Lafzullah

Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — الذاريات 51:49 – الطور 52:49

المؤلف / المصدر: Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah

المحتويات
  1. الذاريات 51:49
  2. الذاريات 51:50
  3. الذاريات 51:51
  4. الذاريات 51:52
  5. الذاريات 51:53
  6. الذاريات 51:54
  7. الذاريات 51:55
  8. الذاريات 51:56
  9. الذاريات 51:57
  10. الذاريات 51:58
  11. الذاريات 51:59
  12. الذاريات 51:60
  13. الطور 52:1
  14. الطور 52:2
  15. الطور 52:3
  16. الطور 52:4
  17. الطور 52:5
  18. الطور 52:6
  19. الطور 52:7
  20. الطور 52:8
  21. الطور 52:9
  22. الطور 52:10
  23. الطور 52:11
  24. الطور 52:12
  25. الطور 52:13
  26. الطور 52:14
  27. الطور 52:15
  28. الطور 52:16
  29. الطور 52:17
  30. الطور 52:18
  31. الطور 52:19
  32. الطور 52:20
  33. الطور 52:21
  34. الطور 52:22
  35. الطور 52:23
  36. الطور 52:24
  37. الطور 52:25
  38. الطور 52:26
  39. الطور 52:27
  40. الطور 52:28
  41. الطور 52:29
  42. الطور 52:30
  43. الطور 52:31
  44. الطور 52:32
  45. الطور 52:33
  46. الطور 52:34
  47. الطور 52:35
  48. الطور 52:36
  49. الطور 52:37
  50. الطور 52:38
  51. الطور 52:39
  52. الطور 52:40
  53. الطور 52:41
  54. الطور 52:42
  55. الطور 52:43
  56. الطور 52:44
  57. الطور 52:45
  58. الطور 52:46
  59. الطور 52:47
  60. الطور 52:48
  61. الطور 52:49

الذاريات 51:49

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿والسَماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَفِرُّوا إلى اللهِ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "مِن قِيامٍ" مَعْناهُ: ما اسْتَطاعُوا أنْ يَقُومُوا مِن مُصارِعِهِمْ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: مِن قِيامٍ بِالأمْرِ ودَفْعِهِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ لَهُ بِكَذا وكَذا قِيامٌ، أيِ: اسْتِصْلاحٌ وانْتِهاضٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "وَقَوْمَ نُوحٍ" بِالنَصْبِ، وهو عَطْفٌ إمّا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَأخَذَتْهُمُ"؛ إذْ هو بِمَنزِلَةِ "أهْلَكْناهُمْ"، وإمّا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَنَبَذْناهُمْ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِيما رَوى عنهُ عَبْدُ الوارِثِ -: "وَقَوْمُ نُوحِ" بِالرَفْعِ، وذَلِكَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَقَوْمِ نُوحٍ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَفِي ثَمُودَ"، وقَدْ رُوِيَ النَصْبُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَوْلُهُ تَعالى: "والسَماءَ" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وبَنَيْنا السَماءَ بَنَيْناها، (p-٨٠)وَ"الأيْدِ": القُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ووَقَعَتْ في المُصْحَفِ بِياءَيْنِ، وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزِ، وفي هَذا نَظَرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: [لَمُوسِعُونَ] يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إنّا نُوَسِّعُ الأشْياءَ قُوَّةً وقُدْرَةً، كَما قالَ اللهُ تَعالى: و﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. أيِ: الَّذِي يُوسِعُ أهْلَهُ إنْفاقًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لَمُوسِعُونَ في بِناءِ السَماءِ، أيْ جَعَلْناها واسِعَةً، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، وقالَ الحَسَنُ: أوسَعُ الرِزْقِ بِمَطَرِ السَماءِ، و"الماهِدُ": المُهَيِّئُ المَوْطِئُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَمَهَّدُ ويَفْتَرِشُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ أيْ: مُصْطَحِبِينَ مُتَلازِمِينَ، فَقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ أنَّ هَذِهِ إشارَةٌ إلى المُتَضادّاتِ والمُتَقابِلاتِ مِنَ الأشْياءِ كاللَيْلِ والنَهارِ، والشِقْوَةِ والسَعادَةِ، والهُدى والضَلالَةِ، والسَماءِ والأرْضِ، والسَوادِ والبَياضِ، والصِحَّةِ والمَرَضِ، والكُفْرِ والإيمانِ، ونَحْوِ هَذا، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ بِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ الَّتِي تُوجِدُ الضِدَّيْنِ بِخِلافِ ما يَفْعَلُ بِطَبْعِهِ فِعْلًا واحِدًا كالتَسْخِينِ والتَبْرِيدِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي إشارَةٌ إلى الأُنْثى والذَكَرِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، والتَرَجِّي الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: "لَعَلَّكُمْ" هو بِحَسَبِ خَلْقِ البَشَرِ وعُرْفِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَذَكَّرُونَ" بِتَشْدِيدِ الذالِ والإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "تَتَذَكَّرُونَ" بِتاءَيْنِ وخِفَّةِ الذالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفِرُّوا إلى اللهِ﴾ أمَرَ بِالدُخُولِ في الإيمانِ وطاعَةِ اللهِ تَعالى، وجَعَلَ الأمْرَ بِذَلِكَ بِلَفْظِ الفِرارِ لِيُنَبَّهَ عَلى أنَّ وراءَ الناسِ عِقابًا وعَذابًا وأمْرًا حَقُّهُ أنْ يَفِرَّ مِنهُ، فَجُمِعَتْ لَفْظَةُ "فَرُّوا" بَيْنَ التَحْذِيرِ والِاسْتِدْعاءِ، ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيُّ ﷺ: « "لا مَلْجَأ ولا مَنجى مِنكَ إلّا إلَيْكَ..."» الحَدِيثُ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: مَن فَرَّ إلى غَيْرِ اللهِ تَعالى لَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ﴾ نَهْيٌ عن عِبادَةِ الأصْنامِ والشَياطِينِ وكُلُّ (p-٨١)مَدْعُوٍّ مِن دُونِ اللهِ تَعالى، وفائِدَةُ تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ( إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) الإبْلاغُ وهَزُّ النَفْسِ وتَحْكِيمُ التَحْذِيرِ، وإعادَةُ الألْفاظِ بِعَيْنِها في هَذِهِ المَعانِي بَلِيغَةٌ بِقَرِينَةِ شِدَّةِ الصَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَلِكَ" تَقْدِيرُهُ: سِيرَةُ الأُمَمِ كَذَلِكَ، أوِ الأمْرُ في القَدِيمِ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا قالُوا ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ﴾ مَعْناهُ إلّا قالَ بَعْضُ هَذا وبَعْضُ هَذا وبَعْضُ هَذا وبَعْضُ الجَمِيعِ، ألا تَرى أنَّ قَوْمَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَقُولُوا قَطُّ: ساحِرٌ، وإنَّما قالُوا: بِهِ جِنَّةٌ، فَلَمّا اخْتَلَفَتِ الفِرَقُ جُعِلَ الخَبَرُ عن ذَلِكَ بِإدْخالِ "أو" بَيْنَ الصِيغَتَيْنِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ قالَتْ عن نَبِيِّها: إنَّهُ ساحِرٌ أو هو مَجْنُونٌ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ كالمُتَقَدِّمَةِ في فِرْعَوْنَ، بَلْ هَذِهِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قالُوا: هو ساحِرٌ، أو قالُو وهو مَجْنُونٌ.

الذاريات 51:50

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿والسَماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَفِرُّوا إلى اللهِ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "مِن قِيامٍ" مَعْناهُ: ما اسْتَطاعُوا أنْ يَقُومُوا مِن مُصارِعِهِمْ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: مِن قِيامٍ بِالأمْرِ ودَفْعِهِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ لَهُ بِكَذا وكَذا قِيامٌ، أيِ: اسْتِصْلاحٌ وانْتِهاضٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "وَقَوْمَ نُوحٍ" بِالنَصْبِ، وهو عَطْفٌ إمّا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَأخَذَتْهُمُ"؛ إذْ هو بِمَنزِلَةِ "أهْلَكْناهُمْ"، وإمّا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَنَبَذْناهُمْ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِيما رَوى عنهُ عَبْدُ الوارِثِ -: "وَقَوْمُ نُوحِ" بِالرَفْعِ، وذَلِكَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَقَوْمِ نُوحٍ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَفِي ثَمُودَ"، وقَدْ رُوِيَ النَصْبُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَوْلُهُ تَعالى: "والسَماءَ" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وبَنَيْنا السَماءَ بَنَيْناها، (p-٨٠)وَ"الأيْدِ": القُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ووَقَعَتْ في المُصْحَفِ بِياءَيْنِ، وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزِ، وفي هَذا نَظَرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: [لَمُوسِعُونَ] يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إنّا نُوَسِّعُ الأشْياءَ قُوَّةً وقُدْرَةً، كَما قالَ اللهُ تَعالى: و﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. أيِ: الَّذِي يُوسِعُ أهْلَهُ إنْفاقًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لَمُوسِعُونَ في بِناءِ السَماءِ، أيْ جَعَلْناها واسِعَةً، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، وقالَ الحَسَنُ: أوسَعُ الرِزْقِ بِمَطَرِ السَماءِ، و"الماهِدُ": المُهَيِّئُ المَوْطِئُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَمَهَّدُ ويَفْتَرِشُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ أيْ: مُصْطَحِبِينَ مُتَلازِمِينَ، فَقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ أنَّ هَذِهِ إشارَةٌ إلى المُتَضادّاتِ والمُتَقابِلاتِ مِنَ الأشْياءِ كاللَيْلِ والنَهارِ، والشِقْوَةِ والسَعادَةِ، والهُدى والضَلالَةِ، والسَماءِ والأرْضِ، والسَوادِ والبَياضِ، والصِحَّةِ والمَرَضِ، والكُفْرِ والإيمانِ، ونَحْوِ هَذا، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ بِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ الَّتِي تُوجِدُ الضِدَّيْنِ بِخِلافِ ما يَفْعَلُ بِطَبْعِهِ فِعْلًا واحِدًا كالتَسْخِينِ والتَبْرِيدِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي إشارَةٌ إلى الأُنْثى والذَكَرِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، والتَرَجِّي الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: "لَعَلَّكُمْ" هو بِحَسَبِ خَلْقِ البَشَرِ وعُرْفِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَذَكَّرُونَ" بِتَشْدِيدِ الذالِ والإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "تَتَذَكَّرُونَ" بِتاءَيْنِ وخِفَّةِ الذالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفِرُّوا إلى اللهِ﴾ أمَرَ بِالدُخُولِ في الإيمانِ وطاعَةِ اللهِ تَعالى، وجَعَلَ الأمْرَ بِذَلِكَ بِلَفْظِ الفِرارِ لِيُنَبَّهَ عَلى أنَّ وراءَ الناسِ عِقابًا وعَذابًا وأمْرًا حَقُّهُ أنْ يَفِرَّ مِنهُ، فَجُمِعَتْ لَفْظَةُ "فَرُّوا" بَيْنَ التَحْذِيرِ والِاسْتِدْعاءِ، ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيُّ ﷺ: « "لا مَلْجَأ ولا مَنجى مِنكَ إلّا إلَيْكَ..."» الحَدِيثُ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: مَن فَرَّ إلى غَيْرِ اللهِ تَعالى لَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ﴾ نَهْيٌ عن عِبادَةِ الأصْنامِ والشَياطِينِ وكُلُّ (p-٨١)مَدْعُوٍّ مِن دُونِ اللهِ تَعالى، وفائِدَةُ تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ( إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) الإبْلاغُ وهَزُّ النَفْسِ وتَحْكِيمُ التَحْذِيرِ، وإعادَةُ الألْفاظِ بِعَيْنِها في هَذِهِ المَعانِي بَلِيغَةٌ بِقَرِينَةِ شِدَّةِ الصَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَلِكَ" تَقْدِيرُهُ: سِيرَةُ الأُمَمِ كَذَلِكَ، أوِ الأمْرُ في القَدِيمِ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا قالُوا ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ﴾ مَعْناهُ إلّا قالَ بَعْضُ هَذا وبَعْضُ هَذا وبَعْضُ هَذا وبَعْضُ الجَمِيعِ، ألا تَرى أنَّ قَوْمَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَقُولُوا قَطُّ: ساحِرٌ، وإنَّما قالُوا: بِهِ جِنَّةٌ، فَلَمّا اخْتَلَفَتِ الفِرَقُ جُعِلَ الخَبَرُ عن ذَلِكَ بِإدْخالِ "أو" بَيْنَ الصِيغَتَيْنِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ قالَتْ عن نَبِيِّها: إنَّهُ ساحِرٌ أو هو مَجْنُونٌ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ كالمُتَقَدِّمَةِ في فِرْعَوْنَ، بَلْ هَذِهِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قالُوا: هو ساحِرٌ، أو قالُو وهو مَجْنُونٌ.

الذاريات 51:51

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿والسَماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَفِرُّوا إلى اللهِ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "مِن قِيامٍ" مَعْناهُ: ما اسْتَطاعُوا أنْ يَقُومُوا مِن مُصارِعِهِمْ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: مِن قِيامٍ بِالأمْرِ ودَفْعِهِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ لَهُ بِكَذا وكَذا قِيامٌ، أيِ: اسْتِصْلاحٌ وانْتِهاضٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "وَقَوْمَ نُوحٍ" بِالنَصْبِ، وهو عَطْفٌ إمّا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَأخَذَتْهُمُ"؛ إذْ هو بِمَنزِلَةِ "أهْلَكْناهُمْ"، وإمّا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَنَبَذْناهُمْ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِيما رَوى عنهُ عَبْدُ الوارِثِ -: "وَقَوْمُ نُوحِ" بِالرَفْعِ، وذَلِكَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَقَوْمِ نُوحٍ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَفِي ثَمُودَ"، وقَدْ رُوِيَ النَصْبُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَوْلُهُ تَعالى: "والسَماءَ" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وبَنَيْنا السَماءَ بَنَيْناها، (p-٨٠)وَ"الأيْدِ": القُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ووَقَعَتْ في المُصْحَفِ بِياءَيْنِ، وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزِ، وفي هَذا نَظَرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: [لَمُوسِعُونَ] يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إنّا نُوَسِّعُ الأشْياءَ قُوَّةً وقُدْرَةً، كَما قالَ اللهُ تَعالى: و﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. أيِ: الَّذِي يُوسِعُ أهْلَهُ إنْفاقًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لَمُوسِعُونَ في بِناءِ السَماءِ، أيْ جَعَلْناها واسِعَةً، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، وقالَ الحَسَنُ: أوسَعُ الرِزْقِ بِمَطَرِ السَماءِ، و"الماهِدُ": المُهَيِّئُ المَوْطِئُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَمَهَّدُ ويَفْتَرِشُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ أيْ: مُصْطَحِبِينَ مُتَلازِمِينَ، فَقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ أنَّ هَذِهِ إشارَةٌ إلى المُتَضادّاتِ والمُتَقابِلاتِ مِنَ الأشْياءِ كاللَيْلِ والنَهارِ، والشِقْوَةِ والسَعادَةِ، والهُدى والضَلالَةِ، والسَماءِ والأرْضِ، والسَوادِ والبَياضِ، والصِحَّةِ والمَرَضِ، والكُفْرِ والإيمانِ، ونَحْوِ هَذا، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ بِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ الَّتِي تُوجِدُ الضِدَّيْنِ بِخِلافِ ما يَفْعَلُ بِطَبْعِهِ فِعْلًا واحِدًا كالتَسْخِينِ والتَبْرِيدِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي إشارَةٌ إلى الأُنْثى والذَكَرِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، والتَرَجِّي الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: "لَعَلَّكُمْ" هو بِحَسَبِ خَلْقِ البَشَرِ وعُرْفِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَذَكَّرُونَ" بِتَشْدِيدِ الذالِ والإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "تَتَذَكَّرُونَ" بِتاءَيْنِ وخِفَّةِ الذالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفِرُّوا إلى اللهِ﴾ أمَرَ بِالدُخُولِ في الإيمانِ وطاعَةِ اللهِ تَعالى، وجَعَلَ الأمْرَ بِذَلِكَ بِلَفْظِ الفِرارِ لِيُنَبَّهَ عَلى أنَّ وراءَ الناسِ عِقابًا وعَذابًا وأمْرًا حَقُّهُ أنْ يَفِرَّ مِنهُ، فَجُمِعَتْ لَفْظَةُ "فَرُّوا" بَيْنَ التَحْذِيرِ والِاسْتِدْعاءِ، ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيُّ ﷺ: « "لا مَلْجَأ ولا مَنجى مِنكَ إلّا إلَيْكَ..."» الحَدِيثُ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: مَن فَرَّ إلى غَيْرِ اللهِ تَعالى لَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ﴾ نَهْيٌ عن عِبادَةِ الأصْنامِ والشَياطِينِ وكُلُّ (p-٨١)مَدْعُوٍّ مِن دُونِ اللهِ تَعالى، وفائِدَةُ تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ( إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) الإبْلاغُ وهَزُّ النَفْسِ وتَحْكِيمُ التَحْذِيرِ، وإعادَةُ الألْفاظِ بِعَيْنِها في هَذِهِ المَعانِي بَلِيغَةٌ بِقَرِينَةِ شِدَّةِ الصَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَلِكَ" تَقْدِيرُهُ: سِيرَةُ الأُمَمِ كَذَلِكَ، أوِ الأمْرُ في القَدِيمِ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا قالُوا ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ﴾ مَعْناهُ إلّا قالَ بَعْضُ هَذا وبَعْضُ هَذا وبَعْضُ هَذا وبَعْضُ الجَمِيعِ، ألا تَرى أنَّ قَوْمَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَقُولُوا قَطُّ: ساحِرٌ، وإنَّما قالُوا: بِهِ جِنَّةٌ، فَلَمّا اخْتَلَفَتِ الفِرَقُ جُعِلَ الخَبَرُ عن ذَلِكَ بِإدْخالِ "أو" بَيْنَ الصِيغَتَيْنِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ قالَتْ عن نَبِيِّها: إنَّهُ ساحِرٌ أو هو مَجْنُونٌ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ كالمُتَقَدِّمَةِ في فِرْعَوْنَ، بَلْ هَذِهِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قالُوا: هو ساحِرٌ، أو قالُو وهو مَجْنُونٌ.

الذاريات 51:52

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿والسَماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَفِرُّوا إلى اللهِ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "مِن قِيامٍ" مَعْناهُ: ما اسْتَطاعُوا أنْ يَقُومُوا مِن مُصارِعِهِمْ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: مِن قِيامٍ بِالأمْرِ ودَفْعِهِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ لَهُ بِكَذا وكَذا قِيامٌ، أيِ: اسْتِصْلاحٌ وانْتِهاضٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "وَقَوْمَ نُوحٍ" بِالنَصْبِ، وهو عَطْفٌ إمّا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَأخَذَتْهُمُ"؛ إذْ هو بِمَنزِلَةِ "أهْلَكْناهُمْ"، وإمّا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَنَبَذْناهُمْ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِيما رَوى عنهُ عَبْدُ الوارِثِ -: "وَقَوْمُ نُوحِ" بِالرَفْعِ، وذَلِكَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَقَوْمِ نُوحٍ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَفِي ثَمُودَ"، وقَدْ رُوِيَ النَصْبُ عن أبِي عَمْرٍو. وقَوْلُهُ تَعالى: "والسَماءَ" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وبَنَيْنا السَماءَ بَنَيْناها، (p-٨٠)وَ"الأيْدِ": القُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ووَقَعَتْ في المُصْحَفِ بِياءَيْنِ، وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزِ، وفي هَذا نَظَرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: [لَمُوسِعُونَ] يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إنّا نُوَسِّعُ الأشْياءَ قُوَّةً وقُدْرَةً، كَما قالَ اللهُ تَعالى: و﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. أيِ: الَّذِي يُوسِعُ أهْلَهُ إنْفاقًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لَمُوسِعُونَ في بِناءِ السَماءِ، أيْ جَعَلْناها واسِعَةً، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، وقالَ الحَسَنُ: أوسَعُ الرِزْقِ بِمَطَرِ السَماءِ، و"الماهِدُ": المُهَيِّئُ المَوْطِئُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَمَهَّدُ ويَفْتَرِشُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ أيْ: مُصْطَحِبِينَ مُتَلازِمِينَ، فَقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ أنَّ هَذِهِ إشارَةٌ إلى المُتَضادّاتِ والمُتَقابِلاتِ مِنَ الأشْياءِ كاللَيْلِ والنَهارِ، والشِقْوَةِ والسَعادَةِ، والهُدى والضَلالَةِ، والسَماءِ والأرْضِ، والسَوادِ والبَياضِ، والصِحَّةِ والمَرَضِ، والكُفْرِ والإيمانِ، ونَحْوِ هَذا، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ بِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ الَّتِي تُوجِدُ الضِدَّيْنِ بِخِلافِ ما يَفْعَلُ بِطَبْعِهِ فِعْلًا واحِدًا كالتَسْخِينِ والتَبْرِيدِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي إشارَةٌ إلى الأُنْثى والذَكَرِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، والتَرَجِّي الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: "لَعَلَّكُمْ" هو بِحَسَبِ خَلْقِ البَشَرِ وعُرْفِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَذَكَّرُونَ" بِتَشْدِيدِ الذالِ والإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "تَتَذَكَّرُونَ" بِتاءَيْنِ وخِفَّةِ الذالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفِرُّوا إلى اللهِ﴾ أمَرَ بِالدُخُولِ في الإيمانِ وطاعَةِ اللهِ تَعالى، وجَعَلَ الأمْرَ بِذَلِكَ بِلَفْظِ الفِرارِ لِيُنَبَّهَ عَلى أنَّ وراءَ الناسِ عِقابًا وعَذابًا وأمْرًا حَقُّهُ أنْ يَفِرَّ مِنهُ، فَجُمِعَتْ لَفْظَةُ "فَرُّوا" بَيْنَ التَحْذِيرِ والِاسْتِدْعاءِ، ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيُّ ﷺ: « "لا مَلْجَأ ولا مَنجى مِنكَ إلّا إلَيْكَ..."» الحَدِيثُ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: مَن فَرَّ إلى غَيْرِ اللهِ تَعالى لَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ﴾ نَهْيٌ عن عِبادَةِ الأصْنامِ والشَياطِينِ وكُلُّ (p-٨١)مَدْعُوٍّ مِن دُونِ اللهِ تَعالى، وفائِدَةُ تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ( إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) الإبْلاغُ وهَزُّ النَفْسِ وتَحْكِيمُ التَحْذِيرِ، وإعادَةُ الألْفاظِ بِعَيْنِها في هَذِهِ المَعانِي بَلِيغَةٌ بِقَرِينَةِ شِدَّةِ الصَوْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَلِكَ" تَقْدِيرُهُ: سِيرَةُ الأُمَمِ كَذَلِكَ، أوِ الأمْرُ في القَدِيمِ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا قالُوا ساحِرٌ أو مَجْنُونٌ﴾ مَعْناهُ إلّا قالَ بَعْضُ هَذا وبَعْضُ هَذا وبَعْضُ هَذا وبَعْضُ الجَمِيعِ، ألا تَرى أنَّ قَوْمَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَقُولُوا قَطُّ: ساحِرٌ، وإنَّما قالُوا: بِهِ جِنَّةٌ، فَلَمّا اخْتَلَفَتِ الفِرَقُ جُعِلَ الخَبَرُ عن ذَلِكَ بِإدْخالِ "أو" بَيْنَ الصِيغَتَيْنِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ قالَتْ عن نَبِيِّها: إنَّهُ ساحِرٌ أو هو مَجْنُونٌ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ كالمُتَقَدِّمَةِ في فِرْعَوْنَ، بَلْ هَذِهِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قالُوا: هو ساحِرٌ، أو قالُو وهو مَجْنُونٌ.

الذاريات 51:53

قوله عزّ وجلّ: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أتَواصَوْا بِهِ" تَوْقِيفٌ وتَعْجِيبٌ مِن تَوارُدِ نُفُوسِ الكَفَرَةِ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ عَلى تَفَرُّقِ أزْمانِهِمْ، أيْ: إنَّهم لَمْ يَتَواصَوْا لَكِنَّهم فَعَلُوا فِعْلًا كَأنَّهُ فِعْلُ مَن يَتَواصى، والعِلَّةُ في ذَلِكَ أنْ جَمِيعَهم طاغٍ، والطاغِي: المُسْتَعْلِي في الأرْضِ المُفْسِدُ العاتِي عَلى اللهِ. قَوْلُهُ تَعالى: "فَتَوَلَّ عنهُمْ" أيْ: عَنِ الحِرْصِ المُفْرِطِ عَلَيْهِمْ وذَهابِ اليَقِينِ حَسَراتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: فَقَوْلٌ عَنِ التَعَبِ المُفْرِطِ في دُعائِهِمْ وضَمِّهِمْ إلى الإسْلامِ، فَلَسْتَ بِمُصَيْطِرٍ عَلَيْهِمْ ولَسْتَ بِمَلُومٍ إذْ قَدْ بَلَّغْتَ، فَنَحِّ نَفْسَكَ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ وذَكِّرْ فَقَطْ فَإنَّ الذِكْرى نافِعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِمَن قُضِيَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنهم في ثانِي حالٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلا نَسْخَ في الآيَةِ إلّا في مَعْنى المُوادَعَةِ الَّتِي فِيها: فَإنَّ آيَةَ السَيْفِ نَسَخَتْ جَمِيعَ المُوادَعاتِ، ورَوى قَتادَةُ -وَذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ - عن عَلِيٍّ رِضى الله تَعالى عنهُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ حَزِنَ المُسْلِمُونَ وظَنُّوا أنَّهُ مَرَّ بِالتَوالِي عَنِ الجَمِيعِ وأنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ فَسُّرُّوا بِذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾، اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ مَعَ (p-٨٢)إجْماعِ أهْلِ السُنَّةِ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ أنْ تَقَعَ العِبادَةُ مِنَ الجَمِيعِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أنْ يَقَعَ الأمْرُ بِخِلافِ إرادَتِهِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: المَعْنى: ما خُلِقَتِ الجِنُّ والإنْسُ إلّا لِأمْرِهِمْ بِعِبادَتِي ولِيُقِرُّوا لِي بِالعُبُودِيَّةِ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "لِيَعْبُدُونِ"؛ إذِ العِبادَةُ هي مَضْمُونُ الأمْرِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وسُفْيانُ: المَعْنى خاصٌّ، والمُرادُ وما خَلَقْتُ الطائِعِينَ مِنَ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِعِبادَتِي، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا لِيَعْبُدُونِي"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعْنى "لِيَعْبُدُونِ"؛ لِيَتَذَلَّلُوا لِي ولِقُدْرَتِي وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى قَوانِينِ الشَرْعِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَجَمِيعُ الجِنِّ والإنْسِ عابِدٌ مُتَذَلِّلٌ، والكُفّارُ كَذَلِكَ، ألا تَراهم عِنْدَ القُحُوطِ والأمْراضِ وغَيْرِ ذَلِكَ؟ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا مُعَدِّينَ لِيَعْبُدُونِي، وكَأنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، أيْ: خُلِقَتْ لَهم حَواسَّ وعُقُولًا وأجْسامًا مُنْقادَةً لِحَقِّ العِبادَةِ وهَذا كَما تَقُولُ: البَقَرُ مَخْلُوقٌ لِلْحَرْثِ، والخَيْلُ لِلْحَرْبِ، وقَدْ يَكُونُ مِنها ما لا يَحْرُثُ وما لا يُحارِبُ بِهِ أصْلًا، فالمَعْنى أنَّ الإعْدادَ في خَلْقِ هَؤُلاءِ إنَّما هو لِلْعِبادَةِ، لَكِنَّ بَعْضَهم تَكْسَّبَ صَرْفَ نَفْسِهِ عن ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزِعَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ"،» وقَوْلُهُ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"...الحَدِيثُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن رِزْقٍ" أيْ أنْ يَرْزُقُوا أنْفُسَهم ولا غَيْرَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يُطْعِمُونِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُطْعِمُوا خَلْقِي، فَأُضِيفَ إلى الضَمِيرِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وإمّا أنْ يَكُونَ الإطْعامُ هُنا بِمَعْنى النَفْعِ عَلى العُمُومِ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُ فُلانًا كَذا وكَذا طُعْمَةً، وأنْتَ قَدْ أعْطَيْتُهُ عَرَضًا أو بَلَدًا يُجِيبُهُ، ونَحْوُ هَذا، عَلى الجَمِيعِ. وقَرَأ الجَمِيعُ: "إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ"، ورَوى أبُو إسْحاقَ السَبِيعِيُّ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقَرَأنِي (p-٨٣)رَسُولُ اللهِ ﷺ "إنِّي أنا الرَزّاقُ"،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "المَتِينُ" بِالرَفْعِ، إمّا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أو صِفَةٌ لِـ "الرَزّاقُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "المَتِينِ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِـ "القُوَّةِ"، وجازَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ تَأْنِيثُ "القُوَّةِ" غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَكَأنَّهُ قالَ: ذُو الأيْدِ والحَبْلِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وجَوَّزَ أبُو الفَتْحِ أنْ يَكُونَ خَفْضُ "المَتِينِ" عَلى الجَوازِ و" المَتِينُ": الشَدِيدُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، يُرِيدُ تَعالى أهْلَ مَكَّةَ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ صُراحٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَإنَّ لِلَّذِينِ كَفَرُوا"، و"الذُنُوبُ": الحَظُّ والنَصِيبُ، وأصْلُهُ مِنَ الدَلْوِ، وذَلِكَ أنَّ الذُنُوبَ هو مِلْءُ الدَلْوِ مِنَ الماءِ، وقِيلَ: الذُنُوبُ: الدَلْوُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ إنّا إذا نازَلَنا غَرِيبٌ لَهُ ذُنُوبٌ ولَنا ذُنُوبُ ؎ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ وهُوَ السِجِلُّ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: ؎ وفي كُلِّ حَيٍّ يَوْمٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذُنُوبُ (p-٨٤)فَرَوى أنَّ المَلِكَ لَمّا سَمِعَ هَذا البَيْتَ قالَ: نَعَمْ وأذْنُبُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎ لا تَبْعَدَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ وسَقى الغَوادِي قَبْرَهُ بِذُنُوبِ و"أصْحابُهُمْ" يُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا يَسْتَعْجِلُونَ" تَحْقِيقٌ لِلْأمْرِ، بِمَعْنى: هو نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ في وقْتِهِ المَعْلُومِ، فَلا يَسْتَعْجِلُوهُ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "فَلا تَسْتَعْجِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وبِهِ قَرَأتْ فِرْقَةٌ، والباقُونَ بِالياءِ. ثُمَّ أوجَبَ تَعالى لَهُمُ الوَيْلَ مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ عَذابُهُمْ، و"الوَيْلُ": الشَقاءُ والهَمُّ، ورُوِيَ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى ويْلًا، والطَبَرِيُّ يَذْهَبُ أبَدًا إلى أنَّ التَوَعُّدَ إنَّما هو بِهِ، وذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ قَلَقٌ، لِأنَّ هَذا الوَيْلَ إنَّما هو مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي هو في الدُنْيا، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هَذا التَوَعُّدُ هو بِيَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ -ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ -: هو يَوْمُ بَدْرٍ، وفي "يُوعَدُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الكَلامِ، التَقْدِيرُ: يُوعِدُونَ بِهِ، أو يُوعِدُونَهُ. تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الذارِياتِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الذاريات 51:54

قوله عزّ وجلّ: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أتَواصَوْا بِهِ" تَوْقِيفٌ وتَعْجِيبٌ مِن تَوارُدِ نُفُوسِ الكَفَرَةِ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ عَلى تَفَرُّقِ أزْمانِهِمْ، أيْ: إنَّهم لَمْ يَتَواصَوْا لَكِنَّهم فَعَلُوا فِعْلًا كَأنَّهُ فِعْلُ مَن يَتَواصى، والعِلَّةُ في ذَلِكَ أنْ جَمِيعَهم طاغٍ، والطاغِي: المُسْتَعْلِي في الأرْضِ المُفْسِدُ العاتِي عَلى اللهِ. قَوْلُهُ تَعالى: "فَتَوَلَّ عنهُمْ" أيْ: عَنِ الحِرْصِ المُفْرِطِ عَلَيْهِمْ وذَهابِ اليَقِينِ حَسَراتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: فَقَوْلٌ عَنِ التَعَبِ المُفْرِطِ في دُعائِهِمْ وضَمِّهِمْ إلى الإسْلامِ، فَلَسْتَ بِمُصَيْطِرٍ عَلَيْهِمْ ولَسْتَ بِمَلُومٍ إذْ قَدْ بَلَّغْتَ، فَنَحِّ نَفْسَكَ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ وذَكِّرْ فَقَطْ فَإنَّ الذِكْرى نافِعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِمَن قُضِيَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنهم في ثانِي حالٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلا نَسْخَ في الآيَةِ إلّا في مَعْنى المُوادَعَةِ الَّتِي فِيها: فَإنَّ آيَةَ السَيْفِ نَسَخَتْ جَمِيعَ المُوادَعاتِ، ورَوى قَتادَةُ -وَذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ - عن عَلِيٍّ رِضى الله تَعالى عنهُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ حَزِنَ المُسْلِمُونَ وظَنُّوا أنَّهُ مَرَّ بِالتَوالِي عَنِ الجَمِيعِ وأنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ فَسُّرُّوا بِذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾، اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ مَعَ (p-٨٢)إجْماعِ أهْلِ السُنَّةِ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ أنْ تَقَعَ العِبادَةُ مِنَ الجَمِيعِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أنْ يَقَعَ الأمْرُ بِخِلافِ إرادَتِهِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: المَعْنى: ما خُلِقَتِ الجِنُّ والإنْسُ إلّا لِأمْرِهِمْ بِعِبادَتِي ولِيُقِرُّوا لِي بِالعُبُودِيَّةِ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "لِيَعْبُدُونِ"؛ إذِ العِبادَةُ هي مَضْمُونُ الأمْرِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وسُفْيانُ: المَعْنى خاصٌّ، والمُرادُ وما خَلَقْتُ الطائِعِينَ مِنَ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِعِبادَتِي، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا لِيَعْبُدُونِي"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعْنى "لِيَعْبُدُونِ"؛ لِيَتَذَلَّلُوا لِي ولِقُدْرَتِي وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى قَوانِينِ الشَرْعِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَجَمِيعُ الجِنِّ والإنْسِ عابِدٌ مُتَذَلِّلٌ، والكُفّارُ كَذَلِكَ، ألا تَراهم عِنْدَ القُحُوطِ والأمْراضِ وغَيْرِ ذَلِكَ؟ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا مُعَدِّينَ لِيَعْبُدُونِي، وكَأنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، أيْ: خُلِقَتْ لَهم حَواسَّ وعُقُولًا وأجْسامًا مُنْقادَةً لِحَقِّ العِبادَةِ وهَذا كَما تَقُولُ: البَقَرُ مَخْلُوقٌ لِلْحَرْثِ، والخَيْلُ لِلْحَرْبِ، وقَدْ يَكُونُ مِنها ما لا يَحْرُثُ وما لا يُحارِبُ بِهِ أصْلًا، فالمَعْنى أنَّ الإعْدادَ في خَلْقِ هَؤُلاءِ إنَّما هو لِلْعِبادَةِ، لَكِنَّ بَعْضَهم تَكْسَّبَ صَرْفَ نَفْسِهِ عن ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزِعَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ"،» وقَوْلُهُ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"...الحَدِيثُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن رِزْقٍ" أيْ أنْ يَرْزُقُوا أنْفُسَهم ولا غَيْرَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يُطْعِمُونِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُطْعِمُوا خَلْقِي، فَأُضِيفَ إلى الضَمِيرِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وإمّا أنْ يَكُونَ الإطْعامُ هُنا بِمَعْنى النَفْعِ عَلى العُمُومِ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُ فُلانًا كَذا وكَذا طُعْمَةً، وأنْتَ قَدْ أعْطَيْتُهُ عَرَضًا أو بَلَدًا يُجِيبُهُ، ونَحْوُ هَذا، عَلى الجَمِيعِ. وقَرَأ الجَمِيعُ: "إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ"، ورَوى أبُو إسْحاقَ السَبِيعِيُّ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقَرَأنِي (p-٨٣)رَسُولُ اللهِ ﷺ "إنِّي أنا الرَزّاقُ"،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "المَتِينُ" بِالرَفْعِ، إمّا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أو صِفَةٌ لِـ "الرَزّاقُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "المَتِينِ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِـ "القُوَّةِ"، وجازَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ تَأْنِيثُ "القُوَّةِ" غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَكَأنَّهُ قالَ: ذُو الأيْدِ والحَبْلِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وجَوَّزَ أبُو الفَتْحِ أنْ يَكُونَ خَفْضُ "المَتِينِ" عَلى الجَوازِ و" المَتِينُ": الشَدِيدُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، يُرِيدُ تَعالى أهْلَ مَكَّةَ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ صُراحٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَإنَّ لِلَّذِينِ كَفَرُوا"، و"الذُنُوبُ": الحَظُّ والنَصِيبُ، وأصْلُهُ مِنَ الدَلْوِ، وذَلِكَ أنَّ الذُنُوبَ هو مِلْءُ الدَلْوِ مِنَ الماءِ، وقِيلَ: الذُنُوبُ: الدَلْوُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ إنّا إذا نازَلَنا غَرِيبٌ لَهُ ذُنُوبٌ ولَنا ذُنُوبُ ؎ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ وهُوَ السِجِلُّ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: ؎ وفي كُلِّ حَيٍّ يَوْمٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذُنُوبُ (p-٨٤)فَرَوى أنَّ المَلِكَ لَمّا سَمِعَ هَذا البَيْتَ قالَ: نَعَمْ وأذْنُبُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎ لا تَبْعَدَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ وسَقى الغَوادِي قَبْرَهُ بِذُنُوبِ و"أصْحابُهُمْ" يُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا يَسْتَعْجِلُونَ" تَحْقِيقٌ لِلْأمْرِ، بِمَعْنى: هو نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ في وقْتِهِ المَعْلُومِ، فَلا يَسْتَعْجِلُوهُ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "فَلا تَسْتَعْجِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وبِهِ قَرَأتْ فِرْقَةٌ، والباقُونَ بِالياءِ. ثُمَّ أوجَبَ تَعالى لَهُمُ الوَيْلَ مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ عَذابُهُمْ، و"الوَيْلُ": الشَقاءُ والهَمُّ، ورُوِيَ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى ويْلًا، والطَبَرِيُّ يَذْهَبُ أبَدًا إلى أنَّ التَوَعُّدَ إنَّما هو بِهِ، وذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ قَلَقٌ، لِأنَّ هَذا الوَيْلَ إنَّما هو مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي هو في الدُنْيا، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هَذا التَوَعُّدُ هو بِيَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ -ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ -: هو يَوْمُ بَدْرٍ، وفي "يُوعَدُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الكَلامِ، التَقْدِيرُ: يُوعِدُونَ بِهِ، أو يُوعِدُونَهُ. تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الذارِياتِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الذاريات 51:55

قوله عزّ وجلّ: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أتَواصَوْا بِهِ" تَوْقِيفٌ وتَعْجِيبٌ مِن تَوارُدِ نُفُوسِ الكَفَرَةِ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ عَلى تَفَرُّقِ أزْمانِهِمْ، أيْ: إنَّهم لَمْ يَتَواصَوْا لَكِنَّهم فَعَلُوا فِعْلًا كَأنَّهُ فِعْلُ مَن يَتَواصى، والعِلَّةُ في ذَلِكَ أنْ جَمِيعَهم طاغٍ، والطاغِي: المُسْتَعْلِي في الأرْضِ المُفْسِدُ العاتِي عَلى اللهِ. قَوْلُهُ تَعالى: "فَتَوَلَّ عنهُمْ" أيْ: عَنِ الحِرْصِ المُفْرِطِ عَلَيْهِمْ وذَهابِ اليَقِينِ حَسَراتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: فَقَوْلٌ عَنِ التَعَبِ المُفْرِطِ في دُعائِهِمْ وضَمِّهِمْ إلى الإسْلامِ، فَلَسْتَ بِمُصَيْطِرٍ عَلَيْهِمْ ولَسْتَ بِمَلُومٍ إذْ قَدْ بَلَّغْتَ، فَنَحِّ نَفْسَكَ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ وذَكِّرْ فَقَطْ فَإنَّ الذِكْرى نافِعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِمَن قُضِيَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنهم في ثانِي حالٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلا نَسْخَ في الآيَةِ إلّا في مَعْنى المُوادَعَةِ الَّتِي فِيها: فَإنَّ آيَةَ السَيْفِ نَسَخَتْ جَمِيعَ المُوادَعاتِ، ورَوى قَتادَةُ -وَذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ - عن عَلِيٍّ رِضى الله تَعالى عنهُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ حَزِنَ المُسْلِمُونَ وظَنُّوا أنَّهُ مَرَّ بِالتَوالِي عَنِ الجَمِيعِ وأنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ فَسُّرُّوا بِذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾، اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ مَعَ (p-٨٢)إجْماعِ أهْلِ السُنَّةِ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ أنْ تَقَعَ العِبادَةُ مِنَ الجَمِيعِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أنْ يَقَعَ الأمْرُ بِخِلافِ إرادَتِهِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: المَعْنى: ما خُلِقَتِ الجِنُّ والإنْسُ إلّا لِأمْرِهِمْ بِعِبادَتِي ولِيُقِرُّوا لِي بِالعُبُودِيَّةِ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "لِيَعْبُدُونِ"؛ إذِ العِبادَةُ هي مَضْمُونُ الأمْرِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وسُفْيانُ: المَعْنى خاصٌّ، والمُرادُ وما خَلَقْتُ الطائِعِينَ مِنَ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِعِبادَتِي، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا لِيَعْبُدُونِي"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعْنى "لِيَعْبُدُونِ"؛ لِيَتَذَلَّلُوا لِي ولِقُدْرَتِي وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى قَوانِينِ الشَرْعِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَجَمِيعُ الجِنِّ والإنْسِ عابِدٌ مُتَذَلِّلٌ، والكُفّارُ كَذَلِكَ، ألا تَراهم عِنْدَ القُحُوطِ والأمْراضِ وغَيْرِ ذَلِكَ؟ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا مُعَدِّينَ لِيَعْبُدُونِي، وكَأنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، أيْ: خُلِقَتْ لَهم حَواسَّ وعُقُولًا وأجْسامًا مُنْقادَةً لِحَقِّ العِبادَةِ وهَذا كَما تَقُولُ: البَقَرُ مَخْلُوقٌ لِلْحَرْثِ، والخَيْلُ لِلْحَرْبِ، وقَدْ يَكُونُ مِنها ما لا يَحْرُثُ وما لا يُحارِبُ بِهِ أصْلًا، فالمَعْنى أنَّ الإعْدادَ في خَلْقِ هَؤُلاءِ إنَّما هو لِلْعِبادَةِ، لَكِنَّ بَعْضَهم تَكْسَّبَ صَرْفَ نَفْسِهِ عن ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزِعَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ"،» وقَوْلُهُ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"...الحَدِيثُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن رِزْقٍ" أيْ أنْ يَرْزُقُوا أنْفُسَهم ولا غَيْرَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يُطْعِمُونِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُطْعِمُوا خَلْقِي، فَأُضِيفَ إلى الضَمِيرِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وإمّا أنْ يَكُونَ الإطْعامُ هُنا بِمَعْنى النَفْعِ عَلى العُمُومِ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُ فُلانًا كَذا وكَذا طُعْمَةً، وأنْتَ قَدْ أعْطَيْتُهُ عَرَضًا أو بَلَدًا يُجِيبُهُ، ونَحْوُ هَذا، عَلى الجَمِيعِ. وقَرَأ الجَمِيعُ: "إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ"، ورَوى أبُو إسْحاقَ السَبِيعِيُّ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقَرَأنِي (p-٨٣)رَسُولُ اللهِ ﷺ "إنِّي أنا الرَزّاقُ"،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "المَتِينُ" بِالرَفْعِ، إمّا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أو صِفَةٌ لِـ "الرَزّاقُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "المَتِينِ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِـ "القُوَّةِ"، وجازَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ تَأْنِيثُ "القُوَّةِ" غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَكَأنَّهُ قالَ: ذُو الأيْدِ والحَبْلِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وجَوَّزَ أبُو الفَتْحِ أنْ يَكُونَ خَفْضُ "المَتِينِ" عَلى الجَوازِ و" المَتِينُ": الشَدِيدُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، يُرِيدُ تَعالى أهْلَ مَكَّةَ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ صُراحٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَإنَّ لِلَّذِينِ كَفَرُوا"، و"الذُنُوبُ": الحَظُّ والنَصِيبُ، وأصْلُهُ مِنَ الدَلْوِ، وذَلِكَ أنَّ الذُنُوبَ هو مِلْءُ الدَلْوِ مِنَ الماءِ، وقِيلَ: الذُنُوبُ: الدَلْوُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ إنّا إذا نازَلَنا غَرِيبٌ لَهُ ذُنُوبٌ ولَنا ذُنُوبُ ؎ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ وهُوَ السِجِلُّ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: ؎ وفي كُلِّ حَيٍّ يَوْمٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذُنُوبُ (p-٨٤)فَرَوى أنَّ المَلِكَ لَمّا سَمِعَ هَذا البَيْتَ قالَ: نَعَمْ وأذْنُبُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎ لا تَبْعَدَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ وسَقى الغَوادِي قَبْرَهُ بِذُنُوبِ و"أصْحابُهُمْ" يُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا يَسْتَعْجِلُونَ" تَحْقِيقٌ لِلْأمْرِ، بِمَعْنى: هو نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ في وقْتِهِ المَعْلُومِ، فَلا يَسْتَعْجِلُوهُ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "فَلا تَسْتَعْجِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وبِهِ قَرَأتْ فِرْقَةٌ، والباقُونَ بِالياءِ. ثُمَّ أوجَبَ تَعالى لَهُمُ الوَيْلَ مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ عَذابُهُمْ، و"الوَيْلُ": الشَقاءُ والهَمُّ، ورُوِيَ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى ويْلًا، والطَبَرِيُّ يَذْهَبُ أبَدًا إلى أنَّ التَوَعُّدَ إنَّما هو بِهِ، وذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ قَلَقٌ، لِأنَّ هَذا الوَيْلَ إنَّما هو مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي هو في الدُنْيا، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هَذا التَوَعُّدُ هو بِيَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ -ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ -: هو يَوْمُ بَدْرٍ، وفي "يُوعَدُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الكَلامِ، التَقْدِيرُ: يُوعِدُونَ بِهِ، أو يُوعِدُونَهُ. تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الذارِياتِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الذاريات 51:56

