Lafzullah

Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — الصافات 37:83 – الصافات 37:182

المؤلف / المصدر: Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah

المحتويات
  1. الصافات 37:83
  2. الصافات 37:84
  3. الصافات 37:85
  4. الصافات 37:86
  5. الصافات 37:87
  6. الصافات 37:88
  7. الصافات 37:89
  8. الصافات 37:90
  9. الصافات 37:91
  10. الصافات 37:92
  11. الصافات 37:93
  12. الصافات 37:94
  13. الصافات 37:95
  14. الصافات 37:96
  15. الصافات 37:97
  16. الصافات 37:98
  17. الصافات 37:99
  18. الصافات 37:100
  19. الصافات 37:101
  20. الصافات 37:102
  21. الصافات 37:103
  22. الصافات 37:104
  23. الصافات 37:105
  24. الصافات 37:106
  25. الصافات 37:107
  26. الصافات 37:108
  27. الصافات 37:109
  28. الصافات 37:110
  29. الصافات 37:111
  30. الصافات 37:112
  31. الصافات 37:113
  32. الصافات 37:114
  33. الصافات 37:115
  34. الصافات 37:116
  35. الصافات 37:117
  36. الصافات 37:118
  37. الصافات 37:119
  38. الصافات 37:120
  39. الصافات 37:121
  40. الصافات 37:122
  41. الصافات 37:123
  42. الصافات 37:124
  43. الصافات 37:125
  44. الصافات 37:126
  45. الصافات 37:127
  46. الصافات 37:128
  47. الصافات 37:129
  48. الصافات 37:130
  49. الصافات 37:131
  50. الصافات 37:132
  51. الصافات 37:133
  52. الصافات 37:134
  53. الصافات 37:135
  54. الصافات 37:136
  55. الصافات 37:137
  56. الصافات 37:138
  57. الصافات 37:139
  58. الصافات 37:140
  59. الصافات 37:141
  60. الصافات 37:142
  61. الصافات 37:143
  62. الصافات 37:144
  63. الصافات 37:145
  64. الصافات 37:146
  65. الصافات 37:147
  66. الصافات 37:148
  67. الصافات 37:149
  68. الصافات 37:150
  69. الصافات 37:151
  70. الصافات 37:152
  71. الصافات 37:153
  72. الصافات 37:154
  73. الصافات 37:155
  74. الصافات 37:156
  75. الصافات 37:157
  76. الصافات 37:158
  77. الصافات 37:159
  78. الصافات 37:160
  79. الصافات 37:161
  80. الصافات 37:162
  81. الصافات 37:163
  82. الصافات 37:164
  83. الصافات 37:165
  84. الصافات 37:166
  85. الصافات 37:167
  86. الصافات 37:168
  87. الصافات 37:169
  88. الصافات 37:170
  89. الصافات 37:171
  90. الصافات 37:172
  91. الصافات 37:173
  92. الصافات 37:174
  93. الصافات 37:175
  94. الصافات 37:176
  95. الصافات 37:177
  96. الصافات 37:178
  97. الصافات 37:179
  98. الصافات 37:180
  99. الصافات 37:181
  100. الصافات 37:182

الصافات 37:83

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عنهُ مُدْبِرِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَذَلِكَ"﴾ إشارَةٌ إلى إنْعامِهِ عَلى نُوحٍ بِالإجابَةِ كَما اقْتَرَحَ، وأثْنى تَعالى (p-٢٩٥)عَلى نُوحٍ بِالإحْسانِ لِصَبْرِهِ عَلى أذى قَوْمِهِ ومُطاوَلَتِهِ لَهُمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عِبادَتِهِ وأفْعالِهِ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ أغْرَقَ قَوْمَ نُوحٍ وأُمَّتَهُ ومُكَذِّبِيهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ نَصٌّ عَلى أنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، ولَكِنْ قَدْ قالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وأسْنَدَتْ أحادِيثَ بِأنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ الناسِ إلّا مَن كانَ مَعَهُ في السَفِينَةِ، وعَلى هَذا تَرَتَّبَ القَوْلُ بِأنَّ الناسَ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقالُوا: لَمْ يَكُنِ الناسُ حِينَئِذٍ بِهَذِهِ الكَثْرَةِ؛ لِأنَّ عَهْدَ آدَمَ كانَ قَرِيبًا، وكانَتْ دَعْوَةُ نُوحٍ ونُبُوَّتُهُ قَدْ بَلَغَتْ جَمِيعَهم لِطُولِ المُدَّةِ واللُبْثِ فِيهِمْ، فَكانَ الجَمِيعُ كَفَرَةً عَبَدَةَ أوثانٍ لَمْ يَنْسُبْهُمُ الحَقُّ إلى نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ أغْرَقَ جَمِيعَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَعْنى: في الدِينِ والتَوْحِيدِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الفَرّاءِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والإشارَةُ إلَيْهِ. وذَلِكَ كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ "الشِيعَةَ" مَعْناها: الصِنْفُ الشائِعُ الَّذِي يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والشِيَعُ: الفِرَقُ، وإنْ كانَ الأعْرَفُ أنَّ المُتَأخِّرَ في الزَمَنِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ مِنَ الكَلامِ عَكْسُ ذَلِكَ، قالَ الشاعِرُ: ؎ وما لِيَ إلّا آلُ أحْمَدَ شِيعَةً ∗∗∗ وما لِيَ إلّا مَشْعَبُ الحَقِّ مَشْعَبُ فَجَعَلَهم شِيعَةً لِنَفْسِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ: مِنَ الشَكِّ والشِرْكِ وجَمِيعِ النَقائِصِ الَّتِي تَلْحَقُ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كالغِلِّ والحَسَدِ والكِبْرِ ونَحْوِهُ، قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: لَمْ يَلْعن شَيْئًا قَطُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾، "أئِفْكًا" اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: أكَذِبًا ومُحالًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ؟ ونَصْبُ "آلِهَةً" عَلى البَدَلِ مِن إفْكًا، وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ (p-٢٩٦)الأصْلِيَّةُ مِنَ الإفْكِ. ﴿فَما ظَنُّكُمْ﴾ تَوْبِيخٌ وتَحْذِيرٌ وتَوَعُّدٌ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن نَظْرَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُجُومِ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ كانَ لَهم عِيدٌ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ، فَدَعَوْا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِلْخُرُوجِ مَعَهُمْ، فَنَظَرَ حِينَئِذٍ واعْتَذَرَ بِالسَقَمِ، وأرادَ البَقاءَ خِلافِهِمْ إلى الأصْنامِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، عن أبِيهِ: أرْسَلَ إلَيْهِ مَلِكُهم أنَّ غَدًا عِيدٌ فاحْضُرْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ طالِعٍ فَقالَ: إنَّ هَذا يَطْلُعُ مَعَ سَقَمِي، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ أيْ: فِيما نَجَمَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ قَوْمِهِ وحالِهِ مَعَهُمْ، وقالَ الجُمْهُورُ: نَظَرَ نُجُومَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّ عِلْمَ النُجُومِ كانَ عِنْدَهم مَنظُورًا فِيهِ مُسْتَعْمَلًا، فَأوهَمَهم هو مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أهْلَ رِعايَةٍ وفِلاحَةٍ، وهاتانِ المَعِيشَتانِ يُحْتاجُ فِيهِما إلى نَظَرٍ في النُجُومِ. واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي كِذْبَةٌ في ذاتِ اللهِ، أخْبَرَهم عن نَفْسِهِ أنَّهُ مَرِيضٌ، وأنَّ الكَوْكَبَ أعْطاهُ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أشارَ لَهم إلى مَرَضٍ وسَقَمٍ يُعْدِي كالطاعُونِ، ولِذَلِكَ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، أيْ: فارِّينَ مِنهُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ لِكُفْرِهِمْ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِهِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ - في أنَّها كِذْبَةٌ - يَجِيءُ الحَدِيثُ: « "لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كِذْباتٍ: قَوْلُهُ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا، وقَوْلُهُ في سارَّةَ: هي أُخْتِي".» (p-٢٩٧)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَيْسَتْ بِكِذْبَةٍ، ولا يَجُوزُ الكَذِبُ عَلَيْهِ، ولَكِنَّها مِنَ المَعارِيضِ، أخْبَرَهم بِأنَّهُ سَقِيمٌ في المالِ، وعَلى عُرْفِ ابْنِ آدَمَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لابُدَّ أنْ يَسْقَمَ ضَرُورَةً. وقِيلَ عَلى هَذا -: أرادَ: إنِّي سَقِيمُ النَفْسِ مِن أُمُورِكم وكُفْرِكُمْ، فَظَهَرَ لَهم مِن كَلامِهِ أنَّهُ أرادَ سَقَمًا بِالجَسَدِ حاضِرًا، وهَكَذا هي المَعارِيضُ. وهَذا التَأْوِيلُ لا يَرُدُّهُ الحَدِيثُ وذِكْرُ الكِذْباتِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ لَها كَذِبٌ عَلى الِاتِّساعِ بِحَسْبِ اعْتِقادِ المُخْبِرِ، والكَذِبُ الَّذِي هو قَصْدُ قَوْلِ الباطِلِ والإخْبارُ بِضِدِّ ما في النَفْسِ بِغَيْرِ مَنفَعَةٍ شَرْعِيَّةٍ هو الَّذِي لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ.

الصافات 37:84

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عنهُ مُدْبِرِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَذَلِكَ"﴾ إشارَةٌ إلى إنْعامِهِ عَلى نُوحٍ بِالإجابَةِ كَما اقْتَرَحَ، وأثْنى تَعالى (p-٢٩٥)عَلى نُوحٍ بِالإحْسانِ لِصَبْرِهِ عَلى أذى قَوْمِهِ ومُطاوَلَتِهِ لَهُمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عِبادَتِهِ وأفْعالِهِ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ أغْرَقَ قَوْمَ نُوحٍ وأُمَّتَهُ ومُكَذِّبِيهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ نَصٌّ عَلى أنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، ولَكِنْ قَدْ قالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وأسْنَدَتْ أحادِيثَ بِأنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ الناسِ إلّا مَن كانَ مَعَهُ في السَفِينَةِ، وعَلى هَذا تَرَتَّبَ القَوْلُ بِأنَّ الناسَ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقالُوا: لَمْ يَكُنِ الناسُ حِينَئِذٍ بِهَذِهِ الكَثْرَةِ؛ لِأنَّ عَهْدَ آدَمَ كانَ قَرِيبًا، وكانَتْ دَعْوَةُ نُوحٍ ونُبُوَّتُهُ قَدْ بَلَغَتْ جَمِيعَهم لِطُولِ المُدَّةِ واللُبْثِ فِيهِمْ، فَكانَ الجَمِيعُ كَفَرَةً عَبَدَةَ أوثانٍ لَمْ يَنْسُبْهُمُ الحَقُّ إلى نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ أغْرَقَ جَمِيعَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَعْنى: في الدِينِ والتَوْحِيدِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الفَرّاءِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والإشارَةُ إلَيْهِ. وذَلِكَ كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ "الشِيعَةَ" مَعْناها: الصِنْفُ الشائِعُ الَّذِي يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والشِيَعُ: الفِرَقُ، وإنْ كانَ الأعْرَفُ أنَّ المُتَأخِّرَ في الزَمَنِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ مِنَ الكَلامِ عَكْسُ ذَلِكَ، قالَ الشاعِرُ: ؎ وما لِيَ إلّا آلُ أحْمَدَ شِيعَةً ∗∗∗ وما لِيَ إلّا مَشْعَبُ الحَقِّ مَشْعَبُ فَجَعَلَهم شِيعَةً لِنَفْسِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ: مِنَ الشَكِّ والشِرْكِ وجَمِيعِ النَقائِصِ الَّتِي تَلْحَقُ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كالغِلِّ والحَسَدِ والكِبْرِ ونَحْوِهُ، قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: لَمْ يَلْعن شَيْئًا قَطُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾، "أئِفْكًا" اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: أكَذِبًا ومُحالًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ؟ ونَصْبُ "آلِهَةً" عَلى البَدَلِ مِن إفْكًا، وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ (p-٢٩٦)الأصْلِيَّةُ مِنَ الإفْكِ. ﴿فَما ظَنُّكُمْ﴾ تَوْبِيخٌ وتَحْذِيرٌ وتَوَعُّدٌ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن نَظْرَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُجُومِ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ كانَ لَهم عِيدٌ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ، فَدَعَوْا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِلْخُرُوجِ مَعَهُمْ، فَنَظَرَ حِينَئِذٍ واعْتَذَرَ بِالسَقَمِ، وأرادَ البَقاءَ خِلافِهِمْ إلى الأصْنامِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، عن أبِيهِ: أرْسَلَ إلَيْهِ مَلِكُهم أنَّ غَدًا عِيدٌ فاحْضُرْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ طالِعٍ فَقالَ: إنَّ هَذا يَطْلُعُ مَعَ سَقَمِي، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ أيْ: فِيما نَجَمَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ قَوْمِهِ وحالِهِ مَعَهُمْ، وقالَ الجُمْهُورُ: نَظَرَ نُجُومَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّ عِلْمَ النُجُومِ كانَ عِنْدَهم مَنظُورًا فِيهِ مُسْتَعْمَلًا، فَأوهَمَهم هو مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أهْلَ رِعايَةٍ وفِلاحَةٍ، وهاتانِ المَعِيشَتانِ يُحْتاجُ فِيهِما إلى نَظَرٍ في النُجُومِ. واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي كِذْبَةٌ في ذاتِ اللهِ، أخْبَرَهم عن نَفْسِهِ أنَّهُ مَرِيضٌ، وأنَّ الكَوْكَبَ أعْطاهُ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أشارَ لَهم إلى مَرَضٍ وسَقَمٍ يُعْدِي كالطاعُونِ، ولِذَلِكَ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، أيْ: فارِّينَ مِنهُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ لِكُفْرِهِمْ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِهِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ - في أنَّها كِذْبَةٌ - يَجِيءُ الحَدِيثُ: « "لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كِذْباتٍ: قَوْلُهُ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا، وقَوْلُهُ في سارَّةَ: هي أُخْتِي".» (p-٢٩٧)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَيْسَتْ بِكِذْبَةٍ، ولا يَجُوزُ الكَذِبُ عَلَيْهِ، ولَكِنَّها مِنَ المَعارِيضِ، أخْبَرَهم بِأنَّهُ سَقِيمٌ في المالِ، وعَلى عُرْفِ ابْنِ آدَمَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لابُدَّ أنْ يَسْقَمَ ضَرُورَةً. وقِيلَ عَلى هَذا -: أرادَ: إنِّي سَقِيمُ النَفْسِ مِن أُمُورِكم وكُفْرِكُمْ، فَظَهَرَ لَهم مِن كَلامِهِ أنَّهُ أرادَ سَقَمًا بِالجَسَدِ حاضِرًا، وهَكَذا هي المَعارِيضُ. وهَذا التَأْوِيلُ لا يَرُدُّهُ الحَدِيثُ وذِكْرُ الكِذْباتِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ لَها كَذِبٌ عَلى الِاتِّساعِ بِحَسْبِ اعْتِقادِ المُخْبِرِ، والكَذِبُ الَّذِي هو قَصْدُ قَوْلِ الباطِلِ والإخْبارُ بِضِدِّ ما في النَفْسِ بِغَيْرِ مَنفَعَةٍ شَرْعِيَّةٍ هو الَّذِي لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ.

الصافات 37:85

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عنهُ مُدْبِرِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَذَلِكَ"﴾ إشارَةٌ إلى إنْعامِهِ عَلى نُوحٍ بِالإجابَةِ كَما اقْتَرَحَ، وأثْنى تَعالى (p-٢٩٥)عَلى نُوحٍ بِالإحْسانِ لِصَبْرِهِ عَلى أذى قَوْمِهِ ومُطاوَلَتِهِ لَهُمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عِبادَتِهِ وأفْعالِهِ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ أغْرَقَ قَوْمَ نُوحٍ وأُمَّتَهُ ومُكَذِّبِيهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ نَصٌّ عَلى أنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، ولَكِنْ قَدْ قالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وأسْنَدَتْ أحادِيثَ بِأنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ الناسِ إلّا مَن كانَ مَعَهُ في السَفِينَةِ، وعَلى هَذا تَرَتَّبَ القَوْلُ بِأنَّ الناسَ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقالُوا: لَمْ يَكُنِ الناسُ حِينَئِذٍ بِهَذِهِ الكَثْرَةِ؛ لِأنَّ عَهْدَ آدَمَ كانَ قَرِيبًا، وكانَتْ دَعْوَةُ نُوحٍ ونُبُوَّتُهُ قَدْ بَلَغَتْ جَمِيعَهم لِطُولِ المُدَّةِ واللُبْثِ فِيهِمْ، فَكانَ الجَمِيعُ كَفَرَةً عَبَدَةَ أوثانٍ لَمْ يَنْسُبْهُمُ الحَقُّ إلى نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ أغْرَقَ جَمِيعَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَعْنى: في الدِينِ والتَوْحِيدِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الفَرّاءِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والإشارَةُ إلَيْهِ. وذَلِكَ كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ "الشِيعَةَ" مَعْناها: الصِنْفُ الشائِعُ الَّذِي يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والشِيَعُ: الفِرَقُ، وإنْ كانَ الأعْرَفُ أنَّ المُتَأخِّرَ في الزَمَنِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ مِنَ الكَلامِ عَكْسُ ذَلِكَ، قالَ الشاعِرُ: ؎ وما لِيَ إلّا آلُ أحْمَدَ شِيعَةً ∗∗∗ وما لِيَ إلّا مَشْعَبُ الحَقِّ مَشْعَبُ فَجَعَلَهم شِيعَةً لِنَفْسِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ: مِنَ الشَكِّ والشِرْكِ وجَمِيعِ النَقائِصِ الَّتِي تَلْحَقُ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كالغِلِّ والحَسَدِ والكِبْرِ ونَحْوِهُ، قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: لَمْ يَلْعن شَيْئًا قَطُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾، "أئِفْكًا" اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: أكَذِبًا ومُحالًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ؟ ونَصْبُ "آلِهَةً" عَلى البَدَلِ مِن إفْكًا، وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ (p-٢٩٦)الأصْلِيَّةُ مِنَ الإفْكِ. ﴿فَما ظَنُّكُمْ﴾ تَوْبِيخٌ وتَحْذِيرٌ وتَوَعُّدٌ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن نَظْرَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُجُومِ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ كانَ لَهم عِيدٌ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ، فَدَعَوْا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِلْخُرُوجِ مَعَهُمْ، فَنَظَرَ حِينَئِذٍ واعْتَذَرَ بِالسَقَمِ، وأرادَ البَقاءَ خِلافِهِمْ إلى الأصْنامِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، عن أبِيهِ: أرْسَلَ إلَيْهِ مَلِكُهم أنَّ غَدًا عِيدٌ فاحْضُرْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ طالِعٍ فَقالَ: إنَّ هَذا يَطْلُعُ مَعَ سَقَمِي، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ أيْ: فِيما نَجَمَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ قَوْمِهِ وحالِهِ مَعَهُمْ، وقالَ الجُمْهُورُ: نَظَرَ نُجُومَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّ عِلْمَ النُجُومِ كانَ عِنْدَهم مَنظُورًا فِيهِ مُسْتَعْمَلًا، فَأوهَمَهم هو مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أهْلَ رِعايَةٍ وفِلاحَةٍ، وهاتانِ المَعِيشَتانِ يُحْتاجُ فِيهِما إلى نَظَرٍ في النُجُومِ. واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي كِذْبَةٌ في ذاتِ اللهِ، أخْبَرَهم عن نَفْسِهِ أنَّهُ مَرِيضٌ، وأنَّ الكَوْكَبَ أعْطاهُ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أشارَ لَهم إلى مَرَضٍ وسَقَمٍ يُعْدِي كالطاعُونِ، ولِذَلِكَ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، أيْ: فارِّينَ مِنهُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ لِكُفْرِهِمْ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِهِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ - في أنَّها كِذْبَةٌ - يَجِيءُ الحَدِيثُ: « "لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كِذْباتٍ: قَوْلُهُ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا، وقَوْلُهُ في سارَّةَ: هي أُخْتِي".» (p-٢٩٧)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَيْسَتْ بِكِذْبَةٍ، ولا يَجُوزُ الكَذِبُ عَلَيْهِ، ولَكِنَّها مِنَ المَعارِيضِ، أخْبَرَهم بِأنَّهُ سَقِيمٌ في المالِ، وعَلى عُرْفِ ابْنِ آدَمَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لابُدَّ أنْ يَسْقَمَ ضَرُورَةً. وقِيلَ عَلى هَذا -: أرادَ: إنِّي سَقِيمُ النَفْسِ مِن أُمُورِكم وكُفْرِكُمْ، فَظَهَرَ لَهم مِن كَلامِهِ أنَّهُ أرادَ سَقَمًا بِالجَسَدِ حاضِرًا، وهَكَذا هي المَعارِيضُ. وهَذا التَأْوِيلُ لا يَرُدُّهُ الحَدِيثُ وذِكْرُ الكِذْباتِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ لَها كَذِبٌ عَلى الِاتِّساعِ بِحَسْبِ اعْتِقادِ المُخْبِرِ، والكَذِبُ الَّذِي هو قَصْدُ قَوْلِ الباطِلِ والإخْبارُ بِضِدِّ ما في النَفْسِ بِغَيْرِ مَنفَعَةٍ شَرْعِيَّةٍ هو الَّذِي لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ.

الصافات 37:86

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عنهُ مُدْبِرِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَذَلِكَ"﴾ إشارَةٌ إلى إنْعامِهِ عَلى نُوحٍ بِالإجابَةِ كَما اقْتَرَحَ، وأثْنى تَعالى (p-٢٩٥)عَلى نُوحٍ بِالإحْسانِ لِصَبْرِهِ عَلى أذى قَوْمِهِ ومُطاوَلَتِهِ لَهُمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عِبادَتِهِ وأفْعالِهِ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ أغْرَقَ قَوْمَ نُوحٍ وأُمَّتَهُ ومُكَذِّبِيهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ نَصٌّ عَلى أنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، ولَكِنْ قَدْ قالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وأسْنَدَتْ أحادِيثَ بِأنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ الناسِ إلّا مَن كانَ مَعَهُ في السَفِينَةِ، وعَلى هَذا تَرَتَّبَ القَوْلُ بِأنَّ الناسَ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقالُوا: لَمْ يَكُنِ الناسُ حِينَئِذٍ بِهَذِهِ الكَثْرَةِ؛ لِأنَّ عَهْدَ آدَمَ كانَ قَرِيبًا، وكانَتْ دَعْوَةُ نُوحٍ ونُبُوَّتُهُ قَدْ بَلَغَتْ جَمِيعَهم لِطُولِ المُدَّةِ واللُبْثِ فِيهِمْ، فَكانَ الجَمِيعُ كَفَرَةً عَبَدَةَ أوثانٍ لَمْ يَنْسُبْهُمُ الحَقُّ إلى نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ أغْرَقَ جَمِيعَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَعْنى: في الدِينِ والتَوْحِيدِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الفَرّاءِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والإشارَةُ إلَيْهِ. وذَلِكَ كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ "الشِيعَةَ" مَعْناها: الصِنْفُ الشائِعُ الَّذِي يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والشِيَعُ: الفِرَقُ، وإنْ كانَ الأعْرَفُ أنَّ المُتَأخِّرَ في الزَمَنِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ مِنَ الكَلامِ عَكْسُ ذَلِكَ، قالَ الشاعِرُ: ؎ وما لِيَ إلّا آلُ أحْمَدَ شِيعَةً ∗∗∗ وما لِيَ إلّا مَشْعَبُ الحَقِّ مَشْعَبُ فَجَعَلَهم شِيعَةً لِنَفْسِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ: مِنَ الشَكِّ والشِرْكِ وجَمِيعِ النَقائِصِ الَّتِي تَلْحَقُ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كالغِلِّ والحَسَدِ والكِبْرِ ونَحْوِهُ، قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: لَمْ يَلْعن شَيْئًا قَطُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾، "أئِفْكًا" اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: أكَذِبًا ومُحالًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ؟ ونَصْبُ "آلِهَةً" عَلى البَدَلِ مِن إفْكًا، وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ (p-٢٩٦)الأصْلِيَّةُ مِنَ الإفْكِ. ﴿فَما ظَنُّكُمْ﴾ تَوْبِيخٌ وتَحْذِيرٌ وتَوَعُّدٌ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن نَظْرَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُجُومِ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ كانَ لَهم عِيدٌ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ، فَدَعَوْا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِلْخُرُوجِ مَعَهُمْ، فَنَظَرَ حِينَئِذٍ واعْتَذَرَ بِالسَقَمِ، وأرادَ البَقاءَ خِلافِهِمْ إلى الأصْنامِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، عن أبِيهِ: أرْسَلَ إلَيْهِ مَلِكُهم أنَّ غَدًا عِيدٌ فاحْضُرْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ طالِعٍ فَقالَ: إنَّ هَذا يَطْلُعُ مَعَ سَقَمِي، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ أيْ: فِيما نَجَمَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ قَوْمِهِ وحالِهِ مَعَهُمْ، وقالَ الجُمْهُورُ: نَظَرَ نُجُومَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّ عِلْمَ النُجُومِ كانَ عِنْدَهم مَنظُورًا فِيهِ مُسْتَعْمَلًا، فَأوهَمَهم هو مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أهْلَ رِعايَةٍ وفِلاحَةٍ، وهاتانِ المَعِيشَتانِ يُحْتاجُ فِيهِما إلى نَظَرٍ في النُجُومِ. واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي كِذْبَةٌ في ذاتِ اللهِ، أخْبَرَهم عن نَفْسِهِ أنَّهُ مَرِيضٌ، وأنَّ الكَوْكَبَ أعْطاهُ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أشارَ لَهم إلى مَرَضٍ وسَقَمٍ يُعْدِي كالطاعُونِ، ولِذَلِكَ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، أيْ: فارِّينَ مِنهُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ لِكُفْرِهِمْ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِهِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ - في أنَّها كِذْبَةٌ - يَجِيءُ الحَدِيثُ: « "لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كِذْباتٍ: قَوْلُهُ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا، وقَوْلُهُ في سارَّةَ: هي أُخْتِي".» (p-٢٩٧)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَيْسَتْ بِكِذْبَةٍ، ولا يَجُوزُ الكَذِبُ عَلَيْهِ، ولَكِنَّها مِنَ المَعارِيضِ، أخْبَرَهم بِأنَّهُ سَقِيمٌ في المالِ، وعَلى عُرْفِ ابْنِ آدَمَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لابُدَّ أنْ يَسْقَمَ ضَرُورَةً. وقِيلَ عَلى هَذا -: أرادَ: إنِّي سَقِيمُ النَفْسِ مِن أُمُورِكم وكُفْرِكُمْ، فَظَهَرَ لَهم مِن كَلامِهِ أنَّهُ أرادَ سَقَمًا بِالجَسَدِ حاضِرًا، وهَكَذا هي المَعارِيضُ. وهَذا التَأْوِيلُ لا يَرُدُّهُ الحَدِيثُ وذِكْرُ الكِذْباتِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ لَها كَذِبٌ عَلى الِاتِّساعِ بِحَسْبِ اعْتِقادِ المُخْبِرِ، والكَذِبُ الَّذِي هو قَصْدُ قَوْلِ الباطِلِ والإخْبارُ بِضِدِّ ما في النَفْسِ بِغَيْرِ مَنفَعَةٍ شَرْعِيَّةٍ هو الَّذِي لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ.

الصافات 37:87

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عنهُ مُدْبِرِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَذَلِكَ"﴾ إشارَةٌ إلى إنْعامِهِ عَلى نُوحٍ بِالإجابَةِ كَما اقْتَرَحَ، وأثْنى تَعالى (p-٢٩٥)عَلى نُوحٍ بِالإحْسانِ لِصَبْرِهِ عَلى أذى قَوْمِهِ ومُطاوَلَتِهِ لَهُمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عِبادَتِهِ وأفْعالِهِ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ أغْرَقَ قَوْمَ نُوحٍ وأُمَّتَهُ ومُكَذِّبِيهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ نَصٌّ عَلى أنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، ولَكِنْ قَدْ قالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وأسْنَدَتْ أحادِيثَ بِأنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ الناسِ إلّا مَن كانَ مَعَهُ في السَفِينَةِ، وعَلى هَذا تَرَتَّبَ القَوْلُ بِأنَّ الناسَ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقالُوا: لَمْ يَكُنِ الناسُ حِينَئِذٍ بِهَذِهِ الكَثْرَةِ؛ لِأنَّ عَهْدَ آدَمَ كانَ قَرِيبًا، وكانَتْ دَعْوَةُ نُوحٍ ونُبُوَّتُهُ قَدْ بَلَغَتْ جَمِيعَهم لِطُولِ المُدَّةِ واللُبْثِ فِيهِمْ، فَكانَ الجَمِيعُ كَفَرَةً عَبَدَةَ أوثانٍ لَمْ يَنْسُبْهُمُ الحَقُّ إلى نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ أغْرَقَ جَمِيعَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَعْنى: في الدِينِ والتَوْحِيدِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الفَرّاءِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والإشارَةُ إلَيْهِ. وذَلِكَ كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ "الشِيعَةَ" مَعْناها: الصِنْفُ الشائِعُ الَّذِي يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والشِيَعُ: الفِرَقُ، وإنْ كانَ الأعْرَفُ أنَّ المُتَأخِّرَ في الزَمَنِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ مِنَ الكَلامِ عَكْسُ ذَلِكَ، قالَ الشاعِرُ: ؎ وما لِيَ إلّا آلُ أحْمَدَ شِيعَةً ∗∗∗ وما لِيَ إلّا مَشْعَبُ الحَقِّ مَشْعَبُ فَجَعَلَهم شِيعَةً لِنَفْسِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ: مِنَ الشَكِّ والشِرْكِ وجَمِيعِ النَقائِصِ الَّتِي تَلْحَقُ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كالغِلِّ والحَسَدِ والكِبْرِ ونَحْوِهُ، قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: لَمْ يَلْعن شَيْئًا قَطُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾، "أئِفْكًا" اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: أكَذِبًا ومُحالًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ؟ ونَصْبُ "آلِهَةً" عَلى البَدَلِ مِن إفْكًا، وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ (p-٢٩٦)الأصْلِيَّةُ مِنَ الإفْكِ. ﴿فَما ظَنُّكُمْ﴾ تَوْبِيخٌ وتَحْذِيرٌ وتَوَعُّدٌ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن نَظْرَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُجُومِ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ كانَ لَهم عِيدٌ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ، فَدَعَوْا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِلْخُرُوجِ مَعَهُمْ، فَنَظَرَ حِينَئِذٍ واعْتَذَرَ بِالسَقَمِ، وأرادَ البَقاءَ خِلافِهِمْ إلى الأصْنامِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، عن أبِيهِ: أرْسَلَ إلَيْهِ مَلِكُهم أنَّ غَدًا عِيدٌ فاحْضُرْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ طالِعٍ فَقالَ: إنَّ هَذا يَطْلُعُ مَعَ سَقَمِي، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ أيْ: فِيما نَجَمَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ قَوْمِهِ وحالِهِ مَعَهُمْ، وقالَ الجُمْهُورُ: نَظَرَ نُجُومَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّ عِلْمَ النُجُومِ كانَ عِنْدَهم مَنظُورًا فِيهِ مُسْتَعْمَلًا، فَأوهَمَهم هو مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أهْلَ رِعايَةٍ وفِلاحَةٍ، وهاتانِ المَعِيشَتانِ يُحْتاجُ فِيهِما إلى نَظَرٍ في النُجُومِ. واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي كِذْبَةٌ في ذاتِ اللهِ، أخْبَرَهم عن نَفْسِهِ أنَّهُ مَرِيضٌ، وأنَّ الكَوْكَبَ أعْطاهُ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أشارَ لَهم إلى مَرَضٍ وسَقَمٍ يُعْدِي كالطاعُونِ، ولِذَلِكَ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، أيْ: فارِّينَ مِنهُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ لِكُفْرِهِمْ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِهِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ - في أنَّها كِذْبَةٌ - يَجِيءُ الحَدِيثُ: « "لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كِذْباتٍ: قَوْلُهُ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا، وقَوْلُهُ في سارَّةَ: هي أُخْتِي".» (p-٢٩٧)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَيْسَتْ بِكِذْبَةٍ، ولا يَجُوزُ الكَذِبُ عَلَيْهِ، ولَكِنَّها مِنَ المَعارِيضِ، أخْبَرَهم بِأنَّهُ سَقِيمٌ في المالِ، وعَلى عُرْفِ ابْنِ آدَمَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لابُدَّ أنْ يَسْقَمَ ضَرُورَةً. وقِيلَ عَلى هَذا -: أرادَ: إنِّي سَقِيمُ النَفْسِ مِن أُمُورِكم وكُفْرِكُمْ، فَظَهَرَ لَهم مِن كَلامِهِ أنَّهُ أرادَ سَقَمًا بِالجَسَدِ حاضِرًا، وهَكَذا هي المَعارِيضُ. وهَذا التَأْوِيلُ لا يَرُدُّهُ الحَدِيثُ وذِكْرُ الكِذْباتِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ لَها كَذِبٌ عَلى الِاتِّساعِ بِحَسْبِ اعْتِقادِ المُخْبِرِ، والكَذِبُ الَّذِي هو قَصْدُ قَوْلِ الباطِلِ والإخْبارُ بِضِدِّ ما في النَفْسِ بِغَيْرِ مَنفَعَةٍ شَرْعِيَّةٍ هو الَّذِي لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ.

الصافات 37:88

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عنهُ مُدْبِرِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَذَلِكَ"﴾ إشارَةٌ إلى إنْعامِهِ عَلى نُوحٍ بِالإجابَةِ كَما اقْتَرَحَ، وأثْنى تَعالى (p-٢٩٥)عَلى نُوحٍ بِالإحْسانِ لِصَبْرِهِ عَلى أذى قَوْمِهِ ومُطاوَلَتِهِ لَهُمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عِبادَتِهِ وأفْعالِهِ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ أغْرَقَ قَوْمَ نُوحٍ وأُمَّتَهُ ومُكَذِّبِيهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ نَصٌّ عَلى أنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، ولَكِنْ قَدْ قالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وأسْنَدَتْ أحادِيثَ بِأنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ الناسِ إلّا مَن كانَ مَعَهُ في السَفِينَةِ، وعَلى هَذا تَرَتَّبَ القَوْلُ بِأنَّ الناسَ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقالُوا: لَمْ يَكُنِ الناسُ حِينَئِذٍ بِهَذِهِ الكَثْرَةِ؛ لِأنَّ عَهْدَ آدَمَ كانَ قَرِيبًا، وكانَتْ دَعْوَةُ نُوحٍ ونُبُوَّتُهُ قَدْ بَلَغَتْ جَمِيعَهم لِطُولِ المُدَّةِ واللُبْثِ فِيهِمْ، فَكانَ الجَمِيعُ كَفَرَةً عَبَدَةَ أوثانٍ لَمْ يَنْسُبْهُمُ الحَقُّ إلى نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ أغْرَقَ جَمِيعَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَعْنى: في الدِينِ والتَوْحِيدِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الفَرّاءِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والإشارَةُ إلَيْهِ. وذَلِكَ كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ "الشِيعَةَ" مَعْناها: الصِنْفُ الشائِعُ الَّذِي يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والشِيَعُ: الفِرَقُ، وإنْ كانَ الأعْرَفُ أنَّ المُتَأخِّرَ في الزَمَنِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ مِنَ الكَلامِ عَكْسُ ذَلِكَ، قالَ الشاعِرُ: ؎ وما لِيَ إلّا آلُ أحْمَدَ شِيعَةً ∗∗∗ وما لِيَ إلّا مَشْعَبُ الحَقِّ مَشْعَبُ فَجَعَلَهم شِيعَةً لِنَفْسِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ: مِنَ الشَكِّ والشِرْكِ وجَمِيعِ النَقائِصِ الَّتِي تَلْحَقُ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كالغِلِّ والحَسَدِ والكِبْرِ ونَحْوِهُ، قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: لَمْ يَلْعن شَيْئًا قَطُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾، "أئِفْكًا" اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: أكَذِبًا ومُحالًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ؟ ونَصْبُ "آلِهَةً" عَلى البَدَلِ مِن إفْكًا، وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ (p-٢٩٦)الأصْلِيَّةُ مِنَ الإفْكِ. ﴿فَما ظَنُّكُمْ﴾ تَوْبِيخٌ وتَحْذِيرٌ وتَوَعُّدٌ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن نَظْرَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُجُومِ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ كانَ لَهم عِيدٌ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ، فَدَعَوْا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِلْخُرُوجِ مَعَهُمْ، فَنَظَرَ حِينَئِذٍ واعْتَذَرَ بِالسَقَمِ، وأرادَ البَقاءَ خِلافِهِمْ إلى الأصْنامِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، عن أبِيهِ: أرْسَلَ إلَيْهِ مَلِكُهم أنَّ غَدًا عِيدٌ فاحْضُرْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ طالِعٍ فَقالَ: إنَّ هَذا يَطْلُعُ مَعَ سَقَمِي، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ أيْ: فِيما نَجَمَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ قَوْمِهِ وحالِهِ مَعَهُمْ، وقالَ الجُمْهُورُ: نَظَرَ نُجُومَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّ عِلْمَ النُجُومِ كانَ عِنْدَهم مَنظُورًا فِيهِ مُسْتَعْمَلًا، فَأوهَمَهم هو مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أهْلَ رِعايَةٍ وفِلاحَةٍ، وهاتانِ المَعِيشَتانِ يُحْتاجُ فِيهِما إلى نَظَرٍ في النُجُومِ. واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي كِذْبَةٌ في ذاتِ اللهِ، أخْبَرَهم عن نَفْسِهِ أنَّهُ مَرِيضٌ، وأنَّ الكَوْكَبَ أعْطاهُ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أشارَ لَهم إلى مَرَضٍ وسَقَمٍ يُعْدِي كالطاعُونِ، ولِذَلِكَ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، أيْ: فارِّينَ مِنهُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ لِكُفْرِهِمْ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِهِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ - في أنَّها كِذْبَةٌ - يَجِيءُ الحَدِيثُ: « "لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كِذْباتٍ: قَوْلُهُ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا، وقَوْلُهُ في سارَّةَ: هي أُخْتِي".» (p-٢٩٧)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَيْسَتْ بِكِذْبَةٍ، ولا يَجُوزُ الكَذِبُ عَلَيْهِ، ولَكِنَّها مِنَ المَعارِيضِ، أخْبَرَهم بِأنَّهُ سَقِيمٌ في المالِ، وعَلى عُرْفِ ابْنِ آدَمَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لابُدَّ أنْ يَسْقَمَ ضَرُورَةً. وقِيلَ عَلى هَذا -: أرادَ: إنِّي سَقِيمُ النَفْسِ مِن أُمُورِكم وكُفْرِكُمْ، فَظَهَرَ لَهم مِن كَلامِهِ أنَّهُ أرادَ سَقَمًا بِالجَسَدِ حاضِرًا، وهَكَذا هي المَعارِيضُ. وهَذا التَأْوِيلُ لا يَرُدُّهُ الحَدِيثُ وذِكْرُ الكِذْباتِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ لَها كَذِبٌ عَلى الِاتِّساعِ بِحَسْبِ اعْتِقادِ المُخْبِرِ، والكَذِبُ الَّذِي هو قَصْدُ قَوْلِ الباطِلِ والإخْبارُ بِضِدِّ ما في النَفْسِ بِغَيْرِ مَنفَعَةٍ شَرْعِيَّةٍ هو الَّذِي لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ.

الصافات 37:89

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عنهُ مُدْبِرِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَذَلِكَ"﴾ إشارَةٌ إلى إنْعامِهِ عَلى نُوحٍ بِالإجابَةِ كَما اقْتَرَحَ، وأثْنى تَعالى (p-٢٩٥)عَلى نُوحٍ بِالإحْسانِ لِصَبْرِهِ عَلى أذى قَوْمِهِ ومُطاوَلَتِهِ لَهُمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عِبادَتِهِ وأفْعالِهِ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ أغْرَقَ قَوْمَ نُوحٍ وأُمَّتَهُ ومُكَذِّبِيهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ نَصٌّ عَلى أنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، ولَكِنْ قَدْ قالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وأسْنَدَتْ أحادِيثَ بِأنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ الناسِ إلّا مَن كانَ مَعَهُ في السَفِينَةِ، وعَلى هَذا تَرَتَّبَ القَوْلُ بِأنَّ الناسَ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقالُوا: لَمْ يَكُنِ الناسُ حِينَئِذٍ بِهَذِهِ الكَثْرَةِ؛ لِأنَّ عَهْدَ آدَمَ كانَ قَرِيبًا، وكانَتْ دَعْوَةُ نُوحٍ ونُبُوَّتُهُ قَدْ بَلَغَتْ جَمِيعَهم لِطُولِ المُدَّةِ واللُبْثِ فِيهِمْ، فَكانَ الجَمِيعُ كَفَرَةً عَبَدَةَ أوثانٍ لَمْ يَنْسُبْهُمُ الحَقُّ إلى نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ أغْرَقَ جَمِيعَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَعْنى: في الدِينِ والتَوْحِيدِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الفَرّاءِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والإشارَةُ إلَيْهِ. وذَلِكَ كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ "الشِيعَةَ" مَعْناها: الصِنْفُ الشائِعُ الَّذِي يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والشِيَعُ: الفِرَقُ، وإنْ كانَ الأعْرَفُ أنَّ المُتَأخِّرَ في الزَمَنِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ مِنَ الكَلامِ عَكْسُ ذَلِكَ، قالَ الشاعِرُ: ؎ وما لِيَ إلّا آلُ أحْمَدَ شِيعَةً ∗∗∗ وما لِيَ إلّا مَشْعَبُ الحَقِّ مَشْعَبُ فَجَعَلَهم شِيعَةً لِنَفْسِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ: مِنَ الشَكِّ والشِرْكِ وجَمِيعِ النَقائِصِ الَّتِي تَلْحَقُ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كالغِلِّ والحَسَدِ والكِبْرِ ونَحْوِهُ، قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: لَمْ يَلْعن شَيْئًا قَطُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾، "أئِفْكًا" اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: أكَذِبًا ومُحالًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ؟ ونَصْبُ "آلِهَةً" عَلى البَدَلِ مِن إفْكًا، وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ (p-٢٩٦)الأصْلِيَّةُ مِنَ الإفْكِ. ﴿فَما ظَنُّكُمْ﴾ تَوْبِيخٌ وتَحْذِيرٌ وتَوَعُّدٌ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن نَظْرَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُجُومِ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ كانَ لَهم عِيدٌ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ، فَدَعَوْا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِلْخُرُوجِ مَعَهُمْ، فَنَظَرَ حِينَئِذٍ واعْتَذَرَ بِالسَقَمِ، وأرادَ البَقاءَ خِلافِهِمْ إلى الأصْنامِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، عن أبِيهِ: أرْسَلَ إلَيْهِ مَلِكُهم أنَّ غَدًا عِيدٌ فاحْضُرْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ طالِعٍ فَقالَ: إنَّ هَذا يَطْلُعُ مَعَ سَقَمِي، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ أيْ: فِيما نَجَمَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ قَوْمِهِ وحالِهِ مَعَهُمْ، وقالَ الجُمْهُورُ: نَظَرَ نُجُومَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّ عِلْمَ النُجُومِ كانَ عِنْدَهم مَنظُورًا فِيهِ مُسْتَعْمَلًا، فَأوهَمَهم هو مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أهْلَ رِعايَةٍ وفِلاحَةٍ، وهاتانِ المَعِيشَتانِ يُحْتاجُ فِيهِما إلى نَظَرٍ في النُجُومِ. واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي كِذْبَةٌ في ذاتِ اللهِ، أخْبَرَهم عن نَفْسِهِ أنَّهُ مَرِيضٌ، وأنَّ الكَوْكَبَ أعْطاهُ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أشارَ لَهم إلى مَرَضٍ وسَقَمٍ يُعْدِي كالطاعُونِ، ولِذَلِكَ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، أيْ: فارِّينَ مِنهُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ لِكُفْرِهِمْ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِهِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ - في أنَّها كِذْبَةٌ - يَجِيءُ الحَدِيثُ: « "لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كِذْباتٍ: قَوْلُهُ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا، وقَوْلُهُ في سارَّةَ: هي أُخْتِي".» (p-٢٩٧)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَيْسَتْ بِكِذْبَةٍ، ولا يَجُوزُ الكَذِبُ عَلَيْهِ، ولَكِنَّها مِنَ المَعارِيضِ، أخْبَرَهم بِأنَّهُ سَقِيمٌ في المالِ، وعَلى عُرْفِ ابْنِ آدَمَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لابُدَّ أنْ يَسْقَمَ ضَرُورَةً. وقِيلَ عَلى هَذا -: أرادَ: إنِّي سَقِيمُ النَفْسِ مِن أُمُورِكم وكُفْرِكُمْ، فَظَهَرَ لَهم مِن كَلامِهِ أنَّهُ أرادَ سَقَمًا بِالجَسَدِ حاضِرًا، وهَكَذا هي المَعارِيضُ. وهَذا التَأْوِيلُ لا يَرُدُّهُ الحَدِيثُ وذِكْرُ الكِذْباتِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ لَها كَذِبٌ عَلى الِاتِّساعِ بِحَسْبِ اعْتِقادِ المُخْبِرِ، والكَذِبُ الَّذِي هو قَصْدُ قَوْلِ الباطِلِ والإخْبارُ بِضِدِّ ما في النَفْسِ بِغَيْرِ مَنفَعَةٍ شَرْعِيَّةٍ هو الَّذِي لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ.

الصافات 37:90

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عنهُ مُدْبِرِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَذَلِكَ"﴾ إشارَةٌ إلى إنْعامِهِ عَلى نُوحٍ بِالإجابَةِ كَما اقْتَرَحَ، وأثْنى تَعالى (p-٢٩٥)عَلى نُوحٍ بِالإحْسانِ لِصَبْرِهِ عَلى أذى قَوْمِهِ ومُطاوَلَتِهِ لَهُمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عِبادَتِهِ وأفْعالِهِ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ أغْرَقَ قَوْمَ نُوحٍ وأُمَّتَهُ ومُكَذِّبِيهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ نَصٌّ عَلى أنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، ولَكِنْ قَدْ قالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وأسْنَدَتْ أحادِيثَ بِأنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ الناسِ إلّا مَن كانَ مَعَهُ في السَفِينَةِ، وعَلى هَذا تَرَتَّبَ القَوْلُ بِأنَّ الناسَ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقالُوا: لَمْ يَكُنِ الناسُ حِينَئِذٍ بِهَذِهِ الكَثْرَةِ؛ لِأنَّ عَهْدَ آدَمَ كانَ قَرِيبًا، وكانَتْ دَعْوَةُ نُوحٍ ونُبُوَّتُهُ قَدْ بَلَغَتْ جَمِيعَهم لِطُولِ المُدَّةِ واللُبْثِ فِيهِمْ، فَكانَ الجَمِيعُ كَفَرَةً عَبَدَةَ أوثانٍ لَمْ يَنْسُبْهُمُ الحَقُّ إلى نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ أغْرَقَ جَمِيعَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَعْنى: في الدِينِ والتَوْحِيدِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الفَرّاءِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والإشارَةُ إلَيْهِ. وذَلِكَ كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ "الشِيعَةَ" مَعْناها: الصِنْفُ الشائِعُ الَّذِي يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والشِيَعُ: الفِرَقُ، وإنْ كانَ الأعْرَفُ أنَّ المُتَأخِّرَ في الزَمَنِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ مِنَ الكَلامِ عَكْسُ ذَلِكَ، قالَ الشاعِرُ: ؎ وما لِيَ إلّا آلُ أحْمَدَ شِيعَةً ∗∗∗ وما لِيَ إلّا مَشْعَبُ الحَقِّ مَشْعَبُ فَجَعَلَهم شِيعَةً لِنَفْسِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ: مِنَ الشَكِّ والشِرْكِ وجَمِيعِ النَقائِصِ الَّتِي تَلْحَقُ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كالغِلِّ والحَسَدِ والكِبْرِ ونَحْوِهُ، قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: لَمْ يَلْعن شَيْئًا قَطُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾، "أئِفْكًا" اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: أكَذِبًا ومُحالًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ؟ ونَصْبُ "آلِهَةً" عَلى البَدَلِ مِن إفْكًا، وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ (p-٢٩٦)الأصْلِيَّةُ مِنَ الإفْكِ. ﴿فَما ظَنُّكُمْ﴾ تَوْبِيخٌ وتَحْذِيرٌ وتَوَعُّدٌ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن نَظْرَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُجُومِ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ كانَ لَهم عِيدٌ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ، فَدَعَوْا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِلْخُرُوجِ مَعَهُمْ، فَنَظَرَ حِينَئِذٍ واعْتَذَرَ بِالسَقَمِ، وأرادَ البَقاءَ خِلافِهِمْ إلى الأصْنامِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، عن أبِيهِ: أرْسَلَ إلَيْهِ مَلِكُهم أنَّ غَدًا عِيدٌ فاحْضُرْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ طالِعٍ فَقالَ: إنَّ هَذا يَطْلُعُ مَعَ سَقَمِي، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ أيْ: فِيما نَجَمَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ قَوْمِهِ وحالِهِ مَعَهُمْ، وقالَ الجُمْهُورُ: نَظَرَ نُجُومَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّ عِلْمَ النُجُومِ كانَ عِنْدَهم مَنظُورًا فِيهِ مُسْتَعْمَلًا، فَأوهَمَهم هو مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أهْلَ رِعايَةٍ وفِلاحَةٍ، وهاتانِ المَعِيشَتانِ يُحْتاجُ فِيهِما إلى نَظَرٍ في النُجُومِ. واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي كِذْبَةٌ في ذاتِ اللهِ، أخْبَرَهم عن نَفْسِهِ أنَّهُ مَرِيضٌ، وأنَّ الكَوْكَبَ أعْطاهُ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أشارَ لَهم إلى مَرَضٍ وسَقَمٍ يُعْدِي كالطاعُونِ، ولِذَلِكَ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، أيْ: فارِّينَ مِنهُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ لِكُفْرِهِمْ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِهِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ - في أنَّها كِذْبَةٌ - يَجِيءُ الحَدِيثُ: « "لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كِذْباتٍ: قَوْلُهُ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا، وقَوْلُهُ في سارَّةَ: هي أُخْتِي".» (p-٢٩٧)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَيْسَتْ بِكِذْبَةٍ، ولا يَجُوزُ الكَذِبُ عَلَيْهِ، ولَكِنَّها مِنَ المَعارِيضِ، أخْبَرَهم بِأنَّهُ سَقِيمٌ في المالِ، وعَلى عُرْفِ ابْنِ آدَمَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لابُدَّ أنْ يَسْقَمَ ضَرُورَةً. وقِيلَ عَلى هَذا -: أرادَ: إنِّي سَقِيمُ النَفْسِ مِن أُمُورِكم وكُفْرِكُمْ، فَظَهَرَ لَهم مِن كَلامِهِ أنَّهُ أرادَ سَقَمًا بِالجَسَدِ حاضِرًا، وهَكَذا هي المَعارِيضُ. وهَذا التَأْوِيلُ لا يَرُدُّهُ الحَدِيثُ وذِكْرُ الكِذْباتِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ لَها كَذِبٌ عَلى الِاتِّساعِ بِحَسْبِ اعْتِقادِ المُخْبِرِ، والكَذِبُ الَّذِي هو قَصْدُ قَوْلِ الباطِلِ والإخْبارُ بِضِدِّ ما في النَفْسِ بِغَيْرِ مَنفَعَةٍ شَرْعِيَّةٍ هو الَّذِي لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ.

الصافات 37:91

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ "راغَ" مَعْناهُ: مالَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الرِياغُ ولا يَنَ... فَعُ إلّا المُصادِقُ النِحْرِيرُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِعَبَدَةِ تِلْكَ الأصْنامِ، ورُوِيَ أنَّ عادَةَ أُولَئِكَ كانَتْ أنَّهم يَتْرُكُونَ الطَعامَ في بُيُوتِ الأصْنامَ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها تُصِيبُ مِنهُ شَمِيمًا، ونَحْوَ هَذا مِنَ المُعْتَقَداتِ الباطِلَةِ، ثُمَّ كانَ خَدَمُ البَيْتِ يَأْكُلُونَهُ. فَلَمّا دَخَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ (p-٢٩٨)السَلامُ وقَفَ عَلى الأكْلِ، والنُطْقِ والمُخاطَبَةِ لِلْأصْنامِ والقَصْدُ الِاسْتِهْزاءُ بِعابِدِيها، ثُمَّ مالَ عِنْدَ ذَلِكَ إلى ضَرْبِ تِلْكَ الأصْنامِ بِفَأْسٍ حَتّى جَعَلَها جِذاذًا. واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ "بِاليَمِينِ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُمْنى يَدَيْهِ، وقِيلَ: أرادَ: بِقُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ بِالفَأْسِ، وقِيلَ: أرادَ يَمِينَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿وَتاللهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، و"ضَرْبًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: [صَفْقًا بِاليَمِينِ]. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: (أقْبَلُوا) لِكُفّارِ قَوْمِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يَزِفُّونَ"﴾ بِفَتْحِ الياءِ، مِن: زَفَّ إذا أسْرَعَ، وزَفَّتِ الإبِلُ إذا أسْرَعَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: ؎ فَجاءَ قَرِيعُ الشَوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ ∗∗∗ يَزِّفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيُّ: ؎ وزَفَّتِ الشَوْلُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ كَما ∗∗∗ ∗∗∗ زَفَّ النَعامُ إلى حَفانِهِ الرُوحُ (p-٢٩٩)وَقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "يُزِفُّونَ" بِضَمِّ الياءِ، مِن: أزَفَّ إذا دَخَلَ في الزَفِيفِ، ولَيْسَتْ بِهَمْزَةِ تَعْدِيَةٍ، هَذا قَوْلٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناها: يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَفِيفِ، وحَكاهُ عَنِ الأصْمَعِيِّ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، "يَزِفُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الفاءِ مِن: وزَفَ يَزِفُ، وهي لُغَةٌ مُنْكَرَةٌ، قالَ الكِسائِيُّ: والفَرّاءُ لا نُعْرِفُها بِمَعْنى: زَفَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الوَزِيفُ: السَيَلانُ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ "يَزِفُّونَ" مَعْناهُ: يَتَمَهَّلُونَ في مَشْيِهِمْ كَزِفافِ العَرُوسِ، والمَعْنى أنَّهم كانُوا عَلى طُمَأْنِينَةٍ مِن أنْ يَنالَ أحَدٌ آلِهَتَهم بِسُوءٍ لِعِزَّتِهِمْ، فَكانُوا لِذَلِكَ مُتَمَهِّلِينَ. وزَفَّ بِمَعْنى أسْرَعَ هو المَعْرُوفُ. ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهم في جُمْلَةِ مُحاوَرَةٍ طَوِيلَةٍ قَدْ تَضَمَّنَتْها الآيَةُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾، أيْ: تَجْعَلُونَ إلَهًا مُعَظَّمًا شَيْئًا صَنَعْتُمُوهُ مِن عُودٍ أو حَجَرٍ، وعَمِلْتُمُوهُ بِأيْدِيكُمْ؟ أخْبَرَهم بِخَبَرٍ لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿واللهُ خَلَقَكُمْ﴾، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَعْمَلُونَ﴾، فَمَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: وأعْمالَكُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَهم قاعِدَةٌ في خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ، وذَلِكَ مُوافِقٌ لِمَذْهَبِ أهْلِ السُنَّةِ في ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِمَعْنى الَّذِي، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" اسْتِفْهامٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي نَفْيٌ، بِمَعْنى: وأنْتُمْ لا تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا قَبْلَهُ، ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، والمُعْتَزِلَةُ مُضْطَرَّةٌ إلى الزَوالِ عن أنْ تَجْعَلَ "ما" مَصْدَرِيَّةً. و"البُنْيانُ" قِيلَ: كانَ في مَوْضِعِ إيقادِ النارِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ لِلْمَنجَنِيقِ الَّذِي رُمِيَ عنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ نارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وجَعَلَهُمُ اللهُ الأسْفَلِينَ بِأنْ غُلِبُوا وذَلُّوا ونالَتْهُمُ العُقُوباتُ.

