Lafzullah

Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — مريم 19:77 – طه 20:54

المؤلف / المصدر: Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah

المحتويات
  1. مريم 19:77
  2. مريم 19:78
  3. مريم 19:79
  4. مريم 19:80
  5. مريم 19:81
  6. مريم 19:82
  7. مريم 19:83
  8. مريم 19:84
  9. مريم 19:85
  10. مريم 19:86
  11. مريم 19:87
  12. مريم 19:88
  13. مريم 19:89
  14. مريم 19:90
  15. مريم 19:91
  16. مريم 19:92
  17. مريم 19:93
  18. مريم 19:94
  19. مريم 19:95
  20. مريم 19:96
  21. مريم 19:97
  22. مريم 19:98
  23. طه 20:1
  24. طه 20:2
  25. طه 20:3
  26. طه 20:4
  27. طه 20:5
  28. طه 20:6
  29. طه 20:7
  30. طه 20:8
  31. طه 20:9
  32. طه 20:10
  33. طه 20:11
  34. طه 20:12
  35. طه 20:13
  36. طه 20:14
  37. طه 20:15
  38. طه 20:16
  39. طه 20:17
  40. طه 20:18
  41. طه 20:19
  42. طه 20:20
  43. طه 20:21
  44. طه 20:22
  45. طه 20:23
  46. طه 20:24
  47. طه 20:25
  48. طه 20:26
  49. طه 20:27
  50. طه 20:28
  51. طه 20:29
  52. طه 20:30
  53. طه 20:31
  54. طه 20:32
  55. طه 20:33
  56. طه 20:34
  57. طه 20:35
  58. طه 20:36
  59. طه 20:37
  60. طه 20:38
  61. طه 20:39
  62. طه 20:40
  63. طه 20:41
  64. طه 20:42
  65. طه 20:43
  66. طه 20:44
  67. طه 20:45
  68. طه 20:46
  69. طه 20:47
  70. طه 20:48
  71. طه 20:49
  72. طه 20:50
  73. طه 20:51
  74. طه 20:52
  75. طه 20:53
  76. طه 20:54

مريم 19:77

قوله عزّ وجلّ: ﴿حَتّى إذا رَأوا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا الساعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ [مريم: ٧٥] ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى والباقِياتُ الصالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا﴾ ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ ﴿كَلا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ "حَتّى" في هَذِهِ الآيَةِ حَرْفُ ابْتِداءٍ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةٍ، وفِيها مَعْنى الغايَةِ، و"إذا" (p-٦٣)شَرْطٌ، وجَوابُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ [مريم: ٧٥]، و"الرُؤْيَةُ" رُؤْيَةُ العَيْنِ، و"العَذابَ" و"الساعَةَ" بَدَّلَ مِن "ما" الَّتِي وقَعَتْ عَلَيْها "رَأوا". و"إمّا" هي المُدْخَلَةُ لِلشَّكِّ في أوَّلِ الكَلامِ، والثانِيَةُ عِطْفٌ عَلَيْها. و"العَذابَ" يُرِيدُ بِهِ عَذابَ الدُنْيا ونُصْرَةَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، و"الجُنْدُ" النُصْرَةُ والقائِمُونَ بِأمْرِ الحَرْبِ، و"شَرٌّ مَكانًا" بِإزاءِ قَوْلِهِمْ: "خَيْرٌ مَقامًا"، و"أضْعَفُ جُنْدًا" بِإزاءِ قَوْلِهِمْ: "أحْسَنُ نَدِيًّا" ولَمّا ذَكَرَ ضَلالَةَ الكُفْرِ، وارْتِباكَهم في الِامْتِحانِ بِنِعَمِ الدُنْيا وعَماهم عَنِ الطَرِيقِ المُسْتَقِيمِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ نِعْمَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، في أنَّهُ يَزِيدُهم هُدًى في الِارْتِباطِ إلى الأعْمالِ الصالِحَةِ، والمَعْرِفَةِ بِالدَلائِلِ الواضِحَةِ، وزِيادَةِ العِلْمِ دَأبًا، قالَ الطَبَرَيْ عن بَعْضِهِمُ: المَعْنى: بِناسِخِ القُرْآنِ ومَنسُوخِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِثالٌ. و" الباقِياتُ الصالِحاتُ " إشارَةٌ إلى ذَلِكَ الهُدى الَّذِي يَزِيدُهُمُ اللهُ، وهَذِهِ النِعَمُ عَلى هَؤُلاءِ خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرْجِعًا. والقَوْلُ في زِيادَةِ الهُدى سَهْلٌ بَيِّنُ الوُجُوهِ. و" الباقِياتُ الصالِحاتُ " كُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ يَرْفَعُ اللهُ بِهِ دَرَجَةَ عامِلِهِ، وقالَ الحَسَنُ: هي الفَرائِضُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّها الكَلِماتُ المَشْهُوراتُ: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ. فَقَدْ قالَ ﷺ لِأبِي الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خُذْهُنَّ قَبْلَ أنْ يُحالَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُنَّ، فَهُنَّ الباقِياتُ الصالِحاتُ، وهُنَّ مَن كُنُوزِ الجَنَّةِ»، ورُوِيَ (p-٦٤)عنهُ ﷺ أنَّهُ قالَ يَوْمًا: « "خُذُوا جُنَّتَكُمْ"، قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، أمِن عَدُوٍّ حَضَرَ؟ قالَ: "مِنَ النارِ"، قالُوا: ما هي يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، وهُنَّ الباقِياتُ الصالِحاتُ»، وكانَ أبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ إذا ذَكَرَ هَذا الحَدِيثَ يَقُولُ: «لَأُهَلِّلَنَّ ولَأُكَبِرَنَّ اللهَ ولَأُسَبِّحَنَّهُ حَتّى إذا رَآنِي الجاهِلُ ظَنَّنِي مَجْنُونًا». قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾. الفاءُ في قَوْلِهِ: " أفَرَأيْتَ " عاطِفَةٌ بَعْدَ ألْفِ الِاسْتِفْهامِ، وهي عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، و ﴿الَّذِي كَفَرَ﴾ يَعْنِي بِهِ العاصِيَ بْنَ وائِلٍ السَهْمَيَّ، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وخَبَرَهُ «أنَّ خَبّابَ بْنَ الأرَتِّ كانَ قَيْنًا في الجاهِلِيَّةِ، فَعَمِلَ لَهُ عَمَلًا، واجْتَمَعَ لَهُ عِنْدَهُ دَيْنٌ، فَجاءَهُ يَتَقاضاهُ، فَقالَ لَهُ العاصِي بْنُ وائِلٍ: لا أقْضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقالَ خَبّابٌ: لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حَتّى يُمِيتُكَ اللهُ ثُمْ يَبْعَثُكَ، قالَ العاصِي: أو مَبْعُوثٌ أنا بَعْدَ المَوْتِ؟ قالَ خَبّابٌ: نَعَمْ، قالَ: فَإذا كانَ ذَلِكَ فَسَيَكُونُ لِي مالٌ ووَلَدٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ أقْضِيكَ دَيْنَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ». وقالَ الحَسَنُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ كانَتْ لِلْوَلِيدِ أيْضًا أقْوالٌ تُشْبِهُ هَذا الغَرَضَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "وَوَلَدًا" عَلى مَعْنى اسْمِ الجِنْسِ، بِفَتْحِ الواوِ واللامِ، (p-٦٥)وَكَذَلِكَ في سائِرٍ ما في القُرْآنِ، إلّا في سُورَةِ نُوحٍ فَإنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الواوِ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَوُلْدًا" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وِلْدًا" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، واخْتَلَفَ مَعَ ضَمِّ الواوِ - فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ ولَدٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ فَلَقَدْ رَأيْتُ مُعاشِرًا قَدْ ثَمَّرُوا مالًا ووُلْدًا وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مُفْرَدٌ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ فَلَيْتَ فُلانًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ فُلانًا كانَ وُلْدَ حِمارِ قالَ أبُو عَلِيٍّ رَحِمَهُ اللهُ: وفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ما كانَ مُفْرَدًا قُصِدَ بِهِ المُفْرَدُ، وما كانَ مِنهُ جَمْعًا قُصِدَ الجَمْعُ، وقالَ الأخْفَشُ: الوَلَدُ: الِابْنُ، والوُلْدُ: الأهْلُ والوالِدُ، وقالَ غَيْرُهُ: والوُلْدُ: بَطْنُ الَّذِي هو مِنهُ، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ تَوْقِيفٌ، والألِفُ لِلِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتْ في الوَصْلِ لِلِاسْتِغْناءِ عنها، و"اتِّخاذُ العُهَدِ" مَعْناهُ: بِالإيمانِ والأعْمالِ الصالِحَةِ. و"كَلّا" زَجْرٌ ورَدْعٌ، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّ قَوْلَ هَذا الكافِرِ سَيَكْتُبُ، عَلى مَعْنى حِفْظِهِ عَلَيْهِ ومُعاقَبَتِهِ بِهِ، وقَرَأ عاصِمْ، والأعْمَشُ: "سَيُكْتَبُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ، وقَرَأ: "سَنَكْتُبُ" بِالنُونِ أبُو (p-٦٦)عَمْرٍو، والحُسْنُ، وعِيسى. و"مَدُّ العَذابِ" هو إطالَتُهُ وتَعْظِيمُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَقُولُ﴾ أيْ: هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي سَمّاها، وقالَ إنَّهُ يُؤْتاها في الآخِرَةِ يَرِثُ اللهُ ما لَهُ مِنها في الدُنْيا بِإهْلاكِهِ وتَرْكِهِ لَها، فالوِراثَةُ مُسْتَعارَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَيْبَتَهُ في الآخِرَةِ كَوِراثَةِ ما أمَّلَ. وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَنَرِثُهُ ما عِنْدَهُ"، وقالَ النُحاسُ: "وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ" مَعْناهُ: نَحْفَظُهُ عَلَيْهِ لِنُعاقِبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ»، أيْ: حَفَظَةُ ما قالُوا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ هَذا المُجْرِمْ يُورِثُ هَذِهِ المَقالَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾ يَتَضَمَّنُ ذِلَّتَهُ.

مريم 19:78

قوله عزّ وجلّ: ﴿حَتّى إذا رَأوا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا الساعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ [مريم: ٧٥] ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى والباقِياتُ الصالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا﴾ ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ ﴿كَلا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ "حَتّى" في هَذِهِ الآيَةِ حَرْفُ ابْتِداءٍ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةٍ، وفِيها مَعْنى الغايَةِ، و"إذا" (p-٦٣)شَرْطٌ، وجَوابُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ [مريم: ٧٥]، و"الرُؤْيَةُ" رُؤْيَةُ العَيْنِ، و"العَذابَ" و"الساعَةَ" بَدَّلَ مِن "ما" الَّتِي وقَعَتْ عَلَيْها "رَأوا". و"إمّا" هي المُدْخَلَةُ لِلشَّكِّ في أوَّلِ الكَلامِ، والثانِيَةُ عِطْفٌ عَلَيْها. و"العَذابَ" يُرِيدُ بِهِ عَذابَ الدُنْيا ونُصْرَةَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، و"الجُنْدُ" النُصْرَةُ والقائِمُونَ بِأمْرِ الحَرْبِ، و"شَرٌّ مَكانًا" بِإزاءِ قَوْلِهِمْ: "خَيْرٌ مَقامًا"، و"أضْعَفُ جُنْدًا" بِإزاءِ قَوْلِهِمْ: "أحْسَنُ نَدِيًّا" ولَمّا ذَكَرَ ضَلالَةَ الكُفْرِ، وارْتِباكَهم في الِامْتِحانِ بِنِعَمِ الدُنْيا وعَماهم عَنِ الطَرِيقِ المُسْتَقِيمِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ نِعْمَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، في أنَّهُ يَزِيدُهم هُدًى في الِارْتِباطِ إلى الأعْمالِ الصالِحَةِ، والمَعْرِفَةِ بِالدَلائِلِ الواضِحَةِ، وزِيادَةِ العِلْمِ دَأبًا، قالَ الطَبَرَيْ عن بَعْضِهِمُ: المَعْنى: بِناسِخِ القُرْآنِ ومَنسُوخِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِثالٌ. و" الباقِياتُ الصالِحاتُ " إشارَةٌ إلى ذَلِكَ الهُدى الَّذِي يَزِيدُهُمُ اللهُ، وهَذِهِ النِعَمُ عَلى هَؤُلاءِ خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرْجِعًا. والقَوْلُ في زِيادَةِ الهُدى سَهْلٌ بَيِّنُ الوُجُوهِ. و" الباقِياتُ الصالِحاتُ " كُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ يَرْفَعُ اللهُ بِهِ دَرَجَةَ عامِلِهِ، وقالَ الحَسَنُ: هي الفَرائِضُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّها الكَلِماتُ المَشْهُوراتُ: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ. فَقَدْ قالَ ﷺ لِأبِي الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خُذْهُنَّ قَبْلَ أنْ يُحالَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُنَّ، فَهُنَّ الباقِياتُ الصالِحاتُ، وهُنَّ مَن كُنُوزِ الجَنَّةِ»، ورُوِيَ (p-٦٤)عنهُ ﷺ أنَّهُ قالَ يَوْمًا: « "خُذُوا جُنَّتَكُمْ"، قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، أمِن عَدُوٍّ حَضَرَ؟ قالَ: "مِنَ النارِ"، قالُوا: ما هي يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، وهُنَّ الباقِياتُ الصالِحاتُ»، وكانَ أبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ إذا ذَكَرَ هَذا الحَدِيثَ يَقُولُ: «لَأُهَلِّلَنَّ ولَأُكَبِرَنَّ اللهَ ولَأُسَبِّحَنَّهُ حَتّى إذا رَآنِي الجاهِلُ ظَنَّنِي مَجْنُونًا». قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾. الفاءُ في قَوْلِهِ: " أفَرَأيْتَ " عاطِفَةٌ بَعْدَ ألْفِ الِاسْتِفْهامِ، وهي عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، و ﴿الَّذِي كَفَرَ﴾ يَعْنِي بِهِ العاصِيَ بْنَ وائِلٍ السَهْمَيَّ، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وخَبَرَهُ «أنَّ خَبّابَ بْنَ الأرَتِّ كانَ قَيْنًا في الجاهِلِيَّةِ، فَعَمِلَ لَهُ عَمَلًا، واجْتَمَعَ لَهُ عِنْدَهُ دَيْنٌ، فَجاءَهُ يَتَقاضاهُ، فَقالَ لَهُ العاصِي بْنُ وائِلٍ: لا أقْضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقالَ خَبّابٌ: لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حَتّى يُمِيتُكَ اللهُ ثُمْ يَبْعَثُكَ، قالَ العاصِي: أو مَبْعُوثٌ أنا بَعْدَ المَوْتِ؟ قالَ خَبّابٌ: نَعَمْ، قالَ: فَإذا كانَ ذَلِكَ فَسَيَكُونُ لِي مالٌ ووَلَدٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ أقْضِيكَ دَيْنَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ». وقالَ الحَسَنُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ كانَتْ لِلْوَلِيدِ أيْضًا أقْوالٌ تُشْبِهُ هَذا الغَرَضَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "وَوَلَدًا" عَلى مَعْنى اسْمِ الجِنْسِ، بِفَتْحِ الواوِ واللامِ، (p-٦٥)وَكَذَلِكَ في سائِرٍ ما في القُرْآنِ، إلّا في سُورَةِ نُوحٍ فَإنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الواوِ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَوُلْدًا" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وِلْدًا" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، واخْتَلَفَ مَعَ ضَمِّ الواوِ - فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ ولَدٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ فَلَقَدْ رَأيْتُ مُعاشِرًا قَدْ ثَمَّرُوا مالًا ووُلْدًا وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مُفْرَدٌ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ فَلَيْتَ فُلانًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ فُلانًا كانَ وُلْدَ حِمارِ قالَ أبُو عَلِيٍّ رَحِمَهُ اللهُ: وفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ما كانَ مُفْرَدًا قُصِدَ بِهِ المُفْرَدُ، وما كانَ مِنهُ جَمْعًا قُصِدَ الجَمْعُ، وقالَ الأخْفَشُ: الوَلَدُ: الِابْنُ، والوُلْدُ: الأهْلُ والوالِدُ، وقالَ غَيْرُهُ: والوُلْدُ: بَطْنُ الَّذِي هو مِنهُ، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ تَوْقِيفٌ، والألِفُ لِلِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتْ في الوَصْلِ لِلِاسْتِغْناءِ عنها، و"اتِّخاذُ العُهَدِ" مَعْناهُ: بِالإيمانِ والأعْمالِ الصالِحَةِ. و"كَلّا" زَجْرٌ ورَدْعٌ، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّ قَوْلَ هَذا الكافِرِ سَيَكْتُبُ، عَلى مَعْنى حِفْظِهِ عَلَيْهِ ومُعاقَبَتِهِ بِهِ، وقَرَأ عاصِمْ، والأعْمَشُ: "سَيُكْتَبُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ، وقَرَأ: "سَنَكْتُبُ" بِالنُونِ أبُو (p-٦٦)عَمْرٍو، والحُسْنُ، وعِيسى. و"مَدُّ العَذابِ" هو إطالَتُهُ وتَعْظِيمُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَقُولُ﴾ أيْ: هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي سَمّاها، وقالَ إنَّهُ يُؤْتاها في الآخِرَةِ يَرِثُ اللهُ ما لَهُ مِنها في الدُنْيا بِإهْلاكِهِ وتَرْكِهِ لَها، فالوِراثَةُ مُسْتَعارَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَيْبَتَهُ في الآخِرَةِ كَوِراثَةِ ما أمَّلَ. وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَنَرِثُهُ ما عِنْدَهُ"، وقالَ النُحاسُ: "وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ" مَعْناهُ: نَحْفَظُهُ عَلَيْهِ لِنُعاقِبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ»، أيْ: حَفَظَةُ ما قالُوا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ هَذا المُجْرِمْ يُورِثُ هَذِهِ المَقالَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾ يَتَضَمَّنُ ذِلَّتَهُ.

مريم 19:79

قوله عزّ وجلّ: ﴿حَتّى إذا رَأوا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا الساعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ [مريم: ٧٥] ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى والباقِياتُ الصالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا﴾ ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ ﴿كَلا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ "حَتّى" في هَذِهِ الآيَةِ حَرْفُ ابْتِداءٍ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةٍ، وفِيها مَعْنى الغايَةِ، و"إذا" (p-٦٣)شَرْطٌ، وجَوابُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ [مريم: ٧٥]، و"الرُؤْيَةُ" رُؤْيَةُ العَيْنِ، و"العَذابَ" و"الساعَةَ" بَدَّلَ مِن "ما" الَّتِي وقَعَتْ عَلَيْها "رَأوا". و"إمّا" هي المُدْخَلَةُ لِلشَّكِّ في أوَّلِ الكَلامِ، والثانِيَةُ عِطْفٌ عَلَيْها. و"العَذابَ" يُرِيدُ بِهِ عَذابَ الدُنْيا ونُصْرَةَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، و"الجُنْدُ" النُصْرَةُ والقائِمُونَ بِأمْرِ الحَرْبِ، و"شَرٌّ مَكانًا" بِإزاءِ قَوْلِهِمْ: "خَيْرٌ مَقامًا"، و"أضْعَفُ جُنْدًا" بِإزاءِ قَوْلِهِمْ: "أحْسَنُ نَدِيًّا" ولَمّا ذَكَرَ ضَلالَةَ الكُفْرِ، وارْتِباكَهم في الِامْتِحانِ بِنِعَمِ الدُنْيا وعَماهم عَنِ الطَرِيقِ المُسْتَقِيمِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ نِعْمَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، في أنَّهُ يَزِيدُهم هُدًى في الِارْتِباطِ إلى الأعْمالِ الصالِحَةِ، والمَعْرِفَةِ بِالدَلائِلِ الواضِحَةِ، وزِيادَةِ العِلْمِ دَأبًا، قالَ الطَبَرَيْ عن بَعْضِهِمُ: المَعْنى: بِناسِخِ القُرْآنِ ومَنسُوخِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِثالٌ. و" الباقِياتُ الصالِحاتُ " إشارَةٌ إلى ذَلِكَ الهُدى الَّذِي يَزِيدُهُمُ اللهُ، وهَذِهِ النِعَمُ عَلى هَؤُلاءِ خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرْجِعًا. والقَوْلُ في زِيادَةِ الهُدى سَهْلٌ بَيِّنُ الوُجُوهِ. و" الباقِياتُ الصالِحاتُ " كُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ يَرْفَعُ اللهُ بِهِ دَرَجَةَ عامِلِهِ، وقالَ الحَسَنُ: هي الفَرائِضُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّها الكَلِماتُ المَشْهُوراتُ: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ. فَقَدْ قالَ ﷺ لِأبِي الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خُذْهُنَّ قَبْلَ أنْ يُحالَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُنَّ، فَهُنَّ الباقِياتُ الصالِحاتُ، وهُنَّ مَن كُنُوزِ الجَنَّةِ»، ورُوِيَ (p-٦٤)عنهُ ﷺ أنَّهُ قالَ يَوْمًا: « "خُذُوا جُنَّتَكُمْ"، قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، أمِن عَدُوٍّ حَضَرَ؟ قالَ: "مِنَ النارِ"، قالُوا: ما هي يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، وهُنَّ الباقِياتُ الصالِحاتُ»، وكانَ أبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ إذا ذَكَرَ هَذا الحَدِيثَ يَقُولُ: «لَأُهَلِّلَنَّ ولَأُكَبِرَنَّ اللهَ ولَأُسَبِّحَنَّهُ حَتّى إذا رَآنِي الجاهِلُ ظَنَّنِي مَجْنُونًا». قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾. الفاءُ في قَوْلِهِ: " أفَرَأيْتَ " عاطِفَةٌ بَعْدَ ألْفِ الِاسْتِفْهامِ، وهي عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، و ﴿الَّذِي كَفَرَ﴾ يَعْنِي بِهِ العاصِيَ بْنَ وائِلٍ السَهْمَيَّ، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وخَبَرَهُ «أنَّ خَبّابَ بْنَ الأرَتِّ كانَ قَيْنًا في الجاهِلِيَّةِ، فَعَمِلَ لَهُ عَمَلًا، واجْتَمَعَ لَهُ عِنْدَهُ دَيْنٌ، فَجاءَهُ يَتَقاضاهُ، فَقالَ لَهُ العاصِي بْنُ وائِلٍ: لا أقْضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقالَ خَبّابٌ: لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حَتّى يُمِيتُكَ اللهُ ثُمْ يَبْعَثُكَ، قالَ العاصِي: أو مَبْعُوثٌ أنا بَعْدَ المَوْتِ؟ قالَ خَبّابٌ: نَعَمْ، قالَ: فَإذا كانَ ذَلِكَ فَسَيَكُونُ لِي مالٌ ووَلَدٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ أقْضِيكَ دَيْنَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ». وقالَ الحَسَنُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ كانَتْ لِلْوَلِيدِ أيْضًا أقْوالٌ تُشْبِهُ هَذا الغَرَضَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "وَوَلَدًا" عَلى مَعْنى اسْمِ الجِنْسِ، بِفَتْحِ الواوِ واللامِ، (p-٦٥)وَكَذَلِكَ في سائِرٍ ما في القُرْآنِ، إلّا في سُورَةِ نُوحٍ فَإنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الواوِ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَوُلْدًا" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وِلْدًا" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، واخْتَلَفَ مَعَ ضَمِّ الواوِ - فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ ولَدٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ فَلَقَدْ رَأيْتُ مُعاشِرًا قَدْ ثَمَّرُوا مالًا ووُلْدًا وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مُفْرَدٌ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ فَلَيْتَ فُلانًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ فُلانًا كانَ وُلْدَ حِمارِ قالَ أبُو عَلِيٍّ رَحِمَهُ اللهُ: وفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ما كانَ مُفْرَدًا قُصِدَ بِهِ المُفْرَدُ، وما كانَ مِنهُ جَمْعًا قُصِدَ الجَمْعُ، وقالَ الأخْفَشُ: الوَلَدُ: الِابْنُ، والوُلْدُ: الأهْلُ والوالِدُ، وقالَ غَيْرُهُ: والوُلْدُ: بَطْنُ الَّذِي هو مِنهُ، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ تَوْقِيفٌ، والألِفُ لِلِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتْ في الوَصْلِ لِلِاسْتِغْناءِ عنها، و"اتِّخاذُ العُهَدِ" مَعْناهُ: بِالإيمانِ والأعْمالِ الصالِحَةِ. و"كَلّا" زَجْرٌ ورَدْعٌ، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّ قَوْلَ هَذا الكافِرِ سَيَكْتُبُ، عَلى مَعْنى حِفْظِهِ عَلَيْهِ ومُعاقَبَتِهِ بِهِ، وقَرَأ عاصِمْ، والأعْمَشُ: "سَيُكْتَبُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ، وقَرَأ: "سَنَكْتُبُ" بِالنُونِ أبُو (p-٦٦)عَمْرٍو، والحُسْنُ، وعِيسى. و"مَدُّ العَذابِ" هو إطالَتُهُ وتَعْظِيمُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَقُولُ﴾ أيْ: هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي سَمّاها، وقالَ إنَّهُ يُؤْتاها في الآخِرَةِ يَرِثُ اللهُ ما لَهُ مِنها في الدُنْيا بِإهْلاكِهِ وتَرْكِهِ لَها، فالوِراثَةُ مُسْتَعارَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَيْبَتَهُ في الآخِرَةِ كَوِراثَةِ ما أمَّلَ. وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَنَرِثُهُ ما عِنْدَهُ"، وقالَ النُحاسُ: "وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ" مَعْناهُ: نَحْفَظُهُ عَلَيْهِ لِنُعاقِبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ»، أيْ: حَفَظَةُ ما قالُوا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ هَذا المُجْرِمْ يُورِثُ هَذِهِ المَقالَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾ يَتَضَمَّنُ ذِلَّتَهُ.

مريم 19:80

قوله عزّ وجلّ: ﴿حَتّى إذا رَأوا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا الساعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ [مريم: ٧٥] ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى والباقِياتُ الصالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا﴾ ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ ﴿كَلا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ "حَتّى" في هَذِهِ الآيَةِ حَرْفُ ابْتِداءٍ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةٍ، وفِيها مَعْنى الغايَةِ، و"إذا" (p-٦٣)شَرْطٌ، وجَوابُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ [مريم: ٧٥]، و"الرُؤْيَةُ" رُؤْيَةُ العَيْنِ، و"العَذابَ" و"الساعَةَ" بَدَّلَ مِن "ما" الَّتِي وقَعَتْ عَلَيْها "رَأوا". و"إمّا" هي المُدْخَلَةُ لِلشَّكِّ في أوَّلِ الكَلامِ، والثانِيَةُ عِطْفٌ عَلَيْها. و"العَذابَ" يُرِيدُ بِهِ عَذابَ الدُنْيا ونُصْرَةَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، و"الجُنْدُ" النُصْرَةُ والقائِمُونَ بِأمْرِ الحَرْبِ، و"شَرٌّ مَكانًا" بِإزاءِ قَوْلِهِمْ: "خَيْرٌ مَقامًا"، و"أضْعَفُ جُنْدًا" بِإزاءِ قَوْلِهِمْ: "أحْسَنُ نَدِيًّا" ولَمّا ذَكَرَ ضَلالَةَ الكُفْرِ، وارْتِباكَهم في الِامْتِحانِ بِنِعَمِ الدُنْيا وعَماهم عَنِ الطَرِيقِ المُسْتَقِيمِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ نِعْمَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، في أنَّهُ يَزِيدُهم هُدًى في الِارْتِباطِ إلى الأعْمالِ الصالِحَةِ، والمَعْرِفَةِ بِالدَلائِلِ الواضِحَةِ، وزِيادَةِ العِلْمِ دَأبًا، قالَ الطَبَرَيْ عن بَعْضِهِمُ: المَعْنى: بِناسِخِ القُرْآنِ ومَنسُوخِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِثالٌ. و" الباقِياتُ الصالِحاتُ " إشارَةٌ إلى ذَلِكَ الهُدى الَّذِي يَزِيدُهُمُ اللهُ، وهَذِهِ النِعَمُ عَلى هَؤُلاءِ خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرْجِعًا. والقَوْلُ في زِيادَةِ الهُدى سَهْلٌ بَيِّنُ الوُجُوهِ. و" الباقِياتُ الصالِحاتُ " كُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ يَرْفَعُ اللهُ بِهِ دَرَجَةَ عامِلِهِ، وقالَ الحَسَنُ: هي الفَرائِضُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّها الكَلِماتُ المَشْهُوراتُ: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ. فَقَدْ قالَ ﷺ لِأبِي الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خُذْهُنَّ قَبْلَ أنْ يُحالَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُنَّ، فَهُنَّ الباقِياتُ الصالِحاتُ، وهُنَّ مَن كُنُوزِ الجَنَّةِ»، ورُوِيَ (p-٦٤)عنهُ ﷺ أنَّهُ قالَ يَوْمًا: « "خُذُوا جُنَّتَكُمْ"، قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، أمِن عَدُوٍّ حَضَرَ؟ قالَ: "مِنَ النارِ"، قالُوا: ما هي يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، وهُنَّ الباقِياتُ الصالِحاتُ»، وكانَ أبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ إذا ذَكَرَ هَذا الحَدِيثَ يَقُولُ: «لَأُهَلِّلَنَّ ولَأُكَبِرَنَّ اللهَ ولَأُسَبِّحَنَّهُ حَتّى إذا رَآنِي الجاهِلُ ظَنَّنِي مَجْنُونًا». قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾. الفاءُ في قَوْلِهِ: " أفَرَأيْتَ " عاطِفَةٌ بَعْدَ ألْفِ الِاسْتِفْهامِ، وهي عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، و ﴿الَّذِي كَفَرَ﴾ يَعْنِي بِهِ العاصِيَ بْنَ وائِلٍ السَهْمَيَّ، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وخَبَرَهُ «أنَّ خَبّابَ بْنَ الأرَتِّ كانَ قَيْنًا في الجاهِلِيَّةِ، فَعَمِلَ لَهُ عَمَلًا، واجْتَمَعَ لَهُ عِنْدَهُ دَيْنٌ، فَجاءَهُ يَتَقاضاهُ، فَقالَ لَهُ العاصِي بْنُ وائِلٍ: لا أقْضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقالَ خَبّابٌ: لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حَتّى يُمِيتُكَ اللهُ ثُمْ يَبْعَثُكَ، قالَ العاصِي: أو مَبْعُوثٌ أنا بَعْدَ المَوْتِ؟ قالَ خَبّابٌ: نَعَمْ، قالَ: فَإذا كانَ ذَلِكَ فَسَيَكُونُ لِي مالٌ ووَلَدٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ أقْضِيكَ دَيْنَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ». وقالَ الحَسَنُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ كانَتْ لِلْوَلِيدِ أيْضًا أقْوالٌ تُشْبِهُ هَذا الغَرَضَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "وَوَلَدًا" عَلى مَعْنى اسْمِ الجِنْسِ، بِفَتْحِ الواوِ واللامِ، (p-٦٥)وَكَذَلِكَ في سائِرٍ ما في القُرْآنِ، إلّا في سُورَةِ نُوحٍ فَإنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الواوِ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَوُلْدًا" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وِلْدًا" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، واخْتَلَفَ مَعَ ضَمِّ الواوِ - فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ ولَدٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ فَلَقَدْ رَأيْتُ مُعاشِرًا قَدْ ثَمَّرُوا مالًا ووُلْدًا وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مُفْرَدٌ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ فَلَيْتَ فُلانًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ فُلانًا كانَ وُلْدَ حِمارِ قالَ أبُو عَلِيٍّ رَحِمَهُ اللهُ: وفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ما كانَ مُفْرَدًا قُصِدَ بِهِ المُفْرَدُ، وما كانَ مِنهُ جَمْعًا قُصِدَ الجَمْعُ، وقالَ الأخْفَشُ: الوَلَدُ: الِابْنُ، والوُلْدُ: الأهْلُ والوالِدُ، وقالَ غَيْرُهُ: والوُلْدُ: بَطْنُ الَّذِي هو مِنهُ، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ تَوْقِيفٌ، والألِفُ لِلِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتْ في الوَصْلِ لِلِاسْتِغْناءِ عنها، و"اتِّخاذُ العُهَدِ" مَعْناهُ: بِالإيمانِ والأعْمالِ الصالِحَةِ. و"كَلّا" زَجْرٌ ورَدْعٌ، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّ قَوْلَ هَذا الكافِرِ سَيَكْتُبُ، عَلى مَعْنى حِفْظِهِ عَلَيْهِ ومُعاقَبَتِهِ بِهِ، وقَرَأ عاصِمْ، والأعْمَشُ: "سَيُكْتَبُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ، وقَرَأ: "سَنَكْتُبُ" بِالنُونِ أبُو (p-٦٦)عَمْرٍو، والحُسْنُ، وعِيسى. و"مَدُّ العَذابِ" هو إطالَتُهُ وتَعْظِيمُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَقُولُ﴾ أيْ: هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي سَمّاها، وقالَ إنَّهُ يُؤْتاها في الآخِرَةِ يَرِثُ اللهُ ما لَهُ مِنها في الدُنْيا بِإهْلاكِهِ وتَرْكِهِ لَها، فالوِراثَةُ مُسْتَعارَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَيْبَتَهُ في الآخِرَةِ كَوِراثَةِ ما أمَّلَ. وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَنَرِثُهُ ما عِنْدَهُ"، وقالَ النُحاسُ: "وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ" مَعْناهُ: نَحْفَظُهُ عَلَيْهِ لِنُعاقِبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ»، أيْ: حَفَظَةُ ما قالُوا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ هَذا المُجْرِمْ يُورِثُ هَذِهِ المَقالَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾ يَتَضَمَّنُ ذِلَّتَهُ.

مريم 19:81

قوله عزّ وجلّ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَحْمَنِ وفْدًا﴾ ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ "اتَّخَذَ" افْتَعَلَ مِن "أخْذَ" لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إعْدادًا مِنَ المُتَّخِذِ لِلْمُتَّخَذِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في "أخَذَ"، والضَمِيرُ في "اتَّخَذُوا" لِعَبَدَةِ الأوثانِ، و"الآلِهَةُ": الأصْنامُ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ومَعْنى "عِزًّا" العُمُومُ في النُصْرَةِ والمَنفَعَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الخَيْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدٌ، وهَذا المَعْنى لازِمْ لـ "كَلّا"، فَإنْ كانَ القَوْلُ المَرْدُودُ مَنصُوصًا عَلَيْهِ بانَ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَنصُوصًا عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ مَرْدُودٍ يَتَضَمَّنُهُ (p-٦٧)القَوْلُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦]، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] يَتَضَمَّنُ مَعَ ما قَبْلُهُ أنَّ الإنْسانَ يَزْعُمْ مِن نَفْسِهِ ويَرى أنَّ لَهُ حَوْلًا ما ولا يَتَفَكَّرُ جِدًّا في أنَّ اللهَ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ وأنْعَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَلّا" عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ: "كَلًّا" بِفَتْحِ الكافِ والتَنْوِينِ، حَكاهُ عنهُ أبُو الفَتْحِ، وهو نَعْتٌ للآلِهَةً. وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ "كُلًّا" بِضَمِّ الكافِ والتَنْوِينِ، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "سَيَكْفُرُونَ"، تَقْدِيرُهُ: يَرْفُضُونَ أو يَتْرُكُونَ أو يَجْحَدُونَ أو نَحْوَهُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ الَّذِي في "سَيَكْفُرُونَ" وفي "بِعِبادَتِهِمْ" - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْكُفّارِ والثانِي لِلْمَعْبُودِينَ، والمَعْنى أنَّهُ سَيَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الهَوْلِ عَلى الكُفّارِ والشِدَّةِ ما يَدْفَعُهم إلى جَحْدِ الكَفْرِ وعِبادَةِ الأوثانِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْمَعْبُودِينَ والثانِي لِلْكُفّارِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ لِلْأصْنامِ حَياةً تُنْكِرُ بِها ومَعَها عِبادَةَ الكُفّارِ وأنْ يَكُونَ لَها مِن ذَلِكَ ذَنْبٌ، وأمّا المَعْبُودُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ فَهَذا مِنهم بَيِّنٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ضِدًّا" مَعْناهُ: يَجِيئُهم مِنهم خِلافَ ما كانُوا أمْلَوْهُ فَيُؤَوَّلُ ذَلِكَ بِهِمْ إلى ذِلَّةٍ ضِدَّ ما أمْلَوْهُ مِنَ العِزِّ، وهَذِهِ صِفَةٌ عامَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: قُرَناءُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: أعْوانًا، وقالَ لِضِحاكٍ: أعْداءٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بَلاءٌ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا لَفْظُ القُرْآنِ أعَمُّ مِنهُ وأجْمَعُ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، و"الضِدُّ" هُنا مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ كَما يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ. (p-٦٨)وَحَكى الطَبَرَيُّ عن أبِي نُهَيْكٍ أنَّهُ قَرَأ: "كُلُّ" بِالرَفْعِ، ورَفَعَها بِالِابْتِداءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ﴾ الآيَةُ. الرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ قَلْبٍ، و"أرْسَلْنا" مَعْناهُ: سَلَّطْنا، أو لَمْ نَحُلْ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَهو تَسْلِيطٌ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ [الزخرف: ٣٦]، وتَعْدِيَتُهُ بِـ "عَلى" دالٌّ عَلى أنَّهُ تَسْلِيطٌ. و"تَؤُزُّهُمْ" مَعْناهُ: تُقْلِقُهم وتُحَرِّكُهم إلى الكُفْرِ والضَلالِ، قالَ قَتادَةُ: تُزْعِجُهم إزْعاجًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: تُشْلِيهِمْ إشْلاءً، ومِنهُ أُزِيرُ القِدْرِ، وهو غَلَيانُهُ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وهو يَبْكِي، ولِصَدْرِهِ أزِيزٌ كَأزِيزِ المُرْجِلِ». قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: لا تَسْتَبْطِئُ عَذابَهم وتُحِبُّ تَعْجِيلَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ أيْ مُدَّةَ نِعْمَتِهِمْ وقَبِيحَ أعْمالِهِمْ لِنَصِيرَ بِهِمْ إلى العَذابِ إمّا في الدُنْيا، وإلّا فَفي الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَعُدُّ أنْفاسَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الألْفاظُ مِنَ الوَعِيدِ بِعَذابِ الآخِرَةِ هو العامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ، أوِ احْذَرْ، ونَحْوَ هَذا. و"الحَشْرُ": الجَمْعُ، وقَدْ صارَ في عُرْفِ ألْفاظِ الشَرْعِ: البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يَوْمَ يُحْشَرُ المُتَّقُونَ ويُساقُ المُجْرِمُونَ"، ورَوِيَ عنهُ: "وَيَسُوقُ المُجْرِمِينَ"، و"المُتَّقُونَ": المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ قَدْ غَفَرَ لَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الوِفادَةِ أنَّها بَعْدَ انْقِضاءِ الحِسابِ، وإنَّما هي النُهُوضُ إلى الجَنَّةِ، وكَذَلِكَ "سَوْقُ المُجْرِمِينَ" إنَّما هو لِدُخُولِ النارِ. و"وَفْدًا" قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: (p-٦٩)رُكْبانًا، وهي عادَةُ الوُفُودِ؛ لَأنَّهم سَراةُ الناسِ وأحْسَنُهم شَكْلًا، فَشَبَّهَ أهْلَ الجَنَّةِ بِأُولَئِكَ، لا أنَّهم في مَعْنى الوِفادَةِ إذْ هو مُضَمَّنُ الِانْصِرافَ، وإنَّما المُرادُ تَشْبِيهُهم بِالوَفْدِ هَيْئَةً وكَرامَةً. ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهم يَجِيئُونَ رُكْبانًا عَلى النُوقِ المُحَلّاةِ بِحِلْيَةِ الجَنَّةِ، خُطُمُها مِن ياقُوتٍ وزَبَرْجَدٍ ونَحْوَ هَذا،وَرُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ المَلائِيِّ أنَّهم يَرْكَبُونَ عَلى تَماثِيلَ مِن أعْمالِهِمُ الصالِحَةِ هي في غايَةِ الحُسْنِ، ورُوِيَ أنَّهم يَرْكَبُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم ما أحَبَّ، فَمِنهم مَن يَرْكَبُ الإبِلَ، ومَن يَرْكَبُ الخَيْلَ، ومَن يَرْكَبُ السُفُنَ فَتَجِيءُ عائِمَةً بِهِمْ، وقَدْ ورَدَ في الضَحايا «أنَّها مَطاياكم إلى الجَنَّةِ»، وفي أكْثَرِ هَذا بُعْدٌ لَكِنْ ذَكَرْناهُ بِحَسْبِ الجَمْعِ لِلْأقْوالِ. و"السَوْقُ" يَتَضَمَّنُ هَوانًا لَأنَّهم يُحَفَّزُونَ مِن ورائِهِمْ. و"الوِرْدُ": العِطاشُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، رَضِيَ اللهُ عنهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ يَنْحَفِزُونَ مَن عَطَشِهِمْ لِوُرُودٍ لِماءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ، المَعْنى: نُورِدُهم وِرْدًا، وهَكَذا يَجْعَلُهُ مَن رَأى في القُرْآنِ أرْبَعَةَ أورادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى "المُجْرِمِينَ"، أيْ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَشْفَعَ لَهم ولا سَبِيلَ لَهم إلَيْها، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَهم مُشْرِكُونَ خاصَّةً، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنْ مَنِ اتَّخَذَ عَهْدًا يُشْفَعُ لَهُ، و"العَهْدُ" - عَلى هَذا - الإيمانُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَهْدُ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ: مَن كانَ لَهُ عِنْدِي عَهْدٌ فَلْيَقُمْ»، وفي الحَدِيثِ: «خَمْسُ صَلَواتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ (p-٧٠)عَلى العِبادِ، فَمَن جاءَ بِهِنَّ تامّاتٍ كانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ». و"العَهْدُ" أيْضًا الإيمانُ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "المُجْرِمُونَ" يَعُمُ الكَفَرَةَ والعُصاةَ، ثُمْ أخْبَرَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلّا العُصاةُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يُشْفَعُ فِيهِمْ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا أزالُ أشْفَعُ حَتّى أقُولَ: يا رَبِّ شَفَّعَنِي فِيمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَيَقُولُ اللهُ: يا مُحَمَّدُ لَيْسَتْ لَكَ، ولَكِنَّها لِي». وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ لِلْمُتَّقِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ أيْ: إلّا مَن كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ مُبَرَّزٌ يَحْصُلُ بِهِ في حَيِّزِ مَن يَشْفَعُ، وقَدْ تَظاهَرَتِ الأحادِيثُ بِأنَّ أهْلَ العِلْمِ والفَضْلِ والصَلاحِ يُشَفَّعُونَ فَيَشْفَعُونَ، رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُدْخِلُ اللهُ بِشَفاعَتِهِ الجَنَّةَ أكْثَرَ مِن بَنِي تَمِيمٍ "»، قالَ (p-٧١)قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: وكُنّا نُحَدِّثُ أنَّ الشَهِيدَ يَشْفَعُ في سَبْعِينَ. وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: مَعْنى الكَلامِ: إلّا لِمَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا، أيْ: لا يَمْلِكُ المُتَّقُونَ الشَفاعَةَ إلّا لِهَذِهِ الصَنِيفَةِ فَيَجِيءُ "مَنِ" في التَأْوِيلِ الواحِدِ لِلشّافِعِينَ، وفي الثانِي لِلْمَشْفُوعِ فِيهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرادَ بِـ "مَن" مُحَمَّدٌ ﷺ وبِـ "الشَفاعَةِ" الخاصَّةِ لَهُ ﷺ العامَّةِ لِلنّاسِ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "يَمْلِكُونَ" لِجَمِيعِ أهْلِ المَوْقِفِ، ألّا تَرى أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ يَتَدافَعُونَ الشَفاعَةَ حَتّى تَصِيرَ إلَيْهِ فَيَقُومُ إلَيْها ﷺ، فالعَهْدُ - عَلى هَذا - النَصُّ عَلى أمْرِ الشَفاعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].

مريم 19:82

قوله عزّ وجلّ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَحْمَنِ وفْدًا﴾ ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ "اتَّخَذَ" افْتَعَلَ مِن "أخْذَ" لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إعْدادًا مِنَ المُتَّخِذِ لِلْمُتَّخَذِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في "أخَذَ"، والضَمِيرُ في "اتَّخَذُوا" لِعَبَدَةِ الأوثانِ، و"الآلِهَةُ": الأصْنامُ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ومَعْنى "عِزًّا" العُمُومُ في النُصْرَةِ والمَنفَعَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الخَيْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدٌ، وهَذا المَعْنى لازِمْ لـ "كَلّا"، فَإنْ كانَ القَوْلُ المَرْدُودُ مَنصُوصًا عَلَيْهِ بانَ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَنصُوصًا عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ مَرْدُودٍ يَتَضَمَّنُهُ (p-٦٧)القَوْلُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦]، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] يَتَضَمَّنُ مَعَ ما قَبْلُهُ أنَّ الإنْسانَ يَزْعُمْ مِن نَفْسِهِ ويَرى أنَّ لَهُ حَوْلًا ما ولا يَتَفَكَّرُ جِدًّا في أنَّ اللهَ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ وأنْعَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَلّا" عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ: "كَلًّا" بِفَتْحِ الكافِ والتَنْوِينِ، حَكاهُ عنهُ أبُو الفَتْحِ، وهو نَعْتٌ للآلِهَةً. وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ "كُلًّا" بِضَمِّ الكافِ والتَنْوِينِ، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "سَيَكْفُرُونَ"، تَقْدِيرُهُ: يَرْفُضُونَ أو يَتْرُكُونَ أو يَجْحَدُونَ أو نَحْوَهُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ الَّذِي في "سَيَكْفُرُونَ" وفي "بِعِبادَتِهِمْ" - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْكُفّارِ والثانِي لِلْمَعْبُودِينَ، والمَعْنى أنَّهُ سَيَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الهَوْلِ عَلى الكُفّارِ والشِدَّةِ ما يَدْفَعُهم إلى جَحْدِ الكَفْرِ وعِبادَةِ الأوثانِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْمَعْبُودِينَ والثانِي لِلْكُفّارِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ لِلْأصْنامِ حَياةً تُنْكِرُ بِها ومَعَها عِبادَةَ الكُفّارِ وأنْ يَكُونَ لَها مِن ذَلِكَ ذَنْبٌ، وأمّا المَعْبُودُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ فَهَذا مِنهم بَيِّنٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ضِدًّا" مَعْناهُ: يَجِيئُهم مِنهم خِلافَ ما كانُوا أمْلَوْهُ فَيُؤَوَّلُ ذَلِكَ بِهِمْ إلى ذِلَّةٍ ضِدَّ ما أمْلَوْهُ مِنَ العِزِّ، وهَذِهِ صِفَةٌ عامَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: قُرَناءُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: أعْوانًا، وقالَ لِضِحاكٍ: أعْداءٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بَلاءٌ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا لَفْظُ القُرْآنِ أعَمُّ مِنهُ وأجْمَعُ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، و"الضِدُّ" هُنا مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ كَما يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ. (p-٦٨)وَحَكى الطَبَرَيُّ عن أبِي نُهَيْكٍ أنَّهُ قَرَأ: "كُلُّ" بِالرَفْعِ، ورَفَعَها بِالِابْتِداءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ﴾ الآيَةُ. الرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ قَلْبٍ، و"أرْسَلْنا" مَعْناهُ: سَلَّطْنا، أو لَمْ نَحُلْ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَهو تَسْلِيطٌ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ [الزخرف: ٣٦]، وتَعْدِيَتُهُ بِـ "عَلى" دالٌّ عَلى أنَّهُ تَسْلِيطٌ. و"تَؤُزُّهُمْ" مَعْناهُ: تُقْلِقُهم وتُحَرِّكُهم إلى الكُفْرِ والضَلالِ، قالَ قَتادَةُ: تُزْعِجُهم إزْعاجًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: تُشْلِيهِمْ إشْلاءً، ومِنهُ أُزِيرُ القِدْرِ، وهو غَلَيانُهُ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وهو يَبْكِي، ولِصَدْرِهِ أزِيزٌ كَأزِيزِ المُرْجِلِ». قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: لا تَسْتَبْطِئُ عَذابَهم وتُحِبُّ تَعْجِيلَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ أيْ مُدَّةَ نِعْمَتِهِمْ وقَبِيحَ أعْمالِهِمْ لِنَصِيرَ بِهِمْ إلى العَذابِ إمّا في الدُنْيا، وإلّا فَفي الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَعُدُّ أنْفاسَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الألْفاظُ مِنَ الوَعِيدِ بِعَذابِ الآخِرَةِ هو العامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ، أوِ احْذَرْ، ونَحْوَ هَذا. و"الحَشْرُ": الجَمْعُ، وقَدْ صارَ في عُرْفِ ألْفاظِ الشَرْعِ: البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يَوْمَ يُحْشَرُ المُتَّقُونَ ويُساقُ المُجْرِمُونَ"، ورَوِيَ عنهُ: "وَيَسُوقُ المُجْرِمِينَ"، و"المُتَّقُونَ": المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ قَدْ غَفَرَ لَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الوِفادَةِ أنَّها بَعْدَ انْقِضاءِ الحِسابِ، وإنَّما هي النُهُوضُ إلى الجَنَّةِ، وكَذَلِكَ "سَوْقُ المُجْرِمِينَ" إنَّما هو لِدُخُولِ النارِ. و"وَفْدًا" قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: (p-٦٩)رُكْبانًا، وهي عادَةُ الوُفُودِ؛ لَأنَّهم سَراةُ الناسِ وأحْسَنُهم شَكْلًا، فَشَبَّهَ أهْلَ الجَنَّةِ بِأُولَئِكَ، لا أنَّهم في مَعْنى الوِفادَةِ إذْ هو مُضَمَّنُ الِانْصِرافَ، وإنَّما المُرادُ تَشْبِيهُهم بِالوَفْدِ هَيْئَةً وكَرامَةً. ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهم يَجِيئُونَ رُكْبانًا عَلى النُوقِ المُحَلّاةِ بِحِلْيَةِ الجَنَّةِ، خُطُمُها مِن ياقُوتٍ وزَبَرْجَدٍ ونَحْوَ هَذا،وَرُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ المَلائِيِّ أنَّهم يَرْكَبُونَ عَلى تَماثِيلَ مِن أعْمالِهِمُ الصالِحَةِ هي في غايَةِ الحُسْنِ، ورُوِيَ أنَّهم يَرْكَبُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم ما أحَبَّ، فَمِنهم مَن يَرْكَبُ الإبِلَ، ومَن يَرْكَبُ الخَيْلَ، ومَن يَرْكَبُ السُفُنَ فَتَجِيءُ عائِمَةً بِهِمْ، وقَدْ ورَدَ في الضَحايا «أنَّها مَطاياكم إلى الجَنَّةِ»، وفي أكْثَرِ هَذا بُعْدٌ لَكِنْ ذَكَرْناهُ بِحَسْبِ الجَمْعِ لِلْأقْوالِ. و"السَوْقُ" يَتَضَمَّنُ هَوانًا لَأنَّهم يُحَفَّزُونَ مِن ورائِهِمْ. و"الوِرْدُ": العِطاشُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، رَضِيَ اللهُ عنهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ يَنْحَفِزُونَ مَن عَطَشِهِمْ لِوُرُودٍ لِماءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ، المَعْنى: نُورِدُهم وِرْدًا، وهَكَذا يَجْعَلُهُ مَن رَأى في القُرْآنِ أرْبَعَةَ أورادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى "المُجْرِمِينَ"، أيْ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَشْفَعَ لَهم ولا سَبِيلَ لَهم إلَيْها، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَهم مُشْرِكُونَ خاصَّةً، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنْ مَنِ اتَّخَذَ عَهْدًا يُشْفَعُ لَهُ، و"العَهْدُ" - عَلى هَذا - الإيمانُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَهْدُ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ: مَن كانَ لَهُ عِنْدِي عَهْدٌ فَلْيَقُمْ»، وفي الحَدِيثِ: «خَمْسُ صَلَواتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ (p-٧٠)عَلى العِبادِ، فَمَن جاءَ بِهِنَّ تامّاتٍ كانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ». و"العَهْدُ" أيْضًا الإيمانُ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "المُجْرِمُونَ" يَعُمُ الكَفَرَةَ والعُصاةَ، ثُمْ أخْبَرَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلّا العُصاةُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يُشْفَعُ فِيهِمْ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا أزالُ أشْفَعُ حَتّى أقُولَ: يا رَبِّ شَفَّعَنِي فِيمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَيَقُولُ اللهُ: يا مُحَمَّدُ لَيْسَتْ لَكَ، ولَكِنَّها لِي». وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ لِلْمُتَّقِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ أيْ: إلّا مَن كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ مُبَرَّزٌ يَحْصُلُ بِهِ في حَيِّزِ مَن يَشْفَعُ، وقَدْ تَظاهَرَتِ الأحادِيثُ بِأنَّ أهْلَ العِلْمِ والفَضْلِ والصَلاحِ يُشَفَّعُونَ فَيَشْفَعُونَ، رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُدْخِلُ اللهُ بِشَفاعَتِهِ الجَنَّةَ أكْثَرَ مِن بَنِي تَمِيمٍ "»، قالَ (p-٧١)قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: وكُنّا نُحَدِّثُ أنَّ الشَهِيدَ يَشْفَعُ في سَبْعِينَ. وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: مَعْنى الكَلامِ: إلّا لِمَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا، أيْ: لا يَمْلِكُ المُتَّقُونَ الشَفاعَةَ إلّا لِهَذِهِ الصَنِيفَةِ فَيَجِيءُ "مَنِ" في التَأْوِيلِ الواحِدِ لِلشّافِعِينَ، وفي الثانِي لِلْمَشْفُوعِ فِيهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرادَ بِـ "مَن" مُحَمَّدٌ ﷺ وبِـ "الشَفاعَةِ" الخاصَّةِ لَهُ ﷺ العامَّةِ لِلنّاسِ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "يَمْلِكُونَ" لِجَمِيعِ أهْلِ المَوْقِفِ، ألّا تَرى أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ يَتَدافَعُونَ الشَفاعَةَ حَتّى تَصِيرَ إلَيْهِ فَيَقُومُ إلَيْها ﷺ، فالعَهْدُ - عَلى هَذا - النَصُّ عَلى أمْرِ الشَفاعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].

