Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — الحجر 15:70 – النحل 16:38
المحتويات
- الحجر 15:70
- الحجر 15:71
- الحجر 15:72
- الحجر 15:73
- الحجر 15:74
- الحجر 15:75
- الحجر 15:76
- الحجر 15:77
- الحجر 15:78
- الحجر 15:79
- الحجر 15:80
- الحجر 15:81
- الحجر 15:82
- الحجر 15:83
- الحجر 15:84
- الحجر 15:85
- الحجر 15:86
- الحجر 15:87
- الحجر 15:88
- الحجر 15:89
- الحجر 15:90
- الحجر 15:91
- الحجر 15:92
- الحجر 15:93
- الحجر 15:94
- الحجر 15:95
- الحجر 15:96
- الحجر 15:97
- الحجر 15:98
- الحجر 15:99
- النحل 16:1
- النحل 16:2
- النحل 16:3
- النحل 16:4
- النحل 16:5
- النحل 16:6
- النحل 16:7
- النحل 16:8
- النحل 16:9
- النحل 16:10
- النحل 16:11
- النحل 16:12
- النحل 16:13
- النحل 16:14
- النحل 16:15
- النحل 16:16
- النحل 16:17
- النحل 16:18
- النحل 16:19
- النحل 16:20
- النحل 16:21
- النحل 16:22
- النحل 16:23
- النحل 16:24
- النحل 16:25
- النحل 16:26
- النحل 16:27
- النحل 16:28
- النحل 16:29
- النحل 16:30
- النحل 16:31
- النحل 16:32
- النحل 16:33
- النحل 16:34
- النحل 16:35
- النحل 16:36
- النحل 16:37
- النحل 16:38
الحجر 15:70
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
المَعْنى: وقَضَيْنا ذَلِكَ الأمْرَ، أيْ: أمْضَياهُ وحَتَّمْناهُ، ثُمَّ أدْخَلَ في الكَلامِ "إلَيْهِ" مِن حَيْثُ أوحى ذَلِكَ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ اللهُ بِهِ، فَجَلَبَ هَذا المَعْنى بِإيجازٍ، وحَذَفَ ما يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ. و"أنَّ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ الأخْفَشُ: هي بَدَلٌ مِن "ذَلِكَ"، وقالَ الفِراءَ: التَقْدِيرُ: "بِأنَّ دابِرَ" فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ، والأوَّلُ أصْوَبُ.
و"الدابِرُ": الَّذِي يَأْتِي آخِرَ القَوْمِ، أيْ في أدْبارِهِمْ، وإذا قُطِعَ ذَلِكَ وأُتِيَ عَلَيْهِ فَقَدْ أتى العَذابُ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، وهَذِهِ ألْفاظٌ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِئْصالِ والهَلاكِ التامِّ، يُقالُ: "قَطَعَ اللهُ دابِرَهُ"، و"اسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهُ"، و"أسْكَتَ نَأْمَتَهُ" بِمَعْنى. و"مُصْبِحِينَ" مَعْناهُ: إذا أصْبَحُوا ودَخَلُوا في الصَباحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى وصْفِ أمْرٍ جَرى قَبْلَ إعْلامِ لُوطٍ بِهَلاكِ أُمَّتِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ مُحاجَّةَ لُوطٍ لِقَوْمِهِ تَقْتَضِي ضَعْفَ مَن لَمْ يَعْلَمْ إهْلاكَهم وأنَّ الأضْيافَ مَلائِكَةٌ. ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: (p-٣٠٧)﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَلاكِهِمْ، وكانَ قَوْلُهم ما يَأْتِي مِنَ المُحاوَرَةِ عَلى جِهَةِ التَهَكُّمِ عنهُمْ، والإمْلاءِ لَهُمْ، والتَرَبُّصِ بِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والِاحْتِمالُ الأوَّلُ عِنْدِي أرْجَحُ، وهو الظاهِرُ مِن آياتِ غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ: "يَسْتَبْشِرُونَ" أيْ: بِالأضْيافِ طَمَعًا مِنهم في الفاحِشَةِ، والضَيْفُ مُصَدَرٌ وُصِفَ بِهِ فَهو يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾، رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَدْ تَقَدَّمُوا إلَيْهِ في ألّا يَضِيفَ أحَدًا ولا يُجِيرَهُ، لَأنَّهم لا يُراعُونَهُ ولا يَكُفُّونَ عن طَلَبِ الفاحِشَةِ فِيهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّ دابِرَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ وقُلْنا إنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ"، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَ الفاحِشَةَ مَعَ الغُرَباءِ ولا يَفْعَلُونَها بَعْضَهم بِبَعْضٍ، فَكانُوا يَعْتَرِضُونَ الطُرُقَ.
وقَوْلُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِهِ فَقِيلَ: أرادَ نِساءَ أُمَّتِهِ، لَأنَّ زَوْجاتِ النَبِيِّينَ أُمَّهاتُ الأُمَمِ وهو أبُوهُمْ، فالنِساءُ بَناتُهُ في الحُرْمَةِ، والمُرادُ بِالتَزْوِيجِ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أنْ يَكُونَ في شَرْعِهِ جَوازُ زَواجِ الكافِرِ لِلْمُؤْمِنَةِ، وقَدْ ورَدَ أنَّ المُؤْمِناتِ بِهِ قَلِيلٌ جِدًّا. وقِيلَ: إنَّما أرادَ بَناتِ صُلْبِهِ، ودَعا إلى التَزْوِيجِ أيْضًا، قالَهُ قَتادَةُ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أيْضًا ما لَزِمَ المُتَقَدِّمَ في تَرْتِيبِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ بَناتِ صُلْبِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، وهو لا يُحَقِّقُ في إباحَةِ بَناتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ تَراهُ يُرِيدُ قَتْلَ آخَرَ: اقْتُلْنِي ولا تَقْتُلْهُ، فَإنَّما ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَشْنِيعِ عَلَيْهِ، والِاسْتِنْزالِ مِن جِهَةٍ ما، واسْتِدْعاءِ الحَياءِ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ مِن مُبالَغَةِ القَوْلِ الَّذِي لا يَدْخُلُهُ مَعْنى الكَذِبِ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ مَفْهُومٌ، وعَلَيْهِ قَوْلُ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: « "وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطاةٍ"،» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ.
و"العَمْرُ" و"العُمْرُ" بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها واحِدٌ، وهُما عُمْرُ الحَياةِ ومُدَّتْها، ولا يُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ إلّا بِالفَتْحِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ شَرَفٌ لِمُحَمَّدٍ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَأنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ (p-٣٠٨)بِحَياتِهِ، ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ بَشَرٍ سِواهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والقَسَمُ بِـ "لَعَمْرُكَ" في القُرْآنِ وبِـ "لَعَمْرِي" ونَحْوَهُ في أشْعارِ العَرَبِ وفَصِيحِ كَلامِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ:
؎ لَعَمْرِي وما عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ لَعَمْرُ أبِيكَ ما نُسِبَ المُعَلّى
وكَقَوْلِ الآخَرِ:
؎ لَعَمْرُكَ إنَّ المَوْتَ ما أخْطَأ الفَتى ∗∗∗ ∗∗∗ لَكالطِوَلِ المُرْخى وثِنْياهُ بِاليَدِ
(p-٣٠٩)والعَرَبُ تَقُولُ: "لَعَمْرُ اللهِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَنِي رِضاها
وقالَ الأعْشى:
؎ ولَعَمْرُ مَن جَعْلَ الشُهُورَ عَلامَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فِينا فَبَيَّنَ نِصْفَها وكَمالها
وقالَ بَعْضُ أصْحابِ المَعانِي: لا يَجُوزُ هَذا لَأنَّهُ لا يُقالُ: لِلَّهِ تَعالى عُمْرٌ، وإنَّما يُقالُ: بَقاءٌ أزَلِيٌّ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وكَرِهَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: "لَعَمْرِي"، لَأنَّهُ حَلَفَ بِحَياةِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ مِن كَلامِ ضَعَفَةِ الرِجالِ، ونَحْوَ هَذا. وقَوْلُ مالِكٍ في (p-٣١٠)"لَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ" أنَّها لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْبَغِي أنْ تُصْرَفَ "لَعَمْرُكَ" في الكَلامِ اقْتِداءً بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"يَعْمَهُونَ" أيْ يَرْتَبِكُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، والضَمائِرُ في "سَكْرَتِهِمْ" يُرادُ بِها قَوْمُ لُوطٍ المَذْكُورُونَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ المُرادَ قُرَيْشٌ، وهَذا بَعِيدٌ لَأنَّهُ يَنْقَطِعُ مِمّا قَبْلَهُ ومِمّا بَعْدَهُ. وقَوْلُهُ:"فِي سَكْرَتِهِمْ" مَجازٌ وتَشْبِيهٌ، أيْ: في ضَلالَتِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ الحَقِّ ولَهْوِهِمْ، و"يَعْمَهُونَ" مَعْناهُ: يَتَرَدَّدُونَ في حَيْرَتِهِمْ، و"مُشْرِقِينَ" مَعْناهُ: قَدْ دَخَلُوا في الإشْراقِ، وهو سُطُوعُ ضَوْءِ الشَمْسِ وظُهُورُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وهَذِهِ الصَيْحَةُ هي صَيْحَةُ الوَجْبَةِ، ولَيْسَتْ كَصَيْحَةِ ثَمُودَ، وأُهْلِكُوا بَعْدَ الفَجْرِ مُصْبِحِينَ، واسْتَوْفاهُمُ الهَلاكُ مُشْرِقَيْنِ. وخَبَرُ قَوْلِهِ: "لَعَمْرُكَ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي أو يَمِينِي، وفي هَذا نَظَرٌ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَعَمْرُكَ"، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "لَفِي سُكْرَتِهِمْ" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "سَكَراتِهِمْ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لَفِي سُكْرِهِمْ" بِغَيْرِ تاءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الجَهْضَمِيِّ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ "فِي سَكْرَتِهِمْ".
ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَ المَدِينَةَ بِجَناحِهِ ورَفَعَها حَتّى سَمِعَتْ مَلائِكَةُ السَماءِ صُراخَ الدِيَكَةِ ونُباحَ الكِلابِ، ثُمَّ قَلَبَها وأرْسَلَ الكُلَّ، فَمَن سَقَطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن رَدْمِ المَدِينَةِ ماتَ، ومَن أفْلَتَ مِنهم أصابَتْهُ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ، و"سِجِّيلٍ" اسْمٌ مِن أسْماءِ سَماءِ الدُنْيا، وقِيلَ: هي لَفْظَةٌ فارِسِيَّةٌ، وهي الحِجارَةُ المَطْبُوخَةُ مِنَ الطِينِ كالآجُرِّ ونَحْوَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا.
و"المُتَوَسِّمُونَ" قالَ مُجاهِدٌ: المُتَفَرَّسُونَ، وقالَ الضِحاكُ: الناظِرُونَ، وقالَ قَتادَةُ: المُعْتَبِرُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لَها بِالمَعْنى، وإنَّما تَفْسِيرُها بِاللَفْظِ، فَإنَّ المَعانِيَ الَّتِي تَكُونُ في الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ يَلُوحُ عَلَيْهِ وسْمٌ عن تِلْكَ المَعانِي كالسُكُونِ والدِيانَةِ والهَيْبَةِ الَّتِي تَكُونُ عَنِ الخَيْرِ ونَحْوَ هَذا، فالمُتَوَسِّمُ هو الَّذِي يَنْظُرُ في وسْمِ المَعْنى لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى المَعْنى، وكَأنَّ مَعْصِيَةَ هَؤُلاءِ أبْقَتْ مِنَ العَذابِ والإهْلاكِ وسْمًا، فَمَن رَأى الوَسْمَ اسْتَدَلَّ عَلى المَعْصِيَةِ بِهِ، واقْتادَهُ (p-٣١١)النَظَرُ إلى تَجَنُّبِ المَعاصِي لِئَلّا يَنْزِلَ بِهِ ما نَزَلَ بِهِمْ، ومِنَ الشِعْرِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَوَسَّمْتُهُ لَمّا رَأيْتُ مَهابَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلَيْهِ وقُلْتُ المَرْءُ مِن آلِ هاشِمِ
وقالَ آخَرُ:
؎ وظَلَلْتُ فِيها واقِفًا أتَوَسَّمُ
وقالَ آخَرُ:
؎ إنِّي تَوَسَّمْتُ فِيكَ الخَيْرَ نافِلَةً
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّها" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَةِ المُهْلَكَةِ، أيْ: أنَّها في طَرِيقٍ ظاهِرٍ لِلْمُعْتَبِرِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الآياتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحِجارَةِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلُ ما رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: « "إنَّ حِجارَةَ العَذابِ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ مُنْذُ ألْفَيْ سَنَةٍ لِعُصاةِ أُمَّتِي".» وقَوْلُهُ: "لَآيَةً" أيْ أمارَةً وعَلامَةً، كَما تَقُولُ: آيَةٌ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ كَذا وكَذا.
الحجر 15:71
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
المَعْنى: وقَضَيْنا ذَلِكَ الأمْرَ، أيْ: أمْضَياهُ وحَتَّمْناهُ، ثُمَّ أدْخَلَ في الكَلامِ "إلَيْهِ" مِن حَيْثُ أوحى ذَلِكَ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ اللهُ بِهِ، فَجَلَبَ هَذا المَعْنى بِإيجازٍ، وحَذَفَ ما يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ. و"أنَّ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ الأخْفَشُ: هي بَدَلٌ مِن "ذَلِكَ"، وقالَ الفِراءَ: التَقْدِيرُ: "بِأنَّ دابِرَ" فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ، والأوَّلُ أصْوَبُ.
و"الدابِرُ": الَّذِي يَأْتِي آخِرَ القَوْمِ، أيْ في أدْبارِهِمْ، وإذا قُطِعَ ذَلِكَ وأُتِيَ عَلَيْهِ فَقَدْ أتى العَذابُ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، وهَذِهِ ألْفاظٌ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِئْصالِ والهَلاكِ التامِّ، يُقالُ: "قَطَعَ اللهُ دابِرَهُ"، و"اسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهُ"، و"أسْكَتَ نَأْمَتَهُ" بِمَعْنى. و"مُصْبِحِينَ" مَعْناهُ: إذا أصْبَحُوا ودَخَلُوا في الصَباحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى وصْفِ أمْرٍ جَرى قَبْلَ إعْلامِ لُوطٍ بِهَلاكِ أُمَّتِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ مُحاجَّةَ لُوطٍ لِقَوْمِهِ تَقْتَضِي ضَعْفَ مَن لَمْ يَعْلَمْ إهْلاكَهم وأنَّ الأضْيافَ مَلائِكَةٌ. ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: (p-٣٠٧)﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَلاكِهِمْ، وكانَ قَوْلُهم ما يَأْتِي مِنَ المُحاوَرَةِ عَلى جِهَةِ التَهَكُّمِ عنهُمْ، والإمْلاءِ لَهُمْ، والتَرَبُّصِ بِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والِاحْتِمالُ الأوَّلُ عِنْدِي أرْجَحُ، وهو الظاهِرُ مِن آياتِ غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ: "يَسْتَبْشِرُونَ" أيْ: بِالأضْيافِ طَمَعًا مِنهم في الفاحِشَةِ، والضَيْفُ مُصَدَرٌ وُصِفَ بِهِ فَهو يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾، رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَدْ تَقَدَّمُوا إلَيْهِ في ألّا يَضِيفَ أحَدًا ولا يُجِيرَهُ، لَأنَّهم لا يُراعُونَهُ ولا يَكُفُّونَ عن طَلَبِ الفاحِشَةِ فِيهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّ دابِرَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ وقُلْنا إنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ"، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَ الفاحِشَةَ مَعَ الغُرَباءِ ولا يَفْعَلُونَها بَعْضَهم بِبَعْضٍ، فَكانُوا يَعْتَرِضُونَ الطُرُقَ.
وقَوْلُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِهِ فَقِيلَ: أرادَ نِساءَ أُمَّتِهِ، لَأنَّ زَوْجاتِ النَبِيِّينَ أُمَّهاتُ الأُمَمِ وهو أبُوهُمْ، فالنِساءُ بَناتُهُ في الحُرْمَةِ، والمُرادُ بِالتَزْوِيجِ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أنْ يَكُونَ في شَرْعِهِ جَوازُ زَواجِ الكافِرِ لِلْمُؤْمِنَةِ، وقَدْ ورَدَ أنَّ المُؤْمِناتِ بِهِ قَلِيلٌ جِدًّا. وقِيلَ: إنَّما أرادَ بَناتِ صُلْبِهِ، ودَعا إلى التَزْوِيجِ أيْضًا، قالَهُ قَتادَةُ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أيْضًا ما لَزِمَ المُتَقَدِّمَ في تَرْتِيبِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ بَناتِ صُلْبِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، وهو لا يُحَقِّقُ في إباحَةِ بَناتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ تَراهُ يُرِيدُ قَتْلَ آخَرَ: اقْتُلْنِي ولا تَقْتُلْهُ، فَإنَّما ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَشْنِيعِ عَلَيْهِ، والِاسْتِنْزالِ مِن جِهَةٍ ما، واسْتِدْعاءِ الحَياءِ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ مِن مُبالَغَةِ القَوْلِ الَّذِي لا يَدْخُلُهُ مَعْنى الكَذِبِ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ مَفْهُومٌ، وعَلَيْهِ قَوْلُ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: « "وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطاةٍ"،» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ.
و"العَمْرُ" و"العُمْرُ" بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها واحِدٌ، وهُما عُمْرُ الحَياةِ ومُدَّتْها، ولا يُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ إلّا بِالفَتْحِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ شَرَفٌ لِمُحَمَّدٍ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَأنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ (p-٣٠٨)بِحَياتِهِ، ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ بَشَرٍ سِواهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والقَسَمُ بِـ "لَعَمْرُكَ" في القُرْآنِ وبِـ "لَعَمْرِي" ونَحْوَهُ في أشْعارِ العَرَبِ وفَصِيحِ كَلامِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ:
؎ لَعَمْرِي وما عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ لَعَمْرُ أبِيكَ ما نُسِبَ المُعَلّى
وكَقَوْلِ الآخَرِ:
؎ لَعَمْرُكَ إنَّ المَوْتَ ما أخْطَأ الفَتى ∗∗∗ ∗∗∗ لَكالطِوَلِ المُرْخى وثِنْياهُ بِاليَدِ
(p-٣٠٩)والعَرَبُ تَقُولُ: "لَعَمْرُ اللهِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَنِي رِضاها
وقالَ الأعْشى:
؎ ولَعَمْرُ مَن جَعْلَ الشُهُورَ عَلامَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فِينا فَبَيَّنَ نِصْفَها وكَمالها
وقالَ بَعْضُ أصْحابِ المَعانِي: لا يَجُوزُ هَذا لَأنَّهُ لا يُقالُ: لِلَّهِ تَعالى عُمْرٌ، وإنَّما يُقالُ: بَقاءٌ أزَلِيٌّ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وكَرِهَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: "لَعَمْرِي"، لَأنَّهُ حَلَفَ بِحَياةِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ مِن كَلامِ ضَعَفَةِ الرِجالِ، ونَحْوَ هَذا. وقَوْلُ مالِكٍ في (p-٣١٠)"لَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ" أنَّها لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْبَغِي أنْ تُصْرَفَ "لَعَمْرُكَ" في الكَلامِ اقْتِداءً بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"يَعْمَهُونَ" أيْ يَرْتَبِكُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، والضَمائِرُ في "سَكْرَتِهِمْ" يُرادُ بِها قَوْمُ لُوطٍ المَذْكُورُونَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ المُرادَ قُرَيْشٌ، وهَذا بَعِيدٌ لَأنَّهُ يَنْقَطِعُ مِمّا قَبْلَهُ ومِمّا بَعْدَهُ. وقَوْلُهُ:"فِي سَكْرَتِهِمْ" مَجازٌ وتَشْبِيهٌ، أيْ: في ضَلالَتِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ الحَقِّ ولَهْوِهِمْ، و"يَعْمَهُونَ" مَعْناهُ: يَتَرَدَّدُونَ في حَيْرَتِهِمْ، و"مُشْرِقِينَ" مَعْناهُ: قَدْ دَخَلُوا في الإشْراقِ، وهو سُطُوعُ ضَوْءِ الشَمْسِ وظُهُورُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وهَذِهِ الصَيْحَةُ هي صَيْحَةُ الوَجْبَةِ، ولَيْسَتْ كَصَيْحَةِ ثَمُودَ، وأُهْلِكُوا بَعْدَ الفَجْرِ مُصْبِحِينَ، واسْتَوْفاهُمُ الهَلاكُ مُشْرِقَيْنِ. وخَبَرُ قَوْلِهِ: "لَعَمْرُكَ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي أو يَمِينِي، وفي هَذا نَظَرٌ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَعَمْرُكَ"، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "لَفِي سُكْرَتِهِمْ" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "سَكَراتِهِمْ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لَفِي سُكْرِهِمْ" بِغَيْرِ تاءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الجَهْضَمِيِّ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ "فِي سَكْرَتِهِمْ".
ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَ المَدِينَةَ بِجَناحِهِ ورَفَعَها حَتّى سَمِعَتْ مَلائِكَةُ السَماءِ صُراخَ الدِيَكَةِ ونُباحَ الكِلابِ، ثُمَّ قَلَبَها وأرْسَلَ الكُلَّ، فَمَن سَقَطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن رَدْمِ المَدِينَةِ ماتَ، ومَن أفْلَتَ مِنهم أصابَتْهُ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ، و"سِجِّيلٍ" اسْمٌ مِن أسْماءِ سَماءِ الدُنْيا، وقِيلَ: هي لَفْظَةٌ فارِسِيَّةٌ، وهي الحِجارَةُ المَطْبُوخَةُ مِنَ الطِينِ كالآجُرِّ ونَحْوَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا.
و"المُتَوَسِّمُونَ" قالَ مُجاهِدٌ: المُتَفَرَّسُونَ، وقالَ الضِحاكُ: الناظِرُونَ، وقالَ قَتادَةُ: المُعْتَبِرُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لَها بِالمَعْنى، وإنَّما تَفْسِيرُها بِاللَفْظِ، فَإنَّ المَعانِيَ الَّتِي تَكُونُ في الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ يَلُوحُ عَلَيْهِ وسْمٌ عن تِلْكَ المَعانِي كالسُكُونِ والدِيانَةِ والهَيْبَةِ الَّتِي تَكُونُ عَنِ الخَيْرِ ونَحْوَ هَذا، فالمُتَوَسِّمُ هو الَّذِي يَنْظُرُ في وسْمِ المَعْنى لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى المَعْنى، وكَأنَّ مَعْصِيَةَ هَؤُلاءِ أبْقَتْ مِنَ العَذابِ والإهْلاكِ وسْمًا، فَمَن رَأى الوَسْمَ اسْتَدَلَّ عَلى المَعْصِيَةِ بِهِ، واقْتادَهُ (p-٣١١)النَظَرُ إلى تَجَنُّبِ المَعاصِي لِئَلّا يَنْزِلَ بِهِ ما نَزَلَ بِهِمْ، ومِنَ الشِعْرِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَوَسَّمْتُهُ لَمّا رَأيْتُ مَهابَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلَيْهِ وقُلْتُ المَرْءُ مِن آلِ هاشِمِ
وقالَ آخَرُ:
؎ وظَلَلْتُ فِيها واقِفًا أتَوَسَّمُ
وقالَ آخَرُ:
؎ إنِّي تَوَسَّمْتُ فِيكَ الخَيْرَ نافِلَةً
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّها" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَةِ المُهْلَكَةِ، أيْ: أنَّها في طَرِيقٍ ظاهِرٍ لِلْمُعْتَبِرِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الآياتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحِجارَةِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلُ ما رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: « "إنَّ حِجارَةَ العَذابِ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ مُنْذُ ألْفَيْ سَنَةٍ لِعُصاةِ أُمَّتِي".» وقَوْلُهُ: "لَآيَةً" أيْ أمارَةً وعَلامَةً، كَما تَقُولُ: آيَةٌ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ كَذا وكَذا.
الحجر 15:72
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
المَعْنى: وقَضَيْنا ذَلِكَ الأمْرَ، أيْ: أمْضَياهُ وحَتَّمْناهُ، ثُمَّ أدْخَلَ في الكَلامِ "إلَيْهِ" مِن حَيْثُ أوحى ذَلِكَ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ اللهُ بِهِ، فَجَلَبَ هَذا المَعْنى بِإيجازٍ، وحَذَفَ ما يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ. و"أنَّ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ الأخْفَشُ: هي بَدَلٌ مِن "ذَلِكَ"، وقالَ الفِراءَ: التَقْدِيرُ: "بِأنَّ دابِرَ" فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ، والأوَّلُ أصْوَبُ.
و"الدابِرُ": الَّذِي يَأْتِي آخِرَ القَوْمِ، أيْ في أدْبارِهِمْ، وإذا قُطِعَ ذَلِكَ وأُتِيَ عَلَيْهِ فَقَدْ أتى العَذابُ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، وهَذِهِ ألْفاظٌ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِئْصالِ والهَلاكِ التامِّ، يُقالُ: "قَطَعَ اللهُ دابِرَهُ"، و"اسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهُ"، و"أسْكَتَ نَأْمَتَهُ" بِمَعْنى. و"مُصْبِحِينَ" مَعْناهُ: إذا أصْبَحُوا ودَخَلُوا في الصَباحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى وصْفِ أمْرٍ جَرى قَبْلَ إعْلامِ لُوطٍ بِهَلاكِ أُمَّتِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ مُحاجَّةَ لُوطٍ لِقَوْمِهِ تَقْتَضِي ضَعْفَ مَن لَمْ يَعْلَمْ إهْلاكَهم وأنَّ الأضْيافَ مَلائِكَةٌ. ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: (p-٣٠٧)﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَلاكِهِمْ، وكانَ قَوْلُهم ما يَأْتِي مِنَ المُحاوَرَةِ عَلى جِهَةِ التَهَكُّمِ عنهُمْ، والإمْلاءِ لَهُمْ، والتَرَبُّصِ بِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والِاحْتِمالُ الأوَّلُ عِنْدِي أرْجَحُ، وهو الظاهِرُ مِن آياتِ غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ: "يَسْتَبْشِرُونَ" أيْ: بِالأضْيافِ طَمَعًا مِنهم في الفاحِشَةِ، والضَيْفُ مُصَدَرٌ وُصِفَ بِهِ فَهو يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾، رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَدْ تَقَدَّمُوا إلَيْهِ في ألّا يَضِيفَ أحَدًا ولا يُجِيرَهُ، لَأنَّهم لا يُراعُونَهُ ولا يَكُفُّونَ عن طَلَبِ الفاحِشَةِ فِيهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّ دابِرَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ وقُلْنا إنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ"، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَ الفاحِشَةَ مَعَ الغُرَباءِ ولا يَفْعَلُونَها بَعْضَهم بِبَعْضٍ، فَكانُوا يَعْتَرِضُونَ الطُرُقَ.
وقَوْلُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِهِ فَقِيلَ: أرادَ نِساءَ أُمَّتِهِ، لَأنَّ زَوْجاتِ النَبِيِّينَ أُمَّهاتُ الأُمَمِ وهو أبُوهُمْ، فالنِساءُ بَناتُهُ في الحُرْمَةِ، والمُرادُ بِالتَزْوِيجِ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أنْ يَكُونَ في شَرْعِهِ جَوازُ زَواجِ الكافِرِ لِلْمُؤْمِنَةِ، وقَدْ ورَدَ أنَّ المُؤْمِناتِ بِهِ قَلِيلٌ جِدًّا. وقِيلَ: إنَّما أرادَ بَناتِ صُلْبِهِ، ودَعا إلى التَزْوِيجِ أيْضًا، قالَهُ قَتادَةُ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أيْضًا ما لَزِمَ المُتَقَدِّمَ في تَرْتِيبِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ بَناتِ صُلْبِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، وهو لا يُحَقِّقُ في إباحَةِ بَناتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ تَراهُ يُرِيدُ قَتْلَ آخَرَ: اقْتُلْنِي ولا تَقْتُلْهُ، فَإنَّما ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَشْنِيعِ عَلَيْهِ، والِاسْتِنْزالِ مِن جِهَةٍ ما، واسْتِدْعاءِ الحَياءِ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ مِن مُبالَغَةِ القَوْلِ الَّذِي لا يَدْخُلُهُ مَعْنى الكَذِبِ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ مَفْهُومٌ، وعَلَيْهِ قَوْلُ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: « "وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطاةٍ"،» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ.
و"العَمْرُ" و"العُمْرُ" بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها واحِدٌ، وهُما عُمْرُ الحَياةِ ومُدَّتْها، ولا يُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ إلّا بِالفَتْحِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ شَرَفٌ لِمُحَمَّدٍ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَأنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ (p-٣٠٨)بِحَياتِهِ، ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ بَشَرٍ سِواهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والقَسَمُ بِـ "لَعَمْرُكَ" في القُرْآنِ وبِـ "لَعَمْرِي" ونَحْوَهُ في أشْعارِ العَرَبِ وفَصِيحِ كَلامِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ:
؎ لَعَمْرِي وما عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ لَعَمْرُ أبِيكَ ما نُسِبَ المُعَلّى
وكَقَوْلِ الآخَرِ:
؎ لَعَمْرُكَ إنَّ المَوْتَ ما أخْطَأ الفَتى ∗∗∗ ∗∗∗ لَكالطِوَلِ المُرْخى وثِنْياهُ بِاليَدِ
(p-٣٠٩)والعَرَبُ تَقُولُ: "لَعَمْرُ اللهِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَنِي رِضاها
وقالَ الأعْشى:
؎ ولَعَمْرُ مَن جَعْلَ الشُهُورَ عَلامَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فِينا فَبَيَّنَ نِصْفَها وكَمالها
وقالَ بَعْضُ أصْحابِ المَعانِي: لا يَجُوزُ هَذا لَأنَّهُ لا يُقالُ: لِلَّهِ تَعالى عُمْرٌ، وإنَّما يُقالُ: بَقاءٌ أزَلِيٌّ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وكَرِهَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: "لَعَمْرِي"، لَأنَّهُ حَلَفَ بِحَياةِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ مِن كَلامِ ضَعَفَةِ الرِجالِ، ونَحْوَ هَذا. وقَوْلُ مالِكٍ في (p-٣١٠)"لَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ" أنَّها لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْبَغِي أنْ تُصْرَفَ "لَعَمْرُكَ" في الكَلامِ اقْتِداءً بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"يَعْمَهُونَ" أيْ يَرْتَبِكُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، والضَمائِرُ في "سَكْرَتِهِمْ" يُرادُ بِها قَوْمُ لُوطٍ المَذْكُورُونَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ المُرادَ قُرَيْشٌ، وهَذا بَعِيدٌ لَأنَّهُ يَنْقَطِعُ مِمّا قَبْلَهُ ومِمّا بَعْدَهُ. وقَوْلُهُ:"فِي سَكْرَتِهِمْ" مَجازٌ وتَشْبِيهٌ، أيْ: في ضَلالَتِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ الحَقِّ ولَهْوِهِمْ، و"يَعْمَهُونَ" مَعْناهُ: يَتَرَدَّدُونَ في حَيْرَتِهِمْ، و"مُشْرِقِينَ" مَعْناهُ: قَدْ دَخَلُوا في الإشْراقِ، وهو سُطُوعُ ضَوْءِ الشَمْسِ وظُهُورُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وهَذِهِ الصَيْحَةُ هي صَيْحَةُ الوَجْبَةِ، ولَيْسَتْ كَصَيْحَةِ ثَمُودَ، وأُهْلِكُوا بَعْدَ الفَجْرِ مُصْبِحِينَ، واسْتَوْفاهُمُ الهَلاكُ مُشْرِقَيْنِ. وخَبَرُ قَوْلِهِ: "لَعَمْرُكَ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي أو يَمِينِي، وفي هَذا نَظَرٌ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَعَمْرُكَ"، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "لَفِي سُكْرَتِهِمْ" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "سَكَراتِهِمْ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لَفِي سُكْرِهِمْ" بِغَيْرِ تاءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الجَهْضَمِيِّ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ "فِي سَكْرَتِهِمْ".
ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَ المَدِينَةَ بِجَناحِهِ ورَفَعَها حَتّى سَمِعَتْ مَلائِكَةُ السَماءِ صُراخَ الدِيَكَةِ ونُباحَ الكِلابِ، ثُمَّ قَلَبَها وأرْسَلَ الكُلَّ، فَمَن سَقَطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن رَدْمِ المَدِينَةِ ماتَ، ومَن أفْلَتَ مِنهم أصابَتْهُ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ، و"سِجِّيلٍ" اسْمٌ مِن أسْماءِ سَماءِ الدُنْيا، وقِيلَ: هي لَفْظَةٌ فارِسِيَّةٌ، وهي الحِجارَةُ المَطْبُوخَةُ مِنَ الطِينِ كالآجُرِّ ونَحْوَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا.
و"المُتَوَسِّمُونَ" قالَ مُجاهِدٌ: المُتَفَرَّسُونَ، وقالَ الضِحاكُ: الناظِرُونَ، وقالَ قَتادَةُ: المُعْتَبِرُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لَها بِالمَعْنى، وإنَّما تَفْسِيرُها بِاللَفْظِ، فَإنَّ المَعانِيَ الَّتِي تَكُونُ في الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ يَلُوحُ عَلَيْهِ وسْمٌ عن تِلْكَ المَعانِي كالسُكُونِ والدِيانَةِ والهَيْبَةِ الَّتِي تَكُونُ عَنِ الخَيْرِ ونَحْوَ هَذا، فالمُتَوَسِّمُ هو الَّذِي يَنْظُرُ في وسْمِ المَعْنى لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى المَعْنى، وكَأنَّ مَعْصِيَةَ هَؤُلاءِ أبْقَتْ مِنَ العَذابِ والإهْلاكِ وسْمًا، فَمَن رَأى الوَسْمَ اسْتَدَلَّ عَلى المَعْصِيَةِ بِهِ، واقْتادَهُ (p-٣١١)النَظَرُ إلى تَجَنُّبِ المَعاصِي لِئَلّا يَنْزِلَ بِهِ ما نَزَلَ بِهِمْ، ومِنَ الشِعْرِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَوَسَّمْتُهُ لَمّا رَأيْتُ مَهابَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلَيْهِ وقُلْتُ المَرْءُ مِن آلِ هاشِمِ
وقالَ آخَرُ:
؎ وظَلَلْتُ فِيها واقِفًا أتَوَسَّمُ
وقالَ آخَرُ:
؎ إنِّي تَوَسَّمْتُ فِيكَ الخَيْرَ نافِلَةً
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّها" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَةِ المُهْلَكَةِ، أيْ: أنَّها في طَرِيقٍ ظاهِرٍ لِلْمُعْتَبِرِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الآياتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحِجارَةِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلُ ما رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: « "إنَّ حِجارَةَ العَذابِ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ مُنْذُ ألْفَيْ سَنَةٍ لِعُصاةِ أُمَّتِي".» وقَوْلُهُ: "لَآيَةً" أيْ أمارَةً وعَلامَةً، كَما تَقُولُ: آيَةٌ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ كَذا وكَذا.
الحجر 15:73
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
المَعْنى: وقَضَيْنا ذَلِكَ الأمْرَ، أيْ: أمْضَياهُ وحَتَّمْناهُ، ثُمَّ أدْخَلَ في الكَلامِ "إلَيْهِ" مِن حَيْثُ أوحى ذَلِكَ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ اللهُ بِهِ، فَجَلَبَ هَذا المَعْنى بِإيجازٍ، وحَذَفَ ما يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ. و"أنَّ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ الأخْفَشُ: هي بَدَلٌ مِن "ذَلِكَ"، وقالَ الفِراءَ: التَقْدِيرُ: "بِأنَّ دابِرَ" فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ، والأوَّلُ أصْوَبُ.
و"الدابِرُ": الَّذِي يَأْتِي آخِرَ القَوْمِ، أيْ في أدْبارِهِمْ، وإذا قُطِعَ ذَلِكَ وأُتِيَ عَلَيْهِ فَقَدْ أتى العَذابُ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، وهَذِهِ ألْفاظٌ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِئْصالِ والهَلاكِ التامِّ، يُقالُ: "قَطَعَ اللهُ دابِرَهُ"، و"اسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهُ"، و"أسْكَتَ نَأْمَتَهُ" بِمَعْنى. و"مُصْبِحِينَ" مَعْناهُ: إذا أصْبَحُوا ودَخَلُوا في الصَباحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى وصْفِ أمْرٍ جَرى قَبْلَ إعْلامِ لُوطٍ بِهَلاكِ أُمَّتِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ مُحاجَّةَ لُوطٍ لِقَوْمِهِ تَقْتَضِي ضَعْفَ مَن لَمْ يَعْلَمْ إهْلاكَهم وأنَّ الأضْيافَ مَلائِكَةٌ. ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: (p-٣٠٧)﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَلاكِهِمْ، وكانَ قَوْلُهم ما يَأْتِي مِنَ المُحاوَرَةِ عَلى جِهَةِ التَهَكُّمِ عنهُمْ، والإمْلاءِ لَهُمْ، والتَرَبُّصِ بِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والِاحْتِمالُ الأوَّلُ عِنْدِي أرْجَحُ، وهو الظاهِرُ مِن آياتِ غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ: "يَسْتَبْشِرُونَ" أيْ: بِالأضْيافِ طَمَعًا مِنهم في الفاحِشَةِ، والضَيْفُ مُصَدَرٌ وُصِفَ بِهِ فَهو يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾، رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَدْ تَقَدَّمُوا إلَيْهِ في ألّا يَضِيفَ أحَدًا ولا يُجِيرَهُ، لَأنَّهم لا يُراعُونَهُ ولا يَكُفُّونَ عن طَلَبِ الفاحِشَةِ فِيهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّ دابِرَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ وقُلْنا إنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ"، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَ الفاحِشَةَ مَعَ الغُرَباءِ ولا يَفْعَلُونَها بَعْضَهم بِبَعْضٍ، فَكانُوا يَعْتَرِضُونَ الطُرُقَ.
وقَوْلُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِهِ فَقِيلَ: أرادَ نِساءَ أُمَّتِهِ، لَأنَّ زَوْجاتِ النَبِيِّينَ أُمَّهاتُ الأُمَمِ وهو أبُوهُمْ، فالنِساءُ بَناتُهُ في الحُرْمَةِ، والمُرادُ بِالتَزْوِيجِ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أنْ يَكُونَ في شَرْعِهِ جَوازُ زَواجِ الكافِرِ لِلْمُؤْمِنَةِ، وقَدْ ورَدَ أنَّ المُؤْمِناتِ بِهِ قَلِيلٌ جِدًّا. وقِيلَ: إنَّما أرادَ بَناتِ صُلْبِهِ، ودَعا إلى التَزْوِيجِ أيْضًا، قالَهُ قَتادَةُ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أيْضًا ما لَزِمَ المُتَقَدِّمَ في تَرْتِيبِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ بَناتِ صُلْبِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، وهو لا يُحَقِّقُ في إباحَةِ بَناتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ تَراهُ يُرِيدُ قَتْلَ آخَرَ: اقْتُلْنِي ولا تَقْتُلْهُ، فَإنَّما ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَشْنِيعِ عَلَيْهِ، والِاسْتِنْزالِ مِن جِهَةٍ ما، واسْتِدْعاءِ الحَياءِ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ مِن مُبالَغَةِ القَوْلِ الَّذِي لا يَدْخُلُهُ مَعْنى الكَذِبِ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ مَفْهُومٌ، وعَلَيْهِ قَوْلُ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: « "وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطاةٍ"،» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ.
و"العَمْرُ" و"العُمْرُ" بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها واحِدٌ، وهُما عُمْرُ الحَياةِ ومُدَّتْها، ولا يُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ إلّا بِالفَتْحِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ شَرَفٌ لِمُحَمَّدٍ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَأنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ (p-٣٠٨)بِحَياتِهِ، ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ بَشَرٍ سِواهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والقَسَمُ بِـ "لَعَمْرُكَ" في القُرْآنِ وبِـ "لَعَمْرِي" ونَحْوَهُ في أشْعارِ العَرَبِ وفَصِيحِ كَلامِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ:
؎ لَعَمْرِي وما عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ لَعَمْرُ أبِيكَ ما نُسِبَ المُعَلّى
وكَقَوْلِ الآخَرِ:
؎ لَعَمْرُكَ إنَّ المَوْتَ ما أخْطَأ الفَتى ∗∗∗ ∗∗∗ لَكالطِوَلِ المُرْخى وثِنْياهُ بِاليَدِ
(p-٣٠٩)والعَرَبُ تَقُولُ: "لَعَمْرُ اللهِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَنِي رِضاها
وقالَ الأعْشى:
؎ ولَعَمْرُ مَن جَعْلَ الشُهُورَ عَلامَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فِينا فَبَيَّنَ نِصْفَها وكَمالها
وقالَ بَعْضُ أصْحابِ المَعانِي: لا يَجُوزُ هَذا لَأنَّهُ لا يُقالُ: لِلَّهِ تَعالى عُمْرٌ، وإنَّما يُقالُ: بَقاءٌ أزَلِيٌّ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وكَرِهَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: "لَعَمْرِي"، لَأنَّهُ حَلَفَ بِحَياةِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ مِن كَلامِ ضَعَفَةِ الرِجالِ، ونَحْوَ هَذا. وقَوْلُ مالِكٍ في (p-٣١٠)"لَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ" أنَّها لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْبَغِي أنْ تُصْرَفَ "لَعَمْرُكَ" في الكَلامِ اقْتِداءً بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"يَعْمَهُونَ" أيْ يَرْتَبِكُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، والضَمائِرُ في "سَكْرَتِهِمْ" يُرادُ بِها قَوْمُ لُوطٍ المَذْكُورُونَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ المُرادَ قُرَيْشٌ، وهَذا بَعِيدٌ لَأنَّهُ يَنْقَطِعُ مِمّا قَبْلَهُ ومِمّا بَعْدَهُ. وقَوْلُهُ:"فِي سَكْرَتِهِمْ" مَجازٌ وتَشْبِيهٌ، أيْ: في ضَلالَتِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ الحَقِّ ولَهْوِهِمْ، و"يَعْمَهُونَ" مَعْناهُ: يَتَرَدَّدُونَ في حَيْرَتِهِمْ، و"مُشْرِقِينَ" مَعْناهُ: قَدْ دَخَلُوا في الإشْراقِ، وهو سُطُوعُ ضَوْءِ الشَمْسِ وظُهُورُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وهَذِهِ الصَيْحَةُ هي صَيْحَةُ الوَجْبَةِ، ولَيْسَتْ كَصَيْحَةِ ثَمُودَ، وأُهْلِكُوا بَعْدَ الفَجْرِ مُصْبِحِينَ، واسْتَوْفاهُمُ الهَلاكُ مُشْرِقَيْنِ. وخَبَرُ قَوْلِهِ: "لَعَمْرُكَ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي أو يَمِينِي، وفي هَذا نَظَرٌ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَعَمْرُكَ"، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "لَفِي سُكْرَتِهِمْ" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "سَكَراتِهِمْ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لَفِي سُكْرِهِمْ" بِغَيْرِ تاءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الجَهْضَمِيِّ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ "فِي سَكْرَتِهِمْ".
ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَ المَدِينَةَ بِجَناحِهِ ورَفَعَها حَتّى سَمِعَتْ مَلائِكَةُ السَماءِ صُراخَ الدِيَكَةِ ونُباحَ الكِلابِ، ثُمَّ قَلَبَها وأرْسَلَ الكُلَّ، فَمَن سَقَطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن رَدْمِ المَدِينَةِ ماتَ، ومَن أفْلَتَ مِنهم أصابَتْهُ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ، و"سِجِّيلٍ" اسْمٌ مِن أسْماءِ سَماءِ الدُنْيا، وقِيلَ: هي لَفْظَةٌ فارِسِيَّةٌ، وهي الحِجارَةُ المَطْبُوخَةُ مِنَ الطِينِ كالآجُرِّ ونَحْوَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا.
و"المُتَوَسِّمُونَ" قالَ مُجاهِدٌ: المُتَفَرَّسُونَ، وقالَ الضِحاكُ: الناظِرُونَ، وقالَ قَتادَةُ: المُعْتَبِرُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لَها بِالمَعْنى، وإنَّما تَفْسِيرُها بِاللَفْظِ، فَإنَّ المَعانِيَ الَّتِي تَكُونُ في الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ يَلُوحُ عَلَيْهِ وسْمٌ عن تِلْكَ المَعانِي كالسُكُونِ والدِيانَةِ والهَيْبَةِ الَّتِي تَكُونُ عَنِ الخَيْرِ ونَحْوَ هَذا، فالمُتَوَسِّمُ هو الَّذِي يَنْظُرُ في وسْمِ المَعْنى لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى المَعْنى، وكَأنَّ مَعْصِيَةَ هَؤُلاءِ أبْقَتْ مِنَ العَذابِ والإهْلاكِ وسْمًا، فَمَن رَأى الوَسْمَ اسْتَدَلَّ عَلى المَعْصِيَةِ بِهِ، واقْتادَهُ (p-٣١١)النَظَرُ إلى تَجَنُّبِ المَعاصِي لِئَلّا يَنْزِلَ بِهِ ما نَزَلَ بِهِمْ، ومِنَ الشِعْرِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَوَسَّمْتُهُ لَمّا رَأيْتُ مَهابَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلَيْهِ وقُلْتُ المَرْءُ مِن آلِ هاشِمِ
وقالَ آخَرُ:
؎ وظَلَلْتُ فِيها واقِفًا أتَوَسَّمُ
وقالَ آخَرُ:
؎ إنِّي تَوَسَّمْتُ فِيكَ الخَيْرَ نافِلَةً
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّها" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَةِ المُهْلَكَةِ، أيْ: أنَّها في طَرِيقٍ ظاهِرٍ لِلْمُعْتَبِرِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الآياتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحِجارَةِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلُ ما رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: « "إنَّ حِجارَةَ العَذابِ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ مُنْذُ ألْفَيْ سَنَةٍ لِعُصاةِ أُمَّتِي".» وقَوْلُهُ: "لَآيَةً" أيْ أمارَةً وعَلامَةً، كَما تَقُولُ: آيَةٌ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ كَذا وكَذا.
الحجر 15:74
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
المَعْنى: وقَضَيْنا ذَلِكَ الأمْرَ، أيْ: أمْضَياهُ وحَتَّمْناهُ، ثُمَّ أدْخَلَ في الكَلامِ "إلَيْهِ" مِن حَيْثُ أوحى ذَلِكَ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ اللهُ بِهِ، فَجَلَبَ هَذا المَعْنى بِإيجازٍ، وحَذَفَ ما يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ. و"أنَّ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ الأخْفَشُ: هي بَدَلٌ مِن "ذَلِكَ"، وقالَ الفِراءَ: التَقْدِيرُ: "بِأنَّ دابِرَ" فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ، والأوَّلُ أصْوَبُ.
و"الدابِرُ": الَّذِي يَأْتِي آخِرَ القَوْمِ، أيْ في أدْبارِهِمْ، وإذا قُطِعَ ذَلِكَ وأُتِيَ عَلَيْهِ فَقَدْ أتى العَذابُ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، وهَذِهِ ألْفاظٌ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِئْصالِ والهَلاكِ التامِّ، يُقالُ: "قَطَعَ اللهُ دابِرَهُ"، و"اسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهُ"، و"أسْكَتَ نَأْمَتَهُ" بِمَعْنى. و"مُصْبِحِينَ" مَعْناهُ: إذا أصْبَحُوا ودَخَلُوا في الصَباحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى وصْفِ أمْرٍ جَرى قَبْلَ إعْلامِ لُوطٍ بِهَلاكِ أُمَّتِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ مُحاجَّةَ لُوطٍ لِقَوْمِهِ تَقْتَضِي ضَعْفَ مَن لَمْ يَعْلَمْ إهْلاكَهم وأنَّ الأضْيافَ مَلائِكَةٌ. ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: (p-٣٠٧)﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَلاكِهِمْ، وكانَ قَوْلُهم ما يَأْتِي مِنَ المُحاوَرَةِ عَلى جِهَةِ التَهَكُّمِ عنهُمْ، والإمْلاءِ لَهُمْ، والتَرَبُّصِ بِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والِاحْتِمالُ الأوَّلُ عِنْدِي أرْجَحُ، وهو الظاهِرُ مِن آياتِ غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ: "يَسْتَبْشِرُونَ" أيْ: بِالأضْيافِ طَمَعًا مِنهم في الفاحِشَةِ، والضَيْفُ مُصَدَرٌ وُصِفَ بِهِ فَهو يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾، رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَدْ تَقَدَّمُوا إلَيْهِ في ألّا يَضِيفَ أحَدًا ولا يُجِيرَهُ، لَأنَّهم لا يُراعُونَهُ ولا يَكُفُّونَ عن طَلَبِ الفاحِشَةِ فِيهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّ دابِرَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ وقُلْنا إنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ"، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَ الفاحِشَةَ مَعَ الغُرَباءِ ولا يَفْعَلُونَها بَعْضَهم بِبَعْضٍ، فَكانُوا يَعْتَرِضُونَ الطُرُقَ.
وقَوْلُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِهِ فَقِيلَ: أرادَ نِساءَ أُمَّتِهِ، لَأنَّ زَوْجاتِ النَبِيِّينَ أُمَّهاتُ الأُمَمِ وهو أبُوهُمْ، فالنِساءُ بَناتُهُ في الحُرْمَةِ، والمُرادُ بِالتَزْوِيجِ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أنْ يَكُونَ في شَرْعِهِ جَوازُ زَواجِ الكافِرِ لِلْمُؤْمِنَةِ، وقَدْ ورَدَ أنَّ المُؤْمِناتِ بِهِ قَلِيلٌ جِدًّا. وقِيلَ: إنَّما أرادَ بَناتِ صُلْبِهِ، ودَعا إلى التَزْوِيجِ أيْضًا، قالَهُ قَتادَةُ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أيْضًا ما لَزِمَ المُتَقَدِّمَ في تَرْتِيبِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ بَناتِ صُلْبِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، وهو لا يُحَقِّقُ في إباحَةِ بَناتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ تَراهُ يُرِيدُ قَتْلَ آخَرَ: اقْتُلْنِي ولا تَقْتُلْهُ، فَإنَّما ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَشْنِيعِ عَلَيْهِ، والِاسْتِنْزالِ مِن جِهَةٍ ما، واسْتِدْعاءِ الحَياءِ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ مِن مُبالَغَةِ القَوْلِ الَّذِي لا يَدْخُلُهُ مَعْنى الكَذِبِ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ مَفْهُومٌ، وعَلَيْهِ قَوْلُ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: « "وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطاةٍ"،» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ.
و"العَمْرُ" و"العُمْرُ" بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها واحِدٌ، وهُما عُمْرُ الحَياةِ ومُدَّتْها، ولا يُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ إلّا بِالفَتْحِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ شَرَفٌ لِمُحَمَّدٍ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَأنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ (p-٣٠٨)بِحَياتِهِ، ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ بَشَرٍ سِواهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والقَسَمُ بِـ "لَعَمْرُكَ" في القُرْآنِ وبِـ "لَعَمْرِي" ونَحْوَهُ في أشْعارِ العَرَبِ وفَصِيحِ كَلامِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ:
؎ لَعَمْرِي وما عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ لَعَمْرُ أبِيكَ ما نُسِبَ المُعَلّى
وكَقَوْلِ الآخَرِ:
؎ لَعَمْرُكَ إنَّ المَوْتَ ما أخْطَأ الفَتى ∗∗∗ ∗∗∗ لَكالطِوَلِ المُرْخى وثِنْياهُ بِاليَدِ
(p-٣٠٩)والعَرَبُ تَقُولُ: "لَعَمْرُ اللهِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَنِي رِضاها
وقالَ الأعْشى:
؎ ولَعَمْرُ مَن جَعْلَ الشُهُورَ عَلامَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فِينا فَبَيَّنَ نِصْفَها وكَمالها
وقالَ بَعْضُ أصْحابِ المَعانِي: لا يَجُوزُ هَذا لَأنَّهُ لا يُقالُ: لِلَّهِ تَعالى عُمْرٌ، وإنَّما يُقالُ: بَقاءٌ أزَلِيٌّ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وكَرِهَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: "لَعَمْرِي"، لَأنَّهُ حَلَفَ بِحَياةِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ مِن كَلامِ ضَعَفَةِ الرِجالِ، ونَحْوَ هَذا. وقَوْلُ مالِكٍ في (p-٣١٠)"لَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ" أنَّها لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْبَغِي أنْ تُصْرَفَ "لَعَمْرُكَ" في الكَلامِ اقْتِداءً بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"يَعْمَهُونَ" أيْ يَرْتَبِكُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، والضَمائِرُ في "سَكْرَتِهِمْ" يُرادُ بِها قَوْمُ لُوطٍ المَذْكُورُونَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ المُرادَ قُرَيْشٌ، وهَذا بَعِيدٌ لَأنَّهُ يَنْقَطِعُ مِمّا قَبْلَهُ ومِمّا بَعْدَهُ. وقَوْلُهُ:"فِي سَكْرَتِهِمْ" مَجازٌ وتَشْبِيهٌ، أيْ: في ضَلالَتِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ الحَقِّ ولَهْوِهِمْ، و"يَعْمَهُونَ" مَعْناهُ: يَتَرَدَّدُونَ في حَيْرَتِهِمْ، و"مُشْرِقِينَ" مَعْناهُ: قَدْ دَخَلُوا في الإشْراقِ، وهو سُطُوعُ ضَوْءِ الشَمْسِ وظُهُورُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وهَذِهِ الصَيْحَةُ هي صَيْحَةُ الوَجْبَةِ، ولَيْسَتْ كَصَيْحَةِ ثَمُودَ، وأُهْلِكُوا بَعْدَ الفَجْرِ مُصْبِحِينَ، واسْتَوْفاهُمُ الهَلاكُ مُشْرِقَيْنِ. وخَبَرُ قَوْلِهِ: "لَعَمْرُكَ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي أو يَمِينِي، وفي هَذا نَظَرٌ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَعَمْرُكَ"، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "لَفِي سُكْرَتِهِمْ" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "سَكَراتِهِمْ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لَفِي سُكْرِهِمْ" بِغَيْرِ تاءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الجَهْضَمِيِّ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ "فِي سَكْرَتِهِمْ".
ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَ المَدِينَةَ بِجَناحِهِ ورَفَعَها حَتّى سَمِعَتْ مَلائِكَةُ السَماءِ صُراخَ الدِيَكَةِ ونُباحَ الكِلابِ، ثُمَّ قَلَبَها وأرْسَلَ الكُلَّ، فَمَن سَقَطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن رَدْمِ المَدِينَةِ ماتَ، ومَن أفْلَتَ مِنهم أصابَتْهُ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ، و"سِجِّيلٍ" اسْمٌ مِن أسْماءِ سَماءِ الدُنْيا، وقِيلَ: هي لَفْظَةٌ فارِسِيَّةٌ، وهي الحِجارَةُ المَطْبُوخَةُ مِنَ الطِينِ كالآجُرِّ ونَحْوَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا.
و"المُتَوَسِّمُونَ" قالَ مُجاهِدٌ: المُتَفَرَّسُونَ، وقالَ الضِحاكُ: الناظِرُونَ، وقالَ قَتادَةُ: المُعْتَبِرُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لَها بِالمَعْنى، وإنَّما تَفْسِيرُها بِاللَفْظِ، فَإنَّ المَعانِيَ الَّتِي تَكُونُ في الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ يَلُوحُ عَلَيْهِ وسْمٌ عن تِلْكَ المَعانِي كالسُكُونِ والدِيانَةِ والهَيْبَةِ الَّتِي تَكُونُ عَنِ الخَيْرِ ونَحْوَ هَذا، فالمُتَوَسِّمُ هو الَّذِي يَنْظُرُ في وسْمِ المَعْنى لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى المَعْنى، وكَأنَّ مَعْصِيَةَ هَؤُلاءِ أبْقَتْ مِنَ العَذابِ والإهْلاكِ وسْمًا، فَمَن رَأى الوَسْمَ اسْتَدَلَّ عَلى المَعْصِيَةِ بِهِ، واقْتادَهُ (p-٣١١)النَظَرُ إلى تَجَنُّبِ المَعاصِي لِئَلّا يَنْزِلَ بِهِ ما نَزَلَ بِهِمْ، ومِنَ الشِعْرِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَوَسَّمْتُهُ لَمّا رَأيْتُ مَهابَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلَيْهِ وقُلْتُ المَرْءُ مِن آلِ هاشِمِ
وقالَ آخَرُ:
؎ وظَلَلْتُ فِيها واقِفًا أتَوَسَّمُ
وقالَ آخَرُ:
؎ إنِّي تَوَسَّمْتُ فِيكَ الخَيْرَ نافِلَةً
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّها" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَةِ المُهْلَكَةِ، أيْ: أنَّها في طَرِيقٍ ظاهِرٍ لِلْمُعْتَبِرِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الآياتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحِجارَةِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلُ ما رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: « "إنَّ حِجارَةَ العَذابِ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ مُنْذُ ألْفَيْ سَنَةٍ لِعُصاةِ أُمَّتِي".» وقَوْلُهُ: "لَآيَةً" أيْ أمارَةً وعَلامَةً، كَما تَقُولُ: آيَةٌ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ كَذا وكَذا.
الحجر 15:75
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
المَعْنى: وقَضَيْنا ذَلِكَ الأمْرَ، أيْ: أمْضَياهُ وحَتَّمْناهُ، ثُمَّ أدْخَلَ في الكَلامِ "إلَيْهِ" مِن حَيْثُ أوحى ذَلِكَ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ اللهُ بِهِ، فَجَلَبَ هَذا المَعْنى بِإيجازٍ، وحَذَفَ ما يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ. و"أنَّ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ الأخْفَشُ: هي بَدَلٌ مِن "ذَلِكَ"، وقالَ الفِراءَ: التَقْدِيرُ: "بِأنَّ دابِرَ" فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ، والأوَّلُ أصْوَبُ.
و"الدابِرُ": الَّذِي يَأْتِي آخِرَ القَوْمِ، أيْ في أدْبارِهِمْ، وإذا قُطِعَ ذَلِكَ وأُتِيَ عَلَيْهِ فَقَدْ أتى العَذابُ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، وهَذِهِ ألْفاظٌ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِئْصالِ والهَلاكِ التامِّ، يُقالُ: "قَطَعَ اللهُ دابِرَهُ"، و"اسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهُ"، و"أسْكَتَ نَأْمَتَهُ" بِمَعْنى. و"مُصْبِحِينَ" مَعْناهُ: إذا أصْبَحُوا ودَخَلُوا في الصَباحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى وصْفِ أمْرٍ جَرى قَبْلَ إعْلامِ لُوطٍ بِهَلاكِ أُمَّتِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ مُحاجَّةَ لُوطٍ لِقَوْمِهِ تَقْتَضِي ضَعْفَ مَن لَمْ يَعْلَمْ إهْلاكَهم وأنَّ الأضْيافَ مَلائِكَةٌ. ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: (p-٣٠٧)﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَلاكِهِمْ، وكانَ قَوْلُهم ما يَأْتِي مِنَ المُحاوَرَةِ عَلى جِهَةِ التَهَكُّمِ عنهُمْ، والإمْلاءِ لَهُمْ، والتَرَبُّصِ بِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والِاحْتِمالُ الأوَّلُ عِنْدِي أرْجَحُ، وهو الظاهِرُ مِن آياتِ غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ: "يَسْتَبْشِرُونَ" أيْ: بِالأضْيافِ طَمَعًا مِنهم في الفاحِشَةِ، والضَيْفُ مُصَدَرٌ وُصِفَ بِهِ فَهو يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾، رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَدْ تَقَدَّمُوا إلَيْهِ في ألّا يَضِيفَ أحَدًا ولا يُجِيرَهُ، لَأنَّهم لا يُراعُونَهُ ولا يَكُفُّونَ عن طَلَبِ الفاحِشَةِ فِيهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّ دابِرَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ وقُلْنا إنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ"، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَ الفاحِشَةَ مَعَ الغُرَباءِ ولا يَفْعَلُونَها بَعْضَهم بِبَعْضٍ، فَكانُوا يَعْتَرِضُونَ الطُرُقَ.
وقَوْلُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِهِ فَقِيلَ: أرادَ نِساءَ أُمَّتِهِ، لَأنَّ زَوْجاتِ النَبِيِّينَ أُمَّهاتُ الأُمَمِ وهو أبُوهُمْ، فالنِساءُ بَناتُهُ في الحُرْمَةِ، والمُرادُ بِالتَزْوِيجِ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أنْ يَكُونَ في شَرْعِهِ جَوازُ زَواجِ الكافِرِ لِلْمُؤْمِنَةِ، وقَدْ ورَدَ أنَّ المُؤْمِناتِ بِهِ قَلِيلٌ جِدًّا. وقِيلَ: إنَّما أرادَ بَناتِ صُلْبِهِ، ودَعا إلى التَزْوِيجِ أيْضًا، قالَهُ قَتادَةُ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أيْضًا ما لَزِمَ المُتَقَدِّمَ في تَرْتِيبِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ بَناتِ صُلْبِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، وهو لا يُحَقِّقُ في إباحَةِ بَناتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ تَراهُ يُرِيدُ قَتْلَ آخَرَ: اقْتُلْنِي ولا تَقْتُلْهُ، فَإنَّما ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَشْنِيعِ عَلَيْهِ، والِاسْتِنْزالِ مِن جِهَةٍ ما، واسْتِدْعاءِ الحَياءِ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ مِن مُبالَغَةِ القَوْلِ الَّذِي لا يَدْخُلُهُ مَعْنى الكَذِبِ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ مَفْهُومٌ، وعَلَيْهِ قَوْلُ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: « "وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطاةٍ"،» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ.
و"العَمْرُ" و"العُمْرُ" بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها واحِدٌ، وهُما عُمْرُ الحَياةِ ومُدَّتْها، ولا يُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ إلّا بِالفَتْحِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ شَرَفٌ لِمُحَمَّدٍ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَأنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ (p-٣٠٨)بِحَياتِهِ، ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ بَشَرٍ سِواهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والقَسَمُ بِـ "لَعَمْرُكَ" في القُرْآنِ وبِـ "لَعَمْرِي" ونَحْوَهُ في أشْعارِ العَرَبِ وفَصِيحِ كَلامِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ:
؎ لَعَمْرِي وما عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ لَعَمْرُ أبِيكَ ما نُسِبَ المُعَلّى
وكَقَوْلِ الآخَرِ:
؎ لَعَمْرُكَ إنَّ المَوْتَ ما أخْطَأ الفَتى ∗∗∗ ∗∗∗ لَكالطِوَلِ المُرْخى وثِنْياهُ بِاليَدِ
(p-٣٠٩)والعَرَبُ تَقُولُ: "لَعَمْرُ اللهِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَنِي رِضاها
وقالَ الأعْشى:
؎ ولَعَمْرُ مَن جَعْلَ الشُهُورَ عَلامَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فِينا فَبَيَّنَ نِصْفَها وكَمالها
وقالَ بَعْضُ أصْحابِ المَعانِي: لا يَجُوزُ هَذا لَأنَّهُ لا يُقالُ: لِلَّهِ تَعالى عُمْرٌ، وإنَّما يُقالُ: بَقاءٌ أزَلِيٌّ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وكَرِهَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: "لَعَمْرِي"، لَأنَّهُ حَلَفَ بِحَياةِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ مِن كَلامِ ضَعَفَةِ الرِجالِ، ونَحْوَ هَذا. وقَوْلُ مالِكٍ في (p-٣١٠)"لَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ" أنَّها لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْبَغِي أنْ تُصْرَفَ "لَعَمْرُكَ" في الكَلامِ اقْتِداءً بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"يَعْمَهُونَ" أيْ يَرْتَبِكُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، والضَمائِرُ في "سَكْرَتِهِمْ" يُرادُ بِها قَوْمُ لُوطٍ المَذْكُورُونَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ المُرادَ قُرَيْشٌ، وهَذا بَعِيدٌ لَأنَّهُ يَنْقَطِعُ مِمّا قَبْلَهُ ومِمّا بَعْدَهُ. وقَوْلُهُ:"فِي سَكْرَتِهِمْ" مَجازٌ وتَشْبِيهٌ، أيْ: في ضَلالَتِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ الحَقِّ ولَهْوِهِمْ، و"يَعْمَهُونَ" مَعْناهُ: يَتَرَدَّدُونَ في حَيْرَتِهِمْ، و"مُشْرِقِينَ" مَعْناهُ: قَدْ دَخَلُوا في الإشْراقِ، وهو سُطُوعُ ضَوْءِ الشَمْسِ وظُهُورُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وهَذِهِ الصَيْحَةُ هي صَيْحَةُ الوَجْبَةِ، ولَيْسَتْ كَصَيْحَةِ ثَمُودَ، وأُهْلِكُوا بَعْدَ الفَجْرِ مُصْبِحِينَ، واسْتَوْفاهُمُ الهَلاكُ مُشْرِقَيْنِ. وخَبَرُ قَوْلِهِ: "لَعَمْرُكَ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي أو يَمِينِي، وفي هَذا نَظَرٌ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَعَمْرُكَ"، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "لَفِي سُكْرَتِهِمْ" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "سَكَراتِهِمْ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لَفِي سُكْرِهِمْ" بِغَيْرِ تاءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الجَهْضَمِيِّ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ "فِي سَكْرَتِهِمْ".
ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَ المَدِينَةَ بِجَناحِهِ ورَفَعَها حَتّى سَمِعَتْ مَلائِكَةُ السَماءِ صُراخَ الدِيَكَةِ ونُباحَ الكِلابِ، ثُمَّ قَلَبَها وأرْسَلَ الكُلَّ، فَمَن سَقَطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن رَدْمِ المَدِينَةِ ماتَ، ومَن أفْلَتَ مِنهم أصابَتْهُ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ، و"سِجِّيلٍ" اسْمٌ مِن أسْماءِ سَماءِ الدُنْيا، وقِيلَ: هي لَفْظَةٌ فارِسِيَّةٌ، وهي الحِجارَةُ المَطْبُوخَةُ مِنَ الطِينِ كالآجُرِّ ونَحْوَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا.