الصافات 37:92

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ "راغَ" مَعْناهُ: مالَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الرِياغُ ولا يَنَ... فَعُ إلّا المُصادِقُ النِحْرِيرُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِعَبَدَةِ تِلْكَ الأصْنامِ، ورُوِيَ أنَّ عادَةَ أُولَئِكَ كانَتْ أنَّهم يَتْرُكُونَ الطَعامَ في بُيُوتِ الأصْنامَ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها تُصِيبُ مِنهُ شَمِيمًا، ونَحْوَ هَذا مِنَ المُعْتَقَداتِ الباطِلَةِ، ثُمَّ كانَ خَدَمُ البَيْتِ يَأْكُلُونَهُ. فَلَمّا دَخَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ (p-٢٩٨)السَلامُ وقَفَ عَلى الأكْلِ، والنُطْقِ والمُخاطَبَةِ لِلْأصْنامِ والقَصْدُ الِاسْتِهْزاءُ بِعابِدِيها، ثُمَّ مالَ عِنْدَ ذَلِكَ إلى ضَرْبِ تِلْكَ الأصْنامِ بِفَأْسٍ حَتّى جَعَلَها جِذاذًا. واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ "بِاليَمِينِ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُمْنى يَدَيْهِ، وقِيلَ: أرادَ: بِقُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ بِالفَأْسِ، وقِيلَ: أرادَ يَمِينَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿وَتاللهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، و"ضَرْبًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: [صَفْقًا بِاليَمِينِ]. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: (أقْبَلُوا) لِكُفّارِ قَوْمِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يَزِفُّونَ"﴾ بِفَتْحِ الياءِ، مِن: زَفَّ إذا أسْرَعَ، وزَفَّتِ الإبِلُ إذا أسْرَعَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: ؎ فَجاءَ قَرِيعُ الشَوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ ∗∗∗ يَزِّفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيُّ: ؎ وزَفَّتِ الشَوْلُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ كَما ∗∗∗ ∗∗∗ زَفَّ النَعامُ إلى حَفانِهِ الرُوحُ (p-٢٩٩)وَقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "يُزِفُّونَ" بِضَمِّ الياءِ، مِن: أزَفَّ إذا دَخَلَ في الزَفِيفِ، ولَيْسَتْ بِهَمْزَةِ تَعْدِيَةٍ، هَذا قَوْلٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناها: يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَفِيفِ، وحَكاهُ عَنِ الأصْمَعِيِّ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، "يَزِفُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الفاءِ مِن: وزَفَ يَزِفُ، وهي لُغَةٌ مُنْكَرَةٌ، قالَ الكِسائِيُّ: والفَرّاءُ لا نُعْرِفُها بِمَعْنى: زَفَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الوَزِيفُ: السَيَلانُ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ "يَزِفُّونَ" مَعْناهُ: يَتَمَهَّلُونَ في مَشْيِهِمْ كَزِفافِ العَرُوسِ، والمَعْنى أنَّهم كانُوا عَلى طُمَأْنِينَةٍ مِن أنْ يَنالَ أحَدٌ آلِهَتَهم بِسُوءٍ لِعِزَّتِهِمْ، فَكانُوا لِذَلِكَ مُتَمَهِّلِينَ. وزَفَّ بِمَعْنى أسْرَعَ هو المَعْرُوفُ. ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهم في جُمْلَةِ مُحاوَرَةٍ طَوِيلَةٍ قَدْ تَضَمَّنَتْها الآيَةُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾، أيْ: تَجْعَلُونَ إلَهًا مُعَظَّمًا شَيْئًا صَنَعْتُمُوهُ مِن عُودٍ أو حَجَرٍ، وعَمِلْتُمُوهُ بِأيْدِيكُمْ؟ أخْبَرَهم بِخَبَرٍ لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿واللهُ خَلَقَكُمْ﴾، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَعْمَلُونَ﴾، فَمَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: وأعْمالَكُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَهم قاعِدَةٌ في خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ، وذَلِكَ مُوافِقٌ لِمَذْهَبِ أهْلِ السُنَّةِ في ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِمَعْنى الَّذِي، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" اسْتِفْهامٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي نَفْيٌ، بِمَعْنى: وأنْتُمْ لا تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا قَبْلَهُ، ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، والمُعْتَزِلَةُ مُضْطَرَّةٌ إلى الزَوالِ عن أنْ تَجْعَلَ "ما" مَصْدَرِيَّةً. و"البُنْيانُ" قِيلَ: كانَ في مَوْضِعِ إيقادِ النارِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ لِلْمَنجَنِيقِ الَّذِي رُمِيَ عنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ نارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وجَعَلَهُمُ اللهُ الأسْفَلِينَ بِأنْ غُلِبُوا وذَلُّوا ونالَتْهُمُ العُقُوباتُ.

الصافات 37:93

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ "راغَ" مَعْناهُ: مالَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الرِياغُ ولا يَنَ... فَعُ إلّا المُصادِقُ النِحْرِيرُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِعَبَدَةِ تِلْكَ الأصْنامِ، ورُوِيَ أنَّ عادَةَ أُولَئِكَ كانَتْ أنَّهم يَتْرُكُونَ الطَعامَ في بُيُوتِ الأصْنامَ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها تُصِيبُ مِنهُ شَمِيمًا، ونَحْوَ هَذا مِنَ المُعْتَقَداتِ الباطِلَةِ، ثُمَّ كانَ خَدَمُ البَيْتِ يَأْكُلُونَهُ. فَلَمّا دَخَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ (p-٢٩٨)السَلامُ وقَفَ عَلى الأكْلِ، والنُطْقِ والمُخاطَبَةِ لِلْأصْنامِ والقَصْدُ الِاسْتِهْزاءُ بِعابِدِيها، ثُمَّ مالَ عِنْدَ ذَلِكَ إلى ضَرْبِ تِلْكَ الأصْنامِ بِفَأْسٍ حَتّى جَعَلَها جِذاذًا. واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ "بِاليَمِينِ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُمْنى يَدَيْهِ، وقِيلَ: أرادَ: بِقُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ بِالفَأْسِ، وقِيلَ: أرادَ يَمِينَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿وَتاللهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، و"ضَرْبًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: [صَفْقًا بِاليَمِينِ]. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: (أقْبَلُوا) لِكُفّارِ قَوْمِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يَزِفُّونَ"﴾ بِفَتْحِ الياءِ، مِن: زَفَّ إذا أسْرَعَ، وزَفَّتِ الإبِلُ إذا أسْرَعَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: ؎ فَجاءَ قَرِيعُ الشَوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ ∗∗∗ يَزِّفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيُّ: ؎ وزَفَّتِ الشَوْلُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ كَما ∗∗∗ ∗∗∗ زَفَّ النَعامُ إلى حَفانِهِ الرُوحُ (p-٢٩٩)وَقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "يُزِفُّونَ" بِضَمِّ الياءِ، مِن: أزَفَّ إذا دَخَلَ في الزَفِيفِ، ولَيْسَتْ بِهَمْزَةِ تَعْدِيَةٍ، هَذا قَوْلٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناها: يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَفِيفِ، وحَكاهُ عَنِ الأصْمَعِيِّ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، "يَزِفُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الفاءِ مِن: وزَفَ يَزِفُ، وهي لُغَةٌ مُنْكَرَةٌ، قالَ الكِسائِيُّ: والفَرّاءُ لا نُعْرِفُها بِمَعْنى: زَفَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الوَزِيفُ: السَيَلانُ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ "يَزِفُّونَ" مَعْناهُ: يَتَمَهَّلُونَ في مَشْيِهِمْ كَزِفافِ العَرُوسِ، والمَعْنى أنَّهم كانُوا عَلى طُمَأْنِينَةٍ مِن أنْ يَنالَ أحَدٌ آلِهَتَهم بِسُوءٍ لِعِزَّتِهِمْ، فَكانُوا لِذَلِكَ مُتَمَهِّلِينَ. وزَفَّ بِمَعْنى أسْرَعَ هو المَعْرُوفُ. ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهم في جُمْلَةِ مُحاوَرَةٍ طَوِيلَةٍ قَدْ تَضَمَّنَتْها الآيَةُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾، أيْ: تَجْعَلُونَ إلَهًا مُعَظَّمًا شَيْئًا صَنَعْتُمُوهُ مِن عُودٍ أو حَجَرٍ، وعَمِلْتُمُوهُ بِأيْدِيكُمْ؟ أخْبَرَهم بِخَبَرٍ لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿واللهُ خَلَقَكُمْ﴾، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَعْمَلُونَ﴾، فَمَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: وأعْمالَكُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَهم قاعِدَةٌ في خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ، وذَلِكَ مُوافِقٌ لِمَذْهَبِ أهْلِ السُنَّةِ في ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِمَعْنى الَّذِي، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" اسْتِفْهامٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي نَفْيٌ، بِمَعْنى: وأنْتُمْ لا تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا قَبْلَهُ، ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، والمُعْتَزِلَةُ مُضْطَرَّةٌ إلى الزَوالِ عن أنْ تَجْعَلَ "ما" مَصْدَرِيَّةً. و"البُنْيانُ" قِيلَ: كانَ في مَوْضِعِ إيقادِ النارِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ لِلْمَنجَنِيقِ الَّذِي رُمِيَ عنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ نارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وجَعَلَهُمُ اللهُ الأسْفَلِينَ بِأنْ غُلِبُوا وذَلُّوا ونالَتْهُمُ العُقُوباتُ.

الصافات 37:94

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ "راغَ" مَعْناهُ: مالَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الرِياغُ ولا يَنَ... فَعُ إلّا المُصادِقُ النِحْرِيرُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِعَبَدَةِ تِلْكَ الأصْنامِ، ورُوِيَ أنَّ عادَةَ أُولَئِكَ كانَتْ أنَّهم يَتْرُكُونَ الطَعامَ في بُيُوتِ الأصْنامَ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها تُصِيبُ مِنهُ شَمِيمًا، ونَحْوَ هَذا مِنَ المُعْتَقَداتِ الباطِلَةِ، ثُمَّ كانَ خَدَمُ البَيْتِ يَأْكُلُونَهُ. فَلَمّا دَخَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ (p-٢٩٨)السَلامُ وقَفَ عَلى الأكْلِ، والنُطْقِ والمُخاطَبَةِ لِلْأصْنامِ والقَصْدُ الِاسْتِهْزاءُ بِعابِدِيها، ثُمَّ مالَ عِنْدَ ذَلِكَ إلى ضَرْبِ تِلْكَ الأصْنامِ بِفَأْسٍ حَتّى جَعَلَها جِذاذًا. واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ "بِاليَمِينِ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُمْنى يَدَيْهِ، وقِيلَ: أرادَ: بِقُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ بِالفَأْسِ، وقِيلَ: أرادَ يَمِينَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿وَتاللهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، و"ضَرْبًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: [صَفْقًا بِاليَمِينِ]. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: (أقْبَلُوا) لِكُفّارِ قَوْمِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يَزِفُّونَ"﴾ بِفَتْحِ الياءِ، مِن: زَفَّ إذا أسْرَعَ، وزَفَّتِ الإبِلُ إذا أسْرَعَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: ؎ فَجاءَ قَرِيعُ الشَوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ ∗∗∗ يَزِّفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيُّ: ؎ وزَفَّتِ الشَوْلُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ كَما ∗∗∗ ∗∗∗ زَفَّ النَعامُ إلى حَفانِهِ الرُوحُ (p-٢٩٩)وَقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "يُزِفُّونَ" بِضَمِّ الياءِ، مِن: أزَفَّ إذا دَخَلَ في الزَفِيفِ، ولَيْسَتْ بِهَمْزَةِ تَعْدِيَةٍ، هَذا قَوْلٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناها: يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَفِيفِ، وحَكاهُ عَنِ الأصْمَعِيِّ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، "يَزِفُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الفاءِ مِن: وزَفَ يَزِفُ، وهي لُغَةٌ مُنْكَرَةٌ، قالَ الكِسائِيُّ: والفَرّاءُ لا نُعْرِفُها بِمَعْنى: زَفَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الوَزِيفُ: السَيَلانُ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ "يَزِفُّونَ" مَعْناهُ: يَتَمَهَّلُونَ في مَشْيِهِمْ كَزِفافِ العَرُوسِ، والمَعْنى أنَّهم كانُوا عَلى طُمَأْنِينَةٍ مِن أنْ يَنالَ أحَدٌ آلِهَتَهم بِسُوءٍ لِعِزَّتِهِمْ، فَكانُوا لِذَلِكَ مُتَمَهِّلِينَ. وزَفَّ بِمَعْنى أسْرَعَ هو المَعْرُوفُ. ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهم في جُمْلَةِ مُحاوَرَةٍ طَوِيلَةٍ قَدْ تَضَمَّنَتْها الآيَةُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾، أيْ: تَجْعَلُونَ إلَهًا مُعَظَّمًا شَيْئًا صَنَعْتُمُوهُ مِن عُودٍ أو حَجَرٍ، وعَمِلْتُمُوهُ بِأيْدِيكُمْ؟ أخْبَرَهم بِخَبَرٍ لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿واللهُ خَلَقَكُمْ﴾، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَعْمَلُونَ﴾، فَمَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: وأعْمالَكُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَهم قاعِدَةٌ في خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ، وذَلِكَ مُوافِقٌ لِمَذْهَبِ أهْلِ السُنَّةِ في ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِمَعْنى الَّذِي، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" اسْتِفْهامٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي نَفْيٌ، بِمَعْنى: وأنْتُمْ لا تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا قَبْلَهُ، ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، والمُعْتَزِلَةُ مُضْطَرَّةٌ إلى الزَوالِ عن أنْ تَجْعَلَ "ما" مَصْدَرِيَّةً. و"البُنْيانُ" قِيلَ: كانَ في مَوْضِعِ إيقادِ النارِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ لِلْمَنجَنِيقِ الَّذِي رُمِيَ عنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ نارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وجَعَلَهُمُ اللهُ الأسْفَلِينَ بِأنْ غُلِبُوا وذَلُّوا ونالَتْهُمُ العُقُوباتُ.

الصافات 37:95

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ "راغَ" مَعْناهُ: مالَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الرِياغُ ولا يَنَ... فَعُ إلّا المُصادِقُ النِحْرِيرُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِعَبَدَةِ تِلْكَ الأصْنامِ، ورُوِيَ أنَّ عادَةَ أُولَئِكَ كانَتْ أنَّهم يَتْرُكُونَ الطَعامَ في بُيُوتِ الأصْنامَ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها تُصِيبُ مِنهُ شَمِيمًا، ونَحْوَ هَذا مِنَ المُعْتَقَداتِ الباطِلَةِ، ثُمَّ كانَ خَدَمُ البَيْتِ يَأْكُلُونَهُ. فَلَمّا دَخَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ (p-٢٩٨)السَلامُ وقَفَ عَلى الأكْلِ، والنُطْقِ والمُخاطَبَةِ لِلْأصْنامِ والقَصْدُ الِاسْتِهْزاءُ بِعابِدِيها، ثُمَّ مالَ عِنْدَ ذَلِكَ إلى ضَرْبِ تِلْكَ الأصْنامِ بِفَأْسٍ حَتّى جَعَلَها جِذاذًا. واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ "بِاليَمِينِ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُمْنى يَدَيْهِ، وقِيلَ: أرادَ: بِقُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ بِالفَأْسِ، وقِيلَ: أرادَ يَمِينَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿وَتاللهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، و"ضَرْبًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: [صَفْقًا بِاليَمِينِ]. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: (أقْبَلُوا) لِكُفّارِ قَوْمِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يَزِفُّونَ"﴾ بِفَتْحِ الياءِ، مِن: زَفَّ إذا أسْرَعَ، وزَفَّتِ الإبِلُ إذا أسْرَعَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: ؎ فَجاءَ قَرِيعُ الشَوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ ∗∗∗ يَزِّفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيُّ: ؎ وزَفَّتِ الشَوْلُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ كَما ∗∗∗ ∗∗∗ زَفَّ النَعامُ إلى حَفانِهِ الرُوحُ (p-٢٩٩)وَقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "يُزِفُّونَ" بِضَمِّ الياءِ، مِن: أزَفَّ إذا دَخَلَ في الزَفِيفِ، ولَيْسَتْ بِهَمْزَةِ تَعْدِيَةٍ، هَذا قَوْلٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناها: يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَفِيفِ، وحَكاهُ عَنِ الأصْمَعِيِّ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، "يَزِفُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الفاءِ مِن: وزَفَ يَزِفُ، وهي لُغَةٌ مُنْكَرَةٌ، قالَ الكِسائِيُّ: والفَرّاءُ لا نُعْرِفُها بِمَعْنى: زَفَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الوَزِيفُ: السَيَلانُ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ "يَزِفُّونَ" مَعْناهُ: يَتَمَهَّلُونَ في مَشْيِهِمْ كَزِفافِ العَرُوسِ، والمَعْنى أنَّهم كانُوا عَلى طُمَأْنِينَةٍ مِن أنْ يَنالَ أحَدٌ آلِهَتَهم بِسُوءٍ لِعِزَّتِهِمْ، فَكانُوا لِذَلِكَ مُتَمَهِّلِينَ. وزَفَّ بِمَعْنى أسْرَعَ هو المَعْرُوفُ. ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهم في جُمْلَةِ مُحاوَرَةٍ طَوِيلَةٍ قَدْ تَضَمَّنَتْها الآيَةُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾، أيْ: تَجْعَلُونَ إلَهًا مُعَظَّمًا شَيْئًا صَنَعْتُمُوهُ مِن عُودٍ أو حَجَرٍ، وعَمِلْتُمُوهُ بِأيْدِيكُمْ؟ أخْبَرَهم بِخَبَرٍ لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿واللهُ خَلَقَكُمْ﴾، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَعْمَلُونَ﴾، فَمَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: وأعْمالَكُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَهم قاعِدَةٌ في خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ، وذَلِكَ مُوافِقٌ لِمَذْهَبِ أهْلِ السُنَّةِ في ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِمَعْنى الَّذِي، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" اسْتِفْهامٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي نَفْيٌ، بِمَعْنى: وأنْتُمْ لا تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا قَبْلَهُ، ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، والمُعْتَزِلَةُ مُضْطَرَّةٌ إلى الزَوالِ عن أنْ تَجْعَلَ "ما" مَصْدَرِيَّةً. و"البُنْيانُ" قِيلَ: كانَ في مَوْضِعِ إيقادِ النارِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ لِلْمَنجَنِيقِ الَّذِي رُمِيَ عنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ نارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وجَعَلَهُمُ اللهُ الأسْفَلِينَ بِأنْ غُلِبُوا وذَلُّوا ونالَتْهُمُ العُقُوباتُ.

الصافات 37:96

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ "راغَ" مَعْناهُ: مالَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الرِياغُ ولا يَنَ... فَعُ إلّا المُصادِقُ النِحْرِيرُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِعَبَدَةِ تِلْكَ الأصْنامِ، ورُوِيَ أنَّ عادَةَ أُولَئِكَ كانَتْ أنَّهم يَتْرُكُونَ الطَعامَ في بُيُوتِ الأصْنامَ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها تُصِيبُ مِنهُ شَمِيمًا، ونَحْوَ هَذا مِنَ المُعْتَقَداتِ الباطِلَةِ، ثُمَّ كانَ خَدَمُ البَيْتِ يَأْكُلُونَهُ. فَلَمّا دَخَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ (p-٢٩٨)السَلامُ وقَفَ عَلى الأكْلِ، والنُطْقِ والمُخاطَبَةِ لِلْأصْنامِ والقَصْدُ الِاسْتِهْزاءُ بِعابِدِيها، ثُمَّ مالَ عِنْدَ ذَلِكَ إلى ضَرْبِ تِلْكَ الأصْنامِ بِفَأْسٍ حَتّى جَعَلَها جِذاذًا. واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ "بِاليَمِينِ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُمْنى يَدَيْهِ، وقِيلَ: أرادَ: بِقُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ بِالفَأْسِ، وقِيلَ: أرادَ يَمِينَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿وَتاللهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، و"ضَرْبًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: [صَفْقًا بِاليَمِينِ]. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: (أقْبَلُوا) لِكُفّارِ قَوْمِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يَزِفُّونَ"﴾ بِفَتْحِ الياءِ، مِن: زَفَّ إذا أسْرَعَ، وزَفَّتِ الإبِلُ إذا أسْرَعَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: ؎ فَجاءَ قَرِيعُ الشَوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ ∗∗∗ يَزِّفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيُّ: ؎ وزَفَّتِ الشَوْلُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ كَما ∗∗∗ ∗∗∗ زَفَّ النَعامُ إلى حَفانِهِ الرُوحُ (p-٢٩٩)وَقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "يُزِفُّونَ" بِضَمِّ الياءِ، مِن: أزَفَّ إذا دَخَلَ في الزَفِيفِ، ولَيْسَتْ بِهَمْزَةِ تَعْدِيَةٍ، هَذا قَوْلٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناها: يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَفِيفِ، وحَكاهُ عَنِ الأصْمَعِيِّ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، "يَزِفُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الفاءِ مِن: وزَفَ يَزِفُ، وهي لُغَةٌ مُنْكَرَةٌ، قالَ الكِسائِيُّ: والفَرّاءُ لا نُعْرِفُها بِمَعْنى: زَفَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الوَزِيفُ: السَيَلانُ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ "يَزِفُّونَ" مَعْناهُ: يَتَمَهَّلُونَ في مَشْيِهِمْ كَزِفافِ العَرُوسِ، والمَعْنى أنَّهم كانُوا عَلى طُمَأْنِينَةٍ مِن أنْ يَنالَ أحَدٌ آلِهَتَهم بِسُوءٍ لِعِزَّتِهِمْ، فَكانُوا لِذَلِكَ مُتَمَهِّلِينَ. وزَفَّ بِمَعْنى أسْرَعَ هو المَعْرُوفُ. ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهم في جُمْلَةِ مُحاوَرَةٍ طَوِيلَةٍ قَدْ تَضَمَّنَتْها الآيَةُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾، أيْ: تَجْعَلُونَ إلَهًا مُعَظَّمًا شَيْئًا صَنَعْتُمُوهُ مِن عُودٍ أو حَجَرٍ، وعَمِلْتُمُوهُ بِأيْدِيكُمْ؟ أخْبَرَهم بِخَبَرٍ لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿واللهُ خَلَقَكُمْ﴾، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَعْمَلُونَ﴾، فَمَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: وأعْمالَكُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَهم قاعِدَةٌ في خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ، وذَلِكَ مُوافِقٌ لِمَذْهَبِ أهْلِ السُنَّةِ في ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِمَعْنى الَّذِي، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" اسْتِفْهامٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي نَفْيٌ، بِمَعْنى: وأنْتُمْ لا تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا قَبْلَهُ، ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، والمُعْتَزِلَةُ مُضْطَرَّةٌ إلى الزَوالِ عن أنْ تَجْعَلَ "ما" مَصْدَرِيَّةً. و"البُنْيانُ" قِيلَ: كانَ في مَوْضِعِ إيقادِ النارِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ لِلْمَنجَنِيقِ الَّذِي رُمِيَ عنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ نارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وجَعَلَهُمُ اللهُ الأسْفَلِينَ بِأنْ غُلِبُوا وذَلُّوا ونالَتْهُمُ العُقُوباتُ.

الصافات 37:97

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ "راغَ" مَعْناهُ: مالَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الرِياغُ ولا يَنَ... فَعُ إلّا المُصادِقُ النِحْرِيرُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِعَبَدَةِ تِلْكَ الأصْنامِ، ورُوِيَ أنَّ عادَةَ أُولَئِكَ كانَتْ أنَّهم يَتْرُكُونَ الطَعامَ في بُيُوتِ الأصْنامَ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها تُصِيبُ مِنهُ شَمِيمًا، ونَحْوَ هَذا مِنَ المُعْتَقَداتِ الباطِلَةِ، ثُمَّ كانَ خَدَمُ البَيْتِ يَأْكُلُونَهُ. فَلَمّا دَخَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ (p-٢٩٨)السَلامُ وقَفَ عَلى الأكْلِ، والنُطْقِ والمُخاطَبَةِ لِلْأصْنامِ والقَصْدُ الِاسْتِهْزاءُ بِعابِدِيها، ثُمَّ مالَ عِنْدَ ذَلِكَ إلى ضَرْبِ تِلْكَ الأصْنامِ بِفَأْسٍ حَتّى جَعَلَها جِذاذًا. واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ "بِاليَمِينِ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُمْنى يَدَيْهِ، وقِيلَ: أرادَ: بِقُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ بِالفَأْسِ، وقِيلَ: أرادَ يَمِينَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿وَتاللهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، و"ضَرْبًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: [صَفْقًا بِاليَمِينِ]. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: (أقْبَلُوا) لِكُفّارِ قَوْمِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يَزِفُّونَ"﴾ بِفَتْحِ الياءِ، مِن: زَفَّ إذا أسْرَعَ، وزَفَّتِ الإبِلُ إذا أسْرَعَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: ؎ فَجاءَ قَرِيعُ الشَوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ ∗∗∗ يَزِّفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيُّ: ؎ وزَفَّتِ الشَوْلُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ كَما ∗∗∗ ∗∗∗ زَفَّ النَعامُ إلى حَفانِهِ الرُوحُ (p-٢٩٩)وَقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "يُزِفُّونَ" بِضَمِّ الياءِ، مِن: أزَفَّ إذا دَخَلَ في الزَفِيفِ، ولَيْسَتْ بِهَمْزَةِ تَعْدِيَةٍ، هَذا قَوْلٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناها: يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَفِيفِ، وحَكاهُ عَنِ الأصْمَعِيِّ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، "يَزِفُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الفاءِ مِن: وزَفَ يَزِفُ، وهي لُغَةٌ مُنْكَرَةٌ، قالَ الكِسائِيُّ: والفَرّاءُ لا نُعْرِفُها بِمَعْنى: زَفَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الوَزِيفُ: السَيَلانُ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ "يَزِفُّونَ" مَعْناهُ: يَتَمَهَّلُونَ في مَشْيِهِمْ كَزِفافِ العَرُوسِ، والمَعْنى أنَّهم كانُوا عَلى طُمَأْنِينَةٍ مِن أنْ يَنالَ أحَدٌ آلِهَتَهم بِسُوءٍ لِعِزَّتِهِمْ، فَكانُوا لِذَلِكَ مُتَمَهِّلِينَ. وزَفَّ بِمَعْنى أسْرَعَ هو المَعْرُوفُ. ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهم في جُمْلَةِ مُحاوَرَةٍ طَوِيلَةٍ قَدْ تَضَمَّنَتْها الآيَةُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾، أيْ: تَجْعَلُونَ إلَهًا مُعَظَّمًا شَيْئًا صَنَعْتُمُوهُ مِن عُودٍ أو حَجَرٍ، وعَمِلْتُمُوهُ بِأيْدِيكُمْ؟ أخْبَرَهم بِخَبَرٍ لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿واللهُ خَلَقَكُمْ﴾، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَعْمَلُونَ﴾، فَمَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: وأعْمالَكُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَهم قاعِدَةٌ في خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ، وذَلِكَ مُوافِقٌ لِمَذْهَبِ أهْلِ السُنَّةِ في ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِمَعْنى الَّذِي، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" اسْتِفْهامٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي نَفْيٌ، بِمَعْنى: وأنْتُمْ لا تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا قَبْلَهُ، ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، والمُعْتَزِلَةُ مُضْطَرَّةٌ إلى الزَوالِ عن أنْ تَجْعَلَ "ما" مَصْدَرِيَّةً. و"البُنْيانُ" قِيلَ: كانَ في مَوْضِعِ إيقادِ النارِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ لِلْمَنجَنِيقِ الَّذِي رُمِيَ عنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ نارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وجَعَلَهُمُ اللهُ الأسْفَلِينَ بِأنْ غُلِبُوا وذَلُّوا ونالَتْهُمُ العُقُوباتُ.

الصافات 37:98

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ "راغَ" مَعْناهُ: مالَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الرِياغُ ولا يَنَ... فَعُ إلّا المُصادِقُ النِحْرِيرُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِعَبَدَةِ تِلْكَ الأصْنامِ، ورُوِيَ أنَّ عادَةَ أُولَئِكَ كانَتْ أنَّهم يَتْرُكُونَ الطَعامَ في بُيُوتِ الأصْنامَ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها تُصِيبُ مِنهُ شَمِيمًا، ونَحْوَ هَذا مِنَ المُعْتَقَداتِ الباطِلَةِ، ثُمَّ كانَ خَدَمُ البَيْتِ يَأْكُلُونَهُ. فَلَمّا دَخَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ (p-٢٩٨)السَلامُ وقَفَ عَلى الأكْلِ، والنُطْقِ والمُخاطَبَةِ لِلْأصْنامِ والقَصْدُ الِاسْتِهْزاءُ بِعابِدِيها، ثُمَّ مالَ عِنْدَ ذَلِكَ إلى ضَرْبِ تِلْكَ الأصْنامِ بِفَأْسٍ حَتّى جَعَلَها جِذاذًا. واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ "بِاليَمِينِ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُمْنى يَدَيْهِ، وقِيلَ: أرادَ: بِقُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ بِالفَأْسِ، وقِيلَ: أرادَ يَمِينَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿وَتاللهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، و"ضَرْبًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: [صَفْقًا بِاليَمِينِ]. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: (أقْبَلُوا) لِكُفّارِ قَوْمِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يَزِفُّونَ"﴾ بِفَتْحِ الياءِ، مِن: زَفَّ إذا أسْرَعَ، وزَفَّتِ الإبِلُ إذا أسْرَعَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: ؎ فَجاءَ قَرِيعُ الشَوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ ∗∗∗ يَزِّفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيُّ: ؎ وزَفَّتِ الشَوْلُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ كَما ∗∗∗ ∗∗∗ زَفَّ النَعامُ إلى حَفانِهِ الرُوحُ (p-٢٩٩)وَقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "يُزِفُّونَ" بِضَمِّ الياءِ، مِن: أزَفَّ إذا دَخَلَ في الزَفِيفِ، ولَيْسَتْ بِهَمْزَةِ تَعْدِيَةٍ، هَذا قَوْلٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناها: يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَفِيفِ، وحَكاهُ عَنِ الأصْمَعِيِّ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، "يَزِفُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الفاءِ مِن: وزَفَ يَزِفُ، وهي لُغَةٌ مُنْكَرَةٌ، قالَ الكِسائِيُّ: والفَرّاءُ لا نُعْرِفُها بِمَعْنى: زَفَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الوَزِيفُ: السَيَلانُ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ "يَزِفُّونَ" مَعْناهُ: يَتَمَهَّلُونَ في مَشْيِهِمْ كَزِفافِ العَرُوسِ، والمَعْنى أنَّهم كانُوا عَلى طُمَأْنِينَةٍ مِن أنْ يَنالَ أحَدٌ آلِهَتَهم بِسُوءٍ لِعِزَّتِهِمْ، فَكانُوا لِذَلِكَ مُتَمَهِّلِينَ. وزَفَّ بِمَعْنى أسْرَعَ هو المَعْرُوفُ. ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهم في جُمْلَةِ مُحاوَرَةٍ طَوِيلَةٍ قَدْ تَضَمَّنَتْها الآيَةُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾، أيْ: تَجْعَلُونَ إلَهًا مُعَظَّمًا شَيْئًا صَنَعْتُمُوهُ مِن عُودٍ أو حَجَرٍ، وعَمِلْتُمُوهُ بِأيْدِيكُمْ؟ أخْبَرَهم بِخَبَرٍ لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿واللهُ خَلَقَكُمْ﴾، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَعْمَلُونَ﴾، فَمَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: وأعْمالَكُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَهم قاعِدَةٌ في خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ، وذَلِكَ مُوافِقٌ لِمَذْهَبِ أهْلِ السُنَّةِ في ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِمَعْنى الَّذِي، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" اسْتِفْهامٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي نَفْيٌ، بِمَعْنى: وأنْتُمْ لا تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا قَبْلَهُ، ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، والمُعْتَزِلَةُ مُضْطَرَّةٌ إلى الزَوالِ عن أنْ تَجْعَلَ "ما" مَصْدَرِيَّةً. و"البُنْيانُ" قِيلَ: كانَ في مَوْضِعِ إيقادِ النارِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ لِلْمَنجَنِيقِ الَّذِي رُمِيَ عنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ نارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وجَعَلَهُمُ اللهُ الأسْفَلِينَ بِأنْ غُلِبُوا وذَلُّوا ونالَتْهُمُ العُقُوباتُ.

الصافات 37:99

(p-٣٠٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصابِرِينَ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ قَوْلَ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ كانَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وأنَّهُ أشارَ بِذَهابِهِ إلى هِجْرَتِهِ مِن أرْضِ بابِلَ حَيْثُ كانَتْ مَمْلَكَةُ نَمْرُوذَ، فَخَرَجَ إلى الشامِ، ويُرْوى: إلى بِلادِ مِصْرَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ﴾ لَيْسَ مُرادُهُ بِهِ الهِجْرَةَ كَما في آيَةٍ أُخْرى، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءَ اللهِ بَعْدَ الِاحْتِراقِ؛ لَكِنَّهُ ظَنَّ أنَّ النارَ سَيَمُوتُ فِيها، فَقالَ هَذِهِ المَقالَةَ قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النارِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنِّي سائِرٌ بِهَذا العَمَلِ إلى رَبِّي، وهو سَيَهْدِينِي إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا المَعْنى قَتادَةُ، ولِلْعارِفِينَ بِهَذا الذَهابِ تَمَسُّكٌ واحْتِجاجٌ في الصَفاءِ، وهو مَحْمَلٌ حَسَنٌ في ﴿إنِّي ذاهِبٌ﴾ وحْدَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ مِن نَمَطِ الآيَةِ بِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ، والدُعاءَ في الوَلَدِ كَذَلِكَ، ولا يَصِحُّ مَعَ ذَهابِ الفَناءِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الصالِحِينَ﴾، "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصالِحِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَبَشَّرْناهُ﴾، قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، مِنهُمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - وقَدْ رَفَعَهُ - وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرَةَ: هي البِشارَةُ المَعْرُوفَةُ بِإسْحَقَ، وهو الذَبِيحُ، وكانَ أمْرُ ذَبْحِهِ بِالشامِ، وقالَ عَطاءُ، ومُقاتِلٌ: كانَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والبِشارَةُ الَّتِي بَعُدَ هَذِهِ في هَذِهِ الآيَةِ هي بِشارَةٌ بِنُبُوَّتِهِ، كَما قالَ تَعالى في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]، وهو قَدْ كانَ وهَبَهُ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وإنَّما أرادَ النُبُوَّةَ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ. وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في قَوْلِ الأعْرابِيِّ: "يا بْنَ الذَبِيحَيْنِ": أرادَ إسْحَقَ، والعَمُّ أبٌ، وقِيلَ: إنَّهُ أُمِرَ بِذَبْحِهِ بَعْدَ ما وُلِدَ لَهُ يَعْقُوبُ، فَلَمْ يَتَعارَضِ الأمْرُ بِالذَبْحِ مَعَ البِشارَةِ بِوَلَدِهِ ووَلَدِ ولَدِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ البِشارَةُ هي بِإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ وهو الذَبِيحُ، وأمْرُ ذَبْحِهِ كانَ مُحَمَّدٌ (p-٣٠١)بِالحِجازِ وبِمِنى، ثُمَّ رَمى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ الشَيْطانَ بِالجَمَراتِ، وقَبَضَ الكَبْشَ وسَنَّ السُنَنِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَ عَنِ الشَعْبِيِّ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، ومُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ - ورَفَعَهُ مُعاوِيَةُ إلى النَبِيِّ ﷺ - ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وبِهِ كانَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ، ويَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ الأعْرابِيِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: « "يا ابْنَ الذَبِيحَيْنِ"» وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ"،» يَعْنِي إسْماعِيلَ وعَبْدَ اللهِ أباهُ، ويَسْتَدِلُّ بِأنَّ البِشارَةَ اقْتَرَنَتْ بِأنَّ مِن ورائِهِ يَعْقُوبَ، فَلَوْ قِيلَ لَهُ في صِباهُ: اذْبَحْهُ، لَناقَضَ ذَلِكَ البِشارَةَ بِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويَسْتَدِلُّ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ بُشِّرَ بِإسْماعِيلَ، وانْقَضى أمْرُ ذَبْحِهِ، ثُمَّ بُشِّرَ بِإسْحاقَ بَعْدَ ذَلِكَ، وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كانَ إبْراهِيمُ يَجِيءُ مِنَ الشامِ إلى مَكَّةَ عَلى البُراقِ زائِرًا ويَعُودُ مِن يَوْمِهِ. وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ عَلى البُراقِ، وذَكَرَ القِصَّةَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وفِيها ذِكْرُ البُراقِ كَما سَمِعْتُ أبِي يَحْكِي. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: الذَبِيحُ إسْماعِيلُ، وتَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحَقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ، وذَكَرَ أيْضًا أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَألَ رَجُلًا يَهُودِيًّا كانَ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ فَقالَ: الذَبِيحُ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وإنَّ اليَهُودَ تَعْلَمُ ذَلِكَ، ولَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ والفَضْلُ واللهِ في أبِيكم. و"السَعْيُ" في هَذِهِ الآيَةِ العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ. وقالَ قَتادَةُ: السَعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وهَذا في المَعْنى نَحْوُ الأوَّلِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "مَعَهُ السَعْيَ وأسَرَّ في نَفْسِهِ حُزْنًا"، قالَ: وهَكَذا في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَأى ذَلِكَ بِعَيْنَيْهِ، ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ، وعُيِّنَ لَهُ وقْتُ الِامْتِثالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ أُمِرَ في نَوْمِهِ بِذَبْحِهِ فَعَبَّرَ هو عن ذَلِكَ، أيْ: إنِّي رَأيْتُ في النَوْمِ ما يُوجِبُ أنْ أذْبَحَكَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "ماذا تَرى"﴾ بِفَتْحِ التاءِ والراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "ماذا تُرِي" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الراءِ، عَلى مَعْنى: ما يَظْهَرُ مِنكَ مِن جَلَدٍ أو جَزَعٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والأسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، ومُجاهِدٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ، والضَحّاكُ بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الراءِ، عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ. فَأمّا الأُولى فَهي مِن (p-٣٠٢)رُؤْيَةِ الرَأْيِ، وهي رُؤْيَةٌ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهو - في هَذِهِ الآيَةِ - إمّا "ماذا" تَحْمِلُهُما عَلى أنْ تَجْعَلَهُما بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، وإمّا "ذا" عَلى أنْ تَجْعَلَها بِمَعْنى الَّذِي، وتَكُونُ "ما" اسْتِفْهامًا، وتَكُونُ الهاءُ مَحْذُوفَةً مِنَ الصِلَةِ. وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ مَفْعُولِها كَما مَرَّ في هَذِهِ، غَيْرَ أنَّ الفِعْلَ فِيها مَنقُولٌ مِن: رَأى زَيْدٌ الشَيْءَ، وأرَيْتُهُ إيّاهُ، إلّا أنَّهُ مِن بابِ أعْطَيْتُ، فَيَجُوزُ أنْ يُقْتَصَرَ عَلى أحَدِ المَفْعُولَيْنِ. وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَقَدْ ضَعَّفَها أبُو عَلِيٍّ، وتَتَّجِهُ عَلى تَحامُلٍ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ].

الصافات 37:100

(p-٣٠٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصابِرِينَ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ قَوْلَ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ كانَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وأنَّهُ أشارَ بِذَهابِهِ إلى هِجْرَتِهِ مِن أرْضِ بابِلَ حَيْثُ كانَتْ مَمْلَكَةُ نَمْرُوذَ، فَخَرَجَ إلى الشامِ، ويُرْوى: إلى بِلادِ مِصْرَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ﴾ لَيْسَ مُرادُهُ بِهِ الهِجْرَةَ كَما في آيَةٍ أُخْرى، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءَ اللهِ بَعْدَ الِاحْتِراقِ؛ لَكِنَّهُ ظَنَّ أنَّ النارَ سَيَمُوتُ فِيها، فَقالَ هَذِهِ المَقالَةَ قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النارِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنِّي سائِرٌ بِهَذا العَمَلِ إلى رَبِّي، وهو سَيَهْدِينِي إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا المَعْنى قَتادَةُ، ولِلْعارِفِينَ بِهَذا الذَهابِ تَمَسُّكٌ واحْتِجاجٌ في الصَفاءِ، وهو مَحْمَلٌ حَسَنٌ في ﴿إنِّي ذاهِبٌ﴾ وحْدَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ مِن نَمَطِ الآيَةِ بِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ، والدُعاءَ في الوَلَدِ كَذَلِكَ، ولا يَصِحُّ مَعَ ذَهابِ الفَناءِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الصالِحِينَ﴾، "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصالِحِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَبَشَّرْناهُ﴾، قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، مِنهُمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - وقَدْ رَفَعَهُ - وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرَةَ: هي البِشارَةُ المَعْرُوفَةُ بِإسْحَقَ، وهو الذَبِيحُ، وكانَ أمْرُ ذَبْحِهِ بِالشامِ، وقالَ عَطاءُ، ومُقاتِلٌ: كانَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والبِشارَةُ الَّتِي بَعُدَ هَذِهِ في هَذِهِ الآيَةِ هي بِشارَةٌ بِنُبُوَّتِهِ، كَما قالَ تَعالى في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]، وهو قَدْ كانَ وهَبَهُ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وإنَّما أرادَ النُبُوَّةَ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ. وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في قَوْلِ الأعْرابِيِّ: "يا بْنَ الذَبِيحَيْنِ": أرادَ إسْحَقَ، والعَمُّ أبٌ، وقِيلَ: إنَّهُ أُمِرَ بِذَبْحِهِ بَعْدَ ما وُلِدَ لَهُ يَعْقُوبُ، فَلَمْ يَتَعارَضِ الأمْرُ بِالذَبْحِ مَعَ البِشارَةِ بِوَلَدِهِ ووَلَدِ ولَدِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ البِشارَةُ هي بِإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ وهو الذَبِيحُ، وأمْرُ ذَبْحِهِ كانَ مُحَمَّدٌ (p-٣٠١)بِالحِجازِ وبِمِنى، ثُمَّ رَمى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ الشَيْطانَ بِالجَمَراتِ، وقَبَضَ الكَبْشَ وسَنَّ السُنَنِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَ عَنِ الشَعْبِيِّ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، ومُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ - ورَفَعَهُ مُعاوِيَةُ إلى النَبِيِّ ﷺ - ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وبِهِ كانَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ، ويَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ الأعْرابِيِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: « "يا ابْنَ الذَبِيحَيْنِ"» وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ"،» يَعْنِي إسْماعِيلَ وعَبْدَ اللهِ أباهُ، ويَسْتَدِلُّ بِأنَّ البِشارَةَ اقْتَرَنَتْ بِأنَّ مِن ورائِهِ يَعْقُوبَ، فَلَوْ قِيلَ لَهُ في صِباهُ: اذْبَحْهُ، لَناقَضَ ذَلِكَ البِشارَةَ بِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويَسْتَدِلُّ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ بُشِّرَ بِإسْماعِيلَ، وانْقَضى أمْرُ ذَبْحِهِ، ثُمَّ بُشِّرَ بِإسْحاقَ بَعْدَ ذَلِكَ، وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كانَ إبْراهِيمُ يَجِيءُ مِنَ الشامِ إلى مَكَّةَ عَلى البُراقِ زائِرًا ويَعُودُ مِن يَوْمِهِ. وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ عَلى البُراقِ، وذَكَرَ القِصَّةَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وفِيها ذِكْرُ البُراقِ كَما سَمِعْتُ أبِي يَحْكِي. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: الذَبِيحُ إسْماعِيلُ، وتَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحَقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ، وذَكَرَ أيْضًا أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَألَ رَجُلًا يَهُودِيًّا كانَ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ فَقالَ: الذَبِيحُ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وإنَّ اليَهُودَ تَعْلَمُ ذَلِكَ، ولَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ والفَضْلُ واللهِ في أبِيكم. و"السَعْيُ" في هَذِهِ الآيَةِ العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ. وقالَ قَتادَةُ: السَعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وهَذا في المَعْنى نَحْوُ الأوَّلِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "مَعَهُ السَعْيَ وأسَرَّ في نَفْسِهِ حُزْنًا"، قالَ: وهَكَذا في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَأى ذَلِكَ بِعَيْنَيْهِ، ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ، وعُيِّنَ لَهُ وقْتُ الِامْتِثالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ أُمِرَ في نَوْمِهِ بِذَبْحِهِ فَعَبَّرَ هو عن ذَلِكَ، أيْ: إنِّي رَأيْتُ في النَوْمِ ما يُوجِبُ أنْ أذْبَحَكَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "ماذا تَرى"﴾ بِفَتْحِ التاءِ والراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "ماذا تُرِي" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الراءِ، عَلى مَعْنى: ما يَظْهَرُ مِنكَ مِن جَلَدٍ أو جَزَعٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والأسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، ومُجاهِدٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ، والضَحّاكُ بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الراءِ، عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ. فَأمّا الأُولى فَهي مِن (p-٣٠٢)رُؤْيَةِ الرَأْيِ، وهي رُؤْيَةٌ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهو - في هَذِهِ الآيَةِ - إمّا "ماذا" تَحْمِلُهُما عَلى أنْ تَجْعَلَهُما بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، وإمّا "ذا" عَلى أنْ تَجْعَلَها بِمَعْنى الَّذِي، وتَكُونُ "ما" اسْتِفْهامًا، وتَكُونُ الهاءُ مَحْذُوفَةً مِنَ الصِلَةِ. وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ مَفْعُولِها كَما مَرَّ في هَذِهِ، غَيْرَ أنَّ الفِعْلَ فِيها مَنقُولٌ مِن: رَأى زَيْدٌ الشَيْءَ، وأرَيْتُهُ إيّاهُ، إلّا أنَّهُ مِن بابِ أعْطَيْتُ، فَيَجُوزُ أنْ يُقْتَصَرَ عَلى أحَدِ المَفْعُولَيْنِ. وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَقَدْ ضَعَّفَها أبُو عَلِيٍّ، وتَتَّجِهُ عَلى تَحامُلٍ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ].

الصافات 37:101

(p-٣٠٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصابِرِينَ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ قَوْلَ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ كانَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وأنَّهُ أشارَ بِذَهابِهِ إلى هِجْرَتِهِ مِن أرْضِ بابِلَ حَيْثُ كانَتْ مَمْلَكَةُ نَمْرُوذَ، فَخَرَجَ إلى الشامِ، ويُرْوى: إلى بِلادِ مِصْرَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ﴾ لَيْسَ مُرادُهُ بِهِ الهِجْرَةَ كَما في آيَةٍ أُخْرى، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءَ اللهِ بَعْدَ الِاحْتِراقِ؛ لَكِنَّهُ ظَنَّ أنَّ النارَ سَيَمُوتُ فِيها، فَقالَ هَذِهِ المَقالَةَ قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النارِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنِّي سائِرٌ بِهَذا العَمَلِ إلى رَبِّي، وهو سَيَهْدِينِي إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا المَعْنى قَتادَةُ، ولِلْعارِفِينَ بِهَذا الذَهابِ تَمَسُّكٌ واحْتِجاجٌ في الصَفاءِ، وهو مَحْمَلٌ حَسَنٌ في ﴿إنِّي ذاهِبٌ﴾ وحْدَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ مِن نَمَطِ الآيَةِ بِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ، والدُعاءَ في الوَلَدِ كَذَلِكَ، ولا يَصِحُّ مَعَ ذَهابِ الفَناءِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الصالِحِينَ﴾، "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصالِحِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَبَشَّرْناهُ﴾، قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، مِنهُمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - وقَدْ رَفَعَهُ - وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرَةَ: هي البِشارَةُ المَعْرُوفَةُ بِإسْحَقَ، وهو الذَبِيحُ، وكانَ أمْرُ ذَبْحِهِ بِالشامِ، وقالَ عَطاءُ، ومُقاتِلٌ: كانَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والبِشارَةُ الَّتِي بَعُدَ هَذِهِ في هَذِهِ الآيَةِ هي بِشارَةٌ بِنُبُوَّتِهِ، كَما قالَ تَعالى في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]، وهو قَدْ كانَ وهَبَهُ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وإنَّما أرادَ النُبُوَّةَ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ. وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في قَوْلِ الأعْرابِيِّ: "يا بْنَ الذَبِيحَيْنِ": أرادَ إسْحَقَ، والعَمُّ أبٌ، وقِيلَ: إنَّهُ أُمِرَ بِذَبْحِهِ بَعْدَ ما وُلِدَ لَهُ يَعْقُوبُ، فَلَمْ يَتَعارَضِ الأمْرُ بِالذَبْحِ مَعَ البِشارَةِ بِوَلَدِهِ ووَلَدِ ولَدِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ البِشارَةُ هي بِإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ وهو الذَبِيحُ، وأمْرُ ذَبْحِهِ كانَ مُحَمَّدٌ (p-٣٠١)بِالحِجازِ وبِمِنى، ثُمَّ رَمى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ الشَيْطانَ بِالجَمَراتِ، وقَبَضَ الكَبْشَ وسَنَّ السُنَنِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَ عَنِ الشَعْبِيِّ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، ومُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ - ورَفَعَهُ مُعاوِيَةُ إلى النَبِيِّ ﷺ - ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وبِهِ كانَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ، ويَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ الأعْرابِيِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: « "يا ابْنَ الذَبِيحَيْنِ"» وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ"،» يَعْنِي إسْماعِيلَ وعَبْدَ اللهِ أباهُ، ويَسْتَدِلُّ بِأنَّ البِشارَةَ اقْتَرَنَتْ بِأنَّ مِن ورائِهِ يَعْقُوبَ، فَلَوْ قِيلَ لَهُ في صِباهُ: اذْبَحْهُ، لَناقَضَ ذَلِكَ البِشارَةَ بِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويَسْتَدِلُّ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ بُشِّرَ بِإسْماعِيلَ، وانْقَضى أمْرُ ذَبْحِهِ، ثُمَّ بُشِّرَ بِإسْحاقَ بَعْدَ ذَلِكَ، وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كانَ إبْراهِيمُ يَجِيءُ مِنَ الشامِ إلى مَكَّةَ عَلى البُراقِ زائِرًا ويَعُودُ مِن يَوْمِهِ. وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ عَلى البُراقِ، وذَكَرَ القِصَّةَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وفِيها ذِكْرُ البُراقِ كَما سَمِعْتُ أبِي يَحْكِي. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: الذَبِيحُ إسْماعِيلُ، وتَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحَقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ، وذَكَرَ أيْضًا أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَألَ رَجُلًا يَهُودِيًّا كانَ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ فَقالَ: الذَبِيحُ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وإنَّ اليَهُودَ تَعْلَمُ ذَلِكَ، ولَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ والفَضْلُ واللهِ في أبِيكم. و"السَعْيُ" في هَذِهِ الآيَةِ العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ. وقالَ قَتادَةُ: السَعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وهَذا في المَعْنى نَحْوُ الأوَّلِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "مَعَهُ السَعْيَ وأسَرَّ في نَفْسِهِ حُزْنًا"، قالَ: وهَكَذا في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَأى ذَلِكَ بِعَيْنَيْهِ، ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ، وعُيِّنَ لَهُ وقْتُ الِامْتِثالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ أُمِرَ في نَوْمِهِ بِذَبْحِهِ فَعَبَّرَ هو عن ذَلِكَ، أيْ: إنِّي رَأيْتُ في النَوْمِ ما يُوجِبُ أنْ أذْبَحَكَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "ماذا تَرى"﴾ بِفَتْحِ التاءِ والراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "ماذا تُرِي" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الراءِ، عَلى مَعْنى: ما يَظْهَرُ مِنكَ مِن جَلَدٍ أو جَزَعٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والأسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، ومُجاهِدٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ، والضَحّاكُ بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الراءِ، عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ. فَأمّا الأُولى فَهي مِن (p-٣٠٢)رُؤْيَةِ الرَأْيِ، وهي رُؤْيَةٌ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهو - في هَذِهِ الآيَةِ - إمّا "ماذا" تَحْمِلُهُما عَلى أنْ تَجْعَلَهُما بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، وإمّا "ذا" عَلى أنْ تَجْعَلَها بِمَعْنى الَّذِي، وتَكُونُ "ما" اسْتِفْهامًا، وتَكُونُ الهاءُ مَحْذُوفَةً مِنَ الصِلَةِ. وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ مَفْعُولِها كَما مَرَّ في هَذِهِ، غَيْرَ أنَّ الفِعْلَ فِيها مَنقُولٌ مِن: رَأى زَيْدٌ الشَيْءَ، وأرَيْتُهُ إيّاهُ، إلّا أنَّهُ مِن بابِ أعْطَيْتُ، فَيَجُوزُ أنْ يُقْتَصَرَ عَلى أحَدِ المَفْعُولَيْنِ. وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَقَدْ ضَعَّفَها أبُو عَلِيٍّ، وتَتَّجِهُ عَلى تَحامُلٍ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ].

الصافات 37:102

(p-٣٠٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصابِرِينَ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ قَوْلَ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ كانَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وأنَّهُ أشارَ بِذَهابِهِ إلى هِجْرَتِهِ مِن أرْضِ بابِلَ حَيْثُ كانَتْ مَمْلَكَةُ نَمْرُوذَ، فَخَرَجَ إلى الشامِ، ويُرْوى: إلى بِلادِ مِصْرَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ﴾ لَيْسَ مُرادُهُ بِهِ الهِجْرَةَ كَما في آيَةٍ أُخْرى، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءَ اللهِ بَعْدَ الِاحْتِراقِ؛ لَكِنَّهُ ظَنَّ أنَّ النارَ سَيَمُوتُ فِيها، فَقالَ هَذِهِ المَقالَةَ قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النارِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنِّي سائِرٌ بِهَذا العَمَلِ إلى رَبِّي، وهو سَيَهْدِينِي إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا المَعْنى قَتادَةُ، ولِلْعارِفِينَ بِهَذا الذَهابِ تَمَسُّكٌ واحْتِجاجٌ في الصَفاءِ، وهو مَحْمَلٌ حَسَنٌ في ﴿إنِّي ذاهِبٌ﴾ وحْدَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ مِن نَمَطِ الآيَةِ بِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ، والدُعاءَ في الوَلَدِ كَذَلِكَ، ولا يَصِحُّ مَعَ ذَهابِ الفَناءِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الصالِحِينَ﴾، "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصالِحِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَبَشَّرْناهُ﴾، قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، مِنهُمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - وقَدْ رَفَعَهُ - وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرَةَ: هي البِشارَةُ المَعْرُوفَةُ بِإسْحَقَ، وهو الذَبِيحُ، وكانَ أمْرُ ذَبْحِهِ بِالشامِ، وقالَ عَطاءُ، ومُقاتِلٌ: كانَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والبِشارَةُ الَّتِي بَعُدَ هَذِهِ في هَذِهِ الآيَةِ هي بِشارَةٌ بِنُبُوَّتِهِ، كَما قالَ تَعالى في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]، وهو قَدْ كانَ وهَبَهُ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وإنَّما أرادَ النُبُوَّةَ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ. وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في قَوْلِ الأعْرابِيِّ: "يا بْنَ الذَبِيحَيْنِ": أرادَ إسْحَقَ، والعَمُّ أبٌ، وقِيلَ: إنَّهُ أُمِرَ بِذَبْحِهِ بَعْدَ ما وُلِدَ لَهُ يَعْقُوبُ، فَلَمْ يَتَعارَضِ الأمْرُ بِالذَبْحِ مَعَ البِشارَةِ بِوَلَدِهِ ووَلَدِ ولَدِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ البِشارَةُ هي بِإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ وهو الذَبِيحُ، وأمْرُ ذَبْحِهِ كانَ مُحَمَّدٌ (p-٣٠١)بِالحِجازِ وبِمِنى، ثُمَّ رَمى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ الشَيْطانَ بِالجَمَراتِ، وقَبَضَ الكَبْشَ وسَنَّ السُنَنِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَ عَنِ الشَعْبِيِّ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، ومُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ - ورَفَعَهُ مُعاوِيَةُ إلى النَبِيِّ ﷺ - ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وبِهِ كانَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ، ويَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ الأعْرابِيِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: « "يا ابْنَ الذَبِيحَيْنِ"» وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ"،» يَعْنِي إسْماعِيلَ وعَبْدَ اللهِ أباهُ، ويَسْتَدِلُّ بِأنَّ البِشارَةَ اقْتَرَنَتْ بِأنَّ مِن ورائِهِ يَعْقُوبَ، فَلَوْ قِيلَ لَهُ في صِباهُ: اذْبَحْهُ، لَناقَضَ ذَلِكَ البِشارَةَ بِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويَسْتَدِلُّ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ بُشِّرَ بِإسْماعِيلَ، وانْقَضى أمْرُ ذَبْحِهِ، ثُمَّ بُشِّرَ بِإسْحاقَ بَعْدَ ذَلِكَ، وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كانَ إبْراهِيمُ يَجِيءُ مِنَ الشامِ إلى مَكَّةَ عَلى البُراقِ زائِرًا ويَعُودُ مِن يَوْمِهِ. وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ عَلى البُراقِ، وذَكَرَ القِصَّةَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وفِيها ذِكْرُ البُراقِ كَما سَمِعْتُ أبِي يَحْكِي. وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: الذَبِيحُ إسْماعِيلُ، وتَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحَقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ، وذَكَرَ أيْضًا أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَألَ رَجُلًا يَهُودِيًّا كانَ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ فَقالَ: الذَبِيحُ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وإنَّ اليَهُودَ تَعْلَمُ ذَلِكَ، ولَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ والفَضْلُ واللهِ في أبِيكم. و"السَعْيُ" في هَذِهِ الآيَةِ العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ. وقالَ قَتادَةُ: السَعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وهَذا في المَعْنى نَحْوُ الأوَّلِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "مَعَهُ السَعْيَ وأسَرَّ في نَفْسِهِ حُزْنًا"، قالَ: وهَكَذا في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَأى ذَلِكَ بِعَيْنَيْهِ، ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ، وعُيِّنَ لَهُ وقْتُ الِامْتِثالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ أُمِرَ في نَوْمِهِ بِذَبْحِهِ فَعَبَّرَ هو عن ذَلِكَ، أيْ: إنِّي رَأيْتُ في النَوْمِ ما يُوجِبُ أنْ أذْبَحَكَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "ماذا تَرى"﴾ بِفَتْحِ التاءِ والراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "ماذا تُرِي" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الراءِ، عَلى مَعْنى: ما يَظْهَرُ مِنكَ مِن جَلَدٍ أو جَزَعٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والأسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، ومُجاهِدٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ، والضَحّاكُ بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الراءِ، عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ. فَأمّا الأُولى فَهي مِن (p-٣٠٢)رُؤْيَةِ الرَأْيِ، وهي رُؤْيَةٌ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهو - في هَذِهِ الآيَةِ - إمّا "ماذا" تَحْمِلُهُما عَلى أنْ تَجْعَلَهُما بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، وإمّا "ذا" عَلى أنْ تَجْعَلَها بِمَعْنى الَّذِي، وتَكُونُ "ما" اسْتِفْهامًا، وتَكُونُ الهاءُ مَحْذُوفَةً مِنَ الصِلَةِ. وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ مَفْعُولِها كَما مَرَّ في هَذِهِ، غَيْرَ أنَّ الفِعْلَ فِيها مَنقُولٌ مِن: رَأى زَيْدٌ الشَيْءَ، وأرَيْتُهُ إيّاهُ، إلّا أنَّهُ مِن بابِ أعْطَيْتُ، فَيَجُوزُ أنْ يُقْتَصَرَ عَلى أحَدِ المَفْعُولَيْنِ. وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَقَدْ ضَعَّفَها أبُو عَلِيٍّ، وتَتَّجِهُ عَلى تَحامُلٍ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ].

الصافات 37:103

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أسْلَما"﴾ أيْ: أنْفُسَهُما، واسْتَسْلَما لِلَّهِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والثَوْرِيُّ: "سَلَّما"، والمَعْنى: فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، وانْحَمَلا عَلى أمْرِهِ، فَأسْلَمَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ، وأسْلَمَ الِابْنُ نَفْسَهُ. واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ (لَمّا)، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ "نادَيْناهُ"، والواوُ زائِدَةٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَوابُ: "تَلَّهُ" والواوُ زائِدَةٌ. كَزِيادَتِها فِي: ﴿وَفُتِحَتِ السَماءُ﴾ [النبإ: ١٩]، وقالَ البَصْرِيُّونَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما سَلَّما وتَلَّهُ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى ∗∗∗ بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عَقَنْقَلِ (p-٣٠٣)والتَقْدِيرُ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ أجَزْنا وانْتَحى. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أُجْزِلَ أجْرُهُما، أو نَحْوُ هَذا مِمّا يَقْتَضِيهِ المَعْنى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَتَلَّهُ"﴾ مَعْناهُ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « " فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ في يَدِهِ"،» أيْ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، والتَلُّ مِنَ الأرْضِ مَأْخُوذٌ مِن هَذا، كَأنَّهُ تُلَّ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، و"لِلْجَبِينِ" مَعْناهُ: لِتِلْكَ الجِهَةِ وعَلَيْها، كَما يَقُولُونَ في المَثَلِ: لِلْيَدَيْنِ والفَمِ، وكَما تَقُولُ: سَقَطَ لِشِقِّهِ الأيْسَرِ، وقالَ ساعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ: فَظَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينَيْنِ وهُما ما اكْتَنَفَ الجَبْهَةَ مِن هُنا وهُنا. ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذَبِيحَ قالَ لِأبِيهِ: اشْدُدْ رِباطِي بِالحَبْلِ لِئَلّا أضْطَرِبَ، واصْرِفْ بَصَرَكَ عَنِّي، لِئَلّا تَرْحَمَنِي، ورُدَّ وجْهِي نَحْوَ الأرْضِ، قالَ قَتادَةُ: كَبَّهُ لَفِيهِ وأخَذَ الشَفْرَةَ، والتَلُّ لِلْجَبِينِ لَيْسَ يَقْتَضِي أنَّ الوَجْهَ نَحْوُ الأرْضِ، بَلْ هي هَيْئَةُ مَن ذُبِحَ لِلْقِبْلَةِ عَلى جَنْبِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقَلْبِكَ، عَلى مَعْنى: كانَتْ (p-٣٠٤)عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً وحَقًّا مِنَ اللهِ، فَعَمِلَتْ بِحَسْبِها حِينَ آمَنتَ بِها واعْتَقَدَتْ صِدْقَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِعَمَلِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. والرُؤْيا اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ اللهِ في المَنامِ، والحُلْمُ اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ الشَيْطانِ، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَحِيحُ « "الرُؤْيا مِنَ اللهِ والحُلْمُ مِنَ الشَيْطانِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما عَمِلَ إبْراهِيمُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: إنّا بِهَذا النَوْعِ مِنَ الإخْلاصِ والطاعَةِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِنَ امْتِحانٍ واخْتِبارٍ بِالشِدَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِن سُرُورٍ بِالفِدْيَةِ وإنْقاذٍ مِن تِلْكَ الشِدَّةِ في إنْفاذِ الذَبْحِ، فَيَكُونُ البَلاءُ بِمَعْنى النِعْمَةِ، وإلى كُلِّ احْتِمالٍ قَدْ أشارَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى إسْحَقَ أنِّي قَدْ أعْطَيْتُكَ بِصَبْرِكَ لِأمْرِي دَعْوَةً أُعْطِيكَ فِيها ما سَألْتَ، فَسَلْنِي، فَقالَ: يا رَبِّ أيُّما عَبْدٍ لَقِيَكَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا فَأدْخِلْهُ الجَنَّةَ.» والضَمِيرُ في "فَدَيْناهُ" عائِدٌ عَلى الذَبْحِ، و"الذَبْحُ" اسْمٌ لِما يُذْبَحُ، ووَصَفَهُ بِالعِظَمِ لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ: الذِبْحُ الكَبْشُ، والعَظِيمُ لِجَرْيِ السُنَةِ بِهِ وكَوْنِهِ دِينًا باقِيًا آخِرَ الدَهْرِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: عَظُمَ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ كانَ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عن نَسْلٍ بَلْ عَنِ التَكْوِينِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ كَوْنَهُ عَظِيمًا هو أنَّهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ رَعى فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَ ولَدُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: كانَ وعْلًا أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أعْيَنُ، وجَدَهُ وراءَهُ مَرْبُوطًا (p-٣٠٥)بِسَمُرَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ انْفَلَتَ فاتَّبَعَهُ ورَماهُ بِحَصَياتٍ في مَواضِعِ الجَمَراتِ، فَبِذَلِكَ مَضَتِ السُنَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رَجَمَ الشَيْطانَ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ وغَيْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، وأهْلُ السُنَّةِ عَلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ نُسِخَ فِيها العَزْمُ عَلى الفِعْلِ، والمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: إنَّهُ لا يَصِحُّ نَسْخٌ إلّا بَعْدَ وُقُوعِ الفِعْلِ، افْتَرَقَتْ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى فِرْقَتَيْنِ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَبْحُ والتَأمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمْ: بَلْ كانَ إبْراهِيمُ لَمْ يَرَ في مَنامِهِ إلّا إمْرارَ الشَفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذَبْحٌ فَجَهَّزَ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ، فَلِما وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَسْخُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذًا لا اخْتِلافَ أنَّ إبْراهِيمَ أمَرَّ الشَفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. ورُوِيَ أنَّ صَفِيحَةَ نُحاسٍ اعْتَرَضَتْهُ بِحَرْفِها، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ، فَقَدْ كَثَّرَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ بِما صِحَّتُهُ مَعْدُومَةٌ فاخْتَصَرْتُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ مَعْناهُ: بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. ومِمّا يُسْتَغْرَبُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قالَ: ذُبِحَ في المَقامِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ لَمْ يُسَمِّها أنَّها قالَتْ: كانَ الأمْرُ وإراعَةُ الذَبْحِ والقِصَّةُ كُلُّها بِالشامِ، وقالَ الجُمْهُورُ: ذُبِحَ بِمِنى، وقالَ الشَعْبِيُّ: رَأيْتُ قَرْنَيْ كَبْشِ إبْراهِيمَ مُعَلَّقَةً في الكَعْبَةِ.

الصافات 37:104

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أسْلَما"﴾ أيْ: أنْفُسَهُما، واسْتَسْلَما لِلَّهِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والثَوْرِيُّ: "سَلَّما"، والمَعْنى: فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، وانْحَمَلا عَلى أمْرِهِ، فَأسْلَمَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ، وأسْلَمَ الِابْنُ نَفْسَهُ. واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ (لَمّا)، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ "نادَيْناهُ"، والواوُ زائِدَةٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَوابُ: "تَلَّهُ" والواوُ زائِدَةٌ. كَزِيادَتِها فِي: ﴿وَفُتِحَتِ السَماءُ﴾ [النبإ: ١٩]، وقالَ البَصْرِيُّونَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما سَلَّما وتَلَّهُ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى ∗∗∗ بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عَقَنْقَلِ (p-٣٠٣)والتَقْدِيرُ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ أجَزْنا وانْتَحى. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أُجْزِلَ أجْرُهُما، أو نَحْوُ هَذا مِمّا يَقْتَضِيهِ المَعْنى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَتَلَّهُ"﴾ مَعْناهُ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « " فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ في يَدِهِ"،» أيْ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، والتَلُّ مِنَ الأرْضِ مَأْخُوذٌ مِن هَذا، كَأنَّهُ تُلَّ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، و"لِلْجَبِينِ" مَعْناهُ: لِتِلْكَ الجِهَةِ وعَلَيْها، كَما يَقُولُونَ في المَثَلِ: لِلْيَدَيْنِ والفَمِ، وكَما تَقُولُ: سَقَطَ لِشِقِّهِ الأيْسَرِ، وقالَ ساعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ: فَظَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينَيْنِ وهُما ما اكْتَنَفَ الجَبْهَةَ مِن هُنا وهُنا. ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذَبِيحَ قالَ لِأبِيهِ: اشْدُدْ رِباطِي بِالحَبْلِ لِئَلّا أضْطَرِبَ، واصْرِفْ بَصَرَكَ عَنِّي، لِئَلّا تَرْحَمَنِي، ورُدَّ وجْهِي نَحْوَ الأرْضِ، قالَ قَتادَةُ: كَبَّهُ لَفِيهِ وأخَذَ الشَفْرَةَ، والتَلُّ لِلْجَبِينِ لَيْسَ يَقْتَضِي أنَّ الوَجْهَ نَحْوُ الأرْضِ، بَلْ هي هَيْئَةُ مَن ذُبِحَ لِلْقِبْلَةِ عَلى جَنْبِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقَلْبِكَ، عَلى مَعْنى: كانَتْ (p-٣٠٤)عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً وحَقًّا مِنَ اللهِ، فَعَمِلَتْ بِحَسْبِها حِينَ آمَنتَ بِها واعْتَقَدَتْ صِدْقَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِعَمَلِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. والرُؤْيا اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ اللهِ في المَنامِ، والحُلْمُ اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ الشَيْطانِ، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَحِيحُ « "الرُؤْيا مِنَ اللهِ والحُلْمُ مِنَ الشَيْطانِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما عَمِلَ إبْراهِيمُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: إنّا بِهَذا النَوْعِ مِنَ الإخْلاصِ والطاعَةِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِنَ امْتِحانٍ واخْتِبارٍ بِالشِدَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِن سُرُورٍ بِالفِدْيَةِ وإنْقاذٍ مِن تِلْكَ الشِدَّةِ في إنْفاذِ الذَبْحِ، فَيَكُونُ البَلاءُ بِمَعْنى النِعْمَةِ، وإلى كُلِّ احْتِمالٍ قَدْ أشارَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى إسْحَقَ أنِّي قَدْ أعْطَيْتُكَ بِصَبْرِكَ لِأمْرِي دَعْوَةً أُعْطِيكَ فِيها ما سَألْتَ، فَسَلْنِي، فَقالَ: يا رَبِّ أيُّما عَبْدٍ لَقِيَكَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا فَأدْخِلْهُ الجَنَّةَ.» والضَمِيرُ في "فَدَيْناهُ" عائِدٌ عَلى الذَبْحِ، و"الذَبْحُ" اسْمٌ لِما يُذْبَحُ، ووَصَفَهُ بِالعِظَمِ لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ: الذِبْحُ الكَبْشُ، والعَظِيمُ لِجَرْيِ السُنَةِ بِهِ وكَوْنِهِ دِينًا باقِيًا آخِرَ الدَهْرِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: عَظُمَ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ كانَ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عن نَسْلٍ بَلْ عَنِ التَكْوِينِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ كَوْنَهُ عَظِيمًا هو أنَّهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ رَعى فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَ ولَدُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: كانَ وعْلًا أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أعْيَنُ، وجَدَهُ وراءَهُ مَرْبُوطًا (p-٣٠٥)بِسَمُرَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ انْفَلَتَ فاتَّبَعَهُ ورَماهُ بِحَصَياتٍ في مَواضِعِ الجَمَراتِ، فَبِذَلِكَ مَضَتِ السُنَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رَجَمَ الشَيْطانَ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ وغَيْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، وأهْلُ السُنَّةِ عَلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ نُسِخَ فِيها العَزْمُ عَلى الفِعْلِ، والمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: إنَّهُ لا يَصِحُّ نَسْخٌ إلّا بَعْدَ وُقُوعِ الفِعْلِ، افْتَرَقَتْ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى فِرْقَتَيْنِ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَبْحُ والتَأمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمْ: بَلْ كانَ إبْراهِيمُ لَمْ يَرَ في مَنامِهِ إلّا إمْرارَ الشَفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذَبْحٌ فَجَهَّزَ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ، فَلِما وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَسْخُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذًا لا اخْتِلافَ أنَّ إبْراهِيمَ أمَرَّ الشَفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. ورُوِيَ أنَّ صَفِيحَةَ نُحاسٍ اعْتَرَضَتْهُ بِحَرْفِها، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ، فَقَدْ كَثَّرَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ بِما صِحَّتُهُ مَعْدُومَةٌ فاخْتَصَرْتُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ مَعْناهُ: بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. ومِمّا يُسْتَغْرَبُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قالَ: ذُبِحَ في المَقامِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ لَمْ يُسَمِّها أنَّها قالَتْ: كانَ الأمْرُ وإراعَةُ الذَبْحِ والقِصَّةُ كُلُّها بِالشامِ، وقالَ الجُمْهُورُ: ذُبِحَ بِمِنى، وقالَ الشَعْبِيُّ: رَأيْتُ قَرْنَيْ كَبْشِ إبْراهِيمَ مُعَلَّقَةً في الكَعْبَةِ.

الصافات 37:105

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أسْلَما"﴾ أيْ: أنْفُسَهُما، واسْتَسْلَما لِلَّهِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والثَوْرِيُّ: "سَلَّما"، والمَعْنى: فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، وانْحَمَلا عَلى أمْرِهِ، فَأسْلَمَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ، وأسْلَمَ الِابْنُ نَفْسَهُ. واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ (لَمّا)، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ "نادَيْناهُ"، والواوُ زائِدَةٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَوابُ: "تَلَّهُ" والواوُ زائِدَةٌ. كَزِيادَتِها فِي: ﴿وَفُتِحَتِ السَماءُ﴾ [النبإ: ١٩]، وقالَ البَصْرِيُّونَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما سَلَّما وتَلَّهُ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى ∗∗∗ بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عَقَنْقَلِ (p-٣٠٣)والتَقْدِيرُ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ أجَزْنا وانْتَحى. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أُجْزِلَ أجْرُهُما، أو نَحْوُ هَذا مِمّا يَقْتَضِيهِ المَعْنى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَتَلَّهُ"﴾ مَعْناهُ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « " فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ في يَدِهِ"،» أيْ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، والتَلُّ مِنَ الأرْضِ مَأْخُوذٌ مِن هَذا، كَأنَّهُ تُلَّ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، و"لِلْجَبِينِ" مَعْناهُ: لِتِلْكَ الجِهَةِ وعَلَيْها، كَما يَقُولُونَ في المَثَلِ: لِلْيَدَيْنِ والفَمِ، وكَما تَقُولُ: سَقَطَ لِشِقِّهِ الأيْسَرِ، وقالَ ساعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ: فَظَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينَيْنِ وهُما ما اكْتَنَفَ الجَبْهَةَ مِن هُنا وهُنا. ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذَبِيحَ قالَ لِأبِيهِ: اشْدُدْ رِباطِي بِالحَبْلِ لِئَلّا أضْطَرِبَ، واصْرِفْ بَصَرَكَ عَنِّي، لِئَلّا تَرْحَمَنِي، ورُدَّ وجْهِي نَحْوَ الأرْضِ، قالَ قَتادَةُ: كَبَّهُ لَفِيهِ وأخَذَ الشَفْرَةَ، والتَلُّ لِلْجَبِينِ لَيْسَ يَقْتَضِي أنَّ الوَجْهَ نَحْوُ الأرْضِ، بَلْ هي هَيْئَةُ مَن ذُبِحَ لِلْقِبْلَةِ عَلى جَنْبِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقَلْبِكَ، عَلى مَعْنى: كانَتْ (p-٣٠٤)عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً وحَقًّا مِنَ اللهِ، فَعَمِلَتْ بِحَسْبِها حِينَ آمَنتَ بِها واعْتَقَدَتْ صِدْقَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِعَمَلِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. والرُؤْيا اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ اللهِ في المَنامِ، والحُلْمُ اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ الشَيْطانِ، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَحِيحُ « "الرُؤْيا مِنَ اللهِ والحُلْمُ مِنَ الشَيْطانِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما عَمِلَ إبْراهِيمُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: إنّا بِهَذا النَوْعِ مِنَ الإخْلاصِ والطاعَةِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِنَ امْتِحانٍ واخْتِبارٍ بِالشِدَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِن سُرُورٍ بِالفِدْيَةِ وإنْقاذٍ مِن تِلْكَ الشِدَّةِ في إنْفاذِ الذَبْحِ، فَيَكُونُ البَلاءُ بِمَعْنى النِعْمَةِ، وإلى كُلِّ احْتِمالٍ قَدْ أشارَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى إسْحَقَ أنِّي قَدْ أعْطَيْتُكَ بِصَبْرِكَ لِأمْرِي دَعْوَةً أُعْطِيكَ فِيها ما سَألْتَ، فَسَلْنِي، فَقالَ: يا رَبِّ أيُّما عَبْدٍ لَقِيَكَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا فَأدْخِلْهُ الجَنَّةَ.» والضَمِيرُ في "فَدَيْناهُ" عائِدٌ عَلى الذَبْحِ، و"الذَبْحُ" اسْمٌ لِما يُذْبَحُ، ووَصَفَهُ بِالعِظَمِ لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ: الذِبْحُ الكَبْشُ، والعَظِيمُ لِجَرْيِ السُنَةِ بِهِ وكَوْنِهِ دِينًا باقِيًا آخِرَ الدَهْرِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: عَظُمَ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ كانَ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عن نَسْلٍ بَلْ عَنِ التَكْوِينِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ كَوْنَهُ عَظِيمًا هو أنَّهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ رَعى فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَ ولَدُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: كانَ وعْلًا أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أعْيَنُ، وجَدَهُ وراءَهُ مَرْبُوطًا (p-٣٠٥)بِسَمُرَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ انْفَلَتَ فاتَّبَعَهُ ورَماهُ بِحَصَياتٍ في مَواضِعِ الجَمَراتِ، فَبِذَلِكَ مَضَتِ السُنَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رَجَمَ الشَيْطانَ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ وغَيْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، وأهْلُ السُنَّةِ عَلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ نُسِخَ فِيها العَزْمُ عَلى الفِعْلِ، والمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: إنَّهُ لا يَصِحُّ نَسْخٌ إلّا بَعْدَ وُقُوعِ الفِعْلِ، افْتَرَقَتْ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى فِرْقَتَيْنِ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَبْحُ والتَأمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمْ: بَلْ كانَ إبْراهِيمُ لَمْ يَرَ في مَنامِهِ إلّا إمْرارَ الشَفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذَبْحٌ فَجَهَّزَ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ، فَلِما وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَسْخُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذًا لا اخْتِلافَ أنَّ إبْراهِيمَ أمَرَّ الشَفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. ورُوِيَ أنَّ صَفِيحَةَ نُحاسٍ اعْتَرَضَتْهُ بِحَرْفِها، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ، فَقَدْ كَثَّرَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ بِما صِحَّتُهُ مَعْدُومَةٌ فاخْتَصَرْتُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ مَعْناهُ: بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. ومِمّا يُسْتَغْرَبُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قالَ: ذُبِحَ في المَقامِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ لَمْ يُسَمِّها أنَّها قالَتْ: كانَ الأمْرُ وإراعَةُ الذَبْحِ والقِصَّةُ كُلُّها بِالشامِ، وقالَ الجُمْهُورُ: ذُبِحَ بِمِنى، وقالَ الشَعْبِيُّ: رَأيْتُ قَرْنَيْ كَبْشِ إبْراهِيمَ مُعَلَّقَةً في الكَعْبَةِ.

الصافات 37:106

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أسْلَما"﴾ أيْ: أنْفُسَهُما، واسْتَسْلَما لِلَّهِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والثَوْرِيُّ: "سَلَّما"، والمَعْنى: فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، وانْحَمَلا عَلى أمْرِهِ، فَأسْلَمَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ، وأسْلَمَ الِابْنُ نَفْسَهُ. واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ (لَمّا)، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ "نادَيْناهُ"، والواوُ زائِدَةٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَوابُ: "تَلَّهُ" والواوُ زائِدَةٌ. كَزِيادَتِها فِي: ﴿وَفُتِحَتِ السَماءُ﴾ [النبإ: ١٩]، وقالَ البَصْرِيُّونَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما سَلَّما وتَلَّهُ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى ∗∗∗ بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عَقَنْقَلِ (p-٣٠٣)والتَقْدِيرُ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ أجَزْنا وانْتَحى. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أُجْزِلَ أجْرُهُما، أو نَحْوُ هَذا مِمّا يَقْتَضِيهِ المَعْنى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَتَلَّهُ"﴾ مَعْناهُ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « " فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ في يَدِهِ"،» أيْ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، والتَلُّ مِنَ الأرْضِ مَأْخُوذٌ مِن هَذا، كَأنَّهُ تُلَّ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، و"لِلْجَبِينِ" مَعْناهُ: لِتِلْكَ الجِهَةِ وعَلَيْها، كَما يَقُولُونَ في المَثَلِ: لِلْيَدَيْنِ والفَمِ، وكَما تَقُولُ: سَقَطَ لِشِقِّهِ الأيْسَرِ، وقالَ ساعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ: فَظَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينَيْنِ وهُما ما اكْتَنَفَ الجَبْهَةَ مِن هُنا وهُنا. ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذَبِيحَ قالَ لِأبِيهِ: اشْدُدْ رِباطِي بِالحَبْلِ لِئَلّا أضْطَرِبَ، واصْرِفْ بَصَرَكَ عَنِّي، لِئَلّا تَرْحَمَنِي، ورُدَّ وجْهِي نَحْوَ الأرْضِ، قالَ قَتادَةُ: كَبَّهُ لَفِيهِ وأخَذَ الشَفْرَةَ، والتَلُّ لِلْجَبِينِ لَيْسَ يَقْتَضِي أنَّ الوَجْهَ نَحْوُ الأرْضِ، بَلْ هي هَيْئَةُ مَن ذُبِحَ لِلْقِبْلَةِ عَلى جَنْبِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقَلْبِكَ، عَلى مَعْنى: كانَتْ (p-٣٠٤)عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً وحَقًّا مِنَ اللهِ، فَعَمِلَتْ بِحَسْبِها حِينَ آمَنتَ بِها واعْتَقَدَتْ صِدْقَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِعَمَلِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. والرُؤْيا اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ اللهِ في المَنامِ، والحُلْمُ اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ الشَيْطانِ، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَحِيحُ « "الرُؤْيا مِنَ اللهِ والحُلْمُ مِنَ الشَيْطانِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما عَمِلَ إبْراهِيمُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: إنّا بِهَذا النَوْعِ مِنَ الإخْلاصِ والطاعَةِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِنَ امْتِحانٍ واخْتِبارٍ بِالشِدَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِن سُرُورٍ بِالفِدْيَةِ وإنْقاذٍ مِن تِلْكَ الشِدَّةِ في إنْفاذِ الذَبْحِ، فَيَكُونُ البَلاءُ بِمَعْنى النِعْمَةِ، وإلى كُلِّ احْتِمالٍ قَدْ أشارَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى إسْحَقَ أنِّي قَدْ أعْطَيْتُكَ بِصَبْرِكَ لِأمْرِي دَعْوَةً أُعْطِيكَ فِيها ما سَألْتَ، فَسَلْنِي، فَقالَ: يا رَبِّ أيُّما عَبْدٍ لَقِيَكَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا فَأدْخِلْهُ الجَنَّةَ.» والضَمِيرُ في "فَدَيْناهُ" عائِدٌ عَلى الذَبْحِ، و"الذَبْحُ" اسْمٌ لِما يُذْبَحُ، ووَصَفَهُ بِالعِظَمِ لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ: الذِبْحُ الكَبْشُ، والعَظِيمُ لِجَرْيِ السُنَةِ بِهِ وكَوْنِهِ دِينًا باقِيًا آخِرَ الدَهْرِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: عَظُمَ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ كانَ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عن نَسْلٍ بَلْ عَنِ التَكْوِينِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ كَوْنَهُ عَظِيمًا هو أنَّهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ رَعى فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَ ولَدُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: كانَ وعْلًا أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أعْيَنُ، وجَدَهُ وراءَهُ مَرْبُوطًا (p-٣٠٥)بِسَمُرَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ انْفَلَتَ فاتَّبَعَهُ ورَماهُ بِحَصَياتٍ في مَواضِعِ الجَمَراتِ، فَبِذَلِكَ مَضَتِ السُنَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رَجَمَ الشَيْطانَ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ وغَيْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، وأهْلُ السُنَّةِ عَلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ نُسِخَ فِيها العَزْمُ عَلى الفِعْلِ، والمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: إنَّهُ لا يَصِحُّ نَسْخٌ إلّا بَعْدَ وُقُوعِ الفِعْلِ، افْتَرَقَتْ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى فِرْقَتَيْنِ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَبْحُ والتَأمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمْ: بَلْ كانَ إبْراهِيمُ لَمْ يَرَ في مَنامِهِ إلّا إمْرارَ الشَفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذَبْحٌ فَجَهَّزَ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ، فَلِما وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَسْخُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذًا لا اخْتِلافَ أنَّ إبْراهِيمَ أمَرَّ الشَفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. ورُوِيَ أنَّ صَفِيحَةَ نُحاسٍ اعْتَرَضَتْهُ بِحَرْفِها، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ، فَقَدْ كَثَّرَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ بِما صِحَّتُهُ مَعْدُومَةٌ فاخْتَصَرْتُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ مَعْناهُ: بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. ومِمّا يُسْتَغْرَبُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قالَ: ذُبِحَ في المَقامِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ لَمْ يُسَمِّها أنَّها قالَتْ: كانَ الأمْرُ وإراعَةُ الذَبْحِ والقِصَّةُ كُلُّها بِالشامِ، وقالَ الجُمْهُورُ: ذُبِحَ بِمِنى، وقالَ الشَعْبِيُّ: رَأيْتُ قَرْنَيْ كَبْشِ إبْراهِيمَ مُعَلَّقَةً في الكَعْبَةِ.

الصافات 37:107

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أسْلَما"﴾ أيْ: أنْفُسَهُما، واسْتَسْلَما لِلَّهِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والثَوْرِيُّ: "سَلَّما"، والمَعْنى: فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، وانْحَمَلا عَلى أمْرِهِ، فَأسْلَمَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ، وأسْلَمَ الِابْنُ نَفْسَهُ. واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ (لَمّا)، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ "نادَيْناهُ"، والواوُ زائِدَةٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَوابُ: "تَلَّهُ" والواوُ زائِدَةٌ. كَزِيادَتِها فِي: ﴿وَفُتِحَتِ السَماءُ﴾ [النبإ: ١٩]، وقالَ البَصْرِيُّونَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما سَلَّما وتَلَّهُ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى ∗∗∗ بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عَقَنْقَلِ (p-٣٠٣)والتَقْدِيرُ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ أجَزْنا وانْتَحى. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أُجْزِلَ أجْرُهُما، أو نَحْوُ هَذا مِمّا يَقْتَضِيهِ المَعْنى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَتَلَّهُ"﴾ مَعْناهُ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « " فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ في يَدِهِ"،» أيْ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، والتَلُّ مِنَ الأرْضِ مَأْخُوذٌ مِن هَذا، كَأنَّهُ تُلَّ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، و"لِلْجَبِينِ" مَعْناهُ: لِتِلْكَ الجِهَةِ وعَلَيْها، كَما يَقُولُونَ في المَثَلِ: لِلْيَدَيْنِ والفَمِ، وكَما تَقُولُ: سَقَطَ لِشِقِّهِ الأيْسَرِ، وقالَ ساعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ: فَظَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينَيْنِ وهُما ما اكْتَنَفَ الجَبْهَةَ مِن هُنا وهُنا. ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذَبِيحَ قالَ لِأبِيهِ: اشْدُدْ رِباطِي بِالحَبْلِ لِئَلّا أضْطَرِبَ، واصْرِفْ بَصَرَكَ عَنِّي، لِئَلّا تَرْحَمَنِي، ورُدَّ وجْهِي نَحْوَ الأرْضِ، قالَ قَتادَةُ: كَبَّهُ لَفِيهِ وأخَذَ الشَفْرَةَ، والتَلُّ لِلْجَبِينِ لَيْسَ يَقْتَضِي أنَّ الوَجْهَ نَحْوُ الأرْضِ، بَلْ هي هَيْئَةُ مَن ذُبِحَ لِلْقِبْلَةِ عَلى جَنْبِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقَلْبِكَ، عَلى مَعْنى: كانَتْ (p-٣٠٤)عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً وحَقًّا مِنَ اللهِ، فَعَمِلَتْ بِحَسْبِها حِينَ آمَنتَ بِها واعْتَقَدَتْ صِدْقَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِعَمَلِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. والرُؤْيا اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ اللهِ في المَنامِ، والحُلْمُ اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ الشَيْطانِ، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَحِيحُ « "الرُؤْيا مِنَ اللهِ والحُلْمُ مِنَ الشَيْطانِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما عَمِلَ إبْراهِيمُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: إنّا بِهَذا النَوْعِ مِنَ الإخْلاصِ والطاعَةِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِنَ امْتِحانٍ واخْتِبارٍ بِالشِدَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِن سُرُورٍ بِالفِدْيَةِ وإنْقاذٍ مِن تِلْكَ الشِدَّةِ في إنْفاذِ الذَبْحِ، فَيَكُونُ البَلاءُ بِمَعْنى النِعْمَةِ، وإلى كُلِّ احْتِمالٍ قَدْ أشارَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى إسْحَقَ أنِّي قَدْ أعْطَيْتُكَ بِصَبْرِكَ لِأمْرِي دَعْوَةً أُعْطِيكَ فِيها ما سَألْتَ، فَسَلْنِي، فَقالَ: يا رَبِّ أيُّما عَبْدٍ لَقِيَكَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا فَأدْخِلْهُ الجَنَّةَ.» والضَمِيرُ في "فَدَيْناهُ" عائِدٌ عَلى الذَبْحِ، و"الذَبْحُ" اسْمٌ لِما يُذْبَحُ، ووَصَفَهُ بِالعِظَمِ لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ: الذِبْحُ الكَبْشُ، والعَظِيمُ لِجَرْيِ السُنَةِ بِهِ وكَوْنِهِ دِينًا باقِيًا آخِرَ الدَهْرِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: عَظُمَ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ كانَ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عن نَسْلٍ بَلْ عَنِ التَكْوِينِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ كَوْنَهُ عَظِيمًا هو أنَّهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ رَعى فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَ ولَدُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: كانَ وعْلًا أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أعْيَنُ، وجَدَهُ وراءَهُ مَرْبُوطًا (p-٣٠٥)بِسَمُرَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ انْفَلَتَ فاتَّبَعَهُ ورَماهُ بِحَصَياتٍ في مَواضِعِ الجَمَراتِ، فَبِذَلِكَ مَضَتِ السُنَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رَجَمَ الشَيْطانَ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ وغَيْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، وأهْلُ السُنَّةِ عَلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ نُسِخَ فِيها العَزْمُ عَلى الفِعْلِ، والمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: إنَّهُ لا يَصِحُّ نَسْخٌ إلّا بَعْدَ وُقُوعِ الفِعْلِ، افْتَرَقَتْ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى فِرْقَتَيْنِ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَبْحُ والتَأمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمْ: بَلْ كانَ إبْراهِيمُ لَمْ يَرَ في مَنامِهِ إلّا إمْرارَ الشَفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذَبْحٌ فَجَهَّزَ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ، فَلِما وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَسْخُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذًا لا اخْتِلافَ أنَّ إبْراهِيمَ أمَرَّ الشَفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. ورُوِيَ أنَّ صَفِيحَةَ نُحاسٍ اعْتَرَضَتْهُ بِحَرْفِها، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ، فَقَدْ كَثَّرَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ بِما صِحَّتُهُ مَعْدُومَةٌ فاخْتَصَرْتُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ مَعْناهُ: بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. ومِمّا يُسْتَغْرَبُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قالَ: ذُبِحَ في المَقامِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ لَمْ يُسَمِّها أنَّها قالَتْ: كانَ الأمْرُ وإراعَةُ الذَبْحِ والقِصَّةُ كُلُّها بِالشامِ، وقالَ الجُمْهُورُ: ذُبِحَ بِمِنى، وقالَ الشَعْبِيُّ: رَأيْتُ قَرْنَيْ كَبْشِ إبْراهِيمَ مُعَلَّقَةً في الكَعْبَةِ.

الصافات 37:108

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أسْلَما"﴾ أيْ: أنْفُسَهُما، واسْتَسْلَما لِلَّهِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والثَوْرِيُّ: "سَلَّما"، والمَعْنى: فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، وانْحَمَلا عَلى أمْرِهِ، فَأسْلَمَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ، وأسْلَمَ الِابْنُ نَفْسَهُ. واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ (لَمّا)، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ "نادَيْناهُ"، والواوُ زائِدَةٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَوابُ: "تَلَّهُ" والواوُ زائِدَةٌ. كَزِيادَتِها فِي: ﴿وَفُتِحَتِ السَماءُ﴾ [النبإ: ١٩]، وقالَ البَصْرِيُّونَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما سَلَّما وتَلَّهُ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى ∗∗∗ بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عَقَنْقَلِ (p-٣٠٣)والتَقْدِيرُ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ أجَزْنا وانْتَحى. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أُجْزِلَ أجْرُهُما، أو نَحْوُ هَذا مِمّا يَقْتَضِيهِ المَعْنى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَتَلَّهُ"﴾ مَعْناهُ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « " فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ في يَدِهِ"،» أيْ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، والتَلُّ مِنَ الأرْضِ مَأْخُوذٌ مِن هَذا، كَأنَّهُ تُلَّ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، و"لِلْجَبِينِ" مَعْناهُ: لِتِلْكَ الجِهَةِ وعَلَيْها، كَما يَقُولُونَ في المَثَلِ: لِلْيَدَيْنِ والفَمِ، وكَما تَقُولُ: سَقَطَ لِشِقِّهِ الأيْسَرِ، وقالَ ساعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ: فَظَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينَيْنِ وهُما ما اكْتَنَفَ الجَبْهَةَ مِن هُنا وهُنا. ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذَبِيحَ قالَ لِأبِيهِ: اشْدُدْ رِباطِي بِالحَبْلِ لِئَلّا أضْطَرِبَ، واصْرِفْ بَصَرَكَ عَنِّي، لِئَلّا تَرْحَمَنِي، ورُدَّ وجْهِي نَحْوَ الأرْضِ، قالَ قَتادَةُ: كَبَّهُ لَفِيهِ وأخَذَ الشَفْرَةَ، والتَلُّ لِلْجَبِينِ لَيْسَ يَقْتَضِي أنَّ الوَجْهَ نَحْوُ الأرْضِ، بَلْ هي هَيْئَةُ مَن ذُبِحَ لِلْقِبْلَةِ عَلى جَنْبِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقَلْبِكَ، عَلى مَعْنى: كانَتْ (p-٣٠٤)عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً وحَقًّا مِنَ اللهِ، فَعَمِلَتْ بِحَسْبِها حِينَ آمَنتَ بِها واعْتَقَدَتْ صِدْقَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِعَمَلِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. والرُؤْيا اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ اللهِ في المَنامِ، والحُلْمُ اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ الشَيْطانِ، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَحِيحُ « "الرُؤْيا مِنَ اللهِ والحُلْمُ مِنَ الشَيْطانِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما عَمِلَ إبْراهِيمُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: إنّا بِهَذا النَوْعِ مِنَ الإخْلاصِ والطاعَةِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِنَ امْتِحانٍ واخْتِبارٍ بِالشِدَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِن سُرُورٍ بِالفِدْيَةِ وإنْقاذٍ مِن تِلْكَ الشِدَّةِ في إنْفاذِ الذَبْحِ، فَيَكُونُ البَلاءُ بِمَعْنى النِعْمَةِ، وإلى كُلِّ احْتِمالٍ قَدْ أشارَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى إسْحَقَ أنِّي قَدْ أعْطَيْتُكَ بِصَبْرِكَ لِأمْرِي دَعْوَةً أُعْطِيكَ فِيها ما سَألْتَ، فَسَلْنِي، فَقالَ: يا رَبِّ أيُّما عَبْدٍ لَقِيَكَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا فَأدْخِلْهُ الجَنَّةَ.» والضَمِيرُ في "فَدَيْناهُ" عائِدٌ عَلى الذَبْحِ، و"الذَبْحُ" اسْمٌ لِما يُذْبَحُ، ووَصَفَهُ بِالعِظَمِ لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ: الذِبْحُ الكَبْشُ، والعَظِيمُ لِجَرْيِ السُنَةِ بِهِ وكَوْنِهِ دِينًا باقِيًا آخِرَ الدَهْرِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: عَظُمَ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ كانَ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عن نَسْلٍ بَلْ عَنِ التَكْوِينِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ كَوْنَهُ عَظِيمًا هو أنَّهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ رَعى فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَ ولَدُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: كانَ وعْلًا أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أعْيَنُ، وجَدَهُ وراءَهُ مَرْبُوطًا (p-٣٠٥)بِسَمُرَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ انْفَلَتَ فاتَّبَعَهُ ورَماهُ بِحَصَياتٍ في مَواضِعِ الجَمَراتِ، فَبِذَلِكَ مَضَتِ السُنَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رَجَمَ الشَيْطانَ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ وغَيْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، وأهْلُ السُنَّةِ عَلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ نُسِخَ فِيها العَزْمُ عَلى الفِعْلِ، والمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: إنَّهُ لا يَصِحُّ نَسْخٌ إلّا بَعْدَ وُقُوعِ الفِعْلِ، افْتَرَقَتْ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى فِرْقَتَيْنِ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَبْحُ والتَأمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمْ: بَلْ كانَ إبْراهِيمُ لَمْ يَرَ في مَنامِهِ إلّا إمْرارَ الشَفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذَبْحٌ فَجَهَّزَ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ، فَلِما وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَسْخُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذًا لا اخْتِلافَ أنَّ إبْراهِيمَ أمَرَّ الشَفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. ورُوِيَ أنَّ صَفِيحَةَ نُحاسٍ اعْتَرَضَتْهُ بِحَرْفِها، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ، فَقَدْ كَثَّرَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ بِما صِحَّتُهُ مَعْدُومَةٌ فاخْتَصَرْتُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ مَعْناهُ: بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. ومِمّا يُسْتَغْرَبُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قالَ: ذُبِحَ في المَقامِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ لَمْ يُسَمِّها أنَّها قالَتْ: كانَ الأمْرُ وإراعَةُ الذَبْحِ والقِصَّةُ كُلُّها بِالشامِ، وقالَ الجُمْهُورُ: ذُبِحَ بِمِنى، وقالَ الشَعْبِيُّ: رَأيْتُ قَرْنَيْ كَبْشِ إبْراهِيمَ مُعَلَّقَةً في الكَعْبَةِ.

الصافات 37:109

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أسْلَما"﴾ أيْ: أنْفُسَهُما، واسْتَسْلَما لِلَّهِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والثَوْرِيُّ: "سَلَّما"، والمَعْنى: فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، وانْحَمَلا عَلى أمْرِهِ، فَأسْلَمَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ، وأسْلَمَ الِابْنُ نَفْسَهُ. واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ (لَمّا)، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ "نادَيْناهُ"، والواوُ زائِدَةٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَوابُ: "تَلَّهُ" والواوُ زائِدَةٌ. كَزِيادَتِها فِي: ﴿وَفُتِحَتِ السَماءُ﴾ [النبإ: ١٩]، وقالَ البَصْرِيُّونَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما سَلَّما وتَلَّهُ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى ∗∗∗ بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عَقَنْقَلِ (p-٣٠٣)والتَقْدِيرُ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ أجَزْنا وانْتَحى. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أُجْزِلَ أجْرُهُما، أو نَحْوُ هَذا مِمّا يَقْتَضِيهِ المَعْنى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَتَلَّهُ"﴾ مَعْناهُ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « " فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ في يَدِهِ"،» أيْ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، والتَلُّ مِنَ الأرْضِ مَأْخُوذٌ مِن هَذا، كَأنَّهُ تُلَّ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، و"لِلْجَبِينِ" مَعْناهُ: لِتِلْكَ الجِهَةِ وعَلَيْها، كَما يَقُولُونَ في المَثَلِ: لِلْيَدَيْنِ والفَمِ، وكَما تَقُولُ: سَقَطَ لِشِقِّهِ الأيْسَرِ، وقالَ ساعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ: فَظَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينَيْنِ وهُما ما اكْتَنَفَ الجَبْهَةَ مِن هُنا وهُنا. ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذَبِيحَ قالَ لِأبِيهِ: اشْدُدْ رِباطِي بِالحَبْلِ لِئَلّا أضْطَرِبَ، واصْرِفْ بَصَرَكَ عَنِّي، لِئَلّا تَرْحَمَنِي، ورُدَّ وجْهِي نَحْوَ الأرْضِ، قالَ قَتادَةُ: كَبَّهُ لَفِيهِ وأخَذَ الشَفْرَةَ، والتَلُّ لِلْجَبِينِ لَيْسَ يَقْتَضِي أنَّ الوَجْهَ نَحْوُ الأرْضِ، بَلْ هي هَيْئَةُ مَن ذُبِحَ لِلْقِبْلَةِ عَلى جَنْبِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقَلْبِكَ، عَلى مَعْنى: كانَتْ (p-٣٠٤)عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً وحَقًّا مِنَ اللهِ، فَعَمِلَتْ بِحَسْبِها حِينَ آمَنتَ بِها واعْتَقَدَتْ صِدْقَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِعَمَلِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. والرُؤْيا اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ اللهِ في المَنامِ، والحُلْمُ اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ الشَيْطانِ، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَحِيحُ « "الرُؤْيا مِنَ اللهِ والحُلْمُ مِنَ الشَيْطانِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما عَمِلَ إبْراهِيمُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: إنّا بِهَذا النَوْعِ مِنَ الإخْلاصِ والطاعَةِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِنَ امْتِحانٍ واخْتِبارٍ بِالشِدَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِن سُرُورٍ بِالفِدْيَةِ وإنْقاذٍ مِن تِلْكَ الشِدَّةِ في إنْفاذِ الذَبْحِ، فَيَكُونُ البَلاءُ بِمَعْنى النِعْمَةِ، وإلى كُلِّ احْتِمالٍ قَدْ أشارَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى إسْحَقَ أنِّي قَدْ أعْطَيْتُكَ بِصَبْرِكَ لِأمْرِي دَعْوَةً أُعْطِيكَ فِيها ما سَألْتَ، فَسَلْنِي، فَقالَ: يا رَبِّ أيُّما عَبْدٍ لَقِيَكَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا فَأدْخِلْهُ الجَنَّةَ.» والضَمِيرُ في "فَدَيْناهُ" عائِدٌ عَلى الذَبْحِ، و"الذَبْحُ" اسْمٌ لِما يُذْبَحُ، ووَصَفَهُ بِالعِظَمِ لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ: الذِبْحُ الكَبْشُ، والعَظِيمُ لِجَرْيِ السُنَةِ بِهِ وكَوْنِهِ دِينًا باقِيًا آخِرَ الدَهْرِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: عَظُمَ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ كانَ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عن نَسْلٍ بَلْ عَنِ التَكْوِينِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ كَوْنَهُ عَظِيمًا هو أنَّهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ رَعى فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَ ولَدُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: كانَ وعْلًا أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أعْيَنُ، وجَدَهُ وراءَهُ مَرْبُوطًا (p-٣٠٥)بِسَمُرَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ انْفَلَتَ فاتَّبَعَهُ ورَماهُ بِحَصَياتٍ في مَواضِعِ الجَمَراتِ، فَبِذَلِكَ مَضَتِ السُنَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رَجَمَ الشَيْطانَ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ وغَيْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، وأهْلُ السُنَّةِ عَلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ نُسِخَ فِيها العَزْمُ عَلى الفِعْلِ، والمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: إنَّهُ لا يَصِحُّ نَسْخٌ إلّا بَعْدَ وُقُوعِ الفِعْلِ، افْتَرَقَتْ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى فِرْقَتَيْنِ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَبْحُ والتَأمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمْ: بَلْ كانَ إبْراهِيمُ لَمْ يَرَ في مَنامِهِ إلّا إمْرارَ الشَفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذَبْحٌ فَجَهَّزَ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ، فَلِما وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَسْخُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذًا لا اخْتِلافَ أنَّ إبْراهِيمَ أمَرَّ الشَفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. ورُوِيَ أنَّ صَفِيحَةَ نُحاسٍ اعْتَرَضَتْهُ بِحَرْفِها، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ، فَقَدْ كَثَّرَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ بِما صِحَّتُهُ مَعْدُومَةٌ فاخْتَصَرْتُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ مَعْناهُ: بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. ومِمّا يُسْتَغْرَبُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قالَ: ذُبِحَ في المَقامِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ لَمْ يُسَمِّها أنَّها قالَتْ: كانَ الأمْرُ وإراعَةُ الذَبْحِ والقِصَّةُ كُلُّها بِالشامِ، وقالَ الجُمْهُورُ: ذُبِحَ بِمِنى، وقالَ الشَعْبِيُّ: رَأيْتُ قَرْنَيْ كَبْشِ إبْراهِيمَ مُعَلَّقَةً في الكَعْبَةِ.

الصافات 37:110

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أسْلَما"﴾ أيْ: أنْفُسَهُما، واسْتَسْلَما لِلَّهِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والثَوْرِيُّ: "سَلَّما"، والمَعْنى: فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، وانْحَمَلا عَلى أمْرِهِ، فَأسْلَمَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ، وأسْلَمَ الِابْنُ نَفْسَهُ. واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ (لَمّا)، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ "نادَيْناهُ"، والواوُ زائِدَةٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَوابُ: "تَلَّهُ" والواوُ زائِدَةٌ. كَزِيادَتِها فِي: ﴿وَفُتِحَتِ السَماءُ﴾ [النبإ: ١٩]، وقالَ البَصْرِيُّونَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما سَلَّما وتَلَّهُ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى ∗∗∗ بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عَقَنْقَلِ (p-٣٠٣)والتَقْدِيرُ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ أجَزْنا وانْتَحى. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أُجْزِلَ أجْرُهُما، أو نَحْوُ هَذا مِمّا يَقْتَضِيهِ المَعْنى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَتَلَّهُ"﴾ مَعْناهُ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « " فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ في يَدِهِ"،» أيْ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، والتَلُّ مِنَ الأرْضِ مَأْخُوذٌ مِن هَذا، كَأنَّهُ تُلَّ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، و"لِلْجَبِينِ" مَعْناهُ: لِتِلْكَ الجِهَةِ وعَلَيْها، كَما يَقُولُونَ في المَثَلِ: لِلْيَدَيْنِ والفَمِ، وكَما تَقُولُ: سَقَطَ لِشِقِّهِ الأيْسَرِ، وقالَ ساعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ: فَظَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينَيْنِ وهُما ما اكْتَنَفَ الجَبْهَةَ مِن هُنا وهُنا. ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذَبِيحَ قالَ لِأبِيهِ: اشْدُدْ رِباطِي بِالحَبْلِ لِئَلّا أضْطَرِبَ، واصْرِفْ بَصَرَكَ عَنِّي، لِئَلّا تَرْحَمَنِي، ورُدَّ وجْهِي نَحْوَ الأرْضِ، قالَ قَتادَةُ: كَبَّهُ لَفِيهِ وأخَذَ الشَفْرَةَ، والتَلُّ لِلْجَبِينِ لَيْسَ يَقْتَضِي أنَّ الوَجْهَ نَحْوُ الأرْضِ، بَلْ هي هَيْئَةُ مَن ذُبِحَ لِلْقِبْلَةِ عَلى جَنْبِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقَلْبِكَ، عَلى مَعْنى: كانَتْ (p-٣٠٤)عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً وحَقًّا مِنَ اللهِ، فَعَمِلَتْ بِحَسْبِها حِينَ آمَنتَ بِها واعْتَقَدَتْ صِدْقَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِعَمَلِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. والرُؤْيا اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ اللهِ في المَنامِ، والحُلْمُ اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ الشَيْطانِ، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَحِيحُ « "الرُؤْيا مِنَ اللهِ والحُلْمُ مِنَ الشَيْطانِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما عَمِلَ إبْراهِيمُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: إنّا بِهَذا النَوْعِ مِنَ الإخْلاصِ والطاعَةِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِنَ امْتِحانٍ واخْتِبارٍ بِالشِدَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِن سُرُورٍ بِالفِدْيَةِ وإنْقاذٍ مِن تِلْكَ الشِدَّةِ في إنْفاذِ الذَبْحِ، فَيَكُونُ البَلاءُ بِمَعْنى النِعْمَةِ، وإلى كُلِّ احْتِمالٍ قَدْ أشارَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى إسْحَقَ أنِّي قَدْ أعْطَيْتُكَ بِصَبْرِكَ لِأمْرِي دَعْوَةً أُعْطِيكَ فِيها ما سَألْتَ، فَسَلْنِي، فَقالَ: يا رَبِّ أيُّما عَبْدٍ لَقِيَكَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا فَأدْخِلْهُ الجَنَّةَ.» والضَمِيرُ في "فَدَيْناهُ" عائِدٌ عَلى الذَبْحِ، و"الذَبْحُ" اسْمٌ لِما يُذْبَحُ، ووَصَفَهُ بِالعِظَمِ لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ: الذِبْحُ الكَبْشُ، والعَظِيمُ لِجَرْيِ السُنَةِ بِهِ وكَوْنِهِ دِينًا باقِيًا آخِرَ الدَهْرِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: عَظُمَ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ كانَ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عن نَسْلٍ بَلْ عَنِ التَكْوِينِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ كَوْنَهُ عَظِيمًا هو أنَّهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ رَعى فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَ ولَدُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: كانَ وعْلًا أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أعْيَنُ، وجَدَهُ وراءَهُ مَرْبُوطًا (p-٣٠٥)بِسَمُرَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ انْفَلَتَ فاتَّبَعَهُ ورَماهُ بِحَصَياتٍ في مَواضِعِ الجَمَراتِ، فَبِذَلِكَ مَضَتِ السُنَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رَجَمَ الشَيْطانَ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ وغَيْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، وأهْلُ السُنَّةِ عَلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ نُسِخَ فِيها العَزْمُ عَلى الفِعْلِ، والمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: إنَّهُ لا يَصِحُّ نَسْخٌ إلّا بَعْدَ وُقُوعِ الفِعْلِ، افْتَرَقَتْ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى فِرْقَتَيْنِ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَبْحُ والتَأمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمْ: بَلْ كانَ إبْراهِيمُ لَمْ يَرَ في مَنامِهِ إلّا إمْرارَ الشَفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذَبْحٌ فَجَهَّزَ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ، فَلِما وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَسْخُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذًا لا اخْتِلافَ أنَّ إبْراهِيمَ أمَرَّ الشَفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. ورُوِيَ أنَّ صَفِيحَةَ نُحاسٍ اعْتَرَضَتْهُ بِحَرْفِها، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ، فَقَدْ كَثَّرَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ بِما صِحَّتُهُ مَعْدُومَةٌ فاخْتَصَرْتُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ مَعْناهُ: بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. ومِمّا يُسْتَغْرَبُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قالَ: ذُبِحَ في المَقامِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ لَمْ يُسَمِّها أنَّها قالَتْ: كانَ الأمْرُ وإراعَةُ الذَبْحِ والقِصَّةُ كُلُّها بِالشامِ، وقالَ الجُمْهُورُ: ذُبِحَ بِمِنى، وقالَ الشَعْبِيُّ: رَأيْتُ قَرْنَيْ كَبْشِ إبْراهِيمَ مُعَلَّقَةً في الكَعْبَةِ.

الصافات 37:111

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أسْلَما"﴾ أيْ: أنْفُسَهُما، واسْتَسْلَما لِلَّهِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والثَوْرِيُّ: "سَلَّما"، والمَعْنى: فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، وانْحَمَلا عَلى أمْرِهِ، فَأسْلَمَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ، وأسْلَمَ الِابْنُ نَفْسَهُ. واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ (لَمّا)، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ "نادَيْناهُ"، والواوُ زائِدَةٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَوابُ: "تَلَّهُ" والواوُ زائِدَةٌ. كَزِيادَتِها فِي: ﴿وَفُتِحَتِ السَماءُ﴾ [النبإ: ١٩]، وقالَ البَصْرِيُّونَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما سَلَّما وتَلَّهُ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى ∗∗∗ بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عَقَنْقَلِ (p-٣٠٣)والتَقْدِيرُ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ أجَزْنا وانْتَحى. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أُجْزِلَ أجْرُهُما، أو نَحْوُ هَذا مِمّا يَقْتَضِيهِ المَعْنى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَتَلَّهُ"﴾ مَعْناهُ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « " فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ في يَدِهِ"،» أيْ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، والتَلُّ مِنَ الأرْضِ مَأْخُوذٌ مِن هَذا، كَأنَّهُ تُلَّ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، و"لِلْجَبِينِ" مَعْناهُ: لِتِلْكَ الجِهَةِ وعَلَيْها، كَما يَقُولُونَ في المَثَلِ: لِلْيَدَيْنِ والفَمِ، وكَما تَقُولُ: سَقَطَ لِشِقِّهِ الأيْسَرِ، وقالَ ساعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ: فَظَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينَيْنِ وهُما ما اكْتَنَفَ الجَبْهَةَ مِن هُنا وهُنا. ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذَبِيحَ قالَ لِأبِيهِ: اشْدُدْ رِباطِي بِالحَبْلِ لِئَلّا أضْطَرِبَ، واصْرِفْ بَصَرَكَ عَنِّي، لِئَلّا تَرْحَمَنِي، ورُدَّ وجْهِي نَحْوَ الأرْضِ، قالَ قَتادَةُ: كَبَّهُ لَفِيهِ وأخَذَ الشَفْرَةَ، والتَلُّ لِلْجَبِينِ لَيْسَ يَقْتَضِي أنَّ الوَجْهَ نَحْوُ الأرْضِ، بَلْ هي هَيْئَةُ مَن ذُبِحَ لِلْقِبْلَةِ عَلى جَنْبِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقَلْبِكَ، عَلى مَعْنى: كانَتْ (p-٣٠٤)عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً وحَقًّا مِنَ اللهِ، فَعَمِلَتْ بِحَسْبِها حِينَ آمَنتَ بِها واعْتَقَدَتْ صِدْقَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِعَمَلِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. والرُؤْيا اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ اللهِ في المَنامِ، والحُلْمُ اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ الشَيْطانِ، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَحِيحُ « "الرُؤْيا مِنَ اللهِ والحُلْمُ مِنَ الشَيْطانِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما عَمِلَ إبْراهِيمُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: إنّا بِهَذا النَوْعِ مِنَ الإخْلاصِ والطاعَةِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِنَ امْتِحانٍ واخْتِبارٍ بِالشِدَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِن سُرُورٍ بِالفِدْيَةِ وإنْقاذٍ مِن تِلْكَ الشِدَّةِ في إنْفاذِ الذَبْحِ، فَيَكُونُ البَلاءُ بِمَعْنى النِعْمَةِ، وإلى كُلِّ احْتِمالٍ قَدْ أشارَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى إسْحَقَ أنِّي قَدْ أعْطَيْتُكَ بِصَبْرِكَ لِأمْرِي دَعْوَةً أُعْطِيكَ فِيها ما سَألْتَ، فَسَلْنِي، فَقالَ: يا رَبِّ أيُّما عَبْدٍ لَقِيَكَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا فَأدْخِلْهُ الجَنَّةَ.» والضَمِيرُ في "فَدَيْناهُ" عائِدٌ عَلى الذَبْحِ، و"الذَبْحُ" اسْمٌ لِما يُذْبَحُ، ووَصَفَهُ بِالعِظَمِ لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ: الذِبْحُ الكَبْشُ، والعَظِيمُ لِجَرْيِ السُنَةِ بِهِ وكَوْنِهِ دِينًا باقِيًا آخِرَ الدَهْرِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: عَظُمَ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ كانَ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عن نَسْلٍ بَلْ عَنِ التَكْوِينِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ كَوْنَهُ عَظِيمًا هو أنَّهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ رَعى فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَ ولَدُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: كانَ وعْلًا أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أعْيَنُ، وجَدَهُ وراءَهُ مَرْبُوطًا (p-٣٠٥)بِسَمُرَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ انْفَلَتَ فاتَّبَعَهُ ورَماهُ بِحَصَياتٍ في مَواضِعِ الجَمَراتِ، فَبِذَلِكَ مَضَتِ السُنَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رَجَمَ الشَيْطانَ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ وغَيْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، وأهْلُ السُنَّةِ عَلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ نُسِخَ فِيها العَزْمُ عَلى الفِعْلِ، والمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: إنَّهُ لا يَصِحُّ نَسْخٌ إلّا بَعْدَ وُقُوعِ الفِعْلِ، افْتَرَقَتْ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى فِرْقَتَيْنِ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَبْحُ والتَأمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمْ: بَلْ كانَ إبْراهِيمُ لَمْ يَرَ في مَنامِهِ إلّا إمْرارَ الشَفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذَبْحٌ فَجَهَّزَ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ، فَلِما وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَسْخُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذًا لا اخْتِلافَ أنَّ إبْراهِيمَ أمَرَّ الشَفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ. ورُوِيَ أنَّ صَفِيحَةَ نُحاسٍ اعْتَرَضَتْهُ بِحَرْفِها، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ، فَقَدْ كَثَّرَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ بِما صِحَّتُهُ مَعْدُومَةٌ فاخْتَصَرْتُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ مَعْناهُ: بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. ومِمّا يُسْتَغْرَبُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قالَ: ذُبِحَ في المَقامِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ لَمْ يُسَمِّها أنَّها قالَتْ: كانَ الأمْرُ وإراعَةُ الذَبْحِ والقِصَّةُ كُلُّها بِالشامِ، وقالَ الجُمْهُورُ: ذُبِحَ بِمِنى، وقالَ الشَعْبِيُّ: رَأيْتُ قَرْنَيْ كَبْشِ إبْراهِيمَ مُعَلَّقَةً في الكَعْبَةِ.

الصافات 37:112

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿وَنَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَنَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ مَن قالَ أنَّ الذَبِيحَ هو إسْماعِيلُ جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِوِلادَةِ إسْحَقَ، وهي البِشارَةُ المُتَرَدِّدَةُ في غَيْرِ ما سُورَةٍ، ومَن جَعَلَ الذَبِيحَ إسْحاقَ جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ لِنَفْسِ النُبُوَّةِ فَقَطْ. (p-٣٠٦)والمِنَّةُ عَلى مُوسى وهارُونَ هي في النُبُوَّةِ وسائِرِ ما جَرى مَعَها مِن مَكانَتِها عِنْدَ اللهِ، و"الكَرْبُ العَظِيمُ" هو تَعَبُّدُ القِبْطِ لَهُمْ، ثُمَّ جَيْشُ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: "إنّا لَمُدْرَكُونَ"، ثُمَّ البَحْرُ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَمِيرُ في "نَصَرْناهُمْ" عائِدٌ عَلى الجَماعَةِ المُتَقَدِّمِ ذَكْرُها، وهم مُوسى وهارُونُ وقَوْمُهُما. وقالَ قَوْمٌ: أرادَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ ولَكِنْ أخْرَجَ ضَمِيرَهُما مَخْرَجَ الجَمْعِ تَفْخِيمًا، وهَذا مِمّا تَفْعَلُهُ العَرَبُ، تُكَنِّي عَمَّنْ تُعَظِّمُ بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و"الكِتابُ المُسْتَبِينُ": التَوْراةُ.

الصافات 37:113

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿وَنَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَنَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ مَن قالَ أنَّ الذَبِيحَ هو إسْماعِيلُ جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِوِلادَةِ إسْحَقَ، وهي البِشارَةُ المُتَرَدِّدَةُ في غَيْرِ ما سُورَةٍ، ومَن جَعَلَ الذَبِيحَ إسْحاقَ جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ لِنَفْسِ النُبُوَّةِ فَقَطْ. (p-٣٠٦)والمِنَّةُ عَلى مُوسى وهارُونَ هي في النُبُوَّةِ وسائِرِ ما جَرى مَعَها مِن مَكانَتِها عِنْدَ اللهِ، و"الكَرْبُ العَظِيمُ" هو تَعَبُّدُ القِبْطِ لَهُمْ، ثُمَّ جَيْشُ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: "إنّا لَمُدْرَكُونَ"، ثُمَّ البَحْرُ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَمِيرُ في "نَصَرْناهُمْ" عائِدٌ عَلى الجَماعَةِ المُتَقَدِّمِ ذَكْرُها، وهم مُوسى وهارُونُ وقَوْمُهُما. وقالَ قَوْمٌ: أرادَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ ولَكِنْ أخْرَجَ ضَمِيرَهُما مَخْرَجَ الجَمْعِ تَفْخِيمًا، وهَذا مِمّا تَفْعَلُهُ العَرَبُ، تُكَنِّي عَمَّنْ تُعَظِّمُ بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و"الكِتابُ المُسْتَبِينُ": التَوْراةُ.

الصافات 37:114

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿وَنَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَنَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ مَن قالَ أنَّ الذَبِيحَ هو إسْماعِيلُ جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِوِلادَةِ إسْحَقَ، وهي البِشارَةُ المُتَرَدِّدَةُ في غَيْرِ ما سُورَةٍ، ومَن جَعَلَ الذَبِيحَ إسْحاقَ جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ لِنَفْسِ النُبُوَّةِ فَقَطْ. (p-٣٠٦)والمِنَّةُ عَلى مُوسى وهارُونَ هي في النُبُوَّةِ وسائِرِ ما جَرى مَعَها مِن مَكانَتِها عِنْدَ اللهِ، و"الكَرْبُ العَظِيمُ" هو تَعَبُّدُ القِبْطِ لَهُمْ، ثُمَّ جَيْشُ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: "إنّا لَمُدْرَكُونَ"، ثُمَّ البَحْرُ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَمِيرُ في "نَصَرْناهُمْ" عائِدٌ عَلى الجَماعَةِ المُتَقَدِّمِ ذَكْرُها، وهم مُوسى وهارُونُ وقَوْمُهُما. وقالَ قَوْمٌ: أرادَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ ولَكِنْ أخْرَجَ ضَمِيرَهُما مَخْرَجَ الجَمْعِ تَفْخِيمًا، وهَذا مِمّا تَفْعَلُهُ العَرَبُ، تُكَنِّي عَمَّنْ تُعَظِّمُ بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و"الكِتابُ المُسْتَبِينُ": التَوْراةُ.

الصافات 37:115

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿وَنَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَنَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ مَن قالَ أنَّ الذَبِيحَ هو إسْماعِيلُ جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِوِلادَةِ إسْحَقَ، وهي البِشارَةُ المُتَرَدِّدَةُ في غَيْرِ ما سُورَةٍ، ومَن جَعَلَ الذَبِيحَ إسْحاقَ جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ لِنَفْسِ النُبُوَّةِ فَقَطْ. (p-٣٠٦)والمِنَّةُ عَلى مُوسى وهارُونَ هي في النُبُوَّةِ وسائِرِ ما جَرى مَعَها مِن مَكانَتِها عِنْدَ اللهِ، و"الكَرْبُ العَظِيمُ" هو تَعَبُّدُ القِبْطِ لَهُمْ، ثُمَّ جَيْشُ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: "إنّا لَمُدْرَكُونَ"، ثُمَّ البَحْرُ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَمِيرُ في "نَصَرْناهُمْ" عائِدٌ عَلى الجَماعَةِ المُتَقَدِّمِ ذَكْرُها، وهم مُوسى وهارُونُ وقَوْمُهُما. وقالَ قَوْمٌ: أرادَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ ولَكِنْ أخْرَجَ ضَمِيرَهُما مَخْرَجَ الجَمْعِ تَفْخِيمًا، وهَذا مِمّا تَفْعَلُهُ العَرَبُ، تُكَنِّي عَمَّنْ تُعَظِّمُ بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و"الكِتابُ المُسْتَبِينُ": التَوْراةُ.

الصافات 37:116

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿وَنَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَنَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ مَن قالَ أنَّ الذَبِيحَ هو إسْماعِيلُ جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِوِلادَةِ إسْحَقَ، وهي البِشارَةُ المُتَرَدِّدَةُ في غَيْرِ ما سُورَةٍ، ومَن جَعَلَ الذَبِيحَ إسْحاقَ جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ لِنَفْسِ النُبُوَّةِ فَقَطْ. (p-٣٠٦)والمِنَّةُ عَلى مُوسى وهارُونَ هي في النُبُوَّةِ وسائِرِ ما جَرى مَعَها مِن مَكانَتِها عِنْدَ اللهِ، و"الكَرْبُ العَظِيمُ" هو تَعَبُّدُ القِبْطِ لَهُمْ، ثُمَّ جَيْشُ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: "إنّا لَمُدْرَكُونَ"، ثُمَّ البَحْرُ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَمِيرُ في "نَصَرْناهُمْ" عائِدٌ عَلى الجَماعَةِ المُتَقَدِّمِ ذَكْرُها، وهم مُوسى وهارُونُ وقَوْمُهُما. وقالَ قَوْمٌ: أرادَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ ولَكِنْ أخْرَجَ ضَمِيرَهُما مَخْرَجَ الجَمْعِ تَفْخِيمًا، وهَذا مِمّا تَفْعَلُهُ العَرَبُ، تُكَنِّي عَمَّنْ تُعَظِّمُ بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و"الكِتابُ المُسْتَبِينُ": التَوْراةُ.

الصافات 37:117

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿وَنَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَنَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ مَن قالَ أنَّ الذَبِيحَ هو إسْماعِيلُ جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِوِلادَةِ إسْحَقَ، وهي البِشارَةُ المُتَرَدِّدَةُ في غَيْرِ ما سُورَةٍ، ومَن جَعَلَ الذَبِيحَ إسْحاقَ جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ لِنَفْسِ النُبُوَّةِ فَقَطْ. (p-٣٠٦)والمِنَّةُ عَلى مُوسى وهارُونَ هي في النُبُوَّةِ وسائِرِ ما جَرى مَعَها مِن مَكانَتِها عِنْدَ اللهِ، و"الكَرْبُ العَظِيمُ" هو تَعَبُّدُ القِبْطِ لَهُمْ، ثُمَّ جَيْشُ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: "إنّا لَمُدْرَكُونَ"، ثُمَّ البَحْرُ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَمِيرُ في "نَصَرْناهُمْ" عائِدٌ عَلى الجَماعَةِ المُتَقَدِّمِ ذَكْرُها، وهم مُوسى وهارُونُ وقَوْمُهُما. وقالَ قَوْمٌ: أرادَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ ولَكِنْ أخْرَجَ ضَمِيرَهُما مَخْرَجَ الجَمْعِ تَفْخِيمًا، وهَذا مِمّا تَفْعَلُهُ العَرَبُ، تُكَنِّي عَمَّنْ تُعَظِّمُ بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و"الكِتابُ المُسْتَبِينُ": التَوْراةُ.

الصافات 37:118

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَهَدَيْناهُما الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يُرِيدُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقَ الشَرْعِ والنُبُوءَةِ المُؤَدِّي إلى اللهِ تَعالى، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾. وإلْياسَ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ اللهِ تَعالى، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ مَسْعُودٍ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، بْنِ فِنْحاصَ، بْنِ العَيْزارَ، بْنِ هارُونَ، بْنِ عِمْرانَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن ولَدِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "وَإنَّ إلْياسَ"﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، وهو اسْمٌ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ. وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "وَإنَّ الياسَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِصِلَةِ الألِفِ، وذَلِكَ يَتَّجِهُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ حَذَفَ الهَمْزَةَ، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: [إنَّها لَحْدى الكُبَرِ]، أرادَ: لَإحْدى، فَنَزَّلَ المُنْفَصِلَ مَنزِلَةَ المُتَّصِلِ، كَما قَدْ يُنَزَّلُ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، وإمّا أنْ يَجْعَلَها الألِفَ الَّتِي تَصْحَبُ اللامَ لِلتَّعْرِيفِ، كاليَسَعَ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنَّ إيلِيسَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ وياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ، وكَذَلِكَ فِيهِ: [سَلامٌ عَلى إيلِيسَ]، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، "سَلامٌ عَلى آل ياسِينَ"، وقَرَأ الباقُونَ: "سَلامٌ عَلى إلْياسِينَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ، وجَعَلَها الحَسَنُ، وأبُو رَجاءَ مَوْصُولَةٌ، فَوَجْهُ الأُولى أنَّها - فِيما (p-٣٠٧)يَزْعُمُونَ - مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها بِمَعْنى "أهْلِ" و"ياسِينَ" اسْمٌ أيْضًا لِإلْياسَ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ووَجْهُ الثانِيَةِ أنَّهُ جَمْعُ إلْياسِي، كَما قالُوا: أعْجَمِيٌّ أعْجَمِيُّونَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والتَقْدِيرُ: إلْياسِيِّينَ، فَحُذِفَ كَما حُذِفَ مِن أعْجَمِيَّيْنِ، ونَحْوِهُ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ والنُمَيْرِيِّينَ والمُهَلَّبِيِّينَ، ونَحْوِهُ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ، ويُرْوى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبِينَ قَدِي بِكَسْرِ الباءِ الثانِيَةِ، نِسْبَةً إلى أبِي خُبَيْبٍ. ويُقالُ: سُمِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِن آلِ ياسِينَ إلْياسَ، كَما قالُوا: شابَتْ مَفارِقُهُ، فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ المَفْرِقِ مَفْرَقًا، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَمَلٌ ذُو عَثانِينَ"، وعَلى هَذا أنْشَدَ ابْنٌ جِنِّيٍّ: ؎ مَرَّتْ بِنا أوَّلَ مِن أُمُوسِ ∗∗∗ ∗∗∗ تَمِيسُ فِينا مِشْيَةَ العَرُوسِ (p-٣٠٨)فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أمْسٍ أمْسًا، ثُمَّ جُمِعَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يُسَلِّمْ عَلى آلِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ قَبْلُ، فَلِذَلِكَ تَرْجُحُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "إلْياسِينَ" إذْ هو اسْمٌ واحِدٌ لَهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ. والأعْمَشُ: "وَإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ" و"سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ"، وهي لُغَةٌ في "إدْرِيسَ" كَإبْراهِيمَ وإبْراهامَ. وقَوْلُهُ" ﴿ "أتَدْعُونَ"﴾ مَعْناهُ: أتَعْبُدُونَ؟ و"البَعْلُ": الرَبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةٍ، فَقالَ لَهُ آخَرُ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللهُ أكْبَرُ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا﴾. وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: البَعْلُ اسْمُ صَنَمٍ كانَ لَهُمْ، ولَهُ يُقالُ: بَعْلُ بَكْ، وإلَيْهِ نَسَبَ الناسُ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ عن فِرْقَةٍ أنَّ "بَعْلًا" اسْمُ امْرَأةٍ كانَتْ أتَتْهم بِضَلالَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ مِن حَيْثُ قِيلَ لِلْإنْسانِ عَلى التَجَوُّزِ: إنَّهُ يَخْلُقُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ تَعالى أحْسَنَ الخالِقِينَ؛ إذْ خَلْقُهُ اخْتِراعٌ وإيجادٌ مِن عَدَمٍ، وخَلْقُ الإنْسانِ مَجازٌ، كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ... ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

الصافات 37:119

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَهَدَيْناهُما الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يُرِيدُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقَ الشَرْعِ والنُبُوءَةِ المُؤَدِّي إلى اللهِ تَعالى، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾. وإلْياسَ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ اللهِ تَعالى، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ مَسْعُودٍ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، بْنِ فِنْحاصَ، بْنِ العَيْزارَ، بْنِ هارُونَ، بْنِ عِمْرانَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن ولَدِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "وَإنَّ إلْياسَ"﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، وهو اسْمٌ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ. وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "وَإنَّ الياسَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِصِلَةِ الألِفِ، وذَلِكَ يَتَّجِهُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ حَذَفَ الهَمْزَةَ، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: [إنَّها لَحْدى الكُبَرِ]، أرادَ: لَإحْدى، فَنَزَّلَ المُنْفَصِلَ مَنزِلَةَ المُتَّصِلِ، كَما قَدْ يُنَزَّلُ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، وإمّا أنْ يَجْعَلَها الألِفَ الَّتِي تَصْحَبُ اللامَ لِلتَّعْرِيفِ، كاليَسَعَ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنَّ إيلِيسَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ وياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ، وكَذَلِكَ فِيهِ: [سَلامٌ عَلى إيلِيسَ]، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، "سَلامٌ عَلى آل ياسِينَ"، وقَرَأ الباقُونَ: "سَلامٌ عَلى إلْياسِينَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ، وجَعَلَها الحَسَنُ، وأبُو رَجاءَ مَوْصُولَةٌ، فَوَجْهُ الأُولى أنَّها - فِيما (p-٣٠٧)يَزْعُمُونَ - مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها بِمَعْنى "أهْلِ" و"ياسِينَ" اسْمٌ أيْضًا لِإلْياسَ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ووَجْهُ الثانِيَةِ أنَّهُ جَمْعُ إلْياسِي، كَما قالُوا: أعْجَمِيٌّ أعْجَمِيُّونَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والتَقْدِيرُ: إلْياسِيِّينَ، فَحُذِفَ كَما حُذِفَ مِن أعْجَمِيَّيْنِ، ونَحْوِهُ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ والنُمَيْرِيِّينَ والمُهَلَّبِيِّينَ، ونَحْوِهُ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ، ويُرْوى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبِينَ قَدِي بِكَسْرِ الباءِ الثانِيَةِ، نِسْبَةً إلى أبِي خُبَيْبٍ. ويُقالُ: سُمِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِن آلِ ياسِينَ إلْياسَ، كَما قالُوا: شابَتْ مَفارِقُهُ، فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ المَفْرِقِ مَفْرَقًا، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَمَلٌ ذُو عَثانِينَ"، وعَلى هَذا أنْشَدَ ابْنٌ جِنِّيٍّ: ؎ مَرَّتْ بِنا أوَّلَ مِن أُمُوسِ ∗∗∗ ∗∗∗ تَمِيسُ فِينا مِشْيَةَ العَرُوسِ (p-٣٠٨)فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أمْسٍ أمْسًا، ثُمَّ جُمِعَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يُسَلِّمْ عَلى آلِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ قَبْلُ، فَلِذَلِكَ تَرْجُحُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "إلْياسِينَ" إذْ هو اسْمٌ واحِدٌ لَهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ. والأعْمَشُ: "وَإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ" و"سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ"، وهي لُغَةٌ في "إدْرِيسَ" كَإبْراهِيمَ وإبْراهامَ. وقَوْلُهُ" ﴿ "أتَدْعُونَ"﴾ مَعْناهُ: أتَعْبُدُونَ؟ و"البَعْلُ": الرَبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةٍ، فَقالَ لَهُ آخَرُ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللهُ أكْبَرُ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا﴾. وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: البَعْلُ اسْمُ صَنَمٍ كانَ لَهُمْ، ولَهُ يُقالُ: بَعْلُ بَكْ، وإلَيْهِ نَسَبَ الناسُ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ عن فِرْقَةٍ أنَّ "بَعْلًا" اسْمُ امْرَأةٍ كانَتْ أتَتْهم بِضَلالَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ مِن حَيْثُ قِيلَ لِلْإنْسانِ عَلى التَجَوُّزِ: إنَّهُ يَخْلُقُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ تَعالى أحْسَنَ الخالِقِينَ؛ إذْ خَلْقُهُ اخْتِراعٌ وإيجادٌ مِن عَدَمٍ، وخَلْقُ الإنْسانِ مَجازٌ، كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ... ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

الصافات 37:120

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَهَدَيْناهُما الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يُرِيدُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقَ الشَرْعِ والنُبُوءَةِ المُؤَدِّي إلى اللهِ تَعالى، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾. وإلْياسَ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ اللهِ تَعالى، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ مَسْعُودٍ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، بْنِ فِنْحاصَ، بْنِ العَيْزارَ، بْنِ هارُونَ، بْنِ عِمْرانَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن ولَدِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "وَإنَّ إلْياسَ"﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، وهو اسْمٌ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ. وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "وَإنَّ الياسَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِصِلَةِ الألِفِ، وذَلِكَ يَتَّجِهُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ حَذَفَ الهَمْزَةَ، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: [إنَّها لَحْدى الكُبَرِ]، أرادَ: لَإحْدى، فَنَزَّلَ المُنْفَصِلَ مَنزِلَةَ المُتَّصِلِ، كَما قَدْ يُنَزَّلُ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، وإمّا أنْ يَجْعَلَها الألِفَ الَّتِي تَصْحَبُ اللامَ لِلتَّعْرِيفِ، كاليَسَعَ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنَّ إيلِيسَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ وياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ، وكَذَلِكَ فِيهِ: [سَلامٌ عَلى إيلِيسَ]، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، "سَلامٌ عَلى آل ياسِينَ"، وقَرَأ الباقُونَ: "سَلامٌ عَلى إلْياسِينَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ، وجَعَلَها الحَسَنُ، وأبُو رَجاءَ مَوْصُولَةٌ، فَوَجْهُ الأُولى أنَّها - فِيما (p-٣٠٧)يَزْعُمُونَ - مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها بِمَعْنى "أهْلِ" و"ياسِينَ" اسْمٌ أيْضًا لِإلْياسَ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ووَجْهُ الثانِيَةِ أنَّهُ جَمْعُ إلْياسِي، كَما قالُوا: أعْجَمِيٌّ أعْجَمِيُّونَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والتَقْدِيرُ: إلْياسِيِّينَ، فَحُذِفَ كَما حُذِفَ مِن أعْجَمِيَّيْنِ، ونَحْوِهُ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ والنُمَيْرِيِّينَ والمُهَلَّبِيِّينَ، ونَحْوِهُ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ، ويُرْوى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبِينَ قَدِي بِكَسْرِ الباءِ الثانِيَةِ، نِسْبَةً إلى أبِي خُبَيْبٍ. ويُقالُ: سُمِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِن آلِ ياسِينَ إلْياسَ، كَما قالُوا: شابَتْ مَفارِقُهُ، فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ المَفْرِقِ مَفْرَقًا، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَمَلٌ ذُو عَثانِينَ"، وعَلى هَذا أنْشَدَ ابْنٌ جِنِّيٍّ: ؎ مَرَّتْ بِنا أوَّلَ مِن أُمُوسِ ∗∗∗ ∗∗∗ تَمِيسُ فِينا مِشْيَةَ العَرُوسِ (p-٣٠٨)فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أمْسٍ أمْسًا، ثُمَّ جُمِعَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يُسَلِّمْ عَلى آلِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ قَبْلُ، فَلِذَلِكَ تَرْجُحُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "إلْياسِينَ" إذْ هو اسْمٌ واحِدٌ لَهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ. والأعْمَشُ: "وَإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ" و"سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ"، وهي لُغَةٌ في "إدْرِيسَ" كَإبْراهِيمَ وإبْراهامَ. وقَوْلُهُ" ﴿ "أتَدْعُونَ"﴾ مَعْناهُ: أتَعْبُدُونَ؟ و"البَعْلُ": الرَبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةٍ، فَقالَ لَهُ آخَرُ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللهُ أكْبَرُ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا﴾. وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: البَعْلُ اسْمُ صَنَمٍ كانَ لَهُمْ، ولَهُ يُقالُ: بَعْلُ بَكْ، وإلَيْهِ نَسَبَ الناسُ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ عن فِرْقَةٍ أنَّ "بَعْلًا" اسْمُ امْرَأةٍ كانَتْ أتَتْهم بِضَلالَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ مِن حَيْثُ قِيلَ لِلْإنْسانِ عَلى التَجَوُّزِ: إنَّهُ يَخْلُقُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ تَعالى أحْسَنَ الخالِقِينَ؛ إذْ خَلْقُهُ اخْتِراعٌ وإيجادٌ مِن عَدَمٍ، وخَلْقُ الإنْسانِ مَجازٌ، كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ... ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

الصافات 37:121

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَهَدَيْناهُما الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يُرِيدُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقَ الشَرْعِ والنُبُوءَةِ المُؤَدِّي إلى اللهِ تَعالى، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾. وإلْياسَ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ اللهِ تَعالى، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ مَسْعُودٍ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، بْنِ فِنْحاصَ، بْنِ العَيْزارَ، بْنِ هارُونَ، بْنِ عِمْرانَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن ولَدِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "وَإنَّ إلْياسَ"﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، وهو اسْمٌ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ. وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "وَإنَّ الياسَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِصِلَةِ الألِفِ، وذَلِكَ يَتَّجِهُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ حَذَفَ الهَمْزَةَ، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: [إنَّها لَحْدى الكُبَرِ]، أرادَ: لَإحْدى، فَنَزَّلَ المُنْفَصِلَ مَنزِلَةَ المُتَّصِلِ، كَما قَدْ يُنَزَّلُ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، وإمّا أنْ يَجْعَلَها الألِفَ الَّتِي تَصْحَبُ اللامَ لِلتَّعْرِيفِ، كاليَسَعَ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنَّ إيلِيسَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ وياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ، وكَذَلِكَ فِيهِ: [سَلامٌ عَلى إيلِيسَ]، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، "سَلامٌ عَلى آل ياسِينَ"، وقَرَأ الباقُونَ: "سَلامٌ عَلى إلْياسِينَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ، وجَعَلَها الحَسَنُ، وأبُو رَجاءَ مَوْصُولَةٌ، فَوَجْهُ الأُولى أنَّها - فِيما (p-٣٠٧)يَزْعُمُونَ - مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها بِمَعْنى "أهْلِ" و"ياسِينَ" اسْمٌ أيْضًا لِإلْياسَ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ووَجْهُ الثانِيَةِ أنَّهُ جَمْعُ إلْياسِي، كَما قالُوا: أعْجَمِيٌّ أعْجَمِيُّونَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والتَقْدِيرُ: إلْياسِيِّينَ، فَحُذِفَ كَما حُذِفَ مِن أعْجَمِيَّيْنِ، ونَحْوِهُ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ والنُمَيْرِيِّينَ والمُهَلَّبِيِّينَ، ونَحْوِهُ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ، ويُرْوى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبِينَ قَدِي بِكَسْرِ الباءِ الثانِيَةِ، نِسْبَةً إلى أبِي خُبَيْبٍ. ويُقالُ: سُمِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِن آلِ ياسِينَ إلْياسَ، كَما قالُوا: شابَتْ مَفارِقُهُ، فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ المَفْرِقِ مَفْرَقًا، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَمَلٌ ذُو عَثانِينَ"، وعَلى هَذا أنْشَدَ ابْنٌ جِنِّيٍّ: ؎ مَرَّتْ بِنا أوَّلَ مِن أُمُوسِ ∗∗∗ ∗∗∗ تَمِيسُ فِينا مِشْيَةَ العَرُوسِ (p-٣٠٨)فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أمْسٍ أمْسًا، ثُمَّ جُمِعَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يُسَلِّمْ عَلى آلِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ قَبْلُ، فَلِذَلِكَ تَرْجُحُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "إلْياسِينَ" إذْ هو اسْمٌ واحِدٌ لَهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ. والأعْمَشُ: "وَإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ" و"سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ"، وهي لُغَةٌ في "إدْرِيسَ" كَإبْراهِيمَ وإبْراهامَ. وقَوْلُهُ" ﴿ "أتَدْعُونَ"﴾ مَعْناهُ: أتَعْبُدُونَ؟ و"البَعْلُ": الرَبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةٍ، فَقالَ لَهُ آخَرُ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللهُ أكْبَرُ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا﴾. وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: البَعْلُ اسْمُ صَنَمٍ كانَ لَهُمْ، ولَهُ يُقالُ: بَعْلُ بَكْ، وإلَيْهِ نَسَبَ الناسُ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ عن فِرْقَةٍ أنَّ "بَعْلًا" اسْمُ امْرَأةٍ كانَتْ أتَتْهم بِضَلالَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ مِن حَيْثُ قِيلَ لِلْإنْسانِ عَلى التَجَوُّزِ: إنَّهُ يَخْلُقُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ تَعالى أحْسَنَ الخالِقِينَ؛ إذْ خَلْقُهُ اخْتِراعٌ وإيجادٌ مِن عَدَمٍ، وخَلْقُ الإنْسانِ مَجازٌ، كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ... ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

الصافات 37:122

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَهَدَيْناهُما الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يُرِيدُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقَ الشَرْعِ والنُبُوءَةِ المُؤَدِّي إلى اللهِ تَعالى، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾. وإلْياسَ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ اللهِ تَعالى، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ مَسْعُودٍ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، بْنِ فِنْحاصَ، بْنِ العَيْزارَ، بْنِ هارُونَ، بْنِ عِمْرانَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن ولَدِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "وَإنَّ إلْياسَ"﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، وهو اسْمٌ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ. وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "وَإنَّ الياسَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِصِلَةِ الألِفِ، وذَلِكَ يَتَّجِهُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ حَذَفَ الهَمْزَةَ، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: [إنَّها لَحْدى الكُبَرِ]، أرادَ: لَإحْدى، فَنَزَّلَ المُنْفَصِلَ مَنزِلَةَ المُتَّصِلِ، كَما قَدْ يُنَزَّلُ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، وإمّا أنْ يَجْعَلَها الألِفَ الَّتِي تَصْحَبُ اللامَ لِلتَّعْرِيفِ، كاليَسَعَ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنَّ إيلِيسَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ وياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ، وكَذَلِكَ فِيهِ: [سَلامٌ عَلى إيلِيسَ]، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، "سَلامٌ عَلى آل ياسِينَ"، وقَرَأ الباقُونَ: "سَلامٌ عَلى إلْياسِينَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ، وجَعَلَها الحَسَنُ، وأبُو رَجاءَ مَوْصُولَةٌ، فَوَجْهُ الأُولى أنَّها - فِيما (p-٣٠٧)يَزْعُمُونَ - مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها بِمَعْنى "أهْلِ" و"ياسِينَ" اسْمٌ أيْضًا لِإلْياسَ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ووَجْهُ الثانِيَةِ أنَّهُ جَمْعُ إلْياسِي، كَما قالُوا: أعْجَمِيٌّ أعْجَمِيُّونَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والتَقْدِيرُ: إلْياسِيِّينَ، فَحُذِفَ كَما حُذِفَ مِن أعْجَمِيَّيْنِ، ونَحْوِهُ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ والنُمَيْرِيِّينَ والمُهَلَّبِيِّينَ، ونَحْوِهُ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ، ويُرْوى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبِينَ قَدِي بِكَسْرِ الباءِ الثانِيَةِ، نِسْبَةً إلى أبِي خُبَيْبٍ. ويُقالُ: سُمِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِن آلِ ياسِينَ إلْياسَ، كَما قالُوا: شابَتْ مَفارِقُهُ، فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ المَفْرِقِ مَفْرَقًا، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَمَلٌ ذُو عَثانِينَ"، وعَلى هَذا أنْشَدَ ابْنٌ جِنِّيٍّ: ؎ مَرَّتْ بِنا أوَّلَ مِن أُمُوسِ ∗∗∗ ∗∗∗ تَمِيسُ فِينا مِشْيَةَ العَرُوسِ (p-٣٠٨)فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أمْسٍ أمْسًا، ثُمَّ جُمِعَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يُسَلِّمْ عَلى آلِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ قَبْلُ، فَلِذَلِكَ تَرْجُحُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "إلْياسِينَ" إذْ هو اسْمٌ واحِدٌ لَهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ. والأعْمَشُ: "وَإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ" و"سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ"، وهي لُغَةٌ في "إدْرِيسَ" كَإبْراهِيمَ وإبْراهامَ. وقَوْلُهُ" ﴿ "أتَدْعُونَ"﴾ مَعْناهُ: أتَعْبُدُونَ؟ و"البَعْلُ": الرَبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةٍ، فَقالَ لَهُ آخَرُ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللهُ أكْبَرُ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا﴾. وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: البَعْلُ اسْمُ صَنَمٍ كانَ لَهُمْ، ولَهُ يُقالُ: بَعْلُ بَكْ، وإلَيْهِ نَسَبَ الناسُ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ عن فِرْقَةٍ أنَّ "بَعْلًا" اسْمُ امْرَأةٍ كانَتْ أتَتْهم بِضَلالَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ مِن حَيْثُ قِيلَ لِلْإنْسانِ عَلى التَجَوُّزِ: إنَّهُ يَخْلُقُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ تَعالى أحْسَنَ الخالِقِينَ؛ إذْ خَلْقُهُ اخْتِراعٌ وإيجادٌ مِن عَدَمٍ، وخَلْقُ الإنْسانِ مَجازٌ، كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ... ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

الصافات 37:123

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَهَدَيْناهُما الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يُرِيدُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقَ الشَرْعِ والنُبُوءَةِ المُؤَدِّي إلى اللهِ تَعالى، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾. وإلْياسَ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ اللهِ تَعالى، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ مَسْعُودٍ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، بْنِ فِنْحاصَ، بْنِ العَيْزارَ، بْنِ هارُونَ، بْنِ عِمْرانَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن ولَدِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "وَإنَّ إلْياسَ"﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، وهو اسْمٌ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ. وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "وَإنَّ الياسَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِصِلَةِ الألِفِ، وذَلِكَ يَتَّجِهُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ حَذَفَ الهَمْزَةَ، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: [إنَّها لَحْدى الكُبَرِ]، أرادَ: لَإحْدى، فَنَزَّلَ المُنْفَصِلَ مَنزِلَةَ المُتَّصِلِ، كَما قَدْ يُنَزَّلُ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، وإمّا أنْ يَجْعَلَها الألِفَ الَّتِي تَصْحَبُ اللامَ لِلتَّعْرِيفِ، كاليَسَعَ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنَّ إيلِيسَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ وياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ، وكَذَلِكَ فِيهِ: [سَلامٌ عَلى إيلِيسَ]، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، "سَلامٌ عَلى آل ياسِينَ"، وقَرَأ الباقُونَ: "سَلامٌ عَلى إلْياسِينَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ، وجَعَلَها الحَسَنُ، وأبُو رَجاءَ مَوْصُولَةٌ، فَوَجْهُ الأُولى أنَّها - فِيما (p-٣٠٧)يَزْعُمُونَ - مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها بِمَعْنى "أهْلِ" و"ياسِينَ" اسْمٌ أيْضًا لِإلْياسَ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ووَجْهُ الثانِيَةِ أنَّهُ جَمْعُ إلْياسِي، كَما قالُوا: أعْجَمِيٌّ أعْجَمِيُّونَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والتَقْدِيرُ: إلْياسِيِّينَ، فَحُذِفَ كَما حُذِفَ مِن أعْجَمِيَّيْنِ، ونَحْوِهُ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ والنُمَيْرِيِّينَ والمُهَلَّبِيِّينَ، ونَحْوِهُ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ، ويُرْوى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبِينَ قَدِي بِكَسْرِ الباءِ الثانِيَةِ، نِسْبَةً إلى أبِي خُبَيْبٍ. ويُقالُ: سُمِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِن آلِ ياسِينَ إلْياسَ، كَما قالُوا: شابَتْ مَفارِقُهُ، فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ المَفْرِقِ مَفْرَقًا، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَمَلٌ ذُو عَثانِينَ"، وعَلى هَذا أنْشَدَ ابْنٌ جِنِّيٍّ: ؎ مَرَّتْ بِنا أوَّلَ مِن أُمُوسِ ∗∗∗ ∗∗∗ تَمِيسُ فِينا مِشْيَةَ العَرُوسِ (p-٣٠٨)فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أمْسٍ أمْسًا، ثُمَّ جُمِعَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يُسَلِّمْ عَلى آلِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ قَبْلُ، فَلِذَلِكَ تَرْجُحُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "إلْياسِينَ" إذْ هو اسْمٌ واحِدٌ لَهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ. والأعْمَشُ: "وَإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ" و"سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ"، وهي لُغَةٌ في "إدْرِيسَ" كَإبْراهِيمَ وإبْراهامَ. وقَوْلُهُ" ﴿ "أتَدْعُونَ"﴾ مَعْناهُ: أتَعْبُدُونَ؟ و"البَعْلُ": الرَبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةٍ، فَقالَ لَهُ آخَرُ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللهُ أكْبَرُ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا﴾. وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: البَعْلُ اسْمُ صَنَمٍ كانَ لَهُمْ، ولَهُ يُقالُ: بَعْلُ بَكْ، وإلَيْهِ نَسَبَ الناسُ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ عن فِرْقَةٍ أنَّ "بَعْلًا" اسْمُ امْرَأةٍ كانَتْ أتَتْهم بِضَلالَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ مِن حَيْثُ قِيلَ لِلْإنْسانِ عَلى التَجَوُّزِ: إنَّهُ يَخْلُقُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ تَعالى أحْسَنَ الخالِقِينَ؛ إذْ خَلْقُهُ اخْتِراعٌ وإيجادٌ مِن عَدَمٍ، وخَلْقُ الإنْسانِ مَجازٌ، كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ... ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

الصافات 37:124

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَهَدَيْناهُما الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يُرِيدُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقَ الشَرْعِ والنُبُوءَةِ المُؤَدِّي إلى اللهِ تَعالى، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾. وإلْياسَ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ اللهِ تَعالى، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ مَسْعُودٍ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، بْنِ فِنْحاصَ، بْنِ العَيْزارَ، بْنِ هارُونَ، بْنِ عِمْرانَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن ولَدِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "وَإنَّ إلْياسَ"﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، وهو اسْمٌ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ. وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "وَإنَّ الياسَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِصِلَةِ الألِفِ، وذَلِكَ يَتَّجِهُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ حَذَفَ الهَمْزَةَ، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: [إنَّها لَحْدى الكُبَرِ]، أرادَ: لَإحْدى، فَنَزَّلَ المُنْفَصِلَ مَنزِلَةَ المُتَّصِلِ، كَما قَدْ يُنَزَّلُ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، وإمّا أنْ يَجْعَلَها الألِفَ الَّتِي تَصْحَبُ اللامَ لِلتَّعْرِيفِ، كاليَسَعَ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنَّ إيلِيسَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ وياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ، وكَذَلِكَ فِيهِ: [سَلامٌ عَلى إيلِيسَ]، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، "سَلامٌ عَلى آل ياسِينَ"، وقَرَأ الباقُونَ: "سَلامٌ عَلى إلْياسِينَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ، وجَعَلَها الحَسَنُ، وأبُو رَجاءَ مَوْصُولَةٌ، فَوَجْهُ الأُولى أنَّها - فِيما (p-٣٠٧)يَزْعُمُونَ - مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها بِمَعْنى "أهْلِ" و"ياسِينَ" اسْمٌ أيْضًا لِإلْياسَ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ووَجْهُ الثانِيَةِ أنَّهُ جَمْعُ إلْياسِي، كَما قالُوا: أعْجَمِيٌّ أعْجَمِيُّونَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والتَقْدِيرُ: إلْياسِيِّينَ، فَحُذِفَ كَما حُذِفَ مِن أعْجَمِيَّيْنِ، ونَحْوِهُ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ والنُمَيْرِيِّينَ والمُهَلَّبِيِّينَ، ونَحْوِهُ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ، ويُرْوى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبِينَ قَدِي بِكَسْرِ الباءِ الثانِيَةِ، نِسْبَةً إلى أبِي خُبَيْبٍ. ويُقالُ: سُمِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِن آلِ ياسِينَ إلْياسَ، كَما قالُوا: شابَتْ مَفارِقُهُ، فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ المَفْرِقِ مَفْرَقًا، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَمَلٌ ذُو عَثانِينَ"، وعَلى هَذا أنْشَدَ ابْنٌ جِنِّيٍّ: ؎ مَرَّتْ بِنا أوَّلَ مِن أُمُوسِ ∗∗∗ ∗∗∗ تَمِيسُ فِينا مِشْيَةَ العَرُوسِ (p-٣٠٨)فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أمْسٍ أمْسًا، ثُمَّ جُمِعَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يُسَلِّمْ عَلى آلِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ قَبْلُ، فَلِذَلِكَ تَرْجُحُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "إلْياسِينَ" إذْ هو اسْمٌ واحِدٌ لَهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ. والأعْمَشُ: "وَإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ" و"سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ"، وهي لُغَةٌ في "إدْرِيسَ" كَإبْراهِيمَ وإبْراهامَ. وقَوْلُهُ" ﴿ "أتَدْعُونَ"﴾ مَعْناهُ: أتَعْبُدُونَ؟ و"البَعْلُ": الرَبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةٍ، فَقالَ لَهُ آخَرُ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللهُ أكْبَرُ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا﴾. وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: البَعْلُ اسْمُ صَنَمٍ كانَ لَهُمْ، ولَهُ يُقالُ: بَعْلُ بَكْ، وإلَيْهِ نَسَبَ الناسُ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ عن فِرْقَةٍ أنَّ "بَعْلًا" اسْمُ امْرَأةٍ كانَتْ أتَتْهم بِضَلالَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ مِن حَيْثُ قِيلَ لِلْإنْسانِ عَلى التَجَوُّزِ: إنَّهُ يَخْلُقُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ تَعالى أحْسَنَ الخالِقِينَ؛ إذْ خَلْقُهُ اخْتِراعٌ وإيجادٌ مِن عَدَمٍ، وخَلْقُ الإنْسانِ مَجازٌ، كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ... ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

الصافات 37:125

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَهَدَيْناهُما الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يُرِيدُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقَ الشَرْعِ والنُبُوءَةِ المُؤَدِّي إلى اللهِ تَعالى، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾. وإلْياسَ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ اللهِ تَعالى، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ مَسْعُودٍ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، بْنِ فِنْحاصَ، بْنِ العَيْزارَ، بْنِ هارُونَ، بْنِ عِمْرانَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن ولَدِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "وَإنَّ إلْياسَ"﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، وهو اسْمٌ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ. وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "وَإنَّ الياسَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِصِلَةِ الألِفِ، وذَلِكَ يَتَّجِهُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ حَذَفَ الهَمْزَةَ، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: [إنَّها لَحْدى الكُبَرِ]، أرادَ: لَإحْدى، فَنَزَّلَ المُنْفَصِلَ مَنزِلَةَ المُتَّصِلِ، كَما قَدْ يُنَزَّلُ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، وإمّا أنْ يَجْعَلَها الألِفَ الَّتِي تَصْحَبُ اللامَ لِلتَّعْرِيفِ، كاليَسَعَ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنَّ إيلِيسَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ وياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ، وكَذَلِكَ فِيهِ: [سَلامٌ عَلى إيلِيسَ]، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، "سَلامٌ عَلى آل ياسِينَ"، وقَرَأ الباقُونَ: "سَلامٌ عَلى إلْياسِينَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ، وجَعَلَها الحَسَنُ، وأبُو رَجاءَ مَوْصُولَةٌ، فَوَجْهُ الأُولى أنَّها - فِيما (p-٣٠٧)يَزْعُمُونَ - مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها بِمَعْنى "أهْلِ" و"ياسِينَ" اسْمٌ أيْضًا لِإلْياسَ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ووَجْهُ الثانِيَةِ أنَّهُ جَمْعُ إلْياسِي، كَما قالُوا: أعْجَمِيٌّ أعْجَمِيُّونَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والتَقْدِيرُ: إلْياسِيِّينَ، فَحُذِفَ كَما حُذِفَ مِن أعْجَمِيَّيْنِ، ونَحْوِهُ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ والنُمَيْرِيِّينَ والمُهَلَّبِيِّينَ، ونَحْوِهُ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ، ويُرْوى قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبِينَ قَدِي بِكَسْرِ الباءِ الثانِيَةِ، نِسْبَةً إلى أبِي خُبَيْبٍ. ويُقالُ: سُمِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِن آلِ ياسِينَ إلْياسَ، كَما قالُوا: شابَتْ مَفارِقُهُ، فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ المَفْرِقِ مَفْرَقًا، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَمَلٌ ذُو عَثانِينَ"، وعَلى هَذا أنْشَدَ ابْنٌ جِنِّيٍّ: ؎ مَرَّتْ بِنا أوَّلَ مِن أُمُوسِ ∗∗∗ ∗∗∗ تَمِيسُ فِينا مِشْيَةَ العَرُوسِ (p-٣٠٨)فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أمْسٍ أمْسًا، ثُمَّ جُمِعَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يُسَلِّمْ عَلى آلِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ قَبْلُ، فَلِذَلِكَ تَرْجُحُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "إلْياسِينَ" إذْ هو اسْمٌ واحِدٌ لَهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ. والأعْمَشُ: "وَإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ" و"سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ"، وهي لُغَةٌ في "إدْرِيسَ" كَإبْراهِيمَ وإبْراهامَ. وقَوْلُهُ" ﴿ "أتَدْعُونَ"﴾ مَعْناهُ: أتَعْبُدُونَ؟ و"البَعْلُ": الرَبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةٍ، فَقالَ لَهُ آخَرُ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللهُ أكْبَرُ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا﴾. وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: البَعْلُ اسْمُ صَنَمٍ كانَ لَهُمْ، ولَهُ يُقالُ: بَعْلُ بَكْ، وإلَيْهِ نَسَبَ الناسُ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ عن فِرْقَةٍ أنَّ "بَعْلًا" اسْمُ امْرَأةٍ كانَتْ أتَتْهم بِضَلالَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ مِن حَيْثُ قِيلَ لِلْإنْسانِ عَلى التَجَوُّزِ: إنَّهُ يَخْلُقُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ تَعالى أحْسَنَ الخالِقِينَ؛ إذْ خَلْقُهُ اخْتِراعٌ وإيجادٌ مِن عَدَمٍ، وخَلْقُ الإنْسانِ مَجازٌ، كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ... ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

الصافات 37:126

قوله عزّ وجلّ: ﴿اللهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (p-٣٠٩)قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ الجَمِيعِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "أحْسَنَ"، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ أيْضًا بِرَفْعِهِمْ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ. والضَمِيرُ في "كَذَّبُوهُ" عائِدٌ عَلى قَوْمِ إلْياسَ. و"مُحْضَرُونَ" مَعْناهُ: مُجْمَعُونَ لِعَذابِ اللهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾. ولُوطٌ، قِيلَ: هو ابْنُ أُخْتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ بِكامِلِها، وامْرَأتُهُ هي العَجُوزُ المُهْلَكَةُ، وكانَتْ كافِرَةً، فَإمّا كانَتْ مُتَسَتِّرَةً مِنهُ وإمّا كانَتْ مُعْلِنَةً، وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ والإقامَةُ عَلَيْهِنَّ جائِزًا. و"الغابِرُونَ": الباقُونَ، غَبَرَ بِمَعْنى: بَقِيَ، ومَعْناهُ ها هُنا: بَقِيَتْ في الهَلاكِ. ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا، أو هو عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ في الصَباحِ وبِاللَيْلِ، فَواجِبٌ أنْ يَقَعَ اعْتِبارُكم ونَظَرُكُمْ، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾.