قوله عزّ وجلّ: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أتَواصَوْا بِهِ" تَوْقِيفٌ وتَعْجِيبٌ مِن تَوارُدِ نُفُوسِ الكَفَرَةِ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ عَلى تَفَرُّقِ أزْمانِهِمْ، أيْ: إنَّهم لَمْ يَتَواصَوْا لَكِنَّهم فَعَلُوا فِعْلًا كَأنَّهُ فِعْلُ مَن يَتَواصى، والعِلَّةُ في ذَلِكَ أنْ جَمِيعَهم طاغٍ، والطاغِي: المُسْتَعْلِي في الأرْضِ المُفْسِدُ العاتِي عَلى اللهِ. قَوْلُهُ تَعالى: "فَتَوَلَّ عنهُمْ" أيْ: عَنِ الحِرْصِ المُفْرِطِ عَلَيْهِمْ وذَهابِ اليَقِينِ حَسَراتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: فَقَوْلٌ عَنِ التَعَبِ المُفْرِطِ في دُعائِهِمْ وضَمِّهِمْ إلى الإسْلامِ، فَلَسْتَ بِمُصَيْطِرٍ عَلَيْهِمْ ولَسْتَ بِمَلُومٍ إذْ قَدْ بَلَّغْتَ، فَنَحِّ نَفْسَكَ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ وذَكِّرْ فَقَطْ فَإنَّ الذِكْرى نافِعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِمَن قُضِيَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنهم في ثانِي حالٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلا نَسْخَ في الآيَةِ إلّا في مَعْنى المُوادَعَةِ الَّتِي فِيها: فَإنَّ آيَةَ السَيْفِ نَسَخَتْ جَمِيعَ المُوادَعاتِ، ورَوى قَتادَةُ -وَذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ - عن عَلِيٍّ رِضى الله تَعالى عنهُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ حَزِنَ المُسْلِمُونَ وظَنُّوا أنَّهُ مَرَّ بِالتَوالِي عَنِ الجَمِيعِ وأنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ فَسُّرُّوا بِذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾، اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ مَعَ (p-٨٢)إجْماعِ أهْلِ السُنَّةِ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ أنْ تَقَعَ العِبادَةُ مِنَ الجَمِيعِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أنْ يَقَعَ الأمْرُ بِخِلافِ إرادَتِهِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: المَعْنى: ما خُلِقَتِ الجِنُّ والإنْسُ إلّا لِأمْرِهِمْ بِعِبادَتِي ولِيُقِرُّوا لِي بِالعُبُودِيَّةِ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "لِيَعْبُدُونِ"؛ إذِ العِبادَةُ هي مَضْمُونُ الأمْرِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وسُفْيانُ: المَعْنى خاصٌّ، والمُرادُ وما خَلَقْتُ الطائِعِينَ مِنَ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِعِبادَتِي، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا لِيَعْبُدُونِي"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعْنى "لِيَعْبُدُونِ"؛ لِيَتَذَلَّلُوا لِي ولِقُدْرَتِي وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى قَوانِينِ الشَرْعِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَجَمِيعُ الجِنِّ والإنْسِ عابِدٌ مُتَذَلِّلٌ، والكُفّارُ كَذَلِكَ، ألا تَراهم عِنْدَ القُحُوطِ والأمْراضِ وغَيْرِ ذَلِكَ؟ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا مُعَدِّينَ لِيَعْبُدُونِي، وكَأنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، أيْ: خُلِقَتْ لَهم حَواسَّ وعُقُولًا وأجْسامًا مُنْقادَةً لِحَقِّ العِبادَةِ وهَذا كَما تَقُولُ: البَقَرُ مَخْلُوقٌ لِلْحَرْثِ، والخَيْلُ لِلْحَرْبِ، وقَدْ يَكُونُ مِنها ما لا يَحْرُثُ وما لا يُحارِبُ بِهِ أصْلًا، فالمَعْنى أنَّ الإعْدادَ في خَلْقِ هَؤُلاءِ إنَّما هو لِلْعِبادَةِ، لَكِنَّ بَعْضَهم تَكْسَّبَ صَرْفَ نَفْسِهِ عن ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزِعَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ"،» وقَوْلُهُ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"...الحَدِيثُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن رِزْقٍ" أيْ أنْ يَرْزُقُوا أنْفُسَهم ولا غَيْرَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يُطْعِمُونِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُطْعِمُوا خَلْقِي، فَأُضِيفَ إلى الضَمِيرِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وإمّا أنْ يَكُونَ الإطْعامُ هُنا بِمَعْنى النَفْعِ عَلى العُمُومِ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُ فُلانًا كَذا وكَذا طُعْمَةً، وأنْتَ قَدْ أعْطَيْتُهُ عَرَضًا أو بَلَدًا يُجِيبُهُ، ونَحْوُ هَذا، عَلى الجَمِيعِ. وقَرَأ الجَمِيعُ: "إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ"، ورَوى أبُو إسْحاقَ السَبِيعِيُّ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقَرَأنِي (p-٨٣)رَسُولُ اللهِ ﷺ "إنِّي أنا الرَزّاقُ"،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "المَتِينُ" بِالرَفْعِ، إمّا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أو صِفَةٌ لِـ "الرَزّاقُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "المَتِينِ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِـ "القُوَّةِ"، وجازَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ تَأْنِيثُ "القُوَّةِ" غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَكَأنَّهُ قالَ: ذُو الأيْدِ والحَبْلِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وجَوَّزَ أبُو الفَتْحِ أنْ يَكُونَ خَفْضُ "المَتِينِ" عَلى الجَوازِ و" المَتِينُ": الشَدِيدُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، يُرِيدُ تَعالى أهْلَ مَكَّةَ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ صُراحٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَإنَّ لِلَّذِينِ كَفَرُوا"، و"الذُنُوبُ": الحَظُّ والنَصِيبُ، وأصْلُهُ مِنَ الدَلْوِ، وذَلِكَ أنَّ الذُنُوبَ هو مِلْءُ الدَلْوِ مِنَ الماءِ، وقِيلَ: الذُنُوبُ: الدَلْوُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ إنّا إذا نازَلَنا غَرِيبٌ لَهُ ذُنُوبٌ ولَنا ذُنُوبُ ؎ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ وهُوَ السِجِلُّ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: ؎ وفي كُلِّ حَيٍّ يَوْمٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذُنُوبُ (p-٨٤)فَرَوى أنَّ المَلِكَ لَمّا سَمِعَ هَذا البَيْتَ قالَ: نَعَمْ وأذْنُبُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎ لا تَبْعَدَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ وسَقى الغَوادِي قَبْرَهُ بِذُنُوبِ و"أصْحابُهُمْ" يُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا يَسْتَعْجِلُونَ" تَحْقِيقٌ لِلْأمْرِ، بِمَعْنى: هو نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ في وقْتِهِ المَعْلُومِ، فَلا يَسْتَعْجِلُوهُ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "فَلا تَسْتَعْجِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وبِهِ قَرَأتْ فِرْقَةٌ، والباقُونَ بِالياءِ. ثُمَّ أوجَبَ تَعالى لَهُمُ الوَيْلَ مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ عَذابُهُمْ، و"الوَيْلُ": الشَقاءُ والهَمُّ، ورُوِيَ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى ويْلًا، والطَبَرِيُّ يَذْهَبُ أبَدًا إلى أنَّ التَوَعُّدَ إنَّما هو بِهِ، وذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ قَلَقٌ، لِأنَّ هَذا الوَيْلَ إنَّما هو مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي هو في الدُنْيا، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هَذا التَوَعُّدُ هو بِيَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ -ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ -: هو يَوْمُ بَدْرٍ، وفي "يُوعَدُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الكَلامِ، التَقْدِيرُ: يُوعِدُونَ بِهِ، أو يُوعِدُونَهُ. تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الذارِياتِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الذاريات 51:57

قوله عزّ وجلّ: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أتَواصَوْا بِهِ" تَوْقِيفٌ وتَعْجِيبٌ مِن تَوارُدِ نُفُوسِ الكَفَرَةِ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ عَلى تَفَرُّقِ أزْمانِهِمْ، أيْ: إنَّهم لَمْ يَتَواصَوْا لَكِنَّهم فَعَلُوا فِعْلًا كَأنَّهُ فِعْلُ مَن يَتَواصى، والعِلَّةُ في ذَلِكَ أنْ جَمِيعَهم طاغٍ، والطاغِي: المُسْتَعْلِي في الأرْضِ المُفْسِدُ العاتِي عَلى اللهِ. قَوْلُهُ تَعالى: "فَتَوَلَّ عنهُمْ" أيْ: عَنِ الحِرْصِ المُفْرِطِ عَلَيْهِمْ وذَهابِ اليَقِينِ حَسَراتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: فَقَوْلٌ عَنِ التَعَبِ المُفْرِطِ في دُعائِهِمْ وضَمِّهِمْ إلى الإسْلامِ، فَلَسْتَ بِمُصَيْطِرٍ عَلَيْهِمْ ولَسْتَ بِمَلُومٍ إذْ قَدْ بَلَّغْتَ، فَنَحِّ نَفْسَكَ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ وذَكِّرْ فَقَطْ فَإنَّ الذِكْرى نافِعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِمَن قُضِيَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنهم في ثانِي حالٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلا نَسْخَ في الآيَةِ إلّا في مَعْنى المُوادَعَةِ الَّتِي فِيها: فَإنَّ آيَةَ السَيْفِ نَسَخَتْ جَمِيعَ المُوادَعاتِ، ورَوى قَتادَةُ -وَذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ - عن عَلِيٍّ رِضى الله تَعالى عنهُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ حَزِنَ المُسْلِمُونَ وظَنُّوا أنَّهُ مَرَّ بِالتَوالِي عَنِ الجَمِيعِ وأنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ فَسُّرُّوا بِذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾، اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ مَعَ (p-٨٢)إجْماعِ أهْلِ السُنَّةِ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ أنْ تَقَعَ العِبادَةُ مِنَ الجَمِيعِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أنْ يَقَعَ الأمْرُ بِخِلافِ إرادَتِهِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: المَعْنى: ما خُلِقَتِ الجِنُّ والإنْسُ إلّا لِأمْرِهِمْ بِعِبادَتِي ولِيُقِرُّوا لِي بِالعُبُودِيَّةِ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "لِيَعْبُدُونِ"؛ إذِ العِبادَةُ هي مَضْمُونُ الأمْرِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وسُفْيانُ: المَعْنى خاصٌّ، والمُرادُ وما خَلَقْتُ الطائِعِينَ مِنَ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِعِبادَتِي، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا لِيَعْبُدُونِي"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعْنى "لِيَعْبُدُونِ"؛ لِيَتَذَلَّلُوا لِي ولِقُدْرَتِي وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى قَوانِينِ الشَرْعِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَجَمِيعُ الجِنِّ والإنْسِ عابِدٌ مُتَذَلِّلٌ، والكُفّارُ كَذَلِكَ، ألا تَراهم عِنْدَ القُحُوطِ والأمْراضِ وغَيْرِ ذَلِكَ؟ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا مُعَدِّينَ لِيَعْبُدُونِي، وكَأنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، أيْ: خُلِقَتْ لَهم حَواسَّ وعُقُولًا وأجْسامًا مُنْقادَةً لِحَقِّ العِبادَةِ وهَذا كَما تَقُولُ: البَقَرُ مَخْلُوقٌ لِلْحَرْثِ، والخَيْلُ لِلْحَرْبِ، وقَدْ يَكُونُ مِنها ما لا يَحْرُثُ وما لا يُحارِبُ بِهِ أصْلًا، فالمَعْنى أنَّ الإعْدادَ في خَلْقِ هَؤُلاءِ إنَّما هو لِلْعِبادَةِ، لَكِنَّ بَعْضَهم تَكْسَّبَ صَرْفَ نَفْسِهِ عن ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزِعَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ"،» وقَوْلُهُ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"...الحَدِيثُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن رِزْقٍ" أيْ أنْ يَرْزُقُوا أنْفُسَهم ولا غَيْرَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يُطْعِمُونِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُطْعِمُوا خَلْقِي، فَأُضِيفَ إلى الضَمِيرِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وإمّا أنْ يَكُونَ الإطْعامُ هُنا بِمَعْنى النَفْعِ عَلى العُمُومِ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُ فُلانًا كَذا وكَذا طُعْمَةً، وأنْتَ قَدْ أعْطَيْتُهُ عَرَضًا أو بَلَدًا يُجِيبُهُ، ونَحْوُ هَذا، عَلى الجَمِيعِ. وقَرَأ الجَمِيعُ: "إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ"، ورَوى أبُو إسْحاقَ السَبِيعِيُّ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقَرَأنِي (p-٨٣)رَسُولُ اللهِ ﷺ "إنِّي أنا الرَزّاقُ"،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "المَتِينُ" بِالرَفْعِ، إمّا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أو صِفَةٌ لِـ "الرَزّاقُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "المَتِينِ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِـ "القُوَّةِ"، وجازَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ تَأْنِيثُ "القُوَّةِ" غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَكَأنَّهُ قالَ: ذُو الأيْدِ والحَبْلِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وجَوَّزَ أبُو الفَتْحِ أنْ يَكُونَ خَفْضُ "المَتِينِ" عَلى الجَوازِ و" المَتِينُ": الشَدِيدُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، يُرِيدُ تَعالى أهْلَ مَكَّةَ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ صُراحٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَإنَّ لِلَّذِينِ كَفَرُوا"، و"الذُنُوبُ": الحَظُّ والنَصِيبُ، وأصْلُهُ مِنَ الدَلْوِ، وذَلِكَ أنَّ الذُنُوبَ هو مِلْءُ الدَلْوِ مِنَ الماءِ، وقِيلَ: الذُنُوبُ: الدَلْوُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ إنّا إذا نازَلَنا غَرِيبٌ لَهُ ذُنُوبٌ ولَنا ذُنُوبُ ؎ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ وهُوَ السِجِلُّ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: ؎ وفي كُلِّ حَيٍّ يَوْمٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذُنُوبُ (p-٨٤)فَرَوى أنَّ المَلِكَ لَمّا سَمِعَ هَذا البَيْتَ قالَ: نَعَمْ وأذْنُبُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎ لا تَبْعَدَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ وسَقى الغَوادِي قَبْرَهُ بِذُنُوبِ و"أصْحابُهُمْ" يُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا يَسْتَعْجِلُونَ" تَحْقِيقٌ لِلْأمْرِ، بِمَعْنى: هو نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ في وقْتِهِ المَعْلُومِ، فَلا يَسْتَعْجِلُوهُ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "فَلا تَسْتَعْجِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وبِهِ قَرَأتْ فِرْقَةٌ، والباقُونَ بِالياءِ. ثُمَّ أوجَبَ تَعالى لَهُمُ الوَيْلَ مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ عَذابُهُمْ، و"الوَيْلُ": الشَقاءُ والهَمُّ، ورُوِيَ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى ويْلًا، والطَبَرِيُّ يَذْهَبُ أبَدًا إلى أنَّ التَوَعُّدَ إنَّما هو بِهِ، وذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ قَلَقٌ، لِأنَّ هَذا الوَيْلَ إنَّما هو مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي هو في الدُنْيا، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هَذا التَوَعُّدُ هو بِيَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ -ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ -: هو يَوْمُ بَدْرٍ، وفي "يُوعَدُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الكَلامِ، التَقْدِيرُ: يُوعِدُونَ بِهِ، أو يُوعِدُونَهُ. تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الذارِياتِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الذاريات 51:58

قوله عزّ وجلّ: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أتَواصَوْا بِهِ" تَوْقِيفٌ وتَعْجِيبٌ مِن تَوارُدِ نُفُوسِ الكَفَرَةِ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ عَلى تَفَرُّقِ أزْمانِهِمْ، أيْ: إنَّهم لَمْ يَتَواصَوْا لَكِنَّهم فَعَلُوا فِعْلًا كَأنَّهُ فِعْلُ مَن يَتَواصى، والعِلَّةُ في ذَلِكَ أنْ جَمِيعَهم طاغٍ، والطاغِي: المُسْتَعْلِي في الأرْضِ المُفْسِدُ العاتِي عَلى اللهِ. قَوْلُهُ تَعالى: "فَتَوَلَّ عنهُمْ" أيْ: عَنِ الحِرْصِ المُفْرِطِ عَلَيْهِمْ وذَهابِ اليَقِينِ حَسَراتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: فَقَوْلٌ عَنِ التَعَبِ المُفْرِطِ في دُعائِهِمْ وضَمِّهِمْ إلى الإسْلامِ، فَلَسْتَ بِمُصَيْطِرٍ عَلَيْهِمْ ولَسْتَ بِمَلُومٍ إذْ قَدْ بَلَّغْتَ، فَنَحِّ نَفْسَكَ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ وذَكِّرْ فَقَطْ فَإنَّ الذِكْرى نافِعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِمَن قُضِيَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنهم في ثانِي حالٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلا نَسْخَ في الآيَةِ إلّا في مَعْنى المُوادَعَةِ الَّتِي فِيها: فَإنَّ آيَةَ السَيْفِ نَسَخَتْ جَمِيعَ المُوادَعاتِ، ورَوى قَتادَةُ -وَذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ - عن عَلِيٍّ رِضى الله تَعالى عنهُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ حَزِنَ المُسْلِمُونَ وظَنُّوا أنَّهُ مَرَّ بِالتَوالِي عَنِ الجَمِيعِ وأنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ فَسُّرُّوا بِذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾، اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ مَعَ (p-٨٢)إجْماعِ أهْلِ السُنَّةِ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ أنْ تَقَعَ العِبادَةُ مِنَ الجَمِيعِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أنْ يَقَعَ الأمْرُ بِخِلافِ إرادَتِهِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: المَعْنى: ما خُلِقَتِ الجِنُّ والإنْسُ إلّا لِأمْرِهِمْ بِعِبادَتِي ولِيُقِرُّوا لِي بِالعُبُودِيَّةِ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "لِيَعْبُدُونِ"؛ إذِ العِبادَةُ هي مَضْمُونُ الأمْرِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وسُفْيانُ: المَعْنى خاصٌّ، والمُرادُ وما خَلَقْتُ الطائِعِينَ مِنَ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِعِبادَتِي، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا لِيَعْبُدُونِي"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعْنى "لِيَعْبُدُونِ"؛ لِيَتَذَلَّلُوا لِي ولِقُدْرَتِي وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى قَوانِينِ الشَرْعِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَجَمِيعُ الجِنِّ والإنْسِ عابِدٌ مُتَذَلِّلٌ، والكُفّارُ كَذَلِكَ، ألا تَراهم عِنْدَ القُحُوطِ والأمْراضِ وغَيْرِ ذَلِكَ؟ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا مُعَدِّينَ لِيَعْبُدُونِي، وكَأنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، أيْ: خُلِقَتْ لَهم حَواسَّ وعُقُولًا وأجْسامًا مُنْقادَةً لِحَقِّ العِبادَةِ وهَذا كَما تَقُولُ: البَقَرُ مَخْلُوقٌ لِلْحَرْثِ، والخَيْلُ لِلْحَرْبِ، وقَدْ يَكُونُ مِنها ما لا يَحْرُثُ وما لا يُحارِبُ بِهِ أصْلًا، فالمَعْنى أنَّ الإعْدادَ في خَلْقِ هَؤُلاءِ إنَّما هو لِلْعِبادَةِ، لَكِنَّ بَعْضَهم تَكْسَّبَ صَرْفَ نَفْسِهِ عن ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزِعَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ"،» وقَوْلُهُ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"...الحَدِيثُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن رِزْقٍ" أيْ أنْ يَرْزُقُوا أنْفُسَهم ولا غَيْرَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يُطْعِمُونِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُطْعِمُوا خَلْقِي، فَأُضِيفَ إلى الضَمِيرِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وإمّا أنْ يَكُونَ الإطْعامُ هُنا بِمَعْنى النَفْعِ عَلى العُمُومِ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُ فُلانًا كَذا وكَذا طُعْمَةً، وأنْتَ قَدْ أعْطَيْتُهُ عَرَضًا أو بَلَدًا يُجِيبُهُ، ونَحْوُ هَذا، عَلى الجَمِيعِ. وقَرَأ الجَمِيعُ: "إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ"، ورَوى أبُو إسْحاقَ السَبِيعِيُّ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقَرَأنِي (p-٨٣)رَسُولُ اللهِ ﷺ "إنِّي أنا الرَزّاقُ"،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "المَتِينُ" بِالرَفْعِ، إمّا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أو صِفَةٌ لِـ "الرَزّاقُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "المَتِينِ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِـ "القُوَّةِ"، وجازَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ تَأْنِيثُ "القُوَّةِ" غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَكَأنَّهُ قالَ: ذُو الأيْدِ والحَبْلِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وجَوَّزَ أبُو الفَتْحِ أنْ يَكُونَ خَفْضُ "المَتِينِ" عَلى الجَوازِ و" المَتِينُ": الشَدِيدُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، يُرِيدُ تَعالى أهْلَ مَكَّةَ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ صُراحٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَإنَّ لِلَّذِينِ كَفَرُوا"، و"الذُنُوبُ": الحَظُّ والنَصِيبُ، وأصْلُهُ مِنَ الدَلْوِ، وذَلِكَ أنَّ الذُنُوبَ هو مِلْءُ الدَلْوِ مِنَ الماءِ، وقِيلَ: الذُنُوبُ: الدَلْوُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ إنّا إذا نازَلَنا غَرِيبٌ لَهُ ذُنُوبٌ ولَنا ذُنُوبُ ؎ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ وهُوَ السِجِلُّ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: ؎ وفي كُلِّ حَيٍّ يَوْمٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذُنُوبُ (p-٨٤)فَرَوى أنَّ المَلِكَ لَمّا سَمِعَ هَذا البَيْتَ قالَ: نَعَمْ وأذْنُبُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎ لا تَبْعَدَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ وسَقى الغَوادِي قَبْرَهُ بِذُنُوبِ و"أصْحابُهُمْ" يُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا يَسْتَعْجِلُونَ" تَحْقِيقٌ لِلْأمْرِ، بِمَعْنى: هو نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ في وقْتِهِ المَعْلُومِ، فَلا يَسْتَعْجِلُوهُ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "فَلا تَسْتَعْجِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وبِهِ قَرَأتْ فِرْقَةٌ، والباقُونَ بِالياءِ. ثُمَّ أوجَبَ تَعالى لَهُمُ الوَيْلَ مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ عَذابُهُمْ، و"الوَيْلُ": الشَقاءُ والهَمُّ، ورُوِيَ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى ويْلًا، والطَبَرِيُّ يَذْهَبُ أبَدًا إلى أنَّ التَوَعُّدَ إنَّما هو بِهِ، وذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ قَلَقٌ، لِأنَّ هَذا الوَيْلَ إنَّما هو مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي هو في الدُنْيا، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هَذا التَوَعُّدُ هو بِيَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ -ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ -: هو يَوْمُ بَدْرٍ، وفي "يُوعَدُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الكَلامِ، التَقْدِيرُ: يُوعِدُونَ بِهِ، أو يُوعِدُونَهُ. تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الذارِياتِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الذاريات 51:59

قوله عزّ وجلّ: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أتَواصَوْا بِهِ" تَوْقِيفٌ وتَعْجِيبٌ مِن تَوارُدِ نُفُوسِ الكَفَرَةِ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ عَلى تَفَرُّقِ أزْمانِهِمْ، أيْ: إنَّهم لَمْ يَتَواصَوْا لَكِنَّهم فَعَلُوا فِعْلًا كَأنَّهُ فِعْلُ مَن يَتَواصى، والعِلَّةُ في ذَلِكَ أنْ جَمِيعَهم طاغٍ، والطاغِي: المُسْتَعْلِي في الأرْضِ المُفْسِدُ العاتِي عَلى اللهِ. قَوْلُهُ تَعالى: "فَتَوَلَّ عنهُمْ" أيْ: عَنِ الحِرْصِ المُفْرِطِ عَلَيْهِمْ وذَهابِ اليَقِينِ حَسَراتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: فَقَوْلٌ عَنِ التَعَبِ المُفْرِطِ في دُعائِهِمْ وضَمِّهِمْ إلى الإسْلامِ، فَلَسْتَ بِمُصَيْطِرٍ عَلَيْهِمْ ولَسْتَ بِمَلُومٍ إذْ قَدْ بَلَّغْتَ، فَنَحِّ نَفْسَكَ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ وذَكِّرْ فَقَطْ فَإنَّ الذِكْرى نافِعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِمَن قُضِيَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنهم في ثانِي حالٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلا نَسْخَ في الآيَةِ إلّا في مَعْنى المُوادَعَةِ الَّتِي فِيها: فَإنَّ آيَةَ السَيْفِ نَسَخَتْ جَمِيعَ المُوادَعاتِ، ورَوى قَتادَةُ -وَذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ - عن عَلِيٍّ رِضى الله تَعالى عنهُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ حَزِنَ المُسْلِمُونَ وظَنُّوا أنَّهُ مَرَّ بِالتَوالِي عَنِ الجَمِيعِ وأنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ فَسُّرُّوا بِذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾، اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ مَعَ (p-٨٢)إجْماعِ أهْلِ السُنَّةِ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ أنْ تَقَعَ العِبادَةُ مِنَ الجَمِيعِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أنْ يَقَعَ الأمْرُ بِخِلافِ إرادَتِهِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: المَعْنى: ما خُلِقَتِ الجِنُّ والإنْسُ إلّا لِأمْرِهِمْ بِعِبادَتِي ولِيُقِرُّوا لِي بِالعُبُودِيَّةِ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "لِيَعْبُدُونِ"؛ إذِ العِبادَةُ هي مَضْمُونُ الأمْرِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وسُفْيانُ: المَعْنى خاصٌّ، والمُرادُ وما خَلَقْتُ الطائِعِينَ مِنَ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِعِبادَتِي، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا لِيَعْبُدُونِي"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعْنى "لِيَعْبُدُونِ"؛ لِيَتَذَلَّلُوا لِي ولِقُدْرَتِي وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى قَوانِينِ الشَرْعِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَجَمِيعُ الجِنِّ والإنْسِ عابِدٌ مُتَذَلِّلٌ، والكُفّارُ كَذَلِكَ، ألا تَراهم عِنْدَ القُحُوطِ والأمْراضِ وغَيْرِ ذَلِكَ؟ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا مُعَدِّينَ لِيَعْبُدُونِي، وكَأنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، أيْ: خُلِقَتْ لَهم حَواسَّ وعُقُولًا وأجْسامًا مُنْقادَةً لِحَقِّ العِبادَةِ وهَذا كَما تَقُولُ: البَقَرُ مَخْلُوقٌ لِلْحَرْثِ، والخَيْلُ لِلْحَرْبِ، وقَدْ يَكُونُ مِنها ما لا يَحْرُثُ وما لا يُحارِبُ بِهِ أصْلًا، فالمَعْنى أنَّ الإعْدادَ في خَلْقِ هَؤُلاءِ إنَّما هو لِلْعِبادَةِ، لَكِنَّ بَعْضَهم تَكْسَّبَ صَرْفَ نَفْسِهِ عن ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزِعَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ"،» وقَوْلُهُ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"...الحَدِيثُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن رِزْقٍ" أيْ أنْ يَرْزُقُوا أنْفُسَهم ولا غَيْرَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يُطْعِمُونِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُطْعِمُوا خَلْقِي، فَأُضِيفَ إلى الضَمِيرِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وإمّا أنْ يَكُونَ الإطْعامُ هُنا بِمَعْنى النَفْعِ عَلى العُمُومِ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُ فُلانًا كَذا وكَذا طُعْمَةً، وأنْتَ قَدْ أعْطَيْتُهُ عَرَضًا أو بَلَدًا يُجِيبُهُ، ونَحْوُ هَذا، عَلى الجَمِيعِ. وقَرَأ الجَمِيعُ: "إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ"، ورَوى أبُو إسْحاقَ السَبِيعِيُّ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقَرَأنِي (p-٨٣)رَسُولُ اللهِ ﷺ "إنِّي أنا الرَزّاقُ"،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "المَتِينُ" بِالرَفْعِ، إمّا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أو صِفَةٌ لِـ "الرَزّاقُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "المَتِينِ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِـ "القُوَّةِ"، وجازَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ تَأْنِيثُ "القُوَّةِ" غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَكَأنَّهُ قالَ: ذُو الأيْدِ والحَبْلِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وجَوَّزَ أبُو الفَتْحِ أنْ يَكُونَ خَفْضُ "المَتِينِ" عَلى الجَوازِ و" المَتِينُ": الشَدِيدُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، يُرِيدُ تَعالى أهْلَ مَكَّةَ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ صُراحٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَإنَّ لِلَّذِينِ كَفَرُوا"، و"الذُنُوبُ": الحَظُّ والنَصِيبُ، وأصْلُهُ مِنَ الدَلْوِ، وذَلِكَ أنَّ الذُنُوبَ هو مِلْءُ الدَلْوِ مِنَ الماءِ، وقِيلَ: الذُنُوبُ: الدَلْوُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ إنّا إذا نازَلَنا غَرِيبٌ لَهُ ذُنُوبٌ ولَنا ذُنُوبُ ؎ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ وهُوَ السِجِلُّ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: ؎ وفي كُلِّ حَيٍّ يَوْمٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذُنُوبُ (p-٨٤)فَرَوى أنَّ المَلِكَ لَمّا سَمِعَ هَذا البَيْتَ قالَ: نَعَمْ وأذْنُبُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎ لا تَبْعَدَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ وسَقى الغَوادِي قَبْرَهُ بِذُنُوبِ و"أصْحابُهُمْ" يُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا يَسْتَعْجِلُونَ" تَحْقِيقٌ لِلْأمْرِ، بِمَعْنى: هو نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ في وقْتِهِ المَعْلُومِ، فَلا يَسْتَعْجِلُوهُ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "فَلا تَسْتَعْجِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وبِهِ قَرَأتْ فِرْقَةٌ، والباقُونَ بِالياءِ. ثُمَّ أوجَبَ تَعالى لَهُمُ الوَيْلَ مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ عَذابُهُمْ، و"الوَيْلُ": الشَقاءُ والهَمُّ، ورُوِيَ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى ويْلًا، والطَبَرِيُّ يَذْهَبُ أبَدًا إلى أنَّ التَوَعُّدَ إنَّما هو بِهِ، وذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ قَلَقٌ، لِأنَّ هَذا الوَيْلَ إنَّما هو مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي هو في الدُنْيا، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هَذا التَوَعُّدُ هو بِيَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ -ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ -: هو يَوْمُ بَدْرٍ، وفي "يُوعَدُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الكَلامِ، التَقْدِيرُ: يُوعِدُونَ بِهِ، أو يُوعِدُونَهُ. تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الذارِياتِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الذاريات 51:60

قوله عزّ وجلّ: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أتَواصَوْا بِهِ" تَوْقِيفٌ وتَعْجِيبٌ مِن تَوارُدِ نُفُوسِ الكَفَرَةِ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ عَلى تَفَرُّقِ أزْمانِهِمْ، أيْ: إنَّهم لَمْ يَتَواصَوْا لَكِنَّهم فَعَلُوا فِعْلًا كَأنَّهُ فِعْلُ مَن يَتَواصى، والعِلَّةُ في ذَلِكَ أنْ جَمِيعَهم طاغٍ، والطاغِي: المُسْتَعْلِي في الأرْضِ المُفْسِدُ العاتِي عَلى اللهِ. قَوْلُهُ تَعالى: "فَتَوَلَّ عنهُمْ" أيْ: عَنِ الحِرْصِ المُفْرِطِ عَلَيْهِمْ وذَهابِ اليَقِينِ حَسَراتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: فَقَوْلٌ عَنِ التَعَبِ المُفْرِطِ في دُعائِهِمْ وضَمِّهِمْ إلى الإسْلامِ، فَلَسْتَ بِمُصَيْطِرٍ عَلَيْهِمْ ولَسْتَ بِمَلُومٍ إذْ قَدْ بَلَّغْتَ، فَنَحِّ نَفْسَكَ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ وذَكِّرْ فَقَطْ فَإنَّ الذِكْرى نافِعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِمَن قُضِيَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنهم في ثانِي حالٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلا نَسْخَ في الآيَةِ إلّا في مَعْنى المُوادَعَةِ الَّتِي فِيها: فَإنَّ آيَةَ السَيْفِ نَسَخَتْ جَمِيعَ المُوادَعاتِ، ورَوى قَتادَةُ -وَذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ - عن عَلِيٍّ رِضى الله تَعالى عنهُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَتَوَلَّ عنهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ حَزِنَ المُسْلِمُونَ وظَنُّوا أنَّهُ مَرَّ بِالتَوالِي عَنِ الجَمِيعِ وأنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ فَسُّرُّوا بِذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾، اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ مَعَ (p-٨٢)إجْماعِ أهْلِ السُنَّةِ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ أنْ تَقَعَ العِبادَةُ مِنَ الجَمِيعِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أنْ يَقَعَ الأمْرُ بِخِلافِ إرادَتِهِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: المَعْنى: ما خُلِقَتِ الجِنُّ والإنْسُ إلّا لِأمْرِهِمْ بِعِبادَتِي ولِيُقِرُّوا لِي بِالعُبُودِيَّةِ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "لِيَعْبُدُونِ"؛ إذِ العِبادَةُ هي مَضْمُونُ الأمْرِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وسُفْيانُ: المَعْنى خاصٌّ، والمُرادُ وما خَلَقْتُ الطائِعِينَ مِنَ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِعِبادَتِي، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَرَأ: "وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا لِيَعْبُدُونِي"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا مَعْنى "لِيَعْبُدُونِ"؛ لِيَتَذَلَّلُوا لِي ولِقُدْرَتِي وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى قَوانِينِ الشَرْعِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَجَمِيعُ الجِنِّ والإنْسِ عابِدٌ مُتَذَلِّلٌ، والكُفّارُ كَذَلِكَ، ألا تَراهم عِنْدَ القُحُوطِ والأمْراضِ وغَيْرِ ذَلِكَ؟ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا مُعَدِّينَ لِيَعْبُدُونِي، وكَأنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، أيْ: خُلِقَتْ لَهم حَواسَّ وعُقُولًا وأجْسامًا مُنْقادَةً لِحَقِّ العِبادَةِ وهَذا كَما تَقُولُ: البَقَرُ مَخْلُوقٌ لِلْحَرْثِ، والخَيْلُ لِلْحَرْبِ، وقَدْ يَكُونُ مِنها ما لا يَحْرُثُ وما لا يُحارِبُ بِهِ أصْلًا، فالمَعْنى أنَّ الإعْدادَ في خَلْقِ هَؤُلاءِ إنَّما هو لِلْعِبادَةِ، لَكِنَّ بَعْضَهم تَكْسَّبَ صَرْفَ نَفْسِهِ عن ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزِعَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ"،» وقَوْلُهُ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"...الحَدِيثُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن رِزْقٍ" أيْ أنْ يَرْزُقُوا أنْفُسَهم ولا غَيْرَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يُطْعِمُونِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُطْعِمُوا خَلْقِي، فَأُضِيفَ إلى الضَمِيرِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وإمّا أنْ يَكُونَ الإطْعامُ هُنا بِمَعْنى النَفْعِ عَلى العُمُومِ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُ فُلانًا كَذا وكَذا طُعْمَةً، وأنْتَ قَدْ أعْطَيْتُهُ عَرَضًا أو بَلَدًا يُجِيبُهُ، ونَحْوُ هَذا، عَلى الجَمِيعِ. وقَرَأ الجَمِيعُ: "إنَّ اللهَ هو الرَزّاقُ"، ورَوى أبُو إسْحاقَ السَبِيعِيُّ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقَرَأنِي (p-٨٣)رَسُولُ اللهِ ﷺ "إنِّي أنا الرَزّاقُ"،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "المَتِينُ" بِالرَفْعِ، إمّا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أو صِفَةٌ لِـ "الرَزّاقُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "المَتِينِ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِـ "القُوَّةِ"، وجازَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ تَأْنِيثُ "القُوَّةِ" غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَكَأنَّهُ قالَ: ذُو الأيْدِ والحَبْلِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وجَوَّزَ أبُو الفَتْحِ أنْ يَكُونَ خَفْضُ "المَتِينِ" عَلى الجَوازِ و" المَتِينُ": الشَدِيدُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، يُرِيدُ تَعالى أهْلَ مَكَّةَ، وهَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ صُراحٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَإنَّ لِلَّذِينِ كَفَرُوا"، و"الذُنُوبُ": الحَظُّ والنَصِيبُ، وأصْلُهُ مِنَ الدَلْوِ، وذَلِكَ أنَّ الذُنُوبَ هو مِلْءُ الدَلْوِ مِنَ الماءِ، وقِيلَ: الذُنُوبُ: الدَلْوُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ إنّا إذا نازَلَنا غَرِيبٌ لَهُ ذُنُوبٌ ولَنا ذُنُوبُ ؎ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ وهُوَ السِجِلُّ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: ؎ وفي كُلِّ حَيٍّ يَوْمٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذُنُوبُ (p-٨٤)فَرَوى أنَّ المَلِكَ لَمّا سَمِعَ هَذا البَيْتَ قالَ: نَعَمْ وأذْنُبُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎ لا تَبْعَدَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ وسَقى الغَوادِي قَبْرَهُ بِذُنُوبِ و"أصْحابُهُمْ" يُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا يَسْتَعْجِلُونَ" تَحْقِيقٌ لِلْأمْرِ، بِمَعْنى: هو نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ في وقْتِهِ المَعْلُومِ، فَلا يَسْتَعْجِلُوهُ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "فَلا تَسْتَعْجِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وبِهِ قَرَأتْ فِرْقَةٌ، والباقُونَ بِالياءِ. ثُمَّ أوجَبَ تَعالى لَهُمُ الوَيْلَ مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ عَذابُهُمْ، و"الوَيْلُ": الشَقاءُ والهَمُّ، ورُوِيَ أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى ويْلًا، والطَبَرِيُّ يَذْهَبُ أبَدًا إلى أنَّ التَوَعُّدَ إنَّما هو بِهِ، وذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ قَلَقٌ، لِأنَّ هَذا الوَيْلَ إنَّما هو مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي هو في الدُنْيا، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هَذا التَوَعُّدُ هو بِيَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ -ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ -: هو يَوْمُ بَدْرٍ، وفي "يُوعَدُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الكَلامِ، التَقْدِيرُ: يُوعِدُونَ بِهِ، أو يُوعِدُونَهُ. تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الذارِياتِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الطور 52:1

(p-٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُورِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والرُواةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والطُورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ هَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أقْسَمَ اللهُ بِها تَنْبِيهًا مِنها وتَشْرِيفًا، ولِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ النَظَرِ فِيها والِاعْتِبارَ بِها، وذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلى التَوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعالى. و"الطُورِ"، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: كُلُّ جَبَلٍ طُورٌ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى أقْسَمَ بِالجِبالِ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ آخَرُونَ: الطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ أجْرَدَ لا يُنْبِتُ شَجَرًا، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: الطُورُ: الجَبَلُ بِالسِرْيانِيَّةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ما حَكاهُ في العَرَبِيَّةِ يَقْضِي عَلى هَذا، ولا خِلافَ أنْ في الشامِ جَبَلًا يُسَمّى بِالطُورِ، وهو طُورُ سَيْناءَ، فَقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، إذْ قَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى الجِبالِ أنِّي مُهْبِطٌ عَلى أحَدِكم أمْرِي - يُرِيدُ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَتَطاوَلَتْ كُلُّها إلّا الطَوْرَ فَإنَّهُ اسْتَكانَ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وقالَ: حَسْبِيَ اللهُ، فَأهْبَطَ اللهُ تَعالى الأمْرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ بِمَدْيَنَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هُما طَوْرانِ. و"الكِتاب المَسْطُورُ" مَعْناهُ بِإجْماعٍ: المَكْتُوبُ أسْطارًا، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الكِتابِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكِتابُ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ لِلْمَلائِكَةِ لِتَعْرِفَ مِنهُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ وتَصْرِفُهُ في العالَمِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ في رَقٍّ مَنشُورٍ، وقالَ آخَرُونَ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى (p-٨٦)بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ، التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، وقالَ الفَرّاءُ -فِيما حَكى الرُمّانِيُّ -: أقْسَمَ بِالصُحُفِ الَّتِي تُعْطى وتُؤْخَذُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ، وقالَ قَوْمٌ: أقْسَمَ بِالكِتابِ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وهو الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وكَتَبَ بَعْضُ الناسِ "مَصْطُورٍ" بِالصادِّ، والقَصْدُ بِذَلِكَ تَشابُهُ النُطْقِ بِالحُرُوفِ، والجُمْهُورُ عَلى السِينِ. و"الرِقُّ": الوَرَقُ المُعَدَّةُ لِلْكُتُبِ، وهي مُرَقَّقَةٌ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ رِقًّا، وقَدْ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ عَلى هَذا الَّذِي هو مِن جُلُودِ الحَيَوانِ، و"المَنشُورِ" خِلافُ المَطْوِيِّ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَشْرُهُ بِمَعْنى بِشْرِهِ وتَرْقِيقِهِ وصَنْعَتِهِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فِي رِقٍّ" بِكَسْرِ الراءِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "البَيْتِ المَعْمُورِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: هي الكَعْبَةُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْتٌ في السَماءِ يُقالُ لَهُ الضِراحُ، وهو بِحِيالِ الكَعْبَةِ، ويُقالُ: الضَرِيحُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ "هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلُّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، آخِرَ ما عَلَيْهِمْ"،» وبِهَذا عِمارَتُهُ، ويُرْوى أنَّهُ في السَماءِ السابِعَةِ، وقِيلَ: السادِسَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقابِلُ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ لَسَقَطَ عَلَيْها، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وهي كُلُّها عَلى خَطٍّ مَعَ الكَعْبَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. و"السَقْفُ المَرْفُوعُ": السَماءُ، و"السَقْفُ" طُولٌ في انْحِناءٍ، ومِنهُ أُسْقُفُ النَصارى، ومِنهُ السَقْفُ، لِأنَّ الجِدارَ وسَقْفُهُ فِيهِما طُولٌ في انْحِناءٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في "المَسْجُورِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ: المَوْقِدُ (p-٨٧)نارًا، ورُوِيَ « "أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِيَهُودِيٍّ: أيْنَ جَهَنَّمَ؟ فَقالَ هي البَحْرُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أظُنُّهُ إلّا صادِقًا، وقَرَأ: "والبَحْرِ المَسْجُورِ"، [وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"،]» قالَ الثَعْلَبِيُّ: ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا يَرْكَبَنَّ البَحْرَ إلّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهِدٌ، فَإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا، وتَحْتَ النارِ بَحْرًا» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ: « "البَحْرُ نارٌ في نارٍ".» وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُغَةِ. ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ لِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولِهَذا يَعُودُ القَوْلُ الأوَّلُ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: "سَجَّرْتُ التَنُّورَ" مَعْناهُ: مَلَأتُها بِما يَحْتَرِقُ ويَتَّقِدُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَكَذا هو مُعَرَّضٌ لِلْعِبْرَةِ، ومِن قَوْلِ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: ؎ إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَبْعَ والسَماسِما ؎ سَقَتْها رَواعِدُ مِن صَيِّفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما يَصِفُ ثَوْرًا أو عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْجُورُ هو الَّذِي (p-٨٨)ذَهَبَ ماؤُهُ، فالمَسْجُورُ: الفارِغُ، ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُغَةِ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقِيلَ: يُوقِدُ البَحْرَ نارًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَذَلِكَ السَجْرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ، وهى القِلادَةُ مِن عُودٍ أو حَدِيدٍ الَّتِي تُمْسِكُهُ، وكَذَلِكَ لَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسِكُ لَفاضَ عَلى الأرْضِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: البَحْرُ المُقْسَمُ بِهِ هو في السَماءِ تَحْتَ العَرْشِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ بَحْرُ الدُنْيا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى هو القَسَمُ بِجَهَنَّمَ، وسَمّاها بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّجِها، كَما قالَ ﷺ في الفَرَسِ: « "وَإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا".» والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ويُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ قَتادَةُ، والعامِلُ في "يَوْمَ" هُوَ"واقِعٌ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "دافِعٍ"، والأوَّلُ أبْيَنُ، قالَ مَكِّيٌّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ "دافِعٍ"، قَوْلُهُ تَعالى: "تَمُورُ" مَعْناهُ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ بِالرِياحِ مُتَقَطِّعَةً مُتَفَتِّتَةً، والغُبارُ المَوّارُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ ويَذْهَبُ ويَجِيءُ بِالرِيحِ، ثُمَّ هو كُلُّهُ إلى الذَهابِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا" يَصِفُ سَنَةَ قَحْطٍ، وأنْشَدَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: ؎ .............. ∗∗∗ مَوْرُ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-٨٩)أرادَ مُضِيَّها. وقالَ الضَحّاكُ: "تَمُورُ"؛ تَمُوجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَشَقَّقُ، وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ السَماءَ العالِيَةَ يَعْتَرِيها هَذا كُلُّهُ. وسَيْرُ الجِبالِ هو في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَتَفَتَّتْ أثْناءَ السَيْرِ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا كالعِهْنِ المَنفُوشِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوَيْلٌ" عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وهي تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ وإثْباتَ الوَيْلِ لِلْمُكَذِّبِينَ، و"الوَيْلُ": السُوءُ والمَشَقَّةُ والهَمُّ الأطْوَلُ، ويُرْوى أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى: ويْلًا و"الخَوْضُ": التَخَبُّطُ في الأباطِيلِ، يُشَبَّهُ بِخَوْضِ الماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِن "يَوْمَئِذٍ"، و"يُدَعُّونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ في أعْناقِهِمْ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ وتَعْتَعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُخْتَصَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ"، وإخْبارُهم بِهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ،: "يَوْمَ يَدْعُونَ" مِنَ الدُعاءِ، بِسُكُونِ الدالِ وفَتْحِ العَيْنِ.

الطور 52:2

(p-٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُورِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والرُواةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والطُورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ هَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أقْسَمَ اللهُ بِها تَنْبِيهًا مِنها وتَشْرِيفًا، ولِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ النَظَرِ فِيها والِاعْتِبارَ بِها، وذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلى التَوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعالى. و"الطُورِ"، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: كُلُّ جَبَلٍ طُورٌ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى أقْسَمَ بِالجِبالِ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ آخَرُونَ: الطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ أجْرَدَ لا يُنْبِتُ شَجَرًا، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: الطُورُ: الجَبَلُ بِالسِرْيانِيَّةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ما حَكاهُ في العَرَبِيَّةِ يَقْضِي عَلى هَذا، ولا خِلافَ أنْ في الشامِ جَبَلًا يُسَمّى بِالطُورِ، وهو طُورُ سَيْناءَ، فَقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، إذْ قَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى الجِبالِ أنِّي مُهْبِطٌ عَلى أحَدِكم أمْرِي - يُرِيدُ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَتَطاوَلَتْ كُلُّها إلّا الطَوْرَ فَإنَّهُ اسْتَكانَ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وقالَ: حَسْبِيَ اللهُ، فَأهْبَطَ اللهُ تَعالى الأمْرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ بِمَدْيَنَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هُما طَوْرانِ. و"الكِتاب المَسْطُورُ" مَعْناهُ بِإجْماعٍ: المَكْتُوبُ أسْطارًا، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الكِتابِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكِتابُ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ لِلْمَلائِكَةِ لِتَعْرِفَ مِنهُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ وتَصْرِفُهُ في العالَمِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ في رَقٍّ مَنشُورٍ، وقالَ آخَرُونَ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى (p-٨٦)بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ، التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، وقالَ الفَرّاءُ -فِيما حَكى الرُمّانِيُّ -: أقْسَمَ بِالصُحُفِ الَّتِي تُعْطى وتُؤْخَذُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ، وقالَ قَوْمٌ: أقْسَمَ بِالكِتابِ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وهو الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وكَتَبَ بَعْضُ الناسِ "مَصْطُورٍ" بِالصادِّ، والقَصْدُ بِذَلِكَ تَشابُهُ النُطْقِ بِالحُرُوفِ، والجُمْهُورُ عَلى السِينِ. و"الرِقُّ": الوَرَقُ المُعَدَّةُ لِلْكُتُبِ، وهي مُرَقَّقَةٌ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ رِقًّا، وقَدْ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ عَلى هَذا الَّذِي هو مِن جُلُودِ الحَيَوانِ، و"المَنشُورِ" خِلافُ المَطْوِيِّ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَشْرُهُ بِمَعْنى بِشْرِهِ وتَرْقِيقِهِ وصَنْعَتِهِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فِي رِقٍّ" بِكَسْرِ الراءِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "البَيْتِ المَعْمُورِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: هي الكَعْبَةُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْتٌ في السَماءِ يُقالُ لَهُ الضِراحُ، وهو بِحِيالِ الكَعْبَةِ، ويُقالُ: الضَرِيحُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ "هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلُّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، آخِرَ ما عَلَيْهِمْ"،» وبِهَذا عِمارَتُهُ، ويُرْوى أنَّهُ في السَماءِ السابِعَةِ، وقِيلَ: السادِسَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقابِلُ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ لَسَقَطَ عَلَيْها، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وهي كُلُّها عَلى خَطٍّ مَعَ الكَعْبَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. و"السَقْفُ المَرْفُوعُ": السَماءُ، و"السَقْفُ" طُولٌ في انْحِناءٍ، ومِنهُ أُسْقُفُ النَصارى، ومِنهُ السَقْفُ، لِأنَّ الجِدارَ وسَقْفُهُ فِيهِما طُولٌ في انْحِناءٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في "المَسْجُورِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ: المَوْقِدُ (p-٨٧)نارًا، ورُوِيَ « "أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِيَهُودِيٍّ: أيْنَ جَهَنَّمَ؟ فَقالَ هي البَحْرُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أظُنُّهُ إلّا صادِقًا، وقَرَأ: "والبَحْرِ المَسْجُورِ"، [وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"،]» قالَ الثَعْلَبِيُّ: ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا يَرْكَبَنَّ البَحْرَ إلّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهِدٌ، فَإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا، وتَحْتَ النارِ بَحْرًا» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ: « "البَحْرُ نارٌ في نارٍ".» وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُغَةِ. ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ لِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولِهَذا يَعُودُ القَوْلُ الأوَّلُ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: "سَجَّرْتُ التَنُّورَ" مَعْناهُ: مَلَأتُها بِما يَحْتَرِقُ ويَتَّقِدُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَكَذا هو مُعَرَّضٌ لِلْعِبْرَةِ، ومِن قَوْلِ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: ؎ إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَبْعَ والسَماسِما ؎ سَقَتْها رَواعِدُ مِن صَيِّفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما يَصِفُ ثَوْرًا أو عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْجُورُ هو الَّذِي (p-٨٨)ذَهَبَ ماؤُهُ، فالمَسْجُورُ: الفارِغُ، ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُغَةِ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقِيلَ: يُوقِدُ البَحْرَ نارًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَذَلِكَ السَجْرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ، وهى القِلادَةُ مِن عُودٍ أو حَدِيدٍ الَّتِي تُمْسِكُهُ، وكَذَلِكَ لَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسِكُ لَفاضَ عَلى الأرْضِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: البَحْرُ المُقْسَمُ بِهِ هو في السَماءِ تَحْتَ العَرْشِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ بَحْرُ الدُنْيا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى هو القَسَمُ بِجَهَنَّمَ، وسَمّاها بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّجِها، كَما قالَ ﷺ في الفَرَسِ: « "وَإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا".» والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ويُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ قَتادَةُ، والعامِلُ في "يَوْمَ" هُوَ"واقِعٌ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "دافِعٍ"، والأوَّلُ أبْيَنُ، قالَ مَكِّيٌّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ "دافِعٍ"، قَوْلُهُ تَعالى: "تَمُورُ" مَعْناهُ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ بِالرِياحِ مُتَقَطِّعَةً مُتَفَتِّتَةً، والغُبارُ المَوّارُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ ويَذْهَبُ ويَجِيءُ بِالرِيحِ، ثُمَّ هو كُلُّهُ إلى الذَهابِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا" يَصِفُ سَنَةَ قَحْطٍ، وأنْشَدَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: ؎ .............. ∗∗∗ مَوْرُ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-٨٩)أرادَ مُضِيَّها. وقالَ الضَحّاكُ: "تَمُورُ"؛ تَمُوجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَشَقَّقُ، وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ السَماءَ العالِيَةَ يَعْتَرِيها هَذا كُلُّهُ. وسَيْرُ الجِبالِ هو في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَتَفَتَّتْ أثْناءَ السَيْرِ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا كالعِهْنِ المَنفُوشِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوَيْلٌ" عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وهي تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ وإثْباتَ الوَيْلِ لِلْمُكَذِّبِينَ، و"الوَيْلُ": السُوءُ والمَشَقَّةُ والهَمُّ الأطْوَلُ، ويُرْوى أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى: ويْلًا و"الخَوْضُ": التَخَبُّطُ في الأباطِيلِ، يُشَبَّهُ بِخَوْضِ الماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِن "يَوْمَئِذٍ"، و"يُدَعُّونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ في أعْناقِهِمْ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ وتَعْتَعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُخْتَصَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ"، وإخْبارُهم بِهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ،: "يَوْمَ يَدْعُونَ" مِنَ الدُعاءِ، بِسُكُونِ الدالِ وفَتْحِ العَيْنِ.

