Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — المزمل 73:1 – المدثر 74:42
المحتويات
- المزمل 73:1
- المزمل 73:2
- المزمل 73:3
- المزمل 73:4
- المزمل 73:5
- المزمل 73:6
- المزمل 73:7
- المزمل 73:8
- المزمل 73:9
- المزمل 73:10
- المزمل 73:11
- المزمل 73:12
- المزمل 73:13
- المزمل 73:14
- المزمل 73:15
- المزمل 73:16
- المزمل 73:17
- المزمل 73:18
- المزمل 73:19
- المزمل 73:20
- المدثر 74:1
- المدثر 74:2
- المدثر 74:3
- المدثر 74:4
- المدثر 74:5
- المدثر 74:6
- المدثر 74:7
- المدثر 74:8
- المدثر 74:9
- المدثر 74:10
- المدثر 74:11
- المدثر 74:12
- المدثر 74:13
- المدثر 74:14
- المدثر 74:15
- المدثر 74:16
- المدثر 74:17
- المدثر 74:18
- المدثر 74:19
- المدثر 74:20
- المدثر 74:21
- المدثر 74:22
- المدثر 74:23
- المدثر 74:24
- المدثر 74:25
- المدثر 74:26
- المدثر 74:27
- المدثر 74:28
- المدثر 74:29
- المدثر 74:30
- المدثر 74:31
- المدثر 74:32
- المدثر 74:33
- المدثر 74:34
- المدثر 74:35
- المدثر 74:36
- المدثر 74:37
- المدثر 74:38
- المدثر 74:39
- المدثر 74:40
- المدثر 74:41
- المدثر 74:42
المزمل 73:1
(p-٤٣٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُزَّمِّلِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ المَهْدَوِيِّ وجَماعَةٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِ السُورَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَيْلَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ ﴿أو زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا﴾ ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ نِداءٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ نُودِيَ بِها؟ فَقالَتْ عائِشَةُ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: لِأنَّهُ كانَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مُتَزَمِّلًا بِكِساءٍ، والتَزَمُّلُ: الِالتِفافُ في الثِيابِ بِضَمٍّ وتَشْمِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ كَأنَّ أبانا في أفانِينَ ودِقَّةٍ ∗∗∗ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍّ مُزَّمِّلٍ
وخُفِضَ "مُزَّمِّلٍ" في هَذا البَيْتِ هو عَلى الجِوارِ، وإنَّما هو نَعْتٌ لـ "كَبِيرٍ"، فَهو عَلَيْهِ (p-٤٤٠)الصَلاةُ والسَلامُ -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- إنَّما دُعِيَ بِهَيْئَةٍ في لِباسِهِ، وقالَ قَتادَةُ، كانَ تَزَمُّلٌ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ فَنُودِيَ عَلى مَعْنى: يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ المُتَزَمِّلِ لَها، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ لَهُ ﷺ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُتزَّمِّلُ لِلنُّبُوءَةِ وأعْبائِها، أيِ: المُتَشَمِّرُ المُجِدُّ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ والزَهْرِيُّ بِما في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءٍ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]،» وعَلى هَذا نَزَلَتْ يا "أيُّها المُزَّمِّلُ"، وفي مُصْحَفِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [يا أيُّها المُزَّمِّلُ] بِفَتْحِ الزايِ وتَخْفِيفِها وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّها، والمَعْنى: الَّذِي زَمَّلَهُ أهْلُهُ أو زُمِّلَ لِلنُّبُوةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "يا أيُّها المُزَّمِّلُ" بِكَسْرِ المِيمِ وشَدِّها وتَخْفِيفِ الزايِ، أيِ: المُزَّمِّلُ نَفْسَهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الأمْرِ بِقِيامِ اللَيْلِ كَيْفَ كانَ؟ فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: هو أمْرٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ قَدْ كانَ لَمْ يُفْرَضْ قَطُّ، ويُؤَيِّدُ هَذا الحَدِيثُ الصَحِيحُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قامَ لَيْلَةً في رَمَضانَ خَلْفَ حَصِيرِ الحُجْرَةِ، فَصَلّى وصَلّى بِصَلاتِهِ ناسٌ، ثُمَّ كَثُرُوا مِنَ اللَيْلَةِ القابِلَةِ، ثُمَّ غَصَّ المَسْجِدُ بِهِمْ في الثالِثَةِ أوِ الرابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَحَصَبُوا بابَهُ فَخَرَجَ مُغْضَبًا وقالَ: "إنِّي إنَّما تَرَكْتُ الخُرُوجَ لِأنِّي خِفْتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ"،» وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يُكَلِّمْهم إلّا بَعْدَ أصْبَحَ وقالَ آخَرُونَ: كانَ فَرْضًا في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى النَبِيِّ ﷺ خاصَّةً وبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى تُوُفِّيَ ﷺ، وقِيلَ: بَلْ نُسِخَ عنهُ ولَمْ يَمُتْ إلّا والقِيامُ تَطَوُّعٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى الجَمِيعِ، ودامَ الأمْرُ- عَلى ما قالَ (p-٤٤١)سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - عَشْرَ سِنِينَ، وقالَتْ عائِشَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: دامَ عامًا، ورُوِيَ عنها أيْضًا أنَّهُ دامَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعالى فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] فَخَفَّفَ عنهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: بَقِيَ عامًا أو عامَيْنِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "قُمُ اللَيْلَ" بِضَمِّ المِيمِ لِاجْتِماعِ الساكِنَيْنِ، والكَسْرُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ كَما قَرَأ الناسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِصْفَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "قَلِيلًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ "اللَيْلِ"، وكَيْفَ تُقَلِّبُ المَعْنى فَإنَّهُ أمَرَ بِقِيامِ نِصْفِ اللَيْلِ أو أكْثَرَ شَيْئًا أو أقَلَّ شَيْئًا. فالأكْثَرُ عِنْدَ العُلَماءِ لا يَزِيدُ عَلى الثُلُثَيْنِ، والأقَلُّ لا يَنْقُصُ عَنِ الثُلُثِ، ويُقَوِّي هَذا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَيْتِ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالَ: فَلَمّا انْتَصَفَ اللَيْلُ أو قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ قامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. ويَلْزَمُ عَلى هَذا البَدَلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنْ يَكُونَ اللَيْلُ قَدْ وقَعَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بِـ "قَلِيلٍ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ عِنْدِي قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا" أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ القِيامِ، فَيُجْعَلُ اللَيْلُ اسْمَ جِنْسٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا"، أيِ اللَيالِي الَّتِي تَخِلُّ بِقِيامِها عِنْدَ العُذْرِ ونَحْوِهِ، وهَذا النَظَرُ يَحْسُنُ مَعَ النَدْبِ جِدًّا، وقَدْ تَكَلَّمَ الجُرْجانِيُّ في نَظْمِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَطْوِيلٍ وتَدْقِيقٍ غَيْرِ مُفِيدٍ، أكْثَرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوُ انْقُصْ" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ عِيسى بِالوَجْهَيْنِ، والضَمِيرانِ في "مِنهُ"، "عَلَيْهِ" عائِدانِ عَلى "النِصْفِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَتِّلِ" مَعْناهُ في اللُغَةِ: تَمَهَّلْ وفَرِّقْ بَيْنَ الحُرُوفِ لِتُبَيِّنَ، والمَقْصِدُ أنْ يَجِدَ الفِكْرُ فُسْحَةً لِلنَّظَرِ وفَهْمِ المَعانِي، وبِذَلِكَ يَرِقُّ القَلْبُ ويَفِيضُ عَلَيْهِ النُورُ والرَحْمَةُ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: المُرادُ تَفَهُّمُهُ تالِيًا لَهُ، ومِنهُ: "الثَغْرُ الرَتَلُ" أى الَّذِي بَيَّنَهُ فَسْخٌ وفُتُوحٌ، ورُوِيَ أنَّ قِراءَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَتْ بَيِّنَةً مُتَرَسِّلَةً، لَوْ شاءَ أحَدٌ أنْ يَعُدَّ الحُرُوفَ لَعَدَّها.
(p-٤٤٢)وَ"القَوْلُ الثَقِيلُ" هو القُرْآنُ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ سَمّاهُ ثَقِيلًا؟ فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمّا كانَ يَحِلُّ في رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ثِقَلِ الجِسْمِ حَتّى أنَّهُ كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ بَرَكَتْ بِهِ، وحَتّى كادَتْ فَخْذُهُ أنْ تَرُضَّ فَخْذَ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والقُرْطُبِيُّ: بَلْ سَمّاهُ ثَقِيلًا لِثِقَلِهِ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ حُذّاقُ العُلَماءِ: مَعْناهُ: ثَقِيلُ المَعانِي مِنَ الأمْرِ بِالطاعاتِ والتَكالِيفِ الشَرْعِيَّةِ مِنَ الجِهادِ ونَحْوِهِ ومُزاوَلَةِ الأعْمالِ الصالِحَةِ دائِمًا، قالَ الحَسَنُ: "إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ ولَكِنَّ العَمَلَ ثَقِيلٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ﴾، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَجُلُ إذا قامَ مِنَ اللَيْلِ، فَـ "ناشِئَةَ" -عَلى هَذا- جَمْعُ "ناشِئٍ" أيْ: قائِمٍ، و"أشَدُّ وطْئًا" مَعْناهُ: ثُبُوتًا واسْتِقْلالًا بِالقِيامِ، "وَأقْوَمُ قِيلًا" أيْ بِخُلُوِّ أفْكارِهِمْ وإقْبالِهِمْ عَلى ما يَقْرَءُونَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَتْ عائِشَةُ، ومُجاهِدٌ: الناشِئَةُ القِيامُ بَعْدَ النَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَيْلِ قَبْلَ النَوْمِ فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَيْلِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ساعاتُهُ كُلُّها، لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وأبُو مِجْلَزٍ، والحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةُ اللَيْلِ وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَيْلِ فَهي أشَدُّ وطْئًا، أيْ: أجْدَرُ أنْ تَخُصُّوا ما فَرَضَ اللهُ عَلَيْكم مِنَ القِيامِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ مَتى نامَ لَم يَدْرِ مَتى يَسْتَيْقِظُ، وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَيْلِ أوَّلُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ أيْضًا: اللَيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ، و"أشَدُّ وطْئًا" -عَلى هَذا- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: أشَدَّ ثُبُوتًا، فَيَكُونُ نَسَبُ الثُبُوتِ إلَيْها مِن حَيْثُ هو للْقائِمِ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّها صَعْبَةُ القِيامِ لِمَنعِها النَوْمَ، كَما قالَ « "اللهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرٍ"،» فَذَكَّرَها تَعالى بِالصُعُوبَةِ لِيَعْلَمَ عِظَمَ الأجْرِ فِيها، كَما وعَدَ عَلَيْهِ الصَلاةُ (p-٤٤٣)والسَلامُ عَلى الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ والمَشْيِ في الظَلامِ إلى المَساجِدِ ونَحْوُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَطْئًا" بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وِطاءٍ" عَلى وزْنِ فِعالٍ، والمَعْنى: مُوافَقَةٌ؛ لِأنَّهُ يَخْلُو البالُ مِن أشْغالِ النَهارِ يُوافِقُ قَلْبَ المَرْءِ لِسانَهُ وفِكْرَهُ عِبارَتَهُ، فَهَذِهِ مُواطَأةٌ صَحِيحَةٌ، وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَ اللَفْظَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقَرَأ قَتادَةُ -فِي رِوايَةِ حُسَيْنٍ -: "وِطْاءَ" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ "وَأصْوَبُ قِيلًا"، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو "أقْوَمُ" فَقالَ: أقْوَمُ وأصْوَبُ وأهْيَأُ واحِدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ تَصَرُّفًا وتَرَدُّدًا في أُمُورِكَ كَما يَتَرَدَّدُ السابِحُ في الماءِ، ومِنهُ سُمِّي الفَرَسُ سابِحًا لِتَثَنِّيهِ واضْطِرابِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى أنَّهُ إنْ فاتَ حِزْبُ اللَيْلِ بِنَوْمٍ أو عُذْرٍ فَلْيُخْلِفْ بِالنَهارِ؛ فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "سَبْخًا طَوِيلًا" بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ لَكَ مِنَ التَكالِيفِ، والتَسْبِيخُ: التَخْفِيفُ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في السارِقِ الَّذِي سَرَقَها، فَكانَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ: "لا تَسْبِخِي عنهُ"،» فَمَعْناهُ: لا تُخَفِّفِي عنهُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ يَحْيى السَبْخَ بِالنَوْمِ.
وقالَ سَهْلُ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يُرادُ بِهِ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ في ابْتِداءِ صَلاتِكَ. و"تَبَتَّلْ" مَعْناهُ: انْقَطَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِنهُ، وافْرُغْ إلَيْهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَبَتُّلُ" رَفْضُ الدُنْيا، ومِنهُ: تَبَتَّلَ الحَبْلُ، وقَوْلُهم في المُطَلَّقَةِ: بَتْلَةٌ، ومِنهُ البَتُولُ، و"تَبْتِيلًا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَدْرِ.
(p-٤٤٤)وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "رَبِّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "رَبِّكَ"، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ: هو رَبُّ، أو عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ "لا إلَهَ إلّا هُوَ" وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ" بِالجَمْعِ، و"الوَكِيلُ": القائِمُ بِالأُمُورِ الَّذِي تُوكَلُ إلَيْهِ الأشْياءُ،.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: هي مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، والمُرادُ بِالآيَةِ قُرَيْشٌ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ مَنسُوخٌ، وأمّا الصَبْرُ عَلى ما يَقُولُونَ فَقَدْ يَتَوَجَّهُ أحْيانًا ويَبْقى حُكْمُهُ فِيما يُتَوَجَّهُ مِنَ الهَجْرِ الجَمِيلِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَ أبُو الدَرْداءِ: إنّا لِنُكَشِّرُ في وُجُوهِ قَوْمٍ وإنَّ قُلُوبَنا لَتَلْعَنَهُمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما هي في كُفْرِ قُرَيْشٍ ورَدِّهِمْ رِسالَتَهُ وإعْلامَهم بِذَلِكَ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في هَذا المَقامِ باقِيًا.
المزمل 73:2
(p-٤٣٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُزَّمِّلِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ المَهْدَوِيِّ وجَماعَةٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِ السُورَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَيْلَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ ﴿أو زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا﴾ ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ نِداءٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ نُودِيَ بِها؟ فَقالَتْ عائِشَةُ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: لِأنَّهُ كانَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مُتَزَمِّلًا بِكِساءٍ، والتَزَمُّلُ: الِالتِفافُ في الثِيابِ بِضَمٍّ وتَشْمِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ كَأنَّ أبانا في أفانِينَ ودِقَّةٍ ∗∗∗ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍّ مُزَّمِّلٍ
وخُفِضَ "مُزَّمِّلٍ" في هَذا البَيْتِ هو عَلى الجِوارِ، وإنَّما هو نَعْتٌ لـ "كَبِيرٍ"، فَهو عَلَيْهِ (p-٤٤٠)الصَلاةُ والسَلامُ -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- إنَّما دُعِيَ بِهَيْئَةٍ في لِباسِهِ، وقالَ قَتادَةُ، كانَ تَزَمُّلٌ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ فَنُودِيَ عَلى مَعْنى: يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ المُتَزَمِّلِ لَها، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ لَهُ ﷺ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُتزَّمِّلُ لِلنُّبُوءَةِ وأعْبائِها، أيِ: المُتَشَمِّرُ المُجِدُّ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ والزَهْرِيُّ بِما في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءٍ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]،» وعَلى هَذا نَزَلَتْ يا "أيُّها المُزَّمِّلُ"، وفي مُصْحَفِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [يا أيُّها المُزَّمِّلُ] بِفَتْحِ الزايِ وتَخْفِيفِها وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّها، والمَعْنى: الَّذِي زَمَّلَهُ أهْلُهُ أو زُمِّلَ لِلنُّبُوةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "يا أيُّها المُزَّمِّلُ" بِكَسْرِ المِيمِ وشَدِّها وتَخْفِيفِ الزايِ، أيِ: المُزَّمِّلُ نَفْسَهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الأمْرِ بِقِيامِ اللَيْلِ كَيْفَ كانَ؟ فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: هو أمْرٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ قَدْ كانَ لَمْ يُفْرَضْ قَطُّ، ويُؤَيِّدُ هَذا الحَدِيثُ الصَحِيحُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قامَ لَيْلَةً في رَمَضانَ خَلْفَ حَصِيرِ الحُجْرَةِ، فَصَلّى وصَلّى بِصَلاتِهِ ناسٌ، ثُمَّ كَثُرُوا مِنَ اللَيْلَةِ القابِلَةِ، ثُمَّ غَصَّ المَسْجِدُ بِهِمْ في الثالِثَةِ أوِ الرابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَحَصَبُوا بابَهُ فَخَرَجَ مُغْضَبًا وقالَ: "إنِّي إنَّما تَرَكْتُ الخُرُوجَ لِأنِّي خِفْتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ"،» وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يُكَلِّمْهم إلّا بَعْدَ أصْبَحَ وقالَ آخَرُونَ: كانَ فَرْضًا في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى النَبِيِّ ﷺ خاصَّةً وبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى تُوُفِّيَ ﷺ، وقِيلَ: بَلْ نُسِخَ عنهُ ولَمْ يَمُتْ إلّا والقِيامُ تَطَوُّعٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى الجَمِيعِ، ودامَ الأمْرُ- عَلى ما قالَ (p-٤٤١)سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - عَشْرَ سِنِينَ، وقالَتْ عائِشَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: دامَ عامًا، ورُوِيَ عنها أيْضًا أنَّهُ دامَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعالى فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] فَخَفَّفَ عنهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: بَقِيَ عامًا أو عامَيْنِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "قُمُ اللَيْلَ" بِضَمِّ المِيمِ لِاجْتِماعِ الساكِنَيْنِ، والكَسْرُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ كَما قَرَأ الناسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِصْفَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "قَلِيلًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ "اللَيْلِ"، وكَيْفَ تُقَلِّبُ المَعْنى فَإنَّهُ أمَرَ بِقِيامِ نِصْفِ اللَيْلِ أو أكْثَرَ شَيْئًا أو أقَلَّ شَيْئًا. فالأكْثَرُ عِنْدَ العُلَماءِ لا يَزِيدُ عَلى الثُلُثَيْنِ، والأقَلُّ لا يَنْقُصُ عَنِ الثُلُثِ، ويُقَوِّي هَذا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَيْتِ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالَ: فَلَمّا انْتَصَفَ اللَيْلُ أو قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ قامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. ويَلْزَمُ عَلى هَذا البَدَلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنْ يَكُونَ اللَيْلُ قَدْ وقَعَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بِـ "قَلِيلٍ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ عِنْدِي قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا" أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ القِيامِ، فَيُجْعَلُ اللَيْلُ اسْمَ جِنْسٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا"، أيِ اللَيالِي الَّتِي تَخِلُّ بِقِيامِها عِنْدَ العُذْرِ ونَحْوِهِ، وهَذا النَظَرُ يَحْسُنُ مَعَ النَدْبِ جِدًّا، وقَدْ تَكَلَّمَ الجُرْجانِيُّ في نَظْمِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَطْوِيلٍ وتَدْقِيقٍ غَيْرِ مُفِيدٍ، أكْثَرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوُ انْقُصْ" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ عِيسى بِالوَجْهَيْنِ، والضَمِيرانِ في "مِنهُ"، "عَلَيْهِ" عائِدانِ عَلى "النِصْفِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَتِّلِ" مَعْناهُ في اللُغَةِ: تَمَهَّلْ وفَرِّقْ بَيْنَ الحُرُوفِ لِتُبَيِّنَ، والمَقْصِدُ أنْ يَجِدَ الفِكْرُ فُسْحَةً لِلنَّظَرِ وفَهْمِ المَعانِي، وبِذَلِكَ يَرِقُّ القَلْبُ ويَفِيضُ عَلَيْهِ النُورُ والرَحْمَةُ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: المُرادُ تَفَهُّمُهُ تالِيًا لَهُ، ومِنهُ: "الثَغْرُ الرَتَلُ" أى الَّذِي بَيَّنَهُ فَسْخٌ وفُتُوحٌ، ورُوِيَ أنَّ قِراءَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَتْ بَيِّنَةً مُتَرَسِّلَةً، لَوْ شاءَ أحَدٌ أنْ يَعُدَّ الحُرُوفَ لَعَدَّها.
(p-٤٤٢)وَ"القَوْلُ الثَقِيلُ" هو القُرْآنُ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ سَمّاهُ ثَقِيلًا؟ فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمّا كانَ يَحِلُّ في رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ثِقَلِ الجِسْمِ حَتّى أنَّهُ كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ بَرَكَتْ بِهِ، وحَتّى كادَتْ فَخْذُهُ أنْ تَرُضَّ فَخْذَ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والقُرْطُبِيُّ: بَلْ سَمّاهُ ثَقِيلًا لِثِقَلِهِ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ حُذّاقُ العُلَماءِ: مَعْناهُ: ثَقِيلُ المَعانِي مِنَ الأمْرِ بِالطاعاتِ والتَكالِيفِ الشَرْعِيَّةِ مِنَ الجِهادِ ونَحْوِهِ ومُزاوَلَةِ الأعْمالِ الصالِحَةِ دائِمًا، قالَ الحَسَنُ: "إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ ولَكِنَّ العَمَلَ ثَقِيلٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ﴾، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَجُلُ إذا قامَ مِنَ اللَيْلِ، فَـ "ناشِئَةَ" -عَلى هَذا- جَمْعُ "ناشِئٍ" أيْ: قائِمٍ، و"أشَدُّ وطْئًا" مَعْناهُ: ثُبُوتًا واسْتِقْلالًا بِالقِيامِ، "وَأقْوَمُ قِيلًا" أيْ بِخُلُوِّ أفْكارِهِمْ وإقْبالِهِمْ عَلى ما يَقْرَءُونَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَتْ عائِشَةُ، ومُجاهِدٌ: الناشِئَةُ القِيامُ بَعْدَ النَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَيْلِ قَبْلَ النَوْمِ فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَيْلِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ساعاتُهُ كُلُّها، لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وأبُو مِجْلَزٍ، والحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةُ اللَيْلِ وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَيْلِ فَهي أشَدُّ وطْئًا، أيْ: أجْدَرُ أنْ تَخُصُّوا ما فَرَضَ اللهُ عَلَيْكم مِنَ القِيامِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ مَتى نامَ لَم يَدْرِ مَتى يَسْتَيْقِظُ، وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَيْلِ أوَّلُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ أيْضًا: اللَيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ، و"أشَدُّ وطْئًا" -عَلى هَذا- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: أشَدَّ ثُبُوتًا، فَيَكُونُ نَسَبُ الثُبُوتِ إلَيْها مِن حَيْثُ هو للْقائِمِ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّها صَعْبَةُ القِيامِ لِمَنعِها النَوْمَ، كَما قالَ « "اللهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرٍ"،» فَذَكَّرَها تَعالى بِالصُعُوبَةِ لِيَعْلَمَ عِظَمَ الأجْرِ فِيها، كَما وعَدَ عَلَيْهِ الصَلاةُ (p-٤٤٣)والسَلامُ عَلى الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ والمَشْيِ في الظَلامِ إلى المَساجِدِ ونَحْوُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَطْئًا" بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وِطاءٍ" عَلى وزْنِ فِعالٍ، والمَعْنى: مُوافَقَةٌ؛ لِأنَّهُ يَخْلُو البالُ مِن أشْغالِ النَهارِ يُوافِقُ قَلْبَ المَرْءِ لِسانَهُ وفِكْرَهُ عِبارَتَهُ، فَهَذِهِ مُواطَأةٌ صَحِيحَةٌ، وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَ اللَفْظَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقَرَأ قَتادَةُ -فِي رِوايَةِ حُسَيْنٍ -: "وِطْاءَ" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ "وَأصْوَبُ قِيلًا"، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو "أقْوَمُ" فَقالَ: أقْوَمُ وأصْوَبُ وأهْيَأُ واحِدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ تَصَرُّفًا وتَرَدُّدًا في أُمُورِكَ كَما يَتَرَدَّدُ السابِحُ في الماءِ، ومِنهُ سُمِّي الفَرَسُ سابِحًا لِتَثَنِّيهِ واضْطِرابِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى أنَّهُ إنْ فاتَ حِزْبُ اللَيْلِ بِنَوْمٍ أو عُذْرٍ فَلْيُخْلِفْ بِالنَهارِ؛ فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "سَبْخًا طَوِيلًا" بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ لَكَ مِنَ التَكالِيفِ، والتَسْبِيخُ: التَخْفِيفُ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في السارِقِ الَّذِي سَرَقَها، فَكانَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ: "لا تَسْبِخِي عنهُ"،» فَمَعْناهُ: لا تُخَفِّفِي عنهُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ يَحْيى السَبْخَ بِالنَوْمِ.
وقالَ سَهْلُ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يُرادُ بِهِ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ في ابْتِداءِ صَلاتِكَ. و"تَبَتَّلْ" مَعْناهُ: انْقَطَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِنهُ، وافْرُغْ إلَيْهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَبَتُّلُ" رَفْضُ الدُنْيا، ومِنهُ: تَبَتَّلَ الحَبْلُ، وقَوْلُهم في المُطَلَّقَةِ: بَتْلَةٌ، ومِنهُ البَتُولُ، و"تَبْتِيلًا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَدْرِ.
(p-٤٤٤)وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "رَبِّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "رَبِّكَ"، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ: هو رَبُّ، أو عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ "لا إلَهَ إلّا هُوَ" وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ" بِالجَمْعِ، و"الوَكِيلُ": القائِمُ بِالأُمُورِ الَّذِي تُوكَلُ إلَيْهِ الأشْياءُ،.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: هي مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، والمُرادُ بِالآيَةِ قُرَيْشٌ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ مَنسُوخٌ، وأمّا الصَبْرُ عَلى ما يَقُولُونَ فَقَدْ يَتَوَجَّهُ أحْيانًا ويَبْقى حُكْمُهُ فِيما يُتَوَجَّهُ مِنَ الهَجْرِ الجَمِيلِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَ أبُو الدَرْداءِ: إنّا لِنُكَشِّرُ في وُجُوهِ قَوْمٍ وإنَّ قُلُوبَنا لَتَلْعَنَهُمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما هي في كُفْرِ قُرَيْشٍ ورَدِّهِمْ رِسالَتَهُ وإعْلامَهم بِذَلِكَ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في هَذا المَقامِ باقِيًا.
المزمل 73:3
(p-٤٣٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُزَّمِّلِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ المَهْدَوِيِّ وجَماعَةٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِ السُورَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَيْلَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ ﴿أو زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا﴾ ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ نِداءٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ نُودِيَ بِها؟ فَقالَتْ عائِشَةُ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: لِأنَّهُ كانَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مُتَزَمِّلًا بِكِساءٍ، والتَزَمُّلُ: الِالتِفافُ في الثِيابِ بِضَمٍّ وتَشْمِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ كَأنَّ أبانا في أفانِينَ ودِقَّةٍ ∗∗∗ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍّ مُزَّمِّلٍ
وخُفِضَ "مُزَّمِّلٍ" في هَذا البَيْتِ هو عَلى الجِوارِ، وإنَّما هو نَعْتٌ لـ "كَبِيرٍ"، فَهو عَلَيْهِ (p-٤٤٠)الصَلاةُ والسَلامُ -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- إنَّما دُعِيَ بِهَيْئَةٍ في لِباسِهِ، وقالَ قَتادَةُ، كانَ تَزَمُّلٌ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ فَنُودِيَ عَلى مَعْنى: يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ المُتَزَمِّلِ لَها، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ لَهُ ﷺ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُتزَّمِّلُ لِلنُّبُوءَةِ وأعْبائِها، أيِ: المُتَشَمِّرُ المُجِدُّ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ والزَهْرِيُّ بِما في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءٍ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]،» وعَلى هَذا نَزَلَتْ يا "أيُّها المُزَّمِّلُ"، وفي مُصْحَفِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [يا أيُّها المُزَّمِّلُ] بِفَتْحِ الزايِ وتَخْفِيفِها وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّها، والمَعْنى: الَّذِي زَمَّلَهُ أهْلُهُ أو زُمِّلَ لِلنُّبُوةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "يا أيُّها المُزَّمِّلُ" بِكَسْرِ المِيمِ وشَدِّها وتَخْفِيفِ الزايِ، أيِ: المُزَّمِّلُ نَفْسَهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الأمْرِ بِقِيامِ اللَيْلِ كَيْفَ كانَ؟ فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: هو أمْرٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ قَدْ كانَ لَمْ يُفْرَضْ قَطُّ، ويُؤَيِّدُ هَذا الحَدِيثُ الصَحِيحُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قامَ لَيْلَةً في رَمَضانَ خَلْفَ حَصِيرِ الحُجْرَةِ، فَصَلّى وصَلّى بِصَلاتِهِ ناسٌ، ثُمَّ كَثُرُوا مِنَ اللَيْلَةِ القابِلَةِ، ثُمَّ غَصَّ المَسْجِدُ بِهِمْ في الثالِثَةِ أوِ الرابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَحَصَبُوا بابَهُ فَخَرَجَ مُغْضَبًا وقالَ: "إنِّي إنَّما تَرَكْتُ الخُرُوجَ لِأنِّي خِفْتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ"،» وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يُكَلِّمْهم إلّا بَعْدَ أصْبَحَ وقالَ آخَرُونَ: كانَ فَرْضًا في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى النَبِيِّ ﷺ خاصَّةً وبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى تُوُفِّيَ ﷺ، وقِيلَ: بَلْ نُسِخَ عنهُ ولَمْ يَمُتْ إلّا والقِيامُ تَطَوُّعٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى الجَمِيعِ، ودامَ الأمْرُ- عَلى ما قالَ (p-٤٤١)سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - عَشْرَ سِنِينَ، وقالَتْ عائِشَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: دامَ عامًا، ورُوِيَ عنها أيْضًا أنَّهُ دامَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعالى فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] فَخَفَّفَ عنهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: بَقِيَ عامًا أو عامَيْنِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "قُمُ اللَيْلَ" بِضَمِّ المِيمِ لِاجْتِماعِ الساكِنَيْنِ، والكَسْرُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ كَما قَرَأ الناسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِصْفَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "قَلِيلًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ "اللَيْلِ"، وكَيْفَ تُقَلِّبُ المَعْنى فَإنَّهُ أمَرَ بِقِيامِ نِصْفِ اللَيْلِ أو أكْثَرَ شَيْئًا أو أقَلَّ شَيْئًا. فالأكْثَرُ عِنْدَ العُلَماءِ لا يَزِيدُ عَلى الثُلُثَيْنِ، والأقَلُّ لا يَنْقُصُ عَنِ الثُلُثِ، ويُقَوِّي هَذا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَيْتِ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالَ: فَلَمّا انْتَصَفَ اللَيْلُ أو قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ قامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. ويَلْزَمُ عَلى هَذا البَدَلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنْ يَكُونَ اللَيْلُ قَدْ وقَعَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بِـ "قَلِيلٍ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ عِنْدِي قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا" أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ القِيامِ، فَيُجْعَلُ اللَيْلُ اسْمَ جِنْسٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا"، أيِ اللَيالِي الَّتِي تَخِلُّ بِقِيامِها عِنْدَ العُذْرِ ونَحْوِهِ، وهَذا النَظَرُ يَحْسُنُ مَعَ النَدْبِ جِدًّا، وقَدْ تَكَلَّمَ الجُرْجانِيُّ في نَظْمِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَطْوِيلٍ وتَدْقِيقٍ غَيْرِ مُفِيدٍ، أكْثَرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوُ انْقُصْ" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ عِيسى بِالوَجْهَيْنِ، والضَمِيرانِ في "مِنهُ"، "عَلَيْهِ" عائِدانِ عَلى "النِصْفِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَتِّلِ" مَعْناهُ في اللُغَةِ: تَمَهَّلْ وفَرِّقْ بَيْنَ الحُرُوفِ لِتُبَيِّنَ، والمَقْصِدُ أنْ يَجِدَ الفِكْرُ فُسْحَةً لِلنَّظَرِ وفَهْمِ المَعانِي، وبِذَلِكَ يَرِقُّ القَلْبُ ويَفِيضُ عَلَيْهِ النُورُ والرَحْمَةُ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: المُرادُ تَفَهُّمُهُ تالِيًا لَهُ، ومِنهُ: "الثَغْرُ الرَتَلُ" أى الَّذِي بَيَّنَهُ فَسْخٌ وفُتُوحٌ، ورُوِيَ أنَّ قِراءَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَتْ بَيِّنَةً مُتَرَسِّلَةً، لَوْ شاءَ أحَدٌ أنْ يَعُدَّ الحُرُوفَ لَعَدَّها.
(p-٤٤٢)وَ"القَوْلُ الثَقِيلُ" هو القُرْآنُ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ سَمّاهُ ثَقِيلًا؟ فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمّا كانَ يَحِلُّ في رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ثِقَلِ الجِسْمِ حَتّى أنَّهُ كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ بَرَكَتْ بِهِ، وحَتّى كادَتْ فَخْذُهُ أنْ تَرُضَّ فَخْذَ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والقُرْطُبِيُّ: بَلْ سَمّاهُ ثَقِيلًا لِثِقَلِهِ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ حُذّاقُ العُلَماءِ: مَعْناهُ: ثَقِيلُ المَعانِي مِنَ الأمْرِ بِالطاعاتِ والتَكالِيفِ الشَرْعِيَّةِ مِنَ الجِهادِ ونَحْوِهِ ومُزاوَلَةِ الأعْمالِ الصالِحَةِ دائِمًا، قالَ الحَسَنُ: "إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ ولَكِنَّ العَمَلَ ثَقِيلٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ﴾، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَجُلُ إذا قامَ مِنَ اللَيْلِ، فَـ "ناشِئَةَ" -عَلى هَذا- جَمْعُ "ناشِئٍ" أيْ: قائِمٍ، و"أشَدُّ وطْئًا" مَعْناهُ: ثُبُوتًا واسْتِقْلالًا بِالقِيامِ، "وَأقْوَمُ قِيلًا" أيْ بِخُلُوِّ أفْكارِهِمْ وإقْبالِهِمْ عَلى ما يَقْرَءُونَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَتْ عائِشَةُ، ومُجاهِدٌ: الناشِئَةُ القِيامُ بَعْدَ النَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَيْلِ قَبْلَ النَوْمِ فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَيْلِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ساعاتُهُ كُلُّها، لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وأبُو مِجْلَزٍ، والحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةُ اللَيْلِ وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَيْلِ فَهي أشَدُّ وطْئًا، أيْ: أجْدَرُ أنْ تَخُصُّوا ما فَرَضَ اللهُ عَلَيْكم مِنَ القِيامِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ مَتى نامَ لَم يَدْرِ مَتى يَسْتَيْقِظُ، وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَيْلِ أوَّلُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ أيْضًا: اللَيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ، و"أشَدُّ وطْئًا" -عَلى هَذا- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: أشَدَّ ثُبُوتًا، فَيَكُونُ نَسَبُ الثُبُوتِ إلَيْها مِن حَيْثُ هو للْقائِمِ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّها صَعْبَةُ القِيامِ لِمَنعِها النَوْمَ، كَما قالَ « "اللهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرٍ"،» فَذَكَّرَها تَعالى بِالصُعُوبَةِ لِيَعْلَمَ عِظَمَ الأجْرِ فِيها، كَما وعَدَ عَلَيْهِ الصَلاةُ (p-٤٤٣)والسَلامُ عَلى الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ والمَشْيِ في الظَلامِ إلى المَساجِدِ ونَحْوُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَطْئًا" بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وِطاءٍ" عَلى وزْنِ فِعالٍ، والمَعْنى: مُوافَقَةٌ؛ لِأنَّهُ يَخْلُو البالُ مِن أشْغالِ النَهارِ يُوافِقُ قَلْبَ المَرْءِ لِسانَهُ وفِكْرَهُ عِبارَتَهُ، فَهَذِهِ مُواطَأةٌ صَحِيحَةٌ، وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَ اللَفْظَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقَرَأ قَتادَةُ -فِي رِوايَةِ حُسَيْنٍ -: "وِطْاءَ" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ "وَأصْوَبُ قِيلًا"، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو "أقْوَمُ" فَقالَ: أقْوَمُ وأصْوَبُ وأهْيَأُ واحِدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ تَصَرُّفًا وتَرَدُّدًا في أُمُورِكَ كَما يَتَرَدَّدُ السابِحُ في الماءِ، ومِنهُ سُمِّي الفَرَسُ سابِحًا لِتَثَنِّيهِ واضْطِرابِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى أنَّهُ إنْ فاتَ حِزْبُ اللَيْلِ بِنَوْمٍ أو عُذْرٍ فَلْيُخْلِفْ بِالنَهارِ؛ فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "سَبْخًا طَوِيلًا" بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ لَكَ مِنَ التَكالِيفِ، والتَسْبِيخُ: التَخْفِيفُ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في السارِقِ الَّذِي سَرَقَها، فَكانَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ: "لا تَسْبِخِي عنهُ"،» فَمَعْناهُ: لا تُخَفِّفِي عنهُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ يَحْيى السَبْخَ بِالنَوْمِ.
وقالَ سَهْلُ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يُرادُ بِهِ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ في ابْتِداءِ صَلاتِكَ. و"تَبَتَّلْ" مَعْناهُ: انْقَطَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِنهُ، وافْرُغْ إلَيْهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَبَتُّلُ" رَفْضُ الدُنْيا، ومِنهُ: تَبَتَّلَ الحَبْلُ، وقَوْلُهم في المُطَلَّقَةِ: بَتْلَةٌ، ومِنهُ البَتُولُ، و"تَبْتِيلًا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَدْرِ.
(p-٤٤٤)وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "رَبِّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "رَبِّكَ"، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ: هو رَبُّ، أو عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ "لا إلَهَ إلّا هُوَ" وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ" بِالجَمْعِ، و"الوَكِيلُ": القائِمُ بِالأُمُورِ الَّذِي تُوكَلُ إلَيْهِ الأشْياءُ،.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: هي مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، والمُرادُ بِالآيَةِ قُرَيْشٌ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ مَنسُوخٌ، وأمّا الصَبْرُ عَلى ما يَقُولُونَ فَقَدْ يَتَوَجَّهُ أحْيانًا ويَبْقى حُكْمُهُ فِيما يُتَوَجَّهُ مِنَ الهَجْرِ الجَمِيلِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَ أبُو الدَرْداءِ: إنّا لِنُكَشِّرُ في وُجُوهِ قَوْمٍ وإنَّ قُلُوبَنا لَتَلْعَنَهُمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما هي في كُفْرِ قُرَيْشٍ ورَدِّهِمْ رِسالَتَهُ وإعْلامَهم بِذَلِكَ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في هَذا المَقامِ باقِيًا.
المزمل 73:4
(p-٤٣٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُزَّمِّلِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ المَهْدَوِيِّ وجَماعَةٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِ السُورَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَيْلَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ ﴿أو زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا﴾ ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ نِداءٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ نُودِيَ بِها؟ فَقالَتْ عائِشَةُ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: لِأنَّهُ كانَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مُتَزَمِّلًا بِكِساءٍ، والتَزَمُّلُ: الِالتِفافُ في الثِيابِ بِضَمٍّ وتَشْمِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ كَأنَّ أبانا في أفانِينَ ودِقَّةٍ ∗∗∗ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍّ مُزَّمِّلٍ
وخُفِضَ "مُزَّمِّلٍ" في هَذا البَيْتِ هو عَلى الجِوارِ، وإنَّما هو نَعْتٌ لـ "كَبِيرٍ"، فَهو عَلَيْهِ (p-٤٤٠)الصَلاةُ والسَلامُ -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- إنَّما دُعِيَ بِهَيْئَةٍ في لِباسِهِ، وقالَ قَتادَةُ، كانَ تَزَمُّلٌ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ فَنُودِيَ عَلى مَعْنى: يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ المُتَزَمِّلِ لَها، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ لَهُ ﷺ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُتزَّمِّلُ لِلنُّبُوءَةِ وأعْبائِها، أيِ: المُتَشَمِّرُ المُجِدُّ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ والزَهْرِيُّ بِما في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءٍ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]،» وعَلى هَذا نَزَلَتْ يا "أيُّها المُزَّمِّلُ"، وفي مُصْحَفِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [يا أيُّها المُزَّمِّلُ] بِفَتْحِ الزايِ وتَخْفِيفِها وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّها، والمَعْنى: الَّذِي زَمَّلَهُ أهْلُهُ أو زُمِّلَ لِلنُّبُوةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "يا أيُّها المُزَّمِّلُ" بِكَسْرِ المِيمِ وشَدِّها وتَخْفِيفِ الزايِ، أيِ: المُزَّمِّلُ نَفْسَهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الأمْرِ بِقِيامِ اللَيْلِ كَيْفَ كانَ؟ فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: هو أمْرٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ قَدْ كانَ لَمْ يُفْرَضْ قَطُّ، ويُؤَيِّدُ هَذا الحَدِيثُ الصَحِيحُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قامَ لَيْلَةً في رَمَضانَ خَلْفَ حَصِيرِ الحُجْرَةِ، فَصَلّى وصَلّى بِصَلاتِهِ ناسٌ، ثُمَّ كَثُرُوا مِنَ اللَيْلَةِ القابِلَةِ، ثُمَّ غَصَّ المَسْجِدُ بِهِمْ في الثالِثَةِ أوِ الرابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَحَصَبُوا بابَهُ فَخَرَجَ مُغْضَبًا وقالَ: "إنِّي إنَّما تَرَكْتُ الخُرُوجَ لِأنِّي خِفْتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ"،» وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يُكَلِّمْهم إلّا بَعْدَ أصْبَحَ وقالَ آخَرُونَ: كانَ فَرْضًا في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى النَبِيِّ ﷺ خاصَّةً وبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى تُوُفِّيَ ﷺ، وقِيلَ: بَلْ نُسِخَ عنهُ ولَمْ يَمُتْ إلّا والقِيامُ تَطَوُّعٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى الجَمِيعِ، ودامَ الأمْرُ- عَلى ما قالَ (p-٤٤١)سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - عَشْرَ سِنِينَ، وقالَتْ عائِشَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: دامَ عامًا، ورُوِيَ عنها أيْضًا أنَّهُ دامَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعالى فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] فَخَفَّفَ عنهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: بَقِيَ عامًا أو عامَيْنِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "قُمُ اللَيْلَ" بِضَمِّ المِيمِ لِاجْتِماعِ الساكِنَيْنِ، والكَسْرُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ كَما قَرَأ الناسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِصْفَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "قَلِيلًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ "اللَيْلِ"، وكَيْفَ تُقَلِّبُ المَعْنى فَإنَّهُ أمَرَ بِقِيامِ نِصْفِ اللَيْلِ أو أكْثَرَ شَيْئًا أو أقَلَّ شَيْئًا. فالأكْثَرُ عِنْدَ العُلَماءِ لا يَزِيدُ عَلى الثُلُثَيْنِ، والأقَلُّ لا يَنْقُصُ عَنِ الثُلُثِ، ويُقَوِّي هَذا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَيْتِ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالَ: فَلَمّا انْتَصَفَ اللَيْلُ أو قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ قامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. ويَلْزَمُ عَلى هَذا البَدَلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنْ يَكُونَ اللَيْلُ قَدْ وقَعَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بِـ "قَلِيلٍ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ عِنْدِي قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا" أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ القِيامِ، فَيُجْعَلُ اللَيْلُ اسْمَ جِنْسٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا"، أيِ اللَيالِي الَّتِي تَخِلُّ بِقِيامِها عِنْدَ العُذْرِ ونَحْوِهِ، وهَذا النَظَرُ يَحْسُنُ مَعَ النَدْبِ جِدًّا، وقَدْ تَكَلَّمَ الجُرْجانِيُّ في نَظْمِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَطْوِيلٍ وتَدْقِيقٍ غَيْرِ مُفِيدٍ، أكْثَرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوُ انْقُصْ" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ عِيسى بِالوَجْهَيْنِ، والضَمِيرانِ في "مِنهُ"، "عَلَيْهِ" عائِدانِ عَلى "النِصْفِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَتِّلِ" مَعْناهُ في اللُغَةِ: تَمَهَّلْ وفَرِّقْ بَيْنَ الحُرُوفِ لِتُبَيِّنَ، والمَقْصِدُ أنْ يَجِدَ الفِكْرُ فُسْحَةً لِلنَّظَرِ وفَهْمِ المَعانِي، وبِذَلِكَ يَرِقُّ القَلْبُ ويَفِيضُ عَلَيْهِ النُورُ والرَحْمَةُ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: المُرادُ تَفَهُّمُهُ تالِيًا لَهُ، ومِنهُ: "الثَغْرُ الرَتَلُ" أى الَّذِي بَيَّنَهُ فَسْخٌ وفُتُوحٌ، ورُوِيَ أنَّ قِراءَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَتْ بَيِّنَةً مُتَرَسِّلَةً، لَوْ شاءَ أحَدٌ أنْ يَعُدَّ الحُرُوفَ لَعَدَّها.
(p-٤٤٢)وَ"القَوْلُ الثَقِيلُ" هو القُرْآنُ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ سَمّاهُ ثَقِيلًا؟ فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمّا كانَ يَحِلُّ في رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ثِقَلِ الجِسْمِ حَتّى أنَّهُ كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ بَرَكَتْ بِهِ، وحَتّى كادَتْ فَخْذُهُ أنْ تَرُضَّ فَخْذَ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والقُرْطُبِيُّ: بَلْ سَمّاهُ ثَقِيلًا لِثِقَلِهِ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ حُذّاقُ العُلَماءِ: مَعْناهُ: ثَقِيلُ المَعانِي مِنَ الأمْرِ بِالطاعاتِ والتَكالِيفِ الشَرْعِيَّةِ مِنَ الجِهادِ ونَحْوِهِ ومُزاوَلَةِ الأعْمالِ الصالِحَةِ دائِمًا، قالَ الحَسَنُ: "إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ ولَكِنَّ العَمَلَ ثَقِيلٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ﴾، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَجُلُ إذا قامَ مِنَ اللَيْلِ، فَـ "ناشِئَةَ" -عَلى هَذا- جَمْعُ "ناشِئٍ" أيْ: قائِمٍ، و"أشَدُّ وطْئًا" مَعْناهُ: ثُبُوتًا واسْتِقْلالًا بِالقِيامِ، "وَأقْوَمُ قِيلًا" أيْ بِخُلُوِّ أفْكارِهِمْ وإقْبالِهِمْ عَلى ما يَقْرَءُونَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَتْ عائِشَةُ، ومُجاهِدٌ: الناشِئَةُ القِيامُ بَعْدَ النَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَيْلِ قَبْلَ النَوْمِ فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَيْلِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ساعاتُهُ كُلُّها، لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وأبُو مِجْلَزٍ، والحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةُ اللَيْلِ وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَيْلِ فَهي أشَدُّ وطْئًا، أيْ: أجْدَرُ أنْ تَخُصُّوا ما فَرَضَ اللهُ عَلَيْكم مِنَ القِيامِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ مَتى نامَ لَم يَدْرِ مَتى يَسْتَيْقِظُ، وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَيْلِ أوَّلُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ أيْضًا: اللَيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ، و"أشَدُّ وطْئًا" -عَلى هَذا- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: أشَدَّ ثُبُوتًا، فَيَكُونُ نَسَبُ الثُبُوتِ إلَيْها مِن حَيْثُ هو للْقائِمِ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّها صَعْبَةُ القِيامِ لِمَنعِها النَوْمَ، كَما قالَ « "اللهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرٍ"،» فَذَكَّرَها تَعالى بِالصُعُوبَةِ لِيَعْلَمَ عِظَمَ الأجْرِ فِيها، كَما وعَدَ عَلَيْهِ الصَلاةُ (p-٤٤٣)والسَلامُ عَلى الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ والمَشْيِ في الظَلامِ إلى المَساجِدِ ونَحْوُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَطْئًا" بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وِطاءٍ" عَلى وزْنِ فِعالٍ، والمَعْنى: مُوافَقَةٌ؛ لِأنَّهُ يَخْلُو البالُ مِن أشْغالِ النَهارِ يُوافِقُ قَلْبَ المَرْءِ لِسانَهُ وفِكْرَهُ عِبارَتَهُ، فَهَذِهِ مُواطَأةٌ صَحِيحَةٌ، وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَ اللَفْظَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقَرَأ قَتادَةُ -فِي رِوايَةِ حُسَيْنٍ -: "وِطْاءَ" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ "وَأصْوَبُ قِيلًا"، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو "أقْوَمُ" فَقالَ: أقْوَمُ وأصْوَبُ وأهْيَأُ واحِدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ تَصَرُّفًا وتَرَدُّدًا في أُمُورِكَ كَما يَتَرَدَّدُ السابِحُ في الماءِ، ومِنهُ سُمِّي الفَرَسُ سابِحًا لِتَثَنِّيهِ واضْطِرابِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى أنَّهُ إنْ فاتَ حِزْبُ اللَيْلِ بِنَوْمٍ أو عُذْرٍ فَلْيُخْلِفْ بِالنَهارِ؛ فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "سَبْخًا طَوِيلًا" بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ لَكَ مِنَ التَكالِيفِ، والتَسْبِيخُ: التَخْفِيفُ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في السارِقِ الَّذِي سَرَقَها، فَكانَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ: "لا تَسْبِخِي عنهُ"،» فَمَعْناهُ: لا تُخَفِّفِي عنهُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ يَحْيى السَبْخَ بِالنَوْمِ.
وقالَ سَهْلُ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يُرادُ بِهِ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ في ابْتِداءِ صَلاتِكَ. و"تَبَتَّلْ" مَعْناهُ: انْقَطَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِنهُ، وافْرُغْ إلَيْهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَبَتُّلُ" رَفْضُ الدُنْيا، ومِنهُ: تَبَتَّلَ الحَبْلُ، وقَوْلُهم في المُطَلَّقَةِ: بَتْلَةٌ، ومِنهُ البَتُولُ، و"تَبْتِيلًا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَدْرِ.
(p-٤٤٤)وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "رَبِّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "رَبِّكَ"، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ: هو رَبُّ، أو عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ "لا إلَهَ إلّا هُوَ" وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ" بِالجَمْعِ، و"الوَكِيلُ": القائِمُ بِالأُمُورِ الَّذِي تُوكَلُ إلَيْهِ الأشْياءُ،.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: هي مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، والمُرادُ بِالآيَةِ قُرَيْشٌ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ مَنسُوخٌ، وأمّا الصَبْرُ عَلى ما يَقُولُونَ فَقَدْ يَتَوَجَّهُ أحْيانًا ويَبْقى حُكْمُهُ فِيما يُتَوَجَّهُ مِنَ الهَجْرِ الجَمِيلِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَ أبُو الدَرْداءِ: إنّا لِنُكَشِّرُ في وُجُوهِ قَوْمٍ وإنَّ قُلُوبَنا لَتَلْعَنَهُمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما هي في كُفْرِ قُرَيْشٍ ورَدِّهِمْ رِسالَتَهُ وإعْلامَهم بِذَلِكَ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في هَذا المَقامِ باقِيًا.
المزمل 73:5
(p-٤٣٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُزَّمِّلِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ المَهْدَوِيِّ وجَماعَةٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِ السُورَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَيْلَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ ﴿أو زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا﴾ ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ نِداءٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ نُودِيَ بِها؟ فَقالَتْ عائِشَةُ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: لِأنَّهُ كانَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مُتَزَمِّلًا بِكِساءٍ، والتَزَمُّلُ: الِالتِفافُ في الثِيابِ بِضَمٍّ وتَشْمِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ كَأنَّ أبانا في أفانِينَ ودِقَّةٍ ∗∗∗ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍّ مُزَّمِّلٍ
وخُفِضَ "مُزَّمِّلٍ" في هَذا البَيْتِ هو عَلى الجِوارِ، وإنَّما هو نَعْتٌ لـ "كَبِيرٍ"، فَهو عَلَيْهِ (p-٤٤٠)الصَلاةُ والسَلامُ -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- إنَّما دُعِيَ بِهَيْئَةٍ في لِباسِهِ، وقالَ قَتادَةُ، كانَ تَزَمُّلٌ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ فَنُودِيَ عَلى مَعْنى: يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ المُتَزَمِّلِ لَها، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ لَهُ ﷺ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُتزَّمِّلُ لِلنُّبُوءَةِ وأعْبائِها، أيِ: المُتَشَمِّرُ المُجِدُّ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ والزَهْرِيُّ بِما في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءٍ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]،» وعَلى هَذا نَزَلَتْ يا "أيُّها المُزَّمِّلُ"، وفي مُصْحَفِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [يا أيُّها المُزَّمِّلُ] بِفَتْحِ الزايِ وتَخْفِيفِها وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّها، والمَعْنى: الَّذِي زَمَّلَهُ أهْلُهُ أو زُمِّلَ لِلنُّبُوةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "يا أيُّها المُزَّمِّلُ" بِكَسْرِ المِيمِ وشَدِّها وتَخْفِيفِ الزايِ، أيِ: المُزَّمِّلُ نَفْسَهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الأمْرِ بِقِيامِ اللَيْلِ كَيْفَ كانَ؟ فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: هو أمْرٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ قَدْ كانَ لَمْ يُفْرَضْ قَطُّ، ويُؤَيِّدُ هَذا الحَدِيثُ الصَحِيحُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قامَ لَيْلَةً في رَمَضانَ خَلْفَ حَصِيرِ الحُجْرَةِ، فَصَلّى وصَلّى بِصَلاتِهِ ناسٌ، ثُمَّ كَثُرُوا مِنَ اللَيْلَةِ القابِلَةِ، ثُمَّ غَصَّ المَسْجِدُ بِهِمْ في الثالِثَةِ أوِ الرابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَحَصَبُوا بابَهُ فَخَرَجَ مُغْضَبًا وقالَ: "إنِّي إنَّما تَرَكْتُ الخُرُوجَ لِأنِّي خِفْتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ"،» وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يُكَلِّمْهم إلّا بَعْدَ أصْبَحَ وقالَ آخَرُونَ: كانَ فَرْضًا في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى النَبِيِّ ﷺ خاصَّةً وبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى تُوُفِّيَ ﷺ، وقِيلَ: بَلْ نُسِخَ عنهُ ولَمْ يَمُتْ إلّا والقِيامُ تَطَوُّعٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى الجَمِيعِ، ودامَ الأمْرُ- عَلى ما قالَ (p-٤٤١)سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - عَشْرَ سِنِينَ، وقالَتْ عائِشَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: دامَ عامًا، ورُوِيَ عنها أيْضًا أنَّهُ دامَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعالى فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] فَخَفَّفَ عنهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: بَقِيَ عامًا أو عامَيْنِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "قُمُ اللَيْلَ" بِضَمِّ المِيمِ لِاجْتِماعِ الساكِنَيْنِ، والكَسْرُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ كَما قَرَأ الناسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِصْفَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "قَلِيلًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ "اللَيْلِ"، وكَيْفَ تُقَلِّبُ المَعْنى فَإنَّهُ أمَرَ بِقِيامِ نِصْفِ اللَيْلِ أو أكْثَرَ شَيْئًا أو أقَلَّ شَيْئًا. فالأكْثَرُ عِنْدَ العُلَماءِ لا يَزِيدُ عَلى الثُلُثَيْنِ، والأقَلُّ لا يَنْقُصُ عَنِ الثُلُثِ، ويُقَوِّي هَذا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَيْتِ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالَ: فَلَمّا انْتَصَفَ اللَيْلُ أو قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ قامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. ويَلْزَمُ عَلى هَذا البَدَلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنْ يَكُونَ اللَيْلُ قَدْ وقَعَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بِـ "قَلِيلٍ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ عِنْدِي قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا" أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ القِيامِ، فَيُجْعَلُ اللَيْلُ اسْمَ جِنْسٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا"، أيِ اللَيالِي الَّتِي تَخِلُّ بِقِيامِها عِنْدَ العُذْرِ ونَحْوِهِ، وهَذا النَظَرُ يَحْسُنُ مَعَ النَدْبِ جِدًّا، وقَدْ تَكَلَّمَ الجُرْجانِيُّ في نَظْمِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَطْوِيلٍ وتَدْقِيقٍ غَيْرِ مُفِيدٍ، أكْثَرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوُ انْقُصْ" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ عِيسى بِالوَجْهَيْنِ، والضَمِيرانِ في "مِنهُ"، "عَلَيْهِ" عائِدانِ عَلى "النِصْفِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَتِّلِ" مَعْناهُ في اللُغَةِ: تَمَهَّلْ وفَرِّقْ بَيْنَ الحُرُوفِ لِتُبَيِّنَ، والمَقْصِدُ أنْ يَجِدَ الفِكْرُ فُسْحَةً لِلنَّظَرِ وفَهْمِ المَعانِي، وبِذَلِكَ يَرِقُّ القَلْبُ ويَفِيضُ عَلَيْهِ النُورُ والرَحْمَةُ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: المُرادُ تَفَهُّمُهُ تالِيًا لَهُ، ومِنهُ: "الثَغْرُ الرَتَلُ" أى الَّذِي بَيَّنَهُ فَسْخٌ وفُتُوحٌ، ورُوِيَ أنَّ قِراءَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَتْ بَيِّنَةً مُتَرَسِّلَةً، لَوْ شاءَ أحَدٌ أنْ يَعُدَّ الحُرُوفَ لَعَدَّها.
