Lafzullah

Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — النحل 16:110 – الإسراء 17:44

المؤلف / المصدر: Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah

المحتويات
  1. النحل 16:110
  2. النحل 16:111
  3. النحل 16:112
  4. النحل 16:113
  5. النحل 16:114
  6. النحل 16:115
  7. النحل 16:116
  8. النحل 16:117
  9. النحل 16:118
  10. النحل 16:119
  11. النحل 16:120
  12. النحل 16:121
  13. النحل 16:122
  14. النحل 16:123
  15. النحل 16:124
  16. النحل 16:125
  17. النحل 16:126
  18. النحل 16:127
  19. النحل 16:128
  20. الإسراء 17:1
  21. الإسراء 17:2
  22. الإسراء 17:3
  23. الإسراء 17:4
  24. الإسراء 17:5
  25. الإسراء 17:6
  26. الإسراء 17:7
  27. الإسراء 17:8
  28. الإسراء 17:9
  29. الإسراء 17:10
  30. الإسراء 17:11
  31. الإسراء 17:12
  32. الإسراء 17:13
  33. الإسراء 17:14
  34. الإسراء 17:15
  35. الإسراء 17:16
  36. الإسراء 17:17
  37. الإسراء 17:18
  38. الإسراء 17:19
  39. الإسراء 17:20
  40. الإسراء 17:21
  41. الإسراء 17:22
  42. الإسراء 17:23
  43. الإسراء 17:24
  44. الإسراء 17:25
  45. الإسراء 17:26
  46. الإسراء 17:27
  47. الإسراء 17:28
  48. الإسراء 17:29
  49. الإسراء 17:30
  50. الإسراء 17:31
  51. الإسراء 17:32
  52. الإسراء 17:33
  53. الإسراء 17:34
  54. الإسراء 17:35
  55. الإسراء 17:36
  56. الإسراء 17:37
  57. الإسراء 17:38
  58. الإسراء 17:39
  59. الإسراء 17:40
  60. الإسراء 17:41
  61. الإسراء 17:42
  62. الإسراء 17:43
  63. الإسراء 17:44

النحل 16:110

قوله عزّ وجلّ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عن نَفْسِها وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الغَضَبِ والعَذابِ الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، والضَمِيرُ في "أنَّهُمْ" لِمَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، ولَمّا فَعَلُوا فِعْلَ مَنِ اسْتَحَبَّ أُلْزِمُوا ذَلِكَ وإنْ كانُوا غَيْرَ (p-٤١٥)مُصَدِّقِينَ بِالآخِرَةِ، لَكِنَّ الأمْرَ في نَفْسِهِ بَيِّنٌ، فَمِن حَيْثُ أعْرَضُوا عَنِ النَظَرِ فِيهِ كانُوا كَمَنِ اسْتَحَبَّ غَيْرَهُ، وهَذِهِ الآيَةُ عَلَّقَ فِيها العِقابَ بِتَكَسُّبِهِمْ وذَلِكَ أنَّ اسْتِحْبابَهم زِينَةَ الدُنْيا ولَذّاتِ الكُفْرِ هو التَكَسُّبُ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى اخْتِراعِ اللهِ تَعالى الكُفْرَ في قُلُوبِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ كُفْرَ الكافِرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ العِقابُ إنَّما هو بِاخْتِراعٍ مِنَ اللهِ تَعالى وتَكَسُّبٍ مِنَ الكافِرِ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وعَلى هَذا مَرَّتْ عَقِيدَةُ أهْلِ السُنَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ عُمُومٌ عَلى أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ مِن حَيْثُ هم كُفّارٌ في نَفْسِ كُفْرِهِمْ، أو عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ فِيمَن يُوافِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ الآيَةُ، عِبارَةٌ عن صَرْفِ اللهِ لَهم عن طَرِيقِ الهُدى، واخْتِراعِ الكَفْرِ المُظْلِمِ في قُلُوبِهِمْ، وتَغْلِيبِ الإعْراضِ عَلى نَظَرِهِمْ، فَكَأنَّهُ سَدَّ بِذَلِكَ طُرُقَ هَذِهِ الحَواسِّ حَتّى لا يُنْتَفَعَ بِها في اعْتِبارٍ وتَأمُّلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ وذِكْرُ الِاخْتِلافِ في الطَبْعِ والخَتْمِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهَلْ هو حَقِيقَةٌ أو مَجازٌ. و"السَمْعُ": اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَصْدَرٌ في الأصْلِ، فَلِذَلِكَ وحَّدَ، ونَبَّهَ عَلى تَكَسُّبِهِمُ الإعْراضَ عَنِ النَظَرِ فَوَصَفَهم بِالغَفْلَةِ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ "لا جَرَمَ" في هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ الآيَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا، وكانُوا يَسْتَخِفُّونَ بِالإسْلامِ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَهُمْ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفِرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: وكُتِبَ بِها إلى مَن بَقِيَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، وأنْ لا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ﴾ [البقرة: ٨] إلى آخَرَ الآيَةِ، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا ويَئِسُوا مِن (p-٤١٦)كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: جاءَتِ الرِوايَةُ هَكَذا أنَّهم بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ خَرَجُوا، فَيَجِيءُ الجِهادُ الَّذِي ذُكِرَ في الآيَةِ جِهادُهم مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلى الإسْلامِ، ورَوَتْ طائِفَةٌ أنَّهم خَرَجُوا واتَّبَعُوا وجاهَدُوا مُتَّبِعِيهِمْ، فَقُتِلَ مَن قُتِلَ، ونَجا مَن نَجا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ حِينَئِذٍ، فَمَعْنى بِالجِهادِ المَذْكُورِ جِهادُهم لِمُتَّبِعِيهِمْ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وعِياشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذِكْرُ عَمّارٍ في هَذا عِنْدِي غَيْرُ قَوِيمٍ، فَإنَّهُ أرْفَعُ مِن طَبَقَةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما هَؤُلاءِ مَن تابَ مِمَّنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، فَتَحَ اللهُ لَهم بابَ التَوْبَةِ في آخِرِ الآيَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ، والحُسْنُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ وأشْباهِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ الشَيْطانُ. وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، ولا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا، وإنْ وُجِدَ فَهو ضَعِيفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا" بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ بِفَتْحِها، فَإنْ كانَ الضَمِيرُ لِلْمُعَذَّبِينَ فَيَجِيءُ بِمَعْنى: فَتَنُوا أنْفُسَهم بِما أعْطَوْا لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ القَوْلِ، كَما فَعَلَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَإنْ كانَ الضَمِيرُ لِلْمُعَذَّبِينَ فَهو بِمَعْنى: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ المُشْرِكُونَ، وإنْ كانَ الضَمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ فَهو بِمَعْنى: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ الشَيْطانُ. والضَمِيرُ في "بَعْدِها" عائِدٌ عَلى الفِتْنَةِ، أو عَلى الفَعْلَةِ، أوِ الهِجْرَةِ، أوِ التَوْبَةِ، والكَلامُ يُعْطِيها، وإنْ لَمْ يَجُرْ لَها ذَكْرٌ صَرِيحٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ﴾، المَعْنى: لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يَوْمَ، وقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ: "كُلُّ ذِي نَفْسٍ". ثُمَّ أجْرِي الفِعْلَ عَلى المُضافِ إلَيْهِ المَذْكُورِ فَأنَّثَ (p-٤١٧)العَلامَةَ، و"نَفْسٍ" الأولى هي النَفْسُ المَعْرُوفَةُ، والثانِيَةُ هي بِمَعْنى الذاتِ، كَما تَقُولُ: نَفْسُ الشَيْءِ وعَيْنُهُ، أيْ ذاتُهُ. ﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ: تُجازى، كُلُّ مَن أحْسَنَ بِإحْسانِهِ، وكُلُّ مَن أساءَ بِإساءَتِهِ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تُجادِلُ، مُؤْمِنَةً كانَتْ أو كافِرَةً، فَإذا جادَلَ الكَفّارُ بِكَذِبِهِمْ وجَحْدِهِمْ لِلْكُفْرِ شَهِدَتْ عَلَيْهِمُ الجَوارِحُ والرُسُلُ وغَيْرَ ذَلِكَ بِحَسْبِ الطَوائِفِ، فَحِينَئِذٍ لا يَنْطِقُونَ، ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، فَتَجْتَمِعُ آياتُ القُرْآنِ بِاخْتِلافِ المُواطِنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُ كُلِّ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ: نَفْسِي نَفْسِي، وهَذا لَيْسَ بِجِدالٍ ولا احْتِجاجٍ، إنَّما هو مُجَرَّدُ رَغْبَةٍ.

النحل 16:111

قوله عزّ وجلّ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عن نَفْسِها وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الغَضَبِ والعَذابِ الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، والضَمِيرُ في "أنَّهُمْ" لِمَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، ولَمّا فَعَلُوا فِعْلَ مَنِ اسْتَحَبَّ أُلْزِمُوا ذَلِكَ وإنْ كانُوا غَيْرَ (p-٤١٥)مُصَدِّقِينَ بِالآخِرَةِ، لَكِنَّ الأمْرَ في نَفْسِهِ بَيِّنٌ، فَمِن حَيْثُ أعْرَضُوا عَنِ النَظَرِ فِيهِ كانُوا كَمَنِ اسْتَحَبَّ غَيْرَهُ، وهَذِهِ الآيَةُ عَلَّقَ فِيها العِقابَ بِتَكَسُّبِهِمْ وذَلِكَ أنَّ اسْتِحْبابَهم زِينَةَ الدُنْيا ولَذّاتِ الكُفْرِ هو التَكَسُّبُ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى اخْتِراعِ اللهِ تَعالى الكُفْرَ في قُلُوبِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ كُفْرَ الكافِرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ العِقابُ إنَّما هو بِاخْتِراعٍ مِنَ اللهِ تَعالى وتَكَسُّبٍ مِنَ الكافِرِ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وعَلى هَذا مَرَّتْ عَقِيدَةُ أهْلِ السُنَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ عُمُومٌ عَلى أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ مِن حَيْثُ هم كُفّارٌ في نَفْسِ كُفْرِهِمْ، أو عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ فِيمَن يُوافِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ الآيَةُ، عِبارَةٌ عن صَرْفِ اللهِ لَهم عن طَرِيقِ الهُدى، واخْتِراعِ الكَفْرِ المُظْلِمِ في قُلُوبِهِمْ، وتَغْلِيبِ الإعْراضِ عَلى نَظَرِهِمْ، فَكَأنَّهُ سَدَّ بِذَلِكَ طُرُقَ هَذِهِ الحَواسِّ حَتّى لا يُنْتَفَعَ بِها في اعْتِبارٍ وتَأمُّلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ وذِكْرُ الِاخْتِلافِ في الطَبْعِ والخَتْمِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهَلْ هو حَقِيقَةٌ أو مَجازٌ. و"السَمْعُ": اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَصْدَرٌ في الأصْلِ، فَلِذَلِكَ وحَّدَ، ونَبَّهَ عَلى تَكَسُّبِهِمُ الإعْراضَ عَنِ النَظَرِ فَوَصَفَهم بِالغَفْلَةِ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ "لا جَرَمَ" في هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ الآيَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا، وكانُوا يَسْتَخِفُّونَ بِالإسْلامِ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَهُمْ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفِرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: وكُتِبَ بِها إلى مَن بَقِيَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، وأنْ لا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ﴾ [البقرة: ٨] إلى آخَرَ الآيَةِ، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا ويَئِسُوا مِن (p-٤١٦)كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: جاءَتِ الرِوايَةُ هَكَذا أنَّهم بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ خَرَجُوا، فَيَجِيءُ الجِهادُ الَّذِي ذُكِرَ في الآيَةِ جِهادُهم مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلى الإسْلامِ، ورَوَتْ طائِفَةٌ أنَّهم خَرَجُوا واتَّبَعُوا وجاهَدُوا مُتَّبِعِيهِمْ، فَقُتِلَ مَن قُتِلَ، ونَجا مَن نَجا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ حِينَئِذٍ، فَمَعْنى بِالجِهادِ المَذْكُورِ جِهادُهم لِمُتَّبِعِيهِمْ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وعِياشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذِكْرُ عَمّارٍ في هَذا عِنْدِي غَيْرُ قَوِيمٍ، فَإنَّهُ أرْفَعُ مِن طَبَقَةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما هَؤُلاءِ مَن تابَ مِمَّنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، فَتَحَ اللهُ لَهم بابَ التَوْبَةِ في آخِرِ الآيَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ، والحُسْنُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ وأشْباهِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ الشَيْطانُ. وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، ولا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا، وإنْ وُجِدَ فَهو ضَعِيفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا" بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ بِفَتْحِها، فَإنْ كانَ الضَمِيرُ لِلْمُعَذَّبِينَ فَيَجِيءُ بِمَعْنى: فَتَنُوا أنْفُسَهم بِما أعْطَوْا لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ القَوْلِ، كَما فَعَلَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَإنْ كانَ الضَمِيرُ لِلْمُعَذَّبِينَ فَهو بِمَعْنى: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ المُشْرِكُونَ، وإنْ كانَ الضَمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ فَهو بِمَعْنى: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ الشَيْطانُ. والضَمِيرُ في "بَعْدِها" عائِدٌ عَلى الفِتْنَةِ، أو عَلى الفَعْلَةِ، أوِ الهِجْرَةِ، أوِ التَوْبَةِ، والكَلامُ يُعْطِيها، وإنْ لَمْ يَجُرْ لَها ذَكْرٌ صَرِيحٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ﴾، المَعْنى: لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يَوْمَ، وقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ: "كُلُّ ذِي نَفْسٍ". ثُمَّ أجْرِي الفِعْلَ عَلى المُضافِ إلَيْهِ المَذْكُورِ فَأنَّثَ (p-٤١٧)العَلامَةَ، و"نَفْسٍ" الأولى هي النَفْسُ المَعْرُوفَةُ، والثانِيَةُ هي بِمَعْنى الذاتِ، كَما تَقُولُ: نَفْسُ الشَيْءِ وعَيْنُهُ، أيْ ذاتُهُ. ﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ: تُجازى، كُلُّ مَن أحْسَنَ بِإحْسانِهِ، وكُلُّ مَن أساءَ بِإساءَتِهِ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تُجادِلُ، مُؤْمِنَةً كانَتْ أو كافِرَةً، فَإذا جادَلَ الكَفّارُ بِكَذِبِهِمْ وجَحْدِهِمْ لِلْكُفْرِ شَهِدَتْ عَلَيْهِمُ الجَوارِحُ والرُسُلُ وغَيْرَ ذَلِكَ بِحَسْبِ الطَوائِفِ، فَحِينَئِذٍ لا يَنْطِقُونَ، ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، فَتَجْتَمِعُ آياتُ القُرْآنِ بِاخْتِلافِ المُواطِنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُ كُلِّ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ: نَفْسِي نَفْسِي، وهَذا لَيْسَ بِجِدالٍ ولا احْتِجاجٍ، إنَّما هو مُجَرَّدُ رَغْبَةٍ.

النحل 16:112

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللهُ فَأذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهُ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ: القَرْيَةُ المَضْرُوبُ بِها المَثَلَ مَكَّةُ، كانَتْ بِهَذِهِ الصِفَةِ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ؛ لَأنَّها كانَتْ لا تُغْزى ولا يُغِيرُ عَلَيْها أحَدٌ، وكانَتِ الأرْزاقُ تُجْلَبُ إلَيْها، وأنْعَمَ اللهُ عَلَيْها بِرَسُولِهِ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُرادُ بِهَذِهِ الضَمائِرِ كُلِّها أهْلُ القَرْيَةِ فَكَفَرُوا بِأنْعُمِ اللهِ في ذَلِكَ وفي جُمْلَةِ الشَرْعِ والهِدايَةِ، فَأصابَتْهُمُ السِنُونَ والخَوْفُ وسائِرُ سَرايا رَسُولِ اللهِ ﷺ وغَزَواتِهِ، هَذا إنْ كانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةٌ فَجُوعُ السِنِينَ وخَوْفُ العَذابِ مِنَ اللهِ بِحَسْبِ التَكْذِيبِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ كانَتْ هي الَّتِي ضُرِبَتْ مَثَلًا فَإنَّما ضُرِبَتْ لِغَيْرِها مِمّا يَأْتِي بَعْدَها لِيَحْذَرَ أنْ يَقَعَ فِيما وقَعَتْ هي فِيهِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن حَفْصَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها كانَتْ تَسْألُ في وقْتِ حَصْرِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما صَنَعَ الناسُ؟ وهي صادِرَةٌ مِنَ (p-٤١٨)الحَجِّ مِن مَكَّةَ، فَقِيلَ لَها: قُتِلَ، فَقالَتْ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها القَرْيَةُ -تَعْنِي المَدِينَةَ- الَّتِي قالَ اللهُ فِيها: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا﴾ الآيَةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَأدْخَلَ الطَبَرِيُّ هَذا عَلى أنَّ حَفْصَةَ قالَتْ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المَدِينَةِ وإنَّها هي الَّتِي ضُرِبَتْ مَثَلًا، والأمْرُ عِنْدِي لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما أرادَتْ أنَّ المَدِينَةَ قَدْ حَصَلَتْ في مَحْذُورِ المَثَلِ، وحَلَّ بِها ما حَلَّ بِالَّتِي جُعِلَتْ مَثَلًا، وكَذَلِكَ يَتَوَجَّهُ عِنْدِي في الآيَةِ أنَّها قُصِدَ بِها قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ جُعِلَتْ مَثَلًا، لَكِنَّهُ عَلى مَعْنى التَحْذِيرِ لِأهْلِها ولِغَيْرِها مِنَ القُرى إلى يَوْمِ القِيامَةِ. و"رَغَدًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، و"أنْعُمِ" جَمْعُ نِعْمَةٍ، كَشِدَّةٍ وأشُدٍّ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ قُطْرُبٌ: أنْعُمٌ: جَمْعُ نُعْمٍ، وهي بِمَعْنى النَعِيمِ، يُقالُ: هَذِهِ أيّامُ نُعْمٍ وطُعْمٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ اسْتِعاراتٌ، أيْ: لَمّا باشَرَهم ذَلِكَ صارَ كاللِباسِ، وهَذا كَقَوْلِ الأعْشى: ؎ إذا ما الضَجِيعُ ثَنى جِيدَها ∗∗∗ تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَصارَتْ لِباسًا ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٤١٩) ؎ وقَدْ لَبِسَتْ بَعْدَ الزُبَيْرِ مُجاشِعٌ ∗∗∗ ∗∗∗ ثِيابَ الَّتِي حاضَتْ ولَمْ تَغْسِلِ الدَمّا كَأنَّ العارَ لَمّا باشَرَهم وأُلْصِقَ بِهِمْ جَعَلَهم لَبِسُوهُ.قَوْلُهُ: "أذاقَها" نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، ونَظِيرَ قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ دُونَكَ ما جَنَيْتَهُ فاخْشَ وذُقْ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "والخَوْفِ" عَطَفًا عَلى "الجُوعِ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عنهُ-: "والخَوْفَ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ "لِباسَ"، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لِباسَ الخَوْفِ والجُوعِ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَأذاقَها اللهُ الخَوْفَ والجُوعَ" ولا يُذْكَرُ "لِباسَ". (p-٤٢٠)والضَمِيرُ في "جاءَهُمْ" لِأهْلِ مَكَّةَ، والرَسُولِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، و"العَذابُ": الجُوعُ وأمْرُ بَدْرٍ ونَحْوَ ذَلِكَ إنْ كانَ التَمْثِيلُ بِمَكَّةَ وكانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةً فَهو الجُوعُ فَقَطْ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّهُ القَتْلُ بِبَدْرٍ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وإنْ كانَ التَمْثِيلُ بِمَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "جاءَهُمْ" لِأهْلِ تِلْكَ المَدِينَةِ، ويَكُونُ هَذا مِمّا جَرى فِيها كَمَدِينَةِ شُعَيْبٍ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ المَذْكُورُ لِأهْلِ مَكَّةَ، فَتَأمَّلَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ الآيَةُ، هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ ومَعْنى حُكْمٍ، والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَكُلُوا" لِصِلَةِ الكَلامِ واتِّساقِ الجُمَلِ، خَرَجَ مِن ذِكْرِ الكافِرِينَ والمَثَلَ عَلَيْهِمْ إلى أمْرِ المُؤْمِنِينَ بِشَرْعٍ ما فَوَصَلَ الكَلامَ بِالفاءِ، ولَيْسَتِ المَعانِي مُوصَلَةً. هَذا قَوْلٌ، والَّذِي عِنْدِي أنَّ الكَلامَ مُتَّصِلُ المَعْنى، أيْ: وأنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ لَسْتُمْ كَهَذِهِ القَرْيَةِ، فَكُلُوا واشْكُرُوا اللهَ عَلى تَبايُنِ حالِكم مِن حالِ الكَفَرَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ هي بِسَبَبِ أنَّ الكُفّارَ كانُوا قَدْ سَنُّوا في الأنْعامِ سُنَنًا، وأحَلُّوا بَعْضًا وحَرَّمُوا بَعْضًا، فَأمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأكْلِ جَمِيعِ الأنْعامِ الَّتِي رَزَقَها اللهُ عِبادَهُ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ: "طَيِّبًا"، والصَحِيحُ أنَّهُ "مُسْتَلَذًّا" بَعْدَ قَوْلِهِ: "حَلالًا"، ووَقَعَ النَصُّ في هَذا عَلى المُسْتَلَذِّ إذْ فِيهِ ظُهُورُ النِعْمَةِ، وهو عِظَمُ النِعَمِ، وإنْ كانَ الحَلالُ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُسْتَلَذٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الطَيِّبُ بِمَعْنى الحَلالِ، وكَرَّرَهُ مُبالِغَةً وتَوْكِيدًا، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ إقامَةٌ لِلنُّفُوسِ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: إنْ كُنْتَ مِنَ الرِجالِ فافْعَلْ كَذا، عَلى مَعْنى إقامَةِ نَفْسِهِ، ورَوى الطَبَرِيُّ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خِطابًا لِلْكُفّارِ عن طَعامٍ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعَثَهُ إلَيْهِمْ في جُوعِهِمْ، وأنْحى الطَبَرِيُّ عَلى هَذا القَوْلِ، وكَذَلِكَ هو فاسِدٌ مِن غَيْرِ وجْهٍ.

النحل 16:113

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللهُ فَأذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهُ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ: القَرْيَةُ المَضْرُوبُ بِها المَثَلَ مَكَّةُ، كانَتْ بِهَذِهِ الصِفَةِ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ؛ لَأنَّها كانَتْ لا تُغْزى ولا يُغِيرُ عَلَيْها أحَدٌ، وكانَتِ الأرْزاقُ تُجْلَبُ إلَيْها، وأنْعَمَ اللهُ عَلَيْها بِرَسُولِهِ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُرادُ بِهَذِهِ الضَمائِرِ كُلِّها أهْلُ القَرْيَةِ فَكَفَرُوا بِأنْعُمِ اللهِ في ذَلِكَ وفي جُمْلَةِ الشَرْعِ والهِدايَةِ، فَأصابَتْهُمُ السِنُونَ والخَوْفُ وسائِرُ سَرايا رَسُولِ اللهِ ﷺ وغَزَواتِهِ، هَذا إنْ كانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةٌ فَجُوعُ السِنِينَ وخَوْفُ العَذابِ مِنَ اللهِ بِحَسْبِ التَكْذِيبِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ كانَتْ هي الَّتِي ضُرِبَتْ مَثَلًا فَإنَّما ضُرِبَتْ لِغَيْرِها مِمّا يَأْتِي بَعْدَها لِيَحْذَرَ أنْ يَقَعَ فِيما وقَعَتْ هي فِيهِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن حَفْصَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها كانَتْ تَسْألُ في وقْتِ حَصْرِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما صَنَعَ الناسُ؟ وهي صادِرَةٌ مِنَ (p-٤١٨)الحَجِّ مِن مَكَّةَ، فَقِيلَ لَها: قُتِلَ، فَقالَتْ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها القَرْيَةُ -تَعْنِي المَدِينَةَ- الَّتِي قالَ اللهُ فِيها: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا﴾ الآيَةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَأدْخَلَ الطَبَرِيُّ هَذا عَلى أنَّ حَفْصَةَ قالَتْ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المَدِينَةِ وإنَّها هي الَّتِي ضُرِبَتْ مَثَلًا، والأمْرُ عِنْدِي لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما أرادَتْ أنَّ المَدِينَةَ قَدْ حَصَلَتْ في مَحْذُورِ المَثَلِ، وحَلَّ بِها ما حَلَّ بِالَّتِي جُعِلَتْ مَثَلًا، وكَذَلِكَ يَتَوَجَّهُ عِنْدِي في الآيَةِ أنَّها قُصِدَ بِها قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ جُعِلَتْ مَثَلًا، لَكِنَّهُ عَلى مَعْنى التَحْذِيرِ لِأهْلِها ولِغَيْرِها مِنَ القُرى إلى يَوْمِ القِيامَةِ. و"رَغَدًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، و"أنْعُمِ" جَمْعُ نِعْمَةٍ، كَشِدَّةٍ وأشُدٍّ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ قُطْرُبٌ: أنْعُمٌ: جَمْعُ نُعْمٍ، وهي بِمَعْنى النَعِيمِ، يُقالُ: هَذِهِ أيّامُ نُعْمٍ وطُعْمٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ اسْتِعاراتٌ، أيْ: لَمّا باشَرَهم ذَلِكَ صارَ كاللِباسِ، وهَذا كَقَوْلِ الأعْشى: ؎ إذا ما الضَجِيعُ ثَنى جِيدَها ∗∗∗ تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَصارَتْ لِباسًا ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٤١٩) ؎ وقَدْ لَبِسَتْ بَعْدَ الزُبَيْرِ مُجاشِعٌ ∗∗∗ ∗∗∗ ثِيابَ الَّتِي حاضَتْ ولَمْ تَغْسِلِ الدَمّا كَأنَّ العارَ لَمّا باشَرَهم وأُلْصِقَ بِهِمْ جَعَلَهم لَبِسُوهُ.قَوْلُهُ: "أذاقَها" نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، ونَظِيرَ قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ دُونَكَ ما جَنَيْتَهُ فاخْشَ وذُقْ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "والخَوْفِ" عَطَفًا عَلى "الجُوعِ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عنهُ-: "والخَوْفَ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ "لِباسَ"، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لِباسَ الخَوْفِ والجُوعِ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَأذاقَها اللهُ الخَوْفَ والجُوعَ" ولا يُذْكَرُ "لِباسَ". (p-٤٢٠)والضَمِيرُ في "جاءَهُمْ" لِأهْلِ مَكَّةَ، والرَسُولِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، و"العَذابُ": الجُوعُ وأمْرُ بَدْرٍ ونَحْوَ ذَلِكَ إنْ كانَ التَمْثِيلُ بِمَكَّةَ وكانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةً فَهو الجُوعُ فَقَطْ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّهُ القَتْلُ بِبَدْرٍ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وإنْ كانَ التَمْثِيلُ بِمَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "جاءَهُمْ" لِأهْلِ تِلْكَ المَدِينَةِ، ويَكُونُ هَذا مِمّا جَرى فِيها كَمَدِينَةِ شُعَيْبٍ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ المَذْكُورُ لِأهْلِ مَكَّةَ، فَتَأمَّلَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ الآيَةُ، هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ ومَعْنى حُكْمٍ، والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَكُلُوا" لِصِلَةِ الكَلامِ واتِّساقِ الجُمَلِ، خَرَجَ مِن ذِكْرِ الكافِرِينَ والمَثَلَ عَلَيْهِمْ إلى أمْرِ المُؤْمِنِينَ بِشَرْعٍ ما فَوَصَلَ الكَلامَ بِالفاءِ، ولَيْسَتِ المَعانِي مُوصَلَةً. هَذا قَوْلٌ، والَّذِي عِنْدِي أنَّ الكَلامَ مُتَّصِلُ المَعْنى، أيْ: وأنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ لَسْتُمْ كَهَذِهِ القَرْيَةِ، فَكُلُوا واشْكُرُوا اللهَ عَلى تَبايُنِ حالِكم مِن حالِ الكَفَرَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ هي بِسَبَبِ أنَّ الكُفّارَ كانُوا قَدْ سَنُّوا في الأنْعامِ سُنَنًا، وأحَلُّوا بَعْضًا وحَرَّمُوا بَعْضًا، فَأمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأكْلِ جَمِيعِ الأنْعامِ الَّتِي رَزَقَها اللهُ عِبادَهُ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ: "طَيِّبًا"، والصَحِيحُ أنَّهُ "مُسْتَلَذًّا" بَعْدَ قَوْلِهِ: "حَلالًا"، ووَقَعَ النَصُّ في هَذا عَلى المُسْتَلَذِّ إذْ فِيهِ ظُهُورُ النِعْمَةِ، وهو عِظَمُ النِعَمِ، وإنْ كانَ الحَلالُ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُسْتَلَذٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الطَيِّبُ بِمَعْنى الحَلالِ، وكَرَّرَهُ مُبالِغَةً وتَوْكِيدًا، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ إقامَةٌ لِلنُّفُوسِ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: إنْ كُنْتَ مِنَ الرِجالِ فافْعَلْ كَذا، عَلى مَعْنى إقامَةِ نَفْسِهِ، ورَوى الطَبَرِيُّ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خِطابًا لِلْكُفّارِ عن طَعامٍ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعَثَهُ إلَيْهِمْ في جُوعِهِمْ، وأنْحى الطَبَرِيُّ عَلى هَذا القَوْلِ، وكَذَلِكَ هو فاسِدٌ مِن غَيْرِ وجْهٍ.

النحل 16:114

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللهُ فَأذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهُ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ: القَرْيَةُ المَضْرُوبُ بِها المَثَلَ مَكَّةُ، كانَتْ بِهَذِهِ الصِفَةِ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ؛ لَأنَّها كانَتْ لا تُغْزى ولا يُغِيرُ عَلَيْها أحَدٌ، وكانَتِ الأرْزاقُ تُجْلَبُ إلَيْها، وأنْعَمَ اللهُ عَلَيْها بِرَسُولِهِ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُرادُ بِهَذِهِ الضَمائِرِ كُلِّها أهْلُ القَرْيَةِ فَكَفَرُوا بِأنْعُمِ اللهِ في ذَلِكَ وفي جُمْلَةِ الشَرْعِ والهِدايَةِ، فَأصابَتْهُمُ السِنُونَ والخَوْفُ وسائِرُ سَرايا رَسُولِ اللهِ ﷺ وغَزَواتِهِ، هَذا إنْ كانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةٌ فَجُوعُ السِنِينَ وخَوْفُ العَذابِ مِنَ اللهِ بِحَسْبِ التَكْذِيبِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ كانَتْ هي الَّتِي ضُرِبَتْ مَثَلًا فَإنَّما ضُرِبَتْ لِغَيْرِها مِمّا يَأْتِي بَعْدَها لِيَحْذَرَ أنْ يَقَعَ فِيما وقَعَتْ هي فِيهِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن حَفْصَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها كانَتْ تَسْألُ في وقْتِ حَصْرِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما صَنَعَ الناسُ؟ وهي صادِرَةٌ مِنَ (p-٤١٨)الحَجِّ مِن مَكَّةَ، فَقِيلَ لَها: قُتِلَ، فَقالَتْ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها القَرْيَةُ -تَعْنِي المَدِينَةَ- الَّتِي قالَ اللهُ فِيها: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا﴾ الآيَةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَأدْخَلَ الطَبَرِيُّ هَذا عَلى أنَّ حَفْصَةَ قالَتْ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المَدِينَةِ وإنَّها هي الَّتِي ضُرِبَتْ مَثَلًا، والأمْرُ عِنْدِي لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما أرادَتْ أنَّ المَدِينَةَ قَدْ حَصَلَتْ في مَحْذُورِ المَثَلِ، وحَلَّ بِها ما حَلَّ بِالَّتِي جُعِلَتْ مَثَلًا، وكَذَلِكَ يَتَوَجَّهُ عِنْدِي في الآيَةِ أنَّها قُصِدَ بِها قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ جُعِلَتْ مَثَلًا، لَكِنَّهُ عَلى مَعْنى التَحْذِيرِ لِأهْلِها ولِغَيْرِها مِنَ القُرى إلى يَوْمِ القِيامَةِ. و"رَغَدًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، و"أنْعُمِ" جَمْعُ نِعْمَةٍ، كَشِدَّةٍ وأشُدٍّ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ قُطْرُبٌ: أنْعُمٌ: جَمْعُ نُعْمٍ، وهي بِمَعْنى النَعِيمِ، يُقالُ: هَذِهِ أيّامُ نُعْمٍ وطُعْمٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ اسْتِعاراتٌ، أيْ: لَمّا باشَرَهم ذَلِكَ صارَ كاللِباسِ، وهَذا كَقَوْلِ الأعْشى: ؎ إذا ما الضَجِيعُ ثَنى جِيدَها ∗∗∗ تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَصارَتْ لِباسًا ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٤١٩) ؎ وقَدْ لَبِسَتْ بَعْدَ الزُبَيْرِ مُجاشِعٌ ∗∗∗ ∗∗∗ ثِيابَ الَّتِي حاضَتْ ولَمْ تَغْسِلِ الدَمّا كَأنَّ العارَ لَمّا باشَرَهم وأُلْصِقَ بِهِمْ جَعَلَهم لَبِسُوهُ.قَوْلُهُ: "أذاقَها" نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، ونَظِيرَ قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ دُونَكَ ما جَنَيْتَهُ فاخْشَ وذُقْ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "والخَوْفِ" عَطَفًا عَلى "الجُوعِ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عنهُ-: "والخَوْفَ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ "لِباسَ"، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لِباسَ الخَوْفِ والجُوعِ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَأذاقَها اللهُ الخَوْفَ والجُوعَ" ولا يُذْكَرُ "لِباسَ". (p-٤٢٠)والضَمِيرُ في "جاءَهُمْ" لِأهْلِ مَكَّةَ، والرَسُولِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، و"العَذابُ": الجُوعُ وأمْرُ بَدْرٍ ونَحْوَ ذَلِكَ إنْ كانَ التَمْثِيلُ بِمَكَّةَ وكانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةً فَهو الجُوعُ فَقَطْ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّهُ القَتْلُ بِبَدْرٍ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وإنْ كانَ التَمْثِيلُ بِمَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "جاءَهُمْ" لِأهْلِ تِلْكَ المَدِينَةِ، ويَكُونُ هَذا مِمّا جَرى فِيها كَمَدِينَةِ شُعَيْبٍ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ المَذْكُورُ لِأهْلِ مَكَّةَ، فَتَأمَّلَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ الآيَةُ، هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ ومَعْنى حُكْمٍ، والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَكُلُوا" لِصِلَةِ الكَلامِ واتِّساقِ الجُمَلِ، خَرَجَ مِن ذِكْرِ الكافِرِينَ والمَثَلَ عَلَيْهِمْ إلى أمْرِ المُؤْمِنِينَ بِشَرْعٍ ما فَوَصَلَ الكَلامَ بِالفاءِ، ولَيْسَتِ المَعانِي مُوصَلَةً. هَذا قَوْلٌ، والَّذِي عِنْدِي أنَّ الكَلامَ مُتَّصِلُ المَعْنى، أيْ: وأنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ لَسْتُمْ كَهَذِهِ القَرْيَةِ، فَكُلُوا واشْكُرُوا اللهَ عَلى تَبايُنِ حالِكم مِن حالِ الكَفَرَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ هي بِسَبَبِ أنَّ الكُفّارَ كانُوا قَدْ سَنُّوا في الأنْعامِ سُنَنًا، وأحَلُّوا بَعْضًا وحَرَّمُوا بَعْضًا، فَأمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأكْلِ جَمِيعِ الأنْعامِ الَّتِي رَزَقَها اللهُ عِبادَهُ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ: "طَيِّبًا"، والصَحِيحُ أنَّهُ "مُسْتَلَذًّا" بَعْدَ قَوْلِهِ: "حَلالًا"، ووَقَعَ النَصُّ في هَذا عَلى المُسْتَلَذِّ إذْ فِيهِ ظُهُورُ النِعْمَةِ، وهو عِظَمُ النِعَمِ، وإنْ كانَ الحَلالُ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُسْتَلَذٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الطَيِّبُ بِمَعْنى الحَلالِ، وكَرَّرَهُ مُبالِغَةً وتَوْكِيدًا، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ إقامَةٌ لِلنُّفُوسِ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: إنْ كُنْتَ مِنَ الرِجالِ فافْعَلْ كَذا، عَلى مَعْنى إقامَةِ نَفْسِهِ، ورَوى الطَبَرِيُّ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خِطابًا لِلْكُفّارِ عن طَعامٍ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعَثَهُ إلَيْهِمْ في جُوعِهِمْ، وأنْحى الطَبَرِيُّ عَلى هَذا القَوْلِ، وكَذَلِكَ هو فاسِدٌ مِن غَيْرِ وجْهٍ.

النحل 16:115

(p-٤٢١)قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللهِ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حَصَرَتْ "إنَّما" هَذِهِ المُحَرَّماتِ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، ثُمَّ نَزَلَتِ المُحْرِماتُ بَعْدَ ذَلِكَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المَيْتَةَ" مُخَفَّفًا، وشَدَّدَها أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ، وهو الأصْلُ، والتَخْفِيفُ طارِئٌ عَلَيْهِ، والعامِلُ في نَصْبِها "حَرَّمَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "المَيْتَةُ" بِالرَفْعِ عَلى أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَوْنُ "ما" مُتَّصِلَةً بِـ "إنَّ" يُضَعِّفُ هَذا ويَحْكم بِأنَّها حاصِرَةٌ و"ما" كافَّةٌ، وإذا كانَتْ بِمَعْنى "الَّذِي" فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ مُنْفَصِلَةً، وذَلِكَ خِلافَ خَطِّ المُصْحَفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "حَرَّمَ" عَلى مَعْنى: حَرَّمَ اللهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "حُرِّمَ" عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلَهُ، وهَذا بِرَفْعِ "المَيْتَةِ" ولا بُدَّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَيْتَةُ المُحَرَّمَةُ هي ما ماتَ مِن حَيَوانِ البَرِّ الَّذِي لَهُ نَفْسٌ سائِلَةٌ حَتْفَ أنْفِهِ، وأمّا ما لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سائِلَةٌ كالجَرادِ والذُبابِ والبَراغِيثِ ودُودِ التِينِ وحَيَوانِ الفُولِ وما ماتَ مِنَ الحُوتِ حَتْفَ أنْفِهِ وطَفا عَلى الماءِ فَفِيهِ قَوْلانِ في المَذْهَبِ، وما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَعِيشُ في الماءِ وفي البَرِّ كالسَلاحِفِ ونَحْوَها فَفِيهِ قَوْلانِ، والمَنعُ هُنا أظْهَرَ، إلّا أنْ يَكُونَ الغالِبُ عَلَيْهِ العَيْشَ في الماءِ. والدَمُ المُحَرَّمُ هو المُنْسَفِحُ الَّذِي يَسِيلُ إنْ تُرِكَ مُفْرَدًا، وأمّا ما خالَطَ اللَحْمَ وسَكَنَ فِيهِ فَحَلالٌ طَبْخُ ذَلِكَ اللَحْمِ بِهِ، ولا يُكَلَّفُ أحَدٌ تَتْبَعُهُ، ودَمُ الحُوتِ مُخْتَلَفٌ في تِحْلِيلِهِ وإنْ كانَ يَنْسَفِحُ لَوْ تُرِكَ. ولَحْمُ الخِنْزِيرِ هو مُعْظَمُهُ والمَقْصُودُ الأظْهَرُ فِيهِ، فَلِذَلِكَ خَصَّهُ بِالذِكْرِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى تَحْرِيمِ شَحْمِهِ وغَضارِيفِهِ، ومِن تَخْصِيصِهِ اسْتَدَلَّتْ فِرْقَةٌ عَلى جَوازِ الِانْتِفاعِ بِجِلْدِهِ إذا دُبِغَ ولِبْسِهِ، والأُولى تَحْرِيمُهُ جُمْلَةً، وأمّا شِعْرُهُ فالِانْتِفاعُ بِهِ مُباحٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، والأوَّلُ أرْجَحُ. (p-٤٢٢)﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾، يُرِيدُ كُلَّ ما نُوِيَ بِذَبْحِهِ غَيْرُ التَقَرُّبِ إلى اللهِ والقِرَبُ إلى سِواهُ، وسَواءً تَكَلَّمَ بِذَلِكَ عَلى الذَبِيحَةِ أو لَمْ يَتَكَلَّمْ، لَكِنْ خَرَجَتِ العِبارَةُ عن ذَلِكَ بِـ "أُهِلَّ"، ومَعْناهُ صَحِيحٌ عَلى عادَةِ العَرَبِ، وقُصِدَ الغَضُّ مِنها، وذَلِكَ أنَّها كانَتْ إذا ساقَتْ ذَبِيحَةً إلى صَنَمٍ جَهَرَتْ بِاسْمِ ذَلِكَ الصَنَمِ وصاحَتْ بِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: أُكْرِهَ، وقالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: اضْطَرَّهُ جُوعٌ واحْتِياجٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَمَنُ" بِضَمِّ النُونِ "اضْطُرَّ" بِضَمِّ الطاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَمَنِ" بِكَسْرِ النُونِ "اضْطِرَّ" بِكَسْرِ الطاءِ عَلى أنَّ الأصْلَ: "اضْطُرِرَ"، فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الراءِ إلى الطاءِ وأُدْغِمَتِ الراءُ في الراءِ. وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو صاحِبُ البَغْيِ عَلى الإمامِ، أو في قَطْعِ الطَرِيقِ، وبِالجُمْلَةِ في سَفَرِ المَعاصِي، والعادِي بِمَعْناهُ في أنَّهُ يَنْوِي المَعْصِيَةَ، وقالَ الجُمْهُورُ: ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ مَعْناهُ: غَيْرَ مُسْتَعْمِلٍ لِهَذِهِ المُحَرَّماتِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِها، ﴿وَلا عادٍ﴾ مَعْناهُ: لا يَعْدُو حُدُودَ اللهِ في هَذا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ وأعَمُّ في الرُخْصَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: باغٍ وعادٍ في الشِبَعِ والتَزَوُّدِ، واخْتَلَفَ الناسُ في صُورَةِ الأكْلِ مِنَ المَيْتَةِ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الجائِزُ مِن ذَلِكَ ما يُمْسِكُ الرَمَقَ فَقَطْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ يَجُوزُ الشِبَعُ التامُّ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ -مِنهم مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ-: يَجُوزُ الشِبَعُ والتَزَوُّدُ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ في قَوْلِهِ: "عادٍ": إنَّهُ مَقْلُوبٌ مِن عائِدٍ، فَهو كَشاكِي السِلاحِ، وكَيَوْمِ راحٍ، وكَقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ لاثٍ بِهِ الأشاءُ والعُبْرِيُّ (p-٤٢٣)وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَقْتَضِي مِنهُ الإباحَةَ لِلْمُضْطَرِّ، وخَرَجَتِ الإباحَةُ في هَذِهِ الألْفاظِ تَحَرُّجًا وتَضْيِيقًا في أمْرِها، لِيَدُلَّ الكَلامُ عَلى عِظَمِ الخَطَرِ في هَذِهِ المُحَرَّماتِ، فَغايَةُ هَذا المُرَخَّصِ لَهُ غُفْرانُ اللهِ لَهُ وحَطُّهُ عنهُ ما كانَ يَلْحَقُهُ مِنَ الإثْمِ لَوْلا ضَرُورَتُهُ، وهَذا التَخْرِيجُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَفْهَمُهُ الفُصَحاءُ مِنَ اللَفْظِ، ولَيْسَ في المَعْنى مِنهُ شَيْءٌ، وإنَّما هو إيحاءٌ، وكَذَلِكَ جَعَلَ غايَتَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنْ لا إثْمَ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ "لا إثْمَ عَلَيْهِ" وقَوْلُهُ: "هُوَ لَهُ مُباحٌ" يَرْجِعانِ إلى مَعْنى واحِدٍ فَإنَّ في هَيْئَةِ اللَفْظَيْنِ خِلافًا.

النحل 16:116

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ حَرَّمُوا البَحائِرَ والسَوائِبَ وأحَلُّوا ما في بُطُونِ الأنْعامِ وإنْ كانَتْ مَيْتَةً، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ حِكايَةً عنهُمْ: ﴿وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩]، والآيَةُ تَقْتَضِي كُلَّ ما كانَ لَهم مِن تَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ، فَإنَّهُ كُلَّهُ افْتِراءٌ مِنهُمْ، ومِنهُ ما جَعَلُوهُ في الشُهُورِ. وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورُ الناسِ: "الكَذِبَ" بِفَتْحِ الكافِ والباءِ وكَسْرِ الذالِ، و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: لِوَصْفِ ألْسِنَتِكم. وقَرَأ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو مَعْمَرٍ، والحَسَنُ: "الكَذِبِ" بِخَفْضِ الباءِ عَلى البَدَلِ مِن "ما". وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ الشامِ، ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "الكُذُبُ" بِضَمِّ الكافِ والذالِ والباءِ، عَلى صِفَةِ الألْسِنَةِ. وقَرَأ مُسْلِمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "الكُذُبَ" بِفَتْحِ الباءِ بِفَتْحِ الباءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كِذابٍ كَكُتُبٍ وكِتابٍ. (p-٤٢٤)وَقَوْلُهُ: ﴿هَذا حَلالٌ﴾ إشارَةٌ إلى مَيْتَةِ بُطُونِ الأنْعامِ وكُلِّ ما أحَلُّوا، وقَوْلُهُ: ﴿وَهَذا حَرامٌ﴾ إشارَةٌ إلى البَحائِرِ والسَوائِبِ وكُلِّ ما حَرَّمُوا، وقَوْلُهُ: "لِتَفْتَرُوا عَلى اللهِ الكَذِبَ"، إشارَةٌ إلى قَوْلِهِمْ في فَواحِشِهِمُ الَّتِي هي إحْداها: ﴿وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨]، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ كانَ شَرْعُهم لِاتِّباعِهِمْ سُنَنًا لا يَرْضاها اللهُ افْتِراءً عَلَيْهِ، لَأنَّ مَن شَرَعَ أمْرًا فَكَأنَّهُ قالَ لِأتْباعِهِ: هَذا هو الحَقُّ، وهَذا مُرادُ اللهِ. ثُمَّ أخْبَرَهُمُ اللهُ أنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يَبْلُغُونَ الأمَلَ، والفَلاحُ: بُلُوغُ الأمَلِ، فَطَوْرا يَكُونُ في البَقاءِ، كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ والمُسْيُ والصُبْحُ لا بَقاءَ مَعَهْ. ويُشْبِهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن هَذا المَعْنى، يُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾، وقَدْ يَكُونُ في نَجْحِ المَساعِي، ومِنهُ قَوْلُ عُبَيْدٌ: ؎ أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضَـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـضَعْفِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ وقَوْلُهُ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ إشارَةٌ إلى عَيْشِهِمْ في الدُنْيا، ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. (p-٤٢٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ الآيَةُ، لَمّا قَصَّ تَبارَكَ وتَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أعْلَمَ أيْضًا بِما حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ؛ لِيُبَيِّنَ تَبْدِيلَهُمُ الشَرْعَ فِيما اسْتَحَلُّوا مِن ذَلِكَ وفِيما حَرَّمُوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما في سُورَةِ الأنْعامِ مِن ذِي الظُفُرِ والشُحُومِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ أيْ: لَمْ نَضَعِ العُقُوبَةَ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ تِلْكَ الأشْياءِ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ مَوْضِعِها، بَلْ هم طَرَقُوا إلى ذَلِكَ، وجاءَ مِن تَشَبُّثِهِمْ بِالمَعاصِي ما أوجَبَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُوءَ بِجَهالَةٍ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِجَمِيعِ العالِمِ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى فِيها أنَّهُ يَغْفِرُ لِلتّائِبِ، والآيَةُ إشارَةٌ إلى الكُفّارِ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللهِ، وفَعَلُوا الأفاعِيلَ المَذْكُورَةَ، فَهم إذا تابُوا مَن كُفْرِهِمْ بِالإيمانِ، وأصْلَحُوا بِأعْمالِ الإسْلامِ، -غَفَرَ اللهُ لَهُمْ، وتَناوَلَتْ هَذِهِ -بَعْدَ ذَلِكَ- كُلَّ واقِعٍ تَحْتَ لَفْظِها مِن كافِرٍ وعاصٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَهالَةُ: العَمْدُ، والجَهالَةُ عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ لَيْسَتْ ضِدَّ العِلْمِ، بَلْ هي تَعَدِّي الطَوْرَ ورُكُوبُ الرَأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "أو أجْهَلَ أو يُجْهَلَ عَلَيَّ"،» وهي الَّتِي في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا والجَهالَةُ الَّتِي هي ضِدُّ العِلْمِ تَصْحَبُ هَذِهِ الأُخْرى كَثِيرًا، ولَكِنْ يَخْرُجُ مِنها المُتَعَمَّدُ، وهو الأكْثَرُ، وقَلَّما يُوجَدُ في العُصاةِ مَن لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ بِحَظْرِ المَعْصِيَةِ الَّتِي تُواقَعُ. والضَمِيرُ في "بَعْدِها" عائِدٌ عَلى التَوْبَةِ.

النحل 16:117

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ حَرَّمُوا البَحائِرَ والسَوائِبَ وأحَلُّوا ما في بُطُونِ الأنْعامِ وإنْ كانَتْ مَيْتَةً، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ حِكايَةً عنهُمْ: ﴿وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩]، والآيَةُ تَقْتَضِي كُلَّ ما كانَ لَهم مِن تَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ، فَإنَّهُ كُلَّهُ افْتِراءٌ مِنهُمْ، ومِنهُ ما جَعَلُوهُ في الشُهُورِ. وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورُ الناسِ: "الكَذِبَ" بِفَتْحِ الكافِ والباءِ وكَسْرِ الذالِ، و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: لِوَصْفِ ألْسِنَتِكم. وقَرَأ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو مَعْمَرٍ، والحَسَنُ: "الكَذِبِ" بِخَفْضِ الباءِ عَلى البَدَلِ مِن "ما". وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ الشامِ، ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "الكُذُبُ" بِضَمِّ الكافِ والذالِ والباءِ، عَلى صِفَةِ الألْسِنَةِ. وقَرَأ مُسْلِمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "الكُذُبَ" بِفَتْحِ الباءِ بِفَتْحِ الباءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كِذابٍ كَكُتُبٍ وكِتابٍ. (p-٤٢٤)وَقَوْلُهُ: ﴿هَذا حَلالٌ﴾ إشارَةٌ إلى مَيْتَةِ بُطُونِ الأنْعامِ وكُلِّ ما أحَلُّوا، وقَوْلُهُ: ﴿وَهَذا حَرامٌ﴾ إشارَةٌ إلى البَحائِرِ والسَوائِبِ وكُلِّ ما حَرَّمُوا، وقَوْلُهُ: "لِتَفْتَرُوا عَلى اللهِ الكَذِبَ"، إشارَةٌ إلى قَوْلِهِمْ في فَواحِشِهِمُ الَّتِي هي إحْداها: ﴿وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨]، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ كانَ شَرْعُهم لِاتِّباعِهِمْ سُنَنًا لا يَرْضاها اللهُ افْتِراءً عَلَيْهِ، لَأنَّ مَن شَرَعَ أمْرًا فَكَأنَّهُ قالَ لِأتْباعِهِ: هَذا هو الحَقُّ، وهَذا مُرادُ اللهِ. ثُمَّ أخْبَرَهُمُ اللهُ أنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يَبْلُغُونَ الأمَلَ، والفَلاحُ: بُلُوغُ الأمَلِ، فَطَوْرا يَكُونُ في البَقاءِ، كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ والمُسْيُ والصُبْحُ لا بَقاءَ مَعَهْ. ويُشْبِهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن هَذا المَعْنى، يُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾، وقَدْ يَكُونُ في نَجْحِ المَساعِي، ومِنهُ قَوْلُ عُبَيْدٌ: ؎ أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضَـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـضَعْفِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ وقَوْلُهُ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ إشارَةٌ إلى عَيْشِهِمْ في الدُنْيا، ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. (p-٤٢٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ الآيَةُ، لَمّا قَصَّ تَبارَكَ وتَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أعْلَمَ أيْضًا بِما حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ؛ لِيُبَيِّنَ تَبْدِيلَهُمُ الشَرْعَ فِيما اسْتَحَلُّوا مِن ذَلِكَ وفِيما حَرَّمُوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما في سُورَةِ الأنْعامِ مِن ذِي الظُفُرِ والشُحُومِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ أيْ: لَمْ نَضَعِ العُقُوبَةَ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ تِلْكَ الأشْياءِ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ مَوْضِعِها، بَلْ هم طَرَقُوا إلى ذَلِكَ، وجاءَ مِن تَشَبُّثِهِمْ بِالمَعاصِي ما أوجَبَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُوءَ بِجَهالَةٍ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِجَمِيعِ العالِمِ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى فِيها أنَّهُ يَغْفِرُ لِلتّائِبِ، والآيَةُ إشارَةٌ إلى الكُفّارِ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللهِ، وفَعَلُوا الأفاعِيلَ المَذْكُورَةَ، فَهم إذا تابُوا مَن كُفْرِهِمْ بِالإيمانِ، وأصْلَحُوا بِأعْمالِ الإسْلامِ، -غَفَرَ اللهُ لَهُمْ، وتَناوَلَتْ هَذِهِ -بَعْدَ ذَلِكَ- كُلَّ واقِعٍ تَحْتَ لَفْظِها مِن كافِرٍ وعاصٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَهالَةُ: العَمْدُ، والجَهالَةُ عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ لَيْسَتْ ضِدَّ العِلْمِ، بَلْ هي تَعَدِّي الطَوْرَ ورُكُوبُ الرَأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "أو أجْهَلَ أو يُجْهَلَ عَلَيَّ"،» وهي الَّتِي في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا والجَهالَةُ الَّتِي هي ضِدُّ العِلْمِ تَصْحَبُ هَذِهِ الأُخْرى كَثِيرًا، ولَكِنْ يَخْرُجُ مِنها المُتَعَمَّدُ، وهو الأكْثَرُ، وقَلَّما يُوجَدُ في العُصاةِ مَن لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ بِحَظْرِ المَعْصِيَةِ الَّتِي تُواقَعُ. والضَمِيرُ في "بَعْدِها" عائِدٌ عَلى التَوْبَةِ.

النحل 16:118

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ حَرَّمُوا البَحائِرَ والسَوائِبَ وأحَلُّوا ما في بُطُونِ الأنْعامِ وإنْ كانَتْ مَيْتَةً، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ حِكايَةً عنهُمْ: ﴿وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩]، والآيَةُ تَقْتَضِي كُلَّ ما كانَ لَهم مِن تَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ، فَإنَّهُ كُلَّهُ افْتِراءٌ مِنهُمْ، ومِنهُ ما جَعَلُوهُ في الشُهُورِ. وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورُ الناسِ: "الكَذِبَ" بِفَتْحِ الكافِ والباءِ وكَسْرِ الذالِ، و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: لِوَصْفِ ألْسِنَتِكم. وقَرَأ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو مَعْمَرٍ، والحَسَنُ: "الكَذِبِ" بِخَفْضِ الباءِ عَلى البَدَلِ مِن "ما". وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ الشامِ، ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "الكُذُبُ" بِضَمِّ الكافِ والذالِ والباءِ، عَلى صِفَةِ الألْسِنَةِ. وقَرَأ مُسْلِمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "الكُذُبَ" بِفَتْحِ الباءِ بِفَتْحِ الباءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كِذابٍ كَكُتُبٍ وكِتابٍ. (p-٤٢٤)وَقَوْلُهُ: ﴿هَذا حَلالٌ﴾ إشارَةٌ إلى مَيْتَةِ بُطُونِ الأنْعامِ وكُلِّ ما أحَلُّوا، وقَوْلُهُ: ﴿وَهَذا حَرامٌ﴾ إشارَةٌ إلى البَحائِرِ والسَوائِبِ وكُلِّ ما حَرَّمُوا، وقَوْلُهُ: "لِتَفْتَرُوا عَلى اللهِ الكَذِبَ"، إشارَةٌ إلى قَوْلِهِمْ في فَواحِشِهِمُ الَّتِي هي إحْداها: ﴿وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨]، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ كانَ شَرْعُهم لِاتِّباعِهِمْ سُنَنًا لا يَرْضاها اللهُ افْتِراءً عَلَيْهِ، لَأنَّ مَن شَرَعَ أمْرًا فَكَأنَّهُ قالَ لِأتْباعِهِ: هَذا هو الحَقُّ، وهَذا مُرادُ اللهِ. ثُمَّ أخْبَرَهُمُ اللهُ أنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يَبْلُغُونَ الأمَلَ، والفَلاحُ: بُلُوغُ الأمَلِ، فَطَوْرا يَكُونُ في البَقاءِ، كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ والمُسْيُ والصُبْحُ لا بَقاءَ مَعَهْ. ويُشْبِهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن هَذا المَعْنى، يُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾، وقَدْ يَكُونُ في نَجْحِ المَساعِي، ومِنهُ قَوْلُ عُبَيْدٌ: ؎ أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضَـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـضَعْفِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ وقَوْلُهُ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ إشارَةٌ إلى عَيْشِهِمْ في الدُنْيا، ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. (p-٤٢٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ الآيَةُ، لَمّا قَصَّ تَبارَكَ وتَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أعْلَمَ أيْضًا بِما حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ؛ لِيُبَيِّنَ تَبْدِيلَهُمُ الشَرْعَ فِيما اسْتَحَلُّوا مِن ذَلِكَ وفِيما حَرَّمُوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما في سُورَةِ الأنْعامِ مِن ذِي الظُفُرِ والشُحُومِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ أيْ: لَمْ نَضَعِ العُقُوبَةَ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ تِلْكَ الأشْياءِ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ مَوْضِعِها، بَلْ هم طَرَقُوا إلى ذَلِكَ، وجاءَ مِن تَشَبُّثِهِمْ بِالمَعاصِي ما أوجَبَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُوءَ بِجَهالَةٍ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِجَمِيعِ العالِمِ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى فِيها أنَّهُ يَغْفِرُ لِلتّائِبِ، والآيَةُ إشارَةٌ إلى الكُفّارِ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللهِ، وفَعَلُوا الأفاعِيلَ المَذْكُورَةَ، فَهم إذا تابُوا مَن كُفْرِهِمْ بِالإيمانِ، وأصْلَحُوا بِأعْمالِ الإسْلامِ، -غَفَرَ اللهُ لَهُمْ، وتَناوَلَتْ هَذِهِ -بَعْدَ ذَلِكَ- كُلَّ واقِعٍ تَحْتَ لَفْظِها مِن كافِرٍ وعاصٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَهالَةُ: العَمْدُ، والجَهالَةُ عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ لَيْسَتْ ضِدَّ العِلْمِ، بَلْ هي تَعَدِّي الطَوْرَ ورُكُوبُ الرَأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "أو أجْهَلَ أو يُجْهَلَ عَلَيَّ"،» وهي الَّتِي في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا والجَهالَةُ الَّتِي هي ضِدُّ العِلْمِ تَصْحَبُ هَذِهِ الأُخْرى كَثِيرًا، ولَكِنْ يَخْرُجُ مِنها المُتَعَمَّدُ، وهو الأكْثَرُ، وقَلَّما يُوجَدُ في العُصاةِ مَن لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ بِحَظْرِ المَعْصِيَةِ الَّتِي تُواقَعُ. والضَمِيرُ في "بَعْدِها" عائِدٌ عَلى التَوْبَةِ.

النحل 16:119

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ حَرَّمُوا البَحائِرَ والسَوائِبَ وأحَلُّوا ما في بُطُونِ الأنْعامِ وإنْ كانَتْ مَيْتَةً، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ حِكايَةً عنهُمْ: ﴿وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩]، والآيَةُ تَقْتَضِي كُلَّ ما كانَ لَهم مِن تَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ، فَإنَّهُ كُلَّهُ افْتِراءٌ مِنهُمْ، ومِنهُ ما جَعَلُوهُ في الشُهُورِ. وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورُ الناسِ: "الكَذِبَ" بِفَتْحِ الكافِ والباءِ وكَسْرِ الذالِ، و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: لِوَصْفِ ألْسِنَتِكم. وقَرَأ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو مَعْمَرٍ، والحَسَنُ: "الكَذِبِ" بِخَفْضِ الباءِ عَلى البَدَلِ مِن "ما". وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ الشامِ، ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "الكُذُبُ" بِضَمِّ الكافِ والذالِ والباءِ، عَلى صِفَةِ الألْسِنَةِ. وقَرَأ مُسْلِمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "الكُذُبَ" بِفَتْحِ الباءِ بِفَتْحِ الباءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كِذابٍ كَكُتُبٍ وكِتابٍ. (p-٤٢٤)وَقَوْلُهُ: ﴿هَذا حَلالٌ﴾ إشارَةٌ إلى مَيْتَةِ بُطُونِ الأنْعامِ وكُلِّ ما أحَلُّوا، وقَوْلُهُ: ﴿وَهَذا حَرامٌ﴾ إشارَةٌ إلى البَحائِرِ والسَوائِبِ وكُلِّ ما حَرَّمُوا، وقَوْلُهُ: "لِتَفْتَرُوا عَلى اللهِ الكَذِبَ"، إشارَةٌ إلى قَوْلِهِمْ في فَواحِشِهِمُ الَّتِي هي إحْداها: ﴿وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨]، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ كانَ شَرْعُهم لِاتِّباعِهِمْ سُنَنًا لا يَرْضاها اللهُ افْتِراءً عَلَيْهِ، لَأنَّ مَن شَرَعَ أمْرًا فَكَأنَّهُ قالَ لِأتْباعِهِ: هَذا هو الحَقُّ، وهَذا مُرادُ اللهِ. ثُمَّ أخْبَرَهُمُ اللهُ أنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يَبْلُغُونَ الأمَلَ، والفَلاحُ: بُلُوغُ الأمَلِ، فَطَوْرا يَكُونُ في البَقاءِ، كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ والمُسْيُ والصُبْحُ لا بَقاءَ مَعَهْ. ويُشْبِهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن هَذا المَعْنى، يُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾، وقَدْ يَكُونُ في نَجْحِ المَساعِي، ومِنهُ قَوْلُ عُبَيْدٌ: ؎ أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضَـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـضَعْفِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ وقَوْلُهُ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ إشارَةٌ إلى عَيْشِهِمْ في الدُنْيا، ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. (p-٤٢٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ الآيَةُ، لَمّا قَصَّ تَبارَكَ وتَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أعْلَمَ أيْضًا بِما حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ؛ لِيُبَيِّنَ تَبْدِيلَهُمُ الشَرْعَ فِيما اسْتَحَلُّوا مِن ذَلِكَ وفِيما حَرَّمُوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما في سُورَةِ الأنْعامِ مِن ذِي الظُفُرِ والشُحُومِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ أيْ: لَمْ نَضَعِ العُقُوبَةَ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ تِلْكَ الأشْياءِ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ مَوْضِعِها، بَلْ هم طَرَقُوا إلى ذَلِكَ، وجاءَ مِن تَشَبُّثِهِمْ بِالمَعاصِي ما أوجَبَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُوءَ بِجَهالَةٍ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِجَمِيعِ العالِمِ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى فِيها أنَّهُ يَغْفِرُ لِلتّائِبِ، والآيَةُ إشارَةٌ إلى الكُفّارِ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللهِ، وفَعَلُوا الأفاعِيلَ المَذْكُورَةَ، فَهم إذا تابُوا مَن كُفْرِهِمْ بِالإيمانِ، وأصْلَحُوا بِأعْمالِ الإسْلامِ، -غَفَرَ اللهُ لَهُمْ، وتَناوَلَتْ هَذِهِ -بَعْدَ ذَلِكَ- كُلَّ واقِعٍ تَحْتَ لَفْظِها مِن كافِرٍ وعاصٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَهالَةُ: العَمْدُ، والجَهالَةُ عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ لَيْسَتْ ضِدَّ العِلْمِ، بَلْ هي تَعَدِّي الطَوْرَ ورُكُوبُ الرَأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "أو أجْهَلَ أو يُجْهَلَ عَلَيَّ"،» وهي الَّتِي في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا والجَهالَةُ الَّتِي هي ضِدُّ العِلْمِ تَصْحَبُ هَذِهِ الأُخْرى كَثِيرًا، ولَكِنْ يَخْرُجُ مِنها المُتَعَمَّدُ، وهو الأكْثَرُ، وقَلَّما يُوجَدُ في العُصاةِ مَن لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ بِحَظْرِ المَعْصِيَةِ الَّتِي تُواقَعُ. والضَمِيرُ في "بَعْدِها" عائِدٌ عَلى التَوْبَةِ.

النحل 16:120

(p-٤٢٦)قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّما جُعِلَ السَبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لَمّا كَشَفَ اللهُ فِعْلَ اليَهُودِ وتَحَكُّمَهم في شَرْعِهِمْ بِذِكْرِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ بُعْدُهم عن شَرْعِ إبْراهِيمَ والدَعْوى فِيهِ، أنْ يَصِفَ حالَ إبْراهِيمَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ قُرَيْشٍ أيْضًا. والأُمَّةُ في اللُغَةِ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ تَقَعُ لِلْخَيْرِ، والعامَّةِ، والجَمْعِ الكَثِيرِ مِنَ الناسِ، ثُمَّ يُشَبَّهُ الرَجُلُ العالِمُ أوِ المَلِكُ أوِ المُنْفَرِدُ بِطَرِيقَةٍ وحْدَهُ بِالناسِ الكَثِيرِ فَيُسَمّى أُمَّةً، وعَلى هَذا الوَجْهِ سُمِّيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أُمَّةً، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الأُمَّةُ: مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وقالَ في بَعْضِ أوقاتِهِ: إنْ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ أُمَّةً قانِتًا، فَقالَ لَهُ: أبُو قُرَّةَ الكَنَدِيُّ، أو فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: لَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما هو إبْراهِيمُ كانَ أُمَّةً قانِتًا، فَقالَ: أتُدْرِي ما الأُمَّةُ؟ هو مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وكَذَلِكَ كانَ مُعاذٌ يَعْلَمُ الخَيْرَ ويُطِيعُ اللهَ ورَسُولَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: سَمِّي إبْراهِيمُ أُمَّةً لِانْفِرادِهِ بِالإيمانِ في وقْتِهِ مُدَّةً. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي البُخارِيِّ أنَّهُ قالَ لِسارَّةَ: لَيْسَ عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرَكِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ -أظُنُّهُ أبا الحَسَنِ الأخْفَشَ-: الأُمَّةُ فِعْلَةٌ مِن أمَّ يَؤُمُّ، فَهو كالهَمْزَةِ والضِحْكَةِ، أيْ: يُؤْتَمُّ بِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "أُمَّةً" -عَلى هَذا- صِفَةٌ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ اسْمٌ لَيْسَ بِصِفَةٍ. و"القانِتُ": المُطِيعُ الدائِمُ عَلى العِبادَةِ، و"الحَنِيفُ": المائِلُ إلى الخَيْرِ والإصْلاحِ، وكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ، لِمَن يَخْتَتِنُ ويَحُجُّ البَيْتَ: حَنِيفًا، وحَذْفُ النُونِ مِن "لَمْ يَكُ" لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، كَحَذْفِهِمْ مِن: لا أُبالِ ولا أدْرِ، وهو أيْضًا لِشَبَهِ النُونِ في حالِ سُكُونِها حُرُوفَ العِلَّةِ لَغُنَّتْها وخِفَّتِها وأنَّها قَدْ تَكُونُ عَلّامَةً وغَيْرَ ذَلِكَ، فَكَأنَّ "لَمْ" هُنا دَخَلَتْ عَلى "يَكُنْ" في (p-٤٢٧)حالِ الجَزْمِ، ولا تُحْذَفُ النُونُ إذا لَمْ تَكُنْ ساكِنَةً في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١] ولا تُحْذَفُ في مِثْلِ هَذا إلّا في الشِعْرِ فَقَدْ جاءَتْ مَحْذُوفَةً، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مُشِيرٌ إلى حالِ تَبَرُّئِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن حالِ مُشْرِكِي العَرَبِ ومُشْرِكِي اليَهُودِ، إذْ كُلُّهُمُ ادَّعاهُ، ويَلْزَمُ الإشْراكُ اليَهُودَ مِن جِهَةِ تَجْسِيمِهِمْ. و"شاكِرًا" صِفَةٌ لِإبْراهِيمَ تابِعَةٌ ما تَقَدَّمَ، و"الأنْعُمُ": جَمْعُ نِعْمَةٍ، و"اجْتَباهُ" مَعْناهُ: تَخَيَّرَهُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً﴾، الحَسَنَةُ: لِسانُ الصِدْقِ وإمامَتُهُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ أمَةٍ مُتَشِرِّعَةٍ فَهي مُقِرَّةٌ أنَّ إيمانَها إيمانُ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ قُدْوَتُها، وأنَّهُ كانَ عَلى الصَوابِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَمِنَ الصالِحِينَ﴾ بِمَعْنى: المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، أيْ: مِنَ الصالِحِينَ في أحْوالِهِمْ ومَراتِبِهِمْ، أو بِمَعْنى أنَّهُ في الآخِرَةِ مِمَّنْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الصالِحِينَ في الدُنْيا، وهَذا عَلى أنَّ الآيَةَ وصْفُ حالَيْهِ في الدارَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: في أعْمالِ الآخِرَةِ، فَعَلى هَذا وصْفُ حالَتِهِ في الأعْمالِ الدُنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوحَيْنا إلَيْكَ﴾ الآيَةُ. الوَحْيُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِهَذا مِن جُمْلَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي آتاها اللهُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ ابْنُ فَوْرِكٍ: وأمْرُ الفاضِلِ بِاتِّباعِ المَفْضُولِ لَمّا تَقَدَّمُ إلى الصَوابِ والعَمَلِ بِهِ، و"أنِ" في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اتَّبِعْ﴾ مُفَسِّرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَعْوِلَةً، و"المِلَّةُ": الطَرِيقَةُ في عَقائِدِ الشَرْعِ، و"حَنِيفًا" حالٌ، والعامِلُ فِيهِ الفِعْلِيَّةُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "اتَّبِعْ" قالَ مَكِّيٌّ: ولا يَكُونُ حالًا مِن إبْراهِيمَ" ؛ لَأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَما قالَ؛ (p-٤٢٨)لَأنَّ الحالَ قَدْ تَعْمَلُ فِيهِ حُرُوفُ الخَفْضِ إذا عَمِلَتْ في ذِي الحالِ، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ قائِمًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جُعِلَ السَبْتُ﴾، أيْ: لَمْ يَكُنْ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وإنَّما جَعَلَهُ اللهُ فَرْضًا عاقَبَ بِهِ القَوْمَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَجْعَلُوا مِنَ الجُمْعَةِ يَوْمًا مُخْتَصًّا بِالعِبادَةِ، وأمَرَهم أنْ يَكُونَ الجُمْعَةَ، فَقالَ جُمْهُورُهُمْ: بَلْ يَكُونُ يَوْمَ السَبْتِ لَأنَّ اللهَ فَرَغَ فِيهِ مَن خَلْقِ مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ غَيْرُهُمْ: بَلْ نَقْبَلُ ما أمَرَ اللهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَراجَعَهُمُ الجُمْهُورُ، فَتابَعَهُمُ الآخَرُونَ، فَألْزَمَهُمُ اللهُ يَوْمَ السَبْتِ إلْزامًا قَوِيًّا عُقُوبَةً مِنهُ لَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ مِنهم ثُبُوتٌ، بَلْ عَصَوْا فِيهِ وتَعَدُّوا فَأُهْلِكُهم. وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّما أنْزَلْنا السَبْتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "جَعَلَ" بِفَتْحِ الجِيمِ والعَيْنِ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ أنَّ اليَهُودَ والنَصارى اخْتَلَفُوا في اليَوْمِ الَّذِي يَخْتَصُّ مِنَ الجُمْعَةِ، فَأخَذَ هَؤُلاءِ السَبْتَ، وهَؤُلاءِ الأحَدَ، فَهَدانا اللهُ نَحْنُ إلى يَوْمِ الجُمْعَةِ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "فَهَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ"،» فَلَيْسَ الِاخْتِلافُ (p-٤٢٩)المَذْكُورُ في الآيَةِ هو الِاخْتِلافُ الَّذِي في الحَدِيثِ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ بَيِّنٌ.

