا يُوثَقَ بِهَذِهِ الجَعالَةِ -إذْ هي عَنِ الغَيْرِ- تَحَمَّلَ هو بِذَلِكَ. قالَ مُجاهِدٌ: الزَعِيمُ هو المُؤَذِّنُ الَّذِي قالَ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾، والزَعِيمُ: الضامِنُ في كَلامِ العَرَبِ، ويُسَمّى الرَئِيسُ زَعِيمًا لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ حَوائِجَ الناسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا تاللهِ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ: أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ كانُوا رَدُّوا البِضاعَةَ المَوْجُودَةَ في الرِحالِ، وتَحَرَّجُوا مِن أخْذِ الطَعامِ بِلا ثَمَنٍ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾، أيْ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ مِنّا التَحَرِّيَ، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا قَدِ اشْتُهِرُوا في مِصْرَ بِصَلاحٍ وتَعَفُّفٍ، وكانُوا يَجْعَلُونَ الأكِمَّةَ في أفْواهِ إبِلِهِمْ لِئَلّا تَنالَ زَرْعَ الناسِ، فَلِذَلِكَ قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتُمْ (p-١٢٢)ما جِئْنا لِفَسادٍ وما نَحْنُ أهْلُ سَرِقَةٍ. والتاءُ في "تاللهِ" بَدَلٌ مِن واوٍ، كَما أُبْدِلَتْ في "تُراثٍ"، وفي "التَوْراةِ" و"تُخَمَةٍ". ولا تَدْخُلُ التاءُ في القَسَمِ إلّا في المَكْتُوبَةِ مِن بَيْنِ أسْماءِ اللهِ تَعالى لا في غَيْرِ ذَلِكَ، لا تَقُولُ: "تالرَحْمَنِ" ولا "تالرَحِيمِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ﴾ الآيَةُ. قالَ فِتْيانُ يُوسُفَ: فَما جَزاءُ السارِقِ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في قَوْلِكُمْ: ﴿وَما كُنّا سارِقِينَ﴾ ؟ فَقالَ إخْوَةُ يُوسُفَ: جَزاءُ السارِقِ الحُكْمُ الَّذِي تَتَضَمَّنُهُ هَذِهِ الألْفاظُ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾، فَـ"جَزاؤُهُ" الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ، و"مَن" مُبْتَدَأٌ ثانٍ، -و"مَن" شَرْطٌ، أو بِمَعْنى الَّذِي. وقَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ خَبَرُ "مَن"، والجُمْلَةُ خَبَرُ قَوْلِهِ: "جَزاؤُهُ" الأوَّلُ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا جَزاؤُهُ﴾ لِلسّارِقِ. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن" خَبَرًا عَلى أنَّ المَعْنى: "جَزاءُ السارِقِ مَن وُجِدَ في رَحْلَهِ"، والضَمِيرُ في "رَحْلِهِ" عائِدٌ عَلى "مَن"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "فَهُوَ" زِيادَةَ بَيانٍ وتَأْكِيدًا، ولَيْسَ هَذا المَوْضِعُ عِنْدِي مِن مَواضِعِ إبْرازِ الضَمِيرِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: "جَزاؤُهُ اسْتِرْقاقُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ"، ثُمَّ يُؤَكِّدُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾، وقَوْلُهم هَذا قَوْلُ مَن لَمْ يَسْتَرِبْ بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُمُ التَزَمُوا إرْقاقَ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وهَذا أكْثَرُ مِن مُوجِبِ شَرْعِهِمْ، إذْ حَقَّ شَرْعُهم أنْ لا يُؤْخَذُ إلّا مَن صَحَّتْ (p-١٢٣)سَرِقَتُهُ، وأمْرُ يامِينَ في السِقايَةِ كانَ مُحْتَمَلًا، لَكِنَّهُمُ التَزَمُوا أنَّ مَن وجِدَ في رَحْلِهِ فَهو مَأْخُوذٌ عَلى أنَّهُ سارِقٌ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ﴾، أيْ: هَذِهِ سُنَّتُنا ودِينُنا في أهْلِ السَرِقَةِ، أنْ يُتَمَلَّكَ السارِقُ كَما تَمَلَّكَ هو الشَيْءَ المَسْرُوقَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّ هَذا الحُكْمَ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ بِالقَطْعِ، وهَذا ضَعِيفٌ، ما كانَ قَطُّ فِيما عَلِمْتُ، وحَكىالزَهْراوِيُّ عَنِ السُدِّيِّ أنَّ حُكْمَهم إنَّما كانَ أنْ يُسْتَخْدَمَ السارِقُ عَلى قَدْرِ سَرِقَتِهِ، وهَذا يُضْعِفُهُ رُجُوعُ الصُواعِ، فَكانَ يَنْبَغِي ألّا يُؤْخَذَ يامِينُ إذْ لَمْ يَبْقَ فِيما يَخْدِمُ.
يوسف 12:74
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ﴾
هَذا مِنَ الكَيْدِ الَّذِي يَسَّرَهُ اللهُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ في دِينِ يَعْقُوبَ أنْ يُسْتَعْبَدَ السارِقُ، وكانَ في دَيْنِ مِصْرَ أنْ يُضْرَبَ ويُضَعَّفَ عَلَيْهِ الغُرْمُ، فَعَلِمَ يُوسُفُ أنَّ إخْوَتَهُ -لِثِقَتِهِمْ بِبَراءَةِ ساحَتِهِمْ- سَيَدْعُونَ في السَرِقَةِ إلى حُكْمِهِمْ، فَتَحَيَّلَ لِذَلِكَ، واسْتَسْهَلَ الأمْرَ عَلى ما فِيهِ مِن رَمْيِ أبْرِياءَ بِالسَرِقَةِ وإدْخالِ الهَمِّ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ وعَلَيْهِمْ، لِما عَلِمَ في ذَلِكَ مِنَ الصَلاحِ في الأجَلِ، وبِوَحْيٍ لا مَحالَةَ وإرادَةٍ مِنَ اللهِ مِحْنَتَهم بِذَلِكَ. هَذا تَأْوِيلُ قَوْمٍ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦].
وقِيلَ: إنَّما أُوحِيَ إلى يُوسُفَ أنْ يَجْعَلَ السِقايَةَ فَقَطْ، ثُمَّ إنْ حافِظَها فَقَدَها، فَنادى بِرَأْيِهِ عَلى ما ظَهَرَ إلَيْهِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وتَفْتِيشُ الأوعِيَةِ يَرُدُّ عَلَيْهِ.
وقِيلَ: إنَّهم لَمّا كانُوا قَدْ باعُوا يُوسُفَ اسْتَجازَ أنْ يُقالَ لَهم هَذا، وأنَّهُ عُوقِبَ عَلى ذَلِكَ بِأنْ قالُوا: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧].
(p-١٢٠)وَقَوْلُهُ: "جَعَلَ" أيْ بِأمْرِهِ خَدَمَهُ وفِتْيانَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَجَعَلَ" بِزِيادَةِ واوٍ.
و"السِقايَةَ": الإناءُ الَّذِي بِهِ يَشْرَبُ المَلِكُ، وبِهِ كانَ يَكِيلُ الطَعامَ لِلنّاسِ، هَكَذا نَصُّ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والضَحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، وفي كُتُبِ مَن حَرَّرَ أمْرَها أنَّها شَكْلٌ لَهُ رَأْسانِ ويَصِلُ بَيْنَهُما مِقْبَضٌ يَمْسِكُ بِالأيْدِي، فَيُكالُ الطَعامُ بِالرَأْسِ الواحِدِ، ويُشْرَبُ بِالرَأْسِ الثانِي أو بِهِما، فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ لِشَرابِ أضْيافِ المَلِكِ وفي أطْعِمَتِهِ الجَمِيلَةِ الَّتِي يَحْتاجُ فِيها إلى عَظِيمِ الأوانِي.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصُواعُ مِثْلَ المَكُّوكِ الفارِسِيِّ، وكانَ إناءُ يُوسُفَ الَّذِي يَشْرَبُ فِيهِ، وكانَ إلى الطُولِ ما هُوَ، قالَ: وحَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ كانَ لِلْعَبّاسِ مِثْلُهُ يَشْرَبُ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الصُواعُ: المَكُّوكُ الفارِسِيُّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفاهُ، كانَتْ تَشْرَبُ فِيهِ الأعاجِمُ، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ مِن فِضَّةٍ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ مَن ذَهَبٍ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: كانَ مِن مَسْكٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَدْ رُوِيَ هَذا بِفَتْحِ المِيمِ.
وقِيلَ: كانَ يُشْبِهُ الطاسَ، وقِيلَ: مِن نُحاسٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ولِعِزَّةِ الطَعامِ في تِلْكَ الأعْوامِ قُصِرَ كَيْلُها عَلى ذَلِكَ الإناءِ. وكانَ هَذا الجَعْلُ بِغَيْرِ عِلْمِ يامِينَ. قالَهُ السُدِّيُّ، وهو الظاهِرُ.
فَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ بِأوقارِها، وخَرَجَتْ مِن مِصْرَ فِيما رُوِيَ -وَقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ قَبْلَ الخُرُوجِ مِن مِصْرَ - أُمِرَ بِهِمْ فَحُبِسُوا، و﴿أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾، ومُخاطَبَةُ العِيرِ تَجَوُّزٌ، والمُرادُ أرْبابُها، وإنَّما المُرادُ: أيَّتُها القافِلَةُ أوِ الرُفْقَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ دَوابُّهم حَمِيرًا، ووَصَفَهم بِالسَرِقَةِ مِن حَيْثُ سَرَقَ -فِي الظاهِرِ- أحَدُهُمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: "بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فَلانًا" وإنَّما قَتَلَهُ أحَدُهم. فَلَمّا سَمِعَ إخْوَةُ يُوسُفَ هَذِهِ المَقالَةَ أقْبَلُوا عَلَيْهِمْ، وساءَهم أنْ يُرْمَوْا بِهَذِهِ المَنقَبَةِ، وقالُوا: ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ لِيَقَعِ التَفْتِيشُ فَتَظْهَرَ بَراءَتُهُمْ، ولَمْ يَلُوذُوا بِالإنْكارِ مِن أوَّلَ، بَلْ سَألُوا إكْمالَ الدَعْوى عَسى أنْ يَكُونَ فِيها (p-١٢١)ما تَبْطُلُ بِهِ فَلا يُحْتاجُ إلى خِصامٍ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "تُفْقِدُونَ" بِضَمِّ التاءِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ﴾ وهو المِكْيالُ، وهو السِقايَةُ، رَسْمُهُ أوَّلًا بِإحْدى جِهَتَيْهِ وآخِرًا بِالثانِيَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "صُواعَ" بِضَمِّ الصادِ وبِألِفٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "صِواعَ" بِكَسْرِ الصادِ وبِألِفٍ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٌ: "صاعَ المَلِكِ" بِفَتْحِ الصادِ دُونَ واوٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ عَوْفٍ: "صُوعَ" بِضَمِّ الصادِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "صَوْعَ".
وهَذِهِ لُغاتٌ في المِكْيالِ، قالَهُ أبُو الفَتْحِ وغَيْرُهُ، وتُؤَنَّثُ هَذِهِ الأسْماءُ وتُذَكَّرُ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُؤَنَّثُ الصاعُ مِن حَيْثُ سُمِّيَ سِقايَةً، ويُذَكَّرُ مِن حَيْثُ هو صاعٌ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "صَوْغَ" بالِغِينَ مَنقُوطَةً، وهَذا عَلى أنَّهُ الشَيْءُ المَصُوغُ لِلْمَلِكِ عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ مِن ذَهَبٍ أو مِن فِضَّةٍ، فَهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عن أبِي رَجاءٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ: "صُواغَ" بِضَمِّ الصادِ وألِفٍ وغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ: لِمَن دَلَّ عَلى سارِقِهِ وفَضَحَهُ وجَبَرَ الصُواعَ عَلى المَلِكِ، وهَذا جُعْلٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ حَمالَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ الطَعامُ لا يُوجَدُ إلّا عِنْدَ المَلِكِ فُهِمَ عَنِ المُؤَذِّنِ أنَّهُ إنَّما جَعَلَ عن غَيْرِهِ، فَلِخَوْفِهِ ألّا يُوثَقَ بِهَذِهِ الجَعالَةِ -إذْ هي عَنِ الغَيْرِ- تَحَمَّلَ هو بِذَلِكَ. قالَ مُجاهِدٌ: الزَعِيمُ هو المُؤَذِّنُ الَّذِي قالَ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾، والزَعِيمُ: الضامِنُ في كَلامِ العَرَبِ، ويُسَمّى الرَئِيسُ زَعِيمًا لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ حَوائِجَ الناسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا تاللهِ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ: أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ كانُوا رَدُّوا البِضاعَةَ المَوْجُودَةَ في الرِحالِ، وتَحَرَّجُوا مِن أخْذِ الطَعامِ بِلا ثَمَنٍ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾، أيْ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ مِنّا التَحَرِّيَ، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا قَدِ اشْتُهِرُوا في مِصْرَ بِصَلاحٍ وتَعَفُّفٍ، وكانُوا يَجْعَلُونَ الأكِمَّةَ في أفْواهِ إبِلِهِمْ لِئَلّا تَنالَ زَرْعَ الناسِ، فَلِذَلِكَ قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتُمْ (p-١٢٢)ما جِئْنا لِفَسادٍ وما نَحْنُ أهْلُ سَرِقَةٍ. والتاءُ في "تاللهِ" بَدَلٌ مِن واوٍ، كَما أُبْدِلَتْ في "تُراثٍ"، وفي "التَوْراةِ" و"تُخَمَةٍ". ولا تَدْخُلُ التاءُ في القَسَمِ إلّا في المَكْتُوبَةِ مِن بَيْنِ أسْماءِ اللهِ تَعالى لا في غَيْرِ ذَلِكَ، لا تَقُولُ: "تالرَحْمَنِ" ولا "تالرَحِيمِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ﴾ الآيَةُ. قالَ فِتْيانُ يُوسُفَ: فَما جَزاءُ السارِقِ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في قَوْلِكُمْ: ﴿وَما كُنّا سارِقِينَ﴾ ؟ فَقالَ إخْوَةُ يُوسُفَ: جَزاءُ السارِقِ الحُكْمُ الَّذِي تَتَضَمَّنُهُ هَذِهِ الألْفاظُ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾، فَـ"جَزاؤُهُ" الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ، و"مَن" مُبْتَدَأٌ ثانٍ، -و"مَن" شَرْطٌ، أو بِمَعْنى الَّذِي. وقَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ خَبَرُ "مَن"، والجُمْلَةُ خَبَرُ قَوْلِهِ: "جَزاؤُهُ" الأوَّلُ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا جَزاؤُهُ﴾ لِلسّارِقِ. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن" خَبَرًا عَلى أنَّ المَعْنى: "جَزاءُ السارِقِ مَن وُجِدَ في رَحْلَهِ"، والضَمِيرُ في "رَحْلِهِ" عائِدٌ عَلى "مَن"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "فَهُوَ" زِيادَةَ بَيانٍ وتَأْكِيدًا، ولَيْسَ هَذا المَوْضِعُ عِنْدِي مِن مَواضِعِ إبْرازِ الضَمِيرِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: "جَزاؤُهُ اسْتِرْقاقُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ"، ثُمَّ يُؤَكِّدُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾، وقَوْلُهم هَذا قَوْلُ مَن لَمْ يَسْتَرِبْ بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُمُ التَزَمُوا إرْقاقَ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وهَذا أكْثَرُ مِن مُوجِبِ شَرْعِهِمْ، إذْ حَقَّ شَرْعُهم أنْ لا يُؤْخَذُ إلّا مَن صَحَّتْ (p-١٢٣)سَرِقَتُهُ، وأمْرُ يامِينَ في السِقايَةِ كانَ مُحْتَمَلًا، لَكِنَّهُمُ التَزَمُوا أنَّ مَن وجِدَ في رَحْلِهِ فَهو مَأْخُوذٌ عَلى أنَّهُ سارِقٌ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ﴾، أيْ: هَذِهِ سُنَّتُنا ودِينُنا في أهْلِ السَرِقَةِ، أنْ يُتَمَلَّكَ السارِقُ كَما تَمَلَّكَ هو الشَيْءَ المَسْرُوقَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّ هَذا الحُكْمَ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ بِالقَطْعِ، وهَذا ضَعِيفٌ، ما كانَ قَطُّ فِيما عَلِمْتُ، وحَكىالزَهْراوِيُّ عَنِ السُدِّيِّ أنَّ حُكْمَهم إنَّما كانَ أنْ يُسْتَخْدَمَ السارِقُ عَلى قَدْرِ سَرِقَتِهِ، وهَذا يُضْعِفُهُ رُجُوعُ الصُواعِ، فَكانَ يَنْبَغِي ألّا يُؤْخَذَ يامِينُ إذْ لَمْ يَبْقَ فِيما يَخْدِمُ.
يوسف 12:75
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ﴾
هَذا مِنَ الكَيْدِ الَّذِي يَسَّرَهُ اللهُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ في دِينِ يَعْقُوبَ أنْ يُسْتَعْبَدَ السارِقُ، وكانَ في دَيْنِ مِصْرَ أنْ يُضْرَبَ ويُضَعَّفَ عَلَيْهِ الغُرْمُ، فَعَلِمَ يُوسُفُ أنَّ إخْوَتَهُ -لِثِقَتِهِمْ بِبَراءَةِ ساحَتِهِمْ- سَيَدْعُونَ في السَرِقَةِ إلى حُكْمِهِمْ، فَتَحَيَّلَ لِذَلِكَ، واسْتَسْهَلَ الأمْرَ عَلى ما فِيهِ مِن رَمْيِ أبْرِياءَ بِالسَرِقَةِ وإدْخالِ الهَمِّ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ وعَلَيْهِمْ، لِما عَلِمَ في ذَلِكَ مِنَ الصَلاحِ في الأجَلِ، وبِوَحْيٍ لا مَحالَةَ وإرادَةٍ مِنَ اللهِ مِحْنَتَهم بِذَلِكَ. هَذا تَأْوِيلُ قَوْمٍ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦].
وقِيلَ: إنَّما أُوحِيَ إلى يُوسُفَ أنْ يَجْعَلَ السِقايَةَ فَقَطْ، ثُمَّ إنْ حافِظَها فَقَدَها، فَنادى بِرَأْيِهِ عَلى ما ظَهَرَ إلَيْهِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وتَفْتِيشُ الأوعِيَةِ يَرُدُّ عَلَيْهِ.
وقِيلَ: إنَّهم لَمّا كانُوا قَدْ باعُوا يُوسُفَ اسْتَجازَ أنْ يُقالَ لَهم هَذا، وأنَّهُ عُوقِبَ عَلى ذَلِكَ بِأنْ قالُوا: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧].
(p-١٢٠)وَقَوْلُهُ: "جَعَلَ" أيْ بِأمْرِهِ خَدَمَهُ وفِتْيانَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَجَعَلَ" بِزِيادَةِ واوٍ.
و"السِقايَةَ": الإناءُ الَّذِي بِهِ يَشْرَبُ المَلِكُ، وبِهِ كانَ يَكِيلُ الطَعامَ لِلنّاسِ، هَكَذا نَصُّ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والضَحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، وفي كُتُبِ مَن حَرَّرَ أمْرَها أنَّها شَكْلٌ لَهُ رَأْسانِ ويَصِلُ بَيْنَهُما مِقْبَضٌ يَمْسِكُ بِالأيْدِي، فَيُكالُ الطَعامُ بِالرَأْسِ الواحِدِ، ويُشْرَبُ بِالرَأْسِ الثانِي أو بِهِما، فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ لِشَرابِ أضْيافِ المَلِكِ وفي أطْعِمَتِهِ الجَمِيلَةِ الَّتِي يَحْتاجُ فِيها إلى عَظِيمِ الأوانِي.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصُواعُ مِثْلَ المَكُّوكِ الفارِسِيِّ، وكانَ إناءُ يُوسُفَ الَّذِي يَشْرَبُ فِيهِ، وكانَ إلى الطُولِ ما هُوَ، قالَ: وحَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ كانَ لِلْعَبّاسِ مِثْلُهُ يَشْرَبُ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الصُواعُ: المَكُّوكُ الفارِسِيُّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفاهُ، كانَتْ تَشْرَبُ فِيهِ الأعاجِمُ، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ مِن فِضَّةٍ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ مَن ذَهَبٍ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: كانَ مِن مَسْكٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَدْ رُوِيَ هَذا بِفَتْحِ المِيمِ.
وقِيلَ: كانَ يُشْبِهُ الطاسَ، وقِيلَ: مِن نُحاسٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ولِعِزَّةِ الطَعامِ في تِلْكَ الأعْوامِ قُصِرَ كَيْلُها عَلى ذَلِكَ الإناءِ. وكانَ هَذا الجَعْلُ بِغَيْرِ عِلْمِ يامِينَ. قالَهُ السُدِّيُّ، وهو الظاهِرُ.
فَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ بِأوقارِها، وخَرَجَتْ مِن مِصْرَ فِيما رُوِيَ -وَقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ قَبْلَ الخُرُوجِ مِن مِصْرَ - أُمِرَ بِهِمْ فَحُبِسُوا، و﴿أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾، ومُخاطَبَةُ العِيرِ تَجَوُّزٌ، والمُرادُ أرْبابُها، وإنَّما المُرادُ: أيَّتُها القافِلَةُ أوِ الرُفْقَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ دَوابُّهم حَمِيرًا، ووَصَفَهم بِالسَرِقَةِ مِن حَيْثُ سَرَقَ -فِي الظاهِرِ- أحَدُهُمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: "بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فَلانًا" وإنَّما قَتَلَهُ أحَدُهم. فَلَمّا سَمِعَ إخْوَةُ يُوسُفَ هَذِهِ المَقالَةَ أقْبَلُوا عَلَيْهِمْ، وساءَهم أنْ يُرْمَوْا بِهَذِهِ المَنقَبَةِ، وقالُوا: ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ لِيَقَعِ التَفْتِيشُ فَتَظْهَرَ بَراءَتُهُمْ، ولَمْ يَلُوذُوا بِالإنْكارِ مِن أوَّلَ، بَلْ سَألُوا إكْمالَ الدَعْوى عَسى أنْ يَكُونَ فِيها (p-١٢١)ما تَبْطُلُ بِهِ فَلا يُحْتاجُ إلى خِصامٍ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "تُفْقِدُونَ" بِضَمِّ التاءِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ﴾ وهو المِكْيالُ، وهو السِقايَةُ، رَسْمُهُ أوَّلًا بِإحْدى جِهَتَيْهِ وآخِرًا بِالثانِيَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "صُواعَ" بِضَمِّ الصادِ وبِألِفٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "صِواعَ" بِكَسْرِ الصادِ وبِألِفٍ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٌ: "صاعَ المَلِكِ" بِفَتْحِ الصادِ دُونَ واوٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ عَوْفٍ: "صُوعَ" بِضَمِّ الصادِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "صَوْعَ".
وهَذِهِ لُغاتٌ في المِكْيالِ، قالَهُ أبُو الفَتْحِ وغَيْرُهُ، وتُؤَنَّثُ هَذِهِ الأسْماءُ وتُذَكَّرُ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُؤَنَّثُ الصاعُ مِن حَيْثُ سُمِّيَ سِقايَةً، ويُذَكَّرُ مِن حَيْثُ هو صاعٌ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "صَوْغَ" بالِغِينَ مَنقُوطَةً، وهَذا عَلى أنَّهُ الشَيْءُ المَصُوغُ لِلْمَلِكِ عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ مِن ذَهَبٍ أو مِن فِضَّةٍ، فَهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عن أبِي رَجاءٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ: "صُواغَ" بِضَمِّ الصادِ وألِفٍ وغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ: لِمَن دَلَّ عَلى سارِقِهِ وفَضَحَهُ وجَبَرَ الصُواعَ عَلى المَلِكِ، وهَذا جُعْلٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ حَمالَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ الطَعامُ لا يُوجَدُ إلّا عِنْدَ المَلِكِ فُهِمَ عَنِ المُؤَذِّنِ أنَّهُ إنَّما جَعَلَ عن غَيْرِهِ، فَلِخَوْفِهِ ألّا يُوثَقَ بِهَذِهِ الجَعالَةِ -إذْ هي عَنِ الغَيْرِ- تَحَمَّلَ هو بِذَلِكَ. قالَ مُجاهِدٌ: الزَعِيمُ هو المُؤَذِّنُ الَّذِي قالَ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾، والزَعِيمُ: الضامِنُ في كَلامِ العَرَبِ، ويُسَمّى الرَئِيسُ زَعِيمًا لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ حَوائِجَ الناسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا تاللهِ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ: أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ كانُوا رَدُّوا البِضاعَةَ المَوْجُودَةَ في الرِحالِ، وتَحَرَّجُوا مِن أخْذِ الطَعامِ بِلا ثَمَنٍ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾، أيْ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ مِنّا التَحَرِّيَ، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا قَدِ اشْتُهِرُوا في مِصْرَ بِصَلاحٍ وتَعَفُّفٍ، وكانُوا يَجْعَلُونَ الأكِمَّةَ في أفْواهِ إبِلِهِمْ لِئَلّا تَنالَ زَرْعَ الناسِ، فَلِذَلِكَ قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتُمْ (p-١٢٢)ما جِئْنا لِفَسادٍ وما نَحْنُ أهْلُ سَرِقَةٍ. والتاءُ في "تاللهِ" بَدَلٌ مِن واوٍ، كَما أُبْدِلَتْ في "تُراثٍ"، وفي "التَوْراةِ" و"تُخَمَةٍ". ولا تَدْخُلُ التاءُ في القَسَمِ إلّا في المَكْتُوبَةِ مِن بَيْنِ أسْماءِ اللهِ تَعالى لا في غَيْرِ ذَلِكَ، لا تَقُولُ: "تالرَحْمَنِ" ولا "تالرَحِيمِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ﴾ الآيَةُ. قالَ فِتْيانُ يُوسُفَ: فَما جَزاءُ السارِقِ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في قَوْلِكُمْ: ﴿وَما كُنّا سارِقِينَ﴾ ؟ فَقالَ إخْوَةُ يُوسُفَ: جَزاءُ السارِقِ الحُكْمُ الَّذِي تَتَضَمَّنُهُ هَذِهِ الألْفاظُ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾، فَـ"جَزاؤُهُ" الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ، و"مَن" مُبْتَدَأٌ ثانٍ، -و"مَن" شَرْطٌ، أو بِمَعْنى الَّذِي. وقَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ خَبَرُ "مَن"، والجُمْلَةُ خَبَرُ قَوْلِهِ: "جَزاؤُهُ" الأوَّلُ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا جَزاؤُهُ﴾ لِلسّارِقِ. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن" خَبَرًا عَلى أنَّ المَعْنى: "جَزاءُ السارِقِ مَن وُجِدَ في رَحْلَهِ"، والضَمِيرُ في "رَحْلِهِ" عائِدٌ عَلى "مَن"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "فَهُوَ" زِيادَةَ بَيانٍ وتَأْكِيدًا، ولَيْسَ هَذا المَوْضِعُ عِنْدِي مِن مَواضِعِ إبْرازِ الضَمِيرِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: "جَزاؤُهُ اسْتِرْقاقُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ"، ثُمَّ يُؤَكِّدُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾، وقَوْلُهم هَذا قَوْلُ مَن لَمْ يَسْتَرِبْ بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُمُ التَزَمُوا إرْقاقَ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وهَذا أكْثَرُ مِن مُوجِبِ شَرْعِهِمْ، إذْ حَقَّ شَرْعُهم أنْ لا يُؤْخَذُ إلّا مَن صَحَّتْ (p-١٢٣)سَرِقَتُهُ، وأمْرُ يامِينَ في السِقايَةِ كانَ مُحْتَمَلًا، لَكِنَّهُمُ التَزَمُوا أنَّ مَن وجِدَ في رَحْلِهِ فَهو مَأْخُوذٌ عَلى أنَّهُ سارِقٌ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ﴾، أيْ: هَذِهِ سُنَّتُنا ودِينُنا في أهْلِ السَرِقَةِ، أنْ يُتَمَلَّكَ السارِقُ كَما تَمَلَّكَ هو الشَيْءَ المَسْرُوقَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّ هَذا الحُكْمَ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ بِالقَطْعِ، وهَذا ضَعِيفٌ، ما كانَ قَطُّ فِيما عَلِمْتُ، وحَكىالزَهْراوِيُّ عَنِ السُدِّيِّ أنَّ حُكْمَهم إنَّما كانَ أنْ يُسْتَخْدَمَ السارِقُ عَلى قَدْرِ سَرِقَتِهِ، وهَذا يُضْعِفُهُ رُجُوعُ الصُواعِ، فَكانَ يَنْبَغِي ألّا يُؤْخَذَ يامِينُ إذْ لَمْ يَبْقَ فِيما يَخْدِمُ.
يوسف 12:76
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَبَدَأ بِأوعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مِن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
بَدْؤُهُ أيْضًا بِأوعِيَتِهِمْ تَمْكِينٌ لِلْحِيلَةِ، وإبْعادٌ لِظُهُورِ أنَّها حِيلَةٌ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وِعاءِ" بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وُعاءِ" بِضَمِّها، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: "إعاءِ" بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الواوِ، وهَذا شائِعٌ في الواوِ المَكْسُورَةِ، وهو أكْثَرُ في المَضْمُومَةِ، وقَدْ جاءَ مِنَ المَفْتُوحَةِ أحَدٌ في وحَدٍ.
وأضافَ اللهُ تَعالى الكَيْدِ إلى ضَمِيرِهِ لَمّا أخْرَجَ القَدَرَ الَّذِي أباحَ بِهِ لِيُوسُفَ أخْذَ أخِيهِ مَخْرَجَ ما هو في اعْتِيادِ الناسِ كَيْدٌ. وقالَ السُدِّيُّ، والضَحّاكُ: "كِدْنا" مَعْناهُ: صَنَعْنا. و﴿دِينِ المَلِكِ﴾ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِسُلْطانِهِ، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ بِالقَضاءِ والحُكْمِ. وهَذا مُتَقارِبٌ، والِاسْتِثْناءُ في هَذِهِ الآيَةِ حِكايَةُ حالٍ، التَقْدِيرُ: "إلّا أنْ شاءَ اللهُ ما وقَعَ مِن هَذِهِ الحِيلَةِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ أنَّهُ تَسَنُّنٌ لَمّا قَرَّرَ النَفْيَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَرْفَعُ" عَلى ضَمِيرِ المُعَظَّمِ، و"نَشاءُ" كَذَلِكَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، ويَعْقُوبُ بِالياءِ، أيِ: اللهُ تَعالى، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ: "دَرَجاتِ مَن" بِإضافَةِ "الدَرَجاتِ" إلى "مَن"، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "دَرَجاتٍ (p-١٢٤)مَّنْ" بِتَنْوِينِ الدَرَجاتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ". وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عالِمٍ"، والمَعْنى أنَّ البَشَرَ في العِلْمِ دَرَجاتٌ، فَكُلُّ عالَمٍ فَلا بُدَّ مِن أعْلَمَ مِنهُ، فَإمّا مِنَ البَشَرِ، وإمّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقِيلَ: "ذِي" زائِدَةٌ، وقِيلَ: "عالِمٍ" مَصْدَرٌ كالباطِلِ.
ورُوِيَ أنَّ المُفَتِّشَ كانَ إذا فَرَغَ مَن رَحْلِ رَجُلٍ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا اسْتَغْفَرَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ تائِبًا مِن فِعْلِهِ ذَلِكَ. وظاهِرُ كَلامِ قَتادَةَ وغَيْرِهِ أنَّ المُسْتَغْفِرَ كانَ يُوسُفُ ؛ لِأنَّهُ كانَ يُفَتِّشُهم ويَعْلَمُ أيْنَ الصُواعُ، حَتّى فَرَغَ مِنهم وانْتَهى إلى رَحْلِ بِنْيامِينَ فَقالَ: ما أظُنُّ هَذا الفَتى رَضِيَ بِهَذا، ولا أخَذَ شَيْئًا، فَقالَ لَهُ إخْوَتُهُ: واللهِ لا نَبْرَحُ حَتّى تُفَتِّشَهُ فَهو أطْيَبُ لِنَفْسِكَ ونُفُوسِنا، فَفَتَّشَ حِينَئِذٍ فَأخْرَجَ السِقايَةَ، وهَذا التَفْتِيشُ مِن يُوسُفَ يَقْتَضِي أنَّ المُؤَذِّنَ إنَّما سَرَّقَهم بِرَأْيِهِ، وإمّا أنْ يُقالَ: جَمِيعُ ذَلِكَ كانَ بِأمْرِ اللهِ تَعالى، ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ: (p-١٢٥)"كِدْنا"، وكَيْفَ لا يَكُونُ بِرَأْيِ يُوسُفَ وهو مُضْطَرٌّ في مُحاوَلَتِهِ إلى أنْ يُلْزِمَهم حُكْمَ السَرِقَةِ لِيَتِمَّ لَهُ أخْذُ أخِيهِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "اسْتَخْرَجَها" عائِدٌ عَلى السِقايَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَوَّدَ عَلى السَرِقَةِ.
ورُوِيَ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا رَأوا ذَلِكَ قالُوا: يا بِنْيامِينُ بْنَ راحِيلَ، قَبَّحَكَ اللهُ، ولَدَتْ أُمُّكَ أخَوَيْنِ لِصَّيْنِ، كَيْفَ سَرَقْتَ هَذِهِ السِقايَةَ؟ فَرَفَعَ يَدَيْهِ إلى السَماءِ وقالَ: واللهِ ما فَعَلْتُ، فَقالُوا لَهُ: فَمَن وضَعَها في رَحْلِكَ؟ قالَ: الَّذِي وضَعَ البِضاعَةَ في رِحالِكم.
وما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ هو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ أيْضًا عنهُ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ حَدَّثَ يَوْمًا بِحَدِيثٍ عَجِيبٍ، فَتَعَجَّبَ مِنهُ رَجُلٌ مِمَّنْ حَضَرَ وقالَ: "الحَمْدُ لِلَّهِ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "بِئْسَ ما قُلْتَ، إنَّما العَلِيمُ لِلَّهِ، وهو فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وبَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِ الحَسَنِ فَرْقٌ.
يوسف 12:77
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾
الضَمِيرُ في "قالُوا" لِإخْوَةِ يُوسُفَ، والأخِ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ هو يُوسُفُ، ونَكَّرُوهُ تَحْقِيرًا لِلْأمْرِ؛ إذْ كانَ مِمّا لا عِلْمَ لِلْحاضِرِينَ بِهِ، ثُمَّ ألْصَقُوهُ بِبِنْيامِينَ إذْ كانَ شَقِيقَهُ. ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُمْ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ تَأْوِيلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهم حَقَّقُوا السَرِقَةَ في جانِبِ بِنْيامِينَ ويُوسُفَ عَلَيْهِما السَلامُ بِحَسَبَ ظاهِرِ الحُكْمِ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنْ كانَ قَدْ سَرَقَ فَغَيْرُ بِدَعٍ مِنَ ابْنِي راحِيلَ؛ لِأنَّ أخاهُ يُوسُفَ كانَ قَدْ سَرَقَ، فَهَذا مِنَ الإخْوَةِ إنْحاءٌ عَلى ابْنِي راحِيلَ: يُوسُفَ وبِنْيامِينَ.
والوَجْهُ الآخَرُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهم يَتَضَمَّنُ أنَّ السَرِقَةَ في جانِبِ يُوسُفَ وبِنْيامِينَ مَظْنُونَةٌ، كَأنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا الَّذِي رُمِيَ بِهِ بِنْيامِينُ حَقًّا في نَفْسِهِ فالَّذِي رُمِيَ بِهِ يُوسُفُ قَبْلَ حَقٌّ إذا، وكَأنَّ قِصَّةَ يُوسُفَ والظَنَّ بِهِ قَوِيٌّ عِنْدَهم أقْوى مِمّا ظَهَرَ في جِهَةِ بِنْيامِينَ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "التَقْدِيرُ: فَقَدْ قِيلَ عن يُوسُفَ إنَّهُ سَرَقَ"، ونَحْوُ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي لا يَنْطَبِقُ مَعْناهُ عَلى لَفْظِ الآيَةِ.
(p-١٢٦)وَهَذِهِ الأقْوالُ مِنهم عَلَيْهِمُ السَلامُ إنَّما كانَتْ بِحَسْبَ الظاهِرِ ومُوجِبِ الحُكْمِ في النازِلِينَ، فَلَمْ يَعْنُوا في غَيْبَةٍ لِيُوسُفَ، وإنَّما قَصَدُوا الإخْبارَ بِأمْرٍ جَرى لِتَزُولَ بَعْضُ المَعَرَّةِ عنهم ويَخْتَصُّ بِها هَذانِ الشَقِيقانِ.
وأمّا ما رُوِيَ في سَرِقَةِ يُوسُفَ فَثَلاثَةُ وُجُوهٍ: الجُمْهُورُ مِنها عَلى أنَّ عَمَّتَهُ كانَتْ رَبَّتْهُ، فَلَمّا شَبَّ أرادَ يَعْقُوبُ أخْذَهُ مِنها، فَوُلِعَتْ بِهِ وأشْفَقَتْ مِن فِراقِهِ، فَأخَذَتْ مِنطَقَةَ إسْحاقَ -وَكانَتْ مُتَوارَثَةً عِنْدَهُمْ- فَنَطَّقَتْهُ بِها مِن تَحْتِ ثِيابِهِ، ثُمَّ صاحَتْ وقالَتْ: إنِّي قَدْ فَقَدْتُ المِنطَقَةَ ويُوسُفُ قَدْ خَرَجَ بِها، فَفُتَّشَ فَوُجِدَتْ عِنْدَهُ، فاسْتَرَقَّتْهُ -حَسْبَما كانَ في شَرْعِهِمْ- وبَقِيَ عِنْدَها حَتّى ماتَتْ فَصارَ عِنْدَ أبِيهِ، وقالَ ابْنُ إدْرِيسَ عن أبِيهِ: إنَّما أكَلَ بَنُو يَعْقُوبَ طَعامًا فَأخَذَ يُوسُفُ عَرْقًا فَخَبَّأهُ فَرَمَوْهُ لِذَلِكَ بِالسَرِقَةِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: إنَّما أمَرَتْهُ أُمُّهُ أنْ يَسْرِقَ صَنَمًا لِأبِيها، فَسَرَقَهُ وكَسَرَهُ، وكانَ ذَلِكَ -مِنها ومِنهُ- تَغْيِيرًا لِلْمُنْكِرِ، وفي كِتابِ الزَجّاجِ أنَّهُ كانَ صَنَمٌ ذَهَبٌ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأسَرَّها﴾ عائِدٌ يُرادُ بِهِ الحَزّازَةُ الَّتِي حَدَثَتْ في نَفْسِ يُوسُفَ مِن قَوْلِهِمْ، والكَلامُ يَتَضَمَّنُها، وهَذا كَما تَضَمَّنَ الكَلامُ الضَمِيرَ الَّذِي في قَوْلِ حاتِمٍ:
؎ لَعَمْرُكَ ما يُغْنِي الثَراءُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَدْرُ
وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] فَهو مُرادٌ بِها الحالَةُ المُتَحَصِّلَةُ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: أسَرَّ المُجازاةَ، وقالَ قَوْمٌ: أسَرَّ الحُجَّةَ. وما قَدَّمْناهُ ألْيَقُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَأسَرَّهُ يُوسُفُ " بِضَمِيرِ تَذْكِيرٍ.
(p-١٢٧)وَقَوْلُهُ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ الآيَةُ. الظاهِرُ مِنهُ أنَّهُ قالَها إفْصاحًا، فَكَأنَّهُ أسَرَّ لَهم كَراهِيَةَ مَقالَتِهِمْ ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ لِسُوءِ أفْعالِكُمْ، واللهُ يَعْلَمُ إنْ كانَ ما وصَفْتُمُوهُ حَقًّا، وفي اللَفْظِ إشارَةٌ إلى تَكْذِيبِهِمْ، ومِمّا يُقَوِّي هَذا عِنْدِي أنَّهم تَرَكُوا الشَفاعَةَ بِأنْفُسِهِمْ وعَدَلُوا إلى الشَفاعَةِ بِالشَيْخِ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهُوَ ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما-: لَمْ يَقُلْ يُوسُفُ هَذا الكَلامَ إلّا في نَفْسِهِ، وإنَّما هو تَفْسِيرٌ لِلَّذِي أسَرَّ في نَفْسِهِ، أيْ: هَذِهِ المَقالَةُ هي الَّتِي أسَرَّ، فَكَأنَّ المُرادَ: قالَ في نَفْسِهِ: "أنْتُمْ".
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ هُنا قَصَصًا اخْتِصارُهُ أنَّهُ لَمّا اسْتُخْرِجَتِ السِقايَةُ مِن رَحْلِ بِنْيامِينَ قالَ إخْوَتُهُ: يا بَنِي راحِيلَ، ألا يَزالُ البَلاءُ يَنالَنا مِن جِهَتِكُمْ؟! فَقالَ بِنْيامِينُ: بَلْ بَنُو راحِيلَ يَنالَهُمُ البَلاءُ مِنكُمْ: ذَهَبْتُمْ بِأخِي فَأهْلَكْتُمُوهُ، ووَضَعَ هَذا الصُواعَ في رَحْلِي الَّذِي وضَعَ الدَراهِمَ في رِحالِكُمْ، فَقالُوا: لا تَذْكُرَ الدَراهِمَ وإلّا أُخِذْنا بِها، ثُمَّ دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَأخَذَ الصُواعَ فَنَقَرَهُ فَطَنَّ، فَقالَ: إنَّهُ يُخْبِرُ أنَّكم ذَهَبْتُمْ بِأخٍ لَكم فَبِعْتُمُوهُ، فَسَجَدَ بِنْيامِينُ وقالَ: أيُّها العَزِيزُ، سَلْ صُواعَكَ هَذا يُخْبِرُكَ بِالحَقِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونَحْوُ هَذا مِنَ القَصَصِ الَّذِي آثَرْنا اخْتِصارَهُ، ورُوِيَ أنْ رُوبِيلَ غَضِبَ ووَقَفَ شَعْرُهُ حَتّى خَرَجَ مِن ثِيابِهِ، فَأمَرَ يُوسُفُ بُنَيًّا لَهُ فَمَسَّهُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَقالَ رُوبِيلُ: لَقَدْ مَسَّنِي أحَدٌ مِن ولَدِ يَعْقُوبَ، ثُمَّ إنَّهم تَشاوَرُوا في مُحارَبَةِ يُوسُفَ -وَكانُوا أهْلَ قُوَّةٍ لا يُدانُونَ في ذَلِكَ- فَلَمّا أحَسَّ يُوسُفُ بِذَلِكَ قامَ إلى رُوبِيلَ فَلَبَّبَهُ وصَرَعَهُ، فَرَأوا مِن قُوَّتِهِ ما اسْتَعْظَمُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ، وقالُوا: أيُّها العَزِيزُ.
يوسف 12:78
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالَ مَعاذَ اللهِ أنْ نَأْخُذَ إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أو يَحْكُمَ اللهِ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾
(p-١٢٨)خاطَبُوهُ بِاسْمِ العَزِيزِ إذْ كانَ في تِلْكَ اللَحْظَةِ بِعَزْلِ الأوَّلِ أو مَوْتِهِ، عَلى ما رُوِيَ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُمْ: ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَصِحُّ أخْذُ حُرٍّ لِيُسْتَرَقَّ بَدَلَ مَن أحْكَمَتِ السُنَّةُ رِقَّهُ، وإنَّما هَذا كَما تَقُولُ لِمَن تَكْرَهُ فِعْلَهُ: "اقْتُلْنِي ولا تَفْعَلْ كَذا وكَذا"، وأنْتَ لا تُرِيدُ أنْ يَقْتُلَكَ ولَكِنْ تُبالِغُ في اسْتِنْزالِهِ، وعَلى هَذا يَتَّجِهُ قَوْلُ يُوسُفَ: "مَعاذَ اللهِ" لِأنَّهُ تَعَوُّذٌ مِن غَيْرِ جائِزٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ حَقِيقَةً، وبَعِيدٌ عَلَيْهِمْ -وَهم أنْبِياءُ- أنْ يُرِيدُوا اسْتِرْقاقَ حُرٍّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ طَرِيقَ الحَمالَةِ، أيْ: خُذْ أحَدَنا حَتّى يَنْصَرِفَ إلَيْكَ صاحِبُكَ، ومَقْصِدُهم بِذَلِكَ أنْ يَصِلَ بِنْيامِينُ إلى أبِيهِ، ويَعْرِفَ يَعْقُوبُ جَلِيَّةَ الأمْرِ، فَمَنَعَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن ذَلِكَ؛ إذِ الحَمالَةُ في الحُدُودِ ونَحْوِها بِمَعْنى إحْضارُ المَضْمُونِ جائِزَةٌ مَعَ التَراضِي غَيْرَ لازِمَةٍ إذا أبى الطالِبُ، وأمّا الحَمالَةُ في مِثْلِ هَذا -عَلى أنْ يَلْزَمَ الحَمِيلَ ما كانَ يَلْزَمُ المَضْمُونَ مِن عُقُوبَةٍ- فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ إجْماعًا، وفي "الواضِحَةِ" أنَّ الحَمالَةَ بِالوَجْهِ فَقَطْ في جَمِيعِ الحُدُودِ جائِزَةٌ إلّا في النَفْسِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا وصْفَهُ بِما رَأوهُ مِن إحْسانِهِ في جَمِيعِ أفْعالِهِ مَعَهم ومَعَ غَيْرِهِمْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا: إنّا نَرى لَكَ إحْسانًا عَلَيْنا في هَذِهِ اليَدِ إنْ أسْدَيْتَها إلَيْنا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ.