الصافات 37:127

قوله عزّ وجلّ: ﴿اللهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (p-٣٠٩)قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ الجَمِيعِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "أحْسَنَ"، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ أيْضًا بِرَفْعِهِمْ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ. والضَمِيرُ في "كَذَّبُوهُ" عائِدٌ عَلى قَوْمِ إلْياسَ. و"مُحْضَرُونَ" مَعْناهُ: مُجْمَعُونَ لِعَذابِ اللهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾. ولُوطٌ، قِيلَ: هو ابْنُ أُخْتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ بِكامِلِها، وامْرَأتُهُ هي العَجُوزُ المُهْلَكَةُ، وكانَتْ كافِرَةً، فَإمّا كانَتْ مُتَسَتِّرَةً مِنهُ وإمّا كانَتْ مُعْلِنَةً، وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ والإقامَةُ عَلَيْهِنَّ جائِزًا. و"الغابِرُونَ": الباقُونَ، غَبَرَ بِمَعْنى: بَقِيَ، ومَعْناهُ ها هُنا: بَقِيَتْ في الهَلاكِ. ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا، أو هو عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ في الصَباحِ وبِاللَيْلِ، فَواجِبٌ أنْ يَقَعَ اعْتِبارُكم ونَظَرُكُمْ، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾.

الصافات 37:128

قوله عزّ وجلّ: ﴿اللهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (p-٣٠٩)قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ الجَمِيعِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "أحْسَنَ"، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ أيْضًا بِرَفْعِهِمْ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ. والضَمِيرُ في "كَذَّبُوهُ" عائِدٌ عَلى قَوْمِ إلْياسَ. و"مُحْضَرُونَ" مَعْناهُ: مُجْمَعُونَ لِعَذابِ اللهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾. ولُوطٌ، قِيلَ: هو ابْنُ أُخْتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ بِكامِلِها، وامْرَأتُهُ هي العَجُوزُ المُهْلَكَةُ، وكانَتْ كافِرَةً، فَإمّا كانَتْ مُتَسَتِّرَةً مِنهُ وإمّا كانَتْ مُعْلِنَةً، وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ والإقامَةُ عَلَيْهِنَّ جائِزًا. و"الغابِرُونَ": الباقُونَ، غَبَرَ بِمَعْنى: بَقِيَ، ومَعْناهُ ها هُنا: بَقِيَتْ في الهَلاكِ. ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا، أو هو عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ في الصَباحِ وبِاللَيْلِ، فَواجِبٌ أنْ يَقَعَ اعْتِبارُكم ونَظَرُكُمْ، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾.

الصافات 37:129

قوله عزّ وجلّ: ﴿اللهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (p-٣٠٩)قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ الجَمِيعِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "أحْسَنَ"، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ أيْضًا بِرَفْعِهِمْ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ. والضَمِيرُ في "كَذَّبُوهُ" عائِدٌ عَلى قَوْمِ إلْياسَ. و"مُحْضَرُونَ" مَعْناهُ: مُجْمَعُونَ لِعَذابِ اللهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾. ولُوطٌ، قِيلَ: هو ابْنُ أُخْتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ بِكامِلِها، وامْرَأتُهُ هي العَجُوزُ المُهْلَكَةُ، وكانَتْ كافِرَةً، فَإمّا كانَتْ مُتَسَتِّرَةً مِنهُ وإمّا كانَتْ مُعْلِنَةً، وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ والإقامَةُ عَلَيْهِنَّ جائِزًا. و"الغابِرُونَ": الباقُونَ، غَبَرَ بِمَعْنى: بَقِيَ، ومَعْناهُ ها هُنا: بَقِيَتْ في الهَلاكِ. ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا، أو هو عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ في الصَباحِ وبِاللَيْلِ، فَواجِبٌ أنْ يَقَعَ اعْتِبارُكم ونَظَرُكُمْ، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾.

الصافات 37:130

قوله عزّ وجلّ: ﴿اللهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (p-٣٠٩)قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ الجَمِيعِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "أحْسَنَ"، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ أيْضًا بِرَفْعِهِمْ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ. والضَمِيرُ في "كَذَّبُوهُ" عائِدٌ عَلى قَوْمِ إلْياسَ. و"مُحْضَرُونَ" مَعْناهُ: مُجْمَعُونَ لِعَذابِ اللهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾. ولُوطٌ، قِيلَ: هو ابْنُ أُخْتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ بِكامِلِها، وامْرَأتُهُ هي العَجُوزُ المُهْلَكَةُ، وكانَتْ كافِرَةً، فَإمّا كانَتْ مُتَسَتِّرَةً مِنهُ وإمّا كانَتْ مُعْلِنَةً، وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ والإقامَةُ عَلَيْهِنَّ جائِزًا. و"الغابِرُونَ": الباقُونَ، غَبَرَ بِمَعْنى: بَقِيَ، ومَعْناهُ ها هُنا: بَقِيَتْ في الهَلاكِ. ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا، أو هو عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ في الصَباحِ وبِاللَيْلِ، فَواجِبٌ أنْ يَقَعَ اعْتِبارُكم ونَظَرُكُمْ، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾.

الصافات 37:131

قوله عزّ وجلّ: ﴿اللهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (p-٣٠٩)قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ الجَمِيعِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "أحْسَنَ"، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ أيْضًا بِرَفْعِهِمْ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ. والضَمِيرُ في "كَذَّبُوهُ" عائِدٌ عَلى قَوْمِ إلْياسَ. و"مُحْضَرُونَ" مَعْناهُ: مُجْمَعُونَ لِعَذابِ اللهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾. ولُوطٌ، قِيلَ: هو ابْنُ أُخْتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ بِكامِلِها، وامْرَأتُهُ هي العَجُوزُ المُهْلَكَةُ، وكانَتْ كافِرَةً، فَإمّا كانَتْ مُتَسَتِّرَةً مِنهُ وإمّا كانَتْ مُعْلِنَةً، وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ والإقامَةُ عَلَيْهِنَّ جائِزًا. و"الغابِرُونَ": الباقُونَ، غَبَرَ بِمَعْنى: بَقِيَ، ومَعْناهُ ها هُنا: بَقِيَتْ في الهَلاكِ. ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا، أو هو عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ في الصَباحِ وبِاللَيْلِ، فَواجِبٌ أنْ يَقَعَ اعْتِبارُكم ونَظَرُكُمْ، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾.

الصافات 37:132

قوله عزّ وجلّ: ﴿اللهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (p-٣٠٩)قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ الجَمِيعِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "أحْسَنَ"، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ أيْضًا بِرَفْعِهِمْ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ. والضَمِيرُ في "كَذَّبُوهُ" عائِدٌ عَلى قَوْمِ إلْياسَ. و"مُحْضَرُونَ" مَعْناهُ: مُجْمَعُونَ لِعَذابِ اللهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾. ولُوطٌ، قِيلَ: هو ابْنُ أُخْتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ بِكامِلِها، وامْرَأتُهُ هي العَجُوزُ المُهْلَكَةُ، وكانَتْ كافِرَةً، فَإمّا كانَتْ مُتَسَتِّرَةً مِنهُ وإمّا كانَتْ مُعْلِنَةً، وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ والإقامَةُ عَلَيْهِنَّ جائِزًا. و"الغابِرُونَ": الباقُونَ، غَبَرَ بِمَعْنى: بَقِيَ، ومَعْناهُ ها هُنا: بَقِيَتْ في الهَلاكِ. ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا، أو هو عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ في الصَباحِ وبِاللَيْلِ، فَواجِبٌ أنْ يَقَعَ اعْتِبارُكم ونَظَرُكُمْ، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾.

الصافات 37:133

قوله عزّ وجلّ: ﴿اللهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (p-٣٠٩)قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ الجَمِيعِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "أحْسَنَ"، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ أيْضًا بِرَفْعِهِمْ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ. والضَمِيرُ في "كَذَّبُوهُ" عائِدٌ عَلى قَوْمِ إلْياسَ. و"مُحْضَرُونَ" مَعْناهُ: مُجْمَعُونَ لِعَذابِ اللهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾. ولُوطٌ، قِيلَ: هو ابْنُ أُخْتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ بِكامِلِها، وامْرَأتُهُ هي العَجُوزُ المُهْلَكَةُ، وكانَتْ كافِرَةً، فَإمّا كانَتْ مُتَسَتِّرَةً مِنهُ وإمّا كانَتْ مُعْلِنَةً، وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ والإقامَةُ عَلَيْهِنَّ جائِزًا. و"الغابِرُونَ": الباقُونَ، غَبَرَ بِمَعْنى: بَقِيَ، ومَعْناهُ ها هُنا: بَقِيَتْ في الهَلاكِ. ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا، أو هو عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ في الصَباحِ وبِاللَيْلِ، فَواجِبٌ أنْ يَقَعَ اعْتِبارُكم ونَظَرُكُمْ، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾.

الصافات 37:134

قوله عزّ وجلّ: ﴿اللهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (p-٣٠٩)قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ الجَمِيعِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "أحْسَنَ"، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ أيْضًا بِرَفْعِهِمْ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ. والضَمِيرُ في "كَذَّبُوهُ" عائِدٌ عَلى قَوْمِ إلْياسَ. و"مُحْضَرُونَ" مَعْناهُ: مُجْمَعُونَ لِعَذابِ اللهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾. ولُوطٌ، قِيلَ: هو ابْنُ أُخْتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ بِكامِلِها، وامْرَأتُهُ هي العَجُوزُ المُهْلَكَةُ، وكانَتْ كافِرَةً، فَإمّا كانَتْ مُتَسَتِّرَةً مِنهُ وإمّا كانَتْ مُعْلِنَةً، وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ والإقامَةُ عَلَيْهِنَّ جائِزًا. و"الغابِرُونَ": الباقُونَ، غَبَرَ بِمَعْنى: بَقِيَ، ومَعْناهُ ها هُنا: بَقِيَتْ في الهَلاكِ. ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا، أو هو عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ في الصَباحِ وبِاللَيْلِ، فَواجِبٌ أنْ يَقَعَ اعْتِبارُكم ونَظَرُكُمْ، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾.

الصافات 37:135

قوله عزّ وجلّ: ﴿اللهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (p-٣٠٩)قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ الجَمِيعِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "أحْسَنَ"، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ أيْضًا بِرَفْعِهِمْ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ. والضَمِيرُ في "كَذَّبُوهُ" عائِدٌ عَلى قَوْمِ إلْياسَ. و"مُحْضَرُونَ" مَعْناهُ: مُجْمَعُونَ لِعَذابِ اللهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾. ولُوطٌ، قِيلَ: هو ابْنُ أُخْتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ بِكامِلِها، وامْرَأتُهُ هي العَجُوزُ المُهْلَكَةُ، وكانَتْ كافِرَةً، فَإمّا كانَتْ مُتَسَتِّرَةً مِنهُ وإمّا كانَتْ مُعْلِنَةً، وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ والإقامَةُ عَلَيْهِنَّ جائِزًا. و"الغابِرُونَ": الباقُونَ، غَبَرَ بِمَعْنى: بَقِيَ، ومَعْناهُ ها هُنا: بَقِيَتْ في الهَلاكِ. ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا، أو هو عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ في الصَباحِ وبِاللَيْلِ، فَواجِبٌ أنْ يَقَعَ اعْتِبارُكم ونَظَرُكُمْ، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾.

الصافات 37:136

قوله عزّ وجلّ: ﴿اللهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (p-٣٠٩)قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ الجَمِيعِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "أحْسَنَ"، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ أيْضًا بِرَفْعِهِمْ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ. والضَمِيرُ في "كَذَّبُوهُ" عائِدٌ عَلى قَوْمِ إلْياسَ. و"مُحْضَرُونَ" مَعْناهُ: مُجْمَعُونَ لِعَذابِ اللهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾. ولُوطٌ، قِيلَ: هو ابْنُ أُخْتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ بِكامِلِها، وامْرَأتُهُ هي العَجُوزُ المُهْلَكَةُ، وكانَتْ كافِرَةً، فَإمّا كانَتْ مُتَسَتِّرَةً مِنهُ وإمّا كانَتْ مُعْلِنَةً، وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ والإقامَةُ عَلَيْهِنَّ جائِزًا. و"الغابِرُونَ": الباقُونَ، غَبَرَ بِمَعْنى: بَقِيَ، ومَعْناهُ ها هُنا: بَقِيَتْ في الهَلاكِ. ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا، أو هو عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ في الصَباحِ وبِاللَيْلِ، فَواجِبٌ أنْ يَقَعَ اعْتِبارُكم ونَظَرُكُمْ، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾.

الصافات 37:137

قوله عزّ وجلّ: ﴿اللهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (p-٣٠٩)قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ الجَمِيعِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "أحْسَنَ"، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ أيْضًا بِرَفْعِهِمْ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ. والضَمِيرُ في "كَذَّبُوهُ" عائِدٌ عَلى قَوْمِ إلْياسَ. و"مُحْضَرُونَ" مَعْناهُ: مُجْمَعُونَ لِعَذابِ اللهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾. ولُوطٌ، قِيلَ: هو ابْنُ أُخْتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ بِكامِلِها، وامْرَأتُهُ هي العَجُوزُ المُهْلَكَةُ، وكانَتْ كافِرَةً، فَإمّا كانَتْ مُتَسَتِّرَةً مِنهُ وإمّا كانَتْ مُعْلِنَةً، وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ والإقامَةُ عَلَيْهِنَّ جائِزًا. و"الغابِرُونَ": الباقُونَ، غَبَرَ بِمَعْنى: بَقِيَ، ومَعْناهُ ها هُنا: بَقِيَتْ في الهَلاكِ. ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا، أو هو عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ في الصَباحِ وبِاللَيْلِ، فَواجِبٌ أنْ يَقَعَ اعْتِبارُكم ونَظَرُكُمْ، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾.

الصافات 37:138

قوله عزّ وجلّ: ﴿اللهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (p-٣٠٩)قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ الجَمِيعِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "أحْسَنَ"، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ أيْضًا بِرَفْعِهِمْ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ. والضَمِيرُ في "كَذَّبُوهُ" عائِدٌ عَلى قَوْمِ إلْياسَ. و"مُحْضَرُونَ" مَعْناهُ: مُجْمَعُونَ لِعَذابِ اللهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾. ولُوطٌ، قِيلَ: هو ابْنُ أُخْتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ بِكامِلِها، وامْرَأتُهُ هي العَجُوزُ المُهْلَكَةُ، وكانَتْ كافِرَةً، فَإمّا كانَتْ مُتَسَتِّرَةً مِنهُ وإمّا كانَتْ مُعْلِنَةً، وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ والإقامَةُ عَلَيْهِنَّ جائِزًا. و"الغابِرُونَ": الباقُونَ، غَبَرَ بِمَعْنى: بَقِيَ، ومَعْناهُ ها هُنا: بَقِيَتْ في الهَلاكِ. ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا، أو هو عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ في الصَباحِ وبِاللَيْلِ، فَواجِبٌ أنْ يَقَعَ اعْتِبارُكم ونَظَرُكُمْ، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾.

الصافات 37:139

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ هُوَ يُونُسُ بْنُ مَتّى عَلَيْهِ السَلامُ، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ أنَّهُ تَنَبَّأ ابْنُ ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً فَتَفَسَّخَ تَحْتَ أعْباءِ النُبُوَّةِ كَما يَتَفَسَّخُ الرِبْعُ تَحْتَ الحِمْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، ولَكِنْ نَذْكُرُ مِنها ما تُفْهَمُ بِهِ هَذِهِ الألْفاظُ. فَرُوِيَ أنَّ اللهَ بَعَثَهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم مَرَّةً فَخالَفُوهُ فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، وأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى بِيَوْمِهِ فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهُمْ، ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا فَتابَ اللهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عنهُمْ، وكانَ في هَذا تَجْرِبَةً لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَحِقَتْ يُونُسَ غَضْبَةٌ، ويُرْوى أنَّهُ كانَ في سِيرَتِهِمْ أنْ يَقْتُلُوا الكَذّابَ إذا لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَخافَهم يُونُسُ وغَضِبَ مَعَ ذَلِكَ، فَأبَقَ إلى الفُلْكِ، أيْ أرادَ الهُرُوبَ ودَخْلَ في البَحْرِ، وعَبَّرَ عن هُرُوبِهِ بِالإباقِ، مِن حَيْثُ هو عَبْدُ اللهِ فَرَّ عن غَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ، فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الإباقِ، و"الفُلْكُ" في هَذا المَوْضِعِ واحِدٌ، و"المَشْحُونُ": المُوقَرُ، (p-٣١٠)وَهُنا قَصَصٌ مَحْذُوفٌ إيجازًا واخْتِصارًا. ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا حَصَلَ في السَفِينَةِ وأبْعَدَتْ وكَدَتْ ولَمْ تَجْرِ والسُفُنُ تَجْرِي يَمِينًا وشِمالًا، فَقالَ أهْلُ السَفِينَةِ: إنَّ فِينا لَصاحِبَ ذَنْبٍ وبِهِ يَحْبِسُنا اللهُ، فَقالُوا: لِنَقْتَرِعْ، فَأخَذُوا لِكُلِّ أحَدٍ سَهْمًا، وقالُوا: اللهُمَّ لْيَطْفُ سَهْمُ المُذْنِبِ ولْيَغْرَقْ سِهامُ الغَيْرِ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ، فَفَعَلُوا نَحْوَ هَذا ثَلاثَ مَرّاتٍ في كُلِّ مَرَّةٍ تَقَعُ القُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأزْمَعُوا مَعَهُ عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ، فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ السَفِينَةِ لِيَقَعَ مِنهُ فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُهُ، فَدَفَعَ إلى الرُكْنِ الآخَرِ فَوَجَدَها كَذَلِكَ، حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكِبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ، ورُوِيَ أنَّما التَقَمَتْهُ بَعْدَ أنْ وقَعَ في الماءِ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ أوحى إلى الحُوتِ أنِّي لَمْ أجْعَلْ يُونُسَ لَكَ رِزْقًا، وإنَّما جَعَلْتُ بَطْنَكَ لَهُ حِرْزًا وسِجْنًا، فَهَذا مَعْنى ﴿ "فَساهَمَ"،﴾ أيْ: قارَعَ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ. و"المُدْحَضُ": الزاهِقُ المَغْلُوبُ في مُحاجَّةٍ أو مُساهَمَةٍ أو مُسابَقَةٍ. ومِنهُ: الحُجَّةُ الداحِضَةُ، و"المُلِيمُ": الَّذِي أتى ما يُلامُ عَلَيْهِ، يُقالُ: ألامَ الرَجُلُ دَخَلَ في اللَوْمِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ سَفَهًا عَذَلْتِ ولُمْتِ غَيْرَ مُلِيمِ ∗∗∗ وهَداكِ قَبْلَ اليَوْمِ غَيْرُ حَكِيمِ ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن بَطْنِ الحُوتِ بَعْدَ مُدَّةٍ واخْتَلَفَ الناسُ فِيها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ سَبْعِ ساعاتٍ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقالَ أبُو مالِكٍ، والسُدِّيُّ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ بَلَغَهُ. وجَعَلَ تَعالى عِلَّةَ اسْتِنْقاذِهِ مَعَ القُدْرَةِ (p-٣١١)السابِقَةِ تَسْبِيحَهُ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ في بَطْنِ الحُوتِ: سُبْحانَ اللهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ التَسْبِيحُ وصَلاةُ التَطَوُّعِ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ، فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ: صِلاتُهُ في وقْتِ الرَخاءِ نَفَعَتْهُ في وقْتِ الشِدَّةِ، وقالَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ الضَحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ ذاكِرًا فَلَمّا أصابَتْهُ الشِدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ طاغِيًا باغِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: آمَنتُ فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، فاذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ. وقالَ قَتادَةُ في الحِكْمَةِ: إنَّ العَمَلَ يَرْفَعُ صاحِبَهُ إذا عَثَرَ، فَإذا صُرِعَ وجَدَ مُتَّكَأً، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: كانَتْ سُبْحَتُهُ صَلاةً في بَطْنِ الحُوتِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ ويَقُولُ: يا رَبِّ لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنِهِ أحَدٌ قَبْلِي، ويُصَلِّي، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ يُونُسَ حِينَ نادى في الظُلُماتِ ارْتَفَعَ نِداؤُهُ إلى العَرْشِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: هَذا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مِن مَوْضِعِ غُرْبَةٍ، فَقالَ: هَذا عَبْدِييُونُسُ، فَأجابَ اللهُ دَعْوَتَهُ".» وذَكَرَ الحَدِيثَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وكَتَبَ الناسُ في هَذا القَصَصِ بِما اخْتَصَرْناهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ، ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ مَشى بِهِ في البِحارِ كُلِّها حَتّى قَذَفَهُ في نَصِيبَيْنِ مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ، فَنَبَذَهُ اللهُ في عَراءٍ مِنَ الأرْضِ، وهو الأرْضُ الفَيْحاءُ الَّتِي لا شَجَرَ فِيها ولا مَعْلَمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٣١٢) ؎ رَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: إنَّهُ كانَ كالطِفْلِ المَنفُوسِ، بِضْعَةُ لَحْمٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ كاللَحْمِ النَيِّءِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِن خَلْقِهُ شَيْءٌ، فَأنْعَشَهُ اللهُ في ظِلِّ اليَقْطِينَةِ بِلَبَنِ أُرْوِيَةٍ كانَتْ تُغادِيهِ وتُراوِحُهُ، وقِيلَ: بَلْ كانَ يَتَغَذّى مِنَ اليِقْطِينَةِ، ويَجِدُ مِنها ألْوانَ الطَعامِ وأنْواعَ شَهَواتِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في اليَقْطِينِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي شَجَرَةٌ لا نَعْرِفُها، سَمّاها اللهُ بِاليَقْطِينِ، وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِن: قَطَنَ إذا أقامَ بِالمَكانِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: اليَقْطِينُ: كُلُّ ما لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ كالبُقُولِ والقَرْعِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ ونَحْوِهُ مِمّا يَمُوتُ مِن عامِهِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عن مُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ فَإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "شَجَرَةً" تَجَوُّزًا، وإمّا أنْ يَكُونَ أنْبَتَها عَلَيْهِ ذاتَ ساقٍ خَرْقًا لِلْعادَةِ؛ لِأنَّ الشَجَرَةَ في كَلامِ العَرَبِ إنَّما يُقالُ لِما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّها كانَتْ قَرْعَةٌ وهي تُجْمَعُ خِصالًا: بَرَدَ الظِلِّ والمَلْمَسِ وعِظَمَ الوَرَقِ وأنَّ الذُبابَ لا يُقْرَبُها، وحَكى النَقّاشِ أنَّ ماءَ ورَقِ القَرْعَةِ إذا رُشَّ بِمَكانٍ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، ومَشْهُورُ اللُغَةِ أنَّ اليَقْطِينَ: القَرْعُ، وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ: فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ... مِنَ اللهِ، لَوْلا اللهُ أُلْفِيَ ضاحِيًا (p-٣١٣)فَنَبَتَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ وصَحَّ وحَسُنَ جِسْمُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن تَسَلَّخَ جِلْدُهُ كَيُونُسَ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَوْمًا نائِمًا فَأيْبَسَ اللهُ تِلْكَ اليَقْطِينَةَ، وقِيلَ: بَعَثَ عَلَيْها الأرَضَةَ فَقَطَعَتْ عُرُوقَها، فانْتَبَهَ يُونُسُ لِحَرِّ الشَمْسِ، فَعَزَّ عَلَيْهِ شَأْنُها وجَزَعَ لَهُ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: يا يُونُسُ، أجَزِعْتَ لِيُبْسِ اليَقْطِينَةِ ولَمْ تَجْزَعْ لِإهْلاكِ مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ تابُوا فَتِيبَ عَلَيْهِمْ.

الصافات 37:140

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ هُوَ يُونُسُ بْنُ مَتّى عَلَيْهِ السَلامُ، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ أنَّهُ تَنَبَّأ ابْنُ ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً فَتَفَسَّخَ تَحْتَ أعْباءِ النُبُوَّةِ كَما يَتَفَسَّخُ الرِبْعُ تَحْتَ الحِمْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، ولَكِنْ نَذْكُرُ مِنها ما تُفْهَمُ بِهِ هَذِهِ الألْفاظُ. فَرُوِيَ أنَّ اللهَ بَعَثَهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم مَرَّةً فَخالَفُوهُ فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، وأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى بِيَوْمِهِ فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهُمْ، ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا فَتابَ اللهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عنهُمْ، وكانَ في هَذا تَجْرِبَةً لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَحِقَتْ يُونُسَ غَضْبَةٌ، ويُرْوى أنَّهُ كانَ في سِيرَتِهِمْ أنْ يَقْتُلُوا الكَذّابَ إذا لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَخافَهم يُونُسُ وغَضِبَ مَعَ ذَلِكَ، فَأبَقَ إلى الفُلْكِ، أيْ أرادَ الهُرُوبَ ودَخْلَ في البَحْرِ، وعَبَّرَ عن هُرُوبِهِ بِالإباقِ، مِن حَيْثُ هو عَبْدُ اللهِ فَرَّ عن غَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ، فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الإباقِ، و"الفُلْكُ" في هَذا المَوْضِعِ واحِدٌ، و"المَشْحُونُ": المُوقَرُ، (p-٣١٠)وَهُنا قَصَصٌ مَحْذُوفٌ إيجازًا واخْتِصارًا. ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا حَصَلَ في السَفِينَةِ وأبْعَدَتْ وكَدَتْ ولَمْ تَجْرِ والسُفُنُ تَجْرِي يَمِينًا وشِمالًا، فَقالَ أهْلُ السَفِينَةِ: إنَّ فِينا لَصاحِبَ ذَنْبٍ وبِهِ يَحْبِسُنا اللهُ، فَقالُوا: لِنَقْتَرِعْ، فَأخَذُوا لِكُلِّ أحَدٍ سَهْمًا، وقالُوا: اللهُمَّ لْيَطْفُ سَهْمُ المُذْنِبِ ولْيَغْرَقْ سِهامُ الغَيْرِ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ، فَفَعَلُوا نَحْوَ هَذا ثَلاثَ مَرّاتٍ في كُلِّ مَرَّةٍ تَقَعُ القُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأزْمَعُوا مَعَهُ عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ، فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ السَفِينَةِ لِيَقَعَ مِنهُ فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُهُ، فَدَفَعَ إلى الرُكْنِ الآخَرِ فَوَجَدَها كَذَلِكَ، حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكِبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ، ورُوِيَ أنَّما التَقَمَتْهُ بَعْدَ أنْ وقَعَ في الماءِ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ أوحى إلى الحُوتِ أنِّي لَمْ أجْعَلْ يُونُسَ لَكَ رِزْقًا، وإنَّما جَعَلْتُ بَطْنَكَ لَهُ حِرْزًا وسِجْنًا، فَهَذا مَعْنى ﴿ "فَساهَمَ"،﴾ أيْ: قارَعَ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ. و"المُدْحَضُ": الزاهِقُ المَغْلُوبُ في مُحاجَّةٍ أو مُساهَمَةٍ أو مُسابَقَةٍ. ومِنهُ: الحُجَّةُ الداحِضَةُ، و"المُلِيمُ": الَّذِي أتى ما يُلامُ عَلَيْهِ، يُقالُ: ألامَ الرَجُلُ دَخَلَ في اللَوْمِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ سَفَهًا عَذَلْتِ ولُمْتِ غَيْرَ مُلِيمِ ∗∗∗ وهَداكِ قَبْلَ اليَوْمِ غَيْرُ حَكِيمِ ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن بَطْنِ الحُوتِ بَعْدَ مُدَّةٍ واخْتَلَفَ الناسُ فِيها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ سَبْعِ ساعاتٍ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقالَ أبُو مالِكٍ، والسُدِّيُّ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ بَلَغَهُ. وجَعَلَ تَعالى عِلَّةَ اسْتِنْقاذِهِ مَعَ القُدْرَةِ (p-٣١١)السابِقَةِ تَسْبِيحَهُ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ في بَطْنِ الحُوتِ: سُبْحانَ اللهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ التَسْبِيحُ وصَلاةُ التَطَوُّعِ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ، فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ: صِلاتُهُ في وقْتِ الرَخاءِ نَفَعَتْهُ في وقْتِ الشِدَّةِ، وقالَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ الضَحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ ذاكِرًا فَلَمّا أصابَتْهُ الشِدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ طاغِيًا باغِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: آمَنتُ فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، فاذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ. وقالَ قَتادَةُ في الحِكْمَةِ: إنَّ العَمَلَ يَرْفَعُ صاحِبَهُ إذا عَثَرَ، فَإذا صُرِعَ وجَدَ مُتَّكَأً، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: كانَتْ سُبْحَتُهُ صَلاةً في بَطْنِ الحُوتِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ ويَقُولُ: يا رَبِّ لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنِهِ أحَدٌ قَبْلِي، ويُصَلِّي، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ يُونُسَ حِينَ نادى في الظُلُماتِ ارْتَفَعَ نِداؤُهُ إلى العَرْشِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: هَذا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مِن مَوْضِعِ غُرْبَةٍ، فَقالَ: هَذا عَبْدِييُونُسُ، فَأجابَ اللهُ دَعْوَتَهُ".» وذَكَرَ الحَدِيثَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وكَتَبَ الناسُ في هَذا القَصَصِ بِما اخْتَصَرْناهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ، ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ مَشى بِهِ في البِحارِ كُلِّها حَتّى قَذَفَهُ في نَصِيبَيْنِ مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ، فَنَبَذَهُ اللهُ في عَراءٍ مِنَ الأرْضِ، وهو الأرْضُ الفَيْحاءُ الَّتِي لا شَجَرَ فِيها ولا مَعْلَمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٣١٢) ؎ رَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: إنَّهُ كانَ كالطِفْلِ المَنفُوسِ، بِضْعَةُ لَحْمٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ كاللَحْمِ النَيِّءِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِن خَلْقِهُ شَيْءٌ، فَأنْعَشَهُ اللهُ في ظِلِّ اليَقْطِينَةِ بِلَبَنِ أُرْوِيَةٍ كانَتْ تُغادِيهِ وتُراوِحُهُ، وقِيلَ: بَلْ كانَ يَتَغَذّى مِنَ اليِقْطِينَةِ، ويَجِدُ مِنها ألْوانَ الطَعامِ وأنْواعَ شَهَواتِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في اليَقْطِينِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي شَجَرَةٌ لا نَعْرِفُها، سَمّاها اللهُ بِاليَقْطِينِ، وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِن: قَطَنَ إذا أقامَ بِالمَكانِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: اليَقْطِينُ: كُلُّ ما لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ كالبُقُولِ والقَرْعِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ ونَحْوِهُ مِمّا يَمُوتُ مِن عامِهِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عن مُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ فَإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "شَجَرَةً" تَجَوُّزًا، وإمّا أنْ يَكُونَ أنْبَتَها عَلَيْهِ ذاتَ ساقٍ خَرْقًا لِلْعادَةِ؛ لِأنَّ الشَجَرَةَ في كَلامِ العَرَبِ إنَّما يُقالُ لِما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّها كانَتْ قَرْعَةٌ وهي تُجْمَعُ خِصالًا: بَرَدَ الظِلِّ والمَلْمَسِ وعِظَمَ الوَرَقِ وأنَّ الذُبابَ لا يُقْرَبُها، وحَكى النَقّاشِ أنَّ ماءَ ورَقِ القَرْعَةِ إذا رُشَّ بِمَكانٍ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، ومَشْهُورُ اللُغَةِ أنَّ اليَقْطِينَ: القَرْعُ، وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ: فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ... مِنَ اللهِ، لَوْلا اللهُ أُلْفِيَ ضاحِيًا (p-٣١٣)فَنَبَتَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ وصَحَّ وحَسُنَ جِسْمُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن تَسَلَّخَ جِلْدُهُ كَيُونُسَ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَوْمًا نائِمًا فَأيْبَسَ اللهُ تِلْكَ اليَقْطِينَةَ، وقِيلَ: بَعَثَ عَلَيْها الأرَضَةَ فَقَطَعَتْ عُرُوقَها، فانْتَبَهَ يُونُسُ لِحَرِّ الشَمْسِ، فَعَزَّ عَلَيْهِ شَأْنُها وجَزَعَ لَهُ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: يا يُونُسُ، أجَزِعْتَ لِيُبْسِ اليَقْطِينَةِ ولَمْ تَجْزَعْ لِإهْلاكِ مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ تابُوا فَتِيبَ عَلَيْهِمْ.

الصافات 37:141

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ هُوَ يُونُسُ بْنُ مَتّى عَلَيْهِ السَلامُ، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ أنَّهُ تَنَبَّأ ابْنُ ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً فَتَفَسَّخَ تَحْتَ أعْباءِ النُبُوَّةِ كَما يَتَفَسَّخُ الرِبْعُ تَحْتَ الحِمْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، ولَكِنْ نَذْكُرُ مِنها ما تُفْهَمُ بِهِ هَذِهِ الألْفاظُ. فَرُوِيَ أنَّ اللهَ بَعَثَهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم مَرَّةً فَخالَفُوهُ فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، وأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى بِيَوْمِهِ فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهُمْ، ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا فَتابَ اللهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عنهُمْ، وكانَ في هَذا تَجْرِبَةً لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَحِقَتْ يُونُسَ غَضْبَةٌ، ويُرْوى أنَّهُ كانَ في سِيرَتِهِمْ أنْ يَقْتُلُوا الكَذّابَ إذا لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَخافَهم يُونُسُ وغَضِبَ مَعَ ذَلِكَ، فَأبَقَ إلى الفُلْكِ، أيْ أرادَ الهُرُوبَ ودَخْلَ في البَحْرِ، وعَبَّرَ عن هُرُوبِهِ بِالإباقِ، مِن حَيْثُ هو عَبْدُ اللهِ فَرَّ عن غَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ، فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الإباقِ، و"الفُلْكُ" في هَذا المَوْضِعِ واحِدٌ، و"المَشْحُونُ": المُوقَرُ، (p-٣١٠)وَهُنا قَصَصٌ مَحْذُوفٌ إيجازًا واخْتِصارًا. ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا حَصَلَ في السَفِينَةِ وأبْعَدَتْ وكَدَتْ ولَمْ تَجْرِ والسُفُنُ تَجْرِي يَمِينًا وشِمالًا، فَقالَ أهْلُ السَفِينَةِ: إنَّ فِينا لَصاحِبَ ذَنْبٍ وبِهِ يَحْبِسُنا اللهُ، فَقالُوا: لِنَقْتَرِعْ، فَأخَذُوا لِكُلِّ أحَدٍ سَهْمًا، وقالُوا: اللهُمَّ لْيَطْفُ سَهْمُ المُذْنِبِ ولْيَغْرَقْ سِهامُ الغَيْرِ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ، فَفَعَلُوا نَحْوَ هَذا ثَلاثَ مَرّاتٍ في كُلِّ مَرَّةٍ تَقَعُ القُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأزْمَعُوا مَعَهُ عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ، فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ السَفِينَةِ لِيَقَعَ مِنهُ فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُهُ، فَدَفَعَ إلى الرُكْنِ الآخَرِ فَوَجَدَها كَذَلِكَ، حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكِبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ، ورُوِيَ أنَّما التَقَمَتْهُ بَعْدَ أنْ وقَعَ في الماءِ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ أوحى إلى الحُوتِ أنِّي لَمْ أجْعَلْ يُونُسَ لَكَ رِزْقًا، وإنَّما جَعَلْتُ بَطْنَكَ لَهُ حِرْزًا وسِجْنًا، فَهَذا مَعْنى ﴿ "فَساهَمَ"،﴾ أيْ: قارَعَ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ. و"المُدْحَضُ": الزاهِقُ المَغْلُوبُ في مُحاجَّةٍ أو مُساهَمَةٍ أو مُسابَقَةٍ. ومِنهُ: الحُجَّةُ الداحِضَةُ، و"المُلِيمُ": الَّذِي أتى ما يُلامُ عَلَيْهِ، يُقالُ: ألامَ الرَجُلُ دَخَلَ في اللَوْمِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ سَفَهًا عَذَلْتِ ولُمْتِ غَيْرَ مُلِيمِ ∗∗∗ وهَداكِ قَبْلَ اليَوْمِ غَيْرُ حَكِيمِ ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن بَطْنِ الحُوتِ بَعْدَ مُدَّةٍ واخْتَلَفَ الناسُ فِيها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ سَبْعِ ساعاتٍ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقالَ أبُو مالِكٍ، والسُدِّيُّ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ بَلَغَهُ. وجَعَلَ تَعالى عِلَّةَ اسْتِنْقاذِهِ مَعَ القُدْرَةِ (p-٣١١)السابِقَةِ تَسْبِيحَهُ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ في بَطْنِ الحُوتِ: سُبْحانَ اللهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ التَسْبِيحُ وصَلاةُ التَطَوُّعِ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ، فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ: صِلاتُهُ في وقْتِ الرَخاءِ نَفَعَتْهُ في وقْتِ الشِدَّةِ، وقالَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ الضَحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ ذاكِرًا فَلَمّا أصابَتْهُ الشِدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ طاغِيًا باغِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: آمَنتُ فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، فاذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ. وقالَ قَتادَةُ في الحِكْمَةِ: إنَّ العَمَلَ يَرْفَعُ صاحِبَهُ إذا عَثَرَ، فَإذا صُرِعَ وجَدَ مُتَّكَأً، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: كانَتْ سُبْحَتُهُ صَلاةً في بَطْنِ الحُوتِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ ويَقُولُ: يا رَبِّ لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنِهِ أحَدٌ قَبْلِي، ويُصَلِّي، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ يُونُسَ حِينَ نادى في الظُلُماتِ ارْتَفَعَ نِداؤُهُ إلى العَرْشِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: هَذا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مِن مَوْضِعِ غُرْبَةٍ، فَقالَ: هَذا عَبْدِييُونُسُ، فَأجابَ اللهُ دَعْوَتَهُ".» وذَكَرَ الحَدِيثَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وكَتَبَ الناسُ في هَذا القَصَصِ بِما اخْتَصَرْناهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ، ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ مَشى بِهِ في البِحارِ كُلِّها حَتّى قَذَفَهُ في نَصِيبَيْنِ مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ، فَنَبَذَهُ اللهُ في عَراءٍ مِنَ الأرْضِ، وهو الأرْضُ الفَيْحاءُ الَّتِي لا شَجَرَ فِيها ولا مَعْلَمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٣١٢) ؎ رَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: إنَّهُ كانَ كالطِفْلِ المَنفُوسِ، بِضْعَةُ لَحْمٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ كاللَحْمِ النَيِّءِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِن خَلْقِهُ شَيْءٌ، فَأنْعَشَهُ اللهُ في ظِلِّ اليَقْطِينَةِ بِلَبَنِ أُرْوِيَةٍ كانَتْ تُغادِيهِ وتُراوِحُهُ، وقِيلَ: بَلْ كانَ يَتَغَذّى مِنَ اليِقْطِينَةِ، ويَجِدُ مِنها ألْوانَ الطَعامِ وأنْواعَ شَهَواتِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في اليَقْطِينِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي شَجَرَةٌ لا نَعْرِفُها، سَمّاها اللهُ بِاليَقْطِينِ، وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِن: قَطَنَ إذا أقامَ بِالمَكانِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: اليَقْطِينُ: كُلُّ ما لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ كالبُقُولِ والقَرْعِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ ونَحْوِهُ مِمّا يَمُوتُ مِن عامِهِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عن مُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ فَإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "شَجَرَةً" تَجَوُّزًا، وإمّا أنْ يَكُونَ أنْبَتَها عَلَيْهِ ذاتَ ساقٍ خَرْقًا لِلْعادَةِ؛ لِأنَّ الشَجَرَةَ في كَلامِ العَرَبِ إنَّما يُقالُ لِما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّها كانَتْ قَرْعَةٌ وهي تُجْمَعُ خِصالًا: بَرَدَ الظِلِّ والمَلْمَسِ وعِظَمَ الوَرَقِ وأنَّ الذُبابَ لا يُقْرَبُها، وحَكى النَقّاشِ أنَّ ماءَ ورَقِ القَرْعَةِ إذا رُشَّ بِمَكانٍ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، ومَشْهُورُ اللُغَةِ أنَّ اليَقْطِينَ: القَرْعُ، وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ: فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ... مِنَ اللهِ، لَوْلا اللهُ أُلْفِيَ ضاحِيًا (p-٣١٣)فَنَبَتَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ وصَحَّ وحَسُنَ جِسْمُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن تَسَلَّخَ جِلْدُهُ كَيُونُسَ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَوْمًا نائِمًا فَأيْبَسَ اللهُ تِلْكَ اليَقْطِينَةَ، وقِيلَ: بَعَثَ عَلَيْها الأرَضَةَ فَقَطَعَتْ عُرُوقَها، فانْتَبَهَ يُونُسُ لِحَرِّ الشَمْسِ، فَعَزَّ عَلَيْهِ شَأْنُها وجَزَعَ لَهُ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: يا يُونُسُ، أجَزِعْتَ لِيُبْسِ اليَقْطِينَةِ ولَمْ تَجْزَعْ لِإهْلاكِ مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ تابُوا فَتِيبَ عَلَيْهِمْ.

الصافات 37:142

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ هُوَ يُونُسُ بْنُ مَتّى عَلَيْهِ السَلامُ، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ أنَّهُ تَنَبَّأ ابْنُ ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً فَتَفَسَّخَ تَحْتَ أعْباءِ النُبُوَّةِ كَما يَتَفَسَّخُ الرِبْعُ تَحْتَ الحِمْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، ولَكِنْ نَذْكُرُ مِنها ما تُفْهَمُ بِهِ هَذِهِ الألْفاظُ. فَرُوِيَ أنَّ اللهَ بَعَثَهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم مَرَّةً فَخالَفُوهُ فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، وأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى بِيَوْمِهِ فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهُمْ، ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا فَتابَ اللهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عنهُمْ، وكانَ في هَذا تَجْرِبَةً لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَحِقَتْ يُونُسَ غَضْبَةٌ، ويُرْوى أنَّهُ كانَ في سِيرَتِهِمْ أنْ يَقْتُلُوا الكَذّابَ إذا لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَخافَهم يُونُسُ وغَضِبَ مَعَ ذَلِكَ، فَأبَقَ إلى الفُلْكِ، أيْ أرادَ الهُرُوبَ ودَخْلَ في البَحْرِ، وعَبَّرَ عن هُرُوبِهِ بِالإباقِ، مِن حَيْثُ هو عَبْدُ اللهِ فَرَّ عن غَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ، فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الإباقِ، و"الفُلْكُ" في هَذا المَوْضِعِ واحِدٌ، و"المَشْحُونُ": المُوقَرُ، (p-٣١٠)وَهُنا قَصَصٌ مَحْذُوفٌ إيجازًا واخْتِصارًا. ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا حَصَلَ في السَفِينَةِ وأبْعَدَتْ وكَدَتْ ولَمْ تَجْرِ والسُفُنُ تَجْرِي يَمِينًا وشِمالًا، فَقالَ أهْلُ السَفِينَةِ: إنَّ فِينا لَصاحِبَ ذَنْبٍ وبِهِ يَحْبِسُنا اللهُ، فَقالُوا: لِنَقْتَرِعْ، فَأخَذُوا لِكُلِّ أحَدٍ سَهْمًا، وقالُوا: اللهُمَّ لْيَطْفُ سَهْمُ المُذْنِبِ ولْيَغْرَقْ سِهامُ الغَيْرِ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ، فَفَعَلُوا نَحْوَ هَذا ثَلاثَ مَرّاتٍ في كُلِّ مَرَّةٍ تَقَعُ القُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأزْمَعُوا مَعَهُ عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ، فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ السَفِينَةِ لِيَقَعَ مِنهُ فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُهُ، فَدَفَعَ إلى الرُكْنِ الآخَرِ فَوَجَدَها كَذَلِكَ، حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكِبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ، ورُوِيَ أنَّما التَقَمَتْهُ بَعْدَ أنْ وقَعَ في الماءِ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ أوحى إلى الحُوتِ أنِّي لَمْ أجْعَلْ يُونُسَ لَكَ رِزْقًا، وإنَّما جَعَلْتُ بَطْنَكَ لَهُ حِرْزًا وسِجْنًا، فَهَذا مَعْنى ﴿ "فَساهَمَ"،﴾ أيْ: قارَعَ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ. و"المُدْحَضُ": الزاهِقُ المَغْلُوبُ في مُحاجَّةٍ أو مُساهَمَةٍ أو مُسابَقَةٍ. ومِنهُ: الحُجَّةُ الداحِضَةُ، و"المُلِيمُ": الَّذِي أتى ما يُلامُ عَلَيْهِ، يُقالُ: ألامَ الرَجُلُ دَخَلَ في اللَوْمِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ سَفَهًا عَذَلْتِ ولُمْتِ غَيْرَ مُلِيمِ ∗∗∗ وهَداكِ قَبْلَ اليَوْمِ غَيْرُ حَكِيمِ ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن بَطْنِ الحُوتِ بَعْدَ مُدَّةٍ واخْتَلَفَ الناسُ فِيها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ سَبْعِ ساعاتٍ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقالَ أبُو مالِكٍ، والسُدِّيُّ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ بَلَغَهُ. وجَعَلَ تَعالى عِلَّةَ اسْتِنْقاذِهِ مَعَ القُدْرَةِ (p-٣١١)السابِقَةِ تَسْبِيحَهُ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ في بَطْنِ الحُوتِ: سُبْحانَ اللهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ التَسْبِيحُ وصَلاةُ التَطَوُّعِ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ، فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ: صِلاتُهُ في وقْتِ الرَخاءِ نَفَعَتْهُ في وقْتِ الشِدَّةِ، وقالَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ الضَحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ ذاكِرًا فَلَمّا أصابَتْهُ الشِدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ طاغِيًا باغِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: آمَنتُ فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، فاذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ. وقالَ قَتادَةُ في الحِكْمَةِ: إنَّ العَمَلَ يَرْفَعُ صاحِبَهُ إذا عَثَرَ، فَإذا صُرِعَ وجَدَ مُتَّكَأً، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: كانَتْ سُبْحَتُهُ صَلاةً في بَطْنِ الحُوتِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ ويَقُولُ: يا رَبِّ لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنِهِ أحَدٌ قَبْلِي، ويُصَلِّي، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ يُونُسَ حِينَ نادى في الظُلُماتِ ارْتَفَعَ نِداؤُهُ إلى العَرْشِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: هَذا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مِن مَوْضِعِ غُرْبَةٍ، فَقالَ: هَذا عَبْدِييُونُسُ، فَأجابَ اللهُ دَعْوَتَهُ".» وذَكَرَ الحَدِيثَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وكَتَبَ الناسُ في هَذا القَصَصِ بِما اخْتَصَرْناهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ، ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ مَشى بِهِ في البِحارِ كُلِّها حَتّى قَذَفَهُ في نَصِيبَيْنِ مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ، فَنَبَذَهُ اللهُ في عَراءٍ مِنَ الأرْضِ، وهو الأرْضُ الفَيْحاءُ الَّتِي لا شَجَرَ فِيها ولا مَعْلَمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٣١٢) ؎ رَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: إنَّهُ كانَ كالطِفْلِ المَنفُوسِ، بِضْعَةُ لَحْمٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ كاللَحْمِ النَيِّءِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِن خَلْقِهُ شَيْءٌ، فَأنْعَشَهُ اللهُ في ظِلِّ اليَقْطِينَةِ بِلَبَنِ أُرْوِيَةٍ كانَتْ تُغادِيهِ وتُراوِحُهُ، وقِيلَ: بَلْ كانَ يَتَغَذّى مِنَ اليِقْطِينَةِ، ويَجِدُ مِنها ألْوانَ الطَعامِ وأنْواعَ شَهَواتِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في اليَقْطِينِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي شَجَرَةٌ لا نَعْرِفُها، سَمّاها اللهُ بِاليَقْطِينِ، وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِن: قَطَنَ إذا أقامَ بِالمَكانِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: اليَقْطِينُ: كُلُّ ما لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ كالبُقُولِ والقَرْعِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ ونَحْوِهُ مِمّا يَمُوتُ مِن عامِهِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عن مُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ فَإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "شَجَرَةً" تَجَوُّزًا، وإمّا أنْ يَكُونَ أنْبَتَها عَلَيْهِ ذاتَ ساقٍ خَرْقًا لِلْعادَةِ؛ لِأنَّ الشَجَرَةَ في كَلامِ العَرَبِ إنَّما يُقالُ لِما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّها كانَتْ قَرْعَةٌ وهي تُجْمَعُ خِصالًا: بَرَدَ الظِلِّ والمَلْمَسِ وعِظَمَ الوَرَقِ وأنَّ الذُبابَ لا يُقْرَبُها، وحَكى النَقّاشِ أنَّ ماءَ ورَقِ القَرْعَةِ إذا رُشَّ بِمَكانٍ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، ومَشْهُورُ اللُغَةِ أنَّ اليَقْطِينَ: القَرْعُ، وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ: فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ... مِنَ اللهِ، لَوْلا اللهُ أُلْفِيَ ضاحِيًا (p-٣١٣)فَنَبَتَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ وصَحَّ وحَسُنَ جِسْمُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن تَسَلَّخَ جِلْدُهُ كَيُونُسَ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَوْمًا نائِمًا فَأيْبَسَ اللهُ تِلْكَ اليَقْطِينَةَ، وقِيلَ: بَعَثَ عَلَيْها الأرَضَةَ فَقَطَعَتْ عُرُوقَها، فانْتَبَهَ يُونُسُ لِحَرِّ الشَمْسِ، فَعَزَّ عَلَيْهِ شَأْنُها وجَزَعَ لَهُ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: يا يُونُسُ، أجَزِعْتَ لِيُبْسِ اليَقْطِينَةِ ولَمْ تَجْزَعْ لِإهْلاكِ مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ تابُوا فَتِيبَ عَلَيْهِمْ.