النحل 16:121

(p-٤٢٦)قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّما جُعِلَ السَبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لَمّا كَشَفَ اللهُ فِعْلَ اليَهُودِ وتَحَكُّمَهم في شَرْعِهِمْ بِذِكْرِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ بُعْدُهم عن شَرْعِ إبْراهِيمَ والدَعْوى فِيهِ، أنْ يَصِفَ حالَ إبْراهِيمَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ قُرَيْشٍ أيْضًا. والأُمَّةُ في اللُغَةِ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ تَقَعُ لِلْخَيْرِ، والعامَّةِ، والجَمْعِ الكَثِيرِ مِنَ الناسِ، ثُمَّ يُشَبَّهُ الرَجُلُ العالِمُ أوِ المَلِكُ أوِ المُنْفَرِدُ بِطَرِيقَةٍ وحْدَهُ بِالناسِ الكَثِيرِ فَيُسَمّى أُمَّةً، وعَلى هَذا الوَجْهِ سُمِّيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أُمَّةً، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الأُمَّةُ: مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وقالَ في بَعْضِ أوقاتِهِ: إنْ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ أُمَّةً قانِتًا، فَقالَ لَهُ: أبُو قُرَّةَ الكَنَدِيُّ، أو فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: لَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما هو إبْراهِيمُ كانَ أُمَّةً قانِتًا، فَقالَ: أتُدْرِي ما الأُمَّةُ؟ هو مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وكَذَلِكَ كانَ مُعاذٌ يَعْلَمُ الخَيْرَ ويُطِيعُ اللهَ ورَسُولَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: سَمِّي إبْراهِيمُ أُمَّةً لِانْفِرادِهِ بِالإيمانِ في وقْتِهِ مُدَّةً. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي البُخارِيِّ أنَّهُ قالَ لِسارَّةَ: لَيْسَ عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرَكِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ -أظُنُّهُ أبا الحَسَنِ الأخْفَشَ-: الأُمَّةُ فِعْلَةٌ مِن أمَّ يَؤُمُّ، فَهو كالهَمْزَةِ والضِحْكَةِ، أيْ: يُؤْتَمُّ بِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "أُمَّةً" -عَلى هَذا- صِفَةٌ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ اسْمٌ لَيْسَ بِصِفَةٍ. و"القانِتُ": المُطِيعُ الدائِمُ عَلى العِبادَةِ، و"الحَنِيفُ": المائِلُ إلى الخَيْرِ والإصْلاحِ، وكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ، لِمَن يَخْتَتِنُ ويَحُجُّ البَيْتَ: حَنِيفًا، وحَذْفُ النُونِ مِن "لَمْ يَكُ" لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، كَحَذْفِهِمْ مِن: لا أُبالِ ولا أدْرِ، وهو أيْضًا لِشَبَهِ النُونِ في حالِ سُكُونِها حُرُوفَ العِلَّةِ لَغُنَّتْها وخِفَّتِها وأنَّها قَدْ تَكُونُ عَلّامَةً وغَيْرَ ذَلِكَ، فَكَأنَّ "لَمْ" هُنا دَخَلَتْ عَلى "يَكُنْ" في (p-٤٢٧)حالِ الجَزْمِ، ولا تُحْذَفُ النُونُ إذا لَمْ تَكُنْ ساكِنَةً في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١] ولا تُحْذَفُ في مِثْلِ هَذا إلّا في الشِعْرِ فَقَدْ جاءَتْ مَحْذُوفَةً، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مُشِيرٌ إلى حالِ تَبَرُّئِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن حالِ مُشْرِكِي العَرَبِ ومُشْرِكِي اليَهُودِ، إذْ كُلُّهُمُ ادَّعاهُ، ويَلْزَمُ الإشْراكُ اليَهُودَ مِن جِهَةِ تَجْسِيمِهِمْ. و"شاكِرًا" صِفَةٌ لِإبْراهِيمَ تابِعَةٌ ما تَقَدَّمَ، و"الأنْعُمُ": جَمْعُ نِعْمَةٍ، و"اجْتَباهُ" مَعْناهُ: تَخَيَّرَهُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً﴾، الحَسَنَةُ: لِسانُ الصِدْقِ وإمامَتُهُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ أمَةٍ مُتَشِرِّعَةٍ فَهي مُقِرَّةٌ أنَّ إيمانَها إيمانُ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ قُدْوَتُها، وأنَّهُ كانَ عَلى الصَوابِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَمِنَ الصالِحِينَ﴾ بِمَعْنى: المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، أيْ: مِنَ الصالِحِينَ في أحْوالِهِمْ ومَراتِبِهِمْ، أو بِمَعْنى أنَّهُ في الآخِرَةِ مِمَّنْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الصالِحِينَ في الدُنْيا، وهَذا عَلى أنَّ الآيَةَ وصْفُ حالَيْهِ في الدارَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: في أعْمالِ الآخِرَةِ، فَعَلى هَذا وصْفُ حالَتِهِ في الأعْمالِ الدُنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوحَيْنا إلَيْكَ﴾ الآيَةُ. الوَحْيُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِهَذا مِن جُمْلَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي آتاها اللهُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ ابْنُ فَوْرِكٍ: وأمْرُ الفاضِلِ بِاتِّباعِ المَفْضُولِ لَمّا تَقَدَّمُ إلى الصَوابِ والعَمَلِ بِهِ، و"أنِ" في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اتَّبِعْ﴾ مُفَسِّرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَعْوِلَةً، و"المِلَّةُ": الطَرِيقَةُ في عَقائِدِ الشَرْعِ، و"حَنِيفًا" حالٌ، والعامِلُ فِيهِ الفِعْلِيَّةُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "اتَّبِعْ" قالَ مَكِّيٌّ: ولا يَكُونُ حالًا مِن إبْراهِيمَ" ؛ لَأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَما قالَ؛ (p-٤٢٨)لَأنَّ الحالَ قَدْ تَعْمَلُ فِيهِ حُرُوفُ الخَفْضِ إذا عَمِلَتْ في ذِي الحالِ، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ قائِمًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جُعِلَ السَبْتُ﴾، أيْ: لَمْ يَكُنْ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وإنَّما جَعَلَهُ اللهُ فَرْضًا عاقَبَ بِهِ القَوْمَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَجْعَلُوا مِنَ الجُمْعَةِ يَوْمًا مُخْتَصًّا بِالعِبادَةِ، وأمَرَهم أنْ يَكُونَ الجُمْعَةَ، فَقالَ جُمْهُورُهُمْ: بَلْ يَكُونُ يَوْمَ السَبْتِ لَأنَّ اللهَ فَرَغَ فِيهِ مَن خَلْقِ مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ غَيْرُهُمْ: بَلْ نَقْبَلُ ما أمَرَ اللهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَراجَعَهُمُ الجُمْهُورُ، فَتابَعَهُمُ الآخَرُونَ، فَألْزَمَهُمُ اللهُ يَوْمَ السَبْتِ إلْزامًا قَوِيًّا عُقُوبَةً مِنهُ لَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ مِنهم ثُبُوتٌ، بَلْ عَصَوْا فِيهِ وتَعَدُّوا فَأُهْلِكُهم. وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّما أنْزَلْنا السَبْتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "جَعَلَ" بِفَتْحِ الجِيمِ والعَيْنِ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ أنَّ اليَهُودَ والنَصارى اخْتَلَفُوا في اليَوْمِ الَّذِي يَخْتَصُّ مِنَ الجُمْعَةِ، فَأخَذَ هَؤُلاءِ السَبْتَ، وهَؤُلاءِ الأحَدَ، فَهَدانا اللهُ نَحْنُ إلى يَوْمِ الجُمْعَةِ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "فَهَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ"،» فَلَيْسَ الِاخْتِلافُ (p-٤٢٩)المَذْكُورُ في الآيَةِ هو الِاخْتِلافُ الَّذِي في الحَدِيثِ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ بَيِّنٌ.

النحل 16:122

(p-٤٢٦)قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّما جُعِلَ السَبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لَمّا كَشَفَ اللهُ فِعْلَ اليَهُودِ وتَحَكُّمَهم في شَرْعِهِمْ بِذِكْرِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ بُعْدُهم عن شَرْعِ إبْراهِيمَ والدَعْوى فِيهِ، أنْ يَصِفَ حالَ إبْراهِيمَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ قُرَيْشٍ أيْضًا. والأُمَّةُ في اللُغَةِ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ تَقَعُ لِلْخَيْرِ، والعامَّةِ، والجَمْعِ الكَثِيرِ مِنَ الناسِ، ثُمَّ يُشَبَّهُ الرَجُلُ العالِمُ أوِ المَلِكُ أوِ المُنْفَرِدُ بِطَرِيقَةٍ وحْدَهُ بِالناسِ الكَثِيرِ فَيُسَمّى أُمَّةً، وعَلى هَذا الوَجْهِ سُمِّيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أُمَّةً، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الأُمَّةُ: مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وقالَ في بَعْضِ أوقاتِهِ: إنْ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ أُمَّةً قانِتًا، فَقالَ لَهُ: أبُو قُرَّةَ الكَنَدِيُّ، أو فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: لَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما هو إبْراهِيمُ كانَ أُمَّةً قانِتًا، فَقالَ: أتُدْرِي ما الأُمَّةُ؟ هو مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وكَذَلِكَ كانَ مُعاذٌ يَعْلَمُ الخَيْرَ ويُطِيعُ اللهَ ورَسُولَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: سَمِّي إبْراهِيمُ أُمَّةً لِانْفِرادِهِ بِالإيمانِ في وقْتِهِ مُدَّةً. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي البُخارِيِّ أنَّهُ قالَ لِسارَّةَ: لَيْسَ عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرَكِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ -أظُنُّهُ أبا الحَسَنِ الأخْفَشَ-: الأُمَّةُ فِعْلَةٌ مِن أمَّ يَؤُمُّ، فَهو كالهَمْزَةِ والضِحْكَةِ، أيْ: يُؤْتَمُّ بِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "أُمَّةً" -عَلى هَذا- صِفَةٌ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ اسْمٌ لَيْسَ بِصِفَةٍ. و"القانِتُ": المُطِيعُ الدائِمُ عَلى العِبادَةِ، و"الحَنِيفُ": المائِلُ إلى الخَيْرِ والإصْلاحِ، وكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ، لِمَن يَخْتَتِنُ ويَحُجُّ البَيْتَ: حَنِيفًا، وحَذْفُ النُونِ مِن "لَمْ يَكُ" لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، كَحَذْفِهِمْ مِن: لا أُبالِ ولا أدْرِ، وهو أيْضًا لِشَبَهِ النُونِ في حالِ سُكُونِها حُرُوفَ العِلَّةِ لَغُنَّتْها وخِفَّتِها وأنَّها قَدْ تَكُونُ عَلّامَةً وغَيْرَ ذَلِكَ، فَكَأنَّ "لَمْ" هُنا دَخَلَتْ عَلى "يَكُنْ" في (p-٤٢٧)حالِ الجَزْمِ، ولا تُحْذَفُ النُونُ إذا لَمْ تَكُنْ ساكِنَةً في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١] ولا تُحْذَفُ في مِثْلِ هَذا إلّا في الشِعْرِ فَقَدْ جاءَتْ مَحْذُوفَةً، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مُشِيرٌ إلى حالِ تَبَرُّئِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن حالِ مُشْرِكِي العَرَبِ ومُشْرِكِي اليَهُودِ، إذْ كُلُّهُمُ ادَّعاهُ، ويَلْزَمُ الإشْراكُ اليَهُودَ مِن جِهَةِ تَجْسِيمِهِمْ. و"شاكِرًا" صِفَةٌ لِإبْراهِيمَ تابِعَةٌ ما تَقَدَّمَ، و"الأنْعُمُ": جَمْعُ نِعْمَةٍ، و"اجْتَباهُ" مَعْناهُ: تَخَيَّرَهُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً﴾، الحَسَنَةُ: لِسانُ الصِدْقِ وإمامَتُهُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ أمَةٍ مُتَشِرِّعَةٍ فَهي مُقِرَّةٌ أنَّ إيمانَها إيمانُ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ قُدْوَتُها، وأنَّهُ كانَ عَلى الصَوابِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَمِنَ الصالِحِينَ﴾ بِمَعْنى: المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، أيْ: مِنَ الصالِحِينَ في أحْوالِهِمْ ومَراتِبِهِمْ، أو بِمَعْنى أنَّهُ في الآخِرَةِ مِمَّنْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الصالِحِينَ في الدُنْيا، وهَذا عَلى أنَّ الآيَةَ وصْفُ حالَيْهِ في الدارَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: في أعْمالِ الآخِرَةِ، فَعَلى هَذا وصْفُ حالَتِهِ في الأعْمالِ الدُنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوحَيْنا إلَيْكَ﴾ الآيَةُ. الوَحْيُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِهَذا مِن جُمْلَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي آتاها اللهُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ ابْنُ فَوْرِكٍ: وأمْرُ الفاضِلِ بِاتِّباعِ المَفْضُولِ لَمّا تَقَدَّمُ إلى الصَوابِ والعَمَلِ بِهِ، و"أنِ" في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اتَّبِعْ﴾ مُفَسِّرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَعْوِلَةً، و"المِلَّةُ": الطَرِيقَةُ في عَقائِدِ الشَرْعِ، و"حَنِيفًا" حالٌ، والعامِلُ فِيهِ الفِعْلِيَّةُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "اتَّبِعْ" قالَ مَكِّيٌّ: ولا يَكُونُ حالًا مِن إبْراهِيمَ" ؛ لَأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَما قالَ؛ (p-٤٢٨)لَأنَّ الحالَ قَدْ تَعْمَلُ فِيهِ حُرُوفُ الخَفْضِ إذا عَمِلَتْ في ذِي الحالِ، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ قائِمًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جُعِلَ السَبْتُ﴾، أيْ: لَمْ يَكُنْ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وإنَّما جَعَلَهُ اللهُ فَرْضًا عاقَبَ بِهِ القَوْمَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَجْعَلُوا مِنَ الجُمْعَةِ يَوْمًا مُخْتَصًّا بِالعِبادَةِ، وأمَرَهم أنْ يَكُونَ الجُمْعَةَ، فَقالَ جُمْهُورُهُمْ: بَلْ يَكُونُ يَوْمَ السَبْتِ لَأنَّ اللهَ فَرَغَ فِيهِ مَن خَلْقِ مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ غَيْرُهُمْ: بَلْ نَقْبَلُ ما أمَرَ اللهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَراجَعَهُمُ الجُمْهُورُ، فَتابَعَهُمُ الآخَرُونَ، فَألْزَمَهُمُ اللهُ يَوْمَ السَبْتِ إلْزامًا قَوِيًّا عُقُوبَةً مِنهُ لَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ مِنهم ثُبُوتٌ، بَلْ عَصَوْا فِيهِ وتَعَدُّوا فَأُهْلِكُهم. وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّما أنْزَلْنا السَبْتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "جَعَلَ" بِفَتْحِ الجِيمِ والعَيْنِ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ أنَّ اليَهُودَ والنَصارى اخْتَلَفُوا في اليَوْمِ الَّذِي يَخْتَصُّ مِنَ الجُمْعَةِ، فَأخَذَ هَؤُلاءِ السَبْتَ، وهَؤُلاءِ الأحَدَ، فَهَدانا اللهُ نَحْنُ إلى يَوْمِ الجُمْعَةِ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "فَهَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ"،» فَلَيْسَ الِاخْتِلافُ (p-٤٢٩)المَذْكُورُ في الآيَةِ هو الِاخْتِلافُ الَّذِي في الحَدِيثِ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ بَيِّنٌ.

النحل 16:123

(p-٤٢٦)قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّما جُعِلَ السَبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لَمّا كَشَفَ اللهُ فِعْلَ اليَهُودِ وتَحَكُّمَهم في شَرْعِهِمْ بِذِكْرِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ بُعْدُهم عن شَرْعِ إبْراهِيمَ والدَعْوى فِيهِ، أنْ يَصِفَ حالَ إبْراهِيمَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ قُرَيْشٍ أيْضًا. والأُمَّةُ في اللُغَةِ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ تَقَعُ لِلْخَيْرِ، والعامَّةِ، والجَمْعِ الكَثِيرِ مِنَ الناسِ، ثُمَّ يُشَبَّهُ الرَجُلُ العالِمُ أوِ المَلِكُ أوِ المُنْفَرِدُ بِطَرِيقَةٍ وحْدَهُ بِالناسِ الكَثِيرِ فَيُسَمّى أُمَّةً، وعَلى هَذا الوَجْهِ سُمِّيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أُمَّةً، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الأُمَّةُ: مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وقالَ في بَعْضِ أوقاتِهِ: إنْ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ أُمَّةً قانِتًا، فَقالَ لَهُ: أبُو قُرَّةَ الكَنَدِيُّ، أو فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: لَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما هو إبْراهِيمُ كانَ أُمَّةً قانِتًا، فَقالَ: أتُدْرِي ما الأُمَّةُ؟ هو مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وكَذَلِكَ كانَ مُعاذٌ يَعْلَمُ الخَيْرَ ويُطِيعُ اللهَ ورَسُولَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: سَمِّي إبْراهِيمُ أُمَّةً لِانْفِرادِهِ بِالإيمانِ في وقْتِهِ مُدَّةً. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي البُخارِيِّ أنَّهُ قالَ لِسارَّةَ: لَيْسَ عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرَكِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ -أظُنُّهُ أبا الحَسَنِ الأخْفَشَ-: الأُمَّةُ فِعْلَةٌ مِن أمَّ يَؤُمُّ، فَهو كالهَمْزَةِ والضِحْكَةِ، أيْ: يُؤْتَمُّ بِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "أُمَّةً" -عَلى هَذا- صِفَةٌ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ اسْمٌ لَيْسَ بِصِفَةٍ. و"القانِتُ": المُطِيعُ الدائِمُ عَلى العِبادَةِ، و"الحَنِيفُ": المائِلُ إلى الخَيْرِ والإصْلاحِ، وكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ، لِمَن يَخْتَتِنُ ويَحُجُّ البَيْتَ: حَنِيفًا، وحَذْفُ النُونِ مِن "لَمْ يَكُ" لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، كَحَذْفِهِمْ مِن: لا أُبالِ ولا أدْرِ، وهو أيْضًا لِشَبَهِ النُونِ في حالِ سُكُونِها حُرُوفَ العِلَّةِ لَغُنَّتْها وخِفَّتِها وأنَّها قَدْ تَكُونُ عَلّامَةً وغَيْرَ ذَلِكَ، فَكَأنَّ "لَمْ" هُنا دَخَلَتْ عَلى "يَكُنْ" في (p-٤٢٧)حالِ الجَزْمِ، ولا تُحْذَفُ النُونُ إذا لَمْ تَكُنْ ساكِنَةً في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١] ولا تُحْذَفُ في مِثْلِ هَذا إلّا في الشِعْرِ فَقَدْ جاءَتْ مَحْذُوفَةً، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مُشِيرٌ إلى حالِ تَبَرُّئِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن حالِ مُشْرِكِي العَرَبِ ومُشْرِكِي اليَهُودِ، إذْ كُلُّهُمُ ادَّعاهُ، ويَلْزَمُ الإشْراكُ اليَهُودَ مِن جِهَةِ تَجْسِيمِهِمْ. و"شاكِرًا" صِفَةٌ لِإبْراهِيمَ تابِعَةٌ ما تَقَدَّمَ، و"الأنْعُمُ": جَمْعُ نِعْمَةٍ، و"اجْتَباهُ" مَعْناهُ: تَخَيَّرَهُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً﴾، الحَسَنَةُ: لِسانُ الصِدْقِ وإمامَتُهُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ أمَةٍ مُتَشِرِّعَةٍ فَهي مُقِرَّةٌ أنَّ إيمانَها إيمانُ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ قُدْوَتُها، وأنَّهُ كانَ عَلى الصَوابِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَمِنَ الصالِحِينَ﴾ بِمَعْنى: المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، أيْ: مِنَ الصالِحِينَ في أحْوالِهِمْ ومَراتِبِهِمْ، أو بِمَعْنى أنَّهُ في الآخِرَةِ مِمَّنْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الصالِحِينَ في الدُنْيا، وهَذا عَلى أنَّ الآيَةَ وصْفُ حالَيْهِ في الدارَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: في أعْمالِ الآخِرَةِ، فَعَلى هَذا وصْفُ حالَتِهِ في الأعْمالِ الدُنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوحَيْنا إلَيْكَ﴾ الآيَةُ. الوَحْيُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِهَذا مِن جُمْلَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي آتاها اللهُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ ابْنُ فَوْرِكٍ: وأمْرُ الفاضِلِ بِاتِّباعِ المَفْضُولِ لَمّا تَقَدَّمُ إلى الصَوابِ والعَمَلِ بِهِ، و"أنِ" في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اتَّبِعْ﴾ مُفَسِّرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَعْوِلَةً، و"المِلَّةُ": الطَرِيقَةُ في عَقائِدِ الشَرْعِ، و"حَنِيفًا" حالٌ، والعامِلُ فِيهِ الفِعْلِيَّةُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "اتَّبِعْ" قالَ مَكِّيٌّ: ولا يَكُونُ حالًا مِن إبْراهِيمَ" ؛ لَأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَما قالَ؛ (p-٤٢٨)لَأنَّ الحالَ قَدْ تَعْمَلُ فِيهِ حُرُوفُ الخَفْضِ إذا عَمِلَتْ في ذِي الحالِ، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ قائِمًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جُعِلَ السَبْتُ﴾، أيْ: لَمْ يَكُنْ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وإنَّما جَعَلَهُ اللهُ فَرْضًا عاقَبَ بِهِ القَوْمَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَجْعَلُوا مِنَ الجُمْعَةِ يَوْمًا مُخْتَصًّا بِالعِبادَةِ، وأمَرَهم أنْ يَكُونَ الجُمْعَةَ، فَقالَ جُمْهُورُهُمْ: بَلْ يَكُونُ يَوْمَ السَبْتِ لَأنَّ اللهَ فَرَغَ فِيهِ مَن خَلْقِ مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ غَيْرُهُمْ: بَلْ نَقْبَلُ ما أمَرَ اللهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَراجَعَهُمُ الجُمْهُورُ، فَتابَعَهُمُ الآخَرُونَ، فَألْزَمَهُمُ اللهُ يَوْمَ السَبْتِ إلْزامًا قَوِيًّا عُقُوبَةً مِنهُ لَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ مِنهم ثُبُوتٌ، بَلْ عَصَوْا فِيهِ وتَعَدُّوا فَأُهْلِكُهم. وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّما أنْزَلْنا السَبْتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "جَعَلَ" بِفَتْحِ الجِيمِ والعَيْنِ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ أنَّ اليَهُودَ والنَصارى اخْتَلَفُوا في اليَوْمِ الَّذِي يَخْتَصُّ مِنَ الجُمْعَةِ، فَأخَذَ هَؤُلاءِ السَبْتَ، وهَؤُلاءِ الأحَدَ، فَهَدانا اللهُ نَحْنُ إلى يَوْمِ الجُمْعَةِ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "فَهَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ"،» فَلَيْسَ الِاخْتِلافُ (p-٤٢٩)المَذْكُورُ في الآيَةِ هو الِاخْتِلافُ الَّذِي في الحَدِيثِ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ بَيِّنٌ.

النحل 16:124

(p-٤٢٦)قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّما جُعِلَ السَبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لَمّا كَشَفَ اللهُ فِعْلَ اليَهُودِ وتَحَكُّمَهم في شَرْعِهِمْ بِذِكْرِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ بُعْدُهم عن شَرْعِ إبْراهِيمَ والدَعْوى فِيهِ، أنْ يَصِفَ حالَ إبْراهِيمَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ قُرَيْشٍ أيْضًا. والأُمَّةُ في اللُغَةِ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ تَقَعُ لِلْخَيْرِ، والعامَّةِ، والجَمْعِ الكَثِيرِ مِنَ الناسِ، ثُمَّ يُشَبَّهُ الرَجُلُ العالِمُ أوِ المَلِكُ أوِ المُنْفَرِدُ بِطَرِيقَةٍ وحْدَهُ بِالناسِ الكَثِيرِ فَيُسَمّى أُمَّةً، وعَلى هَذا الوَجْهِ سُمِّيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أُمَّةً، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الأُمَّةُ: مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وقالَ في بَعْضِ أوقاتِهِ: إنْ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ أُمَّةً قانِتًا، فَقالَ لَهُ: أبُو قُرَّةَ الكَنَدِيُّ، أو فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: لَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما هو إبْراهِيمُ كانَ أُمَّةً قانِتًا، فَقالَ: أتُدْرِي ما الأُمَّةُ؟ هو مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وكَذَلِكَ كانَ مُعاذٌ يَعْلَمُ الخَيْرَ ويُطِيعُ اللهَ ورَسُولَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: سَمِّي إبْراهِيمُ أُمَّةً لِانْفِرادِهِ بِالإيمانِ في وقْتِهِ مُدَّةً. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي البُخارِيِّ أنَّهُ قالَ لِسارَّةَ: لَيْسَ عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرَكِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ -أظُنُّهُ أبا الحَسَنِ الأخْفَشَ-: الأُمَّةُ فِعْلَةٌ مِن أمَّ يَؤُمُّ، فَهو كالهَمْزَةِ والضِحْكَةِ، أيْ: يُؤْتَمُّ بِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "أُمَّةً" -عَلى هَذا- صِفَةٌ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ اسْمٌ لَيْسَ بِصِفَةٍ. و"القانِتُ": المُطِيعُ الدائِمُ عَلى العِبادَةِ، و"الحَنِيفُ": المائِلُ إلى الخَيْرِ والإصْلاحِ، وكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ، لِمَن يَخْتَتِنُ ويَحُجُّ البَيْتَ: حَنِيفًا، وحَذْفُ النُونِ مِن "لَمْ يَكُ" لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، كَحَذْفِهِمْ مِن: لا أُبالِ ولا أدْرِ، وهو أيْضًا لِشَبَهِ النُونِ في حالِ سُكُونِها حُرُوفَ العِلَّةِ لَغُنَّتْها وخِفَّتِها وأنَّها قَدْ تَكُونُ عَلّامَةً وغَيْرَ ذَلِكَ، فَكَأنَّ "لَمْ" هُنا دَخَلَتْ عَلى "يَكُنْ" في (p-٤٢٧)حالِ الجَزْمِ، ولا تُحْذَفُ النُونُ إذا لَمْ تَكُنْ ساكِنَةً في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١] ولا تُحْذَفُ في مِثْلِ هَذا إلّا في الشِعْرِ فَقَدْ جاءَتْ مَحْذُوفَةً، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مُشِيرٌ إلى حالِ تَبَرُّئِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن حالِ مُشْرِكِي العَرَبِ ومُشْرِكِي اليَهُودِ، إذْ كُلُّهُمُ ادَّعاهُ، ويَلْزَمُ الإشْراكُ اليَهُودَ مِن جِهَةِ تَجْسِيمِهِمْ. و"شاكِرًا" صِفَةٌ لِإبْراهِيمَ تابِعَةٌ ما تَقَدَّمَ، و"الأنْعُمُ": جَمْعُ نِعْمَةٍ، و"اجْتَباهُ" مَعْناهُ: تَخَيَّرَهُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً﴾، الحَسَنَةُ: لِسانُ الصِدْقِ وإمامَتُهُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ أمَةٍ مُتَشِرِّعَةٍ فَهي مُقِرَّةٌ أنَّ إيمانَها إيمانُ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ قُدْوَتُها، وأنَّهُ كانَ عَلى الصَوابِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَمِنَ الصالِحِينَ﴾ بِمَعْنى: المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، أيْ: مِنَ الصالِحِينَ في أحْوالِهِمْ ومَراتِبِهِمْ، أو بِمَعْنى أنَّهُ في الآخِرَةِ مِمَّنْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الصالِحِينَ في الدُنْيا، وهَذا عَلى أنَّ الآيَةَ وصْفُ حالَيْهِ في الدارَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: في أعْمالِ الآخِرَةِ، فَعَلى هَذا وصْفُ حالَتِهِ في الأعْمالِ الدُنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوحَيْنا إلَيْكَ﴾ الآيَةُ. الوَحْيُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِهَذا مِن جُمْلَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي آتاها اللهُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ ابْنُ فَوْرِكٍ: وأمْرُ الفاضِلِ بِاتِّباعِ المَفْضُولِ لَمّا تَقَدَّمُ إلى الصَوابِ والعَمَلِ بِهِ، و"أنِ" في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اتَّبِعْ﴾ مُفَسِّرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَعْوِلَةً، و"المِلَّةُ": الطَرِيقَةُ في عَقائِدِ الشَرْعِ، و"حَنِيفًا" حالٌ، والعامِلُ فِيهِ الفِعْلِيَّةُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "اتَّبِعْ" قالَ مَكِّيٌّ: ولا يَكُونُ حالًا مِن إبْراهِيمَ" ؛ لَأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَما قالَ؛ (p-٤٢٨)لَأنَّ الحالَ قَدْ تَعْمَلُ فِيهِ حُرُوفُ الخَفْضِ إذا عَمِلَتْ في ذِي الحالِ، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ قائِمًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جُعِلَ السَبْتُ﴾، أيْ: لَمْ يَكُنْ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وإنَّما جَعَلَهُ اللهُ فَرْضًا عاقَبَ بِهِ القَوْمَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَجْعَلُوا مِنَ الجُمْعَةِ يَوْمًا مُخْتَصًّا بِالعِبادَةِ، وأمَرَهم أنْ يَكُونَ الجُمْعَةَ، فَقالَ جُمْهُورُهُمْ: بَلْ يَكُونُ يَوْمَ السَبْتِ لَأنَّ اللهَ فَرَغَ فِيهِ مَن خَلْقِ مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ غَيْرُهُمْ: بَلْ نَقْبَلُ ما أمَرَ اللهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَراجَعَهُمُ الجُمْهُورُ، فَتابَعَهُمُ الآخَرُونَ، فَألْزَمَهُمُ اللهُ يَوْمَ السَبْتِ إلْزامًا قَوِيًّا عُقُوبَةً مِنهُ لَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ مِنهم ثُبُوتٌ، بَلْ عَصَوْا فِيهِ وتَعَدُّوا فَأُهْلِكُهم. وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّما أنْزَلْنا السَبْتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "جَعَلَ" بِفَتْحِ الجِيمِ والعَيْنِ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ أنَّ اليَهُودَ والنَصارى اخْتَلَفُوا في اليَوْمِ الَّذِي يَخْتَصُّ مِنَ الجُمْعَةِ، فَأخَذَ هَؤُلاءِ السَبْتَ، وهَؤُلاءِ الأحَدَ، فَهَدانا اللهُ نَحْنُ إلى يَوْمِ الجُمْعَةِ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "فَهَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ"،» فَلَيْسَ الِاخْتِلافُ (p-٤٢٩)المَذْكُورُ في الآيَةِ هو الِاخْتِلافُ الَّذِي في الحَدِيثِ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ بَيِّنٌ.

النحل 16:125

قوله عزّ وجلّ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ رَبِّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في وقْتِ الأمْرِ بِمُهادَنَتِهِ لِلْمُشْرِكِينَ، أمْرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَدْعُوَ إلى اللهِ وشَرْعِهِ بِتَلَطُّفٍ، وهو أنْ يَسْمَعَ المَدْعُوُّ حُكْمَهُ، وهو الكَلامُ الصَوابُ القَرِيبُ الواقِعُ في النَفْسِ أجْمَلُ مَوْقِعٍ، و"المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ": التَخْوِيفُ والتَوْجِيهُ والتَلَطُّفُ بِالإنْسانِ، بِأنْ يُجِلَّهُ ويُنَشِّطَهُ ويَجْعَلَهُ بِصُورَةِ مَن يَقْبَلُ الفَضائِلَ، فَهَذِهِ حالَةُ مَن يُدْعى، وحالَةُ مَن يُجادِلُ دُونَ مُخاشَنَةٍ فَتَظْهَرُ عَلَيْهِ دُونَ قِتالٍ، والكَلامُ يُعْطِي أنَّ جِدَّكَ وهَمَّكَ وتَعَبَكَ لا يُغْنِي؛ لَأنَّ اللهَ قَدْ عَلِمَ مَن يُؤْمِنُ مِنهم ويَهْتَدِي، وعِلْمَ مَن يَضِلُّ، فَجُمْلَةُ المَعْنى: اسْلُكْ هَذِهِ السَبِيلَ ولا تَلْجَأْ لِلْمُخاشَنَةِ فَإنَّها غَيْرُ مُجْدِيَةٍ، لَأنَّ عِلْمَ اللهِ قَدْ سَبَقَ بِالمُهْتَدِي مِنهم والضالِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَحْكَمَةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ لِي أنَّ الِاقْتِصارَ عَلى هَذِهِ الحالِ، وألّا يَتَعَدّى مَعَ الكَفَرَةِ مَتى احْتِيجَ إلى المُخاشَنَةِ وهو مَنسُوخٌ لا مَحالَةَ. وأمّا مَن أمْكَنَتْ مَعَهُ هَذِهِ الأحْوالُ مِنَ الكَفّارِ، ويُرْجى إيمانُهُ بِها دُونَ قِتالٍ، فَهي فِيهِ مَحْكَمَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأيْضًا فَهي مُحَكَّمَةٌ في جِهَةِ العُصاةِ، فَهَكَذا يَنْبَغِي أنْ يُوعَظَ المُسْلِمُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا﴾ الآيَةُ، أطْبَقَ أهْلُ التَفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ في شَأْنِ التَمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في يَوْمِ أُحُدٍ، ووَقَعَ ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وفي كِتابِ السِيَرِ، وذَهَبَ النُحاسُ إلى أنَّها مَكِّيَّةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: (p-٤٣٠)والمَعْنى مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَها مِنَ المَكِّيِّ اتِّصالًا حَسَنًا، لَأنَّها تَتَدَرَّجُ الرُتَبُ مِنَ الَّذِي يُدْعى ويُوعَظُ، إلى الَّذِي يُجادِلُ، إلى الَّذِي يُجازى عَلى فِعْلِهِ، ولَكِنْ ما رَوى الجُمْهُورُ أثْبَتَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ تَعَلَّقَ بِمَعْنى الآيَةِ عَلى ما رَوى الجَمْعُ «أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ لَمّا مَثَّلُوا بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَعَ ذَلِكَ مِن نَفْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ: "لَئِنْ أظْفَرَنِي اللهُ بِهِمْ لِأُمَثِّلُنَّ بِثَلاثِينَ -وَفِي كِتابِ النُحاسِ وغَيْرِهِ: بِسَبْعِينَ- مِنهُمْ"، فَقالَ الناسُ: إنْ ظَفَرْنا لَنَفْعَلَنَّ ولَنَفْعَلَنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» ثُمَّ عَزَمَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في الصَبْرِ في الآيَةِ بَعْدَها وسَمّى الإذاياتِ في هَذِهِ الآيَةِ عُقُوبَةً، والعُقُوبَةُ حَقِيقَةً إنَّما هي الثانِيَةُ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَوِي اللَفْظانِ وتَتَناسَبُ دِيباجَةُ القَوْلِ، وهَذا بِعَكْسِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقَوْلُهُ: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، فَإنَّ الثانِي هو المَجازِيُّ، والأوَّلُ هو الحَقِيقَةُ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "وَإنْ عَقَّبْتُمْ فَعَقِّبُوا". وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ ألّا يَنالَ مِن ظالِمِيهِ إذا تَمَكَّنَ إلّا مِثْلَ ظُلامَتِهِ، لا يَتَعَدّاهُ إلى غَيْرِهِ، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيمَن ظَلَمَهُ رَجُلٌ في أخْذِ مالٍ، ثُمَّ ائْتَمَنَ الظالِمُ المَظْلُومَ عَلى مالٍ، هَلْ تَجُوزُ لَهُ خِيانَتُهُ في القَدْرِ الَّذِي ظَلَمَهُ؟ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "لَهُ ذَلِكَ"، مِنهُمُ ابْنُ سِيرِينَ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وسُفْيانُ، ومُجاهِدٌ، واحْتَجَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ وعُمُومِ لَفْظِها، وقالَ مالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ- وفِرْقَةٌ مَعَهُ: "لا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ"، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: « "أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ (p-٤٣١)وَلا تَخُنْ مَن خانَكَ".» ووَقَعَ في مُسْنَدِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ هَذا الحَدِيثَ إنَّما ورَدَ في رَجُلٍ زِنا بِامْرَأةِ آخَرَ، ثُمَّ تَمَكَّنَ الآخَرُ مِن زَوْجَةِ الثانِي بِأنْ تَرَكَها عِنْدَهُ وسافَرَ، فاسْتَشارَ الرَجُلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في الأمْرِ، فَقالَ لَهُ هَذا: قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَقَوّى في أمْرِ المالِ قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ؛ لَأنَّ الخِيانَةَ لاحِقَةٌ في ذَلِكَ، وهي رَذِيلَةٌ لا انْفِكاكَ عنها، ولا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أنْ يَتَأسّى بِغَيْرِهِ في الرَذائِلِ، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَتَجَنَّبَها لِنَفْسِهِ، وأمّا الرَجُلُ يَظْلِمُ في المالِ، ثُمَّ يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِصافِ دُونَ أنْ يُؤْتَمَنَ فَيُشْبِهُ أنَّ ذَلِكَ لَهُ جائِزٌ، يَرى أنَّ اللهَ حَكَمَ لَهُ كَما لَوْ تَمَكَّنَ لَهُ بِالحُكْمِ مِنَ الحاكِمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ﴾، هَذِهِ عَزِيمَةٌ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في الصَبْرِ عَلى المُجازاةِ في التَمْثِيلِ بِالقَتْلى، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها مَحْكَمَةٌ، ويُرْوى أنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: « "أمّا أنا فَأصْبِرُ كَما أُمِرْتُ، فَماذا تَصْنَعُونَ؟"، قالُوا: نَصْبِرُ يا رَسُولَ اللهِ كَما نُدِبْنا،» وقَوْلُهُ: ﴿وَما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ﴾ أيْ: بِمَعُونَةِ اللهِ وتَأْيِيدِهِ لَكَ عَلى ذَلِكَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "عَلَيْهِمْ"، قِيلَ: يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لا تَتَأسَّفُ عَلى أنَّ لَمْ يُسَلِّمُوا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ يَعُودُ عَلى القَتْلى: حَمْزَةَ وأصْحابِهُ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ حَزِنَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، والأوَّلُ أُصَوِّبُ؛ إذْ يَكُونُ عَوْدُ الضَمائِرِ عَلى جِهَةٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي ضَيْقٍ" بِفَتْحِ الضادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ "فِي ضِيقٍ" بِكَسْرِها، (p-٤٣٢)وَرُوِيَتْ عن نافِعٍ وهو غَلَطٌ مِمَّنْ رَواهُ، قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الكَسْرُ والفَتْحُ في الضادِ لُغَتانِ في المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضِيقُ مَصْدَرٌ، والضَيْقُ مُخَفَّفٌ مَن ضَيِّقٍ، كَمَيْتٍ ومَيِّتٍ، وهَيْنٍ وهَيِّنٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: والصَوابُ أنْ يَكُونَ الضَيْقُ لُغَةً في المَصْدَرِ؛ لَأنَّهُ إنْ كانَ مُخَفَّفًا مِن ضَيِّقٍ لَزِمَ أنْ تُقامَ الصِفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّما تَقُومُ الصِفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ إذا تَخَصَّصَ المَوْصُوفُ مِن نَفْسِ الصِفَةِ، كَما تَقُولُ: "رَأيْتُ ضاحِكًا"، فَإنَّما تَخَصِّصُ الإنْسانُ، ولَوْ قُلْتَ: "رَأيْتُ بارِدًا" لَمْ يَحْسُنْ، وبِبارِدٍ مَثَّلَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ، و"ضَيِّقٍ" لا تُخَصِّصُ المَوْصُوفَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: إنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأمْرِ بِالصَبْرِ مَنسُوخٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ: بِالنَصْرِ والمَعُونَةِ والتَأْيِيدِ، و"اتَّقَوْا" يُرِيدُ: المَعاصِي، و"مُحْسِنُونَ" مَعْناهُ: يَزِيدُونَ فِيما نُدِبَ إلَيْهِ مِن فِعْلِ الخَيْرِ. نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَحْلِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ

النحل 16:126

قوله عزّ وجلّ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ رَبِّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في وقْتِ الأمْرِ بِمُهادَنَتِهِ لِلْمُشْرِكِينَ، أمْرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَدْعُوَ إلى اللهِ وشَرْعِهِ بِتَلَطُّفٍ، وهو أنْ يَسْمَعَ المَدْعُوُّ حُكْمَهُ، وهو الكَلامُ الصَوابُ القَرِيبُ الواقِعُ في النَفْسِ أجْمَلُ مَوْقِعٍ، و"المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ": التَخْوِيفُ والتَوْجِيهُ والتَلَطُّفُ بِالإنْسانِ، بِأنْ يُجِلَّهُ ويُنَشِّطَهُ ويَجْعَلَهُ بِصُورَةِ مَن يَقْبَلُ الفَضائِلَ، فَهَذِهِ حالَةُ مَن يُدْعى، وحالَةُ مَن يُجادِلُ دُونَ مُخاشَنَةٍ فَتَظْهَرُ عَلَيْهِ دُونَ قِتالٍ، والكَلامُ يُعْطِي أنَّ جِدَّكَ وهَمَّكَ وتَعَبَكَ لا يُغْنِي؛ لَأنَّ اللهَ قَدْ عَلِمَ مَن يُؤْمِنُ مِنهم ويَهْتَدِي، وعِلْمَ مَن يَضِلُّ، فَجُمْلَةُ المَعْنى: اسْلُكْ هَذِهِ السَبِيلَ ولا تَلْجَأْ لِلْمُخاشَنَةِ فَإنَّها غَيْرُ مُجْدِيَةٍ، لَأنَّ عِلْمَ اللهِ قَدْ سَبَقَ بِالمُهْتَدِي مِنهم والضالِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَحْكَمَةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ لِي أنَّ الِاقْتِصارَ عَلى هَذِهِ الحالِ، وألّا يَتَعَدّى مَعَ الكَفَرَةِ مَتى احْتِيجَ إلى المُخاشَنَةِ وهو مَنسُوخٌ لا مَحالَةَ. وأمّا مَن أمْكَنَتْ مَعَهُ هَذِهِ الأحْوالُ مِنَ الكَفّارِ، ويُرْجى إيمانُهُ بِها دُونَ قِتالٍ، فَهي فِيهِ مَحْكَمَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأيْضًا فَهي مُحَكَّمَةٌ في جِهَةِ العُصاةِ، فَهَكَذا يَنْبَغِي أنْ يُوعَظَ المُسْلِمُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا﴾ الآيَةُ، أطْبَقَ أهْلُ التَفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ في شَأْنِ التَمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في يَوْمِ أُحُدٍ، ووَقَعَ ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وفي كِتابِ السِيَرِ، وذَهَبَ النُحاسُ إلى أنَّها مَكِّيَّةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: (p-٤٣٠)والمَعْنى مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَها مِنَ المَكِّيِّ اتِّصالًا حَسَنًا، لَأنَّها تَتَدَرَّجُ الرُتَبُ مِنَ الَّذِي يُدْعى ويُوعَظُ، إلى الَّذِي يُجادِلُ، إلى الَّذِي يُجازى عَلى فِعْلِهِ، ولَكِنْ ما رَوى الجُمْهُورُ أثْبَتَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ تَعَلَّقَ بِمَعْنى الآيَةِ عَلى ما رَوى الجَمْعُ «أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ لَمّا مَثَّلُوا بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَعَ ذَلِكَ مِن نَفْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ: "لَئِنْ أظْفَرَنِي اللهُ بِهِمْ لِأُمَثِّلُنَّ بِثَلاثِينَ -وَفِي كِتابِ النُحاسِ وغَيْرِهِ: بِسَبْعِينَ- مِنهُمْ"، فَقالَ الناسُ: إنْ ظَفَرْنا لَنَفْعَلَنَّ ولَنَفْعَلَنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» ثُمَّ عَزَمَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في الصَبْرِ في الآيَةِ بَعْدَها وسَمّى الإذاياتِ في هَذِهِ الآيَةِ عُقُوبَةً، والعُقُوبَةُ حَقِيقَةً إنَّما هي الثانِيَةُ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَوِي اللَفْظانِ وتَتَناسَبُ دِيباجَةُ القَوْلِ، وهَذا بِعَكْسِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقَوْلُهُ: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، فَإنَّ الثانِي هو المَجازِيُّ، والأوَّلُ هو الحَقِيقَةُ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "وَإنْ عَقَّبْتُمْ فَعَقِّبُوا". وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ ألّا يَنالَ مِن ظالِمِيهِ إذا تَمَكَّنَ إلّا مِثْلَ ظُلامَتِهِ، لا يَتَعَدّاهُ إلى غَيْرِهِ، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيمَن ظَلَمَهُ رَجُلٌ في أخْذِ مالٍ، ثُمَّ ائْتَمَنَ الظالِمُ المَظْلُومَ عَلى مالٍ، هَلْ تَجُوزُ لَهُ خِيانَتُهُ في القَدْرِ الَّذِي ظَلَمَهُ؟ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "لَهُ ذَلِكَ"، مِنهُمُ ابْنُ سِيرِينَ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وسُفْيانُ، ومُجاهِدٌ، واحْتَجَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ وعُمُومِ لَفْظِها، وقالَ مالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ- وفِرْقَةٌ مَعَهُ: "لا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ"، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: « "أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ (p-٤٣١)وَلا تَخُنْ مَن خانَكَ".» ووَقَعَ في مُسْنَدِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ هَذا الحَدِيثَ إنَّما ورَدَ في رَجُلٍ زِنا بِامْرَأةِ آخَرَ، ثُمَّ تَمَكَّنَ الآخَرُ مِن زَوْجَةِ الثانِي بِأنْ تَرَكَها عِنْدَهُ وسافَرَ، فاسْتَشارَ الرَجُلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في الأمْرِ، فَقالَ لَهُ هَذا: قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَقَوّى في أمْرِ المالِ قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ؛ لَأنَّ الخِيانَةَ لاحِقَةٌ في ذَلِكَ، وهي رَذِيلَةٌ لا انْفِكاكَ عنها، ولا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أنْ يَتَأسّى بِغَيْرِهِ في الرَذائِلِ، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَتَجَنَّبَها لِنَفْسِهِ، وأمّا الرَجُلُ يَظْلِمُ في المالِ، ثُمَّ يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِصافِ دُونَ أنْ يُؤْتَمَنَ فَيُشْبِهُ أنَّ ذَلِكَ لَهُ جائِزٌ، يَرى أنَّ اللهَ حَكَمَ لَهُ كَما لَوْ تَمَكَّنَ لَهُ بِالحُكْمِ مِنَ الحاكِمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ﴾، هَذِهِ عَزِيمَةٌ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في الصَبْرِ عَلى المُجازاةِ في التَمْثِيلِ بِالقَتْلى، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها مَحْكَمَةٌ، ويُرْوى أنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: « "أمّا أنا فَأصْبِرُ كَما أُمِرْتُ، فَماذا تَصْنَعُونَ؟"، قالُوا: نَصْبِرُ يا رَسُولَ اللهِ كَما نُدِبْنا،» وقَوْلُهُ: ﴿وَما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ﴾ أيْ: بِمَعُونَةِ اللهِ وتَأْيِيدِهِ لَكَ عَلى ذَلِكَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "عَلَيْهِمْ"، قِيلَ: يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لا تَتَأسَّفُ عَلى أنَّ لَمْ يُسَلِّمُوا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ يَعُودُ عَلى القَتْلى: حَمْزَةَ وأصْحابِهُ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ حَزِنَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، والأوَّلُ أُصَوِّبُ؛ إذْ يَكُونُ عَوْدُ الضَمائِرِ عَلى جِهَةٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي ضَيْقٍ" بِفَتْحِ الضادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ "فِي ضِيقٍ" بِكَسْرِها، (p-٤٣٢)وَرُوِيَتْ عن نافِعٍ وهو غَلَطٌ مِمَّنْ رَواهُ، قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الكَسْرُ والفَتْحُ في الضادِ لُغَتانِ في المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضِيقُ مَصْدَرٌ، والضَيْقُ مُخَفَّفٌ مَن ضَيِّقٍ، كَمَيْتٍ ومَيِّتٍ، وهَيْنٍ وهَيِّنٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: والصَوابُ أنْ يَكُونَ الضَيْقُ لُغَةً في المَصْدَرِ؛ لَأنَّهُ إنْ كانَ مُخَفَّفًا مِن ضَيِّقٍ لَزِمَ أنْ تُقامَ الصِفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّما تَقُومُ الصِفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ إذا تَخَصَّصَ المَوْصُوفُ مِن نَفْسِ الصِفَةِ، كَما تَقُولُ: "رَأيْتُ ضاحِكًا"، فَإنَّما تَخَصِّصُ الإنْسانُ، ولَوْ قُلْتَ: "رَأيْتُ بارِدًا" لَمْ يَحْسُنْ، وبِبارِدٍ مَثَّلَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ، و"ضَيِّقٍ" لا تُخَصِّصُ المَوْصُوفَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: إنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأمْرِ بِالصَبْرِ مَنسُوخٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ: بِالنَصْرِ والمَعُونَةِ والتَأْيِيدِ، و"اتَّقَوْا" يُرِيدُ: المَعاصِي، و"مُحْسِنُونَ" مَعْناهُ: يَزِيدُونَ فِيما نُدِبَ إلَيْهِ مِن فِعْلِ الخَيْرِ. نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَحْلِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ

النحل 16:127

قوله عزّ وجلّ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ رَبِّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في وقْتِ الأمْرِ بِمُهادَنَتِهِ لِلْمُشْرِكِينَ، أمْرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَدْعُوَ إلى اللهِ وشَرْعِهِ بِتَلَطُّفٍ، وهو أنْ يَسْمَعَ المَدْعُوُّ حُكْمَهُ، وهو الكَلامُ الصَوابُ القَرِيبُ الواقِعُ في النَفْسِ أجْمَلُ مَوْقِعٍ، و"المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ": التَخْوِيفُ والتَوْجِيهُ والتَلَطُّفُ بِالإنْسانِ، بِأنْ يُجِلَّهُ ويُنَشِّطَهُ ويَجْعَلَهُ بِصُورَةِ مَن يَقْبَلُ الفَضائِلَ، فَهَذِهِ حالَةُ مَن يُدْعى، وحالَةُ مَن يُجادِلُ دُونَ مُخاشَنَةٍ فَتَظْهَرُ عَلَيْهِ دُونَ قِتالٍ، والكَلامُ يُعْطِي أنَّ جِدَّكَ وهَمَّكَ وتَعَبَكَ لا يُغْنِي؛ لَأنَّ اللهَ قَدْ عَلِمَ مَن يُؤْمِنُ مِنهم ويَهْتَدِي، وعِلْمَ مَن يَضِلُّ، فَجُمْلَةُ المَعْنى: اسْلُكْ هَذِهِ السَبِيلَ ولا تَلْجَأْ لِلْمُخاشَنَةِ فَإنَّها غَيْرُ مُجْدِيَةٍ، لَأنَّ عِلْمَ اللهِ قَدْ سَبَقَ بِالمُهْتَدِي مِنهم والضالِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَحْكَمَةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ لِي أنَّ الِاقْتِصارَ عَلى هَذِهِ الحالِ، وألّا يَتَعَدّى مَعَ الكَفَرَةِ مَتى احْتِيجَ إلى المُخاشَنَةِ وهو مَنسُوخٌ لا مَحالَةَ. وأمّا مَن أمْكَنَتْ مَعَهُ هَذِهِ الأحْوالُ مِنَ الكَفّارِ، ويُرْجى إيمانُهُ بِها دُونَ قِتالٍ، فَهي فِيهِ مَحْكَمَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأيْضًا فَهي مُحَكَّمَةٌ في جِهَةِ العُصاةِ، فَهَكَذا يَنْبَغِي أنْ يُوعَظَ المُسْلِمُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا﴾ الآيَةُ، أطْبَقَ أهْلُ التَفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ في شَأْنِ التَمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في يَوْمِ أُحُدٍ، ووَقَعَ ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وفي كِتابِ السِيَرِ، وذَهَبَ النُحاسُ إلى أنَّها مَكِّيَّةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: (p-٤٣٠)والمَعْنى مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَها مِنَ المَكِّيِّ اتِّصالًا حَسَنًا، لَأنَّها تَتَدَرَّجُ الرُتَبُ مِنَ الَّذِي يُدْعى ويُوعَظُ، إلى الَّذِي يُجادِلُ، إلى الَّذِي يُجازى عَلى فِعْلِهِ، ولَكِنْ ما رَوى الجُمْهُورُ أثْبَتَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ تَعَلَّقَ بِمَعْنى الآيَةِ عَلى ما رَوى الجَمْعُ «أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ لَمّا مَثَّلُوا بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَعَ ذَلِكَ مِن نَفْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ: "لَئِنْ أظْفَرَنِي اللهُ بِهِمْ لِأُمَثِّلُنَّ بِثَلاثِينَ -وَفِي كِتابِ النُحاسِ وغَيْرِهِ: بِسَبْعِينَ- مِنهُمْ"، فَقالَ الناسُ: إنْ ظَفَرْنا لَنَفْعَلَنَّ ولَنَفْعَلَنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» ثُمَّ عَزَمَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في الصَبْرِ في الآيَةِ بَعْدَها وسَمّى الإذاياتِ في هَذِهِ الآيَةِ عُقُوبَةً، والعُقُوبَةُ حَقِيقَةً إنَّما هي الثانِيَةُ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَوِي اللَفْظانِ وتَتَناسَبُ دِيباجَةُ القَوْلِ، وهَذا بِعَكْسِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقَوْلُهُ: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، فَإنَّ الثانِي هو المَجازِيُّ، والأوَّلُ هو الحَقِيقَةُ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "وَإنْ عَقَّبْتُمْ فَعَقِّبُوا". وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ ألّا يَنالَ مِن ظالِمِيهِ إذا تَمَكَّنَ إلّا مِثْلَ ظُلامَتِهِ، لا يَتَعَدّاهُ إلى غَيْرِهِ، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيمَن ظَلَمَهُ رَجُلٌ في أخْذِ مالٍ، ثُمَّ ائْتَمَنَ الظالِمُ المَظْلُومَ عَلى مالٍ، هَلْ تَجُوزُ لَهُ خِيانَتُهُ في القَدْرِ الَّذِي ظَلَمَهُ؟ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "لَهُ ذَلِكَ"، مِنهُمُ ابْنُ سِيرِينَ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وسُفْيانُ، ومُجاهِدٌ، واحْتَجَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ وعُمُومِ لَفْظِها، وقالَ مالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ- وفِرْقَةٌ مَعَهُ: "لا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ"، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: « "أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ (p-٤٣١)وَلا تَخُنْ مَن خانَكَ".» ووَقَعَ في مُسْنَدِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ هَذا الحَدِيثَ إنَّما ورَدَ في رَجُلٍ زِنا بِامْرَأةِ آخَرَ، ثُمَّ تَمَكَّنَ الآخَرُ مِن زَوْجَةِ الثانِي بِأنْ تَرَكَها عِنْدَهُ وسافَرَ، فاسْتَشارَ الرَجُلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في الأمْرِ، فَقالَ لَهُ هَذا: قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَقَوّى في أمْرِ المالِ قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ؛ لَأنَّ الخِيانَةَ لاحِقَةٌ في ذَلِكَ، وهي رَذِيلَةٌ لا انْفِكاكَ عنها، ولا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أنْ يَتَأسّى بِغَيْرِهِ في الرَذائِلِ، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَتَجَنَّبَها لِنَفْسِهِ، وأمّا الرَجُلُ يَظْلِمُ في المالِ، ثُمَّ يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِصافِ دُونَ أنْ يُؤْتَمَنَ فَيُشْبِهُ أنَّ ذَلِكَ لَهُ جائِزٌ، يَرى أنَّ اللهَ حَكَمَ لَهُ كَما لَوْ تَمَكَّنَ لَهُ بِالحُكْمِ مِنَ الحاكِمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ﴾، هَذِهِ عَزِيمَةٌ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في الصَبْرِ عَلى المُجازاةِ في التَمْثِيلِ بِالقَتْلى، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها مَحْكَمَةٌ، ويُرْوى أنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: « "أمّا أنا فَأصْبِرُ كَما أُمِرْتُ، فَماذا تَصْنَعُونَ؟"، قالُوا: نَصْبِرُ يا رَسُولَ اللهِ كَما نُدِبْنا،» وقَوْلُهُ: ﴿وَما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ﴾ أيْ: بِمَعُونَةِ اللهِ وتَأْيِيدِهِ لَكَ عَلى ذَلِكَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "عَلَيْهِمْ"، قِيلَ: يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لا تَتَأسَّفُ عَلى أنَّ لَمْ يُسَلِّمُوا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ يَعُودُ عَلى القَتْلى: حَمْزَةَ وأصْحابِهُ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ حَزِنَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، والأوَّلُ أُصَوِّبُ؛ إذْ يَكُونُ عَوْدُ الضَمائِرِ عَلى جِهَةٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي ضَيْقٍ" بِفَتْحِ الضادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ "فِي ضِيقٍ" بِكَسْرِها، (p-٤٣٢)وَرُوِيَتْ عن نافِعٍ وهو غَلَطٌ مِمَّنْ رَواهُ، قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الكَسْرُ والفَتْحُ في الضادِ لُغَتانِ في المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضِيقُ مَصْدَرٌ، والضَيْقُ مُخَفَّفٌ مَن ضَيِّقٍ، كَمَيْتٍ ومَيِّتٍ، وهَيْنٍ وهَيِّنٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: والصَوابُ أنْ يَكُونَ الضَيْقُ لُغَةً في المَصْدَرِ؛ لَأنَّهُ إنْ كانَ مُخَفَّفًا مِن ضَيِّقٍ لَزِمَ أنْ تُقامَ الصِفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّما تَقُومُ الصِفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ إذا تَخَصَّصَ المَوْصُوفُ مِن نَفْسِ الصِفَةِ، كَما تَقُولُ: "رَأيْتُ ضاحِكًا"، فَإنَّما تَخَصِّصُ الإنْسانُ، ولَوْ قُلْتَ: "رَأيْتُ بارِدًا" لَمْ يَحْسُنْ، وبِبارِدٍ مَثَّلَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ، و"ضَيِّقٍ" لا تُخَصِّصُ المَوْصُوفَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: إنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأمْرِ بِالصَبْرِ مَنسُوخٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ: بِالنَصْرِ والمَعُونَةِ والتَأْيِيدِ، و"اتَّقَوْا" يُرِيدُ: المَعاصِي، و"مُحْسِنُونَ" مَعْناهُ: يَزِيدُونَ فِيما نُدِبَ إلَيْهِ مِن فِعْلِ الخَيْرِ. نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَحْلِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ

النحل 16:128

قوله عزّ وجلّ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ رَبِّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في وقْتِ الأمْرِ بِمُهادَنَتِهِ لِلْمُشْرِكِينَ، أمْرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَدْعُوَ إلى اللهِ وشَرْعِهِ بِتَلَطُّفٍ، وهو أنْ يَسْمَعَ المَدْعُوُّ حُكْمَهُ، وهو الكَلامُ الصَوابُ القَرِيبُ الواقِعُ في النَفْسِ أجْمَلُ مَوْقِعٍ، و"المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ": التَخْوِيفُ والتَوْجِيهُ والتَلَطُّفُ بِالإنْسانِ، بِأنْ يُجِلَّهُ ويُنَشِّطَهُ ويَجْعَلَهُ بِصُورَةِ مَن يَقْبَلُ الفَضائِلَ، فَهَذِهِ حالَةُ مَن يُدْعى، وحالَةُ مَن يُجادِلُ دُونَ مُخاشَنَةٍ فَتَظْهَرُ عَلَيْهِ دُونَ قِتالٍ، والكَلامُ يُعْطِي أنَّ جِدَّكَ وهَمَّكَ وتَعَبَكَ لا يُغْنِي؛ لَأنَّ اللهَ قَدْ عَلِمَ مَن يُؤْمِنُ مِنهم ويَهْتَدِي، وعِلْمَ مَن يَضِلُّ، فَجُمْلَةُ المَعْنى: اسْلُكْ هَذِهِ السَبِيلَ ولا تَلْجَأْ لِلْمُخاشَنَةِ فَإنَّها غَيْرُ مُجْدِيَةٍ، لَأنَّ عِلْمَ اللهِ قَدْ سَبَقَ بِالمُهْتَدِي مِنهم والضالِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَحْكَمَةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ لِي أنَّ الِاقْتِصارَ عَلى هَذِهِ الحالِ، وألّا يَتَعَدّى مَعَ الكَفَرَةِ مَتى احْتِيجَ إلى المُخاشَنَةِ وهو مَنسُوخٌ لا مَحالَةَ. وأمّا مَن أمْكَنَتْ مَعَهُ هَذِهِ الأحْوالُ مِنَ الكَفّارِ، ويُرْجى إيمانُهُ بِها دُونَ قِتالٍ، فَهي فِيهِ مَحْكَمَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأيْضًا فَهي مُحَكَّمَةٌ في جِهَةِ العُصاةِ، فَهَكَذا يَنْبَغِي أنْ يُوعَظَ المُسْلِمُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا﴾ الآيَةُ، أطْبَقَ أهْلُ التَفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ في شَأْنِ التَمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في يَوْمِ أُحُدٍ، ووَقَعَ ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وفي كِتابِ السِيَرِ، وذَهَبَ النُحاسُ إلى أنَّها مَكِّيَّةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: (p-٤٣٠)والمَعْنى مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَها مِنَ المَكِّيِّ اتِّصالًا حَسَنًا، لَأنَّها تَتَدَرَّجُ الرُتَبُ مِنَ الَّذِي يُدْعى ويُوعَظُ، إلى الَّذِي يُجادِلُ، إلى الَّذِي يُجازى عَلى فِعْلِهِ، ولَكِنْ ما رَوى الجُمْهُورُ أثْبَتَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ تَعَلَّقَ بِمَعْنى الآيَةِ عَلى ما رَوى الجَمْعُ «أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ لَمّا مَثَّلُوا بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَعَ ذَلِكَ مِن نَفْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ: "لَئِنْ أظْفَرَنِي اللهُ بِهِمْ لِأُمَثِّلُنَّ بِثَلاثِينَ -وَفِي كِتابِ النُحاسِ وغَيْرِهِ: بِسَبْعِينَ- مِنهُمْ"، فَقالَ الناسُ: إنْ ظَفَرْنا لَنَفْعَلَنَّ ولَنَفْعَلَنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» ثُمَّ عَزَمَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في الصَبْرِ في الآيَةِ بَعْدَها وسَمّى الإذاياتِ في هَذِهِ الآيَةِ عُقُوبَةً، والعُقُوبَةُ حَقِيقَةً إنَّما هي الثانِيَةُ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَوِي اللَفْظانِ وتَتَناسَبُ دِيباجَةُ القَوْلِ، وهَذا بِعَكْسِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقَوْلُهُ: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، فَإنَّ الثانِي هو المَجازِيُّ، والأوَّلُ هو الحَقِيقَةُ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "وَإنْ عَقَّبْتُمْ فَعَقِّبُوا". وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ ألّا يَنالَ مِن ظالِمِيهِ إذا تَمَكَّنَ إلّا مِثْلَ ظُلامَتِهِ، لا يَتَعَدّاهُ إلى غَيْرِهِ، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيمَن ظَلَمَهُ رَجُلٌ في أخْذِ مالٍ، ثُمَّ ائْتَمَنَ الظالِمُ المَظْلُومَ عَلى مالٍ، هَلْ تَجُوزُ لَهُ خِيانَتُهُ في القَدْرِ الَّذِي ظَلَمَهُ؟ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "لَهُ ذَلِكَ"، مِنهُمُ ابْنُ سِيرِينَ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وسُفْيانُ، ومُجاهِدٌ، واحْتَجَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ وعُمُومِ لَفْظِها، وقالَ مالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ- وفِرْقَةٌ مَعَهُ: "لا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ"، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: « "أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ (p-٤٣١)وَلا تَخُنْ مَن خانَكَ".» ووَقَعَ في مُسْنَدِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ هَذا الحَدِيثَ إنَّما ورَدَ في رَجُلٍ زِنا بِامْرَأةِ آخَرَ، ثُمَّ تَمَكَّنَ الآخَرُ مِن زَوْجَةِ الثانِي بِأنْ تَرَكَها عِنْدَهُ وسافَرَ، فاسْتَشارَ الرَجُلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في الأمْرِ، فَقالَ لَهُ هَذا: قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَقَوّى في أمْرِ المالِ قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ؛ لَأنَّ الخِيانَةَ لاحِقَةٌ في ذَلِكَ، وهي رَذِيلَةٌ لا انْفِكاكَ عنها، ولا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أنْ يَتَأسّى بِغَيْرِهِ في الرَذائِلِ، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَتَجَنَّبَها لِنَفْسِهِ، وأمّا الرَجُلُ يَظْلِمُ في المالِ، ثُمَّ يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِصافِ دُونَ أنْ يُؤْتَمَنَ فَيُشْبِهُ أنَّ ذَلِكَ لَهُ جائِزٌ، يَرى أنَّ اللهَ حَكَمَ لَهُ كَما لَوْ تَمَكَّنَ لَهُ بِالحُكْمِ مِنَ الحاكِمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ﴾، هَذِهِ عَزِيمَةٌ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في الصَبْرِ عَلى المُجازاةِ في التَمْثِيلِ بِالقَتْلى، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها مَحْكَمَةٌ، ويُرْوى أنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: « "أمّا أنا فَأصْبِرُ كَما أُمِرْتُ، فَماذا تَصْنَعُونَ؟"، قالُوا: نَصْبِرُ يا رَسُولَ اللهِ كَما نُدِبْنا،» وقَوْلُهُ: ﴿وَما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ﴾ أيْ: بِمَعُونَةِ اللهِ وتَأْيِيدِهِ لَكَ عَلى ذَلِكَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "عَلَيْهِمْ"، قِيلَ: يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لا تَتَأسَّفُ عَلى أنَّ لَمْ يُسَلِّمُوا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ يَعُودُ عَلى القَتْلى: حَمْزَةَ وأصْحابِهُ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ حَزِنَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، والأوَّلُ أُصَوِّبُ؛ إذْ يَكُونُ عَوْدُ الضَمائِرِ عَلى جِهَةٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي ضَيْقٍ" بِفَتْحِ الضادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ "فِي ضِيقٍ" بِكَسْرِها، (p-٤٣٢)وَرُوِيَتْ عن نافِعٍ وهو غَلَطٌ مِمَّنْ رَواهُ، قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الكَسْرُ والفَتْحُ في الضادِ لُغَتانِ في المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضِيقُ مَصْدَرٌ، والضَيْقُ مُخَفَّفٌ مَن ضَيِّقٍ، كَمَيْتٍ ومَيِّتٍ، وهَيْنٍ وهَيِّنٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: والصَوابُ أنْ يَكُونَ الضَيْقُ لُغَةً في المَصْدَرِ؛ لَأنَّهُ إنْ كانَ مُخَفَّفًا مِن ضَيِّقٍ لَزِمَ أنْ تُقامَ الصِفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّما تَقُومُ الصِفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ إذا تَخَصَّصَ المَوْصُوفُ مِن نَفْسِ الصِفَةِ، كَما تَقُولُ: "رَأيْتُ ضاحِكًا"، فَإنَّما تَخَصِّصُ الإنْسانُ، ولَوْ قُلْتَ: "رَأيْتُ بارِدًا" لَمْ يَحْسُنْ، وبِبارِدٍ مَثَّلَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ، و"ضَيِّقٍ" لا تُخَصِّصُ المَوْصُوفَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: إنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأمْرِ بِالصَبْرِ مَنسُوخٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ: بِالنَصْرِ والمَعُونَةِ والتَأْيِيدِ، و"اتَّقَوْا" يُرِيدُ: المَعاصِي، و"مُحْسِنُونَ" مَعْناهُ: يَزِيدُونَ فِيما نُدِبَ إلَيْهِ مِن فِعْلِ الخَيْرِ. نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَحْلِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ

الإسراء 17:1

(p-٤٣٣)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الإسْراءِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ: قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٦]، نَزَلَتْ حِينَ جاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وفْدُ ثَقِيفَ، وحِينَ قالَتِ اليَهُودُ: "لَيْسَتْ هَذِهِ بِأرْضِ الأنْبِياءِ"، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠]، وقوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] الآيَةُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: في بَنِي إسْرائِيلَ والكَهْفِ: "إنَّهُنَّ مِنَ العَتاقِ، الأُوَلِ، وهُنَّ مَنَّ تِلادِي"، يُرِيدُ أنَّهُنَّ مِن قَدِيمِ كَسْبِهِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنَ آياتِنا إنَّهُ هو السَمِيعُ البَصِيرُ﴾ لَفْظُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أسْرى بِعَبْدِهِ، وهو مُحَمَّدٌ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: (p-٤٣٤)مَعْناهُ: سَرى بِعَبْدِهِ، ويَظْهَرُ أنَّ "أسْرى" مُعَدّاةٌ بِالهَمْزِ إلى مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أسْرى المَلائِكَةُ بِعَبْدِهِ، وذَلِكَ لَأنَّهُ يُقْلِقُ أنْ يُسْنَدَ "أسْرى" -وَهُوَ بِمَعْنى "سَرى"- إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، إذْ هو فِعْلٌ يُعْطِي النَقْلَةَ كَمَشى وجَرى وأحْضَرَ وانْتَقَلَ، فَلا يَحْسُنُ إسْنادُ شَيْءٍ مِن هَذا ونَحْنُ نَجِدُ مَندُوحَةً، فَإذا صَرَّحَتِ الشَرِيعَةُ بِشَيْءٍ مِن هَذا النَحْوِ كَقَوْلِهِ تَعالى في الحَدِيثِ: « "أتَيْتُهُ سَعْيًا، وأتَيْتُهُ هَرْوَلَةً"» حُمِلَ ذَلِكَ بِالتَأْوِيلِ عَلى الوَجْهِ المُخَلِّصِ مِن نَفْيِ الحَوادِثِ، و"أسْرى" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- تَخْرُجُ فَصِيحَةً كَما ذَكَرْنا، ولا تَحْتاجُ إلى تَجَوُّزِ قَلَقٍ في مِثْلِ هَذا اللَفْظِ، فَإنَّهُ ألْزَمُ لِلنَّقْلَةِ مَن "أتَيْتُهُ" و﴿فَأتى اللهُ بُنْيانَهُمْ﴾ [النحل: ٢٦]. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "أسْرى" بِمَعْنى: "سَرى" عَلى حَذْفِ مُضافٍ، كَنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]. ووَقَعَ الإسْراءُ في جَمِيعِ مُصَنَّفاتِ الحَدِيثِ، ورُوِيَ عَنِ الصَحابَةِ في كُلِّ أقْطارِ الإسْلامِ، فَهو مِنَ المُتَواتِرِ بِهَذا الوَجْهِ. وذَكَرَ النَقّاشُ مِمَّنْ رَواهُ عِشْرِينَ صَحابِيًّا، فَرَوى جُمْهُورُ الصَحابَةِ، وتَلَقّى جُلُّ العُلَماءِ مِنهم أنَّ الإسْراءَ كانَ بِشَخْصِهِ ﷺ، وأنَّهُ رَكِبَ البُراقُ مِن مَكَّةَ ووَصَلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وصَلّى فِيهِ. ورَوى حُذَيْفَةُ وغَيْرُهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَنْزِلْ عَنِ البُراقِ في بَيْتِ المَقْدِسِ ولا دَخَلَهُ، - قالَ حُذَيْفَةُ: ولَوْ صَلّى فِيهِ لَكُتِبَتْ عَلَيْكُمُ الصَلاةُ فِيهِ- وأنَّهُ رَكِبَ البُراقَ بِمَكَّةَ ولَمْ يَنْزِلْ عنهُ (p-٤٣٥)حَتّى انْصَرَفَ إلى بَيْتِهِ إلّا في صُعُودِهِ إلى السَماءِ. وقالَتْ عائِشَةُ ومُعاوِيَةُ: إنَّما أُسْرِيَ بِنَفْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ولَمْ يُفارِقْ شَخْصُهُ مَضْجَعَهُ، وإنَّها كانَتْ رُؤْيا رَأى فِيها الحَقائِقَ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ. وجَوَّزَهُ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والحَدِيثُ مُطَوَّلٌ في البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْنا نَصَّهُ في هَذا الكِتابِ، ورُكُوبُ البُراقِ عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ يَكُونُ مِن جُمْلَةِ ما رُئِيَ في النَوْمِ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: البُراقُ هو دابَّةُ إبْراهِيمَ الَّذِي كانَ يَزُورُ عَلَيْهِ البَيْتَ الحَرامَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدانِ: يَجِيءُ مِن يَوْمِهِ ويَرْجِعُ، وذَلِكَ مِن مَسْكَنِهِ بِالشامِ. والصَحِيحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، ولَوْ كانَتْ مَنامَةً ما أمْكَنَ قُرَيْشًا أنْ تُشَنِّعَ، ولا فُضِّلَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالتَصْدِيقِ، ولا قالَتْ لَهُ أمْ هانِيءٍ: لا تُحَدِّثُ الناسَ بِهَذا فَيُكَذِّبُوكَ، إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الدَلائِلِ. واحْتَجَّ لِقَوْلِ عائِشَةَ بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا الرُؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَحْتَمِلُ القَوْلَ الآخَرَ؛ لَأنَّهُ يُقالُ لِرُؤْيَةِ العَيْنِ: رُؤْيا. واحْتَجَّ أيْضًا بِأنْ في بَعْضِ الأحادِيثِ: « "فاسْتَيْقَظْتُ وأنا في المَسْجِدِ الحَرامِ"،» وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَرُدَّ مِنَ الإسْراءِ إلى نَوْمٍ. واعْتُرِضَ قَوْلُ عائِشَةَ بِأنَّها كانَتْ صَغِيرَةً لَمْ تُشاهِدْ ولا حَدَّثَتْ عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأمّا مُعاوِيَةُ فَكانَ كافِرًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، غَيْرَ مُشاهِدٍ لِلْحالِ، صَغِيرًا، ولَمْ يُحَدِّثْ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "سُبْحانَ" مَصْدَرٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ؛ لَأنَّهُ لا يَجْرِي بِوُجُوهِ الإعْرابِ، ولا تَدْخُلُ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ، ولِمَ يَجِيءْ مِنهُ فَعَلَ، وسَبَّحَ مَعْناهُ: قالَ سُبْحانَ اللهِ، فَلَمْ تُسْتَعْمَلْ سَبَّحَ إلّا إشارَةً إلى سُبْحانَ، ولَمْ يَتَصَرَّفْ لَأنَّ في آخِرِهِ زائِدَتَيْنِ، وهو مَعْرِفَةٌ (p-٤٣٦)بِالعَلَمِيَّةِ وإضافَتُهُ لا تَزِيدُهُ تَعْرِيفًا، هَذا كُلُّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ فِيهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَصْبُهُ عَلى النِداءِ، كَأنَّهُ قالَ: يا سُبْحانَ الَّذِي أسْرى. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، ومَعْناهُ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ. «وَرَوى طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الفَيّاضُ أحَدُ العَشْرَةِ أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما مَعْنى "سُبْحانَ اللهِ"؟ فَقالَ: "تَنْزِيهٌ لِلَّهِ مِن كُلِّ سُوءٍ"،» والعامِلُ فِيهِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ الفِعْلُ الَّذِي هو مِن مَعْناهُ لا مِن لَفْظِهِ إذْ يَجُرُّ مِن لَفْظِهِ فَعَلَ، وذَلِكَ مِثْلَ: "قَعَدَ القُرْفُصاءَ واشْتَمَلَ الصَمّاءَ"، فالتَقْدِيرُ عِنْدَهُ: أُنَزِّهُ اللهَ تَنْزِيهًا، فَوَقَعَ "سُبْحانَ" مَكانَ قَوْلِكَ: تَنْزِيهًا. وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "أسْرى" فِعْلٌ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، عَدّاهُ هُنا بِحَرْفِ الجَرِّ، تَقُولُ: أسَرى الرَجُلُ وسَرى إذا سارَ بِاللَيْلِ بِمَعْنى. وقَدْ ذَكَرْتُ ما يَظْهَرُ في اللَفْظِ مِن جِهَةِ العَقِيدَةِ. وقَرَأ حُذَيْفَةُ وابْنُ مَسْعُودٍ: "أسْرى بِعَبْدِهِ مِنَ اللَيْلِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾. قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: أرادَ المَسْجِدَ المُحِيطَ بِالكَعْبَةِ نَفْسِها، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ: هو الَّذِي يُعْرَفُ إذا ذُكِرَ هَذا الِاسْمُ، ورَوى الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: « "بَيْنَما أنا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النائِمِ واليَقْظانِ"،» وذَكَرَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ الكَشِّيِّ في تَفْسِيرِهِ، عن سُفْيانَ الثَوْرِيِّ أنَّهُ قالَ: (p-٤٣٧)أُسْرِيَ بِالنَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن شِعْبِ أبِي طالِبٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "المَسْجِدِ الحَرامِ" مَكَّةُ كُلُّها، واسْتَنَدُوا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وعَظُمَ المَقْصِدُ هُنا إنَّما هو مَكَّةُ. ورَوى بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ عن أُمِّ هانِئٍ أنَّها قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الإسْراءِ في بَيْتِي، ورُوِيَ بَعْضُها عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: « "خَرَجَ سَقْفُ بَيْتِي"،» وهَذا يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِ أُمِّ هانِئٍ رَضِيَ اللهُ عنها. وكانَ الإسْراءُ فِيما قالَ مُقاتِلٌ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِعامٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: بِعامٍ ونِصْفٍ، قالَهُ عُرْوَةُ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وكانَ ذَلِكَ في رَجَبٍ، وقِيلَ: في لَيْلَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ مِن رَبِيعٍ الأوَّلِ، والنَبِيُّ ﷺ ابْنُ إحْدى وخَمْسِينَ سَنَةً وتِسْعَةَ أشْهُرٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، والمُتَحَقِّقُ أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ شَقِّ الصَحِيفَةِ، وقِيلَ: بَيْعَةُ العَقَبَةِ، ووَقَعَ في الصَحِيحَيْنِ لِشَرِيكِ بْنِ أبِي نَمْرٍ وهُمٌ في هَذا المَعْنى، فَإنَّهُ رَوى حَدِيثَ الإسْراءِ فَقالَ فِيهِ: "وَذَلِكَ قَبْلَ الوَحْيِ إلَيْهِ". ولا خِلافَ بَيْنِ المُحَدِّثِينَ أنَّ هَذا وهُمٌ مِن شَرِيكٍ. و"المَسْجِدِ الأقْصى" مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وسَمّاهُ "الأقْصى" أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، كانَ أقْصى بُيُوتِ اللهِ الفاضِلَةِ مِنَ الكَعْبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الأقْصى": البَعِيدُ، دُونَ مُفاضَلَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ سِواهُ، ويَكُونُ المَقْصِدُ إظْهارَ العَجَبِ في الإسْراءِ إلى هَذا البُعْدِ في لَيْلَةٍ. (p-٤٣٨)والبَرَكَةُ حَوْلَهُ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما النُبُوَّةُ والشَرائِعُ والرُسُلُ الَّذِينَ كانُوا في ذَلِكَ القُطْرِ وفي نَواحِيهِ ونَوادِيهِ، والأُخْرى النِعَمُ مِنَ الأشْجارِ والمِياهِ والأرْضِ المُفِيدَةِ الَّتِي خَصَّ اللهُ الشامَ بِها، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللهَ بارَكَ فِيما بَيْنُ العَرِيشِ إلى الفُراتِ، وخَصَّ فِلَسْطِينَ بِالتَقْدِيسِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ يُرِيدُ: لِنُرِيَ مُحَمَّدًا بِعَيْنِهِ آياتِنا في السَماواتِ، والمَلائِكَةِ، والجَنَّةِ، والسِدْرَةِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا رَآهُ تِلْكَ اللَيْلَةَ مِنَ العَجائِبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِنُرِيَ مُحَمَّدًا صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلنّاسِ آيَةً، أيْ: يَكُونُ النَبِيُّ ﷺ آيَةً في أنْ يَصْنَعَ اللهُ لِبَشَرٍ هَذا الصُنْعَ، وتَكُونُ الرُؤْيَةُ -عَلى هَذا- رُؤْيَةَ قَلْبٍ. ولا خِلافَ أنَّ في هَذا الإسْراءِ فُرِضَتِ الصَلَواتُ الخَمْسُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ هو السَمِيعُ البَصِيرُ﴾ وعِيدٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِلْكُفّارِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أمْرِ الإسْراءِ، فَهي إشارَةٌ لَطِيفَةٌ بَلِيغَةٌ إلى ذَلِكَ، أيْ: هو السَمِيعُ لِما تَقُولُونَ، البَصِيرُ بِأفْعالِكم.