و"المُتَوَسِّمُونَ" قالَ مُجاهِدٌ: المُتَفَرَّسُونَ، وقالَ الضِحاكُ: الناظِرُونَ، وقالَ قَتادَةُ: المُعْتَبِرُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لَها بِالمَعْنى، وإنَّما تَفْسِيرُها بِاللَفْظِ، فَإنَّ المَعانِيَ الَّتِي تَكُونُ في الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ يَلُوحُ عَلَيْهِ وسْمٌ عن تِلْكَ المَعانِي كالسُكُونِ والدِيانَةِ والهَيْبَةِ الَّتِي تَكُونُ عَنِ الخَيْرِ ونَحْوَ هَذا، فالمُتَوَسِّمُ هو الَّذِي يَنْظُرُ في وسْمِ المَعْنى لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى المَعْنى، وكَأنَّ مَعْصِيَةَ هَؤُلاءِ أبْقَتْ مِنَ العَذابِ والإهْلاكِ وسْمًا، فَمَن رَأى الوَسْمَ اسْتَدَلَّ عَلى المَعْصِيَةِ بِهِ، واقْتادَهُ (p-٣١١)النَظَرُ إلى تَجَنُّبِ المَعاصِي لِئَلّا يَنْزِلَ بِهِ ما نَزَلَ بِهِمْ، ومِنَ الشِعْرِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَوَسَّمْتُهُ لَمّا رَأيْتُ مَهابَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلَيْهِ وقُلْتُ المَرْءُ مِن آلِ هاشِمِ
وقالَ آخَرُ:
؎ وظَلَلْتُ فِيها واقِفًا أتَوَسَّمُ
وقالَ آخَرُ:
؎ إنِّي تَوَسَّمْتُ فِيكَ الخَيْرَ نافِلَةً
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّها" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَةِ المُهْلَكَةِ، أيْ: أنَّها في طَرِيقٍ ظاهِرٍ لِلْمُعْتَبِرِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الآياتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحِجارَةِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلُ ما رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: « "إنَّ حِجارَةَ العَذابِ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ مُنْذُ ألْفَيْ سَنَةٍ لِعُصاةِ أُمَّتِي".» وقَوْلُهُ: "لَآيَةً" أيْ أمارَةً وعَلامَةً، كَما تَقُولُ: آيَةٌ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ كَذا وكَذا.
الحجر 15:76
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
المَعْنى: وقَضَيْنا ذَلِكَ الأمْرَ، أيْ: أمْضَياهُ وحَتَّمْناهُ، ثُمَّ أدْخَلَ في الكَلامِ "إلَيْهِ" مِن حَيْثُ أوحى ذَلِكَ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ اللهُ بِهِ، فَجَلَبَ هَذا المَعْنى بِإيجازٍ، وحَذَفَ ما يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ. و"أنَّ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ الأخْفَشُ: هي بَدَلٌ مِن "ذَلِكَ"، وقالَ الفِراءَ: التَقْدِيرُ: "بِأنَّ دابِرَ" فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ، والأوَّلُ أصْوَبُ.
و"الدابِرُ": الَّذِي يَأْتِي آخِرَ القَوْمِ، أيْ في أدْبارِهِمْ، وإذا قُطِعَ ذَلِكَ وأُتِيَ عَلَيْهِ فَقَدْ أتى العَذابُ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، وهَذِهِ ألْفاظٌ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِئْصالِ والهَلاكِ التامِّ، يُقالُ: "قَطَعَ اللهُ دابِرَهُ"، و"اسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهُ"، و"أسْكَتَ نَأْمَتَهُ" بِمَعْنى. و"مُصْبِحِينَ" مَعْناهُ: إذا أصْبَحُوا ودَخَلُوا في الصَباحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى وصْفِ أمْرٍ جَرى قَبْلَ إعْلامِ لُوطٍ بِهَلاكِ أُمَّتِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ مُحاجَّةَ لُوطٍ لِقَوْمِهِ تَقْتَضِي ضَعْفَ مَن لَمْ يَعْلَمْ إهْلاكَهم وأنَّ الأضْيافَ مَلائِكَةٌ. ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: (p-٣٠٧)﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَلاكِهِمْ، وكانَ قَوْلُهم ما يَأْتِي مِنَ المُحاوَرَةِ عَلى جِهَةِ التَهَكُّمِ عنهُمْ، والإمْلاءِ لَهُمْ، والتَرَبُّصِ بِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والِاحْتِمالُ الأوَّلُ عِنْدِي أرْجَحُ، وهو الظاهِرُ مِن آياتِ غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ: "يَسْتَبْشِرُونَ" أيْ: بِالأضْيافِ طَمَعًا مِنهم في الفاحِشَةِ، والضَيْفُ مُصَدَرٌ وُصِفَ بِهِ فَهو يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾، رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَدْ تَقَدَّمُوا إلَيْهِ في ألّا يَضِيفَ أحَدًا ولا يُجِيرَهُ، لَأنَّهم لا يُراعُونَهُ ولا يَكُفُّونَ عن طَلَبِ الفاحِشَةِ فِيهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّ دابِرَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ وقُلْنا إنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ"، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَ الفاحِشَةَ مَعَ الغُرَباءِ ولا يَفْعَلُونَها بَعْضَهم بِبَعْضٍ، فَكانُوا يَعْتَرِضُونَ الطُرُقَ.
وقَوْلُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِهِ فَقِيلَ: أرادَ نِساءَ أُمَّتِهِ، لَأنَّ زَوْجاتِ النَبِيِّينَ أُمَّهاتُ الأُمَمِ وهو أبُوهُمْ، فالنِساءُ بَناتُهُ في الحُرْمَةِ، والمُرادُ بِالتَزْوِيجِ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أنْ يَكُونَ في شَرْعِهِ جَوازُ زَواجِ الكافِرِ لِلْمُؤْمِنَةِ، وقَدْ ورَدَ أنَّ المُؤْمِناتِ بِهِ قَلِيلٌ جِدًّا. وقِيلَ: إنَّما أرادَ بَناتِ صُلْبِهِ، ودَعا إلى التَزْوِيجِ أيْضًا، قالَهُ قَتادَةُ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أيْضًا ما لَزِمَ المُتَقَدِّمَ في تَرْتِيبِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ بَناتِ صُلْبِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، وهو لا يُحَقِّقُ في إباحَةِ بَناتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ تَراهُ يُرِيدُ قَتْلَ آخَرَ: اقْتُلْنِي ولا تَقْتُلْهُ، فَإنَّما ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَشْنِيعِ عَلَيْهِ، والِاسْتِنْزالِ مِن جِهَةٍ ما، واسْتِدْعاءِ الحَياءِ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ مِن مُبالَغَةِ القَوْلِ الَّذِي لا يَدْخُلُهُ مَعْنى الكَذِبِ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ مَفْهُومٌ، وعَلَيْهِ قَوْلُ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: « "وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطاةٍ"،» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ.
و"العَمْرُ" و"العُمْرُ" بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها واحِدٌ، وهُما عُمْرُ الحَياةِ ومُدَّتْها، ولا يُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ إلّا بِالفَتْحِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ شَرَفٌ لِمُحَمَّدٍ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَأنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ (p-٣٠٨)بِحَياتِهِ، ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ بَشَرٍ سِواهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والقَسَمُ بِـ "لَعَمْرُكَ" في القُرْآنِ وبِـ "لَعَمْرِي" ونَحْوَهُ في أشْعارِ العَرَبِ وفَصِيحِ كَلامِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ:
؎ لَعَمْرِي وما عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ لَعَمْرُ أبِيكَ ما نُسِبَ المُعَلّى
وكَقَوْلِ الآخَرِ:
؎ لَعَمْرُكَ إنَّ المَوْتَ ما أخْطَأ الفَتى ∗∗∗ ∗∗∗ لَكالطِوَلِ المُرْخى وثِنْياهُ بِاليَدِ
(p-٣٠٩)والعَرَبُ تَقُولُ: "لَعَمْرُ اللهِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَنِي رِضاها
وقالَ الأعْشى:
؎ ولَعَمْرُ مَن جَعْلَ الشُهُورَ عَلامَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فِينا فَبَيَّنَ نِصْفَها وكَمالها
وقالَ بَعْضُ أصْحابِ المَعانِي: لا يَجُوزُ هَذا لَأنَّهُ لا يُقالُ: لِلَّهِ تَعالى عُمْرٌ، وإنَّما يُقالُ: بَقاءٌ أزَلِيٌّ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وكَرِهَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: "لَعَمْرِي"، لَأنَّهُ حَلَفَ بِحَياةِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ مِن كَلامِ ضَعَفَةِ الرِجالِ، ونَحْوَ هَذا. وقَوْلُ مالِكٍ في (p-٣١٠)"لَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ" أنَّها لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْبَغِي أنْ تُصْرَفَ "لَعَمْرُكَ" في الكَلامِ اقْتِداءً بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"يَعْمَهُونَ" أيْ يَرْتَبِكُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، والضَمائِرُ في "سَكْرَتِهِمْ" يُرادُ بِها قَوْمُ لُوطٍ المَذْكُورُونَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ المُرادَ قُرَيْشٌ، وهَذا بَعِيدٌ لَأنَّهُ يَنْقَطِعُ مِمّا قَبْلَهُ ومِمّا بَعْدَهُ. وقَوْلُهُ:"فِي سَكْرَتِهِمْ" مَجازٌ وتَشْبِيهٌ، أيْ: في ضَلالَتِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ الحَقِّ ولَهْوِهِمْ، و"يَعْمَهُونَ" مَعْناهُ: يَتَرَدَّدُونَ في حَيْرَتِهِمْ، و"مُشْرِقِينَ" مَعْناهُ: قَدْ دَخَلُوا في الإشْراقِ، وهو سُطُوعُ ضَوْءِ الشَمْسِ وظُهُورُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وهَذِهِ الصَيْحَةُ هي صَيْحَةُ الوَجْبَةِ، ولَيْسَتْ كَصَيْحَةِ ثَمُودَ، وأُهْلِكُوا بَعْدَ الفَجْرِ مُصْبِحِينَ، واسْتَوْفاهُمُ الهَلاكُ مُشْرِقَيْنِ. وخَبَرُ قَوْلِهِ: "لَعَمْرُكَ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي أو يَمِينِي، وفي هَذا نَظَرٌ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَعَمْرُكَ"، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "لَفِي سُكْرَتِهِمْ" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "سَكَراتِهِمْ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لَفِي سُكْرِهِمْ" بِغَيْرِ تاءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الجَهْضَمِيِّ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ "فِي سَكْرَتِهِمْ".
ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَ المَدِينَةَ بِجَناحِهِ ورَفَعَها حَتّى سَمِعَتْ مَلائِكَةُ السَماءِ صُراخَ الدِيَكَةِ ونُباحَ الكِلابِ، ثُمَّ قَلَبَها وأرْسَلَ الكُلَّ، فَمَن سَقَطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن رَدْمِ المَدِينَةِ ماتَ، ومَن أفْلَتَ مِنهم أصابَتْهُ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ، و"سِجِّيلٍ" اسْمٌ مِن أسْماءِ سَماءِ الدُنْيا، وقِيلَ: هي لَفْظَةٌ فارِسِيَّةٌ، وهي الحِجارَةُ المَطْبُوخَةُ مِنَ الطِينِ كالآجُرِّ ونَحْوَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا.
و"المُتَوَسِّمُونَ" قالَ مُجاهِدٌ: المُتَفَرَّسُونَ، وقالَ الضِحاكُ: الناظِرُونَ، وقالَ قَتادَةُ: المُعْتَبِرُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لَها بِالمَعْنى، وإنَّما تَفْسِيرُها بِاللَفْظِ، فَإنَّ المَعانِيَ الَّتِي تَكُونُ في الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ يَلُوحُ عَلَيْهِ وسْمٌ عن تِلْكَ المَعانِي كالسُكُونِ والدِيانَةِ والهَيْبَةِ الَّتِي تَكُونُ عَنِ الخَيْرِ ونَحْوَ هَذا، فالمُتَوَسِّمُ هو الَّذِي يَنْظُرُ في وسْمِ المَعْنى لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى المَعْنى، وكَأنَّ مَعْصِيَةَ هَؤُلاءِ أبْقَتْ مِنَ العَذابِ والإهْلاكِ وسْمًا، فَمَن رَأى الوَسْمَ اسْتَدَلَّ عَلى المَعْصِيَةِ بِهِ، واقْتادَهُ (p-٣١١)النَظَرُ إلى تَجَنُّبِ المَعاصِي لِئَلّا يَنْزِلَ بِهِ ما نَزَلَ بِهِمْ، ومِنَ الشِعْرِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَوَسَّمْتُهُ لَمّا رَأيْتُ مَهابَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلَيْهِ وقُلْتُ المَرْءُ مِن آلِ هاشِمِ
وقالَ آخَرُ:
؎ وظَلَلْتُ فِيها واقِفًا أتَوَسَّمُ
وقالَ آخَرُ:
؎ إنِّي تَوَسَّمْتُ فِيكَ الخَيْرَ نافِلَةً
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّها" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَةِ المُهْلَكَةِ، أيْ: أنَّها في طَرِيقٍ ظاهِرٍ لِلْمُعْتَبِرِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الآياتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحِجارَةِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلُ ما رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: « "إنَّ حِجارَةَ العَذابِ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ مُنْذُ ألْفَيْ سَنَةٍ لِعُصاةِ أُمَّتِي".» وقَوْلُهُ: "لَآيَةً" أيْ أمارَةً وعَلامَةً، كَما تَقُولُ: آيَةٌ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ كَذا وكَذا.
الحجر 15:77
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
المَعْنى: وقَضَيْنا ذَلِكَ الأمْرَ، أيْ: أمْضَياهُ وحَتَّمْناهُ، ثُمَّ أدْخَلَ في الكَلامِ "إلَيْهِ" مِن حَيْثُ أوحى ذَلِكَ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ اللهُ بِهِ، فَجَلَبَ هَذا المَعْنى بِإيجازٍ، وحَذَفَ ما يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ. و"أنَّ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ الأخْفَشُ: هي بَدَلٌ مِن "ذَلِكَ"، وقالَ الفِراءَ: التَقْدِيرُ: "بِأنَّ دابِرَ" فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ، والأوَّلُ أصْوَبُ.
و"الدابِرُ": الَّذِي يَأْتِي آخِرَ القَوْمِ، أيْ في أدْبارِهِمْ، وإذا قُطِعَ ذَلِكَ وأُتِيَ عَلَيْهِ فَقَدْ أتى العَذابُ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، وهَذِهِ ألْفاظٌ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِئْصالِ والهَلاكِ التامِّ، يُقالُ: "قَطَعَ اللهُ دابِرَهُ"، و"اسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهُ"، و"أسْكَتَ نَأْمَتَهُ" بِمَعْنى. و"مُصْبِحِينَ" مَعْناهُ: إذا أصْبَحُوا ودَخَلُوا في الصَباحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى وصْفِ أمْرٍ جَرى قَبْلَ إعْلامِ لُوطٍ بِهَلاكِ أُمَّتِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ مُحاجَّةَ لُوطٍ لِقَوْمِهِ تَقْتَضِي ضَعْفَ مَن لَمْ يَعْلَمْ إهْلاكَهم وأنَّ الأضْيافَ مَلائِكَةٌ. ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: (p-٣٠٧)﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَلاكِهِمْ، وكانَ قَوْلُهم ما يَأْتِي مِنَ المُحاوَرَةِ عَلى جِهَةِ التَهَكُّمِ عنهُمْ، والإمْلاءِ لَهُمْ، والتَرَبُّصِ بِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والِاحْتِمالُ الأوَّلُ عِنْدِي أرْجَحُ، وهو الظاهِرُ مِن آياتِ غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ: "يَسْتَبْشِرُونَ" أيْ: بِالأضْيافِ طَمَعًا مِنهم في الفاحِشَةِ، والضَيْفُ مُصَدَرٌ وُصِفَ بِهِ فَهو يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾، رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَدْ تَقَدَّمُوا إلَيْهِ في ألّا يَضِيفَ أحَدًا ولا يُجِيرَهُ، لَأنَّهم لا يُراعُونَهُ ولا يَكُفُّونَ عن طَلَبِ الفاحِشَةِ فِيهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّ دابِرَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ وقُلْنا إنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ"، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَ الفاحِشَةَ مَعَ الغُرَباءِ ولا يَفْعَلُونَها بَعْضَهم بِبَعْضٍ، فَكانُوا يَعْتَرِضُونَ الطُرُقَ.
وقَوْلُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِهِ فَقِيلَ: أرادَ نِساءَ أُمَّتِهِ، لَأنَّ زَوْجاتِ النَبِيِّينَ أُمَّهاتُ الأُمَمِ وهو أبُوهُمْ، فالنِساءُ بَناتُهُ في الحُرْمَةِ، والمُرادُ بِالتَزْوِيجِ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أنْ يَكُونَ في شَرْعِهِ جَوازُ زَواجِ الكافِرِ لِلْمُؤْمِنَةِ، وقَدْ ورَدَ أنَّ المُؤْمِناتِ بِهِ قَلِيلٌ جِدًّا. وقِيلَ: إنَّما أرادَ بَناتِ صُلْبِهِ، ودَعا إلى التَزْوِيجِ أيْضًا، قالَهُ قَتادَةُ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أيْضًا ما لَزِمَ المُتَقَدِّمَ في تَرْتِيبِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ بَناتِ صُلْبِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، وهو لا يُحَقِّقُ في إباحَةِ بَناتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ تَراهُ يُرِيدُ قَتْلَ آخَرَ: اقْتُلْنِي ولا تَقْتُلْهُ، فَإنَّما ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَشْنِيعِ عَلَيْهِ، والِاسْتِنْزالِ مِن جِهَةٍ ما، واسْتِدْعاءِ الحَياءِ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ مِن مُبالَغَةِ القَوْلِ الَّذِي لا يَدْخُلُهُ مَعْنى الكَذِبِ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ مَفْهُومٌ، وعَلَيْهِ قَوْلُ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: « "وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطاةٍ"،» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ.
و"العَمْرُ" و"العُمْرُ" بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها واحِدٌ، وهُما عُمْرُ الحَياةِ ومُدَّتْها، ولا يُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ إلّا بِالفَتْحِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ شَرَفٌ لِمُحَمَّدٍ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَأنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ (p-٣٠٨)بِحَياتِهِ، ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ بَشَرٍ سِواهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والقَسَمُ بِـ "لَعَمْرُكَ" في القُرْآنِ وبِـ "لَعَمْرِي" ونَحْوَهُ في أشْعارِ العَرَبِ وفَصِيحِ كَلامِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ:
؎ لَعَمْرِي وما عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ لَعَمْرُ أبِيكَ ما نُسِبَ المُعَلّى
وكَقَوْلِ الآخَرِ:
؎ لَعَمْرُكَ إنَّ المَوْتَ ما أخْطَأ الفَتى ∗∗∗ ∗∗∗ لَكالطِوَلِ المُرْخى وثِنْياهُ بِاليَدِ
(p-٣٠٩)والعَرَبُ تَقُولُ: "لَعَمْرُ اللهِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَنِي رِضاها
وقالَ الأعْشى:
؎ ولَعَمْرُ مَن جَعْلَ الشُهُورَ عَلامَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فِينا فَبَيَّنَ نِصْفَها وكَمالها
وقالَ بَعْضُ أصْحابِ المَعانِي: لا يَجُوزُ هَذا لَأنَّهُ لا يُقالُ: لِلَّهِ تَعالى عُمْرٌ، وإنَّما يُقالُ: بَقاءٌ أزَلِيٌّ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وكَرِهَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: "لَعَمْرِي"، لَأنَّهُ حَلَفَ بِحَياةِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ مِن كَلامِ ضَعَفَةِ الرِجالِ، ونَحْوَ هَذا. وقَوْلُ مالِكٍ في (p-٣١٠)"لَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ" أنَّها لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْبَغِي أنْ تُصْرَفَ "لَعَمْرُكَ" في الكَلامِ اقْتِداءً بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"يَعْمَهُونَ" أيْ يَرْتَبِكُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، والضَمائِرُ في "سَكْرَتِهِمْ" يُرادُ بِها قَوْمُ لُوطٍ المَذْكُورُونَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ المُرادَ قُرَيْشٌ، وهَذا بَعِيدٌ لَأنَّهُ يَنْقَطِعُ مِمّا قَبْلَهُ ومِمّا بَعْدَهُ. وقَوْلُهُ:"فِي سَكْرَتِهِمْ" مَجازٌ وتَشْبِيهٌ، أيْ: في ضَلالَتِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ الحَقِّ ولَهْوِهِمْ، و"يَعْمَهُونَ" مَعْناهُ: يَتَرَدَّدُونَ في حَيْرَتِهِمْ، و"مُشْرِقِينَ" مَعْناهُ: قَدْ دَخَلُوا في الإشْراقِ، وهو سُطُوعُ ضَوْءِ الشَمْسِ وظُهُورُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وهَذِهِ الصَيْحَةُ هي صَيْحَةُ الوَجْبَةِ، ولَيْسَتْ كَصَيْحَةِ ثَمُودَ، وأُهْلِكُوا بَعْدَ الفَجْرِ مُصْبِحِينَ، واسْتَوْفاهُمُ الهَلاكُ مُشْرِقَيْنِ. وخَبَرُ قَوْلِهِ: "لَعَمْرُكَ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي أو يَمِينِي، وفي هَذا نَظَرٌ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَعَمْرُكَ"، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "لَفِي سُكْرَتِهِمْ" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "سَكَراتِهِمْ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لَفِي سُكْرِهِمْ" بِغَيْرِ تاءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الجَهْضَمِيِّ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ "فِي سَكْرَتِهِمْ".
ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَ المَدِينَةَ بِجَناحِهِ ورَفَعَها حَتّى سَمِعَتْ مَلائِكَةُ السَماءِ صُراخَ الدِيَكَةِ ونُباحَ الكِلابِ، ثُمَّ قَلَبَها وأرْسَلَ الكُلَّ، فَمَن سَقَطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن رَدْمِ المَدِينَةِ ماتَ، ومَن أفْلَتَ مِنهم أصابَتْهُ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ، و"سِجِّيلٍ" اسْمٌ مِن أسْماءِ سَماءِ الدُنْيا، وقِيلَ: هي لَفْظَةٌ فارِسِيَّةٌ، وهي الحِجارَةُ المَطْبُوخَةُ مِنَ الطِينِ كالآجُرِّ ونَحْوَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا.
و"المُتَوَسِّمُونَ" قالَ مُجاهِدٌ: المُتَفَرَّسُونَ، وقالَ الضِحاكُ: الناظِرُونَ، وقالَ قَتادَةُ: المُعْتَبِرُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لَها بِالمَعْنى، وإنَّما تَفْسِيرُها بِاللَفْظِ، فَإنَّ المَعانِيَ الَّتِي تَكُونُ في الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ يَلُوحُ عَلَيْهِ وسْمٌ عن تِلْكَ المَعانِي كالسُكُونِ والدِيانَةِ والهَيْبَةِ الَّتِي تَكُونُ عَنِ الخَيْرِ ونَحْوَ هَذا، فالمُتَوَسِّمُ هو الَّذِي يَنْظُرُ في وسْمِ المَعْنى لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى المَعْنى، وكَأنَّ مَعْصِيَةَ هَؤُلاءِ أبْقَتْ مِنَ العَذابِ والإهْلاكِ وسْمًا، فَمَن رَأى الوَسْمَ اسْتَدَلَّ عَلى المَعْصِيَةِ بِهِ، واقْتادَهُ (p-٣١١)النَظَرُ إلى تَجَنُّبِ المَعاصِي لِئَلّا يَنْزِلَ بِهِ ما نَزَلَ بِهِمْ، ومِنَ الشِعْرِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَوَسَّمْتُهُ لَمّا رَأيْتُ مَهابَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلَيْهِ وقُلْتُ المَرْءُ مِن آلِ هاشِمِ
وقالَ آخَرُ:
؎ وظَلَلْتُ فِيها واقِفًا أتَوَسَّمُ
وقالَ آخَرُ:
؎ إنِّي تَوَسَّمْتُ فِيكَ الخَيْرَ نافِلَةً
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّها" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَةِ المُهْلَكَةِ، أيْ: أنَّها في طَرِيقٍ ظاهِرٍ لِلْمُعْتَبِرِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الآياتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحِجارَةِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلُ ما رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: « "إنَّ حِجارَةَ العَذابِ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ مُنْذُ ألْفَيْ سَنَةٍ لِعُصاةِ أُمَّتِي".» وقَوْلُهُ: "لَآيَةً" أيْ أمارَةً وعَلامَةً، كَما تَقُولُ: آيَةٌ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ كَذا وكَذا.
الحجر 15:78
(p-٣١٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عنها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ الساعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾
"الأيْكَةُ": الغَيْضَةُ والشَجَرُ المُلْتَفُّ المُخْضَرُّ، يَكُونُ السِدْرَ ونَحْوَهُ، قالَ قَتادَةُ: رُوِيَ أنَّ أيْكَةَ هَؤُلاءِ كانَتْ مِن شَجَرِ الدُومِ، وقِيلَ: مِنَ المُقْلِ، وقِيلَ: مِنَ السِدْرِ، وكانَ هَؤُلاءِ قُومًا يَسْكُنُونَ غَيْضَةً ويَرْتَفِقُونَ بِها في مَعايِشِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ فَكَفَرُوا، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ فَدامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رَأوا سَحابَةً فَخَرَجُوا فاسْتَظَلُّوا تَحْتَها فاضْطَرَمَتْ عَلَيْهِمْ نارًا، وحَكى الطَبَرِيُّ قالَ: بُعِثَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ كَفَرَتا فَعُذِّبَتا بِعَذابَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أهْلُ مَدْيَنَ عُذِّبُوا بِالصَيْحَةِ، وأصْحابُ الأيْكَةِ عَذَّبُوا بِالظُلَّةِ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في هَذا المَوْضِعِ في إدْخالِ الألِفِ واللامِ عَلى "أيْكَةٍ"، وأكْثَرُهم هَمَزَ ألْفَ "أيْكَةٍ" بَعْدَ اللامِ، ورُوِيَ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ سَهَّلَها ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى اللامِ فَقَرَأ: "الأيْكَةَ" دُونَ هَمْزٍ، واخْتَلَفُوا في سُورَةِ الشُعَراءِ، وفي سُورَةِ ص.
و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما"، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَظالِمِينَ" بِمَعْنى "إلّا"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأيْكُ: جَمْعُ أيْكَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ومِنَ الشاهِدِ عَلى اللَفْظَةِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ:
؎ كَبُكاءِ الحَمامِ عَلى غُصُو.... نِ الأيْكِ في الطَيْرِ الجَوانِحِ
(p-٣١٣)وَقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ وقَفْتُ بِها فَهاجَ الشَوْقُ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ حَمامُ الأيْكِ يُسْعِدُها حَمامُ
ومِنهُ قَوْلٌ الآخَرُ:
؎ ألّا إنَّما الدُنْيا غَضارَةُ أيْكَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا اخْضَرَّ مِنها جانِبٌ جَفَّ جانِبُ
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ مُوَشَّحَةٌ بِالطُرَّتَيْنِ دَنا لَها ∗∗∗ ∗∗∗ جَنى أيْكَةٍ يَضْفُو عَلَيْها قِصارُها
وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ:
؎ وما خَلِيجٌ مِن ذُو حَدَبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَرْمِي الصَعِيدَ بِخُشْبِ الأيِكِ والضالِّ
(p-٣١٤)والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّهُما" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَتَيْنِ اللَتَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، مَدِينَةُ قَوْمِ لُوطٍ، ومَدِينَةُ أصْحابِ الأيْكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَبِيَّيْنِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ في أنَّهُما عَلى طَرِيقٍ مِنَ اللهِ وشَرْعٍ مُبِينٍ.
و"الإمامُ" في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ ويُؤْتَمُّ، يَقُولُونَهُ لِخَيْطِ البِناءِ، وقَدْ يَكُونُ الطَرِيقَ، وقَدْ يَكُونُ الكِتابَ المُفِيدَ، وقَدْ يَكُونُ القِياسَ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ الصُنّاعُ، وقَدْ يَكُونُ الرَجُلَ المُقْتَدى بِهِ، ونَحْوَ هَذا، ومَن رَأى عَوْدَ الضَمِيرِ في "إنَّهُما" عَلى المَدِينَتَيْنِ قالَ: الإمامُ: الطَرِيقُ، وقِيلَ عَلى ذَلِكَ: الإمامُ: الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ إهْلاكَهُما.
و﴿أصْحابُ الحِجْرِ﴾ ثَمُودُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُهُمْ، و"الحِجْرِ" مَدِينَتُهُمْ، وهي ما بَيْنَ المَدِينَةِ وتَبُوكَ، وقالَ: "المُرْسَلِينَ" مِن حَيْثُ يَجِبُ بِتَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبُ الجَمِيعِ، إذِ القَوْلُ في المُعْتَقَداتِ واحِدٌ لِلرُّسُلِ أجْمَعَ، فَهَذِهِ العِبارَةُ أشْنَعُ عَلى المُكَذِّبِينَ.
والآياتُ الَّتِي آتاهُمُ اللهُ هي الناقَةُ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن خَرْقِ العادَةِ حَسْبَ ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وبَسْطُهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَآتَيْناهم آيَتَنا" مُفْرَدَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ﴾ الآيَةُ. يَصِفُ قَوْمَ صالِحٍ بِشِدَّةِ النَظَرِ لِلدُّنْيا والتَكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا أنَّ بُيُوتَهم كانُوا يَنْحِتُونَها في حِجْرِ الجِبالِ، والنَحْتُ: النَقْرُ بِالمَعاوِلِ ونَحْوَها في الحِجارَةِ والعُودِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها وذَلِكَ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وقَوْلُهُ: "آمِنِينَ"، قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ انْهِدامِها، وقِيلَ: مِن حَوادِثَ الدُنْيا، وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَةِ، (p-٣١٥)فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها.
ومَعْنى "مُصْبِحِينَ" أيْ عِنْدِ دُخُولِهِمْ في الصَباحِ، وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ سَبْتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ عَذابِهِمْ ومِيعادُهم وتَغَيُّرُ ألْوانِهِمْ، ولَمْ تُغْنِ عنهم شِدَّةُ نَظَرِهِمْ لِلدُّنْيا وتَكَسُّبِهِمْ شَيْئًا، ولا دَفَعَ عَذابَ اللهِ.
و"ما" الأُولى لِلنَّفْيِ، وتَحْتَمِلُ التَقْرِيرَ، والثانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةُ. المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ المُكْتَسِبِينَ لِلدُّنْيا الَّذِينَ لَمَّ يُغْنِ عنهُمُ اكْتِسابُهم لَيْسُوا في شَيْءٍ، فَإنَّ السَماواتِ والأرْضَ وجَمِيعَ الأشْياءِ لَمْ تُخْلَقْ عَبَثًا ولا سُدًى ولا لِتَكُونَ طاعَةً اللهِ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ ونُظَراؤُهُمْ، وإنَّما خُلِقَتْ بِالحَقِّ، ولِواجِبٍ مَقْصُودٍ وأغْراضٍ لَها نِهاياتٌ مِن عَذابٍ ونَعِيمٍ، وإنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ عَلى جَمِيعِ أُمُورِ الدُنْيا، أيْ: فَلا تَهْتَمُّ يا مُحَمَّدُ بِأعْمالِ قَوْمِكِ، فَإنَّ الجَزاءَ لَهم بِالمِرْصادِ، فاصْفَحْ عن أعْمالِهِمْ، أيْ: ولِّها صَفْحَةَ عُنُقِكَ بِالإعْراضِ عنها، وأكَّدَ الصَفْحَ بِنَعْتِ الجَمالِ إذِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ لا عَتَبَ فِيهِ ولا تَعْرُّضَ. وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي مُهادَنَةً، ونَسْخَها في آيَةِ السَيْفِ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ سَلّاهُ في آخِرِ الآيَةِ بِأنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ مَن شاءَ لِمَن شاءَ، ويَعْلَمُ تَعالى وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ، لا هَذِهِ الأوثانُ الَّتِي تَعْبُدُونَها. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الخَلّاقُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ: "الخالِقُ".
الحجر 15:79
(p-٣١٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عنها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ الساعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾
"الأيْكَةُ": الغَيْضَةُ والشَجَرُ المُلْتَفُّ المُخْضَرُّ، يَكُونُ السِدْرَ ونَحْوَهُ، قالَ قَتادَةُ: رُوِيَ أنَّ أيْكَةَ هَؤُلاءِ كانَتْ مِن شَجَرِ الدُومِ، وقِيلَ: مِنَ المُقْلِ، وقِيلَ: مِنَ السِدْرِ، وكانَ هَؤُلاءِ قُومًا يَسْكُنُونَ غَيْضَةً ويَرْتَفِقُونَ بِها في مَعايِشِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ فَكَفَرُوا، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ فَدامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رَأوا سَحابَةً فَخَرَجُوا فاسْتَظَلُّوا تَحْتَها فاضْطَرَمَتْ عَلَيْهِمْ نارًا، وحَكى الطَبَرِيُّ قالَ: بُعِثَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ كَفَرَتا فَعُذِّبَتا بِعَذابَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أهْلُ مَدْيَنَ عُذِّبُوا بِالصَيْحَةِ، وأصْحابُ الأيْكَةِ عَذَّبُوا بِالظُلَّةِ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في هَذا المَوْضِعِ في إدْخالِ الألِفِ واللامِ عَلى "أيْكَةٍ"، وأكْثَرُهم هَمَزَ ألْفَ "أيْكَةٍ" بَعْدَ اللامِ، ورُوِيَ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ سَهَّلَها ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى اللامِ فَقَرَأ: "الأيْكَةَ" دُونَ هَمْزٍ، واخْتَلَفُوا في سُورَةِ الشُعَراءِ، وفي سُورَةِ ص.
و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما"، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَظالِمِينَ" بِمَعْنى "إلّا"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأيْكُ: جَمْعُ أيْكَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ومِنَ الشاهِدِ عَلى اللَفْظَةِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ:
؎ كَبُكاءِ الحَمامِ عَلى غُصُو.... نِ الأيْكِ في الطَيْرِ الجَوانِحِ
(p-٣١٣)وَقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ وقَفْتُ بِها فَهاجَ الشَوْقُ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ حَمامُ الأيْكِ يُسْعِدُها حَمامُ
ومِنهُ قَوْلٌ الآخَرُ:
؎ ألّا إنَّما الدُنْيا غَضارَةُ أيْكَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا اخْضَرَّ مِنها جانِبٌ جَفَّ جانِبُ
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ مُوَشَّحَةٌ بِالطُرَّتَيْنِ دَنا لَها ∗∗∗ ∗∗∗ جَنى أيْكَةٍ يَضْفُو عَلَيْها قِصارُها
وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ:
؎ وما خَلِيجٌ مِن ذُو حَدَبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَرْمِي الصَعِيدَ بِخُشْبِ الأيِكِ والضالِّ
(p-٣١٤)والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّهُما" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَتَيْنِ اللَتَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، مَدِينَةُ قَوْمِ لُوطٍ، ومَدِينَةُ أصْحابِ الأيْكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَبِيَّيْنِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ في أنَّهُما عَلى طَرِيقٍ مِنَ اللهِ وشَرْعٍ مُبِينٍ.
و"الإمامُ" في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ ويُؤْتَمُّ، يَقُولُونَهُ لِخَيْطِ البِناءِ، وقَدْ يَكُونُ الطَرِيقَ، وقَدْ يَكُونُ الكِتابَ المُفِيدَ، وقَدْ يَكُونُ القِياسَ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ الصُنّاعُ، وقَدْ يَكُونُ الرَجُلَ المُقْتَدى بِهِ، ونَحْوَ هَذا، ومَن رَأى عَوْدَ الضَمِيرِ في "إنَّهُما" عَلى المَدِينَتَيْنِ قالَ: الإمامُ: الطَرِيقُ، وقِيلَ عَلى ذَلِكَ: الإمامُ: الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ إهْلاكَهُما.
و﴿أصْحابُ الحِجْرِ﴾ ثَمُودُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُهُمْ، و"الحِجْرِ" مَدِينَتُهُمْ، وهي ما بَيْنَ المَدِينَةِ وتَبُوكَ، وقالَ: "المُرْسَلِينَ" مِن حَيْثُ يَجِبُ بِتَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبُ الجَمِيعِ، إذِ القَوْلُ في المُعْتَقَداتِ واحِدٌ لِلرُّسُلِ أجْمَعَ، فَهَذِهِ العِبارَةُ أشْنَعُ عَلى المُكَذِّبِينَ.
والآياتُ الَّتِي آتاهُمُ اللهُ هي الناقَةُ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن خَرْقِ العادَةِ حَسْبَ ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وبَسْطُهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَآتَيْناهم آيَتَنا" مُفْرَدَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ﴾ الآيَةُ. يَصِفُ قَوْمَ صالِحٍ بِشِدَّةِ النَظَرِ لِلدُّنْيا والتَكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا أنَّ بُيُوتَهم كانُوا يَنْحِتُونَها في حِجْرِ الجِبالِ، والنَحْتُ: النَقْرُ بِالمَعاوِلِ ونَحْوَها في الحِجارَةِ والعُودِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها وذَلِكَ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وقَوْلُهُ: "آمِنِينَ"، قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ انْهِدامِها، وقِيلَ: مِن حَوادِثَ الدُنْيا، وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَةِ، (p-٣١٥)فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها.
ومَعْنى "مُصْبِحِينَ" أيْ عِنْدِ دُخُولِهِمْ في الصَباحِ، وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ سَبْتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ عَذابِهِمْ ومِيعادُهم وتَغَيُّرُ ألْوانِهِمْ، ولَمْ تُغْنِ عنهم شِدَّةُ نَظَرِهِمْ لِلدُّنْيا وتَكَسُّبِهِمْ شَيْئًا، ولا دَفَعَ عَذابَ اللهِ.
و"ما" الأُولى لِلنَّفْيِ، وتَحْتَمِلُ التَقْرِيرَ، والثانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةُ. المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ المُكْتَسِبِينَ لِلدُّنْيا الَّذِينَ لَمَّ يُغْنِ عنهُمُ اكْتِسابُهم لَيْسُوا في شَيْءٍ، فَإنَّ السَماواتِ والأرْضَ وجَمِيعَ الأشْياءِ لَمْ تُخْلَقْ عَبَثًا ولا سُدًى ولا لِتَكُونَ طاعَةً اللهِ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ ونُظَراؤُهُمْ، وإنَّما خُلِقَتْ بِالحَقِّ، ولِواجِبٍ مَقْصُودٍ وأغْراضٍ لَها نِهاياتٌ مِن عَذابٍ ونَعِيمٍ، وإنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ عَلى جَمِيعِ أُمُورِ الدُنْيا، أيْ: فَلا تَهْتَمُّ يا مُحَمَّدُ بِأعْمالِ قَوْمِكِ، فَإنَّ الجَزاءَ لَهم بِالمِرْصادِ، فاصْفَحْ عن أعْمالِهِمْ، أيْ: ولِّها صَفْحَةَ عُنُقِكَ بِالإعْراضِ عنها، وأكَّدَ الصَفْحَ بِنَعْتِ الجَمالِ إذِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ لا عَتَبَ فِيهِ ولا تَعْرُّضَ. وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي مُهادَنَةً، ونَسْخَها في آيَةِ السَيْفِ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ سَلّاهُ في آخِرِ الآيَةِ بِأنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ مَن شاءَ لِمَن شاءَ، ويَعْلَمُ تَعالى وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ، لا هَذِهِ الأوثانُ الَّتِي تَعْبُدُونَها. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الخَلّاقُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ: "الخالِقُ".
الحجر 15:80
(p-٣١٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عنها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ الساعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾
"الأيْكَةُ": الغَيْضَةُ والشَجَرُ المُلْتَفُّ المُخْضَرُّ، يَكُونُ السِدْرَ ونَحْوَهُ، قالَ قَتادَةُ: رُوِيَ أنَّ أيْكَةَ هَؤُلاءِ كانَتْ مِن شَجَرِ الدُومِ، وقِيلَ: مِنَ المُقْلِ، وقِيلَ: مِنَ السِدْرِ، وكانَ هَؤُلاءِ قُومًا يَسْكُنُونَ غَيْضَةً ويَرْتَفِقُونَ بِها في مَعايِشِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ فَكَفَرُوا، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ فَدامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رَأوا سَحابَةً فَخَرَجُوا فاسْتَظَلُّوا تَحْتَها فاضْطَرَمَتْ عَلَيْهِمْ نارًا، وحَكى الطَبَرِيُّ قالَ: بُعِثَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ كَفَرَتا فَعُذِّبَتا بِعَذابَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أهْلُ مَدْيَنَ عُذِّبُوا بِالصَيْحَةِ، وأصْحابُ الأيْكَةِ عَذَّبُوا بِالظُلَّةِ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في هَذا المَوْضِعِ في إدْخالِ الألِفِ واللامِ عَلى "أيْكَةٍ"، وأكْثَرُهم هَمَزَ ألْفَ "أيْكَةٍ" بَعْدَ اللامِ، ورُوِيَ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ سَهَّلَها ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى اللامِ فَقَرَأ: "الأيْكَةَ" دُونَ هَمْزٍ، واخْتَلَفُوا في سُورَةِ الشُعَراءِ، وفي سُورَةِ ص.
و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما"، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَظالِمِينَ" بِمَعْنى "إلّا"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأيْكُ: جَمْعُ أيْكَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ومِنَ الشاهِدِ عَلى اللَفْظَةِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ:
؎ كَبُكاءِ الحَمامِ عَلى غُصُو.... نِ الأيْكِ في الطَيْرِ الجَوانِحِ
(p-٣١٣)وَقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ وقَفْتُ بِها فَهاجَ الشَوْقُ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ حَمامُ الأيْكِ يُسْعِدُها حَمامُ
ومِنهُ قَوْلٌ الآخَرُ:
؎ ألّا إنَّما الدُنْيا غَضارَةُ أيْكَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا اخْضَرَّ مِنها جانِبٌ جَفَّ جانِبُ
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ مُوَشَّحَةٌ بِالطُرَّتَيْنِ دَنا لَها ∗∗∗ ∗∗∗ جَنى أيْكَةٍ يَضْفُو عَلَيْها قِصارُها
وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ:
؎ وما خَلِيجٌ مِن ذُو حَدَبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَرْمِي الصَعِيدَ بِخُشْبِ الأيِكِ والضالِّ
(p-٣١٤)والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّهُما" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَتَيْنِ اللَتَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، مَدِينَةُ قَوْمِ لُوطٍ، ومَدِينَةُ أصْحابِ الأيْكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَبِيَّيْنِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ في أنَّهُما عَلى طَرِيقٍ مِنَ اللهِ وشَرْعٍ مُبِينٍ.
و"الإمامُ" في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ ويُؤْتَمُّ، يَقُولُونَهُ لِخَيْطِ البِناءِ، وقَدْ يَكُونُ الطَرِيقَ، وقَدْ يَكُونُ الكِتابَ المُفِيدَ، وقَدْ يَكُونُ القِياسَ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ الصُنّاعُ، وقَدْ يَكُونُ الرَجُلَ المُقْتَدى بِهِ، ونَحْوَ هَذا، ومَن رَأى عَوْدَ الضَمِيرِ في "إنَّهُما" عَلى المَدِينَتَيْنِ قالَ: الإمامُ: الطَرِيقُ، وقِيلَ عَلى ذَلِكَ: الإمامُ: الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ إهْلاكَهُما.
و﴿أصْحابُ الحِجْرِ﴾ ثَمُودُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُهُمْ، و"الحِجْرِ" مَدِينَتُهُمْ، وهي ما بَيْنَ المَدِينَةِ وتَبُوكَ، وقالَ: "المُرْسَلِينَ" مِن حَيْثُ يَجِبُ بِتَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبُ الجَمِيعِ، إذِ القَوْلُ في المُعْتَقَداتِ واحِدٌ لِلرُّسُلِ أجْمَعَ، فَهَذِهِ العِبارَةُ أشْنَعُ عَلى المُكَذِّبِينَ.
والآياتُ الَّتِي آتاهُمُ اللهُ هي الناقَةُ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن خَرْقِ العادَةِ حَسْبَ ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وبَسْطُهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَآتَيْناهم آيَتَنا" مُفْرَدَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ﴾ الآيَةُ. يَصِفُ قَوْمَ صالِحٍ بِشِدَّةِ النَظَرِ لِلدُّنْيا والتَكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا أنَّ بُيُوتَهم كانُوا يَنْحِتُونَها في حِجْرِ الجِبالِ، والنَحْتُ: النَقْرُ بِالمَعاوِلِ ونَحْوَها في الحِجارَةِ والعُودِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها وذَلِكَ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وقَوْلُهُ: "آمِنِينَ"، قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ انْهِدامِها، وقِيلَ: مِن حَوادِثَ الدُنْيا، وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَةِ، (p-٣١٥)فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها.
ومَعْنى "مُصْبِحِينَ" أيْ عِنْدِ دُخُولِهِمْ في الصَباحِ، وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ سَبْتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ عَذابِهِمْ ومِيعادُهم وتَغَيُّرُ ألْوانِهِمْ، ولَمْ تُغْنِ عنهم شِدَّةُ نَظَرِهِمْ لِلدُّنْيا وتَكَسُّبِهِمْ شَيْئًا، ولا دَفَعَ عَذابَ اللهِ.
و"ما" الأُولى لِلنَّفْيِ، وتَحْتَمِلُ التَقْرِيرَ، والثانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةُ. المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ المُكْتَسِبِينَ لِلدُّنْيا الَّذِينَ لَمَّ يُغْنِ عنهُمُ اكْتِسابُهم لَيْسُوا في شَيْءٍ، فَإنَّ السَماواتِ والأرْضَ وجَمِيعَ الأشْياءِ لَمْ تُخْلَقْ عَبَثًا ولا سُدًى ولا لِتَكُونَ طاعَةً اللهِ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ ونُظَراؤُهُمْ، وإنَّما خُلِقَتْ بِالحَقِّ، ولِواجِبٍ مَقْصُودٍ وأغْراضٍ لَها نِهاياتٌ مِن عَذابٍ ونَعِيمٍ، وإنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ عَلى جَمِيعِ أُمُورِ الدُنْيا، أيْ: فَلا تَهْتَمُّ يا مُحَمَّدُ بِأعْمالِ قَوْمِكِ، فَإنَّ الجَزاءَ لَهم بِالمِرْصادِ، فاصْفَحْ عن أعْمالِهِمْ، أيْ: ولِّها صَفْحَةَ عُنُقِكَ بِالإعْراضِ عنها، وأكَّدَ الصَفْحَ بِنَعْتِ الجَمالِ إذِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ لا عَتَبَ فِيهِ ولا تَعْرُّضَ. وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي مُهادَنَةً، ونَسْخَها في آيَةِ السَيْفِ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ سَلّاهُ في آخِرِ الآيَةِ بِأنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ مَن شاءَ لِمَن شاءَ، ويَعْلَمُ تَعالى وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ، لا هَذِهِ الأوثانُ الَّتِي تَعْبُدُونَها. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الخَلّاقُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ: "الخالِقُ".
الحجر 15:81
(p-٣١٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عنها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ الساعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾
"الأيْكَةُ": الغَيْضَةُ والشَجَرُ المُلْتَفُّ المُخْضَرُّ، يَكُونُ السِدْرَ ونَحْوَهُ، قالَ قَتادَةُ: رُوِيَ أنَّ أيْكَةَ هَؤُلاءِ كانَتْ مِن شَجَرِ الدُومِ، وقِيلَ: مِنَ المُقْلِ، وقِيلَ: مِنَ السِدْرِ، وكانَ هَؤُلاءِ قُومًا يَسْكُنُونَ غَيْضَةً ويَرْتَفِقُونَ بِها في مَعايِشِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ فَكَفَرُوا، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ فَدامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رَأوا سَحابَةً فَخَرَجُوا فاسْتَظَلُّوا تَحْتَها فاضْطَرَمَتْ عَلَيْهِمْ نارًا، وحَكى الطَبَرِيُّ قالَ: بُعِثَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ كَفَرَتا فَعُذِّبَتا بِعَذابَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أهْلُ مَدْيَنَ عُذِّبُوا بِالصَيْحَةِ، وأصْحابُ الأيْكَةِ عَذَّبُوا بِالظُلَّةِ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في هَذا المَوْضِعِ في إدْخالِ الألِفِ واللامِ عَلى "أيْكَةٍ"، وأكْثَرُهم هَمَزَ ألْفَ "أيْكَةٍ" بَعْدَ اللامِ، ورُوِيَ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ سَهَّلَها ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى اللامِ فَقَرَأ: "الأيْكَةَ" دُونَ هَمْزٍ، واخْتَلَفُوا في سُورَةِ الشُعَراءِ، وفي سُورَةِ ص.
و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما"، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَظالِمِينَ" بِمَعْنى "إلّا"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأيْكُ: جَمْعُ أيْكَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ومِنَ الشاهِدِ عَلى اللَفْظَةِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ:
؎ كَبُكاءِ الحَمامِ عَلى غُصُو.... نِ الأيْكِ في الطَيْرِ الجَوانِحِ
(p-٣١٣)وَقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ وقَفْتُ بِها فَهاجَ الشَوْقُ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ حَمامُ الأيْكِ يُسْعِدُها حَمامُ
ومِنهُ قَوْلٌ الآخَرُ:
؎ ألّا إنَّما الدُنْيا غَضارَةُ أيْكَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا اخْضَرَّ مِنها جانِبٌ جَفَّ جانِبُ
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ مُوَشَّحَةٌ بِالطُرَّتَيْنِ دَنا لَها ∗∗∗ ∗∗∗ جَنى أيْكَةٍ يَضْفُو عَلَيْها قِصارُها
وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ:
؎ وما خَلِيجٌ مِن ذُو حَدَبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَرْمِي الصَعِيدَ بِخُشْبِ الأيِكِ والضالِّ
(p-٣١٤)والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّهُما" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَتَيْنِ اللَتَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، مَدِينَةُ قَوْمِ لُوطٍ، ومَدِينَةُ أصْحابِ الأيْكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَبِيَّيْنِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ في أنَّهُما عَلى طَرِيقٍ مِنَ اللهِ وشَرْعٍ مُبِينٍ.
و"الإمامُ" في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ ويُؤْتَمُّ، يَقُولُونَهُ لِخَيْطِ البِناءِ، وقَدْ يَكُونُ الطَرِيقَ، وقَدْ يَكُونُ الكِتابَ المُفِيدَ، وقَدْ يَكُونُ القِياسَ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ الصُنّاعُ، وقَدْ يَكُونُ الرَجُلَ المُقْتَدى بِهِ، ونَحْوَ هَذا، ومَن رَأى عَوْدَ الضَمِيرِ في "إنَّهُما" عَلى المَدِينَتَيْنِ قالَ: الإمامُ: الطَرِيقُ، وقِيلَ عَلى ذَلِكَ: الإمامُ: الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ إهْلاكَهُما.
و﴿أصْحابُ الحِجْرِ﴾ ثَمُودُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُهُمْ، و"الحِجْرِ" مَدِينَتُهُمْ، وهي ما بَيْنَ المَدِينَةِ وتَبُوكَ، وقالَ: "المُرْسَلِينَ" مِن حَيْثُ يَجِبُ بِتَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبُ الجَمِيعِ، إذِ القَوْلُ في المُعْتَقَداتِ واحِدٌ لِلرُّسُلِ أجْمَعَ، فَهَذِهِ العِبارَةُ أشْنَعُ عَلى المُكَذِّبِينَ.
والآياتُ الَّتِي آتاهُمُ اللهُ هي الناقَةُ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن خَرْقِ العادَةِ حَسْبَ ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وبَسْطُهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَآتَيْناهم آيَتَنا" مُفْرَدَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ﴾ الآيَةُ. يَصِفُ قَوْمَ صالِحٍ بِشِدَّةِ النَظَرِ لِلدُّنْيا والتَكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا أنَّ بُيُوتَهم كانُوا يَنْحِتُونَها في حِجْرِ الجِبالِ، والنَحْتُ: النَقْرُ بِالمَعاوِلِ ونَحْوَها في الحِجارَةِ والعُودِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها وذَلِكَ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وقَوْلُهُ: "آمِنِينَ"، قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ انْهِدامِها، وقِيلَ: مِن حَوادِثَ الدُنْيا، وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَةِ، (p-٣١٥)فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها.
ومَعْنى "مُصْبِحِينَ" أيْ عِنْدِ دُخُولِهِمْ في الصَباحِ، وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ سَبْتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ عَذابِهِمْ ومِيعادُهم وتَغَيُّرُ ألْوانِهِمْ، ولَمْ تُغْنِ عنهم شِدَّةُ نَظَرِهِمْ لِلدُّنْيا وتَكَسُّبِهِمْ شَيْئًا، ولا دَفَعَ عَذابَ اللهِ.
و"ما" الأُولى لِلنَّفْيِ، وتَحْتَمِلُ التَقْرِيرَ، والثانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةُ. المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ المُكْتَسِبِينَ لِلدُّنْيا الَّذِينَ لَمَّ يُغْنِ عنهُمُ اكْتِسابُهم لَيْسُوا في شَيْءٍ، فَإنَّ السَماواتِ والأرْضَ وجَمِيعَ الأشْياءِ لَمْ تُخْلَقْ عَبَثًا ولا سُدًى ولا لِتَكُونَ طاعَةً اللهِ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ ونُظَراؤُهُمْ، وإنَّما خُلِقَتْ بِالحَقِّ، ولِواجِبٍ مَقْصُودٍ وأغْراضٍ لَها نِهاياتٌ مِن عَذابٍ ونَعِيمٍ، وإنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ عَلى جَمِيعِ أُمُورِ الدُنْيا، أيْ: فَلا تَهْتَمُّ يا مُحَمَّدُ بِأعْمالِ قَوْمِكِ، فَإنَّ الجَزاءَ لَهم بِالمِرْصادِ، فاصْفَحْ عن أعْمالِهِمْ، أيْ: ولِّها صَفْحَةَ عُنُقِكَ بِالإعْراضِ عنها، وأكَّدَ الصَفْحَ بِنَعْتِ الجَمالِ إذِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ لا عَتَبَ فِيهِ ولا تَعْرُّضَ. وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي مُهادَنَةً، ونَسْخَها في آيَةِ السَيْفِ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ سَلّاهُ في آخِرِ الآيَةِ بِأنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ مَن شاءَ لِمَن شاءَ، ويَعْلَمُ تَعالى وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ، لا هَذِهِ الأوثانُ الَّتِي تَعْبُدُونَها. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الخَلّاقُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ: "الخالِقُ".
الحجر 15:82
(p-٣١٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عنها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ الساعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾
"الأيْكَةُ": الغَيْضَةُ والشَجَرُ المُلْتَفُّ المُخْضَرُّ، يَكُونُ السِدْرَ ونَحْوَهُ، قالَ قَتادَةُ: رُوِيَ أنَّ أيْكَةَ هَؤُلاءِ كانَتْ مِن شَجَرِ الدُومِ، وقِيلَ: مِنَ المُقْلِ، وقِيلَ: مِنَ السِدْرِ، وكانَ هَؤُلاءِ قُومًا يَسْكُنُونَ غَيْضَةً ويَرْتَفِقُونَ بِها في مَعايِشِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ فَكَفَرُوا، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ فَدامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رَأوا سَحابَةً فَخَرَجُوا فاسْتَظَلُّوا تَحْتَها فاضْطَرَمَتْ عَلَيْهِمْ نارًا، وحَكى الطَبَرِيُّ قالَ: بُعِثَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ كَفَرَتا فَعُذِّبَتا بِعَذابَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أهْلُ مَدْيَنَ عُذِّبُوا بِالصَيْحَةِ، وأصْحابُ الأيْكَةِ عَذَّبُوا بِالظُلَّةِ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في هَذا المَوْضِعِ في إدْخالِ الألِفِ واللامِ عَلى "أيْكَةٍ"، وأكْثَرُهم هَمَزَ ألْفَ "أيْكَةٍ" بَعْدَ اللامِ، ورُوِيَ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ سَهَّلَها ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى اللامِ فَقَرَأ: "الأيْكَةَ" دُونَ هَمْزٍ، واخْتَلَفُوا في سُورَةِ الشُعَراءِ، وفي سُورَةِ ص.
و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما"، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَظالِمِينَ" بِمَعْنى "إلّا"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأيْكُ: جَمْعُ أيْكَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ومِنَ الشاهِدِ عَلى اللَفْظَةِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ:
؎ كَبُكاءِ الحَمامِ عَلى غُصُو.... نِ الأيْكِ في الطَيْرِ الجَوانِحِ
(p-٣١٣)وَقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ وقَفْتُ بِها فَهاجَ الشَوْقُ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ حَمامُ الأيْكِ يُسْعِدُها حَمامُ
ومِنهُ قَوْلٌ الآخَرُ:
؎ ألّا إنَّما الدُنْيا غَضارَةُ أيْكَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا اخْضَرَّ مِنها جانِبٌ جَفَّ جانِبُ
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ مُوَشَّحَةٌ بِالطُرَّتَيْنِ دَنا لَها ∗∗∗ ∗∗∗ جَنى أيْكَةٍ يَضْفُو عَلَيْها قِصارُها
وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ:
؎ وما خَلِيجٌ مِن ذُو حَدَبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَرْمِي الصَعِيدَ بِخُشْبِ الأيِكِ والضالِّ
(p-٣١٤)والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّهُما" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَتَيْنِ اللَتَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، مَدِينَةُ قَوْمِ لُوطٍ، ومَدِينَةُ أصْحابِ الأيْكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَبِيَّيْنِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ في أنَّهُما عَلى طَرِيقٍ مِنَ اللهِ وشَرْعٍ مُبِينٍ.
و"الإمامُ" في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ ويُؤْتَمُّ، يَقُولُونَهُ لِخَيْطِ البِناءِ، وقَدْ يَكُونُ الطَرِيقَ، وقَدْ يَكُونُ الكِتابَ المُفِيدَ، وقَدْ يَكُونُ القِياسَ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ الصُنّاعُ، وقَدْ يَكُونُ الرَجُلَ المُقْتَدى بِهِ، ونَحْوَ هَذا، ومَن رَأى عَوْدَ الضَمِيرِ في "إنَّهُما" عَلى المَدِينَتَيْنِ قالَ: الإمامُ: الطَرِيقُ، وقِيلَ عَلى ذَلِكَ: الإمامُ: الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ إهْلاكَهُما.
و﴿أصْحابُ الحِجْرِ﴾ ثَمُودُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُهُمْ، و"الحِجْرِ" مَدِينَتُهُمْ، وهي ما بَيْنَ المَدِينَةِ وتَبُوكَ، وقالَ: "المُرْسَلِينَ" مِن حَيْثُ يَجِبُ بِتَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبُ الجَمِيعِ، إذِ القَوْلُ في المُعْتَقَداتِ واحِدٌ لِلرُّسُلِ أجْمَعَ، فَهَذِهِ العِبارَةُ أشْنَعُ عَلى المُكَذِّبِينَ.
والآياتُ الَّتِي آتاهُمُ اللهُ هي الناقَةُ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن خَرْقِ العادَةِ حَسْبَ ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وبَسْطُهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَآتَيْناهم آيَتَنا" مُفْرَدَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ﴾ الآيَةُ. يَصِفُ قَوْمَ صالِحٍ بِشِدَّةِ النَظَرِ لِلدُّنْيا والتَكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا أنَّ بُيُوتَهم كانُوا يَنْحِتُونَها في حِجْرِ الجِبالِ، والنَحْتُ: النَقْرُ بِالمَعاوِلِ ونَحْوَها في الحِجارَةِ والعُودِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها وذَلِكَ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وقَوْلُهُ: "آمِنِينَ"، قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ انْهِدامِها، وقِيلَ: مِن حَوادِثَ الدُنْيا، وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَةِ، (p-٣١٥)فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها.
ومَعْنى "مُصْبِحِينَ" أيْ عِنْدِ دُخُولِهِمْ في الصَباحِ، وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ سَبْتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ عَذابِهِمْ ومِيعادُهم وتَغَيُّرُ ألْوانِهِمْ، ولَمْ تُغْنِ عنهم شِدَّةُ نَظَرِهِمْ لِلدُّنْيا وتَكَسُّبِهِمْ شَيْئًا، ولا دَفَعَ عَذابَ اللهِ.
و"ما" الأُولى لِلنَّفْيِ، وتَحْتَمِلُ التَقْرِيرَ، والثانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةُ. المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ المُكْتَسِبِينَ لِلدُّنْيا الَّذِينَ لَمَّ يُغْنِ عنهُمُ اكْتِسابُهم لَيْسُوا في شَيْءٍ، فَإنَّ السَماواتِ والأرْضَ وجَمِيعَ الأشْياءِ لَمْ تُخْلَقْ عَبَثًا ولا سُدًى ولا لِتَكُونَ طاعَةً اللهِ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ ونُظَراؤُهُمْ، وإنَّما خُلِقَتْ بِالحَقِّ، ولِواجِبٍ مَقْصُودٍ وأغْراضٍ لَها نِهاياتٌ مِن عَذابٍ ونَعِيمٍ، وإنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ عَلى جَمِيعِ أُمُورِ الدُنْيا، أيْ: فَلا تَهْتَمُّ يا مُحَمَّدُ بِأعْمالِ قَوْمِكِ، فَإنَّ الجَزاءَ لَهم بِالمِرْصادِ، فاصْفَحْ عن أعْمالِهِمْ، أيْ: ولِّها صَفْحَةَ عُنُقِكَ بِالإعْراضِ عنها، وأكَّدَ الصَفْحَ بِنَعْتِ الجَمالِ إذِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ لا عَتَبَ فِيهِ ولا تَعْرُّضَ. وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي مُهادَنَةً، ونَسْخَها في آيَةِ السَيْفِ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ سَلّاهُ في آخِرِ الآيَةِ بِأنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ مَن شاءَ لِمَن شاءَ، ويَعْلَمُ تَعالى وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ، لا هَذِهِ الأوثانُ الَّتِي تَعْبُدُونَها. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الخَلّاقُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ: "الخالِقُ".
الحجر 15:83
(p-٣١٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عنها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ الساعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾
"الأيْكَةُ": الغَيْضَةُ والشَجَرُ المُلْتَفُّ المُخْضَرُّ، يَكُونُ السِدْرَ ونَحْوَهُ، قالَ قَتادَةُ: رُوِيَ أنَّ أيْكَةَ هَؤُلاءِ كانَتْ مِن شَجَرِ الدُومِ، وقِيلَ: مِنَ المُقْلِ، وقِيلَ: مِنَ السِدْرِ، وكانَ هَؤُلاءِ قُومًا يَسْكُنُونَ غَيْضَةً ويَرْتَفِقُونَ بِها في مَعايِشِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ فَكَفَرُوا، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ فَدامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رَأوا سَحابَةً فَخَرَجُوا فاسْتَظَلُّوا تَحْتَها فاضْطَرَمَتْ عَلَيْهِمْ نارًا، وحَكى الطَبَرِيُّ قالَ: بُعِثَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ كَفَرَتا فَعُذِّبَتا بِعَذابَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أهْلُ مَدْيَنَ عُذِّبُوا بِالصَيْحَةِ، وأصْحابُ الأيْكَةِ عَذَّبُوا بِالظُلَّةِ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في هَذا المَوْضِعِ في إدْخالِ الألِفِ واللامِ عَلى "أيْكَةٍ"، وأكْثَرُهم هَمَزَ ألْفَ "أيْكَةٍ" بَعْدَ اللامِ، ورُوِيَ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ سَهَّلَها ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى اللامِ فَقَرَأ: "الأيْكَةَ" دُونَ هَمْزٍ، واخْتَلَفُوا في سُورَةِ الشُعَراءِ، وفي سُورَةِ ص.
و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما"، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَظالِمِينَ" بِمَعْنى "إلّا"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأيْكُ: جَمْعُ أيْكَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ومِنَ الشاهِدِ عَلى اللَفْظَةِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ:
؎ كَبُكاءِ الحَمامِ عَلى غُصُو.... نِ الأيْكِ في الطَيْرِ الجَوانِحِ
(p-٣١٣)وَقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ وقَفْتُ بِها فَهاجَ الشَوْقُ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ حَمامُ الأيْكِ يُسْعِدُها حَمامُ
ومِنهُ قَوْلٌ الآخَرُ:
؎ ألّا إنَّما الدُنْيا غَضارَةُ أيْكَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا اخْضَرَّ مِنها جانِبٌ جَفَّ جانِبُ
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ مُوَشَّحَةٌ بِالطُرَّتَيْنِ دَنا لَها ∗∗∗ ∗∗∗ جَنى أيْكَةٍ يَضْفُو عَلَيْها قِصارُها
وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ:
؎ وما خَلِيجٌ مِن ذُو حَدَبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَرْمِي الصَعِيدَ بِخُشْبِ الأيِكِ والضالِّ
(p-٣١٤)والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّهُما" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَتَيْنِ اللَتَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، مَدِينَةُ قَوْمِ لُوطٍ، ومَدِينَةُ أصْحابِ الأيْكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَبِيَّيْنِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ في أنَّهُما عَلى طَرِيقٍ مِنَ اللهِ وشَرْعٍ مُبِينٍ.
و"الإمامُ" في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ ويُؤْتَمُّ، يَقُولُونَهُ لِخَيْطِ البِناءِ، وقَدْ يَكُونُ الطَرِيقَ، وقَدْ يَكُونُ الكِتابَ المُفِيدَ، وقَدْ يَكُونُ القِياسَ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ الصُنّاعُ، وقَدْ يَكُونُ الرَجُلَ المُقْتَدى بِهِ، ونَحْوَ هَذا، ومَن رَأى عَوْدَ الضَمِيرِ في "إنَّهُما" عَلى المَدِينَتَيْنِ قالَ: الإمامُ: الطَرِيقُ، وقِيلَ عَلى ذَلِكَ: الإمامُ: الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ إهْلاكَهُما.
و﴿أصْحابُ الحِجْرِ﴾ ثَمُودُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُهُمْ، و"الحِجْرِ" مَدِينَتُهُمْ، وهي ما بَيْنَ المَدِينَةِ وتَبُوكَ، وقالَ: "المُرْسَلِينَ" مِن حَيْثُ يَجِبُ بِتَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبُ الجَمِيعِ، إذِ القَوْلُ في المُعْتَقَداتِ واحِدٌ لِلرُّسُلِ أجْمَعَ، فَهَذِهِ العِبارَةُ أشْنَعُ عَلى المُكَذِّبِينَ.
والآياتُ الَّتِي آتاهُمُ اللهُ هي الناقَةُ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن خَرْقِ العادَةِ حَسْبَ ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وبَسْطُهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَآتَيْناهم آيَتَنا" مُفْرَدَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ﴾ الآيَةُ. يَصِفُ قَوْمَ صالِحٍ بِشِدَّةِ النَظَرِ لِلدُّنْيا والتَكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا أنَّ بُيُوتَهم كانُوا يَنْحِتُونَها في حِجْرِ الجِبالِ، والنَحْتُ: النَقْرُ بِالمَعاوِلِ ونَحْوَها في الحِجارَةِ والعُودِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها وذَلِكَ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وقَوْلُهُ: "آمِنِينَ"، قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ انْهِدامِها، وقِيلَ: مِن حَوادِثَ الدُنْيا، وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَةِ، (p-٣١٥)فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها.