و"مَعاذَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، ولا يَجُوزُ إظْهارُ الفِعْلِ مَعَهُ، والظُلْمُ في قَوْلِهِ: "لَظالِمُونَ" عَلى حَقِيقَتِهِ؛ إذْ هو وضْعُ الشَيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ لَمّا أيْأسَهم بِلَفْظِهِ هَذا قالَ لَهُمْ: إذا أتَيْتُمْ أباكم فاقْرَؤُوا عَلَيْهِ السَلامَ، وقُولُوا لَهُ: إنَّ مَلِكَ مِصْرَ يَدْعُو لَكَ ألّا تَمُوتَ حَتّى تَرى ولَدَكَ يُوسُفَ، لِيَعْلَمَ أنَّ في أرْضِ مِصْرَ صِدِّيقِينَ مِثْلَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ الآيَةُ. يُقالُ: يَئِسَ واسْتَيْأسَ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَما يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "يَسْتَسْخِرُونَ"، وكَما يُقالُ: عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، ومِنهُ قَوْلُ أوسِ بْنِ حَجَرٍ:(p-١٢٩)
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أناتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
ومِنهُ: نَوِكَ واسْتَنْوَكَ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ الشاعِرِ في بَعْضِ التَأْوِيلاتِ:
.............................
؎ واسْتَنْوَكَتْ ولِلشَّبابِ نُوكُ.
وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "اسْتايَسُوا" و"لا تايَسُوا" و"لا يايَسُ" و"حَتّى إذا اسْتايَسَ الرُسُلُ"، أصْلُهُ: اسْتَأْيَسُوا "اسْتَفْعَلُوا" مِن "أيِسَ" عَلى قَلْبِ الفِعْلِ مَن "يَئِسَ" إلى "أيِسَ"، ولَيْسَ هَذا كَجَذَبَ وجَبَذَ، بَلْ هَذانِ أصْلانِ والأوَّلُ قَلْبٌ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ مِن "يَئِسَ وأيِسَ" واحِدٌ وهو "اليَأْسُ"، ولِجَذَبَ وجَبَذَ مَصْدَرانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ مَعْناهُ: انْفَرَدُوا عن غَيْرِهِمْ يُناجِي بَعْضُهم بَعْضًا، والنَجِيُّ لَفَظٌ يُوصَفُ بِهِ مَن لَهُ نَجْوى، واحِدًا أو جَماعَةً، أو مُؤَنَّثًا أو مُذَكَّرًا، فَهو مِثْلُ عَدُوٍّ وعَدْلٍ، وجَمْعُهُ أنْجِيَةٌ، قالَ لَبِيَدُ:(p-١٣٠)
؎ وشَهِدْتُ أنْجِيَةَ الأفاقَةِ عالِيًا ∗∗∗ ∗∗∗ كَعْبِي وأرْدافُ المُلُوكِ شُهُودُ
و"كَبِيرُهُمْ" قالَ مُجاهِدٌ: هو شَمْعُونُ؛ لِأنَّهُ كانَ كَبِيرُهم رَأْيًا وتَدْبِيرًا وعِلْمًا، وإنْ كانَ رُوبِيلُ أسَنَّهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: هو رُوبِيلُ لِأنَّهُ أسَنُّهُمْ، وهَذا أظْهَرُ ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ السُدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: وقالَ كَبِيرُهم في العِلْمِ، وذَكَّرَهم أخُوهُمُ المِيثاقَ في قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦].
وقَوْلُهُ: ﴿ما فَرَّطْتُمْ﴾، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" صِلَةً في الكَلامِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرِ قَوْلُهُ: ﴿فِي يُوسُفَ ﴾، كَذا قالَ أبُو عَلِيٌّ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] مُتَعَلِّقًا بِـ ﴿ما فَرَّطْتُمْ﴾، وإنَّما تَكُونُ -عَلى هَذا- مَصْدَرِيَّةً، التَقْدِيرُ: "مِن قَبْلِ تَفْرِيطِكم في يُوسُفَ واقِعٌ أو مُسْتَقِرٌّ"، وبِهَذا المُقَدَّرِ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧]. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا، عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: "وَتَعْلَمُوا تَفْرِيطَكُمْ" أو "وَتَعْلَمُوا الَّذِي فَرَّطْتُمْ"، فَيَصِحُّ -عَلى هَذا الوَجْهِ- أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾، أرادَ أرْضَ القُطْرِ والمَوْضِعِ الَّذِي نالَهُ فِيهِ المَكْرُوهُ المُؤَدِّي إلى سُخْطِ أبِيهِ، والمَقْصِدُ بِهَذا اللَفْظِ التَحْرِيجُ عَلى نَفْسِهِ والتِزامُ التَضْيِيقِ، كَأنَّهُ سَجَنَ نَفْسَهُ في ذَلِكَ القُطْرِ لِيُبْلِيَ عُذْرًا.
وقَوْلُهُ: ﴿أو يَحْكُمَ اللهُ لِي﴾ لَفْظٌ عامٌّ بِجَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَرُدَّهُ مِنَ القَدَرِ كالمَوْتِ أوِ (p-١٣١)النُصْرَةِ وبُلُوغِ الأمَلِ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ أبُو صالِحٍ: أو يَحْكُمُ اللهُ لِي بِالسَيْفِ، ونُصِبَ "يَحْكُمَ" بِالعَطْفِ عَلى "يَأْذَنَ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أو" في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى "إلّا أنْ"، كَما تَقُولُ: "لَألْزَمْنَّكَ أو تَقْضِيَنِي حَقِّي"، فَتَنْصِبُ عَلى هَذا "يَحْكُمَ" بِـ"أو".
ورُوِيَ أنَّهم لَمّا وصَلُوا إلى يَعْقُوبَ بَكى وقالَ: "يا بَنِيَّ، ما تَذْهَبُونَ عَنِّي مَرَّةً إلّا نَقَصْتُمْ، ذَهَبْتُمْ فَنَقَصْتُمْ يُوسُفَ، ثُمَّ ذَهَبْتُمْ فَنَقَصْتُمْ شَمْعُونَ حَيْثُ ارْتَهَنَ، ثُمَّ ذَهَبْتُمْ فَنَقَصْتُمْ بِنْيامِينَ ورُوبِيلَ ".
يوسف 12:79
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالَ مَعاذَ اللهِ أنْ نَأْخُذَ إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أو يَحْكُمَ اللهِ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾
(p-١٢٨)خاطَبُوهُ بِاسْمِ العَزِيزِ إذْ كانَ في تِلْكَ اللَحْظَةِ بِعَزْلِ الأوَّلِ أو مَوْتِهِ، عَلى ما رُوِيَ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُمْ: ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَصِحُّ أخْذُ حُرٍّ لِيُسْتَرَقَّ بَدَلَ مَن أحْكَمَتِ السُنَّةُ رِقَّهُ، وإنَّما هَذا كَما تَقُولُ لِمَن تَكْرَهُ فِعْلَهُ: "اقْتُلْنِي ولا تَفْعَلْ كَذا وكَذا"، وأنْتَ لا تُرِيدُ أنْ يَقْتُلَكَ ولَكِنْ تُبالِغُ في اسْتِنْزالِهِ، وعَلى هَذا يَتَّجِهُ قَوْلُ يُوسُفَ: "مَعاذَ اللهِ" لِأنَّهُ تَعَوُّذٌ مِن غَيْرِ جائِزٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ حَقِيقَةً، وبَعِيدٌ عَلَيْهِمْ -وَهم أنْبِياءُ- أنْ يُرِيدُوا اسْتِرْقاقَ حُرٍّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ طَرِيقَ الحَمالَةِ، أيْ: خُذْ أحَدَنا حَتّى يَنْصَرِفَ إلَيْكَ صاحِبُكَ، ومَقْصِدُهم بِذَلِكَ أنْ يَصِلَ بِنْيامِينُ إلى أبِيهِ، ويَعْرِفَ يَعْقُوبُ جَلِيَّةَ الأمْرِ، فَمَنَعَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن ذَلِكَ؛ إذِ الحَمالَةُ في الحُدُودِ ونَحْوِها بِمَعْنى إحْضارُ المَضْمُونِ جائِزَةٌ مَعَ التَراضِي غَيْرَ لازِمَةٍ إذا أبى الطالِبُ، وأمّا الحَمالَةُ في مِثْلِ هَذا -عَلى أنْ يَلْزَمَ الحَمِيلَ ما كانَ يَلْزَمُ المَضْمُونَ مِن عُقُوبَةٍ- فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ إجْماعًا، وفي "الواضِحَةِ" أنَّ الحَمالَةَ بِالوَجْهِ فَقَطْ في جَمِيعِ الحُدُودِ جائِزَةٌ إلّا في النَفْسِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا وصْفَهُ بِما رَأوهُ مِن إحْسانِهِ في جَمِيعِ أفْعالِهِ مَعَهم ومَعَ غَيْرِهِمْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا: إنّا نَرى لَكَ إحْسانًا عَلَيْنا في هَذِهِ اليَدِ إنْ أسْدَيْتَها إلَيْنا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ.
و"مَعاذَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، ولا يَجُوزُ إظْهارُ الفِعْلِ مَعَهُ، والظُلْمُ في قَوْلِهِ: "لَظالِمُونَ" عَلى حَقِيقَتِهِ؛ إذْ هو وضْعُ الشَيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ لَمّا أيْأسَهم بِلَفْظِهِ هَذا قالَ لَهُمْ: إذا أتَيْتُمْ أباكم فاقْرَؤُوا عَلَيْهِ السَلامَ، وقُولُوا لَهُ: إنَّ مَلِكَ مِصْرَ يَدْعُو لَكَ ألّا تَمُوتَ حَتّى تَرى ولَدَكَ يُوسُفَ، لِيَعْلَمَ أنَّ في أرْضِ مِصْرَ صِدِّيقِينَ مِثْلَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ الآيَةُ. يُقالُ: يَئِسَ واسْتَيْأسَ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَما يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "يَسْتَسْخِرُونَ"، وكَما يُقالُ: عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، ومِنهُ قَوْلُ أوسِ بْنِ حَجَرٍ:(p-١٢٩)
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أناتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
ومِنهُ: نَوِكَ واسْتَنْوَكَ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ الشاعِرِ في بَعْضِ التَأْوِيلاتِ:
.............................
؎ واسْتَنْوَكَتْ ولِلشَّبابِ نُوكُ.
وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "اسْتايَسُوا" و"لا تايَسُوا" و"لا يايَسُ" و"حَتّى إذا اسْتايَسَ الرُسُلُ"، أصْلُهُ: اسْتَأْيَسُوا "اسْتَفْعَلُوا" مِن "أيِسَ" عَلى قَلْبِ الفِعْلِ مَن "يَئِسَ" إلى "أيِسَ"، ولَيْسَ هَذا كَجَذَبَ وجَبَذَ، بَلْ هَذانِ أصْلانِ والأوَّلُ قَلْبٌ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ مِن "يَئِسَ وأيِسَ" واحِدٌ وهو "اليَأْسُ"، ولِجَذَبَ وجَبَذَ مَصْدَرانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ مَعْناهُ: انْفَرَدُوا عن غَيْرِهِمْ يُناجِي بَعْضُهم بَعْضًا، والنَجِيُّ لَفَظٌ يُوصَفُ بِهِ مَن لَهُ نَجْوى، واحِدًا أو جَماعَةً، أو مُؤَنَّثًا أو مُذَكَّرًا، فَهو مِثْلُ عَدُوٍّ وعَدْلٍ، وجَمْعُهُ أنْجِيَةٌ، قالَ لَبِيَدُ:(p-١٣٠)
؎ وشَهِدْتُ أنْجِيَةَ الأفاقَةِ عالِيًا ∗∗∗ ∗∗∗ كَعْبِي وأرْدافُ المُلُوكِ شُهُودُ
و"كَبِيرُهُمْ" قالَ مُجاهِدٌ: هو شَمْعُونُ؛ لِأنَّهُ كانَ كَبِيرُهم رَأْيًا وتَدْبِيرًا وعِلْمًا، وإنْ كانَ رُوبِيلُ أسَنَّهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: هو رُوبِيلُ لِأنَّهُ أسَنُّهُمْ، وهَذا أظْهَرُ ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ السُدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: وقالَ كَبِيرُهم في العِلْمِ، وذَكَّرَهم أخُوهُمُ المِيثاقَ في قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦].
وقَوْلُهُ: ﴿ما فَرَّطْتُمْ﴾، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" صِلَةً في الكَلامِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرِ قَوْلُهُ: ﴿فِي يُوسُفَ ﴾، كَذا قالَ أبُو عَلِيٌّ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] مُتَعَلِّقًا بِـ ﴿ما فَرَّطْتُمْ﴾، وإنَّما تَكُونُ -عَلى هَذا- مَصْدَرِيَّةً، التَقْدِيرُ: "مِن قَبْلِ تَفْرِيطِكم في يُوسُفَ واقِعٌ أو مُسْتَقِرٌّ"، وبِهَذا المُقَدَّرِ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧]. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا، عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: "وَتَعْلَمُوا تَفْرِيطَكُمْ" أو "وَتَعْلَمُوا الَّذِي فَرَّطْتُمْ"، فَيَصِحُّ -عَلى هَذا الوَجْهِ- أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾، أرادَ أرْضَ القُطْرِ والمَوْضِعِ الَّذِي نالَهُ فِيهِ المَكْرُوهُ المُؤَدِّي إلى سُخْطِ أبِيهِ، والمَقْصِدُ بِهَذا اللَفْظِ التَحْرِيجُ عَلى نَفْسِهِ والتِزامُ التَضْيِيقِ، كَأنَّهُ سَجَنَ نَفْسَهُ في ذَلِكَ القُطْرِ لِيُبْلِيَ عُذْرًا.
وقَوْلُهُ: ﴿أو يَحْكُمَ اللهُ لِي﴾ لَفْظٌ عامٌّ بِجَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَرُدَّهُ مِنَ القَدَرِ كالمَوْتِ أوِ (p-١٣١)النُصْرَةِ وبُلُوغِ الأمَلِ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ أبُو صالِحٍ: أو يَحْكُمُ اللهُ لِي بِالسَيْفِ، ونُصِبَ "يَحْكُمَ" بِالعَطْفِ عَلى "يَأْذَنَ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أو" في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى "إلّا أنْ"، كَما تَقُولُ: "لَألْزَمْنَّكَ أو تَقْضِيَنِي حَقِّي"، فَتَنْصِبُ عَلى هَذا "يَحْكُمَ" بِـ"أو".
ورُوِيَ أنَّهم لَمّا وصَلُوا إلى يَعْقُوبَ بَكى وقالَ: "يا بَنِيَّ، ما تَذْهَبُونَ عَنِّي مَرَّةً إلّا نَقَصْتُمْ، ذَهَبْتُمْ فَنَقَصْتُمْ يُوسُفَ، ثُمَّ ذَهَبْتُمْ فَنَقَصْتُمْ شَمْعُونَ حَيْثُ ارْتَهَنَ، ثُمَّ ذَهَبْتُمْ فَنَقَصْتُمْ بِنْيامِينَ ورُوبِيلَ ".
يوسف 12:80
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالَ مَعاذَ اللهِ أنْ نَأْخُذَ إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أو يَحْكُمَ اللهِ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾
(p-١٢٨)خاطَبُوهُ بِاسْمِ العَزِيزِ إذْ كانَ في تِلْكَ اللَحْظَةِ بِعَزْلِ الأوَّلِ أو مَوْتِهِ، عَلى ما رُوِيَ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُمْ: ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَصِحُّ أخْذُ حُرٍّ لِيُسْتَرَقَّ بَدَلَ مَن أحْكَمَتِ السُنَّةُ رِقَّهُ، وإنَّما هَذا كَما تَقُولُ لِمَن تَكْرَهُ فِعْلَهُ: "اقْتُلْنِي ولا تَفْعَلْ كَذا وكَذا"، وأنْتَ لا تُرِيدُ أنْ يَقْتُلَكَ ولَكِنْ تُبالِغُ في اسْتِنْزالِهِ، وعَلى هَذا يَتَّجِهُ قَوْلُ يُوسُفَ: "مَعاذَ اللهِ" لِأنَّهُ تَعَوُّذٌ مِن غَيْرِ جائِزٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ حَقِيقَةً، وبَعِيدٌ عَلَيْهِمْ -وَهم أنْبِياءُ- أنْ يُرِيدُوا اسْتِرْقاقَ حُرٍّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ طَرِيقَ الحَمالَةِ، أيْ: خُذْ أحَدَنا حَتّى يَنْصَرِفَ إلَيْكَ صاحِبُكَ، ومَقْصِدُهم بِذَلِكَ أنْ يَصِلَ بِنْيامِينُ إلى أبِيهِ، ويَعْرِفَ يَعْقُوبُ جَلِيَّةَ الأمْرِ، فَمَنَعَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن ذَلِكَ؛ إذِ الحَمالَةُ في الحُدُودِ ونَحْوِها بِمَعْنى إحْضارُ المَضْمُونِ جائِزَةٌ مَعَ التَراضِي غَيْرَ لازِمَةٍ إذا أبى الطالِبُ، وأمّا الحَمالَةُ في مِثْلِ هَذا -عَلى أنْ يَلْزَمَ الحَمِيلَ ما كانَ يَلْزَمُ المَضْمُونَ مِن عُقُوبَةٍ- فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ إجْماعًا، وفي "الواضِحَةِ" أنَّ الحَمالَةَ بِالوَجْهِ فَقَطْ في جَمِيعِ الحُدُودِ جائِزَةٌ إلّا في النَفْسِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا وصْفَهُ بِما رَأوهُ مِن إحْسانِهِ في جَمِيعِ أفْعالِهِ مَعَهم ومَعَ غَيْرِهِمْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا: إنّا نَرى لَكَ إحْسانًا عَلَيْنا في هَذِهِ اليَدِ إنْ أسْدَيْتَها إلَيْنا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ.
و"مَعاذَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، ولا يَجُوزُ إظْهارُ الفِعْلِ مَعَهُ، والظُلْمُ في قَوْلِهِ: "لَظالِمُونَ" عَلى حَقِيقَتِهِ؛ إذْ هو وضْعُ الشَيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ لَمّا أيْأسَهم بِلَفْظِهِ هَذا قالَ لَهُمْ: إذا أتَيْتُمْ أباكم فاقْرَؤُوا عَلَيْهِ السَلامَ، وقُولُوا لَهُ: إنَّ مَلِكَ مِصْرَ يَدْعُو لَكَ ألّا تَمُوتَ حَتّى تَرى ولَدَكَ يُوسُفَ، لِيَعْلَمَ أنَّ في أرْضِ مِصْرَ صِدِّيقِينَ مِثْلَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ الآيَةُ. يُقالُ: يَئِسَ واسْتَيْأسَ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَما يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "يَسْتَسْخِرُونَ"، وكَما يُقالُ: عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، ومِنهُ قَوْلُ أوسِ بْنِ حَجَرٍ:(p-١٢٩)
؎ ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أناتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
ومِنهُ: نَوِكَ واسْتَنْوَكَ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ الشاعِرِ في بَعْضِ التَأْوِيلاتِ:
.............................
؎ واسْتَنْوَكَتْ ولِلشَّبابِ نُوكُ.
وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "اسْتايَسُوا" و"لا تايَسُوا" و"لا يايَسُ" و"حَتّى إذا اسْتايَسَ الرُسُلُ"، أصْلُهُ: اسْتَأْيَسُوا "اسْتَفْعَلُوا" مِن "أيِسَ" عَلى قَلْبِ الفِعْلِ مَن "يَئِسَ" إلى "أيِسَ"، ولَيْسَ هَذا كَجَذَبَ وجَبَذَ، بَلْ هَذانِ أصْلانِ والأوَّلُ قَلْبٌ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ مِن "يَئِسَ وأيِسَ" واحِدٌ وهو "اليَأْسُ"، ولِجَذَبَ وجَبَذَ مَصْدَرانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ مَعْناهُ: انْفَرَدُوا عن غَيْرِهِمْ يُناجِي بَعْضُهم بَعْضًا، والنَجِيُّ لَفَظٌ يُوصَفُ بِهِ مَن لَهُ نَجْوى، واحِدًا أو جَماعَةً، أو مُؤَنَّثًا أو مُذَكَّرًا، فَهو مِثْلُ عَدُوٍّ وعَدْلٍ، وجَمْعُهُ أنْجِيَةٌ، قالَ لَبِيَدُ:(p-١٣٠)
؎ وشَهِدْتُ أنْجِيَةَ الأفاقَةِ عالِيًا ∗∗∗ ∗∗∗ كَعْبِي وأرْدافُ المُلُوكِ شُهُودُ
و"كَبِيرُهُمْ" قالَ مُجاهِدٌ: هو شَمْعُونُ؛ لِأنَّهُ كانَ كَبِيرُهم رَأْيًا وتَدْبِيرًا وعِلْمًا، وإنْ كانَ رُوبِيلُ أسَنَّهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: هو رُوبِيلُ لِأنَّهُ أسَنُّهُمْ، وهَذا أظْهَرُ ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ السُدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: وقالَ كَبِيرُهم في العِلْمِ، وذَكَّرَهم أخُوهُمُ المِيثاقَ في قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦].
وقَوْلُهُ: ﴿ما فَرَّطْتُمْ﴾، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" صِلَةً في الكَلامِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرِ قَوْلُهُ: ﴿فِي يُوسُفَ ﴾، كَذا قالَ أبُو عَلِيٌّ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] مُتَعَلِّقًا بِـ ﴿ما فَرَّطْتُمْ﴾، وإنَّما تَكُونُ -عَلى هَذا- مَصْدَرِيَّةً، التَقْدِيرُ: "مِن قَبْلِ تَفْرِيطِكم في يُوسُفَ واقِعٌ أو مُسْتَقِرٌّ"، وبِهَذا المُقَدَّرِ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧]. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا، عَلى أنَّ التَقْدِيرَ: "وَتَعْلَمُوا تَفْرِيطَكُمْ" أو "وَتَعْلَمُوا الَّذِي فَرَّطْتُمْ"، فَيَصِحُّ -عَلى هَذا الوَجْهِ- أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾، أرادَ أرْضَ القُطْرِ والمَوْضِعِ الَّذِي نالَهُ فِيهِ المَكْرُوهُ المُؤَدِّي إلى سُخْطِ أبِيهِ، والمَقْصِدُ بِهَذا اللَفْظِ التَحْرِيجُ عَلى نَفْسِهِ والتِزامُ التَضْيِيقِ، كَأنَّهُ سَجَنَ نَفْسَهُ في ذَلِكَ القُطْرِ لِيُبْلِيَ عُذْرًا.
وقَوْلُهُ: ﴿أو يَحْكُمَ اللهُ لِي﴾ لَفْظٌ عامٌّ بِجَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَرُدَّهُ مِنَ القَدَرِ كالمَوْتِ أوِ (p-١٣١)النُصْرَةِ وبُلُوغِ الأمَلِ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ أبُو صالِحٍ: أو يَحْكُمُ اللهُ لِي بِالسَيْفِ، ونُصِبَ "يَحْكُمَ" بِالعَطْفِ عَلى "يَأْذَنَ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أو" في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى "إلّا أنْ"، كَما تَقُولُ: "لَألْزَمْنَّكَ أو تَقْضِيَنِي حَقِّي"، فَتَنْصِبُ عَلى هَذا "يَحْكُمَ" بِـ"أو".
ورُوِيَ أنَّهم لَمّا وصَلُوا إلى يَعْقُوبَ بَكى وقالَ: "يا بَنِيَّ، ما تَذْهَبُونَ عَنِّي مَرَّةً إلّا نَقَصْتُمْ، ذَهَبْتُمْ فَنَقَصْتُمْ يُوسُفَ، ثُمَّ ذَهَبْتُمْ فَنَقَصْتُمْ شَمْعُونَ حَيْثُ ارْتَهَنَ، ثُمَّ ذَهَبْتُمْ فَنَقَصْتُمْ بِنْيامِينَ ورُوبِيلَ ".
يوسف 12:81
قوله عزّ وجلّ:
﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
الأمْرُ بِالرُجُوعِ قِيلَ: هو مِن قَوْلِ كَبِيرِهِمْ، وقِيلَ: بَلْ هو مِن قَوْلِ يُوسُفَ لَهُمْ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سَرَقَ" عَلى تَحْقِيقِ السَرِقَةِ عَلى "يامِينَ" بِحَسْبَ ظاهِرِ الأمْرِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ: "سُرِّقَ" بِضَمِّ السِينِ وكَسْرِ الراءِ وتَشْدِيدِها، وكَأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لَهم تَحَرٍّ ولَمْ يَقْطَعُوا عَلَيْهِ بِسَرِقَةٍ، وإنَّما أرادُوا: جُعِلَ سارِقًا بِما ظَهَرَ مِنَ الحالِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكِسائِيِّ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "إنَّ ابْنَكَ سارِقٌ" بِالألِفِ وتَنْوِينِ القافِ، ثُمَّ تَحَرَّوْا بَعْدُ -عَلى القِراءَتَيْنِ- في قَوْلِهِمْ: ﴿وَما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا﴾، أيْ: وقَوْلُنا لَكَ: ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ إنَّما هي شَهادَةٌ عِنْدَكَ بِما عَلِمْناهُ مِن ظاهِرِ ما جَرى، والعِلْمُ في الغَيْبِ إلى اللهِ، لَيْسَ في ذَلِكَ حِفْظُنا، هَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُمْ: ﴿وَما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا﴾ أرادُوا بِهِ: وما شَهِدْنا عِنْدَ يُوسُفَ بِأنَّ السارِقَ يُسْتَرَقُّ في شَرْعِكَ إلّا بِما عَلِمْنا مِن ذَلِكَ، وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ أنَّ السَرِقَةَ تُخْرَجُ مِن رَحْلِ أحَدِنا، بَلْ حَسِبْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ البَتَّةَ، فَشَهِدْنا عِنْدَهُ -حِينَ سَألْنا- بِعِلْمِنا. وقَرَأ الحَسَنُ: "وَما شَهِدْنا عَلَيْهِ إلّا بِما عَلِمْنا" بِزِيادَةِ "عَلَيْهِ".
(p-١٣٢)وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ أيْ حِينَ واثَقْناكَ إنَّما قَصَدْنا ألّا يَقَعَ مِنّا نَحْنُ في جِهَتِهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، ولَمْ نَعْلَمِ الغَيْبَ في أنَّهُ سَيَأْتِي هو بِما يُوجِبُ رِقَّهُ، ورُوِيَ أنَّ مَعْنى "لِلْغَيْبِ" أيْ: لِلَّيْلِ، والغَيْبُ: اللَيْلُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، فَكَأنَّهم قالُوا: وما شَهِدْنا عِنْدَكَ إلّا بِما عَلِمْناهُ مِن ظاهِرِ حالِهِ، وما كُنّا بِاللَيْلِ حافِظِينَ لِما يَقَعُ مِن سَرِقَتِهِ هو أوِ التَدْلِيسِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ اسْتَشْهَدُوا بِأهْلِ القَرْيَةِ الَّتِي كانُوا فِيها، وهي مِصْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وهَذا مَجازٌ، والمُرادُ أهْلُها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "والعِيرَ"، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الصَحِيحُ، وحَكى أبُو المَعالِي في التَلْخِيصِ عن بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ قالَ: هَذا مِنَ الحَذْفِ ولَيْسَ مِنَ المَجازِ، وإنَّما المَجازُ لَفْظَةٌ تُسْتَعارُ لِغَيْرِ ما هي لَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وحَذْفُ المُضافِ هو عَيْنُ المَجازِ وعَظْمُهُ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ النَظَرِ، ولَيْسَ كُلُّ حَذْفٍ مَجازًا، ورَجَّحَ أبُو المَعالِي في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مَجازٌ، وحَكى أنَّهُ قَوْلُ الجُمْهُورِ أو نَحْوَ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أحالُوهُ عَلى سُؤالِ الجَماداتِ والبَهائِمِ حَقِيقَةً، ومِن حَيْثُ هو نَبِيٌّ فَلا يَبْعُدُ أنْ تُخْبِرَهُ بِالحَقِيقَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا وإنْ جُوِّزَ فَبَعِيدٌ، والأوَّلُ أقْوى.
وهُنا كَلامٌ مُقَدَّرٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِأبِيهِمْ قالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾، وهَذا عَلى أنْ يَتَّصِلَ كَلامُ كَبِيرِهِمْ إلى هُنا، ومَن يَرى أنَّ كَلامَ كَبِيرِهِمْ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ فَإنَّهُ يَجْعَلُ الكَلامَ هُنالِكَ تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا رَجَعُوا قالُوا: ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ الآيَةُ، والظاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ إنَّما هو ظَنٌّ سَيِّئٌ بِهِمْ، كَما كانَ في قِصَّةِ يُوسُفَ قَبْلُ، فاتَّفَقَ أنَّ صِدْقَ ظَنِّهِ هُناكَ ولَمْ يَتَحَقَّقْ هُنا.
و"سَوَّلَتْ" مَعْناهُ: زَيَّنَتْ وخَيَّلَتْ وجَعَلَتْهُ سُولًا، والسُولُ: ما يَتَمَنّاهُ الإنْسانُ ويَحْرِصُ عَلَيْهِ.
(p-١٣٣)وَقَوْلُهُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ إمّا ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ: أمْثَلُ أو أولى، وحَسُنَ الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ مِن حَيْثُ وُصِفَتْ. وإمّا خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: فَأمْرِي، أو شَأْنِي، أو صَبْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، وهَذا ألْيَقُ بِالنَكِرَةِ، أنْ تَكُونَ خَبَرًا، ومَعْنى وصْفِهِ بِالجَمالِ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَكْوًى إلى بَشَرٍ ولا ضَجَرٌ بِقَضاءِ اللهِ تَعالى.
ثُمَّ تَرَجّى عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ اللهِ أنْ يَجْبُرَهم عَلَيْهِ، وهُمْ: يُوسُفُ ويامِينُ ورُوبِيلُ الَّذِي لَمْ يَبْرَحِ الأرْضَ، ورَجاؤُهُ هَذا مِن جِهاتٍ:
إحْداها: الرُؤْيا الَّتِي رَأى يُوسُفُ، فَكانَ يَعْقُوبُ يَنْتَظِرُها. والثانِيَةُ: حُسْنُ ظَنِّهِ بِاللهِ تَعالى في كُلِّ حالٍ. والثالِثَةُ: ما أخْبَرُوهُ بِهِ عن مَلِكِ مِصْرَ أنَّهُ يَدْعُو لَهُ بِرُؤْيَةِ ابْنِهِ،فَوَقَعَ لَهُ -مِن هُنا- تَحَسُّسٌ ورَجاءٌ، والوَصْفُ بِالعِلْمِ والإحْكامِ لائِقٌ بِما يَرْجُوهُ مِن لِقاءِ بَنِيهِ، وفِيها تَسْلِيمٌ لِحِكْمَةِ اللهِ تَعالى في جَمِيعِ ما جَرى عَلَيْهِ.
يوسف 12:82
قوله عزّ وجلّ:
﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
الأمْرُ بِالرُجُوعِ قِيلَ: هو مِن قَوْلِ كَبِيرِهِمْ، وقِيلَ: بَلْ هو مِن قَوْلِ يُوسُفَ لَهُمْ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سَرَقَ" عَلى تَحْقِيقِ السَرِقَةِ عَلى "يامِينَ" بِحَسْبَ ظاهِرِ الأمْرِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ: "سُرِّقَ" بِضَمِّ السِينِ وكَسْرِ الراءِ وتَشْدِيدِها، وكَأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لَهم تَحَرٍّ ولَمْ يَقْطَعُوا عَلَيْهِ بِسَرِقَةٍ، وإنَّما أرادُوا: جُعِلَ سارِقًا بِما ظَهَرَ مِنَ الحالِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكِسائِيِّ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "إنَّ ابْنَكَ سارِقٌ" بِالألِفِ وتَنْوِينِ القافِ، ثُمَّ تَحَرَّوْا بَعْدُ -عَلى القِراءَتَيْنِ- في قَوْلِهِمْ: ﴿وَما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا﴾، أيْ: وقَوْلُنا لَكَ: ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ إنَّما هي شَهادَةٌ عِنْدَكَ بِما عَلِمْناهُ مِن ظاهِرِ ما جَرى، والعِلْمُ في الغَيْبِ إلى اللهِ، لَيْسَ في ذَلِكَ حِفْظُنا، هَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُمْ: ﴿وَما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا﴾ أرادُوا بِهِ: وما شَهِدْنا عِنْدَ يُوسُفَ بِأنَّ السارِقَ يُسْتَرَقُّ في شَرْعِكَ إلّا بِما عَلِمْنا مِن ذَلِكَ، وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ أنَّ السَرِقَةَ تُخْرَجُ مِن رَحْلِ أحَدِنا، بَلْ حَسِبْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ البَتَّةَ، فَشَهِدْنا عِنْدَهُ -حِينَ سَألْنا- بِعِلْمِنا. وقَرَأ الحَسَنُ: "وَما شَهِدْنا عَلَيْهِ إلّا بِما عَلِمْنا" بِزِيادَةِ "عَلَيْهِ".
(p-١٣٢)وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ أيْ حِينَ واثَقْناكَ إنَّما قَصَدْنا ألّا يَقَعَ مِنّا نَحْنُ في جِهَتِهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، ولَمْ نَعْلَمِ الغَيْبَ في أنَّهُ سَيَأْتِي هو بِما يُوجِبُ رِقَّهُ، ورُوِيَ أنَّ مَعْنى "لِلْغَيْبِ" أيْ: لِلَّيْلِ، والغَيْبُ: اللَيْلُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، فَكَأنَّهم قالُوا: وما شَهِدْنا عِنْدَكَ إلّا بِما عَلِمْناهُ مِن ظاهِرِ حالِهِ، وما كُنّا بِاللَيْلِ حافِظِينَ لِما يَقَعُ مِن سَرِقَتِهِ هو أوِ التَدْلِيسِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ اسْتَشْهَدُوا بِأهْلِ القَرْيَةِ الَّتِي كانُوا فِيها، وهي مِصْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وهَذا مَجازٌ، والمُرادُ أهْلُها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "والعِيرَ"، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الصَحِيحُ، وحَكى أبُو المَعالِي في التَلْخِيصِ عن بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ قالَ: هَذا مِنَ الحَذْفِ ولَيْسَ مِنَ المَجازِ، وإنَّما المَجازُ لَفْظَةٌ تُسْتَعارُ لِغَيْرِ ما هي لَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وحَذْفُ المُضافِ هو عَيْنُ المَجازِ وعَظْمُهُ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ النَظَرِ، ولَيْسَ كُلُّ حَذْفٍ مَجازًا، ورَجَّحَ أبُو المَعالِي في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مَجازٌ، وحَكى أنَّهُ قَوْلُ الجُمْهُورِ أو نَحْوَ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أحالُوهُ عَلى سُؤالِ الجَماداتِ والبَهائِمِ حَقِيقَةً، ومِن حَيْثُ هو نَبِيٌّ فَلا يَبْعُدُ أنْ تُخْبِرَهُ بِالحَقِيقَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا وإنْ جُوِّزَ فَبَعِيدٌ، والأوَّلُ أقْوى.
وهُنا كَلامٌ مُقَدَّرٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِأبِيهِمْ قالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾، وهَذا عَلى أنْ يَتَّصِلَ كَلامُ كَبِيرِهِمْ إلى هُنا، ومَن يَرى أنَّ كَلامَ كَبِيرِهِمْ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ فَإنَّهُ يَجْعَلُ الكَلامَ هُنالِكَ تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا رَجَعُوا قالُوا: ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ الآيَةُ، والظاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ إنَّما هو ظَنٌّ سَيِّئٌ بِهِمْ، كَما كانَ في قِصَّةِ يُوسُفَ قَبْلُ، فاتَّفَقَ أنَّ صِدْقَ ظَنِّهِ هُناكَ ولَمْ يَتَحَقَّقْ هُنا.
و"سَوَّلَتْ" مَعْناهُ: زَيَّنَتْ وخَيَّلَتْ وجَعَلَتْهُ سُولًا، والسُولُ: ما يَتَمَنّاهُ الإنْسانُ ويَحْرِصُ عَلَيْهِ.
(p-١٣٣)وَقَوْلُهُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ إمّا ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ: أمْثَلُ أو أولى، وحَسُنَ الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ مِن حَيْثُ وُصِفَتْ. وإمّا خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: فَأمْرِي، أو شَأْنِي، أو صَبْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، وهَذا ألْيَقُ بِالنَكِرَةِ، أنْ تَكُونَ خَبَرًا، ومَعْنى وصْفِهِ بِالجَمالِ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَكْوًى إلى بَشَرٍ ولا ضَجَرٌ بِقَضاءِ اللهِ تَعالى.
ثُمَّ تَرَجّى عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ اللهِ أنْ يَجْبُرَهم عَلَيْهِ، وهُمْ: يُوسُفُ ويامِينُ ورُوبِيلُ الَّذِي لَمْ يَبْرَحِ الأرْضَ، ورَجاؤُهُ هَذا مِن جِهاتٍ:
إحْداها: الرُؤْيا الَّتِي رَأى يُوسُفُ، فَكانَ يَعْقُوبُ يَنْتَظِرُها. والثانِيَةُ: حُسْنُ ظَنِّهِ بِاللهِ تَعالى في كُلِّ حالٍ. والثالِثَةُ: ما أخْبَرُوهُ بِهِ عن مَلِكِ مِصْرَ أنَّهُ يَدْعُو لَهُ بِرُؤْيَةِ ابْنِهِ،فَوَقَعَ لَهُ -مِن هُنا- تَحَسُّسٌ ورَجاءٌ، والوَصْفُ بِالعِلْمِ والإحْكامِ لائِقٌ بِما يَرْجُوهُ مِن لِقاءِ بَنِيهِ، وفِيها تَسْلِيمٌ لِحِكْمَةِ اللهِ تَعالى في جَمِيعِ ما جَرى عَلَيْهِ.
يوسف 12:83
قوله عزّ وجلّ:
﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
الأمْرُ بِالرُجُوعِ قِيلَ: هو مِن قَوْلِ كَبِيرِهِمْ، وقِيلَ: بَلْ هو مِن قَوْلِ يُوسُفَ لَهُمْ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سَرَقَ" عَلى تَحْقِيقِ السَرِقَةِ عَلى "يامِينَ" بِحَسْبَ ظاهِرِ الأمْرِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ: "سُرِّقَ" بِضَمِّ السِينِ وكَسْرِ الراءِ وتَشْدِيدِها، وكَأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لَهم تَحَرٍّ ولَمْ يَقْطَعُوا عَلَيْهِ بِسَرِقَةٍ، وإنَّما أرادُوا: جُعِلَ سارِقًا بِما ظَهَرَ مِنَ الحالِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكِسائِيِّ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "إنَّ ابْنَكَ سارِقٌ" بِالألِفِ وتَنْوِينِ القافِ، ثُمَّ تَحَرَّوْا بَعْدُ -عَلى القِراءَتَيْنِ- في قَوْلِهِمْ: ﴿وَما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا﴾، أيْ: وقَوْلُنا لَكَ: ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ إنَّما هي شَهادَةٌ عِنْدَكَ بِما عَلِمْناهُ مِن ظاهِرِ ما جَرى، والعِلْمُ في الغَيْبِ إلى اللهِ، لَيْسَ في ذَلِكَ حِفْظُنا، هَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُمْ: ﴿وَما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا﴾ أرادُوا بِهِ: وما شَهِدْنا عِنْدَ يُوسُفَ بِأنَّ السارِقَ يُسْتَرَقُّ في شَرْعِكَ إلّا بِما عَلِمْنا مِن ذَلِكَ، وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ أنَّ السَرِقَةَ تُخْرَجُ مِن رَحْلِ أحَدِنا، بَلْ حَسِبْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ البَتَّةَ، فَشَهِدْنا عِنْدَهُ -حِينَ سَألْنا- بِعِلْمِنا. وقَرَأ الحَسَنُ: "وَما شَهِدْنا عَلَيْهِ إلّا بِما عَلِمْنا" بِزِيادَةِ "عَلَيْهِ".
(p-١٣٢)وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ أيْ حِينَ واثَقْناكَ إنَّما قَصَدْنا ألّا يَقَعَ مِنّا نَحْنُ في جِهَتِهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، ولَمْ نَعْلَمِ الغَيْبَ في أنَّهُ سَيَأْتِي هو بِما يُوجِبُ رِقَّهُ، ورُوِيَ أنَّ مَعْنى "لِلْغَيْبِ" أيْ: لِلَّيْلِ، والغَيْبُ: اللَيْلُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، فَكَأنَّهم قالُوا: وما شَهِدْنا عِنْدَكَ إلّا بِما عَلِمْناهُ مِن ظاهِرِ حالِهِ، وما كُنّا بِاللَيْلِ حافِظِينَ لِما يَقَعُ مِن سَرِقَتِهِ هو أوِ التَدْلِيسِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ اسْتَشْهَدُوا بِأهْلِ القَرْيَةِ الَّتِي كانُوا فِيها، وهي مِصْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وهَذا مَجازٌ، والمُرادُ أهْلُها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "والعِيرَ"، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الصَحِيحُ، وحَكى أبُو المَعالِي في التَلْخِيصِ عن بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ قالَ: هَذا مِنَ الحَذْفِ ولَيْسَ مِنَ المَجازِ، وإنَّما المَجازُ لَفْظَةٌ تُسْتَعارُ لِغَيْرِ ما هي لَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وحَذْفُ المُضافِ هو عَيْنُ المَجازِ وعَظْمُهُ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ النَظَرِ، ولَيْسَ كُلُّ حَذْفٍ مَجازًا، ورَجَّحَ أبُو المَعالِي في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مَجازٌ، وحَكى أنَّهُ قَوْلُ الجُمْهُورِ أو نَحْوَ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أحالُوهُ عَلى سُؤالِ الجَماداتِ والبَهائِمِ حَقِيقَةً، ومِن حَيْثُ هو نَبِيٌّ فَلا يَبْعُدُ أنْ تُخْبِرَهُ بِالحَقِيقَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا وإنْ جُوِّزَ فَبَعِيدٌ، والأوَّلُ أقْوى.
وهُنا كَلامٌ مُقَدَّرٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ لِأبِيهِمْ قالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾، وهَذا عَلى أنْ يَتَّصِلَ كَلامُ كَبِيرِهِمْ إلى هُنا، ومَن يَرى أنَّ كَلامَ كَبِيرِهِمْ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ فَإنَّهُ يَجْعَلُ الكَلامَ هُنالِكَ تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا رَجَعُوا قالُوا: ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ الآيَةُ، والظاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ إنَّما هو ظَنٌّ سَيِّئٌ بِهِمْ، كَما كانَ في قِصَّةِ يُوسُفَ قَبْلُ، فاتَّفَقَ أنَّ صِدْقَ ظَنِّهِ هُناكَ ولَمْ يَتَحَقَّقْ هُنا.
و"سَوَّلَتْ" مَعْناهُ: زَيَّنَتْ وخَيَّلَتْ وجَعَلَتْهُ سُولًا، والسُولُ: ما يَتَمَنّاهُ الإنْسانُ ويَحْرِصُ عَلَيْهِ.
(p-١٣٣)وَقَوْلُهُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ إمّا ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ: أمْثَلُ أو أولى، وحَسُنَ الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ مِن حَيْثُ وُصِفَتْ. وإمّا خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: فَأمْرِي، أو شَأْنِي، أو صَبْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، وهَذا ألْيَقُ بِالنَكِرَةِ، أنْ تَكُونَ خَبَرًا، ومَعْنى وصْفِهِ بِالجَمالِ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَكْوًى إلى بَشَرٍ ولا ضَجَرٌ بِقَضاءِ اللهِ تَعالى.
ثُمَّ تَرَجّى عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ اللهِ أنْ يَجْبُرَهم عَلَيْهِ، وهُمْ: يُوسُفُ ويامِينُ ورُوبِيلُ الَّذِي لَمْ يَبْرَحِ الأرْضَ، ورَجاؤُهُ هَذا مِن جِهاتٍ:
إحْداها: الرُؤْيا الَّتِي رَأى يُوسُفُ، فَكانَ يَعْقُوبُ يَنْتَظِرُها. والثانِيَةُ: حُسْنُ ظَنِّهِ بِاللهِ تَعالى في كُلِّ حالٍ. والثالِثَةُ: ما أخْبَرُوهُ بِهِ عن مَلِكِ مِصْرَ أنَّهُ يَدْعُو لَهُ بِرُؤْيَةِ ابْنِهِ،فَوَقَعَ لَهُ -مِن هُنا- تَحَسُّسٌ ورَجاءٌ، والوَصْفُ بِالعِلْمِ والإحْكامِ لائِقٌ بِما يَرْجُوهُ مِن لِقاءِ بَنِيهِ، وفِيها تَسْلِيمٌ لِحِكْمَةِ اللهِ تَعالى في جَمِيعِ ما جَرى عَلَيْهِ.
يوسف 12:84
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَتَوَلّى عنهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أو تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللهِ وأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
المَعْنى: أنَّهُ لَمّا ساءَ ظَنُّهُ بِهِمْ ولَمْ يُصَدِّقْ قَوْلَهم بَلِ اسْتَرابَ بِهِ ﴿وَتَوَلّى عنهُمْ﴾ أيْ زالَ بِوَجْهِهِ عنهُمْ، وجَعَلَ يَتَفَجَّعُ ويَتَأسَّفُ. قالَ الحَسَنُ: خُصَّتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بِالِاسْتِرْجاعِ، ألاَ تَرى إلى قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿يا أسَفى﴾ ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والمُرادُ: يا أسَفِي، لَكِنْ هَذِهِ لُغَةُ مَن يَرُدُّ ياءَ الإضافَةِ ألِفًا نَحْوُ: يا أبَتا ويا غُلاما. (p-١٣٤)وَنادى الأسَفَ عَلى مَعْنى: احْضُرْ فَهَذا مِن أوقاتِكَ. وقِيلَ: قَوْلُهُ: "يا أسَفى" عَلى جِهَةِ النُدْبَةِ، وحَذْفُ الهاءِ الَّتِي هي في النُدْبَةِ عَلامَةُ المُبالَغَةِ في الحُزْنِ تَجَلُّدًا مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ، إذْ كانَ قَدِ ارْتَبَطَ إلى الصَبْرِ الجَمِيلِ. وقِيلَ: قَوْلُهُ: "يا أسَفى" نِداءٌ فِيهِ اسْتِغاثَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا يَبْعُدُ أنْ يَجْتَمِعَ "الِاسْتِرْجاعُ" و"يا أسَفا" لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ.
﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ أيْ: مِن مُلازَمَةِ البُكاءِ الَّذِي هو ثَمَرَةُ الحُزْنِ، ورُوِيَ «أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ حَزِنَ حُزْنَ سَبْعِينَ ثَكْلى، وأُعْطِيَ أجْرَ مِائَةِ شَهِيدٍ، وما ساءَ ظَنُّهُ بِاللهِ قَطُّ،» رَواهُ الحَسَنُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: "الحَزَنِ" بِفَتْحِ الحاءِ والزايِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزايِ.
" وهو كَظِيمٌ " بِمَعْنى: كاظِمٌ، كَما قالَ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، ووَصَفَ يَعْقُوبَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُ إلى أحَدٍ، وإنَّما كانَ يَكْمَدُ في نَفْسِهِ ويُمْسِكُ هَمَّهُ في صَدْرِهِ، وكانَ يَكْظِمُهُ أيْ يَرُدُّهُ إلى قَلْبِهِ ولا يُرْسِلُهُ بِالشَكْوى والغَضَبِ والضَجَرِ، وقالَ ناسٌ: "كَظِيمٌ" بِمَعْنى: مَكْظُومٌ. وقَدْ وصَفَ اللهُ تَعالى يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَكْظُومٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨]، وهَذا إنَّما يَتَّجِهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مَلِيءٌ بِحُزْنِهِ، فَكَأنَّهُ كَظَمَ بَثَّهُ في صَدْرِهِ، وجَرْيُ "كَظِيمٌ" عَلى بابِ "كاظِمٍ" أبْيَنُ، وفَسَّرَ ناسٌ "الكَظِيمَ" بِالمَكْرُوبِ وبِالمَكْدُورِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُتَقارِبٌ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: الأسَفُ إذا كانَ مِن جِهَةِ مَن هو (p-١٣٥)أقَلُّ مِنَ الإنْسانِ فَهو غَضَبٌ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، ومِنهُ قَوْلُ الرَجُلِ الَّذِي ذَهَبَتْ لِخادِمِهِ الشاةُ مِنَ الغَنَمِ: "فَأسِفْتُ فَلَطَمْتُها"، وإذا كانَ مِن جِهَةٍ لا يُطِيقُها فَهو هَمٌّ وحُزْنٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَحْرِيرُ هَذا المَنزَعِ أنَّ الأسَفَ يُقالُ في الغَضَبِ ويُقالُ في الحُزْنِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ يَحْزِرُ حالَهُ الَّتِي يُقالُ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللهِ تَفْتَأُ﴾ الآيَةَ. المَعْنى: تاللهِ لا تَفْتَأُ، فَتُحْذَفُ (لا) في هَذا المَوْضِعِ مِنَ القَسَمِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ فَقُلْتُ يَمِينُ اللهِ أبْرَحُ قاعِدًا ∗∗∗ ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوصالِي
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ تاللهِ يَبْقى عَلى الأيّامِ ذُو حِيَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ بِمُشْمَخِرٍّ بِهِ الظَيّانُ والآسُ
أرادَ: لا يَبْرَحُ، ولا يَبْقى. وقالَ الزَجّاجِيُّ: وقَدْ تُحْذَفُ أيْضًا (ما) في هَذا (p-١٣٦)المَوْضِعِ، وخَطَّأهُ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ. ومِنَ المَواضِعِ الَّتِي حُذِفَتْ فِيها (لا) ويَدُلُّ عَلَيْها الكَلامُ، قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا -وَأبِي دَهْماءَ- زالَتْ عَزِيزَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى قَوْمِها ما فَتَّلَ الزَنْدَ قادِحُ
وقَوْلُهُ: "ما فَتَّلَ الزَنْدَ قادِحُ" يُوجِبُ أنَّ المَحْذُوفَ (لا)، ولَيْسَتْ (ما).
و(فَتِئَ) بِمَنزِلَةِ زالَ وبَرِحَ في المَعْنى والعَمَلِ، تَقُولُ: "واللهِ لا فَتِئْتُ قاعِدًا" كَما تَقُولُ: "لا زِلْتُ ولا بَرِحْتُ"، ومِنهُ قَوْلُ أوسِ بْنِ حَجَرٍ:
؎ فَما فَتِئَتْ حَتّى كَأنَّ غُبارَها ∗∗∗ ∗∗∗ سُرادِقُ يَوْمٍ ذِي رِياحٍ تَرَفَّعُ
و"الحَرَضُ": الَّذِي قَدْ نَهِكَهُ الهَرَمُ أوِ الحُبُّ أوِ الحُزْنُ إلى حالِ فَسادِ الأعْضاءِ والبَدَنِ والحِسِّ، وعَلى هَذا المَعْنى قِراءَةُ الجُمْهُورِ: "حَرَضًا" بِفَتْحِ الراءِ والحاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ بِضَمِّهِما، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "حُرْضًا" بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الراءِ، وهَذا كُلُّهُ المَصْدَرُ يُوصَفُ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والمُفْرَدُ والجَمْعُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، كَعَدْلٍ وعُدُوٍّ، وقِيلَ في قِراءَةِ الحَسَنِ: إنَّهُ فُتاتُ الأشْنانِ، أيْ: بالِيًا مُتَفَتِّتًا، ويُقالُ مِن هَذا المَعْنى الَّذِي هو شَنُّ الهَمِّ والهَرَمِ: "رَجُلٌ حارِضٌ"، ويُثَنّى هَذا البِناءُ ويُجْمَعُ ويُؤَنَّثُ (p-١٣٧)وَيُذَّكَّرُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ حَتّى بَلِيَتْ وحَتّى شَفَّنِيَ السَقَمُ
وقَدْ سُمِعَ مِنَ العَرَبِ "رَجُلٌ مُحْرَضٌ"، قالَ الشاعِرُ وهو امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ أرى المَرْءَ ذا الأذْوادِ يُصْبِحُ مُحْرَضًا ∗∗∗ ∗∗∗ كَإحْراضِ بَكْرٍ في الدِيارِ مَرِيضِ
والحَرَضُ -بِالجُمْلَةِ-: الَّذِي فَسَدَ ودَنا مَوْتُهُ، قالَ مُجاهِدٌ: الحَرَضُ: ما دُونَ المَوْتِ، قالَ قَتادَةُ: الحَرَضُ: البالِي الهَرِمُ، وقالَ نَحْوَهُ الضَحّاكُ والحَسَنُ، وقالَ الحَسَنُ: "حَرَضًا": مَعْناهُ: فاسِدٌ لا عَقْلَ لَهُ، فَكَأنَّهم قالُوا عَلى جِهَةِ التَعْنِيفِ لَهُ: أنْتَ لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ إلى حالِ القُرْبِ مِنَ الهَلاكِ، أو إلى الهَلاكِ، فَأجابَهم يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ رادًّا عَلَيْهِمْ: إنِّي لَسْتُ مِمَّنْ يَجْزَعُ ويَضْجَرُ فَيَسْتَحِقُّ التَعْنِيفَ، وإنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللهِ.
و"البَثُّ": ما في صَدْرِ الإنْسانِ مِمّا هو مُعْتَزِمٌ أنْ يَبُثَّهُ ويَنْشُرَهُ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ البَثُّ في المَكْرُوهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: البَثُّ: أشَدُّ الحُزْنِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ البَثُّ في المَخْفِيِّ عَلى الجُمْلَةِ، ومِنهُ قَوْلُ المَرْأةِ في حَدِيثِ "أمِّ زَرْعٍ": (وَلا يُولِجُ الكَفَّ لِيَعْلَمَ البَثَّ)، (p-١٣٨)وَمِنهُ قَوْلُهُمْ: "أبُثُّكَ حَدِيثِي".
وقَرَأ عِيسى: "وَحَزَنِي" بِفَتْحِ الحاءِ والزايِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ بِسَنَدٍ أنَّ يَعْقُوبَ دَخَلَ عَلى فِرْعَوْنَ وقَدْ سَقَطَ حاجِباهُ عَلى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: ما بَلَغَ بِكَ هَذا يا إبْراهِيمُ؟ فَقالُوا: إنَّهُ يَعْقُوبُ، فَقالَ: ما بَلَغَ بِكَ هَذا يا يَعْقُوبُ ؟ قالَ لَهُ: طُولُ الزَمانِ وكَثْرَةُ الأحْزانِ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: يا يَعْقُوبُ، أتَشْكُونِي إلى خَلْقِي؟ فَقالَ: يا رَبِّ، خَطِيئَةٌ فاغْفِرْها لِي. وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى الحَسَنِ قالَ: كانَ بَيْنَ خُرُوجِ يُوسُفَ عن يَعْقُوبَ إلى دُخُولِ يَعْقُوبَ عَلى يُوسُفَ ثَمانُونَ سَنَةً لَمْ يُفارِقِ الحُزْنُ قَلْبَهُ، ولَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتّى كُفَّ بَصَرُهُ، وما في الأرْضِ يَوْمَئِذٍ أكْرَمُ عَلى اللهِ مِن يَعْقُوبَ.
وقَوْلُهُ: ﴿أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٩٦] يَحْتَمِلُ أنَّهُ أشارَ إلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللهِ وجَمِيلِ عادَةِ اللهِ عِنْدَهُ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ أشارَ إلى الرُؤْيا المُنْتَظَرَةِ، أو إلى ما وقَعَ في نَفْسِهِ عن قَوْلِ مَلِكِ مِصْرَ: إنِّي أدْعُو لَهُ بِرُؤْيَةِ ابْنِهِ قَبْلَ المَوْتِ، وهَذا هو حُسْنُ الظَنِّ الَّذِي قَدَّمْناهُ.
يوسف 12:85
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَتَوَلّى عنهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أو تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللهِ وأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
المَعْنى: أنَّهُ لَمّا ساءَ ظَنُّهُ بِهِمْ ولَمْ يُصَدِّقْ قَوْلَهم بَلِ اسْتَرابَ بِهِ ﴿وَتَوَلّى عنهُمْ﴾ أيْ زالَ بِوَجْهِهِ عنهُمْ، وجَعَلَ يَتَفَجَّعُ ويَتَأسَّفُ. قالَ الحَسَنُ: خُصَّتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بِالِاسْتِرْجاعِ، ألاَ تَرى إلى قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿يا أسَفى﴾ ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والمُرادُ: يا أسَفِي، لَكِنْ هَذِهِ لُغَةُ مَن يَرُدُّ ياءَ الإضافَةِ ألِفًا نَحْوُ: يا أبَتا ويا غُلاما. (p-١٣٤)وَنادى الأسَفَ عَلى مَعْنى: احْضُرْ فَهَذا مِن أوقاتِكَ. وقِيلَ: قَوْلُهُ: "يا أسَفى" عَلى جِهَةِ النُدْبَةِ، وحَذْفُ الهاءِ الَّتِي هي في النُدْبَةِ عَلامَةُ المُبالَغَةِ في الحُزْنِ تَجَلُّدًا مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ، إذْ كانَ قَدِ ارْتَبَطَ إلى الصَبْرِ الجَمِيلِ. وقِيلَ: قَوْلُهُ: "يا أسَفى" نِداءٌ فِيهِ اسْتِغاثَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا يَبْعُدُ أنْ يَجْتَمِعَ "الِاسْتِرْجاعُ" و"يا أسَفا" لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ.
﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ أيْ: مِن مُلازَمَةِ البُكاءِ الَّذِي هو ثَمَرَةُ الحُزْنِ، ورُوِيَ «أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ حَزِنَ حُزْنَ سَبْعِينَ ثَكْلى، وأُعْطِيَ أجْرَ مِائَةِ شَهِيدٍ، وما ساءَ ظَنُّهُ بِاللهِ قَطُّ،» رَواهُ الحَسَنُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: "الحَزَنِ" بِفَتْحِ الحاءِ والزايِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزايِ.
" وهو كَظِيمٌ " بِمَعْنى: كاظِمٌ، كَما قالَ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، ووَصَفَ يَعْقُوبَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُ إلى أحَدٍ، وإنَّما كانَ يَكْمَدُ في نَفْسِهِ ويُمْسِكُ هَمَّهُ في صَدْرِهِ، وكانَ يَكْظِمُهُ أيْ يَرُدُّهُ إلى قَلْبِهِ ولا يُرْسِلُهُ بِالشَكْوى والغَضَبِ والضَجَرِ، وقالَ ناسٌ: "كَظِيمٌ" بِمَعْنى: مَكْظُومٌ. وقَدْ وصَفَ اللهُ تَعالى يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَكْظُومٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨]، وهَذا إنَّما يَتَّجِهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مَلِيءٌ بِحُزْنِهِ، فَكَأنَّهُ كَظَمَ بَثَّهُ في صَدْرِهِ، وجَرْيُ "كَظِيمٌ" عَلى بابِ "كاظِمٍ" أبْيَنُ، وفَسَّرَ ناسٌ "الكَظِيمَ" بِالمَكْرُوبِ وبِالمَكْدُورِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُتَقارِبٌ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: الأسَفُ إذا كانَ مِن جِهَةِ مَن هو (p-١٣٥)أقَلُّ مِنَ الإنْسانِ فَهو غَضَبٌ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، ومِنهُ قَوْلُ الرَجُلِ الَّذِي ذَهَبَتْ لِخادِمِهِ الشاةُ مِنَ الغَنَمِ: "فَأسِفْتُ فَلَطَمْتُها"، وإذا كانَ مِن جِهَةٍ لا يُطِيقُها فَهو هَمٌّ وحُزْنٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَحْرِيرُ هَذا المَنزَعِ أنَّ الأسَفَ يُقالُ في الغَضَبِ ويُقالُ في الحُزْنِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ يَحْزِرُ حالَهُ الَّتِي يُقالُ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللهِ تَفْتَأُ﴾ الآيَةَ. المَعْنى: تاللهِ لا تَفْتَأُ، فَتُحْذَفُ (لا) في هَذا المَوْضِعِ مِنَ القَسَمِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ فَقُلْتُ يَمِينُ اللهِ أبْرَحُ قاعِدًا ∗∗∗ ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوصالِي
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ تاللهِ يَبْقى عَلى الأيّامِ ذُو حِيَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ بِمُشْمَخِرٍّ بِهِ الظَيّانُ والآسُ
أرادَ: لا يَبْرَحُ، ولا يَبْقى. وقالَ الزَجّاجِيُّ: وقَدْ تُحْذَفُ أيْضًا (ما) في هَذا (p-١٣٦)المَوْضِعِ، وخَطَّأهُ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ. ومِنَ المَواضِعِ الَّتِي حُذِفَتْ فِيها (لا) ويَدُلُّ عَلَيْها الكَلامُ، قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا -وَأبِي دَهْماءَ- زالَتْ عَزِيزَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى قَوْمِها ما فَتَّلَ الزَنْدَ قادِحُ
وقَوْلُهُ: "ما فَتَّلَ الزَنْدَ قادِحُ" يُوجِبُ أنَّ المَحْذُوفَ (لا)، ولَيْسَتْ (ما).
و(فَتِئَ) بِمَنزِلَةِ زالَ وبَرِحَ في المَعْنى والعَمَلِ، تَقُولُ: "واللهِ لا فَتِئْتُ قاعِدًا" كَما تَقُولُ: "لا زِلْتُ ولا بَرِحْتُ"، ومِنهُ قَوْلُ أوسِ بْنِ حَجَرٍ:
؎ فَما فَتِئَتْ حَتّى كَأنَّ غُبارَها ∗∗∗ ∗∗∗ سُرادِقُ يَوْمٍ ذِي رِياحٍ تَرَفَّعُ
و"الحَرَضُ": الَّذِي قَدْ نَهِكَهُ الهَرَمُ أوِ الحُبُّ أوِ الحُزْنُ إلى حالِ فَسادِ الأعْضاءِ والبَدَنِ والحِسِّ، وعَلى هَذا المَعْنى قِراءَةُ الجُمْهُورِ: "حَرَضًا" بِفَتْحِ الراءِ والحاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ بِضَمِّهِما، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "حُرْضًا" بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الراءِ، وهَذا كُلُّهُ المَصْدَرُ يُوصَفُ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والمُفْرَدُ والجَمْعُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، كَعَدْلٍ وعُدُوٍّ، وقِيلَ في قِراءَةِ الحَسَنِ: إنَّهُ فُتاتُ الأشْنانِ، أيْ: بالِيًا مُتَفَتِّتًا، ويُقالُ مِن هَذا المَعْنى الَّذِي هو شَنُّ الهَمِّ والهَرَمِ: "رَجُلٌ حارِضٌ"، ويُثَنّى هَذا البِناءُ ويُجْمَعُ ويُؤَنَّثُ (p-١٣٧)وَيُذَّكَّرُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ حَتّى بَلِيَتْ وحَتّى شَفَّنِيَ السَقَمُ
وقَدْ سُمِعَ مِنَ العَرَبِ "رَجُلٌ مُحْرَضٌ"، قالَ الشاعِرُ وهو امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ أرى المَرْءَ ذا الأذْوادِ يُصْبِحُ مُحْرَضًا ∗∗∗ ∗∗∗ كَإحْراضِ بَكْرٍ في الدِيارِ مَرِيضِ
والحَرَضُ -بِالجُمْلَةِ-: الَّذِي فَسَدَ ودَنا مَوْتُهُ، قالَ مُجاهِدٌ: الحَرَضُ: ما دُونَ المَوْتِ، قالَ قَتادَةُ: الحَرَضُ: البالِي الهَرِمُ، وقالَ نَحْوَهُ الضَحّاكُ والحَسَنُ، وقالَ الحَسَنُ: "حَرَضًا": مَعْناهُ: فاسِدٌ لا عَقْلَ لَهُ، فَكَأنَّهم قالُوا عَلى جِهَةِ التَعْنِيفِ لَهُ: أنْتَ لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ إلى حالِ القُرْبِ مِنَ الهَلاكِ، أو إلى الهَلاكِ، فَأجابَهم يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ رادًّا عَلَيْهِمْ: إنِّي لَسْتُ مِمَّنْ يَجْزَعُ ويَضْجَرُ فَيَسْتَحِقُّ التَعْنِيفَ، وإنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللهِ.
و"البَثُّ": ما في صَدْرِ الإنْسانِ مِمّا هو مُعْتَزِمٌ أنْ يَبُثَّهُ ويَنْشُرَهُ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ البَثُّ في المَكْرُوهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: البَثُّ: أشَدُّ الحُزْنِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ البَثُّ في المَخْفِيِّ عَلى الجُمْلَةِ، ومِنهُ قَوْلُ المَرْأةِ في حَدِيثِ "أمِّ زَرْعٍ": (وَلا يُولِجُ الكَفَّ لِيَعْلَمَ البَثَّ)، (p-١٣٨)وَمِنهُ قَوْلُهُمْ: "أبُثُّكَ حَدِيثِي".
وقَرَأ عِيسى: "وَحَزَنِي" بِفَتْحِ الحاءِ والزايِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ بِسَنَدٍ أنَّ يَعْقُوبَ دَخَلَ عَلى فِرْعَوْنَ وقَدْ سَقَطَ حاجِباهُ عَلى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: ما بَلَغَ بِكَ هَذا يا إبْراهِيمُ؟ فَقالُوا: إنَّهُ يَعْقُوبُ، فَقالَ: ما بَلَغَ بِكَ هَذا يا يَعْقُوبُ ؟ قالَ لَهُ: طُولُ الزَمانِ وكَثْرَةُ الأحْزانِ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: يا يَعْقُوبُ، أتَشْكُونِي إلى خَلْقِي؟ فَقالَ: يا رَبِّ، خَطِيئَةٌ فاغْفِرْها لِي. وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى الحَسَنِ قالَ: كانَ بَيْنَ خُرُوجِ يُوسُفَ عن يَعْقُوبَ إلى دُخُولِ يَعْقُوبَ عَلى يُوسُفَ ثَمانُونَ سَنَةً لَمْ يُفارِقِ الحُزْنُ قَلْبَهُ، ولَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتّى كُفَّ بَصَرُهُ، وما في الأرْضِ يَوْمَئِذٍ أكْرَمُ عَلى اللهِ مِن يَعْقُوبَ.
وقَوْلُهُ: ﴿أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٩٦] يَحْتَمِلُ أنَّهُ أشارَ إلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللهِ وجَمِيلِ عادَةِ اللهِ عِنْدَهُ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ أشارَ إلى الرُؤْيا المُنْتَظَرَةِ، أو إلى ما وقَعَ في نَفْسِهِ عن قَوْلِ مَلِكِ مِصْرَ: إنِّي أدْعُو لَهُ بِرُؤْيَةِ ابْنِهِ قَبْلَ المَوْتِ، وهَذا هو حُسْنُ الظَنِّ الَّذِي قَدَّمْناهُ.
يوسف 12:86
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَتَوَلّى عنهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أو تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللهِ وأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
المَعْنى: أنَّهُ لَمّا ساءَ ظَنُّهُ بِهِمْ ولَمْ يُصَدِّقْ قَوْلَهم بَلِ اسْتَرابَ بِهِ ﴿وَتَوَلّى عنهُمْ﴾ أيْ زالَ بِوَجْهِهِ عنهُمْ، وجَعَلَ يَتَفَجَّعُ ويَتَأسَّفُ. قالَ الحَسَنُ: خُصَّتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بِالِاسْتِرْجاعِ، ألاَ تَرى إلى قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿يا أسَفى﴾ ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والمُرادُ: يا أسَفِي، لَكِنْ هَذِهِ لُغَةُ مَن يَرُدُّ ياءَ الإضافَةِ ألِفًا نَحْوُ: يا أبَتا ويا غُلاما. (p-١٣٤)وَنادى الأسَفَ عَلى مَعْنى: احْضُرْ فَهَذا مِن أوقاتِكَ. وقِيلَ: قَوْلُهُ: "يا أسَفى" عَلى جِهَةِ النُدْبَةِ، وحَذْفُ الهاءِ الَّتِي هي في النُدْبَةِ عَلامَةُ المُبالَغَةِ في الحُزْنِ تَجَلُّدًا مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ، إذْ كانَ قَدِ ارْتَبَطَ إلى الصَبْرِ الجَمِيلِ. وقِيلَ: قَوْلُهُ: "يا أسَفى" نِداءٌ فِيهِ اسْتِغاثَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا يَبْعُدُ أنْ يَجْتَمِعَ "الِاسْتِرْجاعُ" و"يا أسَفا" لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ.
﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ أيْ: مِن مُلازَمَةِ البُكاءِ الَّذِي هو ثَمَرَةُ الحُزْنِ، ورُوِيَ «أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ حَزِنَ حُزْنَ سَبْعِينَ ثَكْلى، وأُعْطِيَ أجْرَ مِائَةِ شَهِيدٍ، وما ساءَ ظَنُّهُ بِاللهِ قَطُّ،» رَواهُ الحَسَنُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: "الحَزَنِ" بِفَتْحِ الحاءِ والزايِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزايِ.
" وهو كَظِيمٌ " بِمَعْنى: كاظِمٌ، كَما قالَ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، ووَصَفَ يَعْقُوبَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُ إلى أحَدٍ، وإنَّما كانَ يَكْمَدُ في نَفْسِهِ ويُمْسِكُ هَمَّهُ في صَدْرِهِ، وكانَ يَكْظِمُهُ أيْ يَرُدُّهُ إلى قَلْبِهِ ولا يُرْسِلُهُ بِالشَكْوى والغَضَبِ والضَجَرِ، وقالَ ناسٌ: "كَظِيمٌ" بِمَعْنى: مَكْظُومٌ. وقَدْ وصَفَ اللهُ تَعالى يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَكْظُومٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨]، وهَذا إنَّما يَتَّجِهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مَلِيءٌ بِحُزْنِهِ، فَكَأنَّهُ كَظَمَ بَثَّهُ في صَدْرِهِ، وجَرْيُ "كَظِيمٌ" عَلى بابِ "كاظِمٍ" أبْيَنُ، وفَسَّرَ ناسٌ "الكَظِيمَ" بِالمَكْرُوبِ وبِالمَكْدُورِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُتَقارِبٌ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: الأسَفُ إذا كانَ مِن جِهَةِ مَن هو (p-١٣٥)أقَلُّ مِنَ الإنْسانِ فَهو غَضَبٌ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، ومِنهُ قَوْلُ الرَجُلِ الَّذِي ذَهَبَتْ لِخادِمِهِ الشاةُ مِنَ الغَنَمِ: "فَأسِفْتُ فَلَطَمْتُها"، وإذا كانَ مِن جِهَةٍ لا يُطِيقُها فَهو هَمٌّ وحُزْنٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَحْرِيرُ هَذا المَنزَعِ أنَّ الأسَفَ يُقالُ في الغَضَبِ ويُقالُ في الحُزْنِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ يَحْزِرُ حالَهُ الَّتِي يُقالُ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللهِ تَفْتَأُ﴾ الآيَةَ. المَعْنى: تاللهِ لا تَفْتَأُ، فَتُحْذَفُ (لا) في هَذا المَوْضِعِ مِنَ القَسَمِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ فَقُلْتُ يَمِينُ اللهِ أبْرَحُ قاعِدًا ∗∗∗ ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوصالِي
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ تاللهِ يَبْقى عَلى الأيّامِ ذُو حِيَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ بِمُشْمَخِرٍّ بِهِ الظَيّانُ والآسُ
أرادَ: لا يَبْرَحُ، ولا يَبْقى. وقالَ الزَجّاجِيُّ: وقَدْ تُحْذَفُ أيْضًا (ما) في هَذا (p-١٣٦)المَوْضِعِ، وخَطَّأهُ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ. ومِنَ المَواضِعِ الَّتِي حُذِفَتْ فِيها (لا) ويَدُلُّ عَلَيْها الكَلامُ، قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا -وَأبِي دَهْماءَ- زالَتْ عَزِيزَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى قَوْمِها ما فَتَّلَ الزَنْدَ قادِحُ
وقَوْلُهُ: "ما فَتَّلَ الزَنْدَ قادِحُ" يُوجِبُ أنَّ المَحْذُوفَ (لا)، ولَيْسَتْ (ما).
و(فَتِئَ) بِمَنزِلَةِ زالَ وبَرِحَ في المَعْنى والعَمَلِ، تَقُولُ: "واللهِ لا فَتِئْتُ قاعِدًا" كَما تَقُولُ: "لا زِلْتُ ولا بَرِحْتُ"، ومِنهُ قَوْلُ أوسِ بْنِ حَجَرٍ:
؎ فَما فَتِئَتْ حَتّى كَأنَّ غُبارَها ∗∗∗ ∗∗∗ سُرادِقُ يَوْمٍ ذِي رِياحٍ تَرَفَّعُ
و"الحَرَضُ": الَّذِي قَدْ نَهِكَهُ الهَرَمُ أوِ الحُبُّ أوِ الحُزْنُ إلى حالِ فَسادِ الأعْضاءِ والبَدَنِ والحِسِّ، وعَلى هَذا المَعْنى قِراءَةُ الجُمْهُورِ: "حَرَضًا" بِفَتْحِ الراءِ والحاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ بِضَمِّهِما، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "حُرْضًا" بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الراءِ، وهَذا كُلُّهُ المَصْدَرُ يُوصَفُ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والمُفْرَدُ والجَمْعُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، كَعَدْلٍ وعُدُوٍّ، وقِيلَ في قِراءَةِ الحَسَنِ: إنَّهُ فُتاتُ الأشْنانِ، أيْ: بالِيًا مُتَفَتِّتًا، ويُقالُ مِن هَذا المَعْنى الَّذِي هو شَنُّ الهَمِّ والهَرَمِ: "رَجُلٌ حارِضٌ"، ويُثَنّى هَذا البِناءُ ويُجْمَعُ ويُؤَنَّثُ (p-١٣٧)وَيُذَّكَّرُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ حَتّى بَلِيَتْ وحَتّى شَفَّنِيَ السَقَمُ
وقَدْ سُمِعَ مِنَ العَرَبِ "رَجُلٌ مُحْرَضٌ"، قالَ الشاعِرُ وهو امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ أرى المَرْءَ ذا الأذْوادِ يُصْبِحُ مُحْرَضًا ∗∗∗ ∗∗∗ كَإحْراضِ بَكْرٍ في الدِيارِ مَرِيضِ
والحَرَضُ -بِالجُمْلَةِ-: الَّذِي فَسَدَ ودَنا مَوْتُهُ، قالَ مُجاهِدٌ: الحَرَضُ: ما دُونَ المَوْتِ، قالَ قَتادَةُ: الحَرَضُ: البالِي الهَرِمُ، وقالَ نَحْوَهُ الضَحّاكُ والحَسَنُ، وقالَ الحَسَنُ: "حَرَضًا": مَعْناهُ: فاسِدٌ لا عَقْلَ لَهُ، فَكَأنَّهم قالُوا عَلى جِهَةِ التَعْنِيفِ لَهُ: أنْتَ لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ إلى حالِ القُرْبِ مِنَ الهَلاكِ، أو إلى الهَلاكِ، فَأجابَهم يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ رادًّا عَلَيْهِمْ: إنِّي لَسْتُ مِمَّنْ يَجْزَعُ ويَضْجَرُ فَيَسْتَحِقُّ التَعْنِيفَ، وإنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللهِ.
و"البَثُّ": ما في صَدْرِ الإنْسانِ مِمّا هو مُعْتَزِمٌ أنْ يَبُثَّهُ ويَنْشُرَهُ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ البَثُّ في المَكْرُوهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: البَثُّ: أشَدُّ الحُزْنِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ البَثُّ في المَخْفِيِّ عَلى الجُمْلَةِ، ومِنهُ قَوْلُ المَرْأةِ في حَدِيثِ "أمِّ زَرْعٍ": (وَلا يُولِجُ الكَفَّ لِيَعْلَمَ البَثَّ)، (p-١٣٨)وَمِنهُ قَوْلُهُمْ: "أبُثُّكَ حَدِيثِي".
وقَرَأ عِيسى: "وَحَزَنِي" بِفَتْحِ الحاءِ والزايِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ بِسَنَدٍ أنَّ يَعْقُوبَ دَخَلَ عَلى فِرْعَوْنَ وقَدْ سَقَطَ حاجِباهُ عَلى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: ما بَلَغَ بِكَ هَذا يا إبْراهِيمُ؟ فَقالُوا: إنَّهُ يَعْقُوبُ، فَقالَ: ما بَلَغَ بِكَ هَذا يا يَعْقُوبُ ؟ قالَ لَهُ: طُولُ الزَمانِ وكَثْرَةُ الأحْزانِ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: يا يَعْقُوبُ، أتَشْكُونِي إلى خَلْقِي؟ فَقالَ: يا رَبِّ، خَطِيئَةٌ فاغْفِرْها لِي. وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى الحَسَنِ قالَ: كانَ بَيْنَ خُرُوجِ يُوسُفَ عن يَعْقُوبَ إلى دُخُولِ يَعْقُوبَ عَلى يُوسُفَ ثَمانُونَ سَنَةً لَمْ يُفارِقِ الحُزْنُ قَلْبَهُ، ولَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتّى كُفَّ بَصَرُهُ، وما في الأرْضِ يَوْمَئِذٍ أكْرَمُ عَلى اللهِ مِن يَعْقُوبَ.
وقَوْلُهُ: ﴿أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٩٦] يَحْتَمِلُ أنَّهُ أشارَ إلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللهِ وجَمِيلِ عادَةِ اللهِ عِنْدَهُ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ أشارَ إلى الرُؤْيا المُنْتَظَرَةِ، أو إلى ما وقَعَ في نَفْسِهِ عن قَوْلِ مَلِكِ مِصْرَ: إنِّي أدْعُو لَهُ بِرُؤْيَةِ ابْنِهِ قَبْلَ المَوْتِ، وهَذا هو حُسْنُ الظَنِّ الَّذِي قَدَّمْناهُ.
يوسف 12:87
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللهِ إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾
المَعْنى: اذْهَبُوا إلى الأرْضِ الَّتِي جِئْتُمْ مِنها وتَرَكْتُمْ أخَوَيْكم بِنْيامِينَ ورُوبِيلَ. "فَتَحَسَّسُوا"، أيِ: اسْتَقْصُوا وتَفَرَّقُوا، والتَحَسُّسُ: طَلَبُ الشَيْءِ بِالحَواسِّ، ويُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَرِّ، فَمِنِ اسْتِعْمالِهِ في الخَيْرِ هَذِهِ الآيَةُ، وفي الشَرِّ نَهْيُ النَبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: « "وَلا تَحَسَّسُوا".»
(p-١٣٩)وَقَوْلُهُ: ﴿مِن يُوسُفَ ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ يَعْمَلُ فِيهِ "تَحَسَّسُوا"، التَقْدِيرُ: فَتَحَسَّسُوا نَبَأً أو حَقِيقَةً مِن أمْرِ يُوسُفَ، لَكِنْ يُحْذَفُ ما يَدُلُّ ظاهِرُ القَوْلِ عَلَيْهِ إيجازًا.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَيْأسُوا"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَأيَسُوا" عَلى ما تَقَدَّمَ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "تِئَسُوا" بِكَسْرِ التاءِ، وخُصَّ يُوسُفُ وبِنْيامِينُ بِالذِكْرِ لِأنَّ رُوبِيلَ إنَّما بَقِيَ مُخْتارًا، وهَذانِ قَدْ مُنِعا الأوبَةَ.
والرَوْحُ: الرَحْمَةُ، ثُمَّ جَعَلَ اليَأْسَ مِن رَحْمَةِ اللهِ وتَفْرِيجِهِ مِن صِفَةِ الكافِرِينَ، إذْ فِيهِ: إمّا التَكْذِيبُ بِالرُبُوبِيَّةِ، وإمّا الجَهْلُ بِصِفاتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "مِن رُوحِ اللهِ" بِضَمِّ الراءِ، وكَأنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: "لا تَيْأسُوا مِن حَيٍّ مَعَهُ رُوحُ اللهِ الَّذِي وهَبَهُ، فَإنَّ مَن بَقِيَ رُوحُهُ فَيُرْجى"، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وفي غَيْرِ مَن قَدْ وارَتِ الأرْضُ فاطْمَعِ
ومِن هَذا قَوْلُ عُبَيْدٍ:
؎ وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَؤُوبُ ∗∗∗ ∗∗∗ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ
ويَظْهَرُ مِن حَدِيثِ الَّذِي قالَ: « (إذا مِتُّ فاحْرُقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي في البَحْرِ (p-١٤٠)والبَرِّ في يَوْمِ راحٍ، فَلَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ فَلْيُعَذِّبْنِي عَذابًا ما عَذَّبَهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ):» إنَّهُ يَئِسَ مِن رَوْحِ اللهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَ النَبِيِّ ﷺ في آخِرِ الحَدِيثِ: « "فَغَفَرَ اللهُ لَهُ"» يَقْتَضِي أنَّهُ ماتَ مُؤْمِنًا إذْ لا يَغْفِرُ اللهُ لِكافِرٍ، فَبَقِيَ أنْ يُتَأوَّلَ الحَدِيثُ، إمّا عَلى أنْ (قَدَرَ) بِمَعْنى: ضَيَّقَ وناقَشَ الحِسابَ، فَذَلِكَ مَعْنًى بَيِّنٌ، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ "القُدْرَةِ"، ويَكُونُ خَطَؤُهُ في أنْ ظَنَّ في أنَّ الِاجْتِماعَ بَعْدَ السَحْقِ والتَذْرِيَةِ مُحالٌ لا يُوصَفُ اللهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَغَلِطَ في أنْ جَعَلَ الجائِزَ مُحالًا، ولا يَلْزَمُهُ بِهَذا كُفْرٌ.
قالَ النَقّاشَ: وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن فَضْلِ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مِن رَحْمَةِ اللهِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ، في هَذا المَوْضِعِ اخْتِصارُ مَحْذُوفاتٍ يُعْطِيها الظاهِرُ، وهي أنَّهم نَفَذُوا مِنَ الشامِ إلى مِصْرَ ووَصَلُوها، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى يُوسُفَ. و"الضُرُّ" أرادُوا بِهِ المَسْغَبَةُ الَّتِي كانُوا بِسَبِيلِها وأمْرُ أخِيهِمُ الَّذِي أهَمَّ أباهم وغَمَّ جَمِيعَهُمْ، و"البِضاعَةُ": القِطْعَةُ مِنَ المالِ يُقْصَدُ بِها شِراءُ شَيْءٍ، ولَزِمَها عُرْفُ الفِقْهِ فِيما لا حَظَّ لِحامِلِها مِنَ الرِبْحِ، و"المُزْجاةُ" مَعْناها: المَدْفُوعَةُ المُتَحَيَّلُ لَها، ومِنهُ: إزْجاءُ السَحابِ، ومِنهُ إزْجاءُ الإبِلِ، كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ عَلى زَواحِفَ تُزْجى مُخُّها رِيرُ
وكَما قالَ النابِغَةُ:
؎ وهَبَّتِ الرِيحُ مِن تِلْقاءِ ذِي أُرُلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تُزْجِي مَعَ اللَيْلِ مِن صُرّادِها صِرَما
(p-١٤١)وَقالَ الأعْشى:
؎ الواهِبُ المِائَةَ الهِجانَ وعَبْدَها ∗∗∗ ∗∗∗ عُوذًا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها
وقالَ الآخَرُ:
؎ وحاجَةٍ غَيْرِ مُزْجاةٍ مِنَ الحاجِ
وقالَ حاتِمٌ:
؎ لِيَبْكِ عَلى مِلْحانِ ضَيْفٌ مُدَّفَعٌ ∗∗∗ ∗∗∗ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَيْلِ أرْمَلا
فَجُمْلَةُ هَذا أنَّ مَن يَسُوقُ شَيْئًا ويَتَلَطَّفُ في تَسْيِيرِهِ فَقَدْ أزْجاهُ، فَإذا كانَتِ الدَراهِمُ المَدْفُوعَةُ نازِلَةَ القَدْرِ تَحْتاجُ أنْ يُعْتَذَرَ مَعَها ويُشْفَعَ لَها فَهي مُزْجاةٌ، فَقِيلَ: كانَ ذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ زُيُوفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ الحَسَنُ: كانَتْ قَلِيلَةً، وقِيلَ: كانَتْ ناقِصَةً، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: كانَتْ بِضاعَتُهم عُرُوضًا فَلِذَلِكَ قالُوا هَذا، واخْتُلِفَ في تِلْكَ (p-١٤٢)العُرُوضِ -ما كانَتْ؟ فَقِيلَ: كانَتِ السَمْنَ والصُوفَ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَتْ قَدِيدَ وحْشٍ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَتِ الصَنَوْبَرَ والحَبَّةَ الخَضْراءَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
"وَهِيَ الفُسْتُقُ": وقِيلَ: كانَتِ المُقْلَ، وقِيلَ: كانَتِ القُطْنَ، وقِيلَ: كانَتِ الحِبالَ والأعْدالَ والأقْتابَ. وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ مالِكًا رَحِمَهُ اللهُ قالَ: المُزْجاةُ: الجائِزَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا أعْرِفُ لِهَذا وجْهًا، والمَعْنى يَأْباهُ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ صُحِّفَ عَلى مالِكٍ، وأنَّ لَفْظَهُ بِالحاءِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وبِالراءِ، واسْتَنَدَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في أنَّ الكَيْلَ عَلى البائِعِ إلى هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ ظاهِرٌ مِنها ولَيْسَ بِنَصٍّ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ مَعْناهُ: بِما بَيْنَ الدَراهِمِ الجِيادِ وهَذِهِ المُزْجاةِ، قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: كانَتِ الصَدَقَةُ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ عَلى أُولَئِكَ الأنْبِياءِ، وإنَّما حُرِّمَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ حَدِيثُ النَبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: « "نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا تَحِلُّ لَنا الصَدَقَةُ".»
وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتِ الصَدَقَةُ عَلَيْهِمْ مُحَرَّمَةً ولَكِنْ قالُوا هَذا تَجَوُّزًا واسْتِعْطافًا مِنهم (p-١٤٣)فِي المُبايَعَةِ، كَما تَقُولُ لِمَن تُساوِمُهُ في سِلْعَةٍ: هَبْنِي مِن ثَمَنِها كَذا وخُذْ كَذا، فَلَمْ تَقْصِدْ أنْ يَهَبَكَ، وإنَّما حَسَّنْتَ لَهُ الِانْفِعالَ حَتّى يَرْجِعَ مَعَكَ إلى سَوْمِكَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّما خَصُّوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ أمْرَ أخِيهِمْ (يامِينَ)، أيْ: أوفِ لَنا الكَيْلَ في المُبايَعَةِ، وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِصَرْفِ أخِينا إلى أبِيهِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿إنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾. قالَ النَقّاشُ: يُقالُ: هو مِنَ المَعارِيضِ الَّتِي هي مَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مَلِكًا كافِرًا عَلى غَيْرِ دِينِهِمْ، ولَوْ قالُوا: "إنَّ اللهَ يَجْزِيكَ بِصَدَقَتِكَ في الآخِرَةِ" كَذَبُوا، فَقالُوا لَهُ لَفَظًا يُوهِمُهُ أنَّهم أرادُوهُ، وهم يَصِحُّ لَهم إخْراجُهُ مِنهُ بِالتَأْوِيلِ.
يوسف 12:88
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللهِ إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾
المَعْنى: اذْهَبُوا إلى الأرْضِ الَّتِي جِئْتُمْ مِنها وتَرَكْتُمْ أخَوَيْكم بِنْيامِينَ ورُوبِيلَ. "فَتَحَسَّسُوا"، أيِ: اسْتَقْصُوا وتَفَرَّقُوا، والتَحَسُّسُ: طَلَبُ الشَيْءِ بِالحَواسِّ، ويُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَرِّ، فَمِنِ اسْتِعْمالِهِ في الخَيْرِ هَذِهِ الآيَةُ، وفي الشَرِّ نَهْيُ النَبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: « "وَلا تَحَسَّسُوا".»