الإسراء 17:2

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ عَطَفَ قَوْلَهَ تَعالى: "وَآتَيْنا" عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] مِن تَقْدِيرِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قالَ: أسْرَيْنا بِعَبْدِنا وأرَيْناهُ آياتِنا، و"الكِتابَ": التَوْراةُ، والضَمِيرُ في "جَعَلْناهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُعَوَّدَ عَلى "الكِتابَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى " مُوسى " عَلَيْهِ السَلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ألّا تَتَّخِذُوا" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: كَراهِيَةَ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِتَقْدِيرِ: بِألا تَتَّخِذُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً بِمَعْنى: أيْ، كَما قالَ: ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾ [ص: ٦]، فَهي في هَذا مَعَ أمْرٍ، وهي في آياتِنا هَذِهِ مَعَ نَهْيٍ، والمَعْنى في هَذِهِ التَقْدِيراتِ: جَعَلْنا ذَلِكَ لِئَلّا تَتَّخِذُوا يا ذَرِّيَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ذُرِّيَّةَ" مَفْعُولًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" زائِدَةً، ويُضْمَرُ في الكَلامِ قَوْلٌ تَقْدِيرُهُ: قُلْنا لَهُمْ: لا تَتَّخِذُوا، (p-٤٣٩)وَأمّا أنْ يُضْمَرَ القَوْلُ ولا تَجْعَلَ "أنْ" زائِدَةً فَلا يَتَّجِهُ؛ لَأنَّ ما بَعْدَ القَوْلِ إمّا أنْ يَكُونَ جُمْلَةً تُحْكى، وإمّا أنْ يَكُونَ تَرْجَمَةً عن كَلامٍ لا هو بِعَيْنِهِ، فَيَعْمَلُ القَوْلُ في التَرْجَمَةِ كَما تَقُولُ -لِمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ-: قُلْتَ حَقًّا، وقَوْلُهُ: "ألّا تَتَّخِذُوا" عَلى المُخاطَبَةِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ألّا تَتَّخِذُوا" عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "ألّا يَتَّخِذُوا" بِالياءِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعِيسى، وأبِي رَجاءٍ. و"الوَكِيلُ" فَعِيلَ مِنَ التَوَكُّلِ، أيْ: مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ في الأُمُورِ، فَهو يُؤَلِّهُهُ بِهَذا الوَجْهِ، قالَ مُجاهِدٌ: "وَكِيلًا": شَرِيكًا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذُرِّيَّةَ" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ عامِرٌ بِفَتْحِها، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبانُ بْنُ عُثْمانَ، ومُجاهِدٌ أيْضًا بِكَسْرِها، وكُلُّ هَذا بِشَدِّ الراءِ والياءِ، ورُوِيَتْ عن زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ بِفَتْحِ الذالِ وتَسْهِيلِ الراءِ وشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ فَعِيلَةٍ، و"ذُرِّيَّةَ" وزْنُها فَعُولَةٌ، أصْلُها "ذُرُورَةٌ"، أُبْدِلَتِ الراءُ الثانِيَةُ ياءً وأُدْغِمَتْ ثُمَّ كُسِرَتِ الراءُ لِتُناسِبِ الياءِ، وكُلِّ هَؤُلاءِ قَرَءُوا: "ذُرِّيَّةَ" بِالنَصْبِ، وذَلِكَ مُتَّجِهٌ، إمّا عَلى المَفْعُولِ بِـ "يَتَّخِذُوا"، ويَكُونُ المَعْنى: أنْ لا يُتَّخَذَ بَشَرٌ إلَهًا مِن دُونِ اللهِ، وإمّا عَلى النِداءِ، أيْ: يا ذَرِّيَّةَ، فَهي مُخاطَبَةٌ لِلْعالَمِ، قالَ قَوْمٌ: وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "ألّا تَتَّخِذُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ولا يَجُوزُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالياءِ مِن تَحْتٍ؛ لَأنَّ الفِعْلَ لِغائِبٍ والنِداءَ لِمُخاطَبٍ، والخُرُوجُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ إنَّما يُسْتَسْهَلُ مَعَ دَلالَةِ الكَلامِ عَلى المُرادِ، وفي النِداءِ لا دَلالَةَ إلّا عَلى غايَةِ التَكَلُّفِ، وإمّا عَلى النَصْبِ بِإضْمارِ أعْنِي، وإمّا عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "وَكِيلًا"، وهَذا أيْضًا فِيهِ تَكَلُّفٌ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ذَرِّيَّةُ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "يَتَّخِذُوا"، وهَذا أيْضًا يَتَوَجَّهُ عَلى القِراءَةِ بِالياءِ، ولا يَجُوزُ عَلى القِراءَةِ بِالتاءِ؛ لَأنَّهُ لا يُبَدَّلُ مِن ضَمِيرٍ مُخاطَبٍ، لَوْ قُلْتُ: "ضَرَبْتُكَ زَيْدًا" عَلى البَدَلِ لَمْ يَجُزْ. وقَوْلُهُ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ إنَّما عَبَّرَ بِهَذِهِ العِبارَةِ عَنِ الناسِ الَّذِينَ عَناهم في الآيَةِ بِحَسْبِ الخِلافِ المَذْكُورِ، ولَأنَّ في هَذِهِ العِبارَةِ تَعْدِيدَ النِعْمَةِ عَلى الناسِ في الإنْجاءِ المُؤَدِّي إلى وُجُودِهِمْ، ويَقْبُحُ الكُفْرُ والعِصْيانُ مَعَ هَذِهِ النِعْمَةِ، والَّذِينَ حُمِلُوا مَعَ نُوحٍ وأنْسَلُوا هم بَنُوهُ لِصُلْبِهِ؛ لَأنَّهُ آدَمُ الأصْغَرُ، وكُلُّ مِن عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مَن نَسَلِهِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وإنْ كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَلَمْ يَنْسَلْ. قالَ النَقّاشُ: اسْمُ نُوحٍ عَبْدُ الجَبّارِ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: اسْمُهُ فَرَجٌ، ووَصَفَهُ بِالشُكْرِ لَأنَّهُ كانَ يَحْمَدُ اللهَ في كُلِّ حالٍ، وعَلى كُلِّ نِعْمَةٍ، عَلى (p-٤٤٠)المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ والبِرازِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ﷺ. قالَهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي مَرْيَمَ، وقَتادَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةُ، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى "قَضَيْنا" فَرَغْنا، وحُكِيَ عن غَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: "قَضَيْنا" هُنا بِمَعْنى: أخْبَرْنا، وحُكِيَ عن آخَرِينَ أنَّهم قالُوا: "قَضَيْنا" مَعْناهُ: في أُمِّ الكِتابِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يُلْبِسُ في هَذا المَكانِ تَعْدِيَةُ "قَضَيْنا" بِـ "إلى"، وتَلْخِيصُ الكَلامِ عِنْدِي أنَّ هَذا الأمْرَ هو مِمّا قَضاهُ اللهُ تَعالى في أُمِّ الكِتابِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وألْزَمَهم إيّاهُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِهِ في التَوْراةِ عَلى لِسانِ مُوسى، فَلَمّا أرادَ هُنا الإعْلامَ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا في إيجازٍ جَعَلَ "قَضَيْنا" دالَّةً عَلى النُفُوذِ في أُمِّ الكِتابِ، وقَرَنَ بِها "إلى" دالَّةً عَلى إنْزالِ الخَيْرِ بِذَلِكَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ والمَعْنى المَقْصُودُ مَفْهُومٌ خِلالَ هَذِهِ الألْفاظِ، ولِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مَرَّةً بِأنْ قالَ: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مَعْناهُ: أعْلَمْناهُمْ، وقالَ مَرَّةً: مَعْناهُ: قَضَيْنا عَلَيْهِمْ و"الكِتابِ" هُنا التَوْراةُ؛ لَأنَّ القَسَمَ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: "لَتُفْسِدُنَّ" غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ مَعَ أنْ يُجْعَلَ "الكِتابُ" هو اللَوْحُ المَحْفُوظُ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ الرَياحِيِّ: "فِي الكُتُبِ" عَلى الجَمْعِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ الناسِ عَلى الإفْرادِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَتُفْسِدُنَّ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ "لَتَفْسُدُنَّ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ السِينِ والدالِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ: "لَتُفْسَدُنَّ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ السِينِ وضَمِّ الدالِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلَتَعْلُنَّ" أيْ: لَتَتَكَبَّرُنَّ عن طاعَةِ الآمِرِينَ بِطاعَةِ اللهِ، وتَطْلُبُونَ في الأرْضِ العُلُوَّ والفَسادَ، وتَظْلِمُونَ مَن قَدَرْتُمْ عَلى ظُلْمِهِمْ، ونَحْوَ هَذا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومُقْتَضى هَذِهِ الآياتِ أنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمَ بَنِي إسْرائِيلَ في التَوْراةِ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهم عِصْيانٌ وطُغْيانٌ وكُفْرٌ لِنِعَمِ اللهِ تَعالى عِنْدَهم في الرُسُلِ والكُتُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأنَّهُ سَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ أمَةً تَغْلِبُهم وتَقْتُلُهم وتُذِلُّهُمْ، ثُمَّ يَرْحَمُهم بَعْدَ ذَلِكَ ويَجْعَلُ لَهُمُ الكَرَّةَ ويَرُدُّهم إلى حالِهِمُ الأُولى مِنَ الظُهُورِ، فَيَقَعُ مِنهُمُ المَعاصِي وكُفْرُ النِعَمِ، والظُلْمُ والقَتْلُ، والكُفْرُ بِاللهِ مِن بَعْضِهِمْ، فَيَبْعَثُ اللهُ عَلَيْهِمْ أُمَّةً أُخْرى تُخَرِّبُ دِيارَهم وتَقْتُلُهم (p-٤٤١)وَتُجْلِيهِمْ جَلاءً مُبَرِّحًا، وأعْطى الوُجُودَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذا الأمْرَ كُلَّهُ، وقِيلَ: كانَ بَيْنَ المَرَّتَيْنِ: آخِرُ الأولى وأوَّلُ الثانِيَةِ مِائَتا سَنَةٍ وعَشْرُ سِنِينَ مُلْكًا مُؤَبَّدًا بِأنْبِياءَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ سَنَةً.

الإسراء 17:3

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ عَطَفَ قَوْلَهَ تَعالى: "وَآتَيْنا" عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] مِن تَقْدِيرِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قالَ: أسْرَيْنا بِعَبْدِنا وأرَيْناهُ آياتِنا، و"الكِتابَ": التَوْراةُ، والضَمِيرُ في "جَعَلْناهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُعَوَّدَ عَلى "الكِتابَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى " مُوسى " عَلَيْهِ السَلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ألّا تَتَّخِذُوا" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: كَراهِيَةَ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِتَقْدِيرِ: بِألا تَتَّخِذُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً بِمَعْنى: أيْ، كَما قالَ: ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾ [ص: ٦]، فَهي في هَذا مَعَ أمْرٍ، وهي في آياتِنا هَذِهِ مَعَ نَهْيٍ، والمَعْنى في هَذِهِ التَقْدِيراتِ: جَعَلْنا ذَلِكَ لِئَلّا تَتَّخِذُوا يا ذَرِّيَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ذُرِّيَّةَ" مَفْعُولًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" زائِدَةً، ويُضْمَرُ في الكَلامِ قَوْلٌ تَقْدِيرُهُ: قُلْنا لَهُمْ: لا تَتَّخِذُوا، (p-٤٣٩)وَأمّا أنْ يُضْمَرَ القَوْلُ ولا تَجْعَلَ "أنْ" زائِدَةً فَلا يَتَّجِهُ؛ لَأنَّ ما بَعْدَ القَوْلِ إمّا أنْ يَكُونَ جُمْلَةً تُحْكى، وإمّا أنْ يَكُونَ تَرْجَمَةً عن كَلامٍ لا هو بِعَيْنِهِ، فَيَعْمَلُ القَوْلُ في التَرْجَمَةِ كَما تَقُولُ -لِمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ-: قُلْتَ حَقًّا، وقَوْلُهُ: "ألّا تَتَّخِذُوا" عَلى المُخاطَبَةِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ألّا تَتَّخِذُوا" عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "ألّا يَتَّخِذُوا" بِالياءِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعِيسى، وأبِي رَجاءٍ. و"الوَكِيلُ" فَعِيلَ مِنَ التَوَكُّلِ، أيْ: مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ في الأُمُورِ، فَهو يُؤَلِّهُهُ بِهَذا الوَجْهِ، قالَ مُجاهِدٌ: "وَكِيلًا": شَرِيكًا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذُرِّيَّةَ" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ عامِرٌ بِفَتْحِها، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبانُ بْنُ عُثْمانَ، ومُجاهِدٌ أيْضًا بِكَسْرِها، وكُلُّ هَذا بِشَدِّ الراءِ والياءِ، ورُوِيَتْ عن زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ بِفَتْحِ الذالِ وتَسْهِيلِ الراءِ وشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ فَعِيلَةٍ، و"ذُرِّيَّةَ" وزْنُها فَعُولَةٌ، أصْلُها "ذُرُورَةٌ"، أُبْدِلَتِ الراءُ الثانِيَةُ ياءً وأُدْغِمَتْ ثُمَّ كُسِرَتِ الراءُ لِتُناسِبِ الياءِ، وكُلِّ هَؤُلاءِ قَرَءُوا: "ذُرِّيَّةَ" بِالنَصْبِ، وذَلِكَ مُتَّجِهٌ، إمّا عَلى المَفْعُولِ بِـ "يَتَّخِذُوا"، ويَكُونُ المَعْنى: أنْ لا يُتَّخَذَ بَشَرٌ إلَهًا مِن دُونِ اللهِ، وإمّا عَلى النِداءِ، أيْ: يا ذَرِّيَّةَ، فَهي مُخاطَبَةٌ لِلْعالَمِ، قالَ قَوْمٌ: وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "ألّا تَتَّخِذُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ولا يَجُوزُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالياءِ مِن تَحْتٍ؛ لَأنَّ الفِعْلَ لِغائِبٍ والنِداءَ لِمُخاطَبٍ، والخُرُوجُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ إنَّما يُسْتَسْهَلُ مَعَ دَلالَةِ الكَلامِ عَلى المُرادِ، وفي النِداءِ لا دَلالَةَ إلّا عَلى غايَةِ التَكَلُّفِ، وإمّا عَلى النَصْبِ بِإضْمارِ أعْنِي، وإمّا عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "وَكِيلًا"، وهَذا أيْضًا فِيهِ تَكَلُّفٌ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ذَرِّيَّةُ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "يَتَّخِذُوا"، وهَذا أيْضًا يَتَوَجَّهُ عَلى القِراءَةِ بِالياءِ، ولا يَجُوزُ عَلى القِراءَةِ بِالتاءِ؛ لَأنَّهُ لا يُبَدَّلُ مِن ضَمِيرٍ مُخاطَبٍ، لَوْ قُلْتُ: "ضَرَبْتُكَ زَيْدًا" عَلى البَدَلِ لَمْ يَجُزْ. وقَوْلُهُ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ إنَّما عَبَّرَ بِهَذِهِ العِبارَةِ عَنِ الناسِ الَّذِينَ عَناهم في الآيَةِ بِحَسْبِ الخِلافِ المَذْكُورِ، ولَأنَّ في هَذِهِ العِبارَةِ تَعْدِيدَ النِعْمَةِ عَلى الناسِ في الإنْجاءِ المُؤَدِّي إلى وُجُودِهِمْ، ويَقْبُحُ الكُفْرُ والعِصْيانُ مَعَ هَذِهِ النِعْمَةِ، والَّذِينَ حُمِلُوا مَعَ نُوحٍ وأنْسَلُوا هم بَنُوهُ لِصُلْبِهِ؛ لَأنَّهُ آدَمُ الأصْغَرُ، وكُلُّ مِن عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مَن نَسَلِهِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وإنْ كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَلَمْ يَنْسَلْ. قالَ النَقّاشُ: اسْمُ نُوحٍ عَبْدُ الجَبّارِ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: اسْمُهُ فَرَجٌ، ووَصَفَهُ بِالشُكْرِ لَأنَّهُ كانَ يَحْمَدُ اللهَ في كُلِّ حالٍ، وعَلى كُلِّ نِعْمَةٍ، عَلى (p-٤٤٠)المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ والبِرازِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ﷺ. قالَهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي مَرْيَمَ، وقَتادَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةُ، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى "قَضَيْنا" فَرَغْنا، وحُكِيَ عن غَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: "قَضَيْنا" هُنا بِمَعْنى: أخْبَرْنا، وحُكِيَ عن آخَرِينَ أنَّهم قالُوا: "قَضَيْنا" مَعْناهُ: في أُمِّ الكِتابِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يُلْبِسُ في هَذا المَكانِ تَعْدِيَةُ "قَضَيْنا" بِـ "إلى"، وتَلْخِيصُ الكَلامِ عِنْدِي أنَّ هَذا الأمْرَ هو مِمّا قَضاهُ اللهُ تَعالى في أُمِّ الكِتابِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وألْزَمَهم إيّاهُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِهِ في التَوْراةِ عَلى لِسانِ مُوسى، فَلَمّا أرادَ هُنا الإعْلامَ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا في إيجازٍ جَعَلَ "قَضَيْنا" دالَّةً عَلى النُفُوذِ في أُمِّ الكِتابِ، وقَرَنَ بِها "إلى" دالَّةً عَلى إنْزالِ الخَيْرِ بِذَلِكَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ والمَعْنى المَقْصُودُ مَفْهُومٌ خِلالَ هَذِهِ الألْفاظِ، ولِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مَرَّةً بِأنْ قالَ: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مَعْناهُ: أعْلَمْناهُمْ، وقالَ مَرَّةً: مَعْناهُ: قَضَيْنا عَلَيْهِمْ و"الكِتابِ" هُنا التَوْراةُ؛ لَأنَّ القَسَمَ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: "لَتُفْسِدُنَّ" غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ مَعَ أنْ يُجْعَلَ "الكِتابُ" هو اللَوْحُ المَحْفُوظُ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ الرَياحِيِّ: "فِي الكُتُبِ" عَلى الجَمْعِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ الناسِ عَلى الإفْرادِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَتُفْسِدُنَّ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ "لَتَفْسُدُنَّ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ السِينِ والدالِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ: "لَتُفْسَدُنَّ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ السِينِ وضَمِّ الدالِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلَتَعْلُنَّ" أيْ: لَتَتَكَبَّرُنَّ عن طاعَةِ الآمِرِينَ بِطاعَةِ اللهِ، وتَطْلُبُونَ في الأرْضِ العُلُوَّ والفَسادَ، وتَظْلِمُونَ مَن قَدَرْتُمْ عَلى ظُلْمِهِمْ، ونَحْوَ هَذا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومُقْتَضى هَذِهِ الآياتِ أنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمَ بَنِي إسْرائِيلَ في التَوْراةِ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهم عِصْيانٌ وطُغْيانٌ وكُفْرٌ لِنِعَمِ اللهِ تَعالى عِنْدَهم في الرُسُلِ والكُتُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأنَّهُ سَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ أمَةً تَغْلِبُهم وتَقْتُلُهم وتُذِلُّهُمْ، ثُمَّ يَرْحَمُهم بَعْدَ ذَلِكَ ويَجْعَلُ لَهُمُ الكَرَّةَ ويَرُدُّهم إلى حالِهِمُ الأُولى مِنَ الظُهُورِ، فَيَقَعُ مِنهُمُ المَعاصِي وكُفْرُ النِعَمِ، والظُلْمُ والقَتْلُ، والكُفْرُ بِاللهِ مِن بَعْضِهِمْ، فَيَبْعَثُ اللهُ عَلَيْهِمْ أُمَّةً أُخْرى تُخَرِّبُ دِيارَهم وتَقْتُلُهم (p-٤٤١)وَتُجْلِيهِمْ جَلاءً مُبَرِّحًا، وأعْطى الوُجُودَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذا الأمْرَ كُلَّهُ، وقِيلَ: كانَ بَيْنَ المَرَّتَيْنِ: آخِرُ الأولى وأوَّلُ الثانِيَةِ مِائَتا سَنَةٍ وعَشْرُ سِنِينَ مُلْكًا مُؤَبَّدًا بِأنْبِياءَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ سَنَةً.

الإسراء 17:4

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ عَطَفَ قَوْلَهَ تَعالى: "وَآتَيْنا" عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] مِن تَقْدِيرِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قالَ: أسْرَيْنا بِعَبْدِنا وأرَيْناهُ آياتِنا، و"الكِتابَ": التَوْراةُ، والضَمِيرُ في "جَعَلْناهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُعَوَّدَ عَلى "الكِتابَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى " مُوسى " عَلَيْهِ السَلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ألّا تَتَّخِذُوا" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: كَراهِيَةَ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِتَقْدِيرِ: بِألا تَتَّخِذُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً بِمَعْنى: أيْ، كَما قالَ: ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾ [ص: ٦]، فَهي في هَذا مَعَ أمْرٍ، وهي في آياتِنا هَذِهِ مَعَ نَهْيٍ، والمَعْنى في هَذِهِ التَقْدِيراتِ: جَعَلْنا ذَلِكَ لِئَلّا تَتَّخِذُوا يا ذَرِّيَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ذُرِّيَّةَ" مَفْعُولًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" زائِدَةً، ويُضْمَرُ في الكَلامِ قَوْلٌ تَقْدِيرُهُ: قُلْنا لَهُمْ: لا تَتَّخِذُوا، (p-٤٣٩)وَأمّا أنْ يُضْمَرَ القَوْلُ ولا تَجْعَلَ "أنْ" زائِدَةً فَلا يَتَّجِهُ؛ لَأنَّ ما بَعْدَ القَوْلِ إمّا أنْ يَكُونَ جُمْلَةً تُحْكى، وإمّا أنْ يَكُونَ تَرْجَمَةً عن كَلامٍ لا هو بِعَيْنِهِ، فَيَعْمَلُ القَوْلُ في التَرْجَمَةِ كَما تَقُولُ -لِمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ-: قُلْتَ حَقًّا، وقَوْلُهُ: "ألّا تَتَّخِذُوا" عَلى المُخاطَبَةِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ألّا تَتَّخِذُوا" عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "ألّا يَتَّخِذُوا" بِالياءِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعِيسى، وأبِي رَجاءٍ. و"الوَكِيلُ" فَعِيلَ مِنَ التَوَكُّلِ، أيْ: مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ في الأُمُورِ، فَهو يُؤَلِّهُهُ بِهَذا الوَجْهِ، قالَ مُجاهِدٌ: "وَكِيلًا": شَرِيكًا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذُرِّيَّةَ" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ عامِرٌ بِفَتْحِها، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبانُ بْنُ عُثْمانَ، ومُجاهِدٌ أيْضًا بِكَسْرِها، وكُلُّ هَذا بِشَدِّ الراءِ والياءِ، ورُوِيَتْ عن زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ بِفَتْحِ الذالِ وتَسْهِيلِ الراءِ وشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ فَعِيلَةٍ، و"ذُرِّيَّةَ" وزْنُها فَعُولَةٌ، أصْلُها "ذُرُورَةٌ"، أُبْدِلَتِ الراءُ الثانِيَةُ ياءً وأُدْغِمَتْ ثُمَّ كُسِرَتِ الراءُ لِتُناسِبِ الياءِ، وكُلِّ هَؤُلاءِ قَرَءُوا: "ذُرِّيَّةَ" بِالنَصْبِ، وذَلِكَ مُتَّجِهٌ، إمّا عَلى المَفْعُولِ بِـ "يَتَّخِذُوا"، ويَكُونُ المَعْنى: أنْ لا يُتَّخَذَ بَشَرٌ إلَهًا مِن دُونِ اللهِ، وإمّا عَلى النِداءِ، أيْ: يا ذَرِّيَّةَ، فَهي مُخاطَبَةٌ لِلْعالَمِ، قالَ قَوْمٌ: وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "ألّا تَتَّخِذُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ولا يَجُوزُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالياءِ مِن تَحْتٍ؛ لَأنَّ الفِعْلَ لِغائِبٍ والنِداءَ لِمُخاطَبٍ، والخُرُوجُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ إنَّما يُسْتَسْهَلُ مَعَ دَلالَةِ الكَلامِ عَلى المُرادِ، وفي النِداءِ لا دَلالَةَ إلّا عَلى غايَةِ التَكَلُّفِ، وإمّا عَلى النَصْبِ بِإضْمارِ أعْنِي، وإمّا عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "وَكِيلًا"، وهَذا أيْضًا فِيهِ تَكَلُّفٌ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ذَرِّيَّةُ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "يَتَّخِذُوا"، وهَذا أيْضًا يَتَوَجَّهُ عَلى القِراءَةِ بِالياءِ، ولا يَجُوزُ عَلى القِراءَةِ بِالتاءِ؛ لَأنَّهُ لا يُبَدَّلُ مِن ضَمِيرٍ مُخاطَبٍ، لَوْ قُلْتُ: "ضَرَبْتُكَ زَيْدًا" عَلى البَدَلِ لَمْ يَجُزْ. وقَوْلُهُ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ إنَّما عَبَّرَ بِهَذِهِ العِبارَةِ عَنِ الناسِ الَّذِينَ عَناهم في الآيَةِ بِحَسْبِ الخِلافِ المَذْكُورِ، ولَأنَّ في هَذِهِ العِبارَةِ تَعْدِيدَ النِعْمَةِ عَلى الناسِ في الإنْجاءِ المُؤَدِّي إلى وُجُودِهِمْ، ويَقْبُحُ الكُفْرُ والعِصْيانُ مَعَ هَذِهِ النِعْمَةِ، والَّذِينَ حُمِلُوا مَعَ نُوحٍ وأنْسَلُوا هم بَنُوهُ لِصُلْبِهِ؛ لَأنَّهُ آدَمُ الأصْغَرُ، وكُلُّ مِن عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مَن نَسَلِهِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وإنْ كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَلَمْ يَنْسَلْ. قالَ النَقّاشُ: اسْمُ نُوحٍ عَبْدُ الجَبّارِ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: اسْمُهُ فَرَجٌ، ووَصَفَهُ بِالشُكْرِ لَأنَّهُ كانَ يَحْمَدُ اللهَ في كُلِّ حالٍ، وعَلى كُلِّ نِعْمَةٍ، عَلى (p-٤٤٠)المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ والبِرازِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ﷺ. قالَهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي مَرْيَمَ، وقَتادَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةُ، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى "قَضَيْنا" فَرَغْنا، وحُكِيَ عن غَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: "قَضَيْنا" هُنا بِمَعْنى: أخْبَرْنا، وحُكِيَ عن آخَرِينَ أنَّهم قالُوا: "قَضَيْنا" مَعْناهُ: في أُمِّ الكِتابِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يُلْبِسُ في هَذا المَكانِ تَعْدِيَةُ "قَضَيْنا" بِـ "إلى"، وتَلْخِيصُ الكَلامِ عِنْدِي أنَّ هَذا الأمْرَ هو مِمّا قَضاهُ اللهُ تَعالى في أُمِّ الكِتابِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وألْزَمَهم إيّاهُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِهِ في التَوْراةِ عَلى لِسانِ مُوسى، فَلَمّا أرادَ هُنا الإعْلامَ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا في إيجازٍ جَعَلَ "قَضَيْنا" دالَّةً عَلى النُفُوذِ في أُمِّ الكِتابِ، وقَرَنَ بِها "إلى" دالَّةً عَلى إنْزالِ الخَيْرِ بِذَلِكَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ والمَعْنى المَقْصُودُ مَفْهُومٌ خِلالَ هَذِهِ الألْفاظِ، ولِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مَرَّةً بِأنْ قالَ: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مَعْناهُ: أعْلَمْناهُمْ، وقالَ مَرَّةً: مَعْناهُ: قَضَيْنا عَلَيْهِمْ و"الكِتابِ" هُنا التَوْراةُ؛ لَأنَّ القَسَمَ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: "لَتُفْسِدُنَّ" غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ مَعَ أنْ يُجْعَلَ "الكِتابُ" هو اللَوْحُ المَحْفُوظُ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ الرَياحِيِّ: "فِي الكُتُبِ" عَلى الجَمْعِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ الناسِ عَلى الإفْرادِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَتُفْسِدُنَّ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ "لَتَفْسُدُنَّ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ السِينِ والدالِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ: "لَتُفْسَدُنَّ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ السِينِ وضَمِّ الدالِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلَتَعْلُنَّ" أيْ: لَتَتَكَبَّرُنَّ عن طاعَةِ الآمِرِينَ بِطاعَةِ اللهِ، وتَطْلُبُونَ في الأرْضِ العُلُوَّ والفَسادَ، وتَظْلِمُونَ مَن قَدَرْتُمْ عَلى ظُلْمِهِمْ، ونَحْوَ هَذا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومُقْتَضى هَذِهِ الآياتِ أنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمَ بَنِي إسْرائِيلَ في التَوْراةِ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهم عِصْيانٌ وطُغْيانٌ وكُفْرٌ لِنِعَمِ اللهِ تَعالى عِنْدَهم في الرُسُلِ والكُتُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأنَّهُ سَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ أمَةً تَغْلِبُهم وتَقْتُلُهم وتُذِلُّهُمْ، ثُمَّ يَرْحَمُهم بَعْدَ ذَلِكَ ويَجْعَلُ لَهُمُ الكَرَّةَ ويَرُدُّهم إلى حالِهِمُ الأُولى مِنَ الظُهُورِ، فَيَقَعُ مِنهُمُ المَعاصِي وكُفْرُ النِعَمِ، والظُلْمُ والقَتْلُ، والكُفْرُ بِاللهِ مِن بَعْضِهِمْ، فَيَبْعَثُ اللهُ عَلَيْهِمْ أُمَّةً أُخْرى تُخَرِّبُ دِيارَهم وتَقْتُلُهم (p-٤٤١)وَتُجْلِيهِمْ جَلاءً مُبَرِّحًا، وأعْطى الوُجُودَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذا الأمْرَ كُلَّهُ، وقِيلَ: كانَ بَيْنَ المَرَّتَيْنِ: آخِرُ الأولى وأوَّلُ الثانِيَةِ مِائَتا سَنَةٍ وعَشْرُ سِنِينَ مُلْكًا مُؤَبَّدًا بِأنْبِياءَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ سَنَةً.

الإسراء 17:5

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولا﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ أُولاهُما عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ مَرَّتَيْنِ وعَبَّرَ عَنِ الشَرِّ بِـ (الوَعْدِ) لَأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِذِكْرِ المُعاقَبَةِ، وإذا لَمْ يَجِئِ (الوَعْدُ) مُطْلَقًا فَجائِزٌ أنْ يَقَعَ في الشَرِّ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "عَبِيدًا"، واخْتَلَفَ الناسُ في العَبِيدِ المَبْعُوثِينَ وفي صُورَةِ الحالِ اخْتِلافًا شَدِيدًا مُتَباعِدًا. عُيُونُهُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَصَوْا وقَتَلُوا زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ فَغَزاهم سَنْحارِيبُ مَلِكُ بابِلَ، كَذا قالَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: غَزاهم جالُوتُ مِن أهْلِ الجَزِيرَةِ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ أنَّهُ قالَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ: غَزاهم آخِرًا مَلِكٌ اسْمُهُ خُرْدُوشُ، وتَوَلّى قَتْلَهم عَلى دَمِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا قائِدٌ لِخُرْدُوشَ اسْمُهُ هُورْزاذانُ، وكَفَّ عن بَنِي إسْرائِيلَ وسَكَنَ بِرِعايَةِ دَمِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَلامُ، وقِيلَ: غَزاهم أوَّلًا صَخّابِينُ مَلِكُ رُومَةَ، وقِيلَ: بُخْتُنَصَّرُ، ورُوِيَ أنَّهُ دَخَلَ قَبْلُ في جَيْشٍ مِنَ الفَرَسِ وهو خامِلٌ يَسِيرُ في مَطْبَخِ المَلِكِ، فاطَّلَعَ مِن جَوْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ما لَمْ تَعْلَمْهُ الفُرْسُ ؛ لَأنَّهُ كانَ يُداخِلُهُمْ، فَلَمّا انْصَرَفَ الجَيْشُ ذُكِرَ ذَلِكَ لِلْمَلِكِ الأعْظَمِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ مُدَّةٍ جَعَلَهُ المَلِكُ رَئِيسَ جَيْشٍ وبَعَثَهُ، فَخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتْلَهم وجَلاهُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَجَدَ المَلِكَ قَدْ ماتَ فَمَلَكَ مَوْضِعِهِ، واسْتَمَرَّتْ حالُهُ حَتّى مَلَكَ الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما غَزاهم بُخْتُنَصَّرُ في المَرَّةِ الأخِيرَةِ حِينَ عَصَوْا وقَتَلُوا يَحْيى بْنَ (p-٤٤٢)زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَلامُ، وصُورَةُ قَتْلِهِ أنَّ المَلِكَ أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ امْرَأتِهِ، فَنَهاهُ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ عن ذَلِكَ، فَعَزَّ ذَلِكَ عَلى امْرَأتِهِ، فَزَيَّنَتْ بِنْتَها وجَعَلَتْها تَسْقِي المَلِكَ الخَمْرَ، وقالَتْ لَها: إذا راوَدَكِ المَلِكُ عن نَفْسِكِ فَتَمْنَعِي حَتّى يُعْطِيَكِ المَلِكُ ما تَتَمَنَّيْ، فَإذا قالَ لَكِ: تَمَنَّيْ عَلَيَّ ما أرَدْتِ، فَقُولِي لَهُ: رَأسَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا، فَفَعَلَتِ الجارِيَةُ ذَلِكَ، فَرَدَّها المَلِكُ مَرَّتَيْنِ، وأجابَها في الثالِثَةِ، فَجِيءَ بِالرَأْسِ في طَسْتِ ولِسانُهُ يَتَكَلَّمُ ويَقُولُ: لا تَحِلُّ لَكَ، وجَرى دَمُ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ فَلَمْ يَنْقَطِعْ، فَجَعَلَ المَلِكُ عَلَيْهِ التُرابَ حَتّى ساوى سُورَ المَدِينَةِ والدَمُ يَنْبَعِثُ، فَلَمّا غَزاهُمُ المَلِكُ الَّذِي بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ -بِحَسَبِ الخِلافِ فِيهِ- قَتَلَ مِنهم عَلى الدَمِ حَتّى سَكَنَ بَعْدَ قَتْلِ سَبْعِينَ ألْفًا. هَذا مُقْتَضى هَذا الخَبَرِ، وفي بَعْضِ رِواياتِهِ زِيادَةٌ ونَقْصٌ، فَرَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ أشْعِياءَ وعَظَهم وذَكَّرَهُمُ اللهَ ونِعَمَهُ في مَقامٍ طَوِيلٍ نَصَّهُ الطَبَرِيُّ، وذَكَرَ أشْعِياءُ في آخِرِهِ مُحَمَّدًا ﷺ وبَشَّرَ بِهِ، فابْتَدَرَهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَفَرَّ مِنهُمْ، فَلَقِيَ شَجَرَةً فَتَفَلَّقَتْ لَهُ حَتّى دَخَلَها فالتَأمَتْ عَلَيْهِ، فَعَرَضَ الشَيْطانُ عَلَيْهِمْ هُدْبَةً مِن ثَوْبِهِ، فَأخَذُوا مِنشارًا فَنَشَرُوا الشَجَرَةَ وقَطَّعُوهُ في وسَطِها فَقَتَلُوهُ، فَحِينَئِذٍ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأخِيرَةِ. وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ عن قَتادَةَ قَصَصًا أنَّ زَكَرِيّا هو صاحِبُ الشَجَرَةِ، وأنَّهم قالُوا لَمّا حَمَلَتْ مَرْيَمُ قالُوا: ضَيَّعَ بِنْتَ سَيِّدِنا حَتّى زَنَتْ، فَطَلَبُوهُ فَهَرَبَ مِنهم حَتّى دَخَلَ في الشَجَرَةِ فَنَشَرُوهُ. ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ بُخْتُنَصَّرَ كانَ حَفِيدَ سَنْحارِيبَ المَلِكِ الأوَّلِ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ الَّذِي غَزاهم آخِرًا هو سابُورُ ذُو الأكْتافِ. وقالَ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ حِينَ عادُوا ثَلاثَةَ أمْلاكٍ مِن فارِسٍ: سَنْدابادانِ وشَهْرَيازانِ وآخَرَ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما جاءَهم في الأُولى عَسْكَرٌ مِن فارِسٍ فَجاسَ خِلالَ الدِيارِ وتَقَلَّبَ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ قِتالٌ ولا قَتْلٌ في بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ انْصَرَفَتْ عنهُمُ الجُيُوشُ، وظَهَرُوا وأُمِدُّوا بِالأمْوالِ والبَنِينِ حَتّى عَصَوْا وطَغَوْا، فَجاءَهم في المَرَّةِ الثانِيَةِ مِن قَتَلَهم وغَلَبَهم عَلى بَيْضَتِهِمْ وأهْلَكَهم آخِرَ الدَهْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِيارِ﴾، وهي المَنازِلُ والمَساكِنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يَرُدُّ عَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في المَرَّةِ (p-٤٤٣)الأُولى غَلَبَةٌ ولا قِتالٌ، وهَلْ يُدْخَلُ المَسْجِدُ إلّا بَعْدَ غَلَبَةٍ وقِتالٍ؟ وقَدْ قالَ مُؤَرِّخٌ. جاسُوا خِلالَ الأزِقَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ قَصَصًا طَوِيلًا، مِنهُ ما يَخُصُّ الآياتِ، وأكْثَرُهُ لا يَخُصُّ، وهَذِهِ المَعانِي لَيْسَتْ بِالثابِتَةِ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُها. وقَوْلُهُ تَعالى: "بَعَثْنا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ بَعْثَ إلى مَلِكِ تِلْكَ الأُمَّةِ رَسُولًا يَأْمُرُهُ بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ فَتَكُونُ البِعْثَةُ بِأمْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِالبَعْثِ عَمّا أُلْقِيَ في نَفْسِ المَلِكِ الَّذِي غَزاهم. وقَرَأ الناسُ: "فَجاسُوا" بِالجِيمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فَحاسُوا" بِالحاءِ، وهَمّا بِمَعْنى الغَلَبَةِ والدُخُولِ قَسْرًا، ومِنهُ الحَواسُّ، وقِيلَ لِأبِي السَمالِ: إنَّما القِراءَةُ "جاسُوا" بِالجِيمِ، فَقالَ: جاسُوا وحاسُوا واحِدٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا يَدُلُّ عَلى تَخَيُّرٍ لا عَلى رِوايَةٍ، ولِهَذا لا تَجُوزُ الصَلاةُ بِقِراءَتِهِ وقِراءَةِ نُظَرائِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خِلالَ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "خَلَلَ"، ونَصْبَهُ في الوَجْهَيْنِ عَلى الظَرْفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ عِبارَةٌ عَمّا قالَ اللهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ في التَوْراةِ، وجَعَلَ "رَدَدْنا" مَوْضِعَ "نَرُدُّ" إذْ وقْتُ إخْبارِهِمْ لَمْ يَقَعِ الأمْرُ بَعْدُ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ وعْدُ اللهِ في غايَةِ الثِقَةِ أنَّهُ يَقَعُ عَبَّرَ عن مُسْتَقْبَلِهِ بِالماضِي، وهَذِهِ الكَرَّةُ هي بَعْدَ الجَلْوَةِ الأُولى كَما وصَفْنا، فَغَلَبَتْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ ومَلَكُوا فِيهِ، وحَسُنَتْ حالُهم بُرْهَةً مِنَ الدَهْرِ، وأعْطاهُمُ اللهُ الأمْوالَ والأولادَ، وجَعَلَهم إذا نَفَرُوا إلى أمْرِ أكْثَرِ الناسِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وصَيَّرْناكم أكْثَرَ عَدَدٍ نافِرٍ مِنهم. قالَ قَتادَةُ: كانُوا أكْثَرَ نَفِيرًا في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"نَفِيرًا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَفَرٍ، كَكَلْبٍ وكَلِيبٍ، وعَبْدٍ وعَبِيدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ: وجَعَلْناكم أكْثَرَ نافِرًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعِنْدِي أنَّ النَفِيرَ اسْمٌ لِلْجَمْعِ الَّذِي يَنْفِرُ، سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ، وقَدْ قالَ تُبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ: ؎ فَأكْرِمْ بِقَحْطانَ مِن والِدٍ ∗∗∗ وبِالحِمْيَرِيِّينَ أكْرِمْ نَفِيرًا (p-٤٤٤)وَقالُوا: "لا في العِيرِ ولا في النَفِيرِ"، يُرِيدُونَ جَمْعَ قُرَيْشٍ الخارِجَ مِن مَكَّةَ إلى بَدْرٍ. فَلَمّا قالَ اللهُ تَعالى لَهُمْ: إنِّي سَأفْعَلُ بِكم هَكَذا عَقَّبَ ذَلِكَ بِوَصِيَّتِهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ والمَعْنى: إنَّكم بِعَمَلِكم تُؤْخَذُونَ، لا يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا ولا تَشَرُّعا إلَيْكُمْ، و﴿وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ مَعْناهُ: مِنَ المَرَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾، اللامُ لامُ أمْرٍ، وقِيلَ: المَعْنى بَعَثْناهم لِيَسُوؤُوا، فَهي لامُ "كَيْ" كُلُّها، والضَمِيرُ لِلْعِبادِ أُولِي البَأْسِ الشَدِيدِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَسُوءُوا" بِالياءِ، جَمْعٌ وهَمْزَةٌ بَيْنَ واوَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، وابْنُ عامِرٍ: "لِيَسُوءَ" بِالياءِ وهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى الإفْرادِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ -وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لِنَسُوءَ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "لِنَسُوأنَّ" بِنُونٍ خَفِيفَةٍ، وهي لامُ الأمْرِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَسُوأنَّ"، بِفَتْحِ اللامِ وهي لامُ القَسَمِ- والفاعِلُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "لِيُسِيءَ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بِغَيْرِ واوٍ، وفي مُصْحَفِ أنَسٍ: "لِيَسُوءَ وجْهَكُمْ" عَلى (p-٤٤٥)الإفْرادِ، وخَصَّ بِالذِكْرِ الوُجُوهَ لَأنَّها المَواضِعُ الدالَّةُ عَلى ما بِالإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ. و"المَسْجِدَ": مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ. و"تَبَّرَ" مَعْناهُ: أفْسَدَ وأهْلَكَ بِغَشَمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلَوْا﴾ أيْ: ما تَغَلَّبُوا عَلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ ومَلَكُوهُ مِنَ البِلادِ، وقِيلَ: "ما" ظَرْفِيَّةٌ، والمَعْنى: مُدَّةَ عُلُوِّهِمْ وغَلَبَتِهِمْ عَلى البِلادِ. و"تَبَّرَ" تَحْرِيرُهُ: رَدُّ الشَيْءِ فُتاتًا كَتِبْرِ الذَهَبِ والحَرِيرِ ونَحْوَهُ، وهو تَفْتِيتُهُ.

الإسراء 17:6

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولا﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ أُولاهُما عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ مَرَّتَيْنِ وعَبَّرَ عَنِ الشَرِّ بِـ (الوَعْدِ) لَأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِذِكْرِ المُعاقَبَةِ، وإذا لَمْ يَجِئِ (الوَعْدُ) مُطْلَقًا فَجائِزٌ أنْ يَقَعَ في الشَرِّ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "عَبِيدًا"، واخْتَلَفَ الناسُ في العَبِيدِ المَبْعُوثِينَ وفي صُورَةِ الحالِ اخْتِلافًا شَدِيدًا مُتَباعِدًا. عُيُونُهُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَصَوْا وقَتَلُوا زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ فَغَزاهم سَنْحارِيبُ مَلِكُ بابِلَ، كَذا قالَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: غَزاهم جالُوتُ مِن أهْلِ الجَزِيرَةِ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ أنَّهُ قالَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ: غَزاهم آخِرًا مَلِكٌ اسْمُهُ خُرْدُوشُ، وتَوَلّى قَتْلَهم عَلى دَمِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا قائِدٌ لِخُرْدُوشَ اسْمُهُ هُورْزاذانُ، وكَفَّ عن بَنِي إسْرائِيلَ وسَكَنَ بِرِعايَةِ دَمِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَلامُ، وقِيلَ: غَزاهم أوَّلًا صَخّابِينُ مَلِكُ رُومَةَ، وقِيلَ: بُخْتُنَصَّرُ، ورُوِيَ أنَّهُ دَخَلَ قَبْلُ في جَيْشٍ مِنَ الفَرَسِ وهو خامِلٌ يَسِيرُ في مَطْبَخِ المَلِكِ، فاطَّلَعَ مِن جَوْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ما لَمْ تَعْلَمْهُ الفُرْسُ ؛ لَأنَّهُ كانَ يُداخِلُهُمْ، فَلَمّا انْصَرَفَ الجَيْشُ ذُكِرَ ذَلِكَ لِلْمَلِكِ الأعْظَمِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ مُدَّةٍ جَعَلَهُ المَلِكُ رَئِيسَ جَيْشٍ وبَعَثَهُ، فَخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتْلَهم وجَلاهُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَجَدَ المَلِكَ قَدْ ماتَ فَمَلَكَ مَوْضِعِهِ، واسْتَمَرَّتْ حالُهُ حَتّى مَلَكَ الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما غَزاهم بُخْتُنَصَّرُ في المَرَّةِ الأخِيرَةِ حِينَ عَصَوْا وقَتَلُوا يَحْيى بْنَ (p-٤٤٢)زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَلامُ، وصُورَةُ قَتْلِهِ أنَّ المَلِكَ أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ امْرَأتِهِ، فَنَهاهُ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ عن ذَلِكَ، فَعَزَّ ذَلِكَ عَلى امْرَأتِهِ، فَزَيَّنَتْ بِنْتَها وجَعَلَتْها تَسْقِي المَلِكَ الخَمْرَ، وقالَتْ لَها: إذا راوَدَكِ المَلِكُ عن نَفْسِكِ فَتَمْنَعِي حَتّى يُعْطِيَكِ المَلِكُ ما تَتَمَنَّيْ، فَإذا قالَ لَكِ: تَمَنَّيْ عَلَيَّ ما أرَدْتِ، فَقُولِي لَهُ: رَأسَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا، فَفَعَلَتِ الجارِيَةُ ذَلِكَ، فَرَدَّها المَلِكُ مَرَّتَيْنِ، وأجابَها في الثالِثَةِ، فَجِيءَ بِالرَأْسِ في طَسْتِ ولِسانُهُ يَتَكَلَّمُ ويَقُولُ: لا تَحِلُّ لَكَ، وجَرى دَمُ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ فَلَمْ يَنْقَطِعْ، فَجَعَلَ المَلِكُ عَلَيْهِ التُرابَ حَتّى ساوى سُورَ المَدِينَةِ والدَمُ يَنْبَعِثُ، فَلَمّا غَزاهُمُ المَلِكُ الَّذِي بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ -بِحَسَبِ الخِلافِ فِيهِ- قَتَلَ مِنهم عَلى الدَمِ حَتّى سَكَنَ بَعْدَ قَتْلِ سَبْعِينَ ألْفًا. هَذا مُقْتَضى هَذا الخَبَرِ، وفي بَعْضِ رِواياتِهِ زِيادَةٌ ونَقْصٌ، فَرَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ أشْعِياءَ وعَظَهم وذَكَّرَهُمُ اللهَ ونِعَمَهُ في مَقامٍ طَوِيلٍ نَصَّهُ الطَبَرِيُّ، وذَكَرَ أشْعِياءُ في آخِرِهِ مُحَمَّدًا ﷺ وبَشَّرَ بِهِ، فابْتَدَرَهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَفَرَّ مِنهُمْ، فَلَقِيَ شَجَرَةً فَتَفَلَّقَتْ لَهُ حَتّى دَخَلَها فالتَأمَتْ عَلَيْهِ، فَعَرَضَ الشَيْطانُ عَلَيْهِمْ هُدْبَةً مِن ثَوْبِهِ، فَأخَذُوا مِنشارًا فَنَشَرُوا الشَجَرَةَ وقَطَّعُوهُ في وسَطِها فَقَتَلُوهُ، فَحِينَئِذٍ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأخِيرَةِ. وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ عن قَتادَةَ قَصَصًا أنَّ زَكَرِيّا هو صاحِبُ الشَجَرَةِ، وأنَّهم قالُوا لَمّا حَمَلَتْ مَرْيَمُ قالُوا: ضَيَّعَ بِنْتَ سَيِّدِنا حَتّى زَنَتْ، فَطَلَبُوهُ فَهَرَبَ مِنهم حَتّى دَخَلَ في الشَجَرَةِ فَنَشَرُوهُ. ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ بُخْتُنَصَّرَ كانَ حَفِيدَ سَنْحارِيبَ المَلِكِ الأوَّلِ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ الَّذِي غَزاهم آخِرًا هو سابُورُ ذُو الأكْتافِ. وقالَ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ حِينَ عادُوا ثَلاثَةَ أمْلاكٍ مِن فارِسٍ: سَنْدابادانِ وشَهْرَيازانِ وآخَرَ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما جاءَهم في الأُولى عَسْكَرٌ مِن فارِسٍ فَجاسَ خِلالَ الدِيارِ وتَقَلَّبَ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ قِتالٌ ولا قَتْلٌ في بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ انْصَرَفَتْ عنهُمُ الجُيُوشُ، وظَهَرُوا وأُمِدُّوا بِالأمْوالِ والبَنِينِ حَتّى عَصَوْا وطَغَوْا، فَجاءَهم في المَرَّةِ الثانِيَةِ مِن قَتَلَهم وغَلَبَهم عَلى بَيْضَتِهِمْ وأهْلَكَهم آخِرَ الدَهْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِيارِ﴾، وهي المَنازِلُ والمَساكِنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يَرُدُّ عَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في المَرَّةِ (p-٤٤٣)الأُولى غَلَبَةٌ ولا قِتالٌ، وهَلْ يُدْخَلُ المَسْجِدُ إلّا بَعْدَ غَلَبَةٍ وقِتالٍ؟ وقَدْ قالَ مُؤَرِّخٌ. جاسُوا خِلالَ الأزِقَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ قَصَصًا طَوِيلًا، مِنهُ ما يَخُصُّ الآياتِ، وأكْثَرُهُ لا يَخُصُّ، وهَذِهِ المَعانِي لَيْسَتْ بِالثابِتَةِ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُها. وقَوْلُهُ تَعالى: "بَعَثْنا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ بَعْثَ إلى مَلِكِ تِلْكَ الأُمَّةِ رَسُولًا يَأْمُرُهُ بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ فَتَكُونُ البِعْثَةُ بِأمْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِالبَعْثِ عَمّا أُلْقِيَ في نَفْسِ المَلِكِ الَّذِي غَزاهم. وقَرَأ الناسُ: "فَجاسُوا" بِالجِيمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فَحاسُوا" بِالحاءِ، وهَمّا بِمَعْنى الغَلَبَةِ والدُخُولِ قَسْرًا، ومِنهُ الحَواسُّ، وقِيلَ لِأبِي السَمالِ: إنَّما القِراءَةُ "جاسُوا" بِالجِيمِ، فَقالَ: جاسُوا وحاسُوا واحِدٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا يَدُلُّ عَلى تَخَيُّرٍ لا عَلى رِوايَةٍ، ولِهَذا لا تَجُوزُ الصَلاةُ بِقِراءَتِهِ وقِراءَةِ نُظَرائِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خِلالَ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "خَلَلَ"، ونَصْبَهُ في الوَجْهَيْنِ عَلى الظَرْفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ عِبارَةٌ عَمّا قالَ اللهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ في التَوْراةِ، وجَعَلَ "رَدَدْنا" مَوْضِعَ "نَرُدُّ" إذْ وقْتُ إخْبارِهِمْ لَمْ يَقَعِ الأمْرُ بَعْدُ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ وعْدُ اللهِ في غايَةِ الثِقَةِ أنَّهُ يَقَعُ عَبَّرَ عن مُسْتَقْبَلِهِ بِالماضِي، وهَذِهِ الكَرَّةُ هي بَعْدَ الجَلْوَةِ الأُولى كَما وصَفْنا، فَغَلَبَتْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ ومَلَكُوا فِيهِ، وحَسُنَتْ حالُهم بُرْهَةً مِنَ الدَهْرِ، وأعْطاهُمُ اللهُ الأمْوالَ والأولادَ، وجَعَلَهم إذا نَفَرُوا إلى أمْرِ أكْثَرِ الناسِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وصَيَّرْناكم أكْثَرَ عَدَدٍ نافِرٍ مِنهم. قالَ قَتادَةُ: كانُوا أكْثَرَ نَفِيرًا في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"نَفِيرًا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَفَرٍ، كَكَلْبٍ وكَلِيبٍ، وعَبْدٍ وعَبِيدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ: وجَعَلْناكم أكْثَرَ نافِرًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعِنْدِي أنَّ النَفِيرَ اسْمٌ لِلْجَمْعِ الَّذِي يَنْفِرُ، سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ، وقَدْ قالَ تُبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ: ؎ فَأكْرِمْ بِقَحْطانَ مِن والِدٍ ∗∗∗ وبِالحِمْيَرِيِّينَ أكْرِمْ نَفِيرًا (p-٤٤٤)وَقالُوا: "لا في العِيرِ ولا في النَفِيرِ"، يُرِيدُونَ جَمْعَ قُرَيْشٍ الخارِجَ مِن مَكَّةَ إلى بَدْرٍ. فَلَمّا قالَ اللهُ تَعالى لَهُمْ: إنِّي سَأفْعَلُ بِكم هَكَذا عَقَّبَ ذَلِكَ بِوَصِيَّتِهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ والمَعْنى: إنَّكم بِعَمَلِكم تُؤْخَذُونَ، لا يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا ولا تَشَرُّعا إلَيْكُمْ، و﴿وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ مَعْناهُ: مِنَ المَرَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾، اللامُ لامُ أمْرٍ، وقِيلَ: المَعْنى بَعَثْناهم لِيَسُوؤُوا، فَهي لامُ "كَيْ" كُلُّها، والضَمِيرُ لِلْعِبادِ أُولِي البَأْسِ الشَدِيدِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَسُوءُوا" بِالياءِ، جَمْعٌ وهَمْزَةٌ بَيْنَ واوَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، وابْنُ عامِرٍ: "لِيَسُوءَ" بِالياءِ وهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى الإفْرادِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ -وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لِنَسُوءَ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "لِنَسُوأنَّ" بِنُونٍ خَفِيفَةٍ، وهي لامُ الأمْرِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَسُوأنَّ"، بِفَتْحِ اللامِ وهي لامُ القَسَمِ- والفاعِلُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "لِيُسِيءَ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بِغَيْرِ واوٍ، وفي مُصْحَفِ أنَسٍ: "لِيَسُوءَ وجْهَكُمْ" عَلى (p-٤٤٥)الإفْرادِ، وخَصَّ بِالذِكْرِ الوُجُوهَ لَأنَّها المَواضِعُ الدالَّةُ عَلى ما بِالإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ. و"المَسْجِدَ": مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ. و"تَبَّرَ" مَعْناهُ: أفْسَدَ وأهْلَكَ بِغَشَمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلَوْا﴾ أيْ: ما تَغَلَّبُوا عَلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ ومَلَكُوهُ مِنَ البِلادِ، وقِيلَ: "ما" ظَرْفِيَّةٌ، والمَعْنى: مُدَّةَ عُلُوِّهِمْ وغَلَبَتِهِمْ عَلى البِلادِ. و"تَبَّرَ" تَحْرِيرُهُ: رَدُّ الشَيْءِ فُتاتًا كَتِبْرِ الذَهَبِ والحَرِيرِ ونَحْوَهُ، وهو تَفْتِيتُهُ.

الإسراء 17:7

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولا﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ أُولاهُما عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ مَرَّتَيْنِ وعَبَّرَ عَنِ الشَرِّ بِـ (الوَعْدِ) لَأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِذِكْرِ المُعاقَبَةِ، وإذا لَمْ يَجِئِ (الوَعْدُ) مُطْلَقًا فَجائِزٌ أنْ يَقَعَ في الشَرِّ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "عَبِيدًا"، واخْتَلَفَ الناسُ في العَبِيدِ المَبْعُوثِينَ وفي صُورَةِ الحالِ اخْتِلافًا شَدِيدًا مُتَباعِدًا. عُيُونُهُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَصَوْا وقَتَلُوا زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ فَغَزاهم سَنْحارِيبُ مَلِكُ بابِلَ، كَذا قالَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: غَزاهم جالُوتُ مِن أهْلِ الجَزِيرَةِ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ أنَّهُ قالَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ: غَزاهم آخِرًا مَلِكٌ اسْمُهُ خُرْدُوشُ، وتَوَلّى قَتْلَهم عَلى دَمِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا قائِدٌ لِخُرْدُوشَ اسْمُهُ هُورْزاذانُ، وكَفَّ عن بَنِي إسْرائِيلَ وسَكَنَ بِرِعايَةِ دَمِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَلامُ، وقِيلَ: غَزاهم أوَّلًا صَخّابِينُ مَلِكُ رُومَةَ، وقِيلَ: بُخْتُنَصَّرُ، ورُوِيَ أنَّهُ دَخَلَ قَبْلُ في جَيْشٍ مِنَ الفَرَسِ وهو خامِلٌ يَسِيرُ في مَطْبَخِ المَلِكِ، فاطَّلَعَ مِن جَوْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ما لَمْ تَعْلَمْهُ الفُرْسُ ؛ لَأنَّهُ كانَ يُداخِلُهُمْ، فَلَمّا انْصَرَفَ الجَيْشُ ذُكِرَ ذَلِكَ لِلْمَلِكِ الأعْظَمِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ مُدَّةٍ جَعَلَهُ المَلِكُ رَئِيسَ جَيْشٍ وبَعَثَهُ، فَخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتْلَهم وجَلاهُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَجَدَ المَلِكَ قَدْ ماتَ فَمَلَكَ مَوْضِعِهِ، واسْتَمَرَّتْ حالُهُ حَتّى مَلَكَ الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما غَزاهم بُخْتُنَصَّرُ في المَرَّةِ الأخِيرَةِ حِينَ عَصَوْا وقَتَلُوا يَحْيى بْنَ (p-٤٤٢)زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَلامُ، وصُورَةُ قَتْلِهِ أنَّ المَلِكَ أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ امْرَأتِهِ، فَنَهاهُ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ عن ذَلِكَ، فَعَزَّ ذَلِكَ عَلى امْرَأتِهِ، فَزَيَّنَتْ بِنْتَها وجَعَلَتْها تَسْقِي المَلِكَ الخَمْرَ، وقالَتْ لَها: إذا راوَدَكِ المَلِكُ عن نَفْسِكِ فَتَمْنَعِي حَتّى يُعْطِيَكِ المَلِكُ ما تَتَمَنَّيْ، فَإذا قالَ لَكِ: تَمَنَّيْ عَلَيَّ ما أرَدْتِ، فَقُولِي لَهُ: رَأسَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا، فَفَعَلَتِ الجارِيَةُ ذَلِكَ، فَرَدَّها المَلِكُ مَرَّتَيْنِ، وأجابَها في الثالِثَةِ، فَجِيءَ بِالرَأْسِ في طَسْتِ ولِسانُهُ يَتَكَلَّمُ ويَقُولُ: لا تَحِلُّ لَكَ، وجَرى دَمُ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ فَلَمْ يَنْقَطِعْ، فَجَعَلَ المَلِكُ عَلَيْهِ التُرابَ حَتّى ساوى سُورَ المَدِينَةِ والدَمُ يَنْبَعِثُ، فَلَمّا غَزاهُمُ المَلِكُ الَّذِي بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ -بِحَسَبِ الخِلافِ فِيهِ- قَتَلَ مِنهم عَلى الدَمِ حَتّى سَكَنَ بَعْدَ قَتْلِ سَبْعِينَ ألْفًا. هَذا مُقْتَضى هَذا الخَبَرِ، وفي بَعْضِ رِواياتِهِ زِيادَةٌ ونَقْصٌ، فَرَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ أشْعِياءَ وعَظَهم وذَكَّرَهُمُ اللهَ ونِعَمَهُ في مَقامٍ طَوِيلٍ نَصَّهُ الطَبَرِيُّ، وذَكَرَ أشْعِياءُ في آخِرِهِ مُحَمَّدًا ﷺ وبَشَّرَ بِهِ، فابْتَدَرَهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَفَرَّ مِنهُمْ، فَلَقِيَ شَجَرَةً فَتَفَلَّقَتْ لَهُ حَتّى دَخَلَها فالتَأمَتْ عَلَيْهِ، فَعَرَضَ الشَيْطانُ عَلَيْهِمْ هُدْبَةً مِن ثَوْبِهِ، فَأخَذُوا مِنشارًا فَنَشَرُوا الشَجَرَةَ وقَطَّعُوهُ في وسَطِها فَقَتَلُوهُ، فَحِينَئِذٍ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأخِيرَةِ. وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ عن قَتادَةَ قَصَصًا أنَّ زَكَرِيّا هو صاحِبُ الشَجَرَةِ، وأنَّهم قالُوا لَمّا حَمَلَتْ مَرْيَمُ قالُوا: ضَيَّعَ بِنْتَ سَيِّدِنا حَتّى زَنَتْ، فَطَلَبُوهُ فَهَرَبَ مِنهم حَتّى دَخَلَ في الشَجَرَةِ فَنَشَرُوهُ. ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ بُخْتُنَصَّرَ كانَ حَفِيدَ سَنْحارِيبَ المَلِكِ الأوَّلِ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ الَّذِي غَزاهم آخِرًا هو سابُورُ ذُو الأكْتافِ. وقالَ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ حِينَ عادُوا ثَلاثَةَ أمْلاكٍ مِن فارِسٍ: سَنْدابادانِ وشَهْرَيازانِ وآخَرَ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما جاءَهم في الأُولى عَسْكَرٌ مِن فارِسٍ فَجاسَ خِلالَ الدِيارِ وتَقَلَّبَ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ قِتالٌ ولا قَتْلٌ في بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ انْصَرَفَتْ عنهُمُ الجُيُوشُ، وظَهَرُوا وأُمِدُّوا بِالأمْوالِ والبَنِينِ حَتّى عَصَوْا وطَغَوْا، فَجاءَهم في المَرَّةِ الثانِيَةِ مِن قَتَلَهم وغَلَبَهم عَلى بَيْضَتِهِمْ وأهْلَكَهم آخِرَ الدَهْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِيارِ﴾، وهي المَنازِلُ والمَساكِنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يَرُدُّ عَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في المَرَّةِ (p-٤٤٣)الأُولى غَلَبَةٌ ولا قِتالٌ، وهَلْ يُدْخَلُ المَسْجِدُ إلّا بَعْدَ غَلَبَةٍ وقِتالٍ؟ وقَدْ قالَ مُؤَرِّخٌ. جاسُوا خِلالَ الأزِقَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ قَصَصًا طَوِيلًا، مِنهُ ما يَخُصُّ الآياتِ، وأكْثَرُهُ لا يَخُصُّ، وهَذِهِ المَعانِي لَيْسَتْ بِالثابِتَةِ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُها. وقَوْلُهُ تَعالى: "بَعَثْنا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ بَعْثَ إلى مَلِكِ تِلْكَ الأُمَّةِ رَسُولًا يَأْمُرُهُ بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ فَتَكُونُ البِعْثَةُ بِأمْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِالبَعْثِ عَمّا أُلْقِيَ في نَفْسِ المَلِكِ الَّذِي غَزاهم. وقَرَأ الناسُ: "فَجاسُوا" بِالجِيمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فَحاسُوا" بِالحاءِ، وهَمّا بِمَعْنى الغَلَبَةِ والدُخُولِ قَسْرًا، ومِنهُ الحَواسُّ، وقِيلَ لِأبِي السَمالِ: إنَّما القِراءَةُ "جاسُوا" بِالجِيمِ، فَقالَ: جاسُوا وحاسُوا واحِدٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا يَدُلُّ عَلى تَخَيُّرٍ لا عَلى رِوايَةٍ، ولِهَذا لا تَجُوزُ الصَلاةُ بِقِراءَتِهِ وقِراءَةِ نُظَرائِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خِلالَ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "خَلَلَ"، ونَصْبَهُ في الوَجْهَيْنِ عَلى الظَرْفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ عِبارَةٌ عَمّا قالَ اللهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ في التَوْراةِ، وجَعَلَ "رَدَدْنا" مَوْضِعَ "نَرُدُّ" إذْ وقْتُ إخْبارِهِمْ لَمْ يَقَعِ الأمْرُ بَعْدُ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ وعْدُ اللهِ في غايَةِ الثِقَةِ أنَّهُ يَقَعُ عَبَّرَ عن مُسْتَقْبَلِهِ بِالماضِي، وهَذِهِ الكَرَّةُ هي بَعْدَ الجَلْوَةِ الأُولى كَما وصَفْنا، فَغَلَبَتْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ ومَلَكُوا فِيهِ، وحَسُنَتْ حالُهم بُرْهَةً مِنَ الدَهْرِ، وأعْطاهُمُ اللهُ الأمْوالَ والأولادَ، وجَعَلَهم إذا نَفَرُوا إلى أمْرِ أكْثَرِ الناسِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وصَيَّرْناكم أكْثَرَ عَدَدٍ نافِرٍ مِنهم. قالَ قَتادَةُ: كانُوا أكْثَرَ نَفِيرًا في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"نَفِيرًا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَفَرٍ، كَكَلْبٍ وكَلِيبٍ، وعَبْدٍ وعَبِيدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ: وجَعَلْناكم أكْثَرَ نافِرًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعِنْدِي أنَّ النَفِيرَ اسْمٌ لِلْجَمْعِ الَّذِي يَنْفِرُ، سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ، وقَدْ قالَ تُبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ: ؎ فَأكْرِمْ بِقَحْطانَ مِن والِدٍ ∗∗∗ وبِالحِمْيَرِيِّينَ أكْرِمْ نَفِيرًا (p-٤٤٤)وَقالُوا: "لا في العِيرِ ولا في النَفِيرِ"، يُرِيدُونَ جَمْعَ قُرَيْشٍ الخارِجَ مِن مَكَّةَ إلى بَدْرٍ. فَلَمّا قالَ اللهُ تَعالى لَهُمْ: إنِّي سَأفْعَلُ بِكم هَكَذا عَقَّبَ ذَلِكَ بِوَصِيَّتِهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ والمَعْنى: إنَّكم بِعَمَلِكم تُؤْخَذُونَ، لا يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا ولا تَشَرُّعا إلَيْكُمْ، و﴿وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ مَعْناهُ: مِنَ المَرَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾، اللامُ لامُ أمْرٍ، وقِيلَ: المَعْنى بَعَثْناهم لِيَسُوؤُوا، فَهي لامُ "كَيْ" كُلُّها، والضَمِيرُ لِلْعِبادِ أُولِي البَأْسِ الشَدِيدِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَسُوءُوا" بِالياءِ، جَمْعٌ وهَمْزَةٌ بَيْنَ واوَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، وابْنُ عامِرٍ: "لِيَسُوءَ" بِالياءِ وهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى الإفْرادِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ -وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لِنَسُوءَ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "لِنَسُوأنَّ" بِنُونٍ خَفِيفَةٍ، وهي لامُ الأمْرِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَسُوأنَّ"، بِفَتْحِ اللامِ وهي لامُ القَسَمِ- والفاعِلُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "لِيُسِيءَ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بِغَيْرِ واوٍ، وفي مُصْحَفِ أنَسٍ: "لِيَسُوءَ وجْهَكُمْ" عَلى (p-٤٤٥)الإفْرادِ، وخَصَّ بِالذِكْرِ الوُجُوهَ لَأنَّها المَواضِعُ الدالَّةُ عَلى ما بِالإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ. و"المَسْجِدَ": مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ. و"تَبَّرَ" مَعْناهُ: أفْسَدَ وأهْلَكَ بِغَشَمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلَوْا﴾ أيْ: ما تَغَلَّبُوا عَلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ ومَلَكُوهُ مِنَ البِلادِ، وقِيلَ: "ما" ظَرْفِيَّةٌ، والمَعْنى: مُدَّةَ عُلُوِّهِمْ وغَلَبَتِهِمْ عَلى البِلادِ. و"تَبَّرَ" تَحْرِيرُهُ: رَدُّ الشَيْءِ فُتاتًا كَتِبْرِ الذَهَبِ والحَرِيرِ ونَحْوَهُ، وهو تَفْتِيتُهُ.