مريم 19:83

قوله عزّ وجلّ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَحْمَنِ وفْدًا﴾ ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ "اتَّخَذَ" افْتَعَلَ مِن "أخْذَ" لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إعْدادًا مِنَ المُتَّخِذِ لِلْمُتَّخَذِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في "أخَذَ"، والضَمِيرُ في "اتَّخَذُوا" لِعَبَدَةِ الأوثانِ، و"الآلِهَةُ": الأصْنامُ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ومَعْنى "عِزًّا" العُمُومُ في النُصْرَةِ والمَنفَعَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الخَيْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدٌ، وهَذا المَعْنى لازِمْ لـ "كَلّا"، فَإنْ كانَ القَوْلُ المَرْدُودُ مَنصُوصًا عَلَيْهِ بانَ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَنصُوصًا عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ مَرْدُودٍ يَتَضَمَّنُهُ (p-٦٧)القَوْلُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦]، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] يَتَضَمَّنُ مَعَ ما قَبْلُهُ أنَّ الإنْسانَ يَزْعُمْ مِن نَفْسِهِ ويَرى أنَّ لَهُ حَوْلًا ما ولا يَتَفَكَّرُ جِدًّا في أنَّ اللهَ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ وأنْعَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَلّا" عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ: "كَلًّا" بِفَتْحِ الكافِ والتَنْوِينِ، حَكاهُ عنهُ أبُو الفَتْحِ، وهو نَعْتٌ للآلِهَةً. وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ "كُلًّا" بِضَمِّ الكافِ والتَنْوِينِ، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "سَيَكْفُرُونَ"، تَقْدِيرُهُ: يَرْفُضُونَ أو يَتْرُكُونَ أو يَجْحَدُونَ أو نَحْوَهُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ الَّذِي في "سَيَكْفُرُونَ" وفي "بِعِبادَتِهِمْ" - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْكُفّارِ والثانِي لِلْمَعْبُودِينَ، والمَعْنى أنَّهُ سَيَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الهَوْلِ عَلى الكُفّارِ والشِدَّةِ ما يَدْفَعُهم إلى جَحْدِ الكَفْرِ وعِبادَةِ الأوثانِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْمَعْبُودِينَ والثانِي لِلْكُفّارِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ لِلْأصْنامِ حَياةً تُنْكِرُ بِها ومَعَها عِبادَةَ الكُفّارِ وأنْ يَكُونَ لَها مِن ذَلِكَ ذَنْبٌ، وأمّا المَعْبُودُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ فَهَذا مِنهم بَيِّنٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ضِدًّا" مَعْناهُ: يَجِيئُهم مِنهم خِلافَ ما كانُوا أمْلَوْهُ فَيُؤَوَّلُ ذَلِكَ بِهِمْ إلى ذِلَّةٍ ضِدَّ ما أمْلَوْهُ مِنَ العِزِّ، وهَذِهِ صِفَةٌ عامَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: قُرَناءُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: أعْوانًا، وقالَ لِضِحاكٍ: أعْداءٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بَلاءٌ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا لَفْظُ القُرْآنِ أعَمُّ مِنهُ وأجْمَعُ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، و"الضِدُّ" هُنا مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ كَما يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ. (p-٦٨)وَحَكى الطَبَرَيُّ عن أبِي نُهَيْكٍ أنَّهُ قَرَأ: "كُلُّ" بِالرَفْعِ، ورَفَعَها بِالِابْتِداءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ﴾ الآيَةُ. الرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ قَلْبٍ، و"أرْسَلْنا" مَعْناهُ: سَلَّطْنا، أو لَمْ نَحُلْ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَهو تَسْلِيطٌ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ [الزخرف: ٣٦]، وتَعْدِيَتُهُ بِـ "عَلى" دالٌّ عَلى أنَّهُ تَسْلِيطٌ. و"تَؤُزُّهُمْ" مَعْناهُ: تُقْلِقُهم وتُحَرِّكُهم إلى الكُفْرِ والضَلالِ، قالَ قَتادَةُ: تُزْعِجُهم إزْعاجًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: تُشْلِيهِمْ إشْلاءً، ومِنهُ أُزِيرُ القِدْرِ، وهو غَلَيانُهُ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وهو يَبْكِي، ولِصَدْرِهِ أزِيزٌ كَأزِيزِ المُرْجِلِ». قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: لا تَسْتَبْطِئُ عَذابَهم وتُحِبُّ تَعْجِيلَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ أيْ مُدَّةَ نِعْمَتِهِمْ وقَبِيحَ أعْمالِهِمْ لِنَصِيرَ بِهِمْ إلى العَذابِ إمّا في الدُنْيا، وإلّا فَفي الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَعُدُّ أنْفاسَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الألْفاظُ مِنَ الوَعِيدِ بِعَذابِ الآخِرَةِ هو العامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ، أوِ احْذَرْ، ونَحْوَ هَذا. و"الحَشْرُ": الجَمْعُ، وقَدْ صارَ في عُرْفِ ألْفاظِ الشَرْعِ: البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يَوْمَ يُحْشَرُ المُتَّقُونَ ويُساقُ المُجْرِمُونَ"، ورَوِيَ عنهُ: "وَيَسُوقُ المُجْرِمِينَ"، و"المُتَّقُونَ": المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ قَدْ غَفَرَ لَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الوِفادَةِ أنَّها بَعْدَ انْقِضاءِ الحِسابِ، وإنَّما هي النُهُوضُ إلى الجَنَّةِ، وكَذَلِكَ "سَوْقُ المُجْرِمِينَ" إنَّما هو لِدُخُولِ النارِ. و"وَفْدًا" قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: (p-٦٩)رُكْبانًا، وهي عادَةُ الوُفُودِ؛ لَأنَّهم سَراةُ الناسِ وأحْسَنُهم شَكْلًا، فَشَبَّهَ أهْلَ الجَنَّةِ بِأُولَئِكَ، لا أنَّهم في مَعْنى الوِفادَةِ إذْ هو مُضَمَّنُ الِانْصِرافَ، وإنَّما المُرادُ تَشْبِيهُهم بِالوَفْدِ هَيْئَةً وكَرامَةً. ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهم يَجِيئُونَ رُكْبانًا عَلى النُوقِ المُحَلّاةِ بِحِلْيَةِ الجَنَّةِ، خُطُمُها مِن ياقُوتٍ وزَبَرْجَدٍ ونَحْوَ هَذا،وَرُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ المَلائِيِّ أنَّهم يَرْكَبُونَ عَلى تَماثِيلَ مِن أعْمالِهِمُ الصالِحَةِ هي في غايَةِ الحُسْنِ، ورُوِيَ أنَّهم يَرْكَبُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم ما أحَبَّ، فَمِنهم مَن يَرْكَبُ الإبِلَ، ومَن يَرْكَبُ الخَيْلَ، ومَن يَرْكَبُ السُفُنَ فَتَجِيءُ عائِمَةً بِهِمْ، وقَدْ ورَدَ في الضَحايا «أنَّها مَطاياكم إلى الجَنَّةِ»، وفي أكْثَرِ هَذا بُعْدٌ لَكِنْ ذَكَرْناهُ بِحَسْبِ الجَمْعِ لِلْأقْوالِ. و"السَوْقُ" يَتَضَمَّنُ هَوانًا لَأنَّهم يُحَفَّزُونَ مِن ورائِهِمْ. و"الوِرْدُ": العِطاشُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، رَضِيَ اللهُ عنهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ يَنْحَفِزُونَ مَن عَطَشِهِمْ لِوُرُودٍ لِماءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ، المَعْنى: نُورِدُهم وِرْدًا، وهَكَذا يَجْعَلُهُ مَن رَأى في القُرْآنِ أرْبَعَةَ أورادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى "المُجْرِمِينَ"، أيْ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَشْفَعَ لَهم ولا سَبِيلَ لَهم إلَيْها، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَهم مُشْرِكُونَ خاصَّةً، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنْ مَنِ اتَّخَذَ عَهْدًا يُشْفَعُ لَهُ، و"العَهْدُ" - عَلى هَذا - الإيمانُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَهْدُ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ: مَن كانَ لَهُ عِنْدِي عَهْدٌ فَلْيَقُمْ»، وفي الحَدِيثِ: «خَمْسُ صَلَواتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ (p-٧٠)عَلى العِبادِ، فَمَن جاءَ بِهِنَّ تامّاتٍ كانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ». و"العَهْدُ" أيْضًا الإيمانُ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "المُجْرِمُونَ" يَعُمُ الكَفَرَةَ والعُصاةَ، ثُمْ أخْبَرَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلّا العُصاةُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يُشْفَعُ فِيهِمْ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا أزالُ أشْفَعُ حَتّى أقُولَ: يا رَبِّ شَفَّعَنِي فِيمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَيَقُولُ اللهُ: يا مُحَمَّدُ لَيْسَتْ لَكَ، ولَكِنَّها لِي». وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ لِلْمُتَّقِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ أيْ: إلّا مَن كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ مُبَرَّزٌ يَحْصُلُ بِهِ في حَيِّزِ مَن يَشْفَعُ، وقَدْ تَظاهَرَتِ الأحادِيثُ بِأنَّ أهْلَ العِلْمِ والفَضْلِ والصَلاحِ يُشَفَّعُونَ فَيَشْفَعُونَ، رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُدْخِلُ اللهُ بِشَفاعَتِهِ الجَنَّةَ أكْثَرَ مِن بَنِي تَمِيمٍ "»، قالَ (p-٧١)قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: وكُنّا نُحَدِّثُ أنَّ الشَهِيدَ يَشْفَعُ في سَبْعِينَ. وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: مَعْنى الكَلامِ: إلّا لِمَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا، أيْ: لا يَمْلِكُ المُتَّقُونَ الشَفاعَةَ إلّا لِهَذِهِ الصَنِيفَةِ فَيَجِيءُ "مَنِ" في التَأْوِيلِ الواحِدِ لِلشّافِعِينَ، وفي الثانِي لِلْمَشْفُوعِ فِيهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرادَ بِـ "مَن" مُحَمَّدٌ ﷺ وبِـ "الشَفاعَةِ" الخاصَّةِ لَهُ ﷺ العامَّةِ لِلنّاسِ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "يَمْلِكُونَ" لِجَمِيعِ أهْلِ المَوْقِفِ، ألّا تَرى أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ يَتَدافَعُونَ الشَفاعَةَ حَتّى تَصِيرَ إلَيْهِ فَيَقُومُ إلَيْها ﷺ، فالعَهْدُ - عَلى هَذا - النَصُّ عَلى أمْرِ الشَفاعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].

مريم 19:84

قوله عزّ وجلّ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَحْمَنِ وفْدًا﴾ ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ "اتَّخَذَ" افْتَعَلَ مِن "أخْذَ" لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إعْدادًا مِنَ المُتَّخِذِ لِلْمُتَّخَذِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في "أخَذَ"، والضَمِيرُ في "اتَّخَذُوا" لِعَبَدَةِ الأوثانِ، و"الآلِهَةُ": الأصْنامُ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ومَعْنى "عِزًّا" العُمُومُ في النُصْرَةِ والمَنفَعَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الخَيْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدٌ، وهَذا المَعْنى لازِمْ لـ "كَلّا"، فَإنْ كانَ القَوْلُ المَرْدُودُ مَنصُوصًا عَلَيْهِ بانَ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَنصُوصًا عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ مَرْدُودٍ يَتَضَمَّنُهُ (p-٦٧)القَوْلُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦]، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] يَتَضَمَّنُ مَعَ ما قَبْلُهُ أنَّ الإنْسانَ يَزْعُمْ مِن نَفْسِهِ ويَرى أنَّ لَهُ حَوْلًا ما ولا يَتَفَكَّرُ جِدًّا في أنَّ اللهَ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ وأنْعَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَلّا" عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ: "كَلًّا" بِفَتْحِ الكافِ والتَنْوِينِ، حَكاهُ عنهُ أبُو الفَتْحِ، وهو نَعْتٌ للآلِهَةً. وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ "كُلًّا" بِضَمِّ الكافِ والتَنْوِينِ، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "سَيَكْفُرُونَ"، تَقْدِيرُهُ: يَرْفُضُونَ أو يَتْرُكُونَ أو يَجْحَدُونَ أو نَحْوَهُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ الَّذِي في "سَيَكْفُرُونَ" وفي "بِعِبادَتِهِمْ" - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْكُفّارِ والثانِي لِلْمَعْبُودِينَ، والمَعْنى أنَّهُ سَيَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الهَوْلِ عَلى الكُفّارِ والشِدَّةِ ما يَدْفَعُهم إلى جَحْدِ الكَفْرِ وعِبادَةِ الأوثانِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْمَعْبُودِينَ والثانِي لِلْكُفّارِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ لِلْأصْنامِ حَياةً تُنْكِرُ بِها ومَعَها عِبادَةَ الكُفّارِ وأنْ يَكُونَ لَها مِن ذَلِكَ ذَنْبٌ، وأمّا المَعْبُودُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ فَهَذا مِنهم بَيِّنٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ضِدًّا" مَعْناهُ: يَجِيئُهم مِنهم خِلافَ ما كانُوا أمْلَوْهُ فَيُؤَوَّلُ ذَلِكَ بِهِمْ إلى ذِلَّةٍ ضِدَّ ما أمْلَوْهُ مِنَ العِزِّ، وهَذِهِ صِفَةٌ عامَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: قُرَناءُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: أعْوانًا، وقالَ لِضِحاكٍ: أعْداءٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بَلاءٌ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا لَفْظُ القُرْآنِ أعَمُّ مِنهُ وأجْمَعُ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، و"الضِدُّ" هُنا مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ كَما يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ. (p-٦٨)وَحَكى الطَبَرَيُّ عن أبِي نُهَيْكٍ أنَّهُ قَرَأ: "كُلُّ" بِالرَفْعِ، ورَفَعَها بِالِابْتِداءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ﴾ الآيَةُ. الرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ قَلْبٍ، و"أرْسَلْنا" مَعْناهُ: سَلَّطْنا، أو لَمْ نَحُلْ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَهو تَسْلِيطٌ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ [الزخرف: ٣٦]، وتَعْدِيَتُهُ بِـ "عَلى" دالٌّ عَلى أنَّهُ تَسْلِيطٌ. و"تَؤُزُّهُمْ" مَعْناهُ: تُقْلِقُهم وتُحَرِّكُهم إلى الكُفْرِ والضَلالِ، قالَ قَتادَةُ: تُزْعِجُهم إزْعاجًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: تُشْلِيهِمْ إشْلاءً، ومِنهُ أُزِيرُ القِدْرِ، وهو غَلَيانُهُ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وهو يَبْكِي، ولِصَدْرِهِ أزِيزٌ كَأزِيزِ المُرْجِلِ». قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: لا تَسْتَبْطِئُ عَذابَهم وتُحِبُّ تَعْجِيلَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ أيْ مُدَّةَ نِعْمَتِهِمْ وقَبِيحَ أعْمالِهِمْ لِنَصِيرَ بِهِمْ إلى العَذابِ إمّا في الدُنْيا، وإلّا فَفي الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَعُدُّ أنْفاسَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الألْفاظُ مِنَ الوَعِيدِ بِعَذابِ الآخِرَةِ هو العامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ، أوِ احْذَرْ، ونَحْوَ هَذا. و"الحَشْرُ": الجَمْعُ، وقَدْ صارَ في عُرْفِ ألْفاظِ الشَرْعِ: البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يَوْمَ يُحْشَرُ المُتَّقُونَ ويُساقُ المُجْرِمُونَ"، ورَوِيَ عنهُ: "وَيَسُوقُ المُجْرِمِينَ"، و"المُتَّقُونَ": المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ قَدْ غَفَرَ لَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الوِفادَةِ أنَّها بَعْدَ انْقِضاءِ الحِسابِ، وإنَّما هي النُهُوضُ إلى الجَنَّةِ، وكَذَلِكَ "سَوْقُ المُجْرِمِينَ" إنَّما هو لِدُخُولِ النارِ. و"وَفْدًا" قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: (p-٦٩)رُكْبانًا، وهي عادَةُ الوُفُودِ؛ لَأنَّهم سَراةُ الناسِ وأحْسَنُهم شَكْلًا، فَشَبَّهَ أهْلَ الجَنَّةِ بِأُولَئِكَ، لا أنَّهم في مَعْنى الوِفادَةِ إذْ هو مُضَمَّنُ الِانْصِرافَ، وإنَّما المُرادُ تَشْبِيهُهم بِالوَفْدِ هَيْئَةً وكَرامَةً. ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهم يَجِيئُونَ رُكْبانًا عَلى النُوقِ المُحَلّاةِ بِحِلْيَةِ الجَنَّةِ، خُطُمُها مِن ياقُوتٍ وزَبَرْجَدٍ ونَحْوَ هَذا،وَرُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ المَلائِيِّ أنَّهم يَرْكَبُونَ عَلى تَماثِيلَ مِن أعْمالِهِمُ الصالِحَةِ هي في غايَةِ الحُسْنِ، ورُوِيَ أنَّهم يَرْكَبُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم ما أحَبَّ، فَمِنهم مَن يَرْكَبُ الإبِلَ، ومَن يَرْكَبُ الخَيْلَ، ومَن يَرْكَبُ السُفُنَ فَتَجِيءُ عائِمَةً بِهِمْ، وقَدْ ورَدَ في الضَحايا «أنَّها مَطاياكم إلى الجَنَّةِ»، وفي أكْثَرِ هَذا بُعْدٌ لَكِنْ ذَكَرْناهُ بِحَسْبِ الجَمْعِ لِلْأقْوالِ. و"السَوْقُ" يَتَضَمَّنُ هَوانًا لَأنَّهم يُحَفَّزُونَ مِن ورائِهِمْ. و"الوِرْدُ": العِطاشُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، رَضِيَ اللهُ عنهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ يَنْحَفِزُونَ مَن عَطَشِهِمْ لِوُرُودٍ لِماءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ، المَعْنى: نُورِدُهم وِرْدًا، وهَكَذا يَجْعَلُهُ مَن رَأى في القُرْآنِ أرْبَعَةَ أورادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى "المُجْرِمِينَ"، أيْ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَشْفَعَ لَهم ولا سَبِيلَ لَهم إلَيْها، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَهم مُشْرِكُونَ خاصَّةً، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنْ مَنِ اتَّخَذَ عَهْدًا يُشْفَعُ لَهُ، و"العَهْدُ" - عَلى هَذا - الإيمانُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَهْدُ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ: مَن كانَ لَهُ عِنْدِي عَهْدٌ فَلْيَقُمْ»، وفي الحَدِيثِ: «خَمْسُ صَلَواتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ (p-٧٠)عَلى العِبادِ، فَمَن جاءَ بِهِنَّ تامّاتٍ كانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ». و"العَهْدُ" أيْضًا الإيمانُ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "المُجْرِمُونَ" يَعُمُ الكَفَرَةَ والعُصاةَ، ثُمْ أخْبَرَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلّا العُصاةُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يُشْفَعُ فِيهِمْ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا أزالُ أشْفَعُ حَتّى أقُولَ: يا رَبِّ شَفَّعَنِي فِيمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَيَقُولُ اللهُ: يا مُحَمَّدُ لَيْسَتْ لَكَ، ولَكِنَّها لِي». وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ لِلْمُتَّقِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ أيْ: إلّا مَن كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ مُبَرَّزٌ يَحْصُلُ بِهِ في حَيِّزِ مَن يَشْفَعُ، وقَدْ تَظاهَرَتِ الأحادِيثُ بِأنَّ أهْلَ العِلْمِ والفَضْلِ والصَلاحِ يُشَفَّعُونَ فَيَشْفَعُونَ، رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُدْخِلُ اللهُ بِشَفاعَتِهِ الجَنَّةَ أكْثَرَ مِن بَنِي تَمِيمٍ "»، قالَ (p-٧١)قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: وكُنّا نُحَدِّثُ أنَّ الشَهِيدَ يَشْفَعُ في سَبْعِينَ. وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: مَعْنى الكَلامِ: إلّا لِمَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا، أيْ: لا يَمْلِكُ المُتَّقُونَ الشَفاعَةَ إلّا لِهَذِهِ الصَنِيفَةِ فَيَجِيءُ "مَنِ" في التَأْوِيلِ الواحِدِ لِلشّافِعِينَ، وفي الثانِي لِلْمَشْفُوعِ فِيهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرادَ بِـ "مَن" مُحَمَّدٌ ﷺ وبِـ "الشَفاعَةِ" الخاصَّةِ لَهُ ﷺ العامَّةِ لِلنّاسِ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "يَمْلِكُونَ" لِجَمِيعِ أهْلِ المَوْقِفِ، ألّا تَرى أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ يَتَدافَعُونَ الشَفاعَةَ حَتّى تَصِيرَ إلَيْهِ فَيَقُومُ إلَيْها ﷺ، فالعَهْدُ - عَلى هَذا - النَصُّ عَلى أمْرِ الشَفاعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].

مريم 19:85

قوله عزّ وجلّ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَحْمَنِ وفْدًا﴾ ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ "اتَّخَذَ" افْتَعَلَ مِن "أخْذَ" لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إعْدادًا مِنَ المُتَّخِذِ لِلْمُتَّخَذِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في "أخَذَ"، والضَمِيرُ في "اتَّخَذُوا" لِعَبَدَةِ الأوثانِ، و"الآلِهَةُ": الأصْنامُ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ومَعْنى "عِزًّا" العُمُومُ في النُصْرَةِ والمَنفَعَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الخَيْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدٌ، وهَذا المَعْنى لازِمْ لـ "كَلّا"، فَإنْ كانَ القَوْلُ المَرْدُودُ مَنصُوصًا عَلَيْهِ بانَ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَنصُوصًا عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ مَرْدُودٍ يَتَضَمَّنُهُ (p-٦٧)القَوْلُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦]، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] يَتَضَمَّنُ مَعَ ما قَبْلُهُ أنَّ الإنْسانَ يَزْعُمْ مِن نَفْسِهِ ويَرى أنَّ لَهُ حَوْلًا ما ولا يَتَفَكَّرُ جِدًّا في أنَّ اللهَ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ وأنْعَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَلّا" عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ: "كَلًّا" بِفَتْحِ الكافِ والتَنْوِينِ، حَكاهُ عنهُ أبُو الفَتْحِ، وهو نَعْتٌ للآلِهَةً. وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ "كُلًّا" بِضَمِّ الكافِ والتَنْوِينِ، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "سَيَكْفُرُونَ"، تَقْدِيرُهُ: يَرْفُضُونَ أو يَتْرُكُونَ أو يَجْحَدُونَ أو نَحْوَهُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ الَّذِي في "سَيَكْفُرُونَ" وفي "بِعِبادَتِهِمْ" - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْكُفّارِ والثانِي لِلْمَعْبُودِينَ، والمَعْنى أنَّهُ سَيَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الهَوْلِ عَلى الكُفّارِ والشِدَّةِ ما يَدْفَعُهم إلى جَحْدِ الكَفْرِ وعِبادَةِ الأوثانِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْمَعْبُودِينَ والثانِي لِلْكُفّارِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ لِلْأصْنامِ حَياةً تُنْكِرُ بِها ومَعَها عِبادَةَ الكُفّارِ وأنْ يَكُونَ لَها مِن ذَلِكَ ذَنْبٌ، وأمّا المَعْبُودُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ فَهَذا مِنهم بَيِّنٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ضِدًّا" مَعْناهُ: يَجِيئُهم مِنهم خِلافَ ما كانُوا أمْلَوْهُ فَيُؤَوَّلُ ذَلِكَ بِهِمْ إلى ذِلَّةٍ ضِدَّ ما أمْلَوْهُ مِنَ العِزِّ، وهَذِهِ صِفَةٌ عامَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: قُرَناءُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: أعْوانًا، وقالَ لِضِحاكٍ: أعْداءٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بَلاءٌ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا لَفْظُ القُرْآنِ أعَمُّ مِنهُ وأجْمَعُ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، و"الضِدُّ" هُنا مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ كَما يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ. (p-٦٨)وَحَكى الطَبَرَيُّ عن أبِي نُهَيْكٍ أنَّهُ قَرَأ: "كُلُّ" بِالرَفْعِ، ورَفَعَها بِالِابْتِداءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ﴾ الآيَةُ. الرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ قَلْبٍ، و"أرْسَلْنا" مَعْناهُ: سَلَّطْنا، أو لَمْ نَحُلْ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَهو تَسْلِيطٌ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ [الزخرف: ٣٦]، وتَعْدِيَتُهُ بِـ "عَلى" دالٌّ عَلى أنَّهُ تَسْلِيطٌ. و"تَؤُزُّهُمْ" مَعْناهُ: تُقْلِقُهم وتُحَرِّكُهم إلى الكُفْرِ والضَلالِ، قالَ قَتادَةُ: تُزْعِجُهم إزْعاجًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: تُشْلِيهِمْ إشْلاءً، ومِنهُ أُزِيرُ القِدْرِ، وهو غَلَيانُهُ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وهو يَبْكِي، ولِصَدْرِهِ أزِيزٌ كَأزِيزِ المُرْجِلِ». قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: لا تَسْتَبْطِئُ عَذابَهم وتُحِبُّ تَعْجِيلَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ أيْ مُدَّةَ نِعْمَتِهِمْ وقَبِيحَ أعْمالِهِمْ لِنَصِيرَ بِهِمْ إلى العَذابِ إمّا في الدُنْيا، وإلّا فَفي الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَعُدُّ أنْفاسَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الألْفاظُ مِنَ الوَعِيدِ بِعَذابِ الآخِرَةِ هو العامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ، أوِ احْذَرْ، ونَحْوَ هَذا. و"الحَشْرُ": الجَمْعُ، وقَدْ صارَ في عُرْفِ ألْفاظِ الشَرْعِ: البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يَوْمَ يُحْشَرُ المُتَّقُونَ ويُساقُ المُجْرِمُونَ"، ورَوِيَ عنهُ: "وَيَسُوقُ المُجْرِمِينَ"، و"المُتَّقُونَ": المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ قَدْ غَفَرَ لَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الوِفادَةِ أنَّها بَعْدَ انْقِضاءِ الحِسابِ، وإنَّما هي النُهُوضُ إلى الجَنَّةِ، وكَذَلِكَ "سَوْقُ المُجْرِمِينَ" إنَّما هو لِدُخُولِ النارِ. و"وَفْدًا" قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: (p-٦٩)رُكْبانًا، وهي عادَةُ الوُفُودِ؛ لَأنَّهم سَراةُ الناسِ وأحْسَنُهم شَكْلًا، فَشَبَّهَ أهْلَ الجَنَّةِ بِأُولَئِكَ، لا أنَّهم في مَعْنى الوِفادَةِ إذْ هو مُضَمَّنُ الِانْصِرافَ، وإنَّما المُرادُ تَشْبِيهُهم بِالوَفْدِ هَيْئَةً وكَرامَةً. ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهم يَجِيئُونَ رُكْبانًا عَلى النُوقِ المُحَلّاةِ بِحِلْيَةِ الجَنَّةِ، خُطُمُها مِن ياقُوتٍ وزَبَرْجَدٍ ونَحْوَ هَذا،وَرُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ المَلائِيِّ أنَّهم يَرْكَبُونَ عَلى تَماثِيلَ مِن أعْمالِهِمُ الصالِحَةِ هي في غايَةِ الحُسْنِ، ورُوِيَ أنَّهم يَرْكَبُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم ما أحَبَّ، فَمِنهم مَن يَرْكَبُ الإبِلَ، ومَن يَرْكَبُ الخَيْلَ، ومَن يَرْكَبُ السُفُنَ فَتَجِيءُ عائِمَةً بِهِمْ، وقَدْ ورَدَ في الضَحايا «أنَّها مَطاياكم إلى الجَنَّةِ»، وفي أكْثَرِ هَذا بُعْدٌ لَكِنْ ذَكَرْناهُ بِحَسْبِ الجَمْعِ لِلْأقْوالِ. و"السَوْقُ" يَتَضَمَّنُ هَوانًا لَأنَّهم يُحَفَّزُونَ مِن ورائِهِمْ. و"الوِرْدُ": العِطاشُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، رَضِيَ اللهُ عنهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ يَنْحَفِزُونَ مَن عَطَشِهِمْ لِوُرُودٍ لِماءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ، المَعْنى: نُورِدُهم وِرْدًا، وهَكَذا يَجْعَلُهُ مَن رَأى في القُرْآنِ أرْبَعَةَ أورادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى "المُجْرِمِينَ"، أيْ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَشْفَعَ لَهم ولا سَبِيلَ لَهم إلَيْها، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَهم مُشْرِكُونَ خاصَّةً، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنْ مَنِ اتَّخَذَ عَهْدًا يُشْفَعُ لَهُ، و"العَهْدُ" - عَلى هَذا - الإيمانُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَهْدُ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ: مَن كانَ لَهُ عِنْدِي عَهْدٌ فَلْيَقُمْ»، وفي الحَدِيثِ: «خَمْسُ صَلَواتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ (p-٧٠)عَلى العِبادِ، فَمَن جاءَ بِهِنَّ تامّاتٍ كانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ». و"العَهْدُ" أيْضًا الإيمانُ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "المُجْرِمُونَ" يَعُمُ الكَفَرَةَ والعُصاةَ، ثُمْ أخْبَرَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلّا العُصاةُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يُشْفَعُ فِيهِمْ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا أزالُ أشْفَعُ حَتّى أقُولَ: يا رَبِّ شَفَّعَنِي فِيمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَيَقُولُ اللهُ: يا مُحَمَّدُ لَيْسَتْ لَكَ، ولَكِنَّها لِي». وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ لِلْمُتَّقِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ أيْ: إلّا مَن كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ مُبَرَّزٌ يَحْصُلُ بِهِ في حَيِّزِ مَن يَشْفَعُ، وقَدْ تَظاهَرَتِ الأحادِيثُ بِأنَّ أهْلَ العِلْمِ والفَضْلِ والصَلاحِ يُشَفَّعُونَ فَيَشْفَعُونَ، رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُدْخِلُ اللهُ بِشَفاعَتِهِ الجَنَّةَ أكْثَرَ مِن بَنِي تَمِيمٍ "»، قالَ (p-٧١)قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: وكُنّا نُحَدِّثُ أنَّ الشَهِيدَ يَشْفَعُ في سَبْعِينَ. وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: مَعْنى الكَلامِ: إلّا لِمَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا، أيْ: لا يَمْلِكُ المُتَّقُونَ الشَفاعَةَ إلّا لِهَذِهِ الصَنِيفَةِ فَيَجِيءُ "مَنِ" في التَأْوِيلِ الواحِدِ لِلشّافِعِينَ، وفي الثانِي لِلْمَشْفُوعِ فِيهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرادَ بِـ "مَن" مُحَمَّدٌ ﷺ وبِـ "الشَفاعَةِ" الخاصَّةِ لَهُ ﷺ العامَّةِ لِلنّاسِ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "يَمْلِكُونَ" لِجَمِيعِ أهْلِ المَوْقِفِ، ألّا تَرى أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ يَتَدافَعُونَ الشَفاعَةَ حَتّى تَصِيرَ إلَيْهِ فَيَقُومُ إلَيْها ﷺ، فالعَهْدُ - عَلى هَذا - النَصُّ عَلى أمْرِ الشَفاعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].

مريم 19:86

قوله عزّ وجلّ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَحْمَنِ وفْدًا﴾ ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ "اتَّخَذَ" افْتَعَلَ مِن "أخْذَ" لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إعْدادًا مِنَ المُتَّخِذِ لِلْمُتَّخَذِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في "أخَذَ"، والضَمِيرُ في "اتَّخَذُوا" لِعَبَدَةِ الأوثانِ، و"الآلِهَةُ": الأصْنامُ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ومَعْنى "عِزًّا" العُمُومُ في النُصْرَةِ والمَنفَعَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الخَيْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدٌ، وهَذا المَعْنى لازِمْ لـ "كَلّا"، فَإنْ كانَ القَوْلُ المَرْدُودُ مَنصُوصًا عَلَيْهِ بانَ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَنصُوصًا عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ مَرْدُودٍ يَتَضَمَّنُهُ (p-٦٧)القَوْلُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦]، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] يَتَضَمَّنُ مَعَ ما قَبْلُهُ أنَّ الإنْسانَ يَزْعُمْ مِن نَفْسِهِ ويَرى أنَّ لَهُ حَوْلًا ما ولا يَتَفَكَّرُ جِدًّا في أنَّ اللهَ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ وأنْعَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَلّا" عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ: "كَلًّا" بِفَتْحِ الكافِ والتَنْوِينِ، حَكاهُ عنهُ أبُو الفَتْحِ، وهو نَعْتٌ للآلِهَةً. وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ "كُلًّا" بِضَمِّ الكافِ والتَنْوِينِ، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "سَيَكْفُرُونَ"، تَقْدِيرُهُ: يَرْفُضُونَ أو يَتْرُكُونَ أو يَجْحَدُونَ أو نَحْوَهُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ الَّذِي في "سَيَكْفُرُونَ" وفي "بِعِبادَتِهِمْ" - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْكُفّارِ والثانِي لِلْمَعْبُودِينَ، والمَعْنى أنَّهُ سَيَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الهَوْلِ عَلى الكُفّارِ والشِدَّةِ ما يَدْفَعُهم إلى جَحْدِ الكَفْرِ وعِبادَةِ الأوثانِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْمَعْبُودِينَ والثانِي لِلْكُفّارِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ لِلْأصْنامِ حَياةً تُنْكِرُ بِها ومَعَها عِبادَةَ الكُفّارِ وأنْ يَكُونَ لَها مِن ذَلِكَ ذَنْبٌ، وأمّا المَعْبُودُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ فَهَذا مِنهم بَيِّنٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ضِدًّا" مَعْناهُ: يَجِيئُهم مِنهم خِلافَ ما كانُوا أمْلَوْهُ فَيُؤَوَّلُ ذَلِكَ بِهِمْ إلى ذِلَّةٍ ضِدَّ ما أمْلَوْهُ مِنَ العِزِّ، وهَذِهِ صِفَةٌ عامَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: قُرَناءُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: أعْوانًا، وقالَ لِضِحاكٍ: أعْداءٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بَلاءٌ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا لَفْظُ القُرْآنِ أعَمُّ مِنهُ وأجْمَعُ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، و"الضِدُّ" هُنا مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ كَما يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ. (p-٦٨)وَحَكى الطَبَرَيُّ عن أبِي نُهَيْكٍ أنَّهُ قَرَأ: "كُلُّ" بِالرَفْعِ، ورَفَعَها بِالِابْتِداءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ﴾ الآيَةُ. الرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ قَلْبٍ، و"أرْسَلْنا" مَعْناهُ: سَلَّطْنا، أو لَمْ نَحُلْ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَهو تَسْلِيطٌ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ [الزخرف: ٣٦]، وتَعْدِيَتُهُ بِـ "عَلى" دالٌّ عَلى أنَّهُ تَسْلِيطٌ. و"تَؤُزُّهُمْ" مَعْناهُ: تُقْلِقُهم وتُحَرِّكُهم إلى الكُفْرِ والضَلالِ، قالَ قَتادَةُ: تُزْعِجُهم إزْعاجًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: تُشْلِيهِمْ إشْلاءً، ومِنهُ أُزِيرُ القِدْرِ، وهو غَلَيانُهُ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وهو يَبْكِي، ولِصَدْرِهِ أزِيزٌ كَأزِيزِ المُرْجِلِ». قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: لا تَسْتَبْطِئُ عَذابَهم وتُحِبُّ تَعْجِيلَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ أيْ مُدَّةَ نِعْمَتِهِمْ وقَبِيحَ أعْمالِهِمْ لِنَصِيرَ بِهِمْ إلى العَذابِ إمّا في الدُنْيا، وإلّا فَفي الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَعُدُّ أنْفاسَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الألْفاظُ مِنَ الوَعِيدِ بِعَذابِ الآخِرَةِ هو العامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ، أوِ احْذَرْ، ونَحْوَ هَذا. و"الحَشْرُ": الجَمْعُ، وقَدْ صارَ في عُرْفِ ألْفاظِ الشَرْعِ: البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يَوْمَ يُحْشَرُ المُتَّقُونَ ويُساقُ المُجْرِمُونَ"، ورَوِيَ عنهُ: "وَيَسُوقُ المُجْرِمِينَ"، و"المُتَّقُونَ": المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ قَدْ غَفَرَ لَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الوِفادَةِ أنَّها بَعْدَ انْقِضاءِ الحِسابِ، وإنَّما هي النُهُوضُ إلى الجَنَّةِ، وكَذَلِكَ "سَوْقُ المُجْرِمِينَ" إنَّما هو لِدُخُولِ النارِ. و"وَفْدًا" قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: (p-٦٩)رُكْبانًا، وهي عادَةُ الوُفُودِ؛ لَأنَّهم سَراةُ الناسِ وأحْسَنُهم شَكْلًا، فَشَبَّهَ أهْلَ الجَنَّةِ بِأُولَئِكَ، لا أنَّهم في مَعْنى الوِفادَةِ إذْ هو مُضَمَّنُ الِانْصِرافَ، وإنَّما المُرادُ تَشْبِيهُهم بِالوَفْدِ هَيْئَةً وكَرامَةً. ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهم يَجِيئُونَ رُكْبانًا عَلى النُوقِ المُحَلّاةِ بِحِلْيَةِ الجَنَّةِ، خُطُمُها مِن ياقُوتٍ وزَبَرْجَدٍ ونَحْوَ هَذا،وَرُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ المَلائِيِّ أنَّهم يَرْكَبُونَ عَلى تَماثِيلَ مِن أعْمالِهِمُ الصالِحَةِ هي في غايَةِ الحُسْنِ، ورُوِيَ أنَّهم يَرْكَبُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم ما أحَبَّ، فَمِنهم مَن يَرْكَبُ الإبِلَ، ومَن يَرْكَبُ الخَيْلَ، ومَن يَرْكَبُ السُفُنَ فَتَجِيءُ عائِمَةً بِهِمْ، وقَدْ ورَدَ في الضَحايا «أنَّها مَطاياكم إلى الجَنَّةِ»، وفي أكْثَرِ هَذا بُعْدٌ لَكِنْ ذَكَرْناهُ بِحَسْبِ الجَمْعِ لِلْأقْوالِ. و"السَوْقُ" يَتَضَمَّنُ هَوانًا لَأنَّهم يُحَفَّزُونَ مِن ورائِهِمْ. و"الوِرْدُ": العِطاشُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، رَضِيَ اللهُ عنهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ يَنْحَفِزُونَ مَن عَطَشِهِمْ لِوُرُودٍ لِماءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ، المَعْنى: نُورِدُهم وِرْدًا، وهَكَذا يَجْعَلُهُ مَن رَأى في القُرْآنِ أرْبَعَةَ أورادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى "المُجْرِمِينَ"، أيْ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَشْفَعَ لَهم ولا سَبِيلَ لَهم إلَيْها، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَهم مُشْرِكُونَ خاصَّةً، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنْ مَنِ اتَّخَذَ عَهْدًا يُشْفَعُ لَهُ، و"العَهْدُ" - عَلى هَذا - الإيمانُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَهْدُ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ: مَن كانَ لَهُ عِنْدِي عَهْدٌ فَلْيَقُمْ»، وفي الحَدِيثِ: «خَمْسُ صَلَواتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ (p-٧٠)عَلى العِبادِ، فَمَن جاءَ بِهِنَّ تامّاتٍ كانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ». و"العَهْدُ" أيْضًا الإيمانُ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "المُجْرِمُونَ" يَعُمُ الكَفَرَةَ والعُصاةَ، ثُمْ أخْبَرَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلّا العُصاةُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يُشْفَعُ فِيهِمْ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا أزالُ أشْفَعُ حَتّى أقُولَ: يا رَبِّ شَفَّعَنِي فِيمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَيَقُولُ اللهُ: يا مُحَمَّدُ لَيْسَتْ لَكَ، ولَكِنَّها لِي». وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ لِلْمُتَّقِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ أيْ: إلّا مَن كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ مُبَرَّزٌ يَحْصُلُ بِهِ في حَيِّزِ مَن يَشْفَعُ، وقَدْ تَظاهَرَتِ الأحادِيثُ بِأنَّ أهْلَ العِلْمِ والفَضْلِ والصَلاحِ يُشَفَّعُونَ فَيَشْفَعُونَ، رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُدْخِلُ اللهُ بِشَفاعَتِهِ الجَنَّةَ أكْثَرَ مِن بَنِي تَمِيمٍ "»، قالَ (p-٧١)قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: وكُنّا نُحَدِّثُ أنَّ الشَهِيدَ يَشْفَعُ في سَبْعِينَ. وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: مَعْنى الكَلامِ: إلّا لِمَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا، أيْ: لا يَمْلِكُ المُتَّقُونَ الشَفاعَةَ إلّا لِهَذِهِ الصَنِيفَةِ فَيَجِيءُ "مَنِ" في التَأْوِيلِ الواحِدِ لِلشّافِعِينَ، وفي الثانِي لِلْمَشْفُوعِ فِيهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرادَ بِـ "مَن" مُحَمَّدٌ ﷺ وبِـ "الشَفاعَةِ" الخاصَّةِ لَهُ ﷺ العامَّةِ لِلنّاسِ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "يَمْلِكُونَ" لِجَمِيعِ أهْلِ المَوْقِفِ، ألّا تَرى أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ يَتَدافَعُونَ الشَفاعَةَ حَتّى تَصِيرَ إلَيْهِ فَيَقُومُ إلَيْها ﷺ، فالعَهْدُ - عَلى هَذا - النَصُّ عَلى أمْرِ الشَفاعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].

