Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — النجم 53:50 – القمر 54:53
المحتويات
- النجم 53:50
- النجم 53:51
- النجم 53:52
- النجم 53:53
- النجم 53:54
- النجم 53:55
- النجم 53:56
- النجم 53:57
- النجم 53:58
- النجم 53:59
- النجم 53:60
- النجم 53:61
- النجم 53:62
- القمر 54:1
- القمر 54:2
- القمر 54:3
- القمر 54:4
- القمر 54:5
- القمر 54:6
- القمر 54:7
- القمر 54:8
- القمر 54:9
- القمر 54:10
- القمر 54:11
- القمر 54:12
- القمر 54:13
- القمر 54:14
- القمر 54:15
- القمر 54:16
- القمر 54:17
- القمر 54:18
- القمر 54:19
- القمر 54:20
- القمر 54:21
- القمر 54:22
- القمر 54:23
- القمر 54:24
- القمر 54:25
- القمر 54:26
- القمر 54:27
- القمر 54:28
- القمر 54:29
- القمر 54:30
- القمر 54:31
- القمر 54:32
- القمر 54:33
- القمر 54:34
- القمر 54:35
- القمر 54:36
- القمر 54:37
- القمر 54:38
- القمر 54:39
- القمر 54:40
- القمر 54:41
- القمر 54:42
- القمر 54:43
- القمر 54:44
- القمر 54:45
- القمر 54:46
- القمر 54:47
- القمر 54:48
- القمر 54:49
- القمر 54:50
- القمر 54:51
- القمر 54:52
- القمر 54:53
النجم 53:50
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوفى﴾ ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ ﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ ﴿وَأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ ﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَشْأةَ الأُخْرى﴾ ﴿وَأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ ﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِعْرى﴾ ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ ﴿وَثَمُودَ فَما أبْقى﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "وَأنْ لَيْسَ"، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "وَأنَّ، وأنَّهُ" مَعْطُوفٌ كُلُّ ذَلِكَ عَلى "أنْ" المَقَدَّرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: "ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ"، وهي كُلُّها بِفَتْحِ الألِفِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ قُعْنُبٌ: "وَإنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيها وفِيما بَعْدَها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١]، وهَذا لا يَصِحُّ عِنْدِي عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأنَّهُ خَبَرٌ لا يُنْسَخُ، ولِأنَّ شُرُوطَ النَسْخِ لَيْسَتْ هُنا، اللهُمَّ إلّا أنْ يَتَجَوَّزَ في لَفْظَةِ النَسْخِ لِيَفْهَمَ سائِلًا. وقالَ عِكْرِمَةُ: هَذا الحُكْمُ كانَ في قَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلَها سَعْيُ غَيْرِها، والدَلِيلُ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، «قالَ: يا رَسُولَ اللهِ: هَلْ لِأُمِّي إنْ تَطَوَّعْتُ عنها أجْرٌ؟ قالَ: نَعَمْ،» وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هَذا الإنْسانُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو الكافِرُ، وأمّا المُؤْمِنُ (p-١٢٧)فَلَهُ ما سَعى وما سَعى لَهُ غَيْرُهُ، وسَألَ عَبْدُ اللهِ بْنُ طاهِرِ بْنِ الحُسَيْنِ والِي خُراسانَ الحُسَيْنَ بْنَ الفَضْلِ عن هَذِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، فَقالَ لَهُ: لَيْسَ بِالعَدْلِ إلّا ما سَعى، ولَهُ بِفَضْلِ اللهِ ما شاءَ اللهُ، فَقَبَّلَ عَبْدُ اللهِ رَأْسَ الحُسَيْنِ، وقالَ الجُمْهُورُ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، والتَحْرِيرُ عِنْدِي في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُلّاكَ المَعْنى هو في اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لِلْإنْسانِ"، فَإذا حَقَّقْتَ الشَيْءَ الَّذِي هو حَقُّ الإنْسانِ يَقُولُ فِيهِ: "لِي كَذا" لَمْ تَجِدْهُ إلّا سَعْيَهُ، وما تَمَّ بَعْدُ مِن رَحْمَةٍ بِشَفاعَةٍ أو رِعايَةِ أبٍ صالِحٍ أوِ ابْنٍ صالِحٍ أو تَضْعِيفِ حَسَناتٍ أو تَغَمُّدٍ بِفَضْلٍ ورَحْمَةٍ دُونَ هَذا كُلِّهِ، فَلَيْسَ هو لِلْإنْسانِ ولا يَسَعُهُ أنْ يَقُولَ: "لِي كَذا وكَذا" إلّا عَلى تَجَوُّزٍ وإلْحاقٍ بِما هو لَهُ حَقِيقَةً، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن يَرى أنَّهُ لا يَعْمَلُ أحَدٌ عن أحَدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِبَدَنٍ ولا مالٍ، وفَرَّقَ بَعْضُ العُلَماءِ بَيْنَ البَدَنِ والمالِ، وهي عِنْدِي كُلُّها فَضائِلُ لِلْعامِلِ وحَسَناتٌ تُذْكَرُ لِلْمَعْمُولِ عنهُ، وقَدْ أمَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَعْدًا رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالصَدَقَةِ عن أُمِّهِ، والسَعْيُ: الكَسْبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "يُرى" فاعِلُهُ حاضِرٌ والقِيامَةُ، أيْ يَراهُ اللهُ ومَن شاهَدَ الأمْرَ، وفي عَرْضِ الأعْمالِ عَلى الجَمِيعِ تَشْرِيفٌ لِلْمُحْسِنِينَ وتَوْبِيخٌ لِلْمُسِيئِينَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن سَمِعَ بِأخِيهِ فِيما يَكْرَهُ سَمَّعَ اللهُ بِهِ سامِعَ خَلْقِهِ يَوْمَ القِيامَةِ".»
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوفى﴾ وعِيدٌ لِلْكافِرِينَ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
و"المُنْتَهى": يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الحَشْرَ والمَصِيرَ بَعْدَ المَوْتِ، فَهو مُنْتَهى بِالإضافَةِ إلى الدُنْيا وإنْ كانَ بَعْدَهُ مُنْتَهًى آخَرَ وهو الجَنَّةُ أوِ النارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُنْتَهى الجَنَّةَ أوِ النارَ، فَهو مُنْتَهًى عَلى الإطْلاقِ، لَكِنَّ في الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ، أيْ: إلى عَذابِ رَبِّكَ أو رَحْمَتِهِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «قالَ النَبِيُّ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ (p-١٢٨)إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ "لا فِكْرَةَ في الرَبِّ"،» ورَوى أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "إذا ذُكِرَ الرَبُّ فانْتَهُوا"،» وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: "فِيمَ أنْتُمْ"؟ قالُوا: نَتَفَكَّرُ في الخالِقِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ، ولا تَتَفَكَّرُوا في الخالِقِ؛ فَإنَّهُ لا تُحِيطُ بِهِ الفِكْرَةُ"...» الحَدِيثُ، وذَكَرَ تَعالى الضَحِكَ والبُكاءَ لِأنَّهُما صِفَتانِ تَجْمَعانِ أصْنافًا كَثِيرَةً مِنَ الناسِ؛ إذِ الواحِدَةُ دَلِيلُ السُرُورِ والأُخْرى دَلِيلُ الحُزْنِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، فَنَبَّهَ تَعالى عَلى هاتَيْنِ الخاصَّتَيْنِ اللَتَيْنِ هُما لِلْإنْسانِ وحْدَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النارِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ في هَذا أقْوالًا اسْتِعارِيَّةً كَمَن قالَ: أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَباتِ وأبْكى السَماءَ بِالمَطَرِ، ونَحْوَهُ، و"أماتَ وأحْيا" بَيِّنٌ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ قَوْلًا إنَّهُ أحْيا بِالإيمانِ وأماتَ بِالكُفْرِ. و"الزَوْجَيْنِ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرِيدُ بِهِ المُصْطَحِبِينَ مِنَ الناسِ، مِنَ الرَجُلِ والمَرْأةِ وما ضارَعَ مِنَ الحَيَوانِ، والخُنْثى مُتَمَيِّزٌ ولا بُدَّ لِأحَدِ الجِهَتَيْنِ.
و"النُطْفَةُ" في اللُغَةِ: القِطْعَةُ مِنَ الماءِ كانَتْ يَسِيرَةً أو كَثِيرَةً، ويُرادُ بِها هُنا الذُكْرانُ.
وقَوْله: "تَمَنّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "أمْنى الرَجُلُ" إذا خَرَجَ مِنهُ المَنِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "مَنّى اللهُ الشَيْءَ" إذا خَلَقَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا تَخَلَّقَ وتَقَدَّرَ. و"النَشْأةَ الأُخْرى" هي إعادَةُ الأجْسامِ إلى الحَشْرِ بَعْدَ البِلى في التَرْكِيبِ، وقَرَأ الناسُ: (p-١٢٩)"النَشْأةَ" بِسُكُونِ الشِينِ وبِالهَمْزِ والقَصْرِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ: "النَشاءَةَ" مَمْدُودَةً، و"أقْنى" مَعْناهُ: أكْسَبُ، تَقُولُ: قَنَيْتُ المالَ أيْ كَسَبْتُهُ، ثُمَّ تَعَدّى بَعْدَ ذَلِكَ بِالهَمْزَةِ، وتَعَدّى بِالتَضْعِيفِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَمْ مِن غَنِيٍّ أصابَ الدَهْرُ ثَرْوَتَهُ ∗∗∗ ومِن فَقِيرٍ تَقَنّى بَعْدَ إقْلالِ
وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن "أقْنى" بِعِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: أقْنى مَعْناهُ: اكْتَسَبَ ما يَقْتَنِي، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: أرْضى وأغْنى، وقالَ حَضْرَمِيُّ: مَعْناهُ: أغْنى نَفْسَهُ و"أقْنى" أفْقَرَ عِبادَهُ إلَيْهِ، وقالَ الأخْفَشُ: أغْنى: أفْقَرُ، وهَذِهِ عِباراتٌ لا تَقْتَضِيها اللَفْظَةُ، والوَجْهُ فِيها بِحَسَبِ اللُغَةِ: أكْسَبُ ما يُقْتَنى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أقْنى: أقْنَعَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والقَناعَة خَيْرُ قَنْيَةٍ، والغِنى عَرَضٌ زائِلٌ، فَلِلَّهِ دَرُّ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
و"الشِعْرى": نَجْمٌ في السَماءِ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هو مَرْزَمُ الجَوْزاءِ، وهُما شِعْرِيّانِ: إحْداهُما: الغُمَيْصاءُ والأُخْرى العُبُورُ، لِأنَّها عَبَرَتِ المَجَرَّةَ، وكانَتْ خُزاعَةُ مِمَّنْ يَعْبُدُ هَذِهِ الشِعْرى، ومِنهم أبُو كَبْشَةَ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ والثَعْلَبِيُّ، واسْمُهُ عَبْدُ الشِعْرى، فَلِذَلِكَ خُصَّتْ بِالذِكْرِ، أيْ: وهو رَبُّ هَذا المَعْبُودِ الَّذِي هو لَكم.
و"عادٌ": قَوْمُ هُودٍ، واخْتَلَفَ في مَعْنى وصْفِها بِالأُولى، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: ذَلِكَ لِأنَّها في وجْهِ الدَهْرِ وقَدِيمِهِ، فَهي أولى بِالإضافَةِ إلى الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: سُمِّيَتْ بِالأُولى لِأنَّ ثُمَّ عادًا أخِيرَةً -وَهِيَ قَبِيلَةٌ- كانَتْ بِمَكَّةَ مَعَ العَمالِيقِ وهم بَنُو (p-١٣٠)لُقَيْمِ بْنِ هُزالٍ، والقَوْلُ الأوَّلُ أبْيَنُ؛ لِأنَّ هَذا الأخِيرَ لَمْ يَصِحَّ، وقالَ المُبَرِّدُ: عادٌ الأخِيرَةُ هي ثَمُودُ، والدَلِيلُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ .............. ∗∗∗ كَأحْمَرَ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ
ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وقِيلَ الأخِيرَةُ: الجَبّارُونَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا" مُنَوَّنَةً "الأُولى" مَهْمُوزَةً، وقَرَأ نافِعٌ فِيما رُوِيَ عنهُ: "عادًا الأولى" بِإزالَةِ التَنْوِينِ والهَمْزِ، وهَذا كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: "أحَدٌ اللهُ"، وكَقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ .............. ∗∗∗ ولا ذاكِرِ اللهَ إلّا قَلِيلًا
وقَرَأ قَوْمٌ: "عادٌ الأُولى"، والنُطْقُ بِها "عادَنِ الأُولى"، واجْتَمَعَ سُكُونُ نُونِ التَنْوِينِ وسُكُونُ لامِ التَعْرِيفِ فَكُسِرَتِ النُونُ لِلِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما وبَيْنَ قِراءَةِ (p-١٣١)الجُمْهُورِ إلّا تَرَكُ الهَمْزِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وأبُو عَمْرٍو بِالوَصْلِ والإدْغامِ: "عادًا لِوَلى" بِإدْغامِ النُونِ في اللامِ ونَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى اللامِ، وعابَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ والمُبَرِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ وقالا: إنَّ هَذا النَقْلَ لا يُخْرِجُ اللامَ عن حَدِّ السُكُونِ، وحَقُّ ألِفِ الوَصْلِ أنْ تَبْقى كَما تَقُولُ العَرَبُ إذا نُقِلَتِ الهَمْزَةُ مِن قَوْلِهِمْ: "الأحْمَرُ" فَإنَّهم يَقُولُونَ: "الحَمْرُ جاءَ" فَكَذَلِكَ يُقالُ هُنا "عادًا لْلُولى"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والقِراءَةُ سائِغَةٌ، وأيْضًا فَمِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "لَحَمَرُ جاءَ" فَيُحْذَفُ الألِفُ مَعَ النَقْلِ ويُعْتَدُّ بِحَرَكَةِ اللامِ ولا يَراها في حُكْمِ السُكُونِ، وقَرَأ نافِعٌ فِيما رُوِيَ عنهُ: "عادًا اللُؤْلى" بِهَمْزِ "اللُؤْلى"،يَهْمِزُ الواوَ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الواوِ والضَمَّةِ حائِلٌ يَحْمِلُ الهَمْزَةَ فَهَمَزَها كَما تُهْمَزُ الواوُ المَضْمُومَةُ، وكَذَلِكَ فَعَلَ مَن قَرَأ: "عَلى سُؤْقِهِ"، وكَما قالَ الشاعِرُ:
؎ لَحَبَّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤْسى ∗∗∗.....................
وهِيَ لُغَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَثَمُودًا" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "عادًا"، وقَرَأ عاصِمٌ، والحَسَنُ، وعِصْمَةٌ: "وَثَمُودُ" بِغَيْرِ صَرْفٍ، وهي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِغَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الدالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَما أبْقى" ظاهِرُهُ: فَما أبْقى عَلَيْهِمْ، وتَأوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ: فَما أبْقى مِنهم عَيْنًا تُطْرَفُ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ الحَجّاجُ حِينَ سَمِعَ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنْ ثَقِيفًا مِن (p-١٣٢)ثَمُودَ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿وَثَمُودَ فَما أبْقى﴾، وهَؤُلاءِ يَقُولُونَ: بَقِيَ مِنهم باقِيَةٌ.
النجم 53:51
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوفى﴾ ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ ﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ ﴿وَأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ ﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَشْأةَ الأُخْرى﴾ ﴿وَأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ ﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِعْرى﴾ ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ ﴿وَثَمُودَ فَما أبْقى﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "وَأنْ لَيْسَ"، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "وَأنَّ، وأنَّهُ" مَعْطُوفٌ كُلُّ ذَلِكَ عَلى "أنْ" المَقَدَّرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: "ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ"، وهي كُلُّها بِفَتْحِ الألِفِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ قُعْنُبٌ: "وَإنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيها وفِيما بَعْدَها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١]، وهَذا لا يَصِحُّ عِنْدِي عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأنَّهُ خَبَرٌ لا يُنْسَخُ، ولِأنَّ شُرُوطَ النَسْخِ لَيْسَتْ هُنا، اللهُمَّ إلّا أنْ يَتَجَوَّزَ في لَفْظَةِ النَسْخِ لِيَفْهَمَ سائِلًا. وقالَ عِكْرِمَةُ: هَذا الحُكْمُ كانَ في قَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلَها سَعْيُ غَيْرِها، والدَلِيلُ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، «قالَ: يا رَسُولَ اللهِ: هَلْ لِأُمِّي إنْ تَطَوَّعْتُ عنها أجْرٌ؟ قالَ: نَعَمْ،» وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هَذا الإنْسانُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو الكافِرُ، وأمّا المُؤْمِنُ (p-١٢٧)فَلَهُ ما سَعى وما سَعى لَهُ غَيْرُهُ، وسَألَ عَبْدُ اللهِ بْنُ طاهِرِ بْنِ الحُسَيْنِ والِي خُراسانَ الحُسَيْنَ بْنَ الفَضْلِ عن هَذِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، فَقالَ لَهُ: لَيْسَ بِالعَدْلِ إلّا ما سَعى، ولَهُ بِفَضْلِ اللهِ ما شاءَ اللهُ، فَقَبَّلَ عَبْدُ اللهِ رَأْسَ الحُسَيْنِ، وقالَ الجُمْهُورُ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، والتَحْرِيرُ عِنْدِي في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُلّاكَ المَعْنى هو في اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لِلْإنْسانِ"، فَإذا حَقَّقْتَ الشَيْءَ الَّذِي هو حَقُّ الإنْسانِ يَقُولُ فِيهِ: "لِي كَذا" لَمْ تَجِدْهُ إلّا سَعْيَهُ، وما تَمَّ بَعْدُ مِن رَحْمَةٍ بِشَفاعَةٍ أو رِعايَةِ أبٍ صالِحٍ أوِ ابْنٍ صالِحٍ أو تَضْعِيفِ حَسَناتٍ أو تَغَمُّدٍ بِفَضْلٍ ورَحْمَةٍ دُونَ هَذا كُلِّهِ، فَلَيْسَ هو لِلْإنْسانِ ولا يَسَعُهُ أنْ يَقُولَ: "لِي كَذا وكَذا" إلّا عَلى تَجَوُّزٍ وإلْحاقٍ بِما هو لَهُ حَقِيقَةً، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن يَرى أنَّهُ لا يَعْمَلُ أحَدٌ عن أحَدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِبَدَنٍ ولا مالٍ، وفَرَّقَ بَعْضُ العُلَماءِ بَيْنَ البَدَنِ والمالِ، وهي عِنْدِي كُلُّها فَضائِلُ لِلْعامِلِ وحَسَناتٌ تُذْكَرُ لِلْمَعْمُولِ عنهُ، وقَدْ أمَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَعْدًا رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالصَدَقَةِ عن أُمِّهِ، والسَعْيُ: الكَسْبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "يُرى" فاعِلُهُ حاضِرٌ والقِيامَةُ، أيْ يَراهُ اللهُ ومَن شاهَدَ الأمْرَ، وفي عَرْضِ الأعْمالِ عَلى الجَمِيعِ تَشْرِيفٌ لِلْمُحْسِنِينَ وتَوْبِيخٌ لِلْمُسِيئِينَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن سَمِعَ بِأخِيهِ فِيما يَكْرَهُ سَمَّعَ اللهُ بِهِ سامِعَ خَلْقِهِ يَوْمَ القِيامَةِ".»
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوفى﴾ وعِيدٌ لِلْكافِرِينَ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
و"المُنْتَهى": يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الحَشْرَ والمَصِيرَ بَعْدَ المَوْتِ، فَهو مُنْتَهى بِالإضافَةِ إلى الدُنْيا وإنْ كانَ بَعْدَهُ مُنْتَهًى آخَرَ وهو الجَنَّةُ أوِ النارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُنْتَهى الجَنَّةَ أوِ النارَ، فَهو مُنْتَهًى عَلى الإطْلاقِ، لَكِنَّ في الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ، أيْ: إلى عَذابِ رَبِّكَ أو رَحْمَتِهِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «قالَ النَبِيُّ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ (p-١٢٨)إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ "لا فِكْرَةَ في الرَبِّ"،» ورَوى أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "إذا ذُكِرَ الرَبُّ فانْتَهُوا"،» وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: "فِيمَ أنْتُمْ"؟ قالُوا: نَتَفَكَّرُ في الخالِقِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ، ولا تَتَفَكَّرُوا في الخالِقِ؛ فَإنَّهُ لا تُحِيطُ بِهِ الفِكْرَةُ"...» الحَدِيثُ، وذَكَرَ تَعالى الضَحِكَ والبُكاءَ لِأنَّهُما صِفَتانِ تَجْمَعانِ أصْنافًا كَثِيرَةً مِنَ الناسِ؛ إذِ الواحِدَةُ دَلِيلُ السُرُورِ والأُخْرى دَلِيلُ الحُزْنِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، فَنَبَّهَ تَعالى عَلى هاتَيْنِ الخاصَّتَيْنِ اللَتَيْنِ هُما لِلْإنْسانِ وحْدَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النارِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ في هَذا أقْوالًا اسْتِعارِيَّةً كَمَن قالَ: أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَباتِ وأبْكى السَماءَ بِالمَطَرِ، ونَحْوَهُ، و"أماتَ وأحْيا" بَيِّنٌ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ قَوْلًا إنَّهُ أحْيا بِالإيمانِ وأماتَ بِالكُفْرِ. و"الزَوْجَيْنِ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرِيدُ بِهِ المُصْطَحِبِينَ مِنَ الناسِ، مِنَ الرَجُلِ والمَرْأةِ وما ضارَعَ مِنَ الحَيَوانِ، والخُنْثى مُتَمَيِّزٌ ولا بُدَّ لِأحَدِ الجِهَتَيْنِ.
و"النُطْفَةُ" في اللُغَةِ: القِطْعَةُ مِنَ الماءِ كانَتْ يَسِيرَةً أو كَثِيرَةً، ويُرادُ بِها هُنا الذُكْرانُ.
وقَوْله: "تَمَنّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "أمْنى الرَجُلُ" إذا خَرَجَ مِنهُ المَنِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "مَنّى اللهُ الشَيْءَ" إذا خَلَقَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا تَخَلَّقَ وتَقَدَّرَ. و"النَشْأةَ الأُخْرى" هي إعادَةُ الأجْسامِ إلى الحَشْرِ بَعْدَ البِلى في التَرْكِيبِ، وقَرَأ الناسُ: (p-١٢٩)"النَشْأةَ" بِسُكُونِ الشِينِ وبِالهَمْزِ والقَصْرِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ: "النَشاءَةَ" مَمْدُودَةً، و"أقْنى" مَعْناهُ: أكْسَبُ، تَقُولُ: قَنَيْتُ المالَ أيْ كَسَبْتُهُ، ثُمَّ تَعَدّى بَعْدَ ذَلِكَ بِالهَمْزَةِ، وتَعَدّى بِالتَضْعِيفِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَمْ مِن غَنِيٍّ أصابَ الدَهْرُ ثَرْوَتَهُ ∗∗∗ ومِن فَقِيرٍ تَقَنّى بَعْدَ إقْلالِ
وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن "أقْنى" بِعِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: أقْنى مَعْناهُ: اكْتَسَبَ ما يَقْتَنِي، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: أرْضى وأغْنى، وقالَ حَضْرَمِيُّ: مَعْناهُ: أغْنى نَفْسَهُ و"أقْنى" أفْقَرَ عِبادَهُ إلَيْهِ، وقالَ الأخْفَشُ: أغْنى: أفْقَرُ، وهَذِهِ عِباراتٌ لا تَقْتَضِيها اللَفْظَةُ، والوَجْهُ فِيها بِحَسَبِ اللُغَةِ: أكْسَبُ ما يُقْتَنى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أقْنى: أقْنَعَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والقَناعَة خَيْرُ قَنْيَةٍ، والغِنى عَرَضٌ زائِلٌ، فَلِلَّهِ دَرُّ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
و"الشِعْرى": نَجْمٌ في السَماءِ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هو مَرْزَمُ الجَوْزاءِ، وهُما شِعْرِيّانِ: إحْداهُما: الغُمَيْصاءُ والأُخْرى العُبُورُ، لِأنَّها عَبَرَتِ المَجَرَّةَ، وكانَتْ خُزاعَةُ مِمَّنْ يَعْبُدُ هَذِهِ الشِعْرى، ومِنهم أبُو كَبْشَةَ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ والثَعْلَبِيُّ، واسْمُهُ عَبْدُ الشِعْرى، فَلِذَلِكَ خُصَّتْ بِالذِكْرِ، أيْ: وهو رَبُّ هَذا المَعْبُودِ الَّذِي هو لَكم.
و"عادٌ": قَوْمُ هُودٍ، واخْتَلَفَ في مَعْنى وصْفِها بِالأُولى، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: ذَلِكَ لِأنَّها في وجْهِ الدَهْرِ وقَدِيمِهِ، فَهي أولى بِالإضافَةِ إلى الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: سُمِّيَتْ بِالأُولى لِأنَّ ثُمَّ عادًا أخِيرَةً -وَهِيَ قَبِيلَةٌ- كانَتْ بِمَكَّةَ مَعَ العَمالِيقِ وهم بَنُو (p-١٣٠)لُقَيْمِ بْنِ هُزالٍ، والقَوْلُ الأوَّلُ أبْيَنُ؛ لِأنَّ هَذا الأخِيرَ لَمْ يَصِحَّ، وقالَ المُبَرِّدُ: عادٌ الأخِيرَةُ هي ثَمُودُ، والدَلِيلُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ .............. ∗∗∗ كَأحْمَرَ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ
ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وقِيلَ الأخِيرَةُ: الجَبّارُونَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا" مُنَوَّنَةً "الأُولى" مَهْمُوزَةً، وقَرَأ نافِعٌ فِيما رُوِيَ عنهُ: "عادًا الأولى" بِإزالَةِ التَنْوِينِ والهَمْزِ، وهَذا كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: "أحَدٌ اللهُ"، وكَقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ .............. ∗∗∗ ولا ذاكِرِ اللهَ إلّا قَلِيلًا
وقَرَأ قَوْمٌ: "عادٌ الأُولى"، والنُطْقُ بِها "عادَنِ الأُولى"، واجْتَمَعَ سُكُونُ نُونِ التَنْوِينِ وسُكُونُ لامِ التَعْرِيفِ فَكُسِرَتِ النُونُ لِلِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما وبَيْنَ قِراءَةِ (p-١٣١)الجُمْهُورِ إلّا تَرَكُ الهَمْزِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وأبُو عَمْرٍو بِالوَصْلِ والإدْغامِ: "عادًا لِوَلى" بِإدْغامِ النُونِ في اللامِ ونَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى اللامِ، وعابَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ والمُبَرِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ وقالا: إنَّ هَذا النَقْلَ لا يُخْرِجُ اللامَ عن حَدِّ السُكُونِ، وحَقُّ ألِفِ الوَصْلِ أنْ تَبْقى كَما تَقُولُ العَرَبُ إذا نُقِلَتِ الهَمْزَةُ مِن قَوْلِهِمْ: "الأحْمَرُ" فَإنَّهم يَقُولُونَ: "الحَمْرُ جاءَ" فَكَذَلِكَ يُقالُ هُنا "عادًا لْلُولى"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والقِراءَةُ سائِغَةٌ، وأيْضًا فَمِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "لَحَمَرُ جاءَ" فَيُحْذَفُ الألِفُ مَعَ النَقْلِ ويُعْتَدُّ بِحَرَكَةِ اللامِ ولا يَراها في حُكْمِ السُكُونِ، وقَرَأ نافِعٌ فِيما رُوِيَ عنهُ: "عادًا اللُؤْلى" بِهَمْزِ "اللُؤْلى"،يَهْمِزُ الواوَ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الواوِ والضَمَّةِ حائِلٌ يَحْمِلُ الهَمْزَةَ فَهَمَزَها كَما تُهْمَزُ الواوُ المَضْمُومَةُ، وكَذَلِكَ فَعَلَ مَن قَرَأ: "عَلى سُؤْقِهِ"، وكَما قالَ الشاعِرُ:
؎ لَحَبَّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤْسى ∗∗∗.....................
وهِيَ لُغَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَثَمُودًا" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "عادًا"، وقَرَأ عاصِمٌ، والحَسَنُ، وعِصْمَةٌ: "وَثَمُودُ" بِغَيْرِ صَرْفٍ، وهي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِغَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الدالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَما أبْقى" ظاهِرُهُ: فَما أبْقى عَلَيْهِمْ، وتَأوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ: فَما أبْقى مِنهم عَيْنًا تُطْرَفُ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ الحَجّاجُ حِينَ سَمِعَ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنْ ثَقِيفًا مِن (p-١٣٢)ثَمُودَ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿وَثَمُودَ فَما أبْقى﴾، وهَؤُلاءِ يَقُولُونَ: بَقِيَ مِنهم باقِيَةٌ.
النجم 53:52
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُذُرِ الأُولى﴾ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وَتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾
نُصِبَ "قَوْمَ نُوحٍ" عَطْفًا عَلى "ثَمُودَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن قَبْلُ" لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ مِن أهْلِ الأرْضِ، و"نُوحٌ" أوَّلُ الرُسُلِ، وجَعَلَهم "أظْلَمَ وأطْغى" لِأنَّهم سَبَقُوا إلى التَكْذِيبِ دُونَ اقْتِداءٍ بِأحَدٍ قَبْلَهُمْ، وأيْضًا فَإنَّهم كانُوا في غايَةٍ مِنَ العُتُوِّ، وكانَ عُمْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ طالَ في دُعائِهِمْ، وكانَ الرَجُلُ يَأْتِي إلَيْهِ مَعَ ابْنِهِ فَيَقُولُ: أُحَذِّرُكَ مِن هَذا الرَجُلِ فَإنَّهُ كَذّابٌ، ولَقَدْ حَذَّرَنِي مِنهُ أبِي وأخْبَرَنِي أنَّ جَدِّي حَذَّرَهُ مِنهُ، فَمَشَتْ عَلى هَذا أخْلاقُهم ألْفًا إلّا خَمْسِينَ عامًا.
و"المُؤْتَفِكَةَ" قَرْيَةُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ومَعْنى "المُؤْتَفِكَةَ": المُتَقَلِّبَةُ؛ لِأنَّها أفِكَتْ فائْتَفَكَتْ، ومِنهُ "الإفْكُ" لِأنَّهُ قَلْبُ الحَقِّ كَذِبًا، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والمُؤْتَفِكاتِ" عَلى الجَمْعِ، و"أهْوى" مَعْناهُ: طَرَحَها مِن هَواءٍ عالٍ إلى أسْفَلَ، وهَذا ما رُوِيَ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَها بِجَناحِهِ حَتّى بَلَغَ بِها قُرْبَ السَماءِ فَهَبَطَ الجَمِيعُ، ثُمَّ أُتْبِعُوا بِحِجارَةٍ، وهي الَّتِي غَشّاها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذا هو اللهُ الَّذِي لَهُ هَذِهِ الأفاعِيلُ، وهو خالِقُكَ المُنْعِمُ عَلَيْكَ بِكُلِّ النِعَمِ، فَفي أيُّها تَشُكُّ؟ و"تَتَمارى" مَعْناهُ: تَتَشَكَّكُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "رَبِّكَ تَّمارى" بِتاءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقالَ أبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ [النجم: ٣٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: "تَتَمارى" هو في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، وهو تَأْوِيلُ قَوْمٍ، وقالَ (p-١٣٣)أبُو مالِكٍ: الإشارَةُ بِهَذا النَذِيرِ إلى ما سَلَفَ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ، و"نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، و"نَذَرَ" جَمْعُ نَذِيرٍ، وقالَ: "الأُولى" بِمَعْنى أنَّهُ في الرُتْبَةِ والأوصافُ والمَنزِلَةُ مِن تِلْكَ المُتَقَدِّمَةِ، والأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أزِفَتِ الآزِفَةُ" مَعْناهُ: قَرُبَتِ القَرِيبَةً، و"الآزِفَةُ" عِبارَةٌ عَنِ القِيامَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، و"أزِفَ" مَعْناهُ: قَرُبَ جِدًّا، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎ بانَ الشَبابُ وأمْسى الشَيْبُ قَدْ أزِفا ولا أرى لِشَبابٍ ذاهِبٍ خَلَفا
وقَوْلُهُ تَعالى: "كاشِفَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ، التَقْدِيرُ: حالَةٌ كاشِفَةٌ، أو مِنَّةٌ كاشِفَةٌ، أو سِعايَةٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: أو جَماعَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ و"خائِنَةَ الأعْيُنِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "كاشِفٍ" والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]، وأمّا مَعْنى "كاشِفَةٌ" فَقالَ الطَبَرِيُّ، والزَجّاجُ: هو مِن كَشْفِ السِرِّ، أيْ: لَيْسَ مِن دُونِ اللهِ مَن يَكْشِفُ وقْتَها ويَعْلَمُهُ، وقالَ الزَهْراوِيُّ عن مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ: هو مَن كَشْفِ الضُرِّ ودَفْعِهِ، أيْ: لَيْسَ مَن يَكْشِفُ هَوْلَها وخَطْبَها، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لَيْسَ لَها مِمّا تَدَّعُونَ مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ وهي عَلى الظالِمِينَ ساءَتِ الغاشِيَةُ".
و"هَذا الحَدِيثُ" هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَمَن"؟ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، وفي حَرْفِ (p-١٣٤)أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "تَعْجَبُونَ"، تَضْحَكُونَ" بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "تَعْجَبُونَ تَضْحَكُونَ" بِضَمِّ التاءِ فِيهِما وكَسْرِ الجِيمِ والحاءِ وحَذْفِ واوِ العَطْفِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: "وَلا تَبْكُونَ" حَضٌّ عَلى البُكاءِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، ورَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ يُخَوِّفُ، فَإذا قَرَأْتُمُوهُ فابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا"،» ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.
و"السامِدُ": اللاعِبُ اللاهِي، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عنكَ السُمُودا
و"سَمَدَ" بِلُغَةِ حِمْيَرٍ: غَنّى، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ، قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُ لِلصَّلاةِ فَقالَ: ما لِي أراكم سامِدِينَ؟ (p-١٣٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُشْبِهُ أنَّهُ رَآهم في أحادِيثَ ونَحْوِها مِمّا يَظُنُّ أنَّهُ غَفْلَةٌ ما، وقالَ إبْراهِيمُ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَنْتَظِرُوا خُرُوجَ الإمامِ قِيامًا، وفي الحَدِيثِ: « "إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ فَلا تَقُومُوا حَتّى تَرَوْنِي"».
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالسُجُودِ وعِبادَةِ اللهِ تَحْذِيرًا وتَخْوِيفًا، وهاهُنا سَجْدَةٌ في قَوْلِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ ورَدَتْ بِها أحادِيثُ صِحاحٌ، ولَيْسَ يَراها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّهُ قَرَأ بِها عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَسْجُدْ.»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [النَجْمِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
النجم 53:53
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُذُرِ الأُولى﴾ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وَتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾
نُصِبَ "قَوْمَ نُوحٍ" عَطْفًا عَلى "ثَمُودَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن قَبْلُ" لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ مِن أهْلِ الأرْضِ، و"نُوحٌ" أوَّلُ الرُسُلِ، وجَعَلَهم "أظْلَمَ وأطْغى" لِأنَّهم سَبَقُوا إلى التَكْذِيبِ دُونَ اقْتِداءٍ بِأحَدٍ قَبْلَهُمْ، وأيْضًا فَإنَّهم كانُوا في غايَةٍ مِنَ العُتُوِّ، وكانَ عُمْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ طالَ في دُعائِهِمْ، وكانَ الرَجُلُ يَأْتِي إلَيْهِ مَعَ ابْنِهِ فَيَقُولُ: أُحَذِّرُكَ مِن هَذا الرَجُلِ فَإنَّهُ كَذّابٌ، ولَقَدْ حَذَّرَنِي مِنهُ أبِي وأخْبَرَنِي أنَّ جَدِّي حَذَّرَهُ مِنهُ، فَمَشَتْ عَلى هَذا أخْلاقُهم ألْفًا إلّا خَمْسِينَ عامًا.
و"المُؤْتَفِكَةَ" قَرْيَةُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ومَعْنى "المُؤْتَفِكَةَ": المُتَقَلِّبَةُ؛ لِأنَّها أفِكَتْ فائْتَفَكَتْ، ومِنهُ "الإفْكُ" لِأنَّهُ قَلْبُ الحَقِّ كَذِبًا، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والمُؤْتَفِكاتِ" عَلى الجَمْعِ، و"أهْوى" مَعْناهُ: طَرَحَها مِن هَواءٍ عالٍ إلى أسْفَلَ، وهَذا ما رُوِيَ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَها بِجَناحِهِ حَتّى بَلَغَ بِها قُرْبَ السَماءِ فَهَبَطَ الجَمِيعُ، ثُمَّ أُتْبِعُوا بِحِجارَةٍ، وهي الَّتِي غَشّاها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذا هو اللهُ الَّذِي لَهُ هَذِهِ الأفاعِيلُ، وهو خالِقُكَ المُنْعِمُ عَلَيْكَ بِكُلِّ النِعَمِ، فَفي أيُّها تَشُكُّ؟ و"تَتَمارى" مَعْناهُ: تَتَشَكَّكُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "رَبِّكَ تَّمارى" بِتاءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقالَ أبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ [النجم: ٣٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: "تَتَمارى" هو في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، وهو تَأْوِيلُ قَوْمٍ، وقالَ (p-١٣٣)أبُو مالِكٍ: الإشارَةُ بِهَذا النَذِيرِ إلى ما سَلَفَ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ، و"نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، و"نَذَرَ" جَمْعُ نَذِيرٍ، وقالَ: "الأُولى" بِمَعْنى أنَّهُ في الرُتْبَةِ والأوصافُ والمَنزِلَةُ مِن تِلْكَ المُتَقَدِّمَةِ، والأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أزِفَتِ الآزِفَةُ" مَعْناهُ: قَرُبَتِ القَرِيبَةً، و"الآزِفَةُ" عِبارَةٌ عَنِ القِيامَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، و"أزِفَ" مَعْناهُ: قَرُبَ جِدًّا، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎ بانَ الشَبابُ وأمْسى الشَيْبُ قَدْ أزِفا ولا أرى لِشَبابٍ ذاهِبٍ خَلَفا
وقَوْلُهُ تَعالى: "كاشِفَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ، التَقْدِيرُ: حالَةٌ كاشِفَةٌ، أو مِنَّةٌ كاشِفَةٌ، أو سِعايَةٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: أو جَماعَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ و"خائِنَةَ الأعْيُنِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "كاشِفٍ" والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]، وأمّا مَعْنى "كاشِفَةٌ" فَقالَ الطَبَرِيُّ، والزَجّاجُ: هو مِن كَشْفِ السِرِّ، أيْ: لَيْسَ مِن دُونِ اللهِ مَن يَكْشِفُ وقْتَها ويَعْلَمُهُ، وقالَ الزَهْراوِيُّ عن مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ: هو مَن كَشْفِ الضُرِّ ودَفْعِهِ، أيْ: لَيْسَ مَن يَكْشِفُ هَوْلَها وخَطْبَها، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لَيْسَ لَها مِمّا تَدَّعُونَ مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ وهي عَلى الظالِمِينَ ساءَتِ الغاشِيَةُ".
و"هَذا الحَدِيثُ" هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَمَن"؟ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، وفي حَرْفِ (p-١٣٤)أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "تَعْجَبُونَ"، تَضْحَكُونَ" بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "تَعْجَبُونَ تَضْحَكُونَ" بِضَمِّ التاءِ فِيهِما وكَسْرِ الجِيمِ والحاءِ وحَذْفِ واوِ العَطْفِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: "وَلا تَبْكُونَ" حَضٌّ عَلى البُكاءِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، ورَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ يُخَوِّفُ، فَإذا قَرَأْتُمُوهُ فابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا"،» ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.
و"السامِدُ": اللاعِبُ اللاهِي، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عنكَ السُمُودا
و"سَمَدَ" بِلُغَةِ حِمْيَرٍ: غَنّى، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ، قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُ لِلصَّلاةِ فَقالَ: ما لِي أراكم سامِدِينَ؟ (p-١٣٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُشْبِهُ أنَّهُ رَآهم في أحادِيثَ ونَحْوِها مِمّا يَظُنُّ أنَّهُ غَفْلَةٌ ما، وقالَ إبْراهِيمُ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَنْتَظِرُوا خُرُوجَ الإمامِ قِيامًا، وفي الحَدِيثِ: « "إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ فَلا تَقُومُوا حَتّى تَرَوْنِي"».
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالسُجُودِ وعِبادَةِ اللهِ تَحْذِيرًا وتَخْوِيفًا، وهاهُنا سَجْدَةٌ في قَوْلِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ ورَدَتْ بِها أحادِيثُ صِحاحٌ، ولَيْسَ يَراها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّهُ قَرَأ بِها عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَسْجُدْ.»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [النَجْمِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
النجم 53:54
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُذُرِ الأُولى﴾ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وَتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾
نُصِبَ "قَوْمَ نُوحٍ" عَطْفًا عَلى "ثَمُودَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن قَبْلُ" لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ مِن أهْلِ الأرْضِ، و"نُوحٌ" أوَّلُ الرُسُلِ، وجَعَلَهم "أظْلَمَ وأطْغى" لِأنَّهم سَبَقُوا إلى التَكْذِيبِ دُونَ اقْتِداءٍ بِأحَدٍ قَبْلَهُمْ، وأيْضًا فَإنَّهم كانُوا في غايَةٍ مِنَ العُتُوِّ، وكانَ عُمْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ طالَ في دُعائِهِمْ، وكانَ الرَجُلُ يَأْتِي إلَيْهِ مَعَ ابْنِهِ فَيَقُولُ: أُحَذِّرُكَ مِن هَذا الرَجُلِ فَإنَّهُ كَذّابٌ، ولَقَدْ حَذَّرَنِي مِنهُ أبِي وأخْبَرَنِي أنَّ جَدِّي حَذَّرَهُ مِنهُ، فَمَشَتْ عَلى هَذا أخْلاقُهم ألْفًا إلّا خَمْسِينَ عامًا.
و"المُؤْتَفِكَةَ" قَرْيَةُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ومَعْنى "المُؤْتَفِكَةَ": المُتَقَلِّبَةُ؛ لِأنَّها أفِكَتْ فائْتَفَكَتْ، ومِنهُ "الإفْكُ" لِأنَّهُ قَلْبُ الحَقِّ كَذِبًا، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والمُؤْتَفِكاتِ" عَلى الجَمْعِ، و"أهْوى" مَعْناهُ: طَرَحَها مِن هَواءٍ عالٍ إلى أسْفَلَ، وهَذا ما رُوِيَ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَها بِجَناحِهِ حَتّى بَلَغَ بِها قُرْبَ السَماءِ فَهَبَطَ الجَمِيعُ، ثُمَّ أُتْبِعُوا بِحِجارَةٍ، وهي الَّتِي غَشّاها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذا هو اللهُ الَّذِي لَهُ هَذِهِ الأفاعِيلُ، وهو خالِقُكَ المُنْعِمُ عَلَيْكَ بِكُلِّ النِعَمِ، فَفي أيُّها تَشُكُّ؟ و"تَتَمارى" مَعْناهُ: تَتَشَكَّكُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "رَبِّكَ تَّمارى" بِتاءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقالَ أبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ [النجم: ٣٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: "تَتَمارى" هو في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، وهو تَأْوِيلُ قَوْمٍ، وقالَ (p-١٣٣)أبُو مالِكٍ: الإشارَةُ بِهَذا النَذِيرِ إلى ما سَلَفَ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ، و"نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، و"نَذَرَ" جَمْعُ نَذِيرٍ، وقالَ: "الأُولى" بِمَعْنى أنَّهُ في الرُتْبَةِ والأوصافُ والمَنزِلَةُ مِن تِلْكَ المُتَقَدِّمَةِ، والأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أزِفَتِ الآزِفَةُ" مَعْناهُ: قَرُبَتِ القَرِيبَةً، و"الآزِفَةُ" عِبارَةٌ عَنِ القِيامَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، و"أزِفَ" مَعْناهُ: قَرُبَ جِدًّا، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎ بانَ الشَبابُ وأمْسى الشَيْبُ قَدْ أزِفا ولا أرى لِشَبابٍ ذاهِبٍ خَلَفا
وقَوْلُهُ تَعالى: "كاشِفَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ، التَقْدِيرُ: حالَةٌ كاشِفَةٌ، أو مِنَّةٌ كاشِفَةٌ، أو سِعايَةٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: أو جَماعَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ و"خائِنَةَ الأعْيُنِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "كاشِفٍ" والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]، وأمّا مَعْنى "كاشِفَةٌ" فَقالَ الطَبَرِيُّ، والزَجّاجُ: هو مِن كَشْفِ السِرِّ، أيْ: لَيْسَ مِن دُونِ اللهِ مَن يَكْشِفُ وقْتَها ويَعْلَمُهُ، وقالَ الزَهْراوِيُّ عن مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ: هو مَن كَشْفِ الضُرِّ ودَفْعِهِ، أيْ: لَيْسَ مَن يَكْشِفُ هَوْلَها وخَطْبَها، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لَيْسَ لَها مِمّا تَدَّعُونَ مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ وهي عَلى الظالِمِينَ ساءَتِ الغاشِيَةُ".
و"هَذا الحَدِيثُ" هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَمَن"؟ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، وفي حَرْفِ (p-١٣٤)أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "تَعْجَبُونَ"، تَضْحَكُونَ" بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "تَعْجَبُونَ تَضْحَكُونَ" بِضَمِّ التاءِ فِيهِما وكَسْرِ الجِيمِ والحاءِ وحَذْفِ واوِ العَطْفِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: "وَلا تَبْكُونَ" حَضٌّ عَلى البُكاءِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، ورَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ يُخَوِّفُ، فَإذا قَرَأْتُمُوهُ فابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا"،» ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.
و"السامِدُ": اللاعِبُ اللاهِي، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عنكَ السُمُودا
و"سَمَدَ" بِلُغَةِ حِمْيَرٍ: غَنّى، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ، قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُ لِلصَّلاةِ فَقالَ: ما لِي أراكم سامِدِينَ؟ (p-١٣٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُشْبِهُ أنَّهُ رَآهم في أحادِيثَ ونَحْوِها مِمّا يَظُنُّ أنَّهُ غَفْلَةٌ ما، وقالَ إبْراهِيمُ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَنْتَظِرُوا خُرُوجَ الإمامِ قِيامًا، وفي الحَدِيثِ: « "إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ فَلا تَقُومُوا حَتّى تَرَوْنِي"».
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالسُجُودِ وعِبادَةِ اللهِ تَحْذِيرًا وتَخْوِيفًا، وهاهُنا سَجْدَةٌ في قَوْلِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ ورَدَتْ بِها أحادِيثُ صِحاحٌ، ولَيْسَ يَراها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّهُ قَرَأ بِها عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَسْجُدْ.»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [النَجْمِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
النجم 53:55
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُذُرِ الأُولى﴾ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وَتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾
نُصِبَ "قَوْمَ نُوحٍ" عَطْفًا عَلى "ثَمُودَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن قَبْلُ" لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ مِن أهْلِ الأرْضِ، و"نُوحٌ" أوَّلُ الرُسُلِ، وجَعَلَهم "أظْلَمَ وأطْغى" لِأنَّهم سَبَقُوا إلى التَكْذِيبِ دُونَ اقْتِداءٍ بِأحَدٍ قَبْلَهُمْ، وأيْضًا فَإنَّهم كانُوا في غايَةٍ مِنَ العُتُوِّ، وكانَ عُمْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ طالَ في دُعائِهِمْ، وكانَ الرَجُلُ يَأْتِي إلَيْهِ مَعَ ابْنِهِ فَيَقُولُ: أُحَذِّرُكَ مِن هَذا الرَجُلِ فَإنَّهُ كَذّابٌ، ولَقَدْ حَذَّرَنِي مِنهُ أبِي وأخْبَرَنِي أنَّ جَدِّي حَذَّرَهُ مِنهُ، فَمَشَتْ عَلى هَذا أخْلاقُهم ألْفًا إلّا خَمْسِينَ عامًا.
و"المُؤْتَفِكَةَ" قَرْيَةُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ومَعْنى "المُؤْتَفِكَةَ": المُتَقَلِّبَةُ؛ لِأنَّها أفِكَتْ فائْتَفَكَتْ، ومِنهُ "الإفْكُ" لِأنَّهُ قَلْبُ الحَقِّ كَذِبًا، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والمُؤْتَفِكاتِ" عَلى الجَمْعِ، و"أهْوى" مَعْناهُ: طَرَحَها مِن هَواءٍ عالٍ إلى أسْفَلَ، وهَذا ما رُوِيَ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَها بِجَناحِهِ حَتّى بَلَغَ بِها قُرْبَ السَماءِ فَهَبَطَ الجَمِيعُ، ثُمَّ أُتْبِعُوا بِحِجارَةٍ، وهي الَّتِي غَشّاها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذا هو اللهُ الَّذِي لَهُ هَذِهِ الأفاعِيلُ، وهو خالِقُكَ المُنْعِمُ عَلَيْكَ بِكُلِّ النِعَمِ، فَفي أيُّها تَشُكُّ؟ و"تَتَمارى" مَعْناهُ: تَتَشَكَّكُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "رَبِّكَ تَّمارى" بِتاءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقالَ أبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ [النجم: ٣٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: "تَتَمارى" هو في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، وهو تَأْوِيلُ قَوْمٍ، وقالَ (p-١٣٣)أبُو مالِكٍ: الإشارَةُ بِهَذا النَذِيرِ إلى ما سَلَفَ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ، و"نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، و"نَذَرَ" جَمْعُ نَذِيرٍ، وقالَ: "الأُولى" بِمَعْنى أنَّهُ في الرُتْبَةِ والأوصافُ والمَنزِلَةُ مِن تِلْكَ المُتَقَدِّمَةِ، والأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أزِفَتِ الآزِفَةُ" مَعْناهُ: قَرُبَتِ القَرِيبَةً، و"الآزِفَةُ" عِبارَةٌ عَنِ القِيامَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، و"أزِفَ" مَعْناهُ: قَرُبَ جِدًّا، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎ بانَ الشَبابُ وأمْسى الشَيْبُ قَدْ أزِفا ولا أرى لِشَبابٍ ذاهِبٍ خَلَفا
وقَوْلُهُ تَعالى: "كاشِفَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ، التَقْدِيرُ: حالَةٌ كاشِفَةٌ، أو مِنَّةٌ كاشِفَةٌ، أو سِعايَةٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: أو جَماعَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ و"خائِنَةَ الأعْيُنِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "كاشِفٍ" والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]، وأمّا مَعْنى "كاشِفَةٌ" فَقالَ الطَبَرِيُّ، والزَجّاجُ: هو مِن كَشْفِ السِرِّ، أيْ: لَيْسَ مِن دُونِ اللهِ مَن يَكْشِفُ وقْتَها ويَعْلَمُهُ، وقالَ الزَهْراوِيُّ عن مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ: هو مَن كَشْفِ الضُرِّ ودَفْعِهِ، أيْ: لَيْسَ مَن يَكْشِفُ هَوْلَها وخَطْبَها، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لَيْسَ لَها مِمّا تَدَّعُونَ مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ وهي عَلى الظالِمِينَ ساءَتِ الغاشِيَةُ".
و"هَذا الحَدِيثُ" هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَمَن"؟ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، وفي حَرْفِ (p-١٣٤)أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "تَعْجَبُونَ"، تَضْحَكُونَ" بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "تَعْجَبُونَ تَضْحَكُونَ" بِضَمِّ التاءِ فِيهِما وكَسْرِ الجِيمِ والحاءِ وحَذْفِ واوِ العَطْفِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: "وَلا تَبْكُونَ" حَضٌّ عَلى البُكاءِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، ورَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ يُخَوِّفُ، فَإذا قَرَأْتُمُوهُ فابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا"،» ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.
و"السامِدُ": اللاعِبُ اللاهِي، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عنكَ السُمُودا
و"سَمَدَ" بِلُغَةِ حِمْيَرٍ: غَنّى، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ، قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُ لِلصَّلاةِ فَقالَ: ما لِي أراكم سامِدِينَ؟ (p-١٣٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُشْبِهُ أنَّهُ رَآهم في أحادِيثَ ونَحْوِها مِمّا يَظُنُّ أنَّهُ غَفْلَةٌ ما، وقالَ إبْراهِيمُ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَنْتَظِرُوا خُرُوجَ الإمامِ قِيامًا، وفي الحَدِيثِ: « "إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ فَلا تَقُومُوا حَتّى تَرَوْنِي"».
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالسُجُودِ وعِبادَةِ اللهِ تَحْذِيرًا وتَخْوِيفًا، وهاهُنا سَجْدَةٌ في قَوْلِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ ورَدَتْ بِها أحادِيثُ صِحاحٌ، ولَيْسَ يَراها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّهُ قَرَأ بِها عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَسْجُدْ.»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [النَجْمِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
النجم 53:56
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُذُرِ الأُولى﴾ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وَتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾
نُصِبَ "قَوْمَ نُوحٍ" عَطْفًا عَلى "ثَمُودَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن قَبْلُ" لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ مِن أهْلِ الأرْضِ، و"نُوحٌ" أوَّلُ الرُسُلِ، وجَعَلَهم "أظْلَمَ وأطْغى" لِأنَّهم سَبَقُوا إلى التَكْذِيبِ دُونَ اقْتِداءٍ بِأحَدٍ قَبْلَهُمْ، وأيْضًا فَإنَّهم كانُوا في غايَةٍ مِنَ العُتُوِّ، وكانَ عُمْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ طالَ في دُعائِهِمْ، وكانَ الرَجُلُ يَأْتِي إلَيْهِ مَعَ ابْنِهِ فَيَقُولُ: أُحَذِّرُكَ مِن هَذا الرَجُلِ فَإنَّهُ كَذّابٌ، ولَقَدْ حَذَّرَنِي مِنهُ أبِي وأخْبَرَنِي أنَّ جَدِّي حَذَّرَهُ مِنهُ، فَمَشَتْ عَلى هَذا أخْلاقُهم ألْفًا إلّا خَمْسِينَ عامًا.
و"المُؤْتَفِكَةَ" قَرْيَةُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ومَعْنى "المُؤْتَفِكَةَ": المُتَقَلِّبَةُ؛ لِأنَّها أفِكَتْ فائْتَفَكَتْ، ومِنهُ "الإفْكُ" لِأنَّهُ قَلْبُ الحَقِّ كَذِبًا، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والمُؤْتَفِكاتِ" عَلى الجَمْعِ، و"أهْوى" مَعْناهُ: طَرَحَها مِن هَواءٍ عالٍ إلى أسْفَلَ، وهَذا ما رُوِيَ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَها بِجَناحِهِ حَتّى بَلَغَ بِها قُرْبَ السَماءِ فَهَبَطَ الجَمِيعُ، ثُمَّ أُتْبِعُوا بِحِجارَةٍ، وهي الَّتِي غَشّاها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذا هو اللهُ الَّذِي لَهُ هَذِهِ الأفاعِيلُ، وهو خالِقُكَ المُنْعِمُ عَلَيْكَ بِكُلِّ النِعَمِ، فَفي أيُّها تَشُكُّ؟ و"تَتَمارى" مَعْناهُ: تَتَشَكَّكُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "رَبِّكَ تَّمارى" بِتاءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقالَ أبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ [النجم: ٣٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: "تَتَمارى" هو في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، وهو تَأْوِيلُ قَوْمٍ، وقالَ (p-١٣٣)أبُو مالِكٍ: الإشارَةُ بِهَذا النَذِيرِ إلى ما سَلَفَ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ، و"نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، و"نَذَرَ" جَمْعُ نَذِيرٍ، وقالَ: "الأُولى" بِمَعْنى أنَّهُ في الرُتْبَةِ والأوصافُ والمَنزِلَةُ مِن تِلْكَ المُتَقَدِّمَةِ، والأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أزِفَتِ الآزِفَةُ" مَعْناهُ: قَرُبَتِ القَرِيبَةً، و"الآزِفَةُ" عِبارَةٌ عَنِ القِيامَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، و"أزِفَ" مَعْناهُ: قَرُبَ جِدًّا، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎ بانَ الشَبابُ وأمْسى الشَيْبُ قَدْ أزِفا ولا أرى لِشَبابٍ ذاهِبٍ خَلَفا
وقَوْلُهُ تَعالى: "كاشِفَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ، التَقْدِيرُ: حالَةٌ كاشِفَةٌ، أو مِنَّةٌ كاشِفَةٌ، أو سِعايَةٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: أو جَماعَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ و"خائِنَةَ الأعْيُنِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "كاشِفٍ" والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]، وأمّا مَعْنى "كاشِفَةٌ" فَقالَ الطَبَرِيُّ، والزَجّاجُ: هو مِن كَشْفِ السِرِّ، أيْ: لَيْسَ مِن دُونِ اللهِ مَن يَكْشِفُ وقْتَها ويَعْلَمُهُ، وقالَ الزَهْراوِيُّ عن مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ: هو مَن كَشْفِ الضُرِّ ودَفْعِهِ، أيْ: لَيْسَ مَن يَكْشِفُ هَوْلَها وخَطْبَها، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لَيْسَ لَها مِمّا تَدَّعُونَ مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ وهي عَلى الظالِمِينَ ساءَتِ الغاشِيَةُ".
و"هَذا الحَدِيثُ" هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَمَن"؟ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، وفي حَرْفِ (p-١٣٤)أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "تَعْجَبُونَ"، تَضْحَكُونَ" بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "تَعْجَبُونَ تَضْحَكُونَ" بِضَمِّ التاءِ فِيهِما وكَسْرِ الجِيمِ والحاءِ وحَذْفِ واوِ العَطْفِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: "وَلا تَبْكُونَ" حَضٌّ عَلى البُكاءِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، ورَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ يُخَوِّفُ، فَإذا قَرَأْتُمُوهُ فابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا"،» ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.
و"السامِدُ": اللاعِبُ اللاهِي، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عنكَ السُمُودا
و"سَمَدَ" بِلُغَةِ حِمْيَرٍ: غَنّى، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ، قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُ لِلصَّلاةِ فَقالَ: ما لِي أراكم سامِدِينَ؟ (p-١٣٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُشْبِهُ أنَّهُ رَآهم في أحادِيثَ ونَحْوِها مِمّا يَظُنُّ أنَّهُ غَفْلَةٌ ما، وقالَ إبْراهِيمُ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَنْتَظِرُوا خُرُوجَ الإمامِ قِيامًا، وفي الحَدِيثِ: « "إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ فَلا تَقُومُوا حَتّى تَرَوْنِي"».
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالسُجُودِ وعِبادَةِ اللهِ تَحْذِيرًا وتَخْوِيفًا، وهاهُنا سَجْدَةٌ في قَوْلِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ ورَدَتْ بِها أحادِيثُ صِحاحٌ، ولَيْسَ يَراها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّهُ قَرَأ بِها عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَسْجُدْ.»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [النَجْمِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
النجم 53:57
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُذُرِ الأُولى﴾ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وَتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾
نُصِبَ "قَوْمَ نُوحٍ" عَطْفًا عَلى "ثَمُودَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن قَبْلُ" لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ مِن أهْلِ الأرْضِ، و"نُوحٌ" أوَّلُ الرُسُلِ، وجَعَلَهم "أظْلَمَ وأطْغى" لِأنَّهم سَبَقُوا إلى التَكْذِيبِ دُونَ اقْتِداءٍ بِأحَدٍ قَبْلَهُمْ، وأيْضًا فَإنَّهم كانُوا في غايَةٍ مِنَ العُتُوِّ، وكانَ عُمْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ طالَ في دُعائِهِمْ، وكانَ الرَجُلُ يَأْتِي إلَيْهِ مَعَ ابْنِهِ فَيَقُولُ: أُحَذِّرُكَ مِن هَذا الرَجُلِ فَإنَّهُ كَذّابٌ، ولَقَدْ حَذَّرَنِي مِنهُ أبِي وأخْبَرَنِي أنَّ جَدِّي حَذَّرَهُ مِنهُ، فَمَشَتْ عَلى هَذا أخْلاقُهم ألْفًا إلّا خَمْسِينَ عامًا.
و"المُؤْتَفِكَةَ" قَرْيَةُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ومَعْنى "المُؤْتَفِكَةَ": المُتَقَلِّبَةُ؛ لِأنَّها أفِكَتْ فائْتَفَكَتْ، ومِنهُ "الإفْكُ" لِأنَّهُ قَلْبُ الحَقِّ كَذِبًا، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والمُؤْتَفِكاتِ" عَلى الجَمْعِ، و"أهْوى" مَعْناهُ: طَرَحَها مِن هَواءٍ عالٍ إلى أسْفَلَ، وهَذا ما رُوِيَ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَها بِجَناحِهِ حَتّى بَلَغَ بِها قُرْبَ السَماءِ فَهَبَطَ الجَمِيعُ، ثُمَّ أُتْبِعُوا بِحِجارَةٍ، وهي الَّتِي غَشّاها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذا هو اللهُ الَّذِي لَهُ هَذِهِ الأفاعِيلُ، وهو خالِقُكَ المُنْعِمُ عَلَيْكَ بِكُلِّ النِعَمِ، فَفي أيُّها تَشُكُّ؟ و"تَتَمارى" مَعْناهُ: تَتَشَكَّكُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "رَبِّكَ تَّمارى" بِتاءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقالَ أبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ [النجم: ٣٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: "تَتَمارى" هو في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، وهو تَأْوِيلُ قَوْمٍ، وقالَ (p-١٣٣)أبُو مالِكٍ: الإشارَةُ بِهَذا النَذِيرِ إلى ما سَلَفَ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ، و"نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، و"نَذَرَ" جَمْعُ نَذِيرٍ، وقالَ: "الأُولى" بِمَعْنى أنَّهُ في الرُتْبَةِ والأوصافُ والمَنزِلَةُ مِن تِلْكَ المُتَقَدِّمَةِ، والأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أزِفَتِ الآزِفَةُ" مَعْناهُ: قَرُبَتِ القَرِيبَةً، و"الآزِفَةُ" عِبارَةٌ عَنِ القِيامَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، و"أزِفَ" مَعْناهُ: قَرُبَ جِدًّا، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎ بانَ الشَبابُ وأمْسى الشَيْبُ قَدْ أزِفا ولا أرى لِشَبابٍ ذاهِبٍ خَلَفا
وقَوْلُهُ تَعالى: "كاشِفَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ، التَقْدِيرُ: حالَةٌ كاشِفَةٌ، أو مِنَّةٌ كاشِفَةٌ، أو سِعايَةٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: أو جَماعَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ و"خائِنَةَ الأعْيُنِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "كاشِفٍ" والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]، وأمّا مَعْنى "كاشِفَةٌ" فَقالَ الطَبَرِيُّ، والزَجّاجُ: هو مِن كَشْفِ السِرِّ، أيْ: لَيْسَ مِن دُونِ اللهِ مَن يَكْشِفُ وقْتَها ويَعْلَمُهُ، وقالَ الزَهْراوِيُّ عن مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ: هو مَن كَشْفِ الضُرِّ ودَفْعِهِ، أيْ: لَيْسَ مَن يَكْشِفُ هَوْلَها وخَطْبَها، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لَيْسَ لَها مِمّا تَدَّعُونَ مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ وهي عَلى الظالِمِينَ ساءَتِ الغاشِيَةُ".