ومَعْنى "مُصْبِحِينَ" أيْ عِنْدِ دُخُولِهِمْ في الصَباحِ، وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ سَبْتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ عَذابِهِمْ ومِيعادُهم وتَغَيُّرُ ألْوانِهِمْ، ولَمْ تُغْنِ عنهم شِدَّةُ نَظَرِهِمْ لِلدُّنْيا وتَكَسُّبِهِمْ شَيْئًا، ولا دَفَعَ عَذابَ اللهِ.
و"ما" الأُولى لِلنَّفْيِ، وتَحْتَمِلُ التَقْرِيرَ، والثانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةُ. المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ المُكْتَسِبِينَ لِلدُّنْيا الَّذِينَ لَمَّ يُغْنِ عنهُمُ اكْتِسابُهم لَيْسُوا في شَيْءٍ، فَإنَّ السَماواتِ والأرْضَ وجَمِيعَ الأشْياءِ لَمْ تُخْلَقْ عَبَثًا ولا سُدًى ولا لِتَكُونَ طاعَةً اللهِ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ ونُظَراؤُهُمْ، وإنَّما خُلِقَتْ بِالحَقِّ، ولِواجِبٍ مَقْصُودٍ وأغْراضٍ لَها نِهاياتٌ مِن عَذابٍ ونَعِيمٍ، وإنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ عَلى جَمِيعِ أُمُورِ الدُنْيا، أيْ: فَلا تَهْتَمُّ يا مُحَمَّدُ بِأعْمالِ قَوْمِكِ، فَإنَّ الجَزاءَ لَهم بِالمِرْصادِ، فاصْفَحْ عن أعْمالِهِمْ، أيْ: ولِّها صَفْحَةَ عُنُقِكَ بِالإعْراضِ عنها، وأكَّدَ الصَفْحَ بِنَعْتِ الجَمالِ إذِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ لا عَتَبَ فِيهِ ولا تَعْرُّضَ. وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي مُهادَنَةً، ونَسْخَها في آيَةِ السَيْفِ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ سَلّاهُ في آخِرِ الآيَةِ بِأنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ مَن شاءَ لِمَن شاءَ، ويَعْلَمُ تَعالى وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ، لا هَذِهِ الأوثانُ الَّتِي تَعْبُدُونَها. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الخَلّاقُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ: "الخالِقُ".
الحجر 15:84
(p-٣١٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عنها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ الساعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾
"الأيْكَةُ": الغَيْضَةُ والشَجَرُ المُلْتَفُّ المُخْضَرُّ، يَكُونُ السِدْرَ ونَحْوَهُ، قالَ قَتادَةُ: رُوِيَ أنَّ أيْكَةَ هَؤُلاءِ كانَتْ مِن شَجَرِ الدُومِ، وقِيلَ: مِنَ المُقْلِ، وقِيلَ: مِنَ السِدْرِ، وكانَ هَؤُلاءِ قُومًا يَسْكُنُونَ غَيْضَةً ويَرْتَفِقُونَ بِها في مَعايِشِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ فَكَفَرُوا، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ فَدامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رَأوا سَحابَةً فَخَرَجُوا فاسْتَظَلُّوا تَحْتَها فاضْطَرَمَتْ عَلَيْهِمْ نارًا، وحَكى الطَبَرِيُّ قالَ: بُعِثَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ كَفَرَتا فَعُذِّبَتا بِعَذابَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أهْلُ مَدْيَنَ عُذِّبُوا بِالصَيْحَةِ، وأصْحابُ الأيْكَةِ عَذَّبُوا بِالظُلَّةِ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في هَذا المَوْضِعِ في إدْخالِ الألِفِ واللامِ عَلى "أيْكَةٍ"، وأكْثَرُهم هَمَزَ ألْفَ "أيْكَةٍ" بَعْدَ اللامِ، ورُوِيَ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ سَهَّلَها ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى اللامِ فَقَرَأ: "الأيْكَةَ" دُونَ هَمْزٍ، واخْتَلَفُوا في سُورَةِ الشُعَراءِ، وفي سُورَةِ ص.
و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما"، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَظالِمِينَ" بِمَعْنى "إلّا"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأيْكُ: جَمْعُ أيْكَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ومِنَ الشاهِدِ عَلى اللَفْظَةِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ:
؎ كَبُكاءِ الحَمامِ عَلى غُصُو.... نِ الأيْكِ في الطَيْرِ الجَوانِحِ
(p-٣١٣)وَقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ وقَفْتُ بِها فَهاجَ الشَوْقُ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ حَمامُ الأيْكِ يُسْعِدُها حَمامُ
ومِنهُ قَوْلٌ الآخَرُ:
؎ ألّا إنَّما الدُنْيا غَضارَةُ أيْكَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا اخْضَرَّ مِنها جانِبٌ جَفَّ جانِبُ
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ مُوَشَّحَةٌ بِالطُرَّتَيْنِ دَنا لَها ∗∗∗ ∗∗∗ جَنى أيْكَةٍ يَضْفُو عَلَيْها قِصارُها
وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ:
؎ وما خَلِيجٌ مِن ذُو حَدَبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَرْمِي الصَعِيدَ بِخُشْبِ الأيِكِ والضالِّ
(p-٣١٤)والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّهُما" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَتَيْنِ اللَتَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، مَدِينَةُ قَوْمِ لُوطٍ، ومَدِينَةُ أصْحابِ الأيْكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَبِيَّيْنِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ في أنَّهُما عَلى طَرِيقٍ مِنَ اللهِ وشَرْعٍ مُبِينٍ.
و"الإمامُ" في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ ويُؤْتَمُّ، يَقُولُونَهُ لِخَيْطِ البِناءِ، وقَدْ يَكُونُ الطَرِيقَ، وقَدْ يَكُونُ الكِتابَ المُفِيدَ، وقَدْ يَكُونُ القِياسَ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ الصُنّاعُ، وقَدْ يَكُونُ الرَجُلَ المُقْتَدى بِهِ، ونَحْوَ هَذا، ومَن رَأى عَوْدَ الضَمِيرِ في "إنَّهُما" عَلى المَدِينَتَيْنِ قالَ: الإمامُ: الطَرِيقُ، وقِيلَ عَلى ذَلِكَ: الإمامُ: الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ إهْلاكَهُما.
و﴿أصْحابُ الحِجْرِ﴾ ثَمُودُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُهُمْ، و"الحِجْرِ" مَدِينَتُهُمْ، وهي ما بَيْنَ المَدِينَةِ وتَبُوكَ، وقالَ: "المُرْسَلِينَ" مِن حَيْثُ يَجِبُ بِتَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبُ الجَمِيعِ، إذِ القَوْلُ في المُعْتَقَداتِ واحِدٌ لِلرُّسُلِ أجْمَعَ، فَهَذِهِ العِبارَةُ أشْنَعُ عَلى المُكَذِّبِينَ.
والآياتُ الَّتِي آتاهُمُ اللهُ هي الناقَةُ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن خَرْقِ العادَةِ حَسْبَ ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وبَسْطُهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَآتَيْناهم آيَتَنا" مُفْرَدَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ﴾ الآيَةُ. يَصِفُ قَوْمَ صالِحٍ بِشِدَّةِ النَظَرِ لِلدُّنْيا والتَكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا أنَّ بُيُوتَهم كانُوا يَنْحِتُونَها في حِجْرِ الجِبالِ، والنَحْتُ: النَقْرُ بِالمَعاوِلِ ونَحْوَها في الحِجارَةِ والعُودِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها وذَلِكَ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وقَوْلُهُ: "آمِنِينَ"، قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ انْهِدامِها، وقِيلَ: مِن حَوادِثَ الدُنْيا، وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَةِ، (p-٣١٥)فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها.
ومَعْنى "مُصْبِحِينَ" أيْ عِنْدِ دُخُولِهِمْ في الصَباحِ، وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ سَبْتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ عَذابِهِمْ ومِيعادُهم وتَغَيُّرُ ألْوانِهِمْ، ولَمْ تُغْنِ عنهم شِدَّةُ نَظَرِهِمْ لِلدُّنْيا وتَكَسُّبِهِمْ شَيْئًا، ولا دَفَعَ عَذابَ اللهِ.
و"ما" الأُولى لِلنَّفْيِ، وتَحْتَمِلُ التَقْرِيرَ، والثانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةُ. المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ المُكْتَسِبِينَ لِلدُّنْيا الَّذِينَ لَمَّ يُغْنِ عنهُمُ اكْتِسابُهم لَيْسُوا في شَيْءٍ، فَإنَّ السَماواتِ والأرْضَ وجَمِيعَ الأشْياءِ لَمْ تُخْلَقْ عَبَثًا ولا سُدًى ولا لِتَكُونَ طاعَةً اللهِ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ ونُظَراؤُهُمْ، وإنَّما خُلِقَتْ بِالحَقِّ، ولِواجِبٍ مَقْصُودٍ وأغْراضٍ لَها نِهاياتٌ مِن عَذابٍ ونَعِيمٍ، وإنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ عَلى جَمِيعِ أُمُورِ الدُنْيا، أيْ: فَلا تَهْتَمُّ يا مُحَمَّدُ بِأعْمالِ قَوْمِكِ، فَإنَّ الجَزاءَ لَهم بِالمِرْصادِ، فاصْفَحْ عن أعْمالِهِمْ، أيْ: ولِّها صَفْحَةَ عُنُقِكَ بِالإعْراضِ عنها، وأكَّدَ الصَفْحَ بِنَعْتِ الجَمالِ إذِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ لا عَتَبَ فِيهِ ولا تَعْرُّضَ. وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي مُهادَنَةً، ونَسْخَها في آيَةِ السَيْفِ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ سَلّاهُ في آخِرِ الآيَةِ بِأنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ مَن شاءَ لِمَن شاءَ، ويَعْلَمُ تَعالى وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ، لا هَذِهِ الأوثانُ الَّتِي تَعْبُدُونَها. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الخَلّاقُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ: "الخالِقُ".
الحجر 15:85
(p-٣١٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عنها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ الساعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾
"الأيْكَةُ": الغَيْضَةُ والشَجَرُ المُلْتَفُّ المُخْضَرُّ، يَكُونُ السِدْرَ ونَحْوَهُ، قالَ قَتادَةُ: رُوِيَ أنَّ أيْكَةَ هَؤُلاءِ كانَتْ مِن شَجَرِ الدُومِ، وقِيلَ: مِنَ المُقْلِ، وقِيلَ: مِنَ السِدْرِ، وكانَ هَؤُلاءِ قُومًا يَسْكُنُونَ غَيْضَةً ويَرْتَفِقُونَ بِها في مَعايِشِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ فَكَفَرُوا، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ فَدامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رَأوا سَحابَةً فَخَرَجُوا فاسْتَظَلُّوا تَحْتَها فاضْطَرَمَتْ عَلَيْهِمْ نارًا، وحَكى الطَبَرِيُّ قالَ: بُعِثَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ كَفَرَتا فَعُذِّبَتا بِعَذابَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أهْلُ مَدْيَنَ عُذِّبُوا بِالصَيْحَةِ، وأصْحابُ الأيْكَةِ عَذَّبُوا بِالظُلَّةِ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في هَذا المَوْضِعِ في إدْخالِ الألِفِ واللامِ عَلى "أيْكَةٍ"، وأكْثَرُهم هَمَزَ ألْفَ "أيْكَةٍ" بَعْدَ اللامِ، ورُوِيَ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ سَهَّلَها ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى اللامِ فَقَرَأ: "الأيْكَةَ" دُونَ هَمْزٍ، واخْتَلَفُوا في سُورَةِ الشُعَراءِ، وفي سُورَةِ ص.
و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما"، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَظالِمِينَ" بِمَعْنى "إلّا"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأيْكُ: جَمْعُ أيْكَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ومِنَ الشاهِدِ عَلى اللَفْظَةِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ:
؎ كَبُكاءِ الحَمامِ عَلى غُصُو.... نِ الأيْكِ في الطَيْرِ الجَوانِحِ
(p-٣١٣)وَقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ وقَفْتُ بِها فَهاجَ الشَوْقُ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ حَمامُ الأيْكِ يُسْعِدُها حَمامُ
ومِنهُ قَوْلٌ الآخَرُ:
؎ ألّا إنَّما الدُنْيا غَضارَةُ أيْكَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا اخْضَرَّ مِنها جانِبٌ جَفَّ جانِبُ
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ مُوَشَّحَةٌ بِالطُرَّتَيْنِ دَنا لَها ∗∗∗ ∗∗∗ جَنى أيْكَةٍ يَضْفُو عَلَيْها قِصارُها
وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ:
؎ وما خَلِيجٌ مِن ذُو حَدَبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَرْمِي الصَعِيدَ بِخُشْبِ الأيِكِ والضالِّ
(p-٣١٤)والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّهُما" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَتَيْنِ اللَتَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، مَدِينَةُ قَوْمِ لُوطٍ، ومَدِينَةُ أصْحابِ الأيْكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَبِيَّيْنِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ في أنَّهُما عَلى طَرِيقٍ مِنَ اللهِ وشَرْعٍ مُبِينٍ.
و"الإمامُ" في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ ويُؤْتَمُّ، يَقُولُونَهُ لِخَيْطِ البِناءِ، وقَدْ يَكُونُ الطَرِيقَ، وقَدْ يَكُونُ الكِتابَ المُفِيدَ، وقَدْ يَكُونُ القِياسَ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ الصُنّاعُ، وقَدْ يَكُونُ الرَجُلَ المُقْتَدى بِهِ، ونَحْوَ هَذا، ومَن رَأى عَوْدَ الضَمِيرِ في "إنَّهُما" عَلى المَدِينَتَيْنِ قالَ: الإمامُ: الطَرِيقُ، وقِيلَ عَلى ذَلِكَ: الإمامُ: الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ إهْلاكَهُما.
و﴿أصْحابُ الحِجْرِ﴾ ثَمُودُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُهُمْ، و"الحِجْرِ" مَدِينَتُهُمْ، وهي ما بَيْنَ المَدِينَةِ وتَبُوكَ، وقالَ: "المُرْسَلِينَ" مِن حَيْثُ يَجِبُ بِتَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبُ الجَمِيعِ، إذِ القَوْلُ في المُعْتَقَداتِ واحِدٌ لِلرُّسُلِ أجْمَعَ، فَهَذِهِ العِبارَةُ أشْنَعُ عَلى المُكَذِّبِينَ.
والآياتُ الَّتِي آتاهُمُ اللهُ هي الناقَةُ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن خَرْقِ العادَةِ حَسْبَ ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وبَسْطُهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَآتَيْناهم آيَتَنا" مُفْرَدَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ﴾ الآيَةُ. يَصِفُ قَوْمَ صالِحٍ بِشِدَّةِ النَظَرِ لِلدُّنْيا والتَكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا أنَّ بُيُوتَهم كانُوا يَنْحِتُونَها في حِجْرِ الجِبالِ، والنَحْتُ: النَقْرُ بِالمَعاوِلِ ونَحْوَها في الحِجارَةِ والعُودِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها وذَلِكَ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وقَوْلُهُ: "آمِنِينَ"، قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ انْهِدامِها، وقِيلَ: مِن حَوادِثَ الدُنْيا، وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَةِ، (p-٣١٥)فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها.
ومَعْنى "مُصْبِحِينَ" أيْ عِنْدِ دُخُولِهِمْ في الصَباحِ، وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ سَبْتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ عَذابِهِمْ ومِيعادُهم وتَغَيُّرُ ألْوانِهِمْ، ولَمْ تُغْنِ عنهم شِدَّةُ نَظَرِهِمْ لِلدُّنْيا وتَكَسُّبِهِمْ شَيْئًا، ولا دَفَعَ عَذابَ اللهِ.
و"ما" الأُولى لِلنَّفْيِ، وتَحْتَمِلُ التَقْرِيرَ، والثانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةُ. المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ المُكْتَسِبِينَ لِلدُّنْيا الَّذِينَ لَمَّ يُغْنِ عنهُمُ اكْتِسابُهم لَيْسُوا في شَيْءٍ، فَإنَّ السَماواتِ والأرْضَ وجَمِيعَ الأشْياءِ لَمْ تُخْلَقْ عَبَثًا ولا سُدًى ولا لِتَكُونَ طاعَةً اللهِ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ ونُظَراؤُهُمْ، وإنَّما خُلِقَتْ بِالحَقِّ، ولِواجِبٍ مَقْصُودٍ وأغْراضٍ لَها نِهاياتٌ مِن عَذابٍ ونَعِيمٍ، وإنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ عَلى جَمِيعِ أُمُورِ الدُنْيا، أيْ: فَلا تَهْتَمُّ يا مُحَمَّدُ بِأعْمالِ قَوْمِكِ، فَإنَّ الجَزاءَ لَهم بِالمِرْصادِ، فاصْفَحْ عن أعْمالِهِمْ، أيْ: ولِّها صَفْحَةَ عُنُقِكَ بِالإعْراضِ عنها، وأكَّدَ الصَفْحَ بِنَعْتِ الجَمالِ إذِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ لا عَتَبَ فِيهِ ولا تَعْرُّضَ. وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي مُهادَنَةً، ونَسْخَها في آيَةِ السَيْفِ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ سَلّاهُ في آخِرِ الآيَةِ بِأنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ مَن شاءَ لِمَن شاءَ، ويَعْلَمُ تَعالى وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ، لا هَذِهِ الأوثانُ الَّتِي تَعْبُدُونَها. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الخَلّاقُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ: "الخالِقُ".
الحجر 15:86
(p-٣١٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عنها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ الساعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾
"الأيْكَةُ": الغَيْضَةُ والشَجَرُ المُلْتَفُّ المُخْضَرُّ، يَكُونُ السِدْرَ ونَحْوَهُ، قالَ قَتادَةُ: رُوِيَ أنَّ أيْكَةَ هَؤُلاءِ كانَتْ مِن شَجَرِ الدُومِ، وقِيلَ: مِنَ المُقْلِ، وقِيلَ: مِنَ السِدْرِ، وكانَ هَؤُلاءِ قُومًا يَسْكُنُونَ غَيْضَةً ويَرْتَفِقُونَ بِها في مَعايِشِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ فَكَفَرُوا، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ فَدامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رَأوا سَحابَةً فَخَرَجُوا فاسْتَظَلُّوا تَحْتَها فاضْطَرَمَتْ عَلَيْهِمْ نارًا، وحَكى الطَبَرِيُّ قالَ: بُعِثَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ كَفَرَتا فَعُذِّبَتا بِعَذابَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أهْلُ مَدْيَنَ عُذِّبُوا بِالصَيْحَةِ، وأصْحابُ الأيْكَةِ عَذَّبُوا بِالظُلَّةِ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في هَذا المَوْضِعِ في إدْخالِ الألِفِ واللامِ عَلى "أيْكَةٍ"، وأكْثَرُهم هَمَزَ ألْفَ "أيْكَةٍ" بَعْدَ اللامِ، ورُوِيَ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ سَهَّلَها ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى اللامِ فَقَرَأ: "الأيْكَةَ" دُونَ هَمْزٍ، واخْتَلَفُوا في سُورَةِ الشُعَراءِ، وفي سُورَةِ ص.
و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما"، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَظالِمِينَ" بِمَعْنى "إلّا"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأيْكُ: جَمْعُ أيْكَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ومِنَ الشاهِدِ عَلى اللَفْظَةِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ:
؎ كَبُكاءِ الحَمامِ عَلى غُصُو.... نِ الأيْكِ في الطَيْرِ الجَوانِحِ
(p-٣١٣)وَقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ وقَفْتُ بِها فَهاجَ الشَوْقُ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ حَمامُ الأيْكِ يُسْعِدُها حَمامُ
ومِنهُ قَوْلٌ الآخَرُ:
؎ ألّا إنَّما الدُنْيا غَضارَةُ أيْكَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا اخْضَرَّ مِنها جانِبٌ جَفَّ جانِبُ
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ مُوَشَّحَةٌ بِالطُرَّتَيْنِ دَنا لَها ∗∗∗ ∗∗∗ جَنى أيْكَةٍ يَضْفُو عَلَيْها قِصارُها
وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ:
؎ وما خَلِيجٌ مِن ذُو حَدَبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَرْمِي الصَعِيدَ بِخُشْبِ الأيِكِ والضالِّ
(p-٣١٤)والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّهُما" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَتَيْنِ اللَتَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، مَدِينَةُ قَوْمِ لُوطٍ، ومَدِينَةُ أصْحابِ الأيْكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَبِيَّيْنِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ في أنَّهُما عَلى طَرِيقٍ مِنَ اللهِ وشَرْعٍ مُبِينٍ.
و"الإمامُ" في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ ويُؤْتَمُّ، يَقُولُونَهُ لِخَيْطِ البِناءِ، وقَدْ يَكُونُ الطَرِيقَ، وقَدْ يَكُونُ الكِتابَ المُفِيدَ، وقَدْ يَكُونُ القِياسَ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ الصُنّاعُ، وقَدْ يَكُونُ الرَجُلَ المُقْتَدى بِهِ، ونَحْوَ هَذا، ومَن رَأى عَوْدَ الضَمِيرِ في "إنَّهُما" عَلى المَدِينَتَيْنِ قالَ: الإمامُ: الطَرِيقُ، وقِيلَ عَلى ذَلِكَ: الإمامُ: الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ إهْلاكَهُما.
و﴿أصْحابُ الحِجْرِ﴾ ثَمُودُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُهُمْ، و"الحِجْرِ" مَدِينَتُهُمْ، وهي ما بَيْنَ المَدِينَةِ وتَبُوكَ، وقالَ: "المُرْسَلِينَ" مِن حَيْثُ يَجِبُ بِتَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبُ الجَمِيعِ، إذِ القَوْلُ في المُعْتَقَداتِ واحِدٌ لِلرُّسُلِ أجْمَعَ، فَهَذِهِ العِبارَةُ أشْنَعُ عَلى المُكَذِّبِينَ.
والآياتُ الَّتِي آتاهُمُ اللهُ هي الناقَةُ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن خَرْقِ العادَةِ حَسْبَ ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وبَسْطُهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَآتَيْناهم آيَتَنا" مُفْرَدَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ﴾ الآيَةُ. يَصِفُ قَوْمَ صالِحٍ بِشِدَّةِ النَظَرِ لِلدُّنْيا والتَكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا أنَّ بُيُوتَهم كانُوا يَنْحِتُونَها في حِجْرِ الجِبالِ، والنَحْتُ: النَقْرُ بِالمَعاوِلِ ونَحْوَها في الحِجارَةِ والعُودِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها وذَلِكَ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وقَوْلُهُ: "آمِنِينَ"، قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ انْهِدامِها، وقِيلَ: مِن حَوادِثَ الدُنْيا، وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَةِ، (p-٣١٥)فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها.
ومَعْنى "مُصْبِحِينَ" أيْ عِنْدِ دُخُولِهِمْ في الصَباحِ، وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ سَبْتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ عَذابِهِمْ ومِيعادُهم وتَغَيُّرُ ألْوانِهِمْ، ولَمْ تُغْنِ عنهم شِدَّةُ نَظَرِهِمْ لِلدُّنْيا وتَكَسُّبِهِمْ شَيْئًا، ولا دَفَعَ عَذابَ اللهِ.
و"ما" الأُولى لِلنَّفْيِ، وتَحْتَمِلُ التَقْرِيرَ، والثانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةُ. المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ المُكْتَسِبِينَ لِلدُّنْيا الَّذِينَ لَمَّ يُغْنِ عنهُمُ اكْتِسابُهم لَيْسُوا في شَيْءٍ، فَإنَّ السَماواتِ والأرْضَ وجَمِيعَ الأشْياءِ لَمْ تُخْلَقْ عَبَثًا ولا سُدًى ولا لِتَكُونَ طاعَةً اللهِ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ ونُظَراؤُهُمْ، وإنَّما خُلِقَتْ بِالحَقِّ، ولِواجِبٍ مَقْصُودٍ وأغْراضٍ لَها نِهاياتٌ مِن عَذابٍ ونَعِيمٍ، وإنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ عَلى جَمِيعِ أُمُورِ الدُنْيا، أيْ: فَلا تَهْتَمُّ يا مُحَمَّدُ بِأعْمالِ قَوْمِكِ، فَإنَّ الجَزاءَ لَهم بِالمِرْصادِ، فاصْفَحْ عن أعْمالِهِمْ، أيْ: ولِّها صَفْحَةَ عُنُقِكَ بِالإعْراضِ عنها، وأكَّدَ الصَفْحَ بِنَعْتِ الجَمالِ إذِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ لا عَتَبَ فِيهِ ولا تَعْرُّضَ. وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي مُهادَنَةً، ونَسْخَها في آيَةِ السَيْفِ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ سَلّاهُ في آخِرِ الآيَةِ بِأنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ مَن شاءَ لِمَن شاءَ، ويَعْلَمُ تَعالى وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ، لا هَذِهِ الأوثانُ الَّتِي تَعْبُدُونَها. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الخَلّاقُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ: "الخالِقُ".
الحجر 15:87
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ﴾ ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: السَبْعُ هُنا هي السَبْعُ الطِوالُ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، (p-٣١٦)والمص، والأنْفالُ مَعَ بَراءَةَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بَلِ السابِعَةُ يُونُسَ: ولَيْسَتِ الأنْفالُ وبَراءَةُ مِنها. و"المَثانِي" - عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- القُرْآنُ كُلُّهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّ القَصَصَ والأخْبارَ تَثَنّى فِيهِ وتَرَدَّدَ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي مَلِيكَةَ، وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وجَماعَةٌ: السَبْعُ هُنا هي آياتُ الحَمْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنَّ سَبْعٌ بِالبَسْمَلَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: هُنَّ سَبْعٌ دُونَ البَسْمَلَةِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ونَصُّهُ: «قالَ أُبَيٌّ: قالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: "ألّا أُعَلِّمُكَ يا أُبَيُّ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلَها" ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "إنِّي لِأرْجُوَ أنْ لا تَخْرُجُ مِن ذَلِكَ البابِ حَتّى تَعْلَمَها"، فَقامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقُمْتُ مَعَهُ، ويَدِي في يَدِهِ، وجَعَلَتْ أُبْطِئُ مَخافَةَ أنْ أخْرُجَ، فَلَمّا دَنَوْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، السُورَةُ الَّتِي وعَدْتَنِيها؟ فَقالَ: "كَيْفَ تَقْرَأُ إذا قُمْتَ في الصَلاةِ؟" قالَ: فَقَرَأتْ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] حَتّى أكْمَلْتُ فاتِحَةَ الكِتابِ، فَقالَ: "هِيَ هِيَ، وهي السَبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُ"،» كَذا أو نَحْوَهُ، ذَكَرَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، وهو مَرْوِيٌّ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ عن أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى أيْضًا. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ « "أنَّها السَبْعُ المَثانِي، وأُمُّ القُرْآنِ، وفاتِحَةُ الكِتابِ"،» وفي كِتابِ الزَهْراوِيِّ: "وَلَيْسَ فِيها بَسْمَلَةٌ". و"المَثانِي" -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القُرْآنَ، فَـ "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ الحَمْدَ نَفْسَها، كَما قالَ: ﴿الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ﴾ [الحج: ٣٠] فَـ "مِنَ" لِبَيانِ الجِنْسِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها يُثْنى بِها عَلى اللهِ تَعالى، جَوَّزَهُ الزُجاجُ، وفي هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ التَصْرِيفِ نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُمِّيَتْ (p-٣١٧)بِذَلِكَ لَأنَّ اللهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُعْطِها لِغَيْرِها، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "المَثانِي"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ "سَبْعًا".
وقالَ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "سَبْعًا" أيْ سَبْعَ مَعانٍ مِنَ القُرْآنِ خَوَّلْناكَ فِيها شَرَفَ المَنزِلَةِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وهِيَ: مُرْ، وانْهَ، وبَشِّرْ، وأنْذِرْ، واضْرِبِ الأمْثالَ، واعْدُدِ النِعَمَ، وفُضَّ الغُيُوبَ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: السَبْعُ المَثانِي هي آيَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ، وقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ وما نَزَلَ مِنَ السَبْعِ الطَوالِ شَيْءٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآيَةُ. حَكى الطَبَرِيُّ عن سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ بِالِاسْتِغْناءِ بِكِتابِ اللهِ عن جَمِيعِ زِينَةِ الدُنْيا، وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ"،» أيْ: يَسْتَغْنِي بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناكَ عَظِيمًا خَطِيرًا، فَلا تَنْظُرْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الدُنْيا وزِينَتِها الَّتِي مَتَّعْنا بِها أنْواعًا مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أُوتِيَ القُرْآنَ فَرَأى أنَّ أحَدًا أُعْطِيَ أفْضَلَ مِمّا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيرًا وصَغَّرَ عَظِيمًا"،» وكَأنَّ مَدَّ العَيْنِ يَقْتَرِنُ بِهِ تَمَنٍّ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ المَيْلِ إلى زِينَةِ الدُنْيا بِمَدِّ العَيْنِ. و"الأزْواجُ" هُنا: الأنْواعُ والأشْباهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: لا تَتَأسَّفْ لِكُفْرِهِمْ وهَلاكِهِمْ، واصْرِفْ وجْهَكَ وتَحَفِّيَكَ إلى مَن آمَنَ بِكَ، واخْفِضْ لَهم جَناحَكَ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى: لَيِّنْ جَناحَكَ (p-٣١٨)وَوَطِئَ أكْنافَكَ. و"الجَناحُ": الجانِبُ والجَنْبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ [طه: ٢٢]، فَهو أمْرٌ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ، والجُنُوحُ: المَيْلُ.
﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ﴾، أيْ: تَمَسَّكْ بِهَذا القَدْرِ العَظِيمِ الَّذِي وهَبْناكَ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَما" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ بِعَذابٍ كالَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ، والكافُ اسْمٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وهو عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لَأنَّ "كَما" لَيْسَتْ مِمّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، بَلْ هو مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَيَنْفَصِلُ الكَلامُ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ هَذا القَوْلُ بِأنْ نُقَدِّرَ أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لَهُ: تُنْذِرُ عَذابًا كَما، والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما قالَ قَبْلَكَ رُسُلُنا، وأنْزَلَنا عَلَيْهِمْ كَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا، وهَذا عَلى أنَّ "المُقْتَسِمِينَ" أهْلُ الكِتابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "المُقْتَسِمِينَ". مَن هُمْ؟ -فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمُ صالِحٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهَّلَهُ، فالمُقْتَسِمُونَ -عَلى هَذا- مِنَ القَسَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُقْلِقُ هَذا التَأْوِيلُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُقْتَسِمُونَ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ، وجُعِلُوا كِتابَ اللهِ أعْضاءً، آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وقالَ نَحْوَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُقْتَسِمُونَ هم مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا الطُرُقَ وقْتَ المَواسِمِ لِيُعَرِّفُوا الناسَ بِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وجَعَلُوا القُرْآنَ سِحْرًا وشِعْرًا وكِهانَةً، فَعَضَهُوهُ بِهَذا وعَضُّوهُ أعْضاءً بِهَذا التَقْسِيمِ.
(p-٣١٩)وَقالَ عِكْرِمَةُ: المُقْتَسِمُونَ هم قَوْمٌ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِسُوَرِ القُرْآنِ، ويَقُولُ الرَجُلُ مِنهُمْ: هَذِهِ السُورَةُ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: وهَذِهِ لِي.
وقَوْلُهُ: "عِضِينَ" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"جَعَلُوا" بِمَعْنى "صَيَّرُوا"، أيْ بِألْسِنَتِهِمْ ودَعْواهُمْ، وأظْهَرَ ما فِيهِ أنَّهُ جَمْعُ عِضَةٍ، وهي الفِرْقَةُ مِنَ الشَيْءِ، والجَماعَةُ مِنَ الناسِ كَثُبَةٍ وثُبِينَ، وعِزَةٍ وعِزِينَ، وأصْلُها عِضَهَةٌ وثُوبَةٌ، فالياءُ والنُونُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، كَما قالُوا سَنَةُ وسُنُونَ، إذْ أصْلُها سَنْهَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ الأعْضاءِ، أيْ عَضَّوْهُ فَجَعَلُوهُ أقْسامًا وأعْضاءً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ ولَيْسَ دِينُ اللهِ بِالمُعَضّى.
وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ قَتادَةُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ العَضَهِ وهو السَبُّ المُفْحِشُ، فَقُرَيْشٌ عَضَهُوا كِتابَ اللهِ بِقَوْلِهِمْ: هو شِعْرٌ، هو سِحْرٌ، هو كِهانَةٌ، وهَذا هو اخْتِيارُ الكِسائِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عِضِينَ" جَمْعُ عِضَةٍ، وهي اسْمٌ لِلسِّحْرِ خاصَّةً بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ لِلْماءِ مِن عِضاتِهِنَّ زَمْزَمَهْ.
وقالَ هَذا القَوْلَ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ: العَضَهُ: السِحْرُ، (p-٣٢٠)وَهم يَقُولُونَ لِلسّاحِرَةِ: العاضِهَةُ، وفي الحَدِيثِ: « "لَعَنَ اللهُ العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ"،» وهو اخْتِيارُ الفِراءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومِن قالَ: "جَعَلُوهُ أعْضاءً" فَإنَّما أرادَ: قَسَّمُوهُ كَما تُقَسَّمُ الجَزُورُ أعْضاءً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، ضَمِيرٌ عامٌّ، ووَعِيدٌ مَحْضٌ يَأْخُذُ كُلَّ أحَدٍ مِنهُ بِحَسْبِ جُرْمِهِ وعِصْيانِهِ، فالكافِرُ يُسْألُ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وعَنِ الرُسُلِ، وعن كُفْرِهِ وقَصْدِهِ، والمُؤْمِنُ العاصِي يُسْألُ عن تَضْيِيعِهِ، والإمامُ عن رَعِيَّتِهِ، وكُلُّ مُكَلَّفٍ عَمّا كُلِّفَ القِيامَ بِهِ، وفي هَذا أحادِيثُ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يُسْألُ العِبادُ كُلُّهم عن خَلَّتَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ. عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، وبِماذا أجابُوا المُرْسَلِينَ. وقالَ في تَفْسِيرِها أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: إنَّ السُؤالَ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قالَ: يُقالُ لَهُمْ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذا وكَذا؟ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] مَعْناهُ: لا يُقالُ لَهُ: ما أذْنَبْتَ؟ لَأنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمُ بِذَنْبِهِ مِنهُ، ونَفْيُ السُؤالِ هو نَفْيُ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، وإيجابُ السُؤالِ هو عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ لَهم والتَوْبِيخِ.
الحجر 15:88
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ﴾ ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: السَبْعُ هُنا هي السَبْعُ الطِوالُ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، (p-٣١٦)والمص، والأنْفالُ مَعَ بَراءَةَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بَلِ السابِعَةُ يُونُسَ: ولَيْسَتِ الأنْفالُ وبَراءَةُ مِنها. و"المَثانِي" - عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- القُرْآنُ كُلُّهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّ القَصَصَ والأخْبارَ تَثَنّى فِيهِ وتَرَدَّدَ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي مَلِيكَةَ، وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وجَماعَةٌ: السَبْعُ هُنا هي آياتُ الحَمْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنَّ سَبْعٌ بِالبَسْمَلَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: هُنَّ سَبْعٌ دُونَ البَسْمَلَةِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ونَصُّهُ: «قالَ أُبَيٌّ: قالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: "ألّا أُعَلِّمُكَ يا أُبَيُّ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلَها" ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "إنِّي لِأرْجُوَ أنْ لا تَخْرُجُ مِن ذَلِكَ البابِ حَتّى تَعْلَمَها"، فَقامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقُمْتُ مَعَهُ، ويَدِي في يَدِهِ، وجَعَلَتْ أُبْطِئُ مَخافَةَ أنْ أخْرُجَ، فَلَمّا دَنَوْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، السُورَةُ الَّتِي وعَدْتَنِيها؟ فَقالَ: "كَيْفَ تَقْرَأُ إذا قُمْتَ في الصَلاةِ؟" قالَ: فَقَرَأتْ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] حَتّى أكْمَلْتُ فاتِحَةَ الكِتابِ، فَقالَ: "هِيَ هِيَ، وهي السَبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُ"،» كَذا أو نَحْوَهُ، ذَكَرَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، وهو مَرْوِيٌّ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ عن أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى أيْضًا. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ « "أنَّها السَبْعُ المَثانِي، وأُمُّ القُرْآنِ، وفاتِحَةُ الكِتابِ"،» وفي كِتابِ الزَهْراوِيِّ: "وَلَيْسَ فِيها بَسْمَلَةٌ". و"المَثانِي" -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القُرْآنَ، فَـ "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ الحَمْدَ نَفْسَها، كَما قالَ: ﴿الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ﴾ [الحج: ٣٠] فَـ "مِنَ" لِبَيانِ الجِنْسِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها يُثْنى بِها عَلى اللهِ تَعالى، جَوَّزَهُ الزُجاجُ، وفي هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ التَصْرِيفِ نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُمِّيَتْ (p-٣١٧)بِذَلِكَ لَأنَّ اللهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُعْطِها لِغَيْرِها، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "المَثانِي"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ "سَبْعًا".
وقالَ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "سَبْعًا" أيْ سَبْعَ مَعانٍ مِنَ القُرْآنِ خَوَّلْناكَ فِيها شَرَفَ المَنزِلَةِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وهِيَ: مُرْ، وانْهَ، وبَشِّرْ، وأنْذِرْ، واضْرِبِ الأمْثالَ، واعْدُدِ النِعَمَ، وفُضَّ الغُيُوبَ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: السَبْعُ المَثانِي هي آيَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ، وقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ وما نَزَلَ مِنَ السَبْعِ الطَوالِ شَيْءٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآيَةُ. حَكى الطَبَرِيُّ عن سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ بِالِاسْتِغْناءِ بِكِتابِ اللهِ عن جَمِيعِ زِينَةِ الدُنْيا، وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ"،» أيْ: يَسْتَغْنِي بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناكَ عَظِيمًا خَطِيرًا، فَلا تَنْظُرْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الدُنْيا وزِينَتِها الَّتِي مَتَّعْنا بِها أنْواعًا مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أُوتِيَ القُرْآنَ فَرَأى أنَّ أحَدًا أُعْطِيَ أفْضَلَ مِمّا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيرًا وصَغَّرَ عَظِيمًا"،» وكَأنَّ مَدَّ العَيْنِ يَقْتَرِنُ بِهِ تَمَنٍّ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ المَيْلِ إلى زِينَةِ الدُنْيا بِمَدِّ العَيْنِ. و"الأزْواجُ" هُنا: الأنْواعُ والأشْباهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: لا تَتَأسَّفْ لِكُفْرِهِمْ وهَلاكِهِمْ، واصْرِفْ وجْهَكَ وتَحَفِّيَكَ إلى مَن آمَنَ بِكَ، واخْفِضْ لَهم جَناحَكَ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى: لَيِّنْ جَناحَكَ (p-٣١٨)وَوَطِئَ أكْنافَكَ. و"الجَناحُ": الجانِبُ والجَنْبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ [طه: ٢٢]، فَهو أمْرٌ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ، والجُنُوحُ: المَيْلُ.
﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ﴾، أيْ: تَمَسَّكْ بِهَذا القَدْرِ العَظِيمِ الَّذِي وهَبْناكَ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَما" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ بِعَذابٍ كالَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ، والكافُ اسْمٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وهو عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لَأنَّ "كَما" لَيْسَتْ مِمّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، بَلْ هو مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَيَنْفَصِلُ الكَلامُ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ هَذا القَوْلُ بِأنْ نُقَدِّرَ أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لَهُ: تُنْذِرُ عَذابًا كَما، والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما قالَ قَبْلَكَ رُسُلُنا، وأنْزَلَنا عَلَيْهِمْ كَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا، وهَذا عَلى أنَّ "المُقْتَسِمِينَ" أهْلُ الكِتابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "المُقْتَسِمِينَ". مَن هُمْ؟ -فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمُ صالِحٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهَّلَهُ، فالمُقْتَسِمُونَ -عَلى هَذا- مِنَ القَسَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُقْلِقُ هَذا التَأْوِيلُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُقْتَسِمُونَ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ، وجُعِلُوا كِتابَ اللهِ أعْضاءً، آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وقالَ نَحْوَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُقْتَسِمُونَ هم مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا الطُرُقَ وقْتَ المَواسِمِ لِيُعَرِّفُوا الناسَ بِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وجَعَلُوا القُرْآنَ سِحْرًا وشِعْرًا وكِهانَةً، فَعَضَهُوهُ بِهَذا وعَضُّوهُ أعْضاءً بِهَذا التَقْسِيمِ.
(p-٣١٩)وَقالَ عِكْرِمَةُ: المُقْتَسِمُونَ هم قَوْمٌ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِسُوَرِ القُرْآنِ، ويَقُولُ الرَجُلُ مِنهُمْ: هَذِهِ السُورَةُ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: وهَذِهِ لِي.
وقَوْلُهُ: "عِضِينَ" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"جَعَلُوا" بِمَعْنى "صَيَّرُوا"، أيْ بِألْسِنَتِهِمْ ودَعْواهُمْ، وأظْهَرَ ما فِيهِ أنَّهُ جَمْعُ عِضَةٍ، وهي الفِرْقَةُ مِنَ الشَيْءِ، والجَماعَةُ مِنَ الناسِ كَثُبَةٍ وثُبِينَ، وعِزَةٍ وعِزِينَ، وأصْلُها عِضَهَةٌ وثُوبَةٌ، فالياءُ والنُونُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، كَما قالُوا سَنَةُ وسُنُونَ، إذْ أصْلُها سَنْهَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ الأعْضاءِ، أيْ عَضَّوْهُ فَجَعَلُوهُ أقْسامًا وأعْضاءً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ ولَيْسَ دِينُ اللهِ بِالمُعَضّى.
وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ قَتادَةُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ العَضَهِ وهو السَبُّ المُفْحِشُ، فَقُرَيْشٌ عَضَهُوا كِتابَ اللهِ بِقَوْلِهِمْ: هو شِعْرٌ، هو سِحْرٌ، هو كِهانَةٌ، وهَذا هو اخْتِيارُ الكِسائِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عِضِينَ" جَمْعُ عِضَةٍ، وهي اسْمٌ لِلسِّحْرِ خاصَّةً بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ لِلْماءِ مِن عِضاتِهِنَّ زَمْزَمَهْ.
وقالَ هَذا القَوْلَ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ: العَضَهُ: السِحْرُ، (p-٣٢٠)وَهم يَقُولُونَ لِلسّاحِرَةِ: العاضِهَةُ، وفي الحَدِيثِ: « "لَعَنَ اللهُ العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ"،» وهو اخْتِيارُ الفِراءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومِن قالَ: "جَعَلُوهُ أعْضاءً" فَإنَّما أرادَ: قَسَّمُوهُ كَما تُقَسَّمُ الجَزُورُ أعْضاءً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، ضَمِيرٌ عامٌّ، ووَعِيدٌ مَحْضٌ يَأْخُذُ كُلَّ أحَدٍ مِنهُ بِحَسْبِ جُرْمِهِ وعِصْيانِهِ، فالكافِرُ يُسْألُ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وعَنِ الرُسُلِ، وعن كُفْرِهِ وقَصْدِهِ، والمُؤْمِنُ العاصِي يُسْألُ عن تَضْيِيعِهِ، والإمامُ عن رَعِيَّتِهِ، وكُلُّ مُكَلَّفٍ عَمّا كُلِّفَ القِيامَ بِهِ، وفي هَذا أحادِيثُ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يُسْألُ العِبادُ كُلُّهم عن خَلَّتَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ. عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، وبِماذا أجابُوا المُرْسَلِينَ. وقالَ في تَفْسِيرِها أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: إنَّ السُؤالَ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قالَ: يُقالُ لَهُمْ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذا وكَذا؟ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] مَعْناهُ: لا يُقالُ لَهُ: ما أذْنَبْتَ؟ لَأنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمُ بِذَنْبِهِ مِنهُ، ونَفْيُ السُؤالِ هو نَفْيُ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، وإيجابُ السُؤالِ هو عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ لَهم والتَوْبِيخِ.
الحجر 15:89
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ﴾ ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: السَبْعُ هُنا هي السَبْعُ الطِوالُ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، (p-٣١٦)والمص، والأنْفالُ مَعَ بَراءَةَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بَلِ السابِعَةُ يُونُسَ: ولَيْسَتِ الأنْفالُ وبَراءَةُ مِنها. و"المَثانِي" - عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- القُرْآنُ كُلُّهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّ القَصَصَ والأخْبارَ تَثَنّى فِيهِ وتَرَدَّدَ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي مَلِيكَةَ، وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وجَماعَةٌ: السَبْعُ هُنا هي آياتُ الحَمْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنَّ سَبْعٌ بِالبَسْمَلَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: هُنَّ سَبْعٌ دُونَ البَسْمَلَةِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ونَصُّهُ: «قالَ أُبَيٌّ: قالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: "ألّا أُعَلِّمُكَ يا أُبَيُّ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلَها" ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "إنِّي لِأرْجُوَ أنْ لا تَخْرُجُ مِن ذَلِكَ البابِ حَتّى تَعْلَمَها"، فَقامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقُمْتُ مَعَهُ، ويَدِي في يَدِهِ، وجَعَلَتْ أُبْطِئُ مَخافَةَ أنْ أخْرُجَ، فَلَمّا دَنَوْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، السُورَةُ الَّتِي وعَدْتَنِيها؟ فَقالَ: "كَيْفَ تَقْرَأُ إذا قُمْتَ في الصَلاةِ؟" قالَ: فَقَرَأتْ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] حَتّى أكْمَلْتُ فاتِحَةَ الكِتابِ، فَقالَ: "هِيَ هِيَ، وهي السَبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُ"،» كَذا أو نَحْوَهُ، ذَكَرَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، وهو مَرْوِيٌّ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ عن أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى أيْضًا. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ « "أنَّها السَبْعُ المَثانِي، وأُمُّ القُرْآنِ، وفاتِحَةُ الكِتابِ"،» وفي كِتابِ الزَهْراوِيِّ: "وَلَيْسَ فِيها بَسْمَلَةٌ". و"المَثانِي" -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القُرْآنَ، فَـ "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ الحَمْدَ نَفْسَها، كَما قالَ: ﴿الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ﴾ [الحج: ٣٠] فَـ "مِنَ" لِبَيانِ الجِنْسِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها يُثْنى بِها عَلى اللهِ تَعالى، جَوَّزَهُ الزُجاجُ، وفي هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ التَصْرِيفِ نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُمِّيَتْ (p-٣١٧)بِذَلِكَ لَأنَّ اللهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُعْطِها لِغَيْرِها، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "المَثانِي"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ "سَبْعًا".
وقالَ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "سَبْعًا" أيْ سَبْعَ مَعانٍ مِنَ القُرْآنِ خَوَّلْناكَ فِيها شَرَفَ المَنزِلَةِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وهِيَ: مُرْ، وانْهَ، وبَشِّرْ، وأنْذِرْ، واضْرِبِ الأمْثالَ، واعْدُدِ النِعَمَ، وفُضَّ الغُيُوبَ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: السَبْعُ المَثانِي هي آيَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ، وقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ وما نَزَلَ مِنَ السَبْعِ الطَوالِ شَيْءٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآيَةُ. حَكى الطَبَرِيُّ عن سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ بِالِاسْتِغْناءِ بِكِتابِ اللهِ عن جَمِيعِ زِينَةِ الدُنْيا، وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ"،» أيْ: يَسْتَغْنِي بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناكَ عَظِيمًا خَطِيرًا، فَلا تَنْظُرْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الدُنْيا وزِينَتِها الَّتِي مَتَّعْنا بِها أنْواعًا مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أُوتِيَ القُرْآنَ فَرَأى أنَّ أحَدًا أُعْطِيَ أفْضَلَ مِمّا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيرًا وصَغَّرَ عَظِيمًا"،» وكَأنَّ مَدَّ العَيْنِ يَقْتَرِنُ بِهِ تَمَنٍّ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ المَيْلِ إلى زِينَةِ الدُنْيا بِمَدِّ العَيْنِ. و"الأزْواجُ" هُنا: الأنْواعُ والأشْباهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: لا تَتَأسَّفْ لِكُفْرِهِمْ وهَلاكِهِمْ، واصْرِفْ وجْهَكَ وتَحَفِّيَكَ إلى مَن آمَنَ بِكَ، واخْفِضْ لَهم جَناحَكَ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى: لَيِّنْ جَناحَكَ (p-٣١٨)وَوَطِئَ أكْنافَكَ. و"الجَناحُ": الجانِبُ والجَنْبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ [طه: ٢٢]، فَهو أمْرٌ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ، والجُنُوحُ: المَيْلُ.
﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ﴾، أيْ: تَمَسَّكْ بِهَذا القَدْرِ العَظِيمِ الَّذِي وهَبْناكَ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَما" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ بِعَذابٍ كالَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ، والكافُ اسْمٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وهو عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لَأنَّ "كَما" لَيْسَتْ مِمّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، بَلْ هو مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَيَنْفَصِلُ الكَلامُ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ هَذا القَوْلُ بِأنْ نُقَدِّرَ أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لَهُ: تُنْذِرُ عَذابًا كَما، والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما قالَ قَبْلَكَ رُسُلُنا، وأنْزَلَنا عَلَيْهِمْ كَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا، وهَذا عَلى أنَّ "المُقْتَسِمِينَ" أهْلُ الكِتابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "المُقْتَسِمِينَ". مَن هُمْ؟ -فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمُ صالِحٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهَّلَهُ، فالمُقْتَسِمُونَ -عَلى هَذا- مِنَ القَسَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُقْلِقُ هَذا التَأْوِيلُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُقْتَسِمُونَ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ، وجُعِلُوا كِتابَ اللهِ أعْضاءً، آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وقالَ نَحْوَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُقْتَسِمُونَ هم مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا الطُرُقَ وقْتَ المَواسِمِ لِيُعَرِّفُوا الناسَ بِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وجَعَلُوا القُرْآنَ سِحْرًا وشِعْرًا وكِهانَةً، فَعَضَهُوهُ بِهَذا وعَضُّوهُ أعْضاءً بِهَذا التَقْسِيمِ.
(p-٣١٩)وَقالَ عِكْرِمَةُ: المُقْتَسِمُونَ هم قَوْمٌ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِسُوَرِ القُرْآنِ، ويَقُولُ الرَجُلُ مِنهُمْ: هَذِهِ السُورَةُ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: وهَذِهِ لِي.
وقَوْلُهُ: "عِضِينَ" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"جَعَلُوا" بِمَعْنى "صَيَّرُوا"، أيْ بِألْسِنَتِهِمْ ودَعْواهُمْ، وأظْهَرَ ما فِيهِ أنَّهُ جَمْعُ عِضَةٍ، وهي الفِرْقَةُ مِنَ الشَيْءِ، والجَماعَةُ مِنَ الناسِ كَثُبَةٍ وثُبِينَ، وعِزَةٍ وعِزِينَ، وأصْلُها عِضَهَةٌ وثُوبَةٌ، فالياءُ والنُونُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، كَما قالُوا سَنَةُ وسُنُونَ، إذْ أصْلُها سَنْهَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ الأعْضاءِ، أيْ عَضَّوْهُ فَجَعَلُوهُ أقْسامًا وأعْضاءً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ ولَيْسَ دِينُ اللهِ بِالمُعَضّى.
وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ قَتادَةُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ العَضَهِ وهو السَبُّ المُفْحِشُ، فَقُرَيْشٌ عَضَهُوا كِتابَ اللهِ بِقَوْلِهِمْ: هو شِعْرٌ، هو سِحْرٌ، هو كِهانَةٌ، وهَذا هو اخْتِيارُ الكِسائِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عِضِينَ" جَمْعُ عِضَةٍ، وهي اسْمٌ لِلسِّحْرِ خاصَّةً بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ لِلْماءِ مِن عِضاتِهِنَّ زَمْزَمَهْ.
وقالَ هَذا القَوْلَ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ: العَضَهُ: السِحْرُ، (p-٣٢٠)وَهم يَقُولُونَ لِلسّاحِرَةِ: العاضِهَةُ، وفي الحَدِيثِ: « "لَعَنَ اللهُ العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ"،» وهو اخْتِيارُ الفِراءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومِن قالَ: "جَعَلُوهُ أعْضاءً" فَإنَّما أرادَ: قَسَّمُوهُ كَما تُقَسَّمُ الجَزُورُ أعْضاءً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، ضَمِيرٌ عامٌّ، ووَعِيدٌ مَحْضٌ يَأْخُذُ كُلَّ أحَدٍ مِنهُ بِحَسْبِ جُرْمِهِ وعِصْيانِهِ، فالكافِرُ يُسْألُ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وعَنِ الرُسُلِ، وعن كُفْرِهِ وقَصْدِهِ، والمُؤْمِنُ العاصِي يُسْألُ عن تَضْيِيعِهِ، والإمامُ عن رَعِيَّتِهِ، وكُلُّ مُكَلَّفٍ عَمّا كُلِّفَ القِيامَ بِهِ، وفي هَذا أحادِيثُ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يُسْألُ العِبادُ كُلُّهم عن خَلَّتَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ. عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، وبِماذا أجابُوا المُرْسَلِينَ. وقالَ في تَفْسِيرِها أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: إنَّ السُؤالَ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قالَ: يُقالُ لَهُمْ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذا وكَذا؟ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] مَعْناهُ: لا يُقالُ لَهُ: ما أذْنَبْتَ؟ لَأنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمُ بِذَنْبِهِ مِنهُ، ونَفْيُ السُؤالِ هو نَفْيُ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، وإيجابُ السُؤالِ هو عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ لَهم والتَوْبِيخِ.
الحجر 15:90
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ﴾ ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: السَبْعُ هُنا هي السَبْعُ الطِوالُ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، (p-٣١٦)والمص، والأنْفالُ مَعَ بَراءَةَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بَلِ السابِعَةُ يُونُسَ: ولَيْسَتِ الأنْفالُ وبَراءَةُ مِنها. و"المَثانِي" - عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- القُرْآنُ كُلُّهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّ القَصَصَ والأخْبارَ تَثَنّى فِيهِ وتَرَدَّدَ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي مَلِيكَةَ، وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وجَماعَةٌ: السَبْعُ هُنا هي آياتُ الحَمْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنَّ سَبْعٌ بِالبَسْمَلَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: هُنَّ سَبْعٌ دُونَ البَسْمَلَةِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ونَصُّهُ: «قالَ أُبَيٌّ: قالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: "ألّا أُعَلِّمُكَ يا أُبَيُّ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلَها" ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "إنِّي لِأرْجُوَ أنْ لا تَخْرُجُ مِن ذَلِكَ البابِ حَتّى تَعْلَمَها"، فَقامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقُمْتُ مَعَهُ، ويَدِي في يَدِهِ، وجَعَلَتْ أُبْطِئُ مَخافَةَ أنْ أخْرُجَ، فَلَمّا دَنَوْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، السُورَةُ الَّتِي وعَدْتَنِيها؟ فَقالَ: "كَيْفَ تَقْرَأُ إذا قُمْتَ في الصَلاةِ؟" قالَ: فَقَرَأتْ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] حَتّى أكْمَلْتُ فاتِحَةَ الكِتابِ، فَقالَ: "هِيَ هِيَ، وهي السَبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُ"،» كَذا أو نَحْوَهُ، ذَكَرَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، وهو مَرْوِيٌّ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ عن أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى أيْضًا. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ « "أنَّها السَبْعُ المَثانِي، وأُمُّ القُرْآنِ، وفاتِحَةُ الكِتابِ"،» وفي كِتابِ الزَهْراوِيِّ: "وَلَيْسَ فِيها بَسْمَلَةٌ". و"المَثانِي" -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القُرْآنَ، فَـ "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ الحَمْدَ نَفْسَها، كَما قالَ: ﴿الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ﴾ [الحج: ٣٠] فَـ "مِنَ" لِبَيانِ الجِنْسِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها يُثْنى بِها عَلى اللهِ تَعالى، جَوَّزَهُ الزُجاجُ، وفي هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ التَصْرِيفِ نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُمِّيَتْ (p-٣١٧)بِذَلِكَ لَأنَّ اللهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُعْطِها لِغَيْرِها، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "المَثانِي"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ "سَبْعًا".
وقالَ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "سَبْعًا" أيْ سَبْعَ مَعانٍ مِنَ القُرْآنِ خَوَّلْناكَ فِيها شَرَفَ المَنزِلَةِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وهِيَ: مُرْ، وانْهَ، وبَشِّرْ، وأنْذِرْ، واضْرِبِ الأمْثالَ، واعْدُدِ النِعَمَ، وفُضَّ الغُيُوبَ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: السَبْعُ المَثانِي هي آيَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ، وقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ وما نَزَلَ مِنَ السَبْعِ الطَوالِ شَيْءٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآيَةُ. حَكى الطَبَرِيُّ عن سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ بِالِاسْتِغْناءِ بِكِتابِ اللهِ عن جَمِيعِ زِينَةِ الدُنْيا، وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ"،» أيْ: يَسْتَغْنِي بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناكَ عَظِيمًا خَطِيرًا، فَلا تَنْظُرْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الدُنْيا وزِينَتِها الَّتِي مَتَّعْنا بِها أنْواعًا مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أُوتِيَ القُرْآنَ فَرَأى أنَّ أحَدًا أُعْطِيَ أفْضَلَ مِمّا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيرًا وصَغَّرَ عَظِيمًا"،» وكَأنَّ مَدَّ العَيْنِ يَقْتَرِنُ بِهِ تَمَنٍّ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ المَيْلِ إلى زِينَةِ الدُنْيا بِمَدِّ العَيْنِ. و"الأزْواجُ" هُنا: الأنْواعُ والأشْباهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: لا تَتَأسَّفْ لِكُفْرِهِمْ وهَلاكِهِمْ، واصْرِفْ وجْهَكَ وتَحَفِّيَكَ إلى مَن آمَنَ بِكَ، واخْفِضْ لَهم جَناحَكَ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى: لَيِّنْ جَناحَكَ (p-٣١٨)وَوَطِئَ أكْنافَكَ. و"الجَناحُ": الجانِبُ والجَنْبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ [طه: ٢٢]، فَهو أمْرٌ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ، والجُنُوحُ: المَيْلُ.
﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ﴾، أيْ: تَمَسَّكْ بِهَذا القَدْرِ العَظِيمِ الَّذِي وهَبْناكَ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَما" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ بِعَذابٍ كالَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ، والكافُ اسْمٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وهو عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لَأنَّ "كَما" لَيْسَتْ مِمّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، بَلْ هو مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَيَنْفَصِلُ الكَلامُ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ هَذا القَوْلُ بِأنْ نُقَدِّرَ أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لَهُ: تُنْذِرُ عَذابًا كَما، والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما قالَ قَبْلَكَ رُسُلُنا، وأنْزَلَنا عَلَيْهِمْ كَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا، وهَذا عَلى أنَّ "المُقْتَسِمِينَ" أهْلُ الكِتابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "المُقْتَسِمِينَ". مَن هُمْ؟ -فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمُ صالِحٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهَّلَهُ، فالمُقْتَسِمُونَ -عَلى هَذا- مِنَ القَسَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُقْلِقُ هَذا التَأْوِيلُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُقْتَسِمُونَ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ، وجُعِلُوا كِتابَ اللهِ أعْضاءً، آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وقالَ نَحْوَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُقْتَسِمُونَ هم مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا الطُرُقَ وقْتَ المَواسِمِ لِيُعَرِّفُوا الناسَ بِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وجَعَلُوا القُرْآنَ سِحْرًا وشِعْرًا وكِهانَةً، فَعَضَهُوهُ بِهَذا وعَضُّوهُ أعْضاءً بِهَذا التَقْسِيمِ.
(p-٣١٩)وَقالَ عِكْرِمَةُ: المُقْتَسِمُونَ هم قَوْمٌ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِسُوَرِ القُرْآنِ، ويَقُولُ الرَجُلُ مِنهُمْ: هَذِهِ السُورَةُ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: وهَذِهِ لِي.
وقَوْلُهُ: "عِضِينَ" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"جَعَلُوا" بِمَعْنى "صَيَّرُوا"، أيْ بِألْسِنَتِهِمْ ودَعْواهُمْ، وأظْهَرَ ما فِيهِ أنَّهُ جَمْعُ عِضَةٍ، وهي الفِرْقَةُ مِنَ الشَيْءِ، والجَماعَةُ مِنَ الناسِ كَثُبَةٍ وثُبِينَ، وعِزَةٍ وعِزِينَ، وأصْلُها عِضَهَةٌ وثُوبَةٌ، فالياءُ والنُونُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، كَما قالُوا سَنَةُ وسُنُونَ، إذْ أصْلُها سَنْهَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ الأعْضاءِ، أيْ عَضَّوْهُ فَجَعَلُوهُ أقْسامًا وأعْضاءً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ ولَيْسَ دِينُ اللهِ بِالمُعَضّى.
وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ قَتادَةُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ العَضَهِ وهو السَبُّ المُفْحِشُ، فَقُرَيْشٌ عَضَهُوا كِتابَ اللهِ بِقَوْلِهِمْ: هو شِعْرٌ، هو سِحْرٌ، هو كِهانَةٌ، وهَذا هو اخْتِيارُ الكِسائِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عِضِينَ" جَمْعُ عِضَةٍ، وهي اسْمٌ لِلسِّحْرِ خاصَّةً بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ لِلْماءِ مِن عِضاتِهِنَّ زَمْزَمَهْ.
وقالَ هَذا القَوْلَ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ: العَضَهُ: السِحْرُ، (p-٣٢٠)وَهم يَقُولُونَ لِلسّاحِرَةِ: العاضِهَةُ، وفي الحَدِيثِ: « "لَعَنَ اللهُ العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ"،» وهو اخْتِيارُ الفِراءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومِن قالَ: "جَعَلُوهُ أعْضاءً" فَإنَّما أرادَ: قَسَّمُوهُ كَما تُقَسَّمُ الجَزُورُ أعْضاءً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، ضَمِيرٌ عامٌّ، ووَعِيدٌ مَحْضٌ يَأْخُذُ كُلَّ أحَدٍ مِنهُ بِحَسْبِ جُرْمِهِ وعِصْيانِهِ، فالكافِرُ يُسْألُ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وعَنِ الرُسُلِ، وعن كُفْرِهِ وقَصْدِهِ، والمُؤْمِنُ العاصِي يُسْألُ عن تَضْيِيعِهِ، والإمامُ عن رَعِيَّتِهِ، وكُلُّ مُكَلَّفٍ عَمّا كُلِّفَ القِيامَ بِهِ، وفي هَذا أحادِيثُ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يُسْألُ العِبادُ كُلُّهم عن خَلَّتَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ. عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، وبِماذا أجابُوا المُرْسَلِينَ. وقالَ في تَفْسِيرِها أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: إنَّ السُؤالَ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قالَ: يُقالُ لَهُمْ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذا وكَذا؟ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] مَعْناهُ: لا يُقالُ لَهُ: ما أذْنَبْتَ؟ لَأنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمُ بِذَنْبِهِ مِنهُ، ونَفْيُ السُؤالِ هو نَفْيُ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، وإيجابُ السُؤالِ هو عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ لَهم والتَوْبِيخِ.
الحجر 15:91
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ﴾ ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: السَبْعُ هُنا هي السَبْعُ الطِوالُ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، (p-٣١٦)والمص، والأنْفالُ مَعَ بَراءَةَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بَلِ السابِعَةُ يُونُسَ: ولَيْسَتِ الأنْفالُ وبَراءَةُ مِنها. و"المَثانِي" - عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- القُرْآنُ كُلُّهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّ القَصَصَ والأخْبارَ تَثَنّى فِيهِ وتَرَدَّدَ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي مَلِيكَةَ، وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وجَماعَةٌ: السَبْعُ هُنا هي آياتُ الحَمْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنَّ سَبْعٌ بِالبَسْمَلَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: هُنَّ سَبْعٌ دُونَ البَسْمَلَةِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ونَصُّهُ: «قالَ أُبَيٌّ: قالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: "ألّا أُعَلِّمُكَ يا أُبَيُّ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلَها" ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "إنِّي لِأرْجُوَ أنْ لا تَخْرُجُ مِن ذَلِكَ البابِ حَتّى تَعْلَمَها"، فَقامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقُمْتُ مَعَهُ، ويَدِي في يَدِهِ، وجَعَلَتْ أُبْطِئُ مَخافَةَ أنْ أخْرُجَ، فَلَمّا دَنَوْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، السُورَةُ الَّتِي وعَدْتَنِيها؟ فَقالَ: "كَيْفَ تَقْرَأُ إذا قُمْتَ في الصَلاةِ؟" قالَ: فَقَرَأتْ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] حَتّى أكْمَلْتُ فاتِحَةَ الكِتابِ، فَقالَ: "هِيَ هِيَ، وهي السَبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُ"،» كَذا أو نَحْوَهُ، ذَكَرَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، وهو مَرْوِيٌّ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ عن أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى أيْضًا. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ « "أنَّها السَبْعُ المَثانِي، وأُمُّ القُرْآنِ، وفاتِحَةُ الكِتابِ"،» وفي كِتابِ الزَهْراوِيِّ: "وَلَيْسَ فِيها بَسْمَلَةٌ". و"المَثانِي" -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القُرْآنَ، فَـ "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ الحَمْدَ نَفْسَها، كَما قالَ: ﴿الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ﴾ [الحج: ٣٠] فَـ "مِنَ" لِبَيانِ الجِنْسِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها يُثْنى بِها عَلى اللهِ تَعالى، جَوَّزَهُ الزُجاجُ، وفي هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ التَصْرِيفِ نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُمِّيَتْ (p-٣١٧)بِذَلِكَ لَأنَّ اللهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُعْطِها لِغَيْرِها، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "المَثانِي"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ "سَبْعًا".