مريم 19:87

قوله عزّ وجلّ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَحْمَنِ وفْدًا﴾ ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ "اتَّخَذَ" افْتَعَلَ مِن "أخْذَ" لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إعْدادًا مِنَ المُتَّخِذِ لِلْمُتَّخَذِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في "أخَذَ"، والضَمِيرُ في "اتَّخَذُوا" لِعَبَدَةِ الأوثانِ، و"الآلِهَةُ": الأصْنامُ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ومَعْنى "عِزًّا" العُمُومُ في النُصْرَةِ والمَنفَعَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الخَيْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدٌ، وهَذا المَعْنى لازِمْ لـ "كَلّا"، فَإنْ كانَ القَوْلُ المَرْدُودُ مَنصُوصًا عَلَيْهِ بانَ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَنصُوصًا عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ مَرْدُودٍ يَتَضَمَّنُهُ (p-٦٧)القَوْلُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦]، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] يَتَضَمَّنُ مَعَ ما قَبْلُهُ أنَّ الإنْسانَ يَزْعُمْ مِن نَفْسِهِ ويَرى أنَّ لَهُ حَوْلًا ما ولا يَتَفَكَّرُ جِدًّا في أنَّ اللهَ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ وأنْعَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَلّا" عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ: "كَلًّا" بِفَتْحِ الكافِ والتَنْوِينِ، حَكاهُ عنهُ أبُو الفَتْحِ، وهو نَعْتٌ للآلِهَةً. وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ "كُلًّا" بِضَمِّ الكافِ والتَنْوِينِ، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "سَيَكْفُرُونَ"، تَقْدِيرُهُ: يَرْفُضُونَ أو يَتْرُكُونَ أو يَجْحَدُونَ أو نَحْوَهُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ الَّذِي في "سَيَكْفُرُونَ" وفي "بِعِبادَتِهِمْ" - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْكُفّارِ والثانِي لِلْمَعْبُودِينَ، والمَعْنى أنَّهُ سَيَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الهَوْلِ عَلى الكُفّارِ والشِدَّةِ ما يَدْفَعُهم إلى جَحْدِ الكَفْرِ وعِبادَةِ الأوثانِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْمَعْبُودِينَ والثانِي لِلْكُفّارِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ لِلْأصْنامِ حَياةً تُنْكِرُ بِها ومَعَها عِبادَةَ الكُفّارِ وأنْ يَكُونَ لَها مِن ذَلِكَ ذَنْبٌ، وأمّا المَعْبُودُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ فَهَذا مِنهم بَيِّنٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ضِدًّا" مَعْناهُ: يَجِيئُهم مِنهم خِلافَ ما كانُوا أمْلَوْهُ فَيُؤَوَّلُ ذَلِكَ بِهِمْ إلى ذِلَّةٍ ضِدَّ ما أمْلَوْهُ مِنَ العِزِّ، وهَذِهِ صِفَةٌ عامَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: قُرَناءُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: أعْوانًا، وقالَ لِضِحاكٍ: أعْداءٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بَلاءٌ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا لَفْظُ القُرْآنِ أعَمُّ مِنهُ وأجْمَعُ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، و"الضِدُّ" هُنا مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ كَما يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ. (p-٦٨)وَحَكى الطَبَرَيُّ عن أبِي نُهَيْكٍ أنَّهُ قَرَأ: "كُلُّ" بِالرَفْعِ، ورَفَعَها بِالِابْتِداءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ﴾ الآيَةُ. الرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ قَلْبٍ، و"أرْسَلْنا" مَعْناهُ: سَلَّطْنا، أو لَمْ نَحُلْ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَهو تَسْلِيطٌ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ [الزخرف: ٣٦]، وتَعْدِيَتُهُ بِـ "عَلى" دالٌّ عَلى أنَّهُ تَسْلِيطٌ. و"تَؤُزُّهُمْ" مَعْناهُ: تُقْلِقُهم وتُحَرِّكُهم إلى الكُفْرِ والضَلالِ، قالَ قَتادَةُ: تُزْعِجُهم إزْعاجًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: تُشْلِيهِمْ إشْلاءً، ومِنهُ أُزِيرُ القِدْرِ، وهو غَلَيانُهُ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وهو يَبْكِي، ولِصَدْرِهِ أزِيزٌ كَأزِيزِ المُرْجِلِ». قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: لا تَسْتَبْطِئُ عَذابَهم وتُحِبُّ تَعْجِيلَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ أيْ مُدَّةَ نِعْمَتِهِمْ وقَبِيحَ أعْمالِهِمْ لِنَصِيرَ بِهِمْ إلى العَذابِ إمّا في الدُنْيا، وإلّا فَفي الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَعُدُّ أنْفاسَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الألْفاظُ مِنَ الوَعِيدِ بِعَذابِ الآخِرَةِ هو العامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ، أوِ احْذَرْ، ونَحْوَ هَذا. و"الحَشْرُ": الجَمْعُ، وقَدْ صارَ في عُرْفِ ألْفاظِ الشَرْعِ: البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يَوْمَ يُحْشَرُ المُتَّقُونَ ويُساقُ المُجْرِمُونَ"، ورَوِيَ عنهُ: "وَيَسُوقُ المُجْرِمِينَ"، و"المُتَّقُونَ": المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ قَدْ غَفَرَ لَهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الوِفادَةِ أنَّها بَعْدَ انْقِضاءِ الحِسابِ، وإنَّما هي النُهُوضُ إلى الجَنَّةِ، وكَذَلِكَ "سَوْقُ المُجْرِمِينَ" إنَّما هو لِدُخُولِ النارِ. و"وَفْدًا" قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: (p-٦٩)رُكْبانًا، وهي عادَةُ الوُفُودِ؛ لَأنَّهم سَراةُ الناسِ وأحْسَنُهم شَكْلًا، فَشَبَّهَ أهْلَ الجَنَّةِ بِأُولَئِكَ، لا أنَّهم في مَعْنى الوِفادَةِ إذْ هو مُضَمَّنُ الِانْصِرافَ، وإنَّما المُرادُ تَشْبِيهُهم بِالوَفْدِ هَيْئَةً وكَرامَةً. ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهم يَجِيئُونَ رُكْبانًا عَلى النُوقِ المُحَلّاةِ بِحِلْيَةِ الجَنَّةِ، خُطُمُها مِن ياقُوتٍ وزَبَرْجَدٍ ونَحْوَ هَذا،وَرُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ المَلائِيِّ أنَّهم يَرْكَبُونَ عَلى تَماثِيلَ مِن أعْمالِهِمُ الصالِحَةِ هي في غايَةِ الحُسْنِ، ورُوِيَ أنَّهم يَرْكَبُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم ما أحَبَّ، فَمِنهم مَن يَرْكَبُ الإبِلَ، ومَن يَرْكَبُ الخَيْلَ، ومَن يَرْكَبُ السُفُنَ فَتَجِيءُ عائِمَةً بِهِمْ، وقَدْ ورَدَ في الضَحايا «أنَّها مَطاياكم إلى الجَنَّةِ»، وفي أكْثَرِ هَذا بُعْدٌ لَكِنْ ذَكَرْناهُ بِحَسْبِ الجَمْعِ لِلْأقْوالِ. و"السَوْقُ" يَتَضَمَّنُ هَوانًا لَأنَّهم يُحَفَّزُونَ مِن ورائِهِمْ. و"الوِرْدُ": العِطاشُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، رَضِيَ اللهُ عنهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ يَنْحَفِزُونَ مَن عَطَشِهِمْ لِوُرُودٍ لِماءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ، المَعْنى: نُورِدُهم وِرْدًا، وهَكَذا يَجْعَلُهُ مَن رَأى في القُرْآنِ أرْبَعَةَ أورادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى "المُجْرِمِينَ"، أيْ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَشْفَعَ لَهم ولا سَبِيلَ لَهم إلَيْها، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَهم مُشْرِكُونَ خاصَّةً، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنْ مَنِ اتَّخَذَ عَهْدًا يُشْفَعُ لَهُ، و"العَهْدُ" - عَلى هَذا - الإيمانُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَهْدُ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ: مَن كانَ لَهُ عِنْدِي عَهْدٌ فَلْيَقُمْ»، وفي الحَدِيثِ: «خَمْسُ صَلَواتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ (p-٧٠)عَلى العِبادِ، فَمَن جاءَ بِهِنَّ تامّاتٍ كانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ». و"العَهْدُ" أيْضًا الإيمانُ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "المُجْرِمُونَ" يَعُمُ الكَفَرَةَ والعُصاةَ، ثُمْ أخْبَرَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلّا العُصاةُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يُشْفَعُ فِيهِمْ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا أزالُ أشْفَعُ حَتّى أقُولَ: يا رَبِّ شَفَّعَنِي فِيمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَيَقُولُ اللهُ: يا مُحَمَّدُ لَيْسَتْ لَكَ، ولَكِنَّها لِي». وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ لِلْمُتَّقِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ أيْ: إلّا مَن كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ مُبَرَّزٌ يَحْصُلُ بِهِ في حَيِّزِ مَن يَشْفَعُ، وقَدْ تَظاهَرَتِ الأحادِيثُ بِأنَّ أهْلَ العِلْمِ والفَضْلِ والصَلاحِ يُشَفَّعُونَ فَيَشْفَعُونَ، رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُدْخِلُ اللهُ بِشَفاعَتِهِ الجَنَّةَ أكْثَرَ مِن بَنِي تَمِيمٍ "»، قالَ (p-٧١)قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: وكُنّا نُحَدِّثُ أنَّ الشَهِيدَ يَشْفَعُ في سَبْعِينَ. وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: مَعْنى الكَلامِ: إلّا لِمَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا، أيْ: لا يَمْلِكُ المُتَّقُونَ الشَفاعَةَ إلّا لِهَذِهِ الصَنِيفَةِ فَيَجِيءُ "مَنِ" في التَأْوِيلِ الواحِدِ لِلشّافِعِينَ، وفي الثانِي لِلْمَشْفُوعِ فِيهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرادَ بِـ "مَن" مُحَمَّدٌ ﷺ وبِـ "الشَفاعَةِ" الخاصَّةِ لَهُ ﷺ العامَّةِ لِلنّاسِ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "يَمْلِكُونَ" لِجَمِيعِ أهْلِ المَوْقِفِ، ألّا تَرى أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ يَتَدافَعُونَ الشَفاعَةَ حَتّى تَصِيرَ إلَيْهِ فَيَقُومُ إلَيْها ﷺ، فالعَهْدُ - عَلى هَذا - النَصُّ عَلى أمْرِ الشَفاعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].

مريم 19:88

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ مِنَ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: لِلْمَلائِكَةِ بَناتُ اللهِ، ولِلنَّصارى، ولِكُلِّ مَن كَفَرَ بِهَذا النَوْعِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾ - بَعْدَ الكِنايَةِ عنهم - بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"الإدُّ": الأمْرُ الشَنِيعُ الصَعْبُ، وهي الدَواهِي والشُنَعُ العَظِيمَةُ، «وَيُرْوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ أوَّلُ ما قِيلَتْ في العالَمِ شاكَ الشَجَرُ واسْتَعَرَتْ (p-٧٢)جَهَنَّمُ وغَضِبَتِ المَلائِكَةُ». وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إدًّا" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أدًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ: إدٌّ، وأدٌّ، وآدٍّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا، وفي "عسق": "تَكادُ" بِالتاءِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِياءٍ وتاءٍ وفَتْحِ الطاءِ وشَدِّها، ورَواها حَفْصٌ عن عاصِمْ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تَكادُ" بِالتاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِياءٍ ونُونٍ وكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ وإزالَةِ عَلامَةِ التَأْنِيثِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِالياءِ والتاءِ وشَدِّ الطاءِ وفَتْحِها في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ في مَرْيَمَ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي "عسق" مِثْلِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ، والأخْفَشِ: "يَكادُ" بِمَعْنى: يُرِيدُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ [طه: ١٥] وأنْشَدَ عَلى أنَّ "كادَ" بِمَعْنى "أرادَ" قَوْلَ الشاعِرِ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن زَمَنِ الصَبابَةِ ما مَضى قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا حَجَّةَ في هَذا البَيْتِ، وهَذا قَوْلُ قَلِقٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما هي اسْتِعارَةٌ لِشُنْعَةِ الأمْرِ، أيْ: هَذا حَقُّهُ لَوْ فَهِمَتِ الجَماداتُ قَدْرَهُ، وهَذا المَعْنى مَهِيعٌ لِلْعَرَبِ، فَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:(p-٧٣) ؎ لِما أتى خَبَرُ الزُبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالِ الخُشَّعِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ ألَمْ تَرَ صَدْعًا في السَماءِ مُبَيِّنًا ∗∗∗ عَلى ابْنٍ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ هِشامٍ؟ وقالَ الآخَرُ: ؎ وأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا ∗∗∗ كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِها هُشامُ و"الِانْفِطارُ": الِانْشِقاقُ عَلى رُتْبَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ، و"الهَدُّ": الِانْهِدامُ والتَفَرُّقُ في سُرْعَةٍ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: كادَ أعْداءُ اللهِ أنْ يُقِيمُوا عَلَيْنا الساعَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ نَفْيٌ عَلى جِهَةِ التَنْزِيهِ لَهُ عن ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا المَعْنى وأقْسامُ هَذا اللَفْظِ في هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةُ. "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آتِي الرَحْمَنِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "آتٍ الرَحْمَنَ" بِتَنْوِينٍ "آتٍ" والنَصْبِ (p-٧٤)فِي النُونِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَما آتِي الرَحْمَنِ"، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ عَبْدًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا انْتِزاعٌ بَعِيدٌ، و"عَبْدًا" حالٌ. ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن إحاطَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ بِعَبِيدِهِ، فَذَكَرَ "الإحْصاءَ"، ثُمْ كَرَّرَ المَعْنى بِغَيْرِ اللَفْظِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ كَتَبَهم وعْدَّهُمْ"، وفي مُصْحَفِ أبِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ أحْصاهم فَأجْمَلَهم عَدَدًا". وقَوْلُهُ: "عَدًّا" تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ وتَحْقِيقٌ لَهُ. وقَوْلُهُ: "فَرْدًا" يَتَضَمَّنُ مَعْنى قِلَّةِ النَصْرِ والحَوَلِ والقُوَّةِ، لا مُجِيرَ لَهُ مِمّا يُرِيدُ اللهُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾. ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا هو القَبُولُ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ لِمَن يُحِبُّهُ مِن عِبادِهِ حَسْبَ ما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «مِن أسَرَّ سَرِيرَةً ألْبَسُهُ اللهُ رِداءَها»، وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ في السَماءِ صَيْتٌ، فَإنْ كانَ حَسَنًا وُضِعَ في الأرْضِ حَسَنًا، وإنْ سَيِّئًا وُضِعَ كَذَلِكَ». «وَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا هاجَرَ مِن مَكَّةَ اسْتَوْحَشَ بِالمَدِينَةِ، فَشَكا ذَلِكَ إلى النَبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، أيْ: سَتَسْتَقِرُّ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ ويَوَدُّونَ حالَهم ومَنزِلَتَهُمْ، وذَكَرَ النِقاشُ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ (p-٧٥)أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: لا يُوجَدُ مُؤْمِنٌ إلّا وهو يُحِبُّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وأهْلَ بَيْتِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وُدًّا" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ أبُو الحارِثِ الحَنَفِيُّ بِفَتْحِ الواوِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها في المَعْنى، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لَمّا أخْبَرَ عن إتْيانِ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ في حالَةِ العُبُودِيَّةِ والِانْفِرادِ، آنَسَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ وُدًّا وهو ما يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ مِن كَرامَتِهِ؛ لَأنَّ مَحَبَّةَ اللهِ لِلْعَبْدِ هي ما يُظْهِرُ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ وأماراتِ غُفْرانُهُ لَهُ.

مريم 19:89

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ مِنَ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: لِلْمَلائِكَةِ بَناتُ اللهِ، ولِلنَّصارى، ولِكُلِّ مَن كَفَرَ بِهَذا النَوْعِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾ - بَعْدَ الكِنايَةِ عنهم - بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"الإدُّ": الأمْرُ الشَنِيعُ الصَعْبُ، وهي الدَواهِي والشُنَعُ العَظِيمَةُ، «وَيُرْوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ أوَّلُ ما قِيلَتْ في العالَمِ شاكَ الشَجَرُ واسْتَعَرَتْ (p-٧٢)جَهَنَّمُ وغَضِبَتِ المَلائِكَةُ». وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إدًّا" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أدًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ: إدٌّ، وأدٌّ، وآدٍّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا، وفي "عسق": "تَكادُ" بِالتاءِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِياءٍ وتاءٍ وفَتْحِ الطاءِ وشَدِّها، ورَواها حَفْصٌ عن عاصِمْ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تَكادُ" بِالتاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِياءٍ ونُونٍ وكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ وإزالَةِ عَلامَةِ التَأْنِيثِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِالياءِ والتاءِ وشَدِّ الطاءِ وفَتْحِها في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ في مَرْيَمَ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي "عسق" مِثْلِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ، والأخْفَشِ: "يَكادُ" بِمَعْنى: يُرِيدُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ [طه: ١٥] وأنْشَدَ عَلى أنَّ "كادَ" بِمَعْنى "أرادَ" قَوْلَ الشاعِرِ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن زَمَنِ الصَبابَةِ ما مَضى قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا حَجَّةَ في هَذا البَيْتِ، وهَذا قَوْلُ قَلِقٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما هي اسْتِعارَةٌ لِشُنْعَةِ الأمْرِ، أيْ: هَذا حَقُّهُ لَوْ فَهِمَتِ الجَماداتُ قَدْرَهُ، وهَذا المَعْنى مَهِيعٌ لِلْعَرَبِ، فَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:(p-٧٣) ؎ لِما أتى خَبَرُ الزُبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالِ الخُشَّعِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ ألَمْ تَرَ صَدْعًا في السَماءِ مُبَيِّنًا ∗∗∗ عَلى ابْنٍ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ هِشامٍ؟ وقالَ الآخَرُ: ؎ وأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا ∗∗∗ كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِها هُشامُ و"الِانْفِطارُ": الِانْشِقاقُ عَلى رُتْبَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ، و"الهَدُّ": الِانْهِدامُ والتَفَرُّقُ في سُرْعَةٍ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: كادَ أعْداءُ اللهِ أنْ يُقِيمُوا عَلَيْنا الساعَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ نَفْيٌ عَلى جِهَةِ التَنْزِيهِ لَهُ عن ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا المَعْنى وأقْسامُ هَذا اللَفْظِ في هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةُ. "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آتِي الرَحْمَنِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "آتٍ الرَحْمَنَ" بِتَنْوِينٍ "آتٍ" والنَصْبِ (p-٧٤)فِي النُونِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَما آتِي الرَحْمَنِ"، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ عَبْدًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا انْتِزاعٌ بَعِيدٌ، و"عَبْدًا" حالٌ. ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن إحاطَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ بِعَبِيدِهِ، فَذَكَرَ "الإحْصاءَ"، ثُمْ كَرَّرَ المَعْنى بِغَيْرِ اللَفْظِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ كَتَبَهم وعْدَّهُمْ"، وفي مُصْحَفِ أبِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ أحْصاهم فَأجْمَلَهم عَدَدًا". وقَوْلُهُ: "عَدًّا" تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ وتَحْقِيقٌ لَهُ. وقَوْلُهُ: "فَرْدًا" يَتَضَمَّنُ مَعْنى قِلَّةِ النَصْرِ والحَوَلِ والقُوَّةِ، لا مُجِيرَ لَهُ مِمّا يُرِيدُ اللهُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾. ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا هو القَبُولُ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ لِمَن يُحِبُّهُ مِن عِبادِهِ حَسْبَ ما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «مِن أسَرَّ سَرِيرَةً ألْبَسُهُ اللهُ رِداءَها»، وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ في السَماءِ صَيْتٌ، فَإنْ كانَ حَسَنًا وُضِعَ في الأرْضِ حَسَنًا، وإنْ سَيِّئًا وُضِعَ كَذَلِكَ». «وَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا هاجَرَ مِن مَكَّةَ اسْتَوْحَشَ بِالمَدِينَةِ، فَشَكا ذَلِكَ إلى النَبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، أيْ: سَتَسْتَقِرُّ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ ويَوَدُّونَ حالَهم ومَنزِلَتَهُمْ، وذَكَرَ النِقاشُ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ (p-٧٥)أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: لا يُوجَدُ مُؤْمِنٌ إلّا وهو يُحِبُّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وأهْلَ بَيْتِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وُدًّا" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ أبُو الحارِثِ الحَنَفِيُّ بِفَتْحِ الواوِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها في المَعْنى، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لَمّا أخْبَرَ عن إتْيانِ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ في حالَةِ العُبُودِيَّةِ والِانْفِرادِ، آنَسَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ وُدًّا وهو ما يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ مِن كَرامَتِهِ؛ لَأنَّ مَحَبَّةَ اللهِ لِلْعَبْدِ هي ما يُظْهِرُ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ وأماراتِ غُفْرانُهُ لَهُ.

مريم 19:90

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ مِنَ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: لِلْمَلائِكَةِ بَناتُ اللهِ، ولِلنَّصارى، ولِكُلِّ مَن كَفَرَ بِهَذا النَوْعِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾ - بَعْدَ الكِنايَةِ عنهم - بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"الإدُّ": الأمْرُ الشَنِيعُ الصَعْبُ، وهي الدَواهِي والشُنَعُ العَظِيمَةُ، «وَيُرْوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ أوَّلُ ما قِيلَتْ في العالَمِ شاكَ الشَجَرُ واسْتَعَرَتْ (p-٧٢)جَهَنَّمُ وغَضِبَتِ المَلائِكَةُ». وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إدًّا" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أدًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ: إدٌّ، وأدٌّ، وآدٍّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا، وفي "عسق": "تَكادُ" بِالتاءِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِياءٍ وتاءٍ وفَتْحِ الطاءِ وشَدِّها، ورَواها حَفْصٌ عن عاصِمْ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تَكادُ" بِالتاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِياءٍ ونُونٍ وكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ وإزالَةِ عَلامَةِ التَأْنِيثِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِالياءِ والتاءِ وشَدِّ الطاءِ وفَتْحِها في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ في مَرْيَمَ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي "عسق" مِثْلِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ، والأخْفَشِ: "يَكادُ" بِمَعْنى: يُرِيدُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ [طه: ١٥] وأنْشَدَ عَلى أنَّ "كادَ" بِمَعْنى "أرادَ" قَوْلَ الشاعِرِ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن زَمَنِ الصَبابَةِ ما مَضى قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا حَجَّةَ في هَذا البَيْتِ، وهَذا قَوْلُ قَلِقٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما هي اسْتِعارَةٌ لِشُنْعَةِ الأمْرِ، أيْ: هَذا حَقُّهُ لَوْ فَهِمَتِ الجَماداتُ قَدْرَهُ، وهَذا المَعْنى مَهِيعٌ لِلْعَرَبِ، فَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:(p-٧٣) ؎ لِما أتى خَبَرُ الزُبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالِ الخُشَّعِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ ألَمْ تَرَ صَدْعًا في السَماءِ مُبَيِّنًا ∗∗∗ عَلى ابْنٍ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ هِشامٍ؟ وقالَ الآخَرُ: ؎ وأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا ∗∗∗ كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِها هُشامُ و"الِانْفِطارُ": الِانْشِقاقُ عَلى رُتْبَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ، و"الهَدُّ": الِانْهِدامُ والتَفَرُّقُ في سُرْعَةٍ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: كادَ أعْداءُ اللهِ أنْ يُقِيمُوا عَلَيْنا الساعَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ نَفْيٌ عَلى جِهَةِ التَنْزِيهِ لَهُ عن ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا المَعْنى وأقْسامُ هَذا اللَفْظِ في هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةُ. "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آتِي الرَحْمَنِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "آتٍ الرَحْمَنَ" بِتَنْوِينٍ "آتٍ" والنَصْبِ (p-٧٤)فِي النُونِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَما آتِي الرَحْمَنِ"، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ عَبْدًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا انْتِزاعٌ بَعِيدٌ، و"عَبْدًا" حالٌ. ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن إحاطَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ بِعَبِيدِهِ، فَذَكَرَ "الإحْصاءَ"، ثُمْ كَرَّرَ المَعْنى بِغَيْرِ اللَفْظِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ كَتَبَهم وعْدَّهُمْ"، وفي مُصْحَفِ أبِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ أحْصاهم فَأجْمَلَهم عَدَدًا". وقَوْلُهُ: "عَدًّا" تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ وتَحْقِيقٌ لَهُ. وقَوْلُهُ: "فَرْدًا" يَتَضَمَّنُ مَعْنى قِلَّةِ النَصْرِ والحَوَلِ والقُوَّةِ، لا مُجِيرَ لَهُ مِمّا يُرِيدُ اللهُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾. ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا هو القَبُولُ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ لِمَن يُحِبُّهُ مِن عِبادِهِ حَسْبَ ما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «مِن أسَرَّ سَرِيرَةً ألْبَسُهُ اللهُ رِداءَها»، وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ في السَماءِ صَيْتٌ، فَإنْ كانَ حَسَنًا وُضِعَ في الأرْضِ حَسَنًا، وإنْ سَيِّئًا وُضِعَ كَذَلِكَ». «وَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا هاجَرَ مِن مَكَّةَ اسْتَوْحَشَ بِالمَدِينَةِ، فَشَكا ذَلِكَ إلى النَبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، أيْ: سَتَسْتَقِرُّ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ ويَوَدُّونَ حالَهم ومَنزِلَتَهُمْ، وذَكَرَ النِقاشُ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ (p-٧٥)أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: لا يُوجَدُ مُؤْمِنٌ إلّا وهو يُحِبُّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وأهْلَ بَيْتِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وُدًّا" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ أبُو الحارِثِ الحَنَفِيُّ بِفَتْحِ الواوِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها في المَعْنى، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لَمّا أخْبَرَ عن إتْيانِ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ في حالَةِ العُبُودِيَّةِ والِانْفِرادِ، آنَسَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ وُدًّا وهو ما يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ مِن كَرامَتِهِ؛ لَأنَّ مَحَبَّةَ اللهِ لِلْعَبْدِ هي ما يُظْهِرُ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ وأماراتِ غُفْرانُهُ لَهُ.

مريم 19:91

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ مِنَ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: لِلْمَلائِكَةِ بَناتُ اللهِ، ولِلنَّصارى، ولِكُلِّ مَن كَفَرَ بِهَذا النَوْعِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾ - بَعْدَ الكِنايَةِ عنهم - بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"الإدُّ": الأمْرُ الشَنِيعُ الصَعْبُ، وهي الدَواهِي والشُنَعُ العَظِيمَةُ، «وَيُرْوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ أوَّلُ ما قِيلَتْ في العالَمِ شاكَ الشَجَرُ واسْتَعَرَتْ (p-٧٢)جَهَنَّمُ وغَضِبَتِ المَلائِكَةُ». وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إدًّا" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أدًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ: إدٌّ، وأدٌّ، وآدٍّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا، وفي "عسق": "تَكادُ" بِالتاءِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِياءٍ وتاءٍ وفَتْحِ الطاءِ وشَدِّها، ورَواها حَفْصٌ عن عاصِمْ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تَكادُ" بِالتاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِياءٍ ونُونٍ وكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ وإزالَةِ عَلامَةِ التَأْنِيثِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِالياءِ والتاءِ وشَدِّ الطاءِ وفَتْحِها في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ في مَرْيَمَ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي "عسق" مِثْلِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ، والأخْفَشِ: "يَكادُ" بِمَعْنى: يُرِيدُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ [طه: ١٥] وأنْشَدَ عَلى أنَّ "كادَ" بِمَعْنى "أرادَ" قَوْلَ الشاعِرِ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن زَمَنِ الصَبابَةِ ما مَضى قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا حَجَّةَ في هَذا البَيْتِ، وهَذا قَوْلُ قَلِقٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما هي اسْتِعارَةٌ لِشُنْعَةِ الأمْرِ، أيْ: هَذا حَقُّهُ لَوْ فَهِمَتِ الجَماداتُ قَدْرَهُ، وهَذا المَعْنى مَهِيعٌ لِلْعَرَبِ، فَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:(p-٧٣) ؎ لِما أتى خَبَرُ الزُبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالِ الخُشَّعِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ ألَمْ تَرَ صَدْعًا في السَماءِ مُبَيِّنًا ∗∗∗ عَلى ابْنٍ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ هِشامٍ؟ وقالَ الآخَرُ: ؎ وأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا ∗∗∗ كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِها هُشامُ و"الِانْفِطارُ": الِانْشِقاقُ عَلى رُتْبَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ، و"الهَدُّ": الِانْهِدامُ والتَفَرُّقُ في سُرْعَةٍ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: كادَ أعْداءُ اللهِ أنْ يُقِيمُوا عَلَيْنا الساعَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ نَفْيٌ عَلى جِهَةِ التَنْزِيهِ لَهُ عن ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا المَعْنى وأقْسامُ هَذا اللَفْظِ في هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةُ. "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آتِي الرَحْمَنِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "آتٍ الرَحْمَنَ" بِتَنْوِينٍ "آتٍ" والنَصْبِ (p-٧٤)فِي النُونِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَما آتِي الرَحْمَنِ"، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ عَبْدًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا انْتِزاعٌ بَعِيدٌ، و"عَبْدًا" حالٌ. ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن إحاطَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ بِعَبِيدِهِ، فَذَكَرَ "الإحْصاءَ"، ثُمْ كَرَّرَ المَعْنى بِغَيْرِ اللَفْظِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ كَتَبَهم وعْدَّهُمْ"، وفي مُصْحَفِ أبِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ أحْصاهم فَأجْمَلَهم عَدَدًا". وقَوْلُهُ: "عَدًّا" تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ وتَحْقِيقٌ لَهُ. وقَوْلُهُ: "فَرْدًا" يَتَضَمَّنُ مَعْنى قِلَّةِ النَصْرِ والحَوَلِ والقُوَّةِ، لا مُجِيرَ لَهُ مِمّا يُرِيدُ اللهُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾. ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا هو القَبُولُ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ لِمَن يُحِبُّهُ مِن عِبادِهِ حَسْبَ ما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «مِن أسَرَّ سَرِيرَةً ألْبَسُهُ اللهُ رِداءَها»، وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ في السَماءِ صَيْتٌ، فَإنْ كانَ حَسَنًا وُضِعَ في الأرْضِ حَسَنًا، وإنْ سَيِّئًا وُضِعَ كَذَلِكَ». «وَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا هاجَرَ مِن مَكَّةَ اسْتَوْحَشَ بِالمَدِينَةِ، فَشَكا ذَلِكَ إلى النَبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، أيْ: سَتَسْتَقِرُّ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ ويَوَدُّونَ حالَهم ومَنزِلَتَهُمْ، وذَكَرَ النِقاشُ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ (p-٧٥)أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: لا يُوجَدُ مُؤْمِنٌ إلّا وهو يُحِبُّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وأهْلَ بَيْتِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وُدًّا" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ أبُو الحارِثِ الحَنَفِيُّ بِفَتْحِ الواوِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها في المَعْنى، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لَمّا أخْبَرَ عن إتْيانِ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ في حالَةِ العُبُودِيَّةِ والِانْفِرادِ، آنَسَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ وُدًّا وهو ما يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ مِن كَرامَتِهِ؛ لَأنَّ مَحَبَّةَ اللهِ لِلْعَبْدِ هي ما يُظْهِرُ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ وأماراتِ غُفْرانُهُ لَهُ.

مريم 19:92

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ مِنَ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: لِلْمَلائِكَةِ بَناتُ اللهِ، ولِلنَّصارى، ولِكُلِّ مَن كَفَرَ بِهَذا النَوْعِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾ - بَعْدَ الكِنايَةِ عنهم - بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"الإدُّ": الأمْرُ الشَنِيعُ الصَعْبُ، وهي الدَواهِي والشُنَعُ العَظِيمَةُ، «وَيُرْوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ أوَّلُ ما قِيلَتْ في العالَمِ شاكَ الشَجَرُ واسْتَعَرَتْ (p-٧٢)جَهَنَّمُ وغَضِبَتِ المَلائِكَةُ». وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إدًّا" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أدًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ: إدٌّ، وأدٌّ، وآدٍّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا، وفي "عسق": "تَكادُ" بِالتاءِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِياءٍ وتاءٍ وفَتْحِ الطاءِ وشَدِّها، ورَواها حَفْصٌ عن عاصِمْ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تَكادُ" بِالتاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِياءٍ ونُونٍ وكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ وإزالَةِ عَلامَةِ التَأْنِيثِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِالياءِ والتاءِ وشَدِّ الطاءِ وفَتْحِها في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ في مَرْيَمَ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي "عسق" مِثْلِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ، والأخْفَشِ: "يَكادُ" بِمَعْنى: يُرِيدُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ [طه: ١٥] وأنْشَدَ عَلى أنَّ "كادَ" بِمَعْنى "أرادَ" قَوْلَ الشاعِرِ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن زَمَنِ الصَبابَةِ ما مَضى قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا حَجَّةَ في هَذا البَيْتِ، وهَذا قَوْلُ قَلِقٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما هي اسْتِعارَةٌ لِشُنْعَةِ الأمْرِ، أيْ: هَذا حَقُّهُ لَوْ فَهِمَتِ الجَماداتُ قَدْرَهُ، وهَذا المَعْنى مَهِيعٌ لِلْعَرَبِ، فَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:(p-٧٣) ؎ لِما أتى خَبَرُ الزُبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالِ الخُشَّعِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ ألَمْ تَرَ صَدْعًا في السَماءِ مُبَيِّنًا ∗∗∗ عَلى ابْنٍ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ هِشامٍ؟ وقالَ الآخَرُ: ؎ وأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا ∗∗∗ كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِها هُشامُ و"الِانْفِطارُ": الِانْشِقاقُ عَلى رُتْبَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ، و"الهَدُّ": الِانْهِدامُ والتَفَرُّقُ في سُرْعَةٍ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: كادَ أعْداءُ اللهِ أنْ يُقِيمُوا عَلَيْنا الساعَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ نَفْيٌ عَلى جِهَةِ التَنْزِيهِ لَهُ عن ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا المَعْنى وأقْسامُ هَذا اللَفْظِ في هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةُ. "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آتِي الرَحْمَنِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "آتٍ الرَحْمَنَ" بِتَنْوِينٍ "آتٍ" والنَصْبِ (p-٧٤)فِي النُونِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَما آتِي الرَحْمَنِ"، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ عَبْدًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا انْتِزاعٌ بَعِيدٌ، و"عَبْدًا" حالٌ. ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن إحاطَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ بِعَبِيدِهِ، فَذَكَرَ "الإحْصاءَ"، ثُمْ كَرَّرَ المَعْنى بِغَيْرِ اللَفْظِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ كَتَبَهم وعْدَّهُمْ"، وفي مُصْحَفِ أبِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ أحْصاهم فَأجْمَلَهم عَدَدًا". وقَوْلُهُ: "عَدًّا" تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ وتَحْقِيقٌ لَهُ. وقَوْلُهُ: "فَرْدًا" يَتَضَمَّنُ مَعْنى قِلَّةِ النَصْرِ والحَوَلِ والقُوَّةِ، لا مُجِيرَ لَهُ مِمّا يُرِيدُ اللهُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾. ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا هو القَبُولُ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ لِمَن يُحِبُّهُ مِن عِبادِهِ حَسْبَ ما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «مِن أسَرَّ سَرِيرَةً ألْبَسُهُ اللهُ رِداءَها»، وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ في السَماءِ صَيْتٌ، فَإنْ كانَ حَسَنًا وُضِعَ في الأرْضِ حَسَنًا، وإنْ سَيِّئًا وُضِعَ كَذَلِكَ». «وَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا هاجَرَ مِن مَكَّةَ اسْتَوْحَشَ بِالمَدِينَةِ، فَشَكا ذَلِكَ إلى النَبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، أيْ: سَتَسْتَقِرُّ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ ويَوَدُّونَ حالَهم ومَنزِلَتَهُمْ، وذَكَرَ النِقاشُ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ (p-٧٥)أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: لا يُوجَدُ مُؤْمِنٌ إلّا وهو يُحِبُّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وأهْلَ بَيْتِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وُدًّا" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ أبُو الحارِثِ الحَنَفِيُّ بِفَتْحِ الواوِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها في المَعْنى، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لَمّا أخْبَرَ عن إتْيانِ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ في حالَةِ العُبُودِيَّةِ والِانْفِرادِ، آنَسَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ وُدًّا وهو ما يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ مِن كَرامَتِهِ؛ لَأنَّ مَحَبَّةَ اللهِ لِلْعَبْدِ هي ما يُظْهِرُ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ وأماراتِ غُفْرانُهُ لَهُ.

مريم 19:93

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ مِنَ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: لِلْمَلائِكَةِ بَناتُ اللهِ، ولِلنَّصارى، ولِكُلِّ مَن كَفَرَ بِهَذا النَوْعِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾ - بَعْدَ الكِنايَةِ عنهم - بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"الإدُّ": الأمْرُ الشَنِيعُ الصَعْبُ، وهي الدَواهِي والشُنَعُ العَظِيمَةُ، «وَيُرْوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ أوَّلُ ما قِيلَتْ في العالَمِ شاكَ الشَجَرُ واسْتَعَرَتْ (p-٧٢)جَهَنَّمُ وغَضِبَتِ المَلائِكَةُ». وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إدًّا" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أدًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ: إدٌّ، وأدٌّ، وآدٍّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا، وفي "عسق": "تَكادُ" بِالتاءِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِياءٍ وتاءٍ وفَتْحِ الطاءِ وشَدِّها، ورَواها حَفْصٌ عن عاصِمْ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تَكادُ" بِالتاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِياءٍ ونُونٍ وكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ وإزالَةِ عَلامَةِ التَأْنِيثِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِالياءِ والتاءِ وشَدِّ الطاءِ وفَتْحِها في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ في مَرْيَمَ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي "عسق" مِثْلِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ، والأخْفَشِ: "يَكادُ" بِمَعْنى: يُرِيدُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ [طه: ١٥] وأنْشَدَ عَلى أنَّ "كادَ" بِمَعْنى "أرادَ" قَوْلَ الشاعِرِ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن زَمَنِ الصَبابَةِ ما مَضى قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا حَجَّةَ في هَذا البَيْتِ، وهَذا قَوْلُ قَلِقٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما هي اسْتِعارَةٌ لِشُنْعَةِ الأمْرِ، أيْ: هَذا حَقُّهُ لَوْ فَهِمَتِ الجَماداتُ قَدْرَهُ، وهَذا المَعْنى مَهِيعٌ لِلْعَرَبِ، فَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:(p-٧٣) ؎ لِما أتى خَبَرُ الزُبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالِ الخُشَّعِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ ألَمْ تَرَ صَدْعًا في السَماءِ مُبَيِّنًا ∗∗∗ عَلى ابْنٍ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ هِشامٍ؟ وقالَ الآخَرُ: ؎ وأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا ∗∗∗ كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِها هُشامُ و"الِانْفِطارُ": الِانْشِقاقُ عَلى رُتْبَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ، و"الهَدُّ": الِانْهِدامُ والتَفَرُّقُ في سُرْعَةٍ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: كادَ أعْداءُ اللهِ أنْ يُقِيمُوا عَلَيْنا الساعَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ نَفْيٌ عَلى جِهَةِ التَنْزِيهِ لَهُ عن ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا المَعْنى وأقْسامُ هَذا اللَفْظِ في هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةُ. "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آتِي الرَحْمَنِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "آتٍ الرَحْمَنَ" بِتَنْوِينٍ "آتٍ" والنَصْبِ (p-٧٤)فِي النُونِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَما آتِي الرَحْمَنِ"، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ عَبْدًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا انْتِزاعٌ بَعِيدٌ، و"عَبْدًا" حالٌ. ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن إحاطَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ بِعَبِيدِهِ، فَذَكَرَ "الإحْصاءَ"، ثُمْ كَرَّرَ المَعْنى بِغَيْرِ اللَفْظِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ كَتَبَهم وعْدَّهُمْ"، وفي مُصْحَفِ أبِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ أحْصاهم فَأجْمَلَهم عَدَدًا". وقَوْلُهُ: "عَدًّا" تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ وتَحْقِيقٌ لَهُ. وقَوْلُهُ: "فَرْدًا" يَتَضَمَّنُ مَعْنى قِلَّةِ النَصْرِ والحَوَلِ والقُوَّةِ، لا مُجِيرَ لَهُ مِمّا يُرِيدُ اللهُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾. ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا هو القَبُولُ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ لِمَن يُحِبُّهُ مِن عِبادِهِ حَسْبَ ما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «مِن أسَرَّ سَرِيرَةً ألْبَسُهُ اللهُ رِداءَها»، وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ في السَماءِ صَيْتٌ، فَإنْ كانَ حَسَنًا وُضِعَ في الأرْضِ حَسَنًا، وإنْ سَيِّئًا وُضِعَ كَذَلِكَ». «وَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا هاجَرَ مِن مَكَّةَ اسْتَوْحَشَ بِالمَدِينَةِ، فَشَكا ذَلِكَ إلى النَبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، أيْ: سَتَسْتَقِرُّ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ ويَوَدُّونَ حالَهم ومَنزِلَتَهُمْ، وذَكَرَ النِقاشُ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ (p-٧٥)أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: لا يُوجَدُ مُؤْمِنٌ إلّا وهو يُحِبُّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وأهْلَ بَيْتِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وُدًّا" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ أبُو الحارِثِ الحَنَفِيُّ بِفَتْحِ الواوِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها في المَعْنى، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لَمّا أخْبَرَ عن إتْيانِ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ في حالَةِ العُبُودِيَّةِ والِانْفِرادِ، آنَسَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ وُدًّا وهو ما يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ مِن كَرامَتِهِ؛ لَأنَّ مَحَبَّةَ اللهِ لِلْعَبْدِ هي ما يُظْهِرُ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ وأماراتِ غُفْرانُهُ لَهُ.

مريم 19:94

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ مِنَ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: لِلْمَلائِكَةِ بَناتُ اللهِ، ولِلنَّصارى، ولِكُلِّ مَن كَفَرَ بِهَذا النَوْعِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾ - بَعْدَ الكِنايَةِ عنهم - بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"الإدُّ": الأمْرُ الشَنِيعُ الصَعْبُ، وهي الدَواهِي والشُنَعُ العَظِيمَةُ، «وَيُرْوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ أوَّلُ ما قِيلَتْ في العالَمِ شاكَ الشَجَرُ واسْتَعَرَتْ (p-٧٢)جَهَنَّمُ وغَضِبَتِ المَلائِكَةُ». وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إدًّا" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أدًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ: إدٌّ، وأدٌّ، وآدٍّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا، وفي "عسق": "تَكادُ" بِالتاءِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِياءٍ وتاءٍ وفَتْحِ الطاءِ وشَدِّها، ورَواها حَفْصٌ عن عاصِمْ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تَكادُ" بِالتاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِياءٍ ونُونٍ وكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ وإزالَةِ عَلامَةِ التَأْنِيثِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِالياءِ والتاءِ وشَدِّ الطاءِ وفَتْحِها في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ في مَرْيَمَ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي "عسق" مِثْلِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ، والأخْفَشِ: "يَكادُ" بِمَعْنى: يُرِيدُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ [طه: ١٥] وأنْشَدَ عَلى أنَّ "كادَ" بِمَعْنى "أرادَ" قَوْلَ الشاعِرِ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن زَمَنِ الصَبابَةِ ما مَضى قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا حَجَّةَ في هَذا البَيْتِ، وهَذا قَوْلُ قَلِقٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما هي اسْتِعارَةٌ لِشُنْعَةِ الأمْرِ، أيْ: هَذا حَقُّهُ لَوْ فَهِمَتِ الجَماداتُ قَدْرَهُ، وهَذا المَعْنى مَهِيعٌ لِلْعَرَبِ، فَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:(p-٧٣) ؎ لِما أتى خَبَرُ الزُبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالِ الخُشَّعِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ ألَمْ تَرَ صَدْعًا في السَماءِ مُبَيِّنًا ∗∗∗ عَلى ابْنٍ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ هِشامٍ؟ وقالَ الآخَرُ: ؎ وأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا ∗∗∗ كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِها هُشامُ و"الِانْفِطارُ": الِانْشِقاقُ عَلى رُتْبَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ، و"الهَدُّ": الِانْهِدامُ والتَفَرُّقُ في سُرْعَةٍ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: كادَ أعْداءُ اللهِ أنْ يُقِيمُوا عَلَيْنا الساعَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ نَفْيٌ عَلى جِهَةِ التَنْزِيهِ لَهُ عن ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا المَعْنى وأقْسامُ هَذا اللَفْظِ في هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةُ. "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آتِي الرَحْمَنِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "آتٍ الرَحْمَنَ" بِتَنْوِينٍ "آتٍ" والنَصْبِ (p-٧٤)فِي النُونِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَما آتِي الرَحْمَنِ"، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ عَبْدًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا انْتِزاعٌ بَعِيدٌ، و"عَبْدًا" حالٌ. ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن إحاطَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ بِعَبِيدِهِ، فَذَكَرَ "الإحْصاءَ"، ثُمْ كَرَّرَ المَعْنى بِغَيْرِ اللَفْظِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ كَتَبَهم وعْدَّهُمْ"، وفي مُصْحَفِ أبِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ أحْصاهم فَأجْمَلَهم عَدَدًا". وقَوْلُهُ: "عَدًّا" تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ وتَحْقِيقٌ لَهُ. وقَوْلُهُ: "فَرْدًا" يَتَضَمَّنُ مَعْنى قِلَّةِ النَصْرِ والحَوَلِ والقُوَّةِ، لا مُجِيرَ لَهُ مِمّا يُرِيدُ اللهُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾. ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا هو القَبُولُ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ لِمَن يُحِبُّهُ مِن عِبادِهِ حَسْبَ ما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «مِن أسَرَّ سَرِيرَةً ألْبَسُهُ اللهُ رِداءَها»، وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ في السَماءِ صَيْتٌ، فَإنْ كانَ حَسَنًا وُضِعَ في الأرْضِ حَسَنًا، وإنْ سَيِّئًا وُضِعَ كَذَلِكَ». «وَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا هاجَرَ مِن مَكَّةَ اسْتَوْحَشَ بِالمَدِينَةِ، فَشَكا ذَلِكَ إلى النَبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، أيْ: سَتَسْتَقِرُّ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ ويَوَدُّونَ حالَهم ومَنزِلَتَهُمْ، وذَكَرَ النِقاشُ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ (p-٧٥)أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: لا يُوجَدُ مُؤْمِنٌ إلّا وهو يُحِبُّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وأهْلَ بَيْتِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وُدًّا" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ أبُو الحارِثِ الحَنَفِيُّ بِفَتْحِ الواوِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها في المَعْنى، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لَمّا أخْبَرَ عن إتْيانِ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ في حالَةِ العُبُودِيَّةِ والِانْفِرادِ، آنَسَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ وُدًّا وهو ما يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ مِن كَرامَتِهِ؛ لَأنَّ مَحَبَّةَ اللهِ لِلْعَبْدِ هي ما يُظْهِرُ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ وأماراتِ غُفْرانُهُ لَهُ.

مريم 19:95

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ مِنَ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: لِلْمَلائِكَةِ بَناتُ اللهِ، ولِلنَّصارى، ولِكُلِّ مَن كَفَرَ بِهَذا النَوْعِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾ - بَعْدَ الكِنايَةِ عنهم - بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"الإدُّ": الأمْرُ الشَنِيعُ الصَعْبُ، وهي الدَواهِي والشُنَعُ العَظِيمَةُ، «وَيُرْوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ أوَّلُ ما قِيلَتْ في العالَمِ شاكَ الشَجَرُ واسْتَعَرَتْ (p-٧٢)جَهَنَّمُ وغَضِبَتِ المَلائِكَةُ». وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إدًّا" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أدًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ: إدٌّ، وأدٌّ، وآدٍّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا، وفي "عسق": "تَكادُ" بِالتاءِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِياءٍ وتاءٍ وفَتْحِ الطاءِ وشَدِّها، ورَواها حَفْصٌ عن عاصِمْ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تَكادُ" بِالتاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِياءٍ ونُونٍ وكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ وإزالَةِ عَلامَةِ التَأْنِيثِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِالياءِ والتاءِ وشَدِّ الطاءِ وفَتْحِها في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ في مَرْيَمَ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي "عسق" مِثْلِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ، والأخْفَشِ: "يَكادُ" بِمَعْنى: يُرِيدُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ [طه: ١٥] وأنْشَدَ عَلى أنَّ "كادَ" بِمَعْنى "أرادَ" قَوْلَ الشاعِرِ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن زَمَنِ الصَبابَةِ ما مَضى قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا حَجَّةَ في هَذا البَيْتِ، وهَذا قَوْلُ قَلِقٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما هي اسْتِعارَةٌ لِشُنْعَةِ الأمْرِ، أيْ: هَذا حَقُّهُ لَوْ فَهِمَتِ الجَماداتُ قَدْرَهُ، وهَذا المَعْنى مَهِيعٌ لِلْعَرَبِ، فَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:(p-٧٣) ؎ لِما أتى خَبَرُ الزُبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالِ الخُشَّعِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ ألَمْ تَرَ صَدْعًا في السَماءِ مُبَيِّنًا ∗∗∗ عَلى ابْنٍ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ هِشامٍ؟ وقالَ الآخَرُ: ؎ وأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا ∗∗∗ كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِها هُشامُ و"الِانْفِطارُ": الِانْشِقاقُ عَلى رُتْبَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ، و"الهَدُّ": الِانْهِدامُ والتَفَرُّقُ في سُرْعَةٍ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: كادَ أعْداءُ اللهِ أنْ يُقِيمُوا عَلَيْنا الساعَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ نَفْيٌ عَلى جِهَةِ التَنْزِيهِ لَهُ عن ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا المَعْنى وأقْسامُ هَذا اللَفْظِ في هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةُ. "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آتِي الرَحْمَنِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "آتٍ الرَحْمَنَ" بِتَنْوِينٍ "آتٍ" والنَصْبِ (p-٧٤)فِي النُونِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَما آتِي الرَحْمَنِ"، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ عَبْدًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا انْتِزاعٌ بَعِيدٌ، و"عَبْدًا" حالٌ. ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن إحاطَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ بِعَبِيدِهِ، فَذَكَرَ "الإحْصاءَ"، ثُمْ كَرَّرَ المَعْنى بِغَيْرِ اللَفْظِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ كَتَبَهم وعْدَّهُمْ"، وفي مُصْحَفِ أبِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ أحْصاهم فَأجْمَلَهم عَدَدًا". وقَوْلُهُ: "عَدًّا" تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ وتَحْقِيقٌ لَهُ. وقَوْلُهُ: "فَرْدًا" يَتَضَمَّنُ مَعْنى قِلَّةِ النَصْرِ والحَوَلِ والقُوَّةِ، لا مُجِيرَ لَهُ مِمّا يُرِيدُ اللهُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾. ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا هو القَبُولُ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ لِمَن يُحِبُّهُ مِن عِبادِهِ حَسْبَ ما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «مِن أسَرَّ سَرِيرَةً ألْبَسُهُ اللهُ رِداءَها»، وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ في السَماءِ صَيْتٌ، فَإنْ كانَ حَسَنًا وُضِعَ في الأرْضِ حَسَنًا، وإنْ سَيِّئًا وُضِعَ كَذَلِكَ». «وَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا هاجَرَ مِن مَكَّةَ اسْتَوْحَشَ بِالمَدِينَةِ، فَشَكا ذَلِكَ إلى النَبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، أيْ: سَتَسْتَقِرُّ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ ويَوَدُّونَ حالَهم ومَنزِلَتَهُمْ، وذَكَرَ النِقاشُ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ (p-٧٥)أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: لا يُوجَدُ مُؤْمِنٌ إلّا وهو يُحِبُّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وأهْلَ بَيْتِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وُدًّا" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ أبُو الحارِثِ الحَنَفِيُّ بِفَتْحِ الواوِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها في المَعْنى، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لَمّا أخْبَرَ عن إتْيانِ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ في حالَةِ العُبُودِيَّةِ والِانْفِرادِ، آنَسَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ وُدًّا وهو ما يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ مِن كَرامَتِهِ؛ لَأنَّ مَحَبَّةَ اللهِ لِلْعَبْدِ هي ما يُظْهِرُ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ وأماراتِ غُفْرانُهُ لَهُ.