الطور 52:3

(p-٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُورِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والرُواةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والطُورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ هَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أقْسَمَ اللهُ بِها تَنْبِيهًا مِنها وتَشْرِيفًا، ولِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ النَظَرِ فِيها والِاعْتِبارَ بِها، وذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلى التَوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعالى. و"الطُورِ"، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: كُلُّ جَبَلٍ طُورٌ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى أقْسَمَ بِالجِبالِ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ آخَرُونَ: الطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ أجْرَدَ لا يُنْبِتُ شَجَرًا، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: الطُورُ: الجَبَلُ بِالسِرْيانِيَّةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ما حَكاهُ في العَرَبِيَّةِ يَقْضِي عَلى هَذا، ولا خِلافَ أنْ في الشامِ جَبَلًا يُسَمّى بِالطُورِ، وهو طُورُ سَيْناءَ، فَقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، إذْ قَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى الجِبالِ أنِّي مُهْبِطٌ عَلى أحَدِكم أمْرِي - يُرِيدُ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَتَطاوَلَتْ كُلُّها إلّا الطَوْرَ فَإنَّهُ اسْتَكانَ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وقالَ: حَسْبِيَ اللهُ، فَأهْبَطَ اللهُ تَعالى الأمْرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ بِمَدْيَنَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هُما طَوْرانِ. و"الكِتاب المَسْطُورُ" مَعْناهُ بِإجْماعٍ: المَكْتُوبُ أسْطارًا، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الكِتابِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكِتابُ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ لِلْمَلائِكَةِ لِتَعْرِفَ مِنهُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ وتَصْرِفُهُ في العالَمِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ في رَقٍّ مَنشُورٍ، وقالَ آخَرُونَ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى (p-٨٦)بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ، التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، وقالَ الفَرّاءُ -فِيما حَكى الرُمّانِيُّ -: أقْسَمَ بِالصُحُفِ الَّتِي تُعْطى وتُؤْخَذُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ، وقالَ قَوْمٌ: أقْسَمَ بِالكِتابِ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وهو الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وكَتَبَ بَعْضُ الناسِ "مَصْطُورٍ" بِالصادِّ، والقَصْدُ بِذَلِكَ تَشابُهُ النُطْقِ بِالحُرُوفِ، والجُمْهُورُ عَلى السِينِ. و"الرِقُّ": الوَرَقُ المُعَدَّةُ لِلْكُتُبِ، وهي مُرَقَّقَةٌ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ رِقًّا، وقَدْ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ عَلى هَذا الَّذِي هو مِن جُلُودِ الحَيَوانِ، و"المَنشُورِ" خِلافُ المَطْوِيِّ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَشْرُهُ بِمَعْنى بِشْرِهِ وتَرْقِيقِهِ وصَنْعَتِهِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فِي رِقٍّ" بِكَسْرِ الراءِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "البَيْتِ المَعْمُورِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: هي الكَعْبَةُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْتٌ في السَماءِ يُقالُ لَهُ الضِراحُ، وهو بِحِيالِ الكَعْبَةِ، ويُقالُ: الضَرِيحُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ "هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلُّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، آخِرَ ما عَلَيْهِمْ"،» وبِهَذا عِمارَتُهُ، ويُرْوى أنَّهُ في السَماءِ السابِعَةِ، وقِيلَ: السادِسَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقابِلُ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ لَسَقَطَ عَلَيْها، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وهي كُلُّها عَلى خَطٍّ مَعَ الكَعْبَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. و"السَقْفُ المَرْفُوعُ": السَماءُ، و"السَقْفُ" طُولٌ في انْحِناءٍ، ومِنهُ أُسْقُفُ النَصارى، ومِنهُ السَقْفُ، لِأنَّ الجِدارَ وسَقْفُهُ فِيهِما طُولٌ في انْحِناءٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في "المَسْجُورِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ: المَوْقِدُ (p-٨٧)نارًا، ورُوِيَ « "أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِيَهُودِيٍّ: أيْنَ جَهَنَّمَ؟ فَقالَ هي البَحْرُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أظُنُّهُ إلّا صادِقًا، وقَرَأ: "والبَحْرِ المَسْجُورِ"، [وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"،]» قالَ الثَعْلَبِيُّ: ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا يَرْكَبَنَّ البَحْرَ إلّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهِدٌ، فَإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا، وتَحْتَ النارِ بَحْرًا» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ: « "البَحْرُ نارٌ في نارٍ".» وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُغَةِ. ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ لِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولِهَذا يَعُودُ القَوْلُ الأوَّلُ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: "سَجَّرْتُ التَنُّورَ" مَعْناهُ: مَلَأتُها بِما يَحْتَرِقُ ويَتَّقِدُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَكَذا هو مُعَرَّضٌ لِلْعِبْرَةِ، ومِن قَوْلِ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: ؎ إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَبْعَ والسَماسِما ؎ سَقَتْها رَواعِدُ مِن صَيِّفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما يَصِفُ ثَوْرًا أو عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْجُورُ هو الَّذِي (p-٨٨)ذَهَبَ ماؤُهُ، فالمَسْجُورُ: الفارِغُ، ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُغَةِ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقِيلَ: يُوقِدُ البَحْرَ نارًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَذَلِكَ السَجْرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ، وهى القِلادَةُ مِن عُودٍ أو حَدِيدٍ الَّتِي تُمْسِكُهُ، وكَذَلِكَ لَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسِكُ لَفاضَ عَلى الأرْضِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: البَحْرُ المُقْسَمُ بِهِ هو في السَماءِ تَحْتَ العَرْشِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ بَحْرُ الدُنْيا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى هو القَسَمُ بِجَهَنَّمَ، وسَمّاها بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّجِها، كَما قالَ ﷺ في الفَرَسِ: « "وَإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا".» والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ويُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ قَتادَةُ، والعامِلُ في "يَوْمَ" هُوَ"واقِعٌ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "دافِعٍ"، والأوَّلُ أبْيَنُ، قالَ مَكِّيٌّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ "دافِعٍ"، قَوْلُهُ تَعالى: "تَمُورُ" مَعْناهُ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ بِالرِياحِ مُتَقَطِّعَةً مُتَفَتِّتَةً، والغُبارُ المَوّارُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ ويَذْهَبُ ويَجِيءُ بِالرِيحِ، ثُمَّ هو كُلُّهُ إلى الذَهابِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا" يَصِفُ سَنَةَ قَحْطٍ، وأنْشَدَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: ؎ .............. ∗∗∗ مَوْرُ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-٨٩)أرادَ مُضِيَّها. وقالَ الضَحّاكُ: "تَمُورُ"؛ تَمُوجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَشَقَّقُ، وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ السَماءَ العالِيَةَ يَعْتَرِيها هَذا كُلُّهُ. وسَيْرُ الجِبالِ هو في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَتَفَتَّتْ أثْناءَ السَيْرِ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا كالعِهْنِ المَنفُوشِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوَيْلٌ" عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وهي تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ وإثْباتَ الوَيْلِ لِلْمُكَذِّبِينَ، و"الوَيْلُ": السُوءُ والمَشَقَّةُ والهَمُّ الأطْوَلُ، ويُرْوى أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى: ويْلًا و"الخَوْضُ": التَخَبُّطُ في الأباطِيلِ، يُشَبَّهُ بِخَوْضِ الماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِن "يَوْمَئِذٍ"، و"يُدَعُّونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ في أعْناقِهِمْ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ وتَعْتَعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُخْتَصَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ"، وإخْبارُهم بِهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ،: "يَوْمَ يَدْعُونَ" مِنَ الدُعاءِ، بِسُكُونِ الدالِ وفَتْحِ العَيْنِ.

الطور 52:4

(p-٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُورِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والرُواةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والطُورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ هَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أقْسَمَ اللهُ بِها تَنْبِيهًا مِنها وتَشْرِيفًا، ولِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ النَظَرِ فِيها والِاعْتِبارَ بِها، وذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلى التَوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعالى. و"الطُورِ"، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: كُلُّ جَبَلٍ طُورٌ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى أقْسَمَ بِالجِبالِ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ آخَرُونَ: الطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ أجْرَدَ لا يُنْبِتُ شَجَرًا، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: الطُورُ: الجَبَلُ بِالسِرْيانِيَّةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ما حَكاهُ في العَرَبِيَّةِ يَقْضِي عَلى هَذا، ولا خِلافَ أنْ في الشامِ جَبَلًا يُسَمّى بِالطُورِ، وهو طُورُ سَيْناءَ، فَقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، إذْ قَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى الجِبالِ أنِّي مُهْبِطٌ عَلى أحَدِكم أمْرِي - يُرِيدُ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَتَطاوَلَتْ كُلُّها إلّا الطَوْرَ فَإنَّهُ اسْتَكانَ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وقالَ: حَسْبِيَ اللهُ، فَأهْبَطَ اللهُ تَعالى الأمْرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ بِمَدْيَنَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هُما طَوْرانِ. و"الكِتاب المَسْطُورُ" مَعْناهُ بِإجْماعٍ: المَكْتُوبُ أسْطارًا، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الكِتابِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكِتابُ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ لِلْمَلائِكَةِ لِتَعْرِفَ مِنهُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ وتَصْرِفُهُ في العالَمِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ في رَقٍّ مَنشُورٍ، وقالَ آخَرُونَ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى (p-٨٦)بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ، التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، وقالَ الفَرّاءُ -فِيما حَكى الرُمّانِيُّ -: أقْسَمَ بِالصُحُفِ الَّتِي تُعْطى وتُؤْخَذُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ، وقالَ قَوْمٌ: أقْسَمَ بِالكِتابِ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وهو الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وكَتَبَ بَعْضُ الناسِ "مَصْطُورٍ" بِالصادِّ، والقَصْدُ بِذَلِكَ تَشابُهُ النُطْقِ بِالحُرُوفِ، والجُمْهُورُ عَلى السِينِ. و"الرِقُّ": الوَرَقُ المُعَدَّةُ لِلْكُتُبِ، وهي مُرَقَّقَةٌ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ رِقًّا، وقَدْ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ عَلى هَذا الَّذِي هو مِن جُلُودِ الحَيَوانِ، و"المَنشُورِ" خِلافُ المَطْوِيِّ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَشْرُهُ بِمَعْنى بِشْرِهِ وتَرْقِيقِهِ وصَنْعَتِهِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فِي رِقٍّ" بِكَسْرِ الراءِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "البَيْتِ المَعْمُورِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: هي الكَعْبَةُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْتٌ في السَماءِ يُقالُ لَهُ الضِراحُ، وهو بِحِيالِ الكَعْبَةِ، ويُقالُ: الضَرِيحُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ "هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلُّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، آخِرَ ما عَلَيْهِمْ"،» وبِهَذا عِمارَتُهُ، ويُرْوى أنَّهُ في السَماءِ السابِعَةِ، وقِيلَ: السادِسَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقابِلُ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ لَسَقَطَ عَلَيْها، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وهي كُلُّها عَلى خَطٍّ مَعَ الكَعْبَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. و"السَقْفُ المَرْفُوعُ": السَماءُ، و"السَقْفُ" طُولٌ في انْحِناءٍ، ومِنهُ أُسْقُفُ النَصارى، ومِنهُ السَقْفُ، لِأنَّ الجِدارَ وسَقْفُهُ فِيهِما طُولٌ في انْحِناءٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في "المَسْجُورِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ: المَوْقِدُ (p-٨٧)نارًا، ورُوِيَ « "أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِيَهُودِيٍّ: أيْنَ جَهَنَّمَ؟ فَقالَ هي البَحْرُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أظُنُّهُ إلّا صادِقًا، وقَرَأ: "والبَحْرِ المَسْجُورِ"، [وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"،]» قالَ الثَعْلَبِيُّ: ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا يَرْكَبَنَّ البَحْرَ إلّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهِدٌ، فَإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا، وتَحْتَ النارِ بَحْرًا» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ: « "البَحْرُ نارٌ في نارٍ".» وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُغَةِ. ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ لِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولِهَذا يَعُودُ القَوْلُ الأوَّلُ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: "سَجَّرْتُ التَنُّورَ" مَعْناهُ: مَلَأتُها بِما يَحْتَرِقُ ويَتَّقِدُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَكَذا هو مُعَرَّضٌ لِلْعِبْرَةِ، ومِن قَوْلِ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: ؎ إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَبْعَ والسَماسِما ؎ سَقَتْها رَواعِدُ مِن صَيِّفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما يَصِفُ ثَوْرًا أو عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْجُورُ هو الَّذِي (p-٨٨)ذَهَبَ ماؤُهُ، فالمَسْجُورُ: الفارِغُ، ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُغَةِ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقِيلَ: يُوقِدُ البَحْرَ نارًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَذَلِكَ السَجْرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ، وهى القِلادَةُ مِن عُودٍ أو حَدِيدٍ الَّتِي تُمْسِكُهُ، وكَذَلِكَ لَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسِكُ لَفاضَ عَلى الأرْضِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: البَحْرُ المُقْسَمُ بِهِ هو في السَماءِ تَحْتَ العَرْشِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ بَحْرُ الدُنْيا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى هو القَسَمُ بِجَهَنَّمَ، وسَمّاها بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّجِها، كَما قالَ ﷺ في الفَرَسِ: « "وَإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا".» والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ويُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ قَتادَةُ، والعامِلُ في "يَوْمَ" هُوَ"واقِعٌ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "دافِعٍ"، والأوَّلُ أبْيَنُ، قالَ مَكِّيٌّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ "دافِعٍ"، قَوْلُهُ تَعالى: "تَمُورُ" مَعْناهُ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ بِالرِياحِ مُتَقَطِّعَةً مُتَفَتِّتَةً، والغُبارُ المَوّارُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ ويَذْهَبُ ويَجِيءُ بِالرِيحِ، ثُمَّ هو كُلُّهُ إلى الذَهابِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا" يَصِفُ سَنَةَ قَحْطٍ، وأنْشَدَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: ؎ .............. ∗∗∗ مَوْرُ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-٨٩)أرادَ مُضِيَّها. وقالَ الضَحّاكُ: "تَمُورُ"؛ تَمُوجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَشَقَّقُ، وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ السَماءَ العالِيَةَ يَعْتَرِيها هَذا كُلُّهُ. وسَيْرُ الجِبالِ هو في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَتَفَتَّتْ أثْناءَ السَيْرِ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا كالعِهْنِ المَنفُوشِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوَيْلٌ" عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وهي تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ وإثْباتَ الوَيْلِ لِلْمُكَذِّبِينَ، و"الوَيْلُ": السُوءُ والمَشَقَّةُ والهَمُّ الأطْوَلُ، ويُرْوى أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى: ويْلًا و"الخَوْضُ": التَخَبُّطُ في الأباطِيلِ، يُشَبَّهُ بِخَوْضِ الماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِن "يَوْمَئِذٍ"، و"يُدَعُّونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ في أعْناقِهِمْ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ وتَعْتَعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُخْتَصَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ"، وإخْبارُهم بِهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ،: "يَوْمَ يَدْعُونَ" مِنَ الدُعاءِ، بِسُكُونِ الدالِ وفَتْحِ العَيْنِ.

الطور 52:5

(p-٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُورِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والرُواةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والطُورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ هَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أقْسَمَ اللهُ بِها تَنْبِيهًا مِنها وتَشْرِيفًا، ولِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ النَظَرِ فِيها والِاعْتِبارَ بِها، وذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلى التَوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعالى. و"الطُورِ"، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: كُلُّ جَبَلٍ طُورٌ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى أقْسَمَ بِالجِبالِ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ آخَرُونَ: الطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ أجْرَدَ لا يُنْبِتُ شَجَرًا، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: الطُورُ: الجَبَلُ بِالسِرْيانِيَّةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ما حَكاهُ في العَرَبِيَّةِ يَقْضِي عَلى هَذا، ولا خِلافَ أنْ في الشامِ جَبَلًا يُسَمّى بِالطُورِ، وهو طُورُ سَيْناءَ، فَقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، إذْ قَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى الجِبالِ أنِّي مُهْبِطٌ عَلى أحَدِكم أمْرِي - يُرِيدُ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَتَطاوَلَتْ كُلُّها إلّا الطَوْرَ فَإنَّهُ اسْتَكانَ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وقالَ: حَسْبِيَ اللهُ، فَأهْبَطَ اللهُ تَعالى الأمْرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ بِمَدْيَنَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هُما طَوْرانِ. و"الكِتاب المَسْطُورُ" مَعْناهُ بِإجْماعٍ: المَكْتُوبُ أسْطارًا، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الكِتابِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكِتابُ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ لِلْمَلائِكَةِ لِتَعْرِفَ مِنهُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ وتَصْرِفُهُ في العالَمِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ في رَقٍّ مَنشُورٍ، وقالَ آخَرُونَ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى (p-٨٦)بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ، التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، وقالَ الفَرّاءُ -فِيما حَكى الرُمّانِيُّ -: أقْسَمَ بِالصُحُفِ الَّتِي تُعْطى وتُؤْخَذُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ، وقالَ قَوْمٌ: أقْسَمَ بِالكِتابِ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وهو الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وكَتَبَ بَعْضُ الناسِ "مَصْطُورٍ" بِالصادِّ، والقَصْدُ بِذَلِكَ تَشابُهُ النُطْقِ بِالحُرُوفِ، والجُمْهُورُ عَلى السِينِ. و"الرِقُّ": الوَرَقُ المُعَدَّةُ لِلْكُتُبِ، وهي مُرَقَّقَةٌ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ رِقًّا، وقَدْ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ عَلى هَذا الَّذِي هو مِن جُلُودِ الحَيَوانِ، و"المَنشُورِ" خِلافُ المَطْوِيِّ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَشْرُهُ بِمَعْنى بِشْرِهِ وتَرْقِيقِهِ وصَنْعَتِهِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فِي رِقٍّ" بِكَسْرِ الراءِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "البَيْتِ المَعْمُورِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: هي الكَعْبَةُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْتٌ في السَماءِ يُقالُ لَهُ الضِراحُ، وهو بِحِيالِ الكَعْبَةِ، ويُقالُ: الضَرِيحُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ "هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلُّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، آخِرَ ما عَلَيْهِمْ"،» وبِهَذا عِمارَتُهُ، ويُرْوى أنَّهُ في السَماءِ السابِعَةِ، وقِيلَ: السادِسَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقابِلُ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ لَسَقَطَ عَلَيْها، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وهي كُلُّها عَلى خَطٍّ مَعَ الكَعْبَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. و"السَقْفُ المَرْفُوعُ": السَماءُ، و"السَقْفُ" طُولٌ في انْحِناءٍ، ومِنهُ أُسْقُفُ النَصارى، ومِنهُ السَقْفُ، لِأنَّ الجِدارَ وسَقْفُهُ فِيهِما طُولٌ في انْحِناءٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في "المَسْجُورِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ: المَوْقِدُ (p-٨٧)نارًا، ورُوِيَ « "أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِيَهُودِيٍّ: أيْنَ جَهَنَّمَ؟ فَقالَ هي البَحْرُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أظُنُّهُ إلّا صادِقًا، وقَرَأ: "والبَحْرِ المَسْجُورِ"، [وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"،]» قالَ الثَعْلَبِيُّ: ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا يَرْكَبَنَّ البَحْرَ إلّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهِدٌ، فَإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا، وتَحْتَ النارِ بَحْرًا» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ: « "البَحْرُ نارٌ في نارٍ".» وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُغَةِ. ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ لِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولِهَذا يَعُودُ القَوْلُ الأوَّلُ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: "سَجَّرْتُ التَنُّورَ" مَعْناهُ: مَلَأتُها بِما يَحْتَرِقُ ويَتَّقِدُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَكَذا هو مُعَرَّضٌ لِلْعِبْرَةِ، ومِن قَوْلِ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: ؎ إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَبْعَ والسَماسِما ؎ سَقَتْها رَواعِدُ مِن صَيِّفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما يَصِفُ ثَوْرًا أو عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْجُورُ هو الَّذِي (p-٨٨)ذَهَبَ ماؤُهُ، فالمَسْجُورُ: الفارِغُ، ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُغَةِ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقِيلَ: يُوقِدُ البَحْرَ نارًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَذَلِكَ السَجْرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ، وهى القِلادَةُ مِن عُودٍ أو حَدِيدٍ الَّتِي تُمْسِكُهُ، وكَذَلِكَ لَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسِكُ لَفاضَ عَلى الأرْضِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: البَحْرُ المُقْسَمُ بِهِ هو في السَماءِ تَحْتَ العَرْشِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ بَحْرُ الدُنْيا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى هو القَسَمُ بِجَهَنَّمَ، وسَمّاها بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّجِها، كَما قالَ ﷺ في الفَرَسِ: « "وَإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا".» والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ويُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ قَتادَةُ، والعامِلُ في "يَوْمَ" هُوَ"واقِعٌ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "دافِعٍ"، والأوَّلُ أبْيَنُ، قالَ مَكِّيٌّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ "دافِعٍ"، قَوْلُهُ تَعالى: "تَمُورُ" مَعْناهُ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ بِالرِياحِ مُتَقَطِّعَةً مُتَفَتِّتَةً، والغُبارُ المَوّارُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ ويَذْهَبُ ويَجِيءُ بِالرِيحِ، ثُمَّ هو كُلُّهُ إلى الذَهابِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا" يَصِفُ سَنَةَ قَحْطٍ، وأنْشَدَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: ؎ .............. ∗∗∗ مَوْرُ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-٨٩)أرادَ مُضِيَّها. وقالَ الضَحّاكُ: "تَمُورُ"؛ تَمُوجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَشَقَّقُ، وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ السَماءَ العالِيَةَ يَعْتَرِيها هَذا كُلُّهُ. وسَيْرُ الجِبالِ هو في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَتَفَتَّتْ أثْناءَ السَيْرِ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا كالعِهْنِ المَنفُوشِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوَيْلٌ" عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وهي تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ وإثْباتَ الوَيْلِ لِلْمُكَذِّبِينَ، و"الوَيْلُ": السُوءُ والمَشَقَّةُ والهَمُّ الأطْوَلُ، ويُرْوى أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى: ويْلًا و"الخَوْضُ": التَخَبُّطُ في الأباطِيلِ، يُشَبَّهُ بِخَوْضِ الماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِن "يَوْمَئِذٍ"، و"يُدَعُّونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ في أعْناقِهِمْ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ وتَعْتَعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُخْتَصَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ"، وإخْبارُهم بِهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ،: "يَوْمَ يَدْعُونَ" مِنَ الدُعاءِ، بِسُكُونِ الدالِ وفَتْحِ العَيْنِ.

الطور 52:6

(p-٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُورِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والرُواةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والطُورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ هَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أقْسَمَ اللهُ بِها تَنْبِيهًا مِنها وتَشْرِيفًا، ولِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ النَظَرِ فِيها والِاعْتِبارَ بِها، وذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلى التَوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعالى. و"الطُورِ"، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: كُلُّ جَبَلٍ طُورٌ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى أقْسَمَ بِالجِبالِ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ آخَرُونَ: الطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ أجْرَدَ لا يُنْبِتُ شَجَرًا، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: الطُورُ: الجَبَلُ بِالسِرْيانِيَّةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ما حَكاهُ في العَرَبِيَّةِ يَقْضِي عَلى هَذا، ولا خِلافَ أنْ في الشامِ جَبَلًا يُسَمّى بِالطُورِ، وهو طُورُ سَيْناءَ، فَقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، إذْ قَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى الجِبالِ أنِّي مُهْبِطٌ عَلى أحَدِكم أمْرِي - يُرِيدُ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَتَطاوَلَتْ كُلُّها إلّا الطَوْرَ فَإنَّهُ اسْتَكانَ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وقالَ: حَسْبِيَ اللهُ، فَأهْبَطَ اللهُ تَعالى الأمْرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ بِمَدْيَنَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هُما طَوْرانِ. و"الكِتاب المَسْطُورُ" مَعْناهُ بِإجْماعٍ: المَكْتُوبُ أسْطارًا، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الكِتابِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكِتابُ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ لِلْمَلائِكَةِ لِتَعْرِفَ مِنهُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ وتَصْرِفُهُ في العالَمِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ في رَقٍّ مَنشُورٍ، وقالَ آخَرُونَ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى (p-٨٦)بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ، التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، وقالَ الفَرّاءُ -فِيما حَكى الرُمّانِيُّ -: أقْسَمَ بِالصُحُفِ الَّتِي تُعْطى وتُؤْخَذُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ، وقالَ قَوْمٌ: أقْسَمَ بِالكِتابِ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وهو الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وكَتَبَ بَعْضُ الناسِ "مَصْطُورٍ" بِالصادِّ، والقَصْدُ بِذَلِكَ تَشابُهُ النُطْقِ بِالحُرُوفِ، والجُمْهُورُ عَلى السِينِ. و"الرِقُّ": الوَرَقُ المُعَدَّةُ لِلْكُتُبِ، وهي مُرَقَّقَةٌ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ رِقًّا، وقَدْ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ عَلى هَذا الَّذِي هو مِن جُلُودِ الحَيَوانِ، و"المَنشُورِ" خِلافُ المَطْوِيِّ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَشْرُهُ بِمَعْنى بِشْرِهِ وتَرْقِيقِهِ وصَنْعَتِهِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فِي رِقٍّ" بِكَسْرِ الراءِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "البَيْتِ المَعْمُورِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: هي الكَعْبَةُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْتٌ في السَماءِ يُقالُ لَهُ الضِراحُ، وهو بِحِيالِ الكَعْبَةِ، ويُقالُ: الضَرِيحُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ "هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلُّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، آخِرَ ما عَلَيْهِمْ"،» وبِهَذا عِمارَتُهُ، ويُرْوى أنَّهُ في السَماءِ السابِعَةِ، وقِيلَ: السادِسَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقابِلُ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ لَسَقَطَ عَلَيْها، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وهي كُلُّها عَلى خَطٍّ مَعَ الكَعْبَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. و"السَقْفُ المَرْفُوعُ": السَماءُ، و"السَقْفُ" طُولٌ في انْحِناءٍ، ومِنهُ أُسْقُفُ النَصارى، ومِنهُ السَقْفُ، لِأنَّ الجِدارَ وسَقْفُهُ فِيهِما طُولٌ في انْحِناءٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في "المَسْجُورِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ: المَوْقِدُ (p-٨٧)نارًا، ورُوِيَ « "أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِيَهُودِيٍّ: أيْنَ جَهَنَّمَ؟ فَقالَ هي البَحْرُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أظُنُّهُ إلّا صادِقًا، وقَرَأ: "والبَحْرِ المَسْجُورِ"، [وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"،]» قالَ الثَعْلَبِيُّ: ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا يَرْكَبَنَّ البَحْرَ إلّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهِدٌ، فَإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا، وتَحْتَ النارِ بَحْرًا» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ: « "البَحْرُ نارٌ في نارٍ".» وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُغَةِ. ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ لِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولِهَذا يَعُودُ القَوْلُ الأوَّلُ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: "سَجَّرْتُ التَنُّورَ" مَعْناهُ: مَلَأتُها بِما يَحْتَرِقُ ويَتَّقِدُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَكَذا هو مُعَرَّضٌ لِلْعِبْرَةِ، ومِن قَوْلِ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: ؎ إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَبْعَ والسَماسِما ؎ سَقَتْها رَواعِدُ مِن صَيِّفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما يَصِفُ ثَوْرًا أو عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْجُورُ هو الَّذِي (p-٨٨)ذَهَبَ ماؤُهُ، فالمَسْجُورُ: الفارِغُ، ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُغَةِ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقِيلَ: يُوقِدُ البَحْرَ نارًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَذَلِكَ السَجْرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ، وهى القِلادَةُ مِن عُودٍ أو حَدِيدٍ الَّتِي تُمْسِكُهُ، وكَذَلِكَ لَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسِكُ لَفاضَ عَلى الأرْضِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: البَحْرُ المُقْسَمُ بِهِ هو في السَماءِ تَحْتَ العَرْشِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ بَحْرُ الدُنْيا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى هو القَسَمُ بِجَهَنَّمَ، وسَمّاها بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّجِها، كَما قالَ ﷺ في الفَرَسِ: « "وَإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا".» والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ويُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ قَتادَةُ، والعامِلُ في "يَوْمَ" هُوَ"واقِعٌ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "دافِعٍ"، والأوَّلُ أبْيَنُ، قالَ مَكِّيٌّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ "دافِعٍ"، قَوْلُهُ تَعالى: "تَمُورُ" مَعْناهُ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ بِالرِياحِ مُتَقَطِّعَةً مُتَفَتِّتَةً، والغُبارُ المَوّارُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ ويَذْهَبُ ويَجِيءُ بِالرِيحِ، ثُمَّ هو كُلُّهُ إلى الذَهابِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا" يَصِفُ سَنَةَ قَحْطٍ، وأنْشَدَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: ؎ .............. ∗∗∗ مَوْرُ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-٨٩)أرادَ مُضِيَّها. وقالَ الضَحّاكُ: "تَمُورُ"؛ تَمُوجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَشَقَّقُ، وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ السَماءَ العالِيَةَ يَعْتَرِيها هَذا كُلُّهُ. وسَيْرُ الجِبالِ هو في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَتَفَتَّتْ أثْناءَ السَيْرِ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا كالعِهْنِ المَنفُوشِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوَيْلٌ" عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وهي تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ وإثْباتَ الوَيْلِ لِلْمُكَذِّبِينَ، و"الوَيْلُ": السُوءُ والمَشَقَّةُ والهَمُّ الأطْوَلُ، ويُرْوى أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى: ويْلًا و"الخَوْضُ": التَخَبُّطُ في الأباطِيلِ، يُشَبَّهُ بِخَوْضِ الماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِن "يَوْمَئِذٍ"، و"يُدَعُّونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ في أعْناقِهِمْ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ وتَعْتَعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُخْتَصَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ"، وإخْبارُهم بِهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ،: "يَوْمَ يَدْعُونَ" مِنَ الدُعاءِ، بِسُكُونِ الدالِ وفَتْحِ العَيْنِ.

الطور 52:7

(p-٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُورِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والرُواةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والطُورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ هَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أقْسَمَ اللهُ بِها تَنْبِيهًا مِنها وتَشْرِيفًا، ولِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ النَظَرِ فِيها والِاعْتِبارَ بِها، وذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلى التَوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعالى. و"الطُورِ"، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: كُلُّ جَبَلٍ طُورٌ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى أقْسَمَ بِالجِبالِ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ آخَرُونَ: الطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ أجْرَدَ لا يُنْبِتُ شَجَرًا، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: الطُورُ: الجَبَلُ بِالسِرْيانِيَّةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ما حَكاهُ في العَرَبِيَّةِ يَقْضِي عَلى هَذا، ولا خِلافَ أنْ في الشامِ جَبَلًا يُسَمّى بِالطُورِ، وهو طُورُ سَيْناءَ، فَقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، إذْ قَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى الجِبالِ أنِّي مُهْبِطٌ عَلى أحَدِكم أمْرِي - يُرِيدُ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَتَطاوَلَتْ كُلُّها إلّا الطَوْرَ فَإنَّهُ اسْتَكانَ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وقالَ: حَسْبِيَ اللهُ، فَأهْبَطَ اللهُ تَعالى الأمْرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ بِمَدْيَنَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هُما طَوْرانِ. و"الكِتاب المَسْطُورُ" مَعْناهُ بِإجْماعٍ: المَكْتُوبُ أسْطارًا، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الكِتابِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكِتابُ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ لِلْمَلائِكَةِ لِتَعْرِفَ مِنهُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ وتَصْرِفُهُ في العالَمِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ في رَقٍّ مَنشُورٍ، وقالَ آخَرُونَ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى (p-٨٦)بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ، التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، وقالَ الفَرّاءُ -فِيما حَكى الرُمّانِيُّ -: أقْسَمَ بِالصُحُفِ الَّتِي تُعْطى وتُؤْخَذُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ، وقالَ قَوْمٌ: أقْسَمَ بِالكِتابِ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وهو الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وكَتَبَ بَعْضُ الناسِ "مَصْطُورٍ" بِالصادِّ، والقَصْدُ بِذَلِكَ تَشابُهُ النُطْقِ بِالحُرُوفِ، والجُمْهُورُ عَلى السِينِ. و"الرِقُّ": الوَرَقُ المُعَدَّةُ لِلْكُتُبِ، وهي مُرَقَّقَةٌ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ رِقًّا، وقَدْ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ عَلى هَذا الَّذِي هو مِن جُلُودِ الحَيَوانِ، و"المَنشُورِ" خِلافُ المَطْوِيِّ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَشْرُهُ بِمَعْنى بِشْرِهِ وتَرْقِيقِهِ وصَنْعَتِهِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فِي رِقٍّ" بِكَسْرِ الراءِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "البَيْتِ المَعْمُورِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: هي الكَعْبَةُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْتٌ في السَماءِ يُقالُ لَهُ الضِراحُ، وهو بِحِيالِ الكَعْبَةِ، ويُقالُ: الضَرِيحُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ "هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلُّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، آخِرَ ما عَلَيْهِمْ"،» وبِهَذا عِمارَتُهُ، ويُرْوى أنَّهُ في السَماءِ السابِعَةِ، وقِيلَ: السادِسَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقابِلُ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ لَسَقَطَ عَلَيْها، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وهي كُلُّها عَلى خَطٍّ مَعَ الكَعْبَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. و"السَقْفُ المَرْفُوعُ": السَماءُ، و"السَقْفُ" طُولٌ في انْحِناءٍ، ومِنهُ أُسْقُفُ النَصارى، ومِنهُ السَقْفُ، لِأنَّ الجِدارَ وسَقْفُهُ فِيهِما طُولٌ في انْحِناءٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في "المَسْجُورِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ: المَوْقِدُ (p-٨٧)نارًا، ورُوِيَ « "أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِيَهُودِيٍّ: أيْنَ جَهَنَّمَ؟ فَقالَ هي البَحْرُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أظُنُّهُ إلّا صادِقًا، وقَرَأ: "والبَحْرِ المَسْجُورِ"، [وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"،]» قالَ الثَعْلَبِيُّ: ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا يَرْكَبَنَّ البَحْرَ إلّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهِدٌ، فَإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا، وتَحْتَ النارِ بَحْرًا» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ: « "البَحْرُ نارٌ في نارٍ".» وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُغَةِ. ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ لِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولِهَذا يَعُودُ القَوْلُ الأوَّلُ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: "سَجَّرْتُ التَنُّورَ" مَعْناهُ: مَلَأتُها بِما يَحْتَرِقُ ويَتَّقِدُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَكَذا هو مُعَرَّضٌ لِلْعِبْرَةِ، ومِن قَوْلِ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: ؎ إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَبْعَ والسَماسِما ؎ سَقَتْها رَواعِدُ مِن صَيِّفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما يَصِفُ ثَوْرًا أو عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْجُورُ هو الَّذِي (p-٨٨)ذَهَبَ ماؤُهُ، فالمَسْجُورُ: الفارِغُ، ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُغَةِ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقِيلَ: يُوقِدُ البَحْرَ نارًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَذَلِكَ السَجْرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ، وهى القِلادَةُ مِن عُودٍ أو حَدِيدٍ الَّتِي تُمْسِكُهُ، وكَذَلِكَ لَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسِكُ لَفاضَ عَلى الأرْضِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: البَحْرُ المُقْسَمُ بِهِ هو في السَماءِ تَحْتَ العَرْشِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ بَحْرُ الدُنْيا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى هو القَسَمُ بِجَهَنَّمَ، وسَمّاها بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّجِها، كَما قالَ ﷺ في الفَرَسِ: « "وَإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا".» والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ويُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ قَتادَةُ، والعامِلُ في "يَوْمَ" هُوَ"واقِعٌ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "دافِعٍ"، والأوَّلُ أبْيَنُ، قالَ مَكِّيٌّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ "دافِعٍ"، قَوْلُهُ تَعالى: "تَمُورُ" مَعْناهُ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ بِالرِياحِ مُتَقَطِّعَةً مُتَفَتِّتَةً، والغُبارُ المَوّارُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ ويَذْهَبُ ويَجِيءُ بِالرِيحِ، ثُمَّ هو كُلُّهُ إلى الذَهابِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا" يَصِفُ سَنَةَ قَحْطٍ، وأنْشَدَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: ؎ .............. ∗∗∗ مَوْرُ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-٨٩)أرادَ مُضِيَّها. وقالَ الضَحّاكُ: "تَمُورُ"؛ تَمُوجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَشَقَّقُ، وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ السَماءَ العالِيَةَ يَعْتَرِيها هَذا كُلُّهُ. وسَيْرُ الجِبالِ هو في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَتَفَتَّتْ أثْناءَ السَيْرِ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا كالعِهْنِ المَنفُوشِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوَيْلٌ" عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وهي تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ وإثْباتَ الوَيْلِ لِلْمُكَذِّبِينَ، و"الوَيْلُ": السُوءُ والمَشَقَّةُ والهَمُّ الأطْوَلُ، ويُرْوى أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى: ويْلًا و"الخَوْضُ": التَخَبُّطُ في الأباطِيلِ، يُشَبَّهُ بِخَوْضِ الماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِن "يَوْمَئِذٍ"، و"يُدَعُّونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ في أعْناقِهِمْ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ وتَعْتَعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُخْتَصَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ"، وإخْبارُهم بِهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ،: "يَوْمَ يَدْعُونَ" مِنَ الدُعاءِ، بِسُكُونِ الدالِ وفَتْحِ العَيْنِ.

الطور 52:8

(p-٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُورِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والرُواةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والطُورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ هَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أقْسَمَ اللهُ بِها تَنْبِيهًا مِنها وتَشْرِيفًا، ولِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ النَظَرِ فِيها والِاعْتِبارَ بِها، وذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلى التَوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعالى. و"الطُورِ"، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: كُلُّ جَبَلٍ طُورٌ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى أقْسَمَ بِالجِبالِ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ آخَرُونَ: الطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ أجْرَدَ لا يُنْبِتُ شَجَرًا، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: الطُورُ: الجَبَلُ بِالسِرْيانِيَّةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ما حَكاهُ في العَرَبِيَّةِ يَقْضِي عَلى هَذا، ولا خِلافَ أنْ في الشامِ جَبَلًا يُسَمّى بِالطُورِ، وهو طُورُ سَيْناءَ، فَقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، إذْ قَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى الجِبالِ أنِّي مُهْبِطٌ عَلى أحَدِكم أمْرِي - يُرِيدُ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَتَطاوَلَتْ كُلُّها إلّا الطَوْرَ فَإنَّهُ اسْتَكانَ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وقالَ: حَسْبِيَ اللهُ، فَأهْبَطَ اللهُ تَعالى الأمْرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ بِمَدْيَنَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هُما طَوْرانِ. و"الكِتاب المَسْطُورُ" مَعْناهُ بِإجْماعٍ: المَكْتُوبُ أسْطارًا، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الكِتابِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكِتابُ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ لِلْمَلائِكَةِ لِتَعْرِفَ مِنهُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ وتَصْرِفُهُ في العالَمِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ في رَقٍّ مَنشُورٍ، وقالَ آخَرُونَ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى (p-٨٦)بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ، التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، وقالَ الفَرّاءُ -فِيما حَكى الرُمّانِيُّ -: أقْسَمَ بِالصُحُفِ الَّتِي تُعْطى وتُؤْخَذُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ، وقالَ قَوْمٌ: أقْسَمَ بِالكِتابِ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وهو الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وكَتَبَ بَعْضُ الناسِ "مَصْطُورٍ" بِالصادِّ، والقَصْدُ بِذَلِكَ تَشابُهُ النُطْقِ بِالحُرُوفِ، والجُمْهُورُ عَلى السِينِ. و"الرِقُّ": الوَرَقُ المُعَدَّةُ لِلْكُتُبِ، وهي مُرَقَّقَةٌ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ رِقًّا، وقَدْ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ عَلى هَذا الَّذِي هو مِن جُلُودِ الحَيَوانِ، و"المَنشُورِ" خِلافُ المَطْوِيِّ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَشْرُهُ بِمَعْنى بِشْرِهِ وتَرْقِيقِهِ وصَنْعَتِهِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فِي رِقٍّ" بِكَسْرِ الراءِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "البَيْتِ المَعْمُورِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: هي الكَعْبَةُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْتٌ في السَماءِ يُقالُ لَهُ الضِراحُ، وهو بِحِيالِ الكَعْبَةِ، ويُقالُ: الضَرِيحُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ "هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلُّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، آخِرَ ما عَلَيْهِمْ"،» وبِهَذا عِمارَتُهُ، ويُرْوى أنَّهُ في السَماءِ السابِعَةِ، وقِيلَ: السادِسَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقابِلُ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ لَسَقَطَ عَلَيْها، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وهي كُلُّها عَلى خَطٍّ مَعَ الكَعْبَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. و"السَقْفُ المَرْفُوعُ": السَماءُ، و"السَقْفُ" طُولٌ في انْحِناءٍ، ومِنهُ أُسْقُفُ النَصارى، ومِنهُ السَقْفُ، لِأنَّ الجِدارَ وسَقْفُهُ فِيهِما طُولٌ في انْحِناءٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في "المَسْجُورِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ: المَوْقِدُ (p-٨٧)نارًا، ورُوِيَ « "أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِيَهُودِيٍّ: أيْنَ جَهَنَّمَ؟ فَقالَ هي البَحْرُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أظُنُّهُ إلّا صادِقًا، وقَرَأ: "والبَحْرِ المَسْجُورِ"، [وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"،]» قالَ الثَعْلَبِيُّ: ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا يَرْكَبَنَّ البَحْرَ إلّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهِدٌ، فَإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا، وتَحْتَ النارِ بَحْرًا» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ: « "البَحْرُ نارٌ في نارٍ".» وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُغَةِ. ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ لِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولِهَذا يَعُودُ القَوْلُ الأوَّلُ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: "سَجَّرْتُ التَنُّورَ" مَعْناهُ: مَلَأتُها بِما يَحْتَرِقُ ويَتَّقِدُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَكَذا هو مُعَرَّضٌ لِلْعِبْرَةِ، ومِن قَوْلِ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: ؎ إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَبْعَ والسَماسِما ؎ سَقَتْها رَواعِدُ مِن صَيِّفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما يَصِفُ ثَوْرًا أو عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْجُورُ هو الَّذِي (p-٨٨)ذَهَبَ ماؤُهُ، فالمَسْجُورُ: الفارِغُ، ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُغَةِ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقِيلَ: يُوقِدُ البَحْرَ نارًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَذَلِكَ السَجْرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ، وهى القِلادَةُ مِن عُودٍ أو حَدِيدٍ الَّتِي تُمْسِكُهُ، وكَذَلِكَ لَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسِكُ لَفاضَ عَلى الأرْضِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: البَحْرُ المُقْسَمُ بِهِ هو في السَماءِ تَحْتَ العَرْشِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ بَحْرُ الدُنْيا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى هو القَسَمُ بِجَهَنَّمَ، وسَمّاها بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّجِها، كَما قالَ ﷺ في الفَرَسِ: « "وَإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا".» والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ويُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ قَتادَةُ، والعامِلُ في "يَوْمَ" هُوَ"واقِعٌ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "دافِعٍ"، والأوَّلُ أبْيَنُ، قالَ مَكِّيٌّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ "دافِعٍ"، قَوْلُهُ تَعالى: "تَمُورُ" مَعْناهُ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ بِالرِياحِ مُتَقَطِّعَةً مُتَفَتِّتَةً، والغُبارُ المَوّارُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ ويَذْهَبُ ويَجِيءُ بِالرِيحِ، ثُمَّ هو كُلُّهُ إلى الذَهابِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا" يَصِفُ سَنَةَ قَحْطٍ، وأنْشَدَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: ؎ .............. ∗∗∗ مَوْرُ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-٨٩)أرادَ مُضِيَّها. وقالَ الضَحّاكُ: "تَمُورُ"؛ تَمُوجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَشَقَّقُ، وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ السَماءَ العالِيَةَ يَعْتَرِيها هَذا كُلُّهُ. وسَيْرُ الجِبالِ هو في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَتَفَتَّتْ أثْناءَ السَيْرِ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا كالعِهْنِ المَنفُوشِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوَيْلٌ" عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وهي تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ وإثْباتَ الوَيْلِ لِلْمُكَذِّبِينَ، و"الوَيْلُ": السُوءُ والمَشَقَّةُ والهَمُّ الأطْوَلُ، ويُرْوى أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى: ويْلًا و"الخَوْضُ": التَخَبُّطُ في الأباطِيلِ، يُشَبَّهُ بِخَوْضِ الماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِن "يَوْمَئِذٍ"، و"يُدَعُّونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ في أعْناقِهِمْ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ وتَعْتَعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُخْتَصَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ"، وإخْبارُهم بِهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ،: "يَوْمَ يَدْعُونَ" مِنَ الدُعاءِ، بِسُكُونِ الدالِ وفَتْحِ العَيْنِ.

الطور 52:9

(p-٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُورِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والرُواةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والطُورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ هَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أقْسَمَ اللهُ بِها تَنْبِيهًا مِنها وتَشْرِيفًا، ولِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ النَظَرِ فِيها والِاعْتِبارَ بِها، وذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلى التَوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعالى. و"الطُورِ"، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: كُلُّ جَبَلٍ طُورٌ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى أقْسَمَ بِالجِبالِ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ آخَرُونَ: الطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ أجْرَدَ لا يُنْبِتُ شَجَرًا، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: الطُورُ: الجَبَلُ بِالسِرْيانِيَّةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ما حَكاهُ في العَرَبِيَّةِ يَقْضِي عَلى هَذا، ولا خِلافَ أنْ في الشامِ جَبَلًا يُسَمّى بِالطُورِ، وهو طُورُ سَيْناءَ، فَقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، إذْ قَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى الجِبالِ أنِّي مُهْبِطٌ عَلى أحَدِكم أمْرِي - يُرِيدُ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَتَطاوَلَتْ كُلُّها إلّا الطَوْرَ فَإنَّهُ اسْتَكانَ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وقالَ: حَسْبِيَ اللهُ، فَأهْبَطَ اللهُ تَعالى الأمْرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ بِمَدْيَنَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هُما طَوْرانِ. و"الكِتاب المَسْطُورُ" مَعْناهُ بِإجْماعٍ: المَكْتُوبُ أسْطارًا، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الكِتابِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكِتابُ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ لِلْمَلائِكَةِ لِتَعْرِفَ مِنهُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ وتَصْرِفُهُ في العالَمِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ في رَقٍّ مَنشُورٍ، وقالَ آخَرُونَ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى (p-٨٦)بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ، التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، وقالَ الفَرّاءُ -فِيما حَكى الرُمّانِيُّ -: أقْسَمَ بِالصُحُفِ الَّتِي تُعْطى وتُؤْخَذُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ، وقالَ قَوْمٌ: أقْسَمَ بِالكِتابِ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وهو الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وكَتَبَ بَعْضُ الناسِ "مَصْطُورٍ" بِالصادِّ، والقَصْدُ بِذَلِكَ تَشابُهُ النُطْقِ بِالحُرُوفِ، والجُمْهُورُ عَلى السِينِ. و"الرِقُّ": الوَرَقُ المُعَدَّةُ لِلْكُتُبِ، وهي مُرَقَّقَةٌ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ رِقًّا، وقَدْ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ عَلى هَذا الَّذِي هو مِن جُلُودِ الحَيَوانِ، و"المَنشُورِ" خِلافُ المَطْوِيِّ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَشْرُهُ بِمَعْنى بِشْرِهِ وتَرْقِيقِهِ وصَنْعَتِهِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فِي رِقٍّ" بِكَسْرِ الراءِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "البَيْتِ المَعْمُورِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: هي الكَعْبَةُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْتٌ في السَماءِ يُقالُ لَهُ الضِراحُ، وهو بِحِيالِ الكَعْبَةِ، ويُقالُ: الضَرِيحُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ "هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلُّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، آخِرَ ما عَلَيْهِمْ"،» وبِهَذا عِمارَتُهُ، ويُرْوى أنَّهُ في السَماءِ السابِعَةِ، وقِيلَ: السادِسَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقابِلُ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ لَسَقَطَ عَلَيْها، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وهي كُلُّها عَلى خَطٍّ مَعَ الكَعْبَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. و"السَقْفُ المَرْفُوعُ": السَماءُ، و"السَقْفُ" طُولٌ في انْحِناءٍ، ومِنهُ أُسْقُفُ النَصارى، ومِنهُ السَقْفُ، لِأنَّ الجِدارَ وسَقْفُهُ فِيهِما طُولٌ في انْحِناءٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في "المَسْجُورِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ: المَوْقِدُ (p-٨٧)نارًا، ورُوِيَ « "أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِيَهُودِيٍّ: أيْنَ جَهَنَّمَ؟ فَقالَ هي البَحْرُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أظُنُّهُ إلّا صادِقًا، وقَرَأ: "والبَحْرِ المَسْجُورِ"، [وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"،]» قالَ الثَعْلَبِيُّ: ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا يَرْكَبَنَّ البَحْرَ إلّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهِدٌ، فَإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا، وتَحْتَ النارِ بَحْرًا» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ: « "البَحْرُ نارٌ في نارٍ".» وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُغَةِ. ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ لِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولِهَذا يَعُودُ القَوْلُ الأوَّلُ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: "سَجَّرْتُ التَنُّورَ" مَعْناهُ: مَلَأتُها بِما يَحْتَرِقُ ويَتَّقِدُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَكَذا هو مُعَرَّضٌ لِلْعِبْرَةِ، ومِن قَوْلِ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: ؎ إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَبْعَ والسَماسِما ؎ سَقَتْها رَواعِدُ مِن صَيِّفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما يَصِفُ ثَوْرًا أو عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْجُورُ هو الَّذِي (p-٨٨)ذَهَبَ ماؤُهُ، فالمَسْجُورُ: الفارِغُ، ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُغَةِ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقِيلَ: يُوقِدُ البَحْرَ نارًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَذَلِكَ السَجْرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ، وهى القِلادَةُ مِن عُودٍ أو حَدِيدٍ الَّتِي تُمْسِكُهُ، وكَذَلِكَ لَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسِكُ لَفاضَ عَلى الأرْضِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: البَحْرُ المُقْسَمُ بِهِ هو في السَماءِ تَحْتَ العَرْشِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ بَحْرُ الدُنْيا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى هو القَسَمُ بِجَهَنَّمَ، وسَمّاها بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّجِها، كَما قالَ ﷺ في الفَرَسِ: « "وَإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا".» والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ويُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ قَتادَةُ، والعامِلُ في "يَوْمَ" هُوَ"واقِعٌ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "دافِعٍ"، والأوَّلُ أبْيَنُ، قالَ مَكِّيٌّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ "دافِعٍ"، قَوْلُهُ تَعالى: "تَمُورُ" مَعْناهُ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ بِالرِياحِ مُتَقَطِّعَةً مُتَفَتِّتَةً، والغُبارُ المَوّارُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ ويَذْهَبُ ويَجِيءُ بِالرِيحِ، ثُمَّ هو كُلُّهُ إلى الذَهابِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا" يَصِفُ سَنَةَ قَحْطٍ، وأنْشَدَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: ؎ .............. ∗∗∗ مَوْرُ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-٨٩)أرادَ مُضِيَّها. وقالَ الضَحّاكُ: "تَمُورُ"؛ تَمُوجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَشَقَّقُ، وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ السَماءَ العالِيَةَ يَعْتَرِيها هَذا كُلُّهُ. وسَيْرُ الجِبالِ هو في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَتَفَتَّتْ أثْناءَ السَيْرِ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا كالعِهْنِ المَنفُوشِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوَيْلٌ" عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وهي تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ وإثْباتَ الوَيْلِ لِلْمُكَذِّبِينَ، و"الوَيْلُ": السُوءُ والمَشَقَّةُ والهَمُّ الأطْوَلُ، ويُرْوى أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى: ويْلًا و"الخَوْضُ": التَخَبُّطُ في الأباطِيلِ، يُشَبَّهُ بِخَوْضِ الماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِن "يَوْمَئِذٍ"، و"يُدَعُّونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ في أعْناقِهِمْ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ وتَعْتَعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُخْتَصَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ"، وإخْبارُهم بِهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ،: "يَوْمَ يَدْعُونَ" مِنَ الدُعاءِ، بِسُكُونِ الدالِ وفَتْحِ العَيْنِ.

