Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — الإسراء 17:99 – الكهف 18:50
المحتويات
- الإسراء 17:99
- الإسراء 17:100
- الإسراء 17:101
- الإسراء 17:102
- الإسراء 17:103
- الإسراء 17:104
- الإسراء 17:105
- الإسراء 17:106
- الإسراء 17:107
- الإسراء 17:108
- الإسراء 17:109
- الإسراء 17:110
- الإسراء 17:111
- الكهف 18:1
- الكهف 18:2
- الكهف 18:3
- الكهف 18:4
- الكهف 18:5
- الكهف 18:6
- الكهف 18:7
- الكهف 18:8
- الكهف 18:9
- الكهف 18:10
- الكهف 18:11
- الكهف 18:12
- الكهف 18:13
- الكهف 18:14
- الكهف 18:15
- الكهف 18:16
- الكهف 18:17
- الكهف 18:18
- الكهف 18:19
- الكهف 18:20
- الكهف 18:21
- الكهف 18:22
- الكهف 18:23
- الكهف 18:24
- الكهف 18:25
- الكهف 18:26
- الكهف 18:27
- الكهف 18:28
- الكهف 18:29
- الكهف 18:30
- الكهف 18:31
- الكهف 18:32
- الكهف 18:33
- الكهف 18:34
- الكهف 18:35
- الكهف 18:36
- الكهف 18:37
- الكهف 18:38
- الكهف 18:39
- الكهف 18:40
- الكهف 18:41
- الكهف 18:42
- الكهف 18:43
- الكهف 18:44
- الكهف 18:45
- الكهف 18:46
- الكهف 18:47
- الكهف 18:48
- الكهف 18:49
- الكهف 18:50
الإسراء 17:99
(p-٥٤٩)قوله عزّ وجلّ:
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنَّ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظالِمُونَ إلا كُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾
هَذِهِ الآيَةُ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ فِيما اسْتَبْعَدُوهُ مِنَ البَعْثِ، وذَلِكَ أنَّهم قَرَّرُوا عَلى خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي البَشَرُ جُزْءٌ مِنها، فَهم لا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ لَهم أنْ يُقِرُّوا بِخَلْقِهِ لِلْكُلِّ وإخْراجِهِ مِن خُمُولِ العَدَمِ ويُنْكِرُونَ إعادَتَهُ لِلْبَعْضِ؟ فَحَصَلَ الأمْرُ في حَيِّزِ الجَوازِ. وأخْبَرَ الصادِقُ الَّذِي قامَتْ دَلائِلُ مُعْجِزاتِهِ بِوُقُوعِ ذَلِكَ الجائِزِ. والرُؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ القَلْبِ، و"الأجَلُ" ها هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ القِيامَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أجْلَ المَوْتِ، والأجْلُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- اسْمُ جِنْسٍ؛ لِأنَّهُ وضَعَهُ مَوْضِعَ الآجالِ. ومَقْصِدُ هَذا الكَلامِ بَيانُ قُدْرَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ومُلْكِهِ لِخَلْقِهِ، وبِتَقْرِيرِ ذَلِكَ يَقْوى جَوازُ بَعَثِهِ لَهم حِينَ يَشاءُ لا إلَهَ إلّا هو. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأبى" عِبارَةٌ عن تَكَسُّبِهِمْ وجُنُوحِهِمْ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ آنِفًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ الآيَةَ. حُكْمُ "لَوْ" أنْ يَلِيَها الفِعْلُ، إمّا مُظْهَرًا وإمّا مُضْمَرًا يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فالتَقْدِيرُ هُنا: قُلْ لَوْ تَمْلِكُونَ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ، فَـ "أنْتُمْ" رُفِعَ عَلى تَبَعِ الضَمِيرِ، و"الرَحْمَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المالُ والنِعَمُ الَّتِي تُصْرَفُ في الأرْزاقِ، ومِن هَذا سُمِّيَتْ رَحْمَةٌ. و"الإنْفاقُ" المَعْرُوفُ: إذْهابُ المالِ. وهو مُؤَدٍّ إلى الفَقْرِ، فَكَأنَّ المَعْنى: خَشْيَةَ عاقِبَةِ الإنْفاقِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "أنْفَقَ الرَجُلُ" مَعْناهُ: افْتَقَرَ.
(p-٥٥٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ مَعْناهُ: مُمْسِكًا، يُرِيدُ أنَّ في طَبْعِهِ ومُنْتَهى نَظَرِهِ أنَّ الأشْياءَ تَتَناهى وتَفْنى، فَهو لَوْ مَلَكَ خَزائِنَ رَحْمَةِ اللهِ لَأمْسَكَ خَشْيَةَ الفَقْرِ، وكَذَلِكَ يَظُنُّ أنَّ قُدْرَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى تَقِفُ دُونَ البَعْثِ، والأمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ قُدْرَتُهُ لا تَتَناهى، فَهو يَخْتَرِعُ مِنَ الخَلْقِ ما يَشاءُ، ويَخْتَزِنُ مِنَ الرَحْمَةِ الأرْزاقَ، فَلا يَخافُ نَفاذَ خَزائِنِ رَحْمَتِهِ، وبِهَذا النَظَرِ تَلْتَبِسُ هَذِهِ الآيَةُ بِما قَبِلَها، واللهُ ولِيُّ التَوْفِيقِ بِرَحْمَتِهِ، ومِنَ الإقْتارِ قَوْلُ أبِي داوُدَ:
؎ لا أعُدُّ الإقْتارَ عُدْمًا ولَكِنْ ∗∗∗ فَقْدُ مَن قَدْ رُزِئْتُهُ الإعْدامُ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾. اتَّفَقَ المُتَأوِّلُونَ والرُواةُ أنَّ الآياتِ الخَمْسَ الَّتِي في سُورَةِ الأعْرافِ هي مِن هَذِهِ التِسْعِ، وهِيَ: الطُوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَفادِعُ، والدَمُ. واخْتَلَفُوا في الأرْبَعِ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي يَدُهُ، ولِسانُهُ حِينَ انْحَلَّتْ عُقْدَتُهُ، وعَصاهُ، والبَحْرُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: هِيَ: البَحْرُ، والعَصا، والطَمْسَةُ، والحَجَرُ، وقالَ: سَألَنِي عن ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: وما الطَمْسَةُ؟ فَقُلْتُ: دَعا مُوسى وأمَّنَ هارُونُ عَلَيْهِما السَلامُ، فَطَمَسَ اللهُ أمْوالَهم ورَدَّها حِجارَةً. فَقالَ عُمَرُ: وهَلْ يَكُونُ الفِقْهُ إلّا هَكَذا؟ ثُمَّ دَعا بِخَرِيطَةٍ فِيها غَرائِبُ كانَتْ لِعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ مَرْوانٍ جَمَعَها بِمِصْرَ، فاسْتَخْرَجَ مِنها الحَوْزَةَ والبَيْضَةَ والعَدَسَةَ، وهي كُلُّها أحْجارٌ كانَتْ مِن بَقايا أمْوالِ فِرْعَوْنَ، وقالَ الضَحّاكُ: هي إلْقاءُ العَصا مَرَّتَيْنِ، واليَدُ، وعُقْدَةُ لِسانِهِ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ومَطَرٌ الوَرّاقُ، والشَعْبِيُّ: هي العَصا، واليَدُ، والسُنُونَ، ونَقْصُ الثَمَراتِ. وقالَ الحَسَنُ: هي العَصا في كَوْنِها ثُعْبانًا، واليَدُ، والسُنُونَ، وتَلْقَفُ العَصا ما يَأْفِكُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي السُنُونَ في بَوادِيهِمْ، ونَقْصُ الثَمَراتِ في قُراهُمْ، (p-٥٥١)واليَدِ، والعَصا. ورَوى مَصْرِفٌ عن مالِكٍ أنَّها العَصا، واليَدُ، والجَبَلُ إذْ نَتَقَ، والبَحْرُ. ورَوى ابْنُ وهْبٍ عنهُ مَكانُ البَحْرِ الحَجَرُ، والَّذِي يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى خَصَّ مِن آياتِ مُوسى -إذْ هي كَثِيرَةٌ جِدًّا تَنِيفُ عَلى أرْبَعٍ وعِشْرِينَ- تِسْعًا بِالذِكْرِ، ووَصَفَها بِالبَيانِ ولَمْ يُعَيِّنْها، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِها بِحَسْبَ اجْتِهادِهِمْ في بَيانِها، أو رِواياتِهِمُ التَوْقِيفِيَّةِ في ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: آياتُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما أُرِيدَ بِها آياتُ التَوْراةِ الَّتِي هي أوامِرُ ونَواهٍ، ورَوى في هَذا صَفْوانُ بْنُ عَسّالٍ «أنْ يَهُودِيًّا مِن يَهُودِ المَدِينَةِ قالَ لِآخَرَ: سِرْ بِنا إلى هَذا النَبِيِّ نَسْألُهُ عن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ-، فَقالَ لَهُ الآخَرُ: لا تَقُلْ إنَّهُ نَبِيٌّ، فَإنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ صارَ لَهُ أرْبَعَةُ أعْيُنٍ، قالَ: فَسارا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ: فَسَألُوهُ، فَقالَ: هي ألّا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلّا بِالحَقِّ، ولا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلى سُلْطانٍ لِيَقْتُلَهُ، ولا تَسْخَرُوا، ولا تَأْكُلُوا الرِبا، ولا تَقْذِفُوا المُحْصَنَةَ، ولا تَفِرُّوا يَوْمَ الزَحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةٌ يَهُودٌ: ولا تَعُدُوا في السَبْتِ.»
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ: "فَسَلْ" عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "سَألَ يَسْألُ"، وهَذا كُلُّهُ عَلى مَعْنى الأمْرِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أيِ: اسْألْ مُعاصِرِيكَ عَمّا أعْلَمْناكَ بِهِ مِن غَيْبِ القِصَّةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إذْ جاءَهُمُ﴾ [الإسراء: ٩٤]، يُرِيدُ: آباءَهُمْ، وأدْخَلَهم في الضَمِيرِ إذْ هم مِنهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ جاءَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وتَكُونُ إحالَتُهُ إيّاهُ عَلى سُؤالِهِمْ بِطَلَبِ إخْبارِهِمْ والنَظَرِ في أحْوالِهِمْ وما في كُتُبِهِمْ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥]، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن تَعِظُهُ: سَلِ الأُمَمَ الخالِيَةَ هَلْ بَقِيَ مِنها مُخَلَّدٌ؟ ونَحْوَ هَذا مِمّا يُجْعَلُ النَظَرُ فِيهِ (p-٥٥٢)مَكانَ السُؤالِ. قالَ الحَسَنُ: سُؤالُكَ نَظَرُكَ في القُرْآنِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فَسَألَ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: سَألَ مُوسى فِرْعَوْنَ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ طَلَبَهم لِيُنْجِيَهم مِنَ العَذابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "مَسْحُورًا"، اخْتَلَفَ فِيهِ المُتَأوِّلُونَ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَفْعُولٌ عَلى بابِهِ، أيْ: إنَّكَ قَدْ سُحِرْتَ فَكَلامُكَ مُخْتَلٌّ وما تَأْتِي بِهِ غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ. وقالَ الطَبَرِيٌّ: هو مَفْعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]، وكَما قالُوا: مَشْؤُومٌ ومَيْمُونٌ، وإنَّما هُوَ: شايِمٌ ويامِنٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا لا يَتَخَرَّجُ إلّا عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا سِحْرٍ مَلَكْتَهُ وعَلِمْتَهُ، فَأنْتَ تَأْتِي بِهَذِهِ الغَرائِبِ لِذَلِكَ. وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ تَنْقُصُ، فَيَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ "مَسْحُورًا" مَفْعُولًا عَلى ظاهِرِهِ، وعَلى أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: ساحِرٌ يُعارِضُنا، "أمّا" ما حُكِيَ عنهم أنَّهم قالُوا لَهُ -عَلى جِهَةِ المَدْحِ-: ﴿يا أيُّهَ الساحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] فَإمّا أنْ يَكُونَ القائِلُونَ هُنالِكَ لَيْسَ فِيهِمْ فِرْعَوْنُ، وإمّا أنْ يَكُونَ فِيهِمْ لَكِنَّهُ تَنَقُّلٌ مَن تَنَقُّصِهِ إلى تَعْظِيمِهِ. وفي هَذا نَظَرٌ.
الإسراء 17:100
(p-٥٤٩)قوله عزّ وجلّ:
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنَّ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظالِمُونَ إلا كُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾
هَذِهِ الآيَةُ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ فِيما اسْتَبْعَدُوهُ مِنَ البَعْثِ، وذَلِكَ أنَّهم قَرَّرُوا عَلى خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي البَشَرُ جُزْءٌ مِنها، فَهم لا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ لَهم أنْ يُقِرُّوا بِخَلْقِهِ لِلْكُلِّ وإخْراجِهِ مِن خُمُولِ العَدَمِ ويُنْكِرُونَ إعادَتَهُ لِلْبَعْضِ؟ فَحَصَلَ الأمْرُ في حَيِّزِ الجَوازِ. وأخْبَرَ الصادِقُ الَّذِي قامَتْ دَلائِلُ مُعْجِزاتِهِ بِوُقُوعِ ذَلِكَ الجائِزِ. والرُؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ القَلْبِ، و"الأجَلُ" ها هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ القِيامَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أجْلَ المَوْتِ، والأجْلُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- اسْمُ جِنْسٍ؛ لِأنَّهُ وضَعَهُ مَوْضِعَ الآجالِ. ومَقْصِدُ هَذا الكَلامِ بَيانُ قُدْرَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ومُلْكِهِ لِخَلْقِهِ، وبِتَقْرِيرِ ذَلِكَ يَقْوى جَوازُ بَعَثِهِ لَهم حِينَ يَشاءُ لا إلَهَ إلّا هو. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأبى" عِبارَةٌ عن تَكَسُّبِهِمْ وجُنُوحِهِمْ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ آنِفًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ الآيَةَ. حُكْمُ "لَوْ" أنْ يَلِيَها الفِعْلُ، إمّا مُظْهَرًا وإمّا مُضْمَرًا يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فالتَقْدِيرُ هُنا: قُلْ لَوْ تَمْلِكُونَ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ، فَـ "أنْتُمْ" رُفِعَ عَلى تَبَعِ الضَمِيرِ، و"الرَحْمَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المالُ والنِعَمُ الَّتِي تُصْرَفُ في الأرْزاقِ، ومِن هَذا سُمِّيَتْ رَحْمَةٌ. و"الإنْفاقُ" المَعْرُوفُ: إذْهابُ المالِ. وهو مُؤَدٍّ إلى الفَقْرِ، فَكَأنَّ المَعْنى: خَشْيَةَ عاقِبَةِ الإنْفاقِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "أنْفَقَ الرَجُلُ" مَعْناهُ: افْتَقَرَ.
(p-٥٥٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ مَعْناهُ: مُمْسِكًا، يُرِيدُ أنَّ في طَبْعِهِ ومُنْتَهى نَظَرِهِ أنَّ الأشْياءَ تَتَناهى وتَفْنى، فَهو لَوْ مَلَكَ خَزائِنَ رَحْمَةِ اللهِ لَأمْسَكَ خَشْيَةَ الفَقْرِ، وكَذَلِكَ يَظُنُّ أنَّ قُدْرَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى تَقِفُ دُونَ البَعْثِ، والأمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ قُدْرَتُهُ لا تَتَناهى، فَهو يَخْتَرِعُ مِنَ الخَلْقِ ما يَشاءُ، ويَخْتَزِنُ مِنَ الرَحْمَةِ الأرْزاقَ، فَلا يَخافُ نَفاذَ خَزائِنِ رَحْمَتِهِ، وبِهَذا النَظَرِ تَلْتَبِسُ هَذِهِ الآيَةُ بِما قَبِلَها، واللهُ ولِيُّ التَوْفِيقِ بِرَحْمَتِهِ، ومِنَ الإقْتارِ قَوْلُ أبِي داوُدَ:
؎ لا أعُدُّ الإقْتارَ عُدْمًا ولَكِنْ ∗∗∗ فَقْدُ مَن قَدْ رُزِئْتُهُ الإعْدامُ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾. اتَّفَقَ المُتَأوِّلُونَ والرُواةُ أنَّ الآياتِ الخَمْسَ الَّتِي في سُورَةِ الأعْرافِ هي مِن هَذِهِ التِسْعِ، وهِيَ: الطُوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَفادِعُ، والدَمُ. واخْتَلَفُوا في الأرْبَعِ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي يَدُهُ، ولِسانُهُ حِينَ انْحَلَّتْ عُقْدَتُهُ، وعَصاهُ، والبَحْرُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: هِيَ: البَحْرُ، والعَصا، والطَمْسَةُ، والحَجَرُ، وقالَ: سَألَنِي عن ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: وما الطَمْسَةُ؟ فَقُلْتُ: دَعا مُوسى وأمَّنَ هارُونُ عَلَيْهِما السَلامُ، فَطَمَسَ اللهُ أمْوالَهم ورَدَّها حِجارَةً. فَقالَ عُمَرُ: وهَلْ يَكُونُ الفِقْهُ إلّا هَكَذا؟ ثُمَّ دَعا بِخَرِيطَةٍ فِيها غَرائِبُ كانَتْ لِعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ مَرْوانٍ جَمَعَها بِمِصْرَ، فاسْتَخْرَجَ مِنها الحَوْزَةَ والبَيْضَةَ والعَدَسَةَ، وهي كُلُّها أحْجارٌ كانَتْ مِن بَقايا أمْوالِ فِرْعَوْنَ، وقالَ الضَحّاكُ: هي إلْقاءُ العَصا مَرَّتَيْنِ، واليَدُ، وعُقْدَةُ لِسانِهِ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ومَطَرٌ الوَرّاقُ، والشَعْبِيُّ: هي العَصا، واليَدُ، والسُنُونَ، ونَقْصُ الثَمَراتِ. وقالَ الحَسَنُ: هي العَصا في كَوْنِها ثُعْبانًا، واليَدُ، والسُنُونَ، وتَلْقَفُ العَصا ما يَأْفِكُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي السُنُونَ في بَوادِيهِمْ، ونَقْصُ الثَمَراتِ في قُراهُمْ، (p-٥٥١)واليَدِ، والعَصا. ورَوى مَصْرِفٌ عن مالِكٍ أنَّها العَصا، واليَدُ، والجَبَلُ إذْ نَتَقَ، والبَحْرُ. ورَوى ابْنُ وهْبٍ عنهُ مَكانُ البَحْرِ الحَجَرُ، والَّذِي يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى خَصَّ مِن آياتِ مُوسى -إذْ هي كَثِيرَةٌ جِدًّا تَنِيفُ عَلى أرْبَعٍ وعِشْرِينَ- تِسْعًا بِالذِكْرِ، ووَصَفَها بِالبَيانِ ولَمْ يُعَيِّنْها، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِها بِحَسْبَ اجْتِهادِهِمْ في بَيانِها، أو رِواياتِهِمُ التَوْقِيفِيَّةِ في ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: آياتُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما أُرِيدَ بِها آياتُ التَوْراةِ الَّتِي هي أوامِرُ ونَواهٍ، ورَوى في هَذا صَفْوانُ بْنُ عَسّالٍ «أنْ يَهُودِيًّا مِن يَهُودِ المَدِينَةِ قالَ لِآخَرَ: سِرْ بِنا إلى هَذا النَبِيِّ نَسْألُهُ عن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ-، فَقالَ لَهُ الآخَرُ: لا تَقُلْ إنَّهُ نَبِيٌّ، فَإنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ صارَ لَهُ أرْبَعَةُ أعْيُنٍ، قالَ: فَسارا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ: فَسَألُوهُ، فَقالَ: هي ألّا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلّا بِالحَقِّ، ولا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلى سُلْطانٍ لِيَقْتُلَهُ، ولا تَسْخَرُوا، ولا تَأْكُلُوا الرِبا، ولا تَقْذِفُوا المُحْصَنَةَ، ولا تَفِرُّوا يَوْمَ الزَحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةٌ يَهُودٌ: ولا تَعُدُوا في السَبْتِ.»
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ: "فَسَلْ" عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "سَألَ يَسْألُ"، وهَذا كُلُّهُ عَلى مَعْنى الأمْرِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أيِ: اسْألْ مُعاصِرِيكَ عَمّا أعْلَمْناكَ بِهِ مِن غَيْبِ القِصَّةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إذْ جاءَهُمُ﴾ [الإسراء: ٩٤]، يُرِيدُ: آباءَهُمْ، وأدْخَلَهم في الضَمِيرِ إذْ هم مِنهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ جاءَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وتَكُونُ إحالَتُهُ إيّاهُ عَلى سُؤالِهِمْ بِطَلَبِ إخْبارِهِمْ والنَظَرِ في أحْوالِهِمْ وما في كُتُبِهِمْ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥]، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن تَعِظُهُ: سَلِ الأُمَمَ الخالِيَةَ هَلْ بَقِيَ مِنها مُخَلَّدٌ؟ ونَحْوَ هَذا مِمّا يُجْعَلُ النَظَرُ فِيهِ (p-٥٥٢)مَكانَ السُؤالِ. قالَ الحَسَنُ: سُؤالُكَ نَظَرُكَ في القُرْآنِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فَسَألَ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: سَألَ مُوسى فِرْعَوْنَ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ طَلَبَهم لِيُنْجِيَهم مِنَ العَذابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "مَسْحُورًا"، اخْتَلَفَ فِيهِ المُتَأوِّلُونَ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَفْعُولٌ عَلى بابِهِ، أيْ: إنَّكَ قَدْ سُحِرْتَ فَكَلامُكَ مُخْتَلٌّ وما تَأْتِي بِهِ غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ. وقالَ الطَبَرِيٌّ: هو مَفْعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]، وكَما قالُوا: مَشْؤُومٌ ومَيْمُونٌ، وإنَّما هُوَ: شايِمٌ ويامِنٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا لا يَتَخَرَّجُ إلّا عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا سِحْرٍ مَلَكْتَهُ وعَلِمْتَهُ، فَأنْتَ تَأْتِي بِهَذِهِ الغَرائِبِ لِذَلِكَ. وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ تَنْقُصُ، فَيَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ "مَسْحُورًا" مَفْعُولًا عَلى ظاهِرِهِ، وعَلى أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: ساحِرٌ يُعارِضُنا، "أمّا" ما حُكِيَ عنهم أنَّهم قالُوا لَهُ -عَلى جِهَةِ المَدْحِ-: ﴿يا أيُّهَ الساحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] فَإمّا أنْ يَكُونَ القائِلُونَ هُنالِكَ لَيْسَ فِيهِمْ فِرْعَوْنُ، وإمّا أنْ يَكُونَ فِيهِمْ لَكِنَّهُ تَنَقُّلٌ مَن تَنَقُّصِهِ إلى تَعْظِيمِهِ. وفي هَذا نَظَرٌ.
الإسراء 17:101
(p-٥٤٩)قوله عزّ وجلّ:
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنَّ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظالِمُونَ إلا كُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾
هَذِهِ الآيَةُ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ فِيما اسْتَبْعَدُوهُ مِنَ البَعْثِ، وذَلِكَ أنَّهم قَرَّرُوا عَلى خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي البَشَرُ جُزْءٌ مِنها، فَهم لا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ لَهم أنْ يُقِرُّوا بِخَلْقِهِ لِلْكُلِّ وإخْراجِهِ مِن خُمُولِ العَدَمِ ويُنْكِرُونَ إعادَتَهُ لِلْبَعْضِ؟ فَحَصَلَ الأمْرُ في حَيِّزِ الجَوازِ. وأخْبَرَ الصادِقُ الَّذِي قامَتْ دَلائِلُ مُعْجِزاتِهِ بِوُقُوعِ ذَلِكَ الجائِزِ. والرُؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ القَلْبِ، و"الأجَلُ" ها هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ القِيامَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أجْلَ المَوْتِ، والأجْلُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- اسْمُ جِنْسٍ؛ لِأنَّهُ وضَعَهُ مَوْضِعَ الآجالِ. ومَقْصِدُ هَذا الكَلامِ بَيانُ قُدْرَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ومُلْكِهِ لِخَلْقِهِ، وبِتَقْرِيرِ ذَلِكَ يَقْوى جَوازُ بَعَثِهِ لَهم حِينَ يَشاءُ لا إلَهَ إلّا هو. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأبى" عِبارَةٌ عن تَكَسُّبِهِمْ وجُنُوحِهِمْ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ آنِفًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ الآيَةَ. حُكْمُ "لَوْ" أنْ يَلِيَها الفِعْلُ، إمّا مُظْهَرًا وإمّا مُضْمَرًا يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فالتَقْدِيرُ هُنا: قُلْ لَوْ تَمْلِكُونَ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ، فَـ "أنْتُمْ" رُفِعَ عَلى تَبَعِ الضَمِيرِ، و"الرَحْمَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المالُ والنِعَمُ الَّتِي تُصْرَفُ في الأرْزاقِ، ومِن هَذا سُمِّيَتْ رَحْمَةٌ. و"الإنْفاقُ" المَعْرُوفُ: إذْهابُ المالِ. وهو مُؤَدٍّ إلى الفَقْرِ، فَكَأنَّ المَعْنى: خَشْيَةَ عاقِبَةِ الإنْفاقِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "أنْفَقَ الرَجُلُ" مَعْناهُ: افْتَقَرَ.
(p-٥٥٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ مَعْناهُ: مُمْسِكًا، يُرِيدُ أنَّ في طَبْعِهِ ومُنْتَهى نَظَرِهِ أنَّ الأشْياءَ تَتَناهى وتَفْنى، فَهو لَوْ مَلَكَ خَزائِنَ رَحْمَةِ اللهِ لَأمْسَكَ خَشْيَةَ الفَقْرِ، وكَذَلِكَ يَظُنُّ أنَّ قُدْرَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى تَقِفُ دُونَ البَعْثِ، والأمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ قُدْرَتُهُ لا تَتَناهى، فَهو يَخْتَرِعُ مِنَ الخَلْقِ ما يَشاءُ، ويَخْتَزِنُ مِنَ الرَحْمَةِ الأرْزاقَ، فَلا يَخافُ نَفاذَ خَزائِنِ رَحْمَتِهِ، وبِهَذا النَظَرِ تَلْتَبِسُ هَذِهِ الآيَةُ بِما قَبِلَها، واللهُ ولِيُّ التَوْفِيقِ بِرَحْمَتِهِ، ومِنَ الإقْتارِ قَوْلُ أبِي داوُدَ:
؎ لا أعُدُّ الإقْتارَ عُدْمًا ولَكِنْ ∗∗∗ فَقْدُ مَن قَدْ رُزِئْتُهُ الإعْدامُ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾. اتَّفَقَ المُتَأوِّلُونَ والرُواةُ أنَّ الآياتِ الخَمْسَ الَّتِي في سُورَةِ الأعْرافِ هي مِن هَذِهِ التِسْعِ، وهِيَ: الطُوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَفادِعُ، والدَمُ. واخْتَلَفُوا في الأرْبَعِ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي يَدُهُ، ولِسانُهُ حِينَ انْحَلَّتْ عُقْدَتُهُ، وعَصاهُ، والبَحْرُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: هِيَ: البَحْرُ، والعَصا، والطَمْسَةُ، والحَجَرُ، وقالَ: سَألَنِي عن ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: وما الطَمْسَةُ؟ فَقُلْتُ: دَعا مُوسى وأمَّنَ هارُونُ عَلَيْهِما السَلامُ، فَطَمَسَ اللهُ أمْوالَهم ورَدَّها حِجارَةً. فَقالَ عُمَرُ: وهَلْ يَكُونُ الفِقْهُ إلّا هَكَذا؟ ثُمَّ دَعا بِخَرِيطَةٍ فِيها غَرائِبُ كانَتْ لِعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ مَرْوانٍ جَمَعَها بِمِصْرَ، فاسْتَخْرَجَ مِنها الحَوْزَةَ والبَيْضَةَ والعَدَسَةَ، وهي كُلُّها أحْجارٌ كانَتْ مِن بَقايا أمْوالِ فِرْعَوْنَ، وقالَ الضَحّاكُ: هي إلْقاءُ العَصا مَرَّتَيْنِ، واليَدُ، وعُقْدَةُ لِسانِهِ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ومَطَرٌ الوَرّاقُ، والشَعْبِيُّ: هي العَصا، واليَدُ، والسُنُونَ، ونَقْصُ الثَمَراتِ. وقالَ الحَسَنُ: هي العَصا في كَوْنِها ثُعْبانًا، واليَدُ، والسُنُونَ، وتَلْقَفُ العَصا ما يَأْفِكُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي السُنُونَ في بَوادِيهِمْ، ونَقْصُ الثَمَراتِ في قُراهُمْ، (p-٥٥١)واليَدِ، والعَصا. ورَوى مَصْرِفٌ عن مالِكٍ أنَّها العَصا، واليَدُ، والجَبَلُ إذْ نَتَقَ، والبَحْرُ. ورَوى ابْنُ وهْبٍ عنهُ مَكانُ البَحْرِ الحَجَرُ، والَّذِي يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى خَصَّ مِن آياتِ مُوسى -إذْ هي كَثِيرَةٌ جِدًّا تَنِيفُ عَلى أرْبَعٍ وعِشْرِينَ- تِسْعًا بِالذِكْرِ، ووَصَفَها بِالبَيانِ ولَمْ يُعَيِّنْها، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِها بِحَسْبَ اجْتِهادِهِمْ في بَيانِها، أو رِواياتِهِمُ التَوْقِيفِيَّةِ في ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: آياتُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما أُرِيدَ بِها آياتُ التَوْراةِ الَّتِي هي أوامِرُ ونَواهٍ، ورَوى في هَذا صَفْوانُ بْنُ عَسّالٍ «أنْ يَهُودِيًّا مِن يَهُودِ المَدِينَةِ قالَ لِآخَرَ: سِرْ بِنا إلى هَذا النَبِيِّ نَسْألُهُ عن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ-، فَقالَ لَهُ الآخَرُ: لا تَقُلْ إنَّهُ نَبِيٌّ، فَإنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ صارَ لَهُ أرْبَعَةُ أعْيُنٍ، قالَ: فَسارا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ: فَسَألُوهُ، فَقالَ: هي ألّا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلّا بِالحَقِّ، ولا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلى سُلْطانٍ لِيَقْتُلَهُ، ولا تَسْخَرُوا، ولا تَأْكُلُوا الرِبا، ولا تَقْذِفُوا المُحْصَنَةَ، ولا تَفِرُّوا يَوْمَ الزَحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةٌ يَهُودٌ: ولا تَعُدُوا في السَبْتِ.»
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ: "فَسَلْ" عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "سَألَ يَسْألُ"، وهَذا كُلُّهُ عَلى مَعْنى الأمْرِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أيِ: اسْألْ مُعاصِرِيكَ عَمّا أعْلَمْناكَ بِهِ مِن غَيْبِ القِصَّةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إذْ جاءَهُمُ﴾ [الإسراء: ٩٤]، يُرِيدُ: آباءَهُمْ، وأدْخَلَهم في الضَمِيرِ إذْ هم مِنهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ جاءَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وتَكُونُ إحالَتُهُ إيّاهُ عَلى سُؤالِهِمْ بِطَلَبِ إخْبارِهِمْ والنَظَرِ في أحْوالِهِمْ وما في كُتُبِهِمْ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥]، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن تَعِظُهُ: سَلِ الأُمَمَ الخالِيَةَ هَلْ بَقِيَ مِنها مُخَلَّدٌ؟ ونَحْوَ هَذا مِمّا يُجْعَلُ النَظَرُ فِيهِ (p-٥٥٢)مَكانَ السُؤالِ. قالَ الحَسَنُ: سُؤالُكَ نَظَرُكَ في القُرْآنِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فَسَألَ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: سَألَ مُوسى فِرْعَوْنَ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ طَلَبَهم لِيُنْجِيَهم مِنَ العَذابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "مَسْحُورًا"، اخْتَلَفَ فِيهِ المُتَأوِّلُونَ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَفْعُولٌ عَلى بابِهِ، أيْ: إنَّكَ قَدْ سُحِرْتَ فَكَلامُكَ مُخْتَلٌّ وما تَأْتِي بِهِ غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ. وقالَ الطَبَرِيٌّ: هو مَفْعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]، وكَما قالُوا: مَشْؤُومٌ ومَيْمُونٌ، وإنَّما هُوَ: شايِمٌ ويامِنٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا لا يَتَخَرَّجُ إلّا عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا سِحْرٍ مَلَكْتَهُ وعَلِمْتَهُ، فَأنْتَ تَأْتِي بِهَذِهِ الغَرائِبِ لِذَلِكَ. وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ تَنْقُصُ، فَيَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ "مَسْحُورًا" مَفْعُولًا عَلى ظاهِرِهِ، وعَلى أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: ساحِرٌ يُعارِضُنا، "أمّا" ما حُكِيَ عنهم أنَّهم قالُوا لَهُ -عَلى جِهَةِ المَدْحِ-: ﴿يا أيُّهَ الساحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] فَإمّا أنْ يَكُونَ القائِلُونَ هُنالِكَ لَيْسَ فِيهِمْ فِرْعَوْنُ، وإمّا أنْ يَكُونَ فِيهِمْ لَكِنَّهُ تَنَقُّلٌ مَن تَنَقُّصِهِ إلى تَعْظِيمِهِ. وفي هَذا نَظَرٌ.
الإسراء 17:102
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلا رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ ﴿وَقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾
رُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وغَيْرِهِ، أنَّهُ قَرَأ: "عَلِمْتُ" بِتاءِ المُتَكَلِّمِ مَضْمُومَةً، وقالَ: "وَما عَلِمَ عَدُوُّ اللهِ قَطُّ، وإنَّما عَلِمَمُوسى ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَتَقَوّى هَذِهِ القِراءَةُ لِمَن تَأوَّلَ "مَسْحُورًا" عَلى بابِهِ، فَلَمّا رَماهُ فِرْعَوْنُ بِأنَّهُ قَدْ سُحِرَ (p-٥٥٣)فَفَسَدَ نَظَرُهُ وعَقْلُهُ وكَلامُهُ، رَدَّ هو عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَعْلَمُ آياتِ اللهِ تَعالى، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَسْحُورٍ، بَلْ مُحَرِّرٌ لِما يَأْتِي بِهِ. وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَقَدْ عَلِمْتَ" بِتاءِ المُخاطَبِ مَفْتُوحَةً، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَماهُ بِأنَّهُ يَكْفُرُ عِنادًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومِن قالَ بِوُقُوعِ الكُفْرِ عِنادًا فَلَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وجَعْلُها كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وقَدْ حَكى الطَبَرِيٌّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ وهِيَ، بَعْدُ مُعَرَّضَةٌ لِلِاحْتِمالِ عَلى أنْ يَكُونَ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إبْلاغًا عَلى فِرْعَوْنَ في التَوْبِيخِ، أيْ: أنْتَ بِحالِ مَن يَعْلَمُ هَذا، وهي مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ تَعْلَمُها، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الخَبَرِ عن عِلْمِ فِرْعَوْنَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بَصائِرُ" جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي الطَرِيقَةُ، أيْ طَرائِقَ يُهْتَدى بِها، وكَذَلِكَ غَلَبَ عَلى البَصِيرَةِ أنَّها تُسْتَعْمَلُ في طَرِيقَةِ النَفْسِ في نَظَرِها واعْتِقادِها، ونَصْبُ "بَصائِرَ" عَلى الحالِ.
و"المَثْبُورُ": المُهْلِكُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هو المَغْلُوبُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو المَخْبُولُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالمَلْعُونِ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في أوَّلِ أمْرِهِ يَجْزَعُ، ويُؤْمَرُ بِالقَوْلِ اللَيِّنِ، ويَطْلُبُ الوَزِيرَ، فَلَمّا تَقَوَّتْ نَفْسُهُ بِقُوى النُبُوَّةِ وتَجَلَّدَ قابَلَ فِرْعَوْنَ بِأكْثَرَ مِمّا أمَرَهُ بِهِ، بِحَسْبَ اجْتِهادِهِ الجائِزِ لَهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: اجْتَرَأ مُوسى أنْ يَقُولَ لَهُ فَوْقَ ما أمَرَهُ اللهُ بِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ المَثْبُورُ: المَغْلُوبُ المُخَرَّعُ، وما كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِيَكُونَ لَعّانًا، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزِبَعْرى:
؎ إذْ أُجارِي الشَيْطانَ في سُنَنِ الـ ∗∗∗ ـغَيِّ، ومَن مالَ مَيْلُهُ مَثْبُورُ
(p-٥٥٤)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ﴾ الآيَةَ. "يَسْتَفِزُّهُمْ" مَعْناهُ: يَسْتَخِفُّهم ويُقْلِقُهُمْ، إمّا بِقَتْلٍ أو بِإجْلاءٍ، و"الأرْضُ" هي أرْضُ مِصْرَ، وقَدْ تَقَدِّمَ أنَّهُ مَتى ذُكِرَتِ "الأرْضُ" عُمُومًا فَإنَّما يُرادُ بِها ما يُناسِبُ القِصَّةَ المُتَكَلَّمُ فِيها، وقَدْ يَحْسُنُ عُمُومُها في بَعْضِ القِصَصِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واقْتَضَبَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِصَصَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ فِرْعَوْنَ، وإنَّما ذَكَرَتْ عُظْمَ الأمْرِ وخَطِيرَهُ، وذَلِكَ طَرَفاهُ: أرادَ فِرْعَوْنُ غَلَبَتَهم وقَتْلَهُمْ، وهَذا كانَ بَدْءَ الأمْرِ، "فَأغْرَقَهُ" اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وأغْرَقَ جُنُودَهُ، وهَذا كانَ نِهايَةَ الأمْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ بِسُكْنى أرْضِ الشامِ.
و﴿وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ. و"اللَفِيفُ": الجَمْعُ المُخْتَلِطُ الَّذِي قَدْ لُفَّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَلَيْسَ ثَمَّ قَبائِلُ ولا انْحِيازٌ. قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، ولا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ، وقالَ الطَبَرِيٌّ: هو بِمَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِ القائِلِ: لَفَفْتُهُ لَفًّا ولَفِيفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا نَظَرٌ فَتَأمَّلْهُ.
الإسراء 17:103
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلا رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ ﴿وَقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾
رُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وغَيْرِهِ، أنَّهُ قَرَأ: "عَلِمْتُ" بِتاءِ المُتَكَلِّمِ مَضْمُومَةً، وقالَ: "وَما عَلِمَ عَدُوُّ اللهِ قَطُّ، وإنَّما عَلِمَمُوسى ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَتَقَوّى هَذِهِ القِراءَةُ لِمَن تَأوَّلَ "مَسْحُورًا" عَلى بابِهِ، فَلَمّا رَماهُ فِرْعَوْنُ بِأنَّهُ قَدْ سُحِرَ (p-٥٥٣)فَفَسَدَ نَظَرُهُ وعَقْلُهُ وكَلامُهُ، رَدَّ هو عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَعْلَمُ آياتِ اللهِ تَعالى، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَسْحُورٍ، بَلْ مُحَرِّرٌ لِما يَأْتِي بِهِ. وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَقَدْ عَلِمْتَ" بِتاءِ المُخاطَبِ مَفْتُوحَةً، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَماهُ بِأنَّهُ يَكْفُرُ عِنادًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومِن قالَ بِوُقُوعِ الكُفْرِ عِنادًا فَلَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وجَعْلُها كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وقَدْ حَكى الطَبَرِيٌّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ وهِيَ، بَعْدُ مُعَرَّضَةٌ لِلِاحْتِمالِ عَلى أنْ يَكُونَ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إبْلاغًا عَلى فِرْعَوْنَ في التَوْبِيخِ، أيْ: أنْتَ بِحالِ مَن يَعْلَمُ هَذا، وهي مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ تَعْلَمُها، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الخَبَرِ عن عِلْمِ فِرْعَوْنَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بَصائِرُ" جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي الطَرِيقَةُ، أيْ طَرائِقَ يُهْتَدى بِها، وكَذَلِكَ غَلَبَ عَلى البَصِيرَةِ أنَّها تُسْتَعْمَلُ في طَرِيقَةِ النَفْسِ في نَظَرِها واعْتِقادِها، ونَصْبُ "بَصائِرَ" عَلى الحالِ.
و"المَثْبُورُ": المُهْلِكُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هو المَغْلُوبُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو المَخْبُولُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالمَلْعُونِ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في أوَّلِ أمْرِهِ يَجْزَعُ، ويُؤْمَرُ بِالقَوْلِ اللَيِّنِ، ويَطْلُبُ الوَزِيرَ، فَلَمّا تَقَوَّتْ نَفْسُهُ بِقُوى النُبُوَّةِ وتَجَلَّدَ قابَلَ فِرْعَوْنَ بِأكْثَرَ مِمّا أمَرَهُ بِهِ، بِحَسْبَ اجْتِهادِهِ الجائِزِ لَهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: اجْتَرَأ مُوسى أنْ يَقُولَ لَهُ فَوْقَ ما أمَرَهُ اللهُ بِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ المَثْبُورُ: المَغْلُوبُ المُخَرَّعُ، وما كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِيَكُونَ لَعّانًا، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزِبَعْرى:
؎ إذْ أُجارِي الشَيْطانَ في سُنَنِ الـ ∗∗∗ ـغَيِّ، ومَن مالَ مَيْلُهُ مَثْبُورُ
(p-٥٥٤)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ﴾ الآيَةَ. "يَسْتَفِزُّهُمْ" مَعْناهُ: يَسْتَخِفُّهم ويُقْلِقُهُمْ، إمّا بِقَتْلٍ أو بِإجْلاءٍ، و"الأرْضُ" هي أرْضُ مِصْرَ، وقَدْ تَقَدِّمَ أنَّهُ مَتى ذُكِرَتِ "الأرْضُ" عُمُومًا فَإنَّما يُرادُ بِها ما يُناسِبُ القِصَّةَ المُتَكَلَّمُ فِيها، وقَدْ يَحْسُنُ عُمُومُها في بَعْضِ القِصَصِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واقْتَضَبَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِصَصَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ فِرْعَوْنَ، وإنَّما ذَكَرَتْ عُظْمَ الأمْرِ وخَطِيرَهُ، وذَلِكَ طَرَفاهُ: أرادَ فِرْعَوْنُ غَلَبَتَهم وقَتْلَهُمْ، وهَذا كانَ بَدْءَ الأمْرِ، "فَأغْرَقَهُ" اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وأغْرَقَ جُنُودَهُ، وهَذا كانَ نِهايَةَ الأمْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ بِسُكْنى أرْضِ الشامِ.
و﴿وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ. و"اللَفِيفُ": الجَمْعُ المُخْتَلِطُ الَّذِي قَدْ لُفَّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَلَيْسَ ثَمَّ قَبائِلُ ولا انْحِيازٌ. قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، ولا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ، وقالَ الطَبَرِيٌّ: هو بِمَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِ القائِلِ: لَفَفْتُهُ لَفًّا ولَفِيفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا نَظَرٌ فَتَأمَّلْهُ.
الإسراء 17:104
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلا رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ ﴿وَقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾
رُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وغَيْرِهِ، أنَّهُ قَرَأ: "عَلِمْتُ" بِتاءِ المُتَكَلِّمِ مَضْمُومَةً، وقالَ: "وَما عَلِمَ عَدُوُّ اللهِ قَطُّ، وإنَّما عَلِمَمُوسى ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَتَقَوّى هَذِهِ القِراءَةُ لِمَن تَأوَّلَ "مَسْحُورًا" عَلى بابِهِ، فَلَمّا رَماهُ فِرْعَوْنُ بِأنَّهُ قَدْ سُحِرَ (p-٥٥٣)فَفَسَدَ نَظَرُهُ وعَقْلُهُ وكَلامُهُ، رَدَّ هو عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَعْلَمُ آياتِ اللهِ تَعالى، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَسْحُورٍ، بَلْ مُحَرِّرٌ لِما يَأْتِي بِهِ. وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَقَدْ عَلِمْتَ" بِتاءِ المُخاطَبِ مَفْتُوحَةً، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَماهُ بِأنَّهُ يَكْفُرُ عِنادًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومِن قالَ بِوُقُوعِ الكُفْرِ عِنادًا فَلَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وجَعْلُها كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وقَدْ حَكى الطَبَرِيٌّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ وهِيَ، بَعْدُ مُعَرَّضَةٌ لِلِاحْتِمالِ عَلى أنْ يَكُونَ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إبْلاغًا عَلى فِرْعَوْنَ في التَوْبِيخِ، أيْ: أنْتَ بِحالِ مَن يَعْلَمُ هَذا، وهي مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ تَعْلَمُها، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الخَبَرِ عن عِلْمِ فِرْعَوْنَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بَصائِرُ" جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي الطَرِيقَةُ، أيْ طَرائِقَ يُهْتَدى بِها، وكَذَلِكَ غَلَبَ عَلى البَصِيرَةِ أنَّها تُسْتَعْمَلُ في طَرِيقَةِ النَفْسِ في نَظَرِها واعْتِقادِها، ونَصْبُ "بَصائِرَ" عَلى الحالِ.
و"المَثْبُورُ": المُهْلِكُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هو المَغْلُوبُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو المَخْبُولُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالمَلْعُونِ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في أوَّلِ أمْرِهِ يَجْزَعُ، ويُؤْمَرُ بِالقَوْلِ اللَيِّنِ، ويَطْلُبُ الوَزِيرَ، فَلَمّا تَقَوَّتْ نَفْسُهُ بِقُوى النُبُوَّةِ وتَجَلَّدَ قابَلَ فِرْعَوْنَ بِأكْثَرَ مِمّا أمَرَهُ بِهِ، بِحَسْبَ اجْتِهادِهِ الجائِزِ لَهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: اجْتَرَأ مُوسى أنْ يَقُولَ لَهُ فَوْقَ ما أمَرَهُ اللهُ بِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ المَثْبُورُ: المَغْلُوبُ المُخَرَّعُ، وما كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِيَكُونَ لَعّانًا، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزِبَعْرى:
؎ إذْ أُجارِي الشَيْطانَ في سُنَنِ الـ ∗∗∗ ـغَيِّ، ومَن مالَ مَيْلُهُ مَثْبُورُ
(p-٥٥٤)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ﴾ الآيَةَ. "يَسْتَفِزُّهُمْ" مَعْناهُ: يَسْتَخِفُّهم ويُقْلِقُهُمْ، إمّا بِقَتْلٍ أو بِإجْلاءٍ، و"الأرْضُ" هي أرْضُ مِصْرَ، وقَدْ تَقَدِّمَ أنَّهُ مَتى ذُكِرَتِ "الأرْضُ" عُمُومًا فَإنَّما يُرادُ بِها ما يُناسِبُ القِصَّةَ المُتَكَلَّمُ فِيها، وقَدْ يَحْسُنُ عُمُومُها في بَعْضِ القِصَصِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واقْتَضَبَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِصَصَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ فِرْعَوْنَ، وإنَّما ذَكَرَتْ عُظْمَ الأمْرِ وخَطِيرَهُ، وذَلِكَ طَرَفاهُ: أرادَ فِرْعَوْنُ غَلَبَتَهم وقَتْلَهُمْ، وهَذا كانَ بَدْءَ الأمْرِ، "فَأغْرَقَهُ" اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وأغْرَقَ جُنُودَهُ، وهَذا كانَ نِهايَةَ الأمْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ بِسُكْنى أرْضِ الشامِ.
و﴿وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ. و"اللَفِيفُ": الجَمْعُ المُخْتَلِطُ الَّذِي قَدْ لُفَّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَلَيْسَ ثَمَّ قَبائِلُ ولا انْحِيازٌ. قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، ولا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ، وقالَ الطَبَرِيٌّ: هو بِمَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِ القائِلِ: لَفَفْتُهُ لَفًّا ولَفِيفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا نَظَرٌ فَتَأمَّلْهُ.
الإسراء 17:105
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى الناسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلا﴾ ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أو لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أنْزَلْناهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: ٨٩]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ آنِفًا، وأشارَ (p-٥٥٥)بِالضَمِيرِ إلى القُرْآنِ عَلى ذِكْرٍ مُتَقَدِّمٍ لِشُهْرَتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، وهَذا كَثِيرٌ.
قالَ الزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: بِالواجِبِ الَّذِي هو المَصْلَحَةُ والسَدادُ لِلنّاسِ بِالحَقِّ في نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ يُرِيدُ: بِالحَقِّ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وأخْبارِهِ، فَبِهَذا التَأْوِيلِ يَكُونُ تَكْرارُ اللَفْظِ لِمَعْنًى غَيْرِ الأوَّلِ، وذَهَبَ الطَبَرِيٌّ إلى أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ: بِأخْبارِهِ وأوامِرِهِ، وبِذَلِكَ نَزَلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَقُرْآنًا". مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ أنَّ نَصْبَهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ بَعْدُ، أيْ: وفَرَقْنا قُرْآنًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الكافِ في "أرْسَلْناكَ"، مِن حَيْثُ كانَ إرْسالُ هَذا وإنْزالُ هَذا لِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَرَقْناهُ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، ومَعْناهُ: بَيَّنّاهُ وأوضَحْناهُ وجَعَلْناهُ فُرْقانًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والشَعْبِيُّ، والحَسَنُ بِخِلافٍ - وحَمِيدٌ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "فَرَّقْناهُ" بِتَشْدِيدِ الراءِ، إلّا أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فَرَّقْناهُ عَلَيْهِ لِتَقْرَأهُ"، أيْ: أنْزَلْناهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، لا جُمْلَةً واحِدَةً، ويَتَناسَقُ هَذا المَعْنى مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى الناسِ عَلى مُكْثٍ﴾، وهَذا كانَ مِمّا أرادَ اللهُ مِن نُزُولِهِ بِأسْبابٍ تَقَعُ في الأرْضِ مِن أقْوالٍ وأفْعالٍ في أزْمانٍ مَحْدُودَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، في كَمِّ القُرْآنِ مِنَ المُدَّةِ؟ فَقِيلَ: في خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ، وقالَ قَتادَةُ: في عِشْرِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا بِحَسْبِ الخِلافِ في سِنِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وذَلِكَ أنَّ الوَحْيَ جاءَ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وتَمَّ بِمَوْتِهِ. وحَكى الطَبَرِيٌّ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ أنَّهُ قالَ: نَزَلَ القُرْآنُ في ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ: لا يَصِحُّ عَنِ الحَسَنِ، واللهُ أعْلَمُ.
(p-٥٥٦)وَتُأوِّلُ فِرْقَةٌ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿عَلى مُكْثٍ﴾، أيْ: عَلى تَرَسُّلٍ في التِلاوَةِ وتَرْتِيلٍ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وابْنِ زَيْدٍ. والتَأْوِيلُ الآخَرُ، أيْ: عَلى مُكْثٍ وتَطاوُلٍ في المُدَّةِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلا﴾ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدٌ بِالمَصْدَرِ لِلْمَعْنى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ في ألْفاظِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّ المِيمِ مِن "مُكْثٍ"، ويُقالُ: "مَكْثٌ" و"مُكْثٌ" بِضَمِّ المِيمِ، ومِكْثٌ بِكَسْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ آيَةُ تَحْقِيرٍ لِلْكُفّارِ، وفي ضِمْنِهِ ضَرْبٌ مِنَ التَوَعُّدِ، والمَعْنى: إنَّكم لَسْتُمْ بِحُجَّةٍ، فَسَواءٌ عَلَيْنا آمَنتُمْ أمْ كَفَرْتُمْ، وإنَّما ضَرَرُ ذَلِكَ عَلى أنْفُسِكُمْ، وإنَّما الحُجَّةُ أهْلُ العِلْمِ مِن قَبْلِهِ، هم بِالصِفَةِ المَذْكُورَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هم ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وزَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، ومَن جَرى مَجْراهُما، وقِيلَ: إنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ الكِتابِ جَلَسُوا وهم عَلى دِينِهِمْ فَتَذاكَرُوا أمْرَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وقُرِئَ عَلَيْهِمْ مِنهُ شَيْءٌ فَخَشَعُوا وسَبَّحُوا لِلَّهِ وسَجَدُوا لَهُ، وقالُوا: هَذا وقْتُ نُبُوَّةِ المَذْكُورِ في التَوْراةِ، وهَذِهِ صِفَتُهُ، ووَعْدُ اللهِ بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وجَنَحُوا إلى الإسْلامِ هَذا الجُنُوحَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "قَبْلِهِ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، حَسَبَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾. وقِيلَ: الضَمِيرانِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، واسْتَأْنَفَ ذِكْرَ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ﴾، أيْ: لِناحِيَتِها، وهَذا كَما تَقُولُ: ساقِطٌ لِلْيَدِ والفَمِ، أيْ: لِناحِيَتِهِما وعَلَيْهِما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: لِلْوُجُوهِ، وقالَ الحَسَنُ: لِلِّحى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأذْقانُ أسافِلُ الوُجُوهِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ اللَحْيانِ، وهي أقْرَبُ ما في رَأْسِ الإنْسانِ إلى الأرْضِ لا سِيَّما عِنْدَ سُجُودِهِ، وقالَ الشاعِرُ:(p-٥٥٧)
؎ فَخَرُّوا لِأذْقانِ الوُجُوهِ تَنُوشُهم ∗∗∗ سِباعٌ مِنَ الطَيْرِ العَوادِي وتَنْتِفُ
و"إنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا﴾ هي عِنْدَ سِيبَوَيْهَ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ. واللامُ بَعْدَها لامُ التَوْكِيدِ، وهي عِنْدَ الفَرّاءِ النافِيَةُ واللامُ بِمَعْنى: إلّا. ويَتَوَجَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْنًى آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أو لا تُؤْمِنُوا﴾ مُخَلِّصًا لِلْوَعِيدِ دُونَ التَحْقِيرِ. والمَعْنى: فَسَتَرَوْنَ ما تُجازَوْنَ بِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَ -عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ- بِمَن تَقَدَّمُ مِن أهْلِ الكِتابِ، أيْ: إنَّ الناسَ لَمْ يَكُونُوا كَما أنْتُمْ في الكُفْرِ، بَلْ كانَ الَّذِينَ أُوتُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ والزَبُورَ والكُتُبَ المُنَزَّلَةَ في الجُمْلَةِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ما نَزَّلْ عَلَيْهِمْ خَشَعُوا وآمَنُوا.
الإسراء 17:106
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى الناسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلا﴾ ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أو لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أنْزَلْناهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: ٨٩]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ آنِفًا، وأشارَ (p-٥٥٥)بِالضَمِيرِ إلى القُرْآنِ عَلى ذِكْرٍ مُتَقَدِّمٍ لِشُهْرَتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، وهَذا كَثِيرٌ.
قالَ الزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: بِالواجِبِ الَّذِي هو المَصْلَحَةُ والسَدادُ لِلنّاسِ بِالحَقِّ في نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ يُرِيدُ: بِالحَقِّ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وأخْبارِهِ، فَبِهَذا التَأْوِيلِ يَكُونُ تَكْرارُ اللَفْظِ لِمَعْنًى غَيْرِ الأوَّلِ، وذَهَبَ الطَبَرِيٌّ إلى أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ: بِأخْبارِهِ وأوامِرِهِ، وبِذَلِكَ نَزَلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَقُرْآنًا". مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ أنَّ نَصْبَهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ بَعْدُ، أيْ: وفَرَقْنا قُرْآنًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الكافِ في "أرْسَلْناكَ"، مِن حَيْثُ كانَ إرْسالُ هَذا وإنْزالُ هَذا لِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَرَقْناهُ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، ومَعْناهُ: بَيَّنّاهُ وأوضَحْناهُ وجَعَلْناهُ فُرْقانًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والشَعْبِيُّ، والحَسَنُ بِخِلافٍ - وحَمِيدٌ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "فَرَّقْناهُ" بِتَشْدِيدِ الراءِ، إلّا أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فَرَّقْناهُ عَلَيْهِ لِتَقْرَأهُ"، أيْ: أنْزَلْناهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، لا جُمْلَةً واحِدَةً، ويَتَناسَقُ هَذا المَعْنى مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى الناسِ عَلى مُكْثٍ﴾، وهَذا كانَ مِمّا أرادَ اللهُ مِن نُزُولِهِ بِأسْبابٍ تَقَعُ في الأرْضِ مِن أقْوالٍ وأفْعالٍ في أزْمانٍ مَحْدُودَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، في كَمِّ القُرْآنِ مِنَ المُدَّةِ؟ فَقِيلَ: في خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ، وقالَ قَتادَةُ: في عِشْرِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا بِحَسْبِ الخِلافِ في سِنِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وذَلِكَ أنَّ الوَحْيَ جاءَ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وتَمَّ بِمَوْتِهِ. وحَكى الطَبَرِيٌّ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ أنَّهُ قالَ: نَزَلَ القُرْآنُ في ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ: لا يَصِحُّ عَنِ الحَسَنِ، واللهُ أعْلَمُ.
(p-٥٥٦)وَتُأوِّلُ فِرْقَةٌ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿عَلى مُكْثٍ﴾، أيْ: عَلى تَرَسُّلٍ في التِلاوَةِ وتَرْتِيلٍ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وابْنِ زَيْدٍ. والتَأْوِيلُ الآخَرُ، أيْ: عَلى مُكْثٍ وتَطاوُلٍ في المُدَّةِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلا﴾ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدٌ بِالمَصْدَرِ لِلْمَعْنى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ في ألْفاظِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّ المِيمِ مِن "مُكْثٍ"، ويُقالُ: "مَكْثٌ" و"مُكْثٌ" بِضَمِّ المِيمِ، ومِكْثٌ بِكَسْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ آيَةُ تَحْقِيرٍ لِلْكُفّارِ، وفي ضِمْنِهِ ضَرْبٌ مِنَ التَوَعُّدِ، والمَعْنى: إنَّكم لَسْتُمْ بِحُجَّةٍ، فَسَواءٌ عَلَيْنا آمَنتُمْ أمْ كَفَرْتُمْ، وإنَّما ضَرَرُ ذَلِكَ عَلى أنْفُسِكُمْ، وإنَّما الحُجَّةُ أهْلُ العِلْمِ مِن قَبْلِهِ، هم بِالصِفَةِ المَذْكُورَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هم ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وزَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، ومَن جَرى مَجْراهُما، وقِيلَ: إنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ الكِتابِ جَلَسُوا وهم عَلى دِينِهِمْ فَتَذاكَرُوا أمْرَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وقُرِئَ عَلَيْهِمْ مِنهُ شَيْءٌ فَخَشَعُوا وسَبَّحُوا لِلَّهِ وسَجَدُوا لَهُ، وقالُوا: هَذا وقْتُ نُبُوَّةِ المَذْكُورِ في التَوْراةِ، وهَذِهِ صِفَتُهُ، ووَعْدُ اللهِ بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وجَنَحُوا إلى الإسْلامِ هَذا الجُنُوحَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "قَبْلِهِ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، حَسَبَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾. وقِيلَ: الضَمِيرانِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، واسْتَأْنَفَ ذِكْرَ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ﴾، أيْ: لِناحِيَتِها، وهَذا كَما تَقُولُ: ساقِطٌ لِلْيَدِ والفَمِ، أيْ: لِناحِيَتِهِما وعَلَيْهِما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: لِلْوُجُوهِ، وقالَ الحَسَنُ: لِلِّحى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأذْقانُ أسافِلُ الوُجُوهِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ اللَحْيانِ، وهي أقْرَبُ ما في رَأْسِ الإنْسانِ إلى الأرْضِ لا سِيَّما عِنْدَ سُجُودِهِ، وقالَ الشاعِرُ:(p-٥٥٧)
؎ فَخَرُّوا لِأذْقانِ الوُجُوهِ تَنُوشُهم ∗∗∗ سِباعٌ مِنَ الطَيْرِ العَوادِي وتَنْتِفُ
و"إنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا﴾ هي عِنْدَ سِيبَوَيْهَ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ. واللامُ بَعْدَها لامُ التَوْكِيدِ، وهي عِنْدَ الفَرّاءِ النافِيَةُ واللامُ بِمَعْنى: إلّا. ويَتَوَجَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْنًى آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أو لا تُؤْمِنُوا﴾ مُخَلِّصًا لِلْوَعِيدِ دُونَ التَحْقِيرِ. والمَعْنى: فَسَتَرَوْنَ ما تُجازَوْنَ بِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَ -عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ- بِمَن تَقَدَّمُ مِن أهْلِ الكِتابِ، أيْ: إنَّ الناسَ لَمْ يَكُونُوا كَما أنْتُمْ في الكُفْرِ، بَلْ كانَ الَّذِينَ أُوتُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ والزَبُورَ والكُتُبَ المُنَزَّلَةَ في الجُمْلَةِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ما نَزَّلْ عَلَيْهِمْ خَشَعُوا وآمَنُوا.
الإسراء 17:107
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى الناسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلا﴾ ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أو لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أنْزَلْناهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: ٨٩]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ آنِفًا، وأشارَ (p-٥٥٥)بِالضَمِيرِ إلى القُرْآنِ عَلى ذِكْرٍ مُتَقَدِّمٍ لِشُهْرَتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، وهَذا كَثِيرٌ.
قالَ الزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: بِالواجِبِ الَّذِي هو المَصْلَحَةُ والسَدادُ لِلنّاسِ بِالحَقِّ في نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ يُرِيدُ: بِالحَقِّ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وأخْبارِهِ، فَبِهَذا التَأْوِيلِ يَكُونُ تَكْرارُ اللَفْظِ لِمَعْنًى غَيْرِ الأوَّلِ، وذَهَبَ الطَبَرِيٌّ إلى أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ: بِأخْبارِهِ وأوامِرِهِ، وبِذَلِكَ نَزَلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَقُرْآنًا". مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ أنَّ نَصْبَهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ بَعْدُ، أيْ: وفَرَقْنا قُرْآنًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الكافِ في "أرْسَلْناكَ"، مِن حَيْثُ كانَ إرْسالُ هَذا وإنْزالُ هَذا لِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَرَقْناهُ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، ومَعْناهُ: بَيَّنّاهُ وأوضَحْناهُ وجَعَلْناهُ فُرْقانًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والشَعْبِيُّ، والحَسَنُ بِخِلافٍ - وحَمِيدٌ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "فَرَّقْناهُ" بِتَشْدِيدِ الراءِ، إلّا أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فَرَّقْناهُ عَلَيْهِ لِتَقْرَأهُ"، أيْ: أنْزَلْناهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، لا جُمْلَةً واحِدَةً، ويَتَناسَقُ هَذا المَعْنى مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى الناسِ عَلى مُكْثٍ﴾، وهَذا كانَ مِمّا أرادَ اللهُ مِن نُزُولِهِ بِأسْبابٍ تَقَعُ في الأرْضِ مِن أقْوالٍ وأفْعالٍ في أزْمانٍ مَحْدُودَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، في كَمِّ القُرْآنِ مِنَ المُدَّةِ؟ فَقِيلَ: في خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ، وقالَ قَتادَةُ: في عِشْرِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا بِحَسْبِ الخِلافِ في سِنِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وذَلِكَ أنَّ الوَحْيَ جاءَ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وتَمَّ بِمَوْتِهِ. وحَكى الطَبَرِيٌّ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ أنَّهُ قالَ: نَزَلَ القُرْآنُ في ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ: لا يَصِحُّ عَنِ الحَسَنِ، واللهُ أعْلَمُ.
(p-٥٥٦)وَتُأوِّلُ فِرْقَةٌ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿عَلى مُكْثٍ﴾، أيْ: عَلى تَرَسُّلٍ في التِلاوَةِ وتَرْتِيلٍ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وابْنِ زَيْدٍ. والتَأْوِيلُ الآخَرُ، أيْ: عَلى مُكْثٍ وتَطاوُلٍ في المُدَّةِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلا﴾ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدٌ بِالمَصْدَرِ لِلْمَعْنى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ في ألْفاظِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّ المِيمِ مِن "مُكْثٍ"، ويُقالُ: "مَكْثٌ" و"مُكْثٌ" بِضَمِّ المِيمِ، ومِكْثٌ بِكَسْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ آيَةُ تَحْقِيرٍ لِلْكُفّارِ، وفي ضِمْنِهِ ضَرْبٌ مِنَ التَوَعُّدِ، والمَعْنى: إنَّكم لَسْتُمْ بِحُجَّةٍ، فَسَواءٌ عَلَيْنا آمَنتُمْ أمْ كَفَرْتُمْ، وإنَّما ضَرَرُ ذَلِكَ عَلى أنْفُسِكُمْ، وإنَّما الحُجَّةُ أهْلُ العِلْمِ مِن قَبْلِهِ، هم بِالصِفَةِ المَذْكُورَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هم ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وزَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، ومَن جَرى مَجْراهُما، وقِيلَ: إنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ الكِتابِ جَلَسُوا وهم عَلى دِينِهِمْ فَتَذاكَرُوا أمْرَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وقُرِئَ عَلَيْهِمْ مِنهُ شَيْءٌ فَخَشَعُوا وسَبَّحُوا لِلَّهِ وسَجَدُوا لَهُ، وقالُوا: هَذا وقْتُ نُبُوَّةِ المَذْكُورِ في التَوْراةِ، وهَذِهِ صِفَتُهُ، ووَعْدُ اللهِ بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وجَنَحُوا إلى الإسْلامِ هَذا الجُنُوحَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "قَبْلِهِ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، حَسَبَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾. وقِيلَ: الضَمِيرانِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، واسْتَأْنَفَ ذِكْرَ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ﴾، أيْ: لِناحِيَتِها، وهَذا كَما تَقُولُ: ساقِطٌ لِلْيَدِ والفَمِ، أيْ: لِناحِيَتِهِما وعَلَيْهِما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: لِلْوُجُوهِ، وقالَ الحَسَنُ: لِلِّحى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأذْقانُ أسافِلُ الوُجُوهِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ اللَحْيانِ، وهي أقْرَبُ ما في رَأْسِ الإنْسانِ إلى الأرْضِ لا سِيَّما عِنْدَ سُجُودِهِ، وقالَ الشاعِرُ:(p-٥٥٧)
؎ فَخَرُّوا لِأذْقانِ الوُجُوهِ تَنُوشُهم ∗∗∗ سِباعٌ مِنَ الطَيْرِ العَوادِي وتَنْتِفُ
و"إنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا﴾ هي عِنْدَ سِيبَوَيْهَ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ. واللامُ بَعْدَها لامُ التَوْكِيدِ، وهي عِنْدَ الفَرّاءِ النافِيَةُ واللامُ بِمَعْنى: إلّا. ويَتَوَجَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْنًى آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أو لا تُؤْمِنُوا﴾ مُخَلِّصًا لِلْوَعِيدِ دُونَ التَحْقِيرِ. والمَعْنى: فَسَتَرَوْنَ ما تُجازَوْنَ بِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَ -عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ- بِمَن تَقَدَّمُ مِن أهْلِ الكِتابِ، أيْ: إنَّ الناسَ لَمْ يَكُونُوا كَما أنْتُمْ في الكُفْرِ، بَلْ كانَ الَّذِينَ أُوتُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ والزَبُورَ والكُتُبَ المُنَزَّلَةَ في الجُمْلَةِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ما نَزَّلْ عَلَيْهِمْ خَشَعُوا وآمَنُوا.
الإسراء 17:108
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى الناسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلا﴾ ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أو لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أنْزَلْناهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: ٨٩]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ آنِفًا، وأشارَ (p-٥٥٥)بِالضَمِيرِ إلى القُرْآنِ عَلى ذِكْرٍ مُتَقَدِّمٍ لِشُهْرَتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، وهَذا كَثِيرٌ.
قالَ الزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: بِالواجِبِ الَّذِي هو المَصْلَحَةُ والسَدادُ لِلنّاسِ بِالحَقِّ في نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ يُرِيدُ: بِالحَقِّ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وأخْبارِهِ، فَبِهَذا التَأْوِيلِ يَكُونُ تَكْرارُ اللَفْظِ لِمَعْنًى غَيْرِ الأوَّلِ، وذَهَبَ الطَبَرِيٌّ إلى أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ: بِأخْبارِهِ وأوامِرِهِ، وبِذَلِكَ نَزَلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَقُرْآنًا". مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ أنَّ نَصْبَهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ بَعْدُ، أيْ: وفَرَقْنا قُرْآنًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الكافِ في "أرْسَلْناكَ"، مِن حَيْثُ كانَ إرْسالُ هَذا وإنْزالُ هَذا لِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَرَقْناهُ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، ومَعْناهُ: بَيَّنّاهُ وأوضَحْناهُ وجَعَلْناهُ فُرْقانًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والشَعْبِيُّ، والحَسَنُ بِخِلافٍ - وحَمِيدٌ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "فَرَّقْناهُ" بِتَشْدِيدِ الراءِ، إلّا أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فَرَّقْناهُ عَلَيْهِ لِتَقْرَأهُ"، أيْ: أنْزَلْناهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، لا جُمْلَةً واحِدَةً، ويَتَناسَقُ هَذا المَعْنى مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى الناسِ عَلى مُكْثٍ﴾، وهَذا كانَ مِمّا أرادَ اللهُ مِن نُزُولِهِ بِأسْبابٍ تَقَعُ في الأرْضِ مِن أقْوالٍ وأفْعالٍ في أزْمانٍ مَحْدُودَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، في كَمِّ القُرْآنِ مِنَ المُدَّةِ؟ فَقِيلَ: في خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ، وقالَ قَتادَةُ: في عِشْرِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا بِحَسْبِ الخِلافِ في سِنِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وذَلِكَ أنَّ الوَحْيَ جاءَ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وتَمَّ بِمَوْتِهِ. وحَكى الطَبَرِيٌّ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ أنَّهُ قالَ: نَزَلَ القُرْآنُ في ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ: لا يَصِحُّ عَنِ الحَسَنِ، واللهُ أعْلَمُ.
(p-٥٥٦)وَتُأوِّلُ فِرْقَةٌ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿عَلى مُكْثٍ﴾، أيْ: عَلى تَرَسُّلٍ في التِلاوَةِ وتَرْتِيلٍ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وابْنِ زَيْدٍ. والتَأْوِيلُ الآخَرُ، أيْ: عَلى مُكْثٍ وتَطاوُلٍ في المُدَّةِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلا﴾ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدٌ بِالمَصْدَرِ لِلْمَعْنى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ في ألْفاظِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّ المِيمِ مِن "مُكْثٍ"، ويُقالُ: "مَكْثٌ" و"مُكْثٌ" بِضَمِّ المِيمِ، ومِكْثٌ بِكَسْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ آيَةُ تَحْقِيرٍ لِلْكُفّارِ، وفي ضِمْنِهِ ضَرْبٌ مِنَ التَوَعُّدِ، والمَعْنى: إنَّكم لَسْتُمْ بِحُجَّةٍ، فَسَواءٌ عَلَيْنا آمَنتُمْ أمْ كَفَرْتُمْ، وإنَّما ضَرَرُ ذَلِكَ عَلى أنْفُسِكُمْ، وإنَّما الحُجَّةُ أهْلُ العِلْمِ مِن قَبْلِهِ، هم بِالصِفَةِ المَذْكُورَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هم ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وزَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، ومَن جَرى مَجْراهُما، وقِيلَ: إنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ الكِتابِ جَلَسُوا وهم عَلى دِينِهِمْ فَتَذاكَرُوا أمْرَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وقُرِئَ عَلَيْهِمْ مِنهُ شَيْءٌ فَخَشَعُوا وسَبَّحُوا لِلَّهِ وسَجَدُوا لَهُ، وقالُوا: هَذا وقْتُ نُبُوَّةِ المَذْكُورِ في التَوْراةِ، وهَذِهِ صِفَتُهُ، ووَعْدُ اللهِ بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وجَنَحُوا إلى الإسْلامِ هَذا الجُنُوحَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "قَبْلِهِ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، حَسَبَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾. وقِيلَ: الضَمِيرانِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، واسْتَأْنَفَ ذِكْرَ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ﴾، أيْ: لِناحِيَتِها، وهَذا كَما تَقُولُ: ساقِطٌ لِلْيَدِ والفَمِ، أيْ: لِناحِيَتِهِما وعَلَيْهِما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: لِلْوُجُوهِ، وقالَ الحَسَنُ: لِلِّحى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأذْقانُ أسافِلُ الوُجُوهِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ اللَحْيانِ، وهي أقْرَبُ ما في رَأْسِ الإنْسانِ إلى الأرْضِ لا سِيَّما عِنْدَ سُجُودِهِ، وقالَ الشاعِرُ:(p-٥٥٧)
؎ فَخَرُّوا لِأذْقانِ الوُجُوهِ تَنُوشُهم ∗∗∗ سِباعٌ مِنَ الطَيْرِ العَوادِي وتَنْتِفُ
و"إنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا﴾ هي عِنْدَ سِيبَوَيْهَ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ. واللامُ بَعْدَها لامُ التَوْكِيدِ، وهي عِنْدَ الفَرّاءِ النافِيَةُ واللامُ بِمَعْنى: إلّا. ويَتَوَجَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْنًى آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أو لا تُؤْمِنُوا﴾ مُخَلِّصًا لِلْوَعِيدِ دُونَ التَحْقِيرِ. والمَعْنى: فَسَتَرَوْنَ ما تُجازَوْنَ بِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَ -عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ- بِمَن تَقَدَّمُ مِن أهْلِ الكِتابِ، أيْ: إنَّ الناسَ لَمْ يَكُونُوا كَما أنْتُمْ في الكُفْرِ، بَلْ كانَ الَّذِينَ أُوتُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ والزَبُورَ والكُتُبَ المُنَزَّلَةَ في الجُمْلَةِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ما نَزَّلْ عَلَيْهِمْ خَشَعُوا وآمَنُوا.
الإسراء 17:109
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أوِ ادْعُوا الرَحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾
هَذِهِ مُبالَغَةٌ في صِفَتِهِمْ، ومَدْحٌ لَهُمْ، وحَضٌّ لِكُلِّ مَن تَرَسَّمَ بِالعِلْمِ وحَصَّلَ مِنهُ شَيْئًا أنْ يَجْرِيَ إلى هَذِهِ الرُتْبَةِ. وحَكى الطَبَرِيٌّ عَنِ التَيْمِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ مَن أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يُبْكِهِ لِخَلِيقٌ ألّا يَكُونَ أُوتِيَ عِلْمًا يَنْفَعُهُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى نَعَتَ العُلَماءَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أوِ ادْعُوا الرَحْمَنَ﴾ الآيَةَ.
سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ سَمِعُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَدْعُو: يا اللهُ، يا الرَحْمَنُ، فَقالُوا: كانَ مُحَمَّدٌ يَأْمُرُنا بِدُعاءِ إلَهٍ واحِدٍ، وهو يَدْعُو إلَهَيْنِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقالَ مَكِّيٌّ: تَهَجَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً، فَقالَ في دُعائِهِ: يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ، (p-٥٥٨)فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ -وَكانَ بِاليَمامَةِ رَجُلٌ يُسَمّى الرَحِمانُ- فَقالَ ذَلِكَ السامِعُ: ما بالُ مُحَمَّدٍ يَدْعُو رَحْمَنَ اليَمامَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبَيِّنَةً أنَّها أسْماءٌ لِشَيْءٍ واحِدٍ، فَإنْ دَعَوْتُمُوهُ بِاللهِ فَهو ذَلِكَ، وإنْ دَعَوْتُمُوهُ بِالرَحْمَنِ فَهو ذَلِكَ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أيًّا مَن تَدْعُو فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى"، أيْ: ولَهُ سائِرُ الأسْماءِ الحُسْنى، أيِ الَّتِي تَقْتَضِي أفْضَلَ الأوصافِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهِيَ بِتَوْقِيفٍ، لا يَصْحُ وضْعُ اسْمِ اللهِ تَعالى إلّا بِتَوْقِيفٍ مِنَ القُرْآنِ أوِ الحَدِيثِ. وقَدْ رُوِيَ: « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"»... الحَدِيثُ، ونَصَّها كُلَّها التِرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أيَّ الأسْماءِ تَدْعُو بِهِ فَأنْتَ مُصِيبٌ، لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى.
ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ألّا يَجْهَرَ بِصَلاتِهِ، وألّا يُخافِتَ بِها، وهو الإسْرارُ الَّذِي يَسْمَعُهُ المُتَكَلِّمُ بِهِ، هَذِهِ هي حَقِيقَتُهُ، ولَكِنَّهُ في الآيَةِ عِبارَةٌ عن خَفْضِ الصَوْتِ وإنْ لَمْ يَنْتَهِ إلى ما ذَكَرْناهُ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الصَلاةِ"، ما هِيَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَماعَةٌ: هي الدُعاءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي قِراءَةُ القُرْآنِ في الصَلاةِ، فَهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَقْدِيرُ: ولا تَجْهَرْ بِقِراءَةِ صَلاتِكَ، قالَ: والسَبَبُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَهَرَ بِالقُرْآنِ فَسَمِعَهُ المُشْرِكُونَ فَسَبُّوا القُرْآنَ ومَن أنْزَلَهُ، فَأُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالوَسَطِ، لِيَسْمَعَ أصْحابُهُ المُصَلُّونَ مَعَهُ ويَذْهَبَ عنهُ أذى المُشْرِكِينَ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: كانَ الأعْرابُ يَجْهَرُونَ بِتَشَهُّدِهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُسِرُّ قِراءَتَهُ، وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَجْهَرُ بِها، فَقِيلَ لَهُما في ذَلِكَ، فَقالَ (p-٥٥٩)أبُو بَكْرٍ: إنَّما أُناجِي رَبِّي وهو يَعْلَمُ حاجَتِي، وقالَ عُمَرُ: أنا أطْرَحُ الشَيْطانَ وأُوقِظُ الوَسْنانَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِيلَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ارْفَعْ أنْتَ قَلِيلًا، وقِيلَ لِعُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اخْفِضْ أنْتَ قَلِيلًا. وقالَتْ عائِشَةُ أيْضًا رَضِيَ اللهُ عنها: الصَلاةُ يُرادُ بِها في هَذِهِ الآيَةِ التَشَهُّدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: المُرادُ: لا تُحْسِنْ صَلاتَكَ في الجَهْرِ، ولا تُسِئْها في السِرِّ، بَلِ اتَّبِعْ طَرِيقًا وسَطًا يَكُونُ دائِمًا في كُلِّ حالَةٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ النَهْيُ عَمّا يَفْعَلُهُ أهْلُ الإنْجِيلِ والتَوْراةِ مَن رَفْعِ الصَوْتِ أحْيانًا فَيَرْفَعُ الناسُ مَعَهُ، ويَخْفِضُ أحْيانًا فَيَسْكُتُ مَن خَلْفَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الآيَةِ: إنَّ مَعْناها: ولا تَجْهَرْ بِصَلاةِ النَهارِ، ولا تُخافِتْ بِصَلاةِ اللَيْلِ، وابْتَغِ سَبِيلًا مِنَ امْتِثالِ الأمْرِ كَما رُسِمَ لَكَ، ذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، والزَهْراوِيُّ. وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَمْ يُخافِتْ مَن أسْمَعَ أُذُنَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وما رُوِيَ مِن أنَّهُ قِيلَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ارْفَعْ أنْتَ قَلِيلًا" يَرُدُّ هَذا، ولَكِنَّ الَّذِي قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ هو أصْلُ اللُغَةِ، ويُسْتَعْمَلُ الخُفُوتُ بَعْدَ ذَلِكَ في أرْفَعَ مِن ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾. هَذِهِ الآيَةُ رادَّةٌ عَلى اليَهُودِ والنَصارى والعَرَبِ في قَوْلِهِمْ أفْذاذًا: "عُزَيْرٌ وعِيسى والمَلائِكَةُ ذَرِّيَّةٌ لِلَّهِ"، سُبْحانَهُ وتَعالى عن أقْوالِهِمْ ورادَّةٌ عَلى العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: "لَوْلا أولِياءُ اللهِ لِذُلَّ"، وقَيَّدَ لَفْظُ الآيَةِ نَفِيَ الوِلايَةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَرِيقِ الذُلِّ، وعَلى جِهَةِ الِانْتِصارِ؛ إذْ وِلايَتُهُ مَوْجُودَةٌ بِتَفَضُّلِهِ ورَحْمَتِهِ لِمَن والى مِن صالِحِ عِبادِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: لَمْ يُحالِفْ أحَدًا، ولا ابْتَغَ نَصْرَ أحَدٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أبْلَغُ لَفْظَةٍ لِلْعَرَبِ في مَعْنى التَعْظِيمِ والإجْلالِ، ثُمَّ أكَّدَها بِالمَصْدَرِ تَحْقِيقًا لَها، وإبْلاغًا في مَعْناها.
(p-٥٦٠)وَرَوى مُطْرِفٌ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: "افْتُتِحَتِ التَوْراةُ بِفاتِحَةِ سُورَةِ الأنْعامِ، وخُتِمَتْ بِخاتِمَةِ هَذِهِ السُورَةِ".
نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الإسْراءِ ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ
الإسراء 17:110
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أوِ ادْعُوا الرَحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾
هَذِهِ مُبالَغَةٌ في صِفَتِهِمْ، ومَدْحٌ لَهُمْ، وحَضٌّ لِكُلِّ مَن تَرَسَّمَ بِالعِلْمِ وحَصَّلَ مِنهُ شَيْئًا أنْ يَجْرِيَ إلى هَذِهِ الرُتْبَةِ. وحَكى الطَبَرِيٌّ عَنِ التَيْمِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ مَن أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يُبْكِهِ لِخَلِيقٌ ألّا يَكُونَ أُوتِيَ عِلْمًا يَنْفَعُهُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى نَعَتَ العُلَماءَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أوِ ادْعُوا الرَحْمَنَ﴾ الآيَةَ.
سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ سَمِعُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَدْعُو: يا اللهُ، يا الرَحْمَنُ، فَقالُوا: كانَ مُحَمَّدٌ يَأْمُرُنا بِدُعاءِ إلَهٍ واحِدٍ، وهو يَدْعُو إلَهَيْنِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقالَ مَكِّيٌّ: تَهَجَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً، فَقالَ في دُعائِهِ: يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ، (p-٥٥٨)فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ -وَكانَ بِاليَمامَةِ رَجُلٌ يُسَمّى الرَحِمانُ- فَقالَ ذَلِكَ السامِعُ: ما بالُ مُحَمَّدٍ يَدْعُو رَحْمَنَ اليَمامَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبَيِّنَةً أنَّها أسْماءٌ لِشَيْءٍ واحِدٍ، فَإنْ دَعَوْتُمُوهُ بِاللهِ فَهو ذَلِكَ، وإنْ دَعَوْتُمُوهُ بِالرَحْمَنِ فَهو ذَلِكَ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أيًّا مَن تَدْعُو فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى"، أيْ: ولَهُ سائِرُ الأسْماءِ الحُسْنى، أيِ الَّتِي تَقْتَضِي أفْضَلَ الأوصافِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهِيَ بِتَوْقِيفٍ، لا يَصْحُ وضْعُ اسْمِ اللهِ تَعالى إلّا بِتَوْقِيفٍ مِنَ القُرْآنِ أوِ الحَدِيثِ. وقَدْ رُوِيَ: « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"»... الحَدِيثُ، ونَصَّها كُلَّها التِرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أيَّ الأسْماءِ تَدْعُو بِهِ فَأنْتَ مُصِيبٌ، لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى.
ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ألّا يَجْهَرَ بِصَلاتِهِ، وألّا يُخافِتَ بِها، وهو الإسْرارُ الَّذِي يَسْمَعُهُ المُتَكَلِّمُ بِهِ، هَذِهِ هي حَقِيقَتُهُ، ولَكِنَّهُ في الآيَةِ عِبارَةٌ عن خَفْضِ الصَوْتِ وإنْ لَمْ يَنْتَهِ إلى ما ذَكَرْناهُ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الصَلاةِ"، ما هِيَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَماعَةٌ: هي الدُعاءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي قِراءَةُ القُرْآنِ في الصَلاةِ، فَهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَقْدِيرُ: ولا تَجْهَرْ بِقِراءَةِ صَلاتِكَ، قالَ: والسَبَبُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَهَرَ بِالقُرْآنِ فَسَمِعَهُ المُشْرِكُونَ فَسَبُّوا القُرْآنَ ومَن أنْزَلَهُ، فَأُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالوَسَطِ، لِيَسْمَعَ أصْحابُهُ المُصَلُّونَ مَعَهُ ويَذْهَبَ عنهُ أذى المُشْرِكِينَ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: كانَ الأعْرابُ يَجْهَرُونَ بِتَشَهُّدِهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُسِرُّ قِراءَتَهُ، وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَجْهَرُ بِها، فَقِيلَ لَهُما في ذَلِكَ، فَقالَ (p-٥٥٩)أبُو بَكْرٍ: إنَّما أُناجِي رَبِّي وهو يَعْلَمُ حاجَتِي، وقالَ عُمَرُ: أنا أطْرَحُ الشَيْطانَ وأُوقِظُ الوَسْنانَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِيلَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ارْفَعْ أنْتَ قَلِيلًا، وقِيلَ لِعُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اخْفِضْ أنْتَ قَلِيلًا. وقالَتْ عائِشَةُ أيْضًا رَضِيَ اللهُ عنها: الصَلاةُ يُرادُ بِها في هَذِهِ الآيَةِ التَشَهُّدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: المُرادُ: لا تُحْسِنْ صَلاتَكَ في الجَهْرِ، ولا تُسِئْها في السِرِّ، بَلِ اتَّبِعْ طَرِيقًا وسَطًا يَكُونُ دائِمًا في كُلِّ حالَةٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ النَهْيُ عَمّا يَفْعَلُهُ أهْلُ الإنْجِيلِ والتَوْراةِ مَن رَفْعِ الصَوْتِ أحْيانًا فَيَرْفَعُ الناسُ مَعَهُ، ويَخْفِضُ أحْيانًا فَيَسْكُتُ مَن خَلْفَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الآيَةِ: إنَّ مَعْناها: ولا تَجْهَرْ بِصَلاةِ النَهارِ، ولا تُخافِتْ بِصَلاةِ اللَيْلِ، وابْتَغِ سَبِيلًا مِنَ امْتِثالِ الأمْرِ كَما رُسِمَ لَكَ، ذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، والزَهْراوِيُّ. وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَمْ يُخافِتْ مَن أسْمَعَ أُذُنَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وما رُوِيَ مِن أنَّهُ قِيلَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ارْفَعْ أنْتَ قَلِيلًا" يَرُدُّ هَذا، ولَكِنَّ الَّذِي قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ هو أصْلُ اللُغَةِ، ويُسْتَعْمَلُ الخُفُوتُ بَعْدَ ذَلِكَ في أرْفَعَ مِن ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾. هَذِهِ الآيَةُ رادَّةٌ عَلى اليَهُودِ والنَصارى والعَرَبِ في قَوْلِهِمْ أفْذاذًا: "عُزَيْرٌ وعِيسى والمَلائِكَةُ ذَرِّيَّةٌ لِلَّهِ"، سُبْحانَهُ وتَعالى عن أقْوالِهِمْ ورادَّةٌ عَلى العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: "لَوْلا أولِياءُ اللهِ لِذُلَّ"، وقَيَّدَ لَفْظُ الآيَةِ نَفِيَ الوِلايَةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَرِيقِ الذُلِّ، وعَلى جِهَةِ الِانْتِصارِ؛ إذْ وِلايَتُهُ مَوْجُودَةٌ بِتَفَضُّلِهِ ورَحْمَتِهِ لِمَن والى مِن صالِحِ عِبادِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: لَمْ يُحالِفْ أحَدًا، ولا ابْتَغَ نَصْرَ أحَدٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أبْلَغُ لَفْظَةٍ لِلْعَرَبِ في مَعْنى التَعْظِيمِ والإجْلالِ، ثُمَّ أكَّدَها بِالمَصْدَرِ تَحْقِيقًا لَها، وإبْلاغًا في مَعْناها.
(p-٥٦٠)وَرَوى مُطْرِفٌ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: "افْتُتِحَتِ التَوْراةُ بِفاتِحَةِ سُورَةِ الأنْعامِ، وخُتِمَتْ بِخاتِمَةِ هَذِهِ السُورَةِ".
نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الإسْراءِ ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ
الإسراء 17:111
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أوِ ادْعُوا الرَحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾
هَذِهِ مُبالَغَةٌ في صِفَتِهِمْ، ومَدْحٌ لَهُمْ، وحَضٌّ لِكُلِّ مَن تَرَسَّمَ بِالعِلْمِ وحَصَّلَ مِنهُ شَيْئًا أنْ يَجْرِيَ إلى هَذِهِ الرُتْبَةِ. وحَكى الطَبَرِيٌّ عَنِ التَيْمِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ مَن أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يُبْكِهِ لِخَلِيقٌ ألّا يَكُونَ أُوتِيَ عِلْمًا يَنْفَعُهُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى نَعَتَ العُلَماءَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أوِ ادْعُوا الرَحْمَنَ﴾ الآيَةَ.
سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ سَمِعُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَدْعُو: يا اللهُ، يا الرَحْمَنُ، فَقالُوا: كانَ مُحَمَّدٌ يَأْمُرُنا بِدُعاءِ إلَهٍ واحِدٍ، وهو يَدْعُو إلَهَيْنِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقالَ مَكِّيٌّ: تَهَجَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً، فَقالَ في دُعائِهِ: يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ، (p-٥٥٨)فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ -وَكانَ بِاليَمامَةِ رَجُلٌ يُسَمّى الرَحِمانُ- فَقالَ ذَلِكَ السامِعُ: ما بالُ مُحَمَّدٍ يَدْعُو رَحْمَنَ اليَمامَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبَيِّنَةً أنَّها أسْماءٌ لِشَيْءٍ واحِدٍ، فَإنْ دَعَوْتُمُوهُ بِاللهِ فَهو ذَلِكَ، وإنْ دَعَوْتُمُوهُ بِالرَحْمَنِ فَهو ذَلِكَ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أيًّا مَن تَدْعُو فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى"، أيْ: ولَهُ سائِرُ الأسْماءِ الحُسْنى، أيِ الَّتِي تَقْتَضِي أفْضَلَ الأوصافِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهِيَ بِتَوْقِيفٍ، لا يَصْحُ وضْعُ اسْمِ اللهِ تَعالى إلّا بِتَوْقِيفٍ مِنَ القُرْآنِ أوِ الحَدِيثِ. وقَدْ رُوِيَ: « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"»... الحَدِيثُ، ونَصَّها كُلَّها التِرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أيَّ الأسْماءِ تَدْعُو بِهِ فَأنْتَ مُصِيبٌ، لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى.
ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ألّا يَجْهَرَ بِصَلاتِهِ، وألّا يُخافِتَ بِها، وهو الإسْرارُ الَّذِي يَسْمَعُهُ المُتَكَلِّمُ بِهِ، هَذِهِ هي حَقِيقَتُهُ، ولَكِنَّهُ في الآيَةِ عِبارَةٌ عن خَفْضِ الصَوْتِ وإنْ لَمْ يَنْتَهِ إلى ما ذَكَرْناهُ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الصَلاةِ"، ما هِيَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَماعَةٌ: هي الدُعاءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي قِراءَةُ القُرْآنِ في الصَلاةِ، فَهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَقْدِيرُ: ولا تَجْهَرْ بِقِراءَةِ صَلاتِكَ، قالَ: والسَبَبُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَهَرَ بِالقُرْآنِ فَسَمِعَهُ المُشْرِكُونَ فَسَبُّوا القُرْآنَ ومَن أنْزَلَهُ، فَأُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالوَسَطِ، لِيَسْمَعَ أصْحابُهُ المُصَلُّونَ مَعَهُ ويَذْهَبَ عنهُ أذى المُشْرِكِينَ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: كانَ الأعْرابُ يَجْهَرُونَ بِتَشَهُّدِهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُسِرُّ قِراءَتَهُ، وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَجْهَرُ بِها، فَقِيلَ لَهُما في ذَلِكَ، فَقالَ (p-٥٥٩)أبُو بَكْرٍ: إنَّما أُناجِي رَبِّي وهو يَعْلَمُ حاجَتِي، وقالَ عُمَرُ: أنا أطْرَحُ الشَيْطانَ وأُوقِظُ الوَسْنانَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِيلَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ارْفَعْ أنْتَ قَلِيلًا، وقِيلَ لِعُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اخْفِضْ أنْتَ قَلِيلًا. وقالَتْ عائِشَةُ أيْضًا رَضِيَ اللهُ عنها: الصَلاةُ يُرادُ بِها في هَذِهِ الآيَةِ التَشَهُّدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: المُرادُ: لا تُحْسِنْ صَلاتَكَ في الجَهْرِ، ولا تُسِئْها في السِرِّ، بَلِ اتَّبِعْ طَرِيقًا وسَطًا يَكُونُ دائِمًا في كُلِّ حالَةٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ النَهْيُ عَمّا يَفْعَلُهُ أهْلُ الإنْجِيلِ والتَوْراةِ مَن رَفْعِ الصَوْتِ أحْيانًا فَيَرْفَعُ الناسُ مَعَهُ، ويَخْفِضُ أحْيانًا فَيَسْكُتُ مَن خَلْفَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الآيَةِ: إنَّ مَعْناها: ولا تَجْهَرْ بِصَلاةِ النَهارِ، ولا تُخافِتْ بِصَلاةِ اللَيْلِ، وابْتَغِ سَبِيلًا مِنَ امْتِثالِ الأمْرِ كَما رُسِمَ لَكَ، ذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، والزَهْراوِيُّ. وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَمْ يُخافِتْ مَن أسْمَعَ أُذُنَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وما رُوِيَ مِن أنَّهُ قِيلَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ارْفَعْ أنْتَ قَلِيلًا" يَرُدُّ هَذا، ولَكِنَّ الَّذِي قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ هو أصْلُ اللُغَةِ، ويُسْتَعْمَلُ الخُفُوتُ بَعْدَ ذَلِكَ في أرْفَعَ مِن ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾. هَذِهِ الآيَةُ رادَّةٌ عَلى اليَهُودِ والنَصارى والعَرَبِ في قَوْلِهِمْ أفْذاذًا: "عُزَيْرٌ وعِيسى والمَلائِكَةُ ذَرِّيَّةٌ لِلَّهِ"، سُبْحانَهُ وتَعالى عن أقْوالِهِمْ ورادَّةٌ عَلى العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: "لَوْلا أولِياءُ اللهِ لِذُلَّ"، وقَيَّدَ لَفْظُ الآيَةِ نَفِيَ الوِلايَةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَرِيقِ الذُلِّ، وعَلى جِهَةِ الِانْتِصارِ؛ إذْ وِلايَتُهُ مَوْجُودَةٌ بِتَفَضُّلِهِ ورَحْمَتِهِ لِمَن والى مِن صالِحِ عِبادِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: لَمْ يُحالِفْ أحَدًا، ولا ابْتَغَ نَصْرَ أحَدٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أبْلَغُ لَفْظَةٍ لِلْعَرَبِ في مَعْنى التَعْظِيمِ والإجْلالِ، ثُمَّ أكَّدَها بِالمَصْدَرِ تَحْقِيقًا لَها، وإبْلاغًا في مَعْناها.
(p-٥٦٠)وَرَوى مُطْرِفٌ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: "افْتُتِحَتِ التَوْراةُ بِفاتِحَةِ سُورَةِ الأنْعامِ، وخُتِمَتْ بِخاتِمَةِ هَذِهِ السُورَةِ".
نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الإسْراءِ ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ
الكهف 18:1
(p-٥٦١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الكَهْفِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عن فِرْقَةٍ أنَّ أوَّلَ السُورَةِ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: "جُرُزًا"، والأوَّلُ أصَحُّ.
وهِيَ مِن أفْضَلِ سُوَرِ القُرْآنِ، ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "ألا أُخْبِرُكم بِسُورَةٍ (مَلَأ) عِظَمُها ما بَيْنَ السَماواتِ والأرْضِ، ولِمَن جاءَ بِها مِنَ الأجْرِ مِثْلُ ذَلِكَ"؟ قالُوا: أيُّ سُورَةٍ هي يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "سُورَةُ الكَهْفِ، مَن قَرَأ بِها يَوْمَ الجُمْعَةِ غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَ الجُمْعَةِ إلى الجُمْعَةِ الأُخْرى -وَزِيادَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في رِوايَةِ أنَسٍ -، ومَن قَرَأ بِها أُعْطِيَ نُورًا بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، ووُقِيَ بِها فِتْنَةَ القَبْرِ".»
قوله عزّ وجلّ:
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا﴾ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾
كانَ حَفْصٌ عن عاصِمٍ يَسْكُتُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: "عِوَجًا" سَكْتَةً خَفِيفَةً، وعِنْدَ "مَرْقَدِنا" في يَسِ، وسَبَبُ هَذِهِ البُداءَةِ في هَذِهِ السُورَةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا سَألَتْهُ (p-٥٦٢)قُرَيْشٌ عَنِ المَسائِلِ الثَلاثِ: الرُوحِ والكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ -حَسْبَما أمَرَتْهم بِهِنَّ يَهُودٌ- قالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ: "غَدًا أُخْبِرُكم بِجَوابِ سُؤالِكُمْ"، ولَمْ يُقَلْ: "إنْ شاءَ اللهُ"، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ أمْسَكَ عنهُ الوَحْيَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَأرْجَفَ بِهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ تَرَكَهُ رَئِيُّهُ الَّذِي كانَ يَأْتِيهِ مِنَ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ عَجَزَ عن أكاذِيبِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وبَلَغَ مِنهُ، فَلَمّا أنْ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي أرادَ اللهُ تَعالى عِتابَ مُحَمَّدٍ ﷺ- عَلَيْهِ، جاءَ الوَحْيُ مِنَ اللهِ تَعالى بِجَوابِ الأسْئِلَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فافْتُتِحَ الوَحْيُ بِـ" الحَمْد للَّه الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ "، أيْ: بِزَعْمِكم أنْتُمْ يا قُرَيْشُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ يُحِبُّ مُساءَتَكَ فَلا يَرى إلّا نِعْمَتَكَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيَّ وفَعَلَ بِي كَذا، عَلى جِهَةِ النِعْمَةِ عَلَيْهِ. و"الكِتابُ" هو القُرْآنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ أيْ: لَمْ يُزِلْهُ عن طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ، وُ "العِوَجُ" فَقْدُ الِاسْتِقامَةِ، وهو بِكَسْرِ العَيْنِ في الأُمُورِ والطُرُقِ وما لا يُحِسُّ مُنْتَصِبًا شَخْصًا، و"العَوَجُ" بِفَتْحِ العَيْنِ في الأشْخاصِ، كالعَصا والحائِطِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ولَمْ يَجْعَلْهُ مَخْلُوقًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ يَعُمُّ هَذا وجَمِيعَ ما ذَكَرَ مِن أنَّهُ لا تَناقُضَ فِيهِ، ومِن أنَّهُ لا خَلَلَ ولا اخْتِلافَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قَيِّمًا" نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ "الكِتابِ"، فَهو بِمَعْنى التَقْدِيمِ مُؤَخَّرٌ في اللَفْظِ، أيْ: أنْزَلَ الكِتابَ قَيِّمًا، واعْتَرَضَ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ قَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. ذَكَرَ الطَبَرِيٌّ هَذا التَأْوِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مَنصُوبًا" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أنْزَلَهُ، أو جَعَلَهُ قَيِّمًا، وفي بَعْضِ مَصاحِفِ الصَحابَةِ: "وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا لَكِنْ جَعْلَهُ قَيِّمًا"، قالَهُ قَتادَةُ، ومَعْنى "قِيَمٍ" مُسْتَقِيمٌ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ قَيِّمٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِتَصْرِيفِها. ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
(p-٥٦٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مُحْتَمَلٌ، ولَيْسَ مِنَ الِاسْتِقامَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى "قِيَمٍ" قِيامَهُ بِأمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى العالَمِ، وهَذا المَعْنى يُؤَيِّدُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ النِذارَةِ والبِشارَةِ اللَذَيْنِ عَمّا العالَمَ. و"البَأْسُ الشَدِيدُ": عَذابُ الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْدَرِجَ مَعَهُ في النِذارَةِ عَذابُ الدُنْيا بِبَدْرٍ وغَيْرِها، ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، والمَعْنى: لِيُنْذَرَ العالَمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن لَدُنْهُ" أيْ: مِن عِنْدِهِ ومِن قَبْلِهِ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن لَدُنْهُ" بِضَمِّ الدالِّ وسُكُونِ النُونِ وضَمِّ الهاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "مِن لَدْنِهِ" بِسُكُونِ الدالِ وإشْمامِ الضَمِّ فِيها وكَسْرِ النُونِ والهاءِ. وفي "لَدُنْ" لُغاتٌ، يُقالُ: "لَدُنْ" مِثْلُ سَبُعْ، و"لَدْنُ" بِسُكُونِ الدالِ، و"لُدْنُ" بِضَمِّ اللامِ، و"لَدَنُ" بِفَتْحِ اللامِ والدالِ، وهي لَفْظَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى السُكُونِ، ويَلْحَقُها حَذْفُ النُونِ مَعَ الإضافَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ، وطَلْحَةُ: "وَيَبْشُرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ لَهم أجْرًا﴾ تَقْدِيرُهُ: بِأنَّ لَهم أجْرًا، و"الأجْرُ الحَسَنُ": نَعِيمُ الجَنَّةِ، ويَتَقَدَّمُهُ خَيْرُ الدُنْيا. و"ماكِثِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "لَهُمْ"، و"أبَدًا" ظَرْفٌ؛ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى زَمَنٍ غَيْرِ مُتَناهٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَدْ أشَرْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ إلى أمْرِ اليَهُودِ قُرَيْشًا بِسُؤالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنِ المَسائِلِ الثَلاثِ، ويَنْبَغِي أنْ نَنُصَّ كَيْفَ كانَ ذَلِكَ.
ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِسَنَدٍ أنَّهُ قالَ: بَعَثَتْ قُرَيْشٌ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ، وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، إلى أحْبارِ يَهُودٍ بِالمَدِينَةِ، فَقالُوا لَهُما: سَلاهم عن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، وصِفا لَهم صِفَتَهُ، فَإنَّهم أهْلُ الكِتابِ الأوَّلِ، وعِنْدَهم ما لَيْسَ عِنْدَنا مِن عِلْمِ الأنْبِياءِ، فَخَرَجا حَتّى أتَيا المَدِينَةَ، فَسَألا أحْبارَ اليَهُودِ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَتْ لَهُما أحْبارُ اليَهُودِ: سَلُوهُ عن ثَلاثٍ، فَإنْ أخْبَرَكم بِهِنَّ فَهو نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ فالرَجُلُ مُتَقَوِّلٌ فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ، سَلُوهُ عن فِتْيَةٍ ذَهَبُوا في الدَهْرِ الأوَّلِ، وما كانَ مِن أمْرِهِمْ؟ فَإنَّهم كانَ لَهم حَدِيثٌ عَجِيبٌ، وسَلُوهُ عن رَجُلٍ طَوّافٍ بَلَغَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، ما كانَ نَبَؤُهُ؟ وسَلُوهُ عَنِ الرُوحِ، فَأقْبَلَ النَضِرُ وعُقْبَةُ إلى مَكَّةَ، وسَألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن ذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ ما ذَكَرْناهُ.
(p-٥٦٤)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا﴾ الآيَةَ. أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ هم بَعْضُ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ، والنَصارى في المَسِيحِ، وبَعْضُ العَرَبِ في المَلائِكَةِ. والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القَوْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ "قالُوا" المُتَقَدِّمُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: قالُوا جاهِلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الوَلَدِ"، أيْ: لا عِلْمَ لَهم بِهَذا الوَلَدِ الَّذِي ادَّعَوْهُ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ صِفَةً لِقَوْلِهِ: "وَلَدًا"، قالَهُ المَهْدَوِيُّ، وهو مُعْتَرِضٌ؛ لِأنَّهُ لا يَصِفُهُ إلّا القائِلُ، وهم لَيْسَ في قَصْدِهِمْ أنْ يَصِفُوهُ. والصَوابُ عِنْدِي أنَّهُ نَفْيٌ مُؤْتَنِفٌ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى بِهِ بِجَهْلِهِمْ في ذَلِكَ، فَلا مَوْضِعَ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا التَأْوِيلُ أذَمُّ لَهُمْ، وأقْضى بِالجَهْلِ التامِّ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُ الطَبَرِيٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا لآبائِهِمْ﴾، يُرِيدُ الَّذِينَ أخَذَ هَؤُلاءِ هَذِهِ المَقالَةَ عنهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَبُرَتْ كَلِمَةً" بِنَصْبِ "كَلِمَةٍ"، كَما تَقُولُ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وفَسَّرَ الكَلِمَةَ وصْفُها بِالخُرُوجِ مِن أفْواهِهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: نَصْبُها عَلى التَفْسِيرِ عَلى حَدِّ نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿وَساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَصْبُها عَلى الحالِ، والتَقْدِيرُ: كَبُرَتْ فِرْيَتُهم -أو نَحْوَ هَذا- كَلِمَةً، وسُمِّيَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ كَلِمَةً مِن حَيْثُ هي مَقالَةٌ واحِدَةٌ، كَما يَقُولُونَ لِلْقَصِيدَةِ: كَلِمَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ المَقالَةُ قائِمَةٌ في النَفْسِ مَعْنًى واحِدًا فَيَحْسُنُ أنْ تُسَمّى كَلِمَةً. وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ مَحِيضٍ، والقَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "كَلِمَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّها فاعِلَةٌ بِـ "كَبُرَتْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾، أيْ: ما يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا، فَهي النافِيَةُ.
الكهف 18:2
(p-٥٦١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الكَهْفِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عن فِرْقَةٍ أنَّ أوَّلَ السُورَةِ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: "جُرُزًا"، والأوَّلُ أصَحُّ.
وهِيَ مِن أفْضَلِ سُوَرِ القُرْآنِ، ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "ألا أُخْبِرُكم بِسُورَةٍ (مَلَأ) عِظَمُها ما بَيْنَ السَماواتِ والأرْضِ، ولِمَن جاءَ بِها مِنَ الأجْرِ مِثْلُ ذَلِكَ"؟ قالُوا: أيُّ سُورَةٍ هي يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "سُورَةُ الكَهْفِ، مَن قَرَأ بِها يَوْمَ الجُمْعَةِ غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَ الجُمْعَةِ إلى الجُمْعَةِ الأُخْرى -وَزِيادَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في رِوايَةِ أنَسٍ -، ومَن قَرَأ بِها أُعْطِيَ نُورًا بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، ووُقِيَ بِها فِتْنَةَ القَبْرِ".»
قوله عزّ وجلّ:
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا﴾ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾
كانَ حَفْصٌ عن عاصِمٍ يَسْكُتُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: "عِوَجًا" سَكْتَةً خَفِيفَةً، وعِنْدَ "مَرْقَدِنا" في يَسِ، وسَبَبُ هَذِهِ البُداءَةِ في هَذِهِ السُورَةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا سَألَتْهُ (p-٥٦٢)قُرَيْشٌ عَنِ المَسائِلِ الثَلاثِ: الرُوحِ والكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ -حَسْبَما أمَرَتْهم بِهِنَّ يَهُودٌ- قالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ: "غَدًا أُخْبِرُكم بِجَوابِ سُؤالِكُمْ"، ولَمْ يُقَلْ: "إنْ شاءَ اللهُ"، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ أمْسَكَ عنهُ الوَحْيَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَأرْجَفَ بِهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ تَرَكَهُ رَئِيُّهُ الَّذِي كانَ يَأْتِيهِ مِنَ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ عَجَزَ عن أكاذِيبِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وبَلَغَ مِنهُ، فَلَمّا أنْ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي أرادَ اللهُ تَعالى عِتابَ مُحَمَّدٍ ﷺ- عَلَيْهِ، جاءَ الوَحْيُ مِنَ اللهِ تَعالى بِجَوابِ الأسْئِلَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فافْتُتِحَ الوَحْيُ بِـ" الحَمْد للَّه الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ "، أيْ: بِزَعْمِكم أنْتُمْ يا قُرَيْشُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ يُحِبُّ مُساءَتَكَ فَلا يَرى إلّا نِعْمَتَكَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيَّ وفَعَلَ بِي كَذا، عَلى جِهَةِ النِعْمَةِ عَلَيْهِ. و"الكِتابُ" هو القُرْآنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ أيْ: لَمْ يُزِلْهُ عن طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ، وُ "العِوَجُ" فَقْدُ الِاسْتِقامَةِ، وهو بِكَسْرِ العَيْنِ في الأُمُورِ والطُرُقِ وما لا يُحِسُّ مُنْتَصِبًا شَخْصًا، و"العَوَجُ" بِفَتْحِ العَيْنِ في الأشْخاصِ، كالعَصا والحائِطِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ولَمْ يَجْعَلْهُ مَخْلُوقًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ يَعُمُّ هَذا وجَمِيعَ ما ذَكَرَ مِن أنَّهُ لا تَناقُضَ فِيهِ، ومِن أنَّهُ لا خَلَلَ ولا اخْتِلافَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قَيِّمًا" نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ "الكِتابِ"، فَهو بِمَعْنى التَقْدِيمِ مُؤَخَّرٌ في اللَفْظِ، أيْ: أنْزَلَ الكِتابَ قَيِّمًا، واعْتَرَضَ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ قَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. ذَكَرَ الطَبَرِيٌّ هَذا التَأْوِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مَنصُوبًا" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أنْزَلَهُ، أو جَعَلَهُ قَيِّمًا، وفي بَعْضِ مَصاحِفِ الصَحابَةِ: "وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا لَكِنْ جَعْلَهُ قَيِّمًا"، قالَهُ قَتادَةُ، ومَعْنى "قِيَمٍ" مُسْتَقِيمٌ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ قَيِّمٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِتَصْرِيفِها. ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
(p-٥٦٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مُحْتَمَلٌ، ولَيْسَ مِنَ الِاسْتِقامَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى "قِيَمٍ" قِيامَهُ بِأمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى العالَمِ، وهَذا المَعْنى يُؤَيِّدُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ النِذارَةِ والبِشارَةِ اللَذَيْنِ عَمّا العالَمَ. و"البَأْسُ الشَدِيدُ": عَذابُ الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْدَرِجَ مَعَهُ في النِذارَةِ عَذابُ الدُنْيا بِبَدْرٍ وغَيْرِها، ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، والمَعْنى: لِيُنْذَرَ العالَمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن لَدُنْهُ" أيْ: مِن عِنْدِهِ ومِن قَبْلِهِ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن لَدُنْهُ" بِضَمِّ الدالِّ وسُكُونِ النُونِ وضَمِّ الهاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "مِن لَدْنِهِ" بِسُكُونِ الدالِ وإشْمامِ الضَمِّ فِيها وكَسْرِ النُونِ والهاءِ. وفي "لَدُنْ" لُغاتٌ، يُقالُ: "لَدُنْ" مِثْلُ سَبُعْ، و"لَدْنُ" بِسُكُونِ الدالِ، و"لُدْنُ" بِضَمِّ اللامِ، و"لَدَنُ" بِفَتْحِ اللامِ والدالِ، وهي لَفْظَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى السُكُونِ، ويَلْحَقُها حَذْفُ النُونِ مَعَ الإضافَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ، وطَلْحَةُ: "وَيَبْشُرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ لَهم أجْرًا﴾ تَقْدِيرُهُ: بِأنَّ لَهم أجْرًا، و"الأجْرُ الحَسَنُ": نَعِيمُ الجَنَّةِ، ويَتَقَدَّمُهُ خَيْرُ الدُنْيا. و"ماكِثِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "لَهُمْ"، و"أبَدًا" ظَرْفٌ؛ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى زَمَنٍ غَيْرِ مُتَناهٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَدْ أشَرْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ إلى أمْرِ اليَهُودِ قُرَيْشًا بِسُؤالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنِ المَسائِلِ الثَلاثِ، ويَنْبَغِي أنْ نَنُصَّ كَيْفَ كانَ ذَلِكَ.
ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِسَنَدٍ أنَّهُ قالَ: بَعَثَتْ قُرَيْشٌ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ، وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، إلى أحْبارِ يَهُودٍ بِالمَدِينَةِ، فَقالُوا لَهُما: سَلاهم عن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، وصِفا لَهم صِفَتَهُ، فَإنَّهم أهْلُ الكِتابِ الأوَّلِ، وعِنْدَهم ما لَيْسَ عِنْدَنا مِن عِلْمِ الأنْبِياءِ، فَخَرَجا حَتّى أتَيا المَدِينَةَ، فَسَألا أحْبارَ اليَهُودِ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَتْ لَهُما أحْبارُ اليَهُودِ: سَلُوهُ عن ثَلاثٍ، فَإنْ أخْبَرَكم بِهِنَّ فَهو نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ فالرَجُلُ مُتَقَوِّلٌ فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ، سَلُوهُ عن فِتْيَةٍ ذَهَبُوا في الدَهْرِ الأوَّلِ، وما كانَ مِن أمْرِهِمْ؟ فَإنَّهم كانَ لَهم حَدِيثٌ عَجِيبٌ، وسَلُوهُ عن رَجُلٍ طَوّافٍ بَلَغَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، ما كانَ نَبَؤُهُ؟ وسَلُوهُ عَنِ الرُوحِ، فَأقْبَلَ النَضِرُ وعُقْبَةُ إلى مَكَّةَ، وسَألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن ذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ ما ذَكَرْناهُ.
(p-٥٦٤)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا﴾ الآيَةَ. أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ هم بَعْضُ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ، والنَصارى في المَسِيحِ، وبَعْضُ العَرَبِ في المَلائِكَةِ. والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القَوْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ "قالُوا" المُتَقَدِّمُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: قالُوا جاهِلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الوَلَدِ"، أيْ: لا عِلْمَ لَهم بِهَذا الوَلَدِ الَّذِي ادَّعَوْهُ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ صِفَةً لِقَوْلِهِ: "وَلَدًا"، قالَهُ المَهْدَوِيُّ، وهو مُعْتَرِضٌ؛ لِأنَّهُ لا يَصِفُهُ إلّا القائِلُ، وهم لَيْسَ في قَصْدِهِمْ أنْ يَصِفُوهُ. والصَوابُ عِنْدِي أنَّهُ نَفْيٌ مُؤْتَنِفٌ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى بِهِ بِجَهْلِهِمْ في ذَلِكَ، فَلا مَوْضِعَ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا التَأْوِيلُ أذَمُّ لَهُمْ، وأقْضى بِالجَهْلِ التامِّ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُ الطَبَرِيٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا لآبائِهِمْ﴾، يُرِيدُ الَّذِينَ أخَذَ هَؤُلاءِ هَذِهِ المَقالَةَ عنهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَبُرَتْ كَلِمَةً" بِنَصْبِ "كَلِمَةٍ"، كَما تَقُولُ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وفَسَّرَ الكَلِمَةَ وصْفُها بِالخُرُوجِ مِن أفْواهِهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: نَصْبُها عَلى التَفْسِيرِ عَلى حَدِّ نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿وَساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَصْبُها عَلى الحالِ، والتَقْدِيرُ: كَبُرَتْ فِرْيَتُهم -أو نَحْوَ هَذا- كَلِمَةً، وسُمِّيَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ كَلِمَةً مِن حَيْثُ هي مَقالَةٌ واحِدَةٌ، كَما يَقُولُونَ لِلْقَصِيدَةِ: كَلِمَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ المَقالَةُ قائِمَةٌ في النَفْسِ مَعْنًى واحِدًا فَيَحْسُنُ أنْ تُسَمّى كَلِمَةً. وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ مَحِيضٍ، والقَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "كَلِمَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّها فاعِلَةٌ بِـ "كَبُرَتْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾، أيْ: ما يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا، فَهي النافِيَةُ.
الكهف 18:3
(p-٥٦١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الكَهْفِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عن فِرْقَةٍ أنَّ أوَّلَ السُورَةِ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: "جُرُزًا"، والأوَّلُ أصَحُّ.
وهِيَ مِن أفْضَلِ سُوَرِ القُرْآنِ، ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "ألا أُخْبِرُكم بِسُورَةٍ (مَلَأ) عِظَمُها ما بَيْنَ السَماواتِ والأرْضِ، ولِمَن جاءَ بِها مِنَ الأجْرِ مِثْلُ ذَلِكَ"؟ قالُوا: أيُّ سُورَةٍ هي يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "سُورَةُ الكَهْفِ، مَن قَرَأ بِها يَوْمَ الجُمْعَةِ غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَ الجُمْعَةِ إلى الجُمْعَةِ الأُخْرى -وَزِيادَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في رِوايَةِ أنَسٍ -، ومَن قَرَأ بِها أُعْطِيَ نُورًا بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، ووُقِيَ بِها فِتْنَةَ القَبْرِ".»
قوله عزّ وجلّ:
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا﴾ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾
كانَ حَفْصٌ عن عاصِمٍ يَسْكُتُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: "عِوَجًا" سَكْتَةً خَفِيفَةً، وعِنْدَ "مَرْقَدِنا" في يَسِ، وسَبَبُ هَذِهِ البُداءَةِ في هَذِهِ السُورَةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا سَألَتْهُ (p-٥٦٢)قُرَيْشٌ عَنِ المَسائِلِ الثَلاثِ: الرُوحِ والكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ -حَسْبَما أمَرَتْهم بِهِنَّ يَهُودٌ- قالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ: "غَدًا أُخْبِرُكم بِجَوابِ سُؤالِكُمْ"، ولَمْ يُقَلْ: "إنْ شاءَ اللهُ"، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ أمْسَكَ عنهُ الوَحْيَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَأرْجَفَ بِهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ تَرَكَهُ رَئِيُّهُ الَّذِي كانَ يَأْتِيهِ مِنَ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ عَجَزَ عن أكاذِيبِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وبَلَغَ مِنهُ، فَلَمّا أنْ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي أرادَ اللهُ تَعالى عِتابَ مُحَمَّدٍ ﷺ- عَلَيْهِ، جاءَ الوَحْيُ مِنَ اللهِ تَعالى بِجَوابِ الأسْئِلَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فافْتُتِحَ الوَحْيُ بِـ" الحَمْد للَّه الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ "، أيْ: بِزَعْمِكم أنْتُمْ يا قُرَيْشُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ يُحِبُّ مُساءَتَكَ فَلا يَرى إلّا نِعْمَتَكَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيَّ وفَعَلَ بِي كَذا، عَلى جِهَةِ النِعْمَةِ عَلَيْهِ. و"الكِتابُ" هو القُرْآنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ أيْ: لَمْ يُزِلْهُ عن طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ، وُ "العِوَجُ" فَقْدُ الِاسْتِقامَةِ، وهو بِكَسْرِ العَيْنِ في الأُمُورِ والطُرُقِ وما لا يُحِسُّ مُنْتَصِبًا شَخْصًا، و"العَوَجُ" بِفَتْحِ العَيْنِ في الأشْخاصِ، كالعَصا والحائِطِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ولَمْ يَجْعَلْهُ مَخْلُوقًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ يَعُمُّ هَذا وجَمِيعَ ما ذَكَرَ مِن أنَّهُ لا تَناقُضَ فِيهِ، ومِن أنَّهُ لا خَلَلَ ولا اخْتِلافَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قَيِّمًا" نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ "الكِتابِ"، فَهو بِمَعْنى التَقْدِيمِ مُؤَخَّرٌ في اللَفْظِ، أيْ: أنْزَلَ الكِتابَ قَيِّمًا، واعْتَرَضَ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ قَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. ذَكَرَ الطَبَرِيٌّ هَذا التَأْوِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مَنصُوبًا" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أنْزَلَهُ، أو جَعَلَهُ قَيِّمًا، وفي بَعْضِ مَصاحِفِ الصَحابَةِ: "وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا لَكِنْ جَعْلَهُ قَيِّمًا"، قالَهُ قَتادَةُ، ومَعْنى "قِيَمٍ" مُسْتَقِيمٌ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ قَيِّمٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِتَصْرِيفِها. ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
(p-٥٦٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مُحْتَمَلٌ، ولَيْسَ مِنَ الِاسْتِقامَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى "قِيَمٍ" قِيامَهُ بِأمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى العالَمِ، وهَذا المَعْنى يُؤَيِّدُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ النِذارَةِ والبِشارَةِ اللَذَيْنِ عَمّا العالَمَ. و"البَأْسُ الشَدِيدُ": عَذابُ الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْدَرِجَ مَعَهُ في النِذارَةِ عَذابُ الدُنْيا بِبَدْرٍ وغَيْرِها، ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، والمَعْنى: لِيُنْذَرَ العالَمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن لَدُنْهُ" أيْ: مِن عِنْدِهِ ومِن قَبْلِهِ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن لَدُنْهُ" بِضَمِّ الدالِّ وسُكُونِ النُونِ وضَمِّ الهاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "مِن لَدْنِهِ" بِسُكُونِ الدالِ وإشْمامِ الضَمِّ فِيها وكَسْرِ النُونِ والهاءِ. وفي "لَدُنْ" لُغاتٌ، يُقالُ: "لَدُنْ" مِثْلُ سَبُعْ، و"لَدْنُ" بِسُكُونِ الدالِ، و"لُدْنُ" بِضَمِّ اللامِ، و"لَدَنُ" بِفَتْحِ اللامِ والدالِ، وهي لَفْظَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى السُكُونِ، ويَلْحَقُها حَذْفُ النُونِ مَعَ الإضافَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ، وطَلْحَةُ: "وَيَبْشُرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ لَهم أجْرًا﴾ تَقْدِيرُهُ: بِأنَّ لَهم أجْرًا، و"الأجْرُ الحَسَنُ": نَعِيمُ الجَنَّةِ، ويَتَقَدَّمُهُ خَيْرُ الدُنْيا. و"ماكِثِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "لَهُمْ"، و"أبَدًا" ظَرْفٌ؛ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى زَمَنٍ غَيْرِ مُتَناهٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَدْ أشَرْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ إلى أمْرِ اليَهُودِ قُرَيْشًا بِسُؤالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنِ المَسائِلِ الثَلاثِ، ويَنْبَغِي أنْ نَنُصَّ كَيْفَ كانَ ذَلِكَ.
ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِسَنَدٍ أنَّهُ قالَ: بَعَثَتْ قُرَيْشٌ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ، وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، إلى أحْبارِ يَهُودٍ بِالمَدِينَةِ، فَقالُوا لَهُما: سَلاهم عن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، وصِفا لَهم صِفَتَهُ، فَإنَّهم أهْلُ الكِتابِ الأوَّلِ، وعِنْدَهم ما لَيْسَ عِنْدَنا مِن عِلْمِ الأنْبِياءِ، فَخَرَجا حَتّى أتَيا المَدِينَةَ، فَسَألا أحْبارَ اليَهُودِ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَتْ لَهُما أحْبارُ اليَهُودِ: سَلُوهُ عن ثَلاثٍ، فَإنْ أخْبَرَكم بِهِنَّ فَهو نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ فالرَجُلُ مُتَقَوِّلٌ فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ، سَلُوهُ عن فِتْيَةٍ ذَهَبُوا في الدَهْرِ الأوَّلِ، وما كانَ مِن أمْرِهِمْ؟ فَإنَّهم كانَ لَهم حَدِيثٌ عَجِيبٌ، وسَلُوهُ عن رَجُلٍ طَوّافٍ بَلَغَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، ما كانَ نَبَؤُهُ؟ وسَلُوهُ عَنِ الرُوحِ، فَأقْبَلَ النَضِرُ وعُقْبَةُ إلى مَكَّةَ، وسَألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن ذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ ما ذَكَرْناهُ.
(p-٥٦٤)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا﴾ الآيَةَ. أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ هم بَعْضُ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ، والنَصارى في المَسِيحِ، وبَعْضُ العَرَبِ في المَلائِكَةِ. والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القَوْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ "قالُوا" المُتَقَدِّمُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: قالُوا جاهِلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الوَلَدِ"، أيْ: لا عِلْمَ لَهم بِهَذا الوَلَدِ الَّذِي ادَّعَوْهُ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ صِفَةً لِقَوْلِهِ: "وَلَدًا"، قالَهُ المَهْدَوِيُّ، وهو مُعْتَرِضٌ؛ لِأنَّهُ لا يَصِفُهُ إلّا القائِلُ، وهم لَيْسَ في قَصْدِهِمْ أنْ يَصِفُوهُ. والصَوابُ عِنْدِي أنَّهُ نَفْيٌ مُؤْتَنِفٌ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى بِهِ بِجَهْلِهِمْ في ذَلِكَ، فَلا مَوْضِعَ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا التَأْوِيلُ أذَمُّ لَهُمْ، وأقْضى بِالجَهْلِ التامِّ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُ الطَبَرِيٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا لآبائِهِمْ﴾، يُرِيدُ الَّذِينَ أخَذَ هَؤُلاءِ هَذِهِ المَقالَةَ عنهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَبُرَتْ كَلِمَةً" بِنَصْبِ "كَلِمَةٍ"، كَما تَقُولُ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وفَسَّرَ الكَلِمَةَ وصْفُها بِالخُرُوجِ مِن أفْواهِهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: نَصْبُها عَلى التَفْسِيرِ عَلى حَدِّ نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿وَساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَصْبُها عَلى الحالِ، والتَقْدِيرُ: كَبُرَتْ فِرْيَتُهم -أو نَحْوَ هَذا- كَلِمَةً، وسُمِّيَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ كَلِمَةً مِن حَيْثُ هي مَقالَةٌ واحِدَةٌ، كَما يَقُولُونَ لِلْقَصِيدَةِ: كَلِمَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ المَقالَةُ قائِمَةٌ في النَفْسِ مَعْنًى واحِدًا فَيَحْسُنُ أنْ تُسَمّى كَلِمَةً. وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ مَحِيضٍ، والقَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "كَلِمَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّها فاعِلَةٌ بِـ "كَبُرَتْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾، أيْ: ما يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا، فَهي النافِيَةُ.
الكهف 18:4
(p-٥٦١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الكَهْفِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عن فِرْقَةٍ أنَّ أوَّلَ السُورَةِ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: "جُرُزًا"، والأوَّلُ أصَحُّ.
وهِيَ مِن أفْضَلِ سُوَرِ القُرْآنِ، ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "ألا أُخْبِرُكم بِسُورَةٍ (مَلَأ) عِظَمُها ما بَيْنَ السَماواتِ والأرْضِ، ولِمَن جاءَ بِها مِنَ الأجْرِ مِثْلُ ذَلِكَ"؟ قالُوا: أيُّ سُورَةٍ هي يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "سُورَةُ الكَهْفِ، مَن قَرَأ بِها يَوْمَ الجُمْعَةِ غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَ الجُمْعَةِ إلى الجُمْعَةِ الأُخْرى -وَزِيادَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في رِوايَةِ أنَسٍ -، ومَن قَرَأ بِها أُعْطِيَ نُورًا بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، ووُقِيَ بِها فِتْنَةَ القَبْرِ".»
قوله عزّ وجلّ:
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا﴾ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾
كانَ حَفْصٌ عن عاصِمٍ يَسْكُتُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: "عِوَجًا" سَكْتَةً خَفِيفَةً، وعِنْدَ "مَرْقَدِنا" في يَسِ، وسَبَبُ هَذِهِ البُداءَةِ في هَذِهِ السُورَةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا سَألَتْهُ (p-٥٦٢)قُرَيْشٌ عَنِ المَسائِلِ الثَلاثِ: الرُوحِ والكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ -حَسْبَما أمَرَتْهم بِهِنَّ يَهُودٌ- قالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ: "غَدًا أُخْبِرُكم بِجَوابِ سُؤالِكُمْ"، ولَمْ يُقَلْ: "إنْ شاءَ اللهُ"، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ أمْسَكَ عنهُ الوَحْيَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَأرْجَفَ بِهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ تَرَكَهُ رَئِيُّهُ الَّذِي كانَ يَأْتِيهِ مِنَ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ عَجَزَ عن أكاذِيبِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وبَلَغَ مِنهُ، فَلَمّا أنْ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي أرادَ اللهُ تَعالى عِتابَ مُحَمَّدٍ ﷺ- عَلَيْهِ، جاءَ الوَحْيُ مِنَ اللهِ تَعالى بِجَوابِ الأسْئِلَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فافْتُتِحَ الوَحْيُ بِـ" الحَمْد للَّه الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ "، أيْ: بِزَعْمِكم أنْتُمْ يا قُرَيْشُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ يُحِبُّ مُساءَتَكَ فَلا يَرى إلّا نِعْمَتَكَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيَّ وفَعَلَ بِي كَذا، عَلى جِهَةِ النِعْمَةِ عَلَيْهِ. و"الكِتابُ" هو القُرْآنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ أيْ: لَمْ يُزِلْهُ عن طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ، وُ "العِوَجُ" فَقْدُ الِاسْتِقامَةِ، وهو بِكَسْرِ العَيْنِ في الأُمُورِ والطُرُقِ وما لا يُحِسُّ مُنْتَصِبًا شَخْصًا، و"العَوَجُ" بِفَتْحِ العَيْنِ في الأشْخاصِ، كالعَصا والحائِطِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ولَمْ يَجْعَلْهُ مَخْلُوقًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ يَعُمُّ هَذا وجَمِيعَ ما ذَكَرَ مِن أنَّهُ لا تَناقُضَ فِيهِ، ومِن أنَّهُ لا خَلَلَ ولا اخْتِلافَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قَيِّمًا" نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ "الكِتابِ"، فَهو بِمَعْنى التَقْدِيمِ مُؤَخَّرٌ في اللَفْظِ، أيْ: أنْزَلَ الكِتابَ قَيِّمًا، واعْتَرَضَ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ قَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. ذَكَرَ الطَبَرِيٌّ هَذا التَأْوِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مَنصُوبًا" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أنْزَلَهُ، أو جَعَلَهُ قَيِّمًا، وفي بَعْضِ مَصاحِفِ الصَحابَةِ: "وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا لَكِنْ جَعْلَهُ قَيِّمًا"، قالَهُ قَتادَةُ، ومَعْنى "قِيَمٍ" مُسْتَقِيمٌ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ قَيِّمٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِتَصْرِيفِها. ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
(p-٥٦٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مُحْتَمَلٌ، ولَيْسَ مِنَ الِاسْتِقامَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى "قِيَمٍ" قِيامَهُ بِأمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى العالَمِ، وهَذا المَعْنى يُؤَيِّدُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ النِذارَةِ والبِشارَةِ اللَذَيْنِ عَمّا العالَمَ. و"البَأْسُ الشَدِيدُ": عَذابُ الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْدَرِجَ مَعَهُ في النِذارَةِ عَذابُ الدُنْيا بِبَدْرٍ وغَيْرِها، ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، والمَعْنى: لِيُنْذَرَ العالَمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن لَدُنْهُ" أيْ: مِن عِنْدِهِ ومِن قَبْلِهِ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن لَدُنْهُ" بِضَمِّ الدالِّ وسُكُونِ النُونِ وضَمِّ الهاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "مِن لَدْنِهِ" بِسُكُونِ الدالِ وإشْمامِ الضَمِّ فِيها وكَسْرِ النُونِ والهاءِ. وفي "لَدُنْ" لُغاتٌ، يُقالُ: "لَدُنْ" مِثْلُ سَبُعْ، و"لَدْنُ" بِسُكُونِ الدالِ، و"لُدْنُ" بِضَمِّ اللامِ، و"لَدَنُ" بِفَتْحِ اللامِ والدالِ، وهي لَفْظَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى السُكُونِ، ويَلْحَقُها حَذْفُ النُونِ مَعَ الإضافَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ، وطَلْحَةُ: "وَيَبْشُرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ لَهم أجْرًا﴾ تَقْدِيرُهُ: بِأنَّ لَهم أجْرًا، و"الأجْرُ الحَسَنُ": نَعِيمُ الجَنَّةِ، ويَتَقَدَّمُهُ خَيْرُ الدُنْيا. و"ماكِثِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "لَهُمْ"، و"أبَدًا" ظَرْفٌ؛ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى زَمَنٍ غَيْرِ مُتَناهٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَدْ أشَرْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ إلى أمْرِ اليَهُودِ قُرَيْشًا بِسُؤالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنِ المَسائِلِ الثَلاثِ، ويَنْبَغِي أنْ نَنُصَّ كَيْفَ كانَ ذَلِكَ.
ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِسَنَدٍ أنَّهُ قالَ: بَعَثَتْ قُرَيْشٌ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ، وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، إلى أحْبارِ يَهُودٍ بِالمَدِينَةِ، فَقالُوا لَهُما: سَلاهم عن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، وصِفا لَهم صِفَتَهُ، فَإنَّهم أهْلُ الكِتابِ الأوَّلِ، وعِنْدَهم ما لَيْسَ عِنْدَنا مِن عِلْمِ الأنْبِياءِ، فَخَرَجا حَتّى أتَيا المَدِينَةَ، فَسَألا أحْبارَ اليَهُودِ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَتْ لَهُما أحْبارُ اليَهُودِ: سَلُوهُ عن ثَلاثٍ، فَإنْ أخْبَرَكم بِهِنَّ فَهو نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ فالرَجُلُ مُتَقَوِّلٌ فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ، سَلُوهُ عن فِتْيَةٍ ذَهَبُوا في الدَهْرِ الأوَّلِ، وما كانَ مِن أمْرِهِمْ؟ فَإنَّهم كانَ لَهم حَدِيثٌ عَجِيبٌ، وسَلُوهُ عن رَجُلٍ طَوّافٍ بَلَغَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، ما كانَ نَبَؤُهُ؟ وسَلُوهُ عَنِ الرُوحِ، فَأقْبَلَ النَضِرُ وعُقْبَةُ إلى مَكَّةَ، وسَألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن ذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ ما ذَكَرْناهُ.
(p-٥٦٤)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا﴾ الآيَةَ. أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ هم بَعْضُ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ، والنَصارى في المَسِيحِ، وبَعْضُ العَرَبِ في المَلائِكَةِ. والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القَوْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ "قالُوا" المُتَقَدِّمُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: قالُوا جاهِلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الوَلَدِ"، أيْ: لا عِلْمَ لَهم بِهَذا الوَلَدِ الَّذِي ادَّعَوْهُ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ صِفَةً لِقَوْلِهِ: "وَلَدًا"، قالَهُ المَهْدَوِيُّ، وهو مُعْتَرِضٌ؛ لِأنَّهُ لا يَصِفُهُ إلّا القائِلُ، وهم لَيْسَ في قَصْدِهِمْ أنْ يَصِفُوهُ. والصَوابُ عِنْدِي أنَّهُ نَفْيٌ مُؤْتَنِفٌ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى بِهِ بِجَهْلِهِمْ في ذَلِكَ، فَلا مَوْضِعَ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا التَأْوِيلُ أذَمُّ لَهُمْ، وأقْضى بِالجَهْلِ التامِّ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُ الطَبَرِيٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا لآبائِهِمْ﴾، يُرِيدُ الَّذِينَ أخَذَ هَؤُلاءِ هَذِهِ المَقالَةَ عنهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَبُرَتْ كَلِمَةً" بِنَصْبِ "كَلِمَةٍ"، كَما تَقُولُ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وفَسَّرَ الكَلِمَةَ وصْفُها بِالخُرُوجِ مِن أفْواهِهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: نَصْبُها عَلى التَفْسِيرِ عَلى حَدِّ نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿وَساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَصْبُها عَلى الحالِ، والتَقْدِيرُ: كَبُرَتْ فِرْيَتُهم -أو نَحْوَ هَذا- كَلِمَةً، وسُمِّيَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ كَلِمَةً مِن حَيْثُ هي مَقالَةٌ واحِدَةٌ، كَما يَقُولُونَ لِلْقَصِيدَةِ: كَلِمَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ المَقالَةُ قائِمَةٌ في النَفْسِ مَعْنًى واحِدًا فَيَحْسُنُ أنْ تُسَمّى كَلِمَةً. وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ مَحِيضٍ، والقَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "كَلِمَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّها فاعِلَةٌ بِـ "كَبُرَتْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾، أيْ: ما يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا، فَهي النافِيَةُ.
الكهف 18:5
(p-٥٦١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الكَهْفِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عن فِرْقَةٍ أنَّ أوَّلَ السُورَةِ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: "جُرُزًا"، والأوَّلُ أصَحُّ.
وهِيَ مِن أفْضَلِ سُوَرِ القُرْآنِ، ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "ألا أُخْبِرُكم بِسُورَةٍ (مَلَأ) عِظَمُها ما بَيْنَ السَماواتِ والأرْضِ، ولِمَن جاءَ بِها مِنَ الأجْرِ مِثْلُ ذَلِكَ"؟ قالُوا: أيُّ سُورَةٍ هي يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "سُورَةُ الكَهْفِ، مَن قَرَأ بِها يَوْمَ الجُمْعَةِ غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَ الجُمْعَةِ إلى الجُمْعَةِ الأُخْرى -وَزِيادَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في رِوايَةِ أنَسٍ -، ومَن قَرَأ بِها أُعْطِيَ نُورًا بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، ووُقِيَ بِها فِتْنَةَ القَبْرِ".»
قوله عزّ وجلّ:
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا﴾ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾
كانَ حَفْصٌ عن عاصِمٍ يَسْكُتُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: "عِوَجًا" سَكْتَةً خَفِيفَةً، وعِنْدَ "مَرْقَدِنا" في يَسِ، وسَبَبُ هَذِهِ البُداءَةِ في هَذِهِ السُورَةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا سَألَتْهُ (p-٥٦٢)قُرَيْشٌ عَنِ المَسائِلِ الثَلاثِ: الرُوحِ والكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ -حَسْبَما أمَرَتْهم بِهِنَّ يَهُودٌ- قالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ: "غَدًا أُخْبِرُكم بِجَوابِ سُؤالِكُمْ"، ولَمْ يُقَلْ: "إنْ شاءَ اللهُ"، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ أمْسَكَ عنهُ الوَحْيَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَأرْجَفَ بِهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ تَرَكَهُ رَئِيُّهُ الَّذِي كانَ يَأْتِيهِ مِنَ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ عَجَزَ عن أكاذِيبِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وبَلَغَ مِنهُ، فَلَمّا أنْ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي أرادَ اللهُ تَعالى عِتابَ مُحَمَّدٍ ﷺ- عَلَيْهِ، جاءَ الوَحْيُ مِنَ اللهِ تَعالى بِجَوابِ الأسْئِلَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فافْتُتِحَ الوَحْيُ بِـ" الحَمْد للَّه الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ "، أيْ: بِزَعْمِكم أنْتُمْ يا قُرَيْشُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ يُحِبُّ مُساءَتَكَ فَلا يَرى إلّا نِعْمَتَكَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيَّ وفَعَلَ بِي كَذا، عَلى جِهَةِ النِعْمَةِ عَلَيْهِ. و"الكِتابُ" هو القُرْآنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ أيْ: لَمْ يُزِلْهُ عن طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ، وُ "العِوَجُ" فَقْدُ الِاسْتِقامَةِ، وهو بِكَسْرِ العَيْنِ في الأُمُورِ والطُرُقِ وما لا يُحِسُّ مُنْتَصِبًا شَخْصًا، و"العَوَجُ" بِفَتْحِ العَيْنِ في الأشْخاصِ، كالعَصا والحائِطِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ولَمْ يَجْعَلْهُ مَخْلُوقًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ يَعُمُّ هَذا وجَمِيعَ ما ذَكَرَ مِن أنَّهُ لا تَناقُضَ فِيهِ، ومِن أنَّهُ لا خَلَلَ ولا اخْتِلافَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قَيِّمًا" نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ "الكِتابِ"، فَهو بِمَعْنى التَقْدِيمِ مُؤَخَّرٌ في اللَفْظِ، أيْ: أنْزَلَ الكِتابَ قَيِّمًا، واعْتَرَضَ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ قَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. ذَكَرَ الطَبَرِيٌّ هَذا التَأْوِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مَنصُوبًا" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أنْزَلَهُ، أو جَعَلَهُ قَيِّمًا، وفي بَعْضِ مَصاحِفِ الصَحابَةِ: "وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا لَكِنْ جَعْلَهُ قَيِّمًا"، قالَهُ قَتادَةُ، ومَعْنى "قِيَمٍ" مُسْتَقِيمٌ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ قَيِّمٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِتَصْرِيفِها. ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
(p-٥٦٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مُحْتَمَلٌ، ولَيْسَ مِنَ الِاسْتِقامَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى "قِيَمٍ" قِيامَهُ بِأمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى العالَمِ، وهَذا المَعْنى يُؤَيِّدُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ النِذارَةِ والبِشارَةِ اللَذَيْنِ عَمّا العالَمَ. و"البَأْسُ الشَدِيدُ": عَذابُ الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْدَرِجَ مَعَهُ في النِذارَةِ عَذابُ الدُنْيا بِبَدْرٍ وغَيْرِها، ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، والمَعْنى: لِيُنْذَرَ العالَمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن لَدُنْهُ" أيْ: مِن عِنْدِهِ ومِن قَبْلِهِ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن لَدُنْهُ" بِضَمِّ الدالِّ وسُكُونِ النُونِ وضَمِّ الهاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "مِن لَدْنِهِ" بِسُكُونِ الدالِ وإشْمامِ الضَمِّ فِيها وكَسْرِ النُونِ والهاءِ. وفي "لَدُنْ" لُغاتٌ، يُقالُ: "لَدُنْ" مِثْلُ سَبُعْ، و"لَدْنُ" بِسُكُونِ الدالِ، و"لُدْنُ" بِضَمِّ اللامِ، و"لَدَنُ" بِفَتْحِ اللامِ والدالِ، وهي لَفْظَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى السُكُونِ، ويَلْحَقُها حَذْفُ النُونِ مَعَ الإضافَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ، وطَلْحَةُ: "وَيَبْشُرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ لَهم أجْرًا﴾ تَقْدِيرُهُ: بِأنَّ لَهم أجْرًا، و"الأجْرُ الحَسَنُ": نَعِيمُ الجَنَّةِ، ويَتَقَدَّمُهُ خَيْرُ الدُنْيا. و"ماكِثِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "لَهُمْ"، و"أبَدًا" ظَرْفٌ؛ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى زَمَنٍ غَيْرِ مُتَناهٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَدْ أشَرْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ إلى أمْرِ اليَهُودِ قُرَيْشًا بِسُؤالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنِ المَسائِلِ الثَلاثِ، ويَنْبَغِي أنْ نَنُصَّ كَيْفَ كانَ ذَلِكَ.
ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِسَنَدٍ أنَّهُ قالَ: بَعَثَتْ قُرَيْشٌ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ، وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، إلى أحْبارِ يَهُودٍ بِالمَدِينَةِ، فَقالُوا لَهُما: سَلاهم عن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، وصِفا لَهم صِفَتَهُ، فَإنَّهم أهْلُ الكِتابِ الأوَّلِ، وعِنْدَهم ما لَيْسَ عِنْدَنا مِن عِلْمِ الأنْبِياءِ، فَخَرَجا حَتّى أتَيا المَدِينَةَ، فَسَألا أحْبارَ اليَهُودِ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَتْ لَهُما أحْبارُ اليَهُودِ: سَلُوهُ عن ثَلاثٍ، فَإنْ أخْبَرَكم بِهِنَّ فَهو نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ فالرَجُلُ مُتَقَوِّلٌ فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ، سَلُوهُ عن فِتْيَةٍ ذَهَبُوا في الدَهْرِ الأوَّلِ، وما كانَ مِن أمْرِهِمْ؟ فَإنَّهم كانَ لَهم حَدِيثٌ عَجِيبٌ، وسَلُوهُ عن رَجُلٍ طَوّافٍ بَلَغَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، ما كانَ نَبَؤُهُ؟ وسَلُوهُ عَنِ الرُوحِ، فَأقْبَلَ النَضِرُ وعُقْبَةُ إلى مَكَّةَ، وسَألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن ذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ ما ذَكَرْناهُ.
(p-٥٦٤)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا﴾ الآيَةَ. أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ هم بَعْضُ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ، والنَصارى في المَسِيحِ، وبَعْضُ العَرَبِ في المَلائِكَةِ. والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القَوْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ "قالُوا" المُتَقَدِّمُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: قالُوا جاهِلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الوَلَدِ"، أيْ: لا عِلْمَ لَهم بِهَذا الوَلَدِ الَّذِي ادَّعَوْهُ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ صِفَةً لِقَوْلِهِ: "وَلَدًا"، قالَهُ المَهْدَوِيُّ، وهو مُعْتَرِضٌ؛ لِأنَّهُ لا يَصِفُهُ إلّا القائِلُ، وهم لَيْسَ في قَصْدِهِمْ أنْ يَصِفُوهُ. والصَوابُ عِنْدِي أنَّهُ نَفْيٌ مُؤْتَنِفٌ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى بِهِ بِجَهْلِهِمْ في ذَلِكَ، فَلا مَوْضِعَ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا التَأْوِيلُ أذَمُّ لَهُمْ، وأقْضى بِالجَهْلِ التامِّ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُ الطَبَرِيٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا لآبائِهِمْ﴾، يُرِيدُ الَّذِينَ أخَذَ هَؤُلاءِ هَذِهِ المَقالَةَ عنهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَبُرَتْ كَلِمَةً" بِنَصْبِ "كَلِمَةٍ"، كَما تَقُولُ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وفَسَّرَ الكَلِمَةَ وصْفُها بِالخُرُوجِ مِن أفْواهِهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: نَصْبُها عَلى التَفْسِيرِ عَلى حَدِّ نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿وَساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَصْبُها عَلى الحالِ، والتَقْدِيرُ: كَبُرَتْ فِرْيَتُهم -أو نَحْوَ هَذا- كَلِمَةً، وسُمِّيَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ كَلِمَةً مِن حَيْثُ هي مَقالَةٌ واحِدَةٌ، كَما يَقُولُونَ لِلْقَصِيدَةِ: كَلِمَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ المَقالَةُ قائِمَةٌ في النَفْسِ مَعْنًى واحِدًا فَيَحْسُنُ أنْ تُسَمّى كَلِمَةً. وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ مَحِيضٍ، والقَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "كَلِمَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّها فاعِلَةٌ بِـ "كَبُرَتْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾، أيْ: ما يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا، فَهي النافِيَةُ.
الكهف 18:6
(p-٥٦٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ ﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾
هَذِهِ آيَةُ تَسْلِيَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلَعَلَّكَ" تَقْرِيرٌ وتَوْقِيفٌ بِمَعْنى الإنْكارِ عَلَيْهِ، أيْ: لا تَكُنْ كَذَلِكَ. و"الباخِعُ نَفْسَهُ" هو مُهْلِكُها وجْدًا وحُزْنًا عَلى أمَرٍّ ما، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ألّا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ ∗∗∗ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عن يَدَيْهِ المُقادِرُ
يُرِيدُ: "نَحَّتْهُ" فَخَفَّفَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ اسْتِعارَةٌ فَصِيحَةٌ، مِن حَيْثُ لَهم إدْبارٌ وتَباعُدٌ عَنِ الإيمانِ، وإعْراضٌ عَنِ الشَرْعِ، فَكَأنَّهم مِن فَرْطِ إدْبارِهِمْ قَدْ بَعُدُوا فَهو في آثارِهِمْ يَحْزَنُ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِهَذا الحَدِيثِ﴾، أيْ: بِالقُرْآنِ الَّذِي نُحَدِّثُكَ بِهِ، و"أسَفًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، قالَ الزَجّاجُ: والأسَفُ: المُبالَغَةُ في حُزْنٍ أو غَضَبٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأسَفُ -فِي هَذا المَوْضِعِ- الحُزْنُ؛ لِأنَّهُ عَلى مَن لا يَمْلِكُهُ ولا هو تَحْتَ يَدِ الأسِفِ، ولَوْ كانَ الأسَفُ مِن مُقْتَدِرٍ عَلى مَن هو في قَبْضَتِهِ ومِلْكِهِ لَكانَ غَضَبًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ [الزخرف: ٥٥]، أيْ: أغْضَبُونا، وإذا تَأمَّلْتَ هَذا في كَلامِ العَرَبِ اطَّرَدَ، وذَكَرَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، وقالَ قَتادَةُ هُنا: "أسَفًا": غَضِبا، وقالَ مُجاهِدٌ: "أسَفًا": جَزِعا، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: حَزِنا، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الأعْشى:
؎ أرى رَجُلًا مِنكم أسَيْفا كَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ يَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبًا
(p-٥٦٦)يُرِيدُ: حَزِينًا كَأنَّهُ مَقْطُوعُ اليَدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها﴾ الآيَةَ بَسْطٌ في التَسْلِيَةِ، أيْ: لا تَهْتَمَّ لِلدُّنْيا وأهْلَها، فَأمْرُها وأمْرُهم أقَلُّ لِفَنائِهِ وذَهابِهِ، فَإنّا إنَّما جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً وامْتِحانًا وخِبْرَةً.
واخْتُلِفَ في المُرادِ بِها، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ الرِجالَ، وقالَهُ مُجاهِدٌ، ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الزِينَةَ الخُلَفاءُ والعُلَماءُ والأُمَراءُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ النِعَمَ والمَلابِسَ والثِمارَ والخُضْرَةَ والمِياهَ ونَحْوَ هَذا مِمّا فِيهِ زِينَةٌ، ولَمْ تَدْخُلْ في هَذا الجِبالُ الصُمُّ وكُلُّ ما لا زَيْنَ فِيهِ كالحَيّاتِ والعَقارِبِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ كُلَّ ما عَلى الأرْضِ، ولَيْسَ شَيْءٌ إلّا وفِيهِ زِينَةٌ مِن جِهَةِ خَلْقِهِ وصَنْعَتِهِ وإحْكامِهِ، وفي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "الدُنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكم فِيها فَناظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فاتَّقُوا الدُنْيا، واتَّقُوا النِساءَ"». و"زِينَةً" مَفْعُولٌ ثانٍ، أو (p-٥٦٧)مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ بِحَسْبِ مَعْنى "جَعَلَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ مَعْناهُ: لِنَخْتَبِرَهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ ما. قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: أحْسَنُهم عَمَلًا: أزْهَدُهم فِيها، وقالَ أبُو عاصِمٍ العَسْقَلانِيُّ: أحْسَنُ عَمَلًا: أتْرَكُ لَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وكانَ أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: أحْسَنُ العَمَلِ: أخْذٌ بِحَقٍّ، وإنْفاقٌ في حَقٍّ مَعَ الإيمانِ، وأداءُ الفَرائِضِ، واجْتِنابُ المَحارِمِ، والإكْثارُ مِنَ المَندُوبِ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾، أيْ: يَرْجِعُ كُلُّ ذَلِكَ تُرابًا غَيْرَ مُتَزَيِّنٍ بِنَباتٍ ونَحْوِهِ، و"الجُرُزُ": الأرْضُ الَّتِي لا شَيْءَ فِيها مِن عِمارَةٍ وزِينَةٍ، وهي البَلْقَعُ، وهَذِهِ حالَةُ الأرْضِ العامِرَةِ بِالزَيْنِ، ولا بُدَّ لَها مِن هَذا في الدُنْيا جُزْءًا جُزْءًا مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ يَعُمُّها ذَلِكَ بِأجْمَعِها عِنْدَ القِيامَةِ، يُقالُ: جَرَزَتِ الأرْضُ بِقَحْطٍ أو جَرادٍ أو نَحْوِهِ إذا ذَهَبَ نَباتُها وبَقِيَتْ لا شَيْءَ فِيها ولا نَفْعَ. وأرْضُونَ أجْرازٌ. وقالَ الزَجّاجُ: الجُرُزُ: الأرْضُ الَّتِي لا تَنْبُتُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: الَّتِي لَمْ تَنْبُتْ. و"الصَعِيدُ": وجْهُ الأرْضِ، وقِيلَ: الصَعِيدُ: التُرابُ خاصَّةٌ، وقِيلَ: الصَعِيدُ: الأرْضُ الطَيِّبَةُ، وقِيلَ: الصَعِيدُ: الأرْضُ المُرْتَفِعَةُ مِنَ الأرْضِ المُنْخَفِضَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتَ﴾ الآيَةَ. مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ في "أمْ" إذا جاءَتْ قَبْلَ أنَّ تَتَقَدَّمُها ألْفُ اسْتِفْهامٍ أنَّها بِمَعْنى "بَلْ" و"ألْفُ الِاسْتِفْهامِ"، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أحَسِبَتْ؟ إضْرابًا عَنِ الحَدِيثِ الأوَّلِ واسْتِفْهامًا عَنِ الثانِي. وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي بِمَنزِلَةِ ألْفِ الِاسْتِفْهامِ، وأمّا مَعْنى الكَلامِ فَقالَ الطَبَرِيٌّ: هو تَقْرِيرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى حِسابِهِ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ أتَوْا عَجَبًا، بِمَعْنى إنْكارُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أيْ: لا تُعَظِّمْ ذَلِكَ بِحَسْبِ ما عَظَّمَهُ عَلَيْكَ السائِلُونَ مِنَ الكَفَرَةِ، فَإنَّ سائِرَ آياتِ اللهِ أعْظَمُ مِن قِصَّتِهِمْ وأشْنَعُ، وهو قَوْلُ ابْنِ (p-٥٦٨)عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ إسْحاقٍ. وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ مَعْنًى آخَرَ، وهو أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا لَهُ، هَلْ عَلِمَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ عَجَبًا؟ بِمَعْنى إثْباتُ أنَّهم عَجِبٌ، وتَكُونُ فائِدَةُ تَقْرِيرِهِ جَمْعَ نَفْسِهِ لِلْأمْرِ؛ لِأنَّ جَوابَهُ أنْ يَقُولَ: لَمْ أحْسَبْ ذَلِكَ ولا عَلِمْتُهُ، فَيُقالُ لَهُ وصْفُهم عِنْدَ ذَلِكَ، والتَجَوُّزُ في هَذا التَأْوِيلِ هو في لَفْظَةِ "حَسِبْتَ"، فَتَأمَّلْهُ.
و"الكَهْفُ": الثُقْبُ المُتَّسِعُ في الجَبَلِ، وما لَمْ يَتَّسِعْ مِنها فَهو غارٌ. وحَكى النَحّاسُ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: "الكَهْفُ": الجَبَلُ، وهَذا غَيْرُ شَهِيرٍ في اللُغَةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "الرَقِيمِ" -فَقالَ كَعْبٌ: الرَقِيمُ: القَرْيَةُ الَّتِي كانَتْ بِإزاءِ "الكَهْفِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: "الرَقِيمُ": الوادِي الَّذِي كانَ بِإزائِهِ، وهو وادٍ بَيْنَ عَصَبانَ وأيَلَةَ دُونَ فِلَسْطِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو الجَبَلُ الَّذِي فِيهِ "الكَهْفُ". وقالَ السَدِّيُّ: "الرَقِيمُ": الصَخْرَةُ الَّتِي كانَتْ عَلى "الكَهْفِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الرَقِيمُ": كِتابٌ مَرْقُومٌ كانَ عِنْدَهُمْ، فِيهِ الشَرْعُ الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ مِن دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: مِن دِينٍ قَبْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كِتابٌ عَمّى اللهُ عَلَيْنا أمْرَهُ ولَمْ يَشْرَحْ لَنا قِصَّتَهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الرَقِيمُ": كِتابٌ في لَوْحِ نُحاسٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في لَوْحَيْنِ مِن رَصاصٍ كَتَبَ فِيهِما القَوْمُ الكُفّارُ الَّذِينَ فَرَّ الفِتْيَةُ مِنهم قِصَّتَهُمْ، وجَعَلُوها تارِيخًا لَهُمْ، ذَكَرُوا وقْتَ فَقْدِهِمْ، وكَمْ كانُوا، وبَنِي مَن كانُوا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "الرَقِيمُ" لَوْحٌ مِن حِجارَةٍ كَتَبُوا فِيهِ قِصَّةَ أصْحابِ "الكَهْفِ" ووَضَعُوهُ عَلى بابِ الكَهْفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَظْهَرُ مِن هَذِهِ الرِوَياتِ أنَّهم كانُوا قَوْمًا مُؤَرِّخِينَ لِلْحَوادِثِ، وذَلِكَ مِن قَبْلِ المَمْلَكَةِ، وهو أمْرٌ مُفِيدٌ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الرَقْمِ، ومِنهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩]، (p-٥٦٩)وَمِنهُ "الأرْقَمُ" لِتَخْطِيطِهِ، ومِنهُ: "رَقْمَةُ الوادِي"، أيْ: مَكانُ جَرْيِ الماءِ وانْعِطافِهِ، يُقالُ: عَلَيْكَ بِالرَقْمَةِ وخَلِّ الضَفَّةِ.
وقالَ النَقّاشُ عن قَتادَةَ: "الرَقِيمُ": دَراهِمُهُمْ، وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والشَعْبِيُّ: "الرَقِيمُ": الكَلْبُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: "الرَقِيمُ": الدَواةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الرَقِيمُ كانَ لِفِتْيَةٍ آخَرِينَ في السَراةِ جَرى لَهم ما جَرى لِأصْحابِ "الكَهْفِ". ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ما أدْرِي ما "الرَقِيمُ"، أكِتابٌ أمْ بُنْيانٌ؟ ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: كَلُّ القُرْآنِ أعْلَمُهُ إلّا: الحَنانُ، والأوّاهُ، والرَقِيمُ.
الكهف 18:7
(p-٥٦٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ ﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾
هَذِهِ آيَةُ تَسْلِيَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلَعَلَّكَ" تَقْرِيرٌ وتَوْقِيفٌ بِمَعْنى الإنْكارِ عَلَيْهِ، أيْ: لا تَكُنْ كَذَلِكَ. و"الباخِعُ نَفْسَهُ" هو مُهْلِكُها وجْدًا وحُزْنًا عَلى أمَرٍّ ما، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ألّا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ ∗∗∗ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عن يَدَيْهِ المُقادِرُ
يُرِيدُ: "نَحَّتْهُ" فَخَفَّفَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ اسْتِعارَةٌ فَصِيحَةٌ، مِن حَيْثُ لَهم إدْبارٌ وتَباعُدٌ عَنِ الإيمانِ، وإعْراضٌ عَنِ الشَرْعِ، فَكَأنَّهم مِن فَرْطِ إدْبارِهِمْ قَدْ بَعُدُوا فَهو في آثارِهِمْ يَحْزَنُ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِهَذا الحَدِيثِ﴾، أيْ: بِالقُرْآنِ الَّذِي نُحَدِّثُكَ بِهِ، و"أسَفًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، قالَ الزَجّاجُ: والأسَفُ: المُبالَغَةُ في حُزْنٍ أو غَضَبٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأسَفُ -فِي هَذا المَوْضِعِ- الحُزْنُ؛ لِأنَّهُ عَلى مَن لا يَمْلِكُهُ ولا هو تَحْتَ يَدِ الأسِفِ، ولَوْ كانَ الأسَفُ مِن مُقْتَدِرٍ عَلى مَن هو في قَبْضَتِهِ ومِلْكِهِ لَكانَ غَضَبًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ [الزخرف: ٥٥]، أيْ: أغْضَبُونا، وإذا تَأمَّلْتَ هَذا في كَلامِ العَرَبِ اطَّرَدَ، وذَكَرَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، وقالَ قَتادَةُ هُنا: "أسَفًا": غَضِبا، وقالَ مُجاهِدٌ: "أسَفًا": جَزِعا، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: حَزِنا، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الأعْشى:
؎ أرى رَجُلًا مِنكم أسَيْفا كَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ يَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبًا
(p-٥٦٦)يُرِيدُ: حَزِينًا كَأنَّهُ مَقْطُوعُ اليَدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها﴾ الآيَةَ بَسْطٌ في التَسْلِيَةِ، أيْ: لا تَهْتَمَّ لِلدُّنْيا وأهْلَها، فَأمْرُها وأمْرُهم أقَلُّ لِفَنائِهِ وذَهابِهِ، فَإنّا إنَّما جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً وامْتِحانًا وخِبْرَةً.
واخْتُلِفَ في المُرادِ بِها، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ الرِجالَ، وقالَهُ مُجاهِدٌ، ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الزِينَةَ الخُلَفاءُ والعُلَماءُ والأُمَراءُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ النِعَمَ والمَلابِسَ والثِمارَ والخُضْرَةَ والمِياهَ ونَحْوَ هَذا مِمّا فِيهِ زِينَةٌ، ولَمْ تَدْخُلْ في هَذا الجِبالُ الصُمُّ وكُلُّ ما لا زَيْنَ فِيهِ كالحَيّاتِ والعَقارِبِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ كُلَّ ما عَلى الأرْضِ، ولَيْسَ شَيْءٌ إلّا وفِيهِ زِينَةٌ مِن جِهَةِ خَلْقِهِ وصَنْعَتِهِ وإحْكامِهِ، وفي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "الدُنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكم فِيها فَناظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فاتَّقُوا الدُنْيا، واتَّقُوا النِساءَ"». و"زِينَةً" مَفْعُولٌ ثانٍ، أو (p-٥٦٧)مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ بِحَسْبِ مَعْنى "جَعَلَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ مَعْناهُ: لِنَخْتَبِرَهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ ما. قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: أحْسَنُهم عَمَلًا: أزْهَدُهم فِيها، وقالَ أبُو عاصِمٍ العَسْقَلانِيُّ: أحْسَنُ عَمَلًا: أتْرَكُ لَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وكانَ أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: أحْسَنُ العَمَلِ: أخْذٌ بِحَقٍّ، وإنْفاقٌ في حَقٍّ مَعَ الإيمانِ، وأداءُ الفَرائِضِ، واجْتِنابُ المَحارِمِ، والإكْثارُ مِنَ المَندُوبِ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾، أيْ: يَرْجِعُ كُلُّ ذَلِكَ تُرابًا غَيْرَ مُتَزَيِّنٍ بِنَباتٍ ونَحْوِهِ، و"الجُرُزُ": الأرْضُ الَّتِي لا شَيْءَ فِيها مِن عِمارَةٍ وزِينَةٍ، وهي البَلْقَعُ، وهَذِهِ حالَةُ الأرْضِ العامِرَةِ بِالزَيْنِ، ولا بُدَّ لَها مِن هَذا في الدُنْيا جُزْءًا جُزْءًا مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ يَعُمُّها ذَلِكَ بِأجْمَعِها عِنْدَ القِيامَةِ، يُقالُ: جَرَزَتِ الأرْضُ بِقَحْطٍ أو جَرادٍ أو نَحْوِهِ إذا ذَهَبَ نَباتُها وبَقِيَتْ لا شَيْءَ فِيها ولا نَفْعَ. وأرْضُونَ أجْرازٌ. وقالَ الزَجّاجُ: الجُرُزُ: الأرْضُ الَّتِي لا تَنْبُتُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: الَّتِي لَمْ تَنْبُتْ. و"الصَعِيدُ": وجْهُ الأرْضِ، وقِيلَ: الصَعِيدُ: التُرابُ خاصَّةٌ، وقِيلَ: الصَعِيدُ: الأرْضُ الطَيِّبَةُ، وقِيلَ: الصَعِيدُ: الأرْضُ المُرْتَفِعَةُ مِنَ الأرْضِ المُنْخَفِضَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتَ﴾ الآيَةَ. مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ في "أمْ" إذا جاءَتْ قَبْلَ أنَّ تَتَقَدَّمُها ألْفُ اسْتِفْهامٍ أنَّها بِمَعْنى "بَلْ" و"ألْفُ الِاسْتِفْهامِ"، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أحَسِبَتْ؟ إضْرابًا عَنِ الحَدِيثِ الأوَّلِ واسْتِفْهامًا عَنِ الثانِي. وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي بِمَنزِلَةِ ألْفِ الِاسْتِفْهامِ، وأمّا مَعْنى الكَلامِ فَقالَ الطَبَرِيٌّ: هو تَقْرِيرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى حِسابِهِ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ أتَوْا عَجَبًا، بِمَعْنى إنْكارُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أيْ: لا تُعَظِّمْ ذَلِكَ بِحَسْبِ ما عَظَّمَهُ عَلَيْكَ السائِلُونَ مِنَ الكَفَرَةِ، فَإنَّ سائِرَ آياتِ اللهِ أعْظَمُ مِن قِصَّتِهِمْ وأشْنَعُ، وهو قَوْلُ ابْنِ (p-٥٦٨)عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ إسْحاقٍ. وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ مَعْنًى آخَرَ، وهو أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا لَهُ، هَلْ عَلِمَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ عَجَبًا؟ بِمَعْنى إثْباتُ أنَّهم عَجِبٌ، وتَكُونُ فائِدَةُ تَقْرِيرِهِ جَمْعَ نَفْسِهِ لِلْأمْرِ؛ لِأنَّ جَوابَهُ أنْ يَقُولَ: لَمْ أحْسَبْ ذَلِكَ ولا عَلِمْتُهُ، فَيُقالُ لَهُ وصْفُهم عِنْدَ ذَلِكَ، والتَجَوُّزُ في هَذا التَأْوِيلِ هو في لَفْظَةِ "حَسِبْتَ"، فَتَأمَّلْهُ.
و"الكَهْفُ": الثُقْبُ المُتَّسِعُ في الجَبَلِ، وما لَمْ يَتَّسِعْ مِنها فَهو غارٌ. وحَكى النَحّاسُ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: "الكَهْفُ": الجَبَلُ، وهَذا غَيْرُ شَهِيرٍ في اللُغَةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "الرَقِيمِ" -فَقالَ كَعْبٌ: الرَقِيمُ: القَرْيَةُ الَّتِي كانَتْ بِإزاءِ "الكَهْفِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: "الرَقِيمُ": الوادِي الَّذِي كانَ بِإزائِهِ، وهو وادٍ بَيْنَ عَصَبانَ وأيَلَةَ دُونَ فِلَسْطِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو الجَبَلُ الَّذِي فِيهِ "الكَهْفُ". وقالَ السَدِّيُّ: "الرَقِيمُ": الصَخْرَةُ الَّتِي كانَتْ عَلى "الكَهْفِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الرَقِيمُ": كِتابٌ مَرْقُومٌ كانَ عِنْدَهُمْ، فِيهِ الشَرْعُ الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ مِن دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: مِن دِينٍ قَبْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كِتابٌ عَمّى اللهُ عَلَيْنا أمْرَهُ ولَمْ يَشْرَحْ لَنا قِصَّتَهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الرَقِيمُ": كِتابٌ في لَوْحِ نُحاسٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في لَوْحَيْنِ مِن رَصاصٍ كَتَبَ فِيهِما القَوْمُ الكُفّارُ الَّذِينَ فَرَّ الفِتْيَةُ مِنهم قِصَّتَهُمْ، وجَعَلُوها تارِيخًا لَهُمْ، ذَكَرُوا وقْتَ فَقْدِهِمْ، وكَمْ كانُوا، وبَنِي مَن كانُوا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "الرَقِيمُ" لَوْحٌ مِن حِجارَةٍ كَتَبُوا فِيهِ قِصَّةَ أصْحابِ "الكَهْفِ" ووَضَعُوهُ عَلى بابِ الكَهْفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَظْهَرُ مِن هَذِهِ الرِوَياتِ أنَّهم كانُوا قَوْمًا مُؤَرِّخِينَ لِلْحَوادِثِ، وذَلِكَ مِن قَبْلِ المَمْلَكَةِ، وهو أمْرٌ مُفِيدٌ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الرَقْمِ، ومِنهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩]، (p-٥٦٩)وَمِنهُ "الأرْقَمُ" لِتَخْطِيطِهِ، ومِنهُ: "رَقْمَةُ الوادِي"، أيْ: مَكانُ جَرْيِ الماءِ وانْعِطافِهِ، يُقالُ: عَلَيْكَ بِالرَقْمَةِ وخَلِّ الضَفَّةِ.
وقالَ النَقّاشُ عن قَتادَةَ: "الرَقِيمُ": دَراهِمُهُمْ، وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والشَعْبِيُّ: "الرَقِيمُ": الكَلْبُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: "الرَقِيمُ": الدَواةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الرَقِيمُ كانَ لِفِتْيَةٍ آخَرِينَ في السَراةِ جَرى لَهم ما جَرى لِأصْحابِ "الكَهْفِ". ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ما أدْرِي ما "الرَقِيمُ"، أكِتابٌ أمْ بُنْيانٌ؟ ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: كَلُّ القُرْآنِ أعْلَمُهُ إلّا: الحَنانُ، والأوّاهُ، والرَقِيمُ.
الكهف 18:8
(p-٥٦٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ ﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾
هَذِهِ آيَةُ تَسْلِيَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلَعَلَّكَ" تَقْرِيرٌ وتَوْقِيفٌ بِمَعْنى الإنْكارِ عَلَيْهِ، أيْ: لا تَكُنْ كَذَلِكَ. و"الباخِعُ نَفْسَهُ" هو مُهْلِكُها وجْدًا وحُزْنًا عَلى أمَرٍّ ما، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ألّا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ ∗∗∗ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عن يَدَيْهِ المُقادِرُ
يُرِيدُ: "نَحَّتْهُ" فَخَفَّفَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ اسْتِعارَةٌ فَصِيحَةٌ، مِن حَيْثُ لَهم إدْبارٌ وتَباعُدٌ عَنِ الإيمانِ، وإعْراضٌ عَنِ الشَرْعِ، فَكَأنَّهم مِن فَرْطِ إدْبارِهِمْ قَدْ بَعُدُوا فَهو في آثارِهِمْ يَحْزَنُ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِهَذا الحَدِيثِ﴾، أيْ: بِالقُرْآنِ الَّذِي نُحَدِّثُكَ بِهِ، و"أسَفًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، قالَ الزَجّاجُ: والأسَفُ: المُبالَغَةُ في حُزْنٍ أو غَضَبٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأسَفُ -فِي هَذا المَوْضِعِ- الحُزْنُ؛ لِأنَّهُ عَلى مَن لا يَمْلِكُهُ ولا هو تَحْتَ يَدِ الأسِفِ، ولَوْ كانَ الأسَفُ مِن مُقْتَدِرٍ عَلى مَن هو في قَبْضَتِهِ ومِلْكِهِ لَكانَ غَضَبًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ [الزخرف: ٥٥]، أيْ: أغْضَبُونا، وإذا تَأمَّلْتَ هَذا في كَلامِ العَرَبِ اطَّرَدَ، وذَكَرَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، وقالَ قَتادَةُ هُنا: "أسَفًا": غَضِبا، وقالَ مُجاهِدٌ: "أسَفًا": جَزِعا، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: حَزِنا، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الأعْشى:
؎ أرى رَجُلًا مِنكم أسَيْفا كَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ يَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبًا
(p-٥٦٦)يُرِيدُ: حَزِينًا كَأنَّهُ مَقْطُوعُ اليَدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها﴾ الآيَةَ بَسْطٌ في التَسْلِيَةِ، أيْ: لا تَهْتَمَّ لِلدُّنْيا وأهْلَها، فَأمْرُها وأمْرُهم أقَلُّ لِفَنائِهِ وذَهابِهِ، فَإنّا إنَّما جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً وامْتِحانًا وخِبْرَةً.
واخْتُلِفَ في المُرادِ بِها، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ الرِجالَ، وقالَهُ مُجاهِدٌ، ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الزِينَةَ الخُلَفاءُ والعُلَماءُ والأُمَراءُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ النِعَمَ والمَلابِسَ والثِمارَ والخُضْرَةَ والمِياهَ ونَحْوَ هَذا مِمّا فِيهِ زِينَةٌ، ولَمْ تَدْخُلْ في هَذا الجِبالُ الصُمُّ وكُلُّ ما لا زَيْنَ فِيهِ كالحَيّاتِ والعَقارِبِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ كُلَّ ما عَلى الأرْضِ، ولَيْسَ شَيْءٌ إلّا وفِيهِ زِينَةٌ مِن جِهَةِ خَلْقِهِ وصَنْعَتِهِ وإحْكامِهِ، وفي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "الدُنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكم فِيها فَناظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فاتَّقُوا الدُنْيا، واتَّقُوا النِساءَ"». و"زِينَةً" مَفْعُولٌ ثانٍ، أو (p-٥٦٧)مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ بِحَسْبِ مَعْنى "جَعَلَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ مَعْناهُ: لِنَخْتَبِرَهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ ما. قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: أحْسَنُهم عَمَلًا: أزْهَدُهم فِيها، وقالَ أبُو عاصِمٍ العَسْقَلانِيُّ: أحْسَنُ عَمَلًا: أتْرَكُ لَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وكانَ أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: أحْسَنُ العَمَلِ: أخْذٌ بِحَقٍّ، وإنْفاقٌ في حَقٍّ مَعَ الإيمانِ، وأداءُ الفَرائِضِ، واجْتِنابُ المَحارِمِ، والإكْثارُ مِنَ المَندُوبِ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾، أيْ: يَرْجِعُ كُلُّ ذَلِكَ تُرابًا غَيْرَ مُتَزَيِّنٍ بِنَباتٍ ونَحْوِهِ، و"الجُرُزُ": الأرْضُ الَّتِي لا شَيْءَ فِيها مِن عِمارَةٍ وزِينَةٍ، وهي البَلْقَعُ، وهَذِهِ حالَةُ الأرْضِ العامِرَةِ بِالزَيْنِ، ولا بُدَّ لَها مِن هَذا في الدُنْيا جُزْءًا جُزْءًا مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ يَعُمُّها ذَلِكَ بِأجْمَعِها عِنْدَ القِيامَةِ، يُقالُ: جَرَزَتِ الأرْضُ بِقَحْطٍ أو جَرادٍ أو نَحْوِهِ إذا ذَهَبَ نَباتُها وبَقِيَتْ لا شَيْءَ فِيها ولا نَفْعَ. وأرْضُونَ أجْرازٌ. وقالَ الزَجّاجُ: الجُرُزُ: الأرْضُ الَّتِي لا تَنْبُتُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: الَّتِي لَمْ تَنْبُتْ. و"الصَعِيدُ": وجْهُ الأرْضِ، وقِيلَ: الصَعِيدُ: التُرابُ خاصَّةٌ، وقِيلَ: الصَعِيدُ: الأرْضُ الطَيِّبَةُ، وقِيلَ: الصَعِيدُ: الأرْضُ المُرْتَفِعَةُ مِنَ الأرْضِ المُنْخَفِضَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتَ﴾ الآيَةَ. مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ في "أمْ" إذا جاءَتْ قَبْلَ أنَّ تَتَقَدَّمُها ألْفُ اسْتِفْهامٍ أنَّها بِمَعْنى "بَلْ" و"ألْفُ الِاسْتِفْهامِ"، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أحَسِبَتْ؟ إضْرابًا عَنِ الحَدِيثِ الأوَّلِ واسْتِفْهامًا عَنِ الثانِي. وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي بِمَنزِلَةِ ألْفِ الِاسْتِفْهامِ، وأمّا مَعْنى الكَلامِ فَقالَ الطَبَرِيٌّ: هو تَقْرِيرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى حِسابِهِ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ أتَوْا عَجَبًا، بِمَعْنى إنْكارُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أيْ: لا تُعَظِّمْ ذَلِكَ بِحَسْبِ ما عَظَّمَهُ عَلَيْكَ السائِلُونَ مِنَ الكَفَرَةِ، فَإنَّ سائِرَ آياتِ اللهِ أعْظَمُ مِن قِصَّتِهِمْ وأشْنَعُ، وهو قَوْلُ ابْنِ (p-٥٦٨)عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ إسْحاقٍ. وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ مَعْنًى آخَرَ، وهو أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا لَهُ، هَلْ عَلِمَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ عَجَبًا؟ بِمَعْنى إثْباتُ أنَّهم عَجِبٌ، وتَكُونُ فائِدَةُ تَقْرِيرِهِ جَمْعَ نَفْسِهِ لِلْأمْرِ؛ لِأنَّ جَوابَهُ أنْ يَقُولَ: لَمْ أحْسَبْ ذَلِكَ ولا عَلِمْتُهُ، فَيُقالُ لَهُ وصْفُهم عِنْدَ ذَلِكَ، والتَجَوُّزُ في هَذا التَأْوِيلِ هو في لَفْظَةِ "حَسِبْتَ"، فَتَأمَّلْهُ.
و"الكَهْفُ": الثُقْبُ المُتَّسِعُ في الجَبَلِ، وما لَمْ يَتَّسِعْ مِنها فَهو غارٌ. وحَكى النَحّاسُ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: "الكَهْفُ": الجَبَلُ، وهَذا غَيْرُ شَهِيرٍ في اللُغَةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "الرَقِيمِ" -فَقالَ كَعْبٌ: الرَقِيمُ: القَرْيَةُ الَّتِي كانَتْ بِإزاءِ "الكَهْفِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: "الرَقِيمُ": الوادِي الَّذِي كانَ بِإزائِهِ، وهو وادٍ بَيْنَ عَصَبانَ وأيَلَةَ دُونَ فِلَسْطِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو الجَبَلُ الَّذِي فِيهِ "الكَهْفُ". وقالَ السَدِّيُّ: "الرَقِيمُ": الصَخْرَةُ الَّتِي كانَتْ عَلى "الكَهْفِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الرَقِيمُ": كِتابٌ مَرْقُومٌ كانَ عِنْدَهُمْ، فِيهِ الشَرْعُ الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ مِن دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: مِن دِينٍ قَبْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كِتابٌ عَمّى اللهُ عَلَيْنا أمْرَهُ ولَمْ يَشْرَحْ لَنا قِصَّتَهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الرَقِيمُ": كِتابٌ في لَوْحِ نُحاسٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في لَوْحَيْنِ مِن رَصاصٍ كَتَبَ فِيهِما القَوْمُ الكُفّارُ الَّذِينَ فَرَّ الفِتْيَةُ مِنهم قِصَّتَهُمْ، وجَعَلُوها تارِيخًا لَهُمْ، ذَكَرُوا وقْتَ فَقْدِهِمْ، وكَمْ كانُوا، وبَنِي مَن كانُوا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "الرَقِيمُ" لَوْحٌ مِن حِجارَةٍ كَتَبُوا فِيهِ قِصَّةَ أصْحابِ "الكَهْفِ" ووَضَعُوهُ عَلى بابِ الكَهْفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَظْهَرُ مِن هَذِهِ الرِوَياتِ أنَّهم كانُوا قَوْمًا مُؤَرِّخِينَ لِلْحَوادِثِ، وذَلِكَ مِن قَبْلِ المَمْلَكَةِ، وهو أمْرٌ مُفِيدٌ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الرَقْمِ، ومِنهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩]، (p-٥٦٩)وَمِنهُ "الأرْقَمُ" لِتَخْطِيطِهِ، ومِنهُ: "رَقْمَةُ الوادِي"، أيْ: مَكانُ جَرْيِ الماءِ وانْعِطافِهِ، يُقالُ: عَلَيْكَ بِالرَقْمَةِ وخَلِّ الضَفَّةِ.
وقالَ النَقّاشُ عن قَتادَةَ: "الرَقِيمُ": دَراهِمُهُمْ، وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والشَعْبِيُّ: "الرَقِيمُ": الكَلْبُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: "الرَقِيمُ": الدَواةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الرَقِيمُ كانَ لِفِتْيَةٍ آخَرِينَ في السَراةِ جَرى لَهم ما جَرى لِأصْحابِ "الكَهْفِ". ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ما أدْرِي ما "الرَقِيمُ"، أكِتابٌ أمْ بُنْيانٌ؟ ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: كَلُّ القُرْآنِ أعْلَمُهُ إلّا: الحَنانُ، والأوّاهُ، والرَقِيمُ.
الكهف 18:9
(p-٥٦٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ ﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾
هَذِهِ آيَةُ تَسْلِيَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلَعَلَّكَ" تَقْرِيرٌ وتَوْقِيفٌ بِمَعْنى الإنْكارِ عَلَيْهِ، أيْ: لا تَكُنْ كَذَلِكَ. و"الباخِعُ نَفْسَهُ" هو مُهْلِكُها وجْدًا وحُزْنًا عَلى أمَرٍّ ما، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ألّا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ ∗∗∗ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عن يَدَيْهِ المُقادِرُ
يُرِيدُ: "نَحَّتْهُ" فَخَفَّفَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ اسْتِعارَةٌ فَصِيحَةٌ، مِن حَيْثُ لَهم إدْبارٌ وتَباعُدٌ عَنِ الإيمانِ، وإعْراضٌ عَنِ الشَرْعِ، فَكَأنَّهم مِن فَرْطِ إدْبارِهِمْ قَدْ بَعُدُوا فَهو في آثارِهِمْ يَحْزَنُ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِهَذا الحَدِيثِ﴾، أيْ: بِالقُرْآنِ الَّذِي نُحَدِّثُكَ بِهِ، و"أسَفًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، قالَ الزَجّاجُ: والأسَفُ: المُبالَغَةُ في حُزْنٍ أو غَضَبٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأسَفُ -فِي هَذا المَوْضِعِ- الحُزْنُ؛ لِأنَّهُ عَلى مَن لا يَمْلِكُهُ ولا هو تَحْتَ يَدِ الأسِفِ، ولَوْ كانَ الأسَفُ مِن مُقْتَدِرٍ عَلى مَن هو في قَبْضَتِهِ ومِلْكِهِ لَكانَ غَضَبًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ [الزخرف: ٥٥]، أيْ: أغْضَبُونا، وإذا تَأمَّلْتَ هَذا في كَلامِ العَرَبِ اطَّرَدَ، وذَكَرَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، وقالَ قَتادَةُ هُنا: "أسَفًا": غَضِبا، وقالَ مُجاهِدٌ: "أسَفًا": جَزِعا، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: حَزِنا، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الأعْشى:
؎ أرى رَجُلًا مِنكم أسَيْفا كَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ يَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبًا
(p-٥٦٦)يُرِيدُ: حَزِينًا كَأنَّهُ مَقْطُوعُ اليَدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها﴾ الآيَةَ بَسْطٌ في التَسْلِيَةِ، أيْ: لا تَهْتَمَّ لِلدُّنْيا وأهْلَها، فَأمْرُها وأمْرُهم أقَلُّ لِفَنائِهِ وذَهابِهِ، فَإنّا إنَّما جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً وامْتِحانًا وخِبْرَةً.
واخْتُلِفَ في المُرادِ بِها، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ الرِجالَ، وقالَهُ مُجاهِدٌ، ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الزِينَةَ الخُلَفاءُ والعُلَماءُ والأُمَراءُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ النِعَمَ والمَلابِسَ والثِمارَ والخُضْرَةَ والمِياهَ ونَحْوَ هَذا مِمّا فِيهِ زِينَةٌ، ولَمْ تَدْخُلْ في هَذا الجِبالُ الصُمُّ وكُلُّ ما لا زَيْنَ فِيهِ كالحَيّاتِ والعَقارِبِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ كُلَّ ما عَلى الأرْضِ، ولَيْسَ شَيْءٌ إلّا وفِيهِ زِينَةٌ مِن جِهَةِ خَلْقِهِ وصَنْعَتِهِ وإحْكامِهِ، وفي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "الدُنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكم فِيها فَناظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فاتَّقُوا الدُنْيا، واتَّقُوا النِساءَ"». و"زِينَةً" مَفْعُولٌ ثانٍ، أو (p-٥٦٧)مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ بِحَسْبِ مَعْنى "جَعَلَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ مَعْناهُ: لِنَخْتَبِرَهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ ما. قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: أحْسَنُهم عَمَلًا: أزْهَدُهم فِيها، وقالَ أبُو عاصِمٍ العَسْقَلانِيُّ: أحْسَنُ عَمَلًا: أتْرَكُ لَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وكانَ أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: أحْسَنُ العَمَلِ: أخْذٌ بِحَقٍّ، وإنْفاقٌ في حَقٍّ مَعَ الإيمانِ، وأداءُ الفَرائِضِ، واجْتِنابُ المَحارِمِ، والإكْثارُ مِنَ المَندُوبِ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾، أيْ: يَرْجِعُ كُلُّ ذَلِكَ تُرابًا غَيْرَ مُتَزَيِّنٍ بِنَباتٍ ونَحْوِهِ، و"الجُرُزُ": الأرْضُ الَّتِي لا شَيْءَ فِيها مِن عِمارَةٍ وزِينَةٍ، وهي البَلْقَعُ، وهَذِهِ حالَةُ الأرْضِ العامِرَةِ بِالزَيْنِ، ولا بُدَّ لَها مِن هَذا في الدُنْيا جُزْءًا جُزْءًا مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ يَعُمُّها ذَلِكَ بِأجْمَعِها عِنْدَ القِيامَةِ، يُقالُ: جَرَزَتِ الأرْضُ بِقَحْطٍ أو جَرادٍ أو نَحْوِهِ إذا ذَهَبَ نَباتُها وبَقِيَتْ لا شَيْءَ فِيها ولا نَفْعَ. وأرْضُونَ أجْرازٌ. وقالَ الزَجّاجُ: الجُرُزُ: الأرْضُ الَّتِي لا تَنْبُتُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: الَّتِي لَمْ تَنْبُتْ. و"الصَعِيدُ": وجْهُ الأرْضِ، وقِيلَ: الصَعِيدُ: التُرابُ خاصَّةٌ، وقِيلَ: الصَعِيدُ: الأرْضُ الطَيِّبَةُ، وقِيلَ: الصَعِيدُ: الأرْضُ المُرْتَفِعَةُ مِنَ الأرْضِ المُنْخَفِضَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتَ﴾ الآيَةَ. مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ في "أمْ" إذا جاءَتْ قَبْلَ أنَّ تَتَقَدَّمُها ألْفُ اسْتِفْهامٍ أنَّها بِمَعْنى "بَلْ" و"ألْفُ الِاسْتِفْهامِ"، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أحَسِبَتْ؟ إضْرابًا عَنِ الحَدِيثِ الأوَّلِ واسْتِفْهامًا عَنِ الثانِي. وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي بِمَنزِلَةِ ألْفِ الِاسْتِفْهامِ، وأمّا مَعْنى الكَلامِ فَقالَ الطَبَرِيٌّ: هو تَقْرِيرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى حِسابِهِ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ أتَوْا عَجَبًا، بِمَعْنى إنْكارُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أيْ: لا تُعَظِّمْ ذَلِكَ بِحَسْبِ ما عَظَّمَهُ عَلَيْكَ السائِلُونَ مِنَ الكَفَرَةِ، فَإنَّ سائِرَ آياتِ اللهِ أعْظَمُ مِن قِصَّتِهِمْ وأشْنَعُ، وهو قَوْلُ ابْنِ (p-٥٦٨)عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ إسْحاقٍ. وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ مَعْنًى آخَرَ، وهو أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا لَهُ، هَلْ عَلِمَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ عَجَبًا؟ بِمَعْنى إثْباتُ أنَّهم عَجِبٌ، وتَكُونُ فائِدَةُ تَقْرِيرِهِ جَمْعَ نَفْسِهِ لِلْأمْرِ؛ لِأنَّ جَوابَهُ أنْ يَقُولَ: لَمْ أحْسَبْ ذَلِكَ ولا عَلِمْتُهُ، فَيُقالُ لَهُ وصْفُهم عِنْدَ ذَلِكَ، والتَجَوُّزُ في هَذا التَأْوِيلِ هو في لَفْظَةِ "حَسِبْتَ"، فَتَأمَّلْهُ.
و"الكَهْفُ": الثُقْبُ المُتَّسِعُ في الجَبَلِ، وما لَمْ يَتَّسِعْ مِنها فَهو غارٌ. وحَكى النَحّاسُ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: "الكَهْفُ": الجَبَلُ، وهَذا غَيْرُ شَهِيرٍ في اللُغَةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "الرَقِيمِ" -فَقالَ كَعْبٌ: الرَقِيمُ: القَرْيَةُ الَّتِي كانَتْ بِإزاءِ "الكَهْفِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: "الرَقِيمُ": الوادِي الَّذِي كانَ بِإزائِهِ، وهو وادٍ بَيْنَ عَصَبانَ وأيَلَةَ دُونَ فِلَسْطِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو الجَبَلُ الَّذِي فِيهِ "الكَهْفُ". وقالَ السَدِّيُّ: "الرَقِيمُ": الصَخْرَةُ الَّتِي كانَتْ عَلى "الكَهْفِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الرَقِيمُ": كِتابٌ مَرْقُومٌ كانَ عِنْدَهُمْ، فِيهِ الشَرْعُ الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ مِن دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: مِن دِينٍ قَبْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كِتابٌ عَمّى اللهُ عَلَيْنا أمْرَهُ ولَمْ يَشْرَحْ لَنا قِصَّتَهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الرَقِيمُ": كِتابٌ في لَوْحِ نُحاسٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في لَوْحَيْنِ مِن رَصاصٍ كَتَبَ فِيهِما القَوْمُ الكُفّارُ الَّذِينَ فَرَّ الفِتْيَةُ مِنهم قِصَّتَهُمْ، وجَعَلُوها تارِيخًا لَهُمْ، ذَكَرُوا وقْتَ فَقْدِهِمْ، وكَمْ كانُوا، وبَنِي مَن كانُوا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "الرَقِيمُ" لَوْحٌ مِن حِجارَةٍ كَتَبُوا فِيهِ قِصَّةَ أصْحابِ "الكَهْفِ" ووَضَعُوهُ عَلى بابِ الكَهْفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَظْهَرُ مِن هَذِهِ الرِوَياتِ أنَّهم كانُوا قَوْمًا مُؤَرِّخِينَ لِلْحَوادِثِ، وذَلِكَ مِن قَبْلِ المَمْلَكَةِ، وهو أمْرٌ مُفِيدٌ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الرَقْمِ، ومِنهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩]، (p-٥٦٩)وَمِنهُ "الأرْقَمُ" لِتَخْطِيطِهِ، ومِنهُ: "رَقْمَةُ الوادِي"، أيْ: مَكانُ جَرْيِ الماءِ وانْعِطافِهِ، يُقالُ: عَلَيْكَ بِالرَقْمَةِ وخَلِّ الضَفَّةِ.
وقالَ النَقّاشُ عن قَتادَةَ: "الرَقِيمُ": دَراهِمُهُمْ، وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والشَعْبِيُّ: "الرَقِيمُ": الكَلْبُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: "الرَقِيمُ": الدَواةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الرَقِيمُ كانَ لِفِتْيَةٍ آخَرِينَ في السَراةِ جَرى لَهم ما جَرى لِأصْحابِ "الكَهْفِ". ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ما أدْرِي ما "الرَقِيمُ"، أكِتابٌ أمْ بُنْيانٌ؟ ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: كَلُّ القُرْآنِ أعْلَمُهُ إلّا: الحَنانُ، والأوّاهُ، والرَقِيمُ.
الكهف 18:10
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾
"الفِتْيَةُ" فِيما رُوِيَ: قَوَّمٌ مِن أبْناءِ أشْرافِ مَدِينَةِ دَقْيُوسَ المَلِكِ الكافِرِ، ويُقالُ فِيهِ: دَقْلَيُوسُ، ويُقالُ: دَقْيَنُوسُ. ورُوِيَ أنَّهم كانُوا مُطَوَّقِينَ مُسَوَّرِينَ بِالذَهَبِ، وهم مِنَ الرُومِ واتَّبَعُوا دِينَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: كانُوا قَبْلَ عِيسى، وأمّا أسْماؤُهم فَهي أعْجَمِيَّةٌ والسَنَدُ في مَعْرِفَتِها واهٍ، ولَكِنَّ الَّتِي ذَكَرَ الطَبَرِيٌّ هي هَذِهِ: مَكْسَيْلَمِينا، وهو أكْبَرُهم والمُتَكَلِّمُ عنهُمْ، ومَجْسَيْلَمِينِيا، وتَمْلِيخا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهُوَ الَّذِي مَضى بِالوَرِقِ إلى المَدِينَةِ عِنْدَ بَعْثِهِمْ مِن رَقْدَتِهِمْ. ومَرْطُوسُ، وكُشُوطُوقُشُ، وبَيْرُونُسُ، ودِينَمُوسُ، ويُطُونُسُ.
واخْتَلَفَ الرُواةُ في قِصَصِ هَؤُلاءِ الفِتْيَةِ، وكَيْفَ كانَ اجْتِماعُهم وخُرُوجُهم إلى (p-٥٧٠)الكَهْفِ، وأكْثَرَ المُؤَرِّخُونَ في ذَلِكَ، ولَكِنْ نَخْتَصِرُ مِن حَدِيثِهِمْ، ونَذْكُرُ ما لا تَسْتَغْنِي الآيَةُ عنهُ، ونَذْكُرُ مِنَ الخِلافِ عُيُونَهُ بِحَوْلِ اللهِ.
رَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ هَؤُلاءِ الفِتْيَةَ كانُوا في دِينِ مَلِكٍ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَذْبَحُ لَها، ويَكْفُرُ بِاللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَدْ تابَعَهُ عَلى ذَلِكَ أهْلُ المَدِينَةِ، فَوَقَعَ لِلْفَتِيَّةِ عِلْمٌ مِن بَعْضِ الحَوارِيِّينَ -حَسْبَما ذَكَرَهُ النَقّاشُ - أو مِن بَعْضِ مُؤْمِنِي الأُمَمِ قَبْلَهم -بِحَسْبِ الخِلافِ الَّذِي ذَكَرْناهُ-، فَآمَنُوا بِاللهِ، ورَأوا بِبَصائِرِهِمْ قَبِيحَ فِعْلِ الناسِ، فَأخَذُوا نُفُوسَهم بِالتِزامِ الدِينِ وعِبادَةِ اللهِ تَعالى، فَرُفِعَ أمْرُهم إلى المَلِكِ، وقِيلَ لَهُ: إنَّهم قَدْ فارَقُوا دِينَكَ، واسْتَخَفُّوا بِآلِهَتِكَ وكَفَرُوا بِها، واسْتَحْضَرَهُمُ المَلِكُ في مَجْلِسِهِ، وأمْرِهِمْ بِاتِّباعِ دِينِهِ والذَبْحِ لِآلِهَتِهِ، وتَوَعَّدَهم عَلى فِراقِ ذَلِكَ بِالقَتْلِ، فَقالُوا لَهُ -فِيما رُوِيَ-: ﴿رَبُّنا رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ﴾ [الكهف: ١٤] الآيَةَ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ [الكهف: ١٦].
ورُوِيَ أنَّهم قالُوا نَحْوَ هَذا الكَلامِ، ولَيْسَ بِهِ، فَقالَ لَهُمُ المَلِكُ: إنَّكم شَبابٌ أغْمارٌ، لا عُقُولَ لَكُمْ، وأنا لا أعْجَلُ بِكم بَلْ أسَتَأْنِي، فاذْهَبُوا إلى مَنازِلِكم فَدَبِّرُوا أمْرَكم وارْجِعُوا إلى أمْرِي، وضَرَبَ لَهم في ذَلِكَ أجَلًا، ثُمَّ إنَّهُ سافَرَ خِلالَ الأجَلِ، فَتَشاوَرَ الفِتْيَةُ في الهُرُوبِ بِأدْيانِهِمْ، فَقالَ لَهم أحَدُهُمْ: إنِّي أعْرِفُ كَهْفًا في جَبَلِ كَذا كانَ أبِي يُدْخِلُ فِيهِ غَنَمَهُ، فَلْنَذْهَبْ إلَيْهِ فَنَخْتَفِي فِيهِ حَتّى يَفْتَحَ اللهُ لَنا، فَخَرَجُوا -فِيما رُوِيَ- يَلْعَبُونَ بِالصَوْلَجانِ والكُرَةِ، وهم يُدَحْرِجُونَها إلى نَحْوِ طَرِيقِهِمْ لِئَلّا يَشْعُرُ الناسُ بِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا مُثَقَّفِينَ فَحَضَرَ عِيدُ خَرَجُوا لَهُ فَرَكِبُوا في جُمْلَةِ الناسِ، ثُمَّ أخَذُوا في اللَعِبِ بِالصَوْلَجانِ حَتّى خَلَصُوا بِذَلِكَ.
ورَوَتْ فَرِقَّةٌ أنَّ أمْرَ أصْحابِ الكَهْفِ إنَّما كانَ أنَّهم كانُوا مِن أبْناءِ الأشْرافِ، فَحَضَرَ عِيدٌ لِأهْلِ المَدِينَةِ، فَرَأى الفِتْيانُ ما يَمْتَثِلُهُ الناسُ في ذَلِكَ العِيدِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأصْنامِ والذَبْحِ لَها، فَوَقَعَ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ، وأجْمَعُوا عَلى مُفارَقَةِ الناسِ لِئَلّا يَنالَهُمُ العَذابُ مَعَهُمْ، فَزايَلُوا الناسَ وذَهَبُوا إلى الكَهْفِ.
ورَوى وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أنَّ أمْرَهم إنَّما كانَ أنْ حَوارِيًّا لِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ جاءَ إلى مَدِينَةِ أصْحابِ الكَهْفِ يُرِيدُ دُخُولَها، فَأجَّرَ نَفْسَهُ مِن صاحِبِ الحَمّامِ، فَكانَ يَعْمَلُ فِيهِ، فَرَأى صاحِبُ الحَمّامِ في أعْمالِهِ بَرَكَةً عَظِيمَةً، فَألْقى إلَيْهِ بِكُلِّ أمْرٍ، وعَرَفَ ذَلِكَ (p-٥٧١)الرَجُلَ فِتْيانٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فَنَشَرَ فِيهِمُ الإيمانَ، وعَرَّفَهُمُ اللهَ تَعالى، فَآمَنُوا واتَّبَعُوهُ عَلى دِينِهِ، واشْتَهَرَتْ خِلْطَتُهم بِهِ، فَأتى يَوْمًا إلى ذَلِكَ الحَمّامِ ولَدُ المَلِكِ بِامْرَأةٍ بَغِيٍّ أرادَ الخَلْوَةَ بِها، فَنَهاهُ ذَلِكَ الحَوارِيُّ فانْتَهى، ثُمَّ جاءَهُ مَرَّةً أُخْرى فَنَهاهُ وشَتَمَهُ، فَأمْضى عَزْمَهُ في دُخُولِ الحَمّامِ مَعَ البَغْيِ، فَدَخَلَ فَماتا بِهِ جَمِيعًا، فاتُّهِمَ ذَلِكَ الحَوارِيُّ وأصْحابُهُ بِقَتْلِهِ، فَفَرُّوا جَمِيعًا حَتّى دَخَلُوا الكَهْفَ.
وقالَ عَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّ أصْحابَ الكَهْفِ كانُوا فَتِيَّةً مِن أبْناءِ العُظَماءِ مُطَوَّقِينَ مُسَوَّرِينَ ذَوِي ذَوائِبَ، قَدْ داخَلَهُمُ الإيمانُ أفْذاذًا. وأزْمَعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمُ الفِرارَ بِدِينِهِ مِن بَلَدِ الكُفْرِ، فَأخْرَجَهُمُ اللهُ في يَوْمٍ واحِدٍ لِما أرادَهُ بِهِمْ، فَخَرَجَ أحَدُهم فَجَلَسَ في ظِلِّ شَجَرَةٍ عَلى بُعْدٍ مِنَ المَدِينَةِ، فَخَرَجَ ثانٍ، فَلَمّا رَأى الجالِسَ جَلَسَ إلَيْهِ، ثُمَّ الثالِثُ، ثُمَّ الباقُونَ حَتّى كَمُلَ جَمِيعُهم في ظِلِّ الشَجَرَةِ، فَألْقى اللهُ في نُفُوسِهِمْ أنَّ غَرَضَهم واحِدٌ، فَتَساءَلُوا، فَفَزِعَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ وتَكَتَّمُوا، ثُمَّ تَراضَوْا بِرَجُلَيْنِ مِنهُمْ، وقالُوا: انْفَرَدا وتَواثَقا ولْيُفْشِ كُلُّ واحِدٌ مِنكُما سِرَّهُ إلى صاحِبِهِ، فَإنِ اتَّفَقْتُما كُنّا مَعَكُما، فَنَهَضا بَعِيدًا فَأفْصَحا بِالإيمانِ والهُرُوبِ بِالدِينِ، فَرَجَعا وفَضَحا الأمْرَ، وتابَعَهُما الآخَرُونَ، ونَهَضُوا إلى الكَهْفِ.
وأمّا الكَلْبُ فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ كَلْبَ صَيْدٍ لِبَعْضِهِمْ، ورُوِيَ أنَّهم وجَدُوا في طَرِيقِهِمْ راعِيًا لَهُ كَلْبٌ، فاتَّبَعَهُمُ الراعِي عَلى رَأْيِهِمْ، وذَهَبَ الكَلْبُ مَعَهُمْ، واسْمُ الكَلْبِ حَمِرانِ، وقِيلَ: قِطْمِيرُ. فَدَخَلُوا الغارَ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ.
فَرَوَتْ فَرِقَّةٌ أنَّ اللهَ تَعالى ضَرَبَ عَلى آذانِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِما أرادَ مِن سَتْرِهِمْ، وخَفِيَ عَلى أهْلِ المَمْلَكَةِ مَكانُهُمْ، وعَجِبَ الناسُ مِن غَرابَةِ فَقْدِهِمْ فَأرْخَوْا ذَلِكَ ورَقَّمُوهُ في لَوْحِينَ مَنَّ رَصاصٍ أو نُحاسٍ، وجَعَلُوهُ عَلى بابِ المَدِينَةِ، فِيهِ أسْماؤُهم وأسْماءُ آبائِهِمْ وذِكْرِ شَرَفِهِمْ، وأنَّهم فُقِدُوا بِصُورَةِ كَذا في وقْتِ كَذا. وقِيلَ: إنَّ الَّذِي كَتَبَ هَذا وتَهَمَّمَ بِهِ رَجُلانِ قاضِيانِ مُؤْمِنانِ يَكْتُمانِ إيمانَهُما مِن أهْلِ بَيْتِ المَمْلَكَةِ، وتَسَتَّرا بِذَلِكَ ودَفَنا اللَوْحَيْنِ عِنْدَهُما، وقِيلَ عَلى الرِوايَةِ: إنَّ المَلِكَ أتى بابَ الغارِ، وأنَّهُما دَفَنا ذَلِكَ في بِناءِ المَلِكِ عَلى الغارِ.
ورَوَتْ فَرِقَةٌ أنَّ المَلِكَ لَمّا ذَهَبَ الفِتْيَةُ أمَرَ بِقَصِّ آثارِهِمْ، فانْتَهى ذَلِكَ بِمُتَّبِعِيهِمْ إلى (p-٥٧٢)بابِ الغارِ، فَعُرِّفَ المَلِكُ فَرَكِبَ في جُنْدِهِ حَتّى وقَفَ عَلَيْهِ، فَأمَرَ بِالدُخُولِ عَلَيْهِمْ، فَهابَ الرِجالُ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ بَعْضُ وُزَرائِهِ: ألَسْتَ أيُّها المَلِكُ إنْ أخْرَجْتَهم قَتَلْتَهُمْ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأيُّ قَتَلَةٍ أبْلَغُ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ، ابْنِ عَلَيْهِمْ بابَ الغارِ ودَعْهم يَمُوتُونَ فِيهِ، فَفَعَلَ، وضَرَبَ اللهُ تَعالى عَلى آذانِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ لِما أرادَ مِن تَأْمِينِهِمْ، وأرَّخَ الناسُ أمَرَهم في اللَوْحَيْنِ، أو أرَّخَهُ الرَجُلانِ بِحَسْبِ الخِلافِ، واسْمُ أحَدِ الرَجُلَيْنِ -فِيما ذَكَرَ الطَبَرِيٌّ - نِيدُرُوسُ، واسْمُ الآخَرِ رُوقُاسُ.
ورُوِيَ أنَّ هَذا المَلِكَ الَّذِي فَرَّ الفِتْيَةُ مِن دِينِهِ كانَ قَدِ امْتَحَنَ اللهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ أحَسَّ بِهِمْ، يَقْتُلُهم ويُعَلِّقُهم أشْخاصًا ورُؤُوسًا عَلى أسْوارِ مَدِينَتِهِ، وكانَ يُرِيدُ أنْ يَذْهَبَ في ذَلِكَ كَما ذَكَرَ- دِينُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وكانَ هو وقَوْمُهُ مِنَ الرُومِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عَنِ الفِتْيَةِ أنَّهم لَمّا أوَوْا إلى الكَهْفِ، أيْ: دَخَلُوهُ وجَعَلُوهُ مَأْوًى لَهم ومَوْضِعَ اعْتِصامٍ، دَعَوُا اللهَ تَعالى بِأنْ يُؤْتِيَهم رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ، وهي الرِزْقُ فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ، وأنْ يُهَيِّئَ لَهم مَن أمْرِهِمْ رَشَدًا، أيْ: خَلاصًا جَمِيلًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَشَدًا" بِفَتْحِ الراءِ والشِينِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "رُشْدًا" بِضَمِّ الراءِ وسُكُونِ الشِينِ، والأوَّلُ أرْجَحُ لِشِبْهِها بِفَواصِلِ الآياتِ قَبْلُ وبَعْدُ. وهَذا الدُعاءُ مِنهم كانَ في أمْرِ دُنْياهُمْ، وألْفاظُهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وقَدْ كانُوا عَلى ثِقَةٍ مِن رُشْدِ الآخِرَةِ ورَحْمَتِها.
ويَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَجْعَلَ دُعاءَهُ في أمْرِ دُنْياهُ هَذِهِ الآيَةَ فَقَطْ، فَإنَّها كافِيَةٌ. ويَحْتَمِلُ ذِكْرُ الرَحْمَةِ أنْ يُرادَ بِها أمْرُ الآخِرَةِ. وقَدِ اخْتَصَرْتُ هَذا القَصَصَ، ولَمْ أغْفُلْ مِن مُهِمِّهِ شَيْئًا بِحَسَبِ اجْتِهادِي. واللهُ المُعِينُ بِرَحْمَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ الآيَةَ، عِبارَةٌ عن إلْقاءِ اللهِ تَعالى النَوْمَ عَلَيْهِمْ، ويُعَبِّرُ عن هَذا ونَحْوِهِ بِالضَرْبِ لِتَتَبَيَّنَ قُوَّةَ المُباشِرَةِ وشِدَّةَ اللُصُوقِ في الأمْرِ المُتَكَلَّمِ فِيهِ والإلْزامَ. ومِنهُ ضَرْبُ الذُلِّ والمَسْكَنَةِ، ومِنهُ ضَرْبُ البَعْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎ ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العنكَبُوتُ بِنَسْجِها ∗∗∗ وقَضى عَلَيْكَ بِهِ الكِتابُ المُنَزَّلُ
(p-٥٧٣)فَهَذا يُسْتَعْمَلُ في اللُزُومِ البَلِيغِ.
وأمّا تَخْصِيصُ الآذانِ بِالذِكْرِ فَلِأنَّها الجارِحَةُ الَّتِي مِنها عَظُمَ فَسادُ النَوْمِ، وقَلَّما يَنْقَطِعُ نَوْمُ نائِمٍ إلّا مِن جِهَةِ أُذُنِهِ، ولا يَسْتَحْكِمُ نَوْمٌ إلّا مَعَ تَعَطُّلِ السَمْعِ، ومِن ذِكْرِ الأُذُنِ في النَوْمِ قَوْلُهُ ﷺ: « "ذَلِكَ رَجُلٌ بالَ الشَيْطانُ في أُذُنِهِ"،» أشارَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إلى رَجُلٍ طَوِيلِ النَوْمِ، لا يَقُومُ بِاللَيْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَدَدًا" نَعْتٌ لِلسِّنِينِ، والقَصْدُ بِهِ العِبارَةُ عَنِ التَكْثِيرِ، أيْ: تَحْتاجُ إلى عَدَدٍ، وهي ذاتُ عَدَدٍ. قالَ الزَجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُ "عَدَدًا" عَلى المَصْدَرِ.
و"البَعْثُ": التَحْرِيكُ بَعْدَ سُكُونٍ، وهَذا مُطَّرِدٌ مَعَ لَفْظَةِ البَعْثِ حَيْثُ وقَعَتْ، وقَدْ يَكُونُ السُكُونُ في الشَخْصِ، أو عَنِ الأمْرِ المَبْعُوثِ فِيهِ وإنْ كانَ الشَخْصُ مُتَحَرِّكًا. وقَوْلُهُ تَعالى: "لِنَعْلَمَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِ ذَلِكَ الشَيْءِ إلى الوُجُودِ، وهَذا عَلى نَحْوِ كَلامِ العَرَبِ، أيْ: لِنَعْلَمَ ذَلِكَ مَوْجُودًا، وإلّا فَقَدَ كانَ اللهُ تَعالى عَلِمَ أيَّ الحِزْبَيْنِ أحْصى الأمَدَ. وقَرَأ الزَهْرِيُّ: "لِيَعْلَمَ" بِالياءِ. و"الحِزْبانِ": الفَرِيقانِ، والظاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الحِزْبَ الواحِدَ هُمُ الفِتْيَةُ إذا ظَنُّوا لُبْثَهم قَلِيلًا، والحِزْبَ الثانِيَ هم أهْلُ المَدِينَةِ الَّذِينَ بَعَثَ الفِتْيَةَ عَلى عَهْدِهِمْ حِينَ كانَ عِنْدَهُمُ التارِيخُ بِأمْرِ الفِتْيَةِ. وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما حِزْبانِ مِنَ الكافِرِينَ اخْتَلَفا في مُدَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما حِزْبانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يَرْتَبِطُ مِن ألْفاظِ الآيَةِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: "أحْصى" فالظاهِرُ الجَيِّدُ فِيهِ أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، و"أمَدًا" مَنصُوبٌ بِهِ (p-٥٧٤)عَلى المَفْعُولِ، و"الأمَدُ": الغايَةُ، ويَأْتِي عِبارَةً عَنِ المُدَّةِ مِن حَيْثُ لِلْمُدَّةِ غايَةٌ هي أمَدُها عَلى الحَقِيقَةِ. وقالَ الزَجّاجُ: "أحْصى" هو أفْعَلُ، و"أمَدًا -عَلى هَذا- نُصِبَ عَلى التَفْسِيرِ، ويَلْحَقُ هَذا القَوْلُ مِنَ الِاخْتِلالِ أنَّ "أفْعَلَ" لا يَكُونُ مِن فِعْلٍ رُباعِيٍّ إلّا في الشاذِّ، و"أحْصى" فِعْلٌ رُباعِيٌّ. ويَحْتَجُّ لِقَوْلِ أبِي إسْحاقَ بِأنَّ "أفْعَلَ" مِنَ الرُباعِيِّ مُذَكَّرٌ، كَقَوْلِكَ: ما أعْطاهُ لِلْمالِ وآتاهُ لِلْخَيْرِ، «وَقالَ النَبِيُّ ﷺ في صَفِّهِ جَهَنَّمَ: "هِيَ أسْوَدُ مِنَ القارِ"،»«وَقالَ في صِفَةِ حَوْضَهُ عَلَيْهِ السَلامُ: "أبْيَضُ مِنَ اللَبَنِ"،» وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَهُوَ لِما سِواها أضْيَعُ"، وهَذِهِ كُلُّها "أفْعَلُ" مِنَ الرُباعِيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: "أمَدًا" مَعْناهُ: غايَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، عَلى جِهَةِ التَقْرِيبِ، وقالَ الطَبَرِيٌّ: نَصْبُ "أمَدًا" بِـ "لَبِثُوا"، وهَذا غَيْرُ مُتَّجَهٍ.
الكهف 18:11
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾
"الفِتْيَةُ" فِيما رُوِيَ: قَوَّمٌ مِن أبْناءِ أشْرافِ مَدِينَةِ دَقْيُوسَ المَلِكِ الكافِرِ، ويُقالُ فِيهِ: دَقْلَيُوسُ، ويُقالُ: دَقْيَنُوسُ. ورُوِيَ أنَّهم كانُوا مُطَوَّقِينَ مُسَوَّرِينَ بِالذَهَبِ، وهم مِنَ الرُومِ واتَّبَعُوا دِينَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: كانُوا قَبْلَ عِيسى، وأمّا أسْماؤُهم فَهي أعْجَمِيَّةٌ والسَنَدُ في مَعْرِفَتِها واهٍ، ولَكِنَّ الَّتِي ذَكَرَ الطَبَرِيٌّ هي هَذِهِ: مَكْسَيْلَمِينا، وهو أكْبَرُهم والمُتَكَلِّمُ عنهُمْ، ومَجْسَيْلَمِينِيا، وتَمْلِيخا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهُوَ الَّذِي مَضى بِالوَرِقِ إلى المَدِينَةِ عِنْدَ بَعْثِهِمْ مِن رَقْدَتِهِمْ. ومَرْطُوسُ، وكُشُوطُوقُشُ، وبَيْرُونُسُ، ودِينَمُوسُ، ويُطُونُسُ.
واخْتَلَفَ الرُواةُ في قِصَصِ هَؤُلاءِ الفِتْيَةِ، وكَيْفَ كانَ اجْتِماعُهم وخُرُوجُهم إلى (p-٥٧٠)الكَهْفِ، وأكْثَرَ المُؤَرِّخُونَ في ذَلِكَ، ولَكِنْ نَخْتَصِرُ مِن حَدِيثِهِمْ، ونَذْكُرُ ما لا تَسْتَغْنِي الآيَةُ عنهُ، ونَذْكُرُ مِنَ الخِلافِ عُيُونَهُ بِحَوْلِ اللهِ.
رَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ هَؤُلاءِ الفِتْيَةَ كانُوا في دِينِ مَلِكٍ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَذْبَحُ لَها، ويَكْفُرُ بِاللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَدْ تابَعَهُ عَلى ذَلِكَ أهْلُ المَدِينَةِ، فَوَقَعَ لِلْفَتِيَّةِ عِلْمٌ مِن بَعْضِ الحَوارِيِّينَ -حَسْبَما ذَكَرَهُ النَقّاشُ - أو مِن بَعْضِ مُؤْمِنِي الأُمَمِ قَبْلَهم -بِحَسْبِ الخِلافِ الَّذِي ذَكَرْناهُ-، فَآمَنُوا بِاللهِ، ورَأوا بِبَصائِرِهِمْ قَبِيحَ فِعْلِ الناسِ، فَأخَذُوا نُفُوسَهم بِالتِزامِ الدِينِ وعِبادَةِ اللهِ تَعالى، فَرُفِعَ أمْرُهم إلى المَلِكِ، وقِيلَ لَهُ: إنَّهم قَدْ فارَقُوا دِينَكَ، واسْتَخَفُّوا بِآلِهَتِكَ وكَفَرُوا بِها، واسْتَحْضَرَهُمُ المَلِكُ في مَجْلِسِهِ، وأمْرِهِمْ بِاتِّباعِ دِينِهِ والذَبْحِ لِآلِهَتِهِ، وتَوَعَّدَهم عَلى فِراقِ ذَلِكَ بِالقَتْلِ، فَقالُوا لَهُ -فِيما رُوِيَ-: ﴿رَبُّنا رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ﴾ [الكهف: ١٤] الآيَةَ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ [الكهف: ١٦].
ورُوِيَ أنَّهم قالُوا نَحْوَ هَذا الكَلامِ، ولَيْسَ بِهِ، فَقالَ لَهُمُ المَلِكُ: إنَّكم شَبابٌ أغْمارٌ، لا عُقُولَ لَكُمْ، وأنا لا أعْجَلُ بِكم بَلْ أسَتَأْنِي، فاذْهَبُوا إلى مَنازِلِكم فَدَبِّرُوا أمْرَكم وارْجِعُوا إلى أمْرِي، وضَرَبَ لَهم في ذَلِكَ أجَلًا، ثُمَّ إنَّهُ سافَرَ خِلالَ الأجَلِ، فَتَشاوَرَ الفِتْيَةُ في الهُرُوبِ بِأدْيانِهِمْ، فَقالَ لَهم أحَدُهُمْ: إنِّي أعْرِفُ كَهْفًا في جَبَلِ كَذا كانَ أبِي يُدْخِلُ فِيهِ غَنَمَهُ، فَلْنَذْهَبْ إلَيْهِ فَنَخْتَفِي فِيهِ حَتّى يَفْتَحَ اللهُ لَنا، فَخَرَجُوا -فِيما رُوِيَ- يَلْعَبُونَ بِالصَوْلَجانِ والكُرَةِ، وهم يُدَحْرِجُونَها إلى نَحْوِ طَرِيقِهِمْ لِئَلّا يَشْعُرُ الناسُ بِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا مُثَقَّفِينَ فَحَضَرَ عِيدُ خَرَجُوا لَهُ فَرَكِبُوا في جُمْلَةِ الناسِ، ثُمَّ أخَذُوا في اللَعِبِ بِالصَوْلَجانِ حَتّى خَلَصُوا بِذَلِكَ.
ورَوَتْ فَرِقَّةٌ أنَّ أمْرَ أصْحابِ الكَهْفِ إنَّما كانَ أنَّهم كانُوا مِن أبْناءِ الأشْرافِ، فَحَضَرَ عِيدٌ لِأهْلِ المَدِينَةِ، فَرَأى الفِتْيانُ ما يَمْتَثِلُهُ الناسُ في ذَلِكَ العِيدِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأصْنامِ والذَبْحِ لَها، فَوَقَعَ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ، وأجْمَعُوا عَلى مُفارَقَةِ الناسِ لِئَلّا يَنالَهُمُ العَذابُ مَعَهُمْ، فَزايَلُوا الناسَ وذَهَبُوا إلى الكَهْفِ.
ورَوى وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أنَّ أمْرَهم إنَّما كانَ أنْ حَوارِيًّا لِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ جاءَ إلى مَدِينَةِ أصْحابِ الكَهْفِ يُرِيدُ دُخُولَها، فَأجَّرَ نَفْسَهُ مِن صاحِبِ الحَمّامِ، فَكانَ يَعْمَلُ فِيهِ، فَرَأى صاحِبُ الحَمّامِ في أعْمالِهِ بَرَكَةً عَظِيمَةً، فَألْقى إلَيْهِ بِكُلِّ أمْرٍ، وعَرَفَ ذَلِكَ (p-٥٧١)الرَجُلَ فِتْيانٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فَنَشَرَ فِيهِمُ الإيمانَ، وعَرَّفَهُمُ اللهَ تَعالى، فَآمَنُوا واتَّبَعُوهُ عَلى دِينِهِ، واشْتَهَرَتْ خِلْطَتُهم بِهِ، فَأتى يَوْمًا إلى ذَلِكَ الحَمّامِ ولَدُ المَلِكِ بِامْرَأةٍ بَغِيٍّ أرادَ الخَلْوَةَ بِها، فَنَهاهُ ذَلِكَ الحَوارِيُّ فانْتَهى، ثُمَّ جاءَهُ مَرَّةً أُخْرى فَنَهاهُ وشَتَمَهُ، فَأمْضى عَزْمَهُ في دُخُولِ الحَمّامِ مَعَ البَغْيِ، فَدَخَلَ فَماتا بِهِ جَمِيعًا، فاتُّهِمَ ذَلِكَ الحَوارِيُّ وأصْحابُهُ بِقَتْلِهِ، فَفَرُّوا جَمِيعًا حَتّى دَخَلُوا الكَهْفَ.
وقالَ عَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّ أصْحابَ الكَهْفِ كانُوا فَتِيَّةً مِن أبْناءِ العُظَماءِ مُطَوَّقِينَ مُسَوَّرِينَ ذَوِي ذَوائِبَ، قَدْ داخَلَهُمُ الإيمانُ أفْذاذًا. وأزْمَعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمُ الفِرارَ بِدِينِهِ مِن بَلَدِ الكُفْرِ، فَأخْرَجَهُمُ اللهُ في يَوْمٍ واحِدٍ لِما أرادَهُ بِهِمْ، فَخَرَجَ أحَدُهم فَجَلَسَ في ظِلِّ شَجَرَةٍ عَلى بُعْدٍ مِنَ المَدِينَةِ، فَخَرَجَ ثانٍ، فَلَمّا رَأى الجالِسَ جَلَسَ إلَيْهِ، ثُمَّ الثالِثُ، ثُمَّ الباقُونَ حَتّى كَمُلَ جَمِيعُهم في ظِلِّ الشَجَرَةِ، فَألْقى اللهُ في نُفُوسِهِمْ أنَّ غَرَضَهم واحِدٌ، فَتَساءَلُوا، فَفَزِعَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ وتَكَتَّمُوا، ثُمَّ تَراضَوْا بِرَجُلَيْنِ مِنهُمْ، وقالُوا: انْفَرَدا وتَواثَقا ولْيُفْشِ كُلُّ واحِدٌ مِنكُما سِرَّهُ إلى صاحِبِهِ، فَإنِ اتَّفَقْتُما كُنّا مَعَكُما، فَنَهَضا بَعِيدًا فَأفْصَحا بِالإيمانِ والهُرُوبِ بِالدِينِ، فَرَجَعا وفَضَحا الأمْرَ، وتابَعَهُما الآخَرُونَ، ونَهَضُوا إلى الكَهْفِ.
وأمّا الكَلْبُ فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ كَلْبَ صَيْدٍ لِبَعْضِهِمْ، ورُوِيَ أنَّهم وجَدُوا في طَرِيقِهِمْ راعِيًا لَهُ كَلْبٌ، فاتَّبَعَهُمُ الراعِي عَلى رَأْيِهِمْ، وذَهَبَ الكَلْبُ مَعَهُمْ، واسْمُ الكَلْبِ حَمِرانِ، وقِيلَ: قِطْمِيرُ. فَدَخَلُوا الغارَ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ.
فَرَوَتْ فَرِقَّةٌ أنَّ اللهَ تَعالى ضَرَبَ عَلى آذانِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِما أرادَ مِن سَتْرِهِمْ، وخَفِيَ عَلى أهْلِ المَمْلَكَةِ مَكانُهُمْ، وعَجِبَ الناسُ مِن غَرابَةِ فَقْدِهِمْ فَأرْخَوْا ذَلِكَ ورَقَّمُوهُ في لَوْحِينَ مَنَّ رَصاصٍ أو نُحاسٍ، وجَعَلُوهُ عَلى بابِ المَدِينَةِ، فِيهِ أسْماؤُهم وأسْماءُ آبائِهِمْ وذِكْرِ شَرَفِهِمْ، وأنَّهم فُقِدُوا بِصُورَةِ كَذا في وقْتِ كَذا. وقِيلَ: إنَّ الَّذِي كَتَبَ هَذا وتَهَمَّمَ بِهِ رَجُلانِ قاضِيانِ مُؤْمِنانِ يَكْتُمانِ إيمانَهُما مِن أهْلِ بَيْتِ المَمْلَكَةِ، وتَسَتَّرا بِذَلِكَ ودَفَنا اللَوْحَيْنِ عِنْدَهُما، وقِيلَ عَلى الرِوايَةِ: إنَّ المَلِكَ أتى بابَ الغارِ، وأنَّهُما دَفَنا ذَلِكَ في بِناءِ المَلِكِ عَلى الغارِ.
ورَوَتْ فَرِقَةٌ أنَّ المَلِكَ لَمّا ذَهَبَ الفِتْيَةُ أمَرَ بِقَصِّ آثارِهِمْ، فانْتَهى ذَلِكَ بِمُتَّبِعِيهِمْ إلى (p-٥٧٢)بابِ الغارِ، فَعُرِّفَ المَلِكُ فَرَكِبَ في جُنْدِهِ حَتّى وقَفَ عَلَيْهِ، فَأمَرَ بِالدُخُولِ عَلَيْهِمْ، فَهابَ الرِجالُ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ بَعْضُ وُزَرائِهِ: ألَسْتَ أيُّها المَلِكُ إنْ أخْرَجْتَهم قَتَلْتَهُمْ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأيُّ قَتَلَةٍ أبْلَغُ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ، ابْنِ عَلَيْهِمْ بابَ الغارِ ودَعْهم يَمُوتُونَ فِيهِ، فَفَعَلَ، وضَرَبَ اللهُ تَعالى عَلى آذانِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ لِما أرادَ مِن تَأْمِينِهِمْ، وأرَّخَ الناسُ أمَرَهم في اللَوْحَيْنِ، أو أرَّخَهُ الرَجُلانِ بِحَسْبِ الخِلافِ، واسْمُ أحَدِ الرَجُلَيْنِ -فِيما ذَكَرَ الطَبَرِيٌّ - نِيدُرُوسُ، واسْمُ الآخَرِ رُوقُاسُ.
ورُوِيَ أنَّ هَذا المَلِكَ الَّذِي فَرَّ الفِتْيَةُ مِن دِينِهِ كانَ قَدِ امْتَحَنَ اللهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ أحَسَّ بِهِمْ، يَقْتُلُهم ويُعَلِّقُهم أشْخاصًا ورُؤُوسًا عَلى أسْوارِ مَدِينَتِهِ، وكانَ يُرِيدُ أنْ يَذْهَبَ في ذَلِكَ كَما ذَكَرَ- دِينُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وكانَ هو وقَوْمُهُ مِنَ الرُومِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عَنِ الفِتْيَةِ أنَّهم لَمّا أوَوْا إلى الكَهْفِ، أيْ: دَخَلُوهُ وجَعَلُوهُ مَأْوًى لَهم ومَوْضِعَ اعْتِصامٍ، دَعَوُا اللهَ تَعالى بِأنْ يُؤْتِيَهم رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ، وهي الرِزْقُ فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ، وأنْ يُهَيِّئَ لَهم مَن أمْرِهِمْ رَشَدًا، أيْ: خَلاصًا جَمِيلًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَشَدًا" بِفَتْحِ الراءِ والشِينِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "رُشْدًا" بِضَمِّ الراءِ وسُكُونِ الشِينِ، والأوَّلُ أرْجَحُ لِشِبْهِها بِفَواصِلِ الآياتِ قَبْلُ وبَعْدُ. وهَذا الدُعاءُ مِنهم كانَ في أمْرِ دُنْياهُمْ، وألْفاظُهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وقَدْ كانُوا عَلى ثِقَةٍ مِن رُشْدِ الآخِرَةِ ورَحْمَتِها.
ويَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَجْعَلَ دُعاءَهُ في أمْرِ دُنْياهُ هَذِهِ الآيَةَ فَقَطْ، فَإنَّها كافِيَةٌ. ويَحْتَمِلُ ذِكْرُ الرَحْمَةِ أنْ يُرادَ بِها أمْرُ الآخِرَةِ. وقَدِ اخْتَصَرْتُ هَذا القَصَصَ، ولَمْ أغْفُلْ مِن مُهِمِّهِ شَيْئًا بِحَسَبِ اجْتِهادِي. واللهُ المُعِينُ بِرَحْمَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ الآيَةَ، عِبارَةٌ عن إلْقاءِ اللهِ تَعالى النَوْمَ عَلَيْهِمْ، ويُعَبِّرُ عن هَذا ونَحْوِهِ بِالضَرْبِ لِتَتَبَيَّنَ قُوَّةَ المُباشِرَةِ وشِدَّةَ اللُصُوقِ في الأمْرِ المُتَكَلَّمِ فِيهِ والإلْزامَ. ومِنهُ ضَرْبُ الذُلِّ والمَسْكَنَةِ، ومِنهُ ضَرْبُ البَعْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎ ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العنكَبُوتُ بِنَسْجِها ∗∗∗ وقَضى عَلَيْكَ بِهِ الكِتابُ المُنَزَّلُ
(p-٥٧٣)فَهَذا يُسْتَعْمَلُ في اللُزُومِ البَلِيغِ.
وأمّا تَخْصِيصُ الآذانِ بِالذِكْرِ فَلِأنَّها الجارِحَةُ الَّتِي مِنها عَظُمَ فَسادُ النَوْمِ، وقَلَّما يَنْقَطِعُ نَوْمُ نائِمٍ إلّا مِن جِهَةِ أُذُنِهِ، ولا يَسْتَحْكِمُ نَوْمٌ إلّا مَعَ تَعَطُّلِ السَمْعِ، ومِن ذِكْرِ الأُذُنِ في النَوْمِ قَوْلُهُ ﷺ: « "ذَلِكَ رَجُلٌ بالَ الشَيْطانُ في أُذُنِهِ"،» أشارَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إلى رَجُلٍ طَوِيلِ النَوْمِ، لا يَقُومُ بِاللَيْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَدَدًا" نَعْتٌ لِلسِّنِينِ، والقَصْدُ بِهِ العِبارَةُ عَنِ التَكْثِيرِ، أيْ: تَحْتاجُ إلى عَدَدٍ، وهي ذاتُ عَدَدٍ. قالَ الزَجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُ "عَدَدًا" عَلى المَصْدَرِ.
و"البَعْثُ": التَحْرِيكُ بَعْدَ سُكُونٍ، وهَذا مُطَّرِدٌ مَعَ لَفْظَةِ البَعْثِ حَيْثُ وقَعَتْ، وقَدْ يَكُونُ السُكُونُ في الشَخْصِ، أو عَنِ الأمْرِ المَبْعُوثِ فِيهِ وإنْ كانَ الشَخْصُ مُتَحَرِّكًا. وقَوْلُهُ تَعالى: "لِنَعْلَمَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِ ذَلِكَ الشَيْءِ إلى الوُجُودِ، وهَذا عَلى نَحْوِ كَلامِ العَرَبِ، أيْ: لِنَعْلَمَ ذَلِكَ مَوْجُودًا، وإلّا فَقَدَ كانَ اللهُ تَعالى عَلِمَ أيَّ الحِزْبَيْنِ أحْصى الأمَدَ. وقَرَأ الزَهْرِيُّ: "لِيَعْلَمَ" بِالياءِ. و"الحِزْبانِ": الفَرِيقانِ، والظاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الحِزْبَ الواحِدَ هُمُ الفِتْيَةُ إذا ظَنُّوا لُبْثَهم قَلِيلًا، والحِزْبَ الثانِيَ هم أهْلُ المَدِينَةِ الَّذِينَ بَعَثَ الفِتْيَةَ عَلى عَهْدِهِمْ حِينَ كانَ عِنْدَهُمُ التارِيخُ بِأمْرِ الفِتْيَةِ. وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما حِزْبانِ مِنَ الكافِرِينَ اخْتَلَفا في مُدَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما حِزْبانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يَرْتَبِطُ مِن ألْفاظِ الآيَةِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: "أحْصى" فالظاهِرُ الجَيِّدُ فِيهِ أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، و"أمَدًا" مَنصُوبٌ بِهِ (p-٥٧٤)عَلى المَفْعُولِ، و"الأمَدُ": الغايَةُ، ويَأْتِي عِبارَةً عَنِ المُدَّةِ مِن حَيْثُ لِلْمُدَّةِ غايَةٌ هي أمَدُها عَلى الحَقِيقَةِ. وقالَ الزَجّاجُ: "أحْصى" هو أفْعَلُ، و"أمَدًا -عَلى هَذا- نُصِبَ عَلى التَفْسِيرِ، ويَلْحَقُ هَذا القَوْلُ مِنَ الِاخْتِلالِ أنَّ "أفْعَلَ" لا يَكُونُ مِن فِعْلٍ رُباعِيٍّ إلّا في الشاذِّ، و"أحْصى" فِعْلٌ رُباعِيٌّ. ويَحْتَجُّ لِقَوْلِ أبِي إسْحاقَ بِأنَّ "أفْعَلَ" مِنَ الرُباعِيِّ مُذَكَّرٌ، كَقَوْلِكَ: ما أعْطاهُ لِلْمالِ وآتاهُ لِلْخَيْرِ، «وَقالَ النَبِيُّ ﷺ في صَفِّهِ جَهَنَّمَ: "هِيَ أسْوَدُ مِنَ القارِ"،»«وَقالَ في صِفَةِ حَوْضَهُ عَلَيْهِ السَلامُ: "أبْيَضُ مِنَ اللَبَنِ"،» وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَهُوَ لِما سِواها أضْيَعُ"، وهَذِهِ كُلُّها "أفْعَلُ" مِنَ الرُباعِيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: "أمَدًا" مَعْناهُ: غايَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، عَلى جِهَةِ التَقْرِيبِ، وقالَ الطَبَرِيٌّ: نَصْبُ "أمَدًا" بِـ "لَبِثُوا"، وهَذا غَيْرُ مُتَّجَهٍ.
الكهف 18:12
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾
"الفِتْيَةُ" فِيما رُوِيَ: قَوَّمٌ مِن أبْناءِ أشْرافِ مَدِينَةِ دَقْيُوسَ المَلِكِ الكافِرِ، ويُقالُ فِيهِ: دَقْلَيُوسُ، ويُقالُ: دَقْيَنُوسُ. ورُوِيَ أنَّهم كانُوا مُطَوَّقِينَ مُسَوَّرِينَ بِالذَهَبِ، وهم مِنَ الرُومِ واتَّبَعُوا دِينَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: كانُوا قَبْلَ عِيسى، وأمّا أسْماؤُهم فَهي أعْجَمِيَّةٌ والسَنَدُ في مَعْرِفَتِها واهٍ، ولَكِنَّ الَّتِي ذَكَرَ الطَبَرِيٌّ هي هَذِهِ: مَكْسَيْلَمِينا، وهو أكْبَرُهم والمُتَكَلِّمُ عنهُمْ، ومَجْسَيْلَمِينِيا، وتَمْلِيخا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهُوَ الَّذِي مَضى بِالوَرِقِ إلى المَدِينَةِ عِنْدَ بَعْثِهِمْ مِن رَقْدَتِهِمْ. ومَرْطُوسُ، وكُشُوطُوقُشُ، وبَيْرُونُسُ، ودِينَمُوسُ، ويُطُونُسُ.
واخْتَلَفَ الرُواةُ في قِصَصِ هَؤُلاءِ الفِتْيَةِ، وكَيْفَ كانَ اجْتِماعُهم وخُرُوجُهم إلى (p-٥٧٠)الكَهْفِ، وأكْثَرَ المُؤَرِّخُونَ في ذَلِكَ، ولَكِنْ نَخْتَصِرُ مِن حَدِيثِهِمْ، ونَذْكُرُ ما لا تَسْتَغْنِي الآيَةُ عنهُ، ونَذْكُرُ مِنَ الخِلافِ عُيُونَهُ بِحَوْلِ اللهِ.
رَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ هَؤُلاءِ الفِتْيَةَ كانُوا في دِينِ مَلِكٍ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَذْبَحُ لَها، ويَكْفُرُ بِاللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَدْ تابَعَهُ عَلى ذَلِكَ أهْلُ المَدِينَةِ، فَوَقَعَ لِلْفَتِيَّةِ عِلْمٌ مِن بَعْضِ الحَوارِيِّينَ -حَسْبَما ذَكَرَهُ النَقّاشُ - أو مِن بَعْضِ مُؤْمِنِي الأُمَمِ قَبْلَهم -بِحَسْبِ الخِلافِ الَّذِي ذَكَرْناهُ-، فَآمَنُوا بِاللهِ، ورَأوا بِبَصائِرِهِمْ قَبِيحَ فِعْلِ الناسِ، فَأخَذُوا نُفُوسَهم بِالتِزامِ الدِينِ وعِبادَةِ اللهِ تَعالى، فَرُفِعَ أمْرُهم إلى المَلِكِ، وقِيلَ لَهُ: إنَّهم قَدْ فارَقُوا دِينَكَ، واسْتَخَفُّوا بِآلِهَتِكَ وكَفَرُوا بِها، واسْتَحْضَرَهُمُ المَلِكُ في مَجْلِسِهِ، وأمْرِهِمْ بِاتِّباعِ دِينِهِ والذَبْحِ لِآلِهَتِهِ، وتَوَعَّدَهم عَلى فِراقِ ذَلِكَ بِالقَتْلِ، فَقالُوا لَهُ -فِيما رُوِيَ-: ﴿رَبُّنا رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ﴾ [الكهف: ١٤] الآيَةَ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ [الكهف: ١٦].
ورُوِيَ أنَّهم قالُوا نَحْوَ هَذا الكَلامِ، ولَيْسَ بِهِ، فَقالَ لَهُمُ المَلِكُ: إنَّكم شَبابٌ أغْمارٌ، لا عُقُولَ لَكُمْ، وأنا لا أعْجَلُ بِكم بَلْ أسَتَأْنِي، فاذْهَبُوا إلى مَنازِلِكم فَدَبِّرُوا أمْرَكم وارْجِعُوا إلى أمْرِي، وضَرَبَ لَهم في ذَلِكَ أجَلًا، ثُمَّ إنَّهُ سافَرَ خِلالَ الأجَلِ، فَتَشاوَرَ الفِتْيَةُ في الهُرُوبِ بِأدْيانِهِمْ، فَقالَ لَهم أحَدُهُمْ: إنِّي أعْرِفُ كَهْفًا في جَبَلِ كَذا كانَ أبِي يُدْخِلُ فِيهِ غَنَمَهُ، فَلْنَذْهَبْ إلَيْهِ فَنَخْتَفِي فِيهِ حَتّى يَفْتَحَ اللهُ لَنا، فَخَرَجُوا -فِيما رُوِيَ- يَلْعَبُونَ بِالصَوْلَجانِ والكُرَةِ، وهم يُدَحْرِجُونَها إلى نَحْوِ طَرِيقِهِمْ لِئَلّا يَشْعُرُ الناسُ بِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا مُثَقَّفِينَ فَحَضَرَ عِيدُ خَرَجُوا لَهُ فَرَكِبُوا في جُمْلَةِ الناسِ، ثُمَّ أخَذُوا في اللَعِبِ بِالصَوْلَجانِ حَتّى خَلَصُوا بِذَلِكَ.
ورَوَتْ فَرِقَّةٌ أنَّ أمْرَ أصْحابِ الكَهْفِ إنَّما كانَ أنَّهم كانُوا مِن أبْناءِ الأشْرافِ، فَحَضَرَ عِيدٌ لِأهْلِ المَدِينَةِ، فَرَأى الفِتْيانُ ما يَمْتَثِلُهُ الناسُ في ذَلِكَ العِيدِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأصْنامِ والذَبْحِ لَها، فَوَقَعَ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ، وأجْمَعُوا عَلى مُفارَقَةِ الناسِ لِئَلّا يَنالَهُمُ العَذابُ مَعَهُمْ، فَزايَلُوا الناسَ وذَهَبُوا إلى الكَهْفِ.
ورَوى وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أنَّ أمْرَهم إنَّما كانَ أنْ حَوارِيًّا لِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ جاءَ إلى مَدِينَةِ أصْحابِ الكَهْفِ يُرِيدُ دُخُولَها، فَأجَّرَ نَفْسَهُ مِن صاحِبِ الحَمّامِ، فَكانَ يَعْمَلُ فِيهِ، فَرَأى صاحِبُ الحَمّامِ في أعْمالِهِ بَرَكَةً عَظِيمَةً، فَألْقى إلَيْهِ بِكُلِّ أمْرٍ، وعَرَفَ ذَلِكَ (p-٥٧١)الرَجُلَ فِتْيانٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فَنَشَرَ فِيهِمُ الإيمانَ، وعَرَّفَهُمُ اللهَ تَعالى، فَآمَنُوا واتَّبَعُوهُ عَلى دِينِهِ، واشْتَهَرَتْ خِلْطَتُهم بِهِ، فَأتى يَوْمًا إلى ذَلِكَ الحَمّامِ ولَدُ المَلِكِ بِامْرَأةٍ بَغِيٍّ أرادَ الخَلْوَةَ بِها، فَنَهاهُ ذَلِكَ الحَوارِيُّ فانْتَهى، ثُمَّ جاءَهُ مَرَّةً أُخْرى فَنَهاهُ وشَتَمَهُ، فَأمْضى عَزْمَهُ في دُخُولِ الحَمّامِ مَعَ البَغْيِ، فَدَخَلَ فَماتا بِهِ جَمِيعًا، فاتُّهِمَ ذَلِكَ الحَوارِيُّ وأصْحابُهُ بِقَتْلِهِ، فَفَرُّوا جَمِيعًا حَتّى دَخَلُوا الكَهْفَ.
وقالَ عَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّ أصْحابَ الكَهْفِ كانُوا فَتِيَّةً مِن أبْناءِ العُظَماءِ مُطَوَّقِينَ مُسَوَّرِينَ ذَوِي ذَوائِبَ، قَدْ داخَلَهُمُ الإيمانُ أفْذاذًا. وأزْمَعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمُ الفِرارَ بِدِينِهِ مِن بَلَدِ الكُفْرِ، فَأخْرَجَهُمُ اللهُ في يَوْمٍ واحِدٍ لِما أرادَهُ بِهِمْ، فَخَرَجَ أحَدُهم فَجَلَسَ في ظِلِّ شَجَرَةٍ عَلى بُعْدٍ مِنَ المَدِينَةِ، فَخَرَجَ ثانٍ، فَلَمّا رَأى الجالِسَ جَلَسَ إلَيْهِ، ثُمَّ الثالِثُ، ثُمَّ الباقُونَ حَتّى كَمُلَ جَمِيعُهم في ظِلِّ الشَجَرَةِ، فَألْقى اللهُ في نُفُوسِهِمْ أنَّ غَرَضَهم واحِدٌ، فَتَساءَلُوا، فَفَزِعَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ وتَكَتَّمُوا، ثُمَّ تَراضَوْا بِرَجُلَيْنِ مِنهُمْ، وقالُوا: انْفَرَدا وتَواثَقا ولْيُفْشِ كُلُّ واحِدٌ مِنكُما سِرَّهُ إلى صاحِبِهِ، فَإنِ اتَّفَقْتُما كُنّا مَعَكُما، فَنَهَضا بَعِيدًا فَأفْصَحا بِالإيمانِ والهُرُوبِ بِالدِينِ، فَرَجَعا وفَضَحا الأمْرَ، وتابَعَهُما الآخَرُونَ، ونَهَضُوا إلى الكَهْفِ.
وأمّا الكَلْبُ فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ كَلْبَ صَيْدٍ لِبَعْضِهِمْ، ورُوِيَ أنَّهم وجَدُوا في طَرِيقِهِمْ راعِيًا لَهُ كَلْبٌ، فاتَّبَعَهُمُ الراعِي عَلى رَأْيِهِمْ، وذَهَبَ الكَلْبُ مَعَهُمْ، واسْمُ الكَلْبِ حَمِرانِ، وقِيلَ: قِطْمِيرُ. فَدَخَلُوا الغارَ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ.
فَرَوَتْ فَرِقَّةٌ أنَّ اللهَ تَعالى ضَرَبَ عَلى آذانِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِما أرادَ مِن سَتْرِهِمْ، وخَفِيَ عَلى أهْلِ المَمْلَكَةِ مَكانُهُمْ، وعَجِبَ الناسُ مِن غَرابَةِ فَقْدِهِمْ فَأرْخَوْا ذَلِكَ ورَقَّمُوهُ في لَوْحِينَ مَنَّ رَصاصٍ أو نُحاسٍ، وجَعَلُوهُ عَلى بابِ المَدِينَةِ، فِيهِ أسْماؤُهم وأسْماءُ آبائِهِمْ وذِكْرِ شَرَفِهِمْ، وأنَّهم فُقِدُوا بِصُورَةِ كَذا في وقْتِ كَذا. وقِيلَ: إنَّ الَّذِي كَتَبَ هَذا وتَهَمَّمَ بِهِ رَجُلانِ قاضِيانِ مُؤْمِنانِ يَكْتُمانِ إيمانَهُما مِن أهْلِ بَيْتِ المَمْلَكَةِ، وتَسَتَّرا بِذَلِكَ ودَفَنا اللَوْحَيْنِ عِنْدَهُما، وقِيلَ عَلى الرِوايَةِ: إنَّ المَلِكَ أتى بابَ الغارِ، وأنَّهُما دَفَنا ذَلِكَ في بِناءِ المَلِكِ عَلى الغارِ.
ورَوَتْ فَرِقَةٌ أنَّ المَلِكَ لَمّا ذَهَبَ الفِتْيَةُ أمَرَ بِقَصِّ آثارِهِمْ، فانْتَهى ذَلِكَ بِمُتَّبِعِيهِمْ إلى (p-٥٧٢)بابِ الغارِ، فَعُرِّفَ المَلِكُ فَرَكِبَ في جُنْدِهِ حَتّى وقَفَ عَلَيْهِ، فَأمَرَ بِالدُخُولِ عَلَيْهِمْ، فَهابَ الرِجالُ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ بَعْضُ وُزَرائِهِ: ألَسْتَ أيُّها المَلِكُ إنْ أخْرَجْتَهم قَتَلْتَهُمْ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأيُّ قَتَلَةٍ أبْلَغُ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ، ابْنِ عَلَيْهِمْ بابَ الغارِ ودَعْهم يَمُوتُونَ فِيهِ، فَفَعَلَ، وضَرَبَ اللهُ تَعالى عَلى آذانِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ لِما أرادَ مِن تَأْمِينِهِمْ، وأرَّخَ الناسُ أمَرَهم في اللَوْحَيْنِ، أو أرَّخَهُ الرَجُلانِ بِحَسْبِ الخِلافِ، واسْمُ أحَدِ الرَجُلَيْنِ -فِيما ذَكَرَ الطَبَرِيٌّ - نِيدُرُوسُ، واسْمُ الآخَرِ رُوقُاسُ.
ورُوِيَ أنَّ هَذا المَلِكَ الَّذِي فَرَّ الفِتْيَةُ مِن دِينِهِ كانَ قَدِ امْتَحَنَ اللهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ أحَسَّ بِهِمْ، يَقْتُلُهم ويُعَلِّقُهم أشْخاصًا ورُؤُوسًا عَلى أسْوارِ مَدِينَتِهِ، وكانَ يُرِيدُ أنْ يَذْهَبَ في ذَلِكَ كَما ذَكَرَ- دِينُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وكانَ هو وقَوْمُهُ مِنَ الرُومِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عَنِ الفِتْيَةِ أنَّهم لَمّا أوَوْا إلى الكَهْفِ، أيْ: دَخَلُوهُ وجَعَلُوهُ مَأْوًى لَهم ومَوْضِعَ اعْتِصامٍ، دَعَوُا اللهَ تَعالى بِأنْ يُؤْتِيَهم رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ، وهي الرِزْقُ فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ، وأنْ يُهَيِّئَ لَهم مَن أمْرِهِمْ رَشَدًا، أيْ: خَلاصًا جَمِيلًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَشَدًا" بِفَتْحِ الراءِ والشِينِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "رُشْدًا" بِضَمِّ الراءِ وسُكُونِ الشِينِ، والأوَّلُ أرْجَحُ لِشِبْهِها بِفَواصِلِ الآياتِ قَبْلُ وبَعْدُ. وهَذا الدُعاءُ مِنهم كانَ في أمْرِ دُنْياهُمْ، وألْفاظُهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وقَدْ كانُوا عَلى ثِقَةٍ مِن رُشْدِ الآخِرَةِ ورَحْمَتِها.
ويَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَجْعَلَ دُعاءَهُ في أمْرِ دُنْياهُ هَذِهِ الآيَةَ فَقَطْ، فَإنَّها كافِيَةٌ. ويَحْتَمِلُ ذِكْرُ الرَحْمَةِ أنْ يُرادَ بِها أمْرُ الآخِرَةِ. وقَدِ اخْتَصَرْتُ هَذا القَصَصَ، ولَمْ أغْفُلْ مِن مُهِمِّهِ شَيْئًا بِحَسَبِ اجْتِهادِي. واللهُ المُعِينُ بِرَحْمَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ الآيَةَ، عِبارَةٌ عن إلْقاءِ اللهِ تَعالى النَوْمَ عَلَيْهِمْ، ويُعَبِّرُ عن هَذا ونَحْوِهِ بِالضَرْبِ لِتَتَبَيَّنَ قُوَّةَ المُباشِرَةِ وشِدَّةَ اللُصُوقِ في الأمْرِ المُتَكَلَّمِ فِيهِ والإلْزامَ. ومِنهُ ضَرْبُ الذُلِّ والمَسْكَنَةِ، ومِنهُ ضَرْبُ البَعْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎ ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العنكَبُوتُ بِنَسْجِها ∗∗∗ وقَضى عَلَيْكَ بِهِ الكِتابُ المُنَزَّلُ
(p-٥٧٣)فَهَذا يُسْتَعْمَلُ في اللُزُومِ البَلِيغِ.
وأمّا تَخْصِيصُ الآذانِ بِالذِكْرِ فَلِأنَّها الجارِحَةُ الَّتِي مِنها عَظُمَ فَسادُ النَوْمِ، وقَلَّما يَنْقَطِعُ نَوْمُ نائِمٍ إلّا مِن جِهَةِ أُذُنِهِ، ولا يَسْتَحْكِمُ نَوْمٌ إلّا مَعَ تَعَطُّلِ السَمْعِ، ومِن ذِكْرِ الأُذُنِ في النَوْمِ قَوْلُهُ ﷺ: « "ذَلِكَ رَجُلٌ بالَ الشَيْطانُ في أُذُنِهِ"،» أشارَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إلى رَجُلٍ طَوِيلِ النَوْمِ، لا يَقُومُ بِاللَيْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَدَدًا" نَعْتٌ لِلسِّنِينِ، والقَصْدُ بِهِ العِبارَةُ عَنِ التَكْثِيرِ، أيْ: تَحْتاجُ إلى عَدَدٍ، وهي ذاتُ عَدَدٍ. قالَ الزَجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُ "عَدَدًا" عَلى المَصْدَرِ.
و"البَعْثُ": التَحْرِيكُ بَعْدَ سُكُونٍ، وهَذا مُطَّرِدٌ مَعَ لَفْظَةِ البَعْثِ حَيْثُ وقَعَتْ، وقَدْ يَكُونُ السُكُونُ في الشَخْصِ، أو عَنِ الأمْرِ المَبْعُوثِ فِيهِ وإنْ كانَ الشَخْصُ مُتَحَرِّكًا. وقَوْلُهُ تَعالى: "لِنَعْلَمَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِ ذَلِكَ الشَيْءِ إلى الوُجُودِ، وهَذا عَلى نَحْوِ كَلامِ العَرَبِ، أيْ: لِنَعْلَمَ ذَلِكَ مَوْجُودًا، وإلّا فَقَدَ كانَ اللهُ تَعالى عَلِمَ أيَّ الحِزْبَيْنِ أحْصى الأمَدَ. وقَرَأ الزَهْرِيُّ: "لِيَعْلَمَ" بِالياءِ. و"الحِزْبانِ": الفَرِيقانِ، والظاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الحِزْبَ الواحِدَ هُمُ الفِتْيَةُ إذا ظَنُّوا لُبْثَهم قَلِيلًا، والحِزْبَ الثانِيَ هم أهْلُ المَدِينَةِ الَّذِينَ بَعَثَ الفِتْيَةَ عَلى عَهْدِهِمْ حِينَ كانَ عِنْدَهُمُ التارِيخُ بِأمْرِ الفِتْيَةِ. وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما حِزْبانِ مِنَ الكافِرِينَ اخْتَلَفا في مُدَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما حِزْبانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يَرْتَبِطُ مِن ألْفاظِ الآيَةِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: "أحْصى" فالظاهِرُ الجَيِّدُ فِيهِ أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، و"أمَدًا" مَنصُوبٌ بِهِ (p-٥٧٤)عَلى المَفْعُولِ، و"الأمَدُ": الغايَةُ، ويَأْتِي عِبارَةً عَنِ المُدَّةِ مِن حَيْثُ لِلْمُدَّةِ غايَةٌ هي أمَدُها عَلى الحَقِيقَةِ. وقالَ الزَجّاجُ: "أحْصى" هو أفْعَلُ، و"أمَدًا -عَلى هَذا- نُصِبَ عَلى التَفْسِيرِ، ويَلْحَقُ هَذا القَوْلُ مِنَ الِاخْتِلالِ أنَّ "أفْعَلَ" لا يَكُونُ مِن فِعْلٍ رُباعِيٍّ إلّا في الشاذِّ، و"أحْصى" فِعْلٌ رُباعِيٌّ. ويَحْتَجُّ لِقَوْلِ أبِي إسْحاقَ بِأنَّ "أفْعَلَ" مِنَ الرُباعِيِّ مُذَكَّرٌ، كَقَوْلِكَ: ما أعْطاهُ لِلْمالِ وآتاهُ لِلْخَيْرِ، «وَقالَ النَبِيُّ ﷺ في صَفِّهِ جَهَنَّمَ: "هِيَ أسْوَدُ مِنَ القارِ"،»«وَقالَ في صِفَةِ حَوْضَهُ عَلَيْهِ السَلامُ: "أبْيَضُ مِنَ اللَبَنِ"،» وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَهُوَ لِما سِواها أضْيَعُ"، وهَذِهِ كُلُّها "أفْعَلُ" مِنَ الرُباعِيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: "أمَدًا" مَعْناهُ: غايَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، عَلى جِهَةِ التَقْرِيبِ، وقالَ الطَبَرِيٌّ: نَصْبُ "أمَدًا" بِـ "لَبِثُوا"، وهَذا غَيْرُ مُتَّجَهٍ.
الكهف 18:13
قوله عزّ وجلّ:
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾ ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلا اللهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا﴾
لَمّا اقْتَضى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ [الكهف: ١٢] اخْتِلافًا وقَعَ في أمْرِ الفِتْيَةِ عَقَّبَ بِالخَبَرِ عن أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَعْلَمُ مَن أمْرِهِمْ بِالحَقِّ الَّذِي وقَعَ. وفي مَجْمُوعِ هَذِهِ الآياتِ جَوابُ قُرَيْشٍ عن سُؤالِهِمُ الَّذِي أمَرَتْهم بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ و"القَصُّ": الإخْبارُ بِأمْرٍ (p-٥٧٥)يُسْرَدُ، لا بِكَلامٍ يُرْوى شَيْئًا شَيْئًا، لِأنَّ تِلْكَ المُخاطَبَةَ لَيْسَتْ بِقِصَصٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَزِدْناهم هُدًى﴾ أيْ: يَسَّرْناهم لِلْعَمَلِ الصالِحِ، والِانْقِطاعِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ومُباعَدَةِ الناسِ، والزُهْدِ في الدُنْيا، وهَذِهِ زِياداتٌ عَلى الإيمانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ عِبارَةٌ عن شِدَّةِ عَزْمٍ وقُوَّةِ صَبْرٍ أعْطاها اللهُ لَهُمْ، ولَمّا كانَ الفَزَعُ وخَوْرُ النَفْسِ يُشْبِهُ بِالتَناسُبِ الِانْحِلالَ، حَسُنَ في شِدَّةِ النَفْسِ وقُوَّةِ التَصْمِيمِ أنْ يُشْبِهَ الرَبْطَ، ومِنهُ يُقالُ: "فُلانٌ رابِطُ الجَأْشِ" إذا كانَ لا تَفْتَرِقُ نَفْسُهُ عِنْدَ الجَزَعِ والحَرْبِ وغَيْرِها، ومِنهُ الرَبْطُ عَلى قَلْبِ أُمِّ مُوسى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قامُوا فَقالُوا﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ هَذا وصْفُ مَقامِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ الكافِرِ؛ فَإنَّهُ مَقامٌ يَحْتاجُ إلى الرَبْطِ عَلى القَلْبِ، حَيْثُ طُلِبُوا عَلَيْهِ، وخالَفُوا دِينَهُ، ورَفَضُوا في ذاتِ اللهِ هَيْبَتَهُ. والمَعْنى الثانِي أنْ يُعَبِّرَ بِالقِيامِ عَنِ انْبِعاثِهِمْ بِالعَزْمِ إلى الهُرُوبِ إلى اللهِ تَعالى ومُنابَذَةِ الناسِ، كَما تَقُولُ: "قامَ فَلانٌ إلى أمْرِ كَذا" إذا عَزَمَ عَلَيْهِ بِغايَةِ الجِدِّ، وبِهَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي هِيَ: ﴿قامُوا فَقالُوا﴾ تَعَلَّقَتِ الصُوفِيَّةُ في القِيامِ والقَوْلِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إذْ قامُوا قِيامًا فَقالُوا".
وقَوْلُهُمْ: ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾، أيْ: لَوْ دَعَوْنا مِن دُونِ رَبِّنا إلَهًا، و"الشَطَطُ": الجَوْرُ وتَعِدِي الحَدِّ والغُلُوُّ بِحَسْبِ أمْرٍ أمْرٍ، ومِنهُ: "اشْتَطَّ الرَجُلُ في السَوْمِ" إذا طَلَبَ في سِلْعَتِهِ فَوْقَ قِيمَتِها، ومِنهُ: شُطُوطُ النَوى والبُعْدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ألّا يا لِقَوْمِي قَدِ اشْتَطَّ عَوازِلِي ∗∗∗ ويَزْعُمْنَ أنْ أودى بِحَقِّيَ باطِلِي
(p-٥٧٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا﴾ مَقالَةٌ يُصْلِحُ أنْ تَكُونَ مِمّا قالُوا في مَقامِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عِنْدِ قِيامِهِمْ لِلْأمْرِ الَّذِي عَزَمُوا عَلَيْهِ. وقَوْلُهُمْ: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ﴾ تَحْضِيضٌ بِمَعْنى التَعْجِيزِ؛ لِأنَّهُ تَحْضِيضٌ عَلى ما لا يُمْكِنُ؛ وإذا لَمْ يُمْكِنْهم ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ أنْ يُلْتَفَتْ إلى دَعْواهم. و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: بِعُذْرٍ بَيِّنٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ عِبارَةٌ مُحَلِّقَةٌ.
ثُمَّ عَظَّمُوا جُرْمَ الداعِينَ مَعَ اللهِ آلِهَةً وظُلْمَهم بِقَوْلِهِ -عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ-: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ الآيَةَ. إنْ كانَ "القِيامُ" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ قامُوا﴾ عَزْمًا -كَما تَضْمَنُ التَأْوِيلَ الواحِدَ، وكانَ "القَوْلُ" مِنهم فِيما بَيْنَهم -فَهَذِهِ المَقالَةُ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ الَّذِي قالُوهُ عِنْدَ قِيامِهِمْ؛ وإنْ كانَ "القِيامُ" المَذْكُورُ مَقامَهم بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ فَهَذِهِ المَقالَةُ لا يَتَرَتَّبُ أنْ تَكُونَ مِن "مَقالِهِمْ" بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، بَلْ يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.
وبِهَذا يَتَرَجَّحُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذْ قامُوا فَقالُوا﴾ إنَّما المُرادُ بِهِ: إذْ عَزَمُوا ونَفَّذُوا لِأمْرِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا اللهَ"، إنْ فَرْضَنا الكَفّارَ الَّذِينَ فَرَّ أهْلُ الكَهْفِ مِنهم لا يَعْرِفُونَ اللهَ تَعالى، ولا عِلْمَ لَهم بِهِ، إنَّما يَعْتَقِدُونَ الأُلُوهِيَّةَ في أصْنامِهِمْ فَقَطْ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وإنْ فَرَضْناهم يَعْرِفُونَ اللهَ تَعالى ويُعَظِّمُونَهُ كَما كانَتْ تَفْعَلُ العَرَبُ، لَكِنَّهم يُشْرِكُونَ أصْنامَهم مَعَهُ في العِبادَةِ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّ الِاعْتِزالَ وقَعَ في كُلِّ ما يَعْبُدُ الكُفّارُ إلّا في جِهَةِ اللهِ تَعالى وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ"، قالَ قَتادَةُ: هَذا تَفْسِيرُها، قالَ هارُونُ: وفي بَعْضِ مَصاحِفِهِ: "وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِنا".
(p-٥٧٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَعَلى ما قالَ قَتادَةُ تَكُونُ "إلّا" بِمَنزِلَةِ "غَيْرِ"، و"ما" مِن قَوْلِهِ: ﴿وَما يَعْبُدُونَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ في "اعْتَزَلْتُمُوهُمْ" ومُضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: إذْ فارَقْنا الكَفّارَ وانْفَرَدْنا بِاللهِ تَعالى فَلْنَجْعَلِ الكَهْفَ مَأْوًى، ونَتَّكِلْ عَلى اللهِ تَعالى، فَإنَّهُ يَبْسُطُ لَنا رَحْمَتَهُ، ويَنْشُرُها عَلَيْنا، ويُهَيِّئُ لَنا مِن أمْرِنا مِرْفَقًا، وهَذا كُلُّهُ دُعاءٌ بِحَسْبِ الدُنْيا، وعَلى ثِقَةٍ كانُوا مِنَ اللهِ تَعالى في أمْرِ آخِرَتِهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "مَرْفِقًا" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، وهو مَصْدَرٌ كالرِفْقِ فِيما حَكى أبُو زَيْدٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مِرْفَقًا" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ويُقالانِ جَمِيعًا في الأمْرِ وفي الجارِحَةِ، حَكاهُ الزَجّاجُ، وذَكَرَ مَكِّيٌّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ في الأمْرِ وفي اليَدِ وفي كُلِّ شَيْءٍ إلّا كَسْرَ المِيمِ، وأنْكَرَ الكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ "المُرْفَقُ" مِنَ الجارِحَةِ إلّا بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، وخالَفَهُ أبُو حاتِمٍ وقالَ: "المَرْفَقُ" بِفَتْحِ المِيمِ المَوْضِعُ كالمَسْجِدِ، وهُما بَعْدُ لُغَتانِ.
الكهف 18:14
قوله عزّ وجلّ:
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾ ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلا اللهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا﴾
لَمّا اقْتَضى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ [الكهف: ١٢] اخْتِلافًا وقَعَ في أمْرِ الفِتْيَةِ عَقَّبَ بِالخَبَرِ عن أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَعْلَمُ مَن أمْرِهِمْ بِالحَقِّ الَّذِي وقَعَ. وفي مَجْمُوعِ هَذِهِ الآياتِ جَوابُ قُرَيْشٍ عن سُؤالِهِمُ الَّذِي أمَرَتْهم بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ و"القَصُّ": الإخْبارُ بِأمْرٍ (p-٥٧٥)يُسْرَدُ، لا بِكَلامٍ يُرْوى شَيْئًا شَيْئًا، لِأنَّ تِلْكَ المُخاطَبَةَ لَيْسَتْ بِقِصَصٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَزِدْناهم هُدًى﴾ أيْ: يَسَّرْناهم لِلْعَمَلِ الصالِحِ، والِانْقِطاعِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ومُباعَدَةِ الناسِ، والزُهْدِ في الدُنْيا، وهَذِهِ زِياداتٌ عَلى الإيمانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ عِبارَةٌ عن شِدَّةِ عَزْمٍ وقُوَّةِ صَبْرٍ أعْطاها اللهُ لَهُمْ، ولَمّا كانَ الفَزَعُ وخَوْرُ النَفْسِ يُشْبِهُ بِالتَناسُبِ الِانْحِلالَ، حَسُنَ في شِدَّةِ النَفْسِ وقُوَّةِ التَصْمِيمِ أنْ يُشْبِهَ الرَبْطَ، ومِنهُ يُقالُ: "فُلانٌ رابِطُ الجَأْشِ" إذا كانَ لا تَفْتَرِقُ نَفْسُهُ عِنْدَ الجَزَعِ والحَرْبِ وغَيْرِها، ومِنهُ الرَبْطُ عَلى قَلْبِ أُمِّ مُوسى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قامُوا فَقالُوا﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ هَذا وصْفُ مَقامِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ الكافِرِ؛ فَإنَّهُ مَقامٌ يَحْتاجُ إلى الرَبْطِ عَلى القَلْبِ، حَيْثُ طُلِبُوا عَلَيْهِ، وخالَفُوا دِينَهُ، ورَفَضُوا في ذاتِ اللهِ هَيْبَتَهُ. والمَعْنى الثانِي أنْ يُعَبِّرَ بِالقِيامِ عَنِ انْبِعاثِهِمْ بِالعَزْمِ إلى الهُرُوبِ إلى اللهِ تَعالى ومُنابَذَةِ الناسِ، كَما تَقُولُ: "قامَ فَلانٌ إلى أمْرِ كَذا" إذا عَزَمَ عَلَيْهِ بِغايَةِ الجِدِّ، وبِهَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي هِيَ: ﴿قامُوا فَقالُوا﴾ تَعَلَّقَتِ الصُوفِيَّةُ في القِيامِ والقَوْلِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إذْ قامُوا قِيامًا فَقالُوا".
وقَوْلُهُمْ: ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾، أيْ: لَوْ دَعَوْنا مِن دُونِ رَبِّنا إلَهًا، و"الشَطَطُ": الجَوْرُ وتَعِدِي الحَدِّ والغُلُوُّ بِحَسْبِ أمْرٍ أمْرٍ، ومِنهُ: "اشْتَطَّ الرَجُلُ في السَوْمِ" إذا طَلَبَ في سِلْعَتِهِ فَوْقَ قِيمَتِها، ومِنهُ: شُطُوطُ النَوى والبُعْدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ألّا يا لِقَوْمِي قَدِ اشْتَطَّ عَوازِلِي ∗∗∗ ويَزْعُمْنَ أنْ أودى بِحَقِّيَ باطِلِي
(p-٥٧٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا﴾ مَقالَةٌ يُصْلِحُ أنْ تَكُونَ مِمّا قالُوا في مَقامِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عِنْدِ قِيامِهِمْ لِلْأمْرِ الَّذِي عَزَمُوا عَلَيْهِ. وقَوْلُهُمْ: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ﴾ تَحْضِيضٌ بِمَعْنى التَعْجِيزِ؛ لِأنَّهُ تَحْضِيضٌ عَلى ما لا يُمْكِنُ؛ وإذا لَمْ يُمْكِنْهم ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ أنْ يُلْتَفَتْ إلى دَعْواهم. و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: بِعُذْرٍ بَيِّنٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ عِبارَةٌ مُحَلِّقَةٌ.
ثُمَّ عَظَّمُوا جُرْمَ الداعِينَ مَعَ اللهِ آلِهَةً وظُلْمَهم بِقَوْلِهِ -عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ-: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ الآيَةَ. إنْ كانَ "القِيامُ" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ قامُوا﴾ عَزْمًا -كَما تَضْمَنُ التَأْوِيلَ الواحِدَ، وكانَ "القَوْلُ" مِنهم فِيما بَيْنَهم -فَهَذِهِ المَقالَةُ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ الَّذِي قالُوهُ عِنْدَ قِيامِهِمْ؛ وإنْ كانَ "القِيامُ" المَذْكُورُ مَقامَهم بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ فَهَذِهِ المَقالَةُ لا يَتَرَتَّبُ أنْ تَكُونَ مِن "مَقالِهِمْ" بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، بَلْ يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.
وبِهَذا يَتَرَجَّحُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذْ قامُوا فَقالُوا﴾ إنَّما المُرادُ بِهِ: إذْ عَزَمُوا ونَفَّذُوا لِأمْرِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا اللهَ"، إنْ فَرْضَنا الكَفّارَ الَّذِينَ فَرَّ أهْلُ الكَهْفِ مِنهم لا يَعْرِفُونَ اللهَ تَعالى، ولا عِلْمَ لَهم بِهِ، إنَّما يَعْتَقِدُونَ الأُلُوهِيَّةَ في أصْنامِهِمْ فَقَطْ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وإنْ فَرَضْناهم يَعْرِفُونَ اللهَ تَعالى ويُعَظِّمُونَهُ كَما كانَتْ تَفْعَلُ العَرَبُ، لَكِنَّهم يُشْرِكُونَ أصْنامَهم مَعَهُ في العِبادَةِ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّ الِاعْتِزالَ وقَعَ في كُلِّ ما يَعْبُدُ الكُفّارُ إلّا في جِهَةِ اللهِ تَعالى وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ"، قالَ قَتادَةُ: هَذا تَفْسِيرُها، قالَ هارُونُ: وفي بَعْضِ مَصاحِفِهِ: "وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِنا".
(p-٥٧٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَعَلى ما قالَ قَتادَةُ تَكُونُ "إلّا" بِمَنزِلَةِ "غَيْرِ"، و"ما" مِن قَوْلِهِ: ﴿وَما يَعْبُدُونَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ في "اعْتَزَلْتُمُوهُمْ" ومُضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: إذْ فارَقْنا الكَفّارَ وانْفَرَدْنا بِاللهِ تَعالى فَلْنَجْعَلِ الكَهْفَ مَأْوًى، ونَتَّكِلْ عَلى اللهِ تَعالى، فَإنَّهُ يَبْسُطُ لَنا رَحْمَتَهُ، ويَنْشُرُها عَلَيْنا، ويُهَيِّئُ لَنا مِن أمْرِنا مِرْفَقًا، وهَذا كُلُّهُ دُعاءٌ بِحَسْبِ الدُنْيا، وعَلى ثِقَةٍ كانُوا مِنَ اللهِ تَعالى في أمْرِ آخِرَتِهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "مَرْفِقًا" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، وهو مَصْدَرٌ كالرِفْقِ فِيما حَكى أبُو زَيْدٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مِرْفَقًا" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ويُقالانِ جَمِيعًا في الأمْرِ وفي الجارِحَةِ، حَكاهُ الزَجّاجُ، وذَكَرَ مَكِّيٌّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ في الأمْرِ وفي اليَدِ وفي كُلِّ شَيْءٍ إلّا كَسْرَ المِيمِ، وأنْكَرَ الكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ "المُرْفَقُ" مِنَ الجارِحَةِ إلّا بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، وخالَفَهُ أبُو حاتِمٍ وقالَ: "المَرْفَقُ" بِفَتْحِ المِيمِ المَوْضِعُ كالمَسْجِدِ، وهُما بَعْدُ لُغَتانِ.
الكهف 18:15
قوله عزّ وجلّ:
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾ ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلا اللهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا﴾
لَمّا اقْتَضى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ [الكهف: ١٢] اخْتِلافًا وقَعَ في أمْرِ الفِتْيَةِ عَقَّبَ بِالخَبَرِ عن أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَعْلَمُ مَن أمْرِهِمْ بِالحَقِّ الَّذِي وقَعَ. وفي مَجْمُوعِ هَذِهِ الآياتِ جَوابُ قُرَيْشٍ عن سُؤالِهِمُ الَّذِي أمَرَتْهم بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ و"القَصُّ": الإخْبارُ بِأمْرٍ (p-٥٧٥)يُسْرَدُ، لا بِكَلامٍ يُرْوى شَيْئًا شَيْئًا، لِأنَّ تِلْكَ المُخاطَبَةَ لَيْسَتْ بِقِصَصٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَزِدْناهم هُدًى﴾ أيْ: يَسَّرْناهم لِلْعَمَلِ الصالِحِ، والِانْقِطاعِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ومُباعَدَةِ الناسِ، والزُهْدِ في الدُنْيا، وهَذِهِ زِياداتٌ عَلى الإيمانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ عِبارَةٌ عن شِدَّةِ عَزْمٍ وقُوَّةِ صَبْرٍ أعْطاها اللهُ لَهُمْ، ولَمّا كانَ الفَزَعُ وخَوْرُ النَفْسِ يُشْبِهُ بِالتَناسُبِ الِانْحِلالَ، حَسُنَ في شِدَّةِ النَفْسِ وقُوَّةِ التَصْمِيمِ أنْ يُشْبِهَ الرَبْطَ، ومِنهُ يُقالُ: "فُلانٌ رابِطُ الجَأْشِ" إذا كانَ لا تَفْتَرِقُ نَفْسُهُ عِنْدَ الجَزَعِ والحَرْبِ وغَيْرِها، ومِنهُ الرَبْطُ عَلى قَلْبِ أُمِّ مُوسى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قامُوا فَقالُوا﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ هَذا وصْفُ مَقامِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ الكافِرِ؛ فَإنَّهُ مَقامٌ يَحْتاجُ إلى الرَبْطِ عَلى القَلْبِ، حَيْثُ طُلِبُوا عَلَيْهِ، وخالَفُوا دِينَهُ، ورَفَضُوا في ذاتِ اللهِ هَيْبَتَهُ. والمَعْنى الثانِي أنْ يُعَبِّرَ بِالقِيامِ عَنِ انْبِعاثِهِمْ بِالعَزْمِ إلى الهُرُوبِ إلى اللهِ تَعالى ومُنابَذَةِ الناسِ، كَما تَقُولُ: "قامَ فَلانٌ إلى أمْرِ كَذا" إذا عَزَمَ عَلَيْهِ بِغايَةِ الجِدِّ، وبِهَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي هِيَ: ﴿قامُوا فَقالُوا﴾ تَعَلَّقَتِ الصُوفِيَّةُ في القِيامِ والقَوْلِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إذْ قامُوا قِيامًا فَقالُوا".
وقَوْلُهُمْ: ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾، أيْ: لَوْ دَعَوْنا مِن دُونِ رَبِّنا إلَهًا، و"الشَطَطُ": الجَوْرُ وتَعِدِي الحَدِّ والغُلُوُّ بِحَسْبِ أمْرٍ أمْرٍ، ومِنهُ: "اشْتَطَّ الرَجُلُ في السَوْمِ" إذا طَلَبَ في سِلْعَتِهِ فَوْقَ قِيمَتِها، ومِنهُ: شُطُوطُ النَوى والبُعْدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ألّا يا لِقَوْمِي قَدِ اشْتَطَّ عَوازِلِي ∗∗∗ ويَزْعُمْنَ أنْ أودى بِحَقِّيَ باطِلِي
(p-٥٧٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا﴾ مَقالَةٌ يُصْلِحُ أنْ تَكُونَ مِمّا قالُوا في مَقامِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عِنْدِ قِيامِهِمْ لِلْأمْرِ الَّذِي عَزَمُوا عَلَيْهِ. وقَوْلُهُمْ: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ﴾ تَحْضِيضٌ بِمَعْنى التَعْجِيزِ؛ لِأنَّهُ تَحْضِيضٌ عَلى ما لا يُمْكِنُ؛ وإذا لَمْ يُمْكِنْهم ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ أنْ يُلْتَفَتْ إلى دَعْواهم. و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: بِعُذْرٍ بَيِّنٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ عِبارَةٌ مُحَلِّقَةٌ.
ثُمَّ عَظَّمُوا جُرْمَ الداعِينَ مَعَ اللهِ آلِهَةً وظُلْمَهم بِقَوْلِهِ -عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ-: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ الآيَةَ. إنْ كانَ "القِيامُ" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ قامُوا﴾ عَزْمًا -كَما تَضْمَنُ التَأْوِيلَ الواحِدَ، وكانَ "القَوْلُ" مِنهم فِيما بَيْنَهم -فَهَذِهِ المَقالَةُ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ الَّذِي قالُوهُ عِنْدَ قِيامِهِمْ؛ وإنْ كانَ "القِيامُ" المَذْكُورُ مَقامَهم بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ فَهَذِهِ المَقالَةُ لا يَتَرَتَّبُ أنْ تَكُونَ مِن "مَقالِهِمْ" بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، بَلْ يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.
وبِهَذا يَتَرَجَّحُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذْ قامُوا فَقالُوا﴾ إنَّما المُرادُ بِهِ: إذْ عَزَمُوا ونَفَّذُوا لِأمْرِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا اللهَ"، إنْ فَرْضَنا الكَفّارَ الَّذِينَ فَرَّ أهْلُ الكَهْفِ مِنهم لا يَعْرِفُونَ اللهَ تَعالى، ولا عِلْمَ لَهم بِهِ، إنَّما يَعْتَقِدُونَ الأُلُوهِيَّةَ في أصْنامِهِمْ فَقَطْ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وإنْ فَرَضْناهم يَعْرِفُونَ اللهَ تَعالى ويُعَظِّمُونَهُ كَما كانَتْ تَفْعَلُ العَرَبُ، لَكِنَّهم يُشْرِكُونَ أصْنامَهم مَعَهُ في العِبادَةِ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّ الِاعْتِزالَ وقَعَ في كُلِّ ما يَعْبُدُ الكُفّارُ إلّا في جِهَةِ اللهِ تَعالى وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ"، قالَ قَتادَةُ: هَذا تَفْسِيرُها، قالَ هارُونُ: وفي بَعْضِ مَصاحِفِهِ: "وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِنا".
(p-٥٧٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَعَلى ما قالَ قَتادَةُ تَكُونُ "إلّا" بِمَنزِلَةِ "غَيْرِ"، و"ما" مِن قَوْلِهِ: ﴿وَما يَعْبُدُونَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ في "اعْتَزَلْتُمُوهُمْ" ومُضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: إذْ فارَقْنا الكَفّارَ وانْفَرَدْنا بِاللهِ تَعالى فَلْنَجْعَلِ الكَهْفَ مَأْوًى، ونَتَّكِلْ عَلى اللهِ تَعالى، فَإنَّهُ يَبْسُطُ لَنا رَحْمَتَهُ، ويَنْشُرُها عَلَيْنا، ويُهَيِّئُ لَنا مِن أمْرِنا مِرْفَقًا، وهَذا كُلُّهُ دُعاءٌ بِحَسْبِ الدُنْيا، وعَلى ثِقَةٍ كانُوا مِنَ اللهِ تَعالى في أمْرِ آخِرَتِهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "مَرْفِقًا" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، وهو مَصْدَرٌ كالرِفْقِ فِيما حَكى أبُو زَيْدٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مِرْفَقًا" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ويُقالانِ جَمِيعًا في الأمْرِ وفي الجارِحَةِ، حَكاهُ الزَجّاجُ، وذَكَرَ مَكِّيٌّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ في الأمْرِ وفي اليَدِ وفي كُلِّ شَيْءٍ إلّا كَسْرَ المِيمِ، وأنْكَرَ الكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ "المُرْفَقُ" مِنَ الجارِحَةِ إلّا بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، وخالَفَهُ أبُو حاتِمٍ وقالَ: "المَرْفَقُ" بِفَتْحِ المِيمِ المَوْضِعُ كالمَسْجِدِ، وهُما بَعْدُ لُغَتانِ.
الكهف 18:16
قوله عزّ وجلّ:
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾ ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلا اللهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا﴾
لَمّا اقْتَضى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ [الكهف: ١٢] اخْتِلافًا وقَعَ في أمْرِ الفِتْيَةِ عَقَّبَ بِالخَبَرِ عن أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَعْلَمُ مَن أمْرِهِمْ بِالحَقِّ الَّذِي وقَعَ. وفي مَجْمُوعِ هَذِهِ الآياتِ جَوابُ قُرَيْشٍ عن سُؤالِهِمُ الَّذِي أمَرَتْهم بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ و"القَصُّ": الإخْبارُ بِأمْرٍ (p-٥٧٥)يُسْرَدُ، لا بِكَلامٍ يُرْوى شَيْئًا شَيْئًا، لِأنَّ تِلْكَ المُخاطَبَةَ لَيْسَتْ بِقِصَصٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَزِدْناهم هُدًى﴾ أيْ: يَسَّرْناهم لِلْعَمَلِ الصالِحِ، والِانْقِطاعِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ومُباعَدَةِ الناسِ، والزُهْدِ في الدُنْيا، وهَذِهِ زِياداتٌ عَلى الإيمانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ عِبارَةٌ عن شِدَّةِ عَزْمٍ وقُوَّةِ صَبْرٍ أعْطاها اللهُ لَهُمْ، ولَمّا كانَ الفَزَعُ وخَوْرُ النَفْسِ يُشْبِهُ بِالتَناسُبِ الِانْحِلالَ، حَسُنَ في شِدَّةِ النَفْسِ وقُوَّةِ التَصْمِيمِ أنْ يُشْبِهَ الرَبْطَ، ومِنهُ يُقالُ: "فُلانٌ رابِطُ الجَأْشِ" إذا كانَ لا تَفْتَرِقُ نَفْسُهُ عِنْدَ الجَزَعِ والحَرْبِ وغَيْرِها، ومِنهُ الرَبْطُ عَلى قَلْبِ أُمِّ مُوسى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قامُوا فَقالُوا﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ هَذا وصْفُ مَقامِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ الكافِرِ؛ فَإنَّهُ مَقامٌ يَحْتاجُ إلى الرَبْطِ عَلى القَلْبِ، حَيْثُ طُلِبُوا عَلَيْهِ، وخالَفُوا دِينَهُ، ورَفَضُوا في ذاتِ اللهِ هَيْبَتَهُ. والمَعْنى الثانِي أنْ يُعَبِّرَ بِالقِيامِ عَنِ انْبِعاثِهِمْ بِالعَزْمِ إلى الهُرُوبِ إلى اللهِ تَعالى ومُنابَذَةِ الناسِ، كَما تَقُولُ: "قامَ فَلانٌ إلى أمْرِ كَذا" إذا عَزَمَ عَلَيْهِ بِغايَةِ الجِدِّ، وبِهَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي هِيَ: ﴿قامُوا فَقالُوا﴾ تَعَلَّقَتِ الصُوفِيَّةُ في القِيامِ والقَوْلِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إذْ قامُوا قِيامًا فَقالُوا".
وقَوْلُهُمْ: ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾، أيْ: لَوْ دَعَوْنا مِن دُونِ رَبِّنا إلَهًا، و"الشَطَطُ": الجَوْرُ وتَعِدِي الحَدِّ والغُلُوُّ بِحَسْبِ أمْرٍ أمْرٍ، ومِنهُ: "اشْتَطَّ الرَجُلُ في السَوْمِ" إذا طَلَبَ في سِلْعَتِهِ فَوْقَ قِيمَتِها، ومِنهُ: شُطُوطُ النَوى والبُعْدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ألّا يا لِقَوْمِي قَدِ اشْتَطَّ عَوازِلِي ∗∗∗ ويَزْعُمْنَ أنْ أودى بِحَقِّيَ باطِلِي
(p-٥٧٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا﴾ مَقالَةٌ يُصْلِحُ أنْ تَكُونَ مِمّا قالُوا في مَقامِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عِنْدِ قِيامِهِمْ لِلْأمْرِ الَّذِي عَزَمُوا عَلَيْهِ. وقَوْلُهُمْ: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ﴾ تَحْضِيضٌ بِمَعْنى التَعْجِيزِ؛ لِأنَّهُ تَحْضِيضٌ عَلى ما لا يُمْكِنُ؛ وإذا لَمْ يُمْكِنْهم ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ أنْ يُلْتَفَتْ إلى دَعْواهم. و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: بِعُذْرٍ بَيِّنٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ عِبارَةٌ مُحَلِّقَةٌ.
ثُمَّ عَظَّمُوا جُرْمَ الداعِينَ مَعَ اللهِ آلِهَةً وظُلْمَهم بِقَوْلِهِ -عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ-: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ الآيَةَ. إنْ كانَ "القِيامُ" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ قامُوا﴾ عَزْمًا -كَما تَضْمَنُ التَأْوِيلَ الواحِدَ، وكانَ "القَوْلُ" مِنهم فِيما بَيْنَهم -فَهَذِهِ المَقالَةُ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ الَّذِي قالُوهُ عِنْدَ قِيامِهِمْ؛ وإنْ كانَ "القِيامُ" المَذْكُورُ مَقامَهم بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ فَهَذِهِ المَقالَةُ لا يَتَرَتَّبُ أنْ تَكُونَ مِن "مَقالِهِمْ" بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، بَلْ يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.
وبِهَذا يَتَرَجَّحُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذْ قامُوا فَقالُوا﴾ إنَّما المُرادُ بِهِ: إذْ عَزَمُوا ونَفَّذُوا لِأمْرِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا اللهَ"، إنْ فَرْضَنا الكَفّارَ الَّذِينَ فَرَّ أهْلُ الكَهْفِ مِنهم لا يَعْرِفُونَ اللهَ تَعالى، ولا عِلْمَ لَهم بِهِ، إنَّما يَعْتَقِدُونَ الأُلُوهِيَّةَ في أصْنامِهِمْ فَقَطْ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وإنْ فَرَضْناهم يَعْرِفُونَ اللهَ تَعالى ويُعَظِّمُونَهُ كَما كانَتْ تَفْعَلُ العَرَبُ، لَكِنَّهم يُشْرِكُونَ أصْنامَهم مَعَهُ في العِبادَةِ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّ الِاعْتِزالَ وقَعَ في كُلِّ ما يَعْبُدُ الكُفّارُ إلّا في جِهَةِ اللهِ تَعالى وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ"، قالَ قَتادَةُ: هَذا تَفْسِيرُها، قالَ هارُونُ: وفي بَعْضِ مَصاحِفِهِ: "وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِنا".
(p-٥٧٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَعَلى ما قالَ قَتادَةُ تَكُونُ "إلّا" بِمَنزِلَةِ "غَيْرِ"، و"ما" مِن قَوْلِهِ: ﴿وَما يَعْبُدُونَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ في "اعْتَزَلْتُمُوهُمْ" ومُضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: إذْ فارَقْنا الكَفّارَ وانْفَرَدْنا بِاللهِ تَعالى فَلْنَجْعَلِ الكَهْفَ مَأْوًى، ونَتَّكِلْ عَلى اللهِ تَعالى، فَإنَّهُ يَبْسُطُ لَنا رَحْمَتَهُ، ويَنْشُرُها عَلَيْنا، ويُهَيِّئُ لَنا مِن أمْرِنا مِرْفَقًا، وهَذا كُلُّهُ دُعاءٌ بِحَسْبِ الدُنْيا، وعَلى ثِقَةٍ كانُوا مِنَ اللهِ تَعالى في أمْرِ آخِرَتِهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "مَرْفِقًا" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، وهو مَصْدَرٌ كالرِفْقِ فِيما حَكى أبُو زَيْدٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مِرْفَقًا" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ويُقالانِ جَمِيعًا في الأمْرِ وفي الجارِحَةِ، حَكاهُ الزَجّاجُ، وذَكَرَ مَكِّيٌّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ في الأمْرِ وفي اليَدِ وفي كُلِّ شَيْءٍ إلّا كَسْرَ المِيمِ، وأنْكَرَ الكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ "المُرْفَقُ" مِنَ الجارِحَةِ إلّا بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، وخالَفَهُ أبُو حاتِمٍ وقالَ: "المَرْفَقُ" بِفَتْحِ المِيمِ المَوْضِعُ كالمَسْجِدِ، وهُما بَعْدُ لُغَتانِ.
الكهف 18:17
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَتَرى الشَمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عن كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِمالِ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ مِن يَهْدِ اللهِ فَهو المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ ﴿وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ ونُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِمالِ وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾
بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ اقْتِضابٌ يُبَيِّنُهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ، وتَقْدِيرُهُ: فَآوَوْا وضَرَبَ اللهُ عَلى آذانِهِمْ، ومَكَثُوا كَذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "تَزّاوَرُ" بِتَشْدِيدِ الزايِ وإدْغامِ التاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَزاوَرُ" بِتَخْفِيفِها، بِتَقْدِيرِ: تَتَزاوَرُ، فَحُذِفَتْ إحْدى التاءَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ: (تَزْوَرُّ) في وزْنٍ تَحْمَرُّ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: "تَزْوارُّ" بِألْفٍ بَعْدِ الواوِ. ومَعْنى اللَفْظَةِ عَلى كُلِّ هَذا التَصْرِيفِ: تَعْدِلُ وتَرُوغُ وتَمِيلُ، وهَذِهِ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ، أمّا إنَّ الأخْفَشَ قالَ: (p-٥٧٨)"تَزْوَرُّ" مَعْناهُ: تَنْقَبِضُ، والزَوْرُ: المَيْلُ، والأزْوَرُ في العَيْنِ: المائِلُ النَظَرِ إلى ناحِيَةٍ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ العَيْنِ، كَقَوْلِ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ:
؎ وجَنْبِي خِيفَةَ القَوْمِ أزْوَرُ
ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ عنتَرَةَ:
؎ فازْوَرَّ مِن وقَعَ القَنا بِلَبانِهِ
ومِنهُ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ:
؎ تَؤُمُّ بِها الحُداةُ مِياهَ نَخْلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وفِيها عن أبانَيْنِ ازْوِرارُ
(p-٥٧٩)وَفِي حَدِيثِ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ رَأى في سَرِيرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ ازْوِرارًا عن سَرِيرَيْ جَعْفَرٍ وزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَقْرِضُهُمْ" بِالتاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَقْرِضُهُمْ" بِالياءِ، أيِ الكَهْفِ، كَأنَّهُ مِنَ القَرْضِ وهو القَطْعُ، أيْ: يَقْتَطِعُهُمُ الكَهْفُ بِظِلِّهِ مِن ضَوْءِ الشَمْسِ. وجُمْهُورُ مَن قَرَأ بِالتاءِ فالمَعْنى أنَّهم كانُوا لا تُصِيبُهم شَمْسٌ البَتَّةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَيَتَأوَّلُونَ "تَقْرِضُهُمْ" بِمَعْنى: تَتْرُكُهُمْ، أيْ: كَأنَّها عِنْدَهُ تَقْطَعُ كُلَّ ما لا تَنالُهُ عن نَفْسِها، وفِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ بِالتاءِ تَأوَّلَتْ أنَّها كانَتْ بِالعَشِيِّ تَنالُهم فَكَأنَّها "تَقْرِضُهُمْ"، أيْ تَقْتَطِعُهم مِمّا لا تَنالُهُ، وقالُوا: كانَ في مَسِّها لَهم بِالعَشِيِّ صَلاحٌ لِأجْسامِهِمْ. وحَكى الطَبَرِيٌّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: قَرَضْتُ مَوْضِعَ كَذا، أيْ قَطَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ إلى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أجْوازَ مُشْرِفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ شِمالًا وعن أيْمانِهِنَّ الفَوارِسُ
ومِنهُ: أقْرِضْنِي دِرْهَمًا، أيِ: اقْطَعْهُ لِي مِن مالِكَ. وهَذِهِ الصِفَةُ مَعَ الشَمْسِ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ لَهم حاجِبٌ مِن جِهَةِ الجَنُوبِ، وحاجِبٌ مِن جِهَةِ الدَبُّورِ، وهم في زاوِيَتِهِ. وحَكى الزَجّاجُ وغَيْرُهُ قالَ: كانَ بابُ الكَهْفِ يَنْظُرُ إلى بَناتِ نَعْشٍ، وقالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وهَذا نَحْوَ ما قُلْناهُ، غَيْرَ أنَّ الكَهْفَ كانَ مَسْتُورَ الأعْلى مِنَ المَطَرِ. وذَهَبَ الزَجّاجُ إلى أنَّ فِعْلَ الشَمْسِ كانَ آيَةً مِنَ اللهِ تَعالى دُونَ أنْ يَكُونَ بابُ الكَهْفِ إلى جِهَةٍ تُوجِبُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ ﴿وَذاتَ الشِمالِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ذاتَ يَمِينِ الكَهْفِ، بِأنْ تُقَدِّرَ بابَ الكَهْفِ بِمَثابَةِ وجْهِ إنْسانٍ، فَإنَّ الشَمْسَ تَجِيءُ مِنهُ أوَّلَ النَهارِ عن (p-٥٨٠)يَمِينٍ وآخِرَهِ عن شِمالٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ذاتَ يَمِينِ الشَمْسِ وذاتَ شِمالِها، بِأنْ نُقَدِّرَ الشُعاعَ المُمْتَدَّ مِنها إلى الكَهْفِ بِمَثابَةِ وجْهِ الإنْسانِ. والوَجْهُ الأوَّلُ أوضَحُ.
و"الفَجْوَةُ": المُتَّسِعُ، وجَمْعُها فِجاءٌ، قالَ قَتادَةُ: في فَضاءٍ مِنهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإذا وجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿فِي فَجْوَةٍ مِنهُ﴾: في مَكانٍ داخِلٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ﴾ الإشارَةُ إلى الأمْرِ بِجُمْلَتِهِ، وعَلى قَوْلِ الزَجّاجِ "إنَّ الشَمْسَ كانَتْ تَزاوَرُ وتَقْرِضُ دُونَ حِجابٍ" تَكُونُ الإشارَةُ إلى هَذا المَعْنى خاصَّةً. ثُمَّ تابَعَ بِتَعْظِيمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ والتَسْلِيمِ لَهُ وما يَقْتَضِي صَرْفَ الآمالِ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ﴾ الآيَةَ. صِفَةُ حالٍ قَدْ نَقَضَتْ، وجاءَتْ أفْعالُها مُسْتَقْبِلَةً تَجَوُّزًا واتِّساعًا.
و"أيْقاظًا" جَمْعُ يَقِظٍ، كَعَضُدٍ وأعْضادٍ، وهو المُنْتَبِهُ. قالَ أهْلُ التَفْسِيرِ: كانَتْ أعْيُنُهم مَفْتُوحَةً وهم نائِمُونَ، فَلِذَلِكَ كانَ الرائِي يَحْسَبُهم أيْقاظًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُحْتَمَلُ أنْ يَحْسَبَ الرائِي ذَلِكَ لِشِدَّةِ الحِفْظِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِمْ، وقِلَّةِ التَغَيُّرِ، وذَلِكَ أنَّ الغالِبَ عَلى النُوّامِ أنْ يَكُونَ لَهُمُ اسْتِرْخاءٌ وهَيْئاتٌ تَقْتَضِي النَوْمَ، ورَبَّ نائِمٍ عَلى أحْوالٍ لَمْ تَتَغَيَّرْ عن حالَةِ اليَقَظَةِ، فَيَحْسَبُهُ الرائِي يَقْظانًا وإنْ كانَ مَسْدُودَ العَيْنِ، ولَوْ صَحَّ فَتْحُ أعْيُنِهِمْ بِسَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ كانَ أبْيَنَ في أنْ يَحْسِبَ عَلَيْهِمُ التَيَقُّظَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَنُقَلِّبُهُمْ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَتَقَلُّبُهُمْ" بِالتاءِ المَفْتُوحَةِ وضَمَّ اللامَ والباءَ، وهو مَصْدَرٌ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ. وحَكى ابْنُ جِنِّيٍّ القِراءَةَ عَنِ الحَسَنِ بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الباءِ، وقالَ: هَذا نَصْبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قالَ: وتَرى، أو تُشاهِدُ تَقَلُّبَهم.
(p-٥٨١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأبُو حاتِمٍ أثْبَتُ.
ورَأتْ فِرْقَةٌ أنَّ التَقَلُّبَ هو الَّذِي مِن أجْلِهِ كانَ الرائِي يَحْسَبُهم أيْقاظًا.
وهَذا -وَإنْ كانَ التَقَلُّبُ لِمَن صادَفَ رُؤْيَتَهُ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ- فَإنَّ ألْفاظَ الآيَةِ لَمْ تَسُقْهُ إلّا خَبَرًا مُسْتَأْنِفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ هَذا التَقْلِيبُ مَرَّتَيْنِ في السَنَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كُلُّ سَنَةٍ مَرَّةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كُلُّ سَبْعِ سِنِينَ مَرَّةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما قُلِّبُوا في التِسْعِ الأواخِرِ، وأمّا في الثَلاثِمِائَةِ فَلا. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ تَقَلُّبَهم إنَّما كانَ حِفْظًا مِنَ الأرْضِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لَوْ مَسَّتْهُمُ الشَمْسُ لَأحْرَقَتْهُمْ، ولَوْلا التَقْلِيبُ لِأكْلَتِهِمُ الأرْضُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وآيَةُ اللهِ تَعالى في نَوْمِهِمْ هَذِهِ المُدَّةَ الطَوِيلَةَ وحَياتِهِمْ دُونَ تَغَذٍّ أذْهَبُ في الغَرابَةِ مِن حِفْظِهِمْ مَعَ مَسِّ الشَمْسِ ولُزُومِ الأرْضِ، ولَكِنَّها رِواياتٌ تَخْتَلِفُ وتُتَأمَّلُ بَعْدُ، وظاهِرُ كَلامِ المُفَسِّرِينَ أنَّ التَقَلُّبَ كانَ بِأمْرِ اللهِ تَعالى وفَعَلَ مَلائِكَتِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإقْدارِ اللهِ إيّاهم عَلى ذَلِكَ وهم في غَمْرَةِ النَوْمِ لا يَنْتَبِهُونَ كَما يَعْتَرِي كَثِيرًا مِنَ النُوّامِ؛ لِأنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا مَوْتى.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَكَلْبُهُمْ". أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ كَلْبٌ حَقِيقَةً، كانَ لِصَيْدِ أحَدِهِمْ فِيما رُوِيَ، وقِيلَ: كانَ لِراعٍ مُرُوا عَلَيْهِ فَصَحِبَهم وتَبِعَهُ الكَلْبُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيَّ في جامِعِ مِصْرَ يَقُولُ عَلى مِنبَرِ وعْظِهِ سَنَةَ تِسْعٍ وسِتِّينَ وأرْبَعِمِائَةٍ: إنَّ مَن أحَبَّ أهْلَ الخَيْرِ نالَ مِن بَرَكَتِهِمْ، كَلْبٌ أحَبَّ أهْلَ فَضَلٍ وصَحِبَهم فَذَكَرَهُ اللهُ تَعالى في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ. وقِيلَ: كانَ أنْمَرَ، (p-٥٨٢)وَقِيلَ: كانَ أحْمَرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ رَجُلًا طَبّاخًا لَهُمْ، حَكاهُ الطَبَرِيٌّ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ أحَدُهُمْ، وكانَ قَعَدَ عِنْدَ بابِ الغارِ طَلِيعَةً لَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَسُمِّي بِاسْمِ الحَيَوانِ المُلازِمِ لِذَلِكَ المَوْضِعِ مِنَ الناسِ، كَما سُمِّيَ النَجْمُ التابِعُ لِلْجَوْزاءِ كَلْبًا لِأنَّهُ مِنها كالكَلْبِ مِنَ الإنْسانِ، ويُقالُ لَهُ: كَلْبُ الجَبّارِ. أمّا أنَّ هَذا القَوْلَ يُضْعِفُهُ ذِكْرُ بَسْطِ الذِراعَيْنِ فَإنَّهُما في العُرْفِ مِن صِفَةِ الكَلْبِ حَقِيقَةً، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَلا يَبْسُطْ أحَدُكم ذِراعَيْهِ في السُجُودِ انْبِساطَ الكَلْبِ"،» وقَدْ حَكى أبُو عُمَرَ المُطَرِّزُ في كِتابِ اليَواقِيتِ أنَّهُ قُرِئَ: "وَكالِبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ"، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الكالِبِ" هَذا الرَجُلُ، عَلى ما رُوِيَ؛ إذْ بَسْطُ الذِراعَيْنِ واللُصُوقِ بِالأرْضِ مَعَ رَفْعِ الوَجْهِ لِلتَّطَلُّعِ هي هَيْئَةُ الرَبِيئَةِ، المُسْتَخْفِي بِنَفْسِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الكالِبِ" الكَلْبَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ أعْمَلَ اسْمَ الفاعِلِ وهو بِمَعْنى المُضِيِّ لِأنَّها حِكايَةٌ، ولَمْ يَقْصِدِ الإخْبارَ عن فِعْلِ الكَلْبِ.
و"الوَصِيدُ": العَتَبَةُ الَّتِي لِبابِ الكَهْفِ، أو مَوْضِعُها حَيْثُ لَيْسَتْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: الوَصِيدُ: الفَناءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الوَصِيدُ: البابُ، وقالَ ابْنٌ جُبَيْرٍ أيْضًا: الوَصِيدُ: التُرابُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والبابُ المُوصَدُ هو المُغْلَقُ، أيْ: قَدْ وقَفَ عَلى وصِيدِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى ما حَفَّهم مِنَ الرُعْبِ واكْتَنَفَهم مِنَ الهَيْبَةِ، وقَرَأ: "لَوِ اطَّلَعَتْ" بِكَسْرِ الواوِ جُمْهُورُ القُرّاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "لَوُ اطَّلَعَتْ" بِضَمِّها، وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ عن نافِعٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "لَمُلِّئَتْ" بِشَدِّ اللامِ عَلى تَضْعِيفِ المُبالِغَةِ، أيْ: مُلِئَتْ ثُمَّ (p-٥٨٣)مُلِئَتْ، وقَرَأ الباقُونَ: "لَمُلِئَتْ" بِتَخْفِيفِ اللامِ، والتَخْفِيفُ أشْهَرُ في اللُغَةِ، وقَدْ جاءَ التَثْقِيلُ في قَوْلِ المُخَبَّلِ السَعْدِيِّ:
؎ وإذْ فَتَكَ النُعْمانُ بِالناسِ مُحْرِمًا ∗∗∗ ∗∗∗ فَمُلِّئَ مِن كَعْبِ بْنِ عَوْفٍ سَلاسِلُهُ
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما حَفَّهم هَذا الرُعْبُ لِطُولِ شُعُورِهِمْ وأظْفارِهِمْ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ والزَجّاجُ، وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ، ولَوْ كانَتْ حالُهم هَكَذا، لَمْ يَقُولُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، وإنَّما الصَحِيحُ في أمْرِهِمْ، أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ حَفِظَ لَهُمُ الحالَةَ الَّتِي قامُوا عَلَيْها لِتَكُونَ لَهم ولِغَيْرِهِمْ فِيهِمْ آيَةٌ، فَلَمْ يَبْلَ لَهم ثَوْبٌ، ولا تَغَيَّرَتْ صِفَةٌ، ولا أنْكَرَ الناهِضُ إلى المَدِينَةِ إلّا مَعالِمَ الأرْضِ والبِناءِ، ولَوْ كانَتْ في نَفْسِهِ حالَةٌ يُنْكِرُها لَكانَتْ عَلَيْهِ أهَمَّ، ولِرُوِيَ ذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رُعْبًا" بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَرَأ "رُعُبًا" بِضَمِّها أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ.
الكهف 18:18
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَتَرى الشَمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عن كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِمالِ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ مِن يَهْدِ اللهِ فَهو المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ ﴿وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ ونُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِمالِ وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾
بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ اقْتِضابٌ يُبَيِّنُهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ، وتَقْدِيرُهُ: فَآوَوْا وضَرَبَ اللهُ عَلى آذانِهِمْ، ومَكَثُوا كَذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "تَزّاوَرُ" بِتَشْدِيدِ الزايِ وإدْغامِ التاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَزاوَرُ" بِتَخْفِيفِها، بِتَقْدِيرِ: تَتَزاوَرُ، فَحُذِفَتْ إحْدى التاءَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ: (تَزْوَرُّ) في وزْنٍ تَحْمَرُّ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: "تَزْوارُّ" بِألْفٍ بَعْدِ الواوِ. ومَعْنى اللَفْظَةِ عَلى كُلِّ هَذا التَصْرِيفِ: تَعْدِلُ وتَرُوغُ وتَمِيلُ، وهَذِهِ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ، أمّا إنَّ الأخْفَشَ قالَ: (p-٥٧٨)"تَزْوَرُّ" مَعْناهُ: تَنْقَبِضُ، والزَوْرُ: المَيْلُ، والأزْوَرُ في العَيْنِ: المائِلُ النَظَرِ إلى ناحِيَةٍ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ العَيْنِ، كَقَوْلِ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ:
؎ وجَنْبِي خِيفَةَ القَوْمِ أزْوَرُ
ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ عنتَرَةَ:
؎ فازْوَرَّ مِن وقَعَ القَنا بِلَبانِهِ
ومِنهُ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ:
؎ تَؤُمُّ بِها الحُداةُ مِياهَ نَخْلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وفِيها عن أبانَيْنِ ازْوِرارُ
(p-٥٧٩)وَفِي حَدِيثِ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ رَأى في سَرِيرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ ازْوِرارًا عن سَرِيرَيْ جَعْفَرٍ وزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَقْرِضُهُمْ" بِالتاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَقْرِضُهُمْ" بِالياءِ، أيِ الكَهْفِ، كَأنَّهُ مِنَ القَرْضِ وهو القَطْعُ، أيْ: يَقْتَطِعُهُمُ الكَهْفُ بِظِلِّهِ مِن ضَوْءِ الشَمْسِ. وجُمْهُورُ مَن قَرَأ بِالتاءِ فالمَعْنى أنَّهم كانُوا لا تُصِيبُهم شَمْسٌ البَتَّةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَيَتَأوَّلُونَ "تَقْرِضُهُمْ" بِمَعْنى: تَتْرُكُهُمْ، أيْ: كَأنَّها عِنْدَهُ تَقْطَعُ كُلَّ ما لا تَنالُهُ عن نَفْسِها، وفِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ بِالتاءِ تَأوَّلَتْ أنَّها كانَتْ بِالعَشِيِّ تَنالُهم فَكَأنَّها "تَقْرِضُهُمْ"، أيْ تَقْتَطِعُهم مِمّا لا تَنالُهُ، وقالُوا: كانَ في مَسِّها لَهم بِالعَشِيِّ صَلاحٌ لِأجْسامِهِمْ. وحَكى الطَبَرِيٌّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: قَرَضْتُ مَوْضِعَ كَذا، أيْ قَطَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ إلى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أجْوازَ مُشْرِفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ شِمالًا وعن أيْمانِهِنَّ الفَوارِسُ
ومِنهُ: أقْرِضْنِي دِرْهَمًا، أيِ: اقْطَعْهُ لِي مِن مالِكَ. وهَذِهِ الصِفَةُ مَعَ الشَمْسِ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ لَهم حاجِبٌ مِن جِهَةِ الجَنُوبِ، وحاجِبٌ مِن جِهَةِ الدَبُّورِ، وهم في زاوِيَتِهِ. وحَكى الزَجّاجُ وغَيْرُهُ قالَ: كانَ بابُ الكَهْفِ يَنْظُرُ إلى بَناتِ نَعْشٍ، وقالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وهَذا نَحْوَ ما قُلْناهُ، غَيْرَ أنَّ الكَهْفَ كانَ مَسْتُورَ الأعْلى مِنَ المَطَرِ. وذَهَبَ الزَجّاجُ إلى أنَّ فِعْلَ الشَمْسِ كانَ آيَةً مِنَ اللهِ تَعالى دُونَ أنْ يَكُونَ بابُ الكَهْفِ إلى جِهَةٍ تُوجِبُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ ﴿وَذاتَ الشِمالِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ذاتَ يَمِينِ الكَهْفِ، بِأنْ تُقَدِّرَ بابَ الكَهْفِ بِمَثابَةِ وجْهِ إنْسانٍ، فَإنَّ الشَمْسَ تَجِيءُ مِنهُ أوَّلَ النَهارِ عن (p-٥٨٠)يَمِينٍ وآخِرَهِ عن شِمالٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ذاتَ يَمِينِ الشَمْسِ وذاتَ شِمالِها، بِأنْ نُقَدِّرَ الشُعاعَ المُمْتَدَّ مِنها إلى الكَهْفِ بِمَثابَةِ وجْهِ الإنْسانِ. والوَجْهُ الأوَّلُ أوضَحُ.
و"الفَجْوَةُ": المُتَّسِعُ، وجَمْعُها فِجاءٌ، قالَ قَتادَةُ: في فَضاءٍ مِنهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإذا وجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿فِي فَجْوَةٍ مِنهُ﴾: في مَكانٍ داخِلٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ﴾ الإشارَةُ إلى الأمْرِ بِجُمْلَتِهِ، وعَلى قَوْلِ الزَجّاجِ "إنَّ الشَمْسَ كانَتْ تَزاوَرُ وتَقْرِضُ دُونَ حِجابٍ" تَكُونُ الإشارَةُ إلى هَذا المَعْنى خاصَّةً. ثُمَّ تابَعَ بِتَعْظِيمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ والتَسْلِيمِ لَهُ وما يَقْتَضِي صَرْفَ الآمالِ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ﴾ الآيَةَ. صِفَةُ حالٍ قَدْ نَقَضَتْ، وجاءَتْ أفْعالُها مُسْتَقْبِلَةً تَجَوُّزًا واتِّساعًا.
و"أيْقاظًا" جَمْعُ يَقِظٍ، كَعَضُدٍ وأعْضادٍ، وهو المُنْتَبِهُ. قالَ أهْلُ التَفْسِيرِ: كانَتْ أعْيُنُهم مَفْتُوحَةً وهم نائِمُونَ، فَلِذَلِكَ كانَ الرائِي يَحْسَبُهم أيْقاظًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُحْتَمَلُ أنْ يَحْسَبَ الرائِي ذَلِكَ لِشِدَّةِ الحِفْظِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِمْ، وقِلَّةِ التَغَيُّرِ، وذَلِكَ أنَّ الغالِبَ عَلى النُوّامِ أنْ يَكُونَ لَهُمُ اسْتِرْخاءٌ وهَيْئاتٌ تَقْتَضِي النَوْمَ، ورَبَّ نائِمٍ عَلى أحْوالٍ لَمْ تَتَغَيَّرْ عن حالَةِ اليَقَظَةِ، فَيَحْسَبُهُ الرائِي يَقْظانًا وإنْ كانَ مَسْدُودَ العَيْنِ، ولَوْ صَحَّ فَتْحُ أعْيُنِهِمْ بِسَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ كانَ أبْيَنَ في أنْ يَحْسِبَ عَلَيْهِمُ التَيَقُّظَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَنُقَلِّبُهُمْ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَتَقَلُّبُهُمْ" بِالتاءِ المَفْتُوحَةِ وضَمَّ اللامَ والباءَ، وهو مَصْدَرٌ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ. وحَكى ابْنُ جِنِّيٍّ القِراءَةَ عَنِ الحَسَنِ بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الباءِ، وقالَ: هَذا نَصْبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قالَ: وتَرى، أو تُشاهِدُ تَقَلُّبَهم.
(p-٥٨١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأبُو حاتِمٍ أثْبَتُ.
ورَأتْ فِرْقَةٌ أنَّ التَقَلُّبَ هو الَّذِي مِن أجْلِهِ كانَ الرائِي يَحْسَبُهم أيْقاظًا.
وهَذا -وَإنْ كانَ التَقَلُّبُ لِمَن صادَفَ رُؤْيَتَهُ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ- فَإنَّ ألْفاظَ الآيَةِ لَمْ تَسُقْهُ إلّا خَبَرًا مُسْتَأْنِفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ هَذا التَقْلِيبُ مَرَّتَيْنِ في السَنَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كُلُّ سَنَةٍ مَرَّةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كُلُّ سَبْعِ سِنِينَ مَرَّةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما قُلِّبُوا في التِسْعِ الأواخِرِ، وأمّا في الثَلاثِمِائَةِ فَلا. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ تَقَلُّبَهم إنَّما كانَ حِفْظًا مِنَ الأرْضِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لَوْ مَسَّتْهُمُ الشَمْسُ لَأحْرَقَتْهُمْ، ولَوْلا التَقْلِيبُ لِأكْلَتِهِمُ الأرْضُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وآيَةُ اللهِ تَعالى في نَوْمِهِمْ هَذِهِ المُدَّةَ الطَوِيلَةَ وحَياتِهِمْ دُونَ تَغَذٍّ أذْهَبُ في الغَرابَةِ مِن حِفْظِهِمْ مَعَ مَسِّ الشَمْسِ ولُزُومِ الأرْضِ، ولَكِنَّها رِواياتٌ تَخْتَلِفُ وتُتَأمَّلُ بَعْدُ، وظاهِرُ كَلامِ المُفَسِّرِينَ أنَّ التَقَلُّبَ كانَ بِأمْرِ اللهِ تَعالى وفَعَلَ مَلائِكَتِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإقْدارِ اللهِ إيّاهم عَلى ذَلِكَ وهم في غَمْرَةِ النَوْمِ لا يَنْتَبِهُونَ كَما يَعْتَرِي كَثِيرًا مِنَ النُوّامِ؛ لِأنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا مَوْتى.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَكَلْبُهُمْ". أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ كَلْبٌ حَقِيقَةً، كانَ لِصَيْدِ أحَدِهِمْ فِيما رُوِيَ، وقِيلَ: كانَ لِراعٍ مُرُوا عَلَيْهِ فَصَحِبَهم وتَبِعَهُ الكَلْبُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيَّ في جامِعِ مِصْرَ يَقُولُ عَلى مِنبَرِ وعْظِهِ سَنَةَ تِسْعٍ وسِتِّينَ وأرْبَعِمِائَةٍ: إنَّ مَن أحَبَّ أهْلَ الخَيْرِ نالَ مِن بَرَكَتِهِمْ، كَلْبٌ أحَبَّ أهْلَ فَضَلٍ وصَحِبَهم فَذَكَرَهُ اللهُ تَعالى في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ. وقِيلَ: كانَ أنْمَرَ، (p-٥٨٢)وَقِيلَ: كانَ أحْمَرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ رَجُلًا طَبّاخًا لَهُمْ، حَكاهُ الطَبَرِيٌّ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ أحَدُهُمْ، وكانَ قَعَدَ عِنْدَ بابِ الغارِ طَلِيعَةً لَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَسُمِّي بِاسْمِ الحَيَوانِ المُلازِمِ لِذَلِكَ المَوْضِعِ مِنَ الناسِ، كَما سُمِّيَ النَجْمُ التابِعُ لِلْجَوْزاءِ كَلْبًا لِأنَّهُ مِنها كالكَلْبِ مِنَ الإنْسانِ، ويُقالُ لَهُ: كَلْبُ الجَبّارِ. أمّا أنَّ هَذا القَوْلَ يُضْعِفُهُ ذِكْرُ بَسْطِ الذِراعَيْنِ فَإنَّهُما في العُرْفِ مِن صِفَةِ الكَلْبِ حَقِيقَةً، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَلا يَبْسُطْ أحَدُكم ذِراعَيْهِ في السُجُودِ انْبِساطَ الكَلْبِ"،» وقَدْ حَكى أبُو عُمَرَ المُطَرِّزُ في كِتابِ اليَواقِيتِ أنَّهُ قُرِئَ: "وَكالِبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ"، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الكالِبِ" هَذا الرَجُلُ، عَلى ما رُوِيَ؛ إذْ بَسْطُ الذِراعَيْنِ واللُصُوقِ بِالأرْضِ مَعَ رَفْعِ الوَجْهِ لِلتَّطَلُّعِ هي هَيْئَةُ الرَبِيئَةِ، المُسْتَخْفِي بِنَفْسِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الكالِبِ" الكَلْبَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ أعْمَلَ اسْمَ الفاعِلِ وهو بِمَعْنى المُضِيِّ لِأنَّها حِكايَةٌ، ولَمْ يَقْصِدِ الإخْبارَ عن فِعْلِ الكَلْبِ.
و"الوَصِيدُ": العَتَبَةُ الَّتِي لِبابِ الكَهْفِ، أو مَوْضِعُها حَيْثُ لَيْسَتْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: الوَصِيدُ: الفَناءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الوَصِيدُ: البابُ، وقالَ ابْنٌ جُبَيْرٍ أيْضًا: الوَصِيدُ: التُرابُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والبابُ المُوصَدُ هو المُغْلَقُ، أيْ: قَدْ وقَفَ عَلى وصِيدِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى ما حَفَّهم مِنَ الرُعْبِ واكْتَنَفَهم مِنَ الهَيْبَةِ، وقَرَأ: "لَوِ اطَّلَعَتْ" بِكَسْرِ الواوِ جُمْهُورُ القُرّاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "لَوُ اطَّلَعَتْ" بِضَمِّها، وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ عن نافِعٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "لَمُلِّئَتْ" بِشَدِّ اللامِ عَلى تَضْعِيفِ المُبالِغَةِ، أيْ: مُلِئَتْ ثُمَّ (p-٥٨٣)مُلِئَتْ، وقَرَأ الباقُونَ: "لَمُلِئَتْ" بِتَخْفِيفِ اللامِ، والتَخْفِيفُ أشْهَرُ في اللُغَةِ، وقَدْ جاءَ التَثْقِيلُ في قَوْلِ المُخَبَّلِ السَعْدِيِّ:
؎ وإذْ فَتَكَ النُعْمانُ بِالناسِ مُحْرِمًا ∗∗∗ ∗∗∗ فَمُلِّئَ مِن كَعْبِ بْنِ عَوْفٍ سَلاسِلُهُ
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما حَفَّهم هَذا الرُعْبُ لِطُولِ شُعُورِهِمْ وأظْفارِهِمْ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ والزَجّاجُ، وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ، ولَوْ كانَتْ حالُهم هَكَذا، لَمْ يَقُولُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، وإنَّما الصَحِيحُ في أمْرِهِمْ، أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ حَفِظَ لَهُمُ الحالَةَ الَّتِي قامُوا عَلَيْها لِتَكُونَ لَهم ولِغَيْرِهِمْ فِيهِمْ آيَةٌ، فَلَمْ يَبْلَ لَهم ثَوْبٌ، ولا تَغَيَّرَتْ صِفَةٌ، ولا أنْكَرَ الناهِضُ إلى المَدِينَةِ إلّا مَعالِمَ الأرْضِ والبِناءِ، ولَوْ كانَتْ في نَفْسِهِ حالَةٌ يُنْكِرُها لَكانَتْ عَلَيْهِ أهَمَّ، ولِرُوِيَ ذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رُعْبًا" بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَرَأ "رُعُبًا" بِضَمِّها أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ.
الكهف 18:19
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أو يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾
الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى الأمْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ في جِهَتِهِمْ والعِبْرَةِ الَّتِي جُعِلَتْ فِيهِمْ. و"البَعْثُ": التَحْرِيكُ عن سُكُونٍ، واللامُ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: "لِيَتَساءَلُوا" لامُ الصَيْرُورَةِ؛ لِأنَّ بَعْثَهم لَمْ يَكُنْ لِنَفْسِ تَساؤُلِهِمْ، وقَوْلُ القائِلِ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ هَجَسَ بِخاطِرِهِ طُولُ نَوْمِهِمْ، واسْتَشْعَرَ أنَّ أمْرَهم خَرَجَ عَنِ العادَةِ بَعْضَ الخُرُوجِ، وظاهِرُ أمْرِهِمْ أنَّهُمُ انْتَبَهُوا في حالٍ مِنَ الوَقْتِ والهَواءِ الزَمَنِيِّ لا تُبايِنُ الَّتِي نامُوا فِيها، وأمّا أنْ يُحَدِّدَ الأمْرَ جِدًّا فَذَلِكَ بِعِيدٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "بِوَرَقِكُمْ" (p-٥٨٤)بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "بِوَرْقِكُمْ" بِسُكُونِ الراءِ، وهُما لُغَتانِ، وحَكى الزَجّاجُ قِراءَةَ "بِوِرْقِكُمْ" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الراءِ دُونَ إدْغامٍ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو الإدْغامُ، وإنَّما هو إخْفاءٌ؛ لِأنَّ الإدْغامَ مَعَ سُكُونِ الراءِ مُتَعَذِّرٌ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ القافَ في الكافِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ إنَّما يَجُوزُ مَعَ تَحْرِيكِ الراءِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "بَوارِقِكُمُ"، اسْمُ جَمْعٍ كالجائِلِ والباقِرِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بِوِرِقِكُمْ" بِكَسْرِ الواوِ والراءِ والإدْغامِ.
ويُرْوى أنَّهُمُ انْتَبَهُوا أحْيانًا، وأنَّ المَبْعُوثَ هو تَمْلِيخا، ورُوِيَ أنَّهم نامُوا لَيْلَةً واحِدَةً وبَعَثُوا تَمْلِيخا في صَبِيحَتِها.
ورُوِيَ أنَّ بابَ الكَهْفِ انْهَدَمَ بِناءُ الكُفّارِ مِنهُ لِطُولِ السِنِينَ، ورُوِيَ أنَّ راعِيًا هَدَمَهُ لِيُدْخِلَ فِيهِ غَنَمَهُ. فَأخَذَ تَمْلِيخا ثِيابًا مُنْكِرَةً رَثَّةً ولَبِسَها، وخَرَجَ مِنَ الكَهْفِ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ البِناءَ المَهْدُومَ؛ إذْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِالأمْسِ، ثُمَّ مَشى فَجَعَلَ يَذْكُرُ الطَرِيقَ والمَعالِمَ ويَتَحَيَّرُ، وهو في ذَلِكَ لا يَشْعُرُ شُعُورًا تامًّا، بَلْ يُكَذِّبُ ظَنَّهُ فِيما تَغَيَّرَ عِنْدَهُ، حَتّى بَلَغَ بابَ المَدِينَةِ، فَرَأى عَلى بابِها أمارَةَ الإسْلامِ فَزادَتْ حَيْرَتُهُ وقالَ: كَيْفَ هَذا بِبَلَدِ دَقْنَيُوسَ وبِالأمْسِ كُنّا مَعَهُ حَيْثُما كُنّا؟ فَنَهَضَ إلى بابٍ آخَرَ فَرَأى نَحْوًا مِن ذَلِكَ حَتّى مَشى الأبْوابَ كُلَّها، فَزادَتْ حَيْرَتُهُ ولَمْ يُمَيِّزْ بَشَرًا، وسَمِعَ الناسَ يُقْسِمُونَ باسِمِ عِيسى فاسْتَرابَ بِنَفْسِهِ وظَنَّ أنَّهُ جُنَّ وانْفَسَدَ عَقْلُهُ، فَبَقِيَ حَيْرانَ يَدْعُو اللهَ تَعالى، ثُمَّ نَهَضَ إلى بائِعِ الطَعامِ الَّذِي أرادَ شِراءَهُ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللهِ بِعْنِي مِن طَعامِكَ بِهَذا الوَرِقِ، فَدَفَعَ إلَيْهِ دَراهِمَ كَأخْفافِ الرُبَعِ فِيما يُذْكَرُ، فَعَجِبَ لَها البَيّاعُ ودَفَعَها إلى آخَرَ بِعَجَبِهِ، وتَعاطاها الناسُ وقالُوا لَهُ: هَذِهِ دَراهِمُ عَهْدِ فُلانٍ المَلِكِ، مِن أيْنَ أنْتَ؟ وكَيْفَ وجَدَتْ هَذا الكَنْزَ؟ فَجَعَلَ يَبْهَتُ ويَعْجَبُ، وقَدْ كانَ بِالبَلَدِ مَشْهُورًا هو وفِتْيَتُهُ، فَقالَ: ما أعْرِفُ غَيْرَ أنِّي وأصْحابِي خَرَجْنا بِالأمْسِ مِن هَذِهِ المَدِينَةِ، فَقالَ الناسُ: هَذا مَجْنُونٌ، اذْهَبُوا بِهِ إلى المَلِكِ، فَفَزِعَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَذُهِبَ بِهِ حَتّى جِيءَ بِهِ المَلِكَ، فَلَمّا لَمْ يَرَ دِقْنَيُوسَ الكافِرَ تَأنَّسَ، وكانَ ذَلِكَ المَلِكُ مُؤْمِنًا فاضِلًا يُسَمّى تَيْرُوسِيسُ، فَقالَ لَهُ المَلِكُ: أيْنَ وجَدَتْ هَذا الكَنْزَ؟ فَقالَ لَهُ: إنَّما خَرَجْتُ أنا وأصْحابِي أمْسِ مِن هَذِهِ المَدِينَةِ، فَأوَيْنا إلى (p-٥٨٥)الكَهْفِ الَّذِي في جَبَلِ أنْجِلُوسَ، فَلَمّا سَمِعَ المَلِكُ ذَلِكَ قالَ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ-: لَعَلَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكم أيُّها الناسُ آيَةً، فَلْنَسِرْ إلى الكَهْفِ مَعَهُ حَتّى نَرى أصْحابَهُ، فَسارَ. ورُوِيَ أنَّهُ أو بَعْضَ جُلَسائِهِ قالَ: هَؤُلاءِ هُمُ الفِتْيَةُ الَّذِينَ أُرِّخَ أمْرُهم عَلى عَهْدِ دِقْنَيُوسَ المَلِكِ وكُتِبَ عَلى لَوْحِ النُحاسِ بِبابِ المَدِينَةِ، فَسارَ المَلِكُ إلَيْهِمْ، وسارَ الناسُ مَعَهُ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلى الكَهْفِ قالَ تَمْلِيخا: أدْخُلُ عَلَيْهِمْ لِئَلّا يُرْعَبُوا، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ، وأعْلَمَهم بِالأمْرِ وأنَّ الأُمَّةَ أمَةُ إسْلامٍ، فَرُوِيَ أنَّهم سُرُّوا وخَرَجُوا إلى المَلِكِ وعَظَّمُوهُ وعَظَّمَهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى كَهْفِهِمْ، وأكْثَرُ الرِواياتِ عَلى أنَّهم ماتُوا حَيْثُ حَدَّثَهم تَمْلِيخا، فانْتَظَرَهُمُ الناسُ، فَلَمّا أبْطَأ خُرُوجُهم دَخَلَ الناسُ إلَيْهِمْ، فَرُعِبَ كُلُّ مِن دَخَلَ، ثُمَّ أقْدَمُوا فَوَجَدُوهم مَوْتى، فَتَنازَعُوا بِحَسْبِ ما يَأْتِي في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
وفِي هَذا القَصَصِ مِنَ اخْتِلافِ الرِواياتِ والألْفاظِ ما تَضِيقُ بِهِ الصُحُفُ، فاخْتَصَرْتُهُ وذَكَرْتُ المُهِمَّ الَّذِي تَتَفَسَّرُ بِهِ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ، واعْتَمَدْتُ ا لْأصَحَّ، واللهُ المُعِينُ بِرَحْمَتِهِ.
وفِي هَذِهِ البِعْثَةِ بِالوَرَقِ الوِكالَةُ وصِحَّتُها، وقَدْ وكَّلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أخاهُ عَقِيلًا عِنْدَ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلْيَنْظُرْ" بِسُكُونِ لامِ الأمْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فَلِيَنْظُرْ" بِكَسْرِها. و"أزْكى" مَعْناها أكْثَرُ، فِيما ذَكَرَ عِكْرِمَةُ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: خَيْرٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ: أطْيَبُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ: أحَلُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
مِن جِهَةِ ذَبائِحِ الكَفَرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَرُوِيَ أنَّهُ أرادَ شِراءَ زَبِيبٍ، وقِيلَ: بَلْ شِراءَ تَمْرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلْيَتَلَطَّفْ"، أيْ: في اخْتِفائِهِ وتُحِيُّلِهِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلِيَتَلَطَّفْ" بِكَسْرِ اللامِ.
والضَمِيرُ في "إنَّهُمْ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ آلِ دِقْنَيُوسَ، و﴿إنْ يَظْهَرُوا﴾ مَعْناهُ: (p-٥٨٦)يَثْقَفُوكم بَعْلُوِّهِمْ وغَلَبَتِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ قالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: بِالحِجارَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهُوَ الأصَحُّ؛ لِأنَّهُ كانَ عازِمًا عَلى قَتْلِهِمْ لَوْ ظَفِرَ بِهِمْ. والرَجْمُ فِيما سَلَفَ هي كانَتْ -عَلى ما ذُكِرَ- قِتْلَةُ مُخالِفِ دِينِ الناسِ، إذْ هي أشَفى لِحَمَلَةِ ذَلِكَ الدِينِ، ولَهم فِيها مُشارَكَةٌ، وقالَ حَجّاجٌ: "يَرْجُمُوكُمْ" مَعْناهُ بِالقَوْلِ. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
الكهف 18:20
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أو يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾
الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى الأمْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ في جِهَتِهِمْ والعِبْرَةِ الَّتِي جُعِلَتْ فِيهِمْ. و"البَعْثُ": التَحْرِيكُ عن سُكُونٍ، واللامُ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: "لِيَتَساءَلُوا" لامُ الصَيْرُورَةِ؛ لِأنَّ بَعْثَهم لَمْ يَكُنْ لِنَفْسِ تَساؤُلِهِمْ، وقَوْلُ القائِلِ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ هَجَسَ بِخاطِرِهِ طُولُ نَوْمِهِمْ، واسْتَشْعَرَ أنَّ أمْرَهم خَرَجَ عَنِ العادَةِ بَعْضَ الخُرُوجِ، وظاهِرُ أمْرِهِمْ أنَّهُمُ انْتَبَهُوا في حالٍ مِنَ الوَقْتِ والهَواءِ الزَمَنِيِّ لا تُبايِنُ الَّتِي نامُوا فِيها، وأمّا أنْ يُحَدِّدَ الأمْرَ جِدًّا فَذَلِكَ بِعِيدٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "بِوَرَقِكُمْ" (p-٥٨٤)بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "بِوَرْقِكُمْ" بِسُكُونِ الراءِ، وهُما لُغَتانِ، وحَكى الزَجّاجُ قِراءَةَ "بِوِرْقِكُمْ" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الراءِ دُونَ إدْغامٍ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو الإدْغامُ، وإنَّما هو إخْفاءٌ؛ لِأنَّ الإدْغامَ مَعَ سُكُونِ الراءِ مُتَعَذِّرٌ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ القافَ في الكافِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ إنَّما يَجُوزُ مَعَ تَحْرِيكِ الراءِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "بَوارِقِكُمُ"، اسْمُ جَمْعٍ كالجائِلِ والباقِرِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بِوِرِقِكُمْ" بِكَسْرِ الواوِ والراءِ والإدْغامِ.
ويُرْوى أنَّهُمُ انْتَبَهُوا أحْيانًا، وأنَّ المَبْعُوثَ هو تَمْلِيخا، ورُوِيَ أنَّهم نامُوا لَيْلَةً واحِدَةً وبَعَثُوا تَمْلِيخا في صَبِيحَتِها.
ورُوِيَ أنَّ بابَ الكَهْفِ انْهَدَمَ بِناءُ الكُفّارِ مِنهُ لِطُولِ السِنِينَ، ورُوِيَ أنَّ راعِيًا هَدَمَهُ لِيُدْخِلَ فِيهِ غَنَمَهُ. فَأخَذَ تَمْلِيخا ثِيابًا مُنْكِرَةً رَثَّةً ولَبِسَها، وخَرَجَ مِنَ الكَهْفِ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ البِناءَ المَهْدُومَ؛ إذْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِالأمْسِ، ثُمَّ مَشى فَجَعَلَ يَذْكُرُ الطَرِيقَ والمَعالِمَ ويَتَحَيَّرُ، وهو في ذَلِكَ لا يَشْعُرُ شُعُورًا تامًّا، بَلْ يُكَذِّبُ ظَنَّهُ فِيما تَغَيَّرَ عِنْدَهُ، حَتّى بَلَغَ بابَ المَدِينَةِ، فَرَأى عَلى بابِها أمارَةَ الإسْلامِ فَزادَتْ حَيْرَتُهُ وقالَ: كَيْفَ هَذا بِبَلَدِ دَقْنَيُوسَ وبِالأمْسِ كُنّا مَعَهُ حَيْثُما كُنّا؟ فَنَهَضَ إلى بابٍ آخَرَ فَرَأى نَحْوًا مِن ذَلِكَ حَتّى مَشى الأبْوابَ كُلَّها، فَزادَتْ حَيْرَتُهُ ولَمْ يُمَيِّزْ بَشَرًا، وسَمِعَ الناسَ يُقْسِمُونَ باسِمِ عِيسى فاسْتَرابَ بِنَفْسِهِ وظَنَّ أنَّهُ جُنَّ وانْفَسَدَ عَقْلُهُ، فَبَقِيَ حَيْرانَ يَدْعُو اللهَ تَعالى، ثُمَّ نَهَضَ إلى بائِعِ الطَعامِ الَّذِي أرادَ شِراءَهُ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللهِ بِعْنِي مِن طَعامِكَ بِهَذا الوَرِقِ، فَدَفَعَ إلَيْهِ دَراهِمَ كَأخْفافِ الرُبَعِ فِيما يُذْكَرُ، فَعَجِبَ لَها البَيّاعُ ودَفَعَها إلى آخَرَ بِعَجَبِهِ، وتَعاطاها الناسُ وقالُوا لَهُ: هَذِهِ دَراهِمُ عَهْدِ فُلانٍ المَلِكِ، مِن أيْنَ أنْتَ؟ وكَيْفَ وجَدَتْ هَذا الكَنْزَ؟ فَجَعَلَ يَبْهَتُ ويَعْجَبُ، وقَدْ كانَ بِالبَلَدِ مَشْهُورًا هو وفِتْيَتُهُ، فَقالَ: ما أعْرِفُ غَيْرَ أنِّي وأصْحابِي خَرَجْنا بِالأمْسِ مِن هَذِهِ المَدِينَةِ، فَقالَ الناسُ: هَذا مَجْنُونٌ، اذْهَبُوا بِهِ إلى المَلِكِ، فَفَزِعَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَذُهِبَ بِهِ حَتّى جِيءَ بِهِ المَلِكَ، فَلَمّا لَمْ يَرَ دِقْنَيُوسَ الكافِرَ تَأنَّسَ، وكانَ ذَلِكَ المَلِكُ مُؤْمِنًا فاضِلًا يُسَمّى تَيْرُوسِيسُ، فَقالَ لَهُ المَلِكُ: أيْنَ وجَدَتْ هَذا الكَنْزَ؟ فَقالَ لَهُ: إنَّما خَرَجْتُ أنا وأصْحابِي أمْسِ مِن هَذِهِ المَدِينَةِ، فَأوَيْنا إلى (p-٥٨٥)الكَهْفِ الَّذِي في جَبَلِ أنْجِلُوسَ، فَلَمّا سَمِعَ المَلِكُ ذَلِكَ قالَ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ-: لَعَلَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكم أيُّها الناسُ آيَةً، فَلْنَسِرْ إلى الكَهْفِ مَعَهُ حَتّى نَرى أصْحابَهُ، فَسارَ. ورُوِيَ أنَّهُ أو بَعْضَ جُلَسائِهِ قالَ: هَؤُلاءِ هُمُ الفِتْيَةُ الَّذِينَ أُرِّخَ أمْرُهم عَلى عَهْدِ دِقْنَيُوسَ المَلِكِ وكُتِبَ عَلى لَوْحِ النُحاسِ بِبابِ المَدِينَةِ، فَسارَ المَلِكُ إلَيْهِمْ، وسارَ الناسُ مَعَهُ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلى الكَهْفِ قالَ تَمْلِيخا: أدْخُلُ عَلَيْهِمْ لِئَلّا يُرْعَبُوا، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ، وأعْلَمَهم بِالأمْرِ وأنَّ الأُمَّةَ أمَةُ إسْلامٍ، فَرُوِيَ أنَّهم سُرُّوا وخَرَجُوا إلى المَلِكِ وعَظَّمُوهُ وعَظَّمَهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى كَهْفِهِمْ، وأكْثَرُ الرِواياتِ عَلى أنَّهم ماتُوا حَيْثُ حَدَّثَهم تَمْلِيخا، فانْتَظَرَهُمُ الناسُ، فَلَمّا أبْطَأ خُرُوجُهم دَخَلَ الناسُ إلَيْهِمْ، فَرُعِبَ كُلُّ مِن دَخَلَ، ثُمَّ أقْدَمُوا فَوَجَدُوهم مَوْتى، فَتَنازَعُوا بِحَسْبِ ما يَأْتِي في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
وفِي هَذا القَصَصِ مِنَ اخْتِلافِ الرِواياتِ والألْفاظِ ما تَضِيقُ بِهِ الصُحُفُ، فاخْتَصَرْتُهُ وذَكَرْتُ المُهِمَّ الَّذِي تَتَفَسَّرُ بِهِ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ، واعْتَمَدْتُ ا لْأصَحَّ، واللهُ المُعِينُ بِرَحْمَتِهِ.
وفِي هَذِهِ البِعْثَةِ بِالوَرَقِ الوِكالَةُ وصِحَّتُها، وقَدْ وكَّلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أخاهُ عَقِيلًا عِنْدَ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلْيَنْظُرْ" بِسُكُونِ لامِ الأمْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فَلِيَنْظُرْ" بِكَسْرِها. و"أزْكى" مَعْناها أكْثَرُ، فِيما ذَكَرَ عِكْرِمَةُ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: خَيْرٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ: أطْيَبُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ: أحَلُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
مِن جِهَةِ ذَبائِحِ الكَفَرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَرُوِيَ أنَّهُ أرادَ شِراءَ زَبِيبٍ، وقِيلَ: بَلْ شِراءَ تَمْرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلْيَتَلَطَّفْ"، أيْ: في اخْتِفائِهِ وتُحِيُّلِهِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلِيَتَلَطَّفْ" بِكَسْرِ اللامِ.
والضَمِيرُ في "إنَّهُمْ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ آلِ دِقْنَيُوسَ، و﴿إنْ يَظْهَرُوا﴾ مَعْناهُ: (p-٥٨٦)يَثْقَفُوكم بَعْلُوِّهِمْ وغَلَبَتِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ قالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: بِالحِجارَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهُوَ الأصَحُّ؛ لِأنَّهُ كانَ عازِمًا عَلى قَتْلِهِمْ لَوْ ظَفِرَ بِهِمْ. والرَجْمُ فِيما سَلَفَ هي كانَتْ -عَلى ما ذُكِرَ- قِتْلَةُ مُخالِفِ دِينِ الناسِ، إذْ هي أشَفى لِحَمَلَةِ ذَلِكَ الدِينِ، ولَهم فِيها مُشارَكَةٌ، وقالَ حَجّاجٌ: "يَرْجُمُوكُمْ" مَعْناهُ بِالقَوْلِ. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
الكهف 18:21
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ وأنَّ الساعَةَ لا رَيْبَ فِيها إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهم فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرَهم لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾
الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكَذَلِكَ" إلى بَعْثِهِمْ لِيَتَساءَلُوا، أيْ: كَما بَعَثْناهم أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ.
و"أعْثَرَ" تَعْدِيَةُ "عَثَرَ" بِالهَمْزَةِ، وأصْلُ العِثارِ في القَدَمِ، فَلَمّا كانَ العاثِرُ في الشَيْءِ مُشَبِّهًا لَهُ شُبِّهَ بِهِ، مِن شِبْهِ الِعِلْمٍ بِشَيْءٍ عَنَّ لَهُ وثارَ بَعْدَ خَفائِهِ، والضَمِيرُ في "لِيَعْلَمُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ الَّذِينَ بُعِثَ أهْلُ الكَهْفِ عَلى عَهْدِهِمْ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَبَرِيٌّ، وذَلِكَ أنَّهم -فِيما رُوِيَ- دَخَلَتْهم حِينَئِذٍ فِتْنَةٌ في أمْرِ الحَشْرِ وبَعْثِ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ، فَشَكَّ في ذَلِكَ بَعْضُ الناسِ واسْتَبْعَدُوهُ، وقالُوا: إنَّما تُحْشَرُ الأرْواحُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى مِلْكِهِمْ وبَقِيَ حَيْرانَ لا يَدْرِي كَيْفَ يُبَيِّنُ أمْرَهُ لَهم حَتّى لَبِسَ المُسُوحَ وقَعَدَ عَلى الرَمادِ، وتَضَرَّعَ إلى اللهِ في حُجَّةٍ وبَيانٍ، فَأعْثَرَ اللهُ عَلى أهْلِ الكَهْفِ، فَلَمّا بَعَثَهُمُ اللهُ، وتَبَيَّنَ الناسُ أمْرَهم سُرَّ المَلِكُ، ورَجَعَ مَن كانَ شَكَّ في بَعْثِ الأجْسامِ إلى اليَقِينِ بِهِ، وإلى هَذا وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهُمْ﴾ عَلى هَذا التَأْوِيلِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ في "إذْ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-، "أعْثَرْنا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "لِيَعْلَمُوا".
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "لِيَعْلَمُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى أصْحابِ الكَهْفِ، أيْ: يَجْعَلُ اللهُ تَعالى أمْرَهم آيَةً لَهم دالَّةً عَلى بَعْثِ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿إذْ يَتَنازَعُونَ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- ابْتِداءً خَبَرٌ عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ بُعِثُوا عَلى عَهْدِهِمْ، والعامِلُ (p-٥٨٧)فِي "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ: "فَقالُوا"، ويَكُونُ المَعْنى:فَقالُوا إذْ يَتَنازَعُونَ: ابْنُوا عَلَيْهِمْ، والتَنازُعُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- إنَّما هو في أمْرِ البِناءِ والمَسْجِدِ لا في أمْرِ القِيامَةِ. و"الرَيْبُ": الشَكُّ، والمَعْنى أنَّ الساعَةَ في نَفْسِها وحَقِيقَتِها لا شَكَّ فِيها، وإنْ كانَ الشَكُّ قَدْ وقَعَ لِناسٍ فَذَلِكَ لا يَلْحَقُها مِنهُ شَيْءٌ، وقَدْ قِيلَ: إنِ التَنازُعَ إنَّما هو في أنِ اطَّلَعُوا عَلَيْهِمْ فَقالَ بَعْضُهُمْ: أمْواتٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أحْياءٌ، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ القَوْمِ ذَهَبَ إلى طَمْسِ الكَهْفِ عَلَيْهِمْ، وتَرْكِهِمْ فِيهِ مُغَيَّبِينَ، فَقالَتِ الطائِفَةُ الغالِبَةُ عَلى الأمْرِ: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾، فاتَّخَذُوهُ، وقالَ قَتادَةُ: "الَّذِينَ غَلَبُوا هُمُ الوُلاةُ". وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ: "غُلِبُوا" بِضَمِّ الغَيْنِ وكَسْرِ اللامِ، والمَعْنى: إنَّ الطائِفَةَ الَّتِي دَعَتْ إلى البُنْيانِ إنَّها كانَتْ أرادَتْ بِناءَ بَيْعَةٍ أو مَصْنَعٍ لِكُفْرِهِمْ، فَمانَعَهُمُ المُؤْمِنُونَ، وقالُوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾. ورُوِيَ عن عَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّ اللهَ تَعالى عَمّى عَلى الناسِ حِينَئِذٍ أمْرَهم وحَجَبَهم عنهُمْ، فَلِذَلِكَ دَعا إلى بِناءِ البُنْيانِ لِيَكُونَ مَعْلَمًا لَهم.
الكهف 18:22
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾ ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "سَيَقُولُونَ" يُرادُ بِهِ أهْلُ التَوْراةِ مِن مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ أهْلِ الكَهْفِ هَذا الِاخْتِلافَ المَنصُوصَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثَلاثَةٌ"، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "ثَلاثٌ" بِإدْغامِ التاءِ في الثاءِ، وقَرَأ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "خَمْسَةَ" بِفَتْحِ المِيمِ اتِّباعًا لِعَشَرَةَ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (خِمِسَةَ) بِكَسْرِ الخاءِ والمِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ مَعْناهُ: ظَنًّا، وهو مُسْتَعارٌ مِنَ الرَجْمِ، كَأنَّ الإنْسانَ (p-٥٨٨)يَرْمِي المَوْضِعَ المُشْكَلَ المَجْهُولَ عِنْدَهُ بِظَنِّهِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ، يَرْجُمُهُ بِهِ عَسى أنْ يُصِيبَ، ومِن هَذا: التُرْجُمانُ، وتَرْجَمَةُ الكِتابِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمْ ∗∗∗ وما هو عنها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ
والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ طَرِيقُ النَحْوِيِّينَ فِيها أنَّها واوُ عَطْفٍ دَخَلَتْ في آخِرِ إخْبارٍ عن عَدَدِهِمْ، لِتَفْصِلَ أمْرَهُمْ، وتَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا نِهايَةُ ما قِيلَ، ولَوْ سَقَطَتْ لَصَحَّ الكَلامُ،[ ولَوْ كانَتْ فِيما قَبْلَ مِن قَوْلِهِ: "رابِعُهُمْ" و"سادِسُهُمْ" لَصَحَّ الكَلامُ]، وتَقُولُ فِرْقَةٌ مِنها ابْنُ خالَوَيْهَ: هي واوُ الثَمانِيَةِ، وذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ عن أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ، أنَّ قُرَيْشًا كانْتْ تَقُولُ في عَدَدِها: سِتَّةً، سَبْعَةً، وثَمانِيَةً، تِسْعَةً، فَتَدْخُلُ الواوُ في الثَمانِيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُها، وهي في القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢]،وَقَوْلُهُ: ﴿وَفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣]، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥]، وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ﴾ [الحاقة: ٧] فَتَوُهِّمَ في هَذَيْنَ المَوْضِعَيْنِ أنَّها واوُ الثَمانِيَةِ ولَيْسَتْ بِها، بَلْ هي لازِمَةٌ لا يَسْتَغْنِي الكَلامُ عنها.
(p-٥٨٩)وَقَدْ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في هَذِهِ أنْ يَرُدَّ عِلْمَ عِدَّتِهِمْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ عالِمَ ذَلِكَ مِنَ البَشَرِ قَلِيلٌ، والمُرادُ بِهِ قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: "أنا مِن ذَلِكَ القَلِيلِ، وكانُوا سَبْعَةً وثامِنُهم كَلْبُهُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُسْتَدَلُّ عَلى هَذا مِنَ الآيَةِ، فَإنَّ القُرْآنَ لَمّا حَكى قَوْلَ مَن قالَ ثَلاثَةً وخَمْسَةً قَرَنَ بِالقَوْلِ أنَّهُ رَجَمَ بِالغَيْبِ، فَقَدَحَ ذَلِكَ فِيهِما، ثُمَّ حَكى هَذِهِ المَقالَةَ ولَمْ يَقْدَحْ فِيها بِشَيْءٍ، بَلْ تَرَكَها مُسَجَّلَةً، وأيْضًا فَيُقَوِّي ذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِأنَّها واوُ الثَمانِيَةِ لِأنَّها إنَّما تَكُونُ حَيْثُ عَدَدُ الثَمانِيَةِ صَحِيحٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا﴾ مَعْناهُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، أيْ: بِظاهِرِ ما أوحَيْناهُ إلَيْكَ وهو رَدُّ عِلْمِ عِدَّتِهِمْ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقِيلَ: مَعْنى الظاهِرِ أنْ يَقُولَ: لَيْسَ كَما تَقُولُونَ، ونَحْوَ هَذا، ولا يَحْتَجُّ هو عَلى أمْرٍ مُقَدَّرٍ في ذَلِكَ، فَإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِراءً في باطِنٍ مِنَ الأمْرِ، وقالَ التَبْرِيزِيُّ: "ظاهِرًا" مَعْناهُ: ذاهِبًا، وأنْشَدَ:
؎ وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عنكَ عارُها.
ولَمْ يُبِحْ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُمارِيَ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلا مِراءً﴾ اسْتِعارَةٌ، مِن حَيْثُ يُمارِيهِ أهْلُ الكِتابِ سُمِّيَتْ مُراجَعَتُهُ لَهم مِراءً، ثُمَّ قَيَّدَ بِأنَّهُ ظاهِرٌ فَفارَقَ المِراءَ الحَقِيقِيَّ المَذْمُومَ. و"المِراءُ" مُشْتَقٌّ مِنَ المِرْيَةِ، وهو الشَكُّ، فَكَأنَّهُ المُشاكَكَةُ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيهِمْ" عائِدٌ عَلى أهْلِ الكَهْفِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ المُعاصِرِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ﴾ يَعْنِي: في عِدَّتِهِمْ، وحُذِفَتِ العُدَّةُ لِدَلالَةِ ظاهِرِ القَوْلِ عَلَيْها.
(p-٥٩٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ الآيَةَ. عاتَبَ اللهُ تَعالى فِيها نَبِيَّهُ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى قَوْلِهِ لِلْكُفّارِ: غَدًا أُخْبِرُكم بِجَوابِ أسْئِلَتِكُمْ، ولِمَ يَسْتَثْنِي في ذَلِكَ، فاحْتَبَسَ عنهُ الوَحْيُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وأرْجَفَ الكَفّارُ بِهِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُورَةُ مُفَرِّجَةً، وأُمِرَ في هَذِهِ الآيَةِ ألّا يَقُولَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ: إنِّي أفْعَلُ غَدًا كَذا وكَذا إلّا وأنْ يُعَلِّقَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِشَيْءٍ" بِمَنزِلَةِ "فِي"، أو كَأنَّهُ قالَ: لِأجْلِ شَيْءٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾، في الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ ويُحْسِنُهُ الإيجازُ، تَقْدِيرُهُ: إلّا أنْ تَقُولَ "إلّا أنْ يَشاءَ اللهُ"، أو إلّا أنْ تَقُولَ "إنْ شاءَ اللهُ". فالمَعْنى: إلّا أنْ تَذْكُرَ مَشِيئَةَ اللهِ، فَلَيْسَ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ مِنَ القَوْلِ الَّذِي نُهِيَ عنهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: "وَلا تَقُولَنَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ حَكاهُ الطَبَرِيٌّ ورَدَّ عَلَيْهِ، وهو مِنَ الفَسادِ بِحَيْثُ كانَ الواجِبُ ألّا يُحْكى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: مَعْناهُ والإشارَةُ بِهِ إلى الِاسْتِثْناءِ، أيْ: ولْتَسْتَثْنِ بَعْدَ مُدَّةٍ إذا نَسِيَتِ الِاسْتِثْناءَ أوَّلًا لِتَخْرُجَ مِن جُمْلَةِ مَن لَمْ يُعَلِّقْ فِعْلَهُ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى: واذْكُرْ رَبَّكَ إذا غَضِبْتَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَكَلَّمَ الناسُ في هَذِهِ الآيَةِ في الِاسْتِثْناءِ في اليَمِينِ، والآيَةُ لَيْسَتْ في الأيْمانِ، وإنَّما هي في سُنَّةِ الِاسْتِثْناءِ في غَيْرِ اليَمِينِ، ولَكِنْ مِن حَيْثُ تَكَلَّمَ الناسُ فِيها يَنْبَغِي أنْ نَذْكُرَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.
(p-٥٩١)أمّا مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ وجَمِيعُ أصْحابِهِ -فِيما عَلِمْتُ- وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ فَيَقُولُونَ: لا يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ ويُسْقِطُ الكَفّارَةَ إلّا أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِاليَمِينِ. وقالَ عَطاءٌ: لَهُ أنْ يَسْتَثْنِيَ في قَدْرِ حَلْبِ الناقَةِ الغَزِيرَةِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنِ اسْتَثْنى قَبْلَ أنْ يَقُومَ فَلَهُ ثَنَياهُ. وقالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: لَهُ الِاسْتِثْناءُ ما دامَ في ذَلِكَ الأمْرِ، وقالَهُ ابْنُ راهَوَيْهَ. وقالَ طاوُسٌ، والحَسَنُ: يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ ما دامَ الحالِفُ في مَجْلِسِهِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَقَطْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ ولَوْ بَعْدَ سَنَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: يَنْفَعُ أبَدًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واخْتَلَفَ الناسُ في التَأْوِيلِ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَقالَ الطَبَرِيٌّ وغَيْرِهِ: إنَّما أرادَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ يَنْفَعُ في أنْ يَجْعَلَ الحالِفَ في رُتْبَةِ المُسْتَثْنِينَ بَعْدَ سَنَةٍ مِن حَلِفِهِ، وأمّا الكَفّارَةُ فَلا تَسْقُطُ عنهُ، قالَ الطَبَرِيٌّ: ولا أعْلَمَ أحَدًا يَقُولُ (يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ مُدَّةٍ) يَقُولُ بِسُقُوطِ الكَفّارَةِ، قالَ ويَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن حِلَفَ عَلى يَمِينٍ ثُمَّ رَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيُكَفِّرْ ولْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ"،» فَلَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ يُسْقِطُ الكَفّارَةَ لَكانَ أخَفَّ عَلى الأُمَّةِ، ولَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الكَفّارَةِ فائِدَةٌ.
وقالَ الزَهْراوِيُّ: إنَّما تَكَلَّمَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في أنَّ الِاسْتِثْناءَ بَعْدَ سَنَةٍ لِمَن قالَ: أنا أفْعَلُ كَذا، لا لِحالِفٍ أرادَ حَلَّ يَمِينِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وذَهَبَتْ فِرْقَةُ مِنَ الفُقَهاءِ إلى أنَّ مَذْهَبَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما سُقُوطُ الكَفّارَةِ، وألْزَمُوا كُلَّ مَن يَقُولُ (يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ مُدَّةٍ) إسْقاطَ الكَفّارَةِ، ورَدُّوا عَلى القَوْلِ بَعْدَمِ إلْزامِهِ، ولَيْسَ الِاسْتِثْناءُ إلّا في اليَمِينِ بِاللهِ، لا يَكُونُ في طَلاقٍ ونَحْوِهِ، ولا في مَشْيٍ إلى مَكَّةَ، هَذا قَوْلُ مالِكٍ وجَماعَةٌ.
وقالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، وأصْحابُ الرَأْيِ، وطاوُسٌ وحَمّادٌ: الِاسْتِثْناءُ في ذَلِكَ (p-٥٩٢)جائِزٌ، ولَيْسَ في اليَمِينِ الغَمُوسِ اسْتِثْناءٌ يَنْفَعُ، ولا يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ بِالقَلْبِ، وإنَّما يَكُونُ قَوْلًا ونُطْقًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي﴾ الآيَةَ. قالَ مُحَمَّدٌ الكُوفِيُّ المُفَسِّرُ: إنَّها بِألْفاظِها مِمّا أُمِرَ أنْ يَقُولَها كُلٌّ مَن لَمْ يَسْتَثْنِ، وإنَّها كَفّارَةٌ لِنِسْيانِ الِاسْتِثْناءِ. وقالَ الجُمْهُورُ: هو دُعاءٌ مَأْمُورٌ بِهِ دُونَ هَذا التَخْصِيصِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَهْدِينِي" بِإثْباتِ الياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، ونافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "يَهْدِينَ" دُونَ ياءٍ في الوَصْلِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، وعاصِمٍ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ.
والإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى الِاسْتِدْراكِ الَّذِي يَقَعُ مِن ناسِي الِاسْتِثْناءُ وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: عَسى أنْ يُيَسِّرَ اللهُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّتِي أقْرَبَ مِن دَلِيلِ أصْحابِ الكَهْفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وما قَدَّمْتُهُ أصْوَبُ، أيْ: عَسى أنْ يُرْشِدَنِي فِيما اسْتَقْبَلَ مِن أمْرِي. وهَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهي بَعْدُ تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، لِأنَّهُ حُكْمٌ يَتَرَدَّدُ الناسُ بِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، واللهُ المُوَفِّقُ.
الكهف 18:23
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾ ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "سَيَقُولُونَ" يُرادُ بِهِ أهْلُ التَوْراةِ مِن مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ أهْلِ الكَهْفِ هَذا الِاخْتِلافَ المَنصُوصَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثَلاثَةٌ"، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "ثَلاثٌ" بِإدْغامِ التاءِ في الثاءِ، وقَرَأ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "خَمْسَةَ" بِفَتْحِ المِيمِ اتِّباعًا لِعَشَرَةَ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (خِمِسَةَ) بِكَسْرِ الخاءِ والمِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ مَعْناهُ: ظَنًّا، وهو مُسْتَعارٌ مِنَ الرَجْمِ، كَأنَّ الإنْسانَ (p-٥٨٨)يَرْمِي المَوْضِعَ المُشْكَلَ المَجْهُولَ عِنْدَهُ بِظَنِّهِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ، يَرْجُمُهُ بِهِ عَسى أنْ يُصِيبَ، ومِن هَذا: التُرْجُمانُ، وتَرْجَمَةُ الكِتابِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمْ ∗∗∗ وما هو عنها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ
والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ طَرِيقُ النَحْوِيِّينَ فِيها أنَّها واوُ عَطْفٍ دَخَلَتْ في آخِرِ إخْبارٍ عن عَدَدِهِمْ، لِتَفْصِلَ أمْرَهُمْ، وتَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا نِهايَةُ ما قِيلَ، ولَوْ سَقَطَتْ لَصَحَّ الكَلامُ،[ ولَوْ كانَتْ فِيما قَبْلَ مِن قَوْلِهِ: "رابِعُهُمْ" و"سادِسُهُمْ" لَصَحَّ الكَلامُ]، وتَقُولُ فِرْقَةٌ مِنها ابْنُ خالَوَيْهَ: هي واوُ الثَمانِيَةِ، وذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ عن أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ، أنَّ قُرَيْشًا كانْتْ تَقُولُ في عَدَدِها: سِتَّةً، سَبْعَةً، وثَمانِيَةً، تِسْعَةً، فَتَدْخُلُ الواوُ في الثَمانِيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُها، وهي في القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢]،وَقَوْلُهُ: ﴿وَفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣]، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥]، وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ﴾ [الحاقة: ٧] فَتَوُهِّمَ في هَذَيْنَ المَوْضِعَيْنِ أنَّها واوُ الثَمانِيَةِ ولَيْسَتْ بِها، بَلْ هي لازِمَةٌ لا يَسْتَغْنِي الكَلامُ عنها.
(p-٥٨٩)وَقَدْ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في هَذِهِ أنْ يَرُدَّ عِلْمَ عِدَّتِهِمْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ عالِمَ ذَلِكَ مِنَ البَشَرِ قَلِيلٌ، والمُرادُ بِهِ قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: "أنا مِن ذَلِكَ القَلِيلِ، وكانُوا سَبْعَةً وثامِنُهم كَلْبُهُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُسْتَدَلُّ عَلى هَذا مِنَ الآيَةِ، فَإنَّ القُرْآنَ لَمّا حَكى قَوْلَ مَن قالَ ثَلاثَةً وخَمْسَةً قَرَنَ بِالقَوْلِ أنَّهُ رَجَمَ بِالغَيْبِ، فَقَدَحَ ذَلِكَ فِيهِما، ثُمَّ حَكى هَذِهِ المَقالَةَ ولَمْ يَقْدَحْ فِيها بِشَيْءٍ، بَلْ تَرَكَها مُسَجَّلَةً، وأيْضًا فَيُقَوِّي ذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِأنَّها واوُ الثَمانِيَةِ لِأنَّها إنَّما تَكُونُ حَيْثُ عَدَدُ الثَمانِيَةِ صَحِيحٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا﴾ مَعْناهُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، أيْ: بِظاهِرِ ما أوحَيْناهُ إلَيْكَ وهو رَدُّ عِلْمِ عِدَّتِهِمْ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقِيلَ: مَعْنى الظاهِرِ أنْ يَقُولَ: لَيْسَ كَما تَقُولُونَ، ونَحْوَ هَذا، ولا يَحْتَجُّ هو عَلى أمْرٍ مُقَدَّرٍ في ذَلِكَ، فَإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِراءً في باطِنٍ مِنَ الأمْرِ، وقالَ التَبْرِيزِيُّ: "ظاهِرًا" مَعْناهُ: ذاهِبًا، وأنْشَدَ:
؎ وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عنكَ عارُها.
ولَمْ يُبِحْ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُمارِيَ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلا مِراءً﴾ اسْتِعارَةٌ، مِن حَيْثُ يُمارِيهِ أهْلُ الكِتابِ سُمِّيَتْ مُراجَعَتُهُ لَهم مِراءً، ثُمَّ قَيَّدَ بِأنَّهُ ظاهِرٌ فَفارَقَ المِراءَ الحَقِيقِيَّ المَذْمُومَ. و"المِراءُ" مُشْتَقٌّ مِنَ المِرْيَةِ، وهو الشَكُّ، فَكَأنَّهُ المُشاكَكَةُ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيهِمْ" عائِدٌ عَلى أهْلِ الكَهْفِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ المُعاصِرِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ﴾ يَعْنِي: في عِدَّتِهِمْ، وحُذِفَتِ العُدَّةُ لِدَلالَةِ ظاهِرِ القَوْلِ عَلَيْها.
(p-٥٩٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ الآيَةَ. عاتَبَ اللهُ تَعالى فِيها نَبِيَّهُ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى قَوْلِهِ لِلْكُفّارِ: غَدًا أُخْبِرُكم بِجَوابِ أسْئِلَتِكُمْ، ولِمَ يَسْتَثْنِي في ذَلِكَ، فاحْتَبَسَ عنهُ الوَحْيُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وأرْجَفَ الكَفّارُ بِهِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُورَةُ مُفَرِّجَةً، وأُمِرَ في هَذِهِ الآيَةِ ألّا يَقُولَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ: إنِّي أفْعَلُ غَدًا كَذا وكَذا إلّا وأنْ يُعَلِّقَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِشَيْءٍ" بِمَنزِلَةِ "فِي"، أو كَأنَّهُ قالَ: لِأجْلِ شَيْءٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾، في الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ ويُحْسِنُهُ الإيجازُ، تَقْدِيرُهُ: إلّا أنْ تَقُولَ "إلّا أنْ يَشاءَ اللهُ"، أو إلّا أنْ تَقُولَ "إنْ شاءَ اللهُ". فالمَعْنى: إلّا أنْ تَذْكُرَ مَشِيئَةَ اللهِ، فَلَيْسَ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ مِنَ القَوْلِ الَّذِي نُهِيَ عنهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: "وَلا تَقُولَنَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ حَكاهُ الطَبَرِيٌّ ورَدَّ عَلَيْهِ، وهو مِنَ الفَسادِ بِحَيْثُ كانَ الواجِبُ ألّا يُحْكى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: مَعْناهُ والإشارَةُ بِهِ إلى الِاسْتِثْناءِ، أيْ: ولْتَسْتَثْنِ بَعْدَ مُدَّةٍ إذا نَسِيَتِ الِاسْتِثْناءَ أوَّلًا لِتَخْرُجَ مِن جُمْلَةِ مَن لَمْ يُعَلِّقْ فِعْلَهُ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى: واذْكُرْ رَبَّكَ إذا غَضِبْتَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَكَلَّمَ الناسُ في هَذِهِ الآيَةِ في الِاسْتِثْناءِ في اليَمِينِ، والآيَةُ لَيْسَتْ في الأيْمانِ، وإنَّما هي في سُنَّةِ الِاسْتِثْناءِ في غَيْرِ اليَمِينِ، ولَكِنْ مِن حَيْثُ تَكَلَّمَ الناسُ فِيها يَنْبَغِي أنْ نَذْكُرَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.
(p-٥٩١)أمّا مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ وجَمِيعُ أصْحابِهِ -فِيما عَلِمْتُ- وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ فَيَقُولُونَ: لا يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ ويُسْقِطُ الكَفّارَةَ إلّا أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِاليَمِينِ. وقالَ عَطاءٌ: لَهُ أنْ يَسْتَثْنِيَ في قَدْرِ حَلْبِ الناقَةِ الغَزِيرَةِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنِ اسْتَثْنى قَبْلَ أنْ يَقُومَ فَلَهُ ثَنَياهُ. وقالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: لَهُ الِاسْتِثْناءُ ما دامَ في ذَلِكَ الأمْرِ، وقالَهُ ابْنُ راهَوَيْهَ. وقالَ طاوُسٌ، والحَسَنُ: يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ ما دامَ الحالِفُ في مَجْلِسِهِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَقَطْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ ولَوْ بَعْدَ سَنَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: يَنْفَعُ أبَدًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واخْتَلَفَ الناسُ في التَأْوِيلِ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَقالَ الطَبَرِيٌّ وغَيْرِهِ: إنَّما أرادَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ يَنْفَعُ في أنْ يَجْعَلَ الحالِفَ في رُتْبَةِ المُسْتَثْنِينَ بَعْدَ سَنَةٍ مِن حَلِفِهِ، وأمّا الكَفّارَةُ فَلا تَسْقُطُ عنهُ، قالَ الطَبَرِيٌّ: ولا أعْلَمَ أحَدًا يَقُولُ (يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ مُدَّةٍ) يَقُولُ بِسُقُوطِ الكَفّارَةِ، قالَ ويَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن حِلَفَ عَلى يَمِينٍ ثُمَّ رَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيُكَفِّرْ ولْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ"،» فَلَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ يُسْقِطُ الكَفّارَةَ لَكانَ أخَفَّ عَلى الأُمَّةِ، ولَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الكَفّارَةِ فائِدَةٌ.
وقالَ الزَهْراوِيُّ: إنَّما تَكَلَّمَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في أنَّ الِاسْتِثْناءَ بَعْدَ سَنَةٍ لِمَن قالَ: أنا أفْعَلُ كَذا، لا لِحالِفٍ أرادَ حَلَّ يَمِينِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وذَهَبَتْ فِرْقَةُ مِنَ الفُقَهاءِ إلى أنَّ مَذْهَبَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما سُقُوطُ الكَفّارَةِ، وألْزَمُوا كُلَّ مَن يَقُولُ (يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ مُدَّةٍ) إسْقاطَ الكَفّارَةِ، ورَدُّوا عَلى القَوْلِ بَعْدَمِ إلْزامِهِ، ولَيْسَ الِاسْتِثْناءُ إلّا في اليَمِينِ بِاللهِ، لا يَكُونُ في طَلاقٍ ونَحْوِهِ، ولا في مَشْيٍ إلى مَكَّةَ، هَذا قَوْلُ مالِكٍ وجَماعَةٌ.
وقالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، وأصْحابُ الرَأْيِ، وطاوُسٌ وحَمّادٌ: الِاسْتِثْناءُ في ذَلِكَ (p-٥٩٢)جائِزٌ، ولَيْسَ في اليَمِينِ الغَمُوسِ اسْتِثْناءٌ يَنْفَعُ، ولا يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ بِالقَلْبِ، وإنَّما يَكُونُ قَوْلًا ونُطْقًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي﴾ الآيَةَ. قالَ مُحَمَّدٌ الكُوفِيُّ المُفَسِّرُ: إنَّها بِألْفاظِها مِمّا أُمِرَ أنْ يَقُولَها كُلٌّ مَن لَمْ يَسْتَثْنِ، وإنَّها كَفّارَةٌ لِنِسْيانِ الِاسْتِثْناءِ. وقالَ الجُمْهُورُ: هو دُعاءٌ مَأْمُورٌ بِهِ دُونَ هَذا التَخْصِيصِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَهْدِينِي" بِإثْباتِ الياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، ونافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "يَهْدِينَ" دُونَ ياءٍ في الوَصْلِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، وعاصِمٍ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ.
والإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى الِاسْتِدْراكِ الَّذِي يَقَعُ مِن ناسِي الِاسْتِثْناءُ وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: عَسى أنْ يُيَسِّرَ اللهُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّتِي أقْرَبَ مِن دَلِيلِ أصْحابِ الكَهْفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وما قَدَّمْتُهُ أصْوَبُ، أيْ: عَسى أنْ يُرْشِدَنِي فِيما اسْتَقْبَلَ مِن أمْرِي. وهَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهي بَعْدُ تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، لِأنَّهُ حُكْمٌ يَتَرَدَّدُ الناسُ بِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، واللهُ المُوَفِّقُ.
الكهف 18:24
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾ ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "سَيَقُولُونَ" يُرادُ بِهِ أهْلُ التَوْراةِ مِن مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ أهْلِ الكَهْفِ هَذا الِاخْتِلافَ المَنصُوصَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثَلاثَةٌ"، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "ثَلاثٌ" بِإدْغامِ التاءِ في الثاءِ، وقَرَأ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "خَمْسَةَ" بِفَتْحِ المِيمِ اتِّباعًا لِعَشَرَةَ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (خِمِسَةَ) بِكَسْرِ الخاءِ والمِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ مَعْناهُ: ظَنًّا، وهو مُسْتَعارٌ مِنَ الرَجْمِ، كَأنَّ الإنْسانَ (p-٥٨٨)يَرْمِي المَوْضِعَ المُشْكَلَ المَجْهُولَ عِنْدَهُ بِظَنِّهِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ، يَرْجُمُهُ بِهِ عَسى أنْ يُصِيبَ، ومِن هَذا: التُرْجُمانُ، وتَرْجَمَةُ الكِتابِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمْ ∗∗∗ وما هو عنها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ
والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ طَرِيقُ النَحْوِيِّينَ فِيها أنَّها واوُ عَطْفٍ دَخَلَتْ في آخِرِ إخْبارٍ عن عَدَدِهِمْ، لِتَفْصِلَ أمْرَهُمْ، وتَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا نِهايَةُ ما قِيلَ، ولَوْ سَقَطَتْ لَصَحَّ الكَلامُ،[ ولَوْ كانَتْ فِيما قَبْلَ مِن قَوْلِهِ: "رابِعُهُمْ" و"سادِسُهُمْ" لَصَحَّ الكَلامُ]، وتَقُولُ فِرْقَةٌ مِنها ابْنُ خالَوَيْهَ: هي واوُ الثَمانِيَةِ، وذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ عن أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ، أنَّ قُرَيْشًا كانْتْ تَقُولُ في عَدَدِها: سِتَّةً، سَبْعَةً، وثَمانِيَةً، تِسْعَةً، فَتَدْخُلُ الواوُ في الثَمانِيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُها، وهي في القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢]،وَقَوْلُهُ: ﴿وَفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣]، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥]، وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ﴾ [الحاقة: ٧] فَتَوُهِّمَ في هَذَيْنَ المَوْضِعَيْنِ أنَّها واوُ الثَمانِيَةِ ولَيْسَتْ بِها، بَلْ هي لازِمَةٌ لا يَسْتَغْنِي الكَلامُ عنها.
(p-٥٨٩)وَقَدْ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في هَذِهِ أنْ يَرُدَّ عِلْمَ عِدَّتِهِمْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ عالِمَ ذَلِكَ مِنَ البَشَرِ قَلِيلٌ، والمُرادُ بِهِ قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: "أنا مِن ذَلِكَ القَلِيلِ، وكانُوا سَبْعَةً وثامِنُهم كَلْبُهُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُسْتَدَلُّ عَلى هَذا مِنَ الآيَةِ، فَإنَّ القُرْآنَ لَمّا حَكى قَوْلَ مَن قالَ ثَلاثَةً وخَمْسَةً قَرَنَ بِالقَوْلِ أنَّهُ رَجَمَ بِالغَيْبِ، فَقَدَحَ ذَلِكَ فِيهِما، ثُمَّ حَكى هَذِهِ المَقالَةَ ولَمْ يَقْدَحْ فِيها بِشَيْءٍ، بَلْ تَرَكَها مُسَجَّلَةً، وأيْضًا فَيُقَوِّي ذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِأنَّها واوُ الثَمانِيَةِ لِأنَّها إنَّما تَكُونُ حَيْثُ عَدَدُ الثَمانِيَةِ صَحِيحٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا﴾ مَعْناهُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، أيْ: بِظاهِرِ ما أوحَيْناهُ إلَيْكَ وهو رَدُّ عِلْمِ عِدَّتِهِمْ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقِيلَ: مَعْنى الظاهِرِ أنْ يَقُولَ: لَيْسَ كَما تَقُولُونَ، ونَحْوَ هَذا، ولا يَحْتَجُّ هو عَلى أمْرٍ مُقَدَّرٍ في ذَلِكَ، فَإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِراءً في باطِنٍ مِنَ الأمْرِ، وقالَ التَبْرِيزِيُّ: "ظاهِرًا" مَعْناهُ: ذاهِبًا، وأنْشَدَ:
؎ وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عنكَ عارُها.
ولَمْ يُبِحْ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُمارِيَ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلا مِراءً﴾ اسْتِعارَةٌ، مِن حَيْثُ يُمارِيهِ أهْلُ الكِتابِ سُمِّيَتْ مُراجَعَتُهُ لَهم مِراءً، ثُمَّ قَيَّدَ بِأنَّهُ ظاهِرٌ فَفارَقَ المِراءَ الحَقِيقِيَّ المَذْمُومَ. و"المِراءُ" مُشْتَقٌّ مِنَ المِرْيَةِ، وهو الشَكُّ، فَكَأنَّهُ المُشاكَكَةُ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيهِمْ" عائِدٌ عَلى أهْلِ الكَهْفِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ المُعاصِرِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ﴾ يَعْنِي: في عِدَّتِهِمْ، وحُذِفَتِ العُدَّةُ لِدَلالَةِ ظاهِرِ القَوْلِ عَلَيْها.
(p-٥٩٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ الآيَةَ. عاتَبَ اللهُ تَعالى فِيها نَبِيَّهُ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى قَوْلِهِ لِلْكُفّارِ: غَدًا أُخْبِرُكم بِجَوابِ أسْئِلَتِكُمْ، ولِمَ يَسْتَثْنِي في ذَلِكَ، فاحْتَبَسَ عنهُ الوَحْيُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وأرْجَفَ الكَفّارُ بِهِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُورَةُ مُفَرِّجَةً، وأُمِرَ في هَذِهِ الآيَةِ ألّا يَقُولَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ: إنِّي أفْعَلُ غَدًا كَذا وكَذا إلّا وأنْ يُعَلِّقَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِشَيْءٍ" بِمَنزِلَةِ "فِي"، أو كَأنَّهُ قالَ: لِأجْلِ شَيْءٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾، في الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ ويُحْسِنُهُ الإيجازُ، تَقْدِيرُهُ: إلّا أنْ تَقُولَ "إلّا أنْ يَشاءَ اللهُ"، أو إلّا أنْ تَقُولَ "إنْ شاءَ اللهُ". فالمَعْنى: إلّا أنْ تَذْكُرَ مَشِيئَةَ اللهِ، فَلَيْسَ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ مِنَ القَوْلِ الَّذِي نُهِيَ عنهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: "وَلا تَقُولَنَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ حَكاهُ الطَبَرِيٌّ ورَدَّ عَلَيْهِ، وهو مِنَ الفَسادِ بِحَيْثُ كانَ الواجِبُ ألّا يُحْكى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: مَعْناهُ والإشارَةُ بِهِ إلى الِاسْتِثْناءِ، أيْ: ولْتَسْتَثْنِ بَعْدَ مُدَّةٍ إذا نَسِيَتِ الِاسْتِثْناءَ أوَّلًا لِتَخْرُجَ مِن جُمْلَةِ مَن لَمْ يُعَلِّقْ فِعْلَهُ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى: واذْكُرْ رَبَّكَ إذا غَضِبْتَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَكَلَّمَ الناسُ في هَذِهِ الآيَةِ في الِاسْتِثْناءِ في اليَمِينِ، والآيَةُ لَيْسَتْ في الأيْمانِ، وإنَّما هي في سُنَّةِ الِاسْتِثْناءِ في غَيْرِ اليَمِينِ، ولَكِنْ مِن حَيْثُ تَكَلَّمَ الناسُ فِيها يَنْبَغِي أنْ نَذْكُرَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.
(p-٥٩١)أمّا مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ وجَمِيعُ أصْحابِهِ -فِيما عَلِمْتُ- وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ فَيَقُولُونَ: لا يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ ويُسْقِطُ الكَفّارَةَ إلّا أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِاليَمِينِ. وقالَ عَطاءٌ: لَهُ أنْ يَسْتَثْنِيَ في قَدْرِ حَلْبِ الناقَةِ الغَزِيرَةِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنِ اسْتَثْنى قَبْلَ أنْ يَقُومَ فَلَهُ ثَنَياهُ. وقالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: لَهُ الِاسْتِثْناءُ ما دامَ في ذَلِكَ الأمْرِ، وقالَهُ ابْنُ راهَوَيْهَ. وقالَ طاوُسٌ، والحَسَنُ: يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ ما دامَ الحالِفُ في مَجْلِسِهِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَقَطْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ ولَوْ بَعْدَ سَنَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: يَنْفَعُ أبَدًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واخْتَلَفَ الناسُ في التَأْوِيلِ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَقالَ الطَبَرِيٌّ وغَيْرِهِ: إنَّما أرادَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ يَنْفَعُ في أنْ يَجْعَلَ الحالِفَ في رُتْبَةِ المُسْتَثْنِينَ بَعْدَ سَنَةٍ مِن حَلِفِهِ، وأمّا الكَفّارَةُ فَلا تَسْقُطُ عنهُ، قالَ الطَبَرِيٌّ: ولا أعْلَمَ أحَدًا يَقُولُ (يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ مُدَّةٍ) يَقُولُ بِسُقُوطِ الكَفّارَةِ، قالَ ويَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن حِلَفَ عَلى يَمِينٍ ثُمَّ رَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيُكَفِّرْ ولْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ"،» فَلَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ يُسْقِطُ الكَفّارَةَ لَكانَ أخَفَّ عَلى الأُمَّةِ، ولَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الكَفّارَةِ فائِدَةٌ.
وقالَ الزَهْراوِيُّ: إنَّما تَكَلَّمَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في أنَّ الِاسْتِثْناءَ بَعْدَ سَنَةٍ لِمَن قالَ: أنا أفْعَلُ كَذا، لا لِحالِفٍ أرادَ حَلَّ يَمِينِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وذَهَبَتْ فِرْقَةُ مِنَ الفُقَهاءِ إلى أنَّ مَذْهَبَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما سُقُوطُ الكَفّارَةِ، وألْزَمُوا كُلَّ مَن يَقُولُ (يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ مُدَّةٍ) إسْقاطَ الكَفّارَةِ، ورَدُّوا عَلى القَوْلِ بَعْدَمِ إلْزامِهِ، ولَيْسَ الِاسْتِثْناءُ إلّا في اليَمِينِ بِاللهِ، لا يَكُونُ في طَلاقٍ ونَحْوِهِ، ولا في مَشْيٍ إلى مَكَّةَ، هَذا قَوْلُ مالِكٍ وجَماعَةٌ.
وقالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، وأصْحابُ الرَأْيِ، وطاوُسٌ وحَمّادٌ: الِاسْتِثْناءُ في ذَلِكَ (p-٥٩٢)جائِزٌ، ولَيْسَ في اليَمِينِ الغَمُوسِ اسْتِثْناءٌ يَنْفَعُ، ولا يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ بِالقَلْبِ، وإنَّما يَكُونُ قَوْلًا ونُطْقًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي﴾ الآيَةَ. قالَ مُحَمَّدٌ الكُوفِيُّ المُفَسِّرُ: إنَّها بِألْفاظِها مِمّا أُمِرَ أنْ يَقُولَها كُلٌّ مَن لَمْ يَسْتَثْنِ، وإنَّها كَفّارَةٌ لِنِسْيانِ الِاسْتِثْناءِ. وقالَ الجُمْهُورُ: هو دُعاءٌ مَأْمُورٌ بِهِ دُونَ هَذا التَخْصِيصِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَهْدِينِي" بِإثْباتِ الياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، ونافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "يَهْدِينَ" دُونَ ياءٍ في الوَصْلِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، وعاصِمٍ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ.
والإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى الِاسْتِدْراكِ الَّذِي يَقَعُ مِن ناسِي الِاسْتِثْناءُ وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: عَسى أنْ يُيَسِّرَ اللهُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّتِي أقْرَبَ مِن دَلِيلِ أصْحابِ الكَهْفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وما قَدَّمْتُهُ أصْوَبُ، أيْ: عَسى أنْ يُرْشِدَنِي فِيما اسْتَقْبَلَ مِن أمْرِي. وهَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهي بَعْدُ تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، لِأنَّهُ حُكْمٌ يَتَرَدَّدُ الناسُ بِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، واللهُ المُوَفِّقُ.
الكهف 18:25
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ ﴿قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾
قالَ قَتادَةُ، ومَطَرٌ الوَرّاقُ، وغَيْرُهُما: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ الآيَةُ حِكايَةٌ عن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، واحْتَجّا بِأنَّ قِراءَةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وفي مُصْحَفِهِ: "وَقالُوا لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ"، وذَلِكَ عِنْدَ قَتادَةَ -عَلى غَيْرِ قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ- عَطْفٌ عَلى ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢]، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ
(p-٥٩٣)ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ رَدًّا عَلى مَقالِهِمْ وتَفْنِيدًا لَهُمْ، قالالطَبَرِيٌّ: "وَقالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ اللهِ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ وجْهٌ مَفْهُومٌ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
أيْنَ ذَهَبَ بِهَذا القائِلِ؟ وما الوَجْهُ المَفْهُومُ البارِعُ إلّا أنْ تَكُونَ الآيَةُ خَبَرًا عن لُبْثِهِمْ، ثُمَّ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ﴿قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ بِخَبَرِهِ، هَذا هو الحَقُّ مِن عالَمِ الغَيْبِ، فَلْيَزُلِ اخْتِلافُكم أيُّها المُتَخَرِّصُونَ.
وقالَ المُحَقِّقُونَ: بَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ الآيَةُ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، ثُمَّ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ بَعْدَ الإخْبارِ: ﴿قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ -فَقالَ الطَبَرِيٌّ: إنْ بَنِي إسْرائِيلَ اخْتَلَفُوا فِيما مَضى لَهم مِنَ المُدَّةِ بَعْدَ الإعْثارِ عَلَيْهِمْ إلى مُدَّةِ النَبِيِّ ﷺ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهم لَبِثُوا ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنَّ هَذِهِ المُدَّةَ في كَوْنِهِمْ نِيامًا، وأنَّ ما بَعْدَ ذَلِكَ مَجْهُولٌ لِلْبَشَرِ، فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَرُدَّ عِلْمَ ذَلِكَ إلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَقَوْلُهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: "لَبِثُوا" الأوَّلُ يُرِيدُ: في نَوْمِ الكَهْفِ، و"لَبِثُوا" الثانِي يُرِيدُ: بَعْدَ الإعْثارِ مَوْتى إلى مُدَّةِ مُحَمَّدٍ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أو إلى وقْتِ عِدَمِهِمْ بِالبِلى، عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ لَمْ تَدْرِ الناسُ أهِيَ ساعاتٌ أمْ أيّامٌ أمْ جُمَعٌ أمْ شُهُورٌ أمْ أعْوامٌ، واخْتَلَفَ بَنُو إسْرائِيلَ بِحَسْبِ ذَلِكَ، فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى بِرَدِّ العِلْمِ إلَيْهِ، يُرِيدُ: في التِسْعِ، فَهي -عَلى هَذا- مُبْهَمَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وظاهِرُ كَلامِ العَرَبِ والمَفْهُومُ مِنهُ أنَّها أعْوامٌ، والظاهِرُ مِن أمْرِهِمْ أنَّهم قامُوا ودَخَلُوا الكَهْفَ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بِيَسِيرٍ، وقَدْ بَقِيَتْ مِنَ الحَوارِيِّينَ بَقِيَّةً. وحَكى النَقّاشُ ما مَعْناهُ أنَّهم لَبِثُوا ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ بِحِسابِ الأُمَمِ، فَلَمّا كانَ الإخْبارُ هُنا لِلنَّبِيِّ العَرَبِيِّ ﷺ ذُكِرَتِ التِسْعُ؛ إذِ المَفْهُومُ عِنْدَهُ مِنَ السِنِينَ القَمَرِيَّةِ، فَهَذِهِ الزِيادَةُ هي ما بَيْنَ الحِسابَيْنِ.
(p-٥٩٤)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ" بِتَنْوِينِ "مِائَةٍ" ونَصْبِ "سِنِينَ" عَلى البَدَلِ مِن "ثَلاثِمِائَةٍ"، أوَعَطْفِ البَيانِ، وقِيلَ: عَلى التَفْسِيرِ والتَمْيِيزِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَحْيى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِإضافَةِ "مِائَةٍ" إلى "السِنِينَ" وتَرْكِ التَنْوِينِ، وكَأنَّهم جَعَلُوا "سِنِينَ" بِمَنزِلَةِ "سَنَةٍ"؛ إذِ المَعْنى بِهِما واحِدٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذْ هَذِهِ الأعْدادُ الَّتِي تُضافُ في الشُهُورِ إلى الآحادِ نَحْوَ ثَلاثِمِائَةِ رَجُلٍ أو ثَوْبٍ قَدْ تُضافُ إلى الجُمُوعِ، وانْحى أبُو حاتِمٍ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ"، وقَرَأ الضَحّاكُ: "ثَلاثَمِائَةِ سُنُونَ"، بِالواوِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "تَسْعًا" بِفَتْحِ التاءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تِسْعًا" بِكَسْرِ التاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾، أيْ: ما أبْصَرَهُ وأسْمَعَهُ، قالَ قَتادَةُ: لا أحَدَ أبْصَرُ مِنَ اللهِ تَعالى ولا أسْمَعُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ عِباراتٌ عَنِ الإدْراكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿أبْصِرْ بِهِ﴾ أيْ: بِوَحْيِهِ وإرْشادِهِ، هُداكَ وحُجَجُكَ والحَقُّ مِنَ الأُمُورِ، وأسْمِعْ بِهِ العالَمَ، فَتَكُونانِ أمْرَيْنِ لا عَلى وجْهِ التَعَجُّبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "لَهُمْ" عَلى أصْحابِ الكَهْفِ، أيْ: هَذِهِ قُدْرَتُهُ وحْدَهُ، لَمْ يُوالِهِمْ غَيْرُهُ بِتَلَطُّفٍ لَهُمْ، ولا اشْتَرَكَ مَعَهُ أحَدٌ في هَذا الحُكْمِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "لَهُمْ" عَلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الكَفّارِ ومُشاقِّيهِ، وتَكُونُ الآيَةُ اعْتِراضًا بِتَهْدِيدٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا يُشْرَكُ في حُكْمِهِ أحَدًا" بِالياءِ مِن تَحْتِ، عَلى مَعْنى الخَبَرِ عَنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: "وَلا تُشْرِكْ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ، عَلى جِهَةِ النَهْيِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "وَلا تُشْرِكْ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾. وقَرَأ مُجاهِدٌ: "وَلا يُشْرِكْ" بِالياءِ مِن (p-٥٩٥)تَحْتِ وبِالجَزْمِ، قالَ يَعْقُوبُ: لا أعْرِفُ وجْهَهُ.
وحَكى الطَبَرِيٌّ عَنِ الضَحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ فَقَطْ، قالَ الناسُ: أهِيَ أشْهُرٌ أمْ أيّامٌ أمْ أعْوامٌ؟ فَنَزَلَتْ ﴿سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأمّا هَلْ دامَ أهْلُ الكَهْفِ وبَقِيَتْ أشْخاصُهم مَحْفُوظَةً بَعْدَ المَوْتِ؟ فاخْتَلَفَتِ الرِواياتُ في ذَلِكَ -فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ مَرَّ بِالشامِ في بَعْضِ غَزَواتِهِ مَعَ ناسٍ عَلى مَوْضِعِ الكَهْفِ وجَبَلِهِ، فَمَشى الناسُ إلَيْهِ فَوَجَدُوا عِظامًا، فَقالُوا: هَذِهِ عِظامُ أصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ لَهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لا، أُولَئِكَ قَوْمٌ فَنُوا وعَدِمُوا مُنْذُ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَسَمِعَهُ راهِبٌ فَقالَ: ما كُنْتُ أحْسَبُ أنَّ أحَدًا مِنَ العَرَبِ يَعْرِفُ هَذا، فَقِيلَ لَهُ: هَذا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّنا صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لِيَحُجَّنَّ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ ومَعَهُ أصْحابُ الكَهْفِ فَإنَّهم لَمْ يَحُجُّوا بَعْدُ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وبِالشامِ -عَلى ما سَمِعْتُ مِن ناسٍ كَثِيرٍ- كَهْفٌ كانَ فِيهِ مَوْتى يَزْعُمُ مُجاوِرُوهُ أنَّهم أصْحابُ الكَهْفِ، وعَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ وبِناءٌ يُسَمّى الرَقِيمُ، ومَعَهم كَلْبٌ رُمَّةٌ، وبِالأنْدَلُسِ في جِهَةِ غَرْناطَةَ بِقُرْبِ قَرْيَةٍ تُسَمّى لُوشَةَ كَهْفٌ فِيهِ مَوْتى ومَعَهم كَلْبٌ رُمَّةٌ، وأكْثَرُهم قَدِ انْجَرَدَ لَحْمُهُ، وبَعْضُهم مُتَماسِكٌ، وقَدْ مَضَتِ القُرُونُ السالِفَةُ ولَمْ نَجِدْ مِن عِلْمِ شَأْنِهِمْ إثارَةً، ويَزْعُمُ ناسٌ أنَّهم أصْحابُ الكَهْفِ، دَخَلْتُ إلَيْهِمْ فَرَأيْتُهم سَنَةَ أرْبَعٍ وخَمْسِمِائَةٍ، وهم بِهَذِهِ الحالَةِ، وعَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ، وقَرِيبٌ مِنهم بِناءٌ رُومِيٌّ يُسَمّى الرَقِيمُ مِمّا يَلِي القِبْلَةَ، وآثارُ مَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ رُومِيَّةٍ يُقالُ لَها مَدِينَةُ دِقْنَيُوسُ، وجَدْنا في آثارِها غَرائِبَ في قُبُورٍ ونَحْوِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما اسْتَسْهَلَتْ ذِكْرَ هَذا مَعَ بُعْدِهِ لِأنَّهُ عَجَبٌ يَتَخَلَّدُ ذِكْرُهُ ما شاءَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ الآيَةَ. مَن قَرَأ: "وَلا تُشْرِكْ" بِالنَهْيِ عَطَفَ قَوْلَهُ: "واتْلُ" عَلَيْهِ، ومَن قَرَأ: "وَلا يُشْرِكُ" جَعَلَ هَذا أمْرًا بُدِئَ بِهِ كَلامٌ آخَرُ لَيْسَ مِنَ (p-٥٩٦)الأوَّلِ، وكَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ في مَعْنى العِتابِ لِلنَّبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، عَقِبَ العِتابِ الَّذِي كانَ عَلى تَرْكِهِ الِاسْتِثْناءَ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ أجْوِبَةُ الأسْئِلَةِ، فاتْلُ وحْيَ اللهِ إلَيْكَ، أيِ: اتَّبِعْ في أعْمالِكَ، وقِيلَ: اسْرُدْ بِتِلاوَتِكَ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ، لا نَقْصَ في قَوْلِهِ، ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، ولَيْسَ لَكَ سِواهُ جانِبٌ تَمِيلُ إلَيْهِ وتَسْتَنِدُ.
و"المُلْتَحِدُ": الجانِبُ الَّذِي يُمالُ إلَيْهِ، ومِنهُ اللَحْدُ، كَأنَّهُ المَيْلُ في أحَدِ شِقَّيِ القَبْرِ، ومِنهُ: الإلْحادُ في الحَقِّ، وهو المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، ولا يُفْسِدُ قَوْلَهُ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أمْرُ النَسْخِ؛ لِأنَّ المَعْنى إمّا أنْ يَكُونَ: لا مُبْدِّلَ سِواهُ فَتَبْقى الكَلِماتُ عَلى الإطْلاقِ، وإمّا أنْ يَكُونَ أرادَ مِنَ "الكَلِماتِ" الخَبَرَ ونَحْوَهُ مِمّا لا يُدْخِلُهُ النَسْخُ، والإجْماعُ أنِ الَّذِي لا يَتَبَدَّلُ هو الكَلامُ القائِمُ بِالذاتِ الَّذِي بِحَسْبِهِ يَجْرِي القَدَرُ، فَأمّا الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ فَمَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّها لا تُبَدَّلُ إلّا بِالتَأْوِيلِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن يَقُولُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ بَدَّلُوا ألْفاظَ التَوْراةِ.
الكهف 18:26
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ ﴿قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾
قالَ قَتادَةُ، ومَطَرٌ الوَرّاقُ، وغَيْرُهُما: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ الآيَةُ حِكايَةٌ عن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، واحْتَجّا بِأنَّ قِراءَةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وفي مُصْحَفِهِ: "وَقالُوا لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ"، وذَلِكَ عِنْدَ قَتادَةَ -عَلى غَيْرِ قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ- عَطْفٌ عَلى ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢]، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ
(p-٥٩٣)ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ رَدًّا عَلى مَقالِهِمْ وتَفْنِيدًا لَهُمْ، قالالطَبَرِيٌّ: "وَقالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ اللهِ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ وجْهٌ مَفْهُومٌ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
أيْنَ ذَهَبَ بِهَذا القائِلِ؟ وما الوَجْهُ المَفْهُومُ البارِعُ إلّا أنْ تَكُونَ الآيَةُ خَبَرًا عن لُبْثِهِمْ، ثُمَّ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ﴿قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ بِخَبَرِهِ، هَذا هو الحَقُّ مِن عالَمِ الغَيْبِ، فَلْيَزُلِ اخْتِلافُكم أيُّها المُتَخَرِّصُونَ.
وقالَ المُحَقِّقُونَ: بَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ الآيَةُ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، ثُمَّ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ بَعْدَ الإخْبارِ: ﴿قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ -فَقالَ الطَبَرِيٌّ: إنْ بَنِي إسْرائِيلَ اخْتَلَفُوا فِيما مَضى لَهم مِنَ المُدَّةِ بَعْدَ الإعْثارِ عَلَيْهِمْ إلى مُدَّةِ النَبِيِّ ﷺ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهم لَبِثُوا ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنَّ هَذِهِ المُدَّةَ في كَوْنِهِمْ نِيامًا، وأنَّ ما بَعْدَ ذَلِكَ مَجْهُولٌ لِلْبَشَرِ، فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَرُدَّ عِلْمَ ذَلِكَ إلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَقَوْلُهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: "لَبِثُوا" الأوَّلُ يُرِيدُ: في نَوْمِ الكَهْفِ، و"لَبِثُوا" الثانِي يُرِيدُ: بَعْدَ الإعْثارِ مَوْتى إلى مُدَّةِ مُحَمَّدٍ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أو إلى وقْتِ عِدَمِهِمْ بِالبِلى، عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ لَمْ تَدْرِ الناسُ أهِيَ ساعاتٌ أمْ أيّامٌ أمْ جُمَعٌ أمْ شُهُورٌ أمْ أعْوامٌ، واخْتَلَفَ بَنُو إسْرائِيلَ بِحَسْبِ ذَلِكَ، فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى بِرَدِّ العِلْمِ إلَيْهِ، يُرِيدُ: في التِسْعِ، فَهي -عَلى هَذا- مُبْهَمَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وظاهِرُ كَلامِ العَرَبِ والمَفْهُومُ مِنهُ أنَّها أعْوامٌ، والظاهِرُ مِن أمْرِهِمْ أنَّهم قامُوا ودَخَلُوا الكَهْفَ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بِيَسِيرٍ، وقَدْ بَقِيَتْ مِنَ الحَوارِيِّينَ بَقِيَّةً. وحَكى النَقّاشُ ما مَعْناهُ أنَّهم لَبِثُوا ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ بِحِسابِ الأُمَمِ، فَلَمّا كانَ الإخْبارُ هُنا لِلنَّبِيِّ العَرَبِيِّ ﷺ ذُكِرَتِ التِسْعُ؛ إذِ المَفْهُومُ عِنْدَهُ مِنَ السِنِينَ القَمَرِيَّةِ، فَهَذِهِ الزِيادَةُ هي ما بَيْنَ الحِسابَيْنِ.
(p-٥٩٤)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ" بِتَنْوِينِ "مِائَةٍ" ونَصْبِ "سِنِينَ" عَلى البَدَلِ مِن "ثَلاثِمِائَةٍ"، أوَعَطْفِ البَيانِ، وقِيلَ: عَلى التَفْسِيرِ والتَمْيِيزِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَحْيى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِإضافَةِ "مِائَةٍ" إلى "السِنِينَ" وتَرْكِ التَنْوِينِ، وكَأنَّهم جَعَلُوا "سِنِينَ" بِمَنزِلَةِ "سَنَةٍ"؛ إذِ المَعْنى بِهِما واحِدٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذْ هَذِهِ الأعْدادُ الَّتِي تُضافُ في الشُهُورِ إلى الآحادِ نَحْوَ ثَلاثِمِائَةِ رَجُلٍ أو ثَوْبٍ قَدْ تُضافُ إلى الجُمُوعِ، وانْحى أبُو حاتِمٍ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ"، وقَرَأ الضَحّاكُ: "ثَلاثَمِائَةِ سُنُونَ"، بِالواوِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "تَسْعًا" بِفَتْحِ التاءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تِسْعًا" بِكَسْرِ التاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾، أيْ: ما أبْصَرَهُ وأسْمَعَهُ، قالَ قَتادَةُ: لا أحَدَ أبْصَرُ مِنَ اللهِ تَعالى ولا أسْمَعُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ عِباراتٌ عَنِ الإدْراكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿أبْصِرْ بِهِ﴾ أيْ: بِوَحْيِهِ وإرْشادِهِ، هُداكَ وحُجَجُكَ والحَقُّ مِنَ الأُمُورِ، وأسْمِعْ بِهِ العالَمَ، فَتَكُونانِ أمْرَيْنِ لا عَلى وجْهِ التَعَجُّبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "لَهُمْ" عَلى أصْحابِ الكَهْفِ، أيْ: هَذِهِ قُدْرَتُهُ وحْدَهُ، لَمْ يُوالِهِمْ غَيْرُهُ بِتَلَطُّفٍ لَهُمْ، ولا اشْتَرَكَ مَعَهُ أحَدٌ في هَذا الحُكْمِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "لَهُمْ" عَلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الكَفّارِ ومُشاقِّيهِ، وتَكُونُ الآيَةُ اعْتِراضًا بِتَهْدِيدٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا يُشْرَكُ في حُكْمِهِ أحَدًا" بِالياءِ مِن تَحْتِ، عَلى مَعْنى الخَبَرِ عَنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: "وَلا تُشْرِكْ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ، عَلى جِهَةِ النَهْيِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "وَلا تُشْرِكْ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾. وقَرَأ مُجاهِدٌ: "وَلا يُشْرِكْ" بِالياءِ مِن (p-٥٩٥)تَحْتِ وبِالجَزْمِ، قالَ يَعْقُوبُ: لا أعْرِفُ وجْهَهُ.
وحَكى الطَبَرِيٌّ عَنِ الضَحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ فَقَطْ، قالَ الناسُ: أهِيَ أشْهُرٌ أمْ أيّامٌ أمْ أعْوامٌ؟ فَنَزَلَتْ ﴿سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأمّا هَلْ دامَ أهْلُ الكَهْفِ وبَقِيَتْ أشْخاصُهم مَحْفُوظَةً بَعْدَ المَوْتِ؟ فاخْتَلَفَتِ الرِواياتُ في ذَلِكَ -فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ مَرَّ بِالشامِ في بَعْضِ غَزَواتِهِ مَعَ ناسٍ عَلى مَوْضِعِ الكَهْفِ وجَبَلِهِ، فَمَشى الناسُ إلَيْهِ فَوَجَدُوا عِظامًا، فَقالُوا: هَذِهِ عِظامُ أصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ لَهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لا، أُولَئِكَ قَوْمٌ فَنُوا وعَدِمُوا مُنْذُ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَسَمِعَهُ راهِبٌ فَقالَ: ما كُنْتُ أحْسَبُ أنَّ أحَدًا مِنَ العَرَبِ يَعْرِفُ هَذا، فَقِيلَ لَهُ: هَذا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّنا صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لِيَحُجَّنَّ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ ومَعَهُ أصْحابُ الكَهْفِ فَإنَّهم لَمْ يَحُجُّوا بَعْدُ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وبِالشامِ -عَلى ما سَمِعْتُ مِن ناسٍ كَثِيرٍ- كَهْفٌ كانَ فِيهِ مَوْتى يَزْعُمُ مُجاوِرُوهُ أنَّهم أصْحابُ الكَهْفِ، وعَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ وبِناءٌ يُسَمّى الرَقِيمُ، ومَعَهم كَلْبٌ رُمَّةٌ، وبِالأنْدَلُسِ في جِهَةِ غَرْناطَةَ بِقُرْبِ قَرْيَةٍ تُسَمّى لُوشَةَ كَهْفٌ فِيهِ مَوْتى ومَعَهم كَلْبٌ رُمَّةٌ، وأكْثَرُهم قَدِ انْجَرَدَ لَحْمُهُ، وبَعْضُهم مُتَماسِكٌ، وقَدْ مَضَتِ القُرُونُ السالِفَةُ ولَمْ نَجِدْ مِن عِلْمِ شَأْنِهِمْ إثارَةً، ويَزْعُمُ ناسٌ أنَّهم أصْحابُ الكَهْفِ، دَخَلْتُ إلَيْهِمْ فَرَأيْتُهم سَنَةَ أرْبَعٍ وخَمْسِمِائَةٍ، وهم بِهَذِهِ الحالَةِ، وعَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ، وقَرِيبٌ مِنهم بِناءٌ رُومِيٌّ يُسَمّى الرَقِيمُ مِمّا يَلِي القِبْلَةَ، وآثارُ مَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ رُومِيَّةٍ يُقالُ لَها مَدِينَةُ دِقْنَيُوسُ، وجَدْنا في آثارِها غَرائِبَ في قُبُورٍ ونَحْوِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما اسْتَسْهَلَتْ ذِكْرَ هَذا مَعَ بُعْدِهِ لِأنَّهُ عَجَبٌ يَتَخَلَّدُ ذِكْرُهُ ما شاءَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ الآيَةَ. مَن قَرَأ: "وَلا تُشْرِكْ" بِالنَهْيِ عَطَفَ قَوْلَهُ: "واتْلُ" عَلَيْهِ، ومَن قَرَأ: "وَلا يُشْرِكُ" جَعَلَ هَذا أمْرًا بُدِئَ بِهِ كَلامٌ آخَرُ لَيْسَ مِنَ (p-٥٩٦)الأوَّلِ، وكَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ في مَعْنى العِتابِ لِلنَّبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، عَقِبَ العِتابِ الَّذِي كانَ عَلى تَرْكِهِ الِاسْتِثْناءَ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ أجْوِبَةُ الأسْئِلَةِ، فاتْلُ وحْيَ اللهِ إلَيْكَ، أيِ: اتَّبِعْ في أعْمالِكَ، وقِيلَ: اسْرُدْ بِتِلاوَتِكَ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ، لا نَقْصَ في قَوْلِهِ، ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، ولَيْسَ لَكَ سِواهُ جانِبٌ تَمِيلُ إلَيْهِ وتَسْتَنِدُ.
و"المُلْتَحِدُ": الجانِبُ الَّذِي يُمالُ إلَيْهِ، ومِنهُ اللَحْدُ، كَأنَّهُ المَيْلُ في أحَدِ شِقَّيِ القَبْرِ، ومِنهُ: الإلْحادُ في الحَقِّ، وهو المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، ولا يُفْسِدُ قَوْلَهُ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أمْرُ النَسْخِ؛ لِأنَّ المَعْنى إمّا أنْ يَكُونَ: لا مُبْدِّلَ سِواهُ فَتَبْقى الكَلِماتُ عَلى الإطْلاقِ، وإمّا أنْ يَكُونَ أرادَ مِنَ "الكَلِماتِ" الخَبَرَ ونَحْوَهُ مِمّا لا يُدْخِلُهُ النَسْخُ، والإجْماعُ أنِ الَّذِي لا يَتَبَدَّلُ هو الكَلامُ القائِمُ بِالذاتِ الَّذِي بِحَسْبِهِ يَجْرِي القَدَرُ، فَأمّا الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ فَمَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّها لا تُبَدَّلُ إلّا بِالتَأْوِيلِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن يَقُولُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ بَدَّلُوا ألْفاظَ التَوْراةِ.
الكهف 18:27
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ ﴿قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾
قالَ قَتادَةُ، ومَطَرٌ الوَرّاقُ، وغَيْرُهُما: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ الآيَةُ حِكايَةٌ عن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، واحْتَجّا بِأنَّ قِراءَةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وفي مُصْحَفِهِ: "وَقالُوا لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ"، وذَلِكَ عِنْدَ قَتادَةَ -عَلى غَيْرِ قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ- عَطْفٌ عَلى ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢]، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ
(p-٥٩٣)ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ رَدًّا عَلى مَقالِهِمْ وتَفْنِيدًا لَهُمْ، قالالطَبَرِيٌّ: "وَقالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ اللهِ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ وجْهٌ مَفْهُومٌ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
أيْنَ ذَهَبَ بِهَذا القائِلِ؟ وما الوَجْهُ المَفْهُومُ البارِعُ إلّا أنْ تَكُونَ الآيَةُ خَبَرًا عن لُبْثِهِمْ، ثُمَّ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ﴿قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ بِخَبَرِهِ، هَذا هو الحَقُّ مِن عالَمِ الغَيْبِ، فَلْيَزُلِ اخْتِلافُكم أيُّها المُتَخَرِّصُونَ.
وقالَ المُحَقِّقُونَ: بَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ الآيَةُ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، ثُمَّ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ بَعْدَ الإخْبارِ: ﴿قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ -فَقالَ الطَبَرِيٌّ: إنْ بَنِي إسْرائِيلَ اخْتَلَفُوا فِيما مَضى لَهم مِنَ المُدَّةِ بَعْدَ الإعْثارِ عَلَيْهِمْ إلى مُدَّةِ النَبِيِّ ﷺ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهم لَبِثُوا ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنَّ هَذِهِ المُدَّةَ في كَوْنِهِمْ نِيامًا، وأنَّ ما بَعْدَ ذَلِكَ مَجْهُولٌ لِلْبَشَرِ، فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَرُدَّ عِلْمَ ذَلِكَ إلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَقَوْلُهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: "لَبِثُوا" الأوَّلُ يُرِيدُ: في نَوْمِ الكَهْفِ، و"لَبِثُوا" الثانِي يُرِيدُ: بَعْدَ الإعْثارِ مَوْتى إلى مُدَّةِ مُحَمَّدٍ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أو إلى وقْتِ عِدَمِهِمْ بِالبِلى، عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ لَمْ تَدْرِ الناسُ أهِيَ ساعاتٌ أمْ أيّامٌ أمْ جُمَعٌ أمْ شُهُورٌ أمْ أعْوامٌ، واخْتَلَفَ بَنُو إسْرائِيلَ بِحَسْبِ ذَلِكَ، فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى بِرَدِّ العِلْمِ إلَيْهِ، يُرِيدُ: في التِسْعِ، فَهي -عَلى هَذا- مُبْهَمَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وظاهِرُ كَلامِ العَرَبِ والمَفْهُومُ مِنهُ أنَّها أعْوامٌ، والظاهِرُ مِن أمْرِهِمْ أنَّهم قامُوا ودَخَلُوا الكَهْفَ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بِيَسِيرٍ، وقَدْ بَقِيَتْ مِنَ الحَوارِيِّينَ بَقِيَّةً. وحَكى النَقّاشُ ما مَعْناهُ أنَّهم لَبِثُوا ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ بِحِسابِ الأُمَمِ، فَلَمّا كانَ الإخْبارُ هُنا لِلنَّبِيِّ العَرَبِيِّ ﷺ ذُكِرَتِ التِسْعُ؛ إذِ المَفْهُومُ عِنْدَهُ مِنَ السِنِينَ القَمَرِيَّةِ، فَهَذِهِ الزِيادَةُ هي ما بَيْنَ الحِسابَيْنِ.
(p-٥٩٤)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ" بِتَنْوِينِ "مِائَةٍ" ونَصْبِ "سِنِينَ" عَلى البَدَلِ مِن "ثَلاثِمِائَةٍ"، أوَعَطْفِ البَيانِ، وقِيلَ: عَلى التَفْسِيرِ والتَمْيِيزِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَحْيى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِإضافَةِ "مِائَةٍ" إلى "السِنِينَ" وتَرْكِ التَنْوِينِ، وكَأنَّهم جَعَلُوا "سِنِينَ" بِمَنزِلَةِ "سَنَةٍ"؛ إذِ المَعْنى بِهِما واحِدٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذْ هَذِهِ الأعْدادُ الَّتِي تُضافُ في الشُهُورِ إلى الآحادِ نَحْوَ ثَلاثِمِائَةِ رَجُلٍ أو ثَوْبٍ قَدْ تُضافُ إلى الجُمُوعِ، وانْحى أبُو حاتِمٍ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ"، وقَرَأ الضَحّاكُ: "ثَلاثَمِائَةِ سُنُونَ"، بِالواوِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "تَسْعًا" بِفَتْحِ التاءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تِسْعًا" بِكَسْرِ التاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾، أيْ: ما أبْصَرَهُ وأسْمَعَهُ، قالَ قَتادَةُ: لا أحَدَ أبْصَرُ مِنَ اللهِ تَعالى ولا أسْمَعُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ عِباراتٌ عَنِ الإدْراكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿أبْصِرْ بِهِ﴾ أيْ: بِوَحْيِهِ وإرْشادِهِ، هُداكَ وحُجَجُكَ والحَقُّ مِنَ الأُمُورِ، وأسْمِعْ بِهِ العالَمَ، فَتَكُونانِ أمْرَيْنِ لا عَلى وجْهِ التَعَجُّبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "لَهُمْ" عَلى أصْحابِ الكَهْفِ، أيْ: هَذِهِ قُدْرَتُهُ وحْدَهُ، لَمْ يُوالِهِمْ غَيْرُهُ بِتَلَطُّفٍ لَهُمْ، ولا اشْتَرَكَ مَعَهُ أحَدٌ في هَذا الحُكْمِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "لَهُمْ" عَلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الكَفّارِ ومُشاقِّيهِ، وتَكُونُ الآيَةُ اعْتِراضًا بِتَهْدِيدٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا يُشْرَكُ في حُكْمِهِ أحَدًا" بِالياءِ مِن تَحْتِ، عَلى مَعْنى الخَبَرِ عَنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: "وَلا تُشْرِكْ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ، عَلى جِهَةِ النَهْيِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "وَلا تُشْرِكْ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾. وقَرَأ مُجاهِدٌ: "وَلا يُشْرِكْ" بِالياءِ مِن (p-٥٩٥)تَحْتِ وبِالجَزْمِ، قالَ يَعْقُوبُ: لا أعْرِفُ وجْهَهُ.
وحَكى الطَبَرِيٌّ عَنِ الضَحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ فَقَطْ، قالَ الناسُ: أهِيَ أشْهُرٌ أمْ أيّامٌ أمْ أعْوامٌ؟ فَنَزَلَتْ ﴿سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأمّا هَلْ دامَ أهْلُ الكَهْفِ وبَقِيَتْ أشْخاصُهم مَحْفُوظَةً بَعْدَ المَوْتِ؟ فاخْتَلَفَتِ الرِواياتُ في ذَلِكَ -فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ مَرَّ بِالشامِ في بَعْضِ غَزَواتِهِ مَعَ ناسٍ عَلى مَوْضِعِ الكَهْفِ وجَبَلِهِ، فَمَشى الناسُ إلَيْهِ فَوَجَدُوا عِظامًا، فَقالُوا: هَذِهِ عِظامُ أصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ لَهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لا، أُولَئِكَ قَوْمٌ فَنُوا وعَدِمُوا مُنْذُ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَسَمِعَهُ راهِبٌ فَقالَ: ما كُنْتُ أحْسَبُ أنَّ أحَدًا مِنَ العَرَبِ يَعْرِفُ هَذا، فَقِيلَ لَهُ: هَذا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّنا صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لِيَحُجَّنَّ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ ومَعَهُ أصْحابُ الكَهْفِ فَإنَّهم لَمْ يَحُجُّوا بَعْدُ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وبِالشامِ -عَلى ما سَمِعْتُ مِن ناسٍ كَثِيرٍ- كَهْفٌ كانَ فِيهِ مَوْتى يَزْعُمُ مُجاوِرُوهُ أنَّهم أصْحابُ الكَهْفِ، وعَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ وبِناءٌ يُسَمّى الرَقِيمُ، ومَعَهم كَلْبٌ رُمَّةٌ، وبِالأنْدَلُسِ في جِهَةِ غَرْناطَةَ بِقُرْبِ قَرْيَةٍ تُسَمّى لُوشَةَ كَهْفٌ فِيهِ مَوْتى ومَعَهم كَلْبٌ رُمَّةٌ، وأكْثَرُهم قَدِ انْجَرَدَ لَحْمُهُ، وبَعْضُهم مُتَماسِكٌ، وقَدْ مَضَتِ القُرُونُ السالِفَةُ ولَمْ نَجِدْ مِن عِلْمِ شَأْنِهِمْ إثارَةً، ويَزْعُمُ ناسٌ أنَّهم أصْحابُ الكَهْفِ، دَخَلْتُ إلَيْهِمْ فَرَأيْتُهم سَنَةَ أرْبَعٍ وخَمْسِمِائَةٍ، وهم بِهَذِهِ الحالَةِ، وعَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ، وقَرِيبٌ مِنهم بِناءٌ رُومِيٌّ يُسَمّى الرَقِيمُ مِمّا يَلِي القِبْلَةَ، وآثارُ مَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ رُومِيَّةٍ يُقالُ لَها مَدِينَةُ دِقْنَيُوسُ، وجَدْنا في آثارِها غَرائِبَ في قُبُورٍ ونَحْوِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما اسْتَسْهَلَتْ ذِكْرَ هَذا مَعَ بُعْدِهِ لِأنَّهُ عَجَبٌ يَتَخَلَّدُ ذِكْرُهُ ما شاءَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ الآيَةَ. مَن قَرَأ: "وَلا تُشْرِكْ" بِالنَهْيِ عَطَفَ قَوْلَهُ: "واتْلُ" عَلَيْهِ، ومَن قَرَأ: "وَلا يُشْرِكُ" جَعَلَ هَذا أمْرًا بُدِئَ بِهِ كَلامٌ آخَرُ لَيْسَ مِنَ (p-٥٩٦)الأوَّلِ، وكَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ في مَعْنى العِتابِ لِلنَّبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، عَقِبَ العِتابِ الَّذِي كانَ عَلى تَرْكِهِ الِاسْتِثْناءَ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ أجْوِبَةُ الأسْئِلَةِ، فاتْلُ وحْيَ اللهِ إلَيْكَ، أيِ: اتَّبِعْ في أعْمالِكَ، وقِيلَ: اسْرُدْ بِتِلاوَتِكَ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ، لا نَقْصَ في قَوْلِهِ، ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، ولَيْسَ لَكَ سِواهُ جانِبٌ تَمِيلُ إلَيْهِ وتَسْتَنِدُ.
و"المُلْتَحِدُ": الجانِبُ الَّذِي يُمالُ إلَيْهِ، ومِنهُ اللَحْدُ، كَأنَّهُ المَيْلُ في أحَدِ شِقَّيِ القَبْرِ، ومِنهُ: الإلْحادُ في الحَقِّ، وهو المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، ولا يُفْسِدُ قَوْلَهُ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أمْرُ النَسْخِ؛ لِأنَّ المَعْنى إمّا أنْ يَكُونَ: لا مُبْدِّلَ سِواهُ فَتَبْقى الكَلِماتُ عَلى الإطْلاقِ، وإمّا أنْ يَكُونَ أرادَ مِنَ "الكَلِماتِ" الخَبَرَ ونَحْوَهُ مِمّا لا يُدْخِلُهُ النَسْخُ، والإجْماعُ أنِ الَّذِي لا يَتَبَدَّلُ هو الكَلامُ القائِمُ بِالذاتِ الَّذِي بِحَسْبِهِ يَجْرِي القَدَرُ، فَأمّا الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ فَمَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّها لا تُبَدَّلُ إلّا بِالتَأْوِيلِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن يَقُولُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ بَدَّلُوا ألْفاظَ التَوْراةِ.
الكهف 18:28
قوله عزّ وجلّ:
﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عنهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُنْيا ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عن ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾
سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عُظَماءَ الكُفّارِ قِيلَ: مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ عَيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وأصْحابُهُ، والأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، قالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: لَوْ أبْعَدْتَ هَؤُلاءِ عن نَفْسِكَ لَجالَسْناكَ وصَحِبْناكَ، يُرِيدُونَ: عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، وصُهَيْبَ بْنَ سِنانٍ، وسَلْمانَ الفارِسِيَّ، وعَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وغَيْرَهم مِنَ الفُقَراءِ كَبِلالٍ ونَحْوِهِ، وقالُوا: إنَّ رِيحَ جِبابِهِمْ تُؤْذِينا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إلَيْهِمْ، وجَلَسَ بَيْنَهم وقالَ: « "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِن أُمَّتِي مَن أُمِرْتُ أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُ"،» (p-٥٩٧)وَرُوِيَ أنَّهُ قالَ لَهُمْ: « "مَرْحَبًا بِالَّذِينِ عاتَبَنِي فِيهِمْ رَبِّي"،» ورَوى سَلْمانُ أنَّ المُؤَلَّفَةَ قُلُوبَهُمْ، عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، والأقْرَعَ، وذَوِيهِمْ قالُوا ما ذُكِرَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فالآيَةُ -عَلى هَذا- مَدَنِيَّةٌ، ويُشَبَّهُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَكِّيَّةً، وفَعَلَ المُؤَلَّفَةُ فِعْلَ قُرَيْشٍ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ.
و"اصْبِرْ" مَعْناهُ: احْبِسْ، ومِنهُ المَصْبُورَةُ الَّتِي جاءَ فِيها الحَدِيثُ « "نَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عن صَبْرِ الحَيَوانِ"،» أيْ: حَبْسِهِ لِلرَّمْيِ ونَحْوِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "بِالغَداةِ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "بِالغَدْوَةِ"، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ، وهي في الخَطِّ عَلى القِراءَتَيْنِ بِالواوِ، فَمَن يَقْرَأْها "بِالغَداةِ" فَيَكْتُبُها كَما تُكْتَبُ "الصَلاةُ والزِكْوَةُ"، وفي قِراءَةِ مَن قَرَأ: "بِالغَدْوَةِ" ضَعْفٌ؛ لِأنَّ "غَدْوَةَ" اسْمٌ مُعَرَّفٌ فَحَقُّهُ ألّا تُدْخِلَ عَلَيْهِ الألِفَ واللامَ، ووَجْهُ القِراءَةِ بِذَلِكَ أنَّهم ألْحَقُوها ضَرْبًا مِنَ التَنْكِيرِ؛ إذْ قالُوا: "جِئْتُ غَدْوَةً"، يُرِيدُونَ: مِنَ الغَدَواتِ، فَحَسُنَ دُخُولُ الألِفِ واللامِ، كَقَوْلِهِمُ: الفَيْنَةُ، وفَيْنَةُ اسْمٌ مُعَرَّفٌ. (p-٥٩٨)والإشارَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ إلى الصَلَواتِ الخَمْسِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَدْخُلُ في الآيَةِ مَن يَدْعُو في غَيْرِ صَلاةٍ، ومَن يَجْتَمِعُ لِمُذاكَرَةِ عِلْمٍ. وقَدْ رَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لَذِكْرُ اللهِ بِالغَداةِ والعَشِيِّ أفْضَلُ مِن حَطْمِ السُيُوفِ في سَبِيلِ اللهِ، ومِن إعْطاءِ المالِ سَحًّا".»
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "بِالغُدُوِّ" دُونَ هاءٍ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بِالغَدَواتِ والعَشِيّاتِ" عَلى الجَمْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عنهُمْ﴾، أيْ: لا تَتَجاوَزْ عنهم إلى أبْناءِ الدُنْيا والمَلابِسِ مِنَ الكُفّارِ. وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلا تُعَدِّ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّ الدالِّ المَكْسُورَةِ، أيْ: لا تُجاوِزْها أنْتَ عنهُمْ، ورُوِيَ عنهُ: "وَلا تُعْدِ" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ العَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن أغْفَلْنا﴾، قِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ مُعَيَّنًا وهو عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، والأقْرَعُ، قالَهُ خِبابٌ، وقِيلَ: إنَّما أرادَ مِن هَذِهِ صَفَّتْهُ، وإنَّما المُرادُ أوَّلًا كُفّارُ قُرَيْشٍ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أغْفَلْنا قَلْبَهُ" بِنَصْبَ الباءِ، عَلى مَعْنى: جَعَلْناهُ غافِلًا، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ، ومُوسى الأسْوارِيُّ: "أغْفَلَنا قَلْبُهُ"، عَلى مَعْنى: أهْمَلَ ذِكْرَنا وتَرَكَهُ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ المَعْنى: مَن ظَنَّنا غافِلِينَ عنهُ، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: إنَّها قِراءَةُ عَمْرِو بْنِ عَبِيدٍ.
و"الفَرْطُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَفْرِيطِ والتَضْيِيعِ، أيْ أمْرُهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَلْتَزِمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإفْراطِ والإسْرافِ، أيْ أمْرُهُ وهَواهُ الَّذِي هو بِسَبِيلِهِ، وقَدْ فَسَّرَ المُتَأوِّلُونَ بِالعِبارَتَيْنِ، أعْنِي التَضْيِيعَ والإسْرافَ، وعَبَّرَ عنهُ خِبابٌ بِالهَلاكِ، وداوُدُ بِالنَدامَةِ، وابْنُ زَيْدٍ بِالخِلافِ لِلْحَقِّ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى.
(p-٥٩٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ الآيَةَ. المَعْنى: وقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: هَذا الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ، أيْ: هَذا القُرْآنُ، أو هَذا الإعْراضُ عنكُمْ، وتَرْكُ الطاعَةِ لَكُمْ، وصَبْرُ النَفْسِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ قُعْنُبٌ وأبُو السَمّالِ: "وَقُلَ" بِفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن﴾ الآيَةُ، تَوَعُّدٌ وتَهْدِيدٌ، أيْ: فَلْيَخْتَرْ كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ ما يَجِدُهُ غَدًا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. وتَأوَّلَتْ فِرْقَةٌ: فَمَن شاءَ اللهُ إيمانَهُ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ اللهُ كُفْرَهُ فَلْيَكْفُرْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مُتَوَجِّهٌ، أيْ: فَحَقُّهُ الإيمانُ وحَقُّهُ الكُفْرُ، ثُمَّ عَبَّرَ عن ذَلِكَ بِلَفْظِ الأمْرِ إلْزامًا وتَحْرِيضًا مِن حَيْثُ لِلْإنْسانِ - في ذَلِكَ - التَكَسُّبُ الَّذِي بِهِ يَتَعَلَّقُ ثَوابُ الإيمانِ وعِقابُ الكُفْرِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ: "فَلِيُؤْمِن.. ولِيَكْفُرْ" بِكَسْرِ اللامَيْنِ.
و"أعْتَدْنا" مَأْخُوذٌ مِنَ العَتادِ، وهو الشَيْءُ المُعَدُّ الحاضِرُ.
و"السُرادِقُ" هو الجِدارُ المُحِيطُ كالحِجارَةِ الَّتِي تَدُورُ وتُحِيطُ الفُسْطاطَ، وقَدْ تَكُونُ مِن نَوْعِ الفُسْطاطِ أدِيمًا أو ثَوْبًا أو نَحْوَهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
؎ يا حَكَمَ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودِ ∗∗∗ سُرادِقُ المَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودُ
(p-٦٠٠)وَمِنهُ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ:
؎ هو المُولِجُ النُعْمانَ بَيْتًا سَماؤُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ صُدُورُ الفُيُولِ بَعْدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقٍ
وقالَ الزَجاجُ: "السُرادِقُ": كُلُّ ما أحاطَ بِالشَيْءٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا عِنْدِي أخَصُّ مِمّا قالَ الزَجاجُ.
واخْتُلِفَ في سُرادِقِ النارِ - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُرادِقُها حائِطٌ مِن نارٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سُرادِقُها دُخّانٌ يُحِيطُ بِالكُفّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإحاطَةُ هي في الدُنْيا، والسُرادِقُ: البَحْرُ، ورُوِيَ هَذا المَعْنى مِن طَرِيقِ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحاطَ بِهِمْ﴾، أيْ: بِالبَشَرِ، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ الحَدِيثَ عن يَعْلى، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "البَحْرُ هُو جَهَنَّمُ"،» وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: « "واللهِ لا أدْخُلُهُ أبَدًا، أو ما دُمْتُ حَيًّا"،» ورُوِيَ عنهُ أيْضًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ: « "لِسُرادِقِ النارِ أرْبَعَةُ جُدُرٍ كُثُفٍ، عَرْضُ كُلِّ جَدارٍ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً".»
وقَوْلُهُ تَعالى: "يُغاثُوا" أيْ يَكُونُ لَهم مَقامُ الغَوْثِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ:(p-٦٠١)
؎ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
أيِ: القائِمُ مَقامَ التَحِيَّةِ.
و"المُهْلُ"، قالَ أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هو دُرْدِيُّ الزَيْتِ إذا انْتَهى حَرُّهُ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ: هو كُلُّ مائِعٍ سُخِّنَ حَتّى انْتَهى حَرُّهُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: كُلُّ ما أُذِيبَ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو رَصاصٍ أو نَحْوَ هَذا مِنَ الفِلِزِّ حَتّى تَمَيَّعَ، ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ أُهْدِيَتْ إلَيْهِ سِقايَةٌ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ فَأمَرَ بِها فَأُذِيبَتْ حَتّى تَمَيَّعَتْ وتَلَوَّنَتْ ألْوانًا، ثُمَّ دَعا مَن بِبابِهِ مِن أهْلِ الكُوفَةِ فَقالَ: ما رَأيْتُ في الدُنْيا شَيْئًا أدْنى شَبَهًا بِالمَهْلِ مِن هَذا، يُرِيدُ: أدْنى شَبَهًا بِشَرابِ أهْلِ النارِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "المُهْلُ": الصَدِيدُ والدَمُ إذا اخْتَلَطا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ في الكَفَنِ: "إنَّما هو لِلْمُهْلَةِ"، يُرِيدُ: لِما يَسِيلُ مِنَ المَيِّتِ في قَبْرِهِ، ويَقْوى هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ رُوِيَ في مَعْناهُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "تُقَرَّبُ الشَرْبَةُ مِنَ الكافِرِ، فَإذا دَنَتْ مِنهُ تَكَرَّهَها، فَإذا دَنَتْ أكْثَرَ شَوَتْ وجْهَهُ وسَقَطَتْ فِيها فَرْوَةَ وجْهِهِ، وإذا شَرَبَ تَقَطَّعَتْ أمْعاؤُهُ".» و"المُرْتَفَقُ": الشَيْءُ الَّذِي يُرْتَفَقُ بِهِ، (p-٦٠٢)أيْ يَطْلُبُ رِفْقَهُ، و"المُرْتَفَقُ" الَّذِي هو المُتَّكَأُ أخَصُّ مِن هَذا الَّذِي في الآيَةِ؛ لِأنَّهُ في شَيْءٍ واحِدٍ مِن مَعْنى الرِفْقِ، عَلى أنَّ الطَبَرِيَّ قَدْ فَسَّرَ الآيَةَ بِهِ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ "المُرْتَفَقُ" بِمَعْنى الشَيْءِ الَّذِي يُطْلَبُ رَفْقِهِ بِاتِّكاءٍ وغَيْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: "المُرْتَفَقُ": المُجْتَمَعُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّهُ ذَهَبَ بِها إلى مَوْضِعِ الرَفاقَةِ، ومِنهُ الرُفْقَةُ، وهَذا كُلُّهُ راجِعٌ إلى الرِفْقِ، وأنْكَرَ الطَبَرِيُّ أنْ يَعْرِفَ لِقَوْلِ مُجاهِدٍ مَعْنًى، والقَوْلُ بَيِّنُ الوَجْهِ، واللهُ المُعِينُ.
الكهف 18:29
قوله عزّ وجلّ:
﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عنهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُنْيا ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عن ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾
سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عُظَماءَ الكُفّارِ قِيلَ: مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ عَيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وأصْحابُهُ، والأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، قالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: لَوْ أبْعَدْتَ هَؤُلاءِ عن نَفْسِكَ لَجالَسْناكَ وصَحِبْناكَ، يُرِيدُونَ: عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، وصُهَيْبَ بْنَ سِنانٍ، وسَلْمانَ الفارِسِيَّ، وعَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وغَيْرَهم مِنَ الفُقَراءِ كَبِلالٍ ونَحْوِهِ، وقالُوا: إنَّ رِيحَ جِبابِهِمْ تُؤْذِينا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إلَيْهِمْ، وجَلَسَ بَيْنَهم وقالَ: « "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِن أُمَّتِي مَن أُمِرْتُ أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُ"،» (p-٥٩٧)وَرُوِيَ أنَّهُ قالَ لَهُمْ: « "مَرْحَبًا بِالَّذِينِ عاتَبَنِي فِيهِمْ رَبِّي"،» ورَوى سَلْمانُ أنَّ المُؤَلَّفَةَ قُلُوبَهُمْ، عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، والأقْرَعَ، وذَوِيهِمْ قالُوا ما ذُكِرَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فالآيَةُ -عَلى هَذا- مَدَنِيَّةٌ، ويُشَبَّهُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَكِّيَّةً، وفَعَلَ المُؤَلَّفَةُ فِعْلَ قُرَيْشٍ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ.
و"اصْبِرْ" مَعْناهُ: احْبِسْ، ومِنهُ المَصْبُورَةُ الَّتِي جاءَ فِيها الحَدِيثُ « "نَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عن صَبْرِ الحَيَوانِ"،» أيْ: حَبْسِهِ لِلرَّمْيِ ونَحْوِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "بِالغَداةِ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "بِالغَدْوَةِ"، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ، وهي في الخَطِّ عَلى القِراءَتَيْنِ بِالواوِ، فَمَن يَقْرَأْها "بِالغَداةِ" فَيَكْتُبُها كَما تُكْتَبُ "الصَلاةُ والزِكْوَةُ"، وفي قِراءَةِ مَن قَرَأ: "بِالغَدْوَةِ" ضَعْفٌ؛ لِأنَّ "غَدْوَةَ" اسْمٌ مُعَرَّفٌ فَحَقُّهُ ألّا تُدْخِلَ عَلَيْهِ الألِفَ واللامَ، ووَجْهُ القِراءَةِ بِذَلِكَ أنَّهم ألْحَقُوها ضَرْبًا مِنَ التَنْكِيرِ؛ إذْ قالُوا: "جِئْتُ غَدْوَةً"، يُرِيدُونَ: مِنَ الغَدَواتِ، فَحَسُنَ دُخُولُ الألِفِ واللامِ، كَقَوْلِهِمُ: الفَيْنَةُ، وفَيْنَةُ اسْمٌ مُعَرَّفٌ. (p-٥٩٨)والإشارَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ إلى الصَلَواتِ الخَمْسِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَدْخُلُ في الآيَةِ مَن يَدْعُو في غَيْرِ صَلاةٍ، ومَن يَجْتَمِعُ لِمُذاكَرَةِ عِلْمٍ. وقَدْ رَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لَذِكْرُ اللهِ بِالغَداةِ والعَشِيِّ أفْضَلُ مِن حَطْمِ السُيُوفِ في سَبِيلِ اللهِ، ومِن إعْطاءِ المالِ سَحًّا".»
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "بِالغُدُوِّ" دُونَ هاءٍ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بِالغَدَواتِ والعَشِيّاتِ" عَلى الجَمْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عنهُمْ﴾، أيْ: لا تَتَجاوَزْ عنهم إلى أبْناءِ الدُنْيا والمَلابِسِ مِنَ الكُفّارِ. وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلا تُعَدِّ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّ الدالِّ المَكْسُورَةِ، أيْ: لا تُجاوِزْها أنْتَ عنهُمْ، ورُوِيَ عنهُ: "وَلا تُعْدِ" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ العَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن أغْفَلْنا﴾، قِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ مُعَيَّنًا وهو عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، والأقْرَعُ، قالَهُ خِبابٌ، وقِيلَ: إنَّما أرادَ مِن هَذِهِ صَفَّتْهُ، وإنَّما المُرادُ أوَّلًا كُفّارُ قُرَيْشٍ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أغْفَلْنا قَلْبَهُ" بِنَصْبَ الباءِ، عَلى مَعْنى: جَعَلْناهُ غافِلًا، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ، ومُوسى الأسْوارِيُّ: "أغْفَلَنا قَلْبُهُ"، عَلى مَعْنى: أهْمَلَ ذِكْرَنا وتَرَكَهُ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ المَعْنى: مَن ظَنَّنا غافِلِينَ عنهُ، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: إنَّها قِراءَةُ عَمْرِو بْنِ عَبِيدٍ.
و"الفَرْطُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَفْرِيطِ والتَضْيِيعِ، أيْ أمْرُهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَلْتَزِمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإفْراطِ والإسْرافِ، أيْ أمْرُهُ وهَواهُ الَّذِي هو بِسَبِيلِهِ، وقَدْ فَسَّرَ المُتَأوِّلُونَ بِالعِبارَتَيْنِ، أعْنِي التَضْيِيعَ والإسْرافَ، وعَبَّرَ عنهُ خِبابٌ بِالهَلاكِ، وداوُدُ بِالنَدامَةِ، وابْنُ زَيْدٍ بِالخِلافِ لِلْحَقِّ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى.
(p-٥٩٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ الآيَةَ. المَعْنى: وقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: هَذا الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ، أيْ: هَذا القُرْآنُ، أو هَذا الإعْراضُ عنكُمْ، وتَرْكُ الطاعَةِ لَكُمْ، وصَبْرُ النَفْسِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ قُعْنُبٌ وأبُو السَمّالِ: "وَقُلَ" بِفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن﴾ الآيَةُ، تَوَعُّدٌ وتَهْدِيدٌ، أيْ: فَلْيَخْتَرْ كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ ما يَجِدُهُ غَدًا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. وتَأوَّلَتْ فِرْقَةٌ: فَمَن شاءَ اللهُ إيمانَهُ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ اللهُ كُفْرَهُ فَلْيَكْفُرْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مُتَوَجِّهٌ، أيْ: فَحَقُّهُ الإيمانُ وحَقُّهُ الكُفْرُ، ثُمَّ عَبَّرَ عن ذَلِكَ بِلَفْظِ الأمْرِ إلْزامًا وتَحْرِيضًا مِن حَيْثُ لِلْإنْسانِ - في ذَلِكَ - التَكَسُّبُ الَّذِي بِهِ يَتَعَلَّقُ ثَوابُ الإيمانِ وعِقابُ الكُفْرِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ: "فَلِيُؤْمِن.. ولِيَكْفُرْ" بِكَسْرِ اللامَيْنِ.
و"أعْتَدْنا" مَأْخُوذٌ مِنَ العَتادِ، وهو الشَيْءُ المُعَدُّ الحاضِرُ.
و"السُرادِقُ" هو الجِدارُ المُحِيطُ كالحِجارَةِ الَّتِي تَدُورُ وتُحِيطُ الفُسْطاطَ، وقَدْ تَكُونُ مِن نَوْعِ الفُسْطاطِ أدِيمًا أو ثَوْبًا أو نَحْوَهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
؎ يا حَكَمَ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودِ ∗∗∗ سُرادِقُ المَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودُ
(p-٦٠٠)وَمِنهُ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ:
؎ هو المُولِجُ النُعْمانَ بَيْتًا سَماؤُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ صُدُورُ الفُيُولِ بَعْدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقٍ
وقالَ الزَجاجُ: "السُرادِقُ": كُلُّ ما أحاطَ بِالشَيْءٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا عِنْدِي أخَصُّ مِمّا قالَ الزَجاجُ.
واخْتُلِفَ في سُرادِقِ النارِ - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُرادِقُها حائِطٌ مِن نارٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سُرادِقُها دُخّانٌ يُحِيطُ بِالكُفّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإحاطَةُ هي في الدُنْيا، والسُرادِقُ: البَحْرُ، ورُوِيَ هَذا المَعْنى مِن طَرِيقِ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحاطَ بِهِمْ﴾، أيْ: بِالبَشَرِ، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ الحَدِيثَ عن يَعْلى، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "البَحْرُ هُو جَهَنَّمُ"،» وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: « "واللهِ لا أدْخُلُهُ أبَدًا، أو ما دُمْتُ حَيًّا"،» ورُوِيَ عنهُ أيْضًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ: « "لِسُرادِقِ النارِ أرْبَعَةُ جُدُرٍ كُثُفٍ، عَرْضُ كُلِّ جَدارٍ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً".»
وقَوْلُهُ تَعالى: "يُغاثُوا" أيْ يَكُونُ لَهم مَقامُ الغَوْثِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ:(p-٦٠١)
؎ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
أيِ: القائِمُ مَقامَ التَحِيَّةِ.
و"المُهْلُ"، قالَ أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هو دُرْدِيُّ الزَيْتِ إذا انْتَهى حَرُّهُ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ: هو كُلُّ مائِعٍ سُخِّنَ حَتّى انْتَهى حَرُّهُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: كُلُّ ما أُذِيبَ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو رَصاصٍ أو نَحْوَ هَذا مِنَ الفِلِزِّ حَتّى تَمَيَّعَ، ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ أُهْدِيَتْ إلَيْهِ سِقايَةٌ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ فَأمَرَ بِها فَأُذِيبَتْ حَتّى تَمَيَّعَتْ وتَلَوَّنَتْ ألْوانًا، ثُمَّ دَعا مَن بِبابِهِ مِن أهْلِ الكُوفَةِ فَقالَ: ما رَأيْتُ في الدُنْيا شَيْئًا أدْنى شَبَهًا بِالمَهْلِ مِن هَذا، يُرِيدُ: أدْنى شَبَهًا بِشَرابِ أهْلِ النارِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "المُهْلُ": الصَدِيدُ والدَمُ إذا اخْتَلَطا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ في الكَفَنِ: "إنَّما هو لِلْمُهْلَةِ"، يُرِيدُ: لِما يَسِيلُ مِنَ المَيِّتِ في قَبْرِهِ، ويَقْوى هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ رُوِيَ في مَعْناهُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "تُقَرَّبُ الشَرْبَةُ مِنَ الكافِرِ، فَإذا دَنَتْ مِنهُ تَكَرَّهَها، فَإذا دَنَتْ أكْثَرَ شَوَتْ وجْهَهُ وسَقَطَتْ فِيها فَرْوَةَ وجْهِهِ، وإذا شَرَبَ تَقَطَّعَتْ أمْعاؤُهُ".» و"المُرْتَفَقُ": الشَيْءُ الَّذِي يُرْتَفَقُ بِهِ، (p-٦٠٢)أيْ يَطْلُبُ رِفْقَهُ، و"المُرْتَفَقُ" الَّذِي هو المُتَّكَأُ أخَصُّ مِن هَذا الَّذِي في الآيَةِ؛ لِأنَّهُ في شَيْءٍ واحِدٍ مِن مَعْنى الرِفْقِ، عَلى أنَّ الطَبَرِيَّ قَدْ فَسَّرَ الآيَةَ بِهِ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ "المُرْتَفَقُ" بِمَعْنى الشَيْءِ الَّذِي يُطْلَبُ رَفْقِهِ بِاتِّكاءٍ وغَيْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: "المُرْتَفَقُ": المُجْتَمَعُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّهُ ذَهَبَ بِها إلى مَوْضِعِ الرَفاقَةِ، ومِنهُ الرُفْقَةُ، وهَذا كُلُّهُ راجِعٌ إلى الرِفْقِ، وأنْكَرَ الطَبَرِيُّ أنْ يَعْرِفَ لِقَوْلِ مُجاهِدٍ مَعْنًى، والقَوْلُ بَيِّنُ الوَجْهِ، واللهُ المُعِينُ.
الكهف 18:30
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ نِعْمَ الثَوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾
قوله عزّ وجلّ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْمَعْنى، مُذَكِّرٌ بِأفْضالِ اللهِ تَعالى، مُنَبِّهٌ عَلى حُسْنِ جَزائِهِ، بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ﴾، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، جُمْلَةٌ هي خَبَرُ "إنَّ" الأُولى، ونَحْوَ هَذا مِنَ الِاعْتِراضِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنَّ الخَلِيفَةَ -إنَّ اللهَ ألْبَسَهُ ∗∗∗ سِرْبالَ مُلْكٍ -بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ
(p-٦٠٣)قالَ الزَجاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ "إنَّ" في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ ؛ لِأنَّ المُحْسِنِينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَكَأنَّ المَعْنى: لا نُضِيعُ أجْرَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ الخَبَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُضِيعُ﴾ عَلى حَذْفِ العائِدِ، تَقْدِيرُهُ: مَن أحْسَنَ عَمَلًا مِنهم.
و"العَدْنُ": الإقامَةُ، ومِنهُ المَعْدِنُ؛ لِأنَّ حَجَرَهُ مُقِيمٌ فِيهِ ثابِتٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن تَحْتِهِمُ﴾ يُرِيدُ: مِن تَحْتِ غُرَفِهِمْ ومَبانِيهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن أساوِرَ"، ورَوى أبانَ عن عاصِمٍ: "مِن أسْوِرَةٍ" بِغَيْرِ ألْفٍ وبِزِيادَةِ هاءٍ، وواحِدَهُ الأساوِرِ: إسْوارٌ وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ الجَمْعِ؛ لِأنَّ البابَ: أساوِيرُ، وهي ما كانَ في الذِراعِ مِنَ الحُلِيِّ، وقِيلَ: أساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارِ، وإنَّما الإسْوارُ بِالفارِسِيَّةِ القائِدُ ونَحْوَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُقالُ في حُلِيِّ الذِراعِ: إسْوارٌ، ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ واللهِ لَوْلا فِتْيَةٌ صِغارُ ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّما وجُوهُهم أقْمارُ
؎ تَضُمُّهم مِنَ العَتِيكِ دارُ ∗∗∗ ∗∗∗ أخافُ أنْ يُصِيبَهم إقْتارُ
؎ أو لاطِمٌ لَيْسَ لَهُ إسْوارُ ∗∗∗ ∗∗∗ لِما رَآنِي مَلِكٌ جَبّارُ
بِبابِهِ ما وضَحَ النَهارُ
(p-٦٠٤)أنْشَدَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ حاشِيَةً في كِتابٍ أبِي عُبَيْدَةَ.
و"السُنْدُسُ": رَقِيقُ الدِيباجِ، و"الإسْتَبْرَقُ": ما غَلُظَ مِنهُ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي لَفْظَةٌ أعْجَمِيَّةٌ عُرِّبَتْ، وأصْلُها: اسْتَبَرَهُ، وقالَ بَعْضُهم بَلْ هو الفِعْلُ العَرَبِيُّ سُمِّيَ بِهِ، فَهو إسْتَبْرَقٌ، مِنَ البَرِيقِ، فَغُيِّرَ حِينِ سُمِّيَ بِهِ بِقَطْعِ الألْفِ، ويُقَوِّي هَذا القَوْلَ أنَّ ابْنَ مُحَيْصِنٍ قَرَأ: "مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ"، فَجاءَ مَوْصُولُ الهَمْزَةِ حَيْثُ وقَعَ، ولا يَجُرُّهُ بَلْ بِفَتْحِ القافِ، ذَكَرَهُ الأسْوارِيُّ، وذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ وقالَ: هَذا سَهْوٌ أو كالسَهْوِ.
و"الأرائِكِ": جَمْعُ أرِيكَةٍ، وهو السَرِيرُ في الحِجالِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَحَسُنَتْ" لِلْجَنّاتِ، وحَكى النَقاشُ عن أبِي عُمْرانَ الجَوْنِي أنَّهُ قالَ: الإسْتَبْرَقُ: الحَرِيرُ المَنسُوجُ بِالذَهَبِ، وحَكى مَكِّيُّ والزَهْراوِيُّ وغَيْرُهُما حَدِيثًا مُضَمَّنُهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ، سَألَ أعْرابِيٌّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الآيَةِ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ لِلْأعْرابِيِّ: "أعْلِمْ قَوْمَكَ أنَّها نَزَلَتْ في هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ" وهم حُضُورٌ.
الكهف 18:31
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ نِعْمَ الثَوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾
قوله عزّ وجلّ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْمَعْنى، مُذَكِّرٌ بِأفْضالِ اللهِ تَعالى، مُنَبِّهٌ عَلى حُسْنِ جَزائِهِ، بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ﴾، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، جُمْلَةٌ هي خَبَرُ "إنَّ" الأُولى، ونَحْوَ هَذا مِنَ الِاعْتِراضِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنَّ الخَلِيفَةَ -إنَّ اللهَ ألْبَسَهُ ∗∗∗ سِرْبالَ مُلْكٍ -بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ
(p-٦٠٣)قالَ الزَجاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ "إنَّ" في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ ؛ لِأنَّ المُحْسِنِينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَكَأنَّ المَعْنى: لا نُضِيعُ أجْرَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ الخَبَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُضِيعُ﴾ عَلى حَذْفِ العائِدِ، تَقْدِيرُهُ: مَن أحْسَنَ عَمَلًا مِنهم.
و"العَدْنُ": الإقامَةُ، ومِنهُ المَعْدِنُ؛ لِأنَّ حَجَرَهُ مُقِيمٌ فِيهِ ثابِتٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن تَحْتِهِمُ﴾ يُرِيدُ: مِن تَحْتِ غُرَفِهِمْ ومَبانِيهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن أساوِرَ"، ورَوى أبانَ عن عاصِمٍ: "مِن أسْوِرَةٍ" بِغَيْرِ ألْفٍ وبِزِيادَةِ هاءٍ، وواحِدَهُ الأساوِرِ: إسْوارٌ وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ الجَمْعِ؛ لِأنَّ البابَ: أساوِيرُ، وهي ما كانَ في الذِراعِ مِنَ الحُلِيِّ، وقِيلَ: أساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارِ، وإنَّما الإسْوارُ بِالفارِسِيَّةِ القائِدُ ونَحْوَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُقالُ في حُلِيِّ الذِراعِ: إسْوارٌ، ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ واللهِ لَوْلا فِتْيَةٌ صِغارُ ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّما وجُوهُهم أقْمارُ
؎ تَضُمُّهم مِنَ العَتِيكِ دارُ ∗∗∗ ∗∗∗ أخافُ أنْ يُصِيبَهم إقْتارُ
؎ أو لاطِمٌ لَيْسَ لَهُ إسْوارُ ∗∗∗ ∗∗∗ لِما رَآنِي مَلِكٌ جَبّارُ
بِبابِهِ ما وضَحَ النَهارُ
(p-٦٠٤)أنْشَدَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ حاشِيَةً في كِتابٍ أبِي عُبَيْدَةَ.
و"السُنْدُسُ": رَقِيقُ الدِيباجِ، و"الإسْتَبْرَقُ": ما غَلُظَ مِنهُ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي لَفْظَةٌ أعْجَمِيَّةٌ عُرِّبَتْ، وأصْلُها: اسْتَبَرَهُ، وقالَ بَعْضُهم بَلْ هو الفِعْلُ العَرَبِيُّ سُمِّيَ بِهِ، فَهو إسْتَبْرَقٌ، مِنَ البَرِيقِ، فَغُيِّرَ حِينِ سُمِّيَ بِهِ بِقَطْعِ الألْفِ، ويُقَوِّي هَذا القَوْلَ أنَّ ابْنَ مُحَيْصِنٍ قَرَأ: "مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ"، فَجاءَ مَوْصُولُ الهَمْزَةِ حَيْثُ وقَعَ، ولا يَجُرُّهُ بَلْ بِفَتْحِ القافِ، ذَكَرَهُ الأسْوارِيُّ، وذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ وقالَ: هَذا سَهْوٌ أو كالسَهْوِ.
و"الأرائِكِ": جَمْعُ أرِيكَةٍ، وهو السَرِيرُ في الحِجالِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَحَسُنَتْ" لِلْجَنّاتِ، وحَكى النَقاشُ عن أبِي عُمْرانَ الجَوْنِي أنَّهُ قالَ: الإسْتَبْرَقُ: الحَرِيرُ المَنسُوجُ بِالذَهَبِ، وحَكى مَكِّيُّ والزَهْراوِيُّ وغَيْرُهُما حَدِيثًا مُضَمَّنُهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ، سَألَ أعْرابِيٌّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الآيَةِ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ لِلْأعْرابِيِّ: "أعْلِمْ قَوْمَكَ أنَّها نَزَلَتْ في هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ" وهم حُضُورٌ.
الكهف 18:32
قوله عزّ وجلّ:
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا وأعَزُّ نَفَرًا﴾
الضَمِيرُ في "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى الطائِفَةِ المُتَحَيِّرَةِ الَّتِي أرادَتْ مِنَ النَبِيِّ ﷺ أنْ يَطْرُدَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ، وعَلى أُولَئِكَ الداعِينَ أيْضًا، فالمَثَلُ مَضْرُوبٌ لِلطّائِفَتَيْنِ؛ إذِ الرَجُلُ الكافِرُ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ هو بِإزاءِ مُتَجَبِّرِي قُرَيْشٍ، أو بَنِي تَمِيمٍ، عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ أوَّلًا، والرَجُلُ المُؤْمِنُ المُقِرُّ بِالرُبُوبِيَّةِ هو بِإزاءِ بِلالٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وأقْرانِهِمْ.
(p-٦٠٥)وَ"حَفَفْناهُما" بِمَعْنى: جَعَلْنا ذَلِكَ لَها مِن كُلِّ جِهَةٍ، تَقُولُ: حَفَّكَ اللهُ بِخَيْرٍ، أيْ: عَمَّكَ بِهِ مِن جِهاتِكَ، والحِفافُ: الجانِبُ مِنَ السَرِيرِ ونَحْوَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وظاهِرُ هَذا المَثَلِ أنَّهُ بِأمْرٍ وقَعَ وكانَ مَوْجُودًا، وعَلى هَذا فَسَّرَهُ أكْثَرُ أهْلِ هَذا التَأْوِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَثَلُ مَضْرُوبًا بِمَن هَذِهِ صِفَتُهُ وإنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ في وُجُودٍ قَطُّ. والأوَّلُ أظْهَرُ.
ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّهُما كانا أخَوَيْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ورِثا أرْبَعَةَ آلافِ دِينارٍ، فَصَنَعَ أحَدُهُما بِمالِهِ ما ذَكَرَ، واشْتَرى عَبِيدًا وتَزَوَّجَ وأثْرى، وأنْفَقَ الآخَرُ مالَهُ في طاعَةِ اللهِ تَعالى حَتّى افْتَقَرَ، والتَقَيا فَفَخَرَ الغَنِيُّ ووَبَّخَ المُؤْمِنَ، فَجَرَتْ بَيْنَهُما هَذِهِ المُحاوَرَةُ، ورُوِيَ أنَّهُما كانا شَرِيكَيْنِ حَدّادَيْنِ كَسَبا مالًا كَثِيرًا وصَنَعا نَحْوَ ما رُوِيَ في أمْرِ الأخَوَيْنِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما ما قَصَّ اللهُ في كِتابِهِ. وذَكَرَ إبْراهِيمُ بْنُ القاسِمِ الكاتِبِ في كِتابِهِ (فِي عَجائِبِ البِلادِ) أنَّ بُحَيْرَةَ تِنِّيسٍ كانَتْ ما بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وكانَتْ لِلْأخَوَيْنِ، فَباعَ أحَدُهُما نَصِيبَهُ مِنَ الآخَرِ، وأنْفَقَ في طاعَةِ اللهِ حَتّى عِيَّرَهُ الآخَرُ، فَجَرَتْ بَيْنَهُما هَذِهِ المُحاوَرَةُ، قالَ: فَغَرَّقَها اللهُ في لَيْلَةٍ، وإيّاها عَنّى بِهَذِهِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي بَسْطِ قِصَصِهِما طُولٌ فاخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرَتْ عَلى مَعْناهُ لِقِلَّةِ صِحَّتِهِ، ولِأنَّ في هَذا ما يَفِي بِفَهْمِ الآيَةِ.
وتَأمَّلْ هَذِهِ الهَيْئَةَ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ تَعالى، فَإنَّ المَرْءَ لا يَكادُ يَتَخَيَّلُ أجْمَلَ مِنها في مَكاسِبِ الناسِ: جَنَّتا عِنَبٍ أحاطَ بِهِما نَخْلٌ بَيْنَهُما فُسْحَةٌ هي مُزْدَرَعٌ لِجَمِيعِ الحُبُوبِ، والماءُ الغَيْلُ يُسْقِي جَمِيعَ ذَلِكَ مِنَ النَهْرِ الَّذِي قَدْ جَمَّلَ هَذا المَنظَرَ، وعَظَّمَ النَفْعَ، وقَرَّبَ الكَدَّ، وأغْنى عَنِ النَواضِحِ وغَيْرِها.
(p-٦٠٦)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "كِلْتا"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "كِلا"، والتاءُ في "كِلْتا" مُنْقَلِبَةٌ عن واوٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وهو بِالتاءِ أو بِغَيْرِ التاءِ اسْمٌ مُفْرَدٌ واقِعٌ عَلى الشَيْءِ المُثَنّى، ولَيْسَ باسِمٍ مُثَنّى، ومَعْناهُ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما، و"الأُكُلُ": ثَمَرُها الَّذِي يُؤْكَلُ مِنها، قالَ الفَرّاءُ: وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "كُلُّ الجَنَّتَيْنِ أتى أُكُلَهُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾، أيْ: لَمْ تَنْقُصْ عَنِ العُرْفِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَظَلَّمَنِي مالِي كَذا ولَوى يَدِي ∗∗∗ لَوى يَدَهُ اللهُ الَّذِي هو غالِبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَجَّرْنا" بِشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ سَلّامٌ، ويَعْقُوبٌ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَفَجَرْنا" بِفَتْحِ الجِيمِ دُونَ شَدٍّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَهْرًا" بِفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ أبُو السَمّالِ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "نَهْرًا" بِسُكُونِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ قُرّاءِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ: "ثُمُرٌ" "وَأُحِيطَ بِثُمُرِهِ" بِضَمِّ الثاءِ والمِيمِ، جَمْعُ ثِمارٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرُو، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ بِسُكُونِ المِيمِ فِيهِما تَخْفِيفًا، وهي في المَعْنى كالأُولى، ويَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ جَمَعُ ثَمَرَةٍ كَبَدَنَةٍ وبُدْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ "ثَمَرٌ" "وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ" بِفَتْحِ المِيمِ والثاءِ فِيهِما، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، والحَسَنِ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، والحَجّاجِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الثُمُرِ" بِضَمِّ الثاءِ والمِيمِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: "الثُمُرُ": (p-٦٠٧)جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَسْتَشْهِدُونَ لِهَذا القَوْلِ بِبَيْتِ النابِغَةِ:
؎ وما أُثَمِّرُ مَن مالٍ ومِن ولَدِ
وقالَ مُجاهِدٌ: يُرادُ بِها الذَهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الثُمُرُ" هي الأُصُولُ الَّتِي فِيها الثَمَرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّها ثِمارٌ وثُمُرٌ، كَكُتّابٍ وكُتُبٍ. وأمّا مَن قَرَأ بِفَتْحِ الثاءِ والمِيمِ فَلا إشْكالٍ في أنَّ المَعْنى ما في رُؤُوسِ الشَجَرِ مِنَ الأكْلِ، ولَكِنَّ فَصاحَةَ الكَلامِ تَقْتَضِي أنْ يُعَبِّرَ إيجازًا عن هَلاكِ الثَمَرِ والأُصُولُ بِهَلاكِ الثَمَرِ فَقَطْ، خَصَّها بِالذِكْرِ إذْ هي مَقْصَدُ المُسْتَغِلِّ، وإذْ هَلاكُ الأُصُولِ إنَّما يَسُوءُ مِنهُ هَلاكُ الثَمَرِ الَّذِي كانَ يُرْجى في المُسْتَقْبَلِ، وكَما يَقْتَضِي قَوْلُهُ "إنَّ لَهُ ثَمَرًا"، أنَّ لَهُ أُصُولًا، كَذَلِكَ تَقْتَضِي الإحاطَةُ المُطْلَقَةُ بِالثَمَراتِ والأُصُولُ قَدْ هَلَكَتْ. وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ: "وَآتَيْناهُ ثَمَرًا كَثِيرًا". وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ" بِفَتْحِ الثاءِ وسُكُونِ المِيمِ. و"المُحاوَرَةُ": مُراجَعَةُ القَوْلِ، وهو مِن: حارَ يَحُورُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَأعَزُّ نَفَرًا﴾ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أخاهُ. وقالَ المُناقِضُ: أرادَ بِالنَفَرِ العَبِيدَ والخَوَلَ؛ إذْ هُمُ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ في رَغائِبِهِ، وفي هَذا الكَلامِ مِنَ الكِبْرِ والزَهْوِ والِاغْتِرارِ ما بَيانُهُ يُغْنِي عَنِ القَوْلِ فِيهِ. وهَذِهِ المَقالَةُ بِإزاءِ قَوْلِ عُيَيْنَةَ والأقْرَعِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: نَحْنُ ساداتُ العَرَبِ، وأهْلُ الوَبَرِ والمَدَرِ، فَنَحِّ عَنّا سَلْمانَ وقُرَناءَهُ.
الكهف 18:33
قوله عزّ وجلّ:
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا وأعَزُّ نَفَرًا﴾
الضَمِيرُ في "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى الطائِفَةِ المُتَحَيِّرَةِ الَّتِي أرادَتْ مِنَ النَبِيِّ ﷺ أنْ يَطْرُدَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ، وعَلى أُولَئِكَ الداعِينَ أيْضًا، فالمَثَلُ مَضْرُوبٌ لِلطّائِفَتَيْنِ؛ إذِ الرَجُلُ الكافِرُ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ هو بِإزاءِ مُتَجَبِّرِي قُرَيْشٍ، أو بَنِي تَمِيمٍ، عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ أوَّلًا، والرَجُلُ المُؤْمِنُ المُقِرُّ بِالرُبُوبِيَّةِ هو بِإزاءِ بِلالٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وأقْرانِهِمْ.
(p-٦٠٥)وَ"حَفَفْناهُما" بِمَعْنى: جَعَلْنا ذَلِكَ لَها مِن كُلِّ جِهَةٍ، تَقُولُ: حَفَّكَ اللهُ بِخَيْرٍ، أيْ: عَمَّكَ بِهِ مِن جِهاتِكَ، والحِفافُ: الجانِبُ مِنَ السَرِيرِ ونَحْوَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وظاهِرُ هَذا المَثَلِ أنَّهُ بِأمْرٍ وقَعَ وكانَ مَوْجُودًا، وعَلى هَذا فَسَّرَهُ أكْثَرُ أهْلِ هَذا التَأْوِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَثَلُ مَضْرُوبًا بِمَن هَذِهِ صِفَتُهُ وإنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ في وُجُودٍ قَطُّ. والأوَّلُ أظْهَرُ.
ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّهُما كانا أخَوَيْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ورِثا أرْبَعَةَ آلافِ دِينارٍ، فَصَنَعَ أحَدُهُما بِمالِهِ ما ذَكَرَ، واشْتَرى عَبِيدًا وتَزَوَّجَ وأثْرى، وأنْفَقَ الآخَرُ مالَهُ في طاعَةِ اللهِ تَعالى حَتّى افْتَقَرَ، والتَقَيا فَفَخَرَ الغَنِيُّ ووَبَّخَ المُؤْمِنَ، فَجَرَتْ بَيْنَهُما هَذِهِ المُحاوَرَةُ، ورُوِيَ أنَّهُما كانا شَرِيكَيْنِ حَدّادَيْنِ كَسَبا مالًا كَثِيرًا وصَنَعا نَحْوَ ما رُوِيَ في أمْرِ الأخَوَيْنِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما ما قَصَّ اللهُ في كِتابِهِ. وذَكَرَ إبْراهِيمُ بْنُ القاسِمِ الكاتِبِ في كِتابِهِ (فِي عَجائِبِ البِلادِ) أنَّ بُحَيْرَةَ تِنِّيسٍ كانَتْ ما بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وكانَتْ لِلْأخَوَيْنِ، فَباعَ أحَدُهُما نَصِيبَهُ مِنَ الآخَرِ، وأنْفَقَ في طاعَةِ اللهِ حَتّى عِيَّرَهُ الآخَرُ، فَجَرَتْ بَيْنَهُما هَذِهِ المُحاوَرَةُ، قالَ: فَغَرَّقَها اللهُ في لَيْلَةٍ، وإيّاها عَنّى بِهَذِهِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي بَسْطِ قِصَصِهِما طُولٌ فاخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرَتْ عَلى مَعْناهُ لِقِلَّةِ صِحَّتِهِ، ولِأنَّ في هَذا ما يَفِي بِفَهْمِ الآيَةِ.
وتَأمَّلْ هَذِهِ الهَيْئَةَ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ تَعالى، فَإنَّ المَرْءَ لا يَكادُ يَتَخَيَّلُ أجْمَلَ مِنها في مَكاسِبِ الناسِ: جَنَّتا عِنَبٍ أحاطَ بِهِما نَخْلٌ بَيْنَهُما فُسْحَةٌ هي مُزْدَرَعٌ لِجَمِيعِ الحُبُوبِ، والماءُ الغَيْلُ يُسْقِي جَمِيعَ ذَلِكَ مِنَ النَهْرِ الَّذِي قَدْ جَمَّلَ هَذا المَنظَرَ، وعَظَّمَ النَفْعَ، وقَرَّبَ الكَدَّ، وأغْنى عَنِ النَواضِحِ وغَيْرِها.
(p-٦٠٦)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "كِلْتا"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "كِلا"، والتاءُ في "كِلْتا" مُنْقَلِبَةٌ عن واوٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وهو بِالتاءِ أو بِغَيْرِ التاءِ اسْمٌ مُفْرَدٌ واقِعٌ عَلى الشَيْءِ المُثَنّى، ولَيْسَ باسِمٍ مُثَنّى، ومَعْناهُ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما، و"الأُكُلُ": ثَمَرُها الَّذِي يُؤْكَلُ مِنها، قالَ الفَرّاءُ: وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "كُلُّ الجَنَّتَيْنِ أتى أُكُلَهُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾، أيْ: لَمْ تَنْقُصْ عَنِ العُرْفِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَظَلَّمَنِي مالِي كَذا ولَوى يَدِي ∗∗∗ لَوى يَدَهُ اللهُ الَّذِي هو غالِبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَجَّرْنا" بِشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ سَلّامٌ، ويَعْقُوبٌ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَفَجَرْنا" بِفَتْحِ الجِيمِ دُونَ شَدٍّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَهْرًا" بِفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ أبُو السَمّالِ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "نَهْرًا" بِسُكُونِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ قُرّاءِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ: "ثُمُرٌ" "وَأُحِيطَ بِثُمُرِهِ" بِضَمِّ الثاءِ والمِيمِ، جَمْعُ ثِمارٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرُو، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ بِسُكُونِ المِيمِ فِيهِما تَخْفِيفًا، وهي في المَعْنى كالأُولى، ويَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ جَمَعُ ثَمَرَةٍ كَبَدَنَةٍ وبُدْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ "ثَمَرٌ" "وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ" بِفَتْحِ المِيمِ والثاءِ فِيهِما، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، والحَسَنِ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، والحَجّاجِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الثُمُرِ" بِضَمِّ الثاءِ والمِيمِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: "الثُمُرُ": (p-٦٠٧)جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَسْتَشْهِدُونَ لِهَذا القَوْلِ بِبَيْتِ النابِغَةِ:
؎ وما أُثَمِّرُ مَن مالٍ ومِن ولَدِ
وقالَ مُجاهِدٌ: يُرادُ بِها الذَهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الثُمُرُ" هي الأُصُولُ الَّتِي فِيها الثَمَرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّها ثِمارٌ وثُمُرٌ، كَكُتّابٍ وكُتُبٍ. وأمّا مَن قَرَأ بِفَتْحِ الثاءِ والمِيمِ فَلا إشْكالٍ في أنَّ المَعْنى ما في رُؤُوسِ الشَجَرِ مِنَ الأكْلِ، ولَكِنَّ فَصاحَةَ الكَلامِ تَقْتَضِي أنْ يُعَبِّرَ إيجازًا عن هَلاكِ الثَمَرِ والأُصُولُ بِهَلاكِ الثَمَرِ فَقَطْ، خَصَّها بِالذِكْرِ إذْ هي مَقْصَدُ المُسْتَغِلِّ، وإذْ هَلاكُ الأُصُولِ إنَّما يَسُوءُ مِنهُ هَلاكُ الثَمَرِ الَّذِي كانَ يُرْجى في المُسْتَقْبَلِ، وكَما يَقْتَضِي قَوْلُهُ "إنَّ لَهُ ثَمَرًا"، أنَّ لَهُ أُصُولًا، كَذَلِكَ تَقْتَضِي الإحاطَةُ المُطْلَقَةُ بِالثَمَراتِ والأُصُولُ قَدْ هَلَكَتْ. وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ: "وَآتَيْناهُ ثَمَرًا كَثِيرًا". وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ" بِفَتْحِ الثاءِ وسُكُونِ المِيمِ. و"المُحاوَرَةُ": مُراجَعَةُ القَوْلِ، وهو مِن: حارَ يَحُورُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَأعَزُّ نَفَرًا﴾ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أخاهُ. وقالَ المُناقِضُ: أرادَ بِالنَفَرِ العَبِيدَ والخَوَلَ؛ إذْ هُمُ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ في رَغائِبِهِ، وفي هَذا الكَلامِ مِنَ الكِبْرِ والزَهْوِ والِاغْتِرارِ ما بَيانُهُ يُغْنِي عَنِ القَوْلِ فِيهِ. وهَذِهِ المَقالَةُ بِإزاءِ قَوْلِ عُيَيْنَةَ والأقْرَعِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: نَحْنُ ساداتُ العَرَبِ، وأهْلُ الوَبَرِ والمَدَرِ، فَنَحِّ عَنّا سَلْمانَ وقُرَناءَهُ.
الكهف 18:34
قوله عزّ وجلّ:
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا وأعَزُّ نَفَرًا﴾
الضَمِيرُ في "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى الطائِفَةِ المُتَحَيِّرَةِ الَّتِي أرادَتْ مِنَ النَبِيِّ ﷺ أنْ يَطْرُدَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ، وعَلى أُولَئِكَ الداعِينَ أيْضًا، فالمَثَلُ مَضْرُوبٌ لِلطّائِفَتَيْنِ؛ إذِ الرَجُلُ الكافِرُ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ هو بِإزاءِ مُتَجَبِّرِي قُرَيْشٍ، أو بَنِي تَمِيمٍ، عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ أوَّلًا، والرَجُلُ المُؤْمِنُ المُقِرُّ بِالرُبُوبِيَّةِ هو بِإزاءِ بِلالٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وأقْرانِهِمْ.
(p-٦٠٥)وَ"حَفَفْناهُما" بِمَعْنى: جَعَلْنا ذَلِكَ لَها مِن كُلِّ جِهَةٍ، تَقُولُ: حَفَّكَ اللهُ بِخَيْرٍ، أيْ: عَمَّكَ بِهِ مِن جِهاتِكَ، والحِفافُ: الجانِبُ مِنَ السَرِيرِ ونَحْوَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وظاهِرُ هَذا المَثَلِ أنَّهُ بِأمْرٍ وقَعَ وكانَ مَوْجُودًا، وعَلى هَذا فَسَّرَهُ أكْثَرُ أهْلِ هَذا التَأْوِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَثَلُ مَضْرُوبًا بِمَن هَذِهِ صِفَتُهُ وإنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ في وُجُودٍ قَطُّ. والأوَّلُ أظْهَرُ.
ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّهُما كانا أخَوَيْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ورِثا أرْبَعَةَ آلافِ دِينارٍ، فَصَنَعَ أحَدُهُما بِمالِهِ ما ذَكَرَ، واشْتَرى عَبِيدًا وتَزَوَّجَ وأثْرى، وأنْفَقَ الآخَرُ مالَهُ في طاعَةِ اللهِ تَعالى حَتّى افْتَقَرَ، والتَقَيا فَفَخَرَ الغَنِيُّ ووَبَّخَ المُؤْمِنَ، فَجَرَتْ بَيْنَهُما هَذِهِ المُحاوَرَةُ، ورُوِيَ أنَّهُما كانا شَرِيكَيْنِ حَدّادَيْنِ كَسَبا مالًا كَثِيرًا وصَنَعا نَحْوَ ما رُوِيَ في أمْرِ الأخَوَيْنِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما ما قَصَّ اللهُ في كِتابِهِ. وذَكَرَ إبْراهِيمُ بْنُ القاسِمِ الكاتِبِ في كِتابِهِ (فِي عَجائِبِ البِلادِ) أنَّ بُحَيْرَةَ تِنِّيسٍ كانَتْ ما بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وكانَتْ لِلْأخَوَيْنِ، فَباعَ أحَدُهُما نَصِيبَهُ مِنَ الآخَرِ، وأنْفَقَ في طاعَةِ اللهِ حَتّى عِيَّرَهُ الآخَرُ، فَجَرَتْ بَيْنَهُما هَذِهِ المُحاوَرَةُ، قالَ: فَغَرَّقَها اللهُ في لَيْلَةٍ، وإيّاها عَنّى بِهَذِهِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي بَسْطِ قِصَصِهِما طُولٌ فاخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرَتْ عَلى مَعْناهُ لِقِلَّةِ صِحَّتِهِ، ولِأنَّ في هَذا ما يَفِي بِفَهْمِ الآيَةِ.
وتَأمَّلْ هَذِهِ الهَيْئَةَ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ تَعالى، فَإنَّ المَرْءَ لا يَكادُ يَتَخَيَّلُ أجْمَلَ مِنها في مَكاسِبِ الناسِ: جَنَّتا عِنَبٍ أحاطَ بِهِما نَخْلٌ بَيْنَهُما فُسْحَةٌ هي مُزْدَرَعٌ لِجَمِيعِ الحُبُوبِ، والماءُ الغَيْلُ يُسْقِي جَمِيعَ ذَلِكَ مِنَ النَهْرِ الَّذِي قَدْ جَمَّلَ هَذا المَنظَرَ، وعَظَّمَ النَفْعَ، وقَرَّبَ الكَدَّ، وأغْنى عَنِ النَواضِحِ وغَيْرِها.
(p-٦٠٦)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "كِلْتا"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "كِلا"، والتاءُ في "كِلْتا" مُنْقَلِبَةٌ عن واوٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وهو بِالتاءِ أو بِغَيْرِ التاءِ اسْمٌ مُفْرَدٌ واقِعٌ عَلى الشَيْءِ المُثَنّى، ولَيْسَ باسِمٍ مُثَنّى، ومَعْناهُ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما، و"الأُكُلُ": ثَمَرُها الَّذِي يُؤْكَلُ مِنها، قالَ الفَرّاءُ: وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "كُلُّ الجَنَّتَيْنِ أتى أُكُلَهُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾، أيْ: لَمْ تَنْقُصْ عَنِ العُرْفِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَظَلَّمَنِي مالِي كَذا ولَوى يَدِي ∗∗∗ لَوى يَدَهُ اللهُ الَّذِي هو غالِبُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَجَّرْنا" بِشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ سَلّامٌ، ويَعْقُوبٌ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَفَجَرْنا" بِفَتْحِ الجِيمِ دُونَ شَدٍّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَهْرًا" بِفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ أبُو السَمّالِ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "نَهْرًا" بِسُكُونِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ قُرّاءِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ: "ثُمُرٌ" "وَأُحِيطَ بِثُمُرِهِ" بِضَمِّ الثاءِ والمِيمِ، جَمْعُ ثِمارٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرُو، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ بِسُكُونِ المِيمِ فِيهِما تَخْفِيفًا، وهي في المَعْنى كالأُولى، ويَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ جَمَعُ ثَمَرَةٍ كَبَدَنَةٍ وبُدْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ "ثَمَرٌ" "وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ" بِفَتْحِ المِيمِ والثاءِ فِيهِما، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، والحَسَنِ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، والحَجّاجِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الثُمُرِ" بِضَمِّ الثاءِ والمِيمِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: "الثُمُرُ": (p-٦٠٧)جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَسْتَشْهِدُونَ لِهَذا القَوْلِ بِبَيْتِ النابِغَةِ:
؎ وما أُثَمِّرُ مَن مالٍ ومِن ولَدِ
وقالَ مُجاهِدٌ: يُرادُ بِها الذَهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الثُمُرُ" هي الأُصُولُ الَّتِي فِيها الثَمَرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَأنَّها ثِمارٌ وثُمُرٌ، كَكُتّابٍ وكُتُبٍ. وأمّا مَن قَرَأ بِفَتْحِ الثاءِ والمِيمِ فَلا إشْكالٍ في أنَّ المَعْنى ما في رُؤُوسِ الشَجَرِ مِنَ الأكْلِ، ولَكِنَّ فَصاحَةَ الكَلامِ تَقْتَضِي أنْ يُعَبِّرَ إيجازًا عن هَلاكِ الثَمَرِ والأُصُولُ بِهَلاكِ الثَمَرِ فَقَطْ، خَصَّها بِالذِكْرِ إذْ هي مَقْصَدُ المُسْتَغِلِّ، وإذْ هَلاكُ الأُصُولِ إنَّما يَسُوءُ مِنهُ هَلاكُ الثَمَرِ الَّذِي كانَ يُرْجى في المُسْتَقْبَلِ، وكَما يَقْتَضِي قَوْلُهُ "إنَّ لَهُ ثَمَرًا"، أنَّ لَهُ أُصُولًا، كَذَلِكَ تَقْتَضِي الإحاطَةُ المُطْلَقَةُ بِالثَمَراتِ والأُصُولُ قَدْ هَلَكَتْ. وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ: "وَآتَيْناهُ ثَمَرًا كَثِيرًا". وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ" بِفَتْحِ الثاءِ وسُكُونِ المِيمِ. و"المُحاوَرَةُ": مُراجَعَةُ القَوْلِ، وهو مِن: حارَ يَحُورُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَأعَزُّ نَفَرًا﴾ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أخاهُ. وقالَ المُناقِضُ: أرادَ بِالنَفَرِ العَبِيدَ والخَوَلَ؛ إذْ هُمُ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ في رَغائِبِهِ، وفي هَذا الكَلامِ مِنَ الكِبْرِ والزَهْوِ والِاغْتِرارِ ما بَيانُهُ يُغْنِي عَنِ القَوْلِ فِيهِ. وهَذِهِ المَقالَةُ بِإزاءِ قَوْلِ عُيَيْنَةَ والأقْرَعِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: نَحْنُ ساداتُ العَرَبِ، وأهْلُ الوَبَرِ والمَدَرِ، فَنَحِّ عَنّا سَلْمانَ وقُرَناءَهُ.
الكهف 18:35
(p-٦٠٨)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وَما أظُنُّ الساعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إلا بِاللهِ إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا﴾
أفْرَدَ الجَنَّةَ مِن حَيْثُ الوُجُودِ، كَذَلِكَ إذْ لا يُدْخِلُهُما مَعًا في وقْتٍ واحِدٍ، وظُلْمُهُ لِنَفْسِهِ: كَفْرُهُ وعَقائِدُهُ الفاسِدَةُ في الشَكِّ في البَعْثِ، فَقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وفي شَكِّهِ في حُدُوثِ العالَمِ إنْ كانَتْ إشارَتُهُ بِـ "هَذِهِ" إلى الهَيْئَةِ مِنَ السَماواتِ والأرْضِ وأنْواعِ المَخْلُوقاتِ، وإنْ كانَتْ إشارَتُهُ إلى جَنَّتِهِ فَقَطْ فَإنَّما في الكَلامِ تَساخُفٌ واغْتِرارٌ وقِلَّةُ تَحْصِيلٍ، وكَأنَّهُ مِن شِدَّةِ العَجَبِ بِها والسُرُورِ أفْرَطَ في وصْفِها بِهَذا القَوْلِ، ثُمَّ قاسَ أيْضًا الآخِرَةَ عَلى الدُنْيا، وظَنَّ أنَّهُ لَمْ يُمْلَ لَهُ في دُنْياهُ إلّا لِكَرامَةٍ يَسْتَوْجِبُها في نَفْسِهِ، قالَ: فَإنْ كانَ ثَمَّ رُجُوعٍ كَما تَزْعُمُ فَسَيَكُونُ حالِي كَذا وكَذا، ولَيْسَتْ مَقالَةُ العاصِي بْنِ وائِلٍ لِخَبِّابٍ عَلى حَدِّ هَذِهِ، بَلْ قَصَدَ العاصِي الِاسْتِخْفافَ عَلى جِهَةِ التَصْمِيمِ عَلى التَكْذِيبِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وثَبَتَ في مَصاحِفِ المَدِينَةِ "مِنهُما" يُرِيدُ الجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ أوَّلًا، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والعامَّةُ، وكَذَلِكَ هو في مُصْحَفِ أهْلِ البَصْرَةِ: "مِنها"، يُرِيدُ الجَنَّةَ المَدْخُولَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ حِكايَةٌ أنَّ المُؤْمِنَ مِنَ الرَجُلَيْنِ لَمّا سَمِعَ كَلامَ الكافِرِ وقَّفَهُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- عَلى كُفْرِهِ بِاللهِ تَعالى، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَهُوَ يُخاصِمُهُ"، وقَرَأ ثابِتُ البَنانِيِّ: "وَيْلَكَ أكَفَرْتَ"، ثُمَّ جَعَلَ يُعَظِّمُ اللهَ تَعالى عِنْدَهُ بِأوصافٍ تَضَمَّنَتِ النِعَمَ والدَلائِلَ عَلى جَوازِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن تُرابٍ﴾ إشارَةٌ إلى آدَمَ ﷺ. وقَوْلُهُ: ﴿سَوّاكَ رَجُلا﴾ كَما تَقُولُ: سَوّاكَ شَخْصًا أو حَيًّا أو نَحْوَ هَذا مِنَ التَأْكِيداتِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنَّهُ قَصَدَ تَخْصِيصَ الرُجُولَةِ عَلى وجْهِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ في أنْ لَمْ يَكُنْ أُنْثى ولا خُنْثى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ نَحْوَ هَذا.
(p-٦٠٩)واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في قَوْلِهِ: "لَكِنّا"، فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ المَسِيلِيِّ: "لَكِنّا" في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، "لَكِنْ" في الوَصْلِ، و"لَكِنّا" في الوَقْفِ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ، وهي رِوايَةُ ورْشٍ، وقالُونَ عن نافِعٍ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنَ: "لَكِنْ أنا هو اللهُ رَبِّي"، وفي قِراءَةِ عِيسى الثَقَفِيِّ، والأعْمَشُ -بِخِلافٍ- "لَكِنْ هو اللهُ رَبِّي"، فَأمّا هَذِهِ الأخِيرَةُ فَبَيِّنٌ عَلى الأمْرِ والشَأْنِ، وأمّا الَّذِي قَبْلَها فَعَلى مَعْنى: لَكِنْ أنَّما أقُولُ. ومِن هَذِهِ الفِرْقَةِ مَن قَرَأ: "لَكِنَّنا" عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ التَنْوِينِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وأمّا مَن قَرَأ: "لَكِنّا" فَأصْلُهُ عِنْدَهُ "لَكِنْ أنا" حُذِفَتِ الهَمْزَةُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ وأُدْغِمَتِ النُونُ في النُونِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى النُونِ فَجاءَ "لَكِنَّنا" ثُمَّ أُدْغِمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَجاءَ "لَكِنّا"، فَرَأى بَعْضُ القُرّاءِ أنَّ بِالإدْغامِ اسْتُغْنِيَ عَنِ الألِفِ الأخِيرَةِ، فَمِنهم مَن حَذَفَها في الوَصْلِ، ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ والوَقْفِ لِتَدُلَّ عَلى أصْلِ الكَلِمَةِ، ويَتَوَجَّهُ في "لَكِنّا" أنْ تَكُونَ "لَكِنْ" لَحِقَتْها نُونُ الجَماعَةِ الَّتِي في "خَرَجْنا وضَرَبْنا"، ووَقَعَ الإدْغامُ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، ثُمَّ وحَّدَ في "رَبِّي" عَلى المَعْنى، ولَوِ اتَّبَعَ اللَفْظَ لَقالَ: "رَبُّنا" ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ. ويَتَرَجَّحُ بِهَذا التَعْلِيلِ قَوْلُ مَن أثْبَتَ الألْفَ في حالَيِ الوَصْلِ والوَقْفِ. ويَتَوَجَّهُ في "لَكِنّا" أنْ تَكُونَ المَشْهُورَةَ مِن أخَواتِ "إنَّ"، والمَعْنى: "لَكِنَّ قَوْلِي هو اللهُ رَبِّي"، إلّا أنِّي لا أعْرِفُ مَن يَقْرَأُ بِها وصَلًا ووَقَفًا، وذَلِكَ يُلْزِمُ مَن يُوَجِّهُ هَذا الوَجْهَ. ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرُو "لَكِنَّهُ هو اللهُ رَبِّي" بِضَمِيرٍ لَحِقَ "لَكِنْ". وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ﴾ الآيَةُ. وصِيَّةٌ مِنَ المُؤْمِنِ لِلْكافِرِ، و"لَوْلا" تَحْضِيضٌ، بِمَعْنى: هَلّا، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي"، بِتَقْدِيرِ: "الَّذِي شاءَ اللهُ كائِنٌ"، وفي "شاءَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً بِتَقْدِيرِ: "ما شاءَ اللهُ كانَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: "هُوَ ما شاءَ اللهُ، أوِ الأمْرُ ما شاءَ اللهُ". وقَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلا بِاللهِ﴾ تَسْلِيمٌ وصَدٌّ لِقَوْلِ الكافِرِ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِأبِي هُرَيْرَةَ: "ألّا أدُلَّكَ عَلى كَلِمَةٍ مِن كَنْزٍ الجَنَّةِ؟" قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "لا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، إذا قالَها العَبْدُ قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أسْلَمَ عَبْدِي واسْتَسْلَمَ".» (p-٦١٠)وَفِي حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: « "يا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ: ألّا أدُلَّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ"؟ قالَ: افْعَلْ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ".»
واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في حَذْفِ الياءِ مِن "تَرَنِ" وإثْباتِها، فَأثْبَتَها ابْنُ كَثِيرٍ وصَلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ فِيهِما، وأثْبَتَها نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو في الوَصْلِ فَقَطْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أقَلَّ" بِالنَصْبِ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، وقَوْلُهُ: "أنا" فاصِلَةٌ مُلْغاةٌ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "أقَلُّ" بِالرَفْعِ عَلى أنْ يَكُونَ "أنا" مُبْتَدَأٌ و"أقَلُّ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي، والرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ القَلْبِ في هَذِهِ الآيَةِ.
الكهف 18:36
(p-٦٠٨)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وَما أظُنُّ الساعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إلا بِاللهِ إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا﴾
أفْرَدَ الجَنَّةَ مِن حَيْثُ الوُجُودِ، كَذَلِكَ إذْ لا يُدْخِلُهُما مَعًا في وقْتٍ واحِدٍ، وظُلْمُهُ لِنَفْسِهِ: كَفْرُهُ وعَقائِدُهُ الفاسِدَةُ في الشَكِّ في البَعْثِ، فَقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وفي شَكِّهِ في حُدُوثِ العالَمِ إنْ كانَتْ إشارَتُهُ بِـ "هَذِهِ" إلى الهَيْئَةِ مِنَ السَماواتِ والأرْضِ وأنْواعِ المَخْلُوقاتِ، وإنْ كانَتْ إشارَتُهُ إلى جَنَّتِهِ فَقَطْ فَإنَّما في الكَلامِ تَساخُفٌ واغْتِرارٌ وقِلَّةُ تَحْصِيلٍ، وكَأنَّهُ مِن شِدَّةِ العَجَبِ بِها والسُرُورِ أفْرَطَ في وصْفِها بِهَذا القَوْلِ، ثُمَّ قاسَ أيْضًا الآخِرَةَ عَلى الدُنْيا، وظَنَّ أنَّهُ لَمْ يُمْلَ لَهُ في دُنْياهُ إلّا لِكَرامَةٍ يَسْتَوْجِبُها في نَفْسِهِ، قالَ: فَإنْ كانَ ثَمَّ رُجُوعٍ كَما تَزْعُمُ فَسَيَكُونُ حالِي كَذا وكَذا، ولَيْسَتْ مَقالَةُ العاصِي بْنِ وائِلٍ لِخَبِّابٍ عَلى حَدِّ هَذِهِ، بَلْ قَصَدَ العاصِي الِاسْتِخْفافَ عَلى جِهَةِ التَصْمِيمِ عَلى التَكْذِيبِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وثَبَتَ في مَصاحِفِ المَدِينَةِ "مِنهُما" يُرِيدُ الجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ أوَّلًا، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والعامَّةُ، وكَذَلِكَ هو في مُصْحَفِ أهْلِ البَصْرَةِ: "مِنها"، يُرِيدُ الجَنَّةَ المَدْخُولَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ حِكايَةٌ أنَّ المُؤْمِنَ مِنَ الرَجُلَيْنِ لَمّا سَمِعَ كَلامَ الكافِرِ وقَّفَهُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- عَلى كُفْرِهِ بِاللهِ تَعالى، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَهُوَ يُخاصِمُهُ"، وقَرَأ ثابِتُ البَنانِيِّ: "وَيْلَكَ أكَفَرْتَ"، ثُمَّ جَعَلَ يُعَظِّمُ اللهَ تَعالى عِنْدَهُ بِأوصافٍ تَضَمَّنَتِ النِعَمَ والدَلائِلَ عَلى جَوازِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن تُرابٍ﴾ إشارَةٌ إلى آدَمَ ﷺ. وقَوْلُهُ: ﴿سَوّاكَ رَجُلا﴾ كَما تَقُولُ: سَوّاكَ شَخْصًا أو حَيًّا أو نَحْوَ هَذا مِنَ التَأْكِيداتِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنَّهُ قَصَدَ تَخْصِيصَ الرُجُولَةِ عَلى وجْهِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ في أنْ لَمْ يَكُنْ أُنْثى ولا خُنْثى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ نَحْوَ هَذا.
(p-٦٠٩)واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في قَوْلِهِ: "لَكِنّا"، فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ المَسِيلِيِّ: "لَكِنّا" في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، "لَكِنْ" في الوَصْلِ، و"لَكِنّا" في الوَقْفِ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ، وهي رِوايَةُ ورْشٍ، وقالُونَ عن نافِعٍ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنَ: "لَكِنْ أنا هو اللهُ رَبِّي"، وفي قِراءَةِ عِيسى الثَقَفِيِّ، والأعْمَشُ -بِخِلافٍ- "لَكِنْ هو اللهُ رَبِّي"، فَأمّا هَذِهِ الأخِيرَةُ فَبَيِّنٌ عَلى الأمْرِ والشَأْنِ، وأمّا الَّذِي قَبْلَها فَعَلى مَعْنى: لَكِنْ أنَّما أقُولُ. ومِن هَذِهِ الفِرْقَةِ مَن قَرَأ: "لَكِنَّنا" عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ التَنْوِينِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وأمّا مَن قَرَأ: "لَكِنّا" فَأصْلُهُ عِنْدَهُ "لَكِنْ أنا" حُذِفَتِ الهَمْزَةُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ وأُدْغِمَتِ النُونُ في النُونِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى النُونِ فَجاءَ "لَكِنَّنا" ثُمَّ أُدْغِمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَجاءَ "لَكِنّا"، فَرَأى بَعْضُ القُرّاءِ أنَّ بِالإدْغامِ اسْتُغْنِيَ عَنِ الألِفِ الأخِيرَةِ، فَمِنهم مَن حَذَفَها في الوَصْلِ، ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ والوَقْفِ لِتَدُلَّ عَلى أصْلِ الكَلِمَةِ، ويَتَوَجَّهُ في "لَكِنّا" أنْ تَكُونَ "لَكِنْ" لَحِقَتْها نُونُ الجَماعَةِ الَّتِي في "خَرَجْنا وضَرَبْنا"، ووَقَعَ الإدْغامُ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، ثُمَّ وحَّدَ في "رَبِّي" عَلى المَعْنى، ولَوِ اتَّبَعَ اللَفْظَ لَقالَ: "رَبُّنا" ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ. ويَتَرَجَّحُ بِهَذا التَعْلِيلِ قَوْلُ مَن أثْبَتَ الألْفَ في حالَيِ الوَصْلِ والوَقْفِ. ويَتَوَجَّهُ في "لَكِنّا" أنْ تَكُونَ المَشْهُورَةَ مِن أخَواتِ "إنَّ"، والمَعْنى: "لَكِنَّ قَوْلِي هو اللهُ رَبِّي"، إلّا أنِّي لا أعْرِفُ مَن يَقْرَأُ بِها وصَلًا ووَقَفًا، وذَلِكَ يُلْزِمُ مَن يُوَجِّهُ هَذا الوَجْهَ. ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرُو "لَكِنَّهُ هو اللهُ رَبِّي" بِضَمِيرٍ لَحِقَ "لَكِنْ". وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ﴾ الآيَةُ. وصِيَّةٌ مِنَ المُؤْمِنِ لِلْكافِرِ، و"لَوْلا" تَحْضِيضٌ، بِمَعْنى: هَلّا، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي"، بِتَقْدِيرِ: "الَّذِي شاءَ اللهُ كائِنٌ"، وفي "شاءَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً بِتَقْدِيرِ: "ما شاءَ اللهُ كانَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: "هُوَ ما شاءَ اللهُ، أوِ الأمْرُ ما شاءَ اللهُ". وقَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلا بِاللهِ﴾ تَسْلِيمٌ وصَدٌّ لِقَوْلِ الكافِرِ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِأبِي هُرَيْرَةَ: "ألّا أدُلَّكَ عَلى كَلِمَةٍ مِن كَنْزٍ الجَنَّةِ؟" قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "لا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، إذا قالَها العَبْدُ قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أسْلَمَ عَبْدِي واسْتَسْلَمَ".» (p-٦١٠)وَفِي حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: « "يا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ: ألّا أدُلَّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ"؟ قالَ: افْعَلْ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ".»
واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في حَذْفِ الياءِ مِن "تَرَنِ" وإثْباتِها، فَأثْبَتَها ابْنُ كَثِيرٍ وصَلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ فِيهِما، وأثْبَتَها نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو في الوَصْلِ فَقَطْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أقَلَّ" بِالنَصْبِ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، وقَوْلُهُ: "أنا" فاصِلَةٌ مُلْغاةٌ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "أقَلُّ" بِالرَفْعِ عَلى أنْ يَكُونَ "أنا" مُبْتَدَأٌ و"أقَلُّ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي، والرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ القَلْبِ في هَذِهِ الآيَةِ.
الكهف 18:37
(p-٦٠٨)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وَما أظُنُّ الساعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إلا بِاللهِ إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا﴾
أفْرَدَ الجَنَّةَ مِن حَيْثُ الوُجُودِ، كَذَلِكَ إذْ لا يُدْخِلُهُما مَعًا في وقْتٍ واحِدٍ، وظُلْمُهُ لِنَفْسِهِ: كَفْرُهُ وعَقائِدُهُ الفاسِدَةُ في الشَكِّ في البَعْثِ، فَقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وفي شَكِّهِ في حُدُوثِ العالَمِ إنْ كانَتْ إشارَتُهُ بِـ "هَذِهِ" إلى الهَيْئَةِ مِنَ السَماواتِ والأرْضِ وأنْواعِ المَخْلُوقاتِ، وإنْ كانَتْ إشارَتُهُ إلى جَنَّتِهِ فَقَطْ فَإنَّما في الكَلامِ تَساخُفٌ واغْتِرارٌ وقِلَّةُ تَحْصِيلٍ، وكَأنَّهُ مِن شِدَّةِ العَجَبِ بِها والسُرُورِ أفْرَطَ في وصْفِها بِهَذا القَوْلِ، ثُمَّ قاسَ أيْضًا الآخِرَةَ عَلى الدُنْيا، وظَنَّ أنَّهُ لَمْ يُمْلَ لَهُ في دُنْياهُ إلّا لِكَرامَةٍ يَسْتَوْجِبُها في نَفْسِهِ، قالَ: فَإنْ كانَ ثَمَّ رُجُوعٍ كَما تَزْعُمُ فَسَيَكُونُ حالِي كَذا وكَذا، ولَيْسَتْ مَقالَةُ العاصِي بْنِ وائِلٍ لِخَبِّابٍ عَلى حَدِّ هَذِهِ، بَلْ قَصَدَ العاصِي الِاسْتِخْفافَ عَلى جِهَةِ التَصْمِيمِ عَلى التَكْذِيبِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وثَبَتَ في مَصاحِفِ المَدِينَةِ "مِنهُما" يُرِيدُ الجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ أوَّلًا، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والعامَّةُ، وكَذَلِكَ هو في مُصْحَفِ أهْلِ البَصْرَةِ: "مِنها"، يُرِيدُ الجَنَّةَ المَدْخُولَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ حِكايَةٌ أنَّ المُؤْمِنَ مِنَ الرَجُلَيْنِ لَمّا سَمِعَ كَلامَ الكافِرِ وقَّفَهُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- عَلى كُفْرِهِ بِاللهِ تَعالى، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَهُوَ يُخاصِمُهُ"، وقَرَأ ثابِتُ البَنانِيِّ: "وَيْلَكَ أكَفَرْتَ"، ثُمَّ جَعَلَ يُعَظِّمُ اللهَ تَعالى عِنْدَهُ بِأوصافٍ تَضَمَّنَتِ النِعَمَ والدَلائِلَ عَلى جَوازِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن تُرابٍ﴾ إشارَةٌ إلى آدَمَ ﷺ. وقَوْلُهُ: ﴿سَوّاكَ رَجُلا﴾ كَما تَقُولُ: سَوّاكَ شَخْصًا أو حَيًّا أو نَحْوَ هَذا مِنَ التَأْكِيداتِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنَّهُ قَصَدَ تَخْصِيصَ الرُجُولَةِ عَلى وجْهِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ في أنْ لَمْ يَكُنْ أُنْثى ولا خُنْثى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ نَحْوَ هَذا.
(p-٦٠٩)واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في قَوْلِهِ: "لَكِنّا"، فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ المَسِيلِيِّ: "لَكِنّا" في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، "لَكِنْ" في الوَصْلِ، و"لَكِنّا" في الوَقْفِ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ، وهي رِوايَةُ ورْشٍ، وقالُونَ عن نافِعٍ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنَ: "لَكِنْ أنا هو اللهُ رَبِّي"، وفي قِراءَةِ عِيسى الثَقَفِيِّ، والأعْمَشُ -بِخِلافٍ- "لَكِنْ هو اللهُ رَبِّي"، فَأمّا هَذِهِ الأخِيرَةُ فَبَيِّنٌ عَلى الأمْرِ والشَأْنِ، وأمّا الَّذِي قَبْلَها فَعَلى مَعْنى: لَكِنْ أنَّما أقُولُ. ومِن هَذِهِ الفِرْقَةِ مَن قَرَأ: "لَكِنَّنا" عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ التَنْوِينِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وأمّا مَن قَرَأ: "لَكِنّا" فَأصْلُهُ عِنْدَهُ "لَكِنْ أنا" حُذِفَتِ الهَمْزَةُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ وأُدْغِمَتِ النُونُ في النُونِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى النُونِ فَجاءَ "لَكِنَّنا" ثُمَّ أُدْغِمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَجاءَ "لَكِنّا"، فَرَأى بَعْضُ القُرّاءِ أنَّ بِالإدْغامِ اسْتُغْنِيَ عَنِ الألِفِ الأخِيرَةِ، فَمِنهم مَن حَذَفَها في الوَصْلِ، ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ والوَقْفِ لِتَدُلَّ عَلى أصْلِ الكَلِمَةِ، ويَتَوَجَّهُ في "لَكِنّا" أنْ تَكُونَ "لَكِنْ" لَحِقَتْها نُونُ الجَماعَةِ الَّتِي في "خَرَجْنا وضَرَبْنا"، ووَقَعَ الإدْغامُ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، ثُمَّ وحَّدَ في "رَبِّي" عَلى المَعْنى، ولَوِ اتَّبَعَ اللَفْظَ لَقالَ: "رَبُّنا" ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ. ويَتَرَجَّحُ بِهَذا التَعْلِيلِ قَوْلُ مَن أثْبَتَ الألْفَ في حالَيِ الوَصْلِ والوَقْفِ. ويَتَوَجَّهُ في "لَكِنّا" أنْ تَكُونَ المَشْهُورَةَ مِن أخَواتِ "إنَّ"، والمَعْنى: "لَكِنَّ قَوْلِي هو اللهُ رَبِّي"، إلّا أنِّي لا أعْرِفُ مَن يَقْرَأُ بِها وصَلًا ووَقَفًا، وذَلِكَ يُلْزِمُ مَن يُوَجِّهُ هَذا الوَجْهَ. ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرُو "لَكِنَّهُ هو اللهُ رَبِّي" بِضَمِيرٍ لَحِقَ "لَكِنْ". وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ﴾ الآيَةُ. وصِيَّةٌ مِنَ المُؤْمِنِ لِلْكافِرِ، و"لَوْلا" تَحْضِيضٌ، بِمَعْنى: هَلّا، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي"، بِتَقْدِيرِ: "الَّذِي شاءَ اللهُ كائِنٌ"، وفي "شاءَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً بِتَقْدِيرِ: "ما شاءَ اللهُ كانَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: "هُوَ ما شاءَ اللهُ، أوِ الأمْرُ ما شاءَ اللهُ". وقَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلا بِاللهِ﴾ تَسْلِيمٌ وصَدٌّ لِقَوْلِ الكافِرِ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِأبِي هُرَيْرَةَ: "ألّا أدُلَّكَ عَلى كَلِمَةٍ مِن كَنْزٍ الجَنَّةِ؟" قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "لا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، إذا قالَها العَبْدُ قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أسْلَمَ عَبْدِي واسْتَسْلَمَ".» (p-٦١٠)وَفِي حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: « "يا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ: ألّا أدُلَّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ"؟ قالَ: افْعَلْ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ".»
واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في حَذْفِ الياءِ مِن "تَرَنِ" وإثْباتِها، فَأثْبَتَها ابْنُ كَثِيرٍ وصَلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ فِيهِما، وأثْبَتَها نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو في الوَصْلِ فَقَطْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أقَلَّ" بِالنَصْبِ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، وقَوْلُهُ: "أنا" فاصِلَةٌ مُلْغاةٌ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "أقَلُّ" بِالرَفْعِ عَلى أنْ يَكُونَ "أنا" مُبْتَدَأٌ و"أقَلُّ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي، والرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ القَلْبِ في هَذِهِ الآيَةِ.
الكهف 18:38
(p-٦٠٨)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وَما أظُنُّ الساعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إلا بِاللهِ إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا﴾
أفْرَدَ الجَنَّةَ مِن حَيْثُ الوُجُودِ، كَذَلِكَ إذْ لا يُدْخِلُهُما مَعًا في وقْتٍ واحِدٍ، وظُلْمُهُ لِنَفْسِهِ: كَفْرُهُ وعَقائِدُهُ الفاسِدَةُ في الشَكِّ في البَعْثِ، فَقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وفي شَكِّهِ في حُدُوثِ العالَمِ إنْ كانَتْ إشارَتُهُ بِـ "هَذِهِ" إلى الهَيْئَةِ مِنَ السَماواتِ والأرْضِ وأنْواعِ المَخْلُوقاتِ، وإنْ كانَتْ إشارَتُهُ إلى جَنَّتِهِ فَقَطْ فَإنَّما في الكَلامِ تَساخُفٌ واغْتِرارٌ وقِلَّةُ تَحْصِيلٍ، وكَأنَّهُ مِن شِدَّةِ العَجَبِ بِها والسُرُورِ أفْرَطَ في وصْفِها بِهَذا القَوْلِ، ثُمَّ قاسَ أيْضًا الآخِرَةَ عَلى الدُنْيا، وظَنَّ أنَّهُ لَمْ يُمْلَ لَهُ في دُنْياهُ إلّا لِكَرامَةٍ يَسْتَوْجِبُها في نَفْسِهِ، قالَ: فَإنْ كانَ ثَمَّ رُجُوعٍ كَما تَزْعُمُ فَسَيَكُونُ حالِي كَذا وكَذا، ولَيْسَتْ مَقالَةُ العاصِي بْنِ وائِلٍ لِخَبِّابٍ عَلى حَدِّ هَذِهِ، بَلْ قَصَدَ العاصِي الِاسْتِخْفافَ عَلى جِهَةِ التَصْمِيمِ عَلى التَكْذِيبِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وثَبَتَ في مَصاحِفِ المَدِينَةِ "مِنهُما" يُرِيدُ الجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ أوَّلًا، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والعامَّةُ، وكَذَلِكَ هو في مُصْحَفِ أهْلِ البَصْرَةِ: "مِنها"، يُرِيدُ الجَنَّةَ المَدْخُولَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ حِكايَةٌ أنَّ المُؤْمِنَ مِنَ الرَجُلَيْنِ لَمّا سَمِعَ كَلامَ الكافِرِ وقَّفَهُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- عَلى كُفْرِهِ بِاللهِ تَعالى، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَهُوَ يُخاصِمُهُ"، وقَرَأ ثابِتُ البَنانِيِّ: "وَيْلَكَ أكَفَرْتَ"، ثُمَّ جَعَلَ يُعَظِّمُ اللهَ تَعالى عِنْدَهُ بِأوصافٍ تَضَمَّنَتِ النِعَمَ والدَلائِلَ عَلى جَوازِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن تُرابٍ﴾ إشارَةٌ إلى آدَمَ ﷺ. وقَوْلُهُ: ﴿سَوّاكَ رَجُلا﴾ كَما تَقُولُ: سَوّاكَ شَخْصًا أو حَيًّا أو نَحْوَ هَذا مِنَ التَأْكِيداتِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنَّهُ قَصَدَ تَخْصِيصَ الرُجُولَةِ عَلى وجْهِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ في أنْ لَمْ يَكُنْ أُنْثى ولا خُنْثى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ نَحْوَ هَذا.
(p-٦٠٩)واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في قَوْلِهِ: "لَكِنّا"، فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ المَسِيلِيِّ: "لَكِنّا" في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، "لَكِنْ" في الوَصْلِ، و"لَكِنّا" في الوَقْفِ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ، وهي رِوايَةُ ورْشٍ، وقالُونَ عن نافِعٍ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنَ: "لَكِنْ أنا هو اللهُ رَبِّي"، وفي قِراءَةِ عِيسى الثَقَفِيِّ، والأعْمَشُ -بِخِلافٍ- "لَكِنْ هو اللهُ رَبِّي"، فَأمّا هَذِهِ الأخِيرَةُ فَبَيِّنٌ عَلى الأمْرِ والشَأْنِ، وأمّا الَّذِي قَبْلَها فَعَلى مَعْنى: لَكِنْ أنَّما أقُولُ. ومِن هَذِهِ الفِرْقَةِ مَن قَرَأ: "لَكِنَّنا" عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ التَنْوِينِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وأمّا مَن قَرَأ: "لَكِنّا" فَأصْلُهُ عِنْدَهُ "لَكِنْ أنا" حُذِفَتِ الهَمْزَةُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ وأُدْغِمَتِ النُونُ في النُونِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى النُونِ فَجاءَ "لَكِنَّنا" ثُمَّ أُدْغِمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَجاءَ "لَكِنّا"، فَرَأى بَعْضُ القُرّاءِ أنَّ بِالإدْغامِ اسْتُغْنِيَ عَنِ الألِفِ الأخِيرَةِ، فَمِنهم مَن حَذَفَها في الوَصْلِ، ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ والوَقْفِ لِتَدُلَّ عَلى أصْلِ الكَلِمَةِ، ويَتَوَجَّهُ في "لَكِنّا" أنْ تَكُونَ "لَكِنْ" لَحِقَتْها نُونُ الجَماعَةِ الَّتِي في "خَرَجْنا وضَرَبْنا"، ووَقَعَ الإدْغامُ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، ثُمَّ وحَّدَ في "رَبِّي" عَلى المَعْنى، ولَوِ اتَّبَعَ اللَفْظَ لَقالَ: "رَبُّنا" ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ. ويَتَرَجَّحُ بِهَذا التَعْلِيلِ قَوْلُ مَن أثْبَتَ الألْفَ في حالَيِ الوَصْلِ والوَقْفِ. ويَتَوَجَّهُ في "لَكِنّا" أنْ تَكُونَ المَشْهُورَةَ مِن أخَواتِ "إنَّ"، والمَعْنى: "لَكِنَّ قَوْلِي هو اللهُ رَبِّي"، إلّا أنِّي لا أعْرِفُ مَن يَقْرَأُ بِها وصَلًا ووَقَفًا، وذَلِكَ يُلْزِمُ مَن يُوَجِّهُ هَذا الوَجْهَ. ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرُو "لَكِنَّهُ هو اللهُ رَبِّي" بِضَمِيرٍ لَحِقَ "لَكِنْ". وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ﴾ الآيَةُ. وصِيَّةٌ مِنَ المُؤْمِنِ لِلْكافِرِ، و"لَوْلا" تَحْضِيضٌ، بِمَعْنى: هَلّا، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي"، بِتَقْدِيرِ: "الَّذِي شاءَ اللهُ كائِنٌ"، وفي "شاءَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً بِتَقْدِيرِ: "ما شاءَ اللهُ كانَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: "هُوَ ما شاءَ اللهُ، أوِ الأمْرُ ما شاءَ اللهُ". وقَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلا بِاللهِ﴾ تَسْلِيمٌ وصَدٌّ لِقَوْلِ الكافِرِ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِأبِي هُرَيْرَةَ: "ألّا أدُلَّكَ عَلى كَلِمَةٍ مِن كَنْزٍ الجَنَّةِ؟" قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "لا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، إذا قالَها العَبْدُ قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أسْلَمَ عَبْدِي واسْتَسْلَمَ".» (p-٦١٠)وَفِي حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: « "يا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ: ألّا أدُلَّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ"؟ قالَ: افْعَلْ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ".»
واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في حَذْفِ الياءِ مِن "تَرَنِ" وإثْباتِها، فَأثْبَتَها ابْنُ كَثِيرٍ وصَلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ فِيهِما، وأثْبَتَها نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو في الوَصْلِ فَقَطْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أقَلَّ" بِالنَصْبِ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، وقَوْلُهُ: "أنا" فاصِلَةٌ مُلْغاةٌ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "أقَلُّ" بِالرَفْعِ عَلى أنْ يَكُونَ "أنا" مُبْتَدَأٌ و"أقَلُّ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي، والرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ القَلْبِ في هَذِهِ الآيَةِ.
الكهف 18:39
(p-٦٠٨)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وَما أظُنُّ الساعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إلا بِاللهِ إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا﴾
أفْرَدَ الجَنَّةَ مِن حَيْثُ الوُجُودِ، كَذَلِكَ إذْ لا يُدْخِلُهُما مَعًا في وقْتٍ واحِدٍ، وظُلْمُهُ لِنَفْسِهِ: كَفْرُهُ وعَقائِدُهُ الفاسِدَةُ في الشَكِّ في البَعْثِ، فَقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وفي شَكِّهِ في حُدُوثِ العالَمِ إنْ كانَتْ إشارَتُهُ بِـ "هَذِهِ" إلى الهَيْئَةِ مِنَ السَماواتِ والأرْضِ وأنْواعِ المَخْلُوقاتِ، وإنْ كانَتْ إشارَتُهُ إلى جَنَّتِهِ فَقَطْ فَإنَّما في الكَلامِ تَساخُفٌ واغْتِرارٌ وقِلَّةُ تَحْصِيلٍ، وكَأنَّهُ مِن شِدَّةِ العَجَبِ بِها والسُرُورِ أفْرَطَ في وصْفِها بِهَذا القَوْلِ، ثُمَّ قاسَ أيْضًا الآخِرَةَ عَلى الدُنْيا، وظَنَّ أنَّهُ لَمْ يُمْلَ لَهُ في دُنْياهُ إلّا لِكَرامَةٍ يَسْتَوْجِبُها في نَفْسِهِ، قالَ: فَإنْ كانَ ثَمَّ رُجُوعٍ كَما تَزْعُمُ فَسَيَكُونُ حالِي كَذا وكَذا، ولَيْسَتْ مَقالَةُ العاصِي بْنِ وائِلٍ لِخَبِّابٍ عَلى حَدِّ هَذِهِ، بَلْ قَصَدَ العاصِي الِاسْتِخْفافَ عَلى جِهَةِ التَصْمِيمِ عَلى التَكْذِيبِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وثَبَتَ في مَصاحِفِ المَدِينَةِ "مِنهُما" يُرِيدُ الجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ أوَّلًا، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والعامَّةُ، وكَذَلِكَ هو في مُصْحَفِ أهْلِ البَصْرَةِ: "مِنها"، يُرِيدُ الجَنَّةَ المَدْخُولَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ حِكايَةٌ أنَّ المُؤْمِنَ مِنَ الرَجُلَيْنِ لَمّا سَمِعَ كَلامَ الكافِرِ وقَّفَهُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- عَلى كُفْرِهِ بِاللهِ تَعالى، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَهُوَ يُخاصِمُهُ"، وقَرَأ ثابِتُ البَنانِيِّ: "وَيْلَكَ أكَفَرْتَ"، ثُمَّ جَعَلَ يُعَظِّمُ اللهَ تَعالى عِنْدَهُ بِأوصافٍ تَضَمَّنَتِ النِعَمَ والدَلائِلَ عَلى جَوازِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن تُرابٍ﴾ إشارَةٌ إلى آدَمَ ﷺ. وقَوْلُهُ: ﴿سَوّاكَ رَجُلا﴾ كَما تَقُولُ: سَوّاكَ شَخْصًا أو حَيًّا أو نَحْوَ هَذا مِنَ التَأْكِيداتِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنَّهُ قَصَدَ تَخْصِيصَ الرُجُولَةِ عَلى وجْهِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ في أنْ لَمْ يَكُنْ أُنْثى ولا خُنْثى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ نَحْوَ هَذا.
(p-٦٠٩)واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في قَوْلِهِ: "لَكِنّا"، فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ المَسِيلِيِّ: "لَكِنّا" في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، "لَكِنْ" في الوَصْلِ، و"لَكِنّا" في الوَقْفِ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ، وهي رِوايَةُ ورْشٍ، وقالُونَ عن نافِعٍ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنَ: "لَكِنْ أنا هو اللهُ رَبِّي"، وفي قِراءَةِ عِيسى الثَقَفِيِّ، والأعْمَشُ -بِخِلافٍ- "لَكِنْ هو اللهُ رَبِّي"، فَأمّا هَذِهِ الأخِيرَةُ فَبَيِّنٌ عَلى الأمْرِ والشَأْنِ، وأمّا الَّذِي قَبْلَها فَعَلى مَعْنى: لَكِنْ أنَّما أقُولُ. ومِن هَذِهِ الفِرْقَةِ مَن قَرَأ: "لَكِنَّنا" عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ التَنْوِينِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وأمّا مَن قَرَأ: "لَكِنّا" فَأصْلُهُ عِنْدَهُ "لَكِنْ أنا" حُذِفَتِ الهَمْزَةُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ وأُدْغِمَتِ النُونُ في النُونِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى النُونِ فَجاءَ "لَكِنَّنا" ثُمَّ أُدْغِمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَجاءَ "لَكِنّا"، فَرَأى بَعْضُ القُرّاءِ أنَّ بِالإدْغامِ اسْتُغْنِيَ عَنِ الألِفِ الأخِيرَةِ، فَمِنهم مَن حَذَفَها في الوَصْلِ، ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ والوَقْفِ لِتَدُلَّ عَلى أصْلِ الكَلِمَةِ، ويَتَوَجَّهُ في "لَكِنّا" أنْ تَكُونَ "لَكِنْ" لَحِقَتْها نُونُ الجَماعَةِ الَّتِي في "خَرَجْنا وضَرَبْنا"، ووَقَعَ الإدْغامُ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، ثُمَّ وحَّدَ في "رَبِّي" عَلى المَعْنى، ولَوِ اتَّبَعَ اللَفْظَ لَقالَ: "رَبُّنا" ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ. ويَتَرَجَّحُ بِهَذا التَعْلِيلِ قَوْلُ مَن أثْبَتَ الألْفَ في حالَيِ الوَصْلِ والوَقْفِ. ويَتَوَجَّهُ في "لَكِنّا" أنْ تَكُونَ المَشْهُورَةَ مِن أخَواتِ "إنَّ"، والمَعْنى: "لَكِنَّ قَوْلِي هو اللهُ رَبِّي"، إلّا أنِّي لا أعْرِفُ مَن يَقْرَأُ بِها وصَلًا ووَقَفًا، وذَلِكَ يُلْزِمُ مَن يُوَجِّهُ هَذا الوَجْهَ. ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرُو "لَكِنَّهُ هو اللهُ رَبِّي" بِضَمِيرٍ لَحِقَ "لَكِنْ". وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ﴾ الآيَةُ. وصِيَّةٌ مِنَ المُؤْمِنِ لِلْكافِرِ، و"لَوْلا" تَحْضِيضٌ، بِمَعْنى: هَلّا، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي"، بِتَقْدِيرِ: "الَّذِي شاءَ اللهُ كائِنٌ"، وفي "شاءَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً بِتَقْدِيرِ: "ما شاءَ اللهُ كانَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: "هُوَ ما شاءَ اللهُ، أوِ الأمْرُ ما شاءَ اللهُ". وقَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلا بِاللهِ﴾ تَسْلِيمٌ وصَدٌّ لِقَوْلِ الكافِرِ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِأبِي هُرَيْرَةَ: "ألّا أدُلَّكَ عَلى كَلِمَةٍ مِن كَنْزٍ الجَنَّةِ؟" قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "لا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، إذا قالَها العَبْدُ قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أسْلَمَ عَبْدِي واسْتَسْلَمَ".» (p-٦١٠)وَفِي حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: « "يا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ: ألّا أدُلَّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ"؟ قالَ: افْعَلْ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ".»
واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في حَذْفِ الياءِ مِن "تَرَنِ" وإثْباتِها، فَأثْبَتَها ابْنُ كَثِيرٍ وصَلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ فِيهِما، وأثْبَتَها نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو في الوَصْلِ فَقَطْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أقَلَّ" بِالنَصْبِ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، وقَوْلُهُ: "أنا" فاصِلَةٌ مُلْغاةٌ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "أقَلُّ" بِالرَفْعِ عَلى أنْ يَكُونَ "أنا" مُبْتَدَأٌ و"أقَلُّ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي، والرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ القَلْبِ في هَذِهِ الآيَةِ.
الكهف 18:40
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِن السَماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أو يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾
هَذا التَرَجِّي بِـ "عَسى" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: في الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في الآخِرَةِ، وتَمَنِّي ذَلِكَ في الآخِرَةِ أشْرَفُ مَقْطَعًا، وأذْهَبُ مَعَ الخَيْرِ والصَلاحِ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ يُرادُ بِهِ الدُنْيا أذْهَبُ في نِكايَةِ هَذا المُخاطَبِ، وأشَدُّ إيلامًا لِنَفْسِهِ.
و"الحُسْبانُ": العَذابُ كالبَرْدِ والصَرِّ ونَحْوَهُ، واحِدُ الحُسْبانِ: حُسْبانَةٌ، وهي المَرامِي مِن هَذِهِ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ، وهي سِهامٌ تُرْمى دَفْعَةً بِآلَةٍ لِذَلِكَ. و"الصَعِيدُ": وجْهُ الأرْضِ، و"الزَلَقُ": الَّذِي لا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ، يَعْنِي أنَّهُ تَذْهَبُ أشْجارُهُ ونَباتُهُ، ويَبْقى أرْضًا قَدْ ذَهَبَتْ مَنافِعُها حَتّى مَنفَعَةَ المَشْيِ، فَهي وحْلٌ لا تُنْبِتُ ولا تَثْبُتُ فِيها قَدَمٌ.
(p-٦١١)وَ "الغَوْرُ" مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الماءُ المُفْرَدُ والمِياهُ الكَثِيرَةُ، كَقَوْلِكَ: رَجُلٌ عَدْلٌ وامْرَأةُ عَدْلٌ ونَحْوَهُ، ومَعْناهُ: ذاهِبًا في الأرْضِ لا يُسْتَطاعُ تَناوُلُهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غُورًا" بِضَمِّ الغَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غُؤُرًا" بِضَمِّ الغَيْنِ وهَمْزِ الواوِ، و"غَوْرٌ" مِثْلُ "نَوْحٍ" يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَظَلُّ جِيادُها نَوْحًا عَلَيْهِ ∗∗∗ مُقَلَّدَةٌ أعِنَّتَها صُفُونا
وهَذا كَثِيرٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ الآيَةُ. هَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن إحاطَةِ العَذابِ بِحالِ هَذا المُمَثَّلِ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الثَمَرِ، غَيْرَ أنَّ الإحاطَةَ كِنايَةٌ عن عُمُومِ العَذابِ والفَسادِ. و﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ يُرِيدُ: يَضَعُ بَطْنَ إحْداهُما عَلى ظَهْرِ الأُخْرى، وذَلِكَ فِعْلُ المُتَلَهِّفِ المُتَأسِّفِ عَلى فائِتٍ أو خَسارَةٍ أو نَحْوَها، ومَن عَبَّرَ بِـ "يُصَفِّقُ" فَلَمْ يُتْقِنْ. وقَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ يُرِيدُ أنَّ السُقُوفَ وقَعَتْ، وهي العُرُوشُ، ثُمَّ تَهَدَّمَتِ الحَيِّطانُ عَلَيْها، فَهي خاوِيَةٌ والحَيِّطانُ عَلى العُرُوشِ. ﴿وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي حِكايَةٌ عن قَوْلِ الكافِرِ هَذِهِ المَقالَةَ في الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ قالَها في الدُنْيا عَلى جِهَةِ التَوْبَةِ بَعْدَ حُلُولِ المُصِيبَةِ، ويَكُونُ فِيها زَجْرٌ لِلْكَفَرَةِ مِن قُرَيْشٍ أو غَيْرِهِمْ؛ لِئَلّا تَجِيءَ لَهم حالٌ يُؤْمِنُونَ فِيها بَعْدَ نِقَمٍ تَحُلُّ بِهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "وَلَمْ تَكُنْ" بِالتاءِ عَلى لَفْظِ الفِئَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ: "وَلَمْ يَكُنْ" بِالياءِ عَلى المَعْنى. و"الفِئَةُ": الجَماعَةُ الَّتِي يَلْجَأُ إلى نَصْرِها، قالَ مُجاهِدٌ: هي العَشِيرَةُ.
(p-٦١٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهِيَ عِنْدِي مِن: فاءَ يَفِيءُ، وزْنُها فِعْلَةٌ "فِيئَةٌ" حُذِفَتِ العَيْنَ تَخْفِيفًا، وقَدْ قالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: هي مِن فَأوتُ ولَيْسَتْ مِن فاءَ، وهَذا الَّذِي قالُوهُ أدْخَلَ في التَصْرِيفِ، والأوَّلُ أحْكَمٌ في المَعْنى. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِئَةٌ تَنْصُرُهُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "هُنالِكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ: "مُنْتَصِرًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "الوَلايَةُ" مُبْتَدَأً و"هُنالِكَ" خَبُرُهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "الوِلايَةُ" بِكَسْرِ الواوِ، وهي بِمَعْنى الرِياسَةِ والزَعامَةِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ الباقُونَ: "الوَلايَةُ" بِفَتْحِ الواوِ، وهي بِمَعْنى المُوالاةِ والصِلَةِ ونَحْوَهُ، ويُحْكى عن أبِي عَمْرُو، والأصْمَعِيُّ أنَّ كَسْرَ الواوِ هُنا لَحْنٌ؛ لِأنَّ (فِعالَةَ) إنَّما تَجِيءُ فِيما كانَ صَنْعَةً أو مَعْنًى مُتَقَلَّدًا، ولَيْسَ هُنا تَوَلِّي أمْرٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرُو، والكِسائِيُّ: "الحَقُّ" بِالرَفْعِ عَلى جِهَةِ النَعْتِ لِ "الوَلايَةُ"، وقَرَأ الباقُونَ: "الحَقِّ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "لِلَّهِ الحَقَّ" بِالنَصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عُقُبًا" بِضَمِّ العَيْنِ والقافِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والحَسَنُ: "عُقْبًا" بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ القافِ وتَنْوِينِ الباءِ، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا: "عُقْبى" بِياءِ التَأْنِيثِ. والعُقْبُ والعُقُبُ بِمَعْنى المُعاقَبَةِ.
الكهف 18:41
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِن السَماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أو يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾
هَذا التَرَجِّي بِـ "عَسى" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: في الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في الآخِرَةِ، وتَمَنِّي ذَلِكَ في الآخِرَةِ أشْرَفُ مَقْطَعًا، وأذْهَبُ مَعَ الخَيْرِ والصَلاحِ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ يُرادُ بِهِ الدُنْيا أذْهَبُ في نِكايَةِ هَذا المُخاطَبِ، وأشَدُّ إيلامًا لِنَفْسِهِ.
و"الحُسْبانُ": العَذابُ كالبَرْدِ والصَرِّ ونَحْوَهُ، واحِدُ الحُسْبانِ: حُسْبانَةٌ، وهي المَرامِي مِن هَذِهِ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ، وهي سِهامٌ تُرْمى دَفْعَةً بِآلَةٍ لِذَلِكَ. و"الصَعِيدُ": وجْهُ الأرْضِ، و"الزَلَقُ": الَّذِي لا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ، يَعْنِي أنَّهُ تَذْهَبُ أشْجارُهُ ونَباتُهُ، ويَبْقى أرْضًا قَدْ ذَهَبَتْ مَنافِعُها حَتّى مَنفَعَةَ المَشْيِ، فَهي وحْلٌ لا تُنْبِتُ ولا تَثْبُتُ فِيها قَدَمٌ.
(p-٦١١)وَ "الغَوْرُ" مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الماءُ المُفْرَدُ والمِياهُ الكَثِيرَةُ، كَقَوْلِكَ: رَجُلٌ عَدْلٌ وامْرَأةُ عَدْلٌ ونَحْوَهُ، ومَعْناهُ: ذاهِبًا في الأرْضِ لا يُسْتَطاعُ تَناوُلُهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غُورًا" بِضَمِّ الغَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غُؤُرًا" بِضَمِّ الغَيْنِ وهَمْزِ الواوِ، و"غَوْرٌ" مِثْلُ "نَوْحٍ" يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَظَلُّ جِيادُها نَوْحًا عَلَيْهِ ∗∗∗ مُقَلَّدَةٌ أعِنَّتَها صُفُونا
وهَذا كَثِيرٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ الآيَةُ. هَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن إحاطَةِ العَذابِ بِحالِ هَذا المُمَثَّلِ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الثَمَرِ، غَيْرَ أنَّ الإحاطَةَ كِنايَةٌ عن عُمُومِ العَذابِ والفَسادِ. و﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ يُرِيدُ: يَضَعُ بَطْنَ إحْداهُما عَلى ظَهْرِ الأُخْرى، وذَلِكَ فِعْلُ المُتَلَهِّفِ المُتَأسِّفِ عَلى فائِتٍ أو خَسارَةٍ أو نَحْوَها، ومَن عَبَّرَ بِـ "يُصَفِّقُ" فَلَمْ يُتْقِنْ. وقَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ يُرِيدُ أنَّ السُقُوفَ وقَعَتْ، وهي العُرُوشُ، ثُمَّ تَهَدَّمَتِ الحَيِّطانُ عَلَيْها، فَهي خاوِيَةٌ والحَيِّطانُ عَلى العُرُوشِ. ﴿وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي حِكايَةٌ عن قَوْلِ الكافِرِ هَذِهِ المَقالَةَ في الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ قالَها في الدُنْيا عَلى جِهَةِ التَوْبَةِ بَعْدَ حُلُولِ المُصِيبَةِ، ويَكُونُ فِيها زَجْرٌ لِلْكَفَرَةِ مِن قُرَيْشٍ أو غَيْرِهِمْ؛ لِئَلّا تَجِيءَ لَهم حالٌ يُؤْمِنُونَ فِيها بَعْدَ نِقَمٍ تَحُلُّ بِهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "وَلَمْ تَكُنْ" بِالتاءِ عَلى لَفْظِ الفِئَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ: "وَلَمْ يَكُنْ" بِالياءِ عَلى المَعْنى. و"الفِئَةُ": الجَماعَةُ الَّتِي يَلْجَأُ إلى نَصْرِها، قالَ مُجاهِدٌ: هي العَشِيرَةُ.
(p-٦١٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهِيَ عِنْدِي مِن: فاءَ يَفِيءُ، وزْنُها فِعْلَةٌ "فِيئَةٌ" حُذِفَتِ العَيْنَ تَخْفِيفًا، وقَدْ قالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: هي مِن فَأوتُ ولَيْسَتْ مِن فاءَ، وهَذا الَّذِي قالُوهُ أدْخَلَ في التَصْرِيفِ، والأوَّلُ أحْكَمٌ في المَعْنى. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِئَةٌ تَنْصُرُهُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "هُنالِكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ: "مُنْتَصِرًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "الوَلايَةُ" مُبْتَدَأً و"هُنالِكَ" خَبُرُهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "الوِلايَةُ" بِكَسْرِ الواوِ، وهي بِمَعْنى الرِياسَةِ والزَعامَةِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ الباقُونَ: "الوَلايَةُ" بِفَتْحِ الواوِ، وهي بِمَعْنى المُوالاةِ والصِلَةِ ونَحْوَهُ، ويُحْكى عن أبِي عَمْرُو، والأصْمَعِيُّ أنَّ كَسْرَ الواوِ هُنا لَحْنٌ؛ لِأنَّ (فِعالَةَ) إنَّما تَجِيءُ فِيما كانَ صَنْعَةً أو مَعْنًى مُتَقَلَّدًا، ولَيْسَ هُنا تَوَلِّي أمْرٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرُو، والكِسائِيُّ: "الحَقُّ" بِالرَفْعِ عَلى جِهَةِ النَعْتِ لِ "الوَلايَةُ"، وقَرَأ الباقُونَ: "الحَقِّ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "لِلَّهِ الحَقَّ" بِالنَصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عُقُبًا" بِضَمِّ العَيْنِ والقافِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والحَسَنُ: "عُقْبًا" بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ القافِ وتَنْوِينِ الباءِ، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا: "عُقْبى" بِياءِ التَأْنِيثِ. والعُقْبُ والعُقُبُ بِمَعْنى المُعاقَبَةِ.
الكهف 18:42
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِن السَماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أو يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾
هَذا التَرَجِّي بِـ "عَسى" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: في الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في الآخِرَةِ، وتَمَنِّي ذَلِكَ في الآخِرَةِ أشْرَفُ مَقْطَعًا، وأذْهَبُ مَعَ الخَيْرِ والصَلاحِ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ يُرادُ بِهِ الدُنْيا أذْهَبُ في نِكايَةِ هَذا المُخاطَبِ، وأشَدُّ إيلامًا لِنَفْسِهِ.
و"الحُسْبانُ": العَذابُ كالبَرْدِ والصَرِّ ونَحْوَهُ، واحِدُ الحُسْبانِ: حُسْبانَةٌ، وهي المَرامِي مِن هَذِهِ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ، وهي سِهامٌ تُرْمى دَفْعَةً بِآلَةٍ لِذَلِكَ. و"الصَعِيدُ": وجْهُ الأرْضِ، و"الزَلَقُ": الَّذِي لا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ، يَعْنِي أنَّهُ تَذْهَبُ أشْجارُهُ ونَباتُهُ، ويَبْقى أرْضًا قَدْ ذَهَبَتْ مَنافِعُها حَتّى مَنفَعَةَ المَشْيِ، فَهي وحْلٌ لا تُنْبِتُ ولا تَثْبُتُ فِيها قَدَمٌ.
(p-٦١١)وَ "الغَوْرُ" مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الماءُ المُفْرَدُ والمِياهُ الكَثِيرَةُ، كَقَوْلِكَ: رَجُلٌ عَدْلٌ وامْرَأةُ عَدْلٌ ونَحْوَهُ، ومَعْناهُ: ذاهِبًا في الأرْضِ لا يُسْتَطاعُ تَناوُلُهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غُورًا" بِضَمِّ الغَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غُؤُرًا" بِضَمِّ الغَيْنِ وهَمْزِ الواوِ، و"غَوْرٌ" مِثْلُ "نَوْحٍ" يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَظَلُّ جِيادُها نَوْحًا عَلَيْهِ ∗∗∗ مُقَلَّدَةٌ أعِنَّتَها صُفُونا
وهَذا كَثِيرٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ الآيَةُ. هَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن إحاطَةِ العَذابِ بِحالِ هَذا المُمَثَّلِ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الثَمَرِ، غَيْرَ أنَّ الإحاطَةَ كِنايَةٌ عن عُمُومِ العَذابِ والفَسادِ. و﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ يُرِيدُ: يَضَعُ بَطْنَ إحْداهُما عَلى ظَهْرِ الأُخْرى، وذَلِكَ فِعْلُ المُتَلَهِّفِ المُتَأسِّفِ عَلى فائِتٍ أو خَسارَةٍ أو نَحْوَها، ومَن عَبَّرَ بِـ "يُصَفِّقُ" فَلَمْ يُتْقِنْ. وقَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ يُرِيدُ أنَّ السُقُوفَ وقَعَتْ، وهي العُرُوشُ، ثُمَّ تَهَدَّمَتِ الحَيِّطانُ عَلَيْها، فَهي خاوِيَةٌ والحَيِّطانُ عَلى العُرُوشِ. ﴿وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي حِكايَةٌ عن قَوْلِ الكافِرِ هَذِهِ المَقالَةَ في الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ قالَها في الدُنْيا عَلى جِهَةِ التَوْبَةِ بَعْدَ حُلُولِ المُصِيبَةِ، ويَكُونُ فِيها زَجْرٌ لِلْكَفَرَةِ مِن قُرَيْشٍ أو غَيْرِهِمْ؛ لِئَلّا تَجِيءَ لَهم حالٌ يُؤْمِنُونَ فِيها بَعْدَ نِقَمٍ تَحُلُّ بِهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "وَلَمْ تَكُنْ" بِالتاءِ عَلى لَفْظِ الفِئَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ: "وَلَمْ يَكُنْ" بِالياءِ عَلى المَعْنى. و"الفِئَةُ": الجَماعَةُ الَّتِي يَلْجَأُ إلى نَصْرِها، قالَ مُجاهِدٌ: هي العَشِيرَةُ.
(p-٦١٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهِيَ عِنْدِي مِن: فاءَ يَفِيءُ، وزْنُها فِعْلَةٌ "فِيئَةٌ" حُذِفَتِ العَيْنَ تَخْفِيفًا، وقَدْ قالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: هي مِن فَأوتُ ولَيْسَتْ مِن فاءَ، وهَذا الَّذِي قالُوهُ أدْخَلَ في التَصْرِيفِ، والأوَّلُ أحْكَمٌ في المَعْنى. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِئَةٌ تَنْصُرُهُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "هُنالِكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ: "مُنْتَصِرًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "الوَلايَةُ" مُبْتَدَأً و"هُنالِكَ" خَبُرُهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "الوِلايَةُ" بِكَسْرِ الواوِ، وهي بِمَعْنى الرِياسَةِ والزَعامَةِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ الباقُونَ: "الوَلايَةُ" بِفَتْحِ الواوِ، وهي بِمَعْنى المُوالاةِ والصِلَةِ ونَحْوَهُ، ويُحْكى عن أبِي عَمْرُو، والأصْمَعِيُّ أنَّ كَسْرَ الواوِ هُنا لَحْنٌ؛ لِأنَّ (فِعالَةَ) إنَّما تَجِيءُ فِيما كانَ صَنْعَةً أو مَعْنًى مُتَقَلَّدًا، ولَيْسَ هُنا تَوَلِّي أمْرٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرُو، والكِسائِيُّ: "الحَقُّ" بِالرَفْعِ عَلى جِهَةِ النَعْتِ لِ "الوَلايَةُ"، وقَرَأ الباقُونَ: "الحَقِّ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "لِلَّهِ الحَقَّ" بِالنَصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عُقُبًا" بِضَمِّ العَيْنِ والقافِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والحَسَنُ: "عُقْبًا" بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ القافِ وتَنْوِينِ الباءِ، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا: "عُقْبى" بِياءِ التَأْنِيثِ. والعُقْبُ والعُقُبُ بِمَعْنى المُعاقَبَةِ.
الكهف 18:43
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِن السَماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أو يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾
هَذا التَرَجِّي بِـ "عَسى" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: في الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في الآخِرَةِ، وتَمَنِّي ذَلِكَ في الآخِرَةِ أشْرَفُ مَقْطَعًا، وأذْهَبُ مَعَ الخَيْرِ والصَلاحِ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ يُرادُ بِهِ الدُنْيا أذْهَبُ في نِكايَةِ هَذا المُخاطَبِ، وأشَدُّ إيلامًا لِنَفْسِهِ.
و"الحُسْبانُ": العَذابُ كالبَرْدِ والصَرِّ ونَحْوَهُ، واحِدُ الحُسْبانِ: حُسْبانَةٌ، وهي المَرامِي مِن هَذِهِ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ، وهي سِهامٌ تُرْمى دَفْعَةً بِآلَةٍ لِذَلِكَ. و"الصَعِيدُ": وجْهُ الأرْضِ، و"الزَلَقُ": الَّذِي لا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ، يَعْنِي أنَّهُ تَذْهَبُ أشْجارُهُ ونَباتُهُ، ويَبْقى أرْضًا قَدْ ذَهَبَتْ مَنافِعُها حَتّى مَنفَعَةَ المَشْيِ، فَهي وحْلٌ لا تُنْبِتُ ولا تَثْبُتُ فِيها قَدَمٌ.
(p-٦١١)وَ "الغَوْرُ" مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الماءُ المُفْرَدُ والمِياهُ الكَثِيرَةُ، كَقَوْلِكَ: رَجُلٌ عَدْلٌ وامْرَأةُ عَدْلٌ ونَحْوَهُ، ومَعْناهُ: ذاهِبًا في الأرْضِ لا يُسْتَطاعُ تَناوُلُهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غُورًا" بِضَمِّ الغَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غُؤُرًا" بِضَمِّ الغَيْنِ وهَمْزِ الواوِ، و"غَوْرٌ" مِثْلُ "نَوْحٍ" يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَظَلُّ جِيادُها نَوْحًا عَلَيْهِ ∗∗∗ مُقَلَّدَةٌ أعِنَّتَها صُفُونا
وهَذا كَثِيرٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ الآيَةُ. هَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن إحاطَةِ العَذابِ بِحالِ هَذا المُمَثَّلِ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الثَمَرِ، غَيْرَ أنَّ الإحاطَةَ كِنايَةٌ عن عُمُومِ العَذابِ والفَسادِ. و﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ يُرِيدُ: يَضَعُ بَطْنَ إحْداهُما عَلى ظَهْرِ الأُخْرى، وذَلِكَ فِعْلُ المُتَلَهِّفِ المُتَأسِّفِ عَلى فائِتٍ أو خَسارَةٍ أو نَحْوَها، ومَن عَبَّرَ بِـ "يُصَفِّقُ" فَلَمْ يُتْقِنْ. وقَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ يُرِيدُ أنَّ السُقُوفَ وقَعَتْ، وهي العُرُوشُ، ثُمَّ تَهَدَّمَتِ الحَيِّطانُ عَلَيْها، فَهي خاوِيَةٌ والحَيِّطانُ عَلى العُرُوشِ. ﴿وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي حِكايَةٌ عن قَوْلِ الكافِرِ هَذِهِ المَقالَةَ في الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ قالَها في الدُنْيا عَلى جِهَةِ التَوْبَةِ بَعْدَ حُلُولِ المُصِيبَةِ، ويَكُونُ فِيها زَجْرٌ لِلْكَفَرَةِ مِن قُرَيْشٍ أو غَيْرِهِمْ؛ لِئَلّا تَجِيءَ لَهم حالٌ يُؤْمِنُونَ فِيها بَعْدَ نِقَمٍ تَحُلُّ بِهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "وَلَمْ تَكُنْ" بِالتاءِ عَلى لَفْظِ الفِئَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ: "وَلَمْ يَكُنْ" بِالياءِ عَلى المَعْنى. و"الفِئَةُ": الجَماعَةُ الَّتِي يَلْجَأُ إلى نَصْرِها، قالَ مُجاهِدٌ: هي العَشِيرَةُ.
(p-٦١٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهِيَ عِنْدِي مِن: فاءَ يَفِيءُ، وزْنُها فِعْلَةٌ "فِيئَةٌ" حُذِفَتِ العَيْنَ تَخْفِيفًا، وقَدْ قالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: هي مِن فَأوتُ ولَيْسَتْ مِن فاءَ، وهَذا الَّذِي قالُوهُ أدْخَلَ في التَصْرِيفِ، والأوَّلُ أحْكَمٌ في المَعْنى. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِئَةٌ تَنْصُرُهُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "هُنالِكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ: "مُنْتَصِرًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "الوَلايَةُ" مُبْتَدَأً و"هُنالِكَ" خَبُرُهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "الوِلايَةُ" بِكَسْرِ الواوِ، وهي بِمَعْنى الرِياسَةِ والزَعامَةِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ الباقُونَ: "الوَلايَةُ" بِفَتْحِ الواوِ، وهي بِمَعْنى المُوالاةِ والصِلَةِ ونَحْوَهُ، ويُحْكى عن أبِي عَمْرُو، والأصْمَعِيُّ أنَّ كَسْرَ الواوِ هُنا لَحْنٌ؛ لِأنَّ (فِعالَةَ) إنَّما تَجِيءُ فِيما كانَ صَنْعَةً أو مَعْنًى مُتَقَلَّدًا، ولَيْسَ هُنا تَوَلِّي أمْرٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرُو، والكِسائِيُّ: "الحَقُّ" بِالرَفْعِ عَلى جِهَةِ النَعْتِ لِ "الوَلايَةُ"، وقَرَأ الباقُونَ: "الحَقِّ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "لِلَّهِ الحَقَّ" بِالنَصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عُقُبًا" بِضَمِّ العَيْنِ والقافِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والحَسَنُ: "عُقْبًا" بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ القافِ وتَنْوِينِ الباءِ، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا: "عُقْبى" بِياءِ التَأْنِيثِ. والعُقْبُ والعُقُبُ بِمَعْنى المُعاقَبَةِ.
الكهف 18:44
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِن السَماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أو يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾
هَذا التَرَجِّي بِـ "عَسى" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: في الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في الآخِرَةِ، وتَمَنِّي ذَلِكَ في الآخِرَةِ أشْرَفُ مَقْطَعًا، وأذْهَبُ مَعَ الخَيْرِ والصَلاحِ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ يُرادُ بِهِ الدُنْيا أذْهَبُ في نِكايَةِ هَذا المُخاطَبِ، وأشَدُّ إيلامًا لِنَفْسِهِ.
و"الحُسْبانُ": العَذابُ كالبَرْدِ والصَرِّ ونَحْوَهُ، واحِدُ الحُسْبانِ: حُسْبانَةٌ، وهي المَرامِي مِن هَذِهِ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ، وهي سِهامٌ تُرْمى دَفْعَةً بِآلَةٍ لِذَلِكَ. و"الصَعِيدُ": وجْهُ الأرْضِ، و"الزَلَقُ": الَّذِي لا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ، يَعْنِي أنَّهُ تَذْهَبُ أشْجارُهُ ونَباتُهُ، ويَبْقى أرْضًا قَدْ ذَهَبَتْ مَنافِعُها حَتّى مَنفَعَةَ المَشْيِ، فَهي وحْلٌ لا تُنْبِتُ ولا تَثْبُتُ فِيها قَدَمٌ.
(p-٦١١)وَ "الغَوْرُ" مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الماءُ المُفْرَدُ والمِياهُ الكَثِيرَةُ، كَقَوْلِكَ: رَجُلٌ عَدْلٌ وامْرَأةُ عَدْلٌ ونَحْوَهُ، ومَعْناهُ: ذاهِبًا في الأرْضِ لا يُسْتَطاعُ تَناوُلُهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غُورًا" بِضَمِّ الغَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غُؤُرًا" بِضَمِّ الغَيْنِ وهَمْزِ الواوِ، و"غَوْرٌ" مِثْلُ "نَوْحٍ" يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَظَلُّ جِيادُها نَوْحًا عَلَيْهِ ∗∗∗ مُقَلَّدَةٌ أعِنَّتَها صُفُونا
وهَذا كَثِيرٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ الآيَةُ. هَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن إحاطَةِ العَذابِ بِحالِ هَذا المُمَثَّلِ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الثَمَرِ، غَيْرَ أنَّ الإحاطَةَ كِنايَةٌ عن عُمُومِ العَذابِ والفَسادِ. و﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ يُرِيدُ: يَضَعُ بَطْنَ إحْداهُما عَلى ظَهْرِ الأُخْرى، وذَلِكَ فِعْلُ المُتَلَهِّفِ المُتَأسِّفِ عَلى فائِتٍ أو خَسارَةٍ أو نَحْوَها، ومَن عَبَّرَ بِـ "يُصَفِّقُ" فَلَمْ يُتْقِنْ. وقَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ يُرِيدُ أنَّ السُقُوفَ وقَعَتْ، وهي العُرُوشُ، ثُمَّ تَهَدَّمَتِ الحَيِّطانُ عَلَيْها، فَهي خاوِيَةٌ والحَيِّطانُ عَلى العُرُوشِ. ﴿وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي حِكايَةٌ عن قَوْلِ الكافِرِ هَذِهِ المَقالَةَ في الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ قالَها في الدُنْيا عَلى جِهَةِ التَوْبَةِ بَعْدَ حُلُولِ المُصِيبَةِ، ويَكُونُ فِيها زَجْرٌ لِلْكَفَرَةِ مِن قُرَيْشٍ أو غَيْرِهِمْ؛ لِئَلّا تَجِيءَ لَهم حالٌ يُؤْمِنُونَ فِيها بَعْدَ نِقَمٍ تَحُلُّ بِهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "وَلَمْ تَكُنْ" بِالتاءِ عَلى لَفْظِ الفِئَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ: "وَلَمْ يَكُنْ" بِالياءِ عَلى المَعْنى. و"الفِئَةُ": الجَماعَةُ الَّتِي يَلْجَأُ إلى نَصْرِها، قالَ مُجاهِدٌ: هي العَشِيرَةُ.
(p-٦١٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهِيَ عِنْدِي مِن: فاءَ يَفِيءُ، وزْنُها فِعْلَةٌ "فِيئَةٌ" حُذِفَتِ العَيْنَ تَخْفِيفًا، وقَدْ قالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: هي مِن فَأوتُ ولَيْسَتْ مِن فاءَ، وهَذا الَّذِي قالُوهُ أدْخَلَ في التَصْرِيفِ، والأوَّلُ أحْكَمٌ في المَعْنى. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِئَةٌ تَنْصُرُهُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "هُنالِكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ: "مُنْتَصِرًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "الوَلايَةُ" مُبْتَدَأً و"هُنالِكَ" خَبُرُهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "الوِلايَةُ" بِكَسْرِ الواوِ، وهي بِمَعْنى الرِياسَةِ والزَعامَةِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ الباقُونَ: "الوَلايَةُ" بِفَتْحِ الواوِ، وهي بِمَعْنى المُوالاةِ والصِلَةِ ونَحْوَهُ، ويُحْكى عن أبِي عَمْرُو، والأصْمَعِيُّ أنَّ كَسْرَ الواوِ هُنا لَحْنٌ؛ لِأنَّ (فِعالَةَ) إنَّما تَجِيءُ فِيما كانَ صَنْعَةً أو مَعْنًى مُتَقَلَّدًا، ولَيْسَ هُنا تَوَلِّي أمْرٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرُو، والكِسائِيُّ: "الحَقُّ" بِالرَفْعِ عَلى جِهَةِ النَعْتِ لِ "الوَلايَةُ"، وقَرَأ الباقُونَ: "الحَقِّ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "لِلَّهِ الحَقَّ" بِالنَصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عُقُبًا" بِضَمِّ العَيْنِ والقافِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والحَسَنُ: "عُقْبًا" بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ القافِ وتَنْوِينِ الباءِ، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا: "عُقْبى" بِياءِ التَأْنِيثِ. والعُقْبُ والعُقُبُ بِمَعْنى المُعاقَبَةِ.
الكهف 18:45
قوله عزّ وجلّ:
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِياحُ وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا والباقِياتُ الصالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا﴾ ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَياةِ الدُنْيا﴾ يُرِيدُ حَياةَ الإنْسانِ بِما يَتَعَلَّقُ بِها مِن نِعَمٍ وثَرْوَةٍ، وقَوْلُهُ: (p-٦١٣)﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ﴾ يُرِيدُ: هي كَماءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ﴾ أيْ: فاخْتَلَطَ النَباتُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ بِسَبَبِ الماءِ، فالباءُ في "بِهِ" باءُ السَبَبِ؛ فَـ "أصْبَحَ" عِبارَةٌ عن صَيْرُورَتِهِ إلى ذَلِكَ، لا أنَّهُ أرادَ اخْتِصاصًا بِوَقْتِ الصَباحِ، وهَذا كَقَوْلِ الرَبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ:
؎ أصْبَحْتُ لا أحْمِلَ السِلاحَ ولا ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا
و"الهَشِيمُ": المُتَفَتِّتُ مِن يابِسِ العُشْبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]، ومِنهُ: هَشَّمَ الثَرِيدَ، و"تَذْرُوهُ" بِمَعْنى: تُفَرِّقُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "تُذْرِيهِ"، والمَعْنى: تَقْلَعُهُ وتُرْمِي بِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: "تَذْرُوهُ الرِيحُ" بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، والنَخْعِيِّ، والأعْمَشِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ اللهُ﴾ عِبارَةٌ لِلْإنْسانِ عن أنَّ الأمْرَ قَبْلَ وُجُودِ الإنْسانِ هَكَذا كانَ إذْ كانَ، إذْ نَفْسُهُ حاكِمَةٌ بِذَلِكَ في حالِ غَفْلَةٍ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وهو مَعْنى صَحِيحٌ. وقالَ الحَسَنُ: "كانَ" إخْبارٌ عَنِ الحالِ قَبْلَ إيجادِ المَوْجُوداتِ، أيْ إنَّ القُدْرَةَ كانَتْ، وهَذا أيْضًا حَسَنٌ. وقَوْلُهُ: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ يُرِيدُ: مِنَ الأشْياءِ المُقَدَّرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
لا المُحالاتُ وغَيْرُها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لا يُوصَفُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْها، ولا بالعَجْزِ عنها، وهَذا عَلى تَسْمِيَةِ المُحالِ شَيْئًا، مِن حَيْثُ هو مَعْقُولٌ لا واقِعٌ، وقَدْ جاءَ أنَّ زَلْزَلَةَ الساعَةِ شَيْءٌ.
(p-٦١٤)فَمَعْنى هَذا المِثال تَشْبِيهُ حالِ المَرْءِ في حَيّاتِهِ ومالِهِ وعِزَّتِهِ وزَهْوِهِ وبَطَرِهِ بِالنَباتِ الَّذِي لَهُ خُضْرَةٌ ونَضْرَةٌ عَنِ المَطَرِ النازِلِ، ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ هَشِيمًا، ويَصِيرُ إلى عَدَمٍ، فَمَن كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ يَبْقى في الآخِرَةِ فَهو الفائِزُ، فَكَأنَّ الحَياةَ بِمَثابَةِ الماءِ، والخُضْرَةَ، والنَضارَةَ بِمَنزِلَةِ النَعِيمِ والعِزَّةِ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، لَكِنْ مَعَهُ قَرِينَةُ الضَعَةِ لِلْمالِ والبَنِينِ؛ لِأنَّهُ في المَثَلِ قَبْلُ حَقَّرَ أمْرَ الدُنْيا وبَيَّنَهُ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ في هَذِهِ: إنَّما المالُ والبَنُونُ زِينَةُ هَذِهِ الحَياةِ المُحَقَّرَةِ، فَلا تُتْبِعُوها أنْفُسَكم. وقَوْلُهُ: "زِينَةُ" مَصْدَرٌ، وقَدْ أخْبَرَ بِهِ عن أشْخاصٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: مَقَرُّ زِينَةِ الحَياةِ، وإمّا أنْ يَضَعَ المالَ والبَنِينَ بِمَنزِلَةِ الغِنى والكَثْرَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الباقِياتِ الصالِحاتِ" -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مَيْسَرَةَ، عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلِ: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ.
وقالَ الجُمْهُورُ: هي الكَلِماتُ المَأْثُورُ فَضْلُها: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ اللهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهَ، واللهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
ورُوِيَ في هَذا حَدِيثٌ: « "أكْثِرُوا مِنَ الباقِياتِ الصالِحاتِ"،» وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرِهِ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ هي الباقِياتُ الصالِحاتُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الباقِياتُ الصالِحاتُ: كُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ مِن (p-٦١٥)قَوْلٍ أو فِعْلٍ يَبْقى لِلْآخِرَةِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِكُلِّ الأقْوامِ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِ بِالعُمُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا﴾، أيْ: صاحِبُها يَنْتَظِرُ الثَوابَ ويَنْبَسِطُ أمَلُهُ عَلى خَيْرٍ مِن حالِ ذِي المالِ والبَنِينَ دُونَ عَمَلٍ صالِحٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ الآيَةُ. التَقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا أفْصَحُ ما يَتَأوَّلُ في هَذا هُنا. وقَرَأ نافِعٌ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ، وابْنُ مَصْرِفٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نُسَيِّرُ" بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، والحَسَنُ، وشِبْلُ، وقَتادَةُ، وعِيسى: "تُسَيِّرُ" بِالتاءِ، وفَتْحِ الياءِ المُشَدَّدَةِ "الجِبالُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُسَيِّرُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ والثانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ مُشَدَّدَةٌ "الجِبالُ" رَفَعًا. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "تَسِيرُ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ، أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى "الجِبالِ"، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَيَوْمَ سُيِّرَتِ الجِبالُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "بارِزَةً"، إمّا أنْ يُرِيدَ أنَّ الأرْضَ لِذَهابِ الجِبالِ والظِرابِ والشَجَرِ، بَرَزَتْ وانْكَشَفَتْ، وإمّا أنْ يُرِيدَ بُرُوزَ أهْلِها، والمَحْشُورِينَ مِن سُكّانِ بَطْنِها. "وَحَشَرْناهُمْ" أيْ أقَمْناهم مِن قُبُورِهِمْ وجَمَعْناهم لِعُرْضَةِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُغادِرُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "تُغادِرُ" عَلى الإسْنادِ إلى القُدْرَةِ أو إلى الأرْضِ. ورَوى أبانُ بْنُ زَيْدٍ عن عاصِمٍ: "يُغادِرُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الدالِّ "أحَدٌ" بِالرَفْعِ.
وقَرَأ الضَحاكُ: "فَلَمْ نُغْدِرْ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وكَسْرِ الدالِّ وسُكُونِ الغَيْنِ.
والمُغادَرَةُ: التُرْكُ، ومِنهُ: غَدِيرُ الماءِ، وهو ما تَرَكَهُ السَيْلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "صَفًّا" إفْرادٌ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الجَمْعِ، أيْ: صُفُوفًا، وفي الحَدِيثِ الصَحِيحِ: « "يَجْمَعُ اللهُ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ صُفُوفًا يُسْمِعُهُمُ الداعِي ويَنْفُدُهُمُ البَصَرُ"» الحَدِيثُ. وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "أهْلُ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ (p-٦١٦)صَفًّا، أنْتُمْ مِنها ثَمانُونَ صَفًّا".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، مُقاوَلَةٌ لِلْكُفّارِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، ومُضَمَّنُها التَقْرِيعُ والتَوْبِيخُ، والمُؤْمِنُونَ المُعْتَقِدُونَ في الدُنْيا أنَّهم يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، لا تَكُونُ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لَهم بِوَجْهٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ ويُحْسِنُهُ الإيجازُ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لِلْكَفَرَةِ مِنهم. ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّكم تُحْشَرُونَ إلى اللهِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا"،»﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
الكهف 18:46
قوله عزّ وجلّ:
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِياحُ وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا والباقِياتُ الصالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا﴾ ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَياةِ الدُنْيا﴾ يُرِيدُ حَياةَ الإنْسانِ بِما يَتَعَلَّقُ بِها مِن نِعَمٍ وثَرْوَةٍ، وقَوْلُهُ: (p-٦١٣)﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ﴾ يُرِيدُ: هي كَماءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ﴾ أيْ: فاخْتَلَطَ النَباتُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ بِسَبَبِ الماءِ، فالباءُ في "بِهِ" باءُ السَبَبِ؛ فَـ "أصْبَحَ" عِبارَةٌ عن صَيْرُورَتِهِ إلى ذَلِكَ، لا أنَّهُ أرادَ اخْتِصاصًا بِوَقْتِ الصَباحِ، وهَذا كَقَوْلِ الرَبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ:
؎ أصْبَحْتُ لا أحْمِلَ السِلاحَ ولا ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا
و"الهَشِيمُ": المُتَفَتِّتُ مِن يابِسِ العُشْبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]، ومِنهُ: هَشَّمَ الثَرِيدَ، و"تَذْرُوهُ" بِمَعْنى: تُفَرِّقُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "تُذْرِيهِ"، والمَعْنى: تَقْلَعُهُ وتُرْمِي بِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: "تَذْرُوهُ الرِيحُ" بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، والنَخْعِيِّ، والأعْمَشِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ اللهُ﴾ عِبارَةٌ لِلْإنْسانِ عن أنَّ الأمْرَ قَبْلَ وُجُودِ الإنْسانِ هَكَذا كانَ إذْ كانَ، إذْ نَفْسُهُ حاكِمَةٌ بِذَلِكَ في حالِ غَفْلَةٍ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وهو مَعْنى صَحِيحٌ. وقالَ الحَسَنُ: "كانَ" إخْبارٌ عَنِ الحالِ قَبْلَ إيجادِ المَوْجُوداتِ، أيْ إنَّ القُدْرَةَ كانَتْ، وهَذا أيْضًا حَسَنٌ. وقَوْلُهُ: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ يُرِيدُ: مِنَ الأشْياءِ المُقَدَّرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
لا المُحالاتُ وغَيْرُها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لا يُوصَفُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْها، ولا بالعَجْزِ عنها، وهَذا عَلى تَسْمِيَةِ المُحالِ شَيْئًا، مِن حَيْثُ هو مَعْقُولٌ لا واقِعٌ، وقَدْ جاءَ أنَّ زَلْزَلَةَ الساعَةِ شَيْءٌ.
(p-٦١٤)فَمَعْنى هَذا المِثال تَشْبِيهُ حالِ المَرْءِ في حَيّاتِهِ ومالِهِ وعِزَّتِهِ وزَهْوِهِ وبَطَرِهِ بِالنَباتِ الَّذِي لَهُ خُضْرَةٌ ونَضْرَةٌ عَنِ المَطَرِ النازِلِ، ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ هَشِيمًا، ويَصِيرُ إلى عَدَمٍ، فَمَن كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ يَبْقى في الآخِرَةِ فَهو الفائِزُ، فَكَأنَّ الحَياةَ بِمَثابَةِ الماءِ، والخُضْرَةَ، والنَضارَةَ بِمَنزِلَةِ النَعِيمِ والعِزَّةِ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، لَكِنْ مَعَهُ قَرِينَةُ الضَعَةِ لِلْمالِ والبَنِينِ؛ لِأنَّهُ في المَثَلِ قَبْلُ حَقَّرَ أمْرَ الدُنْيا وبَيَّنَهُ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ في هَذِهِ: إنَّما المالُ والبَنُونُ زِينَةُ هَذِهِ الحَياةِ المُحَقَّرَةِ، فَلا تُتْبِعُوها أنْفُسَكم. وقَوْلُهُ: "زِينَةُ" مَصْدَرٌ، وقَدْ أخْبَرَ بِهِ عن أشْخاصٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: مَقَرُّ زِينَةِ الحَياةِ، وإمّا أنْ يَضَعَ المالَ والبَنِينَ بِمَنزِلَةِ الغِنى والكَثْرَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الباقِياتِ الصالِحاتِ" -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مَيْسَرَةَ، عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلِ: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ.
وقالَ الجُمْهُورُ: هي الكَلِماتُ المَأْثُورُ فَضْلُها: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ اللهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهَ، واللهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
ورُوِيَ في هَذا حَدِيثٌ: « "أكْثِرُوا مِنَ الباقِياتِ الصالِحاتِ"،» وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرِهِ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ هي الباقِياتُ الصالِحاتُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الباقِياتُ الصالِحاتُ: كُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ مِن (p-٦١٥)قَوْلٍ أو فِعْلٍ يَبْقى لِلْآخِرَةِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِكُلِّ الأقْوامِ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِ بِالعُمُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا﴾، أيْ: صاحِبُها يَنْتَظِرُ الثَوابَ ويَنْبَسِطُ أمَلُهُ عَلى خَيْرٍ مِن حالِ ذِي المالِ والبَنِينَ دُونَ عَمَلٍ صالِحٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ الآيَةُ. التَقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا أفْصَحُ ما يَتَأوَّلُ في هَذا هُنا. وقَرَأ نافِعٌ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ، وابْنُ مَصْرِفٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نُسَيِّرُ" بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، والحَسَنُ، وشِبْلُ، وقَتادَةُ، وعِيسى: "تُسَيِّرُ" بِالتاءِ، وفَتْحِ الياءِ المُشَدَّدَةِ "الجِبالُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُسَيِّرُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ والثانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ مُشَدَّدَةٌ "الجِبالُ" رَفَعًا. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "تَسِيرُ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ، أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى "الجِبالِ"، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَيَوْمَ سُيِّرَتِ الجِبالُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "بارِزَةً"، إمّا أنْ يُرِيدَ أنَّ الأرْضَ لِذَهابِ الجِبالِ والظِرابِ والشَجَرِ، بَرَزَتْ وانْكَشَفَتْ، وإمّا أنْ يُرِيدَ بُرُوزَ أهْلِها، والمَحْشُورِينَ مِن سُكّانِ بَطْنِها. "وَحَشَرْناهُمْ" أيْ أقَمْناهم مِن قُبُورِهِمْ وجَمَعْناهم لِعُرْضَةِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُغادِرُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "تُغادِرُ" عَلى الإسْنادِ إلى القُدْرَةِ أو إلى الأرْضِ. ورَوى أبانُ بْنُ زَيْدٍ عن عاصِمٍ: "يُغادِرُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الدالِّ "أحَدٌ" بِالرَفْعِ.
وقَرَأ الضَحاكُ: "فَلَمْ نُغْدِرْ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وكَسْرِ الدالِّ وسُكُونِ الغَيْنِ.
والمُغادَرَةُ: التُرْكُ، ومِنهُ: غَدِيرُ الماءِ، وهو ما تَرَكَهُ السَيْلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "صَفًّا" إفْرادٌ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الجَمْعِ، أيْ: صُفُوفًا، وفي الحَدِيثِ الصَحِيحِ: « "يَجْمَعُ اللهُ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ صُفُوفًا يُسْمِعُهُمُ الداعِي ويَنْفُدُهُمُ البَصَرُ"» الحَدِيثُ. وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "أهْلُ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ (p-٦١٦)صَفًّا، أنْتُمْ مِنها ثَمانُونَ صَفًّا".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، مُقاوَلَةٌ لِلْكُفّارِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، ومُضَمَّنُها التَقْرِيعُ والتَوْبِيخُ، والمُؤْمِنُونَ المُعْتَقِدُونَ في الدُنْيا أنَّهم يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، لا تَكُونُ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لَهم بِوَجْهٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ ويُحْسِنُهُ الإيجازُ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لِلْكَفَرَةِ مِنهم. ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّكم تُحْشَرُونَ إلى اللهِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا"،»﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
الكهف 18:47
قوله عزّ وجلّ:
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِياحُ وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا والباقِياتُ الصالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا﴾ ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَياةِ الدُنْيا﴾ يُرِيدُ حَياةَ الإنْسانِ بِما يَتَعَلَّقُ بِها مِن نِعَمٍ وثَرْوَةٍ، وقَوْلُهُ: (p-٦١٣)﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ﴾ يُرِيدُ: هي كَماءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ﴾ أيْ: فاخْتَلَطَ النَباتُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ بِسَبَبِ الماءِ، فالباءُ في "بِهِ" باءُ السَبَبِ؛ فَـ "أصْبَحَ" عِبارَةٌ عن صَيْرُورَتِهِ إلى ذَلِكَ، لا أنَّهُ أرادَ اخْتِصاصًا بِوَقْتِ الصَباحِ، وهَذا كَقَوْلِ الرَبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ:
؎ أصْبَحْتُ لا أحْمِلَ السِلاحَ ولا ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا
و"الهَشِيمُ": المُتَفَتِّتُ مِن يابِسِ العُشْبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]، ومِنهُ: هَشَّمَ الثَرِيدَ، و"تَذْرُوهُ" بِمَعْنى: تُفَرِّقُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "تُذْرِيهِ"، والمَعْنى: تَقْلَعُهُ وتُرْمِي بِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: "تَذْرُوهُ الرِيحُ" بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، والنَخْعِيِّ، والأعْمَشِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ اللهُ﴾ عِبارَةٌ لِلْإنْسانِ عن أنَّ الأمْرَ قَبْلَ وُجُودِ الإنْسانِ هَكَذا كانَ إذْ كانَ، إذْ نَفْسُهُ حاكِمَةٌ بِذَلِكَ في حالِ غَفْلَةٍ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وهو مَعْنى صَحِيحٌ. وقالَ الحَسَنُ: "كانَ" إخْبارٌ عَنِ الحالِ قَبْلَ إيجادِ المَوْجُوداتِ، أيْ إنَّ القُدْرَةَ كانَتْ، وهَذا أيْضًا حَسَنٌ. وقَوْلُهُ: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ يُرِيدُ: مِنَ الأشْياءِ المُقَدَّرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
لا المُحالاتُ وغَيْرُها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لا يُوصَفُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْها، ولا بالعَجْزِ عنها، وهَذا عَلى تَسْمِيَةِ المُحالِ شَيْئًا، مِن حَيْثُ هو مَعْقُولٌ لا واقِعٌ، وقَدْ جاءَ أنَّ زَلْزَلَةَ الساعَةِ شَيْءٌ.
(p-٦١٤)فَمَعْنى هَذا المِثال تَشْبِيهُ حالِ المَرْءِ في حَيّاتِهِ ومالِهِ وعِزَّتِهِ وزَهْوِهِ وبَطَرِهِ بِالنَباتِ الَّذِي لَهُ خُضْرَةٌ ونَضْرَةٌ عَنِ المَطَرِ النازِلِ، ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ هَشِيمًا، ويَصِيرُ إلى عَدَمٍ، فَمَن كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ يَبْقى في الآخِرَةِ فَهو الفائِزُ، فَكَأنَّ الحَياةَ بِمَثابَةِ الماءِ، والخُضْرَةَ، والنَضارَةَ بِمَنزِلَةِ النَعِيمِ والعِزَّةِ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، لَكِنْ مَعَهُ قَرِينَةُ الضَعَةِ لِلْمالِ والبَنِينِ؛ لِأنَّهُ في المَثَلِ قَبْلُ حَقَّرَ أمْرَ الدُنْيا وبَيَّنَهُ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ في هَذِهِ: إنَّما المالُ والبَنُونُ زِينَةُ هَذِهِ الحَياةِ المُحَقَّرَةِ، فَلا تُتْبِعُوها أنْفُسَكم. وقَوْلُهُ: "زِينَةُ" مَصْدَرٌ، وقَدْ أخْبَرَ بِهِ عن أشْخاصٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: مَقَرُّ زِينَةِ الحَياةِ، وإمّا أنْ يَضَعَ المالَ والبَنِينَ بِمَنزِلَةِ الغِنى والكَثْرَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الباقِياتِ الصالِحاتِ" -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مَيْسَرَةَ، عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلِ: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ.
وقالَ الجُمْهُورُ: هي الكَلِماتُ المَأْثُورُ فَضْلُها: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ اللهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهَ، واللهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
ورُوِيَ في هَذا حَدِيثٌ: « "أكْثِرُوا مِنَ الباقِياتِ الصالِحاتِ"،» وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرِهِ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ هي الباقِياتُ الصالِحاتُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الباقِياتُ الصالِحاتُ: كُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ مِن (p-٦١٥)قَوْلٍ أو فِعْلٍ يَبْقى لِلْآخِرَةِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِكُلِّ الأقْوامِ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِ بِالعُمُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا﴾، أيْ: صاحِبُها يَنْتَظِرُ الثَوابَ ويَنْبَسِطُ أمَلُهُ عَلى خَيْرٍ مِن حالِ ذِي المالِ والبَنِينَ دُونَ عَمَلٍ صالِحٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ الآيَةُ. التَقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا أفْصَحُ ما يَتَأوَّلُ في هَذا هُنا. وقَرَأ نافِعٌ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ، وابْنُ مَصْرِفٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نُسَيِّرُ" بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، والحَسَنُ، وشِبْلُ، وقَتادَةُ، وعِيسى: "تُسَيِّرُ" بِالتاءِ، وفَتْحِ الياءِ المُشَدَّدَةِ "الجِبالُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُسَيِّرُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ والثانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ مُشَدَّدَةٌ "الجِبالُ" رَفَعًا. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "تَسِيرُ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ، أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى "الجِبالِ"، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَيَوْمَ سُيِّرَتِ الجِبالُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "بارِزَةً"، إمّا أنْ يُرِيدَ أنَّ الأرْضَ لِذَهابِ الجِبالِ والظِرابِ والشَجَرِ، بَرَزَتْ وانْكَشَفَتْ، وإمّا أنْ يُرِيدَ بُرُوزَ أهْلِها، والمَحْشُورِينَ مِن سُكّانِ بَطْنِها. "وَحَشَرْناهُمْ" أيْ أقَمْناهم مِن قُبُورِهِمْ وجَمَعْناهم لِعُرْضَةِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُغادِرُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "تُغادِرُ" عَلى الإسْنادِ إلى القُدْرَةِ أو إلى الأرْضِ. ورَوى أبانُ بْنُ زَيْدٍ عن عاصِمٍ: "يُغادِرُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الدالِّ "أحَدٌ" بِالرَفْعِ.
وقَرَأ الضَحاكُ: "فَلَمْ نُغْدِرْ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وكَسْرِ الدالِّ وسُكُونِ الغَيْنِ.
والمُغادَرَةُ: التُرْكُ، ومِنهُ: غَدِيرُ الماءِ، وهو ما تَرَكَهُ السَيْلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "صَفًّا" إفْرادٌ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الجَمْعِ، أيْ: صُفُوفًا، وفي الحَدِيثِ الصَحِيحِ: « "يَجْمَعُ اللهُ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ صُفُوفًا يُسْمِعُهُمُ الداعِي ويَنْفُدُهُمُ البَصَرُ"» الحَدِيثُ. وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "أهْلُ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ (p-٦١٦)صَفًّا، أنْتُمْ مِنها ثَمانُونَ صَفًّا".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، مُقاوَلَةٌ لِلْكُفّارِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، ومُضَمَّنُها التَقْرِيعُ والتَوْبِيخُ، والمُؤْمِنُونَ المُعْتَقِدُونَ في الدُنْيا أنَّهم يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، لا تَكُونُ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لَهم بِوَجْهٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ ويُحْسِنُهُ الإيجازُ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لِلْكَفَرَةِ مِنهم. ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّكم تُحْشَرُونَ إلى اللهِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا"،»﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
الكهف 18:48
قوله عزّ وجلّ:
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِياحُ وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا والباقِياتُ الصالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا﴾ ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَياةِ الدُنْيا﴾ يُرِيدُ حَياةَ الإنْسانِ بِما يَتَعَلَّقُ بِها مِن نِعَمٍ وثَرْوَةٍ، وقَوْلُهُ: (p-٦١٣)﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ﴾ يُرِيدُ: هي كَماءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ﴾ أيْ: فاخْتَلَطَ النَباتُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ بِسَبَبِ الماءِ، فالباءُ في "بِهِ" باءُ السَبَبِ؛ فَـ "أصْبَحَ" عِبارَةٌ عن صَيْرُورَتِهِ إلى ذَلِكَ، لا أنَّهُ أرادَ اخْتِصاصًا بِوَقْتِ الصَباحِ، وهَذا كَقَوْلِ الرَبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ:
؎ أصْبَحْتُ لا أحْمِلَ السِلاحَ ولا ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا
و"الهَشِيمُ": المُتَفَتِّتُ مِن يابِسِ العُشْبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]، ومِنهُ: هَشَّمَ الثَرِيدَ، و"تَذْرُوهُ" بِمَعْنى: تُفَرِّقُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "تُذْرِيهِ"، والمَعْنى: تَقْلَعُهُ وتُرْمِي بِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: "تَذْرُوهُ الرِيحُ" بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، والنَخْعِيِّ، والأعْمَشِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ اللهُ﴾ عِبارَةٌ لِلْإنْسانِ عن أنَّ الأمْرَ قَبْلَ وُجُودِ الإنْسانِ هَكَذا كانَ إذْ كانَ، إذْ نَفْسُهُ حاكِمَةٌ بِذَلِكَ في حالِ غَفْلَةٍ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وهو مَعْنى صَحِيحٌ. وقالَ الحَسَنُ: "كانَ" إخْبارٌ عَنِ الحالِ قَبْلَ إيجادِ المَوْجُوداتِ، أيْ إنَّ القُدْرَةَ كانَتْ، وهَذا أيْضًا حَسَنٌ. وقَوْلُهُ: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ يُرِيدُ: مِنَ الأشْياءِ المُقَدَّرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
لا المُحالاتُ وغَيْرُها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لا يُوصَفُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْها، ولا بالعَجْزِ عنها، وهَذا عَلى تَسْمِيَةِ المُحالِ شَيْئًا، مِن حَيْثُ هو مَعْقُولٌ لا واقِعٌ، وقَدْ جاءَ أنَّ زَلْزَلَةَ الساعَةِ شَيْءٌ.
(p-٦١٤)فَمَعْنى هَذا المِثال تَشْبِيهُ حالِ المَرْءِ في حَيّاتِهِ ومالِهِ وعِزَّتِهِ وزَهْوِهِ وبَطَرِهِ بِالنَباتِ الَّذِي لَهُ خُضْرَةٌ ونَضْرَةٌ عَنِ المَطَرِ النازِلِ، ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ هَشِيمًا، ويَصِيرُ إلى عَدَمٍ، فَمَن كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ يَبْقى في الآخِرَةِ فَهو الفائِزُ، فَكَأنَّ الحَياةَ بِمَثابَةِ الماءِ، والخُضْرَةَ، والنَضارَةَ بِمَنزِلَةِ النَعِيمِ والعِزَّةِ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، لَكِنْ مَعَهُ قَرِينَةُ الضَعَةِ لِلْمالِ والبَنِينِ؛ لِأنَّهُ في المَثَلِ قَبْلُ حَقَّرَ أمْرَ الدُنْيا وبَيَّنَهُ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ في هَذِهِ: إنَّما المالُ والبَنُونُ زِينَةُ هَذِهِ الحَياةِ المُحَقَّرَةِ، فَلا تُتْبِعُوها أنْفُسَكم. وقَوْلُهُ: "زِينَةُ" مَصْدَرٌ، وقَدْ أخْبَرَ بِهِ عن أشْخاصٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: مَقَرُّ زِينَةِ الحَياةِ، وإمّا أنْ يَضَعَ المالَ والبَنِينَ بِمَنزِلَةِ الغِنى والكَثْرَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الباقِياتِ الصالِحاتِ" -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مَيْسَرَةَ، عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلِ: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ.
وقالَ الجُمْهُورُ: هي الكَلِماتُ المَأْثُورُ فَضْلُها: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ اللهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهَ، واللهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
ورُوِيَ في هَذا حَدِيثٌ: « "أكْثِرُوا مِنَ الباقِياتِ الصالِحاتِ"،» وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرِهِ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ هي الباقِياتُ الصالِحاتُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الباقِياتُ الصالِحاتُ: كُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ مِن (p-٦١٥)قَوْلٍ أو فِعْلٍ يَبْقى لِلْآخِرَةِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِكُلِّ الأقْوامِ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِ بِالعُمُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا﴾، أيْ: صاحِبُها يَنْتَظِرُ الثَوابَ ويَنْبَسِطُ أمَلُهُ عَلى خَيْرٍ مِن حالِ ذِي المالِ والبَنِينَ دُونَ عَمَلٍ صالِحٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ الآيَةُ. التَقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا أفْصَحُ ما يَتَأوَّلُ في هَذا هُنا. وقَرَأ نافِعٌ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ، وابْنُ مَصْرِفٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نُسَيِّرُ" بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، والحَسَنُ، وشِبْلُ، وقَتادَةُ، وعِيسى: "تُسَيِّرُ" بِالتاءِ، وفَتْحِ الياءِ المُشَدَّدَةِ "الجِبالُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُسَيِّرُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ والثانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ مُشَدَّدَةٌ "الجِبالُ" رَفَعًا. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "تَسِيرُ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ، أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى "الجِبالِ"، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَيَوْمَ سُيِّرَتِ الجِبالُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "بارِزَةً"، إمّا أنْ يُرِيدَ أنَّ الأرْضَ لِذَهابِ الجِبالِ والظِرابِ والشَجَرِ، بَرَزَتْ وانْكَشَفَتْ، وإمّا أنْ يُرِيدَ بُرُوزَ أهْلِها، والمَحْشُورِينَ مِن سُكّانِ بَطْنِها. "وَحَشَرْناهُمْ" أيْ أقَمْناهم مِن قُبُورِهِمْ وجَمَعْناهم لِعُرْضَةِ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُغادِرُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "تُغادِرُ" عَلى الإسْنادِ إلى القُدْرَةِ أو إلى الأرْضِ. ورَوى أبانُ بْنُ زَيْدٍ عن عاصِمٍ: "يُغادِرُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الدالِّ "أحَدٌ" بِالرَفْعِ.
وقَرَأ الضَحاكُ: "فَلَمْ نُغْدِرْ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وكَسْرِ الدالِّ وسُكُونِ الغَيْنِ.
والمُغادَرَةُ: التُرْكُ، ومِنهُ: غَدِيرُ الماءِ، وهو ما تَرَكَهُ السَيْلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "صَفًّا" إفْرادٌ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الجَمْعِ، أيْ: صُفُوفًا، وفي الحَدِيثِ الصَحِيحِ: « "يَجْمَعُ اللهُ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ صُفُوفًا يُسْمِعُهُمُ الداعِي ويَنْفُدُهُمُ البَصَرُ"» الحَدِيثُ. وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "أهْلُ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ (p-٦١٦)صَفًّا، أنْتُمْ مِنها ثَمانُونَ صَفًّا".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، مُقاوَلَةٌ لِلْكُفّارِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، ومُضَمَّنُها التَقْرِيعُ والتَوْبِيخُ، والمُؤْمِنُونَ المُعْتَقِدُونَ في الدُنْيا أنَّهم يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، لا تَكُونُ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لَهم بِوَجْهٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ ويُحْسِنُهُ الإيجازُ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لِلْكَفَرَةِ مِنهم. ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّكم تُحْشَرُونَ إلى اللهِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا"،»﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
الكهف 18:49
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابُ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عن أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أولِياءَ مِنَ دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا﴾
"الكِتابُ" اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ كُتُبُ الناسِ الَّتِي أحْصَتْها الحَفَظَةُ لِواحِدٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَوْضُوعُ كِتابًا واحِدًا حاضِرًا، و"إشْفاقُ المُجْرِمِينَ": فَزَعُهم مَن كَشْفِهِ لَهم وفَضْحِهِ، فَشِكايَةُ المُجْرِمِينَ إنَّما هي مِنَ الإحْصاءِ، لا مَن ظُلْمٍ ولا حِيفٍ. (p-٦١٧)وَقَدَّمَ "الصَغِيرَةَ" اهْتِمامًا بِها لِيُنَبِّهُ مِنها ويَدُلُّ أنَّ الصَغِيرَةَ إذا أُحْصِيَتْ فالكَبِيرَةُ أحْرى بِذَلِكَ، والعَرَبُ أبَدًا تُقَدِّمُ في الذِكْرِ الأقَلَّ مِن كُلِّ مُقْتَرَنَيْنِ، ونَحْوَ هَذا قَوْلُهُمُ: القَمَرانِ والعُمْرانِ، سَمُّوا بِاسْمِ الأقَلِّ تَنْبِيهًا مِنهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما:
"الصَغِيرَةُ": الضَحِكُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مِثالٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ مُضَمَّنُها تَقْرِيعُ الكَفَرَةِ وتَوْقِيفُهم عَلى خِطابِهِمْ في وِلايَتِهِمُ العَدُوَّ دُونَ الَّذِي أُنْعِمَ بِكُلِّ نِعَمِهِ عَلى العُمُومِ، صَغِيرُها وكَبِيرُها، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: واذَّكَّرْ إذْ قُلْنا وتَكَرَّرَتْ هَذِهِ العِبارَةُ حَيْثُ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ القِصَّةُ إذْ هي تَوْطِئَةُ النازِلَةِ، فَأمّا ذِكْرُ النازِلَةِ هُنا فَمُقَدَّمَةٌ لِلتَّوْبِيخِ، وذَكَرَها في البَقَرَةِ إعْلامٌ بِمَبادِئِ الأُمُورِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في السُجُودِ لِآدَمَ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو السُجُودُ المَعْرُوفُ ووَضْعُ الوَجْهِ بِالأرْضِ، جَعَلَهُ اللهُ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ عِبادَةً لَهُ وتَكْرِمَةً لِآدَمَ، فَهَذا كالصَلاةِ لِلْكَعْبَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ إيماءٌ مِنهم نَحْوَ الأرْضِ، وذَلِكَ يُسَمّى سُجُودًا؛ لِأنَّ السُجُودَ في كَلامِ العَرَبِ عِبارَةٌ عن غايَةِ التَواضُعِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَرى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا جائِزٌ أنْ يُكَلِّفَهُ الخالِقُ لِلْفاضِلِ، وجائِزٌ أنْ يَتَكَلَّفَهُ الفاضِلُ لِلْفاضِلِ، ومِنهُ قَوْلُ (p-٦١٨)النَبِيِّ ﷺ: « "قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ"،» ومِنهُ تَقْبِيلُ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ يَد عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ تَلَقّاهُ في سَفَرٍ إلى الشامِ، ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في مُصَنَّفِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا إبْلِيسَ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ، بَلْ هو مِنَ الجِنِّ وهُمُ الشَياطِينُ المَخْلُوقُونَ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وجَمِيعُ المَلائِكَةِ إنَّما خُلِقُوا مِن نُورٍ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ -فَقالَ بَعْضُها: إبْلِيسُ مِنَ الجِنِّ، وهو أوَّلُهم وبَدَأتُهُمْ، كَآدَمَ مِنَ الإنْسِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ إبْلِيسُ وقَبِيلُهُ جِنًّا، لَكِنَّ جَمِيعَ الشَياطِينِ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، فَهو كَنُوحٍ في الإنْسِ، احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَعْنِيفُ إبْلِيسَ عَلى عِصْيانِهِ يَقْتَضِي أنَّهُ أُمِرَ مَعَ المَلائِكَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وإبْلِيسُ مِن قَبِيلِ المَلائِكَةِ خُلِقُوا مِن نارٍ، فَإبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، وعَبَّرَ عَنِ المَلائِكَةِ بِالجِنِّ مِن حَيْثُ هم مُسْتَتِرُونَ، فَهي صِفَةٌ تَعُمُّ المَلائِكَةَ والشَياطِينَ، وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: كانَ في المَلائِكَةِ صِنْفٌ يُسَمّى الجِنُّ، وكانُوا في السَماءِ الدُنْيا وفي الأرْضِ، وكانَ إبْلِيسُ مُدَبِّرَ أمْرَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا خِلافَ أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ في المَعْنى؛ إذْ كانَ مُتَصَرِّفًا بِالأمْرِ والنَهْيِ مُرْسَلًا، والمَلَكُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَأْلُكَةِ وهي الرِسالَةُ، فَهو في عِدادِ المَلائِكَةِ يَتَناوَلُهُ قَوْلُهُ: "اسْجُدُوا"، وفي سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ الأعْرافِ اسْتِيعابُ هَذِهِ الأُمُورِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَفَسَقَ" مَعْناهُ: فَخَرَجَ وانْتَزَحَ، وقالَ رُؤْبَةُ:
؎ يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْرٍ غائِرا ∗∗∗ ∗∗∗ فَواسِقًا عن قَصْدِها جَوائِرا
(p-٦١٩)وَمِنهُ يُقالُ: "فَسَقَتِ الرُطْبَةُ" إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرَتِها، و"فَسَقَتِ الفَأْرَةُ" إذا خَرَجَتْ مِن جُحْرِها، وجَمِيعُ هَذا الخُرُوجِ المُسْتَعْمَلِ في هَذِهِ الأمْثِلَةِ إنَّما هو في فَسادٍ، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "خَمْسُ فَواسَقَ يَقْتُلْنَ في الحَلِّ والحُرُمِ"» إنَّما هُنَّ مُفْسِداتٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عن أمْرِ رَبِّهِ﴾، يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: خَرَجَ عن أمْرِ رَبِّهِ إيّاهُ، أيْ فارَقَهُ، كَما يَفْعَلُ الخارِجُ عن طَرِيقٍ واحِدٍ، أيْ: مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَخَرَجَ عَنِ الطاعَةِ بَعْدَ أمْرِ رَبِّهِ بِها، و"عن" قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعُدَ" في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِكَ: "أطْعَمْتُهُ عن جُوعٍ"، ونَحْوَهُ، فَكَأنَّ المَعْنى: فَسَقَ بِسَبَبِ أمْرِ رَبِّهِ بِأنْ يُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَخَرَجَ بِأمْرِ رَبِّهِ، أيْ بِمَشِيئَتِهِ ذَلِكَ لَهُ، ويُعَبِّرُ عَنِ المَشِيئَةِ بِالأمْرِ؛ إذْ هي أحَدُ الأُمُورِ، وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ عن أمْرِكَ، أيْ بِجَدِّكَ وبِحَسَبِ مُرادِكَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ: كانَ إبْلِيسُ مِن أشْرَفِ صِنْفٍ، وكانَ لَهُ سُلْطانُ السَماءِ وسُلْطانُ الأرْضِ، فَلَمّا عَصى صارَتْ حالُهُ إلى ما تَسْمَعُونَ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إذا كانَتْ خَطِيئَةُ المَرْءِ مِنَ الخَطَإ فَلْتَرْجُهُ كَآدَمَ، وإذا كانَتْ مِنَ الكُفْرِ فَلا تَرْجُهُ كَإبْلِيسَ.
ثُمَّ وقَّفَ عَزَّ وجَلَّ الكَفَرَةَ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - بِقَوْلِهِ: "أفَتَتَّخِذُونَهُ"، يُرِيدُ: أفَتَتَّخِذُونَ إبْلِيسَ، وقَوْلُهُ: "وَذُرِّيَّتَهُ" ظاهِرُ اللَفْظِ يَقْتَضِي المُوَسْوَسِينَ مِنَ الشَياطِينِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكِرِ ويَحْمِلُونَ عَلى الباطِلِ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مُجاهِدًا قالَ: ذُرِّيَّةُ إبْلِيسٍ الشَياطِينُ، وكانَ يَعُدُّهُمْ: "زَلَنْبُورُ" صاحِبَ الأسْواقِ، يَضَعُ رايَتَهُ في كُلِّ سُوقٍ، (p-٦٢٠)وَ"تُبُنُ" صاحِبُ المَصائِبِ، و"الأعْوَرُ" صاحِبُ الرِياءِ، و"مِسْوَطٌ" صاحِبُ الأخْبارِ، يَأْتِي بِها فَيُلْقِيها في أفْواهِ الناسِ ولا يَجِدُونَ لَها أصْلًا، و"داسِمٌ" الَّذِي إذا دَخَلَ الرَجُلُ بَيْتَهُ فَلَمْ يُسَلِّمْ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ بَصَّرَهُ مِنَ المَتاعِ ما لَمْ يَرْفَعْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا وما جانَسَهُ مِمّا لَمْ يَأْتِ بِهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُهُ. وقَدْ طَوَّلَ النَقّاشُ في هَذا المَعْنى، وجَلَبَ حِكاياتٍ تَبْعُدُ مِنَ الصِحَّةِ، فَتَرَكْتُها إيجازًا، ولَمْ يَمُرُّ بِي في هَذا صَحِيحٌ إلّا ما في كِتابِ مُسْلِمٍ مِن أنَّ لِلْوُضُوءِ والوَسْوَسَةِ شَيْطانًا يُسَمّى "خِنْزَبُ"، وذَكَرَ التِرْمِذِيُّ أنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطانًا يُسَمّى "الوَلْهانُ"، واللهُ أعْلَمُ بِتَفاصِيلِ هَذِهِ الأُمُورِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم لَكم عَدُوٌّ﴾ أيْ: أعْداءٌ، فَهو اسْمُ الجِنْسِ.
وقَوُلُهُ: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا﴾، أيْ: بَدَّلَ وِلايَةَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِوِلايَةِ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، وذَلِكَ هو التَعَوُّضُ مِنَ الجِنِّ بِالباطِلِ، وهَذا هو نَفْسُ الظُلْمِ لِأنَّهُ وضَعَ الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
الكهف 18:50
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابُ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عن أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أولِياءَ مِنَ دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا﴾
"الكِتابُ" اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ كُتُبُ الناسِ الَّتِي أحْصَتْها الحَفَظَةُ لِواحِدٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَوْضُوعُ كِتابًا واحِدًا حاضِرًا، و"إشْفاقُ المُجْرِمِينَ": فَزَعُهم مَن كَشْفِهِ لَهم وفَضْحِهِ، فَشِكايَةُ المُجْرِمِينَ إنَّما هي مِنَ الإحْصاءِ، لا مَن ظُلْمٍ ولا حِيفٍ. (p-٦١٧)وَقَدَّمَ "الصَغِيرَةَ" اهْتِمامًا بِها لِيُنَبِّهُ مِنها ويَدُلُّ أنَّ الصَغِيرَةَ إذا أُحْصِيَتْ فالكَبِيرَةُ أحْرى بِذَلِكَ، والعَرَبُ أبَدًا تُقَدِّمُ في الذِكْرِ الأقَلَّ مِن كُلِّ مُقْتَرَنَيْنِ، ونَحْوَ هَذا قَوْلُهُمُ: القَمَرانِ والعُمْرانِ، سَمُّوا بِاسْمِ الأقَلِّ تَنْبِيهًا مِنهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما:
"الصَغِيرَةُ": الضَحِكُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مِثالٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ مُضَمَّنُها تَقْرِيعُ الكَفَرَةِ وتَوْقِيفُهم عَلى خِطابِهِمْ في وِلايَتِهِمُ العَدُوَّ دُونَ الَّذِي أُنْعِمَ بِكُلِّ نِعَمِهِ عَلى العُمُومِ، صَغِيرُها وكَبِيرُها، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: واذَّكَّرْ إذْ قُلْنا وتَكَرَّرَتْ هَذِهِ العِبارَةُ حَيْثُ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ القِصَّةُ إذْ هي تَوْطِئَةُ النازِلَةِ، فَأمّا ذِكْرُ النازِلَةِ هُنا فَمُقَدَّمَةٌ لِلتَّوْبِيخِ، وذَكَرَها في البَقَرَةِ إعْلامٌ بِمَبادِئِ الأُمُورِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في السُجُودِ لِآدَمَ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو السُجُودُ المَعْرُوفُ ووَضْعُ الوَجْهِ بِالأرْضِ، جَعَلَهُ اللهُ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ عِبادَةً لَهُ وتَكْرِمَةً لِآدَمَ، فَهَذا كالصَلاةِ لِلْكَعْبَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ إيماءٌ مِنهم نَحْوَ الأرْضِ، وذَلِكَ يُسَمّى سُجُودًا؛ لِأنَّ السُجُودَ في كَلامِ العَرَبِ عِبارَةٌ عن غايَةِ التَواضُعِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَرى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا جائِزٌ أنْ يُكَلِّفَهُ الخالِقُ لِلْفاضِلِ، وجائِزٌ أنْ يَتَكَلَّفَهُ الفاضِلُ لِلْفاضِلِ، ومِنهُ قَوْلُ (p-٦١٨)النَبِيِّ ﷺ: « "قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ"،» ومِنهُ تَقْبِيلُ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ يَد عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ تَلَقّاهُ في سَفَرٍ إلى الشامِ، ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في مُصَنَّفِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا إبْلِيسَ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ، بَلْ هو مِنَ الجِنِّ وهُمُ الشَياطِينُ المَخْلُوقُونَ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وجَمِيعُ المَلائِكَةِ إنَّما خُلِقُوا مِن نُورٍ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ -فَقالَ بَعْضُها: إبْلِيسُ مِنَ الجِنِّ، وهو أوَّلُهم وبَدَأتُهُمْ، كَآدَمَ مِنَ الإنْسِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ إبْلِيسُ وقَبِيلُهُ جِنًّا، لَكِنَّ جَمِيعَ الشَياطِينِ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، فَهو كَنُوحٍ في الإنْسِ، احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَعْنِيفُ إبْلِيسَ عَلى عِصْيانِهِ يَقْتَضِي أنَّهُ أُمِرَ مَعَ المَلائِكَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وإبْلِيسُ مِن قَبِيلِ المَلائِكَةِ خُلِقُوا مِن نارٍ، فَإبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، وعَبَّرَ عَنِ المَلائِكَةِ بِالجِنِّ مِن حَيْثُ هم مُسْتَتِرُونَ، فَهي صِفَةٌ تَعُمُّ المَلائِكَةَ والشَياطِينَ، وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: كانَ في المَلائِكَةِ صِنْفٌ يُسَمّى الجِنُّ، وكانُوا في السَماءِ الدُنْيا وفي الأرْضِ، وكانَ إبْلِيسُ مُدَبِّرَ أمْرَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا خِلافَ أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ في المَعْنى؛ إذْ كانَ مُتَصَرِّفًا بِالأمْرِ والنَهْيِ مُرْسَلًا، والمَلَكُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَأْلُكَةِ وهي الرِسالَةُ، فَهو في عِدادِ المَلائِكَةِ يَتَناوَلُهُ قَوْلُهُ: "اسْجُدُوا"، وفي سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ الأعْرافِ اسْتِيعابُ هَذِهِ الأُمُورِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَفَسَقَ" مَعْناهُ: فَخَرَجَ وانْتَزَحَ، وقالَ رُؤْبَةُ:
؎ يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْرٍ غائِرا ∗∗∗ ∗∗∗ فَواسِقًا عن قَصْدِها جَوائِرا
(p-٦١٩)وَمِنهُ يُقالُ: "فَسَقَتِ الرُطْبَةُ" إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرَتِها، و"فَسَقَتِ الفَأْرَةُ" إذا خَرَجَتْ مِن جُحْرِها، وجَمِيعُ هَذا الخُرُوجِ المُسْتَعْمَلِ في هَذِهِ الأمْثِلَةِ إنَّما هو في فَسادٍ، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "خَمْسُ فَواسَقَ يَقْتُلْنَ في الحَلِّ والحُرُمِ"» إنَّما هُنَّ مُفْسِداتٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عن أمْرِ رَبِّهِ﴾، يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: خَرَجَ عن أمْرِ رَبِّهِ إيّاهُ، أيْ فارَقَهُ، كَما يَفْعَلُ الخارِجُ عن طَرِيقٍ واحِدٍ، أيْ: مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَخَرَجَ عَنِ الطاعَةِ بَعْدَ أمْرِ رَبِّهِ بِها، و"عن" قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعُدَ" في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِكَ: "أطْعَمْتُهُ عن جُوعٍ"، ونَحْوَهُ، فَكَأنَّ المَعْنى: فَسَقَ بِسَبَبِ أمْرِ رَبِّهِ بِأنْ يُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَخَرَجَ بِأمْرِ رَبِّهِ، أيْ بِمَشِيئَتِهِ ذَلِكَ لَهُ، ويُعَبِّرُ عَنِ المَشِيئَةِ بِالأمْرِ؛ إذْ هي أحَدُ الأُمُورِ، وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ عن أمْرِكَ، أيْ بِجَدِّكَ وبِحَسَبِ مُرادِكَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ: كانَ إبْلِيسُ مِن أشْرَفِ صِنْفٍ، وكانَ لَهُ سُلْطانُ السَماءِ وسُلْطانُ الأرْضِ، فَلَمّا عَصى صارَتْ حالُهُ إلى ما تَسْمَعُونَ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إذا كانَتْ خَطِيئَةُ المَرْءِ مِنَ الخَطَإ فَلْتَرْجُهُ كَآدَمَ، وإذا كانَتْ مِنَ الكُفْرِ فَلا تَرْجُهُ كَإبْلِيسَ.
ثُمَّ وقَّفَ عَزَّ وجَلَّ الكَفَرَةَ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - بِقَوْلِهِ: "أفَتَتَّخِذُونَهُ"، يُرِيدُ: أفَتَتَّخِذُونَ إبْلِيسَ، وقَوْلُهُ: "وَذُرِّيَّتَهُ" ظاهِرُ اللَفْظِ يَقْتَضِي المُوَسْوَسِينَ مِنَ الشَياطِينِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكِرِ ويَحْمِلُونَ عَلى الباطِلِ. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مُجاهِدًا قالَ: ذُرِّيَّةُ إبْلِيسٍ الشَياطِينُ، وكانَ يَعُدُّهُمْ: "زَلَنْبُورُ" صاحِبَ الأسْواقِ، يَضَعُ رايَتَهُ في كُلِّ سُوقٍ، (p-٦٢٠)وَ"تُبُنُ" صاحِبُ المَصائِبِ، و"الأعْوَرُ" صاحِبُ الرِياءِ، و"مِسْوَطٌ" صاحِبُ الأخْبارِ، يَأْتِي بِها فَيُلْقِيها في أفْواهِ الناسِ ولا يَجِدُونَ لَها أصْلًا، و"داسِمٌ" الَّذِي إذا دَخَلَ الرَجُلُ بَيْتَهُ فَلَمْ يُسَلِّمْ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ بَصَّرَهُ مِنَ المَتاعِ ما لَمْ يَرْفَعْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا وما جانَسَهُ مِمّا لَمْ يَأْتِ بِهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُهُ. وقَدْ طَوَّلَ النَقّاشُ في هَذا المَعْنى، وجَلَبَ حِكاياتٍ تَبْعُدُ مِنَ الصِحَّةِ، فَتَرَكْتُها إيجازًا، ولَمْ يَمُرُّ بِي في هَذا صَحِيحٌ إلّا ما في كِتابِ مُسْلِمٍ مِن أنَّ لِلْوُضُوءِ والوَسْوَسَةِ شَيْطانًا يُسَمّى "خِنْزَبُ"، وذَكَرَ التِرْمِذِيُّ أنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطانًا يُسَمّى "الوَلْهانُ"، واللهُ أعْلَمُ بِتَفاصِيلِ هَذِهِ الأُمُورِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم لَكم عَدُوٌّ﴾ أيْ: أعْداءٌ، فَهو اسْمُ الجِنْسِ.
وقَوُلُهُ: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا﴾، أيْ: بَدَّلَ وِلايَةَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِوِلايَةِ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، وذَلِكَ هو التَعَوُّضُ مِنَ الجِنِّ بِالباطِلِ، وهَذا هو نَفْسُ الظُلْمِ لِأنَّهُ وضَعَ الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.