الإسراء 17:8

قوله عزّ وجلّ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ ﴿وَأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ يَقُولُ اللهُ تَعالى لِبَقِيَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾ إنْ أطَعْتُمْ في أنْفُسِكم واسْتَقَمْتُمْ ﴿أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ و"عَسى" تَرَجٍّ في حَقِّهِمْ، وهَذِهِ العِدَةُ لَيْسَتْ بِرُجُوعِ دَوْلَةٍ، وإنَّما هي بِأنْ يَرْحَمَ المُطِيعَ مِنهُمْ، وكانَ مِنَ الطاعَةِ اتِّباعُهم لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، ولِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وعادُوا إلى الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَعادَ عِقابُ اللهِ تَعالى، فَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الذُلَّ وقَتَلَهُمْ، وأذَلَّهم بِيَدِ كُلِّ أُمَّةٍ، وهُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَلَّطَ عَلَيْهِمْ ثَلاثَةَ مُلُوكٍ. و"الحَصِيرُ" فَعِيلٌ مِنَ الحَصْرِ، فَهي بِمَعْنى السَجْنِ، أيْ: تَحْصُرُهُمْ، وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، ويُقالُ: الحَصِيرُ أيْضًا مِنَ الحَصْرِ لِلْمَلِكِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ ومَقامَةِ غُلْبِ الرِقابِ كَأنَّهم ∗∗∗ جِنٌّ لَدى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ (p-٤٤٦)وَيُقالُ لِجَنْبَيِ الإنْسانِ: حَصِيرانِ لَأنَّهُما يَحْصُرانِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الطِرْماحِ: ؎ قَلِيلًا تَتَلّى حاجَةً ثُمَّ عُولِيَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى كُلِّ مَعْرُوشِ الحَصِيرَيْنِ بادِنِ وقالَ الحَسَنُ: "الحَصِيرُ" في الآيَةِ أرادَ بِهِ ما يُفْتَرَشُ ويَبْسُطُ كالحَصِيرِ المَعْرُوفِ عندَ الناسِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ الحَصِيرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي﴾ الآيَةُ. "يَهْدِي" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: يُرْشِدُ، ويَتَوَجَّهُ فِيها أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: يَدْعُو، و"الَّتِي" يُرِيدُ بِها الحالَةَ والطَرِيقَةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ هي لا إلَهَ إلّا اللهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أعَمُّ، وكَلِمَةُ الإخْلاصِ وغَيْرَها مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ داخِلَةٌ في الحالِ الَّتِي هي أقْوَمُ مِن كُلِّ حالٍ تُجْعَلُ بِإزائِها، والِاخْتِصارُ عَلى "أقْوَمُ" ولَمْ يَذْكُرْ: "مِن كَذا" إيجازٌ، والمَعْنى مَفْهُومٌ، أيْ: لِلَّتِي هي أقْوَمُ مِن كُلِّ ما غايَرَها، فَهي النِهايَةُ في القِوامِ، وقَيَّدَ المُؤْمِنِينَ بِعَمَلِ الصالِحاتِ إذْ هو كَمالُ الإيمانِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ، والمُؤْمِنُ المُفْرِدُ في العَمَلِ لَهُ بِإيمانِهِ حَظٌّ في عَمَلِ الصالِحاتِ، و"الأجْرُ الكَبِيرُ": الجَنَّةُ، وكَذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ في كِتابِ اللهِ تَعالى: "فَضْلٌ كَبِيرٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ" فَهو الجَنَّةُ. (p-٤٤٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: "أنَّ" الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "يُبَشِّرُ"، و"إنَّ" الثانِيَةَ عَطْفٌ عَلى الأُولى، وهي داخِلَةٌ في جُمْلَةِ بِشارَةِ المُؤْمِنِينَ. بَشَّرَهُمُ القُرْآنُ بِالجَنَّةِ، وأنَّ الكَفّارَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ، وذَلِكَ أنَّ عِلْمَ المُؤْمِنِينَ بِهَذا مَسَرَّةٌ لَهُمْ، وفي هَذِهِ البِشارَةِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ بِالمَعْنى، وهَذا الَّذِي تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيُبَشِّرُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وطُلْحَةُ: "وَيُبَشِّرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ. و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: أحْضَرْنا وأعْدَدْنا، ومِنهُ العَتادُ. و"الألِيمُ": المُوجِعُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾. سَقَطَتِ الواوُ مَن "يَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ لَأنَّهم كَتَبُوا المَسْمُوعَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ ذامَّةً لِما يَفْعَلُهُ الناسُ مِنَ الدُعاءِ عَلى أمْوالِهِمْ وأولادِهِمْ في وقْتِ الغَضَبِ والضَجَرِ، فَأخْبَرَ اللهُ أنَّهم يَدْعُونَ بِالشَرِّ في ذَلِكَ الوَقْتِ كَما يَدْعُونَ بِالخَيْرِ في وقْتِ التَثَبُّتِ، فَلَوْ أجابَ اللهُ دُعاءَهم أهْلَكَهُمْ، ولَكِنَّ اللهَ تَعالى يَصْفَحُ ولا يُجِيبُ دُعاءَ الضَجِرِ المُسْتَعْجِلِ. ثُمَّ عَذَرَ بَعْضَ العُذْرِ في أنَّ الإنْسانَ لَهُ عَجَلَةٌ فِطْرِيَّةٌ، و"الإنْسانُ" هُنا، قِيلَ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ بِحَسْبِ ما في الخْلْقِ مِن ذَلِكَ. قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ: إشارَتُهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ في أنَّهُ لَمّا نَفَخَ الرُوحَ في رَأْسِهِ عَطَسَ وأبْصَرَ، فَلَمّا مَشى الرُوحُ في بَدَنِهِ قَبْلَ ساقَيْهِ أعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَذَهَبَ يَمْشِي مُسْتَعْجِلًا لِذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرْ، فَأشارَتْ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ إلى ذَلِكَ. والمَعْنى: فَأنْتُمْ ذَوُو عَجَلَةٍ مَوْرُوثَةٍ مِن أبِيكُمْ، ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ جَعَلَ أسِيرًا في قَيْدٍ في بَيْتِ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، فَسَمِعَتْ سَوْدَةُ أنِينَهُ فَأشْفَقَتْ، فَقالَتْ لَهُ: ما بالُكَ؟ فَقالَ: ألَمُ القَيْدِ، فَقامَتْ فَأرْخَتْ مِن رَبْطِهِ فَسَكَتَ، ثُمَّ نامَتْ، فَتَحَيَّلَ في الِانْحِلالِ وفَّرَ، فَطَلَبَهُ النَبِيُّ ﷺ عِنْدَ الصُبْحِ فَأُخْبِرَ الخَبَرَ، فَقالَ: "قَطَعَ اللهُ يَدَيْها"، فَفَزِعَتْ سَوْدَةُ ورَفَعَتْ يَدَيْها نَحْوَ السَماءِ وهي تَخافُ الإجابَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ دُعائِي في مِثْلِ هَذا رَحْمَةً عَلى المَدْعُوِّ لَهُ؛ لَأنِّي بَشَرٌ أغْضَبُ وأعَجَلُ، فَلْتَرُدَّ سَوْدَةُ يَدَيْها".» (p-٤٤٨)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ قُرَيْشٍ، قالُوا: ﴿اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةُ، وكانَ الأُولى أنْ يَقُولُوا: "فاهْدِنا إلَيْهِ وارْحَمْنا بِهِ"، فَذَمَّهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ مُعاتَبَةُ الناسِ عَلى أنَّهم إذا نالَهم شَرٌّ وضُرٌّ دَعَوا ولَجُّوا في الدُعاءِ الَّذِي كانَ يَجِبُ أنْ يَدْعُوَهُ في حالَةِ الخَيْرِ ويَلْزَمَهُ الكُلُّ، مِن ذِكْرِ اللهِ تَعالى وحَمْدِهِ والرَغْبَةِ إلَيْهِ، لَكِنَّ الإنْسانَ يُقَصِّرُ حِينَئِذٍ، فَإذا مَسَّهُ الضُرُّ ألَحَّ واسْتَعْجَلَ الفَرَجَ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أو قاعِدًا أو قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عنهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].

الإسراء 17:9

قوله عزّ وجلّ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ ﴿وَأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ يَقُولُ اللهُ تَعالى لِبَقِيَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾ إنْ أطَعْتُمْ في أنْفُسِكم واسْتَقَمْتُمْ ﴿أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ و"عَسى" تَرَجٍّ في حَقِّهِمْ، وهَذِهِ العِدَةُ لَيْسَتْ بِرُجُوعِ دَوْلَةٍ، وإنَّما هي بِأنْ يَرْحَمَ المُطِيعَ مِنهُمْ، وكانَ مِنَ الطاعَةِ اتِّباعُهم لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، ولِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وعادُوا إلى الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَعادَ عِقابُ اللهِ تَعالى، فَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الذُلَّ وقَتَلَهُمْ، وأذَلَّهم بِيَدِ كُلِّ أُمَّةٍ، وهُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَلَّطَ عَلَيْهِمْ ثَلاثَةَ مُلُوكٍ. و"الحَصِيرُ" فَعِيلٌ مِنَ الحَصْرِ، فَهي بِمَعْنى السَجْنِ، أيْ: تَحْصُرُهُمْ، وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، ويُقالُ: الحَصِيرُ أيْضًا مِنَ الحَصْرِ لِلْمَلِكِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ ومَقامَةِ غُلْبِ الرِقابِ كَأنَّهم ∗∗∗ جِنٌّ لَدى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ (p-٤٤٦)وَيُقالُ لِجَنْبَيِ الإنْسانِ: حَصِيرانِ لَأنَّهُما يَحْصُرانِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الطِرْماحِ: ؎ قَلِيلًا تَتَلّى حاجَةً ثُمَّ عُولِيَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى كُلِّ مَعْرُوشِ الحَصِيرَيْنِ بادِنِ وقالَ الحَسَنُ: "الحَصِيرُ" في الآيَةِ أرادَ بِهِ ما يُفْتَرَشُ ويَبْسُطُ كالحَصِيرِ المَعْرُوفِ عندَ الناسِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ الحَصِيرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي﴾ الآيَةُ. "يَهْدِي" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: يُرْشِدُ، ويَتَوَجَّهُ فِيها أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: يَدْعُو، و"الَّتِي" يُرِيدُ بِها الحالَةَ والطَرِيقَةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ هي لا إلَهَ إلّا اللهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أعَمُّ، وكَلِمَةُ الإخْلاصِ وغَيْرَها مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ داخِلَةٌ في الحالِ الَّتِي هي أقْوَمُ مِن كُلِّ حالٍ تُجْعَلُ بِإزائِها، والِاخْتِصارُ عَلى "أقْوَمُ" ولَمْ يَذْكُرْ: "مِن كَذا" إيجازٌ، والمَعْنى مَفْهُومٌ، أيْ: لِلَّتِي هي أقْوَمُ مِن كُلِّ ما غايَرَها، فَهي النِهايَةُ في القِوامِ، وقَيَّدَ المُؤْمِنِينَ بِعَمَلِ الصالِحاتِ إذْ هو كَمالُ الإيمانِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ، والمُؤْمِنُ المُفْرِدُ في العَمَلِ لَهُ بِإيمانِهِ حَظٌّ في عَمَلِ الصالِحاتِ، و"الأجْرُ الكَبِيرُ": الجَنَّةُ، وكَذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ في كِتابِ اللهِ تَعالى: "فَضْلٌ كَبِيرٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ" فَهو الجَنَّةُ. (p-٤٤٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: "أنَّ" الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "يُبَشِّرُ"، و"إنَّ" الثانِيَةَ عَطْفٌ عَلى الأُولى، وهي داخِلَةٌ في جُمْلَةِ بِشارَةِ المُؤْمِنِينَ. بَشَّرَهُمُ القُرْآنُ بِالجَنَّةِ، وأنَّ الكَفّارَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ، وذَلِكَ أنَّ عِلْمَ المُؤْمِنِينَ بِهَذا مَسَرَّةٌ لَهُمْ، وفي هَذِهِ البِشارَةِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ بِالمَعْنى، وهَذا الَّذِي تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيُبَشِّرُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وطُلْحَةُ: "وَيُبَشِّرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ. و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: أحْضَرْنا وأعْدَدْنا، ومِنهُ العَتادُ. و"الألِيمُ": المُوجِعُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾. سَقَطَتِ الواوُ مَن "يَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ لَأنَّهم كَتَبُوا المَسْمُوعَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ ذامَّةً لِما يَفْعَلُهُ الناسُ مِنَ الدُعاءِ عَلى أمْوالِهِمْ وأولادِهِمْ في وقْتِ الغَضَبِ والضَجَرِ، فَأخْبَرَ اللهُ أنَّهم يَدْعُونَ بِالشَرِّ في ذَلِكَ الوَقْتِ كَما يَدْعُونَ بِالخَيْرِ في وقْتِ التَثَبُّتِ، فَلَوْ أجابَ اللهُ دُعاءَهم أهْلَكَهُمْ، ولَكِنَّ اللهَ تَعالى يَصْفَحُ ولا يُجِيبُ دُعاءَ الضَجِرِ المُسْتَعْجِلِ. ثُمَّ عَذَرَ بَعْضَ العُذْرِ في أنَّ الإنْسانَ لَهُ عَجَلَةٌ فِطْرِيَّةٌ، و"الإنْسانُ" هُنا، قِيلَ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ بِحَسْبِ ما في الخْلْقِ مِن ذَلِكَ. قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ: إشارَتُهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ في أنَّهُ لَمّا نَفَخَ الرُوحَ في رَأْسِهِ عَطَسَ وأبْصَرَ، فَلَمّا مَشى الرُوحُ في بَدَنِهِ قَبْلَ ساقَيْهِ أعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَذَهَبَ يَمْشِي مُسْتَعْجِلًا لِذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرْ، فَأشارَتْ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ إلى ذَلِكَ. والمَعْنى: فَأنْتُمْ ذَوُو عَجَلَةٍ مَوْرُوثَةٍ مِن أبِيكُمْ، ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ جَعَلَ أسِيرًا في قَيْدٍ في بَيْتِ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، فَسَمِعَتْ سَوْدَةُ أنِينَهُ فَأشْفَقَتْ، فَقالَتْ لَهُ: ما بالُكَ؟ فَقالَ: ألَمُ القَيْدِ، فَقامَتْ فَأرْخَتْ مِن رَبْطِهِ فَسَكَتَ، ثُمَّ نامَتْ، فَتَحَيَّلَ في الِانْحِلالِ وفَّرَ، فَطَلَبَهُ النَبِيُّ ﷺ عِنْدَ الصُبْحِ فَأُخْبِرَ الخَبَرَ، فَقالَ: "قَطَعَ اللهُ يَدَيْها"، فَفَزِعَتْ سَوْدَةُ ورَفَعَتْ يَدَيْها نَحْوَ السَماءِ وهي تَخافُ الإجابَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ دُعائِي في مِثْلِ هَذا رَحْمَةً عَلى المَدْعُوِّ لَهُ؛ لَأنِّي بَشَرٌ أغْضَبُ وأعَجَلُ، فَلْتَرُدَّ سَوْدَةُ يَدَيْها".» (p-٤٤٨)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ قُرَيْشٍ، قالُوا: ﴿اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةُ، وكانَ الأُولى أنْ يَقُولُوا: "فاهْدِنا إلَيْهِ وارْحَمْنا بِهِ"، فَذَمَّهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ مُعاتَبَةُ الناسِ عَلى أنَّهم إذا نالَهم شَرٌّ وضُرٌّ دَعَوا ولَجُّوا في الدُعاءِ الَّذِي كانَ يَجِبُ أنْ يَدْعُوَهُ في حالَةِ الخَيْرِ ويَلْزَمَهُ الكُلُّ، مِن ذِكْرِ اللهِ تَعالى وحَمْدِهِ والرَغْبَةِ إلَيْهِ، لَكِنَّ الإنْسانَ يُقَصِّرُ حِينَئِذٍ، فَإذا مَسَّهُ الضُرُّ ألَحَّ واسْتَعْجَلَ الفَرَجَ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أو قاعِدًا أو قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عنهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].

الإسراء 17:10

قوله عزّ وجلّ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ ﴿وَأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ يَقُولُ اللهُ تَعالى لِبَقِيَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾ إنْ أطَعْتُمْ في أنْفُسِكم واسْتَقَمْتُمْ ﴿أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ و"عَسى" تَرَجٍّ في حَقِّهِمْ، وهَذِهِ العِدَةُ لَيْسَتْ بِرُجُوعِ دَوْلَةٍ، وإنَّما هي بِأنْ يَرْحَمَ المُطِيعَ مِنهُمْ، وكانَ مِنَ الطاعَةِ اتِّباعُهم لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، ولِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وعادُوا إلى الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَعادَ عِقابُ اللهِ تَعالى، فَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الذُلَّ وقَتَلَهُمْ، وأذَلَّهم بِيَدِ كُلِّ أُمَّةٍ، وهُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَلَّطَ عَلَيْهِمْ ثَلاثَةَ مُلُوكٍ. و"الحَصِيرُ" فَعِيلٌ مِنَ الحَصْرِ، فَهي بِمَعْنى السَجْنِ، أيْ: تَحْصُرُهُمْ، وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، ويُقالُ: الحَصِيرُ أيْضًا مِنَ الحَصْرِ لِلْمَلِكِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ ومَقامَةِ غُلْبِ الرِقابِ كَأنَّهم ∗∗∗ جِنٌّ لَدى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ (p-٤٤٦)وَيُقالُ لِجَنْبَيِ الإنْسانِ: حَصِيرانِ لَأنَّهُما يَحْصُرانِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الطِرْماحِ: ؎ قَلِيلًا تَتَلّى حاجَةً ثُمَّ عُولِيَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى كُلِّ مَعْرُوشِ الحَصِيرَيْنِ بادِنِ وقالَ الحَسَنُ: "الحَصِيرُ" في الآيَةِ أرادَ بِهِ ما يُفْتَرَشُ ويَبْسُطُ كالحَصِيرِ المَعْرُوفِ عندَ الناسِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ الحَصِيرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي﴾ الآيَةُ. "يَهْدِي" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: يُرْشِدُ، ويَتَوَجَّهُ فِيها أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: يَدْعُو، و"الَّتِي" يُرِيدُ بِها الحالَةَ والطَرِيقَةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ هي لا إلَهَ إلّا اللهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أعَمُّ، وكَلِمَةُ الإخْلاصِ وغَيْرَها مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ داخِلَةٌ في الحالِ الَّتِي هي أقْوَمُ مِن كُلِّ حالٍ تُجْعَلُ بِإزائِها، والِاخْتِصارُ عَلى "أقْوَمُ" ولَمْ يَذْكُرْ: "مِن كَذا" إيجازٌ، والمَعْنى مَفْهُومٌ، أيْ: لِلَّتِي هي أقْوَمُ مِن كُلِّ ما غايَرَها، فَهي النِهايَةُ في القِوامِ، وقَيَّدَ المُؤْمِنِينَ بِعَمَلِ الصالِحاتِ إذْ هو كَمالُ الإيمانِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ، والمُؤْمِنُ المُفْرِدُ في العَمَلِ لَهُ بِإيمانِهِ حَظٌّ في عَمَلِ الصالِحاتِ، و"الأجْرُ الكَبِيرُ": الجَنَّةُ، وكَذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ في كِتابِ اللهِ تَعالى: "فَضْلٌ كَبِيرٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ" فَهو الجَنَّةُ. (p-٤٤٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: "أنَّ" الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "يُبَشِّرُ"، و"إنَّ" الثانِيَةَ عَطْفٌ عَلى الأُولى، وهي داخِلَةٌ في جُمْلَةِ بِشارَةِ المُؤْمِنِينَ. بَشَّرَهُمُ القُرْآنُ بِالجَنَّةِ، وأنَّ الكَفّارَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ، وذَلِكَ أنَّ عِلْمَ المُؤْمِنِينَ بِهَذا مَسَرَّةٌ لَهُمْ، وفي هَذِهِ البِشارَةِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ بِالمَعْنى، وهَذا الَّذِي تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيُبَشِّرُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وطُلْحَةُ: "وَيُبَشِّرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ. و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: أحْضَرْنا وأعْدَدْنا، ومِنهُ العَتادُ. و"الألِيمُ": المُوجِعُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾. سَقَطَتِ الواوُ مَن "يَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ لَأنَّهم كَتَبُوا المَسْمُوعَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ ذامَّةً لِما يَفْعَلُهُ الناسُ مِنَ الدُعاءِ عَلى أمْوالِهِمْ وأولادِهِمْ في وقْتِ الغَضَبِ والضَجَرِ، فَأخْبَرَ اللهُ أنَّهم يَدْعُونَ بِالشَرِّ في ذَلِكَ الوَقْتِ كَما يَدْعُونَ بِالخَيْرِ في وقْتِ التَثَبُّتِ، فَلَوْ أجابَ اللهُ دُعاءَهم أهْلَكَهُمْ، ولَكِنَّ اللهَ تَعالى يَصْفَحُ ولا يُجِيبُ دُعاءَ الضَجِرِ المُسْتَعْجِلِ. ثُمَّ عَذَرَ بَعْضَ العُذْرِ في أنَّ الإنْسانَ لَهُ عَجَلَةٌ فِطْرِيَّةٌ، و"الإنْسانُ" هُنا، قِيلَ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ بِحَسْبِ ما في الخْلْقِ مِن ذَلِكَ. قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ: إشارَتُهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ في أنَّهُ لَمّا نَفَخَ الرُوحَ في رَأْسِهِ عَطَسَ وأبْصَرَ، فَلَمّا مَشى الرُوحُ في بَدَنِهِ قَبْلَ ساقَيْهِ أعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَذَهَبَ يَمْشِي مُسْتَعْجِلًا لِذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرْ، فَأشارَتْ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ إلى ذَلِكَ. والمَعْنى: فَأنْتُمْ ذَوُو عَجَلَةٍ مَوْرُوثَةٍ مِن أبِيكُمْ، ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ جَعَلَ أسِيرًا في قَيْدٍ في بَيْتِ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، فَسَمِعَتْ سَوْدَةُ أنِينَهُ فَأشْفَقَتْ، فَقالَتْ لَهُ: ما بالُكَ؟ فَقالَ: ألَمُ القَيْدِ، فَقامَتْ فَأرْخَتْ مِن رَبْطِهِ فَسَكَتَ، ثُمَّ نامَتْ، فَتَحَيَّلَ في الِانْحِلالِ وفَّرَ، فَطَلَبَهُ النَبِيُّ ﷺ عِنْدَ الصُبْحِ فَأُخْبِرَ الخَبَرَ، فَقالَ: "قَطَعَ اللهُ يَدَيْها"، فَفَزِعَتْ سَوْدَةُ ورَفَعَتْ يَدَيْها نَحْوَ السَماءِ وهي تَخافُ الإجابَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ دُعائِي في مِثْلِ هَذا رَحْمَةً عَلى المَدْعُوِّ لَهُ؛ لَأنِّي بَشَرٌ أغْضَبُ وأعَجَلُ، فَلْتَرُدَّ سَوْدَةُ يَدَيْها".» (p-٤٤٨)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ قُرَيْشٍ، قالُوا: ﴿اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةُ، وكانَ الأُولى أنْ يَقُولُوا: "فاهْدِنا إلَيْهِ وارْحَمْنا بِهِ"، فَذَمَّهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ مُعاتَبَةُ الناسِ عَلى أنَّهم إذا نالَهم شَرٌّ وضُرٌّ دَعَوا ولَجُّوا في الدُعاءِ الَّذِي كانَ يَجِبُ أنْ يَدْعُوَهُ في حالَةِ الخَيْرِ ويَلْزَمَهُ الكُلُّ، مِن ذِكْرِ اللهِ تَعالى وحَمْدِهِ والرَغْبَةِ إلَيْهِ، لَكِنَّ الإنْسانَ يُقَصِّرُ حِينَئِذٍ، فَإذا مَسَّهُ الضُرُّ ألَحَّ واسْتَعْجَلَ الفَرَجَ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أو قاعِدًا أو قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عنهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].

الإسراء 17:11

قوله عزّ وجلّ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ ﴿وَأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ يَقُولُ اللهُ تَعالى لِبَقِيَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾ إنْ أطَعْتُمْ في أنْفُسِكم واسْتَقَمْتُمْ ﴿أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ و"عَسى" تَرَجٍّ في حَقِّهِمْ، وهَذِهِ العِدَةُ لَيْسَتْ بِرُجُوعِ دَوْلَةٍ، وإنَّما هي بِأنْ يَرْحَمَ المُطِيعَ مِنهُمْ، وكانَ مِنَ الطاعَةِ اتِّباعُهم لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، ولِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وعادُوا إلى الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَعادَ عِقابُ اللهِ تَعالى، فَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الذُلَّ وقَتَلَهُمْ، وأذَلَّهم بِيَدِ كُلِّ أُمَّةٍ، وهُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَلَّطَ عَلَيْهِمْ ثَلاثَةَ مُلُوكٍ. و"الحَصِيرُ" فَعِيلٌ مِنَ الحَصْرِ، فَهي بِمَعْنى السَجْنِ، أيْ: تَحْصُرُهُمْ، وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، ويُقالُ: الحَصِيرُ أيْضًا مِنَ الحَصْرِ لِلْمَلِكِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ ومَقامَةِ غُلْبِ الرِقابِ كَأنَّهم ∗∗∗ جِنٌّ لَدى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ (p-٤٤٦)وَيُقالُ لِجَنْبَيِ الإنْسانِ: حَصِيرانِ لَأنَّهُما يَحْصُرانِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الطِرْماحِ: ؎ قَلِيلًا تَتَلّى حاجَةً ثُمَّ عُولِيَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى كُلِّ مَعْرُوشِ الحَصِيرَيْنِ بادِنِ وقالَ الحَسَنُ: "الحَصِيرُ" في الآيَةِ أرادَ بِهِ ما يُفْتَرَشُ ويَبْسُطُ كالحَصِيرِ المَعْرُوفِ عندَ الناسِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ الحَصِيرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي﴾ الآيَةُ. "يَهْدِي" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: يُرْشِدُ، ويَتَوَجَّهُ فِيها أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: يَدْعُو، و"الَّتِي" يُرِيدُ بِها الحالَةَ والطَرِيقَةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ هي لا إلَهَ إلّا اللهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أعَمُّ، وكَلِمَةُ الإخْلاصِ وغَيْرَها مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ داخِلَةٌ في الحالِ الَّتِي هي أقْوَمُ مِن كُلِّ حالٍ تُجْعَلُ بِإزائِها، والِاخْتِصارُ عَلى "أقْوَمُ" ولَمْ يَذْكُرْ: "مِن كَذا" إيجازٌ، والمَعْنى مَفْهُومٌ، أيْ: لِلَّتِي هي أقْوَمُ مِن كُلِّ ما غايَرَها، فَهي النِهايَةُ في القِوامِ، وقَيَّدَ المُؤْمِنِينَ بِعَمَلِ الصالِحاتِ إذْ هو كَمالُ الإيمانِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ، والمُؤْمِنُ المُفْرِدُ في العَمَلِ لَهُ بِإيمانِهِ حَظٌّ في عَمَلِ الصالِحاتِ، و"الأجْرُ الكَبِيرُ": الجَنَّةُ، وكَذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ في كِتابِ اللهِ تَعالى: "فَضْلٌ كَبِيرٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ" فَهو الجَنَّةُ. (p-٤٤٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: "أنَّ" الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "يُبَشِّرُ"، و"إنَّ" الثانِيَةَ عَطْفٌ عَلى الأُولى، وهي داخِلَةٌ في جُمْلَةِ بِشارَةِ المُؤْمِنِينَ. بَشَّرَهُمُ القُرْآنُ بِالجَنَّةِ، وأنَّ الكَفّارَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ، وذَلِكَ أنَّ عِلْمَ المُؤْمِنِينَ بِهَذا مَسَرَّةٌ لَهُمْ، وفي هَذِهِ البِشارَةِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ بِالمَعْنى، وهَذا الَّذِي تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيُبَشِّرُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وطُلْحَةُ: "وَيُبَشِّرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ. و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: أحْضَرْنا وأعْدَدْنا، ومِنهُ العَتادُ. و"الألِيمُ": المُوجِعُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾. سَقَطَتِ الواوُ مَن "يَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ لَأنَّهم كَتَبُوا المَسْمُوعَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ ذامَّةً لِما يَفْعَلُهُ الناسُ مِنَ الدُعاءِ عَلى أمْوالِهِمْ وأولادِهِمْ في وقْتِ الغَضَبِ والضَجَرِ، فَأخْبَرَ اللهُ أنَّهم يَدْعُونَ بِالشَرِّ في ذَلِكَ الوَقْتِ كَما يَدْعُونَ بِالخَيْرِ في وقْتِ التَثَبُّتِ، فَلَوْ أجابَ اللهُ دُعاءَهم أهْلَكَهُمْ، ولَكِنَّ اللهَ تَعالى يَصْفَحُ ولا يُجِيبُ دُعاءَ الضَجِرِ المُسْتَعْجِلِ. ثُمَّ عَذَرَ بَعْضَ العُذْرِ في أنَّ الإنْسانَ لَهُ عَجَلَةٌ فِطْرِيَّةٌ، و"الإنْسانُ" هُنا، قِيلَ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ بِحَسْبِ ما في الخْلْقِ مِن ذَلِكَ. قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ: إشارَتُهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ في أنَّهُ لَمّا نَفَخَ الرُوحَ في رَأْسِهِ عَطَسَ وأبْصَرَ، فَلَمّا مَشى الرُوحُ في بَدَنِهِ قَبْلَ ساقَيْهِ أعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَذَهَبَ يَمْشِي مُسْتَعْجِلًا لِذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرْ، فَأشارَتْ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ إلى ذَلِكَ. والمَعْنى: فَأنْتُمْ ذَوُو عَجَلَةٍ مَوْرُوثَةٍ مِن أبِيكُمْ، ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ جَعَلَ أسِيرًا في قَيْدٍ في بَيْتِ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، فَسَمِعَتْ سَوْدَةُ أنِينَهُ فَأشْفَقَتْ، فَقالَتْ لَهُ: ما بالُكَ؟ فَقالَ: ألَمُ القَيْدِ، فَقامَتْ فَأرْخَتْ مِن رَبْطِهِ فَسَكَتَ، ثُمَّ نامَتْ، فَتَحَيَّلَ في الِانْحِلالِ وفَّرَ، فَطَلَبَهُ النَبِيُّ ﷺ عِنْدَ الصُبْحِ فَأُخْبِرَ الخَبَرَ، فَقالَ: "قَطَعَ اللهُ يَدَيْها"، فَفَزِعَتْ سَوْدَةُ ورَفَعَتْ يَدَيْها نَحْوَ السَماءِ وهي تَخافُ الإجابَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ دُعائِي في مِثْلِ هَذا رَحْمَةً عَلى المَدْعُوِّ لَهُ؛ لَأنِّي بَشَرٌ أغْضَبُ وأعَجَلُ، فَلْتَرُدَّ سَوْدَةُ يَدَيْها".» (p-٤٤٨)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ قُرَيْشٍ، قالُوا: ﴿اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةُ، وكانَ الأُولى أنْ يَقُولُوا: "فاهْدِنا إلَيْهِ وارْحَمْنا بِهِ"، فَذَمَّهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ مُعاتَبَةُ الناسِ عَلى أنَّهم إذا نالَهم شَرٌّ وضُرٌّ دَعَوا ولَجُّوا في الدُعاءِ الَّذِي كانَ يَجِبُ أنْ يَدْعُوَهُ في حالَةِ الخَيْرِ ويَلْزَمَهُ الكُلُّ، مِن ذِكْرِ اللهِ تَعالى وحَمْدِهِ والرَغْبَةِ إلَيْهِ، لَكِنَّ الإنْسانَ يُقَصِّرُ حِينَئِذٍ، فَإذا مَسَّهُ الضُرُّ ألَحَّ واسْتَعْجَلَ الفَرَجَ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أو قاعِدًا أو قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عنهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].

الإسراء 17:12

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلْنا اللَيْلَ والنَهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَيْلَ وجَعَلْنا آيَةَ النَهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا﴾ ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ "الآيَةُ": العَلامَةُ المَنصُوبَةُ لِلنَّظَرِ والعِبْرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمَحَوْنا"، قالَتْ فِيهِ فِرْقَةٌ: سَبَبُ تَعْقِيبِ الفاءِ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الشَمْسَ والقَمَرَ مُضِيئَيْنِ، فَمَحا بَعْدَ ذَلِكَ القَمَرَ، مَحاهُ جِبْرِيلُ بِجَناحَيْهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَمِن هُنالِكَ كَلَفُهُ وكَوْنُهُ مُنِيرًا فَقَطْ وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهُوَ الظاهِرُ-: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "فَمَحَوْنا" إنَّما يُرِيدُ: في أصْلِ خِلْقَتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: "بَنَيْتُ دارِي فَبَدَأتْ بِالأُسِّ ثُمَّ تابَعَتْ"، فَلا تُرِيدُ بِالفاءِ التَعْقِيبَ، وظاهِرُ لَفْظِ الآيَةِ يَقْتَضِي أرْبَعَ آياتٍ، لا سِيَّما لِمَن بَنى عَلى أنَّ القَمَرَ هو المَمْحُوُّ، والشَمْسُ هي المُبْصِرَةُ، فَأمّا إنْ قَدَّرَ المَمْحُوَّ في ظَلامِ اللَيْلِ والإبْصارَ في ضَوْءِ النَهارِ أمْكَنَ أنْ تَتَضَمَّنَ الآيَةُ آيَتَيْنِ فَقَطْ، عَلى أنْ يَكُونَ فِيها طَرَفٌ مِن إضافَةِ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مُبْصِرَةً" مِثْلَ قَوْلِكَ: "لَيْلٌ نائِمٌ وقائِمٌ"، أيْ: يُنامُ فِيهِ ويُقامُ فِيهِ، وكَذَلِكَ: "آيَةٌ مُبْصِرَةٌ" أيْ: يُبْصِرُ فِيها ومَعَها. وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: (p-٤٤٩)سَلُوا عَمّا شِئْتُمْ، فَقالَ ابْنُ الكَوّاءِ: ما السَوادُ الَّذِي في القَمَرِ؟ فَقالَ لَهُ عَلَيٌّ: قاتَلَكَ اللهُ، هَلّا سَألَتْ عن أمْرِ دِينِكَ وآخِرَتِكَ؟ ذَلِكَ مَحْوُ اللَيْلِ. وجَعَلَ اللهُ تَعالى النَهارَ مُبْصِرًا لِيَبْتَغِيَ الناسُ الرِزْقَ وفَضْلَ اللهِ، وجَعَلَ القَمَرُ مُخالِفًا لِحالِ الشَمْسِ لِيُعْلَمَ بِهِ العَدَدَ مِنَ السِنِينَ والحِسابَ لِلْأشْهَرِ والأيّامِ، ومَعْرِفَةُ ذَلِكَ في الشَرْعِ إنَّما هو مِن جِهَةِ القَمَرِ لا مِن جِهَةِ الشَمْسِ. وقَوْلُهُ تَعالى: " كُلَ شَيْءٍ " مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: وفَصَّلْنا كُلَّ شَيْءٍ تَفْصِيلًا، وقِيلَ: "وَكُلَّ" عَطْفٌ عَلى "والحِسابَ"، فَهو مَعْمُولُ "لِتَعْلَمُوا"، و"التَفْصِيلُ": البَيانُ بِأنَّ تُذْكَرَ فُصُولُ ما بَيْنَ الأشْياءِ وتُزالُ أسْبابُها حَتّى يَتَمَيَّزَ الصَوابُ مِنَ الشُبْهَةِ العارِضَةِ فِيهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي﴾ الآيَةُ. قَوْلُهُ: "كُلَّ" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُجاهِدٍ "طَيْرَهُ في عُنُقِهِ". قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "طائِرَهُ": ما قُدِّرَ عَلَيْهِ ولَهُ، وخاطَبَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى العَرَبَ في هَذِهِ الآيَةِ بِما تَعْرِفُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ مِن عادَتِها التَيَمُّنُ والتَشاؤُمُ بِالطَيْرِ في كَوْنِها سانِحَةً وبارِحَةً، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى فَعَلَتْهُ بِالظِباءِ وحَيَوانِ الفَلَواتِ، وسَمَّتْ كُلَّ ذَلِكَ تَطَيُّرًا، وكانَتْ تَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ الطِيرَةَ قاضِيَةٌ بِما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَأخْبَرَهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ في أوجَزِ لَفْظٍ وأبْلَغِ إشارَةٍ أنَّ جَمِيعَ ما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ قَدْ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ، وأُلْزِمَ حَظُّهُ وعَمَلُهُ وتَكَسُّبُهُ في عُنُقِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾، فَعَبَّرَ عَنِ الحَظِّ والعَمَلِ -إذْ هُما مُتَلازِمانِ- بِالطائِرِ)، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ العَرَبِ في التَطَيُّرِ، وقَوْلِهِمْ في أُمُورٍ: "عَلى الطائِرِ المَيْمُونِ"، و"بِأسْعَدَ طائِرٍ"، ومِنهُ ما طارَ في المُحاجَّةِ والسَهْمِ، كَقَوْلٍ أمِّ العُلا الأنْصارِيَّةِ: "فَطارَ لَنا مِنَ القادِمِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الهِجْرَةِ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ "، أيْ: كانَ ذَلِكَ حَظَّنا، (p-٤٥٠)وَأصْلُ هَذا كُلِّهِ مِنَ الطَيْرِ الَّتِي تَقْضِي عِنْدَهم بِلِقاءِ الخَيْرِ والشَرِّ، وأبْطَلَ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "لا عَدْوى ولا طِيَرَةَ)".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ جَرى أيْضًا عَلى مَقْطَعِ العَرَبِ في أنْ تَنْسُبَ ما كانَ إلْزامًا، وقِلادَةً، وأمانَةً، ونَحْوَ هَذا -إلى العُنُقِ، كَقَوْلِهِمْ: "دَمِي في عُنُقِ فُلانٍ" وكَقَوْلِ الأعْشى: ؎ قَلَّدَتُكَ الشِعْرَ يا سَلامَةَ ذا الـ ∗∗∗ تَّفْضالِ، والشَيْءُ حَيْثُما جُعِلا وهَذا كَثِيرٌ، ونَحْوَهُ جَعْلُهم ما كانَ تَكَسُّبًا وجِنايَةً وإثْمًا مَنسُوبًا إلى اليَدِ؛ إذْ هي الأصْلُ في التَكَسُّبِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، والناسُ: "وَنُخْرِجُ" بِنُونِ العَظَمَةِ "كِتابًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يَخْرُجُ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ عَلى الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ "كِتابًا"، أيْ طائِرُهُ الَّذِي كَنّى بِهِ عن عَمَلِهِ يَخْرُجُ لَهُ ذا كِتابٍ. وقَرَأ الحَسَنُ -مِن هَؤُلاءِ: "كِتابٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ أيْضًا: "وَيُخْرَجُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ- عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. "كِتابًا"، أيْ: طائِرُهُ. وقَرَأ أيْضًا: "كِتابٌ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيُخْرِجُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ، أيْ: يُخْرِجُ اللهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فِي عُنُقِهِ يَقْرَؤُهُ (p-٤٥١)يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا". وهَذا الكِتابُ هو عَمَلُ الإنْسانِ وخَطِيئاتُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَلْقاهُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللامِ وخِفَّةِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "يُلَقّاهُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللامِ وتَشْدِيدِ القافِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بِخِلافٍ- وأبِي جَعْفَرِ الجَحْدَرِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ حُذِفَ مِنَ الكَلامِ "يُقالُ لَهُ" اخْتِصارًا لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ. و"الحَسِيبُ": الحاسِبُ، ونَصْبُهُ عَلى التَمْيِيزِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: "يا ابْنَ آدَمَ، بُسِطَتْ لَكَ صَحِيفَةٌ، ووُكِّلَ بِكَ مَلِكانِ كَرِيمانِ، أحَدُهُما عن يَمِينِكِ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخِرُ عن شِمالِكَ يَحْفَظُ سَيِّآتِكَ، فامْلِكْ ما شِئْتْ أو أقْلِلْ أو أكْثِرْ، حَتّى إذا مُتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ فَجُعِلَتْ في عُنُقِكَ مَعَكَ في قَبْرِكَ، حَتّى تَخْرُجَ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا تَلْقاهُ مَنشُورًا، اقْرَأْ كِتابَكَ، كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا، قَدْ عَدَلَ واللهِ فِيكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي ذَكَرَ الحَسَنُ يَكُونُ الطائِرُ ما يَتَحَصَّلُ مَعَ آدَمَ مِن عَمَلِهِ في قَبْرِهِ، فَتَأمَّلْ لَفْظَهُ، وهَذا هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾: إنَّهُ سَيَقْرَأُ يَوْمَئِذٍ مَن لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ.

الإسراء 17:13

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلْنا اللَيْلَ والنَهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَيْلَ وجَعَلْنا آيَةَ النَهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا﴾ ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ "الآيَةُ": العَلامَةُ المَنصُوبَةُ لِلنَّظَرِ والعِبْرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمَحَوْنا"، قالَتْ فِيهِ فِرْقَةٌ: سَبَبُ تَعْقِيبِ الفاءِ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الشَمْسَ والقَمَرَ مُضِيئَيْنِ، فَمَحا بَعْدَ ذَلِكَ القَمَرَ، مَحاهُ جِبْرِيلُ بِجَناحَيْهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَمِن هُنالِكَ كَلَفُهُ وكَوْنُهُ مُنِيرًا فَقَطْ وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهُوَ الظاهِرُ-: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "فَمَحَوْنا" إنَّما يُرِيدُ: في أصْلِ خِلْقَتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: "بَنَيْتُ دارِي فَبَدَأتْ بِالأُسِّ ثُمَّ تابَعَتْ"، فَلا تُرِيدُ بِالفاءِ التَعْقِيبَ، وظاهِرُ لَفْظِ الآيَةِ يَقْتَضِي أرْبَعَ آياتٍ، لا سِيَّما لِمَن بَنى عَلى أنَّ القَمَرَ هو المَمْحُوُّ، والشَمْسُ هي المُبْصِرَةُ، فَأمّا إنْ قَدَّرَ المَمْحُوَّ في ظَلامِ اللَيْلِ والإبْصارَ في ضَوْءِ النَهارِ أمْكَنَ أنْ تَتَضَمَّنَ الآيَةُ آيَتَيْنِ فَقَطْ، عَلى أنْ يَكُونَ فِيها طَرَفٌ مِن إضافَةِ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مُبْصِرَةً" مِثْلَ قَوْلِكَ: "لَيْلٌ نائِمٌ وقائِمٌ"، أيْ: يُنامُ فِيهِ ويُقامُ فِيهِ، وكَذَلِكَ: "آيَةٌ مُبْصِرَةٌ" أيْ: يُبْصِرُ فِيها ومَعَها. وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: (p-٤٤٩)سَلُوا عَمّا شِئْتُمْ، فَقالَ ابْنُ الكَوّاءِ: ما السَوادُ الَّذِي في القَمَرِ؟ فَقالَ لَهُ عَلَيٌّ: قاتَلَكَ اللهُ، هَلّا سَألَتْ عن أمْرِ دِينِكَ وآخِرَتِكَ؟ ذَلِكَ مَحْوُ اللَيْلِ. وجَعَلَ اللهُ تَعالى النَهارَ مُبْصِرًا لِيَبْتَغِيَ الناسُ الرِزْقَ وفَضْلَ اللهِ، وجَعَلَ القَمَرُ مُخالِفًا لِحالِ الشَمْسِ لِيُعْلَمَ بِهِ العَدَدَ مِنَ السِنِينَ والحِسابَ لِلْأشْهَرِ والأيّامِ، ومَعْرِفَةُ ذَلِكَ في الشَرْعِ إنَّما هو مِن جِهَةِ القَمَرِ لا مِن جِهَةِ الشَمْسِ. وقَوْلُهُ تَعالى: " كُلَ شَيْءٍ " مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: وفَصَّلْنا كُلَّ شَيْءٍ تَفْصِيلًا، وقِيلَ: "وَكُلَّ" عَطْفٌ عَلى "والحِسابَ"، فَهو مَعْمُولُ "لِتَعْلَمُوا"، و"التَفْصِيلُ": البَيانُ بِأنَّ تُذْكَرَ فُصُولُ ما بَيْنَ الأشْياءِ وتُزالُ أسْبابُها حَتّى يَتَمَيَّزَ الصَوابُ مِنَ الشُبْهَةِ العارِضَةِ فِيهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي﴾ الآيَةُ. قَوْلُهُ: "كُلَّ" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُجاهِدٍ "طَيْرَهُ في عُنُقِهِ". قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "طائِرَهُ": ما قُدِّرَ عَلَيْهِ ولَهُ، وخاطَبَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى العَرَبَ في هَذِهِ الآيَةِ بِما تَعْرِفُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ مِن عادَتِها التَيَمُّنُ والتَشاؤُمُ بِالطَيْرِ في كَوْنِها سانِحَةً وبارِحَةً، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى فَعَلَتْهُ بِالظِباءِ وحَيَوانِ الفَلَواتِ، وسَمَّتْ كُلَّ ذَلِكَ تَطَيُّرًا، وكانَتْ تَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ الطِيرَةَ قاضِيَةٌ بِما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَأخْبَرَهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ في أوجَزِ لَفْظٍ وأبْلَغِ إشارَةٍ أنَّ جَمِيعَ ما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ قَدْ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ، وأُلْزِمَ حَظُّهُ وعَمَلُهُ وتَكَسُّبُهُ في عُنُقِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾، فَعَبَّرَ عَنِ الحَظِّ والعَمَلِ -إذْ هُما مُتَلازِمانِ- بِالطائِرِ)، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ العَرَبِ في التَطَيُّرِ، وقَوْلِهِمْ في أُمُورٍ: "عَلى الطائِرِ المَيْمُونِ"، و"بِأسْعَدَ طائِرٍ"، ومِنهُ ما طارَ في المُحاجَّةِ والسَهْمِ، كَقَوْلٍ أمِّ العُلا الأنْصارِيَّةِ: "فَطارَ لَنا مِنَ القادِمِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الهِجْرَةِ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ "، أيْ: كانَ ذَلِكَ حَظَّنا، (p-٤٥٠)وَأصْلُ هَذا كُلِّهِ مِنَ الطَيْرِ الَّتِي تَقْضِي عِنْدَهم بِلِقاءِ الخَيْرِ والشَرِّ، وأبْطَلَ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "لا عَدْوى ولا طِيَرَةَ)".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ جَرى أيْضًا عَلى مَقْطَعِ العَرَبِ في أنْ تَنْسُبَ ما كانَ إلْزامًا، وقِلادَةً، وأمانَةً، ونَحْوَ هَذا -إلى العُنُقِ، كَقَوْلِهِمْ: "دَمِي في عُنُقِ فُلانٍ" وكَقَوْلِ الأعْشى: ؎ قَلَّدَتُكَ الشِعْرَ يا سَلامَةَ ذا الـ ∗∗∗ تَّفْضالِ، والشَيْءُ حَيْثُما جُعِلا وهَذا كَثِيرٌ، ونَحْوَهُ جَعْلُهم ما كانَ تَكَسُّبًا وجِنايَةً وإثْمًا مَنسُوبًا إلى اليَدِ؛ إذْ هي الأصْلُ في التَكَسُّبِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، والناسُ: "وَنُخْرِجُ" بِنُونِ العَظَمَةِ "كِتابًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يَخْرُجُ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ عَلى الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ "كِتابًا"، أيْ طائِرُهُ الَّذِي كَنّى بِهِ عن عَمَلِهِ يَخْرُجُ لَهُ ذا كِتابٍ. وقَرَأ الحَسَنُ -مِن هَؤُلاءِ: "كِتابٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ أيْضًا: "وَيُخْرَجُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ- عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. "كِتابًا"، أيْ: طائِرُهُ. وقَرَأ أيْضًا: "كِتابٌ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيُخْرِجُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ، أيْ: يُخْرِجُ اللهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فِي عُنُقِهِ يَقْرَؤُهُ (p-٤٥١)يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا". وهَذا الكِتابُ هو عَمَلُ الإنْسانِ وخَطِيئاتُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَلْقاهُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللامِ وخِفَّةِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "يُلَقّاهُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللامِ وتَشْدِيدِ القافِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بِخِلافٍ- وأبِي جَعْفَرِ الجَحْدَرِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ حُذِفَ مِنَ الكَلامِ "يُقالُ لَهُ" اخْتِصارًا لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ. و"الحَسِيبُ": الحاسِبُ، ونَصْبُهُ عَلى التَمْيِيزِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: "يا ابْنَ آدَمَ، بُسِطَتْ لَكَ صَحِيفَةٌ، ووُكِّلَ بِكَ مَلِكانِ كَرِيمانِ، أحَدُهُما عن يَمِينِكِ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخِرُ عن شِمالِكَ يَحْفَظُ سَيِّآتِكَ، فامْلِكْ ما شِئْتْ أو أقْلِلْ أو أكْثِرْ، حَتّى إذا مُتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ فَجُعِلَتْ في عُنُقِكَ مَعَكَ في قَبْرِكَ، حَتّى تَخْرُجَ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا تَلْقاهُ مَنشُورًا، اقْرَأْ كِتابَكَ، كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا، قَدْ عَدَلَ واللهِ فِيكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي ذَكَرَ الحَسَنُ يَكُونُ الطائِرُ ما يَتَحَصَّلُ مَعَ آدَمَ مِن عَمَلِهِ في قَبْرِهِ، فَتَأمَّلْ لَفْظَهُ، وهَذا هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾: إنَّهُ سَيَقْرَأُ يَوْمَئِذٍ مَن لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ.

الإسراء 17:14

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلْنا اللَيْلَ والنَهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَيْلَ وجَعَلْنا آيَةَ النَهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا﴾ ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ "الآيَةُ": العَلامَةُ المَنصُوبَةُ لِلنَّظَرِ والعِبْرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمَحَوْنا"، قالَتْ فِيهِ فِرْقَةٌ: سَبَبُ تَعْقِيبِ الفاءِ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الشَمْسَ والقَمَرَ مُضِيئَيْنِ، فَمَحا بَعْدَ ذَلِكَ القَمَرَ، مَحاهُ جِبْرِيلُ بِجَناحَيْهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَمِن هُنالِكَ كَلَفُهُ وكَوْنُهُ مُنِيرًا فَقَطْ وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهُوَ الظاهِرُ-: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "فَمَحَوْنا" إنَّما يُرِيدُ: في أصْلِ خِلْقَتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: "بَنَيْتُ دارِي فَبَدَأتْ بِالأُسِّ ثُمَّ تابَعَتْ"، فَلا تُرِيدُ بِالفاءِ التَعْقِيبَ، وظاهِرُ لَفْظِ الآيَةِ يَقْتَضِي أرْبَعَ آياتٍ، لا سِيَّما لِمَن بَنى عَلى أنَّ القَمَرَ هو المَمْحُوُّ، والشَمْسُ هي المُبْصِرَةُ، فَأمّا إنْ قَدَّرَ المَمْحُوَّ في ظَلامِ اللَيْلِ والإبْصارَ في ضَوْءِ النَهارِ أمْكَنَ أنْ تَتَضَمَّنَ الآيَةُ آيَتَيْنِ فَقَطْ، عَلى أنْ يَكُونَ فِيها طَرَفٌ مِن إضافَةِ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مُبْصِرَةً" مِثْلَ قَوْلِكَ: "لَيْلٌ نائِمٌ وقائِمٌ"، أيْ: يُنامُ فِيهِ ويُقامُ فِيهِ، وكَذَلِكَ: "آيَةٌ مُبْصِرَةٌ" أيْ: يُبْصِرُ فِيها ومَعَها. وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: (p-٤٤٩)سَلُوا عَمّا شِئْتُمْ، فَقالَ ابْنُ الكَوّاءِ: ما السَوادُ الَّذِي في القَمَرِ؟ فَقالَ لَهُ عَلَيٌّ: قاتَلَكَ اللهُ، هَلّا سَألَتْ عن أمْرِ دِينِكَ وآخِرَتِكَ؟ ذَلِكَ مَحْوُ اللَيْلِ. وجَعَلَ اللهُ تَعالى النَهارَ مُبْصِرًا لِيَبْتَغِيَ الناسُ الرِزْقَ وفَضْلَ اللهِ، وجَعَلَ القَمَرُ مُخالِفًا لِحالِ الشَمْسِ لِيُعْلَمَ بِهِ العَدَدَ مِنَ السِنِينَ والحِسابَ لِلْأشْهَرِ والأيّامِ، ومَعْرِفَةُ ذَلِكَ في الشَرْعِ إنَّما هو مِن جِهَةِ القَمَرِ لا مِن جِهَةِ الشَمْسِ. وقَوْلُهُ تَعالى: " كُلَ شَيْءٍ " مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: وفَصَّلْنا كُلَّ شَيْءٍ تَفْصِيلًا، وقِيلَ: "وَكُلَّ" عَطْفٌ عَلى "والحِسابَ"، فَهو مَعْمُولُ "لِتَعْلَمُوا"، و"التَفْصِيلُ": البَيانُ بِأنَّ تُذْكَرَ فُصُولُ ما بَيْنَ الأشْياءِ وتُزالُ أسْبابُها حَتّى يَتَمَيَّزَ الصَوابُ مِنَ الشُبْهَةِ العارِضَةِ فِيهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي﴾ الآيَةُ. قَوْلُهُ: "كُلَّ" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُجاهِدٍ "طَيْرَهُ في عُنُقِهِ". قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "طائِرَهُ": ما قُدِّرَ عَلَيْهِ ولَهُ، وخاطَبَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى العَرَبَ في هَذِهِ الآيَةِ بِما تَعْرِفُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ مِن عادَتِها التَيَمُّنُ والتَشاؤُمُ بِالطَيْرِ في كَوْنِها سانِحَةً وبارِحَةً، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى فَعَلَتْهُ بِالظِباءِ وحَيَوانِ الفَلَواتِ، وسَمَّتْ كُلَّ ذَلِكَ تَطَيُّرًا، وكانَتْ تَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ الطِيرَةَ قاضِيَةٌ بِما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَأخْبَرَهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ في أوجَزِ لَفْظٍ وأبْلَغِ إشارَةٍ أنَّ جَمِيعَ ما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ قَدْ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ، وأُلْزِمَ حَظُّهُ وعَمَلُهُ وتَكَسُّبُهُ في عُنُقِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾، فَعَبَّرَ عَنِ الحَظِّ والعَمَلِ -إذْ هُما مُتَلازِمانِ- بِالطائِرِ)، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ العَرَبِ في التَطَيُّرِ، وقَوْلِهِمْ في أُمُورٍ: "عَلى الطائِرِ المَيْمُونِ"، و"بِأسْعَدَ طائِرٍ"، ومِنهُ ما طارَ في المُحاجَّةِ والسَهْمِ، كَقَوْلٍ أمِّ العُلا الأنْصارِيَّةِ: "فَطارَ لَنا مِنَ القادِمِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الهِجْرَةِ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ "، أيْ: كانَ ذَلِكَ حَظَّنا، (p-٤٥٠)وَأصْلُ هَذا كُلِّهِ مِنَ الطَيْرِ الَّتِي تَقْضِي عِنْدَهم بِلِقاءِ الخَيْرِ والشَرِّ، وأبْطَلَ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "لا عَدْوى ولا طِيَرَةَ)".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ جَرى أيْضًا عَلى مَقْطَعِ العَرَبِ في أنْ تَنْسُبَ ما كانَ إلْزامًا، وقِلادَةً، وأمانَةً، ونَحْوَ هَذا -إلى العُنُقِ، كَقَوْلِهِمْ: "دَمِي في عُنُقِ فُلانٍ" وكَقَوْلِ الأعْشى: ؎ قَلَّدَتُكَ الشِعْرَ يا سَلامَةَ ذا الـ ∗∗∗ تَّفْضالِ، والشَيْءُ حَيْثُما جُعِلا وهَذا كَثِيرٌ، ونَحْوَهُ جَعْلُهم ما كانَ تَكَسُّبًا وجِنايَةً وإثْمًا مَنسُوبًا إلى اليَدِ؛ إذْ هي الأصْلُ في التَكَسُّبِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، والناسُ: "وَنُخْرِجُ" بِنُونِ العَظَمَةِ "كِتابًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يَخْرُجُ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ عَلى الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ "كِتابًا"، أيْ طائِرُهُ الَّذِي كَنّى بِهِ عن عَمَلِهِ يَخْرُجُ لَهُ ذا كِتابٍ. وقَرَأ الحَسَنُ -مِن هَؤُلاءِ: "كِتابٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ أيْضًا: "وَيُخْرَجُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ- عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. "كِتابًا"، أيْ: طائِرُهُ. وقَرَأ أيْضًا: "كِتابٌ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيُخْرِجُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ، أيْ: يُخْرِجُ اللهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فِي عُنُقِهِ يَقْرَؤُهُ (p-٤٥١)يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا". وهَذا الكِتابُ هو عَمَلُ الإنْسانِ وخَطِيئاتُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَلْقاهُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللامِ وخِفَّةِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "يُلَقّاهُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللامِ وتَشْدِيدِ القافِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بِخِلافٍ- وأبِي جَعْفَرِ الجَحْدَرِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ حُذِفَ مِنَ الكَلامِ "يُقالُ لَهُ" اخْتِصارًا لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ. و"الحَسِيبُ": الحاسِبُ، ونَصْبُهُ عَلى التَمْيِيزِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: "يا ابْنَ آدَمَ، بُسِطَتْ لَكَ صَحِيفَةٌ، ووُكِّلَ بِكَ مَلِكانِ كَرِيمانِ، أحَدُهُما عن يَمِينِكِ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخِرُ عن شِمالِكَ يَحْفَظُ سَيِّآتِكَ، فامْلِكْ ما شِئْتْ أو أقْلِلْ أو أكْثِرْ، حَتّى إذا مُتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ فَجُعِلَتْ في عُنُقِكَ مَعَكَ في قَبْرِكَ، حَتّى تَخْرُجَ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا تَلْقاهُ مَنشُورًا، اقْرَأْ كِتابَكَ، كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا، قَدْ عَدَلَ واللهِ فِيكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي ذَكَرَ الحَسَنُ يَكُونُ الطائِرُ ما يَتَحَصَّلُ مَعَ آدَمَ مِن عَمَلِهِ في قَبْرِهِ، فَتَأمَّلْ لَفْظَهُ، وهَذا هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾: إنَّهُ سَيَقْرَأُ يَوْمَئِذٍ مَن لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ.

الإسراء 17:15

قوله عزّ وجلّ: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ ﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِنَ بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما يُحاسَبُ عن نَفْسِهِ لا عن غَيْرِهِ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَها أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ قالَ لِأهْلِ مَكَّةَ: اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ -ﷺ- وإثْمُكم عَلَيَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: إنَّ الوَلِيدَ لا يَحْمِلُ آثامَكُمْ، وإنَّما إثْمُ كُلِّ (p-٤٥٢)واحِدٍ عَلَيْهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الإشارَةُ في الهُدى إلى أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ، والإشارَةُ بِالضَلالِ إلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. و"وَزَرَ" مَعْناهُ: حَمَلَ، و"الوِزْرُ": الثِقْلُ، ومِنهُ: وزِيرُ السُلْطانِ، أيِ: الَّذِي يَحْمِلُ ثُقْلَ دَوْلَتِهِ، وبِهَذِهِ الآيَةِ نَزَعَتْ عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها في الرَدِّ عَلى مَن قالَ: إنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ، ونُكْتَةُ ذَلِكَ المَعْنى إنَّما هي أنَّ التَعْذِيبَ إنَّما يَقَعُ إذا كانَ البُكاءُ مِن سُنَّةِ المَيِّتِ وتُسَبُّبُهُ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: هَذا في حُكْمِ الدُنْيا، أيْ إنَّ اللهَ لا يُهْلِكُ أُمَّةً بِعَذابٍ إلّا مِن بَعْدِ الرِسالَةِ إلَيْهِمْ والإنْذارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا عامٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَلْخِيصُ هَذا المَعْنى أنَّ مَقْصِدَ الآيَةِ في هَذا المَوْضِعِ الإعْلامُ بِعِبادَةِ اللهِ تَعالى مَعَ الأُمَمِ في الدُنْيا، وبِهَذا يَقْرُبُ الوَعِيدُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ. ويُؤَيِّدُ هَذا ما يَجِيءُ بَعْدُ مِن وصْفِهِ ما يَكُونُ عِنْدَ إرادَةِ اللهِ إهْلاكَ قَرْيَةٍ، ومِن إعْلامِهِ بِكَثْرَةٍ ما أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ، ومَعَ هَذا فالظاهِرُ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ومِنَ النَظَرِ، أنَّ اللهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ (p-٤٥٣)فِي الآخِرَةِ إلّا بَعْدَ بِعْثَةِ الرُسُلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى﴾ [الملك: ٩]، وظاهِرُ "كُلَّما" الحَصْرُ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وأمّا مِن جِهَةِ النَظَرِ فَإنَّ بِعْثَةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالتَوْحِيدِ، وبَعْثِ المُعْتَقِداتِ في بَنِيهِ، ونَصْبِ الأدِلَّةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، مَعَ سَلامَةِ البَصَرِ، يُوجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ مِنَ العالِمِ الإيمانَ واتِّباعَ شَرِيعَةِ اللهِ، ثُمَّ تَجَدَّدَ ذَلِكَ في مُدَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ غَرَقِ الكُفّارِ، وهَذِهِ الآيَةُ أيْضًا يُعْطِي احْتِمالُ ألْفاظِها نَحْوَ هَذا، ويَجُوزُ مَعَ الفَرْضِ وُجُودُ قَوْمٍ لَمْ تَصِلْهم رِسالَةٌ، ومِنهم أهْلُ الفَتَراتِ الَّذِينَ قَدْ قَدَّرَ وُجُودَهم بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وأمّا ما رُوِيَ مِن أنَّ اللهَ تَعالى يَبْعَثُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ وإلى المَجانِينِ والأطْفالِ، فَحَدِيثٌ لَمْ يَصِحُّ، ولا يَقْتَضِيهِ ما تَقْضِيهِ الشَرِيعَةُ مِن أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ الآيَةُ. في مُصْحَفِ أُبَيِّ "بَعَثْنا أكابِرَ مُجْرِمِيها"، و"القَرْيَةُ": المَدِينَةُ المُجْتَمِعَةُ، مَأْخُوذٌ مِن: قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ، إذا جَمَعْتُهُ، ولَيْسَتْ مَن "قَرَأ" الَّذِي هو مَهْمُوزٌ، وإنْ كانَ فِيهِما جَمِيعًا مَعْنى الجَمْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمَرْنا" عَلى صِيغَةِ الماضِي، مِن: أمَرَ ضِدَّ نَهى، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُما-: "آمَرْنا" بِمَدِّ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى: كَثَّرْنا، ورُوِيتُ عَنِ الحَسَنِ، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عنهُ-، وعَنِ الأعْرَجِ، وقَرَأ بِها ابْنُ أبِي إسْحاقٍ، وتَقُولُ العَرَبُ: "أمِرَ القَوْمُ" إذا كَثُرُوا، وآمَرَهُمُ اللهُ تَعالى فَيَتَعَدّى بِالهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرُو بِخِلافٍ-: "أمَّرْنا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أبِي عُثْمانَ النَهْدِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقالَ الطَبَرِيُّ: القِراءَةُ الأُولى مَعْناها: أمَرْناهم بِالطاعَةِ فَعَصَوْا وفَسَقُوا فِيها، وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والثانِيَةُ مَعْناها: كَثَّرْناهُمْ، والثالِثَةُ هي مِنَ الإمارَةِ، أيْ: مَلَّكْناهم عَلى الناسِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: "الجَيِّدُ في "أمَرْنا" أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: كَثَّرْنا، يَتَعَدّى الفِعْلُ (p-٤٥٤)بِلَفْظٍ غَيْرِ مُتَعَدٍّ، كَما تَقُولُ: رَجَعَ ورَجَعْتُهُ، وشَتِرَتْ عَيْنُهُ وشَتَرْتُها، فَتَقُولُ: أمَرَ القَوْمُ وأمَّرَهُمُ اللهُ، أيْ كَثَّرَهُمْ، و"آمَرْنا" مُبالَغَةٌ في "أمْرَنا" بِالهَمْزَةِ، و"أمَّرْنا" مُبالَغَةٌ فِيهِ بِالتَضْعِيفِ، ولا وجْهَ لِكَوْنِ "أمَّرْنا" مِنَ الإمارَةِ؛ لِأنَّ رِياسَتَهم لا تَكُونُ إلّا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، والإهْلاكُ إنَّما يَكُونُ في مُدَّةِ واحِدٍ مِنهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْفَصِلُ عن هَذا الَّذِي قالَهُ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ يَعُمُّ المُتْرَفَ وغَيْرَهَ، فَخَصَّ المُتْرَفَ بِالذِكْرِ إذْ فِسْقُهُ هو المُؤَثِّرُ في فَسادِ القَرْيَةِ وهم عُظْمُ الضَلالَةِ وسِواهم تَبِعَ لَهم. وأمّا "أمَّرْنا" مِنَ الإمارَةِ فَمُتَوَجِّهٌ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ لا يُرِيدَ إمارَةَ المُلْكِ، بَلْ كَوْنُهم يَأْمُرُونَ ويُؤْتَمَرُ لَهُمْ؛ فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِمَن يَأْمُرُ الإنْسانَ -وَإنْ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا-: هو أمِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ إذا كانَ هادِيَ الفَتى في البِلا ∗∗∗ دِ صَدْرَ القَناةِ أطاعَ الأمِيرا ومِنهُ قَوْلُ مُعاوِيَةَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ أمْرِهِ بِالِاسْتِقادَةِ مِن لَطْمَةِ عَمْرُو بْنِ العاصِ: إنَّ عَلَيَّ أمِيرًا لا أقْطَعُ أمْرًا دُونَهُ، أرادَ مُعاوِيَةُ أباهُ، وأرادَ الأعْشى أنَّهُ إذا شاخَ الإنْسانُ وعَمِي واهْتَدى بِالعَصا أطاعَ كُلَّ مَن يَأْمُرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ والناسُ يَلْحَوْنَ الأمِيرَ إذْ هم ∗∗∗ ∗∗∗ خِطِئُوا الصَوابَ ولا يُلامُ المُرْشِدُ (p-٤٥٥)وَأيْضًا فَلَوْ أرادَ إمارَةَ المُلْكِ في الآيَةِ لَحَسُنَ المَعْنى؛ لِأنَّ الأُمَّةَ إذا مَلَّكَ اللهُ عَلَيْها مُتْرَفًا فَفَسَقَ، ثُمَّ ولِيَ مَثَلَهُ بَعْدَهُ، ثُمَّ كَذَلِكَ، عَظُمَ الفَسادُ وتَوالى الكُفْرُ واسْتَحَقُّوا العَذابَ فَنَزَلَ بِهِمْ عَلى الرَجُلِ الأخِيرِ مِن مُلُوكِهِمْ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: "أمِرْنا" بِكَسْرِ المِيمِ، وحَكاها النَحاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ولا أتَحَقَّقُ وجْهًا لِهَذِهِ القِراءَةِ؛ إلّا إنْ كانَ "أمِرَ القَوْمُ" يَتَعَدّى بِلَفْظِهِ، فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "أمِرَ بَنُو فُلانٍ" إذا كَثُرُوا، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎ إنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا وإنْ أُمِرُوا ∗∗∗ ∗∗∗ يَوْمًا يَصِيرُوا لِلْقُلِّ والنَفَدِ ومِنهُ: (لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ )، ورَدَّ الفَرّاءُ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَدْ حُكِيَ "أمِرَ" مُتَعَدِّيًا عن أبِي زَيْدٍ الأنْصارِيِّ، و"المُتْرَفُ" الغَنِيُّ مِنَ المالِ المُتَنَعِّمُ، والتُرْفَةُ: النِعْمَةُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "قَرْيَةً بَعَثْنا أكابِرَ مُجْرِمِيها فَمَكَرُوا فِيها"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ أيْ وعِيدُ اللهِ لَها الَّذِي قالَهُ رَسُولُهم. و"التَدْمِيرُ": الإهْلاكُ مَعَ طَمْسِ الآثارِ وهَدْمِ البِناءِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎ وكانَ لَهم كَبَكْرِ ثَمُودٍ لَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ رَغا دَهْرًا فَدَمَّرَهَمْ دَمارا (p-٤٥٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ﴾ الآيَةُ، "كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أهْلَكْنا"، وهَذا الذِكْرُ لِكَثْرَةِ مَن أهْلَكَ اللهُ مِنَ القُرُونِ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ ووَعِيدٌ، أيْ: لَسْتُمْ بِبَعِيدٍ مِمّا حَصَلُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ إذا أنْتُمْ كَذَّبْتُمْ نَبِيَّكُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في القَرْنِ -فَقالَ ابْنُ سِيرِينِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ أبِي أوفى: القَرْنُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وقالَتْ طائِفَةٌ: القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ، وهَذا هو الأصَحُّ الَّذِي يُعَضِّدُهُ الحَدِيثُ في قَوْلِهِ ﷺ: « "خَيْرُ الناسِ قَرْنِي".»«وَرَوى مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ في خَتْنِهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ قالَ: وضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلى رَأْسِي وقالَ: "سَيَعِيشُ هَذا الغُلامُ قَرْنًا"، قُلْتُ: كَمُ القَرْنُ؟ قالَ: "مِائَةُ سَنَةٍ"،» قالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: فَما زِلْنا نُعِدُّ لَهُ حَتّى أكْمَلَ مِائَةَ سَنَةٍ، وماتَ رَحِمَهُ اللهُ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِرَبِّكَ" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: كَفى بِرَبِّكَ، وهَذِهِ الباءُ إنَّما تَجِيءُ في الأغْلَبِ في مَدْحٍ أو ذَمٍّ، وكَأنَّها تُعْطِي مَعْنى: اكْتَفِ بِرَبِّكَ، أيْ: ما أكْفاهُ في هَذا، وقَدْ تَجِيءُ "كَفى" بِدُونِ باءٍ، كَقَوْلِ الشاعِرِ:(p-٤٥٧) ؎ كَفى الشَيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيا وكَقَوْلُ الآخَرِ: ؎ ويُخْبِرُنِي عن غائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ كَفى الهَدْيُ عَمّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرا

الإسراء 17:16

قوله عزّ وجلّ: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ ﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِنَ بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما يُحاسَبُ عن نَفْسِهِ لا عن غَيْرِهِ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَها أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ قالَ لِأهْلِ مَكَّةَ: اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ -ﷺ- وإثْمُكم عَلَيَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: إنَّ الوَلِيدَ لا يَحْمِلُ آثامَكُمْ، وإنَّما إثْمُ كُلِّ (p-٤٥٢)واحِدٍ عَلَيْهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الإشارَةُ في الهُدى إلى أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ، والإشارَةُ بِالضَلالِ إلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. و"وَزَرَ" مَعْناهُ: حَمَلَ، و"الوِزْرُ": الثِقْلُ، ومِنهُ: وزِيرُ السُلْطانِ، أيِ: الَّذِي يَحْمِلُ ثُقْلَ دَوْلَتِهِ، وبِهَذِهِ الآيَةِ نَزَعَتْ عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها في الرَدِّ عَلى مَن قالَ: إنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ، ونُكْتَةُ ذَلِكَ المَعْنى إنَّما هي أنَّ التَعْذِيبَ إنَّما يَقَعُ إذا كانَ البُكاءُ مِن سُنَّةِ المَيِّتِ وتُسَبُّبُهُ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: هَذا في حُكْمِ الدُنْيا، أيْ إنَّ اللهَ لا يُهْلِكُ أُمَّةً بِعَذابٍ إلّا مِن بَعْدِ الرِسالَةِ إلَيْهِمْ والإنْذارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا عامٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَلْخِيصُ هَذا المَعْنى أنَّ مَقْصِدَ الآيَةِ في هَذا المَوْضِعِ الإعْلامُ بِعِبادَةِ اللهِ تَعالى مَعَ الأُمَمِ في الدُنْيا، وبِهَذا يَقْرُبُ الوَعِيدُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ. ويُؤَيِّدُ هَذا ما يَجِيءُ بَعْدُ مِن وصْفِهِ ما يَكُونُ عِنْدَ إرادَةِ اللهِ إهْلاكَ قَرْيَةٍ، ومِن إعْلامِهِ بِكَثْرَةٍ ما أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ، ومَعَ هَذا فالظاهِرُ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ومِنَ النَظَرِ، أنَّ اللهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ (p-٤٥٣)فِي الآخِرَةِ إلّا بَعْدَ بِعْثَةِ الرُسُلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى﴾ [الملك: ٩]، وظاهِرُ "كُلَّما" الحَصْرُ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وأمّا مِن جِهَةِ النَظَرِ فَإنَّ بِعْثَةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالتَوْحِيدِ، وبَعْثِ المُعْتَقِداتِ في بَنِيهِ، ونَصْبِ الأدِلَّةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، مَعَ سَلامَةِ البَصَرِ، يُوجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ مِنَ العالِمِ الإيمانَ واتِّباعَ شَرِيعَةِ اللهِ، ثُمَّ تَجَدَّدَ ذَلِكَ في مُدَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ غَرَقِ الكُفّارِ، وهَذِهِ الآيَةُ أيْضًا يُعْطِي احْتِمالُ ألْفاظِها نَحْوَ هَذا، ويَجُوزُ مَعَ الفَرْضِ وُجُودُ قَوْمٍ لَمْ تَصِلْهم رِسالَةٌ، ومِنهم أهْلُ الفَتَراتِ الَّذِينَ قَدْ قَدَّرَ وُجُودَهم بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وأمّا ما رُوِيَ مِن أنَّ اللهَ تَعالى يَبْعَثُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ وإلى المَجانِينِ والأطْفالِ، فَحَدِيثٌ لَمْ يَصِحُّ، ولا يَقْتَضِيهِ ما تَقْضِيهِ الشَرِيعَةُ مِن أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ الآيَةُ. في مُصْحَفِ أُبَيِّ "بَعَثْنا أكابِرَ مُجْرِمِيها"، و"القَرْيَةُ": المَدِينَةُ المُجْتَمِعَةُ، مَأْخُوذٌ مِن: قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ، إذا جَمَعْتُهُ، ولَيْسَتْ مَن "قَرَأ" الَّذِي هو مَهْمُوزٌ، وإنْ كانَ فِيهِما جَمِيعًا مَعْنى الجَمْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمَرْنا" عَلى صِيغَةِ الماضِي، مِن: أمَرَ ضِدَّ نَهى، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُما-: "آمَرْنا" بِمَدِّ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى: كَثَّرْنا، ورُوِيتُ عَنِ الحَسَنِ، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عنهُ-، وعَنِ الأعْرَجِ، وقَرَأ بِها ابْنُ أبِي إسْحاقٍ، وتَقُولُ العَرَبُ: "أمِرَ القَوْمُ" إذا كَثُرُوا، وآمَرَهُمُ اللهُ تَعالى فَيَتَعَدّى بِالهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرُو بِخِلافٍ-: "أمَّرْنا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أبِي عُثْمانَ النَهْدِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقالَ الطَبَرِيُّ: القِراءَةُ الأُولى مَعْناها: أمَرْناهم بِالطاعَةِ فَعَصَوْا وفَسَقُوا فِيها، وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والثانِيَةُ مَعْناها: كَثَّرْناهُمْ، والثالِثَةُ هي مِنَ الإمارَةِ، أيْ: مَلَّكْناهم عَلى الناسِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: "الجَيِّدُ في "أمَرْنا" أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: كَثَّرْنا، يَتَعَدّى الفِعْلُ (p-٤٥٤)بِلَفْظٍ غَيْرِ مُتَعَدٍّ، كَما تَقُولُ: رَجَعَ ورَجَعْتُهُ، وشَتِرَتْ عَيْنُهُ وشَتَرْتُها، فَتَقُولُ: أمَرَ القَوْمُ وأمَّرَهُمُ اللهُ، أيْ كَثَّرَهُمْ، و"آمَرْنا" مُبالَغَةٌ في "أمْرَنا" بِالهَمْزَةِ، و"أمَّرْنا" مُبالَغَةٌ فِيهِ بِالتَضْعِيفِ، ولا وجْهَ لِكَوْنِ "أمَّرْنا" مِنَ الإمارَةِ؛ لِأنَّ رِياسَتَهم لا تَكُونُ إلّا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، والإهْلاكُ إنَّما يَكُونُ في مُدَّةِ واحِدٍ مِنهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْفَصِلُ عن هَذا الَّذِي قالَهُ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ يَعُمُّ المُتْرَفَ وغَيْرَهَ، فَخَصَّ المُتْرَفَ بِالذِكْرِ إذْ فِسْقُهُ هو المُؤَثِّرُ في فَسادِ القَرْيَةِ وهم عُظْمُ الضَلالَةِ وسِواهم تَبِعَ لَهم. وأمّا "أمَّرْنا" مِنَ الإمارَةِ فَمُتَوَجِّهٌ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ لا يُرِيدَ إمارَةَ المُلْكِ، بَلْ كَوْنُهم يَأْمُرُونَ ويُؤْتَمَرُ لَهُمْ؛ فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِمَن يَأْمُرُ الإنْسانَ -وَإنْ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا-: هو أمِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ إذا كانَ هادِيَ الفَتى في البِلا ∗∗∗ دِ صَدْرَ القَناةِ أطاعَ الأمِيرا ومِنهُ قَوْلُ مُعاوِيَةَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ أمْرِهِ بِالِاسْتِقادَةِ مِن لَطْمَةِ عَمْرُو بْنِ العاصِ: إنَّ عَلَيَّ أمِيرًا لا أقْطَعُ أمْرًا دُونَهُ، أرادَ مُعاوِيَةُ أباهُ، وأرادَ الأعْشى أنَّهُ إذا شاخَ الإنْسانُ وعَمِي واهْتَدى بِالعَصا أطاعَ كُلَّ مَن يَأْمُرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ والناسُ يَلْحَوْنَ الأمِيرَ إذْ هم ∗∗∗ ∗∗∗ خِطِئُوا الصَوابَ ولا يُلامُ المُرْشِدُ (p-٤٥٥)وَأيْضًا فَلَوْ أرادَ إمارَةَ المُلْكِ في الآيَةِ لَحَسُنَ المَعْنى؛ لِأنَّ الأُمَّةَ إذا مَلَّكَ اللهُ عَلَيْها مُتْرَفًا فَفَسَقَ، ثُمَّ ولِيَ مَثَلَهُ بَعْدَهُ، ثُمَّ كَذَلِكَ، عَظُمَ الفَسادُ وتَوالى الكُفْرُ واسْتَحَقُّوا العَذابَ فَنَزَلَ بِهِمْ عَلى الرَجُلِ الأخِيرِ مِن مُلُوكِهِمْ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: "أمِرْنا" بِكَسْرِ المِيمِ، وحَكاها النَحاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ولا أتَحَقَّقُ وجْهًا لِهَذِهِ القِراءَةِ؛ إلّا إنْ كانَ "أمِرَ القَوْمُ" يَتَعَدّى بِلَفْظِهِ، فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "أمِرَ بَنُو فُلانٍ" إذا كَثُرُوا، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎ إنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا وإنْ أُمِرُوا ∗∗∗ ∗∗∗ يَوْمًا يَصِيرُوا لِلْقُلِّ والنَفَدِ ومِنهُ: (لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ )، ورَدَّ الفَرّاءُ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَدْ حُكِيَ "أمِرَ" مُتَعَدِّيًا عن أبِي زَيْدٍ الأنْصارِيِّ، و"المُتْرَفُ" الغَنِيُّ مِنَ المالِ المُتَنَعِّمُ، والتُرْفَةُ: النِعْمَةُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "قَرْيَةً بَعَثْنا أكابِرَ مُجْرِمِيها فَمَكَرُوا فِيها"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ أيْ وعِيدُ اللهِ لَها الَّذِي قالَهُ رَسُولُهم. و"التَدْمِيرُ": الإهْلاكُ مَعَ طَمْسِ الآثارِ وهَدْمِ البِناءِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎ وكانَ لَهم كَبَكْرِ ثَمُودٍ لَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ رَغا دَهْرًا فَدَمَّرَهَمْ دَمارا (p-٤٥٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ﴾ الآيَةُ، "كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أهْلَكْنا"، وهَذا الذِكْرُ لِكَثْرَةِ مَن أهْلَكَ اللهُ مِنَ القُرُونِ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ ووَعِيدٌ، أيْ: لَسْتُمْ بِبَعِيدٍ مِمّا حَصَلُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ إذا أنْتُمْ كَذَّبْتُمْ نَبِيَّكُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في القَرْنِ -فَقالَ ابْنُ سِيرِينِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ أبِي أوفى: القَرْنُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وقالَتْ طائِفَةٌ: القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ، وهَذا هو الأصَحُّ الَّذِي يُعَضِّدُهُ الحَدِيثُ في قَوْلِهِ ﷺ: « "خَيْرُ الناسِ قَرْنِي".»«وَرَوى مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ في خَتْنِهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ قالَ: وضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلى رَأْسِي وقالَ: "سَيَعِيشُ هَذا الغُلامُ قَرْنًا"، قُلْتُ: كَمُ القَرْنُ؟ قالَ: "مِائَةُ سَنَةٍ"،» قالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: فَما زِلْنا نُعِدُّ لَهُ حَتّى أكْمَلَ مِائَةَ سَنَةٍ، وماتَ رَحِمَهُ اللهُ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِرَبِّكَ" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: كَفى بِرَبِّكَ، وهَذِهِ الباءُ إنَّما تَجِيءُ في الأغْلَبِ في مَدْحٍ أو ذَمٍّ، وكَأنَّها تُعْطِي مَعْنى: اكْتَفِ بِرَبِّكَ، أيْ: ما أكْفاهُ في هَذا، وقَدْ تَجِيءُ "كَفى" بِدُونِ باءٍ، كَقَوْلِ الشاعِرِ:(p-٤٥٧) ؎ كَفى الشَيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيا وكَقَوْلُ الآخَرِ: ؎ ويُخْبِرُنِي عن غائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ كَفى الهَدْيُ عَمّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرا

الإسراء 17:17

قوله عزّ وجلّ: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ ﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِنَ بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما يُحاسَبُ عن نَفْسِهِ لا عن غَيْرِهِ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَها أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ قالَ لِأهْلِ مَكَّةَ: اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ -ﷺ- وإثْمُكم عَلَيَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: إنَّ الوَلِيدَ لا يَحْمِلُ آثامَكُمْ، وإنَّما إثْمُ كُلِّ (p-٤٥٢)واحِدٍ عَلَيْهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الإشارَةُ في الهُدى إلى أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ، والإشارَةُ بِالضَلالِ إلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. و"وَزَرَ" مَعْناهُ: حَمَلَ، و"الوِزْرُ": الثِقْلُ، ومِنهُ: وزِيرُ السُلْطانِ، أيِ: الَّذِي يَحْمِلُ ثُقْلَ دَوْلَتِهِ، وبِهَذِهِ الآيَةِ نَزَعَتْ عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها في الرَدِّ عَلى مَن قالَ: إنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ، ونُكْتَةُ ذَلِكَ المَعْنى إنَّما هي أنَّ التَعْذِيبَ إنَّما يَقَعُ إذا كانَ البُكاءُ مِن سُنَّةِ المَيِّتِ وتُسَبُّبُهُ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: هَذا في حُكْمِ الدُنْيا، أيْ إنَّ اللهَ لا يُهْلِكُ أُمَّةً بِعَذابٍ إلّا مِن بَعْدِ الرِسالَةِ إلَيْهِمْ والإنْذارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا عامٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَلْخِيصُ هَذا المَعْنى أنَّ مَقْصِدَ الآيَةِ في هَذا المَوْضِعِ الإعْلامُ بِعِبادَةِ اللهِ تَعالى مَعَ الأُمَمِ في الدُنْيا، وبِهَذا يَقْرُبُ الوَعِيدُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ. ويُؤَيِّدُ هَذا ما يَجِيءُ بَعْدُ مِن وصْفِهِ ما يَكُونُ عِنْدَ إرادَةِ اللهِ إهْلاكَ قَرْيَةٍ، ومِن إعْلامِهِ بِكَثْرَةٍ ما أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ، ومَعَ هَذا فالظاهِرُ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ومِنَ النَظَرِ، أنَّ اللهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ (p-٤٥٣)فِي الآخِرَةِ إلّا بَعْدَ بِعْثَةِ الرُسُلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى﴾ [الملك: ٩]، وظاهِرُ "كُلَّما" الحَصْرُ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وأمّا مِن جِهَةِ النَظَرِ فَإنَّ بِعْثَةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالتَوْحِيدِ، وبَعْثِ المُعْتَقِداتِ في بَنِيهِ، ونَصْبِ الأدِلَّةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، مَعَ سَلامَةِ البَصَرِ، يُوجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ مِنَ العالِمِ الإيمانَ واتِّباعَ شَرِيعَةِ اللهِ، ثُمَّ تَجَدَّدَ ذَلِكَ في مُدَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ غَرَقِ الكُفّارِ، وهَذِهِ الآيَةُ أيْضًا يُعْطِي احْتِمالُ ألْفاظِها نَحْوَ هَذا، ويَجُوزُ مَعَ الفَرْضِ وُجُودُ قَوْمٍ لَمْ تَصِلْهم رِسالَةٌ، ومِنهم أهْلُ الفَتَراتِ الَّذِينَ قَدْ قَدَّرَ وُجُودَهم بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وأمّا ما رُوِيَ مِن أنَّ اللهَ تَعالى يَبْعَثُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ وإلى المَجانِينِ والأطْفالِ، فَحَدِيثٌ لَمْ يَصِحُّ، ولا يَقْتَضِيهِ ما تَقْضِيهِ الشَرِيعَةُ مِن أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ الآيَةُ. في مُصْحَفِ أُبَيِّ "بَعَثْنا أكابِرَ مُجْرِمِيها"، و"القَرْيَةُ": المَدِينَةُ المُجْتَمِعَةُ، مَأْخُوذٌ مِن: قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ، إذا جَمَعْتُهُ، ولَيْسَتْ مَن "قَرَأ" الَّذِي هو مَهْمُوزٌ، وإنْ كانَ فِيهِما جَمِيعًا مَعْنى الجَمْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمَرْنا" عَلى صِيغَةِ الماضِي، مِن: أمَرَ ضِدَّ نَهى، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُما-: "آمَرْنا" بِمَدِّ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى: كَثَّرْنا، ورُوِيتُ عَنِ الحَسَنِ، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عنهُ-، وعَنِ الأعْرَجِ، وقَرَأ بِها ابْنُ أبِي إسْحاقٍ، وتَقُولُ العَرَبُ: "أمِرَ القَوْمُ" إذا كَثُرُوا، وآمَرَهُمُ اللهُ تَعالى فَيَتَعَدّى بِالهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرُو بِخِلافٍ-: "أمَّرْنا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أبِي عُثْمانَ النَهْدِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقالَ الطَبَرِيُّ: القِراءَةُ الأُولى مَعْناها: أمَرْناهم بِالطاعَةِ فَعَصَوْا وفَسَقُوا فِيها، وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والثانِيَةُ مَعْناها: كَثَّرْناهُمْ، والثالِثَةُ هي مِنَ الإمارَةِ، أيْ: مَلَّكْناهم عَلى الناسِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: "الجَيِّدُ في "أمَرْنا" أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: كَثَّرْنا، يَتَعَدّى الفِعْلُ (p-٤٥٤)بِلَفْظٍ غَيْرِ مُتَعَدٍّ، كَما تَقُولُ: رَجَعَ ورَجَعْتُهُ، وشَتِرَتْ عَيْنُهُ وشَتَرْتُها، فَتَقُولُ: أمَرَ القَوْمُ وأمَّرَهُمُ اللهُ، أيْ كَثَّرَهُمْ، و"آمَرْنا" مُبالَغَةٌ في "أمْرَنا" بِالهَمْزَةِ، و"أمَّرْنا" مُبالَغَةٌ فِيهِ بِالتَضْعِيفِ، ولا وجْهَ لِكَوْنِ "أمَّرْنا" مِنَ الإمارَةِ؛ لِأنَّ رِياسَتَهم لا تَكُونُ إلّا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، والإهْلاكُ إنَّما يَكُونُ في مُدَّةِ واحِدٍ مِنهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْفَصِلُ عن هَذا الَّذِي قالَهُ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ يَعُمُّ المُتْرَفَ وغَيْرَهَ، فَخَصَّ المُتْرَفَ بِالذِكْرِ إذْ فِسْقُهُ هو المُؤَثِّرُ في فَسادِ القَرْيَةِ وهم عُظْمُ الضَلالَةِ وسِواهم تَبِعَ لَهم. وأمّا "أمَّرْنا" مِنَ الإمارَةِ فَمُتَوَجِّهٌ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ لا يُرِيدَ إمارَةَ المُلْكِ، بَلْ كَوْنُهم يَأْمُرُونَ ويُؤْتَمَرُ لَهُمْ؛ فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِمَن يَأْمُرُ الإنْسانَ -وَإنْ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا-: هو أمِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎ إذا كانَ هادِيَ الفَتى في البِلا ∗∗∗ دِ صَدْرَ القَناةِ أطاعَ الأمِيرا ومِنهُ قَوْلُ مُعاوِيَةَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ أمْرِهِ بِالِاسْتِقادَةِ مِن لَطْمَةِ عَمْرُو بْنِ العاصِ: إنَّ عَلَيَّ أمِيرًا لا أقْطَعُ أمْرًا دُونَهُ، أرادَ مُعاوِيَةُ أباهُ، وأرادَ الأعْشى أنَّهُ إذا شاخَ الإنْسانُ وعَمِي واهْتَدى بِالعَصا أطاعَ كُلَّ مَن يَأْمُرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ والناسُ يَلْحَوْنَ الأمِيرَ إذْ هم ∗∗∗ ∗∗∗ خِطِئُوا الصَوابَ ولا يُلامُ المُرْشِدُ (p-٤٥٥)وَأيْضًا فَلَوْ أرادَ إمارَةَ المُلْكِ في الآيَةِ لَحَسُنَ المَعْنى؛ لِأنَّ الأُمَّةَ إذا مَلَّكَ اللهُ عَلَيْها مُتْرَفًا فَفَسَقَ، ثُمَّ ولِيَ مَثَلَهُ بَعْدَهُ، ثُمَّ كَذَلِكَ، عَظُمَ الفَسادُ وتَوالى الكُفْرُ واسْتَحَقُّوا العَذابَ فَنَزَلَ بِهِمْ عَلى الرَجُلِ الأخِيرِ مِن مُلُوكِهِمْ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: "أمِرْنا" بِكَسْرِ المِيمِ، وحَكاها النَحاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ولا أتَحَقَّقُ وجْهًا لِهَذِهِ القِراءَةِ؛ إلّا إنْ كانَ "أمِرَ القَوْمُ" يَتَعَدّى بِلَفْظِهِ، فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "أمِرَ بَنُو فُلانٍ" إذا كَثُرُوا، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎ إنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا وإنْ أُمِرُوا ∗∗∗ ∗∗∗ يَوْمًا يَصِيرُوا لِلْقُلِّ والنَفَدِ ومِنهُ: (لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ )، ورَدَّ الفَرّاءُ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَدْ حُكِيَ "أمِرَ" مُتَعَدِّيًا عن أبِي زَيْدٍ الأنْصارِيِّ، و"المُتْرَفُ" الغَنِيُّ مِنَ المالِ المُتَنَعِّمُ، والتُرْفَةُ: النِعْمَةُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "قَرْيَةً بَعَثْنا أكابِرَ مُجْرِمِيها فَمَكَرُوا فِيها"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ أيْ وعِيدُ اللهِ لَها الَّذِي قالَهُ رَسُولُهم. و"التَدْمِيرُ": الإهْلاكُ مَعَ طَمْسِ الآثارِ وهَدْمِ البِناءِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎ وكانَ لَهم كَبَكْرِ ثَمُودٍ لَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ رَغا دَهْرًا فَدَمَّرَهَمْ دَمارا (p-٤٥٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ﴾ الآيَةُ، "كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أهْلَكْنا"، وهَذا الذِكْرُ لِكَثْرَةِ مَن أهْلَكَ اللهُ مِنَ القُرُونِ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ ووَعِيدٌ، أيْ: لَسْتُمْ بِبَعِيدٍ مِمّا حَصَلُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ إذا أنْتُمْ كَذَّبْتُمْ نَبِيَّكُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في القَرْنِ -فَقالَ ابْنُ سِيرِينِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ أبِي أوفى: القَرْنُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وقالَتْ طائِفَةٌ: القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ، وهَذا هو الأصَحُّ الَّذِي يُعَضِّدُهُ الحَدِيثُ في قَوْلِهِ ﷺ: « "خَيْرُ الناسِ قَرْنِي".»«وَرَوى مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ في خَتْنِهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ قالَ: وضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلى رَأْسِي وقالَ: "سَيَعِيشُ هَذا الغُلامُ قَرْنًا"، قُلْتُ: كَمُ القَرْنُ؟ قالَ: "مِائَةُ سَنَةٍ"،» قالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: فَما زِلْنا نُعِدُّ لَهُ حَتّى أكْمَلَ مِائَةَ سَنَةٍ، وماتَ رَحِمَهُ اللهُ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِرَبِّكَ" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: كَفى بِرَبِّكَ، وهَذِهِ الباءُ إنَّما تَجِيءُ في الأغْلَبِ في مَدْحٍ أو ذَمٍّ، وكَأنَّها تُعْطِي مَعْنى: اكْتَفِ بِرَبِّكَ، أيْ: ما أكْفاهُ في هَذا، وقَدْ تَجِيءُ "كَفى" بِدُونِ باءٍ، كَقَوْلِ الشاعِرِ:(p-٤٥٧) ؎ كَفى الشَيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيا وكَقَوْلُ الآخَرِ: ؎ ويُخْبِرُنِي عن غائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ كَفى الهَدْيُ عَمّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرا

الإسراء 17:18

قوله عزّ وجلّ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءِ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ المَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ الدُنْيا العاجِلَةَ، ولا يَعْتَقِدُ غَيْرَ هَذا، ولا يُؤْمِنُ بِآخِرَةِ، فَهو يُفَرِّغُ أمَلَهُ ومُعْتَقَدَهُ لِلدُّنْيا، فَإنَّ اللهَ تَعالى يُعَجِّلُ لِمَن يُرِيدُ مِن هَؤُلاءِ ما يَشاءُ هَذا المُرِيدُ، أو ما يَشاءُ اللهُ تَعالى -عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "نَشاءُ" بِالنُونِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَن نُرِيدُ﴾ شَرْطٌ كافٍ عَلى القِراءَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْعَلُ اللهُ تَعالى جَهَنَّمَ لِجَمِيعِ مَن يُرِيدُ العاجِلَةَ -عَلى جِهَةِ الكَفْرِ- مَن أعْطاهُ فِيها ما يَشاءُ ومَن حَرَمَهُ. قالَ أبُو إسْحاقٍ الفَزارِيُّ: لِمَن نُرِيدُ هَلَكَتَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَشاءُ" بِالنُونِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا: "يَشاءُ" بِالياءِ. و"المَدْحُورُ": المُهانُ المُبْعَدُ المُذَلَّلُ المَسْخُوطُ عَلَيْهِ. (p-٤٥٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ﴾ الآيَةُ. المَعْنى: ومَن أرادَ الآخِرَةَ إرادَةَ يَقِينٍ بِها وبِاللهِ وبِرِسالَتِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَبِطٌ بِتَلازُمٍ. ثُمَّ شَرَطَ في مُرِيدِ الآخِرَةِ أنْ يَسْعى لَها سَعْيَها، وهو مُلازِمَةُ أعْمالِ الخَيْرِ وأقْوالِهِ عَلى حُكْمِ الشَرْعِ وطُرُقِهِ، فَأُولَئِكَ يَشْكُرُ اللهُ سَعْيَهُمْ، ولا يَشْكُرُ اللهُ عَمَلًا ولا سَعْيًا إلّا أثابَ عَلَيْهِ وغَفَرَ بِسَبَبِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ الرَجُلِ الَّذِي سَقى الكَلْبَ العاطِشَ، «فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلا نُمِدُّ﴾ الآيَةُ. نَصَبَ "كُلًّا" بِـ "نُمِدُّ". وأمْدَدْتُ الشَيْءَ إذا زِدْتُ فِيهِ مَن غَيْرِ نَوْعِهِ، ومَدَدْتُ إذا زِدْتَ فِيهِ مِن نَوْعِهِ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ: مَدَّ وأمَدَّ. و"هَؤُلاءِ" بَدَلٌ مِن "كُلًّا"، فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ الطاعاتِ لِمَن يُرِيدُ الآخِرَةَ، والمَعاصِي لِمَن يُرِيدُ العاجِلَةَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالعَطاءِ رِزْقَ الدُنْيا، وهَذا هو تَأْوِيلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ وقَتادَةَ، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَرْزُقُ في الدُنْيا مُرِيدِي الآخِرَةَ المُؤْمِنِينَ، ومُرِيدِي العاجِلَةَ مِنَ الكافِرِينَ، ويَمُدُّهم بِعَطائِهِ مِنها، وإنَّما يَقَعُ التَفاضُلُ والتَبايُنُ في الآخِرَةِ، ويَتَناسَبُ هَذا المَعْنى مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾، أيْ إنَّ رِزْقَهُ في الدُنْيا لا يَضِيقُ عن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ وقَلَّما تَصْلُحُ هَذِهِ العِبارَةُ لِمَن يَمُدُّ بِالمَعاصِي الَّتِي تُوبِقُهُ. و"المَحْظُورُ": المَمْنُوعُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ آيَةٌ تَدُلُّ دَلالَةً عَلى أنَّ العَطاءَ في (p-٤٥٩)الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها هو الرِزْقُ، وفي ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ أنْ يَنْظُرَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى تَفْضِيلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِبَعْضٍ عَلى بَعْضٍ في الرِزْقِ ونَحْوَهُ مِنَ الصُوَرِ والشَرَفِ والجاهِ والحُظُوظِ، وبَيِّنٌ أنْ يَكُونَ التَفْضِيلُ الَّذِي يَنْظُرُ إلَيْهِ النَبِيُّ ﷺ أنْ أعْطى اللهُ قَوْما الطاعَةَ المُؤَدِّيَةَ إلى الجَنَّةِ، وأعْطى آخَرِينَ الكُفْرَ المُؤَدِّيَ إلى النارِ، وهَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ، وهَذا إنَّما هو النَظَرُ في تَفْضِيلِ فَرِيقٍ عَلى فَرِيقٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ فالنَظَرُ في تَفْضِيلِ شَخْصٍ عَلى شَخْصٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومِنَ الكافِرِينَ كَيْفَما قَرَنَتْهُما. ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ التَفْصِيلَ الأكْبَرَ إنَّما يَكُونُ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿أكْبَرُ دَرَجاتٍ﴾ لَيْسَ في اللَفْظِ: "مِن أيِّ شَيْءٍ" لَكِنَّهُ في المَعْنى -وَلا بُدَّ- أكْبَرُ دَرَجاتٍ مِن كُلِّ ما يُضافُ بِالوُجُودِ أو بِالفَرْضِ إلَيْها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ هَذِهِ الدَرَجاتِ والتَفْضِيلَ إنَّما هو فِيما بَيْنُ المُؤْمِنِينَ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا نَصُّهُ: « "إنَّ بَيْنَ أعْلى الجَنَّةِ وأسْفَلِها دَرَجَةً كالنَجْمِ يُرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبَها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قِيلَ: وقَدْ رَضّى اللهُ الجَمِيعَ فَما يَغْبِطُ أحَدٌ أحَدًا ولا يَتَمَنّى ذَلِكَ بَدَلًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةُ. الخُطّابُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ: جَمِيعُ الخَلْقِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، و"الذَمُّ" هُنا لاحِقٌ مِنَ اللهِ تَعالى ومِن ذَوِي العُقُولِ في أنْ يَكُونَ الإنْسانُ يَجْعَلُ عُودًا أو حَجَرًا أفْضَلَ مِن نَفْسِهِ، ويَخُصُّهُ بِالكَرامَةِ، ويَنْسُبُ إلَيْهِ الأُلُوهِيَّةَ، ويُشْرِكُهُ مَعَ اللهِ الَّذِي خَلَقَهُ ورَزَقَهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ. و"الخِذْلانُ" في هَذا يَكُونُ بِإسْلامِ اللهِ تَعالى، وألّا يَكْفُلَ لَهُ بِنَصْرٍ، و"المَخْذُولُ": الَّذِي لا يَنْصُرُهُ مَن يَجِبُ أنْ يَنْصُرَهُ، و"الخاذِلُ" مِنَ الظِباءِ الَّتِي تَتْرُكُ ولَدَها، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الراعِي: ؎ قَتَلُوا ابْنَ عَفّانَ الخَلِيفَةَ مُحْرِمًا ∗∗∗ وسَعى فَلَمْ أرَ مِثْلَهُ مَخْذُولا

الإسراء 17:19

قوله عزّ وجلّ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءِ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ المَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ الدُنْيا العاجِلَةَ، ولا يَعْتَقِدُ غَيْرَ هَذا، ولا يُؤْمِنُ بِآخِرَةِ، فَهو يُفَرِّغُ أمَلَهُ ومُعْتَقَدَهُ لِلدُّنْيا، فَإنَّ اللهَ تَعالى يُعَجِّلُ لِمَن يُرِيدُ مِن هَؤُلاءِ ما يَشاءُ هَذا المُرِيدُ، أو ما يَشاءُ اللهُ تَعالى -عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "نَشاءُ" بِالنُونِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَن نُرِيدُ﴾ شَرْطٌ كافٍ عَلى القِراءَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْعَلُ اللهُ تَعالى جَهَنَّمَ لِجَمِيعِ مَن يُرِيدُ العاجِلَةَ -عَلى جِهَةِ الكَفْرِ- مَن أعْطاهُ فِيها ما يَشاءُ ومَن حَرَمَهُ. قالَ أبُو إسْحاقٍ الفَزارِيُّ: لِمَن نُرِيدُ هَلَكَتَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَشاءُ" بِالنُونِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا: "يَشاءُ" بِالياءِ. و"المَدْحُورُ": المُهانُ المُبْعَدُ المُذَلَّلُ المَسْخُوطُ عَلَيْهِ. (p-٤٥٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ﴾ الآيَةُ. المَعْنى: ومَن أرادَ الآخِرَةَ إرادَةَ يَقِينٍ بِها وبِاللهِ وبِرِسالَتِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَبِطٌ بِتَلازُمٍ. ثُمَّ شَرَطَ في مُرِيدِ الآخِرَةِ أنْ يَسْعى لَها سَعْيَها، وهو مُلازِمَةُ أعْمالِ الخَيْرِ وأقْوالِهِ عَلى حُكْمِ الشَرْعِ وطُرُقِهِ، فَأُولَئِكَ يَشْكُرُ اللهُ سَعْيَهُمْ، ولا يَشْكُرُ اللهُ عَمَلًا ولا سَعْيًا إلّا أثابَ عَلَيْهِ وغَفَرَ بِسَبَبِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ الرَجُلِ الَّذِي سَقى الكَلْبَ العاطِشَ، «فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلا نُمِدُّ﴾ الآيَةُ. نَصَبَ "كُلًّا" بِـ "نُمِدُّ". وأمْدَدْتُ الشَيْءَ إذا زِدْتُ فِيهِ مَن غَيْرِ نَوْعِهِ، ومَدَدْتُ إذا زِدْتَ فِيهِ مِن نَوْعِهِ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ: مَدَّ وأمَدَّ. و"هَؤُلاءِ" بَدَلٌ مِن "كُلًّا"، فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ الطاعاتِ لِمَن يُرِيدُ الآخِرَةَ، والمَعاصِي لِمَن يُرِيدُ العاجِلَةَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالعَطاءِ رِزْقَ الدُنْيا، وهَذا هو تَأْوِيلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ وقَتادَةَ، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَرْزُقُ في الدُنْيا مُرِيدِي الآخِرَةَ المُؤْمِنِينَ، ومُرِيدِي العاجِلَةَ مِنَ الكافِرِينَ، ويَمُدُّهم بِعَطائِهِ مِنها، وإنَّما يَقَعُ التَفاضُلُ والتَبايُنُ في الآخِرَةِ، ويَتَناسَبُ هَذا المَعْنى مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾، أيْ إنَّ رِزْقَهُ في الدُنْيا لا يَضِيقُ عن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ وقَلَّما تَصْلُحُ هَذِهِ العِبارَةُ لِمَن يَمُدُّ بِالمَعاصِي الَّتِي تُوبِقُهُ. و"المَحْظُورُ": المَمْنُوعُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ آيَةٌ تَدُلُّ دَلالَةً عَلى أنَّ العَطاءَ في (p-٤٥٩)الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها هو الرِزْقُ، وفي ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ أنْ يَنْظُرَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى تَفْضِيلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِبَعْضٍ عَلى بَعْضٍ في الرِزْقِ ونَحْوَهُ مِنَ الصُوَرِ والشَرَفِ والجاهِ والحُظُوظِ، وبَيِّنٌ أنْ يَكُونَ التَفْضِيلُ الَّذِي يَنْظُرُ إلَيْهِ النَبِيُّ ﷺ أنْ أعْطى اللهُ قَوْما الطاعَةَ المُؤَدِّيَةَ إلى الجَنَّةِ، وأعْطى آخَرِينَ الكُفْرَ المُؤَدِّيَ إلى النارِ، وهَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ، وهَذا إنَّما هو النَظَرُ في تَفْضِيلِ فَرِيقٍ عَلى فَرِيقٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ فالنَظَرُ في تَفْضِيلِ شَخْصٍ عَلى شَخْصٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومِنَ الكافِرِينَ كَيْفَما قَرَنَتْهُما. ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ التَفْصِيلَ الأكْبَرَ إنَّما يَكُونُ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿أكْبَرُ دَرَجاتٍ﴾ لَيْسَ في اللَفْظِ: "مِن أيِّ شَيْءٍ" لَكِنَّهُ في المَعْنى -وَلا بُدَّ- أكْبَرُ دَرَجاتٍ مِن كُلِّ ما يُضافُ بِالوُجُودِ أو بِالفَرْضِ إلَيْها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ هَذِهِ الدَرَجاتِ والتَفْضِيلَ إنَّما هو فِيما بَيْنُ المُؤْمِنِينَ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا نَصُّهُ: « "إنَّ بَيْنَ أعْلى الجَنَّةِ وأسْفَلِها دَرَجَةً كالنَجْمِ يُرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبَها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قِيلَ: وقَدْ رَضّى اللهُ الجَمِيعَ فَما يَغْبِطُ أحَدٌ أحَدًا ولا يَتَمَنّى ذَلِكَ بَدَلًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةُ. الخُطّابُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ: جَمِيعُ الخَلْقِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، و"الذَمُّ" هُنا لاحِقٌ مِنَ اللهِ تَعالى ومِن ذَوِي العُقُولِ في أنْ يَكُونَ الإنْسانُ يَجْعَلُ عُودًا أو حَجَرًا أفْضَلَ مِن نَفْسِهِ، ويَخُصُّهُ بِالكَرامَةِ، ويَنْسُبُ إلَيْهِ الأُلُوهِيَّةَ، ويُشْرِكُهُ مَعَ اللهِ الَّذِي خَلَقَهُ ورَزَقَهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ. و"الخِذْلانُ" في هَذا يَكُونُ بِإسْلامِ اللهِ تَعالى، وألّا يَكْفُلَ لَهُ بِنَصْرٍ، و"المَخْذُولُ": الَّذِي لا يَنْصُرُهُ مَن يَجِبُ أنْ يَنْصُرَهُ، و"الخاذِلُ" مِنَ الظِباءِ الَّتِي تَتْرُكُ ولَدَها، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الراعِي: ؎ قَتَلُوا ابْنَ عَفّانَ الخَلِيفَةَ مُحْرِمًا ∗∗∗ وسَعى فَلَمْ أرَ مِثْلَهُ مَخْذُولا

الإسراء 17:20

قوله عزّ وجلّ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءِ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ المَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ الدُنْيا العاجِلَةَ، ولا يَعْتَقِدُ غَيْرَ هَذا، ولا يُؤْمِنُ بِآخِرَةِ، فَهو يُفَرِّغُ أمَلَهُ ومُعْتَقَدَهُ لِلدُّنْيا، فَإنَّ اللهَ تَعالى يُعَجِّلُ لِمَن يُرِيدُ مِن هَؤُلاءِ ما يَشاءُ هَذا المُرِيدُ، أو ما يَشاءُ اللهُ تَعالى -عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "نَشاءُ" بِالنُونِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَن نُرِيدُ﴾ شَرْطٌ كافٍ عَلى القِراءَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْعَلُ اللهُ تَعالى جَهَنَّمَ لِجَمِيعِ مَن يُرِيدُ العاجِلَةَ -عَلى جِهَةِ الكَفْرِ- مَن أعْطاهُ فِيها ما يَشاءُ ومَن حَرَمَهُ. قالَ أبُو إسْحاقٍ الفَزارِيُّ: لِمَن نُرِيدُ هَلَكَتَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَشاءُ" بِالنُونِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا: "يَشاءُ" بِالياءِ. و"المَدْحُورُ": المُهانُ المُبْعَدُ المُذَلَّلُ المَسْخُوطُ عَلَيْهِ. (p-٤٥٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ﴾ الآيَةُ. المَعْنى: ومَن أرادَ الآخِرَةَ إرادَةَ يَقِينٍ بِها وبِاللهِ وبِرِسالَتِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَبِطٌ بِتَلازُمٍ. ثُمَّ شَرَطَ في مُرِيدِ الآخِرَةِ أنْ يَسْعى لَها سَعْيَها، وهو مُلازِمَةُ أعْمالِ الخَيْرِ وأقْوالِهِ عَلى حُكْمِ الشَرْعِ وطُرُقِهِ، فَأُولَئِكَ يَشْكُرُ اللهُ سَعْيَهُمْ، ولا يَشْكُرُ اللهُ عَمَلًا ولا سَعْيًا إلّا أثابَ عَلَيْهِ وغَفَرَ بِسَبَبِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ الرَجُلِ الَّذِي سَقى الكَلْبَ العاطِشَ، «فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلا نُمِدُّ﴾ الآيَةُ. نَصَبَ "كُلًّا" بِـ "نُمِدُّ". وأمْدَدْتُ الشَيْءَ إذا زِدْتُ فِيهِ مَن غَيْرِ نَوْعِهِ، ومَدَدْتُ إذا زِدْتَ فِيهِ مِن نَوْعِهِ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ: مَدَّ وأمَدَّ. و"هَؤُلاءِ" بَدَلٌ مِن "كُلًّا"، فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ الطاعاتِ لِمَن يُرِيدُ الآخِرَةَ، والمَعاصِي لِمَن يُرِيدُ العاجِلَةَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالعَطاءِ رِزْقَ الدُنْيا، وهَذا هو تَأْوِيلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ وقَتادَةَ، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَرْزُقُ في الدُنْيا مُرِيدِي الآخِرَةَ المُؤْمِنِينَ، ومُرِيدِي العاجِلَةَ مِنَ الكافِرِينَ، ويَمُدُّهم بِعَطائِهِ مِنها، وإنَّما يَقَعُ التَفاضُلُ والتَبايُنُ في الآخِرَةِ، ويَتَناسَبُ هَذا المَعْنى مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾، أيْ إنَّ رِزْقَهُ في الدُنْيا لا يَضِيقُ عن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ وقَلَّما تَصْلُحُ هَذِهِ العِبارَةُ لِمَن يَمُدُّ بِالمَعاصِي الَّتِي تُوبِقُهُ. و"المَحْظُورُ": المَمْنُوعُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ آيَةٌ تَدُلُّ دَلالَةً عَلى أنَّ العَطاءَ في (p-٤٥٩)الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها هو الرِزْقُ، وفي ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ أنْ يَنْظُرَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى تَفْضِيلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِبَعْضٍ عَلى بَعْضٍ في الرِزْقِ ونَحْوَهُ مِنَ الصُوَرِ والشَرَفِ والجاهِ والحُظُوظِ، وبَيِّنٌ أنْ يَكُونَ التَفْضِيلُ الَّذِي يَنْظُرُ إلَيْهِ النَبِيُّ ﷺ أنْ أعْطى اللهُ قَوْما الطاعَةَ المُؤَدِّيَةَ إلى الجَنَّةِ، وأعْطى آخَرِينَ الكُفْرَ المُؤَدِّيَ إلى النارِ، وهَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ، وهَذا إنَّما هو النَظَرُ في تَفْضِيلِ فَرِيقٍ عَلى فَرِيقٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ فالنَظَرُ في تَفْضِيلِ شَخْصٍ عَلى شَخْصٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومِنَ الكافِرِينَ كَيْفَما قَرَنَتْهُما. ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ التَفْصِيلَ الأكْبَرَ إنَّما يَكُونُ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿أكْبَرُ دَرَجاتٍ﴾ لَيْسَ في اللَفْظِ: "مِن أيِّ شَيْءٍ" لَكِنَّهُ في المَعْنى -وَلا بُدَّ- أكْبَرُ دَرَجاتٍ مِن كُلِّ ما يُضافُ بِالوُجُودِ أو بِالفَرْضِ إلَيْها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ هَذِهِ الدَرَجاتِ والتَفْضِيلَ إنَّما هو فِيما بَيْنُ المُؤْمِنِينَ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا نَصُّهُ: « "إنَّ بَيْنَ أعْلى الجَنَّةِ وأسْفَلِها دَرَجَةً كالنَجْمِ يُرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبَها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قِيلَ: وقَدْ رَضّى اللهُ الجَمِيعَ فَما يَغْبِطُ أحَدٌ أحَدًا ولا يَتَمَنّى ذَلِكَ بَدَلًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةُ. الخُطّابُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ: جَمِيعُ الخَلْقِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، و"الذَمُّ" هُنا لاحِقٌ مِنَ اللهِ تَعالى ومِن ذَوِي العُقُولِ في أنْ يَكُونَ الإنْسانُ يَجْعَلُ عُودًا أو حَجَرًا أفْضَلَ مِن نَفْسِهِ، ويَخُصُّهُ بِالكَرامَةِ، ويَنْسُبُ إلَيْهِ الأُلُوهِيَّةَ، ويُشْرِكُهُ مَعَ اللهِ الَّذِي خَلَقَهُ ورَزَقَهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ. و"الخِذْلانُ" في هَذا يَكُونُ بِإسْلامِ اللهِ تَعالى، وألّا يَكْفُلَ لَهُ بِنَصْرٍ، و"المَخْذُولُ": الَّذِي لا يَنْصُرُهُ مَن يَجِبُ أنْ يَنْصُرَهُ، و"الخاذِلُ" مِنَ الظِباءِ الَّتِي تَتْرُكُ ولَدَها، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الراعِي: ؎ قَتَلُوا ابْنَ عَفّانَ الخَلِيفَةَ مُحْرِمًا ∗∗∗ وسَعى فَلَمْ أرَ مِثْلَهُ مَخْذُولا

الإسراء 17:21

قوله عزّ وجلّ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءِ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ المَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ الدُنْيا العاجِلَةَ، ولا يَعْتَقِدُ غَيْرَ هَذا، ولا يُؤْمِنُ بِآخِرَةِ، فَهو يُفَرِّغُ أمَلَهُ ومُعْتَقَدَهُ لِلدُّنْيا، فَإنَّ اللهَ تَعالى يُعَجِّلُ لِمَن يُرِيدُ مِن هَؤُلاءِ ما يَشاءُ هَذا المُرِيدُ، أو ما يَشاءُ اللهُ تَعالى -عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "نَشاءُ" بِالنُونِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَن نُرِيدُ﴾ شَرْطٌ كافٍ عَلى القِراءَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْعَلُ اللهُ تَعالى جَهَنَّمَ لِجَمِيعِ مَن يُرِيدُ العاجِلَةَ -عَلى جِهَةِ الكَفْرِ- مَن أعْطاهُ فِيها ما يَشاءُ ومَن حَرَمَهُ. قالَ أبُو إسْحاقٍ الفَزارِيُّ: لِمَن نُرِيدُ هَلَكَتَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَشاءُ" بِالنُونِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا: "يَشاءُ" بِالياءِ. و"المَدْحُورُ": المُهانُ المُبْعَدُ المُذَلَّلُ المَسْخُوطُ عَلَيْهِ. (p-٤٥٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ﴾ الآيَةُ. المَعْنى: ومَن أرادَ الآخِرَةَ إرادَةَ يَقِينٍ بِها وبِاللهِ وبِرِسالَتِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَبِطٌ بِتَلازُمٍ. ثُمَّ شَرَطَ في مُرِيدِ الآخِرَةِ أنْ يَسْعى لَها سَعْيَها، وهو مُلازِمَةُ أعْمالِ الخَيْرِ وأقْوالِهِ عَلى حُكْمِ الشَرْعِ وطُرُقِهِ، فَأُولَئِكَ يَشْكُرُ اللهُ سَعْيَهُمْ، ولا يَشْكُرُ اللهُ عَمَلًا ولا سَعْيًا إلّا أثابَ عَلَيْهِ وغَفَرَ بِسَبَبِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ الرَجُلِ الَّذِي سَقى الكَلْبَ العاطِشَ، «فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلا نُمِدُّ﴾ الآيَةُ. نَصَبَ "كُلًّا" بِـ "نُمِدُّ". وأمْدَدْتُ الشَيْءَ إذا زِدْتُ فِيهِ مَن غَيْرِ نَوْعِهِ، ومَدَدْتُ إذا زِدْتَ فِيهِ مِن نَوْعِهِ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ: مَدَّ وأمَدَّ. و"هَؤُلاءِ" بَدَلٌ مِن "كُلًّا"، فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ الطاعاتِ لِمَن يُرِيدُ الآخِرَةَ، والمَعاصِي لِمَن يُرِيدُ العاجِلَةَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالعَطاءِ رِزْقَ الدُنْيا، وهَذا هو تَأْوِيلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ وقَتادَةَ، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَرْزُقُ في الدُنْيا مُرِيدِي الآخِرَةَ المُؤْمِنِينَ، ومُرِيدِي العاجِلَةَ مِنَ الكافِرِينَ، ويَمُدُّهم بِعَطائِهِ مِنها، وإنَّما يَقَعُ التَفاضُلُ والتَبايُنُ في الآخِرَةِ، ويَتَناسَبُ هَذا المَعْنى مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾، أيْ إنَّ رِزْقَهُ في الدُنْيا لا يَضِيقُ عن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ وقَلَّما تَصْلُحُ هَذِهِ العِبارَةُ لِمَن يَمُدُّ بِالمَعاصِي الَّتِي تُوبِقُهُ. و"المَحْظُورُ": المَمْنُوعُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ آيَةٌ تَدُلُّ دَلالَةً عَلى أنَّ العَطاءَ في (p-٤٥٩)الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها هو الرِزْقُ، وفي ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ أنْ يَنْظُرَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى تَفْضِيلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِبَعْضٍ عَلى بَعْضٍ في الرِزْقِ ونَحْوَهُ مِنَ الصُوَرِ والشَرَفِ والجاهِ والحُظُوظِ، وبَيِّنٌ أنْ يَكُونَ التَفْضِيلُ الَّذِي يَنْظُرُ إلَيْهِ النَبِيُّ ﷺ أنْ أعْطى اللهُ قَوْما الطاعَةَ المُؤَدِّيَةَ إلى الجَنَّةِ، وأعْطى آخَرِينَ الكُفْرَ المُؤَدِّيَ إلى النارِ، وهَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ، وهَذا إنَّما هو النَظَرُ في تَفْضِيلِ فَرِيقٍ عَلى فَرِيقٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ فالنَظَرُ في تَفْضِيلِ شَخْصٍ عَلى شَخْصٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومِنَ الكافِرِينَ كَيْفَما قَرَنَتْهُما. ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ التَفْصِيلَ الأكْبَرَ إنَّما يَكُونُ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿أكْبَرُ دَرَجاتٍ﴾ لَيْسَ في اللَفْظِ: "مِن أيِّ شَيْءٍ" لَكِنَّهُ في المَعْنى -وَلا بُدَّ- أكْبَرُ دَرَجاتٍ مِن كُلِّ ما يُضافُ بِالوُجُودِ أو بِالفَرْضِ إلَيْها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ هَذِهِ الدَرَجاتِ والتَفْضِيلَ إنَّما هو فِيما بَيْنُ المُؤْمِنِينَ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا نَصُّهُ: « "إنَّ بَيْنَ أعْلى الجَنَّةِ وأسْفَلِها دَرَجَةً كالنَجْمِ يُرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبَها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قِيلَ: وقَدْ رَضّى اللهُ الجَمِيعَ فَما يَغْبِطُ أحَدٌ أحَدًا ولا يَتَمَنّى ذَلِكَ بَدَلًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةُ. الخُطّابُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ: جَمِيعُ الخَلْقِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، و"الذَمُّ" هُنا لاحِقٌ مِنَ اللهِ تَعالى ومِن ذَوِي العُقُولِ في أنْ يَكُونَ الإنْسانُ يَجْعَلُ عُودًا أو حَجَرًا أفْضَلَ مِن نَفْسِهِ، ويَخُصُّهُ بِالكَرامَةِ، ويَنْسُبُ إلَيْهِ الأُلُوهِيَّةَ، ويُشْرِكُهُ مَعَ اللهِ الَّذِي خَلَقَهُ ورَزَقَهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ. و"الخِذْلانُ" في هَذا يَكُونُ بِإسْلامِ اللهِ تَعالى، وألّا يَكْفُلَ لَهُ بِنَصْرٍ، و"المَخْذُولُ": الَّذِي لا يَنْصُرُهُ مَن يَجِبُ أنْ يَنْصُرَهُ، و"الخاذِلُ" مِنَ الظِباءِ الَّتِي تَتْرُكُ ولَدَها، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الراعِي: ؎ قَتَلُوا ابْنَ عَفّانَ الخَلِيفَةَ مُحْرِمًا ∗∗∗ وسَعى فَلَمْ أرَ مِثْلَهُ مَخْذُولا

الإسراء 17:22

قوله عزّ وجلّ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءِ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ المَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ الدُنْيا العاجِلَةَ، ولا يَعْتَقِدُ غَيْرَ هَذا، ولا يُؤْمِنُ بِآخِرَةِ، فَهو يُفَرِّغُ أمَلَهُ ومُعْتَقَدَهُ لِلدُّنْيا، فَإنَّ اللهَ تَعالى يُعَجِّلُ لِمَن يُرِيدُ مِن هَؤُلاءِ ما يَشاءُ هَذا المُرِيدُ، أو ما يَشاءُ اللهُ تَعالى -عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "نَشاءُ" بِالنُونِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَن نُرِيدُ﴾ شَرْطٌ كافٍ عَلى القِراءَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْعَلُ اللهُ تَعالى جَهَنَّمَ لِجَمِيعِ مَن يُرِيدُ العاجِلَةَ -عَلى جِهَةِ الكَفْرِ- مَن أعْطاهُ فِيها ما يَشاءُ ومَن حَرَمَهُ. قالَ أبُو إسْحاقٍ الفَزارِيُّ: لِمَن نُرِيدُ هَلَكَتَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَشاءُ" بِالنُونِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا: "يَشاءُ" بِالياءِ. و"المَدْحُورُ": المُهانُ المُبْعَدُ المُذَلَّلُ المَسْخُوطُ عَلَيْهِ. (p-٤٥٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ﴾ الآيَةُ. المَعْنى: ومَن أرادَ الآخِرَةَ إرادَةَ يَقِينٍ بِها وبِاللهِ وبِرِسالَتِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَبِطٌ بِتَلازُمٍ. ثُمَّ شَرَطَ في مُرِيدِ الآخِرَةِ أنْ يَسْعى لَها سَعْيَها، وهو مُلازِمَةُ أعْمالِ الخَيْرِ وأقْوالِهِ عَلى حُكْمِ الشَرْعِ وطُرُقِهِ، فَأُولَئِكَ يَشْكُرُ اللهُ سَعْيَهُمْ، ولا يَشْكُرُ اللهُ عَمَلًا ولا سَعْيًا إلّا أثابَ عَلَيْهِ وغَفَرَ بِسَبَبِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ الرَجُلِ الَّذِي سَقى الكَلْبَ العاطِشَ، «فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلا نُمِدُّ﴾ الآيَةُ. نَصَبَ "كُلًّا" بِـ "نُمِدُّ". وأمْدَدْتُ الشَيْءَ إذا زِدْتُ فِيهِ مَن غَيْرِ نَوْعِهِ، ومَدَدْتُ إذا زِدْتَ فِيهِ مِن نَوْعِهِ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ: مَدَّ وأمَدَّ. و"هَؤُلاءِ" بَدَلٌ مِن "كُلًّا"، فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ الطاعاتِ لِمَن يُرِيدُ الآخِرَةَ، والمَعاصِي لِمَن يُرِيدُ العاجِلَةَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالعَطاءِ رِزْقَ الدُنْيا، وهَذا هو تَأْوِيلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ وقَتادَةَ، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَرْزُقُ في الدُنْيا مُرِيدِي الآخِرَةَ المُؤْمِنِينَ، ومُرِيدِي العاجِلَةَ مِنَ الكافِرِينَ، ويَمُدُّهم بِعَطائِهِ مِنها، وإنَّما يَقَعُ التَفاضُلُ والتَبايُنُ في الآخِرَةِ، ويَتَناسَبُ هَذا المَعْنى مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾، أيْ إنَّ رِزْقَهُ في الدُنْيا لا يَضِيقُ عن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ وقَلَّما تَصْلُحُ هَذِهِ العِبارَةُ لِمَن يَمُدُّ بِالمَعاصِي الَّتِي تُوبِقُهُ. و"المَحْظُورُ": المَمْنُوعُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ آيَةٌ تَدُلُّ دَلالَةً عَلى أنَّ العَطاءَ في (p-٤٥٩)الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها هو الرِزْقُ، وفي ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ أنْ يَنْظُرَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى تَفْضِيلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِبَعْضٍ عَلى بَعْضٍ في الرِزْقِ ونَحْوَهُ مِنَ الصُوَرِ والشَرَفِ والجاهِ والحُظُوظِ، وبَيِّنٌ أنْ يَكُونَ التَفْضِيلُ الَّذِي يَنْظُرُ إلَيْهِ النَبِيُّ ﷺ أنْ أعْطى اللهُ قَوْما الطاعَةَ المُؤَدِّيَةَ إلى الجَنَّةِ، وأعْطى آخَرِينَ الكُفْرَ المُؤَدِّيَ إلى النارِ، وهَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ، وهَذا إنَّما هو النَظَرُ في تَفْضِيلِ فَرِيقٍ عَلى فَرِيقٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ فالنَظَرُ في تَفْضِيلِ شَخْصٍ عَلى شَخْصٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومِنَ الكافِرِينَ كَيْفَما قَرَنَتْهُما. ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ التَفْصِيلَ الأكْبَرَ إنَّما يَكُونُ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿أكْبَرُ دَرَجاتٍ﴾ لَيْسَ في اللَفْظِ: "مِن أيِّ شَيْءٍ" لَكِنَّهُ في المَعْنى -وَلا بُدَّ- أكْبَرُ دَرَجاتٍ مِن كُلِّ ما يُضافُ بِالوُجُودِ أو بِالفَرْضِ إلَيْها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ هَذِهِ الدَرَجاتِ والتَفْضِيلَ إنَّما هو فِيما بَيْنُ المُؤْمِنِينَ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا نَصُّهُ: « "إنَّ بَيْنَ أعْلى الجَنَّةِ وأسْفَلِها دَرَجَةً كالنَجْمِ يُرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبَها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قِيلَ: وقَدْ رَضّى اللهُ الجَمِيعَ فَما يَغْبِطُ أحَدٌ أحَدًا ولا يَتَمَنّى ذَلِكَ بَدَلًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةُ. الخُطّابُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ: جَمِيعُ الخَلْقِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، و"الذَمُّ" هُنا لاحِقٌ مِنَ اللهِ تَعالى ومِن ذَوِي العُقُولِ في أنْ يَكُونَ الإنْسانُ يَجْعَلُ عُودًا أو حَجَرًا أفْضَلَ مِن نَفْسِهِ، ويَخُصُّهُ بِالكَرامَةِ، ويَنْسُبُ إلَيْهِ الأُلُوهِيَّةَ، ويُشْرِكُهُ مَعَ اللهِ الَّذِي خَلَقَهُ ورَزَقَهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ. و"الخِذْلانُ" في هَذا يَكُونُ بِإسْلامِ اللهِ تَعالى، وألّا يَكْفُلَ لَهُ بِنَصْرٍ، و"المَخْذُولُ": الَّذِي لا يَنْصُرُهُ مَن يَجِبُ أنْ يَنْصُرَهُ، و"الخاذِلُ" مِنَ الظِباءِ الَّتِي تَتْرُكُ ولَدَها، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الراعِي: ؎ قَتَلُوا ابْنَ عَفّانَ الخَلِيفَةَ مُحْرِمًا ∗∗∗ وسَعى فَلَمْ أرَ مِثْلَهُ مَخْذُولا

الإسراء 17:23

(p-٤٦٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أو كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكم إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ "قَضى" في هَذِهِ الآيَةِ هي بِمَعْنى: أمَرَ وألْزَمَ وأوجَبَ عَلَيْكُمْ، وهَكَذا قالَ الناسُ. وأقُولُ: المَعْنى: وقَضى رَبُّكَ أمْرَهُ ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾، ولَيْسَ في هَذِهِ الألْفاظِ إلّا أمْرٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى عِبادَةِ اللهِ، فَذَلِكَ هو المَقْضِيُّ، لا نَفْسَ العِبادَةِ. و"قَضى" في كَلامِ العَرَبِ: أتَمَّ المَقْضِيُّ مُحْكَمًا، والمَقْضِيُّ هُنا هو الأمْرُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَصّى"، وهي قِراءَةُ أصْحابِهِ وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، والنَخْعِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومَيْمُونِ بْنِ مَهْرانِ، وكَذَلِكَ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ الضَحاكُ: تَصَحَّفَ عَلى قَوْمٍ "وَصّى" بِـ "قَضى" حِينَ اخْتَلَطَتِ الواوُ بِالصادِّ وقْتَ كَتْبِ المُصْحَفِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما القِراءَةُ مَرْوِيَّةٌ بِسَنَدٍ وقَدْ ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مِثْلَ قَوْلِ الضَحاكِ، وقالَ عن مَيْمُونِ بْنِ مَهْرانِ: إنَّهُ قالَ: "إنَّ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَنُورًا، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي (p-٤٦١)أوحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣]. ثُمَّ ضَعَّفَ ابْنُ حاتِمٍ أنْ يَكُونَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ ذَلِكَ، وقالَ: "لَوْ قُلْنا هَذا لَطَعَنَ الزَنادِقَةُ في مُصْحَفِنا". والضَمِيرُ في ﴿تَعْبُدُوا﴾ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَضى السَلَفُ والجُمْهُورُ، وسَألَ الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ رَجُلٌ فَقالَ لَهُ: إنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، فَقالَ لَهُ الحَسَنُ: عَصَيْتَ رَبَّكَ وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ ثَلاثًا، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: قُضِيَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقالَ لَهُ الحَسَنُ -وَكانَ فَصِيحًا-: ما قَضى اللهُ أيْ: ما أمَرَ اللهُ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الناسُ، تَكَلَّمَ الحَسَنُ في القَدَرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "قَضى" عَلى مَشْهُورِها في الكَلامِ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "تَعْبُدُوا" لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لَكِنْ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ عَطْفًا عَلى "أنِ" الأُولى، أيْ: أمَرَ اللهُ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وأنَّ تُحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مَقْطُوعًا مِنَ الأوَّلِ؛ فَإنَّهُ أخْبَرَهم بِقَضاءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ أمَرَهم بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ و"إمّا" شَرْطِيَّةٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عُمَرَ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يَبْلُغَنَّ"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ ذَكْوانِ "يَبْلُغَنْ" بِتَخْفِيفِ النُونِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَبْلُغانِّ"، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، ويَحْيى، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، والجَحْدَرِيِّ، وهي النُونُ الثَقِيلَةُ دَخَلَتْ مُؤَكِّدَةً، ولَيْسَتْ بِنُونِ تَثْنِيَةٍ، فَعَلى القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: أحَدُهُما" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَبْلُغانِّ"، وهو بَدَلٌ مُقَسِّمٌ كَقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ وكُنْتُ كَذِي رَجْلَيْنِ: رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ∗∗∗ ورَجُلٍ رَمى فِيها الزَمانُ فَشَلَّتْ (p-٤٦٢)وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ: "أحَدُهُما" فاعِلًا، وقَوْلُهُ: ﴿أو كِلاهُما﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "أكَلُونِي البَراغِيثُ"، وقَدْ ذَكَرَ هَذا في هَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ، وسِيبَوَيْهِ لا يَرى لِهَذِهِ اللُغَةَ مَدْخَلًا في القُرْآنِ الكَرِيمِ. وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "أُفِ" بِكَسْرِ الفاءِ وتَرْكِ التَنْوِينِ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، وقَرَأ نافِعٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى: "أُفٍّ" بِالكَسْرِ والتَنْوِينِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "أُفَّ" بِفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "أُفُ" بِضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "أُفَ" خَفِيفَةً، وهَذا كُلُّهُ بِناءٌ، إلّا أنَّ قِراءَةَ نافِعٍ تُعْطِي التَنْكِيرَ، كَما تَقُولُ: "إيهِ". وفِيها لُغاتٌ لَمْ يُقْرَأْ بِها: "أُفٌّ" بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ، عَلى أنَّ هارُونَ حَكاها قِراءَةً وأُفًّا" بِالنَصْبِ والتَنْوِينِ، و"أُفِي" بِياءٍ بَعْدَ الكَسْرَةِ، حَكاها الأخْفَشُ الكَبِيرُ، و"أُفا" بِألْفٍ بَعْدَ الفَتْحَةِ، و"أُفَّ" بِسُكُونِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ، و"أُفُ" مِثْلَ رَبْ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُمِيلُ "أُفا"، ومِنهم مَن يَزِيدُ فِيها هاءَ السَكْتِ فَيَقُولُ: "أُفاهُ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى اللَفْظَةِ أنَّها اسْمُ فِعْلٍ، كَأنَّ الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَقُولَ: أضْجَرُ، أو: أتَقَذَّرُ، أو: (p-٤٦٣)أكْرَهُ، أو نَحْوَ هَذا، يُعَبِّرُ إيجازًا بِهَذِهِ اللَفْظَةِ فَتُعْطِي مَعْنى الفِعْلِ المَذْكُورِ، وجَعَلَ اللهُ تَعالى هَذِهِ اللَفْظَةَ مَثَلًا لِجَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يُقابِلَ بِهِ الآباءَ مِمّا يَكْرَهُونَ، فَلَمْ تُرَدْ هَذِهِ اللَفْظَةَ في نَفْسِها وإنَّما هي مِثالُ الأعْظَمِ مِنها والأقَلِّ، فَهَذا هو مَفْهُومُ الخِطابِ المَسْكُوتِ عنهُ حُكْمُهُ حُكْمُ المَذْكُورِ. و"الِانْتِهارُ إظْهارُ الغَضَبِ في الصَوْتِ واللَفْظِ. و"القَوْلُ الكَرِيمُ": الجامِعُ لِلْمَحاسِنِ، مِنَ اللِينِ وجَوْدَةِ المَعْنى وتَضَمُّنِ البِرِّ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كَرِيمٌ، تُرِيدُ أنَّهُ جَمُّ المَحاسِنِ. و"الأُفُّ": وسَخُ الأظْفارِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ الَّتِي في الآيَةِ مَأْخُوذَةٌ مِن ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ مَعْناهُ: إذا رَأيْتَ مِنهُما في حالِ الشَيْخِ الغائِطَ والبَوْلَ الَّذِي رَأياهُ مِنكَ في حالِ الصِغَرِ، فَلا تَقْذِرْهُما، وتَقُولُ: أُفٍّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ أعَمُّ مِن هَذا القَوْلِ، وهو داخِلٌ في جُمْلَةِ ما تَقْتَضِيهِ. قالَ أبُو السَرّاجِ التُجِيبِي: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ قَدْ عَرِفْتُهُ إلّا قَوْلَهُ: ﴿وَقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾، ما هَذا القَوْلُ الكَرِيمُ؟ قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: قَوْلُ العَبْدِ المُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحْمَةِ﴾ اسْتِعارَةٌ، أيِ: اقْطَعْهُما جانِبَ الذُلِّ مِنكَ، ودَيِّثْ لَهُما نَفْسَكَ وخُلُقَكَ. وبُولِغَ بِذِكْرِ الذُلِّ هُنا ولَمْ يَذْكُرْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وذَلِكَ بِحَسَبِ عِظَمِ الحَقِّ هُنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الذُلِّ" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: "الذِلِّ" بِكَسْرِ الذالِ، ورُوِيَتْ عن عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، و"الذِلُّ" في الدَوابِّ (p-٤٦٤)ضِدُّ "الصُعُوبَةِ"، ومِنهُ: الجَمَلُ الذَلُولُ، والمَعْنى يَتَقارَبُ. ويَنْبَغِي بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَجْعَلَ الإنْسانُ نَفْسَهُ مَعَ أبَوَيْهِ في حَيِّزِ ذِلَّةٍ في أقْوالِهِ وسَكَناتِهِ ونَظَرِهِ، ولا يُحِدُّ لَهُما بَصَرَهُ، فَإنَّ تِلْكَ هي نَظْرَةُ الغاضِبِ. وفي الحَدِيثِ«أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "أبْعَدَهُ اللهُ وأسْحَقَهُ" قالُوا: مَن يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "مَن أدْرَكَ أبَوَيْهِ أو أحَدَهُما فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الرَحْمَةِ﴾، "مِنَ" هُنا لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ إنَّ هَذا الخَفْضَ يَكُونُ مِنَ الرَحْمَةِ المُسْتَكِنَّةِ في النَفْسِ، لا بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِعْمالًا، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ. ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِالتَرَحُّمِ عَلى آبائِهِمْ، وذِكْرِ مِنَنِهِما عَلَيْهِ في التَرْبِيَةِ؛ لِيَكُونَ تَذَكُّرَ تِلْكَ الحالَةِ مِمّا يُزِيدُ الإنْسانَ إشْفاقًا لَهُما، وحَنانًا عَلَيْهِما، وهَذا كُلُّهُ في الأبَوَيْنِ المُؤْمِنَيْنِ، وقَدْ نَهى القُرْآنُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ الأمْواتِ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، وذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُنا لَفْظُ النَسْخِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ نَسْخٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ أيْ: مِنَ اعْتِقادِ الرَحْمَةِ بِهِما والحُنُوِّ عَلَيْهِما، أو مِن غَيْرِ ذَلِكَ، ويَجْعَلُونَ ظاهِرَ بِرِّهِما رِياءً. ثُمَّ وعَدَ سُبْحانَهُ وتَعالى في آخِرِ الآيَةِ بِالغُفْرانِ مَعَ شَرْطِ الصَلاحِ والأوبَةِ بَعْدَ الأوبَةِ إلى طاعَةِ اللهِ. واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ الناسِ في "الأوّابِينَ" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُمُ المُصْلِحُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المُسَبِّحُونَ، وقالَ أيْضًا: هُمُ المُطِيعُونَ المُحْسِنُونَ، وقالَ ابْنُ المُنْكَدِرِ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الصَلاةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَقالَ: "تِلْكَ صَلاةُ الأوّابِينَ".» (p-٤٦٥)وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المُسْتَغْفِرِينَ ونَحْوَهُ. وقالَ عَوْنُ العَقِيلِيِّ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلاةَ الضُحى. وحَقِيقَةُ اللَفْظَةِ أنَّها مِن: آبَ يُؤَوِّبُ إذا رَجَعَ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم لَهم رُجُوعٌ إلى طاعَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولَكِنَّها لَفْظَةٌ لَزِمَ عُرْفَها أهْلُ الصَلاحِ. قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: هو العَبْدُ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ. وفَسَّرَ الجُمْهُورُ "الأوّابِينَ" بِالراجِعِينَ إلى الخَيْرِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ بِقَوْلِهِ: "غَفُورًا لِلْأوّابِينَ" الزَلَّةَ والفَلْتَةَ تَكُونُ مِنَ الرَجُلِ إلى أحَدِ أبَوَيْهِ، وهو لَمْ يُصِرَّ عَلَيْها بِقَلْبِهِ، ولا عَلِمَها اللهُ مِن نَفْسِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "خَفْضُ الجَناحِ" هو ألّا يَمْتَنِعَ مِن شَيْءٍ يُرِيدانِهِ.

الإسراء 17:24

(p-٤٦٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أو كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكم إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ "قَضى" في هَذِهِ الآيَةِ هي بِمَعْنى: أمَرَ وألْزَمَ وأوجَبَ عَلَيْكُمْ، وهَكَذا قالَ الناسُ. وأقُولُ: المَعْنى: وقَضى رَبُّكَ أمْرَهُ ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾، ولَيْسَ في هَذِهِ الألْفاظِ إلّا أمْرٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى عِبادَةِ اللهِ، فَذَلِكَ هو المَقْضِيُّ، لا نَفْسَ العِبادَةِ. و"قَضى" في كَلامِ العَرَبِ: أتَمَّ المَقْضِيُّ مُحْكَمًا، والمَقْضِيُّ هُنا هو الأمْرُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَصّى"، وهي قِراءَةُ أصْحابِهِ وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، والنَخْعِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومَيْمُونِ بْنِ مَهْرانِ، وكَذَلِكَ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ الضَحاكُ: تَصَحَّفَ عَلى قَوْمٍ "وَصّى" بِـ "قَضى" حِينَ اخْتَلَطَتِ الواوُ بِالصادِّ وقْتَ كَتْبِ المُصْحَفِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما القِراءَةُ مَرْوِيَّةٌ بِسَنَدٍ وقَدْ ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مِثْلَ قَوْلِ الضَحاكِ، وقالَ عن مَيْمُونِ بْنِ مَهْرانِ: إنَّهُ قالَ: "إنَّ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَنُورًا، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي (p-٤٦١)أوحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣]. ثُمَّ ضَعَّفَ ابْنُ حاتِمٍ أنْ يَكُونَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ ذَلِكَ، وقالَ: "لَوْ قُلْنا هَذا لَطَعَنَ الزَنادِقَةُ في مُصْحَفِنا". والضَمِيرُ في ﴿تَعْبُدُوا﴾ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَضى السَلَفُ والجُمْهُورُ، وسَألَ الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ رَجُلٌ فَقالَ لَهُ: إنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، فَقالَ لَهُ الحَسَنُ: عَصَيْتَ رَبَّكَ وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ ثَلاثًا، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: قُضِيَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقالَ لَهُ الحَسَنُ -وَكانَ فَصِيحًا-: ما قَضى اللهُ أيْ: ما أمَرَ اللهُ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الناسُ، تَكَلَّمَ الحَسَنُ في القَدَرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "قَضى" عَلى مَشْهُورِها في الكَلامِ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "تَعْبُدُوا" لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لَكِنْ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ عَطْفًا عَلى "أنِ" الأُولى، أيْ: أمَرَ اللهُ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وأنَّ تُحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مَقْطُوعًا مِنَ الأوَّلِ؛ فَإنَّهُ أخْبَرَهم بِقَضاءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ أمَرَهم بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ و"إمّا" شَرْطِيَّةٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عُمَرَ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يَبْلُغَنَّ"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ ذَكْوانِ "يَبْلُغَنْ" بِتَخْفِيفِ النُونِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَبْلُغانِّ"، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، ويَحْيى، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، والجَحْدَرِيِّ، وهي النُونُ الثَقِيلَةُ دَخَلَتْ مُؤَكِّدَةً، ولَيْسَتْ بِنُونِ تَثْنِيَةٍ، فَعَلى القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: أحَدُهُما" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَبْلُغانِّ"، وهو بَدَلٌ مُقَسِّمٌ كَقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ وكُنْتُ كَذِي رَجْلَيْنِ: رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ∗∗∗ ورَجُلٍ رَمى فِيها الزَمانُ فَشَلَّتْ (p-٤٦٢)وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ: "أحَدُهُما" فاعِلًا، وقَوْلُهُ: ﴿أو كِلاهُما﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "أكَلُونِي البَراغِيثُ"، وقَدْ ذَكَرَ هَذا في هَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ، وسِيبَوَيْهِ لا يَرى لِهَذِهِ اللُغَةَ مَدْخَلًا في القُرْآنِ الكَرِيمِ. وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "أُفِ" بِكَسْرِ الفاءِ وتَرْكِ التَنْوِينِ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، وقَرَأ نافِعٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى: "أُفٍّ" بِالكَسْرِ والتَنْوِينِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "أُفَّ" بِفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "أُفُ" بِضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "أُفَ" خَفِيفَةً، وهَذا كُلُّهُ بِناءٌ، إلّا أنَّ قِراءَةَ نافِعٍ تُعْطِي التَنْكِيرَ، كَما تَقُولُ: "إيهِ". وفِيها لُغاتٌ لَمْ يُقْرَأْ بِها: "أُفٌّ" بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ، عَلى أنَّ هارُونَ حَكاها قِراءَةً وأُفًّا" بِالنَصْبِ والتَنْوِينِ، و"أُفِي" بِياءٍ بَعْدَ الكَسْرَةِ، حَكاها الأخْفَشُ الكَبِيرُ، و"أُفا" بِألْفٍ بَعْدَ الفَتْحَةِ، و"أُفَّ" بِسُكُونِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ، و"أُفُ" مِثْلَ رَبْ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُمِيلُ "أُفا"، ومِنهم مَن يَزِيدُ فِيها هاءَ السَكْتِ فَيَقُولُ: "أُفاهُ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى اللَفْظَةِ أنَّها اسْمُ فِعْلٍ، كَأنَّ الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَقُولَ: أضْجَرُ، أو: أتَقَذَّرُ، أو: (p-٤٦٣)أكْرَهُ، أو نَحْوَ هَذا، يُعَبِّرُ إيجازًا بِهَذِهِ اللَفْظَةِ فَتُعْطِي مَعْنى الفِعْلِ المَذْكُورِ، وجَعَلَ اللهُ تَعالى هَذِهِ اللَفْظَةَ مَثَلًا لِجَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يُقابِلَ بِهِ الآباءَ مِمّا يَكْرَهُونَ، فَلَمْ تُرَدْ هَذِهِ اللَفْظَةَ في نَفْسِها وإنَّما هي مِثالُ الأعْظَمِ مِنها والأقَلِّ، فَهَذا هو مَفْهُومُ الخِطابِ المَسْكُوتِ عنهُ حُكْمُهُ حُكْمُ المَذْكُورِ. و"الِانْتِهارُ إظْهارُ الغَضَبِ في الصَوْتِ واللَفْظِ. و"القَوْلُ الكَرِيمُ": الجامِعُ لِلْمَحاسِنِ، مِنَ اللِينِ وجَوْدَةِ المَعْنى وتَضَمُّنِ البِرِّ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كَرِيمٌ، تُرِيدُ أنَّهُ جَمُّ المَحاسِنِ. و"الأُفُّ": وسَخُ الأظْفارِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ الَّتِي في الآيَةِ مَأْخُوذَةٌ مِن ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ مَعْناهُ: إذا رَأيْتَ مِنهُما في حالِ الشَيْخِ الغائِطَ والبَوْلَ الَّذِي رَأياهُ مِنكَ في حالِ الصِغَرِ، فَلا تَقْذِرْهُما، وتَقُولُ: أُفٍّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ أعَمُّ مِن هَذا القَوْلِ، وهو داخِلٌ في جُمْلَةِ ما تَقْتَضِيهِ. قالَ أبُو السَرّاجِ التُجِيبِي: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ قَدْ عَرِفْتُهُ إلّا قَوْلَهُ: ﴿وَقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾، ما هَذا القَوْلُ الكَرِيمُ؟ قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: قَوْلُ العَبْدِ المُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحْمَةِ﴾ اسْتِعارَةٌ، أيِ: اقْطَعْهُما جانِبَ الذُلِّ مِنكَ، ودَيِّثْ لَهُما نَفْسَكَ وخُلُقَكَ. وبُولِغَ بِذِكْرِ الذُلِّ هُنا ولَمْ يَذْكُرْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وذَلِكَ بِحَسَبِ عِظَمِ الحَقِّ هُنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الذُلِّ" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: "الذِلِّ" بِكَسْرِ الذالِ، ورُوِيَتْ عن عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، و"الذِلُّ" في الدَوابِّ (p-٤٦٤)ضِدُّ "الصُعُوبَةِ"، ومِنهُ: الجَمَلُ الذَلُولُ، والمَعْنى يَتَقارَبُ. ويَنْبَغِي بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَجْعَلَ الإنْسانُ نَفْسَهُ مَعَ أبَوَيْهِ في حَيِّزِ ذِلَّةٍ في أقْوالِهِ وسَكَناتِهِ ونَظَرِهِ، ولا يُحِدُّ لَهُما بَصَرَهُ، فَإنَّ تِلْكَ هي نَظْرَةُ الغاضِبِ. وفي الحَدِيثِ«أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "أبْعَدَهُ اللهُ وأسْحَقَهُ" قالُوا: مَن يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "مَن أدْرَكَ أبَوَيْهِ أو أحَدَهُما فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الرَحْمَةِ﴾، "مِنَ" هُنا لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ إنَّ هَذا الخَفْضَ يَكُونُ مِنَ الرَحْمَةِ المُسْتَكِنَّةِ في النَفْسِ، لا بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِعْمالًا، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ. ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِالتَرَحُّمِ عَلى آبائِهِمْ، وذِكْرِ مِنَنِهِما عَلَيْهِ في التَرْبِيَةِ؛ لِيَكُونَ تَذَكُّرَ تِلْكَ الحالَةِ مِمّا يُزِيدُ الإنْسانَ إشْفاقًا لَهُما، وحَنانًا عَلَيْهِما، وهَذا كُلُّهُ في الأبَوَيْنِ المُؤْمِنَيْنِ، وقَدْ نَهى القُرْآنُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ الأمْواتِ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، وذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُنا لَفْظُ النَسْخِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ نَسْخٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ أيْ: مِنَ اعْتِقادِ الرَحْمَةِ بِهِما والحُنُوِّ عَلَيْهِما، أو مِن غَيْرِ ذَلِكَ، ويَجْعَلُونَ ظاهِرَ بِرِّهِما رِياءً. ثُمَّ وعَدَ سُبْحانَهُ وتَعالى في آخِرِ الآيَةِ بِالغُفْرانِ مَعَ شَرْطِ الصَلاحِ والأوبَةِ بَعْدَ الأوبَةِ إلى طاعَةِ اللهِ. واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ الناسِ في "الأوّابِينَ" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُمُ المُصْلِحُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المُسَبِّحُونَ، وقالَ أيْضًا: هُمُ المُطِيعُونَ المُحْسِنُونَ، وقالَ ابْنُ المُنْكَدِرِ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الصَلاةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَقالَ: "تِلْكَ صَلاةُ الأوّابِينَ".» (p-٤٦٥)وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المُسْتَغْفِرِينَ ونَحْوَهُ. وقالَ عَوْنُ العَقِيلِيِّ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلاةَ الضُحى. وحَقِيقَةُ اللَفْظَةِ أنَّها مِن: آبَ يُؤَوِّبُ إذا رَجَعَ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم لَهم رُجُوعٌ إلى طاعَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولَكِنَّها لَفْظَةٌ لَزِمَ عُرْفَها أهْلُ الصَلاحِ. قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: هو العَبْدُ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ. وفَسَّرَ الجُمْهُورُ "الأوّابِينَ" بِالراجِعِينَ إلى الخَيْرِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ بِقَوْلِهِ: "غَفُورًا لِلْأوّابِينَ" الزَلَّةَ والفَلْتَةَ تَكُونُ مِنَ الرَجُلِ إلى أحَدِ أبَوَيْهِ، وهو لَمْ يُصِرَّ عَلَيْها بِقَلْبِهِ، ولا عَلِمَها اللهُ مِن نَفْسِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "خَفْضُ الجَناحِ" هو ألّا يَمْتَنِعَ مِن شَيْءٍ يُرِيدانِهِ.

الإسراء 17:25

(p-٤٦٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أو كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكم إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ "قَضى" في هَذِهِ الآيَةِ هي بِمَعْنى: أمَرَ وألْزَمَ وأوجَبَ عَلَيْكُمْ، وهَكَذا قالَ الناسُ. وأقُولُ: المَعْنى: وقَضى رَبُّكَ أمْرَهُ ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾، ولَيْسَ في هَذِهِ الألْفاظِ إلّا أمْرٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى عِبادَةِ اللهِ، فَذَلِكَ هو المَقْضِيُّ، لا نَفْسَ العِبادَةِ. و"قَضى" في كَلامِ العَرَبِ: أتَمَّ المَقْضِيُّ مُحْكَمًا، والمَقْضِيُّ هُنا هو الأمْرُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَصّى"، وهي قِراءَةُ أصْحابِهِ وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، والنَخْعِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومَيْمُونِ بْنِ مَهْرانِ، وكَذَلِكَ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ الضَحاكُ: تَصَحَّفَ عَلى قَوْمٍ "وَصّى" بِـ "قَضى" حِينَ اخْتَلَطَتِ الواوُ بِالصادِّ وقْتَ كَتْبِ المُصْحَفِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما القِراءَةُ مَرْوِيَّةٌ بِسَنَدٍ وقَدْ ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مِثْلَ قَوْلِ الضَحاكِ، وقالَ عن مَيْمُونِ بْنِ مَهْرانِ: إنَّهُ قالَ: "إنَّ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَنُورًا، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي (p-٤٦١)أوحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣]. ثُمَّ ضَعَّفَ ابْنُ حاتِمٍ أنْ يَكُونَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ ذَلِكَ، وقالَ: "لَوْ قُلْنا هَذا لَطَعَنَ الزَنادِقَةُ في مُصْحَفِنا". والضَمِيرُ في ﴿تَعْبُدُوا﴾ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَضى السَلَفُ والجُمْهُورُ، وسَألَ الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ رَجُلٌ فَقالَ لَهُ: إنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، فَقالَ لَهُ الحَسَنُ: عَصَيْتَ رَبَّكَ وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ ثَلاثًا، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: قُضِيَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقالَ لَهُ الحَسَنُ -وَكانَ فَصِيحًا-: ما قَضى اللهُ أيْ: ما أمَرَ اللهُ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الناسُ، تَكَلَّمَ الحَسَنُ في القَدَرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "قَضى" عَلى مَشْهُورِها في الكَلامِ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "تَعْبُدُوا" لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لَكِنْ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ عَطْفًا عَلى "أنِ" الأُولى، أيْ: أمَرَ اللهُ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وأنَّ تُحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مَقْطُوعًا مِنَ الأوَّلِ؛ فَإنَّهُ أخْبَرَهم بِقَضاءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ أمَرَهم بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ و"إمّا" شَرْطِيَّةٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عُمَرَ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يَبْلُغَنَّ"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ ذَكْوانِ "يَبْلُغَنْ" بِتَخْفِيفِ النُونِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَبْلُغانِّ"، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، ويَحْيى، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، والجَحْدَرِيِّ، وهي النُونُ الثَقِيلَةُ دَخَلَتْ مُؤَكِّدَةً، ولَيْسَتْ بِنُونِ تَثْنِيَةٍ، فَعَلى القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: أحَدُهُما" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَبْلُغانِّ"، وهو بَدَلٌ مُقَسِّمٌ كَقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ وكُنْتُ كَذِي رَجْلَيْنِ: رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ∗∗∗ ورَجُلٍ رَمى فِيها الزَمانُ فَشَلَّتْ (p-٤٦٢)وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ: "أحَدُهُما" فاعِلًا، وقَوْلُهُ: ﴿أو كِلاهُما﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "أكَلُونِي البَراغِيثُ"، وقَدْ ذَكَرَ هَذا في هَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ، وسِيبَوَيْهِ لا يَرى لِهَذِهِ اللُغَةَ مَدْخَلًا في القُرْآنِ الكَرِيمِ. وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "أُفِ" بِكَسْرِ الفاءِ وتَرْكِ التَنْوِينِ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، وقَرَأ نافِعٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى: "أُفٍّ" بِالكَسْرِ والتَنْوِينِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "أُفَّ" بِفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "أُفُ" بِضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "أُفَ" خَفِيفَةً، وهَذا كُلُّهُ بِناءٌ، إلّا أنَّ قِراءَةَ نافِعٍ تُعْطِي التَنْكِيرَ، كَما تَقُولُ: "إيهِ". وفِيها لُغاتٌ لَمْ يُقْرَأْ بِها: "أُفٌّ" بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ، عَلى أنَّ هارُونَ حَكاها قِراءَةً وأُفًّا" بِالنَصْبِ والتَنْوِينِ، و"أُفِي" بِياءٍ بَعْدَ الكَسْرَةِ، حَكاها الأخْفَشُ الكَبِيرُ، و"أُفا" بِألْفٍ بَعْدَ الفَتْحَةِ، و"أُفَّ" بِسُكُونِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ، و"أُفُ" مِثْلَ رَبْ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُمِيلُ "أُفا"، ومِنهم مَن يَزِيدُ فِيها هاءَ السَكْتِ فَيَقُولُ: "أُفاهُ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى اللَفْظَةِ أنَّها اسْمُ فِعْلٍ، كَأنَّ الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَقُولَ: أضْجَرُ، أو: أتَقَذَّرُ، أو: (p-٤٦٣)أكْرَهُ، أو نَحْوَ هَذا، يُعَبِّرُ إيجازًا بِهَذِهِ اللَفْظَةِ فَتُعْطِي مَعْنى الفِعْلِ المَذْكُورِ، وجَعَلَ اللهُ تَعالى هَذِهِ اللَفْظَةَ مَثَلًا لِجَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يُقابِلَ بِهِ الآباءَ مِمّا يَكْرَهُونَ، فَلَمْ تُرَدْ هَذِهِ اللَفْظَةَ في نَفْسِها وإنَّما هي مِثالُ الأعْظَمِ مِنها والأقَلِّ، فَهَذا هو مَفْهُومُ الخِطابِ المَسْكُوتِ عنهُ حُكْمُهُ حُكْمُ المَذْكُورِ. و"الِانْتِهارُ إظْهارُ الغَضَبِ في الصَوْتِ واللَفْظِ. و"القَوْلُ الكَرِيمُ": الجامِعُ لِلْمَحاسِنِ، مِنَ اللِينِ وجَوْدَةِ المَعْنى وتَضَمُّنِ البِرِّ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كَرِيمٌ، تُرِيدُ أنَّهُ جَمُّ المَحاسِنِ. و"الأُفُّ": وسَخُ الأظْفارِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ الَّتِي في الآيَةِ مَأْخُوذَةٌ مِن ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ مَعْناهُ: إذا رَأيْتَ مِنهُما في حالِ الشَيْخِ الغائِطَ والبَوْلَ الَّذِي رَأياهُ مِنكَ في حالِ الصِغَرِ، فَلا تَقْذِرْهُما، وتَقُولُ: أُفٍّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ أعَمُّ مِن هَذا القَوْلِ، وهو داخِلٌ في جُمْلَةِ ما تَقْتَضِيهِ. قالَ أبُو السَرّاجِ التُجِيبِي: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ قَدْ عَرِفْتُهُ إلّا قَوْلَهُ: ﴿وَقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾، ما هَذا القَوْلُ الكَرِيمُ؟ قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: قَوْلُ العَبْدِ المُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحْمَةِ﴾ اسْتِعارَةٌ، أيِ: اقْطَعْهُما جانِبَ الذُلِّ مِنكَ، ودَيِّثْ لَهُما نَفْسَكَ وخُلُقَكَ. وبُولِغَ بِذِكْرِ الذُلِّ هُنا ولَمْ يَذْكُرْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وذَلِكَ بِحَسَبِ عِظَمِ الحَقِّ هُنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الذُلِّ" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: "الذِلِّ" بِكَسْرِ الذالِ، ورُوِيَتْ عن عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، و"الذِلُّ" في الدَوابِّ (p-٤٦٤)ضِدُّ "الصُعُوبَةِ"، ومِنهُ: الجَمَلُ الذَلُولُ، والمَعْنى يَتَقارَبُ. ويَنْبَغِي بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَجْعَلَ الإنْسانُ نَفْسَهُ مَعَ أبَوَيْهِ في حَيِّزِ ذِلَّةٍ في أقْوالِهِ وسَكَناتِهِ ونَظَرِهِ، ولا يُحِدُّ لَهُما بَصَرَهُ، فَإنَّ تِلْكَ هي نَظْرَةُ الغاضِبِ. وفي الحَدِيثِ«أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "أبْعَدَهُ اللهُ وأسْحَقَهُ" قالُوا: مَن يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "مَن أدْرَكَ أبَوَيْهِ أو أحَدَهُما فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الرَحْمَةِ﴾، "مِنَ" هُنا لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ إنَّ هَذا الخَفْضَ يَكُونُ مِنَ الرَحْمَةِ المُسْتَكِنَّةِ في النَفْسِ، لا بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِعْمالًا، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ. ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِالتَرَحُّمِ عَلى آبائِهِمْ، وذِكْرِ مِنَنِهِما عَلَيْهِ في التَرْبِيَةِ؛ لِيَكُونَ تَذَكُّرَ تِلْكَ الحالَةِ مِمّا يُزِيدُ الإنْسانَ إشْفاقًا لَهُما، وحَنانًا عَلَيْهِما، وهَذا كُلُّهُ في الأبَوَيْنِ المُؤْمِنَيْنِ، وقَدْ نَهى القُرْآنُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ الأمْواتِ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، وذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُنا لَفْظُ النَسْخِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ نَسْخٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ أيْ: مِنَ اعْتِقادِ الرَحْمَةِ بِهِما والحُنُوِّ عَلَيْهِما، أو مِن غَيْرِ ذَلِكَ، ويَجْعَلُونَ ظاهِرَ بِرِّهِما رِياءً. ثُمَّ وعَدَ سُبْحانَهُ وتَعالى في آخِرِ الآيَةِ بِالغُفْرانِ مَعَ شَرْطِ الصَلاحِ والأوبَةِ بَعْدَ الأوبَةِ إلى طاعَةِ اللهِ. واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ الناسِ في "الأوّابِينَ" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُمُ المُصْلِحُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المُسَبِّحُونَ، وقالَ أيْضًا: هُمُ المُطِيعُونَ المُحْسِنُونَ، وقالَ ابْنُ المُنْكَدِرِ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الصَلاةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَقالَ: "تِلْكَ صَلاةُ الأوّابِينَ".» (p-٤٦٥)وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المُسْتَغْفِرِينَ ونَحْوَهُ. وقالَ عَوْنُ العَقِيلِيِّ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلاةَ الضُحى. وحَقِيقَةُ اللَفْظَةِ أنَّها مِن: آبَ يُؤَوِّبُ إذا رَجَعَ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم لَهم رُجُوعٌ إلى طاعَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولَكِنَّها لَفْظَةٌ لَزِمَ عُرْفَها أهْلُ الصَلاحِ. قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: هو العَبْدُ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ. وفَسَّرَ الجُمْهُورُ "الأوّابِينَ" بِالراجِعِينَ إلى الخَيْرِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ بِقَوْلِهِ: "غَفُورًا لِلْأوّابِينَ" الزَلَّةَ والفَلْتَةَ تَكُونُ مِنَ الرَجُلِ إلى أحَدِ أبَوَيْهِ، وهو لَمْ يُصِرَّ عَلَيْها بِقَلْبِهِ، ولا عَلِمَها اللهُ مِن نَفْسِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "خَفْضُ الجَناحِ" هو ألّا يَمْتَنِعَ مِن شَيْءٍ يُرِيدانِهِ.

الإسراء 17:26

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَياطِينِ وكانَ الشَيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ عنهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "ذِي القُرْبى" فَقالَ الجُمْهُورُ: الآيَةُ وصِيَّةٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ بِصِلَةِ قَرابَتِهِمْ، خُوطِبَ بِذَلِكَ النَبِيُّ ﷺ والمُرادُ الأُمَّةُ. و"الحَقُّ" في هَذِهِ الآيَةِ ما يَتَعَيَّنُ لَهُ مِن صِلَةِ الرَحِمِ، وسَدِّ الخَلَّةِ، والمُواساةُ عِنْدَ الحاجَةِ بِالمالِ والمَعُونَةِ بِكُلِّ وجْهٍ. قالَ بِنَحْوِ هَذا: الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهم. وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ في هَذِهِ: هم قُرابَةُ النَبِيِّ ﷺ، أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإعْطائِهِمْ حُقُوقَهم مِن بَيْتِ المالِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أبْيَنُ، ويُعَضِّدُهُ العَطْفُ بِالمِسْكِينَ وابْنِ السَبِيلِ. و"ابْنُ السَبِيلِ" هُنا يَعُمُّ الغَنِيُّ والفَقِيرُ؛ إذْ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما حَقٌّ وإنِ اخْتَلَفا، و"ابْنُ السَبِيلِ" في آيَةِ الصَدَقَةِ أخَصُّ. و"التَبْذِيرُ": إنْفاقُ المالِ في إفْسادٍ، أو في سَرَفٍ في مُباحٍ، وهو مِنَ البَذْرِ، ويُحْتَمَلُ (p-٤٦٦)قَوْلُهُ تَعالى: "المُبَذِّرِينَ" أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْنِيَ أهْلَ مَكَّةَ مُعَيَّنِينِ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "إخْوانَ" يَعْنِي: أنَّهم في حُكْمِهِمْ؛ إذِ المُبْذِرُ ساعٍ في فَسادٍ، والشَيْطانُ أبَدًا ساعٍ في فَسادٍ، والإخْوانُ: جَمْعُ أخٍ مِن غَيْرِ النَسَبِ، وقَدْ يَشِذُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النُورِ: ﴿أو إخْوانِهِنَّ أو بَنِي إخْوانِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، والإخْوَةُ: جَمْعُ أخٍ في النَسَبِ، وقَدْ يَشِذُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقَرَأ الحَسَنُ، والضَحاكُ: "إخْوانُ الشَيْطانِ" عَلى الإفْرادِ، وكَذَلِكَ ثَبَتَ في مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى كُفْرَ الشَيْطانِ لِيَقَعَ التَحْذِيرُ مِنَ التَشَبُّهِ بِهِ في الإفْسادِ مُسْتَوْعِبًا بَيِّنًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ﴾ الآيَةُ. الضَمِيرُ في "عنهُمُ" عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَساكِينِ وبَنِي السَبِيلِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ -إذا سَألَهُ مِنهم أحَدٌ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ ما يُعْطِيهِ، فَقابَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالإعْراضِ تَأدُّبًا مِنهُ في أنْ لا يَرُدُّهُ تَصْرِيحًا، وانْتِظارًا لِرِزْقٍ مِنَ اللهِ تَعالى يَأْتِي فَيُعْطِي مِنهُ -أنْ يَكُونَ يُؤْنِسُهُ بِالقَوْلِ المَيْسُورِ، وهو الَّذِي فِيهِ التَرْجِيَةُ بِفَضْلِ اللهِ، والتَأْنِيسُ بِالمِيعادِ الحَسَنِ، والدُعاءُ في تَوْسِعَةِ اللهِ تَعالى وعَطائِهِ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانَ يَقُولُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ -إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُعْطِي-: « "يَرْزُقُنا اللهُ وإيّاكم مِن فَضْلِهِ"،» فالرَحْمَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- الرِزْقُ المُنْتَظَرُ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَحْمَةُ: الأجْرُ والثَوابُ، وإنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ كانُوا يَسْألُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَيَأْبى أنْ يُعْطِيَهُمْ، لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ مِنهم نَفَقَةَ المالِ في فَسادٍ، فَكانَ يُعْرِضُ عنهم رَغْبَةَ الأجْرِ في مَنعِهِمْ، لِئَلّا يُعِينُهم عَلى فَسادِهِمْ، فَأمَرَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِأنْ يَقُولَ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا يَتَضَمَّنُ الدُعاءَ في الفَتْحِ لَهم والإصْلاحِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ الأوَّلِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عَمّارِ بْنِ ياسِرِ وصِنْفِهِ، و"المَيْسُورُ" مَفْعُولٌ مِن لَفْظَةِ اليُسْرِ، تَقُولُ: يَسَّرَتْ لَكَ كَذا إذا أعْدَدْتُهُ. (p-٤٦٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ الآيَةُ. رُوِيَ عن قالُونَ: "كَلَّ البُصْطِ" بِالصادِّ، ورَواهُ الأعْشى عن أبِي بَكْرٍ، واسْتُعِيرَ لِلْيَدِ المَقْبُوضَةِ جُمْلَةً عَنِ الإنْفاقِ المُتَّصِفَةِ بِالبُخْلِ الغَلُّ إلى العُنُقِ، واسْتُعِيرَ لِلْيَدِ الَّتِي تَسْتَنْفِدُ جَمِيعَ ما عِنْدَها غايَةَ البَسْطِ، ضِدُّ الغِلِّ، وكُلُّ هَذا في إنْفاقِ الخَيْرِ، وأمّا إنْفاقُ الفَسادِ فَقَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ حَرامٌ. وهَذِهِ الآيَةُ يَنْظُرُ إلَيْها قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَثَلُ البَخِيلِ والمُتَصَدِّقِ.."» الحَدِيثُ بِكَمالِهِ. والمَلامَةُ هُنا لاحِقَةٌ مِمَّنْ يَطْلُبُ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ فَلا يَجِدُ ما يُعْطِي. و"المَسْحُورُ": المُقْعَدُ الَّذِي قَدِ اسْتُنْفِدَتْ قُوَّتُهُ، تَقُولُ: حَسَرْتُ البَعِيرَ إذا أتْعَبْتَهُ حَتّى لَمْ تَبْقَ لَهُ قُوَّةٌ، فَهو حَسِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لَهُنَّ الوَجا لِمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى السُرى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها طالِعٌ وحَسِيرُ ومِنهُ: البَصَرُ الحَسِيرُ، وهو الكالُّ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: لا تُمْسِكُ عَنِ النَفَقَةِ فِيما أمَرْتُكَ بِهِ مِنَ الحَقِّ، ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فِيما نَهَيْتُكَ عنهُ. وقالَ قَتادَةُ: التَبْذِيرُ: النَفَقَةُ في مَعْصِيَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَوْ أنْفَقَ إنْسانٌ مالَهُ كُلَّهُ في حَقٍّ لَمْ يَكُنْ تَبْذِيرًا، ولَوْ أنْفَقَ مُدًّا في باطِلٍ كانَ تَبْذِيرًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، ولا يُعْطِي البَسْطُ مَعْنًى لَمْ يُبِحْ فِيما نُهِيَ عنهُ، ولا يُقالُ في المَعْصِيَةِ: (p-٤٦٨)"وَلا تُبَذِّرُ"، وإنَّما يُقالُ: "وَلا تُنْفِقُ ولَوْ بِاقْتِصادٍ وقِوامٍ"، ولِلَّهِ دَرُّ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَإنَّهُما قالا: "التَبْذِيرُ: الإنْفاقُ في غَيْرِ حَقٍّ"، فَهَذِهِ عِبارَةٌ تَعُمُّ المَعْصِيَةَ والسَرَفُ المُباحَ، وإنَّما نَبَّهَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اسْتِفْراغِ الجُهْدِ فِيما يَطْرَأُ أوَّلًا مِن سُؤالِ المُؤْمِنِينَ؛ لِئَلّا يَبْقى مَن يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ لا شَيْءَ لَهُ، ولِئَلّا يُضَيِّعُ المُنْفِقُ عِيالًا، ونَحْوَهُ ومِن كَلامِ الحِكْمَةِ: "ما رَأيْتُ قَطُّ سَرَفًا إلّا ومَعَهُ حَقٌّ مُضَيَّعٌ"، وهَذِهِ مِن آياتٍ فِقْهِ الحالِ، ولا يُبَيِّنُ حُكْمَها إلّا بِاعْتِبارِ شَخْصٍ مِنَ الناسِ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِزْقَ﴾، المَعْنى: كُنْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ عَلى ما رُسِمَ لَكَ مِنَ الِاقْتِصادِ وإنْفاقِ القَوّامِ، ولا يُهِمُّنَّكَ فَقْرَ مَن تَراهُ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ بِمَرْأى مِنَ اللهِ وبِمَسْمَعٍ، وبِمَشِيئَةٍ. و"يَقْدِرُ" مَعْناهُ: يُضَيِّقُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، أيْ: يَعْلَمُ مَصْلَحَةَ قَوْمٍ في الفَقْرِ، ويَعْلَمُ مَصْلَحَةَ آخَرِينَ في الغِنى. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ -وَحَكاهُ الطَبَرِيُّ -: إنَّ الآيَةَ إشارَةٌ إلى حالِ العَرَبِ الَّتِي كانَتْ يُصْلِحُها الفَقْرُ، وكانَتْ إذا شَبِعَتْ طَغَتْ وقَتَلَتْ غَيْرَها وأغارَتْ، وإذا كانَ الجُوعُ والقَحْطُ شَغَلَهم.

الإسراء 17:27

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَياطِينِ وكانَ الشَيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ عنهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "ذِي القُرْبى" فَقالَ الجُمْهُورُ: الآيَةُ وصِيَّةٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ بِصِلَةِ قَرابَتِهِمْ، خُوطِبَ بِذَلِكَ النَبِيُّ ﷺ والمُرادُ الأُمَّةُ. و"الحَقُّ" في هَذِهِ الآيَةِ ما يَتَعَيَّنُ لَهُ مِن صِلَةِ الرَحِمِ، وسَدِّ الخَلَّةِ، والمُواساةُ عِنْدَ الحاجَةِ بِالمالِ والمَعُونَةِ بِكُلِّ وجْهٍ. قالَ بِنَحْوِ هَذا: الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهم. وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ في هَذِهِ: هم قُرابَةُ النَبِيِّ ﷺ، أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإعْطائِهِمْ حُقُوقَهم مِن بَيْتِ المالِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أبْيَنُ، ويُعَضِّدُهُ العَطْفُ بِالمِسْكِينَ وابْنِ السَبِيلِ. و"ابْنُ السَبِيلِ" هُنا يَعُمُّ الغَنِيُّ والفَقِيرُ؛ إذْ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما حَقٌّ وإنِ اخْتَلَفا، و"ابْنُ السَبِيلِ" في آيَةِ الصَدَقَةِ أخَصُّ. و"التَبْذِيرُ": إنْفاقُ المالِ في إفْسادٍ، أو في سَرَفٍ في مُباحٍ، وهو مِنَ البَذْرِ، ويُحْتَمَلُ (p-٤٦٦)قَوْلُهُ تَعالى: "المُبَذِّرِينَ" أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْنِيَ أهْلَ مَكَّةَ مُعَيَّنِينِ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "إخْوانَ" يَعْنِي: أنَّهم في حُكْمِهِمْ؛ إذِ المُبْذِرُ ساعٍ في فَسادٍ، والشَيْطانُ أبَدًا ساعٍ في فَسادٍ، والإخْوانُ: جَمْعُ أخٍ مِن غَيْرِ النَسَبِ، وقَدْ يَشِذُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النُورِ: ﴿أو إخْوانِهِنَّ أو بَنِي إخْوانِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، والإخْوَةُ: جَمْعُ أخٍ في النَسَبِ، وقَدْ يَشِذُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقَرَأ الحَسَنُ، والضَحاكُ: "إخْوانُ الشَيْطانِ" عَلى الإفْرادِ، وكَذَلِكَ ثَبَتَ في مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى كُفْرَ الشَيْطانِ لِيَقَعَ التَحْذِيرُ مِنَ التَشَبُّهِ بِهِ في الإفْسادِ مُسْتَوْعِبًا بَيِّنًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ﴾ الآيَةُ. الضَمِيرُ في "عنهُمُ" عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَساكِينِ وبَنِي السَبِيلِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ -إذا سَألَهُ مِنهم أحَدٌ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ ما يُعْطِيهِ، فَقابَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالإعْراضِ تَأدُّبًا مِنهُ في أنْ لا يَرُدُّهُ تَصْرِيحًا، وانْتِظارًا لِرِزْقٍ مِنَ اللهِ تَعالى يَأْتِي فَيُعْطِي مِنهُ -أنْ يَكُونَ يُؤْنِسُهُ بِالقَوْلِ المَيْسُورِ، وهو الَّذِي فِيهِ التَرْجِيَةُ بِفَضْلِ اللهِ، والتَأْنِيسُ بِالمِيعادِ الحَسَنِ، والدُعاءُ في تَوْسِعَةِ اللهِ تَعالى وعَطائِهِ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانَ يَقُولُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ -إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُعْطِي-: « "يَرْزُقُنا اللهُ وإيّاكم مِن فَضْلِهِ"،» فالرَحْمَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- الرِزْقُ المُنْتَظَرُ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَحْمَةُ: الأجْرُ والثَوابُ، وإنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ كانُوا يَسْألُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَيَأْبى أنْ يُعْطِيَهُمْ، لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ مِنهم نَفَقَةَ المالِ في فَسادٍ، فَكانَ يُعْرِضُ عنهم رَغْبَةَ الأجْرِ في مَنعِهِمْ، لِئَلّا يُعِينُهم عَلى فَسادِهِمْ، فَأمَرَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِأنْ يَقُولَ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا يَتَضَمَّنُ الدُعاءَ في الفَتْحِ لَهم والإصْلاحِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ الأوَّلِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عَمّارِ بْنِ ياسِرِ وصِنْفِهِ، و"المَيْسُورُ" مَفْعُولٌ مِن لَفْظَةِ اليُسْرِ، تَقُولُ: يَسَّرَتْ لَكَ كَذا إذا أعْدَدْتُهُ. (p-٤٦٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ الآيَةُ. رُوِيَ عن قالُونَ: "كَلَّ البُصْطِ" بِالصادِّ، ورَواهُ الأعْشى عن أبِي بَكْرٍ، واسْتُعِيرَ لِلْيَدِ المَقْبُوضَةِ جُمْلَةً عَنِ الإنْفاقِ المُتَّصِفَةِ بِالبُخْلِ الغَلُّ إلى العُنُقِ، واسْتُعِيرَ لِلْيَدِ الَّتِي تَسْتَنْفِدُ جَمِيعَ ما عِنْدَها غايَةَ البَسْطِ، ضِدُّ الغِلِّ، وكُلُّ هَذا في إنْفاقِ الخَيْرِ، وأمّا إنْفاقُ الفَسادِ فَقَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ حَرامٌ. وهَذِهِ الآيَةُ يَنْظُرُ إلَيْها قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَثَلُ البَخِيلِ والمُتَصَدِّقِ.."» الحَدِيثُ بِكَمالِهِ. والمَلامَةُ هُنا لاحِقَةٌ مِمَّنْ يَطْلُبُ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ فَلا يَجِدُ ما يُعْطِي. و"المَسْحُورُ": المُقْعَدُ الَّذِي قَدِ اسْتُنْفِدَتْ قُوَّتُهُ، تَقُولُ: حَسَرْتُ البَعِيرَ إذا أتْعَبْتَهُ حَتّى لَمْ تَبْقَ لَهُ قُوَّةٌ، فَهو حَسِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لَهُنَّ الوَجا لِمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى السُرى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها طالِعٌ وحَسِيرُ ومِنهُ: البَصَرُ الحَسِيرُ، وهو الكالُّ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: لا تُمْسِكُ عَنِ النَفَقَةِ فِيما أمَرْتُكَ بِهِ مِنَ الحَقِّ، ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فِيما نَهَيْتُكَ عنهُ. وقالَ قَتادَةُ: التَبْذِيرُ: النَفَقَةُ في مَعْصِيَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَوْ أنْفَقَ إنْسانٌ مالَهُ كُلَّهُ في حَقٍّ لَمْ يَكُنْ تَبْذِيرًا، ولَوْ أنْفَقَ مُدًّا في باطِلٍ كانَ تَبْذِيرًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، ولا يُعْطِي البَسْطُ مَعْنًى لَمْ يُبِحْ فِيما نُهِيَ عنهُ، ولا يُقالُ في المَعْصِيَةِ: (p-٤٦٨)"وَلا تُبَذِّرُ"، وإنَّما يُقالُ: "وَلا تُنْفِقُ ولَوْ بِاقْتِصادٍ وقِوامٍ"، ولِلَّهِ دَرُّ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَإنَّهُما قالا: "التَبْذِيرُ: الإنْفاقُ في غَيْرِ حَقٍّ"، فَهَذِهِ عِبارَةٌ تَعُمُّ المَعْصِيَةَ والسَرَفُ المُباحَ، وإنَّما نَبَّهَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اسْتِفْراغِ الجُهْدِ فِيما يَطْرَأُ أوَّلًا مِن سُؤالِ المُؤْمِنِينَ؛ لِئَلّا يَبْقى مَن يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ لا شَيْءَ لَهُ، ولِئَلّا يُضَيِّعُ المُنْفِقُ عِيالًا، ونَحْوَهُ ومِن كَلامِ الحِكْمَةِ: "ما رَأيْتُ قَطُّ سَرَفًا إلّا ومَعَهُ حَقٌّ مُضَيَّعٌ"، وهَذِهِ مِن آياتٍ فِقْهِ الحالِ، ولا يُبَيِّنُ حُكْمَها إلّا بِاعْتِبارِ شَخْصٍ مِنَ الناسِ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِزْقَ﴾، المَعْنى: كُنْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ عَلى ما رُسِمَ لَكَ مِنَ الِاقْتِصادِ وإنْفاقِ القَوّامِ، ولا يُهِمُّنَّكَ فَقْرَ مَن تَراهُ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ بِمَرْأى مِنَ اللهِ وبِمَسْمَعٍ، وبِمَشِيئَةٍ. و"يَقْدِرُ" مَعْناهُ: يُضَيِّقُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، أيْ: يَعْلَمُ مَصْلَحَةَ قَوْمٍ في الفَقْرِ، ويَعْلَمُ مَصْلَحَةَ آخَرِينَ في الغِنى. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ -وَحَكاهُ الطَبَرِيُّ -: إنَّ الآيَةَ إشارَةٌ إلى حالِ العَرَبِ الَّتِي كانَتْ يُصْلِحُها الفَقْرُ، وكانَتْ إذا شَبِعَتْ طَغَتْ وقَتَلَتْ غَيْرَها وأغارَتْ، وإذا كانَ الجُوعُ والقَحْطُ شَغَلَهم.

الإسراء 17:28

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَياطِينِ وكانَ الشَيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ عنهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "ذِي القُرْبى" فَقالَ الجُمْهُورُ: الآيَةُ وصِيَّةٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ بِصِلَةِ قَرابَتِهِمْ، خُوطِبَ بِذَلِكَ النَبِيُّ ﷺ والمُرادُ الأُمَّةُ. و"الحَقُّ" في هَذِهِ الآيَةِ ما يَتَعَيَّنُ لَهُ مِن صِلَةِ الرَحِمِ، وسَدِّ الخَلَّةِ، والمُواساةُ عِنْدَ الحاجَةِ بِالمالِ والمَعُونَةِ بِكُلِّ وجْهٍ. قالَ بِنَحْوِ هَذا: الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهم. وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ في هَذِهِ: هم قُرابَةُ النَبِيِّ ﷺ، أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإعْطائِهِمْ حُقُوقَهم مِن بَيْتِ المالِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أبْيَنُ، ويُعَضِّدُهُ العَطْفُ بِالمِسْكِينَ وابْنِ السَبِيلِ. و"ابْنُ السَبِيلِ" هُنا يَعُمُّ الغَنِيُّ والفَقِيرُ؛ إذْ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما حَقٌّ وإنِ اخْتَلَفا، و"ابْنُ السَبِيلِ" في آيَةِ الصَدَقَةِ أخَصُّ. و"التَبْذِيرُ": إنْفاقُ المالِ في إفْسادٍ، أو في سَرَفٍ في مُباحٍ، وهو مِنَ البَذْرِ، ويُحْتَمَلُ (p-٤٦٦)قَوْلُهُ تَعالى: "المُبَذِّرِينَ" أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْنِيَ أهْلَ مَكَّةَ مُعَيَّنِينِ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "إخْوانَ" يَعْنِي: أنَّهم في حُكْمِهِمْ؛ إذِ المُبْذِرُ ساعٍ في فَسادٍ، والشَيْطانُ أبَدًا ساعٍ في فَسادٍ، والإخْوانُ: جَمْعُ أخٍ مِن غَيْرِ النَسَبِ، وقَدْ يَشِذُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النُورِ: ﴿أو إخْوانِهِنَّ أو بَنِي إخْوانِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، والإخْوَةُ: جَمْعُ أخٍ في النَسَبِ، وقَدْ يَشِذُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقَرَأ الحَسَنُ، والضَحاكُ: "إخْوانُ الشَيْطانِ" عَلى الإفْرادِ، وكَذَلِكَ ثَبَتَ في مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى كُفْرَ الشَيْطانِ لِيَقَعَ التَحْذِيرُ مِنَ التَشَبُّهِ بِهِ في الإفْسادِ مُسْتَوْعِبًا بَيِّنًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ﴾ الآيَةُ. الضَمِيرُ في "عنهُمُ" عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَساكِينِ وبَنِي السَبِيلِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ -إذا سَألَهُ مِنهم أحَدٌ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ ما يُعْطِيهِ، فَقابَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالإعْراضِ تَأدُّبًا مِنهُ في أنْ لا يَرُدُّهُ تَصْرِيحًا، وانْتِظارًا لِرِزْقٍ مِنَ اللهِ تَعالى يَأْتِي فَيُعْطِي مِنهُ -أنْ يَكُونَ يُؤْنِسُهُ بِالقَوْلِ المَيْسُورِ، وهو الَّذِي فِيهِ التَرْجِيَةُ بِفَضْلِ اللهِ، والتَأْنِيسُ بِالمِيعادِ الحَسَنِ، والدُعاءُ في تَوْسِعَةِ اللهِ تَعالى وعَطائِهِ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانَ يَقُولُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ -إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُعْطِي-: « "يَرْزُقُنا اللهُ وإيّاكم مِن فَضْلِهِ"،» فالرَحْمَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- الرِزْقُ المُنْتَظَرُ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَحْمَةُ: الأجْرُ والثَوابُ، وإنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ كانُوا يَسْألُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَيَأْبى أنْ يُعْطِيَهُمْ، لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ مِنهم نَفَقَةَ المالِ في فَسادٍ، فَكانَ يُعْرِضُ عنهم رَغْبَةَ الأجْرِ في مَنعِهِمْ، لِئَلّا يُعِينُهم عَلى فَسادِهِمْ، فَأمَرَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِأنْ يَقُولَ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا يَتَضَمَّنُ الدُعاءَ في الفَتْحِ لَهم والإصْلاحِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ الأوَّلِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عَمّارِ بْنِ ياسِرِ وصِنْفِهِ، و"المَيْسُورُ" مَفْعُولٌ مِن لَفْظَةِ اليُسْرِ، تَقُولُ: يَسَّرَتْ لَكَ كَذا إذا أعْدَدْتُهُ. (p-٤٦٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ الآيَةُ. رُوِيَ عن قالُونَ: "كَلَّ البُصْطِ" بِالصادِّ، ورَواهُ الأعْشى عن أبِي بَكْرٍ، واسْتُعِيرَ لِلْيَدِ المَقْبُوضَةِ جُمْلَةً عَنِ الإنْفاقِ المُتَّصِفَةِ بِالبُخْلِ الغَلُّ إلى العُنُقِ، واسْتُعِيرَ لِلْيَدِ الَّتِي تَسْتَنْفِدُ جَمِيعَ ما عِنْدَها غايَةَ البَسْطِ، ضِدُّ الغِلِّ، وكُلُّ هَذا في إنْفاقِ الخَيْرِ، وأمّا إنْفاقُ الفَسادِ فَقَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ حَرامٌ. وهَذِهِ الآيَةُ يَنْظُرُ إلَيْها قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَثَلُ البَخِيلِ والمُتَصَدِّقِ.."» الحَدِيثُ بِكَمالِهِ. والمَلامَةُ هُنا لاحِقَةٌ مِمَّنْ يَطْلُبُ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ فَلا يَجِدُ ما يُعْطِي. و"المَسْحُورُ": المُقْعَدُ الَّذِي قَدِ اسْتُنْفِدَتْ قُوَّتُهُ، تَقُولُ: حَسَرْتُ البَعِيرَ إذا أتْعَبْتَهُ حَتّى لَمْ تَبْقَ لَهُ قُوَّةٌ، فَهو حَسِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لَهُنَّ الوَجا لِمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى السُرى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها طالِعٌ وحَسِيرُ ومِنهُ: البَصَرُ الحَسِيرُ، وهو الكالُّ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: لا تُمْسِكُ عَنِ النَفَقَةِ فِيما أمَرْتُكَ بِهِ مِنَ الحَقِّ، ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فِيما نَهَيْتُكَ عنهُ. وقالَ قَتادَةُ: التَبْذِيرُ: النَفَقَةُ في مَعْصِيَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَوْ أنْفَقَ إنْسانٌ مالَهُ كُلَّهُ في حَقٍّ لَمْ يَكُنْ تَبْذِيرًا، ولَوْ أنْفَقَ مُدًّا في باطِلٍ كانَ تَبْذِيرًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، ولا يُعْطِي البَسْطُ مَعْنًى لَمْ يُبِحْ فِيما نُهِيَ عنهُ، ولا يُقالُ في المَعْصِيَةِ: (p-٤٦٨)"وَلا تُبَذِّرُ"، وإنَّما يُقالُ: "وَلا تُنْفِقُ ولَوْ بِاقْتِصادٍ وقِوامٍ"، ولِلَّهِ دَرُّ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَإنَّهُما قالا: "التَبْذِيرُ: الإنْفاقُ في غَيْرِ حَقٍّ"، فَهَذِهِ عِبارَةٌ تَعُمُّ المَعْصِيَةَ والسَرَفُ المُباحَ، وإنَّما نَبَّهَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اسْتِفْراغِ الجُهْدِ فِيما يَطْرَأُ أوَّلًا مِن سُؤالِ المُؤْمِنِينَ؛ لِئَلّا يَبْقى مَن يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ لا شَيْءَ لَهُ، ولِئَلّا يُضَيِّعُ المُنْفِقُ عِيالًا، ونَحْوَهُ ومِن كَلامِ الحِكْمَةِ: "ما رَأيْتُ قَطُّ سَرَفًا إلّا ومَعَهُ حَقٌّ مُضَيَّعٌ"، وهَذِهِ مِن آياتٍ فِقْهِ الحالِ، ولا يُبَيِّنُ حُكْمَها إلّا بِاعْتِبارِ شَخْصٍ مِنَ الناسِ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِزْقَ﴾، المَعْنى: كُنْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ عَلى ما رُسِمَ لَكَ مِنَ الِاقْتِصادِ وإنْفاقِ القَوّامِ، ولا يُهِمُّنَّكَ فَقْرَ مَن تَراهُ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ بِمَرْأى مِنَ اللهِ وبِمَسْمَعٍ، وبِمَشِيئَةٍ. و"يَقْدِرُ" مَعْناهُ: يُضَيِّقُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، أيْ: يَعْلَمُ مَصْلَحَةَ قَوْمٍ في الفَقْرِ، ويَعْلَمُ مَصْلَحَةَ آخَرِينَ في الغِنى. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ -وَحَكاهُ الطَبَرِيُّ -: إنَّ الآيَةَ إشارَةٌ إلى حالِ العَرَبِ الَّتِي كانَتْ يُصْلِحُها الفَقْرُ، وكانَتْ إذا شَبِعَتْ طَغَتْ وقَتَلَتْ غَيْرَها وأغارَتْ، وإذا كانَ الجُوعُ والقَحْطُ شَغَلَهم.

الإسراء 17:29

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَياطِينِ وكانَ الشَيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ عنهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "ذِي القُرْبى" فَقالَ الجُمْهُورُ: الآيَةُ وصِيَّةٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ بِصِلَةِ قَرابَتِهِمْ، خُوطِبَ بِذَلِكَ النَبِيُّ ﷺ والمُرادُ الأُمَّةُ. و"الحَقُّ" في هَذِهِ الآيَةِ ما يَتَعَيَّنُ لَهُ مِن صِلَةِ الرَحِمِ، وسَدِّ الخَلَّةِ، والمُواساةُ عِنْدَ الحاجَةِ بِالمالِ والمَعُونَةِ بِكُلِّ وجْهٍ. قالَ بِنَحْوِ هَذا: الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهم. وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ في هَذِهِ: هم قُرابَةُ النَبِيِّ ﷺ، أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإعْطائِهِمْ حُقُوقَهم مِن بَيْتِ المالِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أبْيَنُ، ويُعَضِّدُهُ العَطْفُ بِالمِسْكِينَ وابْنِ السَبِيلِ. و"ابْنُ السَبِيلِ" هُنا يَعُمُّ الغَنِيُّ والفَقِيرُ؛ إذْ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما حَقٌّ وإنِ اخْتَلَفا، و"ابْنُ السَبِيلِ" في آيَةِ الصَدَقَةِ أخَصُّ. و"التَبْذِيرُ": إنْفاقُ المالِ في إفْسادٍ، أو في سَرَفٍ في مُباحٍ، وهو مِنَ البَذْرِ، ويُحْتَمَلُ (p-٤٦٦)قَوْلُهُ تَعالى: "المُبَذِّرِينَ" أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْنِيَ أهْلَ مَكَّةَ مُعَيَّنِينِ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "إخْوانَ" يَعْنِي: أنَّهم في حُكْمِهِمْ؛ إذِ المُبْذِرُ ساعٍ في فَسادٍ، والشَيْطانُ أبَدًا ساعٍ في فَسادٍ، والإخْوانُ: جَمْعُ أخٍ مِن غَيْرِ النَسَبِ، وقَدْ يَشِذُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النُورِ: ﴿أو إخْوانِهِنَّ أو بَنِي إخْوانِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، والإخْوَةُ: جَمْعُ أخٍ في النَسَبِ، وقَدْ يَشِذُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقَرَأ الحَسَنُ، والضَحاكُ: "إخْوانُ الشَيْطانِ" عَلى الإفْرادِ، وكَذَلِكَ ثَبَتَ في مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى كُفْرَ الشَيْطانِ لِيَقَعَ التَحْذِيرُ مِنَ التَشَبُّهِ بِهِ في الإفْسادِ مُسْتَوْعِبًا بَيِّنًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ﴾ الآيَةُ. الضَمِيرُ في "عنهُمُ" عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَساكِينِ وبَنِي السَبِيلِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ -إذا سَألَهُ مِنهم أحَدٌ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ ما يُعْطِيهِ، فَقابَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالإعْراضِ تَأدُّبًا مِنهُ في أنْ لا يَرُدُّهُ تَصْرِيحًا، وانْتِظارًا لِرِزْقٍ مِنَ اللهِ تَعالى يَأْتِي فَيُعْطِي مِنهُ -أنْ يَكُونَ يُؤْنِسُهُ بِالقَوْلِ المَيْسُورِ، وهو الَّذِي فِيهِ التَرْجِيَةُ بِفَضْلِ اللهِ، والتَأْنِيسُ بِالمِيعادِ الحَسَنِ، والدُعاءُ في تَوْسِعَةِ اللهِ تَعالى وعَطائِهِ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانَ يَقُولُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ -إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُعْطِي-: « "يَرْزُقُنا اللهُ وإيّاكم مِن فَضْلِهِ"،» فالرَحْمَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- الرِزْقُ المُنْتَظَرُ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَحْمَةُ: الأجْرُ والثَوابُ، وإنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ كانُوا يَسْألُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَيَأْبى أنْ يُعْطِيَهُمْ، لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ مِنهم نَفَقَةَ المالِ في فَسادٍ، فَكانَ يُعْرِضُ عنهم رَغْبَةَ الأجْرِ في مَنعِهِمْ، لِئَلّا يُعِينُهم عَلى فَسادِهِمْ، فَأمَرَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِأنْ يَقُولَ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا يَتَضَمَّنُ الدُعاءَ في الفَتْحِ لَهم والإصْلاحِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ الأوَّلِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عَمّارِ بْنِ ياسِرِ وصِنْفِهِ، و"المَيْسُورُ" مَفْعُولٌ مِن لَفْظَةِ اليُسْرِ، تَقُولُ: يَسَّرَتْ لَكَ كَذا إذا أعْدَدْتُهُ. (p-٤٦٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ الآيَةُ. رُوِيَ عن قالُونَ: "كَلَّ البُصْطِ" بِالصادِّ، ورَواهُ الأعْشى عن أبِي بَكْرٍ، واسْتُعِيرَ لِلْيَدِ المَقْبُوضَةِ جُمْلَةً عَنِ الإنْفاقِ المُتَّصِفَةِ بِالبُخْلِ الغَلُّ إلى العُنُقِ، واسْتُعِيرَ لِلْيَدِ الَّتِي تَسْتَنْفِدُ جَمِيعَ ما عِنْدَها غايَةَ البَسْطِ، ضِدُّ الغِلِّ، وكُلُّ هَذا في إنْفاقِ الخَيْرِ، وأمّا إنْفاقُ الفَسادِ فَقَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ حَرامٌ. وهَذِهِ الآيَةُ يَنْظُرُ إلَيْها قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَثَلُ البَخِيلِ والمُتَصَدِّقِ.."» الحَدِيثُ بِكَمالِهِ. والمَلامَةُ هُنا لاحِقَةٌ مِمَّنْ يَطْلُبُ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ فَلا يَجِدُ ما يُعْطِي. و"المَسْحُورُ": المُقْعَدُ الَّذِي قَدِ اسْتُنْفِدَتْ قُوَّتُهُ، تَقُولُ: حَسَرْتُ البَعِيرَ إذا أتْعَبْتَهُ حَتّى لَمْ تَبْقَ لَهُ قُوَّةٌ، فَهو حَسِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لَهُنَّ الوَجا لِمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى السُرى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها طالِعٌ وحَسِيرُ ومِنهُ: البَصَرُ الحَسِيرُ، وهو الكالُّ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: لا تُمْسِكُ عَنِ النَفَقَةِ فِيما أمَرْتُكَ بِهِ مِنَ الحَقِّ، ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فِيما نَهَيْتُكَ عنهُ. وقالَ قَتادَةُ: التَبْذِيرُ: النَفَقَةُ في مَعْصِيَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَوْ أنْفَقَ إنْسانٌ مالَهُ كُلَّهُ في حَقٍّ لَمْ يَكُنْ تَبْذِيرًا، ولَوْ أنْفَقَ مُدًّا في باطِلٍ كانَ تَبْذِيرًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، ولا يُعْطِي البَسْطُ مَعْنًى لَمْ يُبِحْ فِيما نُهِيَ عنهُ، ولا يُقالُ في المَعْصِيَةِ: (p-٤٦٨)"وَلا تُبَذِّرُ"، وإنَّما يُقالُ: "وَلا تُنْفِقُ ولَوْ بِاقْتِصادٍ وقِوامٍ"، ولِلَّهِ دَرُّ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَإنَّهُما قالا: "التَبْذِيرُ: الإنْفاقُ في غَيْرِ حَقٍّ"، فَهَذِهِ عِبارَةٌ تَعُمُّ المَعْصِيَةَ والسَرَفُ المُباحَ، وإنَّما نَبَّهَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اسْتِفْراغِ الجُهْدِ فِيما يَطْرَأُ أوَّلًا مِن سُؤالِ المُؤْمِنِينَ؛ لِئَلّا يَبْقى مَن يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ لا شَيْءَ لَهُ، ولِئَلّا يُضَيِّعُ المُنْفِقُ عِيالًا، ونَحْوَهُ ومِن كَلامِ الحِكْمَةِ: "ما رَأيْتُ قَطُّ سَرَفًا إلّا ومَعَهُ حَقٌّ مُضَيَّعٌ"، وهَذِهِ مِن آياتٍ فِقْهِ الحالِ، ولا يُبَيِّنُ حُكْمَها إلّا بِاعْتِبارِ شَخْصٍ مِنَ الناسِ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِزْقَ﴾، المَعْنى: كُنْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ عَلى ما رُسِمَ لَكَ مِنَ الِاقْتِصادِ وإنْفاقِ القَوّامِ، ولا يُهِمُّنَّكَ فَقْرَ مَن تَراهُ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ بِمَرْأى مِنَ اللهِ وبِمَسْمَعٍ، وبِمَشِيئَةٍ. و"يَقْدِرُ" مَعْناهُ: يُضَيِّقُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، أيْ: يَعْلَمُ مَصْلَحَةَ قَوْمٍ في الفَقْرِ، ويَعْلَمُ مَصْلَحَةَ آخَرِينَ في الغِنى. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ -وَحَكاهُ الطَبَرِيُّ -: إنَّ الآيَةَ إشارَةٌ إلى حالِ العَرَبِ الَّتِي كانَتْ يُصْلِحُها الفَقْرُ، وكانَتْ إذا شَبِعَتْ طَغَتْ وقَتَلَتْ غَيْرَها وأغارَتْ، وإذا كانَ الجُوعُ والقَحْطُ شَغَلَهم.

الإسراء 17:30

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَياطِينِ وكانَ الشَيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ عنهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "ذِي القُرْبى" فَقالَ الجُمْهُورُ: الآيَةُ وصِيَّةٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ بِصِلَةِ قَرابَتِهِمْ، خُوطِبَ بِذَلِكَ النَبِيُّ ﷺ والمُرادُ الأُمَّةُ. و"الحَقُّ" في هَذِهِ الآيَةِ ما يَتَعَيَّنُ لَهُ مِن صِلَةِ الرَحِمِ، وسَدِّ الخَلَّةِ، والمُواساةُ عِنْدَ الحاجَةِ بِالمالِ والمَعُونَةِ بِكُلِّ وجْهٍ. قالَ بِنَحْوِ هَذا: الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهم. وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ في هَذِهِ: هم قُرابَةُ النَبِيِّ ﷺ، أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإعْطائِهِمْ حُقُوقَهم مِن بَيْتِ المالِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أبْيَنُ، ويُعَضِّدُهُ العَطْفُ بِالمِسْكِينَ وابْنِ السَبِيلِ. و"ابْنُ السَبِيلِ" هُنا يَعُمُّ الغَنِيُّ والفَقِيرُ؛ إذْ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما حَقٌّ وإنِ اخْتَلَفا، و"ابْنُ السَبِيلِ" في آيَةِ الصَدَقَةِ أخَصُّ. و"التَبْذِيرُ": إنْفاقُ المالِ في إفْسادٍ، أو في سَرَفٍ في مُباحٍ، وهو مِنَ البَذْرِ، ويُحْتَمَلُ (p-٤٦٦)قَوْلُهُ تَعالى: "المُبَذِّرِينَ" أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْنِيَ أهْلَ مَكَّةَ مُعَيَّنِينِ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "إخْوانَ" يَعْنِي: أنَّهم في حُكْمِهِمْ؛ إذِ المُبْذِرُ ساعٍ في فَسادٍ، والشَيْطانُ أبَدًا ساعٍ في فَسادٍ، والإخْوانُ: جَمْعُ أخٍ مِن غَيْرِ النَسَبِ، وقَدْ يَشِذُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النُورِ: ﴿أو إخْوانِهِنَّ أو بَنِي إخْوانِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، والإخْوَةُ: جَمْعُ أخٍ في النَسَبِ، وقَدْ يَشِذُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقَرَأ الحَسَنُ، والضَحاكُ: "إخْوانُ الشَيْطانِ" عَلى الإفْرادِ، وكَذَلِكَ ثَبَتَ في مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى كُفْرَ الشَيْطانِ لِيَقَعَ التَحْذِيرُ مِنَ التَشَبُّهِ بِهِ في الإفْسادِ مُسْتَوْعِبًا بَيِّنًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ﴾ الآيَةُ. الضَمِيرُ في "عنهُمُ" عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَساكِينِ وبَنِي السَبِيلِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ -إذا سَألَهُ مِنهم أحَدٌ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ ما يُعْطِيهِ، فَقابَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالإعْراضِ تَأدُّبًا مِنهُ في أنْ لا يَرُدُّهُ تَصْرِيحًا، وانْتِظارًا لِرِزْقٍ مِنَ اللهِ تَعالى يَأْتِي فَيُعْطِي مِنهُ -أنْ يَكُونَ يُؤْنِسُهُ بِالقَوْلِ المَيْسُورِ، وهو الَّذِي فِيهِ التَرْجِيَةُ بِفَضْلِ اللهِ، والتَأْنِيسُ بِالمِيعادِ الحَسَنِ، والدُعاءُ في تَوْسِعَةِ اللهِ تَعالى وعَطائِهِ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانَ يَقُولُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ -إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُعْطِي-: « "يَرْزُقُنا اللهُ وإيّاكم مِن فَضْلِهِ"،» فالرَحْمَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- الرِزْقُ المُنْتَظَرُ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَحْمَةُ: الأجْرُ والثَوابُ، وإنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ كانُوا يَسْألُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَيَأْبى أنْ يُعْطِيَهُمْ، لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ مِنهم نَفَقَةَ المالِ في فَسادٍ، فَكانَ يُعْرِضُ عنهم رَغْبَةَ الأجْرِ في مَنعِهِمْ، لِئَلّا يُعِينُهم عَلى فَسادِهِمْ، فَأمَرَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِأنْ يَقُولَ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا يَتَضَمَّنُ الدُعاءَ في الفَتْحِ لَهم والإصْلاحِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ الأوَّلِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عَمّارِ بْنِ ياسِرِ وصِنْفِهِ، و"المَيْسُورُ" مَفْعُولٌ مِن لَفْظَةِ اليُسْرِ، تَقُولُ: يَسَّرَتْ لَكَ كَذا إذا أعْدَدْتُهُ. (p-٤٦٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ الآيَةُ. رُوِيَ عن قالُونَ: "كَلَّ البُصْطِ" بِالصادِّ، ورَواهُ الأعْشى عن أبِي بَكْرٍ، واسْتُعِيرَ لِلْيَدِ المَقْبُوضَةِ جُمْلَةً عَنِ الإنْفاقِ المُتَّصِفَةِ بِالبُخْلِ الغَلُّ إلى العُنُقِ، واسْتُعِيرَ لِلْيَدِ الَّتِي تَسْتَنْفِدُ جَمِيعَ ما عِنْدَها غايَةَ البَسْطِ، ضِدُّ الغِلِّ، وكُلُّ هَذا في إنْفاقِ الخَيْرِ، وأمّا إنْفاقُ الفَسادِ فَقَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ حَرامٌ. وهَذِهِ الآيَةُ يَنْظُرُ إلَيْها قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَثَلُ البَخِيلِ والمُتَصَدِّقِ.."» الحَدِيثُ بِكَمالِهِ. والمَلامَةُ هُنا لاحِقَةٌ مِمَّنْ يَطْلُبُ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ فَلا يَجِدُ ما يُعْطِي. و"المَسْحُورُ": المُقْعَدُ الَّذِي قَدِ اسْتُنْفِدَتْ قُوَّتُهُ، تَقُولُ: حَسَرْتُ البَعِيرَ إذا أتْعَبْتَهُ حَتّى لَمْ تَبْقَ لَهُ قُوَّةٌ، فَهو حَسِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ لَهُنَّ الوَجا لِمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى السُرى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها طالِعٌ وحَسِيرُ ومِنهُ: البَصَرُ الحَسِيرُ، وهو الكالُّ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: لا تُمْسِكُ عَنِ النَفَقَةِ فِيما أمَرْتُكَ بِهِ مِنَ الحَقِّ، ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فِيما نَهَيْتُكَ عنهُ. وقالَ قَتادَةُ: التَبْذِيرُ: النَفَقَةُ في مَعْصِيَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَوْ أنْفَقَ إنْسانٌ مالَهُ كُلَّهُ في حَقٍّ لَمْ يَكُنْ تَبْذِيرًا، ولَوْ أنْفَقَ مُدًّا في باطِلٍ كانَ تَبْذِيرًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، ولا يُعْطِي البَسْطُ مَعْنًى لَمْ يُبِحْ فِيما نُهِيَ عنهُ، ولا يُقالُ في المَعْصِيَةِ: (p-٤٦٨)"وَلا تُبَذِّرُ"، وإنَّما يُقالُ: "وَلا تُنْفِقُ ولَوْ بِاقْتِصادٍ وقِوامٍ"، ولِلَّهِ دَرُّ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَإنَّهُما قالا: "التَبْذِيرُ: الإنْفاقُ في غَيْرِ حَقٍّ"، فَهَذِهِ عِبارَةٌ تَعُمُّ المَعْصِيَةَ والسَرَفُ المُباحَ، وإنَّما نَبَّهَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اسْتِفْراغِ الجُهْدِ فِيما يَطْرَأُ أوَّلًا مِن سُؤالِ المُؤْمِنِينَ؛ لِئَلّا يَبْقى مَن يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ لا شَيْءَ لَهُ، ولِئَلّا يُضَيِّعُ المُنْفِقُ عِيالًا، ونَحْوَهُ ومِن كَلامِ الحِكْمَةِ: "ما رَأيْتُ قَطُّ سَرَفًا إلّا ومَعَهُ حَقٌّ مُضَيَّعٌ"، وهَذِهِ مِن آياتٍ فِقْهِ الحالِ، ولا يُبَيِّنُ حُكْمَها إلّا بِاعْتِبارِ شَخْصٍ مِنَ الناسِ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِزْقَ﴾، المَعْنى: كُنْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ عَلى ما رُسِمَ لَكَ مِنَ الِاقْتِصادِ وإنْفاقِ القَوّامِ، ولا يُهِمُّنَّكَ فَقْرَ مَن تَراهُ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ بِمَرْأى مِنَ اللهِ وبِمَسْمَعٍ، وبِمَشِيئَةٍ. و"يَقْدِرُ" مَعْناهُ: يُضَيِّقُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، أيْ: يَعْلَمُ مَصْلَحَةَ قَوْمٍ في الفَقْرِ، ويَعْلَمُ مَصْلَحَةَ آخَرِينَ في الغِنى. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ -وَحَكاهُ الطَبَرِيُّ -: إنَّ الآيَةَ إشارَةٌ إلى حالِ العَرَبِ الَّتِي كانَتْ يُصْلِحُها الفَقْرُ، وكانَتْ إذا شَبِعَتْ طَغَتْ وقَتَلَتْ غَيْرَها وأغارَتْ، وإذا كانَ الجُوعُ والقَحْطُ شَغَلَهم.

الإسراء 17:31

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أولادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكم إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا﴾ ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالحَقِّ ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ قَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "وَلا تُقَتِّلُوا" بِتَضْعِيفِ الفِعْلِ. وهَذِهِ الآيَةُ نَهْيٌ عَنِ الوَأْدِ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨]، ويُقالُ: كانَ جَهْلُهم يَبْلُغُ إلى أنْ يُغِزَّ واحِدٌ مِنهم كَلْبَهُ ويَقْتُلَ ولَدَهُ، و"خَشْيَةَ" نَصْبٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، و"الإمْلاقُ": الفَقْرُ وعَدَمُ المالِ، أمْلَقَ الرَجُلُ: لَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا المَلَقاتُ، وهي الحِجارَةُ العِظامُ المُلْسُ السُودُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خِطْئًا" بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الطاءِ، وبِالهَمْزِ والقَصْرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "خَطَأً" بِفَتْحِ (p-٤٦٩)الخاءِ والطاءِ والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وهاتانِ قِراءَتانِ مَأْخُوذَتانِ مِن: خَطِئَ إذا أتى الذَنْبُ عَلى عَمَدٍ، فَهِيَ: كَحِذْرٍ وحَذَرَ ومِثْلٍ ومَثَلَ وشِبْهٍ وشَبَهَ اسْمٌ ومَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ الخِطْءُ فاحِشَةٌ والبَرُّ نافِلَةٌ ∗∗∗ كَعَجْوَةٍ غُرِسَتْ في الأرْضِ تُؤْتَبَرُ قالَ الزَجّاجُ: خُطِئَ الرَجُلُ يَخْطَأُ خِطْئًا، مِثْلُ: أثِمَ يَأْثَمُ إثْمًا، فَهَذا هو المَصْدَرُ، وخَطَأُ اسْمٌ مِنهُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: خَطِئَ مَعْناهُ واقِعُ الذَنْبِ مَعَ التَعَمُّدِ، وأخْطَأ إذا واقَعَةُ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أو أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وقَدْ يَقَعُ هَذا مَوْضِعَ هَذا وهَذا مَوْضِعَ هَذا، فَأخْطَأ بِمَعْنى تَعَمَّدَ في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ عِبادُكَ يُخْطِئُونَ وأنْتَ رَبٌّ ∗∗∗ ∗∗∗ كَرِيمٌ لا يَلِيقُ بِكَ الذُمُومُ وخُطِئَ بِمَعْنى لَمْ يَتَعَمَّدْ في قَوْلِ الآخَرِ: ؎ والناسُ يَلْحَوْنَ الأمِيرَ إذا هُمُ ∗∗∗ ∗∗∗ خَطِئُوا الصَوابَ ولا يُلامُ المُرْشِدُ (p-٤٧٠)وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "خَطْأ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ الطاءِ وهَمْزِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "خِطاءً" بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ الطاءِ ومَدِّ الهَمْزَةِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ بِخِلافٍ- وطَلْحَةَ، وشِبْلٍ، والأعْمَشِ، وعِيسى، وخالِدِ بْنِ إلْياسٍ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ بِخِلافٍ-، قالَ النَحاسُ: ولا أعْرِفُ لِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهًا، وكَذَلِكَ جَعَلَها أبُو حاتِمٍ غَلَطًا، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هي مَصْدَرٌ مِن خاطَأ يُخاطِئُ وإنْ كُنّا لَمْ نَجِدْ خاطَأ، ولَكِنْ وجَدْنا تَخاطَأ، وهو مُطاوِعُ خاطَأ، فَدَلَّنا عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تَخَطَأتِ النَبْلُ أحْشاءَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وأخَّرَ يَوْمِي فَلَمْ أعْجَلِ وقَوْلُ الآخَرِ في صِفَةِ كَمْأةٍ: ؎ تَخاطَأهُ القَنّاصُ حَتّى وجَدْتُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وخُرْطُومُهُ في مِنقَعِ الماءِ راسِبُ فَكَأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ أولادَهم يُخاطِئُونَ الحَقَّ والعَدْلَ. وقَرَأ الحَسَنُ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "خَطاءً" بِفَتْحِ الخاءِ والطاءِ والمَدِّ في الهَمْزَةِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يُعْرَفُ هَذا (p-٤٧١)فِي اللُغَةِ، وهو غَلَطٌ غَيْرُ جائِزٍ، ولَيْسَ كَما قالَ أبُو حاتِمٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: الخَطّاءُ مِن "أخْطَأتْ" بِمَنزِلَةِ العَطاءِ مِن "أعْطَيْتُ"، هو اسْمٌ بِمَعْنى المَصْدَرِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ-: "خَطَأ" بِفَتْحِ الخاءِ والطاءِ مُنَوَّنَةً مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والزَهْرِيُّ: "خِطًا" بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ الطاءِ كالَّتِي قَبْلَها، وهاتانِ مُخَفَّفَتانِ مِن: خَطَأً وخِطَأٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِنا﴾ تَحْرِيمٌ، والزَنِي يُمَدُّ ويُقْصَرُ، فَمِن قِصْرِهِ الآيَةُ، وهي لُغَةُ جَمِيعِ كِتابِ اللهِ، ومِن مَدِّهِ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: ؎ أبا حازِمٍ مَن يَزِنُ يُعْرَفْ زِناؤُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ ومَن يَشْرَبُ الخُرْطُومَ يُصْبَحُ مُسَكَّرا ويُرْوى: أبا خالِدٍ، و"الفاحِشَةُ": ما يَسْتَتِرُ بِهِ مِنَ المَعاصِي لِقُبْحِهِ. و"سَبِيلًا" نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ، التَقْدِيرُ: وساءَ سَبِيلُهُ سَبِيلًا، أيْ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى النارِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا﴾ وما تَقَدَّمَ قَبْلَهُ مِنَ الأفْعالِ جَزْمٌ بِالنَهْيِ. وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّها عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، والأوَّلُ أصْوَبُ وأبْرَعُ لِلْمَعْنى. والألِفُ واللامُ الَّتِي في "النَفْسَ" هي لِلْجِنْسِ، و"الحَقُّ" الَّذِي تُقْتَلُ بِهِ النَفْسُ هو ما فَسَّرَهُ النَبِيُّ ﷺ في قَوْلِهِ: « "لا يُحِلُّ دَمَ المُسْلِمِ إلّا إحْدى ثَلاثِ خِصالٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، أو زِنى بَعْدَ إحْصانٍ، أو قَتْلُ نَفْسٍ أُخْرى".» (p-٢٧٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَتَّصِلُ بِها أشْياءٌ هي راجِعَةٌ إلَيْها، فَمِنها قَطْعُ الطَرِيقِ لِأنَّهُ في مَعْنى قَتْلِ النَفْسِ، وهي الحِرابَةُ، ومِن ذَلِكَ الزَنْدَقَةُ، ومَسْألَةُ تَرْكِ الصَلاةِ لِأنَّها في مَعْنى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، ومِنهُ قَتْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَنَعَةَ الزَكاةِ، وقَتْلُ مَنِ امْتَنَعَ في المُدُنِ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مَظْلُومًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، ومَعْناهُ: بِغَيْرِ هَذِهِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ. و"الوَلِيُّ: القائِمُ بِالدَمِ وهو مَن ولَدَ المَيِّتَ، أو ولَدَهُ المَيِّتُ، أو جَمَعَهُ وإيّاهُ أبٌ، ولا مَدْخَلَ لِلنِّساءِ في وِلايَةِ الدَمِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، ولَهُنَّ ذَلِكَ عِنْدَ أخِرَيْنِ. و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ والمُلْكُ الَّذِي جَعَلَ إلَيْهِ مِنَ التَخْيِيرِ في قَبُولِ الدِيَةِ أوِ العَفْوِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحًّاكُ. وقالَ قَتادَةُ: "السُلْطانُ": القَوْدُ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ: "فَلا يُسْرِفُ" بِالياءِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيِ الوَلِيِّ، لا يَتَعَدّى أمْرَ اللهِ، والتَعَدِّي هو أنْ يَقْتُلَ غَيْرَ قاتِلٍ ولَيِّهِ مِن سائِرِ القَبِيلَةِ، أو يَقْتُلُ اثْنَيْنِ بِواحِدٍ، وغَيْرِ وذَلِكَ مِن وُجُوهِ التَعَدِّي، وهَذا كُلُّهُ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، فَلِذَلِكَ وقَعَ التَحْذِيرُ مِنهُ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "إنَّ مِن أعْتى الناسِ عَلى اللهِ ثَلاثَةٌ: رَجُلُ قُتِلَ غَيْرَ قاتِلٍ ولَيِّهِ، أو قُتِلَ بِدَحَنِ الجاهِلِيَّةِ، أو قُتِلَ في حَرَمِ اللهِ"،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ القاتِلُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ، والمَعْنى: فَلا يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُسْرِفِينَ بِأنْ يَقْتُلَ نَفْسًا، فَإنَّهُ يَحْصُلُ في سِياقِ هَذا الحُكْمِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فَلا تُسْرِفُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ حُذَيْفَةَ، ويَحْيى بْنِ وثّابٍ، ومُجاهِدٍ -بِخِلافٍ والأعْمَشِ، وجَماعَةٍ. قالَ الطَبَرِيُّ: عَلى مَعْنى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ ولِأُمَتِهِ بَعْدَهُ، أيْ: فَلا تَقْتُلُوا غَيْرَ القاتِلِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ الوَلِيُّ، أيْ: فَلا تُسْرِفُ أيُّها الوَلِيُّ في قَتْلِ أحَدٍ مُتَحَصِّلٍ في هَذا (p-٤٧٣)الحُكْمُ. وقَرَأ أبُو مُسْلِمٍ السَرّاجُ صاحِبُ الدَعْوَةِ العَبّاسِيَّةِ: "فَلا يُسْرِفُ" بِضَمِّ الفاءِ، عَلى مَعْنى الخَبَرِ لا عَلى مَعْنى النَهْيِ. والمُرادُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ- الوَلِيُّ فَقَطْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي الِاحْتِجاجِ بِأبِي مُسْلِمٍ في القِراءَةِ نَظَرٌ. وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "فَلا تُسْرِفُوا في القَتْلِ إنَّ ولِيَ المَقْتُولِ كانَ مَنصُورًا". والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إنَّهُ" عائِدٌ عَلى الوَلِيِّ، وقِيلَ: عَلى المَقْتُولِ، وهو عِنْدِي أرْجَحُ الأقْوالِ؛ لِأنَّهُ المَظْلُومُ، ولَفْظَةُ النَصْرِ تُقابِلُ أبَدًا الظُلْمَ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "وَنَصْرُ المَظْلُومِ وإبْرارُ القَسَمِ"،» وكَقَوْلِهِ ﷺ: « "انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أو مَظْلُومًا"،» إلى كَثِيرٍ مِنَ الأمْثِلَةِ. وقِيلَ: عَلى القَتْلِ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: عَلى القاتِلِ؛ لِأنَّهُ إذا قُتِلَ في الدُنْيا وخَلَصَ بِذَلِكَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ فَقَدْ نُصِرَ. (p-٤٧٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ بَعِيدُ المَقْصِدِ. وقالَ الضَحّاكُ: هَذِهِ أوَّلُ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ بِشَأْنِ القَتْلِ، وهي مَكِّيَّةٌ.

الإسراء 17:32

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أولادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكم إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا﴾ ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالحَقِّ ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ قَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "وَلا تُقَتِّلُوا" بِتَضْعِيفِ الفِعْلِ. وهَذِهِ الآيَةُ نَهْيٌ عَنِ الوَأْدِ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨]، ويُقالُ: كانَ جَهْلُهم يَبْلُغُ إلى أنْ يُغِزَّ واحِدٌ مِنهم كَلْبَهُ ويَقْتُلَ ولَدَهُ، و"خَشْيَةَ" نَصْبٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، و"الإمْلاقُ": الفَقْرُ وعَدَمُ المالِ، أمْلَقَ الرَجُلُ: لَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا المَلَقاتُ، وهي الحِجارَةُ العِظامُ المُلْسُ السُودُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خِطْئًا" بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الطاءِ، وبِالهَمْزِ والقَصْرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "خَطَأً" بِفَتْحِ (p-٤٦٩)الخاءِ والطاءِ والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وهاتانِ قِراءَتانِ مَأْخُوذَتانِ مِن: خَطِئَ إذا أتى الذَنْبُ عَلى عَمَدٍ، فَهِيَ: كَحِذْرٍ وحَذَرَ ومِثْلٍ ومَثَلَ وشِبْهٍ وشَبَهَ اسْمٌ ومَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ الخِطْءُ فاحِشَةٌ والبَرُّ نافِلَةٌ ∗∗∗ كَعَجْوَةٍ غُرِسَتْ في الأرْضِ تُؤْتَبَرُ قالَ الزَجّاجُ: خُطِئَ الرَجُلُ يَخْطَأُ خِطْئًا، مِثْلُ: أثِمَ يَأْثَمُ إثْمًا، فَهَذا هو المَصْدَرُ، وخَطَأُ اسْمٌ مِنهُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: خَطِئَ مَعْناهُ واقِعُ الذَنْبِ مَعَ التَعَمُّدِ، وأخْطَأ إذا واقَعَةُ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أو أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وقَدْ يَقَعُ هَذا مَوْضِعَ هَذا وهَذا مَوْضِعَ هَذا، فَأخْطَأ بِمَعْنى تَعَمَّدَ في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ عِبادُكَ يُخْطِئُونَ وأنْتَ رَبٌّ ∗∗∗ ∗∗∗ كَرِيمٌ لا يَلِيقُ بِكَ الذُمُومُ وخُطِئَ بِمَعْنى لَمْ يَتَعَمَّدْ في قَوْلِ الآخَرِ: ؎ والناسُ يَلْحَوْنَ الأمِيرَ إذا هُمُ ∗∗∗ ∗∗∗ خَطِئُوا الصَوابَ ولا يُلامُ المُرْشِدُ (p-٤٧٠)وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "خَطْأ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ الطاءِ وهَمْزِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "خِطاءً" بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ الطاءِ ومَدِّ الهَمْزَةِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ بِخِلافٍ- وطَلْحَةَ، وشِبْلٍ، والأعْمَشِ، وعِيسى، وخالِدِ بْنِ إلْياسٍ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ بِخِلافٍ-، قالَ النَحاسُ: ولا أعْرِفُ لِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهًا، وكَذَلِكَ جَعَلَها أبُو حاتِمٍ غَلَطًا، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هي مَصْدَرٌ مِن خاطَأ يُخاطِئُ وإنْ كُنّا لَمْ نَجِدْ خاطَأ، ولَكِنْ وجَدْنا تَخاطَأ، وهو مُطاوِعُ خاطَأ، فَدَلَّنا عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تَخَطَأتِ النَبْلُ أحْشاءَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وأخَّرَ يَوْمِي فَلَمْ أعْجَلِ وقَوْلُ الآخَرِ في صِفَةِ كَمْأةٍ: ؎ تَخاطَأهُ القَنّاصُ حَتّى وجَدْتُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وخُرْطُومُهُ في مِنقَعِ الماءِ راسِبُ فَكَأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ أولادَهم يُخاطِئُونَ الحَقَّ والعَدْلَ. وقَرَأ الحَسَنُ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "خَطاءً" بِفَتْحِ الخاءِ والطاءِ والمَدِّ في الهَمْزَةِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يُعْرَفُ هَذا (p-٤٧١)فِي اللُغَةِ، وهو غَلَطٌ غَيْرُ جائِزٍ، ولَيْسَ كَما قالَ أبُو حاتِمٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: الخَطّاءُ مِن "أخْطَأتْ" بِمَنزِلَةِ العَطاءِ مِن "أعْطَيْتُ"، هو اسْمٌ بِمَعْنى المَصْدَرِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ-: "خَطَأ" بِفَتْحِ الخاءِ والطاءِ مُنَوَّنَةً مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والزَهْرِيُّ: "خِطًا" بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ الطاءِ كالَّتِي قَبْلَها، وهاتانِ مُخَفَّفَتانِ مِن: خَطَأً وخِطَأٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِنا﴾ تَحْرِيمٌ، والزَنِي يُمَدُّ ويُقْصَرُ، فَمِن قِصْرِهِ الآيَةُ، وهي لُغَةُ جَمِيعِ كِتابِ اللهِ، ومِن مَدِّهِ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: ؎ أبا حازِمٍ مَن يَزِنُ يُعْرَفْ زِناؤُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ ومَن يَشْرَبُ الخُرْطُومَ يُصْبَحُ مُسَكَّرا ويُرْوى: أبا خالِدٍ، و"الفاحِشَةُ": ما يَسْتَتِرُ بِهِ مِنَ المَعاصِي لِقُبْحِهِ. و"سَبِيلًا" نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ، التَقْدِيرُ: وساءَ سَبِيلُهُ سَبِيلًا، أيْ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى النارِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا﴾ وما تَقَدَّمَ قَبْلَهُ مِنَ الأفْعالِ جَزْمٌ بِالنَهْيِ. وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّها عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، والأوَّلُ أصْوَبُ وأبْرَعُ لِلْمَعْنى. والألِفُ واللامُ الَّتِي في "النَفْسَ" هي لِلْجِنْسِ، و"الحَقُّ" الَّذِي تُقْتَلُ بِهِ النَفْسُ هو ما فَسَّرَهُ النَبِيُّ ﷺ في قَوْلِهِ: « "لا يُحِلُّ دَمَ المُسْلِمِ إلّا إحْدى ثَلاثِ خِصالٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، أو زِنى بَعْدَ إحْصانٍ، أو قَتْلُ نَفْسٍ أُخْرى".» (p-٢٧٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَتَّصِلُ بِها أشْياءٌ هي راجِعَةٌ إلَيْها، فَمِنها قَطْعُ الطَرِيقِ لِأنَّهُ في مَعْنى قَتْلِ النَفْسِ، وهي الحِرابَةُ، ومِن ذَلِكَ الزَنْدَقَةُ، ومَسْألَةُ تَرْكِ الصَلاةِ لِأنَّها في مَعْنى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، ومِنهُ قَتْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَنَعَةَ الزَكاةِ، وقَتْلُ مَنِ امْتَنَعَ في المُدُنِ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مَظْلُومًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، ومَعْناهُ: بِغَيْرِ هَذِهِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ. و"الوَلِيُّ: القائِمُ بِالدَمِ وهو مَن ولَدَ المَيِّتَ، أو ولَدَهُ المَيِّتُ، أو جَمَعَهُ وإيّاهُ أبٌ، ولا مَدْخَلَ لِلنِّساءِ في وِلايَةِ الدَمِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، ولَهُنَّ ذَلِكَ عِنْدَ أخِرَيْنِ. و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ والمُلْكُ الَّذِي جَعَلَ إلَيْهِ مِنَ التَخْيِيرِ في قَبُولِ الدِيَةِ أوِ العَفْوِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحًّاكُ. وقالَ قَتادَةُ: "السُلْطانُ": القَوْدُ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ: "فَلا يُسْرِفُ" بِالياءِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيِ الوَلِيِّ، لا يَتَعَدّى أمْرَ اللهِ، والتَعَدِّي هو أنْ يَقْتُلَ غَيْرَ قاتِلٍ ولَيِّهِ مِن سائِرِ القَبِيلَةِ، أو يَقْتُلُ اثْنَيْنِ بِواحِدٍ، وغَيْرِ وذَلِكَ مِن وُجُوهِ التَعَدِّي، وهَذا كُلُّهُ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، فَلِذَلِكَ وقَعَ التَحْذِيرُ مِنهُ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "إنَّ مِن أعْتى الناسِ عَلى اللهِ ثَلاثَةٌ: رَجُلُ قُتِلَ غَيْرَ قاتِلٍ ولَيِّهِ، أو قُتِلَ بِدَحَنِ الجاهِلِيَّةِ، أو قُتِلَ في حَرَمِ اللهِ"،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ القاتِلُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ، والمَعْنى: فَلا يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُسْرِفِينَ بِأنْ يَقْتُلَ نَفْسًا، فَإنَّهُ يَحْصُلُ في سِياقِ هَذا الحُكْمِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فَلا تُسْرِفُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ حُذَيْفَةَ، ويَحْيى بْنِ وثّابٍ، ومُجاهِدٍ -بِخِلافٍ والأعْمَشِ، وجَماعَةٍ. قالَ الطَبَرِيُّ: عَلى مَعْنى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ ولِأُمَتِهِ بَعْدَهُ، أيْ: فَلا تَقْتُلُوا غَيْرَ القاتِلِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ الوَلِيُّ، أيْ: فَلا تُسْرِفُ أيُّها الوَلِيُّ في قَتْلِ أحَدٍ مُتَحَصِّلٍ في هَذا (p-٤٧٣)الحُكْمُ. وقَرَأ أبُو مُسْلِمٍ السَرّاجُ صاحِبُ الدَعْوَةِ العَبّاسِيَّةِ: "فَلا يُسْرِفُ" بِضَمِّ الفاءِ، عَلى مَعْنى الخَبَرِ لا عَلى مَعْنى النَهْيِ. والمُرادُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ- الوَلِيُّ فَقَطْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي الِاحْتِجاجِ بِأبِي مُسْلِمٍ في القِراءَةِ نَظَرٌ. وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "فَلا تُسْرِفُوا في القَتْلِ إنَّ ولِيَ المَقْتُولِ كانَ مَنصُورًا". والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إنَّهُ" عائِدٌ عَلى الوَلِيِّ، وقِيلَ: عَلى المَقْتُولِ، وهو عِنْدِي أرْجَحُ الأقْوالِ؛ لِأنَّهُ المَظْلُومُ، ولَفْظَةُ النَصْرِ تُقابِلُ أبَدًا الظُلْمَ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "وَنَصْرُ المَظْلُومِ وإبْرارُ القَسَمِ"،» وكَقَوْلِهِ ﷺ: « "انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أو مَظْلُومًا"،» إلى كَثِيرٍ مِنَ الأمْثِلَةِ. وقِيلَ: عَلى القَتْلِ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: عَلى القاتِلِ؛ لِأنَّهُ إذا قُتِلَ في الدُنْيا وخَلَصَ بِذَلِكَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ فَقَدْ نُصِرَ. (p-٤٧٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ بَعِيدُ المَقْصِدِ. وقالَ الضَحّاكُ: هَذِهِ أوَّلُ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ بِشَأْنِ القَتْلِ، وهي مَكِّيَّةٌ.

الإسراء 17:33

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أولادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكم إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا﴾ ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالحَقِّ ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ قَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "وَلا تُقَتِّلُوا" بِتَضْعِيفِ الفِعْلِ. وهَذِهِ الآيَةُ نَهْيٌ عَنِ الوَأْدِ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨]، ويُقالُ: كانَ جَهْلُهم يَبْلُغُ إلى أنْ يُغِزَّ واحِدٌ مِنهم كَلْبَهُ ويَقْتُلَ ولَدَهُ، و"خَشْيَةَ" نَصْبٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، و"الإمْلاقُ": الفَقْرُ وعَدَمُ المالِ، أمْلَقَ الرَجُلُ: لَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا المَلَقاتُ، وهي الحِجارَةُ العِظامُ المُلْسُ السُودُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خِطْئًا" بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الطاءِ، وبِالهَمْزِ والقَصْرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "خَطَأً" بِفَتْحِ (p-٤٦٩)الخاءِ والطاءِ والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وهاتانِ قِراءَتانِ مَأْخُوذَتانِ مِن: خَطِئَ إذا أتى الذَنْبُ عَلى عَمَدٍ، فَهِيَ: كَحِذْرٍ وحَذَرَ ومِثْلٍ ومَثَلَ وشِبْهٍ وشَبَهَ اسْمٌ ومَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ الخِطْءُ فاحِشَةٌ والبَرُّ نافِلَةٌ ∗∗∗ كَعَجْوَةٍ غُرِسَتْ في الأرْضِ تُؤْتَبَرُ قالَ الزَجّاجُ: خُطِئَ الرَجُلُ يَخْطَأُ خِطْئًا، مِثْلُ: أثِمَ يَأْثَمُ إثْمًا، فَهَذا هو المَصْدَرُ، وخَطَأُ اسْمٌ مِنهُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: خَطِئَ مَعْناهُ واقِعُ الذَنْبِ مَعَ التَعَمُّدِ، وأخْطَأ إذا واقَعَةُ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أو أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وقَدْ يَقَعُ هَذا مَوْضِعَ هَذا وهَذا مَوْضِعَ هَذا، فَأخْطَأ بِمَعْنى تَعَمَّدَ في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ عِبادُكَ يُخْطِئُونَ وأنْتَ رَبٌّ ∗∗∗ ∗∗∗ كَرِيمٌ لا يَلِيقُ بِكَ الذُمُومُ وخُطِئَ بِمَعْنى لَمْ يَتَعَمَّدْ في قَوْلِ الآخَرِ: ؎ والناسُ يَلْحَوْنَ الأمِيرَ إذا هُمُ ∗∗∗ ∗∗∗ خَطِئُوا الصَوابَ ولا يُلامُ المُرْشِدُ (p-٤٧٠)وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "خَطْأ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ الطاءِ وهَمْزِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "خِطاءً" بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ الطاءِ ومَدِّ الهَمْزَةِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ بِخِلافٍ- وطَلْحَةَ، وشِبْلٍ، والأعْمَشِ، وعِيسى، وخالِدِ بْنِ إلْياسٍ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ بِخِلافٍ-، قالَ النَحاسُ: ولا أعْرِفُ لِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهًا، وكَذَلِكَ جَعَلَها أبُو حاتِمٍ غَلَطًا، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هي مَصْدَرٌ مِن خاطَأ يُخاطِئُ وإنْ كُنّا لَمْ نَجِدْ خاطَأ، ولَكِنْ وجَدْنا تَخاطَأ، وهو مُطاوِعُ خاطَأ، فَدَلَّنا عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تَخَطَأتِ النَبْلُ أحْشاءَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وأخَّرَ يَوْمِي فَلَمْ أعْجَلِ وقَوْلُ الآخَرِ في صِفَةِ كَمْأةٍ: ؎ تَخاطَأهُ القَنّاصُ حَتّى وجَدْتُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وخُرْطُومُهُ في مِنقَعِ الماءِ راسِبُ فَكَأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ أولادَهم يُخاطِئُونَ الحَقَّ والعَدْلَ. وقَرَأ الحَسَنُ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "خَطاءً" بِفَتْحِ الخاءِ والطاءِ والمَدِّ في الهَمْزَةِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يُعْرَفُ هَذا (p-٤٧١)فِي اللُغَةِ، وهو غَلَطٌ غَيْرُ جائِزٍ، ولَيْسَ كَما قالَ أبُو حاتِمٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: الخَطّاءُ مِن "أخْطَأتْ" بِمَنزِلَةِ العَطاءِ مِن "أعْطَيْتُ"، هو اسْمٌ بِمَعْنى المَصْدَرِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ-: "خَطَأ" بِفَتْحِ الخاءِ والطاءِ مُنَوَّنَةً مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والزَهْرِيُّ: "خِطًا" بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ الطاءِ كالَّتِي قَبْلَها، وهاتانِ مُخَفَّفَتانِ مِن: خَطَأً وخِطَأٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِنا﴾ تَحْرِيمٌ، والزَنِي يُمَدُّ ويُقْصَرُ، فَمِن قِصْرِهِ الآيَةُ، وهي لُغَةُ جَمِيعِ كِتابِ اللهِ، ومِن مَدِّهِ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: ؎ أبا حازِمٍ مَن يَزِنُ يُعْرَفْ زِناؤُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ ومَن يَشْرَبُ الخُرْطُومَ يُصْبَحُ مُسَكَّرا ويُرْوى: أبا خالِدٍ، و"الفاحِشَةُ": ما يَسْتَتِرُ بِهِ مِنَ المَعاصِي لِقُبْحِهِ. و"سَبِيلًا" نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ، التَقْدِيرُ: وساءَ سَبِيلُهُ سَبِيلًا، أيْ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى النارِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا﴾ وما تَقَدَّمَ قَبْلَهُ مِنَ الأفْعالِ جَزْمٌ بِالنَهْيِ. وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّها عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، والأوَّلُ أصْوَبُ وأبْرَعُ لِلْمَعْنى. والألِفُ واللامُ الَّتِي في "النَفْسَ" هي لِلْجِنْسِ، و"الحَقُّ" الَّذِي تُقْتَلُ بِهِ النَفْسُ هو ما فَسَّرَهُ النَبِيُّ ﷺ في قَوْلِهِ: « "لا يُحِلُّ دَمَ المُسْلِمِ إلّا إحْدى ثَلاثِ خِصالٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، أو زِنى بَعْدَ إحْصانٍ، أو قَتْلُ نَفْسٍ أُخْرى".» (p-٢٧٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَتَّصِلُ بِها أشْياءٌ هي راجِعَةٌ إلَيْها، فَمِنها قَطْعُ الطَرِيقِ لِأنَّهُ في مَعْنى قَتْلِ النَفْسِ، وهي الحِرابَةُ، ومِن ذَلِكَ الزَنْدَقَةُ، ومَسْألَةُ تَرْكِ الصَلاةِ لِأنَّها في مَعْنى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، ومِنهُ قَتْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَنَعَةَ الزَكاةِ، وقَتْلُ مَنِ امْتَنَعَ في المُدُنِ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مَظْلُومًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، ومَعْناهُ: بِغَيْرِ هَذِهِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ. و"الوَلِيُّ: القائِمُ بِالدَمِ وهو مَن ولَدَ المَيِّتَ، أو ولَدَهُ المَيِّتُ، أو جَمَعَهُ وإيّاهُ أبٌ، ولا مَدْخَلَ لِلنِّساءِ في وِلايَةِ الدَمِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، ولَهُنَّ ذَلِكَ عِنْدَ أخِرَيْنِ. و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ والمُلْكُ الَّذِي جَعَلَ إلَيْهِ مِنَ التَخْيِيرِ في قَبُولِ الدِيَةِ أوِ العَفْوِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحًّاكُ. وقالَ قَتادَةُ: "السُلْطانُ": القَوْدُ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ: "فَلا يُسْرِفُ" بِالياءِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيِ الوَلِيِّ، لا يَتَعَدّى أمْرَ اللهِ، والتَعَدِّي هو أنْ يَقْتُلَ غَيْرَ قاتِلٍ ولَيِّهِ مِن سائِرِ القَبِيلَةِ، أو يَقْتُلُ اثْنَيْنِ بِواحِدٍ، وغَيْرِ وذَلِكَ مِن وُجُوهِ التَعَدِّي، وهَذا كُلُّهُ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، فَلِذَلِكَ وقَعَ التَحْذِيرُ مِنهُ، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "إنَّ مِن أعْتى الناسِ عَلى اللهِ ثَلاثَةٌ: رَجُلُ قُتِلَ غَيْرَ قاتِلٍ ولَيِّهِ، أو قُتِلَ بِدَحَنِ الجاهِلِيَّةِ، أو قُتِلَ في حَرَمِ اللهِ"،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ القاتِلُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ، والمَعْنى: فَلا يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُسْرِفِينَ بِأنْ يَقْتُلَ نَفْسًا، فَإنَّهُ يَحْصُلُ في سِياقِ هَذا الحُكْمِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فَلا تُسْرِفُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ حُذَيْفَةَ، ويَحْيى بْنِ وثّابٍ، ومُجاهِدٍ -بِخِلافٍ والأعْمَشِ، وجَماعَةٍ. قالَ الطَبَرِيُّ: عَلى مَعْنى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ ولِأُمَتِهِ بَعْدَهُ، أيْ: فَلا تَقْتُلُوا غَيْرَ القاتِلِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ الوَلِيُّ، أيْ: فَلا تُسْرِفُ أيُّها الوَلِيُّ في قَتْلِ أحَدٍ مُتَحَصِّلٍ في هَذا (p-٤٧٣)الحُكْمُ. وقَرَأ أبُو مُسْلِمٍ السَرّاجُ صاحِبُ الدَعْوَةِ العَبّاسِيَّةِ: "فَلا يُسْرِفُ" بِضَمِّ الفاءِ، عَلى مَعْنى الخَبَرِ لا عَلى مَعْنى النَهْيِ. والمُرادُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ- الوَلِيُّ فَقَطْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي الِاحْتِجاجِ بِأبِي مُسْلِمٍ في القِراءَةِ نَظَرٌ. وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "فَلا تُسْرِفُوا في القَتْلِ إنَّ ولِيَ المَقْتُولِ كانَ مَنصُورًا". والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إنَّهُ" عائِدٌ عَلى الوَلِيِّ، وقِيلَ: عَلى المَقْتُولِ، وهو عِنْدِي أرْجَحُ الأقْوالِ؛ لِأنَّهُ المَظْلُومُ، ولَفْظَةُ النَصْرِ تُقابِلُ أبَدًا الظُلْمَ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "وَنَصْرُ المَظْلُومِ وإبْرارُ القَسَمِ"،» وكَقَوْلِهِ ﷺ: « "انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أو مَظْلُومًا"،» إلى كَثِيرٍ مِنَ الأمْثِلَةِ. وقِيلَ: عَلى القَتْلِ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: عَلى القاتِلِ؛ لِأنَّهُ إذا قُتِلَ في الدُنْيا وخَلَصَ بِذَلِكَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ فَقَدْ نُصِرَ. (p-٤٧٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ بَعِيدُ المَقْصِدِ. وقالَ الضَحّاكُ: هَذِهِ أوَّلُ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ بِشَأْنِ القَتْلِ، وهي مَكِّيَّةٌ.

الإسراء 17:34

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ ﴿وَأوفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عنهُ مَسْؤُولا﴾ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْأوصِياءِ الَّذِينَ هم مُعَدُّونَ لِقُرْبِ مالِ اليَتِيمِ، ثُمَّ هي لِمَن تَلَبَّسَ بِشَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ مِن غَيْرِ وصِيٍّ، و"اليَتِيمُ": الفَرْدُ مِنَ الأبْناءِ، واليُتْمُ: الِانْفِرادُ، يُقالُ: يَتَمَ الصَبِيُّ يَيْتَمُ إذا فَقَدَ أباهُ. قالَ ابْنُ السِكِّيتِ: اليُتْمُ في البَشَرِ مِن قِبَلِ الأبِ، وفي البَهائِمِ مِن قِبَلِ الأُمِّ. وفي كِتابِ الماوَرْدِي: أنَّ اليُتْمَ في البَشَرِ مِن قِبَلِ الأُمِّ أيْضًا، وجَمْعُ اليَتِيمِ أيْتامٌ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، وشَهِيدٍ وأشْهادٍ، ويُجْمَعُ يَتامى كَأسِيرٍ وأسارى، كَأنَّها في الأُمُورِ المَكْرُوهَةِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى المَرْءِ غَلَبَةً،. قالَ ابْنُ سِيدَهْ: وحَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ "يَتْمانِ" في "يَتِيمٍ"، وأنْشَدَ في ذَلِكَ. ؎ فَبِتُّ أُشَوِّي صِبْيَتِي وحَلِيلَتِي ∗∗∗ طَرِيًّا وجَرْوُ الذِئْبِ يَتْمانُ جائِعُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَتامى"جَمْعُ "يَتْمانِ". وفي الحَدِيثِ: « "لا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ يُرِيدُ: إلّا بِأحْسَنِ الحالاتِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ في الوَصِيِّ الغَنِيِّ، أنْ يُثَمِّرَ المالَ ويُحَوِّطَهُ، ولا يَحْبِسُ مِنهُ شَيْئًا عَلى جِهَةِ الِانْتِفاعِ بِهِ. هَذا هو الوَرَعُ، والأولى ألّا أنْ يَكُونَ يَشْتَغِلُ في مالِ اليَتِيمِ ويَشِحُّ عَلَيْهِ، فالفِقْهُ أنْ تَفْرِضَ لَهُ أُجْرَةً. وأمّا الوَصِيُّ الفَقِيرُ الَّذِي يَشْغَلُهُ مالُ اليَتِيمِ عن مَعاشِهِ، فاخْتَلَفَ (p-٤٧٥)الناسُ في أكْلِهِ مِنهُ بِالمَعْرُوفِ، كَيْفَ هُوَ؟ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَتَسَلَّفُ مِنهُ، فَإذا أيْسَرَ رَدَّ فِيهِ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لا يَشْرَبُ الماءَ مِن مالِ اليَتِيمِ، قِيلَ: فَما مَعْنى: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] ؟ قالَ: إنَّما ذَلِكَ لِخِدْمَتِهِ وغَسْلِ ثَوْبِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْرَبُ إلّا بِتِجارَةٍ ولا يَسْتَقْرِضُ مِنهُ، قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] مِن مالِ نَفْسِهِ. وقالَ أبُو يُوسُفَ: لَعَلَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَأْكُلُ مِنهُ الشَرْبَةَ مِنَ اللَبَنِ، والطُرْفَةَ مِنَ الفاكِهَةِ، ونَحْوَ هَذا مِمّا يَخْدِمُهُ، ويَلُوطُ الحَوْضَ، ويَجِدُّ النَخْلَ، ويَنْشُدُ الضالَّةَ، فَيَأْكُلُ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ، ولا ناهِكَ في الحَلْبِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: يَأْكُلُ مِنهُ بِأطْرافِ أصابِعِهِ بُلْغَةً مِنَ العَيْشِ بِتَعَبِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِلتَّقَلُّلِ، وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وغَيْرُهُ: يَأْخُذُ مِنهُ أُجْرَةً بِقَدْرِ تَعَبِهِ، فَهَذِهِ كُلُّها تَدْخُلُ فِيما هو أحْسَنُ. وكَمالُ تَفْسِيرِ هَذِهِ المَعانِي في سُورَةِ النِساءِ بِحَسَبِ ألْفاظِ تِلْكَ الآياتِ، وفي الخَبَرِ عن قَتادَةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لِما نَزَلَتْ شَقَّتْ عَلى المُسْلِمِينَ، وتَجَنَّبُوا الأكْلَ مَعَهم في صَحِيفَةٍ، فَنَزَلَتْ ﴿وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ غايَةَ الإمْساكِ عن مالِ اليَتِيمِ، ثُمَّ ما بَعْدَ الغايَةِ قَدْ سَنَّتْهُ (p-٤٧٦)آيَةٌ أُخْرى، وما بَعْدُ هَذِهِ الغاياتِ أبَدًا مَوْقُوفٌ حَتّى يَقُومَ فِيهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، أو يَقْتَضِيَ ذَلِكَ الإنْصافَ في النازِلَةِ، ومِثْلُ هَذا «قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "أنا فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدِي، وبَعَثْتُ بِها، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ أحُلَّهُ اللهُ لَهُ حَتّى نَحَرَ الهَدْيَ".» و"الأشُدَّ": جَمْعُ (شَدَّ) عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ومَعْناهُ: قُواهُ في العَقْلِ والتَجْرِبَةِ والنَظَرِ لِنَفْسِهِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ البُلُوغِ، فالأشُدَّ في مَذْهَبِ مالِكٍ إقْرانُ البُلُوغِ بِالِاحْتِلامِ أو ما يَقُومُ مَقامَهُ حَسَبَ الخِلافِ في ذَلِكَ، والرُشْدُ في المالِ. واخْتُلِفَ، هَلْ مِن شُرُوطِ ذَلِكَ الرُشْدِ في الدِينِ عَلى قَوْلَيْنِ: فابْنُ القاسِمِ لا يُراعِيهِ إذا كانَ ضابِطًا لِمالِهِ، وراعاهُ غَيْرُهُ مِن بَعْضِ أصْحابِ مالِكٍ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ الأشُدَّ هو البُلُوغُ فَقَطْ، فَلا حَجْرَ عِنْدِهِ عَلى بالِغٍ إلّا أنْ يَعْرِفَ مِنهُ السَفَهَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَسْتُ مِن هَذا التَقْيِيدِ في قَوْلِهِ عَلى ثِقَةٍ. وقالَ أبُو إسْحاقٍ الزَجّاجُ: الأشُدُّ في قَوْلِهِ أنْ يَأْتِيَ عَلى الصَبِيِّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما أرادَ أنَّهُ بَعْضُ ما قِيلَ في حَدِّ البُلُوغِ لِمَن لا يَحْتَلِمُ، وأمّا أنْ يَكُونَ بالِغًا رَشِيدًا فَلا يُدْفَعُ إلَيْهِ مالُهُ حَتّى يَبْلُغَ هَذِهِ المُدَّةَ فَشَيْءٌ لا أحْفَظُ مَن يَقُولُهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوفُوا بِالعَهْدِ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِكُلِّ عَهْدٍ وعَقْدٍ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ رَبِّهِ، أو بَيْنَهُ وبَيْنَ المَخْلُوقِينَ في طاعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ أيْ: مَطْلُوبًا مِمَّنْ عُهِدَ إلَيْهِ أو عُوهِدَ، هَلْ وفّى بِهِ أمْ لا؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ الآيَةُ. أمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أهْلَ التَجَرِ الوَزْنِ والكَيْلِ أنْ يُعْطُوا الحَقَّ في كَيْلِهِمْ ووَزْنِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ كانَ يَقِفُ في السُوقِ ويَقُولُ: يا مَعْشَرَ المَوالِي، إنَّكم وُلِّيتُمْ أمْرَيْنِ بِهِما هَلاكُ الناسِ قَبْلَكُمْ، هَذا المِكْيالُ وهَذا المِيزانُ. (p-٤٧٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَقْتَضِي هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الكَيْلَ عَلى البائِعِ؛ لِأنَّ المُشْتَرِيَ لا يُقالُ لَهُ: "أوفِ الكَيْلَ"، هَذا ظاهِرُ اللَفْظِ والسابِقُ مِنهُ، و"القِسْطاسُ" قالَ الحَسَنُ: هو القَبّانُ، ويُقالُ فِيهِ: القَفّانِ، وهو القاسَطُونَ، ويُقالُ القَرْطَسُونُ، وقِيلَ: القِسْطاسُ المِيزانُ صَغِيرًا كانَ أو كَبِيرًا، وقالَ مُجاهِدٌ: القِسْطاسُ: العَدْلُ، وكانَ يَقُولُ: هي لُغَةٌ رُومِيَّةٌ، فَكَأنَّ الناسَ قِيلَ لَهُمْ: زِنُوا بِمَعْدَلَةٍ في وزْنِكم. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "القُسْطاسُ" بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "القِسْطاسُ"، وهُما لُغَتانِ، واللَفْظَةُ مِنهُ لِلْمُبالِغَةِ مِنَ القِسْطِ، والمُرادُ بِها في الآيَةِ جِنْسُ المَوازِينِ العَدْلَةِ عَلى أيِّ صِفَةٍ كانَتْ. قالَ أبُو حاتِمٍ: "إنَّما قَرَأ بِكَسْرِ القافِ أهْلُ الكُوفَةِ، وكُلُّ قِراءَةٍ لا تُجاوِزُ الكُوفَةَ إلى الحَرَمَيْنِ والبَصْرَةِ فاقْرَأْ بِغَيْرِها". وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِالقِصْطاسِ" بِالصادِّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ مَذْهَبُ مُجاهِدٍ في هَذا وفي مِيزانِ القِيامَةِ، وكُلِّ ذَلِكَ، أنَّها اسْتِعاراتٌ لِلْعَدْلِ، وقَوْلُهُ: "مِيزانُ القِيامَةِ" مَرْدُودٌ، وعَقِيدَةُ أهْلِ السُنَّةِ أنَّهُ مِيزانٌ لَهُ عَمُودٌ وكِفَّتانِ. وسَمِعْتُ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ: رَأيْتُ الواعِظَ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيِّ في جامِعِ عَمْرُو بْنِ العاصِ يَعِظُ الناسَ في الوَزْنِ، فَقالَ في جُمْلَةِ كَلامِهِ: إنَّ هَيْئَةَ اليَدِ بِالمِيزانِ عِظَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الأصابِعَ تَجِيءُ مِنها صُورَةُ المَكْتُوبَةِ: ألْفٌ ولا مانِ وهاءٌ فَكَأنَّ المِيزانَ يَقُولُ: اللهُ اللهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وعْظٌ جَمِيلٌ. و"التَأْوِيلُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المَآلُ، قالَهُ قَتادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "التَأْوِيلُ" مَصْدَرُ تَأوَّلَ، أيْ: يَتَأوَّلُ عَلَيْكُمُ الخَيْرُ في جَمِيعِ أُمُورِكم إذا أحْسَنْتُمْ في الكَيْلِ والوَزْنِ. (p-٤٧٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والغَرَضُ مِنَ الكَيْلِ والوَزْنِ تَحَرِّي الحَقِّ، فَإنْ غُلِبَ الإنْسانُ بَعْدَ تَحَرِّيهِ لِشَيْءٍ يَسِيرٍ مِن تَطْفِيفٍ شاذٍّ، لَمْ يَقْصِدْهُ، فَذَلِكَ نَزْرٌ مَوْضُوعٌ عنهُ إثْمُهُ، وذَلِكَ ما لا يَكُونُ الِانْفِكاكُ عنهُ في وُسْعٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْفُ﴾ مَعْناهُ: ولا تَقُلْ ولا تَتَّبِعْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَكِنَّها لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في القَذْفِ والعِظَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "نَحْنُ بَنُو النَضْرِ لا نَقْفُو أُمَّنا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا"،» وتَقُولُ: فَلانٌ قِفْوَتِي، أيْ: مَوْضِعُ تُهْمَتِي، وتَقُولُ: "رُبَّ سامِعِ عِذْرَتِي ولَمْ يَسْمَعْ قِفْوَتَيْ" أيْ: ما رَمَيْتُ بِهِ، وهَذا مَثَلٌ لِلَّذِي يُفْشِي سِرَّهُ ويَعْتَذِرُ مِن ذَنْبٍ لَمْ يَسْمَعْهُ المُعْتَذَرُ إلَيْهِ. وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ: ﴿وَلا تَقْفُ﴾ مَعْناهُ: ولا تَرْمِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ومِثْلُ الدُمى شُمُّ العَرانِينِ ساكِنٌ ∗∗∗ ∗∗∗ بِهِنَّ الحَياءُ لا يُشِعْنَ التَقافِيا (p-٤٧٩)وَقالَ الكُمَيْتُ: ؎ ولا أرْمِي البَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا أقْفُو الحَواضِنَ إنْ قُفِينا وأصْلُ هَذِهِ اللَفْظَةِ مِنَ اتِّباعِ الأثَرِ، تَقُولُ: قَفَوْتُ الأثَرَ، ويُشْبِهُ أنَّ هَذا مِنَ "القَفا"، ومِنهُ قافِيَةُ الشِعْرِ لِأنَّها تَقْفُو البَيْتَ، وتَقُولُ: "قُفْتُ الأثَرَ"، ومِن هَذا: هو القائِفُ، وتَقُولُ: "فُقْتُ الأثَرَ" بِتَقْدِيمِ الفاءِ عَلى القافِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن تَلَعُّبِ العَرَبِ في بَعْضِ الألْفاظِ، كَما قالُوا: "رَعَمْلِي" في "لَعَمْرِي"، وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: قَفا وقافَ، مِثْلُ عَتا وعاتَ، فَمَعْنى الآيَةِ: ولا تَتَّبِعْ لِسانَكَ مِنَ القَوْلِ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ، وذَهَبَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ إلى أنَّ قَفا وقافَ مِثْلَ جَذَبَ وجَبَذَ، فَهَذِهِ الآيَةُ بِالجُمْلَةِ تَنْهى عن قَوْلِ الزُورِ والقَذْفِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الكاذِبَةِ الرَدِيئَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا تَقْفُ"، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ -فِيما حَكى الكِسائِيُّ -: "وَلا تَقُفْ" بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الفاءِ. وقَرَأ الجَرّاحُ: "والفَوادَ" بِفَتْحِ الفاءِ، وهي لُغَةٌ، وأنْكَرَها أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ، وعَبَّرَ عَنِ "السَمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ" بِـ "أُولَئِكَ" لِأنَّها حَواسُّ لَها إدْراكٌ، وجَعَلَها في هَذِهِ الآيَةِ مَسْؤُولَةً، فَهي حالَةُ مَن يَعْقِلُ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عنها بِـ "أُولَئِكَ"، وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]: إنَّهُ إنَّما قالَ: "رَأيْتُهُمْ" في نُجُومٍ لِأنَّهُ لَمّا وصَفَها بِالسُجُودِ وهو مِن فِعْلِ مَن يَعْقِلُ عَبَّرَ عنها بِكِنايَةِ مَن يَعْقِلُ. وحَكى الزَجّاجُ أنَّ العَرَبَ تُعَبِّرُ عَمّا يُعْقَلُ وعَمًّا لا يُعْقَلُ بِالإدْراكِ، وأنْشَدَ هو والطَبَرِيُّ:(p-٤٨٠) ؎ ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللِوى ∗∗∗ ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ فَأمًّا حِكايَةُ أبِي إسْحاقٍ عَنِ اللُغَةِ فَأمْرٌ يُوقَفُ عِنْدَهُ، وأمّا البَيْتُ فالرِوايَةُ "الأقْوامُ"، والضَمِيرُ في "عنهُ" يَعُودُ عَلى ما لَيْسَ لِلْإنْسانِ بِهِ عِلْمٌ، ويَكُونُ المَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى يَسْألُ سَمْعَ الإنْسانِ وبَصَرَهُ وفُؤادَهُ عَمّا قالَ مِمّا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، فَيَقَعُ تَكْذِيبُهُ مِن جَوارِحِهِ، وتِلْكَ غايَةُ الخِزْيِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "عنهُ" عَلى "كُلٌّ" الَّتِي هي لِلسَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى يَسْألُ الإنْسانَ عَمّا حَواهُ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وفُؤادُهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُّ هَذِهِ كانَ الإنْسانُ عنهُ مَسْؤُولًا، أيْ عَمّا حَصَلَ لِهَؤُلاءِ مِنَ الإدْراكاتِ، ووَقَعَ مِنها مِنَ الخَطايا، فالتَقْدِيرُ "عن أعْمالِها مَسْؤُولًا"، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

الإسراء 17:35

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ ﴿وَأوفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عنهُ مَسْؤُولا﴾ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْأوصِياءِ الَّذِينَ هم مُعَدُّونَ لِقُرْبِ مالِ اليَتِيمِ، ثُمَّ هي لِمَن تَلَبَّسَ بِشَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ مِن غَيْرِ وصِيٍّ، و"اليَتِيمُ": الفَرْدُ مِنَ الأبْناءِ، واليُتْمُ: الِانْفِرادُ، يُقالُ: يَتَمَ الصَبِيُّ يَيْتَمُ إذا فَقَدَ أباهُ. قالَ ابْنُ السِكِّيتِ: اليُتْمُ في البَشَرِ مِن قِبَلِ الأبِ، وفي البَهائِمِ مِن قِبَلِ الأُمِّ. وفي كِتابِ الماوَرْدِي: أنَّ اليُتْمَ في البَشَرِ مِن قِبَلِ الأُمِّ أيْضًا، وجَمْعُ اليَتِيمِ أيْتامٌ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، وشَهِيدٍ وأشْهادٍ، ويُجْمَعُ يَتامى كَأسِيرٍ وأسارى، كَأنَّها في الأُمُورِ المَكْرُوهَةِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى المَرْءِ غَلَبَةً،. قالَ ابْنُ سِيدَهْ: وحَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ "يَتْمانِ" في "يَتِيمٍ"، وأنْشَدَ في ذَلِكَ. ؎ فَبِتُّ أُشَوِّي صِبْيَتِي وحَلِيلَتِي ∗∗∗ طَرِيًّا وجَرْوُ الذِئْبِ يَتْمانُ جائِعُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَتامى"جَمْعُ "يَتْمانِ". وفي الحَدِيثِ: « "لا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ يُرِيدُ: إلّا بِأحْسَنِ الحالاتِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ في الوَصِيِّ الغَنِيِّ، أنْ يُثَمِّرَ المالَ ويُحَوِّطَهُ، ولا يَحْبِسُ مِنهُ شَيْئًا عَلى جِهَةِ الِانْتِفاعِ بِهِ. هَذا هو الوَرَعُ، والأولى ألّا أنْ يَكُونَ يَشْتَغِلُ في مالِ اليَتِيمِ ويَشِحُّ عَلَيْهِ، فالفِقْهُ أنْ تَفْرِضَ لَهُ أُجْرَةً. وأمّا الوَصِيُّ الفَقِيرُ الَّذِي يَشْغَلُهُ مالُ اليَتِيمِ عن مَعاشِهِ، فاخْتَلَفَ (p-٤٧٥)الناسُ في أكْلِهِ مِنهُ بِالمَعْرُوفِ، كَيْفَ هُوَ؟ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَتَسَلَّفُ مِنهُ، فَإذا أيْسَرَ رَدَّ فِيهِ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لا يَشْرَبُ الماءَ مِن مالِ اليَتِيمِ، قِيلَ: فَما مَعْنى: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] ؟ قالَ: إنَّما ذَلِكَ لِخِدْمَتِهِ وغَسْلِ ثَوْبِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْرَبُ إلّا بِتِجارَةٍ ولا يَسْتَقْرِضُ مِنهُ، قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] مِن مالِ نَفْسِهِ. وقالَ أبُو يُوسُفَ: لَعَلَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَأْكُلُ مِنهُ الشَرْبَةَ مِنَ اللَبَنِ، والطُرْفَةَ مِنَ الفاكِهَةِ، ونَحْوَ هَذا مِمّا يَخْدِمُهُ، ويَلُوطُ الحَوْضَ، ويَجِدُّ النَخْلَ، ويَنْشُدُ الضالَّةَ، فَيَأْكُلُ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ، ولا ناهِكَ في الحَلْبِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: يَأْكُلُ مِنهُ بِأطْرافِ أصابِعِهِ بُلْغَةً مِنَ العَيْشِ بِتَعَبِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِلتَّقَلُّلِ، وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وغَيْرُهُ: يَأْخُذُ مِنهُ أُجْرَةً بِقَدْرِ تَعَبِهِ، فَهَذِهِ كُلُّها تَدْخُلُ فِيما هو أحْسَنُ. وكَمالُ تَفْسِيرِ هَذِهِ المَعانِي في سُورَةِ النِساءِ بِحَسَبِ ألْفاظِ تِلْكَ الآياتِ، وفي الخَبَرِ عن قَتادَةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لِما نَزَلَتْ شَقَّتْ عَلى المُسْلِمِينَ، وتَجَنَّبُوا الأكْلَ مَعَهم في صَحِيفَةٍ، فَنَزَلَتْ ﴿وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ غايَةَ الإمْساكِ عن مالِ اليَتِيمِ، ثُمَّ ما بَعْدَ الغايَةِ قَدْ سَنَّتْهُ (p-٤٧٦)آيَةٌ أُخْرى، وما بَعْدُ هَذِهِ الغاياتِ أبَدًا مَوْقُوفٌ حَتّى يَقُومَ فِيهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، أو يَقْتَضِيَ ذَلِكَ الإنْصافَ في النازِلَةِ، ومِثْلُ هَذا «قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "أنا فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدِي، وبَعَثْتُ بِها، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ أحُلَّهُ اللهُ لَهُ حَتّى نَحَرَ الهَدْيَ".» و"الأشُدَّ": جَمْعُ (شَدَّ) عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ومَعْناهُ: قُواهُ في العَقْلِ والتَجْرِبَةِ والنَظَرِ لِنَفْسِهِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ البُلُوغِ، فالأشُدَّ في مَذْهَبِ مالِكٍ إقْرانُ البُلُوغِ بِالِاحْتِلامِ أو ما يَقُومُ مَقامَهُ حَسَبَ الخِلافِ في ذَلِكَ، والرُشْدُ في المالِ. واخْتُلِفَ، هَلْ مِن شُرُوطِ ذَلِكَ الرُشْدِ في الدِينِ عَلى قَوْلَيْنِ: فابْنُ القاسِمِ لا يُراعِيهِ إذا كانَ ضابِطًا لِمالِهِ، وراعاهُ غَيْرُهُ مِن بَعْضِ أصْحابِ مالِكٍ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ الأشُدَّ هو البُلُوغُ فَقَطْ، فَلا حَجْرَ عِنْدِهِ عَلى بالِغٍ إلّا أنْ يَعْرِفَ مِنهُ السَفَهَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَسْتُ مِن هَذا التَقْيِيدِ في قَوْلِهِ عَلى ثِقَةٍ. وقالَ أبُو إسْحاقٍ الزَجّاجُ: الأشُدُّ في قَوْلِهِ أنْ يَأْتِيَ عَلى الصَبِيِّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما أرادَ أنَّهُ بَعْضُ ما قِيلَ في حَدِّ البُلُوغِ لِمَن لا يَحْتَلِمُ، وأمّا أنْ يَكُونَ بالِغًا رَشِيدًا فَلا يُدْفَعُ إلَيْهِ مالُهُ حَتّى يَبْلُغَ هَذِهِ المُدَّةَ فَشَيْءٌ لا أحْفَظُ مَن يَقُولُهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوفُوا بِالعَهْدِ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِكُلِّ عَهْدٍ وعَقْدٍ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ رَبِّهِ، أو بَيْنَهُ وبَيْنَ المَخْلُوقِينَ في طاعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ أيْ: مَطْلُوبًا مِمَّنْ عُهِدَ إلَيْهِ أو عُوهِدَ، هَلْ وفّى بِهِ أمْ لا؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ الآيَةُ. أمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أهْلَ التَجَرِ الوَزْنِ والكَيْلِ أنْ يُعْطُوا الحَقَّ في كَيْلِهِمْ ووَزْنِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ كانَ يَقِفُ في السُوقِ ويَقُولُ: يا مَعْشَرَ المَوالِي، إنَّكم وُلِّيتُمْ أمْرَيْنِ بِهِما هَلاكُ الناسِ قَبْلَكُمْ، هَذا المِكْيالُ وهَذا المِيزانُ. (p-٤٧٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَقْتَضِي هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الكَيْلَ عَلى البائِعِ؛ لِأنَّ المُشْتَرِيَ لا يُقالُ لَهُ: "أوفِ الكَيْلَ"، هَذا ظاهِرُ اللَفْظِ والسابِقُ مِنهُ، و"القِسْطاسُ" قالَ الحَسَنُ: هو القَبّانُ، ويُقالُ فِيهِ: القَفّانِ، وهو القاسَطُونَ، ويُقالُ القَرْطَسُونُ، وقِيلَ: القِسْطاسُ المِيزانُ صَغِيرًا كانَ أو كَبِيرًا، وقالَ مُجاهِدٌ: القِسْطاسُ: العَدْلُ، وكانَ يَقُولُ: هي لُغَةٌ رُومِيَّةٌ، فَكَأنَّ الناسَ قِيلَ لَهُمْ: زِنُوا بِمَعْدَلَةٍ في وزْنِكم. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "القُسْطاسُ" بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "القِسْطاسُ"، وهُما لُغَتانِ، واللَفْظَةُ مِنهُ لِلْمُبالِغَةِ مِنَ القِسْطِ، والمُرادُ بِها في الآيَةِ جِنْسُ المَوازِينِ العَدْلَةِ عَلى أيِّ صِفَةٍ كانَتْ. قالَ أبُو حاتِمٍ: "إنَّما قَرَأ بِكَسْرِ القافِ أهْلُ الكُوفَةِ، وكُلُّ قِراءَةٍ لا تُجاوِزُ الكُوفَةَ إلى الحَرَمَيْنِ والبَصْرَةِ فاقْرَأْ بِغَيْرِها". وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِالقِصْطاسِ" بِالصادِّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ مَذْهَبُ مُجاهِدٍ في هَذا وفي مِيزانِ القِيامَةِ، وكُلِّ ذَلِكَ، أنَّها اسْتِعاراتٌ لِلْعَدْلِ، وقَوْلُهُ: "مِيزانُ القِيامَةِ" مَرْدُودٌ، وعَقِيدَةُ أهْلِ السُنَّةِ أنَّهُ مِيزانٌ لَهُ عَمُودٌ وكِفَّتانِ. وسَمِعْتُ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ: رَأيْتُ الواعِظَ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيِّ في جامِعِ عَمْرُو بْنِ العاصِ يَعِظُ الناسَ في الوَزْنِ، فَقالَ في جُمْلَةِ كَلامِهِ: إنَّ هَيْئَةَ اليَدِ بِالمِيزانِ عِظَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الأصابِعَ تَجِيءُ مِنها صُورَةُ المَكْتُوبَةِ: ألْفٌ ولا مانِ وهاءٌ فَكَأنَّ المِيزانَ يَقُولُ: اللهُ اللهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وعْظٌ جَمِيلٌ. و"التَأْوِيلُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المَآلُ، قالَهُ قَتادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "التَأْوِيلُ" مَصْدَرُ تَأوَّلَ، أيْ: يَتَأوَّلُ عَلَيْكُمُ الخَيْرُ في جَمِيعِ أُمُورِكم إذا أحْسَنْتُمْ في الكَيْلِ والوَزْنِ. (p-٤٧٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والغَرَضُ مِنَ الكَيْلِ والوَزْنِ تَحَرِّي الحَقِّ، فَإنْ غُلِبَ الإنْسانُ بَعْدَ تَحَرِّيهِ لِشَيْءٍ يَسِيرٍ مِن تَطْفِيفٍ شاذٍّ، لَمْ يَقْصِدْهُ، فَذَلِكَ نَزْرٌ مَوْضُوعٌ عنهُ إثْمُهُ، وذَلِكَ ما لا يَكُونُ الِانْفِكاكُ عنهُ في وُسْعٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْفُ﴾ مَعْناهُ: ولا تَقُلْ ولا تَتَّبِعْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَكِنَّها لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في القَذْفِ والعِظَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "نَحْنُ بَنُو النَضْرِ لا نَقْفُو أُمَّنا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا"،» وتَقُولُ: فَلانٌ قِفْوَتِي، أيْ: مَوْضِعُ تُهْمَتِي، وتَقُولُ: "رُبَّ سامِعِ عِذْرَتِي ولَمْ يَسْمَعْ قِفْوَتَيْ" أيْ: ما رَمَيْتُ بِهِ، وهَذا مَثَلٌ لِلَّذِي يُفْشِي سِرَّهُ ويَعْتَذِرُ مِن ذَنْبٍ لَمْ يَسْمَعْهُ المُعْتَذَرُ إلَيْهِ. وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ: ﴿وَلا تَقْفُ﴾ مَعْناهُ: ولا تَرْمِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ومِثْلُ الدُمى شُمُّ العَرانِينِ ساكِنٌ ∗∗∗ ∗∗∗ بِهِنَّ الحَياءُ لا يُشِعْنَ التَقافِيا (p-٤٧٩)وَقالَ الكُمَيْتُ: ؎ ولا أرْمِي البَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا أقْفُو الحَواضِنَ إنْ قُفِينا وأصْلُ هَذِهِ اللَفْظَةِ مِنَ اتِّباعِ الأثَرِ، تَقُولُ: قَفَوْتُ الأثَرَ، ويُشْبِهُ أنَّ هَذا مِنَ "القَفا"، ومِنهُ قافِيَةُ الشِعْرِ لِأنَّها تَقْفُو البَيْتَ، وتَقُولُ: "قُفْتُ الأثَرَ"، ومِن هَذا: هو القائِفُ، وتَقُولُ: "فُقْتُ الأثَرَ" بِتَقْدِيمِ الفاءِ عَلى القافِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن تَلَعُّبِ العَرَبِ في بَعْضِ الألْفاظِ، كَما قالُوا: "رَعَمْلِي" في "لَعَمْرِي"، وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: قَفا وقافَ، مِثْلُ عَتا وعاتَ، فَمَعْنى الآيَةِ: ولا تَتَّبِعْ لِسانَكَ مِنَ القَوْلِ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ، وذَهَبَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ إلى أنَّ قَفا وقافَ مِثْلَ جَذَبَ وجَبَذَ، فَهَذِهِ الآيَةُ بِالجُمْلَةِ تَنْهى عن قَوْلِ الزُورِ والقَذْفِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الكاذِبَةِ الرَدِيئَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا تَقْفُ"، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ -فِيما حَكى الكِسائِيُّ -: "وَلا تَقُفْ" بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الفاءِ. وقَرَأ الجَرّاحُ: "والفَوادَ" بِفَتْحِ الفاءِ، وهي لُغَةٌ، وأنْكَرَها أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ، وعَبَّرَ عَنِ "السَمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ" بِـ "أُولَئِكَ" لِأنَّها حَواسُّ لَها إدْراكٌ، وجَعَلَها في هَذِهِ الآيَةِ مَسْؤُولَةً، فَهي حالَةُ مَن يَعْقِلُ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عنها بِـ "أُولَئِكَ"، وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]: إنَّهُ إنَّما قالَ: "رَأيْتُهُمْ" في نُجُومٍ لِأنَّهُ لَمّا وصَفَها بِالسُجُودِ وهو مِن فِعْلِ مَن يَعْقِلُ عَبَّرَ عنها بِكِنايَةِ مَن يَعْقِلُ. وحَكى الزَجّاجُ أنَّ العَرَبَ تُعَبِّرُ عَمّا يُعْقَلُ وعَمًّا لا يُعْقَلُ بِالإدْراكِ، وأنْشَدَ هو والطَبَرِيُّ:(p-٤٨٠) ؎ ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللِوى ∗∗∗ ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ فَأمًّا حِكايَةُ أبِي إسْحاقٍ عَنِ اللُغَةِ فَأمْرٌ يُوقَفُ عِنْدَهُ، وأمّا البَيْتُ فالرِوايَةُ "الأقْوامُ"، والضَمِيرُ في "عنهُ" يَعُودُ عَلى ما لَيْسَ لِلْإنْسانِ بِهِ عِلْمٌ، ويَكُونُ المَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى يَسْألُ سَمْعَ الإنْسانِ وبَصَرَهُ وفُؤادَهُ عَمّا قالَ مِمّا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، فَيَقَعُ تَكْذِيبُهُ مِن جَوارِحِهِ، وتِلْكَ غايَةُ الخِزْيِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "عنهُ" عَلى "كُلٌّ" الَّتِي هي لِلسَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى يَسْألُ الإنْسانَ عَمّا حَواهُ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وفُؤادُهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُّ هَذِهِ كانَ الإنْسانُ عنهُ مَسْؤُولًا، أيْ عَمّا حَصَلَ لِهَؤُلاءِ مِنَ الإدْراكاتِ، ووَقَعَ مِنها مِنَ الخَطايا، فالتَقْدِيرُ "عن أعْمالِها مَسْؤُولًا"، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

الإسراء 17:36

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ ﴿وَأوفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عنهُ مَسْؤُولا﴾ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْأوصِياءِ الَّذِينَ هم مُعَدُّونَ لِقُرْبِ مالِ اليَتِيمِ، ثُمَّ هي لِمَن تَلَبَّسَ بِشَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ مِن غَيْرِ وصِيٍّ، و"اليَتِيمُ": الفَرْدُ مِنَ الأبْناءِ، واليُتْمُ: الِانْفِرادُ، يُقالُ: يَتَمَ الصَبِيُّ يَيْتَمُ إذا فَقَدَ أباهُ. قالَ ابْنُ السِكِّيتِ: اليُتْمُ في البَشَرِ مِن قِبَلِ الأبِ، وفي البَهائِمِ مِن قِبَلِ الأُمِّ. وفي كِتابِ الماوَرْدِي: أنَّ اليُتْمَ في البَشَرِ مِن قِبَلِ الأُمِّ أيْضًا، وجَمْعُ اليَتِيمِ أيْتامٌ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، وشَهِيدٍ وأشْهادٍ، ويُجْمَعُ يَتامى كَأسِيرٍ وأسارى، كَأنَّها في الأُمُورِ المَكْرُوهَةِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى المَرْءِ غَلَبَةً،. قالَ ابْنُ سِيدَهْ: وحَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ "يَتْمانِ" في "يَتِيمٍ"، وأنْشَدَ في ذَلِكَ. ؎ فَبِتُّ أُشَوِّي صِبْيَتِي وحَلِيلَتِي ∗∗∗ طَرِيًّا وجَرْوُ الذِئْبِ يَتْمانُ جائِعُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَتامى"جَمْعُ "يَتْمانِ". وفي الحَدِيثِ: « "لا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ يُرِيدُ: إلّا بِأحْسَنِ الحالاتِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ في الوَصِيِّ الغَنِيِّ، أنْ يُثَمِّرَ المالَ ويُحَوِّطَهُ، ولا يَحْبِسُ مِنهُ شَيْئًا عَلى جِهَةِ الِانْتِفاعِ بِهِ. هَذا هو الوَرَعُ، والأولى ألّا أنْ يَكُونَ يَشْتَغِلُ في مالِ اليَتِيمِ ويَشِحُّ عَلَيْهِ، فالفِقْهُ أنْ تَفْرِضَ لَهُ أُجْرَةً. وأمّا الوَصِيُّ الفَقِيرُ الَّذِي يَشْغَلُهُ مالُ اليَتِيمِ عن مَعاشِهِ، فاخْتَلَفَ (p-٤٧٥)الناسُ في أكْلِهِ مِنهُ بِالمَعْرُوفِ، كَيْفَ هُوَ؟ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَتَسَلَّفُ مِنهُ، فَإذا أيْسَرَ رَدَّ فِيهِ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لا يَشْرَبُ الماءَ مِن مالِ اليَتِيمِ، قِيلَ: فَما مَعْنى: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] ؟ قالَ: إنَّما ذَلِكَ لِخِدْمَتِهِ وغَسْلِ ثَوْبِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْرَبُ إلّا بِتِجارَةٍ ولا يَسْتَقْرِضُ مِنهُ، قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] مِن مالِ نَفْسِهِ. وقالَ أبُو يُوسُفَ: لَعَلَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَأْكُلُ مِنهُ الشَرْبَةَ مِنَ اللَبَنِ، والطُرْفَةَ مِنَ الفاكِهَةِ، ونَحْوَ هَذا مِمّا يَخْدِمُهُ، ويَلُوطُ الحَوْضَ، ويَجِدُّ النَخْلَ، ويَنْشُدُ الضالَّةَ، فَيَأْكُلُ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ، ولا ناهِكَ في الحَلْبِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: يَأْكُلُ مِنهُ بِأطْرافِ أصابِعِهِ بُلْغَةً مِنَ العَيْشِ بِتَعَبِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِلتَّقَلُّلِ، وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وغَيْرُهُ: يَأْخُذُ مِنهُ أُجْرَةً بِقَدْرِ تَعَبِهِ، فَهَذِهِ كُلُّها تَدْخُلُ فِيما هو أحْسَنُ. وكَمالُ تَفْسِيرِ هَذِهِ المَعانِي في سُورَةِ النِساءِ بِحَسَبِ ألْفاظِ تِلْكَ الآياتِ، وفي الخَبَرِ عن قَتادَةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لِما نَزَلَتْ شَقَّتْ عَلى المُسْلِمِينَ، وتَجَنَّبُوا الأكْلَ مَعَهم في صَحِيفَةٍ، فَنَزَلَتْ ﴿وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ غايَةَ الإمْساكِ عن مالِ اليَتِيمِ، ثُمَّ ما بَعْدَ الغايَةِ قَدْ سَنَّتْهُ (p-٤٧٦)آيَةٌ أُخْرى، وما بَعْدُ هَذِهِ الغاياتِ أبَدًا مَوْقُوفٌ حَتّى يَقُومَ فِيهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، أو يَقْتَضِيَ ذَلِكَ الإنْصافَ في النازِلَةِ، ومِثْلُ هَذا «قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "أنا فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدِي، وبَعَثْتُ بِها، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ أحُلَّهُ اللهُ لَهُ حَتّى نَحَرَ الهَدْيَ".» و"الأشُدَّ": جَمْعُ (شَدَّ) عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ومَعْناهُ: قُواهُ في العَقْلِ والتَجْرِبَةِ والنَظَرِ لِنَفْسِهِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ البُلُوغِ، فالأشُدَّ في مَذْهَبِ مالِكٍ إقْرانُ البُلُوغِ بِالِاحْتِلامِ أو ما يَقُومُ مَقامَهُ حَسَبَ الخِلافِ في ذَلِكَ، والرُشْدُ في المالِ. واخْتُلِفَ، هَلْ مِن شُرُوطِ ذَلِكَ الرُشْدِ في الدِينِ عَلى قَوْلَيْنِ: فابْنُ القاسِمِ لا يُراعِيهِ إذا كانَ ضابِطًا لِمالِهِ، وراعاهُ غَيْرُهُ مِن بَعْضِ أصْحابِ مالِكٍ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ الأشُدَّ هو البُلُوغُ فَقَطْ، فَلا حَجْرَ عِنْدِهِ عَلى بالِغٍ إلّا أنْ يَعْرِفَ مِنهُ السَفَهَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَسْتُ مِن هَذا التَقْيِيدِ في قَوْلِهِ عَلى ثِقَةٍ. وقالَ أبُو إسْحاقٍ الزَجّاجُ: الأشُدُّ في قَوْلِهِ أنْ يَأْتِيَ عَلى الصَبِيِّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما أرادَ أنَّهُ بَعْضُ ما قِيلَ في حَدِّ البُلُوغِ لِمَن لا يَحْتَلِمُ، وأمّا أنْ يَكُونَ بالِغًا رَشِيدًا فَلا يُدْفَعُ إلَيْهِ مالُهُ حَتّى يَبْلُغَ هَذِهِ المُدَّةَ فَشَيْءٌ لا أحْفَظُ مَن يَقُولُهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوفُوا بِالعَهْدِ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِكُلِّ عَهْدٍ وعَقْدٍ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ رَبِّهِ، أو بَيْنَهُ وبَيْنَ المَخْلُوقِينَ في طاعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ أيْ: مَطْلُوبًا مِمَّنْ عُهِدَ إلَيْهِ أو عُوهِدَ، هَلْ وفّى بِهِ أمْ لا؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ الآيَةُ. أمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أهْلَ التَجَرِ الوَزْنِ والكَيْلِ أنْ يُعْطُوا الحَقَّ في كَيْلِهِمْ ووَزْنِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ كانَ يَقِفُ في السُوقِ ويَقُولُ: يا مَعْشَرَ المَوالِي، إنَّكم وُلِّيتُمْ أمْرَيْنِ بِهِما هَلاكُ الناسِ قَبْلَكُمْ، هَذا المِكْيالُ وهَذا المِيزانُ. (p-٤٧٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَقْتَضِي هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الكَيْلَ عَلى البائِعِ؛ لِأنَّ المُشْتَرِيَ لا يُقالُ لَهُ: "أوفِ الكَيْلَ"، هَذا ظاهِرُ اللَفْظِ والسابِقُ مِنهُ، و"القِسْطاسُ" قالَ الحَسَنُ: هو القَبّانُ، ويُقالُ فِيهِ: القَفّانِ، وهو القاسَطُونَ، ويُقالُ القَرْطَسُونُ، وقِيلَ: القِسْطاسُ المِيزانُ صَغِيرًا كانَ أو كَبِيرًا، وقالَ مُجاهِدٌ: القِسْطاسُ: العَدْلُ، وكانَ يَقُولُ: هي لُغَةٌ رُومِيَّةٌ، فَكَأنَّ الناسَ قِيلَ لَهُمْ: زِنُوا بِمَعْدَلَةٍ في وزْنِكم. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "القُسْطاسُ" بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "القِسْطاسُ"، وهُما لُغَتانِ، واللَفْظَةُ مِنهُ لِلْمُبالِغَةِ مِنَ القِسْطِ، والمُرادُ بِها في الآيَةِ جِنْسُ المَوازِينِ العَدْلَةِ عَلى أيِّ صِفَةٍ كانَتْ. قالَ أبُو حاتِمٍ: "إنَّما قَرَأ بِكَسْرِ القافِ أهْلُ الكُوفَةِ، وكُلُّ قِراءَةٍ لا تُجاوِزُ الكُوفَةَ إلى الحَرَمَيْنِ والبَصْرَةِ فاقْرَأْ بِغَيْرِها". وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِالقِصْطاسِ" بِالصادِّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ مَذْهَبُ مُجاهِدٍ في هَذا وفي مِيزانِ القِيامَةِ، وكُلِّ ذَلِكَ، أنَّها اسْتِعاراتٌ لِلْعَدْلِ، وقَوْلُهُ: "مِيزانُ القِيامَةِ" مَرْدُودٌ، وعَقِيدَةُ أهْلِ السُنَّةِ أنَّهُ مِيزانٌ لَهُ عَمُودٌ وكِفَّتانِ. وسَمِعْتُ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ: رَأيْتُ الواعِظَ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيِّ في جامِعِ عَمْرُو بْنِ العاصِ يَعِظُ الناسَ في الوَزْنِ، فَقالَ في جُمْلَةِ كَلامِهِ: إنَّ هَيْئَةَ اليَدِ بِالمِيزانِ عِظَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الأصابِعَ تَجِيءُ مِنها صُورَةُ المَكْتُوبَةِ: ألْفٌ ولا مانِ وهاءٌ فَكَأنَّ المِيزانَ يَقُولُ: اللهُ اللهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وعْظٌ جَمِيلٌ. و"التَأْوِيلُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المَآلُ، قالَهُ قَتادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "التَأْوِيلُ" مَصْدَرُ تَأوَّلَ، أيْ: يَتَأوَّلُ عَلَيْكُمُ الخَيْرُ في جَمِيعِ أُمُورِكم إذا أحْسَنْتُمْ في الكَيْلِ والوَزْنِ. (p-٤٧٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والغَرَضُ مِنَ الكَيْلِ والوَزْنِ تَحَرِّي الحَقِّ، فَإنْ غُلِبَ الإنْسانُ بَعْدَ تَحَرِّيهِ لِشَيْءٍ يَسِيرٍ مِن تَطْفِيفٍ شاذٍّ، لَمْ يَقْصِدْهُ، فَذَلِكَ نَزْرٌ مَوْضُوعٌ عنهُ إثْمُهُ، وذَلِكَ ما لا يَكُونُ الِانْفِكاكُ عنهُ في وُسْعٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْفُ﴾ مَعْناهُ: ولا تَقُلْ ولا تَتَّبِعْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَكِنَّها لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في القَذْفِ والعِظَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "نَحْنُ بَنُو النَضْرِ لا نَقْفُو أُمَّنا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا"،» وتَقُولُ: فَلانٌ قِفْوَتِي، أيْ: مَوْضِعُ تُهْمَتِي، وتَقُولُ: "رُبَّ سامِعِ عِذْرَتِي ولَمْ يَسْمَعْ قِفْوَتَيْ" أيْ: ما رَمَيْتُ بِهِ، وهَذا مَثَلٌ لِلَّذِي يُفْشِي سِرَّهُ ويَعْتَذِرُ مِن ذَنْبٍ لَمْ يَسْمَعْهُ المُعْتَذَرُ إلَيْهِ. وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ: ﴿وَلا تَقْفُ﴾ مَعْناهُ: ولا تَرْمِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ومِثْلُ الدُمى شُمُّ العَرانِينِ ساكِنٌ ∗∗∗ ∗∗∗ بِهِنَّ الحَياءُ لا يُشِعْنَ التَقافِيا (p-٤٧٩)وَقالَ الكُمَيْتُ: ؎ ولا أرْمِي البَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا أقْفُو الحَواضِنَ إنْ قُفِينا وأصْلُ هَذِهِ اللَفْظَةِ مِنَ اتِّباعِ الأثَرِ، تَقُولُ: قَفَوْتُ الأثَرَ، ويُشْبِهُ أنَّ هَذا مِنَ "القَفا"، ومِنهُ قافِيَةُ الشِعْرِ لِأنَّها تَقْفُو البَيْتَ، وتَقُولُ: "قُفْتُ الأثَرَ"، ومِن هَذا: هو القائِفُ، وتَقُولُ: "فُقْتُ الأثَرَ" بِتَقْدِيمِ الفاءِ عَلى القافِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن تَلَعُّبِ العَرَبِ في بَعْضِ الألْفاظِ، كَما قالُوا: "رَعَمْلِي" في "لَعَمْرِي"، وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: قَفا وقافَ، مِثْلُ عَتا وعاتَ، فَمَعْنى الآيَةِ: ولا تَتَّبِعْ لِسانَكَ مِنَ القَوْلِ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ، وذَهَبَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ إلى أنَّ قَفا وقافَ مِثْلَ جَذَبَ وجَبَذَ، فَهَذِهِ الآيَةُ بِالجُمْلَةِ تَنْهى عن قَوْلِ الزُورِ والقَذْفِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الكاذِبَةِ الرَدِيئَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا تَقْفُ"، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ -فِيما حَكى الكِسائِيُّ -: "وَلا تَقُفْ" بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الفاءِ. وقَرَأ الجَرّاحُ: "والفَوادَ" بِفَتْحِ الفاءِ، وهي لُغَةٌ، وأنْكَرَها أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ، وعَبَّرَ عَنِ "السَمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ" بِـ "أُولَئِكَ" لِأنَّها حَواسُّ لَها إدْراكٌ، وجَعَلَها في هَذِهِ الآيَةِ مَسْؤُولَةً، فَهي حالَةُ مَن يَعْقِلُ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عنها بِـ "أُولَئِكَ"، وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]: إنَّهُ إنَّما قالَ: "رَأيْتُهُمْ" في نُجُومٍ لِأنَّهُ لَمّا وصَفَها بِالسُجُودِ وهو مِن فِعْلِ مَن يَعْقِلُ عَبَّرَ عنها بِكِنايَةِ مَن يَعْقِلُ. وحَكى الزَجّاجُ أنَّ العَرَبَ تُعَبِّرُ عَمّا يُعْقَلُ وعَمًّا لا يُعْقَلُ بِالإدْراكِ، وأنْشَدَ هو والطَبَرِيُّ:(p-٤٨٠) ؎ ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللِوى ∗∗∗ ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ فَأمًّا حِكايَةُ أبِي إسْحاقٍ عَنِ اللُغَةِ فَأمْرٌ يُوقَفُ عِنْدَهُ، وأمّا البَيْتُ فالرِوايَةُ "الأقْوامُ"، والضَمِيرُ في "عنهُ" يَعُودُ عَلى ما لَيْسَ لِلْإنْسانِ بِهِ عِلْمٌ، ويَكُونُ المَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى يَسْألُ سَمْعَ الإنْسانِ وبَصَرَهُ وفُؤادَهُ عَمّا قالَ مِمّا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، فَيَقَعُ تَكْذِيبُهُ مِن جَوارِحِهِ، وتِلْكَ غايَةُ الخِزْيِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "عنهُ" عَلى "كُلٌّ" الَّتِي هي لِلسَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى يَسْألُ الإنْسانَ عَمّا حَواهُ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وفُؤادُهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُّ هَذِهِ كانَ الإنْسانُ عنهُ مَسْؤُولًا، أيْ عَمّا حَصَلَ لِهَؤُلاءِ مِنَ الإدْراكاتِ، ووَقَعَ مِنها مِنَ الخَطايا، فالتَقْدِيرُ "عن أعْمالِها مَسْؤُولًا"، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

الإسراء 17:37

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضِ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ ﴿ذَلِكَ مِمّا أوحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "مَرَحًا" بِفَتْحِ الراءِ، مَصْدَرٌ مِن: مَرِحَ يَمْرَحُ إذا تَبَخْتَرَ مَسْرُورًا بِدُنْياهُ مُقْبِلًا عَلى راحَتِهِ، فَهَذا هو المَرَحُ، فَنُهِيَ الإنْسانُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ مَشْيُهُ في الأرْضِ عَلى هَذا الوَجْهِ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ لَنْ تَقْطَعَ الأرْضَ وتَمْسَحَها بِمَشْيِكَ، ولَنْ تَبْلُغَ أطْوالَ الجِبالِ فَتَنالُها طُولًا، فَإذا كُنْتَ لا تَسْتَوِي في الأرْضِ بِمَشْيِكَ فَقَصْرُكَ نَفْسَكَ عَلى ما يُوجِبُهُ الحَقُّ مِنَ المَشْيِ والتَصَرُّفِ أولى وأحَقُّ. وخُوطِبَ النَبِيُّ ﷺ بِهَذِهِ الآيَةِ والمُرادُ الناسُ كُلُّهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإقْبالُ الإنْسانِ عَلى الصَيْدِ ونَحْوَهُ تَنْزِهًا دُونَ حاجَةٍ إلى ذَلِكَ داخِلَ في هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا الرَجُلُ يَسْتَرِيحُ في اليَوْمِ النادِرِ والساعَةِ مِن يَوْمِهِ فَيَجُمُّ فِيها نَفْسَهُ في التَفَرُّجِ والراحَةِ (p-٤٨١)لِيَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلى شُغْلٍ مِنَ البِرِّ كَقِراءَةِ عِلْمٍ أو صَلاةٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِداخِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وقَرَأتْ فِرْقَةٌ -فِيما حَكى يَعْقُوبُ-: "مَرِحًا" بِكَسْرِ الراءِ عَلى بِناءِ اسْمِ الفاعِلِ، وهَذا المَعْنى يَتَرَتَّبُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ولَكِنْ يَحْسُنُ مَعَها مَعْنًى آخَرَ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ مَعَ القِراءَةِ الأولى، وهو بِهَذِهِ القِراءَةِ ألْيَقُ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾ أرادَ بِذَلِكَ: أيُّها المَرِحُ المُخْتالُ الفَخُورُ، لا تَخْرِقِ الأرْضَ، ولا تَطاوُلِ الجِبالَ بِفَخْرِكَ وكِبَرِكَ، وذَهَبَ بِالألْفاظِ إلى هَذا المَعْنى، ويَحْسُنُ ذَلِكَ مَعَ القِراءَةِ بِكَسْرِ الراءِ مِنَ المَرَحِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ نُهِيَ حِينَئِذٍ عَنِ التَخَلُّقِ بِالمَرَحِ في كُلِّ أوقاتِهِ؛ إذِ المَشْيُ في الأرْضِ لا يُفارِقُهُ، فَلَمْ يُنْهَ إلّا عن يَكُونُ مَرَحًا، وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى إنَّما نُهِيَ مَن لَيْسَ بِمَرَحٍ عن أنْ يَمْشِيَ في بَعْضِ أوقاتِهِ مَرَحًا، فَيَتَرَتَّبُ في المَرَحِ -بِكَسْرِ الراءِ- أنْ يُؤْخَذَ بِمَعْنى المُتَكَبِّرِ المُخْتالِ. وخَرْقُ الأرْضِ: قَطْعُها، والخَرْقُ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وخَرْقٍ تَجاوَزْتُ مَجْهُولَهُ ∗∗∗ بِوَجْناءَ خَرْقِ تَشَكّى الكَلالا ويُقالُ لِثُقْبِ الأرْضِ: خَرْقٌ، ولَيْسَ هَذا المَعْنى في الآيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ: ؎ وقاتِمُ الأعْماقِ خاوِي المُخْتَرِقْ (p-٤٨٢)وَقَرَأ الجَرّاحُ، والأعْرابِيُّ: "لَنْ تَخْرُقَ الأرْضَ" بِضَمِّ الراءِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُعْرَفُ هَذِهِ اللُغَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "سَيِّئَةً"، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، ومَسْرُوقٌ: "سَيِّئُهُ" عَلى إضافَةِ "سَيِّئٍ" إلى الضَمِيرِ، والإشارَةُ -عَلى القِراءَةِ الأُولى- إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا نُهِيَ عنهُ، كَقَوْلِ: أُفٍّ، وقَذْفِ الناسِ، والمَرَحِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، والإشارَةُ -عَلى القِراءَةِ الثانِيَةِ- إلى جَمِيعِ ما ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ مِن بِرٍّ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ اخْتَصَّ ذِكْرُ السَيِّئِ مِنهُ بِأنَّهُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى، فَأمّا مَن قَرَأ: "سَيِّئُهُ" بِالإضافَةِ إلى الضَمِيرِ فَإعْرابُ قِراءَتِهِ بَيِّنٌ و"سَيِّئٌ" اسْمُ "كانَ"، و"مَكْرُوهًا" خَبَرُهُ، وأمّا مَن قَرَأ: "سَيِّئَةً" فَهي الخَبَرُ لِـ "كانَ". واخْتَلَفَ الناسُ في إعْرابِ "مَكْرُوهًا" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو خَبَرٌ ثانٍ لِـ "كانَ" حَمَلَهُ عَلى لَفْظِ "كُلُّ"، و"سَيِّئَةً" مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى في جَمِيعِ هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو نَعْتٌ لِـ "سَيِّئَةً" لِأنَّهُ لَمّا كانَ تَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ جازَ أنْ تُوصَفَ بِمُذَكِّرٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ: إنَّ المُؤَنَّثَ إذا ذُكِّرَ فَإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ما بَعْدَهُ وِفْقَهُ، وإنَّما التَساهُلُ أنْ يَتَقَدَّمَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى المُؤَنَّثِ وهو في صِيغَةِ ما يُسْنَدُ إلى المُذَكَّرِ، ألّا تَرى أنَّ قَوْلَ الشاعِرِ: ؎ فُلًّا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقَها ∗∗∗ ∗∗∗ ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها (p-٤٨٣)مُسْتَقْبَحٌ عِنْدَهُمْ؟ ولَوْ قالَ قائِلٌ: أبْقَلَ أرْضٌ لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَكِنْ يَجُوزُ في قَوْلِهِ تَعالى: "مَكْرُوهًا" أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: "سَيِّئُهُ"، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الذَكَرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "عِنْدَ رَبِّكَ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "سَيِّئُهُ". وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "كانَ سَيِّئاتُهُ"، ورُوِيَ عنهُ "كانَ سَيِّئاتُ" بِغَيْرِ هاءٍ، ورُوِيَ عنهُ "كانَ خَبِيثُهُ". وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ النَواهِيَ كُلُّها مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ أوَّلًا: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] ولَيْسَ ذَلِكَ بِالبَيِّنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِمّا أوحى إلَيْكَ رَبُّكَ﴾ الآيَةُ. الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى هَذِهِ الآدابِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ، أيْ: هَذِهِ مِنَ الأفْعالِ المُحْكَمَةِ الَّتِي تَقْتَضِيها حِكْمَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في عِبادِهِ وخَلْقِهِ لَهم مَحاسِنُ الأخْلاقِ. و"الحِكْمَةُ": قَوانِينُ المَعانِي المُحْكَمَةِ والأفْعالُ الفاضِلَةُ، ثُمَّ عَطَفَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ النَواهِي. والخُطّابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ كُلُّ مِن سَمْعِ الآيَةِ مِنَ البَشَرِ، و"المَدْحُورُ": المُهانُ المُبْعَدُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ الآيَةُ، خِطابٌ لِلْعَرَبِ الَّتِي كانَتْ تَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ، فَقَرَّرَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ، أيْ: أنْتُمْ أيُّها البَشَرُ لَكُمُ الأعْلى مِنَ النَسْلِ ولِلَّهِ البَناتُ؟ فَلَمّا ظَهَرَ هَذا التَباعُدُ الَّذِي في قَوْلِهِمْ عَظَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ فَسادَ ما يَقُولُونَهُ وشُنْعَتَهُ، ومَعْناهُ: عَظِيمًا في المُنْكَرِ والوَخامَةِ. و"أصْفاكُمْ" مَعْناهُ: جَعَلَكم أصْحابَ الصَفْوَةِ. وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في اليَهُودِ لِأنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، مِن أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.

الإسراء 17:38

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضِ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ ﴿ذَلِكَ مِمّا أوحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "مَرَحًا" بِفَتْحِ الراءِ، مَصْدَرٌ مِن: مَرِحَ يَمْرَحُ إذا تَبَخْتَرَ مَسْرُورًا بِدُنْياهُ مُقْبِلًا عَلى راحَتِهِ، فَهَذا هو المَرَحُ، فَنُهِيَ الإنْسانُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ مَشْيُهُ في الأرْضِ عَلى هَذا الوَجْهِ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ لَنْ تَقْطَعَ الأرْضَ وتَمْسَحَها بِمَشْيِكَ، ولَنْ تَبْلُغَ أطْوالَ الجِبالِ فَتَنالُها طُولًا، فَإذا كُنْتَ لا تَسْتَوِي في الأرْضِ بِمَشْيِكَ فَقَصْرُكَ نَفْسَكَ عَلى ما يُوجِبُهُ الحَقُّ مِنَ المَشْيِ والتَصَرُّفِ أولى وأحَقُّ. وخُوطِبَ النَبِيُّ ﷺ بِهَذِهِ الآيَةِ والمُرادُ الناسُ كُلُّهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإقْبالُ الإنْسانِ عَلى الصَيْدِ ونَحْوَهُ تَنْزِهًا دُونَ حاجَةٍ إلى ذَلِكَ داخِلَ في هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا الرَجُلُ يَسْتَرِيحُ في اليَوْمِ النادِرِ والساعَةِ مِن يَوْمِهِ فَيَجُمُّ فِيها نَفْسَهُ في التَفَرُّجِ والراحَةِ (p-٤٨١)لِيَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلى شُغْلٍ مِنَ البِرِّ كَقِراءَةِ عِلْمٍ أو صَلاةٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِداخِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وقَرَأتْ فِرْقَةٌ -فِيما حَكى يَعْقُوبُ-: "مَرِحًا" بِكَسْرِ الراءِ عَلى بِناءِ اسْمِ الفاعِلِ، وهَذا المَعْنى يَتَرَتَّبُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ولَكِنْ يَحْسُنُ مَعَها مَعْنًى آخَرَ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ مَعَ القِراءَةِ الأولى، وهو بِهَذِهِ القِراءَةِ ألْيَقُ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾ أرادَ بِذَلِكَ: أيُّها المَرِحُ المُخْتالُ الفَخُورُ، لا تَخْرِقِ الأرْضَ، ولا تَطاوُلِ الجِبالَ بِفَخْرِكَ وكِبَرِكَ، وذَهَبَ بِالألْفاظِ إلى هَذا المَعْنى، ويَحْسُنُ ذَلِكَ مَعَ القِراءَةِ بِكَسْرِ الراءِ مِنَ المَرَحِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ نُهِيَ حِينَئِذٍ عَنِ التَخَلُّقِ بِالمَرَحِ في كُلِّ أوقاتِهِ؛ إذِ المَشْيُ في الأرْضِ لا يُفارِقُهُ، فَلَمْ يُنْهَ إلّا عن يَكُونُ مَرَحًا، وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى إنَّما نُهِيَ مَن لَيْسَ بِمَرَحٍ عن أنْ يَمْشِيَ في بَعْضِ أوقاتِهِ مَرَحًا، فَيَتَرَتَّبُ في المَرَحِ -بِكَسْرِ الراءِ- أنْ يُؤْخَذَ بِمَعْنى المُتَكَبِّرِ المُخْتالِ. وخَرْقُ الأرْضِ: قَطْعُها، والخَرْقُ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وخَرْقٍ تَجاوَزْتُ مَجْهُولَهُ ∗∗∗ بِوَجْناءَ خَرْقِ تَشَكّى الكَلالا ويُقالُ لِثُقْبِ الأرْضِ: خَرْقٌ، ولَيْسَ هَذا المَعْنى في الآيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ: ؎ وقاتِمُ الأعْماقِ خاوِي المُخْتَرِقْ (p-٤٨٢)وَقَرَأ الجَرّاحُ، والأعْرابِيُّ: "لَنْ تَخْرُقَ الأرْضَ" بِضَمِّ الراءِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُعْرَفُ هَذِهِ اللُغَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "سَيِّئَةً"، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، ومَسْرُوقٌ: "سَيِّئُهُ" عَلى إضافَةِ "سَيِّئٍ" إلى الضَمِيرِ، والإشارَةُ -عَلى القِراءَةِ الأُولى- إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا نُهِيَ عنهُ، كَقَوْلِ: أُفٍّ، وقَذْفِ الناسِ، والمَرَحِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، والإشارَةُ -عَلى القِراءَةِ الثانِيَةِ- إلى جَمِيعِ ما ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ مِن بِرٍّ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ اخْتَصَّ ذِكْرُ السَيِّئِ مِنهُ بِأنَّهُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى، فَأمّا مَن قَرَأ: "سَيِّئُهُ" بِالإضافَةِ إلى الضَمِيرِ فَإعْرابُ قِراءَتِهِ بَيِّنٌ و"سَيِّئٌ" اسْمُ "كانَ"، و"مَكْرُوهًا" خَبَرُهُ، وأمّا مَن قَرَأ: "سَيِّئَةً" فَهي الخَبَرُ لِـ "كانَ". واخْتَلَفَ الناسُ في إعْرابِ "مَكْرُوهًا" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو خَبَرٌ ثانٍ لِـ "كانَ" حَمَلَهُ عَلى لَفْظِ "كُلُّ"، و"سَيِّئَةً" مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى في جَمِيعِ هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو نَعْتٌ لِـ "سَيِّئَةً" لِأنَّهُ لَمّا كانَ تَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ جازَ أنْ تُوصَفَ بِمُذَكِّرٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ: إنَّ المُؤَنَّثَ إذا ذُكِّرَ فَإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ما بَعْدَهُ وِفْقَهُ، وإنَّما التَساهُلُ أنْ يَتَقَدَّمَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى المُؤَنَّثِ وهو في صِيغَةِ ما يُسْنَدُ إلى المُذَكَّرِ، ألّا تَرى أنَّ قَوْلَ الشاعِرِ: ؎ فُلًّا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقَها ∗∗∗ ∗∗∗ ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها (p-٤٨٣)مُسْتَقْبَحٌ عِنْدَهُمْ؟ ولَوْ قالَ قائِلٌ: أبْقَلَ أرْضٌ لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَكِنْ يَجُوزُ في قَوْلِهِ تَعالى: "مَكْرُوهًا" أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: "سَيِّئُهُ"، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الذَكَرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "عِنْدَ رَبِّكَ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "سَيِّئُهُ". وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "كانَ سَيِّئاتُهُ"، ورُوِيَ عنهُ "كانَ سَيِّئاتُ" بِغَيْرِ هاءٍ، ورُوِيَ عنهُ "كانَ خَبِيثُهُ". وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ النَواهِيَ كُلُّها مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ أوَّلًا: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] ولَيْسَ ذَلِكَ بِالبَيِّنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِمّا أوحى إلَيْكَ رَبُّكَ﴾ الآيَةُ. الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى هَذِهِ الآدابِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ، أيْ: هَذِهِ مِنَ الأفْعالِ المُحْكَمَةِ الَّتِي تَقْتَضِيها حِكْمَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في عِبادِهِ وخَلْقِهِ لَهم مَحاسِنُ الأخْلاقِ. و"الحِكْمَةُ": قَوانِينُ المَعانِي المُحْكَمَةِ والأفْعالُ الفاضِلَةُ، ثُمَّ عَطَفَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ النَواهِي. والخُطّابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ كُلُّ مِن سَمْعِ الآيَةِ مِنَ البَشَرِ، و"المَدْحُورُ": المُهانُ المُبْعَدُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ الآيَةُ، خِطابٌ لِلْعَرَبِ الَّتِي كانَتْ تَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ، فَقَرَّرَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ، أيْ: أنْتُمْ أيُّها البَشَرُ لَكُمُ الأعْلى مِنَ النَسْلِ ولِلَّهِ البَناتُ؟ فَلَمّا ظَهَرَ هَذا التَباعُدُ الَّذِي في قَوْلِهِمْ عَظَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ فَسادَ ما يَقُولُونَهُ وشُنْعَتَهُ، ومَعْناهُ: عَظِيمًا في المُنْكَرِ والوَخامَةِ. و"أصْفاكُمْ" مَعْناهُ: جَعَلَكم أصْحابَ الصَفْوَةِ. وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في اليَهُودِ لِأنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، مِن أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.

الإسراء 17:39

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضِ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ ﴿ذَلِكَ مِمّا أوحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "مَرَحًا" بِفَتْحِ الراءِ، مَصْدَرٌ مِن: مَرِحَ يَمْرَحُ إذا تَبَخْتَرَ مَسْرُورًا بِدُنْياهُ مُقْبِلًا عَلى راحَتِهِ، فَهَذا هو المَرَحُ، فَنُهِيَ الإنْسانُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ مَشْيُهُ في الأرْضِ عَلى هَذا الوَجْهِ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ لَنْ تَقْطَعَ الأرْضَ وتَمْسَحَها بِمَشْيِكَ، ولَنْ تَبْلُغَ أطْوالَ الجِبالِ فَتَنالُها طُولًا، فَإذا كُنْتَ لا تَسْتَوِي في الأرْضِ بِمَشْيِكَ فَقَصْرُكَ نَفْسَكَ عَلى ما يُوجِبُهُ الحَقُّ مِنَ المَشْيِ والتَصَرُّفِ أولى وأحَقُّ. وخُوطِبَ النَبِيُّ ﷺ بِهَذِهِ الآيَةِ والمُرادُ الناسُ كُلُّهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإقْبالُ الإنْسانِ عَلى الصَيْدِ ونَحْوَهُ تَنْزِهًا دُونَ حاجَةٍ إلى ذَلِكَ داخِلَ في هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا الرَجُلُ يَسْتَرِيحُ في اليَوْمِ النادِرِ والساعَةِ مِن يَوْمِهِ فَيَجُمُّ فِيها نَفْسَهُ في التَفَرُّجِ والراحَةِ (p-٤٨١)لِيَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلى شُغْلٍ مِنَ البِرِّ كَقِراءَةِ عِلْمٍ أو صَلاةٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِداخِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وقَرَأتْ فِرْقَةٌ -فِيما حَكى يَعْقُوبُ-: "مَرِحًا" بِكَسْرِ الراءِ عَلى بِناءِ اسْمِ الفاعِلِ، وهَذا المَعْنى يَتَرَتَّبُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ولَكِنْ يَحْسُنُ مَعَها مَعْنًى آخَرَ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ مَعَ القِراءَةِ الأولى، وهو بِهَذِهِ القِراءَةِ ألْيَقُ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾ أرادَ بِذَلِكَ: أيُّها المَرِحُ المُخْتالُ الفَخُورُ، لا تَخْرِقِ الأرْضَ، ولا تَطاوُلِ الجِبالَ بِفَخْرِكَ وكِبَرِكَ، وذَهَبَ بِالألْفاظِ إلى هَذا المَعْنى، ويَحْسُنُ ذَلِكَ مَعَ القِراءَةِ بِكَسْرِ الراءِ مِنَ المَرَحِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ نُهِيَ حِينَئِذٍ عَنِ التَخَلُّقِ بِالمَرَحِ في كُلِّ أوقاتِهِ؛ إذِ المَشْيُ في الأرْضِ لا يُفارِقُهُ، فَلَمْ يُنْهَ إلّا عن يَكُونُ مَرَحًا، وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى إنَّما نُهِيَ مَن لَيْسَ بِمَرَحٍ عن أنْ يَمْشِيَ في بَعْضِ أوقاتِهِ مَرَحًا، فَيَتَرَتَّبُ في المَرَحِ -بِكَسْرِ الراءِ- أنْ يُؤْخَذَ بِمَعْنى المُتَكَبِّرِ المُخْتالِ. وخَرْقُ الأرْضِ: قَطْعُها، والخَرْقُ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وخَرْقٍ تَجاوَزْتُ مَجْهُولَهُ ∗∗∗ بِوَجْناءَ خَرْقِ تَشَكّى الكَلالا ويُقالُ لِثُقْبِ الأرْضِ: خَرْقٌ، ولَيْسَ هَذا المَعْنى في الآيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ: ؎ وقاتِمُ الأعْماقِ خاوِي المُخْتَرِقْ (p-٤٨٢)وَقَرَأ الجَرّاحُ، والأعْرابِيُّ: "لَنْ تَخْرُقَ الأرْضَ" بِضَمِّ الراءِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُعْرَفُ هَذِهِ اللُغَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "سَيِّئَةً"، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، ومَسْرُوقٌ: "سَيِّئُهُ" عَلى إضافَةِ "سَيِّئٍ" إلى الضَمِيرِ، والإشارَةُ -عَلى القِراءَةِ الأُولى- إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا نُهِيَ عنهُ، كَقَوْلِ: أُفٍّ، وقَذْفِ الناسِ، والمَرَحِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، والإشارَةُ -عَلى القِراءَةِ الثانِيَةِ- إلى جَمِيعِ ما ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ مِن بِرٍّ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ اخْتَصَّ ذِكْرُ السَيِّئِ مِنهُ بِأنَّهُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى، فَأمّا مَن قَرَأ: "سَيِّئُهُ" بِالإضافَةِ إلى الضَمِيرِ فَإعْرابُ قِراءَتِهِ بَيِّنٌ و"سَيِّئٌ" اسْمُ "كانَ"، و"مَكْرُوهًا" خَبَرُهُ، وأمّا مَن قَرَأ: "سَيِّئَةً" فَهي الخَبَرُ لِـ "كانَ". واخْتَلَفَ الناسُ في إعْرابِ "مَكْرُوهًا" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو خَبَرٌ ثانٍ لِـ "كانَ" حَمَلَهُ عَلى لَفْظِ "كُلُّ"، و"سَيِّئَةً" مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى في جَمِيعِ هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو نَعْتٌ لِـ "سَيِّئَةً" لِأنَّهُ لَمّا كانَ تَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ جازَ أنْ تُوصَفَ بِمُذَكِّرٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ: إنَّ المُؤَنَّثَ إذا ذُكِّرَ فَإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ما بَعْدَهُ وِفْقَهُ، وإنَّما التَساهُلُ أنْ يَتَقَدَّمَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى المُؤَنَّثِ وهو في صِيغَةِ ما يُسْنَدُ إلى المُذَكَّرِ، ألّا تَرى أنَّ قَوْلَ الشاعِرِ: ؎ فُلًّا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقَها ∗∗∗ ∗∗∗ ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها (p-٤٨٣)مُسْتَقْبَحٌ عِنْدَهُمْ؟ ولَوْ قالَ قائِلٌ: أبْقَلَ أرْضٌ لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَكِنْ يَجُوزُ في قَوْلِهِ تَعالى: "مَكْرُوهًا" أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: "سَيِّئُهُ"، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الذَكَرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "عِنْدَ رَبِّكَ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "سَيِّئُهُ". وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "كانَ سَيِّئاتُهُ"، ورُوِيَ عنهُ "كانَ سَيِّئاتُ" بِغَيْرِ هاءٍ، ورُوِيَ عنهُ "كانَ خَبِيثُهُ". وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ النَواهِيَ كُلُّها مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ أوَّلًا: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] ولَيْسَ ذَلِكَ بِالبَيِّنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِمّا أوحى إلَيْكَ رَبُّكَ﴾ الآيَةُ. الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى هَذِهِ الآدابِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ، أيْ: هَذِهِ مِنَ الأفْعالِ المُحْكَمَةِ الَّتِي تَقْتَضِيها حِكْمَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في عِبادِهِ وخَلْقِهِ لَهم مَحاسِنُ الأخْلاقِ. و"الحِكْمَةُ": قَوانِينُ المَعانِي المُحْكَمَةِ والأفْعالُ الفاضِلَةُ، ثُمَّ عَطَفَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ النَواهِي. والخُطّابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ كُلُّ مِن سَمْعِ الآيَةِ مِنَ البَشَرِ، و"المَدْحُورُ": المُهانُ المُبْعَدُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ الآيَةُ، خِطابٌ لِلْعَرَبِ الَّتِي كانَتْ تَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ، فَقَرَّرَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ، أيْ: أنْتُمْ أيُّها البَشَرُ لَكُمُ الأعْلى مِنَ النَسْلِ ولِلَّهِ البَناتُ؟ فَلَمّا ظَهَرَ هَذا التَباعُدُ الَّذِي في قَوْلِهِمْ عَظَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ فَسادَ ما يَقُولُونَهُ وشُنْعَتَهُ، ومَعْناهُ: عَظِيمًا في المُنْكَرِ والوَخامَةِ. و"أصْفاكُمْ" مَعْناهُ: جَعَلَكم أصْحابَ الصَفْوَةِ. وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في اليَهُودِ لِأنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، مِن أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.

الإسراء 17:40

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضِ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ ﴿ذَلِكَ مِمّا أوحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "مَرَحًا" بِفَتْحِ الراءِ، مَصْدَرٌ مِن: مَرِحَ يَمْرَحُ إذا تَبَخْتَرَ مَسْرُورًا بِدُنْياهُ مُقْبِلًا عَلى راحَتِهِ، فَهَذا هو المَرَحُ، فَنُهِيَ الإنْسانُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ مَشْيُهُ في الأرْضِ عَلى هَذا الوَجْهِ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ لَنْ تَقْطَعَ الأرْضَ وتَمْسَحَها بِمَشْيِكَ، ولَنْ تَبْلُغَ أطْوالَ الجِبالِ فَتَنالُها طُولًا، فَإذا كُنْتَ لا تَسْتَوِي في الأرْضِ بِمَشْيِكَ فَقَصْرُكَ نَفْسَكَ عَلى ما يُوجِبُهُ الحَقُّ مِنَ المَشْيِ والتَصَرُّفِ أولى وأحَقُّ. وخُوطِبَ النَبِيُّ ﷺ بِهَذِهِ الآيَةِ والمُرادُ الناسُ كُلُّهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإقْبالُ الإنْسانِ عَلى الصَيْدِ ونَحْوَهُ تَنْزِهًا دُونَ حاجَةٍ إلى ذَلِكَ داخِلَ في هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا الرَجُلُ يَسْتَرِيحُ في اليَوْمِ النادِرِ والساعَةِ مِن يَوْمِهِ فَيَجُمُّ فِيها نَفْسَهُ في التَفَرُّجِ والراحَةِ (p-٤٨١)لِيَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلى شُغْلٍ مِنَ البِرِّ كَقِراءَةِ عِلْمٍ أو صَلاةٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِداخِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وقَرَأتْ فِرْقَةٌ -فِيما حَكى يَعْقُوبُ-: "مَرِحًا" بِكَسْرِ الراءِ عَلى بِناءِ اسْمِ الفاعِلِ، وهَذا المَعْنى يَتَرَتَّبُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ولَكِنْ يَحْسُنُ مَعَها مَعْنًى آخَرَ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ مَعَ القِراءَةِ الأولى، وهو بِهَذِهِ القِراءَةِ ألْيَقُ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾ أرادَ بِذَلِكَ: أيُّها المَرِحُ المُخْتالُ الفَخُورُ، لا تَخْرِقِ الأرْضَ، ولا تَطاوُلِ الجِبالَ بِفَخْرِكَ وكِبَرِكَ، وذَهَبَ بِالألْفاظِ إلى هَذا المَعْنى، ويَحْسُنُ ذَلِكَ مَعَ القِراءَةِ بِكَسْرِ الراءِ مِنَ المَرَحِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ نُهِيَ حِينَئِذٍ عَنِ التَخَلُّقِ بِالمَرَحِ في كُلِّ أوقاتِهِ؛ إذِ المَشْيُ في الأرْضِ لا يُفارِقُهُ، فَلَمْ يُنْهَ إلّا عن يَكُونُ مَرَحًا، وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى إنَّما نُهِيَ مَن لَيْسَ بِمَرَحٍ عن أنْ يَمْشِيَ في بَعْضِ أوقاتِهِ مَرَحًا، فَيَتَرَتَّبُ في المَرَحِ -بِكَسْرِ الراءِ- أنْ يُؤْخَذَ بِمَعْنى المُتَكَبِّرِ المُخْتالِ. وخَرْقُ الأرْضِ: قَطْعُها، والخَرْقُ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وخَرْقٍ تَجاوَزْتُ مَجْهُولَهُ ∗∗∗ بِوَجْناءَ خَرْقِ تَشَكّى الكَلالا ويُقالُ لِثُقْبِ الأرْضِ: خَرْقٌ، ولَيْسَ هَذا المَعْنى في الآيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ: ؎ وقاتِمُ الأعْماقِ خاوِي المُخْتَرِقْ (p-٤٨٢)وَقَرَأ الجَرّاحُ، والأعْرابِيُّ: "لَنْ تَخْرُقَ الأرْضَ" بِضَمِّ الراءِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُعْرَفُ هَذِهِ اللُغَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "سَيِّئَةً"، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، ومَسْرُوقٌ: "سَيِّئُهُ" عَلى إضافَةِ "سَيِّئٍ" إلى الضَمِيرِ، والإشارَةُ -عَلى القِراءَةِ الأُولى- إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا نُهِيَ عنهُ، كَقَوْلِ: أُفٍّ، وقَذْفِ الناسِ، والمَرَحِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، والإشارَةُ -عَلى القِراءَةِ الثانِيَةِ- إلى جَمِيعِ ما ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ مِن بِرٍّ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ اخْتَصَّ ذِكْرُ السَيِّئِ مِنهُ بِأنَّهُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى، فَأمّا مَن قَرَأ: "سَيِّئُهُ" بِالإضافَةِ إلى الضَمِيرِ فَإعْرابُ قِراءَتِهِ بَيِّنٌ و"سَيِّئٌ" اسْمُ "كانَ"، و"مَكْرُوهًا" خَبَرُهُ، وأمّا مَن قَرَأ: "سَيِّئَةً" فَهي الخَبَرُ لِـ "كانَ". واخْتَلَفَ الناسُ في إعْرابِ "مَكْرُوهًا" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو خَبَرٌ ثانٍ لِـ "كانَ" حَمَلَهُ عَلى لَفْظِ "كُلُّ"، و"سَيِّئَةً" مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى في جَمِيعِ هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو نَعْتٌ لِـ "سَيِّئَةً" لِأنَّهُ لَمّا كانَ تَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ جازَ أنْ تُوصَفَ بِمُذَكِّرٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ: إنَّ المُؤَنَّثَ إذا ذُكِّرَ فَإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ما بَعْدَهُ وِفْقَهُ، وإنَّما التَساهُلُ أنْ يَتَقَدَّمَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى المُؤَنَّثِ وهو في صِيغَةِ ما يُسْنَدُ إلى المُذَكَّرِ، ألّا تَرى أنَّ قَوْلَ الشاعِرِ: ؎ فُلًّا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقَها ∗∗∗ ∗∗∗ ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها (p-٤٨٣)مُسْتَقْبَحٌ عِنْدَهُمْ؟ ولَوْ قالَ قائِلٌ: أبْقَلَ أرْضٌ لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَكِنْ يَجُوزُ في قَوْلِهِ تَعالى: "مَكْرُوهًا" أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: "سَيِّئُهُ"، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الذَكَرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "عِنْدَ رَبِّكَ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "سَيِّئُهُ". وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "كانَ سَيِّئاتُهُ"، ورُوِيَ عنهُ "كانَ سَيِّئاتُ" بِغَيْرِ هاءٍ، ورُوِيَ عنهُ "كانَ خَبِيثُهُ". وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ النَواهِيَ كُلُّها مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ أوَّلًا: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] ولَيْسَ ذَلِكَ بِالبَيِّنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِمّا أوحى إلَيْكَ رَبُّكَ﴾ الآيَةُ. الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى هَذِهِ الآدابِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ، أيْ: هَذِهِ مِنَ الأفْعالِ المُحْكَمَةِ الَّتِي تَقْتَضِيها حِكْمَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في عِبادِهِ وخَلْقِهِ لَهم مَحاسِنُ الأخْلاقِ. و"الحِكْمَةُ": قَوانِينُ المَعانِي المُحْكَمَةِ والأفْعالُ الفاضِلَةُ، ثُمَّ عَطَفَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ النَواهِي. والخُطّابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ كُلُّ مِن سَمْعِ الآيَةِ مِنَ البَشَرِ، و"المَدْحُورُ": المُهانُ المُبْعَدُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ الآيَةُ، خِطابٌ لِلْعَرَبِ الَّتِي كانَتْ تَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ، فَقَرَّرَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ، أيْ: أنْتُمْ أيُّها البَشَرُ لَكُمُ الأعْلى مِنَ النَسْلِ ولِلَّهِ البَناتُ؟ فَلَمّا ظَهَرَ هَذا التَباعُدُ الَّذِي في قَوْلِهِمْ عَظَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ فَسادَ ما يَقُولُونَهُ وشُنْعَتَهُ، ومَعْناهُ: عَظِيمًا في المُنْكَرِ والوَخامَةِ. و"أصْفاكُمْ" مَعْناهُ: جَعَلَكم أصْحابَ الصَفْوَةِ. وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في اليَهُودِ لِأنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، مِن أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.

الإسراء 17:41

(p-٤٨٤)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلا نُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "صَرَّفْنا" بِتَشْدِيدِ الراءِ، عَلى مَعْنى: صَرَّفْنا فِيهِ الحِكَمَ والمَواعِظَ. وقَرَأ الحَسَنُ: "صَرَفْنا" بِتَخْفِيفِ الراءِ عَلى مَعْنى: صَرَفْنا فِيهِ الناسَ إلى الهُدى بِالدُعاءِ إلى اللهِ، وقالَ بَعْضُ مَن شَدَّدَ الراءَ: إنَّ قَوْلَهُ: "فِي" زائِدٌ، والتَقْدِيرُ: صَرَّفْنا هَذا القُرْآنَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَذَّكَّرُوا"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِيَذْكُرُوا" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، ويَحْيى، والأعْمَشِ. وما في ضِمْنِ الآيَةِ مِن تَرَجٍّ وطَماعِيَةٍ فَهو في حَقِّ البَشَرِ وبِحَسَبِ ظَنِّهِمْ فِيمَن يَفْعَلُ اللهُ مَعَهُ هَذا. و"النُفُورُ" عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الإعْراضِ، تَشْبِيهًا بِنُفُورِ الدابَّةِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ مَصْدَرٌ لا غَيْرَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ أنَّ في الإنْجِيلِ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: "يا بَنِي إسْرائِيلَ شَوَّقْناكم فَلَمْ تَشْتاقُوا، ونُحْنا لَكم فَلَمْ تَبْكُوا". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ﴾ الآيَةُ، إحْبارٌ بِالحُجَّةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ فَحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْناهُ: لِطَلَبِ هَؤُلاءِ الآلِهَةِ الزُلْفى إلى ذِي العَرْشِ، والقِرْبَةِ إلَيْهِ بِطاعَتِهِ، فَيَكُونُ "السَبِيلُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِمَعْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [المزمل: ١٩]، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، والنَقّاشُ وقالَهُ المُتَكَلِّمُونَ، أبُو مَنصُورُ وغَيْرُهُ-: إنَّ مَعْنى الكَلامِ: لابْتَغَوْا إلَيْهِ سَبِيلًا في إفْسادِ مُلْكِهِ ومُضاهاتِهِ في قُدْرَتِهِ. (p-٤٨٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا التَأْوِيلِ تَكُونُ الآيَةُ بَيانًا لِلتَّمانُعِ، وجارِيَةً مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وتَقْتَضِبُ شَيْئًا مِنَ الدَلِيلِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى غَيْرُهُ، وذَلِكَ عَلى ما قالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ: إنّا لَوْ فَرَضْناهُ لِفَرْضِنا أنْ يُرِيدَ أحَدُهُما تَسْكِينَ جِسْمٍ، والآخِرُ تَحْرِيكَهُ، ومُسْتَحِيلٌ أنْ تَنْفُذَ الإرادَتانِ، ومُسْتَحِيلٌ ألّا تَنْفُذَ جَمِيعًا، فَيَكُونُ الجِسْمُ لا مُتَحَرِّكًا ولا ساكِنًا، فَإذا تَمَّتْ إرادَةُ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ فَإنَّ الَّذِي لَمْ تَتِمُّ إرادَتُهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، فَإنْ قُلْنا نَفْرِضُهُما لا يَخْتَلِفانِ، قُلْنا: اخْتِلافُهُما جائِزٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا، والجائِزُ في حُكْمِ الواقِعِ. ودَلِيلٌ آخَرُ، إنَّهُ لَوْ كانَ الِاثْنانِ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونُوا ثَلاثَةً، وكَذَلِكَ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، ودَلِيلٌ آخَرُ: إنَّ الجُزْءَ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ مِنَ المُخْتَرَعاتِ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ إلّا قُدْرَةٌ واحِدَةٌ لا يَصِحُّ فِيها اشْتِراكٌ، والآخَرُ كَذَلِكَ، والآخِرُ كَذَلِكَ دَأبًا، فَكُلُّ جُزْءٍ فِيها اشْتِراكٌ، والآخَرُ كَذَلِكَ، والآخِرُ كَذَلِكَ دَأبًا، فَكُلُّ جُزْءٍ يَخْتَرِعُهُ واحِدٌ، وهَذِهِ نُبْذَةٌ شَرْحُها بِحَسَبِ التَقَصِّي يَطُولُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "كَما يَقُولُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَما تَقُولُونَ" بِالتاءِ. و"سُبْحانَهُ" مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَتْرُوكٌ إظْهارُهُ، فَهو بِمَعْنى التَنْزِيهِ، فَمَوْضِعُها هُنا مَوْضِعُ "تَنَزَّهَ"، فَلِذَلِكَ عُطِفَ الفِعْلُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: "وَتَعالى". و"التَعالِي" تَفاعُلٌ، أمّا في المُشاهِدِ في الأجْرامِ فَهو مِنَ اثْنَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا صَعَدَ في مَنزِلِهِ أو في جَبَلٍ، فَكَأنَّ ذَلِكَ يُعالِيهِ، وهو يُعالِي ويَرْتَقِي، وأمّا في جِهَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فالتَعالِي هو بِالقَدَرِ لا بِالإضافَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو: "عَمّا يَقُولُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عَمّا تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ. و"عُلُوًّا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الفِعْلِ، فَهو كَقَوْلِهِ سُبْحانُهُ ﴿واللهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧]، وهَذا كَثِيرٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ﴾ الآيَةُ. المَعْنى: يُنَزِّهُهُ عن هَذِهِ المَقالَةِ الَّتِي لَكُمْ، والِاشْتِراكِ الَّذِي أنْتُمْ بِسَبِيلِهِ، السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ، ثُمَّ أعادَ عَلى السَماواتِ والأرْضِ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لَمّا أسْنَدَ إلَيْها فِعْلَ العاقِلِ وهو التَسْبِيحُ، وقَوْلُهُ: (p-٤٨٦)﴿وَمَن فِيهِنَّ﴾ يُرِيدُ المَلائِكَةَ والإنْسَ والجِنَّ، ثُمَّ عَمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الأشْياءَ كُلَّها في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ: يُنَزِّهُ اللهَ ويَحْمَدُهُ ويُمَجِّدُهُ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في التَسْبِيحِ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَجُوُّزٌ، ومَعْناهُ إنْ كُلَّ شَيْءٍ تَبْدُو فِيهِ صَنْعَةُ الصانِعِ الدالَّةُ عَلَيْهِ، فَتَدْعُو رُؤْيَةُ ذَلِكَ إلى التَسْبِيحِ مِنَ المُعْتَبَرِ، ومِن حُجَّةِ هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ﴾ [ص: ١٨]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "مِن شَيْءٍ" لَفْظُ عُمُومٍ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ في كُلِّ حَيٍّ ونامٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ في الجَماداتِ البَحْتَةِ، فَمِن هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ: الشَجَرَةُ تُسَبِّحُ، والأُسْطُوانَةُ لا تُسَبِّحُ، وقالَ يَزِيدُ الرَقاشِي لِلْحَسَنِ وهُما في طَعامٍ، وقَدْ قُدِّمَ الخِوانُ: أيُسَبِّحُ هَذا الخِوانُ يا أبا سَعِيدٍ؟ قالَ: قَدْ كانَ يُسَبِّحُ مَرَّةً، يُرِيدُ أنَّ الشَجَرَةَ في زَمانِ نُمُوِّها واعْتِدالِها كانَتْ تُسَبِّحُ، فَمُذْ صارَتْ خِوانًا مَدْهُونًا أو نَحْوَهُ صارَتْ جَمادًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا التَسْبِيحُ حَقِيقَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ عَلى العُمُومِ يُسَبِّحُ تَسْبِيحًا لا يَسْمَعُهُ البَشَرُ ولا يَفْقَهُونَهُ، ولَوْ كانَ التَسْبِيحُ ما قالَهُ الآخَرُونَ مِن أنَّهُ أثَرُ الصَنْعَةِ لَكانَ أمْرًا مَفْهُومًا، والآيَةُ تَنْطِقُ بِأنَّ هَذا التَسْبِيحَ لا يُفْقَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْفَصِلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَفْقَهُونَ﴾ الكُفّارَ والغَفَلَةَ، أيْ أنَّهم يُعْرِضُونَ عَنِ الِاعْتِبارِ فَلا يَفْقَهُونَ حِكْمَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الأشْياءِ. وقالَ الحَسَنُ: بَلَغَنِي أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في التَوْراةِ، ذَكَرَ فِيهِ ألْفَ شَيْءٍ مِمّا يُسَبِّحُ، سَبَّحَتْ لَهُ السَماواتُ، سَبَّحَتْ لَهُ الأرْضُ، سَبَّحَ كَذا، سَبَّحَ كَذا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - وابْنِ عامِرٍ: "يُسَبِّحُ لَهُ" بِالياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ - وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ: "تُسَبِّحُ لَهُ" بِالتاءِ. والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَبَّحَتْ لَهُ السَماواتُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى إمْلائِهِ لَهُمْ، وصَفْحِهِ عنهم في الدُنْيا، وإمْهالِهِ لَهُمْ، مَعَ شَنِيعِ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: تَقُولُونَ قَوْلًا يُنَزِّهُهُ عنهُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ، إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا، فَلِذَلِكَ أمْهَلَكم.

الإسراء 17:42

(p-٤٨٤)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلا نُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "صَرَّفْنا" بِتَشْدِيدِ الراءِ، عَلى مَعْنى: صَرَّفْنا فِيهِ الحِكَمَ والمَواعِظَ. وقَرَأ الحَسَنُ: "صَرَفْنا" بِتَخْفِيفِ الراءِ عَلى مَعْنى: صَرَفْنا فِيهِ الناسَ إلى الهُدى بِالدُعاءِ إلى اللهِ، وقالَ بَعْضُ مَن شَدَّدَ الراءَ: إنَّ قَوْلَهُ: "فِي" زائِدٌ، والتَقْدِيرُ: صَرَّفْنا هَذا القُرْآنَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَذَّكَّرُوا"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِيَذْكُرُوا" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، ويَحْيى، والأعْمَشِ. وما في ضِمْنِ الآيَةِ مِن تَرَجٍّ وطَماعِيَةٍ فَهو في حَقِّ البَشَرِ وبِحَسَبِ ظَنِّهِمْ فِيمَن يَفْعَلُ اللهُ مَعَهُ هَذا. و"النُفُورُ" عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الإعْراضِ، تَشْبِيهًا بِنُفُورِ الدابَّةِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ مَصْدَرٌ لا غَيْرَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ أنَّ في الإنْجِيلِ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: "يا بَنِي إسْرائِيلَ شَوَّقْناكم فَلَمْ تَشْتاقُوا، ونُحْنا لَكم فَلَمْ تَبْكُوا". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ﴾ الآيَةُ، إحْبارٌ بِالحُجَّةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ فَحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْناهُ: لِطَلَبِ هَؤُلاءِ الآلِهَةِ الزُلْفى إلى ذِي العَرْشِ، والقِرْبَةِ إلَيْهِ بِطاعَتِهِ، فَيَكُونُ "السَبِيلُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِمَعْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [المزمل: ١٩]، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، والنَقّاشُ وقالَهُ المُتَكَلِّمُونَ، أبُو مَنصُورُ وغَيْرُهُ-: إنَّ مَعْنى الكَلامِ: لابْتَغَوْا إلَيْهِ سَبِيلًا في إفْسادِ مُلْكِهِ ومُضاهاتِهِ في قُدْرَتِهِ. (p-٤٨٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا التَأْوِيلِ تَكُونُ الآيَةُ بَيانًا لِلتَّمانُعِ، وجارِيَةً مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وتَقْتَضِبُ شَيْئًا مِنَ الدَلِيلِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى غَيْرُهُ، وذَلِكَ عَلى ما قالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ: إنّا لَوْ فَرَضْناهُ لِفَرْضِنا أنْ يُرِيدَ أحَدُهُما تَسْكِينَ جِسْمٍ، والآخِرُ تَحْرِيكَهُ، ومُسْتَحِيلٌ أنْ تَنْفُذَ الإرادَتانِ، ومُسْتَحِيلٌ ألّا تَنْفُذَ جَمِيعًا، فَيَكُونُ الجِسْمُ لا مُتَحَرِّكًا ولا ساكِنًا، فَإذا تَمَّتْ إرادَةُ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ فَإنَّ الَّذِي لَمْ تَتِمُّ إرادَتُهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، فَإنْ قُلْنا نَفْرِضُهُما لا يَخْتَلِفانِ، قُلْنا: اخْتِلافُهُما جائِزٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا، والجائِزُ في حُكْمِ الواقِعِ. ودَلِيلٌ آخَرُ، إنَّهُ لَوْ كانَ الِاثْنانِ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونُوا ثَلاثَةً، وكَذَلِكَ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، ودَلِيلٌ آخَرُ: إنَّ الجُزْءَ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ مِنَ المُخْتَرَعاتِ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ إلّا قُدْرَةٌ واحِدَةٌ لا يَصِحُّ فِيها اشْتِراكٌ، والآخَرُ كَذَلِكَ، والآخِرُ كَذَلِكَ دَأبًا، فَكُلُّ جُزْءٍ فِيها اشْتِراكٌ، والآخَرُ كَذَلِكَ، والآخِرُ كَذَلِكَ دَأبًا، فَكُلُّ جُزْءٍ يَخْتَرِعُهُ واحِدٌ، وهَذِهِ نُبْذَةٌ شَرْحُها بِحَسَبِ التَقَصِّي يَطُولُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "كَما يَقُولُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَما تَقُولُونَ" بِالتاءِ. و"سُبْحانَهُ" مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَتْرُوكٌ إظْهارُهُ، فَهو بِمَعْنى التَنْزِيهِ، فَمَوْضِعُها هُنا مَوْضِعُ "تَنَزَّهَ"، فَلِذَلِكَ عُطِفَ الفِعْلُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: "وَتَعالى". و"التَعالِي" تَفاعُلٌ، أمّا في المُشاهِدِ في الأجْرامِ فَهو مِنَ اثْنَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا صَعَدَ في مَنزِلِهِ أو في جَبَلٍ، فَكَأنَّ ذَلِكَ يُعالِيهِ، وهو يُعالِي ويَرْتَقِي، وأمّا في جِهَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فالتَعالِي هو بِالقَدَرِ لا بِالإضافَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو: "عَمّا يَقُولُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عَمّا تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ. و"عُلُوًّا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الفِعْلِ، فَهو كَقَوْلِهِ سُبْحانُهُ ﴿واللهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧]، وهَذا كَثِيرٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ﴾ الآيَةُ. المَعْنى: يُنَزِّهُهُ عن هَذِهِ المَقالَةِ الَّتِي لَكُمْ، والِاشْتِراكِ الَّذِي أنْتُمْ بِسَبِيلِهِ، السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ، ثُمَّ أعادَ عَلى السَماواتِ والأرْضِ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لَمّا أسْنَدَ إلَيْها فِعْلَ العاقِلِ وهو التَسْبِيحُ، وقَوْلُهُ: (p-٤٨٦)﴿وَمَن فِيهِنَّ﴾ يُرِيدُ المَلائِكَةَ والإنْسَ والجِنَّ، ثُمَّ عَمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الأشْياءَ كُلَّها في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ: يُنَزِّهُ اللهَ ويَحْمَدُهُ ويُمَجِّدُهُ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في التَسْبِيحِ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَجُوُّزٌ، ومَعْناهُ إنْ كُلَّ شَيْءٍ تَبْدُو فِيهِ صَنْعَةُ الصانِعِ الدالَّةُ عَلَيْهِ، فَتَدْعُو رُؤْيَةُ ذَلِكَ إلى التَسْبِيحِ مِنَ المُعْتَبَرِ، ومِن حُجَّةِ هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ﴾ [ص: ١٨]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "مِن شَيْءٍ" لَفْظُ عُمُومٍ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ في كُلِّ حَيٍّ ونامٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ في الجَماداتِ البَحْتَةِ، فَمِن هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ: الشَجَرَةُ تُسَبِّحُ، والأُسْطُوانَةُ لا تُسَبِّحُ، وقالَ يَزِيدُ الرَقاشِي لِلْحَسَنِ وهُما في طَعامٍ، وقَدْ قُدِّمَ الخِوانُ: أيُسَبِّحُ هَذا الخِوانُ يا أبا سَعِيدٍ؟ قالَ: قَدْ كانَ يُسَبِّحُ مَرَّةً، يُرِيدُ أنَّ الشَجَرَةَ في زَمانِ نُمُوِّها واعْتِدالِها كانَتْ تُسَبِّحُ، فَمُذْ صارَتْ خِوانًا مَدْهُونًا أو نَحْوَهُ صارَتْ جَمادًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا التَسْبِيحُ حَقِيقَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ عَلى العُمُومِ يُسَبِّحُ تَسْبِيحًا لا يَسْمَعُهُ البَشَرُ ولا يَفْقَهُونَهُ، ولَوْ كانَ التَسْبِيحُ ما قالَهُ الآخَرُونَ مِن أنَّهُ أثَرُ الصَنْعَةِ لَكانَ أمْرًا مَفْهُومًا، والآيَةُ تَنْطِقُ بِأنَّ هَذا التَسْبِيحَ لا يُفْقَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْفَصِلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَفْقَهُونَ﴾ الكُفّارَ والغَفَلَةَ، أيْ أنَّهم يُعْرِضُونَ عَنِ الِاعْتِبارِ فَلا يَفْقَهُونَ حِكْمَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الأشْياءِ. وقالَ الحَسَنُ: بَلَغَنِي أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في التَوْراةِ، ذَكَرَ فِيهِ ألْفَ شَيْءٍ مِمّا يُسَبِّحُ، سَبَّحَتْ لَهُ السَماواتُ، سَبَّحَتْ لَهُ الأرْضُ، سَبَّحَ كَذا، سَبَّحَ كَذا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - وابْنِ عامِرٍ: "يُسَبِّحُ لَهُ" بِالياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ - وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ: "تُسَبِّحُ لَهُ" بِالتاءِ. والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَبَّحَتْ لَهُ السَماواتُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى إمْلائِهِ لَهُمْ، وصَفْحِهِ عنهم في الدُنْيا، وإمْهالِهِ لَهُمْ، مَعَ شَنِيعِ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: تَقُولُونَ قَوْلًا يُنَزِّهُهُ عنهُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ، إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا، فَلِذَلِكَ أمْهَلَكم.

الإسراء 17:43

(p-٤٨٤)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلا نُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "صَرَّفْنا" بِتَشْدِيدِ الراءِ، عَلى مَعْنى: صَرَّفْنا فِيهِ الحِكَمَ والمَواعِظَ. وقَرَأ الحَسَنُ: "صَرَفْنا" بِتَخْفِيفِ الراءِ عَلى مَعْنى: صَرَفْنا فِيهِ الناسَ إلى الهُدى بِالدُعاءِ إلى اللهِ، وقالَ بَعْضُ مَن شَدَّدَ الراءَ: إنَّ قَوْلَهُ: "فِي" زائِدٌ، والتَقْدِيرُ: صَرَّفْنا هَذا القُرْآنَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَذَّكَّرُوا"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِيَذْكُرُوا" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، ويَحْيى، والأعْمَشِ. وما في ضِمْنِ الآيَةِ مِن تَرَجٍّ وطَماعِيَةٍ فَهو في حَقِّ البَشَرِ وبِحَسَبِ ظَنِّهِمْ فِيمَن يَفْعَلُ اللهُ مَعَهُ هَذا. و"النُفُورُ" عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الإعْراضِ، تَشْبِيهًا بِنُفُورِ الدابَّةِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ مَصْدَرٌ لا غَيْرَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ أنَّ في الإنْجِيلِ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: "يا بَنِي إسْرائِيلَ شَوَّقْناكم فَلَمْ تَشْتاقُوا، ونُحْنا لَكم فَلَمْ تَبْكُوا". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ﴾ الآيَةُ، إحْبارٌ بِالحُجَّةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ فَحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْناهُ: لِطَلَبِ هَؤُلاءِ الآلِهَةِ الزُلْفى إلى ذِي العَرْشِ، والقِرْبَةِ إلَيْهِ بِطاعَتِهِ، فَيَكُونُ "السَبِيلُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِمَعْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [المزمل: ١٩]، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، والنَقّاشُ وقالَهُ المُتَكَلِّمُونَ، أبُو مَنصُورُ وغَيْرُهُ-: إنَّ مَعْنى الكَلامِ: لابْتَغَوْا إلَيْهِ سَبِيلًا في إفْسادِ مُلْكِهِ ومُضاهاتِهِ في قُدْرَتِهِ. (p-٤٨٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا التَأْوِيلِ تَكُونُ الآيَةُ بَيانًا لِلتَّمانُعِ، وجارِيَةً مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وتَقْتَضِبُ شَيْئًا مِنَ الدَلِيلِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى غَيْرُهُ، وذَلِكَ عَلى ما قالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ: إنّا لَوْ فَرَضْناهُ لِفَرْضِنا أنْ يُرِيدَ أحَدُهُما تَسْكِينَ جِسْمٍ، والآخِرُ تَحْرِيكَهُ، ومُسْتَحِيلٌ أنْ تَنْفُذَ الإرادَتانِ، ومُسْتَحِيلٌ ألّا تَنْفُذَ جَمِيعًا، فَيَكُونُ الجِسْمُ لا مُتَحَرِّكًا ولا ساكِنًا، فَإذا تَمَّتْ إرادَةُ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ فَإنَّ الَّذِي لَمْ تَتِمُّ إرادَتُهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، فَإنْ قُلْنا نَفْرِضُهُما لا يَخْتَلِفانِ، قُلْنا: اخْتِلافُهُما جائِزٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا، والجائِزُ في حُكْمِ الواقِعِ. ودَلِيلٌ آخَرُ، إنَّهُ لَوْ كانَ الِاثْنانِ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونُوا ثَلاثَةً، وكَذَلِكَ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، ودَلِيلٌ آخَرُ: إنَّ الجُزْءَ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ مِنَ المُخْتَرَعاتِ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ إلّا قُدْرَةٌ واحِدَةٌ لا يَصِحُّ فِيها اشْتِراكٌ، والآخَرُ كَذَلِكَ، والآخِرُ كَذَلِكَ دَأبًا، فَكُلُّ جُزْءٍ فِيها اشْتِراكٌ، والآخَرُ كَذَلِكَ، والآخِرُ كَذَلِكَ دَأبًا، فَكُلُّ جُزْءٍ يَخْتَرِعُهُ واحِدٌ، وهَذِهِ نُبْذَةٌ شَرْحُها بِحَسَبِ التَقَصِّي يَطُولُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "كَما يَقُولُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَما تَقُولُونَ" بِالتاءِ. و"سُبْحانَهُ" مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَتْرُوكٌ إظْهارُهُ، فَهو بِمَعْنى التَنْزِيهِ، فَمَوْضِعُها هُنا مَوْضِعُ "تَنَزَّهَ"، فَلِذَلِكَ عُطِفَ الفِعْلُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: "وَتَعالى". و"التَعالِي" تَفاعُلٌ، أمّا في المُشاهِدِ في الأجْرامِ فَهو مِنَ اثْنَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا صَعَدَ في مَنزِلِهِ أو في جَبَلٍ، فَكَأنَّ ذَلِكَ يُعالِيهِ، وهو يُعالِي ويَرْتَقِي، وأمّا في جِهَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فالتَعالِي هو بِالقَدَرِ لا بِالإضافَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو: "عَمّا يَقُولُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عَمّا تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ. و"عُلُوًّا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الفِعْلِ، فَهو كَقَوْلِهِ سُبْحانُهُ ﴿واللهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧]، وهَذا كَثِيرٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ﴾ الآيَةُ. المَعْنى: يُنَزِّهُهُ عن هَذِهِ المَقالَةِ الَّتِي لَكُمْ، والِاشْتِراكِ الَّذِي أنْتُمْ بِسَبِيلِهِ، السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ، ثُمَّ أعادَ عَلى السَماواتِ والأرْضِ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لَمّا أسْنَدَ إلَيْها فِعْلَ العاقِلِ وهو التَسْبِيحُ، وقَوْلُهُ: (p-٤٨٦)﴿وَمَن فِيهِنَّ﴾ يُرِيدُ المَلائِكَةَ والإنْسَ والجِنَّ، ثُمَّ عَمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الأشْياءَ كُلَّها في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ: يُنَزِّهُ اللهَ ويَحْمَدُهُ ويُمَجِّدُهُ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في التَسْبِيحِ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَجُوُّزٌ، ومَعْناهُ إنْ كُلَّ شَيْءٍ تَبْدُو فِيهِ صَنْعَةُ الصانِعِ الدالَّةُ عَلَيْهِ، فَتَدْعُو رُؤْيَةُ ذَلِكَ إلى التَسْبِيحِ مِنَ المُعْتَبَرِ، ومِن حُجَّةِ هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ﴾ [ص: ١٨]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "مِن شَيْءٍ" لَفْظُ عُمُومٍ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ في كُلِّ حَيٍّ ونامٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ في الجَماداتِ البَحْتَةِ، فَمِن هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ: الشَجَرَةُ تُسَبِّحُ، والأُسْطُوانَةُ لا تُسَبِّحُ، وقالَ يَزِيدُ الرَقاشِي لِلْحَسَنِ وهُما في طَعامٍ، وقَدْ قُدِّمَ الخِوانُ: أيُسَبِّحُ هَذا الخِوانُ يا أبا سَعِيدٍ؟ قالَ: قَدْ كانَ يُسَبِّحُ مَرَّةً، يُرِيدُ أنَّ الشَجَرَةَ في زَمانِ نُمُوِّها واعْتِدالِها كانَتْ تُسَبِّحُ، فَمُذْ صارَتْ خِوانًا مَدْهُونًا أو نَحْوَهُ صارَتْ جَمادًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا التَسْبِيحُ حَقِيقَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ عَلى العُمُومِ يُسَبِّحُ تَسْبِيحًا لا يَسْمَعُهُ البَشَرُ ولا يَفْقَهُونَهُ، ولَوْ كانَ التَسْبِيحُ ما قالَهُ الآخَرُونَ مِن أنَّهُ أثَرُ الصَنْعَةِ لَكانَ أمْرًا مَفْهُومًا، والآيَةُ تَنْطِقُ بِأنَّ هَذا التَسْبِيحَ لا يُفْقَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْفَصِلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَفْقَهُونَ﴾ الكُفّارَ والغَفَلَةَ، أيْ أنَّهم يُعْرِضُونَ عَنِ الِاعْتِبارِ فَلا يَفْقَهُونَ حِكْمَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الأشْياءِ. وقالَ الحَسَنُ: بَلَغَنِي أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في التَوْراةِ، ذَكَرَ فِيهِ ألْفَ شَيْءٍ مِمّا يُسَبِّحُ، سَبَّحَتْ لَهُ السَماواتُ، سَبَّحَتْ لَهُ الأرْضُ، سَبَّحَ كَذا، سَبَّحَ كَذا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - وابْنِ عامِرٍ: "يُسَبِّحُ لَهُ" بِالياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ - وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ: "تُسَبِّحُ لَهُ" بِالتاءِ. والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَبَّحَتْ لَهُ السَماواتُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى إمْلائِهِ لَهُمْ، وصَفْحِهِ عنهم في الدُنْيا، وإمْهالِهِ لَهُمْ، مَعَ شَنِيعِ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: تَقُولُونَ قَوْلًا يُنَزِّهُهُ عنهُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ، إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا، فَلِذَلِكَ أمْهَلَكم.

الإسراء 17:44

(p-٤٨٤)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلا نُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "صَرَّفْنا" بِتَشْدِيدِ الراءِ، عَلى مَعْنى: صَرَّفْنا فِيهِ الحِكَمَ والمَواعِظَ. وقَرَأ الحَسَنُ: "صَرَفْنا" بِتَخْفِيفِ الراءِ عَلى مَعْنى: صَرَفْنا فِيهِ الناسَ إلى الهُدى بِالدُعاءِ إلى اللهِ، وقالَ بَعْضُ مَن شَدَّدَ الراءَ: إنَّ قَوْلَهُ: "فِي" زائِدٌ، والتَقْدِيرُ: صَرَّفْنا هَذا القُرْآنَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَذَّكَّرُوا"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِيَذْكُرُوا" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، ويَحْيى، والأعْمَشِ. وما في ضِمْنِ الآيَةِ مِن تَرَجٍّ وطَماعِيَةٍ فَهو في حَقِّ البَشَرِ وبِحَسَبِ ظَنِّهِمْ فِيمَن يَفْعَلُ اللهُ مَعَهُ هَذا. و"النُفُورُ" عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الإعْراضِ، تَشْبِيهًا بِنُفُورِ الدابَّةِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ مَصْدَرٌ لا غَيْرَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ أنَّ في الإنْجِيلِ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: "يا بَنِي إسْرائِيلَ شَوَّقْناكم فَلَمْ تَشْتاقُوا، ونُحْنا لَكم فَلَمْ تَبْكُوا". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ﴾ الآيَةُ، إحْبارٌ بِالحُجَّةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ فَحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْناهُ: لِطَلَبِ هَؤُلاءِ الآلِهَةِ الزُلْفى إلى ذِي العَرْشِ، والقِرْبَةِ إلَيْهِ بِطاعَتِهِ، فَيَكُونُ "السَبِيلُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِمَعْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [المزمل: ١٩]، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، والنَقّاشُ وقالَهُ المُتَكَلِّمُونَ، أبُو مَنصُورُ وغَيْرُهُ-: إنَّ مَعْنى الكَلامِ: لابْتَغَوْا إلَيْهِ سَبِيلًا في إفْسادِ مُلْكِهِ ومُضاهاتِهِ في قُدْرَتِهِ. (p-٤٨٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا التَأْوِيلِ تَكُونُ الآيَةُ بَيانًا لِلتَّمانُعِ، وجارِيَةً مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وتَقْتَضِبُ شَيْئًا مِنَ الدَلِيلِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى غَيْرُهُ، وذَلِكَ عَلى ما قالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ: إنّا لَوْ فَرَضْناهُ لِفَرْضِنا أنْ يُرِيدَ أحَدُهُما تَسْكِينَ جِسْمٍ، والآخِرُ تَحْرِيكَهُ، ومُسْتَحِيلٌ أنْ تَنْفُذَ الإرادَتانِ، ومُسْتَحِيلٌ ألّا تَنْفُذَ جَمِيعًا، فَيَكُونُ الجِسْمُ لا مُتَحَرِّكًا ولا ساكِنًا، فَإذا تَمَّتْ إرادَةُ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ فَإنَّ الَّذِي لَمْ تَتِمُّ إرادَتُهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، فَإنْ قُلْنا نَفْرِضُهُما لا يَخْتَلِفانِ، قُلْنا: اخْتِلافُهُما جائِزٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا، والجائِزُ في حُكْمِ الواقِعِ. ودَلِيلٌ آخَرُ، إنَّهُ لَوْ كانَ الِاثْنانِ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونُوا ثَلاثَةً، وكَذَلِكَ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، ودَلِيلٌ آخَرُ: إنَّ الجُزْءَ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ مِنَ المُخْتَرَعاتِ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ إلّا قُدْرَةٌ واحِدَةٌ لا يَصِحُّ فِيها اشْتِراكٌ، والآخَرُ كَذَلِكَ، والآخِرُ كَذَلِكَ دَأبًا، فَكُلُّ جُزْءٍ فِيها اشْتِراكٌ، والآخَرُ كَذَلِكَ، والآخِرُ كَذَلِكَ دَأبًا، فَكُلُّ جُزْءٍ يَخْتَرِعُهُ واحِدٌ، وهَذِهِ نُبْذَةٌ شَرْحُها بِحَسَبِ التَقَصِّي يَطُولُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "كَما يَقُولُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَما تَقُولُونَ" بِالتاءِ. و"سُبْحانَهُ" مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَتْرُوكٌ إظْهارُهُ، فَهو بِمَعْنى التَنْزِيهِ، فَمَوْضِعُها هُنا مَوْضِعُ "تَنَزَّهَ"، فَلِذَلِكَ عُطِفَ الفِعْلُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: "وَتَعالى". و"التَعالِي" تَفاعُلٌ، أمّا في المُشاهِدِ في الأجْرامِ فَهو مِنَ اثْنَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا صَعَدَ في مَنزِلِهِ أو في جَبَلٍ، فَكَأنَّ ذَلِكَ يُعالِيهِ، وهو يُعالِي ويَرْتَقِي، وأمّا في جِهَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فالتَعالِي هو بِالقَدَرِ لا بِالإضافَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو: "عَمّا يَقُولُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عَمّا تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ. و"عُلُوًّا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الفِعْلِ، فَهو كَقَوْلِهِ سُبْحانُهُ ﴿واللهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧]، وهَذا كَثِيرٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ﴾ الآيَةُ. المَعْنى: يُنَزِّهُهُ عن هَذِهِ المَقالَةِ الَّتِي لَكُمْ، والِاشْتِراكِ الَّذِي أنْتُمْ بِسَبِيلِهِ، السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ، ثُمَّ أعادَ عَلى السَماواتِ والأرْضِ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لَمّا أسْنَدَ إلَيْها فِعْلَ العاقِلِ وهو التَسْبِيحُ، وقَوْلُهُ: (p-٤٨٦)﴿وَمَن فِيهِنَّ﴾ يُرِيدُ المَلائِكَةَ والإنْسَ والجِنَّ، ثُمَّ عَمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الأشْياءَ كُلَّها في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ: يُنَزِّهُ اللهَ ويَحْمَدُهُ ويُمَجِّدُهُ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في التَسْبِيحِ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَجُوُّزٌ، ومَعْناهُ إنْ كُلَّ شَيْءٍ تَبْدُو فِيهِ صَنْعَةُ الصانِعِ الدالَّةُ عَلَيْهِ، فَتَدْعُو رُؤْيَةُ ذَلِكَ إلى التَسْبِيحِ مِنَ المُعْتَبَرِ، ومِن حُجَّةِ هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ﴾ [ص: ١٨]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "مِن شَيْءٍ" لَفْظُ عُمُومٍ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ في كُلِّ حَيٍّ ونامٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ في الجَماداتِ البَحْتَةِ، فَمِن هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ: الشَجَرَةُ تُسَبِّحُ، والأُسْطُوانَةُ لا تُسَبِّحُ، وقالَ يَزِيدُ الرَقاشِي لِلْحَسَنِ وهُما في طَعامٍ، وقَدْ قُدِّمَ الخِوانُ: أيُسَبِّحُ هَذا الخِوانُ يا أبا سَعِيدٍ؟ قالَ: قَدْ كانَ يُسَبِّحُ مَرَّةً، يُرِيدُ أنَّ الشَجَرَةَ في زَمانِ نُمُوِّها واعْتِدالِها كانَتْ تُسَبِّحُ، فَمُذْ صارَتْ خِوانًا مَدْهُونًا أو نَحْوَهُ صارَتْ جَمادًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا التَسْبِيحُ حَقِيقَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ عَلى العُمُومِ يُسَبِّحُ تَسْبِيحًا لا يَسْمَعُهُ البَشَرُ ولا يَفْقَهُونَهُ، ولَوْ كانَ التَسْبِيحُ ما قالَهُ الآخَرُونَ مِن أنَّهُ أثَرُ الصَنْعَةِ لَكانَ أمْرًا مَفْهُومًا، والآيَةُ تَنْطِقُ بِأنَّ هَذا التَسْبِيحَ لا يُفْقَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْفَصِلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَفْقَهُونَ﴾ الكُفّارَ والغَفَلَةَ، أيْ أنَّهم يُعْرِضُونَ عَنِ الِاعْتِبارِ فَلا يَفْقَهُونَ حِكْمَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الأشْياءِ. وقالَ الحَسَنُ: بَلَغَنِي أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في التَوْراةِ، ذَكَرَ فِيهِ ألْفَ شَيْءٍ مِمّا يُسَبِّحُ، سَبَّحَتْ لَهُ السَماواتُ، سَبَّحَتْ لَهُ الأرْضُ، سَبَّحَ كَذا، سَبَّحَ كَذا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - وابْنِ عامِرٍ: "يُسَبِّحُ لَهُ" بِالياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ - وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ: "تُسَبِّحُ لَهُ" بِالتاءِ. والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَبَّحَتْ لَهُ السَماواتُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى إمْلائِهِ لَهُمْ، وصَفْحِهِ عنهم في الدُنْيا، وإمْهالِهِ لَهُمْ، مَعَ شَنِيعِ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: تَقُولُونَ قَوْلًا يُنَزِّهُهُ عنهُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ، إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا، فَلِذَلِكَ أمْهَلَكم.