و"هَذا الحَدِيثُ" هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَمَن"؟ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، وفي حَرْفِ (p-١٣٤)أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "تَعْجَبُونَ"، تَضْحَكُونَ" بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "تَعْجَبُونَ تَضْحَكُونَ" بِضَمِّ التاءِ فِيهِما وكَسْرِ الجِيمِ والحاءِ وحَذْفِ واوِ العَطْفِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: "وَلا تَبْكُونَ" حَضٌّ عَلى البُكاءِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، ورَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ يُخَوِّفُ، فَإذا قَرَأْتُمُوهُ فابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا"،» ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.
و"السامِدُ": اللاعِبُ اللاهِي، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عنكَ السُمُودا
و"سَمَدَ" بِلُغَةِ حِمْيَرٍ: غَنّى، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ، قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُ لِلصَّلاةِ فَقالَ: ما لِي أراكم سامِدِينَ؟ (p-١٣٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُشْبِهُ أنَّهُ رَآهم في أحادِيثَ ونَحْوِها مِمّا يَظُنُّ أنَّهُ غَفْلَةٌ ما، وقالَ إبْراهِيمُ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَنْتَظِرُوا خُرُوجَ الإمامِ قِيامًا، وفي الحَدِيثِ: « "إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ فَلا تَقُومُوا حَتّى تَرَوْنِي"».
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالسُجُودِ وعِبادَةِ اللهِ تَحْذِيرًا وتَخْوِيفًا، وهاهُنا سَجْدَةٌ في قَوْلِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ ورَدَتْ بِها أحادِيثُ صِحاحٌ، ولَيْسَ يَراها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّهُ قَرَأ بِها عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَسْجُدْ.»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [النَجْمِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
النجم 53:58
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُذُرِ الأُولى﴾ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وَتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾
نُصِبَ "قَوْمَ نُوحٍ" عَطْفًا عَلى "ثَمُودَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن قَبْلُ" لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ مِن أهْلِ الأرْضِ، و"نُوحٌ" أوَّلُ الرُسُلِ، وجَعَلَهم "أظْلَمَ وأطْغى" لِأنَّهم سَبَقُوا إلى التَكْذِيبِ دُونَ اقْتِداءٍ بِأحَدٍ قَبْلَهُمْ، وأيْضًا فَإنَّهم كانُوا في غايَةٍ مِنَ العُتُوِّ، وكانَ عُمْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ طالَ في دُعائِهِمْ، وكانَ الرَجُلُ يَأْتِي إلَيْهِ مَعَ ابْنِهِ فَيَقُولُ: أُحَذِّرُكَ مِن هَذا الرَجُلِ فَإنَّهُ كَذّابٌ، ولَقَدْ حَذَّرَنِي مِنهُ أبِي وأخْبَرَنِي أنَّ جَدِّي حَذَّرَهُ مِنهُ، فَمَشَتْ عَلى هَذا أخْلاقُهم ألْفًا إلّا خَمْسِينَ عامًا.
و"المُؤْتَفِكَةَ" قَرْيَةُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ومَعْنى "المُؤْتَفِكَةَ": المُتَقَلِّبَةُ؛ لِأنَّها أفِكَتْ فائْتَفَكَتْ، ومِنهُ "الإفْكُ" لِأنَّهُ قَلْبُ الحَقِّ كَذِبًا، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والمُؤْتَفِكاتِ" عَلى الجَمْعِ، و"أهْوى" مَعْناهُ: طَرَحَها مِن هَواءٍ عالٍ إلى أسْفَلَ، وهَذا ما رُوِيَ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَها بِجَناحِهِ حَتّى بَلَغَ بِها قُرْبَ السَماءِ فَهَبَطَ الجَمِيعُ، ثُمَّ أُتْبِعُوا بِحِجارَةٍ، وهي الَّتِي غَشّاها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذا هو اللهُ الَّذِي لَهُ هَذِهِ الأفاعِيلُ، وهو خالِقُكَ المُنْعِمُ عَلَيْكَ بِكُلِّ النِعَمِ، فَفي أيُّها تَشُكُّ؟ و"تَتَمارى" مَعْناهُ: تَتَشَكَّكُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "رَبِّكَ تَّمارى" بِتاءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقالَ أبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ [النجم: ٣٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: "تَتَمارى" هو في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، وهو تَأْوِيلُ قَوْمٍ، وقالَ (p-١٣٣)أبُو مالِكٍ: الإشارَةُ بِهَذا النَذِيرِ إلى ما سَلَفَ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ، و"نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، و"نَذَرَ" جَمْعُ نَذِيرٍ، وقالَ: "الأُولى" بِمَعْنى أنَّهُ في الرُتْبَةِ والأوصافُ والمَنزِلَةُ مِن تِلْكَ المُتَقَدِّمَةِ، والأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أزِفَتِ الآزِفَةُ" مَعْناهُ: قَرُبَتِ القَرِيبَةً، و"الآزِفَةُ" عِبارَةٌ عَنِ القِيامَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، و"أزِفَ" مَعْناهُ: قَرُبَ جِدًّا، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎ بانَ الشَبابُ وأمْسى الشَيْبُ قَدْ أزِفا ولا أرى لِشَبابٍ ذاهِبٍ خَلَفا
وقَوْلُهُ تَعالى: "كاشِفَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ، التَقْدِيرُ: حالَةٌ كاشِفَةٌ، أو مِنَّةٌ كاشِفَةٌ، أو سِعايَةٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: أو جَماعَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ و"خائِنَةَ الأعْيُنِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "كاشِفٍ" والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]، وأمّا مَعْنى "كاشِفَةٌ" فَقالَ الطَبَرِيُّ، والزَجّاجُ: هو مِن كَشْفِ السِرِّ، أيْ: لَيْسَ مِن دُونِ اللهِ مَن يَكْشِفُ وقْتَها ويَعْلَمُهُ، وقالَ الزَهْراوِيُّ عن مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ: هو مَن كَشْفِ الضُرِّ ودَفْعِهِ، أيْ: لَيْسَ مَن يَكْشِفُ هَوْلَها وخَطْبَها، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لَيْسَ لَها مِمّا تَدَّعُونَ مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ وهي عَلى الظالِمِينَ ساءَتِ الغاشِيَةُ".
و"هَذا الحَدِيثُ" هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَمَن"؟ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، وفي حَرْفِ (p-١٣٤)أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "تَعْجَبُونَ"، تَضْحَكُونَ" بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "تَعْجَبُونَ تَضْحَكُونَ" بِضَمِّ التاءِ فِيهِما وكَسْرِ الجِيمِ والحاءِ وحَذْفِ واوِ العَطْفِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: "وَلا تَبْكُونَ" حَضٌّ عَلى البُكاءِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، ورَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ يُخَوِّفُ، فَإذا قَرَأْتُمُوهُ فابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا"،» ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.
و"السامِدُ": اللاعِبُ اللاهِي، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عنكَ السُمُودا
و"سَمَدَ" بِلُغَةِ حِمْيَرٍ: غَنّى، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ، قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُ لِلصَّلاةِ فَقالَ: ما لِي أراكم سامِدِينَ؟ (p-١٣٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُشْبِهُ أنَّهُ رَآهم في أحادِيثَ ونَحْوِها مِمّا يَظُنُّ أنَّهُ غَفْلَةٌ ما، وقالَ إبْراهِيمُ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَنْتَظِرُوا خُرُوجَ الإمامِ قِيامًا، وفي الحَدِيثِ: « "إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ فَلا تَقُومُوا حَتّى تَرَوْنِي"».
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالسُجُودِ وعِبادَةِ اللهِ تَحْذِيرًا وتَخْوِيفًا، وهاهُنا سَجْدَةٌ في قَوْلِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ ورَدَتْ بِها أحادِيثُ صِحاحٌ، ولَيْسَ يَراها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّهُ قَرَأ بِها عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَسْجُدْ.»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [النَجْمِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
النجم 53:59
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُذُرِ الأُولى﴾ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وَتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾
نُصِبَ "قَوْمَ نُوحٍ" عَطْفًا عَلى "ثَمُودَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن قَبْلُ" لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ مِن أهْلِ الأرْضِ، و"نُوحٌ" أوَّلُ الرُسُلِ، وجَعَلَهم "أظْلَمَ وأطْغى" لِأنَّهم سَبَقُوا إلى التَكْذِيبِ دُونَ اقْتِداءٍ بِأحَدٍ قَبْلَهُمْ، وأيْضًا فَإنَّهم كانُوا في غايَةٍ مِنَ العُتُوِّ، وكانَ عُمْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ طالَ في دُعائِهِمْ، وكانَ الرَجُلُ يَأْتِي إلَيْهِ مَعَ ابْنِهِ فَيَقُولُ: أُحَذِّرُكَ مِن هَذا الرَجُلِ فَإنَّهُ كَذّابٌ، ولَقَدْ حَذَّرَنِي مِنهُ أبِي وأخْبَرَنِي أنَّ جَدِّي حَذَّرَهُ مِنهُ، فَمَشَتْ عَلى هَذا أخْلاقُهم ألْفًا إلّا خَمْسِينَ عامًا.
و"المُؤْتَفِكَةَ" قَرْيَةُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ومَعْنى "المُؤْتَفِكَةَ": المُتَقَلِّبَةُ؛ لِأنَّها أفِكَتْ فائْتَفَكَتْ، ومِنهُ "الإفْكُ" لِأنَّهُ قَلْبُ الحَقِّ كَذِبًا، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والمُؤْتَفِكاتِ" عَلى الجَمْعِ، و"أهْوى" مَعْناهُ: طَرَحَها مِن هَواءٍ عالٍ إلى أسْفَلَ، وهَذا ما رُوِيَ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَها بِجَناحِهِ حَتّى بَلَغَ بِها قُرْبَ السَماءِ فَهَبَطَ الجَمِيعُ، ثُمَّ أُتْبِعُوا بِحِجارَةٍ، وهي الَّتِي غَشّاها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذا هو اللهُ الَّذِي لَهُ هَذِهِ الأفاعِيلُ، وهو خالِقُكَ المُنْعِمُ عَلَيْكَ بِكُلِّ النِعَمِ، فَفي أيُّها تَشُكُّ؟ و"تَتَمارى" مَعْناهُ: تَتَشَكَّكُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "رَبِّكَ تَّمارى" بِتاءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقالَ أبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ [النجم: ٣٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: "تَتَمارى" هو في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، وهو تَأْوِيلُ قَوْمٍ، وقالَ (p-١٣٣)أبُو مالِكٍ: الإشارَةُ بِهَذا النَذِيرِ إلى ما سَلَفَ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ، و"نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، و"نَذَرَ" جَمْعُ نَذِيرٍ، وقالَ: "الأُولى" بِمَعْنى أنَّهُ في الرُتْبَةِ والأوصافُ والمَنزِلَةُ مِن تِلْكَ المُتَقَدِّمَةِ، والأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أزِفَتِ الآزِفَةُ" مَعْناهُ: قَرُبَتِ القَرِيبَةً، و"الآزِفَةُ" عِبارَةٌ عَنِ القِيامَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، و"أزِفَ" مَعْناهُ: قَرُبَ جِدًّا، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎ بانَ الشَبابُ وأمْسى الشَيْبُ قَدْ أزِفا ولا أرى لِشَبابٍ ذاهِبٍ خَلَفا
وقَوْلُهُ تَعالى: "كاشِفَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ، التَقْدِيرُ: حالَةٌ كاشِفَةٌ، أو مِنَّةٌ كاشِفَةٌ، أو سِعايَةٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: أو جَماعَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ و"خائِنَةَ الأعْيُنِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "كاشِفٍ" والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]، وأمّا مَعْنى "كاشِفَةٌ" فَقالَ الطَبَرِيُّ، والزَجّاجُ: هو مِن كَشْفِ السِرِّ، أيْ: لَيْسَ مِن دُونِ اللهِ مَن يَكْشِفُ وقْتَها ويَعْلَمُهُ، وقالَ الزَهْراوِيُّ عن مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ: هو مَن كَشْفِ الضُرِّ ودَفْعِهِ، أيْ: لَيْسَ مَن يَكْشِفُ هَوْلَها وخَطْبَها، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لَيْسَ لَها مِمّا تَدَّعُونَ مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ وهي عَلى الظالِمِينَ ساءَتِ الغاشِيَةُ".
و"هَذا الحَدِيثُ" هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَمَن"؟ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، وفي حَرْفِ (p-١٣٤)أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "تَعْجَبُونَ"، تَضْحَكُونَ" بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "تَعْجَبُونَ تَضْحَكُونَ" بِضَمِّ التاءِ فِيهِما وكَسْرِ الجِيمِ والحاءِ وحَذْفِ واوِ العَطْفِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: "وَلا تَبْكُونَ" حَضٌّ عَلى البُكاءِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، ورَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ يُخَوِّفُ، فَإذا قَرَأْتُمُوهُ فابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا"،» ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.
و"السامِدُ": اللاعِبُ اللاهِي، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عنكَ السُمُودا
و"سَمَدَ" بِلُغَةِ حِمْيَرٍ: غَنّى، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ، قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُ لِلصَّلاةِ فَقالَ: ما لِي أراكم سامِدِينَ؟ (p-١٣٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُشْبِهُ أنَّهُ رَآهم في أحادِيثَ ونَحْوِها مِمّا يَظُنُّ أنَّهُ غَفْلَةٌ ما، وقالَ إبْراهِيمُ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَنْتَظِرُوا خُرُوجَ الإمامِ قِيامًا، وفي الحَدِيثِ: « "إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ فَلا تَقُومُوا حَتّى تَرَوْنِي"».
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالسُجُودِ وعِبادَةِ اللهِ تَحْذِيرًا وتَخْوِيفًا، وهاهُنا سَجْدَةٌ في قَوْلِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ ورَدَتْ بِها أحادِيثُ صِحاحٌ، ولَيْسَ يَراها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّهُ قَرَأ بِها عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَسْجُدْ.»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [النَجْمِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
النجم 53:60
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُذُرِ الأُولى﴾ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وَتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾
نُصِبَ "قَوْمَ نُوحٍ" عَطْفًا عَلى "ثَمُودَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن قَبْلُ" لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ مِن أهْلِ الأرْضِ، و"نُوحٌ" أوَّلُ الرُسُلِ، وجَعَلَهم "أظْلَمَ وأطْغى" لِأنَّهم سَبَقُوا إلى التَكْذِيبِ دُونَ اقْتِداءٍ بِأحَدٍ قَبْلَهُمْ، وأيْضًا فَإنَّهم كانُوا في غايَةٍ مِنَ العُتُوِّ، وكانَ عُمْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ طالَ في دُعائِهِمْ، وكانَ الرَجُلُ يَأْتِي إلَيْهِ مَعَ ابْنِهِ فَيَقُولُ: أُحَذِّرُكَ مِن هَذا الرَجُلِ فَإنَّهُ كَذّابٌ، ولَقَدْ حَذَّرَنِي مِنهُ أبِي وأخْبَرَنِي أنَّ جَدِّي حَذَّرَهُ مِنهُ، فَمَشَتْ عَلى هَذا أخْلاقُهم ألْفًا إلّا خَمْسِينَ عامًا.
و"المُؤْتَفِكَةَ" قَرْيَةُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ومَعْنى "المُؤْتَفِكَةَ": المُتَقَلِّبَةُ؛ لِأنَّها أفِكَتْ فائْتَفَكَتْ، ومِنهُ "الإفْكُ" لِأنَّهُ قَلْبُ الحَقِّ كَذِبًا، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والمُؤْتَفِكاتِ" عَلى الجَمْعِ، و"أهْوى" مَعْناهُ: طَرَحَها مِن هَواءٍ عالٍ إلى أسْفَلَ، وهَذا ما رُوِيَ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَها بِجَناحِهِ حَتّى بَلَغَ بِها قُرْبَ السَماءِ فَهَبَطَ الجَمِيعُ، ثُمَّ أُتْبِعُوا بِحِجارَةٍ، وهي الَّتِي غَشّاها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذا هو اللهُ الَّذِي لَهُ هَذِهِ الأفاعِيلُ، وهو خالِقُكَ المُنْعِمُ عَلَيْكَ بِكُلِّ النِعَمِ، فَفي أيُّها تَشُكُّ؟ و"تَتَمارى" مَعْناهُ: تَتَشَكَّكُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "رَبِّكَ تَّمارى" بِتاءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقالَ أبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ [النجم: ٣٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: "تَتَمارى" هو في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، وهو تَأْوِيلُ قَوْمٍ، وقالَ (p-١٣٣)أبُو مالِكٍ: الإشارَةُ بِهَذا النَذِيرِ إلى ما سَلَفَ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ، و"نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، و"نَذَرَ" جَمْعُ نَذِيرٍ، وقالَ: "الأُولى" بِمَعْنى أنَّهُ في الرُتْبَةِ والأوصافُ والمَنزِلَةُ مِن تِلْكَ المُتَقَدِّمَةِ، والأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أزِفَتِ الآزِفَةُ" مَعْناهُ: قَرُبَتِ القَرِيبَةً، و"الآزِفَةُ" عِبارَةٌ عَنِ القِيامَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، و"أزِفَ" مَعْناهُ: قَرُبَ جِدًّا، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎ بانَ الشَبابُ وأمْسى الشَيْبُ قَدْ أزِفا ولا أرى لِشَبابٍ ذاهِبٍ خَلَفا
وقَوْلُهُ تَعالى: "كاشِفَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ، التَقْدِيرُ: حالَةٌ كاشِفَةٌ، أو مِنَّةٌ كاشِفَةٌ، أو سِعايَةٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: أو جَماعَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ و"خائِنَةَ الأعْيُنِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "كاشِفٍ" والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]، وأمّا مَعْنى "كاشِفَةٌ" فَقالَ الطَبَرِيُّ، والزَجّاجُ: هو مِن كَشْفِ السِرِّ، أيْ: لَيْسَ مِن دُونِ اللهِ مَن يَكْشِفُ وقْتَها ويَعْلَمُهُ، وقالَ الزَهْراوِيُّ عن مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ: هو مَن كَشْفِ الضُرِّ ودَفْعِهِ، أيْ: لَيْسَ مَن يَكْشِفُ هَوْلَها وخَطْبَها، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لَيْسَ لَها مِمّا تَدَّعُونَ مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ وهي عَلى الظالِمِينَ ساءَتِ الغاشِيَةُ".
و"هَذا الحَدِيثُ" هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَمَن"؟ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، وفي حَرْفِ (p-١٣٤)أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "تَعْجَبُونَ"، تَضْحَكُونَ" بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "تَعْجَبُونَ تَضْحَكُونَ" بِضَمِّ التاءِ فِيهِما وكَسْرِ الجِيمِ والحاءِ وحَذْفِ واوِ العَطْفِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: "وَلا تَبْكُونَ" حَضٌّ عَلى البُكاءِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، ورَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ يُخَوِّفُ، فَإذا قَرَأْتُمُوهُ فابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا"،» ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.
و"السامِدُ": اللاعِبُ اللاهِي، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عنكَ السُمُودا
و"سَمَدَ" بِلُغَةِ حِمْيَرٍ: غَنّى، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ، قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُ لِلصَّلاةِ فَقالَ: ما لِي أراكم سامِدِينَ؟ (p-١٣٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُشْبِهُ أنَّهُ رَآهم في أحادِيثَ ونَحْوِها مِمّا يَظُنُّ أنَّهُ غَفْلَةٌ ما، وقالَ إبْراهِيمُ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَنْتَظِرُوا خُرُوجَ الإمامِ قِيامًا، وفي الحَدِيثِ: « "إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ فَلا تَقُومُوا حَتّى تَرَوْنِي"».
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالسُجُودِ وعِبادَةِ اللهِ تَحْذِيرًا وتَخْوِيفًا، وهاهُنا سَجْدَةٌ في قَوْلِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ ورَدَتْ بِها أحادِيثُ صِحاحٌ، ولَيْسَ يَراها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّهُ قَرَأ بِها عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَسْجُدْ.»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [النَجْمِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
النجم 53:61
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُذُرِ الأُولى﴾ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وَتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾
نُصِبَ "قَوْمَ نُوحٍ" عَطْفًا عَلى "ثَمُودَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن قَبْلُ" لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ مِن أهْلِ الأرْضِ، و"نُوحٌ" أوَّلُ الرُسُلِ، وجَعَلَهم "أظْلَمَ وأطْغى" لِأنَّهم سَبَقُوا إلى التَكْذِيبِ دُونَ اقْتِداءٍ بِأحَدٍ قَبْلَهُمْ، وأيْضًا فَإنَّهم كانُوا في غايَةٍ مِنَ العُتُوِّ، وكانَ عُمْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ طالَ في دُعائِهِمْ، وكانَ الرَجُلُ يَأْتِي إلَيْهِ مَعَ ابْنِهِ فَيَقُولُ: أُحَذِّرُكَ مِن هَذا الرَجُلِ فَإنَّهُ كَذّابٌ، ولَقَدْ حَذَّرَنِي مِنهُ أبِي وأخْبَرَنِي أنَّ جَدِّي حَذَّرَهُ مِنهُ، فَمَشَتْ عَلى هَذا أخْلاقُهم ألْفًا إلّا خَمْسِينَ عامًا.
و"المُؤْتَفِكَةَ" قَرْيَةُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ومَعْنى "المُؤْتَفِكَةَ": المُتَقَلِّبَةُ؛ لِأنَّها أفِكَتْ فائْتَفَكَتْ، ومِنهُ "الإفْكُ" لِأنَّهُ قَلْبُ الحَقِّ كَذِبًا، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والمُؤْتَفِكاتِ" عَلى الجَمْعِ، و"أهْوى" مَعْناهُ: طَرَحَها مِن هَواءٍ عالٍ إلى أسْفَلَ، وهَذا ما رُوِيَ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَها بِجَناحِهِ حَتّى بَلَغَ بِها قُرْبَ السَماءِ فَهَبَطَ الجَمِيعُ، ثُمَّ أُتْبِعُوا بِحِجارَةٍ، وهي الَّتِي غَشّاها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذا هو اللهُ الَّذِي لَهُ هَذِهِ الأفاعِيلُ، وهو خالِقُكَ المُنْعِمُ عَلَيْكَ بِكُلِّ النِعَمِ، فَفي أيُّها تَشُكُّ؟ و"تَتَمارى" مَعْناهُ: تَتَشَكَّكُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "رَبِّكَ تَّمارى" بِتاءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقالَ أبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ [النجم: ٣٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: "تَتَمارى" هو في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، وهو تَأْوِيلُ قَوْمٍ، وقالَ (p-١٣٣)أبُو مالِكٍ: الإشارَةُ بِهَذا النَذِيرِ إلى ما سَلَفَ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ، و"نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، و"نَذَرَ" جَمْعُ نَذِيرٍ، وقالَ: "الأُولى" بِمَعْنى أنَّهُ في الرُتْبَةِ والأوصافُ والمَنزِلَةُ مِن تِلْكَ المُتَقَدِّمَةِ، والأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أزِفَتِ الآزِفَةُ" مَعْناهُ: قَرُبَتِ القَرِيبَةً، و"الآزِفَةُ" عِبارَةٌ عَنِ القِيامَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، و"أزِفَ" مَعْناهُ: قَرُبَ جِدًّا، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎ بانَ الشَبابُ وأمْسى الشَيْبُ قَدْ أزِفا ولا أرى لِشَبابٍ ذاهِبٍ خَلَفا
وقَوْلُهُ تَعالى: "كاشِفَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ، التَقْدِيرُ: حالَةٌ كاشِفَةٌ، أو مِنَّةٌ كاشِفَةٌ، أو سِعايَةٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: أو جَماعَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ و"خائِنَةَ الأعْيُنِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "كاشِفٍ" والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]، وأمّا مَعْنى "كاشِفَةٌ" فَقالَ الطَبَرِيُّ، والزَجّاجُ: هو مِن كَشْفِ السِرِّ، أيْ: لَيْسَ مِن دُونِ اللهِ مَن يَكْشِفُ وقْتَها ويَعْلَمُهُ، وقالَ الزَهْراوِيُّ عن مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ: هو مَن كَشْفِ الضُرِّ ودَفْعِهِ، أيْ: لَيْسَ مَن يَكْشِفُ هَوْلَها وخَطْبَها، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لَيْسَ لَها مِمّا تَدَّعُونَ مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ وهي عَلى الظالِمِينَ ساءَتِ الغاشِيَةُ".
و"هَذا الحَدِيثُ" هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَمَن"؟ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، وفي حَرْفِ (p-١٣٤)أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "تَعْجَبُونَ"، تَضْحَكُونَ" بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "تَعْجَبُونَ تَضْحَكُونَ" بِضَمِّ التاءِ فِيهِما وكَسْرِ الجِيمِ والحاءِ وحَذْفِ واوِ العَطْفِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: "وَلا تَبْكُونَ" حَضٌّ عَلى البُكاءِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، ورَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ يُخَوِّفُ، فَإذا قَرَأْتُمُوهُ فابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا"،» ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.
و"السامِدُ": اللاعِبُ اللاهِي، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عنكَ السُمُودا
و"سَمَدَ" بِلُغَةِ حِمْيَرٍ: غَنّى، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ، قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُ لِلصَّلاةِ فَقالَ: ما لِي أراكم سامِدِينَ؟ (p-١٣٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُشْبِهُ أنَّهُ رَآهم في أحادِيثَ ونَحْوِها مِمّا يَظُنُّ أنَّهُ غَفْلَةٌ ما، وقالَ إبْراهِيمُ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَنْتَظِرُوا خُرُوجَ الإمامِ قِيامًا، وفي الحَدِيثِ: « "إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ فَلا تَقُومُوا حَتّى تَرَوْنِي"».
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالسُجُودِ وعِبادَةِ اللهِ تَحْذِيرًا وتَخْوِيفًا، وهاهُنا سَجْدَةٌ في قَوْلِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ ورَدَتْ بِها أحادِيثُ صِحاحٌ، ولَيْسَ يَراها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّهُ قَرَأ بِها عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَسْجُدْ.»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [النَجْمِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
النجم 53:62
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُذُرِ الأُولى﴾ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وَتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾
نُصِبَ "قَوْمَ نُوحٍ" عَطْفًا عَلى "ثَمُودَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن قَبْلُ" لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ مِن أهْلِ الأرْضِ، و"نُوحٌ" أوَّلُ الرُسُلِ، وجَعَلَهم "أظْلَمَ وأطْغى" لِأنَّهم سَبَقُوا إلى التَكْذِيبِ دُونَ اقْتِداءٍ بِأحَدٍ قَبْلَهُمْ، وأيْضًا فَإنَّهم كانُوا في غايَةٍ مِنَ العُتُوِّ، وكانَ عُمْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ طالَ في دُعائِهِمْ، وكانَ الرَجُلُ يَأْتِي إلَيْهِ مَعَ ابْنِهِ فَيَقُولُ: أُحَذِّرُكَ مِن هَذا الرَجُلِ فَإنَّهُ كَذّابٌ، ولَقَدْ حَذَّرَنِي مِنهُ أبِي وأخْبَرَنِي أنَّ جَدِّي حَذَّرَهُ مِنهُ، فَمَشَتْ عَلى هَذا أخْلاقُهم ألْفًا إلّا خَمْسِينَ عامًا.
و"المُؤْتَفِكَةَ" قَرْيَةُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ومَعْنى "المُؤْتَفِكَةَ": المُتَقَلِّبَةُ؛ لِأنَّها أفِكَتْ فائْتَفَكَتْ، ومِنهُ "الإفْكُ" لِأنَّهُ قَلْبُ الحَقِّ كَذِبًا، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والمُؤْتَفِكاتِ" عَلى الجَمْعِ، و"أهْوى" مَعْناهُ: طَرَحَها مِن هَواءٍ عالٍ إلى أسْفَلَ، وهَذا ما رُوِيَ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَها بِجَناحِهِ حَتّى بَلَغَ بِها قُرْبَ السَماءِ فَهَبَطَ الجَمِيعُ، ثُمَّ أُتْبِعُوا بِحِجارَةٍ، وهي الَّتِي غَشّاها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذا هو اللهُ الَّذِي لَهُ هَذِهِ الأفاعِيلُ، وهو خالِقُكَ المُنْعِمُ عَلَيْكَ بِكُلِّ النِعَمِ، فَفي أيُّها تَشُكُّ؟ و"تَتَمارى" مَعْناهُ: تَتَشَكَّكُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "رَبِّكَ تَّمارى" بِتاءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقالَ أبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ [النجم: ٣٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: "تَتَمارى" هو في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، وهو تَأْوِيلُ قَوْمٍ، وقالَ (p-١٣٣)أبُو مالِكٍ: الإشارَةُ بِهَذا النَذِيرِ إلى ما سَلَفَ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ، و"نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، و"نَذَرَ" جَمْعُ نَذِيرٍ، وقالَ: "الأُولى" بِمَعْنى أنَّهُ في الرُتْبَةِ والأوصافُ والمَنزِلَةُ مِن تِلْكَ المُتَقَدِّمَةِ، والأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أزِفَتِ الآزِفَةُ" مَعْناهُ: قَرُبَتِ القَرِيبَةً، و"الآزِفَةُ" عِبارَةٌ عَنِ القِيامَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، و"أزِفَ" مَعْناهُ: قَرُبَ جِدًّا، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎ بانَ الشَبابُ وأمْسى الشَيْبُ قَدْ أزِفا ولا أرى لِشَبابٍ ذاهِبٍ خَلَفا
وقَوْلُهُ تَعالى: "كاشِفَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ، التَقْدِيرُ: حالَةٌ كاشِفَةٌ، أو مِنَّةٌ كاشِفَةٌ، أو سِعايَةٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: أو جَماعَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ و"خائِنَةَ الأعْيُنِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "كاشِفٍ" والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]، وأمّا مَعْنى "كاشِفَةٌ" فَقالَ الطَبَرِيُّ، والزَجّاجُ: هو مِن كَشْفِ السِرِّ، أيْ: لَيْسَ مِن دُونِ اللهِ مَن يَكْشِفُ وقْتَها ويَعْلَمُهُ، وقالَ الزَهْراوِيُّ عن مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ: هو مَن كَشْفِ الضُرِّ ودَفْعِهِ، أيْ: لَيْسَ مَن يَكْشِفُ هَوْلَها وخَطْبَها، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لَيْسَ لَها مِمّا تَدَّعُونَ مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ وهي عَلى الظالِمِينَ ساءَتِ الغاشِيَةُ".
و"هَذا الحَدِيثُ" هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَمَن"؟ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، وفي حَرْفِ (p-١٣٤)أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "تَعْجَبُونَ"، تَضْحَكُونَ" بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "تَعْجَبُونَ تَضْحَكُونَ" بِضَمِّ التاءِ فِيهِما وكَسْرِ الجِيمِ والحاءِ وحَذْفِ واوِ العَطْفِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: "وَلا تَبْكُونَ" حَضٌّ عَلى البُكاءِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، ورَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ يُخَوِّفُ، فَإذا قَرَأْتُمُوهُ فابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا"،» ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.
و"السامِدُ": اللاعِبُ اللاهِي، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عنكَ السُمُودا
و"سَمَدَ" بِلُغَةِ حِمْيَرٍ: غَنّى، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ، قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُ لِلصَّلاةِ فَقالَ: ما لِي أراكم سامِدِينَ؟ (p-١٣٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُشْبِهُ أنَّهُ رَآهم في أحادِيثَ ونَحْوِها مِمّا يَظُنُّ أنَّهُ غَفْلَةٌ ما، وقالَ إبْراهِيمُ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَنْتَظِرُوا خُرُوجَ الإمامِ قِيامًا، وفي الحَدِيثِ: « "إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ فَلا تَقُومُوا حَتّى تَرَوْنِي"».
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالسُجُودِ وعِبادَةِ اللهِ تَحْذِيرًا وتَخْوِيفًا، وهاهُنا سَجْدَةٌ في قَوْلِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ ورَدَتْ بِها أحادِيثُ صِحاحٌ، ولَيْسَ يَراها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّهُ قَرَأ بِها عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَسْجُدْ.»
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [النَجْمِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
القمر 54:1
(p-١٣٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ إلّا آيَةٌ واحِدَةٌ اخْتَلَفَ فِيها، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَ قَوْمٌ: هي مِمّا نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، وسَيَأْتِي القَوْلُ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ﴿وَكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُذُرُ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم يَوْمَ يَدْعُ الداعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الداعِ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾
"اقْتَرَبَتِ"مَعْناهُ: قَرُبَتْ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ، كَما أنَّ اقْتَدَرَ أبْلَغُ مِن قَدَرَ، و"الساعَةُ" القِيامَةُ، وأمْرُها مَجْهُولُ التَحْدِيدِ، لَمْ يُعْلَمْ إلّا أنَّها قَرُبَتْ دُونَ تَحْدِيدٍ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "بُعِثْتُ أنا والساعَةُ كَهاتَيْنِ" وأشارَ بِالسَبّابَةِ والوُسْطى،» وقالَ أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقَدْ كادَتِ الشَمْسُ تَغِيبُ، فَقالَ: "ما بَقِيَ مِنَ الدُنْيا فِيما مَضى إلّا كَمَثَلِ ما بَقِيَ مِن هَذا اليَوْمِ فِيما مَضى"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنِّي لَأرْجُو اللهَ أنْ (p-١٣٧)يُؤَخِّرَ أُمَّتِي نِصْفَ يَوْمٍ"» وهَذا مِنهُ ﷺ عَلى جِهَةِ الرَجاءِ والظَنِّ، لَمْ يَجْزِمْ بِهِ خَبَرًا، فَأنابَ اللهُ تَعالى عَلى أمَلِهِ وأخَّرَ أُمَّتَهُ أكْثَرَ مِن رَجائِهِ، وكُلُّ ما يُرْوى في عُمْرِ الدُنْيا مِنَ التَحْدِيدِ فَضَعِيفٌ واهِنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: انْشَقَّ القَمَرُ إخْبارٌ عَمّا وقَعَ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ في ذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَعْنى: يَنْشَقُّ القَمَرُ يَوْمَئِذٍ، وهَذا ضَعِيفٌ والأُمَّةُ عَلى خِلافِهِ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا سَألَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ آيَةً، فَقِيلَ: مُجْمَلَةٌ، -وَهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ- وقِيلَ: بَلْ عَيَّنُوا شَقَّ القَمَرِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «فَأراهُمُ اللهُ تَعالى انْشِقاقَ القَمَرِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ وجَماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اشْهَدُوا"،» ومِمَّنْ قالَ مِنَ الصَحابَةِ رَأيْتُهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، (p-١٣٨)وَأخْبَرَ بِهِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وأنَسَ، وابْنَ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، وقالَ المُشْرِكُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سَحَرَ القَمَرَ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: اسْتَخْبِرُوا المُسافِرِينَ القادِمِينَ عَلَيْكُمْ، فَما ورَدَ أحَدٌ إلّا أخْبَرَ بِانْشِقاقِهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: رَأيْتُهُ انْشَقَّ فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ جَبَلِ حِراءٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ يَرى نِصْفَهُ عَلى قُعَيْقِعانِ والآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ، وقَرَأ حُذَيْفَةُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ"، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عنهُ أنَّ قِراءَتَهُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ انْشَقَّ القَمَرُ" دُونَ واوٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ جاءَ اللَفْظُ مُسْتَقَبَلًا لِيَنْتَظِمَ ما مَضى وما يَأْتِي، فَهو إخْبارٌ بِأنَّ حالَهم هَكَذا، واخْتَلَفَتِ الناسُ في مَعْنى "مُسْتَمِرٍّ" فَقالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: مَعْناهُ دائِمٌ مُتَمادٍ، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: مَعْناهُ: ذاهِبٌ مارٌّ عن قَرِيبٍ يَزُولُ، وقالَ الضَحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ: مَشْدُودٌ مِن مَرايِرِ الحَبْلِ، كَأنَّهُ سِحْرٌ قَدِ اسْتَمَرَّ، أيْ: أُحْكِمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ حَتّى اسْتَمَرَّتْ عَلى شَذَرٍ مَرِيرَتُهُ صَدْقَ العَزِيمَةِ لا رَتًّا ولا ضَرَعًا
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم كَذَّبُوا واتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ وما يَهْوُونَ مِنَ الأُمُورِ، لا بِدَلِيلٍ ولا بِتَثَبُّتٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى -عَلى جِهَةِ الخَبَرِ الجَزْمِ-: ﴿وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: وكُلُّ شَيْءٍ إلى غايَةٍ، فالحَقُّ يَسْتَقِرُّ ثابِتًا ظاهِرًا، والباطِلُ يَسْتَقِرُّ زاهِقًا (p-١٣٩)ذاهِبًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٍّ" بِالجَرِّ في "مُسْتَقِرٍّ"، يَعْنِي بِذَلِكَ أشْراطُها، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ القافِ مِن "مُسْتَقِرٍّ" وقَرَأ نافِعٌ -بِخِلافٍ- وابْنُ نِصاحٍ بِفَتْحِها، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا وجْهَ لِفَتْحِها.
و"الأنْباءِ" جَمْعُ نَبَأٍ، ويَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ المَواعِظِ والقِصَصِ ومُثُلاتِ الأُمَمِ الكافِرَةِ، "و مُزْدَجَرٌ" مَعْناهُ: مَوْضِعُ زَجْرٍ وانْتِهاءٍ، وأصْلُهُ: "مُزْتَجَرٌ" قُلِبَتِ التاءُ دالًا لِيُناسِبَ مَخْرَجُها مَخْرَجَ الزايِ، وكَذَلِكَ تُبْدَلُ تاءُ "افْتَعَلَ" مِن كُلِّ فِعْلٍ أوَّلُهُ زايٌ كازْدَلَفَ وازْدادَ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "حِكْمَةٌ" مُرْتَفِعٌ إمّا عَلى البَدَلِ مِن "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: "ما فِيهِ"، وإمّا عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حِكْمَةٌ، و"بالِغَةٌ" مَعْناهُ: يَبْلُغُ المَقْصِدَ بِها مِن وعْظِ النُفُوسِ والبَيانِ لِمَن لَهُ عَقْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما تُغْنِ النُذُرُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، أيْ: لَيْسَ تُغْنِي مَعَ عُتُوِّ هَذِهِ الناسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: فَما غَناءُ النُذُرِ مَعَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؟
ثُمَّ سَلّى تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِقَوْلِهِ: "فَتَوَلَّ عنهُمْ"، أيْ: لا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، وتَمَّ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عنهُمْ"، ثُمَّ ابْتَدَأ وعِيدُهُمْ، والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: "يَخْرُجُونَ"، و"خُشَّعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يَخْرُجُونَ"، وتُصَرُّفُ الفِعْلِ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الحالِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "عنهُمْ"، قالَ الرُمّانِيُّ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهم واذْكُرْ يَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهُمُ اليَوْمَ وانْحَذَفَتِ الواوُ مِن "يَدْعُ" لِأنَّ كَتَبَةَ المُصْحَفِ اتَّبَعُوا اللَفْظَ لا ما يَقْتَضِيهِ الهِجاءُ، وأمّا حَذْفُ الياءِ مِن "الداعِ" ونَحْوِهِ فَقالَ سِيبَوَيْهِ: حَذَفُوهُ تَخْفِيفًا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ، حُذِفَتْ مَعَ الألِفِ واللامِ؛ إذْ هي تُحْذَفُ مَعَ مُعاقِبِهِما وهو التَنْوِينُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إلى شَيْءٍ نُكُرٍ " بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وشِبْلُ، والحَسَنُ: "نُكْرٍ" بِسُكُونِ الكافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو قُلابَةَ: "نُكِرَ" بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الراءِ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى في ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ مَنكُورٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ ولا يُرى مِثْلُهُ، قالَ الخَلِيلُ: النُكْرُ نَعْتٌ لِلْأمْرِ الشَدِيدِ والرَجُلِ الداهِيَةِ، وقالَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَضْرِيِّ: (p-١٤٠)
؎ أقْدِمْ مُحاجُ إنَّهُ يَوْمُ نُكُرٍ ∗∗∗ مِثْلِي عَلى مِثْلِكَ يَحْمِي ويَكُرُّ
و"نُكُرٍ" فُعُلٍ، وهو صِفَةٌ، وذَلِكَ قَلِيلٌ في الصِفاتِ، ومِنهُ "مِشْيَةُ سُجُحٌ" قالَ الشاعِرُ:
؎ دَعُوا التَخاجُؤَ وامْشُوا مِشْيَةً سُجُحًا ∗∗∗ إنَّ الرِجالَ ذَوُو عَصْبٍ وتَذْكِيرِ
ومِثْلُهُ "رَجُلٌ شَلُلُ" و"ناقَةٌ أُجُدُ".
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "خُشَّعًا"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خاشِعًا"، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وهى إفْرادٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وشَبابٌ حَسَنٌ أوجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ
(p-١٤١)وَرَجَّحَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ، وذَكَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُتَطَوِّعَةِ قالَ قَبْلَ أنْ يَسْتَشْهِدَ: رَأيْتُ النَبِيَّ ﷺ في النَوْمِ فَسَألْتُهُ عن "خُشَّعًا" و"خاشِعًا"، فَقالَ: "خاشِعًا"، بِالألِفِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُما "خاشِعًا، وخَصَّ تَعالى الأبْصارَ بِالخُشُوعِ لِأنَّهُ فِيها أظْهَرُ مِنهُ في سائِرِ الجَوارِحِ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن حَياءٍ أو صَلَفٍ أو خَوْفٍ ونَحْوِهِ إنَّما يَظْهَرُ في البَصَرِ.
و"الأجْداثِ" جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ، وشَبَّهَهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، وقَدْ شَبَّهَهم في أُخْرى بِ الفَراشِ المَبْثُوثِ، وفِيهِمْ مِن كُلِّ هَذا شَبَهٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم أوَّلًا كالفَراشِ حِينَ يَمُوجُونَ بَعْضٌ في بَعْضٍ، ثُمَّ في رُتْبَةٍ أُخْرى كالجَرادِ إذا تَوَجَّهُوا نَحْوَ المَحْشَرِ والداعِي، وفي الحَدِيثِ «أنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عُمْرانَ عَلَيْها السَلامُ دَعَتْ لِلْجَرادِ فَقالَتْ: "اللهُمَّ أعْشِها بِغَيْرِ رَضاعٍ، وتابَعَ بَنِيها بِغَيْرِ شِياعِ".»
و"المُهْطِعُ": المُسْرِعُ في مَشْيِهِ نَحْوَ الشَيْءِ مَعَ هَزٍّ ورَهَقٍ ومَدِّ بَصَرٍ نَحْوَ المَقْصِدِ إمّا لِخَوْفٍ أو طَمَعٍ أو نَحْوِهِ، ويَقُولُ الكافِرُونَ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ لِما يَرَوْنَ مِن مَخايِلِ هَوْلِهِ وعَلاماتِ مَشَقَّتِهِ.
القمر 54:2
(p-١٣٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ إلّا آيَةٌ واحِدَةٌ اخْتَلَفَ فِيها، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَ قَوْمٌ: هي مِمّا نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، وسَيَأْتِي القَوْلُ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ﴿وَكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُذُرُ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم يَوْمَ يَدْعُ الداعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الداعِ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾
"اقْتَرَبَتِ"مَعْناهُ: قَرُبَتْ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ، كَما أنَّ اقْتَدَرَ أبْلَغُ مِن قَدَرَ، و"الساعَةُ" القِيامَةُ، وأمْرُها مَجْهُولُ التَحْدِيدِ، لَمْ يُعْلَمْ إلّا أنَّها قَرُبَتْ دُونَ تَحْدِيدٍ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "بُعِثْتُ أنا والساعَةُ كَهاتَيْنِ" وأشارَ بِالسَبّابَةِ والوُسْطى،» وقالَ أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقَدْ كادَتِ الشَمْسُ تَغِيبُ، فَقالَ: "ما بَقِيَ مِنَ الدُنْيا فِيما مَضى إلّا كَمَثَلِ ما بَقِيَ مِن هَذا اليَوْمِ فِيما مَضى"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنِّي لَأرْجُو اللهَ أنْ (p-١٣٧)يُؤَخِّرَ أُمَّتِي نِصْفَ يَوْمٍ"» وهَذا مِنهُ ﷺ عَلى جِهَةِ الرَجاءِ والظَنِّ، لَمْ يَجْزِمْ بِهِ خَبَرًا، فَأنابَ اللهُ تَعالى عَلى أمَلِهِ وأخَّرَ أُمَّتَهُ أكْثَرَ مِن رَجائِهِ، وكُلُّ ما يُرْوى في عُمْرِ الدُنْيا مِنَ التَحْدِيدِ فَضَعِيفٌ واهِنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: انْشَقَّ القَمَرُ إخْبارٌ عَمّا وقَعَ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ في ذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَعْنى: يَنْشَقُّ القَمَرُ يَوْمَئِذٍ، وهَذا ضَعِيفٌ والأُمَّةُ عَلى خِلافِهِ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا سَألَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ آيَةً، فَقِيلَ: مُجْمَلَةٌ، -وَهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ- وقِيلَ: بَلْ عَيَّنُوا شَقَّ القَمَرِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «فَأراهُمُ اللهُ تَعالى انْشِقاقَ القَمَرِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ وجَماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اشْهَدُوا"،» ومِمَّنْ قالَ مِنَ الصَحابَةِ رَأيْتُهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، (p-١٣٨)وَأخْبَرَ بِهِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وأنَسَ، وابْنَ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، وقالَ المُشْرِكُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سَحَرَ القَمَرَ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: اسْتَخْبِرُوا المُسافِرِينَ القادِمِينَ عَلَيْكُمْ، فَما ورَدَ أحَدٌ إلّا أخْبَرَ بِانْشِقاقِهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: رَأيْتُهُ انْشَقَّ فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ جَبَلِ حِراءٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ يَرى نِصْفَهُ عَلى قُعَيْقِعانِ والآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ، وقَرَأ حُذَيْفَةُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ"، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عنهُ أنَّ قِراءَتَهُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ انْشَقَّ القَمَرُ" دُونَ واوٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ جاءَ اللَفْظُ مُسْتَقَبَلًا لِيَنْتَظِمَ ما مَضى وما يَأْتِي، فَهو إخْبارٌ بِأنَّ حالَهم هَكَذا، واخْتَلَفَتِ الناسُ في مَعْنى "مُسْتَمِرٍّ" فَقالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: مَعْناهُ دائِمٌ مُتَمادٍ، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: مَعْناهُ: ذاهِبٌ مارٌّ عن قَرِيبٍ يَزُولُ، وقالَ الضَحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ: مَشْدُودٌ مِن مَرايِرِ الحَبْلِ، كَأنَّهُ سِحْرٌ قَدِ اسْتَمَرَّ، أيْ: أُحْكِمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ حَتّى اسْتَمَرَّتْ عَلى شَذَرٍ مَرِيرَتُهُ صَدْقَ العَزِيمَةِ لا رَتًّا ولا ضَرَعًا
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم كَذَّبُوا واتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ وما يَهْوُونَ مِنَ الأُمُورِ، لا بِدَلِيلٍ ولا بِتَثَبُّتٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى -عَلى جِهَةِ الخَبَرِ الجَزْمِ-: ﴿وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: وكُلُّ شَيْءٍ إلى غايَةٍ، فالحَقُّ يَسْتَقِرُّ ثابِتًا ظاهِرًا، والباطِلُ يَسْتَقِرُّ زاهِقًا (p-١٣٩)ذاهِبًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٍّ" بِالجَرِّ في "مُسْتَقِرٍّ"، يَعْنِي بِذَلِكَ أشْراطُها، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ القافِ مِن "مُسْتَقِرٍّ" وقَرَأ نافِعٌ -بِخِلافٍ- وابْنُ نِصاحٍ بِفَتْحِها، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا وجْهَ لِفَتْحِها.
و"الأنْباءِ" جَمْعُ نَبَأٍ، ويَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ المَواعِظِ والقِصَصِ ومُثُلاتِ الأُمَمِ الكافِرَةِ، "و مُزْدَجَرٌ" مَعْناهُ: مَوْضِعُ زَجْرٍ وانْتِهاءٍ، وأصْلُهُ: "مُزْتَجَرٌ" قُلِبَتِ التاءُ دالًا لِيُناسِبَ مَخْرَجُها مَخْرَجَ الزايِ، وكَذَلِكَ تُبْدَلُ تاءُ "افْتَعَلَ" مِن كُلِّ فِعْلٍ أوَّلُهُ زايٌ كازْدَلَفَ وازْدادَ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "حِكْمَةٌ" مُرْتَفِعٌ إمّا عَلى البَدَلِ مِن "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: "ما فِيهِ"، وإمّا عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حِكْمَةٌ، و"بالِغَةٌ" مَعْناهُ: يَبْلُغُ المَقْصِدَ بِها مِن وعْظِ النُفُوسِ والبَيانِ لِمَن لَهُ عَقْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما تُغْنِ النُذُرُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، أيْ: لَيْسَ تُغْنِي مَعَ عُتُوِّ هَذِهِ الناسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: فَما غَناءُ النُذُرِ مَعَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؟
ثُمَّ سَلّى تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِقَوْلِهِ: "فَتَوَلَّ عنهُمْ"، أيْ: لا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، وتَمَّ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عنهُمْ"، ثُمَّ ابْتَدَأ وعِيدُهُمْ، والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: "يَخْرُجُونَ"، و"خُشَّعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يَخْرُجُونَ"، وتُصَرُّفُ الفِعْلِ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الحالِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "عنهُمْ"، قالَ الرُمّانِيُّ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهم واذْكُرْ يَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهُمُ اليَوْمَ وانْحَذَفَتِ الواوُ مِن "يَدْعُ" لِأنَّ كَتَبَةَ المُصْحَفِ اتَّبَعُوا اللَفْظَ لا ما يَقْتَضِيهِ الهِجاءُ، وأمّا حَذْفُ الياءِ مِن "الداعِ" ونَحْوِهِ فَقالَ سِيبَوَيْهِ: حَذَفُوهُ تَخْفِيفًا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ، حُذِفَتْ مَعَ الألِفِ واللامِ؛ إذْ هي تُحْذَفُ مَعَ مُعاقِبِهِما وهو التَنْوِينُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إلى شَيْءٍ نُكُرٍ " بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وشِبْلُ، والحَسَنُ: "نُكْرٍ" بِسُكُونِ الكافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو قُلابَةَ: "نُكِرَ" بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الراءِ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى في ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ مَنكُورٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ ولا يُرى مِثْلُهُ، قالَ الخَلِيلُ: النُكْرُ نَعْتٌ لِلْأمْرِ الشَدِيدِ والرَجُلِ الداهِيَةِ، وقالَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَضْرِيِّ: (p-١٤٠)
؎ أقْدِمْ مُحاجُ إنَّهُ يَوْمُ نُكُرٍ ∗∗∗ مِثْلِي عَلى مِثْلِكَ يَحْمِي ويَكُرُّ
و"نُكُرٍ" فُعُلٍ، وهو صِفَةٌ، وذَلِكَ قَلِيلٌ في الصِفاتِ، ومِنهُ "مِشْيَةُ سُجُحٌ" قالَ الشاعِرُ:
؎ دَعُوا التَخاجُؤَ وامْشُوا مِشْيَةً سُجُحًا ∗∗∗ إنَّ الرِجالَ ذَوُو عَصْبٍ وتَذْكِيرِ
ومِثْلُهُ "رَجُلٌ شَلُلُ" و"ناقَةٌ أُجُدُ".
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "خُشَّعًا"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خاشِعًا"، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وهى إفْرادٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وشَبابٌ حَسَنٌ أوجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ
(p-١٤١)وَرَجَّحَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ، وذَكَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُتَطَوِّعَةِ قالَ قَبْلَ أنْ يَسْتَشْهِدَ: رَأيْتُ النَبِيَّ ﷺ في النَوْمِ فَسَألْتُهُ عن "خُشَّعًا" و"خاشِعًا"، فَقالَ: "خاشِعًا"، بِالألِفِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُما "خاشِعًا، وخَصَّ تَعالى الأبْصارَ بِالخُشُوعِ لِأنَّهُ فِيها أظْهَرُ مِنهُ في سائِرِ الجَوارِحِ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن حَياءٍ أو صَلَفٍ أو خَوْفٍ ونَحْوِهِ إنَّما يَظْهَرُ في البَصَرِ.
و"الأجْداثِ" جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ، وشَبَّهَهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، وقَدْ شَبَّهَهم في أُخْرى بِ الفَراشِ المَبْثُوثِ، وفِيهِمْ مِن كُلِّ هَذا شَبَهٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم أوَّلًا كالفَراشِ حِينَ يَمُوجُونَ بَعْضٌ في بَعْضٍ، ثُمَّ في رُتْبَةٍ أُخْرى كالجَرادِ إذا تَوَجَّهُوا نَحْوَ المَحْشَرِ والداعِي، وفي الحَدِيثِ «أنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عُمْرانَ عَلَيْها السَلامُ دَعَتْ لِلْجَرادِ فَقالَتْ: "اللهُمَّ أعْشِها بِغَيْرِ رَضاعٍ، وتابَعَ بَنِيها بِغَيْرِ شِياعِ".»
و"المُهْطِعُ": المُسْرِعُ في مَشْيِهِ نَحْوَ الشَيْءِ مَعَ هَزٍّ ورَهَقٍ ومَدِّ بَصَرٍ نَحْوَ المَقْصِدِ إمّا لِخَوْفٍ أو طَمَعٍ أو نَحْوِهِ، ويَقُولُ الكافِرُونَ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ لِما يَرَوْنَ مِن مَخايِلِ هَوْلِهِ وعَلاماتِ مَشَقَّتِهِ.
القمر 54:3
(p-١٣٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ إلّا آيَةٌ واحِدَةٌ اخْتَلَفَ فِيها، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَ قَوْمٌ: هي مِمّا نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، وسَيَأْتِي القَوْلُ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ﴿وَكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُذُرُ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم يَوْمَ يَدْعُ الداعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الداعِ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾
"اقْتَرَبَتِ"مَعْناهُ: قَرُبَتْ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ، كَما أنَّ اقْتَدَرَ أبْلَغُ مِن قَدَرَ، و"الساعَةُ" القِيامَةُ، وأمْرُها مَجْهُولُ التَحْدِيدِ، لَمْ يُعْلَمْ إلّا أنَّها قَرُبَتْ دُونَ تَحْدِيدٍ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "بُعِثْتُ أنا والساعَةُ كَهاتَيْنِ" وأشارَ بِالسَبّابَةِ والوُسْطى،» وقالَ أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقَدْ كادَتِ الشَمْسُ تَغِيبُ، فَقالَ: "ما بَقِيَ مِنَ الدُنْيا فِيما مَضى إلّا كَمَثَلِ ما بَقِيَ مِن هَذا اليَوْمِ فِيما مَضى"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنِّي لَأرْجُو اللهَ أنْ (p-١٣٧)يُؤَخِّرَ أُمَّتِي نِصْفَ يَوْمٍ"» وهَذا مِنهُ ﷺ عَلى جِهَةِ الرَجاءِ والظَنِّ، لَمْ يَجْزِمْ بِهِ خَبَرًا، فَأنابَ اللهُ تَعالى عَلى أمَلِهِ وأخَّرَ أُمَّتَهُ أكْثَرَ مِن رَجائِهِ، وكُلُّ ما يُرْوى في عُمْرِ الدُنْيا مِنَ التَحْدِيدِ فَضَعِيفٌ واهِنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: انْشَقَّ القَمَرُ إخْبارٌ عَمّا وقَعَ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ في ذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَعْنى: يَنْشَقُّ القَمَرُ يَوْمَئِذٍ، وهَذا ضَعِيفٌ والأُمَّةُ عَلى خِلافِهِ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا سَألَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ آيَةً، فَقِيلَ: مُجْمَلَةٌ، -وَهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ- وقِيلَ: بَلْ عَيَّنُوا شَقَّ القَمَرِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «فَأراهُمُ اللهُ تَعالى انْشِقاقَ القَمَرِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ وجَماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اشْهَدُوا"،» ومِمَّنْ قالَ مِنَ الصَحابَةِ رَأيْتُهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، (p-١٣٨)وَأخْبَرَ بِهِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وأنَسَ، وابْنَ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، وقالَ المُشْرِكُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سَحَرَ القَمَرَ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: اسْتَخْبِرُوا المُسافِرِينَ القادِمِينَ عَلَيْكُمْ، فَما ورَدَ أحَدٌ إلّا أخْبَرَ بِانْشِقاقِهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: رَأيْتُهُ انْشَقَّ فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ جَبَلِ حِراءٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ يَرى نِصْفَهُ عَلى قُعَيْقِعانِ والآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ، وقَرَأ حُذَيْفَةُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ"، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عنهُ أنَّ قِراءَتَهُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ انْشَقَّ القَمَرُ" دُونَ واوٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ جاءَ اللَفْظُ مُسْتَقَبَلًا لِيَنْتَظِمَ ما مَضى وما يَأْتِي، فَهو إخْبارٌ بِأنَّ حالَهم هَكَذا، واخْتَلَفَتِ الناسُ في مَعْنى "مُسْتَمِرٍّ" فَقالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: مَعْناهُ دائِمٌ مُتَمادٍ، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: مَعْناهُ: ذاهِبٌ مارٌّ عن قَرِيبٍ يَزُولُ، وقالَ الضَحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ: مَشْدُودٌ مِن مَرايِرِ الحَبْلِ، كَأنَّهُ سِحْرٌ قَدِ اسْتَمَرَّ، أيْ: أُحْكِمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ حَتّى اسْتَمَرَّتْ عَلى شَذَرٍ مَرِيرَتُهُ صَدْقَ العَزِيمَةِ لا رَتًّا ولا ضَرَعًا
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم كَذَّبُوا واتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ وما يَهْوُونَ مِنَ الأُمُورِ، لا بِدَلِيلٍ ولا بِتَثَبُّتٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى -عَلى جِهَةِ الخَبَرِ الجَزْمِ-: ﴿وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: وكُلُّ شَيْءٍ إلى غايَةٍ، فالحَقُّ يَسْتَقِرُّ ثابِتًا ظاهِرًا، والباطِلُ يَسْتَقِرُّ زاهِقًا (p-١٣٩)ذاهِبًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٍّ" بِالجَرِّ في "مُسْتَقِرٍّ"، يَعْنِي بِذَلِكَ أشْراطُها، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ القافِ مِن "مُسْتَقِرٍّ" وقَرَأ نافِعٌ -بِخِلافٍ- وابْنُ نِصاحٍ بِفَتْحِها، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا وجْهَ لِفَتْحِها.
و"الأنْباءِ" جَمْعُ نَبَأٍ، ويَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ المَواعِظِ والقِصَصِ ومُثُلاتِ الأُمَمِ الكافِرَةِ، "و مُزْدَجَرٌ" مَعْناهُ: مَوْضِعُ زَجْرٍ وانْتِهاءٍ، وأصْلُهُ: "مُزْتَجَرٌ" قُلِبَتِ التاءُ دالًا لِيُناسِبَ مَخْرَجُها مَخْرَجَ الزايِ، وكَذَلِكَ تُبْدَلُ تاءُ "افْتَعَلَ" مِن كُلِّ فِعْلٍ أوَّلُهُ زايٌ كازْدَلَفَ وازْدادَ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "حِكْمَةٌ" مُرْتَفِعٌ إمّا عَلى البَدَلِ مِن "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: "ما فِيهِ"، وإمّا عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حِكْمَةٌ، و"بالِغَةٌ" مَعْناهُ: يَبْلُغُ المَقْصِدَ بِها مِن وعْظِ النُفُوسِ والبَيانِ لِمَن لَهُ عَقْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما تُغْنِ النُذُرُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، أيْ: لَيْسَ تُغْنِي مَعَ عُتُوِّ هَذِهِ الناسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: فَما غَناءُ النُذُرِ مَعَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؟
ثُمَّ سَلّى تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِقَوْلِهِ: "فَتَوَلَّ عنهُمْ"، أيْ: لا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، وتَمَّ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عنهُمْ"، ثُمَّ ابْتَدَأ وعِيدُهُمْ، والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: "يَخْرُجُونَ"، و"خُشَّعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يَخْرُجُونَ"، وتُصَرُّفُ الفِعْلِ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الحالِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "عنهُمْ"، قالَ الرُمّانِيُّ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهم واذْكُرْ يَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهُمُ اليَوْمَ وانْحَذَفَتِ الواوُ مِن "يَدْعُ" لِأنَّ كَتَبَةَ المُصْحَفِ اتَّبَعُوا اللَفْظَ لا ما يَقْتَضِيهِ الهِجاءُ، وأمّا حَذْفُ الياءِ مِن "الداعِ" ونَحْوِهِ فَقالَ سِيبَوَيْهِ: حَذَفُوهُ تَخْفِيفًا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ، حُذِفَتْ مَعَ الألِفِ واللامِ؛ إذْ هي تُحْذَفُ مَعَ مُعاقِبِهِما وهو التَنْوِينُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إلى شَيْءٍ نُكُرٍ " بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وشِبْلُ، والحَسَنُ: "نُكْرٍ" بِسُكُونِ الكافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو قُلابَةَ: "نُكِرَ" بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الراءِ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى في ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ مَنكُورٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ ولا يُرى مِثْلُهُ، قالَ الخَلِيلُ: النُكْرُ نَعْتٌ لِلْأمْرِ الشَدِيدِ والرَجُلِ الداهِيَةِ، وقالَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَضْرِيِّ: (p-١٤٠)
؎ أقْدِمْ مُحاجُ إنَّهُ يَوْمُ نُكُرٍ ∗∗∗ مِثْلِي عَلى مِثْلِكَ يَحْمِي ويَكُرُّ
و"نُكُرٍ" فُعُلٍ، وهو صِفَةٌ، وذَلِكَ قَلِيلٌ في الصِفاتِ، ومِنهُ "مِشْيَةُ سُجُحٌ" قالَ الشاعِرُ:
؎ دَعُوا التَخاجُؤَ وامْشُوا مِشْيَةً سُجُحًا ∗∗∗ إنَّ الرِجالَ ذَوُو عَصْبٍ وتَذْكِيرِ
ومِثْلُهُ "رَجُلٌ شَلُلُ" و"ناقَةٌ أُجُدُ".
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "خُشَّعًا"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خاشِعًا"، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وهى إفْرادٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وشَبابٌ حَسَنٌ أوجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ
(p-١٤١)وَرَجَّحَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ، وذَكَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُتَطَوِّعَةِ قالَ قَبْلَ أنْ يَسْتَشْهِدَ: رَأيْتُ النَبِيَّ ﷺ في النَوْمِ فَسَألْتُهُ عن "خُشَّعًا" و"خاشِعًا"، فَقالَ: "خاشِعًا"، بِالألِفِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُما "خاشِعًا، وخَصَّ تَعالى الأبْصارَ بِالخُشُوعِ لِأنَّهُ فِيها أظْهَرُ مِنهُ في سائِرِ الجَوارِحِ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن حَياءٍ أو صَلَفٍ أو خَوْفٍ ونَحْوِهِ إنَّما يَظْهَرُ في البَصَرِ.
و"الأجْداثِ" جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ، وشَبَّهَهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، وقَدْ شَبَّهَهم في أُخْرى بِ الفَراشِ المَبْثُوثِ، وفِيهِمْ مِن كُلِّ هَذا شَبَهٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم أوَّلًا كالفَراشِ حِينَ يَمُوجُونَ بَعْضٌ في بَعْضٍ، ثُمَّ في رُتْبَةٍ أُخْرى كالجَرادِ إذا تَوَجَّهُوا نَحْوَ المَحْشَرِ والداعِي، وفي الحَدِيثِ «أنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عُمْرانَ عَلَيْها السَلامُ دَعَتْ لِلْجَرادِ فَقالَتْ: "اللهُمَّ أعْشِها بِغَيْرِ رَضاعٍ، وتابَعَ بَنِيها بِغَيْرِ شِياعِ".»
و"المُهْطِعُ": المُسْرِعُ في مَشْيِهِ نَحْوَ الشَيْءِ مَعَ هَزٍّ ورَهَقٍ ومَدِّ بَصَرٍ نَحْوَ المَقْصِدِ إمّا لِخَوْفٍ أو طَمَعٍ أو نَحْوِهِ، ويَقُولُ الكافِرُونَ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ لِما يَرَوْنَ مِن مَخايِلِ هَوْلِهِ وعَلاماتِ مَشَقَّتِهِ.
القمر 54:4
(p-١٣٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ إلّا آيَةٌ واحِدَةٌ اخْتَلَفَ فِيها، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَ قَوْمٌ: هي مِمّا نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، وسَيَأْتِي القَوْلُ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ﴿وَكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُذُرُ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم يَوْمَ يَدْعُ الداعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الداعِ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾
"اقْتَرَبَتِ"مَعْناهُ: قَرُبَتْ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ، كَما أنَّ اقْتَدَرَ أبْلَغُ مِن قَدَرَ، و"الساعَةُ" القِيامَةُ، وأمْرُها مَجْهُولُ التَحْدِيدِ، لَمْ يُعْلَمْ إلّا أنَّها قَرُبَتْ دُونَ تَحْدِيدٍ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "بُعِثْتُ أنا والساعَةُ كَهاتَيْنِ" وأشارَ بِالسَبّابَةِ والوُسْطى،» وقالَ أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقَدْ كادَتِ الشَمْسُ تَغِيبُ، فَقالَ: "ما بَقِيَ مِنَ الدُنْيا فِيما مَضى إلّا كَمَثَلِ ما بَقِيَ مِن هَذا اليَوْمِ فِيما مَضى"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنِّي لَأرْجُو اللهَ أنْ (p-١٣٧)يُؤَخِّرَ أُمَّتِي نِصْفَ يَوْمٍ"» وهَذا مِنهُ ﷺ عَلى جِهَةِ الرَجاءِ والظَنِّ، لَمْ يَجْزِمْ بِهِ خَبَرًا، فَأنابَ اللهُ تَعالى عَلى أمَلِهِ وأخَّرَ أُمَّتَهُ أكْثَرَ مِن رَجائِهِ، وكُلُّ ما يُرْوى في عُمْرِ الدُنْيا مِنَ التَحْدِيدِ فَضَعِيفٌ واهِنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: انْشَقَّ القَمَرُ إخْبارٌ عَمّا وقَعَ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ في ذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَعْنى: يَنْشَقُّ القَمَرُ يَوْمَئِذٍ، وهَذا ضَعِيفٌ والأُمَّةُ عَلى خِلافِهِ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا سَألَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ آيَةً، فَقِيلَ: مُجْمَلَةٌ، -وَهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ- وقِيلَ: بَلْ عَيَّنُوا شَقَّ القَمَرِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «فَأراهُمُ اللهُ تَعالى انْشِقاقَ القَمَرِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ وجَماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اشْهَدُوا"،» ومِمَّنْ قالَ مِنَ الصَحابَةِ رَأيْتُهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، (p-١٣٨)وَأخْبَرَ بِهِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وأنَسَ، وابْنَ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، وقالَ المُشْرِكُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سَحَرَ القَمَرَ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: اسْتَخْبِرُوا المُسافِرِينَ القادِمِينَ عَلَيْكُمْ، فَما ورَدَ أحَدٌ إلّا أخْبَرَ بِانْشِقاقِهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: رَأيْتُهُ انْشَقَّ فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ جَبَلِ حِراءٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ يَرى نِصْفَهُ عَلى قُعَيْقِعانِ والآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ، وقَرَأ حُذَيْفَةُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ"، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عنهُ أنَّ قِراءَتَهُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ انْشَقَّ القَمَرُ" دُونَ واوٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ جاءَ اللَفْظُ مُسْتَقَبَلًا لِيَنْتَظِمَ ما مَضى وما يَأْتِي، فَهو إخْبارٌ بِأنَّ حالَهم هَكَذا، واخْتَلَفَتِ الناسُ في مَعْنى "مُسْتَمِرٍّ" فَقالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: مَعْناهُ دائِمٌ مُتَمادٍ، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: مَعْناهُ: ذاهِبٌ مارٌّ عن قَرِيبٍ يَزُولُ، وقالَ الضَحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ: مَشْدُودٌ مِن مَرايِرِ الحَبْلِ، كَأنَّهُ سِحْرٌ قَدِ اسْتَمَرَّ، أيْ: أُحْكِمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ حَتّى اسْتَمَرَّتْ عَلى شَذَرٍ مَرِيرَتُهُ صَدْقَ العَزِيمَةِ لا رَتًّا ولا ضَرَعًا
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم كَذَّبُوا واتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ وما يَهْوُونَ مِنَ الأُمُورِ، لا بِدَلِيلٍ ولا بِتَثَبُّتٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى -عَلى جِهَةِ الخَبَرِ الجَزْمِ-: ﴿وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: وكُلُّ شَيْءٍ إلى غايَةٍ، فالحَقُّ يَسْتَقِرُّ ثابِتًا ظاهِرًا، والباطِلُ يَسْتَقِرُّ زاهِقًا (p-١٣٩)ذاهِبًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٍّ" بِالجَرِّ في "مُسْتَقِرٍّ"، يَعْنِي بِذَلِكَ أشْراطُها، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ القافِ مِن "مُسْتَقِرٍّ" وقَرَأ نافِعٌ -بِخِلافٍ- وابْنُ نِصاحٍ بِفَتْحِها، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا وجْهَ لِفَتْحِها.
و"الأنْباءِ" جَمْعُ نَبَأٍ، ويَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ المَواعِظِ والقِصَصِ ومُثُلاتِ الأُمَمِ الكافِرَةِ، "و مُزْدَجَرٌ" مَعْناهُ: مَوْضِعُ زَجْرٍ وانْتِهاءٍ، وأصْلُهُ: "مُزْتَجَرٌ" قُلِبَتِ التاءُ دالًا لِيُناسِبَ مَخْرَجُها مَخْرَجَ الزايِ، وكَذَلِكَ تُبْدَلُ تاءُ "افْتَعَلَ" مِن كُلِّ فِعْلٍ أوَّلُهُ زايٌ كازْدَلَفَ وازْدادَ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "حِكْمَةٌ" مُرْتَفِعٌ إمّا عَلى البَدَلِ مِن "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: "ما فِيهِ"، وإمّا عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حِكْمَةٌ، و"بالِغَةٌ" مَعْناهُ: يَبْلُغُ المَقْصِدَ بِها مِن وعْظِ النُفُوسِ والبَيانِ لِمَن لَهُ عَقْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما تُغْنِ النُذُرُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، أيْ: لَيْسَ تُغْنِي مَعَ عُتُوِّ هَذِهِ الناسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: فَما غَناءُ النُذُرِ مَعَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؟
ثُمَّ سَلّى تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِقَوْلِهِ: "فَتَوَلَّ عنهُمْ"، أيْ: لا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، وتَمَّ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عنهُمْ"، ثُمَّ ابْتَدَأ وعِيدُهُمْ، والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: "يَخْرُجُونَ"، و"خُشَّعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يَخْرُجُونَ"، وتُصَرُّفُ الفِعْلِ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الحالِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "عنهُمْ"، قالَ الرُمّانِيُّ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهم واذْكُرْ يَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهُمُ اليَوْمَ وانْحَذَفَتِ الواوُ مِن "يَدْعُ" لِأنَّ كَتَبَةَ المُصْحَفِ اتَّبَعُوا اللَفْظَ لا ما يَقْتَضِيهِ الهِجاءُ، وأمّا حَذْفُ الياءِ مِن "الداعِ" ونَحْوِهِ فَقالَ سِيبَوَيْهِ: حَذَفُوهُ تَخْفِيفًا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ، حُذِفَتْ مَعَ الألِفِ واللامِ؛ إذْ هي تُحْذَفُ مَعَ مُعاقِبِهِما وهو التَنْوِينُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إلى شَيْءٍ نُكُرٍ " بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وشِبْلُ، والحَسَنُ: "نُكْرٍ" بِسُكُونِ الكافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو قُلابَةَ: "نُكِرَ" بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الراءِ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى في ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ مَنكُورٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ ولا يُرى مِثْلُهُ، قالَ الخَلِيلُ: النُكْرُ نَعْتٌ لِلْأمْرِ الشَدِيدِ والرَجُلِ الداهِيَةِ، وقالَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَضْرِيِّ: (p-١٤٠)
؎ أقْدِمْ مُحاجُ إنَّهُ يَوْمُ نُكُرٍ ∗∗∗ مِثْلِي عَلى مِثْلِكَ يَحْمِي ويَكُرُّ
و"نُكُرٍ" فُعُلٍ، وهو صِفَةٌ، وذَلِكَ قَلِيلٌ في الصِفاتِ، ومِنهُ "مِشْيَةُ سُجُحٌ" قالَ الشاعِرُ:
؎ دَعُوا التَخاجُؤَ وامْشُوا مِشْيَةً سُجُحًا ∗∗∗ إنَّ الرِجالَ ذَوُو عَصْبٍ وتَذْكِيرِ
ومِثْلُهُ "رَجُلٌ شَلُلُ" و"ناقَةٌ أُجُدُ".
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "خُشَّعًا"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خاشِعًا"، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وهى إفْرادٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وشَبابٌ حَسَنٌ أوجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ
(p-١٤١)وَرَجَّحَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ، وذَكَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُتَطَوِّعَةِ قالَ قَبْلَ أنْ يَسْتَشْهِدَ: رَأيْتُ النَبِيَّ ﷺ في النَوْمِ فَسَألْتُهُ عن "خُشَّعًا" و"خاشِعًا"، فَقالَ: "خاشِعًا"، بِالألِفِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُما "خاشِعًا، وخَصَّ تَعالى الأبْصارَ بِالخُشُوعِ لِأنَّهُ فِيها أظْهَرُ مِنهُ في سائِرِ الجَوارِحِ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن حَياءٍ أو صَلَفٍ أو خَوْفٍ ونَحْوِهِ إنَّما يَظْهَرُ في البَصَرِ.
و"الأجْداثِ" جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ، وشَبَّهَهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، وقَدْ شَبَّهَهم في أُخْرى بِ الفَراشِ المَبْثُوثِ، وفِيهِمْ مِن كُلِّ هَذا شَبَهٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم أوَّلًا كالفَراشِ حِينَ يَمُوجُونَ بَعْضٌ في بَعْضٍ، ثُمَّ في رُتْبَةٍ أُخْرى كالجَرادِ إذا تَوَجَّهُوا نَحْوَ المَحْشَرِ والداعِي، وفي الحَدِيثِ «أنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عُمْرانَ عَلَيْها السَلامُ دَعَتْ لِلْجَرادِ فَقالَتْ: "اللهُمَّ أعْشِها بِغَيْرِ رَضاعٍ، وتابَعَ بَنِيها بِغَيْرِ شِياعِ".»
و"المُهْطِعُ": المُسْرِعُ في مَشْيِهِ نَحْوَ الشَيْءِ مَعَ هَزٍّ ورَهَقٍ ومَدِّ بَصَرٍ نَحْوَ المَقْصِدِ إمّا لِخَوْفٍ أو طَمَعٍ أو نَحْوِهِ، ويَقُولُ الكافِرُونَ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ لِما يَرَوْنَ مِن مَخايِلِ هَوْلِهِ وعَلاماتِ مَشَقَّتِهِ.
القمر 54:5
(p-١٣٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ إلّا آيَةٌ واحِدَةٌ اخْتَلَفَ فِيها، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَ قَوْمٌ: هي مِمّا نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، وسَيَأْتِي القَوْلُ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ﴿وَكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُذُرُ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم يَوْمَ يَدْعُ الداعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الداعِ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾
"اقْتَرَبَتِ"مَعْناهُ: قَرُبَتْ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ، كَما أنَّ اقْتَدَرَ أبْلَغُ مِن قَدَرَ، و"الساعَةُ" القِيامَةُ، وأمْرُها مَجْهُولُ التَحْدِيدِ، لَمْ يُعْلَمْ إلّا أنَّها قَرُبَتْ دُونَ تَحْدِيدٍ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "بُعِثْتُ أنا والساعَةُ كَهاتَيْنِ" وأشارَ بِالسَبّابَةِ والوُسْطى،» وقالَ أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقَدْ كادَتِ الشَمْسُ تَغِيبُ، فَقالَ: "ما بَقِيَ مِنَ الدُنْيا فِيما مَضى إلّا كَمَثَلِ ما بَقِيَ مِن هَذا اليَوْمِ فِيما مَضى"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنِّي لَأرْجُو اللهَ أنْ (p-١٣٧)يُؤَخِّرَ أُمَّتِي نِصْفَ يَوْمٍ"» وهَذا مِنهُ ﷺ عَلى جِهَةِ الرَجاءِ والظَنِّ، لَمْ يَجْزِمْ بِهِ خَبَرًا، فَأنابَ اللهُ تَعالى عَلى أمَلِهِ وأخَّرَ أُمَّتَهُ أكْثَرَ مِن رَجائِهِ، وكُلُّ ما يُرْوى في عُمْرِ الدُنْيا مِنَ التَحْدِيدِ فَضَعِيفٌ واهِنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: انْشَقَّ القَمَرُ إخْبارٌ عَمّا وقَعَ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ في ذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَعْنى: يَنْشَقُّ القَمَرُ يَوْمَئِذٍ، وهَذا ضَعِيفٌ والأُمَّةُ عَلى خِلافِهِ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا سَألَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ آيَةً، فَقِيلَ: مُجْمَلَةٌ، -وَهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ- وقِيلَ: بَلْ عَيَّنُوا شَقَّ القَمَرِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «فَأراهُمُ اللهُ تَعالى انْشِقاقَ القَمَرِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ وجَماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اشْهَدُوا"،» ومِمَّنْ قالَ مِنَ الصَحابَةِ رَأيْتُهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، (p-١٣٨)وَأخْبَرَ بِهِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وأنَسَ، وابْنَ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، وقالَ المُشْرِكُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سَحَرَ القَمَرَ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: اسْتَخْبِرُوا المُسافِرِينَ القادِمِينَ عَلَيْكُمْ، فَما ورَدَ أحَدٌ إلّا أخْبَرَ بِانْشِقاقِهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: رَأيْتُهُ انْشَقَّ فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ جَبَلِ حِراءٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ يَرى نِصْفَهُ عَلى قُعَيْقِعانِ والآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ، وقَرَأ حُذَيْفَةُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ"، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عنهُ أنَّ قِراءَتَهُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ انْشَقَّ القَمَرُ" دُونَ واوٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ جاءَ اللَفْظُ مُسْتَقَبَلًا لِيَنْتَظِمَ ما مَضى وما يَأْتِي، فَهو إخْبارٌ بِأنَّ حالَهم هَكَذا، واخْتَلَفَتِ الناسُ في مَعْنى "مُسْتَمِرٍّ" فَقالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: مَعْناهُ دائِمٌ مُتَمادٍ، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: مَعْناهُ: ذاهِبٌ مارٌّ عن قَرِيبٍ يَزُولُ، وقالَ الضَحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ: مَشْدُودٌ مِن مَرايِرِ الحَبْلِ، كَأنَّهُ سِحْرٌ قَدِ اسْتَمَرَّ، أيْ: أُحْكِمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ حَتّى اسْتَمَرَّتْ عَلى شَذَرٍ مَرِيرَتُهُ صَدْقَ العَزِيمَةِ لا رَتًّا ولا ضَرَعًا
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم كَذَّبُوا واتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ وما يَهْوُونَ مِنَ الأُمُورِ، لا بِدَلِيلٍ ولا بِتَثَبُّتٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى -عَلى جِهَةِ الخَبَرِ الجَزْمِ-: ﴿وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: وكُلُّ شَيْءٍ إلى غايَةٍ، فالحَقُّ يَسْتَقِرُّ ثابِتًا ظاهِرًا، والباطِلُ يَسْتَقِرُّ زاهِقًا (p-١٣٩)ذاهِبًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٍّ" بِالجَرِّ في "مُسْتَقِرٍّ"، يَعْنِي بِذَلِكَ أشْراطُها، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ القافِ مِن "مُسْتَقِرٍّ" وقَرَأ نافِعٌ -بِخِلافٍ- وابْنُ نِصاحٍ بِفَتْحِها، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا وجْهَ لِفَتْحِها.
و"الأنْباءِ" جَمْعُ نَبَأٍ، ويَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ المَواعِظِ والقِصَصِ ومُثُلاتِ الأُمَمِ الكافِرَةِ، "و مُزْدَجَرٌ" مَعْناهُ: مَوْضِعُ زَجْرٍ وانْتِهاءٍ، وأصْلُهُ: "مُزْتَجَرٌ" قُلِبَتِ التاءُ دالًا لِيُناسِبَ مَخْرَجُها مَخْرَجَ الزايِ، وكَذَلِكَ تُبْدَلُ تاءُ "افْتَعَلَ" مِن كُلِّ فِعْلٍ أوَّلُهُ زايٌ كازْدَلَفَ وازْدادَ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "حِكْمَةٌ" مُرْتَفِعٌ إمّا عَلى البَدَلِ مِن "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: "ما فِيهِ"، وإمّا عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حِكْمَةٌ، و"بالِغَةٌ" مَعْناهُ: يَبْلُغُ المَقْصِدَ بِها مِن وعْظِ النُفُوسِ والبَيانِ لِمَن لَهُ عَقْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما تُغْنِ النُذُرُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، أيْ: لَيْسَ تُغْنِي مَعَ عُتُوِّ هَذِهِ الناسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: فَما غَناءُ النُذُرِ مَعَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؟
ثُمَّ سَلّى تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِقَوْلِهِ: "فَتَوَلَّ عنهُمْ"، أيْ: لا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، وتَمَّ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عنهُمْ"، ثُمَّ ابْتَدَأ وعِيدُهُمْ، والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: "يَخْرُجُونَ"، و"خُشَّعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يَخْرُجُونَ"، وتُصَرُّفُ الفِعْلِ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الحالِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "عنهُمْ"، قالَ الرُمّانِيُّ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهم واذْكُرْ يَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهُمُ اليَوْمَ وانْحَذَفَتِ الواوُ مِن "يَدْعُ" لِأنَّ كَتَبَةَ المُصْحَفِ اتَّبَعُوا اللَفْظَ لا ما يَقْتَضِيهِ الهِجاءُ، وأمّا حَذْفُ الياءِ مِن "الداعِ" ونَحْوِهِ فَقالَ سِيبَوَيْهِ: حَذَفُوهُ تَخْفِيفًا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ، حُذِفَتْ مَعَ الألِفِ واللامِ؛ إذْ هي تُحْذَفُ مَعَ مُعاقِبِهِما وهو التَنْوِينُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إلى شَيْءٍ نُكُرٍ " بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وشِبْلُ، والحَسَنُ: "نُكْرٍ" بِسُكُونِ الكافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو قُلابَةَ: "نُكِرَ" بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الراءِ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى في ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ مَنكُورٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ ولا يُرى مِثْلُهُ، قالَ الخَلِيلُ: النُكْرُ نَعْتٌ لِلْأمْرِ الشَدِيدِ والرَجُلِ الداهِيَةِ، وقالَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَضْرِيِّ: (p-١٤٠)
؎ أقْدِمْ مُحاجُ إنَّهُ يَوْمُ نُكُرٍ ∗∗∗ مِثْلِي عَلى مِثْلِكَ يَحْمِي ويَكُرُّ
و"نُكُرٍ" فُعُلٍ، وهو صِفَةٌ، وذَلِكَ قَلِيلٌ في الصِفاتِ، ومِنهُ "مِشْيَةُ سُجُحٌ" قالَ الشاعِرُ:
؎ دَعُوا التَخاجُؤَ وامْشُوا مِشْيَةً سُجُحًا ∗∗∗ إنَّ الرِجالَ ذَوُو عَصْبٍ وتَذْكِيرِ
ومِثْلُهُ "رَجُلٌ شَلُلُ" و"ناقَةٌ أُجُدُ".
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "خُشَّعًا"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خاشِعًا"، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وهى إفْرادٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وشَبابٌ حَسَنٌ أوجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ
(p-١٤١)وَرَجَّحَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ، وذَكَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُتَطَوِّعَةِ قالَ قَبْلَ أنْ يَسْتَشْهِدَ: رَأيْتُ النَبِيَّ ﷺ في النَوْمِ فَسَألْتُهُ عن "خُشَّعًا" و"خاشِعًا"، فَقالَ: "خاشِعًا"، بِالألِفِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُما "خاشِعًا، وخَصَّ تَعالى الأبْصارَ بِالخُشُوعِ لِأنَّهُ فِيها أظْهَرُ مِنهُ في سائِرِ الجَوارِحِ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن حَياءٍ أو صَلَفٍ أو خَوْفٍ ونَحْوِهِ إنَّما يَظْهَرُ في البَصَرِ.
و"الأجْداثِ" جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ، وشَبَّهَهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، وقَدْ شَبَّهَهم في أُخْرى بِ الفَراشِ المَبْثُوثِ، وفِيهِمْ مِن كُلِّ هَذا شَبَهٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم أوَّلًا كالفَراشِ حِينَ يَمُوجُونَ بَعْضٌ في بَعْضٍ، ثُمَّ في رُتْبَةٍ أُخْرى كالجَرادِ إذا تَوَجَّهُوا نَحْوَ المَحْشَرِ والداعِي، وفي الحَدِيثِ «أنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عُمْرانَ عَلَيْها السَلامُ دَعَتْ لِلْجَرادِ فَقالَتْ: "اللهُمَّ أعْشِها بِغَيْرِ رَضاعٍ، وتابَعَ بَنِيها بِغَيْرِ شِياعِ".»
و"المُهْطِعُ": المُسْرِعُ في مَشْيِهِ نَحْوَ الشَيْءِ مَعَ هَزٍّ ورَهَقٍ ومَدِّ بَصَرٍ نَحْوَ المَقْصِدِ إمّا لِخَوْفٍ أو طَمَعٍ أو نَحْوِهِ، ويَقُولُ الكافِرُونَ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ لِما يَرَوْنَ مِن مَخايِلِ هَوْلِهِ وعَلاماتِ مَشَقَّتِهِ.
القمر 54:6
(p-١٣٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ إلّا آيَةٌ واحِدَةٌ اخْتَلَفَ فِيها، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَ قَوْمٌ: هي مِمّا نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، وسَيَأْتِي القَوْلُ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ﴿وَكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُذُرُ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم يَوْمَ يَدْعُ الداعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الداعِ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾
"اقْتَرَبَتِ"مَعْناهُ: قَرُبَتْ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ، كَما أنَّ اقْتَدَرَ أبْلَغُ مِن قَدَرَ، و"الساعَةُ" القِيامَةُ، وأمْرُها مَجْهُولُ التَحْدِيدِ، لَمْ يُعْلَمْ إلّا أنَّها قَرُبَتْ دُونَ تَحْدِيدٍ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "بُعِثْتُ أنا والساعَةُ كَهاتَيْنِ" وأشارَ بِالسَبّابَةِ والوُسْطى،» وقالَ أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقَدْ كادَتِ الشَمْسُ تَغِيبُ، فَقالَ: "ما بَقِيَ مِنَ الدُنْيا فِيما مَضى إلّا كَمَثَلِ ما بَقِيَ مِن هَذا اليَوْمِ فِيما مَضى"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنِّي لَأرْجُو اللهَ أنْ (p-١٣٧)يُؤَخِّرَ أُمَّتِي نِصْفَ يَوْمٍ"» وهَذا مِنهُ ﷺ عَلى جِهَةِ الرَجاءِ والظَنِّ، لَمْ يَجْزِمْ بِهِ خَبَرًا، فَأنابَ اللهُ تَعالى عَلى أمَلِهِ وأخَّرَ أُمَّتَهُ أكْثَرَ مِن رَجائِهِ، وكُلُّ ما يُرْوى في عُمْرِ الدُنْيا مِنَ التَحْدِيدِ فَضَعِيفٌ واهِنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: انْشَقَّ القَمَرُ إخْبارٌ عَمّا وقَعَ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ في ذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَعْنى: يَنْشَقُّ القَمَرُ يَوْمَئِذٍ، وهَذا ضَعِيفٌ والأُمَّةُ عَلى خِلافِهِ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا سَألَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ آيَةً، فَقِيلَ: مُجْمَلَةٌ، -وَهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ- وقِيلَ: بَلْ عَيَّنُوا شَقَّ القَمَرِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «فَأراهُمُ اللهُ تَعالى انْشِقاقَ القَمَرِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ وجَماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اشْهَدُوا"،» ومِمَّنْ قالَ مِنَ الصَحابَةِ رَأيْتُهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، (p-١٣٨)وَأخْبَرَ بِهِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وأنَسَ، وابْنَ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، وقالَ المُشْرِكُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سَحَرَ القَمَرَ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: اسْتَخْبِرُوا المُسافِرِينَ القادِمِينَ عَلَيْكُمْ، فَما ورَدَ أحَدٌ إلّا أخْبَرَ بِانْشِقاقِهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: رَأيْتُهُ انْشَقَّ فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ جَبَلِ حِراءٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ يَرى نِصْفَهُ عَلى قُعَيْقِعانِ والآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ، وقَرَأ حُذَيْفَةُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ"، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عنهُ أنَّ قِراءَتَهُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ انْشَقَّ القَمَرُ" دُونَ واوٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ جاءَ اللَفْظُ مُسْتَقَبَلًا لِيَنْتَظِمَ ما مَضى وما يَأْتِي، فَهو إخْبارٌ بِأنَّ حالَهم هَكَذا، واخْتَلَفَتِ الناسُ في مَعْنى "مُسْتَمِرٍّ" فَقالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: مَعْناهُ دائِمٌ مُتَمادٍ، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: مَعْناهُ: ذاهِبٌ مارٌّ عن قَرِيبٍ يَزُولُ، وقالَ الضَحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ: مَشْدُودٌ مِن مَرايِرِ الحَبْلِ، كَأنَّهُ سِحْرٌ قَدِ اسْتَمَرَّ، أيْ: أُحْكِمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ حَتّى اسْتَمَرَّتْ عَلى شَذَرٍ مَرِيرَتُهُ صَدْقَ العَزِيمَةِ لا رَتًّا ولا ضَرَعًا
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم كَذَّبُوا واتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ وما يَهْوُونَ مِنَ الأُمُورِ، لا بِدَلِيلٍ ولا بِتَثَبُّتٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى -عَلى جِهَةِ الخَبَرِ الجَزْمِ-: ﴿وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: وكُلُّ شَيْءٍ إلى غايَةٍ، فالحَقُّ يَسْتَقِرُّ ثابِتًا ظاهِرًا، والباطِلُ يَسْتَقِرُّ زاهِقًا (p-١٣٩)ذاهِبًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٍّ" بِالجَرِّ في "مُسْتَقِرٍّ"، يَعْنِي بِذَلِكَ أشْراطُها، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ القافِ مِن "مُسْتَقِرٍّ" وقَرَأ نافِعٌ -بِخِلافٍ- وابْنُ نِصاحٍ بِفَتْحِها، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا وجْهَ لِفَتْحِها.
و"الأنْباءِ" جَمْعُ نَبَأٍ، ويَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ المَواعِظِ والقِصَصِ ومُثُلاتِ الأُمَمِ الكافِرَةِ، "و مُزْدَجَرٌ" مَعْناهُ: مَوْضِعُ زَجْرٍ وانْتِهاءٍ، وأصْلُهُ: "مُزْتَجَرٌ" قُلِبَتِ التاءُ دالًا لِيُناسِبَ مَخْرَجُها مَخْرَجَ الزايِ، وكَذَلِكَ تُبْدَلُ تاءُ "افْتَعَلَ" مِن كُلِّ فِعْلٍ أوَّلُهُ زايٌ كازْدَلَفَ وازْدادَ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "حِكْمَةٌ" مُرْتَفِعٌ إمّا عَلى البَدَلِ مِن "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: "ما فِيهِ"، وإمّا عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حِكْمَةٌ، و"بالِغَةٌ" مَعْناهُ: يَبْلُغُ المَقْصِدَ بِها مِن وعْظِ النُفُوسِ والبَيانِ لِمَن لَهُ عَقْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما تُغْنِ النُذُرُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، أيْ: لَيْسَ تُغْنِي مَعَ عُتُوِّ هَذِهِ الناسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: فَما غَناءُ النُذُرِ مَعَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؟
ثُمَّ سَلّى تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِقَوْلِهِ: "فَتَوَلَّ عنهُمْ"، أيْ: لا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، وتَمَّ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عنهُمْ"، ثُمَّ ابْتَدَأ وعِيدُهُمْ، والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: "يَخْرُجُونَ"، و"خُشَّعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يَخْرُجُونَ"، وتُصَرُّفُ الفِعْلِ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الحالِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "عنهُمْ"، قالَ الرُمّانِيُّ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهم واذْكُرْ يَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهُمُ اليَوْمَ وانْحَذَفَتِ الواوُ مِن "يَدْعُ" لِأنَّ كَتَبَةَ المُصْحَفِ اتَّبَعُوا اللَفْظَ لا ما يَقْتَضِيهِ الهِجاءُ، وأمّا حَذْفُ الياءِ مِن "الداعِ" ونَحْوِهِ فَقالَ سِيبَوَيْهِ: حَذَفُوهُ تَخْفِيفًا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ، حُذِفَتْ مَعَ الألِفِ واللامِ؛ إذْ هي تُحْذَفُ مَعَ مُعاقِبِهِما وهو التَنْوِينُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إلى شَيْءٍ نُكُرٍ " بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وشِبْلُ، والحَسَنُ: "نُكْرٍ" بِسُكُونِ الكافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو قُلابَةَ: "نُكِرَ" بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الراءِ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى في ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ مَنكُورٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ ولا يُرى مِثْلُهُ، قالَ الخَلِيلُ: النُكْرُ نَعْتٌ لِلْأمْرِ الشَدِيدِ والرَجُلِ الداهِيَةِ، وقالَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَضْرِيِّ: (p-١٤٠)
؎ أقْدِمْ مُحاجُ إنَّهُ يَوْمُ نُكُرٍ ∗∗∗ مِثْلِي عَلى مِثْلِكَ يَحْمِي ويَكُرُّ
و"نُكُرٍ" فُعُلٍ، وهو صِفَةٌ، وذَلِكَ قَلِيلٌ في الصِفاتِ، ومِنهُ "مِشْيَةُ سُجُحٌ" قالَ الشاعِرُ:
؎ دَعُوا التَخاجُؤَ وامْشُوا مِشْيَةً سُجُحًا ∗∗∗ إنَّ الرِجالَ ذَوُو عَصْبٍ وتَذْكِيرِ
ومِثْلُهُ "رَجُلٌ شَلُلُ" و"ناقَةٌ أُجُدُ".
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "خُشَّعًا"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خاشِعًا"، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وهى إفْرادٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وشَبابٌ حَسَنٌ أوجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ
(p-١٤١)وَرَجَّحَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ، وذَكَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُتَطَوِّعَةِ قالَ قَبْلَ أنْ يَسْتَشْهِدَ: رَأيْتُ النَبِيَّ ﷺ في النَوْمِ فَسَألْتُهُ عن "خُشَّعًا" و"خاشِعًا"، فَقالَ: "خاشِعًا"، بِالألِفِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُما "خاشِعًا، وخَصَّ تَعالى الأبْصارَ بِالخُشُوعِ لِأنَّهُ فِيها أظْهَرُ مِنهُ في سائِرِ الجَوارِحِ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن حَياءٍ أو صَلَفٍ أو خَوْفٍ ونَحْوِهِ إنَّما يَظْهَرُ في البَصَرِ.
و"الأجْداثِ" جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ، وشَبَّهَهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، وقَدْ شَبَّهَهم في أُخْرى بِ الفَراشِ المَبْثُوثِ، وفِيهِمْ مِن كُلِّ هَذا شَبَهٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم أوَّلًا كالفَراشِ حِينَ يَمُوجُونَ بَعْضٌ في بَعْضٍ، ثُمَّ في رُتْبَةٍ أُخْرى كالجَرادِ إذا تَوَجَّهُوا نَحْوَ المَحْشَرِ والداعِي، وفي الحَدِيثِ «أنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عُمْرانَ عَلَيْها السَلامُ دَعَتْ لِلْجَرادِ فَقالَتْ: "اللهُمَّ أعْشِها بِغَيْرِ رَضاعٍ، وتابَعَ بَنِيها بِغَيْرِ شِياعِ".»
و"المُهْطِعُ": المُسْرِعُ في مَشْيِهِ نَحْوَ الشَيْءِ مَعَ هَزٍّ ورَهَقٍ ومَدِّ بَصَرٍ نَحْوَ المَقْصِدِ إمّا لِخَوْفٍ أو طَمَعٍ أو نَحْوِهِ، ويَقُولُ الكافِرُونَ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ لِما يَرَوْنَ مِن مَخايِلِ هَوْلِهِ وعَلاماتِ مَشَقَّتِهِ.
القمر 54:7
(p-١٣٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ إلّا آيَةٌ واحِدَةٌ اخْتَلَفَ فِيها، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَ قَوْمٌ: هي مِمّا نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، وسَيَأْتِي القَوْلُ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ﴿وَكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُذُرُ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم يَوْمَ يَدْعُ الداعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الداعِ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾
"اقْتَرَبَتِ"مَعْناهُ: قَرُبَتْ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ، كَما أنَّ اقْتَدَرَ أبْلَغُ مِن قَدَرَ، و"الساعَةُ" القِيامَةُ، وأمْرُها مَجْهُولُ التَحْدِيدِ، لَمْ يُعْلَمْ إلّا أنَّها قَرُبَتْ دُونَ تَحْدِيدٍ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "بُعِثْتُ أنا والساعَةُ كَهاتَيْنِ" وأشارَ بِالسَبّابَةِ والوُسْطى،» وقالَ أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقَدْ كادَتِ الشَمْسُ تَغِيبُ، فَقالَ: "ما بَقِيَ مِنَ الدُنْيا فِيما مَضى إلّا كَمَثَلِ ما بَقِيَ مِن هَذا اليَوْمِ فِيما مَضى"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنِّي لَأرْجُو اللهَ أنْ (p-١٣٧)يُؤَخِّرَ أُمَّتِي نِصْفَ يَوْمٍ"» وهَذا مِنهُ ﷺ عَلى جِهَةِ الرَجاءِ والظَنِّ، لَمْ يَجْزِمْ بِهِ خَبَرًا، فَأنابَ اللهُ تَعالى عَلى أمَلِهِ وأخَّرَ أُمَّتَهُ أكْثَرَ مِن رَجائِهِ، وكُلُّ ما يُرْوى في عُمْرِ الدُنْيا مِنَ التَحْدِيدِ فَضَعِيفٌ واهِنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: انْشَقَّ القَمَرُ إخْبارٌ عَمّا وقَعَ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ في ذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَعْنى: يَنْشَقُّ القَمَرُ يَوْمَئِذٍ، وهَذا ضَعِيفٌ والأُمَّةُ عَلى خِلافِهِ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا سَألَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ آيَةً، فَقِيلَ: مُجْمَلَةٌ، -وَهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ- وقِيلَ: بَلْ عَيَّنُوا شَقَّ القَمَرِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «فَأراهُمُ اللهُ تَعالى انْشِقاقَ القَمَرِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ وجَماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اشْهَدُوا"،» ومِمَّنْ قالَ مِنَ الصَحابَةِ رَأيْتُهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، (p-١٣٨)وَأخْبَرَ بِهِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وأنَسَ، وابْنَ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، وقالَ المُشْرِكُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سَحَرَ القَمَرَ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: اسْتَخْبِرُوا المُسافِرِينَ القادِمِينَ عَلَيْكُمْ، فَما ورَدَ أحَدٌ إلّا أخْبَرَ بِانْشِقاقِهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: رَأيْتُهُ انْشَقَّ فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ جَبَلِ حِراءٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ يَرى نِصْفَهُ عَلى قُعَيْقِعانِ والآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ، وقَرَأ حُذَيْفَةُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ"، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عنهُ أنَّ قِراءَتَهُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ انْشَقَّ القَمَرُ" دُونَ واوٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ جاءَ اللَفْظُ مُسْتَقَبَلًا لِيَنْتَظِمَ ما مَضى وما يَأْتِي، فَهو إخْبارٌ بِأنَّ حالَهم هَكَذا، واخْتَلَفَتِ الناسُ في مَعْنى "مُسْتَمِرٍّ" فَقالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: مَعْناهُ دائِمٌ مُتَمادٍ، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: مَعْناهُ: ذاهِبٌ مارٌّ عن قَرِيبٍ يَزُولُ، وقالَ الضَحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ: مَشْدُودٌ مِن مَرايِرِ الحَبْلِ، كَأنَّهُ سِحْرٌ قَدِ اسْتَمَرَّ، أيْ: أُحْكِمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ حَتّى اسْتَمَرَّتْ عَلى شَذَرٍ مَرِيرَتُهُ صَدْقَ العَزِيمَةِ لا رَتًّا ولا ضَرَعًا
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم كَذَّبُوا واتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ وما يَهْوُونَ مِنَ الأُمُورِ، لا بِدَلِيلٍ ولا بِتَثَبُّتٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى -عَلى جِهَةِ الخَبَرِ الجَزْمِ-: ﴿وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: وكُلُّ شَيْءٍ إلى غايَةٍ، فالحَقُّ يَسْتَقِرُّ ثابِتًا ظاهِرًا، والباطِلُ يَسْتَقِرُّ زاهِقًا (p-١٣٩)ذاهِبًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٍّ" بِالجَرِّ في "مُسْتَقِرٍّ"، يَعْنِي بِذَلِكَ أشْراطُها، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ القافِ مِن "مُسْتَقِرٍّ" وقَرَأ نافِعٌ -بِخِلافٍ- وابْنُ نِصاحٍ بِفَتْحِها، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا وجْهَ لِفَتْحِها.
و"الأنْباءِ" جَمْعُ نَبَأٍ، ويَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ المَواعِظِ والقِصَصِ ومُثُلاتِ الأُمَمِ الكافِرَةِ، "و مُزْدَجَرٌ" مَعْناهُ: مَوْضِعُ زَجْرٍ وانْتِهاءٍ، وأصْلُهُ: "مُزْتَجَرٌ" قُلِبَتِ التاءُ دالًا لِيُناسِبَ مَخْرَجُها مَخْرَجَ الزايِ، وكَذَلِكَ تُبْدَلُ تاءُ "افْتَعَلَ" مِن كُلِّ فِعْلٍ أوَّلُهُ زايٌ كازْدَلَفَ وازْدادَ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "حِكْمَةٌ" مُرْتَفِعٌ إمّا عَلى البَدَلِ مِن "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: "ما فِيهِ"، وإمّا عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حِكْمَةٌ، و"بالِغَةٌ" مَعْناهُ: يَبْلُغُ المَقْصِدَ بِها مِن وعْظِ النُفُوسِ والبَيانِ لِمَن لَهُ عَقْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما تُغْنِ النُذُرُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، أيْ: لَيْسَ تُغْنِي مَعَ عُتُوِّ هَذِهِ الناسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: فَما غَناءُ النُذُرِ مَعَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؟
ثُمَّ سَلّى تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِقَوْلِهِ: "فَتَوَلَّ عنهُمْ"، أيْ: لا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، وتَمَّ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عنهُمْ"، ثُمَّ ابْتَدَأ وعِيدُهُمْ، والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: "يَخْرُجُونَ"، و"خُشَّعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يَخْرُجُونَ"، وتُصَرُّفُ الفِعْلِ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الحالِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "عنهُمْ"، قالَ الرُمّانِيُّ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهم واذْكُرْ يَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهُمُ اليَوْمَ وانْحَذَفَتِ الواوُ مِن "يَدْعُ" لِأنَّ كَتَبَةَ المُصْحَفِ اتَّبَعُوا اللَفْظَ لا ما يَقْتَضِيهِ الهِجاءُ، وأمّا حَذْفُ الياءِ مِن "الداعِ" ونَحْوِهِ فَقالَ سِيبَوَيْهِ: حَذَفُوهُ تَخْفِيفًا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ، حُذِفَتْ مَعَ الألِفِ واللامِ؛ إذْ هي تُحْذَفُ مَعَ مُعاقِبِهِما وهو التَنْوِينُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إلى شَيْءٍ نُكُرٍ " بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وشِبْلُ، والحَسَنُ: "نُكْرٍ" بِسُكُونِ الكافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو قُلابَةَ: "نُكِرَ" بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الراءِ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى في ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ مَنكُورٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ ولا يُرى مِثْلُهُ، قالَ الخَلِيلُ: النُكْرُ نَعْتٌ لِلْأمْرِ الشَدِيدِ والرَجُلِ الداهِيَةِ، وقالَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَضْرِيِّ: (p-١٤٠)
؎ أقْدِمْ مُحاجُ إنَّهُ يَوْمُ نُكُرٍ ∗∗∗ مِثْلِي عَلى مِثْلِكَ يَحْمِي ويَكُرُّ
و"نُكُرٍ" فُعُلٍ، وهو صِفَةٌ، وذَلِكَ قَلِيلٌ في الصِفاتِ، ومِنهُ "مِشْيَةُ سُجُحٌ" قالَ الشاعِرُ:
؎ دَعُوا التَخاجُؤَ وامْشُوا مِشْيَةً سُجُحًا ∗∗∗ إنَّ الرِجالَ ذَوُو عَصْبٍ وتَذْكِيرِ
ومِثْلُهُ "رَجُلٌ شَلُلُ" و"ناقَةٌ أُجُدُ".
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "خُشَّعًا"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خاشِعًا"، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وهى إفْرادٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وشَبابٌ حَسَنٌ أوجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ
(p-١٤١)وَرَجَّحَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ، وذَكَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُتَطَوِّعَةِ قالَ قَبْلَ أنْ يَسْتَشْهِدَ: رَأيْتُ النَبِيَّ ﷺ في النَوْمِ فَسَألْتُهُ عن "خُشَّعًا" و"خاشِعًا"، فَقالَ: "خاشِعًا"، بِالألِفِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُما "خاشِعًا، وخَصَّ تَعالى الأبْصارَ بِالخُشُوعِ لِأنَّهُ فِيها أظْهَرُ مِنهُ في سائِرِ الجَوارِحِ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن حَياءٍ أو صَلَفٍ أو خَوْفٍ ونَحْوِهِ إنَّما يَظْهَرُ في البَصَرِ.
و"الأجْداثِ" جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ، وشَبَّهَهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، وقَدْ شَبَّهَهم في أُخْرى بِ الفَراشِ المَبْثُوثِ، وفِيهِمْ مِن كُلِّ هَذا شَبَهٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم أوَّلًا كالفَراشِ حِينَ يَمُوجُونَ بَعْضٌ في بَعْضٍ، ثُمَّ في رُتْبَةٍ أُخْرى كالجَرادِ إذا تَوَجَّهُوا نَحْوَ المَحْشَرِ والداعِي، وفي الحَدِيثِ «أنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عُمْرانَ عَلَيْها السَلامُ دَعَتْ لِلْجَرادِ فَقالَتْ: "اللهُمَّ أعْشِها بِغَيْرِ رَضاعٍ، وتابَعَ بَنِيها بِغَيْرِ شِياعِ".»
و"المُهْطِعُ": المُسْرِعُ في مَشْيِهِ نَحْوَ الشَيْءِ مَعَ هَزٍّ ورَهَقٍ ومَدِّ بَصَرٍ نَحْوَ المَقْصِدِ إمّا لِخَوْفٍ أو طَمَعٍ أو نَحْوِهِ، ويَقُولُ الكافِرُونَ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ لِما يَرَوْنَ مِن مَخايِلِ هَوْلِهِ وعَلاماتِ مَشَقَّتِهِ.
القمر 54:8
(p-١٣٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ إلّا آيَةٌ واحِدَةٌ اخْتَلَفَ فِيها، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَ قَوْمٌ: هي مِمّا نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، وسَيَأْتِي القَوْلُ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ﴿وَكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُذُرُ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم يَوْمَ يَدْعُ الداعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الداعِ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾
"اقْتَرَبَتِ"مَعْناهُ: قَرُبَتْ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ، كَما أنَّ اقْتَدَرَ أبْلَغُ مِن قَدَرَ، و"الساعَةُ" القِيامَةُ، وأمْرُها مَجْهُولُ التَحْدِيدِ، لَمْ يُعْلَمْ إلّا أنَّها قَرُبَتْ دُونَ تَحْدِيدٍ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "بُعِثْتُ أنا والساعَةُ كَهاتَيْنِ" وأشارَ بِالسَبّابَةِ والوُسْطى،» وقالَ أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقَدْ كادَتِ الشَمْسُ تَغِيبُ، فَقالَ: "ما بَقِيَ مِنَ الدُنْيا فِيما مَضى إلّا كَمَثَلِ ما بَقِيَ مِن هَذا اليَوْمِ فِيما مَضى"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنِّي لَأرْجُو اللهَ أنْ (p-١٣٧)يُؤَخِّرَ أُمَّتِي نِصْفَ يَوْمٍ"» وهَذا مِنهُ ﷺ عَلى جِهَةِ الرَجاءِ والظَنِّ، لَمْ يَجْزِمْ بِهِ خَبَرًا، فَأنابَ اللهُ تَعالى عَلى أمَلِهِ وأخَّرَ أُمَّتَهُ أكْثَرَ مِن رَجائِهِ، وكُلُّ ما يُرْوى في عُمْرِ الدُنْيا مِنَ التَحْدِيدِ فَضَعِيفٌ واهِنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: انْشَقَّ القَمَرُ إخْبارٌ عَمّا وقَعَ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ في ذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَعْنى: يَنْشَقُّ القَمَرُ يَوْمَئِذٍ، وهَذا ضَعِيفٌ والأُمَّةُ عَلى خِلافِهِ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا سَألَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ آيَةً، فَقِيلَ: مُجْمَلَةٌ، -وَهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ- وقِيلَ: بَلْ عَيَّنُوا شَقَّ القَمَرِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «فَأراهُمُ اللهُ تَعالى انْشِقاقَ القَمَرِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ وجَماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اشْهَدُوا"،» ومِمَّنْ قالَ مِنَ الصَحابَةِ رَأيْتُهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، (p-١٣٨)وَأخْبَرَ بِهِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وأنَسَ، وابْنَ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، وقالَ المُشْرِكُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سَحَرَ القَمَرَ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: اسْتَخْبِرُوا المُسافِرِينَ القادِمِينَ عَلَيْكُمْ، فَما ورَدَ أحَدٌ إلّا أخْبَرَ بِانْشِقاقِهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: رَأيْتُهُ انْشَقَّ فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ جَبَلِ حِراءٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ يَرى نِصْفَهُ عَلى قُعَيْقِعانِ والآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ، وقَرَأ حُذَيْفَةُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ"، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عنهُ أنَّ قِراءَتَهُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ انْشَقَّ القَمَرُ" دُونَ واوٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ جاءَ اللَفْظُ مُسْتَقَبَلًا لِيَنْتَظِمَ ما مَضى وما يَأْتِي، فَهو إخْبارٌ بِأنَّ حالَهم هَكَذا، واخْتَلَفَتِ الناسُ في مَعْنى "مُسْتَمِرٍّ" فَقالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: مَعْناهُ دائِمٌ مُتَمادٍ، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: مَعْناهُ: ذاهِبٌ مارٌّ عن قَرِيبٍ يَزُولُ، وقالَ الضَحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ: مَشْدُودٌ مِن مَرايِرِ الحَبْلِ، كَأنَّهُ سِحْرٌ قَدِ اسْتَمَرَّ، أيْ: أُحْكِمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ حَتّى اسْتَمَرَّتْ عَلى شَذَرٍ مَرِيرَتُهُ صَدْقَ العَزِيمَةِ لا رَتًّا ولا ضَرَعًا
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم كَذَّبُوا واتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ وما يَهْوُونَ مِنَ الأُمُورِ، لا بِدَلِيلٍ ولا بِتَثَبُّتٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى -عَلى جِهَةِ الخَبَرِ الجَزْمِ-: ﴿وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: وكُلُّ شَيْءٍ إلى غايَةٍ، فالحَقُّ يَسْتَقِرُّ ثابِتًا ظاهِرًا، والباطِلُ يَسْتَقِرُّ زاهِقًا (p-١٣٩)ذاهِبًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٍّ" بِالجَرِّ في "مُسْتَقِرٍّ"، يَعْنِي بِذَلِكَ أشْراطُها، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ القافِ مِن "مُسْتَقِرٍّ" وقَرَأ نافِعٌ -بِخِلافٍ- وابْنُ نِصاحٍ بِفَتْحِها، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا وجْهَ لِفَتْحِها.
و"الأنْباءِ" جَمْعُ نَبَأٍ، ويَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ المَواعِظِ والقِصَصِ ومُثُلاتِ الأُمَمِ الكافِرَةِ، "و مُزْدَجَرٌ" مَعْناهُ: مَوْضِعُ زَجْرٍ وانْتِهاءٍ، وأصْلُهُ: "مُزْتَجَرٌ" قُلِبَتِ التاءُ دالًا لِيُناسِبَ مَخْرَجُها مَخْرَجَ الزايِ، وكَذَلِكَ تُبْدَلُ تاءُ "افْتَعَلَ" مِن كُلِّ فِعْلٍ أوَّلُهُ زايٌ كازْدَلَفَ وازْدادَ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "حِكْمَةٌ" مُرْتَفِعٌ إمّا عَلى البَدَلِ مِن "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: "ما فِيهِ"، وإمّا عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حِكْمَةٌ، و"بالِغَةٌ" مَعْناهُ: يَبْلُغُ المَقْصِدَ بِها مِن وعْظِ النُفُوسِ والبَيانِ لِمَن لَهُ عَقْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما تُغْنِ النُذُرُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، أيْ: لَيْسَ تُغْنِي مَعَ عُتُوِّ هَذِهِ الناسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: فَما غَناءُ النُذُرِ مَعَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؟
ثُمَّ سَلّى تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِقَوْلِهِ: "فَتَوَلَّ عنهُمْ"، أيْ: لا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، وتَمَّ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عنهُمْ"، ثُمَّ ابْتَدَأ وعِيدُهُمْ، والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: "يَخْرُجُونَ"، و"خُشَّعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يَخْرُجُونَ"، وتُصَرُّفُ الفِعْلِ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الحالِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "عنهُمْ"، قالَ الرُمّانِيُّ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهم واذْكُرْ يَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهُمُ اليَوْمَ وانْحَذَفَتِ الواوُ مِن "يَدْعُ" لِأنَّ كَتَبَةَ المُصْحَفِ اتَّبَعُوا اللَفْظَ لا ما يَقْتَضِيهِ الهِجاءُ، وأمّا حَذْفُ الياءِ مِن "الداعِ" ونَحْوِهِ فَقالَ سِيبَوَيْهِ: حَذَفُوهُ تَخْفِيفًا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ، حُذِفَتْ مَعَ الألِفِ واللامِ؛ إذْ هي تُحْذَفُ مَعَ مُعاقِبِهِما وهو التَنْوِينُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إلى شَيْءٍ نُكُرٍ " بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وشِبْلُ، والحَسَنُ: "نُكْرٍ" بِسُكُونِ الكافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو قُلابَةَ: "نُكِرَ" بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الراءِ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى في ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ مَنكُورٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ ولا يُرى مِثْلُهُ، قالَ الخَلِيلُ: النُكْرُ نَعْتٌ لِلْأمْرِ الشَدِيدِ والرَجُلِ الداهِيَةِ، وقالَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَضْرِيِّ: (p-١٤٠)
؎ أقْدِمْ مُحاجُ إنَّهُ يَوْمُ نُكُرٍ ∗∗∗ مِثْلِي عَلى مِثْلِكَ يَحْمِي ويَكُرُّ
و"نُكُرٍ" فُعُلٍ، وهو صِفَةٌ، وذَلِكَ قَلِيلٌ في الصِفاتِ، ومِنهُ "مِشْيَةُ سُجُحٌ" قالَ الشاعِرُ:
؎ دَعُوا التَخاجُؤَ وامْشُوا مِشْيَةً سُجُحًا ∗∗∗ إنَّ الرِجالَ ذَوُو عَصْبٍ وتَذْكِيرِ
ومِثْلُهُ "رَجُلٌ شَلُلُ" و"ناقَةٌ أُجُدُ".
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "خُشَّعًا"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خاشِعًا"، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وهى إفْرادٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وشَبابٌ حَسَنٌ أوجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ
(p-١٤١)وَرَجَّحَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ، وذَكَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُتَطَوِّعَةِ قالَ قَبْلَ أنْ يَسْتَشْهِدَ: رَأيْتُ النَبِيَّ ﷺ في النَوْمِ فَسَألْتُهُ عن "خُشَّعًا" و"خاشِعًا"، فَقالَ: "خاشِعًا"، بِالألِفِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُما "خاشِعًا، وخَصَّ تَعالى الأبْصارَ بِالخُشُوعِ لِأنَّهُ فِيها أظْهَرُ مِنهُ في سائِرِ الجَوارِحِ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن حَياءٍ أو صَلَفٍ أو خَوْفٍ ونَحْوِهِ إنَّما يَظْهَرُ في البَصَرِ.
و"الأجْداثِ" جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ، وشَبَّهَهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، وقَدْ شَبَّهَهم في أُخْرى بِ الفَراشِ المَبْثُوثِ، وفِيهِمْ مِن كُلِّ هَذا شَبَهٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم أوَّلًا كالفَراشِ حِينَ يَمُوجُونَ بَعْضٌ في بَعْضٍ، ثُمَّ في رُتْبَةٍ أُخْرى كالجَرادِ إذا تَوَجَّهُوا نَحْوَ المَحْشَرِ والداعِي، وفي الحَدِيثِ «أنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عُمْرانَ عَلَيْها السَلامُ دَعَتْ لِلْجَرادِ فَقالَتْ: "اللهُمَّ أعْشِها بِغَيْرِ رَضاعٍ، وتابَعَ بَنِيها بِغَيْرِ شِياعِ".»
و"المُهْطِعُ": المُسْرِعُ في مَشْيِهِ نَحْوَ الشَيْءِ مَعَ هَزٍّ ورَهَقٍ ومَدِّ بَصَرٍ نَحْوَ المَقْصِدِ إمّا لِخَوْفٍ أو طَمَعٍ أو نَحْوِهِ، ويَقُولُ الكافِرُونَ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ لِما يَرَوْنَ مِن مَخايِلِ هَوْلِهِ وعَلاماتِ مَشَقَّتِهِ.
القمر 54:9
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾
سَوْقُ هَذِهِ القِصَّةِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ وضَرْبُ مَثَلٍ لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وازْدَجِرْ" إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهم زَجَرُوا نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ بِالسَبِّ والنَجْهِ والتَخْوِيفِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وقَرَأ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]، وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ "وازْدَجِرَ" (p-١٤٢)مِن كَلامِ قَوْمِ نُوحٍ، كَأنَّهم قالُوا: "مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ"، والمَعْنى: اسْتَطْيَرَ جُنُونًا واسْتَعَرَ جُنُونًا، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ تَعَسُّفٌ وتَحَكُّمٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ، أيْ: بِأنِّي،كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا المَعْنى، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا اللَفْظَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: قالَ إنِّي، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أنِّي قَدْ غَلَبَنِي الكَفّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ فانْتَصِرْ لِي مِنهم بِأنْ تُهْلِكَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فانْتَصِرْ لِنَفْسِكَ إذْ كَذَّبُوا رَسُولَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ اللهُ تَعالى، فَوَقَعَتِ الإجابَةُ عَلى نَحْوِ ما دَعا نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَهَبَتِ المُتَصَوِّفَةُ إلى أنَّ المَعْنى: إنِّي قَدْ غَلَبَتْنِي نَفْسِي في إفْراطِي في الدُعاءِ عَلى قَوْمِي فانْتَصِرْ مِنِّي يا رَبِّ بِمُعاقَبَةٍ إنْ شِئْتَ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الحَقُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: "فَفَتَحْنا" الآيَةُ، وذَلِكَ هو الِانْتِصارُ مِنَ الكُفّارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَفَتَحْنا" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "فَفَتَّحْنا" بِشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠]. قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي بِالأبْوابِ المَجَرَّةَ، وهي شَرَجُ السَماءِ كَشَرَجِ العَيْبَةِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: الأبْوابُ حَقِيقَةٌ، فُتِحَتْ في السَماءِ أبْوابٌ جَرى مِنها الماءُ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَشْبِيهٌ ومَجازٌ، لِأنَّ المَطَرَ كَثُرَ كَأنَّهُ مِن أبْوابٍ، و"المُنْهَمِرُ": الشَدِيدُ الوُقُوعِ الغَزِيرُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ راحَ تَمْرِيهِ الصَبا ثُمَّ انْتَحى فِيهِ شُؤْبُوبُ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ
(p-١٤٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَجَّرْنا" بِشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ، وأبُو حَيْوَةَ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ بِتَخْفِيفِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فالتَقى الماءُ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي يَعُمُّ ماءَ السَماءِ وماءَ العُيُونِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ: "فالتَقى الماءانِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ: "فالتَقى الماوانِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ قالَ فِيهِ الجُمْهُورُ: المَعْنى: عَلى رُتْبَةٍ وحالَةٍ قَدْ قُدِّرَتْ في الأوَّلِ وقُضِيَتْ، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: عَلى مَقادِيرَ قَدْ قُدِّرَتْ ورُتِّبَتْ وقْتَ التِقائِهِ، ورَوَوْا أنَّ ماءَ الأرْضِ عَلا سَبْعَةَ عَشَرَ ذِراعًا، وكانَ ماءُ السَماءِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ أرْبَعِينَ ذِراعًا أو نَحْوَ هَذا لِأنَّهُ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الرِواياتُ، ولا خَبَرَ يَقْطَعُ العُذْرَ في شَيْءٍ مِن هَذا التَحْدِيدِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "قُدِّرَ" بِشَدِّ الدالِّ.
و"ذاتُ ألْواحٍ ودُسُرٍ" هي السَفِينَةُ، قِيلَ: كانَتْ ألْواحُها وخَشَبُها مِن ساجٍ. و"الدُسُرُ": المَسامِيرُ، واحِدُها دِسارٌ، وهَذا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو عِنْدِي مِنَ الدَفْعِ المُتَتابِعِ؛ لِأنَّ المِسْمارَ يَدْفَعُ أبَدًا حَتّى يَسْتَوِيَ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الدَسْرُ مَقادِمُ السَفِينَةِ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ أيْ تَدْفَعُهُ، والدَسْرُ: الدَفْعُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الدَسْرُ: نَطَقُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: الدَسْرُ: هو عَوارِضُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: أضْلاعُ السَفِينَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في شَرْحِ قِصَّةِ السَفِينَةِ مُسْتَوْعِبًا. وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها كانَتْ كَهَيْئَةِ السُفُنِ اليَوْمَ كَجُؤْجُؤِ الطائِرِ، ووَرَدَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّها كانَتْ مُرَبَّعَةً طَوِيلَةً في السَماءِ واسِعَةَ السُفْلِ ضَيِّقَةَ العُلُوِّ، وكانَ أعْلاها مَفْتُوحًا لِلْهَواءِ والتَنَفُّسِ، قالُوا: لِأنَّ الغَرَضَ مِنها إنَّما كانَتِ السَلامَةُ حَتّى يَنْزِلَ الماءُ، ولَمْ يَكُنْ طَلَبَ الجَرْيِ (p-١٤٤)وَقَصَدَ المَواضِعَ المُعَيَّنَةَ، ومَعَ هَذِهِ الهَيْئَةِ فَلَها مَجْرى ومَرْسى، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَتْ، والجَمِيعُ مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا"، قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: بِحِفْظِنا وكِفايَتِنا وتَحْتَ نَظَرٍ مِنّا لِأهْلِها، فَسَمّى هَذِهِ الأشْياءَ أعْيُنًا تَشْبِيهًا، إذِ الحافِظُ المُتْحَفِي مِنَ البَشَرِ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ الأمْرُ نُصْبَ عَيْنِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن حِفْظِها مِنَ المَلائِكَةِ، سَمّاهم عُيُونًا، وقالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا" يُرِيدُ بِهِ العُيُونَ المُتَفَجِّرَةَ مِنَ الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنّا" مُدْغَمَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كُفِرَ" بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِ الفاءِ، واخْتَلَفُوا في المَعْنى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: يُرادُ بِها اللهُ تَعالى،كَأنَّهُ قالَ: غَضَبًا وانْتِصارًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ: انْتَصَرَ لِنَفْسِهِ فَأنْجى المُؤْمِنِينَ وأغْرَقَ الكافِرِينَ، وقالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: "مِن"، يُرادُ بِها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ والمُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا مِن حَيْثُ كَفَرَ بِهِمْ، فَجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِالنَجاةِ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وعِيسى، وقَتادَةُ: "كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
والضَمِيرُ في "تَرَكْناها" قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ الفِعْلَةِ والقِصَّةُ، وقالَ قَتادَةُ، والنَقّاشُ، وغَيْرُهُما: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ السَفِينَةِ، قالُوا: وإنَّ اللهَ تَعالى أرْساها عَلى الجُودِيِّ حِينَ تَطاوَلَتِ الجِبالُ وتَواضَعَ هُوَ، وهو جُبَيْلٌ بِالجَزِيرَةِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ "باقِرْدى"، وأبْقى خَشَبَها هُنالِكَ حَتّى رَأتْ بَعْضَهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَ قَتادَةُ: وكَمْ مِن سَفِينَةٍ كانَتْ بَعْدَها صارَتْ رَمادًا.: و"مُدَّكِرٍ" أصْلُهُ "مُذْتَكِرٍ"، أبْدَلُوا مِنَ التاءِ ذالًا لِيُناسِبَ الذالَ في النُطْقِ، ثُمَّ أدْغَمُوا الدالَ في الدالِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الناسِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: رُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وقَرَأ قَتادَةُ: "مُذَّكِرٍ" بِإدْغامِ الثانِي في الأوَّلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَقْرَأ: "واذْكُرْ بَعْدَ أُمَّةٍ"، و"وَما تَذَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ".
(p-١٤٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ تَوْقِيفٌ لِقُرَيْشٍ، و"النُذُرُ" هُنا جَمْعُ "نَذِيرٍ" المَصْدَرُ، بِمَعْنى: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ إنْذارِي لِمَن لَمْ يَحْفَلْ بِهِ كَأنْتُمْ أيُّها القَوْمُ؟
و"يَسَّرْنا القُرْآنَ" مَعْناهُ: سَهَّلْناهُ وقَرَّبْناهُ، و"الذِكْرُ": الحِفْظُ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يَسْتَظْهِرْ مِن كُتُبِ اللهِ سِوى القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُسِّرَ بِما فِيهِ مِن حُسْنِ النَظْمِ وشَرَفِ المَعْنى، فَلَهُ لَوْطَةٌ بِالقُلُوبِ وامْتِزاجٌ بِالعُقُولِ السَلِيمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ اسْتِدْعاءٌ وحَضٌّ عَلى حِفْظِهِ وذِكْرِهِ لِتَكُونَ زَواجِرُهُ وعُلُومُهُ وهِداياتُهُ حاضِرَةً في النَفْسِ، قالَ مُطْرِفٌ: مَعْناهُ: هَلْ مِن طالِبِ عِلْمٍ فَيُعانُ عَلَيْهِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ في أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَسَّرَ الهُدى ولا بُخْلَ مِن قِبَلِهِ، فَلِلَّهِ دَرُّ مَن قَبِلَ واهْتَدى، وتَقَدَّم تَعْلِيلُ: "مُدَّكِرٍ".
القمر 54:10
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾
سَوْقُ هَذِهِ القِصَّةِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ وضَرْبُ مَثَلٍ لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وازْدَجِرْ" إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهم زَجَرُوا نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ بِالسَبِّ والنَجْهِ والتَخْوِيفِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وقَرَأ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]، وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ "وازْدَجِرَ" (p-١٤٢)مِن كَلامِ قَوْمِ نُوحٍ، كَأنَّهم قالُوا: "مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ"، والمَعْنى: اسْتَطْيَرَ جُنُونًا واسْتَعَرَ جُنُونًا، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ تَعَسُّفٌ وتَحَكُّمٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ، أيْ: بِأنِّي،كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا المَعْنى، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا اللَفْظَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: قالَ إنِّي، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أنِّي قَدْ غَلَبَنِي الكَفّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ فانْتَصِرْ لِي مِنهم بِأنْ تُهْلِكَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فانْتَصِرْ لِنَفْسِكَ إذْ كَذَّبُوا رَسُولَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ اللهُ تَعالى، فَوَقَعَتِ الإجابَةُ عَلى نَحْوِ ما دَعا نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَهَبَتِ المُتَصَوِّفَةُ إلى أنَّ المَعْنى: إنِّي قَدْ غَلَبَتْنِي نَفْسِي في إفْراطِي في الدُعاءِ عَلى قَوْمِي فانْتَصِرْ مِنِّي يا رَبِّ بِمُعاقَبَةٍ إنْ شِئْتَ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الحَقُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: "فَفَتَحْنا" الآيَةُ، وذَلِكَ هو الِانْتِصارُ مِنَ الكُفّارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَفَتَحْنا" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "فَفَتَّحْنا" بِشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠]. قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي بِالأبْوابِ المَجَرَّةَ، وهي شَرَجُ السَماءِ كَشَرَجِ العَيْبَةِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: الأبْوابُ حَقِيقَةٌ، فُتِحَتْ في السَماءِ أبْوابٌ جَرى مِنها الماءُ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَشْبِيهٌ ومَجازٌ، لِأنَّ المَطَرَ كَثُرَ كَأنَّهُ مِن أبْوابٍ، و"المُنْهَمِرُ": الشَدِيدُ الوُقُوعِ الغَزِيرُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ راحَ تَمْرِيهِ الصَبا ثُمَّ انْتَحى فِيهِ شُؤْبُوبُ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ
(p-١٤٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَجَّرْنا" بِشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ، وأبُو حَيْوَةَ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ بِتَخْفِيفِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فالتَقى الماءُ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي يَعُمُّ ماءَ السَماءِ وماءَ العُيُونِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ: "فالتَقى الماءانِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ: "فالتَقى الماوانِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ قالَ فِيهِ الجُمْهُورُ: المَعْنى: عَلى رُتْبَةٍ وحالَةٍ قَدْ قُدِّرَتْ في الأوَّلِ وقُضِيَتْ، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: عَلى مَقادِيرَ قَدْ قُدِّرَتْ ورُتِّبَتْ وقْتَ التِقائِهِ، ورَوَوْا أنَّ ماءَ الأرْضِ عَلا سَبْعَةَ عَشَرَ ذِراعًا، وكانَ ماءُ السَماءِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ أرْبَعِينَ ذِراعًا أو نَحْوَ هَذا لِأنَّهُ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الرِواياتُ، ولا خَبَرَ يَقْطَعُ العُذْرَ في شَيْءٍ مِن هَذا التَحْدِيدِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "قُدِّرَ" بِشَدِّ الدالِّ.
و"ذاتُ ألْواحٍ ودُسُرٍ" هي السَفِينَةُ، قِيلَ: كانَتْ ألْواحُها وخَشَبُها مِن ساجٍ. و"الدُسُرُ": المَسامِيرُ، واحِدُها دِسارٌ، وهَذا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو عِنْدِي مِنَ الدَفْعِ المُتَتابِعِ؛ لِأنَّ المِسْمارَ يَدْفَعُ أبَدًا حَتّى يَسْتَوِيَ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الدَسْرُ مَقادِمُ السَفِينَةِ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ أيْ تَدْفَعُهُ، والدَسْرُ: الدَفْعُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الدَسْرُ: نَطَقُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: الدَسْرُ: هو عَوارِضُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: أضْلاعُ السَفِينَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في شَرْحِ قِصَّةِ السَفِينَةِ مُسْتَوْعِبًا. وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها كانَتْ كَهَيْئَةِ السُفُنِ اليَوْمَ كَجُؤْجُؤِ الطائِرِ، ووَرَدَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّها كانَتْ مُرَبَّعَةً طَوِيلَةً في السَماءِ واسِعَةَ السُفْلِ ضَيِّقَةَ العُلُوِّ، وكانَ أعْلاها مَفْتُوحًا لِلْهَواءِ والتَنَفُّسِ، قالُوا: لِأنَّ الغَرَضَ مِنها إنَّما كانَتِ السَلامَةُ حَتّى يَنْزِلَ الماءُ، ولَمْ يَكُنْ طَلَبَ الجَرْيِ (p-١٤٤)وَقَصَدَ المَواضِعَ المُعَيَّنَةَ، ومَعَ هَذِهِ الهَيْئَةِ فَلَها مَجْرى ومَرْسى، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَتْ، والجَمِيعُ مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا"، قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: بِحِفْظِنا وكِفايَتِنا وتَحْتَ نَظَرٍ مِنّا لِأهْلِها، فَسَمّى هَذِهِ الأشْياءَ أعْيُنًا تَشْبِيهًا، إذِ الحافِظُ المُتْحَفِي مِنَ البَشَرِ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ الأمْرُ نُصْبَ عَيْنِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن حِفْظِها مِنَ المَلائِكَةِ، سَمّاهم عُيُونًا، وقالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا" يُرِيدُ بِهِ العُيُونَ المُتَفَجِّرَةَ مِنَ الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنّا" مُدْغَمَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كُفِرَ" بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِ الفاءِ، واخْتَلَفُوا في المَعْنى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: يُرادُ بِها اللهُ تَعالى،كَأنَّهُ قالَ: غَضَبًا وانْتِصارًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ: انْتَصَرَ لِنَفْسِهِ فَأنْجى المُؤْمِنِينَ وأغْرَقَ الكافِرِينَ، وقالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: "مِن"، يُرادُ بِها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ والمُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا مِن حَيْثُ كَفَرَ بِهِمْ، فَجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِالنَجاةِ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وعِيسى، وقَتادَةُ: "كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
والضَمِيرُ في "تَرَكْناها" قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ الفِعْلَةِ والقِصَّةُ، وقالَ قَتادَةُ، والنَقّاشُ، وغَيْرُهُما: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ السَفِينَةِ، قالُوا: وإنَّ اللهَ تَعالى أرْساها عَلى الجُودِيِّ حِينَ تَطاوَلَتِ الجِبالُ وتَواضَعَ هُوَ، وهو جُبَيْلٌ بِالجَزِيرَةِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ "باقِرْدى"، وأبْقى خَشَبَها هُنالِكَ حَتّى رَأتْ بَعْضَهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَ قَتادَةُ: وكَمْ مِن سَفِينَةٍ كانَتْ بَعْدَها صارَتْ رَمادًا.: و"مُدَّكِرٍ" أصْلُهُ "مُذْتَكِرٍ"، أبْدَلُوا مِنَ التاءِ ذالًا لِيُناسِبَ الذالَ في النُطْقِ، ثُمَّ أدْغَمُوا الدالَ في الدالِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الناسِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: رُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وقَرَأ قَتادَةُ: "مُذَّكِرٍ" بِإدْغامِ الثانِي في الأوَّلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَقْرَأ: "واذْكُرْ بَعْدَ أُمَّةٍ"، و"وَما تَذَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ".
(p-١٤٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ تَوْقِيفٌ لِقُرَيْشٍ، و"النُذُرُ" هُنا جَمْعُ "نَذِيرٍ" المَصْدَرُ، بِمَعْنى: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ إنْذارِي لِمَن لَمْ يَحْفَلْ بِهِ كَأنْتُمْ أيُّها القَوْمُ؟
و"يَسَّرْنا القُرْآنَ" مَعْناهُ: سَهَّلْناهُ وقَرَّبْناهُ، و"الذِكْرُ": الحِفْظُ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يَسْتَظْهِرْ مِن كُتُبِ اللهِ سِوى القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُسِّرَ بِما فِيهِ مِن حُسْنِ النَظْمِ وشَرَفِ المَعْنى، فَلَهُ لَوْطَةٌ بِالقُلُوبِ وامْتِزاجٌ بِالعُقُولِ السَلِيمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ اسْتِدْعاءٌ وحَضٌّ عَلى حِفْظِهِ وذِكْرِهِ لِتَكُونَ زَواجِرُهُ وعُلُومُهُ وهِداياتُهُ حاضِرَةً في النَفْسِ، قالَ مُطْرِفٌ: مَعْناهُ: هَلْ مِن طالِبِ عِلْمٍ فَيُعانُ عَلَيْهِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ في أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَسَّرَ الهُدى ولا بُخْلَ مِن قِبَلِهِ، فَلِلَّهِ دَرُّ مَن قَبِلَ واهْتَدى، وتَقَدَّم تَعْلِيلُ: "مُدَّكِرٍ".
القمر 54:11
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾
سَوْقُ هَذِهِ القِصَّةِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ وضَرْبُ مَثَلٍ لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وازْدَجِرْ" إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهم زَجَرُوا نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ بِالسَبِّ والنَجْهِ والتَخْوِيفِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وقَرَأ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]، وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ "وازْدَجِرَ" (p-١٤٢)مِن كَلامِ قَوْمِ نُوحٍ، كَأنَّهم قالُوا: "مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ"، والمَعْنى: اسْتَطْيَرَ جُنُونًا واسْتَعَرَ جُنُونًا، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ تَعَسُّفٌ وتَحَكُّمٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ، أيْ: بِأنِّي،كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا المَعْنى، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا اللَفْظَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: قالَ إنِّي، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أنِّي قَدْ غَلَبَنِي الكَفّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ فانْتَصِرْ لِي مِنهم بِأنْ تُهْلِكَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فانْتَصِرْ لِنَفْسِكَ إذْ كَذَّبُوا رَسُولَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ اللهُ تَعالى، فَوَقَعَتِ الإجابَةُ عَلى نَحْوِ ما دَعا نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَهَبَتِ المُتَصَوِّفَةُ إلى أنَّ المَعْنى: إنِّي قَدْ غَلَبَتْنِي نَفْسِي في إفْراطِي في الدُعاءِ عَلى قَوْمِي فانْتَصِرْ مِنِّي يا رَبِّ بِمُعاقَبَةٍ إنْ شِئْتَ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الحَقُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: "فَفَتَحْنا" الآيَةُ، وذَلِكَ هو الِانْتِصارُ مِنَ الكُفّارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَفَتَحْنا" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "فَفَتَّحْنا" بِشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠]. قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي بِالأبْوابِ المَجَرَّةَ، وهي شَرَجُ السَماءِ كَشَرَجِ العَيْبَةِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: الأبْوابُ حَقِيقَةٌ، فُتِحَتْ في السَماءِ أبْوابٌ جَرى مِنها الماءُ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَشْبِيهٌ ومَجازٌ، لِأنَّ المَطَرَ كَثُرَ كَأنَّهُ مِن أبْوابٍ، و"المُنْهَمِرُ": الشَدِيدُ الوُقُوعِ الغَزِيرُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ راحَ تَمْرِيهِ الصَبا ثُمَّ انْتَحى فِيهِ شُؤْبُوبُ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ
(p-١٤٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَجَّرْنا" بِشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ، وأبُو حَيْوَةَ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ بِتَخْفِيفِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فالتَقى الماءُ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي يَعُمُّ ماءَ السَماءِ وماءَ العُيُونِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ: "فالتَقى الماءانِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ: "فالتَقى الماوانِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ قالَ فِيهِ الجُمْهُورُ: المَعْنى: عَلى رُتْبَةٍ وحالَةٍ قَدْ قُدِّرَتْ في الأوَّلِ وقُضِيَتْ، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: عَلى مَقادِيرَ قَدْ قُدِّرَتْ ورُتِّبَتْ وقْتَ التِقائِهِ، ورَوَوْا أنَّ ماءَ الأرْضِ عَلا سَبْعَةَ عَشَرَ ذِراعًا، وكانَ ماءُ السَماءِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ أرْبَعِينَ ذِراعًا أو نَحْوَ هَذا لِأنَّهُ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الرِواياتُ، ولا خَبَرَ يَقْطَعُ العُذْرَ في شَيْءٍ مِن هَذا التَحْدِيدِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "قُدِّرَ" بِشَدِّ الدالِّ.
و"ذاتُ ألْواحٍ ودُسُرٍ" هي السَفِينَةُ، قِيلَ: كانَتْ ألْواحُها وخَشَبُها مِن ساجٍ. و"الدُسُرُ": المَسامِيرُ، واحِدُها دِسارٌ، وهَذا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو عِنْدِي مِنَ الدَفْعِ المُتَتابِعِ؛ لِأنَّ المِسْمارَ يَدْفَعُ أبَدًا حَتّى يَسْتَوِيَ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الدَسْرُ مَقادِمُ السَفِينَةِ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ أيْ تَدْفَعُهُ، والدَسْرُ: الدَفْعُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الدَسْرُ: نَطَقُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: الدَسْرُ: هو عَوارِضُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: أضْلاعُ السَفِينَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في شَرْحِ قِصَّةِ السَفِينَةِ مُسْتَوْعِبًا. وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها كانَتْ كَهَيْئَةِ السُفُنِ اليَوْمَ كَجُؤْجُؤِ الطائِرِ، ووَرَدَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّها كانَتْ مُرَبَّعَةً طَوِيلَةً في السَماءِ واسِعَةَ السُفْلِ ضَيِّقَةَ العُلُوِّ، وكانَ أعْلاها مَفْتُوحًا لِلْهَواءِ والتَنَفُّسِ، قالُوا: لِأنَّ الغَرَضَ مِنها إنَّما كانَتِ السَلامَةُ حَتّى يَنْزِلَ الماءُ، ولَمْ يَكُنْ طَلَبَ الجَرْيِ (p-١٤٤)وَقَصَدَ المَواضِعَ المُعَيَّنَةَ، ومَعَ هَذِهِ الهَيْئَةِ فَلَها مَجْرى ومَرْسى، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَتْ، والجَمِيعُ مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا"، قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: بِحِفْظِنا وكِفايَتِنا وتَحْتَ نَظَرٍ مِنّا لِأهْلِها، فَسَمّى هَذِهِ الأشْياءَ أعْيُنًا تَشْبِيهًا، إذِ الحافِظُ المُتْحَفِي مِنَ البَشَرِ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ الأمْرُ نُصْبَ عَيْنِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن حِفْظِها مِنَ المَلائِكَةِ، سَمّاهم عُيُونًا، وقالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا" يُرِيدُ بِهِ العُيُونَ المُتَفَجِّرَةَ مِنَ الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنّا" مُدْغَمَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كُفِرَ" بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِ الفاءِ، واخْتَلَفُوا في المَعْنى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: يُرادُ بِها اللهُ تَعالى،كَأنَّهُ قالَ: غَضَبًا وانْتِصارًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ: انْتَصَرَ لِنَفْسِهِ فَأنْجى المُؤْمِنِينَ وأغْرَقَ الكافِرِينَ، وقالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: "مِن"، يُرادُ بِها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ والمُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا مِن حَيْثُ كَفَرَ بِهِمْ، فَجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِالنَجاةِ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وعِيسى، وقَتادَةُ: "كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
والضَمِيرُ في "تَرَكْناها" قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ الفِعْلَةِ والقِصَّةُ، وقالَ قَتادَةُ، والنَقّاشُ، وغَيْرُهُما: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ السَفِينَةِ، قالُوا: وإنَّ اللهَ تَعالى أرْساها عَلى الجُودِيِّ حِينَ تَطاوَلَتِ الجِبالُ وتَواضَعَ هُوَ، وهو جُبَيْلٌ بِالجَزِيرَةِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ "باقِرْدى"، وأبْقى خَشَبَها هُنالِكَ حَتّى رَأتْ بَعْضَهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَ قَتادَةُ: وكَمْ مِن سَفِينَةٍ كانَتْ بَعْدَها صارَتْ رَمادًا.: و"مُدَّكِرٍ" أصْلُهُ "مُذْتَكِرٍ"، أبْدَلُوا مِنَ التاءِ ذالًا لِيُناسِبَ الذالَ في النُطْقِ، ثُمَّ أدْغَمُوا الدالَ في الدالِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الناسِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: رُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وقَرَأ قَتادَةُ: "مُذَّكِرٍ" بِإدْغامِ الثانِي في الأوَّلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَقْرَأ: "واذْكُرْ بَعْدَ أُمَّةٍ"، و"وَما تَذَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ".
(p-١٤٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ تَوْقِيفٌ لِقُرَيْشٍ، و"النُذُرُ" هُنا جَمْعُ "نَذِيرٍ" المَصْدَرُ، بِمَعْنى: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ إنْذارِي لِمَن لَمْ يَحْفَلْ بِهِ كَأنْتُمْ أيُّها القَوْمُ؟
و"يَسَّرْنا القُرْآنَ" مَعْناهُ: سَهَّلْناهُ وقَرَّبْناهُ، و"الذِكْرُ": الحِفْظُ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يَسْتَظْهِرْ مِن كُتُبِ اللهِ سِوى القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُسِّرَ بِما فِيهِ مِن حُسْنِ النَظْمِ وشَرَفِ المَعْنى، فَلَهُ لَوْطَةٌ بِالقُلُوبِ وامْتِزاجٌ بِالعُقُولِ السَلِيمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ اسْتِدْعاءٌ وحَضٌّ عَلى حِفْظِهِ وذِكْرِهِ لِتَكُونَ زَواجِرُهُ وعُلُومُهُ وهِداياتُهُ حاضِرَةً في النَفْسِ، قالَ مُطْرِفٌ: مَعْناهُ: هَلْ مِن طالِبِ عِلْمٍ فَيُعانُ عَلَيْهِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ في أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَسَّرَ الهُدى ولا بُخْلَ مِن قِبَلِهِ، فَلِلَّهِ دَرُّ مَن قَبِلَ واهْتَدى، وتَقَدَّم تَعْلِيلُ: "مُدَّكِرٍ".
القمر 54:12
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾
سَوْقُ هَذِهِ القِصَّةِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ وضَرْبُ مَثَلٍ لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وازْدَجِرْ" إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهم زَجَرُوا نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ بِالسَبِّ والنَجْهِ والتَخْوِيفِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وقَرَأ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]، وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ "وازْدَجِرَ" (p-١٤٢)مِن كَلامِ قَوْمِ نُوحٍ، كَأنَّهم قالُوا: "مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ"، والمَعْنى: اسْتَطْيَرَ جُنُونًا واسْتَعَرَ جُنُونًا، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ تَعَسُّفٌ وتَحَكُّمٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ، أيْ: بِأنِّي،كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا المَعْنى، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا اللَفْظَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: قالَ إنِّي، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أنِّي قَدْ غَلَبَنِي الكَفّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ فانْتَصِرْ لِي مِنهم بِأنْ تُهْلِكَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فانْتَصِرْ لِنَفْسِكَ إذْ كَذَّبُوا رَسُولَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ اللهُ تَعالى، فَوَقَعَتِ الإجابَةُ عَلى نَحْوِ ما دَعا نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَهَبَتِ المُتَصَوِّفَةُ إلى أنَّ المَعْنى: إنِّي قَدْ غَلَبَتْنِي نَفْسِي في إفْراطِي في الدُعاءِ عَلى قَوْمِي فانْتَصِرْ مِنِّي يا رَبِّ بِمُعاقَبَةٍ إنْ شِئْتَ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الحَقُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: "فَفَتَحْنا" الآيَةُ، وذَلِكَ هو الِانْتِصارُ مِنَ الكُفّارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَفَتَحْنا" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "فَفَتَّحْنا" بِشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠]. قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي بِالأبْوابِ المَجَرَّةَ، وهي شَرَجُ السَماءِ كَشَرَجِ العَيْبَةِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: الأبْوابُ حَقِيقَةٌ، فُتِحَتْ في السَماءِ أبْوابٌ جَرى مِنها الماءُ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَشْبِيهٌ ومَجازٌ، لِأنَّ المَطَرَ كَثُرَ كَأنَّهُ مِن أبْوابٍ، و"المُنْهَمِرُ": الشَدِيدُ الوُقُوعِ الغَزِيرُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ راحَ تَمْرِيهِ الصَبا ثُمَّ انْتَحى فِيهِ شُؤْبُوبُ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ
(p-١٤٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَجَّرْنا" بِشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ، وأبُو حَيْوَةَ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ بِتَخْفِيفِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فالتَقى الماءُ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي يَعُمُّ ماءَ السَماءِ وماءَ العُيُونِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ: "فالتَقى الماءانِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ: "فالتَقى الماوانِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ قالَ فِيهِ الجُمْهُورُ: المَعْنى: عَلى رُتْبَةٍ وحالَةٍ قَدْ قُدِّرَتْ في الأوَّلِ وقُضِيَتْ، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: عَلى مَقادِيرَ قَدْ قُدِّرَتْ ورُتِّبَتْ وقْتَ التِقائِهِ، ورَوَوْا أنَّ ماءَ الأرْضِ عَلا سَبْعَةَ عَشَرَ ذِراعًا، وكانَ ماءُ السَماءِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ أرْبَعِينَ ذِراعًا أو نَحْوَ هَذا لِأنَّهُ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الرِواياتُ، ولا خَبَرَ يَقْطَعُ العُذْرَ في شَيْءٍ مِن هَذا التَحْدِيدِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "قُدِّرَ" بِشَدِّ الدالِّ.
و"ذاتُ ألْواحٍ ودُسُرٍ" هي السَفِينَةُ، قِيلَ: كانَتْ ألْواحُها وخَشَبُها مِن ساجٍ. و"الدُسُرُ": المَسامِيرُ، واحِدُها دِسارٌ، وهَذا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو عِنْدِي مِنَ الدَفْعِ المُتَتابِعِ؛ لِأنَّ المِسْمارَ يَدْفَعُ أبَدًا حَتّى يَسْتَوِيَ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الدَسْرُ مَقادِمُ السَفِينَةِ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ أيْ تَدْفَعُهُ، والدَسْرُ: الدَفْعُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الدَسْرُ: نَطَقُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: الدَسْرُ: هو عَوارِضُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: أضْلاعُ السَفِينَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في شَرْحِ قِصَّةِ السَفِينَةِ مُسْتَوْعِبًا. وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها كانَتْ كَهَيْئَةِ السُفُنِ اليَوْمَ كَجُؤْجُؤِ الطائِرِ، ووَرَدَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّها كانَتْ مُرَبَّعَةً طَوِيلَةً في السَماءِ واسِعَةَ السُفْلِ ضَيِّقَةَ العُلُوِّ، وكانَ أعْلاها مَفْتُوحًا لِلْهَواءِ والتَنَفُّسِ، قالُوا: لِأنَّ الغَرَضَ مِنها إنَّما كانَتِ السَلامَةُ حَتّى يَنْزِلَ الماءُ، ولَمْ يَكُنْ طَلَبَ الجَرْيِ (p-١٤٤)وَقَصَدَ المَواضِعَ المُعَيَّنَةَ، ومَعَ هَذِهِ الهَيْئَةِ فَلَها مَجْرى ومَرْسى، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَتْ، والجَمِيعُ مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا"، قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: بِحِفْظِنا وكِفايَتِنا وتَحْتَ نَظَرٍ مِنّا لِأهْلِها، فَسَمّى هَذِهِ الأشْياءَ أعْيُنًا تَشْبِيهًا، إذِ الحافِظُ المُتْحَفِي مِنَ البَشَرِ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ الأمْرُ نُصْبَ عَيْنِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن حِفْظِها مِنَ المَلائِكَةِ، سَمّاهم عُيُونًا، وقالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا" يُرِيدُ بِهِ العُيُونَ المُتَفَجِّرَةَ مِنَ الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنّا" مُدْغَمَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كُفِرَ" بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِ الفاءِ، واخْتَلَفُوا في المَعْنى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: يُرادُ بِها اللهُ تَعالى،كَأنَّهُ قالَ: غَضَبًا وانْتِصارًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ: انْتَصَرَ لِنَفْسِهِ فَأنْجى المُؤْمِنِينَ وأغْرَقَ الكافِرِينَ، وقالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: "مِن"، يُرادُ بِها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ والمُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا مِن حَيْثُ كَفَرَ بِهِمْ، فَجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِالنَجاةِ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وعِيسى، وقَتادَةُ: "كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
والضَمِيرُ في "تَرَكْناها" قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ الفِعْلَةِ والقِصَّةُ، وقالَ قَتادَةُ، والنَقّاشُ، وغَيْرُهُما: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ السَفِينَةِ، قالُوا: وإنَّ اللهَ تَعالى أرْساها عَلى الجُودِيِّ حِينَ تَطاوَلَتِ الجِبالُ وتَواضَعَ هُوَ، وهو جُبَيْلٌ بِالجَزِيرَةِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ "باقِرْدى"، وأبْقى خَشَبَها هُنالِكَ حَتّى رَأتْ بَعْضَهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَ قَتادَةُ: وكَمْ مِن سَفِينَةٍ كانَتْ بَعْدَها صارَتْ رَمادًا.: و"مُدَّكِرٍ" أصْلُهُ "مُذْتَكِرٍ"، أبْدَلُوا مِنَ التاءِ ذالًا لِيُناسِبَ الذالَ في النُطْقِ، ثُمَّ أدْغَمُوا الدالَ في الدالِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الناسِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: رُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وقَرَأ قَتادَةُ: "مُذَّكِرٍ" بِإدْغامِ الثانِي في الأوَّلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَقْرَأ: "واذْكُرْ بَعْدَ أُمَّةٍ"، و"وَما تَذَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ".
(p-١٤٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ تَوْقِيفٌ لِقُرَيْشٍ، و"النُذُرُ" هُنا جَمْعُ "نَذِيرٍ" المَصْدَرُ، بِمَعْنى: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ إنْذارِي لِمَن لَمْ يَحْفَلْ بِهِ كَأنْتُمْ أيُّها القَوْمُ؟
و"يَسَّرْنا القُرْآنَ" مَعْناهُ: سَهَّلْناهُ وقَرَّبْناهُ، و"الذِكْرُ": الحِفْظُ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يَسْتَظْهِرْ مِن كُتُبِ اللهِ سِوى القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُسِّرَ بِما فِيهِ مِن حُسْنِ النَظْمِ وشَرَفِ المَعْنى، فَلَهُ لَوْطَةٌ بِالقُلُوبِ وامْتِزاجٌ بِالعُقُولِ السَلِيمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ اسْتِدْعاءٌ وحَضٌّ عَلى حِفْظِهِ وذِكْرِهِ لِتَكُونَ زَواجِرُهُ وعُلُومُهُ وهِداياتُهُ حاضِرَةً في النَفْسِ، قالَ مُطْرِفٌ: مَعْناهُ: هَلْ مِن طالِبِ عِلْمٍ فَيُعانُ عَلَيْهِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ في أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَسَّرَ الهُدى ولا بُخْلَ مِن قِبَلِهِ، فَلِلَّهِ دَرُّ مَن قَبِلَ واهْتَدى، وتَقَدَّم تَعْلِيلُ: "مُدَّكِرٍ".
القمر 54:13
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾
سَوْقُ هَذِهِ القِصَّةِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ وضَرْبُ مَثَلٍ لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وازْدَجِرْ" إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهم زَجَرُوا نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ بِالسَبِّ والنَجْهِ والتَخْوِيفِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وقَرَأ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]، وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ "وازْدَجِرَ" (p-١٤٢)مِن كَلامِ قَوْمِ نُوحٍ، كَأنَّهم قالُوا: "مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ"، والمَعْنى: اسْتَطْيَرَ جُنُونًا واسْتَعَرَ جُنُونًا، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ تَعَسُّفٌ وتَحَكُّمٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ، أيْ: بِأنِّي،كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا المَعْنى، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا اللَفْظَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: قالَ إنِّي، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أنِّي قَدْ غَلَبَنِي الكَفّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ فانْتَصِرْ لِي مِنهم بِأنْ تُهْلِكَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فانْتَصِرْ لِنَفْسِكَ إذْ كَذَّبُوا رَسُولَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ اللهُ تَعالى، فَوَقَعَتِ الإجابَةُ عَلى نَحْوِ ما دَعا نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَهَبَتِ المُتَصَوِّفَةُ إلى أنَّ المَعْنى: إنِّي قَدْ غَلَبَتْنِي نَفْسِي في إفْراطِي في الدُعاءِ عَلى قَوْمِي فانْتَصِرْ مِنِّي يا رَبِّ بِمُعاقَبَةٍ إنْ شِئْتَ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الحَقُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: "فَفَتَحْنا" الآيَةُ، وذَلِكَ هو الِانْتِصارُ مِنَ الكُفّارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَفَتَحْنا" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "فَفَتَّحْنا" بِشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠]. قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي بِالأبْوابِ المَجَرَّةَ، وهي شَرَجُ السَماءِ كَشَرَجِ العَيْبَةِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: الأبْوابُ حَقِيقَةٌ، فُتِحَتْ في السَماءِ أبْوابٌ جَرى مِنها الماءُ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَشْبِيهٌ ومَجازٌ، لِأنَّ المَطَرَ كَثُرَ كَأنَّهُ مِن أبْوابٍ، و"المُنْهَمِرُ": الشَدِيدُ الوُقُوعِ الغَزِيرُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ راحَ تَمْرِيهِ الصَبا ثُمَّ انْتَحى فِيهِ شُؤْبُوبُ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ
(p-١٤٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَجَّرْنا" بِشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ، وأبُو حَيْوَةَ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ بِتَخْفِيفِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فالتَقى الماءُ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي يَعُمُّ ماءَ السَماءِ وماءَ العُيُونِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ: "فالتَقى الماءانِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ: "فالتَقى الماوانِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ قالَ فِيهِ الجُمْهُورُ: المَعْنى: عَلى رُتْبَةٍ وحالَةٍ قَدْ قُدِّرَتْ في الأوَّلِ وقُضِيَتْ، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: عَلى مَقادِيرَ قَدْ قُدِّرَتْ ورُتِّبَتْ وقْتَ التِقائِهِ، ورَوَوْا أنَّ ماءَ الأرْضِ عَلا سَبْعَةَ عَشَرَ ذِراعًا، وكانَ ماءُ السَماءِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ أرْبَعِينَ ذِراعًا أو نَحْوَ هَذا لِأنَّهُ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الرِواياتُ، ولا خَبَرَ يَقْطَعُ العُذْرَ في شَيْءٍ مِن هَذا التَحْدِيدِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "قُدِّرَ" بِشَدِّ الدالِّ.
و"ذاتُ ألْواحٍ ودُسُرٍ" هي السَفِينَةُ، قِيلَ: كانَتْ ألْواحُها وخَشَبُها مِن ساجٍ. و"الدُسُرُ": المَسامِيرُ، واحِدُها دِسارٌ، وهَذا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو عِنْدِي مِنَ الدَفْعِ المُتَتابِعِ؛ لِأنَّ المِسْمارَ يَدْفَعُ أبَدًا حَتّى يَسْتَوِيَ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الدَسْرُ مَقادِمُ السَفِينَةِ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ أيْ تَدْفَعُهُ، والدَسْرُ: الدَفْعُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الدَسْرُ: نَطَقُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: الدَسْرُ: هو عَوارِضُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: أضْلاعُ السَفِينَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في شَرْحِ قِصَّةِ السَفِينَةِ مُسْتَوْعِبًا. وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها كانَتْ كَهَيْئَةِ السُفُنِ اليَوْمَ كَجُؤْجُؤِ الطائِرِ، ووَرَدَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّها كانَتْ مُرَبَّعَةً طَوِيلَةً في السَماءِ واسِعَةَ السُفْلِ ضَيِّقَةَ العُلُوِّ، وكانَ أعْلاها مَفْتُوحًا لِلْهَواءِ والتَنَفُّسِ، قالُوا: لِأنَّ الغَرَضَ مِنها إنَّما كانَتِ السَلامَةُ حَتّى يَنْزِلَ الماءُ، ولَمْ يَكُنْ طَلَبَ الجَرْيِ (p-١٤٤)وَقَصَدَ المَواضِعَ المُعَيَّنَةَ، ومَعَ هَذِهِ الهَيْئَةِ فَلَها مَجْرى ومَرْسى، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَتْ، والجَمِيعُ مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا"، قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: بِحِفْظِنا وكِفايَتِنا وتَحْتَ نَظَرٍ مِنّا لِأهْلِها، فَسَمّى هَذِهِ الأشْياءَ أعْيُنًا تَشْبِيهًا، إذِ الحافِظُ المُتْحَفِي مِنَ البَشَرِ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ الأمْرُ نُصْبَ عَيْنِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن حِفْظِها مِنَ المَلائِكَةِ، سَمّاهم عُيُونًا، وقالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا" يُرِيدُ بِهِ العُيُونَ المُتَفَجِّرَةَ مِنَ الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنّا" مُدْغَمَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كُفِرَ" بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِ الفاءِ، واخْتَلَفُوا في المَعْنى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: يُرادُ بِها اللهُ تَعالى،كَأنَّهُ قالَ: غَضَبًا وانْتِصارًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ: انْتَصَرَ لِنَفْسِهِ فَأنْجى المُؤْمِنِينَ وأغْرَقَ الكافِرِينَ، وقالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: "مِن"، يُرادُ بِها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ والمُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا مِن حَيْثُ كَفَرَ بِهِمْ، فَجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِالنَجاةِ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وعِيسى، وقَتادَةُ: "كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
والضَمِيرُ في "تَرَكْناها" قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ الفِعْلَةِ والقِصَّةُ، وقالَ قَتادَةُ، والنَقّاشُ، وغَيْرُهُما: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ السَفِينَةِ، قالُوا: وإنَّ اللهَ تَعالى أرْساها عَلى الجُودِيِّ حِينَ تَطاوَلَتِ الجِبالُ وتَواضَعَ هُوَ، وهو جُبَيْلٌ بِالجَزِيرَةِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ "باقِرْدى"، وأبْقى خَشَبَها هُنالِكَ حَتّى رَأتْ بَعْضَهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَ قَتادَةُ: وكَمْ مِن سَفِينَةٍ كانَتْ بَعْدَها صارَتْ رَمادًا.: و"مُدَّكِرٍ" أصْلُهُ "مُذْتَكِرٍ"، أبْدَلُوا مِنَ التاءِ ذالًا لِيُناسِبَ الذالَ في النُطْقِ، ثُمَّ أدْغَمُوا الدالَ في الدالِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الناسِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: رُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وقَرَأ قَتادَةُ: "مُذَّكِرٍ" بِإدْغامِ الثانِي في الأوَّلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَقْرَأ: "واذْكُرْ بَعْدَ أُمَّةٍ"، و"وَما تَذَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ".
(p-١٤٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ تَوْقِيفٌ لِقُرَيْشٍ، و"النُذُرُ" هُنا جَمْعُ "نَذِيرٍ" المَصْدَرُ، بِمَعْنى: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ إنْذارِي لِمَن لَمْ يَحْفَلْ بِهِ كَأنْتُمْ أيُّها القَوْمُ؟
و"يَسَّرْنا القُرْآنَ" مَعْناهُ: سَهَّلْناهُ وقَرَّبْناهُ، و"الذِكْرُ": الحِفْظُ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يَسْتَظْهِرْ مِن كُتُبِ اللهِ سِوى القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُسِّرَ بِما فِيهِ مِن حُسْنِ النَظْمِ وشَرَفِ المَعْنى، فَلَهُ لَوْطَةٌ بِالقُلُوبِ وامْتِزاجٌ بِالعُقُولِ السَلِيمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ اسْتِدْعاءٌ وحَضٌّ عَلى حِفْظِهِ وذِكْرِهِ لِتَكُونَ زَواجِرُهُ وعُلُومُهُ وهِداياتُهُ حاضِرَةً في النَفْسِ، قالَ مُطْرِفٌ: مَعْناهُ: هَلْ مِن طالِبِ عِلْمٍ فَيُعانُ عَلَيْهِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ في أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَسَّرَ الهُدى ولا بُخْلَ مِن قِبَلِهِ، فَلِلَّهِ دَرُّ مَن قَبِلَ واهْتَدى، وتَقَدَّم تَعْلِيلُ: "مُدَّكِرٍ".
القمر 54:14
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾
سَوْقُ هَذِهِ القِصَّةِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ وضَرْبُ مَثَلٍ لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وازْدَجِرْ" إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهم زَجَرُوا نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ بِالسَبِّ والنَجْهِ والتَخْوِيفِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وقَرَأ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]، وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ "وازْدَجِرَ" (p-١٤٢)مِن كَلامِ قَوْمِ نُوحٍ، كَأنَّهم قالُوا: "مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ"، والمَعْنى: اسْتَطْيَرَ جُنُونًا واسْتَعَرَ جُنُونًا، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ تَعَسُّفٌ وتَحَكُّمٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ، أيْ: بِأنِّي،كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا المَعْنى، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا اللَفْظَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: قالَ إنِّي، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أنِّي قَدْ غَلَبَنِي الكَفّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ فانْتَصِرْ لِي مِنهم بِأنْ تُهْلِكَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فانْتَصِرْ لِنَفْسِكَ إذْ كَذَّبُوا رَسُولَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ اللهُ تَعالى، فَوَقَعَتِ الإجابَةُ عَلى نَحْوِ ما دَعا نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَهَبَتِ المُتَصَوِّفَةُ إلى أنَّ المَعْنى: إنِّي قَدْ غَلَبَتْنِي نَفْسِي في إفْراطِي في الدُعاءِ عَلى قَوْمِي فانْتَصِرْ مِنِّي يا رَبِّ بِمُعاقَبَةٍ إنْ شِئْتَ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الحَقُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: "فَفَتَحْنا" الآيَةُ، وذَلِكَ هو الِانْتِصارُ مِنَ الكُفّارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَفَتَحْنا" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "فَفَتَّحْنا" بِشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠]. قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي بِالأبْوابِ المَجَرَّةَ، وهي شَرَجُ السَماءِ كَشَرَجِ العَيْبَةِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: الأبْوابُ حَقِيقَةٌ، فُتِحَتْ في السَماءِ أبْوابٌ جَرى مِنها الماءُ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَشْبِيهٌ ومَجازٌ، لِأنَّ المَطَرَ كَثُرَ كَأنَّهُ مِن أبْوابٍ، و"المُنْهَمِرُ": الشَدِيدُ الوُقُوعِ الغَزِيرُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ راحَ تَمْرِيهِ الصَبا ثُمَّ انْتَحى فِيهِ شُؤْبُوبُ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ
(p-١٤٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَجَّرْنا" بِشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ، وأبُو حَيْوَةَ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ بِتَخْفِيفِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فالتَقى الماءُ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي يَعُمُّ ماءَ السَماءِ وماءَ العُيُونِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ: "فالتَقى الماءانِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ: "فالتَقى الماوانِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ قالَ فِيهِ الجُمْهُورُ: المَعْنى: عَلى رُتْبَةٍ وحالَةٍ قَدْ قُدِّرَتْ في الأوَّلِ وقُضِيَتْ، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: عَلى مَقادِيرَ قَدْ قُدِّرَتْ ورُتِّبَتْ وقْتَ التِقائِهِ، ورَوَوْا أنَّ ماءَ الأرْضِ عَلا سَبْعَةَ عَشَرَ ذِراعًا، وكانَ ماءُ السَماءِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ أرْبَعِينَ ذِراعًا أو نَحْوَ هَذا لِأنَّهُ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الرِواياتُ، ولا خَبَرَ يَقْطَعُ العُذْرَ في شَيْءٍ مِن هَذا التَحْدِيدِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "قُدِّرَ" بِشَدِّ الدالِّ.
و"ذاتُ ألْواحٍ ودُسُرٍ" هي السَفِينَةُ، قِيلَ: كانَتْ ألْواحُها وخَشَبُها مِن ساجٍ. و"الدُسُرُ": المَسامِيرُ، واحِدُها دِسارٌ، وهَذا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو عِنْدِي مِنَ الدَفْعِ المُتَتابِعِ؛ لِأنَّ المِسْمارَ يَدْفَعُ أبَدًا حَتّى يَسْتَوِيَ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الدَسْرُ مَقادِمُ السَفِينَةِ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ أيْ تَدْفَعُهُ، والدَسْرُ: الدَفْعُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الدَسْرُ: نَطَقُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: الدَسْرُ: هو عَوارِضُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: أضْلاعُ السَفِينَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في شَرْحِ قِصَّةِ السَفِينَةِ مُسْتَوْعِبًا. وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها كانَتْ كَهَيْئَةِ السُفُنِ اليَوْمَ كَجُؤْجُؤِ الطائِرِ، ووَرَدَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّها كانَتْ مُرَبَّعَةً طَوِيلَةً في السَماءِ واسِعَةَ السُفْلِ ضَيِّقَةَ العُلُوِّ، وكانَ أعْلاها مَفْتُوحًا لِلْهَواءِ والتَنَفُّسِ، قالُوا: لِأنَّ الغَرَضَ مِنها إنَّما كانَتِ السَلامَةُ حَتّى يَنْزِلَ الماءُ، ولَمْ يَكُنْ طَلَبَ الجَرْيِ (p-١٤٤)وَقَصَدَ المَواضِعَ المُعَيَّنَةَ، ومَعَ هَذِهِ الهَيْئَةِ فَلَها مَجْرى ومَرْسى، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَتْ، والجَمِيعُ مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا"، قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: بِحِفْظِنا وكِفايَتِنا وتَحْتَ نَظَرٍ مِنّا لِأهْلِها، فَسَمّى هَذِهِ الأشْياءَ أعْيُنًا تَشْبِيهًا، إذِ الحافِظُ المُتْحَفِي مِنَ البَشَرِ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ الأمْرُ نُصْبَ عَيْنِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن حِفْظِها مِنَ المَلائِكَةِ، سَمّاهم عُيُونًا، وقالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا" يُرِيدُ بِهِ العُيُونَ المُتَفَجِّرَةَ مِنَ الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنّا" مُدْغَمَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كُفِرَ" بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِ الفاءِ، واخْتَلَفُوا في المَعْنى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: يُرادُ بِها اللهُ تَعالى،كَأنَّهُ قالَ: غَضَبًا وانْتِصارًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ: انْتَصَرَ لِنَفْسِهِ فَأنْجى المُؤْمِنِينَ وأغْرَقَ الكافِرِينَ، وقالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: "مِن"، يُرادُ بِها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ والمُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا مِن حَيْثُ كَفَرَ بِهِمْ، فَجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِالنَجاةِ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وعِيسى، وقَتادَةُ: "كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
والضَمِيرُ في "تَرَكْناها" قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ الفِعْلَةِ والقِصَّةُ، وقالَ قَتادَةُ، والنَقّاشُ، وغَيْرُهُما: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ السَفِينَةِ، قالُوا: وإنَّ اللهَ تَعالى أرْساها عَلى الجُودِيِّ حِينَ تَطاوَلَتِ الجِبالُ وتَواضَعَ هُوَ، وهو جُبَيْلٌ بِالجَزِيرَةِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ "باقِرْدى"، وأبْقى خَشَبَها هُنالِكَ حَتّى رَأتْ بَعْضَهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَ قَتادَةُ: وكَمْ مِن سَفِينَةٍ كانَتْ بَعْدَها صارَتْ رَمادًا.: و"مُدَّكِرٍ" أصْلُهُ "مُذْتَكِرٍ"، أبْدَلُوا مِنَ التاءِ ذالًا لِيُناسِبَ الذالَ في النُطْقِ، ثُمَّ أدْغَمُوا الدالَ في الدالِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الناسِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: رُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وقَرَأ قَتادَةُ: "مُذَّكِرٍ" بِإدْغامِ الثانِي في الأوَّلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَقْرَأ: "واذْكُرْ بَعْدَ أُمَّةٍ"، و"وَما تَذَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ".
(p-١٤٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ تَوْقِيفٌ لِقُرَيْشٍ، و"النُذُرُ" هُنا جَمْعُ "نَذِيرٍ" المَصْدَرُ، بِمَعْنى: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ إنْذارِي لِمَن لَمْ يَحْفَلْ بِهِ كَأنْتُمْ أيُّها القَوْمُ؟
و"يَسَّرْنا القُرْآنَ" مَعْناهُ: سَهَّلْناهُ وقَرَّبْناهُ، و"الذِكْرُ": الحِفْظُ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يَسْتَظْهِرْ مِن كُتُبِ اللهِ سِوى القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُسِّرَ بِما فِيهِ مِن حُسْنِ النَظْمِ وشَرَفِ المَعْنى، فَلَهُ لَوْطَةٌ بِالقُلُوبِ وامْتِزاجٌ بِالعُقُولِ السَلِيمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ اسْتِدْعاءٌ وحَضٌّ عَلى حِفْظِهِ وذِكْرِهِ لِتَكُونَ زَواجِرُهُ وعُلُومُهُ وهِداياتُهُ حاضِرَةً في النَفْسِ، قالَ مُطْرِفٌ: مَعْناهُ: هَلْ مِن طالِبِ عِلْمٍ فَيُعانُ عَلَيْهِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ في أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَسَّرَ الهُدى ولا بُخْلَ مِن قِبَلِهِ، فَلِلَّهِ دَرُّ مَن قَبِلَ واهْتَدى، وتَقَدَّم تَعْلِيلُ: "مُدَّكِرٍ".
القمر 54:15
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾
سَوْقُ هَذِهِ القِصَّةِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ وضَرْبُ مَثَلٍ لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وازْدَجِرْ" إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهم زَجَرُوا نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ بِالسَبِّ والنَجْهِ والتَخْوِيفِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وقَرَأ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]، وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ "وازْدَجِرَ" (p-١٤٢)مِن كَلامِ قَوْمِ نُوحٍ، كَأنَّهم قالُوا: "مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ"، والمَعْنى: اسْتَطْيَرَ جُنُونًا واسْتَعَرَ جُنُونًا، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ تَعَسُّفٌ وتَحَكُّمٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ، أيْ: بِأنِّي،كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا المَعْنى، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا اللَفْظَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: قالَ إنِّي، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أنِّي قَدْ غَلَبَنِي الكَفّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ فانْتَصِرْ لِي مِنهم بِأنْ تُهْلِكَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فانْتَصِرْ لِنَفْسِكَ إذْ كَذَّبُوا رَسُولَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ اللهُ تَعالى، فَوَقَعَتِ الإجابَةُ عَلى نَحْوِ ما دَعا نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَهَبَتِ المُتَصَوِّفَةُ إلى أنَّ المَعْنى: إنِّي قَدْ غَلَبَتْنِي نَفْسِي في إفْراطِي في الدُعاءِ عَلى قَوْمِي فانْتَصِرْ مِنِّي يا رَبِّ بِمُعاقَبَةٍ إنْ شِئْتَ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الحَقُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: "فَفَتَحْنا" الآيَةُ، وذَلِكَ هو الِانْتِصارُ مِنَ الكُفّارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَفَتَحْنا" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "فَفَتَّحْنا" بِشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠]. قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي بِالأبْوابِ المَجَرَّةَ، وهي شَرَجُ السَماءِ كَشَرَجِ العَيْبَةِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: الأبْوابُ حَقِيقَةٌ، فُتِحَتْ في السَماءِ أبْوابٌ جَرى مِنها الماءُ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَشْبِيهٌ ومَجازٌ، لِأنَّ المَطَرَ كَثُرَ كَأنَّهُ مِن أبْوابٍ، و"المُنْهَمِرُ": الشَدِيدُ الوُقُوعِ الغَزِيرُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ راحَ تَمْرِيهِ الصَبا ثُمَّ انْتَحى فِيهِ شُؤْبُوبُ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ
(p-١٤٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَجَّرْنا" بِشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ، وأبُو حَيْوَةَ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ بِتَخْفِيفِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فالتَقى الماءُ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي يَعُمُّ ماءَ السَماءِ وماءَ العُيُونِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ: "فالتَقى الماءانِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ: "فالتَقى الماوانِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ قالَ فِيهِ الجُمْهُورُ: المَعْنى: عَلى رُتْبَةٍ وحالَةٍ قَدْ قُدِّرَتْ في الأوَّلِ وقُضِيَتْ، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: عَلى مَقادِيرَ قَدْ قُدِّرَتْ ورُتِّبَتْ وقْتَ التِقائِهِ، ورَوَوْا أنَّ ماءَ الأرْضِ عَلا سَبْعَةَ عَشَرَ ذِراعًا، وكانَ ماءُ السَماءِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ أرْبَعِينَ ذِراعًا أو نَحْوَ هَذا لِأنَّهُ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الرِواياتُ، ولا خَبَرَ يَقْطَعُ العُذْرَ في شَيْءٍ مِن هَذا التَحْدِيدِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "قُدِّرَ" بِشَدِّ الدالِّ.
و"ذاتُ ألْواحٍ ودُسُرٍ" هي السَفِينَةُ، قِيلَ: كانَتْ ألْواحُها وخَشَبُها مِن ساجٍ. و"الدُسُرُ": المَسامِيرُ، واحِدُها دِسارٌ، وهَذا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو عِنْدِي مِنَ الدَفْعِ المُتَتابِعِ؛ لِأنَّ المِسْمارَ يَدْفَعُ أبَدًا حَتّى يَسْتَوِيَ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الدَسْرُ مَقادِمُ السَفِينَةِ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ أيْ تَدْفَعُهُ، والدَسْرُ: الدَفْعُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الدَسْرُ: نَطَقُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: الدَسْرُ: هو عَوارِضُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: أضْلاعُ السَفِينَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في شَرْحِ قِصَّةِ السَفِينَةِ مُسْتَوْعِبًا. وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها كانَتْ كَهَيْئَةِ السُفُنِ اليَوْمَ كَجُؤْجُؤِ الطائِرِ، ووَرَدَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّها كانَتْ مُرَبَّعَةً طَوِيلَةً في السَماءِ واسِعَةَ السُفْلِ ضَيِّقَةَ العُلُوِّ، وكانَ أعْلاها مَفْتُوحًا لِلْهَواءِ والتَنَفُّسِ، قالُوا: لِأنَّ الغَرَضَ مِنها إنَّما كانَتِ السَلامَةُ حَتّى يَنْزِلَ الماءُ، ولَمْ يَكُنْ طَلَبَ الجَرْيِ (p-١٤٤)وَقَصَدَ المَواضِعَ المُعَيَّنَةَ، ومَعَ هَذِهِ الهَيْئَةِ فَلَها مَجْرى ومَرْسى، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَتْ، والجَمِيعُ مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا"، قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: بِحِفْظِنا وكِفايَتِنا وتَحْتَ نَظَرٍ مِنّا لِأهْلِها، فَسَمّى هَذِهِ الأشْياءَ أعْيُنًا تَشْبِيهًا، إذِ الحافِظُ المُتْحَفِي مِنَ البَشَرِ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ الأمْرُ نُصْبَ عَيْنِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن حِفْظِها مِنَ المَلائِكَةِ، سَمّاهم عُيُونًا، وقالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا" يُرِيدُ بِهِ العُيُونَ المُتَفَجِّرَةَ مِنَ الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنّا" مُدْغَمَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كُفِرَ" بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِ الفاءِ، واخْتَلَفُوا في المَعْنى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: يُرادُ بِها اللهُ تَعالى،كَأنَّهُ قالَ: غَضَبًا وانْتِصارًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ: انْتَصَرَ لِنَفْسِهِ فَأنْجى المُؤْمِنِينَ وأغْرَقَ الكافِرِينَ، وقالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: "مِن"، يُرادُ بِها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ والمُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا مِن حَيْثُ كَفَرَ بِهِمْ، فَجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِالنَجاةِ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وعِيسى، وقَتادَةُ: "كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
والضَمِيرُ في "تَرَكْناها" قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ الفِعْلَةِ والقِصَّةُ، وقالَ قَتادَةُ، والنَقّاشُ، وغَيْرُهُما: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ السَفِينَةِ، قالُوا: وإنَّ اللهَ تَعالى أرْساها عَلى الجُودِيِّ حِينَ تَطاوَلَتِ الجِبالُ وتَواضَعَ هُوَ، وهو جُبَيْلٌ بِالجَزِيرَةِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ "باقِرْدى"، وأبْقى خَشَبَها هُنالِكَ حَتّى رَأتْ بَعْضَهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَ قَتادَةُ: وكَمْ مِن سَفِينَةٍ كانَتْ بَعْدَها صارَتْ رَمادًا.: و"مُدَّكِرٍ" أصْلُهُ "مُذْتَكِرٍ"، أبْدَلُوا مِنَ التاءِ ذالًا لِيُناسِبَ الذالَ في النُطْقِ، ثُمَّ أدْغَمُوا الدالَ في الدالِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الناسِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: رُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وقَرَأ قَتادَةُ: "مُذَّكِرٍ" بِإدْغامِ الثانِي في الأوَّلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَقْرَأ: "واذْكُرْ بَعْدَ أُمَّةٍ"، و"وَما تَذَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ".
(p-١٤٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ تَوْقِيفٌ لِقُرَيْشٍ، و"النُذُرُ" هُنا جَمْعُ "نَذِيرٍ" المَصْدَرُ، بِمَعْنى: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ إنْذارِي لِمَن لَمْ يَحْفَلْ بِهِ كَأنْتُمْ أيُّها القَوْمُ؟
و"يَسَّرْنا القُرْآنَ" مَعْناهُ: سَهَّلْناهُ وقَرَّبْناهُ، و"الذِكْرُ": الحِفْظُ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يَسْتَظْهِرْ مِن كُتُبِ اللهِ سِوى القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُسِّرَ بِما فِيهِ مِن حُسْنِ النَظْمِ وشَرَفِ المَعْنى، فَلَهُ لَوْطَةٌ بِالقُلُوبِ وامْتِزاجٌ بِالعُقُولِ السَلِيمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ اسْتِدْعاءٌ وحَضٌّ عَلى حِفْظِهِ وذِكْرِهِ لِتَكُونَ زَواجِرُهُ وعُلُومُهُ وهِداياتُهُ حاضِرَةً في النَفْسِ، قالَ مُطْرِفٌ: مَعْناهُ: هَلْ مِن طالِبِ عِلْمٍ فَيُعانُ عَلَيْهِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ في أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَسَّرَ الهُدى ولا بُخْلَ مِن قِبَلِهِ، فَلِلَّهِ دَرُّ مَن قَبِلَ واهْتَدى، وتَقَدَّم تَعْلِيلُ: "مُدَّكِرٍ".
القمر 54:16
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾
سَوْقُ هَذِهِ القِصَّةِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ وضَرْبُ مَثَلٍ لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وازْدَجِرْ" إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهم زَجَرُوا نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ بِالسَبِّ والنَجْهِ والتَخْوِيفِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وقَرَأ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]، وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ "وازْدَجِرَ" (p-١٤٢)مِن كَلامِ قَوْمِ نُوحٍ، كَأنَّهم قالُوا: "مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ"، والمَعْنى: اسْتَطْيَرَ جُنُونًا واسْتَعَرَ جُنُونًا، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ تَعَسُّفٌ وتَحَكُّمٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ، أيْ: بِأنِّي،كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا المَعْنى، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا اللَفْظَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: قالَ إنِّي، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أنِّي قَدْ غَلَبَنِي الكَفّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ فانْتَصِرْ لِي مِنهم بِأنْ تُهْلِكَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فانْتَصِرْ لِنَفْسِكَ إذْ كَذَّبُوا رَسُولَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ اللهُ تَعالى، فَوَقَعَتِ الإجابَةُ عَلى نَحْوِ ما دَعا نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَهَبَتِ المُتَصَوِّفَةُ إلى أنَّ المَعْنى: إنِّي قَدْ غَلَبَتْنِي نَفْسِي في إفْراطِي في الدُعاءِ عَلى قَوْمِي فانْتَصِرْ مِنِّي يا رَبِّ بِمُعاقَبَةٍ إنْ شِئْتَ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الحَقُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: "فَفَتَحْنا" الآيَةُ، وذَلِكَ هو الِانْتِصارُ مِنَ الكُفّارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَفَتَحْنا" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "فَفَتَّحْنا" بِشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠]. قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي بِالأبْوابِ المَجَرَّةَ، وهي شَرَجُ السَماءِ كَشَرَجِ العَيْبَةِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: الأبْوابُ حَقِيقَةٌ، فُتِحَتْ في السَماءِ أبْوابٌ جَرى مِنها الماءُ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَشْبِيهٌ ومَجازٌ، لِأنَّ المَطَرَ كَثُرَ كَأنَّهُ مِن أبْوابٍ، و"المُنْهَمِرُ": الشَدِيدُ الوُقُوعِ الغَزِيرُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ راحَ تَمْرِيهِ الصَبا ثُمَّ انْتَحى فِيهِ شُؤْبُوبُ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ
(p-١٤٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَجَّرْنا" بِشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ، وأبُو حَيْوَةَ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ بِتَخْفِيفِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فالتَقى الماءُ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي يَعُمُّ ماءَ السَماءِ وماءَ العُيُونِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ: "فالتَقى الماءانِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ: "فالتَقى الماوانِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ قالَ فِيهِ الجُمْهُورُ: المَعْنى: عَلى رُتْبَةٍ وحالَةٍ قَدْ قُدِّرَتْ في الأوَّلِ وقُضِيَتْ، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: عَلى مَقادِيرَ قَدْ قُدِّرَتْ ورُتِّبَتْ وقْتَ التِقائِهِ، ورَوَوْا أنَّ ماءَ الأرْضِ عَلا سَبْعَةَ عَشَرَ ذِراعًا، وكانَ ماءُ السَماءِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ أرْبَعِينَ ذِراعًا أو نَحْوَ هَذا لِأنَّهُ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الرِواياتُ، ولا خَبَرَ يَقْطَعُ العُذْرَ في شَيْءٍ مِن هَذا التَحْدِيدِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "قُدِّرَ" بِشَدِّ الدالِّ.
و"ذاتُ ألْواحٍ ودُسُرٍ" هي السَفِينَةُ، قِيلَ: كانَتْ ألْواحُها وخَشَبُها مِن ساجٍ. و"الدُسُرُ": المَسامِيرُ، واحِدُها دِسارٌ، وهَذا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو عِنْدِي مِنَ الدَفْعِ المُتَتابِعِ؛ لِأنَّ المِسْمارَ يَدْفَعُ أبَدًا حَتّى يَسْتَوِيَ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الدَسْرُ مَقادِمُ السَفِينَةِ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ أيْ تَدْفَعُهُ، والدَسْرُ: الدَفْعُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الدَسْرُ: نَطَقُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: الدَسْرُ: هو عَوارِضُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: أضْلاعُ السَفِينَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في شَرْحِ قِصَّةِ السَفِينَةِ مُسْتَوْعِبًا. وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها كانَتْ كَهَيْئَةِ السُفُنِ اليَوْمَ كَجُؤْجُؤِ الطائِرِ، ووَرَدَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّها كانَتْ مُرَبَّعَةً طَوِيلَةً في السَماءِ واسِعَةَ السُفْلِ ضَيِّقَةَ العُلُوِّ، وكانَ أعْلاها مَفْتُوحًا لِلْهَواءِ والتَنَفُّسِ، قالُوا: لِأنَّ الغَرَضَ مِنها إنَّما كانَتِ السَلامَةُ حَتّى يَنْزِلَ الماءُ، ولَمْ يَكُنْ طَلَبَ الجَرْيِ (p-١٤٤)وَقَصَدَ المَواضِعَ المُعَيَّنَةَ، ومَعَ هَذِهِ الهَيْئَةِ فَلَها مَجْرى ومَرْسى، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَتْ، والجَمِيعُ مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا"، قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: بِحِفْظِنا وكِفايَتِنا وتَحْتَ نَظَرٍ مِنّا لِأهْلِها، فَسَمّى هَذِهِ الأشْياءَ أعْيُنًا تَشْبِيهًا، إذِ الحافِظُ المُتْحَفِي مِنَ البَشَرِ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ الأمْرُ نُصْبَ عَيْنِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن حِفْظِها مِنَ المَلائِكَةِ، سَمّاهم عُيُونًا، وقالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا" يُرِيدُ بِهِ العُيُونَ المُتَفَجِّرَةَ مِنَ الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنّا" مُدْغَمَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كُفِرَ" بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِ الفاءِ، واخْتَلَفُوا في المَعْنى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: يُرادُ بِها اللهُ تَعالى،كَأنَّهُ قالَ: غَضَبًا وانْتِصارًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ: انْتَصَرَ لِنَفْسِهِ فَأنْجى المُؤْمِنِينَ وأغْرَقَ الكافِرِينَ، وقالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: "مِن"، يُرادُ بِها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ والمُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا مِن حَيْثُ كَفَرَ بِهِمْ، فَجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِالنَجاةِ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وعِيسى، وقَتادَةُ: "كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
والضَمِيرُ في "تَرَكْناها" قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ الفِعْلَةِ والقِصَّةُ، وقالَ قَتادَةُ، والنَقّاشُ، وغَيْرُهُما: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ السَفِينَةِ، قالُوا: وإنَّ اللهَ تَعالى أرْساها عَلى الجُودِيِّ حِينَ تَطاوَلَتِ الجِبالُ وتَواضَعَ هُوَ، وهو جُبَيْلٌ بِالجَزِيرَةِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ "باقِرْدى"، وأبْقى خَشَبَها هُنالِكَ حَتّى رَأتْ بَعْضَهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَ قَتادَةُ: وكَمْ مِن سَفِينَةٍ كانَتْ بَعْدَها صارَتْ رَمادًا.: و"مُدَّكِرٍ" أصْلُهُ "مُذْتَكِرٍ"، أبْدَلُوا مِنَ التاءِ ذالًا لِيُناسِبَ الذالَ في النُطْقِ، ثُمَّ أدْغَمُوا الدالَ في الدالِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الناسِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: رُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وقَرَأ قَتادَةُ: "مُذَّكِرٍ" بِإدْغامِ الثانِي في الأوَّلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَقْرَأ: "واذْكُرْ بَعْدَ أُمَّةٍ"، و"وَما تَذَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ".