مريم 19:96

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ مِنَ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: لِلْمَلائِكَةِ بَناتُ اللهِ، ولِلنَّصارى، ولِكُلِّ مَن كَفَرَ بِهَذا النَوْعِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾ - بَعْدَ الكِنايَةِ عنهم - بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"الإدُّ": الأمْرُ الشَنِيعُ الصَعْبُ، وهي الدَواهِي والشُنَعُ العَظِيمَةُ، «وَيُرْوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ أوَّلُ ما قِيلَتْ في العالَمِ شاكَ الشَجَرُ واسْتَعَرَتْ (p-٧٢)جَهَنَّمُ وغَضِبَتِ المَلائِكَةُ». وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إدًّا" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أدًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ: إدٌّ، وأدٌّ، وآدٍّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا، وفي "عسق": "تَكادُ" بِالتاءِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِياءٍ وتاءٍ وفَتْحِ الطاءِ وشَدِّها، ورَواها حَفْصٌ عن عاصِمْ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تَكادُ" بِالتاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِياءٍ ونُونٍ وكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ وإزالَةِ عَلامَةِ التَأْنِيثِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِالياءِ والتاءِ وشَدِّ الطاءِ وفَتْحِها في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ في مَرْيَمَ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي "عسق" مِثْلِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ، والأخْفَشِ: "يَكادُ" بِمَعْنى: يُرِيدُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ [طه: ١٥] وأنْشَدَ عَلى أنَّ "كادَ" بِمَعْنى "أرادَ" قَوْلَ الشاعِرِ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن زَمَنِ الصَبابَةِ ما مَضى قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا حَجَّةَ في هَذا البَيْتِ، وهَذا قَوْلُ قَلِقٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما هي اسْتِعارَةٌ لِشُنْعَةِ الأمْرِ، أيْ: هَذا حَقُّهُ لَوْ فَهِمَتِ الجَماداتُ قَدْرَهُ، وهَذا المَعْنى مَهِيعٌ لِلْعَرَبِ، فَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:(p-٧٣) ؎ لِما أتى خَبَرُ الزُبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالِ الخُشَّعِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ ألَمْ تَرَ صَدْعًا في السَماءِ مُبَيِّنًا ∗∗∗ عَلى ابْنٍ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ هِشامٍ؟ وقالَ الآخَرُ: ؎ وأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا ∗∗∗ كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِها هُشامُ و"الِانْفِطارُ": الِانْشِقاقُ عَلى رُتْبَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ، و"الهَدُّ": الِانْهِدامُ والتَفَرُّقُ في سُرْعَةٍ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: كادَ أعْداءُ اللهِ أنْ يُقِيمُوا عَلَيْنا الساعَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ نَفْيٌ عَلى جِهَةِ التَنْزِيهِ لَهُ عن ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا المَعْنى وأقْسامُ هَذا اللَفْظِ في هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةُ. "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آتِي الرَحْمَنِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "آتٍ الرَحْمَنَ" بِتَنْوِينٍ "آتٍ" والنَصْبِ (p-٧٤)فِي النُونِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَما آتِي الرَحْمَنِ"، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ عَبْدًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا انْتِزاعٌ بَعِيدٌ، و"عَبْدًا" حالٌ. ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن إحاطَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ بِعَبِيدِهِ، فَذَكَرَ "الإحْصاءَ"، ثُمْ كَرَّرَ المَعْنى بِغَيْرِ اللَفْظِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ كَتَبَهم وعْدَّهُمْ"، وفي مُصْحَفِ أبِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ أحْصاهم فَأجْمَلَهم عَدَدًا". وقَوْلُهُ: "عَدًّا" تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ وتَحْقِيقٌ لَهُ. وقَوْلُهُ: "فَرْدًا" يَتَضَمَّنُ مَعْنى قِلَّةِ النَصْرِ والحَوَلِ والقُوَّةِ، لا مُجِيرَ لَهُ مِمّا يُرِيدُ اللهُ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا﴾. ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا هو القَبُولُ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ لِمَن يُحِبُّهُ مِن عِبادِهِ حَسْبَ ما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «مِن أسَرَّ سَرِيرَةً ألْبَسُهُ اللهُ رِداءَها»، وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ في السَماءِ صَيْتٌ، فَإنْ كانَ حَسَنًا وُضِعَ في الأرْضِ حَسَنًا، وإنْ سَيِّئًا وُضِعَ كَذَلِكَ». «وَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا هاجَرَ مِن مَكَّةَ اسْتَوْحَشَ بِالمَدِينَةِ، فَشَكا ذَلِكَ إلى النَبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، أيْ: سَتَسْتَقِرُّ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ ويَوَدُّونَ حالَهم ومَنزِلَتَهُمْ، وذَكَرَ النِقاشُ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ (p-٧٥)أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: لا يُوجَدُ مُؤْمِنٌ إلّا وهو يُحِبُّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وأهْلَ بَيْتِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وُدًّا" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ أبُو الحارِثِ الحَنَفِيُّ بِفَتْحِ الواوِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها في المَعْنى، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لَمّا أخْبَرَ عن إتْيانِ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ في حالَةِ العُبُودِيَّةِ والِانْفِرادِ، آنَسَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ وُدًّا وهو ما يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ مِن كَرامَتِهِ؛ لَأنَّ مَحَبَّةَ اللهِ لِلْعَبْدِ هي ما يُظْهِرُ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ وأماراتِ غُفْرانُهُ لَهُ.

مريم 19:97

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أو تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ الضَمِيرُ في "يَسَّرْنا" لِلْقُرْآنِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ؛ لَأنَّ المَعْنى يَقْتَضِي المُرادَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ، ووَقَعَ التَيْسِيرُ في كَوْنِهِ بِلِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبِلُغَتِهِ المَفْهُومَةِ المُبَيِّنَةِ. وبِشارَةُ المُتَّقِينَ هي الجَنَّةُ والنَعِيمُ الدائِمْ والعِزُّ في الدُنْيا. و"القَوْمُ اللُدُّ" هم قُرَيْشٌ، ومَعْناهُ: مُجادِلِينَ مُخاصِمِينَ بِباطِلٍ، والألَدُّ: المُخاصِمُ المُبالَغُ في ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: "لُدًّا" مَعْناهُ: فِجارًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي فُجُورُ الخُصُومَةِ، ولا يَلِدُّ إلّا المُبْطِلُ. وفي الحَدِيثِ: «أبْغَضُ الرِجالِ إلى اللهِ الألَدُّ الخَصْمُ». ثُمْ لَمّا وصَفَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّهم لُدٌّ - وهي صِفَةُ سُوءٍ بِحُكْمِ الشَرْعِ والحَقِّ - وجَبَ أنْ يَقْسُوَ عَلَيْهِمْ بِالوَعِيدِ والتَمْثِيلِ بِإهْلاكِ مَن كانَ أشَدَّ مِنهم وألَدَّ وأعْظَمَ قَدْرًا ما كانَ يَسُرُّهم (p-٧٦)فِي أنْفُسِهِمْ مِنَ الوَصْفِ بِـ "لُدٍّ"، فَإنَّ العَرَبَ لِجَهالَتِها وعُتُوِّها وكُفْرِها كانَتْ تَتَمَدَّحُ بِاللَدَدِ، وتَراهُ إدْراكًا وشَهامَةً، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ إنَّ تَحْتَ الأحْجارِ عَزْمًا وحَزْمًا وخَصِيمًا ألَدَّ ذا مِغْلاقِ فَمَثَّلَ لَهم بِإهْلاكِ مَن قَبْلَهم لِيَحْتَقِرُوا أنْفُسَهم ويَتَبَيَّنَ صِغَرَ شَأْنِهِمْ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عَنِ "اللُدِّ" بِالفَجَرَةِ وبِالظُلْمَةِ، وتَلْخِيصِ مَعْناها ما ذَكَرْناهُ. و"القَرْنُ": الأُمَّةُ، و"الرِكْزُ": الصَوْتُ الخَفِيُّ دُونَ نُطْقٍ بِحُرُوفٍ ولا فَمٍ، وإنَّما هو صَوْتُ الحَرَكاتِ وخَشْفُها، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎ وتَوَجَّسَتْ رِكْزَ الأنِيسِ فَراعَها ∗∗∗ عن ظَهْرِ غَيْبٍ والأنِيسُ سَقامُها فَكَأنَّهُ قالَ: أوَتَسْمَعُ مِن أخْبارِهِمْ قَلِيلًا أو كَثِيرًا، أو طَرَفًا خَفِيًّا ضَعِيفًا، وهَذا يُرادُ بِهِ مِن تَقَدَّمَ أمْرُهِ مِنَ الأُمَمِ ودَرَسَ خَبَرُهُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: هَلْ بَقِيَ لِأحَدٍ مِنهم كَلامٌ أو تَصْوِيبٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؟ فَيَدْخُلُ في هَذا مِن عُرْفَ هَلاكُهُ مِنَ الأُمَمِ. تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ مَرْيَمَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

مريم 19:98

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أو تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ الضَمِيرُ في "يَسَّرْنا" لِلْقُرْآنِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] ؛ لَأنَّ المَعْنى يَقْتَضِي المُرادَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ، ووَقَعَ التَيْسِيرُ في كَوْنِهِ بِلِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبِلُغَتِهِ المَفْهُومَةِ المُبَيِّنَةِ. وبِشارَةُ المُتَّقِينَ هي الجَنَّةُ والنَعِيمُ الدائِمْ والعِزُّ في الدُنْيا. و"القَوْمُ اللُدُّ" هم قُرَيْشٌ، ومَعْناهُ: مُجادِلِينَ مُخاصِمِينَ بِباطِلٍ، والألَدُّ: المُخاصِمُ المُبالَغُ في ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: "لُدًّا" مَعْناهُ: فِجارًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي فُجُورُ الخُصُومَةِ، ولا يَلِدُّ إلّا المُبْطِلُ. وفي الحَدِيثِ: «أبْغَضُ الرِجالِ إلى اللهِ الألَدُّ الخَصْمُ». ثُمْ لَمّا وصَفَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّهم لُدٌّ - وهي صِفَةُ سُوءٍ بِحُكْمِ الشَرْعِ والحَقِّ - وجَبَ أنْ يَقْسُوَ عَلَيْهِمْ بِالوَعِيدِ والتَمْثِيلِ بِإهْلاكِ مَن كانَ أشَدَّ مِنهم وألَدَّ وأعْظَمَ قَدْرًا ما كانَ يَسُرُّهم (p-٧٦)فِي أنْفُسِهِمْ مِنَ الوَصْفِ بِـ "لُدٍّ"، فَإنَّ العَرَبَ لِجَهالَتِها وعُتُوِّها وكُفْرِها كانَتْ تَتَمَدَّحُ بِاللَدَدِ، وتَراهُ إدْراكًا وشَهامَةً، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ إنَّ تَحْتَ الأحْجارِ عَزْمًا وحَزْمًا وخَصِيمًا ألَدَّ ذا مِغْلاقِ فَمَثَّلَ لَهم بِإهْلاكِ مَن قَبْلَهم لِيَحْتَقِرُوا أنْفُسَهم ويَتَبَيَّنَ صِغَرَ شَأْنِهِمْ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عَنِ "اللُدِّ" بِالفَجَرَةِ وبِالظُلْمَةِ، وتَلْخِيصِ مَعْناها ما ذَكَرْناهُ. و"القَرْنُ": الأُمَّةُ، و"الرِكْزُ": الصَوْتُ الخَفِيُّ دُونَ نُطْقٍ بِحُرُوفٍ ولا فَمٍ، وإنَّما هو صَوْتُ الحَرَكاتِ وخَشْفُها، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎ وتَوَجَّسَتْ رِكْزَ الأنِيسِ فَراعَها ∗∗∗ عن ظَهْرِ غَيْبٍ والأنِيسُ سَقامُها فَكَأنَّهُ قالَ: أوَتَسْمَعُ مِن أخْبارِهِمْ قَلِيلًا أو كَثِيرًا، أو طَرَفًا خَفِيًّا ضَعِيفًا، وهَذا يُرادُ بِهِ مِن تَقَدَّمَ أمْرُهِ مِنَ الأُمَمِ ودَرَسَ خَبَرُهُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: هَلْ بَقِيَ لِأحَدٍ مِنهم كَلامٌ أو تَصْوِيبٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؟ فَيَدْخُلُ في هَذا مِن عُرْفَ هَلاكُهُ مِنَ الأُمَمِ. تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ مَرْيَمَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

طه 20:1

(p-٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ طَهَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ وآياتُها خَمْسٌ وثَلاثُونَ ومِائَةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿تَنْزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا﴾ ﴿الرَحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَرى﴾ ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿طه﴾ بِحَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في كُلِّ الحُرُوفِ المُتَقَدِّمَةِ في أوائِلِ السُورِ، إلّا قَوْلُ مَن قالَ هُناكَ: إنَّ الحُرُوفَ إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، كَما تَقُولُ: "أ، ب، ج"، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ ها هُنا؛ لَأنَّ ما بَعْدَ "طَهَ" مِنَ الكَلامِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عن "طَهَ". واخْتَصَّتْ "طَهَ" بِأقْوالٍ لا تَتَرَتَّبُ في أوائِلِ السُوَرِ المَذْكُورَةِ، فَمِنها قَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" مَعْناهُ: "يا رَجُلُ" بِالسُرْيانِيَّةِ وقِيلَ: بِغَيْرِها مِن لُغاتِ العَجَمِ، وحُكِيَ أنَّها لُغَةٌ يَمَنِيَّةٌ في عَكٍّ، وأنْشَدَ الطَبَرَيُّ في ذَلِكَ: ؎ دَعَوْتُ بِطَهَ في القِتالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلًا (p-٧٨)وَيُرْوى: مُزايِلًا. وقالَ الآخَرُ: ؎ إنَّ السَفاهَةَ طَهَ مِن خَلائِقِكم ∗∗∗ لا بارَكَ اللهُ في القَوْمِ المَلاعِينِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ إنَّما هو ما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَحَمَّلُهُ مِن مَشَقَّةِ الصَلاةِ حَتّى كانَتْ قَدَماهُ تَتَوَرَّمُ ويَحْتاجُ إلى التَرْوِيحِ، فَقِيلَ لَهُ: طا الأرْضَ، أيْ: لا تَتْعَبْ حَتّى تَحْتاجَ إلى التَرْوِيحِ، فالضَمِيرُ في "طَهَ" لِلْأرْضِ، وخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ فَصارَتْ ألِفًا ساكِنَةً. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طَهَ"، وأصْلُهُ: طَأْ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُدْخِلَتْ هاءُ السَكْتِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن قالُونَ عن نافِعٍ، ورَوى يَعْقُوبُ عنهُ كَسْرَها، ورُوِيَ عنهُ بَيْنَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وأمالَتْ فِرْقَةٌ، وفَخَّمَتْ فَرِقَّةٌ، والتَفْخِيمُ لُغَةُ الحِجازِ والنَبِيِّ ﷺ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةٌ، والكِسائِيُّ: "طَهَ" بِكَسْرِ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورُوِيَ عَنِ الضِحاكِ وعَمْرِو بْنِ فائِدٍ أنَّهُما قَرَآ: "طاوِي". وقَوْلُهُ تَعالى: "لِتَشْقى" مَعْناهُ التَبَلُّغُ مِن نَفْسِكَ في العِبادَةِ والقِيامِ في الصَلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَبَبُ الآيَةِ أنَّ / قُرَيْشًا نَظَرَتْ إلى عَيْشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وشَظَفِهِ وكَثْرَةِ عِيالِهِ، فَقالَتْ: إنَّ مُحَمَّدًا مَعَ رَبِّهِ في شَقاءٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ رادَّةً عَلَيْهِمْ، أيْ: إنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْزِلِ القُرْآنَ لِيَجْعَلَ مُحَمَّدًا شَقِيًّا، بَلْ لِيَجْعَلَهُ أسْعَدُ بَنِي آدَمَ في النَعِيمِ المُقِيمِ في أعْلى المَراتِبِ، فالشَقاءُ الَّذِي رَأيْتُمْ هو تَنَعُّمُ النَفْسِ، ولا شَقاءَ مَعَ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: (p-٧٩)فَهَذا التَأْوِيلُ أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ في لَفْظَةِ الشَقاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ يَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ ﴿لِتَشْقى﴾، ويَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ أنْزَلْناهُ تَذْكِرَةً. و"يَخْشى" يَتَضَمَّنُ الإيمانَ والعَمَلَ الصالِحَ؛ إذِ الخَشْيَةُ باعِثَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا﴾ صِفَةٌ أقامَها مَقامَ المَوْصُوفِ، وأفادَ ذَلِكَ العِبْرَةَ والتَذْكِرَةَ وتَحْقِيرَ الأوثانِ وبَعْثَ النُفُوسِ عَلى النَظَرِ. و"العُلى" جَمْعُ عُلْيا، فُعْلى. وقَوْلُهُ: ﴿الرَحْمَنُ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "خَلَقَ". وقَوْلُهُ: ﴿اسْتَوى﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو بِمَعْنى: اسْتَوْلى، وقالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: هو بِمَعْنى اسْتِواءُ القَهْرِ والغَلَبَةِ، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ اسْتِواءً، وقالَ الشَعْبِيُّ وجَماعَةٌ غَيْرِهِ: هَذا مِن مُتَشابِهِ القُرْآنِ، نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَعْرِضُ لِمَعْناهُ، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ لِرَجُلٍ سَألَهُ عن هَذا الِاسْتِواءِ، فَقالَ لَهُ مالِكٌ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ، والسُؤالُ عن هَذا بِدَعَةٌ، وأظُنُّكَ رَجُلَ سُوءٍ، أخْرَجُوهُ عَنِّي، فَأدْبَرَ السائِلُ وهو يَقُولُ: يا أبا عَبْدِ اللهِ، لَقَدْ سَألَتُ عنها أهْلَ الشامِ وأهْلَ العِراقِ فَما وُفِّقَ فِيها أحَدٌ تَوْفِيقَكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَ أبُو المَعالِي قَوْلَ مَن قالَ: لا يُتَكَلَّمُ في تَفْسِيرِها، فَإنْ قالَ: إنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يُجْمِعُ عَلى أنَّ لَفْظَةَ الِاسْتِواءِ لَيْسَتْ عَلى عُرْفِها في مَعْهُودِ الكَلامِ العَزِيزِ، فَإذا فَعَلَ هَذا فَقَدَ فَسَّرَ ضَرُورَةً ولا فائِدَةَ في تَأخُّرِهِ عن طَلَبِ الوَجْهِ والمَخْرَجِ البَيِّنِ، بَلْ في ذَلِكَ إلْباسٌ عَلى الناسِ، وإيهامٌ لِلْعَوّامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَسْألَةِ الِاسْتِواءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَمادٍ في الصِفَةِ المَذْكُورَةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الخالِقِ المُنْعِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَما تَحْتَ الثَرى﴾ قَصَصٌ في أمْرِ الحُوتِ ونَحْوِهِ اخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، والآيَةُ مُضَمَّنَةٌ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُحْدَثٍ فَهو لِلَّهِ بِالمِلْكِ والِاخْتِراعِ، ولا قَدِيمَ سِواهُ تَعالى. و"الثَرى" التُرابُ النَدِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: وإنْ كُنْتُمْ أيُّها الناسُ إذا أرَدْتُمْ إعْلامَ (p-٨٠)أحَدٍ بِأمْرٍ، أو مُخاطَبَةَ أوثانِكم وغَيْرِها، فَأنْتُمْ تَجْهَرُونَ بِالقَوْلِ، فَإنَّ اللهَ الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى، فالمُخاطَبَةُ بِـ "تَجْهَرْ" لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهي مُرادٌ بِها جَمِيعُ الناسِ إذْ هي آيَةُ اعْتِبارٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَرْتِيبِ السِرِّ وما هو أخْفى مِنهُ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو الكَلامُ الخَفِيُّ الخافِتُ كَقِراءَةِ السِرِّ في الصَلاةِ، و الأخْفى ما هو في النَفْسِ مُتَحَصِّلٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو ما في نُفُوسِ البَشَرِ وكُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيها في المُسْتَأْنِفِ بِحَسْبِ المُمْكِناتِ مِن مَعْلُوماتِ البَشَرِ، والأخْفى ما هو مِن مَعْلُوماتِ اللهِ تَعالى، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَهُ البَشَرُ البَتَّةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُلُّهُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ تُؤَوَّلُ عَلى بَعْضِ السَلَفِ أنَّهُ جَعَلَ "وَأخْفى" فِعْلًا ماضِيًا، وهَذا ضَعِيفٌ. و " الأسْماءُ الحُسْنى " يُرِيدُ بِها المُسَمَّياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ المَعانِيَ الَّتِي هي في غايَةِ الحَسَنِ، ووَحَّدَ الصِفَةَ مَعَ جَمْعِ المَوْصُوفِ لِما كانَتِ المُسَمَّياتُ لا تَعْقِلُ، وهَذا جارٍ مَجْرى ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨]، و﴿يا جِبالُ أوِّبِي﴾ [سبإ: ١٠] وغَيْرُهُ، وذِكْرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ هي الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ».

طه 20:2

(p-٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ طَهَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ وآياتُها خَمْسٌ وثَلاثُونَ ومِائَةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿تَنْزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا﴾ ﴿الرَحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَرى﴾ ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿طه﴾ بِحَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في كُلِّ الحُرُوفِ المُتَقَدِّمَةِ في أوائِلِ السُورِ، إلّا قَوْلُ مَن قالَ هُناكَ: إنَّ الحُرُوفَ إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، كَما تَقُولُ: "أ، ب، ج"، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ ها هُنا؛ لَأنَّ ما بَعْدَ "طَهَ" مِنَ الكَلامِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عن "طَهَ". واخْتَصَّتْ "طَهَ" بِأقْوالٍ لا تَتَرَتَّبُ في أوائِلِ السُوَرِ المَذْكُورَةِ، فَمِنها قَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" مَعْناهُ: "يا رَجُلُ" بِالسُرْيانِيَّةِ وقِيلَ: بِغَيْرِها مِن لُغاتِ العَجَمِ، وحُكِيَ أنَّها لُغَةٌ يَمَنِيَّةٌ في عَكٍّ، وأنْشَدَ الطَبَرَيُّ في ذَلِكَ: ؎ دَعَوْتُ بِطَهَ في القِتالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلًا (p-٧٨)وَيُرْوى: مُزايِلًا. وقالَ الآخَرُ: ؎ إنَّ السَفاهَةَ طَهَ مِن خَلائِقِكم ∗∗∗ لا بارَكَ اللهُ في القَوْمِ المَلاعِينِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ إنَّما هو ما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَحَمَّلُهُ مِن مَشَقَّةِ الصَلاةِ حَتّى كانَتْ قَدَماهُ تَتَوَرَّمُ ويَحْتاجُ إلى التَرْوِيحِ، فَقِيلَ لَهُ: طا الأرْضَ، أيْ: لا تَتْعَبْ حَتّى تَحْتاجَ إلى التَرْوِيحِ، فالضَمِيرُ في "طَهَ" لِلْأرْضِ، وخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ فَصارَتْ ألِفًا ساكِنَةً. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طَهَ"، وأصْلُهُ: طَأْ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُدْخِلَتْ هاءُ السَكْتِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن قالُونَ عن نافِعٍ، ورَوى يَعْقُوبُ عنهُ كَسْرَها، ورُوِيَ عنهُ بَيْنَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وأمالَتْ فِرْقَةٌ، وفَخَّمَتْ فَرِقَّةٌ، والتَفْخِيمُ لُغَةُ الحِجازِ والنَبِيِّ ﷺ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةٌ، والكِسائِيُّ: "طَهَ" بِكَسْرِ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورُوِيَ عَنِ الضِحاكِ وعَمْرِو بْنِ فائِدٍ أنَّهُما قَرَآ: "طاوِي". وقَوْلُهُ تَعالى: "لِتَشْقى" مَعْناهُ التَبَلُّغُ مِن نَفْسِكَ في العِبادَةِ والقِيامِ في الصَلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَبَبُ الآيَةِ أنَّ / قُرَيْشًا نَظَرَتْ إلى عَيْشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وشَظَفِهِ وكَثْرَةِ عِيالِهِ، فَقالَتْ: إنَّ مُحَمَّدًا مَعَ رَبِّهِ في شَقاءٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ رادَّةً عَلَيْهِمْ، أيْ: إنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْزِلِ القُرْآنَ لِيَجْعَلَ مُحَمَّدًا شَقِيًّا، بَلْ لِيَجْعَلَهُ أسْعَدُ بَنِي آدَمَ في النَعِيمِ المُقِيمِ في أعْلى المَراتِبِ، فالشَقاءُ الَّذِي رَأيْتُمْ هو تَنَعُّمُ النَفْسِ، ولا شَقاءَ مَعَ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: (p-٧٩)فَهَذا التَأْوِيلُ أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ في لَفْظَةِ الشَقاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ يَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ ﴿لِتَشْقى﴾، ويَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ أنْزَلْناهُ تَذْكِرَةً. و"يَخْشى" يَتَضَمَّنُ الإيمانَ والعَمَلَ الصالِحَ؛ إذِ الخَشْيَةُ باعِثَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا﴾ صِفَةٌ أقامَها مَقامَ المَوْصُوفِ، وأفادَ ذَلِكَ العِبْرَةَ والتَذْكِرَةَ وتَحْقِيرَ الأوثانِ وبَعْثَ النُفُوسِ عَلى النَظَرِ. و"العُلى" جَمْعُ عُلْيا، فُعْلى. وقَوْلُهُ: ﴿الرَحْمَنُ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "خَلَقَ". وقَوْلُهُ: ﴿اسْتَوى﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو بِمَعْنى: اسْتَوْلى، وقالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: هو بِمَعْنى اسْتِواءُ القَهْرِ والغَلَبَةِ، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ اسْتِواءً، وقالَ الشَعْبِيُّ وجَماعَةٌ غَيْرِهِ: هَذا مِن مُتَشابِهِ القُرْآنِ، نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَعْرِضُ لِمَعْناهُ، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ لِرَجُلٍ سَألَهُ عن هَذا الِاسْتِواءِ، فَقالَ لَهُ مالِكٌ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ، والسُؤالُ عن هَذا بِدَعَةٌ، وأظُنُّكَ رَجُلَ سُوءٍ، أخْرَجُوهُ عَنِّي، فَأدْبَرَ السائِلُ وهو يَقُولُ: يا أبا عَبْدِ اللهِ، لَقَدْ سَألَتُ عنها أهْلَ الشامِ وأهْلَ العِراقِ فَما وُفِّقَ فِيها أحَدٌ تَوْفِيقَكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَ أبُو المَعالِي قَوْلَ مَن قالَ: لا يُتَكَلَّمُ في تَفْسِيرِها، فَإنْ قالَ: إنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يُجْمِعُ عَلى أنَّ لَفْظَةَ الِاسْتِواءِ لَيْسَتْ عَلى عُرْفِها في مَعْهُودِ الكَلامِ العَزِيزِ، فَإذا فَعَلَ هَذا فَقَدَ فَسَّرَ ضَرُورَةً ولا فائِدَةَ في تَأخُّرِهِ عن طَلَبِ الوَجْهِ والمَخْرَجِ البَيِّنِ، بَلْ في ذَلِكَ إلْباسٌ عَلى الناسِ، وإيهامٌ لِلْعَوّامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَسْألَةِ الِاسْتِواءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَمادٍ في الصِفَةِ المَذْكُورَةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الخالِقِ المُنْعِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَما تَحْتَ الثَرى﴾ قَصَصٌ في أمْرِ الحُوتِ ونَحْوِهِ اخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، والآيَةُ مُضَمَّنَةٌ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُحْدَثٍ فَهو لِلَّهِ بِالمِلْكِ والِاخْتِراعِ، ولا قَدِيمَ سِواهُ تَعالى. و"الثَرى" التُرابُ النَدِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: وإنْ كُنْتُمْ أيُّها الناسُ إذا أرَدْتُمْ إعْلامَ (p-٨٠)أحَدٍ بِأمْرٍ، أو مُخاطَبَةَ أوثانِكم وغَيْرِها، فَأنْتُمْ تَجْهَرُونَ بِالقَوْلِ، فَإنَّ اللهَ الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى، فالمُخاطَبَةُ بِـ "تَجْهَرْ" لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهي مُرادٌ بِها جَمِيعُ الناسِ إذْ هي آيَةُ اعْتِبارٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَرْتِيبِ السِرِّ وما هو أخْفى مِنهُ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو الكَلامُ الخَفِيُّ الخافِتُ كَقِراءَةِ السِرِّ في الصَلاةِ، و الأخْفى ما هو في النَفْسِ مُتَحَصِّلٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو ما في نُفُوسِ البَشَرِ وكُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيها في المُسْتَأْنِفِ بِحَسْبِ المُمْكِناتِ مِن مَعْلُوماتِ البَشَرِ، والأخْفى ما هو مِن مَعْلُوماتِ اللهِ تَعالى، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَهُ البَشَرُ البَتَّةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُلُّهُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ تُؤَوَّلُ عَلى بَعْضِ السَلَفِ أنَّهُ جَعَلَ "وَأخْفى" فِعْلًا ماضِيًا، وهَذا ضَعِيفٌ. و " الأسْماءُ الحُسْنى " يُرِيدُ بِها المُسَمَّياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ المَعانِيَ الَّتِي هي في غايَةِ الحَسَنِ، ووَحَّدَ الصِفَةَ مَعَ جَمْعِ المَوْصُوفِ لِما كانَتِ المُسَمَّياتُ لا تَعْقِلُ، وهَذا جارٍ مَجْرى ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨]، و﴿يا جِبالُ أوِّبِي﴾ [سبإ: ١٠] وغَيْرُهُ، وذِكْرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ هي الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ».

طه 20:3

(p-٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ طَهَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ وآياتُها خَمْسٌ وثَلاثُونَ ومِائَةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿تَنْزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا﴾ ﴿الرَحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَرى﴾ ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿طه﴾ بِحَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في كُلِّ الحُرُوفِ المُتَقَدِّمَةِ في أوائِلِ السُورِ، إلّا قَوْلُ مَن قالَ هُناكَ: إنَّ الحُرُوفَ إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، كَما تَقُولُ: "أ، ب، ج"، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ ها هُنا؛ لَأنَّ ما بَعْدَ "طَهَ" مِنَ الكَلامِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عن "طَهَ". واخْتَصَّتْ "طَهَ" بِأقْوالٍ لا تَتَرَتَّبُ في أوائِلِ السُوَرِ المَذْكُورَةِ، فَمِنها قَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" مَعْناهُ: "يا رَجُلُ" بِالسُرْيانِيَّةِ وقِيلَ: بِغَيْرِها مِن لُغاتِ العَجَمِ، وحُكِيَ أنَّها لُغَةٌ يَمَنِيَّةٌ في عَكٍّ، وأنْشَدَ الطَبَرَيُّ في ذَلِكَ: ؎ دَعَوْتُ بِطَهَ في القِتالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلًا (p-٧٨)وَيُرْوى: مُزايِلًا. وقالَ الآخَرُ: ؎ إنَّ السَفاهَةَ طَهَ مِن خَلائِقِكم ∗∗∗ لا بارَكَ اللهُ في القَوْمِ المَلاعِينِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ إنَّما هو ما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَحَمَّلُهُ مِن مَشَقَّةِ الصَلاةِ حَتّى كانَتْ قَدَماهُ تَتَوَرَّمُ ويَحْتاجُ إلى التَرْوِيحِ، فَقِيلَ لَهُ: طا الأرْضَ، أيْ: لا تَتْعَبْ حَتّى تَحْتاجَ إلى التَرْوِيحِ، فالضَمِيرُ في "طَهَ" لِلْأرْضِ، وخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ فَصارَتْ ألِفًا ساكِنَةً. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طَهَ"، وأصْلُهُ: طَأْ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُدْخِلَتْ هاءُ السَكْتِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن قالُونَ عن نافِعٍ، ورَوى يَعْقُوبُ عنهُ كَسْرَها، ورُوِيَ عنهُ بَيْنَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وأمالَتْ فِرْقَةٌ، وفَخَّمَتْ فَرِقَّةٌ، والتَفْخِيمُ لُغَةُ الحِجازِ والنَبِيِّ ﷺ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةٌ، والكِسائِيُّ: "طَهَ" بِكَسْرِ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورُوِيَ عَنِ الضِحاكِ وعَمْرِو بْنِ فائِدٍ أنَّهُما قَرَآ: "طاوِي". وقَوْلُهُ تَعالى: "لِتَشْقى" مَعْناهُ التَبَلُّغُ مِن نَفْسِكَ في العِبادَةِ والقِيامِ في الصَلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَبَبُ الآيَةِ أنَّ / قُرَيْشًا نَظَرَتْ إلى عَيْشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وشَظَفِهِ وكَثْرَةِ عِيالِهِ، فَقالَتْ: إنَّ مُحَمَّدًا مَعَ رَبِّهِ في شَقاءٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ رادَّةً عَلَيْهِمْ، أيْ: إنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْزِلِ القُرْآنَ لِيَجْعَلَ مُحَمَّدًا شَقِيًّا، بَلْ لِيَجْعَلَهُ أسْعَدُ بَنِي آدَمَ في النَعِيمِ المُقِيمِ في أعْلى المَراتِبِ، فالشَقاءُ الَّذِي رَأيْتُمْ هو تَنَعُّمُ النَفْسِ، ولا شَقاءَ مَعَ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: (p-٧٩)فَهَذا التَأْوِيلُ أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ في لَفْظَةِ الشَقاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ يَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ ﴿لِتَشْقى﴾، ويَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ أنْزَلْناهُ تَذْكِرَةً. و"يَخْشى" يَتَضَمَّنُ الإيمانَ والعَمَلَ الصالِحَ؛ إذِ الخَشْيَةُ باعِثَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا﴾ صِفَةٌ أقامَها مَقامَ المَوْصُوفِ، وأفادَ ذَلِكَ العِبْرَةَ والتَذْكِرَةَ وتَحْقِيرَ الأوثانِ وبَعْثَ النُفُوسِ عَلى النَظَرِ. و"العُلى" جَمْعُ عُلْيا، فُعْلى. وقَوْلُهُ: ﴿الرَحْمَنُ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "خَلَقَ". وقَوْلُهُ: ﴿اسْتَوى﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو بِمَعْنى: اسْتَوْلى، وقالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: هو بِمَعْنى اسْتِواءُ القَهْرِ والغَلَبَةِ، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ اسْتِواءً، وقالَ الشَعْبِيُّ وجَماعَةٌ غَيْرِهِ: هَذا مِن مُتَشابِهِ القُرْآنِ، نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَعْرِضُ لِمَعْناهُ، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ لِرَجُلٍ سَألَهُ عن هَذا الِاسْتِواءِ، فَقالَ لَهُ مالِكٌ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ، والسُؤالُ عن هَذا بِدَعَةٌ، وأظُنُّكَ رَجُلَ سُوءٍ، أخْرَجُوهُ عَنِّي، فَأدْبَرَ السائِلُ وهو يَقُولُ: يا أبا عَبْدِ اللهِ، لَقَدْ سَألَتُ عنها أهْلَ الشامِ وأهْلَ العِراقِ فَما وُفِّقَ فِيها أحَدٌ تَوْفِيقَكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَ أبُو المَعالِي قَوْلَ مَن قالَ: لا يُتَكَلَّمُ في تَفْسِيرِها، فَإنْ قالَ: إنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يُجْمِعُ عَلى أنَّ لَفْظَةَ الِاسْتِواءِ لَيْسَتْ عَلى عُرْفِها في مَعْهُودِ الكَلامِ العَزِيزِ، فَإذا فَعَلَ هَذا فَقَدَ فَسَّرَ ضَرُورَةً ولا فائِدَةَ في تَأخُّرِهِ عن طَلَبِ الوَجْهِ والمَخْرَجِ البَيِّنِ، بَلْ في ذَلِكَ إلْباسٌ عَلى الناسِ، وإيهامٌ لِلْعَوّامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَسْألَةِ الِاسْتِواءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَمادٍ في الصِفَةِ المَذْكُورَةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الخالِقِ المُنْعِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَما تَحْتَ الثَرى﴾ قَصَصٌ في أمْرِ الحُوتِ ونَحْوِهِ اخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، والآيَةُ مُضَمَّنَةٌ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُحْدَثٍ فَهو لِلَّهِ بِالمِلْكِ والِاخْتِراعِ، ولا قَدِيمَ سِواهُ تَعالى. و"الثَرى" التُرابُ النَدِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: وإنْ كُنْتُمْ أيُّها الناسُ إذا أرَدْتُمْ إعْلامَ (p-٨٠)أحَدٍ بِأمْرٍ، أو مُخاطَبَةَ أوثانِكم وغَيْرِها، فَأنْتُمْ تَجْهَرُونَ بِالقَوْلِ، فَإنَّ اللهَ الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى، فالمُخاطَبَةُ بِـ "تَجْهَرْ" لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهي مُرادٌ بِها جَمِيعُ الناسِ إذْ هي آيَةُ اعْتِبارٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَرْتِيبِ السِرِّ وما هو أخْفى مِنهُ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو الكَلامُ الخَفِيُّ الخافِتُ كَقِراءَةِ السِرِّ في الصَلاةِ، و الأخْفى ما هو في النَفْسِ مُتَحَصِّلٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو ما في نُفُوسِ البَشَرِ وكُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيها في المُسْتَأْنِفِ بِحَسْبِ المُمْكِناتِ مِن مَعْلُوماتِ البَشَرِ، والأخْفى ما هو مِن مَعْلُوماتِ اللهِ تَعالى، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَهُ البَشَرُ البَتَّةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُلُّهُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ تُؤَوَّلُ عَلى بَعْضِ السَلَفِ أنَّهُ جَعَلَ "وَأخْفى" فِعْلًا ماضِيًا، وهَذا ضَعِيفٌ. و " الأسْماءُ الحُسْنى " يُرِيدُ بِها المُسَمَّياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ المَعانِيَ الَّتِي هي في غايَةِ الحَسَنِ، ووَحَّدَ الصِفَةَ مَعَ جَمْعِ المَوْصُوفِ لِما كانَتِ المُسَمَّياتُ لا تَعْقِلُ، وهَذا جارٍ مَجْرى ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨]، و﴿يا جِبالُ أوِّبِي﴾ [سبإ: ١٠] وغَيْرُهُ، وذِكْرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ هي الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ».

طه 20:4

(p-٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ طَهَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ وآياتُها خَمْسٌ وثَلاثُونَ ومِائَةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿تَنْزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا﴾ ﴿الرَحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَرى﴾ ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿طه﴾ بِحَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في كُلِّ الحُرُوفِ المُتَقَدِّمَةِ في أوائِلِ السُورِ، إلّا قَوْلُ مَن قالَ هُناكَ: إنَّ الحُرُوفَ إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، كَما تَقُولُ: "أ، ب، ج"، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ ها هُنا؛ لَأنَّ ما بَعْدَ "طَهَ" مِنَ الكَلامِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عن "طَهَ". واخْتَصَّتْ "طَهَ" بِأقْوالٍ لا تَتَرَتَّبُ في أوائِلِ السُوَرِ المَذْكُورَةِ، فَمِنها قَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" مَعْناهُ: "يا رَجُلُ" بِالسُرْيانِيَّةِ وقِيلَ: بِغَيْرِها مِن لُغاتِ العَجَمِ، وحُكِيَ أنَّها لُغَةٌ يَمَنِيَّةٌ في عَكٍّ، وأنْشَدَ الطَبَرَيُّ في ذَلِكَ: ؎ دَعَوْتُ بِطَهَ في القِتالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلًا (p-٧٨)وَيُرْوى: مُزايِلًا. وقالَ الآخَرُ: ؎ إنَّ السَفاهَةَ طَهَ مِن خَلائِقِكم ∗∗∗ لا بارَكَ اللهُ في القَوْمِ المَلاعِينِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ إنَّما هو ما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَحَمَّلُهُ مِن مَشَقَّةِ الصَلاةِ حَتّى كانَتْ قَدَماهُ تَتَوَرَّمُ ويَحْتاجُ إلى التَرْوِيحِ، فَقِيلَ لَهُ: طا الأرْضَ، أيْ: لا تَتْعَبْ حَتّى تَحْتاجَ إلى التَرْوِيحِ، فالضَمِيرُ في "طَهَ" لِلْأرْضِ، وخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ فَصارَتْ ألِفًا ساكِنَةً. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طَهَ"، وأصْلُهُ: طَأْ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُدْخِلَتْ هاءُ السَكْتِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن قالُونَ عن نافِعٍ، ورَوى يَعْقُوبُ عنهُ كَسْرَها، ورُوِيَ عنهُ بَيْنَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وأمالَتْ فِرْقَةٌ، وفَخَّمَتْ فَرِقَّةٌ، والتَفْخِيمُ لُغَةُ الحِجازِ والنَبِيِّ ﷺ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةٌ، والكِسائِيُّ: "طَهَ" بِكَسْرِ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورُوِيَ عَنِ الضِحاكِ وعَمْرِو بْنِ فائِدٍ أنَّهُما قَرَآ: "طاوِي". وقَوْلُهُ تَعالى: "لِتَشْقى" مَعْناهُ التَبَلُّغُ مِن نَفْسِكَ في العِبادَةِ والقِيامِ في الصَلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَبَبُ الآيَةِ أنَّ / قُرَيْشًا نَظَرَتْ إلى عَيْشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وشَظَفِهِ وكَثْرَةِ عِيالِهِ، فَقالَتْ: إنَّ مُحَمَّدًا مَعَ رَبِّهِ في شَقاءٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ رادَّةً عَلَيْهِمْ، أيْ: إنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْزِلِ القُرْآنَ لِيَجْعَلَ مُحَمَّدًا شَقِيًّا، بَلْ لِيَجْعَلَهُ أسْعَدُ بَنِي آدَمَ في النَعِيمِ المُقِيمِ في أعْلى المَراتِبِ، فالشَقاءُ الَّذِي رَأيْتُمْ هو تَنَعُّمُ النَفْسِ، ولا شَقاءَ مَعَ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: (p-٧٩)فَهَذا التَأْوِيلُ أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ في لَفْظَةِ الشَقاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ يَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ ﴿لِتَشْقى﴾، ويَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ أنْزَلْناهُ تَذْكِرَةً. و"يَخْشى" يَتَضَمَّنُ الإيمانَ والعَمَلَ الصالِحَ؛ إذِ الخَشْيَةُ باعِثَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا﴾ صِفَةٌ أقامَها مَقامَ المَوْصُوفِ، وأفادَ ذَلِكَ العِبْرَةَ والتَذْكِرَةَ وتَحْقِيرَ الأوثانِ وبَعْثَ النُفُوسِ عَلى النَظَرِ. و"العُلى" جَمْعُ عُلْيا، فُعْلى. وقَوْلُهُ: ﴿الرَحْمَنُ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "خَلَقَ". وقَوْلُهُ: ﴿اسْتَوى﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو بِمَعْنى: اسْتَوْلى، وقالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: هو بِمَعْنى اسْتِواءُ القَهْرِ والغَلَبَةِ، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ اسْتِواءً، وقالَ الشَعْبِيُّ وجَماعَةٌ غَيْرِهِ: هَذا مِن مُتَشابِهِ القُرْآنِ، نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَعْرِضُ لِمَعْناهُ، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ لِرَجُلٍ سَألَهُ عن هَذا الِاسْتِواءِ، فَقالَ لَهُ مالِكٌ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ، والسُؤالُ عن هَذا بِدَعَةٌ، وأظُنُّكَ رَجُلَ سُوءٍ، أخْرَجُوهُ عَنِّي، فَأدْبَرَ السائِلُ وهو يَقُولُ: يا أبا عَبْدِ اللهِ، لَقَدْ سَألَتُ عنها أهْلَ الشامِ وأهْلَ العِراقِ فَما وُفِّقَ فِيها أحَدٌ تَوْفِيقَكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَ أبُو المَعالِي قَوْلَ مَن قالَ: لا يُتَكَلَّمُ في تَفْسِيرِها، فَإنْ قالَ: إنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يُجْمِعُ عَلى أنَّ لَفْظَةَ الِاسْتِواءِ لَيْسَتْ عَلى عُرْفِها في مَعْهُودِ الكَلامِ العَزِيزِ، فَإذا فَعَلَ هَذا فَقَدَ فَسَّرَ ضَرُورَةً ولا فائِدَةَ في تَأخُّرِهِ عن طَلَبِ الوَجْهِ والمَخْرَجِ البَيِّنِ، بَلْ في ذَلِكَ إلْباسٌ عَلى الناسِ، وإيهامٌ لِلْعَوّامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَسْألَةِ الِاسْتِواءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَمادٍ في الصِفَةِ المَذْكُورَةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الخالِقِ المُنْعِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَما تَحْتَ الثَرى﴾ قَصَصٌ في أمْرِ الحُوتِ ونَحْوِهِ اخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، والآيَةُ مُضَمَّنَةٌ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُحْدَثٍ فَهو لِلَّهِ بِالمِلْكِ والِاخْتِراعِ، ولا قَدِيمَ سِواهُ تَعالى. و"الثَرى" التُرابُ النَدِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: وإنْ كُنْتُمْ أيُّها الناسُ إذا أرَدْتُمْ إعْلامَ (p-٨٠)أحَدٍ بِأمْرٍ، أو مُخاطَبَةَ أوثانِكم وغَيْرِها، فَأنْتُمْ تَجْهَرُونَ بِالقَوْلِ، فَإنَّ اللهَ الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى، فالمُخاطَبَةُ بِـ "تَجْهَرْ" لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهي مُرادٌ بِها جَمِيعُ الناسِ إذْ هي آيَةُ اعْتِبارٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَرْتِيبِ السِرِّ وما هو أخْفى مِنهُ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو الكَلامُ الخَفِيُّ الخافِتُ كَقِراءَةِ السِرِّ في الصَلاةِ، و الأخْفى ما هو في النَفْسِ مُتَحَصِّلٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو ما في نُفُوسِ البَشَرِ وكُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيها في المُسْتَأْنِفِ بِحَسْبِ المُمْكِناتِ مِن مَعْلُوماتِ البَشَرِ، والأخْفى ما هو مِن مَعْلُوماتِ اللهِ تَعالى، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَهُ البَشَرُ البَتَّةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُلُّهُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ تُؤَوَّلُ عَلى بَعْضِ السَلَفِ أنَّهُ جَعَلَ "وَأخْفى" فِعْلًا ماضِيًا، وهَذا ضَعِيفٌ. و " الأسْماءُ الحُسْنى " يُرِيدُ بِها المُسَمَّياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ المَعانِيَ الَّتِي هي في غايَةِ الحَسَنِ، ووَحَّدَ الصِفَةَ مَعَ جَمْعِ المَوْصُوفِ لِما كانَتِ المُسَمَّياتُ لا تَعْقِلُ، وهَذا جارٍ مَجْرى ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨]، و﴿يا جِبالُ أوِّبِي﴾ [سبإ: ١٠] وغَيْرُهُ، وذِكْرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ هي الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ».

طه 20:5

(p-٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ طَهَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ وآياتُها خَمْسٌ وثَلاثُونَ ومِائَةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿تَنْزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا﴾ ﴿الرَحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَرى﴾ ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿طه﴾ بِحَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في كُلِّ الحُرُوفِ المُتَقَدِّمَةِ في أوائِلِ السُورِ، إلّا قَوْلُ مَن قالَ هُناكَ: إنَّ الحُرُوفَ إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، كَما تَقُولُ: "أ، ب، ج"، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ ها هُنا؛ لَأنَّ ما بَعْدَ "طَهَ" مِنَ الكَلامِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عن "طَهَ". واخْتَصَّتْ "طَهَ" بِأقْوالٍ لا تَتَرَتَّبُ في أوائِلِ السُوَرِ المَذْكُورَةِ، فَمِنها قَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" مَعْناهُ: "يا رَجُلُ" بِالسُرْيانِيَّةِ وقِيلَ: بِغَيْرِها مِن لُغاتِ العَجَمِ، وحُكِيَ أنَّها لُغَةٌ يَمَنِيَّةٌ في عَكٍّ، وأنْشَدَ الطَبَرَيُّ في ذَلِكَ: ؎ دَعَوْتُ بِطَهَ في القِتالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلًا (p-٧٨)وَيُرْوى: مُزايِلًا. وقالَ الآخَرُ: ؎ إنَّ السَفاهَةَ طَهَ مِن خَلائِقِكم ∗∗∗ لا بارَكَ اللهُ في القَوْمِ المَلاعِينِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ إنَّما هو ما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَحَمَّلُهُ مِن مَشَقَّةِ الصَلاةِ حَتّى كانَتْ قَدَماهُ تَتَوَرَّمُ ويَحْتاجُ إلى التَرْوِيحِ، فَقِيلَ لَهُ: طا الأرْضَ، أيْ: لا تَتْعَبْ حَتّى تَحْتاجَ إلى التَرْوِيحِ، فالضَمِيرُ في "طَهَ" لِلْأرْضِ، وخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ فَصارَتْ ألِفًا ساكِنَةً. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طَهَ"، وأصْلُهُ: طَأْ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُدْخِلَتْ هاءُ السَكْتِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن قالُونَ عن نافِعٍ، ورَوى يَعْقُوبُ عنهُ كَسْرَها، ورُوِيَ عنهُ بَيْنَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وأمالَتْ فِرْقَةٌ، وفَخَّمَتْ فَرِقَّةٌ، والتَفْخِيمُ لُغَةُ الحِجازِ والنَبِيِّ ﷺ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةٌ، والكِسائِيُّ: "طَهَ" بِكَسْرِ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورُوِيَ عَنِ الضِحاكِ وعَمْرِو بْنِ فائِدٍ أنَّهُما قَرَآ: "طاوِي". وقَوْلُهُ تَعالى: "لِتَشْقى" مَعْناهُ التَبَلُّغُ مِن نَفْسِكَ في العِبادَةِ والقِيامِ في الصَلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَبَبُ الآيَةِ أنَّ / قُرَيْشًا نَظَرَتْ إلى عَيْشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وشَظَفِهِ وكَثْرَةِ عِيالِهِ، فَقالَتْ: إنَّ مُحَمَّدًا مَعَ رَبِّهِ في شَقاءٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ رادَّةً عَلَيْهِمْ، أيْ: إنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْزِلِ القُرْآنَ لِيَجْعَلَ مُحَمَّدًا شَقِيًّا، بَلْ لِيَجْعَلَهُ أسْعَدُ بَنِي آدَمَ في النَعِيمِ المُقِيمِ في أعْلى المَراتِبِ، فالشَقاءُ الَّذِي رَأيْتُمْ هو تَنَعُّمُ النَفْسِ، ولا شَقاءَ مَعَ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: (p-٧٩)فَهَذا التَأْوِيلُ أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ في لَفْظَةِ الشَقاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ يَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ ﴿لِتَشْقى﴾، ويَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ أنْزَلْناهُ تَذْكِرَةً. و"يَخْشى" يَتَضَمَّنُ الإيمانَ والعَمَلَ الصالِحَ؛ إذِ الخَشْيَةُ باعِثَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا﴾ صِفَةٌ أقامَها مَقامَ المَوْصُوفِ، وأفادَ ذَلِكَ العِبْرَةَ والتَذْكِرَةَ وتَحْقِيرَ الأوثانِ وبَعْثَ النُفُوسِ عَلى النَظَرِ. و"العُلى" جَمْعُ عُلْيا، فُعْلى. وقَوْلُهُ: ﴿الرَحْمَنُ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "خَلَقَ". وقَوْلُهُ: ﴿اسْتَوى﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو بِمَعْنى: اسْتَوْلى، وقالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: هو بِمَعْنى اسْتِواءُ القَهْرِ والغَلَبَةِ، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ اسْتِواءً، وقالَ الشَعْبِيُّ وجَماعَةٌ غَيْرِهِ: هَذا مِن مُتَشابِهِ القُرْآنِ، نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَعْرِضُ لِمَعْناهُ، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ لِرَجُلٍ سَألَهُ عن هَذا الِاسْتِواءِ، فَقالَ لَهُ مالِكٌ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ، والسُؤالُ عن هَذا بِدَعَةٌ، وأظُنُّكَ رَجُلَ سُوءٍ، أخْرَجُوهُ عَنِّي، فَأدْبَرَ السائِلُ وهو يَقُولُ: يا أبا عَبْدِ اللهِ، لَقَدْ سَألَتُ عنها أهْلَ الشامِ وأهْلَ العِراقِ فَما وُفِّقَ فِيها أحَدٌ تَوْفِيقَكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَ أبُو المَعالِي قَوْلَ مَن قالَ: لا يُتَكَلَّمُ في تَفْسِيرِها، فَإنْ قالَ: إنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يُجْمِعُ عَلى أنَّ لَفْظَةَ الِاسْتِواءِ لَيْسَتْ عَلى عُرْفِها في مَعْهُودِ الكَلامِ العَزِيزِ، فَإذا فَعَلَ هَذا فَقَدَ فَسَّرَ ضَرُورَةً ولا فائِدَةَ في تَأخُّرِهِ عن طَلَبِ الوَجْهِ والمَخْرَجِ البَيِّنِ، بَلْ في ذَلِكَ إلْباسٌ عَلى الناسِ، وإيهامٌ لِلْعَوّامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَسْألَةِ الِاسْتِواءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَمادٍ في الصِفَةِ المَذْكُورَةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الخالِقِ المُنْعِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَما تَحْتَ الثَرى﴾ قَصَصٌ في أمْرِ الحُوتِ ونَحْوِهِ اخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، والآيَةُ مُضَمَّنَةٌ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُحْدَثٍ فَهو لِلَّهِ بِالمِلْكِ والِاخْتِراعِ، ولا قَدِيمَ سِواهُ تَعالى. و"الثَرى" التُرابُ النَدِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: وإنْ كُنْتُمْ أيُّها الناسُ إذا أرَدْتُمْ إعْلامَ (p-٨٠)أحَدٍ بِأمْرٍ، أو مُخاطَبَةَ أوثانِكم وغَيْرِها، فَأنْتُمْ تَجْهَرُونَ بِالقَوْلِ، فَإنَّ اللهَ الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى، فالمُخاطَبَةُ بِـ "تَجْهَرْ" لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهي مُرادٌ بِها جَمِيعُ الناسِ إذْ هي آيَةُ اعْتِبارٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَرْتِيبِ السِرِّ وما هو أخْفى مِنهُ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو الكَلامُ الخَفِيُّ الخافِتُ كَقِراءَةِ السِرِّ في الصَلاةِ، و الأخْفى ما هو في النَفْسِ مُتَحَصِّلٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو ما في نُفُوسِ البَشَرِ وكُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيها في المُسْتَأْنِفِ بِحَسْبِ المُمْكِناتِ مِن مَعْلُوماتِ البَشَرِ، والأخْفى ما هو مِن مَعْلُوماتِ اللهِ تَعالى، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَهُ البَشَرُ البَتَّةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُلُّهُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ تُؤَوَّلُ عَلى بَعْضِ السَلَفِ أنَّهُ جَعَلَ "وَأخْفى" فِعْلًا ماضِيًا، وهَذا ضَعِيفٌ. و " الأسْماءُ الحُسْنى " يُرِيدُ بِها المُسَمَّياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ المَعانِيَ الَّتِي هي في غايَةِ الحَسَنِ، ووَحَّدَ الصِفَةَ مَعَ جَمْعِ المَوْصُوفِ لِما كانَتِ المُسَمَّياتُ لا تَعْقِلُ، وهَذا جارٍ مَجْرى ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨]، و﴿يا جِبالُ أوِّبِي﴾ [سبإ: ١٠] وغَيْرُهُ، وذِكْرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ هي الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ».

