Lafzullah

Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — الممتحنة 60:1 – التغابن 64:18

المؤلف / المصدر: Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah

المحتويات
  1. الممتحنة 60:1
  2. الممتحنة 60:2
  3. الممتحنة 60:3
  4. الممتحنة 60:4
  5. الممتحنة 60:5
  6. الممتحنة 60:6
  7. الممتحنة 60:7
  8. الممتحنة 60:8
  9. الممتحنة 60:9
  10. الممتحنة 60:10
  11. الممتحنة 60:11
  12. الممتحنة 60:12
  13. الممتحنة 60:13
  14. الصف 61:1
  15. الصف 61:2
  16. الصف 61:3
  17. الصف 61:4
  18. الصف 61:5
  19. الصف 61:6
  20. الصف 61:7
  21. الصف 61:8
  22. الصف 61:9
  23. الصف 61:10
  24. الصف 61:11
  25. الصف 61:12
  26. الصف 61:13
  27. الصف 61:14
  28. الجمعة 62:1
  29. الجمعة 62:2
  30. الجمعة 62:3
  31. الجمعة 62:4
  32. الجمعة 62:5
  33. الجمعة 62:6
  34. الجمعة 62:7
  35. الجمعة 62:8
  36. الجمعة 62:9
  37. الجمعة 62:10
  38. الجمعة 62:11
  39. المنافقون 63:1
  40. المنافقون 63:2
  41. المنافقون 63:3
  42. المنافقون 63:4
  43. المنافقون 63:5
  44. المنافقون 63:6
  45. المنافقون 63:7
  46. المنافقون 63:8
  47. المنافقون 63:9
  48. المنافقون 63:10
  49. المنافقون 63:11
  50. التغابن 64:1
  51. التغابن 64:2
  52. التغابن 64:3
  53. التغابن 64:4
  54. التغابن 64:5
  55. التغابن 64:6
  56. التغابن 64:7
  57. التغابن 64:8
  58. التغابن 64:9
  59. التغابن 64:10
  60. التغابن 64:11
  61. التغابن 64:12
  62. التغابن 64:13
  63. التغابن 64:14
  64. التغابن 64:15
  65. التغابن 64:16
  66. التغابن 64:17
  67. التغابن 64:18

الممتحنة 60:1

(p-٢٧٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أولِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَسُولَ وإيّاكم أنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكم إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ ومَن يَفْعَلْهُ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ﴾ "العَدُوُّ" اسْمٌ يَقَعُ لِلْجَمْعِ والمُفْرِدِ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا كَفّارُ قُرَيْشٍ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أرادَ الخُرُوجَ إلى مَكَّةَ عامَ الفَتْحِ، فَوَرى عن ذَلِكَ بِخَيْبَرَ، فَشاعَ في الناسِ أنَّهُ خارِجٌ إلى خَيْبَرَ، وأخْبَرَ هو جَماعَةً مِن أصْحابِهِ بِقَصْدِهِ إلى مَكِّهَ، مِنهم حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ، فَكَتَبَ حاطِبٌ إلى قَوْمٍ مِن كَفّارِ مَكَّةَ يُخْبِرُهم بِقَصْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إيّاهُمْ، فَجاءَ الخَبَرُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ فَبَعَثَ عَلِيًّا والزُبَيْرَ وثالِثًا، قِيلَ هو المِقْدادُ، وقِيلَ أبُو مِرْثَدٍ، وقالَ: انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا (p-٢٧٧)رَوْضَةَ خاخٍ، فَإنَّ بِها ظَعِينَةً مَعَها كِتابُ مِن حاطِبٍ إلى المُشْرِكِينَ، فانْطَلَقُوا حَتّى وجَدُوا المَرْأةَ، واسْمُها سارَّةٌ، مَوْلاةٌ لِقَوْمٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ بَلْ كانَتِ امْرَأةً مِن مُزَيْنَةَ ولَمْ تَكُنْ سارَّةً، فَقالُوا لَها: أخْرِجِي الكِتابَ، فَقالَتْ: ما مَعِي كِتابٌ، فَفَتَّشُوا جَمِيعَ رَحْلِها فَما وجَدُوا شَيْئًا، فَقالَ بَعْضُهُمْ: ما مَعَها كِتابٌ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كَذَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ولا كُذِّبَ، واللهِ لِتُخْرِجَنَّ الكِتابَ أو لِنُجَرِّدَنَّكِ، فَقالَتْ: أعْرِضُوا عَنِّي، فَحَلَّتْهُ مِن قُرُونِ رَأْسِها، وقِيلَ: أخْرَجَتْهُ مَن حَجْزَتِها، فَجاءُوا بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقالَ لِحاطِبٍ: مَن كَتَبَ هَذا؟ فَقالَ أنا يا رَسُولَ اللهِ، ولَكِنْ لا تَعْجَلْ عَلَيَّ، فَواللهِ ما فَعَلْتُ ذَلِكَ ارْتِدادًا عن دِينِي ولا رَغْبَةً عنهُ، ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَءًا مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِها، فَأحْبَبْتُ أنْ تَكُونَ لِي عِنْدَهم يَدٌ يَرْعَوْنَنِي بِها في قَرابَتِي، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللهِ أضْرِبُ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "صَدَقَ حاطِبٌ، إنَّهُ مِن أهْلِ بَدْرٍ، وما يُدْرِيكَ يا عُمَرُ لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، ولا تَقُولُوا لِحاطِبٍ إلّا خَيْرًا"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِهَذا السَبَبِ.» ورُوِيَ أنْ حاطِبًا كَتَبَ: "إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَكم في مِثْلِ اللَيْلِ، والسَيْلِ، وأُقْسِمُ بِاللهِ لَوْ غَزاكم وحْدَهُ لَنَصَرَ عَلَيْكم فَكَيْفَ وهو في جَمٍّ كَثِيرٍ". و"تُلْقُونَ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "أولِياءَ"، و"ألْقَيْتُ" يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ وبِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ، فَدُخُولُ الباءِ وزَوالُها سَواءٌ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١]، ورَوى المُعَلّى عن عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: وقَدْ "كَفَرُوا لِما" بِلامٍ. (p-٢٧٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: "يُخْرِجُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "كَفَرُوا" والمَعْنى: يُخْرِجُونَ الرَسُولَ ويُخْرِجُونَكُمْ، وهي حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، فَلِذَلِكَ ساقَ الفِعْلَ مُسْتَقْبَلًا والإخْراجُ قَدْ مَرَّ، وتَضْيِيقُ الكُفّارِ عَلى النَبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ إخْراجٌ إذْ كانَ مُؤَدِّيًا إلى الإخْراجِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْ تُؤْمِنُوا"" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ: أخْرِجُوكم مِن أجْلِ أنْ آمَنتُمْ بِرَبِّكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كُنْتُمْ" شَرْطٌ جَوابُهُ مُتَقَدِّمٌ في مَعْنى ما قَبْلُهُ، وجازَ ذَلِكَ لِما لَمْ يَظْهَرْ عَمَلُ الشَرْطِ، والتَقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي فَلا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أولِياءَ، و"جِهادًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وكَذَلِكَ "ابْتِغاءَ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، و"المَرْضاةُ" مَصْدَرٌ كالرِضى، و"تُسِرُّونَ" بَدَلٌ مِن "تُلْقُونَ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَبَرٍ ابْتِداءً، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أنْتُمْ تُسِرُّونَ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُرْسَلًا ابْتَدَأ بِهِ القَوْلُ، والإلْقاءُ بِالمَوَدَّةِ مَعْنى ما، والإسْرارُ بِها مَعْنًى زائِدٌ عَلى الإلْقاءِ، فَتَرْجِعُ بِهَذا أنَّ "تُسِرُّونَ" فِعْلٌ ابْتُدِئَ بِهِ القَوْلُ، أيْ: تَفْعَلُونَ ذَلِكَ وأنا أعْلَمُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أعْلَمُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "أفْعَلُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا لِأنَّكَ تَقُولُ "عَلِمْتُ بِكَذا" فَتَدْخُلُ الباءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنا أعْلَمُ" الآيَةُ... جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ: و"أنا" بِإشْباعِ الألِفِ في الإدْراجِ، وقَرَأ غَيْرُهم "وَأنا" بِطَرْحِ الألِفِ في الإدْراجِ. والضَمِيرُ في "يَفْعَلُهُ" عائِدٌ عَلى الِاتِّخاذِ المَذْكُورِ، و"سَواءٌ" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَفْعُولًا بـِ "ضَلَّ"، وذَلِكَ عَلى تَعَدِّي "ضَلَّ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا عَلى غَيْرِ التَعَدِّي لِأنَّهُ يَجِيءُ بِالوَجْهَيْنِ، والأوَّلُ أحْسَنُ في المَعْنى، و"السَواءُ": الوَسَطُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَتَساوى نِسْبَتُهُ إلى أطْرافِ الشَيْءِ، و"السَبِيلُ" هُنا شَرْعُ اللهِ تَعالى وطَرِيقُ دِينِهِ.

الممتحنة 60:2

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أولادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكم واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وحْدَهُ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وما أمْلِكُ لَكَ مِن اللهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ مُداراةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ غَيْرُ نافِعَةٍ في الدُنْيا وأنَّها ضارَّةٌ في الآخِرَةِ، (p-٢٧٩)لِيُبَيِّنَ فَسادَ رَأْيِ مَصانِعِهِمْ، فَقالَ تَعالى: "إنْ يَثْقَفُوكُمْ" أيْ: إنْ يَتَمَكَّنُوا مِنكم وتَحْصُلُوا في ثِقِافِهِمْ ظَهَرَتِ العَداوَةُ وانْبَسَطَتْ أيْدِيهِمْ بِضَرَرِكم وقَتْلِكُمْ، وألْسِنَتِهم بِسَبِّكُمْ، وهَذا هو السُوءُ، وأشَدُّ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّهم إنَّما يُقْنِعُهم مِنكم أنْ تَكْفُرُوا، وهَذا هو وِدُّهم. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الأرْحامَ الَّتِي رَغِبْتُمْ في وصْلِها لَيْسَتْ بِنافِعَةٍ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعامِلُ في "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: "تَنْفَعَكُمْ"، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: العامِلُ فِيهِ "يَفْصِلُ" وهو مِمّا بَعْدَهُ لا مِمّا قَبْلَهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والعامَّةُ: "يَفْصِلُ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الفاءِ وتَخْفِيفِ الصادِ مَفْتُوحَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "يُفَصَّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ مَنصُوبَةً، واخْتَلَفَ -عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ- في إعْرابِ قَوْلِهِ تَعالى: "بَيْنَكُمْ" فَقِيلَ: نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، وقِيلَ: رُفِعَ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ إلّا أنَّ لَفْظَهُ بَقِيَ مَنصُوبًا لِأنَّهُ كَذَلِكَ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ، وقَرَأ عاصِمٌ، والأعْمَشُ: "يَفْصِلُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الصادِ خَفِيفَةً، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: "يُفَصِّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ المَكْسُورَةِ، وإسْنادِ الفِعْلِ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ النَخْعِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "نُفَصِّلُ" بِنُونِ العَظَمَةِ مَرْفُوعَةً وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وعِيدٌ وتَحْذِيرٌ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "إسْوَةٌ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ: "أُسْوَةٌ" بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ، والمَعْنى: قُدْوَةٌ وإمامٌ، ومِثالٌ، و"إبْراهِيمُ" ﷺ هو خَلِيلُ الرَحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ واخْتَلَفَ الناسُ في "الَّذِينَ مَعَهُ"، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَن آمَنَ بِهِ مِنَ الناسِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: أرادَ الأنْبِياءَ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِهِ عَلَيْهِ السَلامُ وقَرِيبًا مِن عَصْرِهِ، وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ لِأنَّهُ لَمْ يَرْوِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ لَهُ أتْباعٌ مُؤْمِنُونَ في مُكافَحَتِهِ نَمْرُوذَ، وفي البُخارِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ لِسارَّةَ حِينَ رَحَلَ بِها إلى الشامِ مُهاجِرًا مِن بَلَدٍ النَمْرُوذِ: ما عَلى الأرْضِ مَن يَعْبُدُ اللهَ غَيْرِي وغَيْرُكَ، وهَذِهِ الأُسْوَةُ مُفِيدَةٌ في التَبَرِّي مِنَ الإشْراكِ وهو مُطَّرِدٌ في كُلِّ مِلَّةٍ، وفي نَبِيِّنا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ عَلى الإطْلاقِ لِأنَّها في العَقائِدِ وفي أحْكامِ الشَرْعِ كُلِّها. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "بُرَءاءُ" عَلى وزْنٍ فُعَلاءُ، والهَمْزَةُ الأُولى لامُ الفِعْلِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "بِراءٌ" عَلى وزْنِ فِعالٌ، بِكَسْرِ الباءِ كَكَرِيمٍ وكِرامٍ، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ: (p-٢٨٠)"بُراءُ" عَلى وزْنِ فُعالٍ بِضَمِّ الفاءِ كَتُؤامٍ، وقَدْ رُوِيَتْ عن عِيسى قِراءَةً، قالَ أبُو حاتِمٍ: زَعَمُوا أنَّهُ عِيسى الهَمْدانِيُّ-، "وَيَجُوزُ": "بَراءٌ" عَلى المَصْدَرِ بِفَتْحِ الباءِ، يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ والإفْرادُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "كَفَرْنا بِكُمْ" مَعْناهُ: كَذَّبْناكم في أقْوالِكم ولَمْ نُؤْمِن بِشَيْءٍ مِنها، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِكايَةً عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: « "فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ"،» ولَمْ يُلْحَقِ العَلامَةُ في "بَدا" لِأنَّ تَأْنِيثَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى اسْتِغْفارَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام لِأبِيهِ، فَذَكَرَ أنَّهُ كانَ عن مَوْعِدَةٍ، وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ، وهَذا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى عند مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، وغَيْرِهِمْ أنَّ الأُسْوَةَ لَكم في هَذا الوَجْهِ لا في هَذا الآخَرِ لِأنَّهُ كانَ في عِلَّةٍ لَيْسَتْ في نازِلَتِكُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ التَبَرِّي والقَطِيعَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، أيْ: لَمْ تَبْقَ صِلَةٌ إلّا كَذا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا﴾ الآيَةُ... حِكايَةٌ عن قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والَّذِينَ مَعَهُ إنَّهُ هَكَذا كانَ.

الممتحنة 60:3

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أولادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكم واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وحْدَهُ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وما أمْلِكُ لَكَ مِن اللهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ مُداراةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ غَيْرُ نافِعَةٍ في الدُنْيا وأنَّها ضارَّةٌ في الآخِرَةِ، (p-٢٧٩)لِيُبَيِّنَ فَسادَ رَأْيِ مَصانِعِهِمْ، فَقالَ تَعالى: "إنْ يَثْقَفُوكُمْ" أيْ: إنْ يَتَمَكَّنُوا مِنكم وتَحْصُلُوا في ثِقِافِهِمْ ظَهَرَتِ العَداوَةُ وانْبَسَطَتْ أيْدِيهِمْ بِضَرَرِكم وقَتْلِكُمْ، وألْسِنَتِهم بِسَبِّكُمْ، وهَذا هو السُوءُ، وأشَدُّ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّهم إنَّما يُقْنِعُهم مِنكم أنْ تَكْفُرُوا، وهَذا هو وِدُّهم. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الأرْحامَ الَّتِي رَغِبْتُمْ في وصْلِها لَيْسَتْ بِنافِعَةٍ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعامِلُ في "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: "تَنْفَعَكُمْ"، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: العامِلُ فِيهِ "يَفْصِلُ" وهو مِمّا بَعْدَهُ لا مِمّا قَبْلَهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والعامَّةُ: "يَفْصِلُ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الفاءِ وتَخْفِيفِ الصادِ مَفْتُوحَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "يُفَصَّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ مَنصُوبَةً، واخْتَلَفَ -عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ- في إعْرابِ قَوْلِهِ تَعالى: "بَيْنَكُمْ" فَقِيلَ: نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، وقِيلَ: رُفِعَ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ إلّا أنَّ لَفْظَهُ بَقِيَ مَنصُوبًا لِأنَّهُ كَذَلِكَ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ، وقَرَأ عاصِمٌ، والأعْمَشُ: "يَفْصِلُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الصادِ خَفِيفَةً، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: "يُفَصِّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ المَكْسُورَةِ، وإسْنادِ الفِعْلِ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ النَخْعِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "نُفَصِّلُ" بِنُونِ العَظَمَةِ مَرْفُوعَةً وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وعِيدٌ وتَحْذِيرٌ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "إسْوَةٌ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ: "أُسْوَةٌ" بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ، والمَعْنى: قُدْوَةٌ وإمامٌ، ومِثالٌ، و"إبْراهِيمُ" ﷺ هو خَلِيلُ الرَحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ واخْتَلَفَ الناسُ في "الَّذِينَ مَعَهُ"، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَن آمَنَ بِهِ مِنَ الناسِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: أرادَ الأنْبِياءَ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِهِ عَلَيْهِ السَلامُ وقَرِيبًا مِن عَصْرِهِ، وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ لِأنَّهُ لَمْ يَرْوِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ لَهُ أتْباعٌ مُؤْمِنُونَ في مُكافَحَتِهِ نَمْرُوذَ، وفي البُخارِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ لِسارَّةَ حِينَ رَحَلَ بِها إلى الشامِ مُهاجِرًا مِن بَلَدٍ النَمْرُوذِ: ما عَلى الأرْضِ مَن يَعْبُدُ اللهَ غَيْرِي وغَيْرُكَ، وهَذِهِ الأُسْوَةُ مُفِيدَةٌ في التَبَرِّي مِنَ الإشْراكِ وهو مُطَّرِدٌ في كُلِّ مِلَّةٍ، وفي نَبِيِّنا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ عَلى الإطْلاقِ لِأنَّها في العَقائِدِ وفي أحْكامِ الشَرْعِ كُلِّها. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "بُرَءاءُ" عَلى وزْنٍ فُعَلاءُ، والهَمْزَةُ الأُولى لامُ الفِعْلِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "بِراءٌ" عَلى وزْنِ فِعالٌ، بِكَسْرِ الباءِ كَكَرِيمٍ وكِرامٍ، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ: (p-٢٨٠)"بُراءُ" عَلى وزْنِ فُعالٍ بِضَمِّ الفاءِ كَتُؤامٍ، وقَدْ رُوِيَتْ عن عِيسى قِراءَةً، قالَ أبُو حاتِمٍ: زَعَمُوا أنَّهُ عِيسى الهَمْدانِيُّ-، "وَيَجُوزُ": "بَراءٌ" عَلى المَصْدَرِ بِفَتْحِ الباءِ، يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ والإفْرادُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "كَفَرْنا بِكُمْ" مَعْناهُ: كَذَّبْناكم في أقْوالِكم ولَمْ نُؤْمِن بِشَيْءٍ مِنها، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِكايَةً عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: « "فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ"،» ولَمْ يُلْحَقِ العَلامَةُ في "بَدا" لِأنَّ تَأْنِيثَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى اسْتِغْفارَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام لِأبِيهِ، فَذَكَرَ أنَّهُ كانَ عن مَوْعِدَةٍ، وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ، وهَذا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى عند مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، وغَيْرِهِمْ أنَّ الأُسْوَةَ لَكم في هَذا الوَجْهِ لا في هَذا الآخَرِ لِأنَّهُ كانَ في عِلَّةٍ لَيْسَتْ في نازِلَتِكُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ التَبَرِّي والقَطِيعَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، أيْ: لَمْ تَبْقَ صِلَةٌ إلّا كَذا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا﴾ الآيَةُ... حِكايَةٌ عن قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والَّذِينَ مَعَهُ إنَّهُ هَكَذا كانَ.

الممتحنة 60:4

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أولادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكم واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وحْدَهُ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وما أمْلِكُ لَكَ مِن اللهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ مُداراةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ غَيْرُ نافِعَةٍ في الدُنْيا وأنَّها ضارَّةٌ في الآخِرَةِ، (p-٢٧٩)لِيُبَيِّنَ فَسادَ رَأْيِ مَصانِعِهِمْ، فَقالَ تَعالى: "إنْ يَثْقَفُوكُمْ" أيْ: إنْ يَتَمَكَّنُوا مِنكم وتَحْصُلُوا في ثِقِافِهِمْ ظَهَرَتِ العَداوَةُ وانْبَسَطَتْ أيْدِيهِمْ بِضَرَرِكم وقَتْلِكُمْ، وألْسِنَتِهم بِسَبِّكُمْ، وهَذا هو السُوءُ، وأشَدُّ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّهم إنَّما يُقْنِعُهم مِنكم أنْ تَكْفُرُوا، وهَذا هو وِدُّهم. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الأرْحامَ الَّتِي رَغِبْتُمْ في وصْلِها لَيْسَتْ بِنافِعَةٍ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعامِلُ في "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: "تَنْفَعَكُمْ"، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: العامِلُ فِيهِ "يَفْصِلُ" وهو مِمّا بَعْدَهُ لا مِمّا قَبْلَهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والعامَّةُ: "يَفْصِلُ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الفاءِ وتَخْفِيفِ الصادِ مَفْتُوحَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "يُفَصَّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ مَنصُوبَةً، واخْتَلَفَ -عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ- في إعْرابِ قَوْلِهِ تَعالى: "بَيْنَكُمْ" فَقِيلَ: نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، وقِيلَ: رُفِعَ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ إلّا أنَّ لَفْظَهُ بَقِيَ مَنصُوبًا لِأنَّهُ كَذَلِكَ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ، وقَرَأ عاصِمٌ، والأعْمَشُ: "يَفْصِلُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الصادِ خَفِيفَةً، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: "يُفَصِّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ المَكْسُورَةِ، وإسْنادِ الفِعْلِ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ النَخْعِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "نُفَصِّلُ" بِنُونِ العَظَمَةِ مَرْفُوعَةً وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وعِيدٌ وتَحْذِيرٌ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "إسْوَةٌ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ: "أُسْوَةٌ" بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ، والمَعْنى: قُدْوَةٌ وإمامٌ، ومِثالٌ، و"إبْراهِيمُ" ﷺ هو خَلِيلُ الرَحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ واخْتَلَفَ الناسُ في "الَّذِينَ مَعَهُ"، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَن آمَنَ بِهِ مِنَ الناسِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: أرادَ الأنْبِياءَ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِهِ عَلَيْهِ السَلامُ وقَرِيبًا مِن عَصْرِهِ، وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ لِأنَّهُ لَمْ يَرْوِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ لَهُ أتْباعٌ مُؤْمِنُونَ في مُكافَحَتِهِ نَمْرُوذَ، وفي البُخارِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ لِسارَّةَ حِينَ رَحَلَ بِها إلى الشامِ مُهاجِرًا مِن بَلَدٍ النَمْرُوذِ: ما عَلى الأرْضِ مَن يَعْبُدُ اللهَ غَيْرِي وغَيْرُكَ، وهَذِهِ الأُسْوَةُ مُفِيدَةٌ في التَبَرِّي مِنَ الإشْراكِ وهو مُطَّرِدٌ في كُلِّ مِلَّةٍ، وفي نَبِيِّنا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ عَلى الإطْلاقِ لِأنَّها في العَقائِدِ وفي أحْكامِ الشَرْعِ كُلِّها. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "بُرَءاءُ" عَلى وزْنٍ فُعَلاءُ، والهَمْزَةُ الأُولى لامُ الفِعْلِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "بِراءٌ" عَلى وزْنِ فِعالٌ، بِكَسْرِ الباءِ كَكَرِيمٍ وكِرامٍ، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ: (p-٢٨٠)"بُراءُ" عَلى وزْنِ فُعالٍ بِضَمِّ الفاءِ كَتُؤامٍ، وقَدْ رُوِيَتْ عن عِيسى قِراءَةً، قالَ أبُو حاتِمٍ: زَعَمُوا أنَّهُ عِيسى الهَمْدانِيُّ-، "وَيَجُوزُ": "بَراءٌ" عَلى المَصْدَرِ بِفَتْحِ الباءِ، يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ والإفْرادُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "كَفَرْنا بِكُمْ" مَعْناهُ: كَذَّبْناكم في أقْوالِكم ولَمْ نُؤْمِن بِشَيْءٍ مِنها، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِكايَةً عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: « "فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ"،» ولَمْ يُلْحَقِ العَلامَةُ في "بَدا" لِأنَّ تَأْنِيثَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى اسْتِغْفارَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام لِأبِيهِ، فَذَكَرَ أنَّهُ كانَ عن مَوْعِدَةٍ، وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ، وهَذا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى عند مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، وغَيْرِهِمْ أنَّ الأُسْوَةَ لَكم في هَذا الوَجْهِ لا في هَذا الآخَرِ لِأنَّهُ كانَ في عِلَّةٍ لَيْسَتْ في نازِلَتِكُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ التَبَرِّي والقَطِيعَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، أيْ: لَمْ تَبْقَ صِلَةٌ إلّا كَذا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا﴾ الآيَةُ... حِكايَةٌ عن قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والَّذِينَ مَعَهُ إنَّهُ هَكَذا كانَ.

الممتحنة 60:5

قوله عزّ وجلّ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿عَسى اللهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً واللهُ قَدِيرٌ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٢٨١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا﴾ الآيَةُ... حِكايَةٌ عن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَن مَعَهُ، والمَعْنى: لا تَغْلِبُهم عَلَيْنا، فَنَكُونُ لَهم فِتْنَةً وسَبَبَ ضَلالَةٍ لِأنَّهم يَتَمَسَّكُونَ بِكُفْرِهِمْ ويَقُولُونَ: إنَّما غَلَبْناهم لِأنّا عَلى الحَقِّ وهم عَلى الباطِلِ، نَحا هَذا المَعْنى قَتادَةُ، وأبُو مَجْلَزٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لا تُسَلِّطُهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا عن أدْيانِنا فَكَأنَّهُ قالَ: لا تَجْعَلْنا مَفْتُونِينَ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِالمَصْدَرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ لِأنَّهم إنَّما دَعَوْا لِأنْفُسِهِمْ، وعَلى مَنحى قَتادَةَ إنَّما دَعَوْا لِلْكُفّارِ، أمّا أنَّ مَقْصِدَهم إنَّما هو أنْ يَنْدَفِعَ عنهم ظُهُورُ الكُفّارِ الَّذِي يُسَبِّبُهُ فِتَنُ الكُفّارِ، فَجاءَ في المَعْنى تَحْلِيقٌ بَلِيغٌ، ونَحْوُهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "بِئْسَ المَيِّتُ سَعْدٌ "» لِيَهُودٍ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صاحِبُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ الآيَةُ... خَطابٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "لِمَن" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ "لَكُمْ"، وكَرَّرَ حَرْفَ الجَرِّ لِيَتَحَقَّقَ البَدَلُ، وذَلِكَ عُرْفُ هَذِهِ المُبْدَلاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ، وأكْثَرُ ما يَلْزَمُ مِنَ الحُرُوفِ اللامُ، ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادَةِ، وأنَّهُ الحَمِيدُ في ذاتِهِ وأفْعالِهِ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ كُفْرُ كافِرٍ ولا نِفاقُ مُنافِقٍ. ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ لَمّا نَزَلَتْ وأزْمَعَ المُؤْمِنُونَ امْتِثالَ أمْرِها وصَرْمَ حِبالِ الكَفَرَةِ وإظْهارِ عَداوَتِهِمْ، لِحَقَهم تَأسُّفٌ عَلى قَراباتِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَهْتَدُوا حَتّى يَكُونَ (p-٢٨٢)بَيْنَهُمُ الوِدُّ والتَواصُلُ فَنَزَلَتْ: "عَسى اللهُ" الآيَةُ مُؤْنِسَةٌ في ذَلِكَ، ومُرْجِيَةٌ أنْ يَقَعَ، مَوْقِعٌ ذَلِكَ بِإسْلامِهِمْ في الفَتْحِ، وصارَ الجَمِيعُ إخْوانًا، ومَن ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ المَوَدَّةَ تَزْوِيجُ النَبِيِّ ﷺ أمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبِي سُفْيانَ وأنَّها كانَتْ بَعْدَ الفَتْحِ فَقَدْ أخْطَأ؛ لِأنَّ النَبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَها وقْتَ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ، وهَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ سَنَةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلّا أنْ يَسُوقَهُ مِثالًا وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا لِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ اسْتَمَرَّ بَعْدَ الفَتْحِ كَسائِرِ ما نَشَأ مِنَ المَوَدّاتِ، و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةُ الوُقُوعِ إنْ شاءَ اللهُ.

الممتحنة 60:6

قوله عزّ وجلّ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿عَسى اللهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً واللهُ قَدِيرٌ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٢٨١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا﴾ الآيَةُ... حِكايَةٌ عن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَن مَعَهُ، والمَعْنى: لا تَغْلِبُهم عَلَيْنا، فَنَكُونُ لَهم فِتْنَةً وسَبَبَ ضَلالَةٍ لِأنَّهم يَتَمَسَّكُونَ بِكُفْرِهِمْ ويَقُولُونَ: إنَّما غَلَبْناهم لِأنّا عَلى الحَقِّ وهم عَلى الباطِلِ، نَحا هَذا المَعْنى قَتادَةُ، وأبُو مَجْلَزٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لا تُسَلِّطُهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا عن أدْيانِنا فَكَأنَّهُ قالَ: لا تَجْعَلْنا مَفْتُونِينَ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِالمَصْدَرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ لِأنَّهم إنَّما دَعَوْا لِأنْفُسِهِمْ، وعَلى مَنحى قَتادَةَ إنَّما دَعَوْا لِلْكُفّارِ، أمّا أنَّ مَقْصِدَهم إنَّما هو أنْ يَنْدَفِعَ عنهم ظُهُورُ الكُفّارِ الَّذِي يُسَبِّبُهُ فِتَنُ الكُفّارِ، فَجاءَ في المَعْنى تَحْلِيقٌ بَلِيغٌ، ونَحْوُهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "بِئْسَ المَيِّتُ سَعْدٌ "» لِيَهُودٍ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صاحِبُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ الآيَةُ... خَطابٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "لِمَن" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ "لَكُمْ"، وكَرَّرَ حَرْفَ الجَرِّ لِيَتَحَقَّقَ البَدَلُ، وذَلِكَ عُرْفُ هَذِهِ المُبْدَلاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ، وأكْثَرُ ما يَلْزَمُ مِنَ الحُرُوفِ اللامُ، ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادَةِ، وأنَّهُ الحَمِيدُ في ذاتِهِ وأفْعالِهِ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ كُفْرُ كافِرٍ ولا نِفاقُ مُنافِقٍ. ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ لَمّا نَزَلَتْ وأزْمَعَ المُؤْمِنُونَ امْتِثالَ أمْرِها وصَرْمَ حِبالِ الكَفَرَةِ وإظْهارِ عَداوَتِهِمْ، لِحَقَهم تَأسُّفٌ عَلى قَراباتِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَهْتَدُوا حَتّى يَكُونَ (p-٢٨٢)بَيْنَهُمُ الوِدُّ والتَواصُلُ فَنَزَلَتْ: "عَسى اللهُ" الآيَةُ مُؤْنِسَةٌ في ذَلِكَ، ومُرْجِيَةٌ أنْ يَقَعَ، مَوْقِعٌ ذَلِكَ بِإسْلامِهِمْ في الفَتْحِ، وصارَ الجَمِيعُ إخْوانًا، ومَن ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ المَوَدَّةَ تَزْوِيجُ النَبِيِّ ﷺ أمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبِي سُفْيانَ وأنَّها كانَتْ بَعْدَ الفَتْحِ فَقَدْ أخْطَأ؛ لِأنَّ النَبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَها وقْتَ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ، وهَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ سَنَةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلّا أنْ يَسُوقَهُ مِثالًا وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا لِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ اسْتَمَرَّ بَعْدَ الفَتْحِ كَسائِرِ ما نَشَأ مِنَ المَوَدّاتِ، و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةُ الوُقُوعِ إنْ شاءَ اللهُ.

الممتحنة 60:7

قوله عزّ وجلّ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿عَسى اللهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً واللهُ قَدِيرٌ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٢٨١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا﴾ الآيَةُ... حِكايَةٌ عن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَن مَعَهُ، والمَعْنى: لا تَغْلِبُهم عَلَيْنا، فَنَكُونُ لَهم فِتْنَةً وسَبَبَ ضَلالَةٍ لِأنَّهم يَتَمَسَّكُونَ بِكُفْرِهِمْ ويَقُولُونَ: إنَّما غَلَبْناهم لِأنّا عَلى الحَقِّ وهم عَلى الباطِلِ، نَحا هَذا المَعْنى قَتادَةُ، وأبُو مَجْلَزٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لا تُسَلِّطُهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا عن أدْيانِنا فَكَأنَّهُ قالَ: لا تَجْعَلْنا مَفْتُونِينَ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِالمَصْدَرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ لِأنَّهم إنَّما دَعَوْا لِأنْفُسِهِمْ، وعَلى مَنحى قَتادَةَ إنَّما دَعَوْا لِلْكُفّارِ، أمّا أنَّ مَقْصِدَهم إنَّما هو أنْ يَنْدَفِعَ عنهم ظُهُورُ الكُفّارِ الَّذِي يُسَبِّبُهُ فِتَنُ الكُفّارِ، فَجاءَ في المَعْنى تَحْلِيقٌ بَلِيغٌ، ونَحْوُهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "بِئْسَ المَيِّتُ سَعْدٌ "» لِيَهُودٍ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صاحِبُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ الآيَةُ... خَطابٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "لِمَن" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ "لَكُمْ"، وكَرَّرَ حَرْفَ الجَرِّ لِيَتَحَقَّقَ البَدَلُ، وذَلِكَ عُرْفُ هَذِهِ المُبْدَلاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ، وأكْثَرُ ما يَلْزَمُ مِنَ الحُرُوفِ اللامُ، ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادَةِ، وأنَّهُ الحَمِيدُ في ذاتِهِ وأفْعالِهِ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ كُفْرُ كافِرٍ ولا نِفاقُ مُنافِقٍ. ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ لَمّا نَزَلَتْ وأزْمَعَ المُؤْمِنُونَ امْتِثالَ أمْرِها وصَرْمَ حِبالِ الكَفَرَةِ وإظْهارِ عَداوَتِهِمْ، لِحَقَهم تَأسُّفٌ عَلى قَراباتِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَهْتَدُوا حَتّى يَكُونَ (p-٢٨٢)بَيْنَهُمُ الوِدُّ والتَواصُلُ فَنَزَلَتْ: "عَسى اللهُ" الآيَةُ مُؤْنِسَةٌ في ذَلِكَ، ومُرْجِيَةٌ أنْ يَقَعَ، مَوْقِعٌ ذَلِكَ بِإسْلامِهِمْ في الفَتْحِ، وصارَ الجَمِيعُ إخْوانًا، ومَن ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ المَوَدَّةَ تَزْوِيجُ النَبِيِّ ﷺ أمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبِي سُفْيانَ وأنَّها كانَتْ بَعْدَ الفَتْحِ فَقَدْ أخْطَأ؛ لِأنَّ النَبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَها وقْتَ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ، وهَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ سَنَةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلّا أنْ يَسُوقَهُ مِثالًا وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا لِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ اسْتَمَرَّ بَعْدَ الفَتْحِ كَسائِرِ ما نَشَأ مِنَ المَوَدّاتِ، و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةُ الوُقُوعِ إنْ شاءَ اللهُ.

الممتحنة 60:8

قوله عزّ وجلّ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللهُ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَنْهَ عنهم أنْ يَبَرُّوا مِنهُمْ، فَقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا وكانُوا لِذَلِكَ في رُتْبَةِ سُوءٍ لِتَرْكِهِمْ فُرَصَ الهِجْرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ المُؤْمِنِينَ التارِكِينَ لِلْهِجْرَةِ كانُوا مِن أهْلِ مَكَّةَ ومِن غَيْرِها، وقالَ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ: أرادَ خُزاعَةَ وبَنِي الحارِثِ وقَبائِلَ مِنَ العَرَبِ كُفّارًا إلّا أنَّهم كانُوا مُظاهِرِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، مُحِبِّينَ فِيهِ وفي ظُهُورِهِ، ومِنهم كِنانَةُ وبَنُو الحارِثِ بْنُ عَبْدِ مَناةَ ومُزَيْنَةَ، وقالَ قَوْمٌ: أرادَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَن لَمْ يُقاتِلْ ولا أُخْرِجَ ولا أظْهَرَ سُوءًا، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ النِساءَ والصِبْيانَ مِنَ الكَفَرَةِ، وقالَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبٍ أُمِّ أسْماءَ حِينَ اسْتَأْذَنَتِ النَبِيَّ ﷺ في بِرِّها وصِلَتِها فَأذِنَ لَها، وكانَتِ المَرْأةُ خالَتَها فِيما رُوِيَ فَسَمَّتْها في حَدِيثِها أُمًّا، وقالَ أبُو جَعْفَرِ بْنِ النَحّاسِ، والثَعْلَبِيُّ: أرادَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا الهِجْرَةَ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ مُرَّةُ الهَمْدانِيُّ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي هاشِمٍ مِنهُمُ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: نَسَخَتْها "فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ". وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْ تَبَرُّوهُمْ" بَدَلٌ، وهَذا هو بَدَلُ (p-٢٨٣)الِاشْتِمالِ، و"الإقْساطُ": العَدْلُ، و"ظاهَرُوا" مَعْناهُ: عاوَنُوا، و"الَّذِينَ قاتَلُوا في الدِينِ وأخْرَجُوهُمْ" مَرَدَةُ قُرَيْشٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ﴾ الآيَةُ... نَزَلَتْ إثْرَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ الصُلْحَ تَضَمَّنَ أنْ يَرُدَّ المُؤْمِنُونَ إلى الكُفّارِ كُلَّ مَن جاءَ مُسْلِمًا مِن رَجُلٍ وامْرَأةٍ، فَنَقَضَ اللهُ تَعالى مِن ذَلِكَ أمْرَ النِساءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وحَكَمَ أنَّ المُهاجِرَةَ المُؤْمِنَةَ لا تُرَدُّ إلى الكُفْرِ بَلْ تَبْقى تَسْتَبْرِئُ وتَتَزَوَّجُ، ويُعْطى زَوْجُها الكافِرُ الصَداقَ الَّذِي أنْفَقَ، وأمَرَ أيْضًا المُؤْمِنِينَ بِطَلَبِ صَداقِ مَن فَرَّتِ امْرَأتُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وحَكَمَ تَعالى بِهَذا في النازِلَةِ، وسَمّاهُنَّ مُؤْمِناتٍ قَبْلَ أنْ يُتَيَقَّنَ ذَلِكَ لِأنَّهُ ظاهِرُ أمْرِهِنَّ، و"مُهاجِراتٍ" نُصِبَ عَلى الحالِ، و"امْتَحِنُوهُنَّ" مَعْناهُ: جَرِّبُوهُنَّ واسْتَخْبِرُوا حَقِيقَةَ ما عِنْدَهُنَّ. واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الِامْتِحانِ، كَيْفَ كانَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: كانَ بِأنْ تَسْتَحْلِفَ المَرْأةُ أنَّها ما هاجَرَتْ لِبُغْضِ زَوْجِها، وبِجَرِيرَةٍ جَرَّتْها، ولا بِسَبَبٍ مِن أعْراضِ الدُنْيا سِوى حُبِّ اللهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ والدارِ الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الِامْتِحانُ أنْ تُطْلَبَ بِأنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ وأنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ تُرِدْ، فَقالَ فَرِيقٌ مِنهم عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنهُا: الِامْتِحانُ هو أنْ تَعْرِضَ عَلَيْها الشُرُوطَ الَّتِي في الآيَةِ بَعْدَ هَذا مِن تَرْكِ السَرِقَةِ والزِنا والبُهْتانِ والعِصْيانِ، فَإذا أقَرَّتْ بِذَلِكَ فَهو امْتِحانُها، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُمَيْمَةَ بِنْتِ بِشْرٍ امْرَأةِ حَسّانَ بْنِ الدَحْداحَةِ، وفي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحارِثِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِرابَةِ بِبَعْضِهِنَّ، وحَضَّ عَلى امْتِحانِهِنَّ، وذَكَرَ تَعالى العِلَّةَ في ألّا يُرَدَّ النِساءُ إلى الكُفّارِ وهي امْتِناعُ الوَطْءِ وحُرْمَتُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لا هُنَّ يَحْلَلْنَ لَهُمْ".

الممتحنة 60:9

قوله عزّ وجلّ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللهُ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَنْهَ عنهم أنْ يَبَرُّوا مِنهُمْ، فَقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا وكانُوا لِذَلِكَ في رُتْبَةِ سُوءٍ لِتَرْكِهِمْ فُرَصَ الهِجْرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ المُؤْمِنِينَ التارِكِينَ لِلْهِجْرَةِ كانُوا مِن أهْلِ مَكَّةَ ومِن غَيْرِها، وقالَ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ: أرادَ خُزاعَةَ وبَنِي الحارِثِ وقَبائِلَ مِنَ العَرَبِ كُفّارًا إلّا أنَّهم كانُوا مُظاهِرِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، مُحِبِّينَ فِيهِ وفي ظُهُورِهِ، ومِنهم كِنانَةُ وبَنُو الحارِثِ بْنُ عَبْدِ مَناةَ ومُزَيْنَةَ، وقالَ قَوْمٌ: أرادَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَن لَمْ يُقاتِلْ ولا أُخْرِجَ ولا أظْهَرَ سُوءًا، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ النِساءَ والصِبْيانَ مِنَ الكَفَرَةِ، وقالَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبٍ أُمِّ أسْماءَ حِينَ اسْتَأْذَنَتِ النَبِيَّ ﷺ في بِرِّها وصِلَتِها فَأذِنَ لَها، وكانَتِ المَرْأةُ خالَتَها فِيما رُوِيَ فَسَمَّتْها في حَدِيثِها أُمًّا، وقالَ أبُو جَعْفَرِ بْنِ النَحّاسِ، والثَعْلَبِيُّ: أرادَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا الهِجْرَةَ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ مُرَّةُ الهَمْدانِيُّ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي هاشِمٍ مِنهُمُ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: نَسَخَتْها "فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ". وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْ تَبَرُّوهُمْ" بَدَلٌ، وهَذا هو بَدَلُ (p-٢٨٣)الِاشْتِمالِ، و"الإقْساطُ": العَدْلُ، و"ظاهَرُوا" مَعْناهُ: عاوَنُوا، و"الَّذِينَ قاتَلُوا في الدِينِ وأخْرَجُوهُمْ" مَرَدَةُ قُرَيْشٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ﴾ الآيَةُ... نَزَلَتْ إثْرَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ الصُلْحَ تَضَمَّنَ أنْ يَرُدَّ المُؤْمِنُونَ إلى الكُفّارِ كُلَّ مَن جاءَ مُسْلِمًا مِن رَجُلٍ وامْرَأةٍ، فَنَقَضَ اللهُ تَعالى مِن ذَلِكَ أمْرَ النِساءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وحَكَمَ أنَّ المُهاجِرَةَ المُؤْمِنَةَ لا تُرَدُّ إلى الكُفْرِ بَلْ تَبْقى تَسْتَبْرِئُ وتَتَزَوَّجُ، ويُعْطى زَوْجُها الكافِرُ الصَداقَ الَّذِي أنْفَقَ، وأمَرَ أيْضًا المُؤْمِنِينَ بِطَلَبِ صَداقِ مَن فَرَّتِ امْرَأتُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وحَكَمَ تَعالى بِهَذا في النازِلَةِ، وسَمّاهُنَّ مُؤْمِناتٍ قَبْلَ أنْ يُتَيَقَّنَ ذَلِكَ لِأنَّهُ ظاهِرُ أمْرِهِنَّ، و"مُهاجِراتٍ" نُصِبَ عَلى الحالِ، و"امْتَحِنُوهُنَّ" مَعْناهُ: جَرِّبُوهُنَّ واسْتَخْبِرُوا حَقِيقَةَ ما عِنْدَهُنَّ. واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الِامْتِحانِ، كَيْفَ كانَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: كانَ بِأنْ تَسْتَحْلِفَ المَرْأةُ أنَّها ما هاجَرَتْ لِبُغْضِ زَوْجِها، وبِجَرِيرَةٍ جَرَّتْها، ولا بِسَبَبٍ مِن أعْراضِ الدُنْيا سِوى حُبِّ اللهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ والدارِ الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الِامْتِحانُ أنْ تُطْلَبَ بِأنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ وأنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ تُرِدْ، فَقالَ فَرِيقٌ مِنهم عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنهُا: الِامْتِحانُ هو أنْ تَعْرِضَ عَلَيْها الشُرُوطَ الَّتِي في الآيَةِ بَعْدَ هَذا مِن تَرْكِ السَرِقَةِ والزِنا والبُهْتانِ والعِصْيانِ، فَإذا أقَرَّتْ بِذَلِكَ فَهو امْتِحانُها، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُمَيْمَةَ بِنْتِ بِشْرٍ امْرَأةِ حَسّانَ بْنِ الدَحْداحَةِ، وفي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحارِثِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِرابَةِ بِبَعْضِهِنَّ، وحَضَّ عَلى امْتِحانِهِنَّ، وذَكَرَ تَعالى العِلَّةَ في ألّا يُرَدَّ النِساءُ إلى الكُفّارِ وهي امْتِناعُ الوَطْءِ وحُرْمَتُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لا هُنَّ يَحْلَلْنَ لَهُمْ".

الممتحنة 60:10

قوله عزّ وجلّ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللهُ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَنْهَ عنهم أنْ يَبَرُّوا مِنهُمْ، فَقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا وكانُوا لِذَلِكَ في رُتْبَةِ سُوءٍ لِتَرْكِهِمْ فُرَصَ الهِجْرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ المُؤْمِنِينَ التارِكِينَ لِلْهِجْرَةِ كانُوا مِن أهْلِ مَكَّةَ ومِن غَيْرِها، وقالَ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ: أرادَ خُزاعَةَ وبَنِي الحارِثِ وقَبائِلَ مِنَ العَرَبِ كُفّارًا إلّا أنَّهم كانُوا مُظاهِرِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، مُحِبِّينَ فِيهِ وفي ظُهُورِهِ، ومِنهم كِنانَةُ وبَنُو الحارِثِ بْنُ عَبْدِ مَناةَ ومُزَيْنَةَ، وقالَ قَوْمٌ: أرادَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَن لَمْ يُقاتِلْ ولا أُخْرِجَ ولا أظْهَرَ سُوءًا، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ النِساءَ والصِبْيانَ مِنَ الكَفَرَةِ، وقالَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبٍ أُمِّ أسْماءَ حِينَ اسْتَأْذَنَتِ النَبِيَّ ﷺ في بِرِّها وصِلَتِها فَأذِنَ لَها، وكانَتِ المَرْأةُ خالَتَها فِيما رُوِيَ فَسَمَّتْها في حَدِيثِها أُمًّا، وقالَ أبُو جَعْفَرِ بْنِ النَحّاسِ، والثَعْلَبِيُّ: أرادَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا الهِجْرَةَ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ مُرَّةُ الهَمْدانِيُّ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي هاشِمٍ مِنهُمُ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: نَسَخَتْها "فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ". وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْ تَبَرُّوهُمْ" بَدَلٌ، وهَذا هو بَدَلُ (p-٢٨٣)الِاشْتِمالِ، و"الإقْساطُ": العَدْلُ، و"ظاهَرُوا" مَعْناهُ: عاوَنُوا، و"الَّذِينَ قاتَلُوا في الدِينِ وأخْرَجُوهُمْ" مَرَدَةُ قُرَيْشٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ﴾ الآيَةُ... نَزَلَتْ إثْرَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ الصُلْحَ تَضَمَّنَ أنْ يَرُدَّ المُؤْمِنُونَ إلى الكُفّارِ كُلَّ مَن جاءَ مُسْلِمًا مِن رَجُلٍ وامْرَأةٍ، فَنَقَضَ اللهُ تَعالى مِن ذَلِكَ أمْرَ النِساءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وحَكَمَ أنَّ المُهاجِرَةَ المُؤْمِنَةَ لا تُرَدُّ إلى الكُفْرِ بَلْ تَبْقى تَسْتَبْرِئُ وتَتَزَوَّجُ، ويُعْطى زَوْجُها الكافِرُ الصَداقَ الَّذِي أنْفَقَ، وأمَرَ أيْضًا المُؤْمِنِينَ بِطَلَبِ صَداقِ مَن فَرَّتِ امْرَأتُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وحَكَمَ تَعالى بِهَذا في النازِلَةِ، وسَمّاهُنَّ مُؤْمِناتٍ قَبْلَ أنْ يُتَيَقَّنَ ذَلِكَ لِأنَّهُ ظاهِرُ أمْرِهِنَّ، و"مُهاجِراتٍ" نُصِبَ عَلى الحالِ، و"امْتَحِنُوهُنَّ" مَعْناهُ: جَرِّبُوهُنَّ واسْتَخْبِرُوا حَقِيقَةَ ما عِنْدَهُنَّ. واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الِامْتِحانِ، كَيْفَ كانَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: كانَ بِأنْ تَسْتَحْلِفَ المَرْأةُ أنَّها ما هاجَرَتْ لِبُغْضِ زَوْجِها، وبِجَرِيرَةٍ جَرَّتْها، ولا بِسَبَبٍ مِن أعْراضِ الدُنْيا سِوى حُبِّ اللهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ والدارِ الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الِامْتِحانُ أنْ تُطْلَبَ بِأنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ وأنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ تُرِدْ، فَقالَ فَرِيقٌ مِنهم عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنهُا: الِامْتِحانُ هو أنْ تَعْرِضَ عَلَيْها الشُرُوطَ الَّتِي في الآيَةِ بَعْدَ هَذا مِن تَرْكِ السَرِقَةِ والزِنا والبُهْتانِ والعِصْيانِ، فَإذا أقَرَّتْ بِذَلِكَ فَهو امْتِحانُها، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُمَيْمَةَ بِنْتِ بِشْرٍ امْرَأةِ حَسّانَ بْنِ الدَحْداحَةِ، وفي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحارِثِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِرابَةِ بِبَعْضِهِنَّ، وحَضَّ عَلى امْتِحانِهِنَّ، وذَكَرَ تَعالى العِلَّةَ في ألّا يُرَدَّ النِساءُ إلى الكُفّارِ وهي امْتِناعُ الوَطْءِ وحُرْمَتُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لا هُنَّ يَحْلَلْنَ لَهُمْ".

الممتحنة 60:11

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَآتُوهم ما أنْفَقُوا ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ذَلِكم حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكم واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠] ﴿وَإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن (p-٢٨٤)أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا واتَّقُوا اللهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى أنْ يُؤْتى الكُفّارُ مُهُورَ نِسائِهِمُ اللاتِي هاجَرْنَ مُؤْمِناتٍ، ورَفَعَ الجُناحَ في أنْ يَتَزَوَّجْنَ بَعْدَ إتاءِ أُجُورِهِنَّ، وأمَرَ المُسْلِمِينَ بِفِراقِ الكافِراتِ وأنْ لا يُمْسِكُوا بِعِصَمِهِنَّ، فَقِيلَ: الآياتُ في عابِداتِ الأوثانِ ومَن لا يَجُوزُ نِكاحُها، ابْتِداءً، وقِيلَ: هي عامَّةٌ نُسِخَ مِنها نِساءُ أهْلِ الكِتابِ. و"العِصَمُ" جَمْعُ عِصْمَةٍ، وهي أسْبابُ الصُحْبَةِ والبَقاءِ في الزَوْجِيَّةِ، وكَذَلِكَ العِصْمَةُ في كُلِّ شَيْءٍ هي السَبَبُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ ويَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ والناسُ: "تُمْسِكُوا" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ السِينِ وتَخْفِيفِها، مِن "أمْسَكَ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، بِخِلافٍ: "وَلا تُمْسِكُوا"، مِن "مَسَّكَ" بِالشَدِّ في السِينِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ عامِرٍ -فِي رِوايَةِ عَبْدِ الحَمِيدِ-: "وَلا تَمَسَّكُوا" بِفَتْحِ التاءِ والمِيمِ وفَتْحِ السِينِ وشَدِّها، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَتَمْسِكُوا" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ المِيمِ وكَسْرِ السِينِ مُخَفَّفَةً، ورَأيْتُ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ الفَقِيهَ أبا الحَسَنِ الكَرْخِيِّ يَقُولُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] إنَّهُ في الرِجالِ والنِساءِ، فَقُلْتُ لَهُ: النَحْوِيُّونَ لا يَرَوْنَ هَذا إلّا في النِساءِ؛ لِأنَّ "كَوافِرَ"، جَمْعُ "كافِرَةٍ"، فَقالَ: وايْشَ يَمْنَعُ مِن هَذا؟ ألَيْسَ الناسُ يَقُولُونَ: طائِفَةٌ كافِرَةٌ وقَرْيَةٌ كافِرَةٌ؟ فَبُهَتُّ، وقُلْتُ: هَذا تَأْيِيدٌ. وأمَرَ تَعالى أنْ يَسْألَ أيْضًا الكافِرُونَ أنْ يَدْفَعُوا الصَدَقاتِ الَّتِي أعْطاها المُؤْمِنُونَ لِمَن فَرَّ مِن أزْواجِهِمْ إلى الكَفّارِ، وقَرَّرَ الحُكْمُ بِذَلِكَ عَلى الجَمِيعِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: نَحْنُ لا نَرْضى هَذا الحُكْمَ ولا نَلْتَزِمُهُ ولا نَدْفَعُ لِأحَدٍ صَداقًا، فَنَزَلَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ الأُخْرى "وَإنْ فاتَكُمْ" الآيَةُ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ أنْ يَدْفَعُوا إلى مَن فَرَّتْ زَوْجَتُهُ فَفاتَتْ بِنَفْسِها إلى الكُفّارِ صَداقَهُ الَّذِي أنْفَقَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ (p-٢٨٥)رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: «خَمْسُ نِسْوَةٍ مِن نِساءِ المُهاجِرِينَ رَجَعْنَ عَنِ الإسْلامِ ولَحِقْنَ بِالمُشْرِكِينَ: أُمُّ الحَكَمِ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وكانَتْ تَحْتَ عِياضِ بْنِ شَدّادٍ، وفاطِمَةَ بِنْتِ أبِي أُمِّيَّةَ أُخْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، كانَتْ تَحْتَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَبَدَةَ بِنْتِ عَبْدِ العَزِيزِ، كانَتْ تَحْتَ هِشامِ بْنِ العاصِ. وأمِّ كُلْثُومَ بِنْتِ جَرُولَ، كانَتْ تَحْتَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَأعْطاهُمُ النَبِيُّ ﷺ مُهُورَ نِسائِهِمْ مِنَ الغَنِيمَةِ.» واخْتَلَفَ الناسُ، في أيِّ مالٍ يُدْفَعُ إلَيْهِ الصَداقُ؟ فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهابٍ الزُهْرِيُّ: يُدْفَعُ إلَيْهِ مِنَ الصَدَقاتِ الَّتِي كانَتْ تُدْفَعُ إلى الكَفّارِ بِسَبَبِ مِن هاجَرَ مِن أزْواجِهِمْ، وأرادَ اللهُ تَعالى دَفْعَها إلَيْهِمْ حِينَ لَمْ يَرْضَوْا حُكْمَهُ حَسَبَ ما ذَكَرْناهُ، وهَذا قَوْلٌ صَحِيحٌ يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: "فَعاقَبْتُمْ"، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ اللَفْظَةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يُدْفَعُ إلَيْهِ مِن غَنائِمَ المَغازِي، وقالَ هَؤُلاءِ: "المُعاقَبَةُ" هي الغَزْوُ والمَغْنَمُ، وتَأوَّلُوا اللَفْظَةَ بِهَذا المَعْنى، وقالَ الزَهْراوِيُّ أيْضًا: يُدْفَعُ إلَيْهِ مِن أيِّ وُجُوهِ الفَيْءِ أمْكَنَ. و"المُعاقَبَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَتْ بِمَعْنى مُجازاةِ السُوءِ بِسُوءٍ، ولَكِنَّها بِمَعْنى: فَصِرْتُمْ مِنهم إلى الحالِ الَّتِي صارُوا إلَيْها مِنكُمْ، وذَلِكَ بِأنْ يَفُوتَ إلَيْكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ، وهَكَذا هو التَعْقِيبُ عَلى الجَمَلِ والدَوابِّ، أنْ يَرْكَبَ هَذا عُقْبَةً وهَذا عُقْبَةً، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَإنْ فاتَكم أحَدٌ مِن أزْواجِكُمْ"، ويُقالُ عاقَبَ الرَجُلُ صاحِبَهُ في كَذا، أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِعَقِبِ فِعْلِ الآخَرِ، ويُقالُ: أعْقَبَ الرَجُلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وحارَدَتِ النُكْدُ الجِلادُ ولَمْ يَكُنْ لِعُقْبَةِ قَدْرِ المُسْتَعِيرِينَ مُعْقِبُ (p-٢٨٦)وَيُقالُ: عَقَّبَ -بِشَدِّ القافِ- أيْ: أصابَ عُقْبى، والتَعْقِيبُ: غَزْوٌ إثْرَ غَزْوٍ، ويُقالُ: عَقَبَ بِتَخْفِيفِها-، ويُقالُ: عَقِبَ بِكَسْرِها-، كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى يُقَرِّبُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، ويَجْمَعُ ذَلِكَ قُرْبى. قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عاقَبْتُمْ" بِالتَشْدِيدِ في القافِ، وقَرَأ الأعْرَجُ أيْضًا وأبُو حَيْوَةَ والزَهْراوِيُّ أيْضًا: عَقَّبْتُمْ"بِفَتْحِ" القافِ خَفِيفَةً، وقَرَأ النَخْعِيُّ، والزَهْرِيُّ أيْضًا: "عَقِبْتُمْ" بِكَسْرِ القافِ، وكُلُّها بِمَعْنى: غَنِمْتُمْ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ: "أعْقَبْتُمْ" بِألْفٍ مَقْطُوعَةٍ قَبْلَ العَيْنِ، وهَذِهِ الآيَةُ كُلُّها قَدِ ارْتَفَعَ حُكْمُها. ثُمَّ نَدَبَ تَعالى إلى التَقْوى وأوجَبَها، وذَكَرَ العِلَّةَ الَّتِي بِها تَجِبُ التَقْوى وهي الإيمانُ بِاللهِ تَعالى والتَصْدِيقُ بِوَحْدانِيَّتِهِ وصِفاتِهِ وعِقابِهِ وإنْعامِهِ.

الممتحنة 60:12

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها النَبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أولادَهُنَّ ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِنَ أصْحابِ القُبُورِ﴾ هَذِهِ بَيْعَةُ النِساءِ في ثانِي يَوْمِ الفَتْحِ عَلى جَبَلِ الصَفا، وهي كانَتْ في المَعْنى بَيْعَةُ الرِجالِ قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ، وسَمّاهم تَبارَكَ وتَعالى: "المُؤْمِناتُ" بِحَسَبِ الظاهِرِ مَن أمْرِهِنَّ، ورَفْضُ الِاشْتِراكِ هو مَحْضُ الإيمانِ، وقَتْلُ الأولادِ وهو مِن خَوْفِ الفَقْرِ وكانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يُقَتِّلْنَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ التاءِ المُشَدَّدَةِ. و"الإتْيانُ بِالبُهْتانِ" قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ أنْ تَنْسِبَ إلى زَوْجِها ولَدًا لَيْسَ هو لَهُ واللَفْظُ أعَمُّ مِن هَذا التَخْصِيصِ، فَإنَّ الفِرْيَةَ بِالقَوْلِ عَلى أحَدٍ مِنَ الناسِ بِعَظِيمَةٍ لَمِن (p-٢٨٧)هَذا، وإنَّ الكَذِبَ فِيما اؤْتُمِنَ فِيهِ مِنَ الحَيْضِ والحَمْلِ لَفِرْيَةُ بُهْتانٍ، وبَعْضٌ أقْوى مِن بَعْضٍ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: "بَيْنَ أيْدِيهِنَّ" يُرادُ بِهِ اللِسانُ في الكَلامِ والفَمُ في القِبْلَةِ ونَحْوِها، و"بَيْنَ الأرْجُلِ" يُرادُ بِهِ الفُرُوجُ، ووَلَدُ الإلْحاقِ ونَحْوِهِ. و"المَعْرُوفُ" الَّذِي نُهِيَ عَنِ العِصْيانِ فِيهِ، قالَ أنَسٌ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو النَوْحُ وشَقُّ الجُيُوبِ ووَشْمُ الوُجُوهِ ووَصْلُ الشَعْرِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أوامِرِ الشَرِيعَةِ فَرَضَها ونَدَبَها. ويُرْوى «أنَّ جَماعَةً مِنَ النِساءِ فِيهِنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، بايَعْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِنَّ الآيَةَ، فَلَمّا قَرَّرَهُنَّ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ قالَتْ هِنْدُ: وكَيْفَ نَطْمَعُ أنْ تَقْبَلَ مِنّا ما لَمْ تَقْبَلْهُ مِنَ الرِجالِ، بِمَعْنى أنَّ هَذا بَيِّنٌ لُزُومُهُ، فَلَمّا وقَفَ عَلى السَرِقَةِ قالَتْ: واللهِ إنِّي لَأُصِيبُ الهِنَةَ مِن مالِ أبِي سُفْيانَ لا أدْرِي ما يَحِلُّ لِي مِن ذَلِكَ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ -وَكانَ حاضِرًا- ذَلِكَ لَكِ حَلالٌ فِيما مَضى وبَقِيَ، وقالَ لَها رَسُولُ اللهِ ﷺ كُلِي ووَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ،» وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا المَعْنى في الحَدِيثِ الآخَرِ، قَوْلُها: « "إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ مَسِّيكٌ"» فَلَمّا وقَفَ عَلى الزِنا «قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ وهَلْ تَزْنِي الحُرَّةُ؟ قالَ لَها رَسُولُ اللهِ ﷺ: لا، ما تَزْنِي الحُرَّةُ،» وذَلِكَ أنَّ الزِنا في قُرَيْشٍ إنَّما كانَ في الإماءِ في أغْلَبِ الأمْرِ، وفِيما يَعْرِفُ مِثْلُ هِنْدٍ، وإلّا فالبَغايا قَدْ كُنَّ أحْرارًا، فَلَمّا وقَفَ عَلى قَتْلِ الأولادِ «قالَتْ: نَحْنُ رَبَّيْناهم صِغارًا، وقَتَلْتَهم أنْتَ بِبَدْرٍ كِبارًا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ،» فَلَمّا وقَفَ عَلى العِصْيانِ في المَعْرُوفِ قالَتْ: ما جَلَسْنا هَذا المَجْلِسَ وفي أنْفُسِنا أنْ نَعْصِيَكَ. ويُرْوى «أنَّ جَماعَةَ نِساءٍ بايَعْنَ النَبِيَّ ﷺ فَقُلْنَ: يا رَسُولَ اللهِ نُبايِعُكَ عَلى كَذا وكَذا الآيَةُ. فَلَمّا فَرَغْنَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فِيما اسْتَطَعْتُنَّ وأطْلَقْتُنَّ، فَقُلْنَ: اللهُ ورَسُولُهُ أرْحَمُ بِنا مِنّا بِأنْفُسِنا.» وقَوْلُهُ تَعالى: "فَبايِعْهُنَّ" مَعْناهُ: امْضِ مَعَهُنَّ صَفْقَةَ الإيمانِ بِأنْ يُعْطِينَ ذَلِكَ مِن أنْفُسِهِنَّ ويُعْطَيْنَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ، واخْتَلَفَتْ هَيْئاتُ مُبايِعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ النِساءَ بَعْدَ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لَمْ تَمَسَّ يَدُهُ الشَرِيفَةَ يَدَ امْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ،فَيُرْوى عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا وغَيْرِها (p-٢٨٨)أنَّها قالَتْ: «إنَّهُ بايَعَ بِاللِسانِ قَوْلًا، وقالَ: "إنَّما قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأةٍ واحِدَةٍ"»، «وَقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَكَنِ: كُنْتُ في النِسْوَةِ المُبايِعاتِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، ابْسُطْ يَدَكَ نُبايِعُكَ، فَقالَ لِي ﷺ: "إنِّي لا أُصافِحُ النِساءَ لَكِنْ آخُذُ عَلَيْهِنَّ ما أخَذَ اللهُ عَلَيْهِنَّ"،» وذَكَرَ النَقّاشُ حَدِيثًا «أنَّ النَبِيَّ ﷺ مَدَّ يَدَهُ المُكَرَّمَةَ مِن خارِجِ بَيْتٍ، ومَدَّ نِساءٌ مِنَ الأنْصارِ أيْدِيهِنَّ مِن داخِلِهِ فَبايَعْنَ،» وما قَدَّمْتُهُ أثْبَتُ، ورُوِيَ عَنِ الشَعْبِيِّ «أنَّهُ ﷺ لَفَّ ثَوْبًا كَثِيفًا عَلى يَدِهِ، وجاءَ نِسْوَةٌ فَلَمَسْنَ يَدَهُ كَذَلِكَ،» ورُوِيَ عن (p-٢٨٩)الكَلْبِيِّ أنَّهُ قَدِمَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَلَمَسَ النِساءُ يَدَهُ وهو خارِجٌ مِن بَيْتٍ وهُنَّ فِيهِ بِحَيْثُ لا يَراهُنَّ، وذَكَرَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ بايَعَهُ النِساءُ عَلى الصَفا بِمَكَّةَ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُصافِحُهُنَّ،» ورُوِيَ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ عن جَدِّهِ، ورَفَعَهُ النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وعن عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَقَفِيِّ «أنَّهُ ﷺ غَمَسَ يَدَهُ في إناءٍ فِيهِ ماءٌ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى النِساءِ يَغْمِسْنَ أيْدِيَهُنَّ فِيهِ.» ثُمَّ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالِاسْتِغْفارِ لَهُنَّ، ورَجّاهُنَّ في غُفْرانِهِ ورَحْمَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾، قالَ ابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هُمُ اليَهُودُ لِأنَّ غَضَبَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ قَدْ صارَ عُرْفًا لَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هم في هَذِهِ الآيَةِ كُفّارُ قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ كُلَّ كافِرٍ فَعَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ تَعالى لا يَرُدُّ ذَلِكَ ثُبُوتُ غَضَبِ اللهِ عَلى اليَهُودِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا سِيَّما في المَرَدَةِ كَكُفّارِ قُرَيْشٍ إذْ أعْمالُهم مُغْضِبَةٌ لَيْسَتْ بِمُجَرَّدِ ضَلالٍ بَلْ فِيها مُناوَراتٌ مَقْصُودَةٌ، وفي الكَلامِ في التَشْبِيهِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: "كَما يَئِسَ" يَتَبَيَّنُ الِاحْتِياجُ إلى هَذا الخِلافِ، وذَلِكَ أنَّ اليَأْسَ مِنَ الآخِرَةِ إمّا أنْ يَكُونَ بِالتَكْذِيبِ بِها، وهَذا هو يَأْسُ كَفّارِ مَكَّةَ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِاليَأْسِ عَنِ الحَظِّ فِيها والنِعْمَةِ مَعَ التَصْدِيقِ بِها، وهَذا هو يَأْسُ اليَهُودِ، فَمَن قالَ إنَّ القَوْمَ المُشارَ إلَيْهِمْ هم كُفّارُ مَكَّةَ قالَ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ﴾: كَما يَئِسَ الكافِرُ مِن صاحِبِ قَبْرٍ؛ لِأنَّهُ إذا ماتَ لَهُ حَمِيمٌ (p-٢٩٠)قالَ: هَذا آخِرُ العَهْدِ بِهِ، لَنْ يُبْعَثَ أبَدًا، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ اعْتِقادَ أهْلِ مَكَّةَ في الآخِرَةِ كاعْتِقادِ الكافِرِ في البَعْثِ ولِقاءِ مَوْتاهُ، وهَذا هو تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسِنِ، وقَتادَةَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ﴾. ومَن قالَ إنَّ القَوْمَ المُشارَ إلَيْهِمْ هُمُ اليَهُودُ قالَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ﴾: كَما يَئِسَ الكافِرُ مِنَ الرَحْمَةِ إذا ماتَ وكانَ صاحِبَ قَبْرٍ، وذَلِكَ أنَّهُ يُرْوى أنَّ الكافِرَ إذا كانَ في قَبْرِهِ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ أنْ لَوْ كانَ مُؤْمِنًا ثُمَّ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنَ النارِ الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ، فَهو يائِسٌ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ بِها ويَقِينِهِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ﴾، فَمَعْنى الآيَةِ يَأْسُ اليَهُودِ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى في الآخِرَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِها كَيَأْسِ ذَلِكَ الكافِرِ في قَبْرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ رِينَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وحَمَلَهُمُ الحَسَدُ عَلى تَرْكِ الإيمانِ، وغَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهم مُعَذَّبُونَ، وهَذِهِ كانَتْ صِفَةُ كَثِيرٍ مِن مُعاصِرِي النَبِيِّ ﷺ. و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وفي القَوْلِ الثانِي هي لِبَيانِ الجِنْسِ أوَلِلتَّبْعِيضِ، يَتَوَجَّهانِ فِيها، وبَيانِ الجِنْسِ أظْهَرُ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُمْتَحَنَةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الممتحنة 60:13

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها النَبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أولادَهُنَّ ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِنَ أصْحابِ القُبُورِ﴾ هَذِهِ بَيْعَةُ النِساءِ في ثانِي يَوْمِ الفَتْحِ عَلى جَبَلِ الصَفا، وهي كانَتْ في المَعْنى بَيْعَةُ الرِجالِ قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ، وسَمّاهم تَبارَكَ وتَعالى: "المُؤْمِناتُ" بِحَسَبِ الظاهِرِ مَن أمْرِهِنَّ، ورَفْضُ الِاشْتِراكِ هو مَحْضُ الإيمانِ، وقَتْلُ الأولادِ وهو مِن خَوْفِ الفَقْرِ وكانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يُقَتِّلْنَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ التاءِ المُشَدَّدَةِ. و"الإتْيانُ بِالبُهْتانِ" قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ أنْ تَنْسِبَ إلى زَوْجِها ولَدًا لَيْسَ هو لَهُ واللَفْظُ أعَمُّ مِن هَذا التَخْصِيصِ، فَإنَّ الفِرْيَةَ بِالقَوْلِ عَلى أحَدٍ مِنَ الناسِ بِعَظِيمَةٍ لَمِن (p-٢٨٧)هَذا، وإنَّ الكَذِبَ فِيما اؤْتُمِنَ فِيهِ مِنَ الحَيْضِ والحَمْلِ لَفِرْيَةُ بُهْتانٍ، وبَعْضٌ أقْوى مِن بَعْضٍ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: "بَيْنَ أيْدِيهِنَّ" يُرادُ بِهِ اللِسانُ في الكَلامِ والفَمُ في القِبْلَةِ ونَحْوِها، و"بَيْنَ الأرْجُلِ" يُرادُ بِهِ الفُرُوجُ، ووَلَدُ الإلْحاقِ ونَحْوِهِ. و"المَعْرُوفُ" الَّذِي نُهِيَ عَنِ العِصْيانِ فِيهِ، قالَ أنَسٌ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو النَوْحُ وشَقُّ الجُيُوبِ ووَشْمُ الوُجُوهِ ووَصْلُ الشَعْرِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أوامِرِ الشَرِيعَةِ فَرَضَها ونَدَبَها. ويُرْوى «أنَّ جَماعَةً مِنَ النِساءِ فِيهِنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، بايَعْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِنَّ الآيَةَ، فَلَمّا قَرَّرَهُنَّ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ قالَتْ هِنْدُ: وكَيْفَ نَطْمَعُ أنْ تَقْبَلَ مِنّا ما لَمْ تَقْبَلْهُ مِنَ الرِجالِ، بِمَعْنى أنَّ هَذا بَيِّنٌ لُزُومُهُ، فَلَمّا وقَفَ عَلى السَرِقَةِ قالَتْ: واللهِ إنِّي لَأُصِيبُ الهِنَةَ مِن مالِ أبِي سُفْيانَ لا أدْرِي ما يَحِلُّ لِي مِن ذَلِكَ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ -وَكانَ حاضِرًا- ذَلِكَ لَكِ حَلالٌ فِيما مَضى وبَقِيَ، وقالَ لَها رَسُولُ اللهِ ﷺ كُلِي ووَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ،» وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا المَعْنى في الحَدِيثِ الآخَرِ، قَوْلُها: « "إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ مَسِّيكٌ"» فَلَمّا وقَفَ عَلى الزِنا «قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ وهَلْ تَزْنِي الحُرَّةُ؟ قالَ لَها رَسُولُ اللهِ ﷺ: لا، ما تَزْنِي الحُرَّةُ،» وذَلِكَ أنَّ الزِنا في قُرَيْشٍ إنَّما كانَ في الإماءِ في أغْلَبِ الأمْرِ، وفِيما يَعْرِفُ مِثْلُ هِنْدٍ، وإلّا فالبَغايا قَدْ كُنَّ أحْرارًا، فَلَمّا وقَفَ عَلى قَتْلِ الأولادِ «قالَتْ: نَحْنُ رَبَّيْناهم صِغارًا، وقَتَلْتَهم أنْتَ بِبَدْرٍ كِبارًا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ،» فَلَمّا وقَفَ عَلى العِصْيانِ في المَعْرُوفِ قالَتْ: ما جَلَسْنا هَذا المَجْلِسَ وفي أنْفُسِنا أنْ نَعْصِيَكَ. ويُرْوى «أنَّ جَماعَةَ نِساءٍ بايَعْنَ النَبِيَّ ﷺ فَقُلْنَ: يا رَسُولَ اللهِ نُبايِعُكَ عَلى كَذا وكَذا الآيَةُ. فَلَمّا فَرَغْنَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فِيما اسْتَطَعْتُنَّ وأطْلَقْتُنَّ، فَقُلْنَ: اللهُ ورَسُولُهُ أرْحَمُ بِنا مِنّا بِأنْفُسِنا.» وقَوْلُهُ تَعالى: "فَبايِعْهُنَّ" مَعْناهُ: امْضِ مَعَهُنَّ صَفْقَةَ الإيمانِ بِأنْ يُعْطِينَ ذَلِكَ مِن أنْفُسِهِنَّ ويُعْطَيْنَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ، واخْتَلَفَتْ هَيْئاتُ مُبايِعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ النِساءَ بَعْدَ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لَمْ تَمَسَّ يَدُهُ الشَرِيفَةَ يَدَ امْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ،فَيُرْوى عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا وغَيْرِها (p-٢٨٨)أنَّها قالَتْ: «إنَّهُ بايَعَ بِاللِسانِ قَوْلًا، وقالَ: "إنَّما قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأةٍ واحِدَةٍ"»، «وَقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَكَنِ: كُنْتُ في النِسْوَةِ المُبايِعاتِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، ابْسُطْ يَدَكَ نُبايِعُكَ، فَقالَ لِي ﷺ: "إنِّي لا أُصافِحُ النِساءَ لَكِنْ آخُذُ عَلَيْهِنَّ ما أخَذَ اللهُ عَلَيْهِنَّ"،» وذَكَرَ النَقّاشُ حَدِيثًا «أنَّ النَبِيَّ ﷺ مَدَّ يَدَهُ المُكَرَّمَةَ مِن خارِجِ بَيْتٍ، ومَدَّ نِساءٌ مِنَ الأنْصارِ أيْدِيهِنَّ مِن داخِلِهِ فَبايَعْنَ،» وما قَدَّمْتُهُ أثْبَتُ، ورُوِيَ عَنِ الشَعْبِيِّ «أنَّهُ ﷺ لَفَّ ثَوْبًا كَثِيفًا عَلى يَدِهِ، وجاءَ نِسْوَةٌ فَلَمَسْنَ يَدَهُ كَذَلِكَ،» ورُوِيَ عن (p-٢٨٩)الكَلْبِيِّ أنَّهُ قَدِمَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَلَمَسَ النِساءُ يَدَهُ وهو خارِجٌ مِن بَيْتٍ وهُنَّ فِيهِ بِحَيْثُ لا يَراهُنَّ، وذَكَرَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ بايَعَهُ النِساءُ عَلى الصَفا بِمَكَّةَ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُصافِحُهُنَّ،» ورُوِيَ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ عن جَدِّهِ، ورَفَعَهُ النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وعن عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَقَفِيِّ «أنَّهُ ﷺ غَمَسَ يَدَهُ في إناءٍ فِيهِ ماءٌ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى النِساءِ يَغْمِسْنَ أيْدِيَهُنَّ فِيهِ.» ثُمَّ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالِاسْتِغْفارِ لَهُنَّ، ورَجّاهُنَّ في غُفْرانِهِ ورَحْمَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾، قالَ ابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هُمُ اليَهُودُ لِأنَّ غَضَبَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ قَدْ صارَ عُرْفًا لَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هم في هَذِهِ الآيَةِ كُفّارُ قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ كُلَّ كافِرٍ فَعَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ تَعالى لا يَرُدُّ ذَلِكَ ثُبُوتُ غَضَبِ اللهِ عَلى اليَهُودِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا سِيَّما في المَرَدَةِ كَكُفّارِ قُرَيْشٍ إذْ أعْمالُهم مُغْضِبَةٌ لَيْسَتْ بِمُجَرَّدِ ضَلالٍ بَلْ فِيها مُناوَراتٌ مَقْصُودَةٌ، وفي الكَلامِ في التَشْبِيهِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: "كَما يَئِسَ" يَتَبَيَّنُ الِاحْتِياجُ إلى هَذا الخِلافِ، وذَلِكَ أنَّ اليَأْسَ مِنَ الآخِرَةِ إمّا أنْ يَكُونَ بِالتَكْذِيبِ بِها، وهَذا هو يَأْسُ كَفّارِ مَكَّةَ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِاليَأْسِ عَنِ الحَظِّ فِيها والنِعْمَةِ مَعَ التَصْدِيقِ بِها، وهَذا هو يَأْسُ اليَهُودِ، فَمَن قالَ إنَّ القَوْمَ المُشارَ إلَيْهِمْ هم كُفّارُ مَكَّةَ قالَ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ﴾: كَما يَئِسَ الكافِرُ مِن صاحِبِ قَبْرٍ؛ لِأنَّهُ إذا ماتَ لَهُ حَمِيمٌ (p-٢٩٠)قالَ: هَذا آخِرُ العَهْدِ بِهِ، لَنْ يُبْعَثَ أبَدًا، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ اعْتِقادَ أهْلِ مَكَّةَ في الآخِرَةِ كاعْتِقادِ الكافِرِ في البَعْثِ ولِقاءِ مَوْتاهُ، وهَذا هو تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسِنِ، وقَتادَةَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ﴾. ومَن قالَ إنَّ القَوْمَ المُشارَ إلَيْهِمْ هُمُ اليَهُودُ قالَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ﴾: كَما يَئِسَ الكافِرُ مِنَ الرَحْمَةِ إذا ماتَ وكانَ صاحِبَ قَبْرٍ، وذَلِكَ أنَّهُ يُرْوى أنَّ الكافِرَ إذا كانَ في قَبْرِهِ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ أنْ لَوْ كانَ مُؤْمِنًا ثُمَّ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنَ النارِ الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ، فَهو يائِسٌ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ بِها ويَقِينِهِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ﴾، فَمَعْنى الآيَةِ يَأْسُ اليَهُودِ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى في الآخِرَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِها كَيَأْسِ ذَلِكَ الكافِرِ في قَبْرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ رِينَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وحَمَلَهُمُ الحَسَدُ عَلى تَرْكِ الإيمانِ، وغَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهم مُعَذَّبُونَ، وهَذِهِ كانَتْ صِفَةُ كَثِيرٍ مِن مُعاصِرِي النَبِيِّ ﷺ. و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وفي القَوْلِ الثانِي هي لِبَيانِ الجِنْسِ أوَلِلتَّبْعِيضِ، يَتَوَجَّهانِ فِيها، وبَيانِ الجِنْسِ أظْهَرُ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُمْتَحَنَةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

الصف 61:1

(p-٢٩١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الصَفِّ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والمَهْدَوِيُّ عن عَطاءٍ ومُجاهِدٌ: إنَّها مَكِّيَّةٌ، والأوَّلُ أصَحُّ لِأنَّ مَعانِيَ السُورَةِ تُعَضِّدُهُ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ فِيها المَكِّيُّ. قوله عزّ وجلّ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهِ قُلُوبَهم واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ غَيْرَ مَرَّةٍ في تَسْبِيحِ الجَماداتِ، و"العَزِيزُ" في سُلْطانِهِ وقُدْرَتِهِ، و"الحَكِيمُ" في أفْعالِهِ وتَدْبِيرِهِ، واخْتَلَفَ الناسُ في السَبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً قالُوا: لَوَدِدْنا أنْ نَعْرِفَ أحَبَّ الأعْمالِ إلى رَبِّنا حَتّى نَعْتَنِيَ بِهِ، فَفَرَضَ اللهُ الجِهادَ، وأعْلَمَهم بِفَضْلِهِ لَدَيْهِ، وأنَّهُ يُحِبُّ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِهِ كالبُنْيانِ المَرْصُوصِ، وكانَ إذْ فَرَضَ قَدْ تَكَرَّهَهُ قَوْمٌ مِنهُمْ، وفَرَّ مَن فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ، فَعاتَبَهُمُ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً مِن شَبابِ المُسْلِمِينَ كانُوا يَتَحَدَّثُونَ عن أنْفُسِهِمْ في الغَزْوِ بِما لَمْ يَفْعَلُوا، ويَقُولُونَ فَعَلْنا وصَنَعْنا، وذَلِكَ كَذِبٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ لِأنَّ جُمْلَةً مِنهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ: نَحْنُ مِنكم ومَعَكُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ مِن أفْعالِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ عِتابًا لَهم. وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ باقٍ غابِرُ الدَهْرِ، وكُلُّ مَن يَقُولُ ما لا يَفْعَلُ فَهو مَمْقُوتٌ مَذِقُ (p-٢٩٢)الكَلامِ، والقَوْلُ الآخِيرُ في المُنافِقِينَ إنَّما يَتَوَجَّهُ بِأنْ يَكُونُوا غَيْرَ مُجَلِّحِينَ بِالنِفاقِ، فَلِذَلِكَ خُوطِبُوا بِالمُؤْمِنِينَ، أيْ: في زَعْمِكم وما تُظْهِرُونَ، والقَوْلُ الأوَّلُ يَتَرَجَّحُ بِما يَأْتِي بَعْدُ مِن أمْرِ الجِهادِ والقِتالِ. و"المَقْتُ": البُغْضُ مِن أجْلِ ذَنْبٍ أو رِيبَةٍ أو دَناءَةٍ يَصْنَعُها المَمْقُوتُ، هَذا حَدُّ المَقْتِ، فَتَأمَّلْهُ، و"مَقْتًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، والتَقْدِيرُ كَبُرَ فِعْلُكم مَقْتًا، والمُرادُ: كَبُرَ مَقْتُ فِعْلِكُمْ، فَحَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ ونَصَبَ المُضافَ عَلى التَمْيِيزِ، وهَذا كَما تَقُولُ: تَفَقَّأ شَحْمُ بَطْنِكَ، ثُمَّ تَقُولُ: تَفَقَّأ بَطْنُكَ شَحْمًا، و"أنْ تَقُولُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ المُقَدَّرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، ويُحْتَمَلُ عَلى غَيْرِ هَذا التَقْدِيرِ- أنْ يَكُونَ فاعِلًا بـ "كَبُرَ"، وقَوْلُ المَرْءِ ما لا يَفْعَلُ يُوجِبُ مَقْتَ اللهِ تَعالى، ولِذَلِكَ فَرَّ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ مِنَ الوَعْظِ والتَذْكِيرِ وآثَرُوا السُكُوتَ. ثُمَّ وكَّدَ تَعالى الإخْبارَ بِمَحَبَّتِهِ لِلْمُقاتِلِينَ صَفًّا، ومَحَبَّةُ اللهِ تَعالى هي ما يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن نَصْرِهِ وكَرامَتِهِ، وهي هُنا صِفَةُ فِعْلٍ ولَيْسَتْ بِمَعْنى الإرادَةِ لِأنَّ الإرادَةَ لا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ ما يُخالِفُها، ونَحْنُ نَجِدُ المُقاتِلِينَ عَلى غَيْرِ هَذِهِ الصِفَةِ كَثِيرًا، وقالَ بَعْضُ الناسِ: قِتالُ الرَجّالَةِ أفْضَلُ مِن قِتالِ الفُرْسانِ لِأنَّ التَراصَّ فِيهِ يَتَمَكَّنُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ خَفِيٌّ عَلى قائِلِهِ مَقْصِدُ الآيَةِ، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ التَصافِّ، وإنَّما المَقْصِدُ الجِدُّ في كُلِّ أوطانِ القِتالِ وأحْوالِهِ، وقَصَدَ بِالذِكْرِ أشَدَّ الأحْوالِ وهي الحالَةُ الَّتِي تُحْوِجُ إلى القِتالِ صَفًّا مُتَراصًّا، ونابَتْ هَذِهِ الحالُ المَذْكُورَةُ مَنابَ جَمِيعِ الأحْوالِ، وقَضَتِ الآيَةُ بِأنَّ الَّذِينَ يَبْلُغُ جَدُّهم إلى هَذِهِ الحالِ حَرِيُّونَ ألّا يُقَصِّرُوا عن حالٍ، و"المَرْصُوصُ" المَصْفُوفُ المُتَضامُّ، وقالَ أبُو بَحْرِيَّةَ "إذا رَأيْتُمُونِي ألْتَفِتُ في (p-٢٩٣)الصَفِّ فَجِزُّوا فُؤادِي"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وبِالشامِ بَيْن صَفائِحٍ صُمٍّ تَرَصَّصُ بِالجَنُوبِ وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما: المَرْصُوصُ المَعْقُودُ بِالرَصاصِ، وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْلَ اللَفْظَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى مَقالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ ضَرْبُ مَثَلٍ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ، ذَكَّرَهُمُ اللهُ تَعالى بِقَوْمٍ آذَوْا نَبِيَّهم عَلى عِلْمٍ مِنهم بِنُبُوَّتِهِ، وزاغُوا فَأزاغَ اللهُ تَعالى قُلُوبَهُمْ، فاحْذَرُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ يُصَيِّرَكُمُ العِصْيانُ وقَوْلُ الباطِلِ إلى مِثْلِ حالِهِمْ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: هُمُ الخَوارِجُ، وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هُمُ الحَرُورِيَّةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى أنَّهم أشْباهُهم في أنَّهم لَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: "لِمَ تُؤْذُونَنِي" تَقْرِيرٌ، والمَعْنى: تُؤْذُونَنِي بِتَعَنُّتِكم وعِصْيانِكم واقْتِراحاتِكُمْ، وهَذِهِ كانَتْ أفْعالُ بَنِي إسْرائِيلَ. وانْظُرْ إنَّهُ تَعالى أسْنَدَ الزَيْغَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ حَطِيطَةً، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وهَذا بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] فَقَدْ أسْنَدَ التَوْبَةَ إلى نَفْسِهِ لِكَوْنِها فِعْلُ رِفْعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، و"زاغَ" مَعْناهُ: مالَ، وصارَ عُرْفُها في المَيْلِ عن (p-٢٩٤)الحَقِّ، و﴿أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ مَعْناهُ: طَبَعَ عَلَيْها وخَتَمَ وكَثُرَ مَيْلُها عَنِ الحَقِّ، وهَذِهِ العُقُوبَةُ عَلى الذَنْبِ بِالذَنْبِ، وأمالَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: زاغُوا.

الصف 61:2

(p-٢٩١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الصَفِّ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والمَهْدَوِيُّ عن عَطاءٍ ومُجاهِدٌ: إنَّها مَكِّيَّةٌ، والأوَّلُ أصَحُّ لِأنَّ مَعانِيَ السُورَةِ تُعَضِّدُهُ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ فِيها المَكِّيُّ. قوله عزّ وجلّ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهِ قُلُوبَهم واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ غَيْرَ مَرَّةٍ في تَسْبِيحِ الجَماداتِ، و"العَزِيزُ" في سُلْطانِهِ وقُدْرَتِهِ، و"الحَكِيمُ" في أفْعالِهِ وتَدْبِيرِهِ، واخْتَلَفَ الناسُ في السَبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً قالُوا: لَوَدِدْنا أنْ نَعْرِفَ أحَبَّ الأعْمالِ إلى رَبِّنا حَتّى نَعْتَنِيَ بِهِ، فَفَرَضَ اللهُ الجِهادَ، وأعْلَمَهم بِفَضْلِهِ لَدَيْهِ، وأنَّهُ يُحِبُّ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِهِ كالبُنْيانِ المَرْصُوصِ، وكانَ إذْ فَرَضَ قَدْ تَكَرَّهَهُ قَوْمٌ مِنهُمْ، وفَرَّ مَن فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ، فَعاتَبَهُمُ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً مِن شَبابِ المُسْلِمِينَ كانُوا يَتَحَدَّثُونَ عن أنْفُسِهِمْ في الغَزْوِ بِما لَمْ يَفْعَلُوا، ويَقُولُونَ فَعَلْنا وصَنَعْنا، وذَلِكَ كَذِبٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ لِأنَّ جُمْلَةً مِنهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ: نَحْنُ مِنكم ومَعَكُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ مِن أفْعالِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ عِتابًا لَهم. وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ باقٍ غابِرُ الدَهْرِ، وكُلُّ مَن يَقُولُ ما لا يَفْعَلُ فَهو مَمْقُوتٌ مَذِقُ (p-٢٩٢)الكَلامِ، والقَوْلُ الآخِيرُ في المُنافِقِينَ إنَّما يَتَوَجَّهُ بِأنْ يَكُونُوا غَيْرَ مُجَلِّحِينَ بِالنِفاقِ، فَلِذَلِكَ خُوطِبُوا بِالمُؤْمِنِينَ، أيْ: في زَعْمِكم وما تُظْهِرُونَ، والقَوْلُ الأوَّلُ يَتَرَجَّحُ بِما يَأْتِي بَعْدُ مِن أمْرِ الجِهادِ والقِتالِ. و"المَقْتُ": البُغْضُ مِن أجْلِ ذَنْبٍ أو رِيبَةٍ أو دَناءَةٍ يَصْنَعُها المَمْقُوتُ، هَذا حَدُّ المَقْتِ، فَتَأمَّلْهُ، و"مَقْتًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، والتَقْدِيرُ كَبُرَ فِعْلُكم مَقْتًا، والمُرادُ: كَبُرَ مَقْتُ فِعْلِكُمْ، فَحَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ ونَصَبَ المُضافَ عَلى التَمْيِيزِ، وهَذا كَما تَقُولُ: تَفَقَّأ شَحْمُ بَطْنِكَ، ثُمَّ تَقُولُ: تَفَقَّأ بَطْنُكَ شَحْمًا، و"أنْ تَقُولُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ المُقَدَّرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، ويُحْتَمَلُ عَلى غَيْرِ هَذا التَقْدِيرِ- أنْ يَكُونَ فاعِلًا بـ "كَبُرَ"، وقَوْلُ المَرْءِ ما لا يَفْعَلُ يُوجِبُ مَقْتَ اللهِ تَعالى، ولِذَلِكَ فَرَّ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ مِنَ الوَعْظِ والتَذْكِيرِ وآثَرُوا السُكُوتَ. ثُمَّ وكَّدَ تَعالى الإخْبارَ بِمَحَبَّتِهِ لِلْمُقاتِلِينَ صَفًّا، ومَحَبَّةُ اللهِ تَعالى هي ما يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن نَصْرِهِ وكَرامَتِهِ، وهي هُنا صِفَةُ فِعْلٍ ولَيْسَتْ بِمَعْنى الإرادَةِ لِأنَّ الإرادَةَ لا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ ما يُخالِفُها، ونَحْنُ نَجِدُ المُقاتِلِينَ عَلى غَيْرِ هَذِهِ الصِفَةِ كَثِيرًا، وقالَ بَعْضُ الناسِ: قِتالُ الرَجّالَةِ أفْضَلُ مِن قِتالِ الفُرْسانِ لِأنَّ التَراصَّ فِيهِ يَتَمَكَّنُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ خَفِيٌّ عَلى قائِلِهِ مَقْصِدُ الآيَةِ، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ التَصافِّ، وإنَّما المَقْصِدُ الجِدُّ في كُلِّ أوطانِ القِتالِ وأحْوالِهِ، وقَصَدَ بِالذِكْرِ أشَدَّ الأحْوالِ وهي الحالَةُ الَّتِي تُحْوِجُ إلى القِتالِ صَفًّا مُتَراصًّا، ونابَتْ هَذِهِ الحالُ المَذْكُورَةُ مَنابَ جَمِيعِ الأحْوالِ، وقَضَتِ الآيَةُ بِأنَّ الَّذِينَ يَبْلُغُ جَدُّهم إلى هَذِهِ الحالِ حَرِيُّونَ ألّا يُقَصِّرُوا عن حالٍ، و"المَرْصُوصُ" المَصْفُوفُ المُتَضامُّ، وقالَ أبُو بَحْرِيَّةَ "إذا رَأيْتُمُونِي ألْتَفِتُ في (p-٢٩٣)الصَفِّ فَجِزُّوا فُؤادِي"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وبِالشامِ بَيْن صَفائِحٍ صُمٍّ تَرَصَّصُ بِالجَنُوبِ وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما: المَرْصُوصُ المَعْقُودُ بِالرَصاصِ، وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْلَ اللَفْظَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى مَقالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ ضَرْبُ مَثَلٍ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ، ذَكَّرَهُمُ اللهُ تَعالى بِقَوْمٍ آذَوْا نَبِيَّهم عَلى عِلْمٍ مِنهم بِنُبُوَّتِهِ، وزاغُوا فَأزاغَ اللهُ تَعالى قُلُوبَهُمْ، فاحْذَرُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ يُصَيِّرَكُمُ العِصْيانُ وقَوْلُ الباطِلِ إلى مِثْلِ حالِهِمْ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: هُمُ الخَوارِجُ، وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هُمُ الحَرُورِيَّةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى أنَّهم أشْباهُهم في أنَّهم لَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: "لِمَ تُؤْذُونَنِي" تَقْرِيرٌ، والمَعْنى: تُؤْذُونَنِي بِتَعَنُّتِكم وعِصْيانِكم واقْتِراحاتِكُمْ، وهَذِهِ كانَتْ أفْعالُ بَنِي إسْرائِيلَ. وانْظُرْ إنَّهُ تَعالى أسْنَدَ الزَيْغَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ حَطِيطَةً، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وهَذا بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] فَقَدْ أسْنَدَ التَوْبَةَ إلى نَفْسِهِ لِكَوْنِها فِعْلُ رِفْعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، و"زاغَ" مَعْناهُ: مالَ، وصارَ عُرْفُها في المَيْلِ عن (p-٢٩٤)الحَقِّ، و﴿أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ مَعْناهُ: طَبَعَ عَلَيْها وخَتَمَ وكَثُرَ مَيْلُها عَنِ الحَقِّ، وهَذِهِ العُقُوبَةُ عَلى الذَنْبِ بِالذَنْبِ، وأمالَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: زاغُوا.

الصف 61:3

(p-٢٩١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الصَفِّ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والمَهْدَوِيُّ عن عَطاءٍ ومُجاهِدٌ: إنَّها مَكِّيَّةٌ، والأوَّلُ أصَحُّ لِأنَّ مَعانِيَ السُورَةِ تُعَضِّدُهُ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ فِيها المَكِّيُّ. قوله عزّ وجلّ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهِ قُلُوبَهم واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ غَيْرَ مَرَّةٍ في تَسْبِيحِ الجَماداتِ، و"العَزِيزُ" في سُلْطانِهِ وقُدْرَتِهِ، و"الحَكِيمُ" في أفْعالِهِ وتَدْبِيرِهِ، واخْتَلَفَ الناسُ في السَبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً قالُوا: لَوَدِدْنا أنْ نَعْرِفَ أحَبَّ الأعْمالِ إلى رَبِّنا حَتّى نَعْتَنِيَ بِهِ، فَفَرَضَ اللهُ الجِهادَ، وأعْلَمَهم بِفَضْلِهِ لَدَيْهِ، وأنَّهُ يُحِبُّ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِهِ كالبُنْيانِ المَرْصُوصِ، وكانَ إذْ فَرَضَ قَدْ تَكَرَّهَهُ قَوْمٌ مِنهُمْ، وفَرَّ مَن فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ، فَعاتَبَهُمُ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً مِن شَبابِ المُسْلِمِينَ كانُوا يَتَحَدَّثُونَ عن أنْفُسِهِمْ في الغَزْوِ بِما لَمْ يَفْعَلُوا، ويَقُولُونَ فَعَلْنا وصَنَعْنا، وذَلِكَ كَذِبٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ لِأنَّ جُمْلَةً مِنهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ: نَحْنُ مِنكم ومَعَكُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ مِن أفْعالِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ عِتابًا لَهم. وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ باقٍ غابِرُ الدَهْرِ، وكُلُّ مَن يَقُولُ ما لا يَفْعَلُ فَهو مَمْقُوتٌ مَذِقُ (p-٢٩٢)الكَلامِ، والقَوْلُ الآخِيرُ في المُنافِقِينَ إنَّما يَتَوَجَّهُ بِأنْ يَكُونُوا غَيْرَ مُجَلِّحِينَ بِالنِفاقِ، فَلِذَلِكَ خُوطِبُوا بِالمُؤْمِنِينَ، أيْ: في زَعْمِكم وما تُظْهِرُونَ، والقَوْلُ الأوَّلُ يَتَرَجَّحُ بِما يَأْتِي بَعْدُ مِن أمْرِ الجِهادِ والقِتالِ. و"المَقْتُ": البُغْضُ مِن أجْلِ ذَنْبٍ أو رِيبَةٍ أو دَناءَةٍ يَصْنَعُها المَمْقُوتُ، هَذا حَدُّ المَقْتِ، فَتَأمَّلْهُ، و"مَقْتًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، والتَقْدِيرُ كَبُرَ فِعْلُكم مَقْتًا، والمُرادُ: كَبُرَ مَقْتُ فِعْلِكُمْ، فَحَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ ونَصَبَ المُضافَ عَلى التَمْيِيزِ، وهَذا كَما تَقُولُ: تَفَقَّأ شَحْمُ بَطْنِكَ، ثُمَّ تَقُولُ: تَفَقَّأ بَطْنُكَ شَحْمًا، و"أنْ تَقُولُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ المُقَدَّرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، ويُحْتَمَلُ عَلى غَيْرِ هَذا التَقْدِيرِ- أنْ يَكُونَ فاعِلًا بـ "كَبُرَ"، وقَوْلُ المَرْءِ ما لا يَفْعَلُ يُوجِبُ مَقْتَ اللهِ تَعالى، ولِذَلِكَ فَرَّ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ مِنَ الوَعْظِ والتَذْكِيرِ وآثَرُوا السُكُوتَ. ثُمَّ وكَّدَ تَعالى الإخْبارَ بِمَحَبَّتِهِ لِلْمُقاتِلِينَ صَفًّا، ومَحَبَّةُ اللهِ تَعالى هي ما يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن نَصْرِهِ وكَرامَتِهِ، وهي هُنا صِفَةُ فِعْلٍ ولَيْسَتْ بِمَعْنى الإرادَةِ لِأنَّ الإرادَةَ لا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ ما يُخالِفُها، ونَحْنُ نَجِدُ المُقاتِلِينَ عَلى غَيْرِ هَذِهِ الصِفَةِ كَثِيرًا، وقالَ بَعْضُ الناسِ: قِتالُ الرَجّالَةِ أفْضَلُ مِن قِتالِ الفُرْسانِ لِأنَّ التَراصَّ فِيهِ يَتَمَكَّنُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ خَفِيٌّ عَلى قائِلِهِ مَقْصِدُ الآيَةِ، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ التَصافِّ، وإنَّما المَقْصِدُ الجِدُّ في كُلِّ أوطانِ القِتالِ وأحْوالِهِ، وقَصَدَ بِالذِكْرِ أشَدَّ الأحْوالِ وهي الحالَةُ الَّتِي تُحْوِجُ إلى القِتالِ صَفًّا مُتَراصًّا، ونابَتْ هَذِهِ الحالُ المَذْكُورَةُ مَنابَ جَمِيعِ الأحْوالِ، وقَضَتِ الآيَةُ بِأنَّ الَّذِينَ يَبْلُغُ جَدُّهم إلى هَذِهِ الحالِ حَرِيُّونَ ألّا يُقَصِّرُوا عن حالٍ، و"المَرْصُوصُ" المَصْفُوفُ المُتَضامُّ، وقالَ أبُو بَحْرِيَّةَ "إذا رَأيْتُمُونِي ألْتَفِتُ في (p-٢٩٣)الصَفِّ فَجِزُّوا فُؤادِي"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وبِالشامِ بَيْن صَفائِحٍ صُمٍّ تَرَصَّصُ بِالجَنُوبِ وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما: المَرْصُوصُ المَعْقُودُ بِالرَصاصِ، وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْلَ اللَفْظَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى مَقالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ ضَرْبُ مَثَلٍ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ، ذَكَّرَهُمُ اللهُ تَعالى بِقَوْمٍ آذَوْا نَبِيَّهم عَلى عِلْمٍ مِنهم بِنُبُوَّتِهِ، وزاغُوا فَأزاغَ اللهُ تَعالى قُلُوبَهُمْ، فاحْذَرُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ يُصَيِّرَكُمُ العِصْيانُ وقَوْلُ الباطِلِ إلى مِثْلِ حالِهِمْ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: هُمُ الخَوارِجُ، وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هُمُ الحَرُورِيَّةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى أنَّهم أشْباهُهم في أنَّهم لَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: "لِمَ تُؤْذُونَنِي" تَقْرِيرٌ، والمَعْنى: تُؤْذُونَنِي بِتَعَنُّتِكم وعِصْيانِكم واقْتِراحاتِكُمْ، وهَذِهِ كانَتْ أفْعالُ بَنِي إسْرائِيلَ. وانْظُرْ إنَّهُ تَعالى أسْنَدَ الزَيْغَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ حَطِيطَةً، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وهَذا بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] فَقَدْ أسْنَدَ التَوْبَةَ إلى نَفْسِهِ لِكَوْنِها فِعْلُ رِفْعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، و"زاغَ" مَعْناهُ: مالَ، وصارَ عُرْفُها في المَيْلِ عن (p-٢٩٤)الحَقِّ، و﴿أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ مَعْناهُ: طَبَعَ عَلَيْها وخَتَمَ وكَثُرَ مَيْلُها عَنِ الحَقِّ، وهَذِهِ العُقُوبَةُ عَلى الذَنْبِ بِالذَنْبِ، وأمالَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: زاغُوا.

الصف 61:4

(p-٢٩١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الصَفِّ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والمَهْدَوِيُّ عن عَطاءٍ ومُجاهِدٌ: إنَّها مَكِّيَّةٌ، والأوَّلُ أصَحُّ لِأنَّ مَعانِيَ السُورَةِ تُعَضِّدُهُ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ فِيها المَكِّيُّ. قوله عزّ وجلّ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهِ قُلُوبَهم واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ غَيْرَ مَرَّةٍ في تَسْبِيحِ الجَماداتِ، و"العَزِيزُ" في سُلْطانِهِ وقُدْرَتِهِ، و"الحَكِيمُ" في أفْعالِهِ وتَدْبِيرِهِ، واخْتَلَفَ الناسُ في السَبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً قالُوا: لَوَدِدْنا أنْ نَعْرِفَ أحَبَّ الأعْمالِ إلى رَبِّنا حَتّى نَعْتَنِيَ بِهِ، فَفَرَضَ اللهُ الجِهادَ، وأعْلَمَهم بِفَضْلِهِ لَدَيْهِ، وأنَّهُ يُحِبُّ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِهِ كالبُنْيانِ المَرْصُوصِ، وكانَ إذْ فَرَضَ قَدْ تَكَرَّهَهُ قَوْمٌ مِنهُمْ، وفَرَّ مَن فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ، فَعاتَبَهُمُ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً مِن شَبابِ المُسْلِمِينَ كانُوا يَتَحَدَّثُونَ عن أنْفُسِهِمْ في الغَزْوِ بِما لَمْ يَفْعَلُوا، ويَقُولُونَ فَعَلْنا وصَنَعْنا، وذَلِكَ كَذِبٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ لِأنَّ جُمْلَةً مِنهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ: نَحْنُ مِنكم ومَعَكُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ مِن أفْعالِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ عِتابًا لَهم. وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ باقٍ غابِرُ الدَهْرِ، وكُلُّ مَن يَقُولُ ما لا يَفْعَلُ فَهو مَمْقُوتٌ مَذِقُ (p-٢٩٢)الكَلامِ، والقَوْلُ الآخِيرُ في المُنافِقِينَ إنَّما يَتَوَجَّهُ بِأنْ يَكُونُوا غَيْرَ مُجَلِّحِينَ بِالنِفاقِ، فَلِذَلِكَ خُوطِبُوا بِالمُؤْمِنِينَ، أيْ: في زَعْمِكم وما تُظْهِرُونَ، والقَوْلُ الأوَّلُ يَتَرَجَّحُ بِما يَأْتِي بَعْدُ مِن أمْرِ الجِهادِ والقِتالِ. و"المَقْتُ": البُغْضُ مِن أجْلِ ذَنْبٍ أو رِيبَةٍ أو دَناءَةٍ يَصْنَعُها المَمْقُوتُ، هَذا حَدُّ المَقْتِ، فَتَأمَّلْهُ، و"مَقْتًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، والتَقْدِيرُ كَبُرَ فِعْلُكم مَقْتًا، والمُرادُ: كَبُرَ مَقْتُ فِعْلِكُمْ، فَحَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ ونَصَبَ المُضافَ عَلى التَمْيِيزِ، وهَذا كَما تَقُولُ: تَفَقَّأ شَحْمُ بَطْنِكَ، ثُمَّ تَقُولُ: تَفَقَّأ بَطْنُكَ شَحْمًا، و"أنْ تَقُولُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ المُقَدَّرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، ويُحْتَمَلُ عَلى غَيْرِ هَذا التَقْدِيرِ- أنْ يَكُونَ فاعِلًا بـ "كَبُرَ"، وقَوْلُ المَرْءِ ما لا يَفْعَلُ يُوجِبُ مَقْتَ اللهِ تَعالى، ولِذَلِكَ فَرَّ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ مِنَ الوَعْظِ والتَذْكِيرِ وآثَرُوا السُكُوتَ. ثُمَّ وكَّدَ تَعالى الإخْبارَ بِمَحَبَّتِهِ لِلْمُقاتِلِينَ صَفًّا، ومَحَبَّةُ اللهِ تَعالى هي ما يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن نَصْرِهِ وكَرامَتِهِ، وهي هُنا صِفَةُ فِعْلٍ ولَيْسَتْ بِمَعْنى الإرادَةِ لِأنَّ الإرادَةَ لا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ ما يُخالِفُها، ونَحْنُ نَجِدُ المُقاتِلِينَ عَلى غَيْرِ هَذِهِ الصِفَةِ كَثِيرًا، وقالَ بَعْضُ الناسِ: قِتالُ الرَجّالَةِ أفْضَلُ مِن قِتالِ الفُرْسانِ لِأنَّ التَراصَّ فِيهِ يَتَمَكَّنُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ خَفِيٌّ عَلى قائِلِهِ مَقْصِدُ الآيَةِ، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ التَصافِّ، وإنَّما المَقْصِدُ الجِدُّ في كُلِّ أوطانِ القِتالِ وأحْوالِهِ، وقَصَدَ بِالذِكْرِ أشَدَّ الأحْوالِ وهي الحالَةُ الَّتِي تُحْوِجُ إلى القِتالِ صَفًّا مُتَراصًّا، ونابَتْ هَذِهِ الحالُ المَذْكُورَةُ مَنابَ جَمِيعِ الأحْوالِ، وقَضَتِ الآيَةُ بِأنَّ الَّذِينَ يَبْلُغُ جَدُّهم إلى هَذِهِ الحالِ حَرِيُّونَ ألّا يُقَصِّرُوا عن حالٍ، و"المَرْصُوصُ" المَصْفُوفُ المُتَضامُّ، وقالَ أبُو بَحْرِيَّةَ "إذا رَأيْتُمُونِي ألْتَفِتُ في (p-٢٩٣)الصَفِّ فَجِزُّوا فُؤادِي"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وبِالشامِ بَيْن صَفائِحٍ صُمٍّ تَرَصَّصُ بِالجَنُوبِ وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما: المَرْصُوصُ المَعْقُودُ بِالرَصاصِ، وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْلَ اللَفْظَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى مَقالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ ضَرْبُ مَثَلٍ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ، ذَكَّرَهُمُ اللهُ تَعالى بِقَوْمٍ آذَوْا نَبِيَّهم عَلى عِلْمٍ مِنهم بِنُبُوَّتِهِ، وزاغُوا فَأزاغَ اللهُ تَعالى قُلُوبَهُمْ، فاحْذَرُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ يُصَيِّرَكُمُ العِصْيانُ وقَوْلُ الباطِلِ إلى مِثْلِ حالِهِمْ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: هُمُ الخَوارِجُ، وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هُمُ الحَرُورِيَّةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى أنَّهم أشْباهُهم في أنَّهم لَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: "لِمَ تُؤْذُونَنِي" تَقْرِيرٌ، والمَعْنى: تُؤْذُونَنِي بِتَعَنُّتِكم وعِصْيانِكم واقْتِراحاتِكُمْ، وهَذِهِ كانَتْ أفْعالُ بَنِي إسْرائِيلَ. وانْظُرْ إنَّهُ تَعالى أسْنَدَ الزَيْغَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ حَطِيطَةً، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وهَذا بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] فَقَدْ أسْنَدَ التَوْبَةَ إلى نَفْسِهِ لِكَوْنِها فِعْلُ رِفْعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، و"زاغَ" مَعْناهُ: مالَ، وصارَ عُرْفُها في المَيْلِ عن (p-٢٩٤)الحَقِّ، و﴿أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ مَعْناهُ: طَبَعَ عَلَيْها وخَتَمَ وكَثُرَ مَيْلُها عَنِ الحَقِّ، وهَذِهِ العُقُوبَةُ عَلى الذَنْبِ بِالذَنْبِ، وأمالَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: زاغُوا.

الصف 61:5

(p-٢٩١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الصَفِّ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والمَهْدَوِيُّ عن عَطاءٍ ومُجاهِدٌ: إنَّها مَكِّيَّةٌ، والأوَّلُ أصَحُّ لِأنَّ مَعانِيَ السُورَةِ تُعَضِّدُهُ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ فِيها المَكِّيُّ. قوله عزّ وجلّ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهِ قُلُوبَهم واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ غَيْرَ مَرَّةٍ في تَسْبِيحِ الجَماداتِ، و"العَزِيزُ" في سُلْطانِهِ وقُدْرَتِهِ، و"الحَكِيمُ" في أفْعالِهِ وتَدْبِيرِهِ، واخْتَلَفَ الناسُ في السَبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً قالُوا: لَوَدِدْنا أنْ نَعْرِفَ أحَبَّ الأعْمالِ إلى رَبِّنا حَتّى نَعْتَنِيَ بِهِ، فَفَرَضَ اللهُ الجِهادَ، وأعْلَمَهم بِفَضْلِهِ لَدَيْهِ، وأنَّهُ يُحِبُّ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِهِ كالبُنْيانِ المَرْصُوصِ، وكانَ إذْ فَرَضَ قَدْ تَكَرَّهَهُ قَوْمٌ مِنهُمْ، وفَرَّ مَن فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ، فَعاتَبَهُمُ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً مِن شَبابِ المُسْلِمِينَ كانُوا يَتَحَدَّثُونَ عن أنْفُسِهِمْ في الغَزْوِ بِما لَمْ يَفْعَلُوا، ويَقُولُونَ فَعَلْنا وصَنَعْنا، وذَلِكَ كَذِبٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ لِأنَّ جُمْلَةً مِنهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ: نَحْنُ مِنكم ومَعَكُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ مِن أفْعالِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ عِتابًا لَهم. وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ باقٍ غابِرُ الدَهْرِ، وكُلُّ مَن يَقُولُ ما لا يَفْعَلُ فَهو مَمْقُوتٌ مَذِقُ (p-٢٩٢)الكَلامِ، والقَوْلُ الآخِيرُ في المُنافِقِينَ إنَّما يَتَوَجَّهُ بِأنْ يَكُونُوا غَيْرَ مُجَلِّحِينَ بِالنِفاقِ، فَلِذَلِكَ خُوطِبُوا بِالمُؤْمِنِينَ، أيْ: في زَعْمِكم وما تُظْهِرُونَ، والقَوْلُ الأوَّلُ يَتَرَجَّحُ بِما يَأْتِي بَعْدُ مِن أمْرِ الجِهادِ والقِتالِ. و"المَقْتُ": البُغْضُ مِن أجْلِ ذَنْبٍ أو رِيبَةٍ أو دَناءَةٍ يَصْنَعُها المَمْقُوتُ، هَذا حَدُّ المَقْتِ، فَتَأمَّلْهُ، و"مَقْتًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، والتَقْدِيرُ كَبُرَ فِعْلُكم مَقْتًا، والمُرادُ: كَبُرَ مَقْتُ فِعْلِكُمْ، فَحَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ ونَصَبَ المُضافَ عَلى التَمْيِيزِ، وهَذا كَما تَقُولُ: تَفَقَّأ شَحْمُ بَطْنِكَ، ثُمَّ تَقُولُ: تَفَقَّأ بَطْنُكَ شَحْمًا، و"أنْ تَقُولُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ المُقَدَّرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، ويُحْتَمَلُ عَلى غَيْرِ هَذا التَقْدِيرِ- أنْ يَكُونَ فاعِلًا بـ "كَبُرَ"، وقَوْلُ المَرْءِ ما لا يَفْعَلُ يُوجِبُ مَقْتَ اللهِ تَعالى، ولِذَلِكَ فَرَّ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ مِنَ الوَعْظِ والتَذْكِيرِ وآثَرُوا السُكُوتَ. ثُمَّ وكَّدَ تَعالى الإخْبارَ بِمَحَبَّتِهِ لِلْمُقاتِلِينَ صَفًّا، ومَحَبَّةُ اللهِ تَعالى هي ما يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن نَصْرِهِ وكَرامَتِهِ، وهي هُنا صِفَةُ فِعْلٍ ولَيْسَتْ بِمَعْنى الإرادَةِ لِأنَّ الإرادَةَ لا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ ما يُخالِفُها، ونَحْنُ نَجِدُ المُقاتِلِينَ عَلى غَيْرِ هَذِهِ الصِفَةِ كَثِيرًا، وقالَ بَعْضُ الناسِ: قِتالُ الرَجّالَةِ أفْضَلُ مِن قِتالِ الفُرْسانِ لِأنَّ التَراصَّ فِيهِ يَتَمَكَّنُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ خَفِيٌّ عَلى قائِلِهِ مَقْصِدُ الآيَةِ، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ التَصافِّ، وإنَّما المَقْصِدُ الجِدُّ في كُلِّ أوطانِ القِتالِ وأحْوالِهِ، وقَصَدَ بِالذِكْرِ أشَدَّ الأحْوالِ وهي الحالَةُ الَّتِي تُحْوِجُ إلى القِتالِ صَفًّا مُتَراصًّا، ونابَتْ هَذِهِ الحالُ المَذْكُورَةُ مَنابَ جَمِيعِ الأحْوالِ، وقَضَتِ الآيَةُ بِأنَّ الَّذِينَ يَبْلُغُ جَدُّهم إلى هَذِهِ الحالِ حَرِيُّونَ ألّا يُقَصِّرُوا عن حالٍ، و"المَرْصُوصُ" المَصْفُوفُ المُتَضامُّ، وقالَ أبُو بَحْرِيَّةَ "إذا رَأيْتُمُونِي ألْتَفِتُ في (p-٢٩٣)الصَفِّ فَجِزُّوا فُؤادِي"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وبِالشامِ بَيْن صَفائِحٍ صُمٍّ تَرَصَّصُ بِالجَنُوبِ وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما: المَرْصُوصُ المَعْقُودُ بِالرَصاصِ، وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْلَ اللَفْظَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى مَقالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ ضَرْبُ مَثَلٍ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ، ذَكَّرَهُمُ اللهُ تَعالى بِقَوْمٍ آذَوْا نَبِيَّهم عَلى عِلْمٍ مِنهم بِنُبُوَّتِهِ، وزاغُوا فَأزاغَ اللهُ تَعالى قُلُوبَهُمْ، فاحْذَرُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ يُصَيِّرَكُمُ العِصْيانُ وقَوْلُ الباطِلِ إلى مِثْلِ حالِهِمْ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: هُمُ الخَوارِجُ، وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هُمُ الحَرُورِيَّةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى أنَّهم أشْباهُهم في أنَّهم لَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: "لِمَ تُؤْذُونَنِي" تَقْرِيرٌ، والمَعْنى: تُؤْذُونَنِي بِتَعَنُّتِكم وعِصْيانِكم واقْتِراحاتِكُمْ، وهَذِهِ كانَتْ أفْعالُ بَنِي إسْرائِيلَ. وانْظُرْ إنَّهُ تَعالى أسْنَدَ الزَيْغَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ حَطِيطَةً، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وهَذا بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] فَقَدْ أسْنَدَ التَوْبَةَ إلى نَفْسِهِ لِكَوْنِها فِعْلُ رِفْعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، و"زاغَ" مَعْناهُ: مالَ، وصارَ عُرْفُها في المَيْلِ عن (p-٢٩٤)الحَقِّ، و﴿أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ مَعْناهُ: طَبَعَ عَلَيْها وخَتَمَ وكَثُرَ مَيْلُها عَنِ الحَقِّ، وهَذِهِ العُقُوبَةُ عَلى الذَنْبِ بِالذَنْبِ، وأمالَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: زاغُوا.

الصف 61:6

قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنَ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ واللهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ عِيسى عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ-، وهَذا مِثالٌ آخَرُ ضَرَبَهُ اللهُ تَعالى لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وحُكِيَ عن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: "يا قَوْمِ" وعن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: "يا بَنِي إسْرائِيلَ" مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِمْ أبٌ. و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، و"مُبَشِّرًا" عَطْفٌ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: "يَأْتِي مِن بَعْدِي" وقَوْلُهُ: "اسْمُهُ أحْمَدُ " جُمْلَتانِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى الصِفَةِ لـ"رَسُولٍ"، و" أحْمَدُ " فِعْلٌ سُمِّيَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أفْعَلُ كَأسْوَدَ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ لِلْكَلِمَةِ لا الشَخْصِ، ولَيْسَتْ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: جاءَنا أحْمَدُ ؛ لِأنَّكَ هاهُنا أوقَعْتَ الِاسْمَ عَلى مُسَمّاهُ، وفي الآيَةِ إنَّما أرادَ: اسْمَهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ، وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ هَذا الغَرَضَ، ومِنهُ يَنْفَكُّ إعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: يُقالُ "لَهُ إبْراهِيمُ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "مِن بَعْدِي" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ -فى رِوايَةِ حَفْصٍ -: "مِن بَعْدِي" بِسُكُونِ الياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ﴾ الآيَةُ... يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وتَكُونُ الآيَةُ وما بَعْدَها تَمْثِيلًا بِأُولَئِكَ لِهَؤُلاءِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَمْثِيلُ قَدْ فَرَغَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أحْمَدُ "، ثُمَّ خَرَجَ إلى ذِكْرِ أحْمَدَ، لَمّا تَطَرَّقَ ذِكْرُهُ فَقالَ تَعالى مُخاطَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ: فَلَمّا جاءَ أحْمَدُ هَؤُلاءِ الكُفّارَ قالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ، و"البَيِّناتُ" هي الآياتُ والعَلاماتُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "هَذا سِحْرٌ" إشارَةٌ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ. (p-٢٩٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَمَن أظْلَمُ" تَعْجِيبٌ وتَقْرِيرٌ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، و"افْتِراءُ الكَذِبِ" هو قَوْلُهُمْ: "هَذا سِحْرٌ" وما جَرى مَجْرى هَذا مِنَ الأقْوالِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُدْعى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْن مُصَرِّفٍ: "يَدَّعِي" بِمَعْنى: يَنْتَمِي ويَنْتَسِبُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ فَرَمَيْتُ فَوْقَ مُلاءَةٍ مَحْبُوكَةٍ وأبَنْتُ لِلْأشْهادِ حَزَّةُ أدَّعِي والمَعْنى -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إنَّما هو إشارَةٌ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، لِما حُكِيَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: "هَذا سِحْرٌ" بَيِّنٌ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ العَقْلَ لا يَقْبَلُهُ، أيْ: وهَلْ أظْلَمُ مِن هَذا الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ ويَدَّعِي إلى الإسْلامِ وهو مَعَ ذَلِكَ مُفْتَرٍ عَلى رَبِّهِ؟ وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ لِأنَّ مَسالِكَ أهْلِ الِافْتِراءِ والمَخْرَقَةِ إنَّما هي دُونَ هَذا وفي أُمُورٍ خَسِيسَةٍ، وضَبَطَ النَقّاشُ هَذِهِ القِراءَةَ "يُدَّعى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدالِ المُشَدَّدَةِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. والضَمِيرُ في "يُرِيدُونَ" لِلْكُفّارِ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِيُطْفِؤُا" لامٌ مُؤَكِّدَةٌ، دَخَلَتْ عَلى المَفْعُولِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا، وأنَّ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يُرِيدُونَ إطْفاءً، وأكْثَرُ ما تَلْزَمُ هَذِهِ اللامُ المَفْعُولَ إذا تَقَدَّمَ، تَقُولُ: لِزَيْدٍ ضَرَبْتٌ ولِرُؤْيَتِكً قَصَدْتُ. و"نُورُ اللهِ" هو شَرْعُهُ وبَراهِينُهُ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: "بِأفْواهِهِمْ" إشارَةٌ إلى الأقْوالِ، أيْ: بِقَوْلِهِمْ: سِحْرٌ وشِعْرٌ وتَكَهُّنٌ وغَيْرُ ذَلِكَ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنُ وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ: "واللهُ مُتِمُّ" بِالتَنْوِينِ "نُورَهُ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: "واللهُ مُتِمُّ نُورِهِ" بِالإضافَةِ، وهي في مَعْنى الِانْفِصالِ، وفي هَذا نَظَرٌ. (p-٢٩٦)

الصف 61:7

قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنَ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ واللهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ عِيسى عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ-، وهَذا مِثالٌ آخَرُ ضَرَبَهُ اللهُ تَعالى لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وحُكِيَ عن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: "يا قَوْمِ" وعن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: "يا بَنِي إسْرائِيلَ" مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِمْ أبٌ. و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، و"مُبَشِّرًا" عَطْفٌ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: "يَأْتِي مِن بَعْدِي" وقَوْلُهُ: "اسْمُهُ أحْمَدُ " جُمْلَتانِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى الصِفَةِ لـ"رَسُولٍ"، و" أحْمَدُ " فِعْلٌ سُمِّيَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أفْعَلُ كَأسْوَدَ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ لِلْكَلِمَةِ لا الشَخْصِ، ولَيْسَتْ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: جاءَنا أحْمَدُ ؛ لِأنَّكَ هاهُنا أوقَعْتَ الِاسْمَ عَلى مُسَمّاهُ، وفي الآيَةِ إنَّما أرادَ: اسْمَهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ، وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ هَذا الغَرَضَ، ومِنهُ يَنْفَكُّ إعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: يُقالُ "لَهُ إبْراهِيمُ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "مِن بَعْدِي" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ -فى رِوايَةِ حَفْصٍ -: "مِن بَعْدِي" بِسُكُونِ الياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ﴾ الآيَةُ... يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وتَكُونُ الآيَةُ وما بَعْدَها تَمْثِيلًا بِأُولَئِكَ لِهَؤُلاءِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَمْثِيلُ قَدْ فَرَغَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أحْمَدُ "، ثُمَّ خَرَجَ إلى ذِكْرِ أحْمَدَ، لَمّا تَطَرَّقَ ذِكْرُهُ فَقالَ تَعالى مُخاطَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ: فَلَمّا جاءَ أحْمَدُ هَؤُلاءِ الكُفّارَ قالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ، و"البَيِّناتُ" هي الآياتُ والعَلاماتُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "هَذا سِحْرٌ" إشارَةٌ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ. (p-٢٩٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَمَن أظْلَمُ" تَعْجِيبٌ وتَقْرِيرٌ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، و"افْتِراءُ الكَذِبِ" هو قَوْلُهُمْ: "هَذا سِحْرٌ" وما جَرى مَجْرى هَذا مِنَ الأقْوالِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُدْعى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْن مُصَرِّفٍ: "يَدَّعِي" بِمَعْنى: يَنْتَمِي ويَنْتَسِبُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ فَرَمَيْتُ فَوْقَ مُلاءَةٍ مَحْبُوكَةٍ وأبَنْتُ لِلْأشْهادِ حَزَّةُ أدَّعِي والمَعْنى -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إنَّما هو إشارَةٌ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، لِما حُكِيَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: "هَذا سِحْرٌ" بَيِّنٌ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ العَقْلَ لا يَقْبَلُهُ، أيْ: وهَلْ أظْلَمُ مِن هَذا الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ ويَدَّعِي إلى الإسْلامِ وهو مَعَ ذَلِكَ مُفْتَرٍ عَلى رَبِّهِ؟ وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ لِأنَّ مَسالِكَ أهْلِ الِافْتِراءِ والمَخْرَقَةِ إنَّما هي دُونَ هَذا وفي أُمُورٍ خَسِيسَةٍ، وضَبَطَ النَقّاشُ هَذِهِ القِراءَةَ "يُدَّعى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدالِ المُشَدَّدَةِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. والضَمِيرُ في "يُرِيدُونَ" لِلْكُفّارِ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِيُطْفِؤُا" لامٌ مُؤَكِّدَةٌ، دَخَلَتْ عَلى المَفْعُولِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا، وأنَّ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يُرِيدُونَ إطْفاءً، وأكْثَرُ ما تَلْزَمُ هَذِهِ اللامُ المَفْعُولَ إذا تَقَدَّمَ، تَقُولُ: لِزَيْدٍ ضَرَبْتٌ ولِرُؤْيَتِكً قَصَدْتُ. و"نُورُ اللهِ" هو شَرْعُهُ وبَراهِينُهُ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: "بِأفْواهِهِمْ" إشارَةٌ إلى الأقْوالِ، أيْ: بِقَوْلِهِمْ: سِحْرٌ وشِعْرٌ وتَكَهُّنٌ وغَيْرُ ذَلِكَ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنُ وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ: "واللهُ مُتِمُّ" بِالتَنْوِينِ "نُورَهُ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: "واللهُ مُتِمُّ نُورِهِ" بِالإضافَةِ، وهي في مَعْنى الِانْفِصالِ، وفي هَذا نَظَرٌ. (p-٢٩٦)

الصف 61:8

قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنَ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ واللهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ عِيسى عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ-، وهَذا مِثالٌ آخَرُ ضَرَبَهُ اللهُ تَعالى لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وحُكِيَ عن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: "يا قَوْمِ" وعن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: "يا بَنِي إسْرائِيلَ" مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِمْ أبٌ. و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، و"مُبَشِّرًا" عَطْفٌ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: "يَأْتِي مِن بَعْدِي" وقَوْلُهُ: "اسْمُهُ أحْمَدُ " جُمْلَتانِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى الصِفَةِ لـ"رَسُولٍ"، و" أحْمَدُ " فِعْلٌ سُمِّيَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أفْعَلُ كَأسْوَدَ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ لِلْكَلِمَةِ لا الشَخْصِ، ولَيْسَتْ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: جاءَنا أحْمَدُ ؛ لِأنَّكَ هاهُنا أوقَعْتَ الِاسْمَ عَلى مُسَمّاهُ، وفي الآيَةِ إنَّما أرادَ: اسْمَهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ، وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ هَذا الغَرَضَ، ومِنهُ يَنْفَكُّ إعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: يُقالُ "لَهُ إبْراهِيمُ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "مِن بَعْدِي" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ -فى رِوايَةِ حَفْصٍ -: "مِن بَعْدِي" بِسُكُونِ الياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ﴾ الآيَةُ... يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وتَكُونُ الآيَةُ وما بَعْدَها تَمْثِيلًا بِأُولَئِكَ لِهَؤُلاءِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَمْثِيلُ قَدْ فَرَغَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أحْمَدُ "، ثُمَّ خَرَجَ إلى ذِكْرِ أحْمَدَ، لَمّا تَطَرَّقَ ذِكْرُهُ فَقالَ تَعالى مُخاطَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ: فَلَمّا جاءَ أحْمَدُ هَؤُلاءِ الكُفّارَ قالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ، و"البَيِّناتُ" هي الآياتُ والعَلاماتُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "هَذا سِحْرٌ" إشارَةٌ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ. (p-٢٩٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَمَن أظْلَمُ" تَعْجِيبٌ وتَقْرِيرٌ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، و"افْتِراءُ الكَذِبِ" هو قَوْلُهُمْ: "هَذا سِحْرٌ" وما جَرى مَجْرى هَذا مِنَ الأقْوالِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُدْعى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْن مُصَرِّفٍ: "يَدَّعِي" بِمَعْنى: يَنْتَمِي ويَنْتَسِبُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ فَرَمَيْتُ فَوْقَ مُلاءَةٍ مَحْبُوكَةٍ وأبَنْتُ لِلْأشْهادِ حَزَّةُ أدَّعِي والمَعْنى -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إنَّما هو إشارَةٌ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، لِما حُكِيَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: "هَذا سِحْرٌ" بَيِّنٌ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ العَقْلَ لا يَقْبَلُهُ، أيْ: وهَلْ أظْلَمُ مِن هَذا الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ ويَدَّعِي إلى الإسْلامِ وهو مَعَ ذَلِكَ مُفْتَرٍ عَلى رَبِّهِ؟ وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ لِأنَّ مَسالِكَ أهْلِ الِافْتِراءِ والمَخْرَقَةِ إنَّما هي دُونَ هَذا وفي أُمُورٍ خَسِيسَةٍ، وضَبَطَ النَقّاشُ هَذِهِ القِراءَةَ "يُدَّعى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدالِ المُشَدَّدَةِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. والضَمِيرُ في "يُرِيدُونَ" لِلْكُفّارِ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِيُطْفِؤُا" لامٌ مُؤَكِّدَةٌ، دَخَلَتْ عَلى المَفْعُولِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا، وأنَّ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يُرِيدُونَ إطْفاءً، وأكْثَرُ ما تَلْزَمُ هَذِهِ اللامُ المَفْعُولَ إذا تَقَدَّمَ، تَقُولُ: لِزَيْدٍ ضَرَبْتٌ ولِرُؤْيَتِكً قَصَدْتُ. و"نُورُ اللهِ" هو شَرْعُهُ وبَراهِينُهُ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: "بِأفْواهِهِمْ" إشارَةٌ إلى الأقْوالِ، أيْ: بِقَوْلِهِمْ: سِحْرٌ وشِعْرٌ وتَكَهُّنٌ وغَيْرُ ذَلِكَ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنُ وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ: "واللهُ مُتِمُّ" بِالتَنْوِينِ "نُورَهُ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: "واللهُ مُتِمُّ نُورِهِ" بِالإضافَةِ، وهي في مَعْنى الِانْفِصالِ، وفي هَذا نَظَرٌ. (p-٢٩٦)

الصف 61:9

قوله عزّ وجلّ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتٍ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ هَذا تَأْكِيدٌ لِأمْرِ الرِسالَةِ وشَدٌّ لِأزْرِها، كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِأمْرٍ يُثْبِتُهُ ويُقَوِّيهِ: أنا فَعَلْتُهُ، أيْ: فَمَن يَقْدِرُ عَلى مُعارَضَتِهِ فَلْيُعارِضْ، و"الرَسُولُ" المُشارُ إلَيْهِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى الدِينِ كُلِّهِ﴾ لَفْظٌ يَصْلُحُ لِلْعُمُومِ، وأنْ يَكُونَ المَعْنى: ألّا يَبْقى مَوْضِعٌ فِيهِ دِينٌ غَيْرُ الإسْلامِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُظْهِرَهُ حَتّى لا يُوجَدَ دِينٌ إلّا والإسْلامُ أظْهَرُ مِنهُ، وهَذا قَدْ كانَ ووُجِدَ. ثُمَّ نَدَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ وحَضَّهم عَلى الجِهادِ بِهَذِهِ التِجارَةِ الَّتِي بَيَّنَها، وهي أنْ يُعْطِيَ المَرْءُ نَفْسَه وَمالَهُ ويَأْخُذَ ثَمَنًا جَنَّةَ الخُلْدِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ والقُرّاءُ: "تُنْجِيكُمْ" بِتَخْفِيفِ النُونِ وكَسْرِ الجِيمِ دُونَ شَدٍّ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "تُنَجِّيكُمْ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الجِيمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تُؤْمِنُونَ" لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ ومَعْناهُ الأمْرُ، أيْ: آمَنُوا، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ "ألِيمٌ، آمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وجاهِدُوا". وقَوْلُهُ تَعالى: "تُؤْمِنُونَ" فِعْلٌ مَرْفُوعٌ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ أنَّهُ تُؤْمِنُونَ، وقالَ الأخْفَشُ: هو عَطْفُ بَيانٍ عَلى "تِجارَةٍ"، قالَ المَبَرِّدً: هو بِمَعْنى: آمَنُوا عَلى الأمْرِ، ولِذَلِكَ جاءَ "يَغْفِرْ" مَجْزُومًا، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكُمْ" أشارَ إلى الجِهادِ والإيمانِ، و"خَيْرٌ" هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، فالمَعْنى: مِن كُلِّ عَمَلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا، أنَّ هَذا خَيْرٌ في ذاتِهِ ونَفْسِهِ. والجَزْمُ قَوْلُهُ تَعالى: "يَغْفِرْ" عَلى الجَوابِ لِلْأمْرِ المُقَدَّرِ في "تُؤْمِنُونَ"، أو عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: "هَلْ أدُلُّكُمْ" مِنَ الحَضِّ والأمْرِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ الفَرّاءُ، ورُوِيَ (p-٢٩٧)عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قَرَأ: "يُغْفِلُكُمْ" بِإدْغامِ الراءِ في اللامِ، ولا يُجَوِّزُ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَمَساكِنَ" عَطْفٌ عَلى "جَنّاتٍ"، و"طَيِّبُ المَساكِنِ": سِعَتُها وجَمالُها، وقِيلَ: طَيِّبُها المَعْرِفَةُ بِدَوامِ أمْرِها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الصَحِيحُ، وأيُّ طَيِّبٍ مَعَ الفَناءِ والمَوْتِ؟

الصف 61:10

قوله عزّ وجلّ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتٍ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ هَذا تَأْكِيدٌ لِأمْرِ الرِسالَةِ وشَدٌّ لِأزْرِها، كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِأمْرٍ يُثْبِتُهُ ويُقَوِّيهِ: أنا فَعَلْتُهُ، أيْ: فَمَن يَقْدِرُ عَلى مُعارَضَتِهِ فَلْيُعارِضْ، و"الرَسُولُ" المُشارُ إلَيْهِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى الدِينِ كُلِّهِ﴾ لَفْظٌ يَصْلُحُ لِلْعُمُومِ، وأنْ يَكُونَ المَعْنى: ألّا يَبْقى مَوْضِعٌ فِيهِ دِينٌ غَيْرُ الإسْلامِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُظْهِرَهُ حَتّى لا يُوجَدَ دِينٌ إلّا والإسْلامُ أظْهَرُ مِنهُ، وهَذا قَدْ كانَ ووُجِدَ. ثُمَّ نَدَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ وحَضَّهم عَلى الجِهادِ بِهَذِهِ التِجارَةِ الَّتِي بَيَّنَها، وهي أنْ يُعْطِيَ المَرْءُ نَفْسَه وَمالَهُ ويَأْخُذَ ثَمَنًا جَنَّةَ الخُلْدِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ والقُرّاءُ: "تُنْجِيكُمْ" بِتَخْفِيفِ النُونِ وكَسْرِ الجِيمِ دُونَ شَدٍّ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "تُنَجِّيكُمْ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الجِيمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تُؤْمِنُونَ" لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ ومَعْناهُ الأمْرُ، أيْ: آمَنُوا، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ "ألِيمٌ، آمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وجاهِدُوا". وقَوْلُهُ تَعالى: "تُؤْمِنُونَ" فِعْلٌ مَرْفُوعٌ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ أنَّهُ تُؤْمِنُونَ، وقالَ الأخْفَشُ: هو عَطْفُ بَيانٍ عَلى "تِجارَةٍ"، قالَ المَبَرِّدً: هو بِمَعْنى: آمَنُوا عَلى الأمْرِ، ولِذَلِكَ جاءَ "يَغْفِرْ" مَجْزُومًا، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكُمْ" أشارَ إلى الجِهادِ والإيمانِ، و"خَيْرٌ" هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، فالمَعْنى: مِن كُلِّ عَمَلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا، أنَّ هَذا خَيْرٌ في ذاتِهِ ونَفْسِهِ. والجَزْمُ قَوْلُهُ تَعالى: "يَغْفِرْ" عَلى الجَوابِ لِلْأمْرِ المُقَدَّرِ في "تُؤْمِنُونَ"، أو عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: "هَلْ أدُلُّكُمْ" مِنَ الحَضِّ والأمْرِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ الفَرّاءُ، ورُوِيَ (p-٢٩٧)عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قَرَأ: "يُغْفِلُكُمْ" بِإدْغامِ الراءِ في اللامِ، ولا يُجَوِّزُ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَمَساكِنَ" عَطْفٌ عَلى "جَنّاتٍ"، و"طَيِّبُ المَساكِنِ": سِعَتُها وجَمالُها، وقِيلَ: طَيِّبُها المَعْرِفَةُ بِدَوامِ أمْرِها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الصَحِيحُ، وأيُّ طَيِّبٍ مَعَ الفَناءِ والمَوْتِ؟

الصف 61:11

قوله عزّ وجلّ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتٍ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ هَذا تَأْكِيدٌ لِأمْرِ الرِسالَةِ وشَدٌّ لِأزْرِها، كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِأمْرٍ يُثْبِتُهُ ويُقَوِّيهِ: أنا فَعَلْتُهُ، أيْ: فَمَن يَقْدِرُ عَلى مُعارَضَتِهِ فَلْيُعارِضْ، و"الرَسُولُ" المُشارُ إلَيْهِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى الدِينِ كُلِّهِ﴾ لَفْظٌ يَصْلُحُ لِلْعُمُومِ، وأنْ يَكُونَ المَعْنى: ألّا يَبْقى مَوْضِعٌ فِيهِ دِينٌ غَيْرُ الإسْلامِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُظْهِرَهُ حَتّى لا يُوجَدَ دِينٌ إلّا والإسْلامُ أظْهَرُ مِنهُ، وهَذا قَدْ كانَ ووُجِدَ. ثُمَّ نَدَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ وحَضَّهم عَلى الجِهادِ بِهَذِهِ التِجارَةِ الَّتِي بَيَّنَها، وهي أنْ يُعْطِيَ المَرْءُ نَفْسَه وَمالَهُ ويَأْخُذَ ثَمَنًا جَنَّةَ الخُلْدِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ والقُرّاءُ: "تُنْجِيكُمْ" بِتَخْفِيفِ النُونِ وكَسْرِ الجِيمِ دُونَ شَدٍّ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "تُنَجِّيكُمْ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الجِيمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تُؤْمِنُونَ" لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ ومَعْناهُ الأمْرُ، أيْ: آمَنُوا، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ "ألِيمٌ، آمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وجاهِدُوا". وقَوْلُهُ تَعالى: "تُؤْمِنُونَ" فِعْلٌ مَرْفُوعٌ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ أنَّهُ تُؤْمِنُونَ، وقالَ الأخْفَشُ: هو عَطْفُ بَيانٍ عَلى "تِجارَةٍ"، قالَ المَبَرِّدً: هو بِمَعْنى: آمَنُوا عَلى الأمْرِ، ولِذَلِكَ جاءَ "يَغْفِرْ" مَجْزُومًا، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكُمْ" أشارَ إلى الجِهادِ والإيمانِ، و"خَيْرٌ" هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، فالمَعْنى: مِن كُلِّ عَمَلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا، أنَّ هَذا خَيْرٌ في ذاتِهِ ونَفْسِهِ. والجَزْمُ قَوْلُهُ تَعالى: "يَغْفِرْ" عَلى الجَوابِ لِلْأمْرِ المُقَدَّرِ في "تُؤْمِنُونَ"، أو عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: "هَلْ أدُلُّكُمْ" مِنَ الحَضِّ والأمْرِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ الفَرّاءُ، ورُوِيَ (p-٢٩٧)عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قَرَأ: "يُغْفِلُكُمْ" بِإدْغامِ الراءِ في اللامِ، ولا يُجَوِّزُ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَمَساكِنَ" عَطْفٌ عَلى "جَنّاتٍ"، و"طَيِّبُ المَساكِنِ": سِعَتُها وجَمالُها، وقِيلَ: طَيِّبُها المَعْرِفَةُ بِدَوامِ أمْرِها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الصَحِيحُ، وأيُّ طَيِّبٍ مَعَ الفَناءِ والمَوْتِ؟

الصف 61:12

قوله عزّ وجلّ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتٍ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ هَذا تَأْكِيدٌ لِأمْرِ الرِسالَةِ وشَدٌّ لِأزْرِها، كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِأمْرٍ يُثْبِتُهُ ويُقَوِّيهِ: أنا فَعَلْتُهُ، أيْ: فَمَن يَقْدِرُ عَلى مُعارَضَتِهِ فَلْيُعارِضْ، و"الرَسُولُ" المُشارُ إلَيْهِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى الدِينِ كُلِّهِ﴾ لَفْظٌ يَصْلُحُ لِلْعُمُومِ، وأنْ يَكُونَ المَعْنى: ألّا يَبْقى مَوْضِعٌ فِيهِ دِينٌ غَيْرُ الإسْلامِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ يُظْهِرَهُ حَتّى لا يُوجَدَ دِينٌ إلّا والإسْلامُ أظْهَرُ مِنهُ، وهَذا قَدْ كانَ ووُجِدَ. ثُمَّ نَدَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ وحَضَّهم عَلى الجِهادِ بِهَذِهِ التِجارَةِ الَّتِي بَيَّنَها، وهي أنْ يُعْطِيَ المَرْءُ نَفْسَه وَمالَهُ ويَأْخُذَ ثَمَنًا جَنَّةَ الخُلْدِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ والقُرّاءُ: "تُنْجِيكُمْ" بِتَخْفِيفِ النُونِ وكَسْرِ الجِيمِ دُونَ شَدٍّ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "تُنَجِّيكُمْ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الجِيمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تُؤْمِنُونَ" لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ ومَعْناهُ الأمْرُ، أيْ: آمَنُوا، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ "ألِيمٌ، آمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وجاهِدُوا". وقَوْلُهُ تَعالى: "تُؤْمِنُونَ" فِعْلٌ مَرْفُوعٌ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ أنَّهُ تُؤْمِنُونَ، وقالَ الأخْفَشُ: هو عَطْفُ بَيانٍ عَلى "تِجارَةٍ"، قالَ المَبَرِّدً: هو بِمَعْنى: آمَنُوا عَلى الأمْرِ، ولِذَلِكَ جاءَ "يَغْفِرْ" مَجْزُومًا، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكُمْ" أشارَ إلى الجِهادِ والإيمانِ، و"خَيْرٌ" هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، فالمَعْنى: مِن كُلِّ عَمَلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا، أنَّ هَذا خَيْرٌ في ذاتِهِ ونَفْسِهِ. والجَزْمُ قَوْلُهُ تَعالى: "يَغْفِرْ" عَلى الجَوابِ لِلْأمْرِ المُقَدَّرِ في "تُؤْمِنُونَ"، أو عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: "هَلْ أدُلُّكُمْ" مِنَ الحَضِّ والأمْرِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ الفَرّاءُ، ورُوِيَ (p-٢٩٧)عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قَرَأ: "يُغْفِلُكُمْ" بِإدْغامِ الراءِ في اللامِ، ولا يُجَوِّزُ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَمَساكِنَ" عَطْفٌ عَلى "جَنّاتٍ"، و"طَيِّبُ المَساكِنِ": سِعَتُها وجَمالُها، وقِيلَ: طَيِّبُها المَعْرِفَةُ بِدَوامِ أمْرِها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الصَحِيحُ، وأيُّ طَيِّبٍ مَعَ الفَناءِ والمَوْتِ؟

الصف 61:13

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارَ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مَن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَأُخْرى" قالَ الأخْفَشُ: هي في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "تِجارَةٍ"، وهَذا قَوْلٌ قَلِقٌ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِ ناسٌ واحْتَجَّ لَهُ آخَرُونَ، والصَحِيحُ ضَعْفُهُ لِأنَّ هَذِهِ "الأُخْرى" لَيْسَتْ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ، إنَّما هي مِمّا أعْطى ثَمَنًا وجَزاءً عَلى الإيمانِ والجِهادِ بِالنَفْسِ والمالِ. وقالَ الفَرّاءُ: "وَأُخْرى" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ قَوْمٌ: "أُخْرى" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: يَغْفِرْ ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ ويَمْنَحْكم أُخْرى وهي النَصْرُ والفَتْحُ القَرِيبُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَصْرًا مِنَ اللهِ وفَتْحًا" بِالنَصْبِ فِيهِما، ووَصَفَها تَعالى بِأنَّ النُفُوسَ تُحِبُّها مِن حَيْثُ هي عاجِلَةٌ في الدُنْيا، وقَدْ وُكِّلَتِ النَفْسُ بِحُبِّ العاجِلِ، فَفي هَذا تَحْرِيضٌ، ثُمَّ قَوّاهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾، وهَذِهِ الألْفاظُ في غايَةِ الإيجازِ وبَراعَةِ المَعْنى. ثُمَّ نَدَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ إلى النُصْرَةِ، ووَضَعَ لَهم هَذا الِاسْمَ وإنْ كانَ العُرْفُ قَدْ خَصَّ بِهِ الأوسَ والخَزْرَجَ، وسَمّاهُمُ اللهُ تَعالى بِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وعِيسى: "أنْصارًا" مُنَوَّنًا "لِلَّهِ"، وقَرَأ الباقُونَ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ بِالإضافَةِ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "أنْتُمْ أنْصارُ اللهِ". ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى المَثَلَ بِقَوْمٍ بادَرُوا حِينَ دُعُوا، وهُمُ الحَوارِيُّونَ، والحَوارِيُّونَ (p-٢٩٨)خُلْصانُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ السَلامُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهُ رَدَّدَ اخْتِيارَهم وتَصْفِيَتَهم وكَذَلِكَ رَدَّدَ تَخَيُّلُ الحَوارِيِّ، واللَفْظَتانِ مِن "الحَوَرِ"، وقِيلَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وكانُوا غَسّالِينَ نَصَرُوا عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، واسْتَعْمَلَ اسْمَهم حَتّى قِيلَ لِلنّاصِرِ العاضِدِ: حِوارِيٌّ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "وَحَوارِيِّي الزُبَيْرِ "،» وافْتِراقِ طَوائِفَ بَنِي إسْرائِيلَ هو في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ قَتادَةُ: والطائِفَةُ الكافِرَةُ ثَلاثُ فِرَقٍ: اليَعْقُوبِيَّةُ: وهم قالُوا: هو اللهُ، والإسْرائِيلِيَّةُ وهم قالُوا: هو ابْنُ اللهِ، والنَسْطُورِيَّةُ وهم قالُوا: هو إلَهٌ، وأُمُّهُ إلَهٌ، واللهُ تَعالى ثالِثُهُما، تَعالى اللهُ سُبْحانَهُ عن أقْوالِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾، قِيلَ: ذَلِكَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وبَعْدَ فَتْرَةٍ مِن رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، رَدَّ اللهُ تَعالى الكَرَّةَ لِمَن آمَنَ بِهِ فَغَلَبُوا الكافِرِينَ الَّذِينَ قَتَلُوا صاحِبَهُ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَبَهُ، وقِيلَ: ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أصْبَحَ المُؤْمِنُ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ ظاهِرًا لِإيمانِهِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ أحَدٌ حَقَّ الإيمانِ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ ظاهِرًا لِإيمانِهِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ أحَدٌ حَقَّ الإيمانِ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إلّا وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّهُ بُشِّرَ بِهِ وحَرَّضَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: كانَ المُؤْمِنُونَ قَدِيمًا بِهِ ظاهِرِينَ بِالحُجَّةِ وإنْ ظَلُّوا مُفْتَرِقِينَ في البِلادِ، مَغْلُوبِينَ في ظاهِرِ الحَياةِ الدُنْيا، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والأعْرَجُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَأيَّدْنا" مُخَفَّفَةَ الياءِ مَمْدُودَةَ الألِفِ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الصَفِّ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الصف 61:14

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارَ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مَن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَأُخْرى" قالَ الأخْفَشُ: هي في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "تِجارَةٍ"، وهَذا قَوْلٌ قَلِقٌ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِ ناسٌ واحْتَجَّ لَهُ آخَرُونَ، والصَحِيحُ ضَعْفُهُ لِأنَّ هَذِهِ "الأُخْرى" لَيْسَتْ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ، إنَّما هي مِمّا أعْطى ثَمَنًا وجَزاءً عَلى الإيمانِ والجِهادِ بِالنَفْسِ والمالِ. وقالَ الفَرّاءُ: "وَأُخْرى" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقالَ قَوْمٌ: "أُخْرى" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: يَغْفِرْ ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ ويَمْنَحْكم أُخْرى وهي النَصْرُ والفَتْحُ القَرِيبُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَصْرًا مِنَ اللهِ وفَتْحًا" بِالنَصْبِ فِيهِما، ووَصَفَها تَعالى بِأنَّ النُفُوسَ تُحِبُّها مِن حَيْثُ هي عاجِلَةٌ في الدُنْيا، وقَدْ وُكِّلَتِ النَفْسُ بِحُبِّ العاجِلِ، فَفي هَذا تَحْرِيضٌ، ثُمَّ قَوّاهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾، وهَذِهِ الألْفاظُ في غايَةِ الإيجازِ وبَراعَةِ المَعْنى. ثُمَّ نَدَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ إلى النُصْرَةِ، ووَضَعَ لَهم هَذا الِاسْمَ وإنْ كانَ العُرْفُ قَدْ خَصَّ بِهِ الأوسَ والخَزْرَجَ، وسَمّاهُمُ اللهُ تَعالى بِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وعِيسى: "أنْصارًا" مُنَوَّنًا "لِلَّهِ"، وقَرَأ الباقُونَ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ بِالإضافَةِ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "أنْتُمْ أنْصارُ اللهِ". ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى المَثَلَ بِقَوْمٍ بادَرُوا حِينَ دُعُوا، وهُمُ الحَوارِيُّونَ، والحَوارِيُّونَ (p-٢٩٨)خُلْصانُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ السَلامُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهُ رَدَّدَ اخْتِيارَهم وتَصْفِيَتَهم وكَذَلِكَ رَدَّدَ تَخَيُّلُ الحَوارِيِّ، واللَفْظَتانِ مِن "الحَوَرِ"، وقِيلَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وكانُوا غَسّالِينَ نَصَرُوا عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، واسْتَعْمَلَ اسْمَهم حَتّى قِيلَ لِلنّاصِرِ العاضِدِ: حِوارِيٌّ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "وَحَوارِيِّي الزُبَيْرِ "،» وافْتِراقِ طَوائِفَ بَنِي إسْرائِيلَ هو في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ قَتادَةُ: والطائِفَةُ الكافِرَةُ ثَلاثُ فِرَقٍ: اليَعْقُوبِيَّةُ: وهم قالُوا: هو اللهُ، والإسْرائِيلِيَّةُ وهم قالُوا: هو ابْنُ اللهِ، والنَسْطُورِيَّةُ وهم قالُوا: هو إلَهٌ، وأُمُّهُ إلَهٌ، واللهُ تَعالى ثالِثُهُما، تَعالى اللهُ سُبْحانَهُ عن أقْوالِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾، قِيلَ: ذَلِكَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وبَعْدَ فَتْرَةٍ مِن رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، رَدَّ اللهُ تَعالى الكَرَّةَ لِمَن آمَنَ بِهِ فَغَلَبُوا الكافِرِينَ الَّذِينَ قَتَلُوا صاحِبَهُ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَبَهُ، وقِيلَ: ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أصْبَحَ المُؤْمِنُ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ ظاهِرًا لِإيمانِهِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ أحَدٌ حَقَّ الإيمانِ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ ظاهِرًا لِإيمانِهِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ أحَدٌ حَقَّ الإيمانِ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إلّا وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّهُ بُشِّرَ بِهِ وحَرَّضَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: كانَ المُؤْمِنُونَ قَدِيمًا بِهِ ظاهِرِينَ بِالحُجَّةِ وإنْ ظَلُّوا مُفْتَرِقِينَ في البِلادِ، مَغْلُوبِينَ في ظاهِرِ الحَياةِ الدُنْيا، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والأعْرَجُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَأيَّدْنا" مُخَفَّفَةَ الياءِ مَمْدُودَةَ الألِفِ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الصَفِّ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الجمعة 62:1

(p-٢٩٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجُمْعَةَ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ وذَكَرَ النَقّاشُ قَوْلًا إنَّها مَكِّيَّةٌ، وذَلِكَ خَطَأٌ مِمَّنْ قالَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ اليَهُودِ لَمْ يَكُنْ إلّا بِالمَدِينَةِ، وكَذَلِكَ أمْرُ الجُمْعَةِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ بِمَكَّةَ، أعْنِي إقامَتَها وصِلاتَها، وأمّا أمْرُ الِانْفِضاضِ فَلا مِرْيَةَ في كَوْنِهِ بِالمَدِينَةِ، وذَكَرَ النَقّاشُ عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ إنَّما أسْلَمَ أيّامَ خَيْبَرَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ ألْفاظِ الآيَةِ الأُولى بَأجْمَعِهِا، واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في إعْرابِ الصِفاتِ في آخِرِها، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المَلِكِ" بِالخَفْضِ نَعْتًا لِلَّهِ، وكَذَلِكَ (p-٣٠٠)ما بَعْدَهُ، وقَرَأ أبُو وائِلٍ شَقِيقُ، ومُسْلِمَةُ وأبُو الدِينارِ: "المَلِكُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وفَتَحَ أبُو الدِينارِ القافَ مِنَ القُدُّوسِ". و"الأُمِّيِّونُ" يُرادُ بِهِمُ العَرَبُ، والأُمِّيُّ في اللُغَةِ: الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، مَنسُوبٌ إلى "أُمِّ القُرى" وهى مَكَّة، وهَذا ضَعِيفلإٌ؛ لِأنَّ الوَصْفَ بِالأُمِّيِّينَ -عَلى هَذا- يَقِفُ عَلى قُرَيْشٍ. وإنَّما المُرادُ جَمِيعُ العَرَبِ، وفِيهِمْ قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَحْسِبُ ولا نَكْتُبُ، الشَهْرُ هَكَذا وهَكَذا"،» وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ فِيما أولاهُمْ، و"الآياتُ المَتْلُوَّةُ": القُرْآنُ و"يُزَكِّيهِمْ" مَعْناهُ: يُطَهِّرُهم مِنَ الشِرْكِ، ويُمَنِّي الخَيْرَ فِيهِمْ، و"الكِتابُ": الوَحْيُ المَتْلُوُّ، و"الحِكْمَةُ": السُنَّةُ الَّتِي هي عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ. ثُمَّ أظْهَرَ تَعالى تَأْكِيدَ النِعْمَةِ بِذِكْرِ حالِهِمُ الَّتِي كانَتْ في الضِدِّ مِنَ الهِدايَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، و"آخَرِينَ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "الأُمِّيِّينَ"، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الضَمائِرِ المُتَقَدِّمَةِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المَعْنَيَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرِينَ" فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: أرادَ فارِسَ، وقَدْ «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنِ الآخَرُونَ؟ فَأخَذَ بِيَدِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقالَ: "لَوْ كانَ الدِينُ في الثُرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ".» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الرُومَ والعَجَمَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "مِنهُمْ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ- إنَّما يُرِيدُ بِهِ في البَشَرِيَّةِ والإيمانِ، كَأنَّهُ قالَ: وفي آخَرِينَ مِنَ الناسِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، وعِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ: أرادَ التابِعِينَ مِن أبْناءِ العَرَبِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "مِنهُمْ" يُرِيدُ (p-٣٠١)بِهِ النَسَبَ والإيمانَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ والضَحّاكُ وابْنُ حِبّانَ: أرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرِينَ" جَمِيعُ طَوائِفِ الناسِ ويَكُونُ "مِنهُمْ" في البَشَرِيَّةِ والإيمانِ عَلى ما قُلْناهُ، وذَلِكَ أنّا نَجِدُ بَعَثَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إلى جَمِيعِ الخَلائِقِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأهْلِ اليَمَنِ: أنْتُمْ هم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمّا يَلْحَقُوا﴾ نَفْيٌ لِما قَرُبَ مِنَ الحالِ، والمَعْنى أنَّهم مُزْمِعُونَ أنْ يُلْحِقُوا بِهِمْ، "لَمْ" زِيدَتْ عَلَيْها "ما" تَأْكِيدًا، قالَ سِيبَوَيْهِ: "لَمّا" نَفْيُ قَوْلِكَ: "قَدْ فَعَلَ"، و"لَمْ" نَفْيُ قَوْلِكَ: "فَعَلَ" دُونَ "قَدْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ﴾ الآيَةُ... تَبْيِينٌ لِمَوْقِعِ النِعْمَةِ وتَخْصِيصُهُ إيّاهم بِها.

الجمعة 62:2

(p-٢٩٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجُمْعَةَ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ وذَكَرَ النَقّاشُ قَوْلًا إنَّها مَكِّيَّةٌ، وذَلِكَ خَطَأٌ مِمَّنْ قالَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ اليَهُودِ لَمْ يَكُنْ إلّا بِالمَدِينَةِ، وكَذَلِكَ أمْرُ الجُمْعَةِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ بِمَكَّةَ، أعْنِي إقامَتَها وصِلاتَها، وأمّا أمْرُ الِانْفِضاضِ فَلا مِرْيَةَ في كَوْنِهِ بِالمَدِينَةِ، وذَكَرَ النَقّاشُ عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ إنَّما أسْلَمَ أيّامَ خَيْبَرَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ ألْفاظِ الآيَةِ الأُولى بَأجْمَعِهِا، واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في إعْرابِ الصِفاتِ في آخِرِها، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المَلِكِ" بِالخَفْضِ نَعْتًا لِلَّهِ، وكَذَلِكَ (p-٣٠٠)ما بَعْدَهُ، وقَرَأ أبُو وائِلٍ شَقِيقُ، ومُسْلِمَةُ وأبُو الدِينارِ: "المَلِكُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وفَتَحَ أبُو الدِينارِ القافَ مِنَ القُدُّوسِ". و"الأُمِّيِّونُ" يُرادُ بِهِمُ العَرَبُ، والأُمِّيُّ في اللُغَةِ: الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، مَنسُوبٌ إلى "أُمِّ القُرى" وهى مَكَّة، وهَذا ضَعِيفلإٌ؛ لِأنَّ الوَصْفَ بِالأُمِّيِّينَ -عَلى هَذا- يَقِفُ عَلى قُرَيْشٍ. وإنَّما المُرادُ جَمِيعُ العَرَبِ، وفِيهِمْ قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَحْسِبُ ولا نَكْتُبُ، الشَهْرُ هَكَذا وهَكَذا"،» وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ فِيما أولاهُمْ، و"الآياتُ المَتْلُوَّةُ": القُرْآنُ و"يُزَكِّيهِمْ" مَعْناهُ: يُطَهِّرُهم مِنَ الشِرْكِ، ويُمَنِّي الخَيْرَ فِيهِمْ، و"الكِتابُ": الوَحْيُ المَتْلُوُّ، و"الحِكْمَةُ": السُنَّةُ الَّتِي هي عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ. ثُمَّ أظْهَرَ تَعالى تَأْكِيدَ النِعْمَةِ بِذِكْرِ حالِهِمُ الَّتِي كانَتْ في الضِدِّ مِنَ الهِدايَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، و"آخَرِينَ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "الأُمِّيِّينَ"، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الضَمائِرِ المُتَقَدِّمَةِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المَعْنَيَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرِينَ" فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: أرادَ فارِسَ، وقَدْ «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنِ الآخَرُونَ؟ فَأخَذَ بِيَدِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقالَ: "لَوْ كانَ الدِينُ في الثُرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ".» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الرُومَ والعَجَمَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "مِنهُمْ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ- إنَّما يُرِيدُ بِهِ في البَشَرِيَّةِ والإيمانِ، كَأنَّهُ قالَ: وفي آخَرِينَ مِنَ الناسِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، وعِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ: أرادَ التابِعِينَ مِن أبْناءِ العَرَبِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "مِنهُمْ" يُرِيدُ (p-٣٠١)بِهِ النَسَبَ والإيمانَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ والضَحّاكُ وابْنُ حِبّانَ: أرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرِينَ" جَمِيعُ طَوائِفِ الناسِ ويَكُونُ "مِنهُمْ" في البَشَرِيَّةِ والإيمانِ عَلى ما قُلْناهُ، وذَلِكَ أنّا نَجِدُ بَعَثَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إلى جَمِيعِ الخَلائِقِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأهْلِ اليَمَنِ: أنْتُمْ هم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمّا يَلْحَقُوا﴾ نَفْيٌ لِما قَرُبَ مِنَ الحالِ، والمَعْنى أنَّهم مُزْمِعُونَ أنْ يُلْحِقُوا بِهِمْ، "لَمْ" زِيدَتْ عَلَيْها "ما" تَأْكِيدًا، قالَ سِيبَوَيْهِ: "لَمّا" نَفْيُ قَوْلِكَ: "قَدْ فَعَلَ"، و"لَمْ" نَفْيُ قَوْلِكَ: "فَعَلَ" دُونَ "قَدْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ﴾ الآيَةُ... تَبْيِينٌ لِمَوْقِعِ النِعْمَةِ وتَخْصِيصُهُ إيّاهم بِها.

الجمعة 62:3

(p-٢٩٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجُمْعَةَ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ وذَكَرَ النَقّاشُ قَوْلًا إنَّها مَكِّيَّةٌ، وذَلِكَ خَطَأٌ مِمَّنْ قالَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ اليَهُودِ لَمْ يَكُنْ إلّا بِالمَدِينَةِ، وكَذَلِكَ أمْرُ الجُمْعَةِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ بِمَكَّةَ، أعْنِي إقامَتَها وصِلاتَها، وأمّا أمْرُ الِانْفِضاضِ فَلا مِرْيَةَ في كَوْنِهِ بِالمَدِينَةِ، وذَكَرَ النَقّاشُ عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ إنَّما أسْلَمَ أيّامَ خَيْبَرَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ ألْفاظِ الآيَةِ الأُولى بَأجْمَعِهِا، واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في إعْرابِ الصِفاتِ في آخِرِها، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المَلِكِ" بِالخَفْضِ نَعْتًا لِلَّهِ، وكَذَلِكَ (p-٣٠٠)ما بَعْدَهُ، وقَرَأ أبُو وائِلٍ شَقِيقُ، ومُسْلِمَةُ وأبُو الدِينارِ: "المَلِكُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وفَتَحَ أبُو الدِينارِ القافَ مِنَ القُدُّوسِ". و"الأُمِّيِّونُ" يُرادُ بِهِمُ العَرَبُ، والأُمِّيُّ في اللُغَةِ: الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، مَنسُوبٌ إلى "أُمِّ القُرى" وهى مَكَّة، وهَذا ضَعِيفلإٌ؛ لِأنَّ الوَصْفَ بِالأُمِّيِّينَ -عَلى هَذا- يَقِفُ عَلى قُرَيْشٍ. وإنَّما المُرادُ جَمِيعُ العَرَبِ، وفِيهِمْ قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَحْسِبُ ولا نَكْتُبُ، الشَهْرُ هَكَذا وهَكَذا"،» وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ فِيما أولاهُمْ، و"الآياتُ المَتْلُوَّةُ": القُرْآنُ و"يُزَكِّيهِمْ" مَعْناهُ: يُطَهِّرُهم مِنَ الشِرْكِ، ويُمَنِّي الخَيْرَ فِيهِمْ، و"الكِتابُ": الوَحْيُ المَتْلُوُّ، و"الحِكْمَةُ": السُنَّةُ الَّتِي هي عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ. ثُمَّ أظْهَرَ تَعالى تَأْكِيدَ النِعْمَةِ بِذِكْرِ حالِهِمُ الَّتِي كانَتْ في الضِدِّ مِنَ الهِدايَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، و"آخَرِينَ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "الأُمِّيِّينَ"، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الضَمائِرِ المُتَقَدِّمَةِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المَعْنَيَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرِينَ" فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: أرادَ فارِسَ، وقَدْ «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنِ الآخَرُونَ؟ فَأخَذَ بِيَدِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقالَ: "لَوْ كانَ الدِينُ في الثُرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ".» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الرُومَ والعَجَمَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "مِنهُمْ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ- إنَّما يُرِيدُ بِهِ في البَشَرِيَّةِ والإيمانِ، كَأنَّهُ قالَ: وفي آخَرِينَ مِنَ الناسِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، وعِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ: أرادَ التابِعِينَ مِن أبْناءِ العَرَبِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "مِنهُمْ" يُرِيدُ (p-٣٠١)بِهِ النَسَبَ والإيمانَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ والضَحّاكُ وابْنُ حِبّانَ: أرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرِينَ" جَمِيعُ طَوائِفِ الناسِ ويَكُونُ "مِنهُمْ" في البَشَرِيَّةِ والإيمانِ عَلى ما قُلْناهُ، وذَلِكَ أنّا نَجِدُ بَعَثَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إلى جَمِيعِ الخَلائِقِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأهْلِ اليَمَنِ: أنْتُمْ هم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمّا يَلْحَقُوا﴾ نَفْيٌ لِما قَرُبَ مِنَ الحالِ، والمَعْنى أنَّهم مُزْمِعُونَ أنْ يُلْحِقُوا بِهِمْ، "لَمْ" زِيدَتْ عَلَيْها "ما" تَأْكِيدًا، قالَ سِيبَوَيْهِ: "لَمّا" نَفْيُ قَوْلِكَ: "قَدْ فَعَلَ"، و"لَمْ" نَفْيُ قَوْلِكَ: "فَعَلَ" دُونَ "قَدْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ﴾ الآيَةُ... تَبْيِينٌ لِمَوْقِعِ النِعْمَةِ وتَخْصِيصُهُ إيّاهم بِها.

الجمعة 62:4

(p-٢٩٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجُمْعَةَ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ وذَكَرَ النَقّاشُ قَوْلًا إنَّها مَكِّيَّةٌ، وذَلِكَ خَطَأٌ مِمَّنْ قالَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ اليَهُودِ لَمْ يَكُنْ إلّا بِالمَدِينَةِ، وكَذَلِكَ أمْرُ الجُمْعَةِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ بِمَكَّةَ، أعْنِي إقامَتَها وصِلاتَها، وأمّا أمْرُ الِانْفِضاضِ فَلا مِرْيَةَ في كَوْنِهِ بِالمَدِينَةِ، وذَكَرَ النَقّاشُ عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ إنَّما أسْلَمَ أيّامَ خَيْبَرَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ ألْفاظِ الآيَةِ الأُولى بَأجْمَعِهِا، واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في إعْرابِ الصِفاتِ في آخِرِها، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المَلِكِ" بِالخَفْضِ نَعْتًا لِلَّهِ، وكَذَلِكَ (p-٣٠٠)ما بَعْدَهُ، وقَرَأ أبُو وائِلٍ شَقِيقُ، ومُسْلِمَةُ وأبُو الدِينارِ: "المَلِكُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وفَتَحَ أبُو الدِينارِ القافَ مِنَ القُدُّوسِ". و"الأُمِّيِّونُ" يُرادُ بِهِمُ العَرَبُ، والأُمِّيُّ في اللُغَةِ: الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، مَنسُوبٌ إلى "أُمِّ القُرى" وهى مَكَّة، وهَذا ضَعِيفلإٌ؛ لِأنَّ الوَصْفَ بِالأُمِّيِّينَ -عَلى هَذا- يَقِفُ عَلى قُرَيْشٍ. وإنَّما المُرادُ جَمِيعُ العَرَبِ، وفِيهِمْ قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَحْسِبُ ولا نَكْتُبُ، الشَهْرُ هَكَذا وهَكَذا"،» وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ فِيما أولاهُمْ، و"الآياتُ المَتْلُوَّةُ": القُرْآنُ و"يُزَكِّيهِمْ" مَعْناهُ: يُطَهِّرُهم مِنَ الشِرْكِ، ويُمَنِّي الخَيْرَ فِيهِمْ، و"الكِتابُ": الوَحْيُ المَتْلُوُّ، و"الحِكْمَةُ": السُنَّةُ الَّتِي هي عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ. ثُمَّ أظْهَرَ تَعالى تَأْكِيدَ النِعْمَةِ بِذِكْرِ حالِهِمُ الَّتِي كانَتْ في الضِدِّ مِنَ الهِدايَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، و"آخَرِينَ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "الأُمِّيِّينَ"، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الضَمائِرِ المُتَقَدِّمَةِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المَعْنَيَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرِينَ" فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: أرادَ فارِسَ، وقَدْ «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنِ الآخَرُونَ؟ فَأخَذَ بِيَدِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقالَ: "لَوْ كانَ الدِينُ في الثُرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ".» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الرُومَ والعَجَمَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "مِنهُمْ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ- إنَّما يُرِيدُ بِهِ في البَشَرِيَّةِ والإيمانِ، كَأنَّهُ قالَ: وفي آخَرِينَ مِنَ الناسِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، وعِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ: أرادَ التابِعِينَ مِن أبْناءِ العَرَبِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "مِنهُمْ" يُرِيدُ (p-٣٠١)بِهِ النَسَبَ والإيمانَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ والضَحّاكُ وابْنُ حِبّانَ: أرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرِينَ" جَمِيعُ طَوائِفِ الناسِ ويَكُونُ "مِنهُمْ" في البَشَرِيَّةِ والإيمانِ عَلى ما قُلْناهُ، وذَلِكَ أنّا نَجِدُ بَعَثَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إلى جَمِيعِ الخَلائِقِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأهْلِ اليَمَنِ: أنْتُمْ هم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمّا يَلْحَقُوا﴾ نَفْيٌ لِما قَرُبَ مِنَ الحالِ، والمَعْنى أنَّهم مُزْمِعُونَ أنْ يُلْحِقُوا بِهِمْ، "لَمْ" زِيدَتْ عَلَيْها "ما" تَأْكِيدًا، قالَ سِيبَوَيْهِ: "لَمّا" نَفْيُ قَوْلِكَ: "قَدْ فَعَلَ"، و"لَمْ" نَفْيُ قَوْلِكَ: "فَعَلَ" دُونَ "قَدْ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ﴾ الآيَةُ... تَبْيِينٌ لِمَوْقِعِ النِعْمَةِ وتَخْصِيصُهُ إيّاهم بِها.

الجمعة 62:5

قوله عزّ وجلّ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمِ الظالِمِينَ﴾ ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أولِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ الناسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ هم بَنُو إسْرائِيلَ والأحْبارُ المُعاصِرُونَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، و"حُمِّلُوا" مَعْناهُ: كُلِّفُوا القِيامَ بِأوامِرِها ونَواهِيها، فَهَذا كَمالُ حَمْلِ الإنْسانِ الأمانَةَ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَهْرِ وإنْ كانَ مُشْتَقًّا مِنهُ، وذَكَرَ تَعالى أنَّهم لَمْ يَحْمِلُوها، أيْ: لَمْ يُطِيعُوا أمْرَها ويَقِفُوا عِنْدَ حَدِّها حِينَ كَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ والتَوْراةُ تَنْطِقُ بِنُبُوَّتِهِ، فَكانَ كُلُّ خَيْرٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ مِن حَمْلِهِ، كَمَثَلِ حِمارٍ عَلَيْهِ أسْفارٌ، فَهي عِنْدَهُ والزُبُلُ وغَيْرُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "حَمَلُوا" بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ المَأْمُونُ العَبّاسِيُّ: "يُحَمِّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وشَدِّ المِيمِ المَفْتُوحَةِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "كَمَثَلِ حِمارٍ" بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، و"السِفْرُ": الكِتابُ المُجْتَمِعُ الأوراقِ مُنَضَّدَةً، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حالَ مِثْلِهِمْ وفَسادَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ والتَقْدِيرُ: بِئْسَ المَثَلُ مَثَلُ القَوْمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ (p-٣٠٢)يَهُودَ المَدِينَةِ لَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خاطَبُوا يَهُودَ خَيْبَرَ في أمْرِهِ، فَذَكَرُوا لِنُبُوَّتِهِ، هم نُبُوَّتُهُ، وقالُوا لَهُمْ: إنْ رَأيْتُمُ أتْباعَهُ أطَعْناكُمْ، وإنْ رَأيْتُمْ خِلافَهُ خالَفْناهُ مَعَكُمْ، فَجاءَهم جَوابُ أهْلِ خَيْبَرَ يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَحْمَنِ، وأبْناءُ عُزَيْرٍ ابْنِ اللهِ، ومِنّا الأنْبِياءُ، ومَتّى كانَتِ النُبُوَّةُ في العَرَبِ؟ نَحْنُ أحَقُّ بِالنُبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، ولا سَبِيلَ إلى اتِّباعِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِمَعْنى: أنَّكم إذا كُنْتُمْ مِنَ اللهِ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ فَقَرِّبْهُ وفِراقُ هَذِهِ الحَياةِ الخَسِيَّةِ أحَبُّ إلَيْكم فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِكم هَذِهِ المَنزِلَةَ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ ولا يُلْقُونَهُ إلّا كُرْهًا لِعِلْمِهِمْ بِسُوءِ حالِهِمْ عِنْدَ اللهِ وبُعْدِهِمْ عنهُ، هَذا هو اللازِمُ مِن ألْفاظِ الآيَةِ، ورَوى كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ مُعْجِزَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وآيَةٌ باهِرَةٌ، وأعْلَمَهُ أنَّهُ إنْ تَمَنّى أحَدٌ مِنهُمُ المَوْتَ في أيّامٍ مَعْدُودَةٍ ماتَ وفارَقَ الدُنْيا، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "تَمَنَّوُا المَوْتَ"» في جِهَةِ التَعْجِيزِ وإظْهارِ الآيَةِ، فَما تَمَنّاهُ أحَدٌ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ وثِقَةً بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ. ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِالمَوْتِ الَّذِي لا مَحِيدَ لَهم عنهُ، ثُمَّ بِما بَعْدَهُ مِنَ الرَدِّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "تَفِرُّونَ مِنهُ مُلاقِيكُمْ" بِإسْقاطِ "فَإنَّهُ". وقَوْلُهُ تَعالى: "فَيُنَبِّئُكُمْ" أيْ" إنْباءُ مُعاقِبٍ مُجازٍ عَلَيْهِ بِالتَعْذِيبِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "فَتُمَنُّوُا المَوْتَ" بِكَسْرِ الواوِ، وكَذَلِكَ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ.

الجمعة 62:6

قوله عزّ وجلّ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمِ الظالِمِينَ﴾ ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أولِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ الناسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ هم بَنُو إسْرائِيلَ والأحْبارُ المُعاصِرُونَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، و"حُمِّلُوا" مَعْناهُ: كُلِّفُوا القِيامَ بِأوامِرِها ونَواهِيها، فَهَذا كَمالُ حَمْلِ الإنْسانِ الأمانَةَ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَهْرِ وإنْ كانَ مُشْتَقًّا مِنهُ، وذَكَرَ تَعالى أنَّهم لَمْ يَحْمِلُوها، أيْ: لَمْ يُطِيعُوا أمْرَها ويَقِفُوا عِنْدَ حَدِّها حِينَ كَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ والتَوْراةُ تَنْطِقُ بِنُبُوَّتِهِ، فَكانَ كُلُّ خَيْرٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ مِن حَمْلِهِ، كَمَثَلِ حِمارٍ عَلَيْهِ أسْفارٌ، فَهي عِنْدَهُ والزُبُلُ وغَيْرُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "حَمَلُوا" بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ المَأْمُونُ العَبّاسِيُّ: "يُحَمِّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وشَدِّ المِيمِ المَفْتُوحَةِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "كَمَثَلِ حِمارٍ" بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، و"السِفْرُ": الكِتابُ المُجْتَمِعُ الأوراقِ مُنَضَّدَةً، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حالَ مِثْلِهِمْ وفَسادَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ والتَقْدِيرُ: بِئْسَ المَثَلُ مَثَلُ القَوْمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ (p-٣٠٢)يَهُودَ المَدِينَةِ لَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خاطَبُوا يَهُودَ خَيْبَرَ في أمْرِهِ، فَذَكَرُوا لِنُبُوَّتِهِ، هم نُبُوَّتُهُ، وقالُوا لَهُمْ: إنْ رَأيْتُمُ أتْباعَهُ أطَعْناكُمْ، وإنْ رَأيْتُمْ خِلافَهُ خالَفْناهُ مَعَكُمْ، فَجاءَهم جَوابُ أهْلِ خَيْبَرَ يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَحْمَنِ، وأبْناءُ عُزَيْرٍ ابْنِ اللهِ، ومِنّا الأنْبِياءُ، ومَتّى كانَتِ النُبُوَّةُ في العَرَبِ؟ نَحْنُ أحَقُّ بِالنُبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، ولا سَبِيلَ إلى اتِّباعِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِمَعْنى: أنَّكم إذا كُنْتُمْ مِنَ اللهِ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ فَقَرِّبْهُ وفِراقُ هَذِهِ الحَياةِ الخَسِيَّةِ أحَبُّ إلَيْكم فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِكم هَذِهِ المَنزِلَةَ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ ولا يُلْقُونَهُ إلّا كُرْهًا لِعِلْمِهِمْ بِسُوءِ حالِهِمْ عِنْدَ اللهِ وبُعْدِهِمْ عنهُ، هَذا هو اللازِمُ مِن ألْفاظِ الآيَةِ، ورَوى كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ مُعْجِزَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وآيَةٌ باهِرَةٌ، وأعْلَمَهُ أنَّهُ إنْ تَمَنّى أحَدٌ مِنهُمُ المَوْتَ في أيّامٍ مَعْدُودَةٍ ماتَ وفارَقَ الدُنْيا، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "تَمَنَّوُا المَوْتَ"» في جِهَةِ التَعْجِيزِ وإظْهارِ الآيَةِ، فَما تَمَنّاهُ أحَدٌ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ وثِقَةً بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ. ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِالمَوْتِ الَّذِي لا مَحِيدَ لَهم عنهُ، ثُمَّ بِما بَعْدَهُ مِنَ الرَدِّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "تَفِرُّونَ مِنهُ مُلاقِيكُمْ" بِإسْقاطِ "فَإنَّهُ". وقَوْلُهُ تَعالى: "فَيُنَبِّئُكُمْ" أيْ" إنْباءُ مُعاقِبٍ مُجازٍ عَلَيْهِ بِالتَعْذِيبِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "فَتُمَنُّوُا المَوْتَ" بِكَسْرِ الواوِ، وكَذَلِكَ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ.

الجمعة 62:7

قوله عزّ وجلّ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمِ الظالِمِينَ﴾ ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أولِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ الناسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ هم بَنُو إسْرائِيلَ والأحْبارُ المُعاصِرُونَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، و"حُمِّلُوا" مَعْناهُ: كُلِّفُوا القِيامَ بِأوامِرِها ونَواهِيها، فَهَذا كَمالُ حَمْلِ الإنْسانِ الأمانَةَ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَهْرِ وإنْ كانَ مُشْتَقًّا مِنهُ، وذَكَرَ تَعالى أنَّهم لَمْ يَحْمِلُوها، أيْ: لَمْ يُطِيعُوا أمْرَها ويَقِفُوا عِنْدَ حَدِّها حِينَ كَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ والتَوْراةُ تَنْطِقُ بِنُبُوَّتِهِ، فَكانَ كُلُّ خَيْرٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ مِن حَمْلِهِ، كَمَثَلِ حِمارٍ عَلَيْهِ أسْفارٌ، فَهي عِنْدَهُ والزُبُلُ وغَيْرُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "حَمَلُوا" بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ المَأْمُونُ العَبّاسِيُّ: "يُحَمِّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وشَدِّ المِيمِ المَفْتُوحَةِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "كَمَثَلِ حِمارٍ" بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، و"السِفْرُ": الكِتابُ المُجْتَمِعُ الأوراقِ مُنَضَّدَةً، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حالَ مِثْلِهِمْ وفَسادَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ والتَقْدِيرُ: بِئْسَ المَثَلُ مَثَلُ القَوْمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ (p-٣٠٢)يَهُودَ المَدِينَةِ لَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خاطَبُوا يَهُودَ خَيْبَرَ في أمْرِهِ، فَذَكَرُوا لِنُبُوَّتِهِ، هم نُبُوَّتُهُ، وقالُوا لَهُمْ: إنْ رَأيْتُمُ أتْباعَهُ أطَعْناكُمْ، وإنْ رَأيْتُمْ خِلافَهُ خالَفْناهُ مَعَكُمْ، فَجاءَهم جَوابُ أهْلِ خَيْبَرَ يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَحْمَنِ، وأبْناءُ عُزَيْرٍ ابْنِ اللهِ، ومِنّا الأنْبِياءُ، ومَتّى كانَتِ النُبُوَّةُ في العَرَبِ؟ نَحْنُ أحَقُّ بِالنُبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، ولا سَبِيلَ إلى اتِّباعِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِمَعْنى: أنَّكم إذا كُنْتُمْ مِنَ اللهِ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ فَقَرِّبْهُ وفِراقُ هَذِهِ الحَياةِ الخَسِيَّةِ أحَبُّ إلَيْكم فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِكم هَذِهِ المَنزِلَةَ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ ولا يُلْقُونَهُ إلّا كُرْهًا لِعِلْمِهِمْ بِسُوءِ حالِهِمْ عِنْدَ اللهِ وبُعْدِهِمْ عنهُ، هَذا هو اللازِمُ مِن ألْفاظِ الآيَةِ، ورَوى كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ مُعْجِزَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وآيَةٌ باهِرَةٌ، وأعْلَمَهُ أنَّهُ إنْ تَمَنّى أحَدٌ مِنهُمُ المَوْتَ في أيّامٍ مَعْدُودَةٍ ماتَ وفارَقَ الدُنْيا، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "تَمَنَّوُا المَوْتَ"» في جِهَةِ التَعْجِيزِ وإظْهارِ الآيَةِ، فَما تَمَنّاهُ أحَدٌ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ وثِقَةً بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ. ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِالمَوْتِ الَّذِي لا مَحِيدَ لَهم عنهُ، ثُمَّ بِما بَعْدَهُ مِنَ الرَدِّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "تَفِرُّونَ مِنهُ مُلاقِيكُمْ" بِإسْقاطِ "فَإنَّهُ". وقَوْلُهُ تَعالى: "فَيُنَبِّئُكُمْ" أيْ" إنْباءُ مُعاقِبٍ مُجازٍ عَلَيْهِ بِالتَعْذِيبِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "فَتُمَنُّوُا المَوْتَ" بِكَسْرِ الواوِ، وكَذَلِكَ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ.

الجمعة 62:8

قوله عزّ وجلّ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمِ الظالِمِينَ﴾ ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أولِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ الناسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ هم بَنُو إسْرائِيلَ والأحْبارُ المُعاصِرُونَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، و"حُمِّلُوا" مَعْناهُ: كُلِّفُوا القِيامَ بِأوامِرِها ونَواهِيها، فَهَذا كَمالُ حَمْلِ الإنْسانِ الأمانَةَ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَهْرِ وإنْ كانَ مُشْتَقًّا مِنهُ، وذَكَرَ تَعالى أنَّهم لَمْ يَحْمِلُوها، أيْ: لَمْ يُطِيعُوا أمْرَها ويَقِفُوا عِنْدَ حَدِّها حِينَ كَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ والتَوْراةُ تَنْطِقُ بِنُبُوَّتِهِ، فَكانَ كُلُّ خَيْرٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ مِن حَمْلِهِ، كَمَثَلِ حِمارٍ عَلَيْهِ أسْفارٌ، فَهي عِنْدَهُ والزُبُلُ وغَيْرُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "حَمَلُوا" بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ المَأْمُونُ العَبّاسِيُّ: "يُحَمِّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وشَدِّ المِيمِ المَفْتُوحَةِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "كَمَثَلِ حِمارٍ" بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، و"السِفْرُ": الكِتابُ المُجْتَمِعُ الأوراقِ مُنَضَّدَةً، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حالَ مِثْلِهِمْ وفَسادَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ والتَقْدِيرُ: بِئْسَ المَثَلُ مَثَلُ القَوْمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ (p-٣٠٢)يَهُودَ المَدِينَةِ لَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خاطَبُوا يَهُودَ خَيْبَرَ في أمْرِهِ، فَذَكَرُوا لِنُبُوَّتِهِ، هم نُبُوَّتُهُ، وقالُوا لَهُمْ: إنْ رَأيْتُمُ أتْباعَهُ أطَعْناكُمْ، وإنْ رَأيْتُمْ خِلافَهُ خالَفْناهُ مَعَكُمْ، فَجاءَهم جَوابُ أهْلِ خَيْبَرَ يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَحْمَنِ، وأبْناءُ عُزَيْرٍ ابْنِ اللهِ، ومِنّا الأنْبِياءُ، ومَتّى كانَتِ النُبُوَّةُ في العَرَبِ؟ نَحْنُ أحَقُّ بِالنُبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، ولا سَبِيلَ إلى اتِّباعِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِمَعْنى: أنَّكم إذا كُنْتُمْ مِنَ اللهِ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ فَقَرِّبْهُ وفِراقُ هَذِهِ الحَياةِ الخَسِيَّةِ أحَبُّ إلَيْكم فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِكم هَذِهِ المَنزِلَةَ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ ولا يُلْقُونَهُ إلّا كُرْهًا لِعِلْمِهِمْ بِسُوءِ حالِهِمْ عِنْدَ اللهِ وبُعْدِهِمْ عنهُ، هَذا هو اللازِمُ مِن ألْفاظِ الآيَةِ، ورَوى كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ مُعْجِزَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وآيَةٌ باهِرَةٌ، وأعْلَمَهُ أنَّهُ إنْ تَمَنّى أحَدٌ مِنهُمُ المَوْتَ في أيّامٍ مَعْدُودَةٍ ماتَ وفارَقَ الدُنْيا، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "تَمَنَّوُا المَوْتَ"» في جِهَةِ التَعْجِيزِ وإظْهارِ الآيَةِ، فَما تَمَنّاهُ أحَدٌ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ وثِقَةً بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ. ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِالمَوْتِ الَّذِي لا مَحِيدَ لَهم عنهُ، ثُمَّ بِما بَعْدَهُ مِنَ الرَدِّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "تَفِرُّونَ مِنهُ مُلاقِيكُمْ" بِإسْقاطِ "فَإنَّهُ". وقَوْلُهُ تَعالى: "فَيُنَبِّئُكُمْ" أيْ" إنْباءُ مُعاقِبٍ مُجازٍ عَلَيْهِ بِالتَعْذِيبِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "فَتُمَنُّوُا المَوْتَ" بِكَسْرِ الواوِ، وكَذَلِكَ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ.

الجمعة 62:9

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ واذْكُرُوا اللهِ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَإذا رَأوا تِجارَةً أو لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ ومِنَ التِجارَةِ واللهُ خَيْرٌ الرازِقِينَ﴾ (p-٣٠٣)النِداءُ بِالجُمْعَةِ هو في ناحِيَةٍ مِنَ المَسْجِدِ، وكانَ عَلى الجِدارِ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقالَ السائِبُ بْنُ يَزِيدَ: كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مُؤَذِّنٌ واحِدٌ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وفي مُصْحَفِ أبِي داوُدَ: كانَ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى مِنبَرِ أذانٍ، وهو الَّذِي اسْتَعْمَلَ بَنُو أُمِّيَّةَ، وبَقِيَ بِقُرْطُبَةَ إلى الآنَ، ثُمَّ زادَ عُثْمانُ النِداءَ عَلى الزَوْراءِ لِيُسْمِعَ الناسَ، فَقَوْمٌ عَبَّرُوا عن زِيادَةِ عُثْمانَ بِالثانِي كَأنَّهم لَمْ يَعْتَدُّوا الَّذِي كانَ بَيْنَ يَدَيِ النَبِيِّ ﷺ، وقَوْمٌ عَبَّرُوا عنهُ بِالثالِثِ. وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ والأعْمَشُ: "الجُمْعَةُ" بِإسْكانِ المِيمِ، وهي لُغَةٌ. والمَأْمُورُ بِالسَعْي هو المُؤْمِنُ الصَحِيحُ البالِغُ الحُرُّ الذَكَرُ، ولا جُمْعَةَ عَلى مُسافِرٍ في طاعَةٍ، فَإنْ حَضَرَها أحْسَنَ وأجْزَأتْهُ، واخْتَلَفَ الناسُ في الحَدِّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ السَعْيُ، فَقالَ مالِكٌ: ثَلاثَةُ أمْيالٍ مِن مَنزِلِ الساعِي إلى المُنادِي، وقالَ فَرِيقٌ: مِن مَنزِلِ الساعِي إلى أوَّلِ المَدِينَةِ الَّتِي فِيها النِداءُ، وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: يَلْزَمُ أهْلَ المَدِينَةِ كُلِّها السَعْيُ مَن سَمِعَ النِداءَ ومَن لَمْ يَسْمَعْ وإنْ كانَتْ أقْطارُها فَوْقَ ثَلاثَةِ أمْيالٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ولا يَلْزَمُ مِن مَنزِلِهِ خارِجَ المَدِينَةِ كَزُرارَةَ مِنَ الكُوفَةِ، وإنَّما بَيْنُهُما مَجْرى نَهْرٍ، ولا تَجُوزُ لَهم إقامَتُها لِأنَّ مِن شُرُوطِها الجامِعُ والسُلْطانُ القاهِرُ والسُوقُ القائِمَةُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: السَعْيُ مِن خَمْسَةِ أمْيالٍ، وقالَ الزَهْرِيُّ: مِن سِتَّةِ أمْيالٍ، وقالَ أيْضًا: مِن أرْبَعَةِ أمْيالٍ، وقالَهُ ابْنُ المُنْكَدِرِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ حَنْبَلٍ: إنَّما يَلْزَمُ السَعْيُ مَن سَمِعَ النِداءَ، وفي هَذا نَظَرٌ. والسَعْيُ في الآيَةِ لَيْسَ الإسْراعُ في المَشْيِ كالسَعْيِ بَيْنَ الصَفا والمَرْوَةَ، وإنَّما هو بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩]، فالقِيامُ والوُضُوءُ ولُبْسُ الثَوْبِ والمَشْيُ سَعْيٌ كُلُّهُ إلى ذِكْرِ اللهِ تَعالى، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، وغَيْرُهُمْ: إنَّما (p-٣٠٤)تُؤْتى الصَلاةُ بِالسَكِينَةِ، فالسَعْيُ هو بِالنِيَّةِ والإرادَةِ والعَمَلِ، و"الذِكْرُ" هو وعْظُ الخُطْبَةِ، قالَهُ ابْنُ المُسَيِّبِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ المَلائِكَةَ عَلى أبْوابِ المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمْعَةَ، يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فالأوَّلَ، إذا خَرَجَ الإمامُ طُوِيَتِ الصُحُفُ وجَلَسَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِكْرَ"،» والخُطْبَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ شَرْطٌ في انْعِقادِ الجُمْعَةِ، وقالَ الحَسَنُ: وهي مُسْتَحَبَّةٌ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وجَماعَةٌ مِنَ التابِعِينَ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ: "فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللهِ"، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ قَرَأْتَ: "فاسْعَوْا" لَأسْرَعْتُ حَتّى يَقَعَ رِدائِي. واخْتَلَفَ الناسُ فِي: البَيْعِ في الوَقْتِ المَنهِيِّ عنهُ إذا وقَعَ: ما الحُكْمُ فِيهِ؟ بَعْدَ إجْماعِهِمْ عَلى وُجُوبِ امْتِناعِهِ بَدْءًا، فَقالَ الشافِعِيُّ: يَمْضِي، وقالَ مُرَّةُ: يُفْسَخُ ما لَمْ يَفُتْ، فَإنْ فاتَ مَضى. وقالَ مالِكٌ: يُفْسَخُ ما لَمْ يَفُتْ، فَإنْ فاتَ أصْلَحَ بِالقِيمَةِ، واخْتُلِفَ في وقْتِ التَقْوِيمِ، فَقِيلَ: وقْتُ القَبْضِ، وقِيلَ: وقْتُ الحُكْمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكُمْ" إشارَةٌ إلى السَعْيِ وتَرْكِ البَيْعِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "فانْتَشِرُوا" أجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ مُقْتَضى هَذا الأمْرِ الإباحَةُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ أنَّهُ لِلْإباحَةِ في طَلَبِ المَعاشِ، وأنَّ ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢]، إلّا ما رُوِيَ عن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ذَلِكَ الفَضْلُ المُبْتَغى هو عِيادَةُ مَرِيضٍ أو صِلَةُ صَدِيقٍ أوِ اتِّباعُ جَنازَةٍ"». قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المَرْءُ بَقِيَّةَ يَوْمِ الجُمْعَةَ، ويَكُونُ تَخَيُّرُهُ صُبْحَ يَوْمِ (p-٣٠٥)السَبْتَ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصادِقُ، وقالَ مَكْحُولٌ: الفَضْلُ المُبْتَغى العِلْمُ، فَيَنْبَغِي أنْ يَطْلُبَ إثْرَ الجُمْعَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوا تِجارَةً أو لَهْوًا﴾، الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ قائِمًا عَلى المِنبَرِ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ، فَأقْبَلَتْ عِيرٌ مِنَ الشامِ تَحْمِلُ مِيرَةً، وصاحِبُ أمْرِها دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الكَلْبِيُّ، قالَ مُجاهِدٌ: وكانَ مِن عُرْفِهِمْ أنَّ تَدْخُلَ العِيرُ المَدِينَةَ بِالطَبْلِ والمَعازِفِ والصِياحُ مِن ورائِها، فَدَخَلَتِ العِيرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فانْفَضَّ أهْلُ المَسْجِدِ إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ وسَماعِهِ، وتَرَكُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ قائِمًا عَلى المِنبَرِ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنا أحَدُهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ تَمُرَّ بِي تَسْمِيَتُهم في دِيوانٍ فِيما أذْكُرُهُ، إلّا إنِّي سَمِعْتُ أبِي رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَقُولُ: هُمُ العَشْرَةُ المَشْهُودُ لَهم بِالجَنَّةِ، واخْتُلِفَ في الحادِي عَشَرَ، فَقِيلَ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقِيلَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: بَقِيَ مَعَهُ ثَمانِيَةُ نَفَرٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْلا هَؤُلاءِ لَقَدْ كانَتِ الحِجارَةُ سُوِّمَتْ عَلى المُنْفَضِّينَ مِنَ السَماءِ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ولَوْ تَتابَعْتُمْ حَتّى لا يَبْقى مِنكم أحَدٌ لَسالَ عَلَيْكُمُ الوادِي نارًا"،» وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ لِأنَّ قُدُومَ العِيرِ كانَ يُوافِقُ يَوْمَ الجُمْعَةَ، بِسَبَبِ أنَّ المَراحِلَ كانَتْ تُعْطِي ذَلِكَ، وقالَ تَعالى: "إلَيْها" ولَمْ يَقُلْ: "إلَيْهِما" (p-٣٠٦)تَقْدِيمًا لِلْأهَمِّ، إذْ كانَتْ هي سَبَبُ اللهْوِ ولَمْ يَكُنِ اللهْوُ سَبَبَها، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمِنَ التِجارَةِ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا واللهُ خَيْرُ الرازِقِينَ". وتَأمَّلْ إنْ قُدِّمَتِ التِجارَةُ مَعَ الرُؤْيَةِ لِأنَّها أهَمُّ، وأُخِّرَتْ مَعَ التَفْضِيلِ لِتَقَعَ النَفْسُ أوَّلًا عَلى الأبْيَنِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ قِيامُ الخَطِيبِ، وأوَّلُ مَنِ اسْتَراحَ في الخُطْبَةِ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ:، وأوَّلُ مَن خَطَبَ جالِسًا مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ. و"الرازِقُ" صِفَةُ فِعْلٍ، وقَدْ يَتَّصِفُ بِها بَعْضُ البَشَرِ تَجَوُّزًا إذا كانَ سَبَبَ رِزْقِ الحَيَوانِ، واللهُ تَعالى خَيْرُ الرازِقِينَ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجُمْعَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الجمعة 62:10

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ واذْكُرُوا اللهِ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَإذا رَأوا تِجارَةً أو لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ ومِنَ التِجارَةِ واللهُ خَيْرٌ الرازِقِينَ﴾ (p-٣٠٣)النِداءُ بِالجُمْعَةِ هو في ناحِيَةٍ مِنَ المَسْجِدِ، وكانَ عَلى الجِدارِ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقالَ السائِبُ بْنُ يَزِيدَ: كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مُؤَذِّنٌ واحِدٌ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وفي مُصْحَفِ أبِي داوُدَ: كانَ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى مِنبَرِ أذانٍ، وهو الَّذِي اسْتَعْمَلَ بَنُو أُمِّيَّةَ، وبَقِيَ بِقُرْطُبَةَ إلى الآنَ، ثُمَّ زادَ عُثْمانُ النِداءَ عَلى الزَوْراءِ لِيُسْمِعَ الناسَ، فَقَوْمٌ عَبَّرُوا عن زِيادَةِ عُثْمانَ بِالثانِي كَأنَّهم لَمْ يَعْتَدُّوا الَّذِي كانَ بَيْنَ يَدَيِ النَبِيِّ ﷺ، وقَوْمٌ عَبَّرُوا عنهُ بِالثالِثِ. وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ والأعْمَشُ: "الجُمْعَةُ" بِإسْكانِ المِيمِ، وهي لُغَةٌ. والمَأْمُورُ بِالسَعْي هو المُؤْمِنُ الصَحِيحُ البالِغُ الحُرُّ الذَكَرُ، ولا جُمْعَةَ عَلى مُسافِرٍ في طاعَةٍ، فَإنْ حَضَرَها أحْسَنَ وأجْزَأتْهُ، واخْتَلَفَ الناسُ في الحَدِّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ السَعْيُ، فَقالَ مالِكٌ: ثَلاثَةُ أمْيالٍ مِن مَنزِلِ الساعِي إلى المُنادِي، وقالَ فَرِيقٌ: مِن مَنزِلِ الساعِي إلى أوَّلِ المَدِينَةِ الَّتِي فِيها النِداءُ، وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: يَلْزَمُ أهْلَ المَدِينَةِ كُلِّها السَعْيُ مَن سَمِعَ النِداءَ ومَن لَمْ يَسْمَعْ وإنْ كانَتْ أقْطارُها فَوْقَ ثَلاثَةِ أمْيالٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ولا يَلْزَمُ مِن مَنزِلِهِ خارِجَ المَدِينَةِ كَزُرارَةَ مِنَ الكُوفَةِ، وإنَّما بَيْنُهُما مَجْرى نَهْرٍ، ولا تَجُوزُ لَهم إقامَتُها لِأنَّ مِن شُرُوطِها الجامِعُ والسُلْطانُ القاهِرُ والسُوقُ القائِمَةُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: السَعْيُ مِن خَمْسَةِ أمْيالٍ، وقالَ الزَهْرِيُّ: مِن سِتَّةِ أمْيالٍ، وقالَ أيْضًا: مِن أرْبَعَةِ أمْيالٍ، وقالَهُ ابْنُ المُنْكَدِرِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ حَنْبَلٍ: إنَّما يَلْزَمُ السَعْيُ مَن سَمِعَ النِداءَ، وفي هَذا نَظَرٌ. والسَعْيُ في الآيَةِ لَيْسَ الإسْراعُ في المَشْيِ كالسَعْيِ بَيْنَ الصَفا والمَرْوَةَ، وإنَّما هو بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩]، فالقِيامُ والوُضُوءُ ولُبْسُ الثَوْبِ والمَشْيُ سَعْيٌ كُلُّهُ إلى ذِكْرِ اللهِ تَعالى، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، وغَيْرُهُمْ: إنَّما (p-٣٠٤)تُؤْتى الصَلاةُ بِالسَكِينَةِ، فالسَعْيُ هو بِالنِيَّةِ والإرادَةِ والعَمَلِ، و"الذِكْرُ" هو وعْظُ الخُطْبَةِ، قالَهُ ابْنُ المُسَيِّبِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ المَلائِكَةَ عَلى أبْوابِ المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمْعَةَ، يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فالأوَّلَ، إذا خَرَجَ الإمامُ طُوِيَتِ الصُحُفُ وجَلَسَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِكْرَ"،» والخُطْبَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ شَرْطٌ في انْعِقادِ الجُمْعَةِ، وقالَ الحَسَنُ: وهي مُسْتَحَبَّةٌ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وجَماعَةٌ مِنَ التابِعِينَ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ: "فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللهِ"، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ قَرَأْتَ: "فاسْعَوْا" لَأسْرَعْتُ حَتّى يَقَعَ رِدائِي. واخْتَلَفَ الناسُ فِي: البَيْعِ في الوَقْتِ المَنهِيِّ عنهُ إذا وقَعَ: ما الحُكْمُ فِيهِ؟ بَعْدَ إجْماعِهِمْ عَلى وُجُوبِ امْتِناعِهِ بَدْءًا، فَقالَ الشافِعِيُّ: يَمْضِي، وقالَ مُرَّةُ: يُفْسَخُ ما لَمْ يَفُتْ، فَإنْ فاتَ مَضى. وقالَ مالِكٌ: يُفْسَخُ ما لَمْ يَفُتْ، فَإنْ فاتَ أصْلَحَ بِالقِيمَةِ، واخْتُلِفَ في وقْتِ التَقْوِيمِ، فَقِيلَ: وقْتُ القَبْضِ، وقِيلَ: وقْتُ الحُكْمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكُمْ" إشارَةٌ إلى السَعْيِ وتَرْكِ البَيْعِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "فانْتَشِرُوا" أجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ مُقْتَضى هَذا الأمْرِ الإباحَةُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ أنَّهُ لِلْإباحَةِ في طَلَبِ المَعاشِ، وأنَّ ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢]، إلّا ما رُوِيَ عن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ذَلِكَ الفَضْلُ المُبْتَغى هو عِيادَةُ مَرِيضٍ أو صِلَةُ صَدِيقٍ أوِ اتِّباعُ جَنازَةٍ"». قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المَرْءُ بَقِيَّةَ يَوْمِ الجُمْعَةَ، ويَكُونُ تَخَيُّرُهُ صُبْحَ يَوْمِ (p-٣٠٥)السَبْتَ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصادِقُ، وقالَ مَكْحُولٌ: الفَضْلُ المُبْتَغى العِلْمُ، فَيَنْبَغِي أنْ يَطْلُبَ إثْرَ الجُمْعَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوا تِجارَةً أو لَهْوًا﴾، الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ قائِمًا عَلى المِنبَرِ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ، فَأقْبَلَتْ عِيرٌ مِنَ الشامِ تَحْمِلُ مِيرَةً، وصاحِبُ أمْرِها دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الكَلْبِيُّ، قالَ مُجاهِدٌ: وكانَ مِن عُرْفِهِمْ أنَّ تَدْخُلَ العِيرُ المَدِينَةَ بِالطَبْلِ والمَعازِفِ والصِياحُ مِن ورائِها، فَدَخَلَتِ العِيرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فانْفَضَّ أهْلُ المَسْجِدِ إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ وسَماعِهِ، وتَرَكُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ قائِمًا عَلى المِنبَرِ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنا أحَدُهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ تَمُرَّ بِي تَسْمِيَتُهم في دِيوانٍ فِيما أذْكُرُهُ، إلّا إنِّي سَمِعْتُ أبِي رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَقُولُ: هُمُ العَشْرَةُ المَشْهُودُ لَهم بِالجَنَّةِ، واخْتُلِفَ في الحادِي عَشَرَ، فَقِيلَ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقِيلَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: بَقِيَ مَعَهُ ثَمانِيَةُ نَفَرٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْلا هَؤُلاءِ لَقَدْ كانَتِ الحِجارَةُ سُوِّمَتْ عَلى المُنْفَضِّينَ مِنَ السَماءِ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ولَوْ تَتابَعْتُمْ حَتّى لا يَبْقى مِنكم أحَدٌ لَسالَ عَلَيْكُمُ الوادِي نارًا"،» وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ لِأنَّ قُدُومَ العِيرِ كانَ يُوافِقُ يَوْمَ الجُمْعَةَ، بِسَبَبِ أنَّ المَراحِلَ كانَتْ تُعْطِي ذَلِكَ، وقالَ تَعالى: "إلَيْها" ولَمْ يَقُلْ: "إلَيْهِما" (p-٣٠٦)تَقْدِيمًا لِلْأهَمِّ، إذْ كانَتْ هي سَبَبُ اللهْوِ ولَمْ يَكُنِ اللهْوُ سَبَبَها، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمِنَ التِجارَةِ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا واللهُ خَيْرُ الرازِقِينَ". وتَأمَّلْ إنْ قُدِّمَتِ التِجارَةُ مَعَ الرُؤْيَةِ لِأنَّها أهَمُّ، وأُخِّرَتْ مَعَ التَفْضِيلِ لِتَقَعَ النَفْسُ أوَّلًا عَلى الأبْيَنِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ قِيامُ الخَطِيبِ، وأوَّلُ مَنِ اسْتَراحَ في الخُطْبَةِ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ:، وأوَّلُ مَن خَطَبَ جالِسًا مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ. و"الرازِقُ" صِفَةُ فِعْلٍ، وقَدْ يَتَّصِفُ بِها بَعْضُ البَشَرِ تَجَوُّزًا إذا كانَ سَبَبَ رِزْقِ الحَيَوانِ، واللهُ تَعالى خَيْرُ الرازِقِينَ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجُمْعَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الجمعة 62:11

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ واذْكُرُوا اللهِ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَإذا رَأوا تِجارَةً أو لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ ومِنَ التِجارَةِ واللهُ خَيْرٌ الرازِقِينَ﴾ (p-٣٠٣)النِداءُ بِالجُمْعَةِ هو في ناحِيَةٍ مِنَ المَسْجِدِ، وكانَ عَلى الجِدارِ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقالَ السائِبُ بْنُ يَزِيدَ: كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مُؤَذِّنٌ واحِدٌ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وفي مُصْحَفِ أبِي داوُدَ: كانَ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى مِنبَرِ أذانٍ، وهو الَّذِي اسْتَعْمَلَ بَنُو أُمِّيَّةَ، وبَقِيَ بِقُرْطُبَةَ إلى الآنَ، ثُمَّ زادَ عُثْمانُ النِداءَ عَلى الزَوْراءِ لِيُسْمِعَ الناسَ، فَقَوْمٌ عَبَّرُوا عن زِيادَةِ عُثْمانَ بِالثانِي كَأنَّهم لَمْ يَعْتَدُّوا الَّذِي كانَ بَيْنَ يَدَيِ النَبِيِّ ﷺ، وقَوْمٌ عَبَّرُوا عنهُ بِالثالِثِ. وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ والأعْمَشُ: "الجُمْعَةُ" بِإسْكانِ المِيمِ، وهي لُغَةٌ. والمَأْمُورُ بِالسَعْي هو المُؤْمِنُ الصَحِيحُ البالِغُ الحُرُّ الذَكَرُ، ولا جُمْعَةَ عَلى مُسافِرٍ في طاعَةٍ، فَإنْ حَضَرَها أحْسَنَ وأجْزَأتْهُ، واخْتَلَفَ الناسُ في الحَدِّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ السَعْيُ، فَقالَ مالِكٌ: ثَلاثَةُ أمْيالٍ مِن مَنزِلِ الساعِي إلى المُنادِي، وقالَ فَرِيقٌ: مِن مَنزِلِ الساعِي إلى أوَّلِ المَدِينَةِ الَّتِي فِيها النِداءُ، وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: يَلْزَمُ أهْلَ المَدِينَةِ كُلِّها السَعْيُ مَن سَمِعَ النِداءَ ومَن لَمْ يَسْمَعْ وإنْ كانَتْ أقْطارُها فَوْقَ ثَلاثَةِ أمْيالٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ولا يَلْزَمُ مِن مَنزِلِهِ خارِجَ المَدِينَةِ كَزُرارَةَ مِنَ الكُوفَةِ، وإنَّما بَيْنُهُما مَجْرى نَهْرٍ، ولا تَجُوزُ لَهم إقامَتُها لِأنَّ مِن شُرُوطِها الجامِعُ والسُلْطانُ القاهِرُ والسُوقُ القائِمَةُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: السَعْيُ مِن خَمْسَةِ أمْيالٍ، وقالَ الزَهْرِيُّ: مِن سِتَّةِ أمْيالٍ، وقالَ أيْضًا: مِن أرْبَعَةِ أمْيالٍ، وقالَهُ ابْنُ المُنْكَدِرِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ حَنْبَلٍ: إنَّما يَلْزَمُ السَعْيُ مَن سَمِعَ النِداءَ، وفي هَذا نَظَرٌ. والسَعْيُ في الآيَةِ لَيْسَ الإسْراعُ في المَشْيِ كالسَعْيِ بَيْنَ الصَفا والمَرْوَةَ، وإنَّما هو بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩]، فالقِيامُ والوُضُوءُ ولُبْسُ الثَوْبِ والمَشْيُ سَعْيٌ كُلُّهُ إلى ذِكْرِ اللهِ تَعالى، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، وغَيْرُهُمْ: إنَّما (p-٣٠٤)تُؤْتى الصَلاةُ بِالسَكِينَةِ، فالسَعْيُ هو بِالنِيَّةِ والإرادَةِ والعَمَلِ، و"الذِكْرُ" هو وعْظُ الخُطْبَةِ، قالَهُ ابْنُ المُسَيِّبِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ المَلائِكَةَ عَلى أبْوابِ المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمْعَةَ، يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فالأوَّلَ، إذا خَرَجَ الإمامُ طُوِيَتِ الصُحُفُ وجَلَسَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِكْرَ"،» والخُطْبَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ شَرْطٌ في انْعِقادِ الجُمْعَةِ، وقالَ الحَسَنُ: وهي مُسْتَحَبَّةٌ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وجَماعَةٌ مِنَ التابِعِينَ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ: "فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللهِ"، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ قَرَأْتَ: "فاسْعَوْا" لَأسْرَعْتُ حَتّى يَقَعَ رِدائِي. واخْتَلَفَ الناسُ فِي: البَيْعِ في الوَقْتِ المَنهِيِّ عنهُ إذا وقَعَ: ما الحُكْمُ فِيهِ؟ بَعْدَ إجْماعِهِمْ عَلى وُجُوبِ امْتِناعِهِ بَدْءًا، فَقالَ الشافِعِيُّ: يَمْضِي، وقالَ مُرَّةُ: يُفْسَخُ ما لَمْ يَفُتْ، فَإنْ فاتَ مَضى. وقالَ مالِكٌ: يُفْسَخُ ما لَمْ يَفُتْ، فَإنْ فاتَ أصْلَحَ بِالقِيمَةِ، واخْتُلِفَ في وقْتِ التَقْوِيمِ، فَقِيلَ: وقْتُ القَبْضِ، وقِيلَ: وقْتُ الحُكْمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكُمْ" إشارَةٌ إلى السَعْيِ وتَرْكِ البَيْعِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "فانْتَشِرُوا" أجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ مُقْتَضى هَذا الأمْرِ الإباحَةُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ أنَّهُ لِلْإباحَةِ في طَلَبِ المَعاشِ، وأنَّ ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢]، إلّا ما رُوِيَ عن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ذَلِكَ الفَضْلُ المُبْتَغى هو عِيادَةُ مَرِيضٍ أو صِلَةُ صَدِيقٍ أوِ اتِّباعُ جَنازَةٍ"». قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المَرْءُ بَقِيَّةَ يَوْمِ الجُمْعَةَ، ويَكُونُ تَخَيُّرُهُ صُبْحَ يَوْمِ (p-٣٠٥)السَبْتَ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصادِقُ، وقالَ مَكْحُولٌ: الفَضْلُ المُبْتَغى العِلْمُ، فَيَنْبَغِي أنْ يَطْلُبَ إثْرَ الجُمْعَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوا تِجارَةً أو لَهْوًا﴾، الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ قائِمًا عَلى المِنبَرِ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ، فَأقْبَلَتْ عِيرٌ مِنَ الشامِ تَحْمِلُ مِيرَةً، وصاحِبُ أمْرِها دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الكَلْبِيُّ، قالَ مُجاهِدٌ: وكانَ مِن عُرْفِهِمْ أنَّ تَدْخُلَ العِيرُ المَدِينَةَ بِالطَبْلِ والمَعازِفِ والصِياحُ مِن ورائِها، فَدَخَلَتِ العِيرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فانْفَضَّ أهْلُ المَسْجِدِ إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ وسَماعِهِ، وتَرَكُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ قائِمًا عَلى المِنبَرِ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنا أحَدُهم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ تَمُرَّ بِي تَسْمِيَتُهم في دِيوانٍ فِيما أذْكُرُهُ، إلّا إنِّي سَمِعْتُ أبِي رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَقُولُ: هُمُ العَشْرَةُ المَشْهُودُ لَهم بِالجَنَّةِ، واخْتُلِفَ في الحادِي عَشَرَ، فَقِيلَ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقِيلَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: بَقِيَ مَعَهُ ثَمانِيَةُ نَفَرٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لَوْلا هَؤُلاءِ لَقَدْ كانَتِ الحِجارَةُ سُوِّمَتْ عَلى المُنْفَضِّينَ مِنَ السَماءِ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ولَوْ تَتابَعْتُمْ حَتّى لا يَبْقى مِنكم أحَدٌ لَسالَ عَلَيْكُمُ الوادِي نارًا"،» وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ لِأنَّ قُدُومَ العِيرِ كانَ يُوافِقُ يَوْمَ الجُمْعَةَ، بِسَبَبِ أنَّ المَراحِلَ كانَتْ تُعْطِي ذَلِكَ، وقالَ تَعالى: "إلَيْها" ولَمْ يَقُلْ: "إلَيْهِما" (p-٣٠٦)تَقْدِيمًا لِلْأهَمِّ، إذْ كانَتْ هي سَبَبُ اللهْوِ ولَمْ يَكُنِ اللهْوُ سَبَبَها، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمِنَ التِجارَةِ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا واللهُ خَيْرُ الرازِقِينَ". وتَأمَّلْ إنْ قُدِّمَتِ التِجارَةُ مَعَ الرُؤْيَةِ لِأنَّها أهَمُّ، وأُخِّرَتْ مَعَ التَفْضِيلِ لِتَقَعَ النَفْسُ أوَّلًا عَلى الأبْيَنِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ قِيامُ الخَطِيبِ، وأوَّلُ مَنِ اسْتَراحَ في الخُطْبَةِ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ:، وأوَّلُ مَن خَطَبَ جالِسًا مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ. و"الرازِقُ" صِفَةُ فِعْلٍ، وقَدْ يَتَّصِفُ بِها بَعْضُ البَشَرِ تَجَوُّزًا إذا كانَ سَبَبَ رِزْقِ الحَيَوانِ، واللهُ تَعالى خَيْرُ الرازِقِينَ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجُمْعَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

المنافقون 63:1

(p-٣٠٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُنافِقُونَ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ، وذَلِكَ أنَّها نَزَلَتْ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ بِسَبَبِ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ كانَ مِنهُ في تِلْكَ الغَزْوَةِ أقْوالٌ، وكانَ لَهُ أتْباعٌ يَقُولُونَ قَوْلَهُ، فَنَزَلَتِ السُورَةُ كُلُّها بِسَبَبِ ذَلِكَ، ذَكَرَ اللهُ تَعالى فِيها ما تَقَدَّمَ مِنَ المُنافِقِينَ مِن حِلْفِهِمْ وشَهادَتِهِمْ في الظاهِرِ بِالإيمانِ، وأنَّهم كَذَبَةٌ، وذَكْرَ تَعالى فِيها ما تَأخَّرَ مِنهم ووَقَعَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ فَصْلًا فَصْلًا عِنْدَ تَفْسِيرِ الآياتِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ واللهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهم قاتَلَهُمُ اللهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ فَضَحَ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ سَرِيرَةُ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ، وهم في إخْبارِهِمْ هَذا كاذِبُونَ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الكَذِبِ أنْ يُخْبِرَ الإنْسانُ بِضِدٍّ ما في قَلْبِهِ، وكُسِرَتِ الألِفُ مِن "إنَّ" في الثَلاثَةِ لِدُخُولِ اللامِ المُؤَكِّدَةِ في الخَبَرِ وذَلِكَ لا يَكُونُ مَعَ المَفْتُوحَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَشْهَدُ" وما جَرى مَجْراها مِن أفْعالِ اليَقِينِ والعِلْمِ تُجابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، وهي بِمَنزِلَةِ القَسَمِ. وقَرَأ الناسُ: "أيْمانَهُمْ" جَمْعُ يَمِينٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ-: (p-٣٠٨)"إيمانُهُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، أيْ: هَذا الَّذِي تَظْهَرُونَ، وهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: إظْهارٌ، و"الجَنَّةُ": ما يُتَسَتَّرُ بِهِ في الأجْرامِ والمَعانِي، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَصَدُّوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، تَقُولُ: "صَدَّ زَيْدٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا كَما قالَ: ؎ صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو............... فالمَعْنى: صَدُّوا غَيْرَهم مِمَّنْ كانَ يُرِيدُ الإيمانَ، أو مِنَ المُؤْمِنِينَ في أنْ يُقاتِلُوهم أو يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ، وتِلْكَ سَبِيلُ اللهِ تَعالى فِيهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى فِعْلِ اللهِ تَعالى في فَضِيحَتِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى سُوءِ ما عَمِلُوا، فالمَعْنى: ساءَ عَمَلُهم أنْ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: "آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا" إمّا أنْ يُرِيدَ بِهِ: مِنهم مَن كانَ آمَنَ ثُمَّ نافَقَ بَعْدَ صِحَّةٍ مِن إيمانِهِ، وقَدْ كانَ هَذا مَوْجُودًا، وإمّا أنْ يُرِيدَهم كُلَّهُمْ، فالمَعْنى: ذَلِكَ بِأنَّهم أظْهَرُوا الإيمانَ ثُمَّ كَفَرُوا في باطِنِ أمْرِهِمْ، فَسَمّى ذَلِكَ الإظْهارَ إيمانًا، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "فَطُبِعَ" بِضَمِّ الطاءِ عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ بِغَيْرِ إدْغامٍ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَطَبَعَ اللهُ"، وعَبَّرَ اللهُ تَعالى بِالطَبْعِ عَمّا خَلَقَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرَيْبِ والشَكِّ وخَتَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَصِيرِ إلى النارِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ، وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ تَوْبِيخٌ لَهُمْ: لِأنَّهم كانُوا رِجالًا أجْمَلَ شَيْءٍ وأفْصَحَهُ، فَكانَ مَنظَرُهم يَرُوقُ وقَوْلُهم يَخْلُبُ، لَكِنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَهم كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ إذْ لا أفْهامَ لَهم نافِعَةً، ولا نَظَرَ يُصِيبُ، فَذَلِكَ المَنظَرُ لا مُخْبِرَ لَهُ كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، إنَّما هي أجْرامٌ لا عُقُولَ لَها، مُعْتَمِدَةٌ عَلى غَيْرِها، (p-٣٠٩)لا تَثْبُتُ بِنَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "تُسانِدُ القَوْمَ" إذا اصْطَفَوْا وتَقابَلُوا لِلْقِتالِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُشَبِّهَ اصْطِفافَهم في الأنْدِيَةِ بِاصْطِفافِ الخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، وخُلُوِّهِمْ مِنَ الأفْهامِ النافِعَةِ بِخُلُوِّ الخُشُبِ مِن ذَلِكَ، وقالَ رَجُلٌ لِابْنِ سِيرِينَ: رَأيْتُنِي في النَوْمِ مُحْتَضِنًا خَشَبَةً، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ: أظُنُّكَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وتَلا: ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَطِيَّةُ: "يَسْمَعُ" بِالياءِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ: "خُشُبٌ" بِضَمِّ الخاءِ والشِينِ، وقَرَأ قَنْبَلٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "خُشْبٌ" بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واخْتِيارُ ابْنِ عُبَيْدٍ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: "خَشَبٌ" بِفَتْحِ الخاءِ والشِينِ، وذَلِكَ كُلُّهُ جَمْعُ "خَشَبَةٍ" بِفَتْحِ الخاءِ والشِينِ، فالقِراءَتانِ أوَّلًا كَما تَقُولُ: بَدَنَةٌ وبُدْنٌ وبُدُنٌ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ، والأخِيرَةُ عَلى البابِ في ثَمَرَةٍ وثَمَرٍ. وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ مِن أبْهى المُنافِقِينَ وأطْوَلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ قَمِيصٌ يَكْسُو العَبّاسَ رَضِيَ اللهُ عنهُ غَيْرَ قَمِيصِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ [البَقَرَةِ] تَحْرِيرُ أمْرِ المُنافِقِينَ وكَيْفَ سَتَرَهُمُ الإسْلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ فَضْحٌ أيْضًا لِما كانُوا يُسِرُّونَهُ مِنَ الخَوْفِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَوَقَّعُونَ أنْ يَأْمُرَ النَبِيُّ ﷺ -عَنِ اللهِ- بِقَتْلِهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: فَكانُوا مَتى سَمِعُوا نُشْدانَ ضالَّةٍ، أو صِياحًا بِأيِّ وجْهٍ كانَ، أو أخْبَرُوا بِنُزُولِ وحْيٍ طارَتْ قُلُوبُهم وطاشَتْ عُقُولُهم حَتّى يَسْكُنَ ذَلِكَ ويَكُونُ في غَيْرِ شَأْنِهِمْ، وجَرى هَذا اللَفْظُ مَثَلًا في الخائِفِ، ونَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ يُرَوِّعُهُ السِرارُ بِكُلِّ أرْضٍ ∗∗∗ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ بِهِ السِرارُ وقَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ ما زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهم ∗∗∗ خَيْلًا تَكِرُّ عَلَيْهِمْ ورِجالًا (p-٣١٠)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم هُمُ العَدُوُّ، وحَذَّرَ مِنهُمْ، و"العَدُوُّ" يَقَعُ لِلْواحِدِ ولِلْجَمْعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "قاتَلَهُمُ اللهُ" دُعاءٌ يَتَضَمَّنُ الإقْصاءَ والمُنابَذَةَ، وتَمَنِّي الشَرَّ لَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنّى يُؤْفَكُونَ" مَعْناهُ: يُصْرَفُونَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنّى" اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ تَعالى: قالَ كَيْفَ يُصْرَفُونَ؟ أو: لِأيِّ سَبَبٍ لا يَرَوْنَ رُشْدَ أنْفُسِهِمْ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنّى" ظَرْفًا لـ "قاتَلَهُمُ" كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قاتَلَهُمُ اللهُ كَيْفَ انْصَرَفُوا وصُرِفُوا، فَلا يَكُونُ في القَوْلِ اسْتِفْهامٌ عَلى هَذا.

المنافقون 63:2

(p-٣٠٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُنافِقُونَ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ، وذَلِكَ أنَّها نَزَلَتْ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ بِسَبَبِ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ كانَ مِنهُ في تِلْكَ الغَزْوَةِ أقْوالٌ، وكانَ لَهُ أتْباعٌ يَقُولُونَ قَوْلَهُ، فَنَزَلَتِ السُورَةُ كُلُّها بِسَبَبِ ذَلِكَ، ذَكَرَ اللهُ تَعالى فِيها ما تَقَدَّمَ مِنَ المُنافِقِينَ مِن حِلْفِهِمْ وشَهادَتِهِمْ في الظاهِرِ بِالإيمانِ، وأنَّهم كَذَبَةٌ، وذَكْرَ تَعالى فِيها ما تَأخَّرَ مِنهم ووَقَعَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ فَصْلًا فَصْلًا عِنْدَ تَفْسِيرِ الآياتِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ واللهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهم قاتَلَهُمُ اللهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ فَضَحَ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ سَرِيرَةُ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ، وهم في إخْبارِهِمْ هَذا كاذِبُونَ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الكَذِبِ أنْ يُخْبِرَ الإنْسانُ بِضِدٍّ ما في قَلْبِهِ، وكُسِرَتِ الألِفُ مِن "إنَّ" في الثَلاثَةِ لِدُخُولِ اللامِ المُؤَكِّدَةِ في الخَبَرِ وذَلِكَ لا يَكُونُ مَعَ المَفْتُوحَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَشْهَدُ" وما جَرى مَجْراها مِن أفْعالِ اليَقِينِ والعِلْمِ تُجابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، وهي بِمَنزِلَةِ القَسَمِ. وقَرَأ الناسُ: "أيْمانَهُمْ" جَمْعُ يَمِينٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ-: (p-٣٠٨)"إيمانُهُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، أيْ: هَذا الَّذِي تَظْهَرُونَ، وهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: إظْهارٌ، و"الجَنَّةُ": ما يُتَسَتَّرُ بِهِ في الأجْرامِ والمَعانِي، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَصَدُّوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، تَقُولُ: "صَدَّ زَيْدٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا كَما قالَ: ؎ صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو............... فالمَعْنى: صَدُّوا غَيْرَهم مِمَّنْ كانَ يُرِيدُ الإيمانَ، أو مِنَ المُؤْمِنِينَ في أنْ يُقاتِلُوهم أو يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ، وتِلْكَ سَبِيلُ اللهِ تَعالى فِيهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى فِعْلِ اللهِ تَعالى في فَضِيحَتِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى سُوءِ ما عَمِلُوا، فالمَعْنى: ساءَ عَمَلُهم أنْ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: "آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا" إمّا أنْ يُرِيدَ بِهِ: مِنهم مَن كانَ آمَنَ ثُمَّ نافَقَ بَعْدَ صِحَّةٍ مِن إيمانِهِ، وقَدْ كانَ هَذا مَوْجُودًا، وإمّا أنْ يُرِيدَهم كُلَّهُمْ، فالمَعْنى: ذَلِكَ بِأنَّهم أظْهَرُوا الإيمانَ ثُمَّ كَفَرُوا في باطِنِ أمْرِهِمْ، فَسَمّى ذَلِكَ الإظْهارَ إيمانًا، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "فَطُبِعَ" بِضَمِّ الطاءِ عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ بِغَيْرِ إدْغامٍ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَطَبَعَ اللهُ"، وعَبَّرَ اللهُ تَعالى بِالطَبْعِ عَمّا خَلَقَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرَيْبِ والشَكِّ وخَتَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَصِيرِ إلى النارِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ، وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ تَوْبِيخٌ لَهُمْ: لِأنَّهم كانُوا رِجالًا أجْمَلَ شَيْءٍ وأفْصَحَهُ، فَكانَ مَنظَرُهم يَرُوقُ وقَوْلُهم يَخْلُبُ، لَكِنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَهم كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ إذْ لا أفْهامَ لَهم نافِعَةً، ولا نَظَرَ يُصِيبُ، فَذَلِكَ المَنظَرُ لا مُخْبِرَ لَهُ كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، إنَّما هي أجْرامٌ لا عُقُولَ لَها، مُعْتَمِدَةٌ عَلى غَيْرِها، (p-٣٠٩)لا تَثْبُتُ بِنَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "تُسانِدُ القَوْمَ" إذا اصْطَفَوْا وتَقابَلُوا لِلْقِتالِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُشَبِّهَ اصْطِفافَهم في الأنْدِيَةِ بِاصْطِفافِ الخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، وخُلُوِّهِمْ مِنَ الأفْهامِ النافِعَةِ بِخُلُوِّ الخُشُبِ مِن ذَلِكَ، وقالَ رَجُلٌ لِابْنِ سِيرِينَ: رَأيْتُنِي في النَوْمِ مُحْتَضِنًا خَشَبَةً، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ: أظُنُّكَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وتَلا: ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَطِيَّةُ: "يَسْمَعُ" بِالياءِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ: "خُشُبٌ" بِضَمِّ الخاءِ والشِينِ، وقَرَأ قَنْبَلٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "خُشْبٌ" بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واخْتِيارُ ابْنِ عُبَيْدٍ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: "خَشَبٌ" بِفَتْحِ الخاءِ والشِينِ، وذَلِكَ كُلُّهُ جَمْعُ "خَشَبَةٍ" بِفَتْحِ الخاءِ والشِينِ، فالقِراءَتانِ أوَّلًا كَما تَقُولُ: بَدَنَةٌ وبُدْنٌ وبُدُنٌ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ، والأخِيرَةُ عَلى البابِ في ثَمَرَةٍ وثَمَرٍ. وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ مِن أبْهى المُنافِقِينَ وأطْوَلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ قَمِيصٌ يَكْسُو العَبّاسَ رَضِيَ اللهُ عنهُ غَيْرَ قَمِيصِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ [البَقَرَةِ] تَحْرِيرُ أمْرِ المُنافِقِينَ وكَيْفَ سَتَرَهُمُ الإسْلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ فَضْحٌ أيْضًا لِما كانُوا يُسِرُّونَهُ مِنَ الخَوْفِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَوَقَّعُونَ أنْ يَأْمُرَ النَبِيُّ ﷺ -عَنِ اللهِ- بِقَتْلِهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: فَكانُوا مَتى سَمِعُوا نُشْدانَ ضالَّةٍ، أو صِياحًا بِأيِّ وجْهٍ كانَ، أو أخْبَرُوا بِنُزُولِ وحْيٍ طارَتْ قُلُوبُهم وطاشَتْ عُقُولُهم حَتّى يَسْكُنَ ذَلِكَ ويَكُونُ في غَيْرِ شَأْنِهِمْ، وجَرى هَذا اللَفْظُ مَثَلًا في الخائِفِ، ونَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ يُرَوِّعُهُ السِرارُ بِكُلِّ أرْضٍ ∗∗∗ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ بِهِ السِرارُ وقَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ ما زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهم ∗∗∗ خَيْلًا تَكِرُّ عَلَيْهِمْ ورِجالًا (p-٣١٠)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم هُمُ العَدُوُّ، وحَذَّرَ مِنهُمْ، و"العَدُوُّ" يَقَعُ لِلْواحِدِ ولِلْجَمْعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "قاتَلَهُمُ اللهُ" دُعاءٌ يَتَضَمَّنُ الإقْصاءَ والمُنابَذَةَ، وتَمَنِّي الشَرَّ لَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنّى يُؤْفَكُونَ" مَعْناهُ: يُصْرَفُونَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنّى" اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ تَعالى: قالَ كَيْفَ يُصْرَفُونَ؟ أو: لِأيِّ سَبَبٍ لا يَرَوْنَ رُشْدَ أنْفُسِهِمْ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنّى" ظَرْفًا لـ "قاتَلَهُمُ" كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قاتَلَهُمُ اللهُ كَيْفَ انْصَرَفُوا وصُرِفُوا، فَلا يَكُونُ في القَوْلِ اسْتِفْهامٌ عَلى هَذا.

المنافقون 63:3

(p-٣٠٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُنافِقُونَ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ، وذَلِكَ أنَّها نَزَلَتْ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ بِسَبَبِ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ كانَ مِنهُ في تِلْكَ الغَزْوَةِ أقْوالٌ، وكانَ لَهُ أتْباعٌ يَقُولُونَ قَوْلَهُ، فَنَزَلَتِ السُورَةُ كُلُّها بِسَبَبِ ذَلِكَ، ذَكَرَ اللهُ تَعالى فِيها ما تَقَدَّمَ مِنَ المُنافِقِينَ مِن حِلْفِهِمْ وشَهادَتِهِمْ في الظاهِرِ بِالإيمانِ، وأنَّهم كَذَبَةٌ، وذَكْرَ تَعالى فِيها ما تَأخَّرَ مِنهم ووَقَعَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ فَصْلًا فَصْلًا عِنْدَ تَفْسِيرِ الآياتِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ واللهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهم قاتَلَهُمُ اللهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ فَضَحَ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ سَرِيرَةُ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ، وهم في إخْبارِهِمْ هَذا كاذِبُونَ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الكَذِبِ أنْ يُخْبِرَ الإنْسانُ بِضِدٍّ ما في قَلْبِهِ، وكُسِرَتِ الألِفُ مِن "إنَّ" في الثَلاثَةِ لِدُخُولِ اللامِ المُؤَكِّدَةِ في الخَبَرِ وذَلِكَ لا يَكُونُ مَعَ المَفْتُوحَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَشْهَدُ" وما جَرى مَجْراها مِن أفْعالِ اليَقِينِ والعِلْمِ تُجابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، وهي بِمَنزِلَةِ القَسَمِ. وقَرَأ الناسُ: "أيْمانَهُمْ" جَمْعُ يَمِينٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ-: (p-٣٠٨)"إيمانُهُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، أيْ: هَذا الَّذِي تَظْهَرُونَ، وهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: إظْهارٌ، و"الجَنَّةُ": ما يُتَسَتَّرُ بِهِ في الأجْرامِ والمَعانِي، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَصَدُّوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، تَقُولُ: "صَدَّ زَيْدٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا كَما قالَ: ؎ صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو............... فالمَعْنى: صَدُّوا غَيْرَهم مِمَّنْ كانَ يُرِيدُ الإيمانَ، أو مِنَ المُؤْمِنِينَ في أنْ يُقاتِلُوهم أو يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ، وتِلْكَ سَبِيلُ اللهِ تَعالى فِيهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى فِعْلِ اللهِ تَعالى في فَضِيحَتِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى سُوءِ ما عَمِلُوا، فالمَعْنى: ساءَ عَمَلُهم أنْ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: "آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا" إمّا أنْ يُرِيدَ بِهِ: مِنهم مَن كانَ آمَنَ ثُمَّ نافَقَ بَعْدَ صِحَّةٍ مِن إيمانِهِ، وقَدْ كانَ هَذا مَوْجُودًا، وإمّا أنْ يُرِيدَهم كُلَّهُمْ، فالمَعْنى: ذَلِكَ بِأنَّهم أظْهَرُوا الإيمانَ ثُمَّ كَفَرُوا في باطِنِ أمْرِهِمْ، فَسَمّى ذَلِكَ الإظْهارَ إيمانًا، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "فَطُبِعَ" بِضَمِّ الطاءِ عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ بِغَيْرِ إدْغامٍ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَطَبَعَ اللهُ"، وعَبَّرَ اللهُ تَعالى بِالطَبْعِ عَمّا خَلَقَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرَيْبِ والشَكِّ وخَتَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَصِيرِ إلى النارِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ، وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ تَوْبِيخٌ لَهُمْ: لِأنَّهم كانُوا رِجالًا أجْمَلَ شَيْءٍ وأفْصَحَهُ، فَكانَ مَنظَرُهم يَرُوقُ وقَوْلُهم يَخْلُبُ، لَكِنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَهم كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ إذْ لا أفْهامَ لَهم نافِعَةً، ولا نَظَرَ يُصِيبُ، فَذَلِكَ المَنظَرُ لا مُخْبِرَ لَهُ كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، إنَّما هي أجْرامٌ لا عُقُولَ لَها، مُعْتَمِدَةٌ عَلى غَيْرِها، (p-٣٠٩)لا تَثْبُتُ بِنَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "تُسانِدُ القَوْمَ" إذا اصْطَفَوْا وتَقابَلُوا لِلْقِتالِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُشَبِّهَ اصْطِفافَهم في الأنْدِيَةِ بِاصْطِفافِ الخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، وخُلُوِّهِمْ مِنَ الأفْهامِ النافِعَةِ بِخُلُوِّ الخُشُبِ مِن ذَلِكَ، وقالَ رَجُلٌ لِابْنِ سِيرِينَ: رَأيْتُنِي في النَوْمِ مُحْتَضِنًا خَشَبَةً، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ: أظُنُّكَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وتَلا: ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَطِيَّةُ: "يَسْمَعُ" بِالياءِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ: "خُشُبٌ" بِضَمِّ الخاءِ والشِينِ، وقَرَأ قَنْبَلٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "خُشْبٌ" بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واخْتِيارُ ابْنِ عُبَيْدٍ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: "خَشَبٌ" بِفَتْحِ الخاءِ والشِينِ، وذَلِكَ كُلُّهُ جَمْعُ "خَشَبَةٍ" بِفَتْحِ الخاءِ والشِينِ، فالقِراءَتانِ أوَّلًا كَما تَقُولُ: بَدَنَةٌ وبُدْنٌ وبُدُنٌ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ، والأخِيرَةُ عَلى البابِ في ثَمَرَةٍ وثَمَرٍ. وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ مِن أبْهى المُنافِقِينَ وأطْوَلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ قَمِيصٌ يَكْسُو العَبّاسَ رَضِيَ اللهُ عنهُ غَيْرَ قَمِيصِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ [البَقَرَةِ] تَحْرِيرُ أمْرِ المُنافِقِينَ وكَيْفَ سَتَرَهُمُ الإسْلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ فَضْحٌ أيْضًا لِما كانُوا يُسِرُّونَهُ مِنَ الخَوْفِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَوَقَّعُونَ أنْ يَأْمُرَ النَبِيُّ ﷺ -عَنِ اللهِ- بِقَتْلِهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: فَكانُوا مَتى سَمِعُوا نُشْدانَ ضالَّةٍ، أو صِياحًا بِأيِّ وجْهٍ كانَ، أو أخْبَرُوا بِنُزُولِ وحْيٍ طارَتْ قُلُوبُهم وطاشَتْ عُقُولُهم حَتّى يَسْكُنَ ذَلِكَ ويَكُونُ في غَيْرِ شَأْنِهِمْ، وجَرى هَذا اللَفْظُ مَثَلًا في الخائِفِ، ونَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ يُرَوِّعُهُ السِرارُ بِكُلِّ أرْضٍ ∗∗∗ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ بِهِ السِرارُ وقَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ ما زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهم ∗∗∗ خَيْلًا تَكِرُّ عَلَيْهِمْ ورِجالًا (p-٣١٠)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم هُمُ العَدُوُّ، وحَذَّرَ مِنهُمْ، و"العَدُوُّ" يَقَعُ لِلْواحِدِ ولِلْجَمْعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "قاتَلَهُمُ اللهُ" دُعاءٌ يَتَضَمَّنُ الإقْصاءَ والمُنابَذَةَ، وتَمَنِّي الشَرَّ لَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنّى يُؤْفَكُونَ" مَعْناهُ: يُصْرَفُونَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنّى" اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ تَعالى: قالَ كَيْفَ يُصْرَفُونَ؟ أو: لِأيِّ سَبَبٍ لا يَرَوْنَ رُشْدَ أنْفُسِهِمْ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنّى" ظَرْفًا لـ "قاتَلَهُمُ" كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قاتَلَهُمُ اللهُ كَيْفَ انْصَرَفُوا وصُرِفُوا، فَلا يَكُونُ في القَوْلِ اسْتِفْهامٌ عَلى هَذا.

المنافقون 63:4

(p-٣٠٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُنافِقُونَ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ، وذَلِكَ أنَّها نَزَلَتْ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ بِسَبَبِ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ كانَ مِنهُ في تِلْكَ الغَزْوَةِ أقْوالٌ، وكانَ لَهُ أتْباعٌ يَقُولُونَ قَوْلَهُ، فَنَزَلَتِ السُورَةُ كُلُّها بِسَبَبِ ذَلِكَ، ذَكَرَ اللهُ تَعالى فِيها ما تَقَدَّمَ مِنَ المُنافِقِينَ مِن حِلْفِهِمْ وشَهادَتِهِمْ في الظاهِرِ بِالإيمانِ، وأنَّهم كَذَبَةٌ، وذَكْرَ تَعالى فِيها ما تَأخَّرَ مِنهم ووَقَعَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ فَصْلًا فَصْلًا عِنْدَ تَفْسِيرِ الآياتِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ واللهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهم قاتَلَهُمُ اللهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ فَضَحَ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ سَرِيرَةُ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ، وهم في إخْبارِهِمْ هَذا كاذِبُونَ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الكَذِبِ أنْ يُخْبِرَ الإنْسانُ بِضِدٍّ ما في قَلْبِهِ، وكُسِرَتِ الألِفُ مِن "إنَّ" في الثَلاثَةِ لِدُخُولِ اللامِ المُؤَكِّدَةِ في الخَبَرِ وذَلِكَ لا يَكُونُ مَعَ المَفْتُوحَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَشْهَدُ" وما جَرى مَجْراها مِن أفْعالِ اليَقِينِ والعِلْمِ تُجابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، وهي بِمَنزِلَةِ القَسَمِ. وقَرَأ الناسُ: "أيْمانَهُمْ" جَمْعُ يَمِينٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ-: (p-٣٠٨)"إيمانُهُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، أيْ: هَذا الَّذِي تَظْهَرُونَ، وهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: إظْهارٌ، و"الجَنَّةُ": ما يُتَسَتَّرُ بِهِ في الأجْرامِ والمَعانِي، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَصَدُّوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، تَقُولُ: "صَدَّ زَيْدٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا كَما قالَ: ؎ صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو............... فالمَعْنى: صَدُّوا غَيْرَهم مِمَّنْ كانَ يُرِيدُ الإيمانَ، أو مِنَ المُؤْمِنِينَ في أنْ يُقاتِلُوهم أو يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ، وتِلْكَ سَبِيلُ اللهِ تَعالى فِيهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى فِعْلِ اللهِ تَعالى في فَضِيحَتِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى سُوءِ ما عَمِلُوا، فالمَعْنى: ساءَ عَمَلُهم أنْ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: "آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا" إمّا أنْ يُرِيدَ بِهِ: مِنهم مَن كانَ آمَنَ ثُمَّ نافَقَ بَعْدَ صِحَّةٍ مِن إيمانِهِ، وقَدْ كانَ هَذا مَوْجُودًا، وإمّا أنْ يُرِيدَهم كُلَّهُمْ، فالمَعْنى: ذَلِكَ بِأنَّهم أظْهَرُوا الإيمانَ ثُمَّ كَفَرُوا في باطِنِ أمْرِهِمْ، فَسَمّى ذَلِكَ الإظْهارَ إيمانًا، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "فَطُبِعَ" بِضَمِّ الطاءِ عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ بِغَيْرِ إدْغامٍ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَطَبَعَ اللهُ"، وعَبَّرَ اللهُ تَعالى بِالطَبْعِ عَمّا خَلَقَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرَيْبِ والشَكِّ وخَتَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَصِيرِ إلى النارِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ، وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ تَوْبِيخٌ لَهُمْ: لِأنَّهم كانُوا رِجالًا أجْمَلَ شَيْءٍ وأفْصَحَهُ، فَكانَ مَنظَرُهم يَرُوقُ وقَوْلُهم يَخْلُبُ، لَكِنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَهم كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ إذْ لا أفْهامَ لَهم نافِعَةً، ولا نَظَرَ يُصِيبُ، فَذَلِكَ المَنظَرُ لا مُخْبِرَ لَهُ كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، إنَّما هي أجْرامٌ لا عُقُولَ لَها، مُعْتَمِدَةٌ عَلى غَيْرِها، (p-٣٠٩)لا تَثْبُتُ بِنَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "تُسانِدُ القَوْمَ" إذا اصْطَفَوْا وتَقابَلُوا لِلْقِتالِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُشَبِّهَ اصْطِفافَهم في الأنْدِيَةِ بِاصْطِفافِ الخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، وخُلُوِّهِمْ مِنَ الأفْهامِ النافِعَةِ بِخُلُوِّ الخُشُبِ مِن ذَلِكَ، وقالَ رَجُلٌ لِابْنِ سِيرِينَ: رَأيْتُنِي في النَوْمِ مُحْتَضِنًا خَشَبَةً، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ: أظُنُّكَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وتَلا: ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَطِيَّةُ: "يَسْمَعُ" بِالياءِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ: "خُشُبٌ" بِضَمِّ الخاءِ والشِينِ، وقَرَأ قَنْبَلٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "خُشْبٌ" بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واخْتِيارُ ابْنِ عُبَيْدٍ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: "خَشَبٌ" بِفَتْحِ الخاءِ والشِينِ، وذَلِكَ كُلُّهُ جَمْعُ "خَشَبَةٍ" بِفَتْحِ الخاءِ والشِينِ، فالقِراءَتانِ أوَّلًا كَما تَقُولُ: بَدَنَةٌ وبُدْنٌ وبُدُنٌ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ، والأخِيرَةُ عَلى البابِ في ثَمَرَةٍ وثَمَرٍ. وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ مِن أبْهى المُنافِقِينَ وأطْوَلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ قَمِيصٌ يَكْسُو العَبّاسَ رَضِيَ اللهُ عنهُ غَيْرَ قَمِيصِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ [البَقَرَةِ] تَحْرِيرُ أمْرِ المُنافِقِينَ وكَيْفَ سَتَرَهُمُ الإسْلامُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ فَضْحٌ أيْضًا لِما كانُوا يُسِرُّونَهُ مِنَ الخَوْفِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَوَقَّعُونَ أنْ يَأْمُرَ النَبِيُّ ﷺ -عَنِ اللهِ- بِقَتْلِهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: فَكانُوا مَتى سَمِعُوا نُشْدانَ ضالَّةٍ، أو صِياحًا بِأيِّ وجْهٍ كانَ، أو أخْبَرُوا بِنُزُولِ وحْيٍ طارَتْ قُلُوبُهم وطاشَتْ عُقُولُهم حَتّى يَسْكُنَ ذَلِكَ ويَكُونُ في غَيْرِ شَأْنِهِمْ، وجَرى هَذا اللَفْظُ مَثَلًا في الخائِفِ، ونَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ يُرَوِّعُهُ السِرارُ بِكُلِّ أرْضٍ ∗∗∗ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ بِهِ السِرارُ وقَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ ما زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهم ∗∗∗ خَيْلًا تَكِرُّ عَلَيْهِمْ ورِجالًا (p-٣١٠)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم هُمُ العَدُوُّ، وحَذَّرَ مِنهُمْ، و"العَدُوُّ" يَقَعُ لِلْواحِدِ ولِلْجَمْعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "قاتَلَهُمُ اللهُ" دُعاءٌ يَتَضَمَّنُ الإقْصاءَ والمُنابَذَةَ، وتَمَنِّي الشَرَّ لَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنّى يُؤْفَكُونَ" مَعْناهُ: يُصْرَفُونَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنّى" اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ تَعالى: قالَ كَيْفَ يُصْرَفُونَ؟ أو: لِأيِّ سَبَبٍ لا يَرَوْنَ رُشْدَ أنْفُسِهِمْ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنّى" ظَرْفًا لـ "قاتَلَهُمُ" كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قاتَلَهُمُ اللهُ كَيْفَ انْصَرَفُوا وصُرِفُوا، فَلا يَكُونُ في القَوْلِ اسْتِفْهامٌ عَلى هَذا.

المنافقون 63:5

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهم إنَّ اللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ولِلَّهِ خَزائِنُ السَماواتِ والأرْضِ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ كانَ أمْرُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ أنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَبَلَغَ الناسُ إلى ماءٍ سَبَقَ إلَيْهِ المُهاجِرُونَ، وكَأنَّهم غَلَبُوا الأنْصارَ عَلَيْهِ بَعْضَ الغَلَبَةِ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأصْحابِهِ: قَدْ كُنْتُ قُلْتُ لَكم في هَؤُلاءِ الجَلابِيبِ ما قُلْتُ فَلَمْ تَسْمَعُوا مِنِّي، وكانَ المُنافِقُونَ ومَن لا يَتَحَرّى، يُسَمُّونَ المُهاجِرِينَ رَضِيَ اللهُ عنهُمُ الجَلابِيبَ، ومِنهُ «قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ؎ أرى الجَلابِيبَ قَدْ عَزُّوا وقَدْ كَثُرُوا وابْنُ القُرَيْعَةِ أمْسى بَيْضَةَ البَلَدِ (p-٣١١)فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: أتَحُضُّ عَلَيْنا يا حَسّانُ ؟» ثُمَّ «إنَّ الجَهْجاهَ الغِفارِيَّ، كانَ أجِيرًا لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورَدَ الماءَ بِفَرَسٍ لِعُمَرَ، فازْدَحَمَ هو وسِنانُ بْنُ وبْرَةَ الجُهَنِيُّ -وَكانَ حَلِيفًا لِلْأوسِ-، فَكَسَعَ الجَهْجاهُ سِنانًا، فَغَضِبَ سِنانُ فَتَأثَّرُوا، ودَعا الجِهْجاهُ بِالمُهاجِرِينَ، ودَعا سِنانُ بِالأنْصارِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقالَ: "ما بالُ دَعْوى الجاهِلِيَّةِ"، فَلَمّا أخْبَرَ بِالقِصَّةِ قالَ: "دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ"، واجْتَمَعَ في الأمْرِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، وكانَ فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ فَتًى صَغِيرًا لَمْ يَتَحَفَّظْ مِنهُ-، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: أوَقَدْ تَداعَوْا عَلَيْنا؟ واللهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلّا كَما قالَ الأوَّلُ: "سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلُكَ"، وقالَ لَهُمْ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجْنَ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ، وقالَ لَهُمْ: إنَّما يُقِيمُ هَؤُلاءِ المُهاجِرُونَ مَعَ مُحَمَّدٍ بِسَبَبِ مَعُونَتِكم لَهم وإنْفاقِكم عَلَيْهِمْ، ولَوْ قَطَعْتُمْ ذَلِكَ عنهم لَفَرُّوا، فَذَهَبَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ إلى عَمِّهِ- وكانَ في حِجْرِهِ- وأخْبَرَهُ، فَأتى بِهِ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ، وقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "يا زَيْدُ، غَضِبْتَ عَلى الرَجُلِ، أو لَعَلَّكَ وُهِمْتَ"؟، فَأقْسَمَ زَيْدٌ ما كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ولَقَدْ سَمِعَ مِن عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ (p-٣١٢)ما حَكى، فَعاتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ عِنْدَ رِجالٍ مِنَ الأنْصارِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَجاءَ وحَلَفَ ما قالَ، وكَذَّبَ زَيْدًا، وحَلَفَ مَعَهُ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ، فَكَذَّبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْدًا وصَدَّقَ أيْمانَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَبَقِيَ زَيْدٌ في مَنزِلِهِ لا يَتَصَرَّفُ حَياءً مِنَ الناسِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيزَيْدٍ وقالَ: لَقَدْ صَدَّقَكَ اللهُ يا زَيْدُ ووَفَتْ أُذُنُكَ، فَخَزِيَ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، ومَقَتَهُ الناسُ، ولامَهُ المُؤْمِنُونَ مَن قَوْمِهِ، وقالَ بَعْضٌ مِنهُمْ: امْضِ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ واعْتَرِفْ بِذَنْبِكَ فَيَسْتَغْفِرُ لَكَ، فَلَوّى رَأْسَهُ إنْكارًا لِهَذا الرَأْيِ وقالَ لَهُمْ: لَقَدْ أشَرْتُمْ عَلَيَّ بِالإيمانِ فَآمَنتُ، وأشَرْتُمْ عَلَيَّ بِأنْ أُعْطِيَ زَكاةَ مالِي فَفَعَلْتُ، ولَمْ يَبْقَ لَكم إلّا أنْ تَأْمُرُونِي بِالسُجُودِ لِمُحَمَّدٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا هو قَصَصُ هَذِهِ السُورَةِ مُوجَزًا. و"تَعالَ" نِداءٌ يَقْتَضِي لَفْظَهُ أنَّهُ دُعاءُ الأعْلى لِلْأسْفَلِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ داعٍ لِما فِيهِ مِن حُسْنِ الأدَبِ. وقَرَأ نافِعٌ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "لَوَوْا" بِتَخْفِيفِ الواوِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ -بِخِلافٍ-، ومُجاهِدٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وقَرَأ الباقُونَ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ: "لوَّوْا" بِشَدِّ الواوِ عَلى تَضْعِيفِ المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، وعِيسى، وأبِي رَجاءٍ، وزِرٍّ، والأعْرَجِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ هُنا: "يَصُدُّونَ" بِكَسْرِ الصادِ، والجُمْهُورُ بِضَمِّها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لَأزِيدَنَّ عَلى السَبْعِينَ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "لَوْ عَلِمْتُ أنِّي إنْ زِدْتُ غُفِرَ لَهم لَزِدْتُ"»، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رَجا أنَّ هَذا (p-٣١٣)الحَدَّ لَيْسَ عَلى جِهَةِ الحَتْمِ جُمْلَةً، بَلْ عَلى أنَّ ما يُجاوِزُهُ يَخْرُجُ عن حُكْمِهِ، فَلَمّا فَعَلَ ابْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ ما فَعَلُوا شَدَّدَ الله تَعالى عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُورَةِ، وأعْلَمُ أنَّهُ لَنْ يَغْفِرَ لَهم دُونَ حَدٍّ في الِاسْتِغْفارِ، وفي قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "لَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ غُفِرَ لَهُمْ"» نَصَّ عَلى رَفْضِ دَلِيلِ الخِطابِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أسْتَغْفَرْتُ" بِالقَطْعِ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "اسْتَغْفَرْتُ" بِمَدٍّ عَلى الهَمْزَةِ، وهي ألِفُ التَسْوِيَةِ، وقَرَأ أيْضًا بِوَصْلِ الألِفِ دُونَ هَمْزٍ عَلى الخَبَرِ، وفي هَذا كُلِّهِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ في الأُولى أثْبَتَ هَمْزَةَ الوَصْلِ وقَدْ أغْنَتْ عنها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وفي الثانِيَةِ حَذْفُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهو يُرِيدُها، وهَذا مِمّا لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِعْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ أشارَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ومَن قالَ بِقَوْلِهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ، ثُمَّ سَفَّهَ تَعالى أحْلامَهم في أنْ ظَنُّوا إنْفاقَهم هو سَبَبُ رِزْقِ المُهاجِرِينَ، ونَسُوا أنَّ حِرْمانَ الرِزْقِ بِيَدِ اللهِ تَعالى، إذا انْسَدَّ بابٌ انْفَتَحَ غَيْرُهُ. وقَرَأ الفَضْلُ بْنُ عِيسى الرُقاشِيُّ: "حَتّى يُنْفَضُوا" بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيف الضادِ، يُقالُ: "أنْفَضَ" الرَجُلُ إذا فَنِيَ طَعامُهُ فَنَفَضَ وِعاءَهُ. و"الخَزائِنُ" مَوْضِعُ الإعْدادِ، ونَجِدُ القُرْآنَ قَدْ نَطَقَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالخَزائِنِ، ونَجِدُ في الحَدِيثِ: « "خَزَنَةُ الرِبْحِ"،» وفي القُرْآنِ ﴿مِن جِبالٍ فِيها (p-٣١٤)مِن بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣]، فَجائِزٌ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، وأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إيجادُها عِنْدَ ظُهُورِها، وجائِزٌ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنَّ مِنها أشْياءَ مَخْلُوقَةً مَوْجُودَةً يَصْرِفُها اللهُ تَعالى حَيْثُ شاءَ، وظَواهِرُ ألْفاظِ الشَرِيعَةِ تُعْطِي هَذا، ومَعْناهُ في التَفْسِيرِ قالَ: عَتَتْ عَلى الخُزّانِ، وفي الحَدِيثِ: « "ما انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِبْحِ عَلى قَوْمِ عادٍ إلّا قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوِ انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِيحِ عَلى قَوْمِ عادٍ إلّا قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوِ انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِيحِ عَلى قَدْرِ مِنخَرِ الثَوْرِ لَهَلَكَتِ الدُنْيا"»، وقالَ رَجُلٌ لِحاتِمٍ الأصَمِّ: مِن أيْنَ تَأْكُلُ؟ فَقَرَأ: "وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَماواتِ والأرْضِ"، وقالَ الجُنَيْدُ: "خَزائِنُ السَماءِ الغُيُوبُ، وخَزائِنُ الأرْضِ القُلُوبُ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ"" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ بِمَعْنى أنَّ العَزِيزَ يُخْرِجُ الذَلِيلَ ويُبْعِدُهُ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: "لِنُخْرِجَنَّ" بِنُونِ الجَماعَةِ مَفْتُوحَةً وضَمِّ الراءِ "الأعَزَّ" نَصْبًا "مِنها الأذَلُّ" أيْضًا نَصْبًا عَلى الحالِ، وذَكَرَها أبُو عُمَرَ الدانِيُّ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ: "لِنُخْرِجَنَّ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ قَوْمٌ فِيما حَكى الفَرّاءُ والكِسائِيُّ، وذَكَرَها المَهْدَوِيُّ-: "لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ. (p-٣١٥)وَنُصِبَ "الأذَلَّ" عَلى الحالِ، بِمَعْنى أنَّ نَحْنُ الَّذِينَ كُنّا أعِزَّةً سَنَخْرُجُ أذِلّاءَ، وجاءَتْ هَذِهِ الحالُ مَعْرِفَةً، وفِيها شُذُوذٌ، وحَكى سِيبَوَيْهِ: "ادْخُلُوا الأوَّلَ فالأوَّلَ". ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ولِلرَّسُولِ ﷺ، ولِلْمُؤْمِنِينَ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ، ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، -وَكانَ رَجُلًا صالِحًا- لَمّا سَمِعَ الآيَةَ جاءَ إلى أبِيهِ وقالَ لَهُ: أنْتَ واللهِ يا أبَتِ الذَلِيلُ ورَسُولُ اللهِ ﷺ العَزِيزُ، فَلَمّا وصَلَ الناسُ إلى المَدِينَةِ وقَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَلى بابِ السِكَّةِ الَّتِي يَسْلُكُها أبُوهُ، وجَرَّدَ السَيْفَ ومَنَعَهُ الوُصُولَ، وقالَ: واللهِ لا دَخَلْتَ إلى مَنزِلِكَ إلّا أنْ يَأْذَنَ في ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وعَبْدُ اللهِ ابْنُ أُبَيٍّ في أذَلِّ حالٍ، وبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَبَعَثَ إلَيْهِ أنَّ خَلِّهِ يَمْضِي إلى مَنزِلِهِ، فَقالَ: أمّا الآنَ فَنَعَمْ.»

المنافقون 63:6

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهم إنَّ اللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ولِلَّهِ خَزائِنُ السَماواتِ والأرْضِ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ كانَ أمْرُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ أنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَبَلَغَ الناسُ إلى ماءٍ سَبَقَ إلَيْهِ المُهاجِرُونَ، وكَأنَّهم غَلَبُوا الأنْصارَ عَلَيْهِ بَعْضَ الغَلَبَةِ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأصْحابِهِ: قَدْ كُنْتُ قُلْتُ لَكم في هَؤُلاءِ الجَلابِيبِ ما قُلْتُ فَلَمْ تَسْمَعُوا مِنِّي، وكانَ المُنافِقُونَ ومَن لا يَتَحَرّى، يُسَمُّونَ المُهاجِرِينَ رَضِيَ اللهُ عنهُمُ الجَلابِيبَ، ومِنهُ «قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ؎ أرى الجَلابِيبَ قَدْ عَزُّوا وقَدْ كَثُرُوا وابْنُ القُرَيْعَةِ أمْسى بَيْضَةَ البَلَدِ (p-٣١١)فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: أتَحُضُّ عَلَيْنا يا حَسّانُ ؟» ثُمَّ «إنَّ الجَهْجاهَ الغِفارِيَّ، كانَ أجِيرًا لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورَدَ الماءَ بِفَرَسٍ لِعُمَرَ، فازْدَحَمَ هو وسِنانُ بْنُ وبْرَةَ الجُهَنِيُّ -وَكانَ حَلِيفًا لِلْأوسِ-، فَكَسَعَ الجَهْجاهُ سِنانًا، فَغَضِبَ سِنانُ فَتَأثَّرُوا، ودَعا الجِهْجاهُ بِالمُهاجِرِينَ، ودَعا سِنانُ بِالأنْصارِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقالَ: "ما بالُ دَعْوى الجاهِلِيَّةِ"، فَلَمّا أخْبَرَ بِالقِصَّةِ قالَ: "دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ"، واجْتَمَعَ في الأمْرِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، وكانَ فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ فَتًى صَغِيرًا لَمْ يَتَحَفَّظْ مِنهُ-، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: أوَقَدْ تَداعَوْا عَلَيْنا؟ واللهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلّا كَما قالَ الأوَّلُ: "سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلُكَ"، وقالَ لَهُمْ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجْنَ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ، وقالَ لَهُمْ: إنَّما يُقِيمُ هَؤُلاءِ المُهاجِرُونَ مَعَ مُحَمَّدٍ بِسَبَبِ مَعُونَتِكم لَهم وإنْفاقِكم عَلَيْهِمْ، ولَوْ قَطَعْتُمْ ذَلِكَ عنهم لَفَرُّوا، فَذَهَبَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ إلى عَمِّهِ- وكانَ في حِجْرِهِ- وأخْبَرَهُ، فَأتى بِهِ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ، وقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "يا زَيْدُ، غَضِبْتَ عَلى الرَجُلِ، أو لَعَلَّكَ وُهِمْتَ"؟، فَأقْسَمَ زَيْدٌ ما كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ولَقَدْ سَمِعَ مِن عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ (p-٣١٢)ما حَكى، فَعاتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ عِنْدَ رِجالٍ مِنَ الأنْصارِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَجاءَ وحَلَفَ ما قالَ، وكَذَّبَ زَيْدًا، وحَلَفَ مَعَهُ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ، فَكَذَّبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْدًا وصَدَّقَ أيْمانَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَبَقِيَ زَيْدٌ في مَنزِلِهِ لا يَتَصَرَّفُ حَياءً مِنَ الناسِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيزَيْدٍ وقالَ: لَقَدْ صَدَّقَكَ اللهُ يا زَيْدُ ووَفَتْ أُذُنُكَ، فَخَزِيَ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، ومَقَتَهُ الناسُ، ولامَهُ المُؤْمِنُونَ مَن قَوْمِهِ، وقالَ بَعْضٌ مِنهُمْ: امْضِ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ واعْتَرِفْ بِذَنْبِكَ فَيَسْتَغْفِرُ لَكَ، فَلَوّى رَأْسَهُ إنْكارًا لِهَذا الرَأْيِ وقالَ لَهُمْ: لَقَدْ أشَرْتُمْ عَلَيَّ بِالإيمانِ فَآمَنتُ، وأشَرْتُمْ عَلَيَّ بِأنْ أُعْطِيَ زَكاةَ مالِي فَفَعَلْتُ، ولَمْ يَبْقَ لَكم إلّا أنْ تَأْمُرُونِي بِالسُجُودِ لِمُحَمَّدٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا هو قَصَصُ هَذِهِ السُورَةِ مُوجَزًا. و"تَعالَ" نِداءٌ يَقْتَضِي لَفْظَهُ أنَّهُ دُعاءُ الأعْلى لِلْأسْفَلِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ داعٍ لِما فِيهِ مِن حُسْنِ الأدَبِ. وقَرَأ نافِعٌ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "لَوَوْا" بِتَخْفِيفِ الواوِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ -بِخِلافٍ-، ومُجاهِدٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وقَرَأ الباقُونَ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ: "لوَّوْا" بِشَدِّ الواوِ عَلى تَضْعِيفِ المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، وعِيسى، وأبِي رَجاءٍ، وزِرٍّ، والأعْرَجِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ هُنا: "يَصُدُّونَ" بِكَسْرِ الصادِ، والجُمْهُورُ بِضَمِّها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لَأزِيدَنَّ عَلى السَبْعِينَ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "لَوْ عَلِمْتُ أنِّي إنْ زِدْتُ غُفِرَ لَهم لَزِدْتُ"»، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رَجا أنَّ هَذا (p-٣١٣)الحَدَّ لَيْسَ عَلى جِهَةِ الحَتْمِ جُمْلَةً، بَلْ عَلى أنَّ ما يُجاوِزُهُ يَخْرُجُ عن حُكْمِهِ، فَلَمّا فَعَلَ ابْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ ما فَعَلُوا شَدَّدَ الله تَعالى عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُورَةِ، وأعْلَمُ أنَّهُ لَنْ يَغْفِرَ لَهم دُونَ حَدٍّ في الِاسْتِغْفارِ، وفي قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "لَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ غُفِرَ لَهُمْ"» نَصَّ عَلى رَفْضِ دَلِيلِ الخِطابِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أسْتَغْفَرْتُ" بِالقَطْعِ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "اسْتَغْفَرْتُ" بِمَدٍّ عَلى الهَمْزَةِ، وهي ألِفُ التَسْوِيَةِ، وقَرَأ أيْضًا بِوَصْلِ الألِفِ دُونَ هَمْزٍ عَلى الخَبَرِ، وفي هَذا كُلِّهِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ في الأُولى أثْبَتَ هَمْزَةَ الوَصْلِ وقَدْ أغْنَتْ عنها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وفي الثانِيَةِ حَذْفُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهو يُرِيدُها، وهَذا مِمّا لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِعْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ أشارَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ومَن قالَ بِقَوْلِهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ، ثُمَّ سَفَّهَ تَعالى أحْلامَهم في أنْ ظَنُّوا إنْفاقَهم هو سَبَبُ رِزْقِ المُهاجِرِينَ، ونَسُوا أنَّ حِرْمانَ الرِزْقِ بِيَدِ اللهِ تَعالى، إذا انْسَدَّ بابٌ انْفَتَحَ غَيْرُهُ. وقَرَأ الفَضْلُ بْنُ عِيسى الرُقاشِيُّ: "حَتّى يُنْفَضُوا" بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيف الضادِ، يُقالُ: "أنْفَضَ" الرَجُلُ إذا فَنِيَ طَعامُهُ فَنَفَضَ وِعاءَهُ. و"الخَزائِنُ" مَوْضِعُ الإعْدادِ، ونَجِدُ القُرْآنَ قَدْ نَطَقَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالخَزائِنِ، ونَجِدُ في الحَدِيثِ: « "خَزَنَةُ الرِبْحِ"،» وفي القُرْآنِ ﴿مِن جِبالٍ فِيها (p-٣١٤)مِن بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣]، فَجائِزٌ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، وأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إيجادُها عِنْدَ ظُهُورِها، وجائِزٌ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنَّ مِنها أشْياءَ مَخْلُوقَةً مَوْجُودَةً يَصْرِفُها اللهُ تَعالى حَيْثُ شاءَ، وظَواهِرُ ألْفاظِ الشَرِيعَةِ تُعْطِي هَذا، ومَعْناهُ في التَفْسِيرِ قالَ: عَتَتْ عَلى الخُزّانِ، وفي الحَدِيثِ: « "ما انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِبْحِ عَلى قَوْمِ عادٍ إلّا قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوِ انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِيحِ عَلى قَوْمِ عادٍ إلّا قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوِ انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِيحِ عَلى قَدْرِ مِنخَرِ الثَوْرِ لَهَلَكَتِ الدُنْيا"»، وقالَ رَجُلٌ لِحاتِمٍ الأصَمِّ: مِن أيْنَ تَأْكُلُ؟ فَقَرَأ: "وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَماواتِ والأرْضِ"، وقالَ الجُنَيْدُ: "خَزائِنُ السَماءِ الغُيُوبُ، وخَزائِنُ الأرْضِ القُلُوبُ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ"" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ بِمَعْنى أنَّ العَزِيزَ يُخْرِجُ الذَلِيلَ ويُبْعِدُهُ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: "لِنُخْرِجَنَّ" بِنُونِ الجَماعَةِ مَفْتُوحَةً وضَمِّ الراءِ "الأعَزَّ" نَصْبًا "مِنها الأذَلُّ" أيْضًا نَصْبًا عَلى الحالِ، وذَكَرَها أبُو عُمَرَ الدانِيُّ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ: "لِنُخْرِجَنَّ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ قَوْمٌ فِيما حَكى الفَرّاءُ والكِسائِيُّ، وذَكَرَها المَهْدَوِيُّ-: "لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ. (p-٣١٥)وَنُصِبَ "الأذَلَّ" عَلى الحالِ، بِمَعْنى أنَّ نَحْنُ الَّذِينَ كُنّا أعِزَّةً سَنَخْرُجُ أذِلّاءَ، وجاءَتْ هَذِهِ الحالُ مَعْرِفَةً، وفِيها شُذُوذٌ، وحَكى سِيبَوَيْهِ: "ادْخُلُوا الأوَّلَ فالأوَّلَ". ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ولِلرَّسُولِ ﷺ، ولِلْمُؤْمِنِينَ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ، ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، -وَكانَ رَجُلًا صالِحًا- لَمّا سَمِعَ الآيَةَ جاءَ إلى أبِيهِ وقالَ لَهُ: أنْتَ واللهِ يا أبَتِ الذَلِيلُ ورَسُولُ اللهِ ﷺ العَزِيزُ، فَلَمّا وصَلَ الناسُ إلى المَدِينَةِ وقَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَلى بابِ السِكَّةِ الَّتِي يَسْلُكُها أبُوهُ، وجَرَّدَ السَيْفَ ومَنَعَهُ الوُصُولَ، وقالَ: واللهِ لا دَخَلْتَ إلى مَنزِلِكَ إلّا أنْ يَأْذَنَ في ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وعَبْدُ اللهِ ابْنُ أُبَيٍّ في أذَلِّ حالٍ، وبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَبَعَثَ إلَيْهِ أنَّ خَلِّهِ يَمْضِي إلى مَنزِلِهِ، فَقالَ: أمّا الآنَ فَنَعَمْ.»

المنافقون 63:7

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهم إنَّ اللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ولِلَّهِ خَزائِنُ السَماواتِ والأرْضِ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ كانَ أمْرُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ أنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَبَلَغَ الناسُ إلى ماءٍ سَبَقَ إلَيْهِ المُهاجِرُونَ، وكَأنَّهم غَلَبُوا الأنْصارَ عَلَيْهِ بَعْضَ الغَلَبَةِ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأصْحابِهِ: قَدْ كُنْتُ قُلْتُ لَكم في هَؤُلاءِ الجَلابِيبِ ما قُلْتُ فَلَمْ تَسْمَعُوا مِنِّي، وكانَ المُنافِقُونَ ومَن لا يَتَحَرّى، يُسَمُّونَ المُهاجِرِينَ رَضِيَ اللهُ عنهُمُ الجَلابِيبَ، ومِنهُ «قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ؎ أرى الجَلابِيبَ قَدْ عَزُّوا وقَدْ كَثُرُوا وابْنُ القُرَيْعَةِ أمْسى بَيْضَةَ البَلَدِ (p-٣١١)فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: أتَحُضُّ عَلَيْنا يا حَسّانُ ؟» ثُمَّ «إنَّ الجَهْجاهَ الغِفارِيَّ، كانَ أجِيرًا لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورَدَ الماءَ بِفَرَسٍ لِعُمَرَ، فازْدَحَمَ هو وسِنانُ بْنُ وبْرَةَ الجُهَنِيُّ -وَكانَ حَلِيفًا لِلْأوسِ-، فَكَسَعَ الجَهْجاهُ سِنانًا، فَغَضِبَ سِنانُ فَتَأثَّرُوا، ودَعا الجِهْجاهُ بِالمُهاجِرِينَ، ودَعا سِنانُ بِالأنْصارِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقالَ: "ما بالُ دَعْوى الجاهِلِيَّةِ"، فَلَمّا أخْبَرَ بِالقِصَّةِ قالَ: "دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ"، واجْتَمَعَ في الأمْرِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، وكانَ فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ فَتًى صَغِيرًا لَمْ يَتَحَفَّظْ مِنهُ-، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: أوَقَدْ تَداعَوْا عَلَيْنا؟ واللهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلّا كَما قالَ الأوَّلُ: "سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلُكَ"، وقالَ لَهُمْ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجْنَ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ، وقالَ لَهُمْ: إنَّما يُقِيمُ هَؤُلاءِ المُهاجِرُونَ مَعَ مُحَمَّدٍ بِسَبَبِ مَعُونَتِكم لَهم وإنْفاقِكم عَلَيْهِمْ، ولَوْ قَطَعْتُمْ ذَلِكَ عنهم لَفَرُّوا، فَذَهَبَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ إلى عَمِّهِ- وكانَ في حِجْرِهِ- وأخْبَرَهُ، فَأتى بِهِ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ، وقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "يا زَيْدُ، غَضِبْتَ عَلى الرَجُلِ، أو لَعَلَّكَ وُهِمْتَ"؟، فَأقْسَمَ زَيْدٌ ما كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ولَقَدْ سَمِعَ مِن عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ (p-٣١٢)ما حَكى، فَعاتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ عِنْدَ رِجالٍ مِنَ الأنْصارِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَجاءَ وحَلَفَ ما قالَ، وكَذَّبَ زَيْدًا، وحَلَفَ مَعَهُ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ، فَكَذَّبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْدًا وصَدَّقَ أيْمانَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَبَقِيَ زَيْدٌ في مَنزِلِهِ لا يَتَصَرَّفُ حَياءً مِنَ الناسِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيزَيْدٍ وقالَ: لَقَدْ صَدَّقَكَ اللهُ يا زَيْدُ ووَفَتْ أُذُنُكَ، فَخَزِيَ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، ومَقَتَهُ الناسُ، ولامَهُ المُؤْمِنُونَ مَن قَوْمِهِ، وقالَ بَعْضٌ مِنهُمْ: امْضِ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ واعْتَرِفْ بِذَنْبِكَ فَيَسْتَغْفِرُ لَكَ، فَلَوّى رَأْسَهُ إنْكارًا لِهَذا الرَأْيِ وقالَ لَهُمْ: لَقَدْ أشَرْتُمْ عَلَيَّ بِالإيمانِ فَآمَنتُ، وأشَرْتُمْ عَلَيَّ بِأنْ أُعْطِيَ زَكاةَ مالِي فَفَعَلْتُ، ولَمْ يَبْقَ لَكم إلّا أنْ تَأْمُرُونِي بِالسُجُودِ لِمُحَمَّدٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا هو قَصَصُ هَذِهِ السُورَةِ مُوجَزًا. و"تَعالَ" نِداءٌ يَقْتَضِي لَفْظَهُ أنَّهُ دُعاءُ الأعْلى لِلْأسْفَلِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ داعٍ لِما فِيهِ مِن حُسْنِ الأدَبِ. وقَرَأ نافِعٌ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "لَوَوْا" بِتَخْفِيفِ الواوِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ -بِخِلافٍ-، ومُجاهِدٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وقَرَأ الباقُونَ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ: "لوَّوْا" بِشَدِّ الواوِ عَلى تَضْعِيفِ المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، وعِيسى، وأبِي رَجاءٍ، وزِرٍّ، والأعْرَجِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ هُنا: "يَصُدُّونَ" بِكَسْرِ الصادِ، والجُمْهُورُ بِضَمِّها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لَأزِيدَنَّ عَلى السَبْعِينَ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "لَوْ عَلِمْتُ أنِّي إنْ زِدْتُ غُفِرَ لَهم لَزِدْتُ"»، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رَجا أنَّ هَذا (p-٣١٣)الحَدَّ لَيْسَ عَلى جِهَةِ الحَتْمِ جُمْلَةً، بَلْ عَلى أنَّ ما يُجاوِزُهُ يَخْرُجُ عن حُكْمِهِ، فَلَمّا فَعَلَ ابْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ ما فَعَلُوا شَدَّدَ الله تَعالى عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُورَةِ، وأعْلَمُ أنَّهُ لَنْ يَغْفِرَ لَهم دُونَ حَدٍّ في الِاسْتِغْفارِ، وفي قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "لَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ غُفِرَ لَهُمْ"» نَصَّ عَلى رَفْضِ دَلِيلِ الخِطابِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أسْتَغْفَرْتُ" بِالقَطْعِ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "اسْتَغْفَرْتُ" بِمَدٍّ عَلى الهَمْزَةِ، وهي ألِفُ التَسْوِيَةِ، وقَرَأ أيْضًا بِوَصْلِ الألِفِ دُونَ هَمْزٍ عَلى الخَبَرِ، وفي هَذا كُلِّهِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ في الأُولى أثْبَتَ هَمْزَةَ الوَصْلِ وقَدْ أغْنَتْ عنها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وفي الثانِيَةِ حَذْفُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهو يُرِيدُها، وهَذا مِمّا لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِعْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ أشارَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ومَن قالَ بِقَوْلِهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ، ثُمَّ سَفَّهَ تَعالى أحْلامَهم في أنْ ظَنُّوا إنْفاقَهم هو سَبَبُ رِزْقِ المُهاجِرِينَ، ونَسُوا أنَّ حِرْمانَ الرِزْقِ بِيَدِ اللهِ تَعالى، إذا انْسَدَّ بابٌ انْفَتَحَ غَيْرُهُ. وقَرَأ الفَضْلُ بْنُ عِيسى الرُقاشِيُّ: "حَتّى يُنْفَضُوا" بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيف الضادِ، يُقالُ: "أنْفَضَ" الرَجُلُ إذا فَنِيَ طَعامُهُ فَنَفَضَ وِعاءَهُ. و"الخَزائِنُ" مَوْضِعُ الإعْدادِ، ونَجِدُ القُرْآنَ قَدْ نَطَقَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالخَزائِنِ، ونَجِدُ في الحَدِيثِ: « "خَزَنَةُ الرِبْحِ"،» وفي القُرْآنِ ﴿مِن جِبالٍ فِيها (p-٣١٤)مِن بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣]، فَجائِزٌ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، وأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إيجادُها عِنْدَ ظُهُورِها، وجائِزٌ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنَّ مِنها أشْياءَ مَخْلُوقَةً مَوْجُودَةً يَصْرِفُها اللهُ تَعالى حَيْثُ شاءَ، وظَواهِرُ ألْفاظِ الشَرِيعَةِ تُعْطِي هَذا، ومَعْناهُ في التَفْسِيرِ قالَ: عَتَتْ عَلى الخُزّانِ، وفي الحَدِيثِ: « "ما انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِبْحِ عَلى قَوْمِ عادٍ إلّا قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوِ انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِيحِ عَلى قَوْمِ عادٍ إلّا قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوِ انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِيحِ عَلى قَدْرِ مِنخَرِ الثَوْرِ لَهَلَكَتِ الدُنْيا"»، وقالَ رَجُلٌ لِحاتِمٍ الأصَمِّ: مِن أيْنَ تَأْكُلُ؟ فَقَرَأ: "وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَماواتِ والأرْضِ"، وقالَ الجُنَيْدُ: "خَزائِنُ السَماءِ الغُيُوبُ، وخَزائِنُ الأرْضِ القُلُوبُ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ"" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ بِمَعْنى أنَّ العَزِيزَ يُخْرِجُ الذَلِيلَ ويُبْعِدُهُ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: "لِنُخْرِجَنَّ" بِنُونِ الجَماعَةِ مَفْتُوحَةً وضَمِّ الراءِ "الأعَزَّ" نَصْبًا "مِنها الأذَلُّ" أيْضًا نَصْبًا عَلى الحالِ، وذَكَرَها أبُو عُمَرَ الدانِيُّ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ: "لِنُخْرِجَنَّ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ قَوْمٌ فِيما حَكى الفَرّاءُ والكِسائِيُّ، وذَكَرَها المَهْدَوِيُّ-: "لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ. (p-٣١٥)وَنُصِبَ "الأذَلَّ" عَلى الحالِ، بِمَعْنى أنَّ نَحْنُ الَّذِينَ كُنّا أعِزَّةً سَنَخْرُجُ أذِلّاءَ، وجاءَتْ هَذِهِ الحالُ مَعْرِفَةً، وفِيها شُذُوذٌ، وحَكى سِيبَوَيْهِ: "ادْخُلُوا الأوَّلَ فالأوَّلَ". ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ولِلرَّسُولِ ﷺ، ولِلْمُؤْمِنِينَ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ، ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، -وَكانَ رَجُلًا صالِحًا- لَمّا سَمِعَ الآيَةَ جاءَ إلى أبِيهِ وقالَ لَهُ: أنْتَ واللهِ يا أبَتِ الذَلِيلُ ورَسُولُ اللهِ ﷺ العَزِيزُ، فَلَمّا وصَلَ الناسُ إلى المَدِينَةِ وقَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَلى بابِ السِكَّةِ الَّتِي يَسْلُكُها أبُوهُ، وجَرَّدَ السَيْفَ ومَنَعَهُ الوُصُولَ، وقالَ: واللهِ لا دَخَلْتَ إلى مَنزِلِكَ إلّا أنْ يَأْذَنَ في ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وعَبْدُ اللهِ ابْنُ أُبَيٍّ في أذَلِّ حالٍ، وبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَبَعَثَ إلَيْهِ أنَّ خَلِّهِ يَمْضِي إلى مَنزِلِهِ، فَقالَ: أمّا الآنَ فَنَعَمْ.»

المنافقون 63:8

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهم إنَّ اللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ولِلَّهِ خَزائِنُ السَماواتِ والأرْضِ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ كانَ أمْرُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ أنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَبَلَغَ الناسُ إلى ماءٍ سَبَقَ إلَيْهِ المُهاجِرُونَ، وكَأنَّهم غَلَبُوا الأنْصارَ عَلَيْهِ بَعْضَ الغَلَبَةِ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأصْحابِهِ: قَدْ كُنْتُ قُلْتُ لَكم في هَؤُلاءِ الجَلابِيبِ ما قُلْتُ فَلَمْ تَسْمَعُوا مِنِّي، وكانَ المُنافِقُونَ ومَن لا يَتَحَرّى، يُسَمُّونَ المُهاجِرِينَ رَضِيَ اللهُ عنهُمُ الجَلابِيبَ، ومِنهُ «قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ؎ أرى الجَلابِيبَ قَدْ عَزُّوا وقَدْ كَثُرُوا وابْنُ القُرَيْعَةِ أمْسى بَيْضَةَ البَلَدِ (p-٣١١)فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: أتَحُضُّ عَلَيْنا يا حَسّانُ ؟» ثُمَّ «إنَّ الجَهْجاهَ الغِفارِيَّ، كانَ أجِيرًا لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورَدَ الماءَ بِفَرَسٍ لِعُمَرَ، فازْدَحَمَ هو وسِنانُ بْنُ وبْرَةَ الجُهَنِيُّ -وَكانَ حَلِيفًا لِلْأوسِ-، فَكَسَعَ الجَهْجاهُ سِنانًا، فَغَضِبَ سِنانُ فَتَأثَّرُوا، ودَعا الجِهْجاهُ بِالمُهاجِرِينَ، ودَعا سِنانُ بِالأنْصارِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقالَ: "ما بالُ دَعْوى الجاهِلِيَّةِ"، فَلَمّا أخْبَرَ بِالقِصَّةِ قالَ: "دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ"، واجْتَمَعَ في الأمْرِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، وكانَ فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ فَتًى صَغِيرًا لَمْ يَتَحَفَّظْ مِنهُ-، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: أوَقَدْ تَداعَوْا عَلَيْنا؟ واللهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلّا كَما قالَ الأوَّلُ: "سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلُكَ"، وقالَ لَهُمْ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجْنَ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ، وقالَ لَهُمْ: إنَّما يُقِيمُ هَؤُلاءِ المُهاجِرُونَ مَعَ مُحَمَّدٍ بِسَبَبِ مَعُونَتِكم لَهم وإنْفاقِكم عَلَيْهِمْ، ولَوْ قَطَعْتُمْ ذَلِكَ عنهم لَفَرُّوا، فَذَهَبَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ إلى عَمِّهِ- وكانَ في حِجْرِهِ- وأخْبَرَهُ، فَأتى بِهِ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ، وقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "يا زَيْدُ، غَضِبْتَ عَلى الرَجُلِ، أو لَعَلَّكَ وُهِمْتَ"؟، فَأقْسَمَ زَيْدٌ ما كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ولَقَدْ سَمِعَ مِن عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ (p-٣١٢)ما حَكى، فَعاتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ عِنْدَ رِجالٍ مِنَ الأنْصارِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَجاءَ وحَلَفَ ما قالَ، وكَذَّبَ زَيْدًا، وحَلَفَ مَعَهُ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ، فَكَذَّبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْدًا وصَدَّقَ أيْمانَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَبَقِيَ زَيْدٌ في مَنزِلِهِ لا يَتَصَرَّفُ حَياءً مِنَ الناسِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيزَيْدٍ وقالَ: لَقَدْ صَدَّقَكَ اللهُ يا زَيْدُ ووَفَتْ أُذُنُكَ، فَخَزِيَ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، ومَقَتَهُ الناسُ، ولامَهُ المُؤْمِنُونَ مَن قَوْمِهِ، وقالَ بَعْضٌ مِنهُمْ: امْضِ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ واعْتَرِفْ بِذَنْبِكَ فَيَسْتَغْفِرُ لَكَ، فَلَوّى رَأْسَهُ إنْكارًا لِهَذا الرَأْيِ وقالَ لَهُمْ: لَقَدْ أشَرْتُمْ عَلَيَّ بِالإيمانِ فَآمَنتُ، وأشَرْتُمْ عَلَيَّ بِأنْ أُعْطِيَ زَكاةَ مالِي فَفَعَلْتُ، ولَمْ يَبْقَ لَكم إلّا أنْ تَأْمُرُونِي بِالسُجُودِ لِمُحَمَّدٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا هو قَصَصُ هَذِهِ السُورَةِ مُوجَزًا. و"تَعالَ" نِداءٌ يَقْتَضِي لَفْظَهُ أنَّهُ دُعاءُ الأعْلى لِلْأسْفَلِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ داعٍ لِما فِيهِ مِن حُسْنِ الأدَبِ. وقَرَأ نافِعٌ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "لَوَوْا" بِتَخْفِيفِ الواوِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ -بِخِلافٍ-، ومُجاهِدٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وقَرَأ الباقُونَ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ: "لوَّوْا" بِشَدِّ الواوِ عَلى تَضْعِيفِ المُبالَغَةِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، وعِيسى، وأبِي رَجاءٍ، وزِرٍّ، والأعْرَجِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ هُنا: "يَصُدُّونَ" بِكَسْرِ الصادِ، والجُمْهُورُ بِضَمِّها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لَأزِيدَنَّ عَلى السَبْعِينَ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "لَوْ عَلِمْتُ أنِّي إنْ زِدْتُ غُفِرَ لَهم لَزِدْتُ"»، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رَجا أنَّ هَذا (p-٣١٣)الحَدَّ لَيْسَ عَلى جِهَةِ الحَتْمِ جُمْلَةً، بَلْ عَلى أنَّ ما يُجاوِزُهُ يَخْرُجُ عن حُكْمِهِ، فَلَمّا فَعَلَ ابْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ ما فَعَلُوا شَدَّدَ الله تَعالى عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُورَةِ، وأعْلَمُ أنَّهُ لَنْ يَغْفِرَ لَهم دُونَ حَدٍّ في الِاسْتِغْفارِ، وفي قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "لَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ غُفِرَ لَهُمْ"» نَصَّ عَلى رَفْضِ دَلِيلِ الخِطابِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أسْتَغْفَرْتُ" بِالقَطْعِ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "اسْتَغْفَرْتُ" بِمَدٍّ عَلى الهَمْزَةِ، وهي ألِفُ التَسْوِيَةِ، وقَرَأ أيْضًا بِوَصْلِ الألِفِ دُونَ هَمْزٍ عَلى الخَبَرِ، وفي هَذا كُلِّهِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ في الأُولى أثْبَتَ هَمْزَةَ الوَصْلِ وقَدْ أغْنَتْ عنها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وفي الثانِيَةِ حَذْفُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهو يُرِيدُها، وهَذا مِمّا لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِعْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ أشارَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ومَن قالَ بِقَوْلِهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ، ثُمَّ سَفَّهَ تَعالى أحْلامَهم في أنْ ظَنُّوا إنْفاقَهم هو سَبَبُ رِزْقِ المُهاجِرِينَ، ونَسُوا أنَّ حِرْمانَ الرِزْقِ بِيَدِ اللهِ تَعالى، إذا انْسَدَّ بابٌ انْفَتَحَ غَيْرُهُ. وقَرَأ الفَضْلُ بْنُ عِيسى الرُقاشِيُّ: "حَتّى يُنْفَضُوا" بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيف الضادِ، يُقالُ: "أنْفَضَ" الرَجُلُ إذا فَنِيَ طَعامُهُ فَنَفَضَ وِعاءَهُ. و"الخَزائِنُ" مَوْضِعُ الإعْدادِ، ونَجِدُ القُرْآنَ قَدْ نَطَقَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالخَزائِنِ، ونَجِدُ في الحَدِيثِ: « "خَزَنَةُ الرِبْحِ"،» وفي القُرْآنِ ﴿مِن جِبالٍ فِيها (p-٣١٤)مِن بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣]، فَجائِزٌ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، وأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إيجادُها عِنْدَ ظُهُورِها، وجائِزٌ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنَّ مِنها أشْياءَ مَخْلُوقَةً مَوْجُودَةً يَصْرِفُها اللهُ تَعالى حَيْثُ شاءَ، وظَواهِرُ ألْفاظِ الشَرِيعَةِ تُعْطِي هَذا، ومَعْناهُ في التَفْسِيرِ قالَ: عَتَتْ عَلى الخُزّانِ، وفي الحَدِيثِ: « "ما انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِبْحِ عَلى قَوْمِ عادٍ إلّا قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوِ انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِيحِ عَلى قَوْمِ عادٍ إلّا قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوِ انْفَتَحَ مِن خَزائِنِ الرِيحِ عَلى قَدْرِ مِنخَرِ الثَوْرِ لَهَلَكَتِ الدُنْيا"»، وقالَ رَجُلٌ لِحاتِمٍ الأصَمِّ: مِن أيْنَ تَأْكُلُ؟ فَقَرَأ: "وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَماواتِ والأرْضِ"، وقالَ الجُنَيْدُ: "خَزائِنُ السَماءِ الغُيُوبُ، وخَزائِنُ الأرْضِ القُلُوبُ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ"" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ بِمَعْنى أنَّ العَزِيزَ يُخْرِجُ الذَلِيلَ ويُبْعِدُهُ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: "لِنُخْرِجَنَّ" بِنُونِ الجَماعَةِ مَفْتُوحَةً وضَمِّ الراءِ "الأعَزَّ" نَصْبًا "مِنها الأذَلُّ" أيْضًا نَصْبًا عَلى الحالِ، وذَكَرَها أبُو عُمَرَ الدانِيُّ عَنِ الحَسَنِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ: "لِنُخْرِجَنَّ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ قَوْمٌ فِيما حَكى الفَرّاءُ والكِسائِيُّ، وذَكَرَها المَهْدَوِيُّ-: "لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ. (p-٣١٥)وَنُصِبَ "الأذَلَّ" عَلى الحالِ، بِمَعْنى أنَّ نَحْنُ الَّذِينَ كُنّا أعِزَّةً سَنَخْرُجُ أذِلّاءَ، وجاءَتْ هَذِهِ الحالُ مَعْرِفَةً، وفِيها شُذُوذٌ، وحَكى سِيبَوَيْهِ: "ادْخُلُوا الأوَّلَ فالأوَّلَ". ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ولِلرَّسُولِ ﷺ، ولِلْمُؤْمِنِينَ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ، ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، -وَكانَ رَجُلًا صالِحًا- لَمّا سَمِعَ الآيَةَ جاءَ إلى أبِيهِ وقالَ لَهُ: أنْتَ واللهِ يا أبَتِ الذَلِيلُ ورَسُولُ اللهِ ﷺ العَزِيزُ، فَلَمّا وصَلَ الناسُ إلى المَدِينَةِ وقَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَلى بابِ السِكَّةِ الَّتِي يَسْلُكُها أبُوهُ، وجَرَّدَ السَيْفَ ومَنَعَهُ الوُصُولَ، وقالَ: واللهِ لا دَخَلْتَ إلى مَنزِلِكَ إلّا أنْ يَأْذَنَ في ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وعَبْدُ اللهِ ابْنُ أُبَيٍّ في أذَلِّ حالٍ، وبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَبَعَثَ إلَيْهِ أنَّ خَلِّهِ يَمْضِي إلى مَنزِلِهِ، فَقالَ: أمّا الآنَ فَنَعَمْ.»

المنافقون 63:9

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أولادُكم عن ذِكْرِ اللهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِن الصالِحِينَ﴾ ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ الإلْهاءُ: الِاشْتِغالُ بِشَهْوَةٍ ولَذَّةٍ، و"ذِكْرُ اللهِ" هُنا عامٌّ في التَوْحِيدِ والصَلاةِ والدُعاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فَرْضٍ ومَندُوبٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الضَحّاكُ، وعَطاءٌ وأصْحابُهُ: المُرادُ بِالذِكْرِ الصَلاةُ المَكْتُوبَةُ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ قالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المُرادُ الزَكاةُ، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ عامٌّ في مَفْرُوضٍ ومَندُوبٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ: عَلاماتُهُ وأوائِلُ أمْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ طَلَبٌ لِلْكَرَّةِ والإمْهالِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أخَّرْتَنِ" بِغَيْرِ ياءٍ، وسَمّاهُ قَرِيبًا لِأنَّهُ آتٍ، وأيْضًا فَإنَّما يَتَمَنّى ذَلِكَ لِيَقْضِيَ فِيهِ العَمَلَ الصالِحَ فَقَطْ، ولَيْسَ يَتَّسِعُ الأمَلُ حِينَئِذٍ لِطَلَبِ العَيْشِ وتَصَرُّفِهِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "فَأتَصَدَّقُ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأكُنْ مِنَ الصالِحِينَ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو الحَجُّ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ في (p-٣١٦)مَجْلِسِهِ يَوْمًا: "ما مِن رَجُلٍ لا يُؤَدِّي الزَكاةَ والحَجَّ إلّا طَلَبَ الكَرَّةَ عِنْدَ مَوْتِهِ"، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أما تَتَّقِي اللهَ؟ أمُؤْمِنٌ يَطْلُبُ الكَرَّةَ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَعَمْ وقَرَأ الآيَةَ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ والناسُ: "وَأكُنْ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: إنْ تُؤَخِّرْنِي أصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصالِحِينَ، هَذا مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، فَأمّا ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ فَهو غَيْرُ هَذا، وهو أنَّهُ جَزَمَ عَلى تَوَهُّمِ الشَرْطِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ التَمَنِّي، ولا مَوْضِعَ هُنا لِأنَّ الشَرْطَ لَيْسَ بِظاهِرٍ، وإنَّما يُعْطَفُ عَلى الوَضْعِ حَيْثُ يَظْهَرُ الشَرْطُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، فَمَن قَرَأ بِالجَزْمِ عَطَفَ عَلى مَوْضِع "فَلا هادِيَ لَهُ" لِأنَّهُ وقَعَ هُناكَ فِعْلٌ كانَ مَجْزُومًا، وكَذَلِكَ مَن قَرَأ: "وَيَكْفُرْ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَوْضِع ( فَهو خَيْرٌ لَكم )، وقَرَأها أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُبَيْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ العنبَرِيُّ: "وَأكُونَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "فَأصَّدَّقَ"، وقالَ أبُو حاتِمٍ في كَتْبِها في المُصْحَفِ بِغَيْرِ واوٍ: إنَّهم حَذَفُوا الواوَ كَما حَذَفُوها مِنِ "اتَّخَذَ" وغَيْرِهِ، ورَجَّحَها أبُو عَلِيٍّ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فَأتَصَدَّقُ وأكُنْ" وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ حَضٌّ عَلى المُبادَرَةِ ومُسابَقَةِ الأجَلِ بِالعَمَلِ الصالِحِ، وقَرَأ السَبْعَةُ والجُمْهُورُ: "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ لِجَمِيعِ الناسِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ عَلى تَخْصِيصِ الكَفّارِ بِالوَعِيدِ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُنافِقُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

المنافقون 63:10

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أولادُكم عن ذِكْرِ اللهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِن الصالِحِينَ﴾ ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ الإلْهاءُ: الِاشْتِغالُ بِشَهْوَةٍ ولَذَّةٍ، و"ذِكْرُ اللهِ" هُنا عامٌّ في التَوْحِيدِ والصَلاةِ والدُعاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فَرْضٍ ومَندُوبٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الضَحّاكُ، وعَطاءٌ وأصْحابُهُ: المُرادُ بِالذِكْرِ الصَلاةُ المَكْتُوبَةُ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ قالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المُرادُ الزَكاةُ، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ عامٌّ في مَفْرُوضٍ ومَندُوبٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ: عَلاماتُهُ وأوائِلُ أمْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ طَلَبٌ لِلْكَرَّةِ والإمْهالِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أخَّرْتَنِ" بِغَيْرِ ياءٍ، وسَمّاهُ قَرِيبًا لِأنَّهُ آتٍ، وأيْضًا فَإنَّما يَتَمَنّى ذَلِكَ لِيَقْضِيَ فِيهِ العَمَلَ الصالِحَ فَقَطْ، ولَيْسَ يَتَّسِعُ الأمَلُ حِينَئِذٍ لِطَلَبِ العَيْشِ وتَصَرُّفِهِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "فَأتَصَدَّقُ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأكُنْ مِنَ الصالِحِينَ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو الحَجُّ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ في (p-٣١٦)مَجْلِسِهِ يَوْمًا: "ما مِن رَجُلٍ لا يُؤَدِّي الزَكاةَ والحَجَّ إلّا طَلَبَ الكَرَّةَ عِنْدَ مَوْتِهِ"، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أما تَتَّقِي اللهَ؟ أمُؤْمِنٌ يَطْلُبُ الكَرَّةَ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَعَمْ وقَرَأ الآيَةَ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ والناسُ: "وَأكُنْ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: إنْ تُؤَخِّرْنِي أصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصالِحِينَ، هَذا مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، فَأمّا ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ فَهو غَيْرُ هَذا، وهو أنَّهُ جَزَمَ عَلى تَوَهُّمِ الشَرْطِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ التَمَنِّي، ولا مَوْضِعَ هُنا لِأنَّ الشَرْطَ لَيْسَ بِظاهِرٍ، وإنَّما يُعْطَفُ عَلى الوَضْعِ حَيْثُ يَظْهَرُ الشَرْطُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، فَمَن قَرَأ بِالجَزْمِ عَطَفَ عَلى مَوْضِع "فَلا هادِيَ لَهُ" لِأنَّهُ وقَعَ هُناكَ فِعْلٌ كانَ مَجْزُومًا، وكَذَلِكَ مَن قَرَأ: "وَيَكْفُرْ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَوْضِع ( فَهو خَيْرٌ لَكم )، وقَرَأها أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُبَيْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ العنبَرِيُّ: "وَأكُونَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "فَأصَّدَّقَ"، وقالَ أبُو حاتِمٍ في كَتْبِها في المُصْحَفِ بِغَيْرِ واوٍ: إنَّهم حَذَفُوا الواوَ كَما حَذَفُوها مِنِ "اتَّخَذَ" وغَيْرِهِ، ورَجَّحَها أبُو عَلِيٍّ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فَأتَصَدَّقُ وأكُنْ" وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ حَضٌّ عَلى المُبادَرَةِ ومُسابَقَةِ الأجَلِ بِالعَمَلِ الصالِحِ، وقَرَأ السَبْعَةُ والجُمْهُورُ: "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ لِجَمِيعِ الناسِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ عَلى تَخْصِيصِ الكَفّارِ بِالوَعِيدِ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُنافِقُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

المنافقون 63:11

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أولادُكم عن ذِكْرِ اللهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِن الصالِحِينَ﴾ ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ الإلْهاءُ: الِاشْتِغالُ بِشَهْوَةٍ ولَذَّةٍ، و"ذِكْرُ اللهِ" هُنا عامٌّ في التَوْحِيدِ والصَلاةِ والدُعاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فَرْضٍ ومَندُوبٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الضَحّاكُ، وعَطاءٌ وأصْحابُهُ: المُرادُ بِالذِكْرِ الصَلاةُ المَكْتُوبَةُ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ قالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المُرادُ الزَكاةُ، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ عامٌّ في مَفْرُوضٍ ومَندُوبٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ: عَلاماتُهُ وأوائِلُ أمْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ طَلَبٌ لِلْكَرَّةِ والإمْهالِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أخَّرْتَنِ" بِغَيْرِ ياءٍ، وسَمّاهُ قَرِيبًا لِأنَّهُ آتٍ، وأيْضًا فَإنَّما يَتَمَنّى ذَلِكَ لِيَقْضِيَ فِيهِ العَمَلَ الصالِحَ فَقَطْ، ولَيْسَ يَتَّسِعُ الأمَلُ حِينَئِذٍ لِطَلَبِ العَيْشِ وتَصَرُّفِهِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "فَأتَصَدَّقُ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأكُنْ مِنَ الصالِحِينَ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو الحَجُّ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ في (p-٣١٦)مَجْلِسِهِ يَوْمًا: "ما مِن رَجُلٍ لا يُؤَدِّي الزَكاةَ والحَجَّ إلّا طَلَبَ الكَرَّةَ عِنْدَ مَوْتِهِ"، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أما تَتَّقِي اللهَ؟ أمُؤْمِنٌ يَطْلُبُ الكَرَّةَ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَعَمْ وقَرَأ الآيَةَ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ والناسُ: "وَأكُنْ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: إنْ تُؤَخِّرْنِي أصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصالِحِينَ، هَذا مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، فَأمّا ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ فَهو غَيْرُ هَذا، وهو أنَّهُ جَزَمَ عَلى تَوَهُّمِ الشَرْطِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ التَمَنِّي، ولا مَوْضِعَ هُنا لِأنَّ الشَرْطَ لَيْسَ بِظاهِرٍ، وإنَّما يُعْطَفُ عَلى الوَضْعِ حَيْثُ يَظْهَرُ الشَرْطُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، فَمَن قَرَأ بِالجَزْمِ عَطَفَ عَلى مَوْضِع "فَلا هادِيَ لَهُ" لِأنَّهُ وقَعَ هُناكَ فِعْلٌ كانَ مَجْزُومًا، وكَذَلِكَ مَن قَرَأ: "وَيَكْفُرْ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَوْضِع ( فَهو خَيْرٌ لَكم )، وقَرَأها أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُبَيْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ العنبَرِيُّ: "وَأكُونَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "فَأصَّدَّقَ"، وقالَ أبُو حاتِمٍ في كَتْبِها في المُصْحَفِ بِغَيْرِ واوٍ: إنَّهم حَذَفُوا الواوَ كَما حَذَفُوها مِنِ "اتَّخَذَ" وغَيْرِهِ، ورَجَّحَها أبُو عَلِيٍّ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فَأتَصَدَّقُ وأكُنْ" وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ حَضٌّ عَلى المُبادَرَةِ ومُسابَقَةِ الأجَلِ بِالعَمَلِ الصالِحِ، وقَرَأ السَبْعَةُ والجُمْهُورُ: "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ لِجَمِيعِ الناسِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ عَلى تَخْصِيصِ الكَفّارِ بِالوَعِيدِ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُنافِقُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

التغابن 64:1

(p-٣١٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَغابُنِ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي مَدَنِيَّةٌ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: هي مَكِّيَّةٌ، إلّا مِن قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إلى آخِرِ السُورَةِ فَإنَّهُ مَدَنِيٌّ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا وفي تَشابِيكِ رَأْسِهِ خَمْسُ آياتٍ مِن فاتِحَةِ سُورَةِ التَغابُنِ.» قوله عزّ وجلّ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عُمُومُ مَعْناهُ التَنْبِيهُ، و"الشَيْءُ" هو المَوْجُودُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، والمَعْنى: فَمِنكم كافِرٌ لِنِعْمَتِهِ في الإيجادِ حِينَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ لِجَهْلِهِ بِاللهِ، ومِنكم مُؤْمِنٌ بِاللهِ، والإيمانُ بِهِ شُكْرٌ لِنِعْمَتِهِ، فالإشارَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ في الإيمانِ والكُفْرِ- هي إلى اكْتِسابِ العَبْدِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وحُجَّتُهم قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"،» (p-٣١٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، وكَأنَّ العِبارَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَمِنكُمْ" تُعْطِي هَذا كُلَّهُ، وكَذَلِكَ يُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وقِيلَ: المَعْنى خَلَقَكم مِنكم مُؤْمِنٌ ومِنكم كافِرٌ في أصْلِ الخَلْقِ، فَهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، فالإشارَةُ -عَلى هَذا- في الإيمانِ والكُفْرِ هي إلى اخْتِراعِ اللهِ تَعالى وخَلْقِهِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَجْرِي مَعَ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ أحَدَكم يَكُونُ في بَطْنِ أُمِّهِ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَجِيءُ المَلِكُ فَيَقُولُ: يا رَبِّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ فَما الرِزْقُ؟ فَما الأجَلُ، فَيَكْتُبُ ذَلِكَ في بَطْنِ أُمِّهِ"،» فَقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: "أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ "؟ هو في هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾، ويَجْرِي مَعَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ في الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ: « "إنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا"،» وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "خَلَقَ اللهُ فِرْعَوْنَ في البَطْنِ كافِرًا، وخَلَقَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّاءَ مُؤْمِنًا"،» وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: مَعْنى الآيَةِ: فَمِنكم كافِرٌ بِاللهِ مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومُؤْمِنٌ بِاللهِ كافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وقُدِّمَ الكافِرُ لِأنَّهُ أعْرَفُ مِن جِهَةِ الكَثْرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالحَقِّ" أيْ: حِينَ خَلَقَها مَحْقُوقًا في نَفْسِهِ لَيْسَتْ عَبَثًا ولا لِغَيْرِ مَعْنًى، (p-٣١٩)وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "صَوَّرَكُمْ" بِضَمِّ الصادِ، وقَرَأ أبُو رَزِينٍ: "صَوَّرَكُمْ" بِكَسْرِها، وهَذا تَعْدِيدُ النِعْمَةِ في حُسْنِ الخِلْقَةِ لِأنَّ أعْضاءَ ابْنِ آدَمَ مُتَصَرِّفَةٌ في جَمِيعِ ما تَتَصَرَّفُ بِهِ أعْضاءُ الحَيَوانِ وبِزِياداتٍ كَثِيرَةٍ فُضِّلَ بِها، ثُمَّ هو مُفَضَّلٌ بِحُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، وحُجَّةُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: النِعْمَةُ المُعَدَّدَةُ هُنا إنَّما هي صُورَةُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ مُدْرِكٌ عاقِلٌ، فَهَذا هو الَّذِي حَسُنَ لَهُ حَتّى لَحِقَ ذَلِكَ كِمالاتٌ كَثِيرَةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أحْرى في لُغَةِ العَرَبِ لِأنَّها لا تَعْرِفُ الصُوَرَ إلّا الشَكْلَ. وذَكَرَ تَعالى عِلْمَهُ بِما في السَماواتِ والأرْضِ، فَعَلِمَ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ تَدَرَّجَ القَوْلُ إلى أخْفى مِن ذَلِكَ وهو جَمِيعُ ما يَقُولُهُ الناسُ في سِرٍّ وعَلَنٍ، ثُمَّ تَدَرَّجَ إلى خَفِيٍّ وهو ما يَهْجِسُ بِالخَواطِرِ، و"ذاتِ الصُدُورِ": ما فِيهِ مِن خَطِراتٍ واعْتِقاداتٍ، كَما يُقالُ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، والصَدْرُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ القَلْبِ.

التغابن 64:2

(p-٣١٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَغابُنِ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي مَدَنِيَّةٌ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: هي مَكِّيَّةٌ، إلّا مِن قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إلى آخِرِ السُورَةِ فَإنَّهُ مَدَنِيٌّ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا وفي تَشابِيكِ رَأْسِهِ خَمْسُ آياتٍ مِن فاتِحَةِ سُورَةِ التَغابُنِ.» قوله عزّ وجلّ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عُمُومُ مَعْناهُ التَنْبِيهُ، و"الشَيْءُ" هو المَوْجُودُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، والمَعْنى: فَمِنكم كافِرٌ لِنِعْمَتِهِ في الإيجادِ حِينَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ لِجَهْلِهِ بِاللهِ، ومِنكم مُؤْمِنٌ بِاللهِ، والإيمانُ بِهِ شُكْرٌ لِنِعْمَتِهِ، فالإشارَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ في الإيمانِ والكُفْرِ- هي إلى اكْتِسابِ العَبْدِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وحُجَّتُهم قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"،» (p-٣١٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، وكَأنَّ العِبارَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَمِنكُمْ" تُعْطِي هَذا كُلَّهُ، وكَذَلِكَ يُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وقِيلَ: المَعْنى خَلَقَكم مِنكم مُؤْمِنٌ ومِنكم كافِرٌ في أصْلِ الخَلْقِ، فَهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، فالإشارَةُ -عَلى هَذا- في الإيمانِ والكُفْرِ هي إلى اخْتِراعِ اللهِ تَعالى وخَلْقِهِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَجْرِي مَعَ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ أحَدَكم يَكُونُ في بَطْنِ أُمِّهِ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَجِيءُ المَلِكُ فَيَقُولُ: يا رَبِّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ فَما الرِزْقُ؟ فَما الأجَلُ، فَيَكْتُبُ ذَلِكَ في بَطْنِ أُمِّهِ"،» فَقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: "أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ "؟ هو في هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾، ويَجْرِي مَعَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ في الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ: « "إنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا"،» وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "خَلَقَ اللهُ فِرْعَوْنَ في البَطْنِ كافِرًا، وخَلَقَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّاءَ مُؤْمِنًا"،» وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: مَعْنى الآيَةِ: فَمِنكم كافِرٌ بِاللهِ مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومُؤْمِنٌ بِاللهِ كافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وقُدِّمَ الكافِرُ لِأنَّهُ أعْرَفُ مِن جِهَةِ الكَثْرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالحَقِّ" أيْ: حِينَ خَلَقَها مَحْقُوقًا في نَفْسِهِ لَيْسَتْ عَبَثًا ولا لِغَيْرِ مَعْنًى، (p-٣١٩)وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "صَوَّرَكُمْ" بِضَمِّ الصادِ، وقَرَأ أبُو رَزِينٍ: "صَوَّرَكُمْ" بِكَسْرِها، وهَذا تَعْدِيدُ النِعْمَةِ في حُسْنِ الخِلْقَةِ لِأنَّ أعْضاءَ ابْنِ آدَمَ مُتَصَرِّفَةٌ في جَمِيعِ ما تَتَصَرَّفُ بِهِ أعْضاءُ الحَيَوانِ وبِزِياداتٍ كَثِيرَةٍ فُضِّلَ بِها، ثُمَّ هو مُفَضَّلٌ بِحُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، وحُجَّةُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: النِعْمَةُ المُعَدَّدَةُ هُنا إنَّما هي صُورَةُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ مُدْرِكٌ عاقِلٌ، فَهَذا هو الَّذِي حَسُنَ لَهُ حَتّى لَحِقَ ذَلِكَ كِمالاتٌ كَثِيرَةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أحْرى في لُغَةِ العَرَبِ لِأنَّها لا تَعْرِفُ الصُوَرَ إلّا الشَكْلَ. وذَكَرَ تَعالى عِلْمَهُ بِما في السَماواتِ والأرْضِ، فَعَلِمَ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ تَدَرَّجَ القَوْلُ إلى أخْفى مِن ذَلِكَ وهو جَمِيعُ ما يَقُولُهُ الناسُ في سِرٍّ وعَلَنٍ، ثُمَّ تَدَرَّجَ إلى خَفِيٍّ وهو ما يَهْجِسُ بِالخَواطِرِ، و"ذاتِ الصُدُورِ": ما فِيهِ مِن خَطِراتٍ واعْتِقاداتٍ، كَما يُقالُ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، والصَدْرُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ القَلْبِ.

التغابن 64:3

(p-٣١٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَغابُنِ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي مَدَنِيَّةٌ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: هي مَكِّيَّةٌ، إلّا مِن قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إلى آخِرِ السُورَةِ فَإنَّهُ مَدَنِيٌّ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا وفي تَشابِيكِ رَأْسِهِ خَمْسُ آياتٍ مِن فاتِحَةِ سُورَةِ التَغابُنِ.» قوله عزّ وجلّ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عُمُومُ مَعْناهُ التَنْبِيهُ، و"الشَيْءُ" هو المَوْجُودُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، والمَعْنى: فَمِنكم كافِرٌ لِنِعْمَتِهِ في الإيجادِ حِينَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ لِجَهْلِهِ بِاللهِ، ومِنكم مُؤْمِنٌ بِاللهِ، والإيمانُ بِهِ شُكْرٌ لِنِعْمَتِهِ، فالإشارَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ في الإيمانِ والكُفْرِ- هي إلى اكْتِسابِ العَبْدِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وحُجَّتُهم قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"،» (p-٣١٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، وكَأنَّ العِبارَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَمِنكُمْ" تُعْطِي هَذا كُلَّهُ، وكَذَلِكَ يُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وقِيلَ: المَعْنى خَلَقَكم مِنكم مُؤْمِنٌ ومِنكم كافِرٌ في أصْلِ الخَلْقِ، فَهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، فالإشارَةُ -عَلى هَذا- في الإيمانِ والكُفْرِ هي إلى اخْتِراعِ اللهِ تَعالى وخَلْقِهِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَجْرِي مَعَ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ أحَدَكم يَكُونُ في بَطْنِ أُمِّهِ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَجِيءُ المَلِكُ فَيَقُولُ: يا رَبِّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ فَما الرِزْقُ؟ فَما الأجَلُ، فَيَكْتُبُ ذَلِكَ في بَطْنِ أُمِّهِ"،» فَقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: "أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ "؟ هو في هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾، ويَجْرِي مَعَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ في الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ: « "إنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا"،» وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "خَلَقَ اللهُ فِرْعَوْنَ في البَطْنِ كافِرًا، وخَلَقَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّاءَ مُؤْمِنًا"،» وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: مَعْنى الآيَةِ: فَمِنكم كافِرٌ بِاللهِ مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومُؤْمِنٌ بِاللهِ كافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وقُدِّمَ الكافِرُ لِأنَّهُ أعْرَفُ مِن جِهَةِ الكَثْرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالحَقِّ" أيْ: حِينَ خَلَقَها مَحْقُوقًا في نَفْسِهِ لَيْسَتْ عَبَثًا ولا لِغَيْرِ مَعْنًى، (p-٣١٩)وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "صَوَّرَكُمْ" بِضَمِّ الصادِ، وقَرَأ أبُو رَزِينٍ: "صَوَّرَكُمْ" بِكَسْرِها، وهَذا تَعْدِيدُ النِعْمَةِ في حُسْنِ الخِلْقَةِ لِأنَّ أعْضاءَ ابْنِ آدَمَ مُتَصَرِّفَةٌ في جَمِيعِ ما تَتَصَرَّفُ بِهِ أعْضاءُ الحَيَوانِ وبِزِياداتٍ كَثِيرَةٍ فُضِّلَ بِها، ثُمَّ هو مُفَضَّلٌ بِحُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، وحُجَّةُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: النِعْمَةُ المُعَدَّدَةُ هُنا إنَّما هي صُورَةُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ مُدْرِكٌ عاقِلٌ، فَهَذا هو الَّذِي حَسُنَ لَهُ حَتّى لَحِقَ ذَلِكَ كِمالاتٌ كَثِيرَةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أحْرى في لُغَةِ العَرَبِ لِأنَّها لا تَعْرِفُ الصُوَرَ إلّا الشَكْلَ. وذَكَرَ تَعالى عِلْمَهُ بِما في السَماواتِ والأرْضِ، فَعَلِمَ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ تَدَرَّجَ القَوْلُ إلى أخْفى مِن ذَلِكَ وهو جَمِيعُ ما يَقُولُهُ الناسُ في سِرٍّ وعَلَنٍ، ثُمَّ تَدَرَّجَ إلى خَفِيٍّ وهو ما يَهْجِسُ بِالخَواطِرِ، و"ذاتِ الصُدُورِ": ما فِيهِ مِن خَطِراتٍ واعْتِقاداتٍ، كَما يُقالُ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، والصَدْرُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ القَلْبِ.

التغابن 64:4

(p-٣١٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَغابُنِ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي مَدَنِيَّةٌ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: هي مَكِّيَّةٌ، إلّا مِن قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إلى آخِرِ السُورَةِ فَإنَّهُ مَدَنِيٌّ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا وفي تَشابِيكِ رَأْسِهِ خَمْسُ آياتٍ مِن فاتِحَةِ سُورَةِ التَغابُنِ.» قوله عزّ وجلّ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عُمُومُ مَعْناهُ التَنْبِيهُ، و"الشَيْءُ" هو المَوْجُودُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، والمَعْنى: فَمِنكم كافِرٌ لِنِعْمَتِهِ في الإيجادِ حِينَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ لِجَهْلِهِ بِاللهِ، ومِنكم مُؤْمِنٌ بِاللهِ، والإيمانُ بِهِ شُكْرٌ لِنِعْمَتِهِ، فالإشارَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ في الإيمانِ والكُفْرِ- هي إلى اكْتِسابِ العَبْدِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وحُجَّتُهم قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"،» (p-٣١٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، وكَأنَّ العِبارَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَمِنكُمْ" تُعْطِي هَذا كُلَّهُ، وكَذَلِكَ يُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وقِيلَ: المَعْنى خَلَقَكم مِنكم مُؤْمِنٌ ومِنكم كافِرٌ في أصْلِ الخَلْقِ، فَهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، فالإشارَةُ -عَلى هَذا- في الإيمانِ والكُفْرِ هي إلى اخْتِراعِ اللهِ تَعالى وخَلْقِهِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَجْرِي مَعَ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ أحَدَكم يَكُونُ في بَطْنِ أُمِّهِ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَجِيءُ المَلِكُ فَيَقُولُ: يا رَبِّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ فَما الرِزْقُ؟ فَما الأجَلُ، فَيَكْتُبُ ذَلِكَ في بَطْنِ أُمِّهِ"،» فَقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: "أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ "؟ هو في هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾، ويَجْرِي مَعَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ في الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ: « "إنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا"،» وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "خَلَقَ اللهُ فِرْعَوْنَ في البَطْنِ كافِرًا، وخَلَقَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّاءَ مُؤْمِنًا"،» وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: مَعْنى الآيَةِ: فَمِنكم كافِرٌ بِاللهِ مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومُؤْمِنٌ بِاللهِ كافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وقُدِّمَ الكافِرُ لِأنَّهُ أعْرَفُ مِن جِهَةِ الكَثْرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالحَقِّ" أيْ: حِينَ خَلَقَها مَحْقُوقًا في نَفْسِهِ لَيْسَتْ عَبَثًا ولا لِغَيْرِ مَعْنًى، (p-٣١٩)وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "صَوَّرَكُمْ" بِضَمِّ الصادِ، وقَرَأ أبُو رَزِينٍ: "صَوَّرَكُمْ" بِكَسْرِها، وهَذا تَعْدِيدُ النِعْمَةِ في حُسْنِ الخِلْقَةِ لِأنَّ أعْضاءَ ابْنِ آدَمَ مُتَصَرِّفَةٌ في جَمِيعِ ما تَتَصَرَّفُ بِهِ أعْضاءُ الحَيَوانِ وبِزِياداتٍ كَثِيرَةٍ فُضِّلَ بِها، ثُمَّ هو مُفَضَّلٌ بِحُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، وحُجَّةُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: النِعْمَةُ المُعَدَّدَةُ هُنا إنَّما هي صُورَةُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ مُدْرِكٌ عاقِلٌ، فَهَذا هو الَّذِي حَسُنَ لَهُ حَتّى لَحِقَ ذَلِكَ كِمالاتٌ كَثِيرَةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أحْرى في لُغَةِ العَرَبِ لِأنَّها لا تَعْرِفُ الصُوَرَ إلّا الشَكْلَ. وذَكَرَ تَعالى عِلْمَهُ بِما في السَماواتِ والأرْضِ، فَعَلِمَ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ تَدَرَّجَ القَوْلُ إلى أخْفى مِن ذَلِكَ وهو جَمِيعُ ما يَقُولُهُ الناسُ في سِرٍّ وعَلَنٍ، ثُمَّ تَدَرَّجَ إلى خَفِيٍّ وهو ما يَهْجِسُ بِالخَواطِرِ، و"ذاتِ الصُدُورِ": ما فِيهِ مِن خَطِراتٍ واعْتِقاداتٍ، كَما يُقالُ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، والصَدْرُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ القَلْبِ.

التغابن 64:5

قوله عزّ وجلّ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللهُ واللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ﴾ "ألَمْ يَأْتِكُمْ" جَزْمٌ، أصْلُهُ: يَأْتِيكُمْ، قالَ سِيبَوَيْهِ: "واعْلَمْ أنَّ الآخَرَ إذا كانَ يَسْكُنُ في الرَفْعِ حُذِفَ في الجَزْمِ"، والخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِقُرَيْشٍ، ذَكَرُوا ما حَلَّ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَمِعَتْ قُرَيْشٌ أخْبارَهُمْ، و"وَبالُ الأمْرِ": مَكْرُوهُهُ وما يَسُوءُ مِنهُ. (p-٣٢٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ بِأنَّهُ" إشارَةٌ إلى ذَوْقِ الوَبالِ وكَوْنِ عَذابِ الآخِرَةِ لَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مِن مَقالاتِ أُولَئِكَ الماضِينَ ما هو مُشْبِهٌ لِقَوْلِ الكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ مِنَ اسْتِبْعادِ بَعْثِ اللهِ لِلْبَشَرِ، ونُبُوَّةِ أحَدٍ مِن بَنِي آدَمَ، وحَسَدِ الشَخْصِ المَبْعُوثِ. وقَوْلُهُ: "أبَشَرٌ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وجَمْعُ الضَمِيرِ "يَهْدُونَنا" مِن حَيْثُ كانَ "البَشَرُ" اسْمَ هَذا النَوْعِ الآدَمِيِّ، كَأنَّهم قالُوا: أناسٌ هُداتُنا؟ وقَوْلُهُ تَعالى: "واسْتَغْنى اللهُ" عِبارَةٌ عَمّا ظَهَرَ مِن هَلاكِهِمْ وأنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا فَبانَ أنَّهُ كانَ غَنِيًّا أوَّلًا، وبِسَبَبِ ظُهُورِ هَلاكِهِمْ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ ظاهِرًا ساغَ اسْتِعْمالُ هَذا الغِناءِ مُسْتَنَدًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى؛ لِأنَّ بِناءَ "اسْتَفْعَلَ" إنَّما هو لِطَلَبِ الشَيْءِ وتَحْصِيلِهِ بِالطَلَبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَخُصُّ قُرَيْشًا ثُمَّ هي بَعْدُ تَعُمُّ كُلَّ كافِرٍ بِالبَعْثِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الزَعْمُ كُنْيَةُ الكَذِبِ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَجُلِ زَعَمُوا"،» ولا تُوجَدُ "زَعَمَ" مُسْتَعْمَلَةً في فَصِيحٍ مِنَ الكَلامِ إلّا عِبارَةٌ عَنِ الكَذِبِ أو قَوْلٍ انْفَرَدَ بِهِ قائِلُهُ فَيُرِيدُ ناقِلُهُ أنْ يُلْقِيَ عُهْدَتَهُ عَلى الزاعِمِ، فَفي ذَلِكَ ما يَنْحُو إلى تَضْعِيفِ الزَعْمِ، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ: "زَعَمَ الخَلِيلُ" إنَّما يَجِيءُ فِيما يَنْفَرِدُ بِهِ الخَلِيلُ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُجِيبَ نَفْيَهم بِما يَقْتَضِي الرَدَّ عَلَيْهِمْ وإيجابَ البَعْثِ وأنْ يُؤَكِّدَ ذَلِكَ بِالقَسَمِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم في آخِرِ الآيَةِ بِأنَّهم يُخْبِرُونَ بِأعْمالِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ المُؤَدِّي إلى العِقابِ.

التغابن 64:6

قوله عزّ وجلّ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللهُ واللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ﴾ "ألَمْ يَأْتِكُمْ" جَزْمٌ، أصْلُهُ: يَأْتِيكُمْ، قالَ سِيبَوَيْهِ: "واعْلَمْ أنَّ الآخَرَ إذا كانَ يَسْكُنُ في الرَفْعِ حُذِفَ في الجَزْمِ"، والخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِقُرَيْشٍ، ذَكَرُوا ما حَلَّ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَمِعَتْ قُرَيْشٌ أخْبارَهُمْ، و"وَبالُ الأمْرِ": مَكْرُوهُهُ وما يَسُوءُ مِنهُ. (p-٣٢٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ بِأنَّهُ" إشارَةٌ إلى ذَوْقِ الوَبالِ وكَوْنِ عَذابِ الآخِرَةِ لَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مِن مَقالاتِ أُولَئِكَ الماضِينَ ما هو مُشْبِهٌ لِقَوْلِ الكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ مِنَ اسْتِبْعادِ بَعْثِ اللهِ لِلْبَشَرِ، ونُبُوَّةِ أحَدٍ مِن بَنِي آدَمَ، وحَسَدِ الشَخْصِ المَبْعُوثِ. وقَوْلُهُ: "أبَشَرٌ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وجَمْعُ الضَمِيرِ "يَهْدُونَنا" مِن حَيْثُ كانَ "البَشَرُ" اسْمَ هَذا النَوْعِ الآدَمِيِّ، كَأنَّهم قالُوا: أناسٌ هُداتُنا؟ وقَوْلُهُ تَعالى: "واسْتَغْنى اللهُ" عِبارَةٌ عَمّا ظَهَرَ مِن هَلاكِهِمْ وأنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا فَبانَ أنَّهُ كانَ غَنِيًّا أوَّلًا، وبِسَبَبِ ظُهُورِ هَلاكِهِمْ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ ظاهِرًا ساغَ اسْتِعْمالُ هَذا الغِناءِ مُسْتَنَدًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى؛ لِأنَّ بِناءَ "اسْتَفْعَلَ" إنَّما هو لِطَلَبِ الشَيْءِ وتَحْصِيلِهِ بِالطَلَبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَخُصُّ قُرَيْشًا ثُمَّ هي بَعْدُ تَعُمُّ كُلَّ كافِرٍ بِالبَعْثِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الزَعْمُ كُنْيَةُ الكَذِبِ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَجُلِ زَعَمُوا"،» ولا تُوجَدُ "زَعَمَ" مُسْتَعْمَلَةً في فَصِيحٍ مِنَ الكَلامِ إلّا عِبارَةٌ عَنِ الكَذِبِ أو قَوْلٍ انْفَرَدَ بِهِ قائِلُهُ فَيُرِيدُ ناقِلُهُ أنْ يُلْقِيَ عُهْدَتَهُ عَلى الزاعِمِ، فَفي ذَلِكَ ما يَنْحُو إلى تَضْعِيفِ الزَعْمِ، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ: "زَعَمَ الخَلِيلُ" إنَّما يَجِيءُ فِيما يَنْفَرِدُ بِهِ الخَلِيلُ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُجِيبَ نَفْيَهم بِما يَقْتَضِي الرَدَّ عَلَيْهِمْ وإيجابَ البَعْثِ وأنْ يُؤَكِّدَ ذَلِكَ بِالقَسَمِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم في آخِرِ الآيَةِ بِأنَّهم يُخْبِرُونَ بِأعْمالِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ المُؤَدِّي إلى العِقابِ.

التغابن 64:7

قوله عزّ وجلّ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللهُ واللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ﴾ "ألَمْ يَأْتِكُمْ" جَزْمٌ، أصْلُهُ: يَأْتِيكُمْ، قالَ سِيبَوَيْهِ: "واعْلَمْ أنَّ الآخَرَ إذا كانَ يَسْكُنُ في الرَفْعِ حُذِفَ في الجَزْمِ"، والخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِقُرَيْشٍ، ذَكَرُوا ما حَلَّ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَمِعَتْ قُرَيْشٌ أخْبارَهُمْ، و"وَبالُ الأمْرِ": مَكْرُوهُهُ وما يَسُوءُ مِنهُ. (p-٣٢٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ بِأنَّهُ" إشارَةٌ إلى ذَوْقِ الوَبالِ وكَوْنِ عَذابِ الآخِرَةِ لَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مِن مَقالاتِ أُولَئِكَ الماضِينَ ما هو مُشْبِهٌ لِقَوْلِ الكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ مِنَ اسْتِبْعادِ بَعْثِ اللهِ لِلْبَشَرِ، ونُبُوَّةِ أحَدٍ مِن بَنِي آدَمَ، وحَسَدِ الشَخْصِ المَبْعُوثِ. وقَوْلُهُ: "أبَشَرٌ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وجَمْعُ الضَمِيرِ "يَهْدُونَنا" مِن حَيْثُ كانَ "البَشَرُ" اسْمَ هَذا النَوْعِ الآدَمِيِّ، كَأنَّهم قالُوا: أناسٌ هُداتُنا؟ وقَوْلُهُ تَعالى: "واسْتَغْنى اللهُ" عِبارَةٌ عَمّا ظَهَرَ مِن هَلاكِهِمْ وأنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا فَبانَ أنَّهُ كانَ غَنِيًّا أوَّلًا، وبِسَبَبِ ظُهُورِ هَلاكِهِمْ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ ظاهِرًا ساغَ اسْتِعْمالُ هَذا الغِناءِ مُسْتَنَدًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى؛ لِأنَّ بِناءَ "اسْتَفْعَلَ" إنَّما هو لِطَلَبِ الشَيْءِ وتَحْصِيلِهِ بِالطَلَبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَخُصُّ قُرَيْشًا ثُمَّ هي بَعْدُ تَعُمُّ كُلَّ كافِرٍ بِالبَعْثِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الزَعْمُ كُنْيَةُ الكَذِبِ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَجُلِ زَعَمُوا"،» ولا تُوجَدُ "زَعَمَ" مُسْتَعْمَلَةً في فَصِيحٍ مِنَ الكَلامِ إلّا عِبارَةٌ عَنِ الكَذِبِ أو قَوْلٍ انْفَرَدَ بِهِ قائِلُهُ فَيُرِيدُ ناقِلُهُ أنْ يُلْقِيَ عُهْدَتَهُ عَلى الزاعِمِ، فَفي ذَلِكَ ما يَنْحُو إلى تَضْعِيفِ الزَعْمِ، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ: "زَعَمَ الخَلِيلُ" إنَّما يَجِيءُ فِيما يَنْفَرِدُ بِهِ الخَلِيلُ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُجِيبَ نَفْيَهم بِما يَقْتَضِي الرَدَّ عَلَيْهِمْ وإيجابَ البَعْثِ وأنْ يُؤَكِّدَ ذَلِكَ بِالقَسَمِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم في آخِرِ الآيَةِ بِأنَّهم يُخْبِرُونَ بِأعْمالِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ المُؤَدِّي إلى العِقابِ.

التغابن 64:8

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ والنُورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمَ التَغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عنهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ ومَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذا دُعاءٌ إلى اللهِ تَعالى وتَبْلِيغٌ وتَحْذِيرٌ، و"النُورُ" القُرْآنُ. والعامِلُ في "يَوْمَ" (p-٣٢١)يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "تُنَبَّؤُنَّ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "خَبِيرٌ"، وهو تَعالى خَبِيرٌ في كُلِّ يَوْمٍ ولَكِنْ يَخُصُّ ذَلِكَ اليَوْمَ لِأنَّهُ يَوْمٌ تَضُرُّهم فِيهِ خِبْرَةُ اللهِ تَعالى بِأُمُورِهِمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "يَجْمَعُكُمْ" بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو عُمَرَ بِسُكُونِها، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ أشَمَّها الضَمَّ، وهَذا عَلى جَوازِ تَسْكِينِ الحَرَكَةِ وإنْ كانَتْ لِإعْرابٍ، كَما قالَ جَرِيرٌ: ؎ ............ فَلَمْ تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ و"يَوْمَ الجَمْعِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ، وهو يَوْمُ التَغابُنِ؛ وذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَنْبَعِثُ مِن قَبْرِهِ وهو يَرْجُو حَظًّا أوَمَنزِلَةً، فَإذا وقَعَ الجَزاءُ عَيَّرَ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ لِأنَّهم يُجْزَوْنَ الجَنَّةَ ويَحْصُلُ الكُفّارُ في النارِ، نَحا هَذا المَعْنى مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، ولَيْسَ هَذا الفِعْلُ في "التَغابُنِ" مِنَ اثْنَيْنِ، بَلْ هو كَتَواضَعَ وتَحامَلَ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "نَكْفُرُ" بِنُونٍ، وكَذَلِكَ "نُدْخِلُهُ"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ بِخِلافٍ- وطَلْحَةَ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْمَشُ، وعِيسى، والحَسَنُ في المَوْضِعَيْنِ بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يُكَفِّرُ اللهُ، والأوَّلُ هو نُونُ العَظَمَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المَصائِبَ الَّتِي هي رَزايا، وخَصَّها بِالذِكْرِ لِأنَّها الأهَمُّ عَلى الناسِ والأبْيَنُ أثَرًا في نُفُوسِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ جَمِيعَ الحَوادِثِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وذَلِكَ أنَّ الحُكْمَ واحِدٌ في أنَّها بِإذْنِ اللهِ تَعالى، و"الإذْنُ" في (p-٣٢٢)هَذا المَوْضِعِ عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ والإرادَةِ وتَمْكِينِ الوُقُوعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قالَ فِيهِ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: مَن آمَنَ بِاللهِ تَعالى وعَرَفَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَضاءِ اللهِ وقَدَرِهِ وعِلْمِهِ، هانَتْ عَلَيْهِ مُصِيبَتُهُ، وسَلَّمَ الأمْرَ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "نَهْدِ" بِالنُونِ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "يُهْدَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدالِ "قَلْبُهُ" رَفْعًا، وقَرَأ عِكْرِمَةُ أنَّهُ سَكَّنَ بَدَلَ الهَمْزَةِ ألِفًا، عَلى مَعْنى أنَّ صاحِبَ المُصِيبَةِ يُسَلِّمُ فَتَسْكُنُ نَفْسُهُ، ويُرْشِدُ اللهُ تَعالى المُؤْمِنَ بِهِ إلى الصَوابِ في الأُمُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ عُمُومٌ مُطْلَقٌ عَلى ظاهِرِهِ.

التغابن 64:9

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ والنُورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمَ التَغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عنهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ ومَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذا دُعاءٌ إلى اللهِ تَعالى وتَبْلِيغٌ وتَحْذِيرٌ، و"النُورُ" القُرْآنُ. والعامِلُ في "يَوْمَ" (p-٣٢١)يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "تُنَبَّؤُنَّ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "خَبِيرٌ"، وهو تَعالى خَبِيرٌ في كُلِّ يَوْمٍ ولَكِنْ يَخُصُّ ذَلِكَ اليَوْمَ لِأنَّهُ يَوْمٌ تَضُرُّهم فِيهِ خِبْرَةُ اللهِ تَعالى بِأُمُورِهِمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "يَجْمَعُكُمْ" بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو عُمَرَ بِسُكُونِها، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ أشَمَّها الضَمَّ، وهَذا عَلى جَوازِ تَسْكِينِ الحَرَكَةِ وإنْ كانَتْ لِإعْرابٍ، كَما قالَ جَرِيرٌ: ؎ ............ فَلَمْ تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ و"يَوْمَ الجَمْعِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ، وهو يَوْمُ التَغابُنِ؛ وذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَنْبَعِثُ مِن قَبْرِهِ وهو يَرْجُو حَظًّا أوَمَنزِلَةً، فَإذا وقَعَ الجَزاءُ عَيَّرَ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ لِأنَّهم يُجْزَوْنَ الجَنَّةَ ويَحْصُلُ الكُفّارُ في النارِ، نَحا هَذا المَعْنى مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، ولَيْسَ هَذا الفِعْلُ في "التَغابُنِ" مِنَ اثْنَيْنِ، بَلْ هو كَتَواضَعَ وتَحامَلَ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "نَكْفُرُ" بِنُونٍ، وكَذَلِكَ "نُدْخِلُهُ"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ بِخِلافٍ- وطَلْحَةَ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْمَشُ، وعِيسى، والحَسَنُ في المَوْضِعَيْنِ بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يُكَفِّرُ اللهُ، والأوَّلُ هو نُونُ العَظَمَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المَصائِبَ الَّتِي هي رَزايا، وخَصَّها بِالذِكْرِ لِأنَّها الأهَمُّ عَلى الناسِ والأبْيَنُ أثَرًا في نُفُوسِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ جَمِيعَ الحَوادِثِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وذَلِكَ أنَّ الحُكْمَ واحِدٌ في أنَّها بِإذْنِ اللهِ تَعالى، و"الإذْنُ" في (p-٣٢٢)هَذا المَوْضِعِ عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ والإرادَةِ وتَمْكِينِ الوُقُوعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قالَ فِيهِ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: مَن آمَنَ بِاللهِ تَعالى وعَرَفَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَضاءِ اللهِ وقَدَرِهِ وعِلْمِهِ، هانَتْ عَلَيْهِ مُصِيبَتُهُ، وسَلَّمَ الأمْرَ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "نَهْدِ" بِالنُونِ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "يُهْدَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدالِ "قَلْبُهُ" رَفْعًا، وقَرَأ عِكْرِمَةُ أنَّهُ سَكَّنَ بَدَلَ الهَمْزَةِ ألِفًا، عَلى مَعْنى أنَّ صاحِبَ المُصِيبَةِ يُسَلِّمُ فَتَسْكُنُ نَفْسُهُ، ويُرْشِدُ اللهُ تَعالى المُؤْمِنَ بِهِ إلى الصَوابِ في الأُمُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ عُمُومٌ مُطْلَقٌ عَلى ظاهِرِهِ.

التغابن 64:10

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ والنُورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمَ التَغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عنهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ ومَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذا دُعاءٌ إلى اللهِ تَعالى وتَبْلِيغٌ وتَحْذِيرٌ، و"النُورُ" القُرْآنُ. والعامِلُ في "يَوْمَ" (p-٣٢١)يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "تُنَبَّؤُنَّ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "خَبِيرٌ"، وهو تَعالى خَبِيرٌ في كُلِّ يَوْمٍ ولَكِنْ يَخُصُّ ذَلِكَ اليَوْمَ لِأنَّهُ يَوْمٌ تَضُرُّهم فِيهِ خِبْرَةُ اللهِ تَعالى بِأُمُورِهِمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "يَجْمَعُكُمْ" بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو عُمَرَ بِسُكُونِها، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ أشَمَّها الضَمَّ، وهَذا عَلى جَوازِ تَسْكِينِ الحَرَكَةِ وإنْ كانَتْ لِإعْرابٍ، كَما قالَ جَرِيرٌ: ؎ ............ فَلَمْ تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ و"يَوْمَ الجَمْعِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ، وهو يَوْمُ التَغابُنِ؛ وذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَنْبَعِثُ مِن قَبْرِهِ وهو يَرْجُو حَظًّا أوَمَنزِلَةً، فَإذا وقَعَ الجَزاءُ عَيَّرَ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ لِأنَّهم يُجْزَوْنَ الجَنَّةَ ويَحْصُلُ الكُفّارُ في النارِ، نَحا هَذا المَعْنى مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، ولَيْسَ هَذا الفِعْلُ في "التَغابُنِ" مِنَ اثْنَيْنِ، بَلْ هو كَتَواضَعَ وتَحامَلَ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "نَكْفُرُ" بِنُونٍ، وكَذَلِكَ "نُدْخِلُهُ"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ بِخِلافٍ- وطَلْحَةَ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْمَشُ، وعِيسى، والحَسَنُ في المَوْضِعَيْنِ بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يُكَفِّرُ اللهُ، والأوَّلُ هو نُونُ العَظَمَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المَصائِبَ الَّتِي هي رَزايا، وخَصَّها بِالذِكْرِ لِأنَّها الأهَمُّ عَلى الناسِ والأبْيَنُ أثَرًا في نُفُوسِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ جَمِيعَ الحَوادِثِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وذَلِكَ أنَّ الحُكْمَ واحِدٌ في أنَّها بِإذْنِ اللهِ تَعالى، و"الإذْنُ" في (p-٣٢٢)هَذا المَوْضِعِ عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ والإرادَةِ وتَمْكِينِ الوُقُوعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قالَ فِيهِ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: مَن آمَنَ بِاللهِ تَعالى وعَرَفَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَضاءِ اللهِ وقَدَرِهِ وعِلْمِهِ، هانَتْ عَلَيْهِ مُصِيبَتُهُ، وسَلَّمَ الأمْرَ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "نَهْدِ" بِالنُونِ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "يُهْدَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدالِ "قَلْبُهُ" رَفْعًا، وقَرَأ عِكْرِمَةُ أنَّهُ سَكَّنَ بَدَلَ الهَمْزَةِ ألِفًا، عَلى مَعْنى أنَّ صاحِبَ المُصِيبَةِ يُسَلِّمُ فَتَسْكُنُ نَفْسُهُ، ويُرْشِدُ اللهُ تَعالى المُؤْمِنَ بِهِ إلى الصَوابِ في الأُمُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ عُمُومٌ مُطْلَقٌ عَلى ظاهِرِهِ.

التغابن 64:11

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ والنُورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمَ التَغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عنهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ ومَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذا دُعاءٌ إلى اللهِ تَعالى وتَبْلِيغٌ وتَحْذِيرٌ، و"النُورُ" القُرْآنُ. والعامِلُ في "يَوْمَ" (p-٣٢١)يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "تُنَبَّؤُنَّ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "خَبِيرٌ"، وهو تَعالى خَبِيرٌ في كُلِّ يَوْمٍ ولَكِنْ يَخُصُّ ذَلِكَ اليَوْمَ لِأنَّهُ يَوْمٌ تَضُرُّهم فِيهِ خِبْرَةُ اللهِ تَعالى بِأُمُورِهِمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "يَجْمَعُكُمْ" بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو عُمَرَ بِسُكُونِها، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ أشَمَّها الضَمَّ، وهَذا عَلى جَوازِ تَسْكِينِ الحَرَكَةِ وإنْ كانَتْ لِإعْرابٍ، كَما قالَ جَرِيرٌ: ؎ ............ فَلَمْ تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ و"يَوْمَ الجَمْعِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ، وهو يَوْمُ التَغابُنِ؛ وذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَنْبَعِثُ مِن قَبْرِهِ وهو يَرْجُو حَظًّا أوَمَنزِلَةً، فَإذا وقَعَ الجَزاءُ عَيَّرَ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ لِأنَّهم يُجْزَوْنَ الجَنَّةَ ويَحْصُلُ الكُفّارُ في النارِ، نَحا هَذا المَعْنى مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، ولَيْسَ هَذا الفِعْلُ في "التَغابُنِ" مِنَ اثْنَيْنِ، بَلْ هو كَتَواضَعَ وتَحامَلَ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "نَكْفُرُ" بِنُونٍ، وكَذَلِكَ "نُدْخِلُهُ"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ بِخِلافٍ- وطَلْحَةَ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْمَشُ، وعِيسى، والحَسَنُ في المَوْضِعَيْنِ بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يُكَفِّرُ اللهُ، والأوَّلُ هو نُونُ العَظَمَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المَصائِبَ الَّتِي هي رَزايا، وخَصَّها بِالذِكْرِ لِأنَّها الأهَمُّ عَلى الناسِ والأبْيَنُ أثَرًا في نُفُوسِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ جَمِيعَ الحَوادِثِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وذَلِكَ أنَّ الحُكْمَ واحِدٌ في أنَّها بِإذْنِ اللهِ تَعالى، و"الإذْنُ" في (p-٣٢٢)هَذا المَوْضِعِ عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ والإرادَةِ وتَمْكِينِ الوُقُوعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قالَ فِيهِ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: مَن آمَنَ بِاللهِ تَعالى وعَرَفَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَضاءِ اللهِ وقَدَرِهِ وعِلْمِهِ، هانَتْ عَلَيْهِ مُصِيبَتُهُ، وسَلَّمَ الأمْرَ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "نَهْدِ" بِالنُونِ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "يُهْدَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدالِ "قَلْبُهُ" رَفْعًا، وقَرَأ عِكْرِمَةُ أنَّهُ سَكَّنَ بَدَلَ الهَمْزَةِ ألِفًا، عَلى مَعْنى أنَّ صاحِبَ المُصِيبَةِ يُسَلِّمُ فَتَسْكُنُ نَفْسُهُ، ويُرْشِدُ اللهُ تَعالى المُؤْمِنَ بِهِ إلى الصَوابِ في الأُمُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ عُمُومٌ مُطْلَقٌ عَلى ظاهِرِهِ.

التغابن 64:12

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو وعَلى اللهُ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ واللهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَأطِيعُوا" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ "فَآمِنُوا"، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ" إلى آخِرِ الآيَةِ وعِيدٌ وتَبْرِئَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ إذا بَلَغَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ تَحْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى مُكافَحَةِ الكُفّارِ والصَبْرِ عَلى دِينِ اللهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، قُرْآنٌ مَدَنِيٌّ، اخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِهِ، فَقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنَّهُ نَزَلَ في عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ غَزْوًا مَعَ النَبِيِّ ﷺ، فاجْتَمَعَ أهْلُهُ وأولادُهُ فَثَبَّطُوهُ وشَكَوْا إلَيْهِ فِراقَهُ، فَلَمْ يَغْزُ، ثُمَّ إنَّهُ نَدِمَ وهَمَّ بِمُعاقَبَتِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ مُحَذِّرَةً مِنَ الأزْواجِ والأولادِ وفِتْنَتِهِمْ، ثُمَّ صَرَفَهُ تَعالى عن مُعاقَبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا﴾. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ سَبَبُ الآيَةِ أنَّ قَوْمًا آمَنُوا بِاللهِ تَعالى وثَبَّطَهم أزْواجُهم وأولادُهم عَنِ الهِجْرَةِ فَلَمْ يُهاجِرُوا إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَوَجَدُوا غَيْرَهم قَدْ تَفَقَّهَ في الدَيْنِ، (p-٣٢٣)فَنَدِمُوا وأسِفُوا وهَمُّوا بِمُعاقَبَةِ أزْواجِهِمْ وأولادِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الأمْوالَ والأولادَ فِتْنَةٌ تَشْغَلُ المَرْءَ عن مَراشِدِهِ، وتَحْمِلُهُ مِنَ الرَغْبَةِ في الدُنْيا عَلى ما لا يَحْمَدُهُ في آخِرَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ"،» وخَرَّجَ أبُو داوُدَ حَدِيثًا في مُصَنَّفِهِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ حَتّى جاءَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما، وعَلَيْهِما قَمِيصانِ أحْمَرانِ يَجُرّانِهِما، يَعْثِرانِ ويَقُومانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المِنبَرِ حَتّى أخَذَهُما وصَعِدَ بِهِما، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: إنِّي رَأيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أصْبِرْ، ثُمَّ أخَذَ في خُطْبَتِهِ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ ونَحْوُها هي فِتْنَةُ الفُضَلاءِ، فَأمّا فِتْنَةُ الجُهّالِ الفَسَقَةِ فَمُؤَدِّيَةٌ إلى كُلِّ مَهْلَكَةٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا يَقُولُ أحَدُكُمْ: اللهُمَّ اعْصِمْنِي عَنِ الفِتْنَةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ يَرْجِعُ أحَدٌ إلى أهْلٍ ومالٍ إلّا وهو مُشْتَمِلٌ عَلى الفِتْنَةِ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن مُضِلّاتِ الفِتَنِ"، وقالَ عُمَرُ: لِحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كَيْفَ أصْبَحْتَ؟ قالَ: أصْبَحْتُ أُحِبُّ الفِتْنَةَ وأكْرَهُ الحَقَّ، فَقالَ عُمَرُ: ما هَذا؟ قالَ: أُحِبُّ ولَدِي وأكْرَهُ المَوْتَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ تَزْهِيدٌ في الدُنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ.

التغابن 64:13

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو وعَلى اللهُ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ واللهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَأطِيعُوا" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ "فَآمِنُوا"، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ" إلى آخِرِ الآيَةِ وعِيدٌ وتَبْرِئَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ إذا بَلَغَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ تَحْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى مُكافَحَةِ الكُفّارِ والصَبْرِ عَلى دِينِ اللهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، قُرْآنٌ مَدَنِيٌّ، اخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِهِ، فَقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنَّهُ نَزَلَ في عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ غَزْوًا مَعَ النَبِيِّ ﷺ، فاجْتَمَعَ أهْلُهُ وأولادُهُ فَثَبَّطُوهُ وشَكَوْا إلَيْهِ فِراقَهُ، فَلَمْ يَغْزُ، ثُمَّ إنَّهُ نَدِمَ وهَمَّ بِمُعاقَبَتِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ مُحَذِّرَةً مِنَ الأزْواجِ والأولادِ وفِتْنَتِهِمْ، ثُمَّ صَرَفَهُ تَعالى عن مُعاقَبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا﴾. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ سَبَبُ الآيَةِ أنَّ قَوْمًا آمَنُوا بِاللهِ تَعالى وثَبَّطَهم أزْواجُهم وأولادُهم عَنِ الهِجْرَةِ فَلَمْ يُهاجِرُوا إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَوَجَدُوا غَيْرَهم قَدْ تَفَقَّهَ في الدَيْنِ، (p-٣٢٣)فَنَدِمُوا وأسِفُوا وهَمُّوا بِمُعاقَبَةِ أزْواجِهِمْ وأولادِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الأمْوالَ والأولادَ فِتْنَةٌ تَشْغَلُ المَرْءَ عن مَراشِدِهِ، وتَحْمِلُهُ مِنَ الرَغْبَةِ في الدُنْيا عَلى ما لا يَحْمَدُهُ في آخِرَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ"،» وخَرَّجَ أبُو داوُدَ حَدِيثًا في مُصَنَّفِهِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ حَتّى جاءَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما، وعَلَيْهِما قَمِيصانِ أحْمَرانِ يَجُرّانِهِما، يَعْثِرانِ ويَقُومانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المِنبَرِ حَتّى أخَذَهُما وصَعِدَ بِهِما، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: إنِّي رَأيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أصْبِرْ، ثُمَّ أخَذَ في خُطْبَتِهِ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ ونَحْوُها هي فِتْنَةُ الفُضَلاءِ، فَأمّا فِتْنَةُ الجُهّالِ الفَسَقَةِ فَمُؤَدِّيَةٌ إلى كُلِّ مَهْلَكَةٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا يَقُولُ أحَدُكُمْ: اللهُمَّ اعْصِمْنِي عَنِ الفِتْنَةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ يَرْجِعُ أحَدٌ إلى أهْلٍ ومالٍ إلّا وهو مُشْتَمِلٌ عَلى الفِتْنَةِ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن مُضِلّاتِ الفِتَنِ"، وقالَ عُمَرُ: لِحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كَيْفَ أصْبَحْتَ؟ قالَ: أصْبَحْتُ أُحِبُّ الفِتْنَةَ وأكْرَهُ الحَقَّ، فَقالَ عُمَرُ: ما هَذا؟ قالَ: أُحِبُّ ولَدِي وأكْرَهُ المَوْتَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ تَزْهِيدٌ في الدُنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ.

التغابن 64:14

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو وعَلى اللهُ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ واللهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَأطِيعُوا" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ "فَآمِنُوا"، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ" إلى آخِرِ الآيَةِ وعِيدٌ وتَبْرِئَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ إذا بَلَغَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ تَحْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى مُكافَحَةِ الكُفّارِ والصَبْرِ عَلى دِينِ اللهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، قُرْآنٌ مَدَنِيٌّ، اخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِهِ، فَقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنَّهُ نَزَلَ في عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ غَزْوًا مَعَ النَبِيِّ ﷺ، فاجْتَمَعَ أهْلُهُ وأولادُهُ فَثَبَّطُوهُ وشَكَوْا إلَيْهِ فِراقَهُ، فَلَمْ يَغْزُ، ثُمَّ إنَّهُ نَدِمَ وهَمَّ بِمُعاقَبَتِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ مُحَذِّرَةً مِنَ الأزْواجِ والأولادِ وفِتْنَتِهِمْ، ثُمَّ صَرَفَهُ تَعالى عن مُعاقَبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا﴾. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ سَبَبُ الآيَةِ أنَّ قَوْمًا آمَنُوا بِاللهِ تَعالى وثَبَّطَهم أزْواجُهم وأولادُهم عَنِ الهِجْرَةِ فَلَمْ يُهاجِرُوا إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَوَجَدُوا غَيْرَهم قَدْ تَفَقَّهَ في الدَيْنِ، (p-٣٢٣)فَنَدِمُوا وأسِفُوا وهَمُّوا بِمُعاقَبَةِ أزْواجِهِمْ وأولادِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الأمْوالَ والأولادَ فِتْنَةٌ تَشْغَلُ المَرْءَ عن مَراشِدِهِ، وتَحْمِلُهُ مِنَ الرَغْبَةِ في الدُنْيا عَلى ما لا يَحْمَدُهُ في آخِرَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ"،» وخَرَّجَ أبُو داوُدَ حَدِيثًا في مُصَنَّفِهِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ حَتّى جاءَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما، وعَلَيْهِما قَمِيصانِ أحْمَرانِ يَجُرّانِهِما، يَعْثِرانِ ويَقُومانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المِنبَرِ حَتّى أخَذَهُما وصَعِدَ بِهِما، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: إنِّي رَأيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أصْبِرْ، ثُمَّ أخَذَ في خُطْبَتِهِ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ ونَحْوُها هي فِتْنَةُ الفُضَلاءِ، فَأمّا فِتْنَةُ الجُهّالِ الفَسَقَةِ فَمُؤَدِّيَةٌ إلى كُلِّ مَهْلَكَةٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا يَقُولُ أحَدُكُمْ: اللهُمَّ اعْصِمْنِي عَنِ الفِتْنَةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ يَرْجِعُ أحَدٌ إلى أهْلٍ ومالٍ إلّا وهو مُشْتَمِلٌ عَلى الفِتْنَةِ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن مُضِلّاتِ الفِتَنِ"، وقالَ عُمَرُ: لِحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كَيْفَ أصْبَحْتَ؟ قالَ: أصْبَحْتُ أُحِبُّ الفِتْنَةَ وأكْرَهُ الحَقَّ، فَقالَ عُمَرُ: ما هَذا؟ قالَ: أُحِبُّ ولَدِي وأكْرَهُ المَوْتَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ تَزْهِيدٌ في الدُنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ.

التغابن 64:15

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو وعَلى اللهُ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ واللهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَأطِيعُوا" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ "فَآمِنُوا"، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ" إلى آخِرِ الآيَةِ وعِيدٌ وتَبْرِئَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ إذا بَلَغَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ تَحْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى مُكافَحَةِ الكُفّارِ والصَبْرِ عَلى دِينِ اللهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، قُرْآنٌ مَدَنِيٌّ، اخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِهِ، فَقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنَّهُ نَزَلَ في عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ غَزْوًا مَعَ النَبِيِّ ﷺ، فاجْتَمَعَ أهْلُهُ وأولادُهُ فَثَبَّطُوهُ وشَكَوْا إلَيْهِ فِراقَهُ، فَلَمْ يَغْزُ، ثُمَّ إنَّهُ نَدِمَ وهَمَّ بِمُعاقَبَتِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ مُحَذِّرَةً مِنَ الأزْواجِ والأولادِ وفِتْنَتِهِمْ، ثُمَّ صَرَفَهُ تَعالى عن مُعاقَبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا﴾. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ سَبَبُ الآيَةِ أنَّ قَوْمًا آمَنُوا بِاللهِ تَعالى وثَبَّطَهم أزْواجُهم وأولادُهم عَنِ الهِجْرَةِ فَلَمْ يُهاجِرُوا إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَوَجَدُوا غَيْرَهم قَدْ تَفَقَّهَ في الدَيْنِ، (p-٣٢٣)فَنَدِمُوا وأسِفُوا وهَمُّوا بِمُعاقَبَةِ أزْواجِهِمْ وأولادِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الأمْوالَ والأولادَ فِتْنَةٌ تَشْغَلُ المَرْءَ عن مَراشِدِهِ، وتَحْمِلُهُ مِنَ الرَغْبَةِ في الدُنْيا عَلى ما لا يَحْمَدُهُ في آخِرَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ"،» وخَرَّجَ أبُو داوُدَ حَدِيثًا في مُصَنَّفِهِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ حَتّى جاءَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما، وعَلَيْهِما قَمِيصانِ أحْمَرانِ يَجُرّانِهِما، يَعْثِرانِ ويَقُومانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المِنبَرِ حَتّى أخَذَهُما وصَعِدَ بِهِما، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: إنِّي رَأيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أصْبِرْ، ثُمَّ أخَذَ في خُطْبَتِهِ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ ونَحْوُها هي فِتْنَةُ الفُضَلاءِ، فَأمّا فِتْنَةُ الجُهّالِ الفَسَقَةِ فَمُؤَدِّيَةٌ إلى كُلِّ مَهْلَكَةٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا يَقُولُ أحَدُكُمْ: اللهُمَّ اعْصِمْنِي عَنِ الفِتْنَةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ يَرْجِعُ أحَدٌ إلى أهْلٍ ومالٍ إلّا وهو مُشْتَمِلٌ عَلى الفِتْنَةِ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن مُضِلّاتِ الفِتَنِ"، وقالَ عُمَرُ: لِحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كَيْفَ أصْبَحْتَ؟ قالَ: أصْبَحْتُ أُحِبُّ الفِتْنَةَ وأكْرَهُ الحَقَّ، فَقالَ عُمَرُ: ما هَذا؟ قالَ: أُحِبُّ ولَدِي وأكْرَهُ المَوْتَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ تَزْهِيدٌ في الدُنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ.

التغابن 64:16

قوله عزّ وجلّ: ﴿فاتَّقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (p-٣٢٤)قالَ قَتادَةُ وفَرِيقٌ مِنَ الناسِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ ناسِخٌ لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ورُوِيَ أنَّ الأمْرَ بِحَقِّ التُقاةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى الناسِ حَتّى نَزَلَ "ما اسْتَطَعْتُمْ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو جَعْفَرِ النَحّاسُ إلى أنَّهُ لا نَسْخَ في الآيَتَيْنِ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "حَقَّ تُقاتِهِ" مَقْصِدُهُ: فِيما اسْتَطَعْتُمْ، ولا يَعْقِلُ أنْ يُطِيعَ أحَدٌ فَوْقَ طاقَتِهِ واسْتِطاعَتِهِ، فَهَذِهِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ، وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الآيَةُ أنْ تَكُونَ: فاتَّقُوا اللهَ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِكُمُ التَقْوى، وتَكُونُ: "ما" ظَرْفًا لِلزَّمانِ كُلِّهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: حَياتُكم وما دامَ العَمَلُ مُمْكِنًا. قَوْلُهُ تَعالى: "خَيْرًا" ذَهَبَ بَعْضُ النُحاةِ إلى أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، وفي ذَلِكَ ضَعْفٌ، وذَهَبَ آخَرُونَ مِنهم إلى أنَّهُ نُصِبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: و"أنْفِقُوا"، قالُوا: والخَبَرُ هُنا المالُ، وذَهَبَ فَرِيقٌ آخَرُونَ مِنهم إلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: إَنْفاقًا خَيْرًا، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "أنْفِقُوا". وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يُوَقَّ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ القافِ، وقَرَأ أبُو عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "شِحَّ" بِكَسْرِ الشِينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ [الحَشْرِ]، وقالَ الحَسَنُ: نَظَرُكَ إلى امْرَأةٍ لا تَمْلِكُها مِنَ الشُحِّ، «وَقِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، ما يُدْخِلُ العَبْدَ النارَ؟ قالَ: "إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا وهَوًى مُتَّبَعًا وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيهِ، فَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَةِ نَفْسِكَ".» وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "يُضاعِفُهُ" وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ: "يُضاعِفُهُ"، وذَهَبَ (p-٣٢٥)بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذا الحَضَّ هو عَلى أداءِ الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ، وذَهَبَ آخَرُونَ مِنهم إلى أنَّ الآيَةَ في المَندُوبِ إلَيْهِ، وهو الأصَحُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ شَكُورٌ﴾ إخْبارٌ بِمَجازاتِهِ تَعالى. عَلى الشَيءِ، وأنَّهُ يَحُطُّ بِهِ عَمَّنْ شاءَ اللهُ العَظِيمُ، لا رَبَّ غَيْرُهُ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [ التَغابُنِ ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

التغابن 64:17

قوله عزّ وجلّ: ﴿فاتَّقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (p-٣٢٤)قالَ قَتادَةُ وفَرِيقٌ مِنَ الناسِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ ناسِخٌ لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ورُوِيَ أنَّ الأمْرَ بِحَقِّ التُقاةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى الناسِ حَتّى نَزَلَ "ما اسْتَطَعْتُمْ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو جَعْفَرِ النَحّاسُ إلى أنَّهُ لا نَسْخَ في الآيَتَيْنِ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "حَقَّ تُقاتِهِ" مَقْصِدُهُ: فِيما اسْتَطَعْتُمْ، ولا يَعْقِلُ أنْ يُطِيعَ أحَدٌ فَوْقَ طاقَتِهِ واسْتِطاعَتِهِ، فَهَذِهِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ، وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الآيَةُ أنْ تَكُونَ: فاتَّقُوا اللهَ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِكُمُ التَقْوى، وتَكُونُ: "ما" ظَرْفًا لِلزَّمانِ كُلِّهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: حَياتُكم وما دامَ العَمَلُ مُمْكِنًا. قَوْلُهُ تَعالى: "خَيْرًا" ذَهَبَ بَعْضُ النُحاةِ إلى أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، وفي ذَلِكَ ضَعْفٌ، وذَهَبَ آخَرُونَ مِنهم إلى أنَّهُ نُصِبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: و"أنْفِقُوا"، قالُوا: والخَبَرُ هُنا المالُ، وذَهَبَ فَرِيقٌ آخَرُونَ مِنهم إلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: إَنْفاقًا خَيْرًا، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "أنْفِقُوا". وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يُوَقَّ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ القافِ، وقَرَأ أبُو عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "شِحَّ" بِكَسْرِ الشِينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ [الحَشْرِ]، وقالَ الحَسَنُ: نَظَرُكَ إلى امْرَأةٍ لا تَمْلِكُها مِنَ الشُحِّ، «وَقِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، ما يُدْخِلُ العَبْدَ النارَ؟ قالَ: "إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا وهَوًى مُتَّبَعًا وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيهِ، فَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَةِ نَفْسِكَ".» وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "يُضاعِفُهُ" وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ: "يُضاعِفُهُ"، وذَهَبَ (p-٣٢٥)بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذا الحَضَّ هو عَلى أداءِ الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ، وذَهَبَ آخَرُونَ مِنهم إلى أنَّ الآيَةَ في المَندُوبِ إلَيْهِ، وهو الأصَحُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ شَكُورٌ﴾ إخْبارٌ بِمَجازاتِهِ تَعالى. عَلى الشَيءِ، وأنَّهُ يَحُطُّ بِهِ عَمَّنْ شاءَ اللهُ العَظِيمُ، لا رَبَّ غَيْرُهُ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [ التَغابُنِ ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

التغابن 64:18

قوله عزّ وجلّ: ﴿فاتَّقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (p-٣٢٤)قالَ قَتادَةُ وفَرِيقٌ مِنَ الناسِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ ناسِخٌ لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ورُوِيَ أنَّ الأمْرَ بِحَقِّ التُقاةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى الناسِ حَتّى نَزَلَ "ما اسْتَطَعْتُمْ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو جَعْفَرِ النَحّاسُ إلى أنَّهُ لا نَسْخَ في الآيَتَيْنِ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "حَقَّ تُقاتِهِ" مَقْصِدُهُ: فِيما اسْتَطَعْتُمْ، ولا يَعْقِلُ أنْ يُطِيعَ أحَدٌ فَوْقَ طاقَتِهِ واسْتِطاعَتِهِ، فَهَذِهِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ، وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الآيَةُ أنْ تَكُونَ: فاتَّقُوا اللهَ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِكُمُ التَقْوى، وتَكُونُ: "ما" ظَرْفًا لِلزَّمانِ كُلِّهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: حَياتُكم وما دامَ العَمَلُ مُمْكِنًا. قَوْلُهُ تَعالى: "خَيْرًا" ذَهَبَ بَعْضُ النُحاةِ إلى أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، وفي ذَلِكَ ضَعْفٌ، وذَهَبَ آخَرُونَ مِنهم إلى أنَّهُ نُصِبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: و"أنْفِقُوا"، قالُوا: والخَبَرُ هُنا المالُ، وذَهَبَ فَرِيقٌ آخَرُونَ مِنهم إلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: إَنْفاقًا خَيْرًا، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "أنْفِقُوا". وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يُوَقَّ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ القافِ، وقَرَأ أبُو عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "شِحَّ" بِكَسْرِ الشِينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ [الحَشْرِ]، وقالَ الحَسَنُ: نَظَرُكَ إلى امْرَأةٍ لا تَمْلِكُها مِنَ الشُحِّ، «وَقِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، ما يُدْخِلُ العَبْدَ النارَ؟ قالَ: "إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا وهَوًى مُتَّبَعًا وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيهِ، فَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَةِ نَفْسِكَ".» وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "يُضاعِفُهُ" وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ: "يُضاعِفُهُ"، وذَهَبَ (p-٣٢٥)بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذا الحَضَّ هو عَلى أداءِ الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ، وذَهَبَ آخَرُونَ مِنهم إلى أنَّ الآيَةَ في المَندُوبِ إلَيْهِ، وهو الأصَحُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ شَكُورٌ﴾ إخْبارٌ بِمَجازاتِهِ تَعالى. عَلى الشَيءِ، وأنَّهُ يَحُطُّ بِهِ عَمَّنْ شاءَ اللهُ العَظِيمُ، لا رَبَّ غَيْرُهُ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [ التَغابُنِ ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.