الصافات 37:143

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ هُوَ يُونُسُ بْنُ مَتّى عَلَيْهِ السَلامُ، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ أنَّهُ تَنَبَّأ ابْنُ ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً فَتَفَسَّخَ تَحْتَ أعْباءِ النُبُوَّةِ كَما يَتَفَسَّخُ الرِبْعُ تَحْتَ الحِمْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، ولَكِنْ نَذْكُرُ مِنها ما تُفْهَمُ بِهِ هَذِهِ الألْفاظُ. فَرُوِيَ أنَّ اللهَ بَعَثَهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم مَرَّةً فَخالَفُوهُ فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، وأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى بِيَوْمِهِ فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهُمْ، ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا فَتابَ اللهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عنهُمْ، وكانَ في هَذا تَجْرِبَةً لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَحِقَتْ يُونُسَ غَضْبَةٌ، ويُرْوى أنَّهُ كانَ في سِيرَتِهِمْ أنْ يَقْتُلُوا الكَذّابَ إذا لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَخافَهم يُونُسُ وغَضِبَ مَعَ ذَلِكَ، فَأبَقَ إلى الفُلْكِ، أيْ أرادَ الهُرُوبَ ودَخْلَ في البَحْرِ، وعَبَّرَ عن هُرُوبِهِ بِالإباقِ، مِن حَيْثُ هو عَبْدُ اللهِ فَرَّ عن غَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ، فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الإباقِ، و"الفُلْكُ" في هَذا المَوْضِعِ واحِدٌ، و"المَشْحُونُ": المُوقَرُ، (p-٣١٠)وَهُنا قَصَصٌ مَحْذُوفٌ إيجازًا واخْتِصارًا. ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا حَصَلَ في السَفِينَةِ وأبْعَدَتْ وكَدَتْ ولَمْ تَجْرِ والسُفُنُ تَجْرِي يَمِينًا وشِمالًا، فَقالَ أهْلُ السَفِينَةِ: إنَّ فِينا لَصاحِبَ ذَنْبٍ وبِهِ يَحْبِسُنا اللهُ، فَقالُوا: لِنَقْتَرِعْ، فَأخَذُوا لِكُلِّ أحَدٍ سَهْمًا، وقالُوا: اللهُمَّ لْيَطْفُ سَهْمُ المُذْنِبِ ولْيَغْرَقْ سِهامُ الغَيْرِ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ، فَفَعَلُوا نَحْوَ هَذا ثَلاثَ مَرّاتٍ في كُلِّ مَرَّةٍ تَقَعُ القُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأزْمَعُوا مَعَهُ عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ، فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ السَفِينَةِ لِيَقَعَ مِنهُ فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُهُ، فَدَفَعَ إلى الرُكْنِ الآخَرِ فَوَجَدَها كَذَلِكَ، حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكِبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ، ورُوِيَ أنَّما التَقَمَتْهُ بَعْدَ أنْ وقَعَ في الماءِ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ أوحى إلى الحُوتِ أنِّي لَمْ أجْعَلْ يُونُسَ لَكَ رِزْقًا، وإنَّما جَعَلْتُ بَطْنَكَ لَهُ حِرْزًا وسِجْنًا، فَهَذا مَعْنى ﴿ "فَساهَمَ"،﴾ أيْ: قارَعَ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ. و"المُدْحَضُ": الزاهِقُ المَغْلُوبُ في مُحاجَّةٍ أو مُساهَمَةٍ أو مُسابَقَةٍ. ومِنهُ: الحُجَّةُ الداحِضَةُ، و"المُلِيمُ": الَّذِي أتى ما يُلامُ عَلَيْهِ، يُقالُ: ألامَ الرَجُلُ دَخَلَ في اللَوْمِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ سَفَهًا عَذَلْتِ ولُمْتِ غَيْرَ مُلِيمِ ∗∗∗ وهَداكِ قَبْلَ اليَوْمِ غَيْرُ حَكِيمِ ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن بَطْنِ الحُوتِ بَعْدَ مُدَّةٍ واخْتَلَفَ الناسُ فِيها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ سَبْعِ ساعاتٍ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقالَ أبُو مالِكٍ، والسُدِّيُّ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ بَلَغَهُ. وجَعَلَ تَعالى عِلَّةَ اسْتِنْقاذِهِ مَعَ القُدْرَةِ (p-٣١١)السابِقَةِ تَسْبِيحَهُ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ في بَطْنِ الحُوتِ: سُبْحانَ اللهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ التَسْبِيحُ وصَلاةُ التَطَوُّعِ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ، فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ: صِلاتُهُ في وقْتِ الرَخاءِ نَفَعَتْهُ في وقْتِ الشِدَّةِ، وقالَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ الضَحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ ذاكِرًا فَلَمّا أصابَتْهُ الشِدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ طاغِيًا باغِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: آمَنتُ فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، فاذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ. وقالَ قَتادَةُ في الحِكْمَةِ: إنَّ العَمَلَ يَرْفَعُ صاحِبَهُ إذا عَثَرَ، فَإذا صُرِعَ وجَدَ مُتَّكَأً، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: كانَتْ سُبْحَتُهُ صَلاةً في بَطْنِ الحُوتِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ ويَقُولُ: يا رَبِّ لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنِهِ أحَدٌ قَبْلِي، ويُصَلِّي، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ يُونُسَ حِينَ نادى في الظُلُماتِ ارْتَفَعَ نِداؤُهُ إلى العَرْشِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: هَذا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مِن مَوْضِعِ غُرْبَةٍ، فَقالَ: هَذا عَبْدِييُونُسُ، فَأجابَ اللهُ دَعْوَتَهُ".» وذَكَرَ الحَدِيثَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وكَتَبَ الناسُ في هَذا القَصَصِ بِما اخْتَصَرْناهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ، ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ مَشى بِهِ في البِحارِ كُلِّها حَتّى قَذَفَهُ في نَصِيبَيْنِ مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ، فَنَبَذَهُ اللهُ في عَراءٍ مِنَ الأرْضِ، وهو الأرْضُ الفَيْحاءُ الَّتِي لا شَجَرَ فِيها ولا مَعْلَمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٣١٢) ؎ رَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: إنَّهُ كانَ كالطِفْلِ المَنفُوسِ، بِضْعَةُ لَحْمٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ كاللَحْمِ النَيِّءِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِن خَلْقِهُ شَيْءٌ، فَأنْعَشَهُ اللهُ في ظِلِّ اليَقْطِينَةِ بِلَبَنِ أُرْوِيَةٍ كانَتْ تُغادِيهِ وتُراوِحُهُ، وقِيلَ: بَلْ كانَ يَتَغَذّى مِنَ اليِقْطِينَةِ، ويَجِدُ مِنها ألْوانَ الطَعامِ وأنْواعَ شَهَواتِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في اليَقْطِينِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي شَجَرَةٌ لا نَعْرِفُها، سَمّاها اللهُ بِاليَقْطِينِ، وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِن: قَطَنَ إذا أقامَ بِالمَكانِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: اليَقْطِينُ: كُلُّ ما لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ كالبُقُولِ والقَرْعِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ ونَحْوِهُ مِمّا يَمُوتُ مِن عامِهِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عن مُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ فَإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "شَجَرَةً" تَجَوُّزًا، وإمّا أنْ يَكُونَ أنْبَتَها عَلَيْهِ ذاتَ ساقٍ خَرْقًا لِلْعادَةِ؛ لِأنَّ الشَجَرَةَ في كَلامِ العَرَبِ إنَّما يُقالُ لِما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّها كانَتْ قَرْعَةٌ وهي تُجْمَعُ خِصالًا: بَرَدَ الظِلِّ والمَلْمَسِ وعِظَمَ الوَرَقِ وأنَّ الذُبابَ لا يُقْرَبُها، وحَكى النَقّاشِ أنَّ ماءَ ورَقِ القَرْعَةِ إذا رُشَّ بِمَكانٍ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، ومَشْهُورُ اللُغَةِ أنَّ اليَقْطِينَ: القَرْعُ، وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ: فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ... مِنَ اللهِ، لَوْلا اللهُ أُلْفِيَ ضاحِيًا (p-٣١٣)فَنَبَتَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ وصَحَّ وحَسُنَ جِسْمُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن تَسَلَّخَ جِلْدُهُ كَيُونُسَ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَوْمًا نائِمًا فَأيْبَسَ اللهُ تِلْكَ اليَقْطِينَةَ، وقِيلَ: بَعَثَ عَلَيْها الأرَضَةَ فَقَطَعَتْ عُرُوقَها، فانْتَبَهَ يُونُسُ لِحَرِّ الشَمْسِ، فَعَزَّ عَلَيْهِ شَأْنُها وجَزَعَ لَهُ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: يا يُونُسُ، أجَزِعْتَ لِيُبْسِ اليَقْطِينَةِ ولَمْ تَجْزَعْ لِإهْلاكِ مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ تابُوا فَتِيبَ عَلَيْهِمْ.

الصافات 37:144

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ هُوَ يُونُسُ بْنُ مَتّى عَلَيْهِ السَلامُ، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ أنَّهُ تَنَبَّأ ابْنُ ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً فَتَفَسَّخَ تَحْتَ أعْباءِ النُبُوَّةِ كَما يَتَفَسَّخُ الرِبْعُ تَحْتَ الحِمْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، ولَكِنْ نَذْكُرُ مِنها ما تُفْهَمُ بِهِ هَذِهِ الألْفاظُ. فَرُوِيَ أنَّ اللهَ بَعَثَهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم مَرَّةً فَخالَفُوهُ فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، وأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى بِيَوْمِهِ فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهُمْ، ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا فَتابَ اللهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عنهُمْ، وكانَ في هَذا تَجْرِبَةً لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَحِقَتْ يُونُسَ غَضْبَةٌ، ويُرْوى أنَّهُ كانَ في سِيرَتِهِمْ أنْ يَقْتُلُوا الكَذّابَ إذا لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَخافَهم يُونُسُ وغَضِبَ مَعَ ذَلِكَ، فَأبَقَ إلى الفُلْكِ، أيْ أرادَ الهُرُوبَ ودَخْلَ في البَحْرِ، وعَبَّرَ عن هُرُوبِهِ بِالإباقِ، مِن حَيْثُ هو عَبْدُ اللهِ فَرَّ عن غَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ، فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الإباقِ، و"الفُلْكُ" في هَذا المَوْضِعِ واحِدٌ، و"المَشْحُونُ": المُوقَرُ، (p-٣١٠)وَهُنا قَصَصٌ مَحْذُوفٌ إيجازًا واخْتِصارًا. ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا حَصَلَ في السَفِينَةِ وأبْعَدَتْ وكَدَتْ ولَمْ تَجْرِ والسُفُنُ تَجْرِي يَمِينًا وشِمالًا، فَقالَ أهْلُ السَفِينَةِ: إنَّ فِينا لَصاحِبَ ذَنْبٍ وبِهِ يَحْبِسُنا اللهُ، فَقالُوا: لِنَقْتَرِعْ، فَأخَذُوا لِكُلِّ أحَدٍ سَهْمًا، وقالُوا: اللهُمَّ لْيَطْفُ سَهْمُ المُذْنِبِ ولْيَغْرَقْ سِهامُ الغَيْرِ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ، فَفَعَلُوا نَحْوَ هَذا ثَلاثَ مَرّاتٍ في كُلِّ مَرَّةٍ تَقَعُ القُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأزْمَعُوا مَعَهُ عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ، فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ السَفِينَةِ لِيَقَعَ مِنهُ فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُهُ، فَدَفَعَ إلى الرُكْنِ الآخَرِ فَوَجَدَها كَذَلِكَ، حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكِبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ، ورُوِيَ أنَّما التَقَمَتْهُ بَعْدَ أنْ وقَعَ في الماءِ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ أوحى إلى الحُوتِ أنِّي لَمْ أجْعَلْ يُونُسَ لَكَ رِزْقًا، وإنَّما جَعَلْتُ بَطْنَكَ لَهُ حِرْزًا وسِجْنًا، فَهَذا مَعْنى ﴿ "فَساهَمَ"،﴾ أيْ: قارَعَ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ. و"المُدْحَضُ": الزاهِقُ المَغْلُوبُ في مُحاجَّةٍ أو مُساهَمَةٍ أو مُسابَقَةٍ. ومِنهُ: الحُجَّةُ الداحِضَةُ، و"المُلِيمُ": الَّذِي أتى ما يُلامُ عَلَيْهِ، يُقالُ: ألامَ الرَجُلُ دَخَلَ في اللَوْمِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ سَفَهًا عَذَلْتِ ولُمْتِ غَيْرَ مُلِيمِ ∗∗∗ وهَداكِ قَبْلَ اليَوْمِ غَيْرُ حَكِيمِ ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن بَطْنِ الحُوتِ بَعْدَ مُدَّةٍ واخْتَلَفَ الناسُ فِيها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ سَبْعِ ساعاتٍ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقالَ أبُو مالِكٍ، والسُدِّيُّ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ بَلَغَهُ. وجَعَلَ تَعالى عِلَّةَ اسْتِنْقاذِهِ مَعَ القُدْرَةِ (p-٣١١)السابِقَةِ تَسْبِيحَهُ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ في بَطْنِ الحُوتِ: سُبْحانَ اللهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ التَسْبِيحُ وصَلاةُ التَطَوُّعِ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ، فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ: صِلاتُهُ في وقْتِ الرَخاءِ نَفَعَتْهُ في وقْتِ الشِدَّةِ، وقالَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ الضَحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ ذاكِرًا فَلَمّا أصابَتْهُ الشِدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ طاغِيًا باغِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: آمَنتُ فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، فاذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ. وقالَ قَتادَةُ في الحِكْمَةِ: إنَّ العَمَلَ يَرْفَعُ صاحِبَهُ إذا عَثَرَ، فَإذا صُرِعَ وجَدَ مُتَّكَأً، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: كانَتْ سُبْحَتُهُ صَلاةً في بَطْنِ الحُوتِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ ويَقُولُ: يا رَبِّ لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنِهِ أحَدٌ قَبْلِي، ويُصَلِّي، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ يُونُسَ حِينَ نادى في الظُلُماتِ ارْتَفَعَ نِداؤُهُ إلى العَرْشِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: هَذا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مِن مَوْضِعِ غُرْبَةٍ، فَقالَ: هَذا عَبْدِييُونُسُ، فَأجابَ اللهُ دَعْوَتَهُ".» وذَكَرَ الحَدِيثَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وكَتَبَ الناسُ في هَذا القَصَصِ بِما اخْتَصَرْناهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ، ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ مَشى بِهِ في البِحارِ كُلِّها حَتّى قَذَفَهُ في نَصِيبَيْنِ مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ، فَنَبَذَهُ اللهُ في عَراءٍ مِنَ الأرْضِ، وهو الأرْضُ الفَيْحاءُ الَّتِي لا شَجَرَ فِيها ولا مَعْلَمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٣١٢) ؎ رَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: إنَّهُ كانَ كالطِفْلِ المَنفُوسِ، بِضْعَةُ لَحْمٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ كاللَحْمِ النَيِّءِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِن خَلْقِهُ شَيْءٌ، فَأنْعَشَهُ اللهُ في ظِلِّ اليَقْطِينَةِ بِلَبَنِ أُرْوِيَةٍ كانَتْ تُغادِيهِ وتُراوِحُهُ، وقِيلَ: بَلْ كانَ يَتَغَذّى مِنَ اليِقْطِينَةِ، ويَجِدُ مِنها ألْوانَ الطَعامِ وأنْواعَ شَهَواتِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في اليَقْطِينِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي شَجَرَةٌ لا نَعْرِفُها، سَمّاها اللهُ بِاليَقْطِينِ، وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِن: قَطَنَ إذا أقامَ بِالمَكانِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: اليَقْطِينُ: كُلُّ ما لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ كالبُقُولِ والقَرْعِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ ونَحْوِهُ مِمّا يَمُوتُ مِن عامِهِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عن مُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ فَإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "شَجَرَةً" تَجَوُّزًا، وإمّا أنْ يَكُونَ أنْبَتَها عَلَيْهِ ذاتَ ساقٍ خَرْقًا لِلْعادَةِ؛ لِأنَّ الشَجَرَةَ في كَلامِ العَرَبِ إنَّما يُقالُ لِما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّها كانَتْ قَرْعَةٌ وهي تُجْمَعُ خِصالًا: بَرَدَ الظِلِّ والمَلْمَسِ وعِظَمَ الوَرَقِ وأنَّ الذُبابَ لا يُقْرَبُها، وحَكى النَقّاشِ أنَّ ماءَ ورَقِ القَرْعَةِ إذا رُشَّ بِمَكانٍ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، ومَشْهُورُ اللُغَةِ أنَّ اليَقْطِينَ: القَرْعُ، وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ: فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ... مِنَ اللهِ، لَوْلا اللهُ أُلْفِيَ ضاحِيًا (p-٣١٣)فَنَبَتَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ وصَحَّ وحَسُنَ جِسْمُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن تَسَلَّخَ جِلْدُهُ كَيُونُسَ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَوْمًا نائِمًا فَأيْبَسَ اللهُ تِلْكَ اليَقْطِينَةَ، وقِيلَ: بَعَثَ عَلَيْها الأرَضَةَ فَقَطَعَتْ عُرُوقَها، فانْتَبَهَ يُونُسُ لِحَرِّ الشَمْسِ، فَعَزَّ عَلَيْهِ شَأْنُها وجَزَعَ لَهُ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: يا يُونُسُ، أجَزِعْتَ لِيُبْسِ اليَقْطِينَةِ ولَمْ تَجْزَعْ لِإهْلاكِ مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ تابُوا فَتِيبَ عَلَيْهِمْ.

الصافات 37:145

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ هُوَ يُونُسُ بْنُ مَتّى عَلَيْهِ السَلامُ، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ أنَّهُ تَنَبَّأ ابْنُ ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً فَتَفَسَّخَ تَحْتَ أعْباءِ النُبُوَّةِ كَما يَتَفَسَّخُ الرِبْعُ تَحْتَ الحِمْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، ولَكِنْ نَذْكُرُ مِنها ما تُفْهَمُ بِهِ هَذِهِ الألْفاظُ. فَرُوِيَ أنَّ اللهَ بَعَثَهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم مَرَّةً فَخالَفُوهُ فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، وأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى بِيَوْمِهِ فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهُمْ، ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا فَتابَ اللهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عنهُمْ، وكانَ في هَذا تَجْرِبَةً لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَحِقَتْ يُونُسَ غَضْبَةٌ، ويُرْوى أنَّهُ كانَ في سِيرَتِهِمْ أنْ يَقْتُلُوا الكَذّابَ إذا لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَخافَهم يُونُسُ وغَضِبَ مَعَ ذَلِكَ، فَأبَقَ إلى الفُلْكِ، أيْ أرادَ الهُرُوبَ ودَخْلَ في البَحْرِ، وعَبَّرَ عن هُرُوبِهِ بِالإباقِ، مِن حَيْثُ هو عَبْدُ اللهِ فَرَّ عن غَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ، فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الإباقِ، و"الفُلْكُ" في هَذا المَوْضِعِ واحِدٌ، و"المَشْحُونُ": المُوقَرُ، (p-٣١٠)وَهُنا قَصَصٌ مَحْذُوفٌ إيجازًا واخْتِصارًا. ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا حَصَلَ في السَفِينَةِ وأبْعَدَتْ وكَدَتْ ولَمْ تَجْرِ والسُفُنُ تَجْرِي يَمِينًا وشِمالًا، فَقالَ أهْلُ السَفِينَةِ: إنَّ فِينا لَصاحِبَ ذَنْبٍ وبِهِ يَحْبِسُنا اللهُ، فَقالُوا: لِنَقْتَرِعْ، فَأخَذُوا لِكُلِّ أحَدٍ سَهْمًا، وقالُوا: اللهُمَّ لْيَطْفُ سَهْمُ المُذْنِبِ ولْيَغْرَقْ سِهامُ الغَيْرِ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ، فَفَعَلُوا نَحْوَ هَذا ثَلاثَ مَرّاتٍ في كُلِّ مَرَّةٍ تَقَعُ القُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأزْمَعُوا مَعَهُ عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ، فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ السَفِينَةِ لِيَقَعَ مِنهُ فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُهُ، فَدَفَعَ إلى الرُكْنِ الآخَرِ فَوَجَدَها كَذَلِكَ، حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكِبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ، ورُوِيَ أنَّما التَقَمَتْهُ بَعْدَ أنْ وقَعَ في الماءِ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ أوحى إلى الحُوتِ أنِّي لَمْ أجْعَلْ يُونُسَ لَكَ رِزْقًا، وإنَّما جَعَلْتُ بَطْنَكَ لَهُ حِرْزًا وسِجْنًا، فَهَذا مَعْنى ﴿ "فَساهَمَ"،﴾ أيْ: قارَعَ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ. و"المُدْحَضُ": الزاهِقُ المَغْلُوبُ في مُحاجَّةٍ أو مُساهَمَةٍ أو مُسابَقَةٍ. ومِنهُ: الحُجَّةُ الداحِضَةُ، و"المُلِيمُ": الَّذِي أتى ما يُلامُ عَلَيْهِ، يُقالُ: ألامَ الرَجُلُ دَخَلَ في اللَوْمِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ سَفَهًا عَذَلْتِ ولُمْتِ غَيْرَ مُلِيمِ ∗∗∗ وهَداكِ قَبْلَ اليَوْمِ غَيْرُ حَكِيمِ ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن بَطْنِ الحُوتِ بَعْدَ مُدَّةٍ واخْتَلَفَ الناسُ فِيها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ سَبْعِ ساعاتٍ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقالَ أبُو مالِكٍ، والسُدِّيُّ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ بَلَغَهُ. وجَعَلَ تَعالى عِلَّةَ اسْتِنْقاذِهِ مَعَ القُدْرَةِ (p-٣١١)السابِقَةِ تَسْبِيحَهُ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ في بَطْنِ الحُوتِ: سُبْحانَ اللهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ التَسْبِيحُ وصَلاةُ التَطَوُّعِ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ، فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ: صِلاتُهُ في وقْتِ الرَخاءِ نَفَعَتْهُ في وقْتِ الشِدَّةِ، وقالَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ الضَحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ ذاكِرًا فَلَمّا أصابَتْهُ الشِدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ طاغِيًا باغِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: آمَنتُ فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، فاذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ. وقالَ قَتادَةُ في الحِكْمَةِ: إنَّ العَمَلَ يَرْفَعُ صاحِبَهُ إذا عَثَرَ، فَإذا صُرِعَ وجَدَ مُتَّكَأً، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: كانَتْ سُبْحَتُهُ صَلاةً في بَطْنِ الحُوتِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ ويَقُولُ: يا رَبِّ لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنِهِ أحَدٌ قَبْلِي، ويُصَلِّي، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ يُونُسَ حِينَ نادى في الظُلُماتِ ارْتَفَعَ نِداؤُهُ إلى العَرْشِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: هَذا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مِن مَوْضِعِ غُرْبَةٍ، فَقالَ: هَذا عَبْدِييُونُسُ، فَأجابَ اللهُ دَعْوَتَهُ".» وذَكَرَ الحَدِيثَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وكَتَبَ الناسُ في هَذا القَصَصِ بِما اخْتَصَرْناهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ، ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ مَشى بِهِ في البِحارِ كُلِّها حَتّى قَذَفَهُ في نَصِيبَيْنِ مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ، فَنَبَذَهُ اللهُ في عَراءٍ مِنَ الأرْضِ، وهو الأرْضُ الفَيْحاءُ الَّتِي لا شَجَرَ فِيها ولا مَعْلَمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٣١٢) ؎ رَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: إنَّهُ كانَ كالطِفْلِ المَنفُوسِ، بِضْعَةُ لَحْمٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ كاللَحْمِ النَيِّءِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِن خَلْقِهُ شَيْءٌ، فَأنْعَشَهُ اللهُ في ظِلِّ اليَقْطِينَةِ بِلَبَنِ أُرْوِيَةٍ كانَتْ تُغادِيهِ وتُراوِحُهُ، وقِيلَ: بَلْ كانَ يَتَغَذّى مِنَ اليِقْطِينَةِ، ويَجِدُ مِنها ألْوانَ الطَعامِ وأنْواعَ شَهَواتِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في اليَقْطِينِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي شَجَرَةٌ لا نَعْرِفُها، سَمّاها اللهُ بِاليَقْطِينِ، وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِن: قَطَنَ إذا أقامَ بِالمَكانِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: اليَقْطِينُ: كُلُّ ما لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ كالبُقُولِ والقَرْعِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ ونَحْوِهُ مِمّا يَمُوتُ مِن عامِهِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عن مُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ فَإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "شَجَرَةً" تَجَوُّزًا، وإمّا أنْ يَكُونَ أنْبَتَها عَلَيْهِ ذاتَ ساقٍ خَرْقًا لِلْعادَةِ؛ لِأنَّ الشَجَرَةَ في كَلامِ العَرَبِ إنَّما يُقالُ لِما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّها كانَتْ قَرْعَةٌ وهي تُجْمَعُ خِصالًا: بَرَدَ الظِلِّ والمَلْمَسِ وعِظَمَ الوَرَقِ وأنَّ الذُبابَ لا يُقْرَبُها، وحَكى النَقّاشِ أنَّ ماءَ ورَقِ القَرْعَةِ إذا رُشَّ بِمَكانٍ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، ومَشْهُورُ اللُغَةِ أنَّ اليَقْطِينَ: القَرْعُ، وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ: فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ... مِنَ اللهِ، لَوْلا اللهُ أُلْفِيَ ضاحِيًا (p-٣١٣)فَنَبَتَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ وصَحَّ وحَسُنَ جِسْمُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن تَسَلَّخَ جِلْدُهُ كَيُونُسَ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَوْمًا نائِمًا فَأيْبَسَ اللهُ تِلْكَ اليَقْطِينَةَ، وقِيلَ: بَعَثَ عَلَيْها الأرَضَةَ فَقَطَعَتْ عُرُوقَها، فانْتَبَهَ يُونُسُ لِحَرِّ الشَمْسِ، فَعَزَّ عَلَيْهِ شَأْنُها وجَزَعَ لَهُ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: يا يُونُسُ، أجَزِعْتَ لِيُبْسِ اليَقْطِينَةِ ولَمْ تَجْزَعْ لِإهْلاكِ مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ تابُوا فَتِيبَ عَلَيْهِمْ.

الصافات 37:146

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ هُوَ يُونُسُ بْنُ مَتّى عَلَيْهِ السَلامُ، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ أنَّهُ تَنَبَّأ ابْنُ ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً فَتَفَسَّخَ تَحْتَ أعْباءِ النُبُوَّةِ كَما يَتَفَسَّخُ الرِبْعُ تَحْتَ الحِمْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، ولَكِنْ نَذْكُرُ مِنها ما تُفْهَمُ بِهِ هَذِهِ الألْفاظُ. فَرُوِيَ أنَّ اللهَ بَعَثَهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم مَرَّةً فَخالَفُوهُ فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، وأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى بِيَوْمِهِ فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهُمْ، ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا فَتابَ اللهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عنهُمْ، وكانَ في هَذا تَجْرِبَةً لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَحِقَتْ يُونُسَ غَضْبَةٌ، ويُرْوى أنَّهُ كانَ في سِيرَتِهِمْ أنْ يَقْتُلُوا الكَذّابَ إذا لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَخافَهم يُونُسُ وغَضِبَ مَعَ ذَلِكَ، فَأبَقَ إلى الفُلْكِ، أيْ أرادَ الهُرُوبَ ودَخْلَ في البَحْرِ، وعَبَّرَ عن هُرُوبِهِ بِالإباقِ، مِن حَيْثُ هو عَبْدُ اللهِ فَرَّ عن غَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ، فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الإباقِ، و"الفُلْكُ" في هَذا المَوْضِعِ واحِدٌ، و"المَشْحُونُ": المُوقَرُ، (p-٣١٠)وَهُنا قَصَصٌ مَحْذُوفٌ إيجازًا واخْتِصارًا. ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا حَصَلَ في السَفِينَةِ وأبْعَدَتْ وكَدَتْ ولَمْ تَجْرِ والسُفُنُ تَجْرِي يَمِينًا وشِمالًا، فَقالَ أهْلُ السَفِينَةِ: إنَّ فِينا لَصاحِبَ ذَنْبٍ وبِهِ يَحْبِسُنا اللهُ، فَقالُوا: لِنَقْتَرِعْ، فَأخَذُوا لِكُلِّ أحَدٍ سَهْمًا، وقالُوا: اللهُمَّ لْيَطْفُ سَهْمُ المُذْنِبِ ولْيَغْرَقْ سِهامُ الغَيْرِ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ، فَفَعَلُوا نَحْوَ هَذا ثَلاثَ مَرّاتٍ في كُلِّ مَرَّةٍ تَقَعُ القُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأزْمَعُوا مَعَهُ عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ، فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ السَفِينَةِ لِيَقَعَ مِنهُ فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُهُ، فَدَفَعَ إلى الرُكْنِ الآخَرِ فَوَجَدَها كَذَلِكَ، حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكِبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ، ورُوِيَ أنَّما التَقَمَتْهُ بَعْدَ أنْ وقَعَ في الماءِ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ أوحى إلى الحُوتِ أنِّي لَمْ أجْعَلْ يُونُسَ لَكَ رِزْقًا، وإنَّما جَعَلْتُ بَطْنَكَ لَهُ حِرْزًا وسِجْنًا، فَهَذا مَعْنى ﴿ "فَساهَمَ"،﴾ أيْ: قارَعَ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ. و"المُدْحَضُ": الزاهِقُ المَغْلُوبُ في مُحاجَّةٍ أو مُساهَمَةٍ أو مُسابَقَةٍ. ومِنهُ: الحُجَّةُ الداحِضَةُ، و"المُلِيمُ": الَّذِي أتى ما يُلامُ عَلَيْهِ، يُقالُ: ألامَ الرَجُلُ دَخَلَ في اللَوْمِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ سَفَهًا عَذَلْتِ ولُمْتِ غَيْرَ مُلِيمِ ∗∗∗ وهَداكِ قَبْلَ اليَوْمِ غَيْرُ حَكِيمِ ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن بَطْنِ الحُوتِ بَعْدَ مُدَّةٍ واخْتَلَفَ الناسُ فِيها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ سَبْعِ ساعاتٍ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقالَ أبُو مالِكٍ، والسُدِّيُّ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ بَلَغَهُ. وجَعَلَ تَعالى عِلَّةَ اسْتِنْقاذِهِ مَعَ القُدْرَةِ (p-٣١١)السابِقَةِ تَسْبِيحَهُ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ في بَطْنِ الحُوتِ: سُبْحانَ اللهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ التَسْبِيحُ وصَلاةُ التَطَوُّعِ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ، فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ: صِلاتُهُ في وقْتِ الرَخاءِ نَفَعَتْهُ في وقْتِ الشِدَّةِ، وقالَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ الضَحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ ذاكِرًا فَلَمّا أصابَتْهُ الشِدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ طاغِيًا باغِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: آمَنتُ فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، فاذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ. وقالَ قَتادَةُ في الحِكْمَةِ: إنَّ العَمَلَ يَرْفَعُ صاحِبَهُ إذا عَثَرَ، فَإذا صُرِعَ وجَدَ مُتَّكَأً، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: كانَتْ سُبْحَتُهُ صَلاةً في بَطْنِ الحُوتِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ ويَقُولُ: يا رَبِّ لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنِهِ أحَدٌ قَبْلِي، ويُصَلِّي، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ يُونُسَ حِينَ نادى في الظُلُماتِ ارْتَفَعَ نِداؤُهُ إلى العَرْشِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: هَذا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مِن مَوْضِعِ غُرْبَةٍ، فَقالَ: هَذا عَبْدِييُونُسُ، فَأجابَ اللهُ دَعْوَتَهُ".» وذَكَرَ الحَدِيثَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وكَتَبَ الناسُ في هَذا القَصَصِ بِما اخْتَصَرْناهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ، ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ مَشى بِهِ في البِحارِ كُلِّها حَتّى قَذَفَهُ في نَصِيبَيْنِ مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ، فَنَبَذَهُ اللهُ في عَراءٍ مِنَ الأرْضِ، وهو الأرْضُ الفَيْحاءُ الَّتِي لا شَجَرَ فِيها ولا مَعْلَمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٣١٢) ؎ رَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: إنَّهُ كانَ كالطِفْلِ المَنفُوسِ، بِضْعَةُ لَحْمٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ كاللَحْمِ النَيِّءِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِن خَلْقِهُ شَيْءٌ، فَأنْعَشَهُ اللهُ في ظِلِّ اليَقْطِينَةِ بِلَبَنِ أُرْوِيَةٍ كانَتْ تُغادِيهِ وتُراوِحُهُ، وقِيلَ: بَلْ كانَ يَتَغَذّى مِنَ اليِقْطِينَةِ، ويَجِدُ مِنها ألْوانَ الطَعامِ وأنْواعَ شَهَواتِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في اليَقْطِينِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي شَجَرَةٌ لا نَعْرِفُها، سَمّاها اللهُ بِاليَقْطِينِ، وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِن: قَطَنَ إذا أقامَ بِالمَكانِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: اليَقْطِينُ: كُلُّ ما لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ كالبُقُولِ والقَرْعِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ ونَحْوِهُ مِمّا يَمُوتُ مِن عامِهِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عن مُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ فَإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "شَجَرَةً" تَجَوُّزًا، وإمّا أنْ يَكُونَ أنْبَتَها عَلَيْهِ ذاتَ ساقٍ خَرْقًا لِلْعادَةِ؛ لِأنَّ الشَجَرَةَ في كَلامِ العَرَبِ إنَّما يُقالُ لِما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّها كانَتْ قَرْعَةٌ وهي تُجْمَعُ خِصالًا: بَرَدَ الظِلِّ والمَلْمَسِ وعِظَمَ الوَرَقِ وأنَّ الذُبابَ لا يُقْرَبُها، وحَكى النَقّاشِ أنَّ ماءَ ورَقِ القَرْعَةِ إذا رُشَّ بِمَكانٍ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، ومَشْهُورُ اللُغَةِ أنَّ اليَقْطِينَ: القَرْعُ، وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ: فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ... مِنَ اللهِ، لَوْلا اللهُ أُلْفِيَ ضاحِيًا (p-٣١٣)فَنَبَتَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ وصَحَّ وحَسُنَ جِسْمُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن تَسَلَّخَ جِلْدُهُ كَيُونُسَ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَوْمًا نائِمًا فَأيْبَسَ اللهُ تِلْكَ اليَقْطِينَةَ، وقِيلَ: بَعَثَ عَلَيْها الأرَضَةَ فَقَطَعَتْ عُرُوقَها، فانْتَبَهَ يُونُسُ لِحَرِّ الشَمْسِ، فَعَزَّ عَلَيْهِ شَأْنُها وجَزَعَ لَهُ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: يا يُونُسُ، أجَزِعْتَ لِيُبْسِ اليَقْطِينَةِ ولَمْ تَجْزَعْ لِإهْلاكِ مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ تابُوا فَتِيبَ عَلَيْهِمْ.

الصافات 37:147

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذِهِ الرِسالَةَ إلى مِائَةِ ألْفٍ في رِسالَتِهِ الأُولى الَّتِي أبَقَ بَعْدَها، ذَكَرَها اللهُ تَعالى في آخِرِ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾، وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى أبَقَ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هَذِهِ الرِسالَةُ أُخْرى بَعْدَ أنْ نُبِذَ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَيَزِيدُونَ" بِالواوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أو يَزِيدُونَ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أو" بِمَعْنى (بَلْ)، وكانُوا مِائَةَ ألْفٍ وثَلاثِينَ ألْفًا، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "كانُوا مِائَةً وعِشْرِينَ ألْفًا"،» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا مِائَةً وسَبْعِينَ ألْفًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "بَلْ يَزِيدُونَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ "أو" هُنا بِمَعْنى الواوِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، كَما تَقُولُ: "ما عَلَيْكَ أنْتَ، أنا أُعْطِي فُلانًا دِينارًا أو ألْفَ دِينارٍ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ (p-٣١٤)الأمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وهَذا المَعْنى قَلِيلُ التَمَكُّنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أو يَزِيدُونَ﴾. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ وحَذَرِهِمْ، أيْ: مَن رَآهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ. ورُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ وأولادِ البَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللهُ عنهُمْ، والتَمْتِيعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ: آجالُهُمُ السابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [حَتّى حِينٍ]، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ: أيْ: إنْ آمَنُوا أمِنُوا كَما جَرى لِهَؤُلاءِ، ومِن هَنا حَسُنَ انْتِقالُ القَوْلِ والمُحاوَرَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾، فَإنَّما يَعُودُ ضَمِيرُهم عَلى ما في المَعْنى مِن ذِكْرِهِمْ. و"الِاسْتِفْتاءُ": السُؤالُ، وهو هُنا بِمَعْنى التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ، عَلى قَوْلِهِمْ عَلى اللهِ، البُهْتانَ وجَعْلِهِمُ البَناتِ لِلَّهِ تَعالى عن ذَلِكَ. وأمَرَهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ أيْضًا، هَلْ شاهَدُوا أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ فَيَصِحُّ لَهُمُ القَوْلُ بِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن فِرْقَةٍ مِنهم بَلَغَ بِها الإفْكُ والكَذِبُ إلى أنْ قالَتْ: ولَدَ اللهُ المَلائِكَةَ لِأنَّهُ نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِن بَنِي مُدْلَجٍ فِيما رُوِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أصْطَفى﴾ ألِفَ قَطْعٍ هي لِلِاسْتِفْهامِ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ عَلى نِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ اخْتِيارَ الأدْنى عِنْدَهُمْ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ: [اصْطَفى] بِصِلَةِ الألِفِ عَلى الخَبَرِ، كَأنَّهُ يَحْكِي شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، ورَواها إسْماعِيلُ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ. ثُمَّ قَرَّرَ ووَبَّخَ وعَرَضَ لِلتَّذَكُّرِ والنَظَرِ، واسْتَفْهَمَ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ وضَمِّهِمُ الِاسْتِظْهارِ بِكِتابٍ أو أمْرٍ يُظْهِرُ صِدْقَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: " تَذَّكَّرُونَ " مُشَدَّدَةَ الذالِ والكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافَ خَفِيفَةً.

الصافات 37:148

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذِهِ الرِسالَةَ إلى مِائَةِ ألْفٍ في رِسالَتِهِ الأُولى الَّتِي أبَقَ بَعْدَها، ذَكَرَها اللهُ تَعالى في آخِرِ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾، وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى أبَقَ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هَذِهِ الرِسالَةُ أُخْرى بَعْدَ أنْ نُبِذَ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَيَزِيدُونَ" بِالواوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أو يَزِيدُونَ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أو" بِمَعْنى (بَلْ)، وكانُوا مِائَةَ ألْفٍ وثَلاثِينَ ألْفًا، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "كانُوا مِائَةً وعِشْرِينَ ألْفًا"،» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا مِائَةً وسَبْعِينَ ألْفًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "بَلْ يَزِيدُونَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ "أو" هُنا بِمَعْنى الواوِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، كَما تَقُولُ: "ما عَلَيْكَ أنْتَ، أنا أُعْطِي فُلانًا دِينارًا أو ألْفَ دِينارٍ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ (p-٣١٤)الأمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وهَذا المَعْنى قَلِيلُ التَمَكُّنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أو يَزِيدُونَ﴾. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ وحَذَرِهِمْ، أيْ: مَن رَآهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ. ورُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ وأولادِ البَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللهُ عنهُمْ، والتَمْتِيعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ: آجالُهُمُ السابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [حَتّى حِينٍ]، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ: أيْ: إنْ آمَنُوا أمِنُوا كَما جَرى لِهَؤُلاءِ، ومِن هَنا حَسُنَ انْتِقالُ القَوْلِ والمُحاوَرَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾، فَإنَّما يَعُودُ ضَمِيرُهم عَلى ما في المَعْنى مِن ذِكْرِهِمْ. و"الِاسْتِفْتاءُ": السُؤالُ، وهو هُنا بِمَعْنى التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ، عَلى قَوْلِهِمْ عَلى اللهِ، البُهْتانَ وجَعْلِهِمُ البَناتِ لِلَّهِ تَعالى عن ذَلِكَ. وأمَرَهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ أيْضًا، هَلْ شاهَدُوا أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ فَيَصِحُّ لَهُمُ القَوْلُ بِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن فِرْقَةٍ مِنهم بَلَغَ بِها الإفْكُ والكَذِبُ إلى أنْ قالَتْ: ولَدَ اللهُ المَلائِكَةَ لِأنَّهُ نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِن بَنِي مُدْلَجٍ فِيما رُوِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أصْطَفى﴾ ألِفَ قَطْعٍ هي لِلِاسْتِفْهامِ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ عَلى نِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ اخْتِيارَ الأدْنى عِنْدَهُمْ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ: [اصْطَفى] بِصِلَةِ الألِفِ عَلى الخَبَرِ، كَأنَّهُ يَحْكِي شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، ورَواها إسْماعِيلُ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ. ثُمَّ قَرَّرَ ووَبَّخَ وعَرَضَ لِلتَّذَكُّرِ والنَظَرِ، واسْتَفْهَمَ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ وضَمِّهِمُ الِاسْتِظْهارِ بِكِتابٍ أو أمْرٍ يُظْهِرُ صِدْقَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: " تَذَّكَّرُونَ " مُشَدَّدَةَ الذالِ والكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافَ خَفِيفَةً.

الصافات 37:149

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذِهِ الرِسالَةَ إلى مِائَةِ ألْفٍ في رِسالَتِهِ الأُولى الَّتِي أبَقَ بَعْدَها، ذَكَرَها اللهُ تَعالى في آخِرِ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾، وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى أبَقَ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هَذِهِ الرِسالَةُ أُخْرى بَعْدَ أنْ نُبِذَ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَيَزِيدُونَ" بِالواوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أو يَزِيدُونَ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أو" بِمَعْنى (بَلْ)، وكانُوا مِائَةَ ألْفٍ وثَلاثِينَ ألْفًا، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "كانُوا مِائَةً وعِشْرِينَ ألْفًا"،» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا مِائَةً وسَبْعِينَ ألْفًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "بَلْ يَزِيدُونَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ "أو" هُنا بِمَعْنى الواوِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، كَما تَقُولُ: "ما عَلَيْكَ أنْتَ، أنا أُعْطِي فُلانًا دِينارًا أو ألْفَ دِينارٍ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ (p-٣١٤)الأمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وهَذا المَعْنى قَلِيلُ التَمَكُّنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أو يَزِيدُونَ﴾. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ وحَذَرِهِمْ، أيْ: مَن رَآهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ. ورُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ وأولادِ البَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللهُ عنهُمْ، والتَمْتِيعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ: آجالُهُمُ السابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [حَتّى حِينٍ]، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ: أيْ: إنْ آمَنُوا أمِنُوا كَما جَرى لِهَؤُلاءِ، ومِن هَنا حَسُنَ انْتِقالُ القَوْلِ والمُحاوَرَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾، فَإنَّما يَعُودُ ضَمِيرُهم عَلى ما في المَعْنى مِن ذِكْرِهِمْ. و"الِاسْتِفْتاءُ": السُؤالُ، وهو هُنا بِمَعْنى التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ، عَلى قَوْلِهِمْ عَلى اللهِ، البُهْتانَ وجَعْلِهِمُ البَناتِ لِلَّهِ تَعالى عن ذَلِكَ. وأمَرَهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ أيْضًا، هَلْ شاهَدُوا أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ فَيَصِحُّ لَهُمُ القَوْلُ بِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن فِرْقَةٍ مِنهم بَلَغَ بِها الإفْكُ والكَذِبُ إلى أنْ قالَتْ: ولَدَ اللهُ المَلائِكَةَ لِأنَّهُ نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِن بَنِي مُدْلَجٍ فِيما رُوِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أصْطَفى﴾ ألِفَ قَطْعٍ هي لِلِاسْتِفْهامِ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ عَلى نِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ اخْتِيارَ الأدْنى عِنْدَهُمْ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ: [اصْطَفى] بِصِلَةِ الألِفِ عَلى الخَبَرِ، كَأنَّهُ يَحْكِي شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، ورَواها إسْماعِيلُ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ. ثُمَّ قَرَّرَ ووَبَّخَ وعَرَضَ لِلتَّذَكُّرِ والنَظَرِ، واسْتَفْهَمَ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ وضَمِّهِمُ الِاسْتِظْهارِ بِكِتابٍ أو أمْرٍ يُظْهِرُ صِدْقَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: " تَذَّكَّرُونَ " مُشَدَّدَةَ الذالِ والكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافَ خَفِيفَةً.

الصافات 37:150

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذِهِ الرِسالَةَ إلى مِائَةِ ألْفٍ في رِسالَتِهِ الأُولى الَّتِي أبَقَ بَعْدَها، ذَكَرَها اللهُ تَعالى في آخِرِ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾، وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى أبَقَ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هَذِهِ الرِسالَةُ أُخْرى بَعْدَ أنْ نُبِذَ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَيَزِيدُونَ" بِالواوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أو يَزِيدُونَ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أو" بِمَعْنى (بَلْ)، وكانُوا مِائَةَ ألْفٍ وثَلاثِينَ ألْفًا، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "كانُوا مِائَةً وعِشْرِينَ ألْفًا"،» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا مِائَةً وسَبْعِينَ ألْفًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "بَلْ يَزِيدُونَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ "أو" هُنا بِمَعْنى الواوِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، كَما تَقُولُ: "ما عَلَيْكَ أنْتَ، أنا أُعْطِي فُلانًا دِينارًا أو ألْفَ دِينارٍ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ (p-٣١٤)الأمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وهَذا المَعْنى قَلِيلُ التَمَكُّنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أو يَزِيدُونَ﴾. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ وحَذَرِهِمْ، أيْ: مَن رَآهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ. ورُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ وأولادِ البَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللهُ عنهُمْ، والتَمْتِيعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ: آجالُهُمُ السابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [حَتّى حِينٍ]، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ: أيْ: إنْ آمَنُوا أمِنُوا كَما جَرى لِهَؤُلاءِ، ومِن هَنا حَسُنَ انْتِقالُ القَوْلِ والمُحاوَرَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾، فَإنَّما يَعُودُ ضَمِيرُهم عَلى ما في المَعْنى مِن ذِكْرِهِمْ. و"الِاسْتِفْتاءُ": السُؤالُ، وهو هُنا بِمَعْنى التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ، عَلى قَوْلِهِمْ عَلى اللهِ، البُهْتانَ وجَعْلِهِمُ البَناتِ لِلَّهِ تَعالى عن ذَلِكَ. وأمَرَهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ أيْضًا، هَلْ شاهَدُوا أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ فَيَصِحُّ لَهُمُ القَوْلُ بِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن فِرْقَةٍ مِنهم بَلَغَ بِها الإفْكُ والكَذِبُ إلى أنْ قالَتْ: ولَدَ اللهُ المَلائِكَةَ لِأنَّهُ نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِن بَنِي مُدْلَجٍ فِيما رُوِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أصْطَفى﴾ ألِفَ قَطْعٍ هي لِلِاسْتِفْهامِ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ عَلى نِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ اخْتِيارَ الأدْنى عِنْدَهُمْ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ: [اصْطَفى] بِصِلَةِ الألِفِ عَلى الخَبَرِ، كَأنَّهُ يَحْكِي شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، ورَواها إسْماعِيلُ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ. ثُمَّ قَرَّرَ ووَبَّخَ وعَرَضَ لِلتَّذَكُّرِ والنَظَرِ، واسْتَفْهَمَ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ وضَمِّهِمُ الِاسْتِظْهارِ بِكِتابٍ أو أمْرٍ يُظْهِرُ صِدْقَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: " تَذَّكَّرُونَ " مُشَدَّدَةَ الذالِ والكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافَ خَفِيفَةً.

الصافات 37:151

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذِهِ الرِسالَةَ إلى مِائَةِ ألْفٍ في رِسالَتِهِ الأُولى الَّتِي أبَقَ بَعْدَها، ذَكَرَها اللهُ تَعالى في آخِرِ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾، وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى أبَقَ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هَذِهِ الرِسالَةُ أُخْرى بَعْدَ أنْ نُبِذَ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَيَزِيدُونَ" بِالواوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أو يَزِيدُونَ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أو" بِمَعْنى (بَلْ)، وكانُوا مِائَةَ ألْفٍ وثَلاثِينَ ألْفًا، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "كانُوا مِائَةً وعِشْرِينَ ألْفًا"،» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا مِائَةً وسَبْعِينَ ألْفًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "بَلْ يَزِيدُونَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ "أو" هُنا بِمَعْنى الواوِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، كَما تَقُولُ: "ما عَلَيْكَ أنْتَ، أنا أُعْطِي فُلانًا دِينارًا أو ألْفَ دِينارٍ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ (p-٣١٤)الأمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وهَذا المَعْنى قَلِيلُ التَمَكُّنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أو يَزِيدُونَ﴾. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ وحَذَرِهِمْ، أيْ: مَن رَآهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ. ورُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ وأولادِ البَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللهُ عنهُمْ، والتَمْتِيعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ: آجالُهُمُ السابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [حَتّى حِينٍ]، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ: أيْ: إنْ آمَنُوا أمِنُوا كَما جَرى لِهَؤُلاءِ، ومِن هَنا حَسُنَ انْتِقالُ القَوْلِ والمُحاوَرَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾، فَإنَّما يَعُودُ ضَمِيرُهم عَلى ما في المَعْنى مِن ذِكْرِهِمْ. و"الِاسْتِفْتاءُ": السُؤالُ، وهو هُنا بِمَعْنى التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ، عَلى قَوْلِهِمْ عَلى اللهِ، البُهْتانَ وجَعْلِهِمُ البَناتِ لِلَّهِ تَعالى عن ذَلِكَ. وأمَرَهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ أيْضًا، هَلْ شاهَدُوا أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ فَيَصِحُّ لَهُمُ القَوْلُ بِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن فِرْقَةٍ مِنهم بَلَغَ بِها الإفْكُ والكَذِبُ إلى أنْ قالَتْ: ولَدَ اللهُ المَلائِكَةَ لِأنَّهُ نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِن بَنِي مُدْلَجٍ فِيما رُوِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أصْطَفى﴾ ألِفَ قَطْعٍ هي لِلِاسْتِفْهامِ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ عَلى نِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ اخْتِيارَ الأدْنى عِنْدَهُمْ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ: [اصْطَفى] بِصِلَةِ الألِفِ عَلى الخَبَرِ، كَأنَّهُ يَحْكِي شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، ورَواها إسْماعِيلُ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ. ثُمَّ قَرَّرَ ووَبَّخَ وعَرَضَ لِلتَّذَكُّرِ والنَظَرِ، واسْتَفْهَمَ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ وضَمِّهِمُ الِاسْتِظْهارِ بِكِتابٍ أو أمْرٍ يُظْهِرُ صِدْقَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: " تَذَّكَّرُونَ " مُشَدَّدَةَ الذالِ والكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافَ خَفِيفَةً.

الصافات 37:152

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذِهِ الرِسالَةَ إلى مِائَةِ ألْفٍ في رِسالَتِهِ الأُولى الَّتِي أبَقَ بَعْدَها، ذَكَرَها اللهُ تَعالى في آخِرِ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾، وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى أبَقَ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هَذِهِ الرِسالَةُ أُخْرى بَعْدَ أنْ نُبِذَ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَيَزِيدُونَ" بِالواوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أو يَزِيدُونَ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أو" بِمَعْنى (بَلْ)، وكانُوا مِائَةَ ألْفٍ وثَلاثِينَ ألْفًا، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "كانُوا مِائَةً وعِشْرِينَ ألْفًا"،» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا مِائَةً وسَبْعِينَ ألْفًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "بَلْ يَزِيدُونَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ "أو" هُنا بِمَعْنى الواوِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، كَما تَقُولُ: "ما عَلَيْكَ أنْتَ، أنا أُعْطِي فُلانًا دِينارًا أو ألْفَ دِينارٍ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ (p-٣١٤)الأمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وهَذا المَعْنى قَلِيلُ التَمَكُّنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أو يَزِيدُونَ﴾. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ وحَذَرِهِمْ، أيْ: مَن رَآهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ. ورُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ وأولادِ البَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللهُ عنهُمْ، والتَمْتِيعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ: آجالُهُمُ السابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [حَتّى حِينٍ]، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ: أيْ: إنْ آمَنُوا أمِنُوا كَما جَرى لِهَؤُلاءِ، ومِن هَنا حَسُنَ انْتِقالُ القَوْلِ والمُحاوَرَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾، فَإنَّما يَعُودُ ضَمِيرُهم عَلى ما في المَعْنى مِن ذِكْرِهِمْ. و"الِاسْتِفْتاءُ": السُؤالُ، وهو هُنا بِمَعْنى التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ، عَلى قَوْلِهِمْ عَلى اللهِ، البُهْتانَ وجَعْلِهِمُ البَناتِ لِلَّهِ تَعالى عن ذَلِكَ. وأمَرَهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ أيْضًا، هَلْ شاهَدُوا أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ فَيَصِحُّ لَهُمُ القَوْلُ بِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن فِرْقَةٍ مِنهم بَلَغَ بِها الإفْكُ والكَذِبُ إلى أنْ قالَتْ: ولَدَ اللهُ المَلائِكَةَ لِأنَّهُ نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِن بَنِي مُدْلَجٍ فِيما رُوِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أصْطَفى﴾ ألِفَ قَطْعٍ هي لِلِاسْتِفْهامِ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ عَلى نِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ اخْتِيارَ الأدْنى عِنْدَهُمْ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ: [اصْطَفى] بِصِلَةِ الألِفِ عَلى الخَبَرِ، كَأنَّهُ يَحْكِي شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، ورَواها إسْماعِيلُ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ. ثُمَّ قَرَّرَ ووَبَّخَ وعَرَضَ لِلتَّذَكُّرِ والنَظَرِ، واسْتَفْهَمَ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ وضَمِّهِمُ الِاسْتِظْهارِ بِكِتابٍ أو أمْرٍ يُظْهِرُ صِدْقَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: " تَذَّكَّرُونَ " مُشَدَّدَةَ الذالِ والكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافَ خَفِيفَةً.