الطور 52:10

(p-٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُورِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والرُواةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والطُورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ هَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أقْسَمَ اللهُ بِها تَنْبِيهًا مِنها وتَشْرِيفًا، ولِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ النَظَرِ فِيها والِاعْتِبارَ بِها، وذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلى التَوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعالى. و"الطُورِ"، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: كُلُّ جَبَلٍ طُورٌ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى أقْسَمَ بِالجِبالِ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ آخَرُونَ: الطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ أجْرَدَ لا يُنْبِتُ شَجَرًا، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: الطُورُ: الجَبَلُ بِالسِرْيانِيَّةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ما حَكاهُ في العَرَبِيَّةِ يَقْضِي عَلى هَذا، ولا خِلافَ أنْ في الشامِ جَبَلًا يُسَمّى بِالطُورِ، وهو طُورُ سَيْناءَ، فَقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، إذْ قَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى الجِبالِ أنِّي مُهْبِطٌ عَلى أحَدِكم أمْرِي - يُرِيدُ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَتَطاوَلَتْ كُلُّها إلّا الطَوْرَ فَإنَّهُ اسْتَكانَ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وقالَ: حَسْبِيَ اللهُ، فَأهْبَطَ اللهُ تَعالى الأمْرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ بِمَدْيَنَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هُما طَوْرانِ. و"الكِتاب المَسْطُورُ" مَعْناهُ بِإجْماعٍ: المَكْتُوبُ أسْطارًا، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الكِتابِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكِتابُ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ لِلْمَلائِكَةِ لِتَعْرِفَ مِنهُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ وتَصْرِفُهُ في العالَمِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ في رَقٍّ مَنشُورٍ، وقالَ آخَرُونَ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى (p-٨٦)بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ، التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، وقالَ الفَرّاءُ -فِيما حَكى الرُمّانِيُّ -: أقْسَمَ بِالصُحُفِ الَّتِي تُعْطى وتُؤْخَذُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ، وقالَ قَوْمٌ: أقْسَمَ بِالكِتابِ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وهو الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وكَتَبَ بَعْضُ الناسِ "مَصْطُورٍ" بِالصادِّ، والقَصْدُ بِذَلِكَ تَشابُهُ النُطْقِ بِالحُرُوفِ، والجُمْهُورُ عَلى السِينِ. و"الرِقُّ": الوَرَقُ المُعَدَّةُ لِلْكُتُبِ، وهي مُرَقَّقَةٌ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ رِقًّا، وقَدْ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ عَلى هَذا الَّذِي هو مِن جُلُودِ الحَيَوانِ، و"المَنشُورِ" خِلافُ المَطْوِيِّ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَشْرُهُ بِمَعْنى بِشْرِهِ وتَرْقِيقِهِ وصَنْعَتِهِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فِي رِقٍّ" بِكَسْرِ الراءِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "البَيْتِ المَعْمُورِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: هي الكَعْبَةُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْتٌ في السَماءِ يُقالُ لَهُ الضِراحُ، وهو بِحِيالِ الكَعْبَةِ، ويُقالُ: الضَرِيحُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ "هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلُّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، آخِرَ ما عَلَيْهِمْ"،» وبِهَذا عِمارَتُهُ، ويُرْوى أنَّهُ في السَماءِ السابِعَةِ، وقِيلَ: السادِسَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقابِلُ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ لَسَقَطَ عَلَيْها، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وهي كُلُّها عَلى خَطٍّ مَعَ الكَعْبَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. و"السَقْفُ المَرْفُوعُ": السَماءُ، و"السَقْفُ" طُولٌ في انْحِناءٍ، ومِنهُ أُسْقُفُ النَصارى، ومِنهُ السَقْفُ، لِأنَّ الجِدارَ وسَقْفُهُ فِيهِما طُولٌ في انْحِناءٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في "المَسْجُورِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ: المَوْقِدُ (p-٨٧)نارًا، ورُوِيَ « "أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِيَهُودِيٍّ: أيْنَ جَهَنَّمَ؟ فَقالَ هي البَحْرُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أظُنُّهُ إلّا صادِقًا، وقَرَأ: "والبَحْرِ المَسْجُورِ"، [وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"،]» قالَ الثَعْلَبِيُّ: ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا يَرْكَبَنَّ البَحْرَ إلّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهِدٌ، فَإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا، وتَحْتَ النارِ بَحْرًا» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ: « "البَحْرُ نارٌ في نارٍ".» وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُغَةِ. ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ لِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولِهَذا يَعُودُ القَوْلُ الأوَّلُ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: "سَجَّرْتُ التَنُّورَ" مَعْناهُ: مَلَأتُها بِما يَحْتَرِقُ ويَتَّقِدُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَكَذا هو مُعَرَّضٌ لِلْعِبْرَةِ، ومِن قَوْلِ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: ؎ إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَبْعَ والسَماسِما ؎ سَقَتْها رَواعِدُ مِن صَيِّفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما يَصِفُ ثَوْرًا أو عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْجُورُ هو الَّذِي (p-٨٨)ذَهَبَ ماؤُهُ، فالمَسْجُورُ: الفارِغُ، ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُغَةِ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقِيلَ: يُوقِدُ البَحْرَ نارًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَذَلِكَ السَجْرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ، وهى القِلادَةُ مِن عُودٍ أو حَدِيدٍ الَّتِي تُمْسِكُهُ، وكَذَلِكَ لَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسِكُ لَفاضَ عَلى الأرْضِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: البَحْرُ المُقْسَمُ بِهِ هو في السَماءِ تَحْتَ العَرْشِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ بَحْرُ الدُنْيا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى هو القَسَمُ بِجَهَنَّمَ، وسَمّاها بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّجِها، كَما قالَ ﷺ في الفَرَسِ: « "وَإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا".» والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ويُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ قَتادَةُ، والعامِلُ في "يَوْمَ" هُوَ"واقِعٌ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "دافِعٍ"، والأوَّلُ أبْيَنُ، قالَ مَكِّيٌّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ "دافِعٍ"، قَوْلُهُ تَعالى: "تَمُورُ" مَعْناهُ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ بِالرِياحِ مُتَقَطِّعَةً مُتَفَتِّتَةً، والغُبارُ المَوّارُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ ويَذْهَبُ ويَجِيءُ بِالرِيحِ، ثُمَّ هو كُلُّهُ إلى الذَهابِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا" يَصِفُ سَنَةَ قَحْطٍ، وأنْشَدَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: ؎ .............. ∗∗∗ مَوْرُ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-٨٩)أرادَ مُضِيَّها. وقالَ الضَحّاكُ: "تَمُورُ"؛ تَمُوجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَشَقَّقُ، وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ السَماءَ العالِيَةَ يَعْتَرِيها هَذا كُلُّهُ. وسَيْرُ الجِبالِ هو في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَتَفَتَّتْ أثْناءَ السَيْرِ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا كالعِهْنِ المَنفُوشِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوَيْلٌ" عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وهي تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ وإثْباتَ الوَيْلِ لِلْمُكَذِّبِينَ، و"الوَيْلُ": السُوءُ والمَشَقَّةُ والهَمُّ الأطْوَلُ، ويُرْوى أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى: ويْلًا و"الخَوْضُ": التَخَبُّطُ في الأباطِيلِ، يُشَبَّهُ بِخَوْضِ الماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِن "يَوْمَئِذٍ"، و"يُدَعُّونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ في أعْناقِهِمْ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ وتَعْتَعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُخْتَصَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ"، وإخْبارُهم بِهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ،: "يَوْمَ يَدْعُونَ" مِنَ الدُعاءِ، بِسُكُونِ الدالِ وفَتْحِ العَيْنِ.

الطور 52:11

(p-٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُورِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والرُواةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والطُورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ هَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أقْسَمَ اللهُ بِها تَنْبِيهًا مِنها وتَشْرِيفًا، ولِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ النَظَرِ فِيها والِاعْتِبارَ بِها، وذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلى التَوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعالى. و"الطُورِ"، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: كُلُّ جَبَلٍ طُورٌ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى أقْسَمَ بِالجِبالِ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ آخَرُونَ: الطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ أجْرَدَ لا يُنْبِتُ شَجَرًا، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: الطُورُ: الجَبَلُ بِالسِرْيانِيَّةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ما حَكاهُ في العَرَبِيَّةِ يَقْضِي عَلى هَذا، ولا خِلافَ أنْ في الشامِ جَبَلًا يُسَمّى بِالطُورِ، وهو طُورُ سَيْناءَ، فَقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، إذْ قَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى الجِبالِ أنِّي مُهْبِطٌ عَلى أحَدِكم أمْرِي - يُرِيدُ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَتَطاوَلَتْ كُلُّها إلّا الطَوْرَ فَإنَّهُ اسْتَكانَ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وقالَ: حَسْبِيَ اللهُ، فَأهْبَطَ اللهُ تَعالى الأمْرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ بِمَدْيَنَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هُما طَوْرانِ. و"الكِتاب المَسْطُورُ" مَعْناهُ بِإجْماعٍ: المَكْتُوبُ أسْطارًا، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الكِتابِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكِتابُ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ لِلْمَلائِكَةِ لِتَعْرِفَ مِنهُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ وتَصْرِفُهُ في العالَمِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ في رَقٍّ مَنشُورٍ، وقالَ آخَرُونَ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى (p-٨٦)بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ، التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، وقالَ الفَرّاءُ -فِيما حَكى الرُمّانِيُّ -: أقْسَمَ بِالصُحُفِ الَّتِي تُعْطى وتُؤْخَذُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ، وقالَ قَوْمٌ: أقْسَمَ بِالكِتابِ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وهو الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وكَتَبَ بَعْضُ الناسِ "مَصْطُورٍ" بِالصادِّ، والقَصْدُ بِذَلِكَ تَشابُهُ النُطْقِ بِالحُرُوفِ، والجُمْهُورُ عَلى السِينِ. و"الرِقُّ": الوَرَقُ المُعَدَّةُ لِلْكُتُبِ، وهي مُرَقَّقَةٌ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ رِقًّا، وقَدْ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ عَلى هَذا الَّذِي هو مِن جُلُودِ الحَيَوانِ، و"المَنشُورِ" خِلافُ المَطْوِيِّ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَشْرُهُ بِمَعْنى بِشْرِهِ وتَرْقِيقِهِ وصَنْعَتِهِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فِي رِقٍّ" بِكَسْرِ الراءِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "البَيْتِ المَعْمُورِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: هي الكَعْبَةُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْتٌ في السَماءِ يُقالُ لَهُ الضِراحُ، وهو بِحِيالِ الكَعْبَةِ، ويُقالُ: الضَرِيحُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ "هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلُّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، آخِرَ ما عَلَيْهِمْ"،» وبِهَذا عِمارَتُهُ، ويُرْوى أنَّهُ في السَماءِ السابِعَةِ، وقِيلَ: السادِسَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقابِلُ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ لَسَقَطَ عَلَيْها، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وهي كُلُّها عَلى خَطٍّ مَعَ الكَعْبَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. و"السَقْفُ المَرْفُوعُ": السَماءُ، و"السَقْفُ" طُولٌ في انْحِناءٍ، ومِنهُ أُسْقُفُ النَصارى، ومِنهُ السَقْفُ، لِأنَّ الجِدارَ وسَقْفُهُ فِيهِما طُولٌ في انْحِناءٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في "المَسْجُورِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ: المَوْقِدُ (p-٨٧)نارًا، ورُوِيَ « "أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِيَهُودِيٍّ: أيْنَ جَهَنَّمَ؟ فَقالَ هي البَحْرُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أظُنُّهُ إلّا صادِقًا، وقَرَأ: "والبَحْرِ المَسْجُورِ"، [وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"،]» قالَ الثَعْلَبِيُّ: ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا يَرْكَبَنَّ البَحْرَ إلّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهِدٌ، فَإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا، وتَحْتَ النارِ بَحْرًا» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ: « "البَحْرُ نارٌ في نارٍ".» وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُغَةِ. ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ لِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولِهَذا يَعُودُ القَوْلُ الأوَّلُ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: "سَجَّرْتُ التَنُّورَ" مَعْناهُ: مَلَأتُها بِما يَحْتَرِقُ ويَتَّقِدُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَكَذا هو مُعَرَّضٌ لِلْعِبْرَةِ، ومِن قَوْلِ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: ؎ إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَبْعَ والسَماسِما ؎ سَقَتْها رَواعِدُ مِن صَيِّفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما يَصِفُ ثَوْرًا أو عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْجُورُ هو الَّذِي (p-٨٨)ذَهَبَ ماؤُهُ، فالمَسْجُورُ: الفارِغُ، ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُغَةِ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقِيلَ: يُوقِدُ البَحْرَ نارًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَذَلِكَ السَجْرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ، وهى القِلادَةُ مِن عُودٍ أو حَدِيدٍ الَّتِي تُمْسِكُهُ، وكَذَلِكَ لَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسِكُ لَفاضَ عَلى الأرْضِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: البَحْرُ المُقْسَمُ بِهِ هو في السَماءِ تَحْتَ العَرْشِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ بَحْرُ الدُنْيا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى هو القَسَمُ بِجَهَنَّمَ، وسَمّاها بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّجِها، كَما قالَ ﷺ في الفَرَسِ: « "وَإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا".» والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ويُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ قَتادَةُ، والعامِلُ في "يَوْمَ" هُوَ"واقِعٌ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "دافِعٍ"، والأوَّلُ أبْيَنُ، قالَ مَكِّيٌّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ "دافِعٍ"، قَوْلُهُ تَعالى: "تَمُورُ" مَعْناهُ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ بِالرِياحِ مُتَقَطِّعَةً مُتَفَتِّتَةً، والغُبارُ المَوّارُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ ويَذْهَبُ ويَجِيءُ بِالرِيحِ، ثُمَّ هو كُلُّهُ إلى الذَهابِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا" يَصِفُ سَنَةَ قَحْطٍ، وأنْشَدَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: ؎ .............. ∗∗∗ مَوْرُ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-٨٩)أرادَ مُضِيَّها. وقالَ الضَحّاكُ: "تَمُورُ"؛ تَمُوجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَشَقَّقُ، وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ السَماءَ العالِيَةَ يَعْتَرِيها هَذا كُلُّهُ. وسَيْرُ الجِبالِ هو في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَتَفَتَّتْ أثْناءَ السَيْرِ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا كالعِهْنِ المَنفُوشِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوَيْلٌ" عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وهي تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ وإثْباتَ الوَيْلِ لِلْمُكَذِّبِينَ، و"الوَيْلُ": السُوءُ والمَشَقَّةُ والهَمُّ الأطْوَلُ، ويُرْوى أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى: ويْلًا و"الخَوْضُ": التَخَبُّطُ في الأباطِيلِ، يُشَبَّهُ بِخَوْضِ الماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِن "يَوْمَئِذٍ"، و"يُدَعُّونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ في أعْناقِهِمْ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ وتَعْتَعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُخْتَصَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ"، وإخْبارُهم بِهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ،: "يَوْمَ يَدْعُونَ" مِنَ الدُعاءِ، بِسُكُونِ الدالِ وفَتْحِ العَيْنِ.

الطور 52:12

(p-٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُورِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والرُواةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والطُورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ هَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أقْسَمَ اللهُ بِها تَنْبِيهًا مِنها وتَشْرِيفًا، ولِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ النَظَرِ فِيها والِاعْتِبارَ بِها، وذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلى التَوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعالى. و"الطُورِ"، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: كُلُّ جَبَلٍ طُورٌ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى أقْسَمَ بِالجِبالِ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ آخَرُونَ: الطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ أجْرَدَ لا يُنْبِتُ شَجَرًا، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: الطُورُ: الجَبَلُ بِالسِرْيانِيَّةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ما حَكاهُ في العَرَبِيَّةِ يَقْضِي عَلى هَذا، ولا خِلافَ أنْ في الشامِ جَبَلًا يُسَمّى بِالطُورِ، وهو طُورُ سَيْناءَ، فَقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، إذْ قَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى الجِبالِ أنِّي مُهْبِطٌ عَلى أحَدِكم أمْرِي - يُرِيدُ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَتَطاوَلَتْ كُلُّها إلّا الطَوْرَ فَإنَّهُ اسْتَكانَ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وقالَ: حَسْبِيَ اللهُ، فَأهْبَطَ اللهُ تَعالى الأمْرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ بِمَدْيَنَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هُما طَوْرانِ. و"الكِتاب المَسْطُورُ" مَعْناهُ بِإجْماعٍ: المَكْتُوبُ أسْطارًا، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الكِتابِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكِتابُ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ لِلْمَلائِكَةِ لِتَعْرِفَ مِنهُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ وتَصْرِفُهُ في العالَمِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ في رَقٍّ مَنشُورٍ، وقالَ آخَرُونَ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى (p-٨٦)بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ، التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، وقالَ الفَرّاءُ -فِيما حَكى الرُمّانِيُّ -: أقْسَمَ بِالصُحُفِ الَّتِي تُعْطى وتُؤْخَذُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ، وقالَ قَوْمٌ: أقْسَمَ بِالكِتابِ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وهو الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وكَتَبَ بَعْضُ الناسِ "مَصْطُورٍ" بِالصادِّ، والقَصْدُ بِذَلِكَ تَشابُهُ النُطْقِ بِالحُرُوفِ، والجُمْهُورُ عَلى السِينِ. و"الرِقُّ": الوَرَقُ المُعَدَّةُ لِلْكُتُبِ، وهي مُرَقَّقَةٌ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ رِقًّا، وقَدْ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ عَلى هَذا الَّذِي هو مِن جُلُودِ الحَيَوانِ، و"المَنشُورِ" خِلافُ المَطْوِيِّ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَشْرُهُ بِمَعْنى بِشْرِهِ وتَرْقِيقِهِ وصَنْعَتِهِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فِي رِقٍّ" بِكَسْرِ الراءِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "البَيْتِ المَعْمُورِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: هي الكَعْبَةُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْتٌ في السَماءِ يُقالُ لَهُ الضِراحُ، وهو بِحِيالِ الكَعْبَةِ، ويُقالُ: الضَرِيحُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ "هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلُّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، آخِرَ ما عَلَيْهِمْ"،» وبِهَذا عِمارَتُهُ، ويُرْوى أنَّهُ في السَماءِ السابِعَةِ، وقِيلَ: السادِسَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقابِلُ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ لَسَقَطَ عَلَيْها، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وهي كُلُّها عَلى خَطٍّ مَعَ الكَعْبَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. و"السَقْفُ المَرْفُوعُ": السَماءُ، و"السَقْفُ" طُولٌ في انْحِناءٍ، ومِنهُ أُسْقُفُ النَصارى، ومِنهُ السَقْفُ، لِأنَّ الجِدارَ وسَقْفُهُ فِيهِما طُولٌ في انْحِناءٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في "المَسْجُورِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ: المَوْقِدُ (p-٨٧)نارًا، ورُوِيَ « "أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِيَهُودِيٍّ: أيْنَ جَهَنَّمَ؟ فَقالَ هي البَحْرُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أظُنُّهُ إلّا صادِقًا، وقَرَأ: "والبَحْرِ المَسْجُورِ"، [وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"،]» قالَ الثَعْلَبِيُّ: ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا يَرْكَبَنَّ البَحْرَ إلّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهِدٌ، فَإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا، وتَحْتَ النارِ بَحْرًا» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ: « "البَحْرُ نارٌ في نارٍ".» وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُغَةِ. ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ لِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولِهَذا يَعُودُ القَوْلُ الأوَّلُ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: "سَجَّرْتُ التَنُّورَ" مَعْناهُ: مَلَأتُها بِما يَحْتَرِقُ ويَتَّقِدُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَكَذا هو مُعَرَّضٌ لِلْعِبْرَةِ، ومِن قَوْلِ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: ؎ إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَبْعَ والسَماسِما ؎ سَقَتْها رَواعِدُ مِن صَيِّفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما يَصِفُ ثَوْرًا أو عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْجُورُ هو الَّذِي (p-٨٨)ذَهَبَ ماؤُهُ، فالمَسْجُورُ: الفارِغُ، ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُغَةِ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقِيلَ: يُوقِدُ البَحْرَ نارًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَذَلِكَ السَجْرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ، وهى القِلادَةُ مِن عُودٍ أو حَدِيدٍ الَّتِي تُمْسِكُهُ، وكَذَلِكَ لَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسِكُ لَفاضَ عَلى الأرْضِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: البَحْرُ المُقْسَمُ بِهِ هو في السَماءِ تَحْتَ العَرْشِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ بَحْرُ الدُنْيا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى هو القَسَمُ بِجَهَنَّمَ، وسَمّاها بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّجِها، كَما قالَ ﷺ في الفَرَسِ: « "وَإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا".» والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ويُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ قَتادَةُ، والعامِلُ في "يَوْمَ" هُوَ"واقِعٌ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "دافِعٍ"، والأوَّلُ أبْيَنُ، قالَ مَكِّيٌّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ "دافِعٍ"، قَوْلُهُ تَعالى: "تَمُورُ" مَعْناهُ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ بِالرِياحِ مُتَقَطِّعَةً مُتَفَتِّتَةً، والغُبارُ المَوّارُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ ويَذْهَبُ ويَجِيءُ بِالرِيحِ، ثُمَّ هو كُلُّهُ إلى الذَهابِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا" يَصِفُ سَنَةَ قَحْطٍ، وأنْشَدَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: ؎ .............. ∗∗∗ مَوْرُ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-٨٩)أرادَ مُضِيَّها. وقالَ الضَحّاكُ: "تَمُورُ"؛ تَمُوجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَشَقَّقُ، وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ السَماءَ العالِيَةَ يَعْتَرِيها هَذا كُلُّهُ. وسَيْرُ الجِبالِ هو في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَتَفَتَّتْ أثْناءَ السَيْرِ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا كالعِهْنِ المَنفُوشِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوَيْلٌ" عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وهي تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ وإثْباتَ الوَيْلِ لِلْمُكَذِّبِينَ، و"الوَيْلُ": السُوءُ والمَشَقَّةُ والهَمُّ الأطْوَلُ، ويُرْوى أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى: ويْلًا و"الخَوْضُ": التَخَبُّطُ في الأباطِيلِ، يُشَبَّهُ بِخَوْضِ الماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِن "يَوْمَئِذٍ"، و"يُدَعُّونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ في أعْناقِهِمْ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ وتَعْتَعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُخْتَصَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ"، وإخْبارُهم بِهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ،: "يَوْمَ يَدْعُونَ" مِنَ الدُعاءِ، بِسُكُونِ الدالِ وفَتْحِ العَيْنِ.

الطور 52:13

(p-٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُورِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والرُواةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والطُورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ هَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أقْسَمَ اللهُ بِها تَنْبِيهًا مِنها وتَشْرِيفًا، ولِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ النَظَرِ فِيها والِاعْتِبارَ بِها، وذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلى التَوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعالى. و"الطُورِ"، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: كُلُّ جَبَلٍ طُورٌ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى أقْسَمَ بِالجِبالِ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ آخَرُونَ: الطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ أجْرَدَ لا يُنْبِتُ شَجَرًا، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: الطُورُ: الجَبَلُ بِالسِرْيانِيَّةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ما حَكاهُ في العَرَبِيَّةِ يَقْضِي عَلى هَذا، ولا خِلافَ أنْ في الشامِ جَبَلًا يُسَمّى بِالطُورِ، وهو طُورُ سَيْناءَ، فَقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، إذْ قَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى الجِبالِ أنِّي مُهْبِطٌ عَلى أحَدِكم أمْرِي - يُرِيدُ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَتَطاوَلَتْ كُلُّها إلّا الطَوْرَ فَإنَّهُ اسْتَكانَ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وقالَ: حَسْبِيَ اللهُ، فَأهْبَطَ اللهُ تَعالى الأمْرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ بِمَدْيَنَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هُما طَوْرانِ. و"الكِتاب المَسْطُورُ" مَعْناهُ بِإجْماعٍ: المَكْتُوبُ أسْطارًا، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الكِتابِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكِتابُ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ لِلْمَلائِكَةِ لِتَعْرِفَ مِنهُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ وتَصْرِفُهُ في العالَمِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ في رَقٍّ مَنشُورٍ، وقالَ آخَرُونَ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى (p-٨٦)بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ، التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، وقالَ الفَرّاءُ -فِيما حَكى الرُمّانِيُّ -: أقْسَمَ بِالصُحُفِ الَّتِي تُعْطى وتُؤْخَذُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ، وقالَ قَوْمٌ: أقْسَمَ بِالكِتابِ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وهو الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وكَتَبَ بَعْضُ الناسِ "مَصْطُورٍ" بِالصادِّ، والقَصْدُ بِذَلِكَ تَشابُهُ النُطْقِ بِالحُرُوفِ، والجُمْهُورُ عَلى السِينِ. و"الرِقُّ": الوَرَقُ المُعَدَّةُ لِلْكُتُبِ، وهي مُرَقَّقَةٌ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ رِقًّا، وقَدْ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ عَلى هَذا الَّذِي هو مِن جُلُودِ الحَيَوانِ، و"المَنشُورِ" خِلافُ المَطْوِيِّ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَشْرُهُ بِمَعْنى بِشْرِهِ وتَرْقِيقِهِ وصَنْعَتِهِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فِي رِقٍّ" بِكَسْرِ الراءِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "البَيْتِ المَعْمُورِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: هي الكَعْبَةُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْتٌ في السَماءِ يُقالُ لَهُ الضِراحُ، وهو بِحِيالِ الكَعْبَةِ، ويُقالُ: الضَرِيحُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ "هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلُّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، آخِرَ ما عَلَيْهِمْ"،» وبِهَذا عِمارَتُهُ، ويُرْوى أنَّهُ في السَماءِ السابِعَةِ، وقِيلَ: السادِسَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقابِلُ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ لَسَقَطَ عَلَيْها، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وهي كُلُّها عَلى خَطٍّ مَعَ الكَعْبَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. و"السَقْفُ المَرْفُوعُ": السَماءُ، و"السَقْفُ" طُولٌ في انْحِناءٍ، ومِنهُ أُسْقُفُ النَصارى، ومِنهُ السَقْفُ، لِأنَّ الجِدارَ وسَقْفُهُ فِيهِما طُولٌ في انْحِناءٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في "المَسْجُورِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ: المَوْقِدُ (p-٨٧)نارًا، ورُوِيَ « "أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِيَهُودِيٍّ: أيْنَ جَهَنَّمَ؟ فَقالَ هي البَحْرُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أظُنُّهُ إلّا صادِقًا، وقَرَأ: "والبَحْرِ المَسْجُورِ"، [وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"،]» قالَ الثَعْلَبِيُّ: ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا يَرْكَبَنَّ البَحْرَ إلّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهِدٌ، فَإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا، وتَحْتَ النارِ بَحْرًا» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ: « "البَحْرُ نارٌ في نارٍ".» وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُغَةِ. ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ لِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولِهَذا يَعُودُ القَوْلُ الأوَّلُ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: "سَجَّرْتُ التَنُّورَ" مَعْناهُ: مَلَأتُها بِما يَحْتَرِقُ ويَتَّقِدُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَكَذا هو مُعَرَّضٌ لِلْعِبْرَةِ، ومِن قَوْلِ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: ؎ إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَبْعَ والسَماسِما ؎ سَقَتْها رَواعِدُ مِن صَيِّفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما يَصِفُ ثَوْرًا أو عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْجُورُ هو الَّذِي (p-٨٨)ذَهَبَ ماؤُهُ، فالمَسْجُورُ: الفارِغُ، ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُغَةِ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقِيلَ: يُوقِدُ البَحْرَ نارًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَذَلِكَ السَجْرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ، وهى القِلادَةُ مِن عُودٍ أو حَدِيدٍ الَّتِي تُمْسِكُهُ، وكَذَلِكَ لَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسِكُ لَفاضَ عَلى الأرْضِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: البَحْرُ المُقْسَمُ بِهِ هو في السَماءِ تَحْتَ العَرْشِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ بَحْرُ الدُنْيا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى هو القَسَمُ بِجَهَنَّمَ، وسَمّاها بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّجِها، كَما قالَ ﷺ في الفَرَسِ: « "وَإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا".» والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ويُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ قَتادَةُ، والعامِلُ في "يَوْمَ" هُوَ"واقِعٌ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "دافِعٍ"، والأوَّلُ أبْيَنُ، قالَ مَكِّيٌّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ "دافِعٍ"، قَوْلُهُ تَعالى: "تَمُورُ" مَعْناهُ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ بِالرِياحِ مُتَقَطِّعَةً مُتَفَتِّتَةً، والغُبارُ المَوّارُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ ويَذْهَبُ ويَجِيءُ بِالرِيحِ، ثُمَّ هو كُلُّهُ إلى الذَهابِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا" يَصِفُ سَنَةَ قَحْطٍ، وأنْشَدَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: ؎ .............. ∗∗∗ مَوْرُ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-٨٩)أرادَ مُضِيَّها. وقالَ الضَحّاكُ: "تَمُورُ"؛ تَمُوجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَشَقَّقُ، وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ السَماءَ العالِيَةَ يَعْتَرِيها هَذا كُلُّهُ. وسَيْرُ الجِبالِ هو في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَتَفَتَّتْ أثْناءَ السَيْرِ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا كالعِهْنِ المَنفُوشِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوَيْلٌ" عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وهي تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ وإثْباتَ الوَيْلِ لِلْمُكَذِّبِينَ، و"الوَيْلُ": السُوءُ والمَشَقَّةُ والهَمُّ الأطْوَلُ، ويُرْوى أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى: ويْلًا و"الخَوْضُ": التَخَبُّطُ في الأباطِيلِ، يُشَبَّهُ بِخَوْضِ الماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِن "يَوْمَئِذٍ"، و"يُدَعُّونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ في أعْناقِهِمْ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ وتَعْتَعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُخْتَصَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ"، وإخْبارُهم بِهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ،: "يَوْمَ يَدْعُونَ" مِنَ الدُعاءِ، بِسُكُونِ الدالِ وفَتْحِ العَيْنِ.

الطور 52:14

(p-٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُورِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والرُواةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿والطُورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ هَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أقْسَمَ اللهُ بِها تَنْبِيهًا مِنها وتَشْرِيفًا، ولِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ النَظَرِ فِيها والِاعْتِبارَ بِها، وذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلى التَوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعالى. و"الطُورِ"، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: كُلُّ جَبَلٍ طُورٌ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى أقْسَمَ بِالجِبالِ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ آخَرُونَ: الطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ أجْرَدَ لا يُنْبِتُ شَجَرًا، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: الطُورُ: الجَبَلُ بِالسِرْيانِيَّةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ما حَكاهُ في العَرَبِيَّةِ يَقْضِي عَلى هَذا، ولا خِلافَ أنْ في الشامِ جَبَلًا يُسَمّى بِالطُورِ، وهو طُورُ سَيْناءَ، فَقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، إذْ قَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى الجِبالِ أنِّي مُهْبِطٌ عَلى أحَدِكم أمْرِي - يُرِيدُ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَتَطاوَلَتْ كُلُّها إلّا الطَوْرَ فَإنَّهُ اسْتَكانَ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وقالَ: حَسْبِيَ اللهُ، فَأهْبَطَ اللهُ تَعالى الأمْرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ بِمَدْيَنَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هُما طَوْرانِ. و"الكِتاب المَسْطُورُ" مَعْناهُ بِإجْماعٍ: المَكْتُوبُ أسْطارًا، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الكِتابِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكِتابُ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ لِلْمَلائِكَةِ لِتَعْرِفَ مِنهُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ وتَصْرِفُهُ في العالَمِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ في رَقٍّ مَنشُورٍ، وقالَ آخَرُونَ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى (p-٨٦)بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ، التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، وقالَ الفَرّاءُ -فِيما حَكى الرُمّانِيُّ -: أقْسَمَ بِالصُحُفِ الَّتِي تُعْطى وتُؤْخَذُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ، وقالَ قَوْمٌ: أقْسَمَ بِالكِتابِ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وهو الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وكَتَبَ بَعْضُ الناسِ "مَصْطُورٍ" بِالصادِّ، والقَصْدُ بِذَلِكَ تَشابُهُ النُطْقِ بِالحُرُوفِ، والجُمْهُورُ عَلى السِينِ. و"الرِقُّ": الوَرَقُ المُعَدَّةُ لِلْكُتُبِ، وهي مُرَقَّقَةٌ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ رِقًّا، وقَدْ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ عَلى هَذا الَّذِي هو مِن جُلُودِ الحَيَوانِ، و"المَنشُورِ" خِلافُ المَطْوِيِّ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَشْرُهُ بِمَعْنى بِشْرِهِ وتَرْقِيقِهِ وصَنْعَتِهِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فِي رِقٍّ" بِكَسْرِ الراءِ. واخْتَلَفَ الناسُ في "البَيْتِ المَعْمُورِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: هي الكَعْبَةُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْتٌ في السَماءِ يُقالُ لَهُ الضِراحُ، وهو بِحِيالِ الكَعْبَةِ، ويُقالُ: الضَرِيحُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ "هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلُّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، آخِرَ ما عَلَيْهِمْ"،» وبِهَذا عِمارَتُهُ، ويُرْوى أنَّهُ في السَماءِ السابِعَةِ، وقِيلَ: السادِسَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقابِلُ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ لَسَقَطَ عَلَيْها، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وهي كُلُّها عَلى خَطٍّ مَعَ الكَعْبَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. و"السَقْفُ المَرْفُوعُ": السَماءُ، و"السَقْفُ" طُولٌ في انْحِناءٍ، ومِنهُ أُسْقُفُ النَصارى، ومِنهُ السَقْفُ، لِأنَّ الجِدارَ وسَقْفُهُ فِيهِما طُولٌ في انْحِناءٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في "المَسْجُورِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ: المَوْقِدُ (p-٨٧)نارًا، ورُوِيَ « "أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِيَهُودِيٍّ: أيْنَ جَهَنَّمَ؟ فَقالَ هي البَحْرُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أظُنُّهُ إلّا صادِقًا، وقَرَأ: "والبَحْرِ المَسْجُورِ"، [وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"،]» قالَ الثَعْلَبِيُّ: ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا يَرْكَبَنَّ البَحْرَ إلّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهِدٌ، فَإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا، وتَحْتَ النارِ بَحْرًا» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ: « "البَحْرُ نارٌ في نارٍ".» وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُغَةِ. ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ لِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولِهَذا يَعُودُ القَوْلُ الأوَّلُ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: "سَجَّرْتُ التَنُّورَ" مَعْناهُ: مَلَأتُها بِما يَحْتَرِقُ ويَتَّقِدُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَكَذا هو مُعَرَّضٌ لِلْعِبْرَةِ، ومِن قَوْلِ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: ؎ إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَبْعَ والسَماسِما ؎ سَقَتْها رَواعِدُ مِن صَيِّفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما يَصِفُ ثَوْرًا أو عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْجُورُ هو الَّذِي (p-٨٨)ذَهَبَ ماؤُهُ، فالمَسْجُورُ: الفارِغُ، ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُغَةِ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقِيلَ: يُوقِدُ البَحْرَ نارًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَذَلِكَ السَجْرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ، وهى القِلادَةُ مِن عُودٍ أو حَدِيدٍ الَّتِي تُمْسِكُهُ، وكَذَلِكَ لَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسِكُ لَفاضَ عَلى الأرْضِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: البَحْرُ المُقْسَمُ بِهِ هو في السَماءِ تَحْتَ العَرْشِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ بَحْرُ الدُنْيا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى هو القَسَمُ بِجَهَنَّمَ، وسَمّاها بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّجِها، كَما قالَ ﷺ في الفَرَسِ: « "وَإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا".» والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ويُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ قَتادَةُ، والعامِلُ في "يَوْمَ" هُوَ"واقِعٌ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "دافِعٍ"، والأوَّلُ أبْيَنُ، قالَ مَكِّيٌّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ "دافِعٍ"، قَوْلُهُ تَعالى: "تَمُورُ" مَعْناهُ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ بِالرِياحِ مُتَقَطِّعَةً مُتَفَتِّتَةً، والغُبارُ المَوّارُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ ويَذْهَبُ ويَجِيءُ بِالرِيحِ، ثُمَّ هو كُلُّهُ إلى الذَهابِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا" يَصِفُ سَنَةَ قَحْطٍ، وأنْشَدَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: ؎ .............. ∗∗∗ مَوْرُ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ (p-٨٩)أرادَ مُضِيَّها. وقالَ الضَحّاكُ: "تَمُورُ"؛ تَمُوجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَشَقَّقُ، وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ السَماءَ العالِيَةَ يَعْتَرِيها هَذا كُلُّهُ. وسَيْرُ الجِبالِ هو في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَتَفَتَّتْ أثْناءَ السَيْرِ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا كالعِهْنِ المَنفُوشِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوَيْلٌ" عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وهي تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ وإثْباتَ الوَيْلِ لِلْمُكَذِّبِينَ، و"الوَيْلُ": السُوءُ والمَشَقَّةُ والهَمُّ الأطْوَلُ، ويُرْوى أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى: ويْلًا و"الخَوْضُ": التَخَبُّطُ في الأباطِيلِ، يُشَبَّهُ بِخَوْضِ الماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِن "يَوْمَئِذٍ"، و"يُدَعُّونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ في أعْناقِهِمْ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ وتَعْتَعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُخْتَصَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ"، وإخْبارُهم بِهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ،: "يَوْمَ يَدْعُونَ" مِنَ الدُعاءِ، بِسُكُونِ الدالِ وفَتْحِ العَيْنِ.

الطور 52:15

قوله عزّ وجلّ: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ (p-٩٠)لِما قِيلَ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ" وقَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الجِهَتَيْنِ الَّتِي يُمَكِّنُ مِنهُما دُخُولُ الشَكِّ في أنَّها النارُ، وهُما: إمّا أنْ يَكُونَ ثُمَّ سِحْرٌ يُلَبِّسُ ذاتَ المَرْئِي، وإمّا أنْ يَكُونَ في بَصَرِ الناظِرِ اخْتِلالٌ، وأمْرُهم بِصَلْيِها عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ قِيلَ لَهم عَلى جِهَةِ قَطْعِ رَجائِهِمْ: ﴿فاصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: عَذابُكم حَتْمٌ، فَسَواءٌ جَزْعُكم وصَبْرُكُمْ، لا بُدَّ مِن جَزاءِ أعْمالِكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ الآيَةُ... يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابَ أهْلِ النارِ فَيَكُونُ إخْبارُهم بِذَلِكَ زِيادَةً في غَمِّهِمْ وسُوءِ حالِهِمْ، ويُحْتَمَلُ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنْ يَكُونَ إخْبارًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ ومُعاصِرِيهِ، لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ عَذابِ الكَفّار عَقَّبَ ذَلِكَ بِنَعِيمِ المُتَّقِينَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ ويَقَعَ التَحْرِيضُ عَلى الإيمانِ. و"المُتَّقُونَ" هُنا مُتَّقُو الشِرْكِ لِأنَّهم لا بُدَّ مِن مَصِيرِهِمْ إلى الجَنّاتِ وكُلَّما زادَتِ الدَرَجَةُ في التَقْوى قَوِيَ الحُصُولُ في حُكْمِ الآيَةِ حَتّى أنَّ المُتَّقِينَ عَلى الإطْلاقِ هم في حُكْمِ الآيَةِ قَطْعًا عَلى اللهِ تَعالى بِحُكْمِ خَبَرِهِ الصادِقِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فاكِهِينَ"، فَرِحِينَ مَسْرُورِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِن بابِ "لِابْنٍ وتامِرٍ" أيْ: لَهم فاكِهَةٌ، قالَ القاضِي والمَعْنى الأوَّلُ أبْرَعُ، وقَرَأ خالِدٌ فِيما حَكى أبُو حاتِمٍ: "فاكِهِينَ"، والفَكِهُ والفاكِهُ: المَسْرُورُ المُتَنَعِّمُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ أيْ: مِن إنْعامِهِ ورِضاهُ عنهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾، هَذا مُتَمَكِّنٌ في مُتَّقِي المَعاصِي الَّذِي لا يَدْخُلُ النارَ، ويَكُونُ في مُتَّقِي الشِرْكِ الَّذِي يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ بِمَعْنى: ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الخُلُودِ في الجَحِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الجَحِيمِ" مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ بِمَأْوًى لِلْعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، بَلْ هي مُخَصَّصَةٌ لِلْكَفَرَةِ، فَهم وإنْ عُذِّبُوا في نارٍ فَلَيْسُوا في عَذابِ الجَحِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَوَقاهُمْ" بِتَخْفِيفِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَشْدِيدِها عَلى المُبالَغَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوِقايَةِ وهي الحائِلُ بَيْنَ الشَيْءِ وبَيْنَ ما يَضُرُّهُ. والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا﴾، و"هَنِيئًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مَعْناهُ أنَّ رُتَبَ الجَنَّةِ ونَعِيمَها هي بِحَسَبِ الأعْمالِ، وأمّا نَفْسُ دُخُولِها فَهو بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وتَغَمُّدِهِ، والأكْلُ والشُرْبُ والتَهَنِّي لَيْسَ مِنَ الدُخُولِ في شَيْءٍ، وأعْمالُ العِبادِ الصالِحَةِ لا تُوجِبُ عَلى اللهِ تَعالى التَنْعِيمَ إيجابًا، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ جَعَلَها أمارَةً عَلى مَن (p-٩١)سَبَقَ في عِلْمِهِ تَنْعِيمُهُ، وعَلَّقَ الثَوابَ والعِقابَ بِالتَكَسُّبِ الَّذِي في الأعْمالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مُتَّكِئِينَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: "فاكِهِينَ"، والعامِلُ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ الفِعْلُ مُقَدَّرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِي جَنّاتٍ"، ويَجُوزُ غَيْرُ هَذا، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "عَلى سُرُرٍ" بِفَتْحِ الراءِ الأُولى و"زَوَّجْناهُمْ" مَعْناهُ: جَعَلْنا لِكُلِّ فَرْدٍ مِنهم زَوْجًا، و"الحُورُ" جَمْعُ حَوْراءَ، وهي البَيْضاءُ القَوِيَّةُ بَياضَ بَياضِ العَيْنِ وسَوادَ سَوادِها، و"العَيْنُ" جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الكَسِيرَةُ العَيْنَيْنِ مَعَ جَمالِهِما، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمَ النَخْعِيِّ: "وَزَوَّجْناهم بِعَيْسٍ عِينٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: العَيْساءُ: البَيْضاءُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَزَوَّجْناهم حُورًا عِينًا"، وحَكى أبُو عَمْرٍو عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ: "بِعِيسٍ عَيْنٍ" عَلى إضافَةِ "عِيسٍ" إلى "عَيْنٍ".

الطور 52:16

قوله عزّ وجلّ: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ (p-٩٠)لِما قِيلَ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ" وقَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الجِهَتَيْنِ الَّتِي يُمَكِّنُ مِنهُما دُخُولُ الشَكِّ في أنَّها النارُ، وهُما: إمّا أنْ يَكُونَ ثُمَّ سِحْرٌ يُلَبِّسُ ذاتَ المَرْئِي، وإمّا أنْ يَكُونَ في بَصَرِ الناظِرِ اخْتِلالٌ، وأمْرُهم بِصَلْيِها عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ قِيلَ لَهم عَلى جِهَةِ قَطْعِ رَجائِهِمْ: ﴿فاصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: عَذابُكم حَتْمٌ، فَسَواءٌ جَزْعُكم وصَبْرُكُمْ، لا بُدَّ مِن جَزاءِ أعْمالِكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ الآيَةُ... يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابَ أهْلِ النارِ فَيَكُونُ إخْبارُهم بِذَلِكَ زِيادَةً في غَمِّهِمْ وسُوءِ حالِهِمْ، ويُحْتَمَلُ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنْ يَكُونَ إخْبارًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ ومُعاصِرِيهِ، لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ عَذابِ الكَفّار عَقَّبَ ذَلِكَ بِنَعِيمِ المُتَّقِينَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ ويَقَعَ التَحْرِيضُ عَلى الإيمانِ. و"المُتَّقُونَ" هُنا مُتَّقُو الشِرْكِ لِأنَّهم لا بُدَّ مِن مَصِيرِهِمْ إلى الجَنّاتِ وكُلَّما زادَتِ الدَرَجَةُ في التَقْوى قَوِيَ الحُصُولُ في حُكْمِ الآيَةِ حَتّى أنَّ المُتَّقِينَ عَلى الإطْلاقِ هم في حُكْمِ الآيَةِ قَطْعًا عَلى اللهِ تَعالى بِحُكْمِ خَبَرِهِ الصادِقِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فاكِهِينَ"، فَرِحِينَ مَسْرُورِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِن بابِ "لِابْنٍ وتامِرٍ" أيْ: لَهم فاكِهَةٌ، قالَ القاضِي والمَعْنى الأوَّلُ أبْرَعُ، وقَرَأ خالِدٌ فِيما حَكى أبُو حاتِمٍ: "فاكِهِينَ"، والفَكِهُ والفاكِهُ: المَسْرُورُ المُتَنَعِّمُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ أيْ: مِن إنْعامِهِ ورِضاهُ عنهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾، هَذا مُتَمَكِّنٌ في مُتَّقِي المَعاصِي الَّذِي لا يَدْخُلُ النارَ، ويَكُونُ في مُتَّقِي الشِرْكِ الَّذِي يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ بِمَعْنى: ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الخُلُودِ في الجَحِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الجَحِيمِ" مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ بِمَأْوًى لِلْعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، بَلْ هي مُخَصَّصَةٌ لِلْكَفَرَةِ، فَهم وإنْ عُذِّبُوا في نارٍ فَلَيْسُوا في عَذابِ الجَحِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَوَقاهُمْ" بِتَخْفِيفِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَشْدِيدِها عَلى المُبالَغَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوِقايَةِ وهي الحائِلُ بَيْنَ الشَيْءِ وبَيْنَ ما يَضُرُّهُ. والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا﴾، و"هَنِيئًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مَعْناهُ أنَّ رُتَبَ الجَنَّةِ ونَعِيمَها هي بِحَسَبِ الأعْمالِ، وأمّا نَفْسُ دُخُولِها فَهو بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وتَغَمُّدِهِ، والأكْلُ والشُرْبُ والتَهَنِّي لَيْسَ مِنَ الدُخُولِ في شَيْءٍ، وأعْمالُ العِبادِ الصالِحَةِ لا تُوجِبُ عَلى اللهِ تَعالى التَنْعِيمَ إيجابًا، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ جَعَلَها أمارَةً عَلى مَن (p-٩١)سَبَقَ في عِلْمِهِ تَنْعِيمُهُ، وعَلَّقَ الثَوابَ والعِقابَ بِالتَكَسُّبِ الَّذِي في الأعْمالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مُتَّكِئِينَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: "فاكِهِينَ"، والعامِلُ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ الفِعْلُ مُقَدَّرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِي جَنّاتٍ"، ويَجُوزُ غَيْرُ هَذا، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "عَلى سُرُرٍ" بِفَتْحِ الراءِ الأُولى و"زَوَّجْناهُمْ" مَعْناهُ: جَعَلْنا لِكُلِّ فَرْدٍ مِنهم زَوْجًا، و"الحُورُ" جَمْعُ حَوْراءَ، وهي البَيْضاءُ القَوِيَّةُ بَياضَ بَياضِ العَيْنِ وسَوادَ سَوادِها، و"العَيْنُ" جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الكَسِيرَةُ العَيْنَيْنِ مَعَ جَمالِهِما، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمَ النَخْعِيِّ: "وَزَوَّجْناهم بِعَيْسٍ عِينٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: العَيْساءُ: البَيْضاءُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَزَوَّجْناهم حُورًا عِينًا"، وحَكى أبُو عَمْرٍو عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ: "بِعِيسٍ عَيْنٍ" عَلى إضافَةِ "عِيسٍ" إلى "عَيْنٍ".