وقالَ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "سَبْعًا" أيْ سَبْعَ مَعانٍ مِنَ القُرْآنِ خَوَّلْناكَ فِيها شَرَفَ المَنزِلَةِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وهِيَ: مُرْ، وانْهَ، وبَشِّرْ، وأنْذِرْ، واضْرِبِ الأمْثالَ، واعْدُدِ النِعَمَ، وفُضَّ الغُيُوبَ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: السَبْعُ المَثانِي هي آيَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ، وقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ وما نَزَلَ مِنَ السَبْعِ الطَوالِ شَيْءٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآيَةُ. حَكى الطَبَرِيُّ عن سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ بِالِاسْتِغْناءِ بِكِتابِ اللهِ عن جَمِيعِ زِينَةِ الدُنْيا، وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ"،» أيْ: يَسْتَغْنِي بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناكَ عَظِيمًا خَطِيرًا، فَلا تَنْظُرْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الدُنْيا وزِينَتِها الَّتِي مَتَّعْنا بِها أنْواعًا مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أُوتِيَ القُرْآنَ فَرَأى أنَّ أحَدًا أُعْطِيَ أفْضَلَ مِمّا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيرًا وصَغَّرَ عَظِيمًا"،» وكَأنَّ مَدَّ العَيْنِ يَقْتَرِنُ بِهِ تَمَنٍّ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ المَيْلِ إلى زِينَةِ الدُنْيا بِمَدِّ العَيْنِ. و"الأزْواجُ" هُنا: الأنْواعُ والأشْباهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: لا تَتَأسَّفْ لِكُفْرِهِمْ وهَلاكِهِمْ، واصْرِفْ وجْهَكَ وتَحَفِّيَكَ إلى مَن آمَنَ بِكَ، واخْفِضْ لَهم جَناحَكَ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى: لَيِّنْ جَناحَكَ (p-٣١٨)وَوَطِئَ أكْنافَكَ. و"الجَناحُ": الجانِبُ والجَنْبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ [طه: ٢٢]، فَهو أمْرٌ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ، والجُنُوحُ: المَيْلُ.
﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ﴾، أيْ: تَمَسَّكْ بِهَذا القَدْرِ العَظِيمِ الَّذِي وهَبْناكَ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَما" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ بِعَذابٍ كالَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ، والكافُ اسْمٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وهو عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لَأنَّ "كَما" لَيْسَتْ مِمّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، بَلْ هو مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَيَنْفَصِلُ الكَلامُ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ هَذا القَوْلُ بِأنْ نُقَدِّرَ أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لَهُ: تُنْذِرُ عَذابًا كَما، والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما قالَ قَبْلَكَ رُسُلُنا، وأنْزَلَنا عَلَيْهِمْ كَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا، وهَذا عَلى أنَّ "المُقْتَسِمِينَ" أهْلُ الكِتابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "المُقْتَسِمِينَ". مَن هُمْ؟ -فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمُ صالِحٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهَّلَهُ، فالمُقْتَسِمُونَ -عَلى هَذا- مِنَ القَسَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُقْلِقُ هَذا التَأْوِيلُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُقْتَسِمُونَ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ، وجُعِلُوا كِتابَ اللهِ أعْضاءً، آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وقالَ نَحْوَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُقْتَسِمُونَ هم مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا الطُرُقَ وقْتَ المَواسِمِ لِيُعَرِّفُوا الناسَ بِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وجَعَلُوا القُرْآنَ سِحْرًا وشِعْرًا وكِهانَةً، فَعَضَهُوهُ بِهَذا وعَضُّوهُ أعْضاءً بِهَذا التَقْسِيمِ.
(p-٣١٩)وَقالَ عِكْرِمَةُ: المُقْتَسِمُونَ هم قَوْمٌ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِسُوَرِ القُرْآنِ، ويَقُولُ الرَجُلُ مِنهُمْ: هَذِهِ السُورَةُ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: وهَذِهِ لِي.
وقَوْلُهُ: "عِضِينَ" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"جَعَلُوا" بِمَعْنى "صَيَّرُوا"، أيْ بِألْسِنَتِهِمْ ودَعْواهُمْ، وأظْهَرَ ما فِيهِ أنَّهُ جَمْعُ عِضَةٍ، وهي الفِرْقَةُ مِنَ الشَيْءِ، والجَماعَةُ مِنَ الناسِ كَثُبَةٍ وثُبِينَ، وعِزَةٍ وعِزِينَ، وأصْلُها عِضَهَةٌ وثُوبَةٌ، فالياءُ والنُونُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، كَما قالُوا سَنَةُ وسُنُونَ، إذْ أصْلُها سَنْهَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ الأعْضاءِ، أيْ عَضَّوْهُ فَجَعَلُوهُ أقْسامًا وأعْضاءً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ ولَيْسَ دِينُ اللهِ بِالمُعَضّى.
وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ قَتادَةُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ العَضَهِ وهو السَبُّ المُفْحِشُ، فَقُرَيْشٌ عَضَهُوا كِتابَ اللهِ بِقَوْلِهِمْ: هو شِعْرٌ، هو سِحْرٌ، هو كِهانَةٌ، وهَذا هو اخْتِيارُ الكِسائِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عِضِينَ" جَمْعُ عِضَةٍ، وهي اسْمٌ لِلسِّحْرِ خاصَّةً بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ لِلْماءِ مِن عِضاتِهِنَّ زَمْزَمَهْ.
وقالَ هَذا القَوْلَ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ: العَضَهُ: السِحْرُ، (p-٣٢٠)وَهم يَقُولُونَ لِلسّاحِرَةِ: العاضِهَةُ، وفي الحَدِيثِ: « "لَعَنَ اللهُ العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ"،» وهو اخْتِيارُ الفِراءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومِن قالَ: "جَعَلُوهُ أعْضاءً" فَإنَّما أرادَ: قَسَّمُوهُ كَما تُقَسَّمُ الجَزُورُ أعْضاءً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، ضَمِيرٌ عامٌّ، ووَعِيدٌ مَحْضٌ يَأْخُذُ كُلَّ أحَدٍ مِنهُ بِحَسْبِ جُرْمِهِ وعِصْيانِهِ، فالكافِرُ يُسْألُ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وعَنِ الرُسُلِ، وعن كُفْرِهِ وقَصْدِهِ، والمُؤْمِنُ العاصِي يُسْألُ عن تَضْيِيعِهِ، والإمامُ عن رَعِيَّتِهِ، وكُلُّ مُكَلَّفٍ عَمّا كُلِّفَ القِيامَ بِهِ، وفي هَذا أحادِيثُ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يُسْألُ العِبادُ كُلُّهم عن خَلَّتَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ. عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، وبِماذا أجابُوا المُرْسَلِينَ. وقالَ في تَفْسِيرِها أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: إنَّ السُؤالَ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قالَ: يُقالُ لَهُمْ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذا وكَذا؟ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] مَعْناهُ: لا يُقالُ لَهُ: ما أذْنَبْتَ؟ لَأنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمُ بِذَنْبِهِ مِنهُ، ونَفْيُ السُؤالِ هو نَفْيُ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، وإيجابُ السُؤالِ هو عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ لَهم والتَوْبِيخِ.
الحجر 15:92
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ﴾ ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: السَبْعُ هُنا هي السَبْعُ الطِوالُ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، (p-٣١٦)والمص، والأنْفالُ مَعَ بَراءَةَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بَلِ السابِعَةُ يُونُسَ: ولَيْسَتِ الأنْفالُ وبَراءَةُ مِنها. و"المَثانِي" - عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- القُرْآنُ كُلُّهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّ القَصَصَ والأخْبارَ تَثَنّى فِيهِ وتَرَدَّدَ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي مَلِيكَةَ، وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وجَماعَةٌ: السَبْعُ هُنا هي آياتُ الحَمْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنَّ سَبْعٌ بِالبَسْمَلَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: هُنَّ سَبْعٌ دُونَ البَسْمَلَةِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ونَصُّهُ: «قالَ أُبَيٌّ: قالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: "ألّا أُعَلِّمُكَ يا أُبَيُّ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلَها" ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "إنِّي لِأرْجُوَ أنْ لا تَخْرُجُ مِن ذَلِكَ البابِ حَتّى تَعْلَمَها"، فَقامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقُمْتُ مَعَهُ، ويَدِي في يَدِهِ، وجَعَلَتْ أُبْطِئُ مَخافَةَ أنْ أخْرُجَ، فَلَمّا دَنَوْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، السُورَةُ الَّتِي وعَدْتَنِيها؟ فَقالَ: "كَيْفَ تَقْرَأُ إذا قُمْتَ في الصَلاةِ؟" قالَ: فَقَرَأتْ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] حَتّى أكْمَلْتُ فاتِحَةَ الكِتابِ، فَقالَ: "هِيَ هِيَ، وهي السَبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُ"،» كَذا أو نَحْوَهُ، ذَكَرَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، وهو مَرْوِيٌّ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ عن أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى أيْضًا. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ « "أنَّها السَبْعُ المَثانِي، وأُمُّ القُرْآنِ، وفاتِحَةُ الكِتابِ"،» وفي كِتابِ الزَهْراوِيِّ: "وَلَيْسَ فِيها بَسْمَلَةٌ". و"المَثانِي" -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القُرْآنَ، فَـ "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ الحَمْدَ نَفْسَها، كَما قالَ: ﴿الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ﴾ [الحج: ٣٠] فَـ "مِنَ" لِبَيانِ الجِنْسِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها يُثْنى بِها عَلى اللهِ تَعالى، جَوَّزَهُ الزُجاجُ، وفي هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ التَصْرِيفِ نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُمِّيَتْ (p-٣١٧)بِذَلِكَ لَأنَّ اللهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُعْطِها لِغَيْرِها، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "المَثانِي"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ "سَبْعًا".
وقالَ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "سَبْعًا" أيْ سَبْعَ مَعانٍ مِنَ القُرْآنِ خَوَّلْناكَ فِيها شَرَفَ المَنزِلَةِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وهِيَ: مُرْ، وانْهَ، وبَشِّرْ، وأنْذِرْ، واضْرِبِ الأمْثالَ، واعْدُدِ النِعَمَ، وفُضَّ الغُيُوبَ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: السَبْعُ المَثانِي هي آيَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ، وقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ وما نَزَلَ مِنَ السَبْعِ الطَوالِ شَيْءٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآيَةُ. حَكى الطَبَرِيُّ عن سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ بِالِاسْتِغْناءِ بِكِتابِ اللهِ عن جَمِيعِ زِينَةِ الدُنْيا، وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ"،» أيْ: يَسْتَغْنِي بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناكَ عَظِيمًا خَطِيرًا، فَلا تَنْظُرْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الدُنْيا وزِينَتِها الَّتِي مَتَّعْنا بِها أنْواعًا مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أُوتِيَ القُرْآنَ فَرَأى أنَّ أحَدًا أُعْطِيَ أفْضَلَ مِمّا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيرًا وصَغَّرَ عَظِيمًا"،» وكَأنَّ مَدَّ العَيْنِ يَقْتَرِنُ بِهِ تَمَنٍّ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ المَيْلِ إلى زِينَةِ الدُنْيا بِمَدِّ العَيْنِ. و"الأزْواجُ" هُنا: الأنْواعُ والأشْباهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: لا تَتَأسَّفْ لِكُفْرِهِمْ وهَلاكِهِمْ، واصْرِفْ وجْهَكَ وتَحَفِّيَكَ إلى مَن آمَنَ بِكَ، واخْفِضْ لَهم جَناحَكَ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى: لَيِّنْ جَناحَكَ (p-٣١٨)وَوَطِئَ أكْنافَكَ. و"الجَناحُ": الجانِبُ والجَنْبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ [طه: ٢٢]، فَهو أمْرٌ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ، والجُنُوحُ: المَيْلُ.
﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ﴾، أيْ: تَمَسَّكْ بِهَذا القَدْرِ العَظِيمِ الَّذِي وهَبْناكَ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَما" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ بِعَذابٍ كالَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ، والكافُ اسْمٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وهو عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لَأنَّ "كَما" لَيْسَتْ مِمّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، بَلْ هو مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَيَنْفَصِلُ الكَلامُ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ هَذا القَوْلُ بِأنْ نُقَدِّرَ أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لَهُ: تُنْذِرُ عَذابًا كَما، والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما قالَ قَبْلَكَ رُسُلُنا، وأنْزَلَنا عَلَيْهِمْ كَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا، وهَذا عَلى أنَّ "المُقْتَسِمِينَ" أهْلُ الكِتابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "المُقْتَسِمِينَ". مَن هُمْ؟ -فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمُ صالِحٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهَّلَهُ، فالمُقْتَسِمُونَ -عَلى هَذا- مِنَ القَسَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُقْلِقُ هَذا التَأْوِيلُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُقْتَسِمُونَ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ، وجُعِلُوا كِتابَ اللهِ أعْضاءً، آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وقالَ نَحْوَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُقْتَسِمُونَ هم مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا الطُرُقَ وقْتَ المَواسِمِ لِيُعَرِّفُوا الناسَ بِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وجَعَلُوا القُرْآنَ سِحْرًا وشِعْرًا وكِهانَةً، فَعَضَهُوهُ بِهَذا وعَضُّوهُ أعْضاءً بِهَذا التَقْسِيمِ.
(p-٣١٩)وَقالَ عِكْرِمَةُ: المُقْتَسِمُونَ هم قَوْمٌ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِسُوَرِ القُرْآنِ، ويَقُولُ الرَجُلُ مِنهُمْ: هَذِهِ السُورَةُ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: وهَذِهِ لِي.
وقَوْلُهُ: "عِضِينَ" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"جَعَلُوا" بِمَعْنى "صَيَّرُوا"، أيْ بِألْسِنَتِهِمْ ودَعْواهُمْ، وأظْهَرَ ما فِيهِ أنَّهُ جَمْعُ عِضَةٍ، وهي الفِرْقَةُ مِنَ الشَيْءِ، والجَماعَةُ مِنَ الناسِ كَثُبَةٍ وثُبِينَ، وعِزَةٍ وعِزِينَ، وأصْلُها عِضَهَةٌ وثُوبَةٌ، فالياءُ والنُونُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، كَما قالُوا سَنَةُ وسُنُونَ، إذْ أصْلُها سَنْهَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ الأعْضاءِ، أيْ عَضَّوْهُ فَجَعَلُوهُ أقْسامًا وأعْضاءً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ ولَيْسَ دِينُ اللهِ بِالمُعَضّى.
وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ قَتادَةُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ العَضَهِ وهو السَبُّ المُفْحِشُ، فَقُرَيْشٌ عَضَهُوا كِتابَ اللهِ بِقَوْلِهِمْ: هو شِعْرٌ، هو سِحْرٌ، هو كِهانَةٌ، وهَذا هو اخْتِيارُ الكِسائِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عِضِينَ" جَمْعُ عِضَةٍ، وهي اسْمٌ لِلسِّحْرِ خاصَّةً بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ لِلْماءِ مِن عِضاتِهِنَّ زَمْزَمَهْ.
وقالَ هَذا القَوْلَ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ: العَضَهُ: السِحْرُ، (p-٣٢٠)وَهم يَقُولُونَ لِلسّاحِرَةِ: العاضِهَةُ، وفي الحَدِيثِ: « "لَعَنَ اللهُ العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ"،» وهو اخْتِيارُ الفِراءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومِن قالَ: "جَعَلُوهُ أعْضاءً" فَإنَّما أرادَ: قَسَّمُوهُ كَما تُقَسَّمُ الجَزُورُ أعْضاءً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، ضَمِيرٌ عامٌّ، ووَعِيدٌ مَحْضٌ يَأْخُذُ كُلَّ أحَدٍ مِنهُ بِحَسْبِ جُرْمِهِ وعِصْيانِهِ، فالكافِرُ يُسْألُ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وعَنِ الرُسُلِ، وعن كُفْرِهِ وقَصْدِهِ، والمُؤْمِنُ العاصِي يُسْألُ عن تَضْيِيعِهِ، والإمامُ عن رَعِيَّتِهِ، وكُلُّ مُكَلَّفٍ عَمّا كُلِّفَ القِيامَ بِهِ، وفي هَذا أحادِيثُ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يُسْألُ العِبادُ كُلُّهم عن خَلَّتَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ. عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، وبِماذا أجابُوا المُرْسَلِينَ. وقالَ في تَفْسِيرِها أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: إنَّ السُؤالَ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قالَ: يُقالُ لَهُمْ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذا وكَذا؟ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] مَعْناهُ: لا يُقالُ لَهُ: ما أذْنَبْتَ؟ لَأنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمُ بِذَنْبِهِ مِنهُ، ونَفْيُ السُؤالِ هو نَفْيُ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، وإيجابُ السُؤالِ هو عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ لَهم والتَوْبِيخِ.
الحجر 15:93
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ﴾ ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: السَبْعُ هُنا هي السَبْعُ الطِوالُ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، (p-٣١٦)والمص، والأنْفالُ مَعَ بَراءَةَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بَلِ السابِعَةُ يُونُسَ: ولَيْسَتِ الأنْفالُ وبَراءَةُ مِنها. و"المَثانِي" - عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- القُرْآنُ كُلُّهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّ القَصَصَ والأخْبارَ تَثَنّى فِيهِ وتَرَدَّدَ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي مَلِيكَةَ، وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وجَماعَةٌ: السَبْعُ هُنا هي آياتُ الحَمْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنَّ سَبْعٌ بِالبَسْمَلَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: هُنَّ سَبْعٌ دُونَ البَسْمَلَةِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ونَصُّهُ: «قالَ أُبَيٌّ: قالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: "ألّا أُعَلِّمُكَ يا أُبَيُّ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلَها" ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "إنِّي لِأرْجُوَ أنْ لا تَخْرُجُ مِن ذَلِكَ البابِ حَتّى تَعْلَمَها"، فَقامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقُمْتُ مَعَهُ، ويَدِي في يَدِهِ، وجَعَلَتْ أُبْطِئُ مَخافَةَ أنْ أخْرُجَ، فَلَمّا دَنَوْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، السُورَةُ الَّتِي وعَدْتَنِيها؟ فَقالَ: "كَيْفَ تَقْرَأُ إذا قُمْتَ في الصَلاةِ؟" قالَ: فَقَرَأتْ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] حَتّى أكْمَلْتُ فاتِحَةَ الكِتابِ، فَقالَ: "هِيَ هِيَ، وهي السَبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُ"،» كَذا أو نَحْوَهُ، ذَكَرَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، وهو مَرْوِيٌّ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ عن أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى أيْضًا. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ « "أنَّها السَبْعُ المَثانِي، وأُمُّ القُرْآنِ، وفاتِحَةُ الكِتابِ"،» وفي كِتابِ الزَهْراوِيِّ: "وَلَيْسَ فِيها بَسْمَلَةٌ". و"المَثانِي" -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القُرْآنَ، فَـ "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ الحَمْدَ نَفْسَها، كَما قالَ: ﴿الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ﴾ [الحج: ٣٠] فَـ "مِنَ" لِبَيانِ الجِنْسِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها يُثْنى بِها عَلى اللهِ تَعالى، جَوَّزَهُ الزُجاجُ، وفي هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ التَصْرِيفِ نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُمِّيَتْ (p-٣١٧)بِذَلِكَ لَأنَّ اللهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُعْطِها لِغَيْرِها، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "المَثانِي"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ "سَبْعًا".
وقالَ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "سَبْعًا" أيْ سَبْعَ مَعانٍ مِنَ القُرْآنِ خَوَّلْناكَ فِيها شَرَفَ المَنزِلَةِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وهِيَ: مُرْ، وانْهَ، وبَشِّرْ، وأنْذِرْ، واضْرِبِ الأمْثالَ، واعْدُدِ النِعَمَ، وفُضَّ الغُيُوبَ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: السَبْعُ المَثانِي هي آيَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ، وقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ وما نَزَلَ مِنَ السَبْعِ الطَوالِ شَيْءٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآيَةُ. حَكى الطَبَرِيُّ عن سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ بِالِاسْتِغْناءِ بِكِتابِ اللهِ عن جَمِيعِ زِينَةِ الدُنْيا، وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ"،» أيْ: يَسْتَغْنِي بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناكَ عَظِيمًا خَطِيرًا، فَلا تَنْظُرْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الدُنْيا وزِينَتِها الَّتِي مَتَّعْنا بِها أنْواعًا مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أُوتِيَ القُرْآنَ فَرَأى أنَّ أحَدًا أُعْطِيَ أفْضَلَ مِمّا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيرًا وصَغَّرَ عَظِيمًا"،» وكَأنَّ مَدَّ العَيْنِ يَقْتَرِنُ بِهِ تَمَنٍّ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ المَيْلِ إلى زِينَةِ الدُنْيا بِمَدِّ العَيْنِ. و"الأزْواجُ" هُنا: الأنْواعُ والأشْباهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: لا تَتَأسَّفْ لِكُفْرِهِمْ وهَلاكِهِمْ، واصْرِفْ وجْهَكَ وتَحَفِّيَكَ إلى مَن آمَنَ بِكَ، واخْفِضْ لَهم جَناحَكَ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى: لَيِّنْ جَناحَكَ (p-٣١٨)وَوَطِئَ أكْنافَكَ. و"الجَناحُ": الجانِبُ والجَنْبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ [طه: ٢٢]، فَهو أمْرٌ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ، والجُنُوحُ: المَيْلُ.
﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ﴾، أيْ: تَمَسَّكْ بِهَذا القَدْرِ العَظِيمِ الَّذِي وهَبْناكَ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَما" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ بِعَذابٍ كالَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ، والكافُ اسْمٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وهو عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لَأنَّ "كَما" لَيْسَتْ مِمّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، بَلْ هو مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَيَنْفَصِلُ الكَلامُ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ هَذا القَوْلُ بِأنْ نُقَدِّرَ أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لَهُ: تُنْذِرُ عَذابًا كَما، والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما قالَ قَبْلَكَ رُسُلُنا، وأنْزَلَنا عَلَيْهِمْ كَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا، وهَذا عَلى أنَّ "المُقْتَسِمِينَ" أهْلُ الكِتابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "المُقْتَسِمِينَ". مَن هُمْ؟ -فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمُ صالِحٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهَّلَهُ، فالمُقْتَسِمُونَ -عَلى هَذا- مِنَ القَسَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُقْلِقُ هَذا التَأْوِيلُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُقْتَسِمُونَ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ، وجُعِلُوا كِتابَ اللهِ أعْضاءً، آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وقالَ نَحْوَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُقْتَسِمُونَ هم مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا الطُرُقَ وقْتَ المَواسِمِ لِيُعَرِّفُوا الناسَ بِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وجَعَلُوا القُرْآنَ سِحْرًا وشِعْرًا وكِهانَةً، فَعَضَهُوهُ بِهَذا وعَضُّوهُ أعْضاءً بِهَذا التَقْسِيمِ.
(p-٣١٩)وَقالَ عِكْرِمَةُ: المُقْتَسِمُونَ هم قَوْمٌ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِسُوَرِ القُرْآنِ، ويَقُولُ الرَجُلُ مِنهُمْ: هَذِهِ السُورَةُ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: وهَذِهِ لِي.
وقَوْلُهُ: "عِضِينَ" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"جَعَلُوا" بِمَعْنى "صَيَّرُوا"، أيْ بِألْسِنَتِهِمْ ودَعْواهُمْ، وأظْهَرَ ما فِيهِ أنَّهُ جَمْعُ عِضَةٍ، وهي الفِرْقَةُ مِنَ الشَيْءِ، والجَماعَةُ مِنَ الناسِ كَثُبَةٍ وثُبِينَ، وعِزَةٍ وعِزِينَ، وأصْلُها عِضَهَةٌ وثُوبَةٌ، فالياءُ والنُونُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، كَما قالُوا سَنَةُ وسُنُونَ، إذْ أصْلُها سَنْهَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ الأعْضاءِ، أيْ عَضَّوْهُ فَجَعَلُوهُ أقْسامًا وأعْضاءً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ ولَيْسَ دِينُ اللهِ بِالمُعَضّى.
وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ قَتادَةُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ العَضَهِ وهو السَبُّ المُفْحِشُ، فَقُرَيْشٌ عَضَهُوا كِتابَ اللهِ بِقَوْلِهِمْ: هو شِعْرٌ، هو سِحْرٌ، هو كِهانَةٌ، وهَذا هو اخْتِيارُ الكِسائِيِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عِضِينَ" جَمْعُ عِضَةٍ، وهي اسْمٌ لِلسِّحْرِ خاصَّةً بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ لِلْماءِ مِن عِضاتِهِنَّ زَمْزَمَهْ.
وقالَ هَذا القَوْلَ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ: العَضَهُ: السِحْرُ، (p-٣٢٠)وَهم يَقُولُونَ لِلسّاحِرَةِ: العاضِهَةُ، وفي الحَدِيثِ: « "لَعَنَ اللهُ العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ"،» وهو اخْتِيارُ الفِراءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومِن قالَ: "جَعَلُوهُ أعْضاءً" فَإنَّما أرادَ: قَسَّمُوهُ كَما تُقَسَّمُ الجَزُورُ أعْضاءً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، ضَمِيرٌ عامٌّ، ووَعِيدٌ مَحْضٌ يَأْخُذُ كُلَّ أحَدٍ مِنهُ بِحَسْبِ جُرْمِهِ وعِصْيانِهِ، فالكافِرُ يُسْألُ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وعَنِ الرُسُلِ، وعن كُفْرِهِ وقَصْدِهِ، والمُؤْمِنُ العاصِي يُسْألُ عن تَضْيِيعِهِ، والإمامُ عن رَعِيَّتِهِ، وكُلُّ مُكَلَّفٍ عَمّا كُلِّفَ القِيامَ بِهِ، وفي هَذا أحادِيثُ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يُسْألُ العِبادُ كُلُّهم عن خَلَّتَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ. عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، وبِماذا أجابُوا المُرْسَلِينَ. وقالَ في تَفْسِيرِها أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: إنَّ السُؤالَ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قالَ: يُقالُ لَهُمْ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذا وكَذا؟ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] مَعْناهُ: لا يُقالُ لَهُ: ما أذْنَبْتَ؟ لَأنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمُ بِذَنْبِهِ مِنهُ، ونَفْيُ السُؤالِ هو نَفْيُ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، وإيجابُ السُؤالِ هو عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ لَهم والتَوْبِيخِ.
الحجر 15:94
قوله عزّ وجلّ:
﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ الساجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾
"اصْدَعْ": مَعْناهُ: أنْفِذْ وصَرِّحْ بِما بُعِثْتَ بِهِ، والصَدْعُ: التَفْرِيقُ بَيْنَ مُلْتَحِمٍ، كَصَدْعِ الزُجاجَةِ ونَحْوَهُ، فَكَأنَّ المُصَرِّحَ بِقَوْلٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ يَصْدَعُ بِهِ ما سِواهُ مِمّا يُضادُّهُ، (p-٣٢١)والصَدِيعُ: الصُبْحُ، لَأنَّهُ يَصْدَعُ اللَيْلَ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أنْ يُجْهَرَ بِالقُرْآنِ في الصَلاةِ.
وفِي "تُؤْمَرُ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "ما"، تَقْدِيرُهُ: تُؤْمَرُ بِهِ، أو تُؤْمَرُهُ، وفي هَذَيْنَ تَنازُعٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ مِن آياتِ المُهادَناتِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ثُمَّ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ كَفاهُ المُسْتَهْزِئِينَ بِهِ مِن كَفّارِ مَكَّةَ بِبَوائِقَ أصابَتْهُمْ، لَمْ يَسْعَ بِها مُحَمَّدٌ، ولا تَكَلَّفَ فِيها مَشَقَّةً.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةُ نَفَرٍ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأُسُودُ بْنُ المُطَّلِبِ أبُو زَمْعَةَ، والأُسُودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، ومِن خُزاعَةَ الحارِثُ بْنُ الطُلاطِلَةَ، وهو ابْنُ غَيْطَلَةَ، وهو ابْنُ قَيْسٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: إنَّ ابْنَ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ اخْتَلَفا في رَجُلٍ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو الحارِثُ بْنُ غَيْطَلَةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقالَ الزُهْرِيُّ: صَدَقا، أُمُّهُ غَيْطَلَةَ وأبُوهُ قَيْسٌ، وذَكَرَ الشَعْبِيُّ في المُسْتَهْزِئِينَ هَبّارَ بْنَ الأُسُودِ، وذَلِكَ وهْمٌ، لَأنَّ هَبّارًا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ ورَحَلَ إلى المَدِينَةِ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا ثَمانِيَةً، كُلُّهم ماتَ قَبْلَ بَدْرٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ في المَسْجِدِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَجاءَ الوَلِيدُ فَأومَأ جِبْرِيلُ بِأُصْبُعِهِ إلى ساقِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ العاصِي فَأومَأ إلى أخْمَصِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ أبُو زَمْعَةَ فَأومَأ إلى عَيْنِهِ، ثُمَّ مَرَّ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَأومَأ إلى رَأْسَهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ الحارِثُ فَأومَأ إلى بَطْنِهِ وقالَ: كُفِيتَ، وكانَ الوَلِيدُ قَدْ مَرَّ بِقَيْنٍ في خُزاعَةَ فَتَعَلَّقَ سَهْمٌ مِن نَبْلِهِ بِإزارِهِ فَجُرْحَ ساقُهُ، ثُمَّ بَرِئَ، فانْتَقَضَ بِهِ ذَلِكَ الخَدْشُ بَعْدَ إشارَةِ جِبْرِيلَ فَقَتَلَهُ، وقِيلَ: إنَّ السَهْمَ قَطْعَ أكْحَلَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقْسِمٌ. ورَكِبَ العاصِي بَغْلَةً في حاجَةٍ، فَلَمّا جاءَ (p-٣٢٢)يَنْزِلُ وضَعَ أخْمُصَهُ عَلى شِبْرِقَةٍ، فَوَرِمَتْ قَدَمُهُ فَماتَ، وعَمِيَ أبُو زَمْعَةَ، وكانَ يَقُولُ: دَعا عَلِيَّ مُحَمَّدٌ بِالعَمى فاسْتُجِيبَ لَهُ، ودَعَوْتُ عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ طَرِيدًا شَرِيدًا فاسْتُجِيبَ لِي، وتَمَخَّضَ رَأْسُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَيْحًا فَماتَ، وامْتَلَأ بَطْنُ الحارِثِ ماءً فَماتَ حِينًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي ذِكْرِ هَؤُلاءِ وكِفايَتِهِمُ اخْتِلافٌ بَيْنَ الرُواةِ، وفي صِفَةِ أحْوالِهِمْ وما جَرى لَهُمْ، جَلَبْتُ أصَحَّهُ مُخْتَصَرًا طَلَبًا لِلْإيجازِ.
ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَنْبَهم في الكُفْرِ، واتِّخاذَ الأصْنامِ آلِهَةً مَعَ اللهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ الَّذِي هو أشَقُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ وتَسْلِيَةٍ عن أقْوالِ المُشْرِكِينَ وإنْ كانَتْ مِمّا يُقْلِقُ، وضِيقُ الصَدْرِ يَكُونُ مِنَ امْتِلائِهِ غَيْظًا بِما يَكْرَهُ الإنْسانُ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِمُلازَمَةِ الطاعَةِ، وأنْ تَكُونَ مَسْلاتَهُ عِنْدَ الهُمُومِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الساجِدِينَ﴾ يُرِيدُ: مِنَ المَصْلَيْنِ، فَذَكَرَ مِنَ الصَلاةِ حالَةَ القُرْبِ مِنَ اللهِ تَعالى وهي السُجُودُ، وهي أكْرَمُ حالاتِ الصَلاةِ وأقَمْنُها بِنَيْلِ الرَحْمَةِ، وفي الحَدِيثِ: « "كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا حِزْبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَلاةِ"،» فَهَذا مِنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أخْذٌ بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"اليَقِينُ": المَوْتُ، بِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ عِنْدَ مَوْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ: "أمّا هو فَقَدْ رَأى اليَقِينَ"»، (p-٣٢٣)وَيُرْوى: « "فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ"،» ولَيْسَتِ اليَقِينُ مِن أسْماءِ المَوْتِ، وإنَّما العِلْمُ بِهِ يَقِينٌ لا يَمْتَرِي فِيهِ عاقِلٌ، فَسَمّاهُ هُنا يَقِينًا تَجَوُّزًا، أيْ: يَأْتِيكَ الأمْرُ اليَقِينُ عِلْمُهُ ووُقُوعُهُ، وهَذِهِ الغايَةُ مَعْناها: مُدَّةُ حَياتِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ في النَصْرِ الَّذِي وُعِدْتَهُ.
نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحِجْرِ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ
الحجر 15:95
قوله عزّ وجلّ:
﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ الساجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾
"اصْدَعْ": مَعْناهُ: أنْفِذْ وصَرِّحْ بِما بُعِثْتَ بِهِ، والصَدْعُ: التَفْرِيقُ بَيْنَ مُلْتَحِمٍ، كَصَدْعِ الزُجاجَةِ ونَحْوَهُ، فَكَأنَّ المُصَرِّحَ بِقَوْلٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ يَصْدَعُ بِهِ ما سِواهُ مِمّا يُضادُّهُ، (p-٣٢١)والصَدِيعُ: الصُبْحُ، لَأنَّهُ يَصْدَعُ اللَيْلَ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أنْ يُجْهَرَ بِالقُرْآنِ في الصَلاةِ.
وفِي "تُؤْمَرُ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "ما"، تَقْدِيرُهُ: تُؤْمَرُ بِهِ، أو تُؤْمَرُهُ، وفي هَذَيْنَ تَنازُعٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ مِن آياتِ المُهادَناتِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ثُمَّ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ كَفاهُ المُسْتَهْزِئِينَ بِهِ مِن كَفّارِ مَكَّةَ بِبَوائِقَ أصابَتْهُمْ، لَمْ يَسْعَ بِها مُحَمَّدٌ، ولا تَكَلَّفَ فِيها مَشَقَّةً.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةُ نَفَرٍ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأُسُودُ بْنُ المُطَّلِبِ أبُو زَمْعَةَ، والأُسُودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، ومِن خُزاعَةَ الحارِثُ بْنُ الطُلاطِلَةَ، وهو ابْنُ غَيْطَلَةَ، وهو ابْنُ قَيْسٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: إنَّ ابْنَ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ اخْتَلَفا في رَجُلٍ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو الحارِثُ بْنُ غَيْطَلَةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقالَ الزُهْرِيُّ: صَدَقا، أُمُّهُ غَيْطَلَةَ وأبُوهُ قَيْسٌ، وذَكَرَ الشَعْبِيُّ في المُسْتَهْزِئِينَ هَبّارَ بْنَ الأُسُودِ، وذَلِكَ وهْمٌ، لَأنَّ هَبّارًا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ ورَحَلَ إلى المَدِينَةِ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا ثَمانِيَةً، كُلُّهم ماتَ قَبْلَ بَدْرٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ في المَسْجِدِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَجاءَ الوَلِيدُ فَأومَأ جِبْرِيلُ بِأُصْبُعِهِ إلى ساقِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ العاصِي فَأومَأ إلى أخْمَصِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ أبُو زَمْعَةَ فَأومَأ إلى عَيْنِهِ، ثُمَّ مَرَّ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَأومَأ إلى رَأْسَهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ الحارِثُ فَأومَأ إلى بَطْنِهِ وقالَ: كُفِيتَ، وكانَ الوَلِيدُ قَدْ مَرَّ بِقَيْنٍ في خُزاعَةَ فَتَعَلَّقَ سَهْمٌ مِن نَبْلِهِ بِإزارِهِ فَجُرْحَ ساقُهُ، ثُمَّ بَرِئَ، فانْتَقَضَ بِهِ ذَلِكَ الخَدْشُ بَعْدَ إشارَةِ جِبْرِيلَ فَقَتَلَهُ، وقِيلَ: إنَّ السَهْمَ قَطْعَ أكْحَلَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقْسِمٌ. ورَكِبَ العاصِي بَغْلَةً في حاجَةٍ، فَلَمّا جاءَ (p-٣٢٢)يَنْزِلُ وضَعَ أخْمُصَهُ عَلى شِبْرِقَةٍ، فَوَرِمَتْ قَدَمُهُ فَماتَ، وعَمِيَ أبُو زَمْعَةَ، وكانَ يَقُولُ: دَعا عَلِيَّ مُحَمَّدٌ بِالعَمى فاسْتُجِيبَ لَهُ، ودَعَوْتُ عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ طَرِيدًا شَرِيدًا فاسْتُجِيبَ لِي، وتَمَخَّضَ رَأْسُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَيْحًا فَماتَ، وامْتَلَأ بَطْنُ الحارِثِ ماءً فَماتَ حِينًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي ذِكْرِ هَؤُلاءِ وكِفايَتِهِمُ اخْتِلافٌ بَيْنَ الرُواةِ، وفي صِفَةِ أحْوالِهِمْ وما جَرى لَهُمْ، جَلَبْتُ أصَحَّهُ مُخْتَصَرًا طَلَبًا لِلْإيجازِ.
ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَنْبَهم في الكُفْرِ، واتِّخاذَ الأصْنامِ آلِهَةً مَعَ اللهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ الَّذِي هو أشَقُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ وتَسْلِيَةٍ عن أقْوالِ المُشْرِكِينَ وإنْ كانَتْ مِمّا يُقْلِقُ، وضِيقُ الصَدْرِ يَكُونُ مِنَ امْتِلائِهِ غَيْظًا بِما يَكْرَهُ الإنْسانُ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِمُلازَمَةِ الطاعَةِ، وأنْ تَكُونَ مَسْلاتَهُ عِنْدَ الهُمُومِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الساجِدِينَ﴾ يُرِيدُ: مِنَ المَصْلَيْنِ، فَذَكَرَ مِنَ الصَلاةِ حالَةَ القُرْبِ مِنَ اللهِ تَعالى وهي السُجُودُ، وهي أكْرَمُ حالاتِ الصَلاةِ وأقَمْنُها بِنَيْلِ الرَحْمَةِ، وفي الحَدِيثِ: « "كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا حِزْبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَلاةِ"،» فَهَذا مِنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أخْذٌ بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"اليَقِينُ": المَوْتُ، بِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ عِنْدَ مَوْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ: "أمّا هو فَقَدْ رَأى اليَقِينَ"»، (p-٣٢٣)وَيُرْوى: « "فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ"،» ولَيْسَتِ اليَقِينُ مِن أسْماءِ المَوْتِ، وإنَّما العِلْمُ بِهِ يَقِينٌ لا يَمْتَرِي فِيهِ عاقِلٌ، فَسَمّاهُ هُنا يَقِينًا تَجَوُّزًا، أيْ: يَأْتِيكَ الأمْرُ اليَقِينُ عِلْمُهُ ووُقُوعُهُ، وهَذِهِ الغايَةُ مَعْناها: مُدَّةُ حَياتِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ في النَصْرِ الَّذِي وُعِدْتَهُ.
نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحِجْرِ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ
الحجر 15:96
قوله عزّ وجلّ:
﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ الساجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾
"اصْدَعْ": مَعْناهُ: أنْفِذْ وصَرِّحْ بِما بُعِثْتَ بِهِ، والصَدْعُ: التَفْرِيقُ بَيْنَ مُلْتَحِمٍ، كَصَدْعِ الزُجاجَةِ ونَحْوَهُ، فَكَأنَّ المُصَرِّحَ بِقَوْلٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ يَصْدَعُ بِهِ ما سِواهُ مِمّا يُضادُّهُ، (p-٣٢١)والصَدِيعُ: الصُبْحُ، لَأنَّهُ يَصْدَعُ اللَيْلَ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أنْ يُجْهَرَ بِالقُرْآنِ في الصَلاةِ.
وفِي "تُؤْمَرُ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "ما"، تَقْدِيرُهُ: تُؤْمَرُ بِهِ، أو تُؤْمَرُهُ، وفي هَذَيْنَ تَنازُعٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ مِن آياتِ المُهادَناتِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ثُمَّ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ كَفاهُ المُسْتَهْزِئِينَ بِهِ مِن كَفّارِ مَكَّةَ بِبَوائِقَ أصابَتْهُمْ، لَمْ يَسْعَ بِها مُحَمَّدٌ، ولا تَكَلَّفَ فِيها مَشَقَّةً.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةُ نَفَرٍ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأُسُودُ بْنُ المُطَّلِبِ أبُو زَمْعَةَ، والأُسُودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، ومِن خُزاعَةَ الحارِثُ بْنُ الطُلاطِلَةَ، وهو ابْنُ غَيْطَلَةَ، وهو ابْنُ قَيْسٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: إنَّ ابْنَ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ اخْتَلَفا في رَجُلٍ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو الحارِثُ بْنُ غَيْطَلَةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقالَ الزُهْرِيُّ: صَدَقا، أُمُّهُ غَيْطَلَةَ وأبُوهُ قَيْسٌ، وذَكَرَ الشَعْبِيُّ في المُسْتَهْزِئِينَ هَبّارَ بْنَ الأُسُودِ، وذَلِكَ وهْمٌ، لَأنَّ هَبّارًا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ ورَحَلَ إلى المَدِينَةِ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا ثَمانِيَةً، كُلُّهم ماتَ قَبْلَ بَدْرٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ في المَسْجِدِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَجاءَ الوَلِيدُ فَأومَأ جِبْرِيلُ بِأُصْبُعِهِ إلى ساقِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ العاصِي فَأومَأ إلى أخْمَصِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ أبُو زَمْعَةَ فَأومَأ إلى عَيْنِهِ، ثُمَّ مَرَّ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَأومَأ إلى رَأْسَهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ الحارِثُ فَأومَأ إلى بَطْنِهِ وقالَ: كُفِيتَ، وكانَ الوَلِيدُ قَدْ مَرَّ بِقَيْنٍ في خُزاعَةَ فَتَعَلَّقَ سَهْمٌ مِن نَبْلِهِ بِإزارِهِ فَجُرْحَ ساقُهُ، ثُمَّ بَرِئَ، فانْتَقَضَ بِهِ ذَلِكَ الخَدْشُ بَعْدَ إشارَةِ جِبْرِيلَ فَقَتَلَهُ، وقِيلَ: إنَّ السَهْمَ قَطْعَ أكْحَلَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقْسِمٌ. ورَكِبَ العاصِي بَغْلَةً في حاجَةٍ، فَلَمّا جاءَ (p-٣٢٢)يَنْزِلُ وضَعَ أخْمُصَهُ عَلى شِبْرِقَةٍ، فَوَرِمَتْ قَدَمُهُ فَماتَ، وعَمِيَ أبُو زَمْعَةَ، وكانَ يَقُولُ: دَعا عَلِيَّ مُحَمَّدٌ بِالعَمى فاسْتُجِيبَ لَهُ، ودَعَوْتُ عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ طَرِيدًا شَرِيدًا فاسْتُجِيبَ لِي، وتَمَخَّضَ رَأْسُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَيْحًا فَماتَ، وامْتَلَأ بَطْنُ الحارِثِ ماءً فَماتَ حِينًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي ذِكْرِ هَؤُلاءِ وكِفايَتِهِمُ اخْتِلافٌ بَيْنَ الرُواةِ، وفي صِفَةِ أحْوالِهِمْ وما جَرى لَهُمْ، جَلَبْتُ أصَحَّهُ مُخْتَصَرًا طَلَبًا لِلْإيجازِ.
ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَنْبَهم في الكُفْرِ، واتِّخاذَ الأصْنامِ آلِهَةً مَعَ اللهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ الَّذِي هو أشَقُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ وتَسْلِيَةٍ عن أقْوالِ المُشْرِكِينَ وإنْ كانَتْ مِمّا يُقْلِقُ، وضِيقُ الصَدْرِ يَكُونُ مِنَ امْتِلائِهِ غَيْظًا بِما يَكْرَهُ الإنْسانُ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِمُلازَمَةِ الطاعَةِ، وأنْ تَكُونَ مَسْلاتَهُ عِنْدَ الهُمُومِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الساجِدِينَ﴾ يُرِيدُ: مِنَ المَصْلَيْنِ، فَذَكَرَ مِنَ الصَلاةِ حالَةَ القُرْبِ مِنَ اللهِ تَعالى وهي السُجُودُ، وهي أكْرَمُ حالاتِ الصَلاةِ وأقَمْنُها بِنَيْلِ الرَحْمَةِ، وفي الحَدِيثِ: « "كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا حِزْبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَلاةِ"،» فَهَذا مِنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أخْذٌ بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"اليَقِينُ": المَوْتُ، بِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ عِنْدَ مَوْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ: "أمّا هو فَقَدْ رَأى اليَقِينَ"»، (p-٣٢٣)وَيُرْوى: « "فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ"،» ولَيْسَتِ اليَقِينُ مِن أسْماءِ المَوْتِ، وإنَّما العِلْمُ بِهِ يَقِينٌ لا يَمْتَرِي فِيهِ عاقِلٌ، فَسَمّاهُ هُنا يَقِينًا تَجَوُّزًا، أيْ: يَأْتِيكَ الأمْرُ اليَقِينُ عِلْمُهُ ووُقُوعُهُ، وهَذِهِ الغايَةُ مَعْناها: مُدَّةُ حَياتِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ في النَصْرِ الَّذِي وُعِدْتَهُ.
نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحِجْرِ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ
الحجر 15:97
قوله عزّ وجلّ:
﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ الساجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾
"اصْدَعْ": مَعْناهُ: أنْفِذْ وصَرِّحْ بِما بُعِثْتَ بِهِ، والصَدْعُ: التَفْرِيقُ بَيْنَ مُلْتَحِمٍ، كَصَدْعِ الزُجاجَةِ ونَحْوَهُ، فَكَأنَّ المُصَرِّحَ بِقَوْلٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ يَصْدَعُ بِهِ ما سِواهُ مِمّا يُضادُّهُ، (p-٣٢١)والصَدِيعُ: الصُبْحُ، لَأنَّهُ يَصْدَعُ اللَيْلَ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أنْ يُجْهَرَ بِالقُرْآنِ في الصَلاةِ.
وفِي "تُؤْمَرُ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "ما"، تَقْدِيرُهُ: تُؤْمَرُ بِهِ، أو تُؤْمَرُهُ، وفي هَذَيْنَ تَنازُعٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ مِن آياتِ المُهادَناتِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ثُمَّ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ كَفاهُ المُسْتَهْزِئِينَ بِهِ مِن كَفّارِ مَكَّةَ بِبَوائِقَ أصابَتْهُمْ، لَمْ يَسْعَ بِها مُحَمَّدٌ، ولا تَكَلَّفَ فِيها مَشَقَّةً.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةُ نَفَرٍ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأُسُودُ بْنُ المُطَّلِبِ أبُو زَمْعَةَ، والأُسُودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، ومِن خُزاعَةَ الحارِثُ بْنُ الطُلاطِلَةَ، وهو ابْنُ غَيْطَلَةَ، وهو ابْنُ قَيْسٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: إنَّ ابْنَ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ اخْتَلَفا في رَجُلٍ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو الحارِثُ بْنُ غَيْطَلَةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقالَ الزُهْرِيُّ: صَدَقا، أُمُّهُ غَيْطَلَةَ وأبُوهُ قَيْسٌ، وذَكَرَ الشَعْبِيُّ في المُسْتَهْزِئِينَ هَبّارَ بْنَ الأُسُودِ، وذَلِكَ وهْمٌ، لَأنَّ هَبّارًا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ ورَحَلَ إلى المَدِينَةِ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا ثَمانِيَةً، كُلُّهم ماتَ قَبْلَ بَدْرٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ في المَسْجِدِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَجاءَ الوَلِيدُ فَأومَأ جِبْرِيلُ بِأُصْبُعِهِ إلى ساقِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ العاصِي فَأومَأ إلى أخْمَصِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ أبُو زَمْعَةَ فَأومَأ إلى عَيْنِهِ، ثُمَّ مَرَّ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَأومَأ إلى رَأْسَهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ الحارِثُ فَأومَأ إلى بَطْنِهِ وقالَ: كُفِيتَ، وكانَ الوَلِيدُ قَدْ مَرَّ بِقَيْنٍ في خُزاعَةَ فَتَعَلَّقَ سَهْمٌ مِن نَبْلِهِ بِإزارِهِ فَجُرْحَ ساقُهُ، ثُمَّ بَرِئَ، فانْتَقَضَ بِهِ ذَلِكَ الخَدْشُ بَعْدَ إشارَةِ جِبْرِيلَ فَقَتَلَهُ، وقِيلَ: إنَّ السَهْمَ قَطْعَ أكْحَلَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقْسِمٌ. ورَكِبَ العاصِي بَغْلَةً في حاجَةٍ، فَلَمّا جاءَ (p-٣٢٢)يَنْزِلُ وضَعَ أخْمُصَهُ عَلى شِبْرِقَةٍ، فَوَرِمَتْ قَدَمُهُ فَماتَ، وعَمِيَ أبُو زَمْعَةَ، وكانَ يَقُولُ: دَعا عَلِيَّ مُحَمَّدٌ بِالعَمى فاسْتُجِيبَ لَهُ، ودَعَوْتُ عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ طَرِيدًا شَرِيدًا فاسْتُجِيبَ لِي، وتَمَخَّضَ رَأْسُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَيْحًا فَماتَ، وامْتَلَأ بَطْنُ الحارِثِ ماءً فَماتَ حِينًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي ذِكْرِ هَؤُلاءِ وكِفايَتِهِمُ اخْتِلافٌ بَيْنَ الرُواةِ، وفي صِفَةِ أحْوالِهِمْ وما جَرى لَهُمْ، جَلَبْتُ أصَحَّهُ مُخْتَصَرًا طَلَبًا لِلْإيجازِ.
ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَنْبَهم في الكُفْرِ، واتِّخاذَ الأصْنامِ آلِهَةً مَعَ اللهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ الَّذِي هو أشَقُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ وتَسْلِيَةٍ عن أقْوالِ المُشْرِكِينَ وإنْ كانَتْ مِمّا يُقْلِقُ، وضِيقُ الصَدْرِ يَكُونُ مِنَ امْتِلائِهِ غَيْظًا بِما يَكْرَهُ الإنْسانُ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِمُلازَمَةِ الطاعَةِ، وأنْ تَكُونَ مَسْلاتَهُ عِنْدَ الهُمُومِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الساجِدِينَ﴾ يُرِيدُ: مِنَ المَصْلَيْنِ، فَذَكَرَ مِنَ الصَلاةِ حالَةَ القُرْبِ مِنَ اللهِ تَعالى وهي السُجُودُ، وهي أكْرَمُ حالاتِ الصَلاةِ وأقَمْنُها بِنَيْلِ الرَحْمَةِ، وفي الحَدِيثِ: « "كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا حِزْبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَلاةِ"،» فَهَذا مِنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أخْذٌ بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"اليَقِينُ": المَوْتُ، بِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ عِنْدَ مَوْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ: "أمّا هو فَقَدْ رَأى اليَقِينَ"»، (p-٣٢٣)وَيُرْوى: « "فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ"،» ولَيْسَتِ اليَقِينُ مِن أسْماءِ المَوْتِ، وإنَّما العِلْمُ بِهِ يَقِينٌ لا يَمْتَرِي فِيهِ عاقِلٌ، فَسَمّاهُ هُنا يَقِينًا تَجَوُّزًا، أيْ: يَأْتِيكَ الأمْرُ اليَقِينُ عِلْمُهُ ووُقُوعُهُ، وهَذِهِ الغايَةُ مَعْناها: مُدَّةُ حَياتِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ في النَصْرِ الَّذِي وُعِدْتَهُ.
نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحِجْرِ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ
الحجر 15:98
قوله عزّ وجلّ:
﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ الساجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾
"اصْدَعْ": مَعْناهُ: أنْفِذْ وصَرِّحْ بِما بُعِثْتَ بِهِ، والصَدْعُ: التَفْرِيقُ بَيْنَ مُلْتَحِمٍ، كَصَدْعِ الزُجاجَةِ ونَحْوَهُ، فَكَأنَّ المُصَرِّحَ بِقَوْلٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ يَصْدَعُ بِهِ ما سِواهُ مِمّا يُضادُّهُ، (p-٣٢١)والصَدِيعُ: الصُبْحُ، لَأنَّهُ يَصْدَعُ اللَيْلَ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أنْ يُجْهَرَ بِالقُرْآنِ في الصَلاةِ.
وفِي "تُؤْمَرُ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "ما"، تَقْدِيرُهُ: تُؤْمَرُ بِهِ، أو تُؤْمَرُهُ، وفي هَذَيْنَ تَنازُعٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ مِن آياتِ المُهادَناتِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ثُمَّ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ كَفاهُ المُسْتَهْزِئِينَ بِهِ مِن كَفّارِ مَكَّةَ بِبَوائِقَ أصابَتْهُمْ، لَمْ يَسْعَ بِها مُحَمَّدٌ، ولا تَكَلَّفَ فِيها مَشَقَّةً.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةُ نَفَرٍ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأُسُودُ بْنُ المُطَّلِبِ أبُو زَمْعَةَ، والأُسُودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، ومِن خُزاعَةَ الحارِثُ بْنُ الطُلاطِلَةَ، وهو ابْنُ غَيْطَلَةَ، وهو ابْنُ قَيْسٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: إنَّ ابْنَ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ اخْتَلَفا في رَجُلٍ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو الحارِثُ بْنُ غَيْطَلَةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقالَ الزُهْرِيُّ: صَدَقا، أُمُّهُ غَيْطَلَةَ وأبُوهُ قَيْسٌ، وذَكَرَ الشَعْبِيُّ في المُسْتَهْزِئِينَ هَبّارَ بْنَ الأُسُودِ، وذَلِكَ وهْمٌ، لَأنَّ هَبّارًا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ ورَحَلَ إلى المَدِينَةِ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا ثَمانِيَةً، كُلُّهم ماتَ قَبْلَ بَدْرٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ في المَسْجِدِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَجاءَ الوَلِيدُ فَأومَأ جِبْرِيلُ بِأُصْبُعِهِ إلى ساقِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ العاصِي فَأومَأ إلى أخْمَصِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ أبُو زَمْعَةَ فَأومَأ إلى عَيْنِهِ، ثُمَّ مَرَّ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَأومَأ إلى رَأْسَهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ الحارِثُ فَأومَأ إلى بَطْنِهِ وقالَ: كُفِيتَ، وكانَ الوَلِيدُ قَدْ مَرَّ بِقَيْنٍ في خُزاعَةَ فَتَعَلَّقَ سَهْمٌ مِن نَبْلِهِ بِإزارِهِ فَجُرْحَ ساقُهُ، ثُمَّ بَرِئَ، فانْتَقَضَ بِهِ ذَلِكَ الخَدْشُ بَعْدَ إشارَةِ جِبْرِيلَ فَقَتَلَهُ، وقِيلَ: إنَّ السَهْمَ قَطْعَ أكْحَلَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقْسِمٌ. ورَكِبَ العاصِي بَغْلَةً في حاجَةٍ، فَلَمّا جاءَ (p-٣٢٢)يَنْزِلُ وضَعَ أخْمُصَهُ عَلى شِبْرِقَةٍ، فَوَرِمَتْ قَدَمُهُ فَماتَ، وعَمِيَ أبُو زَمْعَةَ، وكانَ يَقُولُ: دَعا عَلِيَّ مُحَمَّدٌ بِالعَمى فاسْتُجِيبَ لَهُ، ودَعَوْتُ عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ طَرِيدًا شَرِيدًا فاسْتُجِيبَ لِي، وتَمَخَّضَ رَأْسُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَيْحًا فَماتَ، وامْتَلَأ بَطْنُ الحارِثِ ماءً فَماتَ حِينًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي ذِكْرِ هَؤُلاءِ وكِفايَتِهِمُ اخْتِلافٌ بَيْنَ الرُواةِ، وفي صِفَةِ أحْوالِهِمْ وما جَرى لَهُمْ، جَلَبْتُ أصَحَّهُ مُخْتَصَرًا طَلَبًا لِلْإيجازِ.
ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَنْبَهم في الكُفْرِ، واتِّخاذَ الأصْنامِ آلِهَةً مَعَ اللهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ الَّذِي هو أشَقُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ وتَسْلِيَةٍ عن أقْوالِ المُشْرِكِينَ وإنْ كانَتْ مِمّا يُقْلِقُ، وضِيقُ الصَدْرِ يَكُونُ مِنَ امْتِلائِهِ غَيْظًا بِما يَكْرَهُ الإنْسانُ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِمُلازَمَةِ الطاعَةِ، وأنْ تَكُونَ مَسْلاتَهُ عِنْدَ الهُمُومِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الساجِدِينَ﴾ يُرِيدُ: مِنَ المَصْلَيْنِ، فَذَكَرَ مِنَ الصَلاةِ حالَةَ القُرْبِ مِنَ اللهِ تَعالى وهي السُجُودُ، وهي أكْرَمُ حالاتِ الصَلاةِ وأقَمْنُها بِنَيْلِ الرَحْمَةِ، وفي الحَدِيثِ: « "كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا حِزْبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَلاةِ"،» فَهَذا مِنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أخْذٌ بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"اليَقِينُ": المَوْتُ، بِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ عِنْدَ مَوْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ: "أمّا هو فَقَدْ رَأى اليَقِينَ"»، (p-٣٢٣)وَيُرْوى: « "فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ"،» ولَيْسَتِ اليَقِينُ مِن أسْماءِ المَوْتِ، وإنَّما العِلْمُ بِهِ يَقِينٌ لا يَمْتَرِي فِيهِ عاقِلٌ، فَسَمّاهُ هُنا يَقِينًا تَجَوُّزًا، أيْ: يَأْتِيكَ الأمْرُ اليَقِينُ عِلْمُهُ ووُقُوعُهُ، وهَذِهِ الغايَةُ مَعْناها: مُدَّةُ حَياتِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ في النَصْرِ الَّذِي وُعِدْتَهُ.
نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحِجْرِ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ
الحجر 15:99
قوله عزّ وجلّ:
﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ الساجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾
"اصْدَعْ": مَعْناهُ: أنْفِذْ وصَرِّحْ بِما بُعِثْتَ بِهِ، والصَدْعُ: التَفْرِيقُ بَيْنَ مُلْتَحِمٍ، كَصَدْعِ الزُجاجَةِ ونَحْوَهُ، فَكَأنَّ المُصَرِّحَ بِقَوْلٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ يَصْدَعُ بِهِ ما سِواهُ مِمّا يُضادُّهُ، (p-٣٢١)والصَدِيعُ: الصُبْحُ، لَأنَّهُ يَصْدَعُ اللَيْلَ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أنْ يُجْهَرَ بِالقُرْآنِ في الصَلاةِ.
وفِي "تُؤْمَرُ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "ما"، تَقْدِيرُهُ: تُؤْمَرُ بِهِ، أو تُؤْمَرُهُ، وفي هَذَيْنَ تَنازُعٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ مِن آياتِ المُهادَناتِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ثُمَّ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ كَفاهُ المُسْتَهْزِئِينَ بِهِ مِن كَفّارِ مَكَّةَ بِبَوائِقَ أصابَتْهُمْ، لَمْ يَسْعَ بِها مُحَمَّدٌ، ولا تَكَلَّفَ فِيها مَشَقَّةً.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةُ نَفَرٍ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأُسُودُ بْنُ المُطَّلِبِ أبُو زَمْعَةَ، والأُسُودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، ومِن خُزاعَةَ الحارِثُ بْنُ الطُلاطِلَةَ، وهو ابْنُ غَيْطَلَةَ، وهو ابْنُ قَيْسٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: إنَّ ابْنَ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ اخْتَلَفا في رَجُلٍ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو الحارِثُ بْنُ غَيْطَلَةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقالَ الزُهْرِيُّ: صَدَقا، أُمُّهُ غَيْطَلَةَ وأبُوهُ قَيْسٌ، وذَكَرَ الشَعْبِيُّ في المُسْتَهْزِئِينَ هَبّارَ بْنَ الأُسُودِ، وذَلِكَ وهْمٌ، لَأنَّ هَبّارًا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ ورَحَلَ إلى المَدِينَةِ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا ثَمانِيَةً، كُلُّهم ماتَ قَبْلَ بَدْرٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ في المَسْجِدِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَجاءَ الوَلِيدُ فَأومَأ جِبْرِيلُ بِأُصْبُعِهِ إلى ساقِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ العاصِي فَأومَأ إلى أخْمَصِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ أبُو زَمْعَةَ فَأومَأ إلى عَيْنِهِ، ثُمَّ مَرَّ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَأومَأ إلى رَأْسَهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ الحارِثُ فَأومَأ إلى بَطْنِهِ وقالَ: كُفِيتَ، وكانَ الوَلِيدُ قَدْ مَرَّ بِقَيْنٍ في خُزاعَةَ فَتَعَلَّقَ سَهْمٌ مِن نَبْلِهِ بِإزارِهِ فَجُرْحَ ساقُهُ، ثُمَّ بَرِئَ، فانْتَقَضَ بِهِ ذَلِكَ الخَدْشُ بَعْدَ إشارَةِ جِبْرِيلَ فَقَتَلَهُ، وقِيلَ: إنَّ السَهْمَ قَطْعَ أكْحَلَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقْسِمٌ. ورَكِبَ العاصِي بَغْلَةً في حاجَةٍ، فَلَمّا جاءَ (p-٣٢٢)يَنْزِلُ وضَعَ أخْمُصَهُ عَلى شِبْرِقَةٍ، فَوَرِمَتْ قَدَمُهُ فَماتَ، وعَمِيَ أبُو زَمْعَةَ، وكانَ يَقُولُ: دَعا عَلِيَّ مُحَمَّدٌ بِالعَمى فاسْتُجِيبَ لَهُ، ودَعَوْتُ عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ طَرِيدًا شَرِيدًا فاسْتُجِيبَ لِي، وتَمَخَّضَ رَأْسُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَيْحًا فَماتَ، وامْتَلَأ بَطْنُ الحارِثِ ماءً فَماتَ حِينًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي ذِكْرِ هَؤُلاءِ وكِفايَتِهِمُ اخْتِلافٌ بَيْنَ الرُواةِ، وفي صِفَةِ أحْوالِهِمْ وما جَرى لَهُمْ، جَلَبْتُ أصَحَّهُ مُخْتَصَرًا طَلَبًا لِلْإيجازِ.
ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَنْبَهم في الكُفْرِ، واتِّخاذَ الأصْنامِ آلِهَةً مَعَ اللهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ الَّذِي هو أشَقُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ وتَسْلِيَةٍ عن أقْوالِ المُشْرِكِينَ وإنْ كانَتْ مِمّا يُقْلِقُ، وضِيقُ الصَدْرِ يَكُونُ مِنَ امْتِلائِهِ غَيْظًا بِما يَكْرَهُ الإنْسانُ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِمُلازَمَةِ الطاعَةِ، وأنْ تَكُونَ مَسْلاتَهُ عِنْدَ الهُمُومِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الساجِدِينَ﴾ يُرِيدُ: مِنَ المَصْلَيْنِ، فَذَكَرَ مِنَ الصَلاةِ حالَةَ القُرْبِ مِنَ اللهِ تَعالى وهي السُجُودُ، وهي أكْرَمُ حالاتِ الصَلاةِ وأقَمْنُها بِنَيْلِ الرَحْمَةِ، وفي الحَدِيثِ: « "كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا حِزْبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَلاةِ"،» فَهَذا مِنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أخْذٌ بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"اليَقِينُ": المَوْتُ، بِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ عِنْدَ مَوْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ: "أمّا هو فَقَدْ رَأى اليَقِينَ"»، (p-٣٢٣)وَيُرْوى: « "فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ"،» ولَيْسَتِ اليَقِينُ مِن أسْماءِ المَوْتِ، وإنَّما العِلْمُ بِهِ يَقِينٌ لا يَمْتَرِي فِيهِ عاقِلٌ، فَسَمّاهُ هُنا يَقِينًا تَجَوُّزًا، أيْ: يَأْتِيكَ الأمْرُ اليَقِينُ عِلْمُهُ ووُقُوعُهُ، وهَذِهِ الغايَةُ مَعْناها: مُدَّةُ حَياتِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ في النَصْرِ الَّذِي وُعِدْتَهُ.
نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحِجْرِ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ
النحل 16:1
(p-٣٢٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ النَحْلِ
هَذِهِ السُورَةُ كانَتْ تُسَمّى سُورَةَ النِعَمِ بِسَبَبِ ما عَدَّدَ اللهُ فِيها مِن نِعَمِهِ عَلى عِبادِهِ، وهي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] الآيَةُ، نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في شَأْنِ التَمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَتْلى أُحِدٍ، وغَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، وغَيْرَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] الآيَةُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [النحل: ٤١] فَمَكِّيٌّ في شَأْنِ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾
رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ في سَرْدِ الوَحْيِ: ﴿أتى أمْرُ اللهِ﴾ وثَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قائِمًا، فَلَمّا قالَ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ سَكَنَ.» وقَوْلُهُ: ﴿أمْرُ اللهِ﴾ قالَ فِيهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ يُرِيدُ القِيامَةَ، وفِيها وعِيدٌ لِلْكُفّارِ، (p-٣٢٥)وَقِيلَ: المُرادُ نَصْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: المُرادُ تَعْذِيبُ كَفّارِ مَكَّةَ بِقَتْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَهم وظُهُورِهِ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ نَحْوَ هَذا النَقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: المُرادُ فَرائِضُ اللهِ وأحْكامُهُ في عِبادِهِ وشَرْعِهِ لَهُمْ، هَذا هو قَوْلُ الضِحاكِ، ويُبْعِدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ لَأنّا لا نَعْرِفُ اسْتِعْجالًا إلّا ثَلاثَةً: اثْنانِ مِنها لِلْكُفّارِ في القِيامَةِ وفي العَذابِ، والثالِثُ لِلْمُؤْمِنِينَ في النَصْرِ وظُهُورِ الإسْلامِ، وقَوْلُهُ: "أتى" -عَلى هَذا القَوْلِ- إخْبارٌ عن إتْيانٍ ما سَيَأْتِي، وصَحَّ ذَلِكَ مِن جِهَةِ التَأْكِيدِ، وإذا كانَ الخَبَرُ حَقًّا يُؤَكِّدُ المُسْتَقْبَلَ بِأنْ يَخْرُجَ في صِيغَةِ الماضِي، أيْ كَأنَّهُ لِوُضُوحِهِ والثِقَةِ بِهِ قَدْ وقَعَ، ويَحْسَنُ ذَلِكَ في خَبَرِ اللهِ تَبارَكَ تَعالى لِصِدْقِ وُقُوعِهِ.
وقالَ قَوْمٌ: "أتى" بِمَعْنى قَرُبَ، وهَذا نَحْوَ ما قُلْتُ، وإنَّما يَجُوزُ الكَلامُ بِهَذا عِنْدِي لِمَن يَعْلَمُ قَرِينَةَ التَأْكِيدِ ويَفْهَمُ المَجازَ، وأمّا إنْ كانَ المُخاطَبُ لا يَفْهَمُ القَرِينَةَ فَلا يَجُوزُ وضْعُ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، لَأنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الخَبَرَ ويُوجِبُ الكَذِبَ، وإنَّما جازَ في الشَرْطِ لِوُضُوحِ القَرِينَةِ بِـ "أنَّ"، ومَن قالَ: "إنَّ الأمْرَ القِيامَةُ" قالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] ونَحْوَهُ مِنَ العَذابِ، أو عَلى مُسْتَبْطِئِي النَصْرَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتاءِ –وَهِيَ قِرَأةُ الجُمْهُورِ- عَلى مُخاطَبَةِ المُؤْمِنِينَ، أو عَلى مُخاطَبَةِ الكافِرِينَ، بِمَعْنى: قُلْ لَهُمْ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ المُشْرِكِينَ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وجَمِيعُ الباقِينَ قَرَؤُوا بِالياءِ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ القِراءَةَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الحَرْفَيْنِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ في هَذِهِ والَّتِي بَعْدَها الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ نِصاحٍ، والحُسْنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَرَأ عِيسى الأولى بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، والثانِيَةَ بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأهُما جَمِيعًا بِالتاءِ مِن فَوْقٍ أبُو العالِيَةِ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرَيُّ، وقَدْ رَوى الأصْمَعِيُّ عن نافِعٍ التاءَ في الأُولى.
وقَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى﴾ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَهُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ قالَ رِجالٌ مِنَ الكُفّارِ: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ أمْرَ اللهِ قَدْ أتى، فَأمْسَكُوا عَمّا أنْتُمْ بِسَبِيلِهِ حَتّى نَنْظُرَ، فَلَمّا لَمْ يَرَوْا شَيْئًا عادُوا، فَنَزَلَتْ ﴿اقْتَرَبَ (p-٣٢٦)لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عادُوا فَنَزَلَتْ ﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عنهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] الآيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿أتى أمْرُ اللهِ﴾ رَفَعُوا رُؤُوسَهم فَنَزَلَتْ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي صادِقٍ أنَّهُ قَرَأ: "يا عِبادِي أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ"، و"سُبْحانَهُ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ" بِالياءِ وشَدَّ الزايِ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ لِما فِيها مِنَ التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ الزايِ مَكْسُورَةً وسُكُونِ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالنُونِ لِلْعَظَمَةِ وشَدِّ الزايِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالنُونِ وتَخْفِيفِ الزايِ وسُكُونِ النُونِ، وفي هَذِهِ والَّتِي قَبْلَها شُذُوذٌ كَثِيرٌ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "تَنَزَّلَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ النُونِ والزايِ وشَدِّها ورَفْعِ "المَلائِكَةَ" عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالياءِ مَضْمُومَةً وسُكُونِ النُونِ وفَتَحِ الزايِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْرَجُ بِفَتْحِ التاءِ ورَفْعِ "المَلائِكَةُ" عَلى أنَّها فاعِلَةٌ، ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، و"المَلائِكَةَ" ها هَنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الرُوحِ" -فَقالَ مُجاهِدٌ: الرُوحُ: النُبُوَّةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الوَحْيُ، وقالَ قَتادَةُ: بِالرَحْمَةِ والوَحْيِ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كُلُّ كَلامِ اللهِ رُوحٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الرُوحُ: شَخْصٌ لَهُ صُورَةٌ كَصُورَةِ بَنِي آدَمَ، ما نَزَلَ جِبْرِيلُ قَطُّ إلّا وهو مَعَهُ، وهم كَثِيرٌ، وهم مَلائِكَةٌ. وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ سَنَدٌ، وقالَ الزَجّاجُ: الرُوحُ: ما تَحْيا بِهِ القُلُوبُ مِن هِدايَةِ اللهِ تَعالى لَها.
(p-٣٢٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وكَأنَّ اللَفْظَةَ عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ بِالمُقايَسَةِ، أيْ: إنَّ هَذا الَّذِي أمَرَ الأنْبِياءَ أنْ يُنْذِرُوا بِهِ الناسَ مِنَ الدُعاءِ إلى التَوْحِيدِ هو بِالمُقايَسَةِ إلى الأوامِرِ الَّتِي هي في الأفْعالُ والعِباداتُ كالرُوحِ لِلْجَسَدِ، ألا تَرى قَوْلَهَ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، و"مَن" في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ الَّذِي قَدَّرْناهُ- لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى سائِرِ الأقْوالِ لِبَيانِ الجِنْسِ. و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾ هي لِلْأنْبِياءِ، و"أنْ" في مَوْضِعِ خَفْضِ بَدَلٍ مِنَ "الرُوحِ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ الخافِضِ، عَلى تَقْدِيرِ: بِأنْ أنْذَرُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ". وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِيُنْذِرُوا"، وحَسُنَتِ النِذارَةُ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَفْظِ ما فِيهِ خَوْفٌ مِن حَيْثُ كانَ المُنْذِرُونَ كافِرِينَ بِالأُلُوهِيَّةِ، فَفي ضِمْنِ أمْرِهِمْ مَكانُ خَوْفٍ، وفي ضِمْنِ الإخْبارِ بِالوَحْدانِيَّةِ نَهْيٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ ووَعِيدٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما يُقالُ لِلْأنْبِياءِ بِالوَحْيِ عَلى المَعْنى، ولَمْ يَذْكُرْهُ عَلى لَفْظِهِ، لَأنَّهُ لَوْ ذَكَرَهُ عَلى اللَفْظِ لَقالَ: أنْ أنْذَرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللهُ، ولَكِنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى مَعْناهُ، وهَذا شائِعٌ في كُلِّ الأقْوالِ إذا حُكِيَتْ أنْ تُحْكى عَلى لَفْظِها، أو تُحْكى بِالمَعْنى فَقَطْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: " خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ " آيَةُ تَنْبِيهٍ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى. وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" أيْ بِالواجِبِ اللائِقِ، وذَلِكَ أنَّها تَدُلُّ عَلى صِفاتٍ يَحِقُّ لِمَن كانَتْ لَهُ أنْ يَخْلُقَ ويَخْتَرِعَ ويُعِيدَ، وهي الحَياةُ والعِلْمُ والقُدْرَةُ والإرادَةُ النافِذَةُ، بِخِلافِ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ لا يَحِقُّ لَهم شَيْءٌ مِن صِفاتِ الرُبُوبِيَّةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ بِزِيادَةِ فاءِ: "فَتَعالى".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ يُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسَ، وأخَذَ لَهُ الغايَتَيْنِ لِيَظْهَرَ لَهُ البُعْدُ بَيْنَهُما بِقُدْرَةِ اللهِ، ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ: "مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ؟" وقَوْلُهُ: "خَصِيمٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يَخْتَصِمُونَ في اللهِ، ويُجادِلُونَ في تَوْحِيدِهِ وشَرْعِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَلامٍ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ، ويُحْتَمَلُ (p-٣٢٨)أنْ يُرِيدَ أعَمَّ مِن هَذا، عَلى أنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ الذِهْنِ والبَيانِ عَلى البَشَرِ، ويَظْهَرُ أنَّها إذْ تَقَرَّرَ في خِصامِ الكافِرِينَ يَنْضافُ إلى العِبْرَةِ وعِيدٌ ما.
النحل 16:2
(p-٣٢٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ النَحْلِ
هَذِهِ السُورَةُ كانَتْ تُسَمّى سُورَةَ النِعَمِ بِسَبَبِ ما عَدَّدَ اللهُ فِيها مِن نِعَمِهِ عَلى عِبادِهِ، وهي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] الآيَةُ، نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في شَأْنِ التَمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَتْلى أُحِدٍ، وغَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، وغَيْرَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] الآيَةُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [النحل: ٤١] فَمَكِّيٌّ في شَأْنِ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾
رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ في سَرْدِ الوَحْيِ: ﴿أتى أمْرُ اللهِ﴾ وثَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قائِمًا، فَلَمّا قالَ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ سَكَنَ.» وقَوْلُهُ: ﴿أمْرُ اللهِ﴾ قالَ فِيهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ يُرِيدُ القِيامَةَ، وفِيها وعِيدٌ لِلْكُفّارِ، (p-٣٢٥)وَقِيلَ: المُرادُ نَصْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: المُرادُ تَعْذِيبُ كَفّارِ مَكَّةَ بِقَتْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَهم وظُهُورِهِ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ نَحْوَ هَذا النَقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: المُرادُ فَرائِضُ اللهِ وأحْكامُهُ في عِبادِهِ وشَرْعِهِ لَهُمْ، هَذا هو قَوْلُ الضِحاكِ، ويُبْعِدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ لَأنّا لا نَعْرِفُ اسْتِعْجالًا إلّا ثَلاثَةً: اثْنانِ مِنها لِلْكُفّارِ في القِيامَةِ وفي العَذابِ، والثالِثُ لِلْمُؤْمِنِينَ في النَصْرِ وظُهُورِ الإسْلامِ، وقَوْلُهُ: "أتى" -عَلى هَذا القَوْلِ- إخْبارٌ عن إتْيانٍ ما سَيَأْتِي، وصَحَّ ذَلِكَ مِن جِهَةِ التَأْكِيدِ، وإذا كانَ الخَبَرُ حَقًّا يُؤَكِّدُ المُسْتَقْبَلَ بِأنْ يَخْرُجَ في صِيغَةِ الماضِي، أيْ كَأنَّهُ لِوُضُوحِهِ والثِقَةِ بِهِ قَدْ وقَعَ، ويَحْسَنُ ذَلِكَ في خَبَرِ اللهِ تَبارَكَ تَعالى لِصِدْقِ وُقُوعِهِ.
وقالَ قَوْمٌ: "أتى" بِمَعْنى قَرُبَ، وهَذا نَحْوَ ما قُلْتُ، وإنَّما يَجُوزُ الكَلامُ بِهَذا عِنْدِي لِمَن يَعْلَمُ قَرِينَةَ التَأْكِيدِ ويَفْهَمُ المَجازَ، وأمّا إنْ كانَ المُخاطَبُ لا يَفْهَمُ القَرِينَةَ فَلا يَجُوزُ وضْعُ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، لَأنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الخَبَرَ ويُوجِبُ الكَذِبَ، وإنَّما جازَ في الشَرْطِ لِوُضُوحِ القَرِينَةِ بِـ "أنَّ"، ومَن قالَ: "إنَّ الأمْرَ القِيامَةُ" قالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] ونَحْوَهُ مِنَ العَذابِ، أو عَلى مُسْتَبْطِئِي النَصْرَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتاءِ –وَهِيَ قِرَأةُ الجُمْهُورِ- عَلى مُخاطَبَةِ المُؤْمِنِينَ، أو عَلى مُخاطَبَةِ الكافِرِينَ، بِمَعْنى: قُلْ لَهُمْ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ المُشْرِكِينَ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وجَمِيعُ الباقِينَ قَرَؤُوا بِالياءِ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ القِراءَةَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الحَرْفَيْنِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ في هَذِهِ والَّتِي بَعْدَها الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ نِصاحٍ، والحُسْنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَرَأ عِيسى الأولى بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، والثانِيَةَ بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأهُما جَمِيعًا بِالتاءِ مِن فَوْقٍ أبُو العالِيَةِ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرَيُّ، وقَدْ رَوى الأصْمَعِيُّ عن نافِعٍ التاءَ في الأُولى.
وقَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى﴾ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَهُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ قالَ رِجالٌ مِنَ الكُفّارِ: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ أمْرَ اللهِ قَدْ أتى، فَأمْسَكُوا عَمّا أنْتُمْ بِسَبِيلِهِ حَتّى نَنْظُرَ، فَلَمّا لَمْ يَرَوْا شَيْئًا عادُوا، فَنَزَلَتْ ﴿اقْتَرَبَ (p-٣٢٦)لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عادُوا فَنَزَلَتْ ﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عنهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] الآيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿أتى أمْرُ اللهِ﴾ رَفَعُوا رُؤُوسَهم فَنَزَلَتْ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي صادِقٍ أنَّهُ قَرَأ: "يا عِبادِي أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ"، و"سُبْحانَهُ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ" بِالياءِ وشَدَّ الزايِ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ لِما فِيها مِنَ التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ الزايِ مَكْسُورَةً وسُكُونِ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالنُونِ لِلْعَظَمَةِ وشَدِّ الزايِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالنُونِ وتَخْفِيفِ الزايِ وسُكُونِ النُونِ، وفي هَذِهِ والَّتِي قَبْلَها شُذُوذٌ كَثِيرٌ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "تَنَزَّلَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ النُونِ والزايِ وشَدِّها ورَفْعِ "المَلائِكَةَ" عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالياءِ مَضْمُومَةً وسُكُونِ النُونِ وفَتَحِ الزايِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْرَجُ بِفَتْحِ التاءِ ورَفْعِ "المَلائِكَةُ" عَلى أنَّها فاعِلَةٌ، ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، و"المَلائِكَةَ" ها هَنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الرُوحِ" -فَقالَ مُجاهِدٌ: الرُوحُ: النُبُوَّةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الوَحْيُ، وقالَ قَتادَةُ: بِالرَحْمَةِ والوَحْيِ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كُلُّ كَلامِ اللهِ رُوحٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الرُوحُ: شَخْصٌ لَهُ صُورَةٌ كَصُورَةِ بَنِي آدَمَ، ما نَزَلَ جِبْرِيلُ قَطُّ إلّا وهو مَعَهُ، وهم كَثِيرٌ، وهم مَلائِكَةٌ. وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ سَنَدٌ، وقالَ الزَجّاجُ: الرُوحُ: ما تَحْيا بِهِ القُلُوبُ مِن هِدايَةِ اللهِ تَعالى لَها.
(p-٣٢٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وكَأنَّ اللَفْظَةَ عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ بِالمُقايَسَةِ، أيْ: إنَّ هَذا الَّذِي أمَرَ الأنْبِياءَ أنْ يُنْذِرُوا بِهِ الناسَ مِنَ الدُعاءِ إلى التَوْحِيدِ هو بِالمُقايَسَةِ إلى الأوامِرِ الَّتِي هي في الأفْعالُ والعِباداتُ كالرُوحِ لِلْجَسَدِ، ألا تَرى قَوْلَهَ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، و"مَن" في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ الَّذِي قَدَّرْناهُ- لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى سائِرِ الأقْوالِ لِبَيانِ الجِنْسِ. و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾ هي لِلْأنْبِياءِ، و"أنْ" في مَوْضِعِ خَفْضِ بَدَلٍ مِنَ "الرُوحِ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ الخافِضِ، عَلى تَقْدِيرِ: بِأنْ أنْذَرُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ". وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِيُنْذِرُوا"، وحَسُنَتِ النِذارَةُ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَفْظِ ما فِيهِ خَوْفٌ مِن حَيْثُ كانَ المُنْذِرُونَ كافِرِينَ بِالأُلُوهِيَّةِ، فَفي ضِمْنِ أمْرِهِمْ مَكانُ خَوْفٍ، وفي ضِمْنِ الإخْبارِ بِالوَحْدانِيَّةِ نَهْيٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ ووَعِيدٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما يُقالُ لِلْأنْبِياءِ بِالوَحْيِ عَلى المَعْنى، ولَمْ يَذْكُرْهُ عَلى لَفْظِهِ، لَأنَّهُ لَوْ ذَكَرَهُ عَلى اللَفْظِ لَقالَ: أنْ أنْذَرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللهُ، ولَكِنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى مَعْناهُ، وهَذا شائِعٌ في كُلِّ الأقْوالِ إذا حُكِيَتْ أنْ تُحْكى عَلى لَفْظِها، أو تُحْكى بِالمَعْنى فَقَطْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: " خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ " آيَةُ تَنْبِيهٍ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى. وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" أيْ بِالواجِبِ اللائِقِ، وذَلِكَ أنَّها تَدُلُّ عَلى صِفاتٍ يَحِقُّ لِمَن كانَتْ لَهُ أنْ يَخْلُقَ ويَخْتَرِعَ ويُعِيدَ، وهي الحَياةُ والعِلْمُ والقُدْرَةُ والإرادَةُ النافِذَةُ، بِخِلافِ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ لا يَحِقُّ لَهم شَيْءٌ مِن صِفاتِ الرُبُوبِيَّةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ بِزِيادَةِ فاءِ: "فَتَعالى".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ يُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسَ، وأخَذَ لَهُ الغايَتَيْنِ لِيَظْهَرَ لَهُ البُعْدُ بَيْنَهُما بِقُدْرَةِ اللهِ، ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ: "مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ؟" وقَوْلُهُ: "خَصِيمٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يَخْتَصِمُونَ في اللهِ، ويُجادِلُونَ في تَوْحِيدِهِ وشَرْعِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَلامٍ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ، ويُحْتَمَلُ (p-٣٢٨)أنْ يُرِيدَ أعَمَّ مِن هَذا، عَلى أنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ الذِهْنِ والبَيانِ عَلى البَشَرِ، ويَظْهَرُ أنَّها إذْ تَقَرَّرَ في خِصامِ الكافِرِينَ يَنْضافُ إلى العِبْرَةِ وعِيدٌ ما.
النحل 16:3
(p-٣٢٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ النَحْلِ
هَذِهِ السُورَةُ كانَتْ تُسَمّى سُورَةَ النِعَمِ بِسَبَبِ ما عَدَّدَ اللهُ فِيها مِن نِعَمِهِ عَلى عِبادِهِ، وهي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] الآيَةُ، نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في شَأْنِ التَمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَتْلى أُحِدٍ، وغَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، وغَيْرَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] الآيَةُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [النحل: ٤١] فَمَكِّيٌّ في شَأْنِ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾
رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ في سَرْدِ الوَحْيِ: ﴿أتى أمْرُ اللهِ﴾ وثَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قائِمًا، فَلَمّا قالَ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ سَكَنَ.» وقَوْلُهُ: ﴿أمْرُ اللهِ﴾ قالَ فِيهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ يُرِيدُ القِيامَةَ، وفِيها وعِيدٌ لِلْكُفّارِ، (p-٣٢٥)وَقِيلَ: المُرادُ نَصْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: المُرادُ تَعْذِيبُ كَفّارِ مَكَّةَ بِقَتْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَهم وظُهُورِهِ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ نَحْوَ هَذا النَقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: المُرادُ فَرائِضُ اللهِ وأحْكامُهُ في عِبادِهِ وشَرْعِهِ لَهُمْ، هَذا هو قَوْلُ الضِحاكِ، ويُبْعِدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ لَأنّا لا نَعْرِفُ اسْتِعْجالًا إلّا ثَلاثَةً: اثْنانِ مِنها لِلْكُفّارِ في القِيامَةِ وفي العَذابِ، والثالِثُ لِلْمُؤْمِنِينَ في النَصْرِ وظُهُورِ الإسْلامِ، وقَوْلُهُ: "أتى" -عَلى هَذا القَوْلِ- إخْبارٌ عن إتْيانٍ ما سَيَأْتِي، وصَحَّ ذَلِكَ مِن جِهَةِ التَأْكِيدِ، وإذا كانَ الخَبَرُ حَقًّا يُؤَكِّدُ المُسْتَقْبَلَ بِأنْ يَخْرُجَ في صِيغَةِ الماضِي، أيْ كَأنَّهُ لِوُضُوحِهِ والثِقَةِ بِهِ قَدْ وقَعَ، ويَحْسَنُ ذَلِكَ في خَبَرِ اللهِ تَبارَكَ تَعالى لِصِدْقِ وُقُوعِهِ.
وقالَ قَوْمٌ: "أتى" بِمَعْنى قَرُبَ، وهَذا نَحْوَ ما قُلْتُ، وإنَّما يَجُوزُ الكَلامُ بِهَذا عِنْدِي لِمَن يَعْلَمُ قَرِينَةَ التَأْكِيدِ ويَفْهَمُ المَجازَ، وأمّا إنْ كانَ المُخاطَبُ لا يَفْهَمُ القَرِينَةَ فَلا يَجُوزُ وضْعُ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، لَأنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الخَبَرَ ويُوجِبُ الكَذِبَ، وإنَّما جازَ في الشَرْطِ لِوُضُوحِ القَرِينَةِ بِـ "أنَّ"، ومَن قالَ: "إنَّ الأمْرَ القِيامَةُ" قالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] ونَحْوَهُ مِنَ العَذابِ، أو عَلى مُسْتَبْطِئِي النَصْرَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتاءِ –وَهِيَ قِرَأةُ الجُمْهُورِ- عَلى مُخاطَبَةِ المُؤْمِنِينَ، أو عَلى مُخاطَبَةِ الكافِرِينَ، بِمَعْنى: قُلْ لَهُمْ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ المُشْرِكِينَ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وجَمِيعُ الباقِينَ قَرَؤُوا بِالياءِ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ القِراءَةَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الحَرْفَيْنِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ في هَذِهِ والَّتِي بَعْدَها الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ نِصاحٍ، والحُسْنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَرَأ عِيسى الأولى بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، والثانِيَةَ بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأهُما جَمِيعًا بِالتاءِ مِن فَوْقٍ أبُو العالِيَةِ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرَيُّ، وقَدْ رَوى الأصْمَعِيُّ عن نافِعٍ التاءَ في الأُولى.
وقَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى﴾ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَهُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ قالَ رِجالٌ مِنَ الكُفّارِ: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ أمْرَ اللهِ قَدْ أتى، فَأمْسَكُوا عَمّا أنْتُمْ بِسَبِيلِهِ حَتّى نَنْظُرَ، فَلَمّا لَمْ يَرَوْا شَيْئًا عادُوا، فَنَزَلَتْ ﴿اقْتَرَبَ (p-٣٢٦)لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عادُوا فَنَزَلَتْ ﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عنهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] الآيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿أتى أمْرُ اللهِ﴾ رَفَعُوا رُؤُوسَهم فَنَزَلَتْ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي صادِقٍ أنَّهُ قَرَأ: "يا عِبادِي أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ"، و"سُبْحانَهُ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ" بِالياءِ وشَدَّ الزايِ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ لِما فِيها مِنَ التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ الزايِ مَكْسُورَةً وسُكُونِ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالنُونِ لِلْعَظَمَةِ وشَدِّ الزايِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالنُونِ وتَخْفِيفِ الزايِ وسُكُونِ النُونِ، وفي هَذِهِ والَّتِي قَبْلَها شُذُوذٌ كَثِيرٌ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "تَنَزَّلَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ النُونِ والزايِ وشَدِّها ورَفْعِ "المَلائِكَةَ" عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالياءِ مَضْمُومَةً وسُكُونِ النُونِ وفَتَحِ الزايِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْرَجُ بِفَتْحِ التاءِ ورَفْعِ "المَلائِكَةُ" عَلى أنَّها فاعِلَةٌ، ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، و"المَلائِكَةَ" ها هَنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الرُوحِ" -فَقالَ مُجاهِدٌ: الرُوحُ: النُبُوَّةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الوَحْيُ، وقالَ قَتادَةُ: بِالرَحْمَةِ والوَحْيِ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كُلُّ كَلامِ اللهِ رُوحٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الرُوحُ: شَخْصٌ لَهُ صُورَةٌ كَصُورَةِ بَنِي آدَمَ، ما نَزَلَ جِبْرِيلُ قَطُّ إلّا وهو مَعَهُ، وهم كَثِيرٌ، وهم مَلائِكَةٌ. وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ سَنَدٌ، وقالَ الزَجّاجُ: الرُوحُ: ما تَحْيا بِهِ القُلُوبُ مِن هِدايَةِ اللهِ تَعالى لَها.
(p-٣٢٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وكَأنَّ اللَفْظَةَ عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ بِالمُقايَسَةِ، أيْ: إنَّ هَذا الَّذِي أمَرَ الأنْبِياءَ أنْ يُنْذِرُوا بِهِ الناسَ مِنَ الدُعاءِ إلى التَوْحِيدِ هو بِالمُقايَسَةِ إلى الأوامِرِ الَّتِي هي في الأفْعالُ والعِباداتُ كالرُوحِ لِلْجَسَدِ، ألا تَرى قَوْلَهَ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، و"مَن" في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ الَّذِي قَدَّرْناهُ- لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى سائِرِ الأقْوالِ لِبَيانِ الجِنْسِ. و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾ هي لِلْأنْبِياءِ، و"أنْ" في مَوْضِعِ خَفْضِ بَدَلٍ مِنَ "الرُوحِ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ الخافِضِ، عَلى تَقْدِيرِ: بِأنْ أنْذَرُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ". وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِيُنْذِرُوا"، وحَسُنَتِ النِذارَةُ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَفْظِ ما فِيهِ خَوْفٌ مِن حَيْثُ كانَ المُنْذِرُونَ كافِرِينَ بِالأُلُوهِيَّةِ، فَفي ضِمْنِ أمْرِهِمْ مَكانُ خَوْفٍ، وفي ضِمْنِ الإخْبارِ بِالوَحْدانِيَّةِ نَهْيٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ ووَعِيدٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما يُقالُ لِلْأنْبِياءِ بِالوَحْيِ عَلى المَعْنى، ولَمْ يَذْكُرْهُ عَلى لَفْظِهِ، لَأنَّهُ لَوْ ذَكَرَهُ عَلى اللَفْظِ لَقالَ: أنْ أنْذَرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللهُ، ولَكِنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى مَعْناهُ، وهَذا شائِعٌ في كُلِّ الأقْوالِ إذا حُكِيَتْ أنْ تُحْكى عَلى لَفْظِها، أو تُحْكى بِالمَعْنى فَقَطْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: " خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ " آيَةُ تَنْبِيهٍ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى. وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" أيْ بِالواجِبِ اللائِقِ، وذَلِكَ أنَّها تَدُلُّ عَلى صِفاتٍ يَحِقُّ لِمَن كانَتْ لَهُ أنْ يَخْلُقَ ويَخْتَرِعَ ويُعِيدَ، وهي الحَياةُ والعِلْمُ والقُدْرَةُ والإرادَةُ النافِذَةُ، بِخِلافِ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ لا يَحِقُّ لَهم شَيْءٌ مِن صِفاتِ الرُبُوبِيَّةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ بِزِيادَةِ فاءِ: "فَتَعالى".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ يُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسَ، وأخَذَ لَهُ الغايَتَيْنِ لِيَظْهَرَ لَهُ البُعْدُ بَيْنَهُما بِقُدْرَةِ اللهِ، ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ: "مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ؟" وقَوْلُهُ: "خَصِيمٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يَخْتَصِمُونَ في اللهِ، ويُجادِلُونَ في تَوْحِيدِهِ وشَرْعِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَلامٍ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ، ويُحْتَمَلُ (p-٣٢٨)أنْ يُرِيدَ أعَمَّ مِن هَذا، عَلى أنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ الذِهْنِ والبَيانِ عَلى البَشَرِ، ويَظْهَرُ أنَّها إذْ تَقَرَّرَ في خِصامِ الكافِرِينَ يَنْضافُ إلى العِبْرَةِ وعِيدٌ ما.
النحل 16:4
(p-٣٢٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ النَحْلِ
هَذِهِ السُورَةُ كانَتْ تُسَمّى سُورَةَ النِعَمِ بِسَبَبِ ما عَدَّدَ اللهُ فِيها مِن نِعَمِهِ عَلى عِبادِهِ، وهي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] الآيَةُ، نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في شَأْنِ التَمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَتْلى أُحِدٍ، وغَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، وغَيْرَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] الآيَةُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [النحل: ٤١] فَمَكِّيٌّ في شَأْنِ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾
رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ في سَرْدِ الوَحْيِ: ﴿أتى أمْرُ اللهِ﴾ وثَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قائِمًا، فَلَمّا قالَ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ سَكَنَ.» وقَوْلُهُ: ﴿أمْرُ اللهِ﴾ قالَ فِيهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ يُرِيدُ القِيامَةَ، وفِيها وعِيدٌ لِلْكُفّارِ، (p-٣٢٥)وَقِيلَ: المُرادُ نَصْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: المُرادُ تَعْذِيبُ كَفّارِ مَكَّةَ بِقَتْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَهم وظُهُورِهِ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ نَحْوَ هَذا النَقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: المُرادُ فَرائِضُ اللهِ وأحْكامُهُ في عِبادِهِ وشَرْعِهِ لَهُمْ، هَذا هو قَوْلُ الضِحاكِ، ويُبْعِدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ لَأنّا لا نَعْرِفُ اسْتِعْجالًا إلّا ثَلاثَةً: اثْنانِ مِنها لِلْكُفّارِ في القِيامَةِ وفي العَذابِ، والثالِثُ لِلْمُؤْمِنِينَ في النَصْرِ وظُهُورِ الإسْلامِ، وقَوْلُهُ: "أتى" -عَلى هَذا القَوْلِ- إخْبارٌ عن إتْيانٍ ما سَيَأْتِي، وصَحَّ ذَلِكَ مِن جِهَةِ التَأْكِيدِ، وإذا كانَ الخَبَرُ حَقًّا يُؤَكِّدُ المُسْتَقْبَلَ بِأنْ يَخْرُجَ في صِيغَةِ الماضِي، أيْ كَأنَّهُ لِوُضُوحِهِ والثِقَةِ بِهِ قَدْ وقَعَ، ويَحْسَنُ ذَلِكَ في خَبَرِ اللهِ تَبارَكَ تَعالى لِصِدْقِ وُقُوعِهِ.
وقالَ قَوْمٌ: "أتى" بِمَعْنى قَرُبَ، وهَذا نَحْوَ ما قُلْتُ، وإنَّما يَجُوزُ الكَلامُ بِهَذا عِنْدِي لِمَن يَعْلَمُ قَرِينَةَ التَأْكِيدِ ويَفْهَمُ المَجازَ، وأمّا إنْ كانَ المُخاطَبُ لا يَفْهَمُ القَرِينَةَ فَلا يَجُوزُ وضْعُ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، لَأنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الخَبَرَ ويُوجِبُ الكَذِبَ، وإنَّما جازَ في الشَرْطِ لِوُضُوحِ القَرِينَةِ بِـ "أنَّ"، ومَن قالَ: "إنَّ الأمْرَ القِيامَةُ" قالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] ونَحْوَهُ مِنَ العَذابِ، أو عَلى مُسْتَبْطِئِي النَصْرَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتاءِ –وَهِيَ قِرَأةُ الجُمْهُورِ- عَلى مُخاطَبَةِ المُؤْمِنِينَ، أو عَلى مُخاطَبَةِ الكافِرِينَ، بِمَعْنى: قُلْ لَهُمْ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ المُشْرِكِينَ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وجَمِيعُ الباقِينَ قَرَؤُوا بِالياءِ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ القِراءَةَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الحَرْفَيْنِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ في هَذِهِ والَّتِي بَعْدَها الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ نِصاحٍ، والحُسْنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَرَأ عِيسى الأولى بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، والثانِيَةَ بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأهُما جَمِيعًا بِالتاءِ مِن فَوْقٍ أبُو العالِيَةِ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرَيُّ، وقَدْ رَوى الأصْمَعِيُّ عن نافِعٍ التاءَ في الأُولى.
وقَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى﴾ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَهُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ قالَ رِجالٌ مِنَ الكُفّارِ: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ أمْرَ اللهِ قَدْ أتى، فَأمْسَكُوا عَمّا أنْتُمْ بِسَبِيلِهِ حَتّى نَنْظُرَ، فَلَمّا لَمْ يَرَوْا شَيْئًا عادُوا، فَنَزَلَتْ ﴿اقْتَرَبَ (p-٣٢٦)لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عادُوا فَنَزَلَتْ ﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عنهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] الآيَةُ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿أتى أمْرُ اللهِ﴾ رَفَعُوا رُؤُوسَهم فَنَزَلَتْ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي صادِقٍ أنَّهُ قَرَأ: "يا عِبادِي أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ"، و"سُبْحانَهُ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ" بِالياءِ وشَدَّ الزايِ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ لِما فِيها مِنَ التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ الزايِ مَكْسُورَةً وسُكُونِ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالنُونِ لِلْعَظَمَةِ وشَدِّ الزايِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالنُونِ وتَخْفِيفِ الزايِ وسُكُونِ النُونِ، وفي هَذِهِ والَّتِي قَبْلَها شُذُوذٌ كَثِيرٌ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "تَنَزَّلَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ النُونِ والزايِ وشَدِّها ورَفْعِ "المَلائِكَةَ" عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالياءِ مَضْمُومَةً وسُكُونِ النُونِ وفَتَحِ الزايِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْرَجُ بِفَتْحِ التاءِ ورَفْعِ "المَلائِكَةُ" عَلى أنَّها فاعِلَةٌ، ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، و"المَلائِكَةَ" ها هَنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الرُوحِ" -فَقالَ مُجاهِدٌ: الرُوحُ: النُبُوَّةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الوَحْيُ، وقالَ قَتادَةُ: بِالرَحْمَةِ والوَحْيِ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كُلُّ كَلامِ اللهِ رُوحٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الرُوحُ: شَخْصٌ لَهُ صُورَةٌ كَصُورَةِ بَنِي آدَمَ، ما نَزَلَ جِبْرِيلُ قَطُّ إلّا وهو مَعَهُ، وهم كَثِيرٌ، وهم مَلائِكَةٌ. وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ سَنَدٌ، وقالَ الزَجّاجُ: الرُوحُ: ما تَحْيا بِهِ القُلُوبُ مِن هِدايَةِ اللهِ تَعالى لَها.
(p-٣٢٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وكَأنَّ اللَفْظَةَ عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ بِالمُقايَسَةِ، أيْ: إنَّ هَذا الَّذِي أمَرَ الأنْبِياءَ أنْ يُنْذِرُوا بِهِ الناسَ مِنَ الدُعاءِ إلى التَوْحِيدِ هو بِالمُقايَسَةِ إلى الأوامِرِ الَّتِي هي في الأفْعالُ والعِباداتُ كالرُوحِ لِلْجَسَدِ، ألا تَرى قَوْلَهَ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، و"مَن" في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ الَّذِي قَدَّرْناهُ- لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى سائِرِ الأقْوالِ لِبَيانِ الجِنْسِ. و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾ هي لِلْأنْبِياءِ، و"أنْ" في مَوْضِعِ خَفْضِ بَدَلٍ مِنَ "الرُوحِ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ الخافِضِ، عَلى تَقْدِيرِ: بِأنْ أنْذَرُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ". وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِيُنْذِرُوا"، وحَسُنَتِ النِذارَةُ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَفْظِ ما فِيهِ خَوْفٌ مِن حَيْثُ كانَ المُنْذِرُونَ كافِرِينَ بِالأُلُوهِيَّةِ، فَفي ضِمْنِ أمْرِهِمْ مَكانُ خَوْفٍ، وفي ضِمْنِ الإخْبارِ بِالوَحْدانِيَّةِ نَهْيٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ ووَعِيدٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما يُقالُ لِلْأنْبِياءِ بِالوَحْيِ عَلى المَعْنى، ولَمْ يَذْكُرْهُ عَلى لَفْظِهِ، لَأنَّهُ لَوْ ذَكَرَهُ عَلى اللَفْظِ لَقالَ: أنْ أنْذَرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللهُ، ولَكِنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى مَعْناهُ، وهَذا شائِعٌ في كُلِّ الأقْوالِ إذا حُكِيَتْ أنْ تُحْكى عَلى لَفْظِها، أو تُحْكى بِالمَعْنى فَقَطْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: " خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ " آيَةُ تَنْبِيهٍ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى. وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" أيْ بِالواجِبِ اللائِقِ، وذَلِكَ أنَّها تَدُلُّ عَلى صِفاتٍ يَحِقُّ لِمَن كانَتْ لَهُ أنْ يَخْلُقَ ويَخْتَرِعَ ويُعِيدَ، وهي الحَياةُ والعِلْمُ والقُدْرَةُ والإرادَةُ النافِذَةُ، بِخِلافِ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ لا يَحِقُّ لَهم شَيْءٌ مِن صِفاتِ الرُبُوبِيَّةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ بِزِيادَةِ فاءِ: "فَتَعالى".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ يُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسَ، وأخَذَ لَهُ الغايَتَيْنِ لِيَظْهَرَ لَهُ البُعْدُ بَيْنَهُما بِقُدْرَةِ اللهِ، ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ: "مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ؟" وقَوْلُهُ: "خَصِيمٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يَخْتَصِمُونَ في اللهِ، ويُجادِلُونَ في تَوْحِيدِهِ وشَرْعِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَلامٍ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ، ويُحْتَمَلُ (p-٣٢٨)أنْ يُرِيدَ أعَمَّ مِن هَذا، عَلى أنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ الذِهْنِ والبَيانِ عَلى البَشَرِ، ويَظْهَرُ أنَّها إذْ تَقَرَّرَ في خِصامِ الكافِرِينَ يَنْضافُ إلى العِبْرَةِ وعِيدٌ ما.
النحل 16:5
قوله عزّ وجلّ:
﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وَتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾
"الأنْعامُ": الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وأكْثَرُ ما يُقالُ: نِعَمٌ وأنْعامٌ لِلْإبِلِ، ويُقالُ لِلْجُمُوعِ، ولا يُقالُ لِلْغَنَمِ مُفْرَدَةً، ونَصْبُها إمّا عَطْفًا عَلى "الإنْسانَ"، وإمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وهو أوجُهُ.
و"الدِفْءُ": السَخانَةُ وذَهابُ البَرْدِ بِالأكْسِيَةِ، وذَكَرَ النَحّاسُ عَنِ الأُمَوِيِّ قالَ: الدِفْءُ في لُغَةِ بَعْضِهِمْ: تَناسُلُ الإبِلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الصَحِيحُ. وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: "دِفٌّ" بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها.
و"المَنافِعُ": ألْبانُها وما تَصَرَّفَ مِنها، ودُهُونُها وحَرْثُها والنَضْحُ عَلَيْها، وغَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ "الأكْلَ" الَّذِي هو مِن جَمِيعِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ﴾ أيْ: في المَنظَرِ، ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ مَعْناهُ: حِينَ (p-٣٢٩)تَرُدُّونَها وقْتَ الرَواحِ إلى المَنازِلِ فَتَأْتِي بِطانًا مُمْتَلِئَةَ الضُرُوعِ. و"تَسْرَحُونَ" مَعْناهُ: تُخْرِجُونَها غُدْوَةً إلى السَرْحِ، تَقُولُ: "سَرَحْتُ السائِمَةَ" إذا أرْسَلْتَها تَسْرَحُ، فَسَرَحَتْ هِيَ، كَرَجَعَ رَجَعْتُهُ، وهَذا الجَمالُ لِمالِكِها ولِمُحِبِّيهِ وعَلى حَسَدَتِهِ، وهَذا المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا﴾ [الكهف: ٤٦]، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: "حِينَما تُرِيحُونَ وحِينًا تَسْرَحُونَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "حِينًا تَرِيحُونَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهِيَ ضَعِيفَةٌ، وأظُنُّها تَصْحِيفًا.
و"الأثْقالُ": الأمْتِعَةُ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا الأجْسامُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢]، أيْ بَنِي آدَمَ، واللَفْظُ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، قالَ النَقّاشُ: ومِنهُ سُمِّي الإنْسُ والجِنُّ الثِقْلانِ. وقَوْلُهُ: ﴿إلى بَلَدٍ﴾ أيْ: إلى أيِّ بَلَدٍ تَوَجَّهْتُمْ بِحَسْبِ اخْتِلافِ أغْراضِ الناسِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: المُرادُ مَكَّةَ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى الحَجِّ. و"الشِقُّ": المَشَقَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وذِي إبِلٍ يَسْعى ويَحْسِبُها لَهُ ∗∗∗ أخِي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودَؤُوبِ
(p-٣٣٠)أيْ: مِن مَشَقَّتِها. ويُقالُ فِيها: شِقٌّ وشَقٌّ، أيْ: مَشَقَّةٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِي، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وابْنُ أرْقَمَ، ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ: "بِشَقِّ" بِفَتْحِ الشِينِ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ مَعْنى ﴿بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ أيْ: بِذَهابِ نِصْفِها، كَأنَّها قَدْ ذابَتْ تَعَبًا ونَصَبًا، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: لا تَقْدِرُ عَلى كَذا إلّا بِذَهابِ جُلِّ نَفْسِكَ، وبِقِطْعَةٍ مِن كَبِدِكَ ونَحْوَ هَذا مِنَ المَجازِ، وذَهَبُوا في فَتْحِ الشِينِ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ: شَقَّ يَشُقُّ. ثُمَّ أوجَبَ اللهُ رَأْفَتَهُ ورَحْمَتَهُ في هَذِهِ النِعَمِ الَّتِي أذْهَبَتِ المَشَقّاتُ ورَفَعَتِ الكَلَفَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ﴾ عَطْفٌ، أيْ: وخَلَقَ الخَيْلَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ" بِالرَفْعِ في كُلِّها، وسُمِّيَتِ الخَيْلُ خَيْلًا لِاخْتِيالِها في المِشْيَةِ، أفْهَمَهُ أعْرابِيٌّ لِأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ. وقَوْلُهُ: "وَزِينَةً" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: "وَجَعَلْنا زِينَةً"، وقَرَأ أبُو عِياضٍ: "لِتَرْكَبُوها زِينَةً" دُونَ واوٍ، والنُصْبُ حِينَئِذٍ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في "تَرْكَبُوها". وقَوْلُهُ: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ عِبْرَةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى العُمُومِ، أيْ أنَّ مَخْلُوقاتِ اللهِ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ لا يُحِيطُ بِعِلْمِها بَشَرٌ، بَلْ ما يَخْفى عنهُ أكْثَرُ مِمّا يُعْلَمُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى خَلْقَ ألْفَ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ، مِنها في البِرِّ أرْبَعُمِائَةٍ، وبَثَّها بِأعْيانِها في البَحْرِ، وزادَ فِيهِ مِائَتَيْنِ لَيْسَتْ في البَرِّ.
وكُلُّ مَن خَصَّصَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ شَيْئًا -كَقَوْلِ مَن قالَ: سُوسُ الثِيابِ وغَيْرَ ذَلِكَ -فَإنَّما هو عَلى جِهَةِ المِثالِ، لا أنْ ما ذَكَرَهُ هو المَقْصُودُ في نَفْسِهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ هو ما أعَدَّ اللهُ في الجَنَّةِ لِأهْلِها، وفي النارِ لِأهْلِها، مِمّا لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ، ولا سَمِعَتْهُ أُذُنٌ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ ومَن ذَهَبَ مَذْهَبَهُ في كَراهِيَةِ لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ أو تَحْرِيمِها بِحَسْبِ الِاخْتِلافِ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عن لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ فَكَرِهَها فاحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ: جَعَلَ اللهُ الأنْعامَ لِلْأكْلِ وهَذِهِ لِلرُّكُوبِ، وكانَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: الخَيْلُ والبِغالُ والحَمِيرُ حَرامٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى، ويَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ الحُجَّةُ غَيْرُ لازِمَةٍ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، قالُوا: إنَّما ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عِظَمَ مَنافِعِ الأنْعامِ، وذَكَرَ عِظَمِ مَنافِعِ هَذِهِ وأهَمُّ ما فِيها، ولَيْسَ يَقْضِي (p-٣٣١)ذَلِكَ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ لِهَذِهِ لا تَدَخُلُ هَذِهِ فِيهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وفي إجْماعِهِمْ عَلى جَوازِ رُكُوبٍ ما ذُكِرَ لِلْأكْلِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ ما ذُكِرَ لِلرُّكُوبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا نَظَرٌ، ولُحُومُ الخَيْلِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ حَلالٌ، وفي جَوازِ أكْلِها حَدِيثُ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وحَدِيثُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: « "كُنّا نَأْكُلُ الخَيْلَ في عَهْدِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ"» والبِغالُ والحَمِيرُ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وهو تَحْقِيقُ مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وحُجَّةُ مَن ألْحَقَ الخَيْلَ بِالبِغالِ والحَمِيرِ في الكَراهِيَةِ القِياسُ، إذْ قَدْ تَشابَهَتْ وفارَقَتِ الأنْعامَ في أنَّها لا تَجْتَرُّ، وأنَّها ذَواتُ حَوافِرَ، وأنَّها لا أكْراشَ لَها، وأنَّها مُتَداخِلَةٌ في النَسْلِ، إذِ البِغالُ بَيْنَ الخَيْلِ والحَمِيرِ، فَهَذا مِن جِهَةِ النَظَرِ، وأمّا مِن جِهَةِ الشَرْعِ فَإنَّها قُرِنَتْ في هَذِهِ الآيَةِ وأُسْقِطَتِ الزَكاةُ فِيها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ أيْضًا مِن أجْلِّ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ: عَلى اللهِ تَقْوِيمُ طَرِيقِ الهُدى وتَبْيِينُهُ، وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبَعْثِ الرُسُلِ، وإلى هَذا ذَهَبَ المُتَأوِّلُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ مَن سَلَكَ السَبِيلَ القاصِدَ فَعَلى اللهِ رَحْمَتُهُ ونَعِيمُهُ وطَرِيقُهُ، وإلى ذَلِكَ مَصِيرُهُ، فَيَكُونُ هَذا مَثَلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١]، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "والشَرُّ لَيْسَ إلَيْكَ"،» أيْ: لا يُفْضِي إلى رَحْمَتِكَ، و"طَرِيقٌ قاصِدٌ" مَعْناهُ: بَيِّنٌ مُسْتَقِيمٌ قَرِيبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ فَصَدَّ عن نَهْجِ الطَرِيقِ القاصِدِ
(p-٣٣٢)والألِفُ واللامُ في "السَبِيلِ" لِلْعُهَدِ، وهي سَبِيلُ الشَرْعِ، ولَيْسَتْ لِلْجِنْسِ، ولَوْ كانَتْ لِلْجِنْسِ لَمْ يَكُنْ فِيها جائِرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾ يُرِيدُ طَرِيقَ اليَهُودِ والنَصارى وغَيْرَهم كَعَبَدَةِ الأصْنامِ، والضَمِيرُ في "مِنها" يُعُودُ عَلى [السُبُلِ] الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى الآيَةِ، كَأنَّهُ قالَ: "وَمِنَ السُبُلِ جائِرٌ"، فَأعادَ عَلَيْها وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِتَضَمُّنِ لَفْظَةِ "السَبِيلِ" بِالمَعْنى لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "مِنها" عَلى سَبِيلِ الشَرْعِ المَذْكُورَةِ، وتَكُونُ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ المُرادُ فِرَقَ الضَلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّهُ قالَ: "وَمِن بُنَياتِ الطَرِيقِ في هَذِهِ السَبِيلِ ومِن شُعَبِها جائِرٌ".
وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ مَعْناهُ: لَخَلَقَ الهِدايَةَ في قُلُوبِ جَمِيعِكم ولَمْ يَضِلَّ أحَدٌ، وقالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: لَوْ شاءَ لَعَرَضَ عَلَيْكم آيَةً تَضْطَرُّكم إلى الإيمانِ والِاهْتِداءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلُ سُوءٍ لِأهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ اللهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العِبادِ لَمْ يُحَصِّلْهُ الزَجّاجُ، ووَقَعَ فِيهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَمِنكم جائِرٌ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمِنكم جائِرٌ"، والسَبِيلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ.
النحل 16:6
قوله عزّ وجلّ:
﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وَتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾
"الأنْعامُ": الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وأكْثَرُ ما يُقالُ: نِعَمٌ وأنْعامٌ لِلْإبِلِ، ويُقالُ لِلْجُمُوعِ، ولا يُقالُ لِلْغَنَمِ مُفْرَدَةً، ونَصْبُها إمّا عَطْفًا عَلى "الإنْسانَ"، وإمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وهو أوجُهُ.
و"الدِفْءُ": السَخانَةُ وذَهابُ البَرْدِ بِالأكْسِيَةِ، وذَكَرَ النَحّاسُ عَنِ الأُمَوِيِّ قالَ: الدِفْءُ في لُغَةِ بَعْضِهِمْ: تَناسُلُ الإبِلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الصَحِيحُ. وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: "دِفٌّ" بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها.
و"المَنافِعُ": ألْبانُها وما تَصَرَّفَ مِنها، ودُهُونُها وحَرْثُها والنَضْحُ عَلَيْها، وغَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ "الأكْلَ" الَّذِي هو مِن جَمِيعِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ﴾ أيْ: في المَنظَرِ، ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ مَعْناهُ: حِينَ (p-٣٢٩)تَرُدُّونَها وقْتَ الرَواحِ إلى المَنازِلِ فَتَأْتِي بِطانًا مُمْتَلِئَةَ الضُرُوعِ. و"تَسْرَحُونَ" مَعْناهُ: تُخْرِجُونَها غُدْوَةً إلى السَرْحِ، تَقُولُ: "سَرَحْتُ السائِمَةَ" إذا أرْسَلْتَها تَسْرَحُ، فَسَرَحَتْ هِيَ، كَرَجَعَ رَجَعْتُهُ، وهَذا الجَمالُ لِمالِكِها ولِمُحِبِّيهِ وعَلى حَسَدَتِهِ، وهَذا المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا﴾ [الكهف: ٤٦]، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: "حِينَما تُرِيحُونَ وحِينًا تَسْرَحُونَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "حِينًا تَرِيحُونَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهِيَ ضَعِيفَةٌ، وأظُنُّها تَصْحِيفًا.
و"الأثْقالُ": الأمْتِعَةُ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا الأجْسامُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢]، أيْ بَنِي آدَمَ، واللَفْظُ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، قالَ النَقّاشُ: ومِنهُ سُمِّي الإنْسُ والجِنُّ الثِقْلانِ. وقَوْلُهُ: ﴿إلى بَلَدٍ﴾ أيْ: إلى أيِّ بَلَدٍ تَوَجَّهْتُمْ بِحَسْبِ اخْتِلافِ أغْراضِ الناسِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: المُرادُ مَكَّةَ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى الحَجِّ. و"الشِقُّ": المَشَقَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وذِي إبِلٍ يَسْعى ويَحْسِبُها لَهُ ∗∗∗ أخِي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودَؤُوبِ
(p-٣٣٠)أيْ: مِن مَشَقَّتِها. ويُقالُ فِيها: شِقٌّ وشَقٌّ، أيْ: مَشَقَّةٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِي، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وابْنُ أرْقَمَ، ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ: "بِشَقِّ" بِفَتْحِ الشِينِ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ مَعْنى ﴿بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ أيْ: بِذَهابِ نِصْفِها، كَأنَّها قَدْ ذابَتْ تَعَبًا ونَصَبًا، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: لا تَقْدِرُ عَلى كَذا إلّا بِذَهابِ جُلِّ نَفْسِكَ، وبِقِطْعَةٍ مِن كَبِدِكَ ونَحْوَ هَذا مِنَ المَجازِ، وذَهَبُوا في فَتْحِ الشِينِ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ: شَقَّ يَشُقُّ. ثُمَّ أوجَبَ اللهُ رَأْفَتَهُ ورَحْمَتَهُ في هَذِهِ النِعَمِ الَّتِي أذْهَبَتِ المَشَقّاتُ ورَفَعَتِ الكَلَفَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ﴾ عَطْفٌ، أيْ: وخَلَقَ الخَيْلَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ" بِالرَفْعِ في كُلِّها، وسُمِّيَتِ الخَيْلُ خَيْلًا لِاخْتِيالِها في المِشْيَةِ، أفْهَمَهُ أعْرابِيٌّ لِأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ. وقَوْلُهُ: "وَزِينَةً" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: "وَجَعَلْنا زِينَةً"، وقَرَأ أبُو عِياضٍ: "لِتَرْكَبُوها زِينَةً" دُونَ واوٍ، والنُصْبُ حِينَئِذٍ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في "تَرْكَبُوها". وقَوْلُهُ: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ عِبْرَةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى العُمُومِ، أيْ أنَّ مَخْلُوقاتِ اللهِ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ لا يُحِيطُ بِعِلْمِها بَشَرٌ، بَلْ ما يَخْفى عنهُ أكْثَرُ مِمّا يُعْلَمُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى خَلْقَ ألْفَ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ، مِنها في البِرِّ أرْبَعُمِائَةٍ، وبَثَّها بِأعْيانِها في البَحْرِ، وزادَ فِيهِ مِائَتَيْنِ لَيْسَتْ في البَرِّ.
وكُلُّ مَن خَصَّصَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ شَيْئًا -كَقَوْلِ مَن قالَ: سُوسُ الثِيابِ وغَيْرَ ذَلِكَ -فَإنَّما هو عَلى جِهَةِ المِثالِ، لا أنْ ما ذَكَرَهُ هو المَقْصُودُ في نَفْسِهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ هو ما أعَدَّ اللهُ في الجَنَّةِ لِأهْلِها، وفي النارِ لِأهْلِها، مِمّا لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ، ولا سَمِعَتْهُ أُذُنٌ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ ومَن ذَهَبَ مَذْهَبَهُ في كَراهِيَةِ لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ أو تَحْرِيمِها بِحَسْبِ الِاخْتِلافِ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عن لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ فَكَرِهَها فاحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ: جَعَلَ اللهُ الأنْعامَ لِلْأكْلِ وهَذِهِ لِلرُّكُوبِ، وكانَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: الخَيْلُ والبِغالُ والحَمِيرُ حَرامٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى، ويَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ الحُجَّةُ غَيْرُ لازِمَةٍ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، قالُوا: إنَّما ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عِظَمَ مَنافِعِ الأنْعامِ، وذَكَرَ عِظَمِ مَنافِعِ هَذِهِ وأهَمُّ ما فِيها، ولَيْسَ يَقْضِي (p-٣٣١)ذَلِكَ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ لِهَذِهِ لا تَدَخُلُ هَذِهِ فِيهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وفي إجْماعِهِمْ عَلى جَوازِ رُكُوبٍ ما ذُكِرَ لِلْأكْلِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ ما ذُكِرَ لِلرُّكُوبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا نَظَرٌ، ولُحُومُ الخَيْلِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ حَلالٌ، وفي جَوازِ أكْلِها حَدِيثُ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وحَدِيثُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: « "كُنّا نَأْكُلُ الخَيْلَ في عَهْدِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ"» والبِغالُ والحَمِيرُ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وهو تَحْقِيقُ مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وحُجَّةُ مَن ألْحَقَ الخَيْلَ بِالبِغالِ والحَمِيرِ في الكَراهِيَةِ القِياسُ، إذْ قَدْ تَشابَهَتْ وفارَقَتِ الأنْعامَ في أنَّها لا تَجْتَرُّ، وأنَّها ذَواتُ حَوافِرَ، وأنَّها لا أكْراشَ لَها، وأنَّها مُتَداخِلَةٌ في النَسْلِ، إذِ البِغالُ بَيْنَ الخَيْلِ والحَمِيرِ، فَهَذا مِن جِهَةِ النَظَرِ، وأمّا مِن جِهَةِ الشَرْعِ فَإنَّها قُرِنَتْ في هَذِهِ الآيَةِ وأُسْقِطَتِ الزَكاةُ فِيها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ أيْضًا مِن أجْلِّ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ: عَلى اللهِ تَقْوِيمُ طَرِيقِ الهُدى وتَبْيِينُهُ، وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبَعْثِ الرُسُلِ، وإلى هَذا ذَهَبَ المُتَأوِّلُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ مَن سَلَكَ السَبِيلَ القاصِدَ فَعَلى اللهِ رَحْمَتُهُ ونَعِيمُهُ وطَرِيقُهُ، وإلى ذَلِكَ مَصِيرُهُ، فَيَكُونُ هَذا مَثَلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١]، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "والشَرُّ لَيْسَ إلَيْكَ"،» أيْ: لا يُفْضِي إلى رَحْمَتِكَ، و"طَرِيقٌ قاصِدٌ" مَعْناهُ: بَيِّنٌ مُسْتَقِيمٌ قَرِيبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ فَصَدَّ عن نَهْجِ الطَرِيقِ القاصِدِ
(p-٣٣٢)والألِفُ واللامُ في "السَبِيلِ" لِلْعُهَدِ، وهي سَبِيلُ الشَرْعِ، ولَيْسَتْ لِلْجِنْسِ، ولَوْ كانَتْ لِلْجِنْسِ لَمْ يَكُنْ فِيها جائِرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾ يُرِيدُ طَرِيقَ اليَهُودِ والنَصارى وغَيْرَهم كَعَبَدَةِ الأصْنامِ، والضَمِيرُ في "مِنها" يُعُودُ عَلى [السُبُلِ] الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى الآيَةِ، كَأنَّهُ قالَ: "وَمِنَ السُبُلِ جائِرٌ"، فَأعادَ عَلَيْها وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِتَضَمُّنِ لَفْظَةِ "السَبِيلِ" بِالمَعْنى لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "مِنها" عَلى سَبِيلِ الشَرْعِ المَذْكُورَةِ، وتَكُونُ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ المُرادُ فِرَقَ الضَلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّهُ قالَ: "وَمِن بُنَياتِ الطَرِيقِ في هَذِهِ السَبِيلِ ومِن شُعَبِها جائِرٌ".
وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ مَعْناهُ: لَخَلَقَ الهِدايَةَ في قُلُوبِ جَمِيعِكم ولَمْ يَضِلَّ أحَدٌ، وقالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: لَوْ شاءَ لَعَرَضَ عَلَيْكم آيَةً تَضْطَرُّكم إلى الإيمانِ والِاهْتِداءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلُ سُوءٍ لِأهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ اللهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العِبادِ لَمْ يُحَصِّلْهُ الزَجّاجُ، ووَقَعَ فِيهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَمِنكم جائِرٌ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمِنكم جائِرٌ"، والسَبِيلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ.
النحل 16:7
قوله عزّ وجلّ:
﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وَتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾
"الأنْعامُ": الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وأكْثَرُ ما يُقالُ: نِعَمٌ وأنْعامٌ لِلْإبِلِ، ويُقالُ لِلْجُمُوعِ، ولا يُقالُ لِلْغَنَمِ مُفْرَدَةً، ونَصْبُها إمّا عَطْفًا عَلى "الإنْسانَ"، وإمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وهو أوجُهُ.
و"الدِفْءُ": السَخانَةُ وذَهابُ البَرْدِ بِالأكْسِيَةِ، وذَكَرَ النَحّاسُ عَنِ الأُمَوِيِّ قالَ: الدِفْءُ في لُغَةِ بَعْضِهِمْ: تَناسُلُ الإبِلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الصَحِيحُ. وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: "دِفٌّ" بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها.
و"المَنافِعُ": ألْبانُها وما تَصَرَّفَ مِنها، ودُهُونُها وحَرْثُها والنَضْحُ عَلَيْها، وغَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ "الأكْلَ" الَّذِي هو مِن جَمِيعِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ﴾ أيْ: في المَنظَرِ، ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ مَعْناهُ: حِينَ (p-٣٢٩)تَرُدُّونَها وقْتَ الرَواحِ إلى المَنازِلِ فَتَأْتِي بِطانًا مُمْتَلِئَةَ الضُرُوعِ. و"تَسْرَحُونَ" مَعْناهُ: تُخْرِجُونَها غُدْوَةً إلى السَرْحِ، تَقُولُ: "سَرَحْتُ السائِمَةَ" إذا أرْسَلْتَها تَسْرَحُ، فَسَرَحَتْ هِيَ، كَرَجَعَ رَجَعْتُهُ، وهَذا الجَمالُ لِمالِكِها ولِمُحِبِّيهِ وعَلى حَسَدَتِهِ، وهَذا المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا﴾ [الكهف: ٤٦]، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: "حِينَما تُرِيحُونَ وحِينًا تَسْرَحُونَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "حِينًا تَرِيحُونَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهِيَ ضَعِيفَةٌ، وأظُنُّها تَصْحِيفًا.
و"الأثْقالُ": الأمْتِعَةُ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا الأجْسامُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢]، أيْ بَنِي آدَمَ، واللَفْظُ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، قالَ النَقّاشُ: ومِنهُ سُمِّي الإنْسُ والجِنُّ الثِقْلانِ. وقَوْلُهُ: ﴿إلى بَلَدٍ﴾ أيْ: إلى أيِّ بَلَدٍ تَوَجَّهْتُمْ بِحَسْبِ اخْتِلافِ أغْراضِ الناسِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: المُرادُ مَكَّةَ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى الحَجِّ. و"الشِقُّ": المَشَقَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وذِي إبِلٍ يَسْعى ويَحْسِبُها لَهُ ∗∗∗ أخِي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودَؤُوبِ
(p-٣٣٠)أيْ: مِن مَشَقَّتِها. ويُقالُ فِيها: شِقٌّ وشَقٌّ، أيْ: مَشَقَّةٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِي، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وابْنُ أرْقَمَ، ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ: "بِشَقِّ" بِفَتْحِ الشِينِ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ مَعْنى ﴿بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ أيْ: بِذَهابِ نِصْفِها، كَأنَّها قَدْ ذابَتْ تَعَبًا ونَصَبًا، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: لا تَقْدِرُ عَلى كَذا إلّا بِذَهابِ جُلِّ نَفْسِكَ، وبِقِطْعَةٍ مِن كَبِدِكَ ونَحْوَ هَذا مِنَ المَجازِ، وذَهَبُوا في فَتْحِ الشِينِ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ: شَقَّ يَشُقُّ. ثُمَّ أوجَبَ اللهُ رَأْفَتَهُ ورَحْمَتَهُ في هَذِهِ النِعَمِ الَّتِي أذْهَبَتِ المَشَقّاتُ ورَفَعَتِ الكَلَفَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ﴾ عَطْفٌ، أيْ: وخَلَقَ الخَيْلَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ" بِالرَفْعِ في كُلِّها، وسُمِّيَتِ الخَيْلُ خَيْلًا لِاخْتِيالِها في المِشْيَةِ، أفْهَمَهُ أعْرابِيٌّ لِأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ. وقَوْلُهُ: "وَزِينَةً" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: "وَجَعَلْنا زِينَةً"، وقَرَأ أبُو عِياضٍ: "لِتَرْكَبُوها زِينَةً" دُونَ واوٍ، والنُصْبُ حِينَئِذٍ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في "تَرْكَبُوها". وقَوْلُهُ: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ عِبْرَةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى العُمُومِ، أيْ أنَّ مَخْلُوقاتِ اللهِ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ لا يُحِيطُ بِعِلْمِها بَشَرٌ، بَلْ ما يَخْفى عنهُ أكْثَرُ مِمّا يُعْلَمُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى خَلْقَ ألْفَ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ، مِنها في البِرِّ أرْبَعُمِائَةٍ، وبَثَّها بِأعْيانِها في البَحْرِ، وزادَ فِيهِ مِائَتَيْنِ لَيْسَتْ في البَرِّ.
وكُلُّ مَن خَصَّصَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ شَيْئًا -كَقَوْلِ مَن قالَ: سُوسُ الثِيابِ وغَيْرَ ذَلِكَ -فَإنَّما هو عَلى جِهَةِ المِثالِ، لا أنْ ما ذَكَرَهُ هو المَقْصُودُ في نَفْسِهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ هو ما أعَدَّ اللهُ في الجَنَّةِ لِأهْلِها، وفي النارِ لِأهْلِها، مِمّا لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ، ولا سَمِعَتْهُ أُذُنٌ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ ومَن ذَهَبَ مَذْهَبَهُ في كَراهِيَةِ لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ أو تَحْرِيمِها بِحَسْبِ الِاخْتِلافِ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عن لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ فَكَرِهَها فاحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ: جَعَلَ اللهُ الأنْعامَ لِلْأكْلِ وهَذِهِ لِلرُّكُوبِ، وكانَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: الخَيْلُ والبِغالُ والحَمِيرُ حَرامٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى، ويَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ الحُجَّةُ غَيْرُ لازِمَةٍ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، قالُوا: إنَّما ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عِظَمَ مَنافِعِ الأنْعامِ، وذَكَرَ عِظَمِ مَنافِعِ هَذِهِ وأهَمُّ ما فِيها، ولَيْسَ يَقْضِي (p-٣٣١)ذَلِكَ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ لِهَذِهِ لا تَدَخُلُ هَذِهِ فِيهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وفي إجْماعِهِمْ عَلى جَوازِ رُكُوبٍ ما ذُكِرَ لِلْأكْلِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ ما ذُكِرَ لِلرُّكُوبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا نَظَرٌ، ولُحُومُ الخَيْلِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ حَلالٌ، وفي جَوازِ أكْلِها حَدِيثُ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وحَدِيثُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: « "كُنّا نَأْكُلُ الخَيْلَ في عَهْدِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ"» والبِغالُ والحَمِيرُ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وهو تَحْقِيقُ مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وحُجَّةُ مَن ألْحَقَ الخَيْلَ بِالبِغالِ والحَمِيرِ في الكَراهِيَةِ القِياسُ، إذْ قَدْ تَشابَهَتْ وفارَقَتِ الأنْعامَ في أنَّها لا تَجْتَرُّ، وأنَّها ذَواتُ حَوافِرَ، وأنَّها لا أكْراشَ لَها، وأنَّها مُتَداخِلَةٌ في النَسْلِ، إذِ البِغالُ بَيْنَ الخَيْلِ والحَمِيرِ، فَهَذا مِن جِهَةِ النَظَرِ، وأمّا مِن جِهَةِ الشَرْعِ فَإنَّها قُرِنَتْ في هَذِهِ الآيَةِ وأُسْقِطَتِ الزَكاةُ فِيها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ أيْضًا مِن أجْلِّ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ: عَلى اللهِ تَقْوِيمُ طَرِيقِ الهُدى وتَبْيِينُهُ، وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبَعْثِ الرُسُلِ، وإلى هَذا ذَهَبَ المُتَأوِّلُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ مَن سَلَكَ السَبِيلَ القاصِدَ فَعَلى اللهِ رَحْمَتُهُ ونَعِيمُهُ وطَرِيقُهُ، وإلى ذَلِكَ مَصِيرُهُ، فَيَكُونُ هَذا مَثَلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١]، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "والشَرُّ لَيْسَ إلَيْكَ"،» أيْ: لا يُفْضِي إلى رَحْمَتِكَ، و"طَرِيقٌ قاصِدٌ" مَعْناهُ: بَيِّنٌ مُسْتَقِيمٌ قَرِيبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ فَصَدَّ عن نَهْجِ الطَرِيقِ القاصِدِ
(p-٣٣٢)والألِفُ واللامُ في "السَبِيلِ" لِلْعُهَدِ، وهي سَبِيلُ الشَرْعِ، ولَيْسَتْ لِلْجِنْسِ، ولَوْ كانَتْ لِلْجِنْسِ لَمْ يَكُنْ فِيها جائِرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾ يُرِيدُ طَرِيقَ اليَهُودِ والنَصارى وغَيْرَهم كَعَبَدَةِ الأصْنامِ، والضَمِيرُ في "مِنها" يُعُودُ عَلى [السُبُلِ] الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى الآيَةِ، كَأنَّهُ قالَ: "وَمِنَ السُبُلِ جائِرٌ"، فَأعادَ عَلَيْها وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِتَضَمُّنِ لَفْظَةِ "السَبِيلِ" بِالمَعْنى لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "مِنها" عَلى سَبِيلِ الشَرْعِ المَذْكُورَةِ، وتَكُونُ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ المُرادُ فِرَقَ الضَلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّهُ قالَ: "وَمِن بُنَياتِ الطَرِيقِ في هَذِهِ السَبِيلِ ومِن شُعَبِها جائِرٌ".
وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ مَعْناهُ: لَخَلَقَ الهِدايَةَ في قُلُوبِ جَمِيعِكم ولَمْ يَضِلَّ أحَدٌ، وقالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: لَوْ شاءَ لَعَرَضَ عَلَيْكم آيَةً تَضْطَرُّكم إلى الإيمانِ والِاهْتِداءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلُ سُوءٍ لِأهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ اللهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العِبادِ لَمْ يُحَصِّلْهُ الزَجّاجُ، ووَقَعَ فِيهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَمِنكم جائِرٌ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمِنكم جائِرٌ"، والسَبِيلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ.