طه 20:6

(p-٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ طَهَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ وآياتُها خَمْسٌ وثَلاثُونَ ومِائَةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿تَنْزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا﴾ ﴿الرَحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَرى﴾ ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿طه﴾ بِحَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في كُلِّ الحُرُوفِ المُتَقَدِّمَةِ في أوائِلِ السُورِ، إلّا قَوْلُ مَن قالَ هُناكَ: إنَّ الحُرُوفَ إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، كَما تَقُولُ: "أ، ب، ج"، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ ها هُنا؛ لَأنَّ ما بَعْدَ "طَهَ" مِنَ الكَلامِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عن "طَهَ". واخْتَصَّتْ "طَهَ" بِأقْوالٍ لا تَتَرَتَّبُ في أوائِلِ السُوَرِ المَذْكُورَةِ، فَمِنها قَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" مَعْناهُ: "يا رَجُلُ" بِالسُرْيانِيَّةِ وقِيلَ: بِغَيْرِها مِن لُغاتِ العَجَمِ، وحُكِيَ أنَّها لُغَةٌ يَمَنِيَّةٌ في عَكٍّ، وأنْشَدَ الطَبَرَيُّ في ذَلِكَ: ؎ دَعَوْتُ بِطَهَ في القِتالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلًا (p-٧٨)وَيُرْوى: مُزايِلًا. وقالَ الآخَرُ: ؎ إنَّ السَفاهَةَ طَهَ مِن خَلائِقِكم ∗∗∗ لا بارَكَ اللهُ في القَوْمِ المَلاعِينِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ إنَّما هو ما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَحَمَّلُهُ مِن مَشَقَّةِ الصَلاةِ حَتّى كانَتْ قَدَماهُ تَتَوَرَّمُ ويَحْتاجُ إلى التَرْوِيحِ، فَقِيلَ لَهُ: طا الأرْضَ، أيْ: لا تَتْعَبْ حَتّى تَحْتاجَ إلى التَرْوِيحِ، فالضَمِيرُ في "طَهَ" لِلْأرْضِ، وخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ فَصارَتْ ألِفًا ساكِنَةً. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طَهَ"، وأصْلُهُ: طَأْ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُدْخِلَتْ هاءُ السَكْتِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن قالُونَ عن نافِعٍ، ورَوى يَعْقُوبُ عنهُ كَسْرَها، ورُوِيَ عنهُ بَيْنَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وأمالَتْ فِرْقَةٌ، وفَخَّمَتْ فَرِقَّةٌ، والتَفْخِيمُ لُغَةُ الحِجازِ والنَبِيِّ ﷺ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةٌ، والكِسائِيُّ: "طَهَ" بِكَسْرِ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورُوِيَ عَنِ الضِحاكِ وعَمْرِو بْنِ فائِدٍ أنَّهُما قَرَآ: "طاوِي". وقَوْلُهُ تَعالى: "لِتَشْقى" مَعْناهُ التَبَلُّغُ مِن نَفْسِكَ في العِبادَةِ والقِيامِ في الصَلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَبَبُ الآيَةِ أنَّ / قُرَيْشًا نَظَرَتْ إلى عَيْشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وشَظَفِهِ وكَثْرَةِ عِيالِهِ، فَقالَتْ: إنَّ مُحَمَّدًا مَعَ رَبِّهِ في شَقاءٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ رادَّةً عَلَيْهِمْ، أيْ: إنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْزِلِ القُرْآنَ لِيَجْعَلَ مُحَمَّدًا شَقِيًّا، بَلْ لِيَجْعَلَهُ أسْعَدُ بَنِي آدَمَ في النَعِيمِ المُقِيمِ في أعْلى المَراتِبِ، فالشَقاءُ الَّذِي رَأيْتُمْ هو تَنَعُّمُ النَفْسِ، ولا شَقاءَ مَعَ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: (p-٧٩)فَهَذا التَأْوِيلُ أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ في لَفْظَةِ الشَقاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ يَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ ﴿لِتَشْقى﴾، ويَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ أنْزَلْناهُ تَذْكِرَةً. و"يَخْشى" يَتَضَمَّنُ الإيمانَ والعَمَلَ الصالِحَ؛ إذِ الخَشْيَةُ باعِثَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا﴾ صِفَةٌ أقامَها مَقامَ المَوْصُوفِ، وأفادَ ذَلِكَ العِبْرَةَ والتَذْكِرَةَ وتَحْقِيرَ الأوثانِ وبَعْثَ النُفُوسِ عَلى النَظَرِ. و"العُلى" جَمْعُ عُلْيا، فُعْلى. وقَوْلُهُ: ﴿الرَحْمَنُ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "خَلَقَ". وقَوْلُهُ: ﴿اسْتَوى﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو بِمَعْنى: اسْتَوْلى، وقالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: هو بِمَعْنى اسْتِواءُ القَهْرِ والغَلَبَةِ، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ اسْتِواءً، وقالَ الشَعْبِيُّ وجَماعَةٌ غَيْرِهِ: هَذا مِن مُتَشابِهِ القُرْآنِ، نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَعْرِضُ لِمَعْناهُ، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ لِرَجُلٍ سَألَهُ عن هَذا الِاسْتِواءِ، فَقالَ لَهُ مالِكٌ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ، والسُؤالُ عن هَذا بِدَعَةٌ، وأظُنُّكَ رَجُلَ سُوءٍ، أخْرَجُوهُ عَنِّي، فَأدْبَرَ السائِلُ وهو يَقُولُ: يا أبا عَبْدِ اللهِ، لَقَدْ سَألَتُ عنها أهْلَ الشامِ وأهْلَ العِراقِ فَما وُفِّقَ فِيها أحَدٌ تَوْفِيقَكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَ أبُو المَعالِي قَوْلَ مَن قالَ: لا يُتَكَلَّمُ في تَفْسِيرِها، فَإنْ قالَ: إنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يُجْمِعُ عَلى أنَّ لَفْظَةَ الِاسْتِواءِ لَيْسَتْ عَلى عُرْفِها في مَعْهُودِ الكَلامِ العَزِيزِ، فَإذا فَعَلَ هَذا فَقَدَ فَسَّرَ ضَرُورَةً ولا فائِدَةَ في تَأخُّرِهِ عن طَلَبِ الوَجْهِ والمَخْرَجِ البَيِّنِ، بَلْ في ذَلِكَ إلْباسٌ عَلى الناسِ، وإيهامٌ لِلْعَوّامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَسْألَةِ الِاسْتِواءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَمادٍ في الصِفَةِ المَذْكُورَةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الخالِقِ المُنْعِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَما تَحْتَ الثَرى﴾ قَصَصٌ في أمْرِ الحُوتِ ونَحْوِهِ اخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، والآيَةُ مُضَمَّنَةٌ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُحْدَثٍ فَهو لِلَّهِ بِالمِلْكِ والِاخْتِراعِ، ولا قَدِيمَ سِواهُ تَعالى. و"الثَرى" التُرابُ النَدِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: وإنْ كُنْتُمْ أيُّها الناسُ إذا أرَدْتُمْ إعْلامَ (p-٨٠)أحَدٍ بِأمْرٍ، أو مُخاطَبَةَ أوثانِكم وغَيْرِها، فَأنْتُمْ تَجْهَرُونَ بِالقَوْلِ، فَإنَّ اللهَ الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى، فالمُخاطَبَةُ بِـ "تَجْهَرْ" لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهي مُرادٌ بِها جَمِيعُ الناسِ إذْ هي آيَةُ اعْتِبارٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَرْتِيبِ السِرِّ وما هو أخْفى مِنهُ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو الكَلامُ الخَفِيُّ الخافِتُ كَقِراءَةِ السِرِّ في الصَلاةِ، و الأخْفى ما هو في النَفْسِ مُتَحَصِّلٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو ما في نُفُوسِ البَشَرِ وكُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيها في المُسْتَأْنِفِ بِحَسْبِ المُمْكِناتِ مِن مَعْلُوماتِ البَشَرِ، والأخْفى ما هو مِن مَعْلُوماتِ اللهِ تَعالى، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَهُ البَشَرُ البَتَّةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُلُّهُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ تُؤَوَّلُ عَلى بَعْضِ السَلَفِ أنَّهُ جَعَلَ "وَأخْفى" فِعْلًا ماضِيًا، وهَذا ضَعِيفٌ. و " الأسْماءُ الحُسْنى " يُرِيدُ بِها المُسَمَّياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ المَعانِيَ الَّتِي هي في غايَةِ الحَسَنِ، ووَحَّدَ الصِفَةَ مَعَ جَمْعِ المَوْصُوفِ لِما كانَتِ المُسَمَّياتُ لا تَعْقِلُ، وهَذا جارٍ مَجْرى ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨]، و﴿يا جِبالُ أوِّبِي﴾ [سبإ: ١٠] وغَيْرُهُ، وذِكْرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ هي الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ».

طه 20:7

(p-٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ طَهَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ وآياتُها خَمْسٌ وثَلاثُونَ ومِائَةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿تَنْزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا﴾ ﴿الرَحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَرى﴾ ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿طه﴾ بِحَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في كُلِّ الحُرُوفِ المُتَقَدِّمَةِ في أوائِلِ السُورِ، إلّا قَوْلُ مَن قالَ هُناكَ: إنَّ الحُرُوفَ إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، كَما تَقُولُ: "أ، ب، ج"، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ ها هُنا؛ لَأنَّ ما بَعْدَ "طَهَ" مِنَ الكَلامِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عن "طَهَ". واخْتَصَّتْ "طَهَ" بِأقْوالٍ لا تَتَرَتَّبُ في أوائِلِ السُوَرِ المَذْكُورَةِ، فَمِنها قَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" مَعْناهُ: "يا رَجُلُ" بِالسُرْيانِيَّةِ وقِيلَ: بِغَيْرِها مِن لُغاتِ العَجَمِ، وحُكِيَ أنَّها لُغَةٌ يَمَنِيَّةٌ في عَكٍّ، وأنْشَدَ الطَبَرَيُّ في ذَلِكَ: ؎ دَعَوْتُ بِطَهَ في القِتالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلًا (p-٧٨)وَيُرْوى: مُزايِلًا. وقالَ الآخَرُ: ؎ إنَّ السَفاهَةَ طَهَ مِن خَلائِقِكم ∗∗∗ لا بارَكَ اللهُ في القَوْمِ المَلاعِينِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ إنَّما هو ما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَحَمَّلُهُ مِن مَشَقَّةِ الصَلاةِ حَتّى كانَتْ قَدَماهُ تَتَوَرَّمُ ويَحْتاجُ إلى التَرْوِيحِ، فَقِيلَ لَهُ: طا الأرْضَ، أيْ: لا تَتْعَبْ حَتّى تَحْتاجَ إلى التَرْوِيحِ، فالضَمِيرُ في "طَهَ" لِلْأرْضِ، وخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ فَصارَتْ ألِفًا ساكِنَةً. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طَهَ"، وأصْلُهُ: طَأْ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُدْخِلَتْ هاءُ السَكْتِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن قالُونَ عن نافِعٍ، ورَوى يَعْقُوبُ عنهُ كَسْرَها، ورُوِيَ عنهُ بَيْنَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وأمالَتْ فِرْقَةٌ، وفَخَّمَتْ فَرِقَّةٌ، والتَفْخِيمُ لُغَةُ الحِجازِ والنَبِيِّ ﷺ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةٌ، والكِسائِيُّ: "طَهَ" بِكَسْرِ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورُوِيَ عَنِ الضِحاكِ وعَمْرِو بْنِ فائِدٍ أنَّهُما قَرَآ: "طاوِي". وقَوْلُهُ تَعالى: "لِتَشْقى" مَعْناهُ التَبَلُّغُ مِن نَفْسِكَ في العِبادَةِ والقِيامِ في الصَلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَبَبُ الآيَةِ أنَّ / قُرَيْشًا نَظَرَتْ إلى عَيْشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وشَظَفِهِ وكَثْرَةِ عِيالِهِ، فَقالَتْ: إنَّ مُحَمَّدًا مَعَ رَبِّهِ في شَقاءٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ رادَّةً عَلَيْهِمْ، أيْ: إنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْزِلِ القُرْآنَ لِيَجْعَلَ مُحَمَّدًا شَقِيًّا، بَلْ لِيَجْعَلَهُ أسْعَدُ بَنِي آدَمَ في النَعِيمِ المُقِيمِ في أعْلى المَراتِبِ، فالشَقاءُ الَّذِي رَأيْتُمْ هو تَنَعُّمُ النَفْسِ، ولا شَقاءَ مَعَ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: (p-٧٩)فَهَذا التَأْوِيلُ أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ في لَفْظَةِ الشَقاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ يَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ ﴿لِتَشْقى﴾، ويَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ أنْزَلْناهُ تَذْكِرَةً. و"يَخْشى" يَتَضَمَّنُ الإيمانَ والعَمَلَ الصالِحَ؛ إذِ الخَشْيَةُ باعِثَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا﴾ صِفَةٌ أقامَها مَقامَ المَوْصُوفِ، وأفادَ ذَلِكَ العِبْرَةَ والتَذْكِرَةَ وتَحْقِيرَ الأوثانِ وبَعْثَ النُفُوسِ عَلى النَظَرِ. و"العُلى" جَمْعُ عُلْيا، فُعْلى. وقَوْلُهُ: ﴿الرَحْمَنُ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "خَلَقَ". وقَوْلُهُ: ﴿اسْتَوى﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو بِمَعْنى: اسْتَوْلى، وقالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: هو بِمَعْنى اسْتِواءُ القَهْرِ والغَلَبَةِ، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ اسْتِواءً، وقالَ الشَعْبِيُّ وجَماعَةٌ غَيْرِهِ: هَذا مِن مُتَشابِهِ القُرْآنِ، نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَعْرِضُ لِمَعْناهُ، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ لِرَجُلٍ سَألَهُ عن هَذا الِاسْتِواءِ، فَقالَ لَهُ مالِكٌ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ، والسُؤالُ عن هَذا بِدَعَةٌ، وأظُنُّكَ رَجُلَ سُوءٍ، أخْرَجُوهُ عَنِّي، فَأدْبَرَ السائِلُ وهو يَقُولُ: يا أبا عَبْدِ اللهِ، لَقَدْ سَألَتُ عنها أهْلَ الشامِ وأهْلَ العِراقِ فَما وُفِّقَ فِيها أحَدٌ تَوْفِيقَكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَ أبُو المَعالِي قَوْلَ مَن قالَ: لا يُتَكَلَّمُ في تَفْسِيرِها، فَإنْ قالَ: إنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يُجْمِعُ عَلى أنَّ لَفْظَةَ الِاسْتِواءِ لَيْسَتْ عَلى عُرْفِها في مَعْهُودِ الكَلامِ العَزِيزِ، فَإذا فَعَلَ هَذا فَقَدَ فَسَّرَ ضَرُورَةً ولا فائِدَةَ في تَأخُّرِهِ عن طَلَبِ الوَجْهِ والمَخْرَجِ البَيِّنِ، بَلْ في ذَلِكَ إلْباسٌ عَلى الناسِ، وإيهامٌ لِلْعَوّامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَسْألَةِ الِاسْتِواءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَمادٍ في الصِفَةِ المَذْكُورَةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الخالِقِ المُنْعِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَما تَحْتَ الثَرى﴾ قَصَصٌ في أمْرِ الحُوتِ ونَحْوِهِ اخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، والآيَةُ مُضَمَّنَةٌ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُحْدَثٍ فَهو لِلَّهِ بِالمِلْكِ والِاخْتِراعِ، ولا قَدِيمَ سِواهُ تَعالى. و"الثَرى" التُرابُ النَدِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: وإنْ كُنْتُمْ أيُّها الناسُ إذا أرَدْتُمْ إعْلامَ (p-٨٠)أحَدٍ بِأمْرٍ، أو مُخاطَبَةَ أوثانِكم وغَيْرِها، فَأنْتُمْ تَجْهَرُونَ بِالقَوْلِ، فَإنَّ اللهَ الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى، فالمُخاطَبَةُ بِـ "تَجْهَرْ" لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهي مُرادٌ بِها جَمِيعُ الناسِ إذْ هي آيَةُ اعْتِبارٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَرْتِيبِ السِرِّ وما هو أخْفى مِنهُ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو الكَلامُ الخَفِيُّ الخافِتُ كَقِراءَةِ السِرِّ في الصَلاةِ، و الأخْفى ما هو في النَفْسِ مُتَحَصِّلٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو ما في نُفُوسِ البَشَرِ وكُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيها في المُسْتَأْنِفِ بِحَسْبِ المُمْكِناتِ مِن مَعْلُوماتِ البَشَرِ، والأخْفى ما هو مِن مَعْلُوماتِ اللهِ تَعالى، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَهُ البَشَرُ البَتَّةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُلُّهُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ تُؤَوَّلُ عَلى بَعْضِ السَلَفِ أنَّهُ جَعَلَ "وَأخْفى" فِعْلًا ماضِيًا، وهَذا ضَعِيفٌ. و " الأسْماءُ الحُسْنى " يُرِيدُ بِها المُسَمَّياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ المَعانِيَ الَّتِي هي في غايَةِ الحَسَنِ، ووَحَّدَ الصِفَةَ مَعَ جَمْعِ المَوْصُوفِ لِما كانَتِ المُسَمَّياتُ لا تَعْقِلُ، وهَذا جارٍ مَجْرى ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨]، و﴿يا جِبالُ أوِّبِي﴾ [سبإ: ١٠] وغَيْرُهُ، وذِكْرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ هي الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ».

طه 20:8

(p-٧٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ طَهَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ وآياتُها خَمْسٌ وثَلاثُونَ ومِائَةٌ. قوله عزّ وجلّ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿تَنْزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا﴾ ﴿الرَحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَرى﴾ ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿طه﴾ بِحَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في كُلِّ الحُرُوفِ المُتَقَدِّمَةِ في أوائِلِ السُورِ، إلّا قَوْلُ مَن قالَ هُناكَ: إنَّ الحُرُوفَ إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، كَما تَقُولُ: "أ، ب، ج"، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ ها هُنا؛ لَأنَّ ما بَعْدَ "طَهَ" مِنَ الكَلامِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عن "طَهَ". واخْتَصَّتْ "طَهَ" بِأقْوالٍ لا تَتَرَتَّبُ في أوائِلِ السُوَرِ المَذْكُورَةِ، فَمِنها قَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" مَعْناهُ: "يا رَجُلُ" بِالسُرْيانِيَّةِ وقِيلَ: بِغَيْرِها مِن لُغاتِ العَجَمِ، وحُكِيَ أنَّها لُغَةٌ يَمَنِيَّةٌ في عَكٍّ، وأنْشَدَ الطَبَرَيُّ في ذَلِكَ: ؎ دَعَوْتُ بِطَهَ في القِتالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلًا (p-٧٨)وَيُرْوى: مُزايِلًا. وقالَ الآخَرُ: ؎ إنَّ السَفاهَةَ طَهَ مِن خَلائِقِكم ∗∗∗ لا بارَكَ اللهُ في القَوْمِ المَلاعِينِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ إنَّما هو ما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَحَمَّلُهُ مِن مَشَقَّةِ الصَلاةِ حَتّى كانَتْ قَدَماهُ تَتَوَرَّمُ ويَحْتاجُ إلى التَرْوِيحِ، فَقِيلَ لَهُ: طا الأرْضَ، أيْ: لا تَتْعَبْ حَتّى تَحْتاجَ إلى التَرْوِيحِ، فالضَمِيرُ في "طَهَ" لِلْأرْضِ، وخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ فَصارَتْ ألِفًا ساكِنَةً. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طَهَ"، وأصْلُهُ: طَأْ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُدْخِلَتْ هاءُ السَكْتِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن قالُونَ عن نافِعٍ، ورَوى يَعْقُوبُ عنهُ كَسْرَها، ورُوِيَ عنهُ بَيْنَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وأمالَتْ فِرْقَةٌ، وفَخَّمَتْ فَرِقَّةٌ، والتَفْخِيمُ لُغَةُ الحِجازِ والنَبِيِّ ﷺ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةٌ، والكِسائِيُّ: "طَهَ" بِكَسْرِ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورُوِيَ عَنِ الضِحاكِ وعَمْرِو بْنِ فائِدٍ أنَّهُما قَرَآ: "طاوِي". وقَوْلُهُ تَعالى: "لِتَشْقى" مَعْناهُ التَبَلُّغُ مِن نَفْسِكَ في العِبادَةِ والقِيامِ في الصَلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَبَبُ الآيَةِ أنَّ / قُرَيْشًا نَظَرَتْ إلى عَيْشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وشَظَفِهِ وكَثْرَةِ عِيالِهِ، فَقالَتْ: إنَّ مُحَمَّدًا مَعَ رَبِّهِ في شَقاءٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ رادَّةً عَلَيْهِمْ، أيْ: إنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْزِلِ القُرْآنَ لِيَجْعَلَ مُحَمَّدًا شَقِيًّا، بَلْ لِيَجْعَلَهُ أسْعَدُ بَنِي آدَمَ في النَعِيمِ المُقِيمِ في أعْلى المَراتِبِ، فالشَقاءُ الَّذِي رَأيْتُمْ هو تَنَعُّمُ النَفْسِ، ولا شَقاءَ مَعَ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: (p-٧٩)فَهَذا التَأْوِيلُ أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ في لَفْظَةِ الشَقاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ يَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ ﴿لِتَشْقى﴾، ويَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ أنْزَلْناهُ تَذْكِرَةً. و"يَخْشى" يَتَضَمَّنُ الإيمانَ والعَمَلَ الصالِحَ؛ إذِ الخَشْيَةُ باعِثَةٌ عَلى ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا﴾ صِفَةٌ أقامَها مَقامَ المَوْصُوفِ، وأفادَ ذَلِكَ العِبْرَةَ والتَذْكِرَةَ وتَحْقِيرَ الأوثانِ وبَعْثَ النُفُوسِ عَلى النَظَرِ. و"العُلى" جَمْعُ عُلْيا، فُعْلى. وقَوْلُهُ: ﴿الرَحْمَنُ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "خَلَقَ". وقَوْلُهُ: ﴿اسْتَوى﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو بِمَعْنى: اسْتَوْلى، وقالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: هو بِمَعْنى اسْتِواءُ القَهْرِ والغَلَبَةِ، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ اسْتِواءً، وقالَ الشَعْبِيُّ وجَماعَةٌ غَيْرِهِ: هَذا مِن مُتَشابِهِ القُرْآنِ، نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَعْرِضُ لِمَعْناهُ، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ لِرَجُلٍ سَألَهُ عن هَذا الِاسْتِواءِ، فَقالَ لَهُ مالِكٌ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ، والسُؤالُ عن هَذا بِدَعَةٌ، وأظُنُّكَ رَجُلَ سُوءٍ، أخْرَجُوهُ عَنِّي، فَأدْبَرَ السائِلُ وهو يَقُولُ: يا أبا عَبْدِ اللهِ، لَقَدْ سَألَتُ عنها أهْلَ الشامِ وأهْلَ العِراقِ فَما وُفِّقَ فِيها أحَدٌ تَوْفِيقَكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَ أبُو المَعالِي قَوْلَ مَن قالَ: لا يُتَكَلَّمُ في تَفْسِيرِها، فَإنْ قالَ: إنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يُجْمِعُ عَلى أنَّ لَفْظَةَ الِاسْتِواءِ لَيْسَتْ عَلى عُرْفِها في مَعْهُودِ الكَلامِ العَزِيزِ، فَإذا فَعَلَ هَذا فَقَدَ فَسَّرَ ضَرُورَةً ولا فائِدَةَ في تَأخُّرِهِ عن طَلَبِ الوَجْهِ والمَخْرَجِ البَيِّنِ، بَلْ في ذَلِكَ إلْباسٌ عَلى الناسِ، وإيهامٌ لِلْعَوّامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَسْألَةِ الِاسْتِواءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَمادٍ في الصِفَةِ المَذْكُورَةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الخالِقِ المُنْعِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَما تَحْتَ الثَرى﴾ قَصَصٌ في أمْرِ الحُوتِ ونَحْوِهِ اخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، والآيَةُ مُضَمَّنَةٌ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُحْدَثٍ فَهو لِلَّهِ بِالمِلْكِ والِاخْتِراعِ، ولا قَدِيمَ سِواهُ تَعالى. و"الثَرى" التُرابُ النَدِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: وإنْ كُنْتُمْ أيُّها الناسُ إذا أرَدْتُمْ إعْلامَ (p-٨٠)أحَدٍ بِأمْرٍ، أو مُخاطَبَةَ أوثانِكم وغَيْرِها، فَأنْتُمْ تَجْهَرُونَ بِالقَوْلِ، فَإنَّ اللهَ الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى، فالمُخاطَبَةُ بِـ "تَجْهَرْ" لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهي مُرادٌ بِها جَمِيعُ الناسِ إذْ هي آيَةُ اعْتِبارٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَرْتِيبِ السِرِّ وما هو أخْفى مِنهُ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو الكَلامُ الخَفِيُّ الخافِتُ كَقِراءَةِ السِرِّ في الصَلاةِ، و الأخْفى ما هو في النَفْسِ مُتَحَصِّلٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو ما في نُفُوسِ البَشَرِ وكُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيها في المُسْتَأْنِفِ بِحَسْبِ المُمْكِناتِ مِن مَعْلُوماتِ البَشَرِ، والأخْفى ما هو مِن مَعْلُوماتِ اللهِ تَعالى، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَهُ البَشَرُ البَتَّةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُلُّهُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ تُؤَوَّلُ عَلى بَعْضِ السَلَفِ أنَّهُ جَعَلَ "وَأخْفى" فِعْلًا ماضِيًا، وهَذا ضَعِيفٌ. و " الأسْماءُ الحُسْنى " يُرِيدُ بِها المُسَمَّياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ المَعانِيَ الَّتِي هي في غايَةِ الحَسَنِ، ووَحَّدَ الصِفَةَ مَعَ جَمْعِ المَوْصُوفِ لِما كانَتِ المُسَمَّياتُ لا تَعْقِلُ، وهَذا جارٍ مَجْرى ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨]، و﴿يا جِبالُ أوِّبِي﴾ [سبإ: ١٠] وغَيْرُهُ، وذِكْرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ هي الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ».

طه 20:9

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أو أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ هو تَوْقِيفٌ مُضْمَنُهُ تَنْبِيهُ النَفْسِ إلى ما يُورَدُ عَلَيْها، وهَذا كَما تَبْدَأُ (p-٨١)الرَجُلَ إذا أرَدْتَ إخْبارَهُ بِأمْرٍ غَرِيبٍ فَتَقُولُ: أعَلِمْتَ كَذا وكَذا؟ ثُمْ تَبْدَأُ تُخْبِرُهُ، والعامِلُ في "إذْ" ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾ مِن مَعْنى الفِعْلِ، وتَقْدِيرِهِ: وهَلْ أتاكَ ما فَعَلَ مُوسى إذْ رَأى نارًا، ونَحْوَ. هَذا، وكانَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ رَحَلَ مِن مَدْيَنَ بِأهْلِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ وهو يُرِيدُ أرْضَ مِصْرَ، وقَدْ طالَتْ مُدَّةُ جِنايَتُهُ هُنالِكَ، فَرَجا خَفاءَ أمْرِهِ، وكانَ - فِيما يَزْعُمُونَ - رَجُلًا غَيُورًا، فَكانَ يَسِيرُ اللَيْلَ بِأهْلِهِ ولا يَسِيرُ النَهارَ مَخافَةَ كَشَفَةِ الناسِ، فَضَلَّ عن طَرِيقِهِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ نَدِيَّةٍ، ويُرْوى أنَّهُ فَقَدَ الماءَ فَلَمْ يَدْرِ أيْنَ يَطْلُبُهُ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ - وقَدْ قَدَحَ زَنْدُهُ فَلَمْ يُورِ شَيْئًا - إذْ رَأى نارًا، فَقالَ لِأهْلِهِ: امْكُثُوا، أيْ أقِيمُوا، وذَهَبَ هو إلى النارِ فَإذا هي مُضْطَرِمَةٌ في شَجَرَةٍ خَضْراءَ يانِعَةٍ، قِيلَ: كانَتْ مِن عُنّابٍ، وقِيلَ: مِن عَوْسَجٍ، وقِيلَ: مِن عُلَيْقَةٍ، فَلَمّا دَنا مِنها تَباعَدَتْ مِنهُ ومَشَتْ، فَإذا رَجَعَ عنها اتَّبَعَتْهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أيْقَنَ أنَّ هَذا أمْرٌ مِن أُمُورِ اللهِ تَعالى الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، ونُودِيَ وانْقَضى أمْرُهُ في تِلْكَ اللَيْلَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الحَقُّ، وحَكى النِقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أقامَ في ذَلِكَ الأمْرِ حَوَّلًا، ومَكَثَ أهْلُهُ، قالُوا: وهَذا أمْرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وضَعِيفٌ في نَفْسِهِ. و"آنَسْتُ" مَعْناهُ: أحْسَسْتُ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: ؎ آنَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَها القَنْـ ناصُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ والنارُ عَلى البُعْدِ لا تُحَسُّ إلّا بِالبَصَرِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ اللَفْظَ بِـ "رَأيْتُ"، و"آنَسَ" أعَمُّ مَن رَأى لَأنَّكَ تَقُولُ: آنَسْتُ مِن فُلانٍ خَيْرًا أو شَرًّا. و"القَبَسُ": الجَذْوَةُ مِنَ النارِ عَلى رَأْسِ العُودِ أوِ القَصَبَةِ أو نَحْوَهُ، و"الهُدى" أرادَ الطَرِيقَ، أيْ: لَعَلِّي أجِدُ ذا هُدًى مُرْشِدًا لِي أو دَلِيلًا وإنْ لَمْ يَكُنْ فَخَبَرًا، و"الهُدى" يَعُمْ هَذا كُلَّهُ، وإنَّما رَجا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هُدى نازِلَتَهُ فَصادَفَ الهُدى عَلى الإطْلاقِ. (p-٨٢)وَفِي ذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأسْرِها في هَذِهِ السُورَةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَمّا لَقِيَ في تَبْلِيغِهِ مِنَ المَشَقّاتِ وكُفْرِ الناسِ، فَإنَّما هي لَهُ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ في أمْرِهِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ وحَمْزَةَ "فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا" بِضَمِّ الهاءِ، وكَذَلِكَ في القَصَصِ، وكَسَرَ الباقُونَ الهاءَ فِيهِما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها﴾، الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى النارِ، وقَوْلُهُ: ﴿نُودِيَ﴾ كِنايَةٌ عن تَكْلِيمِ اللهِ لَهُ، وفي "نُودِيَ" ضَمِيرٌ يَقُومُ مَقامَ الفاعِلِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلَتْهُ مُوسى إذْ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألْفِ عَلى الِابْتِداءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "أنِّي" بِفَتْحِ الألْفِ عَلى مَعْنى: لِأجْلِ أنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ. و"نُودِيَ" قَدْ تُوصَلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: ؎ نادَيْتُ بِاسْمِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ إنَّ المُنَوَّهَ بِاسْمِهِ المَوْثُوقُ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في السَبَبِ الَّذِي مِن أجْلِهِ أمْرَ بِخَلْعِ النَعْلَيْنِ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، فَأُمِرَ بِطَرْحِ النَجاسَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَتْ نَعْلاهُ مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذَكِيٍّ، ولَكِنْ أُمِرَ بِخَلْعِها لِيَنالَ بِرَكَةَ الوادِي المُقَدَّسِ وتَمَسَّ قَدَماهُ تُرْبَةَ الوادِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنى آخَرَ هو الألْيَقُ بِها عِنْدِي، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى أمْرَهُ أنْ يَتَواضَعَ لِعَظِيمِ الحالِ الَّتِي حَصَلَ فِيها، والعُرْفُ عِنْدَ المُلُوكِ أنْ تَخْلَعَ النَعْلانِ ويَبْلُغَ الإنْسانُ إلى غايَةِ تَواضُعِهِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أُمِرَ بِذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، ولا تُبالِي كانَتْ نَعْلاهُ مِن مَيْتَةٍ أو غَيْرِها. (p-٨٣)وَ ﴿المُقَدَّسِ﴾ مَعْناهُ: المُطَهَّرُ، و ﴿طُوًى﴾ مَعْناهُ: مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قَدِّسْ مَرَّتَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: طَوَيْتُهُ أنْتَ، أيْ سِرْتَ بِهِ، أيْ طُوِيَتْ لَكَ الأرْضُ مَرَّتَيْنِ مِن ظَنِّكِ. وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "طَوًى" بِالتَنْوِينِ عَلى أنَّهُ اسْمُ المَكانِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "طَوى" عَلى أنَّهُ اسْمُ البُقْعَةِ، بِدُونِ تَنْوِينٍ، وقَرَأ هَؤُلاءِ كُلُّهم بِضَمِّ الطاءِ، وقَرَأ أبُو زَيْدٍ عن أبِي عَمْرٍو بِكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طاوِي"، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْمُ الوادِي، و"طُوًى" عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ ثُنًى وثُنًى، أيْ: مُثْنِيًا. وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرَ حَمْزَةَ: "وَأنا اخْتَرْتُكَ"، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ تَناسُبُها مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنا رَبُّكَ﴾، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنِّي اخْتَرْتُكَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَأنّا اخْتَرْناكَ" بِالجَمْعِ وفَتْحِ الهَمْزَةَ وشَدِّ النُونِ، والآيَةُ عَلى هَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ [الإسراء: ١]، ثُمْ قالَ: ﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الإسراء: ٢]، فَخَرَجَ مِن إفْرادٍ إلى جَمْعٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَإنّا اخْتَرْناكَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: سَمِعَتْ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيَّ يَقُولُ: لَمّا قِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ "اسْتَمِعْ لِما يُوحى" وقَفَ عَلى حَجَرٍ، واسْتَنَدَ إلى حَجَرٍ، ووَضَعَ يَمِينَهُ عَلى شَمالِهِ، وألْقى ذَقَنَهُ عَلى صَدْرِهِ، ووَقَفَ يَسْتَمِعُ، وكانَ كُلُّ لِباسِهِ صُوفًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِالوادِ المُقَدَّسِ طاوِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتَذْكِيرِي فِيها، أو يُرِيدُ: لِأذْكُرَكَ في عِلِّيِّينَ بِها، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا - يَحْتَمِلُ الإضافَةَ إلى الفاعِلِ أو إلى المَفْعُولِ، واللامُ لامُ السَبَبِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ "لِذِكْرِي" أيْ عِنْدِ ذِكْرِي، أيْ إذا ذَكَرْتَنِي وأمْرِي لَكَ بِها، فاللامُ - عَلى هَذا - بِمَنزِلَتِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِلذِّكْرى"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِذِكْرى" بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِلذِّكْرِ". (p-٨٤)

طه 20:10

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أو أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ هو تَوْقِيفٌ مُضْمَنُهُ تَنْبِيهُ النَفْسِ إلى ما يُورَدُ عَلَيْها، وهَذا كَما تَبْدَأُ (p-٨١)الرَجُلَ إذا أرَدْتَ إخْبارَهُ بِأمْرٍ غَرِيبٍ فَتَقُولُ: أعَلِمْتَ كَذا وكَذا؟ ثُمْ تَبْدَأُ تُخْبِرُهُ، والعامِلُ في "إذْ" ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾ مِن مَعْنى الفِعْلِ، وتَقْدِيرِهِ: وهَلْ أتاكَ ما فَعَلَ مُوسى إذْ رَأى نارًا، ونَحْوَ. هَذا، وكانَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ رَحَلَ مِن مَدْيَنَ بِأهْلِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ وهو يُرِيدُ أرْضَ مِصْرَ، وقَدْ طالَتْ مُدَّةُ جِنايَتُهُ هُنالِكَ، فَرَجا خَفاءَ أمْرِهِ، وكانَ - فِيما يَزْعُمُونَ - رَجُلًا غَيُورًا، فَكانَ يَسِيرُ اللَيْلَ بِأهْلِهِ ولا يَسِيرُ النَهارَ مَخافَةَ كَشَفَةِ الناسِ، فَضَلَّ عن طَرِيقِهِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ نَدِيَّةٍ، ويُرْوى أنَّهُ فَقَدَ الماءَ فَلَمْ يَدْرِ أيْنَ يَطْلُبُهُ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ - وقَدْ قَدَحَ زَنْدُهُ فَلَمْ يُورِ شَيْئًا - إذْ رَأى نارًا، فَقالَ لِأهْلِهِ: امْكُثُوا، أيْ أقِيمُوا، وذَهَبَ هو إلى النارِ فَإذا هي مُضْطَرِمَةٌ في شَجَرَةٍ خَضْراءَ يانِعَةٍ، قِيلَ: كانَتْ مِن عُنّابٍ، وقِيلَ: مِن عَوْسَجٍ، وقِيلَ: مِن عُلَيْقَةٍ، فَلَمّا دَنا مِنها تَباعَدَتْ مِنهُ ومَشَتْ، فَإذا رَجَعَ عنها اتَّبَعَتْهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أيْقَنَ أنَّ هَذا أمْرٌ مِن أُمُورِ اللهِ تَعالى الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، ونُودِيَ وانْقَضى أمْرُهُ في تِلْكَ اللَيْلَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الحَقُّ، وحَكى النِقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أقامَ في ذَلِكَ الأمْرِ حَوَّلًا، ومَكَثَ أهْلُهُ، قالُوا: وهَذا أمْرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وضَعِيفٌ في نَفْسِهِ. و"آنَسْتُ" مَعْناهُ: أحْسَسْتُ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: ؎ آنَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَها القَنْـ ناصُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ والنارُ عَلى البُعْدِ لا تُحَسُّ إلّا بِالبَصَرِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ اللَفْظَ بِـ "رَأيْتُ"، و"آنَسَ" أعَمُّ مَن رَأى لَأنَّكَ تَقُولُ: آنَسْتُ مِن فُلانٍ خَيْرًا أو شَرًّا. و"القَبَسُ": الجَذْوَةُ مِنَ النارِ عَلى رَأْسِ العُودِ أوِ القَصَبَةِ أو نَحْوَهُ، و"الهُدى" أرادَ الطَرِيقَ، أيْ: لَعَلِّي أجِدُ ذا هُدًى مُرْشِدًا لِي أو دَلِيلًا وإنْ لَمْ يَكُنْ فَخَبَرًا، و"الهُدى" يَعُمْ هَذا كُلَّهُ، وإنَّما رَجا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هُدى نازِلَتَهُ فَصادَفَ الهُدى عَلى الإطْلاقِ. (p-٨٢)وَفِي ذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأسْرِها في هَذِهِ السُورَةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَمّا لَقِيَ في تَبْلِيغِهِ مِنَ المَشَقّاتِ وكُفْرِ الناسِ، فَإنَّما هي لَهُ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ في أمْرِهِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ وحَمْزَةَ "فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا" بِضَمِّ الهاءِ، وكَذَلِكَ في القَصَصِ، وكَسَرَ الباقُونَ الهاءَ فِيهِما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها﴾، الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى النارِ، وقَوْلُهُ: ﴿نُودِيَ﴾ كِنايَةٌ عن تَكْلِيمِ اللهِ لَهُ، وفي "نُودِيَ" ضَمِيرٌ يَقُومُ مَقامَ الفاعِلِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلَتْهُ مُوسى إذْ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألْفِ عَلى الِابْتِداءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "أنِّي" بِفَتْحِ الألْفِ عَلى مَعْنى: لِأجْلِ أنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ. و"نُودِيَ" قَدْ تُوصَلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: ؎ نادَيْتُ بِاسْمِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ إنَّ المُنَوَّهَ بِاسْمِهِ المَوْثُوقُ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في السَبَبِ الَّذِي مِن أجْلِهِ أمْرَ بِخَلْعِ النَعْلَيْنِ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، فَأُمِرَ بِطَرْحِ النَجاسَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَتْ نَعْلاهُ مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذَكِيٍّ، ولَكِنْ أُمِرَ بِخَلْعِها لِيَنالَ بِرَكَةَ الوادِي المُقَدَّسِ وتَمَسَّ قَدَماهُ تُرْبَةَ الوادِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنى آخَرَ هو الألْيَقُ بِها عِنْدِي، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى أمْرَهُ أنْ يَتَواضَعَ لِعَظِيمِ الحالِ الَّتِي حَصَلَ فِيها، والعُرْفُ عِنْدَ المُلُوكِ أنْ تَخْلَعَ النَعْلانِ ويَبْلُغَ الإنْسانُ إلى غايَةِ تَواضُعِهِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أُمِرَ بِذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، ولا تُبالِي كانَتْ نَعْلاهُ مِن مَيْتَةٍ أو غَيْرِها. (p-٨٣)وَ ﴿المُقَدَّسِ﴾ مَعْناهُ: المُطَهَّرُ، و ﴿طُوًى﴾ مَعْناهُ: مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قَدِّسْ مَرَّتَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: طَوَيْتُهُ أنْتَ، أيْ سِرْتَ بِهِ، أيْ طُوِيَتْ لَكَ الأرْضُ مَرَّتَيْنِ مِن ظَنِّكِ. وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "طَوًى" بِالتَنْوِينِ عَلى أنَّهُ اسْمُ المَكانِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "طَوى" عَلى أنَّهُ اسْمُ البُقْعَةِ، بِدُونِ تَنْوِينٍ، وقَرَأ هَؤُلاءِ كُلُّهم بِضَمِّ الطاءِ، وقَرَأ أبُو زَيْدٍ عن أبِي عَمْرٍو بِكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طاوِي"، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْمُ الوادِي، و"طُوًى" عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ ثُنًى وثُنًى، أيْ: مُثْنِيًا. وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرَ حَمْزَةَ: "وَأنا اخْتَرْتُكَ"، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ تَناسُبُها مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنا رَبُّكَ﴾، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنِّي اخْتَرْتُكَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَأنّا اخْتَرْناكَ" بِالجَمْعِ وفَتْحِ الهَمْزَةَ وشَدِّ النُونِ، والآيَةُ عَلى هَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ [الإسراء: ١]، ثُمْ قالَ: ﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الإسراء: ٢]، فَخَرَجَ مِن إفْرادٍ إلى جَمْعٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَإنّا اخْتَرْناكَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: سَمِعَتْ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيَّ يَقُولُ: لَمّا قِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ "اسْتَمِعْ لِما يُوحى" وقَفَ عَلى حَجَرٍ، واسْتَنَدَ إلى حَجَرٍ، ووَضَعَ يَمِينَهُ عَلى شَمالِهِ، وألْقى ذَقَنَهُ عَلى صَدْرِهِ، ووَقَفَ يَسْتَمِعُ، وكانَ كُلُّ لِباسِهِ صُوفًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِالوادِ المُقَدَّسِ طاوِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتَذْكِيرِي فِيها، أو يُرِيدُ: لِأذْكُرَكَ في عِلِّيِّينَ بِها، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا - يَحْتَمِلُ الإضافَةَ إلى الفاعِلِ أو إلى المَفْعُولِ، واللامُ لامُ السَبَبِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ "لِذِكْرِي" أيْ عِنْدِ ذِكْرِي، أيْ إذا ذَكَرْتَنِي وأمْرِي لَكَ بِها، فاللامُ - عَلى هَذا - بِمَنزِلَتِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِلذِّكْرى"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِذِكْرى" بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِلذِّكْرِ". (p-٨٤)