الطور 52:17

قوله عزّ وجلّ: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ (p-٩٠)لِما قِيلَ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ" وقَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الجِهَتَيْنِ الَّتِي يُمَكِّنُ مِنهُما دُخُولُ الشَكِّ في أنَّها النارُ، وهُما: إمّا أنْ يَكُونَ ثُمَّ سِحْرٌ يُلَبِّسُ ذاتَ المَرْئِي، وإمّا أنْ يَكُونَ في بَصَرِ الناظِرِ اخْتِلالٌ، وأمْرُهم بِصَلْيِها عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ قِيلَ لَهم عَلى جِهَةِ قَطْعِ رَجائِهِمْ: ﴿فاصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: عَذابُكم حَتْمٌ، فَسَواءٌ جَزْعُكم وصَبْرُكُمْ، لا بُدَّ مِن جَزاءِ أعْمالِكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ الآيَةُ... يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابَ أهْلِ النارِ فَيَكُونُ إخْبارُهم بِذَلِكَ زِيادَةً في غَمِّهِمْ وسُوءِ حالِهِمْ، ويُحْتَمَلُ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنْ يَكُونَ إخْبارًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ ومُعاصِرِيهِ، لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ عَذابِ الكَفّار عَقَّبَ ذَلِكَ بِنَعِيمِ المُتَّقِينَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ ويَقَعَ التَحْرِيضُ عَلى الإيمانِ. و"المُتَّقُونَ" هُنا مُتَّقُو الشِرْكِ لِأنَّهم لا بُدَّ مِن مَصِيرِهِمْ إلى الجَنّاتِ وكُلَّما زادَتِ الدَرَجَةُ في التَقْوى قَوِيَ الحُصُولُ في حُكْمِ الآيَةِ حَتّى أنَّ المُتَّقِينَ عَلى الإطْلاقِ هم في حُكْمِ الآيَةِ قَطْعًا عَلى اللهِ تَعالى بِحُكْمِ خَبَرِهِ الصادِقِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فاكِهِينَ"، فَرِحِينَ مَسْرُورِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِن بابِ "لِابْنٍ وتامِرٍ" أيْ: لَهم فاكِهَةٌ، قالَ القاضِي والمَعْنى الأوَّلُ أبْرَعُ، وقَرَأ خالِدٌ فِيما حَكى أبُو حاتِمٍ: "فاكِهِينَ"، والفَكِهُ والفاكِهُ: المَسْرُورُ المُتَنَعِّمُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ أيْ: مِن إنْعامِهِ ورِضاهُ عنهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾، هَذا مُتَمَكِّنٌ في مُتَّقِي المَعاصِي الَّذِي لا يَدْخُلُ النارَ، ويَكُونُ في مُتَّقِي الشِرْكِ الَّذِي يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ بِمَعْنى: ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الخُلُودِ في الجَحِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الجَحِيمِ" مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ بِمَأْوًى لِلْعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، بَلْ هي مُخَصَّصَةٌ لِلْكَفَرَةِ، فَهم وإنْ عُذِّبُوا في نارٍ فَلَيْسُوا في عَذابِ الجَحِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَوَقاهُمْ" بِتَخْفِيفِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَشْدِيدِها عَلى المُبالَغَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوِقايَةِ وهي الحائِلُ بَيْنَ الشَيْءِ وبَيْنَ ما يَضُرُّهُ. والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا﴾، و"هَنِيئًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مَعْناهُ أنَّ رُتَبَ الجَنَّةِ ونَعِيمَها هي بِحَسَبِ الأعْمالِ، وأمّا نَفْسُ دُخُولِها فَهو بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وتَغَمُّدِهِ، والأكْلُ والشُرْبُ والتَهَنِّي لَيْسَ مِنَ الدُخُولِ في شَيْءٍ، وأعْمالُ العِبادِ الصالِحَةِ لا تُوجِبُ عَلى اللهِ تَعالى التَنْعِيمَ إيجابًا، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ جَعَلَها أمارَةً عَلى مَن (p-٩١)سَبَقَ في عِلْمِهِ تَنْعِيمُهُ، وعَلَّقَ الثَوابَ والعِقابَ بِالتَكَسُّبِ الَّذِي في الأعْمالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مُتَّكِئِينَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: "فاكِهِينَ"، والعامِلُ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ الفِعْلُ مُقَدَّرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِي جَنّاتٍ"، ويَجُوزُ غَيْرُ هَذا، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "عَلى سُرُرٍ" بِفَتْحِ الراءِ الأُولى و"زَوَّجْناهُمْ" مَعْناهُ: جَعَلْنا لِكُلِّ فَرْدٍ مِنهم زَوْجًا، و"الحُورُ" جَمْعُ حَوْراءَ، وهي البَيْضاءُ القَوِيَّةُ بَياضَ بَياضِ العَيْنِ وسَوادَ سَوادِها، و"العَيْنُ" جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الكَسِيرَةُ العَيْنَيْنِ مَعَ جَمالِهِما، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمَ النَخْعِيِّ: "وَزَوَّجْناهم بِعَيْسٍ عِينٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: العَيْساءُ: البَيْضاءُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَزَوَّجْناهم حُورًا عِينًا"، وحَكى أبُو عَمْرٍو عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ: "بِعِيسٍ عَيْنٍ" عَلى إضافَةِ "عِيسٍ" إلى "عَيْنٍ".

الطور 52:18

قوله عزّ وجلّ: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ (p-٩٠)لِما قِيلَ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ" وقَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الجِهَتَيْنِ الَّتِي يُمَكِّنُ مِنهُما دُخُولُ الشَكِّ في أنَّها النارُ، وهُما: إمّا أنْ يَكُونَ ثُمَّ سِحْرٌ يُلَبِّسُ ذاتَ المَرْئِي، وإمّا أنْ يَكُونَ في بَصَرِ الناظِرِ اخْتِلالٌ، وأمْرُهم بِصَلْيِها عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ قِيلَ لَهم عَلى جِهَةِ قَطْعِ رَجائِهِمْ: ﴿فاصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: عَذابُكم حَتْمٌ، فَسَواءٌ جَزْعُكم وصَبْرُكُمْ، لا بُدَّ مِن جَزاءِ أعْمالِكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ الآيَةُ... يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابَ أهْلِ النارِ فَيَكُونُ إخْبارُهم بِذَلِكَ زِيادَةً في غَمِّهِمْ وسُوءِ حالِهِمْ، ويُحْتَمَلُ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنْ يَكُونَ إخْبارًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ ومُعاصِرِيهِ، لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ عَذابِ الكَفّار عَقَّبَ ذَلِكَ بِنَعِيمِ المُتَّقِينَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ ويَقَعَ التَحْرِيضُ عَلى الإيمانِ. و"المُتَّقُونَ" هُنا مُتَّقُو الشِرْكِ لِأنَّهم لا بُدَّ مِن مَصِيرِهِمْ إلى الجَنّاتِ وكُلَّما زادَتِ الدَرَجَةُ في التَقْوى قَوِيَ الحُصُولُ في حُكْمِ الآيَةِ حَتّى أنَّ المُتَّقِينَ عَلى الإطْلاقِ هم في حُكْمِ الآيَةِ قَطْعًا عَلى اللهِ تَعالى بِحُكْمِ خَبَرِهِ الصادِقِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فاكِهِينَ"، فَرِحِينَ مَسْرُورِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِن بابِ "لِابْنٍ وتامِرٍ" أيْ: لَهم فاكِهَةٌ، قالَ القاضِي والمَعْنى الأوَّلُ أبْرَعُ، وقَرَأ خالِدٌ فِيما حَكى أبُو حاتِمٍ: "فاكِهِينَ"، والفَكِهُ والفاكِهُ: المَسْرُورُ المُتَنَعِّمُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ أيْ: مِن إنْعامِهِ ورِضاهُ عنهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾، هَذا مُتَمَكِّنٌ في مُتَّقِي المَعاصِي الَّذِي لا يَدْخُلُ النارَ، ويَكُونُ في مُتَّقِي الشِرْكِ الَّذِي يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ بِمَعْنى: ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الخُلُودِ في الجَحِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الجَحِيمِ" مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ بِمَأْوًى لِلْعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، بَلْ هي مُخَصَّصَةٌ لِلْكَفَرَةِ، فَهم وإنْ عُذِّبُوا في نارٍ فَلَيْسُوا في عَذابِ الجَحِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَوَقاهُمْ" بِتَخْفِيفِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَشْدِيدِها عَلى المُبالَغَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوِقايَةِ وهي الحائِلُ بَيْنَ الشَيْءِ وبَيْنَ ما يَضُرُّهُ. والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا﴾، و"هَنِيئًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مَعْناهُ أنَّ رُتَبَ الجَنَّةِ ونَعِيمَها هي بِحَسَبِ الأعْمالِ، وأمّا نَفْسُ دُخُولِها فَهو بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وتَغَمُّدِهِ، والأكْلُ والشُرْبُ والتَهَنِّي لَيْسَ مِنَ الدُخُولِ في شَيْءٍ، وأعْمالُ العِبادِ الصالِحَةِ لا تُوجِبُ عَلى اللهِ تَعالى التَنْعِيمَ إيجابًا، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ جَعَلَها أمارَةً عَلى مَن (p-٩١)سَبَقَ في عِلْمِهِ تَنْعِيمُهُ، وعَلَّقَ الثَوابَ والعِقابَ بِالتَكَسُّبِ الَّذِي في الأعْمالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مُتَّكِئِينَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: "فاكِهِينَ"، والعامِلُ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ الفِعْلُ مُقَدَّرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِي جَنّاتٍ"، ويَجُوزُ غَيْرُ هَذا، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "عَلى سُرُرٍ" بِفَتْحِ الراءِ الأُولى و"زَوَّجْناهُمْ" مَعْناهُ: جَعَلْنا لِكُلِّ فَرْدٍ مِنهم زَوْجًا، و"الحُورُ" جَمْعُ حَوْراءَ، وهي البَيْضاءُ القَوِيَّةُ بَياضَ بَياضِ العَيْنِ وسَوادَ سَوادِها، و"العَيْنُ" جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الكَسِيرَةُ العَيْنَيْنِ مَعَ جَمالِهِما، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمَ النَخْعِيِّ: "وَزَوَّجْناهم بِعَيْسٍ عِينٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: العَيْساءُ: البَيْضاءُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَزَوَّجْناهم حُورًا عِينًا"، وحَكى أبُو عَمْرٍو عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ: "بِعِيسٍ عَيْنٍ" عَلى إضافَةِ "عِيسٍ" إلى "عَيْنٍ".

الطور 52:19

قوله عزّ وجلّ: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ (p-٩٠)لِما قِيلَ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ" وقَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الجِهَتَيْنِ الَّتِي يُمَكِّنُ مِنهُما دُخُولُ الشَكِّ في أنَّها النارُ، وهُما: إمّا أنْ يَكُونَ ثُمَّ سِحْرٌ يُلَبِّسُ ذاتَ المَرْئِي، وإمّا أنْ يَكُونَ في بَصَرِ الناظِرِ اخْتِلالٌ، وأمْرُهم بِصَلْيِها عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ قِيلَ لَهم عَلى جِهَةِ قَطْعِ رَجائِهِمْ: ﴿فاصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: عَذابُكم حَتْمٌ، فَسَواءٌ جَزْعُكم وصَبْرُكُمْ، لا بُدَّ مِن جَزاءِ أعْمالِكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ الآيَةُ... يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابَ أهْلِ النارِ فَيَكُونُ إخْبارُهم بِذَلِكَ زِيادَةً في غَمِّهِمْ وسُوءِ حالِهِمْ، ويُحْتَمَلُ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنْ يَكُونَ إخْبارًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ ومُعاصِرِيهِ، لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ عَذابِ الكَفّار عَقَّبَ ذَلِكَ بِنَعِيمِ المُتَّقِينَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ ويَقَعَ التَحْرِيضُ عَلى الإيمانِ. و"المُتَّقُونَ" هُنا مُتَّقُو الشِرْكِ لِأنَّهم لا بُدَّ مِن مَصِيرِهِمْ إلى الجَنّاتِ وكُلَّما زادَتِ الدَرَجَةُ في التَقْوى قَوِيَ الحُصُولُ في حُكْمِ الآيَةِ حَتّى أنَّ المُتَّقِينَ عَلى الإطْلاقِ هم في حُكْمِ الآيَةِ قَطْعًا عَلى اللهِ تَعالى بِحُكْمِ خَبَرِهِ الصادِقِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فاكِهِينَ"، فَرِحِينَ مَسْرُورِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِن بابِ "لِابْنٍ وتامِرٍ" أيْ: لَهم فاكِهَةٌ، قالَ القاضِي والمَعْنى الأوَّلُ أبْرَعُ، وقَرَأ خالِدٌ فِيما حَكى أبُو حاتِمٍ: "فاكِهِينَ"، والفَكِهُ والفاكِهُ: المَسْرُورُ المُتَنَعِّمُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ أيْ: مِن إنْعامِهِ ورِضاهُ عنهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾، هَذا مُتَمَكِّنٌ في مُتَّقِي المَعاصِي الَّذِي لا يَدْخُلُ النارَ، ويَكُونُ في مُتَّقِي الشِرْكِ الَّذِي يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ بِمَعْنى: ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الخُلُودِ في الجَحِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الجَحِيمِ" مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ بِمَأْوًى لِلْعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، بَلْ هي مُخَصَّصَةٌ لِلْكَفَرَةِ، فَهم وإنْ عُذِّبُوا في نارٍ فَلَيْسُوا في عَذابِ الجَحِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَوَقاهُمْ" بِتَخْفِيفِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَشْدِيدِها عَلى المُبالَغَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوِقايَةِ وهي الحائِلُ بَيْنَ الشَيْءِ وبَيْنَ ما يَضُرُّهُ. والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا﴾، و"هَنِيئًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مَعْناهُ أنَّ رُتَبَ الجَنَّةِ ونَعِيمَها هي بِحَسَبِ الأعْمالِ، وأمّا نَفْسُ دُخُولِها فَهو بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وتَغَمُّدِهِ، والأكْلُ والشُرْبُ والتَهَنِّي لَيْسَ مِنَ الدُخُولِ في شَيْءٍ، وأعْمالُ العِبادِ الصالِحَةِ لا تُوجِبُ عَلى اللهِ تَعالى التَنْعِيمَ إيجابًا، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ جَعَلَها أمارَةً عَلى مَن (p-٩١)سَبَقَ في عِلْمِهِ تَنْعِيمُهُ، وعَلَّقَ الثَوابَ والعِقابَ بِالتَكَسُّبِ الَّذِي في الأعْمالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مُتَّكِئِينَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: "فاكِهِينَ"، والعامِلُ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ الفِعْلُ مُقَدَّرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِي جَنّاتٍ"، ويَجُوزُ غَيْرُ هَذا، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "عَلى سُرُرٍ" بِفَتْحِ الراءِ الأُولى و"زَوَّجْناهُمْ" مَعْناهُ: جَعَلْنا لِكُلِّ فَرْدٍ مِنهم زَوْجًا، و"الحُورُ" جَمْعُ حَوْراءَ، وهي البَيْضاءُ القَوِيَّةُ بَياضَ بَياضِ العَيْنِ وسَوادَ سَوادِها، و"العَيْنُ" جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الكَسِيرَةُ العَيْنَيْنِ مَعَ جَمالِهِما، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمَ النَخْعِيِّ: "وَزَوَّجْناهم بِعَيْسٍ عِينٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: العَيْساءُ: البَيْضاءُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَزَوَّجْناهم حُورًا عِينًا"، وحَكى أبُو عَمْرٍو عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ: "بِعِيسٍ عَيْنٍ" عَلى إضافَةِ "عِيسٍ" إلى "عَيْنٍ".

الطور 52:20

قوله عزّ وجلّ: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ (p-٩٠)لِما قِيلَ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ" وقَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الجِهَتَيْنِ الَّتِي يُمَكِّنُ مِنهُما دُخُولُ الشَكِّ في أنَّها النارُ، وهُما: إمّا أنْ يَكُونَ ثُمَّ سِحْرٌ يُلَبِّسُ ذاتَ المَرْئِي، وإمّا أنْ يَكُونَ في بَصَرِ الناظِرِ اخْتِلالٌ، وأمْرُهم بِصَلْيِها عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ قِيلَ لَهم عَلى جِهَةِ قَطْعِ رَجائِهِمْ: ﴿فاصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: عَذابُكم حَتْمٌ، فَسَواءٌ جَزْعُكم وصَبْرُكُمْ، لا بُدَّ مِن جَزاءِ أعْمالِكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ الآيَةُ... يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابَ أهْلِ النارِ فَيَكُونُ إخْبارُهم بِذَلِكَ زِيادَةً في غَمِّهِمْ وسُوءِ حالِهِمْ، ويُحْتَمَلُ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنْ يَكُونَ إخْبارًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ ومُعاصِرِيهِ، لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ عَذابِ الكَفّار عَقَّبَ ذَلِكَ بِنَعِيمِ المُتَّقِينَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ ويَقَعَ التَحْرِيضُ عَلى الإيمانِ. و"المُتَّقُونَ" هُنا مُتَّقُو الشِرْكِ لِأنَّهم لا بُدَّ مِن مَصِيرِهِمْ إلى الجَنّاتِ وكُلَّما زادَتِ الدَرَجَةُ في التَقْوى قَوِيَ الحُصُولُ في حُكْمِ الآيَةِ حَتّى أنَّ المُتَّقِينَ عَلى الإطْلاقِ هم في حُكْمِ الآيَةِ قَطْعًا عَلى اللهِ تَعالى بِحُكْمِ خَبَرِهِ الصادِقِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فاكِهِينَ"، فَرِحِينَ مَسْرُورِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِن بابِ "لِابْنٍ وتامِرٍ" أيْ: لَهم فاكِهَةٌ، قالَ القاضِي والمَعْنى الأوَّلُ أبْرَعُ، وقَرَأ خالِدٌ فِيما حَكى أبُو حاتِمٍ: "فاكِهِينَ"، والفَكِهُ والفاكِهُ: المَسْرُورُ المُتَنَعِّمُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ أيْ: مِن إنْعامِهِ ورِضاهُ عنهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾، هَذا مُتَمَكِّنٌ في مُتَّقِي المَعاصِي الَّذِي لا يَدْخُلُ النارَ، ويَكُونُ في مُتَّقِي الشِرْكِ الَّذِي يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ بِمَعْنى: ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الخُلُودِ في الجَحِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الجَحِيمِ" مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ بِمَأْوًى لِلْعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، بَلْ هي مُخَصَّصَةٌ لِلْكَفَرَةِ، فَهم وإنْ عُذِّبُوا في نارٍ فَلَيْسُوا في عَذابِ الجَحِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَوَقاهُمْ" بِتَخْفِيفِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَشْدِيدِها عَلى المُبالَغَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوِقايَةِ وهي الحائِلُ بَيْنَ الشَيْءِ وبَيْنَ ما يَضُرُّهُ. والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا﴾، و"هَنِيئًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مَعْناهُ أنَّ رُتَبَ الجَنَّةِ ونَعِيمَها هي بِحَسَبِ الأعْمالِ، وأمّا نَفْسُ دُخُولِها فَهو بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وتَغَمُّدِهِ، والأكْلُ والشُرْبُ والتَهَنِّي لَيْسَ مِنَ الدُخُولِ في شَيْءٍ، وأعْمالُ العِبادِ الصالِحَةِ لا تُوجِبُ عَلى اللهِ تَعالى التَنْعِيمَ إيجابًا، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ جَعَلَها أمارَةً عَلى مَن (p-٩١)سَبَقَ في عِلْمِهِ تَنْعِيمُهُ، وعَلَّقَ الثَوابَ والعِقابَ بِالتَكَسُّبِ الَّذِي في الأعْمالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مُتَّكِئِينَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: "فاكِهِينَ"، والعامِلُ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ الفِعْلُ مُقَدَّرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِي جَنّاتٍ"، ويَجُوزُ غَيْرُ هَذا، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "عَلى سُرُرٍ" بِفَتْحِ الراءِ الأُولى و"زَوَّجْناهُمْ" مَعْناهُ: جَعَلْنا لِكُلِّ فَرْدٍ مِنهم زَوْجًا، و"الحُورُ" جَمْعُ حَوْراءَ، وهي البَيْضاءُ القَوِيَّةُ بَياضَ بَياضِ العَيْنِ وسَوادَ سَوادِها، و"العَيْنُ" جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الكَسِيرَةُ العَيْنَيْنِ مَعَ جَمالِهِما، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمَ النَخْعِيِّ: "وَزَوَّجْناهم بِعَيْسٍ عِينٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: العَيْساءُ: البَيْضاءُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَزَوَّجْناهم حُورًا عِينًا"، وحَكى أبُو عَمْرٍو عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ: "بِعِيسٍ عَيْنٍ" عَلى إضافَةِ "عِيسٍ" إلى "عَيْنٍ".

الطور 52:21

قوله عزّ وجلّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَمُومِ﴾ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَحِيمُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأهْلُ مَكَّةَ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ -بِخِلافٍ عنهُ - وأبُو عَمْرٍو - بِخِلافٍ عنهُ وشَيْبَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى: " واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، ورَوى خارِجَةُ عنهُ مِثْلَ قِراءَةِ حَمْزَةَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: "وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان أحلقنا بهم ذرياتهم" وقَرَأ أبُو عَمْرو، والأعْرَج، وأبُو رَجاء، والشَعْبِيّ، وابْن جُبَيْر، والضَحّاك: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، فَلِكَوْنِ "الذُرِّيَّةِ" (p-٩٢)جَمْعًا في نَفْسِهِ حَسُنَ الإفْرادُ في هَذِهِ القِراءاتِ، ولِكَوْنِ المَعْنى يَقْتَضِي انْتِشارًا أو كَثْرَةً حَسُنُ جَمْعُ الذُرِّيَّةِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "ذُرِّيّاتِهِمْ". واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الآيَةِ - قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجُمْهُورُ: أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ المُؤْمِنَيْنِ اللَذِينَ تَتَّبِعُهم ذُرِّيَّتُهم في الإيمانِ فَيَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ كَآبائِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في التَقْوى والأعْمالِ كالآباءِ، فَإنَّهُ يُلْحِقُ الأبْناءَ بِمَراتِبِ أُولَئِكَ الآباءِ كَرامَةً لِلْآباءِ، وقَدْ ورَدَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، فَجَعَلُوا الحَدِيثَ تَفْسِيرَ الآيَةِ، وكَذَلِكَ ورَدَتْ أحادِيثُ تَقْتَضِي أنَّ اللهَ تَعالى يَرْحَمُ الآباءَ رَعْيًا لِلْأبْناءِ الصالِحِينَ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى إخْراجِ هَذا المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا بِأنْ نَجْعَلَ اسْمَ "الذُرِّيَّةِ" بِمَثابَةِ نَوْعِهِمْ عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]، وفي هَذا نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَحّاكُ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يُلْحِقُ الأبْناءَ الصِغارَ بِأحْكامِ الآباءِ المُؤْمِنِينَ في المُوارَثَةِ والدَفْنِ في قُبُورِ الإسْلامِ، وفي أحْكامِ الآخِرَةِ في الجَنَّةِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ في الكِبارِ مِنَ الذُرِّيَّةِ ولَيْسَ فِيها مِنَ الصِغارِ شَيْءٌ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي في الصِغارِ لا في الكِبارِ، وحَكى الطَبَرِيُّ قَوْلًا مَعْناهُ أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِهِمْ" عائِدٌ عَلى الذُرِّيَّةِ، والضَمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ في "ذُرِّيّاتِهِمْ" عائِدٌ عَلى "الَّذِينَ"، أيْ: اتَّبَعَهُمُ الكِبارُ وألْحَقْنا نَحْنُ بِالكِبارِ الصِغارَ، وهَذا قَوْلٌ مُسْتَكْرَهٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإيمانٍ" هو في مَوْضِعِ الحالِ، فَمَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الصِغارِ (p-٩٣)فالحالُ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "اتَّبَعَتْهُمْ"، فَهو مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ومَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الكِبارِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحالُ مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّبِعِينَ الفاعِلِينَ، وأرْجَحُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في صِفَةِ إحْسانِ اللهِ تَعالى إلى أهْلِ الجَنَّةِ، فَذَكَرَ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِ أنَّهُ يَرْعى المُحْسِنَ في المُسِيءِ، ولَفْظَةُ "ألْحَقْنا" تَقْتَضِي أنَّ لِلْمُلْحَقِ بَعْضُ التَقْصِيرِ في الأعْمالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ، مَن "ألَتَ" وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو يَحْيى، وشِبْلُ: "ألَتْناهُمْ" مِن "ألِتَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "وَما ألَتْناهُمْ"عَلى وزْنِ أفْعَلْناهُمْ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "لِتْناهُمْ" مِن "لاتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُصَرِّفٍ، ورَواها القَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وتَحْتَمِلُ قِراءَةَ مَن قَرَأ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ أنْ تَكُونَ مِن "ألاتَ" فَإنَّهُ يُقالُ: ألاتَ يُلِيتُ إلاتَةً، ولاتَ يَلِيتُ لَيْتًا، وآلَتَ يُؤْلِتُ إيلاتًا، وألَتَ يَأْلِتُ، وألِتَ يَأْلِتُ ولْتًا، كُلُّها بِمَعْنى بَعْض. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَلْحَقُ المُقَصِّرَ بِالمُحْسِنِ ولا يَنْقُصُ المُحْسِنَ مَن أجْرِهِ شَيْئًا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ والجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أنْ يُرِيدَ: مِن عَمَلِهِمُ الحَسَنَ والقَبِيحَ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "عَمَلِهِمْ" عائِدًا عَلى الأبْناءِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، ويُحَسِّنُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾، والرَهِينُ: المُرْتَهِنُ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: "وَما لَتْناهُمْ" بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. و"أمْدَدْتُ الشَيْءَ" إذا سَيَّرْتَ إلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ يُكَثِّرُهُ أو يَكْثُرُ لَدَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ مِن أنَّ المُنْعِمَ إذا اشْتَهى لَحْمًا نَزَلَ ذَلِكَ الحَيَوانُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي اشْتَهاهُ فِيها، ولَيْسَ يَكُونُ في الجَنَّةِ لَحْمٌ يَخْتَرُ، ولا يَتَكَلَّفُ فِيهِ الذَبْحُ والسَلْخُ والطَبْخُ، وبِالجُمْلَةِ لا كُلْفَةَ في الجَنَّةِ. (p-٩٤)وَ"يَتَنازَعُونَ" مَعْناهُ: يَتَعاطَوْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎ نازَعْتَهُ طَيِّبَ الراحِ الشُمُولِ وقَدْ صاحَ الدَجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السارِي و"الكَأْسُ": الإناءُ وفِيهِ الشَرابُ، ولا يُقالُ في فارِغٍ "كَأْسٌ"، قالَهُ الزَجّاجُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَبْعَةِ وغَيْرُهُمْ: "لا لَغْوٌ" بِالرَفْعِ "وَلا تَأْثِيمٌ" كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "فِيها" هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وأغْنى خَبَرُ الأوَّلِ عن ذِكْرِ خَبَرِ الثانِي، و"اللَغْوُ": السَقْطُ مِنَ القَوْلِ، و"التَأْثِيمُ" يَلْحَقُ خَمْرَ الدُنْيا في نَفْسِ شُرْبِها وفي الأفْعالِ الَّتِي تَكُونُ مِن شَرابِها، وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَفِعٌ في الآخِرَةِ. و"اللُؤْلُؤُ المَكْنُونُ" أجْمَلُ اللُؤْلُؤِ لِأنَّ الصَوْنَ والَكِنَّ يُحْسِنُهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ أنَّهُ الَّذِي في الصُدَفِ لَمْ تَنَلْهُ الأيْدِي، «وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إذا كانَ الغِلْمانُ كاللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ فَكَيْفَ المَخْدُومُونَ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "هم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ"،» ثُمَّ وصَفَ تَعالى عنهم أنَّهم في جُمْلَةِ تَنَعُّمِهِمْ يَتَساءَلُونَ، عن أحْوالِهِمْ وما نالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، وأنَّهم يَتَذَكَّرُونَ حالَ الدُنْيا وخَشْيَتَهم فِيها عَذابُ الآخِرَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: تَساؤُلُهم إذا بَعَثُوا في النَفْخَةِ الثانِيَةِ، و"الإشْفاقُ" أشَدُّ الخَشْيَةِ ورِقَّةُ القَلْبِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَوَقّانا" بِشَدِّ القافِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِها، (p-٩٥)وَأمالَ عِيسى الثَقَفِيُّ "وَقانا" بِتَخْفِيفِ القافِ، و"السَمُومِ": الحارُّ، قالَ الرُمّانِيُّ: هو الَّذِي يَبْلُغُ مَسامَّ الإنْسانِ، وهو النارُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ يُقالُ في حَرِّ الشَمْسِ وفي الرِيحِ: سُمُومٌ. وقالَ الحَسَنُ: السَمُومُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. و"نَدْعُوهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: نَعْبُدُهُ، ويُحْسِنُ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ -بِخِلافٍ- والكِسائِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، والحَسَنِ، وأبِي نَوْفَلٍ، أيْ: مِن أجْلِ أنَّهُ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ، والأعْرَجُ، وجَماعَةٌ: "إنَّهُ" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، ويَحْسُنُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى نَعْبُدُهُ، أو بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ، ومَن رَأى "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: "أنَّهُ" بِالفَتْحِ هو نَفْسُ الدُعاءِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا، و"البَرُّ" هو الَّذِي يَبِرُّ ويُحْسِنُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ؎ جاءَتْ مِنَ البِيضِ زُعْرًا لا لِباسَ لَها ∗∗∗ إلّا الدِهاسُ وأُمٌّ بَرَّةٌ وأبُ

الطور 52:22

قوله عزّ وجلّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَمُومِ﴾ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَحِيمُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأهْلُ مَكَّةَ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ -بِخِلافٍ عنهُ - وأبُو عَمْرٍو - بِخِلافٍ عنهُ وشَيْبَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى: " واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، ورَوى خارِجَةُ عنهُ مِثْلَ قِراءَةِ حَمْزَةَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: "وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان أحلقنا بهم ذرياتهم" وقَرَأ أبُو عَمْرو، والأعْرَج، وأبُو رَجاء، والشَعْبِيّ، وابْن جُبَيْر، والضَحّاك: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، فَلِكَوْنِ "الذُرِّيَّةِ" (p-٩٢)جَمْعًا في نَفْسِهِ حَسُنَ الإفْرادُ في هَذِهِ القِراءاتِ، ولِكَوْنِ المَعْنى يَقْتَضِي انْتِشارًا أو كَثْرَةً حَسُنُ جَمْعُ الذُرِّيَّةِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "ذُرِّيّاتِهِمْ". واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الآيَةِ - قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجُمْهُورُ: أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ المُؤْمِنَيْنِ اللَذِينَ تَتَّبِعُهم ذُرِّيَّتُهم في الإيمانِ فَيَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ كَآبائِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في التَقْوى والأعْمالِ كالآباءِ، فَإنَّهُ يُلْحِقُ الأبْناءَ بِمَراتِبِ أُولَئِكَ الآباءِ كَرامَةً لِلْآباءِ، وقَدْ ورَدَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، فَجَعَلُوا الحَدِيثَ تَفْسِيرَ الآيَةِ، وكَذَلِكَ ورَدَتْ أحادِيثُ تَقْتَضِي أنَّ اللهَ تَعالى يَرْحَمُ الآباءَ رَعْيًا لِلْأبْناءِ الصالِحِينَ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى إخْراجِ هَذا المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا بِأنْ نَجْعَلَ اسْمَ "الذُرِّيَّةِ" بِمَثابَةِ نَوْعِهِمْ عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]، وفي هَذا نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَحّاكُ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يُلْحِقُ الأبْناءَ الصِغارَ بِأحْكامِ الآباءِ المُؤْمِنِينَ في المُوارَثَةِ والدَفْنِ في قُبُورِ الإسْلامِ، وفي أحْكامِ الآخِرَةِ في الجَنَّةِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ في الكِبارِ مِنَ الذُرِّيَّةِ ولَيْسَ فِيها مِنَ الصِغارِ شَيْءٌ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي في الصِغارِ لا في الكِبارِ، وحَكى الطَبَرِيُّ قَوْلًا مَعْناهُ أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِهِمْ" عائِدٌ عَلى الذُرِّيَّةِ، والضَمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ في "ذُرِّيّاتِهِمْ" عائِدٌ عَلى "الَّذِينَ"، أيْ: اتَّبَعَهُمُ الكِبارُ وألْحَقْنا نَحْنُ بِالكِبارِ الصِغارَ، وهَذا قَوْلٌ مُسْتَكْرَهٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإيمانٍ" هو في مَوْضِعِ الحالِ، فَمَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الصِغارِ (p-٩٣)فالحالُ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "اتَّبَعَتْهُمْ"، فَهو مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ومَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الكِبارِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحالُ مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّبِعِينَ الفاعِلِينَ، وأرْجَحُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في صِفَةِ إحْسانِ اللهِ تَعالى إلى أهْلِ الجَنَّةِ، فَذَكَرَ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِ أنَّهُ يَرْعى المُحْسِنَ في المُسِيءِ، ولَفْظَةُ "ألْحَقْنا" تَقْتَضِي أنَّ لِلْمُلْحَقِ بَعْضُ التَقْصِيرِ في الأعْمالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ، مَن "ألَتَ" وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو يَحْيى، وشِبْلُ: "ألَتْناهُمْ" مِن "ألِتَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "وَما ألَتْناهُمْ"عَلى وزْنِ أفْعَلْناهُمْ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "لِتْناهُمْ" مِن "لاتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُصَرِّفٍ، ورَواها القَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وتَحْتَمِلُ قِراءَةَ مَن قَرَأ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ أنْ تَكُونَ مِن "ألاتَ" فَإنَّهُ يُقالُ: ألاتَ يُلِيتُ إلاتَةً، ولاتَ يَلِيتُ لَيْتًا، وآلَتَ يُؤْلِتُ إيلاتًا، وألَتَ يَأْلِتُ، وألِتَ يَأْلِتُ ولْتًا، كُلُّها بِمَعْنى بَعْض. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَلْحَقُ المُقَصِّرَ بِالمُحْسِنِ ولا يَنْقُصُ المُحْسِنَ مَن أجْرِهِ شَيْئًا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ والجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أنْ يُرِيدَ: مِن عَمَلِهِمُ الحَسَنَ والقَبِيحَ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "عَمَلِهِمْ" عائِدًا عَلى الأبْناءِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، ويُحَسِّنُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾، والرَهِينُ: المُرْتَهِنُ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: "وَما لَتْناهُمْ" بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. و"أمْدَدْتُ الشَيْءَ" إذا سَيَّرْتَ إلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ يُكَثِّرُهُ أو يَكْثُرُ لَدَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ مِن أنَّ المُنْعِمَ إذا اشْتَهى لَحْمًا نَزَلَ ذَلِكَ الحَيَوانُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي اشْتَهاهُ فِيها، ولَيْسَ يَكُونُ في الجَنَّةِ لَحْمٌ يَخْتَرُ، ولا يَتَكَلَّفُ فِيهِ الذَبْحُ والسَلْخُ والطَبْخُ، وبِالجُمْلَةِ لا كُلْفَةَ في الجَنَّةِ. (p-٩٤)وَ"يَتَنازَعُونَ" مَعْناهُ: يَتَعاطَوْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎ نازَعْتَهُ طَيِّبَ الراحِ الشُمُولِ وقَدْ صاحَ الدَجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السارِي و"الكَأْسُ": الإناءُ وفِيهِ الشَرابُ، ولا يُقالُ في فارِغٍ "كَأْسٌ"، قالَهُ الزَجّاجُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَبْعَةِ وغَيْرُهُمْ: "لا لَغْوٌ" بِالرَفْعِ "وَلا تَأْثِيمٌ" كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "فِيها" هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وأغْنى خَبَرُ الأوَّلِ عن ذِكْرِ خَبَرِ الثانِي، و"اللَغْوُ": السَقْطُ مِنَ القَوْلِ، و"التَأْثِيمُ" يَلْحَقُ خَمْرَ الدُنْيا في نَفْسِ شُرْبِها وفي الأفْعالِ الَّتِي تَكُونُ مِن شَرابِها، وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَفِعٌ في الآخِرَةِ. و"اللُؤْلُؤُ المَكْنُونُ" أجْمَلُ اللُؤْلُؤِ لِأنَّ الصَوْنَ والَكِنَّ يُحْسِنُهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ أنَّهُ الَّذِي في الصُدَفِ لَمْ تَنَلْهُ الأيْدِي، «وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إذا كانَ الغِلْمانُ كاللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ فَكَيْفَ المَخْدُومُونَ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "هم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ"،» ثُمَّ وصَفَ تَعالى عنهم أنَّهم في جُمْلَةِ تَنَعُّمِهِمْ يَتَساءَلُونَ، عن أحْوالِهِمْ وما نالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، وأنَّهم يَتَذَكَّرُونَ حالَ الدُنْيا وخَشْيَتَهم فِيها عَذابُ الآخِرَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: تَساؤُلُهم إذا بَعَثُوا في النَفْخَةِ الثانِيَةِ، و"الإشْفاقُ" أشَدُّ الخَشْيَةِ ورِقَّةُ القَلْبِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَوَقّانا" بِشَدِّ القافِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِها، (p-٩٥)وَأمالَ عِيسى الثَقَفِيُّ "وَقانا" بِتَخْفِيفِ القافِ، و"السَمُومِ": الحارُّ، قالَ الرُمّانِيُّ: هو الَّذِي يَبْلُغُ مَسامَّ الإنْسانِ، وهو النارُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ يُقالُ في حَرِّ الشَمْسِ وفي الرِيحِ: سُمُومٌ. وقالَ الحَسَنُ: السَمُومُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. و"نَدْعُوهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: نَعْبُدُهُ، ويُحْسِنُ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ -بِخِلافٍ- والكِسائِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، والحَسَنِ، وأبِي نَوْفَلٍ، أيْ: مِن أجْلِ أنَّهُ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ، والأعْرَجُ، وجَماعَةٌ: "إنَّهُ" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، ويَحْسُنُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى نَعْبُدُهُ، أو بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ، ومَن رَأى "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: "أنَّهُ" بِالفَتْحِ هو نَفْسُ الدُعاءِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا، و"البَرُّ" هو الَّذِي يَبِرُّ ويُحْسِنُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ؎ جاءَتْ مِنَ البِيضِ زُعْرًا لا لِباسَ لَها ∗∗∗ إلّا الدِهاسُ وأُمٌّ بَرَّةٌ وأبُ

الطور 52:23

قوله عزّ وجلّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَمُومِ﴾ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَحِيمُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأهْلُ مَكَّةَ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ -بِخِلافٍ عنهُ - وأبُو عَمْرٍو - بِخِلافٍ عنهُ وشَيْبَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى: " واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، ورَوى خارِجَةُ عنهُ مِثْلَ قِراءَةِ حَمْزَةَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: "وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان أحلقنا بهم ذرياتهم" وقَرَأ أبُو عَمْرو، والأعْرَج، وأبُو رَجاء، والشَعْبِيّ، وابْن جُبَيْر، والضَحّاك: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، فَلِكَوْنِ "الذُرِّيَّةِ" (p-٩٢)جَمْعًا في نَفْسِهِ حَسُنَ الإفْرادُ في هَذِهِ القِراءاتِ، ولِكَوْنِ المَعْنى يَقْتَضِي انْتِشارًا أو كَثْرَةً حَسُنُ جَمْعُ الذُرِّيَّةِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "ذُرِّيّاتِهِمْ". واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الآيَةِ - قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجُمْهُورُ: أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ المُؤْمِنَيْنِ اللَذِينَ تَتَّبِعُهم ذُرِّيَّتُهم في الإيمانِ فَيَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ كَآبائِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في التَقْوى والأعْمالِ كالآباءِ، فَإنَّهُ يُلْحِقُ الأبْناءَ بِمَراتِبِ أُولَئِكَ الآباءِ كَرامَةً لِلْآباءِ، وقَدْ ورَدَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، فَجَعَلُوا الحَدِيثَ تَفْسِيرَ الآيَةِ، وكَذَلِكَ ورَدَتْ أحادِيثُ تَقْتَضِي أنَّ اللهَ تَعالى يَرْحَمُ الآباءَ رَعْيًا لِلْأبْناءِ الصالِحِينَ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى إخْراجِ هَذا المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا بِأنْ نَجْعَلَ اسْمَ "الذُرِّيَّةِ" بِمَثابَةِ نَوْعِهِمْ عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]، وفي هَذا نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَحّاكُ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يُلْحِقُ الأبْناءَ الصِغارَ بِأحْكامِ الآباءِ المُؤْمِنِينَ في المُوارَثَةِ والدَفْنِ في قُبُورِ الإسْلامِ، وفي أحْكامِ الآخِرَةِ في الجَنَّةِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ في الكِبارِ مِنَ الذُرِّيَّةِ ولَيْسَ فِيها مِنَ الصِغارِ شَيْءٌ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي في الصِغارِ لا في الكِبارِ، وحَكى الطَبَرِيُّ قَوْلًا مَعْناهُ أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِهِمْ" عائِدٌ عَلى الذُرِّيَّةِ، والضَمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ في "ذُرِّيّاتِهِمْ" عائِدٌ عَلى "الَّذِينَ"، أيْ: اتَّبَعَهُمُ الكِبارُ وألْحَقْنا نَحْنُ بِالكِبارِ الصِغارَ، وهَذا قَوْلٌ مُسْتَكْرَهٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإيمانٍ" هو في مَوْضِعِ الحالِ، فَمَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الصِغارِ (p-٩٣)فالحالُ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "اتَّبَعَتْهُمْ"، فَهو مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ومَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الكِبارِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحالُ مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّبِعِينَ الفاعِلِينَ، وأرْجَحُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في صِفَةِ إحْسانِ اللهِ تَعالى إلى أهْلِ الجَنَّةِ، فَذَكَرَ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِ أنَّهُ يَرْعى المُحْسِنَ في المُسِيءِ، ولَفْظَةُ "ألْحَقْنا" تَقْتَضِي أنَّ لِلْمُلْحَقِ بَعْضُ التَقْصِيرِ في الأعْمالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ، مَن "ألَتَ" وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو يَحْيى، وشِبْلُ: "ألَتْناهُمْ" مِن "ألِتَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "وَما ألَتْناهُمْ"عَلى وزْنِ أفْعَلْناهُمْ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "لِتْناهُمْ" مِن "لاتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُصَرِّفٍ، ورَواها القَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وتَحْتَمِلُ قِراءَةَ مَن قَرَأ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ أنْ تَكُونَ مِن "ألاتَ" فَإنَّهُ يُقالُ: ألاتَ يُلِيتُ إلاتَةً، ولاتَ يَلِيتُ لَيْتًا، وآلَتَ يُؤْلِتُ إيلاتًا، وألَتَ يَأْلِتُ، وألِتَ يَأْلِتُ ولْتًا، كُلُّها بِمَعْنى بَعْض. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَلْحَقُ المُقَصِّرَ بِالمُحْسِنِ ولا يَنْقُصُ المُحْسِنَ مَن أجْرِهِ شَيْئًا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ والجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أنْ يُرِيدَ: مِن عَمَلِهِمُ الحَسَنَ والقَبِيحَ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "عَمَلِهِمْ" عائِدًا عَلى الأبْناءِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، ويُحَسِّنُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾، والرَهِينُ: المُرْتَهِنُ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: "وَما لَتْناهُمْ" بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. و"أمْدَدْتُ الشَيْءَ" إذا سَيَّرْتَ إلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ يُكَثِّرُهُ أو يَكْثُرُ لَدَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ مِن أنَّ المُنْعِمَ إذا اشْتَهى لَحْمًا نَزَلَ ذَلِكَ الحَيَوانُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي اشْتَهاهُ فِيها، ولَيْسَ يَكُونُ في الجَنَّةِ لَحْمٌ يَخْتَرُ، ولا يَتَكَلَّفُ فِيهِ الذَبْحُ والسَلْخُ والطَبْخُ، وبِالجُمْلَةِ لا كُلْفَةَ في الجَنَّةِ. (p-٩٤)وَ"يَتَنازَعُونَ" مَعْناهُ: يَتَعاطَوْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎ نازَعْتَهُ طَيِّبَ الراحِ الشُمُولِ وقَدْ صاحَ الدَجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السارِي و"الكَأْسُ": الإناءُ وفِيهِ الشَرابُ، ولا يُقالُ في فارِغٍ "كَأْسٌ"، قالَهُ الزَجّاجُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَبْعَةِ وغَيْرُهُمْ: "لا لَغْوٌ" بِالرَفْعِ "وَلا تَأْثِيمٌ" كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "فِيها" هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وأغْنى خَبَرُ الأوَّلِ عن ذِكْرِ خَبَرِ الثانِي، و"اللَغْوُ": السَقْطُ مِنَ القَوْلِ، و"التَأْثِيمُ" يَلْحَقُ خَمْرَ الدُنْيا في نَفْسِ شُرْبِها وفي الأفْعالِ الَّتِي تَكُونُ مِن شَرابِها، وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَفِعٌ في الآخِرَةِ. و"اللُؤْلُؤُ المَكْنُونُ" أجْمَلُ اللُؤْلُؤِ لِأنَّ الصَوْنَ والَكِنَّ يُحْسِنُهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ أنَّهُ الَّذِي في الصُدَفِ لَمْ تَنَلْهُ الأيْدِي، «وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إذا كانَ الغِلْمانُ كاللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ فَكَيْفَ المَخْدُومُونَ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "هم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ"،» ثُمَّ وصَفَ تَعالى عنهم أنَّهم في جُمْلَةِ تَنَعُّمِهِمْ يَتَساءَلُونَ، عن أحْوالِهِمْ وما نالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، وأنَّهم يَتَذَكَّرُونَ حالَ الدُنْيا وخَشْيَتَهم فِيها عَذابُ الآخِرَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: تَساؤُلُهم إذا بَعَثُوا في النَفْخَةِ الثانِيَةِ، و"الإشْفاقُ" أشَدُّ الخَشْيَةِ ورِقَّةُ القَلْبِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَوَقّانا" بِشَدِّ القافِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِها، (p-٩٥)وَأمالَ عِيسى الثَقَفِيُّ "وَقانا" بِتَخْفِيفِ القافِ، و"السَمُومِ": الحارُّ، قالَ الرُمّانِيُّ: هو الَّذِي يَبْلُغُ مَسامَّ الإنْسانِ، وهو النارُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ يُقالُ في حَرِّ الشَمْسِ وفي الرِيحِ: سُمُومٌ. وقالَ الحَسَنُ: السَمُومُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. و"نَدْعُوهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: نَعْبُدُهُ، ويُحْسِنُ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ -بِخِلافٍ- والكِسائِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، والحَسَنِ، وأبِي نَوْفَلٍ، أيْ: مِن أجْلِ أنَّهُ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ، والأعْرَجُ، وجَماعَةٌ: "إنَّهُ" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، ويَحْسُنُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى نَعْبُدُهُ، أو بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ، ومَن رَأى "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: "أنَّهُ" بِالفَتْحِ هو نَفْسُ الدُعاءِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا، و"البَرُّ" هو الَّذِي يَبِرُّ ويُحْسِنُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ؎ جاءَتْ مِنَ البِيضِ زُعْرًا لا لِباسَ لَها ∗∗∗ إلّا الدِهاسُ وأُمٌّ بَرَّةٌ وأبُ