النحل 16:8
قوله عزّ وجلّ:
﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وَتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾
"الأنْعامُ": الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وأكْثَرُ ما يُقالُ: نِعَمٌ وأنْعامٌ لِلْإبِلِ، ويُقالُ لِلْجُمُوعِ، ولا يُقالُ لِلْغَنَمِ مُفْرَدَةً، ونَصْبُها إمّا عَطْفًا عَلى "الإنْسانَ"، وإمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وهو أوجُهُ.
و"الدِفْءُ": السَخانَةُ وذَهابُ البَرْدِ بِالأكْسِيَةِ، وذَكَرَ النَحّاسُ عَنِ الأُمَوِيِّ قالَ: الدِفْءُ في لُغَةِ بَعْضِهِمْ: تَناسُلُ الإبِلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الصَحِيحُ. وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: "دِفٌّ" بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها.
و"المَنافِعُ": ألْبانُها وما تَصَرَّفَ مِنها، ودُهُونُها وحَرْثُها والنَضْحُ عَلَيْها، وغَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ "الأكْلَ" الَّذِي هو مِن جَمِيعِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ﴾ أيْ: في المَنظَرِ، ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ مَعْناهُ: حِينَ (p-٣٢٩)تَرُدُّونَها وقْتَ الرَواحِ إلى المَنازِلِ فَتَأْتِي بِطانًا مُمْتَلِئَةَ الضُرُوعِ. و"تَسْرَحُونَ" مَعْناهُ: تُخْرِجُونَها غُدْوَةً إلى السَرْحِ، تَقُولُ: "سَرَحْتُ السائِمَةَ" إذا أرْسَلْتَها تَسْرَحُ، فَسَرَحَتْ هِيَ، كَرَجَعَ رَجَعْتُهُ، وهَذا الجَمالُ لِمالِكِها ولِمُحِبِّيهِ وعَلى حَسَدَتِهِ، وهَذا المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا﴾ [الكهف: ٤٦]، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: "حِينَما تُرِيحُونَ وحِينًا تَسْرَحُونَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "حِينًا تَرِيحُونَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهِيَ ضَعِيفَةٌ، وأظُنُّها تَصْحِيفًا.
و"الأثْقالُ": الأمْتِعَةُ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا الأجْسامُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢]، أيْ بَنِي آدَمَ، واللَفْظُ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، قالَ النَقّاشُ: ومِنهُ سُمِّي الإنْسُ والجِنُّ الثِقْلانِ. وقَوْلُهُ: ﴿إلى بَلَدٍ﴾ أيْ: إلى أيِّ بَلَدٍ تَوَجَّهْتُمْ بِحَسْبِ اخْتِلافِ أغْراضِ الناسِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: المُرادُ مَكَّةَ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى الحَجِّ. و"الشِقُّ": المَشَقَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وذِي إبِلٍ يَسْعى ويَحْسِبُها لَهُ ∗∗∗ أخِي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودَؤُوبِ
(p-٣٣٠)أيْ: مِن مَشَقَّتِها. ويُقالُ فِيها: شِقٌّ وشَقٌّ، أيْ: مَشَقَّةٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِي، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وابْنُ أرْقَمَ، ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ: "بِشَقِّ" بِفَتْحِ الشِينِ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ مَعْنى ﴿بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ أيْ: بِذَهابِ نِصْفِها، كَأنَّها قَدْ ذابَتْ تَعَبًا ونَصَبًا، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: لا تَقْدِرُ عَلى كَذا إلّا بِذَهابِ جُلِّ نَفْسِكَ، وبِقِطْعَةٍ مِن كَبِدِكَ ونَحْوَ هَذا مِنَ المَجازِ، وذَهَبُوا في فَتْحِ الشِينِ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ: شَقَّ يَشُقُّ. ثُمَّ أوجَبَ اللهُ رَأْفَتَهُ ورَحْمَتَهُ في هَذِهِ النِعَمِ الَّتِي أذْهَبَتِ المَشَقّاتُ ورَفَعَتِ الكَلَفَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ﴾ عَطْفٌ، أيْ: وخَلَقَ الخَيْلَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ" بِالرَفْعِ في كُلِّها، وسُمِّيَتِ الخَيْلُ خَيْلًا لِاخْتِيالِها في المِشْيَةِ، أفْهَمَهُ أعْرابِيٌّ لِأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ. وقَوْلُهُ: "وَزِينَةً" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: "وَجَعَلْنا زِينَةً"، وقَرَأ أبُو عِياضٍ: "لِتَرْكَبُوها زِينَةً" دُونَ واوٍ، والنُصْبُ حِينَئِذٍ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في "تَرْكَبُوها". وقَوْلُهُ: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ عِبْرَةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى العُمُومِ، أيْ أنَّ مَخْلُوقاتِ اللهِ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ لا يُحِيطُ بِعِلْمِها بَشَرٌ، بَلْ ما يَخْفى عنهُ أكْثَرُ مِمّا يُعْلَمُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى خَلْقَ ألْفَ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ، مِنها في البِرِّ أرْبَعُمِائَةٍ، وبَثَّها بِأعْيانِها في البَحْرِ، وزادَ فِيهِ مِائَتَيْنِ لَيْسَتْ في البَرِّ.
وكُلُّ مَن خَصَّصَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ شَيْئًا -كَقَوْلِ مَن قالَ: سُوسُ الثِيابِ وغَيْرَ ذَلِكَ -فَإنَّما هو عَلى جِهَةِ المِثالِ، لا أنْ ما ذَكَرَهُ هو المَقْصُودُ في نَفْسِهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ هو ما أعَدَّ اللهُ في الجَنَّةِ لِأهْلِها، وفي النارِ لِأهْلِها، مِمّا لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ، ولا سَمِعَتْهُ أُذُنٌ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ ومَن ذَهَبَ مَذْهَبَهُ في كَراهِيَةِ لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ أو تَحْرِيمِها بِحَسْبِ الِاخْتِلافِ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عن لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ فَكَرِهَها فاحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ: جَعَلَ اللهُ الأنْعامَ لِلْأكْلِ وهَذِهِ لِلرُّكُوبِ، وكانَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: الخَيْلُ والبِغالُ والحَمِيرُ حَرامٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى، ويَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ الحُجَّةُ غَيْرُ لازِمَةٍ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، قالُوا: إنَّما ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عِظَمَ مَنافِعِ الأنْعامِ، وذَكَرَ عِظَمِ مَنافِعِ هَذِهِ وأهَمُّ ما فِيها، ولَيْسَ يَقْضِي (p-٣٣١)ذَلِكَ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ لِهَذِهِ لا تَدَخُلُ هَذِهِ فِيهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وفي إجْماعِهِمْ عَلى جَوازِ رُكُوبٍ ما ذُكِرَ لِلْأكْلِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ ما ذُكِرَ لِلرُّكُوبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا نَظَرٌ، ولُحُومُ الخَيْلِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ حَلالٌ، وفي جَوازِ أكْلِها حَدِيثُ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وحَدِيثُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: « "كُنّا نَأْكُلُ الخَيْلَ في عَهْدِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ"» والبِغالُ والحَمِيرُ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وهو تَحْقِيقُ مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وحُجَّةُ مَن ألْحَقَ الخَيْلَ بِالبِغالِ والحَمِيرِ في الكَراهِيَةِ القِياسُ، إذْ قَدْ تَشابَهَتْ وفارَقَتِ الأنْعامَ في أنَّها لا تَجْتَرُّ، وأنَّها ذَواتُ حَوافِرَ، وأنَّها لا أكْراشَ لَها، وأنَّها مُتَداخِلَةٌ في النَسْلِ، إذِ البِغالُ بَيْنَ الخَيْلِ والحَمِيرِ، فَهَذا مِن جِهَةِ النَظَرِ، وأمّا مِن جِهَةِ الشَرْعِ فَإنَّها قُرِنَتْ في هَذِهِ الآيَةِ وأُسْقِطَتِ الزَكاةُ فِيها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ أيْضًا مِن أجْلِّ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ: عَلى اللهِ تَقْوِيمُ طَرِيقِ الهُدى وتَبْيِينُهُ، وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبَعْثِ الرُسُلِ، وإلى هَذا ذَهَبَ المُتَأوِّلُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ مَن سَلَكَ السَبِيلَ القاصِدَ فَعَلى اللهِ رَحْمَتُهُ ونَعِيمُهُ وطَرِيقُهُ، وإلى ذَلِكَ مَصِيرُهُ، فَيَكُونُ هَذا مَثَلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١]، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "والشَرُّ لَيْسَ إلَيْكَ"،» أيْ: لا يُفْضِي إلى رَحْمَتِكَ، و"طَرِيقٌ قاصِدٌ" مَعْناهُ: بَيِّنٌ مُسْتَقِيمٌ قَرِيبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ فَصَدَّ عن نَهْجِ الطَرِيقِ القاصِدِ
(p-٣٣٢)والألِفُ واللامُ في "السَبِيلِ" لِلْعُهَدِ، وهي سَبِيلُ الشَرْعِ، ولَيْسَتْ لِلْجِنْسِ، ولَوْ كانَتْ لِلْجِنْسِ لَمْ يَكُنْ فِيها جائِرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾ يُرِيدُ طَرِيقَ اليَهُودِ والنَصارى وغَيْرَهم كَعَبَدَةِ الأصْنامِ، والضَمِيرُ في "مِنها" يُعُودُ عَلى [السُبُلِ] الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى الآيَةِ، كَأنَّهُ قالَ: "وَمِنَ السُبُلِ جائِرٌ"، فَأعادَ عَلَيْها وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِتَضَمُّنِ لَفْظَةِ "السَبِيلِ" بِالمَعْنى لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "مِنها" عَلى سَبِيلِ الشَرْعِ المَذْكُورَةِ، وتَكُونُ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ المُرادُ فِرَقَ الضَلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّهُ قالَ: "وَمِن بُنَياتِ الطَرِيقِ في هَذِهِ السَبِيلِ ومِن شُعَبِها جائِرٌ".
وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ مَعْناهُ: لَخَلَقَ الهِدايَةَ في قُلُوبِ جَمِيعِكم ولَمْ يَضِلَّ أحَدٌ، وقالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: لَوْ شاءَ لَعَرَضَ عَلَيْكم آيَةً تَضْطَرُّكم إلى الإيمانِ والِاهْتِداءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلُ سُوءٍ لِأهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ اللهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العِبادِ لَمْ يُحَصِّلْهُ الزَجّاجُ، ووَقَعَ فِيهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَمِنكم جائِرٌ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمِنكم جائِرٌ"، والسَبِيلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ.
النحل 16:9
قوله عزّ وجلّ:
﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وَتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾
"الأنْعامُ": الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وأكْثَرُ ما يُقالُ: نِعَمٌ وأنْعامٌ لِلْإبِلِ، ويُقالُ لِلْجُمُوعِ، ولا يُقالُ لِلْغَنَمِ مُفْرَدَةً، ونَصْبُها إمّا عَطْفًا عَلى "الإنْسانَ"، وإمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وهو أوجُهُ.
و"الدِفْءُ": السَخانَةُ وذَهابُ البَرْدِ بِالأكْسِيَةِ، وذَكَرَ النَحّاسُ عَنِ الأُمَوِيِّ قالَ: الدِفْءُ في لُغَةِ بَعْضِهِمْ: تَناسُلُ الإبِلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الصَحِيحُ. وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: "دِفٌّ" بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها.
و"المَنافِعُ": ألْبانُها وما تَصَرَّفَ مِنها، ودُهُونُها وحَرْثُها والنَضْحُ عَلَيْها، وغَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ "الأكْلَ" الَّذِي هو مِن جَمِيعِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ﴾ أيْ: في المَنظَرِ، ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ مَعْناهُ: حِينَ (p-٣٢٩)تَرُدُّونَها وقْتَ الرَواحِ إلى المَنازِلِ فَتَأْتِي بِطانًا مُمْتَلِئَةَ الضُرُوعِ. و"تَسْرَحُونَ" مَعْناهُ: تُخْرِجُونَها غُدْوَةً إلى السَرْحِ، تَقُولُ: "سَرَحْتُ السائِمَةَ" إذا أرْسَلْتَها تَسْرَحُ، فَسَرَحَتْ هِيَ، كَرَجَعَ رَجَعْتُهُ، وهَذا الجَمالُ لِمالِكِها ولِمُحِبِّيهِ وعَلى حَسَدَتِهِ، وهَذا المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا﴾ [الكهف: ٤٦]، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: "حِينَما تُرِيحُونَ وحِينًا تَسْرَحُونَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "حِينًا تَرِيحُونَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهِيَ ضَعِيفَةٌ، وأظُنُّها تَصْحِيفًا.
و"الأثْقالُ": الأمْتِعَةُ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا الأجْسامُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢]، أيْ بَنِي آدَمَ، واللَفْظُ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، قالَ النَقّاشُ: ومِنهُ سُمِّي الإنْسُ والجِنُّ الثِقْلانِ. وقَوْلُهُ: ﴿إلى بَلَدٍ﴾ أيْ: إلى أيِّ بَلَدٍ تَوَجَّهْتُمْ بِحَسْبِ اخْتِلافِ أغْراضِ الناسِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: المُرادُ مَكَّةَ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى الحَجِّ. و"الشِقُّ": المَشَقَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وذِي إبِلٍ يَسْعى ويَحْسِبُها لَهُ ∗∗∗ أخِي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودَؤُوبِ
(p-٣٣٠)أيْ: مِن مَشَقَّتِها. ويُقالُ فِيها: شِقٌّ وشَقٌّ، أيْ: مَشَقَّةٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِي، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وابْنُ أرْقَمَ، ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ: "بِشَقِّ" بِفَتْحِ الشِينِ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ مَعْنى ﴿بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ أيْ: بِذَهابِ نِصْفِها، كَأنَّها قَدْ ذابَتْ تَعَبًا ونَصَبًا، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: لا تَقْدِرُ عَلى كَذا إلّا بِذَهابِ جُلِّ نَفْسِكَ، وبِقِطْعَةٍ مِن كَبِدِكَ ونَحْوَ هَذا مِنَ المَجازِ، وذَهَبُوا في فَتْحِ الشِينِ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ: شَقَّ يَشُقُّ. ثُمَّ أوجَبَ اللهُ رَأْفَتَهُ ورَحْمَتَهُ في هَذِهِ النِعَمِ الَّتِي أذْهَبَتِ المَشَقّاتُ ورَفَعَتِ الكَلَفَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ﴾ عَطْفٌ، أيْ: وخَلَقَ الخَيْلَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ" بِالرَفْعِ في كُلِّها، وسُمِّيَتِ الخَيْلُ خَيْلًا لِاخْتِيالِها في المِشْيَةِ، أفْهَمَهُ أعْرابِيٌّ لِأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ. وقَوْلُهُ: "وَزِينَةً" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: "وَجَعَلْنا زِينَةً"، وقَرَأ أبُو عِياضٍ: "لِتَرْكَبُوها زِينَةً" دُونَ واوٍ، والنُصْبُ حِينَئِذٍ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في "تَرْكَبُوها". وقَوْلُهُ: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ عِبْرَةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى العُمُومِ، أيْ أنَّ مَخْلُوقاتِ اللهِ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ لا يُحِيطُ بِعِلْمِها بَشَرٌ، بَلْ ما يَخْفى عنهُ أكْثَرُ مِمّا يُعْلَمُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى خَلْقَ ألْفَ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ، مِنها في البِرِّ أرْبَعُمِائَةٍ، وبَثَّها بِأعْيانِها في البَحْرِ، وزادَ فِيهِ مِائَتَيْنِ لَيْسَتْ في البَرِّ.
وكُلُّ مَن خَصَّصَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ شَيْئًا -كَقَوْلِ مَن قالَ: سُوسُ الثِيابِ وغَيْرَ ذَلِكَ -فَإنَّما هو عَلى جِهَةِ المِثالِ، لا أنْ ما ذَكَرَهُ هو المَقْصُودُ في نَفْسِهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ هو ما أعَدَّ اللهُ في الجَنَّةِ لِأهْلِها، وفي النارِ لِأهْلِها، مِمّا لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ، ولا سَمِعَتْهُ أُذُنٌ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ ومَن ذَهَبَ مَذْهَبَهُ في كَراهِيَةِ لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ أو تَحْرِيمِها بِحَسْبِ الِاخْتِلافِ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عن لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ فَكَرِهَها فاحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ: جَعَلَ اللهُ الأنْعامَ لِلْأكْلِ وهَذِهِ لِلرُّكُوبِ، وكانَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: الخَيْلُ والبِغالُ والحَمِيرُ حَرامٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى، ويَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ الحُجَّةُ غَيْرُ لازِمَةٍ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، قالُوا: إنَّما ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عِظَمَ مَنافِعِ الأنْعامِ، وذَكَرَ عِظَمِ مَنافِعِ هَذِهِ وأهَمُّ ما فِيها، ولَيْسَ يَقْضِي (p-٣٣١)ذَلِكَ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ لِهَذِهِ لا تَدَخُلُ هَذِهِ فِيهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وفي إجْماعِهِمْ عَلى جَوازِ رُكُوبٍ ما ذُكِرَ لِلْأكْلِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ ما ذُكِرَ لِلرُّكُوبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا نَظَرٌ، ولُحُومُ الخَيْلِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ حَلالٌ، وفي جَوازِ أكْلِها حَدِيثُ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وحَدِيثُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: « "كُنّا نَأْكُلُ الخَيْلَ في عَهْدِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ"» والبِغالُ والحَمِيرُ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وهو تَحْقِيقُ مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وحُجَّةُ مَن ألْحَقَ الخَيْلَ بِالبِغالِ والحَمِيرِ في الكَراهِيَةِ القِياسُ، إذْ قَدْ تَشابَهَتْ وفارَقَتِ الأنْعامَ في أنَّها لا تَجْتَرُّ، وأنَّها ذَواتُ حَوافِرَ، وأنَّها لا أكْراشَ لَها، وأنَّها مُتَداخِلَةٌ في النَسْلِ، إذِ البِغالُ بَيْنَ الخَيْلِ والحَمِيرِ، فَهَذا مِن جِهَةِ النَظَرِ، وأمّا مِن جِهَةِ الشَرْعِ فَإنَّها قُرِنَتْ في هَذِهِ الآيَةِ وأُسْقِطَتِ الزَكاةُ فِيها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ أيْضًا مِن أجْلِّ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ: عَلى اللهِ تَقْوِيمُ طَرِيقِ الهُدى وتَبْيِينُهُ، وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبَعْثِ الرُسُلِ، وإلى هَذا ذَهَبَ المُتَأوِّلُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ مَن سَلَكَ السَبِيلَ القاصِدَ فَعَلى اللهِ رَحْمَتُهُ ونَعِيمُهُ وطَرِيقُهُ، وإلى ذَلِكَ مَصِيرُهُ، فَيَكُونُ هَذا مَثَلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١]، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "والشَرُّ لَيْسَ إلَيْكَ"،» أيْ: لا يُفْضِي إلى رَحْمَتِكَ، و"طَرِيقٌ قاصِدٌ" مَعْناهُ: بَيِّنٌ مُسْتَقِيمٌ قَرِيبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ فَصَدَّ عن نَهْجِ الطَرِيقِ القاصِدِ
(p-٣٣٢)والألِفُ واللامُ في "السَبِيلِ" لِلْعُهَدِ، وهي سَبِيلُ الشَرْعِ، ولَيْسَتْ لِلْجِنْسِ، ولَوْ كانَتْ لِلْجِنْسِ لَمْ يَكُنْ فِيها جائِرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾ يُرِيدُ طَرِيقَ اليَهُودِ والنَصارى وغَيْرَهم كَعَبَدَةِ الأصْنامِ، والضَمِيرُ في "مِنها" يُعُودُ عَلى [السُبُلِ] الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى الآيَةِ، كَأنَّهُ قالَ: "وَمِنَ السُبُلِ جائِرٌ"، فَأعادَ عَلَيْها وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِتَضَمُّنِ لَفْظَةِ "السَبِيلِ" بِالمَعْنى لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "مِنها" عَلى سَبِيلِ الشَرْعِ المَذْكُورَةِ، وتَكُونُ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ المُرادُ فِرَقَ الضَلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّهُ قالَ: "وَمِن بُنَياتِ الطَرِيقِ في هَذِهِ السَبِيلِ ومِن شُعَبِها جائِرٌ".
وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ مَعْناهُ: لَخَلَقَ الهِدايَةَ في قُلُوبِ جَمِيعِكم ولَمْ يَضِلَّ أحَدٌ، وقالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: لَوْ شاءَ لَعَرَضَ عَلَيْكم آيَةً تَضْطَرُّكم إلى الإيمانِ والِاهْتِداءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلُ سُوءٍ لِأهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ اللهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العِبادِ لَمْ يُحَصِّلْهُ الزَجّاجُ، ووَقَعَ فِيهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَمِنكم جائِرٌ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمِنكم جائِرٌ"، والسَبِيلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ.
النحل 16:10
قوله عزّ وجلّ:
﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَرْعَ والزَيْتُونَ والنَخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ والشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
هَذا تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ في المَطَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَمِنهُ شَجَرٌ﴾ أيْ: يَكُونُ مِنهُ بِالتَدْرِيجِ، (p-٣٣٣)إذْ يَسْقِي الأرْضَ فَيُنْبِتُ عن هَذا السَقْيِ الشَجَرَ، وهَذا مِنَ التَجَوُّزِ، كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ
وكَما سَمّى الآخَرُ العُشْبَ سَماءً في قَوْلِهِ:
؎ إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا
قالَ أبُو إسْحاقَ: يُقالُ لِكُلِّ ما يَنْبُتُ عَلى الأرْضِ: شَجَرٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا تَأْكُلُوا ثَمَنَ الشَجَرِ فَإنَّهُ مُسْحِتٌ، يَعْنِي الكَلَأ.
و"تُسِيمُونَ" مَعْناهُ: تَرْعَوْنَ أنْعامَكُمْ، وسَوْمُها مِنَ الرَعْيِ، وتُسَرِّحُونَها، ويُقالُ لِلْأنْعامِ: السائِمَةُ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "فِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَكاةُ"،» يُقالُ: أسامَ الرَجُلُ ماشِيَتَهُ إسامَةً إذا أرْسَلَها تَرْعى، وسَوَّمَها أيْضًا فَسامَتْ هِيَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى:
؎ ومَشى القَوْمُ بِالعِمادِ إلى الرَزْ ∗∗∗ ∗∗∗ حى، وأعْيا المُسِيمُ أيْنَ المَساقُ
(p-٣٣٤)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ مِثْلُ ابْنِ بَزْعَةَ أو كَآخَرَ مِثْلِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أولى لَكَ ابْنَ مُسِيمَةِ الأجْمالِ
أيْ: راعِيَةُ الأجْمالِ. وفَسَّرَ المُتَأوِّلُونَ "تُسِيمُونَ" بِـ "تَرْعَوْنَ".
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُنْبِتُ" بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يُنْبِتُ اللهُ، يُقالُ: نَبَتَ الشَجَرُ وأنْبَتَهُ اللهُ، ويُقالُ: أنْبَتَ الشَجَرُ بِمَعْنى نَبَتَ، وكانَ الأصْمَعِيُّ يَأْبى ذَلِكَ ويَتَّهِمُ قَصِيدَةَ زُهَيْرٍ الَّتِي فِيها:
؎ حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "نُنْبِتُ" بِنُونٍ العَظَمَةِ، وخَصَّ عَزَّ وجَلَّ ذِكْرَ هَذِهِ الأرْبَعَةِ لِأنَّها أشْرَفُ ما يَنْبُتُ وأجْمَعُها لِلْمَنافِعِ، ثُمَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ الثَمَراتِ﴾ [النحل: ٦٩]، ثُمَّ أحالَ القَوْلَ عَلى الفِكْرَةِ في تَصارِيفِ النَباتِ والأشْجارِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ في ألْوانِها واطِّرادِ خَلْقِها وتَناسُبِ ألْطافِها فَسُبْحانَ الخَلّاقِ العَظِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ﴾ الآيَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإعْمالِ "سَخَّرَ" في (p-٣٣٥)جَمِيعِ ما ذَكَرَ، ونَصَبَ "مُسَخَّراتٍ" عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [فاطر: ٣١] وكَما قالَ الشاعِرُ:
؎ أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِيِ
ونَحْوَ هَذا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "والشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ" بِرَفْعٍ هَذا كُلِّهِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ "والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ" بِالرَفْعِ، ونَصَبَ ما قَبْلَ ذَلِكَ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ مُسَخَّراتٌ عَلى رُتْبَةٍ قَدِ اسْتَمَرَّ بِها انْتِفاعُ البَشَرِ مِنَ السُكُونِ بِاللَيْلِ والمَعايِشِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِالنَهارِ، وأمّا مَنافِعُ الشَمْسِ والقَمَرِ فَأكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وأمّا النُجُومُ فَهِداياتٌ، ولِهَذا الوَجْهِ اعْتَدَتْ في جُمْلَةِ النِعَمِ عَلى بَنِي آدَمَ، ومِنَ النِعْمَةِ بِها ضِياؤُها أحْيانًا، قالَ الزَجاجُ: وعَلِمَ عَدَدَ السِنِينَ والحِسابِ بِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا نَظَرٌ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "والرِياحُ مُسَخَّراتٌ" في مَوْضِعِ "والنُجُومِ". ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ﴾ لِعِظَمِ الأمْرِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ آيَةٌ في نَفْسِهِ لا يَشْتَرِكُ مَعَ الآخَرِ، وقالَ في الآيَةِ قَبْلُ: "لَآيَةٍ" لِأنَّ شَيْئًا واحِدًا يَعُمُّ تِلْكَ الأرْبَعَةِ وهو النَباتُ، وكَذَلِكَ في ذِكْرِ ما ذَرَأ لِيَسارَتِهِ بِالإضافَةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ بِمَعْنى "آياتٍ"، واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ.
النحل 16:11
قوله عزّ وجلّ:
﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَرْعَ والزَيْتُونَ والنَخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ والشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
هَذا تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ في المَطَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَمِنهُ شَجَرٌ﴾ أيْ: يَكُونُ مِنهُ بِالتَدْرِيجِ، (p-٣٣٣)إذْ يَسْقِي الأرْضَ فَيُنْبِتُ عن هَذا السَقْيِ الشَجَرَ، وهَذا مِنَ التَجَوُّزِ، كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ
وكَما سَمّى الآخَرُ العُشْبَ سَماءً في قَوْلِهِ:
؎ إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا
قالَ أبُو إسْحاقَ: يُقالُ لِكُلِّ ما يَنْبُتُ عَلى الأرْضِ: شَجَرٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا تَأْكُلُوا ثَمَنَ الشَجَرِ فَإنَّهُ مُسْحِتٌ، يَعْنِي الكَلَأ.
و"تُسِيمُونَ" مَعْناهُ: تَرْعَوْنَ أنْعامَكُمْ، وسَوْمُها مِنَ الرَعْيِ، وتُسَرِّحُونَها، ويُقالُ لِلْأنْعامِ: السائِمَةُ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "فِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَكاةُ"،» يُقالُ: أسامَ الرَجُلُ ماشِيَتَهُ إسامَةً إذا أرْسَلَها تَرْعى، وسَوَّمَها أيْضًا فَسامَتْ هِيَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى:
؎ ومَشى القَوْمُ بِالعِمادِ إلى الرَزْ ∗∗∗ ∗∗∗ حى، وأعْيا المُسِيمُ أيْنَ المَساقُ
(p-٣٣٤)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ مِثْلُ ابْنِ بَزْعَةَ أو كَآخَرَ مِثْلِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أولى لَكَ ابْنَ مُسِيمَةِ الأجْمالِ
أيْ: راعِيَةُ الأجْمالِ. وفَسَّرَ المُتَأوِّلُونَ "تُسِيمُونَ" بِـ "تَرْعَوْنَ".
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُنْبِتُ" بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يُنْبِتُ اللهُ، يُقالُ: نَبَتَ الشَجَرُ وأنْبَتَهُ اللهُ، ويُقالُ: أنْبَتَ الشَجَرُ بِمَعْنى نَبَتَ، وكانَ الأصْمَعِيُّ يَأْبى ذَلِكَ ويَتَّهِمُ قَصِيدَةَ زُهَيْرٍ الَّتِي فِيها:
؎ حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "نُنْبِتُ" بِنُونٍ العَظَمَةِ، وخَصَّ عَزَّ وجَلَّ ذِكْرَ هَذِهِ الأرْبَعَةِ لِأنَّها أشْرَفُ ما يَنْبُتُ وأجْمَعُها لِلْمَنافِعِ، ثُمَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ الثَمَراتِ﴾ [النحل: ٦٩]، ثُمَّ أحالَ القَوْلَ عَلى الفِكْرَةِ في تَصارِيفِ النَباتِ والأشْجارِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ في ألْوانِها واطِّرادِ خَلْقِها وتَناسُبِ ألْطافِها فَسُبْحانَ الخَلّاقِ العَظِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ﴾ الآيَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإعْمالِ "سَخَّرَ" في (p-٣٣٥)جَمِيعِ ما ذَكَرَ، ونَصَبَ "مُسَخَّراتٍ" عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [فاطر: ٣١] وكَما قالَ الشاعِرُ:
؎ أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِيِ
ونَحْوَ هَذا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "والشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ" بِرَفْعٍ هَذا كُلِّهِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ "والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ" بِالرَفْعِ، ونَصَبَ ما قَبْلَ ذَلِكَ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ مُسَخَّراتٌ عَلى رُتْبَةٍ قَدِ اسْتَمَرَّ بِها انْتِفاعُ البَشَرِ مِنَ السُكُونِ بِاللَيْلِ والمَعايِشِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِالنَهارِ، وأمّا مَنافِعُ الشَمْسِ والقَمَرِ فَأكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وأمّا النُجُومُ فَهِداياتٌ، ولِهَذا الوَجْهِ اعْتَدَتْ في جُمْلَةِ النِعَمِ عَلى بَنِي آدَمَ، ومِنَ النِعْمَةِ بِها ضِياؤُها أحْيانًا، قالَ الزَجاجُ: وعَلِمَ عَدَدَ السِنِينَ والحِسابِ بِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا نَظَرٌ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "والرِياحُ مُسَخَّراتٌ" في مَوْضِعِ "والنُجُومِ". ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ﴾ لِعِظَمِ الأمْرِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ آيَةٌ في نَفْسِهِ لا يَشْتَرِكُ مَعَ الآخَرِ، وقالَ في الآيَةِ قَبْلُ: "لَآيَةٍ" لِأنَّ شَيْئًا واحِدًا يَعُمُّ تِلْكَ الأرْبَعَةِ وهو النَباتُ، وكَذَلِكَ في ذِكْرِ ما ذَرَأ لِيَسارَتِهِ بِالإضافَةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ بِمَعْنى "آياتٍ"، واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ.
النحل 16:12
قوله عزّ وجلّ:
﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَرْعَ والزَيْتُونَ والنَخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ والشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
هَذا تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ في المَطَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَمِنهُ شَجَرٌ﴾ أيْ: يَكُونُ مِنهُ بِالتَدْرِيجِ، (p-٣٣٣)إذْ يَسْقِي الأرْضَ فَيُنْبِتُ عن هَذا السَقْيِ الشَجَرَ، وهَذا مِنَ التَجَوُّزِ، كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ
وكَما سَمّى الآخَرُ العُشْبَ سَماءً في قَوْلِهِ:
؎ إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا
قالَ أبُو إسْحاقَ: يُقالُ لِكُلِّ ما يَنْبُتُ عَلى الأرْضِ: شَجَرٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا تَأْكُلُوا ثَمَنَ الشَجَرِ فَإنَّهُ مُسْحِتٌ، يَعْنِي الكَلَأ.
و"تُسِيمُونَ" مَعْناهُ: تَرْعَوْنَ أنْعامَكُمْ، وسَوْمُها مِنَ الرَعْيِ، وتُسَرِّحُونَها، ويُقالُ لِلْأنْعامِ: السائِمَةُ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "فِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَكاةُ"،» يُقالُ: أسامَ الرَجُلُ ماشِيَتَهُ إسامَةً إذا أرْسَلَها تَرْعى، وسَوَّمَها أيْضًا فَسامَتْ هِيَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى:
؎ ومَشى القَوْمُ بِالعِمادِ إلى الرَزْ ∗∗∗ ∗∗∗ حى، وأعْيا المُسِيمُ أيْنَ المَساقُ
(p-٣٣٤)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ مِثْلُ ابْنِ بَزْعَةَ أو كَآخَرَ مِثْلِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أولى لَكَ ابْنَ مُسِيمَةِ الأجْمالِ
أيْ: راعِيَةُ الأجْمالِ. وفَسَّرَ المُتَأوِّلُونَ "تُسِيمُونَ" بِـ "تَرْعَوْنَ".
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُنْبِتُ" بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يُنْبِتُ اللهُ، يُقالُ: نَبَتَ الشَجَرُ وأنْبَتَهُ اللهُ، ويُقالُ: أنْبَتَ الشَجَرُ بِمَعْنى نَبَتَ، وكانَ الأصْمَعِيُّ يَأْبى ذَلِكَ ويَتَّهِمُ قَصِيدَةَ زُهَيْرٍ الَّتِي فِيها:
؎ حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "نُنْبِتُ" بِنُونٍ العَظَمَةِ، وخَصَّ عَزَّ وجَلَّ ذِكْرَ هَذِهِ الأرْبَعَةِ لِأنَّها أشْرَفُ ما يَنْبُتُ وأجْمَعُها لِلْمَنافِعِ، ثُمَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ الثَمَراتِ﴾ [النحل: ٦٩]، ثُمَّ أحالَ القَوْلَ عَلى الفِكْرَةِ في تَصارِيفِ النَباتِ والأشْجارِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ في ألْوانِها واطِّرادِ خَلْقِها وتَناسُبِ ألْطافِها فَسُبْحانَ الخَلّاقِ العَظِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ﴾ الآيَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِإعْمالِ "سَخَّرَ" في (p-٣٣٥)جَمِيعِ ما ذَكَرَ، ونَصَبَ "مُسَخَّراتٍ" عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [فاطر: ٣١] وكَما قالَ الشاعِرُ:
؎ أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِيِ
ونَحْوَ هَذا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "والشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ" بِرَفْعٍ هَذا كُلِّهِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ "والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ" بِالرَفْعِ، ونَصَبَ ما قَبْلَ ذَلِكَ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ مُسَخَّراتٌ عَلى رُتْبَةٍ قَدِ اسْتَمَرَّ بِها انْتِفاعُ البَشَرِ مِنَ السُكُونِ بِاللَيْلِ والمَعايِشِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِالنَهارِ، وأمّا مَنافِعُ الشَمْسِ والقَمَرِ فَأكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وأمّا النُجُومُ فَهِداياتٌ، ولِهَذا الوَجْهِ اعْتَدَتْ في جُمْلَةِ النِعَمِ عَلى بَنِي آدَمَ، ومِنَ النِعْمَةِ بِها ضِياؤُها أحْيانًا، قالَ الزَجاجُ: وعَلِمَ عَدَدَ السِنِينَ والحِسابِ بِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا نَظَرٌ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "والرِياحُ مُسَخَّراتٌ" في مَوْضِعِ "والنُجُومِ". ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ﴾ لِعِظَمِ الأمْرِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ آيَةٌ في نَفْسِهِ لا يَشْتَرِكُ مَعَ الآخَرِ، وقالَ في الآيَةِ قَبْلُ: "لَآيَةٍ" لِأنَّ شَيْئًا واحِدًا يَعُمُّ تِلْكَ الأرْبَعَةِ وهو النَباتُ، وكَذَلِكَ في ذِكْرِ ما ذَرَأ لِيَسارَتِهِ بِالإضافَةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ بِمَعْنى "آياتٍ"، واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ.
النحل 16:13
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى (p-٣٣٦)الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
﴿وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ﴾ مَعْناهُ: بَثَّ ونَشَرَ، و"الذُرِّيَّةُ" مِن هَذا في أحَدِ الأقْوالِ في اشْتِقاقِها، وقَوْلُهُ: "ألْوانُهُ" مَعْناهُ: أصْنافُهُ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ ألْوانٌ مِنَ الثَمَرِ ومِنَ الطَعامِ، ومِن حَيْثُ كانَتْ هَذِهِ المَبْثُوثاتُ في الأرْضِ أصْنافًا عُدَّتْ في النِعْمَةِ، وظَهَرَ الِانْتِفاعُ بِها أنَّهُ عَلى وُجُوهٍ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ هي مُتَلَوِّنَةٌ حُمْرَةً وصُفْرَةً وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَنْبِيهُ عَلى اخْتِلافِ الألْوانِ حُمْرَةً وصُفْرَةً، والأوَّلُ أبْيَنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ﴾ الآيَةُ، تَعْدِيدُ نِعَمِ اللهِ، وتَسْخِيرُ البَحْرِ هو تَمْكِينُ البَشَرِ مِنَ التَصَرُّفِ فِيهِ، وتَذْلِيلِهِ لِلرُّكُوبِ والأرْفادِ وغَيْرِهِ.
والبَحْرُ: الماءُ الكَثِيرُ مِلْحًا كانَ أو عَذْبًا، كُلُّهُ يُسَمّى بَحْرًا، والبَحْرُ هُنا اسْمُ جِنْسٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمِنهُ أكْلُ اللَحْمِ الطَرِيِّ، ومِنهُ اسْتِخْراجُ الحِلْيَةٍ، وأكْلُ اللَحْمِ يَكُونُ مِن مِلْحِهِ وعَذْبِهِ، وإخْراجُ الحِلْيَةِ إنَّما هو -فِيما عُرِفَ- مِنَ المِلْحِ فَقَطْ، ومِمّا عُرِفَ مِن ذَلِكَ اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ والصَدَفُ والصُوفُ البَحَرِيُّ، وقَدْ يُوجَدُ في العَذْبِ لُؤْلُؤٌ لا يَلْبَسُ إلّا قَلِيلًا، وإنَّما يُتَداوى بِهِ، ويُقالُ: إنَّ في الزُمُرُّدِ بَحْرِيًّا، وقَدْ خُطِّئَ الهُذَلِيُّ في قَوْلِهِ في وصْفِ الدُرَّةِ.
؎ فَجاءَ بِها مِن دُرَّةٍ لَطَمِيَّةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
(p-٣٣٧)فَجَعَلَها مِنَ الماءِ الحُلْوِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَأمَّلْ قَوْلُهُ: "يَمُوجُ" عَلى أنَّهُ وصَّفٌ بِرِيقِها ومائِيَّتِها فَشَبَّهَهُ بِماءِ الفُراتِ، ولَمْ يَذْهَبْ إلى الغَرَضِ الَّذِي خُطِّئَ فِيهِ. و"اللَحْمُ الطَرِيُّ": السَمَكُ، و"الحِلْيَةُ": ما تُقَدِّمُ، و"الفُلْكَ" هُنا جَمْعٌ، و"مَواخِرَ" جُمَعُ ماخِرَةٍ، و"المَخْرُ" في اللُغَةِ الصَوْتُ الَّذِي يَكُونُ مِن هُبُوبِ الرِيحِ عَلى شَيْءٍ يُشَقُّ، أو يَصْحَبُ في الجُمْلَةِ الماءَ، فَيَتَرَتَّبُ مِنهُ أنْ يَكُونَ "المَخْرُ" مِنَ الرِيحِ، وأنْ يَكُونَ مِنَ السَفِينَةِ ونَحْوَها، وهو في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ السُفُنِ، ويُقالُ لِلسَّحابِ: "بَناتٌ مَخْرٌ" تَشْبِيهًا، إذْ في جَرْيِها ذَلِكَ الصَوْتُ الَّذِي هو عَنِ الرِيحِ، والماءُ الَّذِي في السَحابِ وأمْرُها يُشْبِهُ أمْرَ البَحْرِ، عَلى أنَّ الزَجاجَ قَدْ قالَ: "بَناتُ البَحْرِ": سَحابٌ بَيْضٌ لا ماءَ فِيها، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: المَخْرُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَقُّ، يُقالُ: مَخَرَ الماءُ الأرْضَ، فَهَذا بَيِّنٌ أنْ يُقالَ فِيهِ لِلْفُلْكِ: مَواخِرَ، وقالَ قَوْمٌ: "مَواخِرَ" مَعْناهُ: تَجِيءُ وتَذْهَبُ بِرِيحٍ واحِدَةٍ، وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَتْ تَفْسِيرًا لِلَّفْظَةِ، وإنَّما أرادُوا أنَّها مَواخِرُ بِهَذِهِ الأحْوالِ، فَنَصُّوا عَلى هَذِهِ الأحْوالِ؛ إذْ هي مَوْضِعُ النِعَمِ المَعْدُدَةِ؛ إذْ نَفْسُ كَوْنِ الفُلْكِ ماخِرَةً لا نِعْمَةَ فِيهِ، وإنَّما النِعْمَةُ في مَخْرِها بِهَذِهِ الأحْوالِ في التِجاراتِ، والسَفَرِ فِيها، وما يَمْنَحُ اللهُ فِيها مِنَ الأرْباحِ والمِنَنِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "المَخْرُ" في اللُغَةِ: صُوتُ هُبُوبِ الرِيحِ، ولَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِكَوْنٍ في ماءٍ، وقالَ: إنَّ مِن ذَلِكَ قَوْلَ واصِلٍ مَوْلى أبِي عُيَيْنَةَ: إذا أرادَ أحَدُكُمُ البَوْلَ فَلْيَتَمَخَّرَ الرِيحَ؛ أيْ: لِيَنْظُرَ في صَوْتِها في الأجْسامِ مِن أيْنَ تُهِبُّ، فَيَتَجَنَّبَ اسْتِقْبالَها لِئَلّا تَرُدُّ عَلَيْهِ بَوْلَهُ.
وقَوْلُهُ: "وَلِتَبْتَغُوا" عُطِفٌ عَلى قَوْلِهِ: "تَأْكُلُوا"، وهَذا ذِكْرُ نِعْمَةٍ لَها تَفاصِيلُ لا تُحْصى، وفِيهِ رُكُوبُ البَحْرِ لِلتِّجارَةِ وطَلَبِ الأرْباحِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أسْبابٍ في تَسْخِيرِ البَحْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقى في الأرْضِ﴾ الآيَةُ. قالَ المُتَأوِّلُونَ: "ألْقى" بِمَعْنى خَلْقَ وجَعْلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
(p-٣٣٨)وَهِيَ عِنْدِي أخَصُّ مِن خَلَقَ وجَعَلَ، وذَلِكَ أنَّ ألْقى تَقْتَضِي أنَّ اللهَ أحْدَثَ الجِبالَ لَيْسَ مِنَ الأرْضِ، لَكِنْ مِن قُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا النَظَرُ ما رُوِيَ في القِصَصِ عَنِ الحَسَنِ عن قَيْسِ بْنِ عِبادٍ أنَّ اللهَ تَعالى لِما خَلَقَ الأرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ما هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلى ظَهْرِها أحَدًا، فَأصْبَحَتْ ضُحًى وفِيها رَواسِيها، و"الرَواسِي": الثَوابِتُ، رَسا الشَيْءُ يَرْسُو إذا ثَبَتَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ الوَتَدِ:
؎ وأشْعَثَ تُرْسِيهِ الوَلِيدَةَ بِالفِهْرِ
و"أنْ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، و"المَيَدُ": الِاضْطِرابُ، وقَوْلُهُ: "أنْهارًا" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ أو خَلَقَ أنْهارًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإجْماعُهم عَلى إضْمارِ هَذا الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى خُصُوصِ "ألْقى"، ولَوْ كانَ "ألْقى" بِمَعْنى "خَلَقَ" لَمْ يَحْتَجْ إلى الإضْمارِ. و"السُبُلُ": الطُرُقُ، وقَوْلُهُ: "لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ في مَشْيِكم وتَصَرُّفِكم في السُبُلِ، ويُحْتَمَلُ ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِالنَظَرِ في هَذِهِ المَصْنُوعاتِ عَلى صانِعِها، وهَذا التَأْوِيلُ هو البارِعُ؛ أيْ: سَخَّرَ وألْقى وجَعَلَ أنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّ البَشَرَ يَعْتَبِرُونَ ويَرْشِدُونَ، ولِتَكُونَ عَلاماتٍ.
النحل 16:14
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى (p-٣٣٦)الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
﴿وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ﴾ مَعْناهُ: بَثَّ ونَشَرَ، و"الذُرِّيَّةُ" مِن هَذا في أحَدِ الأقْوالِ في اشْتِقاقِها، وقَوْلُهُ: "ألْوانُهُ" مَعْناهُ: أصْنافُهُ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ ألْوانٌ مِنَ الثَمَرِ ومِنَ الطَعامِ، ومِن حَيْثُ كانَتْ هَذِهِ المَبْثُوثاتُ في الأرْضِ أصْنافًا عُدَّتْ في النِعْمَةِ، وظَهَرَ الِانْتِفاعُ بِها أنَّهُ عَلى وُجُوهٍ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ هي مُتَلَوِّنَةٌ حُمْرَةً وصُفْرَةً وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَنْبِيهُ عَلى اخْتِلافِ الألْوانِ حُمْرَةً وصُفْرَةً، والأوَّلُ أبْيَنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ﴾ الآيَةُ، تَعْدِيدُ نِعَمِ اللهِ، وتَسْخِيرُ البَحْرِ هو تَمْكِينُ البَشَرِ مِنَ التَصَرُّفِ فِيهِ، وتَذْلِيلِهِ لِلرُّكُوبِ والأرْفادِ وغَيْرِهِ.
والبَحْرُ: الماءُ الكَثِيرُ مِلْحًا كانَ أو عَذْبًا، كُلُّهُ يُسَمّى بَحْرًا، والبَحْرُ هُنا اسْمُ جِنْسٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمِنهُ أكْلُ اللَحْمِ الطَرِيِّ، ومِنهُ اسْتِخْراجُ الحِلْيَةٍ، وأكْلُ اللَحْمِ يَكُونُ مِن مِلْحِهِ وعَذْبِهِ، وإخْراجُ الحِلْيَةِ إنَّما هو -فِيما عُرِفَ- مِنَ المِلْحِ فَقَطْ، ومِمّا عُرِفَ مِن ذَلِكَ اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ والصَدَفُ والصُوفُ البَحَرِيُّ، وقَدْ يُوجَدُ في العَذْبِ لُؤْلُؤٌ لا يَلْبَسُ إلّا قَلِيلًا، وإنَّما يُتَداوى بِهِ، ويُقالُ: إنَّ في الزُمُرُّدِ بَحْرِيًّا، وقَدْ خُطِّئَ الهُذَلِيُّ في قَوْلِهِ في وصْفِ الدُرَّةِ.
؎ فَجاءَ بِها مِن دُرَّةٍ لَطَمِيَّةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
(p-٣٣٧)فَجَعَلَها مِنَ الماءِ الحُلْوِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَأمَّلْ قَوْلُهُ: "يَمُوجُ" عَلى أنَّهُ وصَّفٌ بِرِيقِها ومائِيَّتِها فَشَبَّهَهُ بِماءِ الفُراتِ، ولَمْ يَذْهَبْ إلى الغَرَضِ الَّذِي خُطِّئَ فِيهِ. و"اللَحْمُ الطَرِيُّ": السَمَكُ، و"الحِلْيَةُ": ما تُقَدِّمُ، و"الفُلْكَ" هُنا جَمْعٌ، و"مَواخِرَ" جُمَعُ ماخِرَةٍ، و"المَخْرُ" في اللُغَةِ الصَوْتُ الَّذِي يَكُونُ مِن هُبُوبِ الرِيحِ عَلى شَيْءٍ يُشَقُّ، أو يَصْحَبُ في الجُمْلَةِ الماءَ، فَيَتَرَتَّبُ مِنهُ أنْ يَكُونَ "المَخْرُ" مِنَ الرِيحِ، وأنْ يَكُونَ مِنَ السَفِينَةِ ونَحْوَها، وهو في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ السُفُنِ، ويُقالُ لِلسَّحابِ: "بَناتٌ مَخْرٌ" تَشْبِيهًا، إذْ في جَرْيِها ذَلِكَ الصَوْتُ الَّذِي هو عَنِ الرِيحِ، والماءُ الَّذِي في السَحابِ وأمْرُها يُشْبِهُ أمْرَ البَحْرِ، عَلى أنَّ الزَجاجَ قَدْ قالَ: "بَناتُ البَحْرِ": سَحابٌ بَيْضٌ لا ماءَ فِيها، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: المَخْرُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَقُّ، يُقالُ: مَخَرَ الماءُ الأرْضَ، فَهَذا بَيِّنٌ أنْ يُقالَ فِيهِ لِلْفُلْكِ: مَواخِرَ، وقالَ قَوْمٌ: "مَواخِرَ" مَعْناهُ: تَجِيءُ وتَذْهَبُ بِرِيحٍ واحِدَةٍ، وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَتْ تَفْسِيرًا لِلَّفْظَةِ، وإنَّما أرادُوا أنَّها مَواخِرُ بِهَذِهِ الأحْوالِ، فَنَصُّوا عَلى هَذِهِ الأحْوالِ؛ إذْ هي مَوْضِعُ النِعَمِ المَعْدُدَةِ؛ إذْ نَفْسُ كَوْنِ الفُلْكِ ماخِرَةً لا نِعْمَةَ فِيهِ، وإنَّما النِعْمَةُ في مَخْرِها بِهَذِهِ الأحْوالِ في التِجاراتِ، والسَفَرِ فِيها، وما يَمْنَحُ اللهُ فِيها مِنَ الأرْباحِ والمِنَنِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "المَخْرُ" في اللُغَةِ: صُوتُ هُبُوبِ الرِيحِ، ولَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِكَوْنٍ في ماءٍ، وقالَ: إنَّ مِن ذَلِكَ قَوْلَ واصِلٍ مَوْلى أبِي عُيَيْنَةَ: إذا أرادَ أحَدُكُمُ البَوْلَ فَلْيَتَمَخَّرَ الرِيحَ؛ أيْ: لِيَنْظُرَ في صَوْتِها في الأجْسامِ مِن أيْنَ تُهِبُّ، فَيَتَجَنَّبَ اسْتِقْبالَها لِئَلّا تَرُدُّ عَلَيْهِ بَوْلَهُ.
وقَوْلُهُ: "وَلِتَبْتَغُوا" عُطِفٌ عَلى قَوْلِهِ: "تَأْكُلُوا"، وهَذا ذِكْرُ نِعْمَةٍ لَها تَفاصِيلُ لا تُحْصى، وفِيهِ رُكُوبُ البَحْرِ لِلتِّجارَةِ وطَلَبِ الأرْباحِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أسْبابٍ في تَسْخِيرِ البَحْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقى في الأرْضِ﴾ الآيَةُ. قالَ المُتَأوِّلُونَ: "ألْقى" بِمَعْنى خَلْقَ وجَعْلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
(p-٣٣٨)وَهِيَ عِنْدِي أخَصُّ مِن خَلَقَ وجَعَلَ، وذَلِكَ أنَّ ألْقى تَقْتَضِي أنَّ اللهَ أحْدَثَ الجِبالَ لَيْسَ مِنَ الأرْضِ، لَكِنْ مِن قُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا النَظَرُ ما رُوِيَ في القِصَصِ عَنِ الحَسَنِ عن قَيْسِ بْنِ عِبادٍ أنَّ اللهَ تَعالى لِما خَلَقَ الأرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ما هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلى ظَهْرِها أحَدًا، فَأصْبَحَتْ ضُحًى وفِيها رَواسِيها، و"الرَواسِي": الثَوابِتُ، رَسا الشَيْءُ يَرْسُو إذا ثَبَتَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ الوَتَدِ:
؎ وأشْعَثَ تُرْسِيهِ الوَلِيدَةَ بِالفِهْرِ
و"أنْ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، و"المَيَدُ": الِاضْطِرابُ، وقَوْلُهُ: "أنْهارًا" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ أو خَلَقَ أنْهارًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإجْماعُهم عَلى إضْمارِ هَذا الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى خُصُوصِ "ألْقى"، ولَوْ كانَ "ألْقى" بِمَعْنى "خَلَقَ" لَمْ يَحْتَجْ إلى الإضْمارِ. و"السُبُلُ": الطُرُقُ، وقَوْلُهُ: "لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ في مَشْيِكم وتَصَرُّفِكم في السُبُلِ، ويُحْتَمَلُ ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِالنَظَرِ في هَذِهِ المَصْنُوعاتِ عَلى صانِعِها، وهَذا التَأْوِيلُ هو البارِعُ؛ أيْ: سَخَّرَ وألْقى وجَعَلَ أنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّ البَشَرَ يَعْتَبِرُونَ ويَرْشِدُونَ، ولِتَكُونَ عَلاماتٍ.
النحل 16:15
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى (p-٣٣٦)الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
﴿وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ﴾ مَعْناهُ: بَثَّ ونَشَرَ، و"الذُرِّيَّةُ" مِن هَذا في أحَدِ الأقْوالِ في اشْتِقاقِها، وقَوْلُهُ: "ألْوانُهُ" مَعْناهُ: أصْنافُهُ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ ألْوانٌ مِنَ الثَمَرِ ومِنَ الطَعامِ، ومِن حَيْثُ كانَتْ هَذِهِ المَبْثُوثاتُ في الأرْضِ أصْنافًا عُدَّتْ في النِعْمَةِ، وظَهَرَ الِانْتِفاعُ بِها أنَّهُ عَلى وُجُوهٍ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ هي مُتَلَوِّنَةٌ حُمْرَةً وصُفْرَةً وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَنْبِيهُ عَلى اخْتِلافِ الألْوانِ حُمْرَةً وصُفْرَةً، والأوَّلُ أبْيَنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ﴾ الآيَةُ، تَعْدِيدُ نِعَمِ اللهِ، وتَسْخِيرُ البَحْرِ هو تَمْكِينُ البَشَرِ مِنَ التَصَرُّفِ فِيهِ، وتَذْلِيلِهِ لِلرُّكُوبِ والأرْفادِ وغَيْرِهِ.
والبَحْرُ: الماءُ الكَثِيرُ مِلْحًا كانَ أو عَذْبًا، كُلُّهُ يُسَمّى بَحْرًا، والبَحْرُ هُنا اسْمُ جِنْسٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمِنهُ أكْلُ اللَحْمِ الطَرِيِّ، ومِنهُ اسْتِخْراجُ الحِلْيَةٍ، وأكْلُ اللَحْمِ يَكُونُ مِن مِلْحِهِ وعَذْبِهِ، وإخْراجُ الحِلْيَةِ إنَّما هو -فِيما عُرِفَ- مِنَ المِلْحِ فَقَطْ، ومِمّا عُرِفَ مِن ذَلِكَ اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ والصَدَفُ والصُوفُ البَحَرِيُّ، وقَدْ يُوجَدُ في العَذْبِ لُؤْلُؤٌ لا يَلْبَسُ إلّا قَلِيلًا، وإنَّما يُتَداوى بِهِ، ويُقالُ: إنَّ في الزُمُرُّدِ بَحْرِيًّا، وقَدْ خُطِّئَ الهُذَلِيُّ في قَوْلِهِ في وصْفِ الدُرَّةِ.
؎ فَجاءَ بِها مِن دُرَّةٍ لَطَمِيَّةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
(p-٣٣٧)فَجَعَلَها مِنَ الماءِ الحُلْوِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَأمَّلْ قَوْلُهُ: "يَمُوجُ" عَلى أنَّهُ وصَّفٌ بِرِيقِها ومائِيَّتِها فَشَبَّهَهُ بِماءِ الفُراتِ، ولَمْ يَذْهَبْ إلى الغَرَضِ الَّذِي خُطِّئَ فِيهِ. و"اللَحْمُ الطَرِيُّ": السَمَكُ، و"الحِلْيَةُ": ما تُقَدِّمُ، و"الفُلْكَ" هُنا جَمْعٌ، و"مَواخِرَ" جُمَعُ ماخِرَةٍ، و"المَخْرُ" في اللُغَةِ الصَوْتُ الَّذِي يَكُونُ مِن هُبُوبِ الرِيحِ عَلى شَيْءٍ يُشَقُّ، أو يَصْحَبُ في الجُمْلَةِ الماءَ، فَيَتَرَتَّبُ مِنهُ أنْ يَكُونَ "المَخْرُ" مِنَ الرِيحِ، وأنْ يَكُونَ مِنَ السَفِينَةِ ونَحْوَها، وهو في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ السُفُنِ، ويُقالُ لِلسَّحابِ: "بَناتٌ مَخْرٌ" تَشْبِيهًا، إذْ في جَرْيِها ذَلِكَ الصَوْتُ الَّذِي هو عَنِ الرِيحِ، والماءُ الَّذِي في السَحابِ وأمْرُها يُشْبِهُ أمْرَ البَحْرِ، عَلى أنَّ الزَجاجَ قَدْ قالَ: "بَناتُ البَحْرِ": سَحابٌ بَيْضٌ لا ماءَ فِيها، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: المَخْرُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَقُّ، يُقالُ: مَخَرَ الماءُ الأرْضَ، فَهَذا بَيِّنٌ أنْ يُقالَ فِيهِ لِلْفُلْكِ: مَواخِرَ، وقالَ قَوْمٌ: "مَواخِرَ" مَعْناهُ: تَجِيءُ وتَذْهَبُ بِرِيحٍ واحِدَةٍ، وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَتْ تَفْسِيرًا لِلَّفْظَةِ، وإنَّما أرادُوا أنَّها مَواخِرُ بِهَذِهِ الأحْوالِ، فَنَصُّوا عَلى هَذِهِ الأحْوالِ؛ إذْ هي مَوْضِعُ النِعَمِ المَعْدُدَةِ؛ إذْ نَفْسُ كَوْنِ الفُلْكِ ماخِرَةً لا نِعْمَةَ فِيهِ، وإنَّما النِعْمَةُ في مَخْرِها بِهَذِهِ الأحْوالِ في التِجاراتِ، والسَفَرِ فِيها، وما يَمْنَحُ اللهُ فِيها مِنَ الأرْباحِ والمِنَنِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "المَخْرُ" في اللُغَةِ: صُوتُ هُبُوبِ الرِيحِ، ولَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِكَوْنٍ في ماءٍ، وقالَ: إنَّ مِن ذَلِكَ قَوْلَ واصِلٍ مَوْلى أبِي عُيَيْنَةَ: إذا أرادَ أحَدُكُمُ البَوْلَ فَلْيَتَمَخَّرَ الرِيحَ؛ أيْ: لِيَنْظُرَ في صَوْتِها في الأجْسامِ مِن أيْنَ تُهِبُّ، فَيَتَجَنَّبَ اسْتِقْبالَها لِئَلّا تَرُدُّ عَلَيْهِ بَوْلَهُ.
وقَوْلُهُ: "وَلِتَبْتَغُوا" عُطِفٌ عَلى قَوْلِهِ: "تَأْكُلُوا"، وهَذا ذِكْرُ نِعْمَةٍ لَها تَفاصِيلُ لا تُحْصى، وفِيهِ رُكُوبُ البَحْرِ لِلتِّجارَةِ وطَلَبِ الأرْباحِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أسْبابٍ في تَسْخِيرِ البَحْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقى في الأرْضِ﴾ الآيَةُ. قالَ المُتَأوِّلُونَ: "ألْقى" بِمَعْنى خَلْقَ وجَعْلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
(p-٣٣٨)وَهِيَ عِنْدِي أخَصُّ مِن خَلَقَ وجَعَلَ، وذَلِكَ أنَّ ألْقى تَقْتَضِي أنَّ اللهَ أحْدَثَ الجِبالَ لَيْسَ مِنَ الأرْضِ، لَكِنْ مِن قُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا النَظَرُ ما رُوِيَ في القِصَصِ عَنِ الحَسَنِ عن قَيْسِ بْنِ عِبادٍ أنَّ اللهَ تَعالى لِما خَلَقَ الأرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ما هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلى ظَهْرِها أحَدًا، فَأصْبَحَتْ ضُحًى وفِيها رَواسِيها، و"الرَواسِي": الثَوابِتُ، رَسا الشَيْءُ يَرْسُو إذا ثَبَتَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ الوَتَدِ:
؎ وأشْعَثَ تُرْسِيهِ الوَلِيدَةَ بِالفِهْرِ
و"أنْ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، و"المَيَدُ": الِاضْطِرابُ، وقَوْلُهُ: "أنْهارًا" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ أو خَلَقَ أنْهارًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإجْماعُهم عَلى إضْمارِ هَذا الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى خُصُوصِ "ألْقى"، ولَوْ كانَ "ألْقى" بِمَعْنى "خَلَقَ" لَمْ يَحْتَجْ إلى الإضْمارِ. و"السُبُلُ": الطُرُقُ، وقَوْلُهُ: "لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ في مَشْيِكم وتَصَرُّفِكم في السُبُلِ، ويُحْتَمَلُ ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِالنَظَرِ في هَذِهِ المَصْنُوعاتِ عَلى صانِعِها، وهَذا التَأْوِيلُ هو البارِعُ؛ أيْ: سَخَّرَ وألْقى وجَعَلَ أنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّ البَشَرَ يَعْتَبِرُونَ ويَرْشِدُونَ، ولِتَكُونَ عَلاماتٍ.
النحل 16:16
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَعَلاماتٍ وبِالنَجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللهِ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ (p-٣٣٩)يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾
"عَلاماتٍ" نَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ بِها، وعَلاماتٌ، أيْ عِبْرَةً وإعْلامًا في كُلِّ سُلُوكٍ، فَقَدْ يُهْتَدى بِالجِبالِ والأنْهارِ والسُبُلِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "وَعَلاماتٍ" عَلى أنَّ الأظْهَرَ عِنْدِي ما ذَكَرْتُ -فَقالَ ابْنُ الكَلْبِي: العَلاماتُ: الجِبالُ، وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ: العَلاماتُ: النُجُومُ، مِنها ما سُمِّيَ عَلاماتٌ، ومِنها ما يُهْتَدى بِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَلاماتُ: مَعالِمُ الطُرُقِ بِالنَهارِ، والنُجُومُ هِدايَةُ اللَيْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والصَوابُ -إذا قَدَّرْنا الكَلامَ غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِما قَبْلَهُ- أنَّ اللَفْظَةَ تَعُمُّ هَذا وغَيْرَهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما دَلَّ عَلى شَيْءٍ وعُلِمَ بِهِ فَهو عَلّامَةٌ، وأحْسَنُ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأنَّهُ عُمُومٌ في المَعْنى فَتَأمَّلَهُ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ بِالمَشْرِقِ يَقُولُ: إنَّ في بَحْرِ الهِنْدِ الَّذِي يَجْرِيِ فِيهِ مِنَ اليَمَنِ إلى الهِنْدِ حِيتانًا طِوالًا رُقاقًا كالحَيّاتِ في ألْوانِها وحَرَكَتِها والتِوائِها، وأنَّها تُسَمّى العَلاماتِ، وذَلِكَ أنَّها عَلامَةُ الوُصُولِ إلى بَلادِ الهِنْدِ، وأمارَةٌ إلى النَجاةِ والِانْتِهاءِ إلى الهِنْدِ لِطُولِ ذَلِكَ البَحْرِ وصُعُوبَتِهِ، وأنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: إنَّها الَّتِي أرادَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: وأنا مِمَّنْ شاهَدَ تِلْكَ العَلاماتِ في البَحْرِ المَذْكُورِ وعايَنَها، فَحَدَّثَنِي مِنهم عَدَدٌ كَثِيرٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَبِالنَجْمِ" عَلى أنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثابٍ: "وَبِالنَجْمِ" بِضَمِّ النُونِ وإسْكانِ الجِيمِ عَلى التَخْفِيفِ مِن ضَمِّها، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها، وذَلِكَ جَمْعٌ، كَسَقْفٌ وسُقُفٌ، ورَهْنٌ ورُهُنٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ النُجُومُ، فَحُذِفَتِ الواوُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا عِنْدِي تَوْجِيهُ ضَعِيفٌ.
(p-٣٤٠)وَقالَ الفِراءَ: المُرادُ الجَدْيُ والفَرْقَدانِ، وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ القُطْبُ الَّذِي لا يَجْرِي، وقالَ قَوْمٌ غَيْرَ هَذا، وقالَ قَوْمٌ: هو اسْمُ الجِنْسِ، وهَذا هو الصَوابُ.