(p-١٣٩)وَقَوْلُهُ: ﴿مِن يُوسُفَ ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ يَعْمَلُ فِيهِ "تَحَسَّسُوا"، التَقْدِيرُ: فَتَحَسَّسُوا نَبَأً أو حَقِيقَةً مِن أمْرِ يُوسُفَ، لَكِنْ يُحْذَفُ ما يَدُلُّ ظاهِرُ القَوْلِ عَلَيْهِ إيجازًا.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَيْأسُوا"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَأيَسُوا" عَلى ما تَقَدَّمَ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "تِئَسُوا" بِكَسْرِ التاءِ، وخُصَّ يُوسُفُ وبِنْيامِينُ بِالذِكْرِ لِأنَّ رُوبِيلَ إنَّما بَقِيَ مُخْتارًا، وهَذانِ قَدْ مُنِعا الأوبَةَ.
والرَوْحُ: الرَحْمَةُ، ثُمَّ جَعَلَ اليَأْسَ مِن رَحْمَةِ اللهِ وتَفْرِيجِهِ مِن صِفَةِ الكافِرِينَ، إذْ فِيهِ: إمّا التَكْذِيبُ بِالرُبُوبِيَّةِ، وإمّا الجَهْلُ بِصِفاتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "مِن رُوحِ اللهِ" بِضَمِّ الراءِ، وكَأنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: "لا تَيْأسُوا مِن حَيٍّ مَعَهُ رُوحُ اللهِ الَّذِي وهَبَهُ، فَإنَّ مَن بَقِيَ رُوحُهُ فَيُرْجى"، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وفي غَيْرِ مَن قَدْ وارَتِ الأرْضُ فاطْمَعِ
ومِن هَذا قَوْلُ عُبَيْدٍ:
؎ وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَؤُوبُ ∗∗∗ ∗∗∗ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ
ويَظْهَرُ مِن حَدِيثِ الَّذِي قالَ: « (إذا مِتُّ فاحْرُقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي في البَحْرِ (p-١٤٠)والبَرِّ في يَوْمِ راحٍ، فَلَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ فَلْيُعَذِّبْنِي عَذابًا ما عَذَّبَهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ):» إنَّهُ يَئِسَ مِن رَوْحِ اللهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَ النَبِيِّ ﷺ في آخِرِ الحَدِيثِ: « "فَغَفَرَ اللهُ لَهُ"» يَقْتَضِي أنَّهُ ماتَ مُؤْمِنًا إذْ لا يَغْفِرُ اللهُ لِكافِرٍ، فَبَقِيَ أنْ يُتَأوَّلَ الحَدِيثُ، إمّا عَلى أنْ (قَدَرَ) بِمَعْنى: ضَيَّقَ وناقَشَ الحِسابَ، فَذَلِكَ مَعْنًى بَيِّنٌ، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ "القُدْرَةِ"، ويَكُونُ خَطَؤُهُ في أنْ ظَنَّ في أنَّ الِاجْتِماعَ بَعْدَ السَحْقِ والتَذْرِيَةِ مُحالٌ لا يُوصَفُ اللهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَغَلِطَ في أنْ جَعَلَ الجائِزَ مُحالًا، ولا يَلْزَمُهُ بِهَذا كُفْرٌ.
قالَ النَقّاشَ: وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن فَضْلِ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مِن رَحْمَةِ اللهِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ، في هَذا المَوْضِعِ اخْتِصارُ مَحْذُوفاتٍ يُعْطِيها الظاهِرُ، وهي أنَّهم نَفَذُوا مِنَ الشامِ إلى مِصْرَ ووَصَلُوها، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى يُوسُفَ. و"الضُرُّ" أرادُوا بِهِ المَسْغَبَةُ الَّتِي كانُوا بِسَبِيلِها وأمْرُ أخِيهِمُ الَّذِي أهَمَّ أباهم وغَمَّ جَمِيعَهُمْ، و"البِضاعَةُ": القِطْعَةُ مِنَ المالِ يُقْصَدُ بِها شِراءُ شَيْءٍ، ولَزِمَها عُرْفُ الفِقْهِ فِيما لا حَظَّ لِحامِلِها مِنَ الرِبْحِ، و"المُزْجاةُ" مَعْناها: المَدْفُوعَةُ المُتَحَيَّلُ لَها، ومِنهُ: إزْجاءُ السَحابِ، ومِنهُ إزْجاءُ الإبِلِ، كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ عَلى زَواحِفَ تُزْجى مُخُّها رِيرُ
وكَما قالَ النابِغَةُ:
؎ وهَبَّتِ الرِيحُ مِن تِلْقاءِ ذِي أُرُلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تُزْجِي مَعَ اللَيْلِ مِن صُرّادِها صِرَما
(p-١٤١)وَقالَ الأعْشى:
؎ الواهِبُ المِائَةَ الهِجانَ وعَبْدَها ∗∗∗ ∗∗∗ عُوذًا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها
وقالَ الآخَرُ:
؎ وحاجَةٍ غَيْرِ مُزْجاةٍ مِنَ الحاجِ
وقالَ حاتِمٌ:
؎ لِيَبْكِ عَلى مِلْحانِ ضَيْفٌ مُدَّفَعٌ ∗∗∗ ∗∗∗ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَيْلِ أرْمَلا
فَجُمْلَةُ هَذا أنَّ مَن يَسُوقُ شَيْئًا ويَتَلَطَّفُ في تَسْيِيرِهِ فَقَدْ أزْجاهُ، فَإذا كانَتِ الدَراهِمُ المَدْفُوعَةُ نازِلَةَ القَدْرِ تَحْتاجُ أنْ يُعْتَذَرَ مَعَها ويُشْفَعَ لَها فَهي مُزْجاةٌ، فَقِيلَ: كانَ ذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ زُيُوفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ الحَسَنُ: كانَتْ قَلِيلَةً، وقِيلَ: كانَتْ ناقِصَةً، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: كانَتْ بِضاعَتُهم عُرُوضًا فَلِذَلِكَ قالُوا هَذا، واخْتُلِفَ في تِلْكَ (p-١٤٢)العُرُوضِ -ما كانَتْ؟ فَقِيلَ: كانَتِ السَمْنَ والصُوفَ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَتْ قَدِيدَ وحْشٍ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَتِ الصَنَوْبَرَ والحَبَّةَ الخَضْراءَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
"وَهِيَ الفُسْتُقُ": وقِيلَ: كانَتِ المُقْلَ، وقِيلَ: كانَتِ القُطْنَ، وقِيلَ: كانَتِ الحِبالَ والأعْدالَ والأقْتابَ. وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ مالِكًا رَحِمَهُ اللهُ قالَ: المُزْجاةُ: الجائِزَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا أعْرِفُ لِهَذا وجْهًا، والمَعْنى يَأْباهُ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ صُحِّفَ عَلى مالِكٍ، وأنَّ لَفْظَهُ بِالحاءِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وبِالراءِ، واسْتَنَدَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في أنَّ الكَيْلَ عَلى البائِعِ إلى هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ ظاهِرٌ مِنها ولَيْسَ بِنَصٍّ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ مَعْناهُ: بِما بَيْنَ الدَراهِمِ الجِيادِ وهَذِهِ المُزْجاةِ، قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: كانَتِ الصَدَقَةُ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ عَلى أُولَئِكَ الأنْبِياءِ، وإنَّما حُرِّمَتْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ حَدِيثُ النَبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: « "نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا تَحِلُّ لَنا الصَدَقَةُ".»
وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتِ الصَدَقَةُ عَلَيْهِمْ مُحَرَّمَةً ولَكِنْ قالُوا هَذا تَجَوُّزًا واسْتِعْطافًا مِنهم (p-١٤٣)فِي المُبايَعَةِ، كَما تَقُولُ لِمَن تُساوِمُهُ في سِلْعَةٍ: هَبْنِي مِن ثَمَنِها كَذا وخُذْ كَذا، فَلَمْ تَقْصِدْ أنْ يَهَبَكَ، وإنَّما حَسَّنْتَ لَهُ الِانْفِعالَ حَتّى يَرْجِعَ مَعَكَ إلى سَوْمِكَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّما خَصُّوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ أمْرَ أخِيهِمْ (يامِينَ)، أيْ: أوفِ لَنا الكَيْلَ في المُبايَعَةِ، وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِصَرْفِ أخِينا إلى أبِيهِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿إنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾. قالَ النَقّاشُ: يُقالُ: هو مِنَ المَعارِيضِ الَّتِي هي مَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مَلِكًا كافِرًا عَلى غَيْرِ دِينِهِمْ، ولَوْ قالُوا: "إنَّ اللهَ يَجْزِيكَ بِصَدَقَتِكَ في الآخِرَةِ" كَذَبُوا، فَقالُوا لَهُ لَفَظًا يُوهِمُهُ أنَّهم أرادُوهُ، وهم يَصِحُّ لَهم إخْراجُهُ مِنهُ بِالتَأْوِيلِ.
يوسف 12:89
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَنَّ يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكم وهو أرْحَمُ الراحِمِينَ﴾
رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا قالَ إخْوَتُهُ: ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُرُّ﴾ [يوسف: ٨٨] واسْتَعْطَفُوهُ -رَقَّ ورَحِمَهُمْ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وارْفَضَّ دَمْعُهُ باكِيًا فَشَرَعَ في كَشْفِ أمْرِهِ إلَيْهِمْ، فَيُرْوى أنَّهُ حَسَرَ قِناعَهُ وقالَ لَهُمْ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ يُرِيدُ: مِنَ التَفْرِيقِ بَيْنَهُما في الصِغَرِ، والتَمَرُّسِ بِهِما، وإذايَةِ (يامِينَ) بَعْدَ مَغِيبِ يُوسُفَ، فَإنَّهم كانُوا يُذِلُّونَهُ ويَشْتُمُونَهُ، ولَمْ يُشِرْ إلى قِصَّةِ (يامِينَ) الآخِيرَةِ لِأنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا هم فِيها شَيْئًا، ونَسَبَهم إمّا إلى جَهْلِ المَعْصِيَةِ، (p-١٤٤)وَإمّا إلى جَهْلِ الشَبابِ وقِلَّةِ الحِنْكَةِ، فَلَمّا خاطَبَهم هَذِهِ المُخاطَبَةَ -وَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَنَ بِها مِن هَيْئَتِهِ وبِشْرِهِ وتَبَسُّمِهِ ما دَلَّهُمْ- تَنَبَّهُوا ووَقَعَ لَهم مِنَ الظَنِّ القَوِيِّ أنَّهُ يُوسُفُ، فَخاطَبُوهُ مُسْتَفْهِمِينَ اسْتِفْهامَ تَقْرِيرٍ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ﴿أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ﴾ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ وتَحْقِيقِهِما: "آئِنَّكَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَسْهِيلِ الثانِيَةِ "أيِنَّكَ"، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ: "إنَّكَ" عَلى الخَبَرِ وتَأْكِيدِهِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "أئِنَّكَ أو أنْتَ يُوسُفُ "، قالَ أبُو الفَتْحِ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا عَلى حَذْفِ خَبَرِ (إنَّ)، كَأنَّهُ قالَ: أئِنَّكَ لَغَيْرُ يُوسُفَ أو أنْتَ يُوسُفُ ؟
وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: أنَّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أو أنْتَ يُوسُفُ ". وتَأوَّلَتْ فِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ: "إنَّكَ" أنَّها اسْتِفْهامٌ بِإسْقاطِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ، فَأجابَهم يُوسُفُ كاشِفًا أمْرَهُ، قالَ: ﴿أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ: مَن يَتَّقِ في تَرْكِ المَعْصِيَةِ ويَصْبِرْ في السِجْنِ، وقالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: مَن يَتَّقِ الزِنى ويَصْبِرْ عَلى العُزُوبَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومَقْصِدُ اللَفْظِ إنَّما هو العُمُومُ في العَظائِمِ، وإنَّما قالَ هَذانِ ما خَصَّصْنا ؛ لِأنَّها كانَتْ مِن نَوازِلِهِ، ولَوْ فَرَضْنا نُزُولَ غَيْرِها بِهِ لاتَّقى وصَبَرَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَتَّقِ" بِغَيْرِ ياءٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "يَتَّقِي" بِإثْباتِ الياءِ، واخْتُلِفَ في وجْهِ ذَلِكَ -فَقِيلَ: قَدَّرَ الياءَ مُتَحَرِّكَةً وجَعَلَ الجَزْمَ في حَذْفِ الحَرَكَةِ، كَما قالَ الشاعِرُ:(p-١٤٥)
؎ ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي ∗∗∗ بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادِ؟
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مِمّا لا نَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ يَجِيءُ في الشِعْرِ لا في الكَلامِ، وقِيلَ: "مَن" بِمَعْنى الَّذِي، و"يَتَّقِي" فِعْلٌ مَرْفُوعٌ، و"يَصْبِرْ" عُطِفَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ "مَن" وإنْ كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فَفِيها مَعْنى الشَرْطِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠]، وقِيلَ: أرادَ: "يَصْبِرُ" بِالرَفْعِ، لَكِنَّهُ سَكَّنَ الراءَ تَخْفِيفًا، كَما قَرَأ أبُو عَمْرٍو: "وَيَأْمُرْكُمْ" بِإسْكانِ الراءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا﴾ الآيَةَ، هَذا مِنهُمُ اسْتِنْزالٌ لِيُوسُفَ، وإقْرارٌ بِالذَنْبِ في ضِمْنِهِ اسْتِغْفارٌ مِنهُ، و"آثَرَكَ" لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ التَفْضِيلِ وأنْواعِ العَطايا، والأصْلُ فِيها هَمْزَتانِ وخُفِّفَتِ الثانِيَةُ، ولا يَجُوزُ تَحْقِيقُها، والمَصْدَرُ إيثارٌ.
وخاطِئِينَ: مِن خَطِئَ يَخْطَأُ، وهو المُتَعَمِّدُ لِلْخَطَأِ، والمُخْطِئُ: مِن أخْطَأ وهو الَّذِي قَصَدَ الصَوابَ فَلَمْ يُوَفَّقْ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ -وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ الأسْكَرِ -:
؎ وإنَّ مُهاجِرَيْنِ تَكَنَّفاهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غَداةَ غَدٍ لَقَدْ خَطِئا وخابا
وقَوْلُهُ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ عَفْوٌ جَمِيلٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: "أوحى اللهُ إلى يُوسُفَ: (p-١٤٦)بِعَفْوِكَ عن إخْوَتِكَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ". وفي الحَدِيثِ «أنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ الحارِثِ، وعَبْدَ اللهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ لَمّا ورَدا مُهاجِرَيْنِ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ أعْرَضَ عنهُما لِقُبْحِ فِعْلِهِما مَعَهُ قَبْلُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِما وأتَيا أبا بَكْرٍ فَكَلَّفاهُ الشَفاعَةَ، فَأبى، وأتَيا عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَكَذَلِكَ، فَذَهَبَ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ إلى ابْنِ عَمِّهِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَهَبَ عَبْدُ اللهِ إلى أُخْتِهِ أمِّ سَلَمَةَ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الرَأْيُ أنْ تَلْقَيا رَسُولَ اللهِ ﷺ في الحَفْلِ فَتَصِيحانِ بِهِ: "تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ"، فَإنَّهُ لا يَرْضى أنْ يَكُونَ دُونَ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَلا بُدَّ لِذَلِكَ أنْ يَقُولَ: "لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُما"، فَفَعَلا ذَلِكَ، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ الآيَةَ.»
والتَثْرِيبُ: اللَوْمُ والعُقُوبَةُ وما جَرى مَعَهُما مِن سُوءِ مُعْتَقَدٍ ونَحْوِهِ، وقَدْ عَبَّرَ بَعْضُ الناسِ عَنِ التَثْرِيبِ بِالتَعْيِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها ولا يُثَرِّبْ"،» أيْ: لا يُعَيِّرْ، أخْرَجَهُ الشَيْخانِ في الحُدُودِ.
ووَقَفَ بَعْضُ القَرَأةِ: "عَلَيْكُمْ"، وابْتَدَأ: ﴿اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾، ووَقَفَ أكْثَرُهُمُ: "اليَوْمَ"، وابْتَدَأ: ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ، وهو تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ والطَبَرِيِّ، وهو الصَحِيحُ، و"اليَوْمَ" ظَرْفٌ، وعَلى هَذا فالعامِلُ فِيهِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ "عَلَيْكُمْ"، تَقْدِيرُهُ: لا تَثْرِيبَ ثابِتٌ أو مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ. وهَذا الوَقْفُ أرْجَحُ في المَعْنى، لِأنَّ الآخَرَ فِيهِ حُكْمٌ عَلى مَغْفِرَةِ اللهِ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ.
يوسف 12:90
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَنَّ يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكم وهو أرْحَمُ الراحِمِينَ﴾
رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا قالَ إخْوَتُهُ: ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُرُّ﴾ [يوسف: ٨٨] واسْتَعْطَفُوهُ -رَقَّ ورَحِمَهُمْ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وارْفَضَّ دَمْعُهُ باكِيًا فَشَرَعَ في كَشْفِ أمْرِهِ إلَيْهِمْ، فَيُرْوى أنَّهُ حَسَرَ قِناعَهُ وقالَ لَهُمْ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ يُرِيدُ: مِنَ التَفْرِيقِ بَيْنَهُما في الصِغَرِ، والتَمَرُّسِ بِهِما، وإذايَةِ (يامِينَ) بَعْدَ مَغِيبِ يُوسُفَ، فَإنَّهم كانُوا يُذِلُّونَهُ ويَشْتُمُونَهُ، ولَمْ يُشِرْ إلى قِصَّةِ (يامِينَ) الآخِيرَةِ لِأنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا هم فِيها شَيْئًا، ونَسَبَهم إمّا إلى جَهْلِ المَعْصِيَةِ، (p-١٤٤)وَإمّا إلى جَهْلِ الشَبابِ وقِلَّةِ الحِنْكَةِ، فَلَمّا خاطَبَهم هَذِهِ المُخاطَبَةَ -وَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَنَ بِها مِن هَيْئَتِهِ وبِشْرِهِ وتَبَسُّمِهِ ما دَلَّهُمْ- تَنَبَّهُوا ووَقَعَ لَهم مِنَ الظَنِّ القَوِيِّ أنَّهُ يُوسُفُ، فَخاطَبُوهُ مُسْتَفْهِمِينَ اسْتِفْهامَ تَقْرِيرٍ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ﴿أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ﴾ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ وتَحْقِيقِهِما: "آئِنَّكَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَسْهِيلِ الثانِيَةِ "أيِنَّكَ"، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ: "إنَّكَ" عَلى الخَبَرِ وتَأْكِيدِهِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "أئِنَّكَ أو أنْتَ يُوسُفُ "، قالَ أبُو الفَتْحِ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا عَلى حَذْفِ خَبَرِ (إنَّ)، كَأنَّهُ قالَ: أئِنَّكَ لَغَيْرُ يُوسُفَ أو أنْتَ يُوسُفُ ؟
وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: أنَّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أو أنْتَ يُوسُفُ ". وتَأوَّلَتْ فِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ: "إنَّكَ" أنَّها اسْتِفْهامٌ بِإسْقاطِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ، فَأجابَهم يُوسُفُ كاشِفًا أمْرَهُ، قالَ: ﴿أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ: مَن يَتَّقِ في تَرْكِ المَعْصِيَةِ ويَصْبِرْ في السِجْنِ، وقالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: مَن يَتَّقِ الزِنى ويَصْبِرْ عَلى العُزُوبَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومَقْصِدُ اللَفْظِ إنَّما هو العُمُومُ في العَظائِمِ، وإنَّما قالَ هَذانِ ما خَصَّصْنا ؛ لِأنَّها كانَتْ مِن نَوازِلِهِ، ولَوْ فَرَضْنا نُزُولَ غَيْرِها بِهِ لاتَّقى وصَبَرَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَتَّقِ" بِغَيْرِ ياءٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "يَتَّقِي" بِإثْباتِ الياءِ، واخْتُلِفَ في وجْهِ ذَلِكَ -فَقِيلَ: قَدَّرَ الياءَ مُتَحَرِّكَةً وجَعَلَ الجَزْمَ في حَذْفِ الحَرَكَةِ، كَما قالَ الشاعِرُ:(p-١٤٥)
؎ ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي ∗∗∗ بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادِ؟
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مِمّا لا نَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ يَجِيءُ في الشِعْرِ لا في الكَلامِ، وقِيلَ: "مَن" بِمَعْنى الَّذِي، و"يَتَّقِي" فِعْلٌ مَرْفُوعٌ، و"يَصْبِرْ" عُطِفَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ "مَن" وإنْ كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فَفِيها مَعْنى الشَرْطِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠]، وقِيلَ: أرادَ: "يَصْبِرُ" بِالرَفْعِ، لَكِنَّهُ سَكَّنَ الراءَ تَخْفِيفًا، كَما قَرَأ أبُو عَمْرٍو: "وَيَأْمُرْكُمْ" بِإسْكانِ الراءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا﴾ الآيَةَ، هَذا مِنهُمُ اسْتِنْزالٌ لِيُوسُفَ، وإقْرارٌ بِالذَنْبِ في ضِمْنِهِ اسْتِغْفارٌ مِنهُ، و"آثَرَكَ" لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ التَفْضِيلِ وأنْواعِ العَطايا، والأصْلُ فِيها هَمْزَتانِ وخُفِّفَتِ الثانِيَةُ، ولا يَجُوزُ تَحْقِيقُها، والمَصْدَرُ إيثارٌ.
وخاطِئِينَ: مِن خَطِئَ يَخْطَأُ، وهو المُتَعَمِّدُ لِلْخَطَأِ، والمُخْطِئُ: مِن أخْطَأ وهو الَّذِي قَصَدَ الصَوابَ فَلَمْ يُوَفَّقْ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ -وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ الأسْكَرِ -:
؎ وإنَّ مُهاجِرَيْنِ تَكَنَّفاهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غَداةَ غَدٍ لَقَدْ خَطِئا وخابا
وقَوْلُهُ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ عَفْوٌ جَمِيلٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: "أوحى اللهُ إلى يُوسُفَ: (p-١٤٦)بِعَفْوِكَ عن إخْوَتِكَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ". وفي الحَدِيثِ «أنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ الحارِثِ، وعَبْدَ اللهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ لَمّا ورَدا مُهاجِرَيْنِ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ أعْرَضَ عنهُما لِقُبْحِ فِعْلِهِما مَعَهُ قَبْلُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِما وأتَيا أبا بَكْرٍ فَكَلَّفاهُ الشَفاعَةَ، فَأبى، وأتَيا عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَكَذَلِكَ، فَذَهَبَ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ إلى ابْنِ عَمِّهِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَهَبَ عَبْدُ اللهِ إلى أُخْتِهِ أمِّ سَلَمَةَ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الرَأْيُ أنْ تَلْقَيا رَسُولَ اللهِ ﷺ في الحَفْلِ فَتَصِيحانِ بِهِ: "تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ"، فَإنَّهُ لا يَرْضى أنْ يَكُونَ دُونَ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَلا بُدَّ لِذَلِكَ أنْ يَقُولَ: "لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُما"، فَفَعَلا ذَلِكَ، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ الآيَةَ.»
والتَثْرِيبُ: اللَوْمُ والعُقُوبَةُ وما جَرى مَعَهُما مِن سُوءِ مُعْتَقَدٍ ونَحْوِهِ، وقَدْ عَبَّرَ بَعْضُ الناسِ عَنِ التَثْرِيبِ بِالتَعْيِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها ولا يُثَرِّبْ"،» أيْ: لا يُعَيِّرْ، أخْرَجَهُ الشَيْخانِ في الحُدُودِ.
ووَقَفَ بَعْضُ القَرَأةِ: "عَلَيْكُمْ"، وابْتَدَأ: ﴿اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾، ووَقَفَ أكْثَرُهُمُ: "اليَوْمَ"، وابْتَدَأ: ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ، وهو تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ والطَبَرِيِّ، وهو الصَحِيحُ، و"اليَوْمَ" ظَرْفٌ، وعَلى هَذا فالعامِلُ فِيهِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ "عَلَيْكُمْ"، تَقْدِيرُهُ: لا تَثْرِيبَ ثابِتٌ أو مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ. وهَذا الوَقْفُ أرْجَحُ في المَعْنى، لِأنَّ الآخَرَ فِيهِ حُكْمٌ عَلى مَغْفِرَةِ اللهِ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ.
يوسف 12:91
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَنَّ يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكم وهو أرْحَمُ الراحِمِينَ﴾
رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا قالَ إخْوَتُهُ: ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُرُّ﴾ [يوسف: ٨٨] واسْتَعْطَفُوهُ -رَقَّ ورَحِمَهُمْ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وارْفَضَّ دَمْعُهُ باكِيًا فَشَرَعَ في كَشْفِ أمْرِهِ إلَيْهِمْ، فَيُرْوى أنَّهُ حَسَرَ قِناعَهُ وقالَ لَهُمْ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ يُرِيدُ: مِنَ التَفْرِيقِ بَيْنَهُما في الصِغَرِ، والتَمَرُّسِ بِهِما، وإذايَةِ (يامِينَ) بَعْدَ مَغِيبِ يُوسُفَ، فَإنَّهم كانُوا يُذِلُّونَهُ ويَشْتُمُونَهُ، ولَمْ يُشِرْ إلى قِصَّةِ (يامِينَ) الآخِيرَةِ لِأنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا هم فِيها شَيْئًا، ونَسَبَهم إمّا إلى جَهْلِ المَعْصِيَةِ، (p-١٤٤)وَإمّا إلى جَهْلِ الشَبابِ وقِلَّةِ الحِنْكَةِ، فَلَمّا خاطَبَهم هَذِهِ المُخاطَبَةَ -وَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَنَ بِها مِن هَيْئَتِهِ وبِشْرِهِ وتَبَسُّمِهِ ما دَلَّهُمْ- تَنَبَّهُوا ووَقَعَ لَهم مِنَ الظَنِّ القَوِيِّ أنَّهُ يُوسُفُ، فَخاطَبُوهُ مُسْتَفْهِمِينَ اسْتِفْهامَ تَقْرِيرٍ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ﴿أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ﴾ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ وتَحْقِيقِهِما: "آئِنَّكَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَسْهِيلِ الثانِيَةِ "أيِنَّكَ"، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ: "إنَّكَ" عَلى الخَبَرِ وتَأْكِيدِهِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "أئِنَّكَ أو أنْتَ يُوسُفُ "، قالَ أبُو الفَتْحِ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا عَلى حَذْفِ خَبَرِ (إنَّ)، كَأنَّهُ قالَ: أئِنَّكَ لَغَيْرُ يُوسُفَ أو أنْتَ يُوسُفُ ؟
وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: أنَّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أو أنْتَ يُوسُفُ ". وتَأوَّلَتْ فِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ: "إنَّكَ" أنَّها اسْتِفْهامٌ بِإسْقاطِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ، فَأجابَهم يُوسُفُ كاشِفًا أمْرَهُ، قالَ: ﴿أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ: مَن يَتَّقِ في تَرْكِ المَعْصِيَةِ ويَصْبِرْ في السِجْنِ، وقالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: مَن يَتَّقِ الزِنى ويَصْبِرْ عَلى العُزُوبَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومَقْصِدُ اللَفْظِ إنَّما هو العُمُومُ في العَظائِمِ، وإنَّما قالَ هَذانِ ما خَصَّصْنا ؛ لِأنَّها كانَتْ مِن نَوازِلِهِ، ولَوْ فَرَضْنا نُزُولَ غَيْرِها بِهِ لاتَّقى وصَبَرَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَتَّقِ" بِغَيْرِ ياءٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "يَتَّقِي" بِإثْباتِ الياءِ، واخْتُلِفَ في وجْهِ ذَلِكَ -فَقِيلَ: قَدَّرَ الياءَ مُتَحَرِّكَةً وجَعَلَ الجَزْمَ في حَذْفِ الحَرَكَةِ، كَما قالَ الشاعِرُ:(p-١٤٥)
؎ ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي ∗∗∗ بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادِ؟
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مِمّا لا نَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ يَجِيءُ في الشِعْرِ لا في الكَلامِ، وقِيلَ: "مَن" بِمَعْنى الَّذِي، و"يَتَّقِي" فِعْلٌ مَرْفُوعٌ، و"يَصْبِرْ" عُطِفَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ "مَن" وإنْ كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فَفِيها مَعْنى الشَرْطِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠]، وقِيلَ: أرادَ: "يَصْبِرُ" بِالرَفْعِ، لَكِنَّهُ سَكَّنَ الراءَ تَخْفِيفًا، كَما قَرَأ أبُو عَمْرٍو: "وَيَأْمُرْكُمْ" بِإسْكانِ الراءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا﴾ الآيَةَ، هَذا مِنهُمُ اسْتِنْزالٌ لِيُوسُفَ، وإقْرارٌ بِالذَنْبِ في ضِمْنِهِ اسْتِغْفارٌ مِنهُ، و"آثَرَكَ" لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ التَفْضِيلِ وأنْواعِ العَطايا، والأصْلُ فِيها هَمْزَتانِ وخُفِّفَتِ الثانِيَةُ، ولا يَجُوزُ تَحْقِيقُها، والمَصْدَرُ إيثارٌ.
وخاطِئِينَ: مِن خَطِئَ يَخْطَأُ، وهو المُتَعَمِّدُ لِلْخَطَأِ، والمُخْطِئُ: مِن أخْطَأ وهو الَّذِي قَصَدَ الصَوابَ فَلَمْ يُوَفَّقْ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ -وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ الأسْكَرِ -:
؎ وإنَّ مُهاجِرَيْنِ تَكَنَّفاهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غَداةَ غَدٍ لَقَدْ خَطِئا وخابا
وقَوْلُهُ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ عَفْوٌ جَمِيلٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: "أوحى اللهُ إلى يُوسُفَ: (p-١٤٦)بِعَفْوِكَ عن إخْوَتِكَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ". وفي الحَدِيثِ «أنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ الحارِثِ، وعَبْدَ اللهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ لَمّا ورَدا مُهاجِرَيْنِ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ أعْرَضَ عنهُما لِقُبْحِ فِعْلِهِما مَعَهُ قَبْلُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِما وأتَيا أبا بَكْرٍ فَكَلَّفاهُ الشَفاعَةَ، فَأبى، وأتَيا عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَكَذَلِكَ، فَذَهَبَ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ إلى ابْنِ عَمِّهِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَهَبَ عَبْدُ اللهِ إلى أُخْتِهِ أمِّ سَلَمَةَ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الرَأْيُ أنْ تَلْقَيا رَسُولَ اللهِ ﷺ في الحَفْلِ فَتَصِيحانِ بِهِ: "تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ"، فَإنَّهُ لا يَرْضى أنْ يَكُونَ دُونَ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَلا بُدَّ لِذَلِكَ أنْ يَقُولَ: "لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُما"، فَفَعَلا ذَلِكَ، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ الآيَةَ.»
والتَثْرِيبُ: اللَوْمُ والعُقُوبَةُ وما جَرى مَعَهُما مِن سُوءِ مُعْتَقَدٍ ونَحْوِهِ، وقَدْ عَبَّرَ بَعْضُ الناسِ عَنِ التَثْرِيبِ بِالتَعْيِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها ولا يُثَرِّبْ"،» أيْ: لا يُعَيِّرْ، أخْرَجَهُ الشَيْخانِ في الحُدُودِ.
ووَقَفَ بَعْضُ القَرَأةِ: "عَلَيْكُمْ"، وابْتَدَأ: ﴿اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾، ووَقَفَ أكْثَرُهُمُ: "اليَوْمَ"، وابْتَدَأ: ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ، وهو تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ والطَبَرِيِّ، وهو الصَحِيحُ، و"اليَوْمَ" ظَرْفٌ، وعَلى هَذا فالعامِلُ فِيهِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ "عَلَيْكُمْ"، تَقْدِيرُهُ: لا تَثْرِيبَ ثابِتٌ أو مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ. وهَذا الوَقْفُ أرْجَحُ في المَعْنى، لِأنَّ الآخَرَ فِيهِ حُكْمٌ عَلى مَغْفِرَةِ اللهِ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ.
يوسف 12:92
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَنَّ يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكم وهو أرْحَمُ الراحِمِينَ﴾
رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا قالَ إخْوَتُهُ: ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُرُّ﴾ [يوسف: ٨٨] واسْتَعْطَفُوهُ -رَقَّ ورَحِمَهُمْ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وارْفَضَّ دَمْعُهُ باكِيًا فَشَرَعَ في كَشْفِ أمْرِهِ إلَيْهِمْ، فَيُرْوى أنَّهُ حَسَرَ قِناعَهُ وقالَ لَهُمْ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ يُرِيدُ: مِنَ التَفْرِيقِ بَيْنَهُما في الصِغَرِ، والتَمَرُّسِ بِهِما، وإذايَةِ (يامِينَ) بَعْدَ مَغِيبِ يُوسُفَ، فَإنَّهم كانُوا يُذِلُّونَهُ ويَشْتُمُونَهُ، ولَمْ يُشِرْ إلى قِصَّةِ (يامِينَ) الآخِيرَةِ لِأنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا هم فِيها شَيْئًا، ونَسَبَهم إمّا إلى جَهْلِ المَعْصِيَةِ، (p-١٤٤)وَإمّا إلى جَهْلِ الشَبابِ وقِلَّةِ الحِنْكَةِ، فَلَمّا خاطَبَهم هَذِهِ المُخاطَبَةَ -وَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَنَ بِها مِن هَيْئَتِهِ وبِشْرِهِ وتَبَسُّمِهِ ما دَلَّهُمْ- تَنَبَّهُوا ووَقَعَ لَهم مِنَ الظَنِّ القَوِيِّ أنَّهُ يُوسُفُ، فَخاطَبُوهُ مُسْتَفْهِمِينَ اسْتِفْهامَ تَقْرِيرٍ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ﴿أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ﴾ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ وتَحْقِيقِهِما: "آئِنَّكَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَسْهِيلِ الثانِيَةِ "أيِنَّكَ"، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ: "إنَّكَ" عَلى الخَبَرِ وتَأْكِيدِهِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "أئِنَّكَ أو أنْتَ يُوسُفُ "، قالَ أبُو الفَتْحِ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا عَلى حَذْفِ خَبَرِ (إنَّ)، كَأنَّهُ قالَ: أئِنَّكَ لَغَيْرُ يُوسُفَ أو أنْتَ يُوسُفُ ؟
وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: أنَّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أو أنْتَ يُوسُفُ ". وتَأوَّلَتْ فِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ: "إنَّكَ" أنَّها اسْتِفْهامٌ بِإسْقاطِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ، فَأجابَهم يُوسُفُ كاشِفًا أمْرَهُ، قالَ: ﴿أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ: مَن يَتَّقِ في تَرْكِ المَعْصِيَةِ ويَصْبِرْ في السِجْنِ، وقالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: مَن يَتَّقِ الزِنى ويَصْبِرْ عَلى العُزُوبَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومَقْصِدُ اللَفْظِ إنَّما هو العُمُومُ في العَظائِمِ، وإنَّما قالَ هَذانِ ما خَصَّصْنا ؛ لِأنَّها كانَتْ مِن نَوازِلِهِ، ولَوْ فَرَضْنا نُزُولَ غَيْرِها بِهِ لاتَّقى وصَبَرَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَتَّقِ" بِغَيْرِ ياءٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "يَتَّقِي" بِإثْباتِ الياءِ، واخْتُلِفَ في وجْهِ ذَلِكَ -فَقِيلَ: قَدَّرَ الياءَ مُتَحَرِّكَةً وجَعَلَ الجَزْمَ في حَذْفِ الحَرَكَةِ، كَما قالَ الشاعِرُ:(p-١٤٥)
؎ ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي ∗∗∗ بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادِ؟
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مِمّا لا نَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ يَجِيءُ في الشِعْرِ لا في الكَلامِ، وقِيلَ: "مَن" بِمَعْنى الَّذِي، و"يَتَّقِي" فِعْلٌ مَرْفُوعٌ، و"يَصْبِرْ" عُطِفَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ "مَن" وإنْ كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فَفِيها مَعْنى الشَرْطِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠]، وقِيلَ: أرادَ: "يَصْبِرُ" بِالرَفْعِ، لَكِنَّهُ سَكَّنَ الراءَ تَخْفِيفًا، كَما قَرَأ أبُو عَمْرٍو: "وَيَأْمُرْكُمْ" بِإسْكانِ الراءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا﴾ الآيَةَ، هَذا مِنهُمُ اسْتِنْزالٌ لِيُوسُفَ، وإقْرارٌ بِالذَنْبِ في ضِمْنِهِ اسْتِغْفارٌ مِنهُ، و"آثَرَكَ" لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ التَفْضِيلِ وأنْواعِ العَطايا، والأصْلُ فِيها هَمْزَتانِ وخُفِّفَتِ الثانِيَةُ، ولا يَجُوزُ تَحْقِيقُها، والمَصْدَرُ إيثارٌ.
وخاطِئِينَ: مِن خَطِئَ يَخْطَأُ، وهو المُتَعَمِّدُ لِلْخَطَأِ، والمُخْطِئُ: مِن أخْطَأ وهو الَّذِي قَصَدَ الصَوابَ فَلَمْ يُوَفَّقْ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ -وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ الأسْكَرِ -:
؎ وإنَّ مُهاجِرَيْنِ تَكَنَّفاهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غَداةَ غَدٍ لَقَدْ خَطِئا وخابا
وقَوْلُهُ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ عَفْوٌ جَمِيلٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: "أوحى اللهُ إلى يُوسُفَ: (p-١٤٦)بِعَفْوِكَ عن إخْوَتِكَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ". وفي الحَدِيثِ «أنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ الحارِثِ، وعَبْدَ اللهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ لَمّا ورَدا مُهاجِرَيْنِ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ أعْرَضَ عنهُما لِقُبْحِ فِعْلِهِما مَعَهُ قَبْلُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِما وأتَيا أبا بَكْرٍ فَكَلَّفاهُ الشَفاعَةَ، فَأبى، وأتَيا عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَكَذَلِكَ، فَذَهَبَ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ إلى ابْنِ عَمِّهِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَهَبَ عَبْدُ اللهِ إلى أُخْتِهِ أمِّ سَلَمَةَ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الرَأْيُ أنْ تَلْقَيا رَسُولَ اللهِ ﷺ في الحَفْلِ فَتَصِيحانِ بِهِ: "تاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ"، فَإنَّهُ لا يَرْضى أنْ يَكُونَ دُونَ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَلا بُدَّ لِذَلِكَ أنْ يَقُولَ: "لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُما"، فَفَعَلا ذَلِكَ، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ الآيَةَ.»
والتَثْرِيبُ: اللَوْمُ والعُقُوبَةُ وما جَرى مَعَهُما مِن سُوءِ مُعْتَقَدٍ ونَحْوِهِ، وقَدْ عَبَّرَ بَعْضُ الناسِ عَنِ التَثْرِيبِ بِالتَعْيِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها ولا يُثَرِّبْ"،» أيْ: لا يُعَيِّرْ، أخْرَجَهُ الشَيْخانِ في الحُدُودِ.
ووَقَفَ بَعْضُ القَرَأةِ: "عَلَيْكُمْ"، وابْتَدَأ: ﴿اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾، ووَقَفَ أكْثَرُهُمُ: "اليَوْمَ"، وابْتَدَأ: ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ، وهو تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ والطَبَرِيِّ، وهو الصَحِيحُ، و"اليَوْمَ" ظَرْفٌ، وعَلى هَذا فالعامِلُ فِيهِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ "عَلَيْكُمْ"، تَقْدِيرُهُ: لا تَثْرِيبَ ثابِتٌ أو مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ. وهَذا الوَقْفُ أرْجَحُ في المَعْنى، لِأنَّ الآخَرَ فِيهِ حُكْمٌ عَلى مَغْفِرَةِ اللهِ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ.
يوسف 12:93
قوله عزّ وجلّ:
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾
(p-١٤٧)حُكْمُهُ -بَعْدَ الأمْرِ بِإلْقاءِ القَمِيصِ عَلى وجْهِ أبِيهِ- بِأنَّ أباهُ يَأْتِي بَصِيرًا ويَزُولُ عَماهُ - دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذا كُلُّهُ بِوَحْيٍ وإعْلامٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، قالَ النَقّاشُ: ورُوِيَ أنَّ هَذا القَمِيصَ كانَ لِإبْراهِيمَ كَساهُ اللهُ إيّاهُ حِينَ خَرَجَ مِنَ النارِ، وكانَ مِن ثِيابِ الجَنَّةِ، وكانَ بَعْدُ لِإسْحاقَ، ثُمَّ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ كانَ دَفْعُهُ لِيُوسُفَ فَكانَ عِنْدَهُ في حِفاظٍ مِن فِضَّةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ، والظاهِرُ أنَّهُ قَمِيصُ يُوسُفَ الَّذِي هو مِنهُ بِمَنزِلَةِ قَمِيصِ كُلِّ أحَدٍ، وهَكَذا تَبَيَّنُ الغَرابَةُ في أنْ وجَدَ رِيحَهُ مِن بُعْدٍ، ولَوْ كانَ مِن قُمُصِ الجَنَّةِ لَما كانَ في ذَلِكَ غَرابَةٌ ولَوَجَدَهُ كُلُّ أحَدٍ.
وأمًّا "أهْلُهُمْ" فَرُوِيَ أنَّهم كانُوا ثَمانِينَ نَسَمَةً، وقِيلَ: سِتَّةً وسَبْعِينَ نَفْسًا بَيْنَ رِجالٍ ونِساءٍ، وفي هَذا العَدَدِ دَخَلُوا مِصْرَ ثُمَّ خَرَجَ مِنها أعْقابُهم مَعَ مُوسى في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ لَمّا كَشَفَ أمْرَهُ لِإخْوَتِهِ سَألَهم عن أبِيهِمْ: ما حالُهُ؟ فَقالُوا: ذَهَبَ بَصَرُهُ مِنَ البُكاءِ، فَحِينَئِذٍ قالَ لَهُمْ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي﴾ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ الآيَةَ، مَعْناهُ: فَصَلَتِ العِيرُ مِن مِصْرَ مُتَوَجِّهَةً إلى مَوْضِعِ يَعْقُوبَ حَسْبَما اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: كانَ عَلى مَقْرُبَةٍ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: كانَ بِالجَزِيرَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ، لِأنَّ آثارَهم وقُبُورَهم حَتّى الآنَ هُناكَ. ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ وجَدَ رِيحَ يُوسُفَ وبَيْنَهُ وبَيْنَ القَمِيصِ مَسِيرَةُ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ: هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ عَرْفَهُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ بَيْنَهُما ثَمانُونَ فَرْسَخًا، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: وقَدْ كانَ فارَقَهُ قَبْلَ ذَلِكَ سَبْعًا وسَبْعِينَ سَنَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ بَيْنَهُما مَسِيرَةُ ثَلاثِينَ يَوْمًا، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، ورُوِيَ عن أبِي أيُّوبَ الهَوْزَنِيِّ أنَّ الرِيحَ اسْتَأْذَنَتْ في أنْ تُوصِلَ عَرْفَ يُوسُفَ إلى يَعْقُوبَ، فَأُذِنَ لَها في ذَلِكَ، وكانَتْ مُخاطَبَةُ يَعْقُوبَ هَذِهِ لِحاضِرِيهِ، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا حَفَدَتَهُ، وقِيلَ: كانُوا بَعْضَ بَنِيهِ، وقِيلَ: كانُوا قَرابَتَهُ.
(p-١٤٨)وَ"تُفَنِّدُونِ" مَعْناهُ: تَرُدُّونَ رَأْيِي وتَدْفَعُونَ في صَدْرِي، وهَذا هو التَفْنِيدُ في اللُغَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ يا عاذِلَيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِي ∗∗∗ فَلَيْسَ ما فاتَ مِن أمْرِي بِمَرْدُودِ
ويُقالُ: "أفْنَدَ الدَهْرُ فُلانًا" إذا أفْسَدَهُ، قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
؎ دَعِ الدَهْرَ يَفْعَلُ ما أرادَ فَإنَّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا كُلِّفَ الإفْنادَ بِالناسِ أفْنَدا
ومِمّا يُعْطِي أنَّ الفَنَدَ: الفَسادُ في الجُمْلَةِ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ الإلَهُ لَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ
وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: يُقالُ: شَيْخٌ مُفَنَّدٌ، أيْ قَدْ فَسَدَ رَأْيُهُ، ولا يُقالُ: عَجُوزٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والتَفْنِيدُ يَقَعُ إمّا لِجَهْلِ المُفَنِّدِ، وإمّا لِهَوًى غَلَبَهُ، وإمّا لِكَذِبِهِ، وإمّا لِضَعْفِهِ وعَجْزِهِ لِذَهابِ عَقْلِهِ وهَرَمِهِ، فَلِهَذا فَسَّرَ الناسُ التَفْنِيدَ في هَذِهِ الآيَةِ بِهَذِهِ المَعانِي، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أو هَرَمًا مُفَنِّدًا"،» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: مَعْناهُ: (p-١٤٩)تُسَفِّهُونِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: تُجَهِّلُونِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ: مَعْناهُ: تُكَذِّبُونِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مَعْناهُ: تُضَعِّفُونِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: تَقُولُونَ ذَهَبَ عَقْلُكَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: تُهَرِّمُونِ.