الطور 52:24

قوله عزّ وجلّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَمُومِ﴾ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَحِيمُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأهْلُ مَكَّةَ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ -بِخِلافٍ عنهُ - وأبُو عَمْرٍو - بِخِلافٍ عنهُ وشَيْبَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى: " واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، ورَوى خارِجَةُ عنهُ مِثْلَ قِراءَةِ حَمْزَةَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: "وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان أحلقنا بهم ذرياتهم" وقَرَأ أبُو عَمْرو، والأعْرَج، وأبُو رَجاء، والشَعْبِيّ، وابْن جُبَيْر، والضَحّاك: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، فَلِكَوْنِ "الذُرِّيَّةِ" (p-٩٢)جَمْعًا في نَفْسِهِ حَسُنَ الإفْرادُ في هَذِهِ القِراءاتِ، ولِكَوْنِ المَعْنى يَقْتَضِي انْتِشارًا أو كَثْرَةً حَسُنُ جَمْعُ الذُرِّيَّةِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "ذُرِّيّاتِهِمْ". واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الآيَةِ - قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجُمْهُورُ: أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ المُؤْمِنَيْنِ اللَذِينَ تَتَّبِعُهم ذُرِّيَّتُهم في الإيمانِ فَيَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ كَآبائِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في التَقْوى والأعْمالِ كالآباءِ، فَإنَّهُ يُلْحِقُ الأبْناءَ بِمَراتِبِ أُولَئِكَ الآباءِ كَرامَةً لِلْآباءِ، وقَدْ ورَدَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، فَجَعَلُوا الحَدِيثَ تَفْسِيرَ الآيَةِ، وكَذَلِكَ ورَدَتْ أحادِيثُ تَقْتَضِي أنَّ اللهَ تَعالى يَرْحَمُ الآباءَ رَعْيًا لِلْأبْناءِ الصالِحِينَ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى إخْراجِ هَذا المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا بِأنْ نَجْعَلَ اسْمَ "الذُرِّيَّةِ" بِمَثابَةِ نَوْعِهِمْ عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]، وفي هَذا نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَحّاكُ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يُلْحِقُ الأبْناءَ الصِغارَ بِأحْكامِ الآباءِ المُؤْمِنِينَ في المُوارَثَةِ والدَفْنِ في قُبُورِ الإسْلامِ، وفي أحْكامِ الآخِرَةِ في الجَنَّةِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ في الكِبارِ مِنَ الذُرِّيَّةِ ولَيْسَ فِيها مِنَ الصِغارِ شَيْءٌ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي في الصِغارِ لا في الكِبارِ، وحَكى الطَبَرِيُّ قَوْلًا مَعْناهُ أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِهِمْ" عائِدٌ عَلى الذُرِّيَّةِ، والضَمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ في "ذُرِّيّاتِهِمْ" عائِدٌ عَلى "الَّذِينَ"، أيْ: اتَّبَعَهُمُ الكِبارُ وألْحَقْنا نَحْنُ بِالكِبارِ الصِغارَ، وهَذا قَوْلٌ مُسْتَكْرَهٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإيمانٍ" هو في مَوْضِعِ الحالِ، فَمَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الصِغارِ (p-٩٣)فالحالُ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "اتَّبَعَتْهُمْ"، فَهو مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ومَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الكِبارِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحالُ مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّبِعِينَ الفاعِلِينَ، وأرْجَحُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في صِفَةِ إحْسانِ اللهِ تَعالى إلى أهْلِ الجَنَّةِ، فَذَكَرَ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِ أنَّهُ يَرْعى المُحْسِنَ في المُسِيءِ، ولَفْظَةُ "ألْحَقْنا" تَقْتَضِي أنَّ لِلْمُلْحَقِ بَعْضُ التَقْصِيرِ في الأعْمالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ، مَن "ألَتَ" وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو يَحْيى، وشِبْلُ: "ألَتْناهُمْ" مِن "ألِتَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "وَما ألَتْناهُمْ"عَلى وزْنِ أفْعَلْناهُمْ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "لِتْناهُمْ" مِن "لاتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُصَرِّفٍ، ورَواها القَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وتَحْتَمِلُ قِراءَةَ مَن قَرَأ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ أنْ تَكُونَ مِن "ألاتَ" فَإنَّهُ يُقالُ: ألاتَ يُلِيتُ إلاتَةً، ولاتَ يَلِيتُ لَيْتًا، وآلَتَ يُؤْلِتُ إيلاتًا، وألَتَ يَأْلِتُ، وألِتَ يَأْلِتُ ولْتًا، كُلُّها بِمَعْنى بَعْض. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَلْحَقُ المُقَصِّرَ بِالمُحْسِنِ ولا يَنْقُصُ المُحْسِنَ مَن أجْرِهِ شَيْئًا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ والجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أنْ يُرِيدَ: مِن عَمَلِهِمُ الحَسَنَ والقَبِيحَ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "عَمَلِهِمْ" عائِدًا عَلى الأبْناءِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، ويُحَسِّنُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾، والرَهِينُ: المُرْتَهِنُ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: "وَما لَتْناهُمْ" بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. و"أمْدَدْتُ الشَيْءَ" إذا سَيَّرْتَ إلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ يُكَثِّرُهُ أو يَكْثُرُ لَدَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ مِن أنَّ المُنْعِمَ إذا اشْتَهى لَحْمًا نَزَلَ ذَلِكَ الحَيَوانُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي اشْتَهاهُ فِيها، ولَيْسَ يَكُونُ في الجَنَّةِ لَحْمٌ يَخْتَرُ، ولا يَتَكَلَّفُ فِيهِ الذَبْحُ والسَلْخُ والطَبْخُ، وبِالجُمْلَةِ لا كُلْفَةَ في الجَنَّةِ. (p-٩٤)وَ"يَتَنازَعُونَ" مَعْناهُ: يَتَعاطَوْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎ نازَعْتَهُ طَيِّبَ الراحِ الشُمُولِ وقَدْ صاحَ الدَجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السارِي و"الكَأْسُ": الإناءُ وفِيهِ الشَرابُ، ولا يُقالُ في فارِغٍ "كَأْسٌ"، قالَهُ الزَجّاجُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَبْعَةِ وغَيْرُهُمْ: "لا لَغْوٌ" بِالرَفْعِ "وَلا تَأْثِيمٌ" كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "فِيها" هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وأغْنى خَبَرُ الأوَّلِ عن ذِكْرِ خَبَرِ الثانِي، و"اللَغْوُ": السَقْطُ مِنَ القَوْلِ، و"التَأْثِيمُ" يَلْحَقُ خَمْرَ الدُنْيا في نَفْسِ شُرْبِها وفي الأفْعالِ الَّتِي تَكُونُ مِن شَرابِها، وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَفِعٌ في الآخِرَةِ. و"اللُؤْلُؤُ المَكْنُونُ" أجْمَلُ اللُؤْلُؤِ لِأنَّ الصَوْنَ والَكِنَّ يُحْسِنُهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ أنَّهُ الَّذِي في الصُدَفِ لَمْ تَنَلْهُ الأيْدِي، «وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إذا كانَ الغِلْمانُ كاللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ فَكَيْفَ المَخْدُومُونَ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "هم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ"،» ثُمَّ وصَفَ تَعالى عنهم أنَّهم في جُمْلَةِ تَنَعُّمِهِمْ يَتَساءَلُونَ، عن أحْوالِهِمْ وما نالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، وأنَّهم يَتَذَكَّرُونَ حالَ الدُنْيا وخَشْيَتَهم فِيها عَذابُ الآخِرَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: تَساؤُلُهم إذا بَعَثُوا في النَفْخَةِ الثانِيَةِ، و"الإشْفاقُ" أشَدُّ الخَشْيَةِ ورِقَّةُ القَلْبِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَوَقّانا" بِشَدِّ القافِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِها، (p-٩٥)وَأمالَ عِيسى الثَقَفِيُّ "وَقانا" بِتَخْفِيفِ القافِ، و"السَمُومِ": الحارُّ، قالَ الرُمّانِيُّ: هو الَّذِي يَبْلُغُ مَسامَّ الإنْسانِ، وهو النارُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ يُقالُ في حَرِّ الشَمْسِ وفي الرِيحِ: سُمُومٌ. وقالَ الحَسَنُ: السَمُومُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. و"نَدْعُوهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: نَعْبُدُهُ، ويُحْسِنُ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ -بِخِلافٍ- والكِسائِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، والحَسَنِ، وأبِي نَوْفَلٍ، أيْ: مِن أجْلِ أنَّهُ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ، والأعْرَجُ، وجَماعَةٌ: "إنَّهُ" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، ويَحْسُنُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى نَعْبُدُهُ، أو بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ، ومَن رَأى "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: "أنَّهُ" بِالفَتْحِ هو نَفْسُ الدُعاءِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا، و"البَرُّ" هو الَّذِي يَبِرُّ ويُحْسِنُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ؎ جاءَتْ مِنَ البِيضِ زُعْرًا لا لِباسَ لَها ∗∗∗ إلّا الدِهاسُ وأُمٌّ بَرَّةٌ وأبُ

الطور 52:25

قوله عزّ وجلّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَمُومِ﴾ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَحِيمُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأهْلُ مَكَّةَ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ -بِخِلافٍ عنهُ - وأبُو عَمْرٍو - بِخِلافٍ عنهُ وشَيْبَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى: " واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، ورَوى خارِجَةُ عنهُ مِثْلَ قِراءَةِ حَمْزَةَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: "وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان أحلقنا بهم ذرياتهم" وقَرَأ أبُو عَمْرو، والأعْرَج، وأبُو رَجاء، والشَعْبِيّ، وابْن جُبَيْر، والضَحّاك: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، فَلِكَوْنِ "الذُرِّيَّةِ" (p-٩٢)جَمْعًا في نَفْسِهِ حَسُنَ الإفْرادُ في هَذِهِ القِراءاتِ، ولِكَوْنِ المَعْنى يَقْتَضِي انْتِشارًا أو كَثْرَةً حَسُنُ جَمْعُ الذُرِّيَّةِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "ذُرِّيّاتِهِمْ". واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الآيَةِ - قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجُمْهُورُ: أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ المُؤْمِنَيْنِ اللَذِينَ تَتَّبِعُهم ذُرِّيَّتُهم في الإيمانِ فَيَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ كَآبائِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في التَقْوى والأعْمالِ كالآباءِ، فَإنَّهُ يُلْحِقُ الأبْناءَ بِمَراتِبِ أُولَئِكَ الآباءِ كَرامَةً لِلْآباءِ، وقَدْ ورَدَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، فَجَعَلُوا الحَدِيثَ تَفْسِيرَ الآيَةِ، وكَذَلِكَ ورَدَتْ أحادِيثُ تَقْتَضِي أنَّ اللهَ تَعالى يَرْحَمُ الآباءَ رَعْيًا لِلْأبْناءِ الصالِحِينَ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى إخْراجِ هَذا المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا بِأنْ نَجْعَلَ اسْمَ "الذُرِّيَّةِ" بِمَثابَةِ نَوْعِهِمْ عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]، وفي هَذا نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَحّاكُ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يُلْحِقُ الأبْناءَ الصِغارَ بِأحْكامِ الآباءِ المُؤْمِنِينَ في المُوارَثَةِ والدَفْنِ في قُبُورِ الإسْلامِ، وفي أحْكامِ الآخِرَةِ في الجَنَّةِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ في الكِبارِ مِنَ الذُرِّيَّةِ ولَيْسَ فِيها مِنَ الصِغارِ شَيْءٌ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي في الصِغارِ لا في الكِبارِ، وحَكى الطَبَرِيُّ قَوْلًا مَعْناهُ أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِهِمْ" عائِدٌ عَلى الذُرِّيَّةِ، والضَمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ في "ذُرِّيّاتِهِمْ" عائِدٌ عَلى "الَّذِينَ"، أيْ: اتَّبَعَهُمُ الكِبارُ وألْحَقْنا نَحْنُ بِالكِبارِ الصِغارَ، وهَذا قَوْلٌ مُسْتَكْرَهٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإيمانٍ" هو في مَوْضِعِ الحالِ، فَمَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الصِغارِ (p-٩٣)فالحالُ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "اتَّبَعَتْهُمْ"، فَهو مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ومَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الكِبارِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحالُ مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّبِعِينَ الفاعِلِينَ، وأرْجَحُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في صِفَةِ إحْسانِ اللهِ تَعالى إلى أهْلِ الجَنَّةِ، فَذَكَرَ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِ أنَّهُ يَرْعى المُحْسِنَ في المُسِيءِ، ولَفْظَةُ "ألْحَقْنا" تَقْتَضِي أنَّ لِلْمُلْحَقِ بَعْضُ التَقْصِيرِ في الأعْمالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ، مَن "ألَتَ" وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو يَحْيى، وشِبْلُ: "ألَتْناهُمْ" مِن "ألِتَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "وَما ألَتْناهُمْ"عَلى وزْنِ أفْعَلْناهُمْ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "لِتْناهُمْ" مِن "لاتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُصَرِّفٍ، ورَواها القَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وتَحْتَمِلُ قِراءَةَ مَن قَرَأ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ أنْ تَكُونَ مِن "ألاتَ" فَإنَّهُ يُقالُ: ألاتَ يُلِيتُ إلاتَةً، ولاتَ يَلِيتُ لَيْتًا، وآلَتَ يُؤْلِتُ إيلاتًا، وألَتَ يَأْلِتُ، وألِتَ يَأْلِتُ ولْتًا، كُلُّها بِمَعْنى بَعْض. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَلْحَقُ المُقَصِّرَ بِالمُحْسِنِ ولا يَنْقُصُ المُحْسِنَ مَن أجْرِهِ شَيْئًا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ والجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أنْ يُرِيدَ: مِن عَمَلِهِمُ الحَسَنَ والقَبِيحَ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "عَمَلِهِمْ" عائِدًا عَلى الأبْناءِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، ويُحَسِّنُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾، والرَهِينُ: المُرْتَهِنُ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: "وَما لَتْناهُمْ" بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. و"أمْدَدْتُ الشَيْءَ" إذا سَيَّرْتَ إلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ يُكَثِّرُهُ أو يَكْثُرُ لَدَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ مِن أنَّ المُنْعِمَ إذا اشْتَهى لَحْمًا نَزَلَ ذَلِكَ الحَيَوانُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي اشْتَهاهُ فِيها، ولَيْسَ يَكُونُ في الجَنَّةِ لَحْمٌ يَخْتَرُ، ولا يَتَكَلَّفُ فِيهِ الذَبْحُ والسَلْخُ والطَبْخُ، وبِالجُمْلَةِ لا كُلْفَةَ في الجَنَّةِ. (p-٩٤)وَ"يَتَنازَعُونَ" مَعْناهُ: يَتَعاطَوْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎ نازَعْتَهُ طَيِّبَ الراحِ الشُمُولِ وقَدْ صاحَ الدَجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السارِي و"الكَأْسُ": الإناءُ وفِيهِ الشَرابُ، ولا يُقالُ في فارِغٍ "كَأْسٌ"، قالَهُ الزَجّاجُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَبْعَةِ وغَيْرُهُمْ: "لا لَغْوٌ" بِالرَفْعِ "وَلا تَأْثِيمٌ" كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "فِيها" هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وأغْنى خَبَرُ الأوَّلِ عن ذِكْرِ خَبَرِ الثانِي، و"اللَغْوُ": السَقْطُ مِنَ القَوْلِ، و"التَأْثِيمُ" يَلْحَقُ خَمْرَ الدُنْيا في نَفْسِ شُرْبِها وفي الأفْعالِ الَّتِي تَكُونُ مِن شَرابِها، وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَفِعٌ في الآخِرَةِ. و"اللُؤْلُؤُ المَكْنُونُ" أجْمَلُ اللُؤْلُؤِ لِأنَّ الصَوْنَ والَكِنَّ يُحْسِنُهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ أنَّهُ الَّذِي في الصُدَفِ لَمْ تَنَلْهُ الأيْدِي، «وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إذا كانَ الغِلْمانُ كاللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ فَكَيْفَ المَخْدُومُونَ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "هم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ"،» ثُمَّ وصَفَ تَعالى عنهم أنَّهم في جُمْلَةِ تَنَعُّمِهِمْ يَتَساءَلُونَ، عن أحْوالِهِمْ وما نالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، وأنَّهم يَتَذَكَّرُونَ حالَ الدُنْيا وخَشْيَتَهم فِيها عَذابُ الآخِرَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: تَساؤُلُهم إذا بَعَثُوا في النَفْخَةِ الثانِيَةِ، و"الإشْفاقُ" أشَدُّ الخَشْيَةِ ورِقَّةُ القَلْبِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَوَقّانا" بِشَدِّ القافِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِها، (p-٩٥)وَأمالَ عِيسى الثَقَفِيُّ "وَقانا" بِتَخْفِيفِ القافِ، و"السَمُومِ": الحارُّ، قالَ الرُمّانِيُّ: هو الَّذِي يَبْلُغُ مَسامَّ الإنْسانِ، وهو النارُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ يُقالُ في حَرِّ الشَمْسِ وفي الرِيحِ: سُمُومٌ. وقالَ الحَسَنُ: السَمُومُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. و"نَدْعُوهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: نَعْبُدُهُ، ويُحْسِنُ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ -بِخِلافٍ- والكِسائِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، والحَسَنِ، وأبِي نَوْفَلٍ، أيْ: مِن أجْلِ أنَّهُ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ، والأعْرَجُ، وجَماعَةٌ: "إنَّهُ" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، ويَحْسُنُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى نَعْبُدُهُ، أو بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ، ومَن رَأى "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: "أنَّهُ" بِالفَتْحِ هو نَفْسُ الدُعاءِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا، و"البَرُّ" هو الَّذِي يَبِرُّ ويُحْسِنُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ؎ جاءَتْ مِنَ البِيضِ زُعْرًا لا لِباسَ لَها ∗∗∗ إلّا الدِهاسُ وأُمٌّ بَرَّةٌ وأبُ

الطور 52:26

قوله عزّ وجلّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَمُومِ﴾ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَحِيمُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأهْلُ مَكَّةَ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ -بِخِلافٍ عنهُ - وأبُو عَمْرٍو - بِخِلافٍ عنهُ وشَيْبَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى: " واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، ورَوى خارِجَةُ عنهُ مِثْلَ قِراءَةِ حَمْزَةَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: "وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان أحلقنا بهم ذرياتهم" وقَرَأ أبُو عَمْرو، والأعْرَج، وأبُو رَجاء، والشَعْبِيّ، وابْن جُبَيْر، والضَحّاك: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، فَلِكَوْنِ "الذُرِّيَّةِ" (p-٩٢)جَمْعًا في نَفْسِهِ حَسُنَ الإفْرادُ في هَذِهِ القِراءاتِ، ولِكَوْنِ المَعْنى يَقْتَضِي انْتِشارًا أو كَثْرَةً حَسُنُ جَمْعُ الذُرِّيَّةِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "ذُرِّيّاتِهِمْ". واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الآيَةِ - قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجُمْهُورُ: أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ المُؤْمِنَيْنِ اللَذِينَ تَتَّبِعُهم ذُرِّيَّتُهم في الإيمانِ فَيَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ كَآبائِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في التَقْوى والأعْمالِ كالآباءِ، فَإنَّهُ يُلْحِقُ الأبْناءَ بِمَراتِبِ أُولَئِكَ الآباءِ كَرامَةً لِلْآباءِ، وقَدْ ورَدَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، فَجَعَلُوا الحَدِيثَ تَفْسِيرَ الآيَةِ، وكَذَلِكَ ورَدَتْ أحادِيثُ تَقْتَضِي أنَّ اللهَ تَعالى يَرْحَمُ الآباءَ رَعْيًا لِلْأبْناءِ الصالِحِينَ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى إخْراجِ هَذا المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا بِأنْ نَجْعَلَ اسْمَ "الذُرِّيَّةِ" بِمَثابَةِ نَوْعِهِمْ عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]، وفي هَذا نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَحّاكُ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يُلْحِقُ الأبْناءَ الصِغارَ بِأحْكامِ الآباءِ المُؤْمِنِينَ في المُوارَثَةِ والدَفْنِ في قُبُورِ الإسْلامِ، وفي أحْكامِ الآخِرَةِ في الجَنَّةِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ في الكِبارِ مِنَ الذُرِّيَّةِ ولَيْسَ فِيها مِنَ الصِغارِ شَيْءٌ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي في الصِغارِ لا في الكِبارِ، وحَكى الطَبَرِيُّ قَوْلًا مَعْناهُ أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِهِمْ" عائِدٌ عَلى الذُرِّيَّةِ، والضَمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ في "ذُرِّيّاتِهِمْ" عائِدٌ عَلى "الَّذِينَ"، أيْ: اتَّبَعَهُمُ الكِبارُ وألْحَقْنا نَحْنُ بِالكِبارِ الصِغارَ، وهَذا قَوْلٌ مُسْتَكْرَهٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإيمانٍ" هو في مَوْضِعِ الحالِ، فَمَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الصِغارِ (p-٩٣)فالحالُ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "اتَّبَعَتْهُمْ"، فَهو مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ومَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الكِبارِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحالُ مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّبِعِينَ الفاعِلِينَ، وأرْجَحُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في صِفَةِ إحْسانِ اللهِ تَعالى إلى أهْلِ الجَنَّةِ، فَذَكَرَ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِ أنَّهُ يَرْعى المُحْسِنَ في المُسِيءِ، ولَفْظَةُ "ألْحَقْنا" تَقْتَضِي أنَّ لِلْمُلْحَقِ بَعْضُ التَقْصِيرِ في الأعْمالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ، مَن "ألَتَ" وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو يَحْيى، وشِبْلُ: "ألَتْناهُمْ" مِن "ألِتَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "وَما ألَتْناهُمْ"عَلى وزْنِ أفْعَلْناهُمْ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "لِتْناهُمْ" مِن "لاتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُصَرِّفٍ، ورَواها القَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وتَحْتَمِلُ قِراءَةَ مَن قَرَأ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ أنْ تَكُونَ مِن "ألاتَ" فَإنَّهُ يُقالُ: ألاتَ يُلِيتُ إلاتَةً، ولاتَ يَلِيتُ لَيْتًا، وآلَتَ يُؤْلِتُ إيلاتًا، وألَتَ يَأْلِتُ، وألِتَ يَأْلِتُ ولْتًا، كُلُّها بِمَعْنى بَعْض. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَلْحَقُ المُقَصِّرَ بِالمُحْسِنِ ولا يَنْقُصُ المُحْسِنَ مَن أجْرِهِ شَيْئًا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ والجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أنْ يُرِيدَ: مِن عَمَلِهِمُ الحَسَنَ والقَبِيحَ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "عَمَلِهِمْ" عائِدًا عَلى الأبْناءِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، ويُحَسِّنُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾، والرَهِينُ: المُرْتَهِنُ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: "وَما لَتْناهُمْ" بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. و"أمْدَدْتُ الشَيْءَ" إذا سَيَّرْتَ إلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ يُكَثِّرُهُ أو يَكْثُرُ لَدَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ مِن أنَّ المُنْعِمَ إذا اشْتَهى لَحْمًا نَزَلَ ذَلِكَ الحَيَوانُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي اشْتَهاهُ فِيها، ولَيْسَ يَكُونُ في الجَنَّةِ لَحْمٌ يَخْتَرُ، ولا يَتَكَلَّفُ فِيهِ الذَبْحُ والسَلْخُ والطَبْخُ، وبِالجُمْلَةِ لا كُلْفَةَ في الجَنَّةِ. (p-٩٤)وَ"يَتَنازَعُونَ" مَعْناهُ: يَتَعاطَوْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎ نازَعْتَهُ طَيِّبَ الراحِ الشُمُولِ وقَدْ صاحَ الدَجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السارِي و"الكَأْسُ": الإناءُ وفِيهِ الشَرابُ، ولا يُقالُ في فارِغٍ "كَأْسٌ"، قالَهُ الزَجّاجُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَبْعَةِ وغَيْرُهُمْ: "لا لَغْوٌ" بِالرَفْعِ "وَلا تَأْثِيمٌ" كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "فِيها" هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وأغْنى خَبَرُ الأوَّلِ عن ذِكْرِ خَبَرِ الثانِي، و"اللَغْوُ": السَقْطُ مِنَ القَوْلِ، و"التَأْثِيمُ" يَلْحَقُ خَمْرَ الدُنْيا في نَفْسِ شُرْبِها وفي الأفْعالِ الَّتِي تَكُونُ مِن شَرابِها، وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَفِعٌ في الآخِرَةِ. و"اللُؤْلُؤُ المَكْنُونُ" أجْمَلُ اللُؤْلُؤِ لِأنَّ الصَوْنَ والَكِنَّ يُحْسِنُهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ أنَّهُ الَّذِي في الصُدَفِ لَمْ تَنَلْهُ الأيْدِي، «وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إذا كانَ الغِلْمانُ كاللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ فَكَيْفَ المَخْدُومُونَ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "هم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ"،» ثُمَّ وصَفَ تَعالى عنهم أنَّهم في جُمْلَةِ تَنَعُّمِهِمْ يَتَساءَلُونَ، عن أحْوالِهِمْ وما نالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، وأنَّهم يَتَذَكَّرُونَ حالَ الدُنْيا وخَشْيَتَهم فِيها عَذابُ الآخِرَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: تَساؤُلُهم إذا بَعَثُوا في النَفْخَةِ الثانِيَةِ، و"الإشْفاقُ" أشَدُّ الخَشْيَةِ ورِقَّةُ القَلْبِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَوَقّانا" بِشَدِّ القافِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِها، (p-٩٥)وَأمالَ عِيسى الثَقَفِيُّ "وَقانا" بِتَخْفِيفِ القافِ، و"السَمُومِ": الحارُّ، قالَ الرُمّانِيُّ: هو الَّذِي يَبْلُغُ مَسامَّ الإنْسانِ، وهو النارُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ يُقالُ في حَرِّ الشَمْسِ وفي الرِيحِ: سُمُومٌ. وقالَ الحَسَنُ: السَمُومُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. و"نَدْعُوهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: نَعْبُدُهُ، ويُحْسِنُ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ -بِخِلافٍ- والكِسائِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، والحَسَنِ، وأبِي نَوْفَلٍ، أيْ: مِن أجْلِ أنَّهُ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ، والأعْرَجُ، وجَماعَةٌ: "إنَّهُ" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، ويَحْسُنُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى نَعْبُدُهُ، أو بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ، ومَن رَأى "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: "أنَّهُ" بِالفَتْحِ هو نَفْسُ الدُعاءِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا، و"البَرُّ" هو الَّذِي يَبِرُّ ويُحْسِنُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ؎ جاءَتْ مِنَ البِيضِ زُعْرًا لا لِباسَ لَها ∗∗∗ إلّا الدِهاسُ وأُمٌّ بَرَّةٌ وأبُ

الطور 52:27

قوله عزّ وجلّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَمُومِ﴾ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَحِيمُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأهْلُ مَكَّةَ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ -بِخِلافٍ عنهُ - وأبُو عَمْرٍو - بِخِلافٍ عنهُ وشَيْبَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى: " واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، ورَوى خارِجَةُ عنهُ مِثْلَ قِراءَةِ حَمْزَةَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: "وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان أحلقنا بهم ذرياتهم" وقَرَأ أبُو عَمْرو، والأعْرَج، وأبُو رَجاء، والشَعْبِيّ، وابْن جُبَيْر، والضَحّاك: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، فَلِكَوْنِ "الذُرِّيَّةِ" (p-٩٢)جَمْعًا في نَفْسِهِ حَسُنَ الإفْرادُ في هَذِهِ القِراءاتِ، ولِكَوْنِ المَعْنى يَقْتَضِي انْتِشارًا أو كَثْرَةً حَسُنُ جَمْعُ الذُرِّيَّةِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "ذُرِّيّاتِهِمْ". واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الآيَةِ - قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجُمْهُورُ: أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ المُؤْمِنَيْنِ اللَذِينَ تَتَّبِعُهم ذُرِّيَّتُهم في الإيمانِ فَيَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ كَآبائِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في التَقْوى والأعْمالِ كالآباءِ، فَإنَّهُ يُلْحِقُ الأبْناءَ بِمَراتِبِ أُولَئِكَ الآباءِ كَرامَةً لِلْآباءِ، وقَدْ ورَدَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، فَجَعَلُوا الحَدِيثَ تَفْسِيرَ الآيَةِ، وكَذَلِكَ ورَدَتْ أحادِيثُ تَقْتَضِي أنَّ اللهَ تَعالى يَرْحَمُ الآباءَ رَعْيًا لِلْأبْناءِ الصالِحِينَ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى إخْراجِ هَذا المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا بِأنْ نَجْعَلَ اسْمَ "الذُرِّيَّةِ" بِمَثابَةِ نَوْعِهِمْ عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]، وفي هَذا نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَحّاكُ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يُلْحِقُ الأبْناءَ الصِغارَ بِأحْكامِ الآباءِ المُؤْمِنِينَ في المُوارَثَةِ والدَفْنِ في قُبُورِ الإسْلامِ، وفي أحْكامِ الآخِرَةِ في الجَنَّةِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ في الكِبارِ مِنَ الذُرِّيَّةِ ولَيْسَ فِيها مِنَ الصِغارِ شَيْءٌ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي في الصِغارِ لا في الكِبارِ، وحَكى الطَبَرِيُّ قَوْلًا مَعْناهُ أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِهِمْ" عائِدٌ عَلى الذُرِّيَّةِ، والضَمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ في "ذُرِّيّاتِهِمْ" عائِدٌ عَلى "الَّذِينَ"، أيْ: اتَّبَعَهُمُ الكِبارُ وألْحَقْنا نَحْنُ بِالكِبارِ الصِغارَ، وهَذا قَوْلٌ مُسْتَكْرَهٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإيمانٍ" هو في مَوْضِعِ الحالِ، فَمَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الصِغارِ (p-٩٣)فالحالُ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "اتَّبَعَتْهُمْ"، فَهو مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ومَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الكِبارِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحالُ مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّبِعِينَ الفاعِلِينَ، وأرْجَحُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في صِفَةِ إحْسانِ اللهِ تَعالى إلى أهْلِ الجَنَّةِ، فَذَكَرَ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِ أنَّهُ يَرْعى المُحْسِنَ في المُسِيءِ، ولَفْظَةُ "ألْحَقْنا" تَقْتَضِي أنَّ لِلْمُلْحَقِ بَعْضُ التَقْصِيرِ في الأعْمالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ، مَن "ألَتَ" وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو يَحْيى، وشِبْلُ: "ألَتْناهُمْ" مِن "ألِتَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "وَما ألَتْناهُمْ"عَلى وزْنِ أفْعَلْناهُمْ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "لِتْناهُمْ" مِن "لاتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُصَرِّفٍ، ورَواها القَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وتَحْتَمِلُ قِراءَةَ مَن قَرَأ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ أنْ تَكُونَ مِن "ألاتَ" فَإنَّهُ يُقالُ: ألاتَ يُلِيتُ إلاتَةً، ولاتَ يَلِيتُ لَيْتًا، وآلَتَ يُؤْلِتُ إيلاتًا، وألَتَ يَأْلِتُ، وألِتَ يَأْلِتُ ولْتًا، كُلُّها بِمَعْنى بَعْض. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَلْحَقُ المُقَصِّرَ بِالمُحْسِنِ ولا يَنْقُصُ المُحْسِنَ مَن أجْرِهِ شَيْئًا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ والجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أنْ يُرِيدَ: مِن عَمَلِهِمُ الحَسَنَ والقَبِيحَ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "عَمَلِهِمْ" عائِدًا عَلى الأبْناءِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، ويُحَسِّنُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾، والرَهِينُ: المُرْتَهِنُ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: "وَما لَتْناهُمْ" بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. و"أمْدَدْتُ الشَيْءَ" إذا سَيَّرْتَ إلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ يُكَثِّرُهُ أو يَكْثُرُ لَدَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ مِن أنَّ المُنْعِمَ إذا اشْتَهى لَحْمًا نَزَلَ ذَلِكَ الحَيَوانُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي اشْتَهاهُ فِيها، ولَيْسَ يَكُونُ في الجَنَّةِ لَحْمٌ يَخْتَرُ، ولا يَتَكَلَّفُ فِيهِ الذَبْحُ والسَلْخُ والطَبْخُ، وبِالجُمْلَةِ لا كُلْفَةَ في الجَنَّةِ. (p-٩٤)وَ"يَتَنازَعُونَ" مَعْناهُ: يَتَعاطَوْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎ نازَعْتَهُ طَيِّبَ الراحِ الشُمُولِ وقَدْ صاحَ الدَجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السارِي و"الكَأْسُ": الإناءُ وفِيهِ الشَرابُ، ولا يُقالُ في فارِغٍ "كَأْسٌ"، قالَهُ الزَجّاجُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَبْعَةِ وغَيْرُهُمْ: "لا لَغْوٌ" بِالرَفْعِ "وَلا تَأْثِيمٌ" كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "فِيها" هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وأغْنى خَبَرُ الأوَّلِ عن ذِكْرِ خَبَرِ الثانِي، و"اللَغْوُ": السَقْطُ مِنَ القَوْلِ، و"التَأْثِيمُ" يَلْحَقُ خَمْرَ الدُنْيا في نَفْسِ شُرْبِها وفي الأفْعالِ الَّتِي تَكُونُ مِن شَرابِها، وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَفِعٌ في الآخِرَةِ. و"اللُؤْلُؤُ المَكْنُونُ" أجْمَلُ اللُؤْلُؤِ لِأنَّ الصَوْنَ والَكِنَّ يُحْسِنُهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ أنَّهُ الَّذِي في الصُدَفِ لَمْ تَنَلْهُ الأيْدِي، «وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إذا كانَ الغِلْمانُ كاللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ فَكَيْفَ المَخْدُومُونَ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "هم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ"،» ثُمَّ وصَفَ تَعالى عنهم أنَّهم في جُمْلَةِ تَنَعُّمِهِمْ يَتَساءَلُونَ، عن أحْوالِهِمْ وما نالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، وأنَّهم يَتَذَكَّرُونَ حالَ الدُنْيا وخَشْيَتَهم فِيها عَذابُ الآخِرَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: تَساؤُلُهم إذا بَعَثُوا في النَفْخَةِ الثانِيَةِ، و"الإشْفاقُ" أشَدُّ الخَشْيَةِ ورِقَّةُ القَلْبِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَوَقّانا" بِشَدِّ القافِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِها، (p-٩٥)وَأمالَ عِيسى الثَقَفِيُّ "وَقانا" بِتَخْفِيفِ القافِ، و"السَمُومِ": الحارُّ، قالَ الرُمّانِيُّ: هو الَّذِي يَبْلُغُ مَسامَّ الإنْسانِ، وهو النارُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ يُقالُ في حَرِّ الشَمْسِ وفي الرِيحِ: سُمُومٌ. وقالَ الحَسَنُ: السَمُومُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. و"نَدْعُوهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: نَعْبُدُهُ، ويُحْسِنُ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ -بِخِلافٍ- والكِسائِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، والحَسَنِ، وأبِي نَوْفَلٍ، أيْ: مِن أجْلِ أنَّهُ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ، والأعْرَجُ، وجَماعَةٌ: "إنَّهُ" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، ويَحْسُنُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى نَعْبُدُهُ، أو بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ، ومَن رَأى "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: "أنَّهُ" بِالفَتْحِ هو نَفْسُ الدُعاءِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا، و"البَرُّ" هو الَّذِي يَبِرُّ ويُحْسِنُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ؎ جاءَتْ مِنَ البِيضِ زُعْرًا لا لِباسَ لَها ∗∗∗ إلّا الدِهاسُ وأُمٌّ بَرَّةٌ وأبُ

الطور 52:28

قوله عزّ وجلّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَمُومِ﴾ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَحِيمُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأهْلُ مَكَّةَ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ -بِخِلافٍ عنهُ - وأبُو عَمْرٍو - بِخِلافٍ عنهُ وشَيْبَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى: " واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، ورَوى خارِجَةُ عنهُ مِثْلَ قِراءَةِ حَمْزَةَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: "وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان أحلقنا بهم ذرياتهم" وقَرَأ أبُو عَمْرو، والأعْرَج، وأبُو رَجاء، والشَعْبِيّ، وابْن جُبَيْر، والضَحّاك: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، فَلِكَوْنِ "الذُرِّيَّةِ" (p-٩٢)جَمْعًا في نَفْسِهِ حَسُنَ الإفْرادُ في هَذِهِ القِراءاتِ، ولِكَوْنِ المَعْنى يَقْتَضِي انْتِشارًا أو كَثْرَةً حَسُنُ جَمْعُ الذُرِّيَّةِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "ذُرِّيّاتِهِمْ". واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الآيَةِ - قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجُمْهُورُ: أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ المُؤْمِنَيْنِ اللَذِينَ تَتَّبِعُهم ذُرِّيَّتُهم في الإيمانِ فَيَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ كَآبائِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في التَقْوى والأعْمالِ كالآباءِ، فَإنَّهُ يُلْحِقُ الأبْناءَ بِمَراتِبِ أُولَئِكَ الآباءِ كَرامَةً لِلْآباءِ، وقَدْ ورَدَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، فَجَعَلُوا الحَدِيثَ تَفْسِيرَ الآيَةِ، وكَذَلِكَ ورَدَتْ أحادِيثُ تَقْتَضِي أنَّ اللهَ تَعالى يَرْحَمُ الآباءَ رَعْيًا لِلْأبْناءِ الصالِحِينَ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى إخْراجِ هَذا المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا بِأنْ نَجْعَلَ اسْمَ "الذُرِّيَّةِ" بِمَثابَةِ نَوْعِهِمْ عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]، وفي هَذا نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَحّاكُ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يُلْحِقُ الأبْناءَ الصِغارَ بِأحْكامِ الآباءِ المُؤْمِنِينَ في المُوارَثَةِ والدَفْنِ في قُبُورِ الإسْلامِ، وفي أحْكامِ الآخِرَةِ في الجَنَّةِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ في الكِبارِ مِنَ الذُرِّيَّةِ ولَيْسَ فِيها مِنَ الصِغارِ شَيْءٌ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي في الصِغارِ لا في الكِبارِ، وحَكى الطَبَرِيُّ قَوْلًا مَعْناهُ أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِهِمْ" عائِدٌ عَلى الذُرِّيَّةِ، والضَمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ في "ذُرِّيّاتِهِمْ" عائِدٌ عَلى "الَّذِينَ"، أيْ: اتَّبَعَهُمُ الكِبارُ وألْحَقْنا نَحْنُ بِالكِبارِ الصِغارَ، وهَذا قَوْلٌ مُسْتَكْرَهٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإيمانٍ" هو في مَوْضِعِ الحالِ، فَمَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الصِغارِ (p-٩٣)فالحالُ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "اتَّبَعَتْهُمْ"، فَهو مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ومَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الكِبارِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحالُ مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّبِعِينَ الفاعِلِينَ، وأرْجَحُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في صِفَةِ إحْسانِ اللهِ تَعالى إلى أهْلِ الجَنَّةِ، فَذَكَرَ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِ أنَّهُ يَرْعى المُحْسِنَ في المُسِيءِ، ولَفْظَةُ "ألْحَقْنا" تَقْتَضِي أنَّ لِلْمُلْحَقِ بَعْضُ التَقْصِيرِ في الأعْمالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ، مَن "ألَتَ" وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو يَحْيى، وشِبْلُ: "ألَتْناهُمْ" مِن "ألِتَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "وَما ألَتْناهُمْ"عَلى وزْنِ أفْعَلْناهُمْ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "لِتْناهُمْ" مِن "لاتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُصَرِّفٍ، ورَواها القَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وتَحْتَمِلُ قِراءَةَ مَن قَرَأ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ أنْ تَكُونَ مِن "ألاتَ" فَإنَّهُ يُقالُ: ألاتَ يُلِيتُ إلاتَةً، ولاتَ يَلِيتُ لَيْتًا، وآلَتَ يُؤْلِتُ إيلاتًا، وألَتَ يَأْلِتُ، وألِتَ يَأْلِتُ ولْتًا، كُلُّها بِمَعْنى بَعْض. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَلْحَقُ المُقَصِّرَ بِالمُحْسِنِ ولا يَنْقُصُ المُحْسِنَ مَن أجْرِهِ شَيْئًا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ والجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أنْ يُرِيدَ: مِن عَمَلِهِمُ الحَسَنَ والقَبِيحَ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "عَمَلِهِمْ" عائِدًا عَلى الأبْناءِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، ويُحَسِّنُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾، والرَهِينُ: المُرْتَهِنُ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: "وَما لَتْناهُمْ" بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. و"أمْدَدْتُ الشَيْءَ" إذا سَيَّرْتَ إلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ يُكَثِّرُهُ أو يَكْثُرُ لَدَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ مِن أنَّ المُنْعِمَ إذا اشْتَهى لَحْمًا نَزَلَ ذَلِكَ الحَيَوانُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي اشْتَهاهُ فِيها، ولَيْسَ يَكُونُ في الجَنَّةِ لَحْمٌ يَخْتَرُ، ولا يَتَكَلَّفُ فِيهِ الذَبْحُ والسَلْخُ والطَبْخُ، وبِالجُمْلَةِ لا كُلْفَةَ في الجَنَّةِ. (p-٩٤)وَ"يَتَنازَعُونَ" مَعْناهُ: يَتَعاطَوْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎ نازَعْتَهُ طَيِّبَ الراحِ الشُمُولِ وقَدْ صاحَ الدَجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السارِي و"الكَأْسُ": الإناءُ وفِيهِ الشَرابُ، ولا يُقالُ في فارِغٍ "كَأْسٌ"، قالَهُ الزَجّاجُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَبْعَةِ وغَيْرُهُمْ: "لا لَغْوٌ" بِالرَفْعِ "وَلا تَأْثِيمٌ" كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "فِيها" هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وأغْنى خَبَرُ الأوَّلِ عن ذِكْرِ خَبَرِ الثانِي، و"اللَغْوُ": السَقْطُ مِنَ القَوْلِ، و"التَأْثِيمُ" يَلْحَقُ خَمْرَ الدُنْيا في نَفْسِ شُرْبِها وفي الأفْعالِ الَّتِي تَكُونُ مِن شَرابِها، وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَفِعٌ في الآخِرَةِ. و"اللُؤْلُؤُ المَكْنُونُ" أجْمَلُ اللُؤْلُؤِ لِأنَّ الصَوْنَ والَكِنَّ يُحْسِنُهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ أنَّهُ الَّذِي في الصُدَفِ لَمْ تَنَلْهُ الأيْدِي، «وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إذا كانَ الغِلْمانُ كاللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ فَكَيْفَ المَخْدُومُونَ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "هم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ"،» ثُمَّ وصَفَ تَعالى عنهم أنَّهم في جُمْلَةِ تَنَعُّمِهِمْ يَتَساءَلُونَ، عن أحْوالِهِمْ وما نالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، وأنَّهم يَتَذَكَّرُونَ حالَ الدُنْيا وخَشْيَتَهم فِيها عَذابُ الآخِرَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: تَساؤُلُهم إذا بَعَثُوا في النَفْخَةِ الثانِيَةِ، و"الإشْفاقُ" أشَدُّ الخَشْيَةِ ورِقَّةُ القَلْبِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَوَقّانا" بِشَدِّ القافِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِها، (p-٩٥)وَأمالَ عِيسى الثَقَفِيُّ "وَقانا" بِتَخْفِيفِ القافِ، و"السَمُومِ": الحارُّ، قالَ الرُمّانِيُّ: هو الَّذِي يَبْلُغُ مَسامَّ الإنْسانِ، وهو النارُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ يُقالُ في حَرِّ الشَمْسِ وفي الرِيحِ: سُمُومٌ. وقالَ الحَسَنُ: السَمُومُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. و"نَدْعُوهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: نَعْبُدُهُ، ويُحْسِنُ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ -بِخِلافٍ- والكِسائِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، والحَسَنِ، وأبِي نَوْفَلٍ، أيْ: مِن أجْلِ أنَّهُ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ، والأعْرَجُ، وجَماعَةٌ: "إنَّهُ" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، ويَحْسُنُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى نَعْبُدُهُ، أو بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ، ومَن رَأى "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: "أنَّهُ" بِالفَتْحِ هو نَفْسُ الدُعاءِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا، و"البَرُّ" هو الَّذِي يَبِرُّ ويُحْسِنُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ؎ جاءَتْ مِنَ البِيضِ زُعْرًا لا لِباسَ لَها ∗∗∗ إلّا الدِهاسُ وأُمٌّ بَرَّةٌ وأبُ

الطور 52:29

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ هَذا أمْرٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِالدُعاءِ إلى اللهِ ومُتابَعَةِ نَشْرِ الرِسالَةِ، ثُمَّ قالَ مُؤْنِسًا لَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: فَما أنْتَ بِإنْعامِ اللهِ تَعالى عَلَيْكَ ولُطْفِهِ بِكَ كاهِنٌ ولا مَجْنُونٌ، وكانَتِ العَرَبُ قَدْ عَهِدَتْ مُلابَسَةَ الجِنِّ والإنْسِ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، فَنَسَبَتْ (p-٩٦)مُحَمَّدًا ﷺ إلى ذَلِكَ، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنْ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ في دارِ النَدْوَةِ فَكَثُرَتْ آراؤُهم في مُحَمَّدٍ ﷺ، حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ فَإنَّهُ شاعِرٌ سَيَهْلَكُ كَما هَلَكَ زُهَيْرٌ والنابِغَةُ والأعْشى وغَيْرُهُمْ، فافْتَرَقُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. و"التَرَبُّصُ": الِانْتِظارُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تَرَبَّصَ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يَوْمًا أو يَمُوتُ حَلِيلُها وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ؎ ............... ∗∗∗ لَعَلَّها سَيَهْلَكُ عنها زَوْجُها أو سَيَجْنَحُ وقَوْلُهُ تَعالى: "قُلْ تَرَبَّصُوا" وعَيدٌ في صِيغَةِ أمْرٍ، و"المَنُونِ" مِن أسْماءِ المَوْتِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِن أسْماءِ الدَهْرِ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ، وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"الرَيْبُ هُنا: الحَوادِثُ والمَصائِبُ لِأنَّها تُرِيبُ مَن نَزَلَتْ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في أمْرِ ابْنَتِهِ فاطِمَةَ رِضى الله تَعالى عنها حِينَ ذَكَرَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ يَتَزَوَّجُ بِنْتَ أبِي جَهْلٍ: « "إنَّما فاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي ما أرابَها"،» يُقالُ: أرابَ ورابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٩٧) ؎ .................. ∗∗∗ فَقَدْ رابَنِي مِنها الغَداةَ سُفُورُها وقَوْل الآخَر: ؎ وقَدْ رابَنِي قَوْلُها يا هَنا هُ ∗∗∗..................... وأمَرَ اللهِ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِتَوَعُّدِهِمْ بِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِهَذا" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ "هُوَ شاعِرٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ (p-٩٨)إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأصْنامِ، و"الأحْلامُ": العُقُولُ، و"أمْ" المُتَكَرِّرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ قَدَّرَها بَعْضُ النُحاةِ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَدَّرَها مُجاهِدٌ بِـ "بَلْ"، والنَظَرُ المُحَرِّرُ في ذَلِكَ أنَّ مِنها ما يَتَقَدَّرُ بِـ "بَلْ والهَمْزَةُ" عَلى حَدِّ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِمْ: " إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ"، ومِنها ما هي مُعادَلَةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ"، وهو مَعْنى قِراءَةِ الناسِ إلّا أنَّ العِبارَةَ بِـ "أمْ" خَرَجَتْ مُخْرَجَ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: "ما في سُورَةِ [الطُورِ] مِنَ اسْتِفْهامٍ كُلُّهُ اسْتِفْهامٌ ولَيْسَتْ بِعَطْفٍ"، و"تَقَوَّلَهُ" مَعْناهُ: "قالَ عَنِ الغَيْرِ: إنَّهُ قالَهُ"، فَهي عِبارَةٌ عن كَذِبٍ مَخْصُوصٍ. ثُمَّ عَجَّزَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ والمُماثَلَةُ المَطْلُوبَةُ مِنهم هي في النَظْمِ والرَصْفِ والإيجازِ، واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ كانَتِ العَرَبُ قادِرَةً عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ قَبْلَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ فَقالَ شُذّاذٌ يُسَمَّوْنَ أهْلَ الصِرْفَةِ: كانَتْ قادِرَةً وصُرِفَتْ، وقالَ الجُمْهُورُ: لَمْ تَكُنْ قَطُّ قادِرَةً، ولا في قُدْرَةِ البَشَرِ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ؛ لِأنَّ البَشَرَ لا يُفارِقُهُ النِسْيانُ والسَهْوُ والجَهْلُ، واللهُ تَعالى مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا تَرَتَّبَتِ اللَفْظَةُ في القُرْآنِ عَلِمَ بِالإحاطَةِ الَّتِي يَصْلُحُ أنْ تَلِيها ويَحْسُنَ مَعَها المَعْنى، وذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ في البَشَرِ. والهاءُ في "مِثْلِهِ" فَإنَّها -عَلى هَذا- عائِدَةٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا خَلْقَ الجَمادِ مِن غَيْرِ حَيٍّ، فَهم لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهُونَ كَما هي الجَماداتُ عَلَيْهِ؟ وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا لِغايَةِ عِقابٍ ولا ثَوابٍ فَهم لِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَتَشَرَّعُونَ؟ وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، أيْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أهُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا الأشْياءَ فَهم لِذَلِكَ يَتَكَبَّرُونَ؟ ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مِنَ الأشْياءِ السَماواتِ والأرْضَ لِعَظْمِها وشَرَفِها في المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُوقِنُونَ ولا يَنْظُرُونَ نَظَرًا يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ. (p-٩٩)

الطور 52:30

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ هَذا أمْرٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِالدُعاءِ إلى اللهِ ومُتابَعَةِ نَشْرِ الرِسالَةِ، ثُمَّ قالَ مُؤْنِسًا لَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: فَما أنْتَ بِإنْعامِ اللهِ تَعالى عَلَيْكَ ولُطْفِهِ بِكَ كاهِنٌ ولا مَجْنُونٌ، وكانَتِ العَرَبُ قَدْ عَهِدَتْ مُلابَسَةَ الجِنِّ والإنْسِ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، فَنَسَبَتْ (p-٩٦)مُحَمَّدًا ﷺ إلى ذَلِكَ، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنْ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ في دارِ النَدْوَةِ فَكَثُرَتْ آراؤُهم في مُحَمَّدٍ ﷺ، حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ فَإنَّهُ شاعِرٌ سَيَهْلَكُ كَما هَلَكَ زُهَيْرٌ والنابِغَةُ والأعْشى وغَيْرُهُمْ، فافْتَرَقُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. و"التَرَبُّصُ": الِانْتِظارُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تَرَبَّصَ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يَوْمًا أو يَمُوتُ حَلِيلُها وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ؎ ............... ∗∗∗ لَعَلَّها سَيَهْلَكُ عنها زَوْجُها أو سَيَجْنَحُ وقَوْلُهُ تَعالى: "قُلْ تَرَبَّصُوا" وعَيدٌ في صِيغَةِ أمْرٍ، و"المَنُونِ" مِن أسْماءِ المَوْتِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِن أسْماءِ الدَهْرِ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ، وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"الرَيْبُ هُنا: الحَوادِثُ والمَصائِبُ لِأنَّها تُرِيبُ مَن نَزَلَتْ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في أمْرِ ابْنَتِهِ فاطِمَةَ رِضى الله تَعالى عنها حِينَ ذَكَرَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ يَتَزَوَّجُ بِنْتَ أبِي جَهْلٍ: « "إنَّما فاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي ما أرابَها"،» يُقالُ: أرابَ ورابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٩٧) ؎ .................. ∗∗∗ فَقَدْ رابَنِي مِنها الغَداةَ سُفُورُها وقَوْل الآخَر: ؎ وقَدْ رابَنِي قَوْلُها يا هَنا هُ ∗∗∗..................... وأمَرَ اللهِ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِتَوَعُّدِهِمْ بِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِهَذا" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ "هُوَ شاعِرٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ (p-٩٨)إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأصْنامِ، و"الأحْلامُ": العُقُولُ، و"أمْ" المُتَكَرِّرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ قَدَّرَها بَعْضُ النُحاةِ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَدَّرَها مُجاهِدٌ بِـ "بَلْ"، والنَظَرُ المُحَرِّرُ في ذَلِكَ أنَّ مِنها ما يَتَقَدَّرُ بِـ "بَلْ والهَمْزَةُ" عَلى حَدِّ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِمْ: " إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ"، ومِنها ما هي مُعادَلَةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ"، وهو مَعْنى قِراءَةِ الناسِ إلّا أنَّ العِبارَةَ بِـ "أمْ" خَرَجَتْ مُخْرَجَ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: "ما في سُورَةِ [الطُورِ] مِنَ اسْتِفْهامٍ كُلُّهُ اسْتِفْهامٌ ولَيْسَتْ بِعَطْفٍ"، و"تَقَوَّلَهُ" مَعْناهُ: "قالَ عَنِ الغَيْرِ: إنَّهُ قالَهُ"، فَهي عِبارَةٌ عن كَذِبٍ مَخْصُوصٍ. ثُمَّ عَجَّزَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ والمُماثَلَةُ المَطْلُوبَةُ مِنهم هي في النَظْمِ والرَصْفِ والإيجازِ، واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ كانَتِ العَرَبُ قادِرَةً عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ قَبْلَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ فَقالَ شُذّاذٌ يُسَمَّوْنَ أهْلَ الصِرْفَةِ: كانَتْ قادِرَةً وصُرِفَتْ، وقالَ الجُمْهُورُ: لَمْ تَكُنْ قَطُّ قادِرَةً، ولا في قُدْرَةِ البَشَرِ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ؛ لِأنَّ البَشَرَ لا يُفارِقُهُ النِسْيانُ والسَهْوُ والجَهْلُ، واللهُ تَعالى مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا تَرَتَّبَتِ اللَفْظَةُ في القُرْآنِ عَلِمَ بِالإحاطَةِ الَّتِي يَصْلُحُ أنْ تَلِيها ويَحْسُنَ مَعَها المَعْنى، وذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ في البَشَرِ. والهاءُ في "مِثْلِهِ" فَإنَّها -عَلى هَذا- عائِدَةٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا خَلْقَ الجَمادِ مِن غَيْرِ حَيٍّ، فَهم لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهُونَ كَما هي الجَماداتُ عَلَيْهِ؟ وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا لِغايَةِ عِقابٍ ولا ثَوابٍ فَهم لِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَتَشَرَّعُونَ؟ وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، أيْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أهُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا الأشْياءَ فَهم لِذَلِكَ يَتَكَبَّرُونَ؟ ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مِنَ الأشْياءِ السَماواتِ والأرْضَ لِعَظْمِها وشَرَفِها في المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُوقِنُونَ ولا يَنْظُرُونَ نَظَرًا يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ. (p-٩٩)

الطور 52:31

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ هَذا أمْرٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِالدُعاءِ إلى اللهِ ومُتابَعَةِ نَشْرِ الرِسالَةِ، ثُمَّ قالَ مُؤْنِسًا لَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: فَما أنْتَ بِإنْعامِ اللهِ تَعالى عَلَيْكَ ولُطْفِهِ بِكَ كاهِنٌ ولا مَجْنُونٌ، وكانَتِ العَرَبُ قَدْ عَهِدَتْ مُلابَسَةَ الجِنِّ والإنْسِ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، فَنَسَبَتْ (p-٩٦)مُحَمَّدًا ﷺ إلى ذَلِكَ، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنْ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ في دارِ النَدْوَةِ فَكَثُرَتْ آراؤُهم في مُحَمَّدٍ ﷺ، حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ فَإنَّهُ شاعِرٌ سَيَهْلَكُ كَما هَلَكَ زُهَيْرٌ والنابِغَةُ والأعْشى وغَيْرُهُمْ، فافْتَرَقُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. و"التَرَبُّصُ": الِانْتِظارُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تَرَبَّصَ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يَوْمًا أو يَمُوتُ حَلِيلُها وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ؎ ............... ∗∗∗ لَعَلَّها سَيَهْلَكُ عنها زَوْجُها أو سَيَجْنَحُ وقَوْلُهُ تَعالى: "قُلْ تَرَبَّصُوا" وعَيدٌ في صِيغَةِ أمْرٍ، و"المَنُونِ" مِن أسْماءِ المَوْتِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِن أسْماءِ الدَهْرِ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ، وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"الرَيْبُ هُنا: الحَوادِثُ والمَصائِبُ لِأنَّها تُرِيبُ مَن نَزَلَتْ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في أمْرِ ابْنَتِهِ فاطِمَةَ رِضى الله تَعالى عنها حِينَ ذَكَرَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ يَتَزَوَّجُ بِنْتَ أبِي جَهْلٍ: « "إنَّما فاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي ما أرابَها"،» يُقالُ: أرابَ ورابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٩٧) ؎ .................. ∗∗∗ فَقَدْ رابَنِي مِنها الغَداةَ سُفُورُها وقَوْل الآخَر: ؎ وقَدْ رابَنِي قَوْلُها يا هَنا هُ ∗∗∗..................... وأمَرَ اللهِ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِتَوَعُّدِهِمْ بِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِهَذا" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ "هُوَ شاعِرٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ (p-٩٨)إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأصْنامِ، و"الأحْلامُ": العُقُولُ، و"أمْ" المُتَكَرِّرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ قَدَّرَها بَعْضُ النُحاةِ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَدَّرَها مُجاهِدٌ بِـ "بَلْ"، والنَظَرُ المُحَرِّرُ في ذَلِكَ أنَّ مِنها ما يَتَقَدَّرُ بِـ "بَلْ والهَمْزَةُ" عَلى حَدِّ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِمْ: " إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ"، ومِنها ما هي مُعادَلَةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ"، وهو مَعْنى قِراءَةِ الناسِ إلّا أنَّ العِبارَةَ بِـ "أمْ" خَرَجَتْ مُخْرَجَ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: "ما في سُورَةِ [الطُورِ] مِنَ اسْتِفْهامٍ كُلُّهُ اسْتِفْهامٌ ولَيْسَتْ بِعَطْفٍ"، و"تَقَوَّلَهُ" مَعْناهُ: "قالَ عَنِ الغَيْرِ: إنَّهُ قالَهُ"، فَهي عِبارَةٌ عن كَذِبٍ مَخْصُوصٍ. ثُمَّ عَجَّزَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ والمُماثَلَةُ المَطْلُوبَةُ مِنهم هي في النَظْمِ والرَصْفِ والإيجازِ، واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ كانَتِ العَرَبُ قادِرَةً عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ قَبْلَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ فَقالَ شُذّاذٌ يُسَمَّوْنَ أهْلَ الصِرْفَةِ: كانَتْ قادِرَةً وصُرِفَتْ، وقالَ الجُمْهُورُ: لَمْ تَكُنْ قَطُّ قادِرَةً، ولا في قُدْرَةِ البَشَرِ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ؛ لِأنَّ البَشَرَ لا يُفارِقُهُ النِسْيانُ والسَهْوُ والجَهْلُ، واللهُ تَعالى مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا تَرَتَّبَتِ اللَفْظَةُ في القُرْآنِ عَلِمَ بِالإحاطَةِ الَّتِي يَصْلُحُ أنْ تَلِيها ويَحْسُنَ مَعَها المَعْنى، وذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ في البَشَرِ. والهاءُ في "مِثْلِهِ" فَإنَّها -عَلى هَذا- عائِدَةٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا خَلْقَ الجَمادِ مِن غَيْرِ حَيٍّ، فَهم لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهُونَ كَما هي الجَماداتُ عَلَيْهِ؟ وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا لِغايَةِ عِقابٍ ولا ثَوابٍ فَهم لِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَتَشَرَّعُونَ؟ وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، أيْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أهُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا الأشْياءَ فَهم لِذَلِكَ يَتَكَبَّرُونَ؟ ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مِنَ الأشْياءِ السَماواتِ والأرْضَ لِعَظْمِها وشَرَفِها في المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُوقِنُونَ ولا يَنْظُرُونَ نَظَرًا يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ. (p-٩٩)

الطور 52:32

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ هَذا أمْرٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِالدُعاءِ إلى اللهِ ومُتابَعَةِ نَشْرِ الرِسالَةِ، ثُمَّ قالَ مُؤْنِسًا لَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: فَما أنْتَ بِإنْعامِ اللهِ تَعالى عَلَيْكَ ولُطْفِهِ بِكَ كاهِنٌ ولا مَجْنُونٌ، وكانَتِ العَرَبُ قَدْ عَهِدَتْ مُلابَسَةَ الجِنِّ والإنْسِ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، فَنَسَبَتْ (p-٩٦)مُحَمَّدًا ﷺ إلى ذَلِكَ، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنْ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ في دارِ النَدْوَةِ فَكَثُرَتْ آراؤُهم في مُحَمَّدٍ ﷺ، حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ فَإنَّهُ شاعِرٌ سَيَهْلَكُ كَما هَلَكَ زُهَيْرٌ والنابِغَةُ والأعْشى وغَيْرُهُمْ، فافْتَرَقُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. و"التَرَبُّصُ": الِانْتِظارُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تَرَبَّصَ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يَوْمًا أو يَمُوتُ حَلِيلُها وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ؎ ............... ∗∗∗ لَعَلَّها سَيَهْلَكُ عنها زَوْجُها أو سَيَجْنَحُ وقَوْلُهُ تَعالى: "قُلْ تَرَبَّصُوا" وعَيدٌ في صِيغَةِ أمْرٍ، و"المَنُونِ" مِن أسْماءِ المَوْتِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِن أسْماءِ الدَهْرِ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ، وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"الرَيْبُ هُنا: الحَوادِثُ والمَصائِبُ لِأنَّها تُرِيبُ مَن نَزَلَتْ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في أمْرِ ابْنَتِهِ فاطِمَةَ رِضى الله تَعالى عنها حِينَ ذَكَرَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ يَتَزَوَّجُ بِنْتَ أبِي جَهْلٍ: « "إنَّما فاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي ما أرابَها"،» يُقالُ: أرابَ ورابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٩٧) ؎ .................. ∗∗∗ فَقَدْ رابَنِي مِنها الغَداةَ سُفُورُها وقَوْل الآخَر: ؎ وقَدْ رابَنِي قَوْلُها يا هَنا هُ ∗∗∗..................... وأمَرَ اللهِ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِتَوَعُّدِهِمْ بِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِهَذا" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ "هُوَ شاعِرٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ (p-٩٨)إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأصْنامِ، و"الأحْلامُ": العُقُولُ، و"أمْ" المُتَكَرِّرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ قَدَّرَها بَعْضُ النُحاةِ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَدَّرَها مُجاهِدٌ بِـ "بَلْ"، والنَظَرُ المُحَرِّرُ في ذَلِكَ أنَّ مِنها ما يَتَقَدَّرُ بِـ "بَلْ والهَمْزَةُ" عَلى حَدِّ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِمْ: " إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ"، ومِنها ما هي مُعادَلَةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ"، وهو مَعْنى قِراءَةِ الناسِ إلّا أنَّ العِبارَةَ بِـ "أمْ" خَرَجَتْ مُخْرَجَ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: "ما في سُورَةِ [الطُورِ] مِنَ اسْتِفْهامٍ كُلُّهُ اسْتِفْهامٌ ولَيْسَتْ بِعَطْفٍ"، و"تَقَوَّلَهُ" مَعْناهُ: "قالَ عَنِ الغَيْرِ: إنَّهُ قالَهُ"، فَهي عِبارَةٌ عن كَذِبٍ مَخْصُوصٍ. ثُمَّ عَجَّزَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ والمُماثَلَةُ المَطْلُوبَةُ مِنهم هي في النَظْمِ والرَصْفِ والإيجازِ، واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ كانَتِ العَرَبُ قادِرَةً عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ قَبْلَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ فَقالَ شُذّاذٌ يُسَمَّوْنَ أهْلَ الصِرْفَةِ: كانَتْ قادِرَةً وصُرِفَتْ، وقالَ الجُمْهُورُ: لَمْ تَكُنْ قَطُّ قادِرَةً، ولا في قُدْرَةِ البَشَرِ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ؛ لِأنَّ البَشَرَ لا يُفارِقُهُ النِسْيانُ والسَهْوُ والجَهْلُ، واللهُ تَعالى مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا تَرَتَّبَتِ اللَفْظَةُ في القُرْآنِ عَلِمَ بِالإحاطَةِ الَّتِي يَصْلُحُ أنْ تَلِيها ويَحْسُنَ مَعَها المَعْنى، وذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ في البَشَرِ. والهاءُ في "مِثْلِهِ" فَإنَّها -عَلى هَذا- عائِدَةٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا خَلْقَ الجَمادِ مِن غَيْرِ حَيٍّ، فَهم لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهُونَ كَما هي الجَماداتُ عَلَيْهِ؟ وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا لِغايَةِ عِقابٍ ولا ثَوابٍ فَهم لِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَتَشَرَّعُونَ؟ وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، أيْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أهُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا الأشْياءَ فَهم لِذَلِكَ يَتَكَبَّرُونَ؟ ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مِنَ الأشْياءِ السَماواتِ والأرْضَ لِعَظْمِها وشَرَفِها في المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُوقِنُونَ ولا يَنْظُرُونَ نَظَرًا يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ. (p-٩٩)

الطور 52:33

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ هَذا أمْرٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِالدُعاءِ إلى اللهِ ومُتابَعَةِ نَشْرِ الرِسالَةِ، ثُمَّ قالَ مُؤْنِسًا لَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: فَما أنْتَ بِإنْعامِ اللهِ تَعالى عَلَيْكَ ولُطْفِهِ بِكَ كاهِنٌ ولا مَجْنُونٌ، وكانَتِ العَرَبُ قَدْ عَهِدَتْ مُلابَسَةَ الجِنِّ والإنْسِ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، فَنَسَبَتْ (p-٩٦)مُحَمَّدًا ﷺ إلى ذَلِكَ، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنْ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ في دارِ النَدْوَةِ فَكَثُرَتْ آراؤُهم في مُحَمَّدٍ ﷺ، حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ فَإنَّهُ شاعِرٌ سَيَهْلَكُ كَما هَلَكَ زُهَيْرٌ والنابِغَةُ والأعْشى وغَيْرُهُمْ، فافْتَرَقُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. و"التَرَبُّصُ": الِانْتِظارُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تَرَبَّصَ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يَوْمًا أو يَمُوتُ حَلِيلُها وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ؎ ............... ∗∗∗ لَعَلَّها سَيَهْلَكُ عنها زَوْجُها أو سَيَجْنَحُ وقَوْلُهُ تَعالى: "قُلْ تَرَبَّصُوا" وعَيدٌ في صِيغَةِ أمْرٍ، و"المَنُونِ" مِن أسْماءِ المَوْتِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِن أسْماءِ الدَهْرِ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ، وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"الرَيْبُ هُنا: الحَوادِثُ والمَصائِبُ لِأنَّها تُرِيبُ مَن نَزَلَتْ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في أمْرِ ابْنَتِهِ فاطِمَةَ رِضى الله تَعالى عنها حِينَ ذَكَرَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ يَتَزَوَّجُ بِنْتَ أبِي جَهْلٍ: « "إنَّما فاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي ما أرابَها"،» يُقالُ: أرابَ ورابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٩٧) ؎ .................. ∗∗∗ فَقَدْ رابَنِي مِنها الغَداةَ سُفُورُها وقَوْل الآخَر: ؎ وقَدْ رابَنِي قَوْلُها يا هَنا هُ ∗∗∗..................... وأمَرَ اللهِ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِتَوَعُّدِهِمْ بِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِهَذا" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ "هُوَ شاعِرٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ (p-٩٨)إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأصْنامِ، و"الأحْلامُ": العُقُولُ، و"أمْ" المُتَكَرِّرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ قَدَّرَها بَعْضُ النُحاةِ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَدَّرَها مُجاهِدٌ بِـ "بَلْ"، والنَظَرُ المُحَرِّرُ في ذَلِكَ أنَّ مِنها ما يَتَقَدَّرُ بِـ "بَلْ والهَمْزَةُ" عَلى حَدِّ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِمْ: " إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ"، ومِنها ما هي مُعادَلَةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ"، وهو مَعْنى قِراءَةِ الناسِ إلّا أنَّ العِبارَةَ بِـ "أمْ" خَرَجَتْ مُخْرَجَ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: "ما في سُورَةِ [الطُورِ] مِنَ اسْتِفْهامٍ كُلُّهُ اسْتِفْهامٌ ولَيْسَتْ بِعَطْفٍ"، و"تَقَوَّلَهُ" مَعْناهُ: "قالَ عَنِ الغَيْرِ: إنَّهُ قالَهُ"، فَهي عِبارَةٌ عن كَذِبٍ مَخْصُوصٍ. ثُمَّ عَجَّزَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ والمُماثَلَةُ المَطْلُوبَةُ مِنهم هي في النَظْمِ والرَصْفِ والإيجازِ، واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ كانَتِ العَرَبُ قادِرَةً عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ قَبْلَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ فَقالَ شُذّاذٌ يُسَمَّوْنَ أهْلَ الصِرْفَةِ: كانَتْ قادِرَةً وصُرِفَتْ، وقالَ الجُمْهُورُ: لَمْ تَكُنْ قَطُّ قادِرَةً، ولا في قُدْرَةِ البَشَرِ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ؛ لِأنَّ البَشَرَ لا يُفارِقُهُ النِسْيانُ والسَهْوُ والجَهْلُ، واللهُ تَعالى مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا تَرَتَّبَتِ اللَفْظَةُ في القُرْآنِ عَلِمَ بِالإحاطَةِ الَّتِي يَصْلُحُ أنْ تَلِيها ويَحْسُنَ مَعَها المَعْنى، وذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ في البَشَرِ. والهاءُ في "مِثْلِهِ" فَإنَّها -عَلى هَذا- عائِدَةٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا خَلْقَ الجَمادِ مِن غَيْرِ حَيٍّ، فَهم لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهُونَ كَما هي الجَماداتُ عَلَيْهِ؟ وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا لِغايَةِ عِقابٍ ولا ثَوابٍ فَهم لِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَتَشَرَّعُونَ؟ وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، أيْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أهُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا الأشْياءَ فَهم لِذَلِكَ يَتَكَبَّرُونَ؟ ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مِنَ الأشْياءِ السَماواتِ والأرْضَ لِعَظْمِها وشَرَفِها في المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُوقِنُونَ ولا يَنْظُرُونَ نَظَرًا يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ. (p-٩٩)

الطور 52:34

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ هَذا أمْرٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِالدُعاءِ إلى اللهِ ومُتابَعَةِ نَشْرِ الرِسالَةِ، ثُمَّ قالَ مُؤْنِسًا لَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: فَما أنْتَ بِإنْعامِ اللهِ تَعالى عَلَيْكَ ولُطْفِهِ بِكَ كاهِنٌ ولا مَجْنُونٌ، وكانَتِ العَرَبُ قَدْ عَهِدَتْ مُلابَسَةَ الجِنِّ والإنْسِ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، فَنَسَبَتْ (p-٩٦)مُحَمَّدًا ﷺ إلى ذَلِكَ، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنْ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ في دارِ النَدْوَةِ فَكَثُرَتْ آراؤُهم في مُحَمَّدٍ ﷺ، حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ فَإنَّهُ شاعِرٌ سَيَهْلَكُ كَما هَلَكَ زُهَيْرٌ والنابِغَةُ والأعْشى وغَيْرُهُمْ، فافْتَرَقُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. و"التَرَبُّصُ": الِانْتِظارُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تَرَبَّصَ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يَوْمًا أو يَمُوتُ حَلِيلُها وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ؎ ............... ∗∗∗ لَعَلَّها سَيَهْلَكُ عنها زَوْجُها أو سَيَجْنَحُ وقَوْلُهُ تَعالى: "قُلْ تَرَبَّصُوا" وعَيدٌ في صِيغَةِ أمْرٍ، و"المَنُونِ" مِن أسْماءِ المَوْتِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِن أسْماءِ الدَهْرِ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ، وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"الرَيْبُ هُنا: الحَوادِثُ والمَصائِبُ لِأنَّها تُرِيبُ مَن نَزَلَتْ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في أمْرِ ابْنَتِهِ فاطِمَةَ رِضى الله تَعالى عنها حِينَ ذَكَرَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ يَتَزَوَّجُ بِنْتَ أبِي جَهْلٍ: « "إنَّما فاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي ما أرابَها"،» يُقالُ: أرابَ ورابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٩٧) ؎ .................. ∗∗∗ فَقَدْ رابَنِي مِنها الغَداةَ سُفُورُها وقَوْل الآخَر: ؎ وقَدْ رابَنِي قَوْلُها يا هَنا هُ ∗∗∗..................... وأمَرَ اللهِ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِتَوَعُّدِهِمْ بِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِهَذا" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ "هُوَ شاعِرٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ (p-٩٨)إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأصْنامِ، و"الأحْلامُ": العُقُولُ، و"أمْ" المُتَكَرِّرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ قَدَّرَها بَعْضُ النُحاةِ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَدَّرَها مُجاهِدٌ بِـ "بَلْ"، والنَظَرُ المُحَرِّرُ في ذَلِكَ أنَّ مِنها ما يَتَقَدَّرُ بِـ "بَلْ والهَمْزَةُ" عَلى حَدِّ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِمْ: " إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ"، ومِنها ما هي مُعادَلَةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ"، وهو مَعْنى قِراءَةِ الناسِ إلّا أنَّ العِبارَةَ بِـ "أمْ" خَرَجَتْ مُخْرَجَ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: "ما في سُورَةِ [الطُورِ] مِنَ اسْتِفْهامٍ كُلُّهُ اسْتِفْهامٌ ولَيْسَتْ بِعَطْفٍ"، و"تَقَوَّلَهُ" مَعْناهُ: "قالَ عَنِ الغَيْرِ: إنَّهُ قالَهُ"، فَهي عِبارَةٌ عن كَذِبٍ مَخْصُوصٍ. ثُمَّ عَجَّزَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ والمُماثَلَةُ المَطْلُوبَةُ مِنهم هي في النَظْمِ والرَصْفِ والإيجازِ، واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ كانَتِ العَرَبُ قادِرَةً عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ قَبْلَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ فَقالَ شُذّاذٌ يُسَمَّوْنَ أهْلَ الصِرْفَةِ: كانَتْ قادِرَةً وصُرِفَتْ، وقالَ الجُمْهُورُ: لَمْ تَكُنْ قَطُّ قادِرَةً، ولا في قُدْرَةِ البَشَرِ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ؛ لِأنَّ البَشَرَ لا يُفارِقُهُ النِسْيانُ والسَهْوُ والجَهْلُ، واللهُ تَعالى مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا تَرَتَّبَتِ اللَفْظَةُ في القُرْآنِ عَلِمَ بِالإحاطَةِ الَّتِي يَصْلُحُ أنْ تَلِيها ويَحْسُنَ مَعَها المَعْنى، وذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ في البَشَرِ. والهاءُ في "مِثْلِهِ" فَإنَّها -عَلى هَذا- عائِدَةٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا خَلْقَ الجَمادِ مِن غَيْرِ حَيٍّ، فَهم لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهُونَ كَما هي الجَماداتُ عَلَيْهِ؟ وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا لِغايَةِ عِقابٍ ولا ثَوابٍ فَهم لِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَتَشَرَّعُونَ؟ وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، أيْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أهُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا الأشْياءَ فَهم لِذَلِكَ يَتَكَبَّرُونَ؟ ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مِنَ الأشْياءِ السَماواتِ والأرْضَ لِعَظْمِها وشَرَفِها في المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُوقِنُونَ ولا يَنْظُرُونَ نَظَرًا يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ. (p-٩٩)

الطور 52:35

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ هَذا أمْرٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِالدُعاءِ إلى اللهِ ومُتابَعَةِ نَشْرِ الرِسالَةِ، ثُمَّ قالَ مُؤْنِسًا لَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: فَما أنْتَ بِإنْعامِ اللهِ تَعالى عَلَيْكَ ولُطْفِهِ بِكَ كاهِنٌ ولا مَجْنُونٌ، وكانَتِ العَرَبُ قَدْ عَهِدَتْ مُلابَسَةَ الجِنِّ والإنْسِ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، فَنَسَبَتْ (p-٩٦)مُحَمَّدًا ﷺ إلى ذَلِكَ، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنْ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ في دارِ النَدْوَةِ فَكَثُرَتْ آراؤُهم في مُحَمَّدٍ ﷺ، حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ فَإنَّهُ شاعِرٌ سَيَهْلَكُ كَما هَلَكَ زُهَيْرٌ والنابِغَةُ والأعْشى وغَيْرُهُمْ، فافْتَرَقُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. و"التَرَبُّصُ": الِانْتِظارُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تَرَبَّصَ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يَوْمًا أو يَمُوتُ حَلِيلُها وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ؎ ............... ∗∗∗ لَعَلَّها سَيَهْلَكُ عنها زَوْجُها أو سَيَجْنَحُ وقَوْلُهُ تَعالى: "قُلْ تَرَبَّصُوا" وعَيدٌ في صِيغَةِ أمْرٍ، و"المَنُونِ" مِن أسْماءِ المَوْتِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِن أسْماءِ الدَهْرِ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ، وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"الرَيْبُ هُنا: الحَوادِثُ والمَصائِبُ لِأنَّها تُرِيبُ مَن نَزَلَتْ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في أمْرِ ابْنَتِهِ فاطِمَةَ رِضى الله تَعالى عنها حِينَ ذَكَرَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ يَتَزَوَّجُ بِنْتَ أبِي جَهْلٍ: « "إنَّما فاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي ما أرابَها"،» يُقالُ: أرابَ ورابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٩٧) ؎ .................. ∗∗∗ فَقَدْ رابَنِي مِنها الغَداةَ سُفُورُها وقَوْل الآخَر: ؎ وقَدْ رابَنِي قَوْلُها يا هَنا هُ ∗∗∗..................... وأمَرَ اللهِ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِتَوَعُّدِهِمْ بِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِهَذا" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ "هُوَ شاعِرٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ (p-٩٨)إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأصْنامِ، و"الأحْلامُ": العُقُولُ، و"أمْ" المُتَكَرِّرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ قَدَّرَها بَعْضُ النُحاةِ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَدَّرَها مُجاهِدٌ بِـ "بَلْ"، والنَظَرُ المُحَرِّرُ في ذَلِكَ أنَّ مِنها ما يَتَقَدَّرُ بِـ "بَلْ والهَمْزَةُ" عَلى حَدِّ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِمْ: " إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ"، ومِنها ما هي مُعادَلَةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ"، وهو مَعْنى قِراءَةِ الناسِ إلّا أنَّ العِبارَةَ بِـ "أمْ" خَرَجَتْ مُخْرَجَ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: "ما في سُورَةِ [الطُورِ] مِنَ اسْتِفْهامٍ كُلُّهُ اسْتِفْهامٌ ولَيْسَتْ بِعَطْفٍ"، و"تَقَوَّلَهُ" مَعْناهُ: "قالَ عَنِ الغَيْرِ: إنَّهُ قالَهُ"، فَهي عِبارَةٌ عن كَذِبٍ مَخْصُوصٍ. ثُمَّ عَجَّزَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ والمُماثَلَةُ المَطْلُوبَةُ مِنهم هي في النَظْمِ والرَصْفِ والإيجازِ، واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ كانَتِ العَرَبُ قادِرَةً عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ قَبْلَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ فَقالَ شُذّاذٌ يُسَمَّوْنَ أهْلَ الصِرْفَةِ: كانَتْ قادِرَةً وصُرِفَتْ، وقالَ الجُمْهُورُ: لَمْ تَكُنْ قَطُّ قادِرَةً، ولا في قُدْرَةِ البَشَرِ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ؛ لِأنَّ البَشَرَ لا يُفارِقُهُ النِسْيانُ والسَهْوُ والجَهْلُ، واللهُ تَعالى مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا تَرَتَّبَتِ اللَفْظَةُ في القُرْآنِ عَلِمَ بِالإحاطَةِ الَّتِي يَصْلُحُ أنْ تَلِيها ويَحْسُنَ مَعَها المَعْنى، وذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ في البَشَرِ. والهاءُ في "مِثْلِهِ" فَإنَّها -عَلى هَذا- عائِدَةٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا خَلْقَ الجَمادِ مِن غَيْرِ حَيٍّ، فَهم لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهُونَ كَما هي الجَماداتُ عَلَيْهِ؟ وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا لِغايَةِ عِقابٍ ولا ثَوابٍ فَهم لِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَتَشَرَّعُونَ؟ وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، أيْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أهُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا الأشْياءَ فَهم لِذَلِكَ يَتَكَبَّرُونَ؟ ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مِنَ الأشْياءِ السَماواتِ والأرْضَ لِعَظْمِها وشَرَفِها في المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُوقِنُونَ ولا يَنْظُرُونَ نَظَرًا يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ. (p-٩٩)

الطور 52:36

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ هَذا أمْرٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِالدُعاءِ إلى اللهِ ومُتابَعَةِ نَشْرِ الرِسالَةِ، ثُمَّ قالَ مُؤْنِسًا لَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: فَما أنْتَ بِإنْعامِ اللهِ تَعالى عَلَيْكَ ولُطْفِهِ بِكَ كاهِنٌ ولا مَجْنُونٌ، وكانَتِ العَرَبُ قَدْ عَهِدَتْ مُلابَسَةَ الجِنِّ والإنْسِ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، فَنَسَبَتْ (p-٩٦)مُحَمَّدًا ﷺ إلى ذَلِكَ، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنْ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ في دارِ النَدْوَةِ فَكَثُرَتْ آراؤُهم في مُحَمَّدٍ ﷺ، حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ فَإنَّهُ شاعِرٌ سَيَهْلَكُ كَما هَلَكَ زُهَيْرٌ والنابِغَةُ والأعْشى وغَيْرُهُمْ، فافْتَرَقُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. و"التَرَبُّصُ": الِانْتِظارُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تَرَبَّصَ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يَوْمًا أو يَمُوتُ حَلِيلُها وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ؎ ............... ∗∗∗ لَعَلَّها سَيَهْلَكُ عنها زَوْجُها أو سَيَجْنَحُ وقَوْلُهُ تَعالى: "قُلْ تَرَبَّصُوا" وعَيدٌ في صِيغَةِ أمْرٍ، و"المَنُونِ" مِن أسْماءِ المَوْتِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِن أسْماءِ الدَهْرِ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ، وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"الرَيْبُ هُنا: الحَوادِثُ والمَصائِبُ لِأنَّها تُرِيبُ مَن نَزَلَتْ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في أمْرِ ابْنَتِهِ فاطِمَةَ رِضى الله تَعالى عنها حِينَ ذَكَرَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ يَتَزَوَّجُ بِنْتَ أبِي جَهْلٍ: « "إنَّما فاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي ما أرابَها"،» يُقالُ: أرابَ ورابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٩٧) ؎ .................. ∗∗∗ فَقَدْ رابَنِي مِنها الغَداةَ سُفُورُها وقَوْل الآخَر: ؎ وقَدْ رابَنِي قَوْلُها يا هَنا هُ ∗∗∗..................... وأمَرَ اللهِ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِتَوَعُّدِهِمْ بِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِهَذا" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ "هُوَ شاعِرٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ (p-٩٨)إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأصْنامِ، و"الأحْلامُ": العُقُولُ، و"أمْ" المُتَكَرِّرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ قَدَّرَها بَعْضُ النُحاةِ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَدَّرَها مُجاهِدٌ بِـ "بَلْ"، والنَظَرُ المُحَرِّرُ في ذَلِكَ أنَّ مِنها ما يَتَقَدَّرُ بِـ "بَلْ والهَمْزَةُ" عَلى حَدِّ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِمْ: " إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ"، ومِنها ما هي مُعادَلَةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ"، وهو مَعْنى قِراءَةِ الناسِ إلّا أنَّ العِبارَةَ بِـ "أمْ" خَرَجَتْ مُخْرَجَ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: "ما في سُورَةِ [الطُورِ] مِنَ اسْتِفْهامٍ كُلُّهُ اسْتِفْهامٌ ولَيْسَتْ بِعَطْفٍ"، و"تَقَوَّلَهُ" مَعْناهُ: "قالَ عَنِ الغَيْرِ: إنَّهُ قالَهُ"، فَهي عِبارَةٌ عن كَذِبٍ مَخْصُوصٍ. ثُمَّ عَجَّزَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ والمُماثَلَةُ المَطْلُوبَةُ مِنهم هي في النَظْمِ والرَصْفِ والإيجازِ، واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ كانَتِ العَرَبُ قادِرَةً عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ قَبْلَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ فَقالَ شُذّاذٌ يُسَمَّوْنَ أهْلَ الصِرْفَةِ: كانَتْ قادِرَةً وصُرِفَتْ، وقالَ الجُمْهُورُ: لَمْ تَكُنْ قَطُّ قادِرَةً، ولا في قُدْرَةِ البَشَرِ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ؛ لِأنَّ البَشَرَ لا يُفارِقُهُ النِسْيانُ والسَهْوُ والجَهْلُ، واللهُ تَعالى مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا تَرَتَّبَتِ اللَفْظَةُ في القُرْآنِ عَلِمَ بِالإحاطَةِ الَّتِي يَصْلُحُ أنْ تَلِيها ويَحْسُنَ مَعَها المَعْنى، وذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ في البَشَرِ. والهاءُ في "مِثْلِهِ" فَإنَّها -عَلى هَذا- عائِدَةٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا خَلْقَ الجَمادِ مِن غَيْرِ حَيٍّ، فَهم لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهُونَ كَما هي الجَماداتُ عَلَيْهِ؟ وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا لِغايَةِ عِقابٍ ولا ثَوابٍ فَهم لِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَتَشَرَّعُونَ؟ وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، أيْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أهُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا الأشْياءَ فَهم لِذَلِكَ يَتَكَبَّرُونَ؟ ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مِنَ الأشْياءِ السَماواتِ والأرْضَ لِعَظْمِها وشَرَفِها في المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُوقِنُونَ ولا يَنْظُرُونَ نَظَرًا يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ. (p-٩٩)

الطور 52:37

قوله عزّ وجلّ: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: "أمْ عِنْدَهُمُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اللهِ في جَمِيعِ الأُمُورِ"؟ لِأنَّ المالَ والصِحَّةَ والقُوَّةَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ كُلُّها مِن خَزائِنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ: يُرِيدُ بِالخَزائِنِ العِلْمَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ إذا تُؤَمِّلَ وبُسِطَ، قالَ الرُمّانِيُّ: خَزائِنُهُ تَعالى: مَقْدُوراتِهِ. و: "المُصَيْطِرُ": المُسَلِّطُ القاهِرُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأصْلُهُ السِينُ، ولَكِنْ كَتَبَهُ بَعْضُ الناسِ وقَرَأهُ بِالصادِّ مُراعاةً لِلطّاءِ لِيَتَناسَبَ النُطْقُ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: "تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ" إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا. و"السُلَّمُ": السَبَبُ الَّذِي يَصْعَدُ بِهِ، كانَ ما كانَ، مِن خَشَبٍ أو بِناءٍ أو حِبالٍ أو غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: ؎ لا تُحْرِزُ المَرْءُ أحْجاءَ البِلادِ ولا تُبْنى لَهُ في السَماواتِ السَلالِيمُ وحَكى الرُمّانِيُّ قالَ: لا يُقالُ "سُلَّمٌ" لِما بُنِي مِنَ الأدْراجِ وإنَّما السُلَّمُ المُشَبَّكُ، وبَيْتُ الشِعْرِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، والمَعْنى: ألْهم سُلَّمٌ إلى السَماءِ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ؟ أيْ: عَلَيْهِ ومِنهُ، وهَذِهِ حُرُوفُ يَسُدُّ بَعْضُها مَسَدَّ بَعْضٍ، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ الخَبَرَ بِصِحَّةِ (p-١٠٠)ما يَدْعُونَ، فَلْيَأْتُوا بِالحُجَّةِ المُبَيِّنَةِ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ﴾ الآيَةُ... مَعْناهُ: أمْ هم أهْلُ الفَضِيلَةِ عَلَيْنا فَيَلْزَمُ لِذَلِكَ انْتِحاؤُهم وتَكْبُرُهُمْ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ تَسْألُهم يا مُحَمَّدُ عَلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى وشَرْعِهِ أُجْرَةً يُثْقِلُهم غُرْمُها فَهم لِذَلِكَ يَكْرَهُونَ الدُخُولَ فِيما يُوجِبُ غَرامَتَهُمْ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ عِنْدَهُمُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهم يُبَيِّنُونَ ذَلِكَ لِلنّاسِ سُنَنًا وشَرْعًا يَكْتُبُونَهُ، وذَلِكَ عِبادَةُ الأوثانِ وتَسْيِيبُ السَوائِبِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن شَرِّهِمْ؟ وقِيلَ: المَعْنى: فَهم يَعْلَمُونَ مَتى يَمُوتُ مُحَمَّدٌ الَّذِي يَتَرَبَّصُونَ بِهِ؟ و"يَكْتُبُونَ" بِمَعْنى يَحْكُمُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْنِي أمْ عِنْدَهُمُ اللَوْحُ المَحْفُوظُ فَهم يَكْتُبُونَ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا بِكَ وبِالشَرْعِ؟ ثُمَّ جَزَمَ الخَبَرَ بِأنَّهم هُمُ المَكِيدُونَ، أيْ المَغْلُوبُونَ، فَسَمّى تَعالى غَلَبَتَهم كَيْدًا إذْ كانَتْ عُقُوبَةَ الكَيْدِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَعْصِمُهم ويَمْنَعُهم مِنهم ويَدْفَعُ في صَدْرِ إهْلاكِهِمْ، ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ والأوثانِ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي وقَّفَهم تَعالى عَلَيْها حَصَرَتْ جَمِيعَ المَعانِي الَّتِي تُوجِبُ الِانْتِخاءَ والتَكَبُّرَ والبُعْدَ مِنَ الِائْتِمارِ، فَوَقَّفَهم تَعالى عَلَيْها، أيْ لَيْسَتْ لَهُمْ، ولا بَقِيَ شَيْءٌ يُوجِبُ ذَلِكَ إلّا أنَّهم قَوْمٌ طاغُونَ، وهَذِهِ صِفَةٌ فِيها تَكَسُّبُهم وإيثارُهُمْ، فَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ عِقابُهم. ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم عَلى الغايَةِ مِنَ العُتُوِّ والتَمَسُّكِ بِالأقْوالِ الباطِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَ في جُمْلَةِ ما اقْتَرَحَتْ "أنْ تُسْقِطَ السَماءَ عَلَيْنا كِسَفًا" وهي القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى "كِسْفٌ" كَتَمْرَةٌ وتَمْرٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: هي الَّتِي تَكُونُ بِقَدْرِ ما يَكْسِفُ ضَوْءَ الشَمْسِ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ رَأوا كِسْفًا ساقِطًا حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ لَبَلَغَ بِهِمُ العُتُوُّ والجَهْلُ والبُعْدُ عَنِ الحَقِّ أنْ يُغالِطُوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم ويَقُولُوا: "سَحابٌ مَرْكُومٌ"، أيّ كَثِيفٍ قَدْ تَراكم بَعْضه فَوْقَ بَعْض، ولِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِر في آياتٍ أخَّرَ. (p-١٠١)

الطور 52:38

قوله عزّ وجلّ: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: "أمْ عِنْدَهُمُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اللهِ في جَمِيعِ الأُمُورِ"؟ لِأنَّ المالَ والصِحَّةَ والقُوَّةَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ كُلُّها مِن خَزائِنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ: يُرِيدُ بِالخَزائِنِ العِلْمَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ إذا تُؤَمِّلَ وبُسِطَ، قالَ الرُمّانِيُّ: خَزائِنُهُ تَعالى: مَقْدُوراتِهِ. و: "المُصَيْطِرُ": المُسَلِّطُ القاهِرُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأصْلُهُ السِينُ، ولَكِنْ كَتَبَهُ بَعْضُ الناسِ وقَرَأهُ بِالصادِّ مُراعاةً لِلطّاءِ لِيَتَناسَبَ النُطْقُ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: "تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ" إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا. و"السُلَّمُ": السَبَبُ الَّذِي يَصْعَدُ بِهِ، كانَ ما كانَ، مِن خَشَبٍ أو بِناءٍ أو حِبالٍ أو غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: ؎ لا تُحْرِزُ المَرْءُ أحْجاءَ البِلادِ ولا تُبْنى لَهُ في السَماواتِ السَلالِيمُ وحَكى الرُمّانِيُّ قالَ: لا يُقالُ "سُلَّمٌ" لِما بُنِي مِنَ الأدْراجِ وإنَّما السُلَّمُ المُشَبَّكُ، وبَيْتُ الشِعْرِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، والمَعْنى: ألْهم سُلَّمٌ إلى السَماءِ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ؟ أيْ: عَلَيْهِ ومِنهُ، وهَذِهِ حُرُوفُ يَسُدُّ بَعْضُها مَسَدَّ بَعْضٍ، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ الخَبَرَ بِصِحَّةِ (p-١٠٠)ما يَدْعُونَ، فَلْيَأْتُوا بِالحُجَّةِ المُبَيِّنَةِ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ﴾ الآيَةُ... مَعْناهُ: أمْ هم أهْلُ الفَضِيلَةِ عَلَيْنا فَيَلْزَمُ لِذَلِكَ انْتِحاؤُهم وتَكْبُرُهُمْ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ تَسْألُهم يا مُحَمَّدُ عَلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى وشَرْعِهِ أُجْرَةً يُثْقِلُهم غُرْمُها فَهم لِذَلِكَ يَكْرَهُونَ الدُخُولَ فِيما يُوجِبُ غَرامَتَهُمْ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ عِنْدَهُمُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهم يُبَيِّنُونَ ذَلِكَ لِلنّاسِ سُنَنًا وشَرْعًا يَكْتُبُونَهُ، وذَلِكَ عِبادَةُ الأوثانِ وتَسْيِيبُ السَوائِبِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن شَرِّهِمْ؟ وقِيلَ: المَعْنى: فَهم يَعْلَمُونَ مَتى يَمُوتُ مُحَمَّدٌ الَّذِي يَتَرَبَّصُونَ بِهِ؟ و"يَكْتُبُونَ" بِمَعْنى يَحْكُمُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْنِي أمْ عِنْدَهُمُ اللَوْحُ المَحْفُوظُ فَهم يَكْتُبُونَ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا بِكَ وبِالشَرْعِ؟ ثُمَّ جَزَمَ الخَبَرَ بِأنَّهم هُمُ المَكِيدُونَ، أيْ المَغْلُوبُونَ، فَسَمّى تَعالى غَلَبَتَهم كَيْدًا إذْ كانَتْ عُقُوبَةَ الكَيْدِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَعْصِمُهم ويَمْنَعُهم مِنهم ويَدْفَعُ في صَدْرِ إهْلاكِهِمْ، ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ والأوثانِ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي وقَّفَهم تَعالى عَلَيْها حَصَرَتْ جَمِيعَ المَعانِي الَّتِي تُوجِبُ الِانْتِخاءَ والتَكَبُّرَ والبُعْدَ مِنَ الِائْتِمارِ، فَوَقَّفَهم تَعالى عَلَيْها، أيْ لَيْسَتْ لَهُمْ، ولا بَقِيَ شَيْءٌ يُوجِبُ ذَلِكَ إلّا أنَّهم قَوْمٌ طاغُونَ، وهَذِهِ صِفَةٌ فِيها تَكَسُّبُهم وإيثارُهُمْ، فَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ عِقابُهم. ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم عَلى الغايَةِ مِنَ العُتُوِّ والتَمَسُّكِ بِالأقْوالِ الباطِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَ في جُمْلَةِ ما اقْتَرَحَتْ "أنْ تُسْقِطَ السَماءَ عَلَيْنا كِسَفًا" وهي القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى "كِسْفٌ" كَتَمْرَةٌ وتَمْرٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: هي الَّتِي تَكُونُ بِقَدْرِ ما يَكْسِفُ ضَوْءَ الشَمْسِ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ رَأوا كِسْفًا ساقِطًا حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ لَبَلَغَ بِهِمُ العُتُوُّ والجَهْلُ والبُعْدُ عَنِ الحَقِّ أنْ يُغالِطُوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم ويَقُولُوا: "سَحابٌ مَرْكُومٌ"، أيّ كَثِيفٍ قَدْ تَراكم بَعْضه فَوْقَ بَعْض، ولِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِر في آياتٍ أخَّرَ. (p-١٠١)

الطور 52:39

قوله عزّ وجلّ: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: "أمْ عِنْدَهُمُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اللهِ في جَمِيعِ الأُمُورِ"؟ لِأنَّ المالَ والصِحَّةَ والقُوَّةَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ كُلُّها مِن خَزائِنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ: يُرِيدُ بِالخَزائِنِ العِلْمَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ إذا تُؤَمِّلَ وبُسِطَ، قالَ الرُمّانِيُّ: خَزائِنُهُ تَعالى: مَقْدُوراتِهِ. و: "المُصَيْطِرُ": المُسَلِّطُ القاهِرُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأصْلُهُ السِينُ، ولَكِنْ كَتَبَهُ بَعْضُ الناسِ وقَرَأهُ بِالصادِّ مُراعاةً لِلطّاءِ لِيَتَناسَبَ النُطْقُ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: "تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ" إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا. و"السُلَّمُ": السَبَبُ الَّذِي يَصْعَدُ بِهِ، كانَ ما كانَ، مِن خَشَبٍ أو بِناءٍ أو حِبالٍ أو غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: ؎ لا تُحْرِزُ المَرْءُ أحْجاءَ البِلادِ ولا تُبْنى لَهُ في السَماواتِ السَلالِيمُ وحَكى الرُمّانِيُّ قالَ: لا يُقالُ "سُلَّمٌ" لِما بُنِي مِنَ الأدْراجِ وإنَّما السُلَّمُ المُشَبَّكُ، وبَيْتُ الشِعْرِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، والمَعْنى: ألْهم سُلَّمٌ إلى السَماءِ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ؟ أيْ: عَلَيْهِ ومِنهُ، وهَذِهِ حُرُوفُ يَسُدُّ بَعْضُها مَسَدَّ بَعْضٍ، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ الخَبَرَ بِصِحَّةِ (p-١٠٠)ما يَدْعُونَ، فَلْيَأْتُوا بِالحُجَّةِ المُبَيِّنَةِ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ﴾ الآيَةُ... مَعْناهُ: أمْ هم أهْلُ الفَضِيلَةِ عَلَيْنا فَيَلْزَمُ لِذَلِكَ انْتِحاؤُهم وتَكْبُرُهُمْ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ تَسْألُهم يا مُحَمَّدُ عَلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى وشَرْعِهِ أُجْرَةً يُثْقِلُهم غُرْمُها فَهم لِذَلِكَ يَكْرَهُونَ الدُخُولَ فِيما يُوجِبُ غَرامَتَهُمْ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ عِنْدَهُمُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهم يُبَيِّنُونَ ذَلِكَ لِلنّاسِ سُنَنًا وشَرْعًا يَكْتُبُونَهُ، وذَلِكَ عِبادَةُ الأوثانِ وتَسْيِيبُ السَوائِبِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن شَرِّهِمْ؟ وقِيلَ: المَعْنى: فَهم يَعْلَمُونَ مَتى يَمُوتُ مُحَمَّدٌ الَّذِي يَتَرَبَّصُونَ بِهِ؟ و"يَكْتُبُونَ" بِمَعْنى يَحْكُمُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْنِي أمْ عِنْدَهُمُ اللَوْحُ المَحْفُوظُ فَهم يَكْتُبُونَ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا بِكَ وبِالشَرْعِ؟ ثُمَّ جَزَمَ الخَبَرَ بِأنَّهم هُمُ المَكِيدُونَ، أيْ المَغْلُوبُونَ، فَسَمّى تَعالى غَلَبَتَهم كَيْدًا إذْ كانَتْ عُقُوبَةَ الكَيْدِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَعْصِمُهم ويَمْنَعُهم مِنهم ويَدْفَعُ في صَدْرِ إهْلاكِهِمْ، ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ والأوثانِ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي وقَّفَهم تَعالى عَلَيْها حَصَرَتْ جَمِيعَ المَعانِي الَّتِي تُوجِبُ الِانْتِخاءَ والتَكَبُّرَ والبُعْدَ مِنَ الِائْتِمارِ، فَوَقَّفَهم تَعالى عَلَيْها، أيْ لَيْسَتْ لَهُمْ، ولا بَقِيَ شَيْءٌ يُوجِبُ ذَلِكَ إلّا أنَّهم قَوْمٌ طاغُونَ، وهَذِهِ صِفَةٌ فِيها تَكَسُّبُهم وإيثارُهُمْ، فَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ عِقابُهم. ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم عَلى الغايَةِ مِنَ العُتُوِّ والتَمَسُّكِ بِالأقْوالِ الباطِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَ في جُمْلَةِ ما اقْتَرَحَتْ "أنْ تُسْقِطَ السَماءَ عَلَيْنا كِسَفًا" وهي القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى "كِسْفٌ" كَتَمْرَةٌ وتَمْرٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: هي الَّتِي تَكُونُ بِقَدْرِ ما يَكْسِفُ ضَوْءَ الشَمْسِ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ رَأوا كِسْفًا ساقِطًا حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ لَبَلَغَ بِهِمُ العُتُوُّ والجَهْلُ والبُعْدُ عَنِ الحَقِّ أنْ يُغالِطُوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم ويَقُولُوا: "سَحابٌ مَرْكُومٌ"، أيّ كَثِيفٍ قَدْ تَراكم بَعْضه فَوْقَ بَعْض، ولِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِر في آياتٍ أخَّرَ. (p-١٠١)