ثُمَّ قَرَّرَهم تَعالى عَلى التَفْرِقَةِ بَيْنَ مَن يَخْلُقُ الأشْياءَ ويَخْتَرِعُها وبَيْنَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "مَن" لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتِ الرَدَّ عَلى جَمِيعِ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللهِ، وقَدْ عَبَدَتْ طَوائِفَ مِمَّنْ تَقَعُ عَلَيْهِ العِبارَةُ بِـ "مَن"، والآخِرُ أنَّ العِبارَةَ جَرَتْ في الأصْنامِ بِحَسَبِ اعْتِقادِ الكَفَرَةِ فِيها مِن أنَّ لَها تَأْثِيرًا وأفْعالًا، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾، أيْ: إنْ حاوَلْتُمْ إحْصاءَها عَدَدًا حَتّى لا يَشِذَّ شَيْءٌ مِنها لَمْ تَقْدِرُوا عَلى ذَلِكَ، ولا اتَّفَقَ لَكم إحْصاؤُها؛ إذْ هي في كُلِّ دَقِيقَةٍ مِن أحْوالِكُمْ، و"النِعْمَةُ" هُنا مُفْرَدَةٌ يُرادُ بِها الجَمْعُ، وبِحَسَبِ العَجْزِ عن عَدَدِ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشاكِرُ لَها مُقَصِّرًا عن بَعْضِها، فَلِذَلِكَ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ تَقْصِيرِكم في الشُكْرِ عن جَمِيعِها، نَحا هَذا المَنحى الطَبَرِيُّ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ نِعْمَةَ اللهِ تَعالى في قَوْلِ العَبْدِ: "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ" مَعَ شَرْطِها مِنَ النِيَّةِ والطاعَةِ يُوازِي جَمِيعَ النِعَمِ، ولَكِنْ أيْنَ قَوْلُها بِشُرُوطِها؟ والمُخاطَبَةُ: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ عامَّةٌ لِجَمِيعِ الناسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾، مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ: إنَّ اللهَ لِغَفُورٌ في تَقْصِيرِكم عن شُكْرِ ما لا تُحْصُونَهُ مِن نِعَمِ اللهِ، وإنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ سِرَّكم وعَلَنَكُمْ، فَيُغْنِي ذَلِكَ عَنِ التِزامِكم بِشُكْرِ كُلِّ نِعْمَةٍ، هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مُخاطَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ جُمْهُورَ القُرّاءِ قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، "وَتُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، عَلى (p-٣٤١)مَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ. وقَرَأ عاصِمٌ: "تُسِرُّونَ" و"تُعْلِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"يَدْعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى غَيْبَةِ الكُفّارِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ. ورَوى هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ كُلَّ ذَلِكَ بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسّائِيُّ، وأبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ كُلُّ ذَلِكَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "يَعْلَمُ الَّذِي تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ. و"يَدْعُونَ" مَعْناهُ: يَدْعُونَهُ إلَهًا، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "الَّذِينَ" عَلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ ذَلِكَ يَعُمُّ الأصْنامَ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ ومِن غَيْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ﴾ أجْمَعُ عِبارَةٍ في أحْوالِ الرُبُوبِيَّةِ عنهُمْ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: "والَّذِينَ يُدْعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتَحِ العَيْنِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
و"أمْواتٌ" يُرادُ بِهِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللهِ، ورُفِعَ عَلى ابْتِداءِ خَبَرٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هم أمْواتٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: "والَّذِينَ" بَعْدَ خَبَرٍ في قَوْلِهِ: "لا يَخْلُقُونَ"، ووَصَفَهم بِالمَوْتِ مَجازًا، وإنَّما المُرادُ لَمْ يَقْبَلُوا حَياةً قَطٌّ ولا اتَّصَفُوا بِها، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "والَّذِينَ يَدْعُونَ" بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأمْواتِ الكُفّارِ الَّذِينَ ضَمِيرُهم في "يَدْعُونَ"، شَبَّهَهم بِالأمْواتِ غَيْرِ الأحْياءِ مِن حَيْثُ هم ضَلالٌ غَيْرُ مُهْتَدِينَ، ويَسْتَقِيمُ -عَلى هَذا- فِيهِمْ قَوْلُهُ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ والبَعْثُ هُنا هو الحَشْرُ مِنَ القُبُورِ. و"أيّانَ" ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ: "إيّانَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والفَتْحُ فِيها والكَسْرُ لُغَتانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أيِ الكُفّارِ ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ الضَمِيرانِ لَهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أيِ الأصْنامِ أيّانَ يُبْعَثُ الكُفّارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرانِ لِلْأصْنامِ الأمارَةِ، كَما تَقُولُ: "بَعَثْتُ النائِمَ مِن نَوْمِهِ" إذا نَبَّهَتْهُ، وكَما تَقُولُ: "بَعَثَ الرامِي سَهْمَهُ"، فَكَأنَّهُ وصَفَهم بِغايَةِ الجُمُودِ، أيْ: وإنْ طَلَبْتَ حَرَكاتِهِمْ بِالتَحْرِيكِ لَمْ يَشْعُرُوا لِذَلِكَ، وعَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى الضَمِيرَيْنِ لِلْكُفّارِ يَنْبَغِي أنْ يَعْتَقِدَ في الكَلامِ الوَعِيدَ، أيْ: وما يَشْعُرُ الكُفّارُ مَتى يُبْعَثُونَ إلى التَعْذِيبِ، ولَوِ اخْتَصَرَ هَذا المَعْنى لَمْ يَكُنْ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وأيّانَ يُبْعَثُونَ طائِلٌ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ والأنْبِياءَ والصالِحِينَ كَذَلِكَ هم في الجَهْلِ بِوَقْتِ البَعْثِ. وذَكَرَ (p-٣٤٢)بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٢٢]، وأنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾، ثُمَّ أخْبَرَ عن يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإلَهَ فِيهِ واحِدٌ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ.
النحل 16:17
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَعَلاماتٍ وبِالنَجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللهِ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ (p-٣٣٩)يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾
"عَلاماتٍ" نَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ بِها، وعَلاماتٌ، أيْ عِبْرَةً وإعْلامًا في كُلِّ سُلُوكٍ، فَقَدْ يُهْتَدى بِالجِبالِ والأنْهارِ والسُبُلِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "وَعَلاماتٍ" عَلى أنَّ الأظْهَرَ عِنْدِي ما ذَكَرْتُ -فَقالَ ابْنُ الكَلْبِي: العَلاماتُ: الجِبالُ، وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ: العَلاماتُ: النُجُومُ، مِنها ما سُمِّيَ عَلاماتٌ، ومِنها ما يُهْتَدى بِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَلاماتُ: مَعالِمُ الطُرُقِ بِالنَهارِ، والنُجُومُ هِدايَةُ اللَيْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والصَوابُ -إذا قَدَّرْنا الكَلامَ غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِما قَبْلَهُ- أنَّ اللَفْظَةَ تَعُمُّ هَذا وغَيْرَهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما دَلَّ عَلى شَيْءٍ وعُلِمَ بِهِ فَهو عَلّامَةٌ، وأحْسَنُ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأنَّهُ عُمُومٌ في المَعْنى فَتَأمَّلَهُ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ بِالمَشْرِقِ يَقُولُ: إنَّ في بَحْرِ الهِنْدِ الَّذِي يَجْرِيِ فِيهِ مِنَ اليَمَنِ إلى الهِنْدِ حِيتانًا طِوالًا رُقاقًا كالحَيّاتِ في ألْوانِها وحَرَكَتِها والتِوائِها، وأنَّها تُسَمّى العَلاماتِ، وذَلِكَ أنَّها عَلامَةُ الوُصُولِ إلى بَلادِ الهِنْدِ، وأمارَةٌ إلى النَجاةِ والِانْتِهاءِ إلى الهِنْدِ لِطُولِ ذَلِكَ البَحْرِ وصُعُوبَتِهِ، وأنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: إنَّها الَّتِي أرادَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: وأنا مِمَّنْ شاهَدَ تِلْكَ العَلاماتِ في البَحْرِ المَذْكُورِ وعايَنَها، فَحَدَّثَنِي مِنهم عَدَدٌ كَثِيرٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَبِالنَجْمِ" عَلى أنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثابٍ: "وَبِالنَجْمِ" بِضَمِّ النُونِ وإسْكانِ الجِيمِ عَلى التَخْفِيفِ مِن ضَمِّها، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها، وذَلِكَ جَمْعٌ، كَسَقْفٌ وسُقُفٌ، ورَهْنٌ ورُهُنٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ النُجُومُ، فَحُذِفَتِ الواوُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا عِنْدِي تَوْجِيهُ ضَعِيفٌ.
(p-٣٤٠)وَقالَ الفِراءَ: المُرادُ الجَدْيُ والفَرْقَدانِ، وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ القُطْبُ الَّذِي لا يَجْرِي، وقالَ قَوْمٌ غَيْرَ هَذا، وقالَ قَوْمٌ: هو اسْمُ الجِنْسِ، وهَذا هو الصَوابُ.
ثُمَّ قَرَّرَهم تَعالى عَلى التَفْرِقَةِ بَيْنَ مَن يَخْلُقُ الأشْياءَ ويَخْتَرِعُها وبَيْنَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "مَن" لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتِ الرَدَّ عَلى جَمِيعِ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللهِ، وقَدْ عَبَدَتْ طَوائِفَ مِمَّنْ تَقَعُ عَلَيْهِ العِبارَةُ بِـ "مَن"، والآخِرُ أنَّ العِبارَةَ جَرَتْ في الأصْنامِ بِحَسَبِ اعْتِقادِ الكَفَرَةِ فِيها مِن أنَّ لَها تَأْثِيرًا وأفْعالًا، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾، أيْ: إنْ حاوَلْتُمْ إحْصاءَها عَدَدًا حَتّى لا يَشِذَّ شَيْءٌ مِنها لَمْ تَقْدِرُوا عَلى ذَلِكَ، ولا اتَّفَقَ لَكم إحْصاؤُها؛ إذْ هي في كُلِّ دَقِيقَةٍ مِن أحْوالِكُمْ، و"النِعْمَةُ" هُنا مُفْرَدَةٌ يُرادُ بِها الجَمْعُ، وبِحَسَبِ العَجْزِ عن عَدَدِ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشاكِرُ لَها مُقَصِّرًا عن بَعْضِها، فَلِذَلِكَ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ تَقْصِيرِكم في الشُكْرِ عن جَمِيعِها، نَحا هَذا المَنحى الطَبَرِيُّ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ نِعْمَةَ اللهِ تَعالى في قَوْلِ العَبْدِ: "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ" مَعَ شَرْطِها مِنَ النِيَّةِ والطاعَةِ يُوازِي جَمِيعَ النِعَمِ، ولَكِنْ أيْنَ قَوْلُها بِشُرُوطِها؟ والمُخاطَبَةُ: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ عامَّةٌ لِجَمِيعِ الناسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾، مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ: إنَّ اللهَ لِغَفُورٌ في تَقْصِيرِكم عن شُكْرِ ما لا تُحْصُونَهُ مِن نِعَمِ اللهِ، وإنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ سِرَّكم وعَلَنَكُمْ، فَيُغْنِي ذَلِكَ عَنِ التِزامِكم بِشُكْرِ كُلِّ نِعْمَةٍ، هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مُخاطَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ جُمْهُورَ القُرّاءِ قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، "وَتُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، عَلى (p-٣٤١)مَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ. وقَرَأ عاصِمٌ: "تُسِرُّونَ" و"تُعْلِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"يَدْعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى غَيْبَةِ الكُفّارِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ. ورَوى هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ كُلَّ ذَلِكَ بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسّائِيُّ، وأبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ كُلُّ ذَلِكَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "يَعْلَمُ الَّذِي تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ. و"يَدْعُونَ" مَعْناهُ: يَدْعُونَهُ إلَهًا، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "الَّذِينَ" عَلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ ذَلِكَ يَعُمُّ الأصْنامَ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ ومِن غَيْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ﴾ أجْمَعُ عِبارَةٍ في أحْوالِ الرُبُوبِيَّةِ عنهُمْ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: "والَّذِينَ يُدْعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتَحِ العَيْنِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
و"أمْواتٌ" يُرادُ بِهِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللهِ، ورُفِعَ عَلى ابْتِداءِ خَبَرٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هم أمْواتٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: "والَّذِينَ" بَعْدَ خَبَرٍ في قَوْلِهِ: "لا يَخْلُقُونَ"، ووَصَفَهم بِالمَوْتِ مَجازًا، وإنَّما المُرادُ لَمْ يَقْبَلُوا حَياةً قَطٌّ ولا اتَّصَفُوا بِها، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "والَّذِينَ يَدْعُونَ" بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأمْواتِ الكُفّارِ الَّذِينَ ضَمِيرُهم في "يَدْعُونَ"، شَبَّهَهم بِالأمْواتِ غَيْرِ الأحْياءِ مِن حَيْثُ هم ضَلالٌ غَيْرُ مُهْتَدِينَ، ويَسْتَقِيمُ -عَلى هَذا- فِيهِمْ قَوْلُهُ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ والبَعْثُ هُنا هو الحَشْرُ مِنَ القُبُورِ. و"أيّانَ" ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ: "إيّانَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والفَتْحُ فِيها والكَسْرُ لُغَتانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أيِ الكُفّارِ ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ الضَمِيرانِ لَهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أيِ الأصْنامِ أيّانَ يُبْعَثُ الكُفّارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرانِ لِلْأصْنامِ الأمارَةِ، كَما تَقُولُ: "بَعَثْتُ النائِمَ مِن نَوْمِهِ" إذا نَبَّهَتْهُ، وكَما تَقُولُ: "بَعَثَ الرامِي سَهْمَهُ"، فَكَأنَّهُ وصَفَهم بِغايَةِ الجُمُودِ، أيْ: وإنْ طَلَبْتَ حَرَكاتِهِمْ بِالتَحْرِيكِ لَمْ يَشْعُرُوا لِذَلِكَ، وعَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى الضَمِيرَيْنِ لِلْكُفّارِ يَنْبَغِي أنْ يَعْتَقِدَ في الكَلامِ الوَعِيدَ، أيْ: وما يَشْعُرُ الكُفّارُ مَتى يُبْعَثُونَ إلى التَعْذِيبِ، ولَوِ اخْتَصَرَ هَذا المَعْنى لَمْ يَكُنْ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وأيّانَ يُبْعَثُونَ طائِلٌ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ والأنْبِياءَ والصالِحِينَ كَذَلِكَ هم في الجَهْلِ بِوَقْتِ البَعْثِ. وذَكَرَ (p-٣٤٢)بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٢٢]، وأنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾، ثُمَّ أخْبَرَ عن يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإلَهَ فِيهِ واحِدٌ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ.
النحل 16:18
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَعَلاماتٍ وبِالنَجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللهِ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ (p-٣٣٩)يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾
"عَلاماتٍ" نَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ بِها، وعَلاماتٌ، أيْ عِبْرَةً وإعْلامًا في كُلِّ سُلُوكٍ، فَقَدْ يُهْتَدى بِالجِبالِ والأنْهارِ والسُبُلِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "وَعَلاماتٍ" عَلى أنَّ الأظْهَرَ عِنْدِي ما ذَكَرْتُ -فَقالَ ابْنُ الكَلْبِي: العَلاماتُ: الجِبالُ، وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ: العَلاماتُ: النُجُومُ، مِنها ما سُمِّيَ عَلاماتٌ، ومِنها ما يُهْتَدى بِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَلاماتُ: مَعالِمُ الطُرُقِ بِالنَهارِ، والنُجُومُ هِدايَةُ اللَيْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والصَوابُ -إذا قَدَّرْنا الكَلامَ غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِما قَبْلَهُ- أنَّ اللَفْظَةَ تَعُمُّ هَذا وغَيْرَهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما دَلَّ عَلى شَيْءٍ وعُلِمَ بِهِ فَهو عَلّامَةٌ، وأحْسَنُ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأنَّهُ عُمُومٌ في المَعْنى فَتَأمَّلَهُ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ بِالمَشْرِقِ يَقُولُ: إنَّ في بَحْرِ الهِنْدِ الَّذِي يَجْرِيِ فِيهِ مِنَ اليَمَنِ إلى الهِنْدِ حِيتانًا طِوالًا رُقاقًا كالحَيّاتِ في ألْوانِها وحَرَكَتِها والتِوائِها، وأنَّها تُسَمّى العَلاماتِ، وذَلِكَ أنَّها عَلامَةُ الوُصُولِ إلى بَلادِ الهِنْدِ، وأمارَةٌ إلى النَجاةِ والِانْتِهاءِ إلى الهِنْدِ لِطُولِ ذَلِكَ البَحْرِ وصُعُوبَتِهِ، وأنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: إنَّها الَّتِي أرادَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: وأنا مِمَّنْ شاهَدَ تِلْكَ العَلاماتِ في البَحْرِ المَذْكُورِ وعايَنَها، فَحَدَّثَنِي مِنهم عَدَدٌ كَثِيرٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَبِالنَجْمِ" عَلى أنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثابٍ: "وَبِالنَجْمِ" بِضَمِّ النُونِ وإسْكانِ الجِيمِ عَلى التَخْفِيفِ مِن ضَمِّها، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها، وذَلِكَ جَمْعٌ، كَسَقْفٌ وسُقُفٌ، ورَهْنٌ ورُهُنٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ النُجُومُ، فَحُذِفَتِ الواوُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا عِنْدِي تَوْجِيهُ ضَعِيفٌ.
(p-٣٤٠)وَقالَ الفِراءَ: المُرادُ الجَدْيُ والفَرْقَدانِ، وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ القُطْبُ الَّذِي لا يَجْرِي، وقالَ قَوْمٌ غَيْرَ هَذا، وقالَ قَوْمٌ: هو اسْمُ الجِنْسِ، وهَذا هو الصَوابُ.
ثُمَّ قَرَّرَهم تَعالى عَلى التَفْرِقَةِ بَيْنَ مَن يَخْلُقُ الأشْياءَ ويَخْتَرِعُها وبَيْنَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "مَن" لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتِ الرَدَّ عَلى جَمِيعِ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللهِ، وقَدْ عَبَدَتْ طَوائِفَ مِمَّنْ تَقَعُ عَلَيْهِ العِبارَةُ بِـ "مَن"، والآخِرُ أنَّ العِبارَةَ جَرَتْ في الأصْنامِ بِحَسَبِ اعْتِقادِ الكَفَرَةِ فِيها مِن أنَّ لَها تَأْثِيرًا وأفْعالًا، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾، أيْ: إنْ حاوَلْتُمْ إحْصاءَها عَدَدًا حَتّى لا يَشِذَّ شَيْءٌ مِنها لَمْ تَقْدِرُوا عَلى ذَلِكَ، ولا اتَّفَقَ لَكم إحْصاؤُها؛ إذْ هي في كُلِّ دَقِيقَةٍ مِن أحْوالِكُمْ، و"النِعْمَةُ" هُنا مُفْرَدَةٌ يُرادُ بِها الجَمْعُ، وبِحَسَبِ العَجْزِ عن عَدَدِ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشاكِرُ لَها مُقَصِّرًا عن بَعْضِها، فَلِذَلِكَ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ تَقْصِيرِكم في الشُكْرِ عن جَمِيعِها، نَحا هَذا المَنحى الطَبَرِيُّ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ نِعْمَةَ اللهِ تَعالى في قَوْلِ العَبْدِ: "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ" مَعَ شَرْطِها مِنَ النِيَّةِ والطاعَةِ يُوازِي جَمِيعَ النِعَمِ، ولَكِنْ أيْنَ قَوْلُها بِشُرُوطِها؟ والمُخاطَبَةُ: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ عامَّةٌ لِجَمِيعِ الناسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾، مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ: إنَّ اللهَ لِغَفُورٌ في تَقْصِيرِكم عن شُكْرِ ما لا تُحْصُونَهُ مِن نِعَمِ اللهِ، وإنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ سِرَّكم وعَلَنَكُمْ، فَيُغْنِي ذَلِكَ عَنِ التِزامِكم بِشُكْرِ كُلِّ نِعْمَةٍ، هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مُخاطَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ جُمْهُورَ القُرّاءِ قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، "وَتُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، عَلى (p-٣٤١)مَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ. وقَرَأ عاصِمٌ: "تُسِرُّونَ" و"تُعْلِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"يَدْعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى غَيْبَةِ الكُفّارِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ. ورَوى هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ كُلَّ ذَلِكَ بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسّائِيُّ، وأبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ كُلُّ ذَلِكَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "يَعْلَمُ الَّذِي تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ. و"يَدْعُونَ" مَعْناهُ: يَدْعُونَهُ إلَهًا، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "الَّذِينَ" عَلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ ذَلِكَ يَعُمُّ الأصْنامَ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ ومِن غَيْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ﴾ أجْمَعُ عِبارَةٍ في أحْوالِ الرُبُوبِيَّةِ عنهُمْ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: "والَّذِينَ يُدْعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتَحِ العَيْنِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
و"أمْواتٌ" يُرادُ بِهِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللهِ، ورُفِعَ عَلى ابْتِداءِ خَبَرٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هم أمْواتٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: "والَّذِينَ" بَعْدَ خَبَرٍ في قَوْلِهِ: "لا يَخْلُقُونَ"، ووَصَفَهم بِالمَوْتِ مَجازًا، وإنَّما المُرادُ لَمْ يَقْبَلُوا حَياةً قَطٌّ ولا اتَّصَفُوا بِها، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "والَّذِينَ يَدْعُونَ" بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأمْواتِ الكُفّارِ الَّذِينَ ضَمِيرُهم في "يَدْعُونَ"، شَبَّهَهم بِالأمْواتِ غَيْرِ الأحْياءِ مِن حَيْثُ هم ضَلالٌ غَيْرُ مُهْتَدِينَ، ويَسْتَقِيمُ -عَلى هَذا- فِيهِمْ قَوْلُهُ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ والبَعْثُ هُنا هو الحَشْرُ مِنَ القُبُورِ. و"أيّانَ" ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ: "إيّانَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والفَتْحُ فِيها والكَسْرُ لُغَتانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أيِ الكُفّارِ ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ الضَمِيرانِ لَهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أيِ الأصْنامِ أيّانَ يُبْعَثُ الكُفّارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرانِ لِلْأصْنامِ الأمارَةِ، كَما تَقُولُ: "بَعَثْتُ النائِمَ مِن نَوْمِهِ" إذا نَبَّهَتْهُ، وكَما تَقُولُ: "بَعَثَ الرامِي سَهْمَهُ"، فَكَأنَّهُ وصَفَهم بِغايَةِ الجُمُودِ، أيْ: وإنْ طَلَبْتَ حَرَكاتِهِمْ بِالتَحْرِيكِ لَمْ يَشْعُرُوا لِذَلِكَ، وعَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى الضَمِيرَيْنِ لِلْكُفّارِ يَنْبَغِي أنْ يَعْتَقِدَ في الكَلامِ الوَعِيدَ، أيْ: وما يَشْعُرُ الكُفّارُ مَتى يُبْعَثُونَ إلى التَعْذِيبِ، ولَوِ اخْتَصَرَ هَذا المَعْنى لَمْ يَكُنْ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وأيّانَ يُبْعَثُونَ طائِلٌ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ والأنْبِياءَ والصالِحِينَ كَذَلِكَ هم في الجَهْلِ بِوَقْتِ البَعْثِ. وذَكَرَ (p-٣٤٢)بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٢٢]، وأنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾، ثُمَّ أخْبَرَ عن يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإلَهَ فِيهِ واحِدٌ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ.
النحل 16:19
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَعَلاماتٍ وبِالنَجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللهِ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ (p-٣٣٩)يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾
"عَلاماتٍ" نَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ بِها، وعَلاماتٌ، أيْ عِبْرَةً وإعْلامًا في كُلِّ سُلُوكٍ، فَقَدْ يُهْتَدى بِالجِبالِ والأنْهارِ والسُبُلِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "وَعَلاماتٍ" عَلى أنَّ الأظْهَرَ عِنْدِي ما ذَكَرْتُ -فَقالَ ابْنُ الكَلْبِي: العَلاماتُ: الجِبالُ، وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ: العَلاماتُ: النُجُومُ، مِنها ما سُمِّيَ عَلاماتٌ، ومِنها ما يُهْتَدى بِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَلاماتُ: مَعالِمُ الطُرُقِ بِالنَهارِ، والنُجُومُ هِدايَةُ اللَيْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والصَوابُ -إذا قَدَّرْنا الكَلامَ غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِما قَبْلَهُ- أنَّ اللَفْظَةَ تَعُمُّ هَذا وغَيْرَهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما دَلَّ عَلى شَيْءٍ وعُلِمَ بِهِ فَهو عَلّامَةٌ، وأحْسَنُ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأنَّهُ عُمُومٌ في المَعْنى فَتَأمَّلَهُ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ بِالمَشْرِقِ يَقُولُ: إنَّ في بَحْرِ الهِنْدِ الَّذِي يَجْرِيِ فِيهِ مِنَ اليَمَنِ إلى الهِنْدِ حِيتانًا طِوالًا رُقاقًا كالحَيّاتِ في ألْوانِها وحَرَكَتِها والتِوائِها، وأنَّها تُسَمّى العَلاماتِ، وذَلِكَ أنَّها عَلامَةُ الوُصُولِ إلى بَلادِ الهِنْدِ، وأمارَةٌ إلى النَجاةِ والِانْتِهاءِ إلى الهِنْدِ لِطُولِ ذَلِكَ البَحْرِ وصُعُوبَتِهِ، وأنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: إنَّها الَّتِي أرادَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: وأنا مِمَّنْ شاهَدَ تِلْكَ العَلاماتِ في البَحْرِ المَذْكُورِ وعايَنَها، فَحَدَّثَنِي مِنهم عَدَدٌ كَثِيرٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَبِالنَجْمِ" عَلى أنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثابٍ: "وَبِالنَجْمِ" بِضَمِّ النُونِ وإسْكانِ الجِيمِ عَلى التَخْفِيفِ مِن ضَمِّها، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها، وذَلِكَ جَمْعٌ، كَسَقْفٌ وسُقُفٌ، ورَهْنٌ ورُهُنٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ النُجُومُ، فَحُذِفَتِ الواوُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا عِنْدِي تَوْجِيهُ ضَعِيفٌ.
(p-٣٤٠)وَقالَ الفِراءَ: المُرادُ الجَدْيُ والفَرْقَدانِ، وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ القُطْبُ الَّذِي لا يَجْرِي، وقالَ قَوْمٌ غَيْرَ هَذا، وقالَ قَوْمٌ: هو اسْمُ الجِنْسِ، وهَذا هو الصَوابُ.
ثُمَّ قَرَّرَهم تَعالى عَلى التَفْرِقَةِ بَيْنَ مَن يَخْلُقُ الأشْياءَ ويَخْتَرِعُها وبَيْنَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "مَن" لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتِ الرَدَّ عَلى جَمِيعِ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللهِ، وقَدْ عَبَدَتْ طَوائِفَ مِمَّنْ تَقَعُ عَلَيْهِ العِبارَةُ بِـ "مَن"، والآخِرُ أنَّ العِبارَةَ جَرَتْ في الأصْنامِ بِحَسَبِ اعْتِقادِ الكَفَرَةِ فِيها مِن أنَّ لَها تَأْثِيرًا وأفْعالًا، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾، أيْ: إنْ حاوَلْتُمْ إحْصاءَها عَدَدًا حَتّى لا يَشِذَّ شَيْءٌ مِنها لَمْ تَقْدِرُوا عَلى ذَلِكَ، ولا اتَّفَقَ لَكم إحْصاؤُها؛ إذْ هي في كُلِّ دَقِيقَةٍ مِن أحْوالِكُمْ، و"النِعْمَةُ" هُنا مُفْرَدَةٌ يُرادُ بِها الجَمْعُ، وبِحَسَبِ العَجْزِ عن عَدَدِ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشاكِرُ لَها مُقَصِّرًا عن بَعْضِها، فَلِذَلِكَ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ تَقْصِيرِكم في الشُكْرِ عن جَمِيعِها، نَحا هَذا المَنحى الطَبَرِيُّ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ نِعْمَةَ اللهِ تَعالى في قَوْلِ العَبْدِ: "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ" مَعَ شَرْطِها مِنَ النِيَّةِ والطاعَةِ يُوازِي جَمِيعَ النِعَمِ، ولَكِنْ أيْنَ قَوْلُها بِشُرُوطِها؟ والمُخاطَبَةُ: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ عامَّةٌ لِجَمِيعِ الناسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾، مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ: إنَّ اللهَ لِغَفُورٌ في تَقْصِيرِكم عن شُكْرِ ما لا تُحْصُونَهُ مِن نِعَمِ اللهِ، وإنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ سِرَّكم وعَلَنَكُمْ، فَيُغْنِي ذَلِكَ عَنِ التِزامِكم بِشُكْرِ كُلِّ نِعْمَةٍ، هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مُخاطَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ جُمْهُورَ القُرّاءِ قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، "وَتُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، عَلى (p-٣٤١)مَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ. وقَرَأ عاصِمٌ: "تُسِرُّونَ" و"تُعْلِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"يَدْعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى غَيْبَةِ الكُفّارِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ. ورَوى هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ كُلَّ ذَلِكَ بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسّائِيُّ، وأبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ كُلُّ ذَلِكَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "يَعْلَمُ الَّذِي تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ. و"يَدْعُونَ" مَعْناهُ: يَدْعُونَهُ إلَهًا، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "الَّذِينَ" عَلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ ذَلِكَ يَعُمُّ الأصْنامَ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ ومِن غَيْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ﴾ أجْمَعُ عِبارَةٍ في أحْوالِ الرُبُوبِيَّةِ عنهُمْ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: "والَّذِينَ يُدْعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتَحِ العَيْنِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
و"أمْواتٌ" يُرادُ بِهِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللهِ، ورُفِعَ عَلى ابْتِداءِ خَبَرٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هم أمْواتٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: "والَّذِينَ" بَعْدَ خَبَرٍ في قَوْلِهِ: "لا يَخْلُقُونَ"، ووَصَفَهم بِالمَوْتِ مَجازًا، وإنَّما المُرادُ لَمْ يَقْبَلُوا حَياةً قَطٌّ ولا اتَّصَفُوا بِها، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "والَّذِينَ يَدْعُونَ" بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأمْواتِ الكُفّارِ الَّذِينَ ضَمِيرُهم في "يَدْعُونَ"، شَبَّهَهم بِالأمْواتِ غَيْرِ الأحْياءِ مِن حَيْثُ هم ضَلالٌ غَيْرُ مُهْتَدِينَ، ويَسْتَقِيمُ -عَلى هَذا- فِيهِمْ قَوْلُهُ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ والبَعْثُ هُنا هو الحَشْرُ مِنَ القُبُورِ. و"أيّانَ" ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ: "إيّانَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والفَتْحُ فِيها والكَسْرُ لُغَتانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أيِ الكُفّارِ ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ الضَمِيرانِ لَهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أيِ الأصْنامِ أيّانَ يُبْعَثُ الكُفّارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرانِ لِلْأصْنامِ الأمارَةِ، كَما تَقُولُ: "بَعَثْتُ النائِمَ مِن نَوْمِهِ" إذا نَبَّهَتْهُ، وكَما تَقُولُ: "بَعَثَ الرامِي سَهْمَهُ"، فَكَأنَّهُ وصَفَهم بِغايَةِ الجُمُودِ، أيْ: وإنْ طَلَبْتَ حَرَكاتِهِمْ بِالتَحْرِيكِ لَمْ يَشْعُرُوا لِذَلِكَ، وعَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى الضَمِيرَيْنِ لِلْكُفّارِ يَنْبَغِي أنْ يَعْتَقِدَ في الكَلامِ الوَعِيدَ، أيْ: وما يَشْعُرُ الكُفّارُ مَتى يُبْعَثُونَ إلى التَعْذِيبِ، ولَوِ اخْتَصَرَ هَذا المَعْنى لَمْ يَكُنْ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وأيّانَ يُبْعَثُونَ طائِلٌ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ والأنْبِياءَ والصالِحِينَ كَذَلِكَ هم في الجَهْلِ بِوَقْتِ البَعْثِ. وذَكَرَ (p-٣٤٢)بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٢٢]، وأنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾، ثُمَّ أخْبَرَ عن يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإلَهَ فِيهِ واحِدٌ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ.
النحل 16:20
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَعَلاماتٍ وبِالنَجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللهِ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ (p-٣٣٩)يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾
"عَلاماتٍ" نَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ بِها، وعَلاماتٌ، أيْ عِبْرَةً وإعْلامًا في كُلِّ سُلُوكٍ، فَقَدْ يُهْتَدى بِالجِبالِ والأنْهارِ والسُبُلِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "وَعَلاماتٍ" عَلى أنَّ الأظْهَرَ عِنْدِي ما ذَكَرْتُ -فَقالَ ابْنُ الكَلْبِي: العَلاماتُ: الجِبالُ، وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ: العَلاماتُ: النُجُومُ، مِنها ما سُمِّيَ عَلاماتٌ، ومِنها ما يُهْتَدى بِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَلاماتُ: مَعالِمُ الطُرُقِ بِالنَهارِ، والنُجُومُ هِدايَةُ اللَيْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والصَوابُ -إذا قَدَّرْنا الكَلامَ غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِما قَبْلَهُ- أنَّ اللَفْظَةَ تَعُمُّ هَذا وغَيْرَهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما دَلَّ عَلى شَيْءٍ وعُلِمَ بِهِ فَهو عَلّامَةٌ، وأحْسَنُ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأنَّهُ عُمُومٌ في المَعْنى فَتَأمَّلَهُ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ بِالمَشْرِقِ يَقُولُ: إنَّ في بَحْرِ الهِنْدِ الَّذِي يَجْرِيِ فِيهِ مِنَ اليَمَنِ إلى الهِنْدِ حِيتانًا طِوالًا رُقاقًا كالحَيّاتِ في ألْوانِها وحَرَكَتِها والتِوائِها، وأنَّها تُسَمّى العَلاماتِ، وذَلِكَ أنَّها عَلامَةُ الوُصُولِ إلى بَلادِ الهِنْدِ، وأمارَةٌ إلى النَجاةِ والِانْتِهاءِ إلى الهِنْدِ لِطُولِ ذَلِكَ البَحْرِ وصُعُوبَتِهِ، وأنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: إنَّها الَّتِي أرادَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: وأنا مِمَّنْ شاهَدَ تِلْكَ العَلاماتِ في البَحْرِ المَذْكُورِ وعايَنَها، فَحَدَّثَنِي مِنهم عَدَدٌ كَثِيرٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَبِالنَجْمِ" عَلى أنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثابٍ: "وَبِالنَجْمِ" بِضَمِّ النُونِ وإسْكانِ الجِيمِ عَلى التَخْفِيفِ مِن ضَمِّها، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها، وذَلِكَ جَمْعٌ، كَسَقْفٌ وسُقُفٌ، ورَهْنٌ ورُهُنٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ النُجُومُ، فَحُذِفَتِ الواوُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا عِنْدِي تَوْجِيهُ ضَعِيفٌ.
(p-٣٤٠)وَقالَ الفِراءَ: المُرادُ الجَدْيُ والفَرْقَدانِ، وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ القُطْبُ الَّذِي لا يَجْرِي، وقالَ قَوْمٌ غَيْرَ هَذا، وقالَ قَوْمٌ: هو اسْمُ الجِنْسِ، وهَذا هو الصَوابُ.
ثُمَّ قَرَّرَهم تَعالى عَلى التَفْرِقَةِ بَيْنَ مَن يَخْلُقُ الأشْياءَ ويَخْتَرِعُها وبَيْنَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "مَن" لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتِ الرَدَّ عَلى جَمِيعِ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللهِ، وقَدْ عَبَدَتْ طَوائِفَ مِمَّنْ تَقَعُ عَلَيْهِ العِبارَةُ بِـ "مَن"، والآخِرُ أنَّ العِبارَةَ جَرَتْ في الأصْنامِ بِحَسَبِ اعْتِقادِ الكَفَرَةِ فِيها مِن أنَّ لَها تَأْثِيرًا وأفْعالًا، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾، أيْ: إنْ حاوَلْتُمْ إحْصاءَها عَدَدًا حَتّى لا يَشِذَّ شَيْءٌ مِنها لَمْ تَقْدِرُوا عَلى ذَلِكَ، ولا اتَّفَقَ لَكم إحْصاؤُها؛ إذْ هي في كُلِّ دَقِيقَةٍ مِن أحْوالِكُمْ، و"النِعْمَةُ" هُنا مُفْرَدَةٌ يُرادُ بِها الجَمْعُ، وبِحَسَبِ العَجْزِ عن عَدَدِ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشاكِرُ لَها مُقَصِّرًا عن بَعْضِها، فَلِذَلِكَ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ تَقْصِيرِكم في الشُكْرِ عن جَمِيعِها، نَحا هَذا المَنحى الطَبَرِيُّ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ نِعْمَةَ اللهِ تَعالى في قَوْلِ العَبْدِ: "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ" مَعَ شَرْطِها مِنَ النِيَّةِ والطاعَةِ يُوازِي جَمِيعَ النِعَمِ، ولَكِنْ أيْنَ قَوْلُها بِشُرُوطِها؟ والمُخاطَبَةُ: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ عامَّةٌ لِجَمِيعِ الناسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾، مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ: إنَّ اللهَ لِغَفُورٌ في تَقْصِيرِكم عن شُكْرِ ما لا تُحْصُونَهُ مِن نِعَمِ اللهِ، وإنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ سِرَّكم وعَلَنَكُمْ، فَيُغْنِي ذَلِكَ عَنِ التِزامِكم بِشُكْرِ كُلِّ نِعْمَةٍ، هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مُخاطَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ جُمْهُورَ القُرّاءِ قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، "وَتُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، عَلى (p-٣٤١)مَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ. وقَرَأ عاصِمٌ: "تُسِرُّونَ" و"تُعْلِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"يَدْعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى غَيْبَةِ الكُفّارِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ. ورَوى هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ كُلَّ ذَلِكَ بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسّائِيُّ، وأبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ كُلُّ ذَلِكَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "يَعْلَمُ الَّذِي تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ. و"يَدْعُونَ" مَعْناهُ: يَدْعُونَهُ إلَهًا، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "الَّذِينَ" عَلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ ذَلِكَ يَعُمُّ الأصْنامَ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ ومِن غَيْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ﴾ أجْمَعُ عِبارَةٍ في أحْوالِ الرُبُوبِيَّةِ عنهُمْ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: "والَّذِينَ يُدْعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتَحِ العَيْنِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
و"أمْواتٌ" يُرادُ بِهِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللهِ، ورُفِعَ عَلى ابْتِداءِ خَبَرٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هم أمْواتٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: "والَّذِينَ" بَعْدَ خَبَرٍ في قَوْلِهِ: "لا يَخْلُقُونَ"، ووَصَفَهم بِالمَوْتِ مَجازًا، وإنَّما المُرادُ لَمْ يَقْبَلُوا حَياةً قَطٌّ ولا اتَّصَفُوا بِها، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "والَّذِينَ يَدْعُونَ" بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأمْواتِ الكُفّارِ الَّذِينَ ضَمِيرُهم في "يَدْعُونَ"، شَبَّهَهم بِالأمْواتِ غَيْرِ الأحْياءِ مِن حَيْثُ هم ضَلالٌ غَيْرُ مُهْتَدِينَ، ويَسْتَقِيمُ -عَلى هَذا- فِيهِمْ قَوْلُهُ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ والبَعْثُ هُنا هو الحَشْرُ مِنَ القُبُورِ. و"أيّانَ" ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ: "إيّانَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والفَتْحُ فِيها والكَسْرُ لُغَتانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أيِ الكُفّارِ ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ الضَمِيرانِ لَهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أيِ الأصْنامِ أيّانَ يُبْعَثُ الكُفّارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرانِ لِلْأصْنامِ الأمارَةِ، كَما تَقُولُ: "بَعَثْتُ النائِمَ مِن نَوْمِهِ" إذا نَبَّهَتْهُ، وكَما تَقُولُ: "بَعَثَ الرامِي سَهْمَهُ"، فَكَأنَّهُ وصَفَهم بِغايَةِ الجُمُودِ، أيْ: وإنْ طَلَبْتَ حَرَكاتِهِمْ بِالتَحْرِيكِ لَمْ يَشْعُرُوا لِذَلِكَ، وعَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى الضَمِيرَيْنِ لِلْكُفّارِ يَنْبَغِي أنْ يَعْتَقِدَ في الكَلامِ الوَعِيدَ، أيْ: وما يَشْعُرُ الكُفّارُ مَتى يُبْعَثُونَ إلى التَعْذِيبِ، ولَوِ اخْتَصَرَ هَذا المَعْنى لَمْ يَكُنْ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وأيّانَ يُبْعَثُونَ طائِلٌ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ والأنْبِياءَ والصالِحِينَ كَذَلِكَ هم في الجَهْلِ بِوَقْتِ البَعْثِ. وذَكَرَ (p-٣٤٢)بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٢٢]، وأنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾، ثُمَّ أخْبَرَ عن يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإلَهَ فِيهِ واحِدٌ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ.
النحل 16:21
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَعَلاماتٍ وبِالنَجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللهِ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ (p-٣٣٩)يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾
"عَلاماتٍ" نَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ بِها، وعَلاماتٌ، أيْ عِبْرَةً وإعْلامًا في كُلِّ سُلُوكٍ، فَقَدْ يُهْتَدى بِالجِبالِ والأنْهارِ والسُبُلِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "وَعَلاماتٍ" عَلى أنَّ الأظْهَرَ عِنْدِي ما ذَكَرْتُ -فَقالَ ابْنُ الكَلْبِي: العَلاماتُ: الجِبالُ، وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ: العَلاماتُ: النُجُومُ، مِنها ما سُمِّيَ عَلاماتٌ، ومِنها ما يُهْتَدى بِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَلاماتُ: مَعالِمُ الطُرُقِ بِالنَهارِ، والنُجُومُ هِدايَةُ اللَيْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والصَوابُ -إذا قَدَّرْنا الكَلامَ غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِما قَبْلَهُ- أنَّ اللَفْظَةَ تَعُمُّ هَذا وغَيْرَهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما دَلَّ عَلى شَيْءٍ وعُلِمَ بِهِ فَهو عَلّامَةٌ، وأحْسَنُ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأنَّهُ عُمُومٌ في المَعْنى فَتَأمَّلَهُ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ بِالمَشْرِقِ يَقُولُ: إنَّ في بَحْرِ الهِنْدِ الَّذِي يَجْرِيِ فِيهِ مِنَ اليَمَنِ إلى الهِنْدِ حِيتانًا طِوالًا رُقاقًا كالحَيّاتِ في ألْوانِها وحَرَكَتِها والتِوائِها، وأنَّها تُسَمّى العَلاماتِ، وذَلِكَ أنَّها عَلامَةُ الوُصُولِ إلى بَلادِ الهِنْدِ، وأمارَةٌ إلى النَجاةِ والِانْتِهاءِ إلى الهِنْدِ لِطُولِ ذَلِكَ البَحْرِ وصُعُوبَتِهِ، وأنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: إنَّها الَّتِي أرادَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: وأنا مِمَّنْ شاهَدَ تِلْكَ العَلاماتِ في البَحْرِ المَذْكُورِ وعايَنَها، فَحَدَّثَنِي مِنهم عَدَدٌ كَثِيرٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَبِالنَجْمِ" عَلى أنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثابٍ: "وَبِالنَجْمِ" بِضَمِّ النُونِ وإسْكانِ الجِيمِ عَلى التَخْفِيفِ مِن ضَمِّها، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها، وذَلِكَ جَمْعٌ، كَسَقْفٌ وسُقُفٌ، ورَهْنٌ ورُهُنٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ النُجُومُ، فَحُذِفَتِ الواوُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا عِنْدِي تَوْجِيهُ ضَعِيفٌ.
(p-٣٤٠)وَقالَ الفِراءَ: المُرادُ الجَدْيُ والفَرْقَدانِ، وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ القُطْبُ الَّذِي لا يَجْرِي، وقالَ قَوْمٌ غَيْرَ هَذا، وقالَ قَوْمٌ: هو اسْمُ الجِنْسِ، وهَذا هو الصَوابُ.
ثُمَّ قَرَّرَهم تَعالى عَلى التَفْرِقَةِ بَيْنَ مَن يَخْلُقُ الأشْياءَ ويَخْتَرِعُها وبَيْنَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "مَن" لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتِ الرَدَّ عَلى جَمِيعِ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللهِ، وقَدْ عَبَدَتْ طَوائِفَ مِمَّنْ تَقَعُ عَلَيْهِ العِبارَةُ بِـ "مَن"، والآخِرُ أنَّ العِبارَةَ جَرَتْ في الأصْنامِ بِحَسَبِ اعْتِقادِ الكَفَرَةِ فِيها مِن أنَّ لَها تَأْثِيرًا وأفْعالًا، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾، أيْ: إنْ حاوَلْتُمْ إحْصاءَها عَدَدًا حَتّى لا يَشِذَّ شَيْءٌ مِنها لَمْ تَقْدِرُوا عَلى ذَلِكَ، ولا اتَّفَقَ لَكم إحْصاؤُها؛ إذْ هي في كُلِّ دَقِيقَةٍ مِن أحْوالِكُمْ، و"النِعْمَةُ" هُنا مُفْرَدَةٌ يُرادُ بِها الجَمْعُ، وبِحَسَبِ العَجْزِ عن عَدَدِ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشاكِرُ لَها مُقَصِّرًا عن بَعْضِها، فَلِذَلِكَ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ تَقْصِيرِكم في الشُكْرِ عن جَمِيعِها، نَحا هَذا المَنحى الطَبَرِيُّ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ نِعْمَةَ اللهِ تَعالى في قَوْلِ العَبْدِ: "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ" مَعَ شَرْطِها مِنَ النِيَّةِ والطاعَةِ يُوازِي جَمِيعَ النِعَمِ، ولَكِنْ أيْنَ قَوْلُها بِشُرُوطِها؟ والمُخاطَبَةُ: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ عامَّةٌ لِجَمِيعِ الناسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾، مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ: إنَّ اللهَ لِغَفُورٌ في تَقْصِيرِكم عن شُكْرِ ما لا تُحْصُونَهُ مِن نِعَمِ اللهِ، وإنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ سِرَّكم وعَلَنَكُمْ، فَيُغْنِي ذَلِكَ عَنِ التِزامِكم بِشُكْرِ كُلِّ نِعْمَةٍ، هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مُخاطَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ جُمْهُورَ القُرّاءِ قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، "وَتُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، عَلى (p-٣٤١)مَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ. وقَرَأ عاصِمٌ: "تُسِرُّونَ" و"تُعْلِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"يَدْعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى غَيْبَةِ الكُفّارِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ. ورَوى هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ كُلَّ ذَلِكَ بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسّائِيُّ، وأبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ كُلُّ ذَلِكَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "يَعْلَمُ الَّذِي تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ. و"يَدْعُونَ" مَعْناهُ: يَدْعُونَهُ إلَهًا، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "الَّذِينَ" عَلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ ذَلِكَ يَعُمُّ الأصْنامَ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ ومِن غَيْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ﴾ أجْمَعُ عِبارَةٍ في أحْوالِ الرُبُوبِيَّةِ عنهُمْ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: "والَّذِينَ يُدْعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتَحِ العَيْنِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
و"أمْواتٌ" يُرادُ بِهِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللهِ، ورُفِعَ عَلى ابْتِداءِ خَبَرٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هم أمْواتٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: "والَّذِينَ" بَعْدَ خَبَرٍ في قَوْلِهِ: "لا يَخْلُقُونَ"، ووَصَفَهم بِالمَوْتِ مَجازًا، وإنَّما المُرادُ لَمْ يَقْبَلُوا حَياةً قَطٌّ ولا اتَّصَفُوا بِها، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "والَّذِينَ يَدْعُونَ" بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأمْواتِ الكُفّارِ الَّذِينَ ضَمِيرُهم في "يَدْعُونَ"، شَبَّهَهم بِالأمْواتِ غَيْرِ الأحْياءِ مِن حَيْثُ هم ضَلالٌ غَيْرُ مُهْتَدِينَ، ويَسْتَقِيمُ -عَلى هَذا- فِيهِمْ قَوْلُهُ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ والبَعْثُ هُنا هو الحَشْرُ مِنَ القُبُورِ. و"أيّانَ" ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ: "إيّانَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والفَتْحُ فِيها والكَسْرُ لُغَتانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أيِ الكُفّارِ ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ الضَمِيرانِ لَهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أيِ الأصْنامِ أيّانَ يُبْعَثُ الكُفّارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرانِ لِلْأصْنامِ الأمارَةِ، كَما تَقُولُ: "بَعَثْتُ النائِمَ مِن نَوْمِهِ" إذا نَبَّهَتْهُ، وكَما تَقُولُ: "بَعَثَ الرامِي سَهْمَهُ"، فَكَأنَّهُ وصَفَهم بِغايَةِ الجُمُودِ، أيْ: وإنْ طَلَبْتَ حَرَكاتِهِمْ بِالتَحْرِيكِ لَمْ يَشْعُرُوا لِذَلِكَ، وعَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى الضَمِيرَيْنِ لِلْكُفّارِ يَنْبَغِي أنْ يَعْتَقِدَ في الكَلامِ الوَعِيدَ، أيْ: وما يَشْعُرُ الكُفّارُ مَتى يُبْعَثُونَ إلى التَعْذِيبِ، ولَوِ اخْتَصَرَ هَذا المَعْنى لَمْ يَكُنْ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وأيّانَ يُبْعَثُونَ طائِلٌ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ والأنْبِياءَ والصالِحِينَ كَذَلِكَ هم في الجَهْلِ بِوَقْتِ البَعْثِ. وذَكَرَ (p-٣٤٢)بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٢٢]، وأنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾، ثُمَّ أخْبَرَ عن يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإلَهَ فِيهِ واحِدٌ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ.
النحل 16:22
قوله عزّ وجلّ:
﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾
لَمّا تَقَدَّمَ وصْفُ الأصْنامِ جاءَ الخَبَرُ الحَقُّ بِالوَحْدانِيَّةِ، وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الناسِ مُعْلِمَةً بِأنَّ اللهَ تَعالى مُتَّحِدٌ وِحْدانِيَّةً تامَّةً، لا يَحْتاجُ لِكَمالِها إلى مُضافٍ إلَيْها، ثُمَّ أخْبَرَ عن إنْكارِ قُلُوبِ الكافِرِينَ، وأنَّهم يَعْتَقِدُونَ إلَهِيَّةَ أشْياءَ أُخَرَ، ويَسْتَكْبِرُونَ عن رَفْضِ مُعْتَقَدِهِمْ فِيها واطِّراحِ طَرِيقَةِ آبائِهِمْ في عِبادَتِها، ووَسَمَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، إذْ هي أقْوى رُتَبِ الكُفْرِ، أعْنِي الجَمْعَ بَيْنَ التَكْذِيبِ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى وبِالبَعْثِ، لِأنَّ كُلَّ صِدْقٍ بِالبَعْثِ فَمُحالٌ أنْ يُكَذِّبَ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا جَرَمَ﴾ عَبَّرَتْ فِرْقَةٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ عن مَعْناها بِـ "لا بُدَّ، ولا مَحالَةَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناها: "حَقٌّ أنَّ اللهَ"، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "لا" نَفْيٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ، و"جَرَمَ" مَعْناهُ: وجَبَ أو حَقَّ، ونَحْوَ هَذا مِن مَذْهَبِ الزَجاجِ، ولَكِنْ مَعَ مَذْهَبِهِما "لا" مُلازِمَةٌ لِـ "جَرَمَ"، لا تَنْفَكُّ هَذِهِ مِن هَذِهِ، وفي جَرَمَ لُغاتٌ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَها في سُورَةِ هُودٍ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎ جَرَمَتْ فَزارَةُ
(p-٣٤٣)وَقالَ: مَعْناها: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ وأوجَبَتْ أنْ يَغْضَبُوا. و"أنَّ" عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فاعِلَةِ بِـ "جَرَمَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنَّ" مَفْتُوحَةً، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "إنَّ" بِكَسْرِ الألْفِ عَلى القَطْعِ، قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، والنَقاشُ: المُرادُ هُنا بِـ "ما يُسِرُّونَ" تَشاوُرُهم في دارِ النَدْوَةِ في قَتْلِ النَبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ: "إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ" عامُّ في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، يَأْخُذُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهم بِقِسْطِهِ، وفي الحَدِيثِ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ وفي قَلْبِهِ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن كِبَرٍ"،» وفِيهِ "إنَّ الكِبْرَ مَنعُ الحَقِّ وغَمْطُ الناسِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ أنَّهُ كانَ يَجْلِسُ مَعَ المَساكِينِ ويُحَدِّثُهم ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾، ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّهُ « "مَن سَجَدَ لِلَّهِ سَجْدَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ فَقَدَ بَرِئَ مِنَ الكِبْرِ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ الآيَةُ. الضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِكُفّارِ مَكَّةَ، ويُقالُ: إنَّ سَبَبَ الآيَةِ كانَ أنَّ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ سافَرَ عن مَكَّةَ إلى الحَيْرَةِ وغَيْرِها، فَجاءَ إلى مَكَّةَ وكانَ قَدِ اتَّخَذَ كُتُبَ التارِيخِ "كَلَيْلَةُ ودِمْنَةُ"، وأخْبارُ إسْفِنْدِيارَ ورُسْتَمَ"، فَكانَ يَقُولُ: إنَّما يُحَدِّثُ مُحَمَّدٌ بِأساطِيرَ الأوَّلِينَ، وحَدِيثِي أجْمَلُ مِن حَدِيثِهِ. وقَوْلُهُ: "ماذا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا و"ذا" بِمَعْنى: الَّذِي، وفي "أنْزَلَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما" و"ذا" اسْمًا واحِدًا مُرَكَّبًا، كَأنَّهُ قالَ: أيُّ شَيْءٍ؟ وقَوْلُهُمْ: "أساطِيرُ (p-٣٤٤)الأوَّلِينَ" لَيْسَ بِجَوابٍ عَلى السُؤالِ الأوَّلِ، لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا أنَّهُ نَزَّلَ شَيْءٌ، ولا أنْ تَمَّ مَنزِلًا، ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَءُوا الخَبَرَ بِأنَّ هَذِهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وإنَّما الجَوابُ عَنِ السُؤالِ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ في الآيَةِ المُسْتَقْبِلَةِ: خَيْرًا، وقَوْلُهُمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" إنَّما هو جَوابٌ بِالمَعْنى. فَأمّا عَلى السُؤالِ وبِحَسَبِهِ فَلا.
واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَحْمِلُوا" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ العاقِبَةِ، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" أنْ يَحَمِلُوا الأوزارَ، ويُحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ صَرِيحَ لامِ كَيْ عَلى مَعْنى: قَدَّرَ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الأمْرِ عَلى مَعْنى الحَتْمِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ والصِغارُ المُوجِبُ لَهم. و"الأوزارُ: الأثْقالُ، وقَوْلُهُ: "وَمِن" لِلتَّبْعِيضِ، وذَلِكَ أنَّ هَذا الرَأْسَ المُضِلَّ يَحْمِلُ وزَرَ نَفْسِهِ كامِلًا، ويَحْمِلُ وِزْرًا مِن أوزارِ كُلِّ مُضِلٍّ بِسَبَبِهِ، ولا تَنْقُصُ أوزارُ أُولَئِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِها المُضِلَّ، أيْ: أضَلَّ بِغَيْرِ بُرْهانٍ قامَ عِنْدَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ المُقَلِّدِينَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم. ثُمَّ اسْتَفْتَحَ اللهَ تَعالى الإخْبارَ عن سُوءِ ما يَتَحَمَّلُونَهُ لِلْآخِرَةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثًا نَصُّهُ: « "أيَّما داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ فاتَّبَعَ فَإنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ أوزارِ مَنِ اتَّبَعَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوزارِهِمْ شَيْءٌ، وأيَّما داعٍ دَعا إلى الهُدى فاتَّبَعَ فَلَهُ مَثَلُ أُجُورِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُنْقَصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ"،» و"ساءَ" فِعْلٌ مُسْنَدٌ إلى "ما"، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ هُنا إلى صِلَةٍ.
النحل 16:23
قوله عزّ وجلّ:
﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾
لَمّا تَقَدَّمَ وصْفُ الأصْنامِ جاءَ الخَبَرُ الحَقُّ بِالوَحْدانِيَّةِ، وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الناسِ مُعْلِمَةً بِأنَّ اللهَ تَعالى مُتَّحِدٌ وِحْدانِيَّةً تامَّةً، لا يَحْتاجُ لِكَمالِها إلى مُضافٍ إلَيْها، ثُمَّ أخْبَرَ عن إنْكارِ قُلُوبِ الكافِرِينَ، وأنَّهم يَعْتَقِدُونَ إلَهِيَّةَ أشْياءَ أُخَرَ، ويَسْتَكْبِرُونَ عن رَفْضِ مُعْتَقَدِهِمْ فِيها واطِّراحِ طَرِيقَةِ آبائِهِمْ في عِبادَتِها، ووَسَمَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، إذْ هي أقْوى رُتَبِ الكُفْرِ، أعْنِي الجَمْعَ بَيْنَ التَكْذِيبِ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى وبِالبَعْثِ، لِأنَّ كُلَّ صِدْقٍ بِالبَعْثِ فَمُحالٌ أنْ يُكَذِّبَ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا جَرَمَ﴾ عَبَّرَتْ فِرْقَةٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ عن مَعْناها بِـ "لا بُدَّ، ولا مَحالَةَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناها: "حَقٌّ أنَّ اللهَ"، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "لا" نَفْيٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ، و"جَرَمَ" مَعْناهُ: وجَبَ أو حَقَّ، ونَحْوَ هَذا مِن مَذْهَبِ الزَجاجِ، ولَكِنْ مَعَ مَذْهَبِهِما "لا" مُلازِمَةٌ لِـ "جَرَمَ"، لا تَنْفَكُّ هَذِهِ مِن هَذِهِ، وفي جَرَمَ لُغاتٌ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَها في سُورَةِ هُودٍ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎ جَرَمَتْ فَزارَةُ
(p-٣٤٣)وَقالَ: مَعْناها: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ وأوجَبَتْ أنْ يَغْضَبُوا. و"أنَّ" عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فاعِلَةِ بِـ "جَرَمَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنَّ" مَفْتُوحَةً، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "إنَّ" بِكَسْرِ الألْفِ عَلى القَطْعِ، قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، والنَقاشُ: المُرادُ هُنا بِـ "ما يُسِرُّونَ" تَشاوُرُهم في دارِ النَدْوَةِ في قَتْلِ النَبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ: "إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ" عامُّ في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، يَأْخُذُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهم بِقِسْطِهِ، وفي الحَدِيثِ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ وفي قَلْبِهِ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن كِبَرٍ"،» وفِيهِ "إنَّ الكِبْرَ مَنعُ الحَقِّ وغَمْطُ الناسِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ أنَّهُ كانَ يَجْلِسُ مَعَ المَساكِينِ ويُحَدِّثُهم ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾، ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّهُ « "مَن سَجَدَ لِلَّهِ سَجْدَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ فَقَدَ بَرِئَ مِنَ الكِبْرِ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ الآيَةُ. الضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِكُفّارِ مَكَّةَ، ويُقالُ: إنَّ سَبَبَ الآيَةِ كانَ أنَّ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ سافَرَ عن مَكَّةَ إلى الحَيْرَةِ وغَيْرِها، فَجاءَ إلى مَكَّةَ وكانَ قَدِ اتَّخَذَ كُتُبَ التارِيخِ "كَلَيْلَةُ ودِمْنَةُ"، وأخْبارُ إسْفِنْدِيارَ ورُسْتَمَ"، فَكانَ يَقُولُ: إنَّما يُحَدِّثُ مُحَمَّدٌ بِأساطِيرَ الأوَّلِينَ، وحَدِيثِي أجْمَلُ مِن حَدِيثِهِ. وقَوْلُهُ: "ماذا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا و"ذا" بِمَعْنى: الَّذِي، وفي "أنْزَلَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما" و"ذا" اسْمًا واحِدًا مُرَكَّبًا، كَأنَّهُ قالَ: أيُّ شَيْءٍ؟ وقَوْلُهُمْ: "أساطِيرُ (p-٣٤٤)الأوَّلِينَ" لَيْسَ بِجَوابٍ عَلى السُؤالِ الأوَّلِ، لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا أنَّهُ نَزَّلَ شَيْءٌ، ولا أنْ تَمَّ مَنزِلًا، ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَءُوا الخَبَرَ بِأنَّ هَذِهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وإنَّما الجَوابُ عَنِ السُؤالِ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ في الآيَةِ المُسْتَقْبِلَةِ: خَيْرًا، وقَوْلُهُمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" إنَّما هو جَوابٌ بِالمَعْنى. فَأمّا عَلى السُؤالِ وبِحَسَبِهِ فَلا.
واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَحْمِلُوا" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ العاقِبَةِ، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" أنْ يَحَمِلُوا الأوزارَ، ويُحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ صَرِيحَ لامِ كَيْ عَلى مَعْنى: قَدَّرَ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الأمْرِ عَلى مَعْنى الحَتْمِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ والصِغارُ المُوجِبُ لَهم. و"الأوزارُ: الأثْقالُ، وقَوْلُهُ: "وَمِن" لِلتَّبْعِيضِ، وذَلِكَ أنَّ هَذا الرَأْسَ المُضِلَّ يَحْمِلُ وزَرَ نَفْسِهِ كامِلًا، ويَحْمِلُ وِزْرًا مِن أوزارِ كُلِّ مُضِلٍّ بِسَبَبِهِ، ولا تَنْقُصُ أوزارُ أُولَئِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِها المُضِلَّ، أيْ: أضَلَّ بِغَيْرِ بُرْهانٍ قامَ عِنْدَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ المُقَلِّدِينَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم. ثُمَّ اسْتَفْتَحَ اللهَ تَعالى الإخْبارَ عن سُوءِ ما يَتَحَمَّلُونَهُ لِلْآخِرَةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثًا نَصُّهُ: « "أيَّما داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ فاتَّبَعَ فَإنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ أوزارِ مَنِ اتَّبَعَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوزارِهِمْ شَيْءٌ، وأيَّما داعٍ دَعا إلى الهُدى فاتَّبَعَ فَلَهُ مَثَلُ أُجُورِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُنْقَصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ"،» و"ساءَ" فِعْلٌ مُسْنَدٌ إلى "ما"، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ هُنا إلى صِلَةٍ.
النحل 16:24
قوله عزّ وجلّ:
﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾
لَمّا تَقَدَّمَ وصْفُ الأصْنامِ جاءَ الخَبَرُ الحَقُّ بِالوَحْدانِيَّةِ، وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الناسِ مُعْلِمَةً بِأنَّ اللهَ تَعالى مُتَّحِدٌ وِحْدانِيَّةً تامَّةً، لا يَحْتاجُ لِكَمالِها إلى مُضافٍ إلَيْها، ثُمَّ أخْبَرَ عن إنْكارِ قُلُوبِ الكافِرِينَ، وأنَّهم يَعْتَقِدُونَ إلَهِيَّةَ أشْياءَ أُخَرَ، ويَسْتَكْبِرُونَ عن رَفْضِ مُعْتَقَدِهِمْ فِيها واطِّراحِ طَرِيقَةِ آبائِهِمْ في عِبادَتِها، ووَسَمَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، إذْ هي أقْوى رُتَبِ الكُفْرِ، أعْنِي الجَمْعَ بَيْنَ التَكْذِيبِ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى وبِالبَعْثِ، لِأنَّ كُلَّ صِدْقٍ بِالبَعْثِ فَمُحالٌ أنْ يُكَذِّبَ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا جَرَمَ﴾ عَبَّرَتْ فِرْقَةٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ عن مَعْناها بِـ "لا بُدَّ، ولا مَحالَةَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناها: "حَقٌّ أنَّ اللهَ"، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "لا" نَفْيٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ، و"جَرَمَ" مَعْناهُ: وجَبَ أو حَقَّ، ونَحْوَ هَذا مِن مَذْهَبِ الزَجاجِ، ولَكِنْ مَعَ مَذْهَبِهِما "لا" مُلازِمَةٌ لِـ "جَرَمَ"، لا تَنْفَكُّ هَذِهِ مِن هَذِهِ، وفي جَرَمَ لُغاتٌ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَها في سُورَةِ هُودٍ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎ جَرَمَتْ فَزارَةُ
(p-٣٤٣)وَقالَ: مَعْناها: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ وأوجَبَتْ أنْ يَغْضَبُوا. و"أنَّ" عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فاعِلَةِ بِـ "جَرَمَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنَّ" مَفْتُوحَةً، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "إنَّ" بِكَسْرِ الألْفِ عَلى القَطْعِ، قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، والنَقاشُ: المُرادُ هُنا بِـ "ما يُسِرُّونَ" تَشاوُرُهم في دارِ النَدْوَةِ في قَتْلِ النَبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ: "إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ" عامُّ في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، يَأْخُذُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهم بِقِسْطِهِ، وفي الحَدِيثِ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ وفي قَلْبِهِ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن كِبَرٍ"،» وفِيهِ "إنَّ الكِبْرَ مَنعُ الحَقِّ وغَمْطُ الناسِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ أنَّهُ كانَ يَجْلِسُ مَعَ المَساكِينِ ويُحَدِّثُهم ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾، ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّهُ « "مَن سَجَدَ لِلَّهِ سَجْدَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ فَقَدَ بَرِئَ مِنَ الكِبْرِ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ الآيَةُ. الضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِكُفّارِ مَكَّةَ، ويُقالُ: إنَّ سَبَبَ الآيَةِ كانَ أنَّ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ سافَرَ عن مَكَّةَ إلى الحَيْرَةِ وغَيْرِها، فَجاءَ إلى مَكَّةَ وكانَ قَدِ اتَّخَذَ كُتُبَ التارِيخِ "كَلَيْلَةُ ودِمْنَةُ"، وأخْبارُ إسْفِنْدِيارَ ورُسْتَمَ"، فَكانَ يَقُولُ: إنَّما يُحَدِّثُ مُحَمَّدٌ بِأساطِيرَ الأوَّلِينَ، وحَدِيثِي أجْمَلُ مِن حَدِيثِهِ. وقَوْلُهُ: "ماذا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا و"ذا" بِمَعْنى: الَّذِي، وفي "أنْزَلَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما" و"ذا" اسْمًا واحِدًا مُرَكَّبًا، كَأنَّهُ قالَ: أيُّ شَيْءٍ؟ وقَوْلُهُمْ: "أساطِيرُ (p-٣٤٤)الأوَّلِينَ" لَيْسَ بِجَوابٍ عَلى السُؤالِ الأوَّلِ، لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا أنَّهُ نَزَّلَ شَيْءٌ، ولا أنْ تَمَّ مَنزِلًا، ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَءُوا الخَبَرَ بِأنَّ هَذِهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وإنَّما الجَوابُ عَنِ السُؤالِ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ في الآيَةِ المُسْتَقْبِلَةِ: خَيْرًا، وقَوْلُهُمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" إنَّما هو جَوابٌ بِالمَعْنى. فَأمّا عَلى السُؤالِ وبِحَسَبِهِ فَلا.
واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَحْمِلُوا" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ العاقِبَةِ، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" أنْ يَحَمِلُوا الأوزارَ، ويُحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ صَرِيحَ لامِ كَيْ عَلى مَعْنى: قَدَّرَ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الأمْرِ عَلى مَعْنى الحَتْمِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ والصِغارُ المُوجِبُ لَهم. و"الأوزارُ: الأثْقالُ، وقَوْلُهُ: "وَمِن" لِلتَّبْعِيضِ، وذَلِكَ أنَّ هَذا الرَأْسَ المُضِلَّ يَحْمِلُ وزَرَ نَفْسِهِ كامِلًا، ويَحْمِلُ وِزْرًا مِن أوزارِ كُلِّ مُضِلٍّ بِسَبَبِهِ، ولا تَنْقُصُ أوزارُ أُولَئِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِها المُضِلَّ، أيْ: أضَلَّ بِغَيْرِ بُرْهانٍ قامَ عِنْدَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ المُقَلِّدِينَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم. ثُمَّ اسْتَفْتَحَ اللهَ تَعالى الإخْبارَ عن سُوءِ ما يَتَحَمَّلُونَهُ لِلْآخِرَةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثًا نَصُّهُ: « "أيَّما داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ فاتَّبَعَ فَإنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ أوزارِ مَنِ اتَّبَعَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوزارِهِمْ شَيْءٌ، وأيَّما داعٍ دَعا إلى الهُدى فاتَّبَعَ فَلَهُ مَثَلُ أُجُورِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُنْقَصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ"،» و"ساءَ" فِعْلٌ مُسْنَدٌ إلى "ما"، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ هُنا إلى صِلَةٍ.