والَّذِي يُشْبِهُ أنَّ تَفْنِيدَهم لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما كانَ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ هَواهُ قَدْ غَلَبَهُ في جانِبِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ الطَبَرِيُّ: أصْلُ التَفْنِيدِ الإفْسادُ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿لَفِي ضَلالِكَ﴾ يُرِيدُونَ: انْتِكافِكَ وتَحَيُّرِكَ، ولَيْسَ هو بِالضَلالِ الَّذِي هو في العُرْفِ ضِدُّ الرَشادِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الجَفاءِ الَّذِي لا يَسُوغُ لَهم مُواجَهَتُهُ بِهِ، وقَدْ تَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ عَلى ذَلِكَ، ولِهَذا قالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: قالُوا لِوالِدِهِمْ كَلِمَةً غَلِيظَةً لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَقُولُوها لِوالِدِهِمْ ولا لِنَبِيِّ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: لَفي خَطَئِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وكانَ حُزْنُ يَعْقُوبَ قَدْ تَجَدَّدَ بِقِصَّةِ (يامِينَ)، فَلِذَلِكَ يُقالُ لَهُ: ذُو الحُزْنَيْنِ.
يوسف 12:94
قوله عزّ وجلّ:
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾
(p-١٤٧)حُكْمُهُ -بَعْدَ الأمْرِ بِإلْقاءِ القَمِيصِ عَلى وجْهِ أبِيهِ- بِأنَّ أباهُ يَأْتِي بَصِيرًا ويَزُولُ عَماهُ - دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذا كُلُّهُ بِوَحْيٍ وإعْلامٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، قالَ النَقّاشُ: ورُوِيَ أنَّ هَذا القَمِيصَ كانَ لِإبْراهِيمَ كَساهُ اللهُ إيّاهُ حِينَ خَرَجَ مِنَ النارِ، وكانَ مِن ثِيابِ الجَنَّةِ، وكانَ بَعْدُ لِإسْحاقَ، ثُمَّ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ كانَ دَفْعُهُ لِيُوسُفَ فَكانَ عِنْدَهُ في حِفاظٍ مِن فِضَّةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ، والظاهِرُ أنَّهُ قَمِيصُ يُوسُفَ الَّذِي هو مِنهُ بِمَنزِلَةِ قَمِيصِ كُلِّ أحَدٍ، وهَكَذا تَبَيَّنُ الغَرابَةُ في أنْ وجَدَ رِيحَهُ مِن بُعْدٍ، ولَوْ كانَ مِن قُمُصِ الجَنَّةِ لَما كانَ في ذَلِكَ غَرابَةٌ ولَوَجَدَهُ كُلُّ أحَدٍ.
وأمًّا "أهْلُهُمْ" فَرُوِيَ أنَّهم كانُوا ثَمانِينَ نَسَمَةً، وقِيلَ: سِتَّةً وسَبْعِينَ نَفْسًا بَيْنَ رِجالٍ ونِساءٍ، وفي هَذا العَدَدِ دَخَلُوا مِصْرَ ثُمَّ خَرَجَ مِنها أعْقابُهم مَعَ مُوسى في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ لَمّا كَشَفَ أمْرَهُ لِإخْوَتِهِ سَألَهم عن أبِيهِمْ: ما حالُهُ؟ فَقالُوا: ذَهَبَ بَصَرُهُ مِنَ البُكاءِ، فَحِينَئِذٍ قالَ لَهُمْ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي﴾ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ الآيَةَ، مَعْناهُ: فَصَلَتِ العِيرُ مِن مِصْرَ مُتَوَجِّهَةً إلى مَوْضِعِ يَعْقُوبَ حَسْبَما اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: كانَ عَلى مَقْرُبَةٍ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: كانَ بِالجَزِيرَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ، لِأنَّ آثارَهم وقُبُورَهم حَتّى الآنَ هُناكَ. ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ وجَدَ رِيحَ يُوسُفَ وبَيْنَهُ وبَيْنَ القَمِيصِ مَسِيرَةُ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ: هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ عَرْفَهُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ بَيْنَهُما ثَمانُونَ فَرْسَخًا، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: وقَدْ كانَ فارَقَهُ قَبْلَ ذَلِكَ سَبْعًا وسَبْعِينَ سَنَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ بَيْنَهُما مَسِيرَةُ ثَلاثِينَ يَوْمًا، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، ورُوِيَ عن أبِي أيُّوبَ الهَوْزَنِيِّ أنَّ الرِيحَ اسْتَأْذَنَتْ في أنْ تُوصِلَ عَرْفَ يُوسُفَ إلى يَعْقُوبَ، فَأُذِنَ لَها في ذَلِكَ، وكانَتْ مُخاطَبَةُ يَعْقُوبَ هَذِهِ لِحاضِرِيهِ، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا حَفَدَتَهُ، وقِيلَ: كانُوا بَعْضَ بَنِيهِ، وقِيلَ: كانُوا قَرابَتَهُ.
(p-١٤٨)وَ"تُفَنِّدُونِ" مَعْناهُ: تَرُدُّونَ رَأْيِي وتَدْفَعُونَ في صَدْرِي، وهَذا هو التَفْنِيدُ في اللُغَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ يا عاذِلَيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِي ∗∗∗ فَلَيْسَ ما فاتَ مِن أمْرِي بِمَرْدُودِ
ويُقالُ: "أفْنَدَ الدَهْرُ فُلانًا" إذا أفْسَدَهُ، قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
؎ دَعِ الدَهْرَ يَفْعَلُ ما أرادَ فَإنَّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا كُلِّفَ الإفْنادَ بِالناسِ أفْنَدا
ومِمّا يُعْطِي أنَّ الفَنَدَ: الفَسادُ في الجُمْلَةِ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ الإلَهُ لَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ
وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: يُقالُ: شَيْخٌ مُفَنَّدٌ، أيْ قَدْ فَسَدَ رَأْيُهُ، ولا يُقالُ: عَجُوزٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والتَفْنِيدُ يَقَعُ إمّا لِجَهْلِ المُفَنِّدِ، وإمّا لِهَوًى غَلَبَهُ، وإمّا لِكَذِبِهِ، وإمّا لِضَعْفِهِ وعَجْزِهِ لِذَهابِ عَقْلِهِ وهَرَمِهِ، فَلِهَذا فَسَّرَ الناسُ التَفْنِيدَ في هَذِهِ الآيَةِ بِهَذِهِ المَعانِي، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أو هَرَمًا مُفَنِّدًا"،» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: مَعْناهُ: (p-١٤٩)تُسَفِّهُونِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: تُجَهِّلُونِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ: مَعْناهُ: تُكَذِّبُونِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مَعْناهُ: تُضَعِّفُونِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: تَقُولُونَ ذَهَبَ عَقْلُكَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: تُهَرِّمُونِ.
والَّذِي يُشْبِهُ أنَّ تَفْنِيدَهم لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما كانَ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ هَواهُ قَدْ غَلَبَهُ في جانِبِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ الطَبَرِيُّ: أصْلُ التَفْنِيدِ الإفْسادُ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿لَفِي ضَلالِكَ﴾ يُرِيدُونَ: انْتِكافِكَ وتَحَيُّرِكَ، ولَيْسَ هو بِالضَلالِ الَّذِي هو في العُرْفِ ضِدُّ الرَشادِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الجَفاءِ الَّذِي لا يَسُوغُ لَهم مُواجَهَتُهُ بِهِ، وقَدْ تَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ عَلى ذَلِكَ، ولِهَذا قالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: قالُوا لِوالِدِهِمْ كَلِمَةً غَلِيظَةً لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَقُولُوها لِوالِدِهِمْ ولا لِنَبِيِّ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: لَفي خَطَئِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وكانَ حُزْنُ يَعْقُوبَ قَدْ تَجَدَّدَ بِقِصَّةِ (يامِينَ)، فَلِذَلِكَ يُقالُ لَهُ: ذُو الحُزْنَيْنِ.
يوسف 12:95
قوله عزّ وجلّ:
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾
(p-١٤٧)حُكْمُهُ -بَعْدَ الأمْرِ بِإلْقاءِ القَمِيصِ عَلى وجْهِ أبِيهِ- بِأنَّ أباهُ يَأْتِي بَصِيرًا ويَزُولُ عَماهُ - دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذا كُلُّهُ بِوَحْيٍ وإعْلامٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، قالَ النَقّاشُ: ورُوِيَ أنَّ هَذا القَمِيصَ كانَ لِإبْراهِيمَ كَساهُ اللهُ إيّاهُ حِينَ خَرَجَ مِنَ النارِ، وكانَ مِن ثِيابِ الجَنَّةِ، وكانَ بَعْدُ لِإسْحاقَ، ثُمَّ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ كانَ دَفْعُهُ لِيُوسُفَ فَكانَ عِنْدَهُ في حِفاظٍ مِن فِضَّةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ، والظاهِرُ أنَّهُ قَمِيصُ يُوسُفَ الَّذِي هو مِنهُ بِمَنزِلَةِ قَمِيصِ كُلِّ أحَدٍ، وهَكَذا تَبَيَّنُ الغَرابَةُ في أنْ وجَدَ رِيحَهُ مِن بُعْدٍ، ولَوْ كانَ مِن قُمُصِ الجَنَّةِ لَما كانَ في ذَلِكَ غَرابَةٌ ولَوَجَدَهُ كُلُّ أحَدٍ.
وأمًّا "أهْلُهُمْ" فَرُوِيَ أنَّهم كانُوا ثَمانِينَ نَسَمَةً، وقِيلَ: سِتَّةً وسَبْعِينَ نَفْسًا بَيْنَ رِجالٍ ونِساءٍ، وفي هَذا العَدَدِ دَخَلُوا مِصْرَ ثُمَّ خَرَجَ مِنها أعْقابُهم مَعَ مُوسى في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ لَمّا كَشَفَ أمْرَهُ لِإخْوَتِهِ سَألَهم عن أبِيهِمْ: ما حالُهُ؟ فَقالُوا: ذَهَبَ بَصَرُهُ مِنَ البُكاءِ، فَحِينَئِذٍ قالَ لَهُمْ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي﴾ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ الآيَةَ، مَعْناهُ: فَصَلَتِ العِيرُ مِن مِصْرَ مُتَوَجِّهَةً إلى مَوْضِعِ يَعْقُوبَ حَسْبَما اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: كانَ عَلى مَقْرُبَةٍ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: كانَ بِالجَزِيرَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ، لِأنَّ آثارَهم وقُبُورَهم حَتّى الآنَ هُناكَ. ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ وجَدَ رِيحَ يُوسُفَ وبَيْنَهُ وبَيْنَ القَمِيصِ مَسِيرَةُ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ: هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ عَرْفَهُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ بَيْنَهُما ثَمانُونَ فَرْسَخًا، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: وقَدْ كانَ فارَقَهُ قَبْلَ ذَلِكَ سَبْعًا وسَبْعِينَ سَنَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ بَيْنَهُما مَسِيرَةُ ثَلاثِينَ يَوْمًا، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، ورُوِيَ عن أبِي أيُّوبَ الهَوْزَنِيِّ أنَّ الرِيحَ اسْتَأْذَنَتْ في أنْ تُوصِلَ عَرْفَ يُوسُفَ إلى يَعْقُوبَ، فَأُذِنَ لَها في ذَلِكَ، وكانَتْ مُخاطَبَةُ يَعْقُوبَ هَذِهِ لِحاضِرِيهِ، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا حَفَدَتَهُ، وقِيلَ: كانُوا بَعْضَ بَنِيهِ، وقِيلَ: كانُوا قَرابَتَهُ.
(p-١٤٨)وَ"تُفَنِّدُونِ" مَعْناهُ: تَرُدُّونَ رَأْيِي وتَدْفَعُونَ في صَدْرِي، وهَذا هو التَفْنِيدُ في اللُغَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ يا عاذِلَيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِي ∗∗∗ فَلَيْسَ ما فاتَ مِن أمْرِي بِمَرْدُودِ
ويُقالُ: "أفْنَدَ الدَهْرُ فُلانًا" إذا أفْسَدَهُ، قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
؎ دَعِ الدَهْرَ يَفْعَلُ ما أرادَ فَإنَّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا كُلِّفَ الإفْنادَ بِالناسِ أفْنَدا
ومِمّا يُعْطِي أنَّ الفَنَدَ: الفَسادُ في الجُمْلَةِ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ الإلَهُ لَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ
وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: يُقالُ: شَيْخٌ مُفَنَّدٌ، أيْ قَدْ فَسَدَ رَأْيُهُ، ولا يُقالُ: عَجُوزٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والتَفْنِيدُ يَقَعُ إمّا لِجَهْلِ المُفَنِّدِ، وإمّا لِهَوًى غَلَبَهُ، وإمّا لِكَذِبِهِ، وإمّا لِضَعْفِهِ وعَجْزِهِ لِذَهابِ عَقْلِهِ وهَرَمِهِ، فَلِهَذا فَسَّرَ الناسُ التَفْنِيدَ في هَذِهِ الآيَةِ بِهَذِهِ المَعانِي، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أو هَرَمًا مُفَنِّدًا"،» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: مَعْناهُ: (p-١٤٩)تُسَفِّهُونِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: تُجَهِّلُونِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ: مَعْناهُ: تُكَذِّبُونِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مَعْناهُ: تُضَعِّفُونِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: تَقُولُونَ ذَهَبَ عَقْلُكَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: تُهَرِّمُونِ.
والَّذِي يُشْبِهُ أنَّ تَفْنِيدَهم لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما كانَ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ هَواهُ قَدْ غَلَبَهُ في جانِبِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ الطَبَرِيُّ: أصْلُ التَفْنِيدِ الإفْسادُ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿لَفِي ضَلالِكَ﴾ يُرِيدُونَ: انْتِكافِكَ وتَحَيُّرِكَ، ولَيْسَ هو بِالضَلالِ الَّذِي هو في العُرْفِ ضِدُّ الرَشادِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الجَفاءِ الَّذِي لا يَسُوغُ لَهم مُواجَهَتُهُ بِهِ، وقَدْ تَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ عَلى ذَلِكَ، ولِهَذا قالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: قالُوا لِوالِدِهِمْ كَلِمَةً غَلِيظَةً لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَقُولُوها لِوالِدِهِمْ ولا لِنَبِيِّ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: لَفي خَطَئِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وكانَ حُزْنُ يَعْقُوبَ قَدْ تَجَدَّدَ بِقِصَّةِ (يامِينَ)، فَلِذَلِكَ يُقالُ لَهُ: ذُو الحُزْنَيْنِ.
يوسف 12:96
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ ﴿وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ البَشِيرَ كانَ يَهُوذا لِأنَّهُ كانَ جاءَ بِقَمِيصِ الدَمِ.
(p-١٥٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
حَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ عَلى المِنبَرِ بِمِصْرَ يَقُولُ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا قالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي﴾ [يوسف: ٩٣] قالَ يَهُوذا: قَدْ عَلِمْتَ أنِّي ذَهَبْتُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ التَرْحَةِ فَدَعُونِي أذْهَبْ إلَيْهِ بِقَمِيصِ الفَرْحَةِ، فَتَرَكُوهُ وذَلِكَ. وقالَ هَذا المَعْنىالسُدِّيُّ.
و"ارْتَدَّ" مَعْناهُ: رَجَعَ هُوَ، يُقالُ: ارْتَدَّ الرَجُلُ ورَدَّهُ غَيْرُهُ، و"بَصِيرًا" مَعْناهُ: مُبْصِرًا. ثُمَّ وقَّفَهم عَلى قَوْلِهِ لَهُمْ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، وهَذا -واللهُ أعْلَمُ- هو انْتِظارُهُ لِتَأْوِيلِ الرُؤْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللهِ تَعالى فَقَطْ. ورُوِيَ: أنَّهُ قالَ لِلْبَشِيرِ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ، قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، الآنَ تَمَّتِ النِعْمَةُ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ مِن بَيْنِ يَدَيِ العِيرِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ أنَّهُ قالَ: "أنْ" في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ زائِدَةٌ، والعَرَبُ تَزِيدُها أحْيانًا في الكَلامِ بَعْدَ "لَمّا" وبَعْدَ (حَتّى) فَقَطْ، تَقُولُ: لَمّا جِئْتُ كانَ كَذا، ولَمّا أنْ جِئْتُ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: ما قامَ زَيْدٌ حَتّى قُمْتُ، وحَتّى أنْ قُمْتُ.
وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾.
رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا غَفَرَ لِإخْوَتِهِ وتَحَقَّقُوا أيْضًا أنَّ يَعْقُوبَ يَغْفِرُ لَهم قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما يُغْنِي عَنّا هَذا إنْ لَمْ يَغْفِرِ اللهُ لَنا، فَطَلَبُوا حِينَئِذٍ مِن يَعْقُوبَ أنْ يَطْلُبَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللهِ تَعالى، واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ، فَقالَ لَهم يَعْقُوبُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: سَوَّفَهم إلى السَحَرِ، ورُوِيَ عن مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ أنَّهُ قالَ: كانَ عَمٌّ لِي يَأْتِي المَسْجِدَ، فَسَمِعَ إنْسانًا يَقُولُ: "اللهُمَّ دَعَوْتَنِي فَأجَبْتُ، وأجَبْتَنِي فَأطَعْتُ، وهَذا سَحَرٌ فاغْفِرْ لِي"، فاسْتَمَعَ الصَوْتَ فَإذا هو مِن دارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَسُئِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ عن ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ أخَّرَ بَنِيهِ إلى السَحَرِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إذا كانَ الثُلُثُ الآخِرُ إلى سَماءِ الدُنْيا فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ"» الحَدِيثَ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَبارَكَ (p-١٥١)وَتَعالى: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَوَّفَهم يَعْقُوبُ إلى قِيامِ اللَيْلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهم سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ -: سَوَّفَهم يَعْقُوبُ إلى اللَيالِي البِيضِ، فَإنَّ الدُعاءَ فِيهِنَّ يُسْتَجابُ، وقِيلَ: إنَّما أخَّرَهم إلى لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ هَذا التَأْوِيلَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، قالَ: « "أخَّرَهم يَعْقُوبُ حَتّى تَأْتِيَ لَهُ الجُمْعَةُ".»
ثُمَّ رَجّاهم يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا﴾ الآيَةَ. هاهُنا مَحْذُوفاتٌ يَدُلُّ عَلَيْها الظاهِرُ، وهِيَ: فَرَحَلَ يَعْقُوبُ بِأهْلِهِ أجْمَعِينَ وسارُوا حَتّى بَلَغُوا يُوسُفَ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ. و"آوى" مَعْناهُ: ضَمَّ وأظْهَرَ الحَفاوَةَ بِهِما، وفي الحَدِيثِ: « "أمّا أحَدُهم فَأوى إلى اللهِ فَآواهُ اللهُ"». وقِيلَ: أرادَ بِالأبَوَيْنِ أباهُ وأُمَّهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والحَسَنُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أباهُ وجَدَّتَهُ أمَّ أُمِّهِ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ، وقِيلَ: أباهُ وخالَتَهُ، لِأنَّ أُمَّهُ قَدْ كانَتْ ماتَتْ، قالَهُ السُدِّيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأوَّلُ أظْهَرُ بِحَسَبَ اللَفْظِ، إلّا لَوْ ثَبَتَ بِسَنَدٍ أنَّ أُمَّهُ قَدْ كانَتْ ماتَتْ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ".
وقَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ مَعْناهُ: تَمَكَّنُوا واسْكُنُوا واسْتَقِرُّوا، لِأنَّهم قَدْ كانُوا دَخَلُوا عَلَيْهِ، وقِيلَ: بَلْ قالَ لَهم ذَلِكَ في الطَرِيقِ حِينَ تَلَقّاهُمْ، قالَهُ السُدِّيُّ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ هو (p-١٥٢)الَّذِي نَدَبَ إلَيْهِ القُرْآنُ أنْ يَقُولَهُ الإنْسانُ في جَمِيعِ ما يُنَفِّذُهُ بِقَوْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هَذا مُؤَخَّرٌ في اللَفْظِ وهو مُتَّصِلٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا التَأْوِيلِ ضَعُفٌ.
و"العَرْشِ": سَرِيرُ المَلِكِ، وكُلُّ ما عُرِّشَ فَهو عَرِيشٌ وعَرْشٌ، وخَصَّصَتِ اللُغَةُ العَرْشَ لِسَرِيرِ المَلِكِ. و"خَرُّوا" مَعْناهُ: تَصَوَّبُوا إلى الأرْضِ، واخْتُلِفَ في هَذا السُجُودِ، فَقِيلَ: كانَ كالمَعْهُودِ عِنْدَنا مِن وضْعِ الوَجْهِ بِالأرْضِ، وقِيلَ: بَلْ دُونَ ذَلِكَ كالرُكُوعِ البالِغِ ونَحْوِهِ مِمّا كانَ سَيْرَ تَحِيّاتِهِمْ لِلْمُلُوكِ في ذَلِكَ الزَمانِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّ ذَلِكَ السُجُودَ -عَلى أيِّ هَيْئَةٍ كانَ- فَإنَّما كانَ تَحِيَّةً لا عِبادَةً، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ كانَتْ تَحِيَّةُ المُلُوكِ عِنْدَهُمْ، وأعْطى اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ السَلامَ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ، وقالَ الحَسَنُ: الضَمِيرُ في "لَهُ" لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ورُدَّ عَلى هَذا القَوْلِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ: أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا بَلَغَ مِصْرَ في جُمْلَتِهِ كَلَّمَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ فِرْعَوْنَ في تَلَقِّيهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ وخَرَجَ المُلُوكُ مَعَهُ، فَلَمّا دَنا يُوسُفُ مِن يَعْقُوبَ -وَكانَ يَعْقُوبُ يَمْشِي مُتَوَكِّئًا عَلى يَهُوذا- قالَ: فَنَظَرَ يَعْقُوبُ إلى الخَيْلِ والناسِ فَقالَ: يا يَهُوذا، هَذا فِرْعَوْنُ مِصْرَ، قالَ: لا، هو ابْنُكَ، قالَ: فَلَمّا دَنا كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِن صاحِبِهِ ذَهَبَ يُوسُفُ يَبْدَأُ بِالسَلامِ، فَمَنَعَهُ يَعْقُوبُ مِن ذَلِكَ، وكانَ يَعْقُوبُ أحَقَّ بِذَلِكَ مِنهُ وأفْضَلَ، فَقالَ: السَلامُ عَلَيْكَ يا مُذْهِبَ الأحْزانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونَحْوُ هَذا مِنَ القِصَصِ.
وفِي هَذا الوَقْتِ قالَ يُوسُفُ لِيَعْقُوبَ: إنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا فادْخُلْ عَلَيْهِ شاكِرًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: يا شَيْخُ، ما صَيَّرَكَ إلى ما أرى؟ قالَ: تَتابُعُ البَلاءِ عَلَيَّ، قالَ: فَما زالَتْ قَدَمُهُ حَتّى نَزَلَ الوَحْيُ: يا يَعْقُوبُ، أتَشْكُونِي إلى مَن لا يَضُرُّكَ ولا يَنْفَعُكَ؟ قالَ: يا رَبِّ، ذَنْبٌ فاغْفِرْهُ. وقالَ أبُو عَمْرٍو الشَيْبانِيُّ: تَقَدَّمَ يُوسُفُ (p-١٥٣)يَعْقُوبَ في المَشْيِ في بَعْضِ تِلْكَ المَواطِنِ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ: أتَتَقَدَّمُ أباكَ؟ إنَّ عُقُوبَتَكَ لِذَلِكَ ألّا يَخْرُجَ مِن ذُرِّيَّتِكَ نَبِيٌّ.
**
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِن السِجْنِ وجاءَ بِكم مِن البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَـزَغَ الشَيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
المَعْنى: قالَ يُوسُفُ لِيَعْقُوبَ: هَذا السُجُودُ الَّذِي كانَ مِنكُمْ، هو ما آلَتْ إلَيْهِ رُؤْيايَ قَدِيمًا في الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وفي الشَمْسِ والقَمَرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ ابْتِداءُ تَعْدِيدِ نِعَمِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ أحْسَنَ بِي﴾ أيْ: أوقَعَ وناطَ إحْسانَهُ بِي، فَهَذا مَنحًى في وُصُولِ الإحْسانِ بِالباءِ، وقَدْ يُقالُ: أحْسَنَ إلَيَّ، وأحْسَنَ فِيَّ، ومِنهُ قَوْلُعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ: يا مُحَمَّدُ، أحْسِنْ في مَوالِيَّ، وهَذِهِ المَناحِي مُخْتَلِفَةُ المَعْنى، وألْيَقُها بِيُوسُفَ قَوْلُهُ: "بِي" لِأنَّهُ إحْسانٌ خَرَجَ فِيهِ دُونَ أنْ يَقْصِدَ هو الغايَةَ الَّتِي صارَ إلَيْها.
وذَكَرَ يُوسُفُ إخْراجَهُ مِنَ السِجْنِ وتَرَكَ إخْراجَهُ مِنَ الجُبِّ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ في ذِكْرِ إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ تَجْدِيدَ فِعْلِ إخْوَتِهِ وخِزْيَهم بِذَلِكَ وتَقْلِيعَ نُفُوسِهِمْ وتَحْرِيكَ تِلْكَ الغَوائِلِ وتَخْبِيثَ النُفُوسِ.
والوَجْهُ الآخَرُ أنَّهُ خَرَجَ مِنَ الجُبِّ إلى الرِقِّ ومِنَ السِجْنِ إلى المُلْكِ، فالنِعْمَةُ هُنا أوضَحُ.
(p-١٥٤)وَقَوْلُهُ: ﴿وَجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ يَعُمُّ جَمْعَ الشَمْلِ والتَنَقُّلَ مِنَ الشَقاوَةِ إلى النِعْمَةِ بِسُكْنى الحاضِرَةِ، وكانَ مَنزِلُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ بِأطْرافِ الشامِ في بادِيَةِ فِلِسْطِينَ، وكانَ رَبَّ إبِلٍ وغَنَمٍ وبادِيَةٍ.
و"نَزَغَ" مَعْناهُ: فَعَلَ فِعْلًا أفْسَدَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "لا يُشِرْ أحَدُكم عَلى أخِيهِ بِالسِلاحِ، لا يَنْزَغِ الشَيْطانُ في يَدِهِ"،» وإنَّما ذَكَرَ يُوسُفُ هَذا القَدْرَ مِن أمْرِ إخْوَتِهِ لِيُبَيِّنَ حُسْنَ مَوْقِعِ النِعَمِ، لِأنَّ النِعْمَةَ إذا جاءَتْ إثْرَ شِدَّةٍ وبَلاءٍ فَهي أحْسَنُ مَوْقِعًا.
وقَوْلُهُ: ﴿لِما يَشاءُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمُورِ أنْ يَفْعَلَهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ فِي: كَمْ كانَ بَيْنَ رُؤْيا يُوسُفَ وبَيْنَ ظُهُورِها؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرْبَعُونَ سَنَةً، هَذا قَوْلُ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ شَدّادٍ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ: ذَلِكَ آخَرُ ما تُبْطِئُ الرُؤْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهُمُ الحَسَنُ، وحَسَنُ بْنُ فَرَقَدٍ، وفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ-: ثَمانُونَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: اثْنانِ وعِشْرُونَ، قالَهُ النَقّاشُ، وقِيلَ: ثَلاثُونَ، وقِيلَ: خَمْسٌ وثَلاثُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: سِتٌّ وثَلاثُونَ سَنَةً. وقِيلَ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ عَمَّرَ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: إنَّ يَعْقُوبَ بَقِيَ عِنْدَ يُوسُفَ نَيِّفًا عَلى عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ ﷺ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا وجْهَ في تَرْكِ تَعْرِيفِ يُوسُفَ أباهُ بِحالِهِ مُنْذُ خَرَجَ مِنَ السِجْنِ إلى العِزَّةِ إلّا الوَحْيُ مِنَ اللهِ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَمْتَحِنَ بِهِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ، وأرادَ مِن صُورَةِ جَمْعِهِمْ. لا إلَهَ إلّا (p-١٥٥)هُوَ، وقالَ النَقّاشُ: كانَ ذَلِكَ الوَحْيُ في الجُبِّ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥]، وهَذا مُحْتَمَلٌ.
ومِمّا رُوِيَ في أخْبارِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ: قالَ الحَسَنُ: لَمّا ورَدَهُ البَشِيرُ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا يُثِيبُهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ: واللهِ ما أصَبْتُ عِنْدَنا شَيْئًا، وما خَبَزْنا مُنْذُ سَبْعِ لَيالٍ، ولَكِنْ: "هَوَّنَ اللهُ عَلَيْكَ سَكَراتِ المَوْتِ". ومِن أخْبارِهِ أنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ قالَ: يا رَبِّ، أعْمَيْتَ بَصَرِي وغَيَّبَتْ عَنِّي يُوسُفَ، أفَما تَرْحَمُنِي؟ فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: سَوْفَ أرْحَمُكَ وأرُدُّ عَلَيْكَ ولَدَكَ وبَصَرَكَ، وما عاقَبْتُكَ بِذَلِكَ إلّا أنَّكَ طَبَخْتَ في مَنزِلِكَ حَمَلًا، فَشَمَّهُ جارٌ لَكَ، ولَمْ تَساهِمْهُ بِشَيْءٍ، قالَ: فَكانَ يَعْقُوبُ بَعْدُ يَدْعُوهُ إلى غَدائِهِ وعَشائِهِ. وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ لَمّا اجْتَمَعَ شَمْلُهُ كَلَّفَهُ بَنُوهُ أنْ يَدْعُوَ اللهَ لَهم حَتّى يَأْتِيَ الوَحْيُ بِأنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَهُمْ، قالَ: فَكانَ يَعْقُوبُ يُصَلِّي ويُوسُفُ وراءَهُ وهم وراءَ يُوسُفَ، ويَدْعُو لَهُمْ، فَلَبِثَ كَذَلِكَ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ جاءَهُ الوَحْيُ، إنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهم وأعْطَيْتُهم مَواثِيقَ النُبُوَّةِ بَعْدَكَ.
ومِن أخْبارِهِ أنَّهُ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ أوصى إلى يُوسُفَ أنْ يَدْفِنَهُ بِالشامِ، فَلَمّا ماتَ نَفَخَ فِيهِ المُرَّ وحَمَلَهُ إلى الشامِ، ثُمَّ ماتَ يُوسُفُ فَدُفِنَ بِمِصْرَ، فَلَمّا خَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ -بَعْدَ ذَلِكَ- مِن أرْضِ مِصْرَ احْتَمَلَ عِظامَ يُوسُفَ حَتّى دَفَنَها بِالشامِ مَعَ آبائِهِ.
يوسف 12:97
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ ﴿وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ البَشِيرَ كانَ يَهُوذا لِأنَّهُ كانَ جاءَ بِقَمِيصِ الدَمِ.
(p-١٥٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
حَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ عَلى المِنبَرِ بِمِصْرَ يَقُولُ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا قالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي﴾ [يوسف: ٩٣] قالَ يَهُوذا: قَدْ عَلِمْتَ أنِّي ذَهَبْتُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ التَرْحَةِ فَدَعُونِي أذْهَبْ إلَيْهِ بِقَمِيصِ الفَرْحَةِ، فَتَرَكُوهُ وذَلِكَ. وقالَ هَذا المَعْنىالسُدِّيُّ.
و"ارْتَدَّ" مَعْناهُ: رَجَعَ هُوَ، يُقالُ: ارْتَدَّ الرَجُلُ ورَدَّهُ غَيْرُهُ، و"بَصِيرًا" مَعْناهُ: مُبْصِرًا. ثُمَّ وقَّفَهم عَلى قَوْلِهِ لَهُمْ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، وهَذا -واللهُ أعْلَمُ- هو انْتِظارُهُ لِتَأْوِيلِ الرُؤْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللهِ تَعالى فَقَطْ. ورُوِيَ: أنَّهُ قالَ لِلْبَشِيرِ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ، قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، الآنَ تَمَّتِ النِعْمَةُ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ مِن بَيْنِ يَدَيِ العِيرِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ أنَّهُ قالَ: "أنْ" في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ زائِدَةٌ، والعَرَبُ تَزِيدُها أحْيانًا في الكَلامِ بَعْدَ "لَمّا" وبَعْدَ (حَتّى) فَقَطْ، تَقُولُ: لَمّا جِئْتُ كانَ كَذا، ولَمّا أنْ جِئْتُ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: ما قامَ زَيْدٌ حَتّى قُمْتُ، وحَتّى أنْ قُمْتُ.
وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾.
رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا غَفَرَ لِإخْوَتِهِ وتَحَقَّقُوا أيْضًا أنَّ يَعْقُوبَ يَغْفِرُ لَهم قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما يُغْنِي عَنّا هَذا إنْ لَمْ يَغْفِرِ اللهُ لَنا، فَطَلَبُوا حِينَئِذٍ مِن يَعْقُوبَ أنْ يَطْلُبَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللهِ تَعالى، واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ، فَقالَ لَهم يَعْقُوبُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: سَوَّفَهم إلى السَحَرِ، ورُوِيَ عن مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ أنَّهُ قالَ: كانَ عَمٌّ لِي يَأْتِي المَسْجِدَ، فَسَمِعَ إنْسانًا يَقُولُ: "اللهُمَّ دَعَوْتَنِي فَأجَبْتُ، وأجَبْتَنِي فَأطَعْتُ، وهَذا سَحَرٌ فاغْفِرْ لِي"، فاسْتَمَعَ الصَوْتَ فَإذا هو مِن دارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَسُئِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ عن ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ أخَّرَ بَنِيهِ إلى السَحَرِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إذا كانَ الثُلُثُ الآخِرُ إلى سَماءِ الدُنْيا فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ"» الحَدِيثَ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَبارَكَ (p-١٥١)وَتَعالى: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَوَّفَهم يَعْقُوبُ إلى قِيامِ اللَيْلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهم سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ -: سَوَّفَهم يَعْقُوبُ إلى اللَيالِي البِيضِ، فَإنَّ الدُعاءَ فِيهِنَّ يُسْتَجابُ، وقِيلَ: إنَّما أخَّرَهم إلى لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ هَذا التَأْوِيلَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، قالَ: « "أخَّرَهم يَعْقُوبُ حَتّى تَأْتِيَ لَهُ الجُمْعَةُ".»
ثُمَّ رَجّاهم يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا﴾ الآيَةَ. هاهُنا مَحْذُوفاتٌ يَدُلُّ عَلَيْها الظاهِرُ، وهِيَ: فَرَحَلَ يَعْقُوبُ بِأهْلِهِ أجْمَعِينَ وسارُوا حَتّى بَلَغُوا يُوسُفَ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ. و"آوى" مَعْناهُ: ضَمَّ وأظْهَرَ الحَفاوَةَ بِهِما، وفي الحَدِيثِ: « "أمّا أحَدُهم فَأوى إلى اللهِ فَآواهُ اللهُ"». وقِيلَ: أرادَ بِالأبَوَيْنِ أباهُ وأُمَّهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والحَسَنُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أباهُ وجَدَّتَهُ أمَّ أُمِّهِ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ، وقِيلَ: أباهُ وخالَتَهُ، لِأنَّ أُمَّهُ قَدْ كانَتْ ماتَتْ، قالَهُ السُدِّيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأوَّلُ أظْهَرُ بِحَسَبَ اللَفْظِ، إلّا لَوْ ثَبَتَ بِسَنَدٍ أنَّ أُمَّهُ قَدْ كانَتْ ماتَتْ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ".
وقَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ مَعْناهُ: تَمَكَّنُوا واسْكُنُوا واسْتَقِرُّوا، لِأنَّهم قَدْ كانُوا دَخَلُوا عَلَيْهِ، وقِيلَ: بَلْ قالَ لَهم ذَلِكَ في الطَرِيقِ حِينَ تَلَقّاهُمْ، قالَهُ السُدِّيُّ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ هو (p-١٥٢)الَّذِي نَدَبَ إلَيْهِ القُرْآنُ أنْ يَقُولَهُ الإنْسانُ في جَمِيعِ ما يُنَفِّذُهُ بِقَوْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هَذا مُؤَخَّرٌ في اللَفْظِ وهو مُتَّصِلٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا التَأْوِيلِ ضَعُفٌ.
و"العَرْشِ": سَرِيرُ المَلِكِ، وكُلُّ ما عُرِّشَ فَهو عَرِيشٌ وعَرْشٌ، وخَصَّصَتِ اللُغَةُ العَرْشَ لِسَرِيرِ المَلِكِ. و"خَرُّوا" مَعْناهُ: تَصَوَّبُوا إلى الأرْضِ، واخْتُلِفَ في هَذا السُجُودِ، فَقِيلَ: كانَ كالمَعْهُودِ عِنْدَنا مِن وضْعِ الوَجْهِ بِالأرْضِ، وقِيلَ: بَلْ دُونَ ذَلِكَ كالرُكُوعِ البالِغِ ونَحْوِهِ مِمّا كانَ سَيْرَ تَحِيّاتِهِمْ لِلْمُلُوكِ في ذَلِكَ الزَمانِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّ ذَلِكَ السُجُودَ -عَلى أيِّ هَيْئَةٍ كانَ- فَإنَّما كانَ تَحِيَّةً لا عِبادَةً، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ كانَتْ تَحِيَّةُ المُلُوكِ عِنْدَهُمْ، وأعْطى اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ السَلامَ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ، وقالَ الحَسَنُ: الضَمِيرُ في "لَهُ" لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ورُدَّ عَلى هَذا القَوْلِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ: أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا بَلَغَ مِصْرَ في جُمْلَتِهِ كَلَّمَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ فِرْعَوْنَ في تَلَقِّيهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ وخَرَجَ المُلُوكُ مَعَهُ، فَلَمّا دَنا يُوسُفُ مِن يَعْقُوبَ -وَكانَ يَعْقُوبُ يَمْشِي مُتَوَكِّئًا عَلى يَهُوذا- قالَ: فَنَظَرَ يَعْقُوبُ إلى الخَيْلِ والناسِ فَقالَ: يا يَهُوذا، هَذا فِرْعَوْنُ مِصْرَ، قالَ: لا، هو ابْنُكَ، قالَ: فَلَمّا دَنا كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِن صاحِبِهِ ذَهَبَ يُوسُفُ يَبْدَأُ بِالسَلامِ، فَمَنَعَهُ يَعْقُوبُ مِن ذَلِكَ، وكانَ يَعْقُوبُ أحَقَّ بِذَلِكَ مِنهُ وأفْضَلَ، فَقالَ: السَلامُ عَلَيْكَ يا مُذْهِبَ الأحْزانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونَحْوُ هَذا مِنَ القِصَصِ.
وفِي هَذا الوَقْتِ قالَ يُوسُفُ لِيَعْقُوبَ: إنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا فادْخُلْ عَلَيْهِ شاكِرًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: يا شَيْخُ، ما صَيَّرَكَ إلى ما أرى؟ قالَ: تَتابُعُ البَلاءِ عَلَيَّ، قالَ: فَما زالَتْ قَدَمُهُ حَتّى نَزَلَ الوَحْيُ: يا يَعْقُوبُ، أتَشْكُونِي إلى مَن لا يَضُرُّكَ ولا يَنْفَعُكَ؟ قالَ: يا رَبِّ، ذَنْبٌ فاغْفِرْهُ. وقالَ أبُو عَمْرٍو الشَيْبانِيُّ: تَقَدَّمَ يُوسُفُ (p-١٥٣)يَعْقُوبَ في المَشْيِ في بَعْضِ تِلْكَ المَواطِنِ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ: أتَتَقَدَّمُ أباكَ؟ إنَّ عُقُوبَتَكَ لِذَلِكَ ألّا يَخْرُجَ مِن ذُرِّيَّتِكَ نَبِيٌّ.
**
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِن السِجْنِ وجاءَ بِكم مِن البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَـزَغَ الشَيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
المَعْنى: قالَ يُوسُفُ لِيَعْقُوبَ: هَذا السُجُودُ الَّذِي كانَ مِنكُمْ، هو ما آلَتْ إلَيْهِ رُؤْيايَ قَدِيمًا في الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وفي الشَمْسِ والقَمَرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ ابْتِداءُ تَعْدِيدِ نِعَمِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ أحْسَنَ بِي﴾ أيْ: أوقَعَ وناطَ إحْسانَهُ بِي، فَهَذا مَنحًى في وُصُولِ الإحْسانِ بِالباءِ، وقَدْ يُقالُ: أحْسَنَ إلَيَّ، وأحْسَنَ فِيَّ، ومِنهُ قَوْلُعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ: يا مُحَمَّدُ، أحْسِنْ في مَوالِيَّ، وهَذِهِ المَناحِي مُخْتَلِفَةُ المَعْنى، وألْيَقُها بِيُوسُفَ قَوْلُهُ: "بِي" لِأنَّهُ إحْسانٌ خَرَجَ فِيهِ دُونَ أنْ يَقْصِدَ هو الغايَةَ الَّتِي صارَ إلَيْها.
وذَكَرَ يُوسُفُ إخْراجَهُ مِنَ السِجْنِ وتَرَكَ إخْراجَهُ مِنَ الجُبِّ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ في ذِكْرِ إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ تَجْدِيدَ فِعْلِ إخْوَتِهِ وخِزْيَهم بِذَلِكَ وتَقْلِيعَ نُفُوسِهِمْ وتَحْرِيكَ تِلْكَ الغَوائِلِ وتَخْبِيثَ النُفُوسِ.
والوَجْهُ الآخَرُ أنَّهُ خَرَجَ مِنَ الجُبِّ إلى الرِقِّ ومِنَ السِجْنِ إلى المُلْكِ، فالنِعْمَةُ هُنا أوضَحُ.
(p-١٥٤)وَقَوْلُهُ: ﴿وَجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ يَعُمُّ جَمْعَ الشَمْلِ والتَنَقُّلَ مِنَ الشَقاوَةِ إلى النِعْمَةِ بِسُكْنى الحاضِرَةِ، وكانَ مَنزِلُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ بِأطْرافِ الشامِ في بادِيَةِ فِلِسْطِينَ، وكانَ رَبَّ إبِلٍ وغَنَمٍ وبادِيَةٍ.
و"نَزَغَ" مَعْناهُ: فَعَلَ فِعْلًا أفْسَدَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "لا يُشِرْ أحَدُكم عَلى أخِيهِ بِالسِلاحِ، لا يَنْزَغِ الشَيْطانُ في يَدِهِ"،» وإنَّما ذَكَرَ يُوسُفُ هَذا القَدْرَ مِن أمْرِ إخْوَتِهِ لِيُبَيِّنَ حُسْنَ مَوْقِعِ النِعَمِ، لِأنَّ النِعْمَةَ إذا جاءَتْ إثْرَ شِدَّةٍ وبَلاءٍ فَهي أحْسَنُ مَوْقِعًا.
وقَوْلُهُ: ﴿لِما يَشاءُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمُورِ أنْ يَفْعَلَهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ فِي: كَمْ كانَ بَيْنَ رُؤْيا يُوسُفَ وبَيْنَ ظُهُورِها؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرْبَعُونَ سَنَةً، هَذا قَوْلُ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ شَدّادٍ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ: ذَلِكَ آخَرُ ما تُبْطِئُ الرُؤْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهُمُ الحَسَنُ، وحَسَنُ بْنُ فَرَقَدٍ، وفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ-: ثَمانُونَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: اثْنانِ وعِشْرُونَ، قالَهُ النَقّاشُ، وقِيلَ: ثَلاثُونَ، وقِيلَ: خَمْسٌ وثَلاثُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: سِتٌّ وثَلاثُونَ سَنَةً. وقِيلَ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ عَمَّرَ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: إنَّ يَعْقُوبَ بَقِيَ عِنْدَ يُوسُفَ نَيِّفًا عَلى عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ ﷺ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا وجْهَ في تَرْكِ تَعْرِيفِ يُوسُفَ أباهُ بِحالِهِ مُنْذُ خَرَجَ مِنَ السِجْنِ إلى العِزَّةِ إلّا الوَحْيُ مِنَ اللهِ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَمْتَحِنَ بِهِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ، وأرادَ مِن صُورَةِ جَمْعِهِمْ. لا إلَهَ إلّا (p-١٥٥)هُوَ، وقالَ النَقّاشُ: كانَ ذَلِكَ الوَحْيُ في الجُبِّ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥]، وهَذا مُحْتَمَلٌ.