طه 20:11

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أو أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ هو تَوْقِيفٌ مُضْمَنُهُ تَنْبِيهُ النَفْسِ إلى ما يُورَدُ عَلَيْها، وهَذا كَما تَبْدَأُ (p-٨١)الرَجُلَ إذا أرَدْتَ إخْبارَهُ بِأمْرٍ غَرِيبٍ فَتَقُولُ: أعَلِمْتَ كَذا وكَذا؟ ثُمْ تَبْدَأُ تُخْبِرُهُ، والعامِلُ في "إذْ" ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾ مِن مَعْنى الفِعْلِ، وتَقْدِيرِهِ: وهَلْ أتاكَ ما فَعَلَ مُوسى إذْ رَأى نارًا، ونَحْوَ. هَذا، وكانَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ رَحَلَ مِن مَدْيَنَ بِأهْلِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ وهو يُرِيدُ أرْضَ مِصْرَ، وقَدْ طالَتْ مُدَّةُ جِنايَتُهُ هُنالِكَ، فَرَجا خَفاءَ أمْرِهِ، وكانَ - فِيما يَزْعُمُونَ - رَجُلًا غَيُورًا، فَكانَ يَسِيرُ اللَيْلَ بِأهْلِهِ ولا يَسِيرُ النَهارَ مَخافَةَ كَشَفَةِ الناسِ، فَضَلَّ عن طَرِيقِهِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ نَدِيَّةٍ، ويُرْوى أنَّهُ فَقَدَ الماءَ فَلَمْ يَدْرِ أيْنَ يَطْلُبُهُ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ - وقَدْ قَدَحَ زَنْدُهُ فَلَمْ يُورِ شَيْئًا - إذْ رَأى نارًا، فَقالَ لِأهْلِهِ: امْكُثُوا، أيْ أقِيمُوا، وذَهَبَ هو إلى النارِ فَإذا هي مُضْطَرِمَةٌ في شَجَرَةٍ خَضْراءَ يانِعَةٍ، قِيلَ: كانَتْ مِن عُنّابٍ، وقِيلَ: مِن عَوْسَجٍ، وقِيلَ: مِن عُلَيْقَةٍ، فَلَمّا دَنا مِنها تَباعَدَتْ مِنهُ ومَشَتْ، فَإذا رَجَعَ عنها اتَّبَعَتْهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أيْقَنَ أنَّ هَذا أمْرٌ مِن أُمُورِ اللهِ تَعالى الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، ونُودِيَ وانْقَضى أمْرُهُ في تِلْكَ اللَيْلَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الحَقُّ، وحَكى النِقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أقامَ في ذَلِكَ الأمْرِ حَوَّلًا، ومَكَثَ أهْلُهُ، قالُوا: وهَذا أمْرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وضَعِيفٌ في نَفْسِهِ. و"آنَسْتُ" مَعْناهُ: أحْسَسْتُ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: ؎ آنَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَها القَنْـ ناصُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ والنارُ عَلى البُعْدِ لا تُحَسُّ إلّا بِالبَصَرِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ اللَفْظَ بِـ "رَأيْتُ"، و"آنَسَ" أعَمُّ مَن رَأى لَأنَّكَ تَقُولُ: آنَسْتُ مِن فُلانٍ خَيْرًا أو شَرًّا. و"القَبَسُ": الجَذْوَةُ مِنَ النارِ عَلى رَأْسِ العُودِ أوِ القَصَبَةِ أو نَحْوَهُ، و"الهُدى" أرادَ الطَرِيقَ، أيْ: لَعَلِّي أجِدُ ذا هُدًى مُرْشِدًا لِي أو دَلِيلًا وإنْ لَمْ يَكُنْ فَخَبَرًا، و"الهُدى" يَعُمْ هَذا كُلَّهُ، وإنَّما رَجا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هُدى نازِلَتَهُ فَصادَفَ الهُدى عَلى الإطْلاقِ. (p-٨٢)وَفِي ذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأسْرِها في هَذِهِ السُورَةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَمّا لَقِيَ في تَبْلِيغِهِ مِنَ المَشَقّاتِ وكُفْرِ الناسِ، فَإنَّما هي لَهُ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ في أمْرِهِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ وحَمْزَةَ "فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا" بِضَمِّ الهاءِ، وكَذَلِكَ في القَصَصِ، وكَسَرَ الباقُونَ الهاءَ فِيهِما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها﴾، الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى النارِ، وقَوْلُهُ: ﴿نُودِيَ﴾ كِنايَةٌ عن تَكْلِيمِ اللهِ لَهُ، وفي "نُودِيَ" ضَمِيرٌ يَقُومُ مَقامَ الفاعِلِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلَتْهُ مُوسى إذْ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألْفِ عَلى الِابْتِداءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "أنِّي" بِفَتْحِ الألْفِ عَلى مَعْنى: لِأجْلِ أنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ. و"نُودِيَ" قَدْ تُوصَلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: ؎ نادَيْتُ بِاسْمِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ إنَّ المُنَوَّهَ بِاسْمِهِ المَوْثُوقُ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في السَبَبِ الَّذِي مِن أجْلِهِ أمْرَ بِخَلْعِ النَعْلَيْنِ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، فَأُمِرَ بِطَرْحِ النَجاسَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَتْ نَعْلاهُ مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذَكِيٍّ، ولَكِنْ أُمِرَ بِخَلْعِها لِيَنالَ بِرَكَةَ الوادِي المُقَدَّسِ وتَمَسَّ قَدَماهُ تُرْبَةَ الوادِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنى آخَرَ هو الألْيَقُ بِها عِنْدِي، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى أمْرَهُ أنْ يَتَواضَعَ لِعَظِيمِ الحالِ الَّتِي حَصَلَ فِيها، والعُرْفُ عِنْدَ المُلُوكِ أنْ تَخْلَعَ النَعْلانِ ويَبْلُغَ الإنْسانُ إلى غايَةِ تَواضُعِهِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أُمِرَ بِذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، ولا تُبالِي كانَتْ نَعْلاهُ مِن مَيْتَةٍ أو غَيْرِها. (p-٨٣)وَ ﴿المُقَدَّسِ﴾ مَعْناهُ: المُطَهَّرُ، و ﴿طُوًى﴾ مَعْناهُ: مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قَدِّسْ مَرَّتَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: طَوَيْتُهُ أنْتَ، أيْ سِرْتَ بِهِ، أيْ طُوِيَتْ لَكَ الأرْضُ مَرَّتَيْنِ مِن ظَنِّكِ. وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "طَوًى" بِالتَنْوِينِ عَلى أنَّهُ اسْمُ المَكانِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "طَوى" عَلى أنَّهُ اسْمُ البُقْعَةِ، بِدُونِ تَنْوِينٍ، وقَرَأ هَؤُلاءِ كُلُّهم بِضَمِّ الطاءِ، وقَرَأ أبُو زَيْدٍ عن أبِي عَمْرٍو بِكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طاوِي"، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْمُ الوادِي، و"طُوًى" عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ ثُنًى وثُنًى، أيْ: مُثْنِيًا. وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرَ حَمْزَةَ: "وَأنا اخْتَرْتُكَ"، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ تَناسُبُها مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنا رَبُّكَ﴾، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنِّي اخْتَرْتُكَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَأنّا اخْتَرْناكَ" بِالجَمْعِ وفَتْحِ الهَمْزَةَ وشَدِّ النُونِ، والآيَةُ عَلى هَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ [الإسراء: ١]، ثُمْ قالَ: ﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الإسراء: ٢]، فَخَرَجَ مِن إفْرادٍ إلى جَمْعٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَإنّا اخْتَرْناكَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: سَمِعَتْ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيَّ يَقُولُ: لَمّا قِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ "اسْتَمِعْ لِما يُوحى" وقَفَ عَلى حَجَرٍ، واسْتَنَدَ إلى حَجَرٍ، ووَضَعَ يَمِينَهُ عَلى شَمالِهِ، وألْقى ذَقَنَهُ عَلى صَدْرِهِ، ووَقَفَ يَسْتَمِعُ، وكانَ كُلُّ لِباسِهِ صُوفًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِالوادِ المُقَدَّسِ طاوِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتَذْكِيرِي فِيها، أو يُرِيدُ: لِأذْكُرَكَ في عِلِّيِّينَ بِها، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا - يَحْتَمِلُ الإضافَةَ إلى الفاعِلِ أو إلى المَفْعُولِ، واللامُ لامُ السَبَبِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ "لِذِكْرِي" أيْ عِنْدِ ذِكْرِي، أيْ إذا ذَكَرْتَنِي وأمْرِي لَكَ بِها، فاللامُ - عَلى هَذا - بِمَنزِلَتِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِلذِّكْرى"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِذِكْرى" بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِلذِّكْرِ". (p-٨٤)

طه 20:12

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أو أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ هو تَوْقِيفٌ مُضْمَنُهُ تَنْبِيهُ النَفْسِ إلى ما يُورَدُ عَلَيْها، وهَذا كَما تَبْدَأُ (p-٨١)الرَجُلَ إذا أرَدْتَ إخْبارَهُ بِأمْرٍ غَرِيبٍ فَتَقُولُ: أعَلِمْتَ كَذا وكَذا؟ ثُمْ تَبْدَأُ تُخْبِرُهُ، والعامِلُ في "إذْ" ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾ مِن مَعْنى الفِعْلِ، وتَقْدِيرِهِ: وهَلْ أتاكَ ما فَعَلَ مُوسى إذْ رَأى نارًا، ونَحْوَ. هَذا، وكانَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ رَحَلَ مِن مَدْيَنَ بِأهْلِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ وهو يُرِيدُ أرْضَ مِصْرَ، وقَدْ طالَتْ مُدَّةُ جِنايَتُهُ هُنالِكَ، فَرَجا خَفاءَ أمْرِهِ، وكانَ - فِيما يَزْعُمُونَ - رَجُلًا غَيُورًا، فَكانَ يَسِيرُ اللَيْلَ بِأهْلِهِ ولا يَسِيرُ النَهارَ مَخافَةَ كَشَفَةِ الناسِ، فَضَلَّ عن طَرِيقِهِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ نَدِيَّةٍ، ويُرْوى أنَّهُ فَقَدَ الماءَ فَلَمْ يَدْرِ أيْنَ يَطْلُبُهُ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ - وقَدْ قَدَحَ زَنْدُهُ فَلَمْ يُورِ شَيْئًا - إذْ رَأى نارًا، فَقالَ لِأهْلِهِ: امْكُثُوا، أيْ أقِيمُوا، وذَهَبَ هو إلى النارِ فَإذا هي مُضْطَرِمَةٌ في شَجَرَةٍ خَضْراءَ يانِعَةٍ، قِيلَ: كانَتْ مِن عُنّابٍ، وقِيلَ: مِن عَوْسَجٍ، وقِيلَ: مِن عُلَيْقَةٍ، فَلَمّا دَنا مِنها تَباعَدَتْ مِنهُ ومَشَتْ، فَإذا رَجَعَ عنها اتَّبَعَتْهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أيْقَنَ أنَّ هَذا أمْرٌ مِن أُمُورِ اللهِ تَعالى الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، ونُودِيَ وانْقَضى أمْرُهُ في تِلْكَ اللَيْلَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الحَقُّ، وحَكى النِقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أقامَ في ذَلِكَ الأمْرِ حَوَّلًا، ومَكَثَ أهْلُهُ، قالُوا: وهَذا أمْرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وضَعِيفٌ في نَفْسِهِ. و"آنَسْتُ" مَعْناهُ: أحْسَسْتُ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: ؎ آنَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَها القَنْـ ناصُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ والنارُ عَلى البُعْدِ لا تُحَسُّ إلّا بِالبَصَرِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ اللَفْظَ بِـ "رَأيْتُ"، و"آنَسَ" أعَمُّ مَن رَأى لَأنَّكَ تَقُولُ: آنَسْتُ مِن فُلانٍ خَيْرًا أو شَرًّا. و"القَبَسُ": الجَذْوَةُ مِنَ النارِ عَلى رَأْسِ العُودِ أوِ القَصَبَةِ أو نَحْوَهُ، و"الهُدى" أرادَ الطَرِيقَ، أيْ: لَعَلِّي أجِدُ ذا هُدًى مُرْشِدًا لِي أو دَلِيلًا وإنْ لَمْ يَكُنْ فَخَبَرًا، و"الهُدى" يَعُمْ هَذا كُلَّهُ، وإنَّما رَجا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هُدى نازِلَتَهُ فَصادَفَ الهُدى عَلى الإطْلاقِ. (p-٨٢)وَفِي ذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأسْرِها في هَذِهِ السُورَةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَمّا لَقِيَ في تَبْلِيغِهِ مِنَ المَشَقّاتِ وكُفْرِ الناسِ، فَإنَّما هي لَهُ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ في أمْرِهِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ وحَمْزَةَ "فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا" بِضَمِّ الهاءِ، وكَذَلِكَ في القَصَصِ، وكَسَرَ الباقُونَ الهاءَ فِيهِما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها﴾، الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى النارِ، وقَوْلُهُ: ﴿نُودِيَ﴾ كِنايَةٌ عن تَكْلِيمِ اللهِ لَهُ، وفي "نُودِيَ" ضَمِيرٌ يَقُومُ مَقامَ الفاعِلِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلَتْهُ مُوسى إذْ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألْفِ عَلى الِابْتِداءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "أنِّي" بِفَتْحِ الألْفِ عَلى مَعْنى: لِأجْلِ أنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ. و"نُودِيَ" قَدْ تُوصَلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: ؎ نادَيْتُ بِاسْمِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ إنَّ المُنَوَّهَ بِاسْمِهِ المَوْثُوقُ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في السَبَبِ الَّذِي مِن أجْلِهِ أمْرَ بِخَلْعِ النَعْلَيْنِ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، فَأُمِرَ بِطَرْحِ النَجاسَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَتْ نَعْلاهُ مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذَكِيٍّ، ولَكِنْ أُمِرَ بِخَلْعِها لِيَنالَ بِرَكَةَ الوادِي المُقَدَّسِ وتَمَسَّ قَدَماهُ تُرْبَةَ الوادِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنى آخَرَ هو الألْيَقُ بِها عِنْدِي، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى أمْرَهُ أنْ يَتَواضَعَ لِعَظِيمِ الحالِ الَّتِي حَصَلَ فِيها، والعُرْفُ عِنْدَ المُلُوكِ أنْ تَخْلَعَ النَعْلانِ ويَبْلُغَ الإنْسانُ إلى غايَةِ تَواضُعِهِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أُمِرَ بِذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، ولا تُبالِي كانَتْ نَعْلاهُ مِن مَيْتَةٍ أو غَيْرِها. (p-٨٣)وَ ﴿المُقَدَّسِ﴾ مَعْناهُ: المُطَهَّرُ، و ﴿طُوًى﴾ مَعْناهُ: مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قَدِّسْ مَرَّتَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: طَوَيْتُهُ أنْتَ، أيْ سِرْتَ بِهِ، أيْ طُوِيَتْ لَكَ الأرْضُ مَرَّتَيْنِ مِن ظَنِّكِ. وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "طَوًى" بِالتَنْوِينِ عَلى أنَّهُ اسْمُ المَكانِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "طَوى" عَلى أنَّهُ اسْمُ البُقْعَةِ، بِدُونِ تَنْوِينٍ، وقَرَأ هَؤُلاءِ كُلُّهم بِضَمِّ الطاءِ، وقَرَأ أبُو زَيْدٍ عن أبِي عَمْرٍو بِكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طاوِي"، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْمُ الوادِي، و"طُوًى" عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ ثُنًى وثُنًى، أيْ: مُثْنِيًا. وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرَ حَمْزَةَ: "وَأنا اخْتَرْتُكَ"، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ تَناسُبُها مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنا رَبُّكَ﴾، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنِّي اخْتَرْتُكَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَأنّا اخْتَرْناكَ" بِالجَمْعِ وفَتْحِ الهَمْزَةَ وشَدِّ النُونِ، والآيَةُ عَلى هَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ [الإسراء: ١]، ثُمْ قالَ: ﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الإسراء: ٢]، فَخَرَجَ مِن إفْرادٍ إلى جَمْعٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَإنّا اخْتَرْناكَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: سَمِعَتْ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيَّ يَقُولُ: لَمّا قِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ "اسْتَمِعْ لِما يُوحى" وقَفَ عَلى حَجَرٍ، واسْتَنَدَ إلى حَجَرٍ، ووَضَعَ يَمِينَهُ عَلى شَمالِهِ، وألْقى ذَقَنَهُ عَلى صَدْرِهِ، ووَقَفَ يَسْتَمِعُ، وكانَ كُلُّ لِباسِهِ صُوفًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِالوادِ المُقَدَّسِ طاوِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتَذْكِيرِي فِيها، أو يُرِيدُ: لِأذْكُرَكَ في عِلِّيِّينَ بِها، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا - يَحْتَمِلُ الإضافَةَ إلى الفاعِلِ أو إلى المَفْعُولِ، واللامُ لامُ السَبَبِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ "لِذِكْرِي" أيْ عِنْدِ ذِكْرِي، أيْ إذا ذَكَرْتَنِي وأمْرِي لَكَ بِها، فاللامُ - عَلى هَذا - بِمَنزِلَتِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِلذِّكْرى"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِذِكْرى" بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِلذِّكْرِ". (p-٨٤)

طه 20:13

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أو أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ هو تَوْقِيفٌ مُضْمَنُهُ تَنْبِيهُ النَفْسِ إلى ما يُورَدُ عَلَيْها، وهَذا كَما تَبْدَأُ (p-٨١)الرَجُلَ إذا أرَدْتَ إخْبارَهُ بِأمْرٍ غَرِيبٍ فَتَقُولُ: أعَلِمْتَ كَذا وكَذا؟ ثُمْ تَبْدَأُ تُخْبِرُهُ، والعامِلُ في "إذْ" ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾ مِن مَعْنى الفِعْلِ، وتَقْدِيرِهِ: وهَلْ أتاكَ ما فَعَلَ مُوسى إذْ رَأى نارًا، ونَحْوَ. هَذا، وكانَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ رَحَلَ مِن مَدْيَنَ بِأهْلِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ وهو يُرِيدُ أرْضَ مِصْرَ، وقَدْ طالَتْ مُدَّةُ جِنايَتُهُ هُنالِكَ، فَرَجا خَفاءَ أمْرِهِ، وكانَ - فِيما يَزْعُمُونَ - رَجُلًا غَيُورًا، فَكانَ يَسِيرُ اللَيْلَ بِأهْلِهِ ولا يَسِيرُ النَهارَ مَخافَةَ كَشَفَةِ الناسِ، فَضَلَّ عن طَرِيقِهِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ نَدِيَّةٍ، ويُرْوى أنَّهُ فَقَدَ الماءَ فَلَمْ يَدْرِ أيْنَ يَطْلُبُهُ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ - وقَدْ قَدَحَ زَنْدُهُ فَلَمْ يُورِ شَيْئًا - إذْ رَأى نارًا، فَقالَ لِأهْلِهِ: امْكُثُوا، أيْ أقِيمُوا، وذَهَبَ هو إلى النارِ فَإذا هي مُضْطَرِمَةٌ في شَجَرَةٍ خَضْراءَ يانِعَةٍ، قِيلَ: كانَتْ مِن عُنّابٍ، وقِيلَ: مِن عَوْسَجٍ، وقِيلَ: مِن عُلَيْقَةٍ، فَلَمّا دَنا مِنها تَباعَدَتْ مِنهُ ومَشَتْ، فَإذا رَجَعَ عنها اتَّبَعَتْهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أيْقَنَ أنَّ هَذا أمْرٌ مِن أُمُورِ اللهِ تَعالى الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، ونُودِيَ وانْقَضى أمْرُهُ في تِلْكَ اللَيْلَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الحَقُّ، وحَكى النِقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أقامَ في ذَلِكَ الأمْرِ حَوَّلًا، ومَكَثَ أهْلُهُ، قالُوا: وهَذا أمْرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وضَعِيفٌ في نَفْسِهِ. و"آنَسْتُ" مَعْناهُ: أحْسَسْتُ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: ؎ آنَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَها القَنْـ ناصُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ والنارُ عَلى البُعْدِ لا تُحَسُّ إلّا بِالبَصَرِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ اللَفْظَ بِـ "رَأيْتُ"، و"آنَسَ" أعَمُّ مَن رَأى لَأنَّكَ تَقُولُ: آنَسْتُ مِن فُلانٍ خَيْرًا أو شَرًّا. و"القَبَسُ": الجَذْوَةُ مِنَ النارِ عَلى رَأْسِ العُودِ أوِ القَصَبَةِ أو نَحْوَهُ، و"الهُدى" أرادَ الطَرِيقَ، أيْ: لَعَلِّي أجِدُ ذا هُدًى مُرْشِدًا لِي أو دَلِيلًا وإنْ لَمْ يَكُنْ فَخَبَرًا، و"الهُدى" يَعُمْ هَذا كُلَّهُ، وإنَّما رَجا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هُدى نازِلَتَهُ فَصادَفَ الهُدى عَلى الإطْلاقِ. (p-٨٢)وَفِي ذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأسْرِها في هَذِهِ السُورَةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَمّا لَقِيَ في تَبْلِيغِهِ مِنَ المَشَقّاتِ وكُفْرِ الناسِ، فَإنَّما هي لَهُ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ في أمْرِهِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ وحَمْزَةَ "فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا" بِضَمِّ الهاءِ، وكَذَلِكَ في القَصَصِ، وكَسَرَ الباقُونَ الهاءَ فِيهِما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها﴾، الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى النارِ، وقَوْلُهُ: ﴿نُودِيَ﴾ كِنايَةٌ عن تَكْلِيمِ اللهِ لَهُ، وفي "نُودِيَ" ضَمِيرٌ يَقُومُ مَقامَ الفاعِلِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلَتْهُ مُوسى إذْ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألْفِ عَلى الِابْتِداءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "أنِّي" بِفَتْحِ الألْفِ عَلى مَعْنى: لِأجْلِ أنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ. و"نُودِيَ" قَدْ تُوصَلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: ؎ نادَيْتُ بِاسْمِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ إنَّ المُنَوَّهَ بِاسْمِهِ المَوْثُوقُ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في السَبَبِ الَّذِي مِن أجْلِهِ أمْرَ بِخَلْعِ النَعْلَيْنِ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، فَأُمِرَ بِطَرْحِ النَجاسَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَتْ نَعْلاهُ مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذَكِيٍّ، ولَكِنْ أُمِرَ بِخَلْعِها لِيَنالَ بِرَكَةَ الوادِي المُقَدَّسِ وتَمَسَّ قَدَماهُ تُرْبَةَ الوادِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنى آخَرَ هو الألْيَقُ بِها عِنْدِي، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى أمْرَهُ أنْ يَتَواضَعَ لِعَظِيمِ الحالِ الَّتِي حَصَلَ فِيها، والعُرْفُ عِنْدَ المُلُوكِ أنْ تَخْلَعَ النَعْلانِ ويَبْلُغَ الإنْسانُ إلى غايَةِ تَواضُعِهِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أُمِرَ بِذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، ولا تُبالِي كانَتْ نَعْلاهُ مِن مَيْتَةٍ أو غَيْرِها. (p-٨٣)وَ ﴿المُقَدَّسِ﴾ مَعْناهُ: المُطَهَّرُ، و ﴿طُوًى﴾ مَعْناهُ: مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قَدِّسْ مَرَّتَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: طَوَيْتُهُ أنْتَ، أيْ سِرْتَ بِهِ، أيْ طُوِيَتْ لَكَ الأرْضُ مَرَّتَيْنِ مِن ظَنِّكِ. وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "طَوًى" بِالتَنْوِينِ عَلى أنَّهُ اسْمُ المَكانِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "طَوى" عَلى أنَّهُ اسْمُ البُقْعَةِ، بِدُونِ تَنْوِينٍ، وقَرَأ هَؤُلاءِ كُلُّهم بِضَمِّ الطاءِ، وقَرَأ أبُو زَيْدٍ عن أبِي عَمْرٍو بِكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طاوِي"، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْمُ الوادِي، و"طُوًى" عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ ثُنًى وثُنًى، أيْ: مُثْنِيًا. وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرَ حَمْزَةَ: "وَأنا اخْتَرْتُكَ"، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ تَناسُبُها مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنا رَبُّكَ﴾، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنِّي اخْتَرْتُكَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَأنّا اخْتَرْناكَ" بِالجَمْعِ وفَتْحِ الهَمْزَةَ وشَدِّ النُونِ، والآيَةُ عَلى هَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ [الإسراء: ١]، ثُمْ قالَ: ﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الإسراء: ٢]، فَخَرَجَ مِن إفْرادٍ إلى جَمْعٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَإنّا اخْتَرْناكَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: سَمِعَتْ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيَّ يَقُولُ: لَمّا قِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ "اسْتَمِعْ لِما يُوحى" وقَفَ عَلى حَجَرٍ، واسْتَنَدَ إلى حَجَرٍ، ووَضَعَ يَمِينَهُ عَلى شَمالِهِ، وألْقى ذَقَنَهُ عَلى صَدْرِهِ، ووَقَفَ يَسْتَمِعُ، وكانَ كُلُّ لِباسِهِ صُوفًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِالوادِ المُقَدَّسِ طاوِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتَذْكِيرِي فِيها، أو يُرِيدُ: لِأذْكُرَكَ في عِلِّيِّينَ بِها، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا - يَحْتَمِلُ الإضافَةَ إلى الفاعِلِ أو إلى المَفْعُولِ، واللامُ لامُ السَبَبِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ "لِذِكْرِي" أيْ عِنْدِ ذِكْرِي، أيْ إذا ذَكَرْتَنِي وأمْرِي لَكَ بِها، فاللامُ - عَلى هَذا - بِمَنزِلَتِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِلذِّكْرى"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِذِكْرى" بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِلذِّكْرِ". (p-٨٤)

طه 20:14

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أو أجِدُ عَلى النارِ هُدًى﴾ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ ﴿إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ هو تَوْقِيفٌ مُضْمَنُهُ تَنْبِيهُ النَفْسِ إلى ما يُورَدُ عَلَيْها، وهَذا كَما تَبْدَأُ (p-٨١)الرَجُلَ إذا أرَدْتَ إخْبارَهُ بِأمْرٍ غَرِيبٍ فَتَقُولُ: أعَلِمْتَ كَذا وكَذا؟ ثُمْ تَبْدَأُ تُخْبِرُهُ، والعامِلُ في "إذْ" ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾ مِن مَعْنى الفِعْلِ، وتَقْدِيرِهِ: وهَلْ أتاكَ ما فَعَلَ مُوسى إذْ رَأى نارًا، ونَحْوَ. هَذا، وكانَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ رَحَلَ مِن مَدْيَنَ بِأهْلِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ وهو يُرِيدُ أرْضَ مِصْرَ، وقَدْ طالَتْ مُدَّةُ جِنايَتُهُ هُنالِكَ، فَرَجا خَفاءَ أمْرِهِ، وكانَ - فِيما يَزْعُمُونَ - رَجُلًا غَيُورًا، فَكانَ يَسِيرُ اللَيْلَ بِأهْلِهِ ولا يَسِيرُ النَهارَ مَخافَةَ كَشَفَةِ الناسِ، فَضَلَّ عن طَرِيقِهِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ نَدِيَّةٍ، ويُرْوى أنَّهُ فَقَدَ الماءَ فَلَمْ يَدْرِ أيْنَ يَطْلُبُهُ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ - وقَدْ قَدَحَ زَنْدُهُ فَلَمْ يُورِ شَيْئًا - إذْ رَأى نارًا، فَقالَ لِأهْلِهِ: امْكُثُوا، أيْ أقِيمُوا، وذَهَبَ هو إلى النارِ فَإذا هي مُضْطَرِمَةٌ في شَجَرَةٍ خَضْراءَ يانِعَةٍ، قِيلَ: كانَتْ مِن عُنّابٍ، وقِيلَ: مِن عَوْسَجٍ، وقِيلَ: مِن عُلَيْقَةٍ، فَلَمّا دَنا مِنها تَباعَدَتْ مِنهُ ومَشَتْ، فَإذا رَجَعَ عنها اتَّبَعَتْهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أيْقَنَ أنَّ هَذا أمْرٌ مِن أُمُورِ اللهِ تَعالى الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، ونُودِيَ وانْقَضى أمْرُهُ في تِلْكَ اللَيْلَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الحَقُّ، وحَكى النِقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أقامَ في ذَلِكَ الأمْرِ حَوَّلًا، ومَكَثَ أهْلُهُ، قالُوا: وهَذا أمْرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وضَعِيفٌ في نَفْسِهِ. و"آنَسْتُ" مَعْناهُ: أحْسَسْتُ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: ؎ آنَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَها القَنْـ ناصُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ والنارُ عَلى البُعْدِ لا تُحَسُّ إلّا بِالبَصَرِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ اللَفْظَ بِـ "رَأيْتُ"، و"آنَسَ" أعَمُّ مَن رَأى لَأنَّكَ تَقُولُ: آنَسْتُ مِن فُلانٍ خَيْرًا أو شَرًّا. و"القَبَسُ": الجَذْوَةُ مِنَ النارِ عَلى رَأْسِ العُودِ أوِ القَصَبَةِ أو نَحْوَهُ، و"الهُدى" أرادَ الطَرِيقَ، أيْ: لَعَلِّي أجِدُ ذا هُدًى مُرْشِدًا لِي أو دَلِيلًا وإنْ لَمْ يَكُنْ فَخَبَرًا، و"الهُدى" يَعُمْ هَذا كُلَّهُ، وإنَّما رَجا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هُدى نازِلَتَهُ فَصادَفَ الهُدى عَلى الإطْلاقِ. (p-٨٢)وَفِي ذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأسْرِها في هَذِهِ السُورَةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَمّا لَقِيَ في تَبْلِيغِهِ مِنَ المَشَقّاتِ وكُفْرِ الناسِ، فَإنَّما هي لَهُ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ في أمْرِهِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ وحَمْزَةَ "فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا" بِضَمِّ الهاءِ، وكَذَلِكَ في القَصَصِ، وكَسَرَ الباقُونَ الهاءَ فِيهِما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها﴾، الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى النارِ، وقَوْلُهُ: ﴿نُودِيَ﴾ كِنايَةٌ عن تَكْلِيمِ اللهِ لَهُ، وفي "نُودِيَ" ضَمِيرٌ يَقُومُ مَقامَ الفاعِلِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلَتْهُ مُوسى إذْ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألْفِ عَلى الِابْتِداءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "أنِّي" بِفَتْحِ الألْفِ عَلى مَعْنى: لِأجْلِ أنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ. و"نُودِيَ" قَدْ تُوصَلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: ؎ نادَيْتُ بِاسْمِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ إنَّ المُنَوَّهَ بِاسْمِهِ المَوْثُوقُ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في السَبَبِ الَّذِي مِن أجْلِهِ أمْرَ بِخَلْعِ النَعْلَيْنِ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، فَأُمِرَ بِطَرْحِ النَجاسَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَتْ نَعْلاهُ مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذَكِيٍّ، ولَكِنْ أُمِرَ بِخَلْعِها لِيَنالَ بِرَكَةَ الوادِي المُقَدَّسِ وتَمَسَّ قَدَماهُ تُرْبَةَ الوادِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنى آخَرَ هو الألْيَقُ بِها عِنْدِي، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى أمْرَهُ أنْ يَتَواضَعَ لِعَظِيمِ الحالِ الَّتِي حَصَلَ فِيها، والعُرْفُ عِنْدَ المُلُوكِ أنْ تَخْلَعَ النَعْلانِ ويَبْلُغَ الإنْسانُ إلى غايَةِ تَواضُعِهِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أُمِرَ بِذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، ولا تُبالِي كانَتْ نَعْلاهُ مِن مَيْتَةٍ أو غَيْرِها. (p-٨٣)وَ ﴿المُقَدَّسِ﴾ مَعْناهُ: المُطَهَّرُ، و ﴿طُوًى﴾ مَعْناهُ: مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قَدِّسْ مَرَّتَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: طَوَيْتُهُ أنْتَ، أيْ سِرْتَ بِهِ، أيْ طُوِيَتْ لَكَ الأرْضُ مَرَّتَيْنِ مِن ظَنِّكِ. وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "طَوًى" بِالتَنْوِينِ عَلى أنَّهُ اسْمُ المَكانِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "طَوى" عَلى أنَّهُ اسْمُ البُقْعَةِ، بِدُونِ تَنْوِينٍ، وقَرَأ هَؤُلاءِ كُلُّهم بِضَمِّ الطاءِ، وقَرَأ أبُو زَيْدٍ عن أبِي عَمْرٍو بِكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طاوِي"، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْمُ الوادِي، و"طُوًى" عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ ثُنًى وثُنًى، أيْ: مُثْنِيًا. وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرَ حَمْزَةَ: "وَأنا اخْتَرْتُكَ"، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ تَناسُبُها مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنا رَبُّكَ﴾، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنِّي اخْتَرْتُكَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَأنّا اخْتَرْناكَ" بِالجَمْعِ وفَتْحِ الهَمْزَةَ وشَدِّ النُونِ، والآيَةُ عَلى هَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ [الإسراء: ١]، ثُمْ قالَ: ﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الإسراء: ٢]، فَخَرَجَ مِن إفْرادٍ إلى جَمْعٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَإنّا اخْتَرْناكَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: سَمِعَتْ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيَّ يَقُولُ: لَمّا قِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ "اسْتَمِعْ لِما يُوحى" وقَفَ عَلى حَجَرٍ، واسْتَنَدَ إلى حَجَرٍ، ووَضَعَ يَمِينَهُ عَلى شَمالِهِ، وألْقى ذَقَنَهُ عَلى صَدْرِهِ، ووَقَفَ يَسْتَمِعُ، وكانَ كُلُّ لِباسِهِ صُوفًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِالوادِ المُقَدَّسِ طاوِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتَذْكِيرِي فِيها، أو يُرِيدُ: لِأذْكُرَكَ في عِلِّيِّينَ بِها، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا - يَحْتَمِلُ الإضافَةَ إلى الفاعِلِ أو إلى المَفْعُولِ، واللامُ لامُ السَبَبِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ "لِذِكْرِي" أيْ عِنْدِ ذِكْرِي، أيْ إذا ذَكَرْتَنِي وأمْرِي لَكَ بِها، فاللامُ - عَلى هَذا - بِمَنزِلَتِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِلذِّكْرى"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِذِكْرى" بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِلذِّكْرِ". (p-٨٤)

طه 20:15

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ﴾ تَحْذِيرٌ ووَعِيدٌ، أيِ: اعْبُدْنِي فَإنَّ عِقابِي وثَوابِي بِالمِرْصادِ، و"الساعَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: القِيامَةُ، بِلا خِلافٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والحُسْنُ، وعاصِمْ: "أكادُ أُخْفِيها" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى،: أُظْهِرُها، أيْ أنَّها مِن صِحَّةِ وُقُوعِها وتَيَقُّنِ كَوْنِهِ تَكادُ تَظْهَرُ، لَكِنْ تَنْحَجِبُ إلى الأجَلِ المَعْلُومِ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أخْفَيْتُ الشَيْءَ" بِمَعْنى: أظْهَرْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ خَفاهُنَّ مِن أنْفاقِهِنَّ كَأنَّما خَفاهُنَّ ودْقٌ مِن عِشِيٍّ مُجَلِّبِ ومِنهُ قَوْلُهُ أيْضًا: ؎ فَإنْ تَدْفِنُوا الداءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدِ (p-٨٥)قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: أُزِيلُ خَفاءَها وهو ما تُلَفُّ بِهِ القِرْبَةُ ونَحْوَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أكادَ أُخْفِيها" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى الآيَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أُظْهِرُها، و"أخْفَيْتُ" مِنَ الأضْدادِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، عَلى مَعْنى العِبارَةِ عن شِدَّةِ غُمُوضِها عَلى المَخْلُوقِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ أكادُ﴾ وتَمَّ الكَلامُ، بِمَعْنى: أكادُ أُنَفِّذُها لِقُرْبِها وصِحَّةِ وُقُوعِها، ثُمُ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِأنَّهُ يُخْفِيها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ قَلِقٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" زائِدَةٌ لا دُخُولَ لَها في المَعْنى، بَلْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الإخْبارَ بِأنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ، وأنَّ اللهَ يُخْفِي وقْتَ إتْيانِها عَنِ الناسِ. (p-٨٦)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" بِمَعْنى: أُرِيدُ، فالمَعْنى: أُرِيدُ إخْفاءَها عنكم لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى، واسْتَشْهَدَ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ بِقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗.................... وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا المَعْنى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" عَلى بابِها، بِمَعْنى أنَّها لِمُقارَبَةِ ما لَمْ يَقَعْ، لَكِنَّ الكَلامَ جارٍ عَلى اسْتِعارَةِ العَرَبِ ومَجازِها، فَلَمّا كانَتِ الآيَةُ عِبارَةً عن شَدَّةِ خَفاءِ أمْرِ القِيامَةِ ووَقْتِها، وكانَ القَطْعُ بِإتْيانِها مَعَ جَهْلِ الوَقْتِ أهِيبُ عَلى النُفُوسِ، بالَغَ قَوْلُهُ تَعالى في إعْتامِ وقْتِها فَقالَ: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ حَتّى لا تَظْهَرَ البَتَّةَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ، ولا بُدَّ مِن ظُهُورِها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا تَلْخِيصُ هَذا المَعْنى الَّذِي أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وهو الأقْوى عِنْدِي. ورَوى بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّ المَعْنى: "أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي" ما في القَوْلِ مِنَ القَلَقِ، فَقالُوا: مَعْنى "مِن نَفْسِي": مِن تِلْقائِي ومِن عِنْدِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا رَفْضٌ لِلْمَعْنى الأوَّلِ ورُجُوعٌ إلى هَذا القَوْلِ الَّذِي اخْتَرْناهُ أخِيرًا، فَتَأمَّلْهُ. واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِتُجْزى" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "آتِيَةٌ"، وهَكَذا بِتَرْتِيبِ الوَعِيدِ، و"تَسْعى" مَعْناهُ: تَكْتَسِبُ وتَجْتَرِحُ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها﴾، عائِدٌ عَلى "الساعَةِ"، يُرِيدُ: الإيمانُ بِالساعَةِ، فَأوقَعَ الضَمِيرَ عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الصَلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: عَلى "لا إلَهَ إلّا اللهُ". (p-٨٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُتَّجَهٌ، والأوَّلانِ أبْيَنُ وجْهًا. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَتَرْدى" مَعْناهُ: تَهْلَكُ، والرَدى: الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِمَّةِ: ؎ تَنادَوْا فَقالُوا أرْدَتِ الخَيْلُ فارِسًا ∗∗∗ فَقُلْتُ: أعَبْدُ اللهِ ذَلِكُمُ الرَدِي؟ وهَذا الخِطابُ كُلُّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وقالَ النِقاشُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها﴾ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا بَعِيدٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي"، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَرَكَّبَ ذَلِكَ القَوْلُ المُتَقَدِّمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ تَقْدِيرُهُ ومُضْمَنُهُ التَنْبِيهُ وجَمْعُ النَفْسِ لِتَلَقِّي ما يُورِدُ عَلَيْها، وإلّا فَقَدَ عَلِمُ اللهُ تَعالى ما هي في الأزَلِ. وقَوْلُهُ: "بِيَمِينِكَ" مِن صِلَةِ "تِلْكَ"، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ عَدَسْ! ما لِعَبّادٍ عَلَيْكَ إمارَةٌ ∗∗∗ نَجَوْتِ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ: ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ اللهَ تَعالى عَتَبَ عَلى مُوسى إضافَةَ (p-٨٨)العَصا إلى نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَوْطِنِ، فَقِيلَ لَهُ: "ألْقِها" لِيَرى مِنها العَجَبَ فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا مِلْكَ لَهُ عَلَيْها ولا تَنْضافُ إلَيْهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ - "عَصايِي" بِكَسْرِ الياءِ مِثْلَ غُلامِي، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَصى"، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎ سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهم ∗∗∗.............. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَصايَ" بِفَتْحِ الياءِ، وكَذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ قَرَأ: "عَصايْ" بِياءٍ ساكِنَةٍ. ثُمْ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن مَنافِعَ عَصاهُ عِظَمَها وجُمْهُورَها، وأجْمَلَ سائِرَ ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَأهُشُّ" بِضَمِّ الهاءِ والشِينِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: أخَبَطُ بِها الشَجَرَ حَتّى يَنْتَشِرَ الوَرَقُ لِلْغَنَمِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَأهِشُّ" بِكَسْرِ الهاءِ، والمَعْنى كالَّذِي تَقَدَّمَ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَأهُسُّ" بِضَمِّ الهاءِ والسِينِ غَيْرِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: أزْجُرُها وأُخَوِّفُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَلى غَنَمِي" بِالجَرِّ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (p-٨٩)"عَلى غَنَمِي" فَأوقَعُوا الفِعْلَ عَلى الغَنَمِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غَنْمِي" بِسُكُونِ النُونِ، ولا أعْرِفُ لَها وجْهًا، وقَوْلُهُ: "أُخْرى" - فَوَحَّدَ مَعَ تَقَدُّمُ الجَمْعِ - وهو المَهِيعُ في تَوابِعِ جَمْعِ ما لا يَعْقِلُ والكِنايَةُ عنهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يُجْرى مَجْرى الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨]، وكَقَوْلِهِ: ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبإ: ١٠]، وقَدْ مَرَّ القَوْلُ في هَذا المَعْنى غَيْرَ مَرَّةٍ. وعَصا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هي الَّتِي كانَ أخَذَها مِن بَيْتِ عِصِيِّ الأنْبِياءِ الَّذِي كانَ عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ اتَّفَقا عَلى الرَعِيَّةِ، وكانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ هَبَطَ بِها مِنَ الجَنَّةِ، وكانَتْ مِنَ العَيْنِ الَّذِي في ورَقِ الرَيْحانِ، وهو الجِسْمُ المُسْتَطِيلُ في وسَطِها، وقَدْ تَقَدَّمُ شَرْحُ أمْرِها فِيما مَضى.

طه 20:16

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ﴾ تَحْذِيرٌ ووَعِيدٌ، أيِ: اعْبُدْنِي فَإنَّ عِقابِي وثَوابِي بِالمِرْصادِ، و"الساعَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: القِيامَةُ، بِلا خِلافٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والحُسْنُ، وعاصِمْ: "أكادُ أُخْفِيها" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى،: أُظْهِرُها، أيْ أنَّها مِن صِحَّةِ وُقُوعِها وتَيَقُّنِ كَوْنِهِ تَكادُ تَظْهَرُ، لَكِنْ تَنْحَجِبُ إلى الأجَلِ المَعْلُومِ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أخْفَيْتُ الشَيْءَ" بِمَعْنى: أظْهَرْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ خَفاهُنَّ مِن أنْفاقِهِنَّ كَأنَّما خَفاهُنَّ ودْقٌ مِن عِشِيٍّ مُجَلِّبِ ومِنهُ قَوْلُهُ أيْضًا: ؎ فَإنْ تَدْفِنُوا الداءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدِ (p-٨٥)قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: أُزِيلُ خَفاءَها وهو ما تُلَفُّ بِهِ القِرْبَةُ ونَحْوَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أكادَ أُخْفِيها" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى الآيَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أُظْهِرُها، و"أخْفَيْتُ" مِنَ الأضْدادِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، عَلى مَعْنى العِبارَةِ عن شِدَّةِ غُمُوضِها عَلى المَخْلُوقِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ أكادُ﴾ وتَمَّ الكَلامُ، بِمَعْنى: أكادُ أُنَفِّذُها لِقُرْبِها وصِحَّةِ وُقُوعِها، ثُمُ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِأنَّهُ يُخْفِيها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ قَلِقٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" زائِدَةٌ لا دُخُولَ لَها في المَعْنى، بَلْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الإخْبارَ بِأنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ، وأنَّ اللهَ يُخْفِي وقْتَ إتْيانِها عَنِ الناسِ. (p-٨٦)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" بِمَعْنى: أُرِيدُ، فالمَعْنى: أُرِيدُ إخْفاءَها عنكم لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى، واسْتَشْهَدَ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ بِقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗.................... وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا المَعْنى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" عَلى بابِها، بِمَعْنى أنَّها لِمُقارَبَةِ ما لَمْ يَقَعْ، لَكِنَّ الكَلامَ جارٍ عَلى اسْتِعارَةِ العَرَبِ ومَجازِها، فَلَمّا كانَتِ الآيَةُ عِبارَةً عن شَدَّةِ خَفاءِ أمْرِ القِيامَةِ ووَقْتِها، وكانَ القَطْعُ بِإتْيانِها مَعَ جَهْلِ الوَقْتِ أهِيبُ عَلى النُفُوسِ، بالَغَ قَوْلُهُ تَعالى في إعْتامِ وقْتِها فَقالَ: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ حَتّى لا تَظْهَرَ البَتَّةَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ، ولا بُدَّ مِن ظُهُورِها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا تَلْخِيصُ هَذا المَعْنى الَّذِي أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وهو الأقْوى عِنْدِي. ورَوى بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّ المَعْنى: "أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي" ما في القَوْلِ مِنَ القَلَقِ، فَقالُوا: مَعْنى "مِن نَفْسِي": مِن تِلْقائِي ومِن عِنْدِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا رَفْضٌ لِلْمَعْنى الأوَّلِ ورُجُوعٌ إلى هَذا القَوْلِ الَّذِي اخْتَرْناهُ أخِيرًا، فَتَأمَّلْهُ. واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِتُجْزى" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "آتِيَةٌ"، وهَكَذا بِتَرْتِيبِ الوَعِيدِ، و"تَسْعى" مَعْناهُ: تَكْتَسِبُ وتَجْتَرِحُ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها﴾، عائِدٌ عَلى "الساعَةِ"، يُرِيدُ: الإيمانُ بِالساعَةِ، فَأوقَعَ الضَمِيرَ عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الصَلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: عَلى "لا إلَهَ إلّا اللهُ". (p-٨٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُتَّجَهٌ، والأوَّلانِ أبْيَنُ وجْهًا. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَتَرْدى" مَعْناهُ: تَهْلَكُ، والرَدى: الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِمَّةِ: ؎ تَنادَوْا فَقالُوا أرْدَتِ الخَيْلُ فارِسًا ∗∗∗ فَقُلْتُ: أعَبْدُ اللهِ ذَلِكُمُ الرَدِي؟ وهَذا الخِطابُ كُلُّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وقالَ النِقاشُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها﴾ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا بَعِيدٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي"، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَرَكَّبَ ذَلِكَ القَوْلُ المُتَقَدِّمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ تَقْدِيرُهُ ومُضْمَنُهُ التَنْبِيهُ وجَمْعُ النَفْسِ لِتَلَقِّي ما يُورِدُ عَلَيْها، وإلّا فَقَدَ عَلِمُ اللهُ تَعالى ما هي في الأزَلِ. وقَوْلُهُ: "بِيَمِينِكَ" مِن صِلَةِ "تِلْكَ"، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ عَدَسْ! ما لِعَبّادٍ عَلَيْكَ إمارَةٌ ∗∗∗ نَجَوْتِ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ: ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ اللهَ تَعالى عَتَبَ عَلى مُوسى إضافَةَ (p-٨٨)العَصا إلى نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَوْطِنِ، فَقِيلَ لَهُ: "ألْقِها" لِيَرى مِنها العَجَبَ فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا مِلْكَ لَهُ عَلَيْها ولا تَنْضافُ إلَيْهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ - "عَصايِي" بِكَسْرِ الياءِ مِثْلَ غُلامِي، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَصى"، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎ سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهم ∗∗∗.............. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَصايَ" بِفَتْحِ الياءِ، وكَذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ قَرَأ: "عَصايْ" بِياءٍ ساكِنَةٍ. ثُمْ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن مَنافِعَ عَصاهُ عِظَمَها وجُمْهُورَها، وأجْمَلَ سائِرَ ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَأهُشُّ" بِضَمِّ الهاءِ والشِينِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: أخَبَطُ بِها الشَجَرَ حَتّى يَنْتَشِرَ الوَرَقُ لِلْغَنَمِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَأهِشُّ" بِكَسْرِ الهاءِ، والمَعْنى كالَّذِي تَقَدَّمَ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَأهُسُّ" بِضَمِّ الهاءِ والسِينِ غَيْرِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: أزْجُرُها وأُخَوِّفُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَلى غَنَمِي" بِالجَرِّ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (p-٨٩)"عَلى غَنَمِي" فَأوقَعُوا الفِعْلَ عَلى الغَنَمِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غَنْمِي" بِسُكُونِ النُونِ، ولا أعْرِفُ لَها وجْهًا، وقَوْلُهُ: "أُخْرى" - فَوَحَّدَ مَعَ تَقَدُّمُ الجَمْعِ - وهو المَهِيعُ في تَوابِعِ جَمْعِ ما لا يَعْقِلُ والكِنايَةُ عنهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يُجْرى مَجْرى الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨]، وكَقَوْلِهِ: ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبإ: ١٠]، وقَدْ مَرَّ القَوْلُ في هَذا المَعْنى غَيْرَ مَرَّةٍ. وعَصا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هي الَّتِي كانَ أخَذَها مِن بَيْتِ عِصِيِّ الأنْبِياءِ الَّذِي كانَ عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ اتَّفَقا عَلى الرَعِيَّةِ، وكانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ هَبَطَ بِها مِنَ الجَنَّةِ، وكانَتْ مِنَ العَيْنِ الَّذِي في ورَقِ الرَيْحانِ، وهو الجِسْمُ المُسْتَطِيلُ في وسَطِها، وقَدْ تَقَدَّمُ شَرْحُ أمْرِها فِيما مَضى.

طه 20:17

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ﴾ تَحْذِيرٌ ووَعِيدٌ، أيِ: اعْبُدْنِي فَإنَّ عِقابِي وثَوابِي بِالمِرْصادِ، و"الساعَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: القِيامَةُ، بِلا خِلافٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والحُسْنُ، وعاصِمْ: "أكادُ أُخْفِيها" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى،: أُظْهِرُها، أيْ أنَّها مِن صِحَّةِ وُقُوعِها وتَيَقُّنِ كَوْنِهِ تَكادُ تَظْهَرُ، لَكِنْ تَنْحَجِبُ إلى الأجَلِ المَعْلُومِ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أخْفَيْتُ الشَيْءَ" بِمَعْنى: أظْهَرْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ خَفاهُنَّ مِن أنْفاقِهِنَّ كَأنَّما خَفاهُنَّ ودْقٌ مِن عِشِيٍّ مُجَلِّبِ ومِنهُ قَوْلُهُ أيْضًا: ؎ فَإنْ تَدْفِنُوا الداءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدِ (p-٨٥)قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: أُزِيلُ خَفاءَها وهو ما تُلَفُّ بِهِ القِرْبَةُ ونَحْوَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أكادَ أُخْفِيها" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى الآيَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أُظْهِرُها، و"أخْفَيْتُ" مِنَ الأضْدادِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، عَلى مَعْنى العِبارَةِ عن شِدَّةِ غُمُوضِها عَلى المَخْلُوقِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ أكادُ﴾ وتَمَّ الكَلامُ، بِمَعْنى: أكادُ أُنَفِّذُها لِقُرْبِها وصِحَّةِ وُقُوعِها، ثُمُ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِأنَّهُ يُخْفِيها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ قَلِقٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" زائِدَةٌ لا دُخُولَ لَها في المَعْنى، بَلْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الإخْبارَ بِأنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ، وأنَّ اللهَ يُخْفِي وقْتَ إتْيانِها عَنِ الناسِ. (p-٨٦)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" بِمَعْنى: أُرِيدُ، فالمَعْنى: أُرِيدُ إخْفاءَها عنكم لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى، واسْتَشْهَدَ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ بِقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗.................... وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا المَعْنى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" عَلى بابِها، بِمَعْنى أنَّها لِمُقارَبَةِ ما لَمْ يَقَعْ، لَكِنَّ الكَلامَ جارٍ عَلى اسْتِعارَةِ العَرَبِ ومَجازِها، فَلَمّا كانَتِ الآيَةُ عِبارَةً عن شَدَّةِ خَفاءِ أمْرِ القِيامَةِ ووَقْتِها، وكانَ القَطْعُ بِإتْيانِها مَعَ جَهْلِ الوَقْتِ أهِيبُ عَلى النُفُوسِ، بالَغَ قَوْلُهُ تَعالى في إعْتامِ وقْتِها فَقالَ: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ حَتّى لا تَظْهَرَ البَتَّةَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ، ولا بُدَّ مِن ظُهُورِها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا تَلْخِيصُ هَذا المَعْنى الَّذِي أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وهو الأقْوى عِنْدِي. ورَوى بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّ المَعْنى: "أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي" ما في القَوْلِ مِنَ القَلَقِ، فَقالُوا: مَعْنى "مِن نَفْسِي": مِن تِلْقائِي ومِن عِنْدِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا رَفْضٌ لِلْمَعْنى الأوَّلِ ورُجُوعٌ إلى هَذا القَوْلِ الَّذِي اخْتَرْناهُ أخِيرًا، فَتَأمَّلْهُ. واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِتُجْزى" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "آتِيَةٌ"، وهَكَذا بِتَرْتِيبِ الوَعِيدِ، و"تَسْعى" مَعْناهُ: تَكْتَسِبُ وتَجْتَرِحُ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها﴾، عائِدٌ عَلى "الساعَةِ"، يُرِيدُ: الإيمانُ بِالساعَةِ، فَأوقَعَ الضَمِيرَ عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الصَلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: عَلى "لا إلَهَ إلّا اللهُ". (p-٨٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُتَّجَهٌ، والأوَّلانِ أبْيَنُ وجْهًا. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَتَرْدى" مَعْناهُ: تَهْلَكُ، والرَدى: الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِمَّةِ: ؎ تَنادَوْا فَقالُوا أرْدَتِ الخَيْلُ فارِسًا ∗∗∗ فَقُلْتُ: أعَبْدُ اللهِ ذَلِكُمُ الرَدِي؟ وهَذا الخِطابُ كُلُّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وقالَ النِقاشُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها﴾ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا بَعِيدٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي"، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَرَكَّبَ ذَلِكَ القَوْلُ المُتَقَدِّمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ تَقْدِيرُهُ ومُضْمَنُهُ التَنْبِيهُ وجَمْعُ النَفْسِ لِتَلَقِّي ما يُورِدُ عَلَيْها، وإلّا فَقَدَ عَلِمُ اللهُ تَعالى ما هي في الأزَلِ. وقَوْلُهُ: "بِيَمِينِكَ" مِن صِلَةِ "تِلْكَ"، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ عَدَسْ! ما لِعَبّادٍ عَلَيْكَ إمارَةٌ ∗∗∗ نَجَوْتِ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ: ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ اللهَ تَعالى عَتَبَ عَلى مُوسى إضافَةَ (p-٨٨)العَصا إلى نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَوْطِنِ، فَقِيلَ لَهُ: "ألْقِها" لِيَرى مِنها العَجَبَ فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا مِلْكَ لَهُ عَلَيْها ولا تَنْضافُ إلَيْهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ - "عَصايِي" بِكَسْرِ الياءِ مِثْلَ غُلامِي، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَصى"، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎ سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهم ∗∗∗.............. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَصايَ" بِفَتْحِ الياءِ، وكَذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ قَرَأ: "عَصايْ" بِياءٍ ساكِنَةٍ. ثُمْ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن مَنافِعَ عَصاهُ عِظَمَها وجُمْهُورَها، وأجْمَلَ سائِرَ ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَأهُشُّ" بِضَمِّ الهاءِ والشِينِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: أخَبَطُ بِها الشَجَرَ حَتّى يَنْتَشِرَ الوَرَقُ لِلْغَنَمِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَأهِشُّ" بِكَسْرِ الهاءِ، والمَعْنى كالَّذِي تَقَدَّمَ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَأهُسُّ" بِضَمِّ الهاءِ والسِينِ غَيْرِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: أزْجُرُها وأُخَوِّفُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَلى غَنَمِي" بِالجَرِّ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (p-٨٩)"عَلى غَنَمِي" فَأوقَعُوا الفِعْلَ عَلى الغَنَمِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غَنْمِي" بِسُكُونِ النُونِ، ولا أعْرِفُ لَها وجْهًا، وقَوْلُهُ: "أُخْرى" - فَوَحَّدَ مَعَ تَقَدُّمُ الجَمْعِ - وهو المَهِيعُ في تَوابِعِ جَمْعِ ما لا يَعْقِلُ والكِنايَةُ عنهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يُجْرى مَجْرى الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨]، وكَقَوْلِهِ: ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبإ: ١٠]، وقَدْ مَرَّ القَوْلُ في هَذا المَعْنى غَيْرَ مَرَّةٍ. وعَصا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هي الَّتِي كانَ أخَذَها مِن بَيْتِ عِصِيِّ الأنْبِياءِ الَّذِي كانَ عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ اتَّفَقا عَلى الرَعِيَّةِ، وكانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ هَبَطَ بِها مِنَ الجَنَّةِ، وكانَتْ مِنَ العَيْنِ الَّذِي في ورَقِ الرَيْحانِ، وهو الجِسْمُ المُسْتَطِيلُ في وسَطِها، وقَدْ تَقَدَّمُ شَرْحُ أمْرِها فِيما مَضى.