الطور 52:40

قوله عزّ وجلّ: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: "أمْ عِنْدَهُمُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اللهِ في جَمِيعِ الأُمُورِ"؟ لِأنَّ المالَ والصِحَّةَ والقُوَّةَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ كُلُّها مِن خَزائِنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ: يُرِيدُ بِالخَزائِنِ العِلْمَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ إذا تُؤَمِّلَ وبُسِطَ، قالَ الرُمّانِيُّ: خَزائِنُهُ تَعالى: مَقْدُوراتِهِ. و: "المُصَيْطِرُ": المُسَلِّطُ القاهِرُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأصْلُهُ السِينُ، ولَكِنْ كَتَبَهُ بَعْضُ الناسِ وقَرَأهُ بِالصادِّ مُراعاةً لِلطّاءِ لِيَتَناسَبَ النُطْقُ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: "تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ" إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا. و"السُلَّمُ": السَبَبُ الَّذِي يَصْعَدُ بِهِ، كانَ ما كانَ، مِن خَشَبٍ أو بِناءٍ أو حِبالٍ أو غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: ؎ لا تُحْرِزُ المَرْءُ أحْجاءَ البِلادِ ولا تُبْنى لَهُ في السَماواتِ السَلالِيمُ وحَكى الرُمّانِيُّ قالَ: لا يُقالُ "سُلَّمٌ" لِما بُنِي مِنَ الأدْراجِ وإنَّما السُلَّمُ المُشَبَّكُ، وبَيْتُ الشِعْرِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، والمَعْنى: ألْهم سُلَّمٌ إلى السَماءِ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ؟ أيْ: عَلَيْهِ ومِنهُ، وهَذِهِ حُرُوفُ يَسُدُّ بَعْضُها مَسَدَّ بَعْضٍ، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ الخَبَرَ بِصِحَّةِ (p-١٠٠)ما يَدْعُونَ، فَلْيَأْتُوا بِالحُجَّةِ المُبَيِّنَةِ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ﴾ الآيَةُ... مَعْناهُ: أمْ هم أهْلُ الفَضِيلَةِ عَلَيْنا فَيَلْزَمُ لِذَلِكَ انْتِحاؤُهم وتَكْبُرُهُمْ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ تَسْألُهم يا مُحَمَّدُ عَلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى وشَرْعِهِ أُجْرَةً يُثْقِلُهم غُرْمُها فَهم لِذَلِكَ يَكْرَهُونَ الدُخُولَ فِيما يُوجِبُ غَرامَتَهُمْ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ عِنْدَهُمُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهم يُبَيِّنُونَ ذَلِكَ لِلنّاسِ سُنَنًا وشَرْعًا يَكْتُبُونَهُ، وذَلِكَ عِبادَةُ الأوثانِ وتَسْيِيبُ السَوائِبِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن شَرِّهِمْ؟ وقِيلَ: المَعْنى: فَهم يَعْلَمُونَ مَتى يَمُوتُ مُحَمَّدٌ الَّذِي يَتَرَبَّصُونَ بِهِ؟ و"يَكْتُبُونَ" بِمَعْنى يَحْكُمُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْنِي أمْ عِنْدَهُمُ اللَوْحُ المَحْفُوظُ فَهم يَكْتُبُونَ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا بِكَ وبِالشَرْعِ؟ ثُمَّ جَزَمَ الخَبَرَ بِأنَّهم هُمُ المَكِيدُونَ، أيْ المَغْلُوبُونَ، فَسَمّى تَعالى غَلَبَتَهم كَيْدًا إذْ كانَتْ عُقُوبَةَ الكَيْدِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَعْصِمُهم ويَمْنَعُهم مِنهم ويَدْفَعُ في صَدْرِ إهْلاكِهِمْ، ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ والأوثانِ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي وقَّفَهم تَعالى عَلَيْها حَصَرَتْ جَمِيعَ المَعانِي الَّتِي تُوجِبُ الِانْتِخاءَ والتَكَبُّرَ والبُعْدَ مِنَ الِائْتِمارِ، فَوَقَّفَهم تَعالى عَلَيْها، أيْ لَيْسَتْ لَهُمْ، ولا بَقِيَ شَيْءٌ يُوجِبُ ذَلِكَ إلّا أنَّهم قَوْمٌ طاغُونَ، وهَذِهِ صِفَةٌ فِيها تَكَسُّبُهم وإيثارُهُمْ، فَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ عِقابُهم. ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم عَلى الغايَةِ مِنَ العُتُوِّ والتَمَسُّكِ بِالأقْوالِ الباطِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَ في جُمْلَةِ ما اقْتَرَحَتْ "أنْ تُسْقِطَ السَماءَ عَلَيْنا كِسَفًا" وهي القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى "كِسْفٌ" كَتَمْرَةٌ وتَمْرٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: هي الَّتِي تَكُونُ بِقَدْرِ ما يَكْسِفُ ضَوْءَ الشَمْسِ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ رَأوا كِسْفًا ساقِطًا حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ لَبَلَغَ بِهِمُ العُتُوُّ والجَهْلُ والبُعْدُ عَنِ الحَقِّ أنْ يُغالِطُوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم ويَقُولُوا: "سَحابٌ مَرْكُومٌ"، أيّ كَثِيفٍ قَدْ تَراكم بَعْضه فَوْقَ بَعْض، ولِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِر في آياتٍ أخَّرَ. (p-١٠١)

الطور 52:41

قوله عزّ وجلّ: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: "أمْ عِنْدَهُمُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اللهِ في جَمِيعِ الأُمُورِ"؟ لِأنَّ المالَ والصِحَّةَ والقُوَّةَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ كُلُّها مِن خَزائِنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ: يُرِيدُ بِالخَزائِنِ العِلْمَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ إذا تُؤَمِّلَ وبُسِطَ، قالَ الرُمّانِيُّ: خَزائِنُهُ تَعالى: مَقْدُوراتِهِ. و: "المُصَيْطِرُ": المُسَلِّطُ القاهِرُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأصْلُهُ السِينُ، ولَكِنْ كَتَبَهُ بَعْضُ الناسِ وقَرَأهُ بِالصادِّ مُراعاةً لِلطّاءِ لِيَتَناسَبَ النُطْقُ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: "تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ" إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا. و"السُلَّمُ": السَبَبُ الَّذِي يَصْعَدُ بِهِ، كانَ ما كانَ، مِن خَشَبٍ أو بِناءٍ أو حِبالٍ أو غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: ؎ لا تُحْرِزُ المَرْءُ أحْجاءَ البِلادِ ولا تُبْنى لَهُ في السَماواتِ السَلالِيمُ وحَكى الرُمّانِيُّ قالَ: لا يُقالُ "سُلَّمٌ" لِما بُنِي مِنَ الأدْراجِ وإنَّما السُلَّمُ المُشَبَّكُ، وبَيْتُ الشِعْرِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، والمَعْنى: ألْهم سُلَّمٌ إلى السَماءِ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ؟ أيْ: عَلَيْهِ ومِنهُ، وهَذِهِ حُرُوفُ يَسُدُّ بَعْضُها مَسَدَّ بَعْضٍ، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ الخَبَرَ بِصِحَّةِ (p-١٠٠)ما يَدْعُونَ، فَلْيَأْتُوا بِالحُجَّةِ المُبَيِّنَةِ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ﴾ الآيَةُ... مَعْناهُ: أمْ هم أهْلُ الفَضِيلَةِ عَلَيْنا فَيَلْزَمُ لِذَلِكَ انْتِحاؤُهم وتَكْبُرُهُمْ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ تَسْألُهم يا مُحَمَّدُ عَلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى وشَرْعِهِ أُجْرَةً يُثْقِلُهم غُرْمُها فَهم لِذَلِكَ يَكْرَهُونَ الدُخُولَ فِيما يُوجِبُ غَرامَتَهُمْ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ عِنْدَهُمُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهم يُبَيِّنُونَ ذَلِكَ لِلنّاسِ سُنَنًا وشَرْعًا يَكْتُبُونَهُ، وذَلِكَ عِبادَةُ الأوثانِ وتَسْيِيبُ السَوائِبِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن شَرِّهِمْ؟ وقِيلَ: المَعْنى: فَهم يَعْلَمُونَ مَتى يَمُوتُ مُحَمَّدٌ الَّذِي يَتَرَبَّصُونَ بِهِ؟ و"يَكْتُبُونَ" بِمَعْنى يَحْكُمُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْنِي أمْ عِنْدَهُمُ اللَوْحُ المَحْفُوظُ فَهم يَكْتُبُونَ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا بِكَ وبِالشَرْعِ؟ ثُمَّ جَزَمَ الخَبَرَ بِأنَّهم هُمُ المَكِيدُونَ، أيْ المَغْلُوبُونَ، فَسَمّى تَعالى غَلَبَتَهم كَيْدًا إذْ كانَتْ عُقُوبَةَ الكَيْدِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَعْصِمُهم ويَمْنَعُهم مِنهم ويَدْفَعُ في صَدْرِ إهْلاكِهِمْ، ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ والأوثانِ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي وقَّفَهم تَعالى عَلَيْها حَصَرَتْ جَمِيعَ المَعانِي الَّتِي تُوجِبُ الِانْتِخاءَ والتَكَبُّرَ والبُعْدَ مِنَ الِائْتِمارِ، فَوَقَّفَهم تَعالى عَلَيْها، أيْ لَيْسَتْ لَهُمْ، ولا بَقِيَ شَيْءٌ يُوجِبُ ذَلِكَ إلّا أنَّهم قَوْمٌ طاغُونَ، وهَذِهِ صِفَةٌ فِيها تَكَسُّبُهم وإيثارُهُمْ، فَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ عِقابُهم. ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم عَلى الغايَةِ مِنَ العُتُوِّ والتَمَسُّكِ بِالأقْوالِ الباطِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَ في جُمْلَةِ ما اقْتَرَحَتْ "أنْ تُسْقِطَ السَماءَ عَلَيْنا كِسَفًا" وهي القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى "كِسْفٌ" كَتَمْرَةٌ وتَمْرٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: هي الَّتِي تَكُونُ بِقَدْرِ ما يَكْسِفُ ضَوْءَ الشَمْسِ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ رَأوا كِسْفًا ساقِطًا حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ لَبَلَغَ بِهِمُ العُتُوُّ والجَهْلُ والبُعْدُ عَنِ الحَقِّ أنْ يُغالِطُوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم ويَقُولُوا: "سَحابٌ مَرْكُومٌ"، أيّ كَثِيفٍ قَدْ تَراكم بَعْضه فَوْقَ بَعْض، ولِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِر في آياتٍ أخَّرَ. (p-١٠١)

الطور 52:42

قوله عزّ وجلّ: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: "أمْ عِنْدَهُمُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اللهِ في جَمِيعِ الأُمُورِ"؟ لِأنَّ المالَ والصِحَّةَ والقُوَّةَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ كُلُّها مِن خَزائِنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ: يُرِيدُ بِالخَزائِنِ العِلْمَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ إذا تُؤَمِّلَ وبُسِطَ، قالَ الرُمّانِيُّ: خَزائِنُهُ تَعالى: مَقْدُوراتِهِ. و: "المُصَيْطِرُ": المُسَلِّطُ القاهِرُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأصْلُهُ السِينُ، ولَكِنْ كَتَبَهُ بَعْضُ الناسِ وقَرَأهُ بِالصادِّ مُراعاةً لِلطّاءِ لِيَتَناسَبَ النُطْقُ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: "تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ" إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا. و"السُلَّمُ": السَبَبُ الَّذِي يَصْعَدُ بِهِ، كانَ ما كانَ، مِن خَشَبٍ أو بِناءٍ أو حِبالٍ أو غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: ؎ لا تُحْرِزُ المَرْءُ أحْجاءَ البِلادِ ولا تُبْنى لَهُ في السَماواتِ السَلالِيمُ وحَكى الرُمّانِيُّ قالَ: لا يُقالُ "سُلَّمٌ" لِما بُنِي مِنَ الأدْراجِ وإنَّما السُلَّمُ المُشَبَّكُ، وبَيْتُ الشِعْرِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، والمَعْنى: ألْهم سُلَّمٌ إلى السَماءِ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ؟ أيْ: عَلَيْهِ ومِنهُ، وهَذِهِ حُرُوفُ يَسُدُّ بَعْضُها مَسَدَّ بَعْضٍ، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ الخَبَرَ بِصِحَّةِ (p-١٠٠)ما يَدْعُونَ، فَلْيَأْتُوا بِالحُجَّةِ المُبَيِّنَةِ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ﴾ الآيَةُ... مَعْناهُ: أمْ هم أهْلُ الفَضِيلَةِ عَلَيْنا فَيَلْزَمُ لِذَلِكَ انْتِحاؤُهم وتَكْبُرُهُمْ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ تَسْألُهم يا مُحَمَّدُ عَلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى وشَرْعِهِ أُجْرَةً يُثْقِلُهم غُرْمُها فَهم لِذَلِكَ يَكْرَهُونَ الدُخُولَ فِيما يُوجِبُ غَرامَتَهُمْ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ عِنْدَهُمُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهم يُبَيِّنُونَ ذَلِكَ لِلنّاسِ سُنَنًا وشَرْعًا يَكْتُبُونَهُ، وذَلِكَ عِبادَةُ الأوثانِ وتَسْيِيبُ السَوائِبِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن شَرِّهِمْ؟ وقِيلَ: المَعْنى: فَهم يَعْلَمُونَ مَتى يَمُوتُ مُحَمَّدٌ الَّذِي يَتَرَبَّصُونَ بِهِ؟ و"يَكْتُبُونَ" بِمَعْنى يَحْكُمُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْنِي أمْ عِنْدَهُمُ اللَوْحُ المَحْفُوظُ فَهم يَكْتُبُونَ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا بِكَ وبِالشَرْعِ؟ ثُمَّ جَزَمَ الخَبَرَ بِأنَّهم هُمُ المَكِيدُونَ، أيْ المَغْلُوبُونَ، فَسَمّى تَعالى غَلَبَتَهم كَيْدًا إذْ كانَتْ عُقُوبَةَ الكَيْدِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَعْصِمُهم ويَمْنَعُهم مِنهم ويَدْفَعُ في صَدْرِ إهْلاكِهِمْ، ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ والأوثانِ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي وقَّفَهم تَعالى عَلَيْها حَصَرَتْ جَمِيعَ المَعانِي الَّتِي تُوجِبُ الِانْتِخاءَ والتَكَبُّرَ والبُعْدَ مِنَ الِائْتِمارِ، فَوَقَّفَهم تَعالى عَلَيْها، أيْ لَيْسَتْ لَهُمْ، ولا بَقِيَ شَيْءٌ يُوجِبُ ذَلِكَ إلّا أنَّهم قَوْمٌ طاغُونَ، وهَذِهِ صِفَةٌ فِيها تَكَسُّبُهم وإيثارُهُمْ، فَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ عِقابُهم. ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم عَلى الغايَةِ مِنَ العُتُوِّ والتَمَسُّكِ بِالأقْوالِ الباطِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَ في جُمْلَةِ ما اقْتَرَحَتْ "أنْ تُسْقِطَ السَماءَ عَلَيْنا كِسَفًا" وهي القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى "كِسْفٌ" كَتَمْرَةٌ وتَمْرٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: هي الَّتِي تَكُونُ بِقَدْرِ ما يَكْسِفُ ضَوْءَ الشَمْسِ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ رَأوا كِسْفًا ساقِطًا حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ لَبَلَغَ بِهِمُ العُتُوُّ والجَهْلُ والبُعْدُ عَنِ الحَقِّ أنْ يُغالِطُوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم ويَقُولُوا: "سَحابٌ مَرْكُومٌ"، أيّ كَثِيفٍ قَدْ تَراكم بَعْضه فَوْقَ بَعْض، ولِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِر في آياتٍ أخَّرَ. (p-١٠١)

الطور 52:43

قوله عزّ وجلّ: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: "أمْ عِنْدَهُمُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اللهِ في جَمِيعِ الأُمُورِ"؟ لِأنَّ المالَ والصِحَّةَ والقُوَّةَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ كُلُّها مِن خَزائِنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ: يُرِيدُ بِالخَزائِنِ العِلْمَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ إذا تُؤَمِّلَ وبُسِطَ، قالَ الرُمّانِيُّ: خَزائِنُهُ تَعالى: مَقْدُوراتِهِ. و: "المُصَيْطِرُ": المُسَلِّطُ القاهِرُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأصْلُهُ السِينُ، ولَكِنْ كَتَبَهُ بَعْضُ الناسِ وقَرَأهُ بِالصادِّ مُراعاةً لِلطّاءِ لِيَتَناسَبَ النُطْقُ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: "تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ" إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا. و"السُلَّمُ": السَبَبُ الَّذِي يَصْعَدُ بِهِ، كانَ ما كانَ، مِن خَشَبٍ أو بِناءٍ أو حِبالٍ أو غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: ؎ لا تُحْرِزُ المَرْءُ أحْجاءَ البِلادِ ولا تُبْنى لَهُ في السَماواتِ السَلالِيمُ وحَكى الرُمّانِيُّ قالَ: لا يُقالُ "سُلَّمٌ" لِما بُنِي مِنَ الأدْراجِ وإنَّما السُلَّمُ المُشَبَّكُ، وبَيْتُ الشِعْرِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، والمَعْنى: ألْهم سُلَّمٌ إلى السَماءِ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ؟ أيْ: عَلَيْهِ ومِنهُ، وهَذِهِ حُرُوفُ يَسُدُّ بَعْضُها مَسَدَّ بَعْضٍ، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ الخَبَرَ بِصِحَّةِ (p-١٠٠)ما يَدْعُونَ، فَلْيَأْتُوا بِالحُجَّةِ المُبَيِّنَةِ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ﴾ الآيَةُ... مَعْناهُ: أمْ هم أهْلُ الفَضِيلَةِ عَلَيْنا فَيَلْزَمُ لِذَلِكَ انْتِحاؤُهم وتَكْبُرُهُمْ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ تَسْألُهم يا مُحَمَّدُ عَلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى وشَرْعِهِ أُجْرَةً يُثْقِلُهم غُرْمُها فَهم لِذَلِكَ يَكْرَهُونَ الدُخُولَ فِيما يُوجِبُ غَرامَتَهُمْ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ عِنْدَهُمُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهم يُبَيِّنُونَ ذَلِكَ لِلنّاسِ سُنَنًا وشَرْعًا يَكْتُبُونَهُ، وذَلِكَ عِبادَةُ الأوثانِ وتَسْيِيبُ السَوائِبِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن شَرِّهِمْ؟ وقِيلَ: المَعْنى: فَهم يَعْلَمُونَ مَتى يَمُوتُ مُحَمَّدٌ الَّذِي يَتَرَبَّصُونَ بِهِ؟ و"يَكْتُبُونَ" بِمَعْنى يَحْكُمُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْنِي أمْ عِنْدَهُمُ اللَوْحُ المَحْفُوظُ فَهم يَكْتُبُونَ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا بِكَ وبِالشَرْعِ؟ ثُمَّ جَزَمَ الخَبَرَ بِأنَّهم هُمُ المَكِيدُونَ، أيْ المَغْلُوبُونَ، فَسَمّى تَعالى غَلَبَتَهم كَيْدًا إذْ كانَتْ عُقُوبَةَ الكَيْدِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَعْصِمُهم ويَمْنَعُهم مِنهم ويَدْفَعُ في صَدْرِ إهْلاكِهِمْ، ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ والأوثانِ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي وقَّفَهم تَعالى عَلَيْها حَصَرَتْ جَمِيعَ المَعانِي الَّتِي تُوجِبُ الِانْتِخاءَ والتَكَبُّرَ والبُعْدَ مِنَ الِائْتِمارِ، فَوَقَّفَهم تَعالى عَلَيْها، أيْ لَيْسَتْ لَهُمْ، ولا بَقِيَ شَيْءٌ يُوجِبُ ذَلِكَ إلّا أنَّهم قَوْمٌ طاغُونَ، وهَذِهِ صِفَةٌ فِيها تَكَسُّبُهم وإيثارُهُمْ، فَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ عِقابُهم. ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم عَلى الغايَةِ مِنَ العُتُوِّ والتَمَسُّكِ بِالأقْوالِ الباطِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَ في جُمْلَةِ ما اقْتَرَحَتْ "أنْ تُسْقِطَ السَماءَ عَلَيْنا كِسَفًا" وهي القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى "كِسْفٌ" كَتَمْرَةٌ وتَمْرٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: هي الَّتِي تَكُونُ بِقَدْرِ ما يَكْسِفُ ضَوْءَ الشَمْسِ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ رَأوا كِسْفًا ساقِطًا حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ لَبَلَغَ بِهِمُ العُتُوُّ والجَهْلُ والبُعْدُ عَنِ الحَقِّ أنْ يُغالِطُوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم ويَقُولُوا: "سَحابٌ مَرْكُومٌ"، أيّ كَثِيفٍ قَدْ تَراكم بَعْضه فَوْقَ بَعْض، ولِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِر في آياتٍ أخَّرَ. (p-١٠١)

الطور 52:44

قوله عزّ وجلّ: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: "أمْ عِنْدَهُمُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اللهِ في جَمِيعِ الأُمُورِ"؟ لِأنَّ المالَ والصِحَّةَ والقُوَّةَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ كُلُّها مِن خَزائِنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ: يُرِيدُ بِالخَزائِنِ العِلْمَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ إذا تُؤَمِّلَ وبُسِطَ، قالَ الرُمّانِيُّ: خَزائِنُهُ تَعالى: مَقْدُوراتِهِ. و: "المُصَيْطِرُ": المُسَلِّطُ القاهِرُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأصْلُهُ السِينُ، ولَكِنْ كَتَبَهُ بَعْضُ الناسِ وقَرَأهُ بِالصادِّ مُراعاةً لِلطّاءِ لِيَتَناسَبَ النُطْقُ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: "تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ" إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا. و"السُلَّمُ": السَبَبُ الَّذِي يَصْعَدُ بِهِ، كانَ ما كانَ، مِن خَشَبٍ أو بِناءٍ أو حِبالٍ أو غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: ؎ لا تُحْرِزُ المَرْءُ أحْجاءَ البِلادِ ولا تُبْنى لَهُ في السَماواتِ السَلالِيمُ وحَكى الرُمّانِيُّ قالَ: لا يُقالُ "سُلَّمٌ" لِما بُنِي مِنَ الأدْراجِ وإنَّما السُلَّمُ المُشَبَّكُ، وبَيْتُ الشِعْرِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، والمَعْنى: ألْهم سُلَّمٌ إلى السَماءِ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ؟ أيْ: عَلَيْهِ ومِنهُ، وهَذِهِ حُرُوفُ يَسُدُّ بَعْضُها مَسَدَّ بَعْضٍ، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ الخَبَرَ بِصِحَّةِ (p-١٠٠)ما يَدْعُونَ، فَلْيَأْتُوا بِالحُجَّةِ المُبَيِّنَةِ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ﴾ الآيَةُ... مَعْناهُ: أمْ هم أهْلُ الفَضِيلَةِ عَلَيْنا فَيَلْزَمُ لِذَلِكَ انْتِحاؤُهم وتَكْبُرُهُمْ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ تَسْألُهم يا مُحَمَّدُ عَلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى وشَرْعِهِ أُجْرَةً يُثْقِلُهم غُرْمُها فَهم لِذَلِكَ يَكْرَهُونَ الدُخُولَ فِيما يُوجِبُ غَرامَتَهُمْ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ عِنْدَهُمُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهم يُبَيِّنُونَ ذَلِكَ لِلنّاسِ سُنَنًا وشَرْعًا يَكْتُبُونَهُ، وذَلِكَ عِبادَةُ الأوثانِ وتَسْيِيبُ السَوائِبِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن شَرِّهِمْ؟ وقِيلَ: المَعْنى: فَهم يَعْلَمُونَ مَتى يَمُوتُ مُحَمَّدٌ الَّذِي يَتَرَبَّصُونَ بِهِ؟ و"يَكْتُبُونَ" بِمَعْنى يَحْكُمُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْنِي أمْ عِنْدَهُمُ اللَوْحُ المَحْفُوظُ فَهم يَكْتُبُونَ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ؟ ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا بِكَ وبِالشَرْعِ؟ ثُمَّ جَزَمَ الخَبَرَ بِأنَّهم هُمُ المَكِيدُونَ، أيْ المَغْلُوبُونَ، فَسَمّى تَعالى غَلَبَتَهم كَيْدًا إذْ كانَتْ عُقُوبَةَ الكَيْدِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَعْصِمُهم ويَمْنَعُهم مِنهم ويَدْفَعُ في صَدْرِ إهْلاكِهِمْ، ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ والأوثانِ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي وقَّفَهم تَعالى عَلَيْها حَصَرَتْ جَمِيعَ المَعانِي الَّتِي تُوجِبُ الِانْتِخاءَ والتَكَبُّرَ والبُعْدَ مِنَ الِائْتِمارِ، فَوَقَّفَهم تَعالى عَلَيْها، أيْ لَيْسَتْ لَهُمْ، ولا بَقِيَ شَيْءٌ يُوجِبُ ذَلِكَ إلّا أنَّهم قَوْمٌ طاغُونَ، وهَذِهِ صِفَةٌ فِيها تَكَسُّبُهم وإيثارُهُمْ، فَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ عِقابُهم. ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم عَلى الغايَةِ مِنَ العُتُوِّ والتَمَسُّكِ بِالأقْوالِ الباطِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَ في جُمْلَةِ ما اقْتَرَحَتْ "أنْ تُسْقِطَ السَماءَ عَلَيْنا كِسَفًا" وهي القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى "كِسْفٌ" كَتَمْرَةٌ وتَمْرٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: هي الَّتِي تَكُونُ بِقَدْرِ ما يَكْسِفُ ضَوْءَ الشَمْسِ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ رَأوا كِسْفًا ساقِطًا حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ لَبَلَغَ بِهِمُ العُتُوُّ والجَهْلُ والبُعْدُ عَنِ الحَقِّ أنْ يُغالِطُوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم ويَقُولُوا: "سَحابٌ مَرْكُومٌ"، أيّ كَثِيفٍ قَدْ تَراكم بَعْضه فَوْقَ بَعْض، ولِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِر في آياتٍ أخَّرَ. (p-١٠١)

الطور 52:45

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عنهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وَمِنَ اللَيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُجُومِ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَذَرْهُمْ" وما جَرى مَجْراهُ مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "يُلْقُوا"، والجُمْهُورُ عَلى "يُلاقُوا". واخْتَلَفَ الناسُ في اليَوْمِ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو مَوْتُهم واحِدًا واحِدًا، وهَذا عَلى تَجَوُّزٍ، و"الصَعْقُ": التَعْذِيبُ في الجُمْلَةِ وإنْ كانَ الِاسْتِعْمالُ قَدْ كَثُرَ فِيهِ فِيما يُصِيبُ الإنْسانَ مِنَ الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ ونَحْوِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ لِأنَّهم عُذِّبُوا فِيهِ، وقالَ الجُمْهُور: التَوَعُّدُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ فِيهِ صَعْقَةً تَعُمُّ جَمِيعَ الخَلائِقِ، لَكِنْ لا مَحالَةَ أنَّ بَيْنَ صَعْقَةِ المُؤْمِنِ وصَعْقَةِ الكافِرِ فَرْقًا، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَصْعَقُونَ" مِن: صَعِقَ الرَجُلُ بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يَصْعَقُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ -فِي قَوْلِ شِبْلٍ-: "يُصْعَقُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ، وذَلِكَ مِن:أصْعَقَ الرَجُلُ غَيْرَهُ، وحَكى الأخْفَشُ: "صُعِقَ الرَجُلُ" بِضَمِّ الصادِ وكَسْرِ العَيْنِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِنهُ، فَهو مِثْلُ "يَصْرِفُونَ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: وفَتَحَ أهْلُ مَكَّةَ الياءَ في قَوْلِ إسْماعِيلَ. و"يُغْنِي" مَعْناهُ: يَكُونُ مِنهُ غِناءٌ ودِفاعٌ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم لَهم دُونَ هَذا اليَوْمِ -أيْ: قَبْلَهُ - عَذابٌ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: هو بَدْرٌ والفَتْحُ ونَحْوُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ الَّذِي أصابَ قُرَيْشًا، وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو عَذابُ القَبْرِ، ونَزَعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وُجُودُ عَذابِ القَبْرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُنْيا في الأجْسامِ وفي الأحِبَّةِ وفي الأمْوالِ، هي لِلْمُؤْمِنِينَ رَحْمَةٌ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "دُونَ ذَلِكَ قَرِيبًا ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ". ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَبْرِ لِحُكْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والمُضِيِّ عَلى نِذارَتِهِ ووَعْدِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾، ومَعْناهُ: بِإدْراكِنا وأعْيُنِ حِفْظِنا وحَيْطَتِنا، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَرْعاهُ المَلِكُ بِعَيْنٍ، وهَذِهِ الآيَةُ يَنْبَغِي أنْ يُقَدِّرَها كُلُّ مُؤْمِنٍ في نَفْسِهِ (p-١٠٢)فَإنَّها تُفْسِحُ مَضايِقَ الدُنْيا، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنا" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، فَقالَ أبُو الأحْوَصِ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: هو التَسْبِيحُ المَعْرُوفُ، أنْ يَقُولَ في كُلِّ قِيامٍ: سُبْحانَ اللهَ وبِحَمْدِهِ، وقالَ عَطاءٌ: المَعْنى: حِينَ تَقُومُ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَسْبِيحُ هُنا هو صَلاةُ النَوافِلِ، وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ المَفْرُوضَةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "حِينَ تَقُومُ": الظُهْرُ والعَصْرُ، أيْ: حِينَ تَقُومُ مِن نَوْمِ القائِلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَيْلِ﴾ المَغْرِبُ والعِشاءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإدْبارَ النُجُومِ﴾:الصُبْحُ، ومَن قالَ هي النَوافِلُ جَعَلَ "إدْبارَ النُجُومِ" رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنهُمْ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، ومَن جَعَلَهُ التَسْبِيحَ المَعْرُوفَ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "حِينَ تَقُومُ" مِثالًا، أيْ: وحِينَ تَقْعُدُ وفي كُلِّ تَصَرُّفِكَ، وحَكى مُنْذِرٌ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ المَعْنى: حِينَ تَقُومُ في الصَلاةِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ فَقُلْ: « "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ..."» الحَدِيثُ. وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ويَعْقُوبُ: "وَأدْبارَ النُجُومِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بِمَعْنى: وأعْقابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-١٠٣): ؎ فَأصْبَحْتُ مِن لَيْلى الغَداةَ كَناظِرٍ.. مَعَ الصُبْحِ في أعْقابِ نَجْمٍ مُغَرِّبِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَإدْبارَ النُجُومِ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الطُورِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الطور 52:46

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عنهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وَمِنَ اللَيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُجُومِ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَذَرْهُمْ" وما جَرى مَجْراهُ مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "يُلْقُوا"، والجُمْهُورُ عَلى "يُلاقُوا". واخْتَلَفَ الناسُ في اليَوْمِ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو مَوْتُهم واحِدًا واحِدًا، وهَذا عَلى تَجَوُّزٍ، و"الصَعْقُ": التَعْذِيبُ في الجُمْلَةِ وإنْ كانَ الِاسْتِعْمالُ قَدْ كَثُرَ فِيهِ فِيما يُصِيبُ الإنْسانَ مِنَ الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ ونَحْوِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ لِأنَّهم عُذِّبُوا فِيهِ، وقالَ الجُمْهُور: التَوَعُّدُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ فِيهِ صَعْقَةً تَعُمُّ جَمِيعَ الخَلائِقِ، لَكِنْ لا مَحالَةَ أنَّ بَيْنَ صَعْقَةِ المُؤْمِنِ وصَعْقَةِ الكافِرِ فَرْقًا، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَصْعَقُونَ" مِن: صَعِقَ الرَجُلُ بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يَصْعَقُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ -فِي قَوْلِ شِبْلٍ-: "يُصْعَقُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ، وذَلِكَ مِن:أصْعَقَ الرَجُلُ غَيْرَهُ، وحَكى الأخْفَشُ: "صُعِقَ الرَجُلُ" بِضَمِّ الصادِ وكَسْرِ العَيْنِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِنهُ، فَهو مِثْلُ "يَصْرِفُونَ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: وفَتَحَ أهْلُ مَكَّةَ الياءَ في قَوْلِ إسْماعِيلَ. و"يُغْنِي" مَعْناهُ: يَكُونُ مِنهُ غِناءٌ ودِفاعٌ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم لَهم دُونَ هَذا اليَوْمِ -أيْ: قَبْلَهُ - عَذابٌ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: هو بَدْرٌ والفَتْحُ ونَحْوُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ الَّذِي أصابَ قُرَيْشًا، وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو عَذابُ القَبْرِ، ونَزَعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وُجُودُ عَذابِ القَبْرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُنْيا في الأجْسامِ وفي الأحِبَّةِ وفي الأمْوالِ، هي لِلْمُؤْمِنِينَ رَحْمَةٌ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "دُونَ ذَلِكَ قَرِيبًا ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ". ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَبْرِ لِحُكْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والمُضِيِّ عَلى نِذارَتِهِ ووَعْدِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾، ومَعْناهُ: بِإدْراكِنا وأعْيُنِ حِفْظِنا وحَيْطَتِنا، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَرْعاهُ المَلِكُ بِعَيْنٍ، وهَذِهِ الآيَةُ يَنْبَغِي أنْ يُقَدِّرَها كُلُّ مُؤْمِنٍ في نَفْسِهِ (p-١٠٢)فَإنَّها تُفْسِحُ مَضايِقَ الدُنْيا، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنا" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، فَقالَ أبُو الأحْوَصِ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: هو التَسْبِيحُ المَعْرُوفُ، أنْ يَقُولَ في كُلِّ قِيامٍ: سُبْحانَ اللهَ وبِحَمْدِهِ، وقالَ عَطاءٌ: المَعْنى: حِينَ تَقُومُ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَسْبِيحُ هُنا هو صَلاةُ النَوافِلِ، وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ المَفْرُوضَةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "حِينَ تَقُومُ": الظُهْرُ والعَصْرُ، أيْ: حِينَ تَقُومُ مِن نَوْمِ القائِلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَيْلِ﴾ المَغْرِبُ والعِشاءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإدْبارَ النُجُومِ﴾:الصُبْحُ، ومَن قالَ هي النَوافِلُ جَعَلَ "إدْبارَ النُجُومِ" رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنهُمْ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، ومَن جَعَلَهُ التَسْبِيحَ المَعْرُوفَ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "حِينَ تَقُومُ" مِثالًا، أيْ: وحِينَ تَقْعُدُ وفي كُلِّ تَصَرُّفِكَ، وحَكى مُنْذِرٌ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ المَعْنى: حِينَ تَقُومُ في الصَلاةِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ فَقُلْ: « "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ..."» الحَدِيثُ. وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ويَعْقُوبُ: "وَأدْبارَ النُجُومِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بِمَعْنى: وأعْقابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-١٠٣): ؎ فَأصْبَحْتُ مِن لَيْلى الغَداةَ كَناظِرٍ.. مَعَ الصُبْحِ في أعْقابِ نَجْمٍ مُغَرِّبِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَإدْبارَ النُجُومِ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الطُورِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الطور 52:47

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عنهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وَمِنَ اللَيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُجُومِ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَذَرْهُمْ" وما جَرى مَجْراهُ مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "يُلْقُوا"، والجُمْهُورُ عَلى "يُلاقُوا". واخْتَلَفَ الناسُ في اليَوْمِ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو مَوْتُهم واحِدًا واحِدًا، وهَذا عَلى تَجَوُّزٍ، و"الصَعْقُ": التَعْذِيبُ في الجُمْلَةِ وإنْ كانَ الِاسْتِعْمالُ قَدْ كَثُرَ فِيهِ فِيما يُصِيبُ الإنْسانَ مِنَ الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ ونَحْوِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ لِأنَّهم عُذِّبُوا فِيهِ، وقالَ الجُمْهُور: التَوَعُّدُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ فِيهِ صَعْقَةً تَعُمُّ جَمِيعَ الخَلائِقِ، لَكِنْ لا مَحالَةَ أنَّ بَيْنَ صَعْقَةِ المُؤْمِنِ وصَعْقَةِ الكافِرِ فَرْقًا، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَصْعَقُونَ" مِن: صَعِقَ الرَجُلُ بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يَصْعَقُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ -فِي قَوْلِ شِبْلٍ-: "يُصْعَقُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ، وذَلِكَ مِن:أصْعَقَ الرَجُلُ غَيْرَهُ، وحَكى الأخْفَشُ: "صُعِقَ الرَجُلُ" بِضَمِّ الصادِ وكَسْرِ العَيْنِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِنهُ، فَهو مِثْلُ "يَصْرِفُونَ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: وفَتَحَ أهْلُ مَكَّةَ الياءَ في قَوْلِ إسْماعِيلَ. و"يُغْنِي" مَعْناهُ: يَكُونُ مِنهُ غِناءٌ ودِفاعٌ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم لَهم دُونَ هَذا اليَوْمِ -أيْ: قَبْلَهُ - عَذابٌ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: هو بَدْرٌ والفَتْحُ ونَحْوُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ الَّذِي أصابَ قُرَيْشًا، وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو عَذابُ القَبْرِ، ونَزَعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وُجُودُ عَذابِ القَبْرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُنْيا في الأجْسامِ وفي الأحِبَّةِ وفي الأمْوالِ، هي لِلْمُؤْمِنِينَ رَحْمَةٌ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "دُونَ ذَلِكَ قَرِيبًا ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ". ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَبْرِ لِحُكْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والمُضِيِّ عَلى نِذارَتِهِ ووَعْدِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾، ومَعْناهُ: بِإدْراكِنا وأعْيُنِ حِفْظِنا وحَيْطَتِنا، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَرْعاهُ المَلِكُ بِعَيْنٍ، وهَذِهِ الآيَةُ يَنْبَغِي أنْ يُقَدِّرَها كُلُّ مُؤْمِنٍ في نَفْسِهِ (p-١٠٢)فَإنَّها تُفْسِحُ مَضايِقَ الدُنْيا، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنا" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، فَقالَ أبُو الأحْوَصِ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: هو التَسْبِيحُ المَعْرُوفُ، أنْ يَقُولَ في كُلِّ قِيامٍ: سُبْحانَ اللهَ وبِحَمْدِهِ، وقالَ عَطاءٌ: المَعْنى: حِينَ تَقُومُ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَسْبِيحُ هُنا هو صَلاةُ النَوافِلِ، وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ المَفْرُوضَةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "حِينَ تَقُومُ": الظُهْرُ والعَصْرُ، أيْ: حِينَ تَقُومُ مِن نَوْمِ القائِلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَيْلِ﴾ المَغْرِبُ والعِشاءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإدْبارَ النُجُومِ﴾:الصُبْحُ، ومَن قالَ هي النَوافِلُ جَعَلَ "إدْبارَ النُجُومِ" رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنهُمْ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، ومَن جَعَلَهُ التَسْبِيحَ المَعْرُوفَ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "حِينَ تَقُومُ" مِثالًا، أيْ: وحِينَ تَقْعُدُ وفي كُلِّ تَصَرُّفِكَ، وحَكى مُنْذِرٌ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ المَعْنى: حِينَ تَقُومُ في الصَلاةِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ فَقُلْ: « "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ..."» الحَدِيثُ. وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ويَعْقُوبُ: "وَأدْبارَ النُجُومِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بِمَعْنى: وأعْقابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-١٠٣): ؎ فَأصْبَحْتُ مِن لَيْلى الغَداةَ كَناظِرٍ.. مَعَ الصُبْحِ في أعْقابِ نَجْمٍ مُغَرِّبِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَإدْبارَ النُجُومِ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الطُورِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الطور 52:48

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عنهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وَمِنَ اللَيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُجُومِ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَذَرْهُمْ" وما جَرى مَجْراهُ مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "يُلْقُوا"، والجُمْهُورُ عَلى "يُلاقُوا". واخْتَلَفَ الناسُ في اليَوْمِ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو مَوْتُهم واحِدًا واحِدًا، وهَذا عَلى تَجَوُّزٍ، و"الصَعْقُ": التَعْذِيبُ في الجُمْلَةِ وإنْ كانَ الِاسْتِعْمالُ قَدْ كَثُرَ فِيهِ فِيما يُصِيبُ الإنْسانَ مِنَ الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ ونَحْوِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ لِأنَّهم عُذِّبُوا فِيهِ، وقالَ الجُمْهُور: التَوَعُّدُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ فِيهِ صَعْقَةً تَعُمُّ جَمِيعَ الخَلائِقِ، لَكِنْ لا مَحالَةَ أنَّ بَيْنَ صَعْقَةِ المُؤْمِنِ وصَعْقَةِ الكافِرِ فَرْقًا، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَصْعَقُونَ" مِن: صَعِقَ الرَجُلُ بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يَصْعَقُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ -فِي قَوْلِ شِبْلٍ-: "يُصْعَقُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ، وذَلِكَ مِن:أصْعَقَ الرَجُلُ غَيْرَهُ، وحَكى الأخْفَشُ: "صُعِقَ الرَجُلُ" بِضَمِّ الصادِ وكَسْرِ العَيْنِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِنهُ، فَهو مِثْلُ "يَصْرِفُونَ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: وفَتَحَ أهْلُ مَكَّةَ الياءَ في قَوْلِ إسْماعِيلَ. و"يُغْنِي" مَعْناهُ: يَكُونُ مِنهُ غِناءٌ ودِفاعٌ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم لَهم دُونَ هَذا اليَوْمِ -أيْ: قَبْلَهُ - عَذابٌ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: هو بَدْرٌ والفَتْحُ ونَحْوُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ الَّذِي أصابَ قُرَيْشًا، وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو عَذابُ القَبْرِ، ونَزَعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وُجُودُ عَذابِ القَبْرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُنْيا في الأجْسامِ وفي الأحِبَّةِ وفي الأمْوالِ، هي لِلْمُؤْمِنِينَ رَحْمَةٌ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "دُونَ ذَلِكَ قَرِيبًا ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ". ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَبْرِ لِحُكْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والمُضِيِّ عَلى نِذارَتِهِ ووَعْدِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾، ومَعْناهُ: بِإدْراكِنا وأعْيُنِ حِفْظِنا وحَيْطَتِنا، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَرْعاهُ المَلِكُ بِعَيْنٍ، وهَذِهِ الآيَةُ يَنْبَغِي أنْ يُقَدِّرَها كُلُّ مُؤْمِنٍ في نَفْسِهِ (p-١٠٢)فَإنَّها تُفْسِحُ مَضايِقَ الدُنْيا، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنا" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، فَقالَ أبُو الأحْوَصِ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: هو التَسْبِيحُ المَعْرُوفُ، أنْ يَقُولَ في كُلِّ قِيامٍ: سُبْحانَ اللهَ وبِحَمْدِهِ، وقالَ عَطاءٌ: المَعْنى: حِينَ تَقُومُ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَسْبِيحُ هُنا هو صَلاةُ النَوافِلِ، وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ المَفْرُوضَةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "حِينَ تَقُومُ": الظُهْرُ والعَصْرُ، أيْ: حِينَ تَقُومُ مِن نَوْمِ القائِلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَيْلِ﴾ المَغْرِبُ والعِشاءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإدْبارَ النُجُومِ﴾:الصُبْحُ، ومَن قالَ هي النَوافِلُ جَعَلَ "إدْبارَ النُجُومِ" رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنهُمْ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، ومَن جَعَلَهُ التَسْبِيحَ المَعْرُوفَ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "حِينَ تَقُومُ" مِثالًا، أيْ: وحِينَ تَقْعُدُ وفي كُلِّ تَصَرُّفِكَ، وحَكى مُنْذِرٌ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ المَعْنى: حِينَ تَقُومُ في الصَلاةِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ فَقُلْ: « "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ..."» الحَدِيثُ. وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ويَعْقُوبُ: "وَأدْبارَ النُجُومِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بِمَعْنى: وأعْقابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-١٠٣): ؎ فَأصْبَحْتُ مِن لَيْلى الغَداةَ كَناظِرٍ.. مَعَ الصُبْحِ في أعْقابِ نَجْمٍ مُغَرِّبِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَإدْبارَ النُجُومِ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الطُورِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الطور 52:49

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عنهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وَمِنَ اللَيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُجُومِ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَذَرْهُمْ" وما جَرى مَجْراهُ مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "يُلْقُوا"، والجُمْهُورُ عَلى "يُلاقُوا". واخْتَلَفَ الناسُ في اليَوْمِ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو مَوْتُهم واحِدًا واحِدًا، وهَذا عَلى تَجَوُّزٍ، و"الصَعْقُ": التَعْذِيبُ في الجُمْلَةِ وإنْ كانَ الِاسْتِعْمالُ قَدْ كَثُرَ فِيهِ فِيما يُصِيبُ الإنْسانَ مِنَ الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ ونَحْوِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ لِأنَّهم عُذِّبُوا فِيهِ، وقالَ الجُمْهُور: التَوَعُّدُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ فِيهِ صَعْقَةً تَعُمُّ جَمِيعَ الخَلائِقِ، لَكِنْ لا مَحالَةَ أنَّ بَيْنَ صَعْقَةِ المُؤْمِنِ وصَعْقَةِ الكافِرِ فَرْقًا، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَصْعَقُونَ" مِن: صَعِقَ الرَجُلُ بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يَصْعَقُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ -فِي قَوْلِ شِبْلٍ-: "يُصْعَقُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ، وذَلِكَ مِن:أصْعَقَ الرَجُلُ غَيْرَهُ، وحَكى الأخْفَشُ: "صُعِقَ الرَجُلُ" بِضَمِّ الصادِ وكَسْرِ العَيْنِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِنهُ، فَهو مِثْلُ "يَصْرِفُونَ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: وفَتَحَ أهْلُ مَكَّةَ الياءَ في قَوْلِ إسْماعِيلَ. و"يُغْنِي" مَعْناهُ: يَكُونُ مِنهُ غِناءٌ ودِفاعٌ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم لَهم دُونَ هَذا اليَوْمِ -أيْ: قَبْلَهُ - عَذابٌ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: هو بَدْرٌ والفَتْحُ ونَحْوُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ الَّذِي أصابَ قُرَيْشًا، وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو عَذابُ القَبْرِ، ونَزَعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وُجُودُ عَذابِ القَبْرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُنْيا في الأجْسامِ وفي الأحِبَّةِ وفي الأمْوالِ، هي لِلْمُؤْمِنِينَ رَحْمَةٌ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "دُونَ ذَلِكَ قَرِيبًا ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ". ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَبْرِ لِحُكْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والمُضِيِّ عَلى نِذارَتِهِ ووَعْدِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾، ومَعْناهُ: بِإدْراكِنا وأعْيُنِ حِفْظِنا وحَيْطَتِنا، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَرْعاهُ المَلِكُ بِعَيْنٍ، وهَذِهِ الآيَةُ يَنْبَغِي أنْ يُقَدِّرَها كُلُّ مُؤْمِنٍ في نَفْسِهِ (p-١٠٢)فَإنَّها تُفْسِحُ مَضايِقَ الدُنْيا، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنا" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، فَقالَ أبُو الأحْوَصِ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: هو التَسْبِيحُ المَعْرُوفُ، أنْ يَقُولَ في كُلِّ قِيامٍ: سُبْحانَ اللهَ وبِحَمْدِهِ، وقالَ عَطاءٌ: المَعْنى: حِينَ تَقُومُ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَسْبِيحُ هُنا هو صَلاةُ النَوافِلِ، وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ المَفْرُوضَةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "حِينَ تَقُومُ": الظُهْرُ والعَصْرُ، أيْ: حِينَ تَقُومُ مِن نَوْمِ القائِلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَيْلِ﴾ المَغْرِبُ والعِشاءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإدْبارَ النُجُومِ﴾:الصُبْحُ، ومَن قالَ هي النَوافِلُ جَعَلَ "إدْبارَ النُجُومِ" رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنهُمْ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، ومَن جَعَلَهُ التَسْبِيحَ المَعْرُوفَ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "حِينَ تَقُومُ" مِثالًا، أيْ: وحِينَ تَقْعُدُ وفي كُلِّ تَصَرُّفِكَ، وحَكى مُنْذِرٌ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ المَعْنى: حِينَ تَقُومُ في الصَلاةِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ فَقُلْ: « "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ..."» الحَدِيثُ. وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ويَعْقُوبُ: "وَأدْبارَ النُجُومِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بِمَعْنى: وأعْقابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-١٠٣): ؎ فَأصْبَحْتُ مِن لَيْلى الغَداةَ كَناظِرٍ.. مَعَ الصُبْحِ في أعْقابِ نَجْمٍ مُغَرِّبِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَإدْبارَ النُجُومِ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الطُورِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.