ومِمّا رُوِيَ في أخْبارِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ: قالَ الحَسَنُ: لَمّا ورَدَهُ البَشِيرُ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا يُثِيبُهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ: واللهِ ما أصَبْتُ عِنْدَنا شَيْئًا، وما خَبَزْنا مُنْذُ سَبْعِ لَيالٍ، ولَكِنْ: "هَوَّنَ اللهُ عَلَيْكَ سَكَراتِ المَوْتِ". ومِن أخْبارِهِ أنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ قالَ: يا رَبِّ، أعْمَيْتَ بَصَرِي وغَيَّبَتْ عَنِّي يُوسُفَ، أفَما تَرْحَمُنِي؟ فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: سَوْفَ أرْحَمُكَ وأرُدُّ عَلَيْكَ ولَدَكَ وبَصَرَكَ، وما عاقَبْتُكَ بِذَلِكَ إلّا أنَّكَ طَبَخْتَ في مَنزِلِكَ حَمَلًا، فَشَمَّهُ جارٌ لَكَ، ولَمْ تَساهِمْهُ بِشَيْءٍ، قالَ: فَكانَ يَعْقُوبُ بَعْدُ يَدْعُوهُ إلى غَدائِهِ وعَشائِهِ. وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ لَمّا اجْتَمَعَ شَمْلُهُ كَلَّفَهُ بَنُوهُ أنْ يَدْعُوَ اللهَ لَهم حَتّى يَأْتِيَ الوَحْيُ بِأنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَهُمْ، قالَ: فَكانَ يَعْقُوبُ يُصَلِّي ويُوسُفُ وراءَهُ وهم وراءَ يُوسُفَ، ويَدْعُو لَهُمْ، فَلَبِثَ كَذَلِكَ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ جاءَهُ الوَحْيُ، إنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهم وأعْطَيْتُهم مَواثِيقَ النُبُوَّةِ بَعْدَكَ.
ومِن أخْبارِهِ أنَّهُ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ أوصى إلى يُوسُفَ أنْ يَدْفِنَهُ بِالشامِ، فَلَمّا ماتَ نَفَخَ فِيهِ المُرَّ وحَمَلَهُ إلى الشامِ، ثُمَّ ماتَ يُوسُفُ فَدُفِنَ بِمِصْرَ، فَلَمّا خَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ -بَعْدَ ذَلِكَ- مِن أرْضِ مِصْرَ احْتَمَلَ عِظامَ يُوسُفَ حَتّى دَفَنَها بِالشامِ مَعَ آبائِهِ.
يوسف 12:98
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ ﴿وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ البَشِيرَ كانَ يَهُوذا لِأنَّهُ كانَ جاءَ بِقَمِيصِ الدَمِ.
(p-١٥٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
حَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ عَلى المِنبَرِ بِمِصْرَ يَقُولُ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا قالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي﴾ [يوسف: ٩٣] قالَ يَهُوذا: قَدْ عَلِمْتَ أنِّي ذَهَبْتُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ التَرْحَةِ فَدَعُونِي أذْهَبْ إلَيْهِ بِقَمِيصِ الفَرْحَةِ، فَتَرَكُوهُ وذَلِكَ. وقالَ هَذا المَعْنىالسُدِّيُّ.
و"ارْتَدَّ" مَعْناهُ: رَجَعَ هُوَ، يُقالُ: ارْتَدَّ الرَجُلُ ورَدَّهُ غَيْرُهُ، و"بَصِيرًا" مَعْناهُ: مُبْصِرًا. ثُمَّ وقَّفَهم عَلى قَوْلِهِ لَهُمْ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، وهَذا -واللهُ أعْلَمُ- هو انْتِظارُهُ لِتَأْوِيلِ الرُؤْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللهِ تَعالى فَقَطْ. ورُوِيَ: أنَّهُ قالَ لِلْبَشِيرِ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ، قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، الآنَ تَمَّتِ النِعْمَةُ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ مِن بَيْنِ يَدَيِ العِيرِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ أنَّهُ قالَ: "أنْ" في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ زائِدَةٌ، والعَرَبُ تَزِيدُها أحْيانًا في الكَلامِ بَعْدَ "لَمّا" وبَعْدَ (حَتّى) فَقَطْ، تَقُولُ: لَمّا جِئْتُ كانَ كَذا، ولَمّا أنْ جِئْتُ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: ما قامَ زَيْدٌ حَتّى قُمْتُ، وحَتّى أنْ قُمْتُ.
وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾.
رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا غَفَرَ لِإخْوَتِهِ وتَحَقَّقُوا أيْضًا أنَّ يَعْقُوبَ يَغْفِرُ لَهم قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما يُغْنِي عَنّا هَذا إنْ لَمْ يَغْفِرِ اللهُ لَنا، فَطَلَبُوا حِينَئِذٍ مِن يَعْقُوبَ أنْ يَطْلُبَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللهِ تَعالى، واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ، فَقالَ لَهم يَعْقُوبُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: سَوَّفَهم إلى السَحَرِ، ورُوِيَ عن مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ أنَّهُ قالَ: كانَ عَمٌّ لِي يَأْتِي المَسْجِدَ، فَسَمِعَ إنْسانًا يَقُولُ: "اللهُمَّ دَعَوْتَنِي فَأجَبْتُ، وأجَبْتَنِي فَأطَعْتُ، وهَذا سَحَرٌ فاغْفِرْ لِي"، فاسْتَمَعَ الصَوْتَ فَإذا هو مِن دارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَسُئِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ عن ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ أخَّرَ بَنِيهِ إلى السَحَرِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إذا كانَ الثُلُثُ الآخِرُ إلى سَماءِ الدُنْيا فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ"» الحَدِيثَ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَبارَكَ (p-١٥١)وَتَعالى: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَوَّفَهم يَعْقُوبُ إلى قِيامِ اللَيْلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهم سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ -: سَوَّفَهم يَعْقُوبُ إلى اللَيالِي البِيضِ، فَإنَّ الدُعاءَ فِيهِنَّ يُسْتَجابُ، وقِيلَ: إنَّما أخَّرَهم إلى لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ هَذا التَأْوِيلَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، قالَ: « "أخَّرَهم يَعْقُوبُ حَتّى تَأْتِيَ لَهُ الجُمْعَةُ".»
ثُمَّ رَجّاهم يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا﴾ الآيَةَ. هاهُنا مَحْذُوفاتٌ يَدُلُّ عَلَيْها الظاهِرُ، وهِيَ: فَرَحَلَ يَعْقُوبُ بِأهْلِهِ أجْمَعِينَ وسارُوا حَتّى بَلَغُوا يُوسُفَ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ. و"آوى" مَعْناهُ: ضَمَّ وأظْهَرَ الحَفاوَةَ بِهِما، وفي الحَدِيثِ: « "أمّا أحَدُهم فَأوى إلى اللهِ فَآواهُ اللهُ"». وقِيلَ: أرادَ بِالأبَوَيْنِ أباهُ وأُمَّهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والحَسَنُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أباهُ وجَدَّتَهُ أمَّ أُمِّهِ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ، وقِيلَ: أباهُ وخالَتَهُ، لِأنَّ أُمَّهُ قَدْ كانَتْ ماتَتْ، قالَهُ السُدِّيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأوَّلُ أظْهَرُ بِحَسَبَ اللَفْظِ، إلّا لَوْ ثَبَتَ بِسَنَدٍ أنَّ أُمَّهُ قَدْ كانَتْ ماتَتْ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ".
وقَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ مَعْناهُ: تَمَكَّنُوا واسْكُنُوا واسْتَقِرُّوا، لِأنَّهم قَدْ كانُوا دَخَلُوا عَلَيْهِ، وقِيلَ: بَلْ قالَ لَهم ذَلِكَ في الطَرِيقِ حِينَ تَلَقّاهُمْ، قالَهُ السُدِّيُّ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ هو (p-١٥٢)الَّذِي نَدَبَ إلَيْهِ القُرْآنُ أنْ يَقُولَهُ الإنْسانُ في جَمِيعِ ما يُنَفِّذُهُ بِقَوْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هَذا مُؤَخَّرٌ في اللَفْظِ وهو مُتَّصِلٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا التَأْوِيلِ ضَعُفٌ.
و"العَرْشِ": سَرِيرُ المَلِكِ، وكُلُّ ما عُرِّشَ فَهو عَرِيشٌ وعَرْشٌ، وخَصَّصَتِ اللُغَةُ العَرْشَ لِسَرِيرِ المَلِكِ. و"خَرُّوا" مَعْناهُ: تَصَوَّبُوا إلى الأرْضِ، واخْتُلِفَ في هَذا السُجُودِ، فَقِيلَ: كانَ كالمَعْهُودِ عِنْدَنا مِن وضْعِ الوَجْهِ بِالأرْضِ، وقِيلَ: بَلْ دُونَ ذَلِكَ كالرُكُوعِ البالِغِ ونَحْوِهِ مِمّا كانَ سَيْرَ تَحِيّاتِهِمْ لِلْمُلُوكِ في ذَلِكَ الزَمانِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّ ذَلِكَ السُجُودَ -عَلى أيِّ هَيْئَةٍ كانَ- فَإنَّما كانَ تَحِيَّةً لا عِبادَةً، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ كانَتْ تَحِيَّةُ المُلُوكِ عِنْدَهُمْ، وأعْطى اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ السَلامَ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ، وقالَ الحَسَنُ: الضَمِيرُ في "لَهُ" لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ورُدَّ عَلى هَذا القَوْلِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ: أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا بَلَغَ مِصْرَ في جُمْلَتِهِ كَلَّمَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ فِرْعَوْنَ في تَلَقِّيهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ وخَرَجَ المُلُوكُ مَعَهُ، فَلَمّا دَنا يُوسُفُ مِن يَعْقُوبَ -وَكانَ يَعْقُوبُ يَمْشِي مُتَوَكِّئًا عَلى يَهُوذا- قالَ: فَنَظَرَ يَعْقُوبُ إلى الخَيْلِ والناسِ فَقالَ: يا يَهُوذا، هَذا فِرْعَوْنُ مِصْرَ، قالَ: لا، هو ابْنُكَ، قالَ: فَلَمّا دَنا كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِن صاحِبِهِ ذَهَبَ يُوسُفُ يَبْدَأُ بِالسَلامِ، فَمَنَعَهُ يَعْقُوبُ مِن ذَلِكَ، وكانَ يَعْقُوبُ أحَقَّ بِذَلِكَ مِنهُ وأفْضَلَ، فَقالَ: السَلامُ عَلَيْكَ يا مُذْهِبَ الأحْزانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونَحْوُ هَذا مِنَ القِصَصِ.
وفِي هَذا الوَقْتِ قالَ يُوسُفُ لِيَعْقُوبَ: إنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا فادْخُلْ عَلَيْهِ شاكِرًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: يا شَيْخُ، ما صَيَّرَكَ إلى ما أرى؟ قالَ: تَتابُعُ البَلاءِ عَلَيَّ، قالَ: فَما زالَتْ قَدَمُهُ حَتّى نَزَلَ الوَحْيُ: يا يَعْقُوبُ، أتَشْكُونِي إلى مَن لا يَضُرُّكَ ولا يَنْفَعُكَ؟ قالَ: يا رَبِّ، ذَنْبٌ فاغْفِرْهُ. وقالَ أبُو عَمْرٍو الشَيْبانِيُّ: تَقَدَّمَ يُوسُفُ (p-١٥٣)يَعْقُوبَ في المَشْيِ في بَعْضِ تِلْكَ المَواطِنِ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ: أتَتَقَدَّمُ أباكَ؟ إنَّ عُقُوبَتَكَ لِذَلِكَ ألّا يَخْرُجَ مِن ذُرِّيَّتِكَ نَبِيٌّ.
**
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِن السِجْنِ وجاءَ بِكم مِن البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَـزَغَ الشَيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
المَعْنى: قالَ يُوسُفُ لِيَعْقُوبَ: هَذا السُجُودُ الَّذِي كانَ مِنكُمْ، هو ما آلَتْ إلَيْهِ رُؤْيايَ قَدِيمًا في الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وفي الشَمْسِ والقَمَرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ ابْتِداءُ تَعْدِيدِ نِعَمِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ أحْسَنَ بِي﴾ أيْ: أوقَعَ وناطَ إحْسانَهُ بِي، فَهَذا مَنحًى في وُصُولِ الإحْسانِ بِالباءِ، وقَدْ يُقالُ: أحْسَنَ إلَيَّ، وأحْسَنَ فِيَّ، ومِنهُ قَوْلُعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ: يا مُحَمَّدُ، أحْسِنْ في مَوالِيَّ، وهَذِهِ المَناحِي مُخْتَلِفَةُ المَعْنى، وألْيَقُها بِيُوسُفَ قَوْلُهُ: "بِي" لِأنَّهُ إحْسانٌ خَرَجَ فِيهِ دُونَ أنْ يَقْصِدَ هو الغايَةَ الَّتِي صارَ إلَيْها.
وذَكَرَ يُوسُفُ إخْراجَهُ مِنَ السِجْنِ وتَرَكَ إخْراجَهُ مِنَ الجُبِّ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ في ذِكْرِ إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ تَجْدِيدَ فِعْلِ إخْوَتِهِ وخِزْيَهم بِذَلِكَ وتَقْلِيعَ نُفُوسِهِمْ وتَحْرِيكَ تِلْكَ الغَوائِلِ وتَخْبِيثَ النُفُوسِ.
والوَجْهُ الآخَرُ أنَّهُ خَرَجَ مِنَ الجُبِّ إلى الرِقِّ ومِنَ السِجْنِ إلى المُلْكِ، فالنِعْمَةُ هُنا أوضَحُ.
(p-١٥٤)وَقَوْلُهُ: ﴿وَجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ يَعُمُّ جَمْعَ الشَمْلِ والتَنَقُّلَ مِنَ الشَقاوَةِ إلى النِعْمَةِ بِسُكْنى الحاضِرَةِ، وكانَ مَنزِلُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ بِأطْرافِ الشامِ في بادِيَةِ فِلِسْطِينَ، وكانَ رَبَّ إبِلٍ وغَنَمٍ وبادِيَةٍ.
و"نَزَغَ" مَعْناهُ: فَعَلَ فِعْلًا أفْسَدَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "لا يُشِرْ أحَدُكم عَلى أخِيهِ بِالسِلاحِ، لا يَنْزَغِ الشَيْطانُ في يَدِهِ"،» وإنَّما ذَكَرَ يُوسُفُ هَذا القَدْرَ مِن أمْرِ إخْوَتِهِ لِيُبَيِّنَ حُسْنَ مَوْقِعِ النِعَمِ، لِأنَّ النِعْمَةَ إذا جاءَتْ إثْرَ شِدَّةٍ وبَلاءٍ فَهي أحْسَنُ مَوْقِعًا.
وقَوْلُهُ: ﴿لِما يَشاءُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمُورِ أنْ يَفْعَلَهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ فِي: كَمْ كانَ بَيْنَ رُؤْيا يُوسُفَ وبَيْنَ ظُهُورِها؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرْبَعُونَ سَنَةً، هَذا قَوْلُ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ شَدّادٍ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ: ذَلِكَ آخَرُ ما تُبْطِئُ الرُؤْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهُمُ الحَسَنُ، وحَسَنُ بْنُ فَرَقَدٍ، وفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ-: ثَمانُونَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: اثْنانِ وعِشْرُونَ، قالَهُ النَقّاشُ، وقِيلَ: ثَلاثُونَ، وقِيلَ: خَمْسٌ وثَلاثُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: سِتٌّ وثَلاثُونَ سَنَةً. وقِيلَ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ عَمَّرَ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: إنَّ يَعْقُوبَ بَقِيَ عِنْدَ يُوسُفَ نَيِّفًا عَلى عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ ﷺ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا وجْهَ في تَرْكِ تَعْرِيفِ يُوسُفَ أباهُ بِحالِهِ مُنْذُ خَرَجَ مِنَ السِجْنِ إلى العِزَّةِ إلّا الوَحْيُ مِنَ اللهِ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَمْتَحِنَ بِهِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ، وأرادَ مِن صُورَةِ جَمْعِهِمْ. لا إلَهَ إلّا (p-١٥٥)هُوَ، وقالَ النَقّاشُ: كانَ ذَلِكَ الوَحْيُ في الجُبِّ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥]، وهَذا مُحْتَمَلٌ.
ومِمّا رُوِيَ في أخْبارِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ: قالَ الحَسَنُ: لَمّا ورَدَهُ البَشِيرُ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا يُثِيبُهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ: واللهِ ما أصَبْتُ عِنْدَنا شَيْئًا، وما خَبَزْنا مُنْذُ سَبْعِ لَيالٍ، ولَكِنْ: "هَوَّنَ اللهُ عَلَيْكَ سَكَراتِ المَوْتِ". ومِن أخْبارِهِ أنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ قالَ: يا رَبِّ، أعْمَيْتَ بَصَرِي وغَيَّبَتْ عَنِّي يُوسُفَ، أفَما تَرْحَمُنِي؟ فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: سَوْفَ أرْحَمُكَ وأرُدُّ عَلَيْكَ ولَدَكَ وبَصَرَكَ، وما عاقَبْتُكَ بِذَلِكَ إلّا أنَّكَ طَبَخْتَ في مَنزِلِكَ حَمَلًا، فَشَمَّهُ جارٌ لَكَ، ولَمْ تَساهِمْهُ بِشَيْءٍ، قالَ: فَكانَ يَعْقُوبُ بَعْدُ يَدْعُوهُ إلى غَدائِهِ وعَشائِهِ. وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ لَمّا اجْتَمَعَ شَمْلُهُ كَلَّفَهُ بَنُوهُ أنْ يَدْعُوَ اللهَ لَهم حَتّى يَأْتِيَ الوَحْيُ بِأنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَهُمْ، قالَ: فَكانَ يَعْقُوبُ يُصَلِّي ويُوسُفُ وراءَهُ وهم وراءَ يُوسُفَ، ويَدْعُو لَهُمْ، فَلَبِثَ كَذَلِكَ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ جاءَهُ الوَحْيُ، إنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهم وأعْطَيْتُهم مَواثِيقَ النُبُوَّةِ بَعْدَكَ.
ومِن أخْبارِهِ أنَّهُ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ أوصى إلى يُوسُفَ أنْ يَدْفِنَهُ بِالشامِ، فَلَمّا ماتَ نَفَخَ فِيهِ المُرَّ وحَمَلَهُ إلى الشامِ، ثُمَّ ماتَ يُوسُفُ فَدُفِنَ بِمِصْرَ، فَلَمّا خَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ -بَعْدَ ذَلِكَ- مِن أرْضِ مِصْرَ احْتَمَلَ عِظامَ يُوسُفَ حَتّى دَفَنَها بِالشامِ مَعَ آبائِهِ.
يوسف 12:99
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ ﴿وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ البَشِيرَ كانَ يَهُوذا لِأنَّهُ كانَ جاءَ بِقَمِيصِ الدَمِ.
(p-١٥٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
حَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ عَلى المِنبَرِ بِمِصْرَ يَقُولُ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا قالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي﴾ [يوسف: ٩٣] قالَ يَهُوذا: قَدْ عَلِمْتَ أنِّي ذَهَبْتُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ التَرْحَةِ فَدَعُونِي أذْهَبْ إلَيْهِ بِقَمِيصِ الفَرْحَةِ، فَتَرَكُوهُ وذَلِكَ. وقالَ هَذا المَعْنىالسُدِّيُّ.
و"ارْتَدَّ" مَعْناهُ: رَجَعَ هُوَ، يُقالُ: ارْتَدَّ الرَجُلُ ورَدَّهُ غَيْرُهُ، و"بَصِيرًا" مَعْناهُ: مُبْصِرًا. ثُمَّ وقَّفَهم عَلى قَوْلِهِ لَهُمْ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، وهَذا -واللهُ أعْلَمُ- هو انْتِظارُهُ لِتَأْوِيلِ الرُؤْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللهِ تَعالى فَقَطْ. ورُوِيَ: أنَّهُ قالَ لِلْبَشِيرِ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ، قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، الآنَ تَمَّتِ النِعْمَةُ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ مِن بَيْنِ يَدَيِ العِيرِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ أنَّهُ قالَ: "أنْ" في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ زائِدَةٌ، والعَرَبُ تَزِيدُها أحْيانًا في الكَلامِ بَعْدَ "لَمّا" وبَعْدَ (حَتّى) فَقَطْ، تَقُولُ: لَمّا جِئْتُ كانَ كَذا، ولَمّا أنْ جِئْتُ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: ما قامَ زَيْدٌ حَتّى قُمْتُ، وحَتّى أنْ قُمْتُ.
وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾.
رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا غَفَرَ لِإخْوَتِهِ وتَحَقَّقُوا أيْضًا أنَّ يَعْقُوبَ يَغْفِرُ لَهم قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما يُغْنِي عَنّا هَذا إنْ لَمْ يَغْفِرِ اللهُ لَنا، فَطَلَبُوا حِينَئِذٍ مِن يَعْقُوبَ أنْ يَطْلُبَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللهِ تَعالى، واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ، فَقالَ لَهم يَعْقُوبُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: سَوَّفَهم إلى السَحَرِ، ورُوِيَ عن مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ أنَّهُ قالَ: كانَ عَمٌّ لِي يَأْتِي المَسْجِدَ، فَسَمِعَ إنْسانًا يَقُولُ: "اللهُمَّ دَعَوْتَنِي فَأجَبْتُ، وأجَبْتَنِي فَأطَعْتُ، وهَذا سَحَرٌ فاغْفِرْ لِي"، فاسْتَمَعَ الصَوْتَ فَإذا هو مِن دارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَسُئِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ عن ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ أخَّرَ بَنِيهِ إلى السَحَرِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إذا كانَ الثُلُثُ الآخِرُ إلى سَماءِ الدُنْيا فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ"» الحَدِيثَ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَبارَكَ (p-١٥١)وَتَعالى: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَوَّفَهم يَعْقُوبُ إلى قِيامِ اللَيْلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهم سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ -: سَوَّفَهم يَعْقُوبُ إلى اللَيالِي البِيضِ، فَإنَّ الدُعاءَ فِيهِنَّ يُسْتَجابُ، وقِيلَ: إنَّما أخَّرَهم إلى لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ هَذا التَأْوِيلَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، قالَ: « "أخَّرَهم يَعْقُوبُ حَتّى تَأْتِيَ لَهُ الجُمْعَةُ".»
ثُمَّ رَجّاهم يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا﴾ الآيَةَ. هاهُنا مَحْذُوفاتٌ يَدُلُّ عَلَيْها الظاهِرُ، وهِيَ: فَرَحَلَ يَعْقُوبُ بِأهْلِهِ أجْمَعِينَ وسارُوا حَتّى بَلَغُوا يُوسُفَ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ. و"آوى" مَعْناهُ: ضَمَّ وأظْهَرَ الحَفاوَةَ بِهِما، وفي الحَدِيثِ: « "أمّا أحَدُهم فَأوى إلى اللهِ فَآواهُ اللهُ"». وقِيلَ: أرادَ بِالأبَوَيْنِ أباهُ وأُمَّهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والحَسَنُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أباهُ وجَدَّتَهُ أمَّ أُمِّهِ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ، وقِيلَ: أباهُ وخالَتَهُ، لِأنَّ أُمَّهُ قَدْ كانَتْ ماتَتْ، قالَهُ السُدِّيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأوَّلُ أظْهَرُ بِحَسَبَ اللَفْظِ، إلّا لَوْ ثَبَتَ بِسَنَدٍ أنَّ أُمَّهُ قَدْ كانَتْ ماتَتْ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ".
وقَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ مَعْناهُ: تَمَكَّنُوا واسْكُنُوا واسْتَقِرُّوا، لِأنَّهم قَدْ كانُوا دَخَلُوا عَلَيْهِ، وقِيلَ: بَلْ قالَ لَهم ذَلِكَ في الطَرِيقِ حِينَ تَلَقّاهُمْ، قالَهُ السُدِّيُّ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ هو (p-١٥٢)الَّذِي نَدَبَ إلَيْهِ القُرْآنُ أنْ يَقُولَهُ الإنْسانُ في جَمِيعِ ما يُنَفِّذُهُ بِقَوْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هَذا مُؤَخَّرٌ في اللَفْظِ وهو مُتَّصِلٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا التَأْوِيلِ ضَعُفٌ.
و"العَرْشِ": سَرِيرُ المَلِكِ، وكُلُّ ما عُرِّشَ فَهو عَرِيشٌ وعَرْشٌ، وخَصَّصَتِ اللُغَةُ العَرْشَ لِسَرِيرِ المَلِكِ. و"خَرُّوا" مَعْناهُ: تَصَوَّبُوا إلى الأرْضِ، واخْتُلِفَ في هَذا السُجُودِ، فَقِيلَ: كانَ كالمَعْهُودِ عِنْدَنا مِن وضْعِ الوَجْهِ بِالأرْضِ، وقِيلَ: بَلْ دُونَ ذَلِكَ كالرُكُوعِ البالِغِ ونَحْوِهِ مِمّا كانَ سَيْرَ تَحِيّاتِهِمْ لِلْمُلُوكِ في ذَلِكَ الزَمانِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّ ذَلِكَ السُجُودَ -عَلى أيِّ هَيْئَةٍ كانَ- فَإنَّما كانَ تَحِيَّةً لا عِبادَةً، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ كانَتْ تَحِيَّةُ المُلُوكِ عِنْدَهُمْ، وأعْطى اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ السَلامَ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ، وقالَ الحَسَنُ: الضَمِيرُ في "لَهُ" لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ورُدَّ عَلى هَذا القَوْلِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ: أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا بَلَغَ مِصْرَ في جُمْلَتِهِ كَلَّمَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ فِرْعَوْنَ في تَلَقِّيهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ وخَرَجَ المُلُوكُ مَعَهُ، فَلَمّا دَنا يُوسُفُ مِن يَعْقُوبَ -وَكانَ يَعْقُوبُ يَمْشِي مُتَوَكِّئًا عَلى يَهُوذا- قالَ: فَنَظَرَ يَعْقُوبُ إلى الخَيْلِ والناسِ فَقالَ: يا يَهُوذا، هَذا فِرْعَوْنُ مِصْرَ، قالَ: لا، هو ابْنُكَ، قالَ: فَلَمّا دَنا كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِن صاحِبِهِ ذَهَبَ يُوسُفُ يَبْدَأُ بِالسَلامِ، فَمَنَعَهُ يَعْقُوبُ مِن ذَلِكَ، وكانَ يَعْقُوبُ أحَقَّ بِذَلِكَ مِنهُ وأفْضَلَ، فَقالَ: السَلامُ عَلَيْكَ يا مُذْهِبَ الأحْزانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونَحْوُ هَذا مِنَ القِصَصِ.
وفِي هَذا الوَقْتِ قالَ يُوسُفُ لِيَعْقُوبَ: إنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا فادْخُلْ عَلَيْهِ شاكِرًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: يا شَيْخُ، ما صَيَّرَكَ إلى ما أرى؟ قالَ: تَتابُعُ البَلاءِ عَلَيَّ، قالَ: فَما زالَتْ قَدَمُهُ حَتّى نَزَلَ الوَحْيُ: يا يَعْقُوبُ، أتَشْكُونِي إلى مَن لا يَضُرُّكَ ولا يَنْفَعُكَ؟ قالَ: يا رَبِّ، ذَنْبٌ فاغْفِرْهُ. وقالَ أبُو عَمْرٍو الشَيْبانِيُّ: تَقَدَّمَ يُوسُفُ (p-١٥٣)يَعْقُوبَ في المَشْيِ في بَعْضِ تِلْكَ المَواطِنِ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ: أتَتَقَدَّمُ أباكَ؟ إنَّ عُقُوبَتَكَ لِذَلِكَ ألّا يَخْرُجَ مِن ذُرِّيَّتِكَ نَبِيٌّ.
**
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِن السِجْنِ وجاءَ بِكم مِن البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَـزَغَ الشَيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
المَعْنى: قالَ يُوسُفُ لِيَعْقُوبَ: هَذا السُجُودُ الَّذِي كانَ مِنكُمْ، هو ما آلَتْ إلَيْهِ رُؤْيايَ قَدِيمًا في الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وفي الشَمْسِ والقَمَرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ ابْتِداءُ تَعْدِيدِ نِعَمِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ أحْسَنَ بِي﴾ أيْ: أوقَعَ وناطَ إحْسانَهُ بِي، فَهَذا مَنحًى في وُصُولِ الإحْسانِ بِالباءِ، وقَدْ يُقالُ: أحْسَنَ إلَيَّ، وأحْسَنَ فِيَّ، ومِنهُ قَوْلُعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ: يا مُحَمَّدُ، أحْسِنْ في مَوالِيَّ، وهَذِهِ المَناحِي مُخْتَلِفَةُ المَعْنى، وألْيَقُها بِيُوسُفَ قَوْلُهُ: "بِي" لِأنَّهُ إحْسانٌ خَرَجَ فِيهِ دُونَ أنْ يَقْصِدَ هو الغايَةَ الَّتِي صارَ إلَيْها.
وذَكَرَ يُوسُفُ إخْراجَهُ مِنَ السِجْنِ وتَرَكَ إخْراجَهُ مِنَ الجُبِّ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ في ذِكْرِ إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ تَجْدِيدَ فِعْلِ إخْوَتِهِ وخِزْيَهم بِذَلِكَ وتَقْلِيعَ نُفُوسِهِمْ وتَحْرِيكَ تِلْكَ الغَوائِلِ وتَخْبِيثَ النُفُوسِ.
والوَجْهُ الآخَرُ أنَّهُ خَرَجَ مِنَ الجُبِّ إلى الرِقِّ ومِنَ السِجْنِ إلى المُلْكِ، فالنِعْمَةُ هُنا أوضَحُ.
(p-١٥٤)وَقَوْلُهُ: ﴿وَجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ يَعُمُّ جَمْعَ الشَمْلِ والتَنَقُّلَ مِنَ الشَقاوَةِ إلى النِعْمَةِ بِسُكْنى الحاضِرَةِ، وكانَ مَنزِلُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ بِأطْرافِ الشامِ في بادِيَةِ فِلِسْطِينَ، وكانَ رَبَّ إبِلٍ وغَنَمٍ وبادِيَةٍ.
و"نَزَغَ" مَعْناهُ: فَعَلَ فِعْلًا أفْسَدَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "لا يُشِرْ أحَدُكم عَلى أخِيهِ بِالسِلاحِ، لا يَنْزَغِ الشَيْطانُ في يَدِهِ"،» وإنَّما ذَكَرَ يُوسُفُ هَذا القَدْرَ مِن أمْرِ إخْوَتِهِ لِيُبَيِّنَ حُسْنَ مَوْقِعِ النِعَمِ، لِأنَّ النِعْمَةَ إذا جاءَتْ إثْرَ شِدَّةٍ وبَلاءٍ فَهي أحْسَنُ مَوْقِعًا.
وقَوْلُهُ: ﴿لِما يَشاءُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمُورِ أنْ يَفْعَلَهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ فِي: كَمْ كانَ بَيْنَ رُؤْيا يُوسُفَ وبَيْنَ ظُهُورِها؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرْبَعُونَ سَنَةً، هَذا قَوْلُ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ شَدّادٍ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ: ذَلِكَ آخَرُ ما تُبْطِئُ الرُؤْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهُمُ الحَسَنُ، وحَسَنُ بْنُ فَرَقَدٍ، وفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ-: ثَمانُونَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: اثْنانِ وعِشْرُونَ، قالَهُ النَقّاشُ، وقِيلَ: ثَلاثُونَ، وقِيلَ: خَمْسٌ وثَلاثُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: سِتٌّ وثَلاثُونَ سَنَةً. وقِيلَ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ عَمَّرَ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: إنَّ يَعْقُوبَ بَقِيَ عِنْدَ يُوسُفَ نَيِّفًا عَلى عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ ﷺ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا وجْهَ في تَرْكِ تَعْرِيفِ يُوسُفَ أباهُ بِحالِهِ مُنْذُ خَرَجَ مِنَ السِجْنِ إلى العِزَّةِ إلّا الوَحْيُ مِنَ اللهِ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَمْتَحِنَ بِهِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ، وأرادَ مِن صُورَةِ جَمْعِهِمْ. لا إلَهَ إلّا (p-١٥٥)هُوَ، وقالَ النَقّاشُ: كانَ ذَلِكَ الوَحْيُ في الجُبِّ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥]، وهَذا مُحْتَمَلٌ.
ومِمّا رُوِيَ في أخْبارِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ: قالَ الحَسَنُ: لَمّا ورَدَهُ البَشِيرُ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا يُثِيبُهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ: واللهِ ما أصَبْتُ عِنْدَنا شَيْئًا، وما خَبَزْنا مُنْذُ سَبْعِ لَيالٍ، ولَكِنْ: "هَوَّنَ اللهُ عَلَيْكَ سَكَراتِ المَوْتِ". ومِن أخْبارِهِ أنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ قالَ: يا رَبِّ، أعْمَيْتَ بَصَرِي وغَيَّبَتْ عَنِّي يُوسُفَ، أفَما تَرْحَمُنِي؟ فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: سَوْفَ أرْحَمُكَ وأرُدُّ عَلَيْكَ ولَدَكَ وبَصَرَكَ، وما عاقَبْتُكَ بِذَلِكَ إلّا أنَّكَ طَبَخْتَ في مَنزِلِكَ حَمَلًا، فَشَمَّهُ جارٌ لَكَ، ولَمْ تَساهِمْهُ بِشَيْءٍ، قالَ: فَكانَ يَعْقُوبُ بَعْدُ يَدْعُوهُ إلى غَدائِهِ وعَشائِهِ. وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ لَمّا اجْتَمَعَ شَمْلُهُ كَلَّفَهُ بَنُوهُ أنْ يَدْعُوَ اللهَ لَهم حَتّى يَأْتِيَ الوَحْيُ بِأنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَهُمْ، قالَ: فَكانَ يَعْقُوبُ يُصَلِّي ويُوسُفُ وراءَهُ وهم وراءَ يُوسُفَ، ويَدْعُو لَهُمْ، فَلَبِثَ كَذَلِكَ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ جاءَهُ الوَحْيُ، إنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهم وأعْطَيْتُهم مَواثِيقَ النُبُوَّةِ بَعْدَكَ.
ومِن أخْبارِهِ أنَّهُ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ أوصى إلى يُوسُفَ أنْ يَدْفِنَهُ بِالشامِ، فَلَمّا ماتَ نَفَخَ فِيهِ المُرَّ وحَمَلَهُ إلى الشامِ، ثُمَّ ماتَ يُوسُفُ فَدُفِنَ بِمِصْرَ، فَلَمّا خَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ -بَعْدَ ذَلِكَ- مِن أرْضِ مِصْرَ احْتَمَلَ عِظامَ يُوسُفَ حَتّى دَفَنَها بِالشامِ مَعَ آبائِهِ.
يوسف 12:100
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ ﴿وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ البَشِيرَ كانَ يَهُوذا لِأنَّهُ كانَ جاءَ بِقَمِيصِ الدَمِ.
(p-١٥٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
حَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ عَلى المِنبَرِ بِمِصْرَ يَقُولُ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا قالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي﴾ [يوسف: ٩٣] قالَ يَهُوذا: قَدْ عَلِمْتَ أنِّي ذَهَبْتُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ التَرْحَةِ فَدَعُونِي أذْهَبْ إلَيْهِ بِقَمِيصِ الفَرْحَةِ، فَتَرَكُوهُ وذَلِكَ. وقالَ هَذا المَعْنىالسُدِّيُّ.
و"ارْتَدَّ" مَعْناهُ: رَجَعَ هُوَ، يُقالُ: ارْتَدَّ الرَجُلُ ورَدَّهُ غَيْرُهُ، و"بَصِيرًا" مَعْناهُ: مُبْصِرًا. ثُمَّ وقَّفَهم عَلى قَوْلِهِ لَهُمْ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، وهَذا -واللهُ أعْلَمُ- هو انْتِظارُهُ لِتَأْوِيلِ الرُؤْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللهِ تَعالى فَقَطْ. ورُوِيَ: أنَّهُ قالَ لِلْبَشِيرِ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ، قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، الآنَ تَمَّتِ النِعْمَةُ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ مِن بَيْنِ يَدَيِ العِيرِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ أنَّهُ قالَ: "أنْ" في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ زائِدَةٌ، والعَرَبُ تَزِيدُها أحْيانًا في الكَلامِ بَعْدَ "لَمّا" وبَعْدَ (حَتّى) فَقَطْ، تَقُولُ: لَمّا جِئْتُ كانَ كَذا، ولَمّا أنْ جِئْتُ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: ما قامَ زَيْدٌ حَتّى قُمْتُ، وحَتّى أنْ قُمْتُ.
وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾.
رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا غَفَرَ لِإخْوَتِهِ وتَحَقَّقُوا أيْضًا أنَّ يَعْقُوبَ يَغْفِرُ لَهم قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما يُغْنِي عَنّا هَذا إنْ لَمْ يَغْفِرِ اللهُ لَنا، فَطَلَبُوا حِينَئِذٍ مِن يَعْقُوبَ أنْ يَطْلُبَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللهِ تَعالى، واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ، فَقالَ لَهم يَعْقُوبُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: سَوَّفَهم إلى السَحَرِ، ورُوِيَ عن مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ أنَّهُ قالَ: كانَ عَمٌّ لِي يَأْتِي المَسْجِدَ، فَسَمِعَ إنْسانًا يَقُولُ: "اللهُمَّ دَعَوْتَنِي فَأجَبْتُ، وأجَبْتَنِي فَأطَعْتُ، وهَذا سَحَرٌ فاغْفِرْ لِي"، فاسْتَمَعَ الصَوْتَ فَإذا هو مِن دارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَسُئِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ عن ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ أخَّرَ بَنِيهِ إلى السَحَرِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إذا كانَ الثُلُثُ الآخِرُ إلى سَماءِ الدُنْيا فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ"» الحَدِيثَ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَبارَكَ (p-١٥١)وَتَعالى: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَوَّفَهم يَعْقُوبُ إلى قِيامِ اللَيْلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهم سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ -: سَوَّفَهم يَعْقُوبُ إلى اللَيالِي البِيضِ، فَإنَّ الدُعاءَ فِيهِنَّ يُسْتَجابُ، وقِيلَ: إنَّما أخَّرَهم إلى لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ هَذا التَأْوِيلَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، قالَ: « "أخَّرَهم يَعْقُوبُ حَتّى تَأْتِيَ لَهُ الجُمْعَةُ".»
ثُمَّ رَجّاهم يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا﴾ الآيَةَ. هاهُنا مَحْذُوفاتٌ يَدُلُّ عَلَيْها الظاهِرُ، وهِيَ: فَرَحَلَ يَعْقُوبُ بِأهْلِهِ أجْمَعِينَ وسارُوا حَتّى بَلَغُوا يُوسُفَ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ. و"آوى" مَعْناهُ: ضَمَّ وأظْهَرَ الحَفاوَةَ بِهِما، وفي الحَدِيثِ: « "أمّا أحَدُهم فَأوى إلى اللهِ فَآواهُ اللهُ"». وقِيلَ: أرادَ بِالأبَوَيْنِ أباهُ وأُمَّهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والحَسَنُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أباهُ وجَدَّتَهُ أمَّ أُمِّهِ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ، وقِيلَ: أباهُ وخالَتَهُ، لِأنَّ أُمَّهُ قَدْ كانَتْ ماتَتْ، قالَهُ السُدِّيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأوَّلُ أظْهَرُ بِحَسَبَ اللَفْظِ، إلّا لَوْ ثَبَتَ بِسَنَدٍ أنَّ أُمَّهُ قَدْ كانَتْ ماتَتْ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ".
وقَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ مَعْناهُ: تَمَكَّنُوا واسْكُنُوا واسْتَقِرُّوا، لِأنَّهم قَدْ كانُوا دَخَلُوا عَلَيْهِ، وقِيلَ: بَلْ قالَ لَهم ذَلِكَ في الطَرِيقِ حِينَ تَلَقّاهُمْ، قالَهُ السُدِّيُّ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ هو (p-١٥٢)الَّذِي نَدَبَ إلَيْهِ القُرْآنُ أنْ يَقُولَهُ الإنْسانُ في جَمِيعِ ما يُنَفِّذُهُ بِقَوْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هَذا مُؤَخَّرٌ في اللَفْظِ وهو مُتَّصِلٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا التَأْوِيلِ ضَعُفٌ.
و"العَرْشِ": سَرِيرُ المَلِكِ، وكُلُّ ما عُرِّشَ فَهو عَرِيشٌ وعَرْشٌ، وخَصَّصَتِ اللُغَةُ العَرْشَ لِسَرِيرِ المَلِكِ. و"خَرُّوا" مَعْناهُ: تَصَوَّبُوا إلى الأرْضِ، واخْتُلِفَ في هَذا السُجُودِ، فَقِيلَ: كانَ كالمَعْهُودِ عِنْدَنا مِن وضْعِ الوَجْهِ بِالأرْضِ، وقِيلَ: بَلْ دُونَ ذَلِكَ كالرُكُوعِ البالِغِ ونَحْوِهِ مِمّا كانَ سَيْرَ تَحِيّاتِهِمْ لِلْمُلُوكِ في ذَلِكَ الزَمانِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّ ذَلِكَ السُجُودَ -عَلى أيِّ هَيْئَةٍ كانَ- فَإنَّما كانَ تَحِيَّةً لا عِبادَةً، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ كانَتْ تَحِيَّةُ المُلُوكِ عِنْدَهُمْ، وأعْطى اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ السَلامَ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ، وقالَ الحَسَنُ: الضَمِيرُ في "لَهُ" لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ورُدَّ عَلى هَذا القَوْلِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ: أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا بَلَغَ مِصْرَ في جُمْلَتِهِ كَلَّمَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ فِرْعَوْنَ في تَلَقِّيهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ وخَرَجَ المُلُوكُ مَعَهُ، فَلَمّا دَنا يُوسُفُ مِن يَعْقُوبَ -وَكانَ يَعْقُوبُ يَمْشِي مُتَوَكِّئًا عَلى يَهُوذا- قالَ: فَنَظَرَ يَعْقُوبُ إلى الخَيْلِ والناسِ فَقالَ: يا يَهُوذا، هَذا فِرْعَوْنُ مِصْرَ، قالَ: لا، هو ابْنُكَ، قالَ: فَلَمّا دَنا كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِن صاحِبِهِ ذَهَبَ يُوسُفُ يَبْدَأُ بِالسَلامِ، فَمَنَعَهُ يَعْقُوبُ مِن ذَلِكَ، وكانَ يَعْقُوبُ أحَقَّ بِذَلِكَ مِنهُ وأفْضَلَ، فَقالَ: السَلامُ عَلَيْكَ يا مُذْهِبَ الأحْزانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ونَحْوُ هَذا مِنَ القِصَصِ.
وفِي هَذا الوَقْتِ قالَ يُوسُفُ لِيَعْقُوبَ: إنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا فادْخُلْ عَلَيْهِ شاكِرًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: يا شَيْخُ، ما صَيَّرَكَ إلى ما أرى؟ قالَ: تَتابُعُ البَلاءِ عَلَيَّ، قالَ: فَما زالَتْ قَدَمُهُ حَتّى نَزَلَ الوَحْيُ: يا يَعْقُوبُ، أتَشْكُونِي إلى مَن لا يَضُرُّكَ ولا يَنْفَعُكَ؟ قالَ: يا رَبِّ، ذَنْبٌ فاغْفِرْهُ. وقالَ أبُو عَمْرٍو الشَيْبانِيُّ: تَقَدَّمَ يُوسُفُ (p-١٥٣)يَعْقُوبَ في المَشْيِ في بَعْضِ تِلْكَ المَواطِنِ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ: أتَتَقَدَّمُ أباكَ؟ إنَّ عُقُوبَتَكَ لِذَلِكَ ألّا يَخْرُجَ مِن ذُرِّيَّتِكَ نَبِيٌّ.