الصافات 37:153

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذِهِ الرِسالَةَ إلى مِائَةِ ألْفٍ في رِسالَتِهِ الأُولى الَّتِي أبَقَ بَعْدَها، ذَكَرَها اللهُ تَعالى في آخِرِ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾، وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى أبَقَ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هَذِهِ الرِسالَةُ أُخْرى بَعْدَ أنْ نُبِذَ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَيَزِيدُونَ" بِالواوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أو يَزِيدُونَ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أو" بِمَعْنى (بَلْ)، وكانُوا مِائَةَ ألْفٍ وثَلاثِينَ ألْفًا، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "كانُوا مِائَةً وعِشْرِينَ ألْفًا"،» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا مِائَةً وسَبْعِينَ ألْفًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "بَلْ يَزِيدُونَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ "أو" هُنا بِمَعْنى الواوِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، كَما تَقُولُ: "ما عَلَيْكَ أنْتَ، أنا أُعْطِي فُلانًا دِينارًا أو ألْفَ دِينارٍ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ (p-٣١٤)الأمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وهَذا المَعْنى قَلِيلُ التَمَكُّنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أو يَزِيدُونَ﴾. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ وحَذَرِهِمْ، أيْ: مَن رَآهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ. ورُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ وأولادِ البَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللهُ عنهُمْ، والتَمْتِيعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ: آجالُهُمُ السابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [حَتّى حِينٍ]، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ: أيْ: إنْ آمَنُوا أمِنُوا كَما جَرى لِهَؤُلاءِ، ومِن هَنا حَسُنَ انْتِقالُ القَوْلِ والمُحاوَرَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾، فَإنَّما يَعُودُ ضَمِيرُهم عَلى ما في المَعْنى مِن ذِكْرِهِمْ. و"الِاسْتِفْتاءُ": السُؤالُ، وهو هُنا بِمَعْنى التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ، عَلى قَوْلِهِمْ عَلى اللهِ، البُهْتانَ وجَعْلِهِمُ البَناتِ لِلَّهِ تَعالى عن ذَلِكَ. وأمَرَهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ أيْضًا، هَلْ شاهَدُوا أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ فَيَصِحُّ لَهُمُ القَوْلُ بِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن فِرْقَةٍ مِنهم بَلَغَ بِها الإفْكُ والكَذِبُ إلى أنْ قالَتْ: ولَدَ اللهُ المَلائِكَةَ لِأنَّهُ نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِن بَنِي مُدْلَجٍ فِيما رُوِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أصْطَفى﴾ ألِفَ قَطْعٍ هي لِلِاسْتِفْهامِ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ عَلى نِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ اخْتِيارَ الأدْنى عِنْدَهُمْ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ: [اصْطَفى] بِصِلَةِ الألِفِ عَلى الخَبَرِ، كَأنَّهُ يَحْكِي شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، ورَواها إسْماعِيلُ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ. ثُمَّ قَرَّرَ ووَبَّخَ وعَرَضَ لِلتَّذَكُّرِ والنَظَرِ، واسْتَفْهَمَ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ وضَمِّهِمُ الِاسْتِظْهارِ بِكِتابٍ أو أمْرٍ يُظْهِرُ صِدْقَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: " تَذَّكَّرُونَ " مُشَدَّدَةَ الذالِ والكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافَ خَفِيفَةً.

الصافات 37:154

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذِهِ الرِسالَةَ إلى مِائَةِ ألْفٍ في رِسالَتِهِ الأُولى الَّتِي أبَقَ بَعْدَها، ذَكَرَها اللهُ تَعالى في آخِرِ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾، وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى أبَقَ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هَذِهِ الرِسالَةُ أُخْرى بَعْدَ أنْ نُبِذَ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَيَزِيدُونَ" بِالواوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أو يَزِيدُونَ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أو" بِمَعْنى (بَلْ)، وكانُوا مِائَةَ ألْفٍ وثَلاثِينَ ألْفًا، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "كانُوا مِائَةً وعِشْرِينَ ألْفًا"،» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا مِائَةً وسَبْعِينَ ألْفًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "بَلْ يَزِيدُونَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ "أو" هُنا بِمَعْنى الواوِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، كَما تَقُولُ: "ما عَلَيْكَ أنْتَ، أنا أُعْطِي فُلانًا دِينارًا أو ألْفَ دِينارٍ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ (p-٣١٤)الأمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وهَذا المَعْنى قَلِيلُ التَمَكُّنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أو يَزِيدُونَ﴾. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ وحَذَرِهِمْ، أيْ: مَن رَآهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ. ورُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ وأولادِ البَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللهُ عنهُمْ، والتَمْتِيعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ: آجالُهُمُ السابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [حَتّى حِينٍ]، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ: أيْ: إنْ آمَنُوا أمِنُوا كَما جَرى لِهَؤُلاءِ، ومِن هَنا حَسُنَ انْتِقالُ القَوْلِ والمُحاوَرَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾، فَإنَّما يَعُودُ ضَمِيرُهم عَلى ما في المَعْنى مِن ذِكْرِهِمْ. و"الِاسْتِفْتاءُ": السُؤالُ، وهو هُنا بِمَعْنى التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ، عَلى قَوْلِهِمْ عَلى اللهِ، البُهْتانَ وجَعْلِهِمُ البَناتِ لِلَّهِ تَعالى عن ذَلِكَ. وأمَرَهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ أيْضًا، هَلْ شاهَدُوا أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ فَيَصِحُّ لَهُمُ القَوْلُ بِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن فِرْقَةٍ مِنهم بَلَغَ بِها الإفْكُ والكَذِبُ إلى أنْ قالَتْ: ولَدَ اللهُ المَلائِكَةَ لِأنَّهُ نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِن بَنِي مُدْلَجٍ فِيما رُوِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أصْطَفى﴾ ألِفَ قَطْعٍ هي لِلِاسْتِفْهامِ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ عَلى نِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ اخْتِيارَ الأدْنى عِنْدَهُمْ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ: [اصْطَفى] بِصِلَةِ الألِفِ عَلى الخَبَرِ، كَأنَّهُ يَحْكِي شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، ورَواها إسْماعِيلُ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ. ثُمَّ قَرَّرَ ووَبَّخَ وعَرَضَ لِلتَّذَكُّرِ والنَظَرِ، واسْتَفْهَمَ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ وضَمِّهِمُ الِاسْتِظْهارِ بِكِتابٍ أو أمْرٍ يُظْهِرُ صِدْقَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: " تَذَّكَّرُونَ " مُشَدَّدَةَ الذالِ والكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافَ خَفِيفَةً.

الصافات 37:155

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذِهِ الرِسالَةَ إلى مِائَةِ ألْفٍ في رِسالَتِهِ الأُولى الَّتِي أبَقَ بَعْدَها، ذَكَرَها اللهُ تَعالى في آخِرِ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾، وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى أبَقَ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هَذِهِ الرِسالَةُ أُخْرى بَعْدَ أنْ نُبِذَ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَيَزِيدُونَ" بِالواوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أو يَزِيدُونَ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أو" بِمَعْنى (بَلْ)، وكانُوا مِائَةَ ألْفٍ وثَلاثِينَ ألْفًا، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "كانُوا مِائَةً وعِشْرِينَ ألْفًا"،» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا مِائَةً وسَبْعِينَ ألْفًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "بَلْ يَزِيدُونَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ "أو" هُنا بِمَعْنى الواوِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، كَما تَقُولُ: "ما عَلَيْكَ أنْتَ، أنا أُعْطِي فُلانًا دِينارًا أو ألْفَ دِينارٍ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ (p-٣١٤)الأمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وهَذا المَعْنى قَلِيلُ التَمَكُّنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أو يَزِيدُونَ﴾. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ وحَذَرِهِمْ، أيْ: مَن رَآهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ. ورُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ وأولادِ البَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللهُ عنهُمْ، والتَمْتِيعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ: آجالُهُمُ السابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [حَتّى حِينٍ]، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ: أيْ: إنْ آمَنُوا أمِنُوا كَما جَرى لِهَؤُلاءِ، ومِن هَنا حَسُنَ انْتِقالُ القَوْلِ والمُحاوَرَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾، فَإنَّما يَعُودُ ضَمِيرُهم عَلى ما في المَعْنى مِن ذِكْرِهِمْ. و"الِاسْتِفْتاءُ": السُؤالُ، وهو هُنا بِمَعْنى التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ، عَلى قَوْلِهِمْ عَلى اللهِ، البُهْتانَ وجَعْلِهِمُ البَناتِ لِلَّهِ تَعالى عن ذَلِكَ. وأمَرَهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ أيْضًا، هَلْ شاهَدُوا أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ فَيَصِحُّ لَهُمُ القَوْلُ بِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن فِرْقَةٍ مِنهم بَلَغَ بِها الإفْكُ والكَذِبُ إلى أنْ قالَتْ: ولَدَ اللهُ المَلائِكَةَ لِأنَّهُ نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِن بَنِي مُدْلَجٍ فِيما رُوِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أصْطَفى﴾ ألِفَ قَطْعٍ هي لِلِاسْتِفْهامِ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ عَلى نِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ اخْتِيارَ الأدْنى عِنْدَهُمْ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ: [اصْطَفى] بِصِلَةِ الألِفِ عَلى الخَبَرِ، كَأنَّهُ يَحْكِي شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، ورَواها إسْماعِيلُ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ. ثُمَّ قَرَّرَ ووَبَّخَ وعَرَضَ لِلتَّذَكُّرِ والنَظَرِ، واسْتَفْهَمَ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ وضَمِّهِمُ الِاسْتِظْهارِ بِكِتابٍ أو أمْرٍ يُظْهِرُ صِدْقَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: " تَذَّكَّرُونَ " مُشَدَّدَةَ الذالِ والكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافَ خَفِيفَةً.

الصافات 37:156

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذِهِ الرِسالَةَ إلى مِائَةِ ألْفٍ في رِسالَتِهِ الأُولى الَّتِي أبَقَ بَعْدَها، ذَكَرَها اللهُ تَعالى في آخِرِ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾، وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى أبَقَ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هَذِهِ الرِسالَةُ أُخْرى بَعْدَ أنْ نُبِذَ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَيَزِيدُونَ" بِالواوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أو يَزِيدُونَ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أو" بِمَعْنى (بَلْ)، وكانُوا مِائَةَ ألْفٍ وثَلاثِينَ ألْفًا، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "كانُوا مِائَةً وعِشْرِينَ ألْفًا"،» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا مِائَةً وسَبْعِينَ ألْفًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "بَلْ يَزِيدُونَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ "أو" هُنا بِمَعْنى الواوِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، كَما تَقُولُ: "ما عَلَيْكَ أنْتَ، أنا أُعْطِي فُلانًا دِينارًا أو ألْفَ دِينارٍ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ (p-٣١٤)الأمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وهَذا المَعْنى قَلِيلُ التَمَكُّنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أو يَزِيدُونَ﴾. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ وحَذَرِهِمْ، أيْ: مَن رَآهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ. ورُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ وأولادِ البَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللهُ عنهُمْ، والتَمْتِيعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ: آجالُهُمُ السابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [حَتّى حِينٍ]، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ: أيْ: إنْ آمَنُوا أمِنُوا كَما جَرى لِهَؤُلاءِ، ومِن هَنا حَسُنَ انْتِقالُ القَوْلِ والمُحاوَرَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾، فَإنَّما يَعُودُ ضَمِيرُهم عَلى ما في المَعْنى مِن ذِكْرِهِمْ. و"الِاسْتِفْتاءُ": السُؤالُ، وهو هُنا بِمَعْنى التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ، عَلى قَوْلِهِمْ عَلى اللهِ، البُهْتانَ وجَعْلِهِمُ البَناتِ لِلَّهِ تَعالى عن ذَلِكَ. وأمَرَهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ أيْضًا، هَلْ شاهَدُوا أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ فَيَصِحُّ لَهُمُ القَوْلُ بِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن فِرْقَةٍ مِنهم بَلَغَ بِها الإفْكُ والكَذِبُ إلى أنْ قالَتْ: ولَدَ اللهُ المَلائِكَةَ لِأنَّهُ نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِن بَنِي مُدْلَجٍ فِيما رُوِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أصْطَفى﴾ ألِفَ قَطْعٍ هي لِلِاسْتِفْهامِ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ عَلى نِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ اخْتِيارَ الأدْنى عِنْدَهُمْ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ: [اصْطَفى] بِصِلَةِ الألِفِ عَلى الخَبَرِ، كَأنَّهُ يَحْكِي شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، ورَواها إسْماعِيلُ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ. ثُمَّ قَرَّرَ ووَبَّخَ وعَرَضَ لِلتَّذَكُّرِ والنَظَرِ، واسْتَفْهَمَ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ وضَمِّهِمُ الِاسْتِظْهارِ بِكِتابٍ أو أمْرٍ يُظْهِرُ صِدْقَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: " تَذَّكَّرُونَ " مُشَدَّدَةَ الذالِ والكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافَ خَفِيفَةً.

الصافات 37:157

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذِهِ الرِسالَةَ إلى مِائَةِ ألْفٍ في رِسالَتِهِ الأُولى الَّتِي أبَقَ بَعْدَها، ذَكَرَها اللهُ تَعالى في آخِرِ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾، وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى أبَقَ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هَذِهِ الرِسالَةُ أُخْرى بَعْدَ أنْ نُبِذَ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَيَزِيدُونَ" بِالواوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أو يَزِيدُونَ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أو" بِمَعْنى (بَلْ)، وكانُوا مِائَةَ ألْفٍ وثَلاثِينَ ألْفًا، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "كانُوا مِائَةً وعِشْرِينَ ألْفًا"،» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا مِائَةً وسَبْعِينَ ألْفًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "بَلْ يَزِيدُونَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ "أو" هُنا بِمَعْنى الواوِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، كَما تَقُولُ: "ما عَلَيْكَ أنْتَ، أنا أُعْطِي فُلانًا دِينارًا أو ألْفَ دِينارٍ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ (p-٣١٤)الأمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وهَذا المَعْنى قَلِيلُ التَمَكُّنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أو يَزِيدُونَ﴾. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ وحَذَرِهِمْ، أيْ: مَن رَآهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ. ورُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ وأولادِ البَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللهُ عنهُمْ، والتَمْتِيعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ: آجالُهُمُ السابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [حَتّى حِينٍ]، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ: أيْ: إنْ آمَنُوا أمِنُوا كَما جَرى لِهَؤُلاءِ، ومِن هَنا حَسُنَ انْتِقالُ القَوْلِ والمُحاوَرَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾، فَإنَّما يَعُودُ ضَمِيرُهم عَلى ما في المَعْنى مِن ذِكْرِهِمْ. و"الِاسْتِفْتاءُ": السُؤالُ، وهو هُنا بِمَعْنى التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ، عَلى قَوْلِهِمْ عَلى اللهِ، البُهْتانَ وجَعْلِهِمُ البَناتِ لِلَّهِ تَعالى عن ذَلِكَ. وأمَرَهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ أيْضًا، هَلْ شاهَدُوا أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ فَيَصِحُّ لَهُمُ القَوْلُ بِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن فِرْقَةٍ مِنهم بَلَغَ بِها الإفْكُ والكَذِبُ إلى أنْ قالَتْ: ولَدَ اللهُ المَلائِكَةَ لِأنَّهُ نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِن بَنِي مُدْلَجٍ فِيما رُوِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أصْطَفى﴾ ألِفَ قَطْعٍ هي لِلِاسْتِفْهامِ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ عَلى نِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ اخْتِيارَ الأدْنى عِنْدَهُمْ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ: [اصْطَفى] بِصِلَةِ الألِفِ عَلى الخَبَرِ، كَأنَّهُ يَحْكِي شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، ورَواها إسْماعِيلُ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ. ثُمَّ قَرَّرَ ووَبَّخَ وعَرَضَ لِلتَّذَكُّرِ والنَظَرِ، واسْتَفْهَمَ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ وضَمِّهِمُ الِاسْتِظْهارِ بِكِتابٍ أو أمْرٍ يُظْهِرُ صِدْقَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: " تَذَّكَّرُونَ " مُشَدَّدَةَ الذالِ والكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافَ خَفِيفَةً.

الصافات 37:158

(p-٣١٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلُوا"﴾ لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: إنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّ اللهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ قَوْمٌ لِأبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ: إنَّ اللهَ تَعالى نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ، فـَ "الجِنَّةُ" عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ يَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُسْتَجِنَّةً، أيْ: مُسْتَتِرَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾. مَن جَعَلَ "الجِنَّةَ" الشَياطِينَ جَعَلَ العَلامَةَ في ﴿ "عَلِمَتِ"،﴾ والضَمِيرَ في ﴿ "إنَّهُمْ"﴾ عائِدًا عَلَيْهِمْ. أيْ: جَعَلُوا الشَياطِينَ لَيْسَتْ مِنَ اللهِ، والشَياطِينُ تَعْلَمُ ضِدَّ ذَلِكَ مِن أنَّها سَتَحْضُرُ أمْرَ اللهِ وثَوابَهُ وعِقابَهُ. ومِن جَعَلَ "الجِنَّةَ" المَلائِكَةَ جَعَلَ الضَمِيرَ في "إنَّهُمْ" لِلْقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ سَيَحْضُرُونَ ثَوابَ اللهِ وعِقابَهُ، وقَدْ يَتَداخَلُ هَذانَ القَوْلانِ. ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يَصِفُهُ الناسُ ولا يَلِيقُ بِهِ، ومِن هَذا اسْتَثْنى العِبادَ المُخْلَصِينَ؛ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ العُلى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اسْتَثْناهم مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لَمُحْضَرُونَ"،﴾ وهَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِ مَن رَأى ﴿ "الجِنَّةِ"﴾ المَلائِكَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدٌ: إنَّكم وأصْنامَكم ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِسَبَبِها، إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وضَمَّهُ القَدَرُ، بِأنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكم إضْلالُ مِن هَدى اللهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عَلَيْهِ" بِمَعْنى "فِيهِ"، و"الفاتِنُ": المُضِلُّ في هَذا المَوْضِعِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ عَلى المِنبَرِ: "إنَّ اللهَ هو الهادِي والفاتِنُ"، و"مَن" في مَوْضِعِ (p-٣١٦)نَصْبٍ بِـ"فاتِنِينَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ"﴾ بِكَسْرِ اللامِ مِن "صالِ"، حُذِفَتِ الياءُ لِلْإضافَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "صالُ الجَحِيمِ" بِضَمِّ اللامِ، ولِلنُّحاةِ في مَعْناهُ اضْطِرابُ أقْوالٍ، وأقْواها أنَّهُ "صالُونَ" حُذِفَتِ النُونُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ لِلِالتِقاءِ، وخَرَجَ لَفْظُ الجَمِيعِ بَعْدَ لَفْظِ الإفْرادِ، فَهو كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ [يونس: ٤٢]، إذْ لَمّا كانَتْ (مَن) وهي مِنَ الأسْماءِ الَّتِي فِيها إبْهامٌ ويُكَنّى بِها عن أفْرادٍ وجَمْعٍ. ثُمَّ حَكى قَوْلَ المَلائِكَةِ: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "الجِنَّةَ" أرادَ بِها المَلائِكَةَ، كَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ عَلِمَتْ كَذا، وإنَّ قَوْلَنا لِكَذا، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما مِنّا مَلَكٌ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ السَماءَ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أو قَدَماهُ"،» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإنَّ كُلُّنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ". و"الصافُّونَ" مَعْناهُ: الواقِفُونَ صُفُوفًا، و"المُسَبِّحُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَلاةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ صَرَفَ وجْهَهَ إلى الناسِ فَيَقُولُ لَهُمْ: عَدِّلُوا صُفُوفَكم وأقِيمُوها، فَإنَّ اللهَ إنَّما يُرِيدُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ، فَإنَّها تَقُولُ: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، ثُمَّ يَرى تَقْوِيمَ الصُفُوفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ ويُكَبِّرُ، قالَ الزَهْراوِيُّ: قِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِن أهْلِ المِلَلِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ: مَقالَةَ بَعْضِ الكُفّارِ، وقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: فَإنَّهم قَبْلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: لَوْ كانَ لَنا كِتابٌ أو جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا مِن أتْقى عِبادِ اللهِ وأشَدِّهِمْ إخْلاصًا، فَلَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ كَفَرُوا فاسْتَوْجَبُوا ألِيمَ العِقابِ.

الصافات 37:159

(p-٣١٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلُوا"﴾ لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: إنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّ اللهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ قَوْمٌ لِأبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ: إنَّ اللهَ تَعالى نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ، فـَ "الجِنَّةُ" عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ يَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُسْتَجِنَّةً، أيْ: مُسْتَتِرَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾. مَن جَعَلَ "الجِنَّةَ" الشَياطِينَ جَعَلَ العَلامَةَ في ﴿ "عَلِمَتِ"،﴾ والضَمِيرَ في ﴿ "إنَّهُمْ"﴾ عائِدًا عَلَيْهِمْ. أيْ: جَعَلُوا الشَياطِينَ لَيْسَتْ مِنَ اللهِ، والشَياطِينُ تَعْلَمُ ضِدَّ ذَلِكَ مِن أنَّها سَتَحْضُرُ أمْرَ اللهِ وثَوابَهُ وعِقابَهُ. ومِن جَعَلَ "الجِنَّةَ" المَلائِكَةَ جَعَلَ الضَمِيرَ في "إنَّهُمْ" لِلْقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ سَيَحْضُرُونَ ثَوابَ اللهِ وعِقابَهُ، وقَدْ يَتَداخَلُ هَذانَ القَوْلانِ. ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يَصِفُهُ الناسُ ولا يَلِيقُ بِهِ، ومِن هَذا اسْتَثْنى العِبادَ المُخْلَصِينَ؛ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ العُلى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اسْتَثْناهم مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لَمُحْضَرُونَ"،﴾ وهَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِ مَن رَأى ﴿ "الجِنَّةِ"﴾ المَلائِكَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدٌ: إنَّكم وأصْنامَكم ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِسَبَبِها، إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وضَمَّهُ القَدَرُ، بِأنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكم إضْلالُ مِن هَدى اللهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عَلَيْهِ" بِمَعْنى "فِيهِ"، و"الفاتِنُ": المُضِلُّ في هَذا المَوْضِعِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ عَلى المِنبَرِ: "إنَّ اللهَ هو الهادِي والفاتِنُ"، و"مَن" في مَوْضِعِ (p-٣١٦)نَصْبٍ بِـ"فاتِنِينَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ"﴾ بِكَسْرِ اللامِ مِن "صالِ"، حُذِفَتِ الياءُ لِلْإضافَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "صالُ الجَحِيمِ" بِضَمِّ اللامِ، ولِلنُّحاةِ في مَعْناهُ اضْطِرابُ أقْوالٍ، وأقْواها أنَّهُ "صالُونَ" حُذِفَتِ النُونُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ لِلِالتِقاءِ، وخَرَجَ لَفْظُ الجَمِيعِ بَعْدَ لَفْظِ الإفْرادِ، فَهو كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ [يونس: ٤٢]، إذْ لَمّا كانَتْ (مَن) وهي مِنَ الأسْماءِ الَّتِي فِيها إبْهامٌ ويُكَنّى بِها عن أفْرادٍ وجَمْعٍ. ثُمَّ حَكى قَوْلَ المَلائِكَةِ: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "الجِنَّةَ" أرادَ بِها المَلائِكَةَ، كَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ عَلِمَتْ كَذا، وإنَّ قَوْلَنا لِكَذا، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما مِنّا مَلَكٌ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ السَماءَ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أو قَدَماهُ"،» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإنَّ كُلُّنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ". و"الصافُّونَ" مَعْناهُ: الواقِفُونَ صُفُوفًا، و"المُسَبِّحُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَلاةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ صَرَفَ وجْهَهَ إلى الناسِ فَيَقُولُ لَهُمْ: عَدِّلُوا صُفُوفَكم وأقِيمُوها، فَإنَّ اللهَ إنَّما يُرِيدُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ، فَإنَّها تَقُولُ: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، ثُمَّ يَرى تَقْوِيمَ الصُفُوفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ ويُكَبِّرُ، قالَ الزَهْراوِيُّ: قِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِن أهْلِ المِلَلِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ: مَقالَةَ بَعْضِ الكُفّارِ، وقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: فَإنَّهم قَبْلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: لَوْ كانَ لَنا كِتابٌ أو جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا مِن أتْقى عِبادِ اللهِ وأشَدِّهِمْ إخْلاصًا، فَلَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ كَفَرُوا فاسْتَوْجَبُوا ألِيمَ العِقابِ.

الصافات 37:160

(p-٣١٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلُوا"﴾ لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: إنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّ اللهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ قَوْمٌ لِأبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ: إنَّ اللهَ تَعالى نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ، فـَ "الجِنَّةُ" عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ يَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُسْتَجِنَّةً، أيْ: مُسْتَتِرَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾. مَن جَعَلَ "الجِنَّةَ" الشَياطِينَ جَعَلَ العَلامَةَ في ﴿ "عَلِمَتِ"،﴾ والضَمِيرَ في ﴿ "إنَّهُمْ"﴾ عائِدًا عَلَيْهِمْ. أيْ: جَعَلُوا الشَياطِينَ لَيْسَتْ مِنَ اللهِ، والشَياطِينُ تَعْلَمُ ضِدَّ ذَلِكَ مِن أنَّها سَتَحْضُرُ أمْرَ اللهِ وثَوابَهُ وعِقابَهُ. ومِن جَعَلَ "الجِنَّةَ" المَلائِكَةَ جَعَلَ الضَمِيرَ في "إنَّهُمْ" لِلْقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ سَيَحْضُرُونَ ثَوابَ اللهِ وعِقابَهُ، وقَدْ يَتَداخَلُ هَذانَ القَوْلانِ. ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يَصِفُهُ الناسُ ولا يَلِيقُ بِهِ، ومِن هَذا اسْتَثْنى العِبادَ المُخْلَصِينَ؛ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ العُلى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اسْتَثْناهم مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لَمُحْضَرُونَ"،﴾ وهَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِ مَن رَأى ﴿ "الجِنَّةِ"﴾ المَلائِكَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدٌ: إنَّكم وأصْنامَكم ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِسَبَبِها، إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وضَمَّهُ القَدَرُ، بِأنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكم إضْلالُ مِن هَدى اللهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عَلَيْهِ" بِمَعْنى "فِيهِ"، و"الفاتِنُ": المُضِلُّ في هَذا المَوْضِعِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ عَلى المِنبَرِ: "إنَّ اللهَ هو الهادِي والفاتِنُ"، و"مَن" في مَوْضِعِ (p-٣١٦)نَصْبٍ بِـ"فاتِنِينَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ"﴾ بِكَسْرِ اللامِ مِن "صالِ"، حُذِفَتِ الياءُ لِلْإضافَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "صالُ الجَحِيمِ" بِضَمِّ اللامِ، ولِلنُّحاةِ في مَعْناهُ اضْطِرابُ أقْوالٍ، وأقْواها أنَّهُ "صالُونَ" حُذِفَتِ النُونُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ لِلِالتِقاءِ، وخَرَجَ لَفْظُ الجَمِيعِ بَعْدَ لَفْظِ الإفْرادِ، فَهو كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ [يونس: ٤٢]، إذْ لَمّا كانَتْ (مَن) وهي مِنَ الأسْماءِ الَّتِي فِيها إبْهامٌ ويُكَنّى بِها عن أفْرادٍ وجَمْعٍ. ثُمَّ حَكى قَوْلَ المَلائِكَةِ: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "الجِنَّةَ" أرادَ بِها المَلائِكَةَ، كَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ عَلِمَتْ كَذا، وإنَّ قَوْلَنا لِكَذا، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما مِنّا مَلَكٌ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ السَماءَ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أو قَدَماهُ"،» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإنَّ كُلُّنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ". و"الصافُّونَ" مَعْناهُ: الواقِفُونَ صُفُوفًا، و"المُسَبِّحُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَلاةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ صَرَفَ وجْهَهَ إلى الناسِ فَيَقُولُ لَهُمْ: عَدِّلُوا صُفُوفَكم وأقِيمُوها، فَإنَّ اللهَ إنَّما يُرِيدُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ، فَإنَّها تَقُولُ: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، ثُمَّ يَرى تَقْوِيمَ الصُفُوفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ ويُكَبِّرُ، قالَ الزَهْراوِيُّ: قِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِن أهْلِ المِلَلِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ: مَقالَةَ بَعْضِ الكُفّارِ، وقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: فَإنَّهم قَبْلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: لَوْ كانَ لَنا كِتابٌ أو جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا مِن أتْقى عِبادِ اللهِ وأشَدِّهِمْ إخْلاصًا، فَلَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ كَفَرُوا فاسْتَوْجَبُوا ألِيمَ العِقابِ.

الصافات 37:161

(p-٣١٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلُوا"﴾ لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: إنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّ اللهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ قَوْمٌ لِأبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ: إنَّ اللهَ تَعالى نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ، فـَ "الجِنَّةُ" عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ يَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُسْتَجِنَّةً، أيْ: مُسْتَتِرَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾. مَن جَعَلَ "الجِنَّةَ" الشَياطِينَ جَعَلَ العَلامَةَ في ﴿ "عَلِمَتِ"،﴾ والضَمِيرَ في ﴿ "إنَّهُمْ"﴾ عائِدًا عَلَيْهِمْ. أيْ: جَعَلُوا الشَياطِينَ لَيْسَتْ مِنَ اللهِ، والشَياطِينُ تَعْلَمُ ضِدَّ ذَلِكَ مِن أنَّها سَتَحْضُرُ أمْرَ اللهِ وثَوابَهُ وعِقابَهُ. ومِن جَعَلَ "الجِنَّةَ" المَلائِكَةَ جَعَلَ الضَمِيرَ في "إنَّهُمْ" لِلْقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ سَيَحْضُرُونَ ثَوابَ اللهِ وعِقابَهُ، وقَدْ يَتَداخَلُ هَذانَ القَوْلانِ. ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يَصِفُهُ الناسُ ولا يَلِيقُ بِهِ، ومِن هَذا اسْتَثْنى العِبادَ المُخْلَصِينَ؛ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ العُلى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اسْتَثْناهم مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لَمُحْضَرُونَ"،﴾ وهَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِ مَن رَأى ﴿ "الجِنَّةِ"﴾ المَلائِكَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدٌ: إنَّكم وأصْنامَكم ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِسَبَبِها، إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وضَمَّهُ القَدَرُ، بِأنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكم إضْلالُ مِن هَدى اللهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عَلَيْهِ" بِمَعْنى "فِيهِ"، و"الفاتِنُ": المُضِلُّ في هَذا المَوْضِعِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ عَلى المِنبَرِ: "إنَّ اللهَ هو الهادِي والفاتِنُ"، و"مَن" في مَوْضِعِ (p-٣١٦)نَصْبٍ بِـ"فاتِنِينَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ"﴾ بِكَسْرِ اللامِ مِن "صالِ"، حُذِفَتِ الياءُ لِلْإضافَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "صالُ الجَحِيمِ" بِضَمِّ اللامِ، ولِلنُّحاةِ في مَعْناهُ اضْطِرابُ أقْوالٍ، وأقْواها أنَّهُ "صالُونَ" حُذِفَتِ النُونُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ لِلِالتِقاءِ، وخَرَجَ لَفْظُ الجَمِيعِ بَعْدَ لَفْظِ الإفْرادِ، فَهو كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ [يونس: ٤٢]، إذْ لَمّا كانَتْ (مَن) وهي مِنَ الأسْماءِ الَّتِي فِيها إبْهامٌ ويُكَنّى بِها عن أفْرادٍ وجَمْعٍ. ثُمَّ حَكى قَوْلَ المَلائِكَةِ: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "الجِنَّةَ" أرادَ بِها المَلائِكَةَ، كَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ عَلِمَتْ كَذا، وإنَّ قَوْلَنا لِكَذا، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما مِنّا مَلَكٌ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ السَماءَ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أو قَدَماهُ"،» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإنَّ كُلُّنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ". و"الصافُّونَ" مَعْناهُ: الواقِفُونَ صُفُوفًا، و"المُسَبِّحُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَلاةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ صَرَفَ وجْهَهَ إلى الناسِ فَيَقُولُ لَهُمْ: عَدِّلُوا صُفُوفَكم وأقِيمُوها، فَإنَّ اللهَ إنَّما يُرِيدُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ، فَإنَّها تَقُولُ: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، ثُمَّ يَرى تَقْوِيمَ الصُفُوفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ ويُكَبِّرُ، قالَ الزَهْراوِيُّ: قِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِن أهْلِ المِلَلِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ: مَقالَةَ بَعْضِ الكُفّارِ، وقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: فَإنَّهم قَبْلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: لَوْ كانَ لَنا كِتابٌ أو جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا مِن أتْقى عِبادِ اللهِ وأشَدِّهِمْ إخْلاصًا، فَلَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ كَفَرُوا فاسْتَوْجَبُوا ألِيمَ العِقابِ.

الصافات 37:162

(p-٣١٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلُوا"﴾ لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: إنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّ اللهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ قَوْمٌ لِأبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ: إنَّ اللهَ تَعالى نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ، فـَ "الجِنَّةُ" عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ يَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُسْتَجِنَّةً، أيْ: مُسْتَتِرَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾. مَن جَعَلَ "الجِنَّةَ" الشَياطِينَ جَعَلَ العَلامَةَ في ﴿ "عَلِمَتِ"،﴾ والضَمِيرَ في ﴿ "إنَّهُمْ"﴾ عائِدًا عَلَيْهِمْ. أيْ: جَعَلُوا الشَياطِينَ لَيْسَتْ مِنَ اللهِ، والشَياطِينُ تَعْلَمُ ضِدَّ ذَلِكَ مِن أنَّها سَتَحْضُرُ أمْرَ اللهِ وثَوابَهُ وعِقابَهُ. ومِن جَعَلَ "الجِنَّةَ" المَلائِكَةَ جَعَلَ الضَمِيرَ في "إنَّهُمْ" لِلْقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ سَيَحْضُرُونَ ثَوابَ اللهِ وعِقابَهُ، وقَدْ يَتَداخَلُ هَذانَ القَوْلانِ. ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يَصِفُهُ الناسُ ولا يَلِيقُ بِهِ، ومِن هَذا اسْتَثْنى العِبادَ المُخْلَصِينَ؛ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ العُلى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اسْتَثْناهم مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لَمُحْضَرُونَ"،﴾ وهَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِ مَن رَأى ﴿ "الجِنَّةِ"﴾ المَلائِكَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدٌ: إنَّكم وأصْنامَكم ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِسَبَبِها، إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وضَمَّهُ القَدَرُ، بِأنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكم إضْلالُ مِن هَدى اللهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عَلَيْهِ" بِمَعْنى "فِيهِ"، و"الفاتِنُ": المُضِلُّ في هَذا المَوْضِعِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ عَلى المِنبَرِ: "إنَّ اللهَ هو الهادِي والفاتِنُ"، و"مَن" في مَوْضِعِ (p-٣١٦)نَصْبٍ بِـ"فاتِنِينَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ"﴾ بِكَسْرِ اللامِ مِن "صالِ"، حُذِفَتِ الياءُ لِلْإضافَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "صالُ الجَحِيمِ" بِضَمِّ اللامِ، ولِلنُّحاةِ في مَعْناهُ اضْطِرابُ أقْوالٍ، وأقْواها أنَّهُ "صالُونَ" حُذِفَتِ النُونُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ لِلِالتِقاءِ، وخَرَجَ لَفْظُ الجَمِيعِ بَعْدَ لَفْظِ الإفْرادِ، فَهو كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ [يونس: ٤٢]، إذْ لَمّا كانَتْ (مَن) وهي مِنَ الأسْماءِ الَّتِي فِيها إبْهامٌ ويُكَنّى بِها عن أفْرادٍ وجَمْعٍ. ثُمَّ حَكى قَوْلَ المَلائِكَةِ: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "الجِنَّةَ" أرادَ بِها المَلائِكَةَ، كَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ عَلِمَتْ كَذا، وإنَّ قَوْلَنا لِكَذا، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما مِنّا مَلَكٌ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ السَماءَ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أو قَدَماهُ"،» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإنَّ كُلُّنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ". و"الصافُّونَ" مَعْناهُ: الواقِفُونَ صُفُوفًا، و"المُسَبِّحُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَلاةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ صَرَفَ وجْهَهَ إلى الناسِ فَيَقُولُ لَهُمْ: عَدِّلُوا صُفُوفَكم وأقِيمُوها، فَإنَّ اللهَ إنَّما يُرِيدُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ، فَإنَّها تَقُولُ: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، ثُمَّ يَرى تَقْوِيمَ الصُفُوفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ ويُكَبِّرُ، قالَ الزَهْراوِيُّ: قِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِن أهْلِ المِلَلِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ: مَقالَةَ بَعْضِ الكُفّارِ، وقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: فَإنَّهم قَبْلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: لَوْ كانَ لَنا كِتابٌ أو جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا مِن أتْقى عِبادِ اللهِ وأشَدِّهِمْ إخْلاصًا، فَلَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ كَفَرُوا فاسْتَوْجَبُوا ألِيمَ العِقابِ.

الصافات 37:163

(p-٣١٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلُوا"﴾ لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: إنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّ اللهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ قَوْمٌ لِأبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ: إنَّ اللهَ تَعالى نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ، فـَ "الجِنَّةُ" عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ يَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُسْتَجِنَّةً، أيْ: مُسْتَتِرَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾. مَن جَعَلَ "الجِنَّةَ" الشَياطِينَ جَعَلَ العَلامَةَ في ﴿ "عَلِمَتِ"،﴾ والضَمِيرَ في ﴿ "إنَّهُمْ"﴾ عائِدًا عَلَيْهِمْ. أيْ: جَعَلُوا الشَياطِينَ لَيْسَتْ مِنَ اللهِ، والشَياطِينُ تَعْلَمُ ضِدَّ ذَلِكَ مِن أنَّها سَتَحْضُرُ أمْرَ اللهِ وثَوابَهُ وعِقابَهُ. ومِن جَعَلَ "الجِنَّةَ" المَلائِكَةَ جَعَلَ الضَمِيرَ في "إنَّهُمْ" لِلْقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ سَيَحْضُرُونَ ثَوابَ اللهِ وعِقابَهُ، وقَدْ يَتَداخَلُ هَذانَ القَوْلانِ. ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يَصِفُهُ الناسُ ولا يَلِيقُ بِهِ، ومِن هَذا اسْتَثْنى العِبادَ المُخْلَصِينَ؛ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ العُلى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اسْتَثْناهم مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لَمُحْضَرُونَ"،﴾ وهَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِ مَن رَأى ﴿ "الجِنَّةِ"﴾ المَلائِكَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدٌ: إنَّكم وأصْنامَكم ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِسَبَبِها، إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وضَمَّهُ القَدَرُ، بِأنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكم إضْلالُ مِن هَدى اللهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عَلَيْهِ" بِمَعْنى "فِيهِ"، و"الفاتِنُ": المُضِلُّ في هَذا المَوْضِعِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ عَلى المِنبَرِ: "إنَّ اللهَ هو الهادِي والفاتِنُ"، و"مَن" في مَوْضِعِ (p-٣١٦)نَصْبٍ بِـ"فاتِنِينَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ"﴾ بِكَسْرِ اللامِ مِن "صالِ"، حُذِفَتِ الياءُ لِلْإضافَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "صالُ الجَحِيمِ" بِضَمِّ اللامِ، ولِلنُّحاةِ في مَعْناهُ اضْطِرابُ أقْوالٍ، وأقْواها أنَّهُ "صالُونَ" حُذِفَتِ النُونُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ لِلِالتِقاءِ، وخَرَجَ لَفْظُ الجَمِيعِ بَعْدَ لَفْظِ الإفْرادِ، فَهو كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ [يونس: ٤٢]، إذْ لَمّا كانَتْ (مَن) وهي مِنَ الأسْماءِ الَّتِي فِيها إبْهامٌ ويُكَنّى بِها عن أفْرادٍ وجَمْعٍ. ثُمَّ حَكى قَوْلَ المَلائِكَةِ: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "الجِنَّةَ" أرادَ بِها المَلائِكَةَ، كَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ عَلِمَتْ كَذا، وإنَّ قَوْلَنا لِكَذا، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما مِنّا مَلَكٌ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ السَماءَ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أو قَدَماهُ"،» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإنَّ كُلُّنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ". و"الصافُّونَ" مَعْناهُ: الواقِفُونَ صُفُوفًا، و"المُسَبِّحُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَلاةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ صَرَفَ وجْهَهَ إلى الناسِ فَيَقُولُ لَهُمْ: عَدِّلُوا صُفُوفَكم وأقِيمُوها، فَإنَّ اللهَ إنَّما يُرِيدُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ، فَإنَّها تَقُولُ: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، ثُمَّ يَرى تَقْوِيمَ الصُفُوفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ ويُكَبِّرُ، قالَ الزَهْراوِيُّ: قِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِن أهْلِ المِلَلِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ: مَقالَةَ بَعْضِ الكُفّارِ، وقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: فَإنَّهم قَبْلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: لَوْ كانَ لَنا كِتابٌ أو جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا مِن أتْقى عِبادِ اللهِ وأشَدِّهِمْ إخْلاصًا، فَلَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ كَفَرُوا فاسْتَوْجَبُوا ألِيمَ العِقابِ.

الصافات 37:164

(p-٣١٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلُوا"﴾ لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: إنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّ اللهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ قَوْمٌ لِأبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ: إنَّ اللهَ تَعالى نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ، فـَ "الجِنَّةُ" عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ يَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُسْتَجِنَّةً، أيْ: مُسْتَتِرَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾. مَن جَعَلَ "الجِنَّةَ" الشَياطِينَ جَعَلَ العَلامَةَ في ﴿ "عَلِمَتِ"،﴾ والضَمِيرَ في ﴿ "إنَّهُمْ"﴾ عائِدًا عَلَيْهِمْ. أيْ: جَعَلُوا الشَياطِينَ لَيْسَتْ مِنَ اللهِ، والشَياطِينُ تَعْلَمُ ضِدَّ ذَلِكَ مِن أنَّها سَتَحْضُرُ أمْرَ اللهِ وثَوابَهُ وعِقابَهُ. ومِن جَعَلَ "الجِنَّةَ" المَلائِكَةَ جَعَلَ الضَمِيرَ في "إنَّهُمْ" لِلْقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ سَيَحْضُرُونَ ثَوابَ اللهِ وعِقابَهُ، وقَدْ يَتَداخَلُ هَذانَ القَوْلانِ. ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يَصِفُهُ الناسُ ولا يَلِيقُ بِهِ، ومِن هَذا اسْتَثْنى العِبادَ المُخْلَصِينَ؛ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ العُلى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اسْتَثْناهم مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لَمُحْضَرُونَ"،﴾ وهَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِ مَن رَأى ﴿ "الجِنَّةِ"﴾ المَلائِكَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدٌ: إنَّكم وأصْنامَكم ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِسَبَبِها، إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وضَمَّهُ القَدَرُ، بِأنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكم إضْلالُ مِن هَدى اللهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عَلَيْهِ" بِمَعْنى "فِيهِ"، و"الفاتِنُ": المُضِلُّ في هَذا المَوْضِعِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ عَلى المِنبَرِ: "إنَّ اللهَ هو الهادِي والفاتِنُ"، و"مَن" في مَوْضِعِ (p-٣١٦)نَصْبٍ بِـ"فاتِنِينَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ"﴾ بِكَسْرِ اللامِ مِن "صالِ"، حُذِفَتِ الياءُ لِلْإضافَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "صالُ الجَحِيمِ" بِضَمِّ اللامِ، ولِلنُّحاةِ في مَعْناهُ اضْطِرابُ أقْوالٍ، وأقْواها أنَّهُ "صالُونَ" حُذِفَتِ النُونُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ لِلِالتِقاءِ، وخَرَجَ لَفْظُ الجَمِيعِ بَعْدَ لَفْظِ الإفْرادِ، فَهو كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ [يونس: ٤٢]، إذْ لَمّا كانَتْ (مَن) وهي مِنَ الأسْماءِ الَّتِي فِيها إبْهامٌ ويُكَنّى بِها عن أفْرادٍ وجَمْعٍ. ثُمَّ حَكى قَوْلَ المَلائِكَةِ: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "الجِنَّةَ" أرادَ بِها المَلائِكَةَ، كَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ عَلِمَتْ كَذا، وإنَّ قَوْلَنا لِكَذا، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما مِنّا مَلَكٌ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ السَماءَ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أو قَدَماهُ"،» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإنَّ كُلُّنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ". و"الصافُّونَ" مَعْناهُ: الواقِفُونَ صُفُوفًا، و"المُسَبِّحُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَلاةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ صَرَفَ وجْهَهَ إلى الناسِ فَيَقُولُ لَهُمْ: عَدِّلُوا صُفُوفَكم وأقِيمُوها، فَإنَّ اللهَ إنَّما يُرِيدُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ، فَإنَّها تَقُولُ: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، ثُمَّ يَرى تَقْوِيمَ الصُفُوفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ ويُكَبِّرُ، قالَ الزَهْراوِيُّ: قِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِن أهْلِ المِلَلِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ: مَقالَةَ بَعْضِ الكُفّارِ، وقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: فَإنَّهم قَبْلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: لَوْ كانَ لَنا كِتابٌ أو جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا مِن أتْقى عِبادِ اللهِ وأشَدِّهِمْ إخْلاصًا، فَلَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ كَفَرُوا فاسْتَوْجَبُوا ألِيمَ العِقابِ.

الصافات 37:165

(p-٣١٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلُوا"﴾ لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: إنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّ اللهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ قَوْمٌ لِأبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ: إنَّ اللهَ تَعالى نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ، فـَ "الجِنَّةُ" عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ يَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُسْتَجِنَّةً، أيْ: مُسْتَتِرَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾. مَن جَعَلَ "الجِنَّةَ" الشَياطِينَ جَعَلَ العَلامَةَ في ﴿ "عَلِمَتِ"،﴾ والضَمِيرَ في ﴿ "إنَّهُمْ"﴾ عائِدًا عَلَيْهِمْ. أيْ: جَعَلُوا الشَياطِينَ لَيْسَتْ مِنَ اللهِ، والشَياطِينُ تَعْلَمُ ضِدَّ ذَلِكَ مِن أنَّها سَتَحْضُرُ أمْرَ اللهِ وثَوابَهُ وعِقابَهُ. ومِن جَعَلَ "الجِنَّةَ" المَلائِكَةَ جَعَلَ الضَمِيرَ في "إنَّهُمْ" لِلْقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ سَيَحْضُرُونَ ثَوابَ اللهِ وعِقابَهُ، وقَدْ يَتَداخَلُ هَذانَ القَوْلانِ. ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يَصِفُهُ الناسُ ولا يَلِيقُ بِهِ، ومِن هَذا اسْتَثْنى العِبادَ المُخْلَصِينَ؛ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ العُلى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اسْتَثْناهم مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لَمُحْضَرُونَ"،﴾ وهَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِ مَن رَأى ﴿ "الجِنَّةِ"﴾ المَلائِكَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدٌ: إنَّكم وأصْنامَكم ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِسَبَبِها، إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وضَمَّهُ القَدَرُ، بِأنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكم إضْلالُ مِن هَدى اللهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عَلَيْهِ" بِمَعْنى "فِيهِ"، و"الفاتِنُ": المُضِلُّ في هَذا المَوْضِعِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ عَلى المِنبَرِ: "إنَّ اللهَ هو الهادِي والفاتِنُ"، و"مَن" في مَوْضِعِ (p-٣١٦)نَصْبٍ بِـ"فاتِنِينَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ"﴾ بِكَسْرِ اللامِ مِن "صالِ"، حُذِفَتِ الياءُ لِلْإضافَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "صالُ الجَحِيمِ" بِضَمِّ اللامِ، ولِلنُّحاةِ في مَعْناهُ اضْطِرابُ أقْوالٍ، وأقْواها أنَّهُ "صالُونَ" حُذِفَتِ النُونُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ لِلِالتِقاءِ، وخَرَجَ لَفْظُ الجَمِيعِ بَعْدَ لَفْظِ الإفْرادِ، فَهو كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ [يونس: ٤٢]، إذْ لَمّا كانَتْ (مَن) وهي مِنَ الأسْماءِ الَّتِي فِيها إبْهامٌ ويُكَنّى بِها عن أفْرادٍ وجَمْعٍ. ثُمَّ حَكى قَوْلَ المَلائِكَةِ: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "الجِنَّةَ" أرادَ بِها المَلائِكَةَ، كَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ عَلِمَتْ كَذا، وإنَّ قَوْلَنا لِكَذا، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما مِنّا مَلَكٌ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ السَماءَ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أو قَدَماهُ"،» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإنَّ كُلُّنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ". و"الصافُّونَ" مَعْناهُ: الواقِفُونَ صُفُوفًا، و"المُسَبِّحُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَلاةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ صَرَفَ وجْهَهَ إلى الناسِ فَيَقُولُ لَهُمْ: عَدِّلُوا صُفُوفَكم وأقِيمُوها، فَإنَّ اللهَ إنَّما يُرِيدُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ، فَإنَّها تَقُولُ: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، ثُمَّ يَرى تَقْوِيمَ الصُفُوفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ ويُكَبِّرُ، قالَ الزَهْراوِيُّ: قِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِن أهْلِ المِلَلِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ: مَقالَةَ بَعْضِ الكُفّارِ، وقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: فَإنَّهم قَبْلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: لَوْ كانَ لَنا كِتابٌ أو جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا مِن أتْقى عِبادِ اللهِ وأشَدِّهِمْ إخْلاصًا، فَلَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ كَفَرُوا فاسْتَوْجَبُوا ألِيمَ العِقابِ.

الصافات 37:166

(p-٣١٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلُوا"﴾ لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: إنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّ اللهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ قَوْمٌ لِأبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ: إنَّ اللهَ تَعالى نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ، فـَ "الجِنَّةُ" عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ يَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُسْتَجِنَّةً، أيْ: مُسْتَتِرَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾. مَن جَعَلَ "الجِنَّةَ" الشَياطِينَ جَعَلَ العَلامَةَ في ﴿ "عَلِمَتِ"،﴾ والضَمِيرَ في ﴿ "إنَّهُمْ"﴾ عائِدًا عَلَيْهِمْ. أيْ: جَعَلُوا الشَياطِينَ لَيْسَتْ مِنَ اللهِ، والشَياطِينُ تَعْلَمُ ضِدَّ ذَلِكَ مِن أنَّها سَتَحْضُرُ أمْرَ اللهِ وثَوابَهُ وعِقابَهُ. ومِن جَعَلَ "الجِنَّةَ" المَلائِكَةَ جَعَلَ الضَمِيرَ في "إنَّهُمْ" لِلْقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ سَيَحْضُرُونَ ثَوابَ اللهِ وعِقابَهُ، وقَدْ يَتَداخَلُ هَذانَ القَوْلانِ. ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يَصِفُهُ الناسُ ولا يَلِيقُ بِهِ، ومِن هَذا اسْتَثْنى العِبادَ المُخْلَصِينَ؛ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ العُلى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اسْتَثْناهم مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لَمُحْضَرُونَ"،﴾ وهَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِ مَن رَأى ﴿ "الجِنَّةِ"﴾ المَلائِكَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدٌ: إنَّكم وأصْنامَكم ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِسَبَبِها، إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وضَمَّهُ القَدَرُ، بِأنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكم إضْلالُ مِن هَدى اللهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عَلَيْهِ" بِمَعْنى "فِيهِ"، و"الفاتِنُ": المُضِلُّ في هَذا المَوْضِعِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ عَلى المِنبَرِ: "إنَّ اللهَ هو الهادِي والفاتِنُ"، و"مَن" في مَوْضِعِ (p-٣١٦)نَصْبٍ بِـ"فاتِنِينَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ"﴾ بِكَسْرِ اللامِ مِن "صالِ"، حُذِفَتِ الياءُ لِلْإضافَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "صالُ الجَحِيمِ" بِضَمِّ اللامِ، ولِلنُّحاةِ في مَعْناهُ اضْطِرابُ أقْوالٍ، وأقْواها أنَّهُ "صالُونَ" حُذِفَتِ النُونُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ لِلِالتِقاءِ، وخَرَجَ لَفْظُ الجَمِيعِ بَعْدَ لَفْظِ الإفْرادِ، فَهو كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ [يونس: ٤٢]، إذْ لَمّا كانَتْ (مَن) وهي مِنَ الأسْماءِ الَّتِي فِيها إبْهامٌ ويُكَنّى بِها عن أفْرادٍ وجَمْعٍ. ثُمَّ حَكى قَوْلَ المَلائِكَةِ: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "الجِنَّةَ" أرادَ بِها المَلائِكَةَ، كَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ عَلِمَتْ كَذا، وإنَّ قَوْلَنا لِكَذا، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما مِنّا مَلَكٌ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ السَماءَ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أو قَدَماهُ"،» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإنَّ كُلُّنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ". و"الصافُّونَ" مَعْناهُ: الواقِفُونَ صُفُوفًا، و"المُسَبِّحُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَلاةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ صَرَفَ وجْهَهَ إلى الناسِ فَيَقُولُ لَهُمْ: عَدِّلُوا صُفُوفَكم وأقِيمُوها، فَإنَّ اللهَ إنَّما يُرِيدُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ، فَإنَّها تَقُولُ: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، ثُمَّ يَرى تَقْوِيمَ الصُفُوفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ ويُكَبِّرُ، قالَ الزَهْراوِيُّ: قِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِن أهْلِ المِلَلِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ: مَقالَةَ بَعْضِ الكُفّارِ، وقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: فَإنَّهم قَبْلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: لَوْ كانَ لَنا كِتابٌ أو جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا مِن أتْقى عِبادِ اللهِ وأشَدِّهِمْ إخْلاصًا، فَلَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ كَفَرُوا فاسْتَوْجَبُوا ألِيمَ العِقابِ.