طه 20:18

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ﴾ تَحْذِيرٌ ووَعِيدٌ، أيِ: اعْبُدْنِي فَإنَّ عِقابِي وثَوابِي بِالمِرْصادِ، و"الساعَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: القِيامَةُ، بِلا خِلافٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والحُسْنُ، وعاصِمْ: "أكادُ أُخْفِيها" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى،: أُظْهِرُها، أيْ أنَّها مِن صِحَّةِ وُقُوعِها وتَيَقُّنِ كَوْنِهِ تَكادُ تَظْهَرُ، لَكِنْ تَنْحَجِبُ إلى الأجَلِ المَعْلُومِ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أخْفَيْتُ الشَيْءَ" بِمَعْنى: أظْهَرْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ خَفاهُنَّ مِن أنْفاقِهِنَّ كَأنَّما خَفاهُنَّ ودْقٌ مِن عِشِيٍّ مُجَلِّبِ ومِنهُ قَوْلُهُ أيْضًا: ؎ فَإنْ تَدْفِنُوا الداءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدِ (p-٨٥)قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: أُزِيلُ خَفاءَها وهو ما تُلَفُّ بِهِ القِرْبَةُ ونَحْوَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أكادَ أُخْفِيها" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى الآيَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أُظْهِرُها، و"أخْفَيْتُ" مِنَ الأضْدادِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، عَلى مَعْنى العِبارَةِ عن شِدَّةِ غُمُوضِها عَلى المَخْلُوقِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ أكادُ﴾ وتَمَّ الكَلامُ، بِمَعْنى: أكادُ أُنَفِّذُها لِقُرْبِها وصِحَّةِ وُقُوعِها، ثُمُ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِأنَّهُ يُخْفِيها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ قَلِقٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" زائِدَةٌ لا دُخُولَ لَها في المَعْنى، بَلْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الإخْبارَ بِأنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ، وأنَّ اللهَ يُخْفِي وقْتَ إتْيانِها عَنِ الناسِ. (p-٨٦)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" بِمَعْنى: أُرِيدُ، فالمَعْنى: أُرِيدُ إخْفاءَها عنكم لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى، واسْتَشْهَدَ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ بِقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗.................... وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا المَعْنى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" عَلى بابِها، بِمَعْنى أنَّها لِمُقارَبَةِ ما لَمْ يَقَعْ، لَكِنَّ الكَلامَ جارٍ عَلى اسْتِعارَةِ العَرَبِ ومَجازِها، فَلَمّا كانَتِ الآيَةُ عِبارَةً عن شَدَّةِ خَفاءِ أمْرِ القِيامَةِ ووَقْتِها، وكانَ القَطْعُ بِإتْيانِها مَعَ جَهْلِ الوَقْتِ أهِيبُ عَلى النُفُوسِ، بالَغَ قَوْلُهُ تَعالى في إعْتامِ وقْتِها فَقالَ: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ حَتّى لا تَظْهَرَ البَتَّةَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ، ولا بُدَّ مِن ظُهُورِها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا تَلْخِيصُ هَذا المَعْنى الَّذِي أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وهو الأقْوى عِنْدِي. ورَوى بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّ المَعْنى: "أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي" ما في القَوْلِ مِنَ القَلَقِ، فَقالُوا: مَعْنى "مِن نَفْسِي": مِن تِلْقائِي ومِن عِنْدِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا رَفْضٌ لِلْمَعْنى الأوَّلِ ورُجُوعٌ إلى هَذا القَوْلِ الَّذِي اخْتَرْناهُ أخِيرًا، فَتَأمَّلْهُ. واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِتُجْزى" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "آتِيَةٌ"، وهَكَذا بِتَرْتِيبِ الوَعِيدِ، و"تَسْعى" مَعْناهُ: تَكْتَسِبُ وتَجْتَرِحُ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها﴾، عائِدٌ عَلى "الساعَةِ"، يُرِيدُ: الإيمانُ بِالساعَةِ، فَأوقَعَ الضَمِيرَ عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الصَلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: عَلى "لا إلَهَ إلّا اللهُ". (p-٨٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُتَّجَهٌ، والأوَّلانِ أبْيَنُ وجْهًا. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَتَرْدى" مَعْناهُ: تَهْلَكُ، والرَدى: الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِمَّةِ: ؎ تَنادَوْا فَقالُوا أرْدَتِ الخَيْلُ فارِسًا ∗∗∗ فَقُلْتُ: أعَبْدُ اللهِ ذَلِكُمُ الرَدِي؟ وهَذا الخِطابُ كُلُّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وقالَ النِقاشُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها﴾ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا بَعِيدٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي"، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَرَكَّبَ ذَلِكَ القَوْلُ المُتَقَدِّمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ تَقْدِيرُهُ ومُضْمَنُهُ التَنْبِيهُ وجَمْعُ النَفْسِ لِتَلَقِّي ما يُورِدُ عَلَيْها، وإلّا فَقَدَ عَلِمُ اللهُ تَعالى ما هي في الأزَلِ. وقَوْلُهُ: "بِيَمِينِكَ" مِن صِلَةِ "تِلْكَ"، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ عَدَسْ! ما لِعَبّادٍ عَلَيْكَ إمارَةٌ ∗∗∗ نَجَوْتِ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ: ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ اللهَ تَعالى عَتَبَ عَلى مُوسى إضافَةَ (p-٨٨)العَصا إلى نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَوْطِنِ، فَقِيلَ لَهُ: "ألْقِها" لِيَرى مِنها العَجَبَ فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا مِلْكَ لَهُ عَلَيْها ولا تَنْضافُ إلَيْهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ - "عَصايِي" بِكَسْرِ الياءِ مِثْلَ غُلامِي، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَصى"، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎ سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهم ∗∗∗.............. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَصايَ" بِفَتْحِ الياءِ، وكَذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ قَرَأ: "عَصايْ" بِياءٍ ساكِنَةٍ. ثُمْ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن مَنافِعَ عَصاهُ عِظَمَها وجُمْهُورَها، وأجْمَلَ سائِرَ ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَأهُشُّ" بِضَمِّ الهاءِ والشِينِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: أخَبَطُ بِها الشَجَرَ حَتّى يَنْتَشِرَ الوَرَقُ لِلْغَنَمِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَأهِشُّ" بِكَسْرِ الهاءِ، والمَعْنى كالَّذِي تَقَدَّمَ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَأهُسُّ" بِضَمِّ الهاءِ والسِينِ غَيْرِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: أزْجُرُها وأُخَوِّفُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَلى غَنَمِي" بِالجَرِّ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (p-٨٩)"عَلى غَنَمِي" فَأوقَعُوا الفِعْلَ عَلى الغَنَمِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غَنْمِي" بِسُكُونِ النُونِ، ولا أعْرِفُ لَها وجْهًا، وقَوْلُهُ: "أُخْرى" - فَوَحَّدَ مَعَ تَقَدُّمُ الجَمْعِ - وهو المَهِيعُ في تَوابِعِ جَمْعِ ما لا يَعْقِلُ والكِنايَةُ عنهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يُجْرى مَجْرى الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨]، وكَقَوْلِهِ: ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبإ: ١٠]، وقَدْ مَرَّ القَوْلُ في هَذا المَعْنى غَيْرَ مَرَّةٍ. وعَصا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هي الَّتِي كانَ أخَذَها مِن بَيْتِ عِصِيِّ الأنْبِياءِ الَّذِي كانَ عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ اتَّفَقا عَلى الرَعِيَّةِ، وكانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ هَبَطَ بِها مِنَ الجَنَّةِ، وكانَتْ مِنَ العَيْنِ الَّذِي في ورَقِ الرَيْحانِ، وهو الجِسْمُ المُسْتَطِيلُ في وسَطِها، وقَدْ تَقَدَّمُ شَرْحُ أمْرِها فِيما مَضى.

طه 20:19

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى. ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:(p-٩٠) ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ. وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ. ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] و﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ. ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ. (p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ. قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ. و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ". وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ. و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:(p-٩٢) ؎ بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ. وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ. وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

طه 20:20

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى. ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:(p-٩٠) ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ. وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ. ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] و﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ. ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ. (p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ. قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ. و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ". وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ. و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:(p-٩٢) ؎ بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ. وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ. وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

طه 20:21

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى. ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:(p-٩٠) ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ. وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ. ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] و﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ. ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ. (p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ. قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ. و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ". وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ. و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:(p-٩٢) ؎ بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ. وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ. وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

طه 20:22

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى. ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:(p-٩٠) ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ. وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ. ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] و﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ. ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ. (p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ. قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ. و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ". وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ. و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:(p-٩٢) ؎ بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ. وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ. وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

طه 20:23

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى. ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:(p-٩٠) ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ. وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ. ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] و﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ. ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ. (p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ. قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ. و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ". وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ. و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:(p-٩٢) ؎ بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ. وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ. وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

طه 20:24

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى. ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:(p-٩٠) ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ. وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ. ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] و﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ. ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ. (p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ. قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ. و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ". وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ. و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:(p-٩٢) ؎ بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ. وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ. وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

طه 20:25

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى. ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:(p-٩٠) ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ. وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ. ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] و﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ. ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ. (p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ. قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ. و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ". وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ. و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:(p-٩٢) ؎ بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ. وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ. وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

طه 20:26

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى. ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:(p-٩٠) ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ. وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ. ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] و﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ. ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ. (p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ. قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ. و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ". وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ. و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:(p-٩٢) ؎ بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ. وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ. وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

طه 20:27

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى. ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:(p-٩٠) ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ. وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ. ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] و﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ. ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ. (p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ. قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ. و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ". وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ. و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:(p-٩٢) ؎ بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ. وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ. وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

طه 20:28

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى. ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:(p-٩٠) ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ. وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ. ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] و﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ. ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ. (p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ. قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ. و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ". وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ. و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:(p-٩٢) ؎ بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ. وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ. وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

طه 20:29

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى. ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:(p-٩٠) ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ. وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ. ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] و﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ. ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ. (p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ. قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ. و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ". وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ. و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:(p-٩٢) ؎ بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ. وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ. وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

طه 20:30

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى. ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:(p-٩٠) ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ. وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ. ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] و﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ. ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ. (p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ. قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ. و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ". وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ. و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:(p-٩٢) ؎ بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ. وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ. وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

طه 20:31

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى. ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:(p-٩٠) ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ. وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ. ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] و﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ. ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ. (p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ. قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ. و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ". وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ. و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:(p-٩٢) ؎ بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ. وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ. وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

طه 20:32

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى. ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:(p-٩٠) ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ. وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ. ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] و﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ. ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ. (p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ. قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ. و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ". وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ. و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:(p-٩٢) ؎ بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ. وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ. وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

طه 20:33

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى. ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:(p-٩٠) ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ. وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ. ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] و﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ. ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ. (p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ. قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ. و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ". وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ. و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:(p-٩٢) ؎ بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ. وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ. وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

طه 20:34

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى. ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:(p-٩٠) ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ. وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ. ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] و﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ. ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ. (p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ. قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ. و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ". وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ. و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:(p-٩٢) ؎ بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ. وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ. وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

طه 20:35

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى. ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:(p-٩٠) ؎ أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ. وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ. ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] و﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ. ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ. (p-٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ. قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ. و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ". وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ. و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:(p-٩٢) ؎ بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ. وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ. وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

طه 20:36

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمِّ بِالساحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ المَعْنى: قالَ اللهُ تَعالى: قَدْ أُعْطَيْتَ يا مُوسى طَلِبَتَكَ في شَرْحِ الصَدْرِ وتَيْسِيرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، إمّا بِالكُلِّ وإمّا عَلى قَدْرِ الحاجَةِ في الأفْعالِ، وإيتاءُ هَذا السُؤالِ مِنَّةٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقَرَنَ إلَيْها قَدِيمَ مِنَّتَهُ عِنْدَهُ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ عَلَيْها لِيَعْظُمُ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ. وكانَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ - فِيما رُوِيَ - أنَّ فِرْعَوْنَ ذُكِرَ لَهُ أنَّ خَرابَ مُلْكُهُ يَكُونُ عَلى يَدَيْ غُلامٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ ولَدٍ يُولَدُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ثُمْ إنَّهُ رَأى مَعَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ أنَّ فَناءَ بَنِي إسْرائِيلَ يَعُودُ عَلى القِبْطِ بِالضَرَرِ؛ إذْ هم كانُوا عَمَلَةَ الأرْضِ والصُنّاعِ ونَحْوَ هَذا، فَعَزَمَ عَلى أنْ يَقْتُلَ الوَلْدانَ سَنَةً ويَسْتَحْيِيهِمْ سَنَةً، فَوُلِدَ (p-٩٣)هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ في سَنَةِ الِاسْتِحْياءِ فَكانَتْ أُمُّهُ آمِنَةً، ثُمْ وُلِدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في العامِ الرابِعِ سَنَةِ القَتْلِ، فَخافَتْ أُمُّهُ عَلَيْهِ الذَبْحَ فَبَقِيَتْ مُهْتَمَّةً، فَأوحى اللهُ إلَيْها، قِيلَ: بِمَلَكٍ جاءَ لَها فَأخْبَرَها وأمَرَها، قالَ بَعْضُ مَن رَوى هَذا: ولَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لَأنّا نَجْدُ في الشَرْعِ ورِواياتِهِ أنَّ المَلائِكَةَ قَدْ كَلَّمَتْ مَن لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كانَتْ أمُّ مُوسى رَسُولِ اللهِ ﷺ نَبِيَّةً بِهَذا الوَحْيِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كانَ هَذا الوَحْيُ رُؤْيًا رَأتْها في النَوْمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو وحْيُ إلْهامٍ وتَسْدِيدٍ كَوَحْيِ اللهِ إلى النَحْلِ وغَيْرِها، فَألْهَمَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى إلى أنِ اتَّخَذَتْ تابُوتًا فَقَذَفَتْ فِيهِ مُوسى راقِدًا في فِراشٍ، ثُمْ قَذَفَتْهُ في يَمِّ النِيلِ، وكانَ فِرْعَوْنُ جالِسًا في مَوْضِعٍ يُشْرِفُ عَلى النِيلِ إذْ رَأى التابُوتَ، فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَآهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ التابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ فِيها الماءُ، فَأخَذْنَ التابُوتَ وحَمَلْنَهُ إلَيْها، فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْ فِرْعَوْنَ وطَلَبَتَهُ مِنهُ، ثُمْ إنَّها عَرَضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ يُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ، فَكُلَّما عُرِضَتْ عَلَيْهِ امْرَأةٌ أباها، وكانَتْ أُمُّهُ حِينَ ذَهَبَ عنها في النَيْلِ بَقِيَتْ مَغْمُومَةً فُؤادُها فارِغٌ إلّا مِن هَمِّهِ، فَقالَتْ لِأُخْتِهِ: اطْلُبِي أثَرَهُ في المَدِينَةِ عَسى يَقَعُ إلَيْنا مِنهُ خَبَرٌ، فَبَيْنَما الأُخْتُ تَطُوفُ إذْ بَصُرَتْ بِهِ وفَهِمَتْ أمْرَهُ، فَقالَتْ لَهُمْ: أنا أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ، فَتَعَلَّقُوا بِها وقالُوا لَها: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَبِيَّ، فَقالَتْ: لا، غَيْرَ أنِّي أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها وإرْضائِها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَلالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمْ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها، فَسُرَّتْ آسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعِي في القَصْرِ، فَقالَتْ لَها: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي، ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ، واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرِضاعِ، والسَبَبِ مِنَ المَلِكَةِ، وأقامَ مُوسى حَتّى كَمَّلَ رَضاعَهُ، فَأرْسَلَتْ إلَيْها آسِيَةُ أنْ جِيئِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومِن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُحَفِ والهَدايا واللِباسِ، فَوَصْلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرٍ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ويُحِبَّهُ، فَرَآهُ وأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وجَبَذَها، فاسْتَشاطَ فِرْعَوْنُ وقالَ: هَذا عَدُوٌّ لِي، وأمَرَ بِقَتْلِهِ، (p-٩٤)فَناشَدَتْهُ فِيهِ امْرَأتُهُ وقالَتْ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: بَلْ يَعْقِلُ، فاتَّفَقا عَلى تَجْرِبَةٍ بِالجَمْرَةِ والياقُوتِ حَسْبَما ذَكَرْناهُ آنِفًا في حَلِّ العُقْدَةِ، فَنَجّاهُ اللهُ مِن فِرْعَوْنَ ورَدَّهُ إلى أُمِّهِ فَشَبَّ عِنْدَها إلى أنْ تَرَعْرَعَ، وكانَ فَتًى جَلْدًا فاضِلًا، فاعْتَزَّتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ بِظاهِرِ ذَلِكَ الرِضاعِ، وكانَ يَحْمِيهِمْ ويَكُونُ ضِلْعُهُ مَعَهم وهو يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ مِنهم ومِن صِمِيمِهِمْ، فَكانَتْ بَصِيرَتُهُ في حِمايَتِهِمْ، وكانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ أعْيانُ بَنِي إسْرائِيلَ. ثُمْ إنَّ قِصَّةَ القِبْطِيِّ المُتَقاتِلِ مَعَ الإسْرائِيلِيِّ نَزَلَتْ، وذِكْرُها في مَوْضِعِها مُسْتَوْعَبٌ، فَخَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن مِصْرَ حَتّى وصَلَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَ مَن أمْرِهِ مَعَ شُعَيْبٍ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ ما هو في مَوْضِعِهِ مُسْتَوْعِبٌ في مَوْضِعِهِ، مِن أنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ الصُغْرى عَلى رَعِيَّةِ الغَنَمِ عَشْرِ سِينَ، ثُمْ إنَّهُ اعْتَزَمَ الرَحِيلَ بِزَوْجَتِهِ إلى بِلادِ مِصْرَ، فَجاءَ في طَرِيقِهِ فَضَلَّ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَرَأى النارَ حَسْبَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَعَدَّدَ اللهُ تُبارِكُ تَعالى عَلى مُوسى في هَذِهِ الآيَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ القِصَّةُ مِن لُطْفِ اللهِ بِهِ في كُلِّ فَضْلٍ، وتَخْلِيصِهِ لَهُ مِن قِصَّةٍ إلى أُخْرى، وهَذِهِ الفِتُونِ الَّتِي فَتَنَهُ بِها، أيِ اخْتَبَرَهُ وخَلَّصَهُ حَتّى صَلَحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلَّمَ لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُوحى﴾ إيهامٌ يَتَضَمَّنُ عِظْمَ الأمْرِ وجَلالَتَهُ في النِعَمِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ يَغْشى السِدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦]، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ والكَلامِ، و﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن "ما"، والضَمِيرُ الأوَّلُ في "اقْذِفِيهِ" عائِدٌ عَلى مُوسى، وفي الثانِي عَلى التابُوتِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ خَبَرٌ خَرَجَ في صِغِيةِ الأمْرِ مُبالَغَةً، إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأُوجِبُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم»، فَأخْبَرَ الخَبَرُ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، وهَذا كَثِيرٌ، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مُخْرِجَ الأمْرِ حَسَنَ جَوابُهِ كَذَلِكَ. و"العَدُوُّ" الَّذِي كانَ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى ولِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هو فِرْعَوْنُ، ولَكِنَّ أُمْ مُوسى أُخْبَرَتْ بِهِ عَلى الإيهامِ، (p-٩٥)وَلِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّيهِ، وهي لا تَدْرِي أيْنَ. ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِ مَحَبَّةً مِنهُ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: أرادَ مَحَبَّةَ آسِيَةَ، لَأنَّها كانَتْ مِنَ اللهِ وكانَتْ سَبَبَ حَياتِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ القَبُولَ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ في الأرْضِ لِخِيارِ عِبادِهِ، وكانَ حَظُّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنهُ غايَةَ الوَفْرِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطاهُ إجْلالًا يُحِبُّهُ بِهِ كُلٌّ مَن رَآهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطاهُ مَلاحَةَ العَيْنَيْنِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ القَوْلانِ فِيهِما ضَعْفٌ، وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: و"لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي" بِكَسْرِ اللامِ وضَمِّ التاءِ عَلى مَعْنى: ولِتُغَذّى وتُطْعَمَ وتُرَبّى، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ: "وَلِتَصْنَعَ" بِفَتْحِ التاءِ، قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ: لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "وَلِيَصْنَعَ" بِالياءِ وكَسْرِ اللامِ عَلى الأمْرِ لِلْغائِبِ، وذَلِكَ مُتَّجِهٌ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى عَيْنِي﴾ مَعْناهُ: بِمَرْأًى مِنِّي وأمْرٍ مُدْرَكٍ مُبْصَرٍ مُراعًى.

طه 20:37

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمِّ بِالساحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ المَعْنى: قالَ اللهُ تَعالى: قَدْ أُعْطَيْتَ يا مُوسى طَلِبَتَكَ في شَرْحِ الصَدْرِ وتَيْسِيرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، إمّا بِالكُلِّ وإمّا عَلى قَدْرِ الحاجَةِ في الأفْعالِ، وإيتاءُ هَذا السُؤالِ مِنَّةٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقَرَنَ إلَيْها قَدِيمَ مِنَّتَهُ عِنْدَهُ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ عَلَيْها لِيَعْظُمُ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ. وكانَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ - فِيما رُوِيَ - أنَّ فِرْعَوْنَ ذُكِرَ لَهُ أنَّ خَرابَ مُلْكُهُ يَكُونُ عَلى يَدَيْ غُلامٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ ولَدٍ يُولَدُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ثُمْ إنَّهُ رَأى مَعَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ أنَّ فَناءَ بَنِي إسْرائِيلَ يَعُودُ عَلى القِبْطِ بِالضَرَرِ؛ إذْ هم كانُوا عَمَلَةَ الأرْضِ والصُنّاعِ ونَحْوَ هَذا، فَعَزَمَ عَلى أنْ يَقْتُلَ الوَلْدانَ سَنَةً ويَسْتَحْيِيهِمْ سَنَةً، فَوُلِدَ (p-٩٣)هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ في سَنَةِ الِاسْتِحْياءِ فَكانَتْ أُمُّهُ آمِنَةً، ثُمْ وُلِدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في العامِ الرابِعِ سَنَةِ القَتْلِ، فَخافَتْ أُمُّهُ عَلَيْهِ الذَبْحَ فَبَقِيَتْ مُهْتَمَّةً، فَأوحى اللهُ إلَيْها، قِيلَ: بِمَلَكٍ جاءَ لَها فَأخْبَرَها وأمَرَها، قالَ بَعْضُ مَن رَوى هَذا: ولَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لَأنّا نَجْدُ في الشَرْعِ ورِواياتِهِ أنَّ المَلائِكَةَ قَدْ كَلَّمَتْ مَن لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كانَتْ أمُّ مُوسى رَسُولِ اللهِ ﷺ نَبِيَّةً بِهَذا الوَحْيِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كانَ هَذا الوَحْيُ رُؤْيًا رَأتْها في النَوْمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو وحْيُ إلْهامٍ وتَسْدِيدٍ كَوَحْيِ اللهِ إلى النَحْلِ وغَيْرِها، فَألْهَمَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى إلى أنِ اتَّخَذَتْ تابُوتًا فَقَذَفَتْ فِيهِ مُوسى راقِدًا في فِراشٍ، ثُمْ قَذَفَتْهُ في يَمِّ النِيلِ، وكانَ فِرْعَوْنُ جالِسًا في مَوْضِعٍ يُشْرِفُ عَلى النِيلِ إذْ رَأى التابُوتَ، فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَآهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ التابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ فِيها الماءُ، فَأخَذْنَ التابُوتَ وحَمَلْنَهُ إلَيْها، فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْ فِرْعَوْنَ وطَلَبَتَهُ مِنهُ، ثُمْ إنَّها عَرَضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ يُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ، فَكُلَّما عُرِضَتْ عَلَيْهِ امْرَأةٌ أباها، وكانَتْ أُمُّهُ حِينَ ذَهَبَ عنها في النَيْلِ بَقِيَتْ مَغْمُومَةً فُؤادُها فارِغٌ إلّا مِن هَمِّهِ، فَقالَتْ لِأُخْتِهِ: اطْلُبِي أثَرَهُ في المَدِينَةِ عَسى يَقَعُ إلَيْنا مِنهُ خَبَرٌ، فَبَيْنَما الأُخْتُ تَطُوفُ إذْ بَصُرَتْ بِهِ وفَهِمَتْ أمْرَهُ، فَقالَتْ لَهُمْ: أنا أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ، فَتَعَلَّقُوا بِها وقالُوا لَها: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَبِيَّ، فَقالَتْ: لا، غَيْرَ أنِّي أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها وإرْضائِها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَلالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمْ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها، فَسُرَّتْ آسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعِي في القَصْرِ، فَقالَتْ لَها: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي، ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ، واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرِضاعِ، والسَبَبِ مِنَ المَلِكَةِ، وأقامَ مُوسى حَتّى كَمَّلَ رَضاعَهُ، فَأرْسَلَتْ إلَيْها آسِيَةُ أنْ جِيئِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومِن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُحَفِ والهَدايا واللِباسِ، فَوَصْلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرٍ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ويُحِبَّهُ، فَرَآهُ وأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وجَبَذَها، فاسْتَشاطَ فِرْعَوْنُ وقالَ: هَذا عَدُوٌّ لِي، وأمَرَ بِقَتْلِهِ، (p-٩٤)فَناشَدَتْهُ فِيهِ امْرَأتُهُ وقالَتْ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: بَلْ يَعْقِلُ، فاتَّفَقا عَلى تَجْرِبَةٍ بِالجَمْرَةِ والياقُوتِ حَسْبَما ذَكَرْناهُ آنِفًا في حَلِّ العُقْدَةِ، فَنَجّاهُ اللهُ مِن فِرْعَوْنَ ورَدَّهُ إلى أُمِّهِ فَشَبَّ عِنْدَها إلى أنْ تَرَعْرَعَ، وكانَ فَتًى جَلْدًا فاضِلًا، فاعْتَزَّتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ بِظاهِرِ ذَلِكَ الرِضاعِ، وكانَ يَحْمِيهِمْ ويَكُونُ ضِلْعُهُ مَعَهم وهو يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ مِنهم ومِن صِمِيمِهِمْ، فَكانَتْ بَصِيرَتُهُ في حِمايَتِهِمْ، وكانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ أعْيانُ بَنِي إسْرائِيلَ. ثُمْ إنَّ قِصَّةَ القِبْطِيِّ المُتَقاتِلِ مَعَ الإسْرائِيلِيِّ نَزَلَتْ، وذِكْرُها في مَوْضِعِها مُسْتَوْعَبٌ، فَخَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن مِصْرَ حَتّى وصَلَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَ مَن أمْرِهِ مَعَ شُعَيْبٍ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ ما هو في مَوْضِعِهِ مُسْتَوْعِبٌ في مَوْضِعِهِ، مِن أنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ الصُغْرى عَلى رَعِيَّةِ الغَنَمِ عَشْرِ سِينَ، ثُمْ إنَّهُ اعْتَزَمَ الرَحِيلَ بِزَوْجَتِهِ إلى بِلادِ مِصْرَ، فَجاءَ في طَرِيقِهِ فَضَلَّ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَرَأى النارَ حَسْبَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَعَدَّدَ اللهُ تُبارِكُ تَعالى عَلى مُوسى في هَذِهِ الآيَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ القِصَّةُ مِن لُطْفِ اللهِ بِهِ في كُلِّ فَضْلٍ، وتَخْلِيصِهِ لَهُ مِن قِصَّةٍ إلى أُخْرى، وهَذِهِ الفِتُونِ الَّتِي فَتَنَهُ بِها، أيِ اخْتَبَرَهُ وخَلَّصَهُ حَتّى صَلَحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلَّمَ لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُوحى﴾ إيهامٌ يَتَضَمَّنُ عِظْمَ الأمْرِ وجَلالَتَهُ في النِعَمِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ يَغْشى السِدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦]، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ والكَلامِ، و﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن "ما"، والضَمِيرُ الأوَّلُ في "اقْذِفِيهِ" عائِدٌ عَلى مُوسى، وفي الثانِي عَلى التابُوتِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ خَبَرٌ خَرَجَ في صِغِيةِ الأمْرِ مُبالَغَةً، إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأُوجِبُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم»، فَأخْبَرَ الخَبَرُ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، وهَذا كَثِيرٌ، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مُخْرِجَ الأمْرِ حَسَنَ جَوابُهِ كَذَلِكَ. و"العَدُوُّ" الَّذِي كانَ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى ولِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هو فِرْعَوْنُ، ولَكِنَّ أُمْ مُوسى أُخْبَرَتْ بِهِ عَلى الإيهامِ، (p-٩٥)وَلِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّيهِ، وهي لا تَدْرِي أيْنَ. ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِ مَحَبَّةً مِنهُ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: أرادَ مَحَبَّةَ آسِيَةَ، لَأنَّها كانَتْ مِنَ اللهِ وكانَتْ سَبَبَ حَياتِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ القَبُولَ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ في الأرْضِ لِخِيارِ عِبادِهِ، وكانَ حَظُّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنهُ غايَةَ الوَفْرِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطاهُ إجْلالًا يُحِبُّهُ بِهِ كُلٌّ مَن رَآهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطاهُ مَلاحَةَ العَيْنَيْنِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ القَوْلانِ فِيهِما ضَعْفٌ، وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: و"لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي" بِكَسْرِ اللامِ وضَمِّ التاءِ عَلى مَعْنى: ولِتُغَذّى وتُطْعَمَ وتُرَبّى، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ: "وَلِتَصْنَعَ" بِفَتْحِ التاءِ، قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ: لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "وَلِيَصْنَعَ" بِالياءِ وكَسْرِ اللامِ عَلى الأمْرِ لِلْغائِبِ، وذَلِكَ مُتَّجِهٌ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى عَيْنِي﴾ مَعْناهُ: بِمَرْأًى مِنِّي وأمْرٍ مُدْرَكٍ مُبْصَرٍ مُراعًى.

طه 20:38

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمِّ بِالساحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ المَعْنى: قالَ اللهُ تَعالى: قَدْ أُعْطَيْتَ يا مُوسى طَلِبَتَكَ في شَرْحِ الصَدْرِ وتَيْسِيرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، إمّا بِالكُلِّ وإمّا عَلى قَدْرِ الحاجَةِ في الأفْعالِ، وإيتاءُ هَذا السُؤالِ مِنَّةٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقَرَنَ إلَيْها قَدِيمَ مِنَّتَهُ عِنْدَهُ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ عَلَيْها لِيَعْظُمُ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ. وكانَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ - فِيما رُوِيَ - أنَّ فِرْعَوْنَ ذُكِرَ لَهُ أنَّ خَرابَ مُلْكُهُ يَكُونُ عَلى يَدَيْ غُلامٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ ولَدٍ يُولَدُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ثُمْ إنَّهُ رَأى مَعَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ أنَّ فَناءَ بَنِي إسْرائِيلَ يَعُودُ عَلى القِبْطِ بِالضَرَرِ؛ إذْ هم كانُوا عَمَلَةَ الأرْضِ والصُنّاعِ ونَحْوَ هَذا، فَعَزَمَ عَلى أنْ يَقْتُلَ الوَلْدانَ سَنَةً ويَسْتَحْيِيهِمْ سَنَةً، فَوُلِدَ (p-٩٣)هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ في سَنَةِ الِاسْتِحْياءِ فَكانَتْ أُمُّهُ آمِنَةً، ثُمْ وُلِدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في العامِ الرابِعِ سَنَةِ القَتْلِ، فَخافَتْ أُمُّهُ عَلَيْهِ الذَبْحَ فَبَقِيَتْ مُهْتَمَّةً، فَأوحى اللهُ إلَيْها، قِيلَ: بِمَلَكٍ جاءَ لَها فَأخْبَرَها وأمَرَها، قالَ بَعْضُ مَن رَوى هَذا: ولَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لَأنّا نَجْدُ في الشَرْعِ ورِواياتِهِ أنَّ المَلائِكَةَ قَدْ كَلَّمَتْ مَن لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كانَتْ أمُّ مُوسى رَسُولِ اللهِ ﷺ نَبِيَّةً بِهَذا الوَحْيِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كانَ هَذا الوَحْيُ رُؤْيًا رَأتْها في النَوْمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو وحْيُ إلْهامٍ وتَسْدِيدٍ كَوَحْيِ اللهِ إلى النَحْلِ وغَيْرِها، فَألْهَمَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى إلى أنِ اتَّخَذَتْ تابُوتًا فَقَذَفَتْ فِيهِ مُوسى راقِدًا في فِراشٍ، ثُمْ قَذَفَتْهُ في يَمِّ النِيلِ، وكانَ فِرْعَوْنُ جالِسًا في مَوْضِعٍ يُشْرِفُ عَلى النِيلِ إذْ رَأى التابُوتَ، فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَآهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ التابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ فِيها الماءُ، فَأخَذْنَ التابُوتَ وحَمَلْنَهُ إلَيْها، فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْ فِرْعَوْنَ وطَلَبَتَهُ مِنهُ، ثُمْ إنَّها عَرَضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ يُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ، فَكُلَّما عُرِضَتْ عَلَيْهِ امْرَأةٌ أباها، وكانَتْ أُمُّهُ حِينَ ذَهَبَ عنها في النَيْلِ بَقِيَتْ مَغْمُومَةً فُؤادُها فارِغٌ إلّا مِن هَمِّهِ، فَقالَتْ لِأُخْتِهِ: اطْلُبِي أثَرَهُ في المَدِينَةِ عَسى يَقَعُ إلَيْنا مِنهُ خَبَرٌ، فَبَيْنَما الأُخْتُ تَطُوفُ إذْ بَصُرَتْ بِهِ وفَهِمَتْ أمْرَهُ، فَقالَتْ لَهُمْ: أنا أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ، فَتَعَلَّقُوا بِها وقالُوا لَها: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَبِيَّ، فَقالَتْ: لا، غَيْرَ أنِّي أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها وإرْضائِها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَلالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمْ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها، فَسُرَّتْ آسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعِي في القَصْرِ، فَقالَتْ لَها: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي، ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ، واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرِضاعِ، والسَبَبِ مِنَ المَلِكَةِ، وأقامَ مُوسى حَتّى كَمَّلَ رَضاعَهُ، فَأرْسَلَتْ إلَيْها آسِيَةُ أنْ جِيئِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومِن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُحَفِ والهَدايا واللِباسِ، فَوَصْلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرٍ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ويُحِبَّهُ، فَرَآهُ وأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وجَبَذَها، فاسْتَشاطَ فِرْعَوْنُ وقالَ: هَذا عَدُوٌّ لِي، وأمَرَ بِقَتْلِهِ، (p-٩٤)فَناشَدَتْهُ فِيهِ امْرَأتُهُ وقالَتْ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: بَلْ يَعْقِلُ، فاتَّفَقا عَلى تَجْرِبَةٍ بِالجَمْرَةِ والياقُوتِ حَسْبَما ذَكَرْناهُ آنِفًا في حَلِّ العُقْدَةِ، فَنَجّاهُ اللهُ مِن فِرْعَوْنَ ورَدَّهُ إلى أُمِّهِ فَشَبَّ عِنْدَها إلى أنْ تَرَعْرَعَ، وكانَ فَتًى جَلْدًا فاضِلًا، فاعْتَزَّتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ بِظاهِرِ ذَلِكَ الرِضاعِ، وكانَ يَحْمِيهِمْ ويَكُونُ ضِلْعُهُ مَعَهم وهو يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ مِنهم ومِن صِمِيمِهِمْ، فَكانَتْ بَصِيرَتُهُ في حِمايَتِهِمْ، وكانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ أعْيانُ بَنِي إسْرائِيلَ. ثُمْ إنَّ قِصَّةَ القِبْطِيِّ المُتَقاتِلِ مَعَ الإسْرائِيلِيِّ نَزَلَتْ، وذِكْرُها في مَوْضِعِها مُسْتَوْعَبٌ، فَخَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن مِصْرَ حَتّى وصَلَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَ مَن أمْرِهِ مَعَ شُعَيْبٍ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ ما هو في مَوْضِعِهِ مُسْتَوْعِبٌ في مَوْضِعِهِ، مِن أنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ الصُغْرى عَلى رَعِيَّةِ الغَنَمِ عَشْرِ سِينَ، ثُمْ إنَّهُ اعْتَزَمَ الرَحِيلَ بِزَوْجَتِهِ إلى بِلادِ مِصْرَ، فَجاءَ في طَرِيقِهِ فَضَلَّ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَرَأى النارَ حَسْبَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَعَدَّدَ اللهُ تُبارِكُ تَعالى عَلى مُوسى في هَذِهِ الآيَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ القِصَّةُ مِن لُطْفِ اللهِ بِهِ في كُلِّ فَضْلٍ، وتَخْلِيصِهِ لَهُ مِن قِصَّةٍ إلى أُخْرى، وهَذِهِ الفِتُونِ الَّتِي فَتَنَهُ بِها، أيِ اخْتَبَرَهُ وخَلَّصَهُ حَتّى صَلَحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلَّمَ لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُوحى﴾ إيهامٌ يَتَضَمَّنُ عِظْمَ الأمْرِ وجَلالَتَهُ في النِعَمِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ يَغْشى السِدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦]، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ والكَلامِ، و﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن "ما"، والضَمِيرُ الأوَّلُ في "اقْذِفِيهِ" عائِدٌ عَلى مُوسى، وفي الثانِي عَلى التابُوتِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ خَبَرٌ خَرَجَ في صِغِيةِ الأمْرِ مُبالَغَةً، إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأُوجِبُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم»، فَأخْبَرَ الخَبَرُ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، وهَذا كَثِيرٌ، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مُخْرِجَ الأمْرِ حَسَنَ جَوابُهِ كَذَلِكَ. و"العَدُوُّ" الَّذِي كانَ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى ولِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هو فِرْعَوْنُ، ولَكِنَّ أُمْ مُوسى أُخْبَرَتْ بِهِ عَلى الإيهامِ، (p-٩٥)وَلِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّيهِ، وهي لا تَدْرِي أيْنَ. ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِ مَحَبَّةً مِنهُ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: أرادَ مَحَبَّةَ آسِيَةَ، لَأنَّها كانَتْ مِنَ اللهِ وكانَتْ سَبَبَ حَياتِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ القَبُولَ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ في الأرْضِ لِخِيارِ عِبادِهِ، وكانَ حَظُّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنهُ غايَةَ الوَفْرِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطاهُ إجْلالًا يُحِبُّهُ بِهِ كُلٌّ مَن رَآهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطاهُ مَلاحَةَ العَيْنَيْنِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ القَوْلانِ فِيهِما ضَعْفٌ، وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: و"لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي" بِكَسْرِ اللامِ وضَمِّ التاءِ عَلى مَعْنى: ولِتُغَذّى وتُطْعَمَ وتُرَبّى، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ: "وَلِتَصْنَعَ" بِفَتْحِ التاءِ، قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ: لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "وَلِيَصْنَعَ" بِالياءِ وكَسْرِ اللامِ عَلى الأمْرِ لِلْغائِبِ، وذَلِكَ مُتَّجِهٌ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى عَيْنِي﴾ مَعْناهُ: بِمَرْأًى مِنِّي وأمْرٍ مُدْرَكٍ مُبْصَرٍ مُراعًى.

طه 20:39

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمِّ بِالساحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ المَعْنى: قالَ اللهُ تَعالى: قَدْ أُعْطَيْتَ يا مُوسى طَلِبَتَكَ في شَرْحِ الصَدْرِ وتَيْسِيرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، إمّا بِالكُلِّ وإمّا عَلى قَدْرِ الحاجَةِ في الأفْعالِ، وإيتاءُ هَذا السُؤالِ مِنَّةٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقَرَنَ إلَيْها قَدِيمَ مِنَّتَهُ عِنْدَهُ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ عَلَيْها لِيَعْظُمُ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ. وكانَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ - فِيما رُوِيَ - أنَّ فِرْعَوْنَ ذُكِرَ لَهُ أنَّ خَرابَ مُلْكُهُ يَكُونُ عَلى يَدَيْ غُلامٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ ولَدٍ يُولَدُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ثُمْ إنَّهُ رَأى مَعَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ أنَّ فَناءَ بَنِي إسْرائِيلَ يَعُودُ عَلى القِبْطِ بِالضَرَرِ؛ إذْ هم كانُوا عَمَلَةَ الأرْضِ والصُنّاعِ ونَحْوَ هَذا، فَعَزَمَ عَلى أنْ يَقْتُلَ الوَلْدانَ سَنَةً ويَسْتَحْيِيهِمْ سَنَةً، فَوُلِدَ (p-٩٣)هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ في سَنَةِ الِاسْتِحْياءِ فَكانَتْ أُمُّهُ آمِنَةً، ثُمْ وُلِدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في العامِ الرابِعِ سَنَةِ القَتْلِ، فَخافَتْ أُمُّهُ عَلَيْهِ الذَبْحَ فَبَقِيَتْ مُهْتَمَّةً، فَأوحى اللهُ إلَيْها، قِيلَ: بِمَلَكٍ جاءَ لَها فَأخْبَرَها وأمَرَها، قالَ بَعْضُ مَن رَوى هَذا: ولَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لَأنّا نَجْدُ في الشَرْعِ ورِواياتِهِ أنَّ المَلائِكَةَ قَدْ كَلَّمَتْ مَن لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كانَتْ أمُّ مُوسى رَسُولِ اللهِ ﷺ نَبِيَّةً بِهَذا الوَحْيِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كانَ هَذا الوَحْيُ رُؤْيًا رَأتْها في النَوْمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو وحْيُ إلْهامٍ وتَسْدِيدٍ كَوَحْيِ اللهِ إلى النَحْلِ وغَيْرِها، فَألْهَمَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى إلى أنِ اتَّخَذَتْ تابُوتًا فَقَذَفَتْ فِيهِ مُوسى راقِدًا في فِراشٍ، ثُمْ قَذَفَتْهُ في يَمِّ النِيلِ، وكانَ فِرْعَوْنُ جالِسًا في مَوْضِعٍ يُشْرِفُ عَلى النِيلِ إذْ رَأى التابُوتَ، فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَآهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ التابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ فِيها الماءُ، فَأخَذْنَ التابُوتَ وحَمَلْنَهُ إلَيْها، فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْ فِرْعَوْنَ وطَلَبَتَهُ مِنهُ، ثُمْ إنَّها عَرَضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ يُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ، فَكُلَّما عُرِضَتْ عَلَيْهِ امْرَأةٌ أباها، وكانَتْ أُمُّهُ حِينَ ذَهَبَ عنها في النَيْلِ بَقِيَتْ مَغْمُومَةً فُؤادُها فارِغٌ إلّا مِن هَمِّهِ، فَقالَتْ لِأُخْتِهِ: اطْلُبِي أثَرَهُ في المَدِينَةِ عَسى يَقَعُ إلَيْنا مِنهُ خَبَرٌ، فَبَيْنَما الأُخْتُ تَطُوفُ إذْ بَصُرَتْ بِهِ وفَهِمَتْ أمْرَهُ، فَقالَتْ لَهُمْ: أنا أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ، فَتَعَلَّقُوا بِها وقالُوا لَها: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَبِيَّ، فَقالَتْ: لا، غَيْرَ أنِّي أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها وإرْضائِها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَلالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمْ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها، فَسُرَّتْ آسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعِي في القَصْرِ، فَقالَتْ لَها: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي، ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ، واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرِضاعِ، والسَبَبِ مِنَ المَلِكَةِ، وأقامَ مُوسى حَتّى كَمَّلَ رَضاعَهُ، فَأرْسَلَتْ إلَيْها آسِيَةُ أنْ جِيئِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومِن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُحَفِ والهَدايا واللِباسِ، فَوَصْلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرٍ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ويُحِبَّهُ، فَرَآهُ وأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وجَبَذَها، فاسْتَشاطَ فِرْعَوْنُ وقالَ: هَذا عَدُوٌّ لِي، وأمَرَ بِقَتْلِهِ، (p-٩٤)فَناشَدَتْهُ فِيهِ امْرَأتُهُ وقالَتْ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: بَلْ يَعْقِلُ، فاتَّفَقا عَلى تَجْرِبَةٍ بِالجَمْرَةِ والياقُوتِ حَسْبَما ذَكَرْناهُ آنِفًا في حَلِّ العُقْدَةِ، فَنَجّاهُ اللهُ مِن فِرْعَوْنَ ورَدَّهُ إلى أُمِّهِ فَشَبَّ عِنْدَها إلى أنْ تَرَعْرَعَ، وكانَ فَتًى جَلْدًا فاضِلًا، فاعْتَزَّتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ بِظاهِرِ ذَلِكَ الرِضاعِ، وكانَ يَحْمِيهِمْ ويَكُونُ ضِلْعُهُ مَعَهم وهو يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ مِنهم ومِن صِمِيمِهِمْ، فَكانَتْ بَصِيرَتُهُ في حِمايَتِهِمْ، وكانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ أعْيانُ بَنِي إسْرائِيلَ. ثُمْ إنَّ قِصَّةَ القِبْطِيِّ المُتَقاتِلِ مَعَ الإسْرائِيلِيِّ نَزَلَتْ، وذِكْرُها في مَوْضِعِها مُسْتَوْعَبٌ، فَخَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن مِصْرَ حَتّى وصَلَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَ مَن أمْرِهِ مَعَ شُعَيْبٍ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ ما هو في مَوْضِعِهِ مُسْتَوْعِبٌ في مَوْضِعِهِ، مِن أنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ الصُغْرى عَلى رَعِيَّةِ الغَنَمِ عَشْرِ سِينَ، ثُمْ إنَّهُ اعْتَزَمَ الرَحِيلَ بِزَوْجَتِهِ إلى بِلادِ مِصْرَ، فَجاءَ في طَرِيقِهِ فَضَلَّ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَرَأى النارَ حَسْبَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَعَدَّدَ اللهُ تُبارِكُ تَعالى عَلى مُوسى في هَذِهِ الآيَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ القِصَّةُ مِن لُطْفِ اللهِ بِهِ في كُلِّ فَضْلٍ، وتَخْلِيصِهِ لَهُ مِن قِصَّةٍ إلى أُخْرى، وهَذِهِ الفِتُونِ الَّتِي فَتَنَهُ بِها، أيِ اخْتَبَرَهُ وخَلَّصَهُ حَتّى صَلَحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلَّمَ لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُوحى﴾ إيهامٌ يَتَضَمَّنُ عِظْمَ الأمْرِ وجَلالَتَهُ في النِعَمِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ يَغْشى السِدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦]، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ والكَلامِ، و﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن "ما"، والضَمِيرُ الأوَّلُ في "اقْذِفِيهِ" عائِدٌ عَلى مُوسى، وفي الثانِي عَلى التابُوتِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ﴾ خَبَرٌ خَرَجَ في صِغِيةِ الأمْرِ مُبالَغَةً، إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأُوجِبُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم»، فَأخْبَرَ الخَبَرُ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، وهَذا كَثِيرٌ، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مُخْرِجَ الأمْرِ حَسَنَ جَوابُهِ كَذَلِكَ. و"العَدُوُّ" الَّذِي كانَ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى ولِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هو فِرْعَوْنُ، ولَكِنَّ أُمْ مُوسى أُخْبَرَتْ بِهِ عَلى الإيهامِ، (p-٩٥)وَلِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّيهِ، وهي لا تَدْرِي أيْنَ. ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِ مَحَبَّةً مِنهُ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: أرادَ مَحَبَّةَ آسِيَةَ، لَأنَّها كانَتْ مِنَ اللهِ وكانَتْ سَبَبَ حَياتِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ القَبُولَ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ في الأرْضِ لِخِيارِ عِبادِهِ، وكانَ حَظُّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنهُ غايَةَ الوَفْرِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطاهُ إجْلالًا يُحِبُّهُ بِهِ كُلٌّ مَن رَآهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطاهُ مَلاحَةَ العَيْنَيْنِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ القَوْلانِ فِيهِما ضَعْفٌ، وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: و"لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي" بِكَسْرِ اللامِ وضَمِّ التاءِ عَلى مَعْنى: ولِتُغَذّى وتُطْعَمَ وتُرَبّى، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ: "وَلِتَصْنَعَ" بِفَتْحِ التاءِ، قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ: لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "وَلِيَصْنَعَ" بِالياءِ وكَسْرِ اللامِ عَلى الأمْرِ لِلْغائِبِ، وذَلِكَ مُتَّجِهٌ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى عَيْنِي﴾ مَعْناهُ: بِمَرْأًى مِنِّي وأمْرٍ مُدْرَكٍ مُبْصَرٍ مُراعًى.