**
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِن السِجْنِ وجاءَ بِكم مِن البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَـزَغَ الشَيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
المَعْنى: قالَ يُوسُفُ لِيَعْقُوبَ: هَذا السُجُودُ الَّذِي كانَ مِنكُمْ، هو ما آلَتْ إلَيْهِ رُؤْيايَ قَدِيمًا في الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وفي الشَمْسِ والقَمَرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ ابْتِداءُ تَعْدِيدِ نِعَمِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ أحْسَنَ بِي﴾ أيْ: أوقَعَ وناطَ إحْسانَهُ بِي، فَهَذا مَنحًى في وُصُولِ الإحْسانِ بِالباءِ، وقَدْ يُقالُ: أحْسَنَ إلَيَّ، وأحْسَنَ فِيَّ، ومِنهُ قَوْلُعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ: يا مُحَمَّدُ، أحْسِنْ في مَوالِيَّ، وهَذِهِ المَناحِي مُخْتَلِفَةُ المَعْنى، وألْيَقُها بِيُوسُفَ قَوْلُهُ: "بِي" لِأنَّهُ إحْسانٌ خَرَجَ فِيهِ دُونَ أنْ يَقْصِدَ هو الغايَةَ الَّتِي صارَ إلَيْها.
وذَكَرَ يُوسُفُ إخْراجَهُ مِنَ السِجْنِ وتَرَكَ إخْراجَهُ مِنَ الجُبِّ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ في ذِكْرِ إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ تَجْدِيدَ فِعْلِ إخْوَتِهِ وخِزْيَهم بِذَلِكَ وتَقْلِيعَ نُفُوسِهِمْ وتَحْرِيكَ تِلْكَ الغَوائِلِ وتَخْبِيثَ النُفُوسِ.
والوَجْهُ الآخَرُ أنَّهُ خَرَجَ مِنَ الجُبِّ إلى الرِقِّ ومِنَ السِجْنِ إلى المُلْكِ، فالنِعْمَةُ هُنا أوضَحُ.
(p-١٥٤)وَقَوْلُهُ: ﴿وَجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ يَعُمُّ جَمْعَ الشَمْلِ والتَنَقُّلَ مِنَ الشَقاوَةِ إلى النِعْمَةِ بِسُكْنى الحاضِرَةِ، وكانَ مَنزِلُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ بِأطْرافِ الشامِ في بادِيَةِ فِلِسْطِينَ، وكانَ رَبَّ إبِلٍ وغَنَمٍ وبادِيَةٍ.
و"نَزَغَ" مَعْناهُ: فَعَلَ فِعْلًا أفْسَدَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "لا يُشِرْ أحَدُكم عَلى أخِيهِ بِالسِلاحِ، لا يَنْزَغِ الشَيْطانُ في يَدِهِ"،» وإنَّما ذَكَرَ يُوسُفُ هَذا القَدْرَ مِن أمْرِ إخْوَتِهِ لِيُبَيِّنَ حُسْنَ مَوْقِعِ النِعَمِ، لِأنَّ النِعْمَةَ إذا جاءَتْ إثْرَ شِدَّةٍ وبَلاءٍ فَهي أحْسَنُ مَوْقِعًا.
وقَوْلُهُ: ﴿لِما يَشاءُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمُورِ أنْ يَفْعَلَهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ فِي: كَمْ كانَ بَيْنَ رُؤْيا يُوسُفَ وبَيْنَ ظُهُورِها؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرْبَعُونَ سَنَةً، هَذا قَوْلُ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ شَدّادٍ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ: ذَلِكَ آخَرُ ما تُبْطِئُ الرُؤْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهُمُ الحَسَنُ، وحَسَنُ بْنُ فَرَقَدٍ، وفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ-: ثَمانُونَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: اثْنانِ وعِشْرُونَ، قالَهُ النَقّاشُ، وقِيلَ: ثَلاثُونَ، وقِيلَ: خَمْسٌ وثَلاثُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: سِتٌّ وثَلاثُونَ سَنَةً. وقِيلَ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ عَمَّرَ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: إنَّ يَعْقُوبَ بَقِيَ عِنْدَ يُوسُفَ نَيِّفًا عَلى عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ ﷺ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا وجْهَ في تَرْكِ تَعْرِيفِ يُوسُفَ أباهُ بِحالِهِ مُنْذُ خَرَجَ مِنَ السِجْنِ إلى العِزَّةِ إلّا الوَحْيُ مِنَ اللهِ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَمْتَحِنَ بِهِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ، وأرادَ مِن صُورَةِ جَمْعِهِمْ. لا إلَهَ إلّا (p-١٥٥)هُوَ، وقالَ النَقّاشُ: كانَ ذَلِكَ الوَحْيُ في الجُبِّ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥]، وهَذا مُحْتَمَلٌ.
ومِمّا رُوِيَ في أخْبارِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ: قالَ الحَسَنُ: لَمّا ورَدَهُ البَشِيرُ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا يُثِيبُهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ: واللهِ ما أصَبْتُ عِنْدَنا شَيْئًا، وما خَبَزْنا مُنْذُ سَبْعِ لَيالٍ، ولَكِنْ: "هَوَّنَ اللهُ عَلَيْكَ سَكَراتِ المَوْتِ". ومِن أخْبارِهِ أنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ قالَ: يا رَبِّ، أعْمَيْتَ بَصَرِي وغَيَّبَتْ عَنِّي يُوسُفَ، أفَما تَرْحَمُنِي؟ فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: سَوْفَ أرْحَمُكَ وأرُدُّ عَلَيْكَ ولَدَكَ وبَصَرَكَ، وما عاقَبْتُكَ بِذَلِكَ إلّا أنَّكَ طَبَخْتَ في مَنزِلِكَ حَمَلًا، فَشَمَّهُ جارٌ لَكَ، ولَمْ تَساهِمْهُ بِشَيْءٍ، قالَ: فَكانَ يَعْقُوبُ بَعْدُ يَدْعُوهُ إلى غَدائِهِ وعَشائِهِ. وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ لَمّا اجْتَمَعَ شَمْلُهُ كَلَّفَهُ بَنُوهُ أنْ يَدْعُوَ اللهَ لَهم حَتّى يَأْتِيَ الوَحْيُ بِأنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَهُمْ، قالَ: فَكانَ يَعْقُوبُ يُصَلِّي ويُوسُفُ وراءَهُ وهم وراءَ يُوسُفَ، ويَدْعُو لَهُمْ، فَلَبِثَ كَذَلِكَ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ جاءَهُ الوَحْيُ، إنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهم وأعْطَيْتُهم مَواثِيقَ النُبُوَّةِ بَعْدَكَ.
ومِن أخْبارِهِ أنَّهُ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ أوصى إلى يُوسُفَ أنْ يَدْفِنَهُ بِالشامِ، فَلَمّا ماتَ نَفَخَ فِيهِ المُرَّ وحَمَلَهُ إلى الشامِ، ثُمَّ ماتَ يُوسُفُ فَدُفِنَ بِمِصْرَ، فَلَمّا خَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ -بَعْدَ ذَلِكَ- مِن أرْضِ مِصْرَ احْتَمَلَ عِظامَ يُوسُفَ حَتّى دَفَنَها بِالشامِ مَعَ آبائِهِ.
يوسف 12:101
قوله عزّ وجلّ:
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِنَ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصالِحِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾
قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "آتَيْتَنِ" و"عَلَّمْتَنِ" بِحَذْفِ الياءِ عَلى التَخْفِيفِ، وقَرَأ ابْنُ ذَرٍّ وحْدَهُ: "رَبِّ آتَيْتَنِي" بِغَيْرِ "قَدْ.
وذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا عَدَّدَ في هَذِهِ الآيَةِ نِعَمَ اللهِ عِنْدَهُ تَشَوَّقَ إلى لِقاءِ رَبِّهِ ولِقاءِ الجِلَّةِ مِن صالِحِي سَلَفِهِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ورَأى أنَّ الدُنْيا كُلَّها (p-١٥٦)قَلِيلَةٌ، فَتَمَنّى المَوْتَ في قَوْلِهِ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصالِحِينَ﴾. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "لَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ نَبِيٌّ غَيْرُ يُوسُفَ "، وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ تَأْوِيلًا آخَرَ -وَهُوَ الأقْوى عِنْدِي-: إنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ تَمَنِّي مَوْتٍ، وإنَّما عَدَّدَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ نِعَمَ اللهِ عِنْدَهُ، ثُمَّ دَعا أنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ النِعَمَ في باقِي عُمْرِهِ، أيْ: تَوَفَّنِي -إذا حانَ أجْلِي- عَلى الإسْلامِ، واجْعَلْ لَحاقِي بِالصالِحِينَ، وإنَّما تَمَنّى المُوافاةَ عَلى الإسْلامِ لا المَوْتَ. ووَرَدَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ...» الحَدِيثَ بِكَمالِهِ"، ورَوِيَ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ في بَعْضِ دُعائِهِ: « "وَإذا أرَدْتَ في الناسِ فِتْنَةً فاقْبِضْنِي إلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ"،» ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: "اللهُمَّ قَدْ رَقَّ عَظْمِي، واسْتَشْرَتْ رَغْبَتِي، فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مُقَصِّرٍ ولا عاجِزٍ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيُشْبِهُ أنَّ قَوْلَ النَبِيِّ ﷺ: « "لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ"» إنَّما يُرِيدُ ضَرَرَ الدُنْيا كالفَقْرِ والمَرَضِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ويَبْقى تَمَنِّي المَوْتِ مَخافَةَ فَسادِ الدِينِ مُباحًا، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "يَأْتِي عَلى الناسِ زَمانٌ يَمُرُّ فِيهِ الرَجُلُ بِقَبْرِ الرَجُلِ فَيَقُولُ: يا لَيْتَنِي مَكانَهُ، (p-١٥٧)لَيْسَ بِهِ الدِينُ ولَكِنْ ما يَرى مِنَ البَلاءِ والفِتَنِ"،» فَقَوْلُهُ: « "لَيْسَ بِهِ الدِينُ"» يَقْتَضِي إباحَةَ ذَلِكَ إنْ لَوْ كانَ عَنِ الدِينِ، وإنَّما ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حالَةَ الناسِ كَيْفَ تَكُونُ.
وقَوْلُهُ: ﴿آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾، قِيلَ: "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: "الأحادِيثِ": الأحْلامُ، وقِيلَ: قَصَصُ الأنْبِياءِ والأُمَمِ.
وقَوْلُهُ: "فاطِرَ" مُنادى، وقَوْلُهُ: ﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ أيِ القائِمُ بِأمْرِي، الكَفِيلُ بِنُصْرَتِي ورَحْمَتِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ الآيَةَ. "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَعْرِيضٌ لِقُرَيْشٍ، وتَنْبِيهٌ عَلى آيَةِ صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الطَعْنُ عَلى مُكَذِّبِيهِ. والضَمِيرُ في "لَدَيْهِمْ" عائِدٌ إلى إخْوَةِ يُوسُفَ، وكَذَلِكَ الضَمائِرُ إلى آخَرِ الآيَةِ. و"أجْمَعُوا" مَعْناهُ: عَزَمُوا وجَزَمُوا، و"الأمْرُ" هُنا هو إلْقاءُ يُوسُفَ في الجُبِّ، و "المَكْرُ" هو أنْ تُدَبِّرَ عَلى الإنْسانِ تَدْبِيرًا يَضُرُّهُ ويُؤْذِيهِ، والخَدِيعَةَ هي أنْ تَفْعَلَ بِإنْسانٍ وتَقُولَ لَهُ ما يُوجِبُ أنْ يَفْعَلَ هو فِعْلًا فِيهِ عَلَيْهِ ضَرَرٌ. وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي عِمْرانَ الجَوْنَيِّ أنَّهُ قالَ: "واللهِ ما قَصَّ اللهُ نَبَأهم لِيُعَيِّرَهم بِذَلِكَ، إنَّهم لَأنْبِياءُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ولَكِنْ قَصَّ اللهُ عَلَيْنا نَبَأهم لِئَلّا يَقْنُطَ عَبِيدُهُ".
يوسف 12:102
قوله عزّ وجلّ:
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِنَ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصالِحِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾
قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "آتَيْتَنِ" و"عَلَّمْتَنِ" بِحَذْفِ الياءِ عَلى التَخْفِيفِ، وقَرَأ ابْنُ ذَرٍّ وحْدَهُ: "رَبِّ آتَيْتَنِي" بِغَيْرِ "قَدْ.
وذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا عَدَّدَ في هَذِهِ الآيَةِ نِعَمَ اللهِ عِنْدَهُ تَشَوَّقَ إلى لِقاءِ رَبِّهِ ولِقاءِ الجِلَّةِ مِن صالِحِي سَلَفِهِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ورَأى أنَّ الدُنْيا كُلَّها (p-١٥٦)قَلِيلَةٌ، فَتَمَنّى المَوْتَ في قَوْلِهِ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصالِحِينَ﴾. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "لَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ نَبِيٌّ غَيْرُ يُوسُفَ "، وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ تَأْوِيلًا آخَرَ -وَهُوَ الأقْوى عِنْدِي-: إنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ تَمَنِّي مَوْتٍ، وإنَّما عَدَّدَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ نِعَمَ اللهِ عِنْدَهُ، ثُمَّ دَعا أنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ النِعَمَ في باقِي عُمْرِهِ، أيْ: تَوَفَّنِي -إذا حانَ أجْلِي- عَلى الإسْلامِ، واجْعَلْ لَحاقِي بِالصالِحِينَ، وإنَّما تَمَنّى المُوافاةَ عَلى الإسْلامِ لا المَوْتَ. ووَرَدَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ...» الحَدِيثَ بِكَمالِهِ"، ورَوِيَ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ في بَعْضِ دُعائِهِ: « "وَإذا أرَدْتَ في الناسِ فِتْنَةً فاقْبِضْنِي إلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ"،» ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: "اللهُمَّ قَدْ رَقَّ عَظْمِي، واسْتَشْرَتْ رَغْبَتِي، فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مُقَصِّرٍ ولا عاجِزٍ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيُشْبِهُ أنَّ قَوْلَ النَبِيِّ ﷺ: « "لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ"» إنَّما يُرِيدُ ضَرَرَ الدُنْيا كالفَقْرِ والمَرَضِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ويَبْقى تَمَنِّي المَوْتِ مَخافَةَ فَسادِ الدِينِ مُباحًا، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "يَأْتِي عَلى الناسِ زَمانٌ يَمُرُّ فِيهِ الرَجُلُ بِقَبْرِ الرَجُلِ فَيَقُولُ: يا لَيْتَنِي مَكانَهُ، (p-١٥٧)لَيْسَ بِهِ الدِينُ ولَكِنْ ما يَرى مِنَ البَلاءِ والفِتَنِ"،» فَقَوْلُهُ: « "لَيْسَ بِهِ الدِينُ"» يَقْتَضِي إباحَةَ ذَلِكَ إنْ لَوْ كانَ عَنِ الدِينِ، وإنَّما ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حالَةَ الناسِ كَيْفَ تَكُونُ.
وقَوْلُهُ: ﴿آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾، قِيلَ: "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: "الأحادِيثِ": الأحْلامُ، وقِيلَ: قَصَصُ الأنْبِياءِ والأُمَمِ.
وقَوْلُهُ: "فاطِرَ" مُنادى، وقَوْلُهُ: ﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ أيِ القائِمُ بِأمْرِي، الكَفِيلُ بِنُصْرَتِي ورَحْمَتِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ الآيَةَ. "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَعْرِيضٌ لِقُرَيْشٍ، وتَنْبِيهٌ عَلى آيَةِ صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الطَعْنُ عَلى مُكَذِّبِيهِ. والضَمِيرُ في "لَدَيْهِمْ" عائِدٌ إلى إخْوَةِ يُوسُفَ، وكَذَلِكَ الضَمائِرُ إلى آخَرِ الآيَةِ. و"أجْمَعُوا" مَعْناهُ: عَزَمُوا وجَزَمُوا، و"الأمْرُ" هُنا هو إلْقاءُ يُوسُفَ في الجُبِّ، و "المَكْرُ" هو أنْ تُدَبِّرَ عَلى الإنْسانِ تَدْبِيرًا يَضُرُّهُ ويُؤْذِيهِ، والخَدِيعَةَ هي أنْ تَفْعَلَ بِإنْسانٍ وتَقُولَ لَهُ ما يُوجِبُ أنْ يَفْعَلَ هو فِعْلًا فِيهِ عَلَيْهِ ضَرَرٌ. وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي عِمْرانَ الجَوْنَيِّ أنَّهُ قالَ: "واللهِ ما قَصَّ اللهُ نَبَأهم لِيُعَيِّرَهم بِذَلِكَ، إنَّهم لَأنْبِياءُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ولَكِنْ قَصَّ اللهُ عَلَيْنا نَبَأهم لِئَلّا يَقْنُطَ عَبِيدُهُ".
يوسف 12:103
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما أكْثَرُ الناسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عنها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللهِ أو تَأْتِيَهم الساعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
(p-١٥٨)هاتانِ الآيَتانِ تَدُلّانِ أنَّ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَهُما فِيها تَعْرِيضٌ لِقُرَيْشٍ ومُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّهُ قالَ: فَإخْبارُكَ بِالغُيُوبِ دَلِيلٌ قائِمٌ عَلى نُبُوَّتِكَ، ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ وإنْ كُنْتَ أنْتَ حَرِيصًا عَلى إيمانِهِمْ، أيْ: يُؤْمِنُ مَن شاءَ اللهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ اعْتِراضٌ فَصِيحٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَما تَسْألُهُمْ﴾ الآيَةَ، تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ وإقامَةٌ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أيْ: ما أسْفَهَهم في أنْ تَدْعُوَهم إلى اللهِ دُونَ أنْ تَبْتَغِيَ مِنهم أجْرًا فَيَقُولُ قائِلٌ: بِسَبَبِ الأجْرِ يَدْعُوهُمْ، وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ: "وَما نَسْألُهُمْ" بِالنُونِ.
ثُمَّ ابْتَدَأ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الإخْبارَ عن كِتابِهِ العَزِيزِ أنَّهُ ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ لِجَمِيعِ العالَمِ، نَفَعَنا اللهُ بِهِ، ووَفَّرَ حَظَّنا مِنهُ بِعِزَّتِهِ.
وقَرَأتِ الجَماعَةُ: "وَكَأيِّنْ" بِهَمْزِ الألِفِ وشَدِّ الياءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هي كافُ التَشْبِيهِ اتَّصَلَتْ بِـ "أيٍّ"، ومَعْناها مَعْنى (كَمْ) في التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَكائِنْ" بِمَدِّ الألِفِ وهَمْزِ الياءِ، وهو مِنِ اسْمِ الفاعِلِ مِن "كانَ" فَهو كائِنٌ، ولَكِنَّ مَعْناهُ مَعْنى (كَمْ) أيْضًا. وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ القِراءاتِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
و"الآيَةُ" هُنا: المَخْلُوقاتُ المَنصُوبَةُ لِلِاعْتِبارِ، والحَوادِثُ الدالَّةُ عَلى اللهِ سُبْحانَهُ في مَصْنُوعاتِهِ، ومَعْنى ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ الآيَةَ: إذا جاءَ مِنها ما يُحَسُّ أو يُعْلَمُ في الجُمْلَةِ لَمْ يَتَّعِظِ الكافِرُ بِهِ، ولا تَأمَّلَهُ، ولا اعْتَبَرَ بِهِ بِحَسَبَ شَهَواتِهِ وعَمَهِهِ، فَهو لِذَلِكَ- كالمُعْرِضِ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَمُرُّ الصَبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الغَضا ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها
(p-١٥٩)وَقَرَأ السُدِّيُّ: "والأرْضَ" بِالنَصْبِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، والوَقْفُ -عَلى هَذا- في "السَمَواتِ"، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "والأرْضُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: "يَمُرُّونَ"، وعَلى القِراءَةِ بِخَفْضِ "الأرْضِ" فَـ "يَمُرُّونَ" نَعْتٌ لِـ "الآيَةِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "والأرْضِ يَمْشُونَ عَلَيْها".
وقَوْلُهُ: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ثُمَّ يُشْرِكُونَ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِ، أو مِن حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: هي في كُفّارِ العَرَبِ، وإيمانُهم هو إقْرارُهم بِالخالِقِ والرازِقِ والمُمِيتِ، فَسَمّاهُ إيمانًا وإنْ أعْقَبَهُ إشْراكُهم بِالأوثانِ والأصْنامِ، فَهَذا الإيمانُ لُغَوِيٌّ فَقَطْ مِن حَيْثُ هو تَصْدِيقٌ ما. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ قُرَيْشٍ في الطَوافِ والتَلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا سَمِعَ أحَدَهم يَقُولُ: "لا شَرِيكَ لَكَ" يَقُولُ لَهُ: (قَطْ قَطْ)،» أيْ: قِفْ هُنا ولا تَزِدْ: "إلّا شَرِيكٌ هو لَكً".
و"الغاشِيَةُ": ما يَغْشى ويُغَطِّي ويَغُمُّ، وقَرَأ أبُو حَفْصٍ، وبِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: "أو يَأْتِيَهُمُ الساعَةُ بَغْتَةً" بِالياءِ. و"بَغْتَةً" مَعْناها: فَجْأةً، وذَلِكَ أصْعَبُ.
وهَذِهِ الآيَةُ مِن قَوْلِهِ: "وَكَأيِّنْ" وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ بِحُكْمِ ما قَبْلَها، فَإنَّ العُصاةَ يَأْخُذُونَ مِن ألْفاظِها بِحَظٍّ، ويَكُونُ الإيمانُ حَقِيقَةً والشِرْكُ لُغَوِيًّا كالرِياءِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "الرِياءُ الشِرْكُ الأصْغَرُ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ الآيَةَ، إشارَةٌ إلى دَعْوَةِ الإسْلامِ والشَرِيعَةِ بِأسْرِها، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: هَذا أمْرِي وسُنَّتِي ومِنهاجِي. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "قُلْ هَذا سَبِيلِي"، والسَبِيلُ: المَسْلَكُ، وتُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، وكَذَلِكَ الطَرِيقُ.
(p-١٦٠)وَ"البَصِيرَةُ": اسْمٌ لِمُعْتَقَدِ الإنْسانِ في الأمْرِ مِنَ الحَقِّ واليَقِينِ، والبَصِيرَةُ أيْضًا -فِي كَلامِ العَرَبِ -: الطَرِيقَةُ في الدَمِ، وفي الحَدِيثِ المَشْهُورِ: "تَنْظُرُ في النَصْلِ فَلا تَرى بَصِيرَةً"، وبِها فَسَّرَ بَعْضُ الناسِ قَوْلِ الأشْعَرِ الجُعْفِيِّ:
؎ راحُوا بَصائِرُهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتِدٌ وأى
يَصِفُ قَوْمًا باعُوا دَمَ ولِيِّهِمْ، فَكَأنَّ دَمَهُ حَصَلَتْ مِنهُ طَرائِقُ عَلى أكْتافِهِمْ إذْ هم مَوْسُومُونَ عِنْدَ الناسِ بِبَيْعِ ذَلِكَ الدَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَصِيرَةُ في بَيْتِ الأشْعَرِ عَلى المُعْتَقَدِ الحَقِّ، أيْ: جَعَلُوا اعْتِقادَهم طَلَبَ النارِ وبَصِيرَتَهم في ذَلِكَ وراءَ ظُهُورِهِمْ، كَما تَقُولُ: طَرَحَ فَلانٌ أمْرِي وراءَ ظَهْرِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ في "أدْعُوا"، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ كُلُّها أمّارَةً بِالمَعْرُوفِ داعِيَةً إلى اللهِ الكَفَرَةَ بِهِ والعُصاةَ. و" سُبْحانَ اللهِ " تَنْزِيهٌ لِلَّهِ، أيْ وقُلْ: سُبْحانَ اللهِ، وقُلْ مُتَبَرِّئًا مِنَ الشِرْكِ.
ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ إلى آخِرِها كانَتْ مَرْقُومَةً عَلى راياتِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ.
يوسف 12:104
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما أكْثَرُ الناسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عنها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللهِ أو تَأْتِيَهم الساعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
(p-١٥٨)هاتانِ الآيَتانِ تَدُلّانِ أنَّ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَهُما فِيها تَعْرِيضٌ لِقُرَيْشٍ ومُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّهُ قالَ: فَإخْبارُكَ بِالغُيُوبِ دَلِيلٌ قائِمٌ عَلى نُبُوَّتِكَ، ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ وإنْ كُنْتَ أنْتَ حَرِيصًا عَلى إيمانِهِمْ، أيْ: يُؤْمِنُ مَن شاءَ اللهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ اعْتِراضٌ فَصِيحٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَما تَسْألُهُمْ﴾ الآيَةَ، تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ وإقامَةٌ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أيْ: ما أسْفَهَهم في أنْ تَدْعُوَهم إلى اللهِ دُونَ أنْ تَبْتَغِيَ مِنهم أجْرًا فَيَقُولُ قائِلٌ: بِسَبَبِ الأجْرِ يَدْعُوهُمْ، وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ: "وَما نَسْألُهُمْ" بِالنُونِ.
ثُمَّ ابْتَدَأ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الإخْبارَ عن كِتابِهِ العَزِيزِ أنَّهُ ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ لِجَمِيعِ العالَمِ، نَفَعَنا اللهُ بِهِ، ووَفَّرَ حَظَّنا مِنهُ بِعِزَّتِهِ.
وقَرَأتِ الجَماعَةُ: "وَكَأيِّنْ" بِهَمْزِ الألِفِ وشَدِّ الياءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هي كافُ التَشْبِيهِ اتَّصَلَتْ بِـ "أيٍّ"، ومَعْناها مَعْنى (كَمْ) في التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَكائِنْ" بِمَدِّ الألِفِ وهَمْزِ الياءِ، وهو مِنِ اسْمِ الفاعِلِ مِن "كانَ" فَهو كائِنٌ، ولَكِنَّ مَعْناهُ مَعْنى (كَمْ) أيْضًا. وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ القِراءاتِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
و"الآيَةُ" هُنا: المَخْلُوقاتُ المَنصُوبَةُ لِلِاعْتِبارِ، والحَوادِثُ الدالَّةُ عَلى اللهِ سُبْحانَهُ في مَصْنُوعاتِهِ، ومَعْنى ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ الآيَةَ: إذا جاءَ مِنها ما يُحَسُّ أو يُعْلَمُ في الجُمْلَةِ لَمْ يَتَّعِظِ الكافِرُ بِهِ، ولا تَأمَّلَهُ، ولا اعْتَبَرَ بِهِ بِحَسَبَ شَهَواتِهِ وعَمَهِهِ، فَهو لِذَلِكَ- كالمُعْرِضِ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَمُرُّ الصَبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الغَضا ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها
(p-١٥٩)وَقَرَأ السُدِّيُّ: "والأرْضَ" بِالنَصْبِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، والوَقْفُ -عَلى هَذا- في "السَمَواتِ"، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "والأرْضُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: "يَمُرُّونَ"، وعَلى القِراءَةِ بِخَفْضِ "الأرْضِ" فَـ "يَمُرُّونَ" نَعْتٌ لِـ "الآيَةِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "والأرْضِ يَمْشُونَ عَلَيْها".
وقَوْلُهُ: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ثُمَّ يُشْرِكُونَ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِ، أو مِن حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: هي في كُفّارِ العَرَبِ، وإيمانُهم هو إقْرارُهم بِالخالِقِ والرازِقِ والمُمِيتِ، فَسَمّاهُ إيمانًا وإنْ أعْقَبَهُ إشْراكُهم بِالأوثانِ والأصْنامِ، فَهَذا الإيمانُ لُغَوِيٌّ فَقَطْ مِن حَيْثُ هو تَصْدِيقٌ ما. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ قُرَيْشٍ في الطَوافِ والتَلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا سَمِعَ أحَدَهم يَقُولُ: "لا شَرِيكَ لَكَ" يَقُولُ لَهُ: (قَطْ قَطْ)،» أيْ: قِفْ هُنا ولا تَزِدْ: "إلّا شَرِيكٌ هو لَكً".
و"الغاشِيَةُ": ما يَغْشى ويُغَطِّي ويَغُمُّ، وقَرَأ أبُو حَفْصٍ، وبِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: "أو يَأْتِيَهُمُ الساعَةُ بَغْتَةً" بِالياءِ. و"بَغْتَةً" مَعْناها: فَجْأةً، وذَلِكَ أصْعَبُ.
وهَذِهِ الآيَةُ مِن قَوْلِهِ: "وَكَأيِّنْ" وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ بِحُكْمِ ما قَبْلَها، فَإنَّ العُصاةَ يَأْخُذُونَ مِن ألْفاظِها بِحَظٍّ، ويَكُونُ الإيمانُ حَقِيقَةً والشِرْكُ لُغَوِيًّا كالرِياءِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "الرِياءُ الشِرْكُ الأصْغَرُ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ الآيَةَ، إشارَةٌ إلى دَعْوَةِ الإسْلامِ والشَرِيعَةِ بِأسْرِها، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: هَذا أمْرِي وسُنَّتِي ومِنهاجِي. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "قُلْ هَذا سَبِيلِي"، والسَبِيلُ: المَسْلَكُ، وتُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، وكَذَلِكَ الطَرِيقُ.
(p-١٦٠)وَ"البَصِيرَةُ": اسْمٌ لِمُعْتَقَدِ الإنْسانِ في الأمْرِ مِنَ الحَقِّ واليَقِينِ، والبَصِيرَةُ أيْضًا -فِي كَلامِ العَرَبِ -: الطَرِيقَةُ في الدَمِ، وفي الحَدِيثِ المَشْهُورِ: "تَنْظُرُ في النَصْلِ فَلا تَرى بَصِيرَةً"، وبِها فَسَّرَ بَعْضُ الناسِ قَوْلِ الأشْعَرِ الجُعْفِيِّ:
؎ راحُوا بَصائِرُهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتِدٌ وأى
يَصِفُ قَوْمًا باعُوا دَمَ ولِيِّهِمْ، فَكَأنَّ دَمَهُ حَصَلَتْ مِنهُ طَرائِقُ عَلى أكْتافِهِمْ إذْ هم مَوْسُومُونَ عِنْدَ الناسِ بِبَيْعِ ذَلِكَ الدَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَصِيرَةُ في بَيْتِ الأشْعَرِ عَلى المُعْتَقَدِ الحَقِّ، أيْ: جَعَلُوا اعْتِقادَهم طَلَبَ النارِ وبَصِيرَتَهم في ذَلِكَ وراءَ ظُهُورِهِمْ، كَما تَقُولُ: طَرَحَ فَلانٌ أمْرِي وراءَ ظَهْرِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ في "أدْعُوا"، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ كُلُّها أمّارَةً بِالمَعْرُوفِ داعِيَةً إلى اللهِ الكَفَرَةَ بِهِ والعُصاةَ. و" سُبْحانَ اللهِ " تَنْزِيهٌ لِلَّهِ، أيْ وقُلْ: سُبْحانَ اللهِ، وقُلْ مُتَبَرِّئًا مِنَ الشِرْكِ.
ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ إلى آخِرِها كانَتْ مَرْقُومَةً عَلى راياتِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ.
يوسف 12:105
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما أكْثَرُ الناسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عنها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللهِ أو تَأْتِيَهم الساعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
(p-١٥٨)هاتانِ الآيَتانِ تَدُلّانِ أنَّ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَهُما فِيها تَعْرِيضٌ لِقُرَيْشٍ ومُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّهُ قالَ: فَإخْبارُكَ بِالغُيُوبِ دَلِيلٌ قائِمٌ عَلى نُبُوَّتِكَ، ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ وإنْ كُنْتَ أنْتَ حَرِيصًا عَلى إيمانِهِمْ، أيْ: يُؤْمِنُ مَن شاءَ اللهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ اعْتِراضٌ فَصِيحٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَما تَسْألُهُمْ﴾ الآيَةَ، تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ وإقامَةٌ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أيْ: ما أسْفَهَهم في أنْ تَدْعُوَهم إلى اللهِ دُونَ أنْ تَبْتَغِيَ مِنهم أجْرًا فَيَقُولُ قائِلٌ: بِسَبَبِ الأجْرِ يَدْعُوهُمْ، وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ: "وَما نَسْألُهُمْ" بِالنُونِ.
ثُمَّ ابْتَدَأ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الإخْبارَ عن كِتابِهِ العَزِيزِ أنَّهُ ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ لِجَمِيعِ العالَمِ، نَفَعَنا اللهُ بِهِ، ووَفَّرَ حَظَّنا مِنهُ بِعِزَّتِهِ.
وقَرَأتِ الجَماعَةُ: "وَكَأيِّنْ" بِهَمْزِ الألِفِ وشَدِّ الياءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هي كافُ التَشْبِيهِ اتَّصَلَتْ بِـ "أيٍّ"، ومَعْناها مَعْنى (كَمْ) في التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَكائِنْ" بِمَدِّ الألِفِ وهَمْزِ الياءِ، وهو مِنِ اسْمِ الفاعِلِ مِن "كانَ" فَهو كائِنٌ، ولَكِنَّ مَعْناهُ مَعْنى (كَمْ) أيْضًا. وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ القِراءاتِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
و"الآيَةُ" هُنا: المَخْلُوقاتُ المَنصُوبَةُ لِلِاعْتِبارِ، والحَوادِثُ الدالَّةُ عَلى اللهِ سُبْحانَهُ في مَصْنُوعاتِهِ، ومَعْنى ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ الآيَةَ: إذا جاءَ مِنها ما يُحَسُّ أو يُعْلَمُ في الجُمْلَةِ لَمْ يَتَّعِظِ الكافِرُ بِهِ، ولا تَأمَّلَهُ، ولا اعْتَبَرَ بِهِ بِحَسَبَ شَهَواتِهِ وعَمَهِهِ، فَهو لِذَلِكَ- كالمُعْرِضِ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَمُرُّ الصَبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الغَضا ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها
(p-١٥٩)وَقَرَأ السُدِّيُّ: "والأرْضَ" بِالنَصْبِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، والوَقْفُ -عَلى هَذا- في "السَمَواتِ"، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "والأرْضُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: "يَمُرُّونَ"، وعَلى القِراءَةِ بِخَفْضِ "الأرْضِ" فَـ "يَمُرُّونَ" نَعْتٌ لِـ "الآيَةِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "والأرْضِ يَمْشُونَ عَلَيْها".
وقَوْلُهُ: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ثُمَّ يُشْرِكُونَ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِ، أو مِن حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: هي في كُفّارِ العَرَبِ، وإيمانُهم هو إقْرارُهم بِالخالِقِ والرازِقِ والمُمِيتِ، فَسَمّاهُ إيمانًا وإنْ أعْقَبَهُ إشْراكُهم بِالأوثانِ والأصْنامِ، فَهَذا الإيمانُ لُغَوِيٌّ فَقَطْ مِن حَيْثُ هو تَصْدِيقٌ ما. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ قُرَيْشٍ في الطَوافِ والتَلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا سَمِعَ أحَدَهم يَقُولُ: "لا شَرِيكَ لَكَ" يَقُولُ لَهُ: (قَطْ قَطْ)،» أيْ: قِفْ هُنا ولا تَزِدْ: "إلّا شَرِيكٌ هو لَكً".
و"الغاشِيَةُ": ما يَغْشى ويُغَطِّي ويَغُمُّ، وقَرَأ أبُو حَفْصٍ، وبِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: "أو يَأْتِيَهُمُ الساعَةُ بَغْتَةً" بِالياءِ. و"بَغْتَةً" مَعْناها: فَجْأةً، وذَلِكَ أصْعَبُ.
وهَذِهِ الآيَةُ مِن قَوْلِهِ: "وَكَأيِّنْ" وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ بِحُكْمِ ما قَبْلَها، فَإنَّ العُصاةَ يَأْخُذُونَ مِن ألْفاظِها بِحَظٍّ، ويَكُونُ الإيمانُ حَقِيقَةً والشِرْكُ لُغَوِيًّا كالرِياءِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "الرِياءُ الشِرْكُ الأصْغَرُ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ الآيَةَ، إشارَةٌ إلى دَعْوَةِ الإسْلامِ والشَرِيعَةِ بِأسْرِها، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: هَذا أمْرِي وسُنَّتِي ومِنهاجِي. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "قُلْ هَذا سَبِيلِي"، والسَبِيلُ: المَسْلَكُ، وتُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، وكَذَلِكَ الطَرِيقُ.
(p-١٦٠)وَ"البَصِيرَةُ": اسْمٌ لِمُعْتَقَدِ الإنْسانِ في الأمْرِ مِنَ الحَقِّ واليَقِينِ، والبَصِيرَةُ أيْضًا -فِي كَلامِ العَرَبِ -: الطَرِيقَةُ في الدَمِ، وفي الحَدِيثِ المَشْهُورِ: "تَنْظُرُ في النَصْلِ فَلا تَرى بَصِيرَةً"، وبِها فَسَّرَ بَعْضُ الناسِ قَوْلِ الأشْعَرِ الجُعْفِيِّ:
؎ راحُوا بَصائِرُهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتِدٌ وأى
يَصِفُ قَوْمًا باعُوا دَمَ ولِيِّهِمْ، فَكَأنَّ دَمَهُ حَصَلَتْ مِنهُ طَرائِقُ عَلى أكْتافِهِمْ إذْ هم مَوْسُومُونَ عِنْدَ الناسِ بِبَيْعِ ذَلِكَ الدَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَصِيرَةُ في بَيْتِ الأشْعَرِ عَلى المُعْتَقَدِ الحَقِّ، أيْ: جَعَلُوا اعْتِقادَهم طَلَبَ النارِ وبَصِيرَتَهم في ذَلِكَ وراءَ ظُهُورِهِمْ، كَما تَقُولُ: طَرَحَ فَلانٌ أمْرِي وراءَ ظَهْرِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ في "أدْعُوا"، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ كُلُّها أمّارَةً بِالمَعْرُوفِ داعِيَةً إلى اللهِ الكَفَرَةَ بِهِ والعُصاةَ. و" سُبْحانَ اللهِ " تَنْزِيهٌ لِلَّهِ، أيْ وقُلْ: سُبْحانَ اللهِ، وقُلْ مُتَبَرِّئًا مِنَ الشِرْكِ.
ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ إلى آخِرِها كانَتْ مَرْقُومَةً عَلى راياتِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ.
يوسف 12:106
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما أكْثَرُ الناسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عنها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللهِ أو تَأْتِيَهم الساعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
(p-١٥٨)هاتانِ الآيَتانِ تَدُلّانِ أنَّ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَهُما فِيها تَعْرِيضٌ لِقُرَيْشٍ ومُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّهُ قالَ: فَإخْبارُكَ بِالغُيُوبِ دَلِيلٌ قائِمٌ عَلى نُبُوَّتِكَ، ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ وإنْ كُنْتَ أنْتَ حَرِيصًا عَلى إيمانِهِمْ، أيْ: يُؤْمِنُ مَن شاءَ اللهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ اعْتِراضٌ فَصِيحٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَما تَسْألُهُمْ﴾ الآيَةَ، تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ وإقامَةٌ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أيْ: ما أسْفَهَهم في أنْ تَدْعُوَهم إلى اللهِ دُونَ أنْ تَبْتَغِيَ مِنهم أجْرًا فَيَقُولُ قائِلٌ: بِسَبَبِ الأجْرِ يَدْعُوهُمْ، وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ: "وَما نَسْألُهُمْ" بِالنُونِ.
ثُمَّ ابْتَدَأ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الإخْبارَ عن كِتابِهِ العَزِيزِ أنَّهُ ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ لِجَمِيعِ العالَمِ، نَفَعَنا اللهُ بِهِ، ووَفَّرَ حَظَّنا مِنهُ بِعِزَّتِهِ.
وقَرَأتِ الجَماعَةُ: "وَكَأيِّنْ" بِهَمْزِ الألِفِ وشَدِّ الياءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هي كافُ التَشْبِيهِ اتَّصَلَتْ بِـ "أيٍّ"، ومَعْناها مَعْنى (كَمْ) في التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَكائِنْ" بِمَدِّ الألِفِ وهَمْزِ الياءِ، وهو مِنِ اسْمِ الفاعِلِ مِن "كانَ" فَهو كائِنٌ، ولَكِنَّ مَعْناهُ مَعْنى (كَمْ) أيْضًا. وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ القِراءاتِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
و"الآيَةُ" هُنا: المَخْلُوقاتُ المَنصُوبَةُ لِلِاعْتِبارِ، والحَوادِثُ الدالَّةُ عَلى اللهِ سُبْحانَهُ في مَصْنُوعاتِهِ، ومَعْنى ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ الآيَةَ: إذا جاءَ مِنها ما يُحَسُّ أو يُعْلَمُ في الجُمْلَةِ لَمْ يَتَّعِظِ الكافِرُ بِهِ، ولا تَأمَّلَهُ، ولا اعْتَبَرَ بِهِ بِحَسَبَ شَهَواتِهِ وعَمَهِهِ، فَهو لِذَلِكَ- كالمُعْرِضِ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَمُرُّ الصَبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الغَضا ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها
(p-١٥٩)وَقَرَأ السُدِّيُّ: "والأرْضَ" بِالنَصْبِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، والوَقْفُ -عَلى هَذا- في "السَمَواتِ"، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "والأرْضُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: "يَمُرُّونَ"، وعَلى القِراءَةِ بِخَفْضِ "الأرْضِ" فَـ "يَمُرُّونَ" نَعْتٌ لِـ "الآيَةِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "والأرْضِ يَمْشُونَ عَلَيْها".
وقَوْلُهُ: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ثُمَّ يُشْرِكُونَ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِ، أو مِن حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: هي في كُفّارِ العَرَبِ، وإيمانُهم هو إقْرارُهم بِالخالِقِ والرازِقِ والمُمِيتِ، فَسَمّاهُ إيمانًا وإنْ أعْقَبَهُ إشْراكُهم بِالأوثانِ والأصْنامِ، فَهَذا الإيمانُ لُغَوِيٌّ فَقَطْ مِن حَيْثُ هو تَصْدِيقٌ ما. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ قُرَيْشٍ في الطَوافِ والتَلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا سَمِعَ أحَدَهم يَقُولُ: "لا شَرِيكَ لَكَ" يَقُولُ لَهُ: (قَطْ قَطْ)،» أيْ: قِفْ هُنا ولا تَزِدْ: "إلّا شَرِيكٌ هو لَكً".
و"الغاشِيَةُ": ما يَغْشى ويُغَطِّي ويَغُمُّ، وقَرَأ أبُو حَفْصٍ، وبِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: "أو يَأْتِيَهُمُ الساعَةُ بَغْتَةً" بِالياءِ. و"بَغْتَةً" مَعْناها: فَجْأةً، وذَلِكَ أصْعَبُ.
وهَذِهِ الآيَةُ مِن قَوْلِهِ: "وَكَأيِّنْ" وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ بِحُكْمِ ما قَبْلَها، فَإنَّ العُصاةَ يَأْخُذُونَ مِن ألْفاظِها بِحَظٍّ، ويَكُونُ الإيمانُ حَقِيقَةً والشِرْكُ لُغَوِيًّا كالرِياءِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "الرِياءُ الشِرْكُ الأصْغَرُ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ الآيَةَ، إشارَةٌ إلى دَعْوَةِ الإسْلامِ والشَرِيعَةِ بِأسْرِها، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: هَذا أمْرِي وسُنَّتِي ومِنهاجِي. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "قُلْ هَذا سَبِيلِي"، والسَبِيلُ: المَسْلَكُ، وتُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، وكَذَلِكَ الطَرِيقُ.
(p-١٦٠)وَ"البَصِيرَةُ": اسْمٌ لِمُعْتَقَدِ الإنْسانِ في الأمْرِ مِنَ الحَقِّ واليَقِينِ، والبَصِيرَةُ أيْضًا -فِي كَلامِ العَرَبِ -: الطَرِيقَةُ في الدَمِ، وفي الحَدِيثِ المَشْهُورِ: "تَنْظُرُ في النَصْلِ فَلا تَرى بَصِيرَةً"، وبِها فَسَّرَ بَعْضُ الناسِ قَوْلِ الأشْعَرِ الجُعْفِيِّ:
؎ راحُوا بَصائِرُهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتِدٌ وأى
يَصِفُ قَوْمًا باعُوا دَمَ ولِيِّهِمْ، فَكَأنَّ دَمَهُ حَصَلَتْ مِنهُ طَرائِقُ عَلى أكْتافِهِمْ إذْ هم مَوْسُومُونَ عِنْدَ الناسِ بِبَيْعِ ذَلِكَ الدَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَصِيرَةُ في بَيْتِ الأشْعَرِ عَلى المُعْتَقَدِ الحَقِّ، أيْ: جَعَلُوا اعْتِقادَهم طَلَبَ النارِ وبَصِيرَتَهم في ذَلِكَ وراءَ ظُهُورِهِمْ، كَما تَقُولُ: طَرَحَ فَلانٌ أمْرِي وراءَ ظَهْرِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ في "أدْعُوا"، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ كُلُّها أمّارَةً بِالمَعْرُوفِ داعِيَةً إلى اللهِ الكَفَرَةَ بِهِ والعُصاةَ. و" سُبْحانَ اللهِ " تَنْزِيهٌ لِلَّهِ، أيْ وقُلْ: سُبْحانَ اللهِ، وقُلْ مُتَبَرِّئًا مِنَ الشِرْكِ.
ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ إلى آخِرِها كانَتْ مَرْقُومَةً عَلى راياتِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ.
يوسف 12:107
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما أكْثَرُ الناسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عنها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللهِ أو تَأْتِيَهم الساعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
(p-١٥٨)هاتانِ الآيَتانِ تَدُلّانِ أنَّ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَهُما فِيها تَعْرِيضٌ لِقُرَيْشٍ ومُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّهُ قالَ: فَإخْبارُكَ بِالغُيُوبِ دَلِيلٌ قائِمٌ عَلى نُبُوَّتِكَ، ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ وإنْ كُنْتَ أنْتَ حَرِيصًا عَلى إيمانِهِمْ، أيْ: يُؤْمِنُ مَن شاءَ اللهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ اعْتِراضٌ فَصِيحٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَما تَسْألُهُمْ﴾ الآيَةَ، تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ وإقامَةٌ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أيْ: ما أسْفَهَهم في أنْ تَدْعُوَهم إلى اللهِ دُونَ أنْ تَبْتَغِيَ مِنهم أجْرًا فَيَقُولُ قائِلٌ: بِسَبَبِ الأجْرِ يَدْعُوهُمْ، وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ: "وَما نَسْألُهُمْ" بِالنُونِ.
ثُمَّ ابْتَدَأ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الإخْبارَ عن كِتابِهِ العَزِيزِ أنَّهُ ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ لِجَمِيعِ العالَمِ، نَفَعَنا اللهُ بِهِ، ووَفَّرَ حَظَّنا مِنهُ بِعِزَّتِهِ.
وقَرَأتِ الجَماعَةُ: "وَكَأيِّنْ" بِهَمْزِ الألِفِ وشَدِّ الياءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هي كافُ التَشْبِيهِ اتَّصَلَتْ بِـ "أيٍّ"، ومَعْناها مَعْنى (كَمْ) في التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَكائِنْ" بِمَدِّ الألِفِ وهَمْزِ الياءِ، وهو مِنِ اسْمِ الفاعِلِ مِن "كانَ" فَهو كائِنٌ، ولَكِنَّ مَعْناهُ مَعْنى (كَمْ) أيْضًا. وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ القِراءاتِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
و"الآيَةُ" هُنا: المَخْلُوقاتُ المَنصُوبَةُ لِلِاعْتِبارِ، والحَوادِثُ الدالَّةُ عَلى اللهِ سُبْحانَهُ في مَصْنُوعاتِهِ، ومَعْنى ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ الآيَةَ: إذا جاءَ مِنها ما يُحَسُّ أو يُعْلَمُ في الجُمْلَةِ لَمْ يَتَّعِظِ الكافِرُ بِهِ، ولا تَأمَّلَهُ، ولا اعْتَبَرَ بِهِ بِحَسَبَ شَهَواتِهِ وعَمَهِهِ، فَهو لِذَلِكَ- كالمُعْرِضِ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَمُرُّ الصَبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الغَضا ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها
(p-١٥٩)وَقَرَأ السُدِّيُّ: "والأرْضَ" بِالنَصْبِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، والوَقْفُ -عَلى هَذا- في "السَمَواتِ"، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "والأرْضُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: "يَمُرُّونَ"، وعَلى القِراءَةِ بِخَفْضِ "الأرْضِ" فَـ "يَمُرُّونَ" نَعْتٌ لِـ "الآيَةِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "والأرْضِ يَمْشُونَ عَلَيْها".
وقَوْلُهُ: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ثُمَّ يُشْرِكُونَ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِ، أو مِن حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: هي في كُفّارِ العَرَبِ، وإيمانُهم هو إقْرارُهم بِالخالِقِ والرازِقِ والمُمِيتِ، فَسَمّاهُ إيمانًا وإنْ أعْقَبَهُ إشْراكُهم بِالأوثانِ والأصْنامِ، فَهَذا الإيمانُ لُغَوِيٌّ فَقَطْ مِن حَيْثُ هو تَصْدِيقٌ ما. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ قُرَيْشٍ في الطَوافِ والتَلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا سَمِعَ أحَدَهم يَقُولُ: "لا شَرِيكَ لَكَ" يَقُولُ لَهُ: (قَطْ قَطْ)،» أيْ: قِفْ هُنا ولا تَزِدْ: "إلّا شَرِيكٌ هو لَكً".
و"الغاشِيَةُ": ما يَغْشى ويُغَطِّي ويَغُمُّ، وقَرَأ أبُو حَفْصٍ، وبِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: "أو يَأْتِيَهُمُ الساعَةُ بَغْتَةً" بِالياءِ. و"بَغْتَةً" مَعْناها: فَجْأةً، وذَلِكَ أصْعَبُ.
وهَذِهِ الآيَةُ مِن قَوْلِهِ: "وَكَأيِّنْ" وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ بِحُكْمِ ما قَبْلَها، فَإنَّ العُصاةَ يَأْخُذُونَ مِن ألْفاظِها بِحَظٍّ، ويَكُونُ الإيمانُ حَقِيقَةً والشِرْكُ لُغَوِيًّا كالرِياءِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "الرِياءُ الشِرْكُ الأصْغَرُ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ الآيَةَ، إشارَةٌ إلى دَعْوَةِ الإسْلامِ والشَرِيعَةِ بِأسْرِها، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: هَذا أمْرِي وسُنَّتِي ومِنهاجِي. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "قُلْ هَذا سَبِيلِي"، والسَبِيلُ: المَسْلَكُ، وتُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، وكَذَلِكَ الطَرِيقُ.
(p-١٦٠)وَ"البَصِيرَةُ": اسْمٌ لِمُعْتَقَدِ الإنْسانِ في الأمْرِ مِنَ الحَقِّ واليَقِينِ، والبَصِيرَةُ أيْضًا -فِي كَلامِ العَرَبِ -: الطَرِيقَةُ في الدَمِ، وفي الحَدِيثِ المَشْهُورِ: "تَنْظُرُ في النَصْلِ فَلا تَرى بَصِيرَةً"، وبِها فَسَّرَ بَعْضُ الناسِ قَوْلِ الأشْعَرِ الجُعْفِيِّ:
؎ راحُوا بَصائِرُهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتِدٌ وأى
يَصِفُ قَوْمًا باعُوا دَمَ ولِيِّهِمْ، فَكَأنَّ دَمَهُ حَصَلَتْ مِنهُ طَرائِقُ عَلى أكْتافِهِمْ إذْ هم مَوْسُومُونَ عِنْدَ الناسِ بِبَيْعِ ذَلِكَ الدَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَصِيرَةُ في بَيْتِ الأشْعَرِ عَلى المُعْتَقَدِ الحَقِّ، أيْ: جَعَلُوا اعْتِقادَهم طَلَبَ النارِ وبَصِيرَتَهم في ذَلِكَ وراءَ ظُهُورِهِمْ، كَما تَقُولُ: طَرَحَ فَلانٌ أمْرِي وراءَ ظَهْرِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ في "أدْعُوا"، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ كُلُّها أمّارَةً بِالمَعْرُوفِ داعِيَةً إلى اللهِ الكَفَرَةَ بِهِ والعُصاةَ. و" سُبْحانَ اللهِ " تَنْزِيهٌ لِلَّهِ، أيْ وقُلْ: سُبْحانَ اللهِ، وقُلْ مُتَبَرِّئًا مِنَ الشِرْكِ.
ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ إلى آخِرِها كانَتْ مَرْقُومَةً عَلى راياتِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ.
يوسف 12:108
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما أكْثَرُ الناسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عنها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللهِ أو تَأْتِيَهم الساعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
(p-١٥٨)هاتانِ الآيَتانِ تَدُلّانِ أنَّ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَهُما فِيها تَعْرِيضٌ لِقُرَيْشٍ ومُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّهُ قالَ: فَإخْبارُكَ بِالغُيُوبِ دَلِيلٌ قائِمٌ عَلى نُبُوَّتِكَ، ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ وإنْ كُنْتَ أنْتَ حَرِيصًا عَلى إيمانِهِمْ، أيْ: يُؤْمِنُ مَن شاءَ اللهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ اعْتِراضٌ فَصِيحٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَما تَسْألُهُمْ﴾ الآيَةَ، تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ وإقامَةٌ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أيْ: ما أسْفَهَهم في أنْ تَدْعُوَهم إلى اللهِ دُونَ أنْ تَبْتَغِيَ مِنهم أجْرًا فَيَقُولُ قائِلٌ: بِسَبَبِ الأجْرِ يَدْعُوهُمْ، وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ: "وَما نَسْألُهُمْ" بِالنُونِ.
ثُمَّ ابْتَدَأ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الإخْبارَ عن كِتابِهِ العَزِيزِ أنَّهُ ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ لِجَمِيعِ العالَمِ، نَفَعَنا اللهُ بِهِ، ووَفَّرَ حَظَّنا مِنهُ بِعِزَّتِهِ.
وقَرَأتِ الجَماعَةُ: "وَكَأيِّنْ" بِهَمْزِ الألِفِ وشَدِّ الياءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هي كافُ التَشْبِيهِ اتَّصَلَتْ بِـ "أيٍّ"، ومَعْناها مَعْنى (كَمْ) في التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَكائِنْ" بِمَدِّ الألِفِ وهَمْزِ الياءِ، وهو مِنِ اسْمِ الفاعِلِ مِن "كانَ" فَهو كائِنٌ، ولَكِنَّ مَعْناهُ مَعْنى (كَمْ) أيْضًا. وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ القِراءاتِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
و"الآيَةُ" هُنا: المَخْلُوقاتُ المَنصُوبَةُ لِلِاعْتِبارِ، والحَوادِثُ الدالَّةُ عَلى اللهِ سُبْحانَهُ في مَصْنُوعاتِهِ، ومَعْنى ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ الآيَةَ: إذا جاءَ مِنها ما يُحَسُّ أو يُعْلَمُ في الجُمْلَةِ لَمْ يَتَّعِظِ الكافِرُ بِهِ، ولا تَأمَّلَهُ، ولا اعْتَبَرَ بِهِ بِحَسَبَ شَهَواتِهِ وعَمَهِهِ، فَهو لِذَلِكَ- كالمُعْرِضِ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَمُرُّ الصَبا صَفْحًا بِساكِنِ ذِي الغَضا ∗∗∗ ويَصْدَعُ قَلْبِي أنْ يَهُبَّ هُبُوبُها
(p-١٥٩)وَقَرَأ السُدِّيُّ: "والأرْضَ" بِالنَصْبِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، والوَقْفُ -عَلى هَذا- في "السَمَواتِ"، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "والأرْضُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: "يَمُرُّونَ"، وعَلى القِراءَةِ بِخَفْضِ "الأرْضِ" فَـ "يَمُرُّونَ" نَعْتٌ لِـ "الآيَةِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "والأرْضِ يَمْشُونَ عَلَيْها".
وقَوْلُهُ: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ثُمَّ يُشْرِكُونَ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِ، أو مِن حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: هي في كُفّارِ العَرَبِ، وإيمانُهم هو إقْرارُهم بِالخالِقِ والرازِقِ والمُمِيتِ، فَسَمّاهُ إيمانًا وإنْ أعْقَبَهُ إشْراكُهم بِالأوثانِ والأصْنامِ، فَهَذا الإيمانُ لُغَوِيٌّ فَقَطْ مِن حَيْثُ هو تَصْدِيقٌ ما. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ قُرَيْشٍ في الطَوافِ والتَلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ إذا سَمِعَ أحَدَهم يَقُولُ: "لا شَرِيكَ لَكَ" يَقُولُ لَهُ: (قَطْ قَطْ)،» أيْ: قِفْ هُنا ولا تَزِدْ: "إلّا شَرِيكٌ هو لَكً".
و"الغاشِيَةُ": ما يَغْشى ويُغَطِّي ويَغُمُّ، وقَرَأ أبُو حَفْصٍ، وبِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: "أو يَأْتِيَهُمُ الساعَةُ بَغْتَةً" بِالياءِ. و"بَغْتَةً" مَعْناها: فَجْأةً، وذَلِكَ أصْعَبُ.
وهَذِهِ الآيَةُ مِن قَوْلِهِ: "وَكَأيِّنْ" وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ بِحُكْمِ ما قَبْلَها، فَإنَّ العُصاةَ يَأْخُذُونَ مِن ألْفاظِها بِحَظٍّ، ويَكُونُ الإيمانُ حَقِيقَةً والشِرْكُ لُغَوِيًّا كالرِياءِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "الرِياءُ الشِرْكُ الأصْغَرُ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ الآيَةَ، إشارَةٌ إلى دَعْوَةِ الإسْلامِ والشَرِيعَةِ بِأسْرِها، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: هَذا أمْرِي وسُنَّتِي ومِنهاجِي. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "قُلْ هَذا سَبِيلِي"، والسَبِيلُ: المَسْلَكُ، وتُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، وكَذَلِكَ الطَرِيقُ.
(p-١٦٠)وَ"البَصِيرَةُ": اسْمٌ لِمُعْتَقَدِ الإنْسانِ في الأمْرِ مِنَ الحَقِّ واليَقِينِ، والبَصِيرَةُ أيْضًا -فِي كَلامِ العَرَبِ -: الطَرِيقَةُ في الدَمِ، وفي الحَدِيثِ المَشْهُورِ: "تَنْظُرُ في النَصْلِ فَلا تَرى بَصِيرَةً"، وبِها فَسَّرَ بَعْضُ الناسِ قَوْلِ الأشْعَرِ الجُعْفِيِّ:
؎ راحُوا بَصائِرُهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتِدٌ وأى
يَصِفُ قَوْمًا باعُوا دَمَ ولِيِّهِمْ، فَكَأنَّ دَمَهُ حَصَلَتْ مِنهُ طَرائِقُ عَلى أكْتافِهِمْ إذْ هم مَوْسُومُونَ عِنْدَ الناسِ بِبَيْعِ ذَلِكَ الدَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَصِيرَةُ في بَيْتِ الأشْعَرِ عَلى المُعْتَقَدِ الحَقِّ، أيْ: جَعَلُوا اعْتِقادَهم طَلَبَ النارِ وبَصِيرَتَهم في ذَلِكَ وراءَ ظُهُورِهِمْ، كَما تَقُولُ: طَرَحَ فَلانٌ أمْرِي وراءَ ظَهْرِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ في "أدْعُوا"، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ كُلُّها أمّارَةً بِالمَعْرُوفِ داعِيَةً إلى اللهِ الكَفَرَةَ بِهِ والعُصاةَ. و" سُبْحانَ اللهِ " تَنْزِيهٌ لِلَّهِ، أيْ وقُلْ: سُبْحانَ اللهِ، وقُلْ مُتَبَرِّئًا مِنَ الشِرْكِ.
ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ إلى آخِرِها كانَتْ مَرْقُومَةً عَلى راياتِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ.
يوسف 12:109
(p-١٦١)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى مُسْتَغْرِبِي إرْسالِ الرُسُلِ مِنَ البَشَرِ، كالطائِفَةِ الَّتِي قالَتْ: ﴿أبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٤]، وكالطائِفَةِ الَّتِي اقْتَرَحَتْ مَلِكًا، وغَيْرِهِما.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُوحى إلَيْهِمْ" بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ، وهي قِراءَةُ عاصِمٍ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وقَرَأ في رِوايَةِ حَفْصٍ "نُوحِي" بِالنُونِ وكَسْرَ الحاءِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وطَلْحَةَ.
و"القُرى": المُدُنُ، وخَصَّصَها دُونَ القَوْمِ المُنْتَوِينَ أهْلِ العَمُودِ، فَإنَّهم في كُلِّ أُمَّةٍ أهْلُ جَفاءٍ وجَهالَةٍ مُفْرِطَةٍ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: أهْلُ القُرى أعْلَمُ وأحْلُمُ مِن أهْلِ العَمُودِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَإنَّهم قَلِيلٌ نُبْلُهُمْ، ولَمْ يُنَبِّئِ اللهُ مِنهم قَطُّ رَسُولًا. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللهُ رَسُولًا قَطُّ مِن أهْلِ البادِيَةِ، ولا مِنَ النِساءِ، ولا مِنَ الجِنِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والتَبَدِّي مَكْرُوهٌ إلّا في الفِتَنِ وحِينَ يُفَرُّ بِالدِينِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْرُ مالِ المُسْلِمِ غَنَمًا"» الحَدِيثَ. وفي ذَلِكَ أذِنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ.
(p-١٦٢)وَقَدْ قالَ ﷺ: « "لا تَعَرُّبَ في الإسْلامِ"،» وقالَ: « "مَن بَدا جَفا"،» ورَوى عنهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: « (الشَيْطانُ ذِئْبُ الإنْسانِ كَذِئْبِ الغَنَمِ يَأْخُذُ الشاةَ القاصِيَةَ، فَإيّاكم والشِعابَ، وعَلَيْكم بِالمَساجِدِ والجَماعاتِ والعامَّةِ).»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُعْتَرَضُ هَذا بِبَدْوِ يَعْقُوبَ، ويُنْفَصَلُ عن ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ البَدْوَ لَمْ يَكُنْ في أهْلِ عَمُودٍ، بَلْ هو بِتَقَرٍّ وفي مَنازِلَ ورُبُوعٍ، والثانِي: أنَّهُ إنَّما جَعَلَهُ بَدْوًا بِالإضافَةِ إلى مِصْرَ، كَما هي بَناتُ الحَواضِرِ بَدْوٌ بِالإضافَةِ إلى الحَواضِرِ.
ثُمَّ أحالَهم عَلى الِاعْتِبارِ في الأُمَمِ السالِفَةِ في أقْطارِ الأرْضِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَها فَحاقَ بِها عَذابُ اللهِ، ثُمَّ حَضَّ عَلى الآخِرَةِ والِاسْتِعْدادِ لَها والِاتِّقاءِ مِنَ المُوبِقاتِ فِيها، ثُمَّ وقَّفَهم مُوَبَّخًا بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ زِيادَةٌ في وصْفِ إنْعامِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: عَذَّبَ الكُفّارَ ونَجّى المُؤْمِنِينَ ولَدارُ الآخِرَةِ أحْسَنُ لَهم.
وأمًّا إضافَةُ الدارِ إلى الآخِرَةِ فَقالَ الفَرّاءُ: هي إضافَةُ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ، كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ فَإنَّكَ لَوْ حَلَلْتَ دِيارَ عَبَسٍ ∗∗∗ عَرَفْتَ الذُلَّ عِرْفانَ اليَقِينِ
(p-١٦٣)وَفِي رِوايَةٍ: "فَلَوْ أقْوَتْ عَلَيْكَ دِيارُ عَبْسٍ" - وكَما يُقالُ: "مَسْجِدُ الجامِعِ" ونَحْوُ هَذا، وقالَ البَصْرِيُّونَ: هَذِهِ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: "وَلَدارُ الحَياةِ الآخِرَةِ"، أوِ "المُدَّةِ الآخِرَةِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأسْماءُ الَّتِي هي لِلْأجْناسِ كَمَسْجِدٍ وثَوْبٍ وحَقٍّ وجَبَلٍ ونَحْوِ ذَلِكَ- إذا نَطَقَ بِها الناطِقُ لَمْ يُدْرَ ما يُرِيدُ بِها فَتُضافُ إلى مُعَرِّفٍ مُخَصِّصٍ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، فَقَدْ تُضافُ إلى جِنْسٍ آخَرَ كَقَوْلِكَ: "ثَوْبُ خَزٍّ" و"جَبَلُ تُرابٍ"، وقَدْ تُضافُ إلى صِفَةٍ كَقَوْلِكَ: "مَسْجِدُ الجامِعِ" و"حَقُّ اليَقِينِ"، وقَدْ تُضافُ إلى اسْمٍ خاصٍّ كَقَوْلِكَ: "جَبَلُ أُحُدٍ" ونَحْوَهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وعَلْقَمَةُ: "يَعْقِلُونَ" بِالياءِ، واخْتُلِفَ عَنِ الأعْمَشِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ العامَّةِ: "أفَلا تَعْقِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقَ.
ويَتَضَمَّنُ قَوْلُهُ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أنَّ الرُسُلَ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللهُ مِن أهْلِ القُرى دَعَوْا أُمَمَهم فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ حَتّى نَزَلَتْ بِهِمُ المَثُلاتُ، فَصارُوا في حَيِّزِ مَن يُعْتَبَرُ بِعاقِبَتِهِ، فَلِهَذا المُضَمَّنِ حَسُنَ أنْ تَدْخُلَ "حَتّى" في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُسُلُ﴾.
(p-١٦٤)وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وعائِشَةُ -بِخِلافٍ- وعِيسى، وقَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: "كُذِّبُوا" بِتَشْدِيدِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وقَرَأ الباقُونَ: "كُذِبُوا" بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِ الذالِ وتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٍ، والضَحّاكِ، وإبْراهِيمَ، وأبِي جَعْفَرٍ، ورَواها شَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ عَنِ القاسِمِ عن عائِشَةَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ -بِخِلافٍ عنهُمْ-: "كَذَبُوا" بِفَتْحِ الكافِ والذالِ.
فَأمًّا الأُولى فَتَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الظَنُّ بِمَعْنى اليَقِينِ، ويَكُونَ الضَمِيرُ في "ظَنُّوا" وفي "كَذَّبُوا" لِلرُّسُلِ، ويَكُونَ المُكَذِّبُونَ مُشْرِكِي مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ، والمَعْنى: وتَيَقَّنَ الرُسُلُ أنَّ المُشْرِكِينَ كَذَّبُوهم وصَمَّمُوا عَلى ذَلِكَ، وأنْ لا انْحِرافَ عنهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الظَنُّ عَلى بابِهِ، والضَمِيرانِ لِلرُّسُلِ، والمُكَذِّبُونَ مُؤْمِنُو مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ، أيْ: لَمّا طالَتِ المَواعِيدُ حَسِبَ الرُسُلُ أنَّ المُؤْمِنِينَ أوَّلًا قَدْ كَذَّبُوهم وارْتابُوا بِقَوْلِهِمْ.
وأمًّا القِراءَةُ الثانِيَةُ -وَهِيَ ضَمُّ الكافِ وكَسْرُ الذالِ وتَخْفِيفُها- فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُسُلُ مِنَ النَصْرِ، أو مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ -عَلى اخْتِلافِ تَأْوِيلِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ- وظَنَّ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ أنَّ الرُسُلَ قَدْ كَذَبُوهم فِيما ادَّعَوْهُ مِنَ النُبُوَّةِ، أو فِيما تَوَعَّدُوهم بِهِ مِنَ العَذابِ، لَمّا طالَ الإمْهالُ واتَّصَلَتِ العافِيَةُ، فَلَمّا كانَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مُكَذِّبِينَ، بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ في قَوْلِهِ: "كُذِبُوا"، هَذا مَشْهُورُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ. وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ أنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسارٍ قالَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يا أبا عَبْدِ اللهِ، آيَةٌ بَلَغَتْ مِنِّي كُلَّ مُبْلَغٍ، ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾، فَهَذا هو أنْ تَظُنَّ الرُسُلُ أنَّهم قَدْ كُذِبُوا مُخَفَّفَةً، فَقالَ لَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ: "يا أبا عَبْدِ الرَحْمَنِ، إنَّما يَئِسَ الرُسُلُ مِن قَوْمِهِمْ أنْ يُجِيبُوهُمْ، وظَنَّ قَوْمُهم أنَّ الرُسُلَ كَذَبَتْهُمْ، فَحِينَئِذٍ جاءَ النَصْرُ"، فَقامَ مُسْلِمٌ إلى سَعِيدٍ فاعْتَنَقَهُ وقالَ: فَرَّجْتَ عَنِّي فَرَّجَ اللهُ عنكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَرَضِيَ اللهُ عنهُمْ، كَيْفَ كانَ خُلُقُهم في العِلْمِ، وقالَ بِهَذا التَأْوِيلِ -فِي هَذِهِ (p-١٦٥)القِراءَةِ- ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا التَأْوِيلَ، وقالَ: إنَّ رَدَّ الضَمِيرِ في "ظَنُّوا" وفي "كُذِبُوا" عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ -وَإنْ كانَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ صَرِيحٌ- جائِزٌ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الرُسُلِ يَقْتَضِي ذِكْرَ مُرْسَلٍ إلَيْهِ.
والآخَرُ: أنَّ ذِكْرَهم قَدْ أُشِيرُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾.
وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "ظَنُّوا" وفي "كُذِبُوا" عائِدٌ عَلى الرُسُلِ، والمَعْنى: كَذَبَهم مَن أخْبَرَهم عَنِ اللهِ، والظَنُّ عَلى بابِهِ، وحَكى هَذا التَأْوِيلَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، والرُسُلُ بَشَرٌ، فَضَعُفُوا وساءَ ظَنُّهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، وابْنُ جُبَيْرٍ وقالَ: ألَمْ يَكُونُوا بَشَرًا؟ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِمَن سَألَهُ عن هَذا: "هُوَ الَّذِي نَكْرَهُ"، ورَدَّتْ هَذا التَأْوِيلَ عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، وأعْظَمُوا أنْ تُوصَفَ الرُسُلُ بِهَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: "هَذا غَيْرُ جائِزٍ عَلى الرُسُلِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا هو الصَوابُ، وأيْنَ العِصْمَةُ والعِلْمُ؟
وأمًّا القِراءَةُ الثالِثَةُ، وهي فَتْحُ الكافِ والذالِ، فالضَمِيرُ في "ظَنُّوا" لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، والضَمِيرُ في "كَذَبُوا" لِلرُّسُلِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرانِ لِلرُّسُلِ، أيْ: ظَنَّ الرُسُلُ أنَّهم قَدْ كَذَبُوا مِن حَيْثُ نَقَلُوا الكَذِبَ وإنْ كانُوا لَمْ يَتَعَمَّدُوهُ، فَيَرْجِعُ هَذا التَأْوِيلُ إلى المَعْنى المَرْدُودِ الَّذِي تَقَدَّمُ ذِكْرُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ أيْ: بِتَعْذِيبِ أُمَمِهِمُ الكافِرَةِ.
ثُمَّ وصَفَ حالَ مَجِيءِ العَذابِ في أنَّهُ يُنْجِي الرُسُلَ وأتْباعَهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ شاءَ رَحْمَتَهُمْ، ويُحِلُّ بَأْسَهُ بِالمُجْرِمِينَ الكَفَرَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فَنُنْجِي" بِنُونَيْنِ، مَن أنَجى. وقَرَأ الحَسَنُ: "فَنُنَجِّي"، النُونُ الثانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ والجِيمُ مُشَدَّدَةٌ، وهو مِن نَجّى يُنَجِّي. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أيْضًا وقَتادَةُ "فَنُجِّي" بِنُونٍ واحِدَةٍ وشَدِّ الجِيمِ وسُكُونِ الياءِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّها كالأُولى أُدْغِمَتِ النُونُ الثانِيَةُ في الجِيمِ، ومَنَعَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ هَذا مَوْضِعَ إدْغامٍ لِتَنافُرِ النُونِ والجِيمِ في الصِفاتِ لا في (p-١٦٦)المَخارِجِ، وقالَ: إنَّما حُذِفَتِ النُونُ في الكِتابِ لا في اللَفْظِ، وقَدْ حُكِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكِسائِيِّ، ونافِعٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ "فَنُجِّيَ" بِفَتْحِ الياءِ، عَلى وزْنِ فُعِّلَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَنُنْجِيَ" بِنُونَيْنِ وفَتْحِ الياءِ، رَواها هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ، وهي غَلَطٌ مِن هُبَيْرَةَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٍ: "فَنَجا" فِعْلٌ ماضٍ بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، والحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وابْنِ السَمَيْفَعِ، وأبِي حَيْوَةَ. قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: "وَقَرَأْتُ لِابْنِ مُحَيْصِنٍ: "فَنَجّى" بِشَدِّ الجِيمِ، عَلى مَعْنى: فَنَجّى النَصْرُ".
و"البَأْسُ": العَذابُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "مَن يَشاءُ" بِالياءِ، وجاءَ الإخْبارُ عن هَلاكِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا﴾ الآيَةَ، إذْ في هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ بَيِّنٌ، وتَهْدِيدٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقَرَأ الحَسَنُ: "بَأْسُهُ" بِالهاءِ.
يوسف 12:110
(p-١٦١)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى مُسْتَغْرِبِي إرْسالِ الرُسُلِ مِنَ البَشَرِ، كالطائِفَةِ الَّتِي قالَتْ: ﴿أبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٤]، وكالطائِفَةِ الَّتِي اقْتَرَحَتْ مَلِكًا، وغَيْرِهِما.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُوحى إلَيْهِمْ" بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ، وهي قِراءَةُ عاصِمٍ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وقَرَأ في رِوايَةِ حَفْصٍ "نُوحِي" بِالنُونِ وكَسْرَ الحاءِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وطَلْحَةَ.
و"القُرى": المُدُنُ، وخَصَّصَها دُونَ القَوْمِ المُنْتَوِينَ أهْلِ العَمُودِ، فَإنَّهم في كُلِّ أُمَّةٍ أهْلُ جَفاءٍ وجَهالَةٍ مُفْرِطَةٍ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: أهْلُ القُرى أعْلَمُ وأحْلُمُ مِن أهْلِ العَمُودِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَإنَّهم قَلِيلٌ نُبْلُهُمْ، ولَمْ يُنَبِّئِ اللهُ مِنهم قَطُّ رَسُولًا. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللهُ رَسُولًا قَطُّ مِن أهْلِ البادِيَةِ، ولا مِنَ النِساءِ، ولا مِنَ الجِنِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والتَبَدِّي مَكْرُوهٌ إلّا في الفِتَنِ وحِينَ يُفَرُّ بِالدِينِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْرُ مالِ المُسْلِمِ غَنَمًا"» الحَدِيثَ. وفي ذَلِكَ أذِنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ.
(p-١٦٢)وَقَدْ قالَ ﷺ: « "لا تَعَرُّبَ في الإسْلامِ"،» وقالَ: « "مَن بَدا جَفا"،» ورَوى عنهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: « (الشَيْطانُ ذِئْبُ الإنْسانِ كَذِئْبِ الغَنَمِ يَأْخُذُ الشاةَ القاصِيَةَ، فَإيّاكم والشِعابَ، وعَلَيْكم بِالمَساجِدِ والجَماعاتِ والعامَّةِ).»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُعْتَرَضُ هَذا بِبَدْوِ يَعْقُوبَ، ويُنْفَصَلُ عن ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ البَدْوَ لَمْ يَكُنْ في أهْلِ عَمُودٍ، بَلْ هو بِتَقَرٍّ وفي مَنازِلَ ورُبُوعٍ، والثانِي: أنَّهُ إنَّما جَعَلَهُ بَدْوًا بِالإضافَةِ إلى مِصْرَ، كَما هي بَناتُ الحَواضِرِ بَدْوٌ بِالإضافَةِ إلى الحَواضِرِ.
ثُمَّ أحالَهم عَلى الِاعْتِبارِ في الأُمَمِ السالِفَةِ في أقْطارِ الأرْضِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَها فَحاقَ بِها عَذابُ اللهِ، ثُمَّ حَضَّ عَلى الآخِرَةِ والِاسْتِعْدادِ لَها والِاتِّقاءِ مِنَ المُوبِقاتِ فِيها، ثُمَّ وقَّفَهم مُوَبَّخًا بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ زِيادَةٌ في وصْفِ إنْعامِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: عَذَّبَ الكُفّارَ ونَجّى المُؤْمِنِينَ ولَدارُ الآخِرَةِ أحْسَنُ لَهم.
وأمًّا إضافَةُ الدارِ إلى الآخِرَةِ فَقالَ الفَرّاءُ: هي إضافَةُ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ، كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ فَإنَّكَ لَوْ حَلَلْتَ دِيارَ عَبَسٍ ∗∗∗ عَرَفْتَ الذُلَّ عِرْفانَ اليَقِينِ
(p-١٦٣)وَفِي رِوايَةٍ: "فَلَوْ أقْوَتْ عَلَيْكَ دِيارُ عَبْسٍ" - وكَما يُقالُ: "مَسْجِدُ الجامِعِ" ونَحْوُ هَذا، وقالَ البَصْرِيُّونَ: هَذِهِ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: "وَلَدارُ الحَياةِ الآخِرَةِ"، أوِ "المُدَّةِ الآخِرَةِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأسْماءُ الَّتِي هي لِلْأجْناسِ كَمَسْجِدٍ وثَوْبٍ وحَقٍّ وجَبَلٍ ونَحْوِ ذَلِكَ- إذا نَطَقَ بِها الناطِقُ لَمْ يُدْرَ ما يُرِيدُ بِها فَتُضافُ إلى مُعَرِّفٍ مُخَصِّصٍ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، فَقَدْ تُضافُ إلى جِنْسٍ آخَرَ كَقَوْلِكَ: "ثَوْبُ خَزٍّ" و"جَبَلُ تُرابٍ"، وقَدْ تُضافُ إلى صِفَةٍ كَقَوْلِكَ: "مَسْجِدُ الجامِعِ" و"حَقُّ اليَقِينِ"، وقَدْ تُضافُ إلى اسْمٍ خاصٍّ كَقَوْلِكَ: "جَبَلُ أُحُدٍ" ونَحْوَهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، والأعْرَجُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وعَلْقَمَةُ: "يَعْقِلُونَ" بِالياءِ، واخْتُلِفَ عَنِ الأعْمَشِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ العامَّةِ: "أفَلا تَعْقِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقَ.
ويَتَضَمَّنُ قَوْلُهُ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أنَّ الرُسُلَ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللهُ مِن أهْلِ القُرى دَعَوْا أُمَمَهم فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ حَتّى نَزَلَتْ بِهِمُ المَثُلاتُ، فَصارُوا في حَيِّزِ مَن يُعْتَبَرُ بِعاقِبَتِهِ، فَلِهَذا المُضَمَّنِ حَسُنَ أنْ تَدْخُلَ "حَتّى" في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُسُلُ﴾.
(p-١٦٤)وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وعائِشَةُ -بِخِلافٍ- وعِيسى، وقَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: "كُذِّبُوا" بِتَشْدِيدِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وقَرَأ الباقُونَ: "كُذِبُوا" بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِ الذالِ وتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٍ، والضَحّاكِ، وإبْراهِيمَ، وأبِي جَعْفَرٍ، ورَواها شَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ عَنِ القاسِمِ عن عائِشَةَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ -بِخِلافٍ عنهُمْ-: "كَذَبُوا" بِفَتْحِ الكافِ والذالِ.
فَأمًّا الأُولى فَتَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الظَنُّ بِمَعْنى اليَقِينِ، ويَكُونَ الضَمِيرُ في "ظَنُّوا" وفي "كَذَّبُوا" لِلرُّسُلِ، ويَكُونَ المُكَذِّبُونَ مُشْرِكِي مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ، والمَعْنى: وتَيَقَّنَ الرُسُلُ أنَّ المُشْرِكِينَ كَذَّبُوهم وصَمَّمُوا عَلى ذَلِكَ، وأنْ لا انْحِرافَ عنهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الظَنُّ عَلى بابِهِ، والضَمِيرانِ لِلرُّسُلِ، والمُكَذِّبُونَ مُؤْمِنُو مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ، أيْ: لَمّا طالَتِ المَواعِيدُ حَسِبَ الرُسُلُ أنَّ المُؤْمِنِينَ أوَّلًا قَدْ كَذَّبُوهم وارْتابُوا بِقَوْلِهِمْ.
وأمًّا القِراءَةُ الثانِيَةُ -وَهِيَ ضَمُّ الكافِ وكَسْرُ الذالِ وتَخْفِيفُها- فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُسُلُ مِنَ النَصْرِ، أو مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ -عَلى اخْتِلافِ تَأْوِيلِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ- وظَنَّ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ أنَّ الرُسُلَ قَدْ كَذَبُوهم فِيما ادَّعَوْهُ مِنَ النُبُوَّةِ، أو فِيما تَوَعَّدُوهم بِهِ مِنَ العَذابِ، لَمّا طالَ الإمْهالُ واتَّصَلَتِ العافِيَةُ، فَلَمّا كانَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مُكَذِّبِينَ، بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ في قَوْلِهِ: "كُذِبُوا"، هَذا مَشْهُورُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ. وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ أنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسارٍ قالَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يا أبا عَبْدِ اللهِ، آيَةٌ بَلَغَتْ مِنِّي كُلَّ مُبْلَغٍ، ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾، فَهَذا هو أنْ تَظُنَّ الرُسُلُ أنَّهم قَدْ كُذِبُوا مُخَفَّفَةً، فَقالَ لَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ: "يا أبا عَبْدِ الرَحْمَنِ، إنَّما يَئِسَ الرُسُلُ مِن قَوْمِهِمْ أنْ يُجِيبُوهُمْ، وظَنَّ قَوْمُهم أنَّ الرُسُلَ كَذَبَتْهُمْ، فَحِينَئِذٍ جاءَ النَصْرُ"، فَقامَ مُسْلِمٌ إلى سَعِيدٍ فاعْتَنَقَهُ وقالَ: فَرَّجْتَ عَنِّي فَرَّجَ اللهُ عنكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَرَضِيَ اللهُ عنهُمْ، كَيْفَ كانَ خُلُقُهم في العِلْمِ، وقالَ بِهَذا التَأْوِيلِ -فِي هَذِهِ (p-١٦٥)القِراءَةِ- ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا التَأْوِيلَ، وقالَ: إنَّ رَدَّ الضَمِيرِ في "ظَنُّوا" وفي "كُذِبُوا" عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ -وَإنْ كانَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ صَرِيحٌ- جائِزٌ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الرُسُلِ يَقْتَضِي ذِكْرَ مُرْسَلٍ إلَيْهِ.
والآخَرُ: أنَّ ذِكْرَهم قَدْ أُشِيرُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾.
وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "ظَنُّوا" وفي "كُذِبُوا" عائِدٌ عَلى الرُسُلِ، والمَعْنى: كَذَبَهم مَن أخْبَرَهم عَنِ اللهِ، والظَنُّ عَلى بابِهِ، وحَكى هَذا التَأْوِيلَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، والرُسُلُ بَشَرٌ، فَضَعُفُوا وساءَ ظَنُّهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، وابْنُ جُبَيْرٍ وقالَ: ألَمْ يَكُونُوا بَشَرًا؟ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِمَن سَألَهُ عن هَذا: "هُوَ الَّذِي نَكْرَهُ"، ورَدَّتْ هَذا التَأْوِيلَ عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، وأعْظَمُوا أنْ تُوصَفَ الرُسُلُ بِهَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: "هَذا غَيْرُ جائِزٍ عَلى الرُسُلِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا هو الصَوابُ، وأيْنَ العِصْمَةُ والعِلْمُ؟
وأمًّا القِراءَةُ الثالِثَةُ، وهي فَتْحُ الكافِ والذالِ، فالضَمِيرُ في "ظَنُّوا" لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، والضَمِيرُ في "كَذَبُوا" لِلرُّسُلِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرانِ لِلرُّسُلِ، أيْ: ظَنَّ الرُسُلُ أنَّهم قَدْ كَذَبُوا مِن حَيْثُ نَقَلُوا الكَذِبَ وإنْ كانُوا لَمْ يَتَعَمَّدُوهُ، فَيَرْجِعُ هَذا التَأْوِيلُ إلى المَعْنى المَرْدُودِ الَّذِي تَقَدَّمُ ذِكْرُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ أيْ: بِتَعْذِيبِ أُمَمِهِمُ الكافِرَةِ.
ثُمَّ وصَفَ حالَ مَجِيءِ العَذابِ في أنَّهُ يُنْجِي الرُسُلَ وأتْباعَهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ شاءَ رَحْمَتَهُمْ، ويُحِلُّ بَأْسَهُ بِالمُجْرِمِينَ الكَفَرَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فَنُنْجِي" بِنُونَيْنِ، مَن أنَجى. وقَرَأ الحَسَنُ: "فَنُنَجِّي"، النُونُ الثانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ والجِيمُ مُشَدَّدَةٌ، وهو مِن نَجّى يُنَجِّي. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أيْضًا وقَتادَةُ "فَنُجِّي" بِنُونٍ واحِدَةٍ وشَدِّ الجِيمِ وسُكُونِ الياءِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّها كالأُولى أُدْغِمَتِ النُونُ الثانِيَةُ في الجِيمِ، ومَنَعَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ هَذا مَوْضِعَ إدْغامٍ لِتَنافُرِ النُونِ والجِيمِ في الصِفاتِ لا في (p-١٦٦)المَخارِجِ، وقالَ: إنَّما حُذِفَتِ النُونُ في الكِتابِ لا في اللَفْظِ، وقَدْ حُكِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكِسائِيِّ، ونافِعٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ "فَنُجِّيَ" بِفَتْحِ الياءِ، عَلى وزْنِ فُعِّلَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَنُنْجِيَ" بِنُونَيْنِ وفَتْحِ الياءِ، رَواها هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ، وهي غَلَطٌ مِن هُبَيْرَةَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٍ: "فَنَجا" فِعْلٌ ماضٍ بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، والحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وابْنِ السَمَيْفَعِ، وأبِي حَيْوَةَ. قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: "وَقَرَأْتُ لِابْنِ مُحَيْصِنٍ: "فَنَجّى" بِشَدِّ الجِيمِ، عَلى مَعْنى: فَنَجّى النَصْرُ".
و"البَأْسُ": العَذابُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "مَن يَشاءُ" بِالياءِ، وجاءَ الإخْبارُ عن هَلاكِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا﴾ الآيَةَ، إذْ في هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ بَيِّنٌ، وتَهْدِيدٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقَرَأ الحَسَنُ: "بَأْسُهُ" بِالهاءِ.
يوسف 12:111
قوله عزّ وجلّ:
﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
الضَمِيرُ في "قَصَصِهِمْ" عامٌّ لِيُوسُفَ وأبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ وسائِرِ الرُسُلِ الَّذِينَ ذُكِرُوا عَلى الجُمْلَةِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ في القُرْآنِ قالَ عنهُ: ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾، فَإذا تُأُمِّلَتْ قِصَّةُ يُوسُفَ ظَهَرَ أنَّ في غَرائِبِها، وامْتِحانِ اللهِ فِيها لِقَوْمٍ في مَواضِعَ، ولُطْفِهِ لِقَوْمٍ في مَواضِعَ، وإحْسانِهِ لِقَوْمٍ في مَواضِعَ -مُعْتَبَرًا لِمَن لَهُ لُبٌّ وأجادَ النَظَرَ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ كُلَّ أمْرٍ مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وإلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: "ما كانَ" صِيغَةُ مَنعٍ، وقَرِينَةُ الحالِ تَقْتَضِي أنَّ البُرْهانَ يَقُومُ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يُفْتَرى، وذَلِكَ بِأدِلَّةِ النُبُوَّةِ وأدِلَّةِ الإعْجازِ.
(p-١٦٧)وَ"الحَدِيثُ" هُنا واحِدُ الأحادِيثِ، ولَيْسَ لِلَّذِي هو خِلافُ القَدِيمِ هاهُنا مَدْخَلٌ.
ونُصِبَ "تَصْدِيقَ" إمّا عَلى إضْمارِ مَعْنى كانَ، وإمّا عَلى أنْ تَكُونَ "لَكِنْ" بِمَعْنى "لَكِنَّ" المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "تَصْدِيقُ" بِالرَفْعِ، وكَذَلِكَ كَلَّ ما عُطِفَ عَلَيْهِ، وهَذا عَلى حَذْفِ المُبْتَدَأِ، التَقْدِيرُ: "هُوَ تَصْدِيقُ"، وقالَ أبُو حاتِمٍ: النَصْبُ عَلى تَقْدِيرِ: "وَلَكِنْ كانَ"، والرَفْعُ عَلى تَقْدِيرِ: "وَلَكِنَّ هُوَ"، ويُنْشَدُ بَيْتُ ذِي الرُمَّةِ بِالوَجْهَيْنِ:
؎ وما كانَ مالِي مِن تُراثٍ ورِثْتُهُ ∗∗∗ ولا دِيَةً كانَتْ ولا كَسْبَ مَأْثَمِ
؎ ولَكِنْ عَطاءُ اللهِ مِن كُلِّ رِحْلَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إلى كُلِّ مَحْجُوبِ السُرادِقِ خِضْرَمِ
رَفَعَ "عَطاءُ اللهِ"، والنَصْبُ أجْوَدُ.
و﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ هو التَوْراةُ والإنْجِيلُ، والضَمِيرُ في "يَدَيْهِ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وهو اسْمُ "كانَ"، وقَوْلُهُ: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ والحَلالِ والحَرامِ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
تَمَّ بِعَوْنِ اللهِ وتَوْفِيقِهِ تَفْسِيرُ سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَلاةُ والسَلامُ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