(p-٤٤٢)وَ"القَوْلُ الثَقِيلُ" هو القُرْآنُ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ سَمّاهُ ثَقِيلًا؟ فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمّا كانَ يَحِلُّ في رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ثِقَلِ الجِسْمِ حَتّى أنَّهُ كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ بَرَكَتْ بِهِ، وحَتّى كادَتْ فَخْذُهُ أنْ تَرُضَّ فَخْذَ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والقُرْطُبِيُّ: بَلْ سَمّاهُ ثَقِيلًا لِثِقَلِهِ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ حُذّاقُ العُلَماءِ: مَعْناهُ: ثَقِيلُ المَعانِي مِنَ الأمْرِ بِالطاعاتِ والتَكالِيفِ الشَرْعِيَّةِ مِنَ الجِهادِ ونَحْوِهِ ومُزاوَلَةِ الأعْمالِ الصالِحَةِ دائِمًا، قالَ الحَسَنُ: "إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ ولَكِنَّ العَمَلَ ثَقِيلٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ﴾، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَجُلُ إذا قامَ مِنَ اللَيْلِ، فَـ "ناشِئَةَ" -عَلى هَذا- جَمْعُ "ناشِئٍ" أيْ: قائِمٍ، و"أشَدُّ وطْئًا" مَعْناهُ: ثُبُوتًا واسْتِقْلالًا بِالقِيامِ، "وَأقْوَمُ قِيلًا" أيْ بِخُلُوِّ أفْكارِهِمْ وإقْبالِهِمْ عَلى ما يَقْرَءُونَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَتْ عائِشَةُ، ومُجاهِدٌ: الناشِئَةُ القِيامُ بَعْدَ النَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَيْلِ قَبْلَ النَوْمِ فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَيْلِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ساعاتُهُ كُلُّها، لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وأبُو مِجْلَزٍ، والحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةُ اللَيْلِ وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَيْلِ فَهي أشَدُّ وطْئًا، أيْ: أجْدَرُ أنْ تَخُصُّوا ما فَرَضَ اللهُ عَلَيْكم مِنَ القِيامِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ مَتى نامَ لَم يَدْرِ مَتى يَسْتَيْقِظُ، وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَيْلِ أوَّلُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ أيْضًا: اللَيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ، و"أشَدُّ وطْئًا" -عَلى هَذا- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: أشَدَّ ثُبُوتًا، فَيَكُونُ نَسَبُ الثُبُوتِ إلَيْها مِن حَيْثُ هو للْقائِمِ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّها صَعْبَةُ القِيامِ لِمَنعِها النَوْمَ، كَما قالَ « "اللهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرٍ"،» فَذَكَّرَها تَعالى بِالصُعُوبَةِ لِيَعْلَمَ عِظَمَ الأجْرِ فِيها، كَما وعَدَ عَلَيْهِ الصَلاةُ (p-٤٤٣)والسَلامُ عَلى الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ والمَشْيِ في الظَلامِ إلى المَساجِدِ ونَحْوُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَطْئًا" بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وِطاءٍ" عَلى وزْنِ فِعالٍ، والمَعْنى: مُوافَقَةٌ؛ لِأنَّهُ يَخْلُو البالُ مِن أشْغالِ النَهارِ يُوافِقُ قَلْبَ المَرْءِ لِسانَهُ وفِكْرَهُ عِبارَتَهُ، فَهَذِهِ مُواطَأةٌ صَحِيحَةٌ، وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَ اللَفْظَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقَرَأ قَتادَةُ -فِي رِوايَةِ حُسَيْنٍ -: "وِطْاءَ" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ "وَأصْوَبُ قِيلًا"، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو "أقْوَمُ" فَقالَ: أقْوَمُ وأصْوَبُ وأهْيَأُ واحِدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ تَصَرُّفًا وتَرَدُّدًا في أُمُورِكَ كَما يَتَرَدَّدُ السابِحُ في الماءِ، ومِنهُ سُمِّي الفَرَسُ سابِحًا لِتَثَنِّيهِ واضْطِرابِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى أنَّهُ إنْ فاتَ حِزْبُ اللَيْلِ بِنَوْمٍ أو عُذْرٍ فَلْيُخْلِفْ بِالنَهارِ؛ فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "سَبْخًا طَوِيلًا" بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ لَكَ مِنَ التَكالِيفِ، والتَسْبِيخُ: التَخْفِيفُ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في السارِقِ الَّذِي سَرَقَها، فَكانَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ: "لا تَسْبِخِي عنهُ"،» فَمَعْناهُ: لا تُخَفِّفِي عنهُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ يَحْيى السَبْخَ بِالنَوْمِ.
وقالَ سَهْلُ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يُرادُ بِهِ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ في ابْتِداءِ صَلاتِكَ. و"تَبَتَّلْ" مَعْناهُ: انْقَطَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِنهُ، وافْرُغْ إلَيْهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَبَتُّلُ" رَفْضُ الدُنْيا، ومِنهُ: تَبَتَّلَ الحَبْلُ، وقَوْلُهم في المُطَلَّقَةِ: بَتْلَةٌ، ومِنهُ البَتُولُ، و"تَبْتِيلًا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَدْرِ.
(p-٤٤٤)وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "رَبِّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "رَبِّكَ"، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ: هو رَبُّ، أو عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ "لا إلَهَ إلّا هُوَ" وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ" بِالجَمْعِ، و"الوَكِيلُ": القائِمُ بِالأُمُورِ الَّذِي تُوكَلُ إلَيْهِ الأشْياءُ،.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: هي مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، والمُرادُ بِالآيَةِ قُرَيْشٌ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ مَنسُوخٌ، وأمّا الصَبْرُ عَلى ما يَقُولُونَ فَقَدْ يَتَوَجَّهُ أحْيانًا ويَبْقى حُكْمُهُ فِيما يُتَوَجَّهُ مِنَ الهَجْرِ الجَمِيلِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَ أبُو الدَرْداءِ: إنّا لِنُكَشِّرُ في وُجُوهِ قَوْمٍ وإنَّ قُلُوبَنا لَتَلْعَنَهُمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما هي في كُفْرِ قُرَيْشٍ ورَدِّهِمْ رِسالَتَهُ وإعْلامَهم بِذَلِكَ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في هَذا المَقامِ باقِيًا.
المزمل 73:6
(p-٤٣٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُزَّمِّلِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ المَهْدَوِيِّ وجَماعَةٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِ السُورَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَيْلَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ ﴿أو زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا﴾ ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ نِداءٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ نُودِيَ بِها؟ فَقالَتْ عائِشَةُ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: لِأنَّهُ كانَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مُتَزَمِّلًا بِكِساءٍ، والتَزَمُّلُ: الِالتِفافُ في الثِيابِ بِضَمٍّ وتَشْمِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ كَأنَّ أبانا في أفانِينَ ودِقَّةٍ ∗∗∗ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍّ مُزَّمِّلٍ
وخُفِضَ "مُزَّمِّلٍ" في هَذا البَيْتِ هو عَلى الجِوارِ، وإنَّما هو نَعْتٌ لـ "كَبِيرٍ"، فَهو عَلَيْهِ (p-٤٤٠)الصَلاةُ والسَلامُ -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- إنَّما دُعِيَ بِهَيْئَةٍ في لِباسِهِ، وقالَ قَتادَةُ، كانَ تَزَمُّلٌ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ فَنُودِيَ عَلى مَعْنى: يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ المُتَزَمِّلِ لَها، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ لَهُ ﷺ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُتزَّمِّلُ لِلنُّبُوءَةِ وأعْبائِها، أيِ: المُتَشَمِّرُ المُجِدُّ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ والزَهْرِيُّ بِما في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءٍ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]،» وعَلى هَذا نَزَلَتْ يا "أيُّها المُزَّمِّلُ"، وفي مُصْحَفِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [يا أيُّها المُزَّمِّلُ] بِفَتْحِ الزايِ وتَخْفِيفِها وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّها، والمَعْنى: الَّذِي زَمَّلَهُ أهْلُهُ أو زُمِّلَ لِلنُّبُوةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "يا أيُّها المُزَّمِّلُ" بِكَسْرِ المِيمِ وشَدِّها وتَخْفِيفِ الزايِ، أيِ: المُزَّمِّلُ نَفْسَهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الأمْرِ بِقِيامِ اللَيْلِ كَيْفَ كانَ؟ فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: هو أمْرٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ قَدْ كانَ لَمْ يُفْرَضْ قَطُّ، ويُؤَيِّدُ هَذا الحَدِيثُ الصَحِيحُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قامَ لَيْلَةً في رَمَضانَ خَلْفَ حَصِيرِ الحُجْرَةِ، فَصَلّى وصَلّى بِصَلاتِهِ ناسٌ، ثُمَّ كَثُرُوا مِنَ اللَيْلَةِ القابِلَةِ، ثُمَّ غَصَّ المَسْجِدُ بِهِمْ في الثالِثَةِ أوِ الرابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَحَصَبُوا بابَهُ فَخَرَجَ مُغْضَبًا وقالَ: "إنِّي إنَّما تَرَكْتُ الخُرُوجَ لِأنِّي خِفْتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ"،» وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يُكَلِّمْهم إلّا بَعْدَ أصْبَحَ وقالَ آخَرُونَ: كانَ فَرْضًا في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى النَبِيِّ ﷺ خاصَّةً وبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى تُوُفِّيَ ﷺ، وقِيلَ: بَلْ نُسِخَ عنهُ ولَمْ يَمُتْ إلّا والقِيامُ تَطَوُّعٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى الجَمِيعِ، ودامَ الأمْرُ- عَلى ما قالَ (p-٤٤١)سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - عَشْرَ سِنِينَ، وقالَتْ عائِشَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: دامَ عامًا، ورُوِيَ عنها أيْضًا أنَّهُ دامَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعالى فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] فَخَفَّفَ عنهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: بَقِيَ عامًا أو عامَيْنِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "قُمُ اللَيْلَ" بِضَمِّ المِيمِ لِاجْتِماعِ الساكِنَيْنِ، والكَسْرُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ كَما قَرَأ الناسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِصْفَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "قَلِيلًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ "اللَيْلِ"، وكَيْفَ تُقَلِّبُ المَعْنى فَإنَّهُ أمَرَ بِقِيامِ نِصْفِ اللَيْلِ أو أكْثَرَ شَيْئًا أو أقَلَّ شَيْئًا. فالأكْثَرُ عِنْدَ العُلَماءِ لا يَزِيدُ عَلى الثُلُثَيْنِ، والأقَلُّ لا يَنْقُصُ عَنِ الثُلُثِ، ويُقَوِّي هَذا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَيْتِ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالَ: فَلَمّا انْتَصَفَ اللَيْلُ أو قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ قامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. ويَلْزَمُ عَلى هَذا البَدَلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنْ يَكُونَ اللَيْلُ قَدْ وقَعَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بِـ "قَلِيلٍ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ عِنْدِي قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا" أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ القِيامِ، فَيُجْعَلُ اللَيْلُ اسْمَ جِنْسٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا"، أيِ اللَيالِي الَّتِي تَخِلُّ بِقِيامِها عِنْدَ العُذْرِ ونَحْوِهِ، وهَذا النَظَرُ يَحْسُنُ مَعَ النَدْبِ جِدًّا، وقَدْ تَكَلَّمَ الجُرْجانِيُّ في نَظْمِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَطْوِيلٍ وتَدْقِيقٍ غَيْرِ مُفِيدٍ، أكْثَرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوُ انْقُصْ" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ عِيسى بِالوَجْهَيْنِ، والضَمِيرانِ في "مِنهُ"، "عَلَيْهِ" عائِدانِ عَلى "النِصْفِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَتِّلِ" مَعْناهُ في اللُغَةِ: تَمَهَّلْ وفَرِّقْ بَيْنَ الحُرُوفِ لِتُبَيِّنَ، والمَقْصِدُ أنْ يَجِدَ الفِكْرُ فُسْحَةً لِلنَّظَرِ وفَهْمِ المَعانِي، وبِذَلِكَ يَرِقُّ القَلْبُ ويَفِيضُ عَلَيْهِ النُورُ والرَحْمَةُ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: المُرادُ تَفَهُّمُهُ تالِيًا لَهُ، ومِنهُ: "الثَغْرُ الرَتَلُ" أى الَّذِي بَيَّنَهُ فَسْخٌ وفُتُوحٌ، ورُوِيَ أنَّ قِراءَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَتْ بَيِّنَةً مُتَرَسِّلَةً، لَوْ شاءَ أحَدٌ أنْ يَعُدَّ الحُرُوفَ لَعَدَّها.
(p-٤٤٢)وَ"القَوْلُ الثَقِيلُ" هو القُرْآنُ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ سَمّاهُ ثَقِيلًا؟ فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمّا كانَ يَحِلُّ في رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ثِقَلِ الجِسْمِ حَتّى أنَّهُ كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ بَرَكَتْ بِهِ، وحَتّى كادَتْ فَخْذُهُ أنْ تَرُضَّ فَخْذَ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والقُرْطُبِيُّ: بَلْ سَمّاهُ ثَقِيلًا لِثِقَلِهِ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ حُذّاقُ العُلَماءِ: مَعْناهُ: ثَقِيلُ المَعانِي مِنَ الأمْرِ بِالطاعاتِ والتَكالِيفِ الشَرْعِيَّةِ مِنَ الجِهادِ ونَحْوِهِ ومُزاوَلَةِ الأعْمالِ الصالِحَةِ دائِمًا، قالَ الحَسَنُ: "إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ ولَكِنَّ العَمَلَ ثَقِيلٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ﴾، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَجُلُ إذا قامَ مِنَ اللَيْلِ، فَـ "ناشِئَةَ" -عَلى هَذا- جَمْعُ "ناشِئٍ" أيْ: قائِمٍ، و"أشَدُّ وطْئًا" مَعْناهُ: ثُبُوتًا واسْتِقْلالًا بِالقِيامِ، "وَأقْوَمُ قِيلًا" أيْ بِخُلُوِّ أفْكارِهِمْ وإقْبالِهِمْ عَلى ما يَقْرَءُونَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَتْ عائِشَةُ، ومُجاهِدٌ: الناشِئَةُ القِيامُ بَعْدَ النَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَيْلِ قَبْلَ النَوْمِ فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَيْلِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ساعاتُهُ كُلُّها، لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وأبُو مِجْلَزٍ، والحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةُ اللَيْلِ وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَيْلِ فَهي أشَدُّ وطْئًا، أيْ: أجْدَرُ أنْ تَخُصُّوا ما فَرَضَ اللهُ عَلَيْكم مِنَ القِيامِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ مَتى نامَ لَم يَدْرِ مَتى يَسْتَيْقِظُ، وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَيْلِ أوَّلُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ أيْضًا: اللَيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ، و"أشَدُّ وطْئًا" -عَلى هَذا- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: أشَدَّ ثُبُوتًا، فَيَكُونُ نَسَبُ الثُبُوتِ إلَيْها مِن حَيْثُ هو للْقائِمِ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّها صَعْبَةُ القِيامِ لِمَنعِها النَوْمَ، كَما قالَ « "اللهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرٍ"،» فَذَكَّرَها تَعالى بِالصُعُوبَةِ لِيَعْلَمَ عِظَمَ الأجْرِ فِيها، كَما وعَدَ عَلَيْهِ الصَلاةُ (p-٤٤٣)والسَلامُ عَلى الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ والمَشْيِ في الظَلامِ إلى المَساجِدِ ونَحْوُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَطْئًا" بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وِطاءٍ" عَلى وزْنِ فِعالٍ، والمَعْنى: مُوافَقَةٌ؛ لِأنَّهُ يَخْلُو البالُ مِن أشْغالِ النَهارِ يُوافِقُ قَلْبَ المَرْءِ لِسانَهُ وفِكْرَهُ عِبارَتَهُ، فَهَذِهِ مُواطَأةٌ صَحِيحَةٌ، وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَ اللَفْظَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقَرَأ قَتادَةُ -فِي رِوايَةِ حُسَيْنٍ -: "وِطْاءَ" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ "وَأصْوَبُ قِيلًا"، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو "أقْوَمُ" فَقالَ: أقْوَمُ وأصْوَبُ وأهْيَأُ واحِدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ تَصَرُّفًا وتَرَدُّدًا في أُمُورِكَ كَما يَتَرَدَّدُ السابِحُ في الماءِ، ومِنهُ سُمِّي الفَرَسُ سابِحًا لِتَثَنِّيهِ واضْطِرابِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى أنَّهُ إنْ فاتَ حِزْبُ اللَيْلِ بِنَوْمٍ أو عُذْرٍ فَلْيُخْلِفْ بِالنَهارِ؛ فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "سَبْخًا طَوِيلًا" بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ لَكَ مِنَ التَكالِيفِ، والتَسْبِيخُ: التَخْفِيفُ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في السارِقِ الَّذِي سَرَقَها، فَكانَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ: "لا تَسْبِخِي عنهُ"،» فَمَعْناهُ: لا تُخَفِّفِي عنهُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ يَحْيى السَبْخَ بِالنَوْمِ.
وقالَ سَهْلُ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يُرادُ بِهِ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ في ابْتِداءِ صَلاتِكَ. و"تَبَتَّلْ" مَعْناهُ: انْقَطَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِنهُ، وافْرُغْ إلَيْهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَبَتُّلُ" رَفْضُ الدُنْيا، ومِنهُ: تَبَتَّلَ الحَبْلُ، وقَوْلُهم في المُطَلَّقَةِ: بَتْلَةٌ، ومِنهُ البَتُولُ، و"تَبْتِيلًا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَدْرِ.
(p-٤٤٤)وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "رَبِّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "رَبِّكَ"، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ: هو رَبُّ، أو عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ "لا إلَهَ إلّا هُوَ" وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ" بِالجَمْعِ، و"الوَكِيلُ": القائِمُ بِالأُمُورِ الَّذِي تُوكَلُ إلَيْهِ الأشْياءُ،.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: هي مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، والمُرادُ بِالآيَةِ قُرَيْشٌ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ مَنسُوخٌ، وأمّا الصَبْرُ عَلى ما يَقُولُونَ فَقَدْ يَتَوَجَّهُ أحْيانًا ويَبْقى حُكْمُهُ فِيما يُتَوَجَّهُ مِنَ الهَجْرِ الجَمِيلِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَ أبُو الدَرْداءِ: إنّا لِنُكَشِّرُ في وُجُوهِ قَوْمٍ وإنَّ قُلُوبَنا لَتَلْعَنَهُمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما هي في كُفْرِ قُرَيْشٍ ورَدِّهِمْ رِسالَتَهُ وإعْلامَهم بِذَلِكَ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في هَذا المَقامِ باقِيًا.
المزمل 73:7
(p-٤٣٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُزَّمِّلِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ المَهْدَوِيِّ وجَماعَةٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِ السُورَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَيْلَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ ﴿أو زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا﴾ ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ نِداءٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ نُودِيَ بِها؟ فَقالَتْ عائِشَةُ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: لِأنَّهُ كانَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مُتَزَمِّلًا بِكِساءٍ، والتَزَمُّلُ: الِالتِفافُ في الثِيابِ بِضَمٍّ وتَشْمِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ كَأنَّ أبانا في أفانِينَ ودِقَّةٍ ∗∗∗ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍّ مُزَّمِّلٍ
وخُفِضَ "مُزَّمِّلٍ" في هَذا البَيْتِ هو عَلى الجِوارِ، وإنَّما هو نَعْتٌ لـ "كَبِيرٍ"، فَهو عَلَيْهِ (p-٤٤٠)الصَلاةُ والسَلامُ -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- إنَّما دُعِيَ بِهَيْئَةٍ في لِباسِهِ، وقالَ قَتادَةُ، كانَ تَزَمُّلٌ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ فَنُودِيَ عَلى مَعْنى: يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ المُتَزَمِّلِ لَها، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ لَهُ ﷺ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُتزَّمِّلُ لِلنُّبُوءَةِ وأعْبائِها، أيِ: المُتَشَمِّرُ المُجِدُّ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ والزَهْرِيُّ بِما في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءٍ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]،» وعَلى هَذا نَزَلَتْ يا "أيُّها المُزَّمِّلُ"، وفي مُصْحَفِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [يا أيُّها المُزَّمِّلُ] بِفَتْحِ الزايِ وتَخْفِيفِها وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّها، والمَعْنى: الَّذِي زَمَّلَهُ أهْلُهُ أو زُمِّلَ لِلنُّبُوةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "يا أيُّها المُزَّمِّلُ" بِكَسْرِ المِيمِ وشَدِّها وتَخْفِيفِ الزايِ، أيِ: المُزَّمِّلُ نَفْسَهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الأمْرِ بِقِيامِ اللَيْلِ كَيْفَ كانَ؟ فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: هو أمْرٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ قَدْ كانَ لَمْ يُفْرَضْ قَطُّ، ويُؤَيِّدُ هَذا الحَدِيثُ الصَحِيحُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قامَ لَيْلَةً في رَمَضانَ خَلْفَ حَصِيرِ الحُجْرَةِ، فَصَلّى وصَلّى بِصَلاتِهِ ناسٌ، ثُمَّ كَثُرُوا مِنَ اللَيْلَةِ القابِلَةِ، ثُمَّ غَصَّ المَسْجِدُ بِهِمْ في الثالِثَةِ أوِ الرابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَحَصَبُوا بابَهُ فَخَرَجَ مُغْضَبًا وقالَ: "إنِّي إنَّما تَرَكْتُ الخُرُوجَ لِأنِّي خِفْتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ"،» وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يُكَلِّمْهم إلّا بَعْدَ أصْبَحَ وقالَ آخَرُونَ: كانَ فَرْضًا في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى النَبِيِّ ﷺ خاصَّةً وبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى تُوُفِّيَ ﷺ، وقِيلَ: بَلْ نُسِخَ عنهُ ولَمْ يَمُتْ إلّا والقِيامُ تَطَوُّعٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى الجَمِيعِ، ودامَ الأمْرُ- عَلى ما قالَ (p-٤٤١)سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - عَشْرَ سِنِينَ، وقالَتْ عائِشَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: دامَ عامًا، ورُوِيَ عنها أيْضًا أنَّهُ دامَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعالى فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] فَخَفَّفَ عنهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: بَقِيَ عامًا أو عامَيْنِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "قُمُ اللَيْلَ" بِضَمِّ المِيمِ لِاجْتِماعِ الساكِنَيْنِ، والكَسْرُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ كَما قَرَأ الناسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِصْفَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "قَلِيلًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ "اللَيْلِ"، وكَيْفَ تُقَلِّبُ المَعْنى فَإنَّهُ أمَرَ بِقِيامِ نِصْفِ اللَيْلِ أو أكْثَرَ شَيْئًا أو أقَلَّ شَيْئًا. فالأكْثَرُ عِنْدَ العُلَماءِ لا يَزِيدُ عَلى الثُلُثَيْنِ، والأقَلُّ لا يَنْقُصُ عَنِ الثُلُثِ، ويُقَوِّي هَذا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَيْتِ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالَ: فَلَمّا انْتَصَفَ اللَيْلُ أو قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ قامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. ويَلْزَمُ عَلى هَذا البَدَلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنْ يَكُونَ اللَيْلُ قَدْ وقَعَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بِـ "قَلِيلٍ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ عِنْدِي قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا" أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ القِيامِ، فَيُجْعَلُ اللَيْلُ اسْمَ جِنْسٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا"، أيِ اللَيالِي الَّتِي تَخِلُّ بِقِيامِها عِنْدَ العُذْرِ ونَحْوِهِ، وهَذا النَظَرُ يَحْسُنُ مَعَ النَدْبِ جِدًّا، وقَدْ تَكَلَّمَ الجُرْجانِيُّ في نَظْمِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَطْوِيلٍ وتَدْقِيقٍ غَيْرِ مُفِيدٍ، أكْثَرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوُ انْقُصْ" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ عِيسى بِالوَجْهَيْنِ، والضَمِيرانِ في "مِنهُ"، "عَلَيْهِ" عائِدانِ عَلى "النِصْفِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَتِّلِ" مَعْناهُ في اللُغَةِ: تَمَهَّلْ وفَرِّقْ بَيْنَ الحُرُوفِ لِتُبَيِّنَ، والمَقْصِدُ أنْ يَجِدَ الفِكْرُ فُسْحَةً لِلنَّظَرِ وفَهْمِ المَعانِي، وبِذَلِكَ يَرِقُّ القَلْبُ ويَفِيضُ عَلَيْهِ النُورُ والرَحْمَةُ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: المُرادُ تَفَهُّمُهُ تالِيًا لَهُ، ومِنهُ: "الثَغْرُ الرَتَلُ" أى الَّذِي بَيَّنَهُ فَسْخٌ وفُتُوحٌ، ورُوِيَ أنَّ قِراءَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَتْ بَيِّنَةً مُتَرَسِّلَةً، لَوْ شاءَ أحَدٌ أنْ يَعُدَّ الحُرُوفَ لَعَدَّها.
(p-٤٤٢)وَ"القَوْلُ الثَقِيلُ" هو القُرْآنُ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ سَمّاهُ ثَقِيلًا؟ فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمّا كانَ يَحِلُّ في رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ثِقَلِ الجِسْمِ حَتّى أنَّهُ كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ بَرَكَتْ بِهِ، وحَتّى كادَتْ فَخْذُهُ أنْ تَرُضَّ فَخْذَ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والقُرْطُبِيُّ: بَلْ سَمّاهُ ثَقِيلًا لِثِقَلِهِ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ حُذّاقُ العُلَماءِ: مَعْناهُ: ثَقِيلُ المَعانِي مِنَ الأمْرِ بِالطاعاتِ والتَكالِيفِ الشَرْعِيَّةِ مِنَ الجِهادِ ونَحْوِهِ ومُزاوَلَةِ الأعْمالِ الصالِحَةِ دائِمًا، قالَ الحَسَنُ: "إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ ولَكِنَّ العَمَلَ ثَقِيلٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ﴾، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَجُلُ إذا قامَ مِنَ اللَيْلِ، فَـ "ناشِئَةَ" -عَلى هَذا- جَمْعُ "ناشِئٍ" أيْ: قائِمٍ، و"أشَدُّ وطْئًا" مَعْناهُ: ثُبُوتًا واسْتِقْلالًا بِالقِيامِ، "وَأقْوَمُ قِيلًا" أيْ بِخُلُوِّ أفْكارِهِمْ وإقْبالِهِمْ عَلى ما يَقْرَءُونَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَتْ عائِشَةُ، ومُجاهِدٌ: الناشِئَةُ القِيامُ بَعْدَ النَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَيْلِ قَبْلَ النَوْمِ فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَيْلِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ساعاتُهُ كُلُّها، لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وأبُو مِجْلَزٍ، والحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةُ اللَيْلِ وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَيْلِ فَهي أشَدُّ وطْئًا، أيْ: أجْدَرُ أنْ تَخُصُّوا ما فَرَضَ اللهُ عَلَيْكم مِنَ القِيامِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ مَتى نامَ لَم يَدْرِ مَتى يَسْتَيْقِظُ، وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَيْلِ أوَّلُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ أيْضًا: اللَيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ، و"أشَدُّ وطْئًا" -عَلى هَذا- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: أشَدَّ ثُبُوتًا، فَيَكُونُ نَسَبُ الثُبُوتِ إلَيْها مِن حَيْثُ هو للْقائِمِ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّها صَعْبَةُ القِيامِ لِمَنعِها النَوْمَ، كَما قالَ « "اللهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرٍ"،» فَذَكَّرَها تَعالى بِالصُعُوبَةِ لِيَعْلَمَ عِظَمَ الأجْرِ فِيها، كَما وعَدَ عَلَيْهِ الصَلاةُ (p-٤٤٣)والسَلامُ عَلى الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ والمَشْيِ في الظَلامِ إلى المَساجِدِ ونَحْوُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَطْئًا" بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وِطاءٍ" عَلى وزْنِ فِعالٍ، والمَعْنى: مُوافَقَةٌ؛ لِأنَّهُ يَخْلُو البالُ مِن أشْغالِ النَهارِ يُوافِقُ قَلْبَ المَرْءِ لِسانَهُ وفِكْرَهُ عِبارَتَهُ، فَهَذِهِ مُواطَأةٌ صَحِيحَةٌ، وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَ اللَفْظَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقَرَأ قَتادَةُ -فِي رِوايَةِ حُسَيْنٍ -: "وِطْاءَ" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ "وَأصْوَبُ قِيلًا"، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو "أقْوَمُ" فَقالَ: أقْوَمُ وأصْوَبُ وأهْيَأُ واحِدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ تَصَرُّفًا وتَرَدُّدًا في أُمُورِكَ كَما يَتَرَدَّدُ السابِحُ في الماءِ، ومِنهُ سُمِّي الفَرَسُ سابِحًا لِتَثَنِّيهِ واضْطِرابِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى أنَّهُ إنْ فاتَ حِزْبُ اللَيْلِ بِنَوْمٍ أو عُذْرٍ فَلْيُخْلِفْ بِالنَهارِ؛ فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "سَبْخًا طَوِيلًا" بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ لَكَ مِنَ التَكالِيفِ، والتَسْبِيخُ: التَخْفِيفُ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في السارِقِ الَّذِي سَرَقَها، فَكانَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ: "لا تَسْبِخِي عنهُ"،» فَمَعْناهُ: لا تُخَفِّفِي عنهُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ يَحْيى السَبْخَ بِالنَوْمِ.
وقالَ سَهْلُ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يُرادُ بِهِ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ في ابْتِداءِ صَلاتِكَ. و"تَبَتَّلْ" مَعْناهُ: انْقَطَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِنهُ، وافْرُغْ إلَيْهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَبَتُّلُ" رَفْضُ الدُنْيا، ومِنهُ: تَبَتَّلَ الحَبْلُ، وقَوْلُهم في المُطَلَّقَةِ: بَتْلَةٌ، ومِنهُ البَتُولُ، و"تَبْتِيلًا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَدْرِ.
(p-٤٤٤)وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "رَبِّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "رَبِّكَ"، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ: هو رَبُّ، أو عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ "لا إلَهَ إلّا هُوَ" وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ" بِالجَمْعِ، و"الوَكِيلُ": القائِمُ بِالأُمُورِ الَّذِي تُوكَلُ إلَيْهِ الأشْياءُ،.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: هي مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، والمُرادُ بِالآيَةِ قُرَيْشٌ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ مَنسُوخٌ، وأمّا الصَبْرُ عَلى ما يَقُولُونَ فَقَدْ يَتَوَجَّهُ أحْيانًا ويَبْقى حُكْمُهُ فِيما يُتَوَجَّهُ مِنَ الهَجْرِ الجَمِيلِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَ أبُو الدَرْداءِ: إنّا لِنُكَشِّرُ في وُجُوهِ قَوْمٍ وإنَّ قُلُوبَنا لَتَلْعَنَهُمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما هي في كُفْرِ قُرَيْشٍ ورَدِّهِمْ رِسالَتَهُ وإعْلامَهم بِذَلِكَ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في هَذا المَقامِ باقِيًا.
المزمل 73:8
(p-٤٣٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُزَّمِّلِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ المَهْدَوِيِّ وجَماعَةٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِ السُورَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَيْلَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ ﴿أو زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا﴾ ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ نِداءٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ نُودِيَ بِها؟ فَقالَتْ عائِشَةُ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: لِأنَّهُ كانَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مُتَزَمِّلًا بِكِساءٍ، والتَزَمُّلُ: الِالتِفافُ في الثِيابِ بِضَمٍّ وتَشْمِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ كَأنَّ أبانا في أفانِينَ ودِقَّةٍ ∗∗∗ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍّ مُزَّمِّلٍ
وخُفِضَ "مُزَّمِّلٍ" في هَذا البَيْتِ هو عَلى الجِوارِ، وإنَّما هو نَعْتٌ لـ "كَبِيرٍ"، فَهو عَلَيْهِ (p-٤٤٠)الصَلاةُ والسَلامُ -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- إنَّما دُعِيَ بِهَيْئَةٍ في لِباسِهِ، وقالَ قَتادَةُ، كانَ تَزَمُّلٌ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ فَنُودِيَ عَلى مَعْنى: يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ المُتَزَمِّلِ لَها، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ لَهُ ﷺ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُتزَّمِّلُ لِلنُّبُوءَةِ وأعْبائِها، أيِ: المُتَشَمِّرُ المُجِدُّ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ والزَهْرِيُّ بِما في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءٍ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]،» وعَلى هَذا نَزَلَتْ يا "أيُّها المُزَّمِّلُ"، وفي مُصْحَفِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [يا أيُّها المُزَّمِّلُ] بِفَتْحِ الزايِ وتَخْفِيفِها وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّها، والمَعْنى: الَّذِي زَمَّلَهُ أهْلُهُ أو زُمِّلَ لِلنُّبُوةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "يا أيُّها المُزَّمِّلُ" بِكَسْرِ المِيمِ وشَدِّها وتَخْفِيفِ الزايِ، أيِ: المُزَّمِّلُ نَفْسَهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الأمْرِ بِقِيامِ اللَيْلِ كَيْفَ كانَ؟ فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: هو أمْرٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ قَدْ كانَ لَمْ يُفْرَضْ قَطُّ، ويُؤَيِّدُ هَذا الحَدِيثُ الصَحِيحُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قامَ لَيْلَةً في رَمَضانَ خَلْفَ حَصِيرِ الحُجْرَةِ، فَصَلّى وصَلّى بِصَلاتِهِ ناسٌ، ثُمَّ كَثُرُوا مِنَ اللَيْلَةِ القابِلَةِ، ثُمَّ غَصَّ المَسْجِدُ بِهِمْ في الثالِثَةِ أوِ الرابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَحَصَبُوا بابَهُ فَخَرَجَ مُغْضَبًا وقالَ: "إنِّي إنَّما تَرَكْتُ الخُرُوجَ لِأنِّي خِفْتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ"،» وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يُكَلِّمْهم إلّا بَعْدَ أصْبَحَ وقالَ آخَرُونَ: كانَ فَرْضًا في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى النَبِيِّ ﷺ خاصَّةً وبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى تُوُفِّيَ ﷺ، وقِيلَ: بَلْ نُسِخَ عنهُ ولَمْ يَمُتْ إلّا والقِيامُ تَطَوُّعٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى الجَمِيعِ، ودامَ الأمْرُ- عَلى ما قالَ (p-٤٤١)سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - عَشْرَ سِنِينَ، وقالَتْ عائِشَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: دامَ عامًا، ورُوِيَ عنها أيْضًا أنَّهُ دامَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعالى فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] فَخَفَّفَ عنهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: بَقِيَ عامًا أو عامَيْنِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "قُمُ اللَيْلَ" بِضَمِّ المِيمِ لِاجْتِماعِ الساكِنَيْنِ، والكَسْرُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ كَما قَرَأ الناسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِصْفَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "قَلِيلًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ "اللَيْلِ"، وكَيْفَ تُقَلِّبُ المَعْنى فَإنَّهُ أمَرَ بِقِيامِ نِصْفِ اللَيْلِ أو أكْثَرَ شَيْئًا أو أقَلَّ شَيْئًا. فالأكْثَرُ عِنْدَ العُلَماءِ لا يَزِيدُ عَلى الثُلُثَيْنِ، والأقَلُّ لا يَنْقُصُ عَنِ الثُلُثِ، ويُقَوِّي هَذا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَيْتِ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالَ: فَلَمّا انْتَصَفَ اللَيْلُ أو قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ قامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. ويَلْزَمُ عَلى هَذا البَدَلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنْ يَكُونَ اللَيْلُ قَدْ وقَعَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بِـ "قَلِيلٍ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ عِنْدِي قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا" أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ القِيامِ، فَيُجْعَلُ اللَيْلُ اسْمَ جِنْسٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا"، أيِ اللَيالِي الَّتِي تَخِلُّ بِقِيامِها عِنْدَ العُذْرِ ونَحْوِهِ، وهَذا النَظَرُ يَحْسُنُ مَعَ النَدْبِ جِدًّا، وقَدْ تَكَلَّمَ الجُرْجانِيُّ في نَظْمِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَطْوِيلٍ وتَدْقِيقٍ غَيْرِ مُفِيدٍ، أكْثَرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوُ انْقُصْ" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ عِيسى بِالوَجْهَيْنِ، والضَمِيرانِ في "مِنهُ"، "عَلَيْهِ" عائِدانِ عَلى "النِصْفِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَتِّلِ" مَعْناهُ في اللُغَةِ: تَمَهَّلْ وفَرِّقْ بَيْنَ الحُرُوفِ لِتُبَيِّنَ، والمَقْصِدُ أنْ يَجِدَ الفِكْرُ فُسْحَةً لِلنَّظَرِ وفَهْمِ المَعانِي، وبِذَلِكَ يَرِقُّ القَلْبُ ويَفِيضُ عَلَيْهِ النُورُ والرَحْمَةُ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: المُرادُ تَفَهُّمُهُ تالِيًا لَهُ، ومِنهُ: "الثَغْرُ الرَتَلُ" أى الَّذِي بَيَّنَهُ فَسْخٌ وفُتُوحٌ، ورُوِيَ أنَّ قِراءَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَتْ بَيِّنَةً مُتَرَسِّلَةً، لَوْ شاءَ أحَدٌ أنْ يَعُدَّ الحُرُوفَ لَعَدَّها.
(p-٤٤٢)وَ"القَوْلُ الثَقِيلُ" هو القُرْآنُ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ سَمّاهُ ثَقِيلًا؟ فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمّا كانَ يَحِلُّ في رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ثِقَلِ الجِسْمِ حَتّى أنَّهُ كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ بَرَكَتْ بِهِ، وحَتّى كادَتْ فَخْذُهُ أنْ تَرُضَّ فَخْذَ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والقُرْطُبِيُّ: بَلْ سَمّاهُ ثَقِيلًا لِثِقَلِهِ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ حُذّاقُ العُلَماءِ: مَعْناهُ: ثَقِيلُ المَعانِي مِنَ الأمْرِ بِالطاعاتِ والتَكالِيفِ الشَرْعِيَّةِ مِنَ الجِهادِ ونَحْوِهِ ومُزاوَلَةِ الأعْمالِ الصالِحَةِ دائِمًا، قالَ الحَسَنُ: "إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ ولَكِنَّ العَمَلَ ثَقِيلٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ﴾، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَجُلُ إذا قامَ مِنَ اللَيْلِ، فَـ "ناشِئَةَ" -عَلى هَذا- جَمْعُ "ناشِئٍ" أيْ: قائِمٍ، و"أشَدُّ وطْئًا" مَعْناهُ: ثُبُوتًا واسْتِقْلالًا بِالقِيامِ، "وَأقْوَمُ قِيلًا" أيْ بِخُلُوِّ أفْكارِهِمْ وإقْبالِهِمْ عَلى ما يَقْرَءُونَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَتْ عائِشَةُ، ومُجاهِدٌ: الناشِئَةُ القِيامُ بَعْدَ النَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَيْلِ قَبْلَ النَوْمِ فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَيْلِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ساعاتُهُ كُلُّها، لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وأبُو مِجْلَزٍ، والحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةُ اللَيْلِ وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَيْلِ فَهي أشَدُّ وطْئًا، أيْ: أجْدَرُ أنْ تَخُصُّوا ما فَرَضَ اللهُ عَلَيْكم مِنَ القِيامِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ مَتى نامَ لَم يَدْرِ مَتى يَسْتَيْقِظُ، وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَيْلِ أوَّلُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ أيْضًا: اللَيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ، و"أشَدُّ وطْئًا" -عَلى هَذا- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: أشَدَّ ثُبُوتًا، فَيَكُونُ نَسَبُ الثُبُوتِ إلَيْها مِن حَيْثُ هو للْقائِمِ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّها صَعْبَةُ القِيامِ لِمَنعِها النَوْمَ، كَما قالَ « "اللهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرٍ"،» فَذَكَّرَها تَعالى بِالصُعُوبَةِ لِيَعْلَمَ عِظَمَ الأجْرِ فِيها، كَما وعَدَ عَلَيْهِ الصَلاةُ (p-٤٤٣)والسَلامُ عَلى الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ والمَشْيِ في الظَلامِ إلى المَساجِدِ ونَحْوُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَطْئًا" بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وِطاءٍ" عَلى وزْنِ فِعالٍ، والمَعْنى: مُوافَقَةٌ؛ لِأنَّهُ يَخْلُو البالُ مِن أشْغالِ النَهارِ يُوافِقُ قَلْبَ المَرْءِ لِسانَهُ وفِكْرَهُ عِبارَتَهُ، فَهَذِهِ مُواطَأةٌ صَحِيحَةٌ، وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَ اللَفْظَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقَرَأ قَتادَةُ -فِي رِوايَةِ حُسَيْنٍ -: "وِطْاءَ" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ "وَأصْوَبُ قِيلًا"، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو "أقْوَمُ" فَقالَ: أقْوَمُ وأصْوَبُ وأهْيَأُ واحِدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ تَصَرُّفًا وتَرَدُّدًا في أُمُورِكَ كَما يَتَرَدَّدُ السابِحُ في الماءِ، ومِنهُ سُمِّي الفَرَسُ سابِحًا لِتَثَنِّيهِ واضْطِرابِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى أنَّهُ إنْ فاتَ حِزْبُ اللَيْلِ بِنَوْمٍ أو عُذْرٍ فَلْيُخْلِفْ بِالنَهارِ؛ فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "سَبْخًا طَوِيلًا" بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ لَكَ مِنَ التَكالِيفِ، والتَسْبِيخُ: التَخْفِيفُ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في السارِقِ الَّذِي سَرَقَها، فَكانَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ: "لا تَسْبِخِي عنهُ"،» فَمَعْناهُ: لا تُخَفِّفِي عنهُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ يَحْيى السَبْخَ بِالنَوْمِ.
وقالَ سَهْلُ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يُرادُ بِهِ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ في ابْتِداءِ صَلاتِكَ. و"تَبَتَّلْ" مَعْناهُ: انْقَطَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِنهُ، وافْرُغْ إلَيْهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَبَتُّلُ" رَفْضُ الدُنْيا، ومِنهُ: تَبَتَّلَ الحَبْلُ، وقَوْلُهم في المُطَلَّقَةِ: بَتْلَةٌ، ومِنهُ البَتُولُ، و"تَبْتِيلًا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَدْرِ.
(p-٤٤٤)وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "رَبِّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "رَبِّكَ"، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ: هو رَبُّ، أو عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ "لا إلَهَ إلّا هُوَ" وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ" بِالجَمْعِ، و"الوَكِيلُ": القائِمُ بِالأُمُورِ الَّذِي تُوكَلُ إلَيْهِ الأشْياءُ،.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: هي مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، والمُرادُ بِالآيَةِ قُرَيْشٌ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ مَنسُوخٌ، وأمّا الصَبْرُ عَلى ما يَقُولُونَ فَقَدْ يَتَوَجَّهُ أحْيانًا ويَبْقى حُكْمُهُ فِيما يُتَوَجَّهُ مِنَ الهَجْرِ الجَمِيلِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَ أبُو الدَرْداءِ: إنّا لِنُكَشِّرُ في وُجُوهِ قَوْمٍ وإنَّ قُلُوبَنا لَتَلْعَنَهُمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما هي في كُفْرِ قُرَيْشٍ ورَدِّهِمْ رِسالَتَهُ وإعْلامَهم بِذَلِكَ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في هَذا المَقامِ باقِيًا.
المزمل 73:9
(p-٤٣٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُزَّمِّلِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ المَهْدَوِيِّ وجَماعَةٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِ السُورَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَيْلَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ ﴿أو زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا﴾ ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ نِداءٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ نُودِيَ بِها؟ فَقالَتْ عائِشَةُ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: لِأنَّهُ كانَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مُتَزَمِّلًا بِكِساءٍ، والتَزَمُّلُ: الِالتِفافُ في الثِيابِ بِضَمٍّ وتَشْمِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ كَأنَّ أبانا في أفانِينَ ودِقَّةٍ ∗∗∗ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍّ مُزَّمِّلٍ
وخُفِضَ "مُزَّمِّلٍ" في هَذا البَيْتِ هو عَلى الجِوارِ، وإنَّما هو نَعْتٌ لـ "كَبِيرٍ"، فَهو عَلَيْهِ (p-٤٤٠)الصَلاةُ والسَلامُ -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- إنَّما دُعِيَ بِهَيْئَةٍ في لِباسِهِ، وقالَ قَتادَةُ، كانَ تَزَمُّلٌ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ فَنُودِيَ عَلى مَعْنى: يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ المُتَزَمِّلِ لَها، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ لَهُ ﷺ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُتزَّمِّلُ لِلنُّبُوءَةِ وأعْبائِها، أيِ: المُتَشَمِّرُ المُجِدُّ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ والزَهْرِيُّ بِما في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءٍ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]،» وعَلى هَذا نَزَلَتْ يا "أيُّها المُزَّمِّلُ"، وفي مُصْحَفِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [يا أيُّها المُزَّمِّلُ] بِفَتْحِ الزايِ وتَخْفِيفِها وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّها، والمَعْنى: الَّذِي زَمَّلَهُ أهْلُهُ أو زُمِّلَ لِلنُّبُوةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "يا أيُّها المُزَّمِّلُ" بِكَسْرِ المِيمِ وشَدِّها وتَخْفِيفِ الزايِ، أيِ: المُزَّمِّلُ نَفْسَهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الأمْرِ بِقِيامِ اللَيْلِ كَيْفَ كانَ؟ فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: هو أمْرٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ قَدْ كانَ لَمْ يُفْرَضْ قَطُّ، ويُؤَيِّدُ هَذا الحَدِيثُ الصَحِيحُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قامَ لَيْلَةً في رَمَضانَ خَلْفَ حَصِيرِ الحُجْرَةِ، فَصَلّى وصَلّى بِصَلاتِهِ ناسٌ، ثُمَّ كَثُرُوا مِنَ اللَيْلَةِ القابِلَةِ، ثُمَّ غَصَّ المَسْجِدُ بِهِمْ في الثالِثَةِ أوِ الرابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَحَصَبُوا بابَهُ فَخَرَجَ مُغْضَبًا وقالَ: "إنِّي إنَّما تَرَكْتُ الخُرُوجَ لِأنِّي خِفْتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ"،» وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يُكَلِّمْهم إلّا بَعْدَ أصْبَحَ وقالَ آخَرُونَ: كانَ فَرْضًا في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى النَبِيِّ ﷺ خاصَّةً وبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى تُوُفِّيَ ﷺ، وقِيلَ: بَلْ نُسِخَ عنهُ ولَمْ يَمُتْ إلّا والقِيامُ تَطَوُّعٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى الجَمِيعِ، ودامَ الأمْرُ- عَلى ما قالَ (p-٤٤١)سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - عَشْرَ سِنِينَ، وقالَتْ عائِشَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: دامَ عامًا، ورُوِيَ عنها أيْضًا أنَّهُ دامَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعالى فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] فَخَفَّفَ عنهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: بَقِيَ عامًا أو عامَيْنِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "قُمُ اللَيْلَ" بِضَمِّ المِيمِ لِاجْتِماعِ الساكِنَيْنِ، والكَسْرُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ كَما قَرَأ الناسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِصْفَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "قَلِيلًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ "اللَيْلِ"، وكَيْفَ تُقَلِّبُ المَعْنى فَإنَّهُ أمَرَ بِقِيامِ نِصْفِ اللَيْلِ أو أكْثَرَ شَيْئًا أو أقَلَّ شَيْئًا. فالأكْثَرُ عِنْدَ العُلَماءِ لا يَزِيدُ عَلى الثُلُثَيْنِ، والأقَلُّ لا يَنْقُصُ عَنِ الثُلُثِ، ويُقَوِّي هَذا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَيْتِ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالَ: فَلَمّا انْتَصَفَ اللَيْلُ أو قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ قامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. ويَلْزَمُ عَلى هَذا البَدَلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنْ يَكُونَ اللَيْلُ قَدْ وقَعَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بِـ "قَلِيلٍ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ عِنْدِي قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا" أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ القِيامِ، فَيُجْعَلُ اللَيْلُ اسْمَ جِنْسٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا"، أيِ اللَيالِي الَّتِي تَخِلُّ بِقِيامِها عِنْدَ العُذْرِ ونَحْوِهِ، وهَذا النَظَرُ يَحْسُنُ مَعَ النَدْبِ جِدًّا، وقَدْ تَكَلَّمَ الجُرْجانِيُّ في نَظْمِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَطْوِيلٍ وتَدْقِيقٍ غَيْرِ مُفِيدٍ، أكْثَرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوُ انْقُصْ" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ عِيسى بِالوَجْهَيْنِ، والضَمِيرانِ في "مِنهُ"، "عَلَيْهِ" عائِدانِ عَلى "النِصْفِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَتِّلِ" مَعْناهُ في اللُغَةِ: تَمَهَّلْ وفَرِّقْ بَيْنَ الحُرُوفِ لِتُبَيِّنَ، والمَقْصِدُ أنْ يَجِدَ الفِكْرُ فُسْحَةً لِلنَّظَرِ وفَهْمِ المَعانِي، وبِذَلِكَ يَرِقُّ القَلْبُ ويَفِيضُ عَلَيْهِ النُورُ والرَحْمَةُ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: المُرادُ تَفَهُّمُهُ تالِيًا لَهُ، ومِنهُ: "الثَغْرُ الرَتَلُ" أى الَّذِي بَيَّنَهُ فَسْخٌ وفُتُوحٌ، ورُوِيَ أنَّ قِراءَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَتْ بَيِّنَةً مُتَرَسِّلَةً، لَوْ شاءَ أحَدٌ أنْ يَعُدَّ الحُرُوفَ لَعَدَّها.
(p-٤٤٢)وَ"القَوْلُ الثَقِيلُ" هو القُرْآنُ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ سَمّاهُ ثَقِيلًا؟ فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمّا كانَ يَحِلُّ في رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ثِقَلِ الجِسْمِ حَتّى أنَّهُ كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ بَرَكَتْ بِهِ، وحَتّى كادَتْ فَخْذُهُ أنْ تَرُضَّ فَخْذَ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والقُرْطُبِيُّ: بَلْ سَمّاهُ ثَقِيلًا لِثِقَلِهِ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ حُذّاقُ العُلَماءِ: مَعْناهُ: ثَقِيلُ المَعانِي مِنَ الأمْرِ بِالطاعاتِ والتَكالِيفِ الشَرْعِيَّةِ مِنَ الجِهادِ ونَحْوِهِ ومُزاوَلَةِ الأعْمالِ الصالِحَةِ دائِمًا، قالَ الحَسَنُ: "إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ ولَكِنَّ العَمَلَ ثَقِيلٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ﴾، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَجُلُ إذا قامَ مِنَ اللَيْلِ، فَـ "ناشِئَةَ" -عَلى هَذا- جَمْعُ "ناشِئٍ" أيْ: قائِمٍ، و"أشَدُّ وطْئًا" مَعْناهُ: ثُبُوتًا واسْتِقْلالًا بِالقِيامِ، "وَأقْوَمُ قِيلًا" أيْ بِخُلُوِّ أفْكارِهِمْ وإقْبالِهِمْ عَلى ما يَقْرَءُونَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَتْ عائِشَةُ، ومُجاهِدٌ: الناشِئَةُ القِيامُ بَعْدَ النَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَيْلِ قَبْلَ النَوْمِ فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَيْلِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ساعاتُهُ كُلُّها، لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وأبُو مِجْلَزٍ، والحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةُ اللَيْلِ وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَيْلِ فَهي أشَدُّ وطْئًا، أيْ: أجْدَرُ أنْ تَخُصُّوا ما فَرَضَ اللهُ عَلَيْكم مِنَ القِيامِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ مَتى نامَ لَم يَدْرِ مَتى يَسْتَيْقِظُ، وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَيْلِ أوَّلُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ أيْضًا: اللَيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ، و"أشَدُّ وطْئًا" -عَلى هَذا- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: أشَدَّ ثُبُوتًا، فَيَكُونُ نَسَبُ الثُبُوتِ إلَيْها مِن حَيْثُ هو للْقائِمِ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّها صَعْبَةُ القِيامِ لِمَنعِها النَوْمَ، كَما قالَ « "اللهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرٍ"،» فَذَكَّرَها تَعالى بِالصُعُوبَةِ لِيَعْلَمَ عِظَمَ الأجْرِ فِيها، كَما وعَدَ عَلَيْهِ الصَلاةُ (p-٤٤٣)والسَلامُ عَلى الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ والمَشْيِ في الظَلامِ إلى المَساجِدِ ونَحْوُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَطْئًا" بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وِطاءٍ" عَلى وزْنِ فِعالٍ، والمَعْنى: مُوافَقَةٌ؛ لِأنَّهُ يَخْلُو البالُ مِن أشْغالِ النَهارِ يُوافِقُ قَلْبَ المَرْءِ لِسانَهُ وفِكْرَهُ عِبارَتَهُ، فَهَذِهِ مُواطَأةٌ صَحِيحَةٌ، وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَ اللَفْظَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقَرَأ قَتادَةُ -فِي رِوايَةِ حُسَيْنٍ -: "وِطْاءَ" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ "وَأصْوَبُ قِيلًا"، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو "أقْوَمُ" فَقالَ: أقْوَمُ وأصْوَبُ وأهْيَأُ واحِدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ تَصَرُّفًا وتَرَدُّدًا في أُمُورِكَ كَما يَتَرَدَّدُ السابِحُ في الماءِ، ومِنهُ سُمِّي الفَرَسُ سابِحًا لِتَثَنِّيهِ واضْطِرابِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى أنَّهُ إنْ فاتَ حِزْبُ اللَيْلِ بِنَوْمٍ أو عُذْرٍ فَلْيُخْلِفْ بِالنَهارِ؛ فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "سَبْخًا طَوِيلًا" بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ لَكَ مِنَ التَكالِيفِ، والتَسْبِيخُ: التَخْفِيفُ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في السارِقِ الَّذِي سَرَقَها، فَكانَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ: "لا تَسْبِخِي عنهُ"،» فَمَعْناهُ: لا تُخَفِّفِي عنهُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ يَحْيى السَبْخَ بِالنَوْمِ.
وقالَ سَهْلُ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يُرادُ بِهِ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ في ابْتِداءِ صَلاتِكَ. و"تَبَتَّلْ" مَعْناهُ: انْقَطَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِنهُ، وافْرُغْ إلَيْهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَبَتُّلُ" رَفْضُ الدُنْيا، ومِنهُ: تَبَتَّلَ الحَبْلُ، وقَوْلُهم في المُطَلَّقَةِ: بَتْلَةٌ، ومِنهُ البَتُولُ، و"تَبْتِيلًا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَدْرِ.
(p-٤٤٤)وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "رَبِّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "رَبِّكَ"، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ: هو رَبُّ، أو عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ "لا إلَهَ إلّا هُوَ" وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ" بِالجَمْعِ، و"الوَكِيلُ": القائِمُ بِالأُمُورِ الَّذِي تُوكَلُ إلَيْهِ الأشْياءُ،.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: هي مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، والمُرادُ بِالآيَةِ قُرَيْشٌ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ مَنسُوخٌ، وأمّا الصَبْرُ عَلى ما يَقُولُونَ فَقَدْ يَتَوَجَّهُ أحْيانًا ويَبْقى حُكْمُهُ فِيما يُتَوَجَّهُ مِنَ الهَجْرِ الجَمِيلِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَ أبُو الدَرْداءِ: إنّا لِنُكَشِّرُ في وُجُوهِ قَوْمٍ وإنَّ قُلُوبَنا لَتَلْعَنَهُمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما هي في كُفْرِ قُرَيْشٍ ورَدِّهِمْ رِسالَتَهُ وإعْلامَهم بِذَلِكَ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في هَذا المَقامِ باقِيًا.