النحل 16:25
قوله عزّ وجلّ:
﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾
لَمّا تَقَدَّمَ وصْفُ الأصْنامِ جاءَ الخَبَرُ الحَقُّ بِالوَحْدانِيَّةِ، وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الناسِ مُعْلِمَةً بِأنَّ اللهَ تَعالى مُتَّحِدٌ وِحْدانِيَّةً تامَّةً، لا يَحْتاجُ لِكَمالِها إلى مُضافٍ إلَيْها، ثُمَّ أخْبَرَ عن إنْكارِ قُلُوبِ الكافِرِينَ، وأنَّهم يَعْتَقِدُونَ إلَهِيَّةَ أشْياءَ أُخَرَ، ويَسْتَكْبِرُونَ عن رَفْضِ مُعْتَقَدِهِمْ فِيها واطِّراحِ طَرِيقَةِ آبائِهِمْ في عِبادَتِها، ووَسَمَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، إذْ هي أقْوى رُتَبِ الكُفْرِ، أعْنِي الجَمْعَ بَيْنَ التَكْذِيبِ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى وبِالبَعْثِ، لِأنَّ كُلَّ صِدْقٍ بِالبَعْثِ فَمُحالٌ أنْ يُكَذِّبَ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا جَرَمَ﴾ عَبَّرَتْ فِرْقَةٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ عن مَعْناها بِـ "لا بُدَّ، ولا مَحالَةَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناها: "حَقٌّ أنَّ اللهَ"، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "لا" نَفْيٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ، و"جَرَمَ" مَعْناهُ: وجَبَ أو حَقَّ، ونَحْوَ هَذا مِن مَذْهَبِ الزَجاجِ، ولَكِنْ مَعَ مَذْهَبِهِما "لا" مُلازِمَةٌ لِـ "جَرَمَ"، لا تَنْفَكُّ هَذِهِ مِن هَذِهِ، وفي جَرَمَ لُغاتٌ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَها في سُورَةِ هُودٍ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎ جَرَمَتْ فَزارَةُ
(p-٣٤٣)وَقالَ: مَعْناها: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ وأوجَبَتْ أنْ يَغْضَبُوا. و"أنَّ" عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فاعِلَةِ بِـ "جَرَمَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنَّ" مَفْتُوحَةً، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "إنَّ" بِكَسْرِ الألْفِ عَلى القَطْعِ، قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، والنَقاشُ: المُرادُ هُنا بِـ "ما يُسِرُّونَ" تَشاوُرُهم في دارِ النَدْوَةِ في قَتْلِ النَبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ: "إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ" عامُّ في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، يَأْخُذُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهم بِقِسْطِهِ، وفي الحَدِيثِ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ وفي قَلْبِهِ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن كِبَرٍ"،» وفِيهِ "إنَّ الكِبْرَ مَنعُ الحَقِّ وغَمْطُ الناسِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ أنَّهُ كانَ يَجْلِسُ مَعَ المَساكِينِ ويُحَدِّثُهم ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾، ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّهُ « "مَن سَجَدَ لِلَّهِ سَجْدَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ فَقَدَ بَرِئَ مِنَ الكِبْرِ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ الآيَةُ. الضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِكُفّارِ مَكَّةَ، ويُقالُ: إنَّ سَبَبَ الآيَةِ كانَ أنَّ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ سافَرَ عن مَكَّةَ إلى الحَيْرَةِ وغَيْرِها، فَجاءَ إلى مَكَّةَ وكانَ قَدِ اتَّخَذَ كُتُبَ التارِيخِ "كَلَيْلَةُ ودِمْنَةُ"، وأخْبارُ إسْفِنْدِيارَ ورُسْتَمَ"، فَكانَ يَقُولُ: إنَّما يُحَدِّثُ مُحَمَّدٌ بِأساطِيرَ الأوَّلِينَ، وحَدِيثِي أجْمَلُ مِن حَدِيثِهِ. وقَوْلُهُ: "ماذا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا و"ذا" بِمَعْنى: الَّذِي، وفي "أنْزَلَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما" و"ذا" اسْمًا واحِدًا مُرَكَّبًا، كَأنَّهُ قالَ: أيُّ شَيْءٍ؟ وقَوْلُهُمْ: "أساطِيرُ (p-٣٤٤)الأوَّلِينَ" لَيْسَ بِجَوابٍ عَلى السُؤالِ الأوَّلِ، لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا أنَّهُ نَزَّلَ شَيْءٌ، ولا أنْ تَمَّ مَنزِلًا، ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَءُوا الخَبَرَ بِأنَّ هَذِهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وإنَّما الجَوابُ عَنِ السُؤالِ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ في الآيَةِ المُسْتَقْبِلَةِ: خَيْرًا، وقَوْلُهُمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" إنَّما هو جَوابٌ بِالمَعْنى. فَأمّا عَلى السُؤالِ وبِحَسَبِهِ فَلا.
واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَحْمِلُوا" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ العاقِبَةِ، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" أنْ يَحَمِلُوا الأوزارَ، ويُحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ صَرِيحَ لامِ كَيْ عَلى مَعْنى: قَدَّرَ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الأمْرِ عَلى مَعْنى الحَتْمِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ والصِغارُ المُوجِبُ لَهم. و"الأوزارُ: الأثْقالُ، وقَوْلُهُ: "وَمِن" لِلتَّبْعِيضِ، وذَلِكَ أنَّ هَذا الرَأْسَ المُضِلَّ يَحْمِلُ وزَرَ نَفْسِهِ كامِلًا، ويَحْمِلُ وِزْرًا مِن أوزارِ كُلِّ مُضِلٍّ بِسَبَبِهِ، ولا تَنْقُصُ أوزارُ أُولَئِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِها المُضِلَّ، أيْ: أضَلَّ بِغَيْرِ بُرْهانٍ قامَ عِنْدَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ المُقَلِّدِينَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم. ثُمَّ اسْتَفْتَحَ اللهَ تَعالى الإخْبارَ عن سُوءِ ما يَتَحَمَّلُونَهُ لِلْآخِرَةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثًا نَصُّهُ: « "أيَّما داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ فاتَّبَعَ فَإنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ أوزارِ مَنِ اتَّبَعَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوزارِهِمْ شَيْءٌ، وأيَّما داعٍ دَعا إلى الهُدى فاتَّبَعَ فَلَهُ مَثَلُ أُجُورِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُنْقَصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ"،» و"ساءَ" فِعْلٌ مُسْنَدٌ إلى "ما"، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ هُنا إلى صِلَةٍ.
النحل 16:26
قوله عزّ وجلّ:
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللهُ بُنْيانَهم مِن القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الإشارَةُ بِـ ﴿الَّذِينَ مِن (p-٣٤٥)قَبْلِهِمْ﴾ إلى نَمْرُوذٍ الَّذِي بَنى الصَرْحَ لِيَصْعَدَ فِيهِ إلى السَماءِ عَلى زَعْمِهِ، فَلَمّا أفْرَطَ في غُلُوِّهِ وطُولِهِ في السَماءِ فَرْسَخَيْنِ عَلى ما حَكى النَقاشُ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِ رِيحًا فَهَدَمَهُ، وخَرَّ سَقْفُهُ عَلَيْهِ وعَلى أتْباعِهِ، وقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ هَدَمَهُ بِجَناحِهِ، وألْقى أعْلاهُ في البَحْرِ، وانْجَعَفَ مَن أسْلَفَهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: المُرادُ بِـ " الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ " جَمِيعُ مَن كَفَرَ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ ومَكَرَ، ونَزَلَتْ بِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ -عَلى هَذا-: ﴿فَأتى اللهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ تَمْثِيلٌ وتَشْبِيهٌ، أيْ: حالُهم كَحالِ مِن فَعَلَ بِهِ هَذا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ أيْ: جاءَهُمُ العَذابُ مِن قِبَلِ السَماءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا يَنْحُو إلى اللُغْزِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ رَفْعُ الِاحْتِمالِ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ﴾، فَإنَّكَ تَقُولُ: "انْهَدَمَ عَلى فُلانٍ بِناؤُهُ" وهو لَيْسَ تَحْتَهُ، كَما تَقُولُ: "انْفَسَدَ عَلَيْهِ مَتاعُهُ". وقَوْلُهُ: "مِن فَوْقِهِمْ" ألْزَمَ أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ.
وقَوْلُهُ: "فَأتى" أيْ: فَأتى أمْرُ اللهِ وسُلْطانُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بُنْيانَهُمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "بِنْيَتَهُمْ"، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "بَنِيَّتَهُمْ"، وقَرَأ الضِحاكُ: "بُيُوتَهُمْ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: "السَقْفُ" بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّها، وهي لُغَةٌ فِيهِ، وقَرَأ الأعْرَجُ بِضَمِّ السِينِ والقافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِضَمِّ السِينِ وسُكُونِ القافِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الآيَةُ، ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ هَؤُلاءِ الماكِرِينَ في الدُنْيا، ذَكَرَ في هَذِهِ حالَهم في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: "يُخْزِيهِمْ" لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ المَكارِهِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى إدْخالِهِمُ النارَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]. وقَوْلُهُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وأضافَهم إلى نَفْسِهِ في مُخاطَبَةِ الكُفّارِ، أيْ: عَلى زَعْمِكم ودَعْواكُمْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَما قالَ (p-٣٤٦)تَعالى حِكايَةً: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، وكَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّهَ الساحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والإضافاتُ تَتَرَتَّبُ مَعْقُولَةً ومَلْفُوظًا بِها بِأرَقِّ سَبَبٍ، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا قُلْتُ قُدْنِي قالَ باللهِ حَلْفَةً ∗∗∗ لِتُغْنِيَ عَنِّي ذا إنائِكَ أجْمَعا
فَأضافَ الإناءَ إلى حاسِيهِ. وقَرَأ البَزِيُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "شُرَكايَ" بِقِصْرِ الشُرَكاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالمَدِّ وفَتْحِ الياءِ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالمَدِّ وياءِ ساكِنَةٍ.
وقَوْلُهُ: "تُشاقُّونَ" مَعْناهُ: تُحارِبُونَ وتُحاجُّونَ، أيْ: تَكُونُ في شَقٍّ والحَقُّ في شَقٍّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُشاقُّونَ" بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ بِكَسْرِها، ورُوِيَتْ عَنِ الحُسْنِ بِخِلافٍ، وضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَثَلِهِ في "الحَجَرِ" في "تُبَشِّرُونَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تُشاقُّونِّي" بِشَدِّ النُونِ وكَسْرِها وياءٍ بَعْدَها. و﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ هُمِ المَلائِكَةُ فِيما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: "هُمُ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الخِطابُ مِنهم يَوْمَ القِيامَةِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والصَوابُ أنْ يَعُمَّ جَمِيعَ مَن آتاهُ اللهُ عِلْمَ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ مَن حَضَرَ المَوْقِفَ مَن مَلَكٍ وإنْسِيٍّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
النحل 16:27
قوله عزّ وجلّ:
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللهُ بُنْيانَهم مِن القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الإشارَةُ بِـ ﴿الَّذِينَ مِن (p-٣٤٥)قَبْلِهِمْ﴾ إلى نَمْرُوذٍ الَّذِي بَنى الصَرْحَ لِيَصْعَدَ فِيهِ إلى السَماءِ عَلى زَعْمِهِ، فَلَمّا أفْرَطَ في غُلُوِّهِ وطُولِهِ في السَماءِ فَرْسَخَيْنِ عَلى ما حَكى النَقاشُ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِ رِيحًا فَهَدَمَهُ، وخَرَّ سَقْفُهُ عَلَيْهِ وعَلى أتْباعِهِ، وقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ هَدَمَهُ بِجَناحِهِ، وألْقى أعْلاهُ في البَحْرِ، وانْجَعَفَ مَن أسْلَفَهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: المُرادُ بِـ " الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ " جَمِيعُ مَن كَفَرَ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ ومَكَرَ، ونَزَلَتْ بِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ -عَلى هَذا-: ﴿فَأتى اللهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ تَمْثِيلٌ وتَشْبِيهٌ، أيْ: حالُهم كَحالِ مِن فَعَلَ بِهِ هَذا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ أيْ: جاءَهُمُ العَذابُ مِن قِبَلِ السَماءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا يَنْحُو إلى اللُغْزِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ رَفْعُ الِاحْتِمالِ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ﴾، فَإنَّكَ تَقُولُ: "انْهَدَمَ عَلى فُلانٍ بِناؤُهُ" وهو لَيْسَ تَحْتَهُ، كَما تَقُولُ: "انْفَسَدَ عَلَيْهِ مَتاعُهُ". وقَوْلُهُ: "مِن فَوْقِهِمْ" ألْزَمَ أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ.
وقَوْلُهُ: "فَأتى" أيْ: فَأتى أمْرُ اللهِ وسُلْطانُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بُنْيانَهُمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "بِنْيَتَهُمْ"، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "بَنِيَّتَهُمْ"، وقَرَأ الضِحاكُ: "بُيُوتَهُمْ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: "السَقْفُ" بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّها، وهي لُغَةٌ فِيهِ، وقَرَأ الأعْرَجُ بِضَمِّ السِينِ والقافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِضَمِّ السِينِ وسُكُونِ القافِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الآيَةُ، ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ هَؤُلاءِ الماكِرِينَ في الدُنْيا، ذَكَرَ في هَذِهِ حالَهم في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: "يُخْزِيهِمْ" لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ المَكارِهِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى إدْخالِهِمُ النارَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]. وقَوْلُهُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وأضافَهم إلى نَفْسِهِ في مُخاطَبَةِ الكُفّارِ، أيْ: عَلى زَعْمِكم ودَعْواكُمْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَما قالَ (p-٣٤٦)تَعالى حِكايَةً: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، وكَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّهَ الساحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والإضافاتُ تَتَرَتَّبُ مَعْقُولَةً ومَلْفُوظًا بِها بِأرَقِّ سَبَبٍ، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا قُلْتُ قُدْنِي قالَ باللهِ حَلْفَةً ∗∗∗ لِتُغْنِيَ عَنِّي ذا إنائِكَ أجْمَعا
فَأضافَ الإناءَ إلى حاسِيهِ. وقَرَأ البَزِيُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "شُرَكايَ" بِقِصْرِ الشُرَكاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالمَدِّ وفَتْحِ الياءِ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالمَدِّ وياءِ ساكِنَةٍ.
وقَوْلُهُ: "تُشاقُّونَ" مَعْناهُ: تُحارِبُونَ وتُحاجُّونَ، أيْ: تَكُونُ في شَقٍّ والحَقُّ في شَقٍّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُشاقُّونَ" بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ بِكَسْرِها، ورُوِيَتْ عَنِ الحُسْنِ بِخِلافٍ، وضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَثَلِهِ في "الحَجَرِ" في "تُبَشِّرُونَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تُشاقُّونِّي" بِشَدِّ النُونِ وكَسْرِها وياءٍ بَعْدَها. و﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ هُمِ المَلائِكَةُ فِيما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: "هُمُ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الخِطابُ مِنهم يَوْمَ القِيامَةِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والصَوابُ أنْ يَعُمَّ جَمِيعَ مَن آتاهُ اللهُ عِلْمَ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ مَن حَضَرَ المَوْقِفَ مَن مَلَكٍ وإنْسِيٍّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
النحل 16:28
(p-٣٤٧)قوله عزّ وجلّ:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾
"الَّذِينَ" نَعْتٌ لِـ "الكافِرِينَ" في قَوْلِ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ مُنْقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ، وخَبُرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقَوُا السَلَمَ﴾ فَزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ، وقَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذا. و"المَلائِكَةُ" يُرِيدُ القابِضِينَ لِأرْواحِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ حالٌ–. و"السَلَمَ" هُنا: الِاسْتِسْلامُ، أيْ: رَمَوْا بِأيْدِيهِمْ وقالُوا: "ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ" فَحَذَفَ "قالُوا" لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ، قالَ الحَسَنُ: هي مَواطِنُ، فَمَرَّةً يُقِرُّونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، كَما قالَ: ﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، ومُرَّةً يَجْحَدُونَ كَهَذِهِ الآيَةِ، ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهم كَذَبُوا وقَصَدُوا الكَذِبَ اعْتِصامًا مِنهم بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، والآخَرُ أنَّهم أخْبَرُوا عن أنْفُسِهِمْ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ سُوءًا، فَأخْبَرُوا عن ظَنِّهِمْ بِأنْفُسِهِمْ، وهو كَذِبٌ في نَفْسِهِ، وحُسْنُ الرَدِّ عَلَيْهِمْ في الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا بِـ "بَلى"، أيْ يُقالُ لَهُمْ: بَلى، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الكُفّارِ. وإلْقاؤُهُمُ السَلَمَ ضِدُّ مُشاقَتِهِمْ قَبْلُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ ولَمْ يُهاجِرُوا، فَأخْرَجَهم كُفّارُ مَكَّةَ مُكْرَهِينَ إلى بَدْرٍ فَقُتِلُوا هُنالِكَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِالآيَةِ الأُخْرى الَّتِي نَزَلَتْ في أُولَئِكَ بِاتِّفاقٍ مِنَ العُلَماءِ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَحْسُنُ قَطْعَ "الَّذِينَ" ورَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ، فَتَأمَّلَهُ. والقانُونُ أنْ "بَلى" تَجِيءُ بَعْدَ النَفْيِ، و"نَعَمْ" تَجِيءُ بَعْدَ الإيجابِ، وقَدْ تَجِيءُ بَعْدَ التَقْرِيرِ، كَقَوْلُكَ: ألَيْسَ كَذا؟ (p-٣٤٨)وَنَحْوَهُ، ولا تَجِيءُ بَعْدَ نَفْيِ سِوى التَقْرِيرِ: وقَرَأ الجُمْهُورُ "تَتَوَفّاهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالياءِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، قالَ أبُو زَيْدٍ: أدْغَمَ أبُو عَمْرُو: "السَلَّمَ مّا".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فادْخُلُوا" مِن كَلامِ الَّذِي يَقُولُ: "بَلى"، و"أبْوابُ جَهَنَّمَ" مُفْضِيَةٌ إلى طِباقِها الَّتِي هي بَعْضٌ عَلى بَعْضٍ، والأبْوابُ كَذَلِكَ بابٌ عَلى بابٍ، و"خالِدِينَ" حالٌ، واللامُ في قَوْلِهِ: "فَلَبِئْسَ" لامُ التَأْكِيدِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ، وهو إجْماعٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ فِيما عَلِمْتَ أنَّ لامَ التَأْكِيدِ لا تَدَخُّلَ عَلى الفِعْلِ الماضِي وإنَّما تَدْخُلُ عَلَيْهِ لامُ القَسَمِ، ولَكِنْ دَخَلَتْ عَلى "بِئْسَ" لَمّا لَمْ تَتَصَرَّفْ أشْبَهَتِ الأسْماءَ وبَعُدَتْ عن حالِ الفِعْلِ في هَذا، وهي بَعِيدَةٌ أيْضًا عن حالِ الفِعْلِ مِن جِهَةِ أنَّها لا تَدْخُلُ عَلى زَمانٍ. و"المَثْوى": مَوْضِعُ الإقامَةِ، ونَعْمَ وبِئْسَ إنَّما يَدْخُلانِ عَلى مُعَرَّفٍ بِالألِفِ واللامِ، أو مُضافٍ إلى مُعَرَّفٍ بِذَلِكَ، و"المَثْوى" هُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَبِئْسَ المَثْوى مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ، والمُتَكَبِّرُ هُنا هو الَّذِي أفْضى بِهِ كِبْرُهُ إلى الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ الآيَةُ. لَمّا وصَفَ اللهُ تَعالى مَقالَةَ الكُفّارِ الَّذِينَ قالُوا: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" عادَلَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مُقالَةِ المُؤْمِنِينَ مِن أصْحابِ النَبِيِّ ﷺ، وأوجَبَ لِكُلِّ فَرِيقٍ ما يَسْتَحِقُّ لِتَتَبايَنَ المَنازِلُ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، و"ماذا" تَحْتَمِلُ ما ذَكَرَ في الَّتِي قَبْلَها، وقَوْلُهُمْ: "خَيْرًا" جَوابٌ بِحَسَبِ السُؤالِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللهِ تَعالى مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، ولَكِنَّهُ بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن كَلامِ الَّذِينَ قالُوا: "خَيْرًا"، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أُنْزِلَ، أيْ: أنْزَلَ اللهُ في الوَحْيِ عَلى نَبِيِّنا خَيْرًا، أيْ: مَن أحْسَنَ في الدُنْيا بِالطاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثابُ عَلَيْها الرِزْقُ في الدُنْيا، ويُجْزى بِها في الآخِرَةِ"،» وقَدْ (p-٣٤٩)تَقَدَّمَ القَوْلُ في إضافَةِ الدارِ إلى الآخِرَةِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
النحل 16:29
(p-٣٤٧)قوله عزّ وجلّ:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾
"الَّذِينَ" نَعْتٌ لِـ "الكافِرِينَ" في قَوْلِ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ مُنْقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ، وخَبُرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقَوُا السَلَمَ﴾ فَزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ، وقَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذا. و"المَلائِكَةُ" يُرِيدُ القابِضِينَ لِأرْواحِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ حالٌ–. و"السَلَمَ" هُنا: الِاسْتِسْلامُ، أيْ: رَمَوْا بِأيْدِيهِمْ وقالُوا: "ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ" فَحَذَفَ "قالُوا" لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ، قالَ الحَسَنُ: هي مَواطِنُ، فَمَرَّةً يُقِرُّونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، كَما قالَ: ﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، ومُرَّةً يَجْحَدُونَ كَهَذِهِ الآيَةِ، ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهم كَذَبُوا وقَصَدُوا الكَذِبَ اعْتِصامًا مِنهم بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، والآخَرُ أنَّهم أخْبَرُوا عن أنْفُسِهِمْ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ سُوءًا، فَأخْبَرُوا عن ظَنِّهِمْ بِأنْفُسِهِمْ، وهو كَذِبٌ في نَفْسِهِ، وحُسْنُ الرَدِّ عَلَيْهِمْ في الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا بِـ "بَلى"، أيْ يُقالُ لَهُمْ: بَلى، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الكُفّارِ. وإلْقاؤُهُمُ السَلَمَ ضِدُّ مُشاقَتِهِمْ قَبْلُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ ولَمْ يُهاجِرُوا، فَأخْرَجَهم كُفّارُ مَكَّةَ مُكْرَهِينَ إلى بَدْرٍ فَقُتِلُوا هُنالِكَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِالآيَةِ الأُخْرى الَّتِي نَزَلَتْ في أُولَئِكَ بِاتِّفاقٍ مِنَ العُلَماءِ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَحْسُنُ قَطْعَ "الَّذِينَ" ورَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ، فَتَأمَّلَهُ. والقانُونُ أنْ "بَلى" تَجِيءُ بَعْدَ النَفْيِ، و"نَعَمْ" تَجِيءُ بَعْدَ الإيجابِ، وقَدْ تَجِيءُ بَعْدَ التَقْرِيرِ، كَقَوْلُكَ: ألَيْسَ كَذا؟ (p-٣٤٨)وَنَحْوَهُ، ولا تَجِيءُ بَعْدَ نَفْيِ سِوى التَقْرِيرِ: وقَرَأ الجُمْهُورُ "تَتَوَفّاهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالياءِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، قالَ أبُو زَيْدٍ: أدْغَمَ أبُو عَمْرُو: "السَلَّمَ مّا".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فادْخُلُوا" مِن كَلامِ الَّذِي يَقُولُ: "بَلى"، و"أبْوابُ جَهَنَّمَ" مُفْضِيَةٌ إلى طِباقِها الَّتِي هي بَعْضٌ عَلى بَعْضٍ، والأبْوابُ كَذَلِكَ بابٌ عَلى بابٍ، و"خالِدِينَ" حالٌ، واللامُ في قَوْلِهِ: "فَلَبِئْسَ" لامُ التَأْكِيدِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ، وهو إجْماعٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ فِيما عَلِمْتَ أنَّ لامَ التَأْكِيدِ لا تَدَخُّلَ عَلى الفِعْلِ الماضِي وإنَّما تَدْخُلُ عَلَيْهِ لامُ القَسَمِ، ولَكِنْ دَخَلَتْ عَلى "بِئْسَ" لَمّا لَمْ تَتَصَرَّفْ أشْبَهَتِ الأسْماءَ وبَعُدَتْ عن حالِ الفِعْلِ في هَذا، وهي بَعِيدَةٌ أيْضًا عن حالِ الفِعْلِ مِن جِهَةِ أنَّها لا تَدْخُلُ عَلى زَمانٍ. و"المَثْوى": مَوْضِعُ الإقامَةِ، ونَعْمَ وبِئْسَ إنَّما يَدْخُلانِ عَلى مُعَرَّفٍ بِالألِفِ واللامِ، أو مُضافٍ إلى مُعَرَّفٍ بِذَلِكَ، و"المَثْوى" هُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَبِئْسَ المَثْوى مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ، والمُتَكَبِّرُ هُنا هو الَّذِي أفْضى بِهِ كِبْرُهُ إلى الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ الآيَةُ. لَمّا وصَفَ اللهُ تَعالى مَقالَةَ الكُفّارِ الَّذِينَ قالُوا: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" عادَلَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مُقالَةِ المُؤْمِنِينَ مِن أصْحابِ النَبِيِّ ﷺ، وأوجَبَ لِكُلِّ فَرِيقٍ ما يَسْتَحِقُّ لِتَتَبايَنَ المَنازِلُ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، و"ماذا" تَحْتَمِلُ ما ذَكَرَ في الَّتِي قَبْلَها، وقَوْلُهُمْ: "خَيْرًا" جَوابٌ بِحَسَبِ السُؤالِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللهِ تَعالى مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، ولَكِنَّهُ بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن كَلامِ الَّذِينَ قالُوا: "خَيْرًا"، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أُنْزِلَ، أيْ: أنْزَلَ اللهُ في الوَحْيِ عَلى نَبِيِّنا خَيْرًا، أيْ: مَن أحْسَنَ في الدُنْيا بِالطاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثابُ عَلَيْها الرِزْقُ في الدُنْيا، ويُجْزى بِها في الآخِرَةِ"،» وقَدْ (p-٣٤٩)تَقَدَّمَ القَوْلُ في إضافَةِ الدارِ إلى الآخِرَةِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
النحل 16:30
(p-٣٤٧)قوله عزّ وجلّ:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾
"الَّذِينَ" نَعْتٌ لِـ "الكافِرِينَ" في قَوْلِ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ مُنْقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ، وخَبُرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقَوُا السَلَمَ﴾ فَزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ، وقَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذا. و"المَلائِكَةُ" يُرِيدُ القابِضِينَ لِأرْواحِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ حالٌ–. و"السَلَمَ" هُنا: الِاسْتِسْلامُ، أيْ: رَمَوْا بِأيْدِيهِمْ وقالُوا: "ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ" فَحَذَفَ "قالُوا" لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ، قالَ الحَسَنُ: هي مَواطِنُ، فَمَرَّةً يُقِرُّونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، كَما قالَ: ﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، ومُرَّةً يَجْحَدُونَ كَهَذِهِ الآيَةِ، ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهم كَذَبُوا وقَصَدُوا الكَذِبَ اعْتِصامًا مِنهم بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، والآخَرُ أنَّهم أخْبَرُوا عن أنْفُسِهِمْ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ سُوءًا، فَأخْبَرُوا عن ظَنِّهِمْ بِأنْفُسِهِمْ، وهو كَذِبٌ في نَفْسِهِ، وحُسْنُ الرَدِّ عَلَيْهِمْ في الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا بِـ "بَلى"، أيْ يُقالُ لَهُمْ: بَلى، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الكُفّارِ. وإلْقاؤُهُمُ السَلَمَ ضِدُّ مُشاقَتِهِمْ قَبْلُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ ولَمْ يُهاجِرُوا، فَأخْرَجَهم كُفّارُ مَكَّةَ مُكْرَهِينَ إلى بَدْرٍ فَقُتِلُوا هُنالِكَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِالآيَةِ الأُخْرى الَّتِي نَزَلَتْ في أُولَئِكَ بِاتِّفاقٍ مِنَ العُلَماءِ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَحْسُنُ قَطْعَ "الَّذِينَ" ورَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ، فَتَأمَّلَهُ. والقانُونُ أنْ "بَلى" تَجِيءُ بَعْدَ النَفْيِ، و"نَعَمْ" تَجِيءُ بَعْدَ الإيجابِ، وقَدْ تَجِيءُ بَعْدَ التَقْرِيرِ، كَقَوْلُكَ: ألَيْسَ كَذا؟ (p-٣٤٨)وَنَحْوَهُ، ولا تَجِيءُ بَعْدَ نَفْيِ سِوى التَقْرِيرِ: وقَرَأ الجُمْهُورُ "تَتَوَفّاهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالياءِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، قالَ أبُو زَيْدٍ: أدْغَمَ أبُو عَمْرُو: "السَلَّمَ مّا".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فادْخُلُوا" مِن كَلامِ الَّذِي يَقُولُ: "بَلى"، و"أبْوابُ جَهَنَّمَ" مُفْضِيَةٌ إلى طِباقِها الَّتِي هي بَعْضٌ عَلى بَعْضٍ، والأبْوابُ كَذَلِكَ بابٌ عَلى بابٍ، و"خالِدِينَ" حالٌ، واللامُ في قَوْلِهِ: "فَلَبِئْسَ" لامُ التَأْكِيدِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ، وهو إجْماعٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ فِيما عَلِمْتَ أنَّ لامَ التَأْكِيدِ لا تَدَخُّلَ عَلى الفِعْلِ الماضِي وإنَّما تَدْخُلُ عَلَيْهِ لامُ القَسَمِ، ولَكِنْ دَخَلَتْ عَلى "بِئْسَ" لَمّا لَمْ تَتَصَرَّفْ أشْبَهَتِ الأسْماءَ وبَعُدَتْ عن حالِ الفِعْلِ في هَذا، وهي بَعِيدَةٌ أيْضًا عن حالِ الفِعْلِ مِن جِهَةِ أنَّها لا تَدْخُلُ عَلى زَمانٍ. و"المَثْوى": مَوْضِعُ الإقامَةِ، ونَعْمَ وبِئْسَ إنَّما يَدْخُلانِ عَلى مُعَرَّفٍ بِالألِفِ واللامِ، أو مُضافٍ إلى مُعَرَّفٍ بِذَلِكَ، و"المَثْوى" هُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَبِئْسَ المَثْوى مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ، والمُتَكَبِّرُ هُنا هو الَّذِي أفْضى بِهِ كِبْرُهُ إلى الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ الآيَةُ. لَمّا وصَفَ اللهُ تَعالى مَقالَةَ الكُفّارِ الَّذِينَ قالُوا: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" عادَلَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مُقالَةِ المُؤْمِنِينَ مِن أصْحابِ النَبِيِّ ﷺ، وأوجَبَ لِكُلِّ فَرِيقٍ ما يَسْتَحِقُّ لِتَتَبايَنَ المَنازِلُ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، و"ماذا" تَحْتَمِلُ ما ذَكَرَ في الَّتِي قَبْلَها، وقَوْلُهُمْ: "خَيْرًا" جَوابٌ بِحَسَبِ السُؤالِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللهِ تَعالى مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، ولَكِنَّهُ بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن كَلامِ الَّذِينَ قالُوا: "خَيْرًا"، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أُنْزِلَ، أيْ: أنْزَلَ اللهُ في الوَحْيِ عَلى نَبِيِّنا خَيْرًا، أيْ: مَن أحْسَنَ في الدُنْيا بِالطاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثابُ عَلَيْها الرِزْقُ في الدُنْيا، ويُجْزى بِها في الآخِرَةِ"،» وقَدْ (p-٣٤٩)تَقَدَّمَ القَوْلُ في إضافَةِ الدارِ إلى الآخِرَةِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
النحل 16:31
قوله عزّ وجلّ:
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
يُحْتَمَلُ أنْ يَرْتَفِعَ "جَنّاتُ" عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ بِتَقْدِيرِ: هي جَنّاتُ عَدْنٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَرْتَفِعَ بِقَوْلِهِ: "وَلَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ جَنّاتُ عَدْنٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "جَنّاتُ" مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: "يَدْخُلُونَها"، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "جَنّاتَ" بِالنَصْبِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ: "زَيْدًا ضَرَبْتُهُ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَدْخُلُونَها" وقَرَأ إسْماعِيلُ عن نافِعٍ: "يُدْخَلُونَها" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ، ولا يَصِحُّ هَذا عن نافِعٍ، ورُوِيَتْ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ بْنِ نِصاحٍ. وقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَتَوَفّاهُمْ" بِالتاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: "يَتَوَفّاهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "تَوَفّاهُمْ" بِتاءٍ واحِدَةٍ في المَوْضِعَيْنِ. و"طَيِّبِينَ" عِبارَةٌ عن صَلاحِ حالِهِمْ واسْتِعْدادِهِمْ لِلْمَوْتِ، وهَذا بِخِلافٍ ما قالَ في الكَفَرَةِ: "ظالِمِي أنْفُسِهِمْ"، والطَيِّبُ: الَّذِي لا خُبْثَ مَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وقَوْلُ المَلائِكَةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ بِشارَةً مِنَ اللهِ تَعالى، وفي هَذا أحادِيثٌ صِحاحٌ يَطُولُ ذِكْرُها. وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِما كانَ في (p-٣٥٠)أعْمالكم مِن تَكَسُّبِكُمْ، وهَذا عَلى التَجَوُّزِ، عَلَّقَ دُخُولَهُمُ الجَنَّةَ بِأعْمالِهِمْ مِن حَيْثُ جَعَلَ الأعْمالُ أمارَةً لِإدْخالِ العَبْدِ الجَنَّةَ، ويَعْتَرِضُ في هَذا قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أحَدٌ بِعَمَلِهِ"، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولُ اللهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ"،» وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ بِالتَأْوِيلِ إلى مَعْنى الحَدِيثِ، ومِنَ الرَحْمَةِ والتَغَمُّدِ، أنْ يُوَفِّقَ اللهُ العَبْدَ إلى أعْمالٍ بَرَّةٍ، ومَقْصِدُ الحَدِيثِ نَفْيُ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلى اللهِ تَعالى بِالعَقْلِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ فَرِيقٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ.
النحل 16:32
قوله عزّ وجلّ:
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
يُحْتَمَلُ أنْ يَرْتَفِعَ "جَنّاتُ" عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ بِتَقْدِيرِ: هي جَنّاتُ عَدْنٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَرْتَفِعَ بِقَوْلِهِ: "وَلَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ جَنّاتُ عَدْنٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "جَنّاتُ" مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: "يَدْخُلُونَها"، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "جَنّاتَ" بِالنَصْبِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ: "زَيْدًا ضَرَبْتُهُ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَدْخُلُونَها" وقَرَأ إسْماعِيلُ عن نافِعٍ: "يُدْخَلُونَها" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ، ولا يَصِحُّ هَذا عن نافِعٍ، ورُوِيَتْ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ بْنِ نِصاحٍ. وقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَتَوَفّاهُمْ" بِالتاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: "يَتَوَفّاهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "تَوَفّاهُمْ" بِتاءٍ واحِدَةٍ في المَوْضِعَيْنِ. و"طَيِّبِينَ" عِبارَةٌ عن صَلاحِ حالِهِمْ واسْتِعْدادِهِمْ لِلْمَوْتِ، وهَذا بِخِلافٍ ما قالَ في الكَفَرَةِ: "ظالِمِي أنْفُسِهِمْ"، والطَيِّبُ: الَّذِي لا خُبْثَ مَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وقَوْلُ المَلائِكَةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ بِشارَةً مِنَ اللهِ تَعالى، وفي هَذا أحادِيثٌ صِحاحٌ يَطُولُ ذِكْرُها. وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِما كانَ في (p-٣٥٠)أعْمالكم مِن تَكَسُّبِكُمْ، وهَذا عَلى التَجَوُّزِ، عَلَّقَ دُخُولَهُمُ الجَنَّةَ بِأعْمالِهِمْ مِن حَيْثُ جَعَلَ الأعْمالُ أمارَةً لِإدْخالِ العَبْدِ الجَنَّةَ، ويَعْتَرِضُ في هَذا قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أحَدٌ بِعَمَلِهِ"، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولُ اللهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ"،» وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ بِالتَأْوِيلِ إلى مَعْنى الحَدِيثِ، ومِنَ الرَحْمَةِ والتَغَمُّدِ، أنْ يُوَفِّقَ اللهُ العَبْدَ إلى أعْمالٍ بَرَّةٍ، ومَقْصِدُ الحَدِيثِ نَفْيُ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلى اللهِ تَعالى بِالعَقْلِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ فَرِيقٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ.
النحل 16:33
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أو يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾
"يَنْظُرُونَ" مَعْناهُ يَنْتَظِرُونَ، و"نَظَرَ" مَتى كانَتْ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ فَإنَّما تُعَدِّيها العَرَبُ بِإلى، ومَتى لَمْ تَتَعَدَّ بِإلى) فَهو بِمَعْنى انْتَظَرَ، كَما قالَ امْرِؤُ القَيْسَ:
؎ فَإنَّكُما إنْ تَنْظُرانِي ساعَةً ∗∗∗ مِنَ الدَهْرِ تَنْفَعُنِي لَدى أمْ جُنْدُبِ
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، وقَدْ جاءَ شاذًّا نَظَرَتْ بِمَعْنى الرُؤْيَةِ مُتَعَدِّيًا بِغَيْرِ إلى كَقَوْلِ الشاعِرِ:
(p-٣٥١)باهِراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرُ... نَ كَما تَنْظُرُ الأراكَ الظِباءُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَأْتِيَهِمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "يَأْتِيَهِمْ" بِالياءِ، وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ وثّابٍ، وطِلْحَةَ، والأعْمَشِ، ومَعْنى الكَلامِ أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ لِتَقْبِضَ أرْواحَهم ظالِمِي أنْفُسِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿أو يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ وعِيدٌ يَتَضَمَّنُ قِيامَ الساعَةِ أو عَذابَ الدُنْيا. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ هَذا كانَ فِعْلُ أسْلافِهِمْ مِنَ الأُمَمِ، أيْ: فَعُوقِبُوا، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظُلْمًا لِأنَّهُ لَمْ يُوضَعْ ذَلِكَ العِقابُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ وضَعُوا كُفْرَهم في جِهَةِ اللهِ تَعالى، ومَيْلِهِمْ إلى الأصْنامِ والأوثانِ، فَهَذا وضْعُ الشَيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، أيْ: آذَوْها بِنَفْسِ فِعْلِهِمْ وإنْ كانُوا لَمْ يَقْصِدُوا ظُلْمَها ولا إذايَتَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾، أيْ جَزاءُ ذَلِكَ في الدُنْيا والآخِرَةِ. "وَحاقَ" مَعْناهُ نَزَلَ وأحاطَ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ مِنَ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ الآيَةُ جَدَلٌ مِنَ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ أكْثَرَ الكُفّارِ يَعْتَقِدُونَ وُجُودَ اللهِ تَعالى، وأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهُمْ، فَإنَّ كانَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذا الصِنْفِ فَكَأنَّهم قالُوا: يا مُحَمَّدُ، نَحْنُ مِنَ اللهِ بِمَرْأى في عِبادَتِنا الأوثانَ، واتِّخاذِها لِتَنْفَعَ وتُقَرِّبَ زُلْفى، ولَوْ كَرِهَ اللهُ فِعْلَنا لِغَيَّرَهُ مُنْذُ مُدَّةٍ، إمّا بِإهْلاكِنا وإمّا بِهِدايَتِنا. وكانَ مِنَ الكَفّارِ فَرِيقٌ لا يَعْتَقِدُونَ بِوُجُودِ اللهِ، فَإنْ كانَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذا الصِنْفِ فَكَأنَّهم أخَذُوا الحُجَّةَ عَلى النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن قَوْلِهِ، أيْ: إنَّ الرَبَّ الَّذِي تُثْبِتُهُ يا مُحَمَّدُ وهو عَلى ما تَصِفُهُ يَعْلَمُ ويَقْدِرُ، لا شَكَّ أنَّهُ يَعْلَمُ حالَنا، ولَوْ كَرِهَها لِغَيَّرَها. والرَدُّ عَلى هَذَيْنَ الفَرِيقَيْنِ هو في أنَّ اللهَ تَعالى يَنْهى عَنِ الكُفْرِ وقَدْ أرادَهُ بِقَوْمٍ، وإنَّما نَصَبَ الأدِلَّةَ وبَعَثَ الرُسُلَ ويَسَّرَ كُلًّا لِما حُتِمَ عَلَيْهِ، وهَذا الجِدالُ -بَيْنَ أيِّ الصِنْفَيْنِ فَرَضْتُهُ- (p-٣٥٢)لَيْسَ فِيهِ اسْتِهْزاءٌ، لَكِنَّ أبا إسْحاقِ الزُجاجِ قَدْ قالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ عَلى جِهَةِ الهُزْءِ، فَذَهَبَ أبُو إسْحاقٍ -واللهُ أعْلَمُ إلى أنَّ الطائِفَةَ الَّتِي لا تَقُولُ بِالإثْمِ، ثُمَّ أقامَتِ الحُجَّةَ مِن مَذْهَبِ خَصْمِها كَأنَّها مُسْتَهْزِئَةٌ في ذَلِكَ، وهَذا جَدَلٌ مَحْضٌ، والرَدُّ عَلَيْهِ كَما ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ يُشِيرُ إلى ما ذَكَرْناهُ.
وقَوْلُهُ: "وَلا حَرَّمْنا" يُرِيدُونَ البَحِيرَةَ والسائِبَةَ والوَصِيلَةَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا حَرَّمُوهُ، وأخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ هَذِهِ النَزْعَةَ قَدْ سَبَقَهُمُ الأوَّلُونَ مِنَ الكُفّارِ إلَيْها، كَأنَّهُ قالَ: والأمْرُ لَيْسَ عَلى ما ظَنُّوهُ مِن أنَّ اللهَ تَعالى إذا أرادَ الكُفْرَ لا يَأْمُرُ بِتَرْكِهِ، بَلْ قَدْ نَصَبَ اللهُ لِعِبادِهِ الأدِلَّةَ، وأرْسَلَ الرُسُلَ مُنْذِرِينَ، ولَيْسَ عَلَيْهِمْ إلّا البَلاغُ.
النحل 16:34
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أو يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾
"يَنْظُرُونَ" مَعْناهُ يَنْتَظِرُونَ، و"نَظَرَ" مَتى كانَتْ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ فَإنَّما تُعَدِّيها العَرَبُ بِإلى، ومَتى لَمْ تَتَعَدَّ بِإلى) فَهو بِمَعْنى انْتَظَرَ، كَما قالَ امْرِؤُ القَيْسَ:
؎ فَإنَّكُما إنْ تَنْظُرانِي ساعَةً ∗∗∗ مِنَ الدَهْرِ تَنْفَعُنِي لَدى أمْ جُنْدُبِ
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، وقَدْ جاءَ شاذًّا نَظَرَتْ بِمَعْنى الرُؤْيَةِ مُتَعَدِّيًا بِغَيْرِ إلى كَقَوْلِ الشاعِرِ:
(p-٣٥١)باهِراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرُ... نَ كَما تَنْظُرُ الأراكَ الظِباءُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَأْتِيَهِمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "يَأْتِيَهِمْ" بِالياءِ، وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ وثّابٍ، وطِلْحَةَ، والأعْمَشِ، ومَعْنى الكَلامِ أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ لِتَقْبِضَ أرْواحَهم ظالِمِي أنْفُسِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿أو يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ وعِيدٌ يَتَضَمَّنُ قِيامَ الساعَةِ أو عَذابَ الدُنْيا. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ هَذا كانَ فِعْلُ أسْلافِهِمْ مِنَ الأُمَمِ، أيْ: فَعُوقِبُوا، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظُلْمًا لِأنَّهُ لَمْ يُوضَعْ ذَلِكَ العِقابُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ وضَعُوا كُفْرَهم في جِهَةِ اللهِ تَعالى، ومَيْلِهِمْ إلى الأصْنامِ والأوثانِ، فَهَذا وضْعُ الشَيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، أيْ: آذَوْها بِنَفْسِ فِعْلِهِمْ وإنْ كانُوا لَمْ يَقْصِدُوا ظُلْمَها ولا إذايَتَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾، أيْ جَزاءُ ذَلِكَ في الدُنْيا والآخِرَةِ. "وَحاقَ" مَعْناهُ نَزَلَ وأحاطَ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ مِنَ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ الآيَةُ جَدَلٌ مِنَ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ أكْثَرَ الكُفّارِ يَعْتَقِدُونَ وُجُودَ اللهِ تَعالى، وأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهُمْ، فَإنَّ كانَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذا الصِنْفِ فَكَأنَّهم قالُوا: يا مُحَمَّدُ، نَحْنُ مِنَ اللهِ بِمَرْأى في عِبادَتِنا الأوثانَ، واتِّخاذِها لِتَنْفَعَ وتُقَرِّبَ زُلْفى، ولَوْ كَرِهَ اللهُ فِعْلَنا لِغَيَّرَهُ مُنْذُ مُدَّةٍ، إمّا بِإهْلاكِنا وإمّا بِهِدايَتِنا. وكانَ مِنَ الكَفّارِ فَرِيقٌ لا يَعْتَقِدُونَ بِوُجُودِ اللهِ، فَإنْ كانَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذا الصِنْفِ فَكَأنَّهم أخَذُوا الحُجَّةَ عَلى النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن قَوْلِهِ، أيْ: إنَّ الرَبَّ الَّذِي تُثْبِتُهُ يا مُحَمَّدُ وهو عَلى ما تَصِفُهُ يَعْلَمُ ويَقْدِرُ، لا شَكَّ أنَّهُ يَعْلَمُ حالَنا، ولَوْ كَرِهَها لِغَيَّرَها. والرَدُّ عَلى هَذَيْنَ الفَرِيقَيْنِ هو في أنَّ اللهَ تَعالى يَنْهى عَنِ الكُفْرِ وقَدْ أرادَهُ بِقَوْمٍ، وإنَّما نَصَبَ الأدِلَّةَ وبَعَثَ الرُسُلَ ويَسَّرَ كُلًّا لِما حُتِمَ عَلَيْهِ، وهَذا الجِدالُ -بَيْنَ أيِّ الصِنْفَيْنِ فَرَضْتُهُ- (p-٣٥٢)لَيْسَ فِيهِ اسْتِهْزاءٌ، لَكِنَّ أبا إسْحاقِ الزُجاجِ قَدْ قالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ عَلى جِهَةِ الهُزْءِ، فَذَهَبَ أبُو إسْحاقٍ -واللهُ أعْلَمُ إلى أنَّ الطائِفَةَ الَّتِي لا تَقُولُ بِالإثْمِ، ثُمَّ أقامَتِ الحُجَّةَ مِن مَذْهَبِ خَصْمِها كَأنَّها مُسْتَهْزِئَةٌ في ذَلِكَ، وهَذا جَدَلٌ مَحْضٌ، والرَدُّ عَلَيْهِ كَما ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ يُشِيرُ إلى ما ذَكَرْناهُ.
وقَوْلُهُ: "وَلا حَرَّمْنا" يُرِيدُونَ البَحِيرَةَ والسائِبَةَ والوَصِيلَةَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا حَرَّمُوهُ، وأخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ هَذِهِ النَزْعَةَ قَدْ سَبَقَهُمُ الأوَّلُونَ مِنَ الكُفّارِ إلَيْها، كَأنَّهُ قالَ: والأمْرُ لَيْسَ عَلى ما ظَنُّوهُ مِن أنَّ اللهَ تَعالى إذا أرادَ الكُفْرَ لا يَأْمُرُ بِتَرْكِهِ، بَلْ قَدْ نَصَبَ اللهُ لِعِبادِهِ الأدِلَّةَ، وأرْسَلَ الرُسُلَ مُنْذِرِينَ، ولَيْسَ عَلَيْهِمْ إلّا البَلاغُ.
النحل 16:35
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أو يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾
"يَنْظُرُونَ" مَعْناهُ يَنْتَظِرُونَ، و"نَظَرَ" مَتى كانَتْ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ فَإنَّما تُعَدِّيها العَرَبُ بِإلى، ومَتى لَمْ تَتَعَدَّ بِإلى) فَهو بِمَعْنى انْتَظَرَ، كَما قالَ امْرِؤُ القَيْسَ:
؎ فَإنَّكُما إنْ تَنْظُرانِي ساعَةً ∗∗∗ مِنَ الدَهْرِ تَنْفَعُنِي لَدى أمْ جُنْدُبِ
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، وقَدْ جاءَ شاذًّا نَظَرَتْ بِمَعْنى الرُؤْيَةِ مُتَعَدِّيًا بِغَيْرِ إلى كَقَوْلِ الشاعِرِ:
(p-٣٥١)باهِراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرُ... نَ كَما تَنْظُرُ الأراكَ الظِباءُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَأْتِيَهِمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "يَأْتِيَهِمْ" بِالياءِ، وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ وثّابٍ، وطِلْحَةَ، والأعْمَشِ، ومَعْنى الكَلامِ أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ لِتَقْبِضَ أرْواحَهم ظالِمِي أنْفُسِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿أو يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ وعِيدٌ يَتَضَمَّنُ قِيامَ الساعَةِ أو عَذابَ الدُنْيا. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ هَذا كانَ فِعْلُ أسْلافِهِمْ مِنَ الأُمَمِ، أيْ: فَعُوقِبُوا، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظُلْمًا لِأنَّهُ لَمْ يُوضَعْ ذَلِكَ العِقابُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ وضَعُوا كُفْرَهم في جِهَةِ اللهِ تَعالى، ومَيْلِهِمْ إلى الأصْنامِ والأوثانِ، فَهَذا وضْعُ الشَيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، أيْ: آذَوْها بِنَفْسِ فِعْلِهِمْ وإنْ كانُوا لَمْ يَقْصِدُوا ظُلْمَها ولا إذايَتَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾، أيْ جَزاءُ ذَلِكَ في الدُنْيا والآخِرَةِ. "وَحاقَ" مَعْناهُ نَزَلَ وأحاطَ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ مِنَ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ الآيَةُ جَدَلٌ مِنَ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ أكْثَرَ الكُفّارِ يَعْتَقِدُونَ وُجُودَ اللهِ تَعالى، وأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهُمْ، فَإنَّ كانَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذا الصِنْفِ فَكَأنَّهم قالُوا: يا مُحَمَّدُ، نَحْنُ مِنَ اللهِ بِمَرْأى في عِبادَتِنا الأوثانَ، واتِّخاذِها لِتَنْفَعَ وتُقَرِّبَ زُلْفى، ولَوْ كَرِهَ اللهُ فِعْلَنا لِغَيَّرَهُ مُنْذُ مُدَّةٍ، إمّا بِإهْلاكِنا وإمّا بِهِدايَتِنا. وكانَ مِنَ الكَفّارِ فَرِيقٌ لا يَعْتَقِدُونَ بِوُجُودِ اللهِ، فَإنْ كانَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذا الصِنْفِ فَكَأنَّهم أخَذُوا الحُجَّةَ عَلى النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن قَوْلِهِ، أيْ: إنَّ الرَبَّ الَّذِي تُثْبِتُهُ يا مُحَمَّدُ وهو عَلى ما تَصِفُهُ يَعْلَمُ ويَقْدِرُ، لا شَكَّ أنَّهُ يَعْلَمُ حالَنا، ولَوْ كَرِهَها لِغَيَّرَها. والرَدُّ عَلى هَذَيْنَ الفَرِيقَيْنِ هو في أنَّ اللهَ تَعالى يَنْهى عَنِ الكُفْرِ وقَدْ أرادَهُ بِقَوْمٍ، وإنَّما نَصَبَ الأدِلَّةَ وبَعَثَ الرُسُلَ ويَسَّرَ كُلًّا لِما حُتِمَ عَلَيْهِ، وهَذا الجِدالُ -بَيْنَ أيِّ الصِنْفَيْنِ فَرَضْتُهُ- (p-٣٥٢)لَيْسَ فِيهِ اسْتِهْزاءٌ، لَكِنَّ أبا إسْحاقِ الزُجاجِ قَدْ قالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ عَلى جِهَةِ الهُزْءِ، فَذَهَبَ أبُو إسْحاقٍ -واللهُ أعْلَمُ إلى أنَّ الطائِفَةَ الَّتِي لا تَقُولُ بِالإثْمِ، ثُمَّ أقامَتِ الحُجَّةَ مِن مَذْهَبِ خَصْمِها كَأنَّها مُسْتَهْزِئَةٌ في ذَلِكَ، وهَذا جَدَلٌ مَحْضٌ، والرَدُّ عَلَيْهِ كَما ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ يُشِيرُ إلى ما ذَكَرْناهُ.
وقَوْلُهُ: "وَلا حَرَّمْنا" يُرِيدُونَ البَحِيرَةَ والسائِبَةَ والوَصِيلَةَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا حَرَّمُوهُ، وأخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ هَذِهِ النَزْعَةَ قَدْ سَبَقَهُمُ الأوَّلُونَ مِنَ الكُفّارِ إلَيْها، كَأنَّهُ قالَ: والأمْرُ لَيْسَ عَلى ما ظَنُّوهُ مِن أنَّ اللهَ تَعالى إذا أرادَ الكُفْرَ لا يَأْمُرُ بِتَرْكِهِ، بَلْ قَدْ نَصَبَ اللهُ لِعِبادِهِ الأدِلَّةَ، وأرْسَلَ الرُسُلَ مُنْذِرِينَ، ولَيْسَ عَلَيْهِمْ إلّا البَلاغُ.
النحل 16:36
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللهَ واجْتَنِبُوا الطاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللهَ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مَن ناصِرِينَ﴾ ﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
لَمّا أشارَ قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] إلى إقامَةِ الحُجَّةِ حَسَبَ ما ذَكَرْناهُ بَيْنَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ إنَّهُ بَعْثَ الرُسُلِ آمِرًا بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. و"الطاغُوتَ" في اللُغَةِ كُلُّ ما عَبَدَ مِن دُونِ اللهِ مِن آدَمِيٍّ راضٍ بِذَلِكَ أو حَجَرٍ أو خَشَبٍ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مِنهم مَنِ اعْتَبَرَ وهَداهُ اللهُ ونَظَرَ بِبَصِيرَتِهِ، ومِنهم مَن أعْرِضُ وكَفَرَ فَحَقَّتْ عَلَيْهِ الضَلالَةُ، وهي مُؤَدِّيَةٌ إلى النارِ حَتْمًا، ومِنهم مَن أدَّتْهُ إلى عَذابِ اللهِ في الدُنْيا، ثُمَّ أحالَهم في عِلْمِ ذَلِكَ عَلى الطَلَبِ في الأرْضِ، واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَواقِبِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ،.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَحْرِصْ﴾ الآيَةُ، الحِرْصُ: أبْلَغُ الإرادَةِ في الشَيْءِ، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، أيْ أنَّ حِرْصَكَ لا يَنْفَعُ، فَإنَّها أُمُورٌ مَحْتُومَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ، وشِبْلُ، ومُزاحِمُ الخُراسانِيُّ، وأبُو رَجاءٍ العَطارِدِيِّ، وابْنُ سِيرِينِ: "لا يُهْدى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدالِّ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لا يَهْدِي" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ (p-٣٥٣)الدالِّ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وجَماعَةٍ، وذَلِكَ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أيْ أنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن قَضى بِإضْلالِهِ، والمَعْنى الآخَرُ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "يَهْدِي الرَجُلُ" بِمَعْنى "اهْتَدى"، حَكاهُ الفَرّاءُ، وفي القُرْآنِ: ﴿لا يَهِدِّي إلا أنْ يُهْدى﴾ [يونس: ٣٥]، وجَعَلَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ بِمَعْنى "يَهْتَدِي"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدالِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُهْدِي" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدالِّ، وهي ضَعِيفَةٌ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "فَإنَّ اللهَ لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ"، وحَكاها أبُو حاتِمٍ: "فَإنَّهُ لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: "الراجِعُ إلى اسْمِ "إنَّ" مُقَدَّرٌ في "يُضِلُّ" عَلى كُلِّ قِراءَةٍ إلّا قِراءَةَ "يَهْدِي" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الدالِّ، أيْ: يَهْدِي اللهُ، فَإنَّ الراجِعَ مُقَدَّرٌ في "يَهْدِي". وقَوْلُهُ: ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ضَمِيرٌ عَلى مَعْنى "مِن"، وتَقُولُ العَرَبُ: حَرَصَ يَحْرُصُ وحَرَصَ يَحْرِصُ، والكَسْرُ في المُسْتَقْبَلِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِ الراءِ في قَوْلِهِ "حَرَصَ" وقَرَأ إبْراهِيمُ: "وَإنْ تَحْرِصْ" بِزِيادَةِ الواوِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَأقْسَمُوا" لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وذَكَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ جاوَرَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ في حَدِيثِهِ: "لا والَّذِي أرْجُوهُ بَعْدَ المَوْتِ"، فَقالَ لَهُ الكافِرُ: "أو بَعَثَ بَعْدَ المَوْتِ"؟ قالَ: "نَعَمْ"، فَأقْسَمَ الكافِرُ مُجْتَهِدًا في يَمِينِهِ أنَّ اللهَ لا يَبْعَثُ أحَدًا بَعْدَ المَوْتِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، و"جَهْدَ" مَصْدَرٌ، ومَعْناهُ: بِغايَةِ جُهْدِهِمْ، ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: "بَلى" فَأوجَبَ بِذَلِكَ البَعْثَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ، وقَرَأ الضَحاكُ: "بَلى وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ" بِالرَفْعِ في المَصْدَرَيْنِ، (p-٣٥٤)وَأكْثَرُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ، والبَعْثُ مِنَ القُبُورِ مِمّا يُجَوِّزُهُ العَقْلُ، وأثْبَتَهُ خَبَرُ الشَرِيعَةِ عَلى لِسانِ جَمِيعِ النَبِيِّينَ، وقالَ بَعْضُ الشِيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وإنَّ اللهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُنْيا، وهَذا هو القَوْلُ بِالرَجْعَةِ، وقَوْلُهم هَذا باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللهِ، وبُهْتانٌ مِنَ القَوْلِ رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُ.
النحل 16:37
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللهَ واجْتَنِبُوا الطاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللهَ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مَن ناصِرِينَ﴾ ﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
لَمّا أشارَ قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] إلى إقامَةِ الحُجَّةِ حَسَبَ ما ذَكَرْناهُ بَيْنَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ إنَّهُ بَعْثَ الرُسُلِ آمِرًا بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. و"الطاغُوتَ" في اللُغَةِ كُلُّ ما عَبَدَ مِن دُونِ اللهِ مِن آدَمِيٍّ راضٍ بِذَلِكَ أو حَجَرٍ أو خَشَبٍ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مِنهم مَنِ اعْتَبَرَ وهَداهُ اللهُ ونَظَرَ بِبَصِيرَتِهِ، ومِنهم مَن أعْرِضُ وكَفَرَ فَحَقَّتْ عَلَيْهِ الضَلالَةُ، وهي مُؤَدِّيَةٌ إلى النارِ حَتْمًا، ومِنهم مَن أدَّتْهُ إلى عَذابِ اللهِ في الدُنْيا، ثُمَّ أحالَهم في عِلْمِ ذَلِكَ عَلى الطَلَبِ في الأرْضِ، واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَواقِبِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ،.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَحْرِصْ﴾ الآيَةُ، الحِرْصُ: أبْلَغُ الإرادَةِ في الشَيْءِ، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، أيْ أنَّ حِرْصَكَ لا يَنْفَعُ، فَإنَّها أُمُورٌ مَحْتُومَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ، وشِبْلُ، ومُزاحِمُ الخُراسانِيُّ، وأبُو رَجاءٍ العَطارِدِيِّ، وابْنُ سِيرِينِ: "لا يُهْدى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدالِّ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لا يَهْدِي" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ (p-٣٥٣)الدالِّ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وجَماعَةٍ، وذَلِكَ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أيْ أنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن قَضى بِإضْلالِهِ، والمَعْنى الآخَرُ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "يَهْدِي الرَجُلُ" بِمَعْنى "اهْتَدى"، حَكاهُ الفَرّاءُ، وفي القُرْآنِ: ﴿لا يَهِدِّي إلا أنْ يُهْدى﴾ [يونس: ٣٥]، وجَعَلَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ بِمَعْنى "يَهْتَدِي"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدالِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُهْدِي" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدالِّ، وهي ضَعِيفَةٌ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "فَإنَّ اللهَ لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ"، وحَكاها أبُو حاتِمٍ: "فَإنَّهُ لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: "الراجِعُ إلى اسْمِ "إنَّ" مُقَدَّرٌ في "يُضِلُّ" عَلى كُلِّ قِراءَةٍ إلّا قِراءَةَ "يَهْدِي" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الدالِّ، أيْ: يَهْدِي اللهُ، فَإنَّ الراجِعَ مُقَدَّرٌ في "يَهْدِي". وقَوْلُهُ: ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ضَمِيرٌ عَلى مَعْنى "مِن"، وتَقُولُ العَرَبُ: حَرَصَ يَحْرُصُ وحَرَصَ يَحْرِصُ، والكَسْرُ في المُسْتَقْبَلِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِ الراءِ في قَوْلِهِ "حَرَصَ" وقَرَأ إبْراهِيمُ: "وَإنْ تَحْرِصْ" بِزِيادَةِ الواوِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَأقْسَمُوا" لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وذَكَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ جاوَرَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ في حَدِيثِهِ: "لا والَّذِي أرْجُوهُ بَعْدَ المَوْتِ"، فَقالَ لَهُ الكافِرُ: "أو بَعَثَ بَعْدَ المَوْتِ"؟ قالَ: "نَعَمْ"، فَأقْسَمَ الكافِرُ مُجْتَهِدًا في يَمِينِهِ أنَّ اللهَ لا يَبْعَثُ أحَدًا بَعْدَ المَوْتِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، و"جَهْدَ" مَصْدَرٌ، ومَعْناهُ: بِغايَةِ جُهْدِهِمْ، ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: "بَلى" فَأوجَبَ بِذَلِكَ البَعْثَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ، وقَرَأ الضَحاكُ: "بَلى وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ" بِالرَفْعِ في المَصْدَرَيْنِ، (p-٣٥٤)وَأكْثَرُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ، والبَعْثُ مِنَ القُبُورِ مِمّا يُجَوِّزُهُ العَقْلُ، وأثْبَتَهُ خَبَرُ الشَرِيعَةِ عَلى لِسانِ جَمِيعِ النَبِيِّينَ، وقالَ بَعْضُ الشِيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وإنَّ اللهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُنْيا، وهَذا هو القَوْلُ بِالرَجْعَةِ، وقَوْلُهم هَذا باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللهِ، وبُهْتانٌ مِنَ القَوْلِ رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُ.
النحل 16:38
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللهَ واجْتَنِبُوا الطاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللهَ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مَن ناصِرِينَ﴾ ﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
لَمّا أشارَ قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] إلى إقامَةِ الحُجَّةِ حَسَبَ ما ذَكَرْناهُ بَيْنَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ إنَّهُ بَعْثَ الرُسُلِ آمِرًا بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. و"الطاغُوتَ" في اللُغَةِ كُلُّ ما عَبَدَ مِن دُونِ اللهِ مِن آدَمِيٍّ راضٍ بِذَلِكَ أو حَجَرٍ أو خَشَبٍ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مِنهم مَنِ اعْتَبَرَ وهَداهُ اللهُ ونَظَرَ بِبَصِيرَتِهِ، ومِنهم مَن أعْرِضُ وكَفَرَ فَحَقَّتْ عَلَيْهِ الضَلالَةُ، وهي مُؤَدِّيَةٌ إلى النارِ حَتْمًا، ومِنهم مَن أدَّتْهُ إلى عَذابِ اللهِ في الدُنْيا، ثُمَّ أحالَهم في عِلْمِ ذَلِكَ عَلى الطَلَبِ في الأرْضِ، واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَواقِبِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ،.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَحْرِصْ﴾ الآيَةُ، الحِرْصُ: أبْلَغُ الإرادَةِ في الشَيْءِ، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، أيْ أنَّ حِرْصَكَ لا يَنْفَعُ، فَإنَّها أُمُورٌ مَحْتُومَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ، وشِبْلُ، ومُزاحِمُ الخُراسانِيُّ، وأبُو رَجاءٍ العَطارِدِيِّ، وابْنُ سِيرِينِ: "لا يُهْدى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدالِّ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لا يَهْدِي" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ (p-٣٥٣)الدالِّ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وجَماعَةٍ، وذَلِكَ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أيْ أنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن قَضى بِإضْلالِهِ، والمَعْنى الآخَرُ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "يَهْدِي الرَجُلُ" بِمَعْنى "اهْتَدى"، حَكاهُ الفَرّاءُ، وفي القُرْآنِ: ﴿لا يَهِدِّي إلا أنْ يُهْدى﴾ [يونس: ٣٥]، وجَعَلَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ بِمَعْنى "يَهْتَدِي"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدالِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُهْدِي" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدالِّ، وهي ضَعِيفَةٌ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "فَإنَّ اللهَ لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ"، وحَكاها أبُو حاتِمٍ: "فَإنَّهُ لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: "الراجِعُ إلى اسْمِ "إنَّ" مُقَدَّرٌ في "يُضِلُّ" عَلى كُلِّ قِراءَةٍ إلّا قِراءَةَ "يَهْدِي" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الدالِّ، أيْ: يَهْدِي اللهُ، فَإنَّ الراجِعَ مُقَدَّرٌ في "يَهْدِي". وقَوْلُهُ: ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ضَمِيرٌ عَلى مَعْنى "مِن"، وتَقُولُ العَرَبُ: حَرَصَ يَحْرُصُ وحَرَصَ يَحْرِصُ، والكَسْرُ في المُسْتَقْبَلِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِ الراءِ في قَوْلِهِ "حَرَصَ" وقَرَأ إبْراهِيمُ: "وَإنْ تَحْرِصْ" بِزِيادَةِ الواوِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَأقْسَمُوا" لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وذَكَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ جاوَرَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ في حَدِيثِهِ: "لا والَّذِي أرْجُوهُ بَعْدَ المَوْتِ"، فَقالَ لَهُ الكافِرُ: "أو بَعَثَ بَعْدَ المَوْتِ"؟ قالَ: "نَعَمْ"، فَأقْسَمَ الكافِرُ مُجْتَهِدًا في يَمِينِهِ أنَّ اللهَ لا يَبْعَثُ أحَدًا بَعْدَ المَوْتِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، و"جَهْدَ" مَصْدَرٌ، ومَعْناهُ: بِغايَةِ جُهْدِهِمْ، ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: "بَلى" فَأوجَبَ بِذَلِكَ البَعْثَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ، وقَرَأ الضَحاكُ: "بَلى وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ" بِالرَفْعِ في المَصْدَرَيْنِ، (p-٣٥٤)وَأكْثَرُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ، والبَعْثُ مِنَ القُبُورِ مِمّا يُجَوِّزُهُ العَقْلُ، وأثْبَتَهُ خَبَرُ الشَرِيعَةِ عَلى لِسانِ جَمِيعِ النَبِيِّينَ، وقالَ بَعْضُ الشِيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وإنَّ اللهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُنْيا، وهَذا هو القَوْلُ بِالرَجْعَةِ، وقَوْلُهم هَذا باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللهِ، وبُهْتانٌ مِنَ القَوْلِ رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُ.