Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — الجاثية 45:1 – الأحقاف 46:35
المحتويات
- الجاثية 45:1
- الجاثية 45:2
- الجاثية 45:3
- الجاثية 45:4
- الجاثية 45:5
- الجاثية 45:6
- الجاثية 45:7
- الجاثية 45:8
- الجاثية 45:9
- الجاثية 45:10
- الجاثية 45:11
- الجاثية 45:12
- الجاثية 45:13
- الجاثية 45:14
- الجاثية 45:15
- الجاثية 45:16
- الجاثية 45:17
- الجاثية 45:18
- الجاثية 45:19
- الجاثية 45:20
- الجاثية 45:21
- الجاثية 45:22
- الجاثية 45:23
- الجاثية 45:24
- الجاثية 45:25
- الجاثية 45:26
- الجاثية 45:27
- الجاثية 45:28
- الجاثية 45:29
- الجاثية 45:30
- الجاثية 45:31
- الجاثية 45:32
- الجاثية 45:33
- الجاثية 45:34
- الجاثية 45:35
- الجاثية 45:36
- الجاثية 45:37
- الأحقاف 46:1
- الأحقاف 46:2
- الأحقاف 46:3
- الأحقاف 46:4
- الأحقاف 46:5
- الأحقاف 46:6
- الأحقاف 46:7
- الأحقاف 46:8
- الأحقاف 46:9
- الأحقاف 46:10
- الأحقاف 46:11
- الأحقاف 46:12
- الأحقاف 46:13
- الأحقاف 46:14
- الأحقاف 46:15
- الأحقاف 46:16
- الأحقاف 46:17
- الأحقاف 46:18
- الأحقاف 46:19
- الأحقاف 46:20
- الأحقاف 46:21
- الأحقاف 46:22
- الأحقاف 46:23
- الأحقاف 46:24
- الأحقاف 46:25
- الأحقاف 46:26
- الأحقاف 46:27
- الأحقاف 46:28
- الأحقاف 46:29
- الأحقاف 46:30
- الأحقاف 46:31
- الأحقاف 46:32
- الأحقاف 46:33
- الأحقاف 46:34
- الأحقاف 46:35
الجاثية 45:1
(p-٥٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الجاثِيَةِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ وما أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَماءِ مِنَ رِزْقٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ الرِياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، و"تَنْزِيلُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ أو عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، و"العَزِيزِ": مَعْناهُ: عامُّ في شِدَّةِ أخْذِهِ إذا انْتَقَمَ، ودِفاعِهِ إذا حَمِيَ ونَصَرَ، وغَيْرُ ذَلِكَ، و﴿ "الحَكِيمِ":﴾ المُحْكِمِ لِلْأشْياءِ، وذَكَرَ تَعالى الآياتِ الَّتِي في السَماواتِ والأرْضِ مُجْمَلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فَكَأنَّها إحالَةٌ عَلى غَوامِضَ تُثِيرُها الفِكْرُ، ويُخْبِرُ بِكَثِيرٍ مِنها الشَرْعُ، فَلِذَلِكَ جَعَلَها لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ في ضِمْنِ الإيمانِ العَقْلُ والتَصْدِيقُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى خَلْقَ البَشَرِ والحَيَوانِ وكَأنَّهُ أغْمَضَ مِمّا أحالَ عَلَيْهِ أوَّلًا وأكْثَرَ تَلْخِيصًا، فَجَعَلَهُ لِلْمُوقِنِينَ الَّذِينَ لَهم نَظَرٌ يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ في مُعْتَقَداتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلافَ اللَيْلِ والنَهارِ والعِبْرَةَ بِالمَطَرِ والرِياحِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، إذْ كَلُّ عاقِلٍ يَحْصُلُ هَذِهِ ويَفْهَمُ قَدْرَها.
(p-٥٨٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنْ كانَ هَذا النَظَرُ لَيْسَ بِلازِمٍ ولابُدَّ، فَإنَّ اللَفْظَ يُعْطِيهِ.
و﴿ "يَبُثُّ"﴾ مَعْناهُ: يُنْشَرُ في الأرْضِ، والدابَّةُ: كُلُّ حَيَوانٍ يَدُبُّ، أو يُمْكِنُ فِيهِ أنْ يَدُبَّ، يَدْخُلُ في ذَلِكَ الطَيْرُ والحُوتُ، وشاهِدُ الطَيْرِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ....................... ∗∗∗ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ........................ ∗∗∗ ∗∗∗ دَبِيبُ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلٍ
وشاهِدُ الحُوتِ قَوْلُ أبِي مُوسى: "وَقَدْ ألْقى البَحْرُ دابَّةً مِثْلَ الظَرَبِ"، ودَوابُّ البَحْرِ لَفْظٌ مَشْهُورٌ في اللُغَةِ.
(p-٥٨٩)وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "آياتٍ" بِالنَصْبِ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ. وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: ﴿ "آياتٌ"﴾ بِالرَفْعِ فِيهِما، فَأمّا مَن قَرَأ بِالنَصْبِ فَحَمَلَ "آياتٍ" في المَوْضِعَيْنِ عَلى نَصْبِ "إنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ﴾، ولا يَعْرِضُ في ذَلِكَ العَطْفَ عَلى عامَلَيْنِ الَّذِي لا يُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ وكَثِيرٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ، لِأنّا نُقَدِّرُ "فِي" مُعادَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ﴾، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَفِي اخْتِلافِ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ -عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ-: "وَفِي اخْتِلافِ اللَيْلِ"، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَها قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَفِي خَلْقِكُمْ"﴾ فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الجارِّ، جازَ حَذْفُهُ مِنَ الثانِي، ويُقَدَّرُ مُثْبَتًا، كَما قَدَّرَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ∗∗∗ ∗∗∗ ونارٌ تُوقَدُ بِاللَيْلِ نارًا؟
أيْ: وكُلُّ نارٍ، وكَما قالَ الآخَرُ:
؎ أوصَيْتُ مِن بَرَّةٍ قَلْبًا حُرًّا ∗∗∗ ∗∗∗ بِالكَلْبِ خَيْرًا والحَماةَ شَرًّا
(p-٥٩٠)أيْ: وبِالحَمْأةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا الِاعْتِراضُ كُلُّهُ إنَّما هو في "آياتٌ" الثانِي، لِأنَّ الأوَّلَ قَبْلَهُ حَرْفُ الجَرِّ ظاهِرٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الثَلاثَةِ المَواضِعَ: "لَآياتٍ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ مَحْمُولٌ عَلى "إنَّ" في قِراءَةِ مَن أسْقَطَ اللاماتِ في الِاثْنَيْنِ الآخِيرَتَيْنِ.
وأمّا مَن رَفَعَ "آياتٍ" في المَوْضِعَيْنِ، فَوَجْهُهُ العَطْفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ" وما عَمِلَتْ فِيهِ، لِأنَّ مَوْضِعَها رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ﴾ مُسْتَأْنَفًا، ويَكُونُ الكَلامُ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ فَلا تَكُونُ غَرِيبَةً عَلى هَذا.
و"اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ" إمّا بِالنُورِ والظَلامِ، وإمّا بِكَوْنِهِما خِلْفَةً، و"الرِزْقُ المُنَزَّلُ مِنَ السَماءِ": هو المَطَرُ، سَمّاهُ رِزْقًا بِمَآلِهِ، لِأنَّ جَمِيعَ ما يَرْتَزِقُ فَعَنِ المَطَرِ هُوَ، و"تَصْرِيفِ الرِياحِ": هو بِكَوْنِها صَبًّا ودَبُورًا وجَنُوبًا وشَمالًا، وأيْضًا فَبِكَوْنِها مَرَّةً رَحْمَةً ومَرَّةً عَذابًا، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا بِلِينِها وشِدَّتِها وحَرِّها وبَرْدِها، وقَرَأ طَلْحَةُ وعِيسى: "وَتَصْرِيفِ الرِيحِ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا ما كانَ فِيهِ مُبَشِّراتٌ، وخالَفَ عِيسى في الحِجْرِ فَقَرَأ: "الرِياحَ لَواقِحَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ. وقَوْلُهُ: ﴿ "نَتْلُوها"﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: نَتْلُو شَأْنَها وتَفْسِيرَها وشَرْحَ العِبْرَةِ لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آياتِ اللهِ": القُرْآنُ المُنَزَّلُ في هَذِهِ المَعانِي، فَلا يَكُونُ في "نَتْلُوها" حَذْفُ مُضافٍ. وقَوْلُهُ: ﴿ "بِالحَقِّ"﴾ مَعْناهُ: بِالصِدْقِ والإعْلامِ بِحَقائِقِ الأُمُورِ في أنْفُسِها. وقَوْلُهُ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ، وفِيهِ قُوَّةُ التَهْدِيدِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، (p-٥٩١)وَقَتادَةُ: "يُؤْمِنُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ أيْضًا، والأعْمَشُ: "تُؤْمِنُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الكُفّارِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "تُوقِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مِنَ اليَقِينِ.
الجاثية 45:2
(p-٥٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الجاثِيَةِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ وما أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَماءِ مِنَ رِزْقٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ الرِياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، و"تَنْزِيلُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ أو عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، و"العَزِيزِ": مَعْناهُ: عامُّ في شِدَّةِ أخْذِهِ إذا انْتَقَمَ، ودِفاعِهِ إذا حَمِيَ ونَصَرَ، وغَيْرُ ذَلِكَ، و﴿ "الحَكِيمِ":﴾ المُحْكِمِ لِلْأشْياءِ، وذَكَرَ تَعالى الآياتِ الَّتِي في السَماواتِ والأرْضِ مُجْمَلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فَكَأنَّها إحالَةٌ عَلى غَوامِضَ تُثِيرُها الفِكْرُ، ويُخْبِرُ بِكَثِيرٍ مِنها الشَرْعُ، فَلِذَلِكَ جَعَلَها لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ في ضِمْنِ الإيمانِ العَقْلُ والتَصْدِيقُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى خَلْقَ البَشَرِ والحَيَوانِ وكَأنَّهُ أغْمَضَ مِمّا أحالَ عَلَيْهِ أوَّلًا وأكْثَرَ تَلْخِيصًا، فَجَعَلَهُ لِلْمُوقِنِينَ الَّذِينَ لَهم نَظَرٌ يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ في مُعْتَقَداتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلافَ اللَيْلِ والنَهارِ والعِبْرَةَ بِالمَطَرِ والرِياحِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، إذْ كَلُّ عاقِلٍ يَحْصُلُ هَذِهِ ويَفْهَمُ قَدْرَها.
(p-٥٨٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنْ كانَ هَذا النَظَرُ لَيْسَ بِلازِمٍ ولابُدَّ، فَإنَّ اللَفْظَ يُعْطِيهِ.
و﴿ "يَبُثُّ"﴾ مَعْناهُ: يُنْشَرُ في الأرْضِ، والدابَّةُ: كُلُّ حَيَوانٍ يَدُبُّ، أو يُمْكِنُ فِيهِ أنْ يَدُبَّ، يَدْخُلُ في ذَلِكَ الطَيْرُ والحُوتُ، وشاهِدُ الطَيْرِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ....................... ∗∗∗ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ........................ ∗∗∗ ∗∗∗ دَبِيبُ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلٍ
وشاهِدُ الحُوتِ قَوْلُ أبِي مُوسى: "وَقَدْ ألْقى البَحْرُ دابَّةً مِثْلَ الظَرَبِ"، ودَوابُّ البَحْرِ لَفْظٌ مَشْهُورٌ في اللُغَةِ.
(p-٥٨٩)وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "آياتٍ" بِالنَصْبِ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ. وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: ﴿ "آياتٌ"﴾ بِالرَفْعِ فِيهِما، فَأمّا مَن قَرَأ بِالنَصْبِ فَحَمَلَ "آياتٍ" في المَوْضِعَيْنِ عَلى نَصْبِ "إنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ﴾، ولا يَعْرِضُ في ذَلِكَ العَطْفَ عَلى عامَلَيْنِ الَّذِي لا يُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ وكَثِيرٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ، لِأنّا نُقَدِّرُ "فِي" مُعادَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ﴾، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَفِي اخْتِلافِ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ -عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ-: "وَفِي اخْتِلافِ اللَيْلِ"، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَها قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَفِي خَلْقِكُمْ"﴾ فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الجارِّ، جازَ حَذْفُهُ مِنَ الثانِي، ويُقَدَّرُ مُثْبَتًا، كَما قَدَّرَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ∗∗∗ ∗∗∗ ونارٌ تُوقَدُ بِاللَيْلِ نارًا؟
أيْ: وكُلُّ نارٍ، وكَما قالَ الآخَرُ:
؎ أوصَيْتُ مِن بَرَّةٍ قَلْبًا حُرًّا ∗∗∗ ∗∗∗ بِالكَلْبِ خَيْرًا والحَماةَ شَرًّا
(p-٥٩٠)أيْ: وبِالحَمْأةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا الِاعْتِراضُ كُلُّهُ إنَّما هو في "آياتٌ" الثانِي، لِأنَّ الأوَّلَ قَبْلَهُ حَرْفُ الجَرِّ ظاهِرٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الثَلاثَةِ المَواضِعَ: "لَآياتٍ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ مَحْمُولٌ عَلى "إنَّ" في قِراءَةِ مَن أسْقَطَ اللاماتِ في الِاثْنَيْنِ الآخِيرَتَيْنِ.
وأمّا مَن رَفَعَ "آياتٍ" في المَوْضِعَيْنِ، فَوَجْهُهُ العَطْفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ" وما عَمِلَتْ فِيهِ، لِأنَّ مَوْضِعَها رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ﴾ مُسْتَأْنَفًا، ويَكُونُ الكَلامُ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ فَلا تَكُونُ غَرِيبَةً عَلى هَذا.
و"اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ" إمّا بِالنُورِ والظَلامِ، وإمّا بِكَوْنِهِما خِلْفَةً، و"الرِزْقُ المُنَزَّلُ مِنَ السَماءِ": هو المَطَرُ، سَمّاهُ رِزْقًا بِمَآلِهِ، لِأنَّ جَمِيعَ ما يَرْتَزِقُ فَعَنِ المَطَرِ هُوَ، و"تَصْرِيفِ الرِياحِ": هو بِكَوْنِها صَبًّا ودَبُورًا وجَنُوبًا وشَمالًا، وأيْضًا فَبِكَوْنِها مَرَّةً رَحْمَةً ومَرَّةً عَذابًا، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا بِلِينِها وشِدَّتِها وحَرِّها وبَرْدِها، وقَرَأ طَلْحَةُ وعِيسى: "وَتَصْرِيفِ الرِيحِ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا ما كانَ فِيهِ مُبَشِّراتٌ، وخالَفَ عِيسى في الحِجْرِ فَقَرَأ: "الرِياحَ لَواقِحَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ. وقَوْلُهُ: ﴿ "نَتْلُوها"﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: نَتْلُو شَأْنَها وتَفْسِيرَها وشَرْحَ العِبْرَةِ لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آياتِ اللهِ": القُرْآنُ المُنَزَّلُ في هَذِهِ المَعانِي، فَلا يَكُونُ في "نَتْلُوها" حَذْفُ مُضافٍ. وقَوْلُهُ: ﴿ "بِالحَقِّ"﴾ مَعْناهُ: بِالصِدْقِ والإعْلامِ بِحَقائِقِ الأُمُورِ في أنْفُسِها. وقَوْلُهُ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ، وفِيهِ قُوَّةُ التَهْدِيدِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، (p-٥٩١)وَقَتادَةُ: "يُؤْمِنُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ أيْضًا، والأعْمَشُ: "تُؤْمِنُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الكُفّارِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "تُوقِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مِنَ اليَقِينِ.
الجاثية 45:3
(p-٥٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الجاثِيَةِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ وما أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَماءِ مِنَ رِزْقٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ الرِياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، و"تَنْزِيلُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ أو عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، و"العَزِيزِ": مَعْناهُ: عامُّ في شِدَّةِ أخْذِهِ إذا انْتَقَمَ، ودِفاعِهِ إذا حَمِيَ ونَصَرَ، وغَيْرُ ذَلِكَ، و﴿ "الحَكِيمِ":﴾ المُحْكِمِ لِلْأشْياءِ، وذَكَرَ تَعالى الآياتِ الَّتِي في السَماواتِ والأرْضِ مُجْمَلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فَكَأنَّها إحالَةٌ عَلى غَوامِضَ تُثِيرُها الفِكْرُ، ويُخْبِرُ بِكَثِيرٍ مِنها الشَرْعُ، فَلِذَلِكَ جَعَلَها لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ في ضِمْنِ الإيمانِ العَقْلُ والتَصْدِيقُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى خَلْقَ البَشَرِ والحَيَوانِ وكَأنَّهُ أغْمَضَ مِمّا أحالَ عَلَيْهِ أوَّلًا وأكْثَرَ تَلْخِيصًا، فَجَعَلَهُ لِلْمُوقِنِينَ الَّذِينَ لَهم نَظَرٌ يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ في مُعْتَقَداتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلافَ اللَيْلِ والنَهارِ والعِبْرَةَ بِالمَطَرِ والرِياحِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، إذْ كَلُّ عاقِلٍ يَحْصُلُ هَذِهِ ويَفْهَمُ قَدْرَها.
(p-٥٨٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنْ كانَ هَذا النَظَرُ لَيْسَ بِلازِمٍ ولابُدَّ، فَإنَّ اللَفْظَ يُعْطِيهِ.
و﴿ "يَبُثُّ"﴾ مَعْناهُ: يُنْشَرُ في الأرْضِ، والدابَّةُ: كُلُّ حَيَوانٍ يَدُبُّ، أو يُمْكِنُ فِيهِ أنْ يَدُبَّ، يَدْخُلُ في ذَلِكَ الطَيْرُ والحُوتُ، وشاهِدُ الطَيْرِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ....................... ∗∗∗ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ........................ ∗∗∗ ∗∗∗ دَبِيبُ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلٍ
وشاهِدُ الحُوتِ قَوْلُ أبِي مُوسى: "وَقَدْ ألْقى البَحْرُ دابَّةً مِثْلَ الظَرَبِ"، ودَوابُّ البَحْرِ لَفْظٌ مَشْهُورٌ في اللُغَةِ.
(p-٥٨٩)وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "آياتٍ" بِالنَصْبِ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ. وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: ﴿ "آياتٌ"﴾ بِالرَفْعِ فِيهِما، فَأمّا مَن قَرَأ بِالنَصْبِ فَحَمَلَ "آياتٍ" في المَوْضِعَيْنِ عَلى نَصْبِ "إنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ﴾، ولا يَعْرِضُ في ذَلِكَ العَطْفَ عَلى عامَلَيْنِ الَّذِي لا يُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ وكَثِيرٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ، لِأنّا نُقَدِّرُ "فِي" مُعادَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ﴾، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَفِي اخْتِلافِ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ -عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ-: "وَفِي اخْتِلافِ اللَيْلِ"، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَها قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَفِي خَلْقِكُمْ"﴾ فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الجارِّ، جازَ حَذْفُهُ مِنَ الثانِي، ويُقَدَّرُ مُثْبَتًا، كَما قَدَّرَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ∗∗∗ ∗∗∗ ونارٌ تُوقَدُ بِاللَيْلِ نارًا؟
أيْ: وكُلُّ نارٍ، وكَما قالَ الآخَرُ:
؎ أوصَيْتُ مِن بَرَّةٍ قَلْبًا حُرًّا ∗∗∗ ∗∗∗ بِالكَلْبِ خَيْرًا والحَماةَ شَرًّا
(p-٥٩٠)أيْ: وبِالحَمْأةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا الِاعْتِراضُ كُلُّهُ إنَّما هو في "آياتٌ" الثانِي، لِأنَّ الأوَّلَ قَبْلَهُ حَرْفُ الجَرِّ ظاهِرٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الثَلاثَةِ المَواضِعَ: "لَآياتٍ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ مَحْمُولٌ عَلى "إنَّ" في قِراءَةِ مَن أسْقَطَ اللاماتِ في الِاثْنَيْنِ الآخِيرَتَيْنِ.
وأمّا مَن رَفَعَ "آياتٍ" في المَوْضِعَيْنِ، فَوَجْهُهُ العَطْفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ" وما عَمِلَتْ فِيهِ، لِأنَّ مَوْضِعَها رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ﴾ مُسْتَأْنَفًا، ويَكُونُ الكَلامُ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ فَلا تَكُونُ غَرِيبَةً عَلى هَذا.
و"اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ" إمّا بِالنُورِ والظَلامِ، وإمّا بِكَوْنِهِما خِلْفَةً، و"الرِزْقُ المُنَزَّلُ مِنَ السَماءِ": هو المَطَرُ، سَمّاهُ رِزْقًا بِمَآلِهِ، لِأنَّ جَمِيعَ ما يَرْتَزِقُ فَعَنِ المَطَرِ هُوَ، و"تَصْرِيفِ الرِياحِ": هو بِكَوْنِها صَبًّا ودَبُورًا وجَنُوبًا وشَمالًا، وأيْضًا فَبِكَوْنِها مَرَّةً رَحْمَةً ومَرَّةً عَذابًا، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا بِلِينِها وشِدَّتِها وحَرِّها وبَرْدِها، وقَرَأ طَلْحَةُ وعِيسى: "وَتَصْرِيفِ الرِيحِ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا ما كانَ فِيهِ مُبَشِّراتٌ، وخالَفَ عِيسى في الحِجْرِ فَقَرَأ: "الرِياحَ لَواقِحَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ. وقَوْلُهُ: ﴿ "نَتْلُوها"﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: نَتْلُو شَأْنَها وتَفْسِيرَها وشَرْحَ العِبْرَةِ لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آياتِ اللهِ": القُرْآنُ المُنَزَّلُ في هَذِهِ المَعانِي، فَلا يَكُونُ في "نَتْلُوها" حَذْفُ مُضافٍ. وقَوْلُهُ: ﴿ "بِالحَقِّ"﴾ مَعْناهُ: بِالصِدْقِ والإعْلامِ بِحَقائِقِ الأُمُورِ في أنْفُسِها. وقَوْلُهُ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ، وفِيهِ قُوَّةُ التَهْدِيدِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، (p-٥٩١)وَقَتادَةُ: "يُؤْمِنُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ أيْضًا، والأعْمَشُ: "تُؤْمِنُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الكُفّارِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "تُوقِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مِنَ اليَقِينِ.
الجاثية 45:4
(p-٥٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الجاثِيَةِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ وما أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَماءِ مِنَ رِزْقٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ الرِياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، و"تَنْزِيلُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ أو عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، و"العَزِيزِ": مَعْناهُ: عامُّ في شِدَّةِ أخْذِهِ إذا انْتَقَمَ، ودِفاعِهِ إذا حَمِيَ ونَصَرَ، وغَيْرُ ذَلِكَ، و﴿ "الحَكِيمِ":﴾ المُحْكِمِ لِلْأشْياءِ، وذَكَرَ تَعالى الآياتِ الَّتِي في السَماواتِ والأرْضِ مُجْمَلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فَكَأنَّها إحالَةٌ عَلى غَوامِضَ تُثِيرُها الفِكْرُ، ويُخْبِرُ بِكَثِيرٍ مِنها الشَرْعُ، فَلِذَلِكَ جَعَلَها لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ في ضِمْنِ الإيمانِ العَقْلُ والتَصْدِيقُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى خَلْقَ البَشَرِ والحَيَوانِ وكَأنَّهُ أغْمَضَ مِمّا أحالَ عَلَيْهِ أوَّلًا وأكْثَرَ تَلْخِيصًا، فَجَعَلَهُ لِلْمُوقِنِينَ الَّذِينَ لَهم نَظَرٌ يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ في مُعْتَقَداتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلافَ اللَيْلِ والنَهارِ والعِبْرَةَ بِالمَطَرِ والرِياحِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، إذْ كَلُّ عاقِلٍ يَحْصُلُ هَذِهِ ويَفْهَمُ قَدْرَها.
(p-٥٨٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنْ كانَ هَذا النَظَرُ لَيْسَ بِلازِمٍ ولابُدَّ، فَإنَّ اللَفْظَ يُعْطِيهِ.
و﴿ "يَبُثُّ"﴾ مَعْناهُ: يُنْشَرُ في الأرْضِ، والدابَّةُ: كُلُّ حَيَوانٍ يَدُبُّ، أو يُمْكِنُ فِيهِ أنْ يَدُبَّ، يَدْخُلُ في ذَلِكَ الطَيْرُ والحُوتُ، وشاهِدُ الطَيْرِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ....................... ∗∗∗ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ........................ ∗∗∗ ∗∗∗ دَبِيبُ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلٍ
وشاهِدُ الحُوتِ قَوْلُ أبِي مُوسى: "وَقَدْ ألْقى البَحْرُ دابَّةً مِثْلَ الظَرَبِ"، ودَوابُّ البَحْرِ لَفْظٌ مَشْهُورٌ في اللُغَةِ.
(p-٥٨٩)وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "آياتٍ" بِالنَصْبِ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ. وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: ﴿ "آياتٌ"﴾ بِالرَفْعِ فِيهِما، فَأمّا مَن قَرَأ بِالنَصْبِ فَحَمَلَ "آياتٍ" في المَوْضِعَيْنِ عَلى نَصْبِ "إنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ﴾، ولا يَعْرِضُ في ذَلِكَ العَطْفَ عَلى عامَلَيْنِ الَّذِي لا يُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ وكَثِيرٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ، لِأنّا نُقَدِّرُ "فِي" مُعادَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ﴾، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَفِي اخْتِلافِ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ -عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ-: "وَفِي اخْتِلافِ اللَيْلِ"، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَها قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَفِي خَلْقِكُمْ"﴾ فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الجارِّ، جازَ حَذْفُهُ مِنَ الثانِي، ويُقَدَّرُ مُثْبَتًا، كَما قَدَّرَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ∗∗∗ ∗∗∗ ونارٌ تُوقَدُ بِاللَيْلِ نارًا؟
أيْ: وكُلُّ نارٍ، وكَما قالَ الآخَرُ:
؎ أوصَيْتُ مِن بَرَّةٍ قَلْبًا حُرًّا ∗∗∗ ∗∗∗ بِالكَلْبِ خَيْرًا والحَماةَ شَرًّا
(p-٥٩٠)أيْ: وبِالحَمْأةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا الِاعْتِراضُ كُلُّهُ إنَّما هو في "آياتٌ" الثانِي، لِأنَّ الأوَّلَ قَبْلَهُ حَرْفُ الجَرِّ ظاهِرٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الثَلاثَةِ المَواضِعَ: "لَآياتٍ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ مَحْمُولٌ عَلى "إنَّ" في قِراءَةِ مَن أسْقَطَ اللاماتِ في الِاثْنَيْنِ الآخِيرَتَيْنِ.
وأمّا مَن رَفَعَ "آياتٍ" في المَوْضِعَيْنِ، فَوَجْهُهُ العَطْفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ" وما عَمِلَتْ فِيهِ، لِأنَّ مَوْضِعَها رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ﴾ مُسْتَأْنَفًا، ويَكُونُ الكَلامُ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ فَلا تَكُونُ غَرِيبَةً عَلى هَذا.
و"اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ" إمّا بِالنُورِ والظَلامِ، وإمّا بِكَوْنِهِما خِلْفَةً، و"الرِزْقُ المُنَزَّلُ مِنَ السَماءِ": هو المَطَرُ، سَمّاهُ رِزْقًا بِمَآلِهِ، لِأنَّ جَمِيعَ ما يَرْتَزِقُ فَعَنِ المَطَرِ هُوَ، و"تَصْرِيفِ الرِياحِ": هو بِكَوْنِها صَبًّا ودَبُورًا وجَنُوبًا وشَمالًا، وأيْضًا فَبِكَوْنِها مَرَّةً رَحْمَةً ومَرَّةً عَذابًا، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا بِلِينِها وشِدَّتِها وحَرِّها وبَرْدِها، وقَرَأ طَلْحَةُ وعِيسى: "وَتَصْرِيفِ الرِيحِ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا ما كانَ فِيهِ مُبَشِّراتٌ، وخالَفَ عِيسى في الحِجْرِ فَقَرَأ: "الرِياحَ لَواقِحَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ. وقَوْلُهُ: ﴿ "نَتْلُوها"﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: نَتْلُو شَأْنَها وتَفْسِيرَها وشَرْحَ العِبْرَةِ لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آياتِ اللهِ": القُرْآنُ المُنَزَّلُ في هَذِهِ المَعانِي، فَلا يَكُونُ في "نَتْلُوها" حَذْفُ مُضافٍ. وقَوْلُهُ: ﴿ "بِالحَقِّ"﴾ مَعْناهُ: بِالصِدْقِ والإعْلامِ بِحَقائِقِ الأُمُورِ في أنْفُسِها. وقَوْلُهُ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ، وفِيهِ قُوَّةُ التَهْدِيدِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، (p-٥٩١)وَقَتادَةُ: "يُؤْمِنُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ أيْضًا، والأعْمَشُ: "تُؤْمِنُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الكُفّارِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "تُوقِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مِنَ اليَقِينِ.
الجاثية 45:5
(p-٥٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الجاثِيَةِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ وما أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَماءِ مِنَ رِزْقٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ الرِياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، و"تَنْزِيلُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ أو عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، و"العَزِيزِ": مَعْناهُ: عامُّ في شِدَّةِ أخْذِهِ إذا انْتَقَمَ، ودِفاعِهِ إذا حَمِيَ ونَصَرَ، وغَيْرُ ذَلِكَ، و﴿ "الحَكِيمِ":﴾ المُحْكِمِ لِلْأشْياءِ، وذَكَرَ تَعالى الآياتِ الَّتِي في السَماواتِ والأرْضِ مُجْمَلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فَكَأنَّها إحالَةٌ عَلى غَوامِضَ تُثِيرُها الفِكْرُ، ويُخْبِرُ بِكَثِيرٍ مِنها الشَرْعُ، فَلِذَلِكَ جَعَلَها لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ في ضِمْنِ الإيمانِ العَقْلُ والتَصْدِيقُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى خَلْقَ البَشَرِ والحَيَوانِ وكَأنَّهُ أغْمَضَ مِمّا أحالَ عَلَيْهِ أوَّلًا وأكْثَرَ تَلْخِيصًا، فَجَعَلَهُ لِلْمُوقِنِينَ الَّذِينَ لَهم نَظَرٌ يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ في مُعْتَقَداتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلافَ اللَيْلِ والنَهارِ والعِبْرَةَ بِالمَطَرِ والرِياحِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، إذْ كَلُّ عاقِلٍ يَحْصُلُ هَذِهِ ويَفْهَمُ قَدْرَها.
(p-٥٨٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنْ كانَ هَذا النَظَرُ لَيْسَ بِلازِمٍ ولابُدَّ، فَإنَّ اللَفْظَ يُعْطِيهِ.
و﴿ "يَبُثُّ"﴾ مَعْناهُ: يُنْشَرُ في الأرْضِ، والدابَّةُ: كُلُّ حَيَوانٍ يَدُبُّ، أو يُمْكِنُ فِيهِ أنْ يَدُبَّ، يَدْخُلُ في ذَلِكَ الطَيْرُ والحُوتُ، وشاهِدُ الطَيْرِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ....................... ∗∗∗ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ........................ ∗∗∗ ∗∗∗ دَبِيبُ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلٍ
وشاهِدُ الحُوتِ قَوْلُ أبِي مُوسى: "وَقَدْ ألْقى البَحْرُ دابَّةً مِثْلَ الظَرَبِ"، ودَوابُّ البَحْرِ لَفْظٌ مَشْهُورٌ في اللُغَةِ.
(p-٥٨٩)وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "آياتٍ" بِالنَصْبِ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ. وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: ﴿ "آياتٌ"﴾ بِالرَفْعِ فِيهِما، فَأمّا مَن قَرَأ بِالنَصْبِ فَحَمَلَ "آياتٍ" في المَوْضِعَيْنِ عَلى نَصْبِ "إنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ﴾، ولا يَعْرِضُ في ذَلِكَ العَطْفَ عَلى عامَلَيْنِ الَّذِي لا يُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ وكَثِيرٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ، لِأنّا نُقَدِّرُ "فِي" مُعادَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ﴾، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَفِي اخْتِلافِ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ -عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ-: "وَفِي اخْتِلافِ اللَيْلِ"، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَها قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَفِي خَلْقِكُمْ"﴾ فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الجارِّ، جازَ حَذْفُهُ مِنَ الثانِي، ويُقَدَّرُ مُثْبَتًا، كَما قَدَّرَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ∗∗∗ ∗∗∗ ونارٌ تُوقَدُ بِاللَيْلِ نارًا؟
أيْ: وكُلُّ نارٍ، وكَما قالَ الآخَرُ:
؎ أوصَيْتُ مِن بَرَّةٍ قَلْبًا حُرًّا ∗∗∗ ∗∗∗ بِالكَلْبِ خَيْرًا والحَماةَ شَرًّا
(p-٥٩٠)أيْ: وبِالحَمْأةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا الِاعْتِراضُ كُلُّهُ إنَّما هو في "آياتٌ" الثانِي، لِأنَّ الأوَّلَ قَبْلَهُ حَرْفُ الجَرِّ ظاهِرٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الثَلاثَةِ المَواضِعَ: "لَآياتٍ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ مَحْمُولٌ عَلى "إنَّ" في قِراءَةِ مَن أسْقَطَ اللاماتِ في الِاثْنَيْنِ الآخِيرَتَيْنِ.
وأمّا مَن رَفَعَ "آياتٍ" في المَوْضِعَيْنِ، فَوَجْهُهُ العَطْفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ" وما عَمِلَتْ فِيهِ، لِأنَّ مَوْضِعَها رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ﴾ مُسْتَأْنَفًا، ويَكُونُ الكَلامُ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ فَلا تَكُونُ غَرِيبَةً عَلى هَذا.
و"اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ" إمّا بِالنُورِ والظَلامِ، وإمّا بِكَوْنِهِما خِلْفَةً، و"الرِزْقُ المُنَزَّلُ مِنَ السَماءِ": هو المَطَرُ، سَمّاهُ رِزْقًا بِمَآلِهِ، لِأنَّ جَمِيعَ ما يَرْتَزِقُ فَعَنِ المَطَرِ هُوَ، و"تَصْرِيفِ الرِياحِ": هو بِكَوْنِها صَبًّا ودَبُورًا وجَنُوبًا وشَمالًا، وأيْضًا فَبِكَوْنِها مَرَّةً رَحْمَةً ومَرَّةً عَذابًا، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا بِلِينِها وشِدَّتِها وحَرِّها وبَرْدِها، وقَرَأ طَلْحَةُ وعِيسى: "وَتَصْرِيفِ الرِيحِ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا ما كانَ فِيهِ مُبَشِّراتٌ، وخالَفَ عِيسى في الحِجْرِ فَقَرَأ: "الرِياحَ لَواقِحَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ. وقَوْلُهُ: ﴿ "نَتْلُوها"﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: نَتْلُو شَأْنَها وتَفْسِيرَها وشَرْحَ العِبْرَةِ لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آياتِ اللهِ": القُرْآنُ المُنَزَّلُ في هَذِهِ المَعانِي، فَلا يَكُونُ في "نَتْلُوها" حَذْفُ مُضافٍ. وقَوْلُهُ: ﴿ "بِالحَقِّ"﴾ مَعْناهُ: بِالصِدْقِ والإعْلامِ بِحَقائِقِ الأُمُورِ في أنْفُسِها. وقَوْلُهُ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ، وفِيهِ قُوَّةُ التَهْدِيدِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، (p-٥٩١)وَقَتادَةُ: "يُؤْمِنُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ أيْضًا، والأعْمَشُ: "تُؤْمِنُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الكُفّارِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "تُوقِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مِنَ اليَقِينِ.
الجاثية 45:6
(p-٥٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الجاثِيَةِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ وما أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَماءِ مِنَ رِزْقٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ الرِياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، و"تَنْزِيلُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ أو عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، و"العَزِيزِ": مَعْناهُ: عامُّ في شِدَّةِ أخْذِهِ إذا انْتَقَمَ، ودِفاعِهِ إذا حَمِيَ ونَصَرَ، وغَيْرُ ذَلِكَ، و﴿ "الحَكِيمِ":﴾ المُحْكِمِ لِلْأشْياءِ، وذَكَرَ تَعالى الآياتِ الَّتِي في السَماواتِ والأرْضِ مُجْمَلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فَكَأنَّها إحالَةٌ عَلى غَوامِضَ تُثِيرُها الفِكْرُ، ويُخْبِرُ بِكَثِيرٍ مِنها الشَرْعُ، فَلِذَلِكَ جَعَلَها لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ في ضِمْنِ الإيمانِ العَقْلُ والتَصْدِيقُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى خَلْقَ البَشَرِ والحَيَوانِ وكَأنَّهُ أغْمَضَ مِمّا أحالَ عَلَيْهِ أوَّلًا وأكْثَرَ تَلْخِيصًا، فَجَعَلَهُ لِلْمُوقِنِينَ الَّذِينَ لَهم نَظَرٌ يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ في مُعْتَقَداتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلافَ اللَيْلِ والنَهارِ والعِبْرَةَ بِالمَطَرِ والرِياحِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، إذْ كَلُّ عاقِلٍ يَحْصُلُ هَذِهِ ويَفْهَمُ قَدْرَها.
(p-٥٨٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنْ كانَ هَذا النَظَرُ لَيْسَ بِلازِمٍ ولابُدَّ، فَإنَّ اللَفْظَ يُعْطِيهِ.
و﴿ "يَبُثُّ"﴾ مَعْناهُ: يُنْشَرُ في الأرْضِ، والدابَّةُ: كُلُّ حَيَوانٍ يَدُبُّ، أو يُمْكِنُ فِيهِ أنْ يَدُبَّ، يَدْخُلُ في ذَلِكَ الطَيْرُ والحُوتُ، وشاهِدُ الطَيْرِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ....................... ∗∗∗ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ ........................ ∗∗∗ ∗∗∗ دَبِيبُ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلٍ
وشاهِدُ الحُوتِ قَوْلُ أبِي مُوسى: "وَقَدْ ألْقى البَحْرُ دابَّةً مِثْلَ الظَرَبِ"، ودَوابُّ البَحْرِ لَفْظٌ مَشْهُورٌ في اللُغَةِ.
(p-٥٨٩)وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "آياتٍ" بِالنَصْبِ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ. وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: ﴿ "آياتٌ"﴾ بِالرَفْعِ فِيهِما، فَأمّا مَن قَرَأ بِالنَصْبِ فَحَمَلَ "آياتٍ" في المَوْضِعَيْنِ عَلى نَصْبِ "إنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ﴾، ولا يَعْرِضُ في ذَلِكَ العَطْفَ عَلى عامَلَيْنِ الَّذِي لا يُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ وكَثِيرٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ، لِأنّا نُقَدِّرُ "فِي" مُعادَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ﴾، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَفِي اخْتِلافِ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ -عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ-: "وَفِي اخْتِلافِ اللَيْلِ"، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَها قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَفِي خَلْقِكُمْ"﴾ فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الجارِّ، جازَ حَذْفُهُ مِنَ الثانِي، ويُقَدَّرُ مُثْبَتًا، كَما قَدَّرَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ∗∗∗ ∗∗∗ ونارٌ تُوقَدُ بِاللَيْلِ نارًا؟
أيْ: وكُلُّ نارٍ، وكَما قالَ الآخَرُ:
؎ أوصَيْتُ مِن بَرَّةٍ قَلْبًا حُرًّا ∗∗∗ ∗∗∗ بِالكَلْبِ خَيْرًا والحَماةَ شَرًّا
(p-٥٩٠)أيْ: وبِالحَمْأةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا الِاعْتِراضُ كُلُّهُ إنَّما هو في "آياتٌ" الثانِي، لِأنَّ الأوَّلَ قَبْلَهُ حَرْفُ الجَرِّ ظاهِرٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الثَلاثَةِ المَواضِعَ: "لَآياتٍ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ مَحْمُولٌ عَلى "إنَّ" في قِراءَةِ مَن أسْقَطَ اللاماتِ في الِاثْنَيْنِ الآخِيرَتَيْنِ.
وأمّا مَن رَفَعَ "آياتٍ" في المَوْضِعَيْنِ، فَوَجْهُهُ العَطْفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ" وما عَمِلَتْ فِيهِ، لِأنَّ مَوْضِعَها رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ﴾ مُسْتَأْنَفًا، ويَكُونُ الكَلامُ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ فَلا تَكُونُ غَرِيبَةً عَلى هَذا.
و"اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ" إمّا بِالنُورِ والظَلامِ، وإمّا بِكَوْنِهِما خِلْفَةً، و"الرِزْقُ المُنَزَّلُ مِنَ السَماءِ": هو المَطَرُ، سَمّاهُ رِزْقًا بِمَآلِهِ، لِأنَّ جَمِيعَ ما يَرْتَزِقُ فَعَنِ المَطَرِ هُوَ، و"تَصْرِيفِ الرِياحِ": هو بِكَوْنِها صَبًّا ودَبُورًا وجَنُوبًا وشَمالًا، وأيْضًا فَبِكَوْنِها مَرَّةً رَحْمَةً ومَرَّةً عَذابًا، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا بِلِينِها وشِدَّتِها وحَرِّها وبَرْدِها، وقَرَأ طَلْحَةُ وعِيسى: "وَتَصْرِيفِ الرِيحِ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا ما كانَ فِيهِ مُبَشِّراتٌ، وخالَفَ عِيسى في الحِجْرِ فَقَرَأ: "الرِياحَ لَواقِحَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ. وقَوْلُهُ: ﴿ "نَتْلُوها"﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: نَتْلُو شَأْنَها وتَفْسِيرَها وشَرْحَ العِبْرَةِ لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آياتِ اللهِ": القُرْآنُ المُنَزَّلُ في هَذِهِ المَعانِي، فَلا يَكُونُ في "نَتْلُوها" حَذْفُ مُضافٍ. وقَوْلُهُ: ﴿ "بِالحَقِّ"﴾ مَعْناهُ: بِالصِدْقِ والإعْلامِ بِحَقائِقِ الأُمُورِ في أنْفُسِها. وقَوْلُهُ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ، وفِيهِ قُوَّةُ التَهْدِيدِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، (p-٥٩١)وَقَتادَةُ: "يُؤْمِنُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ أيْضًا، والأعْمَشُ: "تُؤْمِنُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الكُفّارِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "تُوقِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مِنَ اليَقِينِ.
الجاثية 45:7
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وَإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عنهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أولِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿هَذا هُدًى والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾
"الوَيْلُ" في كَلامِ العَرَبِ: المَصائِبُ والحُزْنُ والهَمُّ والشِدَّةُ مِن هَذِهِ المَعانِي، وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في الدُعاءِ عَلى الإنْسانِ. ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا اسْمُهُ: ويْلٌ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ ومُقْتَضى اللُغَةِ أنَّهُ الدُعاءُ عَلى أهْلِ الإفْكِ والإثْمِ بِالمَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، والأفّاكُ: الكَذّابُ الَّذِي يَقَعُ مِنهُ الإفْكُ مِرارًا، و"الأثِيمُ": بِناءُ مُبالَغَةٍ، اسْمُ فاعِلٍ مِن: أثِمَ يَأْثَمُ.
ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: النَضِرُ بْنُ الحارِثِ، والصَوابُ أنَّ سَبَبَها ما كانَ المَذْكُورانِ وغَيْرُهُما- يَفْعَلانِ، وأنَّها تَعُمُّ كُلَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ الأوصافِ المَذْكُورَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
و"يُصِرُّ" مَعْناهُ: يَثْبُتُ عَلى عَقِيدَتِهِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾، حَسَنٌ ذَلِكَ لِما أفْصَحَ عَنِ العَذابِ، ولَوْ كانَتِ البِشارَةُ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِشَيْءٍ لَما حَصَلَتْ إلّا عَلى المُحابِّ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَإذا عَلِمَ"﴾ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ اللامِ، والمَعْنى: وإذا أخْبَرَ بِشَيْءٍ مِن آياتِنا، فَعَلِمَ نَفْسَ الخَبَرِ لا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ، ولَوْ عِلْمُ المَعانِي الَّتِي تَتَضَمَّنَها أخْبارُ الشَرْعِ وعُرْفُ حَقائِقِها، لَكانَ مُؤْمِنًا، وقَرَأ قَتادَةُ، ومَطَرُ الوَرّاقِ: (p-٥٩٢)"وَإذا عُلِمَ" بِضَمِّ العَيْنِ وشَدِّ اللامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أُولَئِكَ"﴾ رَدٌّ عَلى لَفْظِ "كُلِّ أفّاكٍ"، لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لَهُ الصِفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ قالَ فِيهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مِن أمامِهِمْ، وهَذا كالخِلافِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]، ولَحَظُّ قائِلٍ هَذِهِ المَقالَةَ الأمْرَ مِن حَيْثُ تَأوَّلَ أنَّ الإنْسانَ كَأنَّهُ مِن عُمْرِهِ يَسِيرُ إلى جَنَّةٍ أو نارٍ، فَهُما أمامَهُ، ولَيْسَ لَفْظُ "الوَراءِ" في اللُغَةِ كَذَلِكَ، وإنَّما هو ما يَأْتِي خَلْفَ الإنْسانِ، وإذا اعْتَبَرَ الأمْرُ بِالتَقَدُّمِ أوِ التَأخُّرِ في الوُجُودِ عَلى أنَّ الزَمانَ كالطَرِيقِ لِلْأشْياءِ اسْتَقامَ الأمْرُ، فَما يَأْتِي بَعْدَ الشَيْءِ في الزَمانِ فَهو وراءَهُ، فَكَأنَّ المَلِكَ وأخْذِهِ السَفِينَةَ وراءَ رُكُوبِ أُولَئِكَ إيّاها، وجَهَنَّمُ وإحْراقُها لِلْكُفّارِ يَأْتِي بَعْدَ كُفْرِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: افْعَلْ كَذا وأنا مِن ورائِكَ عَضُدًا، وكَما تَقُولُ ذَلِكَ عَلى التَهْدِيدِ: أنا مِن وراءِ التَقَصِّي عَلَيْكَ، ونَحْوُ هَذا. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا ما اتَّخَذُوا" يَعْنِي بِذَلِكَ الأوثانَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا هُدًى﴾ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -: "ألِيمٌ" عَلى النَعْتِ لـِ "عَذابٌ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ مُطْرَفٍ، وأهْلُ مَكَّةَ، وقَرَأ الباقُونَ: "ألِيمٍ" عَلى النَعْتِ لِـ "رِجْزٍ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى، والأعْمَشُ. و"الرِجْزُ": أشَدُّ العَذابِ، وقَوْلُهُ وتَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَلَهم عَذابٌ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: لَهم حَظٌّ، فَمِن هَذِهِ الجِهَةِ ومِن جِهَةِ تَغايُرِ اللَفْظَتَيْنِ حَسَنٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ إذِ الرِجْزُ هو العَذابُ.
الجاثية 45:8
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وَإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عنهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أولِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿هَذا هُدًى والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾
"الوَيْلُ" في كَلامِ العَرَبِ: المَصائِبُ والحُزْنُ والهَمُّ والشِدَّةُ مِن هَذِهِ المَعانِي، وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في الدُعاءِ عَلى الإنْسانِ. ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا اسْمُهُ: ويْلٌ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ ومُقْتَضى اللُغَةِ أنَّهُ الدُعاءُ عَلى أهْلِ الإفْكِ والإثْمِ بِالمَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، والأفّاكُ: الكَذّابُ الَّذِي يَقَعُ مِنهُ الإفْكُ مِرارًا، و"الأثِيمُ": بِناءُ مُبالَغَةٍ، اسْمُ فاعِلٍ مِن: أثِمَ يَأْثَمُ.
ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: النَضِرُ بْنُ الحارِثِ، والصَوابُ أنَّ سَبَبَها ما كانَ المَذْكُورانِ وغَيْرُهُما- يَفْعَلانِ، وأنَّها تَعُمُّ كُلَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ الأوصافِ المَذْكُورَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
و"يُصِرُّ" مَعْناهُ: يَثْبُتُ عَلى عَقِيدَتِهِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾، حَسَنٌ ذَلِكَ لِما أفْصَحَ عَنِ العَذابِ، ولَوْ كانَتِ البِشارَةُ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِشَيْءٍ لَما حَصَلَتْ إلّا عَلى المُحابِّ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَإذا عَلِمَ"﴾ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ اللامِ، والمَعْنى: وإذا أخْبَرَ بِشَيْءٍ مِن آياتِنا، فَعَلِمَ نَفْسَ الخَبَرِ لا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ، ولَوْ عِلْمُ المَعانِي الَّتِي تَتَضَمَّنَها أخْبارُ الشَرْعِ وعُرْفُ حَقائِقِها، لَكانَ مُؤْمِنًا، وقَرَأ قَتادَةُ، ومَطَرُ الوَرّاقِ: (p-٥٩٢)"وَإذا عُلِمَ" بِضَمِّ العَيْنِ وشَدِّ اللامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أُولَئِكَ"﴾ رَدٌّ عَلى لَفْظِ "كُلِّ أفّاكٍ"، لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لَهُ الصِفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ قالَ فِيهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مِن أمامِهِمْ، وهَذا كالخِلافِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]، ولَحَظُّ قائِلٍ هَذِهِ المَقالَةَ الأمْرَ مِن حَيْثُ تَأوَّلَ أنَّ الإنْسانَ كَأنَّهُ مِن عُمْرِهِ يَسِيرُ إلى جَنَّةٍ أو نارٍ، فَهُما أمامَهُ، ولَيْسَ لَفْظُ "الوَراءِ" في اللُغَةِ كَذَلِكَ، وإنَّما هو ما يَأْتِي خَلْفَ الإنْسانِ، وإذا اعْتَبَرَ الأمْرُ بِالتَقَدُّمِ أوِ التَأخُّرِ في الوُجُودِ عَلى أنَّ الزَمانَ كالطَرِيقِ لِلْأشْياءِ اسْتَقامَ الأمْرُ، فَما يَأْتِي بَعْدَ الشَيْءِ في الزَمانِ فَهو وراءَهُ، فَكَأنَّ المَلِكَ وأخْذِهِ السَفِينَةَ وراءَ رُكُوبِ أُولَئِكَ إيّاها، وجَهَنَّمُ وإحْراقُها لِلْكُفّارِ يَأْتِي بَعْدَ كُفْرِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: افْعَلْ كَذا وأنا مِن ورائِكَ عَضُدًا، وكَما تَقُولُ ذَلِكَ عَلى التَهْدِيدِ: أنا مِن وراءِ التَقَصِّي عَلَيْكَ، ونَحْوُ هَذا. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا ما اتَّخَذُوا" يَعْنِي بِذَلِكَ الأوثانَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا هُدًى﴾ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -: "ألِيمٌ" عَلى النَعْتِ لـِ "عَذابٌ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ مُطْرَفٍ، وأهْلُ مَكَّةَ، وقَرَأ الباقُونَ: "ألِيمٍ" عَلى النَعْتِ لِـ "رِجْزٍ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى، والأعْمَشُ. و"الرِجْزُ": أشَدُّ العَذابِ، وقَوْلُهُ وتَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَلَهم عَذابٌ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: لَهم حَظٌّ، فَمِن هَذِهِ الجِهَةِ ومِن جِهَةِ تَغايُرِ اللَفْظَتَيْنِ حَسَنٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ إذِ الرِجْزُ هو العَذابُ.
الجاثية 45:9
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وَإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عنهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أولِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿هَذا هُدًى والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾
"الوَيْلُ" في كَلامِ العَرَبِ: المَصائِبُ والحُزْنُ والهَمُّ والشِدَّةُ مِن هَذِهِ المَعانِي، وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في الدُعاءِ عَلى الإنْسانِ. ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا اسْمُهُ: ويْلٌ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ ومُقْتَضى اللُغَةِ أنَّهُ الدُعاءُ عَلى أهْلِ الإفْكِ والإثْمِ بِالمَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، والأفّاكُ: الكَذّابُ الَّذِي يَقَعُ مِنهُ الإفْكُ مِرارًا، و"الأثِيمُ": بِناءُ مُبالَغَةٍ، اسْمُ فاعِلٍ مِن: أثِمَ يَأْثَمُ.
ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: النَضِرُ بْنُ الحارِثِ، والصَوابُ أنَّ سَبَبَها ما كانَ المَذْكُورانِ وغَيْرُهُما- يَفْعَلانِ، وأنَّها تَعُمُّ كُلَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ الأوصافِ المَذْكُورَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
و"يُصِرُّ" مَعْناهُ: يَثْبُتُ عَلى عَقِيدَتِهِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾، حَسَنٌ ذَلِكَ لِما أفْصَحَ عَنِ العَذابِ، ولَوْ كانَتِ البِشارَةُ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِشَيْءٍ لَما حَصَلَتْ إلّا عَلى المُحابِّ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَإذا عَلِمَ"﴾ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ اللامِ، والمَعْنى: وإذا أخْبَرَ بِشَيْءٍ مِن آياتِنا، فَعَلِمَ نَفْسَ الخَبَرِ لا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ، ولَوْ عِلْمُ المَعانِي الَّتِي تَتَضَمَّنَها أخْبارُ الشَرْعِ وعُرْفُ حَقائِقِها، لَكانَ مُؤْمِنًا، وقَرَأ قَتادَةُ، ومَطَرُ الوَرّاقِ: (p-٥٩٢)"وَإذا عُلِمَ" بِضَمِّ العَيْنِ وشَدِّ اللامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أُولَئِكَ"﴾ رَدٌّ عَلى لَفْظِ "كُلِّ أفّاكٍ"، لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لَهُ الصِفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ قالَ فِيهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مِن أمامِهِمْ، وهَذا كالخِلافِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]، ولَحَظُّ قائِلٍ هَذِهِ المَقالَةَ الأمْرَ مِن حَيْثُ تَأوَّلَ أنَّ الإنْسانَ كَأنَّهُ مِن عُمْرِهِ يَسِيرُ إلى جَنَّةٍ أو نارٍ، فَهُما أمامَهُ، ولَيْسَ لَفْظُ "الوَراءِ" في اللُغَةِ كَذَلِكَ، وإنَّما هو ما يَأْتِي خَلْفَ الإنْسانِ، وإذا اعْتَبَرَ الأمْرُ بِالتَقَدُّمِ أوِ التَأخُّرِ في الوُجُودِ عَلى أنَّ الزَمانَ كالطَرِيقِ لِلْأشْياءِ اسْتَقامَ الأمْرُ، فَما يَأْتِي بَعْدَ الشَيْءِ في الزَمانِ فَهو وراءَهُ، فَكَأنَّ المَلِكَ وأخْذِهِ السَفِينَةَ وراءَ رُكُوبِ أُولَئِكَ إيّاها، وجَهَنَّمُ وإحْراقُها لِلْكُفّارِ يَأْتِي بَعْدَ كُفْرِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: افْعَلْ كَذا وأنا مِن ورائِكَ عَضُدًا، وكَما تَقُولُ ذَلِكَ عَلى التَهْدِيدِ: أنا مِن وراءِ التَقَصِّي عَلَيْكَ، ونَحْوُ هَذا. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا ما اتَّخَذُوا" يَعْنِي بِذَلِكَ الأوثانَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا هُدًى﴾ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -: "ألِيمٌ" عَلى النَعْتِ لـِ "عَذابٌ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ مُطْرَفٍ، وأهْلُ مَكَّةَ، وقَرَأ الباقُونَ: "ألِيمٍ" عَلى النَعْتِ لِـ "رِجْزٍ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى، والأعْمَشُ. و"الرِجْزُ": أشَدُّ العَذابِ، وقَوْلُهُ وتَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَلَهم عَذابٌ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: لَهم حَظٌّ، فَمِن هَذِهِ الجِهَةِ ومِن جِهَةِ تَغايُرِ اللَفْظَتَيْنِ حَسَنٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ إذِ الرِجْزُ هو العَذابُ.
الجاثية 45:10
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وَإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عنهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أولِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿هَذا هُدًى والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾
"الوَيْلُ" في كَلامِ العَرَبِ: المَصائِبُ والحُزْنُ والهَمُّ والشِدَّةُ مِن هَذِهِ المَعانِي، وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في الدُعاءِ عَلى الإنْسانِ. ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا اسْمُهُ: ويْلٌ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ ومُقْتَضى اللُغَةِ أنَّهُ الدُعاءُ عَلى أهْلِ الإفْكِ والإثْمِ بِالمَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، والأفّاكُ: الكَذّابُ الَّذِي يَقَعُ مِنهُ الإفْكُ مِرارًا، و"الأثِيمُ": بِناءُ مُبالَغَةٍ، اسْمُ فاعِلٍ مِن: أثِمَ يَأْثَمُ.
ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: النَضِرُ بْنُ الحارِثِ، والصَوابُ أنَّ سَبَبَها ما كانَ المَذْكُورانِ وغَيْرُهُما- يَفْعَلانِ، وأنَّها تَعُمُّ كُلَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ الأوصافِ المَذْكُورَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
و"يُصِرُّ" مَعْناهُ: يَثْبُتُ عَلى عَقِيدَتِهِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾، حَسَنٌ ذَلِكَ لِما أفْصَحَ عَنِ العَذابِ، ولَوْ كانَتِ البِشارَةُ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِشَيْءٍ لَما حَصَلَتْ إلّا عَلى المُحابِّ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَإذا عَلِمَ"﴾ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ اللامِ، والمَعْنى: وإذا أخْبَرَ بِشَيْءٍ مِن آياتِنا، فَعَلِمَ نَفْسَ الخَبَرِ لا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ، ولَوْ عِلْمُ المَعانِي الَّتِي تَتَضَمَّنَها أخْبارُ الشَرْعِ وعُرْفُ حَقائِقِها، لَكانَ مُؤْمِنًا، وقَرَأ قَتادَةُ، ومَطَرُ الوَرّاقِ: (p-٥٩٢)"وَإذا عُلِمَ" بِضَمِّ العَيْنِ وشَدِّ اللامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أُولَئِكَ"﴾ رَدٌّ عَلى لَفْظِ "كُلِّ أفّاكٍ"، لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لَهُ الصِفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ قالَ فِيهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مِن أمامِهِمْ، وهَذا كالخِلافِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]، ولَحَظُّ قائِلٍ هَذِهِ المَقالَةَ الأمْرَ مِن حَيْثُ تَأوَّلَ أنَّ الإنْسانَ كَأنَّهُ مِن عُمْرِهِ يَسِيرُ إلى جَنَّةٍ أو نارٍ، فَهُما أمامَهُ، ولَيْسَ لَفْظُ "الوَراءِ" في اللُغَةِ كَذَلِكَ، وإنَّما هو ما يَأْتِي خَلْفَ الإنْسانِ، وإذا اعْتَبَرَ الأمْرُ بِالتَقَدُّمِ أوِ التَأخُّرِ في الوُجُودِ عَلى أنَّ الزَمانَ كالطَرِيقِ لِلْأشْياءِ اسْتَقامَ الأمْرُ، فَما يَأْتِي بَعْدَ الشَيْءِ في الزَمانِ فَهو وراءَهُ، فَكَأنَّ المَلِكَ وأخْذِهِ السَفِينَةَ وراءَ رُكُوبِ أُولَئِكَ إيّاها، وجَهَنَّمُ وإحْراقُها لِلْكُفّارِ يَأْتِي بَعْدَ كُفْرِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: افْعَلْ كَذا وأنا مِن ورائِكَ عَضُدًا، وكَما تَقُولُ ذَلِكَ عَلى التَهْدِيدِ: أنا مِن وراءِ التَقَصِّي عَلَيْكَ، ونَحْوُ هَذا. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا ما اتَّخَذُوا" يَعْنِي بِذَلِكَ الأوثانَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا هُدًى﴾ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -: "ألِيمٌ" عَلى النَعْتِ لـِ "عَذابٌ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ مُطْرَفٍ، وأهْلُ مَكَّةَ، وقَرَأ الباقُونَ: "ألِيمٍ" عَلى النَعْتِ لِـ "رِجْزٍ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى، والأعْمَشُ. و"الرِجْزُ": أشَدُّ العَذابِ، وقَوْلُهُ وتَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَلَهم عَذابٌ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: لَهم حَظٌّ، فَمِن هَذِهِ الجِهَةِ ومِن جِهَةِ تَغايُرِ اللَفْظَتَيْنِ حَسَنٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ إذِ الرِجْزُ هو العَذابُ.
الجاثية 45:11
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وَإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عنهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أولِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿هَذا هُدًى والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾
"الوَيْلُ" في كَلامِ العَرَبِ: المَصائِبُ والحُزْنُ والهَمُّ والشِدَّةُ مِن هَذِهِ المَعانِي، وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في الدُعاءِ عَلى الإنْسانِ. ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا اسْمُهُ: ويْلٌ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ ومُقْتَضى اللُغَةِ أنَّهُ الدُعاءُ عَلى أهْلِ الإفْكِ والإثْمِ بِالمَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، والأفّاكُ: الكَذّابُ الَّذِي يَقَعُ مِنهُ الإفْكُ مِرارًا، و"الأثِيمُ": بِناءُ مُبالَغَةٍ، اسْمُ فاعِلٍ مِن: أثِمَ يَأْثَمُ.
ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: النَضِرُ بْنُ الحارِثِ، والصَوابُ أنَّ سَبَبَها ما كانَ المَذْكُورانِ وغَيْرُهُما- يَفْعَلانِ، وأنَّها تَعُمُّ كُلَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ الأوصافِ المَذْكُورَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
و"يُصِرُّ" مَعْناهُ: يَثْبُتُ عَلى عَقِيدَتِهِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾، حَسَنٌ ذَلِكَ لِما أفْصَحَ عَنِ العَذابِ، ولَوْ كانَتِ البِشارَةُ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِشَيْءٍ لَما حَصَلَتْ إلّا عَلى المُحابِّ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَإذا عَلِمَ"﴾ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ اللامِ، والمَعْنى: وإذا أخْبَرَ بِشَيْءٍ مِن آياتِنا، فَعَلِمَ نَفْسَ الخَبَرِ لا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ، ولَوْ عِلْمُ المَعانِي الَّتِي تَتَضَمَّنَها أخْبارُ الشَرْعِ وعُرْفُ حَقائِقِها، لَكانَ مُؤْمِنًا، وقَرَأ قَتادَةُ، ومَطَرُ الوَرّاقِ: (p-٥٩٢)"وَإذا عُلِمَ" بِضَمِّ العَيْنِ وشَدِّ اللامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أُولَئِكَ"﴾ رَدٌّ عَلى لَفْظِ "كُلِّ أفّاكٍ"، لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لَهُ الصِفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ قالَ فِيهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: مِن أمامِهِمْ، وهَذا كالخِلافِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]، ولَحَظُّ قائِلٍ هَذِهِ المَقالَةَ الأمْرَ مِن حَيْثُ تَأوَّلَ أنَّ الإنْسانَ كَأنَّهُ مِن عُمْرِهِ يَسِيرُ إلى جَنَّةٍ أو نارٍ، فَهُما أمامَهُ، ولَيْسَ لَفْظُ "الوَراءِ" في اللُغَةِ كَذَلِكَ، وإنَّما هو ما يَأْتِي خَلْفَ الإنْسانِ، وإذا اعْتَبَرَ الأمْرُ بِالتَقَدُّمِ أوِ التَأخُّرِ في الوُجُودِ عَلى أنَّ الزَمانَ كالطَرِيقِ لِلْأشْياءِ اسْتَقامَ الأمْرُ، فَما يَأْتِي بَعْدَ الشَيْءِ في الزَمانِ فَهو وراءَهُ، فَكَأنَّ المَلِكَ وأخْذِهِ السَفِينَةَ وراءَ رُكُوبِ أُولَئِكَ إيّاها، وجَهَنَّمُ وإحْراقُها لِلْكُفّارِ يَأْتِي بَعْدَ كُفْرِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: افْعَلْ كَذا وأنا مِن ورائِكَ عَضُدًا، وكَما تَقُولُ ذَلِكَ عَلى التَهْدِيدِ: أنا مِن وراءِ التَقَصِّي عَلَيْكَ، ونَحْوُ هَذا. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا ما اتَّخَذُوا" يَعْنِي بِذَلِكَ الأوثانَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا هُدًى﴾ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -: "ألِيمٌ" عَلى النَعْتِ لـِ "عَذابٌ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ مُطْرَفٍ، وأهْلُ مَكَّةَ، وقَرَأ الباقُونَ: "ألِيمٍ" عَلى النَعْتِ لِـ "رِجْزٍ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى، والأعْمَشُ. و"الرِجْزُ": أشَدُّ العَذابِ، وقَوْلُهُ وتَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَلَهم عَذابٌ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: لَهم حَظٌّ، فَمِن هَذِهِ الجِهَةِ ومِن جِهَةِ تَغايُرِ اللَفْظَتَيْنِ حَسَنٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ إذِ الرِجْزُ هو العَذابُ.
الجاثية 45:12
قوله عزّ وجلّ:
﴿اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَسَخَّرَ لَكم ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾
هَذِهِ آيَةٌ عِبْرَةٌ في جَرَيانِ السَفِينَةِ في البَحْرِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى سَخَّرَ هَذا المَخْلُوقَ (p-٥٩٣)العَظِيمَ لِهَذا المَخْلُوقِ الحَقِيرِ الضَعِيفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "بِأمْرِهِ"،﴾ أنابَ القُدْرَةَ والإذْنَ مَنابَ أنْ يَأْمُرَ البَحْرَ والناسَ بِذَلِكَ، و"الِابْتِغاءَ مِن فَضْلِ اللهِ": هو بِالتِجارَةِ في الأغْلَبِ، وكَذَلِكَ مَقاصِدُ البَرِّ مِن حَجٍّ وجِهادٍ هي أيْضًا ابْتِغاءُ فَضْلٍ، والتَصَيُّدُ فِيهِ أيْضًا هو ابْتِغاءٌ فَضْلٍ.
و"تَسْخِيرُ ما في السَماواتِ": هو تَسْخِيرُ الشَمْسِ والقَمَرِ والنُجُومِ والسَحابِ والرِياحِ والهَواءِ والمَلائِكَةِ المُوَكَّلَةِ بِهَذا كُلِّهِ، ويُرْوى أنَّ بَعْضَ الأخْيارِ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ، فَقَدَّمَ إلَيْهِ رَغِيفًا، فَكَأنَّ الضَيْفَ احْتَقَرَهُ، فَقالَ لَهُ المُضِيفُ: لا تَحْتَقِرُهُ فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَدِرْ حَتّى تُسَخَّرَ فِيهِ مِنَ المَخْلُوقاتِ والمَلائِكَةِ ثَلاثُمِائَةٌ وسِتُّونَ بَيْنَ ما ذَكَرْنا مِن مَخْلُوقاتِ السَماءِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ صُنّاعِ بَنِي آدَمَ المُوَصِّلِينَ إلى اسْتِدارَةِ الرَغِيفِ، و"تَسْخِيرِ ما في الأرْضِ" هو تَسْخِيرُ البَهائِمِ والمِياهِ والأودِيَةِ والجِبالِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "جَمِيعًا مِنهُ"﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ إنْعامٍ فَهو مِنَ اللهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مِنهُ" وهو وقْفٌ جَيِّدٌ، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "مَنُّهُ" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ النُونِ المَضْمُومَةِ، بِتَقْدِيرِ: هو مِنهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مِنَّةً" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ النُونِ المُشَدَّدَةِ ونَصْبِ التاءِ عَلى المَصْدَرِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: سَنَدُ هَذِهِ القِراءَةِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مُظْلِمٌ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، والجَحْدَرِيِّ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ أيْضًا: "مِنَّةٌ" بِكَسْرِ المِيمِ وبِالرَفْعِ في التاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةُ، آيَةٌ نَزَلَتْ في صَدْرِ الإسْلامِ، أمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ فِيها أنْ يَتَجاوَزُوا عَنِ الكُفّارِ، وألّا يُعاقِبُوهم بِذَنْبٍ، بَلْ يَأْخُذُونَ أنْفُسَهم (p-٥٩٤)بِالصَبْرِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والسُدِّيُّ. قالَ أكْثَرُ الناسِ: وهَذِهِ آيَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والآيَةُ تَتَضَمَّنُ الغُفْرانَ عُمُومًا، فَيَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّ الأُمُورَ العِظامَ كالقَتْلِ والكُفْرِ مُجاهَرَةً ونَحْوَ ذَلِكَ قَدْ نَسَخَ غُفْرانُهُ آيَةَ السَيْفِ والجِزْيَةِ وما أحْكَمَهُ الشَرْعُ لا مَحالَةَ، وإنَّ الأُمُورَ المُحَقِّرَةَ كالجَفاءِ في القَوْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يُتَّقى مُحْكَمَةً، وأنْ يَكُونَ العَفْوُ عنها أقْرَبُ إلى التَقْوى.
«وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَمّا نَزَلَتْ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالَ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ: احْتاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ، تَعالى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عن قَوْلِهِ، فَأخَذَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَيْفَهُ ومَّرَ لِيَقْتُلَهُ، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ الآيَةُ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا احْتِجاجٌ بِها مَعَ قِدَمِ نُزُولِها، وقَدْ ذَكَرَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَمّا أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِمُشْرِكٍ شَتَمَهُ، وأمّا الجَزْمُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يَغْفِرُوا"﴾ فَهو جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وتَقْدِيرُهُ: قُلِ اغْفِرُوا، فَإنْ يُجِيبُوا يَغْفِرُوا، وأخْصَرُ مِن هَذا عِنْدِي أنَّ "قُلْ" هي بِمَثابَةِ: أنْدُبُ المُؤْمِنِينَ إلى الغَفْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيّامَ اللهِ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: أيّامُ إنْعامِهِ ونَصْرِهِ وتَنْعِيمِهِ في الجَنَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَـ "يَرْجُونَ" -عَلى هَذا- هو مِن بابِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أيّامَ اللهِ تَعالى هي أيّامُ نِعَمِهِ وعَذابِهِ، فَـ "يَرْجُونَ" -عَلى هَذا- هي الَّتِي تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ "يَخافُونَ"، وإنَّما تَنَزَّلَتْ مَنزِلَتَها مِن حَيْثُ الرَجاءِ والخَوْفِ مُتَلازِمانِ لا نَجِدُ أحَدَهُما إلّا والآخَرُ مَعَهُ مُقْتَرِنٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذا غَيْرَ مَرَّةٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "لِيَجْزِيَ" بِالياءِ عَلى مَعْنى: لِيَجْزِيَ اللهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، (p-٥٩٥)وَحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ وثّابٍ: "لِنَجْزِيَ" بِالنُونِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ -بِخِلافٍ عنهُ- "لِيُجْزى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ ﴿ "قَوْمًا"،﴾ وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: لِيَجْزِيَ الجَزاءَ قَوْمًا، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.
الجاثية 45:13
قوله عزّ وجلّ:
﴿اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَسَخَّرَ لَكم ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾
هَذِهِ آيَةٌ عِبْرَةٌ في جَرَيانِ السَفِينَةِ في البَحْرِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى سَخَّرَ هَذا المَخْلُوقَ (p-٥٩٣)العَظِيمَ لِهَذا المَخْلُوقِ الحَقِيرِ الضَعِيفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "بِأمْرِهِ"،﴾ أنابَ القُدْرَةَ والإذْنَ مَنابَ أنْ يَأْمُرَ البَحْرَ والناسَ بِذَلِكَ، و"الِابْتِغاءَ مِن فَضْلِ اللهِ": هو بِالتِجارَةِ في الأغْلَبِ، وكَذَلِكَ مَقاصِدُ البَرِّ مِن حَجٍّ وجِهادٍ هي أيْضًا ابْتِغاءُ فَضْلٍ، والتَصَيُّدُ فِيهِ أيْضًا هو ابْتِغاءٌ فَضْلٍ.
و"تَسْخِيرُ ما في السَماواتِ": هو تَسْخِيرُ الشَمْسِ والقَمَرِ والنُجُومِ والسَحابِ والرِياحِ والهَواءِ والمَلائِكَةِ المُوَكَّلَةِ بِهَذا كُلِّهِ، ويُرْوى أنَّ بَعْضَ الأخْيارِ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ، فَقَدَّمَ إلَيْهِ رَغِيفًا، فَكَأنَّ الضَيْفَ احْتَقَرَهُ، فَقالَ لَهُ المُضِيفُ: لا تَحْتَقِرُهُ فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَدِرْ حَتّى تُسَخَّرَ فِيهِ مِنَ المَخْلُوقاتِ والمَلائِكَةِ ثَلاثُمِائَةٌ وسِتُّونَ بَيْنَ ما ذَكَرْنا مِن مَخْلُوقاتِ السَماءِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ صُنّاعِ بَنِي آدَمَ المُوَصِّلِينَ إلى اسْتِدارَةِ الرَغِيفِ، و"تَسْخِيرِ ما في الأرْضِ" هو تَسْخِيرُ البَهائِمِ والمِياهِ والأودِيَةِ والجِبالِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "جَمِيعًا مِنهُ"﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ إنْعامٍ فَهو مِنَ اللهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مِنهُ" وهو وقْفٌ جَيِّدٌ، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "مَنُّهُ" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ النُونِ المَضْمُومَةِ، بِتَقْدِيرِ: هو مِنهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مِنَّةً" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ النُونِ المُشَدَّدَةِ ونَصْبِ التاءِ عَلى المَصْدَرِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: سَنَدُ هَذِهِ القِراءَةِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مُظْلِمٌ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، والجَحْدَرِيِّ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ أيْضًا: "مِنَّةٌ" بِكَسْرِ المِيمِ وبِالرَفْعِ في التاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةُ، آيَةٌ نَزَلَتْ في صَدْرِ الإسْلامِ، أمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ فِيها أنْ يَتَجاوَزُوا عَنِ الكُفّارِ، وألّا يُعاقِبُوهم بِذَنْبٍ، بَلْ يَأْخُذُونَ أنْفُسَهم (p-٥٩٤)بِالصَبْرِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والسُدِّيُّ. قالَ أكْثَرُ الناسِ: وهَذِهِ آيَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والآيَةُ تَتَضَمَّنُ الغُفْرانَ عُمُومًا، فَيَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّ الأُمُورَ العِظامَ كالقَتْلِ والكُفْرِ مُجاهَرَةً ونَحْوَ ذَلِكَ قَدْ نَسَخَ غُفْرانُهُ آيَةَ السَيْفِ والجِزْيَةِ وما أحْكَمَهُ الشَرْعُ لا مَحالَةَ، وإنَّ الأُمُورَ المُحَقِّرَةَ كالجَفاءِ في القَوْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يُتَّقى مُحْكَمَةً، وأنْ يَكُونَ العَفْوُ عنها أقْرَبُ إلى التَقْوى.
«وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَمّا نَزَلَتْ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالَ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ: احْتاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ، تَعالى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عن قَوْلِهِ، فَأخَذَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَيْفَهُ ومَّرَ لِيَقْتُلَهُ، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ الآيَةُ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا احْتِجاجٌ بِها مَعَ قِدَمِ نُزُولِها، وقَدْ ذَكَرَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَمّا أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِمُشْرِكٍ شَتَمَهُ، وأمّا الجَزْمُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يَغْفِرُوا"﴾ فَهو جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وتَقْدِيرُهُ: قُلِ اغْفِرُوا، فَإنْ يُجِيبُوا يَغْفِرُوا، وأخْصَرُ مِن هَذا عِنْدِي أنَّ "قُلْ" هي بِمَثابَةِ: أنْدُبُ المُؤْمِنِينَ إلى الغَفْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيّامَ اللهِ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: أيّامُ إنْعامِهِ ونَصْرِهِ وتَنْعِيمِهِ في الجَنَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَـ "يَرْجُونَ" -عَلى هَذا- هو مِن بابِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أيّامَ اللهِ تَعالى هي أيّامُ نِعَمِهِ وعَذابِهِ، فَـ "يَرْجُونَ" -عَلى هَذا- هي الَّتِي تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ "يَخافُونَ"، وإنَّما تَنَزَّلَتْ مَنزِلَتَها مِن حَيْثُ الرَجاءِ والخَوْفِ مُتَلازِمانِ لا نَجِدُ أحَدَهُما إلّا والآخَرُ مَعَهُ مُقْتَرِنٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذا غَيْرَ مَرَّةٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "لِيَجْزِيَ" بِالياءِ عَلى مَعْنى: لِيَجْزِيَ اللهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، (p-٥٩٥)وَحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ وثّابٍ: "لِنَجْزِيَ" بِالنُونِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ -بِخِلافٍ عنهُ- "لِيُجْزى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ ﴿ "قَوْمًا"،﴾ وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: لِيَجْزِيَ الجَزاءَ قَوْمًا، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.
الجاثية 45:14
قوله عزّ وجلّ:
﴿اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَسَخَّرَ لَكم ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾
هَذِهِ آيَةٌ عِبْرَةٌ في جَرَيانِ السَفِينَةِ في البَحْرِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى سَخَّرَ هَذا المَخْلُوقَ (p-٥٩٣)العَظِيمَ لِهَذا المَخْلُوقِ الحَقِيرِ الضَعِيفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "بِأمْرِهِ"،﴾ أنابَ القُدْرَةَ والإذْنَ مَنابَ أنْ يَأْمُرَ البَحْرَ والناسَ بِذَلِكَ، و"الِابْتِغاءَ مِن فَضْلِ اللهِ": هو بِالتِجارَةِ في الأغْلَبِ، وكَذَلِكَ مَقاصِدُ البَرِّ مِن حَجٍّ وجِهادٍ هي أيْضًا ابْتِغاءُ فَضْلٍ، والتَصَيُّدُ فِيهِ أيْضًا هو ابْتِغاءٌ فَضْلٍ.
و"تَسْخِيرُ ما في السَماواتِ": هو تَسْخِيرُ الشَمْسِ والقَمَرِ والنُجُومِ والسَحابِ والرِياحِ والهَواءِ والمَلائِكَةِ المُوَكَّلَةِ بِهَذا كُلِّهِ، ويُرْوى أنَّ بَعْضَ الأخْيارِ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ، فَقَدَّمَ إلَيْهِ رَغِيفًا، فَكَأنَّ الضَيْفَ احْتَقَرَهُ، فَقالَ لَهُ المُضِيفُ: لا تَحْتَقِرُهُ فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَدِرْ حَتّى تُسَخَّرَ فِيهِ مِنَ المَخْلُوقاتِ والمَلائِكَةِ ثَلاثُمِائَةٌ وسِتُّونَ بَيْنَ ما ذَكَرْنا مِن مَخْلُوقاتِ السَماءِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ صُنّاعِ بَنِي آدَمَ المُوَصِّلِينَ إلى اسْتِدارَةِ الرَغِيفِ، و"تَسْخِيرِ ما في الأرْضِ" هو تَسْخِيرُ البَهائِمِ والمِياهِ والأودِيَةِ والجِبالِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "جَمِيعًا مِنهُ"﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ إنْعامٍ فَهو مِنَ اللهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مِنهُ" وهو وقْفٌ جَيِّدٌ، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "مَنُّهُ" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ النُونِ المَضْمُومَةِ، بِتَقْدِيرِ: هو مِنهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مِنَّةً" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ النُونِ المُشَدَّدَةِ ونَصْبِ التاءِ عَلى المَصْدَرِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: سَنَدُ هَذِهِ القِراءَةِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مُظْلِمٌ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، والجَحْدَرِيِّ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ أيْضًا: "مِنَّةٌ" بِكَسْرِ المِيمِ وبِالرَفْعِ في التاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةُ، آيَةٌ نَزَلَتْ في صَدْرِ الإسْلامِ، أمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ فِيها أنْ يَتَجاوَزُوا عَنِ الكُفّارِ، وألّا يُعاقِبُوهم بِذَنْبٍ، بَلْ يَأْخُذُونَ أنْفُسَهم (p-٥٩٤)بِالصَبْرِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والسُدِّيُّ. قالَ أكْثَرُ الناسِ: وهَذِهِ آيَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والآيَةُ تَتَضَمَّنُ الغُفْرانَ عُمُومًا، فَيَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّ الأُمُورَ العِظامَ كالقَتْلِ والكُفْرِ مُجاهَرَةً ونَحْوَ ذَلِكَ قَدْ نَسَخَ غُفْرانُهُ آيَةَ السَيْفِ والجِزْيَةِ وما أحْكَمَهُ الشَرْعُ لا مَحالَةَ، وإنَّ الأُمُورَ المُحَقِّرَةَ كالجَفاءِ في القَوْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يُتَّقى مُحْكَمَةً، وأنْ يَكُونَ العَفْوُ عنها أقْرَبُ إلى التَقْوى.
«وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَمّا نَزَلَتْ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالَ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ: احْتاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ، تَعالى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عن قَوْلِهِ، فَأخَذَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَيْفَهُ ومَّرَ لِيَقْتُلَهُ، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ الآيَةُ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا احْتِجاجٌ بِها مَعَ قِدَمِ نُزُولِها، وقَدْ ذَكَرَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَمّا أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِمُشْرِكٍ شَتَمَهُ، وأمّا الجَزْمُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يَغْفِرُوا"﴾ فَهو جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وتَقْدِيرُهُ: قُلِ اغْفِرُوا، فَإنْ يُجِيبُوا يَغْفِرُوا، وأخْصَرُ مِن هَذا عِنْدِي أنَّ "قُلْ" هي بِمَثابَةِ: أنْدُبُ المُؤْمِنِينَ إلى الغَفْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيّامَ اللهِ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: أيّامُ إنْعامِهِ ونَصْرِهِ وتَنْعِيمِهِ في الجَنَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَـ "يَرْجُونَ" -عَلى هَذا- هو مِن بابِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أيّامَ اللهِ تَعالى هي أيّامُ نِعَمِهِ وعَذابِهِ، فَـ "يَرْجُونَ" -عَلى هَذا- هي الَّتِي تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ "يَخافُونَ"، وإنَّما تَنَزَّلَتْ مَنزِلَتَها مِن حَيْثُ الرَجاءِ والخَوْفِ مُتَلازِمانِ لا نَجِدُ أحَدَهُما إلّا والآخَرُ مَعَهُ مُقْتَرِنٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذا غَيْرَ مَرَّةٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "لِيَجْزِيَ" بِالياءِ عَلى مَعْنى: لِيَجْزِيَ اللهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، (p-٥٩٥)وَحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ وثّابٍ: "لِنَجْزِيَ" بِالنُونِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ -بِخِلافٍ عنهُ- "لِيُجْزى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ ﴿ "قَوْمًا"،﴾ وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: لِيَجْزِيَ الجَزاءَ قَوْمًا، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.
الجاثية 45:15
قوله عزّ وجلّ:
﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُبُوَّةَ ورَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ فَما اخْتَلَفُوا إلا مِنَ بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
لَمّا تَقَرَّرَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أنَّ اللهَ يَجْزِي قَوْمًا بِكَسْبِهِمْ ويُعاقِبُهم عَلى ذُنُوبِهِمْ واجْتِرامِهِمْ، أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلِنَفْسِهِ" هي لامُ الحَظِّ، لِأنَّ الحُظُوظَ والمُحابَّ إنَّما تُسْتَعْمَلُ فِيها اللامُ الَّتِي هي كَلامُ المَلِكِ، تَقُولُ: "الأُمُورُ لِزَيْدٍ مُتَأتِّيَةٌ"، ويُسْتَعْمَلُ في ضِدِّ ذَلِكَ "عَلى"، فَتَقُولُ: "الأُمُورُ عَلى فُلانٍ مُسْتَصْعِبَةٌ"، وتَقُولُ: " لِزَيْدٍ مالٌ وعَلَيْهِ دَيْنٌ"، وكَذَلِكَ جاءَ العَمَلُ الصالِحُ في هَذِهِ بِاللامِ والإساءَةِ بِـ "عَلى"، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ مَعْناهُ: إلى قَضائِهِ وحُكْمِهِ.
والكِتابَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ هو التَوْراةُ، و"الحُكْمَ" هو السُنَّةُ والفِقْهُ، فَيُقالُ: إنَّهُ لَمْ يَتَّسِعْ فِقْهُ الأحْكامِ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ ما اتَّسَعَ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والنُبُوَّةُ هي ما تُكَرَّرَ فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ﴾ يَعْنِي: المُسْتَلِذّاتُ الحَلالُ، وبِهَذا تَتِمُّ النِعْمَةُ ويَحْسُنُ تَعْدِيدُها، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى المَنِّ والسَلْوى، وطَيِّباتِ الشامِ بَعْدُ، إذْ هي الأرْضُ المُبارَكَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى الطَيِّباتِ، وتَلْخِيصُ قَوْلِ مالِكٍ والشافِعِيِّ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ (p-٥٩٦)تَعالى: ﴿ "عَلى العالَمِينَ"﴾ يُرِيدُ: عَلى عالَمِ زَمانِهِمْ.
و"البَيِّناتُ مِنَ الأمْرِ": هو الوَحْيُ الَّذِي فُصِّلَتْ لَهم بِهِ الأُمُورُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى خَطَأهم وعَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اخْتَلَفُوا إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، وذَلِكَ أنَّهم لَوِ اخْتَلَفُوا اجْتِهادًا في طَلَبِ صَوابٍ، لَكانَ لَهم عُذْرٌ في الِاخْتِلافِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا بَغْيًا وقَدْ تَبَيَّنُوا الحَقائِقَ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِوَقْفِ أمْرِهم عَلى قَضائِهِ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ.
الجاثية 45:16
قوله عزّ وجلّ:
﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُبُوَّةَ ورَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ فَما اخْتَلَفُوا إلا مِنَ بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
لَمّا تَقَرَّرَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أنَّ اللهَ يَجْزِي قَوْمًا بِكَسْبِهِمْ ويُعاقِبُهم عَلى ذُنُوبِهِمْ واجْتِرامِهِمْ، أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلِنَفْسِهِ" هي لامُ الحَظِّ، لِأنَّ الحُظُوظَ والمُحابَّ إنَّما تُسْتَعْمَلُ فِيها اللامُ الَّتِي هي كَلامُ المَلِكِ، تَقُولُ: "الأُمُورُ لِزَيْدٍ مُتَأتِّيَةٌ"، ويُسْتَعْمَلُ في ضِدِّ ذَلِكَ "عَلى"، فَتَقُولُ: "الأُمُورُ عَلى فُلانٍ مُسْتَصْعِبَةٌ"، وتَقُولُ: " لِزَيْدٍ مالٌ وعَلَيْهِ دَيْنٌ"، وكَذَلِكَ جاءَ العَمَلُ الصالِحُ في هَذِهِ بِاللامِ والإساءَةِ بِـ "عَلى"، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ مَعْناهُ: إلى قَضائِهِ وحُكْمِهِ.
والكِتابَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ هو التَوْراةُ، و"الحُكْمَ" هو السُنَّةُ والفِقْهُ، فَيُقالُ: إنَّهُ لَمْ يَتَّسِعْ فِقْهُ الأحْكامِ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ ما اتَّسَعَ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والنُبُوَّةُ هي ما تُكَرَّرَ فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ﴾ يَعْنِي: المُسْتَلِذّاتُ الحَلالُ، وبِهَذا تَتِمُّ النِعْمَةُ ويَحْسُنُ تَعْدِيدُها، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى المَنِّ والسَلْوى، وطَيِّباتِ الشامِ بَعْدُ، إذْ هي الأرْضُ المُبارَكَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى الطَيِّباتِ، وتَلْخِيصُ قَوْلِ مالِكٍ والشافِعِيِّ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ (p-٥٩٦)تَعالى: ﴿ "عَلى العالَمِينَ"﴾ يُرِيدُ: عَلى عالَمِ زَمانِهِمْ.
و"البَيِّناتُ مِنَ الأمْرِ": هو الوَحْيُ الَّذِي فُصِّلَتْ لَهم بِهِ الأُمُورُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى خَطَأهم وعَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اخْتَلَفُوا إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، وذَلِكَ أنَّهم لَوِ اخْتَلَفُوا اجْتِهادًا في طَلَبِ صَوابٍ، لَكانَ لَهم عُذْرٌ في الِاخْتِلافِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا بَغْيًا وقَدْ تَبَيَّنُوا الحَقائِقَ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِوَقْفِ أمْرِهم عَلى قَضائِهِ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ.
الجاثية 45:17
قوله عزّ وجلّ:
﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُبُوَّةَ ورَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ فَما اخْتَلَفُوا إلا مِنَ بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
لَمّا تَقَرَّرَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أنَّ اللهَ يَجْزِي قَوْمًا بِكَسْبِهِمْ ويُعاقِبُهم عَلى ذُنُوبِهِمْ واجْتِرامِهِمْ، أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلِنَفْسِهِ" هي لامُ الحَظِّ، لِأنَّ الحُظُوظَ والمُحابَّ إنَّما تُسْتَعْمَلُ فِيها اللامُ الَّتِي هي كَلامُ المَلِكِ، تَقُولُ: "الأُمُورُ لِزَيْدٍ مُتَأتِّيَةٌ"، ويُسْتَعْمَلُ في ضِدِّ ذَلِكَ "عَلى"، فَتَقُولُ: "الأُمُورُ عَلى فُلانٍ مُسْتَصْعِبَةٌ"، وتَقُولُ: " لِزَيْدٍ مالٌ وعَلَيْهِ دَيْنٌ"، وكَذَلِكَ جاءَ العَمَلُ الصالِحُ في هَذِهِ بِاللامِ والإساءَةِ بِـ "عَلى"، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ مَعْناهُ: إلى قَضائِهِ وحُكْمِهِ.
والكِتابَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ هو التَوْراةُ، و"الحُكْمَ" هو السُنَّةُ والفِقْهُ، فَيُقالُ: إنَّهُ لَمْ يَتَّسِعْ فِقْهُ الأحْكامِ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ ما اتَّسَعَ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والنُبُوَّةُ هي ما تُكَرَّرَ فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ﴾ يَعْنِي: المُسْتَلِذّاتُ الحَلالُ، وبِهَذا تَتِمُّ النِعْمَةُ ويَحْسُنُ تَعْدِيدُها، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى المَنِّ والسَلْوى، وطَيِّباتِ الشامِ بَعْدُ، إذْ هي الأرْضُ المُبارَكَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى الطَيِّباتِ، وتَلْخِيصُ قَوْلِ مالِكٍ والشافِعِيِّ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ (p-٥٩٦)تَعالى: ﴿ "عَلى العالَمِينَ"﴾ يُرِيدُ: عَلى عالَمِ زَمانِهِمْ.
و"البَيِّناتُ مِنَ الأمْرِ": هو الوَحْيُ الَّذِي فُصِّلَتْ لَهم بِهِ الأُمُورُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى خَطَأهم وعَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اخْتَلَفُوا إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، وذَلِكَ أنَّهم لَوِ اخْتَلَفُوا اجْتِهادًا في طَلَبِ صَوابٍ، لَكانَ لَهم عُذْرٌ في الِاخْتِلافِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا بَغْيًا وقَدْ تَبَيَّنُوا الحَقائِقَ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِوَقْفِ أمْرِهم عَلى قَضائِهِ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ.
الجاثية 45:18
قوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عنكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وإنَّ الظالِمِينَ بَعْضُهم أولِياءُ بَعْضٍ واللهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾
المَعْنى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ، فَلا مَحالَةَ أنَّهُ سَيَخْتَلِفُ عَلَيْكَ كَما تَقَدَّمَ لِبَنِي إسْرائِيلَ فاتَّبِعْ شَرِيعَتَكَ، والشَرِيعَةُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْضِعُ الَّذِي يَرِدُ فِيهِ الناسُ في الأنْهارِ والمِياهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
،
؎ وفي الشَرائِعِ مِن جِلّانِ مُقْتَنِصٍ ∗∗∗ رَثُّ الثِيابِ خَفِيُّ الشَخْصِ مُنْسَرِبِ
(p-٥٩٧)فَشَرِيعَةُ الدِينِ هي مِن ذَلِكَ، كَأنَّها مِن حَيْثُ يَرُدُّ الناسُ أمْرَ اللهِ ورَحْمَتَهُ والقُرْبَ مِنهُ، وقالَ قَتادَةُ: الشَرائِعُ: الفَرائِضُ والحُدُودُ والأمْرُ والنَهْيُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِنَ الأمْرِ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ، أيْ: مِن دِينِ اللهِ تَعالى ونُبُوّاتِهِ الَّتِي بَثَّها في سالِفِ الزَمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن أمْرٍ يَأْمُرُ، أيْ: عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي، فَسَمّى اللهُ تَعالى جَمِيعَ ذَلِكَ أمْرًا، و"الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا يُرِيدُونَ صَرْفَ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى إرادَتِهِمْ. و﴿ "يُغْنُوا"﴾ مِنَ الغِناءِ، أيْ: لَنْ يَكُونَ لَهم عنكَ دِفاعٌ، ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى شَأْنَ الظالِمِينَ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، ووَجْهُ التَحْقِيرِ أنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى قالَ: هَؤُلاءِ يَتَوَلّى بَعْضُهم بَعْضًا، والمُتَّقُونَ يَتَوَلّاهُمُ اللهُ تَعالى، فَخَرَجُوا عن وِلايَةِ اللهِ تَعالى وتَبَرَّأتْ مِنهُمْ، ووَكَلَهُمُ اللهُ تَعالى بَعْضَهم إلى بَعْضٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ﴾ يُرِيدُ القُرْآنَ، والبَصائِرَ جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي المُعْتَقَدُ الوَثِيقُ في الشَيْءِ، كَأنَّهُ مَصْدَرٌ مِن إبْصارِ القَلْبِ، فالقُرْآنُ فِيهِ بَيِّناتٌ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ بَصائِرَ، والبَصِيرَةُ في كَلامِ العَرَبِ: الطَرِيقَةُ مِنَ الدَمِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ راحُوا بَصائِرَهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتَدٌ وأيَ
(p-٥٩٨)وَفَسَّرَ الناسُ هَذا البَيْتَ بِطَرِيقَةِ الدَمِ؛ إذْ كانَتْ عادَةُ طالِبِ الدَمِ عِنْدَهم أنْ يَجْعَلَ طَرِيقَةً مِن دَمٍ خَلْفَ ظَهْرِهِ لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ ثَأْرَهُ وأنَّهُ يَطْلُبُهُ، [وَيُظْهِرُ فِيهِ أنَّهُ يُرِيدُ بَصِيرَةَ القَلْبِ، أيْ: قَدِ اطَّرَحَ هَؤُلاءِ بَصائِرَهم وراءَ ظُهُورِهِمْ].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ﴾ الآيَةُ قَوْلٌ يَقْتَضِي أنَّهُ نَزَلَ بِسَبَبِ افْتِخارٍ كانَ لِلْكُفّارِ عَلى المُؤْمِنِينَ، قالُوا: "لَئِنْ كانَتْ آخِرَةً كَما تَزْعُمُونَ لِنُفَضَّلَنَّ عَلَيْكم فِيها كَما فُضِّلْنا في الدُنْيا". و"أمْ" هَذِهِ لَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ، وهي بِمَعْنى "بَلْ" مَعَ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، و﴿ "اجْتَرَحُوا"﴾ مَعْناهُ: اكْتَسَبُوا، ومِنهُ جَوارِحُ الإنْسانِ، وجَوارِحُ الصَيْدِ، وتَقُولُ العَرَبُ: "فُلانٌ جارِحَةُ أهْلِهِ"، أيْ: كاسِبُهُمْ، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "سَواءٌ" بِالرَفْعِ "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" بِالرَفْعِ، وهَذا عَلى أنَّ "سَواءٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و﴿ "مَحْياهم ومَماتُهُمْ"﴾ خَبَرُهُ، و"كالَّذِينَ" في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي لـِ "نَجْعَلُ"، وهَذا عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "مَحْياهُمْ" يُخْتَصُّ بِالكُفّارِ المُجْتَرِحِينَ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ خَبَرًا عن أنَّ حالَهم في الزَمَنَيْنِ حالُ سُوءٍ، والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "مَحْياهُمْ" يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: أنَّ مَحْيا هَؤُلاءِ ومَماتَهم سَواءٌ، وهو كَرِيمٌ، ومَحْيا هَؤُلاءِ ومَماتُهم سَواءٌ، وهو غَيْرُ كَرِيمٍ، ويَكُونُ اللَفْظُ قَدْ لَفَّ هَذا المَعْنى وذِهْنُ السامِعِ يُفَرِّقُهُ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ إبْعادُ أنْ يَجْعَلَ اللهُ تَعالى هَؤُلاءِ كَهَؤُلاءِ. قالَ مُجاهِدٌ: المُؤْمِنُ يَمُوتُ مُؤْمِنًا ويُبْعَثُ مُؤْمِنًا، والكافِرُ يَمُوتُ كافِرًا ويُبْعَثُ كافِرًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
مُقْتَضِي هَذا الكَلامِ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ خَبَرٌ، ويَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ داخِلٌ في المُحْسِبَةِ المُنْكِرَةِ السَيِّئَةِ، وهَذا احْتِمالٌ حَسَنٌ، والأوَّلُ أيْضًا جَيِّدٌ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وعِيسى، بِخِلافٍ عنهُ: "سَواءً" بِالنَصْبِ، "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" بِالرَفْعِ، وهَذا يُحْتَمَلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "كالَّذِينَ" في مَوْضِعِ المَفْعُولِ (p-٥٩٩)الثانِي لـِ "نَجْعَلَ" كَما هو في قِراءَةِ الرَفْعِ، ويُنْصَبُ قَوْلُهُ تَعالى: "سَواءً" عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ فِي: "نَجْعَلَهُمْ"، والوَجْهُ الثانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "كالَّذِينَ" في نِيَّةِ التَأْخِيرِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "سَواءً" مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ "نَجْعَلُ"، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ: "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" مُرْتَفِعٌ بِـ "سَواءٌ" عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: "سَواءً" بِالنَصْبِ "مَحْياهم ومَماتَهُمْ" بِالنَصْبِ، وذَلِكَ عَلى الظَرْفِ، أو عَلى أنْ يَكُونَ "مَحْياهُمْ" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ فِي: "نَجْعَلَهُمْ" أيْ: نَجْعَلُ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً، وهَذِهِ الآيَةُ مُتَناوِلَةٌ بِلَفْظِها حالَ العُصاةِ مِن حالِ أهْلِ التَقْوى، وهي مَوْقِفٌ لِلْعارِفِينَ يَبْكُونَ عِنْدَهُ، ورُوِيَ عَنِ الرَبِيعِ بْنِ خَيْثَمَ أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها لَيْلَةً جَمْعاءَ، وكَذَلِكَ عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ، وكانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: لَيْتَ شِعْرِي مِن أيِّ الفَرِيقَيْنِ أنْتَ؟ وقالَ الثَعْلَبِيُّ: كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ تُسَمّى مُبْكاةَ العابِدِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأمّا لَفْظُها فَيُعْطِي أنَّهُ اجْتِراحُ الكُفْرِ بِدَلِيلِ مُعادَلَتِهِ بِالإيمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُعادَلَةُ بَيْنَ الِاجْتِراحِ وعَمَلِ الصالِحاتِ، ويَكُونُ الإيمانُ في الفَرِيقَيْنِ، ولِهَذا بَكى الخائِفُونَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وإمّا مَفْعُولًا "حَسِبَ" فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنْ نَجْعَلَهُمْ"﴾ يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والتَقْدِيرُ: ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهم.
الجاثية 45:19
قوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عنكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وإنَّ الظالِمِينَ بَعْضُهم أولِياءُ بَعْضٍ واللهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾
المَعْنى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ، فَلا مَحالَةَ أنَّهُ سَيَخْتَلِفُ عَلَيْكَ كَما تَقَدَّمَ لِبَنِي إسْرائِيلَ فاتَّبِعْ شَرِيعَتَكَ، والشَرِيعَةُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْضِعُ الَّذِي يَرِدُ فِيهِ الناسُ في الأنْهارِ والمِياهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
،
؎ وفي الشَرائِعِ مِن جِلّانِ مُقْتَنِصٍ ∗∗∗ رَثُّ الثِيابِ خَفِيُّ الشَخْصِ مُنْسَرِبِ
(p-٥٩٧)فَشَرِيعَةُ الدِينِ هي مِن ذَلِكَ، كَأنَّها مِن حَيْثُ يَرُدُّ الناسُ أمْرَ اللهِ ورَحْمَتَهُ والقُرْبَ مِنهُ، وقالَ قَتادَةُ: الشَرائِعُ: الفَرائِضُ والحُدُودُ والأمْرُ والنَهْيُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِنَ الأمْرِ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ، أيْ: مِن دِينِ اللهِ تَعالى ونُبُوّاتِهِ الَّتِي بَثَّها في سالِفِ الزَمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن أمْرٍ يَأْمُرُ، أيْ: عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي، فَسَمّى اللهُ تَعالى جَمِيعَ ذَلِكَ أمْرًا، و"الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا يُرِيدُونَ صَرْفَ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى إرادَتِهِمْ. و﴿ "يُغْنُوا"﴾ مِنَ الغِناءِ، أيْ: لَنْ يَكُونَ لَهم عنكَ دِفاعٌ، ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى شَأْنَ الظالِمِينَ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، ووَجْهُ التَحْقِيرِ أنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى قالَ: هَؤُلاءِ يَتَوَلّى بَعْضُهم بَعْضًا، والمُتَّقُونَ يَتَوَلّاهُمُ اللهُ تَعالى، فَخَرَجُوا عن وِلايَةِ اللهِ تَعالى وتَبَرَّأتْ مِنهُمْ، ووَكَلَهُمُ اللهُ تَعالى بَعْضَهم إلى بَعْضٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ﴾ يُرِيدُ القُرْآنَ، والبَصائِرَ جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي المُعْتَقَدُ الوَثِيقُ في الشَيْءِ، كَأنَّهُ مَصْدَرٌ مِن إبْصارِ القَلْبِ، فالقُرْآنُ فِيهِ بَيِّناتٌ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ بَصائِرَ، والبَصِيرَةُ في كَلامِ العَرَبِ: الطَرِيقَةُ مِنَ الدَمِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ راحُوا بَصائِرَهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتَدٌ وأيَ
(p-٥٩٨)وَفَسَّرَ الناسُ هَذا البَيْتَ بِطَرِيقَةِ الدَمِ؛ إذْ كانَتْ عادَةُ طالِبِ الدَمِ عِنْدَهم أنْ يَجْعَلَ طَرِيقَةً مِن دَمٍ خَلْفَ ظَهْرِهِ لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ ثَأْرَهُ وأنَّهُ يَطْلُبُهُ، [وَيُظْهِرُ فِيهِ أنَّهُ يُرِيدُ بَصِيرَةَ القَلْبِ، أيْ: قَدِ اطَّرَحَ هَؤُلاءِ بَصائِرَهم وراءَ ظُهُورِهِمْ].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ﴾ الآيَةُ قَوْلٌ يَقْتَضِي أنَّهُ نَزَلَ بِسَبَبِ افْتِخارٍ كانَ لِلْكُفّارِ عَلى المُؤْمِنِينَ، قالُوا: "لَئِنْ كانَتْ آخِرَةً كَما تَزْعُمُونَ لِنُفَضَّلَنَّ عَلَيْكم فِيها كَما فُضِّلْنا في الدُنْيا". و"أمْ" هَذِهِ لَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ، وهي بِمَعْنى "بَلْ" مَعَ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، و﴿ "اجْتَرَحُوا"﴾ مَعْناهُ: اكْتَسَبُوا، ومِنهُ جَوارِحُ الإنْسانِ، وجَوارِحُ الصَيْدِ، وتَقُولُ العَرَبُ: "فُلانٌ جارِحَةُ أهْلِهِ"، أيْ: كاسِبُهُمْ، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "سَواءٌ" بِالرَفْعِ "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" بِالرَفْعِ، وهَذا عَلى أنَّ "سَواءٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و﴿ "مَحْياهم ومَماتُهُمْ"﴾ خَبَرُهُ، و"كالَّذِينَ" في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي لـِ "نَجْعَلُ"، وهَذا عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "مَحْياهُمْ" يُخْتَصُّ بِالكُفّارِ المُجْتَرِحِينَ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ خَبَرًا عن أنَّ حالَهم في الزَمَنَيْنِ حالُ سُوءٍ، والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "مَحْياهُمْ" يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: أنَّ مَحْيا هَؤُلاءِ ومَماتَهم سَواءٌ، وهو كَرِيمٌ، ومَحْيا هَؤُلاءِ ومَماتُهم سَواءٌ، وهو غَيْرُ كَرِيمٍ، ويَكُونُ اللَفْظُ قَدْ لَفَّ هَذا المَعْنى وذِهْنُ السامِعِ يُفَرِّقُهُ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ إبْعادُ أنْ يَجْعَلَ اللهُ تَعالى هَؤُلاءِ كَهَؤُلاءِ. قالَ مُجاهِدٌ: المُؤْمِنُ يَمُوتُ مُؤْمِنًا ويُبْعَثُ مُؤْمِنًا، والكافِرُ يَمُوتُ كافِرًا ويُبْعَثُ كافِرًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
مُقْتَضِي هَذا الكَلامِ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ خَبَرٌ، ويَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ داخِلٌ في المُحْسِبَةِ المُنْكِرَةِ السَيِّئَةِ، وهَذا احْتِمالٌ حَسَنٌ، والأوَّلُ أيْضًا جَيِّدٌ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وعِيسى، بِخِلافٍ عنهُ: "سَواءً" بِالنَصْبِ، "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" بِالرَفْعِ، وهَذا يُحْتَمَلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "كالَّذِينَ" في مَوْضِعِ المَفْعُولِ (p-٥٩٩)الثانِي لـِ "نَجْعَلَ" كَما هو في قِراءَةِ الرَفْعِ، ويُنْصَبُ قَوْلُهُ تَعالى: "سَواءً" عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ فِي: "نَجْعَلَهُمْ"، والوَجْهُ الثانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "كالَّذِينَ" في نِيَّةِ التَأْخِيرِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "سَواءً" مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ "نَجْعَلُ"، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ: "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" مُرْتَفِعٌ بِـ "سَواءٌ" عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: "سَواءً" بِالنَصْبِ "مَحْياهم ومَماتَهُمْ" بِالنَصْبِ، وذَلِكَ عَلى الظَرْفِ، أو عَلى أنْ يَكُونَ "مَحْياهُمْ" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ فِي: "نَجْعَلَهُمْ" أيْ: نَجْعَلُ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً، وهَذِهِ الآيَةُ مُتَناوِلَةٌ بِلَفْظِها حالَ العُصاةِ مِن حالِ أهْلِ التَقْوى، وهي مَوْقِفٌ لِلْعارِفِينَ يَبْكُونَ عِنْدَهُ، ورُوِيَ عَنِ الرَبِيعِ بْنِ خَيْثَمَ أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها لَيْلَةً جَمْعاءَ، وكَذَلِكَ عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ، وكانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: لَيْتَ شِعْرِي مِن أيِّ الفَرِيقَيْنِ أنْتَ؟ وقالَ الثَعْلَبِيُّ: كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ تُسَمّى مُبْكاةَ العابِدِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأمّا لَفْظُها فَيُعْطِي أنَّهُ اجْتِراحُ الكُفْرِ بِدَلِيلِ مُعادَلَتِهِ بِالإيمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُعادَلَةُ بَيْنَ الِاجْتِراحِ وعَمَلِ الصالِحاتِ، ويَكُونُ الإيمانُ في الفَرِيقَيْنِ، ولِهَذا بَكى الخائِفُونَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وإمّا مَفْعُولًا "حَسِبَ" فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنْ نَجْعَلَهُمْ"﴾ يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والتَقْدِيرُ: ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهم.
الجاثية 45:20
قوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عنكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وإنَّ الظالِمِينَ بَعْضُهم أولِياءُ بَعْضٍ واللهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾
المَعْنى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ، فَلا مَحالَةَ أنَّهُ سَيَخْتَلِفُ عَلَيْكَ كَما تَقَدَّمَ لِبَنِي إسْرائِيلَ فاتَّبِعْ شَرِيعَتَكَ، والشَرِيعَةُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْضِعُ الَّذِي يَرِدُ فِيهِ الناسُ في الأنْهارِ والمِياهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
،
؎ وفي الشَرائِعِ مِن جِلّانِ مُقْتَنِصٍ ∗∗∗ رَثُّ الثِيابِ خَفِيُّ الشَخْصِ مُنْسَرِبِ
(p-٥٩٧)فَشَرِيعَةُ الدِينِ هي مِن ذَلِكَ، كَأنَّها مِن حَيْثُ يَرُدُّ الناسُ أمْرَ اللهِ ورَحْمَتَهُ والقُرْبَ مِنهُ، وقالَ قَتادَةُ: الشَرائِعُ: الفَرائِضُ والحُدُودُ والأمْرُ والنَهْيُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِنَ الأمْرِ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ، أيْ: مِن دِينِ اللهِ تَعالى ونُبُوّاتِهِ الَّتِي بَثَّها في سالِفِ الزَمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن أمْرٍ يَأْمُرُ، أيْ: عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي، فَسَمّى اللهُ تَعالى جَمِيعَ ذَلِكَ أمْرًا، و"الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا يُرِيدُونَ صَرْفَ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى إرادَتِهِمْ. و﴿ "يُغْنُوا"﴾ مِنَ الغِناءِ، أيْ: لَنْ يَكُونَ لَهم عنكَ دِفاعٌ، ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى شَأْنَ الظالِمِينَ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، ووَجْهُ التَحْقِيرِ أنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى قالَ: هَؤُلاءِ يَتَوَلّى بَعْضُهم بَعْضًا، والمُتَّقُونَ يَتَوَلّاهُمُ اللهُ تَعالى، فَخَرَجُوا عن وِلايَةِ اللهِ تَعالى وتَبَرَّأتْ مِنهُمْ، ووَكَلَهُمُ اللهُ تَعالى بَعْضَهم إلى بَعْضٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ﴾ يُرِيدُ القُرْآنَ، والبَصائِرَ جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي المُعْتَقَدُ الوَثِيقُ في الشَيْءِ، كَأنَّهُ مَصْدَرٌ مِن إبْصارِ القَلْبِ، فالقُرْآنُ فِيهِ بَيِّناتٌ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ بَصائِرَ، والبَصِيرَةُ في كَلامِ العَرَبِ: الطَرِيقَةُ مِنَ الدَمِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ راحُوا بَصائِرَهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتَدٌ وأيَ
(p-٥٩٨)وَفَسَّرَ الناسُ هَذا البَيْتَ بِطَرِيقَةِ الدَمِ؛ إذْ كانَتْ عادَةُ طالِبِ الدَمِ عِنْدَهم أنْ يَجْعَلَ طَرِيقَةً مِن دَمٍ خَلْفَ ظَهْرِهِ لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ ثَأْرَهُ وأنَّهُ يَطْلُبُهُ، [وَيُظْهِرُ فِيهِ أنَّهُ يُرِيدُ بَصِيرَةَ القَلْبِ، أيْ: قَدِ اطَّرَحَ هَؤُلاءِ بَصائِرَهم وراءَ ظُهُورِهِمْ].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ﴾ الآيَةُ قَوْلٌ يَقْتَضِي أنَّهُ نَزَلَ بِسَبَبِ افْتِخارٍ كانَ لِلْكُفّارِ عَلى المُؤْمِنِينَ، قالُوا: "لَئِنْ كانَتْ آخِرَةً كَما تَزْعُمُونَ لِنُفَضَّلَنَّ عَلَيْكم فِيها كَما فُضِّلْنا في الدُنْيا". و"أمْ" هَذِهِ لَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ، وهي بِمَعْنى "بَلْ" مَعَ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، و﴿ "اجْتَرَحُوا"﴾ مَعْناهُ: اكْتَسَبُوا، ومِنهُ جَوارِحُ الإنْسانِ، وجَوارِحُ الصَيْدِ، وتَقُولُ العَرَبُ: "فُلانٌ جارِحَةُ أهْلِهِ"، أيْ: كاسِبُهُمْ، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "سَواءٌ" بِالرَفْعِ "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" بِالرَفْعِ، وهَذا عَلى أنَّ "سَواءٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و﴿ "مَحْياهم ومَماتُهُمْ"﴾ خَبَرُهُ، و"كالَّذِينَ" في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي لـِ "نَجْعَلُ"، وهَذا عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "مَحْياهُمْ" يُخْتَصُّ بِالكُفّارِ المُجْتَرِحِينَ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ خَبَرًا عن أنَّ حالَهم في الزَمَنَيْنِ حالُ سُوءٍ، والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "مَحْياهُمْ" يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: أنَّ مَحْيا هَؤُلاءِ ومَماتَهم سَواءٌ، وهو كَرِيمٌ، ومَحْيا هَؤُلاءِ ومَماتُهم سَواءٌ، وهو غَيْرُ كَرِيمٍ، ويَكُونُ اللَفْظُ قَدْ لَفَّ هَذا المَعْنى وذِهْنُ السامِعِ يُفَرِّقُهُ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ إبْعادُ أنْ يَجْعَلَ اللهُ تَعالى هَؤُلاءِ كَهَؤُلاءِ. قالَ مُجاهِدٌ: المُؤْمِنُ يَمُوتُ مُؤْمِنًا ويُبْعَثُ مُؤْمِنًا، والكافِرُ يَمُوتُ كافِرًا ويُبْعَثُ كافِرًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
مُقْتَضِي هَذا الكَلامِ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ خَبَرٌ، ويَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ داخِلٌ في المُحْسِبَةِ المُنْكِرَةِ السَيِّئَةِ، وهَذا احْتِمالٌ حَسَنٌ، والأوَّلُ أيْضًا جَيِّدٌ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وعِيسى، بِخِلافٍ عنهُ: "سَواءً" بِالنَصْبِ، "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" بِالرَفْعِ، وهَذا يُحْتَمَلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "كالَّذِينَ" في مَوْضِعِ المَفْعُولِ (p-٥٩٩)الثانِي لـِ "نَجْعَلَ" كَما هو في قِراءَةِ الرَفْعِ، ويُنْصَبُ قَوْلُهُ تَعالى: "سَواءً" عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ فِي: "نَجْعَلَهُمْ"، والوَجْهُ الثانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "كالَّذِينَ" في نِيَّةِ التَأْخِيرِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "سَواءً" مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ "نَجْعَلُ"، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ: "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" مُرْتَفِعٌ بِـ "سَواءٌ" عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: "سَواءً" بِالنَصْبِ "مَحْياهم ومَماتَهُمْ" بِالنَصْبِ، وذَلِكَ عَلى الظَرْفِ، أو عَلى أنْ يَكُونَ "مَحْياهُمْ" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ فِي: "نَجْعَلَهُمْ" أيْ: نَجْعَلُ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً، وهَذِهِ الآيَةُ مُتَناوِلَةٌ بِلَفْظِها حالَ العُصاةِ مِن حالِ أهْلِ التَقْوى، وهي مَوْقِفٌ لِلْعارِفِينَ يَبْكُونَ عِنْدَهُ، ورُوِيَ عَنِ الرَبِيعِ بْنِ خَيْثَمَ أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها لَيْلَةً جَمْعاءَ، وكَذَلِكَ عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ، وكانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: لَيْتَ شِعْرِي مِن أيِّ الفَرِيقَيْنِ أنْتَ؟ وقالَ الثَعْلَبِيُّ: كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ تُسَمّى مُبْكاةَ العابِدِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأمّا لَفْظُها فَيُعْطِي أنَّهُ اجْتِراحُ الكُفْرِ بِدَلِيلِ مُعادَلَتِهِ بِالإيمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُعادَلَةُ بَيْنَ الِاجْتِراحِ وعَمَلِ الصالِحاتِ، ويَكُونُ الإيمانُ في الفَرِيقَيْنِ، ولِهَذا بَكى الخائِفُونَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وإمّا مَفْعُولًا "حَسِبَ" فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنْ نَجْعَلَهُمْ"﴾ يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والتَقْدِيرُ: ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهم.
الجاثية 45:21
قوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عنكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وإنَّ الظالِمِينَ بَعْضُهم أولِياءُ بَعْضٍ واللهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾
المَعْنى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ، فَلا مَحالَةَ أنَّهُ سَيَخْتَلِفُ عَلَيْكَ كَما تَقَدَّمَ لِبَنِي إسْرائِيلَ فاتَّبِعْ شَرِيعَتَكَ، والشَرِيعَةُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْضِعُ الَّذِي يَرِدُ فِيهِ الناسُ في الأنْهارِ والمِياهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
،
؎ وفي الشَرائِعِ مِن جِلّانِ مُقْتَنِصٍ ∗∗∗ رَثُّ الثِيابِ خَفِيُّ الشَخْصِ مُنْسَرِبِ
(p-٥٩٧)فَشَرِيعَةُ الدِينِ هي مِن ذَلِكَ، كَأنَّها مِن حَيْثُ يَرُدُّ الناسُ أمْرَ اللهِ ورَحْمَتَهُ والقُرْبَ مِنهُ، وقالَ قَتادَةُ: الشَرائِعُ: الفَرائِضُ والحُدُودُ والأمْرُ والنَهْيُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِنَ الأمْرِ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ، أيْ: مِن دِينِ اللهِ تَعالى ونُبُوّاتِهِ الَّتِي بَثَّها في سالِفِ الزَمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن أمْرٍ يَأْمُرُ، أيْ: عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي، فَسَمّى اللهُ تَعالى جَمِيعَ ذَلِكَ أمْرًا، و"الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا يُرِيدُونَ صَرْفَ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى إرادَتِهِمْ. و﴿ "يُغْنُوا"﴾ مِنَ الغِناءِ، أيْ: لَنْ يَكُونَ لَهم عنكَ دِفاعٌ، ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى شَأْنَ الظالِمِينَ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، ووَجْهُ التَحْقِيرِ أنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى قالَ: هَؤُلاءِ يَتَوَلّى بَعْضُهم بَعْضًا، والمُتَّقُونَ يَتَوَلّاهُمُ اللهُ تَعالى، فَخَرَجُوا عن وِلايَةِ اللهِ تَعالى وتَبَرَّأتْ مِنهُمْ، ووَكَلَهُمُ اللهُ تَعالى بَعْضَهم إلى بَعْضٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ﴾ يُرِيدُ القُرْآنَ، والبَصائِرَ جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي المُعْتَقَدُ الوَثِيقُ في الشَيْءِ، كَأنَّهُ مَصْدَرٌ مِن إبْصارِ القَلْبِ، فالقُرْآنُ فِيهِ بَيِّناتٌ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ بَصائِرَ، والبَصِيرَةُ في كَلامِ العَرَبِ: الطَرِيقَةُ مِنَ الدَمِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ راحُوا بَصائِرَهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتَدٌ وأيَ
(p-٥٩٨)وَفَسَّرَ الناسُ هَذا البَيْتَ بِطَرِيقَةِ الدَمِ؛ إذْ كانَتْ عادَةُ طالِبِ الدَمِ عِنْدَهم أنْ يَجْعَلَ طَرِيقَةً مِن دَمٍ خَلْفَ ظَهْرِهِ لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ ثَأْرَهُ وأنَّهُ يَطْلُبُهُ، [وَيُظْهِرُ فِيهِ أنَّهُ يُرِيدُ بَصِيرَةَ القَلْبِ، أيْ: قَدِ اطَّرَحَ هَؤُلاءِ بَصائِرَهم وراءَ ظُهُورِهِمْ].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ﴾ الآيَةُ قَوْلٌ يَقْتَضِي أنَّهُ نَزَلَ بِسَبَبِ افْتِخارٍ كانَ لِلْكُفّارِ عَلى المُؤْمِنِينَ، قالُوا: "لَئِنْ كانَتْ آخِرَةً كَما تَزْعُمُونَ لِنُفَضَّلَنَّ عَلَيْكم فِيها كَما فُضِّلْنا في الدُنْيا". و"أمْ" هَذِهِ لَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ، وهي بِمَعْنى "بَلْ" مَعَ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، و﴿ "اجْتَرَحُوا"﴾ مَعْناهُ: اكْتَسَبُوا، ومِنهُ جَوارِحُ الإنْسانِ، وجَوارِحُ الصَيْدِ، وتَقُولُ العَرَبُ: "فُلانٌ جارِحَةُ أهْلِهِ"، أيْ: كاسِبُهُمْ، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "سَواءٌ" بِالرَفْعِ "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" بِالرَفْعِ، وهَذا عَلى أنَّ "سَواءٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و﴿ "مَحْياهم ومَماتُهُمْ"﴾ خَبَرُهُ، و"كالَّذِينَ" في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي لـِ "نَجْعَلُ"، وهَذا عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "مَحْياهُمْ" يُخْتَصُّ بِالكُفّارِ المُجْتَرِحِينَ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ خَبَرًا عن أنَّ حالَهم في الزَمَنَيْنِ حالُ سُوءٍ، والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "مَحْياهُمْ" يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: أنَّ مَحْيا هَؤُلاءِ ومَماتَهم سَواءٌ، وهو كَرِيمٌ، ومَحْيا هَؤُلاءِ ومَماتُهم سَواءٌ، وهو غَيْرُ كَرِيمٍ، ويَكُونُ اللَفْظُ قَدْ لَفَّ هَذا المَعْنى وذِهْنُ السامِعِ يُفَرِّقُهُ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ إبْعادُ أنْ يَجْعَلَ اللهُ تَعالى هَؤُلاءِ كَهَؤُلاءِ. قالَ مُجاهِدٌ: المُؤْمِنُ يَمُوتُ مُؤْمِنًا ويُبْعَثُ مُؤْمِنًا، والكافِرُ يَمُوتُ كافِرًا ويُبْعَثُ كافِرًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
مُقْتَضِي هَذا الكَلامِ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ خَبَرٌ، ويَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ داخِلٌ في المُحْسِبَةِ المُنْكِرَةِ السَيِّئَةِ، وهَذا احْتِمالٌ حَسَنٌ، والأوَّلُ أيْضًا جَيِّدٌ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وعِيسى، بِخِلافٍ عنهُ: "سَواءً" بِالنَصْبِ، "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" بِالرَفْعِ، وهَذا يُحْتَمَلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "كالَّذِينَ" في مَوْضِعِ المَفْعُولِ (p-٥٩٩)الثانِي لـِ "نَجْعَلَ" كَما هو في قِراءَةِ الرَفْعِ، ويُنْصَبُ قَوْلُهُ تَعالى: "سَواءً" عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ فِي: "نَجْعَلَهُمْ"، والوَجْهُ الثانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "كالَّذِينَ" في نِيَّةِ التَأْخِيرِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "سَواءً" مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ "نَجْعَلُ"، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ: "مَحْياهم ومَماتُهُمْ" مُرْتَفِعٌ بِـ "سَواءٌ" عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: "سَواءً" بِالنَصْبِ "مَحْياهم ومَماتَهُمْ" بِالنَصْبِ، وذَلِكَ عَلى الظَرْفِ، أو عَلى أنْ يَكُونَ "مَحْياهُمْ" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ فِي: "نَجْعَلَهُمْ" أيْ: نَجْعَلُ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً، وهَذِهِ الآيَةُ مُتَناوِلَةٌ بِلَفْظِها حالَ العُصاةِ مِن حالِ أهْلِ التَقْوى، وهي مَوْقِفٌ لِلْعارِفِينَ يَبْكُونَ عِنْدَهُ، ورُوِيَ عَنِ الرَبِيعِ بْنِ خَيْثَمَ أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها لَيْلَةً جَمْعاءَ، وكَذَلِكَ عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ، وكانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: لَيْتَ شِعْرِي مِن أيِّ الفَرِيقَيْنِ أنْتَ؟ وقالَ الثَعْلَبِيُّ: كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ تُسَمّى مُبْكاةَ العابِدِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأمّا لَفْظُها فَيُعْطِي أنَّهُ اجْتِراحُ الكُفْرِ بِدَلِيلِ مُعادَلَتِهِ بِالإيمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُعادَلَةُ بَيْنَ الِاجْتِراحِ وعَمَلِ الصالِحاتِ، ويَكُونُ الإيمانُ في الفَرِيقَيْنِ، ولِهَذا بَكى الخائِفُونَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وإمّا مَفْعُولًا "حَسِبَ" فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنْ نَجْعَلَهُمْ"﴾ يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والتَقْدِيرُ: ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهم.
الجاثية 45:22
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَخَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مَنِ بَعْدِ اللهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلا الدَهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾
المَعْنى: وخَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ، فَإنَّ خَلْقَها حَقٌّ واجِبٌ مُتَأكِّدٌ في نَفْسِهِ لِما فِيهِ مِن فَيْضِ الخَيْراتِ، ولِتَدُلَّ عَلَيْهِ تَعالى، ولِتَكُونَ صَنْعَةً حاكِمَةً لِصانِعٍ، وقِيلَ لِبَعْضِ (p-٦٠٠)الحُكَماءِ: لِمَ خَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ؟ فَقالَ: لِيُظْهِرَ جَوْدَةَ صُنْعِهِ، واللامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلِتُجْزى" يَظْهَرُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ، فَكَأنَّ الجَزاءَ مِن أسْبابِ خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَيْرُورَةِ، أيْ: وصارَ الأمْرُ فِيها مِن حَيْثُ اهْتَدى بِها قَوْمٌ وضَلَّ عنها آخَرُونَ لِأنْ يُجازى كُلُّ أحَدٍ بِعِلْمِهِ وبِما اكْتَسَبَ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أفَرَأيْتَ"،﴾ سَهَّلَ بَعْضُ القُرّاءِ الهَمْزَةَ وحَقَّقَها قَوْمٌ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُخَفَّفَةً، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أفَرَأيْتَ" دُونَ هَمْزٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ عَنِ الكُفّارِ المُعْرِضِينَ عَنِ الإيمانِ، أيْ: لا تَعْجَلْ بِهِمْ ولا تَهْتَمَّ بِأمْرِهِمْ، فَلَيْسَ فِيهِمْ حِيلَةً لِبَشَرٍ لِأنَّ اللهَ أضَلَّهُمْ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿ "إلَهَهُ هَواهُ"﴾ إشارَةٌ إلى الأصْنامِ؛ إذْ كانُوا يَعْبُدُونَ ما يَهْوُونَ مِنَ الحِجارَةِ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: لا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، لا يَخافُ اللهَ تَعالى، فَهَذا كَما يُقالُ: الهَوى إلَهٌ مَعْبُودٌ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: "إلَهَةُ هَواهُ" عَلى التَأْنِيثِ في "آلِهَةً"، وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في هَوى الكُفْرِ فَهي مُتَناوِلَةٌ جَمِيعَ هَوى النَفْسِ الأمارَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ما ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَوًى إلّا ذِمَّةً، وقالَ الشَعْبِيُّ: سُمِّيَ هَوًى لَهَوِيَّةِ بِصاحِبِهِ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللهِ"،» وقالَ سَهْلُ التُسْتُرِيِّ: "هَواكَ داؤُكَ، فَإنْ خالَفْتَهُ فَدَواؤُكَ". وقالَ وهْبٌ: "إذا شَكَكْتَ في خَيْرِ أمْرَيْنِ، فانْظُرْ أبْعَدَهُما مِن هَواكَ فَأْتِهِ"، ومِن حِكْمَةِ الشِعْرِ في هَذا قَوْلُ القائِلِ:
؎ إذا أنْتَ لَمْ تَعْصِ الهَوى قادَكَ الهَوى ∗∗∗ إلى كُلِّ ما فِيهِ عَلَيْكَ مَقالُ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "عَلى عِلْمٍ"﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: عَلى عِلْمٍ مِنَ اللهِ سابِقٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أيْ: عَلى عِلْمٍ مِن هَذا الضَلالِ فَإنَّ الحَقَّ هو الَّذِي يُتْرَكُ ويُعْرَضُ عنهُ، فَتَكُونُ الآيَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مِن آياتِ العِنادِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: (p-٦٠١)﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وعَلى كِلا التَأْوِيلَيْنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى عِلْمٍ" حالٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ اسْتِعاراتٌ كُلُّها، إذْ هَذا الضالُّ لا يَنْفَعُهُ ما يَسْمَعُ ولا ما يَفْهَمُ ولا ما يَرى، فَكَأنَّهُ بِهَذِهِ الأوصافِ المَذْكُورَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ لا حُجَّةَ لِلْجَبْرِيَّةِ فِيها، لِأنَّ التَكَسُّبَ فِيها مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "اتَّخَذَ"، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى عِلْمٍ" عَلى التَأْوِيلِ الأخِيرِ فِيهِ، ولَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلى الِاكْتِسابِ لَكانَ مُرادًا في المَعْنى، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: ﴿ "غِشاوَةً"﴾ بِكَسْرِ الغَيْنِ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "غَشاوَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ، وحُكِيَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ: "غُشاوَةً" بِضَمِّ الغَيْنِ، وهي لُغَةُ عَكْلٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "غَشْوَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ وإسْكانِ الشِينِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ: "غِشْوَةً" بِكَسْرِ الغَيْنِ دُونَ ألِفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ اللهِ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: مِن بَعْدِ إضْلالِ اللهِ إيّاهُ، وقَرَأ عاصِمٌ -وَأراهُ الجَحْدَرِيُّ-: "تَذَكَّرُونَ" بِتَخْفِيفِ الذالِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَذَّكَّرُونَ" عَلى الخِطابِ أيْضًا بِتَشْدِيدِ الذالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَتَذَكَّرُونَ" بِتاءَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُنْيا﴾ الآيَةُ... حِكايَةُ مُقالَةِ بَعْضِ قُرَيْشٍ، وهَذِهِ صِيغَةٌ دَهْرِيَّةٌ مِن كُفّارِ العَرَبِ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ما في الوُجُودِ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها ولَيْسَتْ ثَمَّ آخِرَةٌ ولا بَعْثٌ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: نَحْنُ مَوْتى قَبْلَ أنْ نُوجَدَ، ثُمَّ نَحْيا في وقْتِ وُجُودِنا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: نَمُوتُ حِينَ نَحْنُ نُطَفٌ ودَمٌ، ثُمَّ نَحْيا بِالأرْواحِ فِينا، وهَذا قَوْلٌ قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، ويَسْقُطُ عَلى القَوْلَيْنِ ذِكْرُ المَوْتِ المَعْرُوفِ الَّذِي هو خُرُوجُ الرُوحِ مِنَ الجَسَدِ، وهو الأهَمُّ في الذِكْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: نَحْيا ونَمُوتُ، فَوَقَعَ في اللَفْظِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الغَرَضُ مِنَ اللَفْظِ العِبارَةُ عن حالِ النَوْعِ، فَكَأنَّ النَوْعَ بِجُمْلَتِهِ يَقُولُ: إنَّما نَحْنُ تَمُوتُ طائِفَةٌ وتَحْيا طائِفَةٌ دَأْبًا، وقَوْلَهُمْ: ﴿وَما يُهْلِكُنا إلا الدَهْرُ﴾ أيْ: طُولُ الزَمانِ، وهو المُهْلِكُ، لِأنَّ الأوقاتِ تَسْتَوِي فِيهِ كِمالاتُها، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهم عِلْمَهم بِهَذا، وأعْلَمَ أنَّها ظُنُونٌ مِنهُمْ، وتَخَرُّصٌ يَقْضِي بِهِمْ إلى الإشْراكِ بِاللهِ تَعالى. والدَهْرُ والزَمانُ تَسْتَعْمِلُهُما العَرَبُ بِمَعْنًى (p-٦٠٢)واحِدٍ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَما يُهْلِكُنا إلّا دَهْرٌ يَمُرُّ"، وقالَ مُجاهِدٌ: الدَهْرُ هُنا الزَمانُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إنَّما يُهْلِكُنا اللَيْلُ والنَهارُ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُفارِقُ هَذا الِاسْتِعْمالُ قَوْلَ النَبِيِّ ﷺ: « "لا تَسُبُّوا الدَهْرَ، فَإنَّ اللهَ تَعالى هو الدَهْرُ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ اللهُ تَعالى: « "يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَهْرَ، وأنا الدَهْرُ بِيَدِي اللَيْلُ والنَهارُ"»، ومَعْنى هَذا الحَدِيثِ: فَإنَّ اللهَ تَعالى هو الَّذِي يَفْعَلُ ما تَنْسُبُونَهُ إلى الدَهْرِ وتَسُبُّونَهُ بِسَبِّهِ. وإذا تُؤُمِّلَتْ أمْثِلَةُ هَذا في الكَلامِ ظَهَرَتْ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
الجاثية 45:23
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَخَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مَنِ بَعْدِ اللهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلا الدَهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾
المَعْنى: وخَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ، فَإنَّ خَلْقَها حَقٌّ واجِبٌ مُتَأكِّدٌ في نَفْسِهِ لِما فِيهِ مِن فَيْضِ الخَيْراتِ، ولِتَدُلَّ عَلَيْهِ تَعالى، ولِتَكُونَ صَنْعَةً حاكِمَةً لِصانِعٍ، وقِيلَ لِبَعْضِ (p-٦٠٠)الحُكَماءِ: لِمَ خَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ؟ فَقالَ: لِيُظْهِرَ جَوْدَةَ صُنْعِهِ، واللامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلِتُجْزى" يَظْهَرُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ، فَكَأنَّ الجَزاءَ مِن أسْبابِ خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَيْرُورَةِ، أيْ: وصارَ الأمْرُ فِيها مِن حَيْثُ اهْتَدى بِها قَوْمٌ وضَلَّ عنها آخَرُونَ لِأنْ يُجازى كُلُّ أحَدٍ بِعِلْمِهِ وبِما اكْتَسَبَ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أفَرَأيْتَ"،﴾ سَهَّلَ بَعْضُ القُرّاءِ الهَمْزَةَ وحَقَّقَها قَوْمٌ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُخَفَّفَةً، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أفَرَأيْتَ" دُونَ هَمْزٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ عَنِ الكُفّارِ المُعْرِضِينَ عَنِ الإيمانِ، أيْ: لا تَعْجَلْ بِهِمْ ولا تَهْتَمَّ بِأمْرِهِمْ، فَلَيْسَ فِيهِمْ حِيلَةً لِبَشَرٍ لِأنَّ اللهَ أضَلَّهُمْ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿ "إلَهَهُ هَواهُ"﴾ إشارَةٌ إلى الأصْنامِ؛ إذْ كانُوا يَعْبُدُونَ ما يَهْوُونَ مِنَ الحِجارَةِ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: لا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، لا يَخافُ اللهَ تَعالى، فَهَذا كَما يُقالُ: الهَوى إلَهٌ مَعْبُودٌ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: "إلَهَةُ هَواهُ" عَلى التَأْنِيثِ في "آلِهَةً"، وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في هَوى الكُفْرِ فَهي مُتَناوِلَةٌ جَمِيعَ هَوى النَفْسِ الأمارَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ما ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَوًى إلّا ذِمَّةً، وقالَ الشَعْبِيُّ: سُمِّيَ هَوًى لَهَوِيَّةِ بِصاحِبِهِ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللهِ"،» وقالَ سَهْلُ التُسْتُرِيِّ: "هَواكَ داؤُكَ، فَإنْ خالَفْتَهُ فَدَواؤُكَ". وقالَ وهْبٌ: "إذا شَكَكْتَ في خَيْرِ أمْرَيْنِ، فانْظُرْ أبْعَدَهُما مِن هَواكَ فَأْتِهِ"، ومِن حِكْمَةِ الشِعْرِ في هَذا قَوْلُ القائِلِ:
؎ إذا أنْتَ لَمْ تَعْصِ الهَوى قادَكَ الهَوى ∗∗∗ إلى كُلِّ ما فِيهِ عَلَيْكَ مَقالُ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "عَلى عِلْمٍ"﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: عَلى عِلْمٍ مِنَ اللهِ سابِقٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أيْ: عَلى عِلْمٍ مِن هَذا الضَلالِ فَإنَّ الحَقَّ هو الَّذِي يُتْرَكُ ويُعْرَضُ عنهُ، فَتَكُونُ الآيَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مِن آياتِ العِنادِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: (p-٦٠١)﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وعَلى كِلا التَأْوِيلَيْنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى عِلْمٍ" حالٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ اسْتِعاراتٌ كُلُّها، إذْ هَذا الضالُّ لا يَنْفَعُهُ ما يَسْمَعُ ولا ما يَفْهَمُ ولا ما يَرى، فَكَأنَّهُ بِهَذِهِ الأوصافِ المَذْكُورَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ لا حُجَّةَ لِلْجَبْرِيَّةِ فِيها، لِأنَّ التَكَسُّبَ فِيها مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "اتَّخَذَ"، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى عِلْمٍ" عَلى التَأْوِيلِ الأخِيرِ فِيهِ، ولَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلى الِاكْتِسابِ لَكانَ مُرادًا في المَعْنى، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: ﴿ "غِشاوَةً"﴾ بِكَسْرِ الغَيْنِ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "غَشاوَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ، وحُكِيَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ: "غُشاوَةً" بِضَمِّ الغَيْنِ، وهي لُغَةُ عَكْلٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "غَشْوَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ وإسْكانِ الشِينِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ: "غِشْوَةً" بِكَسْرِ الغَيْنِ دُونَ ألِفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ اللهِ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: مِن بَعْدِ إضْلالِ اللهِ إيّاهُ، وقَرَأ عاصِمٌ -وَأراهُ الجَحْدَرِيُّ-: "تَذَكَّرُونَ" بِتَخْفِيفِ الذالِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَذَّكَّرُونَ" عَلى الخِطابِ أيْضًا بِتَشْدِيدِ الذالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَتَذَكَّرُونَ" بِتاءَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُنْيا﴾ الآيَةُ... حِكايَةُ مُقالَةِ بَعْضِ قُرَيْشٍ، وهَذِهِ صِيغَةٌ دَهْرِيَّةٌ مِن كُفّارِ العَرَبِ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ما في الوُجُودِ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها ولَيْسَتْ ثَمَّ آخِرَةٌ ولا بَعْثٌ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: نَحْنُ مَوْتى قَبْلَ أنْ نُوجَدَ، ثُمَّ نَحْيا في وقْتِ وُجُودِنا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: نَمُوتُ حِينَ نَحْنُ نُطَفٌ ودَمٌ، ثُمَّ نَحْيا بِالأرْواحِ فِينا، وهَذا قَوْلٌ قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، ويَسْقُطُ عَلى القَوْلَيْنِ ذِكْرُ المَوْتِ المَعْرُوفِ الَّذِي هو خُرُوجُ الرُوحِ مِنَ الجَسَدِ، وهو الأهَمُّ في الذِكْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: نَحْيا ونَمُوتُ، فَوَقَعَ في اللَفْظِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الغَرَضُ مِنَ اللَفْظِ العِبارَةُ عن حالِ النَوْعِ، فَكَأنَّ النَوْعَ بِجُمْلَتِهِ يَقُولُ: إنَّما نَحْنُ تَمُوتُ طائِفَةٌ وتَحْيا طائِفَةٌ دَأْبًا، وقَوْلَهُمْ: ﴿وَما يُهْلِكُنا إلا الدَهْرُ﴾ أيْ: طُولُ الزَمانِ، وهو المُهْلِكُ، لِأنَّ الأوقاتِ تَسْتَوِي فِيهِ كِمالاتُها، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهم عِلْمَهم بِهَذا، وأعْلَمَ أنَّها ظُنُونٌ مِنهُمْ، وتَخَرُّصٌ يَقْضِي بِهِمْ إلى الإشْراكِ بِاللهِ تَعالى. والدَهْرُ والزَمانُ تَسْتَعْمِلُهُما العَرَبُ بِمَعْنًى (p-٦٠٢)واحِدٍ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَما يُهْلِكُنا إلّا دَهْرٌ يَمُرُّ"، وقالَ مُجاهِدٌ: الدَهْرُ هُنا الزَمانُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إنَّما يُهْلِكُنا اللَيْلُ والنَهارُ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُفارِقُ هَذا الِاسْتِعْمالُ قَوْلَ النَبِيِّ ﷺ: « "لا تَسُبُّوا الدَهْرَ، فَإنَّ اللهَ تَعالى هو الدَهْرُ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ اللهُ تَعالى: « "يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَهْرَ، وأنا الدَهْرُ بِيَدِي اللَيْلُ والنَهارُ"»، ومَعْنى هَذا الحَدِيثِ: فَإنَّ اللهَ تَعالى هو الَّذِي يَفْعَلُ ما تَنْسُبُونَهُ إلى الدَهْرِ وتَسُبُّونَهُ بِسَبِّهِ. وإذا تُؤُمِّلَتْ أمْثِلَةُ هَذا في الكَلامِ ظَهَرَتْ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
الجاثية 45:24
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَخَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مَنِ بَعْدِ اللهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلا الدَهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾
المَعْنى: وخَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ، فَإنَّ خَلْقَها حَقٌّ واجِبٌ مُتَأكِّدٌ في نَفْسِهِ لِما فِيهِ مِن فَيْضِ الخَيْراتِ، ولِتَدُلَّ عَلَيْهِ تَعالى، ولِتَكُونَ صَنْعَةً حاكِمَةً لِصانِعٍ، وقِيلَ لِبَعْضِ (p-٦٠٠)الحُكَماءِ: لِمَ خَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ؟ فَقالَ: لِيُظْهِرَ جَوْدَةَ صُنْعِهِ، واللامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلِتُجْزى" يَظْهَرُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ، فَكَأنَّ الجَزاءَ مِن أسْبابِ خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَيْرُورَةِ، أيْ: وصارَ الأمْرُ فِيها مِن حَيْثُ اهْتَدى بِها قَوْمٌ وضَلَّ عنها آخَرُونَ لِأنْ يُجازى كُلُّ أحَدٍ بِعِلْمِهِ وبِما اكْتَسَبَ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أفَرَأيْتَ"،﴾ سَهَّلَ بَعْضُ القُرّاءِ الهَمْزَةَ وحَقَّقَها قَوْمٌ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُخَفَّفَةً، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أفَرَأيْتَ" دُونَ هَمْزٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ عَنِ الكُفّارِ المُعْرِضِينَ عَنِ الإيمانِ، أيْ: لا تَعْجَلْ بِهِمْ ولا تَهْتَمَّ بِأمْرِهِمْ، فَلَيْسَ فِيهِمْ حِيلَةً لِبَشَرٍ لِأنَّ اللهَ أضَلَّهُمْ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿ "إلَهَهُ هَواهُ"﴾ إشارَةٌ إلى الأصْنامِ؛ إذْ كانُوا يَعْبُدُونَ ما يَهْوُونَ مِنَ الحِجارَةِ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: لا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، لا يَخافُ اللهَ تَعالى، فَهَذا كَما يُقالُ: الهَوى إلَهٌ مَعْبُودٌ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: "إلَهَةُ هَواهُ" عَلى التَأْنِيثِ في "آلِهَةً"، وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في هَوى الكُفْرِ فَهي مُتَناوِلَةٌ جَمِيعَ هَوى النَفْسِ الأمارَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ما ذَكَرَ اللهُ تَعالى هَوًى إلّا ذِمَّةً، وقالَ الشَعْبِيُّ: سُمِّيَ هَوًى لَهَوِيَّةِ بِصاحِبِهِ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللهِ"،» وقالَ سَهْلُ التُسْتُرِيِّ: "هَواكَ داؤُكَ، فَإنْ خالَفْتَهُ فَدَواؤُكَ". وقالَ وهْبٌ: "إذا شَكَكْتَ في خَيْرِ أمْرَيْنِ، فانْظُرْ أبْعَدَهُما مِن هَواكَ فَأْتِهِ"، ومِن حِكْمَةِ الشِعْرِ في هَذا قَوْلُ القائِلِ:
؎ إذا أنْتَ لَمْ تَعْصِ الهَوى قادَكَ الهَوى ∗∗∗ إلى كُلِّ ما فِيهِ عَلَيْكَ مَقالُ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "عَلى عِلْمٍ"﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: عَلى عِلْمٍ مِنَ اللهِ سابِقٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أيْ: عَلى عِلْمٍ مِن هَذا الضَلالِ فَإنَّ الحَقَّ هو الَّذِي يُتْرَكُ ويُعْرَضُ عنهُ، فَتَكُونُ الآيَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مِن آياتِ العِنادِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: (p-٦٠١)﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وعَلى كِلا التَأْوِيلَيْنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى عِلْمٍ" حالٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ اسْتِعاراتٌ كُلُّها، إذْ هَذا الضالُّ لا يَنْفَعُهُ ما يَسْمَعُ ولا ما يَفْهَمُ ولا ما يَرى، فَكَأنَّهُ بِهَذِهِ الأوصافِ المَذْكُورَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ لا حُجَّةَ لِلْجَبْرِيَّةِ فِيها، لِأنَّ التَكَسُّبَ فِيها مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "اتَّخَذَ"، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى عِلْمٍ" عَلى التَأْوِيلِ الأخِيرِ فِيهِ، ولَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلى الِاكْتِسابِ لَكانَ مُرادًا في المَعْنى، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: ﴿ "غِشاوَةً"﴾ بِكَسْرِ الغَيْنِ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "غَشاوَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ، وحُكِيَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ: "غُشاوَةً" بِضَمِّ الغَيْنِ، وهي لُغَةُ عَكْلٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "غَشْوَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ وإسْكانِ الشِينِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ: "غِشْوَةً" بِكَسْرِ الغَيْنِ دُونَ ألِفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ اللهِ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: مِن بَعْدِ إضْلالِ اللهِ إيّاهُ، وقَرَأ عاصِمٌ -وَأراهُ الجَحْدَرِيُّ-: "تَذَكَّرُونَ" بِتَخْفِيفِ الذالِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَذَّكَّرُونَ" عَلى الخِطابِ أيْضًا بِتَشْدِيدِ الذالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَتَذَكَّرُونَ" بِتاءَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُنْيا﴾ الآيَةُ... حِكايَةُ مُقالَةِ بَعْضِ قُرَيْشٍ، وهَذِهِ صِيغَةٌ دَهْرِيَّةٌ مِن كُفّارِ العَرَبِ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ما في الوُجُودِ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها ولَيْسَتْ ثَمَّ آخِرَةٌ ولا بَعْثٌ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: نَحْنُ مَوْتى قَبْلَ أنْ نُوجَدَ، ثُمَّ نَحْيا في وقْتِ وُجُودِنا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: نَمُوتُ حِينَ نَحْنُ نُطَفٌ ودَمٌ، ثُمَّ نَحْيا بِالأرْواحِ فِينا، وهَذا قَوْلٌ قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، ويَسْقُطُ عَلى القَوْلَيْنِ ذِكْرُ المَوْتِ المَعْرُوفِ الَّذِي هو خُرُوجُ الرُوحِ مِنَ الجَسَدِ، وهو الأهَمُّ في الذِكْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: نَحْيا ونَمُوتُ، فَوَقَعَ في اللَفْظِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الغَرَضُ مِنَ اللَفْظِ العِبارَةُ عن حالِ النَوْعِ، فَكَأنَّ النَوْعَ بِجُمْلَتِهِ يَقُولُ: إنَّما نَحْنُ تَمُوتُ طائِفَةٌ وتَحْيا طائِفَةٌ دَأْبًا، وقَوْلَهُمْ: ﴿وَما يُهْلِكُنا إلا الدَهْرُ﴾ أيْ: طُولُ الزَمانِ، وهو المُهْلِكُ، لِأنَّ الأوقاتِ تَسْتَوِي فِيهِ كِمالاتُها، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهم عِلْمَهم بِهَذا، وأعْلَمَ أنَّها ظُنُونٌ مِنهُمْ، وتَخَرُّصٌ يَقْضِي بِهِمْ إلى الإشْراكِ بِاللهِ تَعالى. والدَهْرُ والزَمانُ تَسْتَعْمِلُهُما العَرَبُ بِمَعْنًى (p-٦٠٢)واحِدٍ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَما يُهْلِكُنا إلّا دَهْرٌ يَمُرُّ"، وقالَ مُجاهِدٌ: الدَهْرُ هُنا الزَمانُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إنَّما يُهْلِكُنا اللَيْلُ والنَهارُ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُفارِقُ هَذا الِاسْتِعْمالُ قَوْلَ النَبِيِّ ﷺ: « "لا تَسُبُّوا الدَهْرَ، فَإنَّ اللهَ تَعالى هو الدَهْرُ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ اللهُ تَعالى: « "يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَهْرَ، وأنا الدَهْرُ بِيَدِي اللَيْلُ والنَهارُ"»، ومَعْنى هَذا الحَدِيثِ: فَإنَّ اللهَ تَعالى هو الَّذِي يَفْعَلُ ما تَنْسُبُونَهُ إلى الدَهْرِ وتَسُبُّونَهُ بِسَبِّهِ. وإذا تُؤُمِّلَتْ أمْثِلَةُ هَذا في الكَلامِ ظَهَرَتْ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
الجاثية 45:25
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
(p-٦٠٣)الضَمِيرُ فِي: ﴿ "عَلَيْهِمْ"﴾ عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. و"الآياتُ": هي آياتُ القُرْآنِ وحُرُوفُهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "تُتْلى"،﴾ وعابَتْ هَذِهِ الآيَةُ سُوءَ مُقاوَلَتِهِمْ، وأنَّهم جَعَلُوا بَدَلَ الحُجَّةِ التَمَنِّي المُتَشَطِّطَ والطَلَبَ لِما قَدْ حَتَّمَ اللهُ تَعالى ألّا يَكُونَ إلّا إلى أجَلٍ مُسَمًّى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ عامِرٍ -فِيما رَوى عنهُ عَبْدُ الحَمِيدِ-، وعاصِمٌ -فِيما رَوى هارُونُ وحُسَيْنٌ عن أبِي بَكْرٍ عنهُ-: "حُجَّتُهُمْ" بِالرَفْعِ عَلى اسْمِ "كانَ" والخَبَرُ في "أنْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "حُجَّتَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى مُقَدَّمٍ واسْمُ كانَ في "أنْ".
وكانَ بَعْضُ قُرَيْشٍ قَدْ قالَ: أحْيَ لَنا قَصِيًّا -فَإنَّهُ كانَ شَيْخٌ صَدَقَ- حَتّى نَسْألَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هَذا النَحْوِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: "ائْتُوا" مِن حَيْثُ المُخاطِبَةِ لَهُ، والمُرادُ هو وإلَهُهُ والمَلِكُ الوَسِيطُ الَّذِي ذَكَرَ هَوْلَهُمْ، فَجاءَ مِن ذَلِكَ جُمْلَةٌ قِيلِ لَها: "ائْتُوا" و"إنْ كُنْتُمْ".
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِالحالِ السالِفَةِ في عِلْمِ اللهِ تَعالى الَّتِي لا تُبَدَّلُ، وهي أنَّهُ يُحْيِي الخَلْقَ ويُمِيتُهم بَعْدَ ذَلِكَ ويَحْشُرُهم بَعْدَ إماتَتِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في نَفْسِهِ وذاتِهِ، والأكْثَرُ الَّذِي لا يَعْلَمُ هُمُ الكُفّارُ، و"الأكْثَرُ" هُنا عَلى بابِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: العامِلُ فِي: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَخْسَرُ"،﴾ وجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَوْمَئِذٍ"﴾ بَدَلًا مُؤَكَّدًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: العامِلُ فِي: "يَوْمَ" فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، وذَلِكَ أنْ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَنْفَرِدُ "يَخْسَرُ" بِالعَمَلِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَئِذٍ"، و﴿ "المُبْطِلُونَ":﴾ الداخِلُونَ في الباطِلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ وصْفُ حالِ القِيامَةِ وهَوْلِها، والأُمَّةُ: الجَماعَةُ العَظِيمَةُ مِنَ الناسِ الَّتِي قَدْ جَمَعَها مَعْنًى أو وصْفٌ شامِلٌ لَها، وقالَ مُجاهِدٌ: الأُمَّةُ: الواحِدُ مِنَ الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَلَقٌ في اللُغَةِ، وإنْ قِيلَ في إبْراهِيمَ ﷺ: أُمَّةٌ، وقالَها النَبِيُّ ﷺ في قِسِّ بْنِ (p-٦٠٤)ساعِدَةَ، فَذَلِكَ تَجُوزُ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ والتَشْبِيهِ.
و﴿ "جاثِيَةً"﴾ مَعْناهُ: عَلى الرَكْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ المُعَظَّمِ، وفي حَدِيثٍ: « "فَجَثا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى رُكْبَتَيْهِ"». وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: في القِيامَةِ ساعَةَ قَدْرَ عَشْرِ سِنِينَ، يَخِرُّ الجَمِيعُ فِيها جُثاةً عَلى الرُكَبِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها"﴾ بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ: "كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى" بِالنَصْبِ عَلى البَدَلِ مِن "كُلَّ" الأُولى، إذْ في "كُلَّ" الثانِيَةِ إيضاحٌ مُوجِبُ الجَثْوِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةٍ تُدْعى" بِإسْقاطِ "كُلَّ أُمَّةٍ" الثانِيَةِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "إلى كِتابِها" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها فَتَحاكَمَ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أو خالَفَتْهُ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: إلى كِتابِها الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ، فَبِاجْتِماعِ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ: كِتابُها، وهُنا مَحْذُوفٌ (p-٦٠٥)يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، أو إلى اللَوْحِ المَحْفُوظِ، قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: يَشْهَدُ بِما سَبَقَ فِيهِ مِن سَعادَةٍ أو شَقاءٍ، أو تَكُونُ الكُتُبَ الحَفَظَةَ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي إلى القُرْآنِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: نَكْتُبُ، وحَقِيقَةُ النَسْخِ وإنْ كانَتْ أنْ يُنْقُلَ خَطٌّ مِن أصْلٍ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإنَّ أعْمالَ العِبادِ هي في هَذا التَأْوِيلِ كالأصْلِ، فالمَعْنى: إنّا كُنّا نُقَيِّدُ كُلَّ ما عَمِلْتُمْ. وقالَ الحَسَنُ: هو كُتُبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ أنَّ اللهَ تَعالى يَأْمُرُ بِعَرْضِ أعْمالِ العِبادِ كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ، فَيَنْقُلُ مِنَ الصُحُفِ الَّتِي رَفَعَ الحَفَظَةُ كُلَّ ما هو مُعَدٌّ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ثَوابٌ أو عِقابٌ، ويُلْغى الباقِي، قالَتْ فِرْقَةٌ: فَهَذا هو النَسْخُ مِن أصْلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهُمْ، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ فَتُقَيَّدُ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: ألَسْتُمْ عَرَبًا؟ وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ؟
الجاثية 45:26
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
(p-٦٠٣)الضَمِيرُ فِي: ﴿ "عَلَيْهِمْ"﴾ عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. و"الآياتُ": هي آياتُ القُرْآنِ وحُرُوفُهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "تُتْلى"،﴾ وعابَتْ هَذِهِ الآيَةُ سُوءَ مُقاوَلَتِهِمْ، وأنَّهم جَعَلُوا بَدَلَ الحُجَّةِ التَمَنِّي المُتَشَطِّطَ والطَلَبَ لِما قَدْ حَتَّمَ اللهُ تَعالى ألّا يَكُونَ إلّا إلى أجَلٍ مُسَمًّى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ عامِرٍ -فِيما رَوى عنهُ عَبْدُ الحَمِيدِ-، وعاصِمٌ -فِيما رَوى هارُونُ وحُسَيْنٌ عن أبِي بَكْرٍ عنهُ-: "حُجَّتُهُمْ" بِالرَفْعِ عَلى اسْمِ "كانَ" والخَبَرُ في "أنْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "حُجَّتَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى مُقَدَّمٍ واسْمُ كانَ في "أنْ".
وكانَ بَعْضُ قُرَيْشٍ قَدْ قالَ: أحْيَ لَنا قَصِيًّا -فَإنَّهُ كانَ شَيْخٌ صَدَقَ- حَتّى نَسْألَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هَذا النَحْوِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: "ائْتُوا" مِن حَيْثُ المُخاطِبَةِ لَهُ، والمُرادُ هو وإلَهُهُ والمَلِكُ الوَسِيطُ الَّذِي ذَكَرَ هَوْلَهُمْ، فَجاءَ مِن ذَلِكَ جُمْلَةٌ قِيلِ لَها: "ائْتُوا" و"إنْ كُنْتُمْ".
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِالحالِ السالِفَةِ في عِلْمِ اللهِ تَعالى الَّتِي لا تُبَدَّلُ، وهي أنَّهُ يُحْيِي الخَلْقَ ويُمِيتُهم بَعْدَ ذَلِكَ ويَحْشُرُهم بَعْدَ إماتَتِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في نَفْسِهِ وذاتِهِ، والأكْثَرُ الَّذِي لا يَعْلَمُ هُمُ الكُفّارُ، و"الأكْثَرُ" هُنا عَلى بابِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: العامِلُ فِي: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَخْسَرُ"،﴾ وجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَوْمَئِذٍ"﴾ بَدَلًا مُؤَكَّدًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: العامِلُ فِي: "يَوْمَ" فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، وذَلِكَ أنْ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَنْفَرِدُ "يَخْسَرُ" بِالعَمَلِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَئِذٍ"، و﴿ "المُبْطِلُونَ":﴾ الداخِلُونَ في الباطِلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ وصْفُ حالِ القِيامَةِ وهَوْلِها، والأُمَّةُ: الجَماعَةُ العَظِيمَةُ مِنَ الناسِ الَّتِي قَدْ جَمَعَها مَعْنًى أو وصْفٌ شامِلٌ لَها، وقالَ مُجاهِدٌ: الأُمَّةُ: الواحِدُ مِنَ الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَلَقٌ في اللُغَةِ، وإنْ قِيلَ في إبْراهِيمَ ﷺ: أُمَّةٌ، وقالَها النَبِيُّ ﷺ في قِسِّ بْنِ (p-٦٠٤)ساعِدَةَ، فَذَلِكَ تَجُوزُ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ والتَشْبِيهِ.
و﴿ "جاثِيَةً"﴾ مَعْناهُ: عَلى الرَكْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ المُعَظَّمِ، وفي حَدِيثٍ: « "فَجَثا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى رُكْبَتَيْهِ"». وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: في القِيامَةِ ساعَةَ قَدْرَ عَشْرِ سِنِينَ، يَخِرُّ الجَمِيعُ فِيها جُثاةً عَلى الرُكَبِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها"﴾ بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ: "كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى" بِالنَصْبِ عَلى البَدَلِ مِن "كُلَّ" الأُولى، إذْ في "كُلَّ" الثانِيَةِ إيضاحٌ مُوجِبُ الجَثْوِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةٍ تُدْعى" بِإسْقاطِ "كُلَّ أُمَّةٍ" الثانِيَةِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "إلى كِتابِها" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها فَتَحاكَمَ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أو خالَفَتْهُ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: إلى كِتابِها الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ، فَبِاجْتِماعِ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ: كِتابُها، وهُنا مَحْذُوفٌ (p-٦٠٥)يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، أو إلى اللَوْحِ المَحْفُوظِ، قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: يَشْهَدُ بِما سَبَقَ فِيهِ مِن سَعادَةٍ أو شَقاءٍ، أو تَكُونُ الكُتُبَ الحَفَظَةَ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي إلى القُرْآنِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: نَكْتُبُ، وحَقِيقَةُ النَسْخِ وإنْ كانَتْ أنْ يُنْقُلَ خَطٌّ مِن أصْلٍ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإنَّ أعْمالَ العِبادِ هي في هَذا التَأْوِيلِ كالأصْلِ، فالمَعْنى: إنّا كُنّا نُقَيِّدُ كُلَّ ما عَمِلْتُمْ. وقالَ الحَسَنُ: هو كُتُبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ أنَّ اللهَ تَعالى يَأْمُرُ بِعَرْضِ أعْمالِ العِبادِ كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ، فَيَنْقُلُ مِنَ الصُحُفِ الَّتِي رَفَعَ الحَفَظَةُ كُلَّ ما هو مُعَدٌّ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ثَوابٌ أو عِقابٌ، ويُلْغى الباقِي، قالَتْ فِرْقَةٌ: فَهَذا هو النَسْخُ مِن أصْلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهُمْ، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ فَتُقَيَّدُ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: ألَسْتُمْ عَرَبًا؟ وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ؟
الجاثية 45:27
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
(p-٦٠٣)الضَمِيرُ فِي: ﴿ "عَلَيْهِمْ"﴾ عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. و"الآياتُ": هي آياتُ القُرْآنِ وحُرُوفُهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "تُتْلى"،﴾ وعابَتْ هَذِهِ الآيَةُ سُوءَ مُقاوَلَتِهِمْ، وأنَّهم جَعَلُوا بَدَلَ الحُجَّةِ التَمَنِّي المُتَشَطِّطَ والطَلَبَ لِما قَدْ حَتَّمَ اللهُ تَعالى ألّا يَكُونَ إلّا إلى أجَلٍ مُسَمًّى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ عامِرٍ -فِيما رَوى عنهُ عَبْدُ الحَمِيدِ-، وعاصِمٌ -فِيما رَوى هارُونُ وحُسَيْنٌ عن أبِي بَكْرٍ عنهُ-: "حُجَّتُهُمْ" بِالرَفْعِ عَلى اسْمِ "كانَ" والخَبَرُ في "أنْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "حُجَّتَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى مُقَدَّمٍ واسْمُ كانَ في "أنْ".
وكانَ بَعْضُ قُرَيْشٍ قَدْ قالَ: أحْيَ لَنا قَصِيًّا -فَإنَّهُ كانَ شَيْخٌ صَدَقَ- حَتّى نَسْألَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هَذا النَحْوِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: "ائْتُوا" مِن حَيْثُ المُخاطِبَةِ لَهُ، والمُرادُ هو وإلَهُهُ والمَلِكُ الوَسِيطُ الَّذِي ذَكَرَ هَوْلَهُمْ، فَجاءَ مِن ذَلِكَ جُمْلَةٌ قِيلِ لَها: "ائْتُوا" و"إنْ كُنْتُمْ".
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِالحالِ السالِفَةِ في عِلْمِ اللهِ تَعالى الَّتِي لا تُبَدَّلُ، وهي أنَّهُ يُحْيِي الخَلْقَ ويُمِيتُهم بَعْدَ ذَلِكَ ويَحْشُرُهم بَعْدَ إماتَتِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في نَفْسِهِ وذاتِهِ، والأكْثَرُ الَّذِي لا يَعْلَمُ هُمُ الكُفّارُ، و"الأكْثَرُ" هُنا عَلى بابِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: العامِلُ فِي: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَخْسَرُ"،﴾ وجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَوْمَئِذٍ"﴾ بَدَلًا مُؤَكَّدًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: العامِلُ فِي: "يَوْمَ" فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، وذَلِكَ أنْ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَنْفَرِدُ "يَخْسَرُ" بِالعَمَلِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَئِذٍ"، و﴿ "المُبْطِلُونَ":﴾ الداخِلُونَ في الباطِلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ وصْفُ حالِ القِيامَةِ وهَوْلِها، والأُمَّةُ: الجَماعَةُ العَظِيمَةُ مِنَ الناسِ الَّتِي قَدْ جَمَعَها مَعْنًى أو وصْفٌ شامِلٌ لَها، وقالَ مُجاهِدٌ: الأُمَّةُ: الواحِدُ مِنَ الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَلَقٌ في اللُغَةِ، وإنْ قِيلَ في إبْراهِيمَ ﷺ: أُمَّةٌ، وقالَها النَبِيُّ ﷺ في قِسِّ بْنِ (p-٦٠٤)ساعِدَةَ، فَذَلِكَ تَجُوزُ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ والتَشْبِيهِ.