المزمل 73:10
(p-٤٣٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُزَّمِّلِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ المَهْدَوِيِّ وجَماعَةٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِ السُورَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَيْلَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ ﴿أو زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا﴾ ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ نِداءٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ نُودِيَ بِها؟ فَقالَتْ عائِشَةُ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: لِأنَّهُ كانَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مُتَزَمِّلًا بِكِساءٍ، والتَزَمُّلُ: الِالتِفافُ في الثِيابِ بِضَمٍّ وتَشْمِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ كَأنَّ أبانا في أفانِينَ ودِقَّةٍ ∗∗∗ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍّ مُزَّمِّلٍ
وخُفِضَ "مُزَّمِّلٍ" في هَذا البَيْتِ هو عَلى الجِوارِ، وإنَّما هو نَعْتٌ لـ "كَبِيرٍ"، فَهو عَلَيْهِ (p-٤٤٠)الصَلاةُ والسَلامُ -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- إنَّما دُعِيَ بِهَيْئَةٍ في لِباسِهِ، وقالَ قَتادَةُ، كانَ تَزَمُّلٌ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ فَنُودِيَ عَلى مَعْنى: يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ المُتَزَمِّلِ لَها، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ لَهُ ﷺ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُتزَّمِّلُ لِلنُّبُوءَةِ وأعْبائِها، أيِ: المُتَشَمِّرُ المُجِدُّ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ والزَهْرِيُّ بِما في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءٍ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]،» وعَلى هَذا نَزَلَتْ يا "أيُّها المُزَّمِّلُ"، وفي مُصْحَفِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [يا أيُّها المُزَّمِّلُ] بِفَتْحِ الزايِ وتَخْفِيفِها وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّها، والمَعْنى: الَّذِي زَمَّلَهُ أهْلُهُ أو زُمِّلَ لِلنُّبُوةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "يا أيُّها المُزَّمِّلُ" بِكَسْرِ المِيمِ وشَدِّها وتَخْفِيفِ الزايِ، أيِ: المُزَّمِّلُ نَفْسَهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الأمْرِ بِقِيامِ اللَيْلِ كَيْفَ كانَ؟ فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: هو أمْرٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ قَدْ كانَ لَمْ يُفْرَضْ قَطُّ، ويُؤَيِّدُ هَذا الحَدِيثُ الصَحِيحُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قامَ لَيْلَةً في رَمَضانَ خَلْفَ حَصِيرِ الحُجْرَةِ، فَصَلّى وصَلّى بِصَلاتِهِ ناسٌ، ثُمَّ كَثُرُوا مِنَ اللَيْلَةِ القابِلَةِ، ثُمَّ غَصَّ المَسْجِدُ بِهِمْ في الثالِثَةِ أوِ الرابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَحَصَبُوا بابَهُ فَخَرَجَ مُغْضَبًا وقالَ: "إنِّي إنَّما تَرَكْتُ الخُرُوجَ لِأنِّي خِفْتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ"،» وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يُكَلِّمْهم إلّا بَعْدَ أصْبَحَ وقالَ آخَرُونَ: كانَ فَرْضًا في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى النَبِيِّ ﷺ خاصَّةً وبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى تُوُفِّيَ ﷺ، وقِيلَ: بَلْ نُسِخَ عنهُ ولَمْ يَمُتْ إلّا والقِيامُ تَطَوُّعٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى الجَمِيعِ، ودامَ الأمْرُ- عَلى ما قالَ (p-٤٤١)سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - عَشْرَ سِنِينَ، وقالَتْ عائِشَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: دامَ عامًا، ورُوِيَ عنها أيْضًا أنَّهُ دامَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعالى فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] فَخَفَّفَ عنهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: بَقِيَ عامًا أو عامَيْنِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "قُمُ اللَيْلَ" بِضَمِّ المِيمِ لِاجْتِماعِ الساكِنَيْنِ، والكَسْرُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ كَما قَرَأ الناسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِصْفَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "قَلِيلًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ "اللَيْلِ"، وكَيْفَ تُقَلِّبُ المَعْنى فَإنَّهُ أمَرَ بِقِيامِ نِصْفِ اللَيْلِ أو أكْثَرَ شَيْئًا أو أقَلَّ شَيْئًا. فالأكْثَرُ عِنْدَ العُلَماءِ لا يَزِيدُ عَلى الثُلُثَيْنِ، والأقَلُّ لا يَنْقُصُ عَنِ الثُلُثِ، ويُقَوِّي هَذا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَيْتِ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالَ: فَلَمّا انْتَصَفَ اللَيْلُ أو قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ قامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. ويَلْزَمُ عَلى هَذا البَدَلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنْ يَكُونَ اللَيْلُ قَدْ وقَعَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بِـ "قَلِيلٍ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ عِنْدِي قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا" أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ القِيامِ، فَيُجْعَلُ اللَيْلُ اسْمَ جِنْسٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا"، أيِ اللَيالِي الَّتِي تَخِلُّ بِقِيامِها عِنْدَ العُذْرِ ونَحْوِهِ، وهَذا النَظَرُ يَحْسُنُ مَعَ النَدْبِ جِدًّا، وقَدْ تَكَلَّمَ الجُرْجانِيُّ في نَظْمِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَطْوِيلٍ وتَدْقِيقٍ غَيْرِ مُفِيدٍ، أكْثَرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوُ انْقُصْ" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ عِيسى بِالوَجْهَيْنِ، والضَمِيرانِ في "مِنهُ"، "عَلَيْهِ" عائِدانِ عَلى "النِصْفِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَتِّلِ" مَعْناهُ في اللُغَةِ: تَمَهَّلْ وفَرِّقْ بَيْنَ الحُرُوفِ لِتُبَيِّنَ، والمَقْصِدُ أنْ يَجِدَ الفِكْرُ فُسْحَةً لِلنَّظَرِ وفَهْمِ المَعانِي، وبِذَلِكَ يَرِقُّ القَلْبُ ويَفِيضُ عَلَيْهِ النُورُ والرَحْمَةُ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: المُرادُ تَفَهُّمُهُ تالِيًا لَهُ، ومِنهُ: "الثَغْرُ الرَتَلُ" أى الَّذِي بَيَّنَهُ فَسْخٌ وفُتُوحٌ، ورُوِيَ أنَّ قِراءَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَتْ بَيِّنَةً مُتَرَسِّلَةً، لَوْ شاءَ أحَدٌ أنْ يَعُدَّ الحُرُوفَ لَعَدَّها.
(p-٤٤٢)وَ"القَوْلُ الثَقِيلُ" هو القُرْآنُ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ سَمّاهُ ثَقِيلًا؟ فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمّا كانَ يَحِلُّ في رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ثِقَلِ الجِسْمِ حَتّى أنَّهُ كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ بَرَكَتْ بِهِ، وحَتّى كادَتْ فَخْذُهُ أنْ تَرُضَّ فَخْذَ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والقُرْطُبِيُّ: بَلْ سَمّاهُ ثَقِيلًا لِثِقَلِهِ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ حُذّاقُ العُلَماءِ: مَعْناهُ: ثَقِيلُ المَعانِي مِنَ الأمْرِ بِالطاعاتِ والتَكالِيفِ الشَرْعِيَّةِ مِنَ الجِهادِ ونَحْوِهِ ومُزاوَلَةِ الأعْمالِ الصالِحَةِ دائِمًا، قالَ الحَسَنُ: "إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ ولَكِنَّ العَمَلَ ثَقِيلٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ﴾، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَجُلُ إذا قامَ مِنَ اللَيْلِ، فَـ "ناشِئَةَ" -عَلى هَذا- جَمْعُ "ناشِئٍ" أيْ: قائِمٍ، و"أشَدُّ وطْئًا" مَعْناهُ: ثُبُوتًا واسْتِقْلالًا بِالقِيامِ، "وَأقْوَمُ قِيلًا" أيْ بِخُلُوِّ أفْكارِهِمْ وإقْبالِهِمْ عَلى ما يَقْرَءُونَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَتْ عائِشَةُ، ومُجاهِدٌ: الناشِئَةُ القِيامُ بَعْدَ النَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَيْلِ قَبْلَ النَوْمِ فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَيْلِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ساعاتُهُ كُلُّها، لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وأبُو مِجْلَزٍ، والحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةُ اللَيْلِ وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَيْلِ فَهي أشَدُّ وطْئًا، أيْ: أجْدَرُ أنْ تَخُصُّوا ما فَرَضَ اللهُ عَلَيْكم مِنَ القِيامِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ مَتى نامَ لَم يَدْرِ مَتى يَسْتَيْقِظُ، وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَيْلِ أوَّلُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ أيْضًا: اللَيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ، و"أشَدُّ وطْئًا" -عَلى هَذا- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: أشَدَّ ثُبُوتًا، فَيَكُونُ نَسَبُ الثُبُوتِ إلَيْها مِن حَيْثُ هو للْقائِمِ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّها صَعْبَةُ القِيامِ لِمَنعِها النَوْمَ، كَما قالَ « "اللهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرٍ"،» فَذَكَّرَها تَعالى بِالصُعُوبَةِ لِيَعْلَمَ عِظَمَ الأجْرِ فِيها، كَما وعَدَ عَلَيْهِ الصَلاةُ (p-٤٤٣)والسَلامُ عَلى الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ والمَشْيِ في الظَلامِ إلى المَساجِدِ ونَحْوُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَطْئًا" بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وِطاءٍ" عَلى وزْنِ فِعالٍ، والمَعْنى: مُوافَقَةٌ؛ لِأنَّهُ يَخْلُو البالُ مِن أشْغالِ النَهارِ يُوافِقُ قَلْبَ المَرْءِ لِسانَهُ وفِكْرَهُ عِبارَتَهُ، فَهَذِهِ مُواطَأةٌ صَحِيحَةٌ، وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَ اللَفْظَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقَرَأ قَتادَةُ -فِي رِوايَةِ حُسَيْنٍ -: "وِطْاءَ" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ "وَأصْوَبُ قِيلًا"، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو "أقْوَمُ" فَقالَ: أقْوَمُ وأصْوَبُ وأهْيَأُ واحِدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ تَصَرُّفًا وتَرَدُّدًا في أُمُورِكَ كَما يَتَرَدَّدُ السابِحُ في الماءِ، ومِنهُ سُمِّي الفَرَسُ سابِحًا لِتَثَنِّيهِ واضْطِرابِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى أنَّهُ إنْ فاتَ حِزْبُ اللَيْلِ بِنَوْمٍ أو عُذْرٍ فَلْيُخْلِفْ بِالنَهارِ؛ فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "سَبْخًا طَوِيلًا" بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ لَكَ مِنَ التَكالِيفِ، والتَسْبِيخُ: التَخْفِيفُ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في السارِقِ الَّذِي سَرَقَها، فَكانَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ: "لا تَسْبِخِي عنهُ"،» فَمَعْناهُ: لا تُخَفِّفِي عنهُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ يَحْيى السَبْخَ بِالنَوْمِ.
وقالَ سَهْلُ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يُرادُ بِهِ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ في ابْتِداءِ صَلاتِكَ. و"تَبَتَّلْ" مَعْناهُ: انْقَطَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِنهُ، وافْرُغْ إلَيْهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَبَتُّلُ" رَفْضُ الدُنْيا، ومِنهُ: تَبَتَّلَ الحَبْلُ، وقَوْلُهم في المُطَلَّقَةِ: بَتْلَةٌ، ومِنهُ البَتُولُ، و"تَبْتِيلًا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَدْرِ.
(p-٤٤٤)وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "رَبِّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "رَبِّكَ"، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ: هو رَبُّ، أو عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ "لا إلَهَ إلّا هُوَ" وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ" بِالجَمْعِ، و"الوَكِيلُ": القائِمُ بِالأُمُورِ الَّذِي تُوكَلُ إلَيْهِ الأشْياءُ،.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: هي مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، والمُرادُ بِالآيَةِ قُرَيْشٌ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ مَنسُوخٌ، وأمّا الصَبْرُ عَلى ما يَقُولُونَ فَقَدْ يَتَوَجَّهُ أحْيانًا ويَبْقى حُكْمُهُ فِيما يُتَوَجَّهُ مِنَ الهَجْرِ الجَمِيلِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَ أبُو الدَرْداءِ: إنّا لِنُكَشِّرُ في وُجُوهِ قَوْمٍ وإنَّ قُلُوبَنا لَتَلْعَنَهُمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما هي في كُفْرِ قُرَيْشٍ ورَدِّهِمْ رِسالَتَهُ وإعْلامَهم بِذَلِكَ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في هَذا المَقامِ باقِيًا.
المزمل 73:11
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا﴾ ﴿وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ" وعِيدٌ لَهُمْ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدٌ لِمَنعِهِ مِنهم لَكِنَّهُ إبْلاغٌ بِمَعْنى: لا تَشْغَلْ بِهِمْ فِكْرًا، وكِلْهم إلَيَّ. و"النَعْمَةِ" غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ، والمُشارُ إلَيْهِمْ كَفّارُ قُرَيْشٍ أصْحابُ القَلِيبِ بِبَدْرٍ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ بَدْرٍ إلّا مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ نَحْوَ عامٍ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، والتَقْدِيرُ الَّذِي يُعَضِّدُهُ الدَلِيلُ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْتَضِي أنَّ بَيْنَ الأمْرَيْنِ نَحْوُ عَشَرَةِ سِنِينَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ أمْهِلُوهُ.
و"لَدَيْنا" بِمَنزِلَةِ: عِنْدَنا، و"الأنْكالُ" جَمْعُ نَكْلٍ وهو القَيْدُ مِنَ الحَدِيدِ، ويُرْوى أنَّها قُيُودٌ سُودٌ مِن نارٍ. و"الطَعامُ ذُو الغُصَّةِ": شَجَرَةُ الزَقُّومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: (p-٤٤٥)شَوْكٌ مِن نارٍ وتَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ لا تَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكُلُّ مَطْعُومٍ هُناكَ فَهو ذُو غُصَّةٍ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَصَعِقَ.» والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" الفِعْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ "إنَّ لَدَيْنا"، وهو اسْتِقْرارٌ أو ثُبُوتٌ. و"الرَجَفانُ": الِاهْتِزازُ والِاضْطِرابُ مِن فَزَعٍ وهَوْلٍ، و"المَهِيلُ": اللِينُ الرَخْوُ الَّذِي يَذْهَبُ بِالرِيحِ ويَجِيءُ، فَهِي تَهِيلَةٌ، والأصْلُ مَهْيُولٌ، اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، واجْتَمَعَ ساكِنانِ فَحُذِفَتِ الواوُ، وكُسِرَتِ الهاءُ بِسَبَبِ الياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا أرْسَلْنا" الآيَةُ.... خِطابٌ لِلْعالِمِ، لَكِنِ المُواجِهُونَ قُرَيْشَ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ نَحْوُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وتَمْثِيلُهُ لَهم أمْرُهم بِفِرْعَوْنَ وعِيدٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَحالُهم مِنَ العَذابِ والعِقابِ إنْ كَفَرُوا سائِرَةٌ إلى مِثْلِ حالِ فِرْعَوْنَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ﴾ يُرِيدُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ لِلْعَهْدِ، و"الوَبِيلُ": الشَدِيدُ الرَدِيءُ العُقْبى، يُقالُ: كَلَأٌ وبِيلٌ ومُسْتَوْبِلٌ إذا كانَ ضارًّا لِما يَرْعاهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ مَعْناهُ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ واقِيًا لِأنْفُسِكُمْ، و"يَوْمًا" مَفْعُولٌ بـ "تَتَّقُونَ"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِـ "كَفَرْتُمْ" عَلى أنْ تَجْعَلَهُ بِمَنزِلَةِ "جَحَدْتُمْ"، فَـ "تَتَّقُونَ" -عَلى هَذا- مِنَ التَقْوى، أيْ تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَوْمًا" ظَرْفًا والمَعْنى تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ يَوْمًا "وَيَجْعَلُ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اليَوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "الوِلْدانَ" يُرِيدُ بِهِ صِغارَ الأطْفالِ، وقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ حَقِيقَةٌ، فَتَشِيبُ رُؤُوسُهم مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، يَرى الشَيْبَ في الدُنْيا مِنَ الهَمِّ المُفْرِطِ كَهَوْلِ البَحْرِ ونَحْوِهِ، وقالَ آخَرُونَ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هو تَجَوُّزٌ وإبْلاغٌ في (p-٤٤٦)وَصْفِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وواحِدُ الوِلْدانِ: ولِيدٌ، وواحِدُ الشَيْبِ أشْيَبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قِيلَ: هَذا عَلى النَسَبِ، أيْ ذاتَ انْفِطارٍ، كامْرَأةٍ حائِضٍ وطالِقٍ، وقِيلَ: السَماءُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، ويَنْشُدُ في التَذْكِيرِ:
؎ فَلَوْ رَفَعَ السَماءَ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَماءِ مَعَ السَحابِ
وقِيلَ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ تَأْنِيثُها حَقِيقِيًّا جازَ أنْ تَسْقُطَ عَلامَةُ التَأْنِيثِ لَها، وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ بِاللَفْظَةِ قَصْدُ السَماءِ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ ما عَلا مِن مَخْلُوقاتِ اللهِ تَعالى، كَأنَّهُ قَصَدَ السَقْفَ فَذَكَرَ عَلى هَذا المَعْنى، قالَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ، والكِسائِيُّ، و"الِانْفِطارُ" التَصَدُّعُ والِانْشِقاقُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ يُقْصَدُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" قالَ مُنْذِرٌ وغَيْرُهُ: هو عائِدٌ عَلى اليَوْمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] أى بِالغَمامِ الَّذِي هو ظَلَّلَ يَأْتِي اللهُ تَعالى فِيها، والمَعْنى: يَأْتِي أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ، وكَذَلِكَ "مُنْفَطِرٌ بِهِ" أيْ بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى "وَعْدُهُ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْيَوْمِ لِأنَّهُ يُضافُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو فِيهِ.
المزمل 73:12
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا﴾ ﴿وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ" وعِيدٌ لَهُمْ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدٌ لِمَنعِهِ مِنهم لَكِنَّهُ إبْلاغٌ بِمَعْنى: لا تَشْغَلْ بِهِمْ فِكْرًا، وكِلْهم إلَيَّ. و"النَعْمَةِ" غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ، والمُشارُ إلَيْهِمْ كَفّارُ قُرَيْشٍ أصْحابُ القَلِيبِ بِبَدْرٍ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ بَدْرٍ إلّا مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ نَحْوَ عامٍ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، والتَقْدِيرُ الَّذِي يُعَضِّدُهُ الدَلِيلُ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْتَضِي أنَّ بَيْنَ الأمْرَيْنِ نَحْوُ عَشَرَةِ سِنِينَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ أمْهِلُوهُ.
و"لَدَيْنا" بِمَنزِلَةِ: عِنْدَنا، و"الأنْكالُ" جَمْعُ نَكْلٍ وهو القَيْدُ مِنَ الحَدِيدِ، ويُرْوى أنَّها قُيُودٌ سُودٌ مِن نارٍ. و"الطَعامُ ذُو الغُصَّةِ": شَجَرَةُ الزَقُّومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: (p-٤٤٥)شَوْكٌ مِن نارٍ وتَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ لا تَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكُلُّ مَطْعُومٍ هُناكَ فَهو ذُو غُصَّةٍ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَصَعِقَ.» والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" الفِعْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ "إنَّ لَدَيْنا"، وهو اسْتِقْرارٌ أو ثُبُوتٌ. و"الرَجَفانُ": الِاهْتِزازُ والِاضْطِرابُ مِن فَزَعٍ وهَوْلٍ، و"المَهِيلُ": اللِينُ الرَخْوُ الَّذِي يَذْهَبُ بِالرِيحِ ويَجِيءُ، فَهِي تَهِيلَةٌ، والأصْلُ مَهْيُولٌ، اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، واجْتَمَعَ ساكِنانِ فَحُذِفَتِ الواوُ، وكُسِرَتِ الهاءُ بِسَبَبِ الياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا أرْسَلْنا" الآيَةُ.... خِطابٌ لِلْعالِمِ، لَكِنِ المُواجِهُونَ قُرَيْشَ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ نَحْوُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وتَمْثِيلُهُ لَهم أمْرُهم بِفِرْعَوْنَ وعِيدٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَحالُهم مِنَ العَذابِ والعِقابِ إنْ كَفَرُوا سائِرَةٌ إلى مِثْلِ حالِ فِرْعَوْنَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ﴾ يُرِيدُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ لِلْعَهْدِ، و"الوَبِيلُ": الشَدِيدُ الرَدِيءُ العُقْبى، يُقالُ: كَلَأٌ وبِيلٌ ومُسْتَوْبِلٌ إذا كانَ ضارًّا لِما يَرْعاهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ مَعْناهُ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ واقِيًا لِأنْفُسِكُمْ، و"يَوْمًا" مَفْعُولٌ بـ "تَتَّقُونَ"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِـ "كَفَرْتُمْ" عَلى أنْ تَجْعَلَهُ بِمَنزِلَةِ "جَحَدْتُمْ"، فَـ "تَتَّقُونَ" -عَلى هَذا- مِنَ التَقْوى، أيْ تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَوْمًا" ظَرْفًا والمَعْنى تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ يَوْمًا "وَيَجْعَلُ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اليَوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "الوِلْدانَ" يُرِيدُ بِهِ صِغارَ الأطْفالِ، وقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ حَقِيقَةٌ، فَتَشِيبُ رُؤُوسُهم مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، يَرى الشَيْبَ في الدُنْيا مِنَ الهَمِّ المُفْرِطِ كَهَوْلِ البَحْرِ ونَحْوِهِ، وقالَ آخَرُونَ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هو تَجَوُّزٌ وإبْلاغٌ في (p-٤٤٦)وَصْفِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وواحِدُ الوِلْدانِ: ولِيدٌ، وواحِدُ الشَيْبِ أشْيَبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قِيلَ: هَذا عَلى النَسَبِ، أيْ ذاتَ انْفِطارٍ، كامْرَأةٍ حائِضٍ وطالِقٍ، وقِيلَ: السَماءُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، ويَنْشُدُ في التَذْكِيرِ:
؎ فَلَوْ رَفَعَ السَماءَ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَماءِ مَعَ السَحابِ
وقِيلَ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ تَأْنِيثُها حَقِيقِيًّا جازَ أنْ تَسْقُطَ عَلامَةُ التَأْنِيثِ لَها، وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ بِاللَفْظَةِ قَصْدُ السَماءِ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ ما عَلا مِن مَخْلُوقاتِ اللهِ تَعالى، كَأنَّهُ قَصَدَ السَقْفَ فَذَكَرَ عَلى هَذا المَعْنى، قالَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ، والكِسائِيُّ، و"الِانْفِطارُ" التَصَدُّعُ والِانْشِقاقُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ يُقْصَدُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" قالَ مُنْذِرٌ وغَيْرُهُ: هو عائِدٌ عَلى اليَوْمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] أى بِالغَمامِ الَّذِي هو ظَلَّلَ يَأْتِي اللهُ تَعالى فِيها، والمَعْنى: يَأْتِي أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ، وكَذَلِكَ "مُنْفَطِرٌ بِهِ" أيْ بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى "وَعْدُهُ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْيَوْمِ لِأنَّهُ يُضافُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو فِيهِ.
المزمل 73:13
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا﴾ ﴿وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ" وعِيدٌ لَهُمْ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدٌ لِمَنعِهِ مِنهم لَكِنَّهُ إبْلاغٌ بِمَعْنى: لا تَشْغَلْ بِهِمْ فِكْرًا، وكِلْهم إلَيَّ. و"النَعْمَةِ" غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ، والمُشارُ إلَيْهِمْ كَفّارُ قُرَيْشٍ أصْحابُ القَلِيبِ بِبَدْرٍ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ بَدْرٍ إلّا مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ نَحْوَ عامٍ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، والتَقْدِيرُ الَّذِي يُعَضِّدُهُ الدَلِيلُ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْتَضِي أنَّ بَيْنَ الأمْرَيْنِ نَحْوُ عَشَرَةِ سِنِينَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ أمْهِلُوهُ.
و"لَدَيْنا" بِمَنزِلَةِ: عِنْدَنا، و"الأنْكالُ" جَمْعُ نَكْلٍ وهو القَيْدُ مِنَ الحَدِيدِ، ويُرْوى أنَّها قُيُودٌ سُودٌ مِن نارٍ. و"الطَعامُ ذُو الغُصَّةِ": شَجَرَةُ الزَقُّومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: (p-٤٤٥)شَوْكٌ مِن نارٍ وتَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ لا تَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكُلُّ مَطْعُومٍ هُناكَ فَهو ذُو غُصَّةٍ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَصَعِقَ.» والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" الفِعْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ "إنَّ لَدَيْنا"، وهو اسْتِقْرارٌ أو ثُبُوتٌ. و"الرَجَفانُ": الِاهْتِزازُ والِاضْطِرابُ مِن فَزَعٍ وهَوْلٍ، و"المَهِيلُ": اللِينُ الرَخْوُ الَّذِي يَذْهَبُ بِالرِيحِ ويَجِيءُ، فَهِي تَهِيلَةٌ، والأصْلُ مَهْيُولٌ، اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، واجْتَمَعَ ساكِنانِ فَحُذِفَتِ الواوُ، وكُسِرَتِ الهاءُ بِسَبَبِ الياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا أرْسَلْنا" الآيَةُ.... خِطابٌ لِلْعالِمِ، لَكِنِ المُواجِهُونَ قُرَيْشَ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ نَحْوُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وتَمْثِيلُهُ لَهم أمْرُهم بِفِرْعَوْنَ وعِيدٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَحالُهم مِنَ العَذابِ والعِقابِ إنْ كَفَرُوا سائِرَةٌ إلى مِثْلِ حالِ فِرْعَوْنَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ﴾ يُرِيدُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ لِلْعَهْدِ، و"الوَبِيلُ": الشَدِيدُ الرَدِيءُ العُقْبى، يُقالُ: كَلَأٌ وبِيلٌ ومُسْتَوْبِلٌ إذا كانَ ضارًّا لِما يَرْعاهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ مَعْناهُ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ واقِيًا لِأنْفُسِكُمْ، و"يَوْمًا" مَفْعُولٌ بـ "تَتَّقُونَ"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِـ "كَفَرْتُمْ" عَلى أنْ تَجْعَلَهُ بِمَنزِلَةِ "جَحَدْتُمْ"، فَـ "تَتَّقُونَ" -عَلى هَذا- مِنَ التَقْوى، أيْ تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَوْمًا" ظَرْفًا والمَعْنى تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ يَوْمًا "وَيَجْعَلُ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اليَوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "الوِلْدانَ" يُرِيدُ بِهِ صِغارَ الأطْفالِ، وقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ حَقِيقَةٌ، فَتَشِيبُ رُؤُوسُهم مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، يَرى الشَيْبَ في الدُنْيا مِنَ الهَمِّ المُفْرِطِ كَهَوْلِ البَحْرِ ونَحْوِهِ، وقالَ آخَرُونَ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هو تَجَوُّزٌ وإبْلاغٌ في (p-٤٤٦)وَصْفِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وواحِدُ الوِلْدانِ: ولِيدٌ، وواحِدُ الشَيْبِ أشْيَبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قِيلَ: هَذا عَلى النَسَبِ، أيْ ذاتَ انْفِطارٍ، كامْرَأةٍ حائِضٍ وطالِقٍ، وقِيلَ: السَماءُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، ويَنْشُدُ في التَذْكِيرِ:
؎ فَلَوْ رَفَعَ السَماءَ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَماءِ مَعَ السَحابِ
وقِيلَ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ تَأْنِيثُها حَقِيقِيًّا جازَ أنْ تَسْقُطَ عَلامَةُ التَأْنِيثِ لَها، وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ بِاللَفْظَةِ قَصْدُ السَماءِ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ ما عَلا مِن مَخْلُوقاتِ اللهِ تَعالى، كَأنَّهُ قَصَدَ السَقْفَ فَذَكَرَ عَلى هَذا المَعْنى، قالَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ، والكِسائِيُّ، و"الِانْفِطارُ" التَصَدُّعُ والِانْشِقاقُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ يُقْصَدُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" قالَ مُنْذِرٌ وغَيْرُهُ: هو عائِدٌ عَلى اليَوْمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] أى بِالغَمامِ الَّذِي هو ظَلَّلَ يَأْتِي اللهُ تَعالى فِيها، والمَعْنى: يَأْتِي أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ، وكَذَلِكَ "مُنْفَطِرٌ بِهِ" أيْ بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى "وَعْدُهُ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْيَوْمِ لِأنَّهُ يُضافُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو فِيهِ.
المزمل 73:14
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا﴾ ﴿وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ" وعِيدٌ لَهُمْ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدٌ لِمَنعِهِ مِنهم لَكِنَّهُ إبْلاغٌ بِمَعْنى: لا تَشْغَلْ بِهِمْ فِكْرًا، وكِلْهم إلَيَّ. و"النَعْمَةِ" غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ، والمُشارُ إلَيْهِمْ كَفّارُ قُرَيْشٍ أصْحابُ القَلِيبِ بِبَدْرٍ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ بَدْرٍ إلّا مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ نَحْوَ عامٍ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، والتَقْدِيرُ الَّذِي يُعَضِّدُهُ الدَلِيلُ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْتَضِي أنَّ بَيْنَ الأمْرَيْنِ نَحْوُ عَشَرَةِ سِنِينَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ أمْهِلُوهُ.
و"لَدَيْنا" بِمَنزِلَةِ: عِنْدَنا، و"الأنْكالُ" جَمْعُ نَكْلٍ وهو القَيْدُ مِنَ الحَدِيدِ، ويُرْوى أنَّها قُيُودٌ سُودٌ مِن نارٍ. و"الطَعامُ ذُو الغُصَّةِ": شَجَرَةُ الزَقُّومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: (p-٤٤٥)شَوْكٌ مِن نارٍ وتَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ لا تَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكُلُّ مَطْعُومٍ هُناكَ فَهو ذُو غُصَّةٍ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَصَعِقَ.» والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" الفِعْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ "إنَّ لَدَيْنا"، وهو اسْتِقْرارٌ أو ثُبُوتٌ. و"الرَجَفانُ": الِاهْتِزازُ والِاضْطِرابُ مِن فَزَعٍ وهَوْلٍ، و"المَهِيلُ": اللِينُ الرَخْوُ الَّذِي يَذْهَبُ بِالرِيحِ ويَجِيءُ، فَهِي تَهِيلَةٌ، والأصْلُ مَهْيُولٌ، اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، واجْتَمَعَ ساكِنانِ فَحُذِفَتِ الواوُ، وكُسِرَتِ الهاءُ بِسَبَبِ الياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا أرْسَلْنا" الآيَةُ.... خِطابٌ لِلْعالِمِ، لَكِنِ المُواجِهُونَ قُرَيْشَ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ نَحْوُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وتَمْثِيلُهُ لَهم أمْرُهم بِفِرْعَوْنَ وعِيدٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَحالُهم مِنَ العَذابِ والعِقابِ إنْ كَفَرُوا سائِرَةٌ إلى مِثْلِ حالِ فِرْعَوْنَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ﴾ يُرِيدُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ لِلْعَهْدِ، و"الوَبِيلُ": الشَدِيدُ الرَدِيءُ العُقْبى، يُقالُ: كَلَأٌ وبِيلٌ ومُسْتَوْبِلٌ إذا كانَ ضارًّا لِما يَرْعاهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ مَعْناهُ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ واقِيًا لِأنْفُسِكُمْ، و"يَوْمًا" مَفْعُولٌ بـ "تَتَّقُونَ"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِـ "كَفَرْتُمْ" عَلى أنْ تَجْعَلَهُ بِمَنزِلَةِ "جَحَدْتُمْ"، فَـ "تَتَّقُونَ" -عَلى هَذا- مِنَ التَقْوى، أيْ تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَوْمًا" ظَرْفًا والمَعْنى تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ يَوْمًا "وَيَجْعَلُ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اليَوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "الوِلْدانَ" يُرِيدُ بِهِ صِغارَ الأطْفالِ، وقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ حَقِيقَةٌ، فَتَشِيبُ رُؤُوسُهم مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، يَرى الشَيْبَ في الدُنْيا مِنَ الهَمِّ المُفْرِطِ كَهَوْلِ البَحْرِ ونَحْوِهِ، وقالَ آخَرُونَ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هو تَجَوُّزٌ وإبْلاغٌ في (p-٤٤٦)وَصْفِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وواحِدُ الوِلْدانِ: ولِيدٌ، وواحِدُ الشَيْبِ أشْيَبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قِيلَ: هَذا عَلى النَسَبِ، أيْ ذاتَ انْفِطارٍ، كامْرَأةٍ حائِضٍ وطالِقٍ، وقِيلَ: السَماءُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، ويَنْشُدُ في التَذْكِيرِ:
؎ فَلَوْ رَفَعَ السَماءَ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَماءِ مَعَ السَحابِ
وقِيلَ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ تَأْنِيثُها حَقِيقِيًّا جازَ أنْ تَسْقُطَ عَلامَةُ التَأْنِيثِ لَها، وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ بِاللَفْظَةِ قَصْدُ السَماءِ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ ما عَلا مِن مَخْلُوقاتِ اللهِ تَعالى، كَأنَّهُ قَصَدَ السَقْفَ فَذَكَرَ عَلى هَذا المَعْنى، قالَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ، والكِسائِيُّ، و"الِانْفِطارُ" التَصَدُّعُ والِانْشِقاقُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ يُقْصَدُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" قالَ مُنْذِرٌ وغَيْرُهُ: هو عائِدٌ عَلى اليَوْمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] أى بِالغَمامِ الَّذِي هو ظَلَّلَ يَأْتِي اللهُ تَعالى فِيها، والمَعْنى: يَأْتِي أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ، وكَذَلِكَ "مُنْفَطِرٌ بِهِ" أيْ بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى "وَعْدُهُ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْيَوْمِ لِأنَّهُ يُضافُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو فِيهِ.
المزمل 73:15
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا﴾ ﴿وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ" وعِيدٌ لَهُمْ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدٌ لِمَنعِهِ مِنهم لَكِنَّهُ إبْلاغٌ بِمَعْنى: لا تَشْغَلْ بِهِمْ فِكْرًا، وكِلْهم إلَيَّ. و"النَعْمَةِ" غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ، والمُشارُ إلَيْهِمْ كَفّارُ قُرَيْشٍ أصْحابُ القَلِيبِ بِبَدْرٍ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ بَدْرٍ إلّا مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ نَحْوَ عامٍ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، والتَقْدِيرُ الَّذِي يُعَضِّدُهُ الدَلِيلُ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْتَضِي أنَّ بَيْنَ الأمْرَيْنِ نَحْوُ عَشَرَةِ سِنِينَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ أمْهِلُوهُ.
و"لَدَيْنا" بِمَنزِلَةِ: عِنْدَنا، و"الأنْكالُ" جَمْعُ نَكْلٍ وهو القَيْدُ مِنَ الحَدِيدِ، ويُرْوى أنَّها قُيُودٌ سُودٌ مِن نارٍ. و"الطَعامُ ذُو الغُصَّةِ": شَجَرَةُ الزَقُّومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: (p-٤٤٥)شَوْكٌ مِن نارٍ وتَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ لا تَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكُلُّ مَطْعُومٍ هُناكَ فَهو ذُو غُصَّةٍ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَصَعِقَ.» والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" الفِعْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ "إنَّ لَدَيْنا"، وهو اسْتِقْرارٌ أو ثُبُوتٌ. و"الرَجَفانُ": الِاهْتِزازُ والِاضْطِرابُ مِن فَزَعٍ وهَوْلٍ، و"المَهِيلُ": اللِينُ الرَخْوُ الَّذِي يَذْهَبُ بِالرِيحِ ويَجِيءُ، فَهِي تَهِيلَةٌ، والأصْلُ مَهْيُولٌ، اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، واجْتَمَعَ ساكِنانِ فَحُذِفَتِ الواوُ، وكُسِرَتِ الهاءُ بِسَبَبِ الياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا أرْسَلْنا" الآيَةُ.... خِطابٌ لِلْعالِمِ، لَكِنِ المُواجِهُونَ قُرَيْشَ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ نَحْوُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وتَمْثِيلُهُ لَهم أمْرُهم بِفِرْعَوْنَ وعِيدٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَحالُهم مِنَ العَذابِ والعِقابِ إنْ كَفَرُوا سائِرَةٌ إلى مِثْلِ حالِ فِرْعَوْنَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ﴾ يُرِيدُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ لِلْعَهْدِ، و"الوَبِيلُ": الشَدِيدُ الرَدِيءُ العُقْبى، يُقالُ: كَلَأٌ وبِيلٌ ومُسْتَوْبِلٌ إذا كانَ ضارًّا لِما يَرْعاهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ مَعْناهُ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ واقِيًا لِأنْفُسِكُمْ، و"يَوْمًا" مَفْعُولٌ بـ "تَتَّقُونَ"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِـ "كَفَرْتُمْ" عَلى أنْ تَجْعَلَهُ بِمَنزِلَةِ "جَحَدْتُمْ"، فَـ "تَتَّقُونَ" -عَلى هَذا- مِنَ التَقْوى، أيْ تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَوْمًا" ظَرْفًا والمَعْنى تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ يَوْمًا "وَيَجْعَلُ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اليَوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "الوِلْدانَ" يُرِيدُ بِهِ صِغارَ الأطْفالِ، وقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ حَقِيقَةٌ، فَتَشِيبُ رُؤُوسُهم مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، يَرى الشَيْبَ في الدُنْيا مِنَ الهَمِّ المُفْرِطِ كَهَوْلِ البَحْرِ ونَحْوِهِ، وقالَ آخَرُونَ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هو تَجَوُّزٌ وإبْلاغٌ في (p-٤٤٦)وَصْفِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وواحِدُ الوِلْدانِ: ولِيدٌ، وواحِدُ الشَيْبِ أشْيَبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قِيلَ: هَذا عَلى النَسَبِ، أيْ ذاتَ انْفِطارٍ، كامْرَأةٍ حائِضٍ وطالِقٍ، وقِيلَ: السَماءُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، ويَنْشُدُ في التَذْكِيرِ:
؎ فَلَوْ رَفَعَ السَماءَ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَماءِ مَعَ السَحابِ
وقِيلَ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ تَأْنِيثُها حَقِيقِيًّا جازَ أنْ تَسْقُطَ عَلامَةُ التَأْنِيثِ لَها، وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ بِاللَفْظَةِ قَصْدُ السَماءِ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ ما عَلا مِن مَخْلُوقاتِ اللهِ تَعالى، كَأنَّهُ قَصَدَ السَقْفَ فَذَكَرَ عَلى هَذا المَعْنى، قالَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ، والكِسائِيُّ، و"الِانْفِطارُ" التَصَدُّعُ والِانْشِقاقُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ يُقْصَدُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" قالَ مُنْذِرٌ وغَيْرُهُ: هو عائِدٌ عَلى اليَوْمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] أى بِالغَمامِ الَّذِي هو ظَلَّلَ يَأْتِي اللهُ تَعالى فِيها، والمَعْنى: يَأْتِي أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ، وكَذَلِكَ "مُنْفَطِرٌ بِهِ" أيْ بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى "وَعْدُهُ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْيَوْمِ لِأنَّهُ يُضافُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو فِيهِ.
المزمل 73:16
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا﴾ ﴿وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ" وعِيدٌ لَهُمْ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدٌ لِمَنعِهِ مِنهم لَكِنَّهُ إبْلاغٌ بِمَعْنى: لا تَشْغَلْ بِهِمْ فِكْرًا، وكِلْهم إلَيَّ. و"النَعْمَةِ" غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ، والمُشارُ إلَيْهِمْ كَفّارُ قُرَيْشٍ أصْحابُ القَلِيبِ بِبَدْرٍ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ بَدْرٍ إلّا مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ نَحْوَ عامٍ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، والتَقْدِيرُ الَّذِي يُعَضِّدُهُ الدَلِيلُ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْتَضِي أنَّ بَيْنَ الأمْرَيْنِ نَحْوُ عَشَرَةِ سِنِينَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ أمْهِلُوهُ.
و"لَدَيْنا" بِمَنزِلَةِ: عِنْدَنا، و"الأنْكالُ" جَمْعُ نَكْلٍ وهو القَيْدُ مِنَ الحَدِيدِ، ويُرْوى أنَّها قُيُودٌ سُودٌ مِن نارٍ. و"الطَعامُ ذُو الغُصَّةِ": شَجَرَةُ الزَقُّومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: (p-٤٤٥)شَوْكٌ مِن نارٍ وتَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ لا تَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكُلُّ مَطْعُومٍ هُناكَ فَهو ذُو غُصَّةٍ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَصَعِقَ.» والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" الفِعْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ "إنَّ لَدَيْنا"، وهو اسْتِقْرارٌ أو ثُبُوتٌ. و"الرَجَفانُ": الِاهْتِزازُ والِاضْطِرابُ مِن فَزَعٍ وهَوْلٍ، و"المَهِيلُ": اللِينُ الرَخْوُ الَّذِي يَذْهَبُ بِالرِيحِ ويَجِيءُ، فَهِي تَهِيلَةٌ، والأصْلُ مَهْيُولٌ، اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، واجْتَمَعَ ساكِنانِ فَحُذِفَتِ الواوُ، وكُسِرَتِ الهاءُ بِسَبَبِ الياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا أرْسَلْنا" الآيَةُ.... خِطابٌ لِلْعالِمِ، لَكِنِ المُواجِهُونَ قُرَيْشَ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ نَحْوُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وتَمْثِيلُهُ لَهم أمْرُهم بِفِرْعَوْنَ وعِيدٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَحالُهم مِنَ العَذابِ والعِقابِ إنْ كَفَرُوا سائِرَةٌ إلى مِثْلِ حالِ فِرْعَوْنَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ﴾ يُرِيدُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ لِلْعَهْدِ، و"الوَبِيلُ": الشَدِيدُ الرَدِيءُ العُقْبى، يُقالُ: كَلَأٌ وبِيلٌ ومُسْتَوْبِلٌ إذا كانَ ضارًّا لِما يَرْعاهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ مَعْناهُ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ واقِيًا لِأنْفُسِكُمْ، و"يَوْمًا" مَفْعُولٌ بـ "تَتَّقُونَ"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِـ "كَفَرْتُمْ" عَلى أنْ تَجْعَلَهُ بِمَنزِلَةِ "جَحَدْتُمْ"، فَـ "تَتَّقُونَ" -عَلى هَذا- مِنَ التَقْوى، أيْ تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَوْمًا" ظَرْفًا والمَعْنى تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ يَوْمًا "وَيَجْعَلُ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اليَوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "الوِلْدانَ" يُرِيدُ بِهِ صِغارَ الأطْفالِ، وقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ حَقِيقَةٌ، فَتَشِيبُ رُؤُوسُهم مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، يَرى الشَيْبَ في الدُنْيا مِنَ الهَمِّ المُفْرِطِ كَهَوْلِ البَحْرِ ونَحْوِهِ، وقالَ آخَرُونَ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هو تَجَوُّزٌ وإبْلاغٌ في (p-٤٤٦)وَصْفِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وواحِدُ الوِلْدانِ: ولِيدٌ، وواحِدُ الشَيْبِ أشْيَبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قِيلَ: هَذا عَلى النَسَبِ، أيْ ذاتَ انْفِطارٍ، كامْرَأةٍ حائِضٍ وطالِقٍ، وقِيلَ: السَماءُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، ويَنْشُدُ في التَذْكِيرِ:
؎ فَلَوْ رَفَعَ السَماءَ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَماءِ مَعَ السَحابِ
وقِيلَ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ تَأْنِيثُها حَقِيقِيًّا جازَ أنْ تَسْقُطَ عَلامَةُ التَأْنِيثِ لَها، وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ بِاللَفْظَةِ قَصْدُ السَماءِ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ ما عَلا مِن مَخْلُوقاتِ اللهِ تَعالى، كَأنَّهُ قَصَدَ السَقْفَ فَذَكَرَ عَلى هَذا المَعْنى، قالَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ، والكِسائِيُّ، و"الِانْفِطارُ" التَصَدُّعُ والِانْشِقاقُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ يُقْصَدُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" قالَ مُنْذِرٌ وغَيْرُهُ: هو عائِدٌ عَلى اليَوْمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] أى بِالغَمامِ الَّذِي هو ظَلَّلَ يَأْتِي اللهُ تَعالى فِيها، والمَعْنى: يَأْتِي أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ، وكَذَلِكَ "مُنْفَطِرٌ بِهِ" أيْ بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى "وَعْدُهُ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْيَوْمِ لِأنَّهُ يُضافُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو فِيهِ.
المزمل 73:17
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا﴾ ﴿وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ" وعِيدٌ لَهُمْ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدٌ لِمَنعِهِ مِنهم لَكِنَّهُ إبْلاغٌ بِمَعْنى: لا تَشْغَلْ بِهِمْ فِكْرًا، وكِلْهم إلَيَّ. و"النَعْمَةِ" غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ، والمُشارُ إلَيْهِمْ كَفّارُ قُرَيْشٍ أصْحابُ القَلِيبِ بِبَدْرٍ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ بَدْرٍ إلّا مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ نَحْوَ عامٍ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، والتَقْدِيرُ الَّذِي يُعَضِّدُهُ الدَلِيلُ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْتَضِي أنَّ بَيْنَ الأمْرَيْنِ نَحْوُ عَشَرَةِ سِنِينَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ أمْهِلُوهُ.
و"لَدَيْنا" بِمَنزِلَةِ: عِنْدَنا، و"الأنْكالُ" جَمْعُ نَكْلٍ وهو القَيْدُ مِنَ الحَدِيدِ، ويُرْوى أنَّها قُيُودٌ سُودٌ مِن نارٍ. و"الطَعامُ ذُو الغُصَّةِ": شَجَرَةُ الزَقُّومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: (p-٤٤٥)شَوْكٌ مِن نارٍ وتَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ لا تَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكُلُّ مَطْعُومٍ هُناكَ فَهو ذُو غُصَّةٍ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَصَعِقَ.» والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" الفِعْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ "إنَّ لَدَيْنا"، وهو اسْتِقْرارٌ أو ثُبُوتٌ. و"الرَجَفانُ": الِاهْتِزازُ والِاضْطِرابُ مِن فَزَعٍ وهَوْلٍ، و"المَهِيلُ": اللِينُ الرَخْوُ الَّذِي يَذْهَبُ بِالرِيحِ ويَجِيءُ، فَهِي تَهِيلَةٌ، والأصْلُ مَهْيُولٌ، اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، واجْتَمَعَ ساكِنانِ فَحُذِفَتِ الواوُ، وكُسِرَتِ الهاءُ بِسَبَبِ الياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا أرْسَلْنا" الآيَةُ.... خِطابٌ لِلْعالِمِ، لَكِنِ المُواجِهُونَ قُرَيْشَ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ نَحْوُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وتَمْثِيلُهُ لَهم أمْرُهم بِفِرْعَوْنَ وعِيدٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَحالُهم مِنَ العَذابِ والعِقابِ إنْ كَفَرُوا سائِرَةٌ إلى مِثْلِ حالِ فِرْعَوْنَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ﴾ يُرِيدُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ لِلْعَهْدِ، و"الوَبِيلُ": الشَدِيدُ الرَدِيءُ العُقْبى، يُقالُ: كَلَأٌ وبِيلٌ ومُسْتَوْبِلٌ إذا كانَ ضارًّا لِما يَرْعاهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ مَعْناهُ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ واقِيًا لِأنْفُسِكُمْ، و"يَوْمًا" مَفْعُولٌ بـ "تَتَّقُونَ"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِـ "كَفَرْتُمْ" عَلى أنْ تَجْعَلَهُ بِمَنزِلَةِ "جَحَدْتُمْ"، فَـ "تَتَّقُونَ" -عَلى هَذا- مِنَ التَقْوى، أيْ تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَوْمًا" ظَرْفًا والمَعْنى تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ يَوْمًا "وَيَجْعَلُ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اليَوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "الوِلْدانَ" يُرِيدُ بِهِ صِغارَ الأطْفالِ، وقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ حَقِيقَةٌ، فَتَشِيبُ رُؤُوسُهم مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، يَرى الشَيْبَ في الدُنْيا مِنَ الهَمِّ المُفْرِطِ كَهَوْلِ البَحْرِ ونَحْوِهِ، وقالَ آخَرُونَ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هو تَجَوُّزٌ وإبْلاغٌ في (p-٤٤٦)وَصْفِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وواحِدُ الوِلْدانِ: ولِيدٌ، وواحِدُ الشَيْبِ أشْيَبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قِيلَ: هَذا عَلى النَسَبِ، أيْ ذاتَ انْفِطارٍ، كامْرَأةٍ حائِضٍ وطالِقٍ، وقِيلَ: السَماءُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، ويَنْشُدُ في التَذْكِيرِ:
؎ فَلَوْ رَفَعَ السَماءَ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَماءِ مَعَ السَحابِ
وقِيلَ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ تَأْنِيثُها حَقِيقِيًّا جازَ أنْ تَسْقُطَ عَلامَةُ التَأْنِيثِ لَها، وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ بِاللَفْظَةِ قَصْدُ السَماءِ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ ما عَلا مِن مَخْلُوقاتِ اللهِ تَعالى، كَأنَّهُ قَصَدَ السَقْفَ فَذَكَرَ عَلى هَذا المَعْنى، قالَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ، والكِسائِيُّ، و"الِانْفِطارُ" التَصَدُّعُ والِانْشِقاقُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ يُقْصَدُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" قالَ مُنْذِرٌ وغَيْرُهُ: هو عائِدٌ عَلى اليَوْمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] أى بِالغَمامِ الَّذِي هو ظَلَّلَ يَأْتِي اللهُ تَعالى فِيها، والمَعْنى: يَأْتِي أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ، وكَذَلِكَ "مُنْفَطِرٌ بِهِ" أيْ بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى "وَعْدُهُ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْيَوْمِ لِأنَّهُ يُضافُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو فِيهِ.
المزمل 73:18
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا﴾ ﴿وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ" وعِيدٌ لَهُمْ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدٌ لِمَنعِهِ مِنهم لَكِنَّهُ إبْلاغٌ بِمَعْنى: لا تَشْغَلْ بِهِمْ فِكْرًا، وكِلْهم إلَيَّ. و"النَعْمَةِ" غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ، والمُشارُ إلَيْهِمْ كَفّارُ قُرَيْشٍ أصْحابُ القَلِيبِ بِبَدْرٍ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ بَدْرٍ إلّا مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ نَحْوَ عامٍ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، والتَقْدِيرُ الَّذِي يُعَضِّدُهُ الدَلِيلُ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْتَضِي أنَّ بَيْنَ الأمْرَيْنِ نَحْوُ عَشَرَةِ سِنِينَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ أمْهِلُوهُ.
و"لَدَيْنا" بِمَنزِلَةِ: عِنْدَنا، و"الأنْكالُ" جَمْعُ نَكْلٍ وهو القَيْدُ مِنَ الحَدِيدِ، ويُرْوى أنَّها قُيُودٌ سُودٌ مِن نارٍ. و"الطَعامُ ذُو الغُصَّةِ": شَجَرَةُ الزَقُّومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: (p-٤٤٥)شَوْكٌ مِن نارٍ وتَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ لا تَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكُلُّ مَطْعُومٍ هُناكَ فَهو ذُو غُصَّةٍ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَصَعِقَ.» والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" الفِعْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ "إنَّ لَدَيْنا"، وهو اسْتِقْرارٌ أو ثُبُوتٌ. و"الرَجَفانُ": الِاهْتِزازُ والِاضْطِرابُ مِن فَزَعٍ وهَوْلٍ، و"المَهِيلُ": اللِينُ الرَخْوُ الَّذِي يَذْهَبُ بِالرِيحِ ويَجِيءُ، فَهِي تَهِيلَةٌ، والأصْلُ مَهْيُولٌ، اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، واجْتَمَعَ ساكِنانِ فَحُذِفَتِ الواوُ، وكُسِرَتِ الهاءُ بِسَبَبِ الياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا أرْسَلْنا" الآيَةُ.... خِطابٌ لِلْعالِمِ، لَكِنِ المُواجِهُونَ قُرَيْشَ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ نَحْوُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وتَمْثِيلُهُ لَهم أمْرُهم بِفِرْعَوْنَ وعِيدٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَحالُهم مِنَ العَذابِ والعِقابِ إنْ كَفَرُوا سائِرَةٌ إلى مِثْلِ حالِ فِرْعَوْنَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ﴾ يُرِيدُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ لِلْعَهْدِ، و"الوَبِيلُ": الشَدِيدُ الرَدِيءُ العُقْبى، يُقالُ: كَلَأٌ وبِيلٌ ومُسْتَوْبِلٌ إذا كانَ ضارًّا لِما يَرْعاهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ مَعْناهُ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ واقِيًا لِأنْفُسِكُمْ، و"يَوْمًا" مَفْعُولٌ بـ "تَتَّقُونَ"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِـ "كَفَرْتُمْ" عَلى أنْ تَجْعَلَهُ بِمَنزِلَةِ "جَحَدْتُمْ"، فَـ "تَتَّقُونَ" -عَلى هَذا- مِنَ التَقْوى، أيْ تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَوْمًا" ظَرْفًا والمَعْنى تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ يَوْمًا "وَيَجْعَلُ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اليَوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "الوِلْدانَ" يُرِيدُ بِهِ صِغارَ الأطْفالِ، وقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ حَقِيقَةٌ، فَتَشِيبُ رُؤُوسُهم مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، يَرى الشَيْبَ في الدُنْيا مِنَ الهَمِّ المُفْرِطِ كَهَوْلِ البَحْرِ ونَحْوِهِ، وقالَ آخَرُونَ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هو تَجَوُّزٌ وإبْلاغٌ في (p-٤٤٦)وَصْفِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وواحِدُ الوِلْدانِ: ولِيدٌ، وواحِدُ الشَيْبِ أشْيَبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قِيلَ: هَذا عَلى النَسَبِ، أيْ ذاتَ انْفِطارٍ، كامْرَأةٍ حائِضٍ وطالِقٍ، وقِيلَ: السَماءُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، ويَنْشُدُ في التَذْكِيرِ:
؎ فَلَوْ رَفَعَ السَماءَ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَماءِ مَعَ السَحابِ
وقِيلَ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ تَأْنِيثُها حَقِيقِيًّا جازَ أنْ تَسْقُطَ عَلامَةُ التَأْنِيثِ لَها، وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ بِاللَفْظَةِ قَصْدُ السَماءِ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ ما عَلا مِن مَخْلُوقاتِ اللهِ تَعالى، كَأنَّهُ قَصَدَ السَقْفَ فَذَكَرَ عَلى هَذا المَعْنى، قالَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ، والكِسائِيُّ، و"الِانْفِطارُ" التَصَدُّعُ والِانْشِقاقُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ يُقْصَدُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" قالَ مُنْذِرٌ وغَيْرُهُ: هو عائِدٌ عَلى اليَوْمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] أى بِالغَمامِ الَّذِي هو ظَلَّلَ يَأْتِي اللهُ تَعالى فِيها، والمَعْنى: يَأْتِي أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ، وكَذَلِكَ "مُنْفَطِرٌ بِهِ" أيْ بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى "وَعْدُهُ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْيَوْمِ لِأنَّهُ يُضافُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو فِيهِ.
المزمل 73:19
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِن الَّذِينَ مَعَكَ واللهُ يُقَدِّرُ اللَيْلِ والنَهارَ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِن القُرْآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وأقْرِضُوا اللهِ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللهِ إنَّ اللهِ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
الإشارَةُ بِـ "هَذِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِما ذَكَرَ مِنَ الأنْكالِ والجَحِيمِ والأخْذِ الوَبِيلِ (p-٤٤٧)وَنَحْوِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى السُورَةِ بِأجْمَعِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى القُرْآنِ بِمَعْنى أنَّ الأقْوالَ المَنصُوبَةَ فِيهِ تَذْكِرَةٌ، والتَذْكِرَةُ مَصْدَرٌ كالذِكْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمَن شاءَ" الآيَةُ لَيْسَ مَعْناهُ إباحَةُ الأمْرِ وضِدُّهُ، بَلْ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعِيدِ والوَعْدِ، و"السَبِيلُ" هُنا سَبِيلُ الخَيْرِ والطاعَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ تَخْفِيفًا لِما كانَ اسْتَمِرَّ اسْتِعْمالُهُ مِن أمْرِ قِيامِ اللَيْلِ إمّا عَلى الوُجُوبِ أو عَلى النَدْبِ حَسَبَ الخِلافِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أنْتَ وغَيْرُكُ مَن أُمِّتِكَ قِيامًا مُخْتَلِفًا، مَرَّةً يُكْثِرُ ومَرَّةً يَقِلُّ، ومَرَّةً أدْنى مِنَ الثُلُثَيْنِ ومَرَّةً أدْنى مِنَ الثُلُثِ، وذَلِكَ لِعَدَمِ تَحْصِيلِ البَشَرِ لِمَقادِيرِ الزَمانِ مَعَ عُزْرِ النَوْمِ، وتَقْدِيرُ الزَمانِ حَقِيقَةٌ إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى، وأمّا البَشَرُ فَلا يُحْصِي ذَلِكَ، فَتابَ اللهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: رَجَعَ بِهِمْ مِنَ الثِقَلِ إلى الخِفَّةِ، وأمَرَهم بِقِراءَةِ ما تَيَسَّرَ مِنهُ، ونَحْوُ هَذا يُعْطِي عِبارَةَ الفَرّاءِ ومُنْذِرٍ فَإنَّهُما قالا: "تُحْصُوهُ": تَحْفَظُوهُ، وهَذا التَأْوِيلُ هو عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "وَنِصْفِهِ وثُلُثِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "الثُلُثَيْنِ"، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، ونافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ، وأمّا مَن قَرَأ "وَنِصْفَهُ وثُلُثَهُ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "أدْنى"، وهي قِراءَةُ باقِي السَبْعَةِ، فالمَعْنى عِنْدَهُ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ قَدَّرَ أنَّهم يُقَدِّرُونَ الزَمانَ عَلى نَحْوِ ما أمَرَ بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] ﴿أو زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤]، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ﴾ "بِمَعْنى": لَنْ تُطِيقُوا قِيامَهُ لِكَثْرَتِهِ وشِدَّتِهِ، فَخَفَّفَ اللهُ عنهم فَضْلًا مِنهُ لا لِعِلَّةِ جَهْلِهِمْ بِالتَقْدِيرِ وإحْصاءِ الأوقاتِ، ونَحْوُ هَذا تُعْطِي عِبارَةُ الحَسَنِ وابْنُ جُبَيْرٍ، فَإنَّهُما قالا: "تُحْصُوهُ" تُطِيعُوهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ "وَثُلُثُهُ" بِضَمِّ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ عنهُ: "وَثُلْثُهُ" بِسُكُونِ اللامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ إباحَةٌ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وجَماعَةٌ: هو فَرْضٌ لا بُدَّ مِنهُ ولَوْ خَمْسِينَ آيَةً، وقالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: قِيامُ اللَيْلِ فَرْضٌ، ولَوْ قَدْرَ حَلْبِ شاةٍ، إلّا أنَّ الحَسَنَ قالَ: مَن قَرَأ مِائَةَ آيَةٍ لَمْ يُحاجِّهِ القُرْآنُ، واسْتَحْسَنَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، قالَ بَعْضُهُمْ: والرَكْعَتانِ بَعْدَ العَتَمَةِ مَعَ الوِتْرِ تَدْخُلانِ في حُكْمِ هَذا الأمْرِ وامْتِثالِهِ، ومَن زادَ زادَهُ اللهُ تَعالى ثَوابًا.
و"إنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلِمَ أنْ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ، والتَقْدِيرُ أنَّهُ يَكُونُ، فَجاءَتِ (p-٤٤٨)السِينُ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ، وكَذَلِكَ جاءَتْ لا في قَوْلِ أبِي مِحْجَنٍ:
؎ ولا تَدْفِنُنِّي بِالفَلاةِ فَإنَّنِي ∗∗∗ أخافُ إذا ما مُتُّ أنْ لا أذُوقَها
و"الضَرْبُ في الأرْضِ" هو السَفَرُ لِلتِّجارَةِ، وضَرْبُ الأرْضِ هو المَشْيُ لِلتَّبَرُّزِ والغائِطِ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى أعْذارَ بَنِي آدَمَ الَّتِي هي حائِلَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ قِيامِ اللَيْلِ، وهي المَرَضُ والسَفَرُ في تِجارَةٍ أو غَزْوٍ، فَخَفَّفَ عنهُمُ القِيامَ لِهَذا، وفي هَذِهِ الآيَةِ فَضِيلَةُ الضَرْبِ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ وسُوقِ لَها مَعَ سَفَرِ الجِهادِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أحَبُّ المَوْتِ إلَيَّ بَعْدَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللهِ أنْ أمُوتَ بَيْنَ شُعْبَتَيْ رَحْلِي أضْرِبُ في الأرْضِ أبْتَغِي مِن فَضْلِ اللهِ.
ثُمَّ كَرَّرَ اللهُ تَعالى الأمْرَ بِقِراءَةِ ما تَيَسَّرَ مِنهُ تَأْكِيدًا، والصَلاةُ والزَكاة هُنا المَفْرُوضَتانِ، فَمَن قالَ إنَّ القِيامَ بِاللَيْلِ غَيْرُ واجِبٍ قالَ: مَعْنى الآيَةِ: خُذُوا مِن هَذا النَفْلِ بِما تَيَسَّرَ وحافِظُوا عَلى فَرائِضِكُمْ، ومَن قالَ إنَّ شَيْئًا مِنَ القِيامِ واجِبٌ قالَ: قَرَنَهُ اللهُ بِالفَرائِضِ لِأنَّهُ فَرْضٌ.
وإقْراضُ اللهِ تَعالى هو اسْتِلافُ العَمَلِ الصالِحِ عِنْدَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "هُوَ (p-٤٤٩)خَيْرًا" عَلى أنْ يَكُونَ "هُوَ" فَصْلًا، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ، وأبُو السَمالِ: "هُوَ خَيْرٌ" عَلى أنْ يَكُونَ "هُوَ" ابْتِداءٌ، و"خَيْرٌ" خَبَرُهُ والجُمْلَةُ تَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثانِي لـ "تَجِدُوهُ".
ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى بِالِاسْتِغْفارِ، وأوجَبَ لِنَفْسِهِ صِفَةَ الغُفْرانِ، لا إلَهَ غَيْرُهُ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: فالِاسْتِغْفارُ بَعْدَ الصَلاةِ مُسْتَنْبَطٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وعَهِدْتُ أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَسْتَغْفِرُ إثْرَ كُلِّ مَكْتُوبَةٍ ثَلاثًا بِعَقِبِ السَلامِ ويَأْثِرُ في ذَلِكَ حَدِيثًا، فَكَأنَّ هَذا الِاسْتِغْفارَ مِنَ النَقْصِ وتَقَلُّبِ الفِكْرِ أثْناءَ الصَلاةِ، وكانَ السَلَفُ الصالِحُ يُصَلُّونَ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ ثُمَّ يَجْلِسُونَ لِلِاسْتِغْفارِ إلى صَلاةِ الصُبْحِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُزَّمِّلِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
المزمل 73:20
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِن الَّذِينَ مَعَكَ واللهُ يُقَدِّرُ اللَيْلِ والنَهارَ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِن القُرْآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وأقْرِضُوا اللهِ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللهِ إنَّ اللهِ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
الإشارَةُ بِـ "هَذِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِما ذَكَرَ مِنَ الأنْكالِ والجَحِيمِ والأخْذِ الوَبِيلِ (p-٤٤٧)وَنَحْوِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى السُورَةِ بِأجْمَعِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى القُرْآنِ بِمَعْنى أنَّ الأقْوالَ المَنصُوبَةَ فِيهِ تَذْكِرَةٌ، والتَذْكِرَةُ مَصْدَرٌ كالذِكْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمَن شاءَ" الآيَةُ لَيْسَ مَعْناهُ إباحَةُ الأمْرِ وضِدُّهُ، بَلْ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعِيدِ والوَعْدِ، و"السَبِيلُ" هُنا سَبِيلُ الخَيْرِ والطاعَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ تَخْفِيفًا لِما كانَ اسْتَمِرَّ اسْتِعْمالُهُ مِن أمْرِ قِيامِ اللَيْلِ إمّا عَلى الوُجُوبِ أو عَلى النَدْبِ حَسَبَ الخِلافِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أنْتَ وغَيْرُكُ مَن أُمِّتِكَ قِيامًا مُخْتَلِفًا، مَرَّةً يُكْثِرُ ومَرَّةً يَقِلُّ، ومَرَّةً أدْنى مِنَ الثُلُثَيْنِ ومَرَّةً أدْنى مِنَ الثُلُثِ، وذَلِكَ لِعَدَمِ تَحْصِيلِ البَشَرِ لِمَقادِيرِ الزَمانِ مَعَ عُزْرِ النَوْمِ، وتَقْدِيرُ الزَمانِ حَقِيقَةٌ إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى، وأمّا البَشَرُ فَلا يُحْصِي ذَلِكَ، فَتابَ اللهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: رَجَعَ بِهِمْ مِنَ الثِقَلِ إلى الخِفَّةِ، وأمَرَهم بِقِراءَةِ ما تَيَسَّرَ مِنهُ، ونَحْوُ هَذا يُعْطِي عِبارَةَ الفَرّاءِ ومُنْذِرٍ فَإنَّهُما قالا: "تُحْصُوهُ": تَحْفَظُوهُ، وهَذا التَأْوِيلُ هو عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "وَنِصْفِهِ وثُلُثِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "الثُلُثَيْنِ"، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، ونافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ، وأمّا مَن قَرَأ "وَنِصْفَهُ وثُلُثَهُ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "أدْنى"، وهي قِراءَةُ باقِي السَبْعَةِ، فالمَعْنى عِنْدَهُ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ قَدَّرَ أنَّهم يُقَدِّرُونَ الزَمانَ عَلى نَحْوِ ما أمَرَ بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] ﴿أو زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤]، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ﴾ "بِمَعْنى": لَنْ تُطِيقُوا قِيامَهُ لِكَثْرَتِهِ وشِدَّتِهِ، فَخَفَّفَ اللهُ عنهم فَضْلًا مِنهُ لا لِعِلَّةِ جَهْلِهِمْ بِالتَقْدِيرِ وإحْصاءِ الأوقاتِ، ونَحْوُ هَذا تُعْطِي عِبارَةُ الحَسَنِ وابْنُ جُبَيْرٍ، فَإنَّهُما قالا: "تُحْصُوهُ" تُطِيعُوهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ "وَثُلُثُهُ" بِضَمِّ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ عنهُ: "وَثُلْثُهُ" بِسُكُونِ اللامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ إباحَةٌ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وجَماعَةٌ: هو فَرْضٌ لا بُدَّ مِنهُ ولَوْ خَمْسِينَ آيَةً، وقالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: قِيامُ اللَيْلِ فَرْضٌ، ولَوْ قَدْرَ حَلْبِ شاةٍ، إلّا أنَّ الحَسَنَ قالَ: مَن قَرَأ مِائَةَ آيَةٍ لَمْ يُحاجِّهِ القُرْآنُ، واسْتَحْسَنَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، قالَ بَعْضُهُمْ: والرَكْعَتانِ بَعْدَ العَتَمَةِ مَعَ الوِتْرِ تَدْخُلانِ في حُكْمِ هَذا الأمْرِ وامْتِثالِهِ، ومَن زادَ زادَهُ اللهُ تَعالى ثَوابًا.
و"إنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلِمَ أنْ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ، والتَقْدِيرُ أنَّهُ يَكُونُ، فَجاءَتِ (p-٤٤٨)السِينُ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ، وكَذَلِكَ جاءَتْ لا في قَوْلِ أبِي مِحْجَنٍ:
؎ ولا تَدْفِنُنِّي بِالفَلاةِ فَإنَّنِي ∗∗∗ أخافُ إذا ما مُتُّ أنْ لا أذُوقَها
و"الضَرْبُ في الأرْضِ" هو السَفَرُ لِلتِّجارَةِ، وضَرْبُ الأرْضِ هو المَشْيُ لِلتَّبَرُّزِ والغائِطِ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى أعْذارَ بَنِي آدَمَ الَّتِي هي حائِلَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ قِيامِ اللَيْلِ، وهي المَرَضُ والسَفَرُ في تِجارَةٍ أو غَزْوٍ، فَخَفَّفَ عنهُمُ القِيامَ لِهَذا، وفي هَذِهِ الآيَةِ فَضِيلَةُ الضَرْبِ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ وسُوقِ لَها مَعَ سَفَرِ الجِهادِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أحَبُّ المَوْتِ إلَيَّ بَعْدَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللهِ أنْ أمُوتَ بَيْنَ شُعْبَتَيْ رَحْلِي أضْرِبُ في الأرْضِ أبْتَغِي مِن فَضْلِ اللهِ.
ثُمَّ كَرَّرَ اللهُ تَعالى الأمْرَ بِقِراءَةِ ما تَيَسَّرَ مِنهُ تَأْكِيدًا، والصَلاةُ والزَكاة هُنا المَفْرُوضَتانِ، فَمَن قالَ إنَّ القِيامَ بِاللَيْلِ غَيْرُ واجِبٍ قالَ: مَعْنى الآيَةِ: خُذُوا مِن هَذا النَفْلِ بِما تَيَسَّرَ وحافِظُوا عَلى فَرائِضِكُمْ، ومَن قالَ إنَّ شَيْئًا مِنَ القِيامِ واجِبٌ قالَ: قَرَنَهُ اللهُ بِالفَرائِضِ لِأنَّهُ فَرْضٌ.
وإقْراضُ اللهِ تَعالى هو اسْتِلافُ العَمَلِ الصالِحِ عِنْدَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "هُوَ (p-٤٤٩)خَيْرًا" عَلى أنْ يَكُونَ "هُوَ" فَصْلًا، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ، وأبُو السَمالِ: "هُوَ خَيْرٌ" عَلى أنْ يَكُونَ "هُوَ" ابْتِداءٌ، و"خَيْرٌ" خَبَرُهُ والجُمْلَةُ تَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثانِي لـ "تَجِدُوهُ".
ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى بِالِاسْتِغْفارِ، وأوجَبَ لِنَفْسِهِ صِفَةَ الغُفْرانِ، لا إلَهَ غَيْرُهُ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: فالِاسْتِغْفارُ بَعْدَ الصَلاةِ مُسْتَنْبَطٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وعَهِدْتُ أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَسْتَغْفِرُ إثْرَ كُلِّ مَكْتُوبَةٍ ثَلاثًا بِعَقِبِ السَلامِ ويَأْثِرُ في ذَلِكَ حَدِيثًا، فَكَأنَّ هَذا الِاسْتِغْفارَ مِنَ النَقْصِ وتَقَلُّبِ الفِكْرِ أثْناءَ الصَلاةِ، وكانَ السَلَفُ الصالِحُ يُصَلُّونَ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ ثُمَّ يَجْلِسُونَ لِلِاسْتِغْفارِ إلى صَلاةِ الصُبْحِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُزَّمِّلِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
المدثر 74:1
(p-٤٥٠)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُدَّثِّرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ﴿والرُجْزَ فاهْجُرْ﴾ ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ﴿وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ ﴿فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ﴾ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾
اخْتَلَفَ القُرّاءُ في "المُدَّثِّرِ" عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ في [المُزَّمِّلِ]، وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [المُدَّثِّرُ] ومَعْناهُ: المُتَدَثِّرُ بِثِيابِهِ، والدِثارُ: ما يَتَغَطّى الإنْسانُ بِهِ مِنَ الثِيابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ ناداهُ بِالمُدَّثِّرِ؟ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِما ورَدَ في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ ﷺ لَمّا فَرَغَ مِن رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ فَرُعِبَ مِنهُ ورَجَعَ إلى خَدِيجَةَ، قالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"،﴾» وقالَتْ عائِشَةُ، (p-٤٥١)وَقالَ النَخْعِيُّ وقَتادَةُ: نُودِيَ وهو في حالٍ تَدَثُّرٍ فَدُعِي بِحالٍ مِن أحْوالِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَدَّثِرُ في قَطِيفَةٍ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أيُّها النائِمُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ لِلنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
واخْتَلَفَ الناسُ في أوَّلِ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، فَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وأبُو سَلَمَةَ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"﴾ الآياتُ، وقالَ الزُهْرِيُّ والجُمْهُورُ: "هُوَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، وهَذا هو الأصَحُّ، وحَدِيثُ صَدْرِ البُخارِيِّ نَصَّ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قُمْ فَأنْذِرْ" بِعْثَةٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، قالَ قَتادَةُ، المَعْنى: أنْذِرْ عَذابَ اللهِ ووَقائِعَهُ بِالأُمَمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ" مَعْناهُ: عَظِّمْهُ بِالعِبادَةِ وبُثَّ شَرْعَهُ، ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ قالَ: بِمَ نَفْتَتِحُ صَلاتَنا؟ فَنَزَلَتْ: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ".
(p-٤٥٢)واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ "وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ"، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ زَيْدٍ بْنِ أسْلَمَ، والشافِعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ الثِيابِ حَقِيقَةً، وذَهَبَ الشافِعِيُّ وغَيْرُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلى وُجُوبِ غَسْلِ النَجاساتِ مِنَ الثِيابِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هَذِهِ الألْفاظُ اسْتِعارَةٌ في تَنْقِيَةِ الأفْعالِ والنَفْسِ وأعْرِضْ وهَذا كَما تَقُولُ: فُلانٌ طاهِرُ الثَوْبِ، ويُقالُ لِلْفاجِرِ: دَنَسُ الثَوْبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ.. لَبِسَتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنِّعُ
وقالَ الآخَرُ:
؎ لا هُمَّ إنَّ عامِرَ ابْنَ جَهْمِ ∗∗∗ ∗∗∗ أوذَمَ حَجًّا في ثِيابِ دُهْمِ
أيْ: دَنَّسَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُما: المَعْنى: ولا تَلْبَسُها عَلى غَدْرَةٍ ولا فُجُورٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: المَعْنى: لا تَلْبَسُها مِن مَكْسَبٍ خَبِيثٍ، وقالَ النَخْعِيُّ: المَعْنى: طَهِّرْها مِنَ الذُنُوبِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وقالَ طاوُسٌ: المَعْنى: قَصَرَها وشَمَّرَها، فَذَلِكَ طُهْرَةٌ لِلثِّيابِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "والرِجْزَ فاهْجُرْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجُ: و"الرُجْزَ فاهْجُرْ" بِضَمِّ الراءِ، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنى يُرادُ بِهِما الأصْنامُ والأوثانُ، وقِيلَ: لِلْأصْنامِ عُمُومًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والزَهْرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الرِجْزَ": السُخْطُ، فالمَعْنى: اهْجُرْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ ويُوجِبُهُ، (p-٤٥٣)وَقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَعْصِيَةِ رِجْزٌ، ورَوى جابِرٌ أنَّ النَبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِالأوثانِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: لا تُعْطِ عَطاءً لِتُعْطى أكْثَرُ مِنهُ، فَكَأنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ: "مَن إذا أعْطى"، قالَ الضَحّاكُ: وهَذا خاصٌّ بِالنَبِيِّ ﷺ ومُباحٌ لِأُمَّتِهِ لَكِنْ لا أجْرَ لَهم فِيهِ، قالَ مَكِّيٌّ: وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ الناسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ﴾ [الروم: ٣٩].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مَعْنًى أجْنَبِيٌّ مِن مَعْنى هَذِهِ السُورَةِ.
وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ﴿ "وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ":﴾ لا تَقُلْ: دَعَوْتُ فَلَمْ أُجَبْ ورَوى قَتادَةُ أنَّ المَعْنى: لا تُدْلِ بِعَمَلِكَ، فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَحْرِيض عَلى الجِدِّ وتَخْوِيف، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: ولا تَمْنُنْ عَلى الناسِ بِنُبُوءَتِك تَسْتَكْثِرُ بِأجْرٍ أو بِكَسْبٍ تَطْلُبُهُ مِنهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: عَلى اللهِ تَعالى بِجَدِّكَ تَسْتَكْثِرُ أعْمالَكَ ويَقَعُ لَكَ بِها إعْجابٌ، فَهَذِهِ كُلُّها مِنَ المَنِّ الَّذِي هو تَعْدِيدُ اليَدِ وذِكْرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: ولا تَضْعُفْ تَسْتَكْثِرُ ما حَمَلْناكَ مِن أعْباءِ الرِسالَةِ وتَسْتَكْثِرُ مِنَ الخَيْرِ، فَهَذِهِ مِن قَوْلِهِمْ: "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ: ضَعِيفٌ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَسْتَكْثِرُ" بِنَصْبِ الراءِ عَلى تَقْدِيرِ "أنَّ" مُضْمَرَةً، وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ الجَزْمَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا تَمْنُنْ فَتَسْتَكْثِرُ" بِالفاءِ العاطِفَةِ والجَزْمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "وَلا تَمْنَّ" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.
(p-٤٥٤)"وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ"، أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ وطَلَبِ رِضاهُ، كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى: عَلى الأدْنى مِنَ الكُفّارِ، وعَلى العِبادَةِ، وعَنِ الشَهَواتِ، وعَلى تَكالِيفِ النُبُوَّةِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وعَلى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ، لَقَدْ حَمَلَ ﷺ أمْرًا عَظِيمًا.
و"الناقُورِ": الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ، وهو الصُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، وقالَ خِفافُ بْنُ نُدْبَةَ:
؎ إذا ناقُورُهم يَوْمًا تَبَدّى ∗∗∗ أجابَ الناسُ مِن شَرْقٍ وغَرْبِ
وهُوَ" فاعُولٌ" مِنَ النَقْرِ، وقالَ أبُو حُبابٍ: أمِنّا زُرارَةُ بْنُ أوفى فَلَمّا بَلَغَ " فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ" خَرَّ مَيِّتًا، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: "كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَهُ وحَنى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ بِالنَفْخِ"؟ فَفَزِعَ فَقالُوا: كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا".»
ويَوْمٌ عَسِيرٌ مَعْناهُ: في عُسْرٍ في الأُمُورِ الجارِيَةِ عَلى الكَفّارِ، فَوَصَفَ اللهُ تَعالى اليَوْمَ بِالعَسِرِ لِكَوْنِهِ ظَرْفَ زَمانٍ لَهُ، وكَذَلِكَ تَجِيءُ صِفَتُهُ بِاليُسْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ "عُسْرٍ" بِغَيْرِ ياءٍ.
المدثر 74:2
(p-٤٥٠)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُدَّثِّرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ﴿والرُجْزَ فاهْجُرْ﴾ ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ﴿وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ ﴿فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ﴾ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾
اخْتَلَفَ القُرّاءُ في "المُدَّثِّرِ" عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ في [المُزَّمِّلِ]، وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [المُدَّثِّرُ] ومَعْناهُ: المُتَدَثِّرُ بِثِيابِهِ، والدِثارُ: ما يَتَغَطّى الإنْسانُ بِهِ مِنَ الثِيابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ ناداهُ بِالمُدَّثِّرِ؟ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِما ورَدَ في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ ﷺ لَمّا فَرَغَ مِن رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ فَرُعِبَ مِنهُ ورَجَعَ إلى خَدِيجَةَ، قالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"،﴾» وقالَتْ عائِشَةُ، (p-٤٥١)وَقالَ النَخْعِيُّ وقَتادَةُ: نُودِيَ وهو في حالٍ تَدَثُّرٍ فَدُعِي بِحالٍ مِن أحْوالِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَدَّثِرُ في قَطِيفَةٍ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أيُّها النائِمُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ لِلنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
واخْتَلَفَ الناسُ في أوَّلِ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، فَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وأبُو سَلَمَةَ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"﴾ الآياتُ، وقالَ الزُهْرِيُّ والجُمْهُورُ: "هُوَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، وهَذا هو الأصَحُّ، وحَدِيثُ صَدْرِ البُخارِيِّ نَصَّ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قُمْ فَأنْذِرْ" بِعْثَةٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، قالَ قَتادَةُ، المَعْنى: أنْذِرْ عَذابَ اللهِ ووَقائِعَهُ بِالأُمَمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ" مَعْناهُ: عَظِّمْهُ بِالعِبادَةِ وبُثَّ شَرْعَهُ، ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ قالَ: بِمَ نَفْتَتِحُ صَلاتَنا؟ فَنَزَلَتْ: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ".
(p-٤٥٢)واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ "وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ"، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ زَيْدٍ بْنِ أسْلَمَ، والشافِعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ الثِيابِ حَقِيقَةً، وذَهَبَ الشافِعِيُّ وغَيْرُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلى وُجُوبِ غَسْلِ النَجاساتِ مِنَ الثِيابِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هَذِهِ الألْفاظُ اسْتِعارَةٌ في تَنْقِيَةِ الأفْعالِ والنَفْسِ وأعْرِضْ وهَذا كَما تَقُولُ: فُلانٌ طاهِرُ الثَوْبِ، ويُقالُ لِلْفاجِرِ: دَنَسُ الثَوْبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ.. لَبِسَتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنِّعُ
وقالَ الآخَرُ:
؎ لا هُمَّ إنَّ عامِرَ ابْنَ جَهْمِ ∗∗∗ ∗∗∗ أوذَمَ حَجًّا في ثِيابِ دُهْمِ
أيْ: دَنَّسَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُما: المَعْنى: ولا تَلْبَسُها عَلى غَدْرَةٍ ولا فُجُورٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: المَعْنى: لا تَلْبَسُها مِن مَكْسَبٍ خَبِيثٍ، وقالَ النَخْعِيُّ: المَعْنى: طَهِّرْها مِنَ الذُنُوبِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وقالَ طاوُسٌ: المَعْنى: قَصَرَها وشَمَّرَها، فَذَلِكَ طُهْرَةٌ لِلثِّيابِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "والرِجْزَ فاهْجُرْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجُ: و"الرُجْزَ فاهْجُرْ" بِضَمِّ الراءِ، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنى يُرادُ بِهِما الأصْنامُ والأوثانُ، وقِيلَ: لِلْأصْنامِ عُمُومًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والزَهْرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الرِجْزَ": السُخْطُ، فالمَعْنى: اهْجُرْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ ويُوجِبُهُ، (p-٤٥٣)وَقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَعْصِيَةِ رِجْزٌ، ورَوى جابِرٌ أنَّ النَبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِالأوثانِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: لا تُعْطِ عَطاءً لِتُعْطى أكْثَرُ مِنهُ، فَكَأنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ: "مَن إذا أعْطى"، قالَ الضَحّاكُ: وهَذا خاصٌّ بِالنَبِيِّ ﷺ ومُباحٌ لِأُمَّتِهِ لَكِنْ لا أجْرَ لَهم فِيهِ، قالَ مَكِّيٌّ: وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ الناسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ﴾ [الروم: ٣٩].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مَعْنًى أجْنَبِيٌّ مِن مَعْنى هَذِهِ السُورَةِ.
وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ﴿ "وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ":﴾ لا تَقُلْ: دَعَوْتُ فَلَمْ أُجَبْ ورَوى قَتادَةُ أنَّ المَعْنى: لا تُدْلِ بِعَمَلِكَ، فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَحْرِيض عَلى الجِدِّ وتَخْوِيف، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: ولا تَمْنُنْ عَلى الناسِ بِنُبُوءَتِك تَسْتَكْثِرُ بِأجْرٍ أو بِكَسْبٍ تَطْلُبُهُ مِنهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: عَلى اللهِ تَعالى بِجَدِّكَ تَسْتَكْثِرُ أعْمالَكَ ويَقَعُ لَكَ بِها إعْجابٌ، فَهَذِهِ كُلُّها مِنَ المَنِّ الَّذِي هو تَعْدِيدُ اليَدِ وذِكْرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: ولا تَضْعُفْ تَسْتَكْثِرُ ما حَمَلْناكَ مِن أعْباءِ الرِسالَةِ وتَسْتَكْثِرُ مِنَ الخَيْرِ، فَهَذِهِ مِن قَوْلِهِمْ: "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ: ضَعِيفٌ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَسْتَكْثِرُ" بِنَصْبِ الراءِ عَلى تَقْدِيرِ "أنَّ" مُضْمَرَةً، وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ الجَزْمَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا تَمْنُنْ فَتَسْتَكْثِرُ" بِالفاءِ العاطِفَةِ والجَزْمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "وَلا تَمْنَّ" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.
(p-٤٥٤)"وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ"، أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ وطَلَبِ رِضاهُ، كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى: عَلى الأدْنى مِنَ الكُفّارِ، وعَلى العِبادَةِ، وعَنِ الشَهَواتِ، وعَلى تَكالِيفِ النُبُوَّةِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وعَلى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ، لَقَدْ حَمَلَ ﷺ أمْرًا عَظِيمًا.
و"الناقُورِ": الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ، وهو الصُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، وقالَ خِفافُ بْنُ نُدْبَةَ:
؎ إذا ناقُورُهم يَوْمًا تَبَدّى ∗∗∗ أجابَ الناسُ مِن شَرْقٍ وغَرْبِ
وهُوَ" فاعُولٌ" مِنَ النَقْرِ، وقالَ أبُو حُبابٍ: أمِنّا زُرارَةُ بْنُ أوفى فَلَمّا بَلَغَ " فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ" خَرَّ مَيِّتًا، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: "كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَهُ وحَنى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ بِالنَفْخِ"؟ فَفَزِعَ فَقالُوا: كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا".»
ويَوْمٌ عَسِيرٌ مَعْناهُ: في عُسْرٍ في الأُمُورِ الجارِيَةِ عَلى الكَفّارِ، فَوَصَفَ اللهُ تَعالى اليَوْمَ بِالعَسِرِ لِكَوْنِهِ ظَرْفَ زَمانٍ لَهُ، وكَذَلِكَ تَجِيءُ صِفَتُهُ بِاليُسْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ "عُسْرٍ" بِغَيْرِ ياءٍ.
المدثر 74:3
(p-٤٥٠)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُدَّثِّرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ﴿والرُجْزَ فاهْجُرْ﴾ ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ﴿وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ ﴿فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ﴾ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾
اخْتَلَفَ القُرّاءُ في "المُدَّثِّرِ" عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ في [المُزَّمِّلِ]، وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [المُدَّثِّرُ] ومَعْناهُ: المُتَدَثِّرُ بِثِيابِهِ، والدِثارُ: ما يَتَغَطّى الإنْسانُ بِهِ مِنَ الثِيابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ ناداهُ بِالمُدَّثِّرِ؟ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِما ورَدَ في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ ﷺ لَمّا فَرَغَ مِن رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ فَرُعِبَ مِنهُ ورَجَعَ إلى خَدِيجَةَ، قالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"،﴾» وقالَتْ عائِشَةُ، (p-٤٥١)وَقالَ النَخْعِيُّ وقَتادَةُ: نُودِيَ وهو في حالٍ تَدَثُّرٍ فَدُعِي بِحالٍ مِن أحْوالِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَدَّثِرُ في قَطِيفَةٍ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أيُّها النائِمُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ لِلنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
واخْتَلَفَ الناسُ في أوَّلِ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، فَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وأبُو سَلَمَةَ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"﴾ الآياتُ، وقالَ الزُهْرِيُّ والجُمْهُورُ: "هُوَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، وهَذا هو الأصَحُّ، وحَدِيثُ صَدْرِ البُخارِيِّ نَصَّ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قُمْ فَأنْذِرْ" بِعْثَةٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، قالَ قَتادَةُ، المَعْنى: أنْذِرْ عَذابَ اللهِ ووَقائِعَهُ بِالأُمَمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ" مَعْناهُ: عَظِّمْهُ بِالعِبادَةِ وبُثَّ شَرْعَهُ، ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ قالَ: بِمَ نَفْتَتِحُ صَلاتَنا؟ فَنَزَلَتْ: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ".
(p-٤٥٢)واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ "وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ"، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ زَيْدٍ بْنِ أسْلَمَ، والشافِعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ الثِيابِ حَقِيقَةً، وذَهَبَ الشافِعِيُّ وغَيْرُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلى وُجُوبِ غَسْلِ النَجاساتِ مِنَ الثِيابِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هَذِهِ الألْفاظُ اسْتِعارَةٌ في تَنْقِيَةِ الأفْعالِ والنَفْسِ وأعْرِضْ وهَذا كَما تَقُولُ: فُلانٌ طاهِرُ الثَوْبِ، ويُقالُ لِلْفاجِرِ: دَنَسُ الثَوْبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ.. لَبِسَتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنِّعُ
وقالَ الآخَرُ:
؎ لا هُمَّ إنَّ عامِرَ ابْنَ جَهْمِ ∗∗∗ ∗∗∗ أوذَمَ حَجًّا في ثِيابِ دُهْمِ
أيْ: دَنَّسَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُما: المَعْنى: ولا تَلْبَسُها عَلى غَدْرَةٍ ولا فُجُورٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: المَعْنى: لا تَلْبَسُها مِن مَكْسَبٍ خَبِيثٍ، وقالَ النَخْعِيُّ: المَعْنى: طَهِّرْها مِنَ الذُنُوبِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وقالَ طاوُسٌ: المَعْنى: قَصَرَها وشَمَّرَها، فَذَلِكَ طُهْرَةٌ لِلثِّيابِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "والرِجْزَ فاهْجُرْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجُ: و"الرُجْزَ فاهْجُرْ" بِضَمِّ الراءِ، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنى يُرادُ بِهِما الأصْنامُ والأوثانُ، وقِيلَ: لِلْأصْنامِ عُمُومًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والزَهْرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الرِجْزَ": السُخْطُ، فالمَعْنى: اهْجُرْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ ويُوجِبُهُ، (p-٤٥٣)وَقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَعْصِيَةِ رِجْزٌ، ورَوى جابِرٌ أنَّ النَبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِالأوثانِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: لا تُعْطِ عَطاءً لِتُعْطى أكْثَرُ مِنهُ، فَكَأنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ: "مَن إذا أعْطى"، قالَ الضَحّاكُ: وهَذا خاصٌّ بِالنَبِيِّ ﷺ ومُباحٌ لِأُمَّتِهِ لَكِنْ لا أجْرَ لَهم فِيهِ، قالَ مَكِّيٌّ: وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ الناسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ﴾ [الروم: ٣٩].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مَعْنًى أجْنَبِيٌّ مِن مَعْنى هَذِهِ السُورَةِ.
وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ﴿ "وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ":﴾ لا تَقُلْ: دَعَوْتُ فَلَمْ أُجَبْ ورَوى قَتادَةُ أنَّ المَعْنى: لا تُدْلِ بِعَمَلِكَ، فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَحْرِيض عَلى الجِدِّ وتَخْوِيف، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: ولا تَمْنُنْ عَلى الناسِ بِنُبُوءَتِك تَسْتَكْثِرُ بِأجْرٍ أو بِكَسْبٍ تَطْلُبُهُ مِنهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: عَلى اللهِ تَعالى بِجَدِّكَ تَسْتَكْثِرُ أعْمالَكَ ويَقَعُ لَكَ بِها إعْجابٌ، فَهَذِهِ كُلُّها مِنَ المَنِّ الَّذِي هو تَعْدِيدُ اليَدِ وذِكْرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: ولا تَضْعُفْ تَسْتَكْثِرُ ما حَمَلْناكَ مِن أعْباءِ الرِسالَةِ وتَسْتَكْثِرُ مِنَ الخَيْرِ، فَهَذِهِ مِن قَوْلِهِمْ: "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ: ضَعِيفٌ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَسْتَكْثِرُ" بِنَصْبِ الراءِ عَلى تَقْدِيرِ "أنَّ" مُضْمَرَةً، وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ الجَزْمَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا تَمْنُنْ فَتَسْتَكْثِرُ" بِالفاءِ العاطِفَةِ والجَزْمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "وَلا تَمْنَّ" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.
(p-٤٥٤)"وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ"، أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ وطَلَبِ رِضاهُ، كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى: عَلى الأدْنى مِنَ الكُفّارِ، وعَلى العِبادَةِ، وعَنِ الشَهَواتِ، وعَلى تَكالِيفِ النُبُوَّةِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وعَلى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ، لَقَدْ حَمَلَ ﷺ أمْرًا عَظِيمًا.
و"الناقُورِ": الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ، وهو الصُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، وقالَ خِفافُ بْنُ نُدْبَةَ:
؎ إذا ناقُورُهم يَوْمًا تَبَدّى ∗∗∗ أجابَ الناسُ مِن شَرْقٍ وغَرْبِ
وهُوَ" فاعُولٌ" مِنَ النَقْرِ، وقالَ أبُو حُبابٍ: أمِنّا زُرارَةُ بْنُ أوفى فَلَمّا بَلَغَ " فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ" خَرَّ مَيِّتًا، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: "كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَهُ وحَنى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ بِالنَفْخِ"؟ فَفَزِعَ فَقالُوا: كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا".»
ويَوْمٌ عَسِيرٌ مَعْناهُ: في عُسْرٍ في الأُمُورِ الجارِيَةِ عَلى الكَفّارِ، فَوَصَفَ اللهُ تَعالى اليَوْمَ بِالعَسِرِ لِكَوْنِهِ ظَرْفَ زَمانٍ لَهُ، وكَذَلِكَ تَجِيءُ صِفَتُهُ بِاليُسْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ "عُسْرٍ" بِغَيْرِ ياءٍ.
المدثر 74:4
(p-٤٥٠)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُدَّثِّرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ﴿والرُجْزَ فاهْجُرْ﴾ ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ﴿وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ ﴿فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ﴾ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾
اخْتَلَفَ القُرّاءُ في "المُدَّثِّرِ" عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ في [المُزَّمِّلِ]، وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [المُدَّثِّرُ] ومَعْناهُ: المُتَدَثِّرُ بِثِيابِهِ، والدِثارُ: ما يَتَغَطّى الإنْسانُ بِهِ مِنَ الثِيابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ ناداهُ بِالمُدَّثِّرِ؟ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِما ورَدَ في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ ﷺ لَمّا فَرَغَ مِن رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ فَرُعِبَ مِنهُ ورَجَعَ إلى خَدِيجَةَ، قالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"،﴾» وقالَتْ عائِشَةُ، (p-٤٥١)وَقالَ النَخْعِيُّ وقَتادَةُ: نُودِيَ وهو في حالٍ تَدَثُّرٍ فَدُعِي بِحالٍ مِن أحْوالِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَدَّثِرُ في قَطِيفَةٍ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أيُّها النائِمُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ لِلنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
واخْتَلَفَ الناسُ في أوَّلِ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، فَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وأبُو سَلَمَةَ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"﴾ الآياتُ، وقالَ الزُهْرِيُّ والجُمْهُورُ: "هُوَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، وهَذا هو الأصَحُّ، وحَدِيثُ صَدْرِ البُخارِيِّ نَصَّ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قُمْ فَأنْذِرْ" بِعْثَةٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، قالَ قَتادَةُ، المَعْنى: أنْذِرْ عَذابَ اللهِ ووَقائِعَهُ بِالأُمَمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ" مَعْناهُ: عَظِّمْهُ بِالعِبادَةِ وبُثَّ شَرْعَهُ، ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ قالَ: بِمَ نَفْتَتِحُ صَلاتَنا؟ فَنَزَلَتْ: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ".
(p-٤٥٢)واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ "وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ"، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ زَيْدٍ بْنِ أسْلَمَ، والشافِعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ الثِيابِ حَقِيقَةً، وذَهَبَ الشافِعِيُّ وغَيْرُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلى وُجُوبِ غَسْلِ النَجاساتِ مِنَ الثِيابِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هَذِهِ الألْفاظُ اسْتِعارَةٌ في تَنْقِيَةِ الأفْعالِ والنَفْسِ وأعْرِضْ وهَذا كَما تَقُولُ: فُلانٌ طاهِرُ الثَوْبِ، ويُقالُ لِلْفاجِرِ: دَنَسُ الثَوْبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ.. لَبِسَتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنِّعُ
وقالَ الآخَرُ:
؎ لا هُمَّ إنَّ عامِرَ ابْنَ جَهْمِ ∗∗∗ ∗∗∗ أوذَمَ حَجًّا في ثِيابِ دُهْمِ
أيْ: دَنَّسَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُما: المَعْنى: ولا تَلْبَسُها عَلى غَدْرَةٍ ولا فُجُورٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: المَعْنى: لا تَلْبَسُها مِن مَكْسَبٍ خَبِيثٍ، وقالَ النَخْعِيُّ: المَعْنى: طَهِّرْها مِنَ الذُنُوبِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وقالَ طاوُسٌ: المَعْنى: قَصَرَها وشَمَّرَها، فَذَلِكَ طُهْرَةٌ لِلثِّيابِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "والرِجْزَ فاهْجُرْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجُ: و"الرُجْزَ فاهْجُرْ" بِضَمِّ الراءِ، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنى يُرادُ بِهِما الأصْنامُ والأوثانُ، وقِيلَ: لِلْأصْنامِ عُمُومًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والزَهْرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الرِجْزَ": السُخْطُ، فالمَعْنى: اهْجُرْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ ويُوجِبُهُ، (p-٤٥٣)وَقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَعْصِيَةِ رِجْزٌ، ورَوى جابِرٌ أنَّ النَبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِالأوثانِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: لا تُعْطِ عَطاءً لِتُعْطى أكْثَرُ مِنهُ، فَكَأنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ: "مَن إذا أعْطى"، قالَ الضَحّاكُ: وهَذا خاصٌّ بِالنَبِيِّ ﷺ ومُباحٌ لِأُمَّتِهِ لَكِنْ لا أجْرَ لَهم فِيهِ، قالَ مَكِّيٌّ: وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ الناسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ﴾ [الروم: ٣٩].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مَعْنًى أجْنَبِيٌّ مِن مَعْنى هَذِهِ السُورَةِ.
وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ﴿ "وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ":﴾ لا تَقُلْ: دَعَوْتُ فَلَمْ أُجَبْ ورَوى قَتادَةُ أنَّ المَعْنى: لا تُدْلِ بِعَمَلِكَ، فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَحْرِيض عَلى الجِدِّ وتَخْوِيف، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: ولا تَمْنُنْ عَلى الناسِ بِنُبُوءَتِك تَسْتَكْثِرُ بِأجْرٍ أو بِكَسْبٍ تَطْلُبُهُ مِنهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: عَلى اللهِ تَعالى بِجَدِّكَ تَسْتَكْثِرُ أعْمالَكَ ويَقَعُ لَكَ بِها إعْجابٌ، فَهَذِهِ كُلُّها مِنَ المَنِّ الَّذِي هو تَعْدِيدُ اليَدِ وذِكْرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: ولا تَضْعُفْ تَسْتَكْثِرُ ما حَمَلْناكَ مِن أعْباءِ الرِسالَةِ وتَسْتَكْثِرُ مِنَ الخَيْرِ، فَهَذِهِ مِن قَوْلِهِمْ: "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ: ضَعِيفٌ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَسْتَكْثِرُ" بِنَصْبِ الراءِ عَلى تَقْدِيرِ "أنَّ" مُضْمَرَةً، وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ الجَزْمَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا تَمْنُنْ فَتَسْتَكْثِرُ" بِالفاءِ العاطِفَةِ والجَزْمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "وَلا تَمْنَّ" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.
(p-٤٥٤)"وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ"، أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ وطَلَبِ رِضاهُ، كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى: عَلى الأدْنى مِنَ الكُفّارِ، وعَلى العِبادَةِ، وعَنِ الشَهَواتِ، وعَلى تَكالِيفِ النُبُوَّةِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وعَلى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ، لَقَدْ حَمَلَ ﷺ أمْرًا عَظِيمًا.
و"الناقُورِ": الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ، وهو الصُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، وقالَ خِفافُ بْنُ نُدْبَةَ:
؎ إذا ناقُورُهم يَوْمًا تَبَدّى ∗∗∗ أجابَ الناسُ مِن شَرْقٍ وغَرْبِ
وهُوَ" فاعُولٌ" مِنَ النَقْرِ، وقالَ أبُو حُبابٍ: أمِنّا زُرارَةُ بْنُ أوفى فَلَمّا بَلَغَ " فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ" خَرَّ مَيِّتًا، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: "كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَهُ وحَنى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ بِالنَفْخِ"؟ فَفَزِعَ فَقالُوا: كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا".»
ويَوْمٌ عَسِيرٌ مَعْناهُ: في عُسْرٍ في الأُمُورِ الجارِيَةِ عَلى الكَفّارِ، فَوَصَفَ اللهُ تَعالى اليَوْمَ بِالعَسِرِ لِكَوْنِهِ ظَرْفَ زَمانٍ لَهُ، وكَذَلِكَ تَجِيءُ صِفَتُهُ بِاليُسْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ "عُسْرٍ" بِغَيْرِ ياءٍ.
المدثر 74:5
(p-٤٥٠)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُدَّثِّرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ﴿والرُجْزَ فاهْجُرْ﴾ ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ﴿وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ ﴿فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ﴾ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾
اخْتَلَفَ القُرّاءُ في "المُدَّثِّرِ" عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ في [المُزَّمِّلِ]، وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [المُدَّثِّرُ] ومَعْناهُ: المُتَدَثِّرُ بِثِيابِهِ، والدِثارُ: ما يَتَغَطّى الإنْسانُ بِهِ مِنَ الثِيابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ ناداهُ بِالمُدَّثِّرِ؟ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِما ورَدَ في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ ﷺ لَمّا فَرَغَ مِن رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ فَرُعِبَ مِنهُ ورَجَعَ إلى خَدِيجَةَ، قالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"،﴾» وقالَتْ عائِشَةُ، (p-٤٥١)وَقالَ النَخْعِيُّ وقَتادَةُ: نُودِيَ وهو في حالٍ تَدَثُّرٍ فَدُعِي بِحالٍ مِن أحْوالِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَدَّثِرُ في قَطِيفَةٍ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أيُّها النائِمُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ لِلنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
واخْتَلَفَ الناسُ في أوَّلِ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، فَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وأبُو سَلَمَةَ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"﴾ الآياتُ، وقالَ الزُهْرِيُّ والجُمْهُورُ: "هُوَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، وهَذا هو الأصَحُّ، وحَدِيثُ صَدْرِ البُخارِيِّ نَصَّ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قُمْ فَأنْذِرْ" بِعْثَةٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، قالَ قَتادَةُ، المَعْنى: أنْذِرْ عَذابَ اللهِ ووَقائِعَهُ بِالأُمَمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ" مَعْناهُ: عَظِّمْهُ بِالعِبادَةِ وبُثَّ شَرْعَهُ، ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ قالَ: بِمَ نَفْتَتِحُ صَلاتَنا؟ فَنَزَلَتْ: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ".
(p-٤٥٢)واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ "وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ"، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ زَيْدٍ بْنِ أسْلَمَ، والشافِعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ الثِيابِ حَقِيقَةً، وذَهَبَ الشافِعِيُّ وغَيْرُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلى وُجُوبِ غَسْلِ النَجاساتِ مِنَ الثِيابِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هَذِهِ الألْفاظُ اسْتِعارَةٌ في تَنْقِيَةِ الأفْعالِ والنَفْسِ وأعْرِضْ وهَذا كَما تَقُولُ: فُلانٌ طاهِرُ الثَوْبِ، ويُقالُ لِلْفاجِرِ: دَنَسُ الثَوْبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ.. لَبِسَتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنِّعُ
وقالَ الآخَرُ:
؎ لا هُمَّ إنَّ عامِرَ ابْنَ جَهْمِ ∗∗∗ ∗∗∗ أوذَمَ حَجًّا في ثِيابِ دُهْمِ
أيْ: دَنَّسَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُما: المَعْنى: ولا تَلْبَسُها عَلى غَدْرَةٍ ولا فُجُورٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: المَعْنى: لا تَلْبَسُها مِن مَكْسَبٍ خَبِيثٍ، وقالَ النَخْعِيُّ: المَعْنى: طَهِّرْها مِنَ الذُنُوبِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وقالَ طاوُسٌ: المَعْنى: قَصَرَها وشَمَّرَها، فَذَلِكَ طُهْرَةٌ لِلثِّيابِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "والرِجْزَ فاهْجُرْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجُ: و"الرُجْزَ فاهْجُرْ" بِضَمِّ الراءِ، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنى يُرادُ بِهِما الأصْنامُ والأوثانُ، وقِيلَ: لِلْأصْنامِ عُمُومًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والزَهْرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الرِجْزَ": السُخْطُ، فالمَعْنى: اهْجُرْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ ويُوجِبُهُ، (p-٤٥٣)وَقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَعْصِيَةِ رِجْزٌ، ورَوى جابِرٌ أنَّ النَبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِالأوثانِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: لا تُعْطِ عَطاءً لِتُعْطى أكْثَرُ مِنهُ، فَكَأنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ: "مَن إذا أعْطى"، قالَ الضَحّاكُ: وهَذا خاصٌّ بِالنَبِيِّ ﷺ ومُباحٌ لِأُمَّتِهِ لَكِنْ لا أجْرَ لَهم فِيهِ، قالَ مَكِّيٌّ: وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ الناسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ﴾ [الروم: ٣٩].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مَعْنًى أجْنَبِيٌّ مِن مَعْنى هَذِهِ السُورَةِ.
وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ﴿ "وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ":﴾ لا تَقُلْ: دَعَوْتُ فَلَمْ أُجَبْ ورَوى قَتادَةُ أنَّ المَعْنى: لا تُدْلِ بِعَمَلِكَ، فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَحْرِيض عَلى الجِدِّ وتَخْوِيف، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: ولا تَمْنُنْ عَلى الناسِ بِنُبُوءَتِك تَسْتَكْثِرُ بِأجْرٍ أو بِكَسْبٍ تَطْلُبُهُ مِنهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: عَلى اللهِ تَعالى بِجَدِّكَ تَسْتَكْثِرُ أعْمالَكَ ويَقَعُ لَكَ بِها إعْجابٌ، فَهَذِهِ كُلُّها مِنَ المَنِّ الَّذِي هو تَعْدِيدُ اليَدِ وذِكْرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: ولا تَضْعُفْ تَسْتَكْثِرُ ما حَمَلْناكَ مِن أعْباءِ الرِسالَةِ وتَسْتَكْثِرُ مِنَ الخَيْرِ، فَهَذِهِ مِن قَوْلِهِمْ: "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ: ضَعِيفٌ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَسْتَكْثِرُ" بِنَصْبِ الراءِ عَلى تَقْدِيرِ "أنَّ" مُضْمَرَةً، وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ الجَزْمَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا تَمْنُنْ فَتَسْتَكْثِرُ" بِالفاءِ العاطِفَةِ والجَزْمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "وَلا تَمْنَّ" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.
(p-٤٥٤)"وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ"، أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ وطَلَبِ رِضاهُ، كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى: عَلى الأدْنى مِنَ الكُفّارِ، وعَلى العِبادَةِ، وعَنِ الشَهَواتِ، وعَلى تَكالِيفِ النُبُوَّةِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وعَلى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ، لَقَدْ حَمَلَ ﷺ أمْرًا عَظِيمًا.
و"الناقُورِ": الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ، وهو الصُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، وقالَ خِفافُ بْنُ نُدْبَةَ:
؎ إذا ناقُورُهم يَوْمًا تَبَدّى ∗∗∗ أجابَ الناسُ مِن شَرْقٍ وغَرْبِ
وهُوَ" فاعُولٌ" مِنَ النَقْرِ، وقالَ أبُو حُبابٍ: أمِنّا زُرارَةُ بْنُ أوفى فَلَمّا بَلَغَ " فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ" خَرَّ مَيِّتًا، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: "كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَهُ وحَنى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ بِالنَفْخِ"؟ فَفَزِعَ فَقالُوا: كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا".»
ويَوْمٌ عَسِيرٌ مَعْناهُ: في عُسْرٍ في الأُمُورِ الجارِيَةِ عَلى الكَفّارِ، فَوَصَفَ اللهُ تَعالى اليَوْمَ بِالعَسِرِ لِكَوْنِهِ ظَرْفَ زَمانٍ لَهُ، وكَذَلِكَ تَجِيءُ صِفَتُهُ بِاليُسْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ "عُسْرٍ" بِغَيْرِ ياءٍ.
المدثر 74:6
(p-٤٥٠)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُدَّثِّرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ﴿والرُجْزَ فاهْجُرْ﴾ ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ﴿وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ ﴿فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ﴾ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾
اخْتَلَفَ القُرّاءُ في "المُدَّثِّرِ" عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ في [المُزَّمِّلِ]، وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [المُدَّثِّرُ] ومَعْناهُ: المُتَدَثِّرُ بِثِيابِهِ، والدِثارُ: ما يَتَغَطّى الإنْسانُ بِهِ مِنَ الثِيابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ ناداهُ بِالمُدَّثِّرِ؟ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِما ورَدَ في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ ﷺ لَمّا فَرَغَ مِن رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ فَرُعِبَ مِنهُ ورَجَعَ إلى خَدِيجَةَ، قالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"،﴾» وقالَتْ عائِشَةُ، (p-٤٥١)وَقالَ النَخْعِيُّ وقَتادَةُ: نُودِيَ وهو في حالٍ تَدَثُّرٍ فَدُعِي بِحالٍ مِن أحْوالِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَدَّثِرُ في قَطِيفَةٍ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أيُّها النائِمُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ لِلنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
واخْتَلَفَ الناسُ في أوَّلِ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، فَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وأبُو سَلَمَةَ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"﴾ الآياتُ، وقالَ الزُهْرِيُّ والجُمْهُورُ: "هُوَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، وهَذا هو الأصَحُّ، وحَدِيثُ صَدْرِ البُخارِيِّ نَصَّ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قُمْ فَأنْذِرْ" بِعْثَةٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، قالَ قَتادَةُ، المَعْنى: أنْذِرْ عَذابَ اللهِ ووَقائِعَهُ بِالأُمَمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ" مَعْناهُ: عَظِّمْهُ بِالعِبادَةِ وبُثَّ شَرْعَهُ، ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ قالَ: بِمَ نَفْتَتِحُ صَلاتَنا؟ فَنَزَلَتْ: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ".
(p-٤٥٢)واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ "وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ"، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ زَيْدٍ بْنِ أسْلَمَ، والشافِعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ الثِيابِ حَقِيقَةً، وذَهَبَ الشافِعِيُّ وغَيْرُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلى وُجُوبِ غَسْلِ النَجاساتِ مِنَ الثِيابِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هَذِهِ الألْفاظُ اسْتِعارَةٌ في تَنْقِيَةِ الأفْعالِ والنَفْسِ وأعْرِضْ وهَذا كَما تَقُولُ: فُلانٌ طاهِرُ الثَوْبِ، ويُقالُ لِلْفاجِرِ: دَنَسُ الثَوْبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ.. لَبِسَتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنِّعُ
وقالَ الآخَرُ:
؎ لا هُمَّ إنَّ عامِرَ ابْنَ جَهْمِ ∗∗∗ ∗∗∗ أوذَمَ حَجًّا في ثِيابِ دُهْمِ
أيْ: دَنَّسَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُما: المَعْنى: ولا تَلْبَسُها عَلى غَدْرَةٍ ولا فُجُورٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: المَعْنى: لا تَلْبَسُها مِن مَكْسَبٍ خَبِيثٍ، وقالَ النَخْعِيُّ: المَعْنى: طَهِّرْها مِنَ الذُنُوبِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وقالَ طاوُسٌ: المَعْنى: قَصَرَها وشَمَّرَها، فَذَلِكَ طُهْرَةٌ لِلثِّيابِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "والرِجْزَ فاهْجُرْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجُ: و"الرُجْزَ فاهْجُرْ" بِضَمِّ الراءِ، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنى يُرادُ بِهِما الأصْنامُ والأوثانُ، وقِيلَ: لِلْأصْنامِ عُمُومًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والزَهْرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الرِجْزَ": السُخْطُ، فالمَعْنى: اهْجُرْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ ويُوجِبُهُ، (p-٤٥٣)وَقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَعْصِيَةِ رِجْزٌ، ورَوى جابِرٌ أنَّ النَبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِالأوثانِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: لا تُعْطِ عَطاءً لِتُعْطى أكْثَرُ مِنهُ، فَكَأنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ: "مَن إذا أعْطى"، قالَ الضَحّاكُ: وهَذا خاصٌّ بِالنَبِيِّ ﷺ ومُباحٌ لِأُمَّتِهِ لَكِنْ لا أجْرَ لَهم فِيهِ، قالَ مَكِّيٌّ: وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ الناسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ﴾ [الروم: ٣٩].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مَعْنًى أجْنَبِيٌّ مِن مَعْنى هَذِهِ السُورَةِ.
وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ﴿ "وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ":﴾ لا تَقُلْ: دَعَوْتُ فَلَمْ أُجَبْ ورَوى قَتادَةُ أنَّ المَعْنى: لا تُدْلِ بِعَمَلِكَ، فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَحْرِيض عَلى الجِدِّ وتَخْوِيف، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: ولا تَمْنُنْ عَلى الناسِ بِنُبُوءَتِك تَسْتَكْثِرُ بِأجْرٍ أو بِكَسْبٍ تَطْلُبُهُ مِنهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: عَلى اللهِ تَعالى بِجَدِّكَ تَسْتَكْثِرُ أعْمالَكَ ويَقَعُ لَكَ بِها إعْجابٌ، فَهَذِهِ كُلُّها مِنَ المَنِّ الَّذِي هو تَعْدِيدُ اليَدِ وذِكْرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: ولا تَضْعُفْ تَسْتَكْثِرُ ما حَمَلْناكَ مِن أعْباءِ الرِسالَةِ وتَسْتَكْثِرُ مِنَ الخَيْرِ، فَهَذِهِ مِن قَوْلِهِمْ: "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ: ضَعِيفٌ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَسْتَكْثِرُ" بِنَصْبِ الراءِ عَلى تَقْدِيرِ "أنَّ" مُضْمَرَةً، وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ الجَزْمَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا تَمْنُنْ فَتَسْتَكْثِرُ" بِالفاءِ العاطِفَةِ والجَزْمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "وَلا تَمْنَّ" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.
(p-٤٥٤)"وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ"، أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ وطَلَبِ رِضاهُ، كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى: عَلى الأدْنى مِنَ الكُفّارِ، وعَلى العِبادَةِ، وعَنِ الشَهَواتِ، وعَلى تَكالِيفِ النُبُوَّةِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وعَلى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ، لَقَدْ حَمَلَ ﷺ أمْرًا عَظِيمًا.
و"الناقُورِ": الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ، وهو الصُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، وقالَ خِفافُ بْنُ نُدْبَةَ:
؎ إذا ناقُورُهم يَوْمًا تَبَدّى ∗∗∗ أجابَ الناسُ مِن شَرْقٍ وغَرْبِ
وهُوَ" فاعُولٌ" مِنَ النَقْرِ، وقالَ أبُو حُبابٍ: أمِنّا زُرارَةُ بْنُ أوفى فَلَمّا بَلَغَ " فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ" خَرَّ مَيِّتًا، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: "كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَهُ وحَنى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ بِالنَفْخِ"؟ فَفَزِعَ فَقالُوا: كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا".»
ويَوْمٌ عَسِيرٌ مَعْناهُ: في عُسْرٍ في الأُمُورِ الجارِيَةِ عَلى الكَفّارِ، فَوَصَفَ اللهُ تَعالى اليَوْمَ بِالعَسِرِ لِكَوْنِهِ ظَرْفَ زَمانٍ لَهُ، وكَذَلِكَ تَجِيءُ صِفَتُهُ بِاليُسْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ "عُسْرٍ" بِغَيْرِ ياءٍ.
المدثر 74:7
(p-٤٥٠)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُدَّثِّرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ﴿والرُجْزَ فاهْجُرْ﴾ ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ﴿وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ ﴿فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ﴾ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾
اخْتَلَفَ القُرّاءُ في "المُدَّثِّرِ" عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ في [المُزَّمِّلِ]، وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [المُدَّثِّرُ] ومَعْناهُ: المُتَدَثِّرُ بِثِيابِهِ، والدِثارُ: ما يَتَغَطّى الإنْسانُ بِهِ مِنَ الثِيابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ ناداهُ بِالمُدَّثِّرِ؟ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِما ورَدَ في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ ﷺ لَمّا فَرَغَ مِن رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ فَرُعِبَ مِنهُ ورَجَعَ إلى خَدِيجَةَ، قالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"،﴾» وقالَتْ عائِشَةُ، (p-٤٥١)وَقالَ النَخْعِيُّ وقَتادَةُ: نُودِيَ وهو في حالٍ تَدَثُّرٍ فَدُعِي بِحالٍ مِن أحْوالِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَدَّثِرُ في قَطِيفَةٍ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أيُّها النائِمُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ لِلنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
واخْتَلَفَ الناسُ في أوَّلِ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، فَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وأبُو سَلَمَةَ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"﴾ الآياتُ، وقالَ الزُهْرِيُّ والجُمْهُورُ: "هُوَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، وهَذا هو الأصَحُّ، وحَدِيثُ صَدْرِ البُخارِيِّ نَصَّ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قُمْ فَأنْذِرْ" بِعْثَةٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، قالَ قَتادَةُ، المَعْنى: أنْذِرْ عَذابَ اللهِ ووَقائِعَهُ بِالأُمَمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ" مَعْناهُ: عَظِّمْهُ بِالعِبادَةِ وبُثَّ شَرْعَهُ، ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ قالَ: بِمَ نَفْتَتِحُ صَلاتَنا؟ فَنَزَلَتْ: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ".
(p-٤٥٢)واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ "وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ"، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ زَيْدٍ بْنِ أسْلَمَ، والشافِعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ الثِيابِ حَقِيقَةً، وذَهَبَ الشافِعِيُّ وغَيْرُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلى وُجُوبِ غَسْلِ النَجاساتِ مِنَ الثِيابِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هَذِهِ الألْفاظُ اسْتِعارَةٌ في تَنْقِيَةِ الأفْعالِ والنَفْسِ وأعْرِضْ وهَذا كَما تَقُولُ: فُلانٌ طاهِرُ الثَوْبِ، ويُقالُ لِلْفاجِرِ: دَنَسُ الثَوْبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ.. لَبِسَتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنِّعُ
وقالَ الآخَرُ:
؎ لا هُمَّ إنَّ عامِرَ ابْنَ جَهْمِ ∗∗∗ ∗∗∗ أوذَمَ حَجًّا في ثِيابِ دُهْمِ
أيْ: دَنَّسَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُما: المَعْنى: ولا تَلْبَسُها عَلى غَدْرَةٍ ولا فُجُورٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: المَعْنى: لا تَلْبَسُها مِن مَكْسَبٍ خَبِيثٍ، وقالَ النَخْعِيُّ: المَعْنى: طَهِّرْها مِنَ الذُنُوبِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وقالَ طاوُسٌ: المَعْنى: قَصَرَها وشَمَّرَها، فَذَلِكَ طُهْرَةٌ لِلثِّيابِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "والرِجْزَ فاهْجُرْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجُ: و"الرُجْزَ فاهْجُرْ" بِضَمِّ الراءِ، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنى يُرادُ بِهِما الأصْنامُ والأوثانُ، وقِيلَ: لِلْأصْنامِ عُمُومًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والزَهْرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الرِجْزَ": السُخْطُ، فالمَعْنى: اهْجُرْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ ويُوجِبُهُ، (p-٤٥٣)وَقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَعْصِيَةِ رِجْزٌ، ورَوى جابِرٌ أنَّ النَبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِالأوثانِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: لا تُعْطِ عَطاءً لِتُعْطى أكْثَرُ مِنهُ، فَكَأنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ: "مَن إذا أعْطى"، قالَ الضَحّاكُ: وهَذا خاصٌّ بِالنَبِيِّ ﷺ ومُباحٌ لِأُمَّتِهِ لَكِنْ لا أجْرَ لَهم فِيهِ، قالَ مَكِّيٌّ: وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ الناسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ﴾ [الروم: ٣٩].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مَعْنًى أجْنَبِيٌّ مِن مَعْنى هَذِهِ السُورَةِ.
وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ﴿ "وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ":﴾ لا تَقُلْ: دَعَوْتُ فَلَمْ أُجَبْ ورَوى قَتادَةُ أنَّ المَعْنى: لا تُدْلِ بِعَمَلِكَ، فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَحْرِيض عَلى الجِدِّ وتَخْوِيف، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: ولا تَمْنُنْ عَلى الناسِ بِنُبُوءَتِك تَسْتَكْثِرُ بِأجْرٍ أو بِكَسْبٍ تَطْلُبُهُ مِنهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: عَلى اللهِ تَعالى بِجَدِّكَ تَسْتَكْثِرُ أعْمالَكَ ويَقَعُ لَكَ بِها إعْجابٌ، فَهَذِهِ كُلُّها مِنَ المَنِّ الَّذِي هو تَعْدِيدُ اليَدِ وذِكْرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: ولا تَضْعُفْ تَسْتَكْثِرُ ما حَمَلْناكَ مِن أعْباءِ الرِسالَةِ وتَسْتَكْثِرُ مِنَ الخَيْرِ، فَهَذِهِ مِن قَوْلِهِمْ: "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ: ضَعِيفٌ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَسْتَكْثِرُ" بِنَصْبِ الراءِ عَلى تَقْدِيرِ "أنَّ" مُضْمَرَةً، وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ الجَزْمَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا تَمْنُنْ فَتَسْتَكْثِرُ" بِالفاءِ العاطِفَةِ والجَزْمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "وَلا تَمْنَّ" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.
(p-٤٥٤)"وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ"، أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ وطَلَبِ رِضاهُ، كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى: عَلى الأدْنى مِنَ الكُفّارِ، وعَلى العِبادَةِ، وعَنِ الشَهَواتِ، وعَلى تَكالِيفِ النُبُوَّةِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وعَلى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ، لَقَدْ حَمَلَ ﷺ أمْرًا عَظِيمًا.
و"الناقُورِ": الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ، وهو الصُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، وقالَ خِفافُ بْنُ نُدْبَةَ:
؎ إذا ناقُورُهم يَوْمًا تَبَدّى ∗∗∗ أجابَ الناسُ مِن شَرْقٍ وغَرْبِ
وهُوَ" فاعُولٌ" مِنَ النَقْرِ، وقالَ أبُو حُبابٍ: أمِنّا زُرارَةُ بْنُ أوفى فَلَمّا بَلَغَ " فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ" خَرَّ مَيِّتًا، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: "كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَهُ وحَنى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ بِالنَفْخِ"؟ فَفَزِعَ فَقالُوا: كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا".»
ويَوْمٌ عَسِيرٌ مَعْناهُ: في عُسْرٍ في الأُمُورِ الجارِيَةِ عَلى الكَفّارِ، فَوَصَفَ اللهُ تَعالى اليَوْمَ بِالعَسِرِ لِكَوْنِهِ ظَرْفَ زَمانٍ لَهُ، وكَذَلِكَ تَجِيءُ صِفَتُهُ بِاليُسْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ "عُسْرٍ" بِغَيْرِ ياءٍ.
المدثر 74:8
(p-٤٥٠)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُدَّثِّرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ﴿والرُجْزَ فاهْجُرْ﴾ ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ﴿وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ ﴿فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ﴾ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾
اخْتَلَفَ القُرّاءُ في "المُدَّثِّرِ" عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ في [المُزَّمِّلِ]، وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [المُدَّثِّرُ] ومَعْناهُ: المُتَدَثِّرُ بِثِيابِهِ، والدِثارُ: ما يَتَغَطّى الإنْسانُ بِهِ مِنَ الثِيابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ ناداهُ بِالمُدَّثِّرِ؟ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِما ورَدَ في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ ﷺ لَمّا فَرَغَ مِن رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ فَرُعِبَ مِنهُ ورَجَعَ إلى خَدِيجَةَ، قالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"،﴾» وقالَتْ عائِشَةُ، (p-٤٥١)وَقالَ النَخْعِيُّ وقَتادَةُ: نُودِيَ وهو في حالٍ تَدَثُّرٍ فَدُعِي بِحالٍ مِن أحْوالِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَدَّثِرُ في قَطِيفَةٍ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أيُّها النائِمُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ لِلنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
واخْتَلَفَ الناسُ في أوَّلِ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، فَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وأبُو سَلَمَةَ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"﴾ الآياتُ، وقالَ الزُهْرِيُّ والجُمْهُورُ: "هُوَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، وهَذا هو الأصَحُّ، وحَدِيثُ صَدْرِ البُخارِيِّ نَصَّ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قُمْ فَأنْذِرْ" بِعْثَةٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، قالَ قَتادَةُ، المَعْنى: أنْذِرْ عَذابَ اللهِ ووَقائِعَهُ بِالأُمَمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ" مَعْناهُ: عَظِّمْهُ بِالعِبادَةِ وبُثَّ شَرْعَهُ، ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ قالَ: بِمَ نَفْتَتِحُ صَلاتَنا؟ فَنَزَلَتْ: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ".
(p-٤٥٢)واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ "وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ"، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ زَيْدٍ بْنِ أسْلَمَ، والشافِعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ الثِيابِ حَقِيقَةً، وذَهَبَ الشافِعِيُّ وغَيْرُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلى وُجُوبِ غَسْلِ النَجاساتِ مِنَ الثِيابِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هَذِهِ الألْفاظُ اسْتِعارَةٌ في تَنْقِيَةِ الأفْعالِ والنَفْسِ وأعْرِضْ وهَذا كَما تَقُولُ: فُلانٌ طاهِرُ الثَوْبِ، ويُقالُ لِلْفاجِرِ: دَنَسُ الثَوْبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ.. لَبِسَتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنِّعُ
وقالَ الآخَرُ:
؎ لا هُمَّ إنَّ عامِرَ ابْنَ جَهْمِ ∗∗∗ ∗∗∗ أوذَمَ حَجًّا في ثِيابِ دُهْمِ
أيْ: دَنَّسَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُما: المَعْنى: ولا تَلْبَسُها عَلى غَدْرَةٍ ولا فُجُورٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: المَعْنى: لا تَلْبَسُها مِن مَكْسَبٍ خَبِيثٍ، وقالَ النَخْعِيُّ: المَعْنى: طَهِّرْها مِنَ الذُنُوبِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وقالَ طاوُسٌ: المَعْنى: قَصَرَها وشَمَّرَها، فَذَلِكَ طُهْرَةٌ لِلثِّيابِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "والرِجْزَ فاهْجُرْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجُ: و"الرُجْزَ فاهْجُرْ" بِضَمِّ الراءِ، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنى يُرادُ بِهِما الأصْنامُ والأوثانُ، وقِيلَ: لِلْأصْنامِ عُمُومًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والزَهْرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الرِجْزَ": السُخْطُ، فالمَعْنى: اهْجُرْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ ويُوجِبُهُ، (p-٤٥٣)وَقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَعْصِيَةِ رِجْزٌ، ورَوى جابِرٌ أنَّ النَبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِالأوثانِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: لا تُعْطِ عَطاءً لِتُعْطى أكْثَرُ مِنهُ، فَكَأنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ: "مَن إذا أعْطى"، قالَ الضَحّاكُ: وهَذا خاصٌّ بِالنَبِيِّ ﷺ ومُباحٌ لِأُمَّتِهِ لَكِنْ لا أجْرَ لَهم فِيهِ، قالَ مَكِّيٌّ: وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ الناسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ﴾ [الروم: ٣٩].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مَعْنًى أجْنَبِيٌّ مِن مَعْنى هَذِهِ السُورَةِ.
وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ﴿ "وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ":﴾ لا تَقُلْ: دَعَوْتُ فَلَمْ أُجَبْ ورَوى قَتادَةُ أنَّ المَعْنى: لا تُدْلِ بِعَمَلِكَ، فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَحْرِيض عَلى الجِدِّ وتَخْوِيف، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: ولا تَمْنُنْ عَلى الناسِ بِنُبُوءَتِك تَسْتَكْثِرُ بِأجْرٍ أو بِكَسْبٍ تَطْلُبُهُ مِنهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: عَلى اللهِ تَعالى بِجَدِّكَ تَسْتَكْثِرُ أعْمالَكَ ويَقَعُ لَكَ بِها إعْجابٌ، فَهَذِهِ كُلُّها مِنَ المَنِّ الَّذِي هو تَعْدِيدُ اليَدِ وذِكْرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: ولا تَضْعُفْ تَسْتَكْثِرُ ما حَمَلْناكَ مِن أعْباءِ الرِسالَةِ وتَسْتَكْثِرُ مِنَ الخَيْرِ، فَهَذِهِ مِن قَوْلِهِمْ: "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ: ضَعِيفٌ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَسْتَكْثِرُ" بِنَصْبِ الراءِ عَلى تَقْدِيرِ "أنَّ" مُضْمَرَةً، وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ الجَزْمَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا تَمْنُنْ فَتَسْتَكْثِرُ" بِالفاءِ العاطِفَةِ والجَزْمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "وَلا تَمْنَّ" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.
(p-٤٥٤)"وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ"، أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ وطَلَبِ رِضاهُ، كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى: عَلى الأدْنى مِنَ الكُفّارِ، وعَلى العِبادَةِ، وعَنِ الشَهَواتِ، وعَلى تَكالِيفِ النُبُوَّةِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وعَلى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ، لَقَدْ حَمَلَ ﷺ أمْرًا عَظِيمًا.
و"الناقُورِ": الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ، وهو الصُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، وقالَ خِفافُ بْنُ نُدْبَةَ:
؎ إذا ناقُورُهم يَوْمًا تَبَدّى ∗∗∗ أجابَ الناسُ مِن شَرْقٍ وغَرْبِ
وهُوَ" فاعُولٌ" مِنَ النَقْرِ، وقالَ أبُو حُبابٍ: أمِنّا زُرارَةُ بْنُ أوفى فَلَمّا بَلَغَ " فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ" خَرَّ مَيِّتًا، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: "كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَهُ وحَنى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ بِالنَفْخِ"؟ فَفَزِعَ فَقالُوا: كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا".»
ويَوْمٌ عَسِيرٌ مَعْناهُ: في عُسْرٍ في الأُمُورِ الجارِيَةِ عَلى الكَفّارِ، فَوَصَفَ اللهُ تَعالى اليَوْمَ بِالعَسِرِ لِكَوْنِهِ ظَرْفَ زَمانٍ لَهُ، وكَذَلِكَ تَجِيءُ صِفَتُهُ بِاليُسْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ "عُسْرٍ" بِغَيْرِ ياءٍ.
المدثر 74:9
(p-٤٥٠)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُدَّثِّرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ﴿والرُجْزَ فاهْجُرْ﴾ ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ﴿وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ ﴿فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ﴾ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾
اخْتَلَفَ القُرّاءُ في "المُدَّثِّرِ" عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ في [المُزَّمِّلِ]، وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [المُدَّثِّرُ] ومَعْناهُ: المُتَدَثِّرُ بِثِيابِهِ، والدِثارُ: ما يَتَغَطّى الإنْسانُ بِهِ مِنَ الثِيابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ ناداهُ بِالمُدَّثِّرِ؟ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِما ورَدَ في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ ﷺ لَمّا فَرَغَ مِن رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ فَرُعِبَ مِنهُ ورَجَعَ إلى خَدِيجَةَ، قالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"،﴾» وقالَتْ عائِشَةُ، (p-٤٥١)وَقالَ النَخْعِيُّ وقَتادَةُ: نُودِيَ وهو في حالٍ تَدَثُّرٍ فَدُعِي بِحالٍ مِن أحْوالِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَدَّثِرُ في قَطِيفَةٍ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أيُّها النائِمُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ لِلنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
واخْتَلَفَ الناسُ في أوَّلِ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، فَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وأبُو سَلَمَةَ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"﴾ الآياتُ، وقالَ الزُهْرِيُّ والجُمْهُورُ: "هُوَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، وهَذا هو الأصَحُّ، وحَدِيثُ صَدْرِ البُخارِيِّ نَصَّ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قُمْ فَأنْذِرْ" بِعْثَةٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، قالَ قَتادَةُ، المَعْنى: أنْذِرْ عَذابَ اللهِ ووَقائِعَهُ بِالأُمَمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ" مَعْناهُ: عَظِّمْهُ بِالعِبادَةِ وبُثَّ شَرْعَهُ، ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ قالَ: بِمَ نَفْتَتِحُ صَلاتَنا؟ فَنَزَلَتْ: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ".
(p-٤٥٢)واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ "وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ"، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ زَيْدٍ بْنِ أسْلَمَ، والشافِعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ الثِيابِ حَقِيقَةً، وذَهَبَ الشافِعِيُّ وغَيْرُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلى وُجُوبِ غَسْلِ النَجاساتِ مِنَ الثِيابِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هَذِهِ الألْفاظُ اسْتِعارَةٌ في تَنْقِيَةِ الأفْعالِ والنَفْسِ وأعْرِضْ وهَذا كَما تَقُولُ: فُلانٌ طاهِرُ الثَوْبِ، ويُقالُ لِلْفاجِرِ: دَنَسُ الثَوْبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ.. لَبِسَتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنِّعُ
وقالَ الآخَرُ:
؎ لا هُمَّ إنَّ عامِرَ ابْنَ جَهْمِ ∗∗∗ ∗∗∗ أوذَمَ حَجًّا في ثِيابِ دُهْمِ
أيْ: دَنَّسَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُما: المَعْنى: ولا تَلْبَسُها عَلى غَدْرَةٍ ولا فُجُورٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: المَعْنى: لا تَلْبَسُها مِن مَكْسَبٍ خَبِيثٍ، وقالَ النَخْعِيُّ: المَعْنى: طَهِّرْها مِنَ الذُنُوبِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وقالَ طاوُسٌ: المَعْنى: قَصَرَها وشَمَّرَها، فَذَلِكَ طُهْرَةٌ لِلثِّيابِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "والرِجْزَ فاهْجُرْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجُ: و"الرُجْزَ فاهْجُرْ" بِضَمِّ الراءِ، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنى يُرادُ بِهِما الأصْنامُ والأوثانُ، وقِيلَ: لِلْأصْنامِ عُمُومًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والزَهْرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الرِجْزَ": السُخْطُ، فالمَعْنى: اهْجُرْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ ويُوجِبُهُ، (p-٤٥٣)وَقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَعْصِيَةِ رِجْزٌ، ورَوى جابِرٌ أنَّ النَبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِالأوثانِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: لا تُعْطِ عَطاءً لِتُعْطى أكْثَرُ مِنهُ، فَكَأنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ: "مَن إذا أعْطى"، قالَ الضَحّاكُ: وهَذا خاصٌّ بِالنَبِيِّ ﷺ ومُباحٌ لِأُمَّتِهِ لَكِنْ لا أجْرَ لَهم فِيهِ، قالَ مَكِّيٌّ: وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ الناسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ﴾ [الروم: ٣٩].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مَعْنًى أجْنَبِيٌّ مِن مَعْنى هَذِهِ السُورَةِ.
وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ﴿ "وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ":﴾ لا تَقُلْ: دَعَوْتُ فَلَمْ أُجَبْ ورَوى قَتادَةُ أنَّ المَعْنى: لا تُدْلِ بِعَمَلِكَ، فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَحْرِيض عَلى الجِدِّ وتَخْوِيف، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: ولا تَمْنُنْ عَلى الناسِ بِنُبُوءَتِك تَسْتَكْثِرُ بِأجْرٍ أو بِكَسْبٍ تَطْلُبُهُ مِنهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: عَلى اللهِ تَعالى بِجَدِّكَ تَسْتَكْثِرُ أعْمالَكَ ويَقَعُ لَكَ بِها إعْجابٌ، فَهَذِهِ كُلُّها مِنَ المَنِّ الَّذِي هو تَعْدِيدُ اليَدِ وذِكْرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: ولا تَضْعُفْ تَسْتَكْثِرُ ما حَمَلْناكَ مِن أعْباءِ الرِسالَةِ وتَسْتَكْثِرُ مِنَ الخَيْرِ، فَهَذِهِ مِن قَوْلِهِمْ: "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ: ضَعِيفٌ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَسْتَكْثِرُ" بِنَصْبِ الراءِ عَلى تَقْدِيرِ "أنَّ" مُضْمَرَةً، وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ الجَزْمَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا تَمْنُنْ فَتَسْتَكْثِرُ" بِالفاءِ العاطِفَةِ والجَزْمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "وَلا تَمْنَّ" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.
(p-٤٥٤)"وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ"، أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ وطَلَبِ رِضاهُ، كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى: عَلى الأدْنى مِنَ الكُفّارِ، وعَلى العِبادَةِ، وعَنِ الشَهَواتِ، وعَلى تَكالِيفِ النُبُوَّةِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وعَلى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ، لَقَدْ حَمَلَ ﷺ أمْرًا عَظِيمًا.
و"الناقُورِ": الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ، وهو الصُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، وقالَ خِفافُ بْنُ نُدْبَةَ:
؎ إذا ناقُورُهم يَوْمًا تَبَدّى ∗∗∗ أجابَ الناسُ مِن شَرْقٍ وغَرْبِ
وهُوَ" فاعُولٌ" مِنَ النَقْرِ، وقالَ أبُو حُبابٍ: أمِنّا زُرارَةُ بْنُ أوفى فَلَمّا بَلَغَ " فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ" خَرَّ مَيِّتًا، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: "كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَهُ وحَنى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ بِالنَفْخِ"؟ فَفَزِعَ فَقالُوا: كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا".»
ويَوْمٌ عَسِيرٌ مَعْناهُ: في عُسْرٍ في الأُمُورِ الجارِيَةِ عَلى الكَفّارِ، فَوَصَفَ اللهُ تَعالى اليَوْمَ بِالعَسِرِ لِكَوْنِهِ ظَرْفَ زَمانٍ لَهُ، وكَذَلِكَ تَجِيءُ صِفَتُهُ بِاليُسْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ "عُسْرٍ" بِغَيْرِ ياءٍ.
المدثر 74:10
(p-٤٥٠)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُدَّثِّرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ﴿والرُجْزَ فاهْجُرْ﴾ ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ﴿وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ ﴿فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ﴾ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾
اخْتَلَفَ القُرّاءُ في "المُدَّثِّرِ" عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ في [المُزَّمِّلِ]، وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [المُدَّثِّرُ] ومَعْناهُ: المُتَدَثِّرُ بِثِيابِهِ، والدِثارُ: ما يَتَغَطّى الإنْسانُ بِهِ مِنَ الثِيابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ ناداهُ بِالمُدَّثِّرِ؟ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِما ورَدَ في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ ﷺ لَمّا فَرَغَ مِن رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ فَرُعِبَ مِنهُ ورَجَعَ إلى خَدِيجَةَ، قالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"،﴾» وقالَتْ عائِشَةُ، (p-٤٥١)وَقالَ النَخْعِيُّ وقَتادَةُ: نُودِيَ وهو في حالٍ تَدَثُّرٍ فَدُعِي بِحالٍ مِن أحْوالِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَدَّثِرُ في قَطِيفَةٍ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أيُّها النائِمُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ لِلنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
واخْتَلَفَ الناسُ في أوَّلِ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، فَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وأبُو سَلَمَةَ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"﴾ الآياتُ، وقالَ الزُهْرِيُّ والجُمْهُورُ: "هُوَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، وهَذا هو الأصَحُّ، وحَدِيثُ صَدْرِ البُخارِيِّ نَصَّ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قُمْ فَأنْذِرْ" بِعْثَةٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، قالَ قَتادَةُ، المَعْنى: أنْذِرْ عَذابَ اللهِ ووَقائِعَهُ بِالأُمَمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ" مَعْناهُ: عَظِّمْهُ بِالعِبادَةِ وبُثَّ شَرْعَهُ، ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ قالَ: بِمَ نَفْتَتِحُ صَلاتَنا؟ فَنَزَلَتْ: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ".
(p-٤٥٢)واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ "وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ"، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ زَيْدٍ بْنِ أسْلَمَ، والشافِعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ الثِيابِ حَقِيقَةً، وذَهَبَ الشافِعِيُّ وغَيْرُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلى وُجُوبِ غَسْلِ النَجاساتِ مِنَ الثِيابِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هَذِهِ الألْفاظُ اسْتِعارَةٌ في تَنْقِيَةِ الأفْعالِ والنَفْسِ وأعْرِضْ وهَذا كَما تَقُولُ: فُلانٌ طاهِرُ الثَوْبِ، ويُقالُ لِلْفاجِرِ: دَنَسُ الثَوْبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ.. لَبِسَتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنِّعُ
وقالَ الآخَرُ:
؎ لا هُمَّ إنَّ عامِرَ ابْنَ جَهْمِ ∗∗∗ ∗∗∗ أوذَمَ حَجًّا في ثِيابِ دُهْمِ
أيْ: دَنَّسَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُما: المَعْنى: ولا تَلْبَسُها عَلى غَدْرَةٍ ولا فُجُورٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: المَعْنى: لا تَلْبَسُها مِن مَكْسَبٍ خَبِيثٍ، وقالَ النَخْعِيُّ: المَعْنى: طَهِّرْها مِنَ الذُنُوبِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وقالَ طاوُسٌ: المَعْنى: قَصَرَها وشَمَّرَها، فَذَلِكَ طُهْرَةٌ لِلثِّيابِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "والرِجْزَ فاهْجُرْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجُ: و"الرُجْزَ فاهْجُرْ" بِضَمِّ الراءِ، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنى يُرادُ بِهِما الأصْنامُ والأوثانُ، وقِيلَ: لِلْأصْنامِ عُمُومًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والزَهْرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الرِجْزَ": السُخْطُ، فالمَعْنى: اهْجُرْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ ويُوجِبُهُ، (p-٤٥٣)وَقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَعْصِيَةِ رِجْزٌ، ورَوى جابِرٌ أنَّ النَبِيَّ ﷺ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِالأوثانِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: لا تُعْطِ عَطاءً لِتُعْطى أكْثَرُ مِنهُ، فَكَأنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ: "مَن إذا أعْطى"، قالَ الضَحّاكُ: وهَذا خاصٌّ بِالنَبِيِّ ﷺ ومُباحٌ لِأُمَّتِهِ لَكِنْ لا أجْرَ لَهم فِيهِ، قالَ مَكِّيٌّ: وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ الناسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ﴾ [الروم: ٣٩].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مَعْنًى أجْنَبِيٌّ مِن مَعْنى هَذِهِ السُورَةِ.
وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ﴿ "وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ":﴾ لا تَقُلْ: دَعَوْتُ فَلَمْ أُجَبْ ورَوى قَتادَةُ أنَّ المَعْنى: لا تُدْلِ بِعَمَلِكَ، فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَحْرِيض عَلى الجِدِّ وتَخْوِيف، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: ولا تَمْنُنْ عَلى الناسِ بِنُبُوءَتِك تَسْتَكْثِرُ بِأجْرٍ أو بِكَسْبٍ تَطْلُبُهُ مِنهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: عَلى اللهِ تَعالى بِجَدِّكَ تَسْتَكْثِرُ أعْمالَكَ ويَقَعُ لَكَ بِها إعْجابٌ، فَهَذِهِ كُلُّها مِنَ المَنِّ الَّذِي هو تَعْدِيدُ اليَدِ وذِكْرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: ولا تَضْعُفْ تَسْتَكْثِرُ ما حَمَلْناكَ مِن أعْباءِ الرِسالَةِ وتَسْتَكْثِرُ مِنَ الخَيْرِ، فَهَذِهِ مِن قَوْلِهِمْ: "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ: ضَعِيفٌ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَسْتَكْثِرُ" بِنَصْبِ الراءِ عَلى تَقْدِيرِ "أنَّ" مُضْمَرَةً، وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ الجَزْمَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا تَمْنُنْ فَتَسْتَكْثِرُ" بِالفاءِ العاطِفَةِ والجَزْمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "وَلا تَمْنَّ" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.
(p-٤٥٤)"وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ"، أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ وطَلَبِ رِضاهُ، كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى: عَلى الأدْنى مِنَ الكُفّارِ، وعَلى العِبادَةِ، وعَنِ الشَهَواتِ، وعَلى تَكالِيفِ النُبُوَّةِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وعَلى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ، لَقَدْ حَمَلَ ﷺ أمْرًا عَظِيمًا.
و"الناقُورِ": الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ، وهو الصُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، وقالَ خِفافُ بْنُ نُدْبَةَ:
؎ إذا ناقُورُهم يَوْمًا تَبَدّى ∗∗∗ أجابَ الناسُ مِن شَرْقٍ وغَرْبِ
وهُوَ" فاعُولٌ" مِنَ النَقْرِ، وقالَ أبُو حُبابٍ: أمِنّا زُرارَةُ بْنُ أوفى فَلَمّا بَلَغَ " فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ" خَرَّ مَيِّتًا، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: "كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَهُ وحَنى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ بِالنَفْخِ"؟ فَفَزِعَ فَقالُوا: كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا".»
ويَوْمٌ عَسِيرٌ مَعْناهُ: في عُسْرٍ في الأُمُورِ الجارِيَةِ عَلى الكَفّارِ، فَوَصَفَ اللهُ تَعالى اليَوْمَ بِالعَسِرِ لِكَوْنِهِ ظَرْفَ زَمانٍ لَهُ، وكَذَلِكَ تَجِيءُ صِفَتُهُ بِاليُسْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ "عُسْرٍ" بِغَيْرِ ياءٍ.
المدثر 74:11
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ (p-٤٥٥)قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: أنا أكْفِي عِقابَهُ وشَأْنَهُ كُلَّهُ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، فَيَرْوِي أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ أيْ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في مالِهِ وشَرَفِهِ في بَيْتِهِ، فَذَكَرَ "الوَحِيدَ" في الآيَةِ في جُمْلَةِ النِعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَ، وإنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "خَلَقْتُ وحِيدًا" مَعْناهُ: مُنْفَرِدًا قَلِيلًا ذَلِيلًا، فَجَعَلْتُ لَهُ المالَ والبَنِينَ، فَجاءَ ذِكْرُ الوَحْدَةِ مُقَدَّمَةً حَسُنَ مَعَها مَوْقِعُ المالَ والبَنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أحَدٌ، فـ "وَحِيدًا" حالٌ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ".
و"المالُ المَمْدُودُ" قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو ألْفُ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ: بَلَغَنِي أنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا مَدٌّ في العَدَدِ.
وقالَ النُعْمانُ بْنُ سالِمٍ: هي الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المالُ المَمْدُودُ: الرِيعُ المُسْتَغَلُّ مُشاهَرَةً، فَهو مَدٌّ في الزَمانِ لا يَنْقَطِعُ.
"وَبَنِينَ شُهُودًا" مَعْناهُ: حُضُورًا مُتَلاحِقِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: كانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، و"التَمْهِيدُ" التَوْطِئَةُ والتَهْيِئَةُ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ بَسْطًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" وصَفَهُ لِجَشَعِ الوَلِيدِ ورَغْبَتِهِ في الِازْدِيادِ مِنَ الدُنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ عَلى أُمْنِيَةِ هَذا المَذْكُورِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ كانَ مُعانِدًا مُخالِفًا لِآياتِ اللهِ وعِبَرِهِ، يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ لِلَّذِي يَمْشِي مُخالِفًا لِلْإبِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ آياتِ القُرْآنِ، وهو الأصَحُّ في التَأْوِيلِ سَبَبُ كَلامِ الوَلِيدِ في (p-٤٥٦)القُرْآنِ بِأنَّهُ سْحْرٌ، و"أُرْهِقُهُ" مَعْناهُ: أُكَلِّفُهُ بِمَشَقَّةٍ وعُسْرٍ، «وَ"صَعُودًا" عَقَبَةٌ في جَهَنَّمَ، ورَوى ذَلِكَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ،» كُلَّما وضَعَ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ ذابَ، والصُعُودُ في اللُغَةِ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الوَلِيدِ "إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ" الآيَةُ. رَوى جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الوَلِيدَ سَمِعَ مِنَ القُرْآنِ ما أعْجَبَهُ ومَدَحَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَذَلِكَ مِرارًا حَتّى كادَ أنْ يُقارِبَ الإسْلامَ، ودَخَلَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِرارًا، فَجاءَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا ولِيدُ، أشْعَرْتَ أنَّ قُرَيْشًا قَدْ ذَمَّتْكَ بِدُخُولِكَ إلى ابْنِ أبِي قُحافَةَ، وزَعَمْتَ أنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ أنْ تَأْكُلَ طَعامَهُ؟ وقَدْ أبْغَضَتْكَ لِمُقارَبَتِكَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وما يُخَلِّصُكَ عِنْدَهم إلّا أنْ تَقُولَ في هَذا الكَلامِ قَوْلًا يُرْضِيهِمْ، فَفَتَنَهُ أبُو جَهْلٍ فافْتُتِنَ، وقالَ: افْعِلْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيما عَسى أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ، فَقالَ: أقُولُ هو شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، أقُولُ: هو كاهِنٌ، ما هو بِكاهِنٍ، أقُولُ: هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ، هو قَوْلُ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ مُنْزَلًا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ هو دُعاءٌ عَلَيْهِ وتَقْبِيحٌ لِحالِهِ، أيْ أنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ وجَماعَةٍ غَيْرِهِ أنَّ الوَلِيدَ حاجَّ أبا جَهْلِ وجَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ في أمْرِ القُرْآنِ، وقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ أصْلَهُ لِعَذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناهُ، وإنَّهُ لِيَحْكُمُ ما تَحْتَهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ ولا يُعْلى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ، فَخالَفُوهُ فَقالُوا لَهُ: هو شِعْرٌ، فَقالَ: واللهِ ما هو بِشِعْرٍ، ولَقَدْ عَرَفْنا الشِعْرَ هَزْجَهُ وبَسِيطَهُ، قالُوا: فَهو مَجْنُونٌ، قالَ: واللهِ ما هو بِمَجْنُونٍ، ولَقَدْ رَأيْنا (p-٤٥٧)الجُنُونَ وخَنَقَهُ، قالُوا: هو سِحْرٌ، قالَ أمّا هَذا فَيُشْبِهُ أنَّهُ سِحْرٌ ويَقُولُ أقَوّالُ نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِ عَلى مَعْنى تَقْبِيحِ حالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُقْتَضاهُ اسْتِحْسانُ مَنزَعِهِ الأوَّلِ في مَدْحِهِ القُرْآنَ، وفي نَفْيِهِ الشِعْرَ والكَهانَةِ والجُنُونِ عنهُ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"،» ومَجْرى قَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قاتَلَ اللهُ كَثِيرًا، كَأنَّهُ رَآنا حِينَ قالَ كَذا، وهَذا مَعْنًى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى إدْبارَهُ واسْتِكْبارَهُ وأنَّهُ ضَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ وكَفَرَ، وإذا قُلْنا إنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ عَلى مُسْتَحْسِنٍ فَعْلَهُ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ نَظَرَ" فِيما احْتَجَّ بِهِ القُرْآنُ فَرَأى ما فِيهِ مِن عُلُوِّ مَرْتَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَبَسَ لِذَلِكَ وبَسَرَ، أيْ قَطَبَ وقَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وأرْبَدَ وجْهَهُ حَسَدًا لَهُ فَأدْبَرَ، أيِ ارْتَكَسَ في ضَلالِهِ، وزالَ إقْبالُهُ أوَّلًا لِيَهْتَدِيَ ولَحِقَتْهُ الكِبْرِياءُ، وقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، ومَعْناهُ: يُرْوى ويُحْمَلُ، أيْ يَحْمِلُهُ مُحَمَّدٌ عن غَيْرِهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِ دُعاءٌ عَلى مُسْتَقْبَحِ فِعْلِهِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى "ثُمَّ نَظَرَ" مَعْنًى (p-٤٥٨)مُعادًا بِعَيْنِهِ؛ "لِأنَّ فَكَّرَ" وقَدَّرَ يَقْتَضِيهِ لَكِنَّهُ إخْبارٌ بِتَرْدِيدِهِ النَظَرَ في الأمْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَعا الوَلِيدَ، فَقالَ لَهُ: انْظُرْ وفَكِّرْ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما تَقَدَّمَ.
المدثر 74:12
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ (p-٤٥٥)قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: أنا أكْفِي عِقابَهُ وشَأْنَهُ كُلَّهُ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، فَيَرْوِي أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ أيْ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في مالِهِ وشَرَفِهِ في بَيْتِهِ، فَذَكَرَ "الوَحِيدَ" في الآيَةِ في جُمْلَةِ النِعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَ، وإنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "خَلَقْتُ وحِيدًا" مَعْناهُ: مُنْفَرِدًا قَلِيلًا ذَلِيلًا، فَجَعَلْتُ لَهُ المالَ والبَنِينَ، فَجاءَ ذِكْرُ الوَحْدَةِ مُقَدَّمَةً حَسُنَ مَعَها مَوْقِعُ المالَ والبَنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أحَدٌ، فـ "وَحِيدًا" حالٌ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ".
و"المالُ المَمْدُودُ" قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو ألْفُ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ: بَلَغَنِي أنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا مَدٌّ في العَدَدِ.
وقالَ النُعْمانُ بْنُ سالِمٍ: هي الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المالُ المَمْدُودُ: الرِيعُ المُسْتَغَلُّ مُشاهَرَةً، فَهو مَدٌّ في الزَمانِ لا يَنْقَطِعُ.
"وَبَنِينَ شُهُودًا" مَعْناهُ: حُضُورًا مُتَلاحِقِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: كانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، و"التَمْهِيدُ" التَوْطِئَةُ والتَهْيِئَةُ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ بَسْطًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" وصَفَهُ لِجَشَعِ الوَلِيدِ ورَغْبَتِهِ في الِازْدِيادِ مِنَ الدُنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ عَلى أُمْنِيَةِ هَذا المَذْكُورِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ كانَ مُعانِدًا مُخالِفًا لِآياتِ اللهِ وعِبَرِهِ، يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ لِلَّذِي يَمْشِي مُخالِفًا لِلْإبِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ آياتِ القُرْآنِ، وهو الأصَحُّ في التَأْوِيلِ سَبَبُ كَلامِ الوَلِيدِ في (p-٤٥٦)القُرْآنِ بِأنَّهُ سْحْرٌ، و"أُرْهِقُهُ" مَعْناهُ: أُكَلِّفُهُ بِمَشَقَّةٍ وعُسْرٍ، «وَ"صَعُودًا" عَقَبَةٌ في جَهَنَّمَ، ورَوى ذَلِكَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ،» كُلَّما وضَعَ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ ذابَ، والصُعُودُ في اللُغَةِ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الوَلِيدِ "إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ" الآيَةُ. رَوى جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الوَلِيدَ سَمِعَ مِنَ القُرْآنِ ما أعْجَبَهُ ومَدَحَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَذَلِكَ مِرارًا حَتّى كادَ أنْ يُقارِبَ الإسْلامَ، ودَخَلَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِرارًا، فَجاءَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا ولِيدُ، أشْعَرْتَ أنَّ قُرَيْشًا قَدْ ذَمَّتْكَ بِدُخُولِكَ إلى ابْنِ أبِي قُحافَةَ، وزَعَمْتَ أنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ أنْ تَأْكُلَ طَعامَهُ؟ وقَدْ أبْغَضَتْكَ لِمُقارَبَتِكَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وما يُخَلِّصُكَ عِنْدَهم إلّا أنْ تَقُولَ في هَذا الكَلامِ قَوْلًا يُرْضِيهِمْ، فَفَتَنَهُ أبُو جَهْلٍ فافْتُتِنَ، وقالَ: افْعِلْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيما عَسى أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ، فَقالَ: أقُولُ هو شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، أقُولُ: هو كاهِنٌ، ما هو بِكاهِنٍ، أقُولُ: هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ، هو قَوْلُ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ مُنْزَلًا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ هو دُعاءٌ عَلَيْهِ وتَقْبِيحٌ لِحالِهِ، أيْ أنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ وجَماعَةٍ غَيْرِهِ أنَّ الوَلِيدَ حاجَّ أبا جَهْلِ وجَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ في أمْرِ القُرْآنِ، وقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ أصْلَهُ لِعَذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناهُ، وإنَّهُ لِيَحْكُمُ ما تَحْتَهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ ولا يُعْلى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ، فَخالَفُوهُ فَقالُوا لَهُ: هو شِعْرٌ، فَقالَ: واللهِ ما هو بِشِعْرٍ، ولَقَدْ عَرَفْنا الشِعْرَ هَزْجَهُ وبَسِيطَهُ، قالُوا: فَهو مَجْنُونٌ، قالَ: واللهِ ما هو بِمَجْنُونٍ، ولَقَدْ رَأيْنا (p-٤٥٧)الجُنُونَ وخَنَقَهُ، قالُوا: هو سِحْرٌ، قالَ أمّا هَذا فَيُشْبِهُ أنَّهُ سِحْرٌ ويَقُولُ أقَوّالُ نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِ عَلى مَعْنى تَقْبِيحِ حالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُقْتَضاهُ اسْتِحْسانُ مَنزَعِهِ الأوَّلِ في مَدْحِهِ القُرْآنَ، وفي نَفْيِهِ الشِعْرَ والكَهانَةِ والجُنُونِ عنهُ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"،» ومَجْرى قَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قاتَلَ اللهُ كَثِيرًا، كَأنَّهُ رَآنا حِينَ قالَ كَذا، وهَذا مَعْنًى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى إدْبارَهُ واسْتِكْبارَهُ وأنَّهُ ضَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ وكَفَرَ، وإذا قُلْنا إنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ عَلى مُسْتَحْسِنٍ فَعْلَهُ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ نَظَرَ" فِيما احْتَجَّ بِهِ القُرْآنُ فَرَأى ما فِيهِ مِن عُلُوِّ مَرْتَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَبَسَ لِذَلِكَ وبَسَرَ، أيْ قَطَبَ وقَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وأرْبَدَ وجْهَهُ حَسَدًا لَهُ فَأدْبَرَ، أيِ ارْتَكَسَ في ضَلالِهِ، وزالَ إقْبالُهُ أوَّلًا لِيَهْتَدِيَ ولَحِقَتْهُ الكِبْرِياءُ، وقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، ومَعْناهُ: يُرْوى ويُحْمَلُ، أيْ يَحْمِلُهُ مُحَمَّدٌ عن غَيْرِهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِ دُعاءٌ عَلى مُسْتَقْبَحِ فِعْلِهِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى "ثُمَّ نَظَرَ" مَعْنًى (p-٤٥٨)مُعادًا بِعَيْنِهِ؛ "لِأنَّ فَكَّرَ" وقَدَّرَ يَقْتَضِيهِ لَكِنَّهُ إخْبارٌ بِتَرْدِيدِهِ النَظَرَ في الأمْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَعا الوَلِيدَ، فَقالَ لَهُ: انْظُرْ وفَكِّرْ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما تَقَدَّمَ.
المدثر 74:13
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ (p-٤٥٥)قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: أنا أكْفِي عِقابَهُ وشَأْنَهُ كُلَّهُ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، فَيَرْوِي أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ أيْ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في مالِهِ وشَرَفِهِ في بَيْتِهِ، فَذَكَرَ "الوَحِيدَ" في الآيَةِ في جُمْلَةِ النِعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَ، وإنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "خَلَقْتُ وحِيدًا" مَعْناهُ: مُنْفَرِدًا قَلِيلًا ذَلِيلًا، فَجَعَلْتُ لَهُ المالَ والبَنِينَ، فَجاءَ ذِكْرُ الوَحْدَةِ مُقَدَّمَةً حَسُنَ مَعَها مَوْقِعُ المالَ والبَنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أحَدٌ، فـ "وَحِيدًا" حالٌ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ".
و"المالُ المَمْدُودُ" قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو ألْفُ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ: بَلَغَنِي أنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا مَدٌّ في العَدَدِ.
وقالَ النُعْمانُ بْنُ سالِمٍ: هي الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المالُ المَمْدُودُ: الرِيعُ المُسْتَغَلُّ مُشاهَرَةً، فَهو مَدٌّ في الزَمانِ لا يَنْقَطِعُ.
"وَبَنِينَ شُهُودًا" مَعْناهُ: حُضُورًا مُتَلاحِقِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: كانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، و"التَمْهِيدُ" التَوْطِئَةُ والتَهْيِئَةُ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ بَسْطًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" وصَفَهُ لِجَشَعِ الوَلِيدِ ورَغْبَتِهِ في الِازْدِيادِ مِنَ الدُنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ عَلى أُمْنِيَةِ هَذا المَذْكُورِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ كانَ مُعانِدًا مُخالِفًا لِآياتِ اللهِ وعِبَرِهِ، يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ لِلَّذِي يَمْشِي مُخالِفًا لِلْإبِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ آياتِ القُرْآنِ، وهو الأصَحُّ في التَأْوِيلِ سَبَبُ كَلامِ الوَلِيدِ في (p-٤٥٦)القُرْآنِ بِأنَّهُ سْحْرٌ، و"أُرْهِقُهُ" مَعْناهُ: أُكَلِّفُهُ بِمَشَقَّةٍ وعُسْرٍ، «وَ"صَعُودًا" عَقَبَةٌ في جَهَنَّمَ، ورَوى ذَلِكَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ،» كُلَّما وضَعَ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ ذابَ، والصُعُودُ في اللُغَةِ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الوَلِيدِ "إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ" الآيَةُ. رَوى جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الوَلِيدَ سَمِعَ مِنَ القُرْآنِ ما أعْجَبَهُ ومَدَحَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَذَلِكَ مِرارًا حَتّى كادَ أنْ يُقارِبَ الإسْلامَ، ودَخَلَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِرارًا، فَجاءَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا ولِيدُ، أشْعَرْتَ أنَّ قُرَيْشًا قَدْ ذَمَّتْكَ بِدُخُولِكَ إلى ابْنِ أبِي قُحافَةَ، وزَعَمْتَ أنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ أنْ تَأْكُلَ طَعامَهُ؟ وقَدْ أبْغَضَتْكَ لِمُقارَبَتِكَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وما يُخَلِّصُكَ عِنْدَهم إلّا أنْ تَقُولَ في هَذا الكَلامِ قَوْلًا يُرْضِيهِمْ، فَفَتَنَهُ أبُو جَهْلٍ فافْتُتِنَ، وقالَ: افْعِلْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيما عَسى أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ، فَقالَ: أقُولُ هو شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، أقُولُ: هو كاهِنٌ، ما هو بِكاهِنٍ، أقُولُ: هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ، هو قَوْلُ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ مُنْزَلًا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ هو دُعاءٌ عَلَيْهِ وتَقْبِيحٌ لِحالِهِ، أيْ أنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ وجَماعَةٍ غَيْرِهِ أنَّ الوَلِيدَ حاجَّ أبا جَهْلِ وجَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ في أمْرِ القُرْآنِ، وقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ أصْلَهُ لِعَذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناهُ، وإنَّهُ لِيَحْكُمُ ما تَحْتَهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ ولا يُعْلى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ، فَخالَفُوهُ فَقالُوا لَهُ: هو شِعْرٌ، فَقالَ: واللهِ ما هو بِشِعْرٍ، ولَقَدْ عَرَفْنا الشِعْرَ هَزْجَهُ وبَسِيطَهُ، قالُوا: فَهو مَجْنُونٌ، قالَ: واللهِ ما هو بِمَجْنُونٍ، ولَقَدْ رَأيْنا (p-٤٥٧)الجُنُونَ وخَنَقَهُ، قالُوا: هو سِحْرٌ، قالَ أمّا هَذا فَيُشْبِهُ أنَّهُ سِحْرٌ ويَقُولُ أقَوّالُ نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِ عَلى مَعْنى تَقْبِيحِ حالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُقْتَضاهُ اسْتِحْسانُ مَنزَعِهِ الأوَّلِ في مَدْحِهِ القُرْآنَ، وفي نَفْيِهِ الشِعْرَ والكَهانَةِ والجُنُونِ عنهُ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"،» ومَجْرى قَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قاتَلَ اللهُ كَثِيرًا، كَأنَّهُ رَآنا حِينَ قالَ كَذا، وهَذا مَعْنًى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى إدْبارَهُ واسْتِكْبارَهُ وأنَّهُ ضَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ وكَفَرَ، وإذا قُلْنا إنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ عَلى مُسْتَحْسِنٍ فَعْلَهُ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ نَظَرَ" فِيما احْتَجَّ بِهِ القُرْآنُ فَرَأى ما فِيهِ مِن عُلُوِّ مَرْتَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَبَسَ لِذَلِكَ وبَسَرَ، أيْ قَطَبَ وقَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وأرْبَدَ وجْهَهُ حَسَدًا لَهُ فَأدْبَرَ، أيِ ارْتَكَسَ في ضَلالِهِ، وزالَ إقْبالُهُ أوَّلًا لِيَهْتَدِيَ ولَحِقَتْهُ الكِبْرِياءُ، وقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، ومَعْناهُ: يُرْوى ويُحْمَلُ، أيْ يَحْمِلُهُ مُحَمَّدٌ عن غَيْرِهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِ دُعاءٌ عَلى مُسْتَقْبَحِ فِعْلِهِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى "ثُمَّ نَظَرَ" مَعْنًى (p-٤٥٨)مُعادًا بِعَيْنِهِ؛ "لِأنَّ فَكَّرَ" وقَدَّرَ يَقْتَضِيهِ لَكِنَّهُ إخْبارٌ بِتَرْدِيدِهِ النَظَرَ في الأمْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَعا الوَلِيدَ، فَقالَ لَهُ: انْظُرْ وفَكِّرْ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما تَقَدَّمَ.
المدثر 74:14
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ (p-٤٥٥)قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: أنا أكْفِي عِقابَهُ وشَأْنَهُ كُلَّهُ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، فَيَرْوِي أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ أيْ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في مالِهِ وشَرَفِهِ في بَيْتِهِ، فَذَكَرَ "الوَحِيدَ" في الآيَةِ في جُمْلَةِ النِعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَ، وإنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "خَلَقْتُ وحِيدًا" مَعْناهُ: مُنْفَرِدًا قَلِيلًا ذَلِيلًا، فَجَعَلْتُ لَهُ المالَ والبَنِينَ، فَجاءَ ذِكْرُ الوَحْدَةِ مُقَدَّمَةً حَسُنَ مَعَها مَوْقِعُ المالَ والبَنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أحَدٌ، فـ "وَحِيدًا" حالٌ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ".
و"المالُ المَمْدُودُ" قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو ألْفُ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ: بَلَغَنِي أنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا مَدٌّ في العَدَدِ.
وقالَ النُعْمانُ بْنُ سالِمٍ: هي الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المالُ المَمْدُودُ: الرِيعُ المُسْتَغَلُّ مُشاهَرَةً، فَهو مَدٌّ في الزَمانِ لا يَنْقَطِعُ.
"وَبَنِينَ شُهُودًا" مَعْناهُ: حُضُورًا مُتَلاحِقِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: كانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، و"التَمْهِيدُ" التَوْطِئَةُ والتَهْيِئَةُ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ بَسْطًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" وصَفَهُ لِجَشَعِ الوَلِيدِ ورَغْبَتِهِ في الِازْدِيادِ مِنَ الدُنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ عَلى أُمْنِيَةِ هَذا المَذْكُورِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ كانَ مُعانِدًا مُخالِفًا لِآياتِ اللهِ وعِبَرِهِ، يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ لِلَّذِي يَمْشِي مُخالِفًا لِلْإبِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ آياتِ القُرْآنِ، وهو الأصَحُّ في التَأْوِيلِ سَبَبُ كَلامِ الوَلِيدِ في (p-٤٥٦)القُرْآنِ بِأنَّهُ سْحْرٌ، و"أُرْهِقُهُ" مَعْناهُ: أُكَلِّفُهُ بِمَشَقَّةٍ وعُسْرٍ، «وَ"صَعُودًا" عَقَبَةٌ في جَهَنَّمَ، ورَوى ذَلِكَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ،» كُلَّما وضَعَ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ ذابَ، والصُعُودُ في اللُغَةِ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الوَلِيدِ "إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ" الآيَةُ. رَوى جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الوَلِيدَ سَمِعَ مِنَ القُرْآنِ ما أعْجَبَهُ ومَدَحَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَذَلِكَ مِرارًا حَتّى كادَ أنْ يُقارِبَ الإسْلامَ، ودَخَلَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِرارًا، فَجاءَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا ولِيدُ، أشْعَرْتَ أنَّ قُرَيْشًا قَدْ ذَمَّتْكَ بِدُخُولِكَ إلى ابْنِ أبِي قُحافَةَ، وزَعَمْتَ أنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ أنْ تَأْكُلَ طَعامَهُ؟ وقَدْ أبْغَضَتْكَ لِمُقارَبَتِكَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وما يُخَلِّصُكَ عِنْدَهم إلّا أنْ تَقُولَ في هَذا الكَلامِ قَوْلًا يُرْضِيهِمْ، فَفَتَنَهُ أبُو جَهْلٍ فافْتُتِنَ، وقالَ: افْعِلْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيما عَسى أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ، فَقالَ: أقُولُ هو شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، أقُولُ: هو كاهِنٌ، ما هو بِكاهِنٍ، أقُولُ: هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ، هو قَوْلُ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ مُنْزَلًا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ هو دُعاءٌ عَلَيْهِ وتَقْبِيحٌ لِحالِهِ، أيْ أنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ وجَماعَةٍ غَيْرِهِ أنَّ الوَلِيدَ حاجَّ أبا جَهْلِ وجَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ في أمْرِ القُرْآنِ، وقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ أصْلَهُ لِعَذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناهُ، وإنَّهُ لِيَحْكُمُ ما تَحْتَهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ ولا يُعْلى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ، فَخالَفُوهُ فَقالُوا لَهُ: هو شِعْرٌ، فَقالَ: واللهِ ما هو بِشِعْرٍ، ولَقَدْ عَرَفْنا الشِعْرَ هَزْجَهُ وبَسِيطَهُ، قالُوا: فَهو مَجْنُونٌ، قالَ: واللهِ ما هو بِمَجْنُونٍ، ولَقَدْ رَأيْنا (p-٤٥٧)الجُنُونَ وخَنَقَهُ، قالُوا: هو سِحْرٌ، قالَ أمّا هَذا فَيُشْبِهُ أنَّهُ سِحْرٌ ويَقُولُ أقَوّالُ نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِ عَلى مَعْنى تَقْبِيحِ حالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُقْتَضاهُ اسْتِحْسانُ مَنزَعِهِ الأوَّلِ في مَدْحِهِ القُرْآنَ، وفي نَفْيِهِ الشِعْرَ والكَهانَةِ والجُنُونِ عنهُ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"،» ومَجْرى قَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قاتَلَ اللهُ كَثِيرًا، كَأنَّهُ رَآنا حِينَ قالَ كَذا، وهَذا مَعْنًى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى إدْبارَهُ واسْتِكْبارَهُ وأنَّهُ ضَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ وكَفَرَ، وإذا قُلْنا إنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ عَلى مُسْتَحْسِنٍ فَعْلَهُ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ نَظَرَ" فِيما احْتَجَّ بِهِ القُرْآنُ فَرَأى ما فِيهِ مِن عُلُوِّ مَرْتَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَبَسَ لِذَلِكَ وبَسَرَ، أيْ قَطَبَ وقَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وأرْبَدَ وجْهَهُ حَسَدًا لَهُ فَأدْبَرَ، أيِ ارْتَكَسَ في ضَلالِهِ، وزالَ إقْبالُهُ أوَّلًا لِيَهْتَدِيَ ولَحِقَتْهُ الكِبْرِياءُ، وقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، ومَعْناهُ: يُرْوى ويُحْمَلُ، أيْ يَحْمِلُهُ مُحَمَّدٌ عن غَيْرِهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِ دُعاءٌ عَلى مُسْتَقْبَحِ فِعْلِهِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى "ثُمَّ نَظَرَ" مَعْنًى (p-٤٥٨)مُعادًا بِعَيْنِهِ؛ "لِأنَّ فَكَّرَ" وقَدَّرَ يَقْتَضِيهِ لَكِنَّهُ إخْبارٌ بِتَرْدِيدِهِ النَظَرَ في الأمْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَعا الوَلِيدَ، فَقالَ لَهُ: انْظُرْ وفَكِّرْ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما تَقَدَّمَ.
المدثر 74:15
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ (p-٤٥٥)قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: أنا أكْفِي عِقابَهُ وشَأْنَهُ كُلَّهُ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، فَيَرْوِي أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ أيْ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في مالِهِ وشَرَفِهِ في بَيْتِهِ، فَذَكَرَ "الوَحِيدَ" في الآيَةِ في جُمْلَةِ النِعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَ، وإنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "خَلَقْتُ وحِيدًا" مَعْناهُ: مُنْفَرِدًا قَلِيلًا ذَلِيلًا، فَجَعَلْتُ لَهُ المالَ والبَنِينَ، فَجاءَ ذِكْرُ الوَحْدَةِ مُقَدَّمَةً حَسُنَ مَعَها مَوْقِعُ المالَ والبَنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أحَدٌ، فـ "وَحِيدًا" حالٌ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ".
و"المالُ المَمْدُودُ" قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو ألْفُ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ: بَلَغَنِي أنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا مَدٌّ في العَدَدِ.
وقالَ النُعْمانُ بْنُ سالِمٍ: هي الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المالُ المَمْدُودُ: الرِيعُ المُسْتَغَلُّ مُشاهَرَةً، فَهو مَدٌّ في الزَمانِ لا يَنْقَطِعُ.
"وَبَنِينَ شُهُودًا" مَعْناهُ: حُضُورًا مُتَلاحِقِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: كانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، و"التَمْهِيدُ" التَوْطِئَةُ والتَهْيِئَةُ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ بَسْطًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" وصَفَهُ لِجَشَعِ الوَلِيدِ ورَغْبَتِهِ في الِازْدِيادِ مِنَ الدُنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ عَلى أُمْنِيَةِ هَذا المَذْكُورِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ كانَ مُعانِدًا مُخالِفًا لِآياتِ اللهِ وعِبَرِهِ، يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ لِلَّذِي يَمْشِي مُخالِفًا لِلْإبِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ آياتِ القُرْآنِ، وهو الأصَحُّ في التَأْوِيلِ سَبَبُ كَلامِ الوَلِيدِ في (p-٤٥٦)القُرْآنِ بِأنَّهُ سْحْرٌ، و"أُرْهِقُهُ" مَعْناهُ: أُكَلِّفُهُ بِمَشَقَّةٍ وعُسْرٍ، «وَ"صَعُودًا" عَقَبَةٌ في جَهَنَّمَ، ورَوى ذَلِكَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ،» كُلَّما وضَعَ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ ذابَ، والصُعُودُ في اللُغَةِ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الوَلِيدِ "إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ" الآيَةُ. رَوى جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الوَلِيدَ سَمِعَ مِنَ القُرْآنِ ما أعْجَبَهُ ومَدَحَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَذَلِكَ مِرارًا حَتّى كادَ أنْ يُقارِبَ الإسْلامَ، ودَخَلَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِرارًا، فَجاءَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا ولِيدُ، أشْعَرْتَ أنَّ قُرَيْشًا قَدْ ذَمَّتْكَ بِدُخُولِكَ إلى ابْنِ أبِي قُحافَةَ، وزَعَمْتَ أنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ أنْ تَأْكُلَ طَعامَهُ؟ وقَدْ أبْغَضَتْكَ لِمُقارَبَتِكَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وما يُخَلِّصُكَ عِنْدَهم إلّا أنْ تَقُولَ في هَذا الكَلامِ قَوْلًا يُرْضِيهِمْ، فَفَتَنَهُ أبُو جَهْلٍ فافْتُتِنَ، وقالَ: افْعِلْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيما عَسى أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ، فَقالَ: أقُولُ هو شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، أقُولُ: هو كاهِنٌ، ما هو بِكاهِنٍ، أقُولُ: هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ، هو قَوْلُ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ مُنْزَلًا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ هو دُعاءٌ عَلَيْهِ وتَقْبِيحٌ لِحالِهِ، أيْ أنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ وجَماعَةٍ غَيْرِهِ أنَّ الوَلِيدَ حاجَّ أبا جَهْلِ وجَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ في أمْرِ القُرْآنِ، وقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ أصْلَهُ لِعَذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناهُ، وإنَّهُ لِيَحْكُمُ ما تَحْتَهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ ولا يُعْلى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ، فَخالَفُوهُ فَقالُوا لَهُ: هو شِعْرٌ، فَقالَ: واللهِ ما هو بِشِعْرٍ، ولَقَدْ عَرَفْنا الشِعْرَ هَزْجَهُ وبَسِيطَهُ، قالُوا: فَهو مَجْنُونٌ، قالَ: واللهِ ما هو بِمَجْنُونٍ، ولَقَدْ رَأيْنا (p-٤٥٧)الجُنُونَ وخَنَقَهُ، قالُوا: هو سِحْرٌ، قالَ أمّا هَذا فَيُشْبِهُ أنَّهُ سِحْرٌ ويَقُولُ أقَوّالُ نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِ عَلى مَعْنى تَقْبِيحِ حالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُقْتَضاهُ اسْتِحْسانُ مَنزَعِهِ الأوَّلِ في مَدْحِهِ القُرْآنَ، وفي نَفْيِهِ الشِعْرَ والكَهانَةِ والجُنُونِ عنهُ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"،» ومَجْرى قَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قاتَلَ اللهُ كَثِيرًا، كَأنَّهُ رَآنا حِينَ قالَ كَذا، وهَذا مَعْنًى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى إدْبارَهُ واسْتِكْبارَهُ وأنَّهُ ضَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ وكَفَرَ، وإذا قُلْنا إنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ عَلى مُسْتَحْسِنٍ فَعْلَهُ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ نَظَرَ" فِيما احْتَجَّ بِهِ القُرْآنُ فَرَأى ما فِيهِ مِن عُلُوِّ مَرْتَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَبَسَ لِذَلِكَ وبَسَرَ، أيْ قَطَبَ وقَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وأرْبَدَ وجْهَهُ حَسَدًا لَهُ فَأدْبَرَ، أيِ ارْتَكَسَ في ضَلالِهِ، وزالَ إقْبالُهُ أوَّلًا لِيَهْتَدِيَ ولَحِقَتْهُ الكِبْرِياءُ، وقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، ومَعْناهُ: يُرْوى ويُحْمَلُ، أيْ يَحْمِلُهُ مُحَمَّدٌ عن غَيْرِهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِ دُعاءٌ عَلى مُسْتَقْبَحِ فِعْلِهِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى "ثُمَّ نَظَرَ" مَعْنًى (p-٤٥٨)مُعادًا بِعَيْنِهِ؛ "لِأنَّ فَكَّرَ" وقَدَّرَ يَقْتَضِيهِ لَكِنَّهُ إخْبارٌ بِتَرْدِيدِهِ النَظَرَ في الأمْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَعا الوَلِيدَ، فَقالَ لَهُ: انْظُرْ وفَكِّرْ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما تَقَدَّمَ.
المدثر 74:16
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ (p-٤٥٥)قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: أنا أكْفِي عِقابَهُ وشَأْنَهُ كُلَّهُ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، فَيَرْوِي أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ أيْ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في مالِهِ وشَرَفِهِ في بَيْتِهِ، فَذَكَرَ "الوَحِيدَ" في الآيَةِ في جُمْلَةِ النِعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَ، وإنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "خَلَقْتُ وحِيدًا" مَعْناهُ: مُنْفَرِدًا قَلِيلًا ذَلِيلًا، فَجَعَلْتُ لَهُ المالَ والبَنِينَ، فَجاءَ ذِكْرُ الوَحْدَةِ مُقَدَّمَةً حَسُنَ مَعَها مَوْقِعُ المالَ والبَنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أحَدٌ، فـ "وَحِيدًا" حالٌ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ".
و"المالُ المَمْدُودُ" قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو ألْفُ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ: بَلَغَنِي أنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا مَدٌّ في العَدَدِ.
وقالَ النُعْمانُ بْنُ سالِمٍ: هي الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المالُ المَمْدُودُ: الرِيعُ المُسْتَغَلُّ مُشاهَرَةً، فَهو مَدٌّ في الزَمانِ لا يَنْقَطِعُ.
"وَبَنِينَ شُهُودًا" مَعْناهُ: حُضُورًا مُتَلاحِقِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: كانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، و"التَمْهِيدُ" التَوْطِئَةُ والتَهْيِئَةُ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ بَسْطًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" وصَفَهُ لِجَشَعِ الوَلِيدِ ورَغْبَتِهِ في الِازْدِيادِ مِنَ الدُنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ عَلى أُمْنِيَةِ هَذا المَذْكُورِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ كانَ مُعانِدًا مُخالِفًا لِآياتِ اللهِ وعِبَرِهِ، يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ لِلَّذِي يَمْشِي مُخالِفًا لِلْإبِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ آياتِ القُرْآنِ، وهو الأصَحُّ في التَأْوِيلِ سَبَبُ كَلامِ الوَلِيدِ في (p-٤٥٦)القُرْآنِ بِأنَّهُ سْحْرٌ، و"أُرْهِقُهُ" مَعْناهُ: أُكَلِّفُهُ بِمَشَقَّةٍ وعُسْرٍ، «وَ"صَعُودًا" عَقَبَةٌ في جَهَنَّمَ، ورَوى ذَلِكَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ،» كُلَّما وضَعَ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ ذابَ، والصُعُودُ في اللُغَةِ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الوَلِيدِ "إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ" الآيَةُ. رَوى جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الوَلِيدَ سَمِعَ مِنَ القُرْآنِ ما أعْجَبَهُ ومَدَحَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَذَلِكَ مِرارًا حَتّى كادَ أنْ يُقارِبَ الإسْلامَ، ودَخَلَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِرارًا، فَجاءَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا ولِيدُ، أشْعَرْتَ أنَّ قُرَيْشًا قَدْ ذَمَّتْكَ بِدُخُولِكَ إلى ابْنِ أبِي قُحافَةَ، وزَعَمْتَ أنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ أنْ تَأْكُلَ طَعامَهُ؟ وقَدْ أبْغَضَتْكَ لِمُقارَبَتِكَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وما يُخَلِّصُكَ عِنْدَهم إلّا أنْ تَقُولَ في هَذا الكَلامِ قَوْلًا يُرْضِيهِمْ، فَفَتَنَهُ أبُو جَهْلٍ فافْتُتِنَ، وقالَ: افْعِلْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيما عَسى أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ، فَقالَ: أقُولُ هو شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، أقُولُ: هو كاهِنٌ، ما هو بِكاهِنٍ، أقُولُ: هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ، هو قَوْلُ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ مُنْزَلًا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ هو دُعاءٌ عَلَيْهِ وتَقْبِيحٌ لِحالِهِ، أيْ أنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ وجَماعَةٍ غَيْرِهِ أنَّ الوَلِيدَ حاجَّ أبا جَهْلِ وجَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ في أمْرِ القُرْآنِ، وقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ أصْلَهُ لِعَذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناهُ، وإنَّهُ لِيَحْكُمُ ما تَحْتَهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ ولا يُعْلى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ، فَخالَفُوهُ فَقالُوا لَهُ: هو شِعْرٌ، فَقالَ: واللهِ ما هو بِشِعْرٍ، ولَقَدْ عَرَفْنا الشِعْرَ هَزْجَهُ وبَسِيطَهُ، قالُوا: فَهو مَجْنُونٌ، قالَ: واللهِ ما هو بِمَجْنُونٍ، ولَقَدْ رَأيْنا (p-٤٥٧)الجُنُونَ وخَنَقَهُ، قالُوا: هو سِحْرٌ، قالَ أمّا هَذا فَيُشْبِهُ أنَّهُ سِحْرٌ ويَقُولُ أقَوّالُ نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِ عَلى مَعْنى تَقْبِيحِ حالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُقْتَضاهُ اسْتِحْسانُ مَنزَعِهِ الأوَّلِ في مَدْحِهِ القُرْآنَ، وفي نَفْيِهِ الشِعْرَ والكَهانَةِ والجُنُونِ عنهُ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"،» ومَجْرى قَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قاتَلَ اللهُ كَثِيرًا، كَأنَّهُ رَآنا حِينَ قالَ كَذا، وهَذا مَعْنًى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى إدْبارَهُ واسْتِكْبارَهُ وأنَّهُ ضَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ وكَفَرَ، وإذا قُلْنا إنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ عَلى مُسْتَحْسِنٍ فَعْلَهُ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ نَظَرَ" فِيما احْتَجَّ بِهِ القُرْآنُ فَرَأى ما فِيهِ مِن عُلُوِّ مَرْتَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَبَسَ لِذَلِكَ وبَسَرَ، أيْ قَطَبَ وقَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وأرْبَدَ وجْهَهُ حَسَدًا لَهُ فَأدْبَرَ، أيِ ارْتَكَسَ في ضَلالِهِ، وزالَ إقْبالُهُ أوَّلًا لِيَهْتَدِيَ ولَحِقَتْهُ الكِبْرِياءُ، وقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، ومَعْناهُ: يُرْوى ويُحْمَلُ، أيْ يَحْمِلُهُ مُحَمَّدٌ عن غَيْرِهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِ دُعاءٌ عَلى مُسْتَقْبَحِ فِعْلِهِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى "ثُمَّ نَظَرَ" مَعْنًى (p-٤٥٨)مُعادًا بِعَيْنِهِ؛ "لِأنَّ فَكَّرَ" وقَدَّرَ يَقْتَضِيهِ لَكِنَّهُ إخْبارٌ بِتَرْدِيدِهِ النَظَرَ في الأمْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَعا الوَلِيدَ، فَقالَ لَهُ: انْظُرْ وفَكِّرْ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما تَقَدَّمَ.
المدثر 74:17
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ (p-٤٥٥)قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: أنا أكْفِي عِقابَهُ وشَأْنَهُ كُلَّهُ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، فَيَرْوِي أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ أيْ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في مالِهِ وشَرَفِهِ في بَيْتِهِ، فَذَكَرَ "الوَحِيدَ" في الآيَةِ في جُمْلَةِ النِعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَ، وإنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "خَلَقْتُ وحِيدًا" مَعْناهُ: مُنْفَرِدًا قَلِيلًا ذَلِيلًا، فَجَعَلْتُ لَهُ المالَ والبَنِينَ، فَجاءَ ذِكْرُ الوَحْدَةِ مُقَدَّمَةً حَسُنَ مَعَها مَوْقِعُ المالَ والبَنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أحَدٌ، فـ "وَحِيدًا" حالٌ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ".
و"المالُ المَمْدُودُ" قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو ألْفُ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ: بَلَغَنِي أنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا مَدٌّ في العَدَدِ.
وقالَ النُعْمانُ بْنُ سالِمٍ: هي الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المالُ المَمْدُودُ: الرِيعُ المُسْتَغَلُّ مُشاهَرَةً، فَهو مَدٌّ في الزَمانِ لا يَنْقَطِعُ.
"وَبَنِينَ شُهُودًا" مَعْناهُ: حُضُورًا مُتَلاحِقِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: كانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، و"التَمْهِيدُ" التَوْطِئَةُ والتَهْيِئَةُ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ بَسْطًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" وصَفَهُ لِجَشَعِ الوَلِيدِ ورَغْبَتِهِ في الِازْدِيادِ مِنَ الدُنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ عَلى أُمْنِيَةِ هَذا المَذْكُورِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ كانَ مُعانِدًا مُخالِفًا لِآياتِ اللهِ وعِبَرِهِ، يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ لِلَّذِي يَمْشِي مُخالِفًا لِلْإبِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ آياتِ القُرْآنِ، وهو الأصَحُّ في التَأْوِيلِ سَبَبُ كَلامِ الوَلِيدِ في (p-٤٥٦)القُرْآنِ بِأنَّهُ سْحْرٌ، و"أُرْهِقُهُ" مَعْناهُ: أُكَلِّفُهُ بِمَشَقَّةٍ وعُسْرٍ، «وَ"صَعُودًا" عَقَبَةٌ في جَهَنَّمَ، ورَوى ذَلِكَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ،» كُلَّما وضَعَ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ ذابَ، والصُعُودُ في اللُغَةِ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الوَلِيدِ "إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ" الآيَةُ. رَوى جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الوَلِيدَ سَمِعَ مِنَ القُرْآنِ ما أعْجَبَهُ ومَدَحَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَذَلِكَ مِرارًا حَتّى كادَ أنْ يُقارِبَ الإسْلامَ، ودَخَلَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِرارًا، فَجاءَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا ولِيدُ، أشْعَرْتَ أنَّ قُرَيْشًا قَدْ ذَمَّتْكَ بِدُخُولِكَ إلى ابْنِ أبِي قُحافَةَ، وزَعَمْتَ أنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ أنْ تَأْكُلَ طَعامَهُ؟ وقَدْ أبْغَضَتْكَ لِمُقارَبَتِكَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وما يُخَلِّصُكَ عِنْدَهم إلّا أنْ تَقُولَ في هَذا الكَلامِ قَوْلًا يُرْضِيهِمْ، فَفَتَنَهُ أبُو جَهْلٍ فافْتُتِنَ، وقالَ: افْعِلْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيما عَسى أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ، فَقالَ: أقُولُ هو شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، أقُولُ: هو كاهِنٌ، ما هو بِكاهِنٍ، أقُولُ: هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ، هو قَوْلُ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ مُنْزَلًا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ هو دُعاءٌ عَلَيْهِ وتَقْبِيحٌ لِحالِهِ، أيْ أنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ وجَماعَةٍ غَيْرِهِ أنَّ الوَلِيدَ حاجَّ أبا جَهْلِ وجَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ في أمْرِ القُرْآنِ، وقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ أصْلَهُ لِعَذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناهُ، وإنَّهُ لِيَحْكُمُ ما تَحْتَهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ ولا يُعْلى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ، فَخالَفُوهُ فَقالُوا لَهُ: هو شِعْرٌ، فَقالَ: واللهِ ما هو بِشِعْرٍ، ولَقَدْ عَرَفْنا الشِعْرَ هَزْجَهُ وبَسِيطَهُ، قالُوا: فَهو مَجْنُونٌ، قالَ: واللهِ ما هو بِمَجْنُونٍ، ولَقَدْ رَأيْنا (p-٤٥٧)الجُنُونَ وخَنَقَهُ، قالُوا: هو سِحْرٌ، قالَ أمّا هَذا فَيُشْبِهُ أنَّهُ سِحْرٌ ويَقُولُ أقَوّالُ نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِ عَلى مَعْنى تَقْبِيحِ حالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُقْتَضاهُ اسْتِحْسانُ مَنزَعِهِ الأوَّلِ في مَدْحِهِ القُرْآنَ، وفي نَفْيِهِ الشِعْرَ والكَهانَةِ والجُنُونِ عنهُ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"،» ومَجْرى قَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قاتَلَ اللهُ كَثِيرًا، كَأنَّهُ رَآنا حِينَ قالَ كَذا، وهَذا مَعْنًى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى إدْبارَهُ واسْتِكْبارَهُ وأنَّهُ ضَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ وكَفَرَ، وإذا قُلْنا إنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ عَلى مُسْتَحْسِنٍ فَعْلَهُ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ نَظَرَ" فِيما احْتَجَّ بِهِ القُرْآنُ فَرَأى ما فِيهِ مِن عُلُوِّ مَرْتَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَبَسَ لِذَلِكَ وبَسَرَ، أيْ قَطَبَ وقَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وأرْبَدَ وجْهَهُ حَسَدًا لَهُ فَأدْبَرَ، أيِ ارْتَكَسَ في ضَلالِهِ، وزالَ إقْبالُهُ أوَّلًا لِيَهْتَدِيَ ولَحِقَتْهُ الكِبْرِياءُ، وقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، ومَعْناهُ: يُرْوى ويُحْمَلُ، أيْ يَحْمِلُهُ مُحَمَّدٌ عن غَيْرِهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِ دُعاءٌ عَلى مُسْتَقْبَحِ فِعْلِهِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى "ثُمَّ نَظَرَ" مَعْنًى (p-٤٥٨)مُعادًا بِعَيْنِهِ؛ "لِأنَّ فَكَّرَ" وقَدَّرَ يَقْتَضِيهِ لَكِنَّهُ إخْبارٌ بِتَرْدِيدِهِ النَظَرَ في الأمْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَعا الوَلِيدَ، فَقالَ لَهُ: انْظُرْ وفَكِّرْ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما تَقَدَّمَ.
المدثر 74:18
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ (p-٤٥٥)قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: أنا أكْفِي عِقابَهُ وشَأْنَهُ كُلَّهُ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، فَيَرْوِي أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ أيْ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في مالِهِ وشَرَفِهِ في بَيْتِهِ، فَذَكَرَ "الوَحِيدَ" في الآيَةِ في جُمْلَةِ النِعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَ، وإنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "خَلَقْتُ وحِيدًا" مَعْناهُ: مُنْفَرِدًا قَلِيلًا ذَلِيلًا، فَجَعَلْتُ لَهُ المالَ والبَنِينَ، فَجاءَ ذِكْرُ الوَحْدَةِ مُقَدَّمَةً حَسُنَ مَعَها مَوْقِعُ المالَ والبَنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أحَدٌ، فـ "وَحِيدًا" حالٌ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ".
و"المالُ المَمْدُودُ" قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو ألْفُ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ: بَلَغَنِي أنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا مَدٌّ في العَدَدِ.
وقالَ النُعْمانُ بْنُ سالِمٍ: هي الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المالُ المَمْدُودُ: الرِيعُ المُسْتَغَلُّ مُشاهَرَةً، فَهو مَدٌّ في الزَمانِ لا يَنْقَطِعُ.
"وَبَنِينَ شُهُودًا" مَعْناهُ: حُضُورًا مُتَلاحِقِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: كانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، و"التَمْهِيدُ" التَوْطِئَةُ والتَهْيِئَةُ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ بَسْطًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" وصَفَهُ لِجَشَعِ الوَلِيدِ ورَغْبَتِهِ في الِازْدِيادِ مِنَ الدُنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ عَلى أُمْنِيَةِ هَذا المَذْكُورِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ كانَ مُعانِدًا مُخالِفًا لِآياتِ اللهِ وعِبَرِهِ، يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ لِلَّذِي يَمْشِي مُخالِفًا لِلْإبِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ آياتِ القُرْآنِ، وهو الأصَحُّ في التَأْوِيلِ سَبَبُ كَلامِ الوَلِيدِ في (p-٤٥٦)القُرْآنِ بِأنَّهُ سْحْرٌ، و"أُرْهِقُهُ" مَعْناهُ: أُكَلِّفُهُ بِمَشَقَّةٍ وعُسْرٍ، «وَ"صَعُودًا" عَقَبَةٌ في جَهَنَّمَ، ورَوى ذَلِكَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ،» كُلَّما وضَعَ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ ذابَ، والصُعُودُ في اللُغَةِ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الوَلِيدِ "إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ" الآيَةُ. رَوى جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الوَلِيدَ سَمِعَ مِنَ القُرْآنِ ما أعْجَبَهُ ومَدَحَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَذَلِكَ مِرارًا حَتّى كادَ أنْ يُقارِبَ الإسْلامَ، ودَخَلَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِرارًا، فَجاءَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا ولِيدُ، أشْعَرْتَ أنَّ قُرَيْشًا قَدْ ذَمَّتْكَ بِدُخُولِكَ إلى ابْنِ أبِي قُحافَةَ، وزَعَمْتَ أنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ أنْ تَأْكُلَ طَعامَهُ؟ وقَدْ أبْغَضَتْكَ لِمُقارَبَتِكَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وما يُخَلِّصُكَ عِنْدَهم إلّا أنْ تَقُولَ في هَذا الكَلامِ قَوْلًا يُرْضِيهِمْ، فَفَتَنَهُ أبُو جَهْلٍ فافْتُتِنَ، وقالَ: افْعِلْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيما عَسى أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ، فَقالَ: أقُولُ هو شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، أقُولُ: هو كاهِنٌ، ما هو بِكاهِنٍ، أقُولُ: هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ، هو قَوْلُ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ مُنْزَلًا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ هو دُعاءٌ عَلَيْهِ وتَقْبِيحٌ لِحالِهِ، أيْ أنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ وجَماعَةٍ غَيْرِهِ أنَّ الوَلِيدَ حاجَّ أبا جَهْلِ وجَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ في أمْرِ القُرْآنِ، وقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ أصْلَهُ لِعَذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناهُ، وإنَّهُ لِيَحْكُمُ ما تَحْتَهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ ولا يُعْلى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ، فَخالَفُوهُ فَقالُوا لَهُ: هو شِعْرٌ، فَقالَ: واللهِ ما هو بِشِعْرٍ، ولَقَدْ عَرَفْنا الشِعْرَ هَزْجَهُ وبَسِيطَهُ، قالُوا: فَهو مَجْنُونٌ، قالَ: واللهِ ما هو بِمَجْنُونٍ، ولَقَدْ رَأيْنا (p-٤٥٧)الجُنُونَ وخَنَقَهُ، قالُوا: هو سِحْرٌ، قالَ أمّا هَذا فَيُشْبِهُ أنَّهُ سِحْرٌ ويَقُولُ أقَوّالُ نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِ عَلى مَعْنى تَقْبِيحِ حالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُقْتَضاهُ اسْتِحْسانُ مَنزَعِهِ الأوَّلِ في مَدْحِهِ القُرْآنَ، وفي نَفْيِهِ الشِعْرَ والكَهانَةِ والجُنُونِ عنهُ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"،» ومَجْرى قَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قاتَلَ اللهُ كَثِيرًا، كَأنَّهُ رَآنا حِينَ قالَ كَذا، وهَذا مَعْنًى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى إدْبارَهُ واسْتِكْبارَهُ وأنَّهُ ضَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ وكَفَرَ، وإذا قُلْنا إنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ عَلى مُسْتَحْسِنٍ فَعْلَهُ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ نَظَرَ" فِيما احْتَجَّ بِهِ القُرْآنُ فَرَأى ما فِيهِ مِن عُلُوِّ مَرْتَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَبَسَ لِذَلِكَ وبَسَرَ، أيْ قَطَبَ وقَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وأرْبَدَ وجْهَهُ حَسَدًا لَهُ فَأدْبَرَ، أيِ ارْتَكَسَ في ضَلالِهِ، وزالَ إقْبالُهُ أوَّلًا لِيَهْتَدِيَ ولَحِقَتْهُ الكِبْرِياءُ، وقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، ومَعْناهُ: يُرْوى ويُحْمَلُ، أيْ يَحْمِلُهُ مُحَمَّدٌ عن غَيْرِهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِ دُعاءٌ عَلى مُسْتَقْبَحِ فِعْلِهِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى "ثُمَّ نَظَرَ" مَعْنًى (p-٤٥٨)مُعادًا بِعَيْنِهِ؛ "لِأنَّ فَكَّرَ" وقَدَّرَ يَقْتَضِيهِ لَكِنَّهُ إخْبارٌ بِتَرْدِيدِهِ النَظَرَ في الأمْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَعا الوَلِيدَ، فَقالَ لَهُ: انْظُرْ وفَكِّرْ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما تَقَدَّمَ.
المدثر 74:19
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ (p-٤٥٥)قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: أنا أكْفِي عِقابَهُ وشَأْنَهُ كُلَّهُ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، فَيَرْوِي أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ أيْ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في مالِهِ وشَرَفِهِ في بَيْتِهِ، فَذَكَرَ "الوَحِيدَ" في الآيَةِ في جُمْلَةِ النِعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَ، وإنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "خَلَقْتُ وحِيدًا" مَعْناهُ: مُنْفَرِدًا قَلِيلًا ذَلِيلًا، فَجَعَلْتُ لَهُ المالَ والبَنِينَ، فَجاءَ ذِكْرُ الوَحْدَةِ مُقَدَّمَةً حَسُنَ مَعَها مَوْقِعُ المالَ والبَنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أحَدٌ، فـ "وَحِيدًا" حالٌ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ".
و"المالُ المَمْدُودُ" قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو ألْفُ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ: بَلَغَنِي أنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا مَدٌّ في العَدَدِ.
وقالَ النُعْمانُ بْنُ سالِمٍ: هي الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المالُ المَمْدُودُ: الرِيعُ المُسْتَغَلُّ مُشاهَرَةً، فَهو مَدٌّ في الزَمانِ لا يَنْقَطِعُ.
"وَبَنِينَ شُهُودًا" مَعْناهُ: حُضُورًا مُتَلاحِقِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: كانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، و"التَمْهِيدُ" التَوْطِئَةُ والتَهْيِئَةُ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ بَسْطًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" وصَفَهُ لِجَشَعِ الوَلِيدِ ورَغْبَتِهِ في الِازْدِيادِ مِنَ الدُنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ عَلى أُمْنِيَةِ هَذا المَذْكُورِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ كانَ مُعانِدًا مُخالِفًا لِآياتِ اللهِ وعِبَرِهِ، يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ لِلَّذِي يَمْشِي مُخالِفًا لِلْإبِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ آياتِ القُرْآنِ، وهو الأصَحُّ في التَأْوِيلِ سَبَبُ كَلامِ الوَلِيدِ في (p-٤٥٦)القُرْآنِ بِأنَّهُ سْحْرٌ، و"أُرْهِقُهُ" مَعْناهُ: أُكَلِّفُهُ بِمَشَقَّةٍ وعُسْرٍ، «وَ"صَعُودًا" عَقَبَةٌ في جَهَنَّمَ، ورَوى ذَلِكَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ،» كُلَّما وضَعَ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ ذابَ، والصُعُودُ في اللُغَةِ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الوَلِيدِ "إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ" الآيَةُ. رَوى جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الوَلِيدَ سَمِعَ مِنَ القُرْآنِ ما أعْجَبَهُ ومَدَحَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَذَلِكَ مِرارًا حَتّى كادَ أنْ يُقارِبَ الإسْلامَ، ودَخَلَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِرارًا، فَجاءَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا ولِيدُ، أشْعَرْتَ أنَّ قُرَيْشًا قَدْ ذَمَّتْكَ بِدُخُولِكَ إلى ابْنِ أبِي قُحافَةَ، وزَعَمْتَ أنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ أنْ تَأْكُلَ طَعامَهُ؟ وقَدْ أبْغَضَتْكَ لِمُقارَبَتِكَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وما يُخَلِّصُكَ عِنْدَهم إلّا أنْ تَقُولَ في هَذا الكَلامِ قَوْلًا يُرْضِيهِمْ، فَفَتَنَهُ أبُو جَهْلٍ فافْتُتِنَ، وقالَ: افْعِلْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيما عَسى أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ، فَقالَ: أقُولُ هو شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، أقُولُ: هو كاهِنٌ، ما هو بِكاهِنٍ، أقُولُ: هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ، هو قَوْلُ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ مُنْزَلًا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ هو دُعاءٌ عَلَيْهِ وتَقْبِيحٌ لِحالِهِ، أيْ أنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ وجَماعَةٍ غَيْرِهِ أنَّ الوَلِيدَ حاجَّ أبا جَهْلِ وجَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ في أمْرِ القُرْآنِ، وقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ أصْلَهُ لِعَذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناهُ، وإنَّهُ لِيَحْكُمُ ما تَحْتَهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ ولا يُعْلى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ، فَخالَفُوهُ فَقالُوا لَهُ: هو شِعْرٌ، فَقالَ: واللهِ ما هو بِشِعْرٍ، ولَقَدْ عَرَفْنا الشِعْرَ هَزْجَهُ وبَسِيطَهُ، قالُوا: فَهو مَجْنُونٌ، قالَ: واللهِ ما هو بِمَجْنُونٍ، ولَقَدْ رَأيْنا (p-٤٥٧)الجُنُونَ وخَنَقَهُ، قالُوا: هو سِحْرٌ، قالَ أمّا هَذا فَيُشْبِهُ أنَّهُ سِحْرٌ ويَقُولُ أقَوّالُ نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِ عَلى مَعْنى تَقْبِيحِ حالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُقْتَضاهُ اسْتِحْسانُ مَنزَعِهِ الأوَّلِ في مَدْحِهِ القُرْآنَ، وفي نَفْيِهِ الشِعْرَ والكَهانَةِ والجُنُونِ عنهُ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"،» ومَجْرى قَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قاتَلَ اللهُ كَثِيرًا، كَأنَّهُ رَآنا حِينَ قالَ كَذا، وهَذا مَعْنًى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى إدْبارَهُ واسْتِكْبارَهُ وأنَّهُ ضَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ وكَفَرَ، وإذا قُلْنا إنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ عَلى مُسْتَحْسِنٍ فَعْلَهُ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ نَظَرَ" فِيما احْتَجَّ بِهِ القُرْآنُ فَرَأى ما فِيهِ مِن عُلُوِّ مَرْتَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَبَسَ لِذَلِكَ وبَسَرَ، أيْ قَطَبَ وقَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وأرْبَدَ وجْهَهُ حَسَدًا لَهُ فَأدْبَرَ، أيِ ارْتَكَسَ في ضَلالِهِ، وزالَ إقْبالُهُ أوَّلًا لِيَهْتَدِيَ ولَحِقَتْهُ الكِبْرِياءُ، وقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، ومَعْناهُ: يُرْوى ويُحْمَلُ، أيْ يَحْمِلُهُ مُحَمَّدٌ عن غَيْرِهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِ دُعاءٌ عَلى مُسْتَقْبَحِ فِعْلِهِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى "ثُمَّ نَظَرَ" مَعْنًى (p-٤٥٨)مُعادًا بِعَيْنِهِ؛ "لِأنَّ فَكَّرَ" وقَدَّرَ يَقْتَضِيهِ لَكِنَّهُ إخْبارٌ بِتَرْدِيدِهِ النَظَرَ في الأمْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَعا الوَلِيدَ، فَقالَ لَهُ: انْظُرْ وفَكِّرْ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما تَقَدَّمَ.
المدثر 74:20
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ (p-٤٥٥)قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: أنا أكْفِي عِقابَهُ وشَأْنَهُ كُلَّهُ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، فَيَرْوِي أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ أيْ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في مالِهِ وشَرَفِهِ في بَيْتِهِ، فَذَكَرَ "الوَحِيدَ" في الآيَةِ في جُمْلَةِ النِعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَ، وإنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "خَلَقْتُ وحِيدًا" مَعْناهُ: مُنْفَرِدًا قَلِيلًا ذَلِيلًا، فَجَعَلْتُ لَهُ المالَ والبَنِينَ، فَجاءَ ذِكْرُ الوَحْدَةِ مُقَدَّمَةً حَسُنَ مَعَها مَوْقِعُ المالَ والبَنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أحَدٌ، فـ "وَحِيدًا" حالٌ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ".
و"المالُ المَمْدُودُ" قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو ألْفُ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ: بَلَغَنِي أنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا مَدٌّ في العَدَدِ.
وقالَ النُعْمانُ بْنُ سالِمٍ: هي الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المالُ المَمْدُودُ: الرِيعُ المُسْتَغَلُّ مُشاهَرَةً، فَهو مَدٌّ في الزَمانِ لا يَنْقَطِعُ.
"وَبَنِينَ شُهُودًا" مَعْناهُ: حُضُورًا مُتَلاحِقِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: كانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، و"التَمْهِيدُ" التَوْطِئَةُ والتَهْيِئَةُ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ بَسْطًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" وصَفَهُ لِجَشَعِ الوَلِيدِ ورَغْبَتِهِ في الِازْدِيادِ مِنَ الدُنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ عَلى أُمْنِيَةِ هَذا المَذْكُورِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ كانَ مُعانِدًا مُخالِفًا لِآياتِ اللهِ وعِبَرِهِ، يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ لِلَّذِي يَمْشِي مُخالِفًا لِلْإبِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ آياتِ القُرْآنِ، وهو الأصَحُّ في التَأْوِيلِ سَبَبُ كَلامِ الوَلِيدِ في (p-٤٥٦)القُرْآنِ بِأنَّهُ سْحْرٌ، و"أُرْهِقُهُ" مَعْناهُ: أُكَلِّفُهُ بِمَشَقَّةٍ وعُسْرٍ، «وَ"صَعُودًا" عَقَبَةٌ في جَهَنَّمَ، ورَوى ذَلِكَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ،» كُلَّما وضَعَ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ ذابَ، والصُعُودُ في اللُغَةِ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الوَلِيدِ "إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ" الآيَةُ. رَوى جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الوَلِيدَ سَمِعَ مِنَ القُرْآنِ ما أعْجَبَهُ ومَدَحَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَذَلِكَ مِرارًا حَتّى كادَ أنْ يُقارِبَ الإسْلامَ، ودَخَلَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِرارًا، فَجاءَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا ولِيدُ، أشْعَرْتَ أنَّ قُرَيْشًا قَدْ ذَمَّتْكَ بِدُخُولِكَ إلى ابْنِ أبِي قُحافَةَ، وزَعَمْتَ أنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ أنْ تَأْكُلَ طَعامَهُ؟ وقَدْ أبْغَضَتْكَ لِمُقارَبَتِكَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وما يُخَلِّصُكَ عِنْدَهم إلّا أنْ تَقُولَ في هَذا الكَلامِ قَوْلًا يُرْضِيهِمْ، فَفَتَنَهُ أبُو جَهْلٍ فافْتُتِنَ، وقالَ: افْعِلْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيما عَسى أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ، فَقالَ: أقُولُ هو شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، أقُولُ: هو كاهِنٌ، ما هو بِكاهِنٍ، أقُولُ: هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ، هو قَوْلُ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ مُنْزَلًا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ هو دُعاءٌ عَلَيْهِ وتَقْبِيحٌ لِحالِهِ، أيْ أنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ وجَماعَةٍ غَيْرِهِ أنَّ الوَلِيدَ حاجَّ أبا جَهْلِ وجَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ في أمْرِ القُرْآنِ، وقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ أصْلَهُ لِعَذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناهُ، وإنَّهُ لِيَحْكُمُ ما تَحْتَهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ ولا يُعْلى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ، فَخالَفُوهُ فَقالُوا لَهُ: هو شِعْرٌ، فَقالَ: واللهِ ما هو بِشِعْرٍ، ولَقَدْ عَرَفْنا الشِعْرَ هَزْجَهُ وبَسِيطَهُ، قالُوا: فَهو مَجْنُونٌ، قالَ: واللهِ ما هو بِمَجْنُونٍ، ولَقَدْ رَأيْنا (p-٤٥٧)الجُنُونَ وخَنَقَهُ، قالُوا: هو سِحْرٌ، قالَ أمّا هَذا فَيُشْبِهُ أنَّهُ سِحْرٌ ويَقُولُ أقَوّالُ نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِ عَلى مَعْنى تَقْبِيحِ حالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُقْتَضاهُ اسْتِحْسانُ مَنزَعِهِ الأوَّلِ في مَدْحِهِ القُرْآنَ، وفي نَفْيِهِ الشِعْرَ والكَهانَةِ والجُنُونِ عنهُ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"،» ومَجْرى قَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قاتَلَ اللهُ كَثِيرًا، كَأنَّهُ رَآنا حِينَ قالَ كَذا، وهَذا مَعْنًى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى إدْبارَهُ واسْتِكْبارَهُ وأنَّهُ ضَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ وكَفَرَ، وإذا قُلْنا إنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ عَلى مُسْتَحْسِنٍ فَعْلَهُ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ نَظَرَ" فِيما احْتَجَّ بِهِ القُرْآنُ فَرَأى ما فِيهِ مِن عُلُوِّ مَرْتَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَبَسَ لِذَلِكَ وبَسَرَ، أيْ قَطَبَ وقَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وأرْبَدَ وجْهَهُ حَسَدًا لَهُ فَأدْبَرَ، أيِ ارْتَكَسَ في ضَلالِهِ، وزالَ إقْبالُهُ أوَّلًا لِيَهْتَدِيَ ولَحِقَتْهُ الكِبْرِياءُ، وقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، ومَعْناهُ: يُرْوى ويُحْمَلُ، أيْ يَحْمِلُهُ مُحَمَّدٌ عن غَيْرِهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِ دُعاءٌ عَلى مُسْتَقْبَحِ فِعْلِهِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى "ثُمَّ نَظَرَ" مَعْنًى (p-٤٥٨)مُعادًا بِعَيْنِهِ؛ "لِأنَّ فَكَّرَ" وقَدَّرَ يَقْتَضِيهِ لَكِنَّهُ إخْبارٌ بِتَرْدِيدِهِ النَظَرَ في الأمْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَعا الوَلِيدَ، فَقالَ لَهُ: انْظُرْ وفَكِّرْ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما تَقَدَّمَ.
المدثر 74:21
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ (p-٤٥٥)قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: أنا أكْفِي عِقابَهُ وشَأْنَهُ كُلَّهُ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، فَيَرْوِي أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ أيْ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في مالِهِ وشَرَفِهِ في بَيْتِهِ، فَذَكَرَ "الوَحِيدَ" في الآيَةِ في جُمْلَةِ النِعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَ، وإنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "خَلَقْتُ وحِيدًا" مَعْناهُ: مُنْفَرِدًا قَلِيلًا ذَلِيلًا، فَجَعَلْتُ لَهُ المالَ والبَنِينَ، فَجاءَ ذِكْرُ الوَحْدَةِ مُقَدَّمَةً حَسُنَ مَعَها مَوْقِعُ المالَ والبَنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أحَدٌ، فـ "وَحِيدًا" حالٌ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ".
و"المالُ المَمْدُودُ" قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو ألْفُ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ: بَلَغَنِي أنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا مَدٌّ في العَدَدِ.
وقالَ النُعْمانُ بْنُ سالِمٍ: هي الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المالُ المَمْدُودُ: الرِيعُ المُسْتَغَلُّ مُشاهَرَةً، فَهو مَدٌّ في الزَمانِ لا يَنْقَطِعُ.
"وَبَنِينَ شُهُودًا" مَعْناهُ: حُضُورًا مُتَلاحِقِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: كانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، و"التَمْهِيدُ" التَوْطِئَةُ والتَهْيِئَةُ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ بَسْطًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" وصَفَهُ لِجَشَعِ الوَلِيدِ ورَغْبَتِهِ في الِازْدِيادِ مِنَ الدُنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ عَلى أُمْنِيَةِ هَذا المَذْكُورِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ كانَ مُعانِدًا مُخالِفًا لِآياتِ اللهِ وعِبَرِهِ، يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ لِلَّذِي يَمْشِي مُخالِفًا لِلْإبِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ آياتِ القُرْآنِ، وهو الأصَحُّ في التَأْوِيلِ سَبَبُ كَلامِ الوَلِيدِ في (p-٤٥٦)القُرْآنِ بِأنَّهُ سْحْرٌ، و"أُرْهِقُهُ" مَعْناهُ: أُكَلِّفُهُ بِمَشَقَّةٍ وعُسْرٍ، «وَ"صَعُودًا" عَقَبَةٌ في جَهَنَّمَ، ورَوى ذَلِكَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ،» كُلَّما وضَعَ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ ذابَ، والصُعُودُ في اللُغَةِ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الوَلِيدِ "إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ" الآيَةُ. رَوى جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الوَلِيدَ سَمِعَ مِنَ القُرْآنِ ما أعْجَبَهُ ومَدَحَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَذَلِكَ مِرارًا حَتّى كادَ أنْ يُقارِبَ الإسْلامَ، ودَخَلَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِرارًا، فَجاءَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا ولِيدُ، أشْعَرْتَ أنَّ قُرَيْشًا قَدْ ذَمَّتْكَ بِدُخُولِكَ إلى ابْنِ أبِي قُحافَةَ، وزَعَمْتَ أنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ أنْ تَأْكُلَ طَعامَهُ؟ وقَدْ أبْغَضَتْكَ لِمُقارَبَتِكَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وما يُخَلِّصُكَ عِنْدَهم إلّا أنْ تَقُولَ في هَذا الكَلامِ قَوْلًا يُرْضِيهِمْ، فَفَتَنَهُ أبُو جَهْلٍ فافْتُتِنَ، وقالَ: افْعِلْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيما عَسى أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ، فَقالَ: أقُولُ هو شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، أقُولُ: هو كاهِنٌ، ما هو بِكاهِنٍ، أقُولُ: هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ، هو قَوْلُ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ مُنْزَلًا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ هو دُعاءٌ عَلَيْهِ وتَقْبِيحٌ لِحالِهِ، أيْ أنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ وجَماعَةٍ غَيْرِهِ أنَّ الوَلِيدَ حاجَّ أبا جَهْلِ وجَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ في أمْرِ القُرْآنِ، وقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ أصْلَهُ لِعَذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناهُ، وإنَّهُ لِيَحْكُمُ ما تَحْتَهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ ولا يُعْلى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ، فَخالَفُوهُ فَقالُوا لَهُ: هو شِعْرٌ، فَقالَ: واللهِ ما هو بِشِعْرٍ، ولَقَدْ عَرَفْنا الشِعْرَ هَزْجَهُ وبَسِيطَهُ، قالُوا: فَهو مَجْنُونٌ، قالَ: واللهِ ما هو بِمَجْنُونٍ، ولَقَدْ رَأيْنا (p-٤٥٧)الجُنُونَ وخَنَقَهُ، قالُوا: هو سِحْرٌ، قالَ أمّا هَذا فَيُشْبِهُ أنَّهُ سِحْرٌ ويَقُولُ أقَوّالُ نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِ عَلى مَعْنى تَقْبِيحِ حالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُقْتَضاهُ اسْتِحْسانُ مَنزَعِهِ الأوَّلِ في مَدْحِهِ القُرْآنَ، وفي نَفْيِهِ الشِعْرَ والكَهانَةِ والجُنُونِ عنهُ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"،» ومَجْرى قَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قاتَلَ اللهُ كَثِيرًا، كَأنَّهُ رَآنا حِينَ قالَ كَذا، وهَذا مَعْنًى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى إدْبارَهُ واسْتِكْبارَهُ وأنَّهُ ضَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ وكَفَرَ، وإذا قُلْنا إنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ عَلى مُسْتَحْسِنٍ فَعْلَهُ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ نَظَرَ" فِيما احْتَجَّ بِهِ القُرْآنُ فَرَأى ما فِيهِ مِن عُلُوِّ مَرْتَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَبَسَ لِذَلِكَ وبَسَرَ، أيْ قَطَبَ وقَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وأرْبَدَ وجْهَهُ حَسَدًا لَهُ فَأدْبَرَ، أيِ ارْتَكَسَ في ضَلالِهِ، وزالَ إقْبالُهُ أوَّلًا لِيَهْتَدِيَ ولَحِقَتْهُ الكِبْرِياءُ، وقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، ومَعْناهُ: يُرْوى ويُحْمَلُ، أيْ يَحْمِلُهُ مُحَمَّدٌ عن غَيْرِهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِ دُعاءٌ عَلى مُسْتَقْبَحِ فِعْلِهِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى "ثُمَّ نَظَرَ" مَعْنًى (p-٤٥٨)مُعادًا بِعَيْنِهِ؛ "لِأنَّ فَكَّرَ" وقَدَّرَ يَقْتَضِيهِ لَكِنَّهُ إخْبارٌ بِتَرْدِيدِهِ النَظَرَ في الأمْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَعا الوَلِيدَ، فَقالَ لَهُ: انْظُرْ وفَكِّرْ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما تَقَدَّمَ.
المدثر 74:22
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ (p-٤٥٥)قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: أنا أكْفِي عِقابَهُ وشَأْنَهُ كُلَّهُ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، فَيَرْوِي أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ أيْ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في مالِهِ وشَرَفِهِ في بَيْتِهِ، فَذَكَرَ "الوَحِيدَ" في الآيَةِ في جُمْلَةِ النِعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَ، وإنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "خَلَقْتُ وحِيدًا" مَعْناهُ: مُنْفَرِدًا قَلِيلًا ذَلِيلًا، فَجَعَلْتُ لَهُ المالَ والبَنِينَ، فَجاءَ ذِكْرُ الوَحْدَةِ مُقَدَّمَةً حَسُنَ مَعَها مَوْقِعُ المالَ والبَنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أحَدٌ، فـ "وَحِيدًا" حالٌ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ".
و"المالُ المَمْدُودُ" قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو ألْفُ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ: بَلَغَنِي أنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا مَدٌّ في العَدَدِ.
وقالَ النُعْمانُ بْنُ سالِمٍ: هي الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المالُ المَمْدُودُ: الرِيعُ المُسْتَغَلُّ مُشاهَرَةً، فَهو مَدٌّ في الزَمانِ لا يَنْقَطِعُ.
"وَبَنِينَ شُهُودًا" مَعْناهُ: حُضُورًا مُتَلاحِقِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: كانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، و"التَمْهِيدُ" التَوْطِئَةُ والتَهْيِئَةُ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ بَسْطًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" وصَفَهُ لِجَشَعِ الوَلِيدِ ورَغْبَتِهِ في الِازْدِيادِ مِنَ الدُنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ عَلى أُمْنِيَةِ هَذا المَذْكُورِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ كانَ مُعانِدًا مُخالِفًا لِآياتِ اللهِ وعِبَرِهِ، يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ لِلَّذِي يَمْشِي مُخالِفًا لِلْإبِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ آياتِ القُرْآنِ، وهو الأصَحُّ في التَأْوِيلِ سَبَبُ كَلامِ الوَلِيدِ في (p-٤٥٦)القُرْآنِ بِأنَّهُ سْحْرٌ، و"أُرْهِقُهُ" مَعْناهُ: أُكَلِّفُهُ بِمَشَقَّةٍ وعُسْرٍ، «وَ"صَعُودًا" عَقَبَةٌ في جَهَنَّمَ، ورَوى ذَلِكَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ،» كُلَّما وضَعَ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ ذابَ، والصُعُودُ في اللُغَةِ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الوَلِيدِ "إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ" الآيَةُ. رَوى جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الوَلِيدَ سَمِعَ مِنَ القُرْآنِ ما أعْجَبَهُ ومَدَحَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَذَلِكَ مِرارًا حَتّى كادَ أنْ يُقارِبَ الإسْلامَ، ودَخَلَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِرارًا، فَجاءَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا ولِيدُ، أشْعَرْتَ أنَّ قُرَيْشًا قَدْ ذَمَّتْكَ بِدُخُولِكَ إلى ابْنِ أبِي قُحافَةَ، وزَعَمْتَ أنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ أنْ تَأْكُلَ طَعامَهُ؟ وقَدْ أبْغَضَتْكَ لِمُقارَبَتِكَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وما يُخَلِّصُكَ عِنْدَهم إلّا أنْ تَقُولَ في هَذا الكَلامِ قَوْلًا يُرْضِيهِمْ، فَفَتَنَهُ أبُو جَهْلٍ فافْتُتِنَ، وقالَ: افْعِلْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيما عَسى أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ، فَقالَ: أقُولُ هو شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، أقُولُ: هو كاهِنٌ، ما هو بِكاهِنٍ، أقُولُ: هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ، هو قَوْلُ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ مُنْزَلًا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ هو دُعاءٌ عَلَيْهِ وتَقْبِيحٌ لِحالِهِ، أيْ أنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ وجَماعَةٍ غَيْرِهِ أنَّ الوَلِيدَ حاجَّ أبا جَهْلِ وجَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ في أمْرِ القُرْآنِ، وقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ أصْلَهُ لِعَذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناهُ، وإنَّهُ لِيَحْكُمُ ما تَحْتَهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ ولا يُعْلى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ، فَخالَفُوهُ فَقالُوا لَهُ: هو شِعْرٌ، فَقالَ: واللهِ ما هو بِشِعْرٍ، ولَقَدْ عَرَفْنا الشِعْرَ هَزْجَهُ وبَسِيطَهُ، قالُوا: فَهو مَجْنُونٌ، قالَ: واللهِ ما هو بِمَجْنُونٍ، ولَقَدْ رَأيْنا (p-٤٥٧)الجُنُونَ وخَنَقَهُ، قالُوا: هو سِحْرٌ، قالَ أمّا هَذا فَيُشْبِهُ أنَّهُ سِحْرٌ ويَقُولُ أقَوّالُ نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِ عَلى مَعْنى تَقْبِيحِ حالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُقْتَضاهُ اسْتِحْسانُ مَنزَعِهِ الأوَّلِ في مَدْحِهِ القُرْآنَ، وفي نَفْيِهِ الشِعْرَ والكَهانَةِ والجُنُونِ عنهُ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"،» ومَجْرى قَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قاتَلَ اللهُ كَثِيرًا، كَأنَّهُ رَآنا حِينَ قالَ كَذا، وهَذا مَعْنًى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى إدْبارَهُ واسْتِكْبارَهُ وأنَّهُ ضَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ وكَفَرَ، وإذا قُلْنا إنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ عَلى مُسْتَحْسِنٍ فَعْلَهُ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ نَظَرَ" فِيما احْتَجَّ بِهِ القُرْآنُ فَرَأى ما فِيهِ مِن عُلُوِّ مَرْتَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَبَسَ لِذَلِكَ وبَسَرَ، أيْ قَطَبَ وقَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وأرْبَدَ وجْهَهُ حَسَدًا لَهُ فَأدْبَرَ، أيِ ارْتَكَسَ في ضَلالِهِ، وزالَ إقْبالُهُ أوَّلًا لِيَهْتَدِيَ ولَحِقَتْهُ الكِبْرِياءُ، وقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، ومَعْناهُ: يُرْوى ويُحْمَلُ، أيْ يَحْمِلُهُ مُحَمَّدٌ عن غَيْرِهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِ دُعاءٌ عَلى مُسْتَقْبَحِ فِعْلِهِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى "ثُمَّ نَظَرَ" مَعْنًى (p-٤٥٨)مُعادًا بِعَيْنِهِ؛ "لِأنَّ فَكَّرَ" وقَدَّرَ يَقْتَضِيهِ لَكِنَّهُ إخْبارٌ بِتَرْدِيدِهِ النَظَرَ في الأمْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَعا الوَلِيدَ، فَقالَ لَهُ: انْظُرْ وفَكِّرْ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما تَقَدَّمَ.
المدثر 74:23
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ (p-٤٥٥)قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: أنا أكْفِي عِقابَهُ وشَأْنَهُ كُلَّهُ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، فَيَرْوِي أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ أيْ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في مالِهِ وشَرَفِهِ في بَيْتِهِ، فَذَكَرَ "الوَحِيدَ" في الآيَةِ في جُمْلَةِ النِعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَ، وإنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "خَلَقْتُ وحِيدًا" مَعْناهُ: مُنْفَرِدًا قَلِيلًا ذَلِيلًا، فَجَعَلْتُ لَهُ المالَ والبَنِينَ، فَجاءَ ذِكْرُ الوَحْدَةِ مُقَدَّمَةً حَسُنَ مَعَها مَوْقِعُ المالَ والبَنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أحَدٌ، فـ "وَحِيدًا" حالٌ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ".
و"المالُ المَمْدُودُ" قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو ألْفُ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ: بَلَغَنِي أنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا مَدٌّ في العَدَدِ.
وقالَ النُعْمانُ بْنُ سالِمٍ: هي الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المالُ المَمْدُودُ: الرِيعُ المُسْتَغَلُّ مُشاهَرَةً، فَهو مَدٌّ في الزَمانِ لا يَنْقَطِعُ.
"وَبَنِينَ شُهُودًا" مَعْناهُ: حُضُورًا مُتَلاحِقِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: كانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، و"التَمْهِيدُ" التَوْطِئَةُ والتَهْيِئَةُ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ بَسْطًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" وصَفَهُ لِجَشَعِ الوَلِيدِ ورَغْبَتِهِ في الِازْدِيادِ مِنَ الدُنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ عَلى أُمْنِيَةِ هَذا المَذْكُورِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ كانَ مُعانِدًا مُخالِفًا لِآياتِ اللهِ وعِبَرِهِ، يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ لِلَّذِي يَمْشِي مُخالِفًا لِلْإبِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ آياتِ القُرْآنِ، وهو الأصَحُّ في التَأْوِيلِ سَبَبُ كَلامِ الوَلِيدِ في (p-٤٥٦)القُرْآنِ بِأنَّهُ سْحْرٌ، و"أُرْهِقُهُ" مَعْناهُ: أُكَلِّفُهُ بِمَشَقَّةٍ وعُسْرٍ، «وَ"صَعُودًا" عَقَبَةٌ في جَهَنَّمَ، ورَوى ذَلِكَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ،» كُلَّما وضَعَ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ ذابَ، والصُعُودُ في اللُغَةِ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الوَلِيدِ "إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ" الآيَةُ. رَوى جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الوَلِيدَ سَمِعَ مِنَ القُرْآنِ ما أعْجَبَهُ ومَدَحَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَذَلِكَ مِرارًا حَتّى كادَ أنْ يُقارِبَ الإسْلامَ، ودَخَلَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِرارًا، فَجاءَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا ولِيدُ، أشْعَرْتَ أنَّ قُرَيْشًا قَدْ ذَمَّتْكَ بِدُخُولِكَ إلى ابْنِ أبِي قُحافَةَ، وزَعَمْتَ أنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ أنْ تَأْكُلَ طَعامَهُ؟ وقَدْ أبْغَضَتْكَ لِمُقارَبَتِكَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وما يُخَلِّصُكَ عِنْدَهم إلّا أنْ تَقُولَ في هَذا الكَلامِ قَوْلًا يُرْضِيهِمْ، فَفَتَنَهُ أبُو جَهْلٍ فافْتُتِنَ، وقالَ: افْعِلْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيما عَسى أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ، فَقالَ: أقُولُ هو شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، أقُولُ: هو كاهِنٌ، ما هو بِكاهِنٍ، أقُولُ: هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ، هو قَوْلُ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ مُنْزَلًا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ هو دُعاءٌ عَلَيْهِ وتَقْبِيحٌ لِحالِهِ، أيْ أنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ وجَماعَةٍ غَيْرِهِ أنَّ الوَلِيدَ حاجَّ أبا جَهْلِ وجَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ في أمْرِ القُرْآنِ، وقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ أصْلَهُ لِعَذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناهُ، وإنَّهُ لِيَحْكُمُ ما تَحْتَهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ ولا يُعْلى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ، فَخالَفُوهُ فَقالُوا لَهُ: هو شِعْرٌ، فَقالَ: واللهِ ما هو بِشِعْرٍ، ولَقَدْ عَرَفْنا الشِعْرَ هَزْجَهُ وبَسِيطَهُ، قالُوا: فَهو مَجْنُونٌ، قالَ: واللهِ ما هو بِمَجْنُونٍ، ولَقَدْ رَأيْنا (p-٤٥٧)الجُنُونَ وخَنَقَهُ، قالُوا: هو سِحْرٌ، قالَ أمّا هَذا فَيُشْبِهُ أنَّهُ سِحْرٌ ويَقُولُ أقَوّالُ نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِ عَلى مَعْنى تَقْبِيحِ حالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُقْتَضاهُ اسْتِحْسانُ مَنزَعِهِ الأوَّلِ في مَدْحِهِ القُرْآنَ، وفي نَفْيِهِ الشِعْرَ والكَهانَةِ والجُنُونِ عنهُ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"،» ومَجْرى قَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قاتَلَ اللهُ كَثِيرًا، كَأنَّهُ رَآنا حِينَ قالَ كَذا، وهَذا مَعْنًى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى إدْبارَهُ واسْتِكْبارَهُ وأنَّهُ ضَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ وكَفَرَ، وإذا قُلْنا إنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ عَلى مُسْتَحْسِنٍ فَعْلَهُ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ نَظَرَ" فِيما احْتَجَّ بِهِ القُرْآنُ فَرَأى ما فِيهِ مِن عُلُوِّ مَرْتَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَبَسَ لِذَلِكَ وبَسَرَ، أيْ قَطَبَ وقَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وأرْبَدَ وجْهَهُ حَسَدًا لَهُ فَأدْبَرَ، أيِ ارْتَكَسَ في ضَلالِهِ، وزالَ إقْبالُهُ أوَّلًا لِيَهْتَدِيَ ولَحِقَتْهُ الكِبْرِياءُ، وقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، ومَعْناهُ: يُرْوى ويُحْمَلُ، أيْ يَحْمِلُهُ مُحَمَّدٌ عن غَيْرِهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِ دُعاءٌ عَلى مُسْتَقْبَحِ فِعْلِهِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى "ثُمَّ نَظَرَ" مَعْنًى (p-٤٥٨)مُعادًا بِعَيْنِهِ؛ "لِأنَّ فَكَّرَ" وقَدَّرَ يَقْتَضِيهِ لَكِنَّهُ إخْبارٌ بِتَرْدِيدِهِ النَظَرَ في الأمْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَعا الوَلِيدَ، فَقالَ لَهُ: انْظُرْ وفَكِّرْ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما تَقَدَّمَ.
المدثر 74:24
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ (p-٤٥٥)قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: أنا أكْفِي عِقابَهُ وشَأْنَهُ كُلَّهُ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، فَيَرْوِي أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ أيْ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في مالِهِ وشَرَفِهِ في بَيْتِهِ، فَذَكَرَ "الوَحِيدَ" في الآيَةِ في جُمْلَةِ النِعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَ، وإنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "خَلَقْتُ وحِيدًا" مَعْناهُ: مُنْفَرِدًا قَلِيلًا ذَلِيلًا، فَجَعَلْتُ لَهُ المالَ والبَنِينَ، فَجاءَ ذِكْرُ الوَحْدَةِ مُقَدَّمَةً حَسُنَ مَعَها مَوْقِعُ المالَ والبَنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أحَدٌ، فـ "وَحِيدًا" حالٌ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ".
و"المالُ المَمْدُودُ" قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو ألْفُ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ: بَلَغَنِي أنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا مَدٌّ في العَدَدِ.
وقالَ النُعْمانُ بْنُ سالِمٍ: هي الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المالُ المَمْدُودُ: الرِيعُ المُسْتَغَلُّ مُشاهَرَةً، فَهو مَدٌّ في الزَمانِ لا يَنْقَطِعُ.
"وَبَنِينَ شُهُودًا" مَعْناهُ: حُضُورًا مُتَلاحِقِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: كانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، و"التَمْهِيدُ" التَوْطِئَةُ والتَهْيِئَةُ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ بَسْطًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" وصَفَهُ لِجَشَعِ الوَلِيدِ ورَغْبَتِهِ في الِازْدِيادِ مِنَ الدُنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ عَلى أُمْنِيَةِ هَذا المَذْكُورِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ كانَ مُعانِدًا مُخالِفًا لِآياتِ اللهِ وعِبَرِهِ، يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ لِلَّذِي يَمْشِي مُخالِفًا لِلْإبِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ آياتِ القُرْآنِ، وهو الأصَحُّ في التَأْوِيلِ سَبَبُ كَلامِ الوَلِيدِ في (p-٤٥٦)القُرْآنِ بِأنَّهُ سْحْرٌ، و"أُرْهِقُهُ" مَعْناهُ: أُكَلِّفُهُ بِمَشَقَّةٍ وعُسْرٍ، «وَ"صَعُودًا" عَقَبَةٌ في جَهَنَّمَ، ورَوى ذَلِكَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ،» كُلَّما وضَعَ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ ذابَ، والصُعُودُ في اللُغَةِ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الوَلِيدِ "إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ" الآيَةُ. رَوى جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الوَلِيدَ سَمِعَ مِنَ القُرْآنِ ما أعْجَبَهُ ومَدَحَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَذَلِكَ مِرارًا حَتّى كادَ أنْ يُقارِبَ الإسْلامَ، ودَخَلَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِرارًا، فَجاءَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا ولِيدُ، أشْعَرْتَ أنَّ قُرَيْشًا قَدْ ذَمَّتْكَ بِدُخُولِكَ إلى ابْنِ أبِي قُحافَةَ، وزَعَمْتَ أنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ أنْ تَأْكُلَ طَعامَهُ؟ وقَدْ أبْغَضَتْكَ لِمُقارَبَتِكَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وما يُخَلِّصُكَ عِنْدَهم إلّا أنْ تَقُولَ في هَذا الكَلامِ قَوْلًا يُرْضِيهِمْ، فَفَتَنَهُ أبُو جَهْلٍ فافْتُتِنَ، وقالَ: افْعِلْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيما عَسى أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ، فَقالَ: أقُولُ هو شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، أقُولُ: هو كاهِنٌ، ما هو بِكاهِنٍ، أقُولُ: هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ، هو قَوْلُ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ مُنْزَلًا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ هو دُعاءٌ عَلَيْهِ وتَقْبِيحٌ لِحالِهِ، أيْ أنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ وجَماعَةٍ غَيْرِهِ أنَّ الوَلِيدَ حاجَّ أبا جَهْلِ وجَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ في أمْرِ القُرْآنِ، وقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ أصْلَهُ لِعَذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناهُ، وإنَّهُ لِيَحْكُمُ ما تَحْتَهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ ولا يُعْلى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ، فَخالَفُوهُ فَقالُوا لَهُ: هو شِعْرٌ، فَقالَ: واللهِ ما هو بِشِعْرٍ، ولَقَدْ عَرَفْنا الشِعْرَ هَزْجَهُ وبَسِيطَهُ، قالُوا: فَهو مَجْنُونٌ، قالَ: واللهِ ما هو بِمَجْنُونٍ، ولَقَدْ رَأيْنا (p-٤٥٧)الجُنُونَ وخَنَقَهُ، قالُوا: هو سِحْرٌ، قالَ أمّا هَذا فَيُشْبِهُ أنَّهُ سِحْرٌ ويَقُولُ أقَوّالُ نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِ عَلى مَعْنى تَقْبِيحِ حالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُقْتَضاهُ اسْتِحْسانُ مَنزَعِهِ الأوَّلِ في مَدْحِهِ القُرْآنَ، وفي نَفْيِهِ الشِعْرَ والكَهانَةِ والجُنُونِ عنهُ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"،» ومَجْرى قَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قاتَلَ اللهُ كَثِيرًا، كَأنَّهُ رَآنا حِينَ قالَ كَذا، وهَذا مَعْنًى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى إدْبارَهُ واسْتِكْبارَهُ وأنَّهُ ضَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ وكَفَرَ، وإذا قُلْنا إنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ عَلى مُسْتَحْسِنٍ فَعْلَهُ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ نَظَرَ" فِيما احْتَجَّ بِهِ القُرْآنُ فَرَأى ما فِيهِ مِن عُلُوِّ مَرْتَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَبَسَ لِذَلِكَ وبَسَرَ، أيْ قَطَبَ وقَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وأرْبَدَ وجْهَهُ حَسَدًا لَهُ فَأدْبَرَ، أيِ ارْتَكَسَ في ضَلالِهِ، وزالَ إقْبالُهُ أوَّلًا لِيَهْتَدِيَ ولَحِقَتْهُ الكِبْرِياءُ، وقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، ومَعْناهُ: يُرْوى ويُحْمَلُ، أيْ يَحْمِلُهُ مُحَمَّدٌ عن غَيْرِهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِ دُعاءٌ عَلى مُسْتَقْبَحِ فِعْلِهِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى "ثُمَّ نَظَرَ" مَعْنًى (p-٤٥٨)مُعادًا بِعَيْنِهِ؛ "لِأنَّ فَكَّرَ" وقَدَّرَ يَقْتَضِيهِ لَكِنَّهُ إخْبارٌ بِتَرْدِيدِهِ النَظَرَ في الأمْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَعا الوَلِيدَ، فَقالَ لَهُ: انْظُرْ وفَكِّرْ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما تَقَدَّمَ.
المدثر 74:25
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ ﴿كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ (p-٤٥٥)قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: أنا أكْفِي عِقابَهُ وشَأْنَهُ كُلَّهُ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، فَيَرْوِي أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ أيْ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في مالِهِ وشَرَفِهِ في بَيْتِهِ، فَذَكَرَ "الوَحِيدَ" في الآيَةِ في جُمْلَةِ النِعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَ، وإنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "خَلَقْتُ وحِيدًا" مَعْناهُ: مُنْفَرِدًا قَلِيلًا ذَلِيلًا، فَجَعَلْتُ لَهُ المالَ والبَنِينَ، فَجاءَ ذِكْرُ الوَحْدَةِ مُقَدَّمَةً حَسُنَ مَعَها مَوْقِعُ المالَ والبَنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أحَدٌ، فـ "وَحِيدًا" حالٌ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ".
و"المالُ المَمْدُودُ" قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو ألْفُ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ: بَلَغَنِي أنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا مَدٌّ في العَدَدِ.
وقالَ النُعْمانُ بْنُ سالِمٍ: هي الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المالُ المَمْدُودُ: الرِيعُ المُسْتَغَلُّ مُشاهَرَةً، فَهو مَدٌّ في الزَمانِ لا يَنْقَطِعُ.
"وَبَنِينَ شُهُودًا" مَعْناهُ: حُضُورًا مُتَلاحِقِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: كانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، و"التَمْهِيدُ" التَوْطِئَةُ والتَهْيِئَةُ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ بَسْطًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" وصَفَهُ لِجَشَعِ الوَلِيدِ ورَغْبَتِهِ في الِازْدِيادِ مِنَ الدُنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ عَلى أُمْنِيَةِ هَذا المَذْكُورِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ كانَ مُعانِدًا مُخالِفًا لِآياتِ اللهِ وعِبَرِهِ، يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ لِلَّذِي يَمْشِي مُخالِفًا لِلْإبِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ آياتِ القُرْآنِ، وهو الأصَحُّ في التَأْوِيلِ سَبَبُ كَلامِ الوَلِيدِ في (p-٤٥٦)القُرْآنِ بِأنَّهُ سْحْرٌ، و"أُرْهِقُهُ" مَعْناهُ: أُكَلِّفُهُ بِمَشَقَّةٍ وعُسْرٍ، «وَ"صَعُودًا" عَقَبَةٌ في جَهَنَّمَ، ورَوى ذَلِكَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ،» كُلَّما وضَعَ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ ذابَ، والصُعُودُ في اللُغَةِ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الوَلِيدِ "إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ" الآيَةُ. رَوى جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الوَلِيدَ سَمِعَ مِنَ القُرْآنِ ما أعْجَبَهُ ومَدَحَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَذَلِكَ مِرارًا حَتّى كادَ أنْ يُقارِبَ الإسْلامَ، ودَخَلَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِرارًا، فَجاءَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا ولِيدُ، أشْعَرْتَ أنَّ قُرَيْشًا قَدْ ذَمَّتْكَ بِدُخُولِكَ إلى ابْنِ أبِي قُحافَةَ، وزَعَمْتَ أنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ أنْ تَأْكُلَ طَعامَهُ؟ وقَدْ أبْغَضَتْكَ لِمُقارَبَتِكَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وما يُخَلِّصُكَ عِنْدَهم إلّا أنْ تَقُولَ في هَذا الكَلامِ قَوْلًا يُرْضِيهِمْ، فَفَتَنَهُ أبُو جَهْلٍ فافْتُتِنَ، وقالَ: افْعِلْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيما عَسى أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ، فَقالَ: أقُولُ هو شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، أقُولُ: هو كاهِنٌ، ما هو بِكاهِنٍ، أقُولُ: هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ، هو قَوْلُ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ مُنْزَلًا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ هو دُعاءٌ عَلَيْهِ وتَقْبِيحٌ لِحالِهِ، أيْ أنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ وجَماعَةٍ غَيْرِهِ أنَّ الوَلِيدَ حاجَّ أبا جَهْلِ وجَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ في أمْرِ القُرْآنِ، وقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ أصْلَهُ لِعَذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناهُ، وإنَّهُ لِيَحْكُمُ ما تَحْتَهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ ولا يُعْلى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ، فَخالَفُوهُ فَقالُوا لَهُ: هو شِعْرٌ، فَقالَ: واللهِ ما هو بِشِعْرٍ، ولَقَدْ عَرَفْنا الشِعْرَ هَزْجَهُ وبَسِيطَهُ، قالُوا: فَهو مَجْنُونٌ، قالَ: واللهِ ما هو بِمَجْنُونٍ، ولَقَدْ رَأيْنا (p-٤٥٧)الجُنُونَ وخَنَقَهُ، قالُوا: هو سِحْرٌ، قالَ أمّا هَذا فَيُشْبِهُ أنَّهُ سِحْرٌ ويَقُولُ أقَوّالُ نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِ عَلى مَعْنى تَقْبِيحِ حالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُقْتَضاهُ اسْتِحْسانُ مَنزَعِهِ الأوَّلِ في مَدْحِهِ القُرْآنَ، وفي نَفْيِهِ الشِعْرَ والكَهانَةِ والجُنُونِ عنهُ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"،» ومَجْرى قَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قاتَلَ اللهُ كَثِيرًا، كَأنَّهُ رَآنا حِينَ قالَ كَذا، وهَذا مَعْنًى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى إدْبارَهُ واسْتِكْبارَهُ وأنَّهُ ضَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ وكَفَرَ، وإذا قُلْنا إنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ عَلى مُسْتَحْسِنٍ فَعْلَهُ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ نَظَرَ" فِيما احْتَجَّ بِهِ القُرْآنُ فَرَأى ما فِيهِ مِن عُلُوِّ مَرْتَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَبَسَ لِذَلِكَ وبَسَرَ، أيْ قَطَبَ وقَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وأرْبَدَ وجْهَهُ حَسَدًا لَهُ فَأدْبَرَ، أيِ ارْتَكَسَ في ضَلالِهِ، وزالَ إقْبالُهُ أوَّلًا لِيَهْتَدِيَ ولَحِقَتْهُ الكِبْرِياءُ، وقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، ومَعْناهُ: يُرْوى ويُحْمَلُ، أيْ يَحْمِلُهُ مُحَمَّدٌ عن غَيْرِهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِ دُعاءٌ عَلى مُسْتَقْبَحِ فِعْلِهِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى "ثُمَّ نَظَرَ" مَعْنًى (p-٤٥٨)مُعادًا بِعَيْنِهِ؛ "لِأنَّ فَكَّرَ" وقَدَّرَ يَقْتَضِيهِ لَكِنَّهُ إخْبارٌ بِتَرْدِيدِهِ النَظَرَ في الأمْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَعا الوَلِيدَ، فَقالَ لَهُ: انْظُرْ وفَكِّرْ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما تَقَدَّمَ.
المدثر 74:26
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾
"سَقَرُ" هو الدَرْكُ السادِسُ مِن جَهَنَّمَ عَلى ما رُوِيَ، و"أُصْلِيهِ" مَعْناهُ: أجْعَلُهُ فِيها مُباشِرًا لِنارِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ المَعْنى: لا تُبْقِي عَلى مَن أُلْقِيَ فِيها، ولا تَذَرُ غايَةً مِنَ العَذابِ إلّا أوصَلَتْهُ إلَيْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ"،﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: مَعْناهُ: مُغَيِّرَةٌ لِلْبَشَراتِ، مُحْرِقَةٌ لِلْجُلُودِ مُسَوَّدَةٌ لَها، فـَ "البَشَرُ" جَمْعُ بَشْرَةٍ، وتَقُولُ العَرَبُ: لاحَتِ النارُ الشَيْءَ إذا أحْرَقَتْهُ وسَوَّدَتْهُ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ لاحَّةُ الصَيْفِ والغِيارُ وإشْفا قٌ عَلى سِقْبَةٍ كَقَوْسِ الضالِّ
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎ .......... ∗∗∗ يا بِنْتَ عَمِّي لاحِنِي الهَواجِرَ
(p-٤٥٩)وَقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: "لَوّاحَةٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "لاحَ يَلُوحُ" إذا ظَهَرَ، فالمَعْنى أنَّها تَظْهَرُ لِلنّاسِ وهُمُ البَشَرُ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وذَلِكَ لِعَظْمِها وهَوْلِها وزَفِيرِها، وقَرَأ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ "لَوّاحَةً" بِالنَصْبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ في المَجْرُورِ، ولا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ المُحِيطُونَ بِأمْرِها، الَّذِينَ إلَيْهِمْ جِماعُ أمْرِ زَبانِيَتِها، وقَدْ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّهم عَلى عَدَدِ حُرُوفِ "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" لِأنَّ بِها تَقْوُوا، ورُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَمِعَتْ هَذا كَثُرَ إلْغاطُهم فِيهِ وقالُوا: لَوْ كانَ هَذا حَقًّا فَإنَّ هَذا العَدَدَ قَلِيلٌ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَؤُلاءِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدُهْمُ، أفَيَعْجَزُ عَشْرَةٌ مِنّا عن رَجُلٍ مِنهُمْ؟ وقالَ أبُو الأشَدِّ الجُمَحِيُّ: أنا أُجْهِضُهم عَلى النارِ، إلى غَيْرِ هَذا مِن أقْوالِهِمُ السَخِيفَةِ، فَنَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ [القيامة: ٣٤] الآيَةُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ "تِسْعَةَ عَشْرَ" بِسُكُونِ العَيْنِ مِن "عَشْرَ" لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "تِسْعَةُ عَشَرَ" بِرَفْعِ التاءِ، ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَرَأ: "تِسْعَةَ أعُشْرَ"، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
(p-٤٦٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً﴾ [المدثر: ٣١] تَبْيِينٌ لِفَسادِ أقْوالِ قُرَيْشٍ، أيْ: إنّا جَعَلْناهم خَلْقًا لا قِبَلَ لِأحَدٍ مِنَ الناسِ بِهِمْ، وجَعَلْنا عِدَّتَهم هَذا القَدْرَ فِتْنَةً لِلْكُفّارِ، لِيَقَعَ مِنهم مَنِ التَعاطِي والطَمَعِ في المُبالَغَةِ ما وقَعَ ويَسْتَيْقِنَ أهْلُ -الكِتابِ: التَوْراةِ والإنْجِيلِ- أنَّ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى؛ إذْ يَجِدُونَ هَذِهِ العُدَّةَ في كُتُبِهِمُ المُنَزَّلَةِ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْها مُحَمَّدٌ ﷺ ولا هو مَن أهْلِها، ولَكِنَّ كِتابَهُ يُصَدِّقُ ما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ وسَلَّمَ؛ إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ حَقٌّ يَتَعاضَدُ، مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما، وبِوُرُودِ الحَقائِقِ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ يَزْدادُ كُلُّ مَن آمَنَ إيمانًا، ويَزُولُ الرَيْبُ عَنِ المُصَدِّقِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المدثر: ٣١] الآيَةُ... نَوْعٌ مِنَ الفِتْنَةِ لِهَذا الصِنْفِ المُنافِقِ أوِ الكافِرِ، أيْ: جارُوا وضَلُّوا ولَمْ يَهْتَدُوا لِقَصْدِ الحَقِّ، فَجَعَلُوا يَسْتَفْهِمُ بَعْضُهم بَعْضًا عن مُرادِ اللهِ تَعالى بِهَذا المَثَلِ اسْتِبْعادًا أنْ يَكُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: السُورَةُ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ، وإنَّما المَرَضُ في هَذِهِ الآيَةِ الِاضْطِرابُ وضَعْفُ الإيمانِ.
المدثر 74:27
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾
"سَقَرُ" هو الدَرْكُ السادِسُ مِن جَهَنَّمَ عَلى ما رُوِيَ، و"أُصْلِيهِ" مَعْناهُ: أجْعَلُهُ فِيها مُباشِرًا لِنارِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ المَعْنى: لا تُبْقِي عَلى مَن أُلْقِيَ فِيها، ولا تَذَرُ غايَةً مِنَ العَذابِ إلّا أوصَلَتْهُ إلَيْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ"،﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: مَعْناهُ: مُغَيِّرَةٌ لِلْبَشَراتِ، مُحْرِقَةٌ لِلْجُلُودِ مُسَوَّدَةٌ لَها، فـَ "البَشَرُ" جَمْعُ بَشْرَةٍ، وتَقُولُ العَرَبُ: لاحَتِ النارُ الشَيْءَ إذا أحْرَقَتْهُ وسَوَّدَتْهُ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ لاحَّةُ الصَيْفِ والغِيارُ وإشْفا قٌ عَلى سِقْبَةٍ كَقَوْسِ الضالِّ
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎ .......... ∗∗∗ يا بِنْتَ عَمِّي لاحِنِي الهَواجِرَ
(p-٤٥٩)وَقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: "لَوّاحَةٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "لاحَ يَلُوحُ" إذا ظَهَرَ، فالمَعْنى أنَّها تَظْهَرُ لِلنّاسِ وهُمُ البَشَرُ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وذَلِكَ لِعَظْمِها وهَوْلِها وزَفِيرِها، وقَرَأ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ "لَوّاحَةً" بِالنَصْبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ في المَجْرُورِ، ولا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ المُحِيطُونَ بِأمْرِها، الَّذِينَ إلَيْهِمْ جِماعُ أمْرِ زَبانِيَتِها، وقَدْ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّهم عَلى عَدَدِ حُرُوفِ "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" لِأنَّ بِها تَقْوُوا، ورُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَمِعَتْ هَذا كَثُرَ إلْغاطُهم فِيهِ وقالُوا: لَوْ كانَ هَذا حَقًّا فَإنَّ هَذا العَدَدَ قَلِيلٌ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَؤُلاءِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدُهْمُ، أفَيَعْجَزُ عَشْرَةٌ مِنّا عن رَجُلٍ مِنهُمْ؟ وقالَ أبُو الأشَدِّ الجُمَحِيُّ: أنا أُجْهِضُهم عَلى النارِ، إلى غَيْرِ هَذا مِن أقْوالِهِمُ السَخِيفَةِ، فَنَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ [القيامة: ٣٤] الآيَةُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ "تِسْعَةَ عَشْرَ" بِسُكُونِ العَيْنِ مِن "عَشْرَ" لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "تِسْعَةُ عَشَرَ" بِرَفْعِ التاءِ، ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَرَأ: "تِسْعَةَ أعُشْرَ"، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
(p-٤٦٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً﴾ [المدثر: ٣١] تَبْيِينٌ لِفَسادِ أقْوالِ قُرَيْشٍ، أيْ: إنّا جَعَلْناهم خَلْقًا لا قِبَلَ لِأحَدٍ مِنَ الناسِ بِهِمْ، وجَعَلْنا عِدَّتَهم هَذا القَدْرَ فِتْنَةً لِلْكُفّارِ، لِيَقَعَ مِنهم مَنِ التَعاطِي والطَمَعِ في المُبالَغَةِ ما وقَعَ ويَسْتَيْقِنَ أهْلُ -الكِتابِ: التَوْراةِ والإنْجِيلِ- أنَّ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى؛ إذْ يَجِدُونَ هَذِهِ العُدَّةَ في كُتُبِهِمُ المُنَزَّلَةِ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْها مُحَمَّدٌ ﷺ ولا هو مَن أهْلِها، ولَكِنَّ كِتابَهُ يُصَدِّقُ ما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ وسَلَّمَ؛ إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ حَقٌّ يَتَعاضَدُ، مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما، وبِوُرُودِ الحَقائِقِ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ يَزْدادُ كُلُّ مَن آمَنَ إيمانًا، ويَزُولُ الرَيْبُ عَنِ المُصَدِّقِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المدثر: ٣١] الآيَةُ... نَوْعٌ مِنَ الفِتْنَةِ لِهَذا الصِنْفِ المُنافِقِ أوِ الكافِرِ، أيْ: جارُوا وضَلُّوا ولَمْ يَهْتَدُوا لِقَصْدِ الحَقِّ، فَجَعَلُوا يَسْتَفْهِمُ بَعْضُهم بَعْضًا عن مُرادِ اللهِ تَعالى بِهَذا المَثَلِ اسْتِبْعادًا أنْ يَكُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: السُورَةُ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ، وإنَّما المَرَضُ في هَذِهِ الآيَةِ الِاضْطِرابُ وضَعْفُ الإيمانِ.
المدثر 74:28
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾
"سَقَرُ" هو الدَرْكُ السادِسُ مِن جَهَنَّمَ عَلى ما رُوِيَ، و"أُصْلِيهِ" مَعْناهُ: أجْعَلُهُ فِيها مُباشِرًا لِنارِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ المَعْنى: لا تُبْقِي عَلى مَن أُلْقِيَ فِيها، ولا تَذَرُ غايَةً مِنَ العَذابِ إلّا أوصَلَتْهُ إلَيْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ"،﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: مَعْناهُ: مُغَيِّرَةٌ لِلْبَشَراتِ، مُحْرِقَةٌ لِلْجُلُودِ مُسَوَّدَةٌ لَها، فـَ "البَشَرُ" جَمْعُ بَشْرَةٍ، وتَقُولُ العَرَبُ: لاحَتِ النارُ الشَيْءَ إذا أحْرَقَتْهُ وسَوَّدَتْهُ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ لاحَّةُ الصَيْفِ والغِيارُ وإشْفا قٌ عَلى سِقْبَةٍ كَقَوْسِ الضالِّ
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎ .......... ∗∗∗ يا بِنْتَ عَمِّي لاحِنِي الهَواجِرَ
(p-٤٥٩)وَقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: "لَوّاحَةٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "لاحَ يَلُوحُ" إذا ظَهَرَ، فالمَعْنى أنَّها تَظْهَرُ لِلنّاسِ وهُمُ البَشَرُ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وذَلِكَ لِعَظْمِها وهَوْلِها وزَفِيرِها، وقَرَأ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ "لَوّاحَةً" بِالنَصْبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ في المَجْرُورِ، ولا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ المُحِيطُونَ بِأمْرِها، الَّذِينَ إلَيْهِمْ جِماعُ أمْرِ زَبانِيَتِها، وقَدْ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّهم عَلى عَدَدِ حُرُوفِ "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" لِأنَّ بِها تَقْوُوا، ورُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَمِعَتْ هَذا كَثُرَ إلْغاطُهم فِيهِ وقالُوا: لَوْ كانَ هَذا حَقًّا فَإنَّ هَذا العَدَدَ قَلِيلٌ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَؤُلاءِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدُهْمُ، أفَيَعْجَزُ عَشْرَةٌ مِنّا عن رَجُلٍ مِنهُمْ؟ وقالَ أبُو الأشَدِّ الجُمَحِيُّ: أنا أُجْهِضُهم عَلى النارِ، إلى غَيْرِ هَذا مِن أقْوالِهِمُ السَخِيفَةِ، فَنَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ [القيامة: ٣٤] الآيَةُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ "تِسْعَةَ عَشْرَ" بِسُكُونِ العَيْنِ مِن "عَشْرَ" لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "تِسْعَةُ عَشَرَ" بِرَفْعِ التاءِ، ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَرَأ: "تِسْعَةَ أعُشْرَ"، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
(p-٤٦٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً﴾ [المدثر: ٣١] تَبْيِينٌ لِفَسادِ أقْوالِ قُرَيْشٍ، أيْ: إنّا جَعَلْناهم خَلْقًا لا قِبَلَ لِأحَدٍ مِنَ الناسِ بِهِمْ، وجَعَلْنا عِدَّتَهم هَذا القَدْرَ فِتْنَةً لِلْكُفّارِ، لِيَقَعَ مِنهم مَنِ التَعاطِي والطَمَعِ في المُبالَغَةِ ما وقَعَ ويَسْتَيْقِنَ أهْلُ -الكِتابِ: التَوْراةِ والإنْجِيلِ- أنَّ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى؛ إذْ يَجِدُونَ هَذِهِ العُدَّةَ في كُتُبِهِمُ المُنَزَّلَةِ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْها مُحَمَّدٌ ﷺ ولا هو مَن أهْلِها، ولَكِنَّ كِتابَهُ يُصَدِّقُ ما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ وسَلَّمَ؛ إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ حَقٌّ يَتَعاضَدُ، مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما، وبِوُرُودِ الحَقائِقِ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ يَزْدادُ كُلُّ مَن آمَنَ إيمانًا، ويَزُولُ الرَيْبُ عَنِ المُصَدِّقِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المدثر: ٣١] الآيَةُ... نَوْعٌ مِنَ الفِتْنَةِ لِهَذا الصِنْفِ المُنافِقِ أوِ الكافِرِ، أيْ: جارُوا وضَلُّوا ولَمْ يَهْتَدُوا لِقَصْدِ الحَقِّ، فَجَعَلُوا يَسْتَفْهِمُ بَعْضُهم بَعْضًا عن مُرادِ اللهِ تَعالى بِهَذا المَثَلِ اسْتِبْعادًا أنْ يَكُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: السُورَةُ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ، وإنَّما المَرَضُ في هَذِهِ الآيَةِ الِاضْطِرابُ وضَعْفُ الإيمانِ.
المدثر 74:29
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾
"سَقَرُ" هو الدَرْكُ السادِسُ مِن جَهَنَّمَ عَلى ما رُوِيَ، و"أُصْلِيهِ" مَعْناهُ: أجْعَلُهُ فِيها مُباشِرًا لِنارِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ المَعْنى: لا تُبْقِي عَلى مَن أُلْقِيَ فِيها، ولا تَذَرُ غايَةً مِنَ العَذابِ إلّا أوصَلَتْهُ إلَيْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ"،﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: مَعْناهُ: مُغَيِّرَةٌ لِلْبَشَراتِ، مُحْرِقَةٌ لِلْجُلُودِ مُسَوَّدَةٌ لَها، فـَ "البَشَرُ" جَمْعُ بَشْرَةٍ، وتَقُولُ العَرَبُ: لاحَتِ النارُ الشَيْءَ إذا أحْرَقَتْهُ وسَوَّدَتْهُ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ لاحَّةُ الصَيْفِ والغِيارُ وإشْفا قٌ عَلى سِقْبَةٍ كَقَوْسِ الضالِّ
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎ .......... ∗∗∗ يا بِنْتَ عَمِّي لاحِنِي الهَواجِرَ
(p-٤٥٩)وَقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: "لَوّاحَةٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "لاحَ يَلُوحُ" إذا ظَهَرَ، فالمَعْنى أنَّها تَظْهَرُ لِلنّاسِ وهُمُ البَشَرُ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وذَلِكَ لِعَظْمِها وهَوْلِها وزَفِيرِها، وقَرَأ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ "لَوّاحَةً" بِالنَصْبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ في المَجْرُورِ، ولا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ المُحِيطُونَ بِأمْرِها، الَّذِينَ إلَيْهِمْ جِماعُ أمْرِ زَبانِيَتِها، وقَدْ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّهم عَلى عَدَدِ حُرُوفِ "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" لِأنَّ بِها تَقْوُوا، ورُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَمِعَتْ هَذا كَثُرَ إلْغاطُهم فِيهِ وقالُوا: لَوْ كانَ هَذا حَقًّا فَإنَّ هَذا العَدَدَ قَلِيلٌ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَؤُلاءِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدُهْمُ، أفَيَعْجَزُ عَشْرَةٌ مِنّا عن رَجُلٍ مِنهُمْ؟ وقالَ أبُو الأشَدِّ الجُمَحِيُّ: أنا أُجْهِضُهم عَلى النارِ، إلى غَيْرِ هَذا مِن أقْوالِهِمُ السَخِيفَةِ، فَنَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ [القيامة: ٣٤] الآيَةُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ "تِسْعَةَ عَشْرَ" بِسُكُونِ العَيْنِ مِن "عَشْرَ" لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "تِسْعَةُ عَشَرَ" بِرَفْعِ التاءِ، ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَرَأ: "تِسْعَةَ أعُشْرَ"، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
(p-٤٦٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً﴾ [المدثر: ٣١] تَبْيِينٌ لِفَسادِ أقْوالِ قُرَيْشٍ، أيْ: إنّا جَعَلْناهم خَلْقًا لا قِبَلَ لِأحَدٍ مِنَ الناسِ بِهِمْ، وجَعَلْنا عِدَّتَهم هَذا القَدْرَ فِتْنَةً لِلْكُفّارِ، لِيَقَعَ مِنهم مَنِ التَعاطِي والطَمَعِ في المُبالَغَةِ ما وقَعَ ويَسْتَيْقِنَ أهْلُ -الكِتابِ: التَوْراةِ والإنْجِيلِ- أنَّ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى؛ إذْ يَجِدُونَ هَذِهِ العُدَّةَ في كُتُبِهِمُ المُنَزَّلَةِ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْها مُحَمَّدٌ ﷺ ولا هو مَن أهْلِها، ولَكِنَّ كِتابَهُ يُصَدِّقُ ما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ وسَلَّمَ؛ إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ حَقٌّ يَتَعاضَدُ، مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما، وبِوُرُودِ الحَقائِقِ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ يَزْدادُ كُلُّ مَن آمَنَ إيمانًا، ويَزُولُ الرَيْبُ عَنِ المُصَدِّقِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المدثر: ٣١] الآيَةُ... نَوْعٌ مِنَ الفِتْنَةِ لِهَذا الصِنْفِ المُنافِقِ أوِ الكافِرِ، أيْ: جارُوا وضَلُّوا ولَمْ يَهْتَدُوا لِقَصْدِ الحَقِّ، فَجَعَلُوا يَسْتَفْهِمُ بَعْضُهم بَعْضًا عن مُرادِ اللهِ تَعالى بِهَذا المَثَلِ اسْتِبْعادًا أنْ يَكُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: السُورَةُ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ، وإنَّما المَرَضُ في هَذِهِ الآيَةِ الِاضْطِرابُ وضَعْفُ الإيمانِ.
المدثر 74:30
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾
"سَقَرُ" هو الدَرْكُ السادِسُ مِن جَهَنَّمَ عَلى ما رُوِيَ، و"أُصْلِيهِ" مَعْناهُ: أجْعَلُهُ فِيها مُباشِرًا لِنارِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ المَعْنى: لا تُبْقِي عَلى مَن أُلْقِيَ فِيها، ولا تَذَرُ غايَةً مِنَ العَذابِ إلّا أوصَلَتْهُ إلَيْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ"،﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: مَعْناهُ: مُغَيِّرَةٌ لِلْبَشَراتِ، مُحْرِقَةٌ لِلْجُلُودِ مُسَوَّدَةٌ لَها، فـَ "البَشَرُ" جَمْعُ بَشْرَةٍ، وتَقُولُ العَرَبُ: لاحَتِ النارُ الشَيْءَ إذا أحْرَقَتْهُ وسَوَّدَتْهُ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ لاحَّةُ الصَيْفِ والغِيارُ وإشْفا قٌ عَلى سِقْبَةٍ كَقَوْسِ الضالِّ
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎ .......... ∗∗∗ يا بِنْتَ عَمِّي لاحِنِي الهَواجِرَ
(p-٤٥٩)وَقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: "لَوّاحَةٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "لاحَ يَلُوحُ" إذا ظَهَرَ، فالمَعْنى أنَّها تَظْهَرُ لِلنّاسِ وهُمُ البَشَرُ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وذَلِكَ لِعَظْمِها وهَوْلِها وزَفِيرِها، وقَرَأ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ "لَوّاحَةً" بِالنَصْبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ في المَجْرُورِ، ولا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ المُحِيطُونَ بِأمْرِها، الَّذِينَ إلَيْهِمْ جِماعُ أمْرِ زَبانِيَتِها، وقَدْ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّهم عَلى عَدَدِ حُرُوفِ "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" لِأنَّ بِها تَقْوُوا، ورُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَمِعَتْ هَذا كَثُرَ إلْغاطُهم فِيهِ وقالُوا: لَوْ كانَ هَذا حَقًّا فَإنَّ هَذا العَدَدَ قَلِيلٌ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَؤُلاءِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدُهْمُ، أفَيَعْجَزُ عَشْرَةٌ مِنّا عن رَجُلٍ مِنهُمْ؟ وقالَ أبُو الأشَدِّ الجُمَحِيُّ: أنا أُجْهِضُهم عَلى النارِ، إلى غَيْرِ هَذا مِن أقْوالِهِمُ السَخِيفَةِ، فَنَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ [القيامة: ٣٤] الآيَةُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ "تِسْعَةَ عَشْرَ" بِسُكُونِ العَيْنِ مِن "عَشْرَ" لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "تِسْعَةُ عَشَرَ" بِرَفْعِ التاءِ، ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَرَأ: "تِسْعَةَ أعُشْرَ"، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
(p-٤٦٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً﴾ [المدثر: ٣١] تَبْيِينٌ لِفَسادِ أقْوالِ قُرَيْشٍ، أيْ: إنّا جَعَلْناهم خَلْقًا لا قِبَلَ لِأحَدٍ مِنَ الناسِ بِهِمْ، وجَعَلْنا عِدَّتَهم هَذا القَدْرَ فِتْنَةً لِلْكُفّارِ، لِيَقَعَ مِنهم مَنِ التَعاطِي والطَمَعِ في المُبالَغَةِ ما وقَعَ ويَسْتَيْقِنَ أهْلُ -الكِتابِ: التَوْراةِ والإنْجِيلِ- أنَّ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى؛ إذْ يَجِدُونَ هَذِهِ العُدَّةَ في كُتُبِهِمُ المُنَزَّلَةِ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْها مُحَمَّدٌ ﷺ ولا هو مَن أهْلِها، ولَكِنَّ كِتابَهُ يُصَدِّقُ ما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ وسَلَّمَ؛ إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ حَقٌّ يَتَعاضَدُ، مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما، وبِوُرُودِ الحَقائِقِ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ يَزْدادُ كُلُّ مَن آمَنَ إيمانًا، ويَزُولُ الرَيْبُ عَنِ المُصَدِّقِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المدثر: ٣١] الآيَةُ... نَوْعٌ مِنَ الفِتْنَةِ لِهَذا الصِنْفِ المُنافِقِ أوِ الكافِرِ، أيْ: جارُوا وضَلُّوا ولَمْ يَهْتَدُوا لِقَصْدِ الحَقِّ، فَجَعَلُوا يَسْتَفْهِمُ بَعْضُهم بَعْضًا عن مُرادِ اللهِ تَعالى بِهَذا المَثَلِ اسْتِبْعادًا أنْ يَكُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: السُورَةُ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ، وإنَّما المَرَضُ في هَذِهِ الآيَةِ الِاضْطِرابُ وضَعْفُ الإيمانِ.
المدثر 74:31
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللهُ بِهَذا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هو وما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ﴾، أيْ: بِهَذِهِ الصِفَةِ وهَذا الرَيْنُ عَلى القُلُوبِ يَضِلُّ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنَ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ لِما ورَدَ، وذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِالقُدْرَةِ، ووُقُوفِ عُقُولِهِمْ عَلى كُنْهِ سُلْطانِ اللهِ تَعالى، فَهم مُوقِنُونَ مُتَصَوِّرُونَ صِحَّةَ ما أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ وكَتَبَ اللهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، (p-٤٦١)ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الخَبَرَ إنَّما هو عن بَعْضِ القُدْرَةِ لا عن كُلِّها، والسَماءُ كُلُّها عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ، كُلُّهم في عِبادَةٍ مُتَّصِلَةٍ، وخُشُوعٍ دائِمٍ وطاعَةٍ، لا فَتْرَةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا دَقِيقَةَ واحِدَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "هِيَ" لِلنّارِ المَذْكُورَةِ، أيْ يَذْكُرُها البَشَرُ فَيَخافُونَها فَيُطِيعُونَ اللهَ تَعالى، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: قَوْلُهُ تَعالى: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هى"يُرادُ نارَ الدُنْيا، أيْ: إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ بِنارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: "كَلّا" رَدٌّ عَلى الكافِرِينَ وأنْواعِ الطاعِنِينَ عَلى الحَقِّ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِالقَمَرِ، تَخْصِيصُ تَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ عَلى النَظَرِ في عَجائِبِهِ، وقُدْرَةِ اللهِ تَعالى في حَرَكاتِهِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي مَعَ كَثْرَتِها واخْتِلافِها عَلى نِظامٍ واحِدٍ لا يَخْتَلُّ، وكَذَلِكَ هو القَسَمُ بِاللَيْلِ والصُبْحِ، فَيَعُودُ التَعْظِيمُ في آخِرِ الفِكْرَةِ وتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ إلى اللهِ تَعالى، مالِكُ الكُلِّ، وقِوامُ الوُجُودِ، ونُورُ السَماءِ والأرْضِ، لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الغَفّارُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "إذْ دَبَرَ" بِفَتْحِ الدالِ والباءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُبَيْرِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي الزِنادِ، وقَتادَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، وطَلْحَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إذا أدْبَرَ" بِتَسْكِينِ الدالِ وفِعْلٍ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُمْ- والأعْرَجِ، وأبِي شَيْخٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ سِيرِينَ. قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: "دَبَّرَ" مَعْناهُ: انْقَضى، و"أدْبَرَ" مَعْناهُ: تَوَلّى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "إذْ أدْبَرَ" بِالألِفِ في "إذا" وألِفِ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رُزَيْنٍ، وأبِي رَجاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ. وسَألَ مُجاهِدٌ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عن "دُبُرِ اللَيْلِ"، فَتَرَكَهُ حَتّى إذا سَمِعَ المُنادِي الأوَّلَ لِلصُّبْحِ قالَ لَهُ: يا مُجاهِدٌ (p-٤٦٢)هَذا حِينَ دَبَرَ اللَيْلُ، وقالَ قَتادَةُ: "دَبَرَ اللَيْلُ": ولّى، قالَ الشاعِرُ:
؎ وأبِي الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم ∗∗∗ بِهَضّامِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدابِرِ
والعَرَبُ تَقُولُ في كَلامِها: "كَأمْسِ المُدَبِّرِ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالقِراءَتانِ جَمِيعًا حَسَنَتانِ.
وأسْفَرَ الصُبْحُ: أضاءَ وانْتَشَرَ ضَوْءُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ بِكَثِيرٍ، والإسْفارُ رُتِّبَ: أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ السَفْرُ والسِفْرُ والسَفِيرُ وسَفَرَتِ المَرْأةُ عن وجْهِها، وكُلُّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى الظُهُورِ والِانْجِلاءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ الفُضَيْلِ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "إذا أسْفَرَ"، فَكَأنَّ المَعْنى: طَرَحَ الظُلْمَةَ عن وجْهِهِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو رُزَيْنٍ، وغَيْرُهُما الضَمِيرُ لِجَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلنِّذارَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ، فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] ﴿أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨]، و"الكِبَرُ" جَمْعُ كَبِيرَةٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِإحْدى" بِهَمْزَةٍ في ألِفِ "إحْدى"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: "حِدى" دُون هَمْزَةٍ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ:التَخْفِيفُ في "لَإحْدى (p-٤٦٣)الكُبَرِ" أنْ تَجْعَلَ الهَمْزَةَ فِيها بَيْنَ بَيْنَ، فَأمّا حَذْفُ الهَمْزَةِ فَلَيْسَ بِقِياسٍ، وقَدْ جاءَ حَذْفُها، قالَ أبُو الأُسُودِ الدُؤَلِيُّ:
؎ يا أبا المُغِيرَةَ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ∗∗∗ فَرَّجْتُهُ بِالنُكْرِ مِنِّي والَدَّها
وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
؎ إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبَسُونِي بُرْقُعًا.. ∗∗∗ وفَتَخاتٍ في اليَدَيْنِ أرْبَعًا
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَذِيرًا لِلْبَشَرِ"، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ لا نَذِيرَ أدْهى مِنَ النارِ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "إنَّها"، أو مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَإحْدى"، وكَذَلِكَ أيْضًا عَلى الِاحْتِمالِ في أنْ تَكُونَ "إنَّها"، يُرادُ بِها قِصَّةَ الآخِرَةِ وحالَ المَعادِ. وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ هو النَذِيرُ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اعْبُدُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ أوِ ادْعُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ، نادِ نَذِيرًا، أو بَلِّغْ نَذِيرًا، ونَحْوُ هَذا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَصْدَرًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨] ؟ وهَذا اخْتِيارُ الخَلِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، قالَ: ولِذَلِكَ يُوصَفُ بِهِ المُؤَنَّثُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَذِيرٌ" بِالرَفْعِ عَلى إضْمارِ "هُوَ". وقَوْلُهُ تَعالى: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ، قالَ الحَسَنُ هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾، قالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤].
(p-٤٦٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هُوَ بَيانٌ في النَذارَةِ، وإعْلامُ كُلِّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَظَرَ، أيْ: أو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عن هَذِهِ الرُتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ.
ثُمَّ قَوِيَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ إذْ أُلْزِمَ بِهَذا القَوْلِ أنَّ المُقَصِّرَ مُرْتَهِنٌ بِسُوءِ عَمَلِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ حَقَّتْ عَلَيْها كَلِمَةُ العَذابِ، ولا يَرْتَهِنُ اللهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. والهاءُ في "رَهِينَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، أو عَلى تَأْنِيثِ اللَفْظِ لا عَلى مَعْنى الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ اسْتِثْناءٌ ظاهِرُ الِانْفِصالِ، وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكْتَسِبُوا ما هم بِهِ مُرْتَهِنُونَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ في هَذِهِ الآيَةِ أطْفالُ المُسْلِمِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقالَ الضَحّاكُ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللهِ الحُسْنى، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، ولَيْسُوا بِمُرْتَهِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ أصْحابِ اليَمِينِ، وأنَّهم في جَنّاتٍ يَسْألُ بَعْضُهم بعضًا عَمَّنْ غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النارِ قالُوا لَهم -أو قالَتِ المَلائِكَةُ-: "ما سَلَكَكم في سَقَرَ"، و"سَلَكَ" مَعْناهُ: أدْخَلَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَعْدِيِّ:
حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ
المدثر 74:32
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللهُ بِهَذا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هو وما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ﴾، أيْ: بِهَذِهِ الصِفَةِ وهَذا الرَيْنُ عَلى القُلُوبِ يَضِلُّ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنَ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ لِما ورَدَ، وذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِالقُدْرَةِ، ووُقُوفِ عُقُولِهِمْ عَلى كُنْهِ سُلْطانِ اللهِ تَعالى، فَهم مُوقِنُونَ مُتَصَوِّرُونَ صِحَّةَ ما أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ وكَتَبَ اللهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، (p-٤٦١)ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الخَبَرَ إنَّما هو عن بَعْضِ القُدْرَةِ لا عن كُلِّها، والسَماءُ كُلُّها عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ، كُلُّهم في عِبادَةٍ مُتَّصِلَةٍ، وخُشُوعٍ دائِمٍ وطاعَةٍ، لا فَتْرَةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا دَقِيقَةَ واحِدَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "هِيَ" لِلنّارِ المَذْكُورَةِ، أيْ يَذْكُرُها البَشَرُ فَيَخافُونَها فَيُطِيعُونَ اللهَ تَعالى، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: قَوْلُهُ تَعالى: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هى"يُرادُ نارَ الدُنْيا، أيْ: إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ بِنارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: "كَلّا" رَدٌّ عَلى الكافِرِينَ وأنْواعِ الطاعِنِينَ عَلى الحَقِّ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِالقَمَرِ، تَخْصِيصُ تَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ عَلى النَظَرِ في عَجائِبِهِ، وقُدْرَةِ اللهِ تَعالى في حَرَكاتِهِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي مَعَ كَثْرَتِها واخْتِلافِها عَلى نِظامٍ واحِدٍ لا يَخْتَلُّ، وكَذَلِكَ هو القَسَمُ بِاللَيْلِ والصُبْحِ، فَيَعُودُ التَعْظِيمُ في آخِرِ الفِكْرَةِ وتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ إلى اللهِ تَعالى، مالِكُ الكُلِّ، وقِوامُ الوُجُودِ، ونُورُ السَماءِ والأرْضِ، لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الغَفّارُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "إذْ دَبَرَ" بِفَتْحِ الدالِ والباءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُبَيْرِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي الزِنادِ، وقَتادَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، وطَلْحَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إذا أدْبَرَ" بِتَسْكِينِ الدالِ وفِعْلٍ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُمْ- والأعْرَجِ، وأبِي شَيْخٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ سِيرِينَ. قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: "دَبَّرَ" مَعْناهُ: انْقَضى، و"أدْبَرَ" مَعْناهُ: تَوَلّى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "إذْ أدْبَرَ" بِالألِفِ في "إذا" وألِفِ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رُزَيْنٍ، وأبِي رَجاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ. وسَألَ مُجاهِدٌ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عن "دُبُرِ اللَيْلِ"، فَتَرَكَهُ حَتّى إذا سَمِعَ المُنادِي الأوَّلَ لِلصُّبْحِ قالَ لَهُ: يا مُجاهِدٌ (p-٤٦٢)هَذا حِينَ دَبَرَ اللَيْلُ، وقالَ قَتادَةُ: "دَبَرَ اللَيْلُ": ولّى، قالَ الشاعِرُ:
؎ وأبِي الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم ∗∗∗ بِهَضّامِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدابِرِ
والعَرَبُ تَقُولُ في كَلامِها: "كَأمْسِ المُدَبِّرِ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالقِراءَتانِ جَمِيعًا حَسَنَتانِ.
وأسْفَرَ الصُبْحُ: أضاءَ وانْتَشَرَ ضَوْءُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ بِكَثِيرٍ، والإسْفارُ رُتِّبَ: أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ السَفْرُ والسِفْرُ والسَفِيرُ وسَفَرَتِ المَرْأةُ عن وجْهِها، وكُلُّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى الظُهُورِ والِانْجِلاءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ الفُضَيْلِ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "إذا أسْفَرَ"، فَكَأنَّ المَعْنى: طَرَحَ الظُلْمَةَ عن وجْهِهِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو رُزَيْنٍ، وغَيْرُهُما الضَمِيرُ لِجَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلنِّذارَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ، فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] ﴿أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨]، و"الكِبَرُ" جَمْعُ كَبِيرَةٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِإحْدى" بِهَمْزَةٍ في ألِفِ "إحْدى"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: "حِدى" دُون هَمْزَةٍ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ:التَخْفِيفُ في "لَإحْدى (p-٤٦٣)الكُبَرِ" أنْ تَجْعَلَ الهَمْزَةَ فِيها بَيْنَ بَيْنَ، فَأمّا حَذْفُ الهَمْزَةِ فَلَيْسَ بِقِياسٍ، وقَدْ جاءَ حَذْفُها، قالَ أبُو الأُسُودِ الدُؤَلِيُّ:
؎ يا أبا المُغِيرَةَ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ∗∗∗ فَرَّجْتُهُ بِالنُكْرِ مِنِّي والَدَّها
وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
؎ إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبَسُونِي بُرْقُعًا.. ∗∗∗ وفَتَخاتٍ في اليَدَيْنِ أرْبَعًا
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَذِيرًا لِلْبَشَرِ"، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ لا نَذِيرَ أدْهى مِنَ النارِ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "إنَّها"، أو مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَإحْدى"، وكَذَلِكَ أيْضًا عَلى الِاحْتِمالِ في أنْ تَكُونَ "إنَّها"، يُرادُ بِها قِصَّةَ الآخِرَةِ وحالَ المَعادِ. وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ هو النَذِيرُ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اعْبُدُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ أوِ ادْعُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ، نادِ نَذِيرًا، أو بَلِّغْ نَذِيرًا، ونَحْوُ هَذا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَصْدَرًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨] ؟ وهَذا اخْتِيارُ الخَلِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، قالَ: ولِذَلِكَ يُوصَفُ بِهِ المُؤَنَّثُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَذِيرٌ" بِالرَفْعِ عَلى إضْمارِ "هُوَ". وقَوْلُهُ تَعالى: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ، قالَ الحَسَنُ هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾، قالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤].
(p-٤٦٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هُوَ بَيانٌ في النَذارَةِ، وإعْلامُ كُلِّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَظَرَ، أيْ: أو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عن هَذِهِ الرُتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ.
ثُمَّ قَوِيَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ إذْ أُلْزِمَ بِهَذا القَوْلِ أنَّ المُقَصِّرَ مُرْتَهِنٌ بِسُوءِ عَمَلِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ حَقَّتْ عَلَيْها كَلِمَةُ العَذابِ، ولا يَرْتَهِنُ اللهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. والهاءُ في "رَهِينَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، أو عَلى تَأْنِيثِ اللَفْظِ لا عَلى مَعْنى الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ اسْتِثْناءٌ ظاهِرُ الِانْفِصالِ، وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكْتَسِبُوا ما هم بِهِ مُرْتَهِنُونَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ في هَذِهِ الآيَةِ أطْفالُ المُسْلِمِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقالَ الضَحّاكُ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللهِ الحُسْنى، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، ولَيْسُوا بِمُرْتَهِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ أصْحابِ اليَمِينِ، وأنَّهم في جَنّاتٍ يَسْألُ بَعْضُهم بعضًا عَمَّنْ غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النارِ قالُوا لَهم -أو قالَتِ المَلائِكَةُ-: "ما سَلَكَكم في سَقَرَ"، و"سَلَكَ" مَعْناهُ: أدْخَلَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَعْدِيِّ:
حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ
المدثر 74:33
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللهُ بِهَذا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هو وما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ﴾، أيْ: بِهَذِهِ الصِفَةِ وهَذا الرَيْنُ عَلى القُلُوبِ يَضِلُّ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنَ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ لِما ورَدَ، وذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِالقُدْرَةِ، ووُقُوفِ عُقُولِهِمْ عَلى كُنْهِ سُلْطانِ اللهِ تَعالى، فَهم مُوقِنُونَ مُتَصَوِّرُونَ صِحَّةَ ما أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ وكَتَبَ اللهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، (p-٤٦١)ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الخَبَرَ إنَّما هو عن بَعْضِ القُدْرَةِ لا عن كُلِّها، والسَماءُ كُلُّها عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ، كُلُّهم في عِبادَةٍ مُتَّصِلَةٍ، وخُشُوعٍ دائِمٍ وطاعَةٍ، لا فَتْرَةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا دَقِيقَةَ واحِدَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "هِيَ" لِلنّارِ المَذْكُورَةِ، أيْ يَذْكُرُها البَشَرُ فَيَخافُونَها فَيُطِيعُونَ اللهَ تَعالى، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: قَوْلُهُ تَعالى: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هى"يُرادُ نارَ الدُنْيا، أيْ: إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ بِنارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: "كَلّا" رَدٌّ عَلى الكافِرِينَ وأنْواعِ الطاعِنِينَ عَلى الحَقِّ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِالقَمَرِ، تَخْصِيصُ تَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ عَلى النَظَرِ في عَجائِبِهِ، وقُدْرَةِ اللهِ تَعالى في حَرَكاتِهِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي مَعَ كَثْرَتِها واخْتِلافِها عَلى نِظامٍ واحِدٍ لا يَخْتَلُّ، وكَذَلِكَ هو القَسَمُ بِاللَيْلِ والصُبْحِ، فَيَعُودُ التَعْظِيمُ في آخِرِ الفِكْرَةِ وتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ إلى اللهِ تَعالى، مالِكُ الكُلِّ، وقِوامُ الوُجُودِ، ونُورُ السَماءِ والأرْضِ، لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الغَفّارُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "إذْ دَبَرَ" بِفَتْحِ الدالِ والباءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُبَيْرِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي الزِنادِ، وقَتادَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، وطَلْحَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إذا أدْبَرَ" بِتَسْكِينِ الدالِ وفِعْلٍ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُمْ- والأعْرَجِ، وأبِي شَيْخٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ سِيرِينَ. قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: "دَبَّرَ" مَعْناهُ: انْقَضى، و"أدْبَرَ" مَعْناهُ: تَوَلّى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "إذْ أدْبَرَ" بِالألِفِ في "إذا" وألِفِ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رُزَيْنٍ، وأبِي رَجاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ. وسَألَ مُجاهِدٌ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عن "دُبُرِ اللَيْلِ"، فَتَرَكَهُ حَتّى إذا سَمِعَ المُنادِي الأوَّلَ لِلصُّبْحِ قالَ لَهُ: يا مُجاهِدٌ (p-٤٦٢)هَذا حِينَ دَبَرَ اللَيْلُ، وقالَ قَتادَةُ: "دَبَرَ اللَيْلُ": ولّى، قالَ الشاعِرُ:
؎ وأبِي الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم ∗∗∗ بِهَضّامِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدابِرِ
والعَرَبُ تَقُولُ في كَلامِها: "كَأمْسِ المُدَبِّرِ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالقِراءَتانِ جَمِيعًا حَسَنَتانِ.