الصافات 37:167

(p-٣١٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلُوا"﴾ لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: إنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّ اللهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ قَوْمٌ لِأبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ: إنَّ اللهَ تَعالى نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ، فـَ "الجِنَّةُ" عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ يَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُسْتَجِنَّةً، أيْ: مُسْتَتِرَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾. مَن جَعَلَ "الجِنَّةَ" الشَياطِينَ جَعَلَ العَلامَةَ في ﴿ "عَلِمَتِ"،﴾ والضَمِيرَ في ﴿ "إنَّهُمْ"﴾ عائِدًا عَلَيْهِمْ. أيْ: جَعَلُوا الشَياطِينَ لَيْسَتْ مِنَ اللهِ، والشَياطِينُ تَعْلَمُ ضِدَّ ذَلِكَ مِن أنَّها سَتَحْضُرُ أمْرَ اللهِ وثَوابَهُ وعِقابَهُ. ومِن جَعَلَ "الجِنَّةَ" المَلائِكَةَ جَعَلَ الضَمِيرَ في "إنَّهُمْ" لِلْقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ سَيَحْضُرُونَ ثَوابَ اللهِ وعِقابَهُ، وقَدْ يَتَداخَلُ هَذانَ القَوْلانِ. ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يَصِفُهُ الناسُ ولا يَلِيقُ بِهِ، ومِن هَذا اسْتَثْنى العِبادَ المُخْلَصِينَ؛ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ العُلى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اسْتَثْناهم مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لَمُحْضَرُونَ"،﴾ وهَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِ مَن رَأى ﴿ "الجِنَّةِ"﴾ المَلائِكَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدٌ: إنَّكم وأصْنامَكم ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِسَبَبِها، إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وضَمَّهُ القَدَرُ، بِأنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكم إضْلالُ مِن هَدى اللهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عَلَيْهِ" بِمَعْنى "فِيهِ"، و"الفاتِنُ": المُضِلُّ في هَذا المَوْضِعِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ عَلى المِنبَرِ: "إنَّ اللهَ هو الهادِي والفاتِنُ"، و"مَن" في مَوْضِعِ (p-٣١٦)نَصْبٍ بِـ"فاتِنِينَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ"﴾ بِكَسْرِ اللامِ مِن "صالِ"، حُذِفَتِ الياءُ لِلْإضافَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "صالُ الجَحِيمِ" بِضَمِّ اللامِ، ولِلنُّحاةِ في مَعْناهُ اضْطِرابُ أقْوالٍ، وأقْواها أنَّهُ "صالُونَ" حُذِفَتِ النُونُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ لِلِالتِقاءِ، وخَرَجَ لَفْظُ الجَمِيعِ بَعْدَ لَفْظِ الإفْرادِ، فَهو كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ [يونس: ٤٢]، إذْ لَمّا كانَتْ (مَن) وهي مِنَ الأسْماءِ الَّتِي فِيها إبْهامٌ ويُكَنّى بِها عن أفْرادٍ وجَمْعٍ. ثُمَّ حَكى قَوْلَ المَلائِكَةِ: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "الجِنَّةَ" أرادَ بِها المَلائِكَةَ، كَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ عَلِمَتْ كَذا، وإنَّ قَوْلَنا لِكَذا، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما مِنّا مَلَكٌ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ السَماءَ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أو قَدَماهُ"،» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإنَّ كُلُّنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ". و"الصافُّونَ" مَعْناهُ: الواقِفُونَ صُفُوفًا، و"المُسَبِّحُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَلاةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ صَرَفَ وجْهَهَ إلى الناسِ فَيَقُولُ لَهُمْ: عَدِّلُوا صُفُوفَكم وأقِيمُوها، فَإنَّ اللهَ إنَّما يُرِيدُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ، فَإنَّها تَقُولُ: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، ثُمَّ يَرى تَقْوِيمَ الصُفُوفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ ويُكَبِّرُ، قالَ الزَهْراوِيُّ: قِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِن أهْلِ المِلَلِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ: مَقالَةَ بَعْضِ الكُفّارِ، وقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: فَإنَّهم قَبْلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: لَوْ كانَ لَنا كِتابٌ أو جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا مِن أتْقى عِبادِ اللهِ وأشَدِّهِمْ إخْلاصًا، فَلَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ كَفَرُوا فاسْتَوْجَبُوا ألِيمَ العِقابِ.

الصافات 37:168

(p-٣١٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلُوا"﴾ لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: إنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّ اللهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ قَوْمٌ لِأبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ: إنَّ اللهَ تَعالى نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ، فـَ "الجِنَّةُ" عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ يَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُسْتَجِنَّةً، أيْ: مُسْتَتِرَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾. مَن جَعَلَ "الجِنَّةَ" الشَياطِينَ جَعَلَ العَلامَةَ في ﴿ "عَلِمَتِ"،﴾ والضَمِيرَ في ﴿ "إنَّهُمْ"﴾ عائِدًا عَلَيْهِمْ. أيْ: جَعَلُوا الشَياطِينَ لَيْسَتْ مِنَ اللهِ، والشَياطِينُ تَعْلَمُ ضِدَّ ذَلِكَ مِن أنَّها سَتَحْضُرُ أمْرَ اللهِ وثَوابَهُ وعِقابَهُ. ومِن جَعَلَ "الجِنَّةَ" المَلائِكَةَ جَعَلَ الضَمِيرَ في "إنَّهُمْ" لِلْقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ سَيَحْضُرُونَ ثَوابَ اللهِ وعِقابَهُ، وقَدْ يَتَداخَلُ هَذانَ القَوْلانِ. ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يَصِفُهُ الناسُ ولا يَلِيقُ بِهِ، ومِن هَذا اسْتَثْنى العِبادَ المُخْلَصِينَ؛ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ العُلى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اسْتَثْناهم مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لَمُحْضَرُونَ"،﴾ وهَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِ مَن رَأى ﴿ "الجِنَّةِ"﴾ المَلائِكَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدٌ: إنَّكم وأصْنامَكم ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِسَبَبِها، إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وضَمَّهُ القَدَرُ، بِأنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكم إضْلالُ مِن هَدى اللهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عَلَيْهِ" بِمَعْنى "فِيهِ"، و"الفاتِنُ": المُضِلُّ في هَذا المَوْضِعِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ عَلى المِنبَرِ: "إنَّ اللهَ هو الهادِي والفاتِنُ"، و"مَن" في مَوْضِعِ (p-٣١٦)نَصْبٍ بِـ"فاتِنِينَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ"﴾ بِكَسْرِ اللامِ مِن "صالِ"، حُذِفَتِ الياءُ لِلْإضافَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "صالُ الجَحِيمِ" بِضَمِّ اللامِ، ولِلنُّحاةِ في مَعْناهُ اضْطِرابُ أقْوالٍ، وأقْواها أنَّهُ "صالُونَ" حُذِفَتِ النُونُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ لِلِالتِقاءِ، وخَرَجَ لَفْظُ الجَمِيعِ بَعْدَ لَفْظِ الإفْرادِ، فَهو كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ [يونس: ٤٢]، إذْ لَمّا كانَتْ (مَن) وهي مِنَ الأسْماءِ الَّتِي فِيها إبْهامٌ ويُكَنّى بِها عن أفْرادٍ وجَمْعٍ. ثُمَّ حَكى قَوْلَ المَلائِكَةِ: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "الجِنَّةَ" أرادَ بِها المَلائِكَةَ، كَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ عَلِمَتْ كَذا، وإنَّ قَوْلَنا لِكَذا، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما مِنّا مَلَكٌ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ السَماءَ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أو قَدَماهُ"،» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإنَّ كُلُّنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ". و"الصافُّونَ" مَعْناهُ: الواقِفُونَ صُفُوفًا، و"المُسَبِّحُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَلاةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ صَرَفَ وجْهَهَ إلى الناسِ فَيَقُولُ لَهُمْ: عَدِّلُوا صُفُوفَكم وأقِيمُوها، فَإنَّ اللهَ إنَّما يُرِيدُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ، فَإنَّها تَقُولُ: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، ثُمَّ يَرى تَقْوِيمَ الصُفُوفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ ويُكَبِّرُ، قالَ الزَهْراوِيُّ: قِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِن أهْلِ المِلَلِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ: مَقالَةَ بَعْضِ الكُفّارِ، وقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: فَإنَّهم قَبْلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: لَوْ كانَ لَنا كِتابٌ أو جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا مِن أتْقى عِبادِ اللهِ وأشَدِّهِمْ إخْلاصًا، فَلَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ كَفَرُوا فاسْتَوْجَبُوا ألِيمَ العِقابِ.

الصافات 37:169

(p-٣١٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلُوا"﴾ لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: إنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّ اللهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ قَوْمٌ لِأبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ: إنَّ اللهَ تَعالى نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ، فـَ "الجِنَّةُ" عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ يَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُسْتَجِنَّةً، أيْ: مُسْتَتِرَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾. مَن جَعَلَ "الجِنَّةَ" الشَياطِينَ جَعَلَ العَلامَةَ في ﴿ "عَلِمَتِ"،﴾ والضَمِيرَ في ﴿ "إنَّهُمْ"﴾ عائِدًا عَلَيْهِمْ. أيْ: جَعَلُوا الشَياطِينَ لَيْسَتْ مِنَ اللهِ، والشَياطِينُ تَعْلَمُ ضِدَّ ذَلِكَ مِن أنَّها سَتَحْضُرُ أمْرَ اللهِ وثَوابَهُ وعِقابَهُ. ومِن جَعَلَ "الجِنَّةَ" المَلائِكَةَ جَعَلَ الضَمِيرَ في "إنَّهُمْ" لِلْقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ سَيَحْضُرُونَ ثَوابَ اللهِ وعِقابَهُ، وقَدْ يَتَداخَلُ هَذانَ القَوْلانِ. ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يَصِفُهُ الناسُ ولا يَلِيقُ بِهِ، ومِن هَذا اسْتَثْنى العِبادَ المُخْلَصِينَ؛ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ العُلى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اسْتَثْناهم مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لَمُحْضَرُونَ"،﴾ وهَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِ مَن رَأى ﴿ "الجِنَّةِ"﴾ المَلائِكَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدٌ: إنَّكم وأصْنامَكم ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِسَبَبِها، إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وضَمَّهُ القَدَرُ، بِأنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكم إضْلالُ مِن هَدى اللهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عَلَيْهِ" بِمَعْنى "فِيهِ"، و"الفاتِنُ": المُضِلُّ في هَذا المَوْضِعِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ عَلى المِنبَرِ: "إنَّ اللهَ هو الهادِي والفاتِنُ"، و"مَن" في مَوْضِعِ (p-٣١٦)نَصْبٍ بِـ"فاتِنِينَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ"﴾ بِكَسْرِ اللامِ مِن "صالِ"، حُذِفَتِ الياءُ لِلْإضافَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "صالُ الجَحِيمِ" بِضَمِّ اللامِ، ولِلنُّحاةِ في مَعْناهُ اضْطِرابُ أقْوالٍ، وأقْواها أنَّهُ "صالُونَ" حُذِفَتِ النُونُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ لِلِالتِقاءِ، وخَرَجَ لَفْظُ الجَمِيعِ بَعْدَ لَفْظِ الإفْرادِ، فَهو كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ [يونس: ٤٢]، إذْ لَمّا كانَتْ (مَن) وهي مِنَ الأسْماءِ الَّتِي فِيها إبْهامٌ ويُكَنّى بِها عن أفْرادٍ وجَمْعٍ. ثُمَّ حَكى قَوْلَ المَلائِكَةِ: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "الجِنَّةَ" أرادَ بِها المَلائِكَةَ، كَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ عَلِمَتْ كَذا، وإنَّ قَوْلَنا لِكَذا، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما مِنّا مَلَكٌ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ السَماءَ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أو قَدَماهُ"،» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإنَّ كُلُّنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ". و"الصافُّونَ" مَعْناهُ: الواقِفُونَ صُفُوفًا، و"المُسَبِّحُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَلاةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ صَرَفَ وجْهَهَ إلى الناسِ فَيَقُولُ لَهُمْ: عَدِّلُوا صُفُوفَكم وأقِيمُوها، فَإنَّ اللهَ إنَّما يُرِيدُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ، فَإنَّها تَقُولُ: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، ثُمَّ يَرى تَقْوِيمَ الصُفُوفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ ويُكَبِّرُ، قالَ الزَهْراوِيُّ: قِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِن أهْلِ المِلَلِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ: مَقالَةَ بَعْضِ الكُفّارِ، وقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: فَإنَّهم قَبْلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: لَوْ كانَ لَنا كِتابٌ أو جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا مِن أتْقى عِبادِ اللهِ وأشَدِّهِمْ إخْلاصًا، فَلَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ كَفَرُوا فاسْتَوْجَبُوا ألِيمَ العِقابِ.

الصافات 37:170

(p-٣١٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّهم تَمَنَّوْا أمْرًا فَلَمّا جاءَهُمُ اللهُ بِهِ كَفَرُوا واسْتَهْواهُمُ الحَسَدُ، ثُمَّ آنَسَ نَبِيَّهُ ﷺ وأولِياءَهُ بِأنَّ القَضاءَ قَدْ سَبَقَ، والكَلِمَةَ قَدْ حَقَّتْ في الأزَلِ، بِأنَّ رُسُلَ اللهِ تَعالى إلى أرْضِهِ هُمُ المَنصُورُونَ عَلى مَن ناوَأهُمُ، المُظَفَّرُونَ بِإرادَتِهِمُ، المُسْتَوْجَبُونَ الفَلّاحَ في الدارَيْنِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "كَلِماتُنا" بِألِفٍ عَلى الجَمْعِ. و"جُنْدُ اللهِ" هُمُ الغُزاةُ لِتَكُونَ كَلِماتُ اللهِ هي العُلْيا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: جُنْدُ اللهِ في السَماءِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ الغُزاةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأمْرٌ بِالمُوادَعَةِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالحِينِ هُنا، فَقالَ السُدِّيُّ: الحِينُ مَوْتُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحِينُ المَقْصُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَوْفَ يَرَوْنَ عُقْبى طَرِيقَتِهِمْ. ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم - عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نَزَلَ بِساحَتِهِمْ"﴾ أيِ العَذابُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَلَ" عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، و"الساحَةُ": الفِناءُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ فِيما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ. و"سُوءُ الصَباحِ" أيْضًا مُسْتَعْمَلٌ في وُرُودِ الغاراتِ والرَزايا ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الصارِخِ: "يا صَباحاهُ"، كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ سَألَنِي الصَباحُ فَأعِينُونِي، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَبِئْسَ صَباحُ". ثُمَّ أعادَ اللهُ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ ﷺ بِالتَوَلِّي تَحْقِيقًا لِتَأْنِيسِهِ وتَهَمُّمًا بِهِ، وأعادَ سُبْحانَهُ تَوَعُّدَهم أيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عن جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَصِفَهُ بِهِ أهْلُ الضَلالاتِ. و"العِزَّةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ هي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ، لِلْأنْبِياءِ (p-٣١٨)والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: مِن أجْلِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ: "مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ فَإنْ كانَ أرادَ صِفَتَهُ الذاتِيَّةَ فَهي يَمِينٌ، وإنْ كانَ أرادَ عِزَّتَهُ الَّتِي خَلَقَها بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ. ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إذا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلى المُرْسَلِينَ، فَإنَّما أنا أحَدُهُمْ".» وباقِي السُورَةِ بَيِّنٌ. وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عن صالِحِ بْنِ مِينا قالَ: قَرَأْتُ عَلى عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، فَلَمّا خَتَمْتُ هَذِهِ السُورَةَ سَكَتَ، فَقالَ: إيهٍ، اقْرَأْ، قُلْتُ: قَدْ خَتَمْتُ، فَقالَ: كَذَلِكَ فَعَلْتُ عَلى أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ وقالَ لِي كَما قُلْتُ لَكَ، وقالَ لِي كَذَلِكَ قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وقالَ: "وَقُلْ آذَنْتُكم بِإذانَةِ المُرْسَلِينَ، لَتُسْألُنَّ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "عن هَذا النَبَإ العَظِيمِ". كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (الصافّاتِ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الصافات 37:171

(p-٣١٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّهم تَمَنَّوْا أمْرًا فَلَمّا جاءَهُمُ اللهُ بِهِ كَفَرُوا واسْتَهْواهُمُ الحَسَدُ، ثُمَّ آنَسَ نَبِيَّهُ ﷺ وأولِياءَهُ بِأنَّ القَضاءَ قَدْ سَبَقَ، والكَلِمَةَ قَدْ حَقَّتْ في الأزَلِ، بِأنَّ رُسُلَ اللهِ تَعالى إلى أرْضِهِ هُمُ المَنصُورُونَ عَلى مَن ناوَأهُمُ، المُظَفَّرُونَ بِإرادَتِهِمُ، المُسْتَوْجَبُونَ الفَلّاحَ في الدارَيْنِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "كَلِماتُنا" بِألِفٍ عَلى الجَمْعِ. و"جُنْدُ اللهِ" هُمُ الغُزاةُ لِتَكُونَ كَلِماتُ اللهِ هي العُلْيا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: جُنْدُ اللهِ في السَماءِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ الغُزاةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأمْرٌ بِالمُوادَعَةِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالحِينِ هُنا، فَقالَ السُدِّيُّ: الحِينُ مَوْتُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحِينُ المَقْصُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَوْفَ يَرَوْنَ عُقْبى طَرِيقَتِهِمْ. ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم - عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نَزَلَ بِساحَتِهِمْ"﴾ أيِ العَذابُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَلَ" عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، و"الساحَةُ": الفِناءُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ فِيما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ. و"سُوءُ الصَباحِ" أيْضًا مُسْتَعْمَلٌ في وُرُودِ الغاراتِ والرَزايا ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الصارِخِ: "يا صَباحاهُ"، كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ سَألَنِي الصَباحُ فَأعِينُونِي، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَبِئْسَ صَباحُ". ثُمَّ أعادَ اللهُ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ ﷺ بِالتَوَلِّي تَحْقِيقًا لِتَأْنِيسِهِ وتَهَمُّمًا بِهِ، وأعادَ سُبْحانَهُ تَوَعُّدَهم أيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عن جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَصِفَهُ بِهِ أهْلُ الضَلالاتِ. و"العِزَّةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ هي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ، لِلْأنْبِياءِ (p-٣١٨)والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: مِن أجْلِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ: "مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ فَإنْ كانَ أرادَ صِفَتَهُ الذاتِيَّةَ فَهي يَمِينٌ، وإنْ كانَ أرادَ عِزَّتَهُ الَّتِي خَلَقَها بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ. ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إذا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلى المُرْسَلِينَ، فَإنَّما أنا أحَدُهُمْ".» وباقِي السُورَةِ بَيِّنٌ. وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عن صالِحِ بْنِ مِينا قالَ: قَرَأْتُ عَلى عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، فَلَمّا خَتَمْتُ هَذِهِ السُورَةَ سَكَتَ، فَقالَ: إيهٍ، اقْرَأْ، قُلْتُ: قَدْ خَتَمْتُ، فَقالَ: كَذَلِكَ فَعَلْتُ عَلى أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ وقالَ لِي كَما قُلْتُ لَكَ، وقالَ لِي كَذَلِكَ قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وقالَ: "وَقُلْ آذَنْتُكم بِإذانَةِ المُرْسَلِينَ، لَتُسْألُنَّ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "عن هَذا النَبَإ العَظِيمِ". كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (الصافّاتِ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الصافات 37:172

(p-٣١٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّهم تَمَنَّوْا أمْرًا فَلَمّا جاءَهُمُ اللهُ بِهِ كَفَرُوا واسْتَهْواهُمُ الحَسَدُ، ثُمَّ آنَسَ نَبِيَّهُ ﷺ وأولِياءَهُ بِأنَّ القَضاءَ قَدْ سَبَقَ، والكَلِمَةَ قَدْ حَقَّتْ في الأزَلِ، بِأنَّ رُسُلَ اللهِ تَعالى إلى أرْضِهِ هُمُ المَنصُورُونَ عَلى مَن ناوَأهُمُ، المُظَفَّرُونَ بِإرادَتِهِمُ، المُسْتَوْجَبُونَ الفَلّاحَ في الدارَيْنِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "كَلِماتُنا" بِألِفٍ عَلى الجَمْعِ. و"جُنْدُ اللهِ" هُمُ الغُزاةُ لِتَكُونَ كَلِماتُ اللهِ هي العُلْيا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: جُنْدُ اللهِ في السَماءِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ الغُزاةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأمْرٌ بِالمُوادَعَةِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالحِينِ هُنا، فَقالَ السُدِّيُّ: الحِينُ مَوْتُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحِينُ المَقْصُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَوْفَ يَرَوْنَ عُقْبى طَرِيقَتِهِمْ. ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم - عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نَزَلَ بِساحَتِهِمْ"﴾ أيِ العَذابُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَلَ" عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، و"الساحَةُ": الفِناءُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ فِيما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ. و"سُوءُ الصَباحِ" أيْضًا مُسْتَعْمَلٌ في وُرُودِ الغاراتِ والرَزايا ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الصارِخِ: "يا صَباحاهُ"، كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ سَألَنِي الصَباحُ فَأعِينُونِي، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَبِئْسَ صَباحُ". ثُمَّ أعادَ اللهُ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ ﷺ بِالتَوَلِّي تَحْقِيقًا لِتَأْنِيسِهِ وتَهَمُّمًا بِهِ، وأعادَ سُبْحانَهُ تَوَعُّدَهم أيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عن جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَصِفَهُ بِهِ أهْلُ الضَلالاتِ. و"العِزَّةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ هي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ، لِلْأنْبِياءِ (p-٣١٨)والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: مِن أجْلِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ: "مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ فَإنْ كانَ أرادَ صِفَتَهُ الذاتِيَّةَ فَهي يَمِينٌ، وإنْ كانَ أرادَ عِزَّتَهُ الَّتِي خَلَقَها بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ. ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إذا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلى المُرْسَلِينَ، فَإنَّما أنا أحَدُهُمْ".» وباقِي السُورَةِ بَيِّنٌ. وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عن صالِحِ بْنِ مِينا قالَ: قَرَأْتُ عَلى عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، فَلَمّا خَتَمْتُ هَذِهِ السُورَةَ سَكَتَ، فَقالَ: إيهٍ، اقْرَأْ، قُلْتُ: قَدْ خَتَمْتُ، فَقالَ: كَذَلِكَ فَعَلْتُ عَلى أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ وقالَ لِي كَما قُلْتُ لَكَ، وقالَ لِي كَذَلِكَ قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وقالَ: "وَقُلْ آذَنْتُكم بِإذانَةِ المُرْسَلِينَ، لَتُسْألُنَّ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "عن هَذا النَبَإ العَظِيمِ". كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (الصافّاتِ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الصافات 37:173

(p-٣١٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّهم تَمَنَّوْا أمْرًا فَلَمّا جاءَهُمُ اللهُ بِهِ كَفَرُوا واسْتَهْواهُمُ الحَسَدُ، ثُمَّ آنَسَ نَبِيَّهُ ﷺ وأولِياءَهُ بِأنَّ القَضاءَ قَدْ سَبَقَ، والكَلِمَةَ قَدْ حَقَّتْ في الأزَلِ، بِأنَّ رُسُلَ اللهِ تَعالى إلى أرْضِهِ هُمُ المَنصُورُونَ عَلى مَن ناوَأهُمُ، المُظَفَّرُونَ بِإرادَتِهِمُ، المُسْتَوْجَبُونَ الفَلّاحَ في الدارَيْنِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "كَلِماتُنا" بِألِفٍ عَلى الجَمْعِ. و"جُنْدُ اللهِ" هُمُ الغُزاةُ لِتَكُونَ كَلِماتُ اللهِ هي العُلْيا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: جُنْدُ اللهِ في السَماءِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ الغُزاةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأمْرٌ بِالمُوادَعَةِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالحِينِ هُنا، فَقالَ السُدِّيُّ: الحِينُ مَوْتُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحِينُ المَقْصُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَوْفَ يَرَوْنَ عُقْبى طَرِيقَتِهِمْ. ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم - عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نَزَلَ بِساحَتِهِمْ"﴾ أيِ العَذابُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَلَ" عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، و"الساحَةُ": الفِناءُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ فِيما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ. و"سُوءُ الصَباحِ" أيْضًا مُسْتَعْمَلٌ في وُرُودِ الغاراتِ والرَزايا ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الصارِخِ: "يا صَباحاهُ"، كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ سَألَنِي الصَباحُ فَأعِينُونِي، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَبِئْسَ صَباحُ". ثُمَّ أعادَ اللهُ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ ﷺ بِالتَوَلِّي تَحْقِيقًا لِتَأْنِيسِهِ وتَهَمُّمًا بِهِ، وأعادَ سُبْحانَهُ تَوَعُّدَهم أيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عن جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَصِفَهُ بِهِ أهْلُ الضَلالاتِ. و"العِزَّةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ هي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ، لِلْأنْبِياءِ (p-٣١٨)والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: مِن أجْلِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ: "مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ فَإنْ كانَ أرادَ صِفَتَهُ الذاتِيَّةَ فَهي يَمِينٌ، وإنْ كانَ أرادَ عِزَّتَهُ الَّتِي خَلَقَها بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ. ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إذا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلى المُرْسَلِينَ، فَإنَّما أنا أحَدُهُمْ".» وباقِي السُورَةِ بَيِّنٌ. وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عن صالِحِ بْنِ مِينا قالَ: قَرَأْتُ عَلى عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، فَلَمّا خَتَمْتُ هَذِهِ السُورَةَ سَكَتَ، فَقالَ: إيهٍ، اقْرَأْ، قُلْتُ: قَدْ خَتَمْتُ، فَقالَ: كَذَلِكَ فَعَلْتُ عَلى أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ وقالَ لِي كَما قُلْتُ لَكَ، وقالَ لِي كَذَلِكَ قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وقالَ: "وَقُلْ آذَنْتُكم بِإذانَةِ المُرْسَلِينَ، لَتُسْألُنَّ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "عن هَذا النَبَإ العَظِيمِ". كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (الصافّاتِ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الصافات 37:174

(p-٣١٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّهم تَمَنَّوْا أمْرًا فَلَمّا جاءَهُمُ اللهُ بِهِ كَفَرُوا واسْتَهْواهُمُ الحَسَدُ، ثُمَّ آنَسَ نَبِيَّهُ ﷺ وأولِياءَهُ بِأنَّ القَضاءَ قَدْ سَبَقَ، والكَلِمَةَ قَدْ حَقَّتْ في الأزَلِ، بِأنَّ رُسُلَ اللهِ تَعالى إلى أرْضِهِ هُمُ المَنصُورُونَ عَلى مَن ناوَأهُمُ، المُظَفَّرُونَ بِإرادَتِهِمُ، المُسْتَوْجَبُونَ الفَلّاحَ في الدارَيْنِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "كَلِماتُنا" بِألِفٍ عَلى الجَمْعِ. و"جُنْدُ اللهِ" هُمُ الغُزاةُ لِتَكُونَ كَلِماتُ اللهِ هي العُلْيا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: جُنْدُ اللهِ في السَماءِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ الغُزاةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأمْرٌ بِالمُوادَعَةِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالحِينِ هُنا، فَقالَ السُدِّيُّ: الحِينُ مَوْتُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحِينُ المَقْصُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَوْفَ يَرَوْنَ عُقْبى طَرِيقَتِهِمْ. ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم - عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نَزَلَ بِساحَتِهِمْ"﴾ أيِ العَذابُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَلَ" عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، و"الساحَةُ": الفِناءُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ فِيما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ. و"سُوءُ الصَباحِ" أيْضًا مُسْتَعْمَلٌ في وُرُودِ الغاراتِ والرَزايا ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الصارِخِ: "يا صَباحاهُ"، كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ سَألَنِي الصَباحُ فَأعِينُونِي، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَبِئْسَ صَباحُ". ثُمَّ أعادَ اللهُ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ ﷺ بِالتَوَلِّي تَحْقِيقًا لِتَأْنِيسِهِ وتَهَمُّمًا بِهِ، وأعادَ سُبْحانَهُ تَوَعُّدَهم أيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عن جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَصِفَهُ بِهِ أهْلُ الضَلالاتِ. و"العِزَّةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ هي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ، لِلْأنْبِياءِ (p-٣١٨)والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: مِن أجْلِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ: "مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ فَإنْ كانَ أرادَ صِفَتَهُ الذاتِيَّةَ فَهي يَمِينٌ، وإنْ كانَ أرادَ عِزَّتَهُ الَّتِي خَلَقَها بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ. ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إذا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلى المُرْسَلِينَ، فَإنَّما أنا أحَدُهُمْ".» وباقِي السُورَةِ بَيِّنٌ. وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عن صالِحِ بْنِ مِينا قالَ: قَرَأْتُ عَلى عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، فَلَمّا خَتَمْتُ هَذِهِ السُورَةَ سَكَتَ، فَقالَ: إيهٍ، اقْرَأْ، قُلْتُ: قَدْ خَتَمْتُ، فَقالَ: كَذَلِكَ فَعَلْتُ عَلى أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ وقالَ لِي كَما قُلْتُ لَكَ، وقالَ لِي كَذَلِكَ قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وقالَ: "وَقُلْ آذَنْتُكم بِإذانَةِ المُرْسَلِينَ، لَتُسْألُنَّ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "عن هَذا النَبَإ العَظِيمِ". كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (الصافّاتِ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الصافات 37:175

(p-٣١٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّهم تَمَنَّوْا أمْرًا فَلَمّا جاءَهُمُ اللهُ بِهِ كَفَرُوا واسْتَهْواهُمُ الحَسَدُ، ثُمَّ آنَسَ نَبِيَّهُ ﷺ وأولِياءَهُ بِأنَّ القَضاءَ قَدْ سَبَقَ، والكَلِمَةَ قَدْ حَقَّتْ في الأزَلِ، بِأنَّ رُسُلَ اللهِ تَعالى إلى أرْضِهِ هُمُ المَنصُورُونَ عَلى مَن ناوَأهُمُ، المُظَفَّرُونَ بِإرادَتِهِمُ، المُسْتَوْجَبُونَ الفَلّاحَ في الدارَيْنِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "كَلِماتُنا" بِألِفٍ عَلى الجَمْعِ. و"جُنْدُ اللهِ" هُمُ الغُزاةُ لِتَكُونَ كَلِماتُ اللهِ هي العُلْيا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: جُنْدُ اللهِ في السَماءِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ الغُزاةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأمْرٌ بِالمُوادَعَةِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالحِينِ هُنا، فَقالَ السُدِّيُّ: الحِينُ مَوْتُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحِينُ المَقْصُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَوْفَ يَرَوْنَ عُقْبى طَرِيقَتِهِمْ. ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم - عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نَزَلَ بِساحَتِهِمْ"﴾ أيِ العَذابُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَلَ" عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، و"الساحَةُ": الفِناءُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ فِيما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ. و"سُوءُ الصَباحِ" أيْضًا مُسْتَعْمَلٌ في وُرُودِ الغاراتِ والرَزايا ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الصارِخِ: "يا صَباحاهُ"، كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ سَألَنِي الصَباحُ فَأعِينُونِي، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَبِئْسَ صَباحُ". ثُمَّ أعادَ اللهُ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ ﷺ بِالتَوَلِّي تَحْقِيقًا لِتَأْنِيسِهِ وتَهَمُّمًا بِهِ، وأعادَ سُبْحانَهُ تَوَعُّدَهم أيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عن جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَصِفَهُ بِهِ أهْلُ الضَلالاتِ. و"العِزَّةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ هي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ، لِلْأنْبِياءِ (p-٣١٨)والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: مِن أجْلِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ: "مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ فَإنْ كانَ أرادَ صِفَتَهُ الذاتِيَّةَ فَهي يَمِينٌ، وإنْ كانَ أرادَ عِزَّتَهُ الَّتِي خَلَقَها بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ. ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إذا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلى المُرْسَلِينَ، فَإنَّما أنا أحَدُهُمْ".» وباقِي السُورَةِ بَيِّنٌ. وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عن صالِحِ بْنِ مِينا قالَ: قَرَأْتُ عَلى عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، فَلَمّا خَتَمْتُ هَذِهِ السُورَةَ سَكَتَ، فَقالَ: إيهٍ، اقْرَأْ، قُلْتُ: قَدْ خَتَمْتُ، فَقالَ: كَذَلِكَ فَعَلْتُ عَلى أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ وقالَ لِي كَما قُلْتُ لَكَ، وقالَ لِي كَذَلِكَ قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وقالَ: "وَقُلْ آذَنْتُكم بِإذانَةِ المُرْسَلِينَ، لَتُسْألُنَّ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "عن هَذا النَبَإ العَظِيمِ". كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (الصافّاتِ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الصافات 37:176

(p-٣١٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّهم تَمَنَّوْا أمْرًا فَلَمّا جاءَهُمُ اللهُ بِهِ كَفَرُوا واسْتَهْواهُمُ الحَسَدُ، ثُمَّ آنَسَ نَبِيَّهُ ﷺ وأولِياءَهُ بِأنَّ القَضاءَ قَدْ سَبَقَ، والكَلِمَةَ قَدْ حَقَّتْ في الأزَلِ، بِأنَّ رُسُلَ اللهِ تَعالى إلى أرْضِهِ هُمُ المَنصُورُونَ عَلى مَن ناوَأهُمُ، المُظَفَّرُونَ بِإرادَتِهِمُ، المُسْتَوْجَبُونَ الفَلّاحَ في الدارَيْنِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "كَلِماتُنا" بِألِفٍ عَلى الجَمْعِ. و"جُنْدُ اللهِ" هُمُ الغُزاةُ لِتَكُونَ كَلِماتُ اللهِ هي العُلْيا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: جُنْدُ اللهِ في السَماءِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ الغُزاةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأمْرٌ بِالمُوادَعَةِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالحِينِ هُنا، فَقالَ السُدِّيُّ: الحِينُ مَوْتُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحِينُ المَقْصُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَوْفَ يَرَوْنَ عُقْبى طَرِيقَتِهِمْ. ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم - عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نَزَلَ بِساحَتِهِمْ"﴾ أيِ العَذابُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَلَ" عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، و"الساحَةُ": الفِناءُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ فِيما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ. و"سُوءُ الصَباحِ" أيْضًا مُسْتَعْمَلٌ في وُرُودِ الغاراتِ والرَزايا ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الصارِخِ: "يا صَباحاهُ"، كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ سَألَنِي الصَباحُ فَأعِينُونِي، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَبِئْسَ صَباحُ". ثُمَّ أعادَ اللهُ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ ﷺ بِالتَوَلِّي تَحْقِيقًا لِتَأْنِيسِهِ وتَهَمُّمًا بِهِ، وأعادَ سُبْحانَهُ تَوَعُّدَهم أيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عن جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَصِفَهُ بِهِ أهْلُ الضَلالاتِ. و"العِزَّةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ هي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ، لِلْأنْبِياءِ (p-٣١٨)والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: مِن أجْلِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ: "مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ فَإنْ كانَ أرادَ صِفَتَهُ الذاتِيَّةَ فَهي يَمِينٌ، وإنْ كانَ أرادَ عِزَّتَهُ الَّتِي خَلَقَها بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ. ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إذا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلى المُرْسَلِينَ، فَإنَّما أنا أحَدُهُمْ".» وباقِي السُورَةِ بَيِّنٌ. وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عن صالِحِ بْنِ مِينا قالَ: قَرَأْتُ عَلى عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، فَلَمّا خَتَمْتُ هَذِهِ السُورَةَ سَكَتَ، فَقالَ: إيهٍ، اقْرَأْ، قُلْتُ: قَدْ خَتَمْتُ، فَقالَ: كَذَلِكَ فَعَلْتُ عَلى أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ وقالَ لِي كَما قُلْتُ لَكَ، وقالَ لِي كَذَلِكَ قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وقالَ: "وَقُلْ آذَنْتُكم بِإذانَةِ المُرْسَلِينَ، لَتُسْألُنَّ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "عن هَذا النَبَإ العَظِيمِ". كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (الصافّاتِ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الصافات 37:177

(p-٣١٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّهم تَمَنَّوْا أمْرًا فَلَمّا جاءَهُمُ اللهُ بِهِ كَفَرُوا واسْتَهْواهُمُ الحَسَدُ، ثُمَّ آنَسَ نَبِيَّهُ ﷺ وأولِياءَهُ بِأنَّ القَضاءَ قَدْ سَبَقَ، والكَلِمَةَ قَدْ حَقَّتْ في الأزَلِ، بِأنَّ رُسُلَ اللهِ تَعالى إلى أرْضِهِ هُمُ المَنصُورُونَ عَلى مَن ناوَأهُمُ، المُظَفَّرُونَ بِإرادَتِهِمُ، المُسْتَوْجَبُونَ الفَلّاحَ في الدارَيْنِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "كَلِماتُنا" بِألِفٍ عَلى الجَمْعِ. و"جُنْدُ اللهِ" هُمُ الغُزاةُ لِتَكُونَ كَلِماتُ اللهِ هي العُلْيا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: جُنْدُ اللهِ في السَماءِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ الغُزاةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأمْرٌ بِالمُوادَعَةِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالحِينِ هُنا، فَقالَ السُدِّيُّ: الحِينُ مَوْتُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحِينُ المَقْصُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَوْفَ يَرَوْنَ عُقْبى طَرِيقَتِهِمْ. ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم - عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نَزَلَ بِساحَتِهِمْ"﴾ أيِ العَذابُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَلَ" عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، و"الساحَةُ": الفِناءُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ فِيما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ. و"سُوءُ الصَباحِ" أيْضًا مُسْتَعْمَلٌ في وُرُودِ الغاراتِ والرَزايا ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الصارِخِ: "يا صَباحاهُ"، كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ سَألَنِي الصَباحُ فَأعِينُونِي، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَبِئْسَ صَباحُ". ثُمَّ أعادَ اللهُ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ ﷺ بِالتَوَلِّي تَحْقِيقًا لِتَأْنِيسِهِ وتَهَمُّمًا بِهِ، وأعادَ سُبْحانَهُ تَوَعُّدَهم أيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عن جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَصِفَهُ بِهِ أهْلُ الضَلالاتِ. و"العِزَّةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ هي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ، لِلْأنْبِياءِ (p-٣١٨)والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: مِن أجْلِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ: "مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ فَإنْ كانَ أرادَ صِفَتَهُ الذاتِيَّةَ فَهي يَمِينٌ، وإنْ كانَ أرادَ عِزَّتَهُ الَّتِي خَلَقَها بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ. ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إذا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلى المُرْسَلِينَ، فَإنَّما أنا أحَدُهُمْ".» وباقِي السُورَةِ بَيِّنٌ. وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عن صالِحِ بْنِ مِينا قالَ: قَرَأْتُ عَلى عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، فَلَمّا خَتَمْتُ هَذِهِ السُورَةَ سَكَتَ، فَقالَ: إيهٍ، اقْرَأْ، قُلْتُ: قَدْ خَتَمْتُ، فَقالَ: كَذَلِكَ فَعَلْتُ عَلى أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ وقالَ لِي كَما قُلْتُ لَكَ، وقالَ لِي كَذَلِكَ قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وقالَ: "وَقُلْ آذَنْتُكم بِإذانَةِ المُرْسَلِينَ، لَتُسْألُنَّ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "عن هَذا النَبَإ العَظِيمِ". كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (الصافّاتِ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الصافات 37:178

(p-٣١٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّهم تَمَنَّوْا أمْرًا فَلَمّا جاءَهُمُ اللهُ بِهِ كَفَرُوا واسْتَهْواهُمُ الحَسَدُ، ثُمَّ آنَسَ نَبِيَّهُ ﷺ وأولِياءَهُ بِأنَّ القَضاءَ قَدْ سَبَقَ، والكَلِمَةَ قَدْ حَقَّتْ في الأزَلِ، بِأنَّ رُسُلَ اللهِ تَعالى إلى أرْضِهِ هُمُ المَنصُورُونَ عَلى مَن ناوَأهُمُ، المُظَفَّرُونَ بِإرادَتِهِمُ، المُسْتَوْجَبُونَ الفَلّاحَ في الدارَيْنِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "كَلِماتُنا" بِألِفٍ عَلى الجَمْعِ. و"جُنْدُ اللهِ" هُمُ الغُزاةُ لِتَكُونَ كَلِماتُ اللهِ هي العُلْيا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: جُنْدُ اللهِ في السَماءِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ الغُزاةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأمْرٌ بِالمُوادَعَةِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالحِينِ هُنا، فَقالَ السُدِّيُّ: الحِينُ مَوْتُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحِينُ المَقْصُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَوْفَ يَرَوْنَ عُقْبى طَرِيقَتِهِمْ. ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم - عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نَزَلَ بِساحَتِهِمْ"﴾ أيِ العَذابُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَلَ" عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، و"الساحَةُ": الفِناءُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ فِيما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ. و"سُوءُ الصَباحِ" أيْضًا مُسْتَعْمَلٌ في وُرُودِ الغاراتِ والرَزايا ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الصارِخِ: "يا صَباحاهُ"، كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ سَألَنِي الصَباحُ فَأعِينُونِي، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَبِئْسَ صَباحُ". ثُمَّ أعادَ اللهُ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ ﷺ بِالتَوَلِّي تَحْقِيقًا لِتَأْنِيسِهِ وتَهَمُّمًا بِهِ، وأعادَ سُبْحانَهُ تَوَعُّدَهم أيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عن جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَصِفَهُ بِهِ أهْلُ الضَلالاتِ. و"العِزَّةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ هي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ، لِلْأنْبِياءِ (p-٣١٨)والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: مِن أجْلِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ: "مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ فَإنْ كانَ أرادَ صِفَتَهُ الذاتِيَّةَ فَهي يَمِينٌ، وإنْ كانَ أرادَ عِزَّتَهُ الَّتِي خَلَقَها بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ. ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إذا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلى المُرْسَلِينَ، فَإنَّما أنا أحَدُهُمْ".» وباقِي السُورَةِ بَيِّنٌ. وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عن صالِحِ بْنِ مِينا قالَ: قَرَأْتُ عَلى عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، فَلَمّا خَتَمْتُ هَذِهِ السُورَةَ سَكَتَ، فَقالَ: إيهٍ، اقْرَأْ، قُلْتُ: قَدْ خَتَمْتُ، فَقالَ: كَذَلِكَ فَعَلْتُ عَلى أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ وقالَ لِي كَما قُلْتُ لَكَ، وقالَ لِي كَذَلِكَ قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وقالَ: "وَقُلْ آذَنْتُكم بِإذانَةِ المُرْسَلِينَ، لَتُسْألُنَّ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "عن هَذا النَبَإ العَظِيمِ". كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (الصافّاتِ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الصافات 37:179

(p-٣١٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّهم تَمَنَّوْا أمْرًا فَلَمّا جاءَهُمُ اللهُ بِهِ كَفَرُوا واسْتَهْواهُمُ الحَسَدُ، ثُمَّ آنَسَ نَبِيَّهُ ﷺ وأولِياءَهُ بِأنَّ القَضاءَ قَدْ سَبَقَ، والكَلِمَةَ قَدْ حَقَّتْ في الأزَلِ، بِأنَّ رُسُلَ اللهِ تَعالى إلى أرْضِهِ هُمُ المَنصُورُونَ عَلى مَن ناوَأهُمُ، المُظَفَّرُونَ بِإرادَتِهِمُ، المُسْتَوْجَبُونَ الفَلّاحَ في الدارَيْنِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "كَلِماتُنا" بِألِفٍ عَلى الجَمْعِ. و"جُنْدُ اللهِ" هُمُ الغُزاةُ لِتَكُونَ كَلِماتُ اللهِ هي العُلْيا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: جُنْدُ اللهِ في السَماءِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ الغُزاةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأمْرٌ بِالمُوادَعَةِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالحِينِ هُنا، فَقالَ السُدِّيُّ: الحِينُ مَوْتُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحِينُ المَقْصُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَوْفَ يَرَوْنَ عُقْبى طَرِيقَتِهِمْ. ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم - عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نَزَلَ بِساحَتِهِمْ"﴾ أيِ العَذابُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَلَ" عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، و"الساحَةُ": الفِناءُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ فِيما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ. و"سُوءُ الصَباحِ" أيْضًا مُسْتَعْمَلٌ في وُرُودِ الغاراتِ والرَزايا ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الصارِخِ: "يا صَباحاهُ"، كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ سَألَنِي الصَباحُ فَأعِينُونِي، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَبِئْسَ صَباحُ". ثُمَّ أعادَ اللهُ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ ﷺ بِالتَوَلِّي تَحْقِيقًا لِتَأْنِيسِهِ وتَهَمُّمًا بِهِ، وأعادَ سُبْحانَهُ تَوَعُّدَهم أيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عن جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَصِفَهُ بِهِ أهْلُ الضَلالاتِ. و"العِزَّةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ هي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ، لِلْأنْبِياءِ (p-٣١٨)والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: مِن أجْلِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ: "مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ فَإنْ كانَ أرادَ صِفَتَهُ الذاتِيَّةَ فَهي يَمِينٌ، وإنْ كانَ أرادَ عِزَّتَهُ الَّتِي خَلَقَها بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ. ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إذا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلى المُرْسَلِينَ، فَإنَّما أنا أحَدُهُمْ".» وباقِي السُورَةِ بَيِّنٌ. وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عن صالِحِ بْنِ مِينا قالَ: قَرَأْتُ عَلى عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، فَلَمّا خَتَمْتُ هَذِهِ السُورَةَ سَكَتَ، فَقالَ: إيهٍ، اقْرَأْ، قُلْتُ: قَدْ خَتَمْتُ، فَقالَ: كَذَلِكَ فَعَلْتُ عَلى أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ وقالَ لِي كَما قُلْتُ لَكَ، وقالَ لِي كَذَلِكَ قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وقالَ: "وَقُلْ آذَنْتُكم بِإذانَةِ المُرْسَلِينَ، لَتُسْألُنَّ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "عن هَذا النَبَإ العَظِيمِ". كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (الصافّاتِ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الصافات 37:180

(p-٣١٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّهم تَمَنَّوْا أمْرًا فَلَمّا جاءَهُمُ اللهُ بِهِ كَفَرُوا واسْتَهْواهُمُ الحَسَدُ، ثُمَّ آنَسَ نَبِيَّهُ ﷺ وأولِياءَهُ بِأنَّ القَضاءَ قَدْ سَبَقَ، والكَلِمَةَ قَدْ حَقَّتْ في الأزَلِ، بِأنَّ رُسُلَ اللهِ تَعالى إلى أرْضِهِ هُمُ المَنصُورُونَ عَلى مَن ناوَأهُمُ، المُظَفَّرُونَ بِإرادَتِهِمُ، المُسْتَوْجَبُونَ الفَلّاحَ في الدارَيْنِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "كَلِماتُنا" بِألِفٍ عَلى الجَمْعِ. و"جُنْدُ اللهِ" هُمُ الغُزاةُ لِتَكُونَ كَلِماتُ اللهِ هي العُلْيا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: جُنْدُ اللهِ في السَماءِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ الغُزاةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأمْرٌ بِالمُوادَعَةِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالحِينِ هُنا، فَقالَ السُدِّيُّ: الحِينُ مَوْتُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحِينُ المَقْصُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَوْفَ يَرَوْنَ عُقْبى طَرِيقَتِهِمْ. ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم - عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نَزَلَ بِساحَتِهِمْ"﴾ أيِ العَذابُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَلَ" عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، و"الساحَةُ": الفِناءُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ فِيما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ. و"سُوءُ الصَباحِ" أيْضًا مُسْتَعْمَلٌ في وُرُودِ الغاراتِ والرَزايا ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الصارِخِ: "يا صَباحاهُ"، كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ سَألَنِي الصَباحُ فَأعِينُونِي، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَبِئْسَ صَباحُ". ثُمَّ أعادَ اللهُ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ ﷺ بِالتَوَلِّي تَحْقِيقًا لِتَأْنِيسِهِ وتَهَمُّمًا بِهِ، وأعادَ سُبْحانَهُ تَوَعُّدَهم أيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عن جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَصِفَهُ بِهِ أهْلُ الضَلالاتِ. و"العِزَّةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ هي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ، لِلْأنْبِياءِ (p-٣١٨)والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: مِن أجْلِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ: "مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ فَإنْ كانَ أرادَ صِفَتَهُ الذاتِيَّةَ فَهي يَمِينٌ، وإنْ كانَ أرادَ عِزَّتَهُ الَّتِي خَلَقَها بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ. ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إذا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلى المُرْسَلِينَ، فَإنَّما أنا أحَدُهُمْ".» وباقِي السُورَةِ بَيِّنٌ. وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عن صالِحِ بْنِ مِينا قالَ: قَرَأْتُ عَلى عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، فَلَمّا خَتَمْتُ هَذِهِ السُورَةَ سَكَتَ، فَقالَ: إيهٍ، اقْرَأْ، قُلْتُ: قَدْ خَتَمْتُ، فَقالَ: كَذَلِكَ فَعَلْتُ عَلى أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ وقالَ لِي كَما قُلْتُ لَكَ، وقالَ لِي كَذَلِكَ قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وقالَ: "وَقُلْ آذَنْتُكم بِإذانَةِ المُرْسَلِينَ، لَتُسْألُنَّ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "عن هَذا النَبَإ العَظِيمِ". كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (الصافّاتِ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الصافات 37:181

(p-٣١٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّهم تَمَنَّوْا أمْرًا فَلَمّا جاءَهُمُ اللهُ بِهِ كَفَرُوا واسْتَهْواهُمُ الحَسَدُ، ثُمَّ آنَسَ نَبِيَّهُ ﷺ وأولِياءَهُ بِأنَّ القَضاءَ قَدْ سَبَقَ، والكَلِمَةَ قَدْ حَقَّتْ في الأزَلِ، بِأنَّ رُسُلَ اللهِ تَعالى إلى أرْضِهِ هُمُ المَنصُورُونَ عَلى مَن ناوَأهُمُ، المُظَفَّرُونَ بِإرادَتِهِمُ، المُسْتَوْجَبُونَ الفَلّاحَ في الدارَيْنِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "كَلِماتُنا" بِألِفٍ عَلى الجَمْعِ. و"جُنْدُ اللهِ" هُمُ الغُزاةُ لِتَكُونَ كَلِماتُ اللهِ هي العُلْيا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: جُنْدُ اللهِ في السَماءِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ الغُزاةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأمْرٌ بِالمُوادَعَةِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالحِينِ هُنا، فَقالَ السُدِّيُّ: الحِينُ مَوْتُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحِينُ المَقْصُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَوْفَ يَرَوْنَ عُقْبى طَرِيقَتِهِمْ. ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم - عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نَزَلَ بِساحَتِهِمْ"﴾ أيِ العَذابُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَلَ" عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، و"الساحَةُ": الفِناءُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ فِيما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ. و"سُوءُ الصَباحِ" أيْضًا مُسْتَعْمَلٌ في وُرُودِ الغاراتِ والرَزايا ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الصارِخِ: "يا صَباحاهُ"، كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ سَألَنِي الصَباحُ فَأعِينُونِي، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَبِئْسَ صَباحُ". ثُمَّ أعادَ اللهُ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ ﷺ بِالتَوَلِّي تَحْقِيقًا لِتَأْنِيسِهِ وتَهَمُّمًا بِهِ، وأعادَ سُبْحانَهُ تَوَعُّدَهم أيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عن جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَصِفَهُ بِهِ أهْلُ الضَلالاتِ. و"العِزَّةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ هي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ، لِلْأنْبِياءِ (p-٣١٨)والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: مِن أجْلِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ: "مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ فَإنْ كانَ أرادَ صِفَتَهُ الذاتِيَّةَ فَهي يَمِينٌ، وإنْ كانَ أرادَ عِزَّتَهُ الَّتِي خَلَقَها بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ. ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إذا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلى المُرْسَلِينَ، فَإنَّما أنا أحَدُهُمْ".» وباقِي السُورَةِ بَيِّنٌ. وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عن صالِحِ بْنِ مِينا قالَ: قَرَأْتُ عَلى عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، فَلَمّا خَتَمْتُ هَذِهِ السُورَةَ سَكَتَ، فَقالَ: إيهٍ، اقْرَأْ، قُلْتُ: قَدْ خَتَمْتُ، فَقالَ: كَذَلِكَ فَعَلْتُ عَلى أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ وقالَ لِي كَما قُلْتُ لَكَ، وقالَ لِي كَذَلِكَ قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وقالَ: "وَقُلْ آذَنْتُكم بِإذانَةِ المُرْسَلِينَ، لَتُسْألُنَّ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "عن هَذا النَبَإ العَظِيمِ". كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (الصافّاتِ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الصافات 37:182

(p-٣١٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّهم تَمَنَّوْا أمْرًا فَلَمّا جاءَهُمُ اللهُ بِهِ كَفَرُوا واسْتَهْواهُمُ الحَسَدُ، ثُمَّ آنَسَ نَبِيَّهُ ﷺ وأولِياءَهُ بِأنَّ القَضاءَ قَدْ سَبَقَ، والكَلِمَةَ قَدْ حَقَّتْ في الأزَلِ، بِأنَّ رُسُلَ اللهِ تَعالى إلى أرْضِهِ هُمُ المَنصُورُونَ عَلى مَن ناوَأهُمُ، المُظَفَّرُونَ بِإرادَتِهِمُ، المُسْتَوْجَبُونَ الفَلّاحَ في الدارَيْنِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "كَلِماتُنا" بِألِفٍ عَلى الجَمْعِ. و"جُنْدُ اللهِ" هُمُ الغُزاةُ لِتَكُونَ كَلِماتُ اللهِ هي العُلْيا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: جُنْدُ اللهِ في السَماءِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ الغُزاةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأمْرٌ بِالمُوادَعَةِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالحِينِ هُنا، فَقالَ السُدِّيُّ: الحِينُ مَوْتُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحِينُ المَقْصُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَوْفَ يَرَوْنَ عُقْبى طَرِيقَتِهِمْ. ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم - عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نَزَلَ بِساحَتِهِمْ"﴾ أيِ العَذابُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَلَ" عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، و"الساحَةُ": الفِناءُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ فِيما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ. و"سُوءُ الصَباحِ" أيْضًا مُسْتَعْمَلٌ في وُرُودِ الغاراتِ والرَزايا ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الصارِخِ: "يا صَباحاهُ"، كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ سَألَنِي الصَباحُ فَأعِينُونِي، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَبِئْسَ صَباحُ". ثُمَّ أعادَ اللهُ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ ﷺ بِالتَوَلِّي تَحْقِيقًا لِتَأْنِيسِهِ وتَهَمُّمًا بِهِ، وأعادَ سُبْحانَهُ تَوَعُّدَهم أيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عن جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَصِفَهُ بِهِ أهْلُ الضَلالاتِ. و"العِزَّةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ هي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ، لِلْأنْبِياءِ (p-٣١٨)والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: مِن أجْلِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ: "مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ فَإنْ كانَ أرادَ صِفَتَهُ الذاتِيَّةَ فَهي يَمِينٌ، وإنْ كانَ أرادَ عِزَّتَهُ الَّتِي خَلَقَها بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ. ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إذا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلى المُرْسَلِينَ، فَإنَّما أنا أحَدُهُمْ".» وباقِي السُورَةِ بَيِّنٌ. وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عن صالِحِ بْنِ مِينا قالَ: قَرَأْتُ عَلى عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، فَلَمّا خَتَمْتُ هَذِهِ السُورَةَ سَكَتَ، فَقالَ: إيهٍ، اقْرَأْ، قُلْتُ: قَدْ خَتَمْتُ، فَقالَ: كَذَلِكَ فَعَلْتُ عَلى أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ وقالَ لِي كَما قُلْتُ لَكَ، وقالَ لِي كَذَلِكَ قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وقالَ: "وَقُلْ آذَنْتُكم بِإذانَةِ المُرْسَلِينَ، لَتُسْألُنَّ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "عن هَذا النَبَإ العَظِيمِ". كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (الصافّاتِ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