و﴿ "جاثِيَةً"﴾ مَعْناهُ: عَلى الرَكْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ المُعَظَّمِ، وفي حَدِيثٍ: « "فَجَثا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى رُكْبَتَيْهِ"». وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: في القِيامَةِ ساعَةَ قَدْرَ عَشْرِ سِنِينَ، يَخِرُّ الجَمِيعُ فِيها جُثاةً عَلى الرُكَبِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها"﴾ بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ: "كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى" بِالنَصْبِ عَلى البَدَلِ مِن "كُلَّ" الأُولى، إذْ في "كُلَّ" الثانِيَةِ إيضاحٌ مُوجِبُ الجَثْوِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةٍ تُدْعى" بِإسْقاطِ "كُلَّ أُمَّةٍ" الثانِيَةِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "إلى كِتابِها" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها فَتَحاكَمَ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أو خالَفَتْهُ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: إلى كِتابِها الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ، فَبِاجْتِماعِ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ: كِتابُها، وهُنا مَحْذُوفٌ (p-٦٠٥)يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، أو إلى اللَوْحِ المَحْفُوظِ، قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: يَشْهَدُ بِما سَبَقَ فِيهِ مِن سَعادَةٍ أو شَقاءٍ، أو تَكُونُ الكُتُبَ الحَفَظَةَ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي إلى القُرْآنِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: نَكْتُبُ، وحَقِيقَةُ النَسْخِ وإنْ كانَتْ أنْ يُنْقُلَ خَطٌّ مِن أصْلٍ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإنَّ أعْمالَ العِبادِ هي في هَذا التَأْوِيلِ كالأصْلِ، فالمَعْنى: إنّا كُنّا نُقَيِّدُ كُلَّ ما عَمِلْتُمْ. وقالَ الحَسَنُ: هو كُتُبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ أنَّ اللهَ تَعالى يَأْمُرُ بِعَرْضِ أعْمالِ العِبادِ كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ، فَيَنْقُلُ مِنَ الصُحُفِ الَّتِي رَفَعَ الحَفَظَةُ كُلَّ ما هو مُعَدٌّ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ثَوابٌ أو عِقابٌ، ويُلْغى الباقِي، قالَتْ فِرْقَةٌ: فَهَذا هو النَسْخُ مِن أصْلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهُمْ، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ فَتُقَيَّدُ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: ألَسْتُمْ عَرَبًا؟ وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ؟
الجاثية 45:28
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
(p-٦٠٣)الضَمِيرُ فِي: ﴿ "عَلَيْهِمْ"﴾ عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. و"الآياتُ": هي آياتُ القُرْآنِ وحُرُوفُهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "تُتْلى"،﴾ وعابَتْ هَذِهِ الآيَةُ سُوءَ مُقاوَلَتِهِمْ، وأنَّهم جَعَلُوا بَدَلَ الحُجَّةِ التَمَنِّي المُتَشَطِّطَ والطَلَبَ لِما قَدْ حَتَّمَ اللهُ تَعالى ألّا يَكُونَ إلّا إلى أجَلٍ مُسَمًّى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ عامِرٍ -فِيما رَوى عنهُ عَبْدُ الحَمِيدِ-، وعاصِمٌ -فِيما رَوى هارُونُ وحُسَيْنٌ عن أبِي بَكْرٍ عنهُ-: "حُجَّتُهُمْ" بِالرَفْعِ عَلى اسْمِ "كانَ" والخَبَرُ في "أنْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "حُجَّتَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى مُقَدَّمٍ واسْمُ كانَ في "أنْ".
وكانَ بَعْضُ قُرَيْشٍ قَدْ قالَ: أحْيَ لَنا قَصِيًّا -فَإنَّهُ كانَ شَيْخٌ صَدَقَ- حَتّى نَسْألَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هَذا النَحْوِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: "ائْتُوا" مِن حَيْثُ المُخاطِبَةِ لَهُ، والمُرادُ هو وإلَهُهُ والمَلِكُ الوَسِيطُ الَّذِي ذَكَرَ هَوْلَهُمْ، فَجاءَ مِن ذَلِكَ جُمْلَةٌ قِيلِ لَها: "ائْتُوا" و"إنْ كُنْتُمْ".
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِالحالِ السالِفَةِ في عِلْمِ اللهِ تَعالى الَّتِي لا تُبَدَّلُ، وهي أنَّهُ يُحْيِي الخَلْقَ ويُمِيتُهم بَعْدَ ذَلِكَ ويَحْشُرُهم بَعْدَ إماتَتِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في نَفْسِهِ وذاتِهِ، والأكْثَرُ الَّذِي لا يَعْلَمُ هُمُ الكُفّارُ، و"الأكْثَرُ" هُنا عَلى بابِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: العامِلُ فِي: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَخْسَرُ"،﴾ وجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَوْمَئِذٍ"﴾ بَدَلًا مُؤَكَّدًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: العامِلُ فِي: "يَوْمَ" فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، وذَلِكَ أنْ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَنْفَرِدُ "يَخْسَرُ" بِالعَمَلِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَئِذٍ"، و﴿ "المُبْطِلُونَ":﴾ الداخِلُونَ في الباطِلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ وصْفُ حالِ القِيامَةِ وهَوْلِها، والأُمَّةُ: الجَماعَةُ العَظِيمَةُ مِنَ الناسِ الَّتِي قَدْ جَمَعَها مَعْنًى أو وصْفٌ شامِلٌ لَها، وقالَ مُجاهِدٌ: الأُمَّةُ: الواحِدُ مِنَ الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَلَقٌ في اللُغَةِ، وإنْ قِيلَ في إبْراهِيمَ ﷺ: أُمَّةٌ، وقالَها النَبِيُّ ﷺ في قِسِّ بْنِ (p-٦٠٤)ساعِدَةَ، فَذَلِكَ تَجُوزُ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ والتَشْبِيهِ.
و﴿ "جاثِيَةً"﴾ مَعْناهُ: عَلى الرَكْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ المُعَظَّمِ، وفي حَدِيثٍ: « "فَجَثا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى رُكْبَتَيْهِ"». وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: في القِيامَةِ ساعَةَ قَدْرَ عَشْرِ سِنِينَ، يَخِرُّ الجَمِيعُ فِيها جُثاةً عَلى الرُكَبِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها"﴾ بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ: "كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى" بِالنَصْبِ عَلى البَدَلِ مِن "كُلَّ" الأُولى، إذْ في "كُلَّ" الثانِيَةِ إيضاحٌ مُوجِبُ الجَثْوِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةٍ تُدْعى" بِإسْقاطِ "كُلَّ أُمَّةٍ" الثانِيَةِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "إلى كِتابِها" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها فَتَحاكَمَ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أو خالَفَتْهُ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: إلى كِتابِها الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ، فَبِاجْتِماعِ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ: كِتابُها، وهُنا مَحْذُوفٌ (p-٦٠٥)يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، أو إلى اللَوْحِ المَحْفُوظِ، قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: يَشْهَدُ بِما سَبَقَ فِيهِ مِن سَعادَةٍ أو شَقاءٍ، أو تَكُونُ الكُتُبَ الحَفَظَةَ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي إلى القُرْآنِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: نَكْتُبُ، وحَقِيقَةُ النَسْخِ وإنْ كانَتْ أنْ يُنْقُلَ خَطٌّ مِن أصْلٍ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإنَّ أعْمالَ العِبادِ هي في هَذا التَأْوِيلِ كالأصْلِ، فالمَعْنى: إنّا كُنّا نُقَيِّدُ كُلَّ ما عَمِلْتُمْ. وقالَ الحَسَنُ: هو كُتُبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ أنَّ اللهَ تَعالى يَأْمُرُ بِعَرْضِ أعْمالِ العِبادِ كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ، فَيَنْقُلُ مِنَ الصُحُفِ الَّتِي رَفَعَ الحَفَظَةُ كُلَّ ما هو مُعَدٌّ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ثَوابٌ أو عِقابٌ، ويُلْغى الباقِي، قالَتْ فِرْقَةٌ: فَهَذا هو النَسْخُ مِن أصْلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهُمْ، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ فَتُقَيَّدُ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: ألَسْتُمْ عَرَبًا؟ وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ؟
الجاثية 45:29
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
(p-٦٠٣)الضَمِيرُ فِي: ﴿ "عَلَيْهِمْ"﴾ عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. و"الآياتُ": هي آياتُ القُرْآنِ وحُرُوفُهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "تُتْلى"،﴾ وعابَتْ هَذِهِ الآيَةُ سُوءَ مُقاوَلَتِهِمْ، وأنَّهم جَعَلُوا بَدَلَ الحُجَّةِ التَمَنِّي المُتَشَطِّطَ والطَلَبَ لِما قَدْ حَتَّمَ اللهُ تَعالى ألّا يَكُونَ إلّا إلى أجَلٍ مُسَمًّى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وابْنُ عامِرٍ -فِيما رَوى عنهُ عَبْدُ الحَمِيدِ-، وعاصِمٌ -فِيما رَوى هارُونُ وحُسَيْنٌ عن أبِي بَكْرٍ عنهُ-: "حُجَّتُهُمْ" بِالرَفْعِ عَلى اسْمِ "كانَ" والخَبَرُ في "أنْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "حُجَّتَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى مُقَدَّمٍ واسْمُ كانَ في "أنْ".
وكانَ بَعْضُ قُرَيْشٍ قَدْ قالَ: أحْيَ لَنا قَصِيًّا -فَإنَّهُ كانَ شَيْخٌ صَدَقَ- حَتّى نَسْألَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هَذا النَحْوِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: "ائْتُوا" مِن حَيْثُ المُخاطِبَةِ لَهُ، والمُرادُ هو وإلَهُهُ والمَلِكُ الوَسِيطُ الَّذِي ذَكَرَ هَوْلَهُمْ، فَجاءَ مِن ذَلِكَ جُمْلَةٌ قِيلِ لَها: "ائْتُوا" و"إنْ كُنْتُمْ".
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِالحالِ السالِفَةِ في عِلْمِ اللهِ تَعالى الَّتِي لا تُبَدَّلُ، وهي أنَّهُ يُحْيِي الخَلْقَ ويُمِيتُهم بَعْدَ ذَلِكَ ويَحْشُرُهم بَعْدَ إماتَتِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في نَفْسِهِ وذاتِهِ، والأكْثَرُ الَّذِي لا يَعْلَمُ هُمُ الكُفّارُ، و"الأكْثَرُ" هُنا عَلى بابِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: العامِلُ فِي: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَخْسَرُ"،﴾ وجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَوْمَئِذٍ"﴾ بَدَلًا مُؤَكَّدًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: العامِلُ فِي: "يَوْمَ" فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المُلْكُ، وذَلِكَ أنْ يَوْمَ القِيامَةِ حالٌ ثالِثَةٌ لَيْسَتْ بِالسَماءِ ولا بِالأرْضِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَبَدَّلُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ والمُلْكُ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَنْفَرِدُ "يَخْسَرُ" بِالعَمَلِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَئِذٍ"، و﴿ "المُبْطِلُونَ":﴾ الداخِلُونَ في الباطِلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ وصْفُ حالِ القِيامَةِ وهَوْلِها، والأُمَّةُ: الجَماعَةُ العَظِيمَةُ مِنَ الناسِ الَّتِي قَدْ جَمَعَها مَعْنًى أو وصْفٌ شامِلٌ لَها، وقالَ مُجاهِدٌ: الأُمَّةُ: الواحِدُ مِنَ الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَلَقٌ في اللُغَةِ، وإنْ قِيلَ في إبْراهِيمَ ﷺ: أُمَّةٌ، وقالَها النَبِيُّ ﷺ في قِسِّ بْنِ (p-٦٠٤)ساعِدَةَ، فَذَلِكَ تَجُوزُ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ والتَشْبِيهِ.
و﴿ "جاثِيَةً"﴾ مَعْناهُ: عَلى الرَكْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ، وهي هَيْئَةُ المُذْنِبِ الخائِفِ المُعَظَّمِ، وفي حَدِيثٍ: « "فَجَثا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى رُكْبَتَيْهِ"». وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: في القِيامَةِ ساعَةَ قَدْرَ عَشْرِ سِنِينَ، يَخِرُّ الجَمِيعُ فِيها جُثاةً عَلى الرُكَبِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها"﴾ بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ: "كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى" بِالنَصْبِ عَلى البَدَلِ مِن "كُلَّ" الأُولى، إذْ في "كُلَّ" الثانِيَةِ إيضاحٌ مُوجِبُ الجَثْوِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةٍ تُدْعى" بِإسْقاطِ "كُلَّ أُمَّةٍ" الثانِيَةِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "إلى كِتابِها" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: إلى كِتابِها المُنَزَّلِ عَلَيْها فَتَحاكَمَ إلَيْهِ، هَلْ وافَقَتْهُ أو خالَفَتْهُ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: إلى كِتابِها الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ، فَبِاجْتِماعِ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ: كِتابُها، وهُنا مَحْذُوفٌ (p-٦٠٥)يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، أو إلى اللَوْحِ المَحْفُوظِ، قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: يَشْهَدُ بِما سَبَقَ فِيهِ مِن سَعادَةٍ أو شَقاءٍ، أو تَكُونُ الكُتُبَ الحَفَظَةَ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي إلى القُرْآنِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: نَكْتُبُ، وحَقِيقَةُ النَسْخِ وإنْ كانَتْ أنْ يُنْقُلَ خَطٌّ مِن أصْلٍ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإنَّ أعْمالَ العِبادِ هي في هَذا التَأْوِيلِ كالأصْلِ، فالمَعْنى: إنّا كُنّا نُقَيِّدُ كُلَّ ما عَمِلْتُمْ. وقالَ الحَسَنُ: هو كُتُبُ الحَفَظَةِ عَلى بَنِي آدَمَ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ أنَّ اللهَ تَعالى يَأْمُرُ بِعَرْضِ أعْمالِ العِبادِ كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ، فَيَنْقُلُ مِنَ الصُحُفِ الَّتِي رَفَعَ الحَفَظَةُ كُلَّ ما هو مُعَدٌّ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ثَوابٌ أو عِقابٌ، ويُلْغى الباقِي، قالَتْ فِرْقَةٌ: فَهَذا هو النَسْخُ مِن أصْلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ الحَفَظَةَ تَنْسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ ما يَفْعَلُ العِبادُ ثُمَّ يُمْسِكُونَهُ عِنْدَهُمْ، فَتَأْتِي أفْعالُ العِبادِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ فَتُقَيَّدُ أيْضًا، فَذَلِكَ هو الِاسْتِنْساخُ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: ألَسْتُمْ عَرَبًا؟ وهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ؟
الجاثية 45:30
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ والساعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما الساعَةُ إنَّ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ﴿وَبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
ذَكَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى حالَ الطائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وقَرَنَ بَيْنَهم في الذِكْرِ لِيُبَيِّنَ الأمْرَ في نَفْسِ السامِعِ، فَإنَّ الأشْياءَ تَتَبَيَّنُ بِذِكْرِ أضْدادِها مَعَها، والفَوْزُ: هو نَيْلُ البُغْيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ﴾ [فِيهِ مَحْذُوفٌ] فَإنَّ التَقْدِيرَ فِيهِ: وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيُقالُ لَهُمْ: ألَمْ تَكُنْ...، فَحَذَفَ "يُقالُ لَهُمُ" اخْتِصارًا وبَقِيَتِ الفاءُ دالَّةً (p-٦٠٦)عَلى الجَوابِ الَّذِي تَطْلُبُهُ "أمّا"، ثُمَّ قَدَّمَ عَلَيْها ألِفَ الِاسْتِفْهامِ مِن حَيْثُ لَهُ صَدْرُ القَوْلُ عَلى كُلِّ حالَةٍ، ووَقَفَ اللهُ تَعالى الكُفّارَ عَلى الِاسْتِكْبارِ؛ لِأنَّهُ مِن شَرِّ الخِلالِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "والساعَةَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعْدَ اللهِ﴾، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى، والأعْمَشِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "حَقٌّ وإنَّ الساعَةَ لا رَيْبَ فِيها"، وكَذَلِكَ قَرَأ أيْضًا الأعْمَشُ. وقَرَأ الباقُونَ: "والساعَةُ" رَفْعًا، ولِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما الِابْتِداءُ والِاسْتِئْنافُ، والثانِي: العَطْفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ" وما عَمِلَتْ فِيهِ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: "وَعْدُ اللهِ حَقٌّ"، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: لا يُعْطَفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ"، إلّا إذا كانَ العامِلُ الَّذِي عَطَّلَتْهُ إنَّ باقِيًا، وكَذَلِكَ هي عَلى مَوْضِعِ الباءِ في قَوْلِهِ:
؎ .................................. ∗∗∗ فَلَسْنا بِالجِبالِ ولا الحَدِيدا
فَلَمّا كانَتْ "لَيْسَ" نافِيَةً جازَ العَطْفُ عَلى المَوْضِعِ قَبْلَ دُخُولِ الباءِ، ويَظْهَرُ نَحْوُ هَذا النَظَرِ مِن كِتابِ سِيبَوَيْهِ، ولَكِنْ قَدْ ذَكَرْنا ما حَكى أبُو عَلِيٍّ وهو القُدْوَةُ، وقَوْلُهُمْ: ﴿إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا﴾ مَعْناهُ: إنْ نَظُنُّ بَعْدَ قَبُولِ خَبِرِكم إلّا ظَنًّا، ولَيْسَ يُعْطِينا يَقِينًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَدا لَهُمْ﴾ الآيَةُ... حِكايَةُ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، و"حاقَ": مَعْناهُ: نَزَلَ (p-٦٠٧)وَأحاطَ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في المَكْرُوهِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "ما كانُوا"﴾ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما كانُوا، أيْ: عِقابُ كَوْنِهِمْ يَسْتَهْزِءُونَ.
الجاثية 45:31
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ والساعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما الساعَةُ إنَّ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ﴿وَبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
ذَكَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى حالَ الطائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وقَرَنَ بَيْنَهم في الذِكْرِ لِيُبَيِّنَ الأمْرَ في نَفْسِ السامِعِ، فَإنَّ الأشْياءَ تَتَبَيَّنُ بِذِكْرِ أضْدادِها مَعَها، والفَوْزُ: هو نَيْلُ البُغْيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ﴾ [فِيهِ مَحْذُوفٌ] فَإنَّ التَقْدِيرَ فِيهِ: وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيُقالُ لَهُمْ: ألَمْ تَكُنْ...، فَحَذَفَ "يُقالُ لَهُمُ" اخْتِصارًا وبَقِيَتِ الفاءُ دالَّةً (p-٦٠٦)عَلى الجَوابِ الَّذِي تَطْلُبُهُ "أمّا"، ثُمَّ قَدَّمَ عَلَيْها ألِفَ الِاسْتِفْهامِ مِن حَيْثُ لَهُ صَدْرُ القَوْلُ عَلى كُلِّ حالَةٍ، ووَقَفَ اللهُ تَعالى الكُفّارَ عَلى الِاسْتِكْبارِ؛ لِأنَّهُ مِن شَرِّ الخِلالِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "والساعَةَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعْدَ اللهِ﴾، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى، والأعْمَشِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "حَقٌّ وإنَّ الساعَةَ لا رَيْبَ فِيها"، وكَذَلِكَ قَرَأ أيْضًا الأعْمَشُ. وقَرَأ الباقُونَ: "والساعَةُ" رَفْعًا، ولِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما الِابْتِداءُ والِاسْتِئْنافُ، والثانِي: العَطْفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ" وما عَمِلَتْ فِيهِ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: "وَعْدُ اللهِ حَقٌّ"، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: لا يُعْطَفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ"، إلّا إذا كانَ العامِلُ الَّذِي عَطَّلَتْهُ إنَّ باقِيًا، وكَذَلِكَ هي عَلى مَوْضِعِ الباءِ في قَوْلِهِ:
؎ .................................. ∗∗∗ فَلَسْنا بِالجِبالِ ولا الحَدِيدا
فَلَمّا كانَتْ "لَيْسَ" نافِيَةً جازَ العَطْفُ عَلى المَوْضِعِ قَبْلَ دُخُولِ الباءِ، ويَظْهَرُ نَحْوُ هَذا النَظَرِ مِن كِتابِ سِيبَوَيْهِ، ولَكِنْ قَدْ ذَكَرْنا ما حَكى أبُو عَلِيٍّ وهو القُدْوَةُ، وقَوْلُهُمْ: ﴿إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا﴾ مَعْناهُ: إنْ نَظُنُّ بَعْدَ قَبُولِ خَبِرِكم إلّا ظَنًّا، ولَيْسَ يُعْطِينا يَقِينًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَدا لَهُمْ﴾ الآيَةُ... حِكايَةُ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، و"حاقَ": مَعْناهُ: نَزَلَ (p-٦٠٧)وَأحاطَ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في المَكْرُوهِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "ما كانُوا"﴾ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما كانُوا، أيْ: عِقابُ كَوْنِهِمْ يَسْتَهْزِءُونَ.
الجاثية 45:32
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ والساعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما الساعَةُ إنَّ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ﴿وَبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
ذَكَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى حالَ الطائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وقَرَنَ بَيْنَهم في الذِكْرِ لِيُبَيِّنَ الأمْرَ في نَفْسِ السامِعِ، فَإنَّ الأشْياءَ تَتَبَيَّنُ بِذِكْرِ أضْدادِها مَعَها، والفَوْزُ: هو نَيْلُ البُغْيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ﴾ [فِيهِ مَحْذُوفٌ] فَإنَّ التَقْدِيرَ فِيهِ: وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيُقالُ لَهُمْ: ألَمْ تَكُنْ...، فَحَذَفَ "يُقالُ لَهُمُ" اخْتِصارًا وبَقِيَتِ الفاءُ دالَّةً (p-٦٠٦)عَلى الجَوابِ الَّذِي تَطْلُبُهُ "أمّا"، ثُمَّ قَدَّمَ عَلَيْها ألِفَ الِاسْتِفْهامِ مِن حَيْثُ لَهُ صَدْرُ القَوْلُ عَلى كُلِّ حالَةٍ، ووَقَفَ اللهُ تَعالى الكُفّارَ عَلى الِاسْتِكْبارِ؛ لِأنَّهُ مِن شَرِّ الخِلالِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "والساعَةَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعْدَ اللهِ﴾، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى، والأعْمَشِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "حَقٌّ وإنَّ الساعَةَ لا رَيْبَ فِيها"، وكَذَلِكَ قَرَأ أيْضًا الأعْمَشُ. وقَرَأ الباقُونَ: "والساعَةُ" رَفْعًا، ولِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما الِابْتِداءُ والِاسْتِئْنافُ، والثانِي: العَطْفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ" وما عَمِلَتْ فِيهِ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: "وَعْدُ اللهِ حَقٌّ"، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: لا يُعْطَفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ"، إلّا إذا كانَ العامِلُ الَّذِي عَطَّلَتْهُ إنَّ باقِيًا، وكَذَلِكَ هي عَلى مَوْضِعِ الباءِ في قَوْلِهِ:
؎ .................................. ∗∗∗ فَلَسْنا بِالجِبالِ ولا الحَدِيدا
فَلَمّا كانَتْ "لَيْسَ" نافِيَةً جازَ العَطْفُ عَلى المَوْضِعِ قَبْلَ دُخُولِ الباءِ، ويَظْهَرُ نَحْوُ هَذا النَظَرِ مِن كِتابِ سِيبَوَيْهِ، ولَكِنْ قَدْ ذَكَرْنا ما حَكى أبُو عَلِيٍّ وهو القُدْوَةُ، وقَوْلُهُمْ: ﴿إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا﴾ مَعْناهُ: إنْ نَظُنُّ بَعْدَ قَبُولِ خَبِرِكم إلّا ظَنًّا، ولَيْسَ يُعْطِينا يَقِينًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَدا لَهُمْ﴾ الآيَةُ... حِكايَةُ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، و"حاقَ": مَعْناهُ: نَزَلَ (p-٦٠٧)وَأحاطَ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في المَكْرُوهِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "ما كانُوا"﴾ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما كانُوا، أيْ: عِقابُ كَوْنِهِمْ يَسْتَهْزِءُونَ.
الجاثية 45:33
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ والساعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما الساعَةُ إنَّ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ﴿وَبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
ذَكَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى حالَ الطائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وقَرَنَ بَيْنَهم في الذِكْرِ لِيُبَيِّنَ الأمْرَ في نَفْسِ السامِعِ، فَإنَّ الأشْياءَ تَتَبَيَّنُ بِذِكْرِ أضْدادِها مَعَها، والفَوْزُ: هو نَيْلُ البُغْيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ﴾ [فِيهِ مَحْذُوفٌ] فَإنَّ التَقْدِيرَ فِيهِ: وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيُقالُ لَهُمْ: ألَمْ تَكُنْ...، فَحَذَفَ "يُقالُ لَهُمُ" اخْتِصارًا وبَقِيَتِ الفاءُ دالَّةً (p-٦٠٦)عَلى الجَوابِ الَّذِي تَطْلُبُهُ "أمّا"، ثُمَّ قَدَّمَ عَلَيْها ألِفَ الِاسْتِفْهامِ مِن حَيْثُ لَهُ صَدْرُ القَوْلُ عَلى كُلِّ حالَةٍ، ووَقَفَ اللهُ تَعالى الكُفّارَ عَلى الِاسْتِكْبارِ؛ لِأنَّهُ مِن شَرِّ الخِلالِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "والساعَةَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعْدَ اللهِ﴾، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وعِيسى، والأعْمَشِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "حَقٌّ وإنَّ الساعَةَ لا رَيْبَ فِيها"، وكَذَلِكَ قَرَأ أيْضًا الأعْمَشُ. وقَرَأ الباقُونَ: "والساعَةُ" رَفْعًا، ولِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما الِابْتِداءُ والِاسْتِئْنافُ، والثانِي: العَطْفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ" وما عَمِلَتْ فِيهِ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: "وَعْدُ اللهِ حَقٌّ"، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: لا يُعْطَفُ عَلى مَوْضِعِ "إنَّ"، إلّا إذا كانَ العامِلُ الَّذِي عَطَّلَتْهُ إنَّ باقِيًا، وكَذَلِكَ هي عَلى مَوْضِعِ الباءِ في قَوْلِهِ:
؎ .................................. ∗∗∗ فَلَسْنا بِالجِبالِ ولا الحَدِيدا
فَلَمّا كانَتْ "لَيْسَ" نافِيَةً جازَ العَطْفُ عَلى المَوْضِعِ قَبْلَ دُخُولِ الباءِ، ويَظْهَرُ نَحْوُ هَذا النَظَرِ مِن كِتابِ سِيبَوَيْهِ، ولَكِنْ قَدْ ذَكَرْنا ما حَكى أبُو عَلِيٍّ وهو القُدْوَةُ، وقَوْلُهُمْ: ﴿إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا﴾ مَعْناهُ: إنْ نَظُنُّ بَعْدَ قَبُولِ خَبِرِكم إلّا ظَنًّا، ولَيْسَ يُعْطِينا يَقِينًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَدا لَهُمْ﴾ الآيَةُ... حِكايَةُ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، و"حاقَ": مَعْناهُ: نَزَلَ (p-٦٠٧)وَأحاطَ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في المَكْرُوهِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "ما كانُوا"﴾ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما كانُوا، أيْ: عِقابُ كَوْنِهِمْ يَسْتَهْزِءُونَ.
الجاثية 45:34
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وَلَهُ الكِبْرِياءُ في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
نَنْساكم مَعْناهُ: نَتْرُكُكم كَما تَرَكْتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا، فَلَمْ يَقَعْ مِنكُمُ اسْتِعْدادٌ لَهُ ولا تَأهَّبْتُمْ، فَسُمِّيَتِ العُقُوبَةُ في هَذِهِ الآيَةِ بِاسْمِ الذَنَبِ، والمَأْوى: المَوْضِعُ الَّذِي يَسْكُنُهُ الإنْسانُ ويَكُونُ فِيهِ عامَّةَ أوقاتِهِ أو كُلَّها أجْمَعُ، و"آياتِ اللهِ": لَفْظٌ جامِعٌ لِآياتِ القُرْآنِ ولِلْأدِلَّةِ الَّتِي نَصَبَها اللهُ تَعالى لِيَنْظُرَ فِيها العِبادُ.
وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "لا يَخْرُجُونَ" بِضَمِّ الياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتٍ وفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: "لا يَخْرُجُونَ" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، و﴿ "يُسْتَعْتَبُونَ"﴾ تَطَلَّبَ مِنهم مُراجَعَةً إلى عَمَلٍ صالِحٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، تَحْمِيدٌ لَهُ تَعالى وتَحْقِيقٌ لِأُلُوهِيَّتِهِ، وفي ذَلِكَ كَسْرٌ لِأمْرِ الأصْنامِ والأنْصابِ، وقِراءَةُ الناسِ: "رَبِّ" بِالخَفْضِ في الثَلاثَةِ عَلى الصِفَةِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِالرَفْعِ فِيها، عَلى مَعْنى: هو رَبٌّ، و﴿ "الكِبْرِياءُ"﴾ بِناءُ مُبالَغَةٍ، وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ تَعالى: الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظْمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي مِنهُما شَيْئًا قَصَمْتُهُ".»
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجاثِيَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
الجاثية 45:35
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وَلَهُ الكِبْرِياءُ في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
نَنْساكم مَعْناهُ: نَتْرُكُكم كَما تَرَكْتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا، فَلَمْ يَقَعْ مِنكُمُ اسْتِعْدادٌ لَهُ ولا تَأهَّبْتُمْ، فَسُمِّيَتِ العُقُوبَةُ في هَذِهِ الآيَةِ بِاسْمِ الذَنَبِ، والمَأْوى: المَوْضِعُ الَّذِي يَسْكُنُهُ الإنْسانُ ويَكُونُ فِيهِ عامَّةَ أوقاتِهِ أو كُلَّها أجْمَعُ، و"آياتِ اللهِ": لَفْظٌ جامِعٌ لِآياتِ القُرْآنِ ولِلْأدِلَّةِ الَّتِي نَصَبَها اللهُ تَعالى لِيَنْظُرَ فِيها العِبادُ.
وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "لا يَخْرُجُونَ" بِضَمِّ الياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتٍ وفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: "لا يَخْرُجُونَ" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، و﴿ "يُسْتَعْتَبُونَ"﴾ تَطَلَّبَ مِنهم مُراجَعَةً إلى عَمَلٍ صالِحٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، تَحْمِيدٌ لَهُ تَعالى وتَحْقِيقٌ لِأُلُوهِيَّتِهِ، وفي ذَلِكَ كَسْرٌ لِأمْرِ الأصْنامِ والأنْصابِ، وقِراءَةُ الناسِ: "رَبِّ" بِالخَفْضِ في الثَلاثَةِ عَلى الصِفَةِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِالرَفْعِ فِيها، عَلى مَعْنى: هو رَبٌّ، و﴿ "الكِبْرِياءُ"﴾ بِناءُ مُبالَغَةٍ، وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ تَعالى: الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظْمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي مِنهُما شَيْئًا قَصَمْتُهُ".»
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجاثِيَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
الجاثية 45:36
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وَلَهُ الكِبْرِياءُ في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
نَنْساكم مَعْناهُ: نَتْرُكُكم كَما تَرَكْتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا، فَلَمْ يَقَعْ مِنكُمُ اسْتِعْدادٌ لَهُ ولا تَأهَّبْتُمْ، فَسُمِّيَتِ العُقُوبَةُ في هَذِهِ الآيَةِ بِاسْمِ الذَنَبِ، والمَأْوى: المَوْضِعُ الَّذِي يَسْكُنُهُ الإنْسانُ ويَكُونُ فِيهِ عامَّةَ أوقاتِهِ أو كُلَّها أجْمَعُ، و"آياتِ اللهِ": لَفْظٌ جامِعٌ لِآياتِ القُرْآنِ ولِلْأدِلَّةِ الَّتِي نَصَبَها اللهُ تَعالى لِيَنْظُرَ فِيها العِبادُ.
وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "لا يَخْرُجُونَ" بِضَمِّ الياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتٍ وفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: "لا يَخْرُجُونَ" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، و﴿ "يُسْتَعْتَبُونَ"﴾ تَطَلَّبَ مِنهم مُراجَعَةً إلى عَمَلٍ صالِحٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، تَحْمِيدٌ لَهُ تَعالى وتَحْقِيقٌ لِأُلُوهِيَّتِهِ، وفي ذَلِكَ كَسْرٌ لِأمْرِ الأصْنامِ والأنْصابِ، وقِراءَةُ الناسِ: "رَبِّ" بِالخَفْضِ في الثَلاثَةِ عَلى الصِفَةِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِالرَفْعِ فِيها، عَلى مَعْنى: هو رَبٌّ، و﴿ "الكِبْرِياءُ"﴾ بِناءُ مُبالَغَةٍ، وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ تَعالى: الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظْمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي مِنهُما شَيْئًا قَصَمْتُهُ".»
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجاثِيَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
الجاثية 45:37
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وَلَهُ الكِبْرِياءُ في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
نَنْساكم مَعْناهُ: نَتْرُكُكم كَما تَرَكْتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا، فَلَمْ يَقَعْ مِنكُمُ اسْتِعْدادٌ لَهُ ولا تَأهَّبْتُمْ، فَسُمِّيَتِ العُقُوبَةُ في هَذِهِ الآيَةِ بِاسْمِ الذَنَبِ، والمَأْوى: المَوْضِعُ الَّذِي يَسْكُنُهُ الإنْسانُ ويَكُونُ فِيهِ عامَّةَ أوقاتِهِ أو كُلَّها أجْمَعُ، و"آياتِ اللهِ": لَفْظٌ جامِعٌ لِآياتِ القُرْآنِ ولِلْأدِلَّةِ الَّتِي نَصَبَها اللهُ تَعالى لِيَنْظُرَ فِيها العِبادُ.
وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "لا يَخْرُجُونَ" بِضَمِّ الياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتٍ وفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: "لا يَخْرُجُونَ" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، و﴿ "يُسْتَعْتَبُونَ"﴾ تَطَلَّبَ مِنهم مُراجَعَةً إلى عَمَلٍ صالِحٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، تَحْمِيدٌ لَهُ تَعالى وتَحْقِيقٌ لِأُلُوهِيَّتِهِ، وفي ذَلِكَ كَسْرٌ لِأمْرِ الأصْنامِ والأنْصابِ، وقِراءَةُ الناسِ: "رَبِّ" بِالخَفْضِ في الثَلاثَةِ عَلى الصِفَةِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِالرَفْعِ فِيها، عَلى مَعْنى: هو رَبٌّ، و﴿ "الكِبْرِياءُ"﴾ بِناءُ مُبالَغَةٍ، وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ تَعالى: الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظْمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي مِنهُما شَيْئًا قَصَمْتُهُ".»
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجاثِيَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
الأحقاف 46:1
(p-٦٠٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْقافِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، لَمْ يَخْتَلِفْ فِيها إلّا في آيَتَيْنِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الآيَةُ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هاتانِ آيَتانِ مَدَنِيَّتانِ وُضِعَتا في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِن الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مِن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عن دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وَإذا حُشِرَ الناسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ، و﴿ "تَنْزِيلُ":﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، أو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٌ، و﴿ "الكِتابِ":﴾ القُرْآنُ، و"العِزَّةُ" و"الإحْكامُ": صِفَتانِ مُقْتَضِيَتانِ أنَّ مَن هُما لَهُ غالَبَ كُلُّ مَن حادَّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقْنا السَماواتِ﴾ الآيَةُ مَوْعِظَةٌ وزَجْرٌ، أيْ: فاشْهَدُوا أيُّها الناسُ وانْظُرُوا ما يُرادُ بِكم ولِمَ خُلِقْتُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ "إلا بِالحَقِّ"﴾ مَعْناهُ: غَلا بِالواجِبِ الحَسَنِ الَّذِي قَدْ حَقَّ أنْ يَكُونَ، وبِـ"أجَلٍ مُسَمًّى": وقَّتْناهُ وجَعَلْناهُ مَوْعِدًا لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ، وذَلِكَ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: عَنِ الإنْذارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والتَقْدِيرُ: عن ذِكْرِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ والتَحَفُّظُ مِنهُ، أو نَحْوُ هَذا.
(p-٦٠٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ يَحْتَمِلُ "أرَأيْتُمْ" وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، و"ما" مُفَعْوِلَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونُ "ما" اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ. و﴿ "تَدْعُونَ"﴾ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ، قالَ الفَرّاءُ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مَن تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنَ الأرْضِ": "مِن": لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ كُلَّ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن حَيَوانٍ ونَحْوِهِ فَهو مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ وقَّفَهم عَلى السَماواتِ، هَلْ لَهم فِيها شِرْكٌ؟ ثُمَّ اسْتَدْعى تَعالى مِنهم كِتابًا مُنَزَّلًا قَبْلَ القُرْآنِ يَتَضَمَّنُ عِبادَةَ صَنَمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ مَعْناهُ: أو بَقِيَّةٌ قَدِيمَةٌ مِن عِلْمِ أحَدِ العُلَماءِ يَقْتَضِي عِبادَةَ الأصْنامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أو أثارَةٍ"﴾ عَلى المَصْدَرِ، كالشَجاعَةِ والسَماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَيْءِ كَأنَّها أثَرُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ تَسْتَخْرِجُونَهُ فَتُثِيرُونَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ، وقالَ القُرَظِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الأعْشى:
؎ إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والآثِرِ
أيْ: ولِلْمُسْنَدِ عن غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَما خَلَّفْتَ بِها ذاكِرًا ولا آثِرًا"، وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: وخاصَّةً مِن عِلْمٍ، فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، كَأنَّها قَدْ آثَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِها مَن هي عِنْدَهُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ بِ "الأثارَةِ": الخَطُّ في التُرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ، وهَذا مِنَ البَقِيَّةِ والأثَرِ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عن ذَلِكَ، فَقالَ: "كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّهُ، فَمَن وافَقَ خَطَّهُ فَذاكَ"»، وظاهِرُ الحَدِيثِ يُقَوِّي (p-٦١٠)أمْرَ الخَطِّ في التُرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَهُ وجْهٌ إذا وُفِّقَ أحَدٌ إلَيْهِ، وهَكَذا تَأوَّلَهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: أنَّهُ كانَ مِن فِعْلِ نَبِيٍّ قَدْ ذَهَبَ، وذَهَبَ الوَحْيُ إلَيْهِ والإلْهامُ في ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: « "فَمَن وافَقَ خَطَّهُ"» عَلى جِهَةِ الإبْعادِ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ مُيَسِّرٍ لِذَلِكَ، وهَذا كَما يَسْألُكَ أحَدٌ فَيَقُولُ: أيَطِيرُ الإنْسانُ؟ فَتَقُولُ: إنَّما يَطِيرُ الطائِرُ، فَمَن كانَ لَهُ مِنَ الناسِ جَناحانِ طارَ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ.
والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَرَفِ، فَيُقالُ: إنْ لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قِدَمِهِ، وتُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِ الراعِي:
؎ وذاتِ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْهِ ∗∗∗ ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ فَفارا
يُرِيدُ: الأثارَةُ مِنَ الشَحْمِ، أيِ: البَقِيَّةُ.
وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ -فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "أو أثَرَةً" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثاءِ والراءِ دُونَ ألِفٍ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، والأعْمَشِ، وهي واحِدَةٌ جَمْعُها أثَرٍ كَقَتَرَةٍ وقَتَرٍ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّ عِكْرِمَةَ قَرَأ: "أو مِيراثٍ مِن عِلْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والسِلْمِيُّ -فِيما حَكى أبُو الفَتْحِ-: "أثْرَةً" بِسُكُونِ الثاءِ، وهي الفِعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ: قَدْ قَنَعْتُ لَكم بِحُجَّةٍ واحِدَةٍ وتَخَيُّرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكُمْ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّ (p-٦١١)الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثاءِ، وهَذِهِ كُلُّها بِمَعْنى: هَلْ عِنْدَكم شَيْءٌ خَصَّكُمُ اللهُ بِهِ مَن عِلْمٍ وآثَرَكم بِهِ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أضَلُّ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ، أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِمَّنْ هَذِهِ صِبْغَتُهُ، وجاءَتِ الكِناياتُ في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ الأصْنامِ كَما تَجِيءُ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ قَدْ أنْزَلُوها مَنزِلَةَ الآلِهَةِ وبِالمَحَلِّ الَّذِي دَوَّنَهُ البَشَرُ، فَخُوطِبُوا عَلى نَحْوِ مُعْتَقَدِهِمْ فِيها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "ما لا يَسْتَجِيبُ"، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَهم عن دُعائِهِمْ﴾ هو لِلْأصْنامِ في قَوْلِ جَماعَةٍ، ووَصَفَ الأصْنامَ بِالغَفْلَةِ مِن حَيْثُ عامَلَهم مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم عن دُعائِهِمْ﴾ وفي ﴿ "غافِلُونَ"﴾ لِلْكُفّارِ، أيْ: ضَلالُهم بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ فَلا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا لَهم أعْداءً﴾ وصْفٌ لِما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ الكُفّارِ وأصْنامِهِمْ مِنَ التَبَرِّي والمُناكَرَةِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣].
الأحقاف 46:2
(p-٦٠٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْقافِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، لَمْ يَخْتَلِفْ فِيها إلّا في آيَتَيْنِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الآيَةُ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هاتانِ آيَتانِ مَدَنِيَّتانِ وُضِعَتا في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِن الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مِن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عن دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وَإذا حُشِرَ الناسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ، و﴿ "تَنْزِيلُ":﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، أو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٌ، و﴿ "الكِتابِ":﴾ القُرْآنُ، و"العِزَّةُ" و"الإحْكامُ": صِفَتانِ مُقْتَضِيَتانِ أنَّ مَن هُما لَهُ غالَبَ كُلُّ مَن حادَّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقْنا السَماواتِ﴾ الآيَةُ مَوْعِظَةٌ وزَجْرٌ، أيْ: فاشْهَدُوا أيُّها الناسُ وانْظُرُوا ما يُرادُ بِكم ولِمَ خُلِقْتُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ "إلا بِالحَقِّ"﴾ مَعْناهُ: غَلا بِالواجِبِ الحَسَنِ الَّذِي قَدْ حَقَّ أنْ يَكُونَ، وبِـ"أجَلٍ مُسَمًّى": وقَّتْناهُ وجَعَلْناهُ مَوْعِدًا لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ، وذَلِكَ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: عَنِ الإنْذارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والتَقْدِيرُ: عن ذِكْرِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ والتَحَفُّظُ مِنهُ، أو نَحْوُ هَذا.
(p-٦٠٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ يَحْتَمِلُ "أرَأيْتُمْ" وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، و"ما" مُفَعْوِلَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونُ "ما" اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ. و﴿ "تَدْعُونَ"﴾ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ، قالَ الفَرّاءُ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مَن تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنَ الأرْضِ": "مِن": لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ كُلَّ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن حَيَوانٍ ونَحْوِهِ فَهو مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ وقَّفَهم عَلى السَماواتِ، هَلْ لَهم فِيها شِرْكٌ؟ ثُمَّ اسْتَدْعى تَعالى مِنهم كِتابًا مُنَزَّلًا قَبْلَ القُرْآنِ يَتَضَمَّنُ عِبادَةَ صَنَمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ مَعْناهُ: أو بَقِيَّةٌ قَدِيمَةٌ مِن عِلْمِ أحَدِ العُلَماءِ يَقْتَضِي عِبادَةَ الأصْنامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أو أثارَةٍ"﴾ عَلى المَصْدَرِ، كالشَجاعَةِ والسَماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَيْءِ كَأنَّها أثَرُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ تَسْتَخْرِجُونَهُ فَتُثِيرُونَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ، وقالَ القُرَظِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الأعْشى:
؎ إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والآثِرِ
أيْ: ولِلْمُسْنَدِ عن غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَما خَلَّفْتَ بِها ذاكِرًا ولا آثِرًا"، وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: وخاصَّةً مِن عِلْمٍ، فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، كَأنَّها قَدْ آثَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِها مَن هي عِنْدَهُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ بِ "الأثارَةِ": الخَطُّ في التُرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ، وهَذا مِنَ البَقِيَّةِ والأثَرِ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عن ذَلِكَ، فَقالَ: "كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّهُ، فَمَن وافَقَ خَطَّهُ فَذاكَ"»، وظاهِرُ الحَدِيثِ يُقَوِّي (p-٦١٠)أمْرَ الخَطِّ في التُرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَهُ وجْهٌ إذا وُفِّقَ أحَدٌ إلَيْهِ، وهَكَذا تَأوَّلَهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: أنَّهُ كانَ مِن فِعْلِ نَبِيٍّ قَدْ ذَهَبَ، وذَهَبَ الوَحْيُ إلَيْهِ والإلْهامُ في ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: « "فَمَن وافَقَ خَطَّهُ"» عَلى جِهَةِ الإبْعادِ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ مُيَسِّرٍ لِذَلِكَ، وهَذا كَما يَسْألُكَ أحَدٌ فَيَقُولُ: أيَطِيرُ الإنْسانُ؟ فَتَقُولُ: إنَّما يَطِيرُ الطائِرُ، فَمَن كانَ لَهُ مِنَ الناسِ جَناحانِ طارَ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ.
والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَرَفِ، فَيُقالُ: إنْ لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قِدَمِهِ، وتُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِ الراعِي:
؎ وذاتِ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْهِ ∗∗∗ ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ فَفارا
يُرِيدُ: الأثارَةُ مِنَ الشَحْمِ، أيِ: البَقِيَّةُ.
وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ -فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "أو أثَرَةً" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثاءِ والراءِ دُونَ ألِفٍ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، والأعْمَشِ، وهي واحِدَةٌ جَمْعُها أثَرٍ كَقَتَرَةٍ وقَتَرٍ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّ عِكْرِمَةَ قَرَأ: "أو مِيراثٍ مِن عِلْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والسِلْمِيُّ -فِيما حَكى أبُو الفَتْحِ-: "أثْرَةً" بِسُكُونِ الثاءِ، وهي الفِعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ: قَدْ قَنَعْتُ لَكم بِحُجَّةٍ واحِدَةٍ وتَخَيُّرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكُمْ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّ (p-٦١١)الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثاءِ، وهَذِهِ كُلُّها بِمَعْنى: هَلْ عِنْدَكم شَيْءٌ خَصَّكُمُ اللهُ بِهِ مَن عِلْمٍ وآثَرَكم بِهِ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أضَلُّ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ، أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِمَّنْ هَذِهِ صِبْغَتُهُ، وجاءَتِ الكِناياتُ في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ الأصْنامِ كَما تَجِيءُ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ قَدْ أنْزَلُوها مَنزِلَةَ الآلِهَةِ وبِالمَحَلِّ الَّذِي دَوَّنَهُ البَشَرُ، فَخُوطِبُوا عَلى نَحْوِ مُعْتَقَدِهِمْ فِيها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "ما لا يَسْتَجِيبُ"، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَهم عن دُعائِهِمْ﴾ هو لِلْأصْنامِ في قَوْلِ جَماعَةٍ، ووَصَفَ الأصْنامَ بِالغَفْلَةِ مِن حَيْثُ عامَلَهم مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم عن دُعائِهِمْ﴾ وفي ﴿ "غافِلُونَ"﴾ لِلْكُفّارِ، أيْ: ضَلالُهم بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ فَلا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا لَهم أعْداءً﴾ وصْفٌ لِما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ الكُفّارِ وأصْنامِهِمْ مِنَ التَبَرِّي والمُناكَرَةِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣].
الأحقاف 46:3
(p-٦٠٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْقافِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، لَمْ يَخْتَلِفْ فِيها إلّا في آيَتَيْنِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الآيَةُ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هاتانِ آيَتانِ مَدَنِيَّتانِ وُضِعَتا في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِن الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مِن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عن دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وَإذا حُشِرَ الناسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ، و﴿ "تَنْزِيلُ":﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، أو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٌ، و﴿ "الكِتابِ":﴾ القُرْآنُ، و"العِزَّةُ" و"الإحْكامُ": صِفَتانِ مُقْتَضِيَتانِ أنَّ مَن هُما لَهُ غالَبَ كُلُّ مَن حادَّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقْنا السَماواتِ﴾ الآيَةُ مَوْعِظَةٌ وزَجْرٌ، أيْ: فاشْهَدُوا أيُّها الناسُ وانْظُرُوا ما يُرادُ بِكم ولِمَ خُلِقْتُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ "إلا بِالحَقِّ"﴾ مَعْناهُ: غَلا بِالواجِبِ الحَسَنِ الَّذِي قَدْ حَقَّ أنْ يَكُونَ، وبِـ"أجَلٍ مُسَمًّى": وقَّتْناهُ وجَعَلْناهُ مَوْعِدًا لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ، وذَلِكَ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: عَنِ الإنْذارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والتَقْدِيرُ: عن ذِكْرِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ والتَحَفُّظُ مِنهُ، أو نَحْوُ هَذا.
(p-٦٠٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ يَحْتَمِلُ "أرَأيْتُمْ" وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، و"ما" مُفَعْوِلَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونُ "ما" اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ. و﴿ "تَدْعُونَ"﴾ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ، قالَ الفَرّاءُ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مَن تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنَ الأرْضِ": "مِن": لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ كُلَّ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن حَيَوانٍ ونَحْوِهِ فَهو مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ وقَّفَهم عَلى السَماواتِ، هَلْ لَهم فِيها شِرْكٌ؟ ثُمَّ اسْتَدْعى تَعالى مِنهم كِتابًا مُنَزَّلًا قَبْلَ القُرْآنِ يَتَضَمَّنُ عِبادَةَ صَنَمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ مَعْناهُ: أو بَقِيَّةٌ قَدِيمَةٌ مِن عِلْمِ أحَدِ العُلَماءِ يَقْتَضِي عِبادَةَ الأصْنامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أو أثارَةٍ"﴾ عَلى المَصْدَرِ، كالشَجاعَةِ والسَماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَيْءِ كَأنَّها أثَرُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ تَسْتَخْرِجُونَهُ فَتُثِيرُونَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ، وقالَ القُرَظِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الأعْشى:
؎ إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والآثِرِ
أيْ: ولِلْمُسْنَدِ عن غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَما خَلَّفْتَ بِها ذاكِرًا ولا آثِرًا"، وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: وخاصَّةً مِن عِلْمٍ، فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، كَأنَّها قَدْ آثَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِها مَن هي عِنْدَهُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ بِ "الأثارَةِ": الخَطُّ في التُرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ، وهَذا مِنَ البَقِيَّةِ والأثَرِ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عن ذَلِكَ، فَقالَ: "كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّهُ، فَمَن وافَقَ خَطَّهُ فَذاكَ"»، وظاهِرُ الحَدِيثِ يُقَوِّي (p-٦١٠)أمْرَ الخَطِّ في التُرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَهُ وجْهٌ إذا وُفِّقَ أحَدٌ إلَيْهِ، وهَكَذا تَأوَّلَهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: أنَّهُ كانَ مِن فِعْلِ نَبِيٍّ قَدْ ذَهَبَ، وذَهَبَ الوَحْيُ إلَيْهِ والإلْهامُ في ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: « "فَمَن وافَقَ خَطَّهُ"» عَلى جِهَةِ الإبْعادِ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ مُيَسِّرٍ لِذَلِكَ، وهَذا كَما يَسْألُكَ أحَدٌ فَيَقُولُ: أيَطِيرُ الإنْسانُ؟ فَتَقُولُ: إنَّما يَطِيرُ الطائِرُ، فَمَن كانَ لَهُ مِنَ الناسِ جَناحانِ طارَ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ.
والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَرَفِ، فَيُقالُ: إنْ لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قِدَمِهِ، وتُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِ الراعِي:
؎ وذاتِ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْهِ ∗∗∗ ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ فَفارا
يُرِيدُ: الأثارَةُ مِنَ الشَحْمِ، أيِ: البَقِيَّةُ.
وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ -فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "أو أثَرَةً" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثاءِ والراءِ دُونَ ألِفٍ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، والأعْمَشِ، وهي واحِدَةٌ جَمْعُها أثَرٍ كَقَتَرَةٍ وقَتَرٍ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّ عِكْرِمَةَ قَرَأ: "أو مِيراثٍ مِن عِلْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والسِلْمِيُّ -فِيما حَكى أبُو الفَتْحِ-: "أثْرَةً" بِسُكُونِ الثاءِ، وهي الفِعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ: قَدْ قَنَعْتُ لَكم بِحُجَّةٍ واحِدَةٍ وتَخَيُّرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكُمْ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّ (p-٦١١)الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثاءِ، وهَذِهِ كُلُّها بِمَعْنى: هَلْ عِنْدَكم شَيْءٌ خَصَّكُمُ اللهُ بِهِ مَن عِلْمٍ وآثَرَكم بِهِ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أضَلُّ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ، أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِمَّنْ هَذِهِ صِبْغَتُهُ، وجاءَتِ الكِناياتُ في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ الأصْنامِ كَما تَجِيءُ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ قَدْ أنْزَلُوها مَنزِلَةَ الآلِهَةِ وبِالمَحَلِّ الَّذِي دَوَّنَهُ البَشَرُ، فَخُوطِبُوا عَلى نَحْوِ مُعْتَقَدِهِمْ فِيها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "ما لا يَسْتَجِيبُ"، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَهم عن دُعائِهِمْ﴾ هو لِلْأصْنامِ في قَوْلِ جَماعَةٍ، ووَصَفَ الأصْنامَ بِالغَفْلَةِ مِن حَيْثُ عامَلَهم مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم عن دُعائِهِمْ﴾ وفي ﴿ "غافِلُونَ"﴾ لِلْكُفّارِ، أيْ: ضَلالُهم بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ فَلا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا لَهم أعْداءً﴾ وصْفٌ لِما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ الكُفّارِ وأصْنامِهِمْ مِنَ التَبَرِّي والمُناكَرَةِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣].
الأحقاف 46:4
(p-٦٠٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْقافِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، لَمْ يَخْتَلِفْ فِيها إلّا في آيَتَيْنِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الآيَةُ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هاتانِ آيَتانِ مَدَنِيَّتانِ وُضِعَتا في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِن الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مِن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عن دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وَإذا حُشِرَ الناسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ، و﴿ "تَنْزِيلُ":﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، أو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٌ، و﴿ "الكِتابِ":﴾ القُرْآنُ، و"العِزَّةُ" و"الإحْكامُ": صِفَتانِ مُقْتَضِيَتانِ أنَّ مَن هُما لَهُ غالَبَ كُلُّ مَن حادَّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقْنا السَماواتِ﴾ الآيَةُ مَوْعِظَةٌ وزَجْرٌ، أيْ: فاشْهَدُوا أيُّها الناسُ وانْظُرُوا ما يُرادُ بِكم ولِمَ خُلِقْتُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ "إلا بِالحَقِّ"﴾ مَعْناهُ: غَلا بِالواجِبِ الحَسَنِ الَّذِي قَدْ حَقَّ أنْ يَكُونَ، وبِـ"أجَلٍ مُسَمًّى": وقَّتْناهُ وجَعَلْناهُ مَوْعِدًا لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ، وذَلِكَ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: عَنِ الإنْذارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والتَقْدِيرُ: عن ذِكْرِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ والتَحَفُّظُ مِنهُ، أو نَحْوُ هَذا.