طه 20:40

قوله عزّ وجلّ: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مَن الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ العامِلُ في "إذْ" فَعَلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: ومَنَنّا إذْ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في القَصَصِ المَذْكُورِ آنِفًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "كَيْ تَقَرَّ" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "كَيْ تَقِرَّ" بِكَسْرِ القافِ، والنَفْسُ الَّتِي قَتَلَها هي نَفْسُ القِبْطِيِّ الَّذِي كانَ يُقاتِلُ الإسْرائِيلِيَّ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ، و"الغَمُّ": هَمُّ النَفْسِ، وكانَ هَمُّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأمْرِ مِن طَلَبِهِ لِيَثْأرَ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ مَعْناهُ: خَلَّصْناكَ تَخْلِيصًا، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: اخْتَبَرْناكَ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ لا يُرادُ إلّا ما اخْتُبِرَ بِهِ (p-٩٦)مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وتَكْلِيفِهِ، وما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يَدْخُلُ في اخْتِبارِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ. وعِدَّةُ سِنِيِّهِ في أهْلِ مَدْيَنَ عَشَرَةُ أعْوامٍ؛ لَأنَّهُ إنَّما قَضى أوفى الأجَلَيْنِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿عَلى قَدَرٍ﴾ أيْ: بِمِيقاتٍ مَحْدُودٍ لِلنُّبُوَّةِ الَّتِي قَدْ أرادَها اللهُ بِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ نالَ الخِلافَةَ إذْ كانَتْ لَهُ قَدَرًا كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ مَعْناهُ: جَعَلَتْكَ مَوْضِعَ الصَنِيعَةِ ومَقَرَّ الإجْمالِ والإحْسانِ، وقَوْلُهُ: "لِنَفْسِي" إضافَةَ تَشْرِيفٍ، وهَذا كَما تَقُولُ: "بَيْتُ اللهِ" ونَحْوَهُ. «والصِيامُ لِي وأنا أجْزِي بِهِ»، وعَبَّرَ بِالنَفْسِ عن شِدَّةِ القُرْبِ وقُوَّةِ الِاخْتِصاصِ.

طه 20:41

قوله عزّ وجلّ: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مَن الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ العامِلُ في "إذْ" فَعَلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: ومَنَنّا إذْ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في القَصَصِ المَذْكُورِ آنِفًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "كَيْ تَقَرَّ" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "كَيْ تَقِرَّ" بِكَسْرِ القافِ، والنَفْسُ الَّتِي قَتَلَها هي نَفْسُ القِبْطِيِّ الَّذِي كانَ يُقاتِلُ الإسْرائِيلِيَّ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ، و"الغَمُّ": هَمُّ النَفْسِ، وكانَ هَمُّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأمْرِ مِن طَلَبِهِ لِيَثْأرَ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ مَعْناهُ: خَلَّصْناكَ تَخْلِيصًا، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: اخْتَبَرْناكَ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ لا يُرادُ إلّا ما اخْتُبِرَ بِهِ (p-٩٦)مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وتَكْلِيفِهِ، وما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يَدْخُلُ في اخْتِبارِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ. وعِدَّةُ سِنِيِّهِ في أهْلِ مَدْيَنَ عَشَرَةُ أعْوامٍ؛ لَأنَّهُ إنَّما قَضى أوفى الأجَلَيْنِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿عَلى قَدَرٍ﴾ أيْ: بِمِيقاتٍ مَحْدُودٍ لِلنُّبُوَّةِ الَّتِي قَدْ أرادَها اللهُ بِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ نالَ الخِلافَةَ إذْ كانَتْ لَهُ قَدَرًا كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ مَعْناهُ: جَعَلَتْكَ مَوْضِعَ الصَنِيعَةِ ومَقَرَّ الإجْمالِ والإحْسانِ، وقَوْلُهُ: "لِنَفْسِي" إضافَةَ تَشْرِيفٍ، وهَذا كَما تَقُولُ: "بَيْتُ اللهِ" ونَحْوَهُ. «والصِيامُ لِي وأنا أجْزِي بِهِ»، وعَبَّرَ بِالنَفْسِ عن شِدَّةِ القُرْبِ وقُوَّةِ الِاخْتِصاصِ.

طه 20:42

قوله عزّ وجلّ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أو أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالنُفُوذِ إلى دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ، وخاطَبَ مُوسى وحْدَهُ تَشْرِيفًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ هارُونَ أُوحِيَ إلَيْهِ مَعَ مَلِكٍ أنْ يُنَفِّذَ، و"بِآياتِي" مَعْناهُ: بِعَلاماتِي الَّتِي أعْطَيْتُكُما مِن مُعْجِزَةٍ وآيَةِ وحْيٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ كالتَوْراةِ، و"تَنِيا" مَعْناهُ: تَضْعُفا وتُبْطِئا، تَقُولُ: ونى فَلانٌ في أمْرِ كَذا إذا تَباطَأ فِيهِ عن ضَعْفٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٩٧) ؎ ............................. فَما أنا بِالوانِي ولا الضَرَعِ الغُمْرِ والوَنى: الكَلالُ والفَشَلُ في البَهائِمْ والإنْسِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَهِنا في ذَكَرِي"، مَعْناهُ: ولا تَلِينا، مِن قَوْلِكَ: هَيِّنٌ لَيِّنٌ. و"القَوْلُ اللَيِّنُ" قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: كَنِّياهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أمَرَهُما بِتَحْسِينِ الكَلِمَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الوَجْهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن يُرِيدُ دُعاءَ إنْسانٍ إلى أمْرٍ يَكْرَهُهُ، فَإنَّما الوَجْهُ أنْ يُحَرِّرَ في عِبارَتِهِ المَعْنى الَّذِي يُرِيدُ حَتّى لا يُخِلَّ بِهِ ولا يَخِرَّ مِنهُ، ثُمْ يَجْتَهِدُ بَعْدَ ذَلِكَ في أنْ تَكُونَ عِبارَتُهُ لَطِيفَةً ومُقابَلَتُهُ لَيِّنَةً، فَذَلِكَ أجْلَبُ لِلْمُرادِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ أنْ يَسْلُكا مَعَ فِرْعَوْنَ إكْمالَ الدَعْوَةِ في لِينٍ مِنَ القَوْلِ. وقَوْلُهُ: "لَعَلَّهُ" مَعْناهُ: عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما، فالتَوَقُّعُ فِيها إنَّما هو راجِعٌ إلى جِهَةِ البَشَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "يَفْرُطَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، ومَعْناهُ: يُعَجِّلُ ويَتَسَرَّعُ بِمَكْرُوهٍ فِينا، ومِنهُ الفارِطُ في الماءِ، وهو الَّذِي يَتَقَدَّمُ القَوْمَ إلَيْهِ، قالَ الشاعِرَ: ؎ فاسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَقَدَّمَ فُرّاطٌ لِوُرّادِ (p-٩٨)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: "يُفْرِطَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ، ومَعْناهُ: يَشْتَطُّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُفْرَطُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ، ومَعْناها أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى التَسَرُّعِ إلَيْنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ أيْ: بِالنَصْرِ والمَعُونَةِ والقُدْرَةِ عَلى فِرْعَوْنَ، وهَذا كَما تَقُولُ: الأمِيرُ مَعَ فُلانٍ إذا أرَدْتَ أنَّهُ يَحْمِيهِ. "أسْمَعُ وأرى" عِبارَتانِ عَنِ الإدْراكِ الَّذِي لا تَخْفى مَعَهُ خافِيَةٌ، تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ.

طه 20:43

قوله عزّ وجلّ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أو أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالنُفُوذِ إلى دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ، وخاطَبَ مُوسى وحْدَهُ تَشْرِيفًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ هارُونَ أُوحِيَ إلَيْهِ مَعَ مَلِكٍ أنْ يُنَفِّذَ، و"بِآياتِي" مَعْناهُ: بِعَلاماتِي الَّتِي أعْطَيْتُكُما مِن مُعْجِزَةٍ وآيَةِ وحْيٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ كالتَوْراةِ، و"تَنِيا" مَعْناهُ: تَضْعُفا وتُبْطِئا، تَقُولُ: ونى فَلانٌ في أمْرِ كَذا إذا تَباطَأ فِيهِ عن ضَعْفٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٩٧) ؎ ............................. فَما أنا بِالوانِي ولا الضَرَعِ الغُمْرِ والوَنى: الكَلالُ والفَشَلُ في البَهائِمْ والإنْسِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَهِنا في ذَكَرِي"، مَعْناهُ: ولا تَلِينا، مِن قَوْلِكَ: هَيِّنٌ لَيِّنٌ. و"القَوْلُ اللَيِّنُ" قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: كَنِّياهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أمَرَهُما بِتَحْسِينِ الكَلِمَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الوَجْهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن يُرِيدُ دُعاءَ إنْسانٍ إلى أمْرٍ يَكْرَهُهُ، فَإنَّما الوَجْهُ أنْ يُحَرِّرَ في عِبارَتِهِ المَعْنى الَّذِي يُرِيدُ حَتّى لا يُخِلَّ بِهِ ولا يَخِرَّ مِنهُ، ثُمْ يَجْتَهِدُ بَعْدَ ذَلِكَ في أنْ تَكُونَ عِبارَتُهُ لَطِيفَةً ومُقابَلَتُهُ لَيِّنَةً، فَذَلِكَ أجْلَبُ لِلْمُرادِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ أنْ يَسْلُكا مَعَ فِرْعَوْنَ إكْمالَ الدَعْوَةِ في لِينٍ مِنَ القَوْلِ. وقَوْلُهُ: "لَعَلَّهُ" مَعْناهُ: عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما، فالتَوَقُّعُ فِيها إنَّما هو راجِعٌ إلى جِهَةِ البَشَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "يَفْرُطَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، ومَعْناهُ: يُعَجِّلُ ويَتَسَرَّعُ بِمَكْرُوهٍ فِينا، ومِنهُ الفارِطُ في الماءِ، وهو الَّذِي يَتَقَدَّمُ القَوْمَ إلَيْهِ، قالَ الشاعِرَ: ؎ فاسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَقَدَّمَ فُرّاطٌ لِوُرّادِ (p-٩٨)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: "يُفْرِطَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ، ومَعْناهُ: يَشْتَطُّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُفْرَطُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ، ومَعْناها أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى التَسَرُّعِ إلَيْنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ أيْ: بِالنَصْرِ والمَعُونَةِ والقُدْرَةِ عَلى فِرْعَوْنَ، وهَذا كَما تَقُولُ: الأمِيرُ مَعَ فُلانٍ إذا أرَدْتَ أنَّهُ يَحْمِيهِ. "أسْمَعُ وأرى" عِبارَتانِ عَنِ الإدْراكِ الَّذِي لا تَخْفى مَعَهُ خافِيَةٌ، تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ.

طه 20:44

قوله عزّ وجلّ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أو أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالنُفُوذِ إلى دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ، وخاطَبَ مُوسى وحْدَهُ تَشْرِيفًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ هارُونَ أُوحِيَ إلَيْهِ مَعَ مَلِكٍ أنْ يُنَفِّذَ، و"بِآياتِي" مَعْناهُ: بِعَلاماتِي الَّتِي أعْطَيْتُكُما مِن مُعْجِزَةٍ وآيَةِ وحْيٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ كالتَوْراةِ، و"تَنِيا" مَعْناهُ: تَضْعُفا وتُبْطِئا، تَقُولُ: ونى فَلانٌ في أمْرِ كَذا إذا تَباطَأ فِيهِ عن ضَعْفٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٩٧) ؎ ............................. فَما أنا بِالوانِي ولا الضَرَعِ الغُمْرِ والوَنى: الكَلالُ والفَشَلُ في البَهائِمْ والإنْسِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَهِنا في ذَكَرِي"، مَعْناهُ: ولا تَلِينا، مِن قَوْلِكَ: هَيِّنٌ لَيِّنٌ. و"القَوْلُ اللَيِّنُ" قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: كَنِّياهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أمَرَهُما بِتَحْسِينِ الكَلِمَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الوَجْهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن يُرِيدُ دُعاءَ إنْسانٍ إلى أمْرٍ يَكْرَهُهُ، فَإنَّما الوَجْهُ أنْ يُحَرِّرَ في عِبارَتِهِ المَعْنى الَّذِي يُرِيدُ حَتّى لا يُخِلَّ بِهِ ولا يَخِرَّ مِنهُ، ثُمْ يَجْتَهِدُ بَعْدَ ذَلِكَ في أنْ تَكُونَ عِبارَتُهُ لَطِيفَةً ومُقابَلَتُهُ لَيِّنَةً، فَذَلِكَ أجْلَبُ لِلْمُرادِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ أنْ يَسْلُكا مَعَ فِرْعَوْنَ إكْمالَ الدَعْوَةِ في لِينٍ مِنَ القَوْلِ. وقَوْلُهُ: "لَعَلَّهُ" مَعْناهُ: عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما، فالتَوَقُّعُ فِيها إنَّما هو راجِعٌ إلى جِهَةِ البَشَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "يَفْرُطَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، ومَعْناهُ: يُعَجِّلُ ويَتَسَرَّعُ بِمَكْرُوهٍ فِينا، ومِنهُ الفارِطُ في الماءِ، وهو الَّذِي يَتَقَدَّمُ القَوْمَ إلَيْهِ، قالَ الشاعِرَ: ؎ فاسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَقَدَّمَ فُرّاطٌ لِوُرّادِ (p-٩٨)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: "يُفْرِطَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ، ومَعْناهُ: يَشْتَطُّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُفْرَطُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ، ومَعْناها أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى التَسَرُّعِ إلَيْنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ أيْ: بِالنَصْرِ والمَعُونَةِ والقُدْرَةِ عَلى فِرْعَوْنَ، وهَذا كَما تَقُولُ: الأمِيرُ مَعَ فُلانٍ إذا أرَدْتَ أنَّهُ يَحْمِيهِ. "أسْمَعُ وأرى" عِبارَتانِ عَنِ الإدْراكِ الَّذِي لا تَخْفى مَعَهُ خافِيَةٌ، تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ.

طه 20:45

قوله عزّ وجلّ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أو أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالنُفُوذِ إلى دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ، وخاطَبَ مُوسى وحْدَهُ تَشْرِيفًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ هارُونَ أُوحِيَ إلَيْهِ مَعَ مَلِكٍ أنْ يُنَفِّذَ، و"بِآياتِي" مَعْناهُ: بِعَلاماتِي الَّتِي أعْطَيْتُكُما مِن مُعْجِزَةٍ وآيَةِ وحْيٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ كالتَوْراةِ، و"تَنِيا" مَعْناهُ: تَضْعُفا وتُبْطِئا، تَقُولُ: ونى فَلانٌ في أمْرِ كَذا إذا تَباطَأ فِيهِ عن ضَعْفٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٩٧) ؎ ............................. فَما أنا بِالوانِي ولا الضَرَعِ الغُمْرِ والوَنى: الكَلالُ والفَشَلُ في البَهائِمْ والإنْسِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَهِنا في ذَكَرِي"، مَعْناهُ: ولا تَلِينا، مِن قَوْلِكَ: هَيِّنٌ لَيِّنٌ. و"القَوْلُ اللَيِّنُ" قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: كَنِّياهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أمَرَهُما بِتَحْسِينِ الكَلِمَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الوَجْهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن يُرِيدُ دُعاءَ إنْسانٍ إلى أمْرٍ يَكْرَهُهُ، فَإنَّما الوَجْهُ أنْ يُحَرِّرَ في عِبارَتِهِ المَعْنى الَّذِي يُرِيدُ حَتّى لا يُخِلَّ بِهِ ولا يَخِرَّ مِنهُ، ثُمْ يَجْتَهِدُ بَعْدَ ذَلِكَ في أنْ تَكُونَ عِبارَتُهُ لَطِيفَةً ومُقابَلَتُهُ لَيِّنَةً، فَذَلِكَ أجْلَبُ لِلْمُرادِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ أنْ يَسْلُكا مَعَ فِرْعَوْنَ إكْمالَ الدَعْوَةِ في لِينٍ مِنَ القَوْلِ. وقَوْلُهُ: "لَعَلَّهُ" مَعْناهُ: عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما، فالتَوَقُّعُ فِيها إنَّما هو راجِعٌ إلى جِهَةِ البَشَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "يَفْرُطَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، ومَعْناهُ: يُعَجِّلُ ويَتَسَرَّعُ بِمَكْرُوهٍ فِينا، ومِنهُ الفارِطُ في الماءِ، وهو الَّذِي يَتَقَدَّمُ القَوْمَ إلَيْهِ، قالَ الشاعِرَ: ؎ فاسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَقَدَّمَ فُرّاطٌ لِوُرّادِ (p-٩٨)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: "يُفْرِطَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ، ومَعْناهُ: يَشْتَطُّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُفْرَطُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ، ومَعْناها أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى التَسَرُّعِ إلَيْنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ أيْ: بِالنَصْرِ والمَعُونَةِ والقُدْرَةِ عَلى فِرْعَوْنَ، وهَذا كَما تَقُولُ: الأمِيرُ مَعَ فُلانٍ إذا أرَدْتَ أنَّهُ يَحْمِيهِ. "أسْمَعُ وأرى" عِبارَتانِ عَنِ الإدْراكِ الَّذِي لا تَخْفى مَعَهُ خافِيَةٌ، تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ.

طه 20:46

قوله عزّ وجلّ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشى﴾ ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أو أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالنُفُوذِ إلى دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ، وخاطَبَ مُوسى وحْدَهُ تَشْرِيفًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ هارُونَ أُوحِيَ إلَيْهِ مَعَ مَلِكٍ أنْ يُنَفِّذَ، و"بِآياتِي" مَعْناهُ: بِعَلاماتِي الَّتِي أعْطَيْتُكُما مِن مُعْجِزَةٍ وآيَةِ وحْيٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ كالتَوْراةِ، و"تَنِيا" مَعْناهُ: تَضْعُفا وتُبْطِئا، تَقُولُ: ونى فَلانٌ في أمْرِ كَذا إذا تَباطَأ فِيهِ عن ضَعْفٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٩٧) ؎ ............................. فَما أنا بِالوانِي ولا الضَرَعِ الغُمْرِ والوَنى: الكَلالُ والفَشَلُ في البَهائِمْ والإنْسِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَهِنا في ذَكَرِي"، مَعْناهُ: ولا تَلِينا، مِن قَوْلِكَ: هَيِّنٌ لَيِّنٌ. و"القَوْلُ اللَيِّنُ" قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: كَنِّياهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أمَرَهُما بِتَحْسِينِ الكَلِمَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الوَجْهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن يُرِيدُ دُعاءَ إنْسانٍ إلى أمْرٍ يَكْرَهُهُ، فَإنَّما الوَجْهُ أنْ يُحَرِّرَ في عِبارَتِهِ المَعْنى الَّذِي يُرِيدُ حَتّى لا يُخِلَّ بِهِ ولا يَخِرَّ مِنهُ، ثُمْ يَجْتَهِدُ بَعْدَ ذَلِكَ في أنْ تَكُونَ عِبارَتُهُ لَطِيفَةً ومُقابَلَتُهُ لَيِّنَةً، فَذَلِكَ أجْلَبُ لِلْمُرادِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ أنْ يَسْلُكا مَعَ فِرْعَوْنَ إكْمالَ الدَعْوَةِ في لِينٍ مِنَ القَوْلِ. وقَوْلُهُ: "لَعَلَّهُ" مَعْناهُ: عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما، فالتَوَقُّعُ فِيها إنَّما هو راجِعٌ إلى جِهَةِ البَشَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "يَفْرُطَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، ومَعْناهُ: يُعَجِّلُ ويَتَسَرَّعُ بِمَكْرُوهٍ فِينا، ومِنهُ الفارِطُ في الماءِ، وهو الَّذِي يَتَقَدَّمُ القَوْمَ إلَيْهِ، قالَ الشاعِرَ: ؎ فاسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَقَدَّمَ فُرّاطٌ لِوُرّادِ (p-٩٨)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: "يُفْرِطَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ، ومَعْناهُ: يَشْتَطُّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُفْرَطُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ، ومَعْناها أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى التَسَرُّعِ إلَيْنا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ أيْ: بِالنَصْرِ والمَعُونَةِ والقُدْرَةِ عَلى فِرْعَوْنَ، وهَذا كَما تَقُولُ: الأمِيرُ مَعَ فُلانٍ إذا أرَدْتَ أنَّهُ يَحْمِيهِ. "أسْمَعُ وأرى" عِبارَتانِ عَنِ الإدْراكِ الَّذِي لا تَخْفى مَعَهُ خافِيَةٌ، تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ.

طه 20:47

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَلامُ عَلى مِن اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ المَعْنى: فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَأعْلَماهُ أنَّكُما رَسُولانِ إلَيْهِ، وعَبَّرَ لِفِرْعَوْنَ بِـ "رَبِّكَ" تَحْقِيرًا لَهُ؛ إذْ كانَ يَدَّعِي الرُبُوبِيَّةَ، ثُمْ أمَرا بِدَعْوَتِهِ إلى أنْ يَبْعَثَ مَعَهُما بَنِي إسْرائِيلَ ويُخْرِجَهم مِن ذُلِّ خِدْمَةِ القِبْطِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إلى الإيمانِ، وهَذِهِ جُمْلَةُ ما دُعِيَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ "الإيمانُ وإرْسالُ بَنِي إسْرائِيلَ"، والظاهِرُ أنَّ رِسالَتَهُ إلَيْهِ لَيْسَتْ عَلى حَدِّ إرْسالِهِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتَعْذِيبُ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ ذَبْحُ أولادِهِمْ وإذْلالِهِمْ. و"الآيَةُ" الَّتِي أحالا عَلَيْها هي العَصا واليَدُ. وقالَ: "جِئْناكَ" -والجائِي بِها مُوسى - تَجَوُّزًا مِن حَيْثُ هُما مُشْرَكانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ آخِرَ كَلامٍ وفَصْلَهِ، فَيَقْوى أنْ يَكُونَ "السَلامُ" بِمَعْنى التَحِيَّةِ، كَأنَّهُما رَغِبا بِها عنهُ، وجَرْيًا عَلى العُرْفِ في التَسْلِيمِ عِنْدَ الفَراغِ مِنَ القَوْلِ فَسَلَّما عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، وفي هَذا تَوْبِيخٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ اسْتِعْمالُ الناسِ هَذِهِ الآيَةَ في مُخاطَبَتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في دَرَجِ القَوْلِ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ فَيَحْتَمِلُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ خَبَرًا بِأنَّ السَلامَةَ لِلْمُهْتَدِينَ، وهَذانَ المَعْنَيانِ قالَتْ كُلٌّ واحِدٌ مِنهُما فِرْقَةٌ لَكِنْ دُونَ هَذا التَلْخِيصِ، وقالُوا: "السَلامُ" بِمَعْنى: السَلامَةُ، و"عَلى" بِمَعْنى "اللامِ"، أيِ: السَلامُ لِمَنِ اتَّبَعَ الهُدى. (p-٩٩)وَلِما فَرَغا مِنَ المَقالَةِ الَّتِي أمَرَ بِها عن قَوْلِهِ: "وَتَوَلّى" خاطَبَهُما فِرْعَوْنُ، وفي سَرْدِ هَذِهِ الآيَةِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: فَأتَياهُ فَلَمّا قالا جَمِيعَ ما أُمِرا بِهِ قالَ لَهُما فِرْعَوْنُ: فَمَن رَبُّكُما؟ وقَوْلُهُ: "يا مُوسى" بَعْدَ جَمْعِهِ مَعَ "هارُونَ" في الضَمِيرِ نِداءٌ بِمَعْنى التَخْصِيصِ والتَوْقِيفِ؛ إذْ كانَ صاحِبَ عِظَمِ الرِسالَةِ ولِزَيْمِ الآياتِ.

طه 20:48

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَلامُ عَلى مِن اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ المَعْنى: فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَأعْلَماهُ أنَّكُما رَسُولانِ إلَيْهِ، وعَبَّرَ لِفِرْعَوْنَ بِـ "رَبِّكَ" تَحْقِيرًا لَهُ؛ إذْ كانَ يَدَّعِي الرُبُوبِيَّةَ، ثُمْ أمَرا بِدَعْوَتِهِ إلى أنْ يَبْعَثَ مَعَهُما بَنِي إسْرائِيلَ ويُخْرِجَهم مِن ذُلِّ خِدْمَةِ القِبْطِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إلى الإيمانِ، وهَذِهِ جُمْلَةُ ما دُعِيَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ "الإيمانُ وإرْسالُ بَنِي إسْرائِيلَ"، والظاهِرُ أنَّ رِسالَتَهُ إلَيْهِ لَيْسَتْ عَلى حَدِّ إرْسالِهِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتَعْذِيبُ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ ذَبْحُ أولادِهِمْ وإذْلالِهِمْ. و"الآيَةُ" الَّتِي أحالا عَلَيْها هي العَصا واليَدُ. وقالَ: "جِئْناكَ" -والجائِي بِها مُوسى - تَجَوُّزًا مِن حَيْثُ هُما مُشْرَكانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ آخِرَ كَلامٍ وفَصْلَهِ، فَيَقْوى أنْ يَكُونَ "السَلامُ" بِمَعْنى التَحِيَّةِ، كَأنَّهُما رَغِبا بِها عنهُ، وجَرْيًا عَلى العُرْفِ في التَسْلِيمِ عِنْدَ الفَراغِ مِنَ القَوْلِ فَسَلَّما عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، وفي هَذا تَوْبِيخٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ اسْتِعْمالُ الناسِ هَذِهِ الآيَةَ في مُخاطَبَتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في دَرَجِ القَوْلِ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ فَيَحْتَمِلُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ خَبَرًا بِأنَّ السَلامَةَ لِلْمُهْتَدِينَ، وهَذانَ المَعْنَيانِ قالَتْ كُلٌّ واحِدٌ مِنهُما فِرْقَةٌ لَكِنْ دُونَ هَذا التَلْخِيصِ، وقالُوا: "السَلامُ" بِمَعْنى: السَلامَةُ، و"عَلى" بِمَعْنى "اللامِ"، أيِ: السَلامُ لِمَنِ اتَّبَعَ الهُدى. (p-٩٩)وَلِما فَرَغا مِنَ المَقالَةِ الَّتِي أمَرَ بِها عن قَوْلِهِ: "وَتَوَلّى" خاطَبَهُما فِرْعَوْنُ، وفي سَرْدِ هَذِهِ الآيَةِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: فَأتَياهُ فَلَمّا قالا جَمِيعَ ما أُمِرا بِهِ قالَ لَهُما فِرْعَوْنُ: فَمَن رَبُّكُما؟ وقَوْلُهُ: "يا مُوسى" بَعْدَ جَمْعِهِ مَعَ "هارُونَ" في الضَمِيرِ نِداءٌ بِمَعْنى التَخْصِيصِ والتَوْقِيفِ؛ إذْ كانَ صاحِبَ عِظَمِ الرِسالَةِ ولِزَيْمِ الآياتِ.

طه 20:49

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَلامُ عَلى مِن اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ المَعْنى: فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَأعْلَماهُ أنَّكُما رَسُولانِ إلَيْهِ، وعَبَّرَ لِفِرْعَوْنَ بِـ "رَبِّكَ" تَحْقِيرًا لَهُ؛ إذْ كانَ يَدَّعِي الرُبُوبِيَّةَ، ثُمْ أمَرا بِدَعْوَتِهِ إلى أنْ يَبْعَثَ مَعَهُما بَنِي إسْرائِيلَ ويُخْرِجَهم مِن ذُلِّ خِدْمَةِ القِبْطِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إلى الإيمانِ، وهَذِهِ جُمْلَةُ ما دُعِيَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ "الإيمانُ وإرْسالُ بَنِي إسْرائِيلَ"، والظاهِرُ أنَّ رِسالَتَهُ إلَيْهِ لَيْسَتْ عَلى حَدِّ إرْسالِهِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتَعْذِيبُ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ ذَبْحُ أولادِهِمْ وإذْلالِهِمْ. و"الآيَةُ" الَّتِي أحالا عَلَيْها هي العَصا واليَدُ. وقالَ: "جِئْناكَ" -والجائِي بِها مُوسى - تَجَوُّزًا مِن حَيْثُ هُما مُشْرَكانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ آخِرَ كَلامٍ وفَصْلَهِ، فَيَقْوى أنْ يَكُونَ "السَلامُ" بِمَعْنى التَحِيَّةِ، كَأنَّهُما رَغِبا بِها عنهُ، وجَرْيًا عَلى العُرْفِ في التَسْلِيمِ عِنْدَ الفَراغِ مِنَ القَوْلِ فَسَلَّما عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، وفي هَذا تَوْبِيخٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ اسْتِعْمالُ الناسِ هَذِهِ الآيَةَ في مُخاطَبَتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في دَرَجِ القَوْلِ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ فَيَحْتَمِلُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ خَبَرًا بِأنَّ السَلامَةَ لِلْمُهْتَدِينَ، وهَذانَ المَعْنَيانِ قالَتْ كُلٌّ واحِدٌ مِنهُما فِرْقَةٌ لَكِنْ دُونَ هَذا التَلْخِيصِ، وقالُوا: "السَلامُ" بِمَعْنى: السَلامَةُ، و"عَلى" بِمَعْنى "اللامِ"، أيِ: السَلامُ لِمَنِ اتَّبَعَ الهُدى. (p-٩٩)وَلِما فَرَغا مِنَ المَقالَةِ الَّتِي أمَرَ بِها عن قَوْلِهِ: "وَتَوَلّى" خاطَبَهُما فِرْعَوْنُ، وفي سَرْدِ هَذِهِ الآيَةِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: فَأتَياهُ فَلَمّا قالا جَمِيعَ ما أُمِرا بِهِ قالَ لَهُما فِرْعَوْنُ: فَمَن رَبُّكُما؟ وقَوْلُهُ: "يا مُوسى" بَعْدَ جَمْعِهِ مَعَ "هارُونَ" في الضَمِيرِ نِداءٌ بِمَعْنى التَخْصِيصِ والتَوْقِيفِ؛ إذْ كانَ صاحِبَ عِظَمِ الرِسالَةِ ولِزَيْمِ الآياتِ.

طه 20:50

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ اسْتَبَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِجَوابِهِ مِن حَيْثُ خَصَّهُ في السُؤالِ، ثُمْ أعْلَمَهُ مِن صِفاتِ اللهِ بِالَّتِي لا تَشْرِيكَ لِفِرْعَوْنَ فِيهِ ولا بِوَجْهِ مَجازٍ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطى اللهُ الذَكْرَ مِن كُلِّ الحَيَوانِ - نَوْعَهُ وخِلْقَتُهُ - أُنْثى، ثُمْ هَدى لِلْإتْيانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطى اللهُ كُلَّ مَوْجُودٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ خِلْقَتَهُ وصُورَتَهُ، أيْ أكْمَلَ ذَلِكَ لَهُ وأتْقَنَهُ، ثُمْ هَدى أيْ: يَسَّرَّ كُلَّ شَيْءٍ لِمَنافِعِهِ ومَرافِقِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ أشْرَفُ مَعْنًى وأعَمُّ في المَوْجُوداتِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "خَلَقَهُ" بِفَتْحِ اللامِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الثانِي بِـ "أعْطى" مُقَدَّرًا، تَقْدِيرُهُ: كَمالُهُ أو مَصْلَحَتُهُ. وقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مُحاجَّتَهُ بِحَسْبِ ما تُقَدَّمَ مِنَ القَوْلِ ومُناقَضَتَهُ فِيهِ، فَلَيْسَ يَتَّجِهُ عَلى هَذا أنْ يُرِيدَ إلّا: ما بالُ القُرُونِ الأُولى لَمْ تُبْعَثْ ولَمْ يُوجَدْ أمْرُكَ عِنْدَها؟ فَرَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عِلْمُ ذَلِكَ إلى اللهِ تَعالى. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ فِرْعَوْنُ قَطْعَ الكَلامِ الأوَّلِ والرُجُوعَ إلى سُؤالِ مُوسى عَمَّنْ سَلَفَ مِنَ الناسِ رَوَغانًا في الحُجَّةِ وحِيدَةً، وقِيلَ: "البالُ": الحالُ، فَكَأنَّهُ سَألَهُ عن حالِهِمْ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «يَهْدِيكُمُ اللهُ ويُصْلِحُ بالَكم». وقالَ النِقاشُ: إنَّما قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ لِما سَمِعَ مُؤْمِنُ آلَهِ يَقُولُ: ﴿يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] (p-١٠٠)﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ﴾ [غافر: ٣١] الآيَةُ، ورَدَّ مُوسى العَلَمَ إلى اللهِ لَأنَّهُ لَمْ تَأْتِهِ التَوْراةُ بَعْدُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ يُرِيدُ اللَوْحَ المَحْفُوظَ، أو فِيما كَتَبَهُ المَلائِكَةُ مِن أحْوالِ البَشَرِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لا يَضِلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الضادِ، واخْتُلِفَ في مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ، تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى عن هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ، وقَدْ كانَ الكَلامُ تَمَّ في قَوْلِهِ: "فِي كِتابٍ"، و"يَضِلُّ" مَعْناهُ: يُتْلَفُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ مِن صِفَةِ الكِتابِ، أيْ أنَّ الكِتابَ لا يَغِيبُ عَنِ اللهِ تَعالى، تَقُولُ العَرَبُ: "ضَلَّنِي الشَيْءُ" إذا لَمْ أجِدْهُ، و"أضْلَلْتُهُ أنا"، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ حِكايَةً عَنِ الإسْرائِيلِيِّ الَّذِي طَلَبَ أنْ يَحْرُقَ بَعْدَ مَوْتِهِ: لَعَلِّي أضِلُّ اللهَ» الحَدِيثُ، ﴿وَلا يَنْسى﴾ أظْهَرَ ما فِيهِ أنْ يَعُودَ ضَمِيرُهُ إلى اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى الكِتابِ في بَعْضِ (p-١٠١)التَأْوِيلاتِ، يَصِفُهُ بِأنَّهُ لا يَنْسى، أيْ: لا يَدَعُ شَيْئًا، فالنِسْيانُ هُنا اسْتِعارَةٌ، كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إلا أحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩]، فَوَصَفَهُ بِالإحْصاءِ مِن حَيْثُ حُصِرَتْ فِيهِ الحَوادِثُ.

طه 20:51

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ اسْتَبَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِجَوابِهِ مِن حَيْثُ خَصَّهُ في السُؤالِ، ثُمْ أعْلَمَهُ مِن صِفاتِ اللهِ بِالَّتِي لا تَشْرِيكَ لِفِرْعَوْنَ فِيهِ ولا بِوَجْهِ مَجازٍ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطى اللهُ الذَكْرَ مِن كُلِّ الحَيَوانِ - نَوْعَهُ وخِلْقَتُهُ - أُنْثى، ثُمْ هَدى لِلْإتْيانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطى اللهُ كُلَّ مَوْجُودٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ خِلْقَتَهُ وصُورَتَهُ، أيْ أكْمَلَ ذَلِكَ لَهُ وأتْقَنَهُ، ثُمْ هَدى أيْ: يَسَّرَّ كُلَّ شَيْءٍ لِمَنافِعِهِ ومَرافِقِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ أشْرَفُ مَعْنًى وأعَمُّ في المَوْجُوداتِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "خَلَقَهُ" بِفَتْحِ اللامِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الثانِي بِـ "أعْطى" مُقَدَّرًا، تَقْدِيرُهُ: كَمالُهُ أو مَصْلَحَتُهُ. وقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مُحاجَّتَهُ بِحَسْبِ ما تُقَدَّمَ مِنَ القَوْلِ ومُناقَضَتَهُ فِيهِ، فَلَيْسَ يَتَّجِهُ عَلى هَذا أنْ يُرِيدَ إلّا: ما بالُ القُرُونِ الأُولى لَمْ تُبْعَثْ ولَمْ يُوجَدْ أمْرُكَ عِنْدَها؟ فَرَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عِلْمُ ذَلِكَ إلى اللهِ تَعالى. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ فِرْعَوْنُ قَطْعَ الكَلامِ الأوَّلِ والرُجُوعَ إلى سُؤالِ مُوسى عَمَّنْ سَلَفَ مِنَ الناسِ رَوَغانًا في الحُجَّةِ وحِيدَةً، وقِيلَ: "البالُ": الحالُ، فَكَأنَّهُ سَألَهُ عن حالِهِمْ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «يَهْدِيكُمُ اللهُ ويُصْلِحُ بالَكم». وقالَ النِقاشُ: إنَّما قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ لِما سَمِعَ مُؤْمِنُ آلَهِ يَقُولُ: ﴿يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] (p-١٠٠)﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ﴾ [غافر: ٣١] الآيَةُ، ورَدَّ مُوسى العَلَمَ إلى اللهِ لَأنَّهُ لَمْ تَأْتِهِ التَوْراةُ بَعْدُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ يُرِيدُ اللَوْحَ المَحْفُوظَ، أو فِيما كَتَبَهُ المَلائِكَةُ مِن أحْوالِ البَشَرِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لا يَضِلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الضادِ، واخْتُلِفَ في مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ، تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى عن هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ، وقَدْ كانَ الكَلامُ تَمَّ في قَوْلِهِ: "فِي كِتابٍ"، و"يَضِلُّ" مَعْناهُ: يُتْلَفُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ مِن صِفَةِ الكِتابِ، أيْ أنَّ الكِتابَ لا يَغِيبُ عَنِ اللهِ تَعالى، تَقُولُ العَرَبُ: "ضَلَّنِي الشَيْءُ" إذا لَمْ أجِدْهُ، و"أضْلَلْتُهُ أنا"، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ حِكايَةً عَنِ الإسْرائِيلِيِّ الَّذِي طَلَبَ أنْ يَحْرُقَ بَعْدَ مَوْتِهِ: لَعَلِّي أضِلُّ اللهَ» الحَدِيثُ، ﴿وَلا يَنْسى﴾ أظْهَرَ ما فِيهِ أنْ يَعُودَ ضَمِيرُهُ إلى اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى الكِتابِ في بَعْضِ (p-١٠١)التَأْوِيلاتِ، يَصِفُهُ بِأنَّهُ لا يَنْسى، أيْ: لا يَدَعُ شَيْئًا، فالنِسْيانُ هُنا اسْتِعارَةٌ، كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إلا أحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩]، فَوَصَفَهُ بِالإحْصاءِ مِن حَيْثُ حُصِرَتْ فِيهِ الحَوادِثُ.

طه 20:52

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ اسْتَبَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِجَوابِهِ مِن حَيْثُ خَصَّهُ في السُؤالِ، ثُمْ أعْلَمَهُ مِن صِفاتِ اللهِ بِالَّتِي لا تَشْرِيكَ لِفِرْعَوْنَ فِيهِ ولا بِوَجْهِ مَجازٍ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطى اللهُ الذَكْرَ مِن كُلِّ الحَيَوانِ - نَوْعَهُ وخِلْقَتُهُ - أُنْثى، ثُمْ هَدى لِلْإتْيانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطى اللهُ كُلَّ مَوْجُودٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ خِلْقَتَهُ وصُورَتَهُ، أيْ أكْمَلَ ذَلِكَ لَهُ وأتْقَنَهُ، ثُمْ هَدى أيْ: يَسَّرَّ كُلَّ شَيْءٍ لِمَنافِعِهِ ومَرافِقِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ أشْرَفُ مَعْنًى وأعَمُّ في المَوْجُوداتِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "خَلَقَهُ" بِفَتْحِ اللامِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الثانِي بِـ "أعْطى" مُقَدَّرًا، تَقْدِيرُهُ: كَمالُهُ أو مَصْلَحَتُهُ. وقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مُحاجَّتَهُ بِحَسْبِ ما تُقَدَّمَ مِنَ القَوْلِ ومُناقَضَتَهُ فِيهِ، فَلَيْسَ يَتَّجِهُ عَلى هَذا أنْ يُرِيدَ إلّا: ما بالُ القُرُونِ الأُولى لَمْ تُبْعَثْ ولَمْ يُوجَدْ أمْرُكَ عِنْدَها؟ فَرَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عِلْمُ ذَلِكَ إلى اللهِ تَعالى. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ فِرْعَوْنُ قَطْعَ الكَلامِ الأوَّلِ والرُجُوعَ إلى سُؤالِ مُوسى عَمَّنْ سَلَفَ مِنَ الناسِ رَوَغانًا في الحُجَّةِ وحِيدَةً، وقِيلَ: "البالُ": الحالُ، فَكَأنَّهُ سَألَهُ عن حالِهِمْ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «يَهْدِيكُمُ اللهُ ويُصْلِحُ بالَكم». وقالَ النِقاشُ: إنَّما قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ لِما سَمِعَ مُؤْمِنُ آلَهِ يَقُولُ: ﴿يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] (p-١٠٠)﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ﴾ [غافر: ٣١] الآيَةُ، ورَدَّ مُوسى العَلَمَ إلى اللهِ لَأنَّهُ لَمْ تَأْتِهِ التَوْراةُ بَعْدُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ يُرِيدُ اللَوْحَ المَحْفُوظَ، أو فِيما كَتَبَهُ المَلائِكَةُ مِن أحْوالِ البَشَرِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لا يَضِلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الضادِ، واخْتُلِفَ في مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ، تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى عن هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ، وقَدْ كانَ الكَلامُ تَمَّ في قَوْلِهِ: "فِي كِتابٍ"، و"يَضِلُّ" مَعْناهُ: يُتْلَفُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ مِن صِفَةِ الكِتابِ، أيْ أنَّ الكِتابَ لا يَغِيبُ عَنِ اللهِ تَعالى، تَقُولُ العَرَبُ: "ضَلَّنِي الشَيْءُ" إذا لَمْ أجِدْهُ، و"أضْلَلْتُهُ أنا"، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ حِكايَةً عَنِ الإسْرائِيلِيِّ الَّذِي طَلَبَ أنْ يَحْرُقَ بَعْدَ مَوْتِهِ: لَعَلِّي أضِلُّ اللهَ» الحَدِيثُ، ﴿وَلا يَنْسى﴾ أظْهَرَ ما فِيهِ أنْ يَعُودَ ضَمِيرُهُ إلى اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى الكِتابِ في بَعْضِ (p-١٠١)التَأْوِيلاتِ، يَصِفُهُ بِأنَّهُ لا يَنْسى، أيْ: لا يَدَعُ شَيْئًا، فالنِسْيانُ هُنا اسْتِعارَةٌ، كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إلا أحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩]، فَوَصَفَهُ بِالإحْصاءِ مِن حَيْثُ حُصِرَتْ فِيهِ الحَوادِثُ.

طه 20:53

قوله عزّ وجلّ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكُمُ فِيها سُبُلا وأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِنَ نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُهى﴾ ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ انْظُرْ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي ذَكَرَها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، هي مِمّا تَقْضِي بِدايَةُ العُقُولِ أنَّ فِرْعَوْنَ وكُلَّ بَشَرٍ بَعِيدٌ مِنها؛ لَأنَّهُ لَوْ قالَ: هو الرازِقُ القادِرُ المُرِيدُ العالِمْ ونَحْوَهُ مِنَ العِباراتِ لَأمْكَنَ فِرْعَوْنَ أنْ يُغالِطَ ويَقُولَ: أنا أفْعَلُ هَذا كُلَّهُ، فَإنَّما أتاهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِصِفاتٍ لا يُمْكِنُ فِرْعَوْنَ أنْ يَقُولَ: إنَّ ذَلِكَ لَهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عَبّاسٍ: "مِهادًا" بِكَسْرِ المِيمِ وبِألْفٍ، و"المِهادُ" هو جَمْعُ مَهْدٍ، وقِيلَ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ كَفَرْشِ وفِراشِ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مَهْدًا" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الهاءِ، وقَوْلُهُ: "سَلَكَ" بِمَعْنى: نَهَجَ ولَحَبَ، و"السُبُلُ": الطُرُقُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، عَلى تَقْدِيرِ: يَقُولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: "فَأخْرَجْنا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامُ مُوسى تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً﴾ ثُمْ وصَلَ اللهُ تَعالى كَلامَ مُوسى بِإخْبارِهِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ الخُلُقُ أجْمَعُ بِهَذِهِ الآياتِ المُنَبَّهِ عَلَيْها. و"الأزْواجُ" بِمَعْنى: الأنْواعُ، وقَوْلُهُ: "شَتّى" نَعْتٌ لِلْأزْواجِ، أيْ: مُخْتَلِفاتٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ بِمَعْنى هي صالِحَةٌ أنْ يُؤْكَلَ مِنها وتَرْعى الغَنَمُ فِيها، فَأخْرَجَ العِبارَةَ في صِيغَةِ الأمْرِ؛ لَأنَّهُ أوحى الأفْعالِ وأهْدَأها لِلنُّفُوسِ، و"النُهى" جَمْعُ نُهْيَةٍ، والنُهْيَةُ: العَقْلُ الناهِي عَنِ القَبائِحِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾، أيْ: مِنَ الأرْضِ، وهَذا مِن حَيْثُ خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن تُرابٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ يُرِيدُ: بِالمَوْتِ والدَفْنِ أوِ الفَناءِ كَيْفَ كانَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَمِنها نُخْرِجُكُمْ﴾ يُرِيدُ: بِالبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ. (p-١٠٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا﴾ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ عن فِرْعَوْنَ، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ الكَلامَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ إنَّما هو خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُهُ: "كُلَّها" عائِدٌ عَلى الآياتِ الَّتِي رَآها، لا أنَّهُ رَأى كُلَّ آيَةٍ لِلَّهِ، وإنَّما المَعْنى أنَّ اللهَ أراهُ آياتٍ ما، وهي العَصا واليَدُ والطَمْسَةُ وغَيْرَ ذَلِكَ، وكانَ رُؤْيَتُهُ لِهَذِهِ الآياتِ مُسْتَوْعِبَةً، يَرى كُلَّها كامِلَةً، كَأنَّهُ قالَ: "لَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا بِكَمالِها"، وأضافَ الآياتِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ تَشْرِيفًا لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأبى" يَقْتَضِي تَكَسُّبَ فِرْعَوْنَ، وهَذا هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَوابُ والعِقابُ.

طه 20:54

قوله عزّ وجلّ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكُمُ فِيها سُبُلا وأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِنَ نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُهى﴾ ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ انْظُرْ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي ذَكَرَها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، هي مِمّا تَقْضِي بِدايَةُ العُقُولِ أنَّ فِرْعَوْنَ وكُلَّ بَشَرٍ بَعِيدٌ مِنها؛ لَأنَّهُ لَوْ قالَ: هو الرازِقُ القادِرُ المُرِيدُ العالِمْ ونَحْوَهُ مِنَ العِباراتِ لَأمْكَنَ فِرْعَوْنَ أنْ يُغالِطَ ويَقُولَ: أنا أفْعَلُ هَذا كُلَّهُ، فَإنَّما أتاهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِصِفاتٍ لا يُمْكِنُ فِرْعَوْنَ أنْ يَقُولَ: إنَّ ذَلِكَ لَهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عَبّاسٍ: "مِهادًا" بِكَسْرِ المِيمِ وبِألْفٍ، و"المِهادُ" هو جَمْعُ مَهْدٍ، وقِيلَ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ كَفَرْشِ وفِراشِ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مَهْدًا" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الهاءِ، وقَوْلُهُ: "سَلَكَ" بِمَعْنى: نَهَجَ ولَحَبَ، و"السُبُلُ": الطُرُقُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، عَلى تَقْدِيرِ: يَقُولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: "فَأخْرَجْنا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامُ مُوسى تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً﴾ ثُمْ وصَلَ اللهُ تَعالى كَلامَ مُوسى بِإخْبارِهِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ الخُلُقُ أجْمَعُ بِهَذِهِ الآياتِ المُنَبَّهِ عَلَيْها. و"الأزْواجُ" بِمَعْنى: الأنْواعُ، وقَوْلُهُ: "شَتّى" نَعْتٌ لِلْأزْواجِ، أيْ: مُخْتَلِفاتٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ بِمَعْنى هي صالِحَةٌ أنْ يُؤْكَلَ مِنها وتَرْعى الغَنَمُ فِيها، فَأخْرَجَ العِبارَةَ في صِيغَةِ الأمْرِ؛ لَأنَّهُ أوحى الأفْعالِ وأهْدَأها لِلنُّفُوسِ، و"النُهى" جَمْعُ نُهْيَةٍ، والنُهْيَةُ: العَقْلُ الناهِي عَنِ القَبائِحِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾، أيْ: مِنَ الأرْضِ، وهَذا مِن حَيْثُ خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن تُرابٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ يُرِيدُ: بِالمَوْتِ والدَفْنِ أوِ الفَناءِ كَيْفَ كانَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَمِنها نُخْرِجُكُمْ﴾ يُرِيدُ: بِالبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ. (p-١٠٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا﴾ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ عن فِرْعَوْنَ، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ الكَلامَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ إنَّما هو خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُهُ: "كُلَّها" عائِدٌ عَلى الآياتِ الَّتِي رَآها، لا أنَّهُ رَأى كُلَّ آيَةٍ لِلَّهِ، وإنَّما المَعْنى أنَّ اللهَ أراهُ آياتٍ ما، وهي العَصا واليَدُ والطَمْسَةُ وغَيْرَ ذَلِكَ، وكانَ رُؤْيَتُهُ لِهَذِهِ الآياتِ مُسْتَوْعِبَةً، يَرى كُلَّها كامِلَةً، كَأنَّهُ قالَ: "لَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا بِكَمالِها"، وأضافَ الآياتِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ تَشْرِيفًا لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأبى" يَقْتَضِي تَكَسُّبَ فِرْعَوْنَ، وهَذا هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَوابُ والعِقابُ.