(p-١٤٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ تَوْقِيفٌ لِقُرَيْشٍ، و"النُذُرُ" هُنا جَمْعُ "نَذِيرٍ" المَصْدَرُ، بِمَعْنى: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ إنْذارِي لِمَن لَمْ يَحْفَلْ بِهِ كَأنْتُمْ أيُّها القَوْمُ؟
و"يَسَّرْنا القُرْآنَ" مَعْناهُ: سَهَّلْناهُ وقَرَّبْناهُ، و"الذِكْرُ": الحِفْظُ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يَسْتَظْهِرْ مِن كُتُبِ اللهِ سِوى القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُسِّرَ بِما فِيهِ مِن حُسْنِ النَظْمِ وشَرَفِ المَعْنى، فَلَهُ لَوْطَةٌ بِالقُلُوبِ وامْتِزاجٌ بِالعُقُولِ السَلِيمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ اسْتِدْعاءٌ وحَضٌّ عَلى حِفْظِهِ وذِكْرِهِ لِتَكُونَ زَواجِرُهُ وعُلُومُهُ وهِداياتُهُ حاضِرَةً في النَفْسِ، قالَ مُطْرِفٌ: مَعْناهُ: هَلْ مِن طالِبِ عِلْمٍ فَيُعانُ عَلَيْهِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ في أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَسَّرَ الهُدى ولا بُخْلَ مِن قِبَلِهِ، فَلِلَّهِ دَرُّ مَن قَبِلَ واهْتَدى، وتَقَدَّم تَعْلِيلُ: "مُدَّكِرٍ".
القمر 54:17
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾
سَوْقُ هَذِهِ القِصَّةِ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ وضَرْبُ مَثَلٍ لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وازْدَجِرْ" إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهم زَجَرُوا نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ بِالسَبِّ والنَجْهِ والتَخْوِيفِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وقَرَأ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]، وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ "وازْدَجِرَ" (p-١٤٢)مِن كَلامِ قَوْمِ نُوحٍ، كَأنَّهم قالُوا: "مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ"، والمَعْنى: اسْتَطْيَرَ جُنُونًا واسْتَعَرَ جُنُونًا، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ تَعَسُّفٌ وتَحَكُّمٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ، أيْ: بِأنِّي،كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا المَعْنى، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، كَأنَّ دُعاءَهُ كانَ هَذا اللَفْظَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: قالَ إنِّي، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: أنِّي قَدْ غَلَبَنِي الكَفّارُ بِتَكْذِيبِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ فانْتَصِرْ لِي مِنهم بِأنْ تُهْلِكَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فانْتَصِرْ لِنَفْسِكَ إذْ كَذَّبُوا رَسُولَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ اللهُ تَعالى، فَوَقَعَتِ الإجابَةُ عَلى نَحْوِ ما دَعا نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَهَبَتِ المُتَصَوِّفَةُ إلى أنَّ المَعْنى: إنِّي قَدْ غَلَبَتْنِي نَفْسِي في إفْراطِي في الدُعاءِ عَلى قَوْمِي فانْتَصِرْ مِنِّي يا رَبِّ بِمُعاقَبَةٍ إنْ شِئْتَ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الحَقُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: "فَفَتَحْنا" الآيَةُ، وذَلِكَ هو الِانْتِصارُ مِنَ الكُفّارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَفَتَحْنا" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "فَفَتَّحْنا" بِشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠]. قالَ أبُو حاتِمٍ: يَعْنِي بِالأبْوابِ المَجَرَّةَ، وهي شَرَجُ السَماءِ كَشَرَجِ العَيْبَةِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: الأبْوابُ حَقِيقَةٌ، فُتِحَتْ في السَماءِ أبْوابٌ جَرى مِنها الماءُ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو تَشْبِيهٌ ومَجازٌ، لِأنَّ المَطَرَ كَثُرَ كَأنَّهُ مِن أبْوابٍ، و"المُنْهَمِرُ": الشَدِيدُ الوُقُوعِ الغَزِيرُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ راحَ تَمْرِيهِ الصَبا ثُمَّ انْتَحى فِيهِ شُؤْبُوبُ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ
(p-١٤٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَجَّرْنا" بِشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ، وأبُو حَيْوَةَ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ بِتَخْفِيفِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فالتَقى الماءُ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي يَعُمُّ ماءَ السَماءِ وماءَ العُيُونِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ: "فالتَقى الماءانِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ: "فالتَقى الماوانِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ قالَ فِيهِ الجُمْهُورُ: المَعْنى: عَلى رُتْبَةٍ وحالَةٍ قَدْ قُدِّرَتْ في الأوَّلِ وقُضِيَتْ، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: عَلى مَقادِيرَ قَدْ قُدِّرَتْ ورُتِّبَتْ وقْتَ التِقائِهِ، ورَوَوْا أنَّ ماءَ الأرْضِ عَلا سَبْعَةَ عَشَرَ ذِراعًا، وكانَ ماءُ السَماءِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ أرْبَعِينَ ذِراعًا أو نَحْوَ هَذا لِأنَّهُ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الرِواياتُ، ولا خَبَرَ يَقْطَعُ العُذْرَ في شَيْءٍ مِن هَذا التَحْدِيدِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "قُدِّرَ" بِشَدِّ الدالِّ.
و"ذاتُ ألْواحٍ ودُسُرٍ" هي السَفِينَةُ، قِيلَ: كانَتْ ألْواحُها وخَشَبُها مِن ساجٍ. و"الدُسُرُ": المَسامِيرُ، واحِدُها دِسارٌ، وهَذا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو عِنْدِي مِنَ الدَفْعِ المُتَتابِعِ؛ لِأنَّ المِسْمارَ يَدْفَعُ أبَدًا حَتّى يَسْتَوِيَ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الدَسْرُ مَقادِمُ السَفِينَةِ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ أيْ تَدْفَعُهُ، والدَسْرُ: الدَفْعُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الدَسْرُ: نَطَقُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: الدَسْرُ: هو عَوارِضُ السَفِينَةِ، وقالَ أيْضًا: أضْلاعُ السَفِينَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في شَرْحِ قِصَّةِ السَفِينَةِ مُسْتَوْعِبًا. وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها كانَتْ كَهَيْئَةِ السُفُنِ اليَوْمَ كَجُؤْجُؤِ الطائِرِ، ووَرَدَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّها كانَتْ مُرَبَّعَةً طَوِيلَةً في السَماءِ واسِعَةَ السُفْلِ ضَيِّقَةَ العُلُوِّ، وكانَ أعْلاها مَفْتُوحًا لِلْهَواءِ والتَنَفُّسِ، قالُوا: لِأنَّ الغَرَضَ مِنها إنَّما كانَتِ السَلامَةُ حَتّى يَنْزِلَ الماءُ، ولَمْ يَكُنْ طَلَبَ الجَرْيِ (p-١٤٤)وَقَصَدَ المَواضِعَ المُعَيَّنَةَ، ومَعَ هَذِهِ الهَيْئَةِ فَلَها مَجْرى ومَرْسى، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَتْ، والجَمِيعُ مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا"، قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: بِحِفْظِنا وكِفايَتِنا وتَحْتَ نَظَرٍ مِنّا لِأهْلِها، فَسَمّى هَذِهِ الأشْياءَ أعْيُنًا تَشْبِيهًا، إذِ الحافِظُ المُتْحَفِي مِنَ البَشَرِ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ الأمْرُ نُصْبَ عَيْنِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن حِفْظِها مِنَ المَلائِكَةِ، سَمّاهم عُيُونًا، وقالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا" يُرِيدُ بِهِ العُيُونَ المُتَفَجِّرَةَ مِنَ الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنّا" مُدْغَمَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كُفِرَ" بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِ الفاءِ، واخْتَلَفُوا في المَعْنى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: يُرادُ بِها اللهُ تَعالى،كَأنَّهُ قالَ: غَضَبًا وانْتِصارًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ: انْتَصَرَ لِنَفْسِهِ فَأنْجى المُؤْمِنِينَ وأغْرَقَ الكافِرِينَ، وقالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: "مِن"، يُرادُ بِها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ والمُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا مِن حَيْثُ كَفَرَ بِهِمْ، فَجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِالنَجاةِ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وعِيسى، وقَتادَةُ: "كَفَرَ" بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ.
والضَمِيرُ في "تَرَكْناها" قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ الفِعْلَةِ والقِصَّةُ، وقالَ قَتادَةُ، والنَقّاشُ، وغَيْرُهُما: هو عائِدٌ عَلى هَذِهِ السَفِينَةِ، قالُوا: وإنَّ اللهَ تَعالى أرْساها عَلى الجُودِيِّ حِينَ تَطاوَلَتِ الجِبالُ وتَواضَعَ هُوَ، وهو جُبَيْلٌ بِالجَزِيرَةِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ "باقِرْدى"، وأبْقى خَشَبَها هُنالِكَ حَتّى رَأتْ بَعْضَهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَ قَتادَةُ: وكَمْ مِن سَفِينَةٍ كانَتْ بَعْدَها صارَتْ رَمادًا.: و"مُدَّكِرٍ" أصْلُهُ "مُذْتَكِرٍ"، أبْدَلُوا مِنَ التاءِ ذالًا لِيُناسِبَ الذالَ في النُطْقِ، ثُمَّ أدْغَمُوا الدالَ في الدالِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الناسِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: رُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وقَرَأ قَتادَةُ: "مُذَّكِرٍ" بِإدْغامِ الثانِي في الأوَّلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَقْرَأ: "واذْكُرْ بَعْدَ أُمَّةٍ"، و"وَما تَذَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ".
(p-١٤٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ تَوْقِيفٌ لِقُرَيْشٍ، و"النُذُرُ" هُنا جَمْعُ "نَذِيرٍ" المَصْدَرُ، بِمَعْنى: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ إنْذارِي لِمَن لَمْ يَحْفَلْ بِهِ كَأنْتُمْ أيُّها القَوْمُ؟
و"يَسَّرْنا القُرْآنَ" مَعْناهُ: سَهَّلْناهُ وقَرَّبْناهُ، و"الذِكْرُ": الحِفْظُ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يَسْتَظْهِرْ مِن كُتُبِ اللهِ سِوى القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُسِّرَ بِما فِيهِ مِن حُسْنِ النَظْمِ وشَرَفِ المَعْنى، فَلَهُ لَوْطَةٌ بِالقُلُوبِ وامْتِزاجٌ بِالعُقُولِ السَلِيمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ اسْتِدْعاءٌ وحَضٌّ عَلى حِفْظِهِ وذِكْرِهِ لِتَكُونَ زَواجِرُهُ وعُلُومُهُ وهِداياتُهُ حاضِرَةً في النَفْسِ، قالَ مُطْرِفٌ: مَعْناهُ: هَلْ مِن طالِبِ عِلْمٍ فَيُعانُ عَلَيْهِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ في أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَسَّرَ الهُدى ولا بُخْلَ مِن قِبَلِهِ، فَلِلَّهِ دَرُّ مَن قَبِلَ واهْتَدى، وتَقَدَّم تَعْلِيلُ: "مُدَّكِرٍ".
القمر 54:18
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ﴿تَنْزِعُ الناسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾
"عادٌ" قَبِيلَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾، مَوْضِعُ "كَيْفَ" نُصِبَ، إمّا عَلى خَبَرِ "كانَ" وإمّا عَلى الحالِ، و"كانَ" بِمَعْنى: وجَدَ ووَقَعَ في هَذا الوَجْهِ، و"نُذُرٍ" جَمْعُ "نَذِيرٍ" وهو المَصْدَرُ، وقَرَأ ورْشٌ وحْدَهُ: "نُذُرِي" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "نُذُرِ" بِغَيْرِ ياءٍ عَلى خَطِّ المُصْحَفِ.
(p-١٤٦)و"الصَرْصَرُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: البارِدَةُ، وهو مِنَ الصَرِّ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: المُصَوِّتَةُ نَحْوُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ، مَأْخُوذٌ مِن: صَرَّتِ الرِيحُ إذا هَبَّتْ دَفْعًا كَأنَّها تَنْطِقُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ: الصادُ والراءُ، وضُوعِفَ الفِعْلُ كَما قالُوا: "كَبْكَبَ وكَفْكَفَ" مِن "كَبَّ وكَفَّ"، وهَذا كَثِيرٌ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في سُكُونِ الحاءِ مَن "نَحْسٍ" وإضافَةِ اليَوْمِ إلَيْهِ إلّا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَنْوِينِ "نَحِسٍ" بِكَسْرِ الحاءِ و"مُسْتَمِرٍّ" مَعْناهُ: مُتَتابِعٌ، قالَ قَتادَةُ: اسْتَمَرَّ بِهِمْ ذَلِكَ النَحْسُ حَتّى بَلَغَهم جَهَنَّمَ، قالَ الضَحّاكُ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: المَعْنى: كانَ مُرًّا عَلَيْهِمْ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ نَحْسٌ مُسْتَمِرٌّ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ، ووَرَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ يَوْمِ الأرْبِعاءِ، فَتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ في ذَلِكَ أنَّهُ مُسْتَصْحَبٌ في الزَمانِ كُلِّهِ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، وإنَّ أبُو بِشْرٍ الدُولابِيُّ ذَكَرَ حَدِيثًا رَواهُ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ عن أبِيهِ عَلَيٍّ عن أبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "آخِرُ أرْبِعاءَ مِنَ الشَهْرِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ"،» ويُوجَدُ نَحْوُ هَذا في كَلامِ الفُرْسِ والأعاجِمِ، وقَدْ وُجِدَ ذِكْرُ الأرْبِعاءِ الَّتِي لا تَدُورُ في بَعْضِ شِعْرِ الخُراسانِيِّينَ المَوْلَّدِينَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ لِعادٍ أنَّهُ كانَ في يَوْمِ أرْبِعاءَ لا تَدُورُ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وقالَ: كانَ القَمَرُ مَنحُوسًا في رَجُلٍ، وهَذِهِ نَزْغَةُ سُوءٍ عِياذًا بِاللهِ تَعالى أنْ تَصِحَّ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِعُ الناسَ﴾ مَعْناهُ: تَنْقُلُهم مِن مَواضِعِهِمْ نَزْعًا فَتَطْرَحُهُمْ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّها كانَتْ تُلْقِي الرَجُلَ عَلى رَأْسِهِ فَيَتَفَتَّتُ رَأْسُهُ وعُنُقُهُ وما يَلِي ذَلِكَ مِن يَدَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَلِذَلِكَ حَسُنَ التَشْبِيهُ بِأعْجازِ النَخْلِ، لِأنَّهم كانُّو يَحْفِرُونَ حُفَرًا لِيَمْتَنِعُوا فِيها مِن (p-١٤٧)الرِيحِ، فَكَأنَّهُ شَبَّهَ الحُفَرَ بَعْدَ النَزْعِ بِحَفْرِ أعْجازِ النَخْلِ، والنَخْلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى هُنا: "مُنْقَعِرٍ"، وفي غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ "خاوِيَةٍ"، والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَأنَّهم أعْجازُ" في مَوْضِعِ الحالِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وما رُوِيَ مِن خَبَرِ الخُلْجانِ وغَيْرِهِ ضَعِيفٌ كُلُّهُ، وفائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ التَخْوِيفُ وهَزُّ الأنْفُسِ. قالَ الرُمّانِيُّ: لَمّا كانَ الإنْذارُ أنْواعًا كَرَّرَ التَذْكِيرَ والتَنْبِيهَ، وفائِدَةُ تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ التَأْكِيدُ والتَحْرِيضُ وتَنْبِيهُ الأنْفُسِ، وهَذا مَوْجُودٌ في تَكْرارِ الكَلامِ، مِثْلُ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟"،» مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ"،» وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا، فَهَذا كُلُّهُ نَحْوٌ واحِدٌ وإنْ تَنَوَّعَ.
و"ثَمُودُ" قَبِيلَةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وهم أهْلُ الحِجْرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أبَشَرًا مِنّا واحِدًا"، ونَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَتَّبِعُهُ، و"واحِدًا" نَعْتٌ لـ "بَشَرًا"، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ"، ورَفْعُهُ إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ، التَقْدِيرُ: أيُنَبَّأُ بَشَرٌ؟ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "نَتَّبِعُهُ"، و"واحِدًا" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ حالٌ، إمّا مِنَ الضَمِيرِ في "نَتَّبِعُهُ" وإمّا عَنِ المُقَدَّرِ مَعَ "مِنّا"، كَأنَّهم يَقُولُونَ: أبَشَرٌ كائِنٌ مِنّا واحِدًا؟ وفي هَذا نَظَرٌ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّ قِراءَةَ أبِي السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، وهَذِهِ المَقالَةُ مِن ثَمُودَ حَسَدٌ مِنهم لِصالِحٍ عَلَيْهِ (p-١٤٨)السَلامُ، واسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ نَوْعُ البَشَرِ يُفَضَّلُ بَعْضُهُ بَعْضًا هَذا الفَضْلَ، فَقالُوا: أنَكُونُ جَمِيعًا ونُتَّبِعُ واحِدًا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ تَعالى يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، ويَفِيضُ نُورُ الهُدى مَن رَضِيَهُ.
وقَوْلُهُمْ: "فِي ضَلالٍ" مَعْناهُ: في أمْرٍ مُتْلِفٍ مُهْلِكٍ بِالإتْلافِ، و"سُعُرٍ" مَعْناهُ: في احْتِراقِ أنْفُسٍ واسْتِعارِها حَنَقًا وهَمًّا بِاتِّباعِهِ، وقِيلَ في "السُعُرِ": العَناءُ، وقِيلَ الجُنُونُ، ومِنهُ قِيلَ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ مَسْعُورَةٌ، إذا كانَتْ تُفْرِطُ في سَيْرِها، ثُمَّ زادُوا بِالتَوْفِيقِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ ؟ و"أُلْقِيَ" بِمَعْنى "أنْزِلَ"، وكَأنَّهُ يَتَضَمَّنُ عَجَلَةً في الفِعْلِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذا الفِعْلَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [المزمل: ٥]، و"الذِكْرُ" هُنا: الرِسالَةُ وما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جاءَهم بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ، و"الأشِرُ" البَطِرُ المَرِحُ، فَكَأنَّهم رَمَوْهُ بِأنَّهُ أشِرٌ فَأرادَ العُلُوَّ عَلَيْهِمْ وأنْ يَقْتادَهم ويَتَمَلَّكَ طاعَتَهُمْ، فَقالَ اللهُ تَعالى لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾، وهَذِهِ بِالياءِ مِن تَحْتٍ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا صالِحُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "غَدًا" تَقْرِيبٌ يُرِيدُ بِهِ الزَمانَ المُسْتَقْبَلَ لا يَوْمًا بِعَيْنِهِ، ونَحْوُ المَثَلِ "مَعَ اليَوْمِ غَدٌ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الأشِرُ" بِكَسْرِ الشِينِ كَحَذِرٍ بِكَسْرِ الذالِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ -فِيما ذُكِرَ عنهُ- "الأشُرُ" بِضَمِّ الشِينِ كَحَذُرٍ بِضَمّ الذالِ، وهُما (p-١٤٩)بِناءانِ مِنَ اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "الأشَرِ" بِفَتْحِ الشِينِ كَأنَّهُ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ، وقَرَأ أبُو قُلابَةَ: "الأشَرِّ" بِفَتْحِ الشِينِ وشَدِّ الراءِ، وهو الأفْعَلُ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا بِالألِفِ واللامِ، وهو كانَ الأصِيلُ لَكِنَّهُ رُفِضَ تَخْفِيفًا وكَثْرَةَ اسْتِعْمالٍ.
القمر 54:19
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ﴿تَنْزِعُ الناسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾
"عادٌ" قَبِيلَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾، مَوْضِعُ "كَيْفَ" نُصِبَ، إمّا عَلى خَبَرِ "كانَ" وإمّا عَلى الحالِ، و"كانَ" بِمَعْنى: وجَدَ ووَقَعَ في هَذا الوَجْهِ، و"نُذُرٍ" جَمْعُ "نَذِيرٍ" وهو المَصْدَرُ، وقَرَأ ورْشٌ وحْدَهُ: "نُذُرِي" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "نُذُرِ" بِغَيْرِ ياءٍ عَلى خَطِّ المُصْحَفِ.
(p-١٤٦)و"الصَرْصَرُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: البارِدَةُ، وهو مِنَ الصَرِّ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: المُصَوِّتَةُ نَحْوُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ، مَأْخُوذٌ مِن: صَرَّتِ الرِيحُ إذا هَبَّتْ دَفْعًا كَأنَّها تَنْطِقُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ: الصادُ والراءُ، وضُوعِفَ الفِعْلُ كَما قالُوا: "كَبْكَبَ وكَفْكَفَ" مِن "كَبَّ وكَفَّ"، وهَذا كَثِيرٌ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في سُكُونِ الحاءِ مَن "نَحْسٍ" وإضافَةِ اليَوْمِ إلَيْهِ إلّا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَنْوِينِ "نَحِسٍ" بِكَسْرِ الحاءِ و"مُسْتَمِرٍّ" مَعْناهُ: مُتَتابِعٌ، قالَ قَتادَةُ: اسْتَمَرَّ بِهِمْ ذَلِكَ النَحْسُ حَتّى بَلَغَهم جَهَنَّمَ، قالَ الضَحّاكُ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: المَعْنى: كانَ مُرًّا عَلَيْهِمْ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ نَحْسٌ مُسْتَمِرٌّ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ، ووَرَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ يَوْمِ الأرْبِعاءِ، فَتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ في ذَلِكَ أنَّهُ مُسْتَصْحَبٌ في الزَمانِ كُلِّهِ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، وإنَّ أبُو بِشْرٍ الدُولابِيُّ ذَكَرَ حَدِيثًا رَواهُ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ عن أبِيهِ عَلَيٍّ عن أبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "آخِرُ أرْبِعاءَ مِنَ الشَهْرِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ"،» ويُوجَدُ نَحْوُ هَذا في كَلامِ الفُرْسِ والأعاجِمِ، وقَدْ وُجِدَ ذِكْرُ الأرْبِعاءِ الَّتِي لا تَدُورُ في بَعْضِ شِعْرِ الخُراسانِيِّينَ المَوْلَّدِينَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ لِعادٍ أنَّهُ كانَ في يَوْمِ أرْبِعاءَ لا تَدُورُ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وقالَ: كانَ القَمَرُ مَنحُوسًا في رَجُلٍ، وهَذِهِ نَزْغَةُ سُوءٍ عِياذًا بِاللهِ تَعالى أنْ تَصِحَّ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِعُ الناسَ﴾ مَعْناهُ: تَنْقُلُهم مِن مَواضِعِهِمْ نَزْعًا فَتَطْرَحُهُمْ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّها كانَتْ تُلْقِي الرَجُلَ عَلى رَأْسِهِ فَيَتَفَتَّتُ رَأْسُهُ وعُنُقُهُ وما يَلِي ذَلِكَ مِن يَدَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَلِذَلِكَ حَسُنَ التَشْبِيهُ بِأعْجازِ النَخْلِ، لِأنَّهم كانُّو يَحْفِرُونَ حُفَرًا لِيَمْتَنِعُوا فِيها مِن (p-١٤٧)الرِيحِ، فَكَأنَّهُ شَبَّهَ الحُفَرَ بَعْدَ النَزْعِ بِحَفْرِ أعْجازِ النَخْلِ، والنَخْلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى هُنا: "مُنْقَعِرٍ"، وفي غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ "خاوِيَةٍ"، والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَأنَّهم أعْجازُ" في مَوْضِعِ الحالِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وما رُوِيَ مِن خَبَرِ الخُلْجانِ وغَيْرِهِ ضَعِيفٌ كُلُّهُ، وفائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ التَخْوِيفُ وهَزُّ الأنْفُسِ. قالَ الرُمّانِيُّ: لَمّا كانَ الإنْذارُ أنْواعًا كَرَّرَ التَذْكِيرَ والتَنْبِيهَ، وفائِدَةُ تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ التَأْكِيدُ والتَحْرِيضُ وتَنْبِيهُ الأنْفُسِ، وهَذا مَوْجُودٌ في تَكْرارِ الكَلامِ، مِثْلُ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟"،» مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ"،» وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا، فَهَذا كُلُّهُ نَحْوٌ واحِدٌ وإنْ تَنَوَّعَ.
و"ثَمُودُ" قَبِيلَةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وهم أهْلُ الحِجْرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أبَشَرًا مِنّا واحِدًا"، ونَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَتَّبِعُهُ، و"واحِدًا" نَعْتٌ لـ "بَشَرًا"، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ"، ورَفْعُهُ إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ، التَقْدِيرُ: أيُنَبَّأُ بَشَرٌ؟ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "نَتَّبِعُهُ"، و"واحِدًا" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ حالٌ، إمّا مِنَ الضَمِيرِ في "نَتَّبِعُهُ" وإمّا عَنِ المُقَدَّرِ مَعَ "مِنّا"، كَأنَّهم يَقُولُونَ: أبَشَرٌ كائِنٌ مِنّا واحِدًا؟ وفي هَذا نَظَرٌ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّ قِراءَةَ أبِي السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، وهَذِهِ المَقالَةُ مِن ثَمُودَ حَسَدٌ مِنهم لِصالِحٍ عَلَيْهِ (p-١٤٨)السَلامُ، واسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ نَوْعُ البَشَرِ يُفَضَّلُ بَعْضُهُ بَعْضًا هَذا الفَضْلَ، فَقالُوا: أنَكُونُ جَمِيعًا ونُتَّبِعُ واحِدًا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ تَعالى يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، ويَفِيضُ نُورُ الهُدى مَن رَضِيَهُ.
وقَوْلُهُمْ: "فِي ضَلالٍ" مَعْناهُ: في أمْرٍ مُتْلِفٍ مُهْلِكٍ بِالإتْلافِ، و"سُعُرٍ" مَعْناهُ: في احْتِراقِ أنْفُسٍ واسْتِعارِها حَنَقًا وهَمًّا بِاتِّباعِهِ، وقِيلَ في "السُعُرِ": العَناءُ، وقِيلَ الجُنُونُ، ومِنهُ قِيلَ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ مَسْعُورَةٌ، إذا كانَتْ تُفْرِطُ في سَيْرِها، ثُمَّ زادُوا بِالتَوْفِيقِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ ؟ و"أُلْقِيَ" بِمَعْنى "أنْزِلَ"، وكَأنَّهُ يَتَضَمَّنُ عَجَلَةً في الفِعْلِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذا الفِعْلَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [المزمل: ٥]، و"الذِكْرُ" هُنا: الرِسالَةُ وما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جاءَهم بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ، و"الأشِرُ" البَطِرُ المَرِحُ، فَكَأنَّهم رَمَوْهُ بِأنَّهُ أشِرٌ فَأرادَ العُلُوَّ عَلَيْهِمْ وأنْ يَقْتادَهم ويَتَمَلَّكَ طاعَتَهُمْ، فَقالَ اللهُ تَعالى لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾، وهَذِهِ بِالياءِ مِن تَحْتٍ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا صالِحُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "غَدًا" تَقْرِيبٌ يُرِيدُ بِهِ الزَمانَ المُسْتَقْبَلَ لا يَوْمًا بِعَيْنِهِ، ونَحْوُ المَثَلِ "مَعَ اليَوْمِ غَدٌ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الأشِرُ" بِكَسْرِ الشِينِ كَحَذِرٍ بِكَسْرِ الذالِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ -فِيما ذُكِرَ عنهُ- "الأشُرُ" بِضَمِّ الشِينِ كَحَذُرٍ بِضَمّ الذالِ، وهُما (p-١٤٩)بِناءانِ مِنَ اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "الأشَرِ" بِفَتْحِ الشِينِ كَأنَّهُ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ، وقَرَأ أبُو قُلابَةَ: "الأشَرِّ" بِفَتْحِ الشِينِ وشَدِّ الراءِ، وهو الأفْعَلُ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا بِالألِفِ واللامِ، وهو كانَ الأصِيلُ لَكِنَّهُ رُفِضَ تَخْفِيفًا وكَثْرَةَ اسْتِعْمالٍ.
القمر 54:20
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ﴿تَنْزِعُ الناسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾
"عادٌ" قَبِيلَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾، مَوْضِعُ "كَيْفَ" نُصِبَ، إمّا عَلى خَبَرِ "كانَ" وإمّا عَلى الحالِ، و"كانَ" بِمَعْنى: وجَدَ ووَقَعَ في هَذا الوَجْهِ، و"نُذُرٍ" جَمْعُ "نَذِيرٍ" وهو المَصْدَرُ، وقَرَأ ورْشٌ وحْدَهُ: "نُذُرِي" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "نُذُرِ" بِغَيْرِ ياءٍ عَلى خَطِّ المُصْحَفِ.
(p-١٤٦)و"الصَرْصَرُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: البارِدَةُ، وهو مِنَ الصَرِّ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: المُصَوِّتَةُ نَحْوُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ، مَأْخُوذٌ مِن: صَرَّتِ الرِيحُ إذا هَبَّتْ دَفْعًا كَأنَّها تَنْطِقُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ: الصادُ والراءُ، وضُوعِفَ الفِعْلُ كَما قالُوا: "كَبْكَبَ وكَفْكَفَ" مِن "كَبَّ وكَفَّ"، وهَذا كَثِيرٌ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في سُكُونِ الحاءِ مَن "نَحْسٍ" وإضافَةِ اليَوْمِ إلَيْهِ إلّا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَنْوِينِ "نَحِسٍ" بِكَسْرِ الحاءِ و"مُسْتَمِرٍّ" مَعْناهُ: مُتَتابِعٌ، قالَ قَتادَةُ: اسْتَمَرَّ بِهِمْ ذَلِكَ النَحْسُ حَتّى بَلَغَهم جَهَنَّمَ، قالَ الضَحّاكُ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: المَعْنى: كانَ مُرًّا عَلَيْهِمْ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ نَحْسٌ مُسْتَمِرٌّ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ، ووَرَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ يَوْمِ الأرْبِعاءِ، فَتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ في ذَلِكَ أنَّهُ مُسْتَصْحَبٌ في الزَمانِ كُلِّهِ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، وإنَّ أبُو بِشْرٍ الدُولابِيُّ ذَكَرَ حَدِيثًا رَواهُ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ عن أبِيهِ عَلَيٍّ عن أبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "آخِرُ أرْبِعاءَ مِنَ الشَهْرِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ"،» ويُوجَدُ نَحْوُ هَذا في كَلامِ الفُرْسِ والأعاجِمِ، وقَدْ وُجِدَ ذِكْرُ الأرْبِعاءِ الَّتِي لا تَدُورُ في بَعْضِ شِعْرِ الخُراسانِيِّينَ المَوْلَّدِينَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ لِعادٍ أنَّهُ كانَ في يَوْمِ أرْبِعاءَ لا تَدُورُ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وقالَ: كانَ القَمَرُ مَنحُوسًا في رَجُلٍ، وهَذِهِ نَزْغَةُ سُوءٍ عِياذًا بِاللهِ تَعالى أنْ تَصِحَّ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِعُ الناسَ﴾ مَعْناهُ: تَنْقُلُهم مِن مَواضِعِهِمْ نَزْعًا فَتَطْرَحُهُمْ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّها كانَتْ تُلْقِي الرَجُلَ عَلى رَأْسِهِ فَيَتَفَتَّتُ رَأْسُهُ وعُنُقُهُ وما يَلِي ذَلِكَ مِن يَدَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَلِذَلِكَ حَسُنَ التَشْبِيهُ بِأعْجازِ النَخْلِ، لِأنَّهم كانُّو يَحْفِرُونَ حُفَرًا لِيَمْتَنِعُوا فِيها مِن (p-١٤٧)الرِيحِ، فَكَأنَّهُ شَبَّهَ الحُفَرَ بَعْدَ النَزْعِ بِحَفْرِ أعْجازِ النَخْلِ، والنَخْلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى هُنا: "مُنْقَعِرٍ"، وفي غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ "خاوِيَةٍ"، والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَأنَّهم أعْجازُ" في مَوْضِعِ الحالِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وما رُوِيَ مِن خَبَرِ الخُلْجانِ وغَيْرِهِ ضَعِيفٌ كُلُّهُ، وفائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ التَخْوِيفُ وهَزُّ الأنْفُسِ. قالَ الرُمّانِيُّ: لَمّا كانَ الإنْذارُ أنْواعًا كَرَّرَ التَذْكِيرَ والتَنْبِيهَ، وفائِدَةُ تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ التَأْكِيدُ والتَحْرِيضُ وتَنْبِيهُ الأنْفُسِ، وهَذا مَوْجُودٌ في تَكْرارِ الكَلامِ، مِثْلُ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟"،» مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ"،» وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا، فَهَذا كُلُّهُ نَحْوٌ واحِدٌ وإنْ تَنَوَّعَ.
و"ثَمُودُ" قَبِيلَةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وهم أهْلُ الحِجْرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أبَشَرًا مِنّا واحِدًا"، ونَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَتَّبِعُهُ، و"واحِدًا" نَعْتٌ لـ "بَشَرًا"، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ"، ورَفْعُهُ إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ، التَقْدِيرُ: أيُنَبَّأُ بَشَرٌ؟ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "نَتَّبِعُهُ"، و"واحِدًا" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ حالٌ، إمّا مِنَ الضَمِيرِ في "نَتَّبِعُهُ" وإمّا عَنِ المُقَدَّرِ مَعَ "مِنّا"، كَأنَّهم يَقُولُونَ: أبَشَرٌ كائِنٌ مِنّا واحِدًا؟ وفي هَذا نَظَرٌ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّ قِراءَةَ أبِي السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، وهَذِهِ المَقالَةُ مِن ثَمُودَ حَسَدٌ مِنهم لِصالِحٍ عَلَيْهِ (p-١٤٨)السَلامُ، واسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ نَوْعُ البَشَرِ يُفَضَّلُ بَعْضُهُ بَعْضًا هَذا الفَضْلَ، فَقالُوا: أنَكُونُ جَمِيعًا ونُتَّبِعُ واحِدًا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ تَعالى يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، ويَفِيضُ نُورُ الهُدى مَن رَضِيَهُ.
وقَوْلُهُمْ: "فِي ضَلالٍ" مَعْناهُ: في أمْرٍ مُتْلِفٍ مُهْلِكٍ بِالإتْلافِ، و"سُعُرٍ" مَعْناهُ: في احْتِراقِ أنْفُسٍ واسْتِعارِها حَنَقًا وهَمًّا بِاتِّباعِهِ، وقِيلَ في "السُعُرِ": العَناءُ، وقِيلَ الجُنُونُ، ومِنهُ قِيلَ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ مَسْعُورَةٌ، إذا كانَتْ تُفْرِطُ في سَيْرِها، ثُمَّ زادُوا بِالتَوْفِيقِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ ؟ و"أُلْقِيَ" بِمَعْنى "أنْزِلَ"، وكَأنَّهُ يَتَضَمَّنُ عَجَلَةً في الفِعْلِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذا الفِعْلَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [المزمل: ٥]، و"الذِكْرُ" هُنا: الرِسالَةُ وما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جاءَهم بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ، و"الأشِرُ" البَطِرُ المَرِحُ، فَكَأنَّهم رَمَوْهُ بِأنَّهُ أشِرٌ فَأرادَ العُلُوَّ عَلَيْهِمْ وأنْ يَقْتادَهم ويَتَمَلَّكَ طاعَتَهُمْ، فَقالَ اللهُ تَعالى لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾، وهَذِهِ بِالياءِ مِن تَحْتٍ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا صالِحُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "غَدًا" تَقْرِيبٌ يُرِيدُ بِهِ الزَمانَ المُسْتَقْبَلَ لا يَوْمًا بِعَيْنِهِ، ونَحْوُ المَثَلِ "مَعَ اليَوْمِ غَدٌ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الأشِرُ" بِكَسْرِ الشِينِ كَحَذِرٍ بِكَسْرِ الذالِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ -فِيما ذُكِرَ عنهُ- "الأشُرُ" بِضَمِّ الشِينِ كَحَذُرٍ بِضَمّ الذالِ، وهُما (p-١٤٩)بِناءانِ مِنَ اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "الأشَرِ" بِفَتْحِ الشِينِ كَأنَّهُ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ، وقَرَأ أبُو قُلابَةَ: "الأشَرِّ" بِفَتْحِ الشِينِ وشَدِّ الراءِ، وهو الأفْعَلُ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا بِالألِفِ واللامِ، وهو كانَ الأصِيلُ لَكِنَّهُ رُفِضَ تَخْفِيفًا وكَثْرَةَ اسْتِعْمالٍ.
القمر 54:21
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ﴿تَنْزِعُ الناسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾
"عادٌ" قَبِيلَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾، مَوْضِعُ "كَيْفَ" نُصِبَ، إمّا عَلى خَبَرِ "كانَ" وإمّا عَلى الحالِ، و"كانَ" بِمَعْنى: وجَدَ ووَقَعَ في هَذا الوَجْهِ، و"نُذُرٍ" جَمْعُ "نَذِيرٍ" وهو المَصْدَرُ، وقَرَأ ورْشٌ وحْدَهُ: "نُذُرِي" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "نُذُرِ" بِغَيْرِ ياءٍ عَلى خَطِّ المُصْحَفِ.
(p-١٤٦)و"الصَرْصَرُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: البارِدَةُ، وهو مِنَ الصَرِّ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: المُصَوِّتَةُ نَحْوُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ، مَأْخُوذٌ مِن: صَرَّتِ الرِيحُ إذا هَبَّتْ دَفْعًا كَأنَّها تَنْطِقُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ: الصادُ والراءُ، وضُوعِفَ الفِعْلُ كَما قالُوا: "كَبْكَبَ وكَفْكَفَ" مِن "كَبَّ وكَفَّ"، وهَذا كَثِيرٌ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في سُكُونِ الحاءِ مَن "نَحْسٍ" وإضافَةِ اليَوْمِ إلَيْهِ إلّا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَنْوِينِ "نَحِسٍ" بِكَسْرِ الحاءِ و"مُسْتَمِرٍّ" مَعْناهُ: مُتَتابِعٌ، قالَ قَتادَةُ: اسْتَمَرَّ بِهِمْ ذَلِكَ النَحْسُ حَتّى بَلَغَهم جَهَنَّمَ، قالَ الضَحّاكُ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: المَعْنى: كانَ مُرًّا عَلَيْهِمْ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ نَحْسٌ مُسْتَمِرٌّ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ، ووَرَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ يَوْمِ الأرْبِعاءِ، فَتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ في ذَلِكَ أنَّهُ مُسْتَصْحَبٌ في الزَمانِ كُلِّهِ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، وإنَّ أبُو بِشْرٍ الدُولابِيُّ ذَكَرَ حَدِيثًا رَواهُ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ عن أبِيهِ عَلَيٍّ عن أبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "آخِرُ أرْبِعاءَ مِنَ الشَهْرِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ"،» ويُوجَدُ نَحْوُ هَذا في كَلامِ الفُرْسِ والأعاجِمِ، وقَدْ وُجِدَ ذِكْرُ الأرْبِعاءِ الَّتِي لا تَدُورُ في بَعْضِ شِعْرِ الخُراسانِيِّينَ المَوْلَّدِينَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ لِعادٍ أنَّهُ كانَ في يَوْمِ أرْبِعاءَ لا تَدُورُ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وقالَ: كانَ القَمَرُ مَنحُوسًا في رَجُلٍ، وهَذِهِ نَزْغَةُ سُوءٍ عِياذًا بِاللهِ تَعالى أنْ تَصِحَّ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِعُ الناسَ﴾ مَعْناهُ: تَنْقُلُهم مِن مَواضِعِهِمْ نَزْعًا فَتَطْرَحُهُمْ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّها كانَتْ تُلْقِي الرَجُلَ عَلى رَأْسِهِ فَيَتَفَتَّتُ رَأْسُهُ وعُنُقُهُ وما يَلِي ذَلِكَ مِن يَدَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَلِذَلِكَ حَسُنَ التَشْبِيهُ بِأعْجازِ النَخْلِ، لِأنَّهم كانُّو يَحْفِرُونَ حُفَرًا لِيَمْتَنِعُوا فِيها مِن (p-١٤٧)الرِيحِ، فَكَأنَّهُ شَبَّهَ الحُفَرَ بَعْدَ النَزْعِ بِحَفْرِ أعْجازِ النَخْلِ، والنَخْلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى هُنا: "مُنْقَعِرٍ"، وفي غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ "خاوِيَةٍ"، والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَأنَّهم أعْجازُ" في مَوْضِعِ الحالِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وما رُوِيَ مِن خَبَرِ الخُلْجانِ وغَيْرِهِ ضَعِيفٌ كُلُّهُ، وفائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ التَخْوِيفُ وهَزُّ الأنْفُسِ. قالَ الرُمّانِيُّ: لَمّا كانَ الإنْذارُ أنْواعًا كَرَّرَ التَذْكِيرَ والتَنْبِيهَ، وفائِدَةُ تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ التَأْكِيدُ والتَحْرِيضُ وتَنْبِيهُ الأنْفُسِ، وهَذا مَوْجُودٌ في تَكْرارِ الكَلامِ، مِثْلُ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟"،» مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ"،» وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا، فَهَذا كُلُّهُ نَحْوٌ واحِدٌ وإنْ تَنَوَّعَ.
و"ثَمُودُ" قَبِيلَةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وهم أهْلُ الحِجْرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أبَشَرًا مِنّا واحِدًا"، ونَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَتَّبِعُهُ، و"واحِدًا" نَعْتٌ لـ "بَشَرًا"، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ"، ورَفْعُهُ إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ، التَقْدِيرُ: أيُنَبَّأُ بَشَرٌ؟ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "نَتَّبِعُهُ"، و"واحِدًا" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ حالٌ، إمّا مِنَ الضَمِيرِ في "نَتَّبِعُهُ" وإمّا عَنِ المُقَدَّرِ مَعَ "مِنّا"، كَأنَّهم يَقُولُونَ: أبَشَرٌ كائِنٌ مِنّا واحِدًا؟ وفي هَذا نَظَرٌ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّ قِراءَةَ أبِي السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، وهَذِهِ المَقالَةُ مِن ثَمُودَ حَسَدٌ مِنهم لِصالِحٍ عَلَيْهِ (p-١٤٨)السَلامُ، واسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ نَوْعُ البَشَرِ يُفَضَّلُ بَعْضُهُ بَعْضًا هَذا الفَضْلَ، فَقالُوا: أنَكُونُ جَمِيعًا ونُتَّبِعُ واحِدًا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ تَعالى يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، ويَفِيضُ نُورُ الهُدى مَن رَضِيَهُ.
وقَوْلُهُمْ: "فِي ضَلالٍ" مَعْناهُ: في أمْرٍ مُتْلِفٍ مُهْلِكٍ بِالإتْلافِ، و"سُعُرٍ" مَعْناهُ: في احْتِراقِ أنْفُسٍ واسْتِعارِها حَنَقًا وهَمًّا بِاتِّباعِهِ، وقِيلَ في "السُعُرِ": العَناءُ، وقِيلَ الجُنُونُ، ومِنهُ قِيلَ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ مَسْعُورَةٌ، إذا كانَتْ تُفْرِطُ في سَيْرِها، ثُمَّ زادُوا بِالتَوْفِيقِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ ؟ و"أُلْقِيَ" بِمَعْنى "أنْزِلَ"، وكَأنَّهُ يَتَضَمَّنُ عَجَلَةً في الفِعْلِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذا الفِعْلَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [المزمل: ٥]، و"الذِكْرُ" هُنا: الرِسالَةُ وما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جاءَهم بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ، و"الأشِرُ" البَطِرُ المَرِحُ، فَكَأنَّهم رَمَوْهُ بِأنَّهُ أشِرٌ فَأرادَ العُلُوَّ عَلَيْهِمْ وأنْ يَقْتادَهم ويَتَمَلَّكَ طاعَتَهُمْ، فَقالَ اللهُ تَعالى لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾، وهَذِهِ بِالياءِ مِن تَحْتٍ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا صالِحُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "غَدًا" تَقْرِيبٌ يُرِيدُ بِهِ الزَمانَ المُسْتَقْبَلَ لا يَوْمًا بِعَيْنِهِ، ونَحْوُ المَثَلِ "مَعَ اليَوْمِ غَدٌ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الأشِرُ" بِكَسْرِ الشِينِ كَحَذِرٍ بِكَسْرِ الذالِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ -فِيما ذُكِرَ عنهُ- "الأشُرُ" بِضَمِّ الشِينِ كَحَذُرٍ بِضَمّ الذالِ، وهُما (p-١٤٩)بِناءانِ مِنَ اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "الأشَرِ" بِفَتْحِ الشِينِ كَأنَّهُ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ، وقَرَأ أبُو قُلابَةَ: "الأشَرِّ" بِفَتْحِ الشِينِ وشَدِّ الراءِ، وهو الأفْعَلُ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا بِالألِفِ واللامِ، وهو كانَ الأصِيلُ لَكِنَّهُ رُفِضَ تَخْفِيفًا وكَثْرَةَ اسْتِعْمالٍ.
القمر 54:22
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ﴿تَنْزِعُ الناسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾
"عادٌ" قَبِيلَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾، مَوْضِعُ "كَيْفَ" نُصِبَ، إمّا عَلى خَبَرِ "كانَ" وإمّا عَلى الحالِ، و"كانَ" بِمَعْنى: وجَدَ ووَقَعَ في هَذا الوَجْهِ، و"نُذُرٍ" جَمْعُ "نَذِيرٍ" وهو المَصْدَرُ، وقَرَأ ورْشٌ وحْدَهُ: "نُذُرِي" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "نُذُرِ" بِغَيْرِ ياءٍ عَلى خَطِّ المُصْحَفِ.
(p-١٤٦)و"الصَرْصَرُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: البارِدَةُ، وهو مِنَ الصَرِّ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: المُصَوِّتَةُ نَحْوُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ، مَأْخُوذٌ مِن: صَرَّتِ الرِيحُ إذا هَبَّتْ دَفْعًا كَأنَّها تَنْطِقُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ: الصادُ والراءُ، وضُوعِفَ الفِعْلُ كَما قالُوا: "كَبْكَبَ وكَفْكَفَ" مِن "كَبَّ وكَفَّ"، وهَذا كَثِيرٌ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في سُكُونِ الحاءِ مَن "نَحْسٍ" وإضافَةِ اليَوْمِ إلَيْهِ إلّا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَنْوِينِ "نَحِسٍ" بِكَسْرِ الحاءِ و"مُسْتَمِرٍّ" مَعْناهُ: مُتَتابِعٌ، قالَ قَتادَةُ: اسْتَمَرَّ بِهِمْ ذَلِكَ النَحْسُ حَتّى بَلَغَهم جَهَنَّمَ، قالَ الضَحّاكُ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: المَعْنى: كانَ مُرًّا عَلَيْهِمْ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ نَحْسٌ مُسْتَمِرٌّ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ، ووَرَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ يَوْمِ الأرْبِعاءِ، فَتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ في ذَلِكَ أنَّهُ مُسْتَصْحَبٌ في الزَمانِ كُلِّهِ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، وإنَّ أبُو بِشْرٍ الدُولابِيُّ ذَكَرَ حَدِيثًا رَواهُ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ عن أبِيهِ عَلَيٍّ عن أبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "آخِرُ أرْبِعاءَ مِنَ الشَهْرِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ"،» ويُوجَدُ نَحْوُ هَذا في كَلامِ الفُرْسِ والأعاجِمِ، وقَدْ وُجِدَ ذِكْرُ الأرْبِعاءِ الَّتِي لا تَدُورُ في بَعْضِ شِعْرِ الخُراسانِيِّينَ المَوْلَّدِينَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ لِعادٍ أنَّهُ كانَ في يَوْمِ أرْبِعاءَ لا تَدُورُ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وقالَ: كانَ القَمَرُ مَنحُوسًا في رَجُلٍ، وهَذِهِ نَزْغَةُ سُوءٍ عِياذًا بِاللهِ تَعالى أنْ تَصِحَّ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِعُ الناسَ﴾ مَعْناهُ: تَنْقُلُهم مِن مَواضِعِهِمْ نَزْعًا فَتَطْرَحُهُمْ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّها كانَتْ تُلْقِي الرَجُلَ عَلى رَأْسِهِ فَيَتَفَتَّتُ رَأْسُهُ وعُنُقُهُ وما يَلِي ذَلِكَ مِن يَدَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَلِذَلِكَ حَسُنَ التَشْبِيهُ بِأعْجازِ النَخْلِ، لِأنَّهم كانُّو يَحْفِرُونَ حُفَرًا لِيَمْتَنِعُوا فِيها مِن (p-١٤٧)الرِيحِ، فَكَأنَّهُ شَبَّهَ الحُفَرَ بَعْدَ النَزْعِ بِحَفْرِ أعْجازِ النَخْلِ، والنَخْلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى هُنا: "مُنْقَعِرٍ"، وفي غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ "خاوِيَةٍ"، والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَأنَّهم أعْجازُ" في مَوْضِعِ الحالِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وما رُوِيَ مِن خَبَرِ الخُلْجانِ وغَيْرِهِ ضَعِيفٌ كُلُّهُ، وفائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ التَخْوِيفُ وهَزُّ الأنْفُسِ. قالَ الرُمّانِيُّ: لَمّا كانَ الإنْذارُ أنْواعًا كَرَّرَ التَذْكِيرَ والتَنْبِيهَ، وفائِدَةُ تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ التَأْكِيدُ والتَحْرِيضُ وتَنْبِيهُ الأنْفُسِ، وهَذا مَوْجُودٌ في تَكْرارِ الكَلامِ، مِثْلُ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟"،» مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ"،» وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا، فَهَذا كُلُّهُ نَحْوٌ واحِدٌ وإنْ تَنَوَّعَ.
و"ثَمُودُ" قَبِيلَةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وهم أهْلُ الحِجْرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أبَشَرًا مِنّا واحِدًا"، ونَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَتَّبِعُهُ، و"واحِدًا" نَعْتٌ لـ "بَشَرًا"، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ"، ورَفْعُهُ إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ، التَقْدِيرُ: أيُنَبَّأُ بَشَرٌ؟ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "نَتَّبِعُهُ"، و"واحِدًا" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ حالٌ، إمّا مِنَ الضَمِيرِ في "نَتَّبِعُهُ" وإمّا عَنِ المُقَدَّرِ مَعَ "مِنّا"، كَأنَّهم يَقُولُونَ: أبَشَرٌ كائِنٌ مِنّا واحِدًا؟ وفي هَذا نَظَرٌ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّ قِراءَةَ أبِي السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، وهَذِهِ المَقالَةُ مِن ثَمُودَ حَسَدٌ مِنهم لِصالِحٍ عَلَيْهِ (p-١٤٨)السَلامُ، واسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ نَوْعُ البَشَرِ يُفَضَّلُ بَعْضُهُ بَعْضًا هَذا الفَضْلَ، فَقالُوا: أنَكُونُ جَمِيعًا ونُتَّبِعُ واحِدًا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ تَعالى يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، ويَفِيضُ نُورُ الهُدى مَن رَضِيَهُ.
وقَوْلُهُمْ: "فِي ضَلالٍ" مَعْناهُ: في أمْرٍ مُتْلِفٍ مُهْلِكٍ بِالإتْلافِ، و"سُعُرٍ" مَعْناهُ: في احْتِراقِ أنْفُسٍ واسْتِعارِها حَنَقًا وهَمًّا بِاتِّباعِهِ، وقِيلَ في "السُعُرِ": العَناءُ، وقِيلَ الجُنُونُ، ومِنهُ قِيلَ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ مَسْعُورَةٌ، إذا كانَتْ تُفْرِطُ في سَيْرِها، ثُمَّ زادُوا بِالتَوْفِيقِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ ؟ و"أُلْقِيَ" بِمَعْنى "أنْزِلَ"، وكَأنَّهُ يَتَضَمَّنُ عَجَلَةً في الفِعْلِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذا الفِعْلَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [المزمل: ٥]، و"الذِكْرُ" هُنا: الرِسالَةُ وما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جاءَهم بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ، و"الأشِرُ" البَطِرُ المَرِحُ، فَكَأنَّهم رَمَوْهُ بِأنَّهُ أشِرٌ فَأرادَ العُلُوَّ عَلَيْهِمْ وأنْ يَقْتادَهم ويَتَمَلَّكَ طاعَتَهُمْ، فَقالَ اللهُ تَعالى لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾، وهَذِهِ بِالياءِ مِن تَحْتٍ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا صالِحُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "غَدًا" تَقْرِيبٌ يُرِيدُ بِهِ الزَمانَ المُسْتَقْبَلَ لا يَوْمًا بِعَيْنِهِ، ونَحْوُ المَثَلِ "مَعَ اليَوْمِ غَدٌ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الأشِرُ" بِكَسْرِ الشِينِ كَحَذِرٍ بِكَسْرِ الذالِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ -فِيما ذُكِرَ عنهُ- "الأشُرُ" بِضَمِّ الشِينِ كَحَذُرٍ بِضَمّ الذالِ، وهُما (p-١٤٩)بِناءانِ مِنَ اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "الأشَرِ" بِفَتْحِ الشِينِ كَأنَّهُ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ، وقَرَأ أبُو قُلابَةَ: "الأشَرِّ" بِفَتْحِ الشِينِ وشَدِّ الراءِ، وهو الأفْعَلُ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا بِالألِفِ واللامِ، وهو كانَ الأصِيلُ لَكِنَّهُ رُفِضَ تَخْفِيفًا وكَثْرَةَ اسْتِعْمالٍ.
القمر 54:23
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ﴿تَنْزِعُ الناسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾
"عادٌ" قَبِيلَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾، مَوْضِعُ "كَيْفَ" نُصِبَ، إمّا عَلى خَبَرِ "كانَ" وإمّا عَلى الحالِ، و"كانَ" بِمَعْنى: وجَدَ ووَقَعَ في هَذا الوَجْهِ، و"نُذُرٍ" جَمْعُ "نَذِيرٍ" وهو المَصْدَرُ، وقَرَأ ورْشٌ وحْدَهُ: "نُذُرِي" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "نُذُرِ" بِغَيْرِ ياءٍ عَلى خَطِّ المُصْحَفِ.
(p-١٤٦)و"الصَرْصَرُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: البارِدَةُ، وهو مِنَ الصَرِّ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: المُصَوِّتَةُ نَحْوُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ، مَأْخُوذٌ مِن: صَرَّتِ الرِيحُ إذا هَبَّتْ دَفْعًا كَأنَّها تَنْطِقُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ: الصادُ والراءُ، وضُوعِفَ الفِعْلُ كَما قالُوا: "كَبْكَبَ وكَفْكَفَ" مِن "كَبَّ وكَفَّ"، وهَذا كَثِيرٌ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في سُكُونِ الحاءِ مَن "نَحْسٍ" وإضافَةِ اليَوْمِ إلَيْهِ إلّا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَنْوِينِ "نَحِسٍ" بِكَسْرِ الحاءِ و"مُسْتَمِرٍّ" مَعْناهُ: مُتَتابِعٌ، قالَ قَتادَةُ: اسْتَمَرَّ بِهِمْ ذَلِكَ النَحْسُ حَتّى بَلَغَهم جَهَنَّمَ، قالَ الضَحّاكُ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: المَعْنى: كانَ مُرًّا عَلَيْهِمْ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ نَحْسٌ مُسْتَمِرٌّ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ، ووَرَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ يَوْمِ الأرْبِعاءِ، فَتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ في ذَلِكَ أنَّهُ مُسْتَصْحَبٌ في الزَمانِ كُلِّهِ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، وإنَّ أبُو بِشْرٍ الدُولابِيُّ ذَكَرَ حَدِيثًا رَواهُ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ عن أبِيهِ عَلَيٍّ عن أبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "آخِرُ أرْبِعاءَ مِنَ الشَهْرِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ"،» ويُوجَدُ نَحْوُ هَذا في كَلامِ الفُرْسِ والأعاجِمِ، وقَدْ وُجِدَ ذِكْرُ الأرْبِعاءِ الَّتِي لا تَدُورُ في بَعْضِ شِعْرِ الخُراسانِيِّينَ المَوْلَّدِينَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ لِعادٍ أنَّهُ كانَ في يَوْمِ أرْبِعاءَ لا تَدُورُ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وقالَ: كانَ القَمَرُ مَنحُوسًا في رَجُلٍ، وهَذِهِ نَزْغَةُ سُوءٍ عِياذًا بِاللهِ تَعالى أنْ تَصِحَّ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِعُ الناسَ﴾ مَعْناهُ: تَنْقُلُهم مِن مَواضِعِهِمْ نَزْعًا فَتَطْرَحُهُمْ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّها كانَتْ تُلْقِي الرَجُلَ عَلى رَأْسِهِ فَيَتَفَتَّتُ رَأْسُهُ وعُنُقُهُ وما يَلِي ذَلِكَ مِن يَدَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَلِذَلِكَ حَسُنَ التَشْبِيهُ بِأعْجازِ النَخْلِ، لِأنَّهم كانُّو يَحْفِرُونَ حُفَرًا لِيَمْتَنِعُوا فِيها مِن (p-١٤٧)الرِيحِ، فَكَأنَّهُ شَبَّهَ الحُفَرَ بَعْدَ النَزْعِ بِحَفْرِ أعْجازِ النَخْلِ، والنَخْلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى هُنا: "مُنْقَعِرٍ"، وفي غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ "خاوِيَةٍ"، والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَأنَّهم أعْجازُ" في مَوْضِعِ الحالِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وما رُوِيَ مِن خَبَرِ الخُلْجانِ وغَيْرِهِ ضَعِيفٌ كُلُّهُ، وفائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ التَخْوِيفُ وهَزُّ الأنْفُسِ. قالَ الرُمّانِيُّ: لَمّا كانَ الإنْذارُ أنْواعًا كَرَّرَ التَذْكِيرَ والتَنْبِيهَ، وفائِدَةُ تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ التَأْكِيدُ والتَحْرِيضُ وتَنْبِيهُ الأنْفُسِ، وهَذا مَوْجُودٌ في تَكْرارِ الكَلامِ، مِثْلُ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟"،» مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ"،» وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا، فَهَذا كُلُّهُ نَحْوٌ واحِدٌ وإنْ تَنَوَّعَ.
و"ثَمُودُ" قَبِيلَةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وهم أهْلُ الحِجْرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أبَشَرًا مِنّا واحِدًا"، ونَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَتَّبِعُهُ، و"واحِدًا" نَعْتٌ لـ "بَشَرًا"، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ"، ورَفْعُهُ إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ، التَقْدِيرُ: أيُنَبَّأُ بَشَرٌ؟ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "نَتَّبِعُهُ"، و"واحِدًا" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ حالٌ، إمّا مِنَ الضَمِيرِ في "نَتَّبِعُهُ" وإمّا عَنِ المُقَدَّرِ مَعَ "مِنّا"، كَأنَّهم يَقُولُونَ: أبَشَرٌ كائِنٌ مِنّا واحِدًا؟ وفي هَذا نَظَرٌ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّ قِراءَةَ أبِي السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، وهَذِهِ المَقالَةُ مِن ثَمُودَ حَسَدٌ مِنهم لِصالِحٍ عَلَيْهِ (p-١٤٨)السَلامُ، واسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ نَوْعُ البَشَرِ يُفَضَّلُ بَعْضُهُ بَعْضًا هَذا الفَضْلَ، فَقالُوا: أنَكُونُ جَمِيعًا ونُتَّبِعُ واحِدًا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ تَعالى يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، ويَفِيضُ نُورُ الهُدى مَن رَضِيَهُ.
وقَوْلُهُمْ: "فِي ضَلالٍ" مَعْناهُ: في أمْرٍ مُتْلِفٍ مُهْلِكٍ بِالإتْلافِ، و"سُعُرٍ" مَعْناهُ: في احْتِراقِ أنْفُسٍ واسْتِعارِها حَنَقًا وهَمًّا بِاتِّباعِهِ، وقِيلَ في "السُعُرِ": العَناءُ، وقِيلَ الجُنُونُ، ومِنهُ قِيلَ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ مَسْعُورَةٌ، إذا كانَتْ تُفْرِطُ في سَيْرِها، ثُمَّ زادُوا بِالتَوْفِيقِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ ؟ و"أُلْقِيَ" بِمَعْنى "أنْزِلَ"، وكَأنَّهُ يَتَضَمَّنُ عَجَلَةً في الفِعْلِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذا الفِعْلَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [المزمل: ٥]، و"الذِكْرُ" هُنا: الرِسالَةُ وما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جاءَهم بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ، و"الأشِرُ" البَطِرُ المَرِحُ، فَكَأنَّهم رَمَوْهُ بِأنَّهُ أشِرٌ فَأرادَ العُلُوَّ عَلَيْهِمْ وأنْ يَقْتادَهم ويَتَمَلَّكَ طاعَتَهُمْ، فَقالَ اللهُ تَعالى لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾، وهَذِهِ بِالياءِ مِن تَحْتٍ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا صالِحُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "غَدًا" تَقْرِيبٌ يُرِيدُ بِهِ الزَمانَ المُسْتَقْبَلَ لا يَوْمًا بِعَيْنِهِ، ونَحْوُ المَثَلِ "مَعَ اليَوْمِ غَدٌ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الأشِرُ" بِكَسْرِ الشِينِ كَحَذِرٍ بِكَسْرِ الذالِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ -فِيما ذُكِرَ عنهُ- "الأشُرُ" بِضَمِّ الشِينِ كَحَذُرٍ بِضَمّ الذالِ، وهُما (p-١٤٩)بِناءانِ مِنَ اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "الأشَرِ" بِفَتْحِ الشِينِ كَأنَّهُ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ، وقَرَأ أبُو قُلابَةَ: "الأشَرِّ" بِفَتْحِ الشِينِ وشَدِّ الراءِ، وهو الأفْعَلُ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا بِالألِفِ واللامِ، وهو كانَ الأصِيلُ لَكِنَّهُ رُفِضَ تَخْفِيفًا وكَثْرَةَ اسْتِعْمالٍ.
القمر 54:24
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ﴿تَنْزِعُ الناسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾
"عادٌ" قَبِيلَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾، مَوْضِعُ "كَيْفَ" نُصِبَ، إمّا عَلى خَبَرِ "كانَ" وإمّا عَلى الحالِ، و"كانَ" بِمَعْنى: وجَدَ ووَقَعَ في هَذا الوَجْهِ، و"نُذُرٍ" جَمْعُ "نَذِيرٍ" وهو المَصْدَرُ، وقَرَأ ورْشٌ وحْدَهُ: "نُذُرِي" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "نُذُرِ" بِغَيْرِ ياءٍ عَلى خَطِّ المُصْحَفِ.
(p-١٤٦)و"الصَرْصَرُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: البارِدَةُ، وهو مِنَ الصَرِّ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: المُصَوِّتَةُ نَحْوُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ، مَأْخُوذٌ مِن: صَرَّتِ الرِيحُ إذا هَبَّتْ دَفْعًا كَأنَّها تَنْطِقُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ: الصادُ والراءُ، وضُوعِفَ الفِعْلُ كَما قالُوا: "كَبْكَبَ وكَفْكَفَ" مِن "كَبَّ وكَفَّ"، وهَذا كَثِيرٌ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في سُكُونِ الحاءِ مَن "نَحْسٍ" وإضافَةِ اليَوْمِ إلَيْهِ إلّا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَنْوِينِ "نَحِسٍ" بِكَسْرِ الحاءِ و"مُسْتَمِرٍّ" مَعْناهُ: مُتَتابِعٌ، قالَ قَتادَةُ: اسْتَمَرَّ بِهِمْ ذَلِكَ النَحْسُ حَتّى بَلَغَهم جَهَنَّمَ، قالَ الضَحّاكُ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: المَعْنى: كانَ مُرًّا عَلَيْهِمْ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ نَحْسٌ مُسْتَمِرٌّ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ، ووَرَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ يَوْمِ الأرْبِعاءِ، فَتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ في ذَلِكَ أنَّهُ مُسْتَصْحَبٌ في الزَمانِ كُلِّهِ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، وإنَّ أبُو بِشْرٍ الدُولابِيُّ ذَكَرَ حَدِيثًا رَواهُ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ عن أبِيهِ عَلَيٍّ عن أبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "آخِرُ أرْبِعاءَ مِنَ الشَهْرِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ"،» ويُوجَدُ نَحْوُ هَذا في كَلامِ الفُرْسِ والأعاجِمِ، وقَدْ وُجِدَ ذِكْرُ الأرْبِعاءِ الَّتِي لا تَدُورُ في بَعْضِ شِعْرِ الخُراسانِيِّينَ المَوْلَّدِينَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ لِعادٍ أنَّهُ كانَ في يَوْمِ أرْبِعاءَ لا تَدُورُ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وقالَ: كانَ القَمَرُ مَنحُوسًا في رَجُلٍ، وهَذِهِ نَزْغَةُ سُوءٍ عِياذًا بِاللهِ تَعالى أنْ تَصِحَّ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِعُ الناسَ﴾ مَعْناهُ: تَنْقُلُهم مِن مَواضِعِهِمْ نَزْعًا فَتَطْرَحُهُمْ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّها كانَتْ تُلْقِي الرَجُلَ عَلى رَأْسِهِ فَيَتَفَتَّتُ رَأْسُهُ وعُنُقُهُ وما يَلِي ذَلِكَ مِن يَدَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَلِذَلِكَ حَسُنَ التَشْبِيهُ بِأعْجازِ النَخْلِ، لِأنَّهم كانُّو يَحْفِرُونَ حُفَرًا لِيَمْتَنِعُوا فِيها مِن (p-١٤٧)الرِيحِ، فَكَأنَّهُ شَبَّهَ الحُفَرَ بَعْدَ النَزْعِ بِحَفْرِ أعْجازِ النَخْلِ، والنَخْلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى هُنا: "مُنْقَعِرٍ"، وفي غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ "خاوِيَةٍ"، والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَأنَّهم أعْجازُ" في مَوْضِعِ الحالِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وما رُوِيَ مِن خَبَرِ الخُلْجانِ وغَيْرِهِ ضَعِيفٌ كُلُّهُ، وفائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ التَخْوِيفُ وهَزُّ الأنْفُسِ. قالَ الرُمّانِيُّ: لَمّا كانَ الإنْذارُ أنْواعًا كَرَّرَ التَذْكِيرَ والتَنْبِيهَ، وفائِدَةُ تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ التَأْكِيدُ والتَحْرِيضُ وتَنْبِيهُ الأنْفُسِ، وهَذا مَوْجُودٌ في تَكْرارِ الكَلامِ، مِثْلُ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟"،» مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ"،» وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا، فَهَذا كُلُّهُ نَحْوٌ واحِدٌ وإنْ تَنَوَّعَ.
و"ثَمُودُ" قَبِيلَةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وهم أهْلُ الحِجْرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أبَشَرًا مِنّا واحِدًا"، ونَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَتَّبِعُهُ، و"واحِدًا" نَعْتٌ لـ "بَشَرًا"، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ"، ورَفْعُهُ إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ، التَقْدِيرُ: أيُنَبَّأُ بَشَرٌ؟ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "نَتَّبِعُهُ"، و"واحِدًا" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ حالٌ، إمّا مِنَ الضَمِيرِ في "نَتَّبِعُهُ" وإمّا عَنِ المُقَدَّرِ مَعَ "مِنّا"، كَأنَّهم يَقُولُونَ: أبَشَرٌ كائِنٌ مِنّا واحِدًا؟ وفي هَذا نَظَرٌ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّ قِراءَةَ أبِي السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، وهَذِهِ المَقالَةُ مِن ثَمُودَ حَسَدٌ مِنهم لِصالِحٍ عَلَيْهِ (p-١٤٨)السَلامُ، واسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ نَوْعُ البَشَرِ يُفَضَّلُ بَعْضُهُ بَعْضًا هَذا الفَضْلَ، فَقالُوا: أنَكُونُ جَمِيعًا ونُتَّبِعُ واحِدًا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ تَعالى يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، ويَفِيضُ نُورُ الهُدى مَن رَضِيَهُ.
وقَوْلُهُمْ: "فِي ضَلالٍ" مَعْناهُ: في أمْرٍ مُتْلِفٍ مُهْلِكٍ بِالإتْلافِ، و"سُعُرٍ" مَعْناهُ: في احْتِراقِ أنْفُسٍ واسْتِعارِها حَنَقًا وهَمًّا بِاتِّباعِهِ، وقِيلَ في "السُعُرِ": العَناءُ، وقِيلَ الجُنُونُ، ومِنهُ قِيلَ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ مَسْعُورَةٌ، إذا كانَتْ تُفْرِطُ في سَيْرِها، ثُمَّ زادُوا بِالتَوْفِيقِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ ؟ و"أُلْقِيَ" بِمَعْنى "أنْزِلَ"، وكَأنَّهُ يَتَضَمَّنُ عَجَلَةً في الفِعْلِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذا الفِعْلَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [المزمل: ٥]، و"الذِكْرُ" هُنا: الرِسالَةُ وما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جاءَهم بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ، و"الأشِرُ" البَطِرُ المَرِحُ، فَكَأنَّهم رَمَوْهُ بِأنَّهُ أشِرٌ فَأرادَ العُلُوَّ عَلَيْهِمْ وأنْ يَقْتادَهم ويَتَمَلَّكَ طاعَتَهُمْ، فَقالَ اللهُ تَعالى لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾، وهَذِهِ بِالياءِ مِن تَحْتٍ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا صالِحُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "غَدًا" تَقْرِيبٌ يُرِيدُ بِهِ الزَمانَ المُسْتَقْبَلَ لا يَوْمًا بِعَيْنِهِ، ونَحْوُ المَثَلِ "مَعَ اليَوْمِ غَدٌ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الأشِرُ" بِكَسْرِ الشِينِ كَحَذِرٍ بِكَسْرِ الذالِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ -فِيما ذُكِرَ عنهُ- "الأشُرُ" بِضَمِّ الشِينِ كَحَذُرٍ بِضَمّ الذالِ، وهُما (p-١٤٩)بِناءانِ مِنَ اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "الأشَرِ" بِفَتْحِ الشِينِ كَأنَّهُ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ، وقَرَأ أبُو قُلابَةَ: "الأشَرِّ" بِفَتْحِ الشِينِ وشَدِّ الراءِ، وهو الأفْعَلُ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا بِالألِفِ واللامِ، وهو كانَ الأصِيلُ لَكِنَّهُ رُفِضَ تَخْفِيفًا وكَثْرَةَ اسْتِعْمالٍ.
القمر 54:25
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ﴿تَنْزِعُ الناسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾
"عادٌ" قَبِيلَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾، مَوْضِعُ "كَيْفَ" نُصِبَ، إمّا عَلى خَبَرِ "كانَ" وإمّا عَلى الحالِ، و"كانَ" بِمَعْنى: وجَدَ ووَقَعَ في هَذا الوَجْهِ، و"نُذُرٍ" جَمْعُ "نَذِيرٍ" وهو المَصْدَرُ، وقَرَأ ورْشٌ وحْدَهُ: "نُذُرِي" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "نُذُرِ" بِغَيْرِ ياءٍ عَلى خَطِّ المُصْحَفِ.
(p-١٤٦)و"الصَرْصَرُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: البارِدَةُ، وهو مِنَ الصَرِّ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: المُصَوِّتَةُ نَحْوُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ، مَأْخُوذٌ مِن: صَرَّتِ الرِيحُ إذا هَبَّتْ دَفْعًا كَأنَّها تَنْطِقُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ: الصادُ والراءُ، وضُوعِفَ الفِعْلُ كَما قالُوا: "كَبْكَبَ وكَفْكَفَ" مِن "كَبَّ وكَفَّ"، وهَذا كَثِيرٌ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في سُكُونِ الحاءِ مَن "نَحْسٍ" وإضافَةِ اليَوْمِ إلَيْهِ إلّا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَنْوِينِ "نَحِسٍ" بِكَسْرِ الحاءِ و"مُسْتَمِرٍّ" مَعْناهُ: مُتَتابِعٌ، قالَ قَتادَةُ: اسْتَمَرَّ بِهِمْ ذَلِكَ النَحْسُ حَتّى بَلَغَهم جَهَنَّمَ، قالَ الضَحّاكُ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: المَعْنى: كانَ مُرًّا عَلَيْهِمْ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ نَحْسٌ مُسْتَمِرٌّ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ، ووَرَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ يَوْمِ الأرْبِعاءِ، فَتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ في ذَلِكَ أنَّهُ مُسْتَصْحَبٌ في الزَمانِ كُلِّهِ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، وإنَّ أبُو بِشْرٍ الدُولابِيُّ ذَكَرَ حَدِيثًا رَواهُ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ عن أبِيهِ عَلَيٍّ عن أبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "آخِرُ أرْبِعاءَ مِنَ الشَهْرِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ"،» ويُوجَدُ نَحْوُ هَذا في كَلامِ الفُرْسِ والأعاجِمِ، وقَدْ وُجِدَ ذِكْرُ الأرْبِعاءِ الَّتِي لا تَدُورُ في بَعْضِ شِعْرِ الخُراسانِيِّينَ المَوْلَّدِينَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ لِعادٍ أنَّهُ كانَ في يَوْمِ أرْبِعاءَ لا تَدُورُ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وقالَ: كانَ القَمَرُ مَنحُوسًا في رَجُلٍ، وهَذِهِ نَزْغَةُ سُوءٍ عِياذًا بِاللهِ تَعالى أنْ تَصِحَّ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِعُ الناسَ﴾ مَعْناهُ: تَنْقُلُهم مِن مَواضِعِهِمْ نَزْعًا فَتَطْرَحُهُمْ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّها كانَتْ تُلْقِي الرَجُلَ عَلى رَأْسِهِ فَيَتَفَتَّتُ رَأْسُهُ وعُنُقُهُ وما يَلِي ذَلِكَ مِن يَدَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَلِذَلِكَ حَسُنَ التَشْبِيهُ بِأعْجازِ النَخْلِ، لِأنَّهم كانُّو يَحْفِرُونَ حُفَرًا لِيَمْتَنِعُوا فِيها مِن (p-١٤٧)الرِيحِ، فَكَأنَّهُ شَبَّهَ الحُفَرَ بَعْدَ النَزْعِ بِحَفْرِ أعْجازِ النَخْلِ، والنَخْلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى هُنا: "مُنْقَعِرٍ"، وفي غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ "خاوِيَةٍ"، والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَأنَّهم أعْجازُ" في مَوْضِعِ الحالِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وما رُوِيَ مِن خَبَرِ الخُلْجانِ وغَيْرِهِ ضَعِيفٌ كُلُّهُ، وفائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ التَخْوِيفُ وهَزُّ الأنْفُسِ. قالَ الرُمّانِيُّ: لَمّا كانَ الإنْذارُ أنْواعًا كَرَّرَ التَذْكِيرَ والتَنْبِيهَ، وفائِدَةُ تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ التَأْكِيدُ والتَحْرِيضُ وتَنْبِيهُ الأنْفُسِ، وهَذا مَوْجُودٌ في تَكْرارِ الكَلامِ، مِثْلُ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟"،» مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ"،» وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا، فَهَذا كُلُّهُ نَحْوٌ واحِدٌ وإنْ تَنَوَّعَ.
و"ثَمُودُ" قَبِيلَةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وهم أهْلُ الحِجْرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أبَشَرًا مِنّا واحِدًا"، ونَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَتَّبِعُهُ، و"واحِدًا" نَعْتٌ لـ "بَشَرًا"، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ"، ورَفْعُهُ إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ، التَقْدِيرُ: أيُنَبَّأُ بَشَرٌ؟ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "نَتَّبِعُهُ"، و"واحِدًا" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ حالٌ، إمّا مِنَ الضَمِيرِ في "نَتَّبِعُهُ" وإمّا عَنِ المُقَدَّرِ مَعَ "مِنّا"، كَأنَّهم يَقُولُونَ: أبَشَرٌ كائِنٌ مِنّا واحِدًا؟ وفي هَذا نَظَرٌ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّ قِراءَةَ أبِي السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، وهَذِهِ المَقالَةُ مِن ثَمُودَ حَسَدٌ مِنهم لِصالِحٍ عَلَيْهِ (p-١٤٨)السَلامُ، واسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ نَوْعُ البَشَرِ يُفَضَّلُ بَعْضُهُ بَعْضًا هَذا الفَضْلَ، فَقالُوا: أنَكُونُ جَمِيعًا ونُتَّبِعُ واحِدًا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ تَعالى يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، ويَفِيضُ نُورُ الهُدى مَن رَضِيَهُ.
وقَوْلُهُمْ: "فِي ضَلالٍ" مَعْناهُ: في أمْرٍ مُتْلِفٍ مُهْلِكٍ بِالإتْلافِ، و"سُعُرٍ" مَعْناهُ: في احْتِراقِ أنْفُسٍ واسْتِعارِها حَنَقًا وهَمًّا بِاتِّباعِهِ، وقِيلَ في "السُعُرِ": العَناءُ، وقِيلَ الجُنُونُ، ومِنهُ قِيلَ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ مَسْعُورَةٌ، إذا كانَتْ تُفْرِطُ في سَيْرِها، ثُمَّ زادُوا بِالتَوْفِيقِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ ؟ و"أُلْقِيَ" بِمَعْنى "أنْزِلَ"، وكَأنَّهُ يَتَضَمَّنُ عَجَلَةً في الفِعْلِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذا الفِعْلَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [المزمل: ٥]، و"الذِكْرُ" هُنا: الرِسالَةُ وما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جاءَهم بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ، و"الأشِرُ" البَطِرُ المَرِحُ، فَكَأنَّهم رَمَوْهُ بِأنَّهُ أشِرٌ فَأرادَ العُلُوَّ عَلَيْهِمْ وأنْ يَقْتادَهم ويَتَمَلَّكَ طاعَتَهُمْ، فَقالَ اللهُ تَعالى لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾، وهَذِهِ بِالياءِ مِن تَحْتٍ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا صالِحُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "غَدًا" تَقْرِيبٌ يُرِيدُ بِهِ الزَمانَ المُسْتَقْبَلَ لا يَوْمًا بِعَيْنِهِ، ونَحْوُ المَثَلِ "مَعَ اليَوْمِ غَدٌ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الأشِرُ" بِكَسْرِ الشِينِ كَحَذِرٍ بِكَسْرِ الذالِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ -فِيما ذُكِرَ عنهُ- "الأشُرُ" بِضَمِّ الشِينِ كَحَذُرٍ بِضَمّ الذالِ، وهُما (p-١٤٩)بِناءانِ مِنَ اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "الأشَرِ" بِفَتْحِ الشِينِ كَأنَّهُ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ، وقَرَأ أبُو قُلابَةَ: "الأشَرِّ" بِفَتْحِ الشِينِ وشَدِّ الراءِ، وهو الأفْعَلُ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا بِالألِفِ واللامِ، وهو كانَ الأصِيلُ لَكِنَّهُ رُفِضَ تَخْفِيفًا وكَثْرَةَ اسْتِعْمالٍ.
القمر 54:26
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ﴿تَنْزِعُ الناسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾
"عادٌ" قَبِيلَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾، مَوْضِعُ "كَيْفَ" نُصِبَ، إمّا عَلى خَبَرِ "كانَ" وإمّا عَلى الحالِ، و"كانَ" بِمَعْنى: وجَدَ ووَقَعَ في هَذا الوَجْهِ، و"نُذُرٍ" جَمْعُ "نَذِيرٍ" وهو المَصْدَرُ، وقَرَأ ورْشٌ وحْدَهُ: "نُذُرِي" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "نُذُرِ" بِغَيْرِ ياءٍ عَلى خَطِّ المُصْحَفِ.
(p-١٤٦)و"الصَرْصَرُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: البارِدَةُ، وهو مِنَ الصَرِّ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: المُصَوِّتَةُ نَحْوُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ، مَأْخُوذٌ مِن: صَرَّتِ الرِيحُ إذا هَبَّتْ دَفْعًا كَأنَّها تَنْطِقُ هَذَيْنَ الحَرْفَيْنِ: الصادُ والراءُ، وضُوعِفَ الفِعْلُ كَما قالُوا: "كَبْكَبَ وكَفْكَفَ" مِن "كَبَّ وكَفَّ"، وهَذا كَثِيرٌ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في سُكُونِ الحاءِ مَن "نَحْسٍ" وإضافَةِ اليَوْمِ إلَيْهِ إلّا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "فِي يَوْمٍ" بِالتَنْوِينِ "نَحِسٍ" بِكَسْرِ الحاءِ و"مُسْتَمِرٍّ" مَعْناهُ: مُتَتابِعٌ، قالَ قَتادَةُ: اسْتَمَرَّ بِهِمْ ذَلِكَ النَحْسُ حَتّى بَلَغَهم جَهَنَّمَ، قالَ الضَحّاكُ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: المَعْنى: كانَ مُرًّا عَلَيْهِمْ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ نَحْسٌ مُسْتَمِرٌّ كانَ يَوْمَ أرْبِعاءَ، ووَرَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ يَوْمِ الأرْبِعاءِ، فَتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ في ذَلِكَ أنَّهُ مُسْتَصْحَبٌ في الزَمانِ كُلِّهِ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، وإنَّ أبُو بِشْرٍ الدُولابِيُّ ذَكَرَ حَدِيثًا رَواهُ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ عن أبِيهِ عَلَيٍّ عن أبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "آخِرُ أرْبِعاءَ مِنَ الشَهْرِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ"،» ويُوجَدُ نَحْوُ هَذا في كَلامِ الفُرْسِ والأعاجِمِ، وقَدْ وُجِدَ ذِكْرُ الأرْبِعاءِ الَّتِي لا تَدُورُ في بَعْضِ شِعْرِ الخُراسانِيِّينَ المَوْلَّدِينَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ لِعادٍ أنَّهُ كانَ في يَوْمِ أرْبِعاءَ لا تَدُورُ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وقالَ: كانَ القَمَرُ مَنحُوسًا في رَجُلٍ، وهَذِهِ نَزْغَةُ سُوءٍ عِياذًا بِاللهِ تَعالى أنْ تَصِحَّ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِعُ الناسَ﴾ مَعْناهُ: تَنْقُلُهم مِن مَواضِعِهِمْ نَزْعًا فَتَطْرَحُهُمْ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّها كانَتْ تُلْقِي الرَجُلَ عَلى رَأْسِهِ فَيَتَفَتَّتُ رَأْسُهُ وعُنُقُهُ وما يَلِي ذَلِكَ مِن يَدَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَلِذَلِكَ حَسُنَ التَشْبِيهُ بِأعْجازِ النَخْلِ، لِأنَّهم كانُّو يَحْفِرُونَ حُفَرًا لِيَمْتَنِعُوا فِيها مِن (p-١٤٧)الرِيحِ، فَكَأنَّهُ شَبَّهَ الحُفَرَ بَعْدَ النَزْعِ بِحَفْرِ أعْجازِ النَخْلِ، والنَخْلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى هُنا: "مُنْقَعِرٍ"، وفي غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ "خاوِيَةٍ"، والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَأنَّهم أعْجازُ" في مَوْضِعِ الحالِ، قالَهُ الزَجّاجُ، وما رُوِيَ مِن خَبَرِ الخُلْجانِ وغَيْرِهِ ضَعِيفٌ كُلُّهُ، وفائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ التَخْوِيفُ وهَزُّ الأنْفُسِ. قالَ الرُمّانِيُّ: لَمّا كانَ الإنْذارُ أنْواعًا كَرَّرَ التَذْكِيرَ والتَنْبِيهَ، وفائِدَةُ تَكْرارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ التَأْكِيدُ والتَحْرِيضُ وتَنْبِيهُ الأنْفُسِ، وهَذا مَوْجُودٌ في تَكْرارِ الكَلامِ، مِثْلُ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟"،» مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ، ألا وقَوْلُ الزُورِ"،» وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا، فَهَذا كُلُّهُ نَحْوٌ واحِدٌ وإنْ تَنَوَّعَ.
و"ثَمُودُ" قَبِيلَةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وهم أهْلُ الحِجْرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أبَشَرًا مِنّا واحِدًا"، ونَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَتَّبِعُهُ، و"واحِدًا" نَعْتٌ لـ "بَشَرًا"، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ"، ورَفْعُهُ إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ، التَقْدِيرُ: أيُنَبَّأُ بَشَرٌ؟ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "نَتَّبِعُهُ"، و"واحِدًا" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ حالٌ، إمّا مِنَ الضَمِيرِ في "نَتَّبِعُهُ" وإمّا عَنِ المُقَدَّرِ مَعَ "مِنّا"، كَأنَّهم يَقُولُونَ: أبَشَرٌ كائِنٌ مِنّا واحِدًا؟ وفي هَذا نَظَرٌ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّ قِراءَةَ أبِي السَمالِ: "أبَشَرٌ مِنّا واحِدٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، وهَذِهِ المَقالَةُ مِن ثَمُودَ حَسَدٌ مِنهم لِصالِحٍ عَلَيْهِ (p-١٤٨)السَلامُ، واسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ نَوْعُ البَشَرِ يُفَضَّلُ بَعْضُهُ بَعْضًا هَذا الفَضْلَ، فَقالُوا: أنَكُونُ جَمِيعًا ونُتَّبِعُ واحِدًا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ تَعالى يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، ويَفِيضُ نُورُ الهُدى مَن رَضِيَهُ.
وقَوْلُهُمْ: "فِي ضَلالٍ" مَعْناهُ: في أمْرٍ مُتْلِفٍ مُهْلِكٍ بِالإتْلافِ، و"سُعُرٍ" مَعْناهُ: في احْتِراقِ أنْفُسٍ واسْتِعارِها حَنَقًا وهَمًّا بِاتِّباعِهِ، وقِيلَ في "السُعُرِ": العَناءُ، وقِيلَ الجُنُونُ، ومِنهُ قِيلَ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ مَسْعُورَةٌ، إذا كانَتْ تُفْرِطُ في سَيْرِها، ثُمَّ زادُوا بِالتَوْفِيقِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أأُلْقِيَ الذِكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ ؟ و"أُلْقِيَ" بِمَعْنى "أنْزِلَ"، وكَأنَّهُ يَتَضَمَّنُ عَجَلَةً في الفِعْلِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذا الفِعْلَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [المزمل: ٥]، و"الذِكْرُ" هُنا: الرِسالَةُ وما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جاءَهم بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ، و"الأشِرُ" البَطِرُ المَرِحُ، فَكَأنَّهم رَمَوْهُ بِأنَّهُ أشِرٌ فَأرادَ العُلُوَّ عَلَيْهِمْ وأنْ يَقْتادَهم ويَتَمَلَّكَ طاعَتَهُمْ، فَقالَ اللهُ تَعالى لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾، وهَذِهِ بِالياءِ مِن تَحْتٍ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا صالِحُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "غَدًا" تَقْرِيبٌ يُرِيدُ بِهِ الزَمانَ المُسْتَقْبَلَ لا يَوْمًا بِعَيْنِهِ، ونَحْوُ المَثَلِ "مَعَ اليَوْمِ غَدٌ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الأشِرُ" بِكَسْرِ الشِينِ كَحَذِرٍ بِكَسْرِ الذالِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ -فِيما ذُكِرَ عنهُ- "الأشُرُ" بِضَمِّ الشِينِ كَحَذُرٍ بِضَمّ الذالِ، وهُما (p-١٤٩)بِناءانِ مِنَ اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "الأشَرِ" بِفَتْحِ الشِينِ كَأنَّهُ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ، وقَرَأ أبُو قُلابَةَ: "الأشَرِّ" بِفَتْحِ الشِينِ وشَدِّ الراءِ، وهو الأفْعَلُ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا بِالألِفِ واللامِ، وهو كانَ الأصِيلُ لَكِنَّهُ رُفِضَ تَخْفِيفًا وكَثْرَةَ اسْتِعْمالٍ.
القمر 54:27
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنّا مُرْسِلُو الناقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مِن شَكَرَ﴾
هَذِهِ الناقَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها أنَّ تَخْرُجَ لَهم مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ مِنَ الجَبَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ -عَلى وُجْهَةِ التَأْنِيسِ- أنَّهُ يُخْرِجُ لَهُمُ الناقَةَ ابْتِلاءً واخْتِبارًا، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِارْتِقابِ الفَرَجِ وبِالصَبْرِ، و"اصْطَبِرْ" أصْلُهُ: اصْتَبَرَ ا"فْتَعَلَ"، أُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِتُناسِبَ الصادَ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخْبِرَ ثَمُودَ بِأنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، وهو ماءُ البِئْرِ كانَ لَهم.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى هَذِهِ القِسْمَةِ، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنهُمْ: قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، يَتَساوُونَ في اليَوْمِ الَّذِي لا تَرِدُهُ الناقَةُ فِيهِ، وذَلِكَ -فِيما رُوِيَ- أنَّ الناقَةَ كانَتْ تَرِدُ البِئْرَ غَبًّا، وتَحْتاجُ جَمِيعَ مائِهِ يَوْمَها، فَنَهاهُمُ اللهُ تَعالى عن أنْ يَسْتَأْثِرَ أهْلُ اليَوْمَ الَّذِي لا تَرِدُ الناقَةُ فِيهِ بِيَوْمِهِمْ، وأمَرَهم بِالتَساوِي مَعَ الَّذِينَ تَرِدُ الناقَةُ في يَوْمِهِمْ. وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: الماءُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ وبَيْنَ الناقَةِ قِسْمَةٌ. "مُحْتَضَرٌ" مَعْناهُ: مَحْضُورٌ مَشْهُودٌ مُتَواسًى فِيهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: "كُلُ شِرْبٍ"، أيْ: مِنَ الماءِ يَوْمًا ومِن لَبَنِ الناقَةِ يَوْمًا "مُحْتَضَرٌ" لَهُمْ، فَكَأنَّهُ أنْبَأهم بِنِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ.
و"صاحِبَهُمْ" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وبِسَبَبِهِ سُمِّيَ الجَزّارُ القُدارُ لِشَبَهٍ في الفِعْلِ، قالَ الشاعِرُ:
؎ إنّا لَنَضْرِبُ بِالسُيُوفِ رُؤُوسَهم ضَرْبَ القِدارِ نَقِيعَةَ القُدّامِ
(p-١٥٠)وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ أمْرِ قِدارِ بْنِ سالِفٍ.
و"تَعاطى" هو مُطاوِعُ "عاطى"، فَكَأنَّ هَذِهِ الفِعْلَةَ تَدافَعُها الناسُ وأعْطاها بَعْضُهم بَعْضًا، فَتَعاطاها هو وتَناوَلَ العُقْرَ بِيَدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُدْخِلُ نَفْسَهُ في تَحَمُّلِ الأُمُورِ الثِقالِ: مُتَعاطٍ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، والأصْلُ "عَطا يَعْطُو" إذا تَناوَلَ، ثُمَّ يُقالُ: عاطى غَيْرَهُ، ثُمَّ يُقالُ: تَعاطى، وهَذا كَما يُقالُ: جَرى وجارى وتَجارى، وهَذا كَثِيرٌ.
ويُرْوى أنَّهُ كانَ مَعَ شَرْبٍ -وَهُمُ التِسْعَةُ رَهْطٍ- فاحْتاجُوا ماءً فَلَمْ يَجِدُوهُ بِسَبَبِ وِرْدِ الناقَةِ، فَحَمَلَهُ أصْحابُهُ عَلى عَقْرِها، ويُرْوى أنَّ مَلَأ القَبِيلِ اجْتَمَعَ عَلى أنَّ عَقْرَها، ورُوِيَتْ أسْبابٌ غَيْرُ هَذَيْنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
و"الصَيْحَةُ" يُرْوى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ صاحَها في طَرَفٍ مِن مَنازِلِهِمْ فَتَفَتَّتُوا وهَمَدُوا وكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ، و"الهَشِيمُ" ما تَهَشَّمَ وتَفَتَّتَ مِنَ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِكَسْرِ الظاءِ، ومَعْناهُ الَّذِي يَصْنَعُ حَظِيرَةً مِنَ الرِعاءِ ونَحْوِهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَظْرِ وهو المَنعُ، والعَرَبُ وأهْلُ البَوادِي يَصْنَعُونَها لِلْمَواشِي والسُكْنى أيْضًا مِنَ الأغْصانِ والشَجَرِ المُورِقِ والقَصَبِ ونَحْوِهِ، ولِهَذا كُلُّهُ هَشِيمٌ يَتَفَتَّتُ، إمّا في أوَّلِ الصَنْعَةِ وإمّا عِنْدَ بَلْيِ الحَظِيرَةِ وتَساقُطِ أجْزائِها، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ "المُحْتَظِرَ" مَعْناهُ: المُحْتَرِقُ، قالَ قَتادَةُ: كَهَشِيمٍ مُحْرِقٍ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ: "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظاءِ، ومَعْناهُ: المَوْضِعُ الَّذِي احْتَظَرَ، فَهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الحَظْرِ، أوِ الشَيْءُ الَّذِي احْتَظَرَ بِهِ، وقَدْ رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ فَسَّرَ "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِأنْ قالَ: هو التُرابُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ الحائِطِ البالِي، وهَذا مُتَوَجِّهٌ، لِأنَّ الحائِطَ حَظِيرَةُ، والساقِطُ هَشِيمٌ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: المُحْتَظِرُ مَعْناهُ: المُحْرِقُ بِالنارِ، أيْ: كَأنَّهُ ما في المَوْضِعِ (p-١٥١)المُحْتَظِرِ بِالنارِ، وما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ هو عَلى قِراءَةِ كَسْرِ الظاءِ، وفي هَذا التَأْوِيلِ بَعْضُ البُعْدِ، وقالَ قَوْمٌ: "المُحْتَظِرَ" بِالفَتْحِ-: الهَشِيمُ نَفْسُهُ، وهو مُفْتَعَلٌ، وهو كَمَسْجِدِ الجامِعِ وشَبْهِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ قِصَصُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ و"الحاصِبُ": السَحابُ الرامِي بِالبَرْدِ وغَيْرِهِ، فَشَبَّهَ تِلْكَ الحِجارَةَ الَّتِي رَمى بِها قَوْمَ لُوطٍ بِهِ في الكَثْرَةِ والتَوالِي، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْباءِ، كَأنَّ السَحابُ يُحَصِّبُ مَقْصِدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎ مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَحْصِبُهم ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ
وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ لِأهْلِ المَدِينَةِ: حَصِّبُوا المَسْجِدَ، و"آلُ لُوطٍ": ابْنَتاهُ فِيما رُوِيَ، و"سَحَرٍ" مَصْرُوفٌ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ لَمْ يُرَدْ بِهِ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِعْمَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ إنْعامًا عَلى القَوْمِ الَّذِينَ نَجَّيْناهُمْ، وهَذا هو جَزاؤُنا لِمَن شَكَرَ نِعَمَنا وآمَنَ وأطاعَ.
القمر 54:28
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنّا مُرْسِلُو الناقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مِن شَكَرَ﴾
هَذِهِ الناقَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها أنَّ تَخْرُجَ لَهم مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ مِنَ الجَبَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ -عَلى وُجْهَةِ التَأْنِيسِ- أنَّهُ يُخْرِجُ لَهُمُ الناقَةَ ابْتِلاءً واخْتِبارًا، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِارْتِقابِ الفَرَجِ وبِالصَبْرِ، و"اصْطَبِرْ" أصْلُهُ: اصْتَبَرَ ا"فْتَعَلَ"، أُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِتُناسِبَ الصادَ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخْبِرَ ثَمُودَ بِأنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، وهو ماءُ البِئْرِ كانَ لَهم.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى هَذِهِ القِسْمَةِ، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنهُمْ: قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، يَتَساوُونَ في اليَوْمِ الَّذِي لا تَرِدُهُ الناقَةُ فِيهِ، وذَلِكَ -فِيما رُوِيَ- أنَّ الناقَةَ كانَتْ تَرِدُ البِئْرَ غَبًّا، وتَحْتاجُ جَمِيعَ مائِهِ يَوْمَها، فَنَهاهُمُ اللهُ تَعالى عن أنْ يَسْتَأْثِرَ أهْلُ اليَوْمَ الَّذِي لا تَرِدُ الناقَةُ فِيهِ بِيَوْمِهِمْ، وأمَرَهم بِالتَساوِي مَعَ الَّذِينَ تَرِدُ الناقَةُ في يَوْمِهِمْ. وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: الماءُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ وبَيْنَ الناقَةِ قِسْمَةٌ. "مُحْتَضَرٌ" مَعْناهُ: مَحْضُورٌ مَشْهُودٌ مُتَواسًى فِيهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: "كُلُ شِرْبٍ"، أيْ: مِنَ الماءِ يَوْمًا ومِن لَبَنِ الناقَةِ يَوْمًا "مُحْتَضَرٌ" لَهُمْ، فَكَأنَّهُ أنْبَأهم بِنِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ.
و"صاحِبَهُمْ" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وبِسَبَبِهِ سُمِّيَ الجَزّارُ القُدارُ لِشَبَهٍ في الفِعْلِ، قالَ الشاعِرُ:
؎ إنّا لَنَضْرِبُ بِالسُيُوفِ رُؤُوسَهم ضَرْبَ القِدارِ نَقِيعَةَ القُدّامِ
(p-١٥٠)وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ أمْرِ قِدارِ بْنِ سالِفٍ.
و"تَعاطى" هو مُطاوِعُ "عاطى"، فَكَأنَّ هَذِهِ الفِعْلَةَ تَدافَعُها الناسُ وأعْطاها بَعْضُهم بَعْضًا، فَتَعاطاها هو وتَناوَلَ العُقْرَ بِيَدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُدْخِلُ نَفْسَهُ في تَحَمُّلِ الأُمُورِ الثِقالِ: مُتَعاطٍ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، والأصْلُ "عَطا يَعْطُو" إذا تَناوَلَ، ثُمَّ يُقالُ: عاطى غَيْرَهُ، ثُمَّ يُقالُ: تَعاطى، وهَذا كَما يُقالُ: جَرى وجارى وتَجارى، وهَذا كَثِيرٌ.
ويُرْوى أنَّهُ كانَ مَعَ شَرْبٍ -وَهُمُ التِسْعَةُ رَهْطٍ- فاحْتاجُوا ماءً فَلَمْ يَجِدُوهُ بِسَبَبِ وِرْدِ الناقَةِ، فَحَمَلَهُ أصْحابُهُ عَلى عَقْرِها، ويُرْوى أنَّ مَلَأ القَبِيلِ اجْتَمَعَ عَلى أنَّ عَقْرَها، ورُوِيَتْ أسْبابٌ غَيْرُ هَذَيْنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
و"الصَيْحَةُ" يُرْوى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ صاحَها في طَرَفٍ مِن مَنازِلِهِمْ فَتَفَتَّتُوا وهَمَدُوا وكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ، و"الهَشِيمُ" ما تَهَشَّمَ وتَفَتَّتَ مِنَ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِكَسْرِ الظاءِ، ومَعْناهُ الَّذِي يَصْنَعُ حَظِيرَةً مِنَ الرِعاءِ ونَحْوِهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَظْرِ وهو المَنعُ، والعَرَبُ وأهْلُ البَوادِي يَصْنَعُونَها لِلْمَواشِي والسُكْنى أيْضًا مِنَ الأغْصانِ والشَجَرِ المُورِقِ والقَصَبِ ونَحْوِهِ، ولِهَذا كُلُّهُ هَشِيمٌ يَتَفَتَّتُ، إمّا في أوَّلِ الصَنْعَةِ وإمّا عِنْدَ بَلْيِ الحَظِيرَةِ وتَساقُطِ أجْزائِها، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ "المُحْتَظِرَ" مَعْناهُ: المُحْتَرِقُ، قالَ قَتادَةُ: كَهَشِيمٍ مُحْرِقٍ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ: "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظاءِ، ومَعْناهُ: المَوْضِعُ الَّذِي احْتَظَرَ، فَهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الحَظْرِ، أوِ الشَيْءُ الَّذِي احْتَظَرَ بِهِ، وقَدْ رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ فَسَّرَ "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِأنْ قالَ: هو التُرابُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ الحائِطِ البالِي، وهَذا مُتَوَجِّهٌ، لِأنَّ الحائِطَ حَظِيرَةُ، والساقِطُ هَشِيمٌ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: المُحْتَظِرُ مَعْناهُ: المُحْرِقُ بِالنارِ، أيْ: كَأنَّهُ ما في المَوْضِعِ (p-١٥١)المُحْتَظِرِ بِالنارِ، وما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ هو عَلى قِراءَةِ كَسْرِ الظاءِ، وفي هَذا التَأْوِيلِ بَعْضُ البُعْدِ، وقالَ قَوْمٌ: "المُحْتَظِرَ" بِالفَتْحِ-: الهَشِيمُ نَفْسُهُ، وهو مُفْتَعَلٌ، وهو كَمَسْجِدِ الجامِعِ وشَبْهِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ قِصَصُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ و"الحاصِبُ": السَحابُ الرامِي بِالبَرْدِ وغَيْرِهِ، فَشَبَّهَ تِلْكَ الحِجارَةَ الَّتِي رَمى بِها قَوْمَ لُوطٍ بِهِ في الكَثْرَةِ والتَوالِي، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْباءِ، كَأنَّ السَحابُ يُحَصِّبُ مَقْصِدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎ مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَحْصِبُهم ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ
وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ لِأهْلِ المَدِينَةِ: حَصِّبُوا المَسْجِدَ، و"آلُ لُوطٍ": ابْنَتاهُ فِيما رُوِيَ، و"سَحَرٍ" مَصْرُوفٌ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ لَمْ يُرَدْ بِهِ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِعْمَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ إنْعامًا عَلى القَوْمِ الَّذِينَ نَجَّيْناهُمْ، وهَذا هو جَزاؤُنا لِمَن شَكَرَ نِعَمَنا وآمَنَ وأطاعَ.
القمر 54:29
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنّا مُرْسِلُو الناقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مِن شَكَرَ﴾
هَذِهِ الناقَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها أنَّ تَخْرُجَ لَهم مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ مِنَ الجَبَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ -عَلى وُجْهَةِ التَأْنِيسِ- أنَّهُ يُخْرِجُ لَهُمُ الناقَةَ ابْتِلاءً واخْتِبارًا، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِارْتِقابِ الفَرَجِ وبِالصَبْرِ، و"اصْطَبِرْ" أصْلُهُ: اصْتَبَرَ ا"فْتَعَلَ"، أُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِتُناسِبَ الصادَ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخْبِرَ ثَمُودَ بِأنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، وهو ماءُ البِئْرِ كانَ لَهم.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى هَذِهِ القِسْمَةِ، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنهُمْ: قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، يَتَساوُونَ في اليَوْمِ الَّذِي لا تَرِدُهُ الناقَةُ فِيهِ، وذَلِكَ -فِيما رُوِيَ- أنَّ الناقَةَ كانَتْ تَرِدُ البِئْرَ غَبًّا، وتَحْتاجُ جَمِيعَ مائِهِ يَوْمَها، فَنَهاهُمُ اللهُ تَعالى عن أنْ يَسْتَأْثِرَ أهْلُ اليَوْمَ الَّذِي لا تَرِدُ الناقَةُ فِيهِ بِيَوْمِهِمْ، وأمَرَهم بِالتَساوِي مَعَ الَّذِينَ تَرِدُ الناقَةُ في يَوْمِهِمْ. وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: الماءُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ وبَيْنَ الناقَةِ قِسْمَةٌ. "مُحْتَضَرٌ" مَعْناهُ: مَحْضُورٌ مَشْهُودٌ مُتَواسًى فِيهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: "كُلُ شِرْبٍ"، أيْ: مِنَ الماءِ يَوْمًا ومِن لَبَنِ الناقَةِ يَوْمًا "مُحْتَضَرٌ" لَهُمْ، فَكَأنَّهُ أنْبَأهم بِنِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ.
و"صاحِبَهُمْ" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وبِسَبَبِهِ سُمِّيَ الجَزّارُ القُدارُ لِشَبَهٍ في الفِعْلِ، قالَ الشاعِرُ:
؎ إنّا لَنَضْرِبُ بِالسُيُوفِ رُؤُوسَهم ضَرْبَ القِدارِ نَقِيعَةَ القُدّامِ
(p-١٥٠)وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ أمْرِ قِدارِ بْنِ سالِفٍ.
و"تَعاطى" هو مُطاوِعُ "عاطى"، فَكَأنَّ هَذِهِ الفِعْلَةَ تَدافَعُها الناسُ وأعْطاها بَعْضُهم بَعْضًا، فَتَعاطاها هو وتَناوَلَ العُقْرَ بِيَدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُدْخِلُ نَفْسَهُ في تَحَمُّلِ الأُمُورِ الثِقالِ: مُتَعاطٍ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، والأصْلُ "عَطا يَعْطُو" إذا تَناوَلَ، ثُمَّ يُقالُ: عاطى غَيْرَهُ، ثُمَّ يُقالُ: تَعاطى، وهَذا كَما يُقالُ: جَرى وجارى وتَجارى، وهَذا كَثِيرٌ.
ويُرْوى أنَّهُ كانَ مَعَ شَرْبٍ -وَهُمُ التِسْعَةُ رَهْطٍ- فاحْتاجُوا ماءً فَلَمْ يَجِدُوهُ بِسَبَبِ وِرْدِ الناقَةِ، فَحَمَلَهُ أصْحابُهُ عَلى عَقْرِها، ويُرْوى أنَّ مَلَأ القَبِيلِ اجْتَمَعَ عَلى أنَّ عَقْرَها، ورُوِيَتْ أسْبابٌ غَيْرُ هَذَيْنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
و"الصَيْحَةُ" يُرْوى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ صاحَها في طَرَفٍ مِن مَنازِلِهِمْ فَتَفَتَّتُوا وهَمَدُوا وكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ، و"الهَشِيمُ" ما تَهَشَّمَ وتَفَتَّتَ مِنَ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِكَسْرِ الظاءِ، ومَعْناهُ الَّذِي يَصْنَعُ حَظِيرَةً مِنَ الرِعاءِ ونَحْوِهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَظْرِ وهو المَنعُ، والعَرَبُ وأهْلُ البَوادِي يَصْنَعُونَها لِلْمَواشِي والسُكْنى أيْضًا مِنَ الأغْصانِ والشَجَرِ المُورِقِ والقَصَبِ ونَحْوِهِ، ولِهَذا كُلُّهُ هَشِيمٌ يَتَفَتَّتُ، إمّا في أوَّلِ الصَنْعَةِ وإمّا عِنْدَ بَلْيِ الحَظِيرَةِ وتَساقُطِ أجْزائِها، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ "المُحْتَظِرَ" مَعْناهُ: المُحْتَرِقُ، قالَ قَتادَةُ: كَهَشِيمٍ مُحْرِقٍ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ: "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظاءِ، ومَعْناهُ: المَوْضِعُ الَّذِي احْتَظَرَ، فَهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الحَظْرِ، أوِ الشَيْءُ الَّذِي احْتَظَرَ بِهِ، وقَدْ رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ فَسَّرَ "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِأنْ قالَ: هو التُرابُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ الحائِطِ البالِي، وهَذا مُتَوَجِّهٌ، لِأنَّ الحائِطَ حَظِيرَةُ، والساقِطُ هَشِيمٌ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: المُحْتَظِرُ مَعْناهُ: المُحْرِقُ بِالنارِ، أيْ: كَأنَّهُ ما في المَوْضِعِ (p-١٥١)المُحْتَظِرِ بِالنارِ، وما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ هو عَلى قِراءَةِ كَسْرِ الظاءِ، وفي هَذا التَأْوِيلِ بَعْضُ البُعْدِ، وقالَ قَوْمٌ: "المُحْتَظِرَ" بِالفَتْحِ-: الهَشِيمُ نَفْسُهُ، وهو مُفْتَعَلٌ، وهو كَمَسْجِدِ الجامِعِ وشَبْهِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ قِصَصُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ و"الحاصِبُ": السَحابُ الرامِي بِالبَرْدِ وغَيْرِهِ، فَشَبَّهَ تِلْكَ الحِجارَةَ الَّتِي رَمى بِها قَوْمَ لُوطٍ بِهِ في الكَثْرَةِ والتَوالِي، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْباءِ، كَأنَّ السَحابُ يُحَصِّبُ مَقْصِدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎ مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَحْصِبُهم ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ
وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ لِأهْلِ المَدِينَةِ: حَصِّبُوا المَسْجِدَ، و"آلُ لُوطٍ": ابْنَتاهُ فِيما رُوِيَ، و"سَحَرٍ" مَصْرُوفٌ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ لَمْ يُرَدْ بِهِ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِعْمَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ إنْعامًا عَلى القَوْمِ الَّذِينَ نَجَّيْناهُمْ، وهَذا هو جَزاؤُنا لِمَن شَكَرَ نِعَمَنا وآمَنَ وأطاعَ.
القمر 54:30
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنّا مُرْسِلُو الناقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مِن شَكَرَ﴾
هَذِهِ الناقَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها أنَّ تَخْرُجَ لَهم مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ مِنَ الجَبَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ -عَلى وُجْهَةِ التَأْنِيسِ- أنَّهُ يُخْرِجُ لَهُمُ الناقَةَ ابْتِلاءً واخْتِبارًا، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِارْتِقابِ الفَرَجِ وبِالصَبْرِ، و"اصْطَبِرْ" أصْلُهُ: اصْتَبَرَ ا"فْتَعَلَ"، أُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِتُناسِبَ الصادَ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخْبِرَ ثَمُودَ بِأنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، وهو ماءُ البِئْرِ كانَ لَهم.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى هَذِهِ القِسْمَةِ، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنهُمْ: قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، يَتَساوُونَ في اليَوْمِ الَّذِي لا تَرِدُهُ الناقَةُ فِيهِ، وذَلِكَ -فِيما رُوِيَ- أنَّ الناقَةَ كانَتْ تَرِدُ البِئْرَ غَبًّا، وتَحْتاجُ جَمِيعَ مائِهِ يَوْمَها، فَنَهاهُمُ اللهُ تَعالى عن أنْ يَسْتَأْثِرَ أهْلُ اليَوْمَ الَّذِي لا تَرِدُ الناقَةُ فِيهِ بِيَوْمِهِمْ، وأمَرَهم بِالتَساوِي مَعَ الَّذِينَ تَرِدُ الناقَةُ في يَوْمِهِمْ. وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: الماءُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ وبَيْنَ الناقَةِ قِسْمَةٌ. "مُحْتَضَرٌ" مَعْناهُ: مَحْضُورٌ مَشْهُودٌ مُتَواسًى فِيهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: "كُلُ شِرْبٍ"، أيْ: مِنَ الماءِ يَوْمًا ومِن لَبَنِ الناقَةِ يَوْمًا "مُحْتَضَرٌ" لَهُمْ، فَكَأنَّهُ أنْبَأهم بِنِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ.
و"صاحِبَهُمْ" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وبِسَبَبِهِ سُمِّيَ الجَزّارُ القُدارُ لِشَبَهٍ في الفِعْلِ، قالَ الشاعِرُ:
؎ إنّا لَنَضْرِبُ بِالسُيُوفِ رُؤُوسَهم ضَرْبَ القِدارِ نَقِيعَةَ القُدّامِ
(p-١٥٠)وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ أمْرِ قِدارِ بْنِ سالِفٍ.
و"تَعاطى" هو مُطاوِعُ "عاطى"، فَكَأنَّ هَذِهِ الفِعْلَةَ تَدافَعُها الناسُ وأعْطاها بَعْضُهم بَعْضًا، فَتَعاطاها هو وتَناوَلَ العُقْرَ بِيَدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُدْخِلُ نَفْسَهُ في تَحَمُّلِ الأُمُورِ الثِقالِ: مُتَعاطٍ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، والأصْلُ "عَطا يَعْطُو" إذا تَناوَلَ، ثُمَّ يُقالُ: عاطى غَيْرَهُ، ثُمَّ يُقالُ: تَعاطى، وهَذا كَما يُقالُ: جَرى وجارى وتَجارى، وهَذا كَثِيرٌ.
ويُرْوى أنَّهُ كانَ مَعَ شَرْبٍ -وَهُمُ التِسْعَةُ رَهْطٍ- فاحْتاجُوا ماءً فَلَمْ يَجِدُوهُ بِسَبَبِ وِرْدِ الناقَةِ، فَحَمَلَهُ أصْحابُهُ عَلى عَقْرِها، ويُرْوى أنَّ مَلَأ القَبِيلِ اجْتَمَعَ عَلى أنَّ عَقْرَها، ورُوِيَتْ أسْبابٌ غَيْرُ هَذَيْنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
و"الصَيْحَةُ" يُرْوى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ صاحَها في طَرَفٍ مِن مَنازِلِهِمْ فَتَفَتَّتُوا وهَمَدُوا وكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ، و"الهَشِيمُ" ما تَهَشَّمَ وتَفَتَّتَ مِنَ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِكَسْرِ الظاءِ، ومَعْناهُ الَّذِي يَصْنَعُ حَظِيرَةً مِنَ الرِعاءِ ونَحْوِهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَظْرِ وهو المَنعُ، والعَرَبُ وأهْلُ البَوادِي يَصْنَعُونَها لِلْمَواشِي والسُكْنى أيْضًا مِنَ الأغْصانِ والشَجَرِ المُورِقِ والقَصَبِ ونَحْوِهِ، ولِهَذا كُلُّهُ هَشِيمٌ يَتَفَتَّتُ، إمّا في أوَّلِ الصَنْعَةِ وإمّا عِنْدَ بَلْيِ الحَظِيرَةِ وتَساقُطِ أجْزائِها، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ "المُحْتَظِرَ" مَعْناهُ: المُحْتَرِقُ، قالَ قَتادَةُ: كَهَشِيمٍ مُحْرِقٍ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ: "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظاءِ، ومَعْناهُ: المَوْضِعُ الَّذِي احْتَظَرَ، فَهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الحَظْرِ، أوِ الشَيْءُ الَّذِي احْتَظَرَ بِهِ، وقَدْ رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ فَسَّرَ "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِأنْ قالَ: هو التُرابُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ الحائِطِ البالِي، وهَذا مُتَوَجِّهٌ، لِأنَّ الحائِطَ حَظِيرَةُ، والساقِطُ هَشِيمٌ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: المُحْتَظِرُ مَعْناهُ: المُحْرِقُ بِالنارِ، أيْ: كَأنَّهُ ما في المَوْضِعِ (p-١٥١)المُحْتَظِرِ بِالنارِ، وما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ هو عَلى قِراءَةِ كَسْرِ الظاءِ، وفي هَذا التَأْوِيلِ بَعْضُ البُعْدِ، وقالَ قَوْمٌ: "المُحْتَظِرَ" بِالفَتْحِ-: الهَشِيمُ نَفْسُهُ، وهو مُفْتَعَلٌ، وهو كَمَسْجِدِ الجامِعِ وشَبْهِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ قِصَصُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ و"الحاصِبُ": السَحابُ الرامِي بِالبَرْدِ وغَيْرِهِ، فَشَبَّهَ تِلْكَ الحِجارَةَ الَّتِي رَمى بِها قَوْمَ لُوطٍ بِهِ في الكَثْرَةِ والتَوالِي، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْباءِ، كَأنَّ السَحابُ يُحَصِّبُ مَقْصِدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎ مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَحْصِبُهم ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ
وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ لِأهْلِ المَدِينَةِ: حَصِّبُوا المَسْجِدَ، و"آلُ لُوطٍ": ابْنَتاهُ فِيما رُوِيَ، و"سَحَرٍ" مَصْرُوفٌ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ لَمْ يُرَدْ بِهِ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِعْمَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ إنْعامًا عَلى القَوْمِ الَّذِينَ نَجَّيْناهُمْ، وهَذا هو جَزاؤُنا لِمَن شَكَرَ نِعَمَنا وآمَنَ وأطاعَ.
القمر 54:31
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنّا مُرْسِلُو الناقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مِن شَكَرَ﴾
هَذِهِ الناقَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها أنَّ تَخْرُجَ لَهم مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ مِنَ الجَبَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ -عَلى وُجْهَةِ التَأْنِيسِ- أنَّهُ يُخْرِجُ لَهُمُ الناقَةَ ابْتِلاءً واخْتِبارًا، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِارْتِقابِ الفَرَجِ وبِالصَبْرِ، و"اصْطَبِرْ" أصْلُهُ: اصْتَبَرَ ا"فْتَعَلَ"، أُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِتُناسِبَ الصادَ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخْبِرَ ثَمُودَ بِأنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، وهو ماءُ البِئْرِ كانَ لَهم.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى هَذِهِ القِسْمَةِ، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنهُمْ: قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، يَتَساوُونَ في اليَوْمِ الَّذِي لا تَرِدُهُ الناقَةُ فِيهِ، وذَلِكَ -فِيما رُوِيَ- أنَّ الناقَةَ كانَتْ تَرِدُ البِئْرَ غَبًّا، وتَحْتاجُ جَمِيعَ مائِهِ يَوْمَها، فَنَهاهُمُ اللهُ تَعالى عن أنْ يَسْتَأْثِرَ أهْلُ اليَوْمَ الَّذِي لا تَرِدُ الناقَةُ فِيهِ بِيَوْمِهِمْ، وأمَرَهم بِالتَساوِي مَعَ الَّذِينَ تَرِدُ الناقَةُ في يَوْمِهِمْ. وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: الماءُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ وبَيْنَ الناقَةِ قِسْمَةٌ. "مُحْتَضَرٌ" مَعْناهُ: مَحْضُورٌ مَشْهُودٌ مُتَواسًى فِيهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: "كُلُ شِرْبٍ"، أيْ: مِنَ الماءِ يَوْمًا ومِن لَبَنِ الناقَةِ يَوْمًا "مُحْتَضَرٌ" لَهُمْ، فَكَأنَّهُ أنْبَأهم بِنِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ.
و"صاحِبَهُمْ" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وبِسَبَبِهِ سُمِّيَ الجَزّارُ القُدارُ لِشَبَهٍ في الفِعْلِ، قالَ الشاعِرُ:
؎ إنّا لَنَضْرِبُ بِالسُيُوفِ رُؤُوسَهم ضَرْبَ القِدارِ نَقِيعَةَ القُدّامِ
(p-١٥٠)وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ أمْرِ قِدارِ بْنِ سالِفٍ.
و"تَعاطى" هو مُطاوِعُ "عاطى"، فَكَأنَّ هَذِهِ الفِعْلَةَ تَدافَعُها الناسُ وأعْطاها بَعْضُهم بَعْضًا، فَتَعاطاها هو وتَناوَلَ العُقْرَ بِيَدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُدْخِلُ نَفْسَهُ في تَحَمُّلِ الأُمُورِ الثِقالِ: مُتَعاطٍ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، والأصْلُ "عَطا يَعْطُو" إذا تَناوَلَ، ثُمَّ يُقالُ: عاطى غَيْرَهُ، ثُمَّ يُقالُ: تَعاطى، وهَذا كَما يُقالُ: جَرى وجارى وتَجارى، وهَذا كَثِيرٌ.
ويُرْوى أنَّهُ كانَ مَعَ شَرْبٍ -وَهُمُ التِسْعَةُ رَهْطٍ- فاحْتاجُوا ماءً فَلَمْ يَجِدُوهُ بِسَبَبِ وِرْدِ الناقَةِ، فَحَمَلَهُ أصْحابُهُ عَلى عَقْرِها، ويُرْوى أنَّ مَلَأ القَبِيلِ اجْتَمَعَ عَلى أنَّ عَقْرَها، ورُوِيَتْ أسْبابٌ غَيْرُ هَذَيْنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
و"الصَيْحَةُ" يُرْوى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ صاحَها في طَرَفٍ مِن مَنازِلِهِمْ فَتَفَتَّتُوا وهَمَدُوا وكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ، و"الهَشِيمُ" ما تَهَشَّمَ وتَفَتَّتَ مِنَ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِكَسْرِ الظاءِ، ومَعْناهُ الَّذِي يَصْنَعُ حَظِيرَةً مِنَ الرِعاءِ ونَحْوِهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَظْرِ وهو المَنعُ، والعَرَبُ وأهْلُ البَوادِي يَصْنَعُونَها لِلْمَواشِي والسُكْنى أيْضًا مِنَ الأغْصانِ والشَجَرِ المُورِقِ والقَصَبِ ونَحْوِهِ، ولِهَذا كُلُّهُ هَشِيمٌ يَتَفَتَّتُ، إمّا في أوَّلِ الصَنْعَةِ وإمّا عِنْدَ بَلْيِ الحَظِيرَةِ وتَساقُطِ أجْزائِها، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ "المُحْتَظِرَ" مَعْناهُ: المُحْتَرِقُ، قالَ قَتادَةُ: كَهَشِيمٍ مُحْرِقٍ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ: "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظاءِ، ومَعْناهُ: المَوْضِعُ الَّذِي احْتَظَرَ، فَهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الحَظْرِ، أوِ الشَيْءُ الَّذِي احْتَظَرَ بِهِ، وقَدْ رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ فَسَّرَ "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِأنْ قالَ: هو التُرابُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ الحائِطِ البالِي، وهَذا مُتَوَجِّهٌ، لِأنَّ الحائِطَ حَظِيرَةُ، والساقِطُ هَشِيمٌ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: المُحْتَظِرُ مَعْناهُ: المُحْرِقُ بِالنارِ، أيْ: كَأنَّهُ ما في المَوْضِعِ (p-١٥١)المُحْتَظِرِ بِالنارِ، وما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ هو عَلى قِراءَةِ كَسْرِ الظاءِ، وفي هَذا التَأْوِيلِ بَعْضُ البُعْدِ، وقالَ قَوْمٌ: "المُحْتَظِرَ" بِالفَتْحِ-: الهَشِيمُ نَفْسُهُ، وهو مُفْتَعَلٌ، وهو كَمَسْجِدِ الجامِعِ وشَبْهِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ قِصَصُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ و"الحاصِبُ": السَحابُ الرامِي بِالبَرْدِ وغَيْرِهِ، فَشَبَّهَ تِلْكَ الحِجارَةَ الَّتِي رَمى بِها قَوْمَ لُوطٍ بِهِ في الكَثْرَةِ والتَوالِي، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْباءِ، كَأنَّ السَحابُ يُحَصِّبُ مَقْصِدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎ مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَحْصِبُهم ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ
وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ لِأهْلِ المَدِينَةِ: حَصِّبُوا المَسْجِدَ، و"آلُ لُوطٍ": ابْنَتاهُ فِيما رُوِيَ، و"سَحَرٍ" مَصْرُوفٌ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ لَمْ يُرَدْ بِهِ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِعْمَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ إنْعامًا عَلى القَوْمِ الَّذِينَ نَجَّيْناهُمْ، وهَذا هو جَزاؤُنا لِمَن شَكَرَ نِعَمَنا وآمَنَ وأطاعَ.
القمر 54:32
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنّا مُرْسِلُو الناقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مِن شَكَرَ﴾
هَذِهِ الناقَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها أنَّ تَخْرُجَ لَهم مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ مِنَ الجَبَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ -عَلى وُجْهَةِ التَأْنِيسِ- أنَّهُ يُخْرِجُ لَهُمُ الناقَةَ ابْتِلاءً واخْتِبارًا، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِارْتِقابِ الفَرَجِ وبِالصَبْرِ، و"اصْطَبِرْ" أصْلُهُ: اصْتَبَرَ ا"فْتَعَلَ"، أُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِتُناسِبَ الصادَ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخْبِرَ ثَمُودَ بِأنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، وهو ماءُ البِئْرِ كانَ لَهم.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى هَذِهِ القِسْمَةِ، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنهُمْ: قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، يَتَساوُونَ في اليَوْمِ الَّذِي لا تَرِدُهُ الناقَةُ فِيهِ، وذَلِكَ -فِيما رُوِيَ- أنَّ الناقَةَ كانَتْ تَرِدُ البِئْرَ غَبًّا، وتَحْتاجُ جَمِيعَ مائِهِ يَوْمَها، فَنَهاهُمُ اللهُ تَعالى عن أنْ يَسْتَأْثِرَ أهْلُ اليَوْمَ الَّذِي لا تَرِدُ الناقَةُ فِيهِ بِيَوْمِهِمْ، وأمَرَهم بِالتَساوِي مَعَ الَّذِينَ تَرِدُ الناقَةُ في يَوْمِهِمْ. وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: الماءُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ وبَيْنَ الناقَةِ قِسْمَةٌ. "مُحْتَضَرٌ" مَعْناهُ: مَحْضُورٌ مَشْهُودٌ مُتَواسًى فِيهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: "كُلُ شِرْبٍ"، أيْ: مِنَ الماءِ يَوْمًا ومِن لَبَنِ الناقَةِ يَوْمًا "مُحْتَضَرٌ" لَهُمْ، فَكَأنَّهُ أنْبَأهم بِنِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ.
و"صاحِبَهُمْ" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وبِسَبَبِهِ سُمِّيَ الجَزّارُ القُدارُ لِشَبَهٍ في الفِعْلِ، قالَ الشاعِرُ:
؎ إنّا لَنَضْرِبُ بِالسُيُوفِ رُؤُوسَهم ضَرْبَ القِدارِ نَقِيعَةَ القُدّامِ
(p-١٥٠)وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ أمْرِ قِدارِ بْنِ سالِفٍ.
و"تَعاطى" هو مُطاوِعُ "عاطى"، فَكَأنَّ هَذِهِ الفِعْلَةَ تَدافَعُها الناسُ وأعْطاها بَعْضُهم بَعْضًا، فَتَعاطاها هو وتَناوَلَ العُقْرَ بِيَدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُدْخِلُ نَفْسَهُ في تَحَمُّلِ الأُمُورِ الثِقالِ: مُتَعاطٍ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، والأصْلُ "عَطا يَعْطُو" إذا تَناوَلَ، ثُمَّ يُقالُ: عاطى غَيْرَهُ، ثُمَّ يُقالُ: تَعاطى، وهَذا كَما يُقالُ: جَرى وجارى وتَجارى، وهَذا كَثِيرٌ.
ويُرْوى أنَّهُ كانَ مَعَ شَرْبٍ -وَهُمُ التِسْعَةُ رَهْطٍ- فاحْتاجُوا ماءً فَلَمْ يَجِدُوهُ بِسَبَبِ وِرْدِ الناقَةِ، فَحَمَلَهُ أصْحابُهُ عَلى عَقْرِها، ويُرْوى أنَّ مَلَأ القَبِيلِ اجْتَمَعَ عَلى أنَّ عَقْرَها، ورُوِيَتْ أسْبابٌ غَيْرُ هَذَيْنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
و"الصَيْحَةُ" يُرْوى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ صاحَها في طَرَفٍ مِن مَنازِلِهِمْ فَتَفَتَّتُوا وهَمَدُوا وكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ، و"الهَشِيمُ" ما تَهَشَّمَ وتَفَتَّتَ مِنَ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِكَسْرِ الظاءِ، ومَعْناهُ الَّذِي يَصْنَعُ حَظِيرَةً مِنَ الرِعاءِ ونَحْوِهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَظْرِ وهو المَنعُ، والعَرَبُ وأهْلُ البَوادِي يَصْنَعُونَها لِلْمَواشِي والسُكْنى أيْضًا مِنَ الأغْصانِ والشَجَرِ المُورِقِ والقَصَبِ ونَحْوِهِ، ولِهَذا كُلُّهُ هَشِيمٌ يَتَفَتَّتُ، إمّا في أوَّلِ الصَنْعَةِ وإمّا عِنْدَ بَلْيِ الحَظِيرَةِ وتَساقُطِ أجْزائِها، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ "المُحْتَظِرَ" مَعْناهُ: المُحْتَرِقُ، قالَ قَتادَةُ: كَهَشِيمٍ مُحْرِقٍ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ: "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظاءِ، ومَعْناهُ: المَوْضِعُ الَّذِي احْتَظَرَ، فَهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الحَظْرِ، أوِ الشَيْءُ الَّذِي احْتَظَرَ بِهِ، وقَدْ رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ فَسَّرَ "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِأنْ قالَ: هو التُرابُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ الحائِطِ البالِي، وهَذا مُتَوَجِّهٌ، لِأنَّ الحائِطَ حَظِيرَةُ، والساقِطُ هَشِيمٌ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: المُحْتَظِرُ مَعْناهُ: المُحْرِقُ بِالنارِ، أيْ: كَأنَّهُ ما في المَوْضِعِ (p-١٥١)المُحْتَظِرِ بِالنارِ، وما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ هو عَلى قِراءَةِ كَسْرِ الظاءِ، وفي هَذا التَأْوِيلِ بَعْضُ البُعْدِ، وقالَ قَوْمٌ: "المُحْتَظِرَ" بِالفَتْحِ-: الهَشِيمُ نَفْسُهُ، وهو مُفْتَعَلٌ، وهو كَمَسْجِدِ الجامِعِ وشَبْهِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ قِصَصُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ و"الحاصِبُ": السَحابُ الرامِي بِالبَرْدِ وغَيْرِهِ، فَشَبَّهَ تِلْكَ الحِجارَةَ الَّتِي رَمى بِها قَوْمَ لُوطٍ بِهِ في الكَثْرَةِ والتَوالِي، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْباءِ، كَأنَّ السَحابُ يُحَصِّبُ مَقْصِدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎ مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَحْصِبُهم ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ
وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ لِأهْلِ المَدِينَةِ: حَصِّبُوا المَسْجِدَ، و"آلُ لُوطٍ": ابْنَتاهُ فِيما رُوِيَ، و"سَحَرٍ" مَصْرُوفٌ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ لَمْ يُرَدْ بِهِ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِعْمَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ إنْعامًا عَلى القَوْمِ الَّذِينَ نَجَّيْناهُمْ، وهَذا هو جَزاؤُنا لِمَن شَكَرَ نِعَمَنا وآمَنَ وأطاعَ.
القمر 54:33
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنّا مُرْسِلُو الناقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مِن شَكَرَ﴾
هَذِهِ الناقَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها أنَّ تَخْرُجَ لَهم مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ مِنَ الجَبَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ -عَلى وُجْهَةِ التَأْنِيسِ- أنَّهُ يُخْرِجُ لَهُمُ الناقَةَ ابْتِلاءً واخْتِبارًا، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِارْتِقابِ الفَرَجِ وبِالصَبْرِ، و"اصْطَبِرْ" أصْلُهُ: اصْتَبَرَ ا"فْتَعَلَ"، أُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِتُناسِبَ الصادَ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخْبِرَ ثَمُودَ بِأنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، وهو ماءُ البِئْرِ كانَ لَهم.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى هَذِهِ القِسْمَةِ، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنهُمْ: قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، يَتَساوُونَ في اليَوْمِ الَّذِي لا تَرِدُهُ الناقَةُ فِيهِ، وذَلِكَ -فِيما رُوِيَ- أنَّ الناقَةَ كانَتْ تَرِدُ البِئْرَ غَبًّا، وتَحْتاجُ جَمِيعَ مائِهِ يَوْمَها، فَنَهاهُمُ اللهُ تَعالى عن أنْ يَسْتَأْثِرَ أهْلُ اليَوْمَ الَّذِي لا تَرِدُ الناقَةُ فِيهِ بِيَوْمِهِمْ، وأمَرَهم بِالتَساوِي مَعَ الَّذِينَ تَرِدُ الناقَةُ في يَوْمِهِمْ. وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: الماءُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ وبَيْنَ الناقَةِ قِسْمَةٌ. "مُحْتَضَرٌ" مَعْناهُ: مَحْضُورٌ مَشْهُودٌ مُتَواسًى فِيهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: "كُلُ شِرْبٍ"، أيْ: مِنَ الماءِ يَوْمًا ومِن لَبَنِ الناقَةِ يَوْمًا "مُحْتَضَرٌ" لَهُمْ، فَكَأنَّهُ أنْبَأهم بِنِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ.
و"صاحِبَهُمْ" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وبِسَبَبِهِ سُمِّيَ الجَزّارُ القُدارُ لِشَبَهٍ في الفِعْلِ، قالَ الشاعِرُ:
؎ إنّا لَنَضْرِبُ بِالسُيُوفِ رُؤُوسَهم ضَرْبَ القِدارِ نَقِيعَةَ القُدّامِ
(p-١٥٠)وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ أمْرِ قِدارِ بْنِ سالِفٍ.
و"تَعاطى" هو مُطاوِعُ "عاطى"، فَكَأنَّ هَذِهِ الفِعْلَةَ تَدافَعُها الناسُ وأعْطاها بَعْضُهم بَعْضًا، فَتَعاطاها هو وتَناوَلَ العُقْرَ بِيَدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُدْخِلُ نَفْسَهُ في تَحَمُّلِ الأُمُورِ الثِقالِ: مُتَعاطٍ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، والأصْلُ "عَطا يَعْطُو" إذا تَناوَلَ، ثُمَّ يُقالُ: عاطى غَيْرَهُ، ثُمَّ يُقالُ: تَعاطى، وهَذا كَما يُقالُ: جَرى وجارى وتَجارى، وهَذا كَثِيرٌ.
ويُرْوى أنَّهُ كانَ مَعَ شَرْبٍ -وَهُمُ التِسْعَةُ رَهْطٍ- فاحْتاجُوا ماءً فَلَمْ يَجِدُوهُ بِسَبَبِ وِرْدِ الناقَةِ، فَحَمَلَهُ أصْحابُهُ عَلى عَقْرِها، ويُرْوى أنَّ مَلَأ القَبِيلِ اجْتَمَعَ عَلى أنَّ عَقْرَها، ورُوِيَتْ أسْبابٌ غَيْرُ هَذَيْنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
و"الصَيْحَةُ" يُرْوى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ صاحَها في طَرَفٍ مِن مَنازِلِهِمْ فَتَفَتَّتُوا وهَمَدُوا وكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ، و"الهَشِيمُ" ما تَهَشَّمَ وتَفَتَّتَ مِنَ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِكَسْرِ الظاءِ، ومَعْناهُ الَّذِي يَصْنَعُ حَظِيرَةً مِنَ الرِعاءِ ونَحْوِهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَظْرِ وهو المَنعُ، والعَرَبُ وأهْلُ البَوادِي يَصْنَعُونَها لِلْمَواشِي والسُكْنى أيْضًا مِنَ الأغْصانِ والشَجَرِ المُورِقِ والقَصَبِ ونَحْوِهِ، ولِهَذا كُلُّهُ هَشِيمٌ يَتَفَتَّتُ، إمّا في أوَّلِ الصَنْعَةِ وإمّا عِنْدَ بَلْيِ الحَظِيرَةِ وتَساقُطِ أجْزائِها، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ "المُحْتَظِرَ" مَعْناهُ: المُحْتَرِقُ، قالَ قَتادَةُ: كَهَشِيمٍ مُحْرِقٍ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ: "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظاءِ، ومَعْناهُ: المَوْضِعُ الَّذِي احْتَظَرَ، فَهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الحَظْرِ، أوِ الشَيْءُ الَّذِي احْتَظَرَ بِهِ، وقَدْ رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ فَسَّرَ "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِأنْ قالَ: هو التُرابُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ الحائِطِ البالِي، وهَذا مُتَوَجِّهٌ، لِأنَّ الحائِطَ حَظِيرَةُ، والساقِطُ هَشِيمٌ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: المُحْتَظِرُ مَعْناهُ: المُحْرِقُ بِالنارِ، أيْ: كَأنَّهُ ما في المَوْضِعِ (p-١٥١)المُحْتَظِرِ بِالنارِ، وما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ هو عَلى قِراءَةِ كَسْرِ الظاءِ، وفي هَذا التَأْوِيلِ بَعْضُ البُعْدِ، وقالَ قَوْمٌ: "المُحْتَظِرَ" بِالفَتْحِ-: الهَشِيمُ نَفْسُهُ، وهو مُفْتَعَلٌ، وهو كَمَسْجِدِ الجامِعِ وشَبْهِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ قِصَصُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ و"الحاصِبُ": السَحابُ الرامِي بِالبَرْدِ وغَيْرِهِ، فَشَبَّهَ تِلْكَ الحِجارَةَ الَّتِي رَمى بِها قَوْمَ لُوطٍ بِهِ في الكَثْرَةِ والتَوالِي، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْباءِ، كَأنَّ السَحابُ يُحَصِّبُ مَقْصِدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎ مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَحْصِبُهم ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ
وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ لِأهْلِ المَدِينَةِ: حَصِّبُوا المَسْجِدَ، و"آلُ لُوطٍ": ابْنَتاهُ فِيما رُوِيَ، و"سَحَرٍ" مَصْرُوفٌ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ لَمْ يُرَدْ بِهِ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِعْمَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ إنْعامًا عَلى القَوْمِ الَّذِينَ نَجَّيْناهُمْ، وهَذا هو جَزاؤُنا لِمَن شَكَرَ نِعَمَنا وآمَنَ وأطاعَ.
القمر 54:34
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنّا مُرْسِلُو الناقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مِن شَكَرَ﴾
هَذِهِ الناقَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها أنَّ تَخْرُجَ لَهم مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ مِنَ الجَبَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ -عَلى وُجْهَةِ التَأْنِيسِ- أنَّهُ يُخْرِجُ لَهُمُ الناقَةَ ابْتِلاءً واخْتِبارًا، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِارْتِقابِ الفَرَجِ وبِالصَبْرِ، و"اصْطَبِرْ" أصْلُهُ: اصْتَبَرَ ا"فْتَعَلَ"، أُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِتُناسِبَ الصادَ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخْبِرَ ثَمُودَ بِأنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، وهو ماءُ البِئْرِ كانَ لَهم.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى هَذِهِ القِسْمَةِ، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنهُمْ: قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، يَتَساوُونَ في اليَوْمِ الَّذِي لا تَرِدُهُ الناقَةُ فِيهِ، وذَلِكَ -فِيما رُوِيَ- أنَّ الناقَةَ كانَتْ تَرِدُ البِئْرَ غَبًّا، وتَحْتاجُ جَمِيعَ مائِهِ يَوْمَها، فَنَهاهُمُ اللهُ تَعالى عن أنْ يَسْتَأْثِرَ أهْلُ اليَوْمَ الَّذِي لا تَرِدُ الناقَةُ فِيهِ بِيَوْمِهِمْ، وأمَرَهم بِالتَساوِي مَعَ الَّذِينَ تَرِدُ الناقَةُ في يَوْمِهِمْ. وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: الماءُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ وبَيْنَ الناقَةِ قِسْمَةٌ. "مُحْتَضَرٌ" مَعْناهُ: مَحْضُورٌ مَشْهُودٌ مُتَواسًى فِيهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: "كُلُ شِرْبٍ"، أيْ: مِنَ الماءِ يَوْمًا ومِن لَبَنِ الناقَةِ يَوْمًا "مُحْتَضَرٌ" لَهُمْ، فَكَأنَّهُ أنْبَأهم بِنِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ.
و"صاحِبَهُمْ" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وبِسَبَبِهِ سُمِّيَ الجَزّارُ القُدارُ لِشَبَهٍ في الفِعْلِ، قالَ الشاعِرُ:
؎ إنّا لَنَضْرِبُ بِالسُيُوفِ رُؤُوسَهم ضَرْبَ القِدارِ نَقِيعَةَ القُدّامِ
(p-١٥٠)وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ أمْرِ قِدارِ بْنِ سالِفٍ.
و"تَعاطى" هو مُطاوِعُ "عاطى"، فَكَأنَّ هَذِهِ الفِعْلَةَ تَدافَعُها الناسُ وأعْطاها بَعْضُهم بَعْضًا، فَتَعاطاها هو وتَناوَلَ العُقْرَ بِيَدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُدْخِلُ نَفْسَهُ في تَحَمُّلِ الأُمُورِ الثِقالِ: مُتَعاطٍ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، والأصْلُ "عَطا يَعْطُو" إذا تَناوَلَ، ثُمَّ يُقالُ: عاطى غَيْرَهُ، ثُمَّ يُقالُ: تَعاطى، وهَذا كَما يُقالُ: جَرى وجارى وتَجارى، وهَذا كَثِيرٌ.
ويُرْوى أنَّهُ كانَ مَعَ شَرْبٍ -وَهُمُ التِسْعَةُ رَهْطٍ- فاحْتاجُوا ماءً فَلَمْ يَجِدُوهُ بِسَبَبِ وِرْدِ الناقَةِ، فَحَمَلَهُ أصْحابُهُ عَلى عَقْرِها، ويُرْوى أنَّ مَلَأ القَبِيلِ اجْتَمَعَ عَلى أنَّ عَقْرَها، ورُوِيَتْ أسْبابٌ غَيْرُ هَذَيْنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
و"الصَيْحَةُ" يُرْوى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ صاحَها في طَرَفٍ مِن مَنازِلِهِمْ فَتَفَتَّتُوا وهَمَدُوا وكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ، و"الهَشِيمُ" ما تَهَشَّمَ وتَفَتَّتَ مِنَ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِكَسْرِ الظاءِ، ومَعْناهُ الَّذِي يَصْنَعُ حَظِيرَةً مِنَ الرِعاءِ ونَحْوِهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَظْرِ وهو المَنعُ، والعَرَبُ وأهْلُ البَوادِي يَصْنَعُونَها لِلْمَواشِي والسُكْنى أيْضًا مِنَ الأغْصانِ والشَجَرِ المُورِقِ والقَصَبِ ونَحْوِهِ، ولِهَذا كُلُّهُ هَشِيمٌ يَتَفَتَّتُ، إمّا في أوَّلِ الصَنْعَةِ وإمّا عِنْدَ بَلْيِ الحَظِيرَةِ وتَساقُطِ أجْزائِها، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ "المُحْتَظِرَ" مَعْناهُ: المُحْتَرِقُ، قالَ قَتادَةُ: كَهَشِيمٍ مُحْرِقٍ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ: "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظاءِ، ومَعْناهُ: المَوْضِعُ الَّذِي احْتَظَرَ، فَهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الحَظْرِ، أوِ الشَيْءُ الَّذِي احْتَظَرَ بِهِ، وقَدْ رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ فَسَّرَ "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِأنْ قالَ: هو التُرابُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ الحائِطِ البالِي، وهَذا مُتَوَجِّهٌ، لِأنَّ الحائِطَ حَظِيرَةُ، والساقِطُ هَشِيمٌ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: المُحْتَظِرُ مَعْناهُ: المُحْرِقُ بِالنارِ، أيْ: كَأنَّهُ ما في المَوْضِعِ (p-١٥١)المُحْتَظِرِ بِالنارِ، وما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ هو عَلى قِراءَةِ كَسْرِ الظاءِ، وفي هَذا التَأْوِيلِ بَعْضُ البُعْدِ، وقالَ قَوْمٌ: "المُحْتَظِرَ" بِالفَتْحِ-: الهَشِيمُ نَفْسُهُ، وهو مُفْتَعَلٌ، وهو كَمَسْجِدِ الجامِعِ وشَبْهِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ قِصَصُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ و"الحاصِبُ": السَحابُ الرامِي بِالبَرْدِ وغَيْرِهِ، فَشَبَّهَ تِلْكَ الحِجارَةَ الَّتِي رَمى بِها قَوْمَ لُوطٍ بِهِ في الكَثْرَةِ والتَوالِي، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْباءِ، كَأنَّ السَحابُ يُحَصِّبُ مَقْصِدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎ مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَحْصِبُهم ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ
وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ لِأهْلِ المَدِينَةِ: حَصِّبُوا المَسْجِدَ، و"آلُ لُوطٍ": ابْنَتاهُ فِيما رُوِيَ، و"سَحَرٍ" مَصْرُوفٌ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ لَمْ يُرَدْ بِهِ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِعْمَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ إنْعامًا عَلى القَوْمِ الَّذِينَ نَجَّيْناهُمْ، وهَذا هو جَزاؤُنا لِمَن شَكَرَ نِعَمَنا وآمَنَ وأطاعَ.
القمر 54:35
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنّا مُرْسِلُو الناقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُذُرِ﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مِن شَكَرَ﴾
هَذِهِ الناقَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها أنَّ تَخْرُجَ لَهم مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ مِنَ الجَبَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ -عَلى وُجْهَةِ التَأْنِيسِ- أنَّهُ يُخْرِجُ لَهُمُ الناقَةَ ابْتِلاءً واخْتِبارًا، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِارْتِقابِ الفَرَجِ وبِالصَبْرِ، و"اصْطَبِرْ" أصْلُهُ: اصْتَبَرَ ا"فْتَعَلَ"، أُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِتُناسِبَ الصادَ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخْبِرَ ثَمُودَ بِأنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، وهو ماءُ البِئْرِ كانَ لَهم.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى هَذِهِ القِسْمَةِ، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنهُمْ: قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، يَتَساوُونَ في اليَوْمِ الَّذِي لا تَرِدُهُ الناقَةُ فِيهِ، وذَلِكَ -فِيما رُوِيَ- أنَّ الناقَةَ كانَتْ تَرِدُ البِئْرَ غَبًّا، وتَحْتاجُ جَمِيعَ مائِهِ يَوْمَها، فَنَهاهُمُ اللهُ تَعالى عن أنْ يَسْتَأْثِرَ أهْلُ اليَوْمَ الَّذِي لا تَرِدُ الناقَةُ فِيهِ بِيَوْمِهِمْ، وأمَرَهم بِالتَساوِي مَعَ الَّذِينَ تَرِدُ الناقَةُ في يَوْمِهِمْ. وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: الماءُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ وبَيْنَ الناقَةِ قِسْمَةٌ. "مُحْتَضَرٌ" مَعْناهُ: مَحْضُورٌ مَشْهُودٌ مُتَواسًى فِيهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: "كُلُ شِرْبٍ"، أيْ: مِنَ الماءِ يَوْمًا ومِن لَبَنِ الناقَةِ يَوْمًا "مُحْتَضَرٌ" لَهُمْ، فَكَأنَّهُ أنْبَأهم بِنِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ.
و"صاحِبَهُمْ" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وبِسَبَبِهِ سُمِّيَ الجَزّارُ القُدارُ لِشَبَهٍ في الفِعْلِ، قالَ الشاعِرُ:
؎ إنّا لَنَضْرِبُ بِالسُيُوفِ رُؤُوسَهم ضَرْبَ القِدارِ نَقِيعَةَ القُدّامِ
(p-١٥٠)وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ أمْرِ قِدارِ بْنِ سالِفٍ.
و"تَعاطى" هو مُطاوِعُ "عاطى"، فَكَأنَّ هَذِهِ الفِعْلَةَ تَدافَعُها الناسُ وأعْطاها بَعْضُهم بَعْضًا، فَتَعاطاها هو وتَناوَلَ العُقْرَ بِيَدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُدْخِلُ نَفْسَهُ في تَحَمُّلِ الأُمُورِ الثِقالِ: مُتَعاطٍ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، والأصْلُ "عَطا يَعْطُو" إذا تَناوَلَ، ثُمَّ يُقالُ: عاطى غَيْرَهُ، ثُمَّ يُقالُ: تَعاطى، وهَذا كَما يُقالُ: جَرى وجارى وتَجارى، وهَذا كَثِيرٌ.
ويُرْوى أنَّهُ كانَ مَعَ شَرْبٍ -وَهُمُ التِسْعَةُ رَهْطٍ- فاحْتاجُوا ماءً فَلَمْ يَجِدُوهُ بِسَبَبِ وِرْدِ الناقَةِ، فَحَمَلَهُ أصْحابُهُ عَلى عَقْرِها، ويُرْوى أنَّ مَلَأ القَبِيلِ اجْتَمَعَ عَلى أنَّ عَقْرَها، ورُوِيَتْ أسْبابٌ غَيْرُ هَذَيْنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
و"الصَيْحَةُ" يُرْوى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ صاحَها في طَرَفٍ مِن مَنازِلِهِمْ فَتَفَتَّتُوا وهَمَدُوا وكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ، و"الهَشِيمُ" ما تَهَشَّمَ وتَفَتَّتَ مِنَ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِكَسْرِ الظاءِ، ومَعْناهُ الَّذِي يَصْنَعُ حَظِيرَةً مِنَ الرِعاءِ ونَحْوِهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَظْرِ وهو المَنعُ، والعَرَبُ وأهْلُ البَوادِي يَصْنَعُونَها لِلْمَواشِي والسُكْنى أيْضًا مِنَ الأغْصانِ والشَجَرِ المُورِقِ والقَصَبِ ونَحْوِهِ، ولِهَذا كُلُّهُ هَشِيمٌ يَتَفَتَّتُ، إمّا في أوَّلِ الصَنْعَةِ وإمّا عِنْدَ بَلْيِ الحَظِيرَةِ وتَساقُطِ أجْزائِها، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ "المُحْتَظِرَ" مَعْناهُ: المُحْتَرِقُ، قالَ قَتادَةُ: كَهَشِيمٍ مُحْرِقٍ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ: "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظاءِ، ومَعْناهُ: المَوْضِعُ الَّذِي احْتَظَرَ، فَهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الحَظْرِ، أوِ الشَيْءُ الَّذِي احْتَظَرَ بِهِ، وقَدْ رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ فَسَّرَ "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِأنْ قالَ: هو التُرابُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ الحائِطِ البالِي، وهَذا مُتَوَجِّهٌ، لِأنَّ الحائِطَ حَظِيرَةُ، والساقِطُ هَشِيمٌ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: المُحْتَظِرُ مَعْناهُ: المُحْرِقُ بِالنارِ، أيْ: كَأنَّهُ ما في المَوْضِعِ (p-١٥١)المُحْتَظِرِ بِالنارِ، وما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ هو عَلى قِراءَةِ كَسْرِ الظاءِ، وفي هَذا التَأْوِيلِ بَعْضُ البُعْدِ، وقالَ قَوْمٌ: "المُحْتَظِرَ" بِالفَتْحِ-: الهَشِيمُ نَفْسُهُ، وهو مُفْتَعَلٌ، وهو كَمَسْجِدِ الجامِعِ وشَبْهِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ قِصَصُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ و"الحاصِبُ": السَحابُ الرامِي بِالبَرْدِ وغَيْرِهِ، فَشَبَّهَ تِلْكَ الحِجارَةَ الَّتِي رَمى بِها قَوْمَ لُوطٍ بِهِ في الكَثْرَةِ والتَوالِي، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْباءِ، كَأنَّ السَحابُ يُحَصِّبُ مَقْصِدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎ مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَحْصِبُهم ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ
وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ لِأهْلِ المَدِينَةِ: حَصِّبُوا المَسْجِدَ، و"آلُ لُوطٍ": ابْنَتاهُ فِيما رُوِيَ، و"سَحَرٍ" مَصْرُوفٌ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ لَمْ يُرَدْ بِهِ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِعْمَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ إنْعامًا عَلى القَوْمِ الَّذِينَ نَجَّيْناهُمْ، وهَذا هو جَزاؤُنا لِمَن شَكَرَ نِعَمَنا وآمَنَ وأطاعَ.
القمر 54:36
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾
المَعْنى: ولَقَدْ أنْذَرَ لُوطٌ قَوْمَهُ أخَذْنا إيّاهم وبَطَشْنا بِهِمْ، أيْ: عَذابُنا لَهُمْ، و"تُمارَوْا" مَعْناهُ: تَشَكَّكُوا وأهْدى بَعْضُهُمُ الشَكَّ إلى بَعْضٍ بِتَعاطِيهِمُ الشُبَهَ والضَلالَ، و"النُذُرُ" جَمْعُ نَذِيرٍ وهو المَصْدَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالنُذُرِ هُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ (p-١٥٢)بِالنُذُرِ﴾ [القمر: ٣٣] جَمْعُ نَذِيرٍ الَّذِي هو اسْمُ الفاعِلِ. و"الضَيْفُ" يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أضْيافِهِ وقِصَصِهِمْ مُسْتَوْعِبًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ" قالَ قَتادَةُ: هي حَقِيقَةٌ، جَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ شَيْئًا مِن جَناحِهِ عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هي اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم فَدَخَلُوا المَنزِلَ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجَعَلَ ذَلِكَ كالطَمْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بُكْرَةً" قِيلَ: كانَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَمْسِ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ الدالَّ في الصادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ"، والجُمْهُورُ عَلى غَيْرِ الإظْهارِ، و"بُكْرَةً" نَكِرَةٌ هاهُنا فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا عَذابِي" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، و"نُذُرِ" جَمْعُ المَصْدَرِ، أيْ: وعاقِبَةُ نُذُرِي الَّتِي كَذَّبْتُمْ بِها، وقالَ تَعالى: "مُسْتَقِرٍّ" في صِفَةِ العَذابِ لِأنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ عنهم كاشِفٌ بَلِ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِمْ، وهم مُدَّةُ مَوْتِهِمْ تَحْتَ الأرْضِ مُعَذَّبُونَ بِانْتِظارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يَتَّصِلُ ذَلِكَ بِعَذابِ النارِ فَهو أمْرٌ مُتَّصِلٌ مُسْتَقِرٌّ، وكَرَّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ) تَأْكِيدًا وتَوْبِيخًا، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ: "وَنُذُرِي" بِياءٍ.
و"آلَ فِرْعَوْنَ" قَوْمُهُ وأتْباعُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ
يُرِيدُ المُسْلِمِينَ في مُواراةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آلِ فِرْعَوْنَ" قَرابَتُهُ عَلى عُرْفِ الآلِ، وخَصَّهم بِالذِكْرِ لِأنَّهم عُمْدَةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَّبُوا بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ آلَ فِرْعَوْنَ المَذْكُورِينَ أخَذْناهم كَذَلِكَ، يُرِيدُهم بِالضَمِيرِ لِأنَّ ذَلِكَ الإغْراقَ الَّذِي كانَ في البَحْرِ كانَ بِالعِزَّةِ والقُدْرَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُرِيدُ بِها التِسْعَ، ثُمَّ أكَّدَ بِقَوْلِهِ: "كُلَّها"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾ كَلامًا تامًّا ثُمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا (p-١٥٣)كُلِّها﴾ يَعُودُ الضَمِيرُ في "كَذَّبُوا" عَلى جَمِيعِ مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ، ويَجِيءُ جَمِيعُ الآياتِ مُسْتَقِيمًا، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَأخَذْناهُمْ" كَذَلِكَ يَعُودُ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ الآيَةُ... خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وقَّفَهم عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، أثَمَّ خَصْلَةٌ مِن مالٍ أو قُوَّةُ أبْدانٍ وبَسْطَةٌ أو عَقْلٌ أو غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي أنَّكم خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ لَمّا كَذَّبُوا، فَيُرْجى لَكم -بِذَلِكَ الفَضْلِ- النَجاةُ مِنَ العَذابِ حِينَ كَذَّبْتُمْ رَسُولَكُمْ؟ أمْ لَكم في كُتُبِ اللهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ بَراءَةٌ مِنَ العَذابِ؟ قالَهُ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: أمْ يَقُولُونَ جَمِيعٌ واثِقُونَ بِأنّا مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا عَلى جِهَةِ الإعْجابِ والتَعاطِي، سَيُهْزَمُونَ فَلا يَنْفَعُ جَمْعُهُمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "أمْ تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
القمر 54:37
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾
المَعْنى: ولَقَدْ أنْذَرَ لُوطٌ قَوْمَهُ أخَذْنا إيّاهم وبَطَشْنا بِهِمْ، أيْ: عَذابُنا لَهُمْ، و"تُمارَوْا" مَعْناهُ: تَشَكَّكُوا وأهْدى بَعْضُهُمُ الشَكَّ إلى بَعْضٍ بِتَعاطِيهِمُ الشُبَهَ والضَلالَ، و"النُذُرُ" جَمْعُ نَذِيرٍ وهو المَصْدَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالنُذُرِ هُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ (p-١٥٢)بِالنُذُرِ﴾ [القمر: ٣٣] جَمْعُ نَذِيرٍ الَّذِي هو اسْمُ الفاعِلِ. و"الضَيْفُ" يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أضْيافِهِ وقِصَصِهِمْ مُسْتَوْعِبًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ" قالَ قَتادَةُ: هي حَقِيقَةٌ، جَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ شَيْئًا مِن جَناحِهِ عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هي اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم فَدَخَلُوا المَنزِلَ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجَعَلَ ذَلِكَ كالطَمْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بُكْرَةً" قِيلَ: كانَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَمْسِ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ الدالَّ في الصادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ"، والجُمْهُورُ عَلى غَيْرِ الإظْهارِ، و"بُكْرَةً" نَكِرَةٌ هاهُنا فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا عَذابِي" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، و"نُذُرِ" جَمْعُ المَصْدَرِ، أيْ: وعاقِبَةُ نُذُرِي الَّتِي كَذَّبْتُمْ بِها، وقالَ تَعالى: "مُسْتَقِرٍّ" في صِفَةِ العَذابِ لِأنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ عنهم كاشِفٌ بَلِ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِمْ، وهم مُدَّةُ مَوْتِهِمْ تَحْتَ الأرْضِ مُعَذَّبُونَ بِانْتِظارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يَتَّصِلُ ذَلِكَ بِعَذابِ النارِ فَهو أمْرٌ مُتَّصِلٌ مُسْتَقِرٌّ، وكَرَّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ) تَأْكِيدًا وتَوْبِيخًا، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ: "وَنُذُرِي" بِياءٍ.
و"آلَ فِرْعَوْنَ" قَوْمُهُ وأتْباعُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ
يُرِيدُ المُسْلِمِينَ في مُواراةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آلِ فِرْعَوْنَ" قَرابَتُهُ عَلى عُرْفِ الآلِ، وخَصَّهم بِالذِكْرِ لِأنَّهم عُمْدَةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَّبُوا بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ آلَ فِرْعَوْنَ المَذْكُورِينَ أخَذْناهم كَذَلِكَ، يُرِيدُهم بِالضَمِيرِ لِأنَّ ذَلِكَ الإغْراقَ الَّذِي كانَ في البَحْرِ كانَ بِالعِزَّةِ والقُدْرَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُرِيدُ بِها التِسْعَ، ثُمَّ أكَّدَ بِقَوْلِهِ: "كُلَّها"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾ كَلامًا تامًّا ثُمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا (p-١٥٣)كُلِّها﴾ يَعُودُ الضَمِيرُ في "كَذَّبُوا" عَلى جَمِيعِ مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ، ويَجِيءُ جَمِيعُ الآياتِ مُسْتَقِيمًا، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَأخَذْناهُمْ" كَذَلِكَ يَعُودُ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ الآيَةُ... خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وقَّفَهم عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، أثَمَّ خَصْلَةٌ مِن مالٍ أو قُوَّةُ أبْدانٍ وبَسْطَةٌ أو عَقْلٌ أو غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي أنَّكم خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ لَمّا كَذَّبُوا، فَيُرْجى لَكم -بِذَلِكَ الفَضْلِ- النَجاةُ مِنَ العَذابِ حِينَ كَذَّبْتُمْ رَسُولَكُمْ؟ أمْ لَكم في كُتُبِ اللهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ بَراءَةٌ مِنَ العَذابِ؟ قالَهُ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: أمْ يَقُولُونَ جَمِيعٌ واثِقُونَ بِأنّا مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا عَلى جِهَةِ الإعْجابِ والتَعاطِي، سَيُهْزَمُونَ فَلا يَنْفَعُ جَمْعُهُمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "أمْ تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
القمر 54:38
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾
المَعْنى: ولَقَدْ أنْذَرَ لُوطٌ قَوْمَهُ أخَذْنا إيّاهم وبَطَشْنا بِهِمْ، أيْ: عَذابُنا لَهُمْ، و"تُمارَوْا" مَعْناهُ: تَشَكَّكُوا وأهْدى بَعْضُهُمُ الشَكَّ إلى بَعْضٍ بِتَعاطِيهِمُ الشُبَهَ والضَلالَ، و"النُذُرُ" جَمْعُ نَذِيرٍ وهو المَصْدَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالنُذُرِ هُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ (p-١٥٢)بِالنُذُرِ﴾ [القمر: ٣٣] جَمْعُ نَذِيرٍ الَّذِي هو اسْمُ الفاعِلِ. و"الضَيْفُ" يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أضْيافِهِ وقِصَصِهِمْ مُسْتَوْعِبًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ" قالَ قَتادَةُ: هي حَقِيقَةٌ، جَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ شَيْئًا مِن جَناحِهِ عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هي اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم فَدَخَلُوا المَنزِلَ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجَعَلَ ذَلِكَ كالطَمْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بُكْرَةً" قِيلَ: كانَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَمْسِ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ الدالَّ في الصادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ"، والجُمْهُورُ عَلى غَيْرِ الإظْهارِ، و"بُكْرَةً" نَكِرَةٌ هاهُنا فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا عَذابِي" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، و"نُذُرِ" جَمْعُ المَصْدَرِ، أيْ: وعاقِبَةُ نُذُرِي الَّتِي كَذَّبْتُمْ بِها، وقالَ تَعالى: "مُسْتَقِرٍّ" في صِفَةِ العَذابِ لِأنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ عنهم كاشِفٌ بَلِ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِمْ، وهم مُدَّةُ مَوْتِهِمْ تَحْتَ الأرْضِ مُعَذَّبُونَ بِانْتِظارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يَتَّصِلُ ذَلِكَ بِعَذابِ النارِ فَهو أمْرٌ مُتَّصِلٌ مُسْتَقِرٌّ، وكَرَّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ) تَأْكِيدًا وتَوْبِيخًا، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ: "وَنُذُرِي" بِياءٍ.
و"آلَ فِرْعَوْنَ" قَوْمُهُ وأتْباعُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ
يُرِيدُ المُسْلِمِينَ في مُواراةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آلِ فِرْعَوْنَ" قَرابَتُهُ عَلى عُرْفِ الآلِ، وخَصَّهم بِالذِكْرِ لِأنَّهم عُمْدَةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَّبُوا بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ آلَ فِرْعَوْنَ المَذْكُورِينَ أخَذْناهم كَذَلِكَ، يُرِيدُهم بِالضَمِيرِ لِأنَّ ذَلِكَ الإغْراقَ الَّذِي كانَ في البَحْرِ كانَ بِالعِزَّةِ والقُدْرَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُرِيدُ بِها التِسْعَ، ثُمَّ أكَّدَ بِقَوْلِهِ: "كُلَّها"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾ كَلامًا تامًّا ثُمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا (p-١٥٣)كُلِّها﴾ يَعُودُ الضَمِيرُ في "كَذَّبُوا" عَلى جَمِيعِ مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ، ويَجِيءُ جَمِيعُ الآياتِ مُسْتَقِيمًا، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَأخَذْناهُمْ" كَذَلِكَ يَعُودُ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ الآيَةُ... خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وقَّفَهم عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، أثَمَّ خَصْلَةٌ مِن مالٍ أو قُوَّةُ أبْدانٍ وبَسْطَةٌ أو عَقْلٌ أو غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي أنَّكم خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ لَمّا كَذَّبُوا، فَيُرْجى لَكم -بِذَلِكَ الفَضْلِ- النَجاةُ مِنَ العَذابِ حِينَ كَذَّبْتُمْ رَسُولَكُمْ؟ أمْ لَكم في كُتُبِ اللهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ بَراءَةٌ مِنَ العَذابِ؟ قالَهُ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: أمْ يَقُولُونَ جَمِيعٌ واثِقُونَ بِأنّا مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا عَلى جِهَةِ الإعْجابِ والتَعاطِي، سَيُهْزَمُونَ فَلا يَنْفَعُ جَمْعُهُمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "أمْ تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
القمر 54:39
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾
المَعْنى: ولَقَدْ أنْذَرَ لُوطٌ قَوْمَهُ أخَذْنا إيّاهم وبَطَشْنا بِهِمْ، أيْ: عَذابُنا لَهُمْ، و"تُمارَوْا" مَعْناهُ: تَشَكَّكُوا وأهْدى بَعْضُهُمُ الشَكَّ إلى بَعْضٍ بِتَعاطِيهِمُ الشُبَهَ والضَلالَ، و"النُذُرُ" جَمْعُ نَذِيرٍ وهو المَصْدَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالنُذُرِ هُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ (p-١٥٢)بِالنُذُرِ﴾ [القمر: ٣٣] جَمْعُ نَذِيرٍ الَّذِي هو اسْمُ الفاعِلِ. و"الضَيْفُ" يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أضْيافِهِ وقِصَصِهِمْ مُسْتَوْعِبًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ" قالَ قَتادَةُ: هي حَقِيقَةٌ، جَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ شَيْئًا مِن جَناحِهِ عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هي اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم فَدَخَلُوا المَنزِلَ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجَعَلَ ذَلِكَ كالطَمْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بُكْرَةً" قِيلَ: كانَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَمْسِ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ الدالَّ في الصادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ"، والجُمْهُورُ عَلى غَيْرِ الإظْهارِ، و"بُكْرَةً" نَكِرَةٌ هاهُنا فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا عَذابِي" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، و"نُذُرِ" جَمْعُ المَصْدَرِ، أيْ: وعاقِبَةُ نُذُرِي الَّتِي كَذَّبْتُمْ بِها، وقالَ تَعالى: "مُسْتَقِرٍّ" في صِفَةِ العَذابِ لِأنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ عنهم كاشِفٌ بَلِ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِمْ، وهم مُدَّةُ مَوْتِهِمْ تَحْتَ الأرْضِ مُعَذَّبُونَ بِانْتِظارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يَتَّصِلُ ذَلِكَ بِعَذابِ النارِ فَهو أمْرٌ مُتَّصِلٌ مُسْتَقِرٌّ، وكَرَّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ) تَأْكِيدًا وتَوْبِيخًا، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ: "وَنُذُرِي" بِياءٍ.
و"آلَ فِرْعَوْنَ" قَوْمُهُ وأتْباعُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ
يُرِيدُ المُسْلِمِينَ في مُواراةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آلِ فِرْعَوْنَ" قَرابَتُهُ عَلى عُرْفِ الآلِ، وخَصَّهم بِالذِكْرِ لِأنَّهم عُمْدَةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَّبُوا بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ آلَ فِرْعَوْنَ المَذْكُورِينَ أخَذْناهم كَذَلِكَ، يُرِيدُهم بِالضَمِيرِ لِأنَّ ذَلِكَ الإغْراقَ الَّذِي كانَ في البَحْرِ كانَ بِالعِزَّةِ والقُدْرَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُرِيدُ بِها التِسْعَ، ثُمَّ أكَّدَ بِقَوْلِهِ: "كُلَّها"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾ كَلامًا تامًّا ثُمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا (p-١٥٣)كُلِّها﴾ يَعُودُ الضَمِيرُ في "كَذَّبُوا" عَلى جَمِيعِ مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ، ويَجِيءُ جَمِيعُ الآياتِ مُسْتَقِيمًا، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَأخَذْناهُمْ" كَذَلِكَ يَعُودُ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ الآيَةُ... خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وقَّفَهم عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، أثَمَّ خَصْلَةٌ مِن مالٍ أو قُوَّةُ أبْدانٍ وبَسْطَةٌ أو عَقْلٌ أو غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي أنَّكم خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ لَمّا كَذَّبُوا، فَيُرْجى لَكم -بِذَلِكَ الفَضْلِ- النَجاةُ مِنَ العَذابِ حِينَ كَذَّبْتُمْ رَسُولَكُمْ؟ أمْ لَكم في كُتُبِ اللهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ بَراءَةٌ مِنَ العَذابِ؟ قالَهُ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: أمْ يَقُولُونَ جَمِيعٌ واثِقُونَ بِأنّا مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا عَلى جِهَةِ الإعْجابِ والتَعاطِي، سَيُهْزَمُونَ فَلا يَنْفَعُ جَمْعُهُمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "أمْ تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
القمر 54:40
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾
المَعْنى: ولَقَدْ أنْذَرَ لُوطٌ قَوْمَهُ أخَذْنا إيّاهم وبَطَشْنا بِهِمْ، أيْ: عَذابُنا لَهُمْ، و"تُمارَوْا" مَعْناهُ: تَشَكَّكُوا وأهْدى بَعْضُهُمُ الشَكَّ إلى بَعْضٍ بِتَعاطِيهِمُ الشُبَهَ والضَلالَ، و"النُذُرُ" جَمْعُ نَذِيرٍ وهو المَصْدَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالنُذُرِ هُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ (p-١٥٢)بِالنُذُرِ﴾ [القمر: ٣٣] جَمْعُ نَذِيرٍ الَّذِي هو اسْمُ الفاعِلِ. و"الضَيْفُ" يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أضْيافِهِ وقِصَصِهِمْ مُسْتَوْعِبًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ" قالَ قَتادَةُ: هي حَقِيقَةٌ، جَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ شَيْئًا مِن جَناحِهِ عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هي اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم فَدَخَلُوا المَنزِلَ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجَعَلَ ذَلِكَ كالطَمْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بُكْرَةً" قِيلَ: كانَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَمْسِ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ الدالَّ في الصادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ"، والجُمْهُورُ عَلى غَيْرِ الإظْهارِ، و"بُكْرَةً" نَكِرَةٌ هاهُنا فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا عَذابِي" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، و"نُذُرِ" جَمْعُ المَصْدَرِ، أيْ: وعاقِبَةُ نُذُرِي الَّتِي كَذَّبْتُمْ بِها، وقالَ تَعالى: "مُسْتَقِرٍّ" في صِفَةِ العَذابِ لِأنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ عنهم كاشِفٌ بَلِ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِمْ، وهم مُدَّةُ مَوْتِهِمْ تَحْتَ الأرْضِ مُعَذَّبُونَ بِانْتِظارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يَتَّصِلُ ذَلِكَ بِعَذابِ النارِ فَهو أمْرٌ مُتَّصِلٌ مُسْتَقِرٌّ، وكَرَّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ) تَأْكِيدًا وتَوْبِيخًا، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ: "وَنُذُرِي" بِياءٍ.
و"آلَ فِرْعَوْنَ" قَوْمُهُ وأتْباعُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ
يُرِيدُ المُسْلِمِينَ في مُواراةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آلِ فِرْعَوْنَ" قَرابَتُهُ عَلى عُرْفِ الآلِ، وخَصَّهم بِالذِكْرِ لِأنَّهم عُمْدَةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَّبُوا بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ آلَ فِرْعَوْنَ المَذْكُورِينَ أخَذْناهم كَذَلِكَ، يُرِيدُهم بِالضَمِيرِ لِأنَّ ذَلِكَ الإغْراقَ الَّذِي كانَ في البَحْرِ كانَ بِالعِزَّةِ والقُدْرَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُرِيدُ بِها التِسْعَ، ثُمَّ أكَّدَ بِقَوْلِهِ: "كُلَّها"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾ كَلامًا تامًّا ثُمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا (p-١٥٣)كُلِّها﴾ يَعُودُ الضَمِيرُ في "كَذَّبُوا" عَلى جَمِيعِ مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ، ويَجِيءُ جَمِيعُ الآياتِ مُسْتَقِيمًا، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَأخَذْناهُمْ" كَذَلِكَ يَعُودُ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ الآيَةُ... خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وقَّفَهم عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، أثَمَّ خَصْلَةٌ مِن مالٍ أو قُوَّةُ أبْدانٍ وبَسْطَةٌ أو عَقْلٌ أو غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي أنَّكم خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ لَمّا كَذَّبُوا، فَيُرْجى لَكم -بِذَلِكَ الفَضْلِ- النَجاةُ مِنَ العَذابِ حِينَ كَذَّبْتُمْ رَسُولَكُمْ؟ أمْ لَكم في كُتُبِ اللهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ بَراءَةٌ مِنَ العَذابِ؟ قالَهُ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: أمْ يَقُولُونَ جَمِيعٌ واثِقُونَ بِأنّا مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا عَلى جِهَةِ الإعْجابِ والتَعاطِي، سَيُهْزَمُونَ فَلا يَنْفَعُ جَمْعُهُمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "أمْ تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
القمر 54:41
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾
المَعْنى: ولَقَدْ أنْذَرَ لُوطٌ قَوْمَهُ أخَذْنا إيّاهم وبَطَشْنا بِهِمْ، أيْ: عَذابُنا لَهُمْ، و"تُمارَوْا" مَعْناهُ: تَشَكَّكُوا وأهْدى بَعْضُهُمُ الشَكَّ إلى بَعْضٍ بِتَعاطِيهِمُ الشُبَهَ والضَلالَ، و"النُذُرُ" جَمْعُ نَذِيرٍ وهو المَصْدَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالنُذُرِ هُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ (p-١٥٢)بِالنُذُرِ﴾ [القمر: ٣٣] جَمْعُ نَذِيرٍ الَّذِي هو اسْمُ الفاعِلِ. و"الضَيْفُ" يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أضْيافِهِ وقِصَصِهِمْ مُسْتَوْعِبًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ" قالَ قَتادَةُ: هي حَقِيقَةٌ، جَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ شَيْئًا مِن جَناحِهِ عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هي اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم فَدَخَلُوا المَنزِلَ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجَعَلَ ذَلِكَ كالطَمْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بُكْرَةً" قِيلَ: كانَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَمْسِ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ الدالَّ في الصادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ"، والجُمْهُورُ عَلى غَيْرِ الإظْهارِ، و"بُكْرَةً" نَكِرَةٌ هاهُنا فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا عَذابِي" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، و"نُذُرِ" جَمْعُ المَصْدَرِ، أيْ: وعاقِبَةُ نُذُرِي الَّتِي كَذَّبْتُمْ بِها، وقالَ تَعالى: "مُسْتَقِرٍّ" في صِفَةِ العَذابِ لِأنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ عنهم كاشِفٌ بَلِ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِمْ، وهم مُدَّةُ مَوْتِهِمْ تَحْتَ الأرْضِ مُعَذَّبُونَ بِانْتِظارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يَتَّصِلُ ذَلِكَ بِعَذابِ النارِ فَهو أمْرٌ مُتَّصِلٌ مُسْتَقِرٌّ، وكَرَّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ) تَأْكِيدًا وتَوْبِيخًا، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ: "وَنُذُرِي" بِياءٍ.
و"آلَ فِرْعَوْنَ" قَوْمُهُ وأتْباعُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ
يُرِيدُ المُسْلِمِينَ في مُواراةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آلِ فِرْعَوْنَ" قَرابَتُهُ عَلى عُرْفِ الآلِ، وخَصَّهم بِالذِكْرِ لِأنَّهم عُمْدَةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَّبُوا بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ آلَ فِرْعَوْنَ المَذْكُورِينَ أخَذْناهم كَذَلِكَ، يُرِيدُهم بِالضَمِيرِ لِأنَّ ذَلِكَ الإغْراقَ الَّذِي كانَ في البَحْرِ كانَ بِالعِزَّةِ والقُدْرَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُرِيدُ بِها التِسْعَ، ثُمَّ أكَّدَ بِقَوْلِهِ: "كُلَّها"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾ كَلامًا تامًّا ثُمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا (p-١٥٣)كُلِّها﴾ يَعُودُ الضَمِيرُ في "كَذَّبُوا" عَلى جَمِيعِ مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ، ويَجِيءُ جَمِيعُ الآياتِ مُسْتَقِيمًا، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَأخَذْناهُمْ" كَذَلِكَ يَعُودُ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ الآيَةُ... خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وقَّفَهم عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، أثَمَّ خَصْلَةٌ مِن مالٍ أو قُوَّةُ أبْدانٍ وبَسْطَةٌ أو عَقْلٌ أو غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي أنَّكم خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ لَمّا كَذَّبُوا، فَيُرْجى لَكم -بِذَلِكَ الفَضْلِ- النَجاةُ مِنَ العَذابِ حِينَ كَذَّبْتُمْ رَسُولَكُمْ؟ أمْ لَكم في كُتُبِ اللهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ بَراءَةٌ مِنَ العَذابِ؟ قالَهُ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: أمْ يَقُولُونَ جَمِيعٌ واثِقُونَ بِأنّا مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا عَلى جِهَةِ الإعْجابِ والتَعاطِي، سَيُهْزَمُونَ فَلا يَنْفَعُ جَمْعُهُمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "أمْ تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
القمر 54:42
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾
المَعْنى: ولَقَدْ أنْذَرَ لُوطٌ قَوْمَهُ أخَذْنا إيّاهم وبَطَشْنا بِهِمْ، أيْ: عَذابُنا لَهُمْ، و"تُمارَوْا" مَعْناهُ: تَشَكَّكُوا وأهْدى بَعْضُهُمُ الشَكَّ إلى بَعْضٍ بِتَعاطِيهِمُ الشُبَهَ والضَلالَ، و"النُذُرُ" جَمْعُ نَذِيرٍ وهو المَصْدَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالنُذُرِ هُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ (p-١٥٢)بِالنُذُرِ﴾ [القمر: ٣٣] جَمْعُ نَذِيرٍ الَّذِي هو اسْمُ الفاعِلِ. و"الضَيْفُ" يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أضْيافِهِ وقِصَصِهِمْ مُسْتَوْعِبًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ" قالَ قَتادَةُ: هي حَقِيقَةٌ، جَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ شَيْئًا مِن جَناحِهِ عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هي اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم فَدَخَلُوا المَنزِلَ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجَعَلَ ذَلِكَ كالطَمْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بُكْرَةً" قِيلَ: كانَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَمْسِ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ الدالَّ في الصادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ"، والجُمْهُورُ عَلى غَيْرِ الإظْهارِ، و"بُكْرَةً" نَكِرَةٌ هاهُنا فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا عَذابِي" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، و"نُذُرِ" جَمْعُ المَصْدَرِ، أيْ: وعاقِبَةُ نُذُرِي الَّتِي كَذَّبْتُمْ بِها، وقالَ تَعالى: "مُسْتَقِرٍّ" في صِفَةِ العَذابِ لِأنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ عنهم كاشِفٌ بَلِ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِمْ، وهم مُدَّةُ مَوْتِهِمْ تَحْتَ الأرْضِ مُعَذَّبُونَ بِانْتِظارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يَتَّصِلُ ذَلِكَ بِعَذابِ النارِ فَهو أمْرٌ مُتَّصِلٌ مُسْتَقِرٌّ، وكَرَّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ) تَأْكِيدًا وتَوْبِيخًا، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ: "وَنُذُرِي" بِياءٍ.
و"آلَ فِرْعَوْنَ" قَوْمُهُ وأتْباعُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ
يُرِيدُ المُسْلِمِينَ في مُواراةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آلِ فِرْعَوْنَ" قَرابَتُهُ عَلى عُرْفِ الآلِ، وخَصَّهم بِالذِكْرِ لِأنَّهم عُمْدَةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَّبُوا بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ آلَ فِرْعَوْنَ المَذْكُورِينَ أخَذْناهم كَذَلِكَ، يُرِيدُهم بِالضَمِيرِ لِأنَّ ذَلِكَ الإغْراقَ الَّذِي كانَ في البَحْرِ كانَ بِالعِزَّةِ والقُدْرَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُرِيدُ بِها التِسْعَ، ثُمَّ أكَّدَ بِقَوْلِهِ: "كُلَّها"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾ كَلامًا تامًّا ثُمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا (p-١٥٣)كُلِّها﴾ يَعُودُ الضَمِيرُ في "كَذَّبُوا" عَلى جَمِيعِ مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ، ويَجِيءُ جَمِيعُ الآياتِ مُسْتَقِيمًا، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَأخَذْناهُمْ" كَذَلِكَ يَعُودُ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ الآيَةُ... خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وقَّفَهم عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، أثَمَّ خَصْلَةٌ مِن مالٍ أو قُوَّةُ أبْدانٍ وبَسْطَةٌ أو عَقْلٌ أو غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي أنَّكم خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ لَمّا كَذَّبُوا، فَيُرْجى لَكم -بِذَلِكَ الفَضْلِ- النَجاةُ مِنَ العَذابِ حِينَ كَذَّبْتُمْ رَسُولَكُمْ؟ أمْ لَكم في كُتُبِ اللهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ بَراءَةٌ مِنَ العَذابِ؟ قالَهُ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: أمْ يَقُولُونَ جَمِيعٌ واثِقُونَ بِأنّا مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا عَلى جِهَةِ الإعْجابِ والتَعاطِي، سَيُهْزَمُونَ فَلا يَنْفَعُ جَمْعُهُمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "أمْ تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
القمر 54:43
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾
المَعْنى: ولَقَدْ أنْذَرَ لُوطٌ قَوْمَهُ أخَذْنا إيّاهم وبَطَشْنا بِهِمْ، أيْ: عَذابُنا لَهُمْ، و"تُمارَوْا" مَعْناهُ: تَشَكَّكُوا وأهْدى بَعْضُهُمُ الشَكَّ إلى بَعْضٍ بِتَعاطِيهِمُ الشُبَهَ والضَلالَ، و"النُذُرُ" جَمْعُ نَذِيرٍ وهو المَصْدَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالنُذُرِ هُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ (p-١٥٢)بِالنُذُرِ﴾ [القمر: ٣٣] جَمْعُ نَذِيرٍ الَّذِي هو اسْمُ الفاعِلِ. و"الضَيْفُ" يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أضْيافِهِ وقِصَصِهِمْ مُسْتَوْعِبًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ" قالَ قَتادَةُ: هي حَقِيقَةٌ، جَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ شَيْئًا مِن جَناحِهِ عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هي اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم فَدَخَلُوا المَنزِلَ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجَعَلَ ذَلِكَ كالطَمْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بُكْرَةً" قِيلَ: كانَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَمْسِ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ الدالَّ في الصادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ"، والجُمْهُورُ عَلى غَيْرِ الإظْهارِ، و"بُكْرَةً" نَكِرَةٌ هاهُنا فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا عَذابِي" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، و"نُذُرِ" جَمْعُ المَصْدَرِ، أيْ: وعاقِبَةُ نُذُرِي الَّتِي كَذَّبْتُمْ بِها، وقالَ تَعالى: "مُسْتَقِرٍّ" في صِفَةِ العَذابِ لِأنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ عنهم كاشِفٌ بَلِ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِمْ، وهم مُدَّةُ مَوْتِهِمْ تَحْتَ الأرْضِ مُعَذَّبُونَ بِانْتِظارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يَتَّصِلُ ذَلِكَ بِعَذابِ النارِ فَهو أمْرٌ مُتَّصِلٌ مُسْتَقِرٌّ، وكَرَّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ) تَأْكِيدًا وتَوْبِيخًا، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ: "وَنُذُرِي" بِياءٍ.
و"آلَ فِرْعَوْنَ" قَوْمُهُ وأتْباعُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ
يُرِيدُ المُسْلِمِينَ في مُواراةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آلِ فِرْعَوْنَ" قَرابَتُهُ عَلى عُرْفِ الآلِ، وخَصَّهم بِالذِكْرِ لِأنَّهم عُمْدَةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَّبُوا بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ آلَ فِرْعَوْنَ المَذْكُورِينَ أخَذْناهم كَذَلِكَ، يُرِيدُهم بِالضَمِيرِ لِأنَّ ذَلِكَ الإغْراقَ الَّذِي كانَ في البَحْرِ كانَ بِالعِزَّةِ والقُدْرَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُرِيدُ بِها التِسْعَ، ثُمَّ أكَّدَ بِقَوْلِهِ: "كُلَّها"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾ كَلامًا تامًّا ثُمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا (p-١٥٣)كُلِّها﴾ يَعُودُ الضَمِيرُ في "كَذَّبُوا" عَلى جَمِيعِ مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ، ويَجِيءُ جَمِيعُ الآياتِ مُسْتَقِيمًا، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَأخَذْناهُمْ" كَذَلِكَ يَعُودُ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ الآيَةُ... خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وقَّفَهم عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، أثَمَّ خَصْلَةٌ مِن مالٍ أو قُوَّةُ أبْدانٍ وبَسْطَةٌ أو عَقْلٌ أو غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي أنَّكم خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ لَمّا كَذَّبُوا، فَيُرْجى لَكم -بِذَلِكَ الفَضْلِ- النَجاةُ مِنَ العَذابِ حِينَ كَذَّبْتُمْ رَسُولَكُمْ؟ أمْ لَكم في كُتُبِ اللهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ بَراءَةٌ مِنَ العَذابِ؟ قالَهُ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: أمْ يَقُولُونَ جَمِيعٌ واثِقُونَ بِأنّا مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا عَلى جِهَةِ الإعْجابِ والتَعاطِي، سَيُهْزَمُونَ فَلا يَنْفَعُ جَمْعُهُمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "أمْ تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
القمر 54:44
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُبُرِ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾
المَعْنى: ولَقَدْ أنْذَرَ لُوطٌ قَوْمَهُ أخَذْنا إيّاهم وبَطَشْنا بِهِمْ، أيْ: عَذابُنا لَهُمْ، و"تُمارَوْا" مَعْناهُ: تَشَكَّكُوا وأهْدى بَعْضُهُمُ الشَكَّ إلى بَعْضٍ بِتَعاطِيهِمُ الشُبَهَ والضَلالَ، و"النُذُرُ" جَمْعُ نَذِيرٍ وهو المَصْدَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالنُذُرِ هُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ (p-١٥٢)بِالنُذُرِ﴾ [القمر: ٣٣] جَمْعُ نَذِيرٍ الَّذِي هو اسْمُ الفاعِلِ. و"الضَيْفُ" يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أضْيافِهِ وقِصَصِهِمْ مُسْتَوْعِبًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ" قالَ قَتادَةُ: هي حَقِيقَةٌ، جَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ شَيْئًا مِن جَناحِهِ عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هي اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم فَدَخَلُوا المَنزِلَ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجَعَلَ ذَلِكَ كالطَمْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بُكْرَةً" قِيلَ: كانَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَمْسِ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ الدالَّ في الصادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ"، والجُمْهُورُ عَلى غَيْرِ الإظْهارِ، و"بُكْرَةً" نَكِرَةٌ هاهُنا فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا عَذابِي" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، و"نُذُرِ" جَمْعُ المَصْدَرِ، أيْ: وعاقِبَةُ نُذُرِي الَّتِي كَذَّبْتُمْ بِها، وقالَ تَعالى: "مُسْتَقِرٍّ" في صِفَةِ العَذابِ لِأنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ عنهم كاشِفٌ بَلِ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِمْ، وهم مُدَّةُ مَوْتِهِمْ تَحْتَ الأرْضِ مُعَذَّبُونَ بِانْتِظارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يَتَّصِلُ ذَلِكَ بِعَذابِ النارِ فَهو أمْرٌ مُتَّصِلٌ مُسْتَقِرٌّ، وكَرَّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ) تَأْكِيدًا وتَوْبِيخًا، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ: "وَنُذُرِي" بِياءٍ.