(p-٦٠٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ يَحْتَمِلُ "أرَأيْتُمْ" وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، و"ما" مُفَعْوِلَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونُ "ما" اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ. و﴿ "تَدْعُونَ"﴾ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ، قالَ الفَرّاءُ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مَن تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنَ الأرْضِ": "مِن": لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ كُلَّ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن حَيَوانٍ ونَحْوِهِ فَهو مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ وقَّفَهم عَلى السَماواتِ، هَلْ لَهم فِيها شِرْكٌ؟ ثُمَّ اسْتَدْعى تَعالى مِنهم كِتابًا مُنَزَّلًا قَبْلَ القُرْآنِ يَتَضَمَّنُ عِبادَةَ صَنَمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ مَعْناهُ: أو بَقِيَّةٌ قَدِيمَةٌ مِن عِلْمِ أحَدِ العُلَماءِ يَقْتَضِي عِبادَةَ الأصْنامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أو أثارَةٍ"﴾ عَلى المَصْدَرِ، كالشَجاعَةِ والسَماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَيْءِ كَأنَّها أثَرُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ تَسْتَخْرِجُونَهُ فَتُثِيرُونَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ، وقالَ القُرَظِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الأعْشى:
؎ إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والآثِرِ
أيْ: ولِلْمُسْنَدِ عن غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَما خَلَّفْتَ بِها ذاكِرًا ولا آثِرًا"، وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: وخاصَّةً مِن عِلْمٍ، فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، كَأنَّها قَدْ آثَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِها مَن هي عِنْدَهُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ بِ "الأثارَةِ": الخَطُّ في التُرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ، وهَذا مِنَ البَقِيَّةِ والأثَرِ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عن ذَلِكَ، فَقالَ: "كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّهُ، فَمَن وافَقَ خَطَّهُ فَذاكَ"»، وظاهِرُ الحَدِيثِ يُقَوِّي (p-٦١٠)أمْرَ الخَطِّ في التُرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَهُ وجْهٌ إذا وُفِّقَ أحَدٌ إلَيْهِ، وهَكَذا تَأوَّلَهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: أنَّهُ كانَ مِن فِعْلِ نَبِيٍّ قَدْ ذَهَبَ، وذَهَبَ الوَحْيُ إلَيْهِ والإلْهامُ في ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: « "فَمَن وافَقَ خَطَّهُ"» عَلى جِهَةِ الإبْعادِ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ مُيَسِّرٍ لِذَلِكَ، وهَذا كَما يَسْألُكَ أحَدٌ فَيَقُولُ: أيَطِيرُ الإنْسانُ؟ فَتَقُولُ: إنَّما يَطِيرُ الطائِرُ، فَمَن كانَ لَهُ مِنَ الناسِ جَناحانِ طارَ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ.
والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَرَفِ، فَيُقالُ: إنْ لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قِدَمِهِ، وتُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِ الراعِي:
؎ وذاتِ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْهِ ∗∗∗ ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ فَفارا
يُرِيدُ: الأثارَةُ مِنَ الشَحْمِ، أيِ: البَقِيَّةُ.
وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ -فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "أو أثَرَةً" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثاءِ والراءِ دُونَ ألِفٍ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، والأعْمَشِ، وهي واحِدَةٌ جَمْعُها أثَرٍ كَقَتَرَةٍ وقَتَرٍ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّ عِكْرِمَةَ قَرَأ: "أو مِيراثٍ مِن عِلْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والسِلْمِيُّ -فِيما حَكى أبُو الفَتْحِ-: "أثْرَةً" بِسُكُونِ الثاءِ، وهي الفِعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ: قَدْ قَنَعْتُ لَكم بِحُجَّةٍ واحِدَةٍ وتَخَيُّرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكُمْ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّ (p-٦١١)الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثاءِ، وهَذِهِ كُلُّها بِمَعْنى: هَلْ عِنْدَكم شَيْءٌ خَصَّكُمُ اللهُ بِهِ مَن عِلْمٍ وآثَرَكم بِهِ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أضَلُّ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ، أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِمَّنْ هَذِهِ صِبْغَتُهُ، وجاءَتِ الكِناياتُ في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ الأصْنامِ كَما تَجِيءُ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ قَدْ أنْزَلُوها مَنزِلَةَ الآلِهَةِ وبِالمَحَلِّ الَّذِي دَوَّنَهُ البَشَرُ، فَخُوطِبُوا عَلى نَحْوِ مُعْتَقَدِهِمْ فِيها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "ما لا يَسْتَجِيبُ"، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَهم عن دُعائِهِمْ﴾ هو لِلْأصْنامِ في قَوْلِ جَماعَةٍ، ووَصَفَ الأصْنامَ بِالغَفْلَةِ مِن حَيْثُ عامَلَهم مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم عن دُعائِهِمْ﴾ وفي ﴿ "غافِلُونَ"﴾ لِلْكُفّارِ، أيْ: ضَلالُهم بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ فَلا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا لَهم أعْداءً﴾ وصْفٌ لِما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ الكُفّارِ وأصْنامِهِمْ مِنَ التَبَرِّي والمُناكَرَةِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣].
الأحقاف 46:5
(p-٦٠٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْقافِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، لَمْ يَخْتَلِفْ فِيها إلّا في آيَتَيْنِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الآيَةُ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هاتانِ آيَتانِ مَدَنِيَّتانِ وُضِعَتا في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِن الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مِن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عن دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وَإذا حُشِرَ الناسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ، و﴿ "تَنْزِيلُ":﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، أو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٌ، و﴿ "الكِتابِ":﴾ القُرْآنُ، و"العِزَّةُ" و"الإحْكامُ": صِفَتانِ مُقْتَضِيَتانِ أنَّ مَن هُما لَهُ غالَبَ كُلُّ مَن حادَّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقْنا السَماواتِ﴾ الآيَةُ مَوْعِظَةٌ وزَجْرٌ، أيْ: فاشْهَدُوا أيُّها الناسُ وانْظُرُوا ما يُرادُ بِكم ولِمَ خُلِقْتُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ "إلا بِالحَقِّ"﴾ مَعْناهُ: غَلا بِالواجِبِ الحَسَنِ الَّذِي قَدْ حَقَّ أنْ يَكُونَ، وبِـ"أجَلٍ مُسَمًّى": وقَّتْناهُ وجَعَلْناهُ مَوْعِدًا لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ، وذَلِكَ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: عَنِ الإنْذارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والتَقْدِيرُ: عن ذِكْرِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ والتَحَفُّظُ مِنهُ، أو نَحْوُ هَذا.
(p-٦٠٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ يَحْتَمِلُ "أرَأيْتُمْ" وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، و"ما" مُفَعْوِلَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونُ "ما" اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ. و﴿ "تَدْعُونَ"﴾ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ، قالَ الفَرّاءُ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مَن تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنَ الأرْضِ": "مِن": لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ كُلَّ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن حَيَوانٍ ونَحْوِهِ فَهو مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ وقَّفَهم عَلى السَماواتِ، هَلْ لَهم فِيها شِرْكٌ؟ ثُمَّ اسْتَدْعى تَعالى مِنهم كِتابًا مُنَزَّلًا قَبْلَ القُرْآنِ يَتَضَمَّنُ عِبادَةَ صَنَمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ مَعْناهُ: أو بَقِيَّةٌ قَدِيمَةٌ مِن عِلْمِ أحَدِ العُلَماءِ يَقْتَضِي عِبادَةَ الأصْنامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أو أثارَةٍ"﴾ عَلى المَصْدَرِ، كالشَجاعَةِ والسَماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَيْءِ كَأنَّها أثَرُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ تَسْتَخْرِجُونَهُ فَتُثِيرُونَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ، وقالَ القُرَظِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الأعْشى:
؎ إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والآثِرِ
أيْ: ولِلْمُسْنَدِ عن غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَما خَلَّفْتَ بِها ذاكِرًا ولا آثِرًا"، وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: وخاصَّةً مِن عِلْمٍ، فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، كَأنَّها قَدْ آثَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِها مَن هي عِنْدَهُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ بِ "الأثارَةِ": الخَطُّ في التُرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ، وهَذا مِنَ البَقِيَّةِ والأثَرِ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عن ذَلِكَ، فَقالَ: "كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّهُ، فَمَن وافَقَ خَطَّهُ فَذاكَ"»، وظاهِرُ الحَدِيثِ يُقَوِّي (p-٦١٠)أمْرَ الخَطِّ في التُرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَهُ وجْهٌ إذا وُفِّقَ أحَدٌ إلَيْهِ، وهَكَذا تَأوَّلَهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: أنَّهُ كانَ مِن فِعْلِ نَبِيٍّ قَدْ ذَهَبَ، وذَهَبَ الوَحْيُ إلَيْهِ والإلْهامُ في ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: « "فَمَن وافَقَ خَطَّهُ"» عَلى جِهَةِ الإبْعادِ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ مُيَسِّرٍ لِذَلِكَ، وهَذا كَما يَسْألُكَ أحَدٌ فَيَقُولُ: أيَطِيرُ الإنْسانُ؟ فَتَقُولُ: إنَّما يَطِيرُ الطائِرُ، فَمَن كانَ لَهُ مِنَ الناسِ جَناحانِ طارَ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ.
والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَرَفِ، فَيُقالُ: إنْ لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قِدَمِهِ، وتُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِ الراعِي:
؎ وذاتِ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْهِ ∗∗∗ ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ فَفارا
يُرِيدُ: الأثارَةُ مِنَ الشَحْمِ، أيِ: البَقِيَّةُ.
وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ -فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "أو أثَرَةً" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثاءِ والراءِ دُونَ ألِفٍ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، والأعْمَشِ، وهي واحِدَةٌ جَمْعُها أثَرٍ كَقَتَرَةٍ وقَتَرٍ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّ عِكْرِمَةَ قَرَأ: "أو مِيراثٍ مِن عِلْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والسِلْمِيُّ -فِيما حَكى أبُو الفَتْحِ-: "أثْرَةً" بِسُكُونِ الثاءِ، وهي الفِعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ: قَدْ قَنَعْتُ لَكم بِحُجَّةٍ واحِدَةٍ وتَخَيُّرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكُمْ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّ (p-٦١١)الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثاءِ، وهَذِهِ كُلُّها بِمَعْنى: هَلْ عِنْدَكم شَيْءٌ خَصَّكُمُ اللهُ بِهِ مَن عِلْمٍ وآثَرَكم بِهِ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أضَلُّ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ، أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِمَّنْ هَذِهِ صِبْغَتُهُ، وجاءَتِ الكِناياتُ في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ الأصْنامِ كَما تَجِيءُ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ قَدْ أنْزَلُوها مَنزِلَةَ الآلِهَةِ وبِالمَحَلِّ الَّذِي دَوَّنَهُ البَشَرُ، فَخُوطِبُوا عَلى نَحْوِ مُعْتَقَدِهِمْ فِيها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "ما لا يَسْتَجِيبُ"، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَهم عن دُعائِهِمْ﴾ هو لِلْأصْنامِ في قَوْلِ جَماعَةٍ، ووَصَفَ الأصْنامَ بِالغَفْلَةِ مِن حَيْثُ عامَلَهم مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم عن دُعائِهِمْ﴾ وفي ﴿ "غافِلُونَ"﴾ لِلْكُفّارِ، أيْ: ضَلالُهم بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ فَلا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا لَهم أعْداءً﴾ وصْفٌ لِما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ الكُفّارِ وأصْنامِهِمْ مِنَ التَبَرِّي والمُناكَرَةِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣].
الأحقاف 46:6
(p-٦٠٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْقافِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، لَمْ يَخْتَلِفْ فِيها إلّا في آيَتَيْنِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الآيَةُ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هاتانِ آيَتانِ مَدَنِيَّتانِ وُضِعَتا في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِن الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مِن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عن دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وَإذا حُشِرَ الناسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ، و﴿ "تَنْزِيلُ":﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، أو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٌ، و﴿ "الكِتابِ":﴾ القُرْآنُ، و"العِزَّةُ" و"الإحْكامُ": صِفَتانِ مُقْتَضِيَتانِ أنَّ مَن هُما لَهُ غالَبَ كُلُّ مَن حادَّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقْنا السَماواتِ﴾ الآيَةُ مَوْعِظَةٌ وزَجْرٌ، أيْ: فاشْهَدُوا أيُّها الناسُ وانْظُرُوا ما يُرادُ بِكم ولِمَ خُلِقْتُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ "إلا بِالحَقِّ"﴾ مَعْناهُ: غَلا بِالواجِبِ الحَسَنِ الَّذِي قَدْ حَقَّ أنْ يَكُونَ، وبِـ"أجَلٍ مُسَمًّى": وقَّتْناهُ وجَعَلْناهُ مَوْعِدًا لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ، وذَلِكَ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: عَنِ الإنْذارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والتَقْدِيرُ: عن ذِكْرِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ والتَحَفُّظُ مِنهُ، أو نَحْوُ هَذا.
(p-٦٠٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ يَحْتَمِلُ "أرَأيْتُمْ" وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، و"ما" مُفَعْوِلَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونُ "ما" اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ. و﴿ "تَدْعُونَ"﴾ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ، قالَ الفَرّاءُ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مَن تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنَ الأرْضِ": "مِن": لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ كُلَّ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن حَيَوانٍ ونَحْوِهِ فَهو مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ وقَّفَهم عَلى السَماواتِ، هَلْ لَهم فِيها شِرْكٌ؟ ثُمَّ اسْتَدْعى تَعالى مِنهم كِتابًا مُنَزَّلًا قَبْلَ القُرْآنِ يَتَضَمَّنُ عِبادَةَ صَنَمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ مَعْناهُ: أو بَقِيَّةٌ قَدِيمَةٌ مِن عِلْمِ أحَدِ العُلَماءِ يَقْتَضِي عِبادَةَ الأصْنامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أو أثارَةٍ"﴾ عَلى المَصْدَرِ، كالشَجاعَةِ والسَماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَيْءِ كَأنَّها أثَرُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ تَسْتَخْرِجُونَهُ فَتُثِيرُونَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ، وقالَ القُرَظِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الأعْشى:
؎ إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والآثِرِ
أيْ: ولِلْمُسْنَدِ عن غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَما خَلَّفْتَ بِها ذاكِرًا ولا آثِرًا"، وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: وخاصَّةً مِن عِلْمٍ، فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، كَأنَّها قَدْ آثَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِها مَن هي عِنْدَهُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ بِ "الأثارَةِ": الخَطُّ في التُرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ، وهَذا مِنَ البَقِيَّةِ والأثَرِ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عن ذَلِكَ، فَقالَ: "كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّهُ، فَمَن وافَقَ خَطَّهُ فَذاكَ"»، وظاهِرُ الحَدِيثِ يُقَوِّي (p-٦١٠)أمْرَ الخَطِّ في التُرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَهُ وجْهٌ إذا وُفِّقَ أحَدٌ إلَيْهِ، وهَكَذا تَأوَّلَهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: أنَّهُ كانَ مِن فِعْلِ نَبِيٍّ قَدْ ذَهَبَ، وذَهَبَ الوَحْيُ إلَيْهِ والإلْهامُ في ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: « "فَمَن وافَقَ خَطَّهُ"» عَلى جِهَةِ الإبْعادِ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ مُيَسِّرٍ لِذَلِكَ، وهَذا كَما يَسْألُكَ أحَدٌ فَيَقُولُ: أيَطِيرُ الإنْسانُ؟ فَتَقُولُ: إنَّما يَطِيرُ الطائِرُ، فَمَن كانَ لَهُ مِنَ الناسِ جَناحانِ طارَ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ.
والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَرَفِ، فَيُقالُ: إنْ لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قِدَمِهِ، وتُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِ الراعِي:
؎ وذاتِ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْهِ ∗∗∗ ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ فَفارا
يُرِيدُ: الأثارَةُ مِنَ الشَحْمِ، أيِ: البَقِيَّةُ.
وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ -فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "أو أثَرَةً" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثاءِ والراءِ دُونَ ألِفٍ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، والأعْمَشِ، وهي واحِدَةٌ جَمْعُها أثَرٍ كَقَتَرَةٍ وقَتَرٍ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّ عِكْرِمَةَ قَرَأ: "أو مِيراثٍ مِن عِلْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والسِلْمِيُّ -فِيما حَكى أبُو الفَتْحِ-: "أثْرَةً" بِسُكُونِ الثاءِ، وهي الفِعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ: قَدْ قَنَعْتُ لَكم بِحُجَّةٍ واحِدَةٍ وتَخَيُّرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكُمْ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّ (p-٦١١)الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثاءِ، وهَذِهِ كُلُّها بِمَعْنى: هَلْ عِنْدَكم شَيْءٌ خَصَّكُمُ اللهُ بِهِ مَن عِلْمٍ وآثَرَكم بِهِ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أضَلُّ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ، أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِمَّنْ هَذِهِ صِبْغَتُهُ، وجاءَتِ الكِناياتُ في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ الأصْنامِ كَما تَجِيءُ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ قَدْ أنْزَلُوها مَنزِلَةَ الآلِهَةِ وبِالمَحَلِّ الَّذِي دَوَّنَهُ البَشَرُ، فَخُوطِبُوا عَلى نَحْوِ مُعْتَقَدِهِمْ فِيها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "ما لا يَسْتَجِيبُ"، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَهم عن دُعائِهِمْ﴾ هو لِلْأصْنامِ في قَوْلِ جَماعَةٍ، ووَصَفَ الأصْنامَ بِالغَفْلَةِ مِن حَيْثُ عامَلَهم مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم عن دُعائِهِمْ﴾ وفي ﴿ "غافِلُونَ"﴾ لِلْكُفّارِ، أيْ: ضَلالُهم بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ فَلا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا لَهم أعْداءً﴾ وصْفٌ لِما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ الكُفّارِ وأصْنامِهِمْ مِنَ التَبَرِّي والمُناكَرَةِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣].
الأحقاف 46:7
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
الآياتُ المَذْكُورَةُ هي آياتُ القُرْآنِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "تُتْلى"﴾ وقَوْلُ الكُفّارِ: ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ عَنِ القُرْآنِ مِن حَيْثُ قالُوا: هو يُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ ووَلَدِهِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجِهِ، إلى نَحْوِ هَذا مِمّا يُوجَدُ مِثْلُهُ لِلسِّحْرِ بِالوَجْهِ الآخَرِ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾: "أمْ" مَقْطُوعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِـ "بَلْ وهَمْزَةُ (p-٦١٢)الِاسْتِفْهامِ"، و﴿ "افْتَراهُ"﴾ مَعْناهُ: اشْتَقَّهُ واخْتَلَقَهُ، فَأمَرَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يَقُولَ: إنِ افْتَرَيْتُهُ فاللهُ حَسْبِي في ذَلِكَ، وهو كانَ يُعاقِبُنِي ولا يُمْهِلُنِي، ثُمَّ رَجَعَ القَوْلُ إلى الِاسْتِفْهامِ إلى اللهِ تَعالى والِاسْتِنْصارُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وانْتِظارُ ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُهُ بِما يُفِيضُونَ فِيهِ مِنَ الباطِلِ ومُرادَّةُ الحَقِّ، وذَلِكَ يَقْتَضِي مُعاقَبَتَهُمْ، فَفي اللَفْظَةِ تَهْدِيدٌ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ، ويُحْتَمَلَ العَوْدَةُ عَلى "ما"، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، و"بِهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و"أفاضَ الرَجُلُ في الحَدِيثِ ونَحْوِهِ" إذا خاضَ فِيهِ واسْتَمَرَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾ تَرْجِيَةٌ واسْتِدْعاءٌ إلى التَوْبَةِ، لِأنَّهُ في خِلالِ تَهْدِيدِهِ إيّاهم بِاللهِ تَعالى جاءَتْ هاتانِ الصِفَتانِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُسُلِ، أيْ: قَدْ جاءَ غَيْرِي قَبْلِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، و"البِدَعُ" و"البَدِيعُ" مِنَ الأشْياءِ: ما لَمْ يَرَ مِثْلَهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎ فَما أنا بِدَعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي ∗∗∗ رِجالًا عَرَّتْ مِن بَعْدِ بُؤْسِي وأسْعُدِ
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ: "بِدَعًا" بِفَتْحِ الدالِّ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: "ذا بِدَعٍ" فَحَذَفَ المُضافَ، كَما قالَ:
؎ وكَيْفَ تُواصِلُ مَن أصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ خِلالَتُهُ كَأبِي مُرَحِّبٍ؟
(p-٦١٣)واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ والحَسَنُ: مَعْناهُ: في الآخِرَةِ، وكانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَرَّفَهُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وبِأنَّ المُؤْمِنِينَ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ وهو الجَنَّةُ، وبِأنَّ الكافِرِينَ في نارِ جَهَنَّمَ، والحَدِيثُ الَّذِي وقَعَ في جِنازَةِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، « "فَواللهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللهِ ما يَفْعَلُ بِي"»، وفي بَعْضِ الرِواياتِ "بِهِ"، ولا حُجَّةَ لَنا في الحَدِيثِ عَلى رِوايَةِ "بِهِ"، والمَعْنى عِنْدِي في هَذا القَوْلِ أنَّهُ لَمْ تُكْشَفْ لَهُ الخاتِمَةُ، فَقالَ: لا أدْرِي؟ وأمّا مَن وافى عَلى الإيمانِ، فَقَدْ أُعْلِمَ بِنَجاتِهِ مَن أوَّلِ الرِسالَةِ، وإلّا فَكانَ لِلْكُفّارِ أنْ يَقُولُوا: وكَيْفَ تَدْعُونا إلى ما لا تَدْرِي لَهُ عاقِبَةٌ؟ وقالَ الحَسَنُ أيْضًا وجَماعَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم في الدُنْيا مِن أنْ أُنْصَرَ عَلَيْكم أو مِن أنْ تُمَكَّنُوا مِنِّي، ونَحْوُ هَذا مِنَ المَعْنى. (p-٦١٤)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي وما تُلْزِمُنا الشَرِيعَةُ مِن أعْراضِها. وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في أمْرٍ كانَ النَبِيُّ ﷺ يَنْتَظِرُهُ مِنَ اللهِ تَعالى في غَيْرِ الثَوابِ والعِقابِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ «لَمّا تَأخَّرَ خُرُوجُ النَبِيِّ ﷺ مِن مَكَّةَ حِينَ رَأى في النَوْمِ أنَّهُ مُهاجِرٌ إلى أرْضٍ ذاتِ نَخْلٍ وسَبْخَةٍ، قَلِقَ المُسْلِمُونَ لِتَأخُّرِ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.»
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ مَعْناهُ: الِاسْتِسْلامُ والتَبَرِّي مِن عِلْمِ المُغَيَّباتِ والوُقُوفِ مَعَ النِذارَةِ مِن عَذابِ اللهِ تَعالى.
الأحقاف 46:8
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
الآياتُ المَذْكُورَةُ هي آياتُ القُرْآنِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "تُتْلى"﴾ وقَوْلُ الكُفّارِ: ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ عَنِ القُرْآنِ مِن حَيْثُ قالُوا: هو يُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ ووَلَدِهِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجِهِ، إلى نَحْوِ هَذا مِمّا يُوجَدُ مِثْلُهُ لِلسِّحْرِ بِالوَجْهِ الآخَرِ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾: "أمْ" مَقْطُوعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِـ "بَلْ وهَمْزَةُ (p-٦١٢)الِاسْتِفْهامِ"، و﴿ "افْتَراهُ"﴾ مَعْناهُ: اشْتَقَّهُ واخْتَلَقَهُ، فَأمَرَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يَقُولَ: إنِ افْتَرَيْتُهُ فاللهُ حَسْبِي في ذَلِكَ، وهو كانَ يُعاقِبُنِي ولا يُمْهِلُنِي، ثُمَّ رَجَعَ القَوْلُ إلى الِاسْتِفْهامِ إلى اللهِ تَعالى والِاسْتِنْصارُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وانْتِظارُ ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُهُ بِما يُفِيضُونَ فِيهِ مِنَ الباطِلِ ومُرادَّةُ الحَقِّ، وذَلِكَ يَقْتَضِي مُعاقَبَتَهُمْ، فَفي اللَفْظَةِ تَهْدِيدٌ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ، ويُحْتَمَلَ العَوْدَةُ عَلى "ما"، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، و"بِهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و"أفاضَ الرَجُلُ في الحَدِيثِ ونَحْوِهِ" إذا خاضَ فِيهِ واسْتَمَرَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾ تَرْجِيَةٌ واسْتِدْعاءٌ إلى التَوْبَةِ، لِأنَّهُ في خِلالِ تَهْدِيدِهِ إيّاهم بِاللهِ تَعالى جاءَتْ هاتانِ الصِفَتانِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُسُلِ، أيْ: قَدْ جاءَ غَيْرِي قَبْلِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، و"البِدَعُ" و"البَدِيعُ" مِنَ الأشْياءِ: ما لَمْ يَرَ مِثْلَهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎ فَما أنا بِدَعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي ∗∗∗ رِجالًا عَرَّتْ مِن بَعْدِ بُؤْسِي وأسْعُدِ
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ: "بِدَعًا" بِفَتْحِ الدالِّ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: "ذا بِدَعٍ" فَحَذَفَ المُضافَ، كَما قالَ:
؎ وكَيْفَ تُواصِلُ مَن أصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ خِلالَتُهُ كَأبِي مُرَحِّبٍ؟
(p-٦١٣)واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ والحَسَنُ: مَعْناهُ: في الآخِرَةِ، وكانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَرَّفَهُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وبِأنَّ المُؤْمِنِينَ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ وهو الجَنَّةُ، وبِأنَّ الكافِرِينَ في نارِ جَهَنَّمَ، والحَدِيثُ الَّذِي وقَعَ في جِنازَةِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، « "فَواللهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللهِ ما يَفْعَلُ بِي"»، وفي بَعْضِ الرِواياتِ "بِهِ"، ولا حُجَّةَ لَنا في الحَدِيثِ عَلى رِوايَةِ "بِهِ"، والمَعْنى عِنْدِي في هَذا القَوْلِ أنَّهُ لَمْ تُكْشَفْ لَهُ الخاتِمَةُ، فَقالَ: لا أدْرِي؟ وأمّا مَن وافى عَلى الإيمانِ، فَقَدْ أُعْلِمَ بِنَجاتِهِ مَن أوَّلِ الرِسالَةِ، وإلّا فَكانَ لِلْكُفّارِ أنْ يَقُولُوا: وكَيْفَ تَدْعُونا إلى ما لا تَدْرِي لَهُ عاقِبَةٌ؟ وقالَ الحَسَنُ أيْضًا وجَماعَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم في الدُنْيا مِن أنْ أُنْصَرَ عَلَيْكم أو مِن أنْ تُمَكَّنُوا مِنِّي، ونَحْوُ هَذا مِنَ المَعْنى. (p-٦١٤)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي وما تُلْزِمُنا الشَرِيعَةُ مِن أعْراضِها. وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في أمْرٍ كانَ النَبِيُّ ﷺ يَنْتَظِرُهُ مِنَ اللهِ تَعالى في غَيْرِ الثَوابِ والعِقابِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ «لَمّا تَأخَّرَ خُرُوجُ النَبِيِّ ﷺ مِن مَكَّةَ حِينَ رَأى في النَوْمِ أنَّهُ مُهاجِرٌ إلى أرْضٍ ذاتِ نَخْلٍ وسَبْخَةٍ، قَلِقَ المُسْلِمُونَ لِتَأخُّرِ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.»
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ مَعْناهُ: الِاسْتِسْلامُ والتَبَرِّي مِن عِلْمِ المُغَيَّباتِ والوُقُوفِ مَعَ النِذارَةِ مِن عَذابِ اللهِ تَعالى.
الأحقاف 46:9
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وهو الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
الآياتُ المَذْكُورَةُ هي آياتُ القُرْآنِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "تُتْلى"﴾ وقَوْلُ الكُفّارِ: ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ عَنِ القُرْآنِ مِن حَيْثُ قالُوا: هو يُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ ووَلَدِهِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجِهِ، إلى نَحْوِ هَذا مِمّا يُوجَدُ مِثْلُهُ لِلسِّحْرِ بِالوَجْهِ الآخَرِ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾: "أمْ" مَقْطُوعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِـ "بَلْ وهَمْزَةُ (p-٦١٢)الِاسْتِفْهامِ"، و﴿ "افْتَراهُ"﴾ مَعْناهُ: اشْتَقَّهُ واخْتَلَقَهُ، فَأمَرَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يَقُولَ: إنِ افْتَرَيْتُهُ فاللهُ حَسْبِي في ذَلِكَ، وهو كانَ يُعاقِبُنِي ولا يُمْهِلُنِي، ثُمَّ رَجَعَ القَوْلُ إلى الِاسْتِفْهامِ إلى اللهِ تَعالى والِاسْتِنْصارُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وانْتِظارُ ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُهُ بِما يُفِيضُونَ فِيهِ مِنَ الباطِلِ ومُرادَّةُ الحَقِّ، وذَلِكَ يَقْتَضِي مُعاقَبَتَهُمْ، فَفي اللَفْظَةِ تَهْدِيدٌ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ، ويُحْتَمَلَ العَوْدَةُ عَلى "ما"، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، و"بِهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و"أفاضَ الرَجُلُ في الحَدِيثِ ونَحْوِهِ" إذا خاضَ فِيهِ واسْتَمَرَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾ تَرْجِيَةٌ واسْتِدْعاءٌ إلى التَوْبَةِ، لِأنَّهُ في خِلالِ تَهْدِيدِهِ إيّاهم بِاللهِ تَعالى جاءَتْ هاتانِ الصِفَتانِ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُسُلِ، أيْ: قَدْ جاءَ غَيْرِي قَبْلِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، و"البِدَعُ" و"البَدِيعُ" مِنَ الأشْياءِ: ما لَمْ يَرَ مِثْلَهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎ فَما أنا بِدَعٌ مِن حَوادِثَ تَعْتَرِي ∗∗∗ رِجالًا عَرَّتْ مِن بَعْدِ بُؤْسِي وأسْعُدِ
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ: "بِدَعًا" بِفَتْحِ الدالِّ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: "ذا بِدَعٍ" فَحَذَفَ المُضافَ، كَما قالَ:
؎ وكَيْفَ تُواصِلُ مَن أصْبَحَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ خِلالَتُهُ كَأبِي مُرَحِّبٍ؟
(p-٦١٣)واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ والحَسَنُ: مَعْناهُ: في الآخِرَةِ، وكانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَرَّفَهُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وبِأنَّ المُؤْمِنِينَ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ وهو الجَنَّةُ، وبِأنَّ الكافِرِينَ في نارِ جَهَنَّمَ، والحَدِيثُ الَّذِي وقَعَ في جِنازَةِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، « "فَواللهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللهِ ما يَفْعَلُ بِي"»، وفي بَعْضِ الرِواياتِ "بِهِ"، ولا حُجَّةَ لَنا في الحَدِيثِ عَلى رِوايَةِ "بِهِ"، والمَعْنى عِنْدِي في هَذا القَوْلِ أنَّهُ لَمْ تُكْشَفْ لَهُ الخاتِمَةُ، فَقالَ: لا أدْرِي؟ وأمّا مَن وافى عَلى الإيمانِ، فَقَدْ أُعْلِمَ بِنَجاتِهِ مَن أوَّلِ الرِسالَةِ، وإلّا فَكانَ لِلْكُفّارِ أنْ يَقُولُوا: وكَيْفَ تَدْعُونا إلى ما لا تَدْرِي لَهُ عاقِبَةٌ؟ وقالَ الحَسَنُ أيْضًا وجَماعَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم في الدُنْيا مِن أنْ أُنْصَرَ عَلَيْكم أو مِن أنْ تُمَكَّنُوا مِنِّي، ونَحْوُ هَذا مِنَ المَعْنى. (p-٦١٤)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم مِنَ الأوامِرِ والنَواهِي وما تُلْزِمُنا الشَرِيعَةُ مِن أعْراضِها. وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في أمْرٍ كانَ النَبِيُّ ﷺ يَنْتَظِرُهُ مِنَ اللهِ تَعالى في غَيْرِ الثَوابِ والعِقابِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ «لَمّا تَأخَّرَ خُرُوجُ النَبِيِّ ﷺ مِن مَكَّةَ حِينَ رَأى في النَوْمِ أنَّهُ مُهاجِرٌ إلى أرْضٍ ذاتِ نَخْلٍ وسَبْخَةٍ، قَلِقَ المُسْلِمُونَ لِتَأخُّرِ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.»
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ مَعْناهُ: الِاسْتِسْلامُ والتَبَرِّي مِن عِلْمِ المُغَيَّباتِ والوُقُوفِ مَعَ النِذارَةِ مِن عَذابِ اللهِ تَعالى.
الأحقاف 46:10
قوله عزّ وجلّ:
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنْ اللهِ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾
هَذِهِ آيَةُ تَوْقِيفٍ عَلى الخَطَرِ العَظِيمِ الَّذِي هم بِسَبِيلِهِ في أنْ يُكَذِّبُوا بِأمْرٍ نافِعٍ لَهم مُنْجٍ مِنَ العَذابِ دُونَ حُجَّةٍ ولا دَلِيلَ لَهم عَلى التَكْذِيبِ، فالمَعْنى: كَيْفَ حالُكم مَعَ اللهِ تَعالى؟ وماذا تَنْتَظِرُونَ مِنهُ وأنْتُمْ قَدْ كَفَرْتُمْ بِما جاءَ مِن عِنْدِهِ؟، وجَوابُ هَذا التَوْقِيفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ألَيْسَ قَدْ ظَلَمْتُمْ؟، ودَلَّ عَلى هَذا المُقَدَّرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾.
و﴿ "أرَأيْتُمْ"﴾ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً، فَهي لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤالِ لا يَقْتَضِي مَفْعُولًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ "كانَ" وما عَمِلَتْ فِيهِ تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها.
واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِـ "الشاهِدِ" فَقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ سِيرِينَ: هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، والشاهِدُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ. وقَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ "عَلى مِثْلِهِ"﴾ الضَمِيرُ فِيهِ عائِدٌ عَلى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ في القُرْآنِ: إنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، وقالَ الشَعْبِيُّ: الشاهِدُ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ غَيْرُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ كانَ بِمَكَّةَ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ، وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومُجاهِدٌ، وفِرْقَةٌ: الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والشاهِدُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، وهي مِنَ (p-٦١٥)الآياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ غَيْبًا أبْرَزَهُ الوُجُودُ، وقَدْ رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ أنَّهُ قالَ: فِيَّ نَزَلَتْ. وقالَ مَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ والجُمْهُورُ: الشاهِدُ مُوسى بْنُ عَمْرانَ عَلَيْهِ السَلامُ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "عَلى مِثْلِهِ"﴾ يُرِيدُ بِالمِثْلِ: التَوْراةُ، والضَمِيرُ عائِدٌ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- عَلى القُرْآنِ، أيْ: جاءَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمِثْلِهِ وشَهِدَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "قُلْ أرَأيْتُمْ"﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يَعْنِي بِهِ تَصْدِيقُ مُوسى بِأمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وتَبْشِيرِهِ بِهِ، فَذَلِكَ إيمانٌ بِهِ، وأمّا مَن قالَ: الشاهِدُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ فَإيمانُهُ بَيِّنٌ، وكَذَلِكَ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي كانَ بِمَكَّةَ في قَوْلِ مَن قالَهُ، وحَكى بَعْضُهم أنَّ العامِلَ بِـ "آمَنَ" هو مُحَمَّدٌ ﷺ، وهَذا مِنَ القائِلِينَ بِأنَّ الشاهِدَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ قَرَنَ تَعالى اسْتِكْبارَهم وكُفْرَهم بِإيمانِ هَذا المَذْكُورِ، فَبانَ ذَنْبُهم وخَطَؤُهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي مَقالَةُ أشْرافِ قُرَيْشٍ، يُرِيدُونَ عَمّارًا وصُهَيْبًا وبِلالًا ونَحْوَهم مِمَّنْ أسْلَمَ وآمَنَ بِالنَبِيِّ ﷺ. وقالَ الزَجّاجُ، والكَلْبِيُّ، وغَيْرُهُما: هي مُقالَةٌ كِنانَةَ وعامِرٍ وسائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ المُجاوِرَةِ، وقالَتْ ذَلِكَ حِينَ أسْلَمَتْ غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ، وقالَ الثَعْلَبِيُّ: هي مَقالَةُ اليَهُودِ حِينَ أسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ مِنهم.
و"الإفْكُ": الكَذِبُ، ووَصَفُوهُ بِالقِدَمِ، بِمَعْنى أنَّهُ في أُمُورٍ مُتَقادِمَةٍ، وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ حَدَّثَكَ عن أخْبارِ كِسْرى وقَيْصَرَ، هَذا حَدِيثٌ قَدِيمٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا أنَّهُ إفْكٌ قِيلَ قَدِيمًا.
الأحقاف 46:11
قوله عزّ وجلّ:
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنْ اللهِ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾
هَذِهِ آيَةُ تَوْقِيفٍ عَلى الخَطَرِ العَظِيمِ الَّذِي هم بِسَبِيلِهِ في أنْ يُكَذِّبُوا بِأمْرٍ نافِعٍ لَهم مُنْجٍ مِنَ العَذابِ دُونَ حُجَّةٍ ولا دَلِيلَ لَهم عَلى التَكْذِيبِ، فالمَعْنى: كَيْفَ حالُكم مَعَ اللهِ تَعالى؟ وماذا تَنْتَظِرُونَ مِنهُ وأنْتُمْ قَدْ كَفَرْتُمْ بِما جاءَ مِن عِنْدِهِ؟، وجَوابُ هَذا التَوْقِيفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ألَيْسَ قَدْ ظَلَمْتُمْ؟، ودَلَّ عَلى هَذا المُقَدَّرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾.
و﴿ "أرَأيْتُمْ"﴾ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً، فَهي لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤالِ لا يَقْتَضِي مَفْعُولًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ "كانَ" وما عَمِلَتْ فِيهِ تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها.
واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِـ "الشاهِدِ" فَقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ سِيرِينَ: هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، والشاهِدُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ. وقَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ "عَلى مِثْلِهِ"﴾ الضَمِيرُ فِيهِ عائِدٌ عَلى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ في القُرْآنِ: إنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، وقالَ الشَعْبِيُّ: الشاهِدُ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ غَيْرُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ كانَ بِمَكَّةَ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ، وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومُجاهِدٌ، وفِرْقَةٌ: الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والشاهِدُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، وهي مِنَ (p-٦١٥)الآياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ غَيْبًا أبْرَزَهُ الوُجُودُ، وقَدْ رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ أنَّهُ قالَ: فِيَّ نَزَلَتْ. وقالَ مَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ والجُمْهُورُ: الشاهِدُ مُوسى بْنُ عَمْرانَ عَلَيْهِ السَلامُ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "عَلى مِثْلِهِ"﴾ يُرِيدُ بِالمِثْلِ: التَوْراةُ، والضَمِيرُ عائِدٌ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- عَلى القُرْآنِ، أيْ: جاءَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمِثْلِهِ وشَهِدَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "قُلْ أرَأيْتُمْ"﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يَعْنِي بِهِ تَصْدِيقُ مُوسى بِأمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وتَبْشِيرِهِ بِهِ، فَذَلِكَ إيمانٌ بِهِ، وأمّا مَن قالَ: الشاهِدُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ فَإيمانُهُ بَيِّنٌ، وكَذَلِكَ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي كانَ بِمَكَّةَ في قَوْلِ مَن قالَهُ، وحَكى بَعْضُهم أنَّ العامِلَ بِـ "آمَنَ" هو مُحَمَّدٌ ﷺ، وهَذا مِنَ القائِلِينَ بِأنَّ الشاهِدَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ قَرَنَ تَعالى اسْتِكْبارَهم وكُفْرَهم بِإيمانِ هَذا المَذْكُورِ، فَبانَ ذَنْبُهم وخَطَؤُهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي مَقالَةُ أشْرافِ قُرَيْشٍ، يُرِيدُونَ عَمّارًا وصُهَيْبًا وبِلالًا ونَحْوَهم مِمَّنْ أسْلَمَ وآمَنَ بِالنَبِيِّ ﷺ. وقالَ الزَجّاجُ، والكَلْبِيُّ، وغَيْرُهُما: هي مُقالَةٌ كِنانَةَ وعامِرٍ وسائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ المُجاوِرَةِ، وقالَتْ ذَلِكَ حِينَ أسْلَمَتْ غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ، وقالَ الثَعْلَبِيُّ: هي مَقالَةُ اليَهُودِ حِينَ أسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ مِنهم.
و"الإفْكُ": الكَذِبُ، ووَصَفُوهُ بِالقِدَمِ، بِمَعْنى أنَّهُ في أُمُورٍ مُتَقادِمَةٍ، وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ حَدَّثَكَ عن أخْبارِ كِسْرى وقَيْصَرَ، هَذا حَدِيثٌ قَدِيمٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا أنَّهُ إفْكٌ قِيلَ قَدِيمًا.
الأحقاف 46:12
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابُ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَمِن قَبْلِهِ"﴾ لِلْقُرْآنِ، و﴿ "كِتابُ مُوسى"﴾ هو التَوْراةُ. وقَرَأ (p-٦١٦)الكَلْبِيُّ: "كِتابَ مُوسى" بِنَصْبِ الباءِ عَلى إضْمارِ: أنْزَلَ اللهُ، أو نَحْوَ ذَلِكَ. و"الإمامُ": خَيْطُ البِناءِ، وكُلُّ ما يُهْتَدى ويُقْتَدى بِهِ فَهو إمامٌ، ونُصِبَ "إمامًا" عَلى الحالِ، و"رَحْمَةً" عُطِفَ عَلى "إمامًا"، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهَذا كِتابٌ﴾ إلى القُرْآنِ، و"مُصَدِّقٌ" مَعْناهُ: لِلتَّوْراةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ خَبَرَهُ وأمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَجاءَ هو مُصَدِّقًا لِذَلِكَ الإخْبارِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ لِسانًا".
واخْتَلَفَ الناسُ في نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿ "لِسانًا"﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لِسانًا" تَوْطِئَةً مُؤَكَّدَةً، و"عَرَبِيًّا" حالٌ، وقالَتْ فِرْقَةُ: "لِسانًا" مَفْعُولُ بِـ "مُصَدِّقٌ"، والمُرادُ -عَلى هَذا القَوْلِ- بِاللِسانِ مُحَمَّدٌ ﷺ ولِسانُهُ، فَكانَ القُرْآنُ بِإعْجازِهِ وأحْوالِهِ البارِعَةِ يُصَدِّقُ الَّذِي جاءَ بِهِ، وهَذا قَوْلٌ صَحِيحُ المَعْنى جَيِّدٌ، وغَيْرُهُ مِمّا قَدَّمْناهُ مُتَّجِهٌ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِيما رُوِيَ عنهُ- وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والناسُ: "لِتُنْذِرَ" بِالتاءِ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْمَشُ: ﴿ "لِيُنْذِرَ"﴾ أيِ: القُرْآنُ، و﴿ "الَّذِينَ ظَلَمُوا"﴾ هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ جَعَلُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها في جِهَةِ الأوثانِ والأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبُشْرى"﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "مُصَدِّقٌ"،﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، واقِعَةً مَوْقِعَ فَعَلَ عَطْفًا عَلى ﴿ "لِيُنْذِرَ"،﴾ أيْ: وتُبَشِّرُ المُحْسِنِينَ.
ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِـ "الَّذِينَ ظَلَمُوا"، عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِـ "المُحْسِنِينَ" لِتَناسُبِ لَفْظِ الإحْسانِ في مُقابَلَةِ الظُلْمِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حُسْنِ حالَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَقِيمِينَ، ورَفَعَ عنهُمُ الخَوْفَ والحُزْنَ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ثُمَّ اسْتَقامُوا بِالطاعاتِ والأعْمالِ الصالِحاتِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المَعْنى: بِالدَوامِ عَلى الإيمانِ وتَرْكِ الِانْحِرافِ عنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا القَوْلُ أعَمُّ رَجاءً وأوسَعُ، وإنْ كانَ في الجُمْلَةِ المُؤْمِنَةِ مَن يُعَذَّبُ ويُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ، فَهو مِمَّنْ يَخْلُدُ في الجَنَّةِ ويَنْتَفِي عنهُ الخَوْفُ والحُزْنُ الحالُّ بِالكَفَرَةِ.
(p-٦١٧)وَ"الخَوْفُ" هو الهَمُّ لِما يُسْتَقْبَلُ، و"الحُزْنُ" هو الهَمُّ بِما مَضى، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيما يُسْتَقْبَلُ اسْتِعارَةً، لِأنَّهُ حَزِنَ لِخَوْفِ أمْرٍ ما، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "فَلا خَوْفَ" دُونَ تَنْوِينٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، "ما" واقِعَةٌ عَلى الجُزْءِ الَّذِي هو اكْتِسابُ العَبْدِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى الأعْمالَ أماراتٍ عَلى صَبُورِ العَبْدِ، لا أنَّها تُوجِبُ عَلى اللهِ تَعالى شَيْئًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ﴾، يُرِيدُ: النَوْعَ، أيْ: هَكَذا مَضَتْ شَرائِعِي وكُتُبِي لِأنْبِيائِي، فَهي وصِيَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى في عِبادِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "حُسْنًا" بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ السِينِ، ونَصْبُهُ عَلى تَقْدِيرِ: وصَّيْناهُ لِيَفْعَلَ أمْرًا ذا حُسْنٍ، فَكَأنَّ الفِعْلَ سُلِّطَ عَلَيْهِ مَفْعُولًا ثانِيًا، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى: "حَسَنًا" بِفَتْحِ الحاءِ والسِينِ، وهَذا كالأوَّلِ، ويُحْتَمَلُ كَوْنُهُما مَصْدَرَيْنِ كالبَخْلِ والبُخْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الثانِيَ اسْمًا لا مَصْدَرًا، أيْ: ألْزَمْناهُ بِهِما فِعْلًا حَسَنًا، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إحْسانًا"، ونَصِبَ هَذا عَلى المَصْدَرِ الصَرِيحِ، والمَفْعُولِ الثانِي في المَجْرُورِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "وَصَّيْنا" أو بِقَوْلِهِ تَعالى: "إحْسانًا".
وبِرُّ الوالِدَيْنِ واجِبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، وعُقُوقُهُما كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبائِرِ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "كُلُّ شَيْءٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعالى حِجابٌ إلّا شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ ودَعْوَةُ الوالِدَيْنِ".»
(p-٦١٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَنْ يَدْعُوا إلّا إذا ظَلَمَهُما الوَلَدُ، فَهَذا الحَدِيثُ في عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: « "اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَها وبَيْنَ اللهِ حِجابٌ"».
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الأبْناءِ مِنَنَ الأُمَّهاتِ، وذَكَرَ الأُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ في أرْبَعِ مَراتِبَ، والأبَ في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، وجَمَعَهُما الذِكْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِوالِدَيْهِ"،﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الحَمْلَ لِلْأُمِّ، ثُمَّ الوَضْعَ لَها ثُمَّ الرَضاعَ الَّذِي عَبَّرَ عنهُ بِالفِصالِ، فَهَذا يُناسِبُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَعَلَ لِلْأُمِّ ثَلاثَةَ أرْباعِ البِرِّ، والرُبْعَ لِلْأبِ، وذَلِكَ إذْ «قالَ لَهُ رَجُلٌ: "يا رَسُولَ اللهِ، مَن أبَرُّ؟ قالَ: أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟ قالَ: ثُمَّ أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟ قالَ: ثُمَّ أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟ قالَ: أباكَ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كُرْهًا"﴾ مَعْناهُ: في باقِي اسْتِمْرارِ الحَمْلِ حِينَ تَتَوَقَّعُ حَوادِثُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: في وقْتِ الحَمْلِ، إذْ لا نَذِيرَ لَها في حَمْلِهِ ولا تَرْكِهِ، قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المَعْنى: حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً ووَضَعَتْهُ مَشَقَّةً، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "كُرْهًا" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ:: "كَرْهًا" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ بِهِما مَعًا مُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هُما بِمَعْنًى، الضَمُّ: الِاسْمُ، والفَتْحُ: المَصْدَرُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكُرْهُ بِضَمِّ الكافِ- المَشَقَّةُ، والكُرْهُ -بِفَتْحِ الكافِ- هو الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وضَعَّفُوا -عَلى هَذا- قِراءَةَ الفَتْحِ. قالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كانَ "كُرْهًا" لَرَمَتْ بِهِ عن نَفْسِها، إذِ الكُرْهُ القَهْرُ والغَلَبَةُ، والقَوْلُ الَّذِي قَدَّمْناهُ أصْوَبُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفِصالُهُ" وذَلِكَ أنَّها مُفاعَلَةٌ مِنَ الِاثْنَيْنِ، كَأنَّهُ فاصَلَ أُمَّهُ وفاصَلَتْهُ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: "وَفَصْلُهُ" كَأنَّ الأُمَّ هي الَّتِي فَصَلَتْهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ يَقْتَضِي أنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ والرَضاعِ هَذِهِ المُدَّةَ، لِأنَّ (p-٦١٩)فِي القَوْلِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَدَ الطَرَفَيْنِ ناقِصًا، وذَلِكَ إمّا أنْ تَلِدَ المَرْأةُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ وتُرْضِعَ عامَيْنِ، وإمّا أنْ تَلِدَ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ عَلى العُرْفِ وتُرْضِعَ عامَيْنِ غَيْرَ رُبْعِ العامِ، فَإنْ زادَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ نَقَصَتْ مُدَّةُ الرَضاعِ، وبِالعَكْسِ، فَيَتَرَتَّبُ مِن هَذا أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وأقَلُّ ما تُرْضِعُ الأُمُّ الطِفْلَ عامًا وتِسْعَةَ أشْهُرٍ، وإكْمالُ العامَيْنِ هو لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَضاعَ، وهَذا في أمْرِ الحَمْلِ هو مَذْهَبُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الأشُدِّ": فَقالَ الشَعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: البُلُوغُ إذا كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَيِّئاتُ ولَهُ الحَسَناتُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا، وقِيلَ: عِشْرُونَ عامًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ عامًا، وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ النُظّارِ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ عامًا، وقالَ هِلالُ بْنُ يُسافَ وغَيْرُهُ: أرْبَعُونَ عامًا، وأقْوى الأقْوالِ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، ومَن قالَ بِالأرْبَعِينَ قالَ في الآيَةِ: إنَّهُ تَعالى أكَّدَ وفَسَّرَ الأشُدَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى الأرْبَعِينَ لِأنَّها حَدٌّ لِلْإنْسانِ في صَلاحِهِ ونَجابَتِهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ الشَيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ فَيَقُولُ: بِأبِي وجْهٌ لا يُفْلِحُ"،» وقالَ أيْمَنُ بْنُ خَرِيمِ الأسَدِيُّ:
؎ إذا المَرْءُ وفّى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ ∗∗∗ لَهُ دُونَ ما يَأْتِي حَياءٌ ولا سِتْرٌ
؎ فَدَعْهُ ولا تُنَفِّسْ عَلَيْهِ الَّذِي ارْتَأى ∗∗∗ ∗∗∗ وإنَّ جَرَّ أسْبابَ الحَياةِ لَهُ العُمْرُ
وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "حَتّى إذا اسْتَوى أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً".
وقَوْلُهُ: ﴿ "أوزِعْنِي"﴾ مَعْناهُ: ادْفَعْنِي عَنِ المَوانِعِ وازْجُرْنِي عَنِ القَواطِعِ لِأجْلِ أنْ أشْكُرَ (p-٦٢٠)نِعْمَتَكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "أوزِعْنِي" بِمَعْنى: اجْعَلْ حَظِّي ونَصِيبِي، وهَذا مِنَ التَوْزِيعِ والقَوْمِ الأوزاعِ، ومِن قَوْلِكَ: تَوَزَّعُوا المالَ، فَـ "أنَّ" -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ صَرِيحٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نِعْمَتُكَ في التَوْحِيدِ. و﴿صالِحًا تَرْضاهُ﴾: الصَلَواتُ، و"الإصْلاحُ في الذُرِّيَّةِ" كَوْنُهم أهْلَ طاعَةٍ وخَيْرِيَّةٍ، وهَذِهِ الآيَةُ مَعْناها أنَّ هَكَذا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَفْعَلَ، وهَذِهِ وصِيَّةُ اللهِ تَعالى لِلْإنْسانِ في كُلِّ الشَرائِعِ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: وذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِها نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ مِن بَعْدِهِ، وكانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَدْ أسْلَمَ أبَواهُ، فَإنَّما يَتَّجِهُ هَذا التَأْوِيلُ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ يَطْمَعُ بِإيمانِ أبَوَيْهِ ويَرى مَخايِلَ ذَلِكَ فِيهِما، فَكانَتْ هَذِهِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِما، أنْ لَيْسا مِمَّنْ عَسى في الكُفْرِ ولَجَ وحُتِّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَ إيمانُهُما بَعْدُ، والقَوْلُ بِأنَّها عامَّةٌ في نَوْعِ الإنْسانِ لَمْ يَقْصِدْ بِها أبُو بَكْرٍ ولا غَيْرَهُ أصَحُّ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "مِنَ المُسْلِمِينَ".﴾
الأحقاف 46:13
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابُ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَمِن قَبْلِهِ"﴾ لِلْقُرْآنِ، و﴿ "كِتابُ مُوسى"﴾ هو التَوْراةُ. وقَرَأ (p-٦١٦)الكَلْبِيُّ: "كِتابَ مُوسى" بِنَصْبِ الباءِ عَلى إضْمارِ: أنْزَلَ اللهُ، أو نَحْوَ ذَلِكَ. و"الإمامُ": خَيْطُ البِناءِ، وكُلُّ ما يُهْتَدى ويُقْتَدى بِهِ فَهو إمامٌ، ونُصِبَ "إمامًا" عَلى الحالِ، و"رَحْمَةً" عُطِفَ عَلى "إمامًا"، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهَذا كِتابٌ﴾ إلى القُرْآنِ، و"مُصَدِّقٌ" مَعْناهُ: لِلتَّوْراةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ خَبَرَهُ وأمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَجاءَ هو مُصَدِّقًا لِذَلِكَ الإخْبارِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ لِسانًا".
واخْتَلَفَ الناسُ في نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿ "لِسانًا"﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لِسانًا" تَوْطِئَةً مُؤَكَّدَةً، و"عَرَبِيًّا" حالٌ، وقالَتْ فِرْقَةُ: "لِسانًا" مَفْعُولُ بِـ "مُصَدِّقٌ"، والمُرادُ -عَلى هَذا القَوْلِ- بِاللِسانِ مُحَمَّدٌ ﷺ ولِسانُهُ، فَكانَ القُرْآنُ بِإعْجازِهِ وأحْوالِهِ البارِعَةِ يُصَدِّقُ الَّذِي جاءَ بِهِ، وهَذا قَوْلٌ صَحِيحُ المَعْنى جَيِّدٌ، وغَيْرُهُ مِمّا قَدَّمْناهُ مُتَّجِهٌ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِيما رُوِيَ عنهُ- وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والناسُ: "لِتُنْذِرَ" بِالتاءِ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْمَشُ: ﴿ "لِيُنْذِرَ"﴾ أيِ: القُرْآنُ، و﴿ "الَّذِينَ ظَلَمُوا"﴾ هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ جَعَلُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها في جِهَةِ الأوثانِ والأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبُشْرى"﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "مُصَدِّقٌ"،﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، واقِعَةً مَوْقِعَ فَعَلَ عَطْفًا عَلى ﴿ "لِيُنْذِرَ"،﴾ أيْ: وتُبَشِّرُ المُحْسِنِينَ.
ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِـ "الَّذِينَ ظَلَمُوا"، عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِـ "المُحْسِنِينَ" لِتَناسُبِ لَفْظِ الإحْسانِ في مُقابَلَةِ الظُلْمِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حُسْنِ حالَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَقِيمِينَ، ورَفَعَ عنهُمُ الخَوْفَ والحُزْنَ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ثُمَّ اسْتَقامُوا بِالطاعاتِ والأعْمالِ الصالِحاتِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المَعْنى: بِالدَوامِ عَلى الإيمانِ وتَرْكِ الِانْحِرافِ عنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا القَوْلُ أعَمُّ رَجاءً وأوسَعُ، وإنْ كانَ في الجُمْلَةِ المُؤْمِنَةِ مَن يُعَذَّبُ ويُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ، فَهو مِمَّنْ يَخْلُدُ في الجَنَّةِ ويَنْتَفِي عنهُ الخَوْفُ والحُزْنُ الحالُّ بِالكَفَرَةِ.
(p-٦١٧)وَ"الخَوْفُ" هو الهَمُّ لِما يُسْتَقْبَلُ، و"الحُزْنُ" هو الهَمُّ بِما مَضى، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيما يُسْتَقْبَلُ اسْتِعارَةً، لِأنَّهُ حَزِنَ لِخَوْفِ أمْرٍ ما، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "فَلا خَوْفَ" دُونَ تَنْوِينٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، "ما" واقِعَةٌ عَلى الجُزْءِ الَّذِي هو اكْتِسابُ العَبْدِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى الأعْمالَ أماراتٍ عَلى صَبُورِ العَبْدِ، لا أنَّها تُوجِبُ عَلى اللهِ تَعالى شَيْئًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ﴾، يُرِيدُ: النَوْعَ، أيْ: هَكَذا مَضَتْ شَرائِعِي وكُتُبِي لِأنْبِيائِي، فَهي وصِيَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى في عِبادِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "حُسْنًا" بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ السِينِ، ونَصْبُهُ عَلى تَقْدِيرِ: وصَّيْناهُ لِيَفْعَلَ أمْرًا ذا حُسْنٍ، فَكَأنَّ الفِعْلَ سُلِّطَ عَلَيْهِ مَفْعُولًا ثانِيًا، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى: "حَسَنًا" بِفَتْحِ الحاءِ والسِينِ، وهَذا كالأوَّلِ، ويُحْتَمَلُ كَوْنُهُما مَصْدَرَيْنِ كالبَخْلِ والبُخْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الثانِيَ اسْمًا لا مَصْدَرًا، أيْ: ألْزَمْناهُ بِهِما فِعْلًا حَسَنًا، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إحْسانًا"، ونَصِبَ هَذا عَلى المَصْدَرِ الصَرِيحِ، والمَفْعُولِ الثانِي في المَجْرُورِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "وَصَّيْنا" أو بِقَوْلِهِ تَعالى: "إحْسانًا".
وبِرُّ الوالِدَيْنِ واجِبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، وعُقُوقُهُما كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبائِرِ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "كُلُّ شَيْءٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعالى حِجابٌ إلّا شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ ودَعْوَةُ الوالِدَيْنِ".»
(p-٦١٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَنْ يَدْعُوا إلّا إذا ظَلَمَهُما الوَلَدُ، فَهَذا الحَدِيثُ في عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: « "اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَها وبَيْنَ اللهِ حِجابٌ"».
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الأبْناءِ مِنَنَ الأُمَّهاتِ، وذَكَرَ الأُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ في أرْبَعِ مَراتِبَ، والأبَ في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، وجَمَعَهُما الذِكْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِوالِدَيْهِ"،﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الحَمْلَ لِلْأُمِّ، ثُمَّ الوَضْعَ لَها ثُمَّ الرَضاعَ الَّذِي عَبَّرَ عنهُ بِالفِصالِ، فَهَذا يُناسِبُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَعَلَ لِلْأُمِّ ثَلاثَةَ أرْباعِ البِرِّ، والرُبْعَ لِلْأبِ، وذَلِكَ إذْ «قالَ لَهُ رَجُلٌ: "يا رَسُولَ اللهِ، مَن أبَرُّ؟ قالَ: أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟ قالَ: ثُمَّ أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟ قالَ: ثُمَّ أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟ قالَ: أباكَ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كُرْهًا"﴾ مَعْناهُ: في باقِي اسْتِمْرارِ الحَمْلِ حِينَ تَتَوَقَّعُ حَوادِثُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: في وقْتِ الحَمْلِ، إذْ لا نَذِيرَ لَها في حَمْلِهِ ولا تَرْكِهِ، قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المَعْنى: حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً ووَضَعَتْهُ مَشَقَّةً، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "كُرْهًا" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ:: "كَرْهًا" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ بِهِما مَعًا مُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هُما بِمَعْنًى، الضَمُّ: الِاسْمُ، والفَتْحُ: المَصْدَرُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكُرْهُ بِضَمِّ الكافِ- المَشَقَّةُ، والكُرْهُ -بِفَتْحِ الكافِ- هو الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وضَعَّفُوا -عَلى هَذا- قِراءَةَ الفَتْحِ. قالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كانَ "كُرْهًا" لَرَمَتْ بِهِ عن نَفْسِها، إذِ الكُرْهُ القَهْرُ والغَلَبَةُ، والقَوْلُ الَّذِي قَدَّمْناهُ أصْوَبُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفِصالُهُ" وذَلِكَ أنَّها مُفاعَلَةٌ مِنَ الِاثْنَيْنِ، كَأنَّهُ فاصَلَ أُمَّهُ وفاصَلَتْهُ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: "وَفَصْلُهُ" كَأنَّ الأُمَّ هي الَّتِي فَصَلَتْهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ يَقْتَضِي أنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ والرَضاعِ هَذِهِ المُدَّةَ، لِأنَّ (p-٦١٩)فِي القَوْلِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَدَ الطَرَفَيْنِ ناقِصًا، وذَلِكَ إمّا أنْ تَلِدَ المَرْأةُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ وتُرْضِعَ عامَيْنِ، وإمّا أنْ تَلِدَ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ عَلى العُرْفِ وتُرْضِعَ عامَيْنِ غَيْرَ رُبْعِ العامِ، فَإنْ زادَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ نَقَصَتْ مُدَّةُ الرَضاعِ، وبِالعَكْسِ، فَيَتَرَتَّبُ مِن هَذا أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وأقَلُّ ما تُرْضِعُ الأُمُّ الطِفْلَ عامًا وتِسْعَةَ أشْهُرٍ، وإكْمالُ العامَيْنِ هو لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَضاعَ، وهَذا في أمْرِ الحَمْلِ هو مَذْهَبُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الأشُدِّ": فَقالَ الشَعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: البُلُوغُ إذا كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَيِّئاتُ ولَهُ الحَسَناتُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا، وقِيلَ: عِشْرُونَ عامًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ عامًا، وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ النُظّارِ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ عامًا، وقالَ هِلالُ بْنُ يُسافَ وغَيْرُهُ: أرْبَعُونَ عامًا، وأقْوى الأقْوالِ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، ومَن قالَ بِالأرْبَعِينَ قالَ في الآيَةِ: إنَّهُ تَعالى أكَّدَ وفَسَّرَ الأشُدَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى الأرْبَعِينَ لِأنَّها حَدٌّ لِلْإنْسانِ في صَلاحِهِ ونَجابَتِهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ الشَيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ فَيَقُولُ: بِأبِي وجْهٌ لا يُفْلِحُ"،» وقالَ أيْمَنُ بْنُ خَرِيمِ الأسَدِيُّ:
؎ إذا المَرْءُ وفّى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ ∗∗∗ لَهُ دُونَ ما يَأْتِي حَياءٌ ولا سِتْرٌ
؎ فَدَعْهُ ولا تُنَفِّسْ عَلَيْهِ الَّذِي ارْتَأى ∗∗∗ ∗∗∗ وإنَّ جَرَّ أسْبابَ الحَياةِ لَهُ العُمْرُ
وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "حَتّى إذا اسْتَوى أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً".
وقَوْلُهُ: ﴿ "أوزِعْنِي"﴾ مَعْناهُ: ادْفَعْنِي عَنِ المَوانِعِ وازْجُرْنِي عَنِ القَواطِعِ لِأجْلِ أنْ أشْكُرَ (p-٦٢٠)نِعْمَتَكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "أوزِعْنِي" بِمَعْنى: اجْعَلْ حَظِّي ونَصِيبِي، وهَذا مِنَ التَوْزِيعِ والقَوْمِ الأوزاعِ، ومِن قَوْلِكَ: تَوَزَّعُوا المالَ، فَـ "أنَّ" -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ صَرِيحٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نِعْمَتُكَ في التَوْحِيدِ. و﴿صالِحًا تَرْضاهُ﴾: الصَلَواتُ، و"الإصْلاحُ في الذُرِّيَّةِ" كَوْنُهم أهْلَ طاعَةٍ وخَيْرِيَّةٍ، وهَذِهِ الآيَةُ مَعْناها أنَّ هَكَذا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَفْعَلَ، وهَذِهِ وصِيَّةُ اللهِ تَعالى لِلْإنْسانِ في كُلِّ الشَرائِعِ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: وذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِها نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ مِن بَعْدِهِ، وكانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَدْ أسْلَمَ أبَواهُ، فَإنَّما يَتَّجِهُ هَذا التَأْوِيلُ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ يَطْمَعُ بِإيمانِ أبَوَيْهِ ويَرى مَخايِلَ ذَلِكَ فِيهِما، فَكانَتْ هَذِهِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِما، أنْ لَيْسا مِمَّنْ عَسى في الكُفْرِ ولَجَ وحُتِّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَ إيمانُهُما بَعْدُ، والقَوْلُ بِأنَّها عامَّةٌ في نَوْعِ الإنْسانِ لَمْ يَقْصِدْ بِها أبُو بَكْرٍ ولا غَيْرَهُ أصَحُّ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "مِنَ المُسْلِمِينَ".﴾
الأحقاف 46:14
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابُ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَمِن قَبْلِهِ"﴾ لِلْقُرْآنِ، و﴿ "كِتابُ مُوسى"﴾ هو التَوْراةُ. وقَرَأ (p-٦١٦)الكَلْبِيُّ: "كِتابَ مُوسى" بِنَصْبِ الباءِ عَلى إضْمارِ: أنْزَلَ اللهُ، أو نَحْوَ ذَلِكَ. و"الإمامُ": خَيْطُ البِناءِ، وكُلُّ ما يُهْتَدى ويُقْتَدى بِهِ فَهو إمامٌ، ونُصِبَ "إمامًا" عَلى الحالِ، و"رَحْمَةً" عُطِفَ عَلى "إمامًا"، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهَذا كِتابٌ﴾ إلى القُرْآنِ، و"مُصَدِّقٌ" مَعْناهُ: لِلتَّوْراةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ خَبَرَهُ وأمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَجاءَ هو مُصَدِّقًا لِذَلِكَ الإخْبارِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ لِسانًا".
واخْتَلَفَ الناسُ في نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿ "لِسانًا"﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لِسانًا" تَوْطِئَةً مُؤَكَّدَةً، و"عَرَبِيًّا" حالٌ، وقالَتْ فِرْقَةُ: "لِسانًا" مَفْعُولُ بِـ "مُصَدِّقٌ"، والمُرادُ -عَلى هَذا القَوْلِ- بِاللِسانِ مُحَمَّدٌ ﷺ ولِسانُهُ، فَكانَ القُرْآنُ بِإعْجازِهِ وأحْوالِهِ البارِعَةِ يُصَدِّقُ الَّذِي جاءَ بِهِ، وهَذا قَوْلٌ صَحِيحُ المَعْنى جَيِّدٌ، وغَيْرُهُ مِمّا قَدَّمْناهُ مُتَّجِهٌ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِيما رُوِيَ عنهُ- وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والناسُ: "لِتُنْذِرَ" بِالتاءِ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْمَشُ: ﴿ "لِيُنْذِرَ"﴾ أيِ: القُرْآنُ، و﴿ "الَّذِينَ ظَلَمُوا"﴾ هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ جَعَلُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها في جِهَةِ الأوثانِ والأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبُشْرى"﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "مُصَدِّقٌ"،﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، واقِعَةً مَوْقِعَ فَعَلَ عَطْفًا عَلى ﴿ "لِيُنْذِرَ"،﴾ أيْ: وتُبَشِّرُ المُحْسِنِينَ.
ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِـ "الَّذِينَ ظَلَمُوا"، عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِـ "المُحْسِنِينَ" لِتَناسُبِ لَفْظِ الإحْسانِ في مُقابَلَةِ الظُلْمِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حُسْنِ حالَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَقِيمِينَ، ورَفَعَ عنهُمُ الخَوْفَ والحُزْنَ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ثُمَّ اسْتَقامُوا بِالطاعاتِ والأعْمالِ الصالِحاتِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المَعْنى: بِالدَوامِ عَلى الإيمانِ وتَرْكِ الِانْحِرافِ عنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا القَوْلُ أعَمُّ رَجاءً وأوسَعُ، وإنْ كانَ في الجُمْلَةِ المُؤْمِنَةِ مَن يُعَذَّبُ ويُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ، فَهو مِمَّنْ يَخْلُدُ في الجَنَّةِ ويَنْتَفِي عنهُ الخَوْفُ والحُزْنُ الحالُّ بِالكَفَرَةِ.
(p-٦١٧)وَ"الخَوْفُ" هو الهَمُّ لِما يُسْتَقْبَلُ، و"الحُزْنُ" هو الهَمُّ بِما مَضى، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيما يُسْتَقْبَلُ اسْتِعارَةً، لِأنَّهُ حَزِنَ لِخَوْفِ أمْرٍ ما، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "فَلا خَوْفَ" دُونَ تَنْوِينٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، "ما" واقِعَةٌ عَلى الجُزْءِ الَّذِي هو اكْتِسابُ العَبْدِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى الأعْمالَ أماراتٍ عَلى صَبُورِ العَبْدِ، لا أنَّها تُوجِبُ عَلى اللهِ تَعالى شَيْئًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ﴾، يُرِيدُ: النَوْعَ، أيْ: هَكَذا مَضَتْ شَرائِعِي وكُتُبِي لِأنْبِيائِي، فَهي وصِيَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى في عِبادِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "حُسْنًا" بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ السِينِ، ونَصْبُهُ عَلى تَقْدِيرِ: وصَّيْناهُ لِيَفْعَلَ أمْرًا ذا حُسْنٍ، فَكَأنَّ الفِعْلَ سُلِّطَ عَلَيْهِ مَفْعُولًا ثانِيًا، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى: "حَسَنًا" بِفَتْحِ الحاءِ والسِينِ، وهَذا كالأوَّلِ، ويُحْتَمَلُ كَوْنُهُما مَصْدَرَيْنِ كالبَخْلِ والبُخْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الثانِيَ اسْمًا لا مَصْدَرًا، أيْ: ألْزَمْناهُ بِهِما فِعْلًا حَسَنًا، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إحْسانًا"، ونَصِبَ هَذا عَلى المَصْدَرِ الصَرِيحِ، والمَفْعُولِ الثانِي في المَجْرُورِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "وَصَّيْنا" أو بِقَوْلِهِ تَعالى: "إحْسانًا".
وبِرُّ الوالِدَيْنِ واجِبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، وعُقُوقُهُما كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبائِرِ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "كُلُّ شَيْءٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعالى حِجابٌ إلّا شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ ودَعْوَةُ الوالِدَيْنِ".»
(p-٦١٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَنْ يَدْعُوا إلّا إذا ظَلَمَهُما الوَلَدُ، فَهَذا الحَدِيثُ في عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: « "اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَها وبَيْنَ اللهِ حِجابٌ"».
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الأبْناءِ مِنَنَ الأُمَّهاتِ، وذَكَرَ الأُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ في أرْبَعِ مَراتِبَ، والأبَ في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، وجَمَعَهُما الذِكْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِوالِدَيْهِ"،﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الحَمْلَ لِلْأُمِّ، ثُمَّ الوَضْعَ لَها ثُمَّ الرَضاعَ الَّذِي عَبَّرَ عنهُ بِالفِصالِ، فَهَذا يُناسِبُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَعَلَ لِلْأُمِّ ثَلاثَةَ أرْباعِ البِرِّ، والرُبْعَ لِلْأبِ، وذَلِكَ إذْ «قالَ لَهُ رَجُلٌ: "يا رَسُولَ اللهِ، مَن أبَرُّ؟ قالَ: أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟ قالَ: ثُمَّ أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟ قالَ: ثُمَّ أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟ قالَ: أباكَ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كُرْهًا"﴾ مَعْناهُ: في باقِي اسْتِمْرارِ الحَمْلِ حِينَ تَتَوَقَّعُ حَوادِثُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: في وقْتِ الحَمْلِ، إذْ لا نَذِيرَ لَها في حَمْلِهِ ولا تَرْكِهِ، قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المَعْنى: حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً ووَضَعَتْهُ مَشَقَّةً، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "كُرْهًا" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ:: "كَرْهًا" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ بِهِما مَعًا مُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هُما بِمَعْنًى، الضَمُّ: الِاسْمُ، والفَتْحُ: المَصْدَرُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكُرْهُ بِضَمِّ الكافِ- المَشَقَّةُ، والكُرْهُ -بِفَتْحِ الكافِ- هو الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وضَعَّفُوا -عَلى هَذا- قِراءَةَ الفَتْحِ. قالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كانَ "كُرْهًا" لَرَمَتْ بِهِ عن نَفْسِها، إذِ الكُرْهُ القَهْرُ والغَلَبَةُ، والقَوْلُ الَّذِي قَدَّمْناهُ أصْوَبُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفِصالُهُ" وذَلِكَ أنَّها مُفاعَلَةٌ مِنَ الِاثْنَيْنِ، كَأنَّهُ فاصَلَ أُمَّهُ وفاصَلَتْهُ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: "وَفَصْلُهُ" كَأنَّ الأُمَّ هي الَّتِي فَصَلَتْهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ يَقْتَضِي أنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ والرَضاعِ هَذِهِ المُدَّةَ، لِأنَّ (p-٦١٩)فِي القَوْلِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَدَ الطَرَفَيْنِ ناقِصًا، وذَلِكَ إمّا أنْ تَلِدَ المَرْأةُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ وتُرْضِعَ عامَيْنِ، وإمّا أنْ تَلِدَ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ عَلى العُرْفِ وتُرْضِعَ عامَيْنِ غَيْرَ رُبْعِ العامِ، فَإنْ زادَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ نَقَصَتْ مُدَّةُ الرَضاعِ، وبِالعَكْسِ، فَيَتَرَتَّبُ مِن هَذا أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وأقَلُّ ما تُرْضِعُ الأُمُّ الطِفْلَ عامًا وتِسْعَةَ أشْهُرٍ، وإكْمالُ العامَيْنِ هو لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَضاعَ، وهَذا في أمْرِ الحَمْلِ هو مَذْهَبُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الأشُدِّ": فَقالَ الشَعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: البُلُوغُ إذا كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَيِّئاتُ ولَهُ الحَسَناتُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا، وقِيلَ: عِشْرُونَ عامًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ عامًا، وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ النُظّارِ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ عامًا، وقالَ هِلالُ بْنُ يُسافَ وغَيْرُهُ: أرْبَعُونَ عامًا، وأقْوى الأقْوالِ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، ومَن قالَ بِالأرْبَعِينَ قالَ في الآيَةِ: إنَّهُ تَعالى أكَّدَ وفَسَّرَ الأشُدَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى الأرْبَعِينَ لِأنَّها حَدٌّ لِلْإنْسانِ في صَلاحِهِ ونَجابَتِهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ الشَيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ فَيَقُولُ: بِأبِي وجْهٌ لا يُفْلِحُ"،» وقالَ أيْمَنُ بْنُ خَرِيمِ الأسَدِيُّ:
؎ إذا المَرْءُ وفّى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ ∗∗∗ لَهُ دُونَ ما يَأْتِي حَياءٌ ولا سِتْرٌ
؎ فَدَعْهُ ولا تُنَفِّسْ عَلَيْهِ الَّذِي ارْتَأى ∗∗∗ ∗∗∗ وإنَّ جَرَّ أسْبابَ الحَياةِ لَهُ العُمْرُ
وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "حَتّى إذا اسْتَوى أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً".
وقَوْلُهُ: ﴿ "أوزِعْنِي"﴾ مَعْناهُ: ادْفَعْنِي عَنِ المَوانِعِ وازْجُرْنِي عَنِ القَواطِعِ لِأجْلِ أنْ أشْكُرَ (p-٦٢٠)نِعْمَتَكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "أوزِعْنِي" بِمَعْنى: اجْعَلْ حَظِّي ونَصِيبِي، وهَذا مِنَ التَوْزِيعِ والقَوْمِ الأوزاعِ، ومِن قَوْلِكَ: تَوَزَّعُوا المالَ، فَـ "أنَّ" -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ صَرِيحٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نِعْمَتُكَ في التَوْحِيدِ. و﴿صالِحًا تَرْضاهُ﴾: الصَلَواتُ، و"الإصْلاحُ في الذُرِّيَّةِ" كَوْنُهم أهْلَ طاعَةٍ وخَيْرِيَّةٍ، وهَذِهِ الآيَةُ مَعْناها أنَّ هَكَذا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَفْعَلَ، وهَذِهِ وصِيَّةُ اللهِ تَعالى لِلْإنْسانِ في كُلِّ الشَرائِعِ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: وذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِها نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ مِن بَعْدِهِ، وكانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَدْ أسْلَمَ أبَواهُ، فَإنَّما يَتَّجِهُ هَذا التَأْوِيلُ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ يَطْمَعُ بِإيمانِ أبَوَيْهِ ويَرى مَخايِلَ ذَلِكَ فِيهِما، فَكانَتْ هَذِهِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِما، أنْ لَيْسا مِمَّنْ عَسى في الكُفْرِ ولَجَ وحُتِّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَ إيمانُهُما بَعْدُ، والقَوْلُ بِأنَّها عامَّةٌ في نَوْعِ الإنْسانِ لَمْ يَقْصِدْ بِها أبُو بَكْرٍ ولا غَيْرَهُ أصَحُّ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "مِنَ المُسْلِمِينَ".﴾
الأحقاف 46:15
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابُ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَمِن قَبْلِهِ"﴾ لِلْقُرْآنِ، و﴿ "كِتابُ مُوسى"﴾ هو التَوْراةُ. وقَرَأ (p-٦١٦)الكَلْبِيُّ: "كِتابَ مُوسى" بِنَصْبِ الباءِ عَلى إضْمارِ: أنْزَلَ اللهُ، أو نَحْوَ ذَلِكَ. و"الإمامُ": خَيْطُ البِناءِ، وكُلُّ ما يُهْتَدى ويُقْتَدى بِهِ فَهو إمامٌ، ونُصِبَ "إمامًا" عَلى الحالِ، و"رَحْمَةً" عُطِفَ عَلى "إمامًا"، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهَذا كِتابٌ﴾ إلى القُرْآنِ، و"مُصَدِّقٌ" مَعْناهُ: لِلتَّوْراةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ خَبَرَهُ وأمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَجاءَ هو مُصَدِّقًا لِذَلِكَ الإخْبارِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ لِسانًا".
واخْتَلَفَ الناسُ في نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿ "لِسانًا"﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لِسانًا" تَوْطِئَةً مُؤَكَّدَةً، و"عَرَبِيًّا" حالٌ، وقالَتْ فِرْقَةُ: "لِسانًا" مَفْعُولُ بِـ "مُصَدِّقٌ"، والمُرادُ -عَلى هَذا القَوْلِ- بِاللِسانِ مُحَمَّدٌ ﷺ ولِسانُهُ، فَكانَ القُرْآنُ بِإعْجازِهِ وأحْوالِهِ البارِعَةِ يُصَدِّقُ الَّذِي جاءَ بِهِ، وهَذا قَوْلٌ صَحِيحُ المَعْنى جَيِّدٌ، وغَيْرُهُ مِمّا قَدَّمْناهُ مُتَّجِهٌ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِيما رُوِيَ عنهُ- وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والناسُ: "لِتُنْذِرَ" بِالتاءِ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْمَشُ: ﴿ "لِيُنْذِرَ"﴾ أيِ: القُرْآنُ، و﴿ "الَّذِينَ ظَلَمُوا"﴾ هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ جَعَلُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها في جِهَةِ الأوثانِ والأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبُشْرى"﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "مُصَدِّقٌ"،﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، واقِعَةً مَوْقِعَ فَعَلَ عَطْفًا عَلى ﴿ "لِيُنْذِرَ"،﴾ أيْ: وتُبَشِّرُ المُحْسِنِينَ.
ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِـ "الَّذِينَ ظَلَمُوا"، عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِـ "المُحْسِنِينَ" لِتَناسُبِ لَفْظِ الإحْسانِ في مُقابَلَةِ الظُلْمِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حُسْنِ حالَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَقِيمِينَ، ورَفَعَ عنهُمُ الخَوْفَ والحُزْنَ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ثُمَّ اسْتَقامُوا بِالطاعاتِ والأعْمالِ الصالِحاتِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المَعْنى: بِالدَوامِ عَلى الإيمانِ وتَرْكِ الِانْحِرافِ عنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا القَوْلُ أعَمُّ رَجاءً وأوسَعُ، وإنْ كانَ في الجُمْلَةِ المُؤْمِنَةِ مَن يُعَذَّبُ ويُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ، فَهو مِمَّنْ يَخْلُدُ في الجَنَّةِ ويَنْتَفِي عنهُ الخَوْفُ والحُزْنُ الحالُّ بِالكَفَرَةِ.
(p-٦١٧)وَ"الخَوْفُ" هو الهَمُّ لِما يُسْتَقْبَلُ، و"الحُزْنُ" هو الهَمُّ بِما مَضى، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيما يُسْتَقْبَلُ اسْتِعارَةً، لِأنَّهُ حَزِنَ لِخَوْفِ أمْرٍ ما، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "فَلا خَوْفَ" دُونَ تَنْوِينٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، "ما" واقِعَةٌ عَلى الجُزْءِ الَّذِي هو اكْتِسابُ العَبْدِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى الأعْمالَ أماراتٍ عَلى صَبُورِ العَبْدِ، لا أنَّها تُوجِبُ عَلى اللهِ تَعالى شَيْئًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ﴾، يُرِيدُ: النَوْعَ، أيْ: هَكَذا مَضَتْ شَرائِعِي وكُتُبِي لِأنْبِيائِي، فَهي وصِيَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى في عِبادِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "حُسْنًا" بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ السِينِ، ونَصْبُهُ عَلى تَقْدِيرِ: وصَّيْناهُ لِيَفْعَلَ أمْرًا ذا حُسْنٍ، فَكَأنَّ الفِعْلَ سُلِّطَ عَلَيْهِ مَفْعُولًا ثانِيًا، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى: "حَسَنًا" بِفَتْحِ الحاءِ والسِينِ، وهَذا كالأوَّلِ، ويُحْتَمَلُ كَوْنُهُما مَصْدَرَيْنِ كالبَخْلِ والبُخْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الثانِيَ اسْمًا لا مَصْدَرًا، أيْ: ألْزَمْناهُ بِهِما فِعْلًا حَسَنًا، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إحْسانًا"، ونَصِبَ هَذا عَلى المَصْدَرِ الصَرِيحِ، والمَفْعُولِ الثانِي في المَجْرُورِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "وَصَّيْنا" أو بِقَوْلِهِ تَعالى: "إحْسانًا".
وبِرُّ الوالِدَيْنِ واجِبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، وعُقُوقُهُما كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبائِرِ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "كُلُّ شَيْءٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعالى حِجابٌ إلّا شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ ودَعْوَةُ الوالِدَيْنِ".»
(p-٦١٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَنْ يَدْعُوا إلّا إذا ظَلَمَهُما الوَلَدُ، فَهَذا الحَدِيثُ في عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: « "اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَها وبَيْنَ اللهِ حِجابٌ"».
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الأبْناءِ مِنَنَ الأُمَّهاتِ، وذَكَرَ الأُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ في أرْبَعِ مَراتِبَ، والأبَ في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، وجَمَعَهُما الذِكْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِوالِدَيْهِ"،﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الحَمْلَ لِلْأُمِّ، ثُمَّ الوَضْعَ لَها ثُمَّ الرَضاعَ الَّذِي عَبَّرَ عنهُ بِالفِصالِ، فَهَذا يُناسِبُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَعَلَ لِلْأُمِّ ثَلاثَةَ أرْباعِ البِرِّ، والرُبْعَ لِلْأبِ، وذَلِكَ إذْ «قالَ لَهُ رَجُلٌ: "يا رَسُولَ اللهِ، مَن أبَرُّ؟ قالَ: أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟ قالَ: ثُمَّ أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟ قالَ: ثُمَّ أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟ قالَ: أباكَ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كُرْهًا"﴾ مَعْناهُ: في باقِي اسْتِمْرارِ الحَمْلِ حِينَ تَتَوَقَّعُ حَوادِثُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: في وقْتِ الحَمْلِ، إذْ لا نَذِيرَ لَها في حَمْلِهِ ولا تَرْكِهِ، قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المَعْنى: حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً ووَضَعَتْهُ مَشَقَّةً، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "كُرْهًا" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ:: "كَرْهًا" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ بِهِما مَعًا مُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هُما بِمَعْنًى، الضَمُّ: الِاسْمُ، والفَتْحُ: المَصْدَرُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكُرْهُ بِضَمِّ الكافِ- المَشَقَّةُ، والكُرْهُ -بِفَتْحِ الكافِ- هو الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وضَعَّفُوا -عَلى هَذا- قِراءَةَ الفَتْحِ. قالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كانَ "كُرْهًا" لَرَمَتْ بِهِ عن نَفْسِها، إذِ الكُرْهُ القَهْرُ والغَلَبَةُ، والقَوْلُ الَّذِي قَدَّمْناهُ أصْوَبُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفِصالُهُ" وذَلِكَ أنَّها مُفاعَلَةٌ مِنَ الِاثْنَيْنِ، كَأنَّهُ فاصَلَ أُمَّهُ وفاصَلَتْهُ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: "وَفَصْلُهُ" كَأنَّ الأُمَّ هي الَّتِي فَصَلَتْهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ يَقْتَضِي أنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ والرَضاعِ هَذِهِ المُدَّةَ، لِأنَّ (p-٦١٩)فِي القَوْلِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَدَ الطَرَفَيْنِ ناقِصًا، وذَلِكَ إمّا أنْ تَلِدَ المَرْأةُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ وتُرْضِعَ عامَيْنِ، وإمّا أنْ تَلِدَ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ عَلى العُرْفِ وتُرْضِعَ عامَيْنِ غَيْرَ رُبْعِ العامِ، فَإنْ زادَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ نَقَصَتْ مُدَّةُ الرَضاعِ، وبِالعَكْسِ، فَيَتَرَتَّبُ مِن هَذا أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وأقَلُّ ما تُرْضِعُ الأُمُّ الطِفْلَ عامًا وتِسْعَةَ أشْهُرٍ، وإكْمالُ العامَيْنِ هو لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَضاعَ، وهَذا في أمْرِ الحَمْلِ هو مَذْهَبُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الأشُدِّ": فَقالَ الشَعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: البُلُوغُ إذا كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَيِّئاتُ ولَهُ الحَسَناتُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا، وقِيلَ: عِشْرُونَ عامًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ عامًا، وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ النُظّارِ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ عامًا، وقالَ هِلالُ بْنُ يُسافَ وغَيْرُهُ: أرْبَعُونَ عامًا، وأقْوى الأقْوالِ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، ومَن قالَ بِالأرْبَعِينَ قالَ في الآيَةِ: إنَّهُ تَعالى أكَّدَ وفَسَّرَ الأشُدَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى الأرْبَعِينَ لِأنَّها حَدٌّ لِلْإنْسانِ في صَلاحِهِ ونَجابَتِهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ الشَيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ فَيَقُولُ: بِأبِي وجْهٌ لا يُفْلِحُ"،» وقالَ أيْمَنُ بْنُ خَرِيمِ الأسَدِيُّ:
؎ إذا المَرْءُ وفّى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ ∗∗∗ لَهُ دُونَ ما يَأْتِي حَياءٌ ولا سِتْرٌ
؎ فَدَعْهُ ولا تُنَفِّسْ عَلَيْهِ الَّذِي ارْتَأى ∗∗∗ ∗∗∗ وإنَّ جَرَّ أسْبابَ الحَياةِ لَهُ العُمْرُ
وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "حَتّى إذا اسْتَوى أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً".
وقَوْلُهُ: ﴿ "أوزِعْنِي"﴾ مَعْناهُ: ادْفَعْنِي عَنِ المَوانِعِ وازْجُرْنِي عَنِ القَواطِعِ لِأجْلِ أنْ أشْكُرَ (p-٦٢٠)نِعْمَتَكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "أوزِعْنِي" بِمَعْنى: اجْعَلْ حَظِّي ونَصِيبِي، وهَذا مِنَ التَوْزِيعِ والقَوْمِ الأوزاعِ، ومِن قَوْلِكَ: تَوَزَّعُوا المالَ، فَـ "أنَّ" -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ صَرِيحٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نِعْمَتُكَ في التَوْحِيدِ. و﴿صالِحًا تَرْضاهُ﴾: الصَلَواتُ، و"الإصْلاحُ في الذُرِّيَّةِ" كَوْنُهم أهْلَ طاعَةٍ وخَيْرِيَّةٍ، وهَذِهِ الآيَةُ مَعْناها أنَّ هَكَذا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَفْعَلَ، وهَذِهِ وصِيَّةُ اللهِ تَعالى لِلْإنْسانِ في كُلِّ الشَرائِعِ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: وذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِها نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ مِن بَعْدِهِ، وكانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَدْ أسْلَمَ أبَواهُ، فَإنَّما يَتَّجِهُ هَذا التَأْوِيلُ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ يَطْمَعُ بِإيمانِ أبَوَيْهِ ويَرى مَخايِلَ ذَلِكَ فِيهِما، فَكانَتْ هَذِهِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِما، أنْ لَيْسا مِمَّنْ عَسى في الكُفْرِ ولَجَ وحُتِّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَ إيمانُهُما بَعْدُ، والقَوْلُ بِأنَّها عامَّةٌ في نَوْعِ الإنْسانِ لَمْ يَقْصِدْ بِها أبُو بَكْرٍ ولا غَيْرَهُ أصَحُّ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "مِنَ المُسْلِمِينَ".﴾
الأحقاف 46:16
قوله عزّ وجلّ:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عنهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عن سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما (p-٦٢١)يَسْتَغِيثانِ اللهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللهَ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإشارَةَ بِالإنْسانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٥] إلى الجِنْسِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَتَقَبَّلُ" بِالياءِ مَضْمُومَةً عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وكَذَلِكَ "يَتَجاوَزُ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ فِيهِما بِالنُونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ، "أحْسَنَ" بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطِلْحَةَ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والأعْمَشِ بِخِلافٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يَتَقَبَّلُ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، "وَيَتَجاوَزُ" كَذَلِكَ، أيِ: اللهُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾ يُرِيدُ: الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم رَحْمَةُ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وَعْدَ الصِدْقِ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لِما قَبْلَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ الآيَةُ، "الَّذِي" يُعْنى بِهِ الجِنْسُ عَلى حَدِّ العُمُومِ الَّذِي في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٥]، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ وجَماعَةٌ، ويُشْبِهُ أنَّ لَها سَبَبًا مِن رَجُلٍ قالَ ذَلِكَ لِأبَوَيْهِ، فَلَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ المُوَفَّقُ عَقَّبَ بِذِكْرِ هَذا العاقِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: نَزَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ في ابْنٍ لِأبِي بَكْرٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ. وقالَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَهُ قَتادَةُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ أكْبَرَ أولادِ أبِي بَكْرٍ وشَهِدَ بَدْرًا وأُحُدًا مَعَ الكُفّارِ، وقالَ لِأبِيهِ في الحَرْبِ:
؎ لَمْ يَبْقَ إلّا شَكَّةً ويَعْبُوبُ ∗∗∗ وصارِمٌ يَقْتُلُ ضُلّالَ الشَيْبِ
ودَعاهُ لِلْمُبارَزَةِ، فَكانَ بِمَكَّةَ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الخُلُقِ، فَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ فِيهِ. ورُوِيَ أنَّ مَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ خَطَبَ وهو أمِيرُ المَدِينَةِ فَدَعا الناسَ إلى بَيْعَةِ يَزِيدَ، فَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: جَعَلْتُمُوها هَرْقَلِيَّةً، كُلَّما ماتَ هِرَقْلُ ولِي هِرَقْلُ، وكُلَّما ماتَ (p-٦٢٢)قَيْصَرُ ولِي قَيْصَرُ، فَقالَ مَرْوانُ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بَيْتَ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها، فَقالَ مَرْوانُ: إنَّ هَذا هو الَّذِي قالَ اللهُ تَعالى فِيهِ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾، فَسَمِعَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها، فَأنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وسَبَتْ مَرْوانَ، وقالَتْ: واللهِ ما نَزَلَ في آلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَراءَتِي، وإنِّي لِأعْرِفُ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ الَّذِي خَطَبَ هو مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ وهْمٌ، والأصْوَبُ أنْ تَكُونَ عامَّةً في أهْلِ هَذِهِ الصِفاتِ ولَمْ يَقْصِدْ بِها عَبْدَ الرَحْمَنِ ولا غَيْرَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والدَلِيلُ القاطِعُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وكانَ عَبْدُ الرَحْمَنِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِن أفْضَلِ الصَحابَةِ، ومِنَ الأبْطالِ، ومِمَّنْ لَهُ في الإسْلامِ غِناءٌ، ويَكْفِيهِ مَقامُهُ مَعَ مَرْوانَ يَوْمَ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أُفٍّ" بِكَسْرِ الفاءِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وذَلِكَ فِيها عَلامَةُ تَعْرِيفٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وشِبْلُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "أُفَّ" بِالفَتْحِ، وهي لُغَةٌ، الكَسْرُ والفَتْحُ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "أُفِّ" بِالكَسْرِ والتَنْوِينِ، وذَلِكَ عَلامَةُ تَنْكِيرٍ، وهي كَصُهٍ، وكَما تَسْتَطْعِمُ رَجُلًا حَدِيثًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَتَقُولُ: "إيهٍ" مُنَوَّنَةً، فَإنْ كانَ حَدِيثًا مُشارًا إلَيْهِ قُلْتَ: "إيهَ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، و"أُفٍّ": أصْلُها في الأقْذارِ، وكانَتِ العَرَبُ إذا رَأتْ قَذِرًا قالَتْ: "أُفٍّ"، ثُمَّ صَيَّرَهُ الِاسْتِعْمالُ يُقالُ في كُلِّ ما يُكْرَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.
وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وعاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو فِيما رُوِيَ عنهُ-: "أتَعِدانِي"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وجُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "أتَعِدانِنِي"﴾ بِنُونَيْنِ، والقِراءَةُ الأولى هي بِإدْغامِ النُونِ في النُونِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا: (p-٦٢٣)"أتَعِدانِي" بِنُونٍ واحِدَةٍ وإظْهارِ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ وثّابٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: "أنْ أُخْرَجَ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الراءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، والضَحّاكُ: "أنْ أخْرُجَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وضَمِّ الراءِ. والمَعْنى: أنْ أخْرُجَ مِنَ القَبْرِ لِلْحَشْرِ والمَعادِ، وهَذا القَوْلُ مِنهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الهَزْءِ والِاسْتِبْعادِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ مَعْناهُ: هَلَكَتْ ومَضَتْ ولَمْ يَخْرُجْ مِنهم أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ﴾ يَعْنِي: الوالِدَيْنِ، ويُقالُ: اسْتَغَثْتُ اللهَ واسْتَغَثْتُ بِاللهِ بِمَعْنًى واحِدٍ. و﴿ "وَيْلَكَ"﴾ دُعاءٌ لِمَن يُحَقِّرُ ويُحَرِّكُ لِأمْرٍ ما يُسْتَعْجَلُ إلَيْهِ.
وقَرَأ الأعْرَجُ: "أنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والناسِ عَلى كَسْرِها، وقَوْلُهُ: ﴿ما هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: ما هَذا القَوْلُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ إلّا شَيْءٌ قَدْ سَطَرَهُ الأوَّلُونَ في كُتُبِهِمْ، يَعْنِي: الشَرائِعَ، وظاهِرُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في مُشارٍ إلَيْهِ قالَ وقِيلَ لَهُ، فَنَعى اللهُ تَعالى أقْوالَهُ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في مَثْلِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ﴾، ظاهِرٌ أنَّها إشارَةٌ إلى جِنْسٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والَّذِي قالَ"،﴾ ويُحْتَمَلُ -إنْ كانَتِ الآيَةُ في مُشارٍ إلَيْهِ- أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" بِمَعْنى: صِنْفُ هَذا المَذْكُورِ وجِنْسُهُ هُمُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ، أيْ: قَوْلُ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الجِنِّ يَمُوتُونَ كَما يَمُوتُ البَشَرُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وقَدْ جاءَ حَدِيثٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في بَعْضِ مَجالِسِهِ: "الجِنُّ لا تَمُوتُ"، فاعْتَرَضَهُ قَتادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَسَكَتَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ﴾ يَعْنِي المُحْسِنِينَ والمُسِيئِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ المُحْسِنِينَ تَذْهَبُ عُلُوًّا، ودَرَجاتُ المُسِيئِينَ تَذْهَبُ سُفْلًا، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "وَلِتُوَفِّيَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، أيِ الدَرَجاتِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَلِيُوَفِّيَهُمْ"﴾ بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "وَلِنُوَفِّيَهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ اللُؤْلُؤِيُّ في حِرَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَلَنُوَفِّيَنَّهُمْ" بِنُونٍ أُولى ونُونٍ ثانِيَةٍ مُشَدَّدَةٍ وبِفَتْحِ اللامِ، وكُلُّ امْرِئٍ يَجْنِي ثَمَرَةَ عَمَلِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ ولا يَظْلِمُ في مَجازاتِهِ، بَلْ يُوضَعُ كُلُّ أمْرٍ مَوْضِعَهُ مِن ثَوابٍ أو عِقابٍ.
الأحقاف 46:17
قوله عزّ وجلّ:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عنهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عن سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما (p-٦٢١)يَسْتَغِيثانِ اللهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللهَ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإشارَةَ بِالإنْسانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٥] إلى الجِنْسِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَتَقَبَّلُ" بِالياءِ مَضْمُومَةً عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وكَذَلِكَ "يَتَجاوَزُ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ فِيهِما بِالنُونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ، "أحْسَنَ" بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطِلْحَةَ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والأعْمَشِ بِخِلافٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يَتَقَبَّلُ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، "وَيَتَجاوَزُ" كَذَلِكَ، أيِ: اللهُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾ يُرِيدُ: الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم رَحْمَةُ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وَعْدَ الصِدْقِ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لِما قَبْلَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ الآيَةُ، "الَّذِي" يُعْنى بِهِ الجِنْسُ عَلى حَدِّ العُمُومِ الَّذِي في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٥]، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ وجَماعَةٌ، ويُشْبِهُ أنَّ لَها سَبَبًا مِن رَجُلٍ قالَ ذَلِكَ لِأبَوَيْهِ، فَلَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ المُوَفَّقُ عَقَّبَ بِذِكْرِ هَذا العاقِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: نَزَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ في ابْنٍ لِأبِي بَكْرٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ. وقالَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَهُ قَتادَةُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ أكْبَرَ أولادِ أبِي بَكْرٍ وشَهِدَ بَدْرًا وأُحُدًا مَعَ الكُفّارِ، وقالَ لِأبِيهِ في الحَرْبِ:
؎ لَمْ يَبْقَ إلّا شَكَّةً ويَعْبُوبُ ∗∗∗ وصارِمٌ يَقْتُلُ ضُلّالَ الشَيْبِ
ودَعاهُ لِلْمُبارَزَةِ، فَكانَ بِمَكَّةَ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الخُلُقِ، فَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ فِيهِ. ورُوِيَ أنَّ مَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ خَطَبَ وهو أمِيرُ المَدِينَةِ فَدَعا الناسَ إلى بَيْعَةِ يَزِيدَ، فَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: جَعَلْتُمُوها هَرْقَلِيَّةً، كُلَّما ماتَ هِرَقْلُ ولِي هِرَقْلُ، وكُلَّما ماتَ (p-٦٢٢)قَيْصَرُ ولِي قَيْصَرُ، فَقالَ مَرْوانُ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بَيْتَ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها، فَقالَ مَرْوانُ: إنَّ هَذا هو الَّذِي قالَ اللهُ تَعالى فِيهِ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾، فَسَمِعَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها، فَأنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وسَبَتْ مَرْوانَ، وقالَتْ: واللهِ ما نَزَلَ في آلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَراءَتِي، وإنِّي لِأعْرِفُ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ الَّذِي خَطَبَ هو مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ وهْمٌ، والأصْوَبُ أنْ تَكُونَ عامَّةً في أهْلِ هَذِهِ الصِفاتِ ولَمْ يَقْصِدْ بِها عَبْدَ الرَحْمَنِ ولا غَيْرَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والدَلِيلُ القاطِعُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وكانَ عَبْدُ الرَحْمَنِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِن أفْضَلِ الصَحابَةِ، ومِنَ الأبْطالِ، ومِمَّنْ لَهُ في الإسْلامِ غِناءٌ، ويَكْفِيهِ مَقامُهُ مَعَ مَرْوانَ يَوْمَ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أُفٍّ" بِكَسْرِ الفاءِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وذَلِكَ فِيها عَلامَةُ تَعْرِيفٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وشِبْلُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "أُفَّ" بِالفَتْحِ، وهي لُغَةٌ، الكَسْرُ والفَتْحُ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "أُفِّ" بِالكَسْرِ والتَنْوِينِ، وذَلِكَ عَلامَةُ تَنْكِيرٍ، وهي كَصُهٍ، وكَما تَسْتَطْعِمُ رَجُلًا حَدِيثًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَتَقُولُ: "إيهٍ" مُنَوَّنَةً، فَإنْ كانَ حَدِيثًا مُشارًا إلَيْهِ قُلْتَ: "إيهَ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، و"أُفٍّ": أصْلُها في الأقْذارِ، وكانَتِ العَرَبُ إذا رَأتْ قَذِرًا قالَتْ: "أُفٍّ"، ثُمَّ صَيَّرَهُ الِاسْتِعْمالُ يُقالُ في كُلِّ ما يُكْرَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.
وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وعاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو فِيما رُوِيَ عنهُ-: "أتَعِدانِي"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وجُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "أتَعِدانِنِي"﴾ بِنُونَيْنِ، والقِراءَةُ الأولى هي بِإدْغامِ النُونِ في النُونِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا: (p-٦٢٣)"أتَعِدانِي" بِنُونٍ واحِدَةٍ وإظْهارِ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ وثّابٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: "أنْ أُخْرَجَ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الراءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، والضَحّاكُ: "أنْ أخْرُجَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وضَمِّ الراءِ. والمَعْنى: أنْ أخْرُجَ مِنَ القَبْرِ لِلْحَشْرِ والمَعادِ، وهَذا القَوْلُ مِنهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الهَزْءِ والِاسْتِبْعادِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ مَعْناهُ: هَلَكَتْ ومَضَتْ ولَمْ يَخْرُجْ مِنهم أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ﴾ يَعْنِي: الوالِدَيْنِ، ويُقالُ: اسْتَغَثْتُ اللهَ واسْتَغَثْتُ بِاللهِ بِمَعْنًى واحِدٍ. و﴿ "وَيْلَكَ"﴾ دُعاءٌ لِمَن يُحَقِّرُ ويُحَرِّكُ لِأمْرٍ ما يُسْتَعْجَلُ إلَيْهِ.
وقَرَأ الأعْرَجُ: "أنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والناسِ عَلى كَسْرِها، وقَوْلُهُ: ﴿ما هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: ما هَذا القَوْلُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ إلّا شَيْءٌ قَدْ سَطَرَهُ الأوَّلُونَ في كُتُبِهِمْ، يَعْنِي: الشَرائِعَ، وظاهِرُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في مُشارٍ إلَيْهِ قالَ وقِيلَ لَهُ، فَنَعى اللهُ تَعالى أقْوالَهُ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في مَثْلِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ﴾، ظاهِرٌ أنَّها إشارَةٌ إلى جِنْسٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والَّذِي قالَ"،﴾ ويُحْتَمَلُ -إنْ كانَتِ الآيَةُ في مُشارٍ إلَيْهِ- أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" بِمَعْنى: صِنْفُ هَذا المَذْكُورِ وجِنْسُهُ هُمُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ، أيْ: قَوْلُ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الجِنِّ يَمُوتُونَ كَما يَمُوتُ البَشَرُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وقَدْ جاءَ حَدِيثٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في بَعْضِ مَجالِسِهِ: "الجِنُّ لا تَمُوتُ"، فاعْتَرَضَهُ قَتادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَسَكَتَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ﴾ يَعْنِي المُحْسِنِينَ والمُسِيئِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ المُحْسِنِينَ تَذْهَبُ عُلُوًّا، ودَرَجاتُ المُسِيئِينَ تَذْهَبُ سُفْلًا، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "وَلِتُوَفِّيَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، أيِ الدَرَجاتِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَلِيُوَفِّيَهُمْ"﴾ بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "وَلِنُوَفِّيَهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ اللُؤْلُؤِيُّ في حِرَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَلَنُوَفِّيَنَّهُمْ" بِنُونٍ أُولى ونُونٍ ثانِيَةٍ مُشَدَّدَةٍ وبِفَتْحِ اللامِ، وكُلُّ امْرِئٍ يَجْنِي ثَمَرَةَ عَمَلِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ ولا يَظْلِمُ في مَجازاتِهِ، بَلْ يُوضَعُ كُلُّ أمْرٍ مَوْضِعَهُ مِن ثَوابٍ أو عِقابٍ.
الأحقاف 46:18
قوله عزّ وجلّ:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عنهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عن سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما (p-٦٢١)يَسْتَغِيثانِ اللهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللهَ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإشارَةَ بِالإنْسانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٥] إلى الجِنْسِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَتَقَبَّلُ" بِالياءِ مَضْمُومَةً عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وكَذَلِكَ "يَتَجاوَزُ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ فِيهِما بِالنُونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ، "أحْسَنَ" بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطِلْحَةَ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والأعْمَشِ بِخِلافٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يَتَقَبَّلُ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، "وَيَتَجاوَزُ" كَذَلِكَ، أيِ: اللهُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾ يُرِيدُ: الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم رَحْمَةُ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وَعْدَ الصِدْقِ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لِما قَبْلَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ الآيَةُ، "الَّذِي" يُعْنى بِهِ الجِنْسُ عَلى حَدِّ العُمُومِ الَّذِي في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٥]، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ وجَماعَةٌ، ويُشْبِهُ أنَّ لَها سَبَبًا مِن رَجُلٍ قالَ ذَلِكَ لِأبَوَيْهِ، فَلَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ المُوَفَّقُ عَقَّبَ بِذِكْرِ هَذا العاقِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: نَزَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ في ابْنٍ لِأبِي بَكْرٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ. وقالَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَهُ قَتادَةُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ أكْبَرَ أولادِ أبِي بَكْرٍ وشَهِدَ بَدْرًا وأُحُدًا مَعَ الكُفّارِ، وقالَ لِأبِيهِ في الحَرْبِ:
؎ لَمْ يَبْقَ إلّا شَكَّةً ويَعْبُوبُ ∗∗∗ وصارِمٌ يَقْتُلُ ضُلّالَ الشَيْبِ
ودَعاهُ لِلْمُبارَزَةِ، فَكانَ بِمَكَّةَ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الخُلُقِ، فَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ فِيهِ. ورُوِيَ أنَّ مَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ خَطَبَ وهو أمِيرُ المَدِينَةِ فَدَعا الناسَ إلى بَيْعَةِ يَزِيدَ، فَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: جَعَلْتُمُوها هَرْقَلِيَّةً، كُلَّما ماتَ هِرَقْلُ ولِي هِرَقْلُ، وكُلَّما ماتَ (p-٦٢٢)قَيْصَرُ ولِي قَيْصَرُ، فَقالَ مَرْوانُ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بَيْتَ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها، فَقالَ مَرْوانُ: إنَّ هَذا هو الَّذِي قالَ اللهُ تَعالى فِيهِ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾، فَسَمِعَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها، فَأنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وسَبَتْ مَرْوانَ، وقالَتْ: واللهِ ما نَزَلَ في آلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَراءَتِي، وإنِّي لِأعْرِفُ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ الَّذِي خَطَبَ هو مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ وهْمٌ، والأصْوَبُ أنْ تَكُونَ عامَّةً في أهْلِ هَذِهِ الصِفاتِ ولَمْ يَقْصِدْ بِها عَبْدَ الرَحْمَنِ ولا غَيْرَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والدَلِيلُ القاطِعُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وكانَ عَبْدُ الرَحْمَنِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِن أفْضَلِ الصَحابَةِ، ومِنَ الأبْطالِ، ومِمَّنْ لَهُ في الإسْلامِ غِناءٌ، ويَكْفِيهِ مَقامُهُ مَعَ مَرْوانَ يَوْمَ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أُفٍّ" بِكَسْرِ الفاءِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وذَلِكَ فِيها عَلامَةُ تَعْرِيفٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وشِبْلُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "أُفَّ" بِالفَتْحِ، وهي لُغَةٌ، الكَسْرُ والفَتْحُ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "أُفِّ" بِالكَسْرِ والتَنْوِينِ، وذَلِكَ عَلامَةُ تَنْكِيرٍ، وهي كَصُهٍ، وكَما تَسْتَطْعِمُ رَجُلًا حَدِيثًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَتَقُولُ: "إيهٍ" مُنَوَّنَةً، فَإنْ كانَ حَدِيثًا مُشارًا إلَيْهِ قُلْتَ: "إيهَ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، و"أُفٍّ": أصْلُها في الأقْذارِ، وكانَتِ العَرَبُ إذا رَأتْ قَذِرًا قالَتْ: "أُفٍّ"، ثُمَّ صَيَّرَهُ الِاسْتِعْمالُ يُقالُ في كُلِّ ما يُكْرَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.
وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وعاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو فِيما رُوِيَ عنهُ-: "أتَعِدانِي"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وجُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "أتَعِدانِنِي"﴾ بِنُونَيْنِ، والقِراءَةُ الأولى هي بِإدْغامِ النُونِ في النُونِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا: (p-٦٢٣)"أتَعِدانِي" بِنُونٍ واحِدَةٍ وإظْهارِ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ وثّابٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: "أنْ أُخْرَجَ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الراءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، والضَحّاكُ: "أنْ أخْرُجَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وضَمِّ الراءِ. والمَعْنى: أنْ أخْرُجَ مِنَ القَبْرِ لِلْحَشْرِ والمَعادِ، وهَذا القَوْلُ مِنهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الهَزْءِ والِاسْتِبْعادِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ مَعْناهُ: هَلَكَتْ ومَضَتْ ولَمْ يَخْرُجْ مِنهم أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ﴾ يَعْنِي: الوالِدَيْنِ، ويُقالُ: اسْتَغَثْتُ اللهَ واسْتَغَثْتُ بِاللهِ بِمَعْنًى واحِدٍ. و﴿ "وَيْلَكَ"﴾ دُعاءٌ لِمَن يُحَقِّرُ ويُحَرِّكُ لِأمْرٍ ما يُسْتَعْجَلُ إلَيْهِ.
وقَرَأ الأعْرَجُ: "أنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والناسِ عَلى كَسْرِها، وقَوْلُهُ: ﴿ما هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: ما هَذا القَوْلُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ إلّا شَيْءٌ قَدْ سَطَرَهُ الأوَّلُونَ في كُتُبِهِمْ، يَعْنِي: الشَرائِعَ، وظاهِرُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في مُشارٍ إلَيْهِ قالَ وقِيلَ لَهُ، فَنَعى اللهُ تَعالى أقْوالَهُ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في مَثْلِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ﴾، ظاهِرٌ أنَّها إشارَةٌ إلى جِنْسٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والَّذِي قالَ"،﴾ ويُحْتَمَلُ -إنْ كانَتِ الآيَةُ في مُشارٍ إلَيْهِ- أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" بِمَعْنى: صِنْفُ هَذا المَذْكُورِ وجِنْسُهُ هُمُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ، أيْ: قَوْلُ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الجِنِّ يَمُوتُونَ كَما يَمُوتُ البَشَرُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وقَدْ جاءَ حَدِيثٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في بَعْضِ مَجالِسِهِ: "الجِنُّ لا تَمُوتُ"، فاعْتَرَضَهُ قَتادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَسَكَتَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ﴾ يَعْنِي المُحْسِنِينَ والمُسِيئِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ المُحْسِنِينَ تَذْهَبُ عُلُوًّا، ودَرَجاتُ المُسِيئِينَ تَذْهَبُ سُفْلًا، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "وَلِتُوَفِّيَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، أيِ الدَرَجاتِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَلِيُوَفِّيَهُمْ"﴾ بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "وَلِنُوَفِّيَهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ اللُؤْلُؤِيُّ في حِرَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَلَنُوَفِّيَنَّهُمْ" بِنُونٍ أُولى ونُونٍ ثانِيَةٍ مُشَدَّدَةٍ وبِفَتْحِ اللامِ، وكُلُّ امْرِئٍ يَجْنِي ثَمَرَةَ عَمَلِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ ولا يَظْلِمُ في مَجازاتِهِ، بَلْ يُوضَعُ كُلُّ أمْرٍ مَوْضِعَهُ مِن ثَوابٍ أو عِقابٍ.
الأحقاف 46:19
قوله عزّ وجلّ:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عنهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عن سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما (p-٦٢١)يَسْتَغِيثانِ اللهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللهَ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإشارَةَ بِالإنْسانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٥] إلى الجِنْسِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَتَقَبَّلُ" بِالياءِ مَضْمُومَةً عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وكَذَلِكَ "يَتَجاوَزُ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ فِيهِما بِالنُونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ، "أحْسَنَ" بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطِلْحَةَ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والأعْمَشِ بِخِلافٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يَتَقَبَّلُ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، "وَيَتَجاوَزُ" كَذَلِكَ، أيِ: اللهُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾ يُرِيدُ: الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم رَحْمَةُ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وَعْدَ الصِدْقِ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لِما قَبْلَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ الآيَةُ، "الَّذِي" يُعْنى بِهِ الجِنْسُ عَلى حَدِّ العُمُومِ الَّذِي في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٥]، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ وجَماعَةٌ، ويُشْبِهُ أنَّ لَها سَبَبًا مِن رَجُلٍ قالَ ذَلِكَ لِأبَوَيْهِ، فَلَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ المُوَفَّقُ عَقَّبَ بِذِكْرِ هَذا العاقِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: نَزَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ في ابْنٍ لِأبِي بَكْرٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ. وقالَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَهُ قَتادَةُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ أكْبَرَ أولادِ أبِي بَكْرٍ وشَهِدَ بَدْرًا وأُحُدًا مَعَ الكُفّارِ، وقالَ لِأبِيهِ في الحَرْبِ:
؎ لَمْ يَبْقَ إلّا شَكَّةً ويَعْبُوبُ ∗∗∗ وصارِمٌ يَقْتُلُ ضُلّالَ الشَيْبِ
ودَعاهُ لِلْمُبارَزَةِ، فَكانَ بِمَكَّةَ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الخُلُقِ، فَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ فِيهِ. ورُوِيَ أنَّ مَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ خَطَبَ وهو أمِيرُ المَدِينَةِ فَدَعا الناسَ إلى بَيْعَةِ يَزِيدَ، فَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: جَعَلْتُمُوها هَرْقَلِيَّةً، كُلَّما ماتَ هِرَقْلُ ولِي هِرَقْلُ، وكُلَّما ماتَ (p-٦٢٢)قَيْصَرُ ولِي قَيْصَرُ، فَقالَ مَرْوانُ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بَيْتَ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها، فَقالَ مَرْوانُ: إنَّ هَذا هو الَّذِي قالَ اللهُ تَعالى فِيهِ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾، فَسَمِعَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها، فَأنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وسَبَتْ مَرْوانَ، وقالَتْ: واللهِ ما نَزَلَ في آلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَراءَتِي، وإنِّي لِأعْرِفُ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ الَّذِي خَطَبَ هو مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ وهْمٌ، والأصْوَبُ أنْ تَكُونَ عامَّةً في أهْلِ هَذِهِ الصِفاتِ ولَمْ يَقْصِدْ بِها عَبْدَ الرَحْمَنِ ولا غَيْرَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والدَلِيلُ القاطِعُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وكانَ عَبْدُ الرَحْمَنِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِن أفْضَلِ الصَحابَةِ، ومِنَ الأبْطالِ، ومِمَّنْ لَهُ في الإسْلامِ غِناءٌ، ويَكْفِيهِ مَقامُهُ مَعَ مَرْوانَ يَوْمَ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أُفٍّ" بِكَسْرِ الفاءِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وذَلِكَ فِيها عَلامَةُ تَعْرِيفٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وشِبْلُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "أُفَّ" بِالفَتْحِ، وهي لُغَةٌ، الكَسْرُ والفَتْحُ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "أُفِّ" بِالكَسْرِ والتَنْوِينِ، وذَلِكَ عَلامَةُ تَنْكِيرٍ، وهي كَصُهٍ، وكَما تَسْتَطْعِمُ رَجُلًا حَدِيثًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَتَقُولُ: "إيهٍ" مُنَوَّنَةً، فَإنْ كانَ حَدِيثًا مُشارًا إلَيْهِ قُلْتَ: "إيهَ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، و"أُفٍّ": أصْلُها في الأقْذارِ، وكانَتِ العَرَبُ إذا رَأتْ قَذِرًا قالَتْ: "أُفٍّ"، ثُمَّ صَيَّرَهُ الِاسْتِعْمالُ يُقالُ في كُلِّ ما يُكْرَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.
وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وعاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو فِيما رُوِيَ عنهُ-: "أتَعِدانِي"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وجُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "أتَعِدانِنِي"﴾ بِنُونَيْنِ، والقِراءَةُ الأولى هي بِإدْغامِ النُونِ في النُونِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا: (p-٦٢٣)"أتَعِدانِي" بِنُونٍ واحِدَةٍ وإظْهارِ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ وثّابٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: "أنْ أُخْرَجَ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الراءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، والضَحّاكُ: "أنْ أخْرُجَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وضَمِّ الراءِ. والمَعْنى: أنْ أخْرُجَ مِنَ القَبْرِ لِلْحَشْرِ والمَعادِ، وهَذا القَوْلُ مِنهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الهَزْءِ والِاسْتِبْعادِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ مَعْناهُ: هَلَكَتْ ومَضَتْ ولَمْ يَخْرُجْ مِنهم أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ﴾ يَعْنِي: الوالِدَيْنِ، ويُقالُ: اسْتَغَثْتُ اللهَ واسْتَغَثْتُ بِاللهِ بِمَعْنًى واحِدٍ. و﴿ "وَيْلَكَ"﴾ دُعاءٌ لِمَن يُحَقِّرُ ويُحَرِّكُ لِأمْرٍ ما يُسْتَعْجَلُ إلَيْهِ.
وقَرَأ الأعْرَجُ: "أنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والناسِ عَلى كَسْرِها، وقَوْلُهُ: ﴿ما هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: ما هَذا القَوْلُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ إلّا شَيْءٌ قَدْ سَطَرَهُ الأوَّلُونَ في كُتُبِهِمْ، يَعْنِي: الشَرائِعَ، وظاهِرُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في مُشارٍ إلَيْهِ قالَ وقِيلَ لَهُ، فَنَعى اللهُ تَعالى أقْوالَهُ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في مَثْلِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ﴾، ظاهِرٌ أنَّها إشارَةٌ إلى جِنْسٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والَّذِي قالَ"،﴾ ويُحْتَمَلُ -إنْ كانَتِ الآيَةُ في مُشارٍ إلَيْهِ- أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" بِمَعْنى: صِنْفُ هَذا المَذْكُورِ وجِنْسُهُ هُمُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ، أيْ: قَوْلُ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الجِنِّ يَمُوتُونَ كَما يَمُوتُ البَشَرُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وقَدْ جاءَ حَدِيثٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في بَعْضِ مَجالِسِهِ: "الجِنُّ لا تَمُوتُ"، فاعْتَرَضَهُ قَتادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَسَكَتَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ﴾ يَعْنِي المُحْسِنِينَ والمُسِيئِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: دَرَجاتُ المُحْسِنِينَ تَذْهَبُ عُلُوًّا، ودَرَجاتُ المُسِيئِينَ تَذْهَبُ سُفْلًا، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "وَلِتُوَفِّيَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، أيِ الدَرَجاتِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَلِيُوَفِّيَهُمْ"﴾ بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "وَلِنُوَفِّيَهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ اللُؤْلُؤِيُّ في حِرَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَلَنُوَفِّيَنَّهُمْ" بِنُونٍ أُولى ونُونٍ ثانِيَةٍ مُشَدَّدَةٍ وبِفَتْحِ اللامِ، وكُلُّ امْرِئٍ يَجْنِي ثَمَرَةَ عَمَلِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ ولا يَظْلِمُ في مَجازاتِهِ، بَلْ يُوضَعُ كُلُّ أمْرٍ مَوْضِعَهُ مِن ثَوابٍ أو عِقابٍ.
الأحقاف 46:20
(p-٦٢٤)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عن آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾
المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ يُعْرَضُ، وهَذا العَرْضُ هو بِالمُباشَرَةِ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ العُودَ عَلى النارِ والجانِي عَلى السَوْطِ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ عَلى الخَبَرِ، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "آذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَةٍ عَلى التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ الَّذِي هو في لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أأذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ تَقْرِيرًا أيْضًا، التَوْبِيخُ والتَقْرِيرُ إخْبارٌ بِالمَعْنى، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ، وإلّا فَهي لا تَحْسُنُ في جَوابٍ عَلى حَدِّ هَذِهِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ.
والطَيِّباتُ: المَلاذُّ، وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ فَهي وازِعَةٌ لِأُولِي النُهى مِنَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الشَهَواتِ واسْتِعْمالِ الطَيِّباتِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أتَظُنُّونَ أنّا لا نَعْرِفُ طَيِّبَ الطَعامِ؟ ذَلِكَ لُبابُ البِرِّ بِصِغارِ المِعْزى، ولَكُنّا رَأيْنا اللهَ تَعالى نَعى عَلى قَوْمٍ أنَّهم أذْهَبُوا طَيِّباتِهِمْ في حَياتِهِمُ الدُنْيا"، ذَكَرَ هَذا في كَلامِهِ مَعَ الرَبِيعِ بْنِ زِيادٍ، وقالَ أيْضًا نَحْوَ هَذا لِخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ حِينَ دَخَلَ الشامَ، فَقُدِّمَ إلَيْهِ طَعامٌ طَيِّبٌ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هَذا لَنا، فَما لِفُقَراءِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ ماتُوا ولَمْ يِشْبَعُوا مِن خُبْزِ الشَعِيرِ؟ فَقالَ خالِدٌ: لَهُمُ الجَنَّةُ، فَبَكى عُمَرُ وقالَ: لَئِنْ كانَ حَظُّنا في الحُطامِ وذَهَبُوا بِالجَنَّةِ لَقَدْ بايَنُونا بَوْنًا بَعِيدًا. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اشْتَرَيْتُ لَحْمًا بِدِرْهَمٍ فَرَآنِي عُمَرُ، فَقالَ: أوَ كُلَّما اشْتَهى أحَدُكم شَيْئًا اشْتَراهُ فَأكَلَهُ؟ أما تَخْشى أنْ تَكُونَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ.
وعَذابُ الهُونِ: العَذابُ الَّذِي اقْتَرَنَ بِهِ هَوانٌ، وهو عَذابُ العُصاةِ المُواقِعِينَ ما قَدْ نُهُوا عنهُ، وهَذا بَيِّنٌ في عَذابِ الدُنْيا، فَعَذابُ المَحْدُودِ في مَعْصِيَةٍ كالحِرابَةِ ونَحْوِها مُقْتَرِنٌ بِهُونٍ، وعَذابِ المَقْتُولِ في حَرْبٍ لا هَوْنَ مَعَهُ، فالهَوْنُ والهَوانُ بِمَعْنًى. (p-٦٢٥)ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِذِكْرِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْمِهِ عادٌ عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، وهَذِهِ الأُخُوَّةُ هي أُخُوَّةُ القَرابَةِ، لِأنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ مِن أشْرافِ القَبِيلَةِ الَّتِي هي عادٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذِهِ الأحْقافِ، أيْنَ كانَتْ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هي جَبَلٌ بِالشامِ، وقِيلَ: كانَتْ بِلادَ نَخِيلٍ، وقِيلَ: هي الرِمالُ بَيْنَ مَهَرَةٍ وعَدَنٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَيْنَ عُمانَ ومَهَرَةَ، وقالَ قَتادَةُ: هي بِلادُ الشَحْرِ المُواصَلَةِ لِلْبَحْرِ اليَمانِيِّ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وعُمانَ، والصَحِيحُ مِنَ الأقْوالِ أنَّ بِلادَ عادٍ كانَتْ في اليَمَنِ ولَهم إرَمُ ذاتُ العِمادِ، و"الأحْقافُ": جَمْعُ حِقْفٍ، وهو الجَبَلُ المُسْتَطِيلُ والمُعْوَجُّ مِنَ الرَمْلِ، قالَ الخَلِيلُ: هي الرِمالُ العِظامُ، وكَثِيرًا ما تَحْدُثُ هَذِهِ الأحْقافُ في بِلادِ الرَمْلِ في الصَحارِي، لِأنَّ الرِيحَ تَصْنَعُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ اعْتِراضٌ مُؤَكَّدٌ مُقِيمٌ لِلْحُجَّةِ أثْناءَ قِصَّةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ﴾ هو مِن نَذارَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ، و﴿ "خَلَتِ":﴾ مَعْناهُ: مَضَتْ إلى الخَلاءِ ومَرَّتْ أزْمانُها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن قَبْلِهِ وبَعْدِهِ"، ورُوِيَ فِيهِ: "وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن بَعْدِهِ"، والنُذُرُ: جَمْعُ نَذِيرٍ بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ "لِتَأْفِكَنا"﴾ مَعْناهُ: لِتَصْرِفَنا، وقَوْلُهُمْ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ تَصْمِيمٌ عَلى التَكْذِيبِ وتَعْجِيزٌ مِنهم لَهُ في زَعْمِهِمْ.
الأحقاف 46:21
(p-٦٢٤)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عن آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾
المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ يُعْرَضُ، وهَذا العَرْضُ هو بِالمُباشَرَةِ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ العُودَ عَلى النارِ والجانِي عَلى السَوْطِ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ عَلى الخَبَرِ، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "آذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَةٍ عَلى التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ الَّذِي هو في لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أأذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ تَقْرِيرًا أيْضًا، التَوْبِيخُ والتَقْرِيرُ إخْبارٌ بِالمَعْنى، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ، وإلّا فَهي لا تَحْسُنُ في جَوابٍ عَلى حَدِّ هَذِهِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ.
والطَيِّباتُ: المَلاذُّ، وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ فَهي وازِعَةٌ لِأُولِي النُهى مِنَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الشَهَواتِ واسْتِعْمالِ الطَيِّباتِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أتَظُنُّونَ أنّا لا نَعْرِفُ طَيِّبَ الطَعامِ؟ ذَلِكَ لُبابُ البِرِّ بِصِغارِ المِعْزى، ولَكُنّا رَأيْنا اللهَ تَعالى نَعى عَلى قَوْمٍ أنَّهم أذْهَبُوا طَيِّباتِهِمْ في حَياتِهِمُ الدُنْيا"، ذَكَرَ هَذا في كَلامِهِ مَعَ الرَبِيعِ بْنِ زِيادٍ، وقالَ أيْضًا نَحْوَ هَذا لِخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ حِينَ دَخَلَ الشامَ، فَقُدِّمَ إلَيْهِ طَعامٌ طَيِّبٌ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هَذا لَنا، فَما لِفُقَراءِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ ماتُوا ولَمْ يِشْبَعُوا مِن خُبْزِ الشَعِيرِ؟ فَقالَ خالِدٌ: لَهُمُ الجَنَّةُ، فَبَكى عُمَرُ وقالَ: لَئِنْ كانَ حَظُّنا في الحُطامِ وذَهَبُوا بِالجَنَّةِ لَقَدْ بايَنُونا بَوْنًا بَعِيدًا. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اشْتَرَيْتُ لَحْمًا بِدِرْهَمٍ فَرَآنِي عُمَرُ، فَقالَ: أوَ كُلَّما اشْتَهى أحَدُكم شَيْئًا اشْتَراهُ فَأكَلَهُ؟ أما تَخْشى أنْ تَكُونَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ.
وعَذابُ الهُونِ: العَذابُ الَّذِي اقْتَرَنَ بِهِ هَوانٌ، وهو عَذابُ العُصاةِ المُواقِعِينَ ما قَدْ نُهُوا عنهُ، وهَذا بَيِّنٌ في عَذابِ الدُنْيا، فَعَذابُ المَحْدُودِ في مَعْصِيَةٍ كالحِرابَةِ ونَحْوِها مُقْتَرِنٌ بِهُونٍ، وعَذابِ المَقْتُولِ في حَرْبٍ لا هَوْنَ مَعَهُ، فالهَوْنُ والهَوانُ بِمَعْنًى. (p-٦٢٥)ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِذِكْرِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْمِهِ عادٌ عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، وهَذِهِ الأُخُوَّةُ هي أُخُوَّةُ القَرابَةِ، لِأنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ مِن أشْرافِ القَبِيلَةِ الَّتِي هي عادٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذِهِ الأحْقافِ، أيْنَ كانَتْ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هي جَبَلٌ بِالشامِ، وقِيلَ: كانَتْ بِلادَ نَخِيلٍ، وقِيلَ: هي الرِمالُ بَيْنَ مَهَرَةٍ وعَدَنٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَيْنَ عُمانَ ومَهَرَةَ، وقالَ قَتادَةُ: هي بِلادُ الشَحْرِ المُواصَلَةِ لِلْبَحْرِ اليَمانِيِّ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وعُمانَ، والصَحِيحُ مِنَ الأقْوالِ أنَّ بِلادَ عادٍ كانَتْ في اليَمَنِ ولَهم إرَمُ ذاتُ العِمادِ، و"الأحْقافُ": جَمْعُ حِقْفٍ، وهو الجَبَلُ المُسْتَطِيلُ والمُعْوَجُّ مِنَ الرَمْلِ، قالَ الخَلِيلُ: هي الرِمالُ العِظامُ، وكَثِيرًا ما تَحْدُثُ هَذِهِ الأحْقافُ في بِلادِ الرَمْلِ في الصَحارِي، لِأنَّ الرِيحَ تَصْنَعُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ اعْتِراضٌ مُؤَكَّدٌ مُقِيمٌ لِلْحُجَّةِ أثْناءَ قِصَّةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ﴾ هو مِن نَذارَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ، و﴿ "خَلَتِ":﴾ مَعْناهُ: مَضَتْ إلى الخَلاءِ ومَرَّتْ أزْمانُها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن قَبْلِهِ وبَعْدِهِ"، ورُوِيَ فِيهِ: "وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن بَعْدِهِ"، والنُذُرُ: جَمْعُ نَذِيرٍ بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ "لِتَأْفِكَنا"﴾ مَعْناهُ: لِتَصْرِفَنا، وقَوْلُهُمْ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ تَصْمِيمٌ عَلى التَكْذِيبِ وتَعْجِيزٌ مِنهم لَهُ في زَعْمِهِمْ.
الأحقاف 46:22
(p-٦٢٤)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عن آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾
المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ يُعْرَضُ، وهَذا العَرْضُ هو بِالمُباشَرَةِ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ العُودَ عَلى النارِ والجانِي عَلى السَوْطِ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ عَلى الخَبَرِ، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "آذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَةٍ عَلى التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ الَّذِي هو في لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أأذْهَبْتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ تَقْرِيرًا أيْضًا، التَوْبِيخُ والتَقْرِيرُ إخْبارٌ بِالمَعْنى، ولِذَلِكَ حَسُنَتِ الفاءُ، وإلّا فَهي لا تَحْسُنُ في جَوابٍ عَلى حَدِّ هَذِهِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ.
والطَيِّباتُ: المَلاذُّ، وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ فَهي وازِعَةٌ لِأُولِي النُهى مِنَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الشَهَواتِ واسْتِعْمالِ الطَيِّباتِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أتَظُنُّونَ أنّا لا نَعْرِفُ طَيِّبَ الطَعامِ؟ ذَلِكَ لُبابُ البِرِّ بِصِغارِ المِعْزى، ولَكُنّا رَأيْنا اللهَ تَعالى نَعى عَلى قَوْمٍ أنَّهم أذْهَبُوا طَيِّباتِهِمْ في حَياتِهِمُ الدُنْيا"، ذَكَرَ هَذا في كَلامِهِ مَعَ الرَبِيعِ بْنِ زِيادٍ، وقالَ أيْضًا نَحْوَ هَذا لِخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ حِينَ دَخَلَ الشامَ، فَقُدِّمَ إلَيْهِ طَعامٌ طَيِّبٌ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هَذا لَنا، فَما لِفُقَراءِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ ماتُوا ولَمْ يِشْبَعُوا مِن خُبْزِ الشَعِيرِ؟ فَقالَ خالِدٌ: لَهُمُ الجَنَّةُ، فَبَكى عُمَرُ وقالَ: لَئِنْ كانَ حَظُّنا في الحُطامِ وذَهَبُوا بِالجَنَّةِ لَقَدْ بايَنُونا بَوْنًا بَعِيدًا. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اشْتَرَيْتُ لَحْمًا بِدِرْهَمٍ فَرَآنِي عُمَرُ، فَقالَ: أوَ كُلَّما اشْتَهى أحَدُكم شَيْئًا اشْتَراهُ فَأكَلَهُ؟ أما تَخْشى أنْ تَكُونَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ.
وعَذابُ الهُونِ: العَذابُ الَّذِي اقْتَرَنَ بِهِ هَوانٌ، وهو عَذابُ العُصاةِ المُواقِعِينَ ما قَدْ نُهُوا عنهُ، وهَذا بَيِّنٌ في عَذابِ الدُنْيا، فَعَذابُ المَحْدُودِ في مَعْصِيَةٍ كالحِرابَةِ ونَحْوِها مُقْتَرِنٌ بِهُونٍ، وعَذابِ المَقْتُولِ في حَرْبٍ لا هَوْنَ مَعَهُ، فالهَوْنُ والهَوانُ بِمَعْنًى. (p-٦٢٥)ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِذِكْرِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْمِهِ عادٌ عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، وهَذِهِ الأُخُوَّةُ هي أُخُوَّةُ القَرابَةِ، لِأنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ مِن أشْرافِ القَبِيلَةِ الَّتِي هي عادٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذِهِ الأحْقافِ، أيْنَ كانَتْ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هي جَبَلٌ بِالشامِ، وقِيلَ: كانَتْ بِلادَ نَخِيلٍ، وقِيلَ: هي الرِمالُ بَيْنَ مَهَرَةٍ وعَدَنٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَيْنَ عُمانَ ومَهَرَةَ، وقالَ قَتادَةُ: هي بِلادُ الشَحْرِ المُواصَلَةِ لِلْبَحْرِ اليَمانِيِّ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وعُمانَ، والصَحِيحُ مِنَ الأقْوالِ أنَّ بِلادَ عادٍ كانَتْ في اليَمَنِ ولَهم إرَمُ ذاتُ العِمادِ، و"الأحْقافُ": جَمْعُ حِقْفٍ، وهو الجَبَلُ المُسْتَطِيلُ والمُعْوَجُّ مِنَ الرَمْلِ، قالَ الخَلِيلُ: هي الرِمالُ العِظامُ، وكَثِيرًا ما تَحْدُثُ هَذِهِ الأحْقافُ في بِلادِ الرَمْلِ في الصَحارِي، لِأنَّ الرِيحَ تَصْنَعُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ اعْتِراضٌ مُؤَكَّدٌ مُقِيمٌ لِلْحُجَّةِ أثْناءَ قِصَّةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ﴾ هو مِن نَذارَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَلامُ، و﴿ "خَلَتِ":﴾ مَعْناهُ: مَضَتْ إلى الخَلاءِ ومَرَّتْ أزْمانُها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن قَبْلِهِ وبَعْدِهِ"، ورُوِيَ فِيهِ: "وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن بَعْدِهِ"، والنُذُرُ: جَمْعُ نَذِيرٍ بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ "لِتَأْفِكَنا"﴾ مَعْناهُ: لِتَصْرِفَنا، وقَوْلُهُمْ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ تَصْمِيمٌ عَلى التَكْذِيبِ وتَعْجِيزٌ مِنهم لَهُ في زَعْمِهِمْ.
الأحقاف 46:23
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أودِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عنهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
المَعْنى: قالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ: إنَّ هَذا الوَعِيدَ لَيْسَ مِن قِبَلِي، وإنَّما الأمْرُ لِلَّهِ تَعالى وعِلْمُ وقْتِهِ عِنْدَهُ، وإنَّما عَلَيَّ أنَّ أُبَلِّغَ فَقَطْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَأُبَلِّغُكُمْ"﴾ (p-٦٢٦)بِفَتْحِ الباءِ وشَدِّ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في كُلِّ القُرْآنِ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، و﴿أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا مِن أمْرِ اللهِ تَعالى، وتَجْهَلُونَ خَلْقَ أنْفُسِكم.
والضَمِيرُ فِي: ﴿ "رَأوهُ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَذابِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الشَيْءِ المَرْئِيِّ الطارِئِ عَلَيْهِمْ، وهو الَّذِي فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿ "عارِضًا"،﴾ والعارِضُ ما يَعْرِضُ في الجَوِّ مِنَ السَحابِ المُمْطِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ يا مَن رَأى عارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ ∗∗∗ كَأنَّما البَرْقُ في حافاتِهِ الشَعْلُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العارِضُ: الَّذِي في أقْطارِ السَماءِ عَشِيًّا ثُمَّ يُصْبِحُ مِنَ الغَدِ قَدِ اسْتَوى، ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُسْتَقْبِلَ أودِيَتِهِمْ﴾ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ كانُوا قَدْ قَحَطُوا مُدَّةً، فَطَلَعَ عَلَيْهِمْ هَذا العارِضُ عَلى الهَيْئَةِ والجِهَةِ الَّتِي يُمْطِرُونَ بِها أبَدًا، جاءَهم مِن قِبَلِ وادٍ لَهم يُسَمُّونَهُ المُغِيثَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فَفَرِحُوا بِهِ وقالُوا: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا، وقَدْ كَذَبَ هو فِيما أوعَدَ بِهِ، فَقالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ: لَيْسَ الأمْرُ كَما رَأيْتُمْ، بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ في قَوْلِكُمْ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأحقاف: ٢٢]، ثُمَّ قالَ: ﴿رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " مُمْطِرُنا قالَ هُودٌ بَلْ هُوَ" بِإظْهارِ المُقَدَّرِ، لِأنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ هي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]، أيْ: يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكم.
قالَ الزَجّاجُ: وقَرَأ قَوْمٌ: "بَلْ هو ما اسْتُعْجِلْتُمْ بِهِ" بِضَمِّ التاءِ الأُولى وكَسْرِ الجِيمِ، و﴿ "رِيحٌ"﴾ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ في قَوْلِهِ: "هُوَ ما"، و﴿ "مُمْطِرُنا"﴾ هو نَعْتٌ لـ ﴿ "عارِضٌ"،﴾ وهو نَكِرَةٌ إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: مُمْطِرٌ لَنا في المُسْتَقْبَلِ، فَهو في حُكْمِ الِانْفِصالِ، وقَدْ مَضى في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ قِصَصُ الرِيحِ الَّتِي هَبَّتْ عَلَيْهِمْ، وأنَّها كانَتْ تَحْمِلُ الظَعِينَةَ كَجَرادَةٍ.
(p-٦٢٧)وَ ﴿ "تُدَمِّرُ"﴾ مَعْناهُ: تُهْلِكُ، والدَمارُ: الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ وكانَ لَهم كَبِكْرِ ثَمُودَ لَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ رَغا دَهْرًا فَدَمَّرَهم دَمارًا
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ ومَعْناهُ: الخُصُوصُ في كُلِّ ما أمَرْتَ بِتَدْمِيرِهِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الرِيحَ رَمَتْهم أجْمَعِينَ في البَحْرِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ: "لا يَرى بِالياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، ﴿ "مَساكِنُهُمْ"﴾ رَفْعًا. التَقْدِيرُ: لا يَرى شَيْءٌ مِنهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لا تَرى إلّا مَساكِنَهُمْ" أيْ: لا تَرى أيُّها المُخاطَبُ شَيْئًا مِنهُمْ، [وَهِيَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ- ومُجاهِدٍ وعِيسى وطَلْحَةَ ]، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو رَجاءٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ يَعْنِي بِلا خِلافٍ عنهُما خاصَّةً مِمَّنْ ذَكَرَ-: "لا تَرى" بِالتاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقِ مَضْمُومَةٍ ﴿ "إلا مَساكِنُهُمْ"﴾ رَفْعًا، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ ذِي الرُمَّةِ:
؎ كَأنَّهُ جَمَّلَ وهْمٌ وما بَقِيَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا النَجِيزَةُ والألْواحُ والعَصَبُ
(p-٦٢٨)وَنَحْوُ قَوْلِهِ:
؎ ................... ∗∗∗ ∗∗∗ فَما بَقِيَتْ إلّا الضُلُوعُ الجَراشِعُ
وفِي هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِكْراهٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى: "مَسْكَنَهُمْ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ، والجُمْهُورُ عَلى الجَمْعِ في اللَفْظَةِ، ووَجْهُ الإفْرادِ تَصْغِيرُ الشَأْنِ وتَقْرِيبُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا﴾ [غافر: ٦٧].
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا -عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ﴾ "ما"، بِمَعْنى الَّذِي، و"إنْ" نافِيَةٌ وقَعَتْ مَكانَ "ما" لِيَخْتَلِفَ اللَفْظُ، ولا يَتَّصِلُ "ما" بِ "ما"، لِأنَّ الكَلامَ كَأنَّهُ قالَ: في الَّذِي ما مَكَّنّاكُمْ، ومَعْنى الآيَةِ: ولَقَدْ أعْطَيْناهم مِنَ القُوَّةِ والغِنى والبَسْطَةِ في الأمْوالِ والأجْسامِ ما لَمْ نُعْطِكُمْ، ونالَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ هَذا (p-٦٢٩)العَذابُ، فَأنْتُمْ أحْرى بِذَلِكَ إذا كَفَرْتُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إنْ" شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: في الَّذِي إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ، وهَذا تَنَطُّعٌ في التَأْوِيلِ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلَيْهِمْ نَعِمَ الحَواسِّ والإدْراكِ، وأخْبَرَ أنَّها لَمْ تُغْنِ حِينَ لَمْ تُسْتَعْمَلْ عَلى ما يَجِبُ، و"ما": نافِيَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عنهُمْ﴾، ويُقَوِّي ذَلِكَ دُخُولَ "مِن" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عنهُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، و﴿مِن شَيْءٍ﴾ -عَلى هَذا- تَأْكِيدٌ، وهَذا عَلى غَيْرِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في دُخُولِ "مِن" في الواجِبِ.
و"حاقَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ولَزِمَ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في المَكارِهِ، والمَعْنى: جَزاءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ.
الأحقاف 46:24
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أودِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عنهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
المَعْنى: قالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ: إنَّ هَذا الوَعِيدَ لَيْسَ مِن قِبَلِي، وإنَّما الأمْرُ لِلَّهِ تَعالى وعِلْمُ وقْتِهِ عِنْدَهُ، وإنَّما عَلَيَّ أنَّ أُبَلِّغَ فَقَطْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَأُبَلِّغُكُمْ"﴾ (p-٦٢٦)بِفَتْحِ الباءِ وشَدِّ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في كُلِّ القُرْآنِ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، و﴿أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا مِن أمْرِ اللهِ تَعالى، وتَجْهَلُونَ خَلْقَ أنْفُسِكم.
والضَمِيرُ فِي: ﴿ "رَأوهُ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَذابِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الشَيْءِ المَرْئِيِّ الطارِئِ عَلَيْهِمْ، وهو الَّذِي فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿ "عارِضًا"،﴾ والعارِضُ ما يَعْرِضُ في الجَوِّ مِنَ السَحابِ المُمْطِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ يا مَن رَأى عارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ ∗∗∗ كَأنَّما البَرْقُ في حافاتِهِ الشَعْلُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العارِضُ: الَّذِي في أقْطارِ السَماءِ عَشِيًّا ثُمَّ يُصْبِحُ مِنَ الغَدِ قَدِ اسْتَوى، ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُسْتَقْبِلَ أودِيَتِهِمْ﴾ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ كانُوا قَدْ قَحَطُوا مُدَّةً، فَطَلَعَ عَلَيْهِمْ هَذا العارِضُ عَلى الهَيْئَةِ والجِهَةِ الَّتِي يُمْطِرُونَ بِها أبَدًا، جاءَهم مِن قِبَلِ وادٍ لَهم يُسَمُّونَهُ المُغِيثَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فَفَرِحُوا بِهِ وقالُوا: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا، وقَدْ كَذَبَ هو فِيما أوعَدَ بِهِ، فَقالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ: لَيْسَ الأمْرُ كَما رَأيْتُمْ، بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ في قَوْلِكُمْ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأحقاف: ٢٢]، ثُمَّ قالَ: ﴿رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " مُمْطِرُنا قالَ هُودٌ بَلْ هُوَ" بِإظْهارِ المُقَدَّرِ، لِأنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ هي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]، أيْ: يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكم.
قالَ الزَجّاجُ: وقَرَأ قَوْمٌ: "بَلْ هو ما اسْتُعْجِلْتُمْ بِهِ" بِضَمِّ التاءِ الأُولى وكَسْرِ الجِيمِ، و﴿ "رِيحٌ"﴾ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ في قَوْلِهِ: "هُوَ ما"، و﴿ "مُمْطِرُنا"﴾ هو نَعْتٌ لـ ﴿ "عارِضٌ"،﴾ وهو نَكِرَةٌ إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: مُمْطِرٌ لَنا في المُسْتَقْبَلِ، فَهو في حُكْمِ الِانْفِصالِ، وقَدْ مَضى في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ قِصَصُ الرِيحِ الَّتِي هَبَّتْ عَلَيْهِمْ، وأنَّها كانَتْ تَحْمِلُ الظَعِينَةَ كَجَرادَةٍ.
(p-٦٢٧)وَ ﴿ "تُدَمِّرُ"﴾ مَعْناهُ: تُهْلِكُ، والدَمارُ: الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ وكانَ لَهم كَبِكْرِ ثَمُودَ لَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ رَغا دَهْرًا فَدَمَّرَهم دَمارًا
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ ومَعْناهُ: الخُصُوصُ في كُلِّ ما أمَرْتَ بِتَدْمِيرِهِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الرِيحَ رَمَتْهم أجْمَعِينَ في البَحْرِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ: "لا يَرى بِالياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، ﴿ "مَساكِنُهُمْ"﴾ رَفْعًا. التَقْدِيرُ: لا يَرى شَيْءٌ مِنهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لا تَرى إلّا مَساكِنَهُمْ" أيْ: لا تَرى أيُّها المُخاطَبُ شَيْئًا مِنهُمْ، [وَهِيَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ- ومُجاهِدٍ وعِيسى وطَلْحَةَ ]، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو رَجاءٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ يَعْنِي بِلا خِلافٍ عنهُما خاصَّةً مِمَّنْ ذَكَرَ-: "لا تَرى" بِالتاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقِ مَضْمُومَةٍ ﴿ "إلا مَساكِنُهُمْ"﴾ رَفْعًا، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ ذِي الرُمَّةِ:
؎ كَأنَّهُ جَمَّلَ وهْمٌ وما بَقِيَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا النَجِيزَةُ والألْواحُ والعَصَبُ
(p-٦٢٨)وَنَحْوُ قَوْلِهِ:
؎ ................... ∗∗∗ ∗∗∗ فَما بَقِيَتْ إلّا الضُلُوعُ الجَراشِعُ
وفِي هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِكْراهٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى: "مَسْكَنَهُمْ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ، والجُمْهُورُ عَلى الجَمْعِ في اللَفْظَةِ، ووَجْهُ الإفْرادِ تَصْغِيرُ الشَأْنِ وتَقْرِيبُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا﴾ [غافر: ٦٧].
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا -عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ﴾ "ما"، بِمَعْنى الَّذِي، و"إنْ" نافِيَةٌ وقَعَتْ مَكانَ "ما" لِيَخْتَلِفَ اللَفْظُ، ولا يَتَّصِلُ "ما" بِ "ما"، لِأنَّ الكَلامَ كَأنَّهُ قالَ: في الَّذِي ما مَكَّنّاكُمْ، ومَعْنى الآيَةِ: ولَقَدْ أعْطَيْناهم مِنَ القُوَّةِ والغِنى والبَسْطَةِ في الأمْوالِ والأجْسامِ ما لَمْ نُعْطِكُمْ، ونالَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ هَذا (p-٦٢٩)العَذابُ، فَأنْتُمْ أحْرى بِذَلِكَ إذا كَفَرْتُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إنْ" شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: في الَّذِي إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ، وهَذا تَنَطُّعٌ في التَأْوِيلِ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلَيْهِمْ نَعِمَ الحَواسِّ والإدْراكِ، وأخْبَرَ أنَّها لَمْ تُغْنِ حِينَ لَمْ تُسْتَعْمَلْ عَلى ما يَجِبُ، و"ما": نافِيَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عنهُمْ﴾، ويُقَوِّي ذَلِكَ دُخُولَ "مِن" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عنهُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، و﴿مِن شَيْءٍ﴾ -عَلى هَذا- تَأْكِيدٌ، وهَذا عَلى غَيْرِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في دُخُولِ "مِن" في الواجِبِ.
و"حاقَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ولَزِمَ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في المَكارِهِ، والمَعْنى: جَزاءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ.
الأحقاف 46:25
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أودِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عنهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
المَعْنى: قالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ: إنَّ هَذا الوَعِيدَ لَيْسَ مِن قِبَلِي، وإنَّما الأمْرُ لِلَّهِ تَعالى وعِلْمُ وقْتِهِ عِنْدَهُ، وإنَّما عَلَيَّ أنَّ أُبَلِّغَ فَقَطْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَأُبَلِّغُكُمْ"﴾ (p-٦٢٦)بِفَتْحِ الباءِ وشَدِّ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في كُلِّ القُرْآنِ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، و﴿أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا مِن أمْرِ اللهِ تَعالى، وتَجْهَلُونَ خَلْقَ أنْفُسِكم.
والضَمِيرُ فِي: ﴿ "رَأوهُ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَذابِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الشَيْءِ المَرْئِيِّ الطارِئِ عَلَيْهِمْ، وهو الَّذِي فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿ "عارِضًا"،﴾ والعارِضُ ما يَعْرِضُ في الجَوِّ مِنَ السَحابِ المُمْطِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ يا مَن رَأى عارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ ∗∗∗ كَأنَّما البَرْقُ في حافاتِهِ الشَعْلُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العارِضُ: الَّذِي في أقْطارِ السَماءِ عَشِيًّا ثُمَّ يُصْبِحُ مِنَ الغَدِ قَدِ اسْتَوى، ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُسْتَقْبِلَ أودِيَتِهِمْ﴾ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ كانُوا قَدْ قَحَطُوا مُدَّةً، فَطَلَعَ عَلَيْهِمْ هَذا العارِضُ عَلى الهَيْئَةِ والجِهَةِ الَّتِي يُمْطِرُونَ بِها أبَدًا، جاءَهم مِن قِبَلِ وادٍ لَهم يُسَمُّونَهُ المُغِيثَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فَفَرِحُوا بِهِ وقالُوا: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا، وقَدْ كَذَبَ هو فِيما أوعَدَ بِهِ، فَقالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ: لَيْسَ الأمْرُ كَما رَأيْتُمْ، بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ في قَوْلِكُمْ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأحقاف: ٢٢]، ثُمَّ قالَ: ﴿رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " مُمْطِرُنا قالَ هُودٌ بَلْ هُوَ" بِإظْهارِ المُقَدَّرِ، لِأنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ هي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]، أيْ: يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكم.
قالَ الزَجّاجُ: وقَرَأ قَوْمٌ: "بَلْ هو ما اسْتُعْجِلْتُمْ بِهِ" بِضَمِّ التاءِ الأُولى وكَسْرِ الجِيمِ، و﴿ "رِيحٌ"﴾ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ في قَوْلِهِ: "هُوَ ما"، و﴿ "مُمْطِرُنا"﴾ هو نَعْتٌ لـ ﴿ "عارِضٌ"،﴾ وهو نَكِرَةٌ إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: مُمْطِرٌ لَنا في المُسْتَقْبَلِ، فَهو في حُكْمِ الِانْفِصالِ، وقَدْ مَضى في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ قِصَصُ الرِيحِ الَّتِي هَبَّتْ عَلَيْهِمْ، وأنَّها كانَتْ تَحْمِلُ الظَعِينَةَ كَجَرادَةٍ.
(p-٦٢٧)وَ ﴿ "تُدَمِّرُ"﴾ مَعْناهُ: تُهْلِكُ، والدَمارُ: الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ وكانَ لَهم كَبِكْرِ ثَمُودَ لَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ رَغا دَهْرًا فَدَمَّرَهم دَمارًا
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ ومَعْناهُ: الخُصُوصُ في كُلِّ ما أمَرْتَ بِتَدْمِيرِهِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الرِيحَ رَمَتْهم أجْمَعِينَ في البَحْرِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ: "لا يَرى بِالياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، ﴿ "مَساكِنُهُمْ"﴾ رَفْعًا. التَقْدِيرُ: لا يَرى شَيْءٌ مِنهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لا تَرى إلّا مَساكِنَهُمْ" أيْ: لا تَرى أيُّها المُخاطَبُ شَيْئًا مِنهُمْ، [وَهِيَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ- ومُجاهِدٍ وعِيسى وطَلْحَةَ ]، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو رَجاءٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ يَعْنِي بِلا خِلافٍ عنهُما خاصَّةً مِمَّنْ ذَكَرَ-: "لا تَرى" بِالتاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقِ مَضْمُومَةٍ ﴿ "إلا مَساكِنُهُمْ"﴾ رَفْعًا، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ ذِي الرُمَّةِ:
؎ كَأنَّهُ جَمَّلَ وهْمٌ وما بَقِيَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا النَجِيزَةُ والألْواحُ والعَصَبُ
(p-٦٢٨)وَنَحْوُ قَوْلِهِ:
؎ ................... ∗∗∗ ∗∗∗ فَما بَقِيَتْ إلّا الضُلُوعُ الجَراشِعُ
وفِي هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِكْراهٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى: "مَسْكَنَهُمْ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ، والجُمْهُورُ عَلى الجَمْعِ في اللَفْظَةِ، ووَجْهُ الإفْرادِ تَصْغِيرُ الشَأْنِ وتَقْرِيبُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا﴾ [غافر: ٦٧].
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا -عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ﴾ "ما"، بِمَعْنى الَّذِي، و"إنْ" نافِيَةٌ وقَعَتْ مَكانَ "ما" لِيَخْتَلِفَ اللَفْظُ، ولا يَتَّصِلُ "ما" بِ "ما"، لِأنَّ الكَلامَ كَأنَّهُ قالَ: في الَّذِي ما مَكَّنّاكُمْ، ومَعْنى الآيَةِ: ولَقَدْ أعْطَيْناهم مِنَ القُوَّةِ والغِنى والبَسْطَةِ في الأمْوالِ والأجْسامِ ما لَمْ نُعْطِكُمْ، ونالَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ هَذا (p-٦٢٩)العَذابُ، فَأنْتُمْ أحْرى بِذَلِكَ إذا كَفَرْتُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إنْ" شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: في الَّذِي إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ، وهَذا تَنَطُّعٌ في التَأْوِيلِ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلَيْهِمْ نَعِمَ الحَواسِّ والإدْراكِ، وأخْبَرَ أنَّها لَمْ تُغْنِ حِينَ لَمْ تُسْتَعْمَلْ عَلى ما يَجِبُ، و"ما": نافِيَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عنهُمْ﴾، ويُقَوِّي ذَلِكَ دُخُولَ "مِن" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عنهُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، و﴿مِن شَيْءٍ﴾ -عَلى هَذا- تَأْكِيدٌ، وهَذا عَلى غَيْرِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في دُخُولِ "مِن" في الواجِبِ.
و"حاقَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ولَزِمَ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في المَكارِهِ، والمَعْنى: جَزاءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ.
الأحقاف 46:26
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أودِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عنهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
المَعْنى: قالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ: إنَّ هَذا الوَعِيدَ لَيْسَ مِن قِبَلِي، وإنَّما الأمْرُ لِلَّهِ تَعالى وعِلْمُ وقْتِهِ عِنْدَهُ، وإنَّما عَلَيَّ أنَّ أُبَلِّغَ فَقَطْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَأُبَلِّغُكُمْ"﴾ (p-٦٢٦)بِفَتْحِ الباءِ وشَدِّ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في كُلِّ القُرْآنِ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، و﴿أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا مِن أمْرِ اللهِ تَعالى، وتَجْهَلُونَ خَلْقَ أنْفُسِكم.
والضَمِيرُ فِي: ﴿ "رَأوهُ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَذابِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الشَيْءِ المَرْئِيِّ الطارِئِ عَلَيْهِمْ، وهو الَّذِي فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿ "عارِضًا"،﴾ والعارِضُ ما يَعْرِضُ في الجَوِّ مِنَ السَحابِ المُمْطِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ يا مَن رَأى عارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ ∗∗∗ كَأنَّما البَرْقُ في حافاتِهِ الشَعْلُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العارِضُ: الَّذِي في أقْطارِ السَماءِ عَشِيًّا ثُمَّ يُصْبِحُ مِنَ الغَدِ قَدِ اسْتَوى، ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُسْتَقْبِلَ أودِيَتِهِمْ﴾ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ كانُوا قَدْ قَحَطُوا مُدَّةً، فَطَلَعَ عَلَيْهِمْ هَذا العارِضُ عَلى الهَيْئَةِ والجِهَةِ الَّتِي يُمْطِرُونَ بِها أبَدًا، جاءَهم مِن قِبَلِ وادٍ لَهم يُسَمُّونَهُ المُغِيثَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فَفَرِحُوا بِهِ وقالُوا: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا، وقَدْ كَذَبَ هو فِيما أوعَدَ بِهِ، فَقالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ: لَيْسَ الأمْرُ كَما رَأيْتُمْ، بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ في قَوْلِكُمْ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأحقاف: ٢٢]، ثُمَّ قالَ: ﴿رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " مُمْطِرُنا قالَ هُودٌ بَلْ هُوَ" بِإظْهارِ المُقَدَّرِ، لِأنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ هي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]، أيْ: يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكم.
قالَ الزَجّاجُ: وقَرَأ قَوْمٌ: "بَلْ هو ما اسْتُعْجِلْتُمْ بِهِ" بِضَمِّ التاءِ الأُولى وكَسْرِ الجِيمِ، و﴿ "رِيحٌ"﴾ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ في قَوْلِهِ: "هُوَ ما"، و﴿ "مُمْطِرُنا"﴾ هو نَعْتٌ لـ ﴿ "عارِضٌ"،﴾ وهو نَكِرَةٌ إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: مُمْطِرٌ لَنا في المُسْتَقْبَلِ، فَهو في حُكْمِ الِانْفِصالِ، وقَدْ مَضى في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ قِصَصُ الرِيحِ الَّتِي هَبَّتْ عَلَيْهِمْ، وأنَّها كانَتْ تَحْمِلُ الظَعِينَةَ كَجَرادَةٍ.
(p-٦٢٧)وَ ﴿ "تُدَمِّرُ"﴾ مَعْناهُ: تُهْلِكُ، والدَمارُ: الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ وكانَ لَهم كَبِكْرِ ثَمُودَ لَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ رَغا دَهْرًا فَدَمَّرَهم دَمارًا
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ ومَعْناهُ: الخُصُوصُ في كُلِّ ما أمَرْتَ بِتَدْمِيرِهِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الرِيحَ رَمَتْهم أجْمَعِينَ في البَحْرِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ: "لا يَرى بِالياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، ﴿ "مَساكِنُهُمْ"﴾ رَفْعًا. التَقْدِيرُ: لا يَرى شَيْءٌ مِنهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لا تَرى إلّا مَساكِنَهُمْ" أيْ: لا تَرى أيُّها المُخاطَبُ شَيْئًا مِنهُمْ، [وَهِيَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ- ومُجاهِدٍ وعِيسى وطَلْحَةَ ]، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو رَجاءٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ يَعْنِي بِلا خِلافٍ عنهُما خاصَّةً مِمَّنْ ذَكَرَ-: "لا تَرى" بِالتاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقِ مَضْمُومَةٍ ﴿ "إلا مَساكِنُهُمْ"﴾ رَفْعًا، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ ذِي الرُمَّةِ:
؎ كَأنَّهُ جَمَّلَ وهْمٌ وما بَقِيَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا النَجِيزَةُ والألْواحُ والعَصَبُ
(p-٦٢٨)وَنَحْوُ قَوْلِهِ:
؎ ................... ∗∗∗ ∗∗∗ فَما بَقِيَتْ إلّا الضُلُوعُ الجَراشِعُ
وفِي هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِكْراهٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى: "مَسْكَنَهُمْ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ، والجُمْهُورُ عَلى الجَمْعِ في اللَفْظَةِ، ووَجْهُ الإفْرادِ تَصْغِيرُ الشَأْنِ وتَقْرِيبُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا﴾ [غافر: ٦٧].
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا -عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ﴾ "ما"، بِمَعْنى الَّذِي، و"إنْ" نافِيَةٌ وقَعَتْ مَكانَ "ما" لِيَخْتَلِفَ اللَفْظُ، ولا يَتَّصِلُ "ما" بِ "ما"، لِأنَّ الكَلامَ كَأنَّهُ قالَ: في الَّذِي ما مَكَّنّاكُمْ، ومَعْنى الآيَةِ: ولَقَدْ أعْطَيْناهم مِنَ القُوَّةِ والغِنى والبَسْطَةِ في الأمْوالِ والأجْسامِ ما لَمْ نُعْطِكُمْ، ونالَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ هَذا (p-٦٢٩)العَذابُ، فَأنْتُمْ أحْرى بِذَلِكَ إذا كَفَرْتُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إنْ" شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: في الَّذِي إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ، وهَذا تَنَطُّعٌ في التَأْوِيلِ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلَيْهِمْ نَعِمَ الحَواسِّ والإدْراكِ، وأخْبَرَ أنَّها لَمْ تُغْنِ حِينَ لَمْ تُسْتَعْمَلْ عَلى ما يَجِبُ، و"ما": نافِيَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عنهُمْ﴾، ويُقَوِّي ذَلِكَ دُخُولَ "مِن" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عنهُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، و﴿مِن شَيْءٍ﴾ -عَلى هَذا- تَأْكِيدٌ، وهَذا عَلى غَيْرِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في دُخُولِ "مِن" في الواجِبِ.
و"حاقَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ولَزِمَ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في المَكارِهِ، والمَعْنى: جَزاءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ.