وأسْفَرَ الصُبْحُ: أضاءَ وانْتَشَرَ ضَوْءُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ بِكَثِيرٍ، والإسْفارُ رُتِّبَ: أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ السَفْرُ والسِفْرُ والسَفِيرُ وسَفَرَتِ المَرْأةُ عن وجْهِها، وكُلُّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى الظُهُورِ والِانْجِلاءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ الفُضَيْلِ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "إذا أسْفَرَ"، فَكَأنَّ المَعْنى: طَرَحَ الظُلْمَةَ عن وجْهِهِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو رُزَيْنٍ، وغَيْرُهُما الضَمِيرُ لِجَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلنِّذارَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ، فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] ﴿أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨]، و"الكِبَرُ" جَمْعُ كَبِيرَةٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِإحْدى" بِهَمْزَةٍ في ألِفِ "إحْدى"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: "حِدى" دُون هَمْزَةٍ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ:التَخْفِيفُ في "لَإحْدى (p-٤٦٣)الكُبَرِ" أنْ تَجْعَلَ الهَمْزَةَ فِيها بَيْنَ بَيْنَ، فَأمّا حَذْفُ الهَمْزَةِ فَلَيْسَ بِقِياسٍ، وقَدْ جاءَ حَذْفُها، قالَ أبُو الأُسُودِ الدُؤَلِيُّ:
؎ يا أبا المُغِيرَةَ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ∗∗∗ فَرَّجْتُهُ بِالنُكْرِ مِنِّي والَدَّها
وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
؎ إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبَسُونِي بُرْقُعًا.. ∗∗∗ وفَتَخاتٍ في اليَدَيْنِ أرْبَعًا
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَذِيرًا لِلْبَشَرِ"، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ لا نَذِيرَ أدْهى مِنَ النارِ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "إنَّها"، أو مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَإحْدى"، وكَذَلِكَ أيْضًا عَلى الِاحْتِمالِ في أنْ تَكُونَ "إنَّها"، يُرادُ بِها قِصَّةَ الآخِرَةِ وحالَ المَعادِ. وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ هو النَذِيرُ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اعْبُدُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ أوِ ادْعُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ، نادِ نَذِيرًا، أو بَلِّغْ نَذِيرًا، ونَحْوُ هَذا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَصْدَرًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨] ؟ وهَذا اخْتِيارُ الخَلِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، قالَ: ولِذَلِكَ يُوصَفُ بِهِ المُؤَنَّثُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَذِيرٌ" بِالرَفْعِ عَلى إضْمارِ "هُوَ". وقَوْلُهُ تَعالى: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ، قالَ الحَسَنُ هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾، قالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤].
(p-٤٦٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هُوَ بَيانٌ في النَذارَةِ، وإعْلامُ كُلِّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَظَرَ، أيْ: أو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عن هَذِهِ الرُتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ.
ثُمَّ قَوِيَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ إذْ أُلْزِمَ بِهَذا القَوْلِ أنَّ المُقَصِّرَ مُرْتَهِنٌ بِسُوءِ عَمَلِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ حَقَّتْ عَلَيْها كَلِمَةُ العَذابِ، ولا يَرْتَهِنُ اللهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. والهاءُ في "رَهِينَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، أو عَلى تَأْنِيثِ اللَفْظِ لا عَلى مَعْنى الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ اسْتِثْناءٌ ظاهِرُ الِانْفِصالِ، وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكْتَسِبُوا ما هم بِهِ مُرْتَهِنُونَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ في هَذِهِ الآيَةِ أطْفالُ المُسْلِمِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقالَ الضَحّاكُ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللهِ الحُسْنى، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، ولَيْسُوا بِمُرْتَهِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ أصْحابِ اليَمِينِ، وأنَّهم في جَنّاتٍ يَسْألُ بَعْضُهم بعضًا عَمَّنْ غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النارِ قالُوا لَهم -أو قالَتِ المَلائِكَةُ-: "ما سَلَكَكم في سَقَرَ"، و"سَلَكَ" مَعْناهُ: أدْخَلَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَعْدِيِّ:
حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ
المدثر 74:34
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللهُ بِهَذا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هو وما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ﴾، أيْ: بِهَذِهِ الصِفَةِ وهَذا الرَيْنُ عَلى القُلُوبِ يَضِلُّ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنَ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ لِما ورَدَ، وذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِالقُدْرَةِ، ووُقُوفِ عُقُولِهِمْ عَلى كُنْهِ سُلْطانِ اللهِ تَعالى، فَهم مُوقِنُونَ مُتَصَوِّرُونَ صِحَّةَ ما أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ وكَتَبَ اللهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، (p-٤٦١)ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الخَبَرَ إنَّما هو عن بَعْضِ القُدْرَةِ لا عن كُلِّها، والسَماءُ كُلُّها عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ، كُلُّهم في عِبادَةٍ مُتَّصِلَةٍ، وخُشُوعٍ دائِمٍ وطاعَةٍ، لا فَتْرَةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا دَقِيقَةَ واحِدَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "هِيَ" لِلنّارِ المَذْكُورَةِ، أيْ يَذْكُرُها البَشَرُ فَيَخافُونَها فَيُطِيعُونَ اللهَ تَعالى، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: قَوْلُهُ تَعالى: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هى"يُرادُ نارَ الدُنْيا، أيْ: إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ بِنارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: "كَلّا" رَدٌّ عَلى الكافِرِينَ وأنْواعِ الطاعِنِينَ عَلى الحَقِّ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِالقَمَرِ، تَخْصِيصُ تَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ عَلى النَظَرِ في عَجائِبِهِ، وقُدْرَةِ اللهِ تَعالى في حَرَكاتِهِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي مَعَ كَثْرَتِها واخْتِلافِها عَلى نِظامٍ واحِدٍ لا يَخْتَلُّ، وكَذَلِكَ هو القَسَمُ بِاللَيْلِ والصُبْحِ، فَيَعُودُ التَعْظِيمُ في آخِرِ الفِكْرَةِ وتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ إلى اللهِ تَعالى، مالِكُ الكُلِّ، وقِوامُ الوُجُودِ، ونُورُ السَماءِ والأرْضِ، لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الغَفّارُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "إذْ دَبَرَ" بِفَتْحِ الدالِ والباءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُبَيْرِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي الزِنادِ، وقَتادَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، وطَلْحَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إذا أدْبَرَ" بِتَسْكِينِ الدالِ وفِعْلٍ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُمْ- والأعْرَجِ، وأبِي شَيْخٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ سِيرِينَ. قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: "دَبَّرَ" مَعْناهُ: انْقَضى، و"أدْبَرَ" مَعْناهُ: تَوَلّى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "إذْ أدْبَرَ" بِالألِفِ في "إذا" وألِفِ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رُزَيْنٍ، وأبِي رَجاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ. وسَألَ مُجاهِدٌ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عن "دُبُرِ اللَيْلِ"، فَتَرَكَهُ حَتّى إذا سَمِعَ المُنادِي الأوَّلَ لِلصُّبْحِ قالَ لَهُ: يا مُجاهِدٌ (p-٤٦٢)هَذا حِينَ دَبَرَ اللَيْلُ، وقالَ قَتادَةُ: "دَبَرَ اللَيْلُ": ولّى، قالَ الشاعِرُ:
؎ وأبِي الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم ∗∗∗ بِهَضّامِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدابِرِ
والعَرَبُ تَقُولُ في كَلامِها: "كَأمْسِ المُدَبِّرِ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالقِراءَتانِ جَمِيعًا حَسَنَتانِ.
وأسْفَرَ الصُبْحُ: أضاءَ وانْتَشَرَ ضَوْءُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ بِكَثِيرٍ، والإسْفارُ رُتِّبَ: أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ السَفْرُ والسِفْرُ والسَفِيرُ وسَفَرَتِ المَرْأةُ عن وجْهِها، وكُلُّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى الظُهُورِ والِانْجِلاءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ الفُضَيْلِ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "إذا أسْفَرَ"، فَكَأنَّ المَعْنى: طَرَحَ الظُلْمَةَ عن وجْهِهِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو رُزَيْنٍ، وغَيْرُهُما الضَمِيرُ لِجَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلنِّذارَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ، فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] ﴿أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨]، و"الكِبَرُ" جَمْعُ كَبِيرَةٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِإحْدى" بِهَمْزَةٍ في ألِفِ "إحْدى"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: "حِدى" دُون هَمْزَةٍ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ:التَخْفِيفُ في "لَإحْدى (p-٤٦٣)الكُبَرِ" أنْ تَجْعَلَ الهَمْزَةَ فِيها بَيْنَ بَيْنَ، فَأمّا حَذْفُ الهَمْزَةِ فَلَيْسَ بِقِياسٍ، وقَدْ جاءَ حَذْفُها، قالَ أبُو الأُسُودِ الدُؤَلِيُّ:
؎ يا أبا المُغِيرَةَ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ∗∗∗ فَرَّجْتُهُ بِالنُكْرِ مِنِّي والَدَّها
وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
؎ إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبَسُونِي بُرْقُعًا.. ∗∗∗ وفَتَخاتٍ في اليَدَيْنِ أرْبَعًا
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَذِيرًا لِلْبَشَرِ"، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ لا نَذِيرَ أدْهى مِنَ النارِ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "إنَّها"، أو مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَإحْدى"، وكَذَلِكَ أيْضًا عَلى الِاحْتِمالِ في أنْ تَكُونَ "إنَّها"، يُرادُ بِها قِصَّةَ الآخِرَةِ وحالَ المَعادِ. وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ هو النَذِيرُ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اعْبُدُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ أوِ ادْعُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ، نادِ نَذِيرًا، أو بَلِّغْ نَذِيرًا، ونَحْوُ هَذا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَصْدَرًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨] ؟ وهَذا اخْتِيارُ الخَلِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، قالَ: ولِذَلِكَ يُوصَفُ بِهِ المُؤَنَّثُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَذِيرٌ" بِالرَفْعِ عَلى إضْمارِ "هُوَ". وقَوْلُهُ تَعالى: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ، قالَ الحَسَنُ هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾، قالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤].
(p-٤٦٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هُوَ بَيانٌ في النَذارَةِ، وإعْلامُ كُلِّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَظَرَ، أيْ: أو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عن هَذِهِ الرُتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ.
ثُمَّ قَوِيَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ إذْ أُلْزِمَ بِهَذا القَوْلِ أنَّ المُقَصِّرَ مُرْتَهِنٌ بِسُوءِ عَمَلِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ حَقَّتْ عَلَيْها كَلِمَةُ العَذابِ، ولا يَرْتَهِنُ اللهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. والهاءُ في "رَهِينَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، أو عَلى تَأْنِيثِ اللَفْظِ لا عَلى مَعْنى الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ اسْتِثْناءٌ ظاهِرُ الِانْفِصالِ، وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكْتَسِبُوا ما هم بِهِ مُرْتَهِنُونَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ في هَذِهِ الآيَةِ أطْفالُ المُسْلِمِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقالَ الضَحّاكُ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللهِ الحُسْنى، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، ولَيْسُوا بِمُرْتَهِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ أصْحابِ اليَمِينِ، وأنَّهم في جَنّاتٍ يَسْألُ بَعْضُهم بعضًا عَمَّنْ غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النارِ قالُوا لَهم -أو قالَتِ المَلائِكَةُ-: "ما سَلَكَكم في سَقَرَ"، و"سَلَكَ" مَعْناهُ: أدْخَلَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَعْدِيِّ:
حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ
المدثر 74:35
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللهُ بِهَذا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هو وما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ﴾، أيْ: بِهَذِهِ الصِفَةِ وهَذا الرَيْنُ عَلى القُلُوبِ يَضِلُّ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنَ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ لِما ورَدَ، وذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِالقُدْرَةِ، ووُقُوفِ عُقُولِهِمْ عَلى كُنْهِ سُلْطانِ اللهِ تَعالى، فَهم مُوقِنُونَ مُتَصَوِّرُونَ صِحَّةَ ما أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ وكَتَبَ اللهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، (p-٤٦١)ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الخَبَرَ إنَّما هو عن بَعْضِ القُدْرَةِ لا عن كُلِّها، والسَماءُ كُلُّها عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ، كُلُّهم في عِبادَةٍ مُتَّصِلَةٍ، وخُشُوعٍ دائِمٍ وطاعَةٍ، لا فَتْرَةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا دَقِيقَةَ واحِدَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "هِيَ" لِلنّارِ المَذْكُورَةِ، أيْ يَذْكُرُها البَشَرُ فَيَخافُونَها فَيُطِيعُونَ اللهَ تَعالى، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: قَوْلُهُ تَعالى: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هى"يُرادُ نارَ الدُنْيا، أيْ: إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ بِنارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: "كَلّا" رَدٌّ عَلى الكافِرِينَ وأنْواعِ الطاعِنِينَ عَلى الحَقِّ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِالقَمَرِ، تَخْصِيصُ تَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ عَلى النَظَرِ في عَجائِبِهِ، وقُدْرَةِ اللهِ تَعالى في حَرَكاتِهِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي مَعَ كَثْرَتِها واخْتِلافِها عَلى نِظامٍ واحِدٍ لا يَخْتَلُّ، وكَذَلِكَ هو القَسَمُ بِاللَيْلِ والصُبْحِ، فَيَعُودُ التَعْظِيمُ في آخِرِ الفِكْرَةِ وتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ إلى اللهِ تَعالى، مالِكُ الكُلِّ، وقِوامُ الوُجُودِ، ونُورُ السَماءِ والأرْضِ، لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الغَفّارُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "إذْ دَبَرَ" بِفَتْحِ الدالِ والباءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُبَيْرِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي الزِنادِ، وقَتادَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، وطَلْحَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إذا أدْبَرَ" بِتَسْكِينِ الدالِ وفِعْلٍ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُمْ- والأعْرَجِ، وأبِي شَيْخٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ سِيرِينَ. قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: "دَبَّرَ" مَعْناهُ: انْقَضى، و"أدْبَرَ" مَعْناهُ: تَوَلّى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "إذْ أدْبَرَ" بِالألِفِ في "إذا" وألِفِ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رُزَيْنٍ، وأبِي رَجاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ. وسَألَ مُجاهِدٌ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عن "دُبُرِ اللَيْلِ"، فَتَرَكَهُ حَتّى إذا سَمِعَ المُنادِي الأوَّلَ لِلصُّبْحِ قالَ لَهُ: يا مُجاهِدٌ (p-٤٦٢)هَذا حِينَ دَبَرَ اللَيْلُ، وقالَ قَتادَةُ: "دَبَرَ اللَيْلُ": ولّى، قالَ الشاعِرُ:
؎ وأبِي الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم ∗∗∗ بِهَضّامِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدابِرِ
والعَرَبُ تَقُولُ في كَلامِها: "كَأمْسِ المُدَبِّرِ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالقِراءَتانِ جَمِيعًا حَسَنَتانِ.
وأسْفَرَ الصُبْحُ: أضاءَ وانْتَشَرَ ضَوْءُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ بِكَثِيرٍ، والإسْفارُ رُتِّبَ: أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ السَفْرُ والسِفْرُ والسَفِيرُ وسَفَرَتِ المَرْأةُ عن وجْهِها، وكُلُّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى الظُهُورِ والِانْجِلاءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ الفُضَيْلِ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "إذا أسْفَرَ"، فَكَأنَّ المَعْنى: طَرَحَ الظُلْمَةَ عن وجْهِهِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو رُزَيْنٍ، وغَيْرُهُما الضَمِيرُ لِجَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلنِّذارَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ، فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] ﴿أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨]، و"الكِبَرُ" جَمْعُ كَبِيرَةٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِإحْدى" بِهَمْزَةٍ في ألِفِ "إحْدى"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: "حِدى" دُون هَمْزَةٍ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ:التَخْفِيفُ في "لَإحْدى (p-٤٦٣)الكُبَرِ" أنْ تَجْعَلَ الهَمْزَةَ فِيها بَيْنَ بَيْنَ، فَأمّا حَذْفُ الهَمْزَةِ فَلَيْسَ بِقِياسٍ، وقَدْ جاءَ حَذْفُها، قالَ أبُو الأُسُودِ الدُؤَلِيُّ:
؎ يا أبا المُغِيرَةَ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ∗∗∗ فَرَّجْتُهُ بِالنُكْرِ مِنِّي والَدَّها
وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
؎ إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبَسُونِي بُرْقُعًا.. ∗∗∗ وفَتَخاتٍ في اليَدَيْنِ أرْبَعًا
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَذِيرًا لِلْبَشَرِ"، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ لا نَذِيرَ أدْهى مِنَ النارِ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "إنَّها"، أو مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَإحْدى"، وكَذَلِكَ أيْضًا عَلى الِاحْتِمالِ في أنْ تَكُونَ "إنَّها"، يُرادُ بِها قِصَّةَ الآخِرَةِ وحالَ المَعادِ. وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ هو النَذِيرُ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اعْبُدُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ أوِ ادْعُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ، نادِ نَذِيرًا، أو بَلِّغْ نَذِيرًا، ونَحْوُ هَذا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَصْدَرًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨] ؟ وهَذا اخْتِيارُ الخَلِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، قالَ: ولِذَلِكَ يُوصَفُ بِهِ المُؤَنَّثُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَذِيرٌ" بِالرَفْعِ عَلى إضْمارِ "هُوَ". وقَوْلُهُ تَعالى: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ، قالَ الحَسَنُ هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾، قالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤].
(p-٤٦٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هُوَ بَيانٌ في النَذارَةِ، وإعْلامُ كُلِّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَظَرَ، أيْ: أو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عن هَذِهِ الرُتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ.
ثُمَّ قَوِيَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ إذْ أُلْزِمَ بِهَذا القَوْلِ أنَّ المُقَصِّرَ مُرْتَهِنٌ بِسُوءِ عَمَلِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ حَقَّتْ عَلَيْها كَلِمَةُ العَذابِ، ولا يَرْتَهِنُ اللهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. والهاءُ في "رَهِينَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، أو عَلى تَأْنِيثِ اللَفْظِ لا عَلى مَعْنى الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ اسْتِثْناءٌ ظاهِرُ الِانْفِصالِ، وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكْتَسِبُوا ما هم بِهِ مُرْتَهِنُونَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ في هَذِهِ الآيَةِ أطْفالُ المُسْلِمِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقالَ الضَحّاكُ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللهِ الحُسْنى، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، ولَيْسُوا بِمُرْتَهِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ أصْحابِ اليَمِينِ، وأنَّهم في جَنّاتٍ يَسْألُ بَعْضُهم بعضًا عَمَّنْ غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النارِ قالُوا لَهم -أو قالَتِ المَلائِكَةُ-: "ما سَلَكَكم في سَقَرَ"، و"سَلَكَ" مَعْناهُ: أدْخَلَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَعْدِيِّ:
حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ
المدثر 74:36
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللهُ بِهَذا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هو وما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ﴾، أيْ: بِهَذِهِ الصِفَةِ وهَذا الرَيْنُ عَلى القُلُوبِ يَضِلُّ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنَ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ لِما ورَدَ، وذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِالقُدْرَةِ، ووُقُوفِ عُقُولِهِمْ عَلى كُنْهِ سُلْطانِ اللهِ تَعالى، فَهم مُوقِنُونَ مُتَصَوِّرُونَ صِحَّةَ ما أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ وكَتَبَ اللهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، (p-٤٦١)ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الخَبَرَ إنَّما هو عن بَعْضِ القُدْرَةِ لا عن كُلِّها، والسَماءُ كُلُّها عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ، كُلُّهم في عِبادَةٍ مُتَّصِلَةٍ، وخُشُوعٍ دائِمٍ وطاعَةٍ، لا فَتْرَةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا دَقِيقَةَ واحِدَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "هِيَ" لِلنّارِ المَذْكُورَةِ، أيْ يَذْكُرُها البَشَرُ فَيَخافُونَها فَيُطِيعُونَ اللهَ تَعالى، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: قَوْلُهُ تَعالى: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هى"يُرادُ نارَ الدُنْيا، أيْ: إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ بِنارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: "كَلّا" رَدٌّ عَلى الكافِرِينَ وأنْواعِ الطاعِنِينَ عَلى الحَقِّ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِالقَمَرِ، تَخْصِيصُ تَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ عَلى النَظَرِ في عَجائِبِهِ، وقُدْرَةِ اللهِ تَعالى في حَرَكاتِهِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي مَعَ كَثْرَتِها واخْتِلافِها عَلى نِظامٍ واحِدٍ لا يَخْتَلُّ، وكَذَلِكَ هو القَسَمُ بِاللَيْلِ والصُبْحِ، فَيَعُودُ التَعْظِيمُ في آخِرِ الفِكْرَةِ وتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ إلى اللهِ تَعالى، مالِكُ الكُلِّ، وقِوامُ الوُجُودِ، ونُورُ السَماءِ والأرْضِ، لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الغَفّارُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "إذْ دَبَرَ" بِفَتْحِ الدالِ والباءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُبَيْرِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي الزِنادِ، وقَتادَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، وطَلْحَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إذا أدْبَرَ" بِتَسْكِينِ الدالِ وفِعْلٍ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُمْ- والأعْرَجِ، وأبِي شَيْخٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ سِيرِينَ. قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: "دَبَّرَ" مَعْناهُ: انْقَضى، و"أدْبَرَ" مَعْناهُ: تَوَلّى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "إذْ أدْبَرَ" بِالألِفِ في "إذا" وألِفِ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رُزَيْنٍ، وأبِي رَجاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ. وسَألَ مُجاهِدٌ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عن "دُبُرِ اللَيْلِ"، فَتَرَكَهُ حَتّى إذا سَمِعَ المُنادِي الأوَّلَ لِلصُّبْحِ قالَ لَهُ: يا مُجاهِدٌ (p-٤٦٢)هَذا حِينَ دَبَرَ اللَيْلُ، وقالَ قَتادَةُ: "دَبَرَ اللَيْلُ": ولّى، قالَ الشاعِرُ:
؎ وأبِي الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم ∗∗∗ بِهَضّامِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدابِرِ
والعَرَبُ تَقُولُ في كَلامِها: "كَأمْسِ المُدَبِّرِ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالقِراءَتانِ جَمِيعًا حَسَنَتانِ.
وأسْفَرَ الصُبْحُ: أضاءَ وانْتَشَرَ ضَوْءُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ بِكَثِيرٍ، والإسْفارُ رُتِّبَ: أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ السَفْرُ والسِفْرُ والسَفِيرُ وسَفَرَتِ المَرْأةُ عن وجْهِها، وكُلُّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى الظُهُورِ والِانْجِلاءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ الفُضَيْلِ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "إذا أسْفَرَ"، فَكَأنَّ المَعْنى: طَرَحَ الظُلْمَةَ عن وجْهِهِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو رُزَيْنٍ، وغَيْرُهُما الضَمِيرُ لِجَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلنِّذارَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ، فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] ﴿أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨]، و"الكِبَرُ" جَمْعُ كَبِيرَةٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِإحْدى" بِهَمْزَةٍ في ألِفِ "إحْدى"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: "حِدى" دُون هَمْزَةٍ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ:التَخْفِيفُ في "لَإحْدى (p-٤٦٣)الكُبَرِ" أنْ تَجْعَلَ الهَمْزَةَ فِيها بَيْنَ بَيْنَ، فَأمّا حَذْفُ الهَمْزَةِ فَلَيْسَ بِقِياسٍ، وقَدْ جاءَ حَذْفُها، قالَ أبُو الأُسُودِ الدُؤَلِيُّ:
؎ يا أبا المُغِيرَةَ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ∗∗∗ فَرَّجْتُهُ بِالنُكْرِ مِنِّي والَدَّها
وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
؎ إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبَسُونِي بُرْقُعًا.. ∗∗∗ وفَتَخاتٍ في اليَدَيْنِ أرْبَعًا
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَذِيرًا لِلْبَشَرِ"، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ لا نَذِيرَ أدْهى مِنَ النارِ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "إنَّها"، أو مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَإحْدى"، وكَذَلِكَ أيْضًا عَلى الِاحْتِمالِ في أنْ تَكُونَ "إنَّها"، يُرادُ بِها قِصَّةَ الآخِرَةِ وحالَ المَعادِ. وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ هو النَذِيرُ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اعْبُدُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ أوِ ادْعُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ، نادِ نَذِيرًا، أو بَلِّغْ نَذِيرًا، ونَحْوُ هَذا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَصْدَرًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨] ؟ وهَذا اخْتِيارُ الخَلِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، قالَ: ولِذَلِكَ يُوصَفُ بِهِ المُؤَنَّثُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَذِيرٌ" بِالرَفْعِ عَلى إضْمارِ "هُوَ". وقَوْلُهُ تَعالى: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ، قالَ الحَسَنُ هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾، قالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤].
(p-٤٦٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هُوَ بَيانٌ في النَذارَةِ، وإعْلامُ كُلِّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَظَرَ، أيْ: أو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عن هَذِهِ الرُتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ.
ثُمَّ قَوِيَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ إذْ أُلْزِمَ بِهَذا القَوْلِ أنَّ المُقَصِّرَ مُرْتَهِنٌ بِسُوءِ عَمَلِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ حَقَّتْ عَلَيْها كَلِمَةُ العَذابِ، ولا يَرْتَهِنُ اللهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. والهاءُ في "رَهِينَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، أو عَلى تَأْنِيثِ اللَفْظِ لا عَلى مَعْنى الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ اسْتِثْناءٌ ظاهِرُ الِانْفِصالِ، وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكْتَسِبُوا ما هم بِهِ مُرْتَهِنُونَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ في هَذِهِ الآيَةِ أطْفالُ المُسْلِمِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقالَ الضَحّاكُ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللهِ الحُسْنى، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، ولَيْسُوا بِمُرْتَهِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ أصْحابِ اليَمِينِ، وأنَّهم في جَنّاتٍ يَسْألُ بَعْضُهم بعضًا عَمَّنْ غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النارِ قالُوا لَهم -أو قالَتِ المَلائِكَةُ-: "ما سَلَكَكم في سَقَرَ"، و"سَلَكَ" مَعْناهُ: أدْخَلَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَعْدِيِّ:
حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ
المدثر 74:37
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللهُ بِهَذا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هو وما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ﴾، أيْ: بِهَذِهِ الصِفَةِ وهَذا الرَيْنُ عَلى القُلُوبِ يَضِلُّ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنَ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ لِما ورَدَ، وذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِالقُدْرَةِ، ووُقُوفِ عُقُولِهِمْ عَلى كُنْهِ سُلْطانِ اللهِ تَعالى، فَهم مُوقِنُونَ مُتَصَوِّرُونَ صِحَّةَ ما أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ وكَتَبَ اللهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، (p-٤٦١)ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الخَبَرَ إنَّما هو عن بَعْضِ القُدْرَةِ لا عن كُلِّها، والسَماءُ كُلُّها عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ، كُلُّهم في عِبادَةٍ مُتَّصِلَةٍ، وخُشُوعٍ دائِمٍ وطاعَةٍ، لا فَتْرَةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا دَقِيقَةَ واحِدَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "هِيَ" لِلنّارِ المَذْكُورَةِ، أيْ يَذْكُرُها البَشَرُ فَيَخافُونَها فَيُطِيعُونَ اللهَ تَعالى، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: قَوْلُهُ تَعالى: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هى"يُرادُ نارَ الدُنْيا، أيْ: إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ بِنارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: "كَلّا" رَدٌّ عَلى الكافِرِينَ وأنْواعِ الطاعِنِينَ عَلى الحَقِّ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِالقَمَرِ، تَخْصِيصُ تَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ عَلى النَظَرِ في عَجائِبِهِ، وقُدْرَةِ اللهِ تَعالى في حَرَكاتِهِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي مَعَ كَثْرَتِها واخْتِلافِها عَلى نِظامٍ واحِدٍ لا يَخْتَلُّ، وكَذَلِكَ هو القَسَمُ بِاللَيْلِ والصُبْحِ، فَيَعُودُ التَعْظِيمُ في آخِرِ الفِكْرَةِ وتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ إلى اللهِ تَعالى، مالِكُ الكُلِّ، وقِوامُ الوُجُودِ، ونُورُ السَماءِ والأرْضِ، لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الغَفّارُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "إذْ دَبَرَ" بِفَتْحِ الدالِ والباءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُبَيْرِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي الزِنادِ، وقَتادَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، وطَلْحَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إذا أدْبَرَ" بِتَسْكِينِ الدالِ وفِعْلٍ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُمْ- والأعْرَجِ، وأبِي شَيْخٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ سِيرِينَ. قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: "دَبَّرَ" مَعْناهُ: انْقَضى، و"أدْبَرَ" مَعْناهُ: تَوَلّى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "إذْ أدْبَرَ" بِالألِفِ في "إذا" وألِفِ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رُزَيْنٍ، وأبِي رَجاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ. وسَألَ مُجاهِدٌ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عن "دُبُرِ اللَيْلِ"، فَتَرَكَهُ حَتّى إذا سَمِعَ المُنادِي الأوَّلَ لِلصُّبْحِ قالَ لَهُ: يا مُجاهِدٌ (p-٤٦٢)هَذا حِينَ دَبَرَ اللَيْلُ، وقالَ قَتادَةُ: "دَبَرَ اللَيْلُ": ولّى، قالَ الشاعِرُ:
؎ وأبِي الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم ∗∗∗ بِهَضّامِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدابِرِ
والعَرَبُ تَقُولُ في كَلامِها: "كَأمْسِ المُدَبِّرِ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالقِراءَتانِ جَمِيعًا حَسَنَتانِ.
وأسْفَرَ الصُبْحُ: أضاءَ وانْتَشَرَ ضَوْءُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ بِكَثِيرٍ، والإسْفارُ رُتِّبَ: أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ السَفْرُ والسِفْرُ والسَفِيرُ وسَفَرَتِ المَرْأةُ عن وجْهِها، وكُلُّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى الظُهُورِ والِانْجِلاءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ الفُضَيْلِ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "إذا أسْفَرَ"، فَكَأنَّ المَعْنى: طَرَحَ الظُلْمَةَ عن وجْهِهِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو رُزَيْنٍ، وغَيْرُهُما الضَمِيرُ لِجَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلنِّذارَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ، فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] ﴿أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨]، و"الكِبَرُ" جَمْعُ كَبِيرَةٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِإحْدى" بِهَمْزَةٍ في ألِفِ "إحْدى"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: "حِدى" دُون هَمْزَةٍ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ:التَخْفِيفُ في "لَإحْدى (p-٤٦٣)الكُبَرِ" أنْ تَجْعَلَ الهَمْزَةَ فِيها بَيْنَ بَيْنَ، فَأمّا حَذْفُ الهَمْزَةِ فَلَيْسَ بِقِياسٍ، وقَدْ جاءَ حَذْفُها، قالَ أبُو الأُسُودِ الدُؤَلِيُّ:
؎ يا أبا المُغِيرَةَ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ∗∗∗ فَرَّجْتُهُ بِالنُكْرِ مِنِّي والَدَّها
وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
؎ إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبَسُونِي بُرْقُعًا.. ∗∗∗ وفَتَخاتٍ في اليَدَيْنِ أرْبَعًا
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَذِيرًا لِلْبَشَرِ"، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ لا نَذِيرَ أدْهى مِنَ النارِ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "إنَّها"، أو مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَإحْدى"، وكَذَلِكَ أيْضًا عَلى الِاحْتِمالِ في أنْ تَكُونَ "إنَّها"، يُرادُ بِها قِصَّةَ الآخِرَةِ وحالَ المَعادِ. وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ هو النَذِيرُ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اعْبُدُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ أوِ ادْعُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ، نادِ نَذِيرًا، أو بَلِّغْ نَذِيرًا، ونَحْوُ هَذا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَصْدَرًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨] ؟ وهَذا اخْتِيارُ الخَلِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، قالَ: ولِذَلِكَ يُوصَفُ بِهِ المُؤَنَّثُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَذِيرٌ" بِالرَفْعِ عَلى إضْمارِ "هُوَ". وقَوْلُهُ تَعالى: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ، قالَ الحَسَنُ هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾، قالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤].
(p-٤٦٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هُوَ بَيانٌ في النَذارَةِ، وإعْلامُ كُلِّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَظَرَ، أيْ: أو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عن هَذِهِ الرُتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ.
ثُمَّ قَوِيَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ إذْ أُلْزِمَ بِهَذا القَوْلِ أنَّ المُقَصِّرَ مُرْتَهِنٌ بِسُوءِ عَمَلِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ حَقَّتْ عَلَيْها كَلِمَةُ العَذابِ، ولا يَرْتَهِنُ اللهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. والهاءُ في "رَهِينَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، أو عَلى تَأْنِيثِ اللَفْظِ لا عَلى مَعْنى الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ اسْتِثْناءٌ ظاهِرُ الِانْفِصالِ، وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكْتَسِبُوا ما هم بِهِ مُرْتَهِنُونَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ في هَذِهِ الآيَةِ أطْفالُ المُسْلِمِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقالَ الضَحّاكُ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللهِ الحُسْنى، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، ولَيْسُوا بِمُرْتَهِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ أصْحابِ اليَمِينِ، وأنَّهم في جَنّاتٍ يَسْألُ بَعْضُهم بعضًا عَمَّنْ غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النارِ قالُوا لَهم -أو قالَتِ المَلائِكَةُ-: "ما سَلَكَكم في سَقَرَ"، و"سَلَكَ" مَعْناهُ: أدْخَلَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَعْدِيِّ:
حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ
المدثر 74:38
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللهُ بِهَذا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هو وما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ﴾، أيْ: بِهَذِهِ الصِفَةِ وهَذا الرَيْنُ عَلى القُلُوبِ يَضِلُّ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنَ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ لِما ورَدَ، وذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِالقُدْرَةِ، ووُقُوفِ عُقُولِهِمْ عَلى كُنْهِ سُلْطانِ اللهِ تَعالى، فَهم مُوقِنُونَ مُتَصَوِّرُونَ صِحَّةَ ما أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ وكَتَبَ اللهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، (p-٤٦١)ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الخَبَرَ إنَّما هو عن بَعْضِ القُدْرَةِ لا عن كُلِّها، والسَماءُ كُلُّها عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ، كُلُّهم في عِبادَةٍ مُتَّصِلَةٍ، وخُشُوعٍ دائِمٍ وطاعَةٍ، لا فَتْرَةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا دَقِيقَةَ واحِدَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "هِيَ" لِلنّارِ المَذْكُورَةِ، أيْ يَذْكُرُها البَشَرُ فَيَخافُونَها فَيُطِيعُونَ اللهَ تَعالى، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: قَوْلُهُ تَعالى: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هى"يُرادُ نارَ الدُنْيا، أيْ: إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ بِنارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: "كَلّا" رَدٌّ عَلى الكافِرِينَ وأنْواعِ الطاعِنِينَ عَلى الحَقِّ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِالقَمَرِ، تَخْصِيصُ تَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ عَلى النَظَرِ في عَجائِبِهِ، وقُدْرَةِ اللهِ تَعالى في حَرَكاتِهِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي مَعَ كَثْرَتِها واخْتِلافِها عَلى نِظامٍ واحِدٍ لا يَخْتَلُّ، وكَذَلِكَ هو القَسَمُ بِاللَيْلِ والصُبْحِ، فَيَعُودُ التَعْظِيمُ في آخِرِ الفِكْرَةِ وتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ إلى اللهِ تَعالى، مالِكُ الكُلِّ، وقِوامُ الوُجُودِ، ونُورُ السَماءِ والأرْضِ، لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الغَفّارُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "إذْ دَبَرَ" بِفَتْحِ الدالِ والباءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُبَيْرِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي الزِنادِ، وقَتادَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، وطَلْحَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إذا أدْبَرَ" بِتَسْكِينِ الدالِ وفِعْلٍ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُمْ- والأعْرَجِ، وأبِي شَيْخٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ سِيرِينَ. قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: "دَبَّرَ" مَعْناهُ: انْقَضى، و"أدْبَرَ" مَعْناهُ: تَوَلّى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "إذْ أدْبَرَ" بِالألِفِ في "إذا" وألِفِ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رُزَيْنٍ، وأبِي رَجاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ. وسَألَ مُجاهِدٌ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عن "دُبُرِ اللَيْلِ"، فَتَرَكَهُ حَتّى إذا سَمِعَ المُنادِي الأوَّلَ لِلصُّبْحِ قالَ لَهُ: يا مُجاهِدٌ (p-٤٦٢)هَذا حِينَ دَبَرَ اللَيْلُ، وقالَ قَتادَةُ: "دَبَرَ اللَيْلُ": ولّى، قالَ الشاعِرُ:
؎ وأبِي الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم ∗∗∗ بِهَضّامِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدابِرِ
والعَرَبُ تَقُولُ في كَلامِها: "كَأمْسِ المُدَبِّرِ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالقِراءَتانِ جَمِيعًا حَسَنَتانِ.
وأسْفَرَ الصُبْحُ: أضاءَ وانْتَشَرَ ضَوْءُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ بِكَثِيرٍ، والإسْفارُ رُتِّبَ: أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ السَفْرُ والسِفْرُ والسَفِيرُ وسَفَرَتِ المَرْأةُ عن وجْهِها، وكُلُّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى الظُهُورِ والِانْجِلاءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ الفُضَيْلِ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "إذا أسْفَرَ"، فَكَأنَّ المَعْنى: طَرَحَ الظُلْمَةَ عن وجْهِهِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو رُزَيْنٍ، وغَيْرُهُما الضَمِيرُ لِجَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلنِّذارَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ، فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] ﴿أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨]، و"الكِبَرُ" جَمْعُ كَبِيرَةٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِإحْدى" بِهَمْزَةٍ في ألِفِ "إحْدى"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: "حِدى" دُون هَمْزَةٍ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ:التَخْفِيفُ في "لَإحْدى (p-٤٦٣)الكُبَرِ" أنْ تَجْعَلَ الهَمْزَةَ فِيها بَيْنَ بَيْنَ، فَأمّا حَذْفُ الهَمْزَةِ فَلَيْسَ بِقِياسٍ، وقَدْ جاءَ حَذْفُها، قالَ أبُو الأُسُودِ الدُؤَلِيُّ:
؎ يا أبا المُغِيرَةَ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ∗∗∗ فَرَّجْتُهُ بِالنُكْرِ مِنِّي والَدَّها
وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
؎ إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبَسُونِي بُرْقُعًا.. ∗∗∗ وفَتَخاتٍ في اليَدَيْنِ أرْبَعًا
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَذِيرًا لِلْبَشَرِ"، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ لا نَذِيرَ أدْهى مِنَ النارِ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "إنَّها"، أو مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَإحْدى"، وكَذَلِكَ أيْضًا عَلى الِاحْتِمالِ في أنْ تَكُونَ "إنَّها"، يُرادُ بِها قِصَّةَ الآخِرَةِ وحالَ المَعادِ. وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ هو النَذِيرُ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اعْبُدُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ أوِ ادْعُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ، نادِ نَذِيرًا، أو بَلِّغْ نَذِيرًا، ونَحْوُ هَذا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَصْدَرًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨] ؟ وهَذا اخْتِيارُ الخَلِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، قالَ: ولِذَلِكَ يُوصَفُ بِهِ المُؤَنَّثُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَذِيرٌ" بِالرَفْعِ عَلى إضْمارِ "هُوَ". وقَوْلُهُ تَعالى: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ، قالَ الحَسَنُ هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾، قالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤].
(p-٤٦٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هُوَ بَيانٌ في النَذارَةِ، وإعْلامُ كُلِّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَظَرَ، أيْ: أو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عن هَذِهِ الرُتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ.
ثُمَّ قَوِيَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ إذْ أُلْزِمَ بِهَذا القَوْلِ أنَّ المُقَصِّرَ مُرْتَهِنٌ بِسُوءِ عَمَلِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ حَقَّتْ عَلَيْها كَلِمَةُ العَذابِ، ولا يَرْتَهِنُ اللهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. والهاءُ في "رَهِينَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، أو عَلى تَأْنِيثِ اللَفْظِ لا عَلى مَعْنى الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ اسْتِثْناءٌ ظاهِرُ الِانْفِصالِ، وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكْتَسِبُوا ما هم بِهِ مُرْتَهِنُونَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ في هَذِهِ الآيَةِ أطْفالُ المُسْلِمِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقالَ الضَحّاكُ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللهِ الحُسْنى، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، ولَيْسُوا بِمُرْتَهِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ أصْحابِ اليَمِينِ، وأنَّهم في جَنّاتٍ يَسْألُ بَعْضُهم بعضًا عَمَّنْ غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النارِ قالُوا لَهم -أو قالَتِ المَلائِكَةُ-: "ما سَلَكَكم في سَقَرَ"، و"سَلَكَ" مَعْناهُ: أدْخَلَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَعْدِيِّ:
حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ
المدثر 74:39
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللهُ بِهَذا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هو وما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ﴾، أيْ: بِهَذِهِ الصِفَةِ وهَذا الرَيْنُ عَلى القُلُوبِ يَضِلُّ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنَ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ لِما ورَدَ، وذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِالقُدْرَةِ، ووُقُوفِ عُقُولِهِمْ عَلى كُنْهِ سُلْطانِ اللهِ تَعالى، فَهم مُوقِنُونَ مُتَصَوِّرُونَ صِحَّةَ ما أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ وكَتَبَ اللهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، (p-٤٦١)ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الخَبَرَ إنَّما هو عن بَعْضِ القُدْرَةِ لا عن كُلِّها، والسَماءُ كُلُّها عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ، كُلُّهم في عِبادَةٍ مُتَّصِلَةٍ، وخُشُوعٍ دائِمٍ وطاعَةٍ، لا فَتْرَةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا دَقِيقَةَ واحِدَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "هِيَ" لِلنّارِ المَذْكُورَةِ، أيْ يَذْكُرُها البَشَرُ فَيَخافُونَها فَيُطِيعُونَ اللهَ تَعالى، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: قَوْلُهُ تَعالى: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هى"يُرادُ نارَ الدُنْيا، أيْ: إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ بِنارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: "كَلّا" رَدٌّ عَلى الكافِرِينَ وأنْواعِ الطاعِنِينَ عَلى الحَقِّ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِالقَمَرِ، تَخْصِيصُ تَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ عَلى النَظَرِ في عَجائِبِهِ، وقُدْرَةِ اللهِ تَعالى في حَرَكاتِهِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي مَعَ كَثْرَتِها واخْتِلافِها عَلى نِظامٍ واحِدٍ لا يَخْتَلُّ، وكَذَلِكَ هو القَسَمُ بِاللَيْلِ والصُبْحِ، فَيَعُودُ التَعْظِيمُ في آخِرِ الفِكْرَةِ وتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ إلى اللهِ تَعالى، مالِكُ الكُلِّ، وقِوامُ الوُجُودِ، ونُورُ السَماءِ والأرْضِ، لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الغَفّارُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "إذْ دَبَرَ" بِفَتْحِ الدالِ والباءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُبَيْرِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي الزِنادِ، وقَتادَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، وطَلْحَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إذا أدْبَرَ" بِتَسْكِينِ الدالِ وفِعْلٍ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُمْ- والأعْرَجِ، وأبِي شَيْخٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ سِيرِينَ. قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: "دَبَّرَ" مَعْناهُ: انْقَضى، و"أدْبَرَ" مَعْناهُ: تَوَلّى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "إذْ أدْبَرَ" بِالألِفِ في "إذا" وألِفِ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رُزَيْنٍ، وأبِي رَجاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ. وسَألَ مُجاهِدٌ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عن "دُبُرِ اللَيْلِ"، فَتَرَكَهُ حَتّى إذا سَمِعَ المُنادِي الأوَّلَ لِلصُّبْحِ قالَ لَهُ: يا مُجاهِدٌ (p-٤٦٢)هَذا حِينَ دَبَرَ اللَيْلُ، وقالَ قَتادَةُ: "دَبَرَ اللَيْلُ": ولّى، قالَ الشاعِرُ:
؎ وأبِي الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم ∗∗∗ بِهَضّامِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدابِرِ
والعَرَبُ تَقُولُ في كَلامِها: "كَأمْسِ المُدَبِّرِ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالقِراءَتانِ جَمِيعًا حَسَنَتانِ.
وأسْفَرَ الصُبْحُ: أضاءَ وانْتَشَرَ ضَوْءُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ بِكَثِيرٍ، والإسْفارُ رُتِّبَ: أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ السَفْرُ والسِفْرُ والسَفِيرُ وسَفَرَتِ المَرْأةُ عن وجْهِها، وكُلُّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى الظُهُورِ والِانْجِلاءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ الفُضَيْلِ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "إذا أسْفَرَ"، فَكَأنَّ المَعْنى: طَرَحَ الظُلْمَةَ عن وجْهِهِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو رُزَيْنٍ، وغَيْرُهُما الضَمِيرُ لِجَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلنِّذارَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ، فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] ﴿أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨]، و"الكِبَرُ" جَمْعُ كَبِيرَةٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِإحْدى" بِهَمْزَةٍ في ألِفِ "إحْدى"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: "حِدى" دُون هَمْزَةٍ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ:التَخْفِيفُ في "لَإحْدى (p-٤٦٣)الكُبَرِ" أنْ تَجْعَلَ الهَمْزَةَ فِيها بَيْنَ بَيْنَ، فَأمّا حَذْفُ الهَمْزَةِ فَلَيْسَ بِقِياسٍ، وقَدْ جاءَ حَذْفُها، قالَ أبُو الأُسُودِ الدُؤَلِيُّ:
؎ يا أبا المُغِيرَةَ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ∗∗∗ فَرَّجْتُهُ بِالنُكْرِ مِنِّي والَدَّها
وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
؎ إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبَسُونِي بُرْقُعًا.. ∗∗∗ وفَتَخاتٍ في اليَدَيْنِ أرْبَعًا
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَذِيرًا لِلْبَشَرِ"، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ لا نَذِيرَ أدْهى مِنَ النارِ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "إنَّها"، أو مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَإحْدى"، وكَذَلِكَ أيْضًا عَلى الِاحْتِمالِ في أنْ تَكُونَ "إنَّها"، يُرادُ بِها قِصَّةَ الآخِرَةِ وحالَ المَعادِ. وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ هو النَذِيرُ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اعْبُدُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ أوِ ادْعُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ، نادِ نَذِيرًا، أو بَلِّغْ نَذِيرًا، ونَحْوُ هَذا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَصْدَرًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨] ؟ وهَذا اخْتِيارُ الخَلِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، قالَ: ولِذَلِكَ يُوصَفُ بِهِ المُؤَنَّثُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَذِيرٌ" بِالرَفْعِ عَلى إضْمارِ "هُوَ". وقَوْلُهُ تَعالى: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ، قالَ الحَسَنُ هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾، قالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤].
(p-٤٦٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هُوَ بَيانٌ في النَذارَةِ، وإعْلامُ كُلِّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَظَرَ، أيْ: أو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عن هَذِهِ الرُتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ.
ثُمَّ قَوِيَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ إذْ أُلْزِمَ بِهَذا القَوْلِ أنَّ المُقَصِّرَ مُرْتَهِنٌ بِسُوءِ عَمَلِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ حَقَّتْ عَلَيْها كَلِمَةُ العَذابِ، ولا يَرْتَهِنُ اللهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. والهاءُ في "رَهِينَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، أو عَلى تَأْنِيثِ اللَفْظِ لا عَلى مَعْنى الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ اسْتِثْناءٌ ظاهِرُ الِانْفِصالِ، وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكْتَسِبُوا ما هم بِهِ مُرْتَهِنُونَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ في هَذِهِ الآيَةِ أطْفالُ المُسْلِمِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقالَ الضَحّاكُ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللهِ الحُسْنى، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، ولَيْسُوا بِمُرْتَهِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ أصْحابِ اليَمِينِ، وأنَّهم في جَنّاتٍ يَسْألُ بَعْضُهم بعضًا عَمَّنْ غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النارِ قالُوا لَهم -أو قالَتِ المَلائِكَةُ-: "ما سَلَكَكم في سَقَرَ"، و"سَلَكَ" مَعْناهُ: أدْخَلَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَعْدِيِّ:
حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ
المدثر 74:40
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللهُ بِهَذا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هو وما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ﴾، أيْ: بِهَذِهِ الصِفَةِ وهَذا الرَيْنُ عَلى القُلُوبِ يَضِلُّ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنَ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ لِما ورَدَ، وذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِالقُدْرَةِ، ووُقُوفِ عُقُولِهِمْ عَلى كُنْهِ سُلْطانِ اللهِ تَعالى، فَهم مُوقِنُونَ مُتَصَوِّرُونَ صِحَّةَ ما أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ وكَتَبَ اللهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، (p-٤٦١)ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الخَبَرَ إنَّما هو عن بَعْضِ القُدْرَةِ لا عن كُلِّها، والسَماءُ كُلُّها عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ، كُلُّهم في عِبادَةٍ مُتَّصِلَةٍ، وخُشُوعٍ دائِمٍ وطاعَةٍ، لا فَتْرَةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا دَقِيقَةَ واحِدَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "هِيَ" لِلنّارِ المَذْكُورَةِ، أيْ يَذْكُرُها البَشَرُ فَيَخافُونَها فَيُطِيعُونَ اللهَ تَعالى، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: قَوْلُهُ تَعالى: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هى"يُرادُ نارَ الدُنْيا، أيْ: إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ بِنارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: "كَلّا" رَدٌّ عَلى الكافِرِينَ وأنْواعِ الطاعِنِينَ عَلى الحَقِّ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِالقَمَرِ، تَخْصِيصُ تَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ عَلى النَظَرِ في عَجائِبِهِ، وقُدْرَةِ اللهِ تَعالى في حَرَكاتِهِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي مَعَ كَثْرَتِها واخْتِلافِها عَلى نِظامٍ واحِدٍ لا يَخْتَلُّ، وكَذَلِكَ هو القَسَمُ بِاللَيْلِ والصُبْحِ، فَيَعُودُ التَعْظِيمُ في آخِرِ الفِكْرَةِ وتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ إلى اللهِ تَعالى، مالِكُ الكُلِّ، وقِوامُ الوُجُودِ، ونُورُ السَماءِ والأرْضِ، لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الغَفّارُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "إذْ دَبَرَ" بِفَتْحِ الدالِ والباءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُبَيْرِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي الزِنادِ، وقَتادَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، وطَلْحَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إذا أدْبَرَ" بِتَسْكِينِ الدالِ وفِعْلٍ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُمْ- والأعْرَجِ، وأبِي شَيْخٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ سِيرِينَ. قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: "دَبَّرَ" مَعْناهُ: انْقَضى، و"أدْبَرَ" مَعْناهُ: تَوَلّى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "إذْ أدْبَرَ" بِالألِفِ في "إذا" وألِفِ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رُزَيْنٍ، وأبِي رَجاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ. وسَألَ مُجاهِدٌ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عن "دُبُرِ اللَيْلِ"، فَتَرَكَهُ حَتّى إذا سَمِعَ المُنادِي الأوَّلَ لِلصُّبْحِ قالَ لَهُ: يا مُجاهِدٌ (p-٤٦٢)هَذا حِينَ دَبَرَ اللَيْلُ، وقالَ قَتادَةُ: "دَبَرَ اللَيْلُ": ولّى، قالَ الشاعِرُ:
؎ وأبِي الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم ∗∗∗ بِهَضّامِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدابِرِ
والعَرَبُ تَقُولُ في كَلامِها: "كَأمْسِ المُدَبِّرِ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالقِراءَتانِ جَمِيعًا حَسَنَتانِ.
وأسْفَرَ الصُبْحُ: أضاءَ وانْتَشَرَ ضَوْءُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ بِكَثِيرٍ، والإسْفارُ رُتِّبَ: أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ السَفْرُ والسِفْرُ والسَفِيرُ وسَفَرَتِ المَرْأةُ عن وجْهِها، وكُلُّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى الظُهُورِ والِانْجِلاءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ الفُضَيْلِ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "إذا أسْفَرَ"، فَكَأنَّ المَعْنى: طَرَحَ الظُلْمَةَ عن وجْهِهِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو رُزَيْنٍ، وغَيْرُهُما الضَمِيرُ لِجَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلنِّذارَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ، فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] ﴿أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨]، و"الكِبَرُ" جَمْعُ كَبِيرَةٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِإحْدى" بِهَمْزَةٍ في ألِفِ "إحْدى"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: "حِدى" دُون هَمْزَةٍ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ:التَخْفِيفُ في "لَإحْدى (p-٤٦٣)الكُبَرِ" أنْ تَجْعَلَ الهَمْزَةَ فِيها بَيْنَ بَيْنَ، فَأمّا حَذْفُ الهَمْزَةِ فَلَيْسَ بِقِياسٍ، وقَدْ جاءَ حَذْفُها، قالَ أبُو الأُسُودِ الدُؤَلِيُّ:
؎ يا أبا المُغِيرَةَ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ∗∗∗ فَرَّجْتُهُ بِالنُكْرِ مِنِّي والَدَّها
وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
؎ إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبَسُونِي بُرْقُعًا.. ∗∗∗ وفَتَخاتٍ في اليَدَيْنِ أرْبَعًا
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَذِيرًا لِلْبَشَرِ"، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ لا نَذِيرَ أدْهى مِنَ النارِ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "إنَّها"، أو مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَإحْدى"، وكَذَلِكَ أيْضًا عَلى الِاحْتِمالِ في أنْ تَكُونَ "إنَّها"، يُرادُ بِها قِصَّةَ الآخِرَةِ وحالَ المَعادِ. وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ هو النَذِيرُ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اعْبُدُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ أوِ ادْعُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ، نادِ نَذِيرًا، أو بَلِّغْ نَذِيرًا، ونَحْوُ هَذا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَصْدَرًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨] ؟ وهَذا اخْتِيارُ الخَلِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، قالَ: ولِذَلِكَ يُوصَفُ بِهِ المُؤَنَّثُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَذِيرٌ" بِالرَفْعِ عَلى إضْمارِ "هُوَ". وقَوْلُهُ تَعالى: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ، قالَ الحَسَنُ هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾، قالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤].
(p-٤٦٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هُوَ بَيانٌ في النَذارَةِ، وإعْلامُ كُلِّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَظَرَ، أيْ: أو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عن هَذِهِ الرُتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ.
ثُمَّ قَوِيَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ إذْ أُلْزِمَ بِهَذا القَوْلِ أنَّ المُقَصِّرَ مُرْتَهِنٌ بِسُوءِ عَمَلِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ حَقَّتْ عَلَيْها كَلِمَةُ العَذابِ، ولا يَرْتَهِنُ اللهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. والهاءُ في "رَهِينَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، أو عَلى تَأْنِيثِ اللَفْظِ لا عَلى مَعْنى الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ اسْتِثْناءٌ ظاهِرُ الِانْفِصالِ، وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكْتَسِبُوا ما هم بِهِ مُرْتَهِنُونَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ في هَذِهِ الآيَةِ أطْفالُ المُسْلِمِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقالَ الضَحّاكُ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللهِ الحُسْنى، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، ولَيْسُوا بِمُرْتَهِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ أصْحابِ اليَمِينِ، وأنَّهم في جَنّاتٍ يَسْألُ بَعْضُهم بعضًا عَمَّنْ غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النارِ قالُوا لَهم -أو قالَتِ المَلائِكَةُ-: "ما سَلَكَكم في سَقَرَ"، و"سَلَكَ