و"آلَ فِرْعَوْنَ" قَوْمُهُ وأتْباعُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ
يُرِيدُ المُسْلِمِينَ في مُواراةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آلِ فِرْعَوْنَ" قَرابَتُهُ عَلى عُرْفِ الآلِ، وخَصَّهم بِالذِكْرِ لِأنَّهم عُمْدَةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَّبُوا بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ آلَ فِرْعَوْنَ المَذْكُورِينَ أخَذْناهم كَذَلِكَ، يُرِيدُهم بِالضَمِيرِ لِأنَّ ذَلِكَ الإغْراقَ الَّذِي كانَ في البَحْرِ كانَ بِالعِزَّةِ والقُدْرَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُرِيدُ بِها التِسْعَ، ثُمَّ أكَّدَ بِقَوْلِهِ: "كُلَّها"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ﴾ كَلامًا تامًّا ثُمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا (p-١٥٣)كُلِّها﴾ يَعُودُ الضَمِيرُ في "كَذَّبُوا" عَلى جَمِيعِ مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ، ويَجِيءُ جَمِيعُ الآياتِ مُسْتَقِيمًا، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَأخَذْناهُمْ" كَذَلِكَ يَعُودُ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ الآيَةُ... خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وقَّفَهم عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، أثَمَّ خَصْلَةٌ مِن مالٍ أو قُوَّةُ أبْدانٍ وبَسْطَةٌ أو عَقْلٌ أو غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي أنَّكم خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ لَمّا كَذَّبُوا، فَيُرْجى لَكم -بِذَلِكَ الفَضْلِ- النَجاةُ مِنَ العَذابِ حِينَ كَذَّبْتُمْ رَسُولَكُمْ؟ أمْ لَكم في كُتُبِ اللهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ بَراءَةٌ مِنَ العَذابِ؟ قالَهُ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: أمْ يَقُولُونَ جَمِيعٌ واثِقُونَ بِأنّا مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا عَلى جِهَةِ الإعْجابِ والتَعاطِي، سَيُهْزَمُونَ فَلا يَنْفَعُ جَمْعُهُمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "أمْ تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
القمر 54:45
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُبُرِ﴾ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
هَذِهِ عِدَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ أنَّ جَمْعَ قُرَيْشٍ سَيُهْزَمُ نُصْرَةً لَهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُ أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ أقُولُ في نَفْسِي: أيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في الدِرْعِ وهو يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَإنَّما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في بَدْرٍ مُسْتَشْهِدًا بِالآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، والصَوابُ أنَّ الوَعْدَ أُنْجِزَ يَوْمَ بَدْرٍ قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "سَيُهْزَمُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعُ" نَصْبًا، (p-١٥٤)قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُونِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعَ" بِالنَصْبِ "وَتُوَلُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
ثُمَّ تُرِكَتْ هَذِهِ الأقْوالُ وأضْرَبَ عنها تَهَمُّمًا بِأمْرِ الساعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقَتْلٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾، "أدْهى" أفْعَلُ مِنَ الداهِيَةِ وهي الرَزِيَّةُ العُظْمى تَنْزِلُ بِالمَرْءِ، و"أمَرُّ" مِنَ المَرارَةِ، واللَفْظَةُ هاهُنا مُسْتَعارَةٌ لِأنَّها لَيْسَتْ فِيما يُذاقُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ المُجْرِمِينَ أنَّهم في الدُنْيا في حَيْرَةٍ وإتْلافٍ وفَقْدِ هُدًى، وفي الآخِرَةِ في احْتِراقٍ وتَسَعُّرٍ مِن حَيْثُ هم صائِرُونَ إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: في خُسْرانٍ وجُنُونٍ، و"السُعُرُ" الجُنُونُ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُجْرِمِينَ هُنا يُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ أفْعالَ العِبادِ لَيْسَتْ بِقَدَرٍ مِنَ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهْم المُتَوَعِّدُونَ بِالسَحْبِ في جَهَنَّمَ، والسَحْبُ هو الجَرُّ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إلى النارِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا" اسْتَعارَةٌ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنّا كُلَّ شَيْءٍ" بِالنَصْبِ، وقالُوا: المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ، ولَيْسَتْ "خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لـ "شَيْءٍ"، بَلْ هو فِعْلٌ دالٌّ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ، وهَذا المَعْنى يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٌ، إلّا ما قامَ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كالقُرْآنِ والصِفَةِ وقَرَأ أبُو السَمالِ -وَرَجَّحَهُ أبُو الفَتْحِ-: "إنّا كُلُّ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ "خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: "هَذا هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَصْبِ مَعَ الجَماعَةِ".
(p-١٥٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَرَأها قَوْمٌ مِن أهْلِ السُنَّةِ بِالرَفْعِ، والمَعْنى عِنْدَهم عَلى نَحْوِ ما هو عِنْدَ الأوَّلِينَ مِن أنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ بِقَدْرٍ سابِقٍ، و"خَلَقْناهُ" -عَلى هَذا- لَيْسَتْ صِفَةً لِـ "شَيْءٍ"، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ، ولَهُمُ احْتِجاجٌ قَوِيٌّ بِالآيَةِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ.
وقالَتِ القَدَرِيَّةُ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا قَدَرَ، والمَرْءُ وحْدَهُ فاعِلُ أفْعالِهِ، القِراءَةُ: "إنّا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ" بِرَفْعِ "كُلُّ"، و"خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "كُلُّ"، أيْ: إنَّ أمْرَنا وشَأْنَنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ، أيْ: بِمِقْدارٍ وعَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَيُزِيلُونَ بِهَذا التَأْوِيلِ مَوْضِعَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِّي أجِدُ في كِتابِ اللهِ تَعالى قَوْمًا يُسْحَبُونَ في (p-١٥٦)النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالقَدَرِ، يَقُولُونَ: المَرْءُ يَخْلُقُ أفْعالَهُ، وإنِّي لا أراهُمْ، فَلا أدْرِي أشَيْءٌ مَضى قَبْلَنا أمْ شَيْءٌ بَقِيَ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خاصَمَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ في القَدَرِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، فَفِيمَ العَمَلُ؟ أفِي شَيْءٍ نَسْتَأْنِفُهُ أمْ في شَيْءٍ قَدْ فَرَغَ مِنهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، سَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، سَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى".» وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الخَيْرَ والشَرَّ بِأيْدِينا، لَيْسَ لَهم في شَفاعَتِي نَصِيبٌ، ولا أنا مِنهم ولا هم مُنِّيَ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا واحِدَةٌ" أيْ: إلّا قَوْلَةً واحِدَةً وهي "كُنْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ" تَفْهِيمٌ لِلنّاسِ بِأعْجَلَ ما يُحِسُّونَ، وفي أشْياءَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى أوحى مِن لَمْحِ البَصَرِ، و"الأشْياعُ": الفِرَقُ المُتَشابِهَةُ في مَذْهَبٍ ودِينٍ، ونَحْوِهِ، الأوَّلُ شِيعَةٌ لِلْآخَرِ، الآخَرُ شِيعَةٌ لِلْأوَّلِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ أفْعالِ الأُمَمِ المُهْلِكَةِ مَكْتُوبَةٌ مَحْفُوظَةٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ الحِسابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، سَطَرْتُ وأسْطَرْتُ بِمَعْنًى، ورُوِيَ عن عاصِمٍ شَدُّ الراءِ مِن "مُسْتَطَرٌ"، قالَ أبُو عَمْرٍو: وهَذا لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ الوُقُوفِ، لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَنَهَرٍ" بِفَتْحِ الهاءِ والنُونِ عَلى أنَّها اسْمُ الجِنْسِ يُرِيدُ بِهِ الأنْهارَ، أو عَلى أنَّهُ بِمَعْنى سِعَةٍ في الرِزْقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها يَرى قائِمٌ مِن خَلْفِها ما وراءَها
(p-١٥٧)فَقَوْلُهُ: "أنَهَرْتُ" مَعْناهُ جَعَلْتُ فَتْقَها كَنَهْرٍ، وقَرَأ زُهَيْرُ الفَرْقَبِيُّ، والأعْمَشُ: "وَنُهْر" بِضَمِّ النُونِ والهاءِ عَلى أنَّهُ جَمَعَ نَهار، إذْ لا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهَذا سائِغ في اللَفْظِ قَلِقٌ في المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نَهَرٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وأبُو السَمالِ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ: "نَهْرٍ" بِسُكُونِ الهاءِ عَلى الإفْرادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصِدْقَ الَّذِي هو ضِدُّ الكَذِبِ، أيْ: في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَّقُوا في الخَبَرِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "عَوْدُ صِدْقٍ" أيْ: جِيِّدٌ، و"رَجُلُ صِدْقٍ "أيْ: خَيِّرٌ وذُو خِلالٍ حِسانٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فِي مَقْعَدِ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ، وقَرَأ عُثْمانُ البَتِّيُّ: "فِي مَقاعِدَ" عَلى الجَمْعِ، و"المَلِيكُ المُقْتَدِرُ" هو اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
القمر 54:46
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُبُرِ﴾ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
هَذِهِ عِدَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ أنَّ جَمْعَ قُرَيْشٍ سَيُهْزَمُ نُصْرَةً لَهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُ أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ أقُولُ في نَفْسِي: أيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في الدِرْعِ وهو يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَإنَّما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في بَدْرٍ مُسْتَشْهِدًا بِالآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، والصَوابُ أنَّ الوَعْدَ أُنْجِزَ يَوْمَ بَدْرٍ قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "سَيُهْزَمُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعُ" نَصْبًا، (p-١٥٤)قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُونِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعَ" بِالنَصْبِ "وَتُوَلُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
ثُمَّ تُرِكَتْ هَذِهِ الأقْوالُ وأضْرَبَ عنها تَهَمُّمًا بِأمْرِ الساعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقَتْلٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾، "أدْهى" أفْعَلُ مِنَ الداهِيَةِ وهي الرَزِيَّةُ العُظْمى تَنْزِلُ بِالمَرْءِ، و"أمَرُّ" مِنَ المَرارَةِ، واللَفْظَةُ هاهُنا مُسْتَعارَةٌ لِأنَّها لَيْسَتْ فِيما يُذاقُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ المُجْرِمِينَ أنَّهم في الدُنْيا في حَيْرَةٍ وإتْلافٍ وفَقْدِ هُدًى، وفي الآخِرَةِ في احْتِراقٍ وتَسَعُّرٍ مِن حَيْثُ هم صائِرُونَ إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: في خُسْرانٍ وجُنُونٍ، و"السُعُرُ" الجُنُونُ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُجْرِمِينَ هُنا يُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ أفْعالَ العِبادِ لَيْسَتْ بِقَدَرٍ مِنَ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهْم المُتَوَعِّدُونَ بِالسَحْبِ في جَهَنَّمَ، والسَحْبُ هو الجَرُّ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إلى النارِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا" اسْتَعارَةٌ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنّا كُلَّ شَيْءٍ" بِالنَصْبِ، وقالُوا: المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ، ولَيْسَتْ "خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لـ "شَيْءٍ"، بَلْ هو فِعْلٌ دالٌّ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ، وهَذا المَعْنى يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٌ، إلّا ما قامَ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كالقُرْآنِ والصِفَةِ وقَرَأ أبُو السَمالِ -وَرَجَّحَهُ أبُو الفَتْحِ-: "إنّا كُلُّ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ "خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: "هَذا هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَصْبِ مَعَ الجَماعَةِ".
(p-١٥٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَرَأها قَوْمٌ مِن أهْلِ السُنَّةِ بِالرَفْعِ، والمَعْنى عِنْدَهم عَلى نَحْوِ ما هو عِنْدَ الأوَّلِينَ مِن أنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ بِقَدْرٍ سابِقٍ، و"خَلَقْناهُ" -عَلى هَذا- لَيْسَتْ صِفَةً لِـ "شَيْءٍ"، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ، ولَهُمُ احْتِجاجٌ قَوِيٌّ بِالآيَةِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ.
وقالَتِ القَدَرِيَّةُ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا قَدَرَ، والمَرْءُ وحْدَهُ فاعِلُ أفْعالِهِ، القِراءَةُ: "إنّا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ" بِرَفْعِ "كُلُّ"، و"خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "كُلُّ"، أيْ: إنَّ أمْرَنا وشَأْنَنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ، أيْ: بِمِقْدارٍ وعَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَيُزِيلُونَ بِهَذا التَأْوِيلِ مَوْضِعَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِّي أجِدُ في كِتابِ اللهِ تَعالى قَوْمًا يُسْحَبُونَ في (p-١٥٦)النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالقَدَرِ، يَقُولُونَ: المَرْءُ يَخْلُقُ أفْعالَهُ، وإنِّي لا أراهُمْ، فَلا أدْرِي أشَيْءٌ مَضى قَبْلَنا أمْ شَيْءٌ بَقِيَ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خاصَمَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ في القَدَرِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، فَفِيمَ العَمَلُ؟ أفِي شَيْءٍ نَسْتَأْنِفُهُ أمْ في شَيْءٍ قَدْ فَرَغَ مِنهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، سَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، سَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى".» وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الخَيْرَ والشَرَّ بِأيْدِينا، لَيْسَ لَهم في شَفاعَتِي نَصِيبٌ، ولا أنا مِنهم ولا هم مُنِّيَ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا واحِدَةٌ" أيْ: إلّا قَوْلَةً واحِدَةً وهي "كُنْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ" تَفْهِيمٌ لِلنّاسِ بِأعْجَلَ ما يُحِسُّونَ، وفي أشْياءَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى أوحى مِن لَمْحِ البَصَرِ، و"الأشْياعُ": الفِرَقُ المُتَشابِهَةُ في مَذْهَبٍ ودِينٍ، ونَحْوِهِ، الأوَّلُ شِيعَةٌ لِلْآخَرِ، الآخَرُ شِيعَةٌ لِلْأوَّلِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ أفْعالِ الأُمَمِ المُهْلِكَةِ مَكْتُوبَةٌ مَحْفُوظَةٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ الحِسابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، سَطَرْتُ وأسْطَرْتُ بِمَعْنًى، ورُوِيَ عن عاصِمٍ شَدُّ الراءِ مِن "مُسْتَطَرٌ"، قالَ أبُو عَمْرٍو: وهَذا لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ الوُقُوفِ، لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَنَهَرٍ" بِفَتْحِ الهاءِ والنُونِ عَلى أنَّها اسْمُ الجِنْسِ يُرِيدُ بِهِ الأنْهارَ، أو عَلى أنَّهُ بِمَعْنى سِعَةٍ في الرِزْقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها يَرى قائِمٌ مِن خَلْفِها ما وراءَها
(p-١٥٧)فَقَوْلُهُ: "أنَهَرْتُ" مَعْناهُ جَعَلْتُ فَتْقَها كَنَهْرٍ، وقَرَأ زُهَيْرُ الفَرْقَبِيُّ، والأعْمَشُ: "وَنُهْر" بِضَمِّ النُونِ والهاءِ عَلى أنَّهُ جَمَعَ نَهار، إذْ لا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهَذا سائِغ في اللَفْظِ قَلِقٌ في المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نَهَرٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وأبُو السَمالِ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ: "نَهْرٍ" بِسُكُونِ الهاءِ عَلى الإفْرادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصِدْقَ الَّذِي هو ضِدُّ الكَذِبِ، أيْ: في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَّقُوا في الخَبَرِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "عَوْدُ صِدْقٍ" أيْ: جِيِّدٌ، و"رَجُلُ صِدْقٍ "أيْ: خَيِّرٌ وذُو خِلالٍ حِسانٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فِي مَقْعَدِ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ، وقَرَأ عُثْمانُ البَتِّيُّ: "فِي مَقاعِدَ" عَلى الجَمْعِ، و"المَلِيكُ المُقْتَدِرُ" هو اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
القمر 54:47
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُبُرِ﴾ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
هَذِهِ عِدَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ أنَّ جَمْعَ قُرَيْشٍ سَيُهْزَمُ نُصْرَةً لَهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُ أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ أقُولُ في نَفْسِي: أيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في الدِرْعِ وهو يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَإنَّما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في بَدْرٍ مُسْتَشْهِدًا بِالآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، والصَوابُ أنَّ الوَعْدَ أُنْجِزَ يَوْمَ بَدْرٍ قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "سَيُهْزَمُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعُ" نَصْبًا، (p-١٥٤)قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُونِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعَ" بِالنَصْبِ "وَتُوَلُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
ثُمَّ تُرِكَتْ هَذِهِ الأقْوالُ وأضْرَبَ عنها تَهَمُّمًا بِأمْرِ الساعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقَتْلٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾، "أدْهى" أفْعَلُ مِنَ الداهِيَةِ وهي الرَزِيَّةُ العُظْمى تَنْزِلُ بِالمَرْءِ، و"أمَرُّ" مِنَ المَرارَةِ، واللَفْظَةُ هاهُنا مُسْتَعارَةٌ لِأنَّها لَيْسَتْ فِيما يُذاقُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ المُجْرِمِينَ أنَّهم في الدُنْيا في حَيْرَةٍ وإتْلافٍ وفَقْدِ هُدًى، وفي الآخِرَةِ في احْتِراقٍ وتَسَعُّرٍ مِن حَيْثُ هم صائِرُونَ إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: في خُسْرانٍ وجُنُونٍ، و"السُعُرُ" الجُنُونُ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُجْرِمِينَ هُنا يُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ أفْعالَ العِبادِ لَيْسَتْ بِقَدَرٍ مِنَ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهْم المُتَوَعِّدُونَ بِالسَحْبِ في جَهَنَّمَ، والسَحْبُ هو الجَرُّ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إلى النارِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا" اسْتَعارَةٌ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنّا كُلَّ شَيْءٍ" بِالنَصْبِ، وقالُوا: المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ، ولَيْسَتْ "خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لـ "شَيْءٍ"، بَلْ هو فِعْلٌ دالٌّ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ، وهَذا المَعْنى يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٌ، إلّا ما قامَ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كالقُرْآنِ والصِفَةِ وقَرَأ أبُو السَمالِ -وَرَجَّحَهُ أبُو الفَتْحِ-: "إنّا كُلُّ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ "خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: "هَذا هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَصْبِ مَعَ الجَماعَةِ".
(p-١٥٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَرَأها قَوْمٌ مِن أهْلِ السُنَّةِ بِالرَفْعِ، والمَعْنى عِنْدَهم عَلى نَحْوِ ما هو عِنْدَ الأوَّلِينَ مِن أنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ بِقَدْرٍ سابِقٍ، و"خَلَقْناهُ" -عَلى هَذا- لَيْسَتْ صِفَةً لِـ "شَيْءٍ"، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ، ولَهُمُ احْتِجاجٌ قَوِيٌّ بِالآيَةِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ.
وقالَتِ القَدَرِيَّةُ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا قَدَرَ، والمَرْءُ وحْدَهُ فاعِلُ أفْعالِهِ، القِراءَةُ: "إنّا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ" بِرَفْعِ "كُلُّ"، و"خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "كُلُّ"، أيْ: إنَّ أمْرَنا وشَأْنَنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ، أيْ: بِمِقْدارٍ وعَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَيُزِيلُونَ بِهَذا التَأْوِيلِ مَوْضِعَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِّي أجِدُ في كِتابِ اللهِ تَعالى قَوْمًا يُسْحَبُونَ في (p-١٥٦)النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالقَدَرِ، يَقُولُونَ: المَرْءُ يَخْلُقُ أفْعالَهُ، وإنِّي لا أراهُمْ، فَلا أدْرِي أشَيْءٌ مَضى قَبْلَنا أمْ شَيْءٌ بَقِيَ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خاصَمَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ في القَدَرِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، فَفِيمَ العَمَلُ؟ أفِي شَيْءٍ نَسْتَأْنِفُهُ أمْ في شَيْءٍ قَدْ فَرَغَ مِنهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، سَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، سَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى".» وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الخَيْرَ والشَرَّ بِأيْدِينا، لَيْسَ لَهم في شَفاعَتِي نَصِيبٌ، ولا أنا مِنهم ولا هم مُنِّيَ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا واحِدَةٌ" أيْ: إلّا قَوْلَةً واحِدَةً وهي "كُنْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ" تَفْهِيمٌ لِلنّاسِ بِأعْجَلَ ما يُحِسُّونَ، وفي أشْياءَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى أوحى مِن لَمْحِ البَصَرِ، و"الأشْياعُ": الفِرَقُ المُتَشابِهَةُ في مَذْهَبٍ ودِينٍ، ونَحْوِهِ، الأوَّلُ شِيعَةٌ لِلْآخَرِ، الآخَرُ شِيعَةٌ لِلْأوَّلِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ أفْعالِ الأُمَمِ المُهْلِكَةِ مَكْتُوبَةٌ مَحْفُوظَةٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ الحِسابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، سَطَرْتُ وأسْطَرْتُ بِمَعْنًى، ورُوِيَ عن عاصِمٍ شَدُّ الراءِ مِن "مُسْتَطَرٌ"، قالَ أبُو عَمْرٍو: وهَذا لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ الوُقُوفِ، لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَنَهَرٍ" بِفَتْحِ الهاءِ والنُونِ عَلى أنَّها اسْمُ الجِنْسِ يُرِيدُ بِهِ الأنْهارَ، أو عَلى أنَّهُ بِمَعْنى سِعَةٍ في الرِزْقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها يَرى قائِمٌ مِن خَلْفِها ما وراءَها
(p-١٥٧)فَقَوْلُهُ: "أنَهَرْتُ" مَعْناهُ جَعَلْتُ فَتْقَها كَنَهْرٍ، وقَرَأ زُهَيْرُ الفَرْقَبِيُّ، والأعْمَشُ: "وَنُهْر" بِضَمِّ النُونِ والهاءِ عَلى أنَّهُ جَمَعَ نَهار، إذْ لا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهَذا سائِغ في اللَفْظِ قَلِقٌ في المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نَهَرٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وأبُو السَمالِ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ: "نَهْرٍ" بِسُكُونِ الهاءِ عَلى الإفْرادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصِدْقَ الَّذِي هو ضِدُّ الكَذِبِ، أيْ: في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَّقُوا في الخَبَرِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "عَوْدُ صِدْقٍ" أيْ: جِيِّدٌ، و"رَجُلُ صِدْقٍ "أيْ: خَيِّرٌ وذُو خِلالٍ حِسانٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فِي مَقْعَدِ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ، وقَرَأ عُثْمانُ البَتِّيُّ: "فِي مَقاعِدَ" عَلى الجَمْعِ، و"المَلِيكُ المُقْتَدِرُ" هو اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
القمر 54:48
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُبُرِ﴾ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
هَذِهِ عِدَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ أنَّ جَمْعَ قُرَيْشٍ سَيُهْزَمُ نُصْرَةً لَهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُ أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ أقُولُ في نَفْسِي: أيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في الدِرْعِ وهو يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَإنَّما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في بَدْرٍ مُسْتَشْهِدًا بِالآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، والصَوابُ أنَّ الوَعْدَ أُنْجِزَ يَوْمَ بَدْرٍ قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "سَيُهْزَمُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعُ" نَصْبًا، (p-١٥٤)قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُونِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعَ" بِالنَصْبِ "وَتُوَلُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
ثُمَّ تُرِكَتْ هَذِهِ الأقْوالُ وأضْرَبَ عنها تَهَمُّمًا بِأمْرِ الساعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقَتْلٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾، "أدْهى" أفْعَلُ مِنَ الداهِيَةِ وهي الرَزِيَّةُ العُظْمى تَنْزِلُ بِالمَرْءِ، و"أمَرُّ" مِنَ المَرارَةِ، واللَفْظَةُ هاهُنا مُسْتَعارَةٌ لِأنَّها لَيْسَتْ فِيما يُذاقُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ المُجْرِمِينَ أنَّهم في الدُنْيا في حَيْرَةٍ وإتْلافٍ وفَقْدِ هُدًى، وفي الآخِرَةِ في احْتِراقٍ وتَسَعُّرٍ مِن حَيْثُ هم صائِرُونَ إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: في خُسْرانٍ وجُنُونٍ، و"السُعُرُ" الجُنُونُ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُجْرِمِينَ هُنا يُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ أفْعالَ العِبادِ لَيْسَتْ بِقَدَرٍ مِنَ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهْم المُتَوَعِّدُونَ بِالسَحْبِ في جَهَنَّمَ، والسَحْبُ هو الجَرُّ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إلى النارِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا" اسْتَعارَةٌ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنّا كُلَّ شَيْءٍ" بِالنَصْبِ، وقالُوا: المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ، ولَيْسَتْ "خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لـ "شَيْءٍ"، بَلْ هو فِعْلٌ دالٌّ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ، وهَذا المَعْنى يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٌ، إلّا ما قامَ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كالقُرْآنِ والصِفَةِ وقَرَأ أبُو السَمالِ -وَرَجَّحَهُ أبُو الفَتْحِ-: "إنّا كُلُّ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ "خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: "هَذا هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَصْبِ مَعَ الجَماعَةِ".
(p-١٥٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَرَأها قَوْمٌ مِن أهْلِ السُنَّةِ بِالرَفْعِ، والمَعْنى عِنْدَهم عَلى نَحْوِ ما هو عِنْدَ الأوَّلِينَ مِن أنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ بِقَدْرٍ سابِقٍ، و"خَلَقْناهُ" -عَلى هَذا- لَيْسَتْ صِفَةً لِـ "شَيْءٍ"، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ، ولَهُمُ احْتِجاجٌ قَوِيٌّ بِالآيَةِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ.
وقالَتِ القَدَرِيَّةُ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا قَدَرَ، والمَرْءُ وحْدَهُ فاعِلُ أفْعالِهِ، القِراءَةُ: "إنّا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ" بِرَفْعِ "كُلُّ"، و"خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "كُلُّ"، أيْ: إنَّ أمْرَنا وشَأْنَنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ، أيْ: بِمِقْدارٍ وعَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَيُزِيلُونَ بِهَذا التَأْوِيلِ مَوْضِعَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِّي أجِدُ في كِتابِ اللهِ تَعالى قَوْمًا يُسْحَبُونَ في (p-١٥٦)النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالقَدَرِ، يَقُولُونَ: المَرْءُ يَخْلُقُ أفْعالَهُ، وإنِّي لا أراهُمْ، فَلا أدْرِي أشَيْءٌ مَضى قَبْلَنا أمْ شَيْءٌ بَقِيَ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خاصَمَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ في القَدَرِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، فَفِيمَ العَمَلُ؟ أفِي شَيْءٍ نَسْتَأْنِفُهُ أمْ في شَيْءٍ قَدْ فَرَغَ مِنهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، سَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، سَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى".» وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الخَيْرَ والشَرَّ بِأيْدِينا، لَيْسَ لَهم في شَفاعَتِي نَصِيبٌ، ولا أنا مِنهم ولا هم مُنِّيَ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا واحِدَةٌ" أيْ: إلّا قَوْلَةً واحِدَةً وهي "كُنْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ" تَفْهِيمٌ لِلنّاسِ بِأعْجَلَ ما يُحِسُّونَ، وفي أشْياءَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى أوحى مِن لَمْحِ البَصَرِ، و"الأشْياعُ": الفِرَقُ المُتَشابِهَةُ في مَذْهَبٍ ودِينٍ، ونَحْوِهِ، الأوَّلُ شِيعَةٌ لِلْآخَرِ، الآخَرُ شِيعَةٌ لِلْأوَّلِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ أفْعالِ الأُمَمِ المُهْلِكَةِ مَكْتُوبَةٌ مَحْفُوظَةٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ الحِسابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، سَطَرْتُ وأسْطَرْتُ بِمَعْنًى، ورُوِيَ عن عاصِمٍ شَدُّ الراءِ مِن "مُسْتَطَرٌ"، قالَ أبُو عَمْرٍو: وهَذا لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ الوُقُوفِ، لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَنَهَرٍ" بِفَتْحِ الهاءِ والنُونِ عَلى أنَّها اسْمُ الجِنْسِ يُرِيدُ بِهِ الأنْهارَ، أو عَلى أنَّهُ بِمَعْنى سِعَةٍ في الرِزْقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها يَرى قائِمٌ مِن خَلْفِها ما وراءَها
(p-١٥٧)فَقَوْلُهُ: "أنَهَرْتُ" مَعْناهُ جَعَلْتُ فَتْقَها كَنَهْرٍ، وقَرَأ زُهَيْرُ الفَرْقَبِيُّ، والأعْمَشُ: "وَنُهْر" بِضَمِّ النُونِ والهاءِ عَلى أنَّهُ جَمَعَ نَهار، إذْ لا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهَذا سائِغ في اللَفْظِ قَلِقٌ في المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نَهَرٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وأبُو السَمالِ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ: "نَهْرٍ" بِسُكُونِ الهاءِ عَلى الإفْرادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصِدْقَ الَّذِي هو ضِدُّ الكَذِبِ، أيْ: في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَّقُوا في الخَبَرِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "عَوْدُ صِدْقٍ" أيْ: جِيِّدٌ، و"رَجُلُ صِدْقٍ "أيْ: خَيِّرٌ وذُو خِلالٍ حِسانٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فِي مَقْعَدِ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ، وقَرَأ عُثْمانُ البَتِّيُّ: "فِي مَقاعِدَ" عَلى الجَمْعِ، و"المَلِيكُ المُقْتَدِرُ" هو اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
القمر 54:49
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُبُرِ﴾ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
هَذِهِ عِدَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ أنَّ جَمْعَ قُرَيْشٍ سَيُهْزَمُ نُصْرَةً لَهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُ أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ أقُولُ في نَفْسِي: أيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في الدِرْعِ وهو يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَإنَّما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في بَدْرٍ مُسْتَشْهِدًا بِالآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، والصَوابُ أنَّ الوَعْدَ أُنْجِزَ يَوْمَ بَدْرٍ قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "سَيُهْزَمُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعُ" نَصْبًا، (p-١٥٤)قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُونِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعَ" بِالنَصْبِ "وَتُوَلُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
ثُمَّ تُرِكَتْ هَذِهِ الأقْوالُ وأضْرَبَ عنها تَهَمُّمًا بِأمْرِ الساعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقَتْلٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾، "أدْهى" أفْعَلُ مِنَ الداهِيَةِ وهي الرَزِيَّةُ العُظْمى تَنْزِلُ بِالمَرْءِ، و"أمَرُّ" مِنَ المَرارَةِ، واللَفْظَةُ هاهُنا مُسْتَعارَةٌ لِأنَّها لَيْسَتْ فِيما يُذاقُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ المُجْرِمِينَ أنَّهم في الدُنْيا في حَيْرَةٍ وإتْلافٍ وفَقْدِ هُدًى، وفي الآخِرَةِ في احْتِراقٍ وتَسَعُّرٍ مِن حَيْثُ هم صائِرُونَ إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: في خُسْرانٍ وجُنُونٍ، و"السُعُرُ" الجُنُونُ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُجْرِمِينَ هُنا يُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ أفْعالَ العِبادِ لَيْسَتْ بِقَدَرٍ مِنَ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهْم المُتَوَعِّدُونَ بِالسَحْبِ في جَهَنَّمَ، والسَحْبُ هو الجَرُّ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إلى النارِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا" اسْتَعارَةٌ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنّا كُلَّ شَيْءٍ" بِالنَصْبِ، وقالُوا: المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ، ولَيْسَتْ "خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لـ "شَيْءٍ"، بَلْ هو فِعْلٌ دالٌّ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ، وهَذا المَعْنى يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٌ، إلّا ما قامَ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كالقُرْآنِ والصِفَةِ وقَرَأ أبُو السَمالِ -وَرَجَّحَهُ أبُو الفَتْحِ-: "إنّا كُلُّ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ "خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: "هَذا هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَصْبِ مَعَ الجَماعَةِ".
(p-١٥٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَرَأها قَوْمٌ مِن أهْلِ السُنَّةِ بِالرَفْعِ، والمَعْنى عِنْدَهم عَلى نَحْوِ ما هو عِنْدَ الأوَّلِينَ مِن أنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ بِقَدْرٍ سابِقٍ، و"خَلَقْناهُ" -عَلى هَذا- لَيْسَتْ صِفَةً لِـ "شَيْءٍ"، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ، ولَهُمُ احْتِجاجٌ قَوِيٌّ بِالآيَةِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ.
وقالَتِ القَدَرِيَّةُ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا قَدَرَ، والمَرْءُ وحْدَهُ فاعِلُ أفْعالِهِ، القِراءَةُ: "إنّا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ" بِرَفْعِ "كُلُّ"، و"خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "كُلُّ"، أيْ: إنَّ أمْرَنا وشَأْنَنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ، أيْ: بِمِقْدارٍ وعَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَيُزِيلُونَ بِهَذا التَأْوِيلِ مَوْضِعَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِّي أجِدُ في كِتابِ اللهِ تَعالى قَوْمًا يُسْحَبُونَ في (p-١٥٦)النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالقَدَرِ، يَقُولُونَ: المَرْءُ يَخْلُقُ أفْعالَهُ، وإنِّي لا أراهُمْ، فَلا أدْرِي أشَيْءٌ مَضى قَبْلَنا أمْ شَيْءٌ بَقِيَ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خاصَمَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ في القَدَرِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، فَفِيمَ العَمَلُ؟ أفِي شَيْءٍ نَسْتَأْنِفُهُ أمْ في شَيْءٍ قَدْ فَرَغَ مِنهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، سَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، سَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى".» وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الخَيْرَ والشَرَّ بِأيْدِينا، لَيْسَ لَهم في شَفاعَتِي نَصِيبٌ، ولا أنا مِنهم ولا هم مُنِّيَ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا واحِدَةٌ" أيْ: إلّا قَوْلَةً واحِدَةً وهي "كُنْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ" تَفْهِيمٌ لِلنّاسِ بِأعْجَلَ ما يُحِسُّونَ، وفي أشْياءَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى أوحى مِن لَمْحِ البَصَرِ، و"الأشْياعُ": الفِرَقُ المُتَشابِهَةُ في مَذْهَبٍ ودِينٍ، ونَحْوِهِ، الأوَّلُ شِيعَةٌ لِلْآخَرِ، الآخَرُ شِيعَةٌ لِلْأوَّلِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ أفْعالِ الأُمَمِ المُهْلِكَةِ مَكْتُوبَةٌ مَحْفُوظَةٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ الحِسابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، سَطَرْتُ وأسْطَرْتُ بِمَعْنًى، ورُوِيَ عن عاصِمٍ شَدُّ الراءِ مِن "مُسْتَطَرٌ"، قالَ أبُو عَمْرٍو: وهَذا لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ الوُقُوفِ، لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَنَهَرٍ" بِفَتْحِ الهاءِ والنُونِ عَلى أنَّها اسْمُ الجِنْسِ يُرِيدُ بِهِ الأنْهارَ، أو عَلى أنَّهُ بِمَعْنى سِعَةٍ في الرِزْقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها يَرى قائِمٌ مِن خَلْفِها ما وراءَها
(p-١٥٧)فَقَوْلُهُ: "أنَهَرْتُ" مَعْناهُ جَعَلْتُ فَتْقَها كَنَهْرٍ، وقَرَأ زُهَيْرُ الفَرْقَبِيُّ، والأعْمَشُ: "وَنُهْر" بِضَمِّ النُونِ والهاءِ عَلى أنَّهُ جَمَعَ نَهار، إذْ لا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهَذا سائِغ في اللَفْظِ قَلِقٌ في المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نَهَرٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وأبُو السَمالِ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ: "نَهْرٍ" بِسُكُونِ الهاءِ عَلى الإفْرادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصِدْقَ الَّذِي هو ضِدُّ الكَذِبِ، أيْ: في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَّقُوا في الخَبَرِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "عَوْدُ صِدْقٍ" أيْ: جِيِّدٌ، و"رَجُلُ صِدْقٍ "أيْ: خَيِّرٌ وذُو خِلالٍ حِسانٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فِي مَقْعَدِ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ، وقَرَأ عُثْمانُ البَتِّيُّ: "فِي مَقاعِدَ" عَلى الجَمْعِ، و"المَلِيكُ المُقْتَدِرُ" هو اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
القمر 54:50
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُبُرِ﴾ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
هَذِهِ عِدَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ أنَّ جَمْعَ قُرَيْشٍ سَيُهْزَمُ نُصْرَةً لَهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُ أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ أقُولُ في نَفْسِي: أيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في الدِرْعِ وهو يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَإنَّما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في بَدْرٍ مُسْتَشْهِدًا بِالآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، والصَوابُ أنَّ الوَعْدَ أُنْجِزَ يَوْمَ بَدْرٍ قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "سَيُهْزَمُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعُ" نَصْبًا، (p-١٥٤)قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُونِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعَ" بِالنَصْبِ "وَتُوَلُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
ثُمَّ تُرِكَتْ هَذِهِ الأقْوالُ وأضْرَبَ عنها تَهَمُّمًا بِأمْرِ الساعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقَتْلٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾، "أدْهى" أفْعَلُ مِنَ الداهِيَةِ وهي الرَزِيَّةُ العُظْمى تَنْزِلُ بِالمَرْءِ، و"أمَرُّ" مِنَ المَرارَةِ، واللَفْظَةُ هاهُنا مُسْتَعارَةٌ لِأنَّها لَيْسَتْ فِيما يُذاقُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ المُجْرِمِينَ أنَّهم في الدُنْيا في حَيْرَةٍ وإتْلافٍ وفَقْدِ هُدًى، وفي الآخِرَةِ في احْتِراقٍ وتَسَعُّرٍ مِن حَيْثُ هم صائِرُونَ إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: في خُسْرانٍ وجُنُونٍ، و"السُعُرُ" الجُنُونُ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُجْرِمِينَ هُنا يُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ أفْعالَ العِبادِ لَيْسَتْ بِقَدَرٍ مِنَ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهْم المُتَوَعِّدُونَ بِالسَحْبِ في جَهَنَّمَ، والسَحْبُ هو الجَرُّ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إلى النارِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا" اسْتَعارَةٌ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنّا كُلَّ شَيْءٍ" بِالنَصْبِ، وقالُوا: المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ، ولَيْسَتْ "خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لـ "شَيْءٍ"، بَلْ هو فِعْلٌ دالٌّ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ، وهَذا المَعْنى يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٌ، إلّا ما قامَ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كالقُرْآنِ والصِفَةِ وقَرَأ أبُو السَمالِ -وَرَجَّحَهُ أبُو الفَتْحِ-: "إنّا كُلُّ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ "خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: "هَذا هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَصْبِ مَعَ الجَماعَةِ".
(p-١٥٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَرَأها قَوْمٌ مِن أهْلِ السُنَّةِ بِالرَفْعِ، والمَعْنى عِنْدَهم عَلى نَحْوِ ما هو عِنْدَ الأوَّلِينَ مِن أنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ بِقَدْرٍ سابِقٍ، و"خَلَقْناهُ" -عَلى هَذا- لَيْسَتْ صِفَةً لِـ "شَيْءٍ"، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ، ولَهُمُ احْتِجاجٌ قَوِيٌّ بِالآيَةِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ.
وقالَتِ القَدَرِيَّةُ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا قَدَرَ، والمَرْءُ وحْدَهُ فاعِلُ أفْعالِهِ، القِراءَةُ: "إنّا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ" بِرَفْعِ "كُلُّ"، و"خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "كُلُّ"، أيْ: إنَّ أمْرَنا وشَأْنَنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ، أيْ: بِمِقْدارٍ وعَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَيُزِيلُونَ بِهَذا التَأْوِيلِ مَوْضِعَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِّي أجِدُ في كِتابِ اللهِ تَعالى قَوْمًا يُسْحَبُونَ في (p-١٥٦)النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالقَدَرِ، يَقُولُونَ: المَرْءُ يَخْلُقُ أفْعالَهُ، وإنِّي لا أراهُمْ، فَلا أدْرِي أشَيْءٌ مَضى قَبْلَنا أمْ شَيْءٌ بَقِيَ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خاصَمَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ في القَدَرِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، فَفِيمَ العَمَلُ؟ أفِي شَيْءٍ نَسْتَأْنِفُهُ أمْ في شَيْءٍ قَدْ فَرَغَ مِنهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، سَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، سَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى".» وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الخَيْرَ والشَرَّ بِأيْدِينا، لَيْسَ لَهم في شَفاعَتِي نَصِيبٌ، ولا أنا مِنهم ولا هم مُنِّيَ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا واحِدَةٌ" أيْ: إلّا قَوْلَةً واحِدَةً وهي "كُنْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ" تَفْهِيمٌ لِلنّاسِ بِأعْجَلَ ما يُحِسُّونَ، وفي أشْياءَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى أوحى مِن لَمْحِ البَصَرِ، و"الأشْياعُ": الفِرَقُ المُتَشابِهَةُ في مَذْهَبٍ ودِينٍ، ونَحْوِهِ، الأوَّلُ شِيعَةٌ لِلْآخَرِ، الآخَرُ شِيعَةٌ لِلْأوَّلِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ أفْعالِ الأُمَمِ المُهْلِكَةِ مَكْتُوبَةٌ مَحْفُوظَةٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ الحِسابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، سَطَرْتُ وأسْطَرْتُ بِمَعْنًى، ورُوِيَ عن عاصِمٍ شَدُّ الراءِ مِن "مُسْتَطَرٌ"، قالَ أبُو عَمْرٍو: وهَذا لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ الوُقُوفِ، لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَنَهَرٍ" بِفَتْحِ الهاءِ والنُونِ عَلى أنَّها اسْمُ الجِنْسِ يُرِيدُ بِهِ الأنْهارَ، أو عَلى أنَّهُ بِمَعْنى سِعَةٍ في الرِزْقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها يَرى قائِمٌ مِن خَلْفِها ما وراءَها
(p-١٥٧)فَقَوْلُهُ: "أنَهَرْتُ" مَعْناهُ جَعَلْتُ فَتْقَها كَنَهْرٍ، وقَرَأ زُهَيْرُ الفَرْقَبِيُّ، والأعْمَشُ: "وَنُهْر" بِضَمِّ النُونِ والهاءِ عَلى أنَّهُ جَمَعَ نَهار، إذْ لا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهَذا سائِغ في اللَفْظِ قَلِقٌ في المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نَهَرٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وأبُو السَمالِ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ: "نَهْرٍ" بِسُكُونِ الهاءِ عَلى الإفْرادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصِدْقَ الَّذِي هو ضِدُّ الكَذِبِ، أيْ: في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَّقُوا في الخَبَرِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "عَوْدُ صِدْقٍ" أيْ: جِيِّدٌ، و"رَجُلُ صِدْقٍ "أيْ: خَيِّرٌ وذُو خِلالٍ حِسانٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فِي مَقْعَدِ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ، وقَرَأ عُثْمانُ البَتِّيُّ: "فِي مَقاعِدَ" عَلى الجَمْعِ، و"المَلِيكُ المُقْتَدِرُ" هو اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
القمر 54:51
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُبُرِ﴾ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
هَذِهِ عِدَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ أنَّ جَمْعَ قُرَيْشٍ سَيُهْزَمُ نُصْرَةً لَهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُ أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ أقُولُ في نَفْسِي: أيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في الدِرْعِ وهو يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَإنَّما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في بَدْرٍ مُسْتَشْهِدًا بِالآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، والصَوابُ أنَّ الوَعْدَ أُنْجِزَ يَوْمَ بَدْرٍ قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "سَيُهْزَمُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعُ" نَصْبًا، (p-١٥٤)قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُونِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعَ" بِالنَصْبِ "وَتُوَلُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
ثُمَّ تُرِكَتْ هَذِهِ الأقْوالُ وأضْرَبَ عنها تَهَمُّمًا بِأمْرِ الساعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقَتْلٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾، "أدْهى" أفْعَلُ مِنَ الداهِيَةِ وهي الرَزِيَّةُ العُظْمى تَنْزِلُ بِالمَرْءِ، و"أمَرُّ" مِنَ المَرارَةِ، واللَفْظَةُ هاهُنا مُسْتَعارَةٌ لِأنَّها لَيْسَتْ فِيما يُذاقُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ المُجْرِمِينَ أنَّهم في الدُنْيا في حَيْرَةٍ وإتْلافٍ وفَقْدِ هُدًى، وفي الآخِرَةِ في احْتِراقٍ وتَسَعُّرٍ مِن حَيْثُ هم صائِرُونَ إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: في خُسْرانٍ وجُنُونٍ، و"السُعُرُ" الجُنُونُ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُجْرِمِينَ هُنا يُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ أفْعالَ العِبادِ لَيْسَتْ بِقَدَرٍ مِنَ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهْم المُتَوَعِّدُونَ بِالسَحْبِ في جَهَنَّمَ، والسَحْبُ هو الجَرُّ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إلى النارِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا" اسْتَعارَةٌ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنّا كُلَّ شَيْءٍ" بِالنَصْبِ، وقالُوا: المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ، ولَيْسَتْ "خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لـ "شَيْءٍ"، بَلْ هو فِعْلٌ دالٌّ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ، وهَذا المَعْنى يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٌ، إلّا ما قامَ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كالقُرْآنِ والصِفَةِ وقَرَأ أبُو السَمالِ -وَرَجَّحَهُ أبُو الفَتْحِ-: "إنّا كُلُّ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ "خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: "هَذا هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَصْبِ مَعَ الجَماعَةِ".
(p-١٥٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَرَأها قَوْمٌ مِن أهْلِ السُنَّةِ بِالرَفْعِ، والمَعْنى عِنْدَهم عَلى نَحْوِ ما هو عِنْدَ الأوَّلِينَ مِن أنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ بِقَدْرٍ سابِقٍ، و"خَلَقْناهُ" -عَلى هَذا- لَيْسَتْ صِفَةً لِـ "شَيْءٍ"، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ، ولَهُمُ احْتِجاجٌ قَوِيٌّ بِالآيَةِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ.
وقالَتِ القَدَرِيَّةُ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا قَدَرَ، والمَرْءُ وحْدَهُ فاعِلُ أفْعالِهِ، القِراءَةُ: "إنّا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ" بِرَفْعِ "كُلُّ"، و"خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "كُلُّ"، أيْ: إنَّ أمْرَنا وشَأْنَنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ، أيْ: بِمِقْدارٍ وعَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَيُزِيلُونَ بِهَذا التَأْوِيلِ مَوْضِعَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِّي أجِدُ في كِتابِ اللهِ تَعالى قَوْمًا يُسْحَبُونَ في (p-١٥٦)النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالقَدَرِ، يَقُولُونَ: المَرْءُ يَخْلُقُ أفْعالَهُ، وإنِّي لا أراهُمْ، فَلا أدْرِي أشَيْءٌ مَضى قَبْلَنا أمْ شَيْءٌ بَقِيَ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خاصَمَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ في القَدَرِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، فَفِيمَ العَمَلُ؟ أفِي شَيْءٍ نَسْتَأْنِفُهُ أمْ في شَيْءٍ قَدْ فَرَغَ مِنهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، سَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، سَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى".» وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الخَيْرَ والشَرَّ بِأيْدِينا، لَيْسَ لَهم في شَفاعَتِي نَصِيبٌ، ولا أنا مِنهم ولا هم مُنِّيَ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا واحِدَةٌ" أيْ: إلّا قَوْلَةً واحِدَةً وهي "كُنْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ" تَفْهِيمٌ لِلنّاسِ بِأعْجَلَ ما يُحِسُّونَ، وفي أشْياءَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى أوحى مِن لَمْحِ البَصَرِ، و"الأشْياعُ": الفِرَقُ المُتَشابِهَةُ في مَذْهَبٍ ودِينٍ، ونَحْوِهِ، الأوَّلُ شِيعَةٌ لِلْآخَرِ، الآخَرُ شِيعَةٌ لِلْأوَّلِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ أفْعالِ الأُمَمِ المُهْلِكَةِ مَكْتُوبَةٌ مَحْفُوظَةٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ الحِسابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، سَطَرْتُ وأسْطَرْتُ بِمَعْنًى، ورُوِيَ عن عاصِمٍ شَدُّ الراءِ مِن "مُسْتَطَرٌ"، قالَ أبُو عَمْرٍو: وهَذا لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ الوُقُوفِ، لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَنَهَرٍ" بِفَتْحِ الهاءِ والنُونِ عَلى أنَّها اسْمُ الجِنْسِ يُرِيدُ بِهِ الأنْهارَ، أو عَلى أنَّهُ بِمَعْنى سِعَةٍ في الرِزْقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها يَرى قائِمٌ مِن خَلْفِها ما وراءَها
(p-١٥٧)فَقَوْلُهُ: "أنَهَرْتُ" مَعْناهُ جَعَلْتُ فَتْقَها كَنَهْرٍ، وقَرَأ زُهَيْرُ الفَرْقَبِيُّ، والأعْمَشُ: "وَنُهْر" بِضَمِّ النُونِ والهاءِ عَلى أنَّهُ جَمَعَ نَهار، إذْ لا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهَذا سائِغ في اللَفْظِ قَلِقٌ في المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نَهَرٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وأبُو السَمالِ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ: "نَهْرٍ" بِسُكُونِ الهاءِ عَلى الإفْرادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصِدْقَ الَّذِي هو ضِدُّ الكَذِبِ، أيْ: في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَّقُوا في الخَبَرِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "عَوْدُ صِدْقٍ" أيْ: جِيِّدٌ، و"رَجُلُ صِدْقٍ "أيْ: خَيِّرٌ وذُو خِلالٍ حِسانٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فِي مَقْعَدِ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ، وقَرَأ عُثْمانُ البَتِّيُّ: "فِي مَقاعِدَ" عَلى الجَمْعِ، و"المَلِيكُ المُقْتَدِرُ" هو اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
القمر 54:52
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُبُرِ﴾ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
هَذِهِ عِدَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ أنَّ جَمْعَ قُرَيْشٍ سَيُهْزَمُ نُصْرَةً لَهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُ أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ أقُولُ في نَفْسِي: أيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في الدِرْعِ وهو يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَإنَّما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في بَدْرٍ مُسْتَشْهِدًا بِالآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، والصَوابُ أنَّ الوَعْدَ أُنْجِزَ يَوْمَ بَدْرٍ قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "سَيُهْزَمُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعُ" نَصْبًا، (p-١٥٤)قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُونِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعَ" بِالنَصْبِ "وَتُوَلُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
ثُمَّ تُرِكَتْ هَذِهِ الأقْوالُ وأضْرَبَ عنها تَهَمُّمًا بِأمْرِ الساعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقَتْلٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾، "أدْهى" أفْعَلُ مِنَ الداهِيَةِ وهي الرَزِيَّةُ العُظْمى تَنْزِلُ بِالمَرْءِ، و"أمَرُّ" مِنَ المَرارَةِ، واللَفْظَةُ هاهُنا مُسْتَعارَةٌ لِأنَّها لَيْسَتْ فِيما يُذاقُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ المُجْرِمِينَ أنَّهم في الدُنْيا في حَيْرَةٍ وإتْلافٍ وفَقْدِ هُدًى، وفي الآخِرَةِ في احْتِراقٍ وتَسَعُّرٍ مِن حَيْثُ هم صائِرُونَ إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: في خُسْرانٍ وجُنُونٍ، و"السُعُرُ" الجُنُونُ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُجْرِمِينَ هُنا يُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ أفْعالَ العِبادِ لَيْسَتْ بِقَدَرٍ مِنَ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهْم المُتَوَعِّدُونَ بِالسَحْبِ في جَهَنَّمَ، والسَحْبُ هو الجَرُّ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إلى النارِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا" اسْتَعارَةٌ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنّا كُلَّ شَيْءٍ" بِالنَصْبِ، وقالُوا: المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ، ولَيْسَتْ "خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لـ "شَيْءٍ"، بَلْ هو فِعْلٌ دالٌّ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ، وهَذا المَعْنى يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٌ، إلّا ما قامَ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كالقُرْآنِ والصِفَةِ وقَرَأ أبُو السَمالِ -وَرَجَّحَهُ أبُو الفَتْحِ-: "إنّا كُلُّ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ "خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: "هَذا هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَصْبِ مَعَ الجَماعَةِ".
(p-١٥٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَرَأها قَوْمٌ مِن أهْلِ السُنَّةِ بِالرَفْعِ، والمَعْنى عِنْدَهم عَلى نَحْوِ ما هو عِنْدَ الأوَّلِينَ مِن أنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ بِقَدْرٍ سابِقٍ، و"خَلَقْناهُ" -عَلى هَذا- لَيْسَتْ صِفَةً لِـ "شَيْءٍ"، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ، ولَهُمُ احْتِجاجٌ قَوِيٌّ بِالآيَةِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ.
وقالَتِ القَدَرِيَّةُ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا قَدَرَ، والمَرْءُ وحْدَهُ فاعِلُ أفْعالِهِ، القِراءَةُ: "إنّا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ" بِرَفْعِ "كُلُّ"، و"خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "كُلُّ"، أيْ: إنَّ أمْرَنا وشَأْنَنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ، أيْ: بِمِقْدارٍ وعَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَيُزِيلُونَ بِهَذا التَأْوِيلِ مَوْضِعَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِّي أجِدُ في كِتابِ اللهِ تَعالى قَوْمًا يُسْحَبُونَ في (p-١٥٦)النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالقَدَرِ، يَقُولُونَ: المَرْءُ يَخْلُقُ أفْعالَهُ، وإنِّي لا أراهُمْ، فَلا أدْرِي أشَيْءٌ مَضى قَبْلَنا أمْ شَيْءٌ بَقِيَ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خاصَمَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ في القَدَرِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، فَفِيمَ العَمَلُ؟ أفِي شَيْءٍ نَسْتَأْنِفُهُ أمْ في شَيْءٍ قَدْ فَرَغَ مِنهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، سَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، سَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى".» وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الخَيْرَ والشَرَّ بِأيْدِينا، لَيْسَ لَهم في شَفاعَتِي نَصِيبٌ، ولا أنا مِنهم ولا هم مُنِّيَ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا واحِدَةٌ" أيْ: إلّا قَوْلَةً واحِدَةً وهي "كُنْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ" تَفْهِيمٌ لِلنّاسِ بِأعْجَلَ ما يُحِسُّونَ، وفي أشْياءَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى أوحى مِن لَمْحِ البَصَرِ، و"الأشْياعُ": الفِرَقُ المُتَشابِهَةُ في مَذْهَبٍ ودِينٍ، ونَحْوِهِ، الأوَّلُ شِيعَةٌ لِلْآخَرِ، الآخَرُ شِيعَةٌ لِلْأوَّلِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ أفْعالِ الأُمَمِ المُهْلِكَةِ مَكْتُوبَةٌ مَحْفُوظَةٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ الحِسابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، سَطَرْتُ وأسْطَرْتُ بِمَعْنًى، ورُوِيَ عن عاصِمٍ شَدُّ الراءِ مِن "مُسْتَطَرٌ"، قالَ أبُو عَمْرٍو: وهَذا لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ الوُقُوفِ، لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَنَهَرٍ" بِفَتْحِ الهاءِ والنُونِ عَلى أنَّها اسْمُ الجِنْسِ يُرِيدُ بِهِ الأنْهارَ، أو عَلى أنَّهُ بِمَعْنى سِعَةٍ في الرِزْقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها يَرى قائِمٌ مِن خَلْفِها ما وراءَها
(p-١٥٧)فَقَوْلُهُ: "أنَهَرْتُ" مَعْناهُ جَعَلْتُ فَتْقَها كَنَهْرٍ، وقَرَأ زُهَيْرُ الفَرْقَبِيُّ، والأعْمَشُ: "وَنُهْر" بِضَمِّ النُونِ والهاءِ عَلى أنَّهُ جَمَعَ نَهار، إذْ لا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهَذا سائِغ في اللَفْظِ قَلِقٌ في المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نَهَرٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وأبُو السَمالِ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ: "نَهْرٍ" بِسُكُونِ الهاءِ عَلى الإفْرادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصِدْقَ الَّذِي هو ضِدُّ الكَذِبِ، أيْ: في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَّقُوا في الخَبَرِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "عَوْدُ صِدْقٍ" أيْ: جِيِّدٌ، و"رَجُلُ صِدْقٍ "أيْ: خَيِّرٌ وذُو خِلالٍ حِسانٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فِي مَقْعَدِ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ، وقَرَأ عُثْمانُ البَتِّيُّ: "فِي مَقاعِدَ" عَلى الجَمْعِ، و"المَلِيكُ المُقْتَدِرُ" هو اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
القمر 54:53
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُبُرِ﴾ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
هَذِهِ عِدَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ أنَّ جَمْعَ قُرَيْشٍ سَيُهْزَمُ نُصْرَةً لَهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُ أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ أقُولُ في نَفْسِي: أيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟ فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في الدِرْعِ وهو يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَإنَّما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في بَدْرٍ مُسْتَشْهِدًا بِالآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، والصَوابُ أنَّ الوَعْدَ أُنْجِزَ يَوْمَ بَدْرٍ قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "سَيُهْزَمُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعُ" نَصْبًا، (p-١٥٤)قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُونِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعَ" بِالنَصْبِ "وَتُوَلُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
ثُمَّ تُرِكَتْ هَذِهِ الأقْوالُ وأضْرَبَ عنها تَهَمُّمًا بِأمْرِ الساعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقَتْلٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾، "أدْهى" أفْعَلُ مِنَ الداهِيَةِ وهي الرَزِيَّةُ العُظْمى تَنْزِلُ بِالمَرْءِ، و"أمَرُّ" مِنَ المَرارَةِ، واللَفْظَةُ هاهُنا مُسْتَعارَةٌ لِأنَّها لَيْسَتْ فِيما يُذاقُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ المُجْرِمِينَ أنَّهم في الدُنْيا في حَيْرَةٍ وإتْلافٍ وفَقْدِ هُدًى، وفي الآخِرَةِ في احْتِراقٍ وتَسَعُّرٍ مِن حَيْثُ هم صائِرُونَ إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: في خُسْرانٍ وجُنُونٍ، و"السُعُرُ" الجُنُونُ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُجْرِمِينَ هُنا يُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ أفْعالَ العِبادِ لَيْسَتْ بِقَدَرٍ مِنَ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهْم المُتَوَعِّدُونَ بِالسَحْبِ في جَهَنَّمَ، والسَحْبُ هو الجَرُّ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إلى النارِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا" اسْتَعارَةٌ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنّا كُلَّ شَيْءٍ" بِالنَصْبِ، وقالُوا: المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ، ولَيْسَتْ "خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لـ "شَيْءٍ"، بَلْ هو فِعْلٌ دالٌّ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ، وهَذا المَعْنى يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٌ، إلّا ما قامَ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كالقُرْآنِ والصِفَةِ وقَرَأ أبُو السَمالِ -وَرَجَّحَهُ أبُو الفَتْحِ-: "إنّا كُلُّ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ "خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: "هَذا هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَصْبِ مَعَ الجَماعَةِ".
(p-١٥٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَرَأها قَوْمٌ مِن أهْلِ السُنَّةِ بِالرَفْعِ، والمَعْنى عِنْدَهم عَلى نَحْوِ ما هو عِنْدَ الأوَّلِينَ مِن أنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ بِقَدْرٍ سابِقٍ، و"خَلَقْناهُ" -عَلى هَذا- لَيْسَتْ صِفَةً لِـ "شَيْءٍ"، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ، ولَهُمُ احْتِجاجٌ قَوِيٌّ بِالآيَةِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ.
وقالَتِ القَدَرِيَّةُ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا قَدَرَ، والمَرْءُ وحْدَهُ فاعِلُ أفْعالِهِ، القِراءَةُ: "إنّا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ" بِرَفْعِ "كُلُّ"، و"خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "كُلُّ"، أيْ: إنَّ أمْرَنا وشَأْنَنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ، أيْ: بِمِقْدارٍ وعَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَيُزِيلُونَ بِهَذا التَأْوِيلِ مَوْضِعَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِّي أجِدُ في كِتابِ اللهِ تَعالى قَوْمًا يُسْحَبُونَ في (p-١٥٦)النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالقَدَرِ، يَقُولُونَ: المَرْءُ يَخْلُقُ أفْعالَهُ، وإنِّي لا أراهُمْ، فَلا أدْرِي أشَيْءٌ مَضى قَبْلَنا أمْ شَيْءٌ بَقِيَ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خاصَمَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ في القَدَرِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، فَفِيمَ العَمَلُ؟ أفِي شَيْءٍ نَسْتَأْنِفُهُ أمْ في شَيْءٍ قَدْ فَرَغَ مِنهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، سَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، سَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى".» وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الخَيْرَ والشَرَّ بِأيْدِينا، لَيْسَ لَهم في شَفاعَتِي نَصِيبٌ، ولا أنا مِنهم ولا هم مُنِّيَ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا واحِدَةٌ" أيْ: إلّا قَوْلَةً واحِدَةً وهي "كُنْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ" تَفْهِيمٌ لِلنّاسِ بِأعْجَلَ ما يُحِسُّونَ، وفي أشْياءَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى أوحى مِن لَمْحِ البَصَرِ، و"الأشْياعُ": الفِرَقُ المُتَشابِهَةُ في مَذْهَبٍ ودِينٍ، ونَحْوِهِ، الأوَّلُ شِيعَةٌ لِلْآخَرِ، الآخَرُ شِيعَةٌ لِلْأوَّلِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ أفْعالِ الأُمَمِ المُهْلِكَةِ مَكْتُوبَةٌ مَحْفُوظَةٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ الحِسابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، سَطَرْتُ وأسْطَرْتُ بِمَعْنًى، ورُوِيَ عن عاصِمٍ شَدُّ الراءِ مِن "مُسْتَطَرٌ"، قالَ أبُو عَمْرٍو: وهَذا لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ الوُقُوفِ، لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَنَهَرٍ" بِفَتْحِ الهاءِ والنُونِ عَلى أنَّها اسْمُ الجِنْسِ يُرِيدُ بِهِ الأنْهارَ، أو عَلى أنَّهُ بِمَعْنى سِعَةٍ في الرِزْقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎ مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها يَرى قائِمٌ مِن خَلْفِها ما وراءَها
(p-١٥٧)فَقَوْلُهُ: "أنَهَرْتُ" مَعْناهُ جَعَلْتُ فَتْقَها كَنَهْرٍ، وقَرَأ زُهَيْرُ الفَرْقَبِيُّ، والأعْمَشُ: "وَنُهْر" بِضَمِّ النُونِ والهاءِ عَلى أنَّهُ جَمَعَ نَهار، إذْ لا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهَذا سائِغ في اللَفْظِ قَلِقٌ في المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نَهَرٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وأبُو السَمالِ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ: "نَهْرٍ" بِسُكُونِ الهاءِ عَلى الإفْرادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصِدْقَ الَّذِي هو ضِدُّ الكَذِبِ، أيْ: في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَّقُوا في الخَبَرِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "عَوْدُ صِدْقٍ" أيْ: جِيِّدٌ، و"رَجُلُ صِدْقٍ "أيْ: خَيِّرٌ وذُو خِلالٍ حِسانٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فِي مَقْعَدِ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ، وقَرَأ عُثْمانُ البَتِّيُّ: "فِي مَقاعِدَ" عَلى الجَمْعِ، و"المَلِيكُ المُقْتَدِرُ" هو اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.