الأحقاف 46:27
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عنهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾ مُخاطَبَةٌ لِقُرَيْشٍ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ لَهم بِمَأْرِبٍ وسَدُومَ وحِجْرِ ثَمُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَصَرَّفْنا الآياتِ﴾ يَعْنِي لِهَذِهِ القُرى المُهْلِكَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ الآيَةُ،:يَعْنِي هَلّا نَصَرَتْهم أصْنامُهُمُ الَّتِي اتَّخَذُوها. و﴿ "قُرْبانًا"﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي بِـ "اتَّخَذُوا" و"آلِهَةً" بَدَلٌ مِنهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ حالًا. و"آلِهَةً" المَفْعُولُ الثانِي، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو الضَمِيرُ العائِدُ عَلى: ﴿ "الَّذِينَ اتَّخَذُوا"،﴾ والتَقْدِيرُ: اتَّخَذُوهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ ضَلُّوا عنهُمْ﴾ (p-٦٣٠)مَعْناهُ: أتْلَفُوا لَهم حَتّى لَمْ يَجِدُوهم في وقْتِ حاجَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَذَلِكَ" تَخْتَلِفُ الإشارَةُ بِهِ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ القِراءاتِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ "إفْكُهُمْ"،﴾ فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الفاءِ وضَمِّ الكافِ، فالإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إلى قَوْلِهِمْ في الأصْنامِ: إنَّها آلِهَةٌ، وذَلِكَ هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وكَذَلِكَ هي الإشارَةُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أفْكُهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ في الإفْكِ، وهُما بِمَعْنى الكَذِبِ، وكَذَلِكَ هي الإشارَةُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أفْكُهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ والكافِ عَلى الفِعْلِ الماضِي، بِمَعْنى: صَرَفَهُمْ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبِي عِياضٍ، وعِكْرِمَةَ، وحَنْظَلَةَ بْنِ النُعْمانِ، وقَرَأ أبُو عِياضٍ أيْضًا، وعِكْرِمَةُ -فِيما حَكى الثَعْلَبِيُّ -: "أفَّكَهُمْ" بِشَدِّ الفاءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ والكافِ، وذَلِكَ عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالتَضْعِيفِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ: "آفَكَهُمْ" بِمَدِّ الهَمْزَةِ، وفَتْحِ الفاءِ والكافِ عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، قالَ الزَجّاجُ: جَعَلَهم يَأْفِكُونَ، كَما يُقالُ: أُكَفِّرُهُمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما رَوى قُطْرُبٌ: "آفَكَهُمْ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ مَمْدُودَةٍ وفاءٍ مَكْسُورَةٍ، وكافٍ مَضْمُومَةٍ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، بِمَعْنى: صارَفَهُمْ، وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يَقْرَأُ: "أفَكَهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ وضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ في "الإفْكِ"، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" عَلى هَذِهِ القِراءاتِ الَّتِي لَيْسَتْ مَصْدَرًا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى الأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً فَلا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي" فَهُناكَ عائِدٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَفْتَرُونَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ ابْتِداءُ قِصَّةِ الجِنِّ ووَفادَتُهم عَلى النَبِيِّ ﷺ. و"صَرَفْنا" مَعْناهُ: رَدَدْناهم عن حالٍ ما، ويُحْتَمَلُ أنَّها الِاسْتِماعُ في السَماءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُفْرَهم قَبْلَ الوِفادَةِ، وذَلِكَ بِحَسَبِ الِاخْتِلافِ هُنا، هَلْ هُمُ الوَفْدُ أوِ المُتَجَسِّسُونَ؟ ورُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ قَبْلَ مَبْعَثِ النَبِيِّ ﷺ تَسْتَرِقُ السَمْعَ مِنَ السَماءِ، فَلَمّا بُعِثَ النَبِيُّ ﷺ حُرِسَتْ بِالشُهُبِ الراجِمَةِ، فَضاقَتِ الجِنُّ ذَرْعًا بِذَلِكَ، وأتى رَأْيُ مَلَئِهِمْ عَلى الِافْتِراقِ في أقْطارِ الأرْضِ وطَلَبِ السَبَبِ المُوجِبِ لِهَذا الرَجْمِ والمَنعِ مِنِ اسْتِراقِ السَمْعِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ الرُواةُ بَعْدُ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: «جاءَتْ طائِفَةٌ مِنَ الجِنِّ إلى النَبِيِّ ﷺ وهو (p-٦٣١)لا يَشْعُرُ، فَسَمِعُوا القُرْآنَ، ووَلُّوا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، ولَمْ يَعْرِفِ النَبِيُّ ﷺ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ حَتّى عَرَّفَهُ اللهُ تَعالى بِذَلِكَ كُلِّهِ، وكانَ سَماعُهم لِقِراءَتِهِ وهو بِنَخْلَةٍ عِنْدَ سُوقِ عُكاظٍ، وهو يَقْرَأُ في صَلاةِ الفَجْرِ،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أشْعَرَهُ اللهُ تَعالى بِوِفادَةِ الجِنِّ عَلَيْهِ واسْتَعَدَّ لِذَلِكَ، ووَفَدَ عَلَيْهِ أهْلُ نَصِيبِينَ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والتَحْرِيرُ في هَذا أنَّ النَبِيَّ ﷺ جاءَهُ جِنٌّ دُونَ أنْ يَعْرِفَ بِهِمْ، وهُمُ المُتَفَرِّقُونَ مِن أجْلِ الرَجْمِ، وهَذا هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١] الآيَةُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وفَدَ عَلَيْهِ وفْدٌ، وهو المَذْكُورُ صَرْفُهُ في هَذِهِ الآيَةِ. قالَ قَتادَةُ: صَرَفُوا إلَيْهِ مِن نِينَوى، أشْعُرُ بِهِ قَبْلَ (p-٦٣٢)وُرُودِهِ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَشْعُرْ بِهِ، واخْتَلَفَ في عَدَدِهِمُ اخْتِلافًا مُتَباعِدًا فاخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ في ذَلِكَ، أمّا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَقالَ: كانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مَن أهْلِ نَصِيبِينَ، وقالَ زِرُّ: كانُوا تِسْعَةً فِيهِمْ زَوْبَعَةُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أحادِيثٌ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنِّي خارِجٌ إلى وفْدِ الجِنِّ، فَمَن شاءَ يَتْبَعُنِي"، فَسَكَتَ أصْحابُهُ، فَقالَها ثانِيَةً، فَسَكَتُوا، فَقالَ عَبْدُ اللهِ: أنا أتْبَعُكَ، قالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتّى جاءَ شِعْبَ الحُجُونَ، فَأدارَ لِي دائِرَةً وقالَ: "لا تَخْرُجُ مِنها"، ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، فَسَمِعْتُ لَغَطًا ودَوِيًّا كَدَوِيِّ النُسُورِ الكاسِرَةِ، ثُمَّ في آخِرِ اللَيْلِ جاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ أنْ قَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ وعَلَّمَهُمْ، وأعْطاهم زادًا في كُلِّ عَظْمٍ ورَوْثَةٍ، فَقالَ: "يا عَبْدَ اللهِ، ما رَأيْتَ؟" قالَ: فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: "لَقَدْ كُنْتُ أخْشى أنْ تَخْرُجَ فَيَخْطَفُكَ بَعْضُهُمْ"، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، سَمِعْتُ لَهم لَغَطًا، فَقالَ: "إنَّهم تَدارَءُوا في قَتِيلٍ لَهُمْ، فَحَكَمْتُ بِالحَقِّ بَيْنَهُمْ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واضْطَرَبَتِ الرِواياتُ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورُوِيَ عنهُ ما ذَكَرْنا. ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ رَأى رِجالًا مِنَ الجِنِّ وهم شَبَهُ رِجالِ الزُطِّ السُودِ الطِوالِ حِينَ رَآهم بِالكُوفَةِ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: ما شاهَدَ أحَدٌ مِنّا لَيْلَةَ الجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فاخْتُصِرَتْ هَذِهِ الرِواياتُ وتَطْوِيلُها لِعَدَمِ صِحَّتِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ يَقْتَضِي أنَّ المَصْرُوفِينَ رِجالًا لا أُنْثى فِيهِمْ، فالنَفَرُ والرَهْطُ والقَوْمُ الَّذِينَ لا أُنْثى فِيهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا﴾ فِيهِ تَأدُّبٌ مَعَ العِلْمِ وتَعْلِيمٌ كَيْفَ يَتَعَلَّمُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "قُضِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ، وأبُو مَجْلَزٍ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيْ: قَضى مُحَمَّدٌ ﷺ القِراءَةَ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: «قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ، فَكانَ إذا قالَ: "فَبِأيِ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالُوا: لا شَيْءَ مِن (p-٦٣٣)آلائِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ، رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ،» ولَمّا ولَّتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفَرَّقَتْ عَلى البِلادِ مُنْذِرَةً لِلْجِنِّ، قالَ قَتادَةُ: ما أسْرَعَ ما عَقَلَ القَوْمُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهُنالِكَ وقَعَتْ قِصَّةُ سَوادَ وشِصارَ وخَنافَرَ وأشْباهَهم صَلّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ ورَسُولِهِ وسَلَّمَ.
الأحقاف 46:28
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عنهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾ مُخاطَبَةٌ لِقُرَيْشٍ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ لَهم بِمَأْرِبٍ وسَدُومَ وحِجْرِ ثَمُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَصَرَّفْنا الآياتِ﴾ يَعْنِي لِهَذِهِ القُرى المُهْلِكَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ الآيَةُ،:يَعْنِي هَلّا نَصَرَتْهم أصْنامُهُمُ الَّتِي اتَّخَذُوها. و﴿ "قُرْبانًا"﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي بِـ "اتَّخَذُوا" و"آلِهَةً" بَدَلٌ مِنهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ حالًا. و"آلِهَةً" المَفْعُولُ الثانِي، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو الضَمِيرُ العائِدُ عَلى: ﴿ "الَّذِينَ اتَّخَذُوا"،﴾ والتَقْدِيرُ: اتَّخَذُوهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ ضَلُّوا عنهُمْ﴾ (p-٦٣٠)مَعْناهُ: أتْلَفُوا لَهم حَتّى لَمْ يَجِدُوهم في وقْتِ حاجَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَذَلِكَ" تَخْتَلِفُ الإشارَةُ بِهِ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ القِراءاتِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ "إفْكُهُمْ"،﴾ فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الفاءِ وضَمِّ الكافِ، فالإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إلى قَوْلِهِمْ في الأصْنامِ: إنَّها آلِهَةٌ، وذَلِكَ هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وكَذَلِكَ هي الإشارَةُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أفْكُهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ في الإفْكِ، وهُما بِمَعْنى الكَذِبِ، وكَذَلِكَ هي الإشارَةُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أفْكُهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ والكافِ عَلى الفِعْلِ الماضِي، بِمَعْنى: صَرَفَهُمْ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبِي عِياضٍ، وعِكْرِمَةَ، وحَنْظَلَةَ بْنِ النُعْمانِ، وقَرَأ أبُو عِياضٍ أيْضًا، وعِكْرِمَةُ -فِيما حَكى الثَعْلَبِيُّ -: "أفَّكَهُمْ" بِشَدِّ الفاءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ والكافِ، وذَلِكَ عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالتَضْعِيفِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ: "آفَكَهُمْ" بِمَدِّ الهَمْزَةِ، وفَتْحِ الفاءِ والكافِ عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، قالَ الزَجّاجُ: جَعَلَهم يَأْفِكُونَ، كَما يُقالُ: أُكَفِّرُهُمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما رَوى قُطْرُبٌ: "آفَكَهُمْ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ مَمْدُودَةٍ وفاءٍ مَكْسُورَةٍ، وكافٍ مَضْمُومَةٍ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، بِمَعْنى: صارَفَهُمْ، وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يَقْرَأُ: "أفَكَهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ وضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ في "الإفْكِ"، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" عَلى هَذِهِ القِراءاتِ الَّتِي لَيْسَتْ مَصْدَرًا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى الأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً فَلا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي" فَهُناكَ عائِدٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَفْتَرُونَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ ابْتِداءُ قِصَّةِ الجِنِّ ووَفادَتُهم عَلى النَبِيِّ ﷺ. و"صَرَفْنا" مَعْناهُ: رَدَدْناهم عن حالٍ ما، ويُحْتَمَلُ أنَّها الِاسْتِماعُ في السَماءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُفْرَهم قَبْلَ الوِفادَةِ، وذَلِكَ بِحَسَبِ الِاخْتِلافِ هُنا، هَلْ هُمُ الوَفْدُ أوِ المُتَجَسِّسُونَ؟ ورُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ قَبْلَ مَبْعَثِ النَبِيِّ ﷺ تَسْتَرِقُ السَمْعَ مِنَ السَماءِ، فَلَمّا بُعِثَ النَبِيُّ ﷺ حُرِسَتْ بِالشُهُبِ الراجِمَةِ، فَضاقَتِ الجِنُّ ذَرْعًا بِذَلِكَ، وأتى رَأْيُ مَلَئِهِمْ عَلى الِافْتِراقِ في أقْطارِ الأرْضِ وطَلَبِ السَبَبِ المُوجِبِ لِهَذا الرَجْمِ والمَنعِ مِنِ اسْتِراقِ السَمْعِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ الرُواةُ بَعْدُ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: «جاءَتْ طائِفَةٌ مِنَ الجِنِّ إلى النَبِيِّ ﷺ وهو (p-٦٣١)لا يَشْعُرُ، فَسَمِعُوا القُرْآنَ، ووَلُّوا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، ولَمْ يَعْرِفِ النَبِيُّ ﷺ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ حَتّى عَرَّفَهُ اللهُ تَعالى بِذَلِكَ كُلِّهِ، وكانَ سَماعُهم لِقِراءَتِهِ وهو بِنَخْلَةٍ عِنْدَ سُوقِ عُكاظٍ، وهو يَقْرَأُ في صَلاةِ الفَجْرِ،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أشْعَرَهُ اللهُ تَعالى بِوِفادَةِ الجِنِّ عَلَيْهِ واسْتَعَدَّ لِذَلِكَ، ووَفَدَ عَلَيْهِ أهْلُ نَصِيبِينَ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والتَحْرِيرُ في هَذا أنَّ النَبِيَّ ﷺ جاءَهُ جِنٌّ دُونَ أنْ يَعْرِفَ بِهِمْ، وهُمُ المُتَفَرِّقُونَ مِن أجْلِ الرَجْمِ، وهَذا هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١] الآيَةُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وفَدَ عَلَيْهِ وفْدٌ، وهو المَذْكُورُ صَرْفُهُ في هَذِهِ الآيَةِ. قالَ قَتادَةُ: صَرَفُوا إلَيْهِ مِن نِينَوى، أشْعُرُ بِهِ قَبْلَ (p-٦٣٢)وُرُودِهِ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَشْعُرْ بِهِ، واخْتَلَفَ في عَدَدِهِمُ اخْتِلافًا مُتَباعِدًا فاخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ في ذَلِكَ، أمّا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَقالَ: كانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مَن أهْلِ نَصِيبِينَ، وقالَ زِرُّ: كانُوا تِسْعَةً فِيهِمْ زَوْبَعَةُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أحادِيثٌ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنِّي خارِجٌ إلى وفْدِ الجِنِّ، فَمَن شاءَ يَتْبَعُنِي"، فَسَكَتَ أصْحابُهُ، فَقالَها ثانِيَةً، فَسَكَتُوا، فَقالَ عَبْدُ اللهِ: أنا أتْبَعُكَ، قالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتّى جاءَ شِعْبَ الحُجُونَ، فَأدارَ لِي دائِرَةً وقالَ: "لا تَخْرُجُ مِنها"، ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، فَسَمِعْتُ لَغَطًا ودَوِيًّا كَدَوِيِّ النُسُورِ الكاسِرَةِ، ثُمَّ في آخِرِ اللَيْلِ جاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ أنْ قَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ وعَلَّمَهُمْ، وأعْطاهم زادًا في كُلِّ عَظْمٍ ورَوْثَةٍ، فَقالَ: "يا عَبْدَ اللهِ، ما رَأيْتَ؟" قالَ: فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: "لَقَدْ كُنْتُ أخْشى أنْ تَخْرُجَ فَيَخْطَفُكَ بَعْضُهُمْ"، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، سَمِعْتُ لَهم لَغَطًا، فَقالَ: "إنَّهم تَدارَءُوا في قَتِيلٍ لَهُمْ، فَحَكَمْتُ بِالحَقِّ بَيْنَهُمْ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واضْطَرَبَتِ الرِواياتُ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورُوِيَ عنهُ ما ذَكَرْنا. ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ رَأى رِجالًا مِنَ الجِنِّ وهم شَبَهُ رِجالِ الزُطِّ السُودِ الطِوالِ حِينَ رَآهم بِالكُوفَةِ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: ما شاهَدَ أحَدٌ مِنّا لَيْلَةَ الجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فاخْتُصِرَتْ هَذِهِ الرِواياتُ وتَطْوِيلُها لِعَدَمِ صِحَّتِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ يَقْتَضِي أنَّ المَصْرُوفِينَ رِجالًا لا أُنْثى فِيهِمْ، فالنَفَرُ والرَهْطُ والقَوْمُ الَّذِينَ لا أُنْثى فِيهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا﴾ فِيهِ تَأدُّبٌ مَعَ العِلْمِ وتَعْلِيمٌ كَيْفَ يَتَعَلَّمُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "قُضِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ، وأبُو مَجْلَزٍ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيْ: قَضى مُحَمَّدٌ ﷺ القِراءَةَ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: «قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ، فَكانَ إذا قالَ: "فَبِأيِ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالُوا: لا شَيْءَ مِن (p-٦٣٣)آلائِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ، رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ،» ولَمّا ولَّتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفَرَّقَتْ عَلى البِلادِ مُنْذِرَةً لِلْجِنِّ، قالَ قَتادَةُ: ما أسْرَعَ ما عَقَلَ القَوْمُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهُنالِكَ وقَعَتْ قِصَّةُ سَوادَ وشِصارَ وخَنافَرَ وأشْباهَهم صَلّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ ورَسُولِهِ وسَلَّمَ.
الأحقاف 46:29
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عنهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾ مُخاطَبَةٌ لِقُرَيْشٍ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ لَهم بِمَأْرِبٍ وسَدُومَ وحِجْرِ ثَمُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَصَرَّفْنا الآياتِ﴾ يَعْنِي لِهَذِهِ القُرى المُهْلِكَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ الآيَةُ،:يَعْنِي هَلّا نَصَرَتْهم أصْنامُهُمُ الَّتِي اتَّخَذُوها. و﴿ "قُرْبانًا"﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي بِـ "اتَّخَذُوا" و"آلِهَةً" بَدَلٌ مِنهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ حالًا. و"آلِهَةً" المَفْعُولُ الثانِي، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو الضَمِيرُ العائِدُ عَلى: ﴿ "الَّذِينَ اتَّخَذُوا"،﴾ والتَقْدِيرُ: اتَّخَذُوهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ ضَلُّوا عنهُمْ﴾ (p-٦٣٠)مَعْناهُ: أتْلَفُوا لَهم حَتّى لَمْ يَجِدُوهم في وقْتِ حاجَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَذَلِكَ" تَخْتَلِفُ الإشارَةُ بِهِ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ القِراءاتِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ "إفْكُهُمْ"،﴾ فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الفاءِ وضَمِّ الكافِ، فالإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إلى قَوْلِهِمْ في الأصْنامِ: إنَّها آلِهَةٌ، وذَلِكَ هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وكَذَلِكَ هي الإشارَةُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أفْكُهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ في الإفْكِ، وهُما بِمَعْنى الكَذِبِ، وكَذَلِكَ هي الإشارَةُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أفْكُهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ والكافِ عَلى الفِعْلِ الماضِي، بِمَعْنى: صَرَفَهُمْ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبِي عِياضٍ، وعِكْرِمَةَ، وحَنْظَلَةَ بْنِ النُعْمانِ، وقَرَأ أبُو عِياضٍ أيْضًا، وعِكْرِمَةُ -فِيما حَكى الثَعْلَبِيُّ -: "أفَّكَهُمْ" بِشَدِّ الفاءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ والكافِ، وذَلِكَ عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالتَضْعِيفِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ: "آفَكَهُمْ" بِمَدِّ الهَمْزَةِ، وفَتْحِ الفاءِ والكافِ عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، قالَ الزَجّاجُ: جَعَلَهم يَأْفِكُونَ، كَما يُقالُ: أُكَفِّرُهُمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما رَوى قُطْرُبٌ: "آفَكَهُمْ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ مَمْدُودَةٍ وفاءٍ مَكْسُورَةٍ، وكافٍ مَضْمُومَةٍ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، بِمَعْنى: صارَفَهُمْ، وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يَقْرَأُ: "أفَكَهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ وضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ في "الإفْكِ"، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" عَلى هَذِهِ القِراءاتِ الَّتِي لَيْسَتْ مَصْدَرًا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى الأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً فَلا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي" فَهُناكَ عائِدٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَفْتَرُونَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ ابْتِداءُ قِصَّةِ الجِنِّ ووَفادَتُهم عَلى النَبِيِّ ﷺ. و"صَرَفْنا" مَعْناهُ: رَدَدْناهم عن حالٍ ما، ويُحْتَمَلُ أنَّها الِاسْتِماعُ في السَماءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُفْرَهم قَبْلَ الوِفادَةِ، وذَلِكَ بِحَسَبِ الِاخْتِلافِ هُنا، هَلْ هُمُ الوَفْدُ أوِ المُتَجَسِّسُونَ؟ ورُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ قَبْلَ مَبْعَثِ النَبِيِّ ﷺ تَسْتَرِقُ السَمْعَ مِنَ السَماءِ، فَلَمّا بُعِثَ النَبِيُّ ﷺ حُرِسَتْ بِالشُهُبِ الراجِمَةِ، فَضاقَتِ الجِنُّ ذَرْعًا بِذَلِكَ، وأتى رَأْيُ مَلَئِهِمْ عَلى الِافْتِراقِ في أقْطارِ الأرْضِ وطَلَبِ السَبَبِ المُوجِبِ لِهَذا الرَجْمِ والمَنعِ مِنِ اسْتِراقِ السَمْعِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ الرُواةُ بَعْدُ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: «جاءَتْ طائِفَةٌ مِنَ الجِنِّ إلى النَبِيِّ ﷺ وهو (p-٦٣١)لا يَشْعُرُ، فَسَمِعُوا القُرْآنَ، ووَلُّوا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، ولَمْ يَعْرِفِ النَبِيُّ ﷺ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ حَتّى عَرَّفَهُ اللهُ تَعالى بِذَلِكَ كُلِّهِ، وكانَ سَماعُهم لِقِراءَتِهِ وهو بِنَخْلَةٍ عِنْدَ سُوقِ عُكاظٍ، وهو يَقْرَأُ في صَلاةِ الفَجْرِ،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أشْعَرَهُ اللهُ تَعالى بِوِفادَةِ الجِنِّ عَلَيْهِ واسْتَعَدَّ لِذَلِكَ، ووَفَدَ عَلَيْهِ أهْلُ نَصِيبِينَ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والتَحْرِيرُ في هَذا أنَّ النَبِيَّ ﷺ جاءَهُ جِنٌّ دُونَ أنْ يَعْرِفَ بِهِمْ، وهُمُ المُتَفَرِّقُونَ مِن أجْلِ الرَجْمِ، وهَذا هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١] الآيَةُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وفَدَ عَلَيْهِ وفْدٌ، وهو المَذْكُورُ صَرْفُهُ في هَذِهِ الآيَةِ. قالَ قَتادَةُ: صَرَفُوا إلَيْهِ مِن نِينَوى، أشْعُرُ بِهِ قَبْلَ (p-٦٣٢)وُرُودِهِ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَشْعُرْ بِهِ، واخْتَلَفَ في عَدَدِهِمُ اخْتِلافًا مُتَباعِدًا فاخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ في ذَلِكَ، أمّا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَقالَ: كانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مَن أهْلِ نَصِيبِينَ، وقالَ زِرُّ: كانُوا تِسْعَةً فِيهِمْ زَوْبَعَةُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أحادِيثٌ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنِّي خارِجٌ إلى وفْدِ الجِنِّ، فَمَن شاءَ يَتْبَعُنِي"، فَسَكَتَ أصْحابُهُ، فَقالَها ثانِيَةً، فَسَكَتُوا، فَقالَ عَبْدُ اللهِ: أنا أتْبَعُكَ، قالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتّى جاءَ شِعْبَ الحُجُونَ، فَأدارَ لِي دائِرَةً وقالَ: "لا تَخْرُجُ مِنها"، ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، فَسَمِعْتُ لَغَطًا ودَوِيًّا كَدَوِيِّ النُسُورِ الكاسِرَةِ، ثُمَّ في آخِرِ اللَيْلِ جاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ أنْ قَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ وعَلَّمَهُمْ، وأعْطاهم زادًا في كُلِّ عَظْمٍ ورَوْثَةٍ، فَقالَ: "يا عَبْدَ اللهِ، ما رَأيْتَ؟" قالَ: فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: "لَقَدْ كُنْتُ أخْشى أنْ تَخْرُجَ فَيَخْطَفُكَ بَعْضُهُمْ"، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، سَمِعْتُ لَهم لَغَطًا، فَقالَ: "إنَّهم تَدارَءُوا في قَتِيلٍ لَهُمْ، فَحَكَمْتُ بِالحَقِّ بَيْنَهُمْ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واضْطَرَبَتِ الرِواياتُ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورُوِيَ عنهُ ما ذَكَرْنا. ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ رَأى رِجالًا مِنَ الجِنِّ وهم شَبَهُ رِجالِ الزُطِّ السُودِ الطِوالِ حِينَ رَآهم بِالكُوفَةِ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: ما شاهَدَ أحَدٌ مِنّا لَيْلَةَ الجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فاخْتُصِرَتْ هَذِهِ الرِواياتُ وتَطْوِيلُها لِعَدَمِ صِحَّتِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ يَقْتَضِي أنَّ المَصْرُوفِينَ رِجالًا لا أُنْثى فِيهِمْ، فالنَفَرُ والرَهْطُ والقَوْمُ الَّذِينَ لا أُنْثى فِيهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا﴾ فِيهِ تَأدُّبٌ مَعَ العِلْمِ وتَعْلِيمٌ كَيْفَ يَتَعَلَّمُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "قُضِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ، وأبُو مَجْلَزٍ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيْ: قَضى مُحَمَّدٌ ﷺ القِراءَةَ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: «قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ، فَكانَ إذا قالَ: "فَبِأيِ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " قالُوا: لا شَيْءَ مِن (p-٦٣٣)آلائِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ، رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ،» ولَمّا ولَّتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفَرَّقَتْ عَلى البِلادِ مُنْذِرَةً لِلْجِنِّ، قالَ قَتادَةُ: ما أسْرَعَ ما عَقَلَ القَوْمُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهُنالِكَ وقَعَتْ قِصَّةُ سَوادَ وشِصارَ وخَنافَرَ وأشْباهَهم صَلّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ ورَسُولِهِ وسَلَّمَ.
الأحقاف 46:30
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنَّ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
المَعْنى: قالَ هَؤُلاءِ المُنْذِرُونَ لَمّا بَلَغُوا قَوْمَهُمْ: ﴿يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾، وهو القُرْآنُ العَظِيمُ، وخَصَّصُوا مُوسى ﷺ لِأحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا لِأنَّ هَذِهِ الطائِفَةَ كانَتْ تَدِينُ بِدِينِ اليَهُودِ، وإمّا لِأنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدًا ﷺ وبَشَّرَ بِهِ، فَأشارُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن حَيْثُ كانَ الأمْرُ مَذْكُورًا في تَوْراتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: لَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا أمْرَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾، وقَوْلُهُمْ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يُؤَيِّدُ هَذا. و"ما بَيْنَ يَدَيْهِ" هي التَوْراةُ والإنْجِيلُ، و﴿ "الحَقِّ"﴾ و"الصِراطِ المُسْتَقِيمِ" هُنا بِمَعْنًى مُتَقارِبٍ، لَكِنَّ مِن حَيْثُ اخْتَلَفَ اللَفْظُ -وَرُبَّما كانَ الحَقُّ أعَمَّ- وكَأنَّ أحَدَهُما قَدْ يَقَعُ في مَواضِعَ لا يَقَعُ فِيها الآخَرُ، حَسَنُ التَكْرارِ.
و"داعِيَ اللهِ" هو مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ فِي: "بِهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ: يَغْفِرُ اللهُ لَكم.
، وقَوْلُهُ: ﴿ "وَيُجِرْكُمْ"﴾ مَعْناهُ: يَمْنَعُكم ويَجْعَلُ دُونَكم جَوارٍ حِفْظِهِ حَتّى لا يَنالَكم عَذابٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُنْذِرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ (p-٦٣٤)بِها إسْماعُ الكُفّارِ، وتَعَلُّقُ اللَفْظِ إلى هَذا المَعْنى مِن قَوْلِ الجِنِّ: ﴿أجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾، فَلَمّا حَكى ذَلِكَ قِيلَ: ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ﴾ فَهو بِحالِ كَذا، والمُعْجِزُ: الذاهِبُ في الأرْضِ الَّذِي يُبْدِي عَجْزَ طالِبِهِ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَلَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ" بِزِيادَةِ مِيمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ الضَمِيرُ لِقُرَيْشٍ، وهَذِهِ آيَةُ مَثَلٍ واحْتِجاجٍ، لِأنَّهم قالُوا: إنَّ الأجْسادَ لا يُمْكِنُ أنْ تُبْعَثَ ولا تُعادَ، وهم مَعَ ذَلِكَ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ مِن أقْوالِهِمْ. والرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ رُؤْيَةُ القَلْبِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَلَمْ يَعْيَ"﴾ بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الياءِ الأخِيرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "يَعِيَ" بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، وذَلِكَ عَلى حَذْفٍ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِقادِرٍ"﴾ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، فَمِن حَيْثُ تَقَدَّمَ نَفْيٌ في صَدْرِ الكَلامِ حَسَنُ التَأْكِيدِ بِالباءِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المَنفِيُّ ما دَخَلَتْ هي عَلَيْهِ، كَما هي في قَوْلِكَ: "ما زَيْدٌ بِقائِمٍ"، كانَ بَدَلَ "أوَلَمْ يَرَوْا" "أوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والجُمْهُورُ: "بِقادِرٍ"، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ- وعِيسى، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "يَقْدِرُ" بِالياءِ عَلى فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ وغَلِطَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ لِقَلَقِ الباءِ عِنْدَهُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَلِمَ يَعِي بِخَلْقِهِنَّ قادِرٌ" بِغَيْرِ باءٍ، و﴿ "بَلى"﴾ جَوابٌ بَعْدَ النَفْيِ المُتَقَدِّمِ، فَهي إيجابٌ لِما نُفِيَ، والمَعْنى: بَلى رَأوا ذَلِكَ، أيْ: لَوْ نَفَعَهم ووَقَعَ في قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ اللَفْظَ الإخْبارُ المُؤَكَّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
الأحقاف 46:31
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنَّ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
المَعْنى: قالَ هَؤُلاءِ المُنْذِرُونَ لَمّا بَلَغُوا قَوْمَهُمْ: ﴿يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾، وهو القُرْآنُ العَظِيمُ، وخَصَّصُوا مُوسى ﷺ لِأحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا لِأنَّ هَذِهِ الطائِفَةَ كانَتْ تَدِينُ بِدِينِ اليَهُودِ، وإمّا لِأنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدًا ﷺ وبَشَّرَ بِهِ، فَأشارُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن حَيْثُ كانَ الأمْرُ مَذْكُورًا في تَوْراتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: لَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا أمْرَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾، وقَوْلُهُمْ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يُؤَيِّدُ هَذا. و"ما بَيْنَ يَدَيْهِ" هي التَوْراةُ والإنْجِيلُ، و﴿ "الحَقِّ"﴾ و"الصِراطِ المُسْتَقِيمِ" هُنا بِمَعْنًى مُتَقارِبٍ، لَكِنَّ مِن حَيْثُ اخْتَلَفَ اللَفْظُ -وَرُبَّما كانَ الحَقُّ أعَمَّ- وكَأنَّ أحَدَهُما قَدْ يَقَعُ في مَواضِعَ لا يَقَعُ فِيها الآخَرُ، حَسَنُ التَكْرارِ.
و"داعِيَ اللهِ" هو مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ فِي: "بِهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ: يَغْفِرُ اللهُ لَكم.
، وقَوْلُهُ: ﴿ "وَيُجِرْكُمْ"﴾ مَعْناهُ: يَمْنَعُكم ويَجْعَلُ دُونَكم جَوارٍ حِفْظِهِ حَتّى لا يَنالَكم عَذابٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُنْذِرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ (p-٦٣٤)بِها إسْماعُ الكُفّارِ، وتَعَلُّقُ اللَفْظِ إلى هَذا المَعْنى مِن قَوْلِ الجِنِّ: ﴿أجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾، فَلَمّا حَكى ذَلِكَ قِيلَ: ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ﴾ فَهو بِحالِ كَذا، والمُعْجِزُ: الذاهِبُ في الأرْضِ الَّذِي يُبْدِي عَجْزَ طالِبِهِ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَلَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ" بِزِيادَةِ مِيمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ الضَمِيرُ لِقُرَيْشٍ، وهَذِهِ آيَةُ مَثَلٍ واحْتِجاجٍ، لِأنَّهم قالُوا: إنَّ الأجْسادَ لا يُمْكِنُ أنْ تُبْعَثَ ولا تُعادَ، وهم مَعَ ذَلِكَ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ مِن أقْوالِهِمْ. والرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ رُؤْيَةُ القَلْبِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَلَمْ يَعْيَ"﴾ بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الياءِ الأخِيرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "يَعِيَ" بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، وذَلِكَ عَلى حَذْفٍ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِقادِرٍ"﴾ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، فَمِن حَيْثُ تَقَدَّمَ نَفْيٌ في صَدْرِ الكَلامِ حَسَنُ التَأْكِيدِ بِالباءِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المَنفِيُّ ما دَخَلَتْ هي عَلَيْهِ، كَما هي في قَوْلِكَ: "ما زَيْدٌ بِقائِمٍ"، كانَ بَدَلَ "أوَلَمْ يَرَوْا" "أوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والجُمْهُورُ: "بِقادِرٍ"، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ- وعِيسى، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "يَقْدِرُ" بِالياءِ عَلى فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ وغَلِطَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ لِقَلَقِ الباءِ عِنْدَهُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَلِمَ يَعِي بِخَلْقِهِنَّ قادِرٌ" بِغَيْرِ باءٍ، و﴿ "بَلى"﴾ جَوابٌ بَعْدَ النَفْيِ المُتَقَدِّمِ، فَهي إيجابٌ لِما نُفِيَ، والمَعْنى: بَلى رَأوا ذَلِكَ، أيْ: لَوْ نَفَعَهم ووَقَعَ في قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ اللَفْظَ الإخْبارُ المُؤَكَّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
الأحقاف 46:32
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنَّ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
المَعْنى: قالَ هَؤُلاءِ المُنْذِرُونَ لَمّا بَلَغُوا قَوْمَهُمْ: ﴿يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾، وهو القُرْآنُ العَظِيمُ، وخَصَّصُوا مُوسى ﷺ لِأحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا لِأنَّ هَذِهِ الطائِفَةَ كانَتْ تَدِينُ بِدِينِ اليَهُودِ، وإمّا لِأنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدًا ﷺ وبَشَّرَ بِهِ، فَأشارُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن حَيْثُ كانَ الأمْرُ مَذْكُورًا في تَوْراتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: لَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا أمْرَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾، وقَوْلُهُمْ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يُؤَيِّدُ هَذا. و"ما بَيْنَ يَدَيْهِ" هي التَوْراةُ والإنْجِيلُ، و﴿ "الحَقِّ"﴾ و"الصِراطِ المُسْتَقِيمِ" هُنا بِمَعْنًى مُتَقارِبٍ، لَكِنَّ مِن حَيْثُ اخْتَلَفَ اللَفْظُ -وَرُبَّما كانَ الحَقُّ أعَمَّ- وكَأنَّ أحَدَهُما قَدْ يَقَعُ في مَواضِعَ لا يَقَعُ فِيها الآخَرُ، حَسَنُ التَكْرارِ.
و"داعِيَ اللهِ" هو مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ فِي: "بِهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ: يَغْفِرُ اللهُ لَكم.
، وقَوْلُهُ: ﴿ "وَيُجِرْكُمْ"﴾ مَعْناهُ: يَمْنَعُكم ويَجْعَلُ دُونَكم جَوارٍ حِفْظِهِ حَتّى لا يَنالَكم عَذابٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُنْذِرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ (p-٦٣٤)بِها إسْماعُ الكُفّارِ، وتَعَلُّقُ اللَفْظِ إلى هَذا المَعْنى مِن قَوْلِ الجِنِّ: ﴿أجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾، فَلَمّا حَكى ذَلِكَ قِيلَ: ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ﴾ فَهو بِحالِ كَذا، والمُعْجِزُ: الذاهِبُ في الأرْضِ الَّذِي يُبْدِي عَجْزَ طالِبِهِ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَلَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ" بِزِيادَةِ مِيمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ الضَمِيرُ لِقُرَيْشٍ، وهَذِهِ آيَةُ مَثَلٍ واحْتِجاجٍ، لِأنَّهم قالُوا: إنَّ الأجْسادَ لا يُمْكِنُ أنْ تُبْعَثَ ولا تُعادَ، وهم مَعَ ذَلِكَ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ مِن أقْوالِهِمْ. والرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ رُؤْيَةُ القَلْبِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَلَمْ يَعْيَ"﴾ بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الياءِ الأخِيرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "يَعِيَ" بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، وذَلِكَ عَلى حَذْفٍ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِقادِرٍ"﴾ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، فَمِن حَيْثُ تَقَدَّمَ نَفْيٌ في صَدْرِ الكَلامِ حَسَنُ التَأْكِيدِ بِالباءِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المَنفِيُّ ما دَخَلَتْ هي عَلَيْهِ، كَما هي في قَوْلِكَ: "ما زَيْدٌ بِقائِمٍ"، كانَ بَدَلَ "أوَلَمْ يَرَوْا" "أوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والجُمْهُورُ: "بِقادِرٍ"، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ- وعِيسى، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "يَقْدِرُ" بِالياءِ عَلى فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ وغَلِطَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ لِقَلَقِ الباءِ عِنْدَهُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَلِمَ يَعِي بِخَلْقِهِنَّ قادِرٌ" بِغَيْرِ باءٍ، و﴿ "بَلى"﴾ جَوابٌ بَعْدَ النَفْيِ المُتَقَدِّمِ، فَهي إيجابٌ لِما نُفِيَ، والمَعْنى: بَلى رَأوا ذَلِكَ، أيْ: لَوْ نَفَعَهم ووَقَعَ في قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ اللَفْظَ الإخْبارُ المُؤَكَّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
الأحقاف 46:33
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنَّ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
المَعْنى: قالَ هَؤُلاءِ المُنْذِرُونَ لَمّا بَلَغُوا قَوْمَهُمْ: ﴿يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾، وهو القُرْآنُ العَظِيمُ، وخَصَّصُوا مُوسى ﷺ لِأحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا لِأنَّ هَذِهِ الطائِفَةَ كانَتْ تَدِينُ بِدِينِ اليَهُودِ، وإمّا لِأنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدًا ﷺ وبَشَّرَ بِهِ، فَأشارُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن حَيْثُ كانَ الأمْرُ مَذْكُورًا في تَوْراتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: لَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا أمْرَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾، وقَوْلُهُمْ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يُؤَيِّدُ هَذا. و"ما بَيْنَ يَدَيْهِ" هي التَوْراةُ والإنْجِيلُ، و﴿ "الحَقِّ"﴾ و"الصِراطِ المُسْتَقِيمِ" هُنا بِمَعْنًى مُتَقارِبٍ، لَكِنَّ مِن حَيْثُ اخْتَلَفَ اللَفْظُ -وَرُبَّما كانَ الحَقُّ أعَمَّ- وكَأنَّ أحَدَهُما قَدْ يَقَعُ في مَواضِعَ لا يَقَعُ فِيها الآخَرُ، حَسَنُ التَكْرارِ.
و"داعِيَ اللهِ" هو مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ فِي: "بِهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ: يَغْفِرُ اللهُ لَكم.
، وقَوْلُهُ: ﴿ "وَيُجِرْكُمْ"﴾ مَعْناهُ: يَمْنَعُكم ويَجْعَلُ دُونَكم جَوارٍ حِفْظِهِ حَتّى لا يَنالَكم عَذابٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُنْذِرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ (p-٦٣٤)بِها إسْماعُ الكُفّارِ، وتَعَلُّقُ اللَفْظِ إلى هَذا المَعْنى مِن قَوْلِ الجِنِّ: ﴿أجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾، فَلَمّا حَكى ذَلِكَ قِيلَ: ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ﴾ فَهو بِحالِ كَذا، والمُعْجِزُ: الذاهِبُ في الأرْضِ الَّذِي يُبْدِي عَجْزَ طالِبِهِ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَلَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ" بِزِيادَةِ مِيمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ الضَمِيرُ لِقُرَيْشٍ، وهَذِهِ آيَةُ مَثَلٍ واحْتِجاجٍ، لِأنَّهم قالُوا: إنَّ الأجْسادَ لا يُمْكِنُ أنْ تُبْعَثَ ولا تُعادَ، وهم مَعَ ذَلِكَ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ مِن أقْوالِهِمْ. والرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ رُؤْيَةُ القَلْبِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَلَمْ يَعْيَ"﴾ بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الياءِ الأخِيرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "يَعِيَ" بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، وذَلِكَ عَلى حَذْفٍ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِقادِرٍ"﴾ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، فَمِن حَيْثُ تَقَدَّمَ نَفْيٌ في صَدْرِ الكَلامِ حَسَنُ التَأْكِيدِ بِالباءِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المَنفِيُّ ما دَخَلَتْ هي عَلَيْهِ، كَما هي في قَوْلِكَ: "ما زَيْدٌ بِقائِمٍ"، كانَ بَدَلَ "أوَلَمْ يَرَوْا" "أوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والجُمْهُورُ: "بِقادِرٍ"، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ- وعِيسى، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "يَقْدِرُ" بِالياءِ عَلى فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ وغَلِطَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ لِقَلَقِ الباءِ عِنْدَهُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَلِمَ يَعِي بِخَلْقِهِنَّ قادِرٌ" بِغَيْرِ باءٍ، و﴿ "بَلى"﴾ جَوابٌ بَعْدَ النَفْيِ المُتَقَدِّمِ، فَهي إيجابٌ لِما نُفِيَ، والمَعْنى: بَلى رَأوا ذَلِكَ، أيْ: لَوْ نَفَعَهم ووَقَعَ في قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ اللَفْظَ الإخْبارُ المُؤَكَّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
الأحقاف 46:34
(p-٦٣٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾
المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ وسِواهُمْ، و"العَرْضُ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- عَرْضُ مُباشَرَةٍ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ الجانِي عَلى السَوْطِ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ألَيْسَ هَذا العَذابُ حَقًّا وقَدْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ؟ فَيُجِيبُونَ: بَلى ورَبِّنا، فَذَلِكَ تَصْدِيقٌ حَيْثُ لا يَنْفَعُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّهم لِيَعُذَّبُونِ في النارِ وهم راضُونَ بِذَلِكَ لِأنْفُسِهِمْ، فَيَعْتَرِفُونَ أنَّهُ العَدْلُ، فَيَقُولُ لَهُمُ المَحاوِرُ مِنَ المَلائِكَةِ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فاصْبِرْ"﴾ الفاءُ عاطِفَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الوُصاةِ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الإخْبارِ عن حالِ الكَفَرَةِ في الآخِرَةِ، والمَعْنى بَيْنَهُما مُرْتَبِطٌ، أيْ: هَذِهِ حالُهم مَعَ اللهِ تَعالى، فَلا تَسْتَعْجِلُ أنْتَ فِيما حَمَلَتْهُ، واصْبِرْ لَهُ، ولا تَخَفْ في اللهِ أحَدًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الرُسُلِ﴾ تَبْعِيضٌ، والمُرادُ مَن حُفِظَتْ لَهُ مَعَ قَوْمِهِ شِدَّةٌ ومُجاهَدَةٌ كَنُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وغَيْرِهِمْ صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، هَذا قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ وغَيْرِهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ما مَعْناهُ: إنَّ "مِنَ" لِبَيانِ الجِنْسِ، قالَ: والرُسُلُ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ كُلُّهم أُولُو العَزْمِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ﴾ يَتَضَمَّنُ رُسُلًا وغَيْرَهُمْ، فَبَيَّنَ بَعْدِ ذَلِكَ جِنْسَ الرُسُلِ خاصَّةً تَعْظِيمًا لَهُمْ، ولِتَكُونَ القُدْوَةُ المَضْرُوبَةُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أشْرَفَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ هَذا القَوْلَ عن عَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ الطَبَرِيِّ، وحُكِيَ عن أبِي القاسِمِ الحَكِيمِ أنَّهُ قالَ: الرُسُلُ عَلَيْهِمُ السَلامُ كُلُّهم أُولُو عَزْمٍ إلّا يُونُسُ ﷺ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: هُمُ الثَمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورِينَ في سُورَةِ الأنْعامِ، لِأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى قالَ بِعَقِبِ (p-٦٣٦)ذِكْرِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وقالَ مُقاتِلٌ: هم سِتَّةٌ: نُوحٌ صَبَرَ عَلى أذى قَوْمِهِ طَوِيلًا، وإبْراهِيمُ ﷺ صَبَرَ عَلى النارِ، وإسْحاقُ ﷺ صَبَرَ نَفْسَهُ لِلذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ ﷺ صَبَرَ عَلى الفَقْدِ لِوَلَدِهِ وعَمى بَصَرُهُ، وقالَ "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ" ويُوسُفُ ﷺ صَبَرَ عَلى السَجْنِ، وأيُّوبُ صَبَرَ عَلى البَلاءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وانْظُرْ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: « "يَرْحَمُ اللهُ مُوسى، أُوذِيَ بِأكْثَرِ مِن هَذا فَصَبَرَ"»، ولا مَحالَةَ أنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ ورَسُولٍ عَزْمًا وصَبْرًا صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ مَعْناهُ: لا تَسْتَعْجِلُ لَهم عَذابًا، فَإنَّهم إلَيْهِ صائِرُونَ، ولا تَسْتَطِلْ تَعْمِيرَهم في هَذِهِ النِعْمَةِ، فَإنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ العَذابَ كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا في الدُنْيا إلّا ساعَةً، لِاحْتِقارِهِمْ ذَلِكَ، لِأنَّ المُنْقَضِي مِنَ الزَمانِ إنَّما يَصِيرُ عَدَمًا، فَكَثِيرُهُ الَّذِي ساءَتْ عاقِبَتُهُ كالقَلِيلِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ساعَةً مِنَ النَهارِ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بَلاغٌ" وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعانِي: أحَدُها: أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ، المَعْنى: هَذا بَلاغٌ، وتَكُونُ الإشارَةُ بِـ"هَذا" إمّا إلى القُرْآنِ والشَرْعِ، أيْ: هَذا إنْذارٌ وتَبْلِيغٌ، وإمّا إلى المُدَّةِ الَّتِي تَكُونُ كَساعَةٍ مِنَ النَهارِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً كانَتْ بَلاغَهُمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: "مَتاعٌ قَلِيلٌ" ونَحْوُهُ مِنَ المَعْنى. والثانِي: أنْ يَكُونَ ابْتِداءً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ. والثالِثُ: ما قالَهُ أبُو مَجْلَزٍ، فَإنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا تَسْتَعْجِلْ"، ويَقُولُ: "بَلاغٌ" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُتَقَدِّمٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَهُمْ"، وقَدَحَ الناسُ في هَذا القَوْلِ بِكَثِيرَةِ الحائِلِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي (p-٦٣٧)الحَسَنِ، وعِيسى: "بَلاغًا"، وهي قِراءَةٌ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ في قِراءَةِ الرَفْعِ، ولَيْسَ يَدْخُلُها قَوْلُ أبِي مِجْلَزٍ، ونَصَبَها بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو سِراجٍ الهُذَلِيُّ: "بَلِّغْ" عَلى الأمْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بَلاغٍ" بِالخَفْضِ نَعْتًا للنَّهارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فَهَلْ يُهْلَكُ"﴾ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ. وقَرَأ بَعْضُهم -فِيما حَكى هارُونُ-: "فَهَلْ يَهْلَكُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ وكَسْرِ اللامِ، وحَكاها أبُو عَمْرٍو عَنِ الحَسَنِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وقَرَأ أبُو مُحَيْصِنٍ أيْضًا بِفَتْحِ الياءِ واللامِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي مَرْغُوبٌ عنها. ورَوى زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ: "فَهَلْ يَهْلَكُ"» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللامِ "إلّا القَوْمَ الفاسِقِينَ" بِالنَصْبِ.
وفِي هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ مَحْضٌ وإنْذارٌ بَيِّنٌ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها والسَيِّئَةَ بِمِثْلِها، وأمَرَ بِالطاعَةِ ووَعَدَ عَلَيْها بِالجَنَّةِ، ونَهى عَنِ الكُفْرِ وأوعَدَ عَلَيْهِ بِالنارِ، « "فَلَنْ يَهْلَكَ عَلى اللهِ إلّا هالِكٌ"» كَما قالَ ﷺ. قالَ الثَعْلَبِيًّ: يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ أرْجى آيَةً في كِتابِ اللهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْقافِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
الأحقاف 46:35
(p-٦٣٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾
المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ وسِواهُمْ، و"العَرْضُ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- عَرْضُ مُباشَرَةٍ، كَما تَقُولُ: عَرَضْتُ الجانِي عَلى السَوْطِ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ألَيْسَ هَذا العَذابُ حَقًّا وقَدْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ؟ فَيُجِيبُونَ: بَلى ورَبِّنا، فَذَلِكَ تَصْدِيقٌ حَيْثُ لا يَنْفَعُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّهم لِيَعُذَّبُونِ في النارِ وهم راضُونَ بِذَلِكَ لِأنْفُسِهِمْ، فَيَعْتَرِفُونَ أنَّهُ العَدْلُ، فَيَقُولُ لَهُمُ المَحاوِرُ مِنَ المَلائِكَةِ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فاصْبِرْ"﴾ الفاءُ عاطِفَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الوُصاةِ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الإخْبارِ عن حالِ الكَفَرَةِ في الآخِرَةِ، والمَعْنى بَيْنَهُما مُرْتَبِطٌ، أيْ: هَذِهِ حالُهم مَعَ اللهِ تَعالى، فَلا تَسْتَعْجِلُ أنْتَ فِيما حَمَلَتْهُ، واصْبِرْ لَهُ، ولا تَخَفْ في اللهِ أحَدًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الرُسُلِ﴾ تَبْعِيضٌ، والمُرادُ مَن حُفِظَتْ لَهُ مَعَ قَوْمِهِ شِدَّةٌ ومُجاهَدَةٌ كَنُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وغَيْرِهِمْ صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، هَذا قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ وغَيْرِهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ما مَعْناهُ: إنَّ "مِنَ" لِبَيانِ الجِنْسِ، قالَ: والرُسُلُ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ كُلُّهم أُولُو العَزْمِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ﴾ يَتَضَمَّنُ رُسُلًا وغَيْرَهُمْ، فَبَيَّنَ بَعْدِ ذَلِكَ جِنْسَ الرُسُلِ خاصَّةً تَعْظِيمًا لَهُمْ، ولِتَكُونَ القُدْوَةُ المَضْرُوبَةُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أشْرَفَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ هَذا القَوْلَ عن عَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ الطَبَرِيِّ، وحُكِيَ عن أبِي القاسِمِ الحَكِيمِ أنَّهُ قالَ: الرُسُلُ عَلَيْهِمُ السَلامُ كُلُّهم أُولُو عَزْمٍ إلّا يُونُسُ ﷺ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: هُمُ الثَمانِيَةَ عَشَرَ المَذْكُورِينَ في سُورَةِ الأنْعامِ، لِأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى قالَ بِعَقِبِ (p-٦٣٦)ذِكْرِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وقالَ مُقاتِلٌ: هم سِتَّةٌ: نُوحٌ صَبَرَ عَلى أذى قَوْمِهِ طَوِيلًا، وإبْراهِيمُ ﷺ صَبَرَ عَلى النارِ، وإسْحاقُ ﷺ صَبَرَ نَفْسَهُ لِلذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ ﷺ صَبَرَ عَلى الفَقْدِ لِوَلَدِهِ وعَمى بَصَرُهُ، وقالَ "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ" ويُوسُفُ ﷺ صَبَرَ عَلى السَجْنِ، وأيُّوبُ صَبَرَ عَلى البَلاءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وانْظُرْ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: « "يَرْحَمُ اللهُ مُوسى، أُوذِيَ بِأكْثَرِ مِن هَذا فَصَبَرَ"»، ولا مَحالَةَ أنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ ورَسُولٍ عَزْمًا وصَبْرًا صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ مَعْناهُ: لا تَسْتَعْجِلُ لَهم عَذابًا، فَإنَّهم إلَيْهِ صائِرُونَ، ولا تَسْتَطِلْ تَعْمِيرَهم في هَذِهِ النِعْمَةِ، فَإنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ العَذابَ كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا في الدُنْيا إلّا ساعَةً، لِاحْتِقارِهِمْ ذَلِكَ، لِأنَّ المُنْقَضِي مِنَ الزَمانِ إنَّما يَصِيرُ عَدَمًا، فَكَثِيرُهُ الَّذِي ساءَتْ عاقِبَتُهُ كالقَلِيلِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ساعَةً مِنَ النَهارِ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بَلاغٌ" وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعانِي: أحَدُها: أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ، المَعْنى: هَذا بَلاغٌ، وتَكُونُ الإشارَةُ بِـ"هَذا" إمّا إلى القُرْآنِ والشَرْعِ، أيْ: هَذا إنْذارٌ وتَبْلِيغٌ، وإمّا إلى المُدَّةِ الَّتِي تَكُونُ كَساعَةٍ مِنَ النَهارِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً كانَتْ بَلاغَهُمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: "مَتاعٌ قَلِيلٌ" ونَحْوُهُ مِنَ المَعْنى. والثانِي: أنْ يَكُونَ ابْتِداءً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ. والثالِثُ: ما قالَهُ أبُو مَجْلَزٍ، فَإنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا تَسْتَعْجِلْ"، ويَقُولُ: "بَلاغٌ" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُتَقَدِّمٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَهُمْ"، وقَدَحَ الناسُ في هَذا القَوْلِ بِكَثِيرَةِ الحائِلِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي (p-٦٣٧)الحَسَنِ، وعِيسى: "بَلاغًا"، وهي قِراءَةٌ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ في قِراءَةِ الرَفْعِ، ولَيْسَ يَدْخُلُها قَوْلُ أبِي مِجْلَزٍ، ونَصَبَها بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو سِراجٍ الهُذَلِيُّ: "بَلِّغْ" عَلى الأمْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بَلاغٍ" بِالخَفْضِ نَعْتًا للنَّهارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فَهَلْ يُهْلَكُ"﴾ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ. وقَرَأ بَعْضُهم -فِيما حَكى هارُونُ-: "فَهَلْ يَهْلَكُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ وكَسْرِ اللامِ، وحَكاها أبُو عَمْرٍو عَنِ الحَسَنِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وقَرَأ أبُو مُحَيْصِنٍ أيْضًا بِفَتْحِ الياءِ واللامِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي مَرْغُوبٌ عنها. ورَوى زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ: "فَهَلْ يَهْلَكُ"» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللامِ "إلّا القَوْمَ الفاسِقِينَ" بِالنَصْبِ.
وفِي هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ مَحْضٌ وإنْذارٌ بَيِّنٌ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها والسَيِّئَةَ بِمِثْلِها، وأمَرَ بِالطاعَةِ ووَعَدَ عَلَيْها بِالجَنَّةِ، ونَهى عَنِ الكُفْرِ وأوعَدَ عَلَيْهِ بِالنارِ، « "فَلَنْ يَهْلَكَ عَلى اللهِ إلّا هالِكٌ"» كَما قالَ ﷺ. قالَ الثَعْلَبِيًّ: يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ أرْجى آيَةً في كِتابِ اللهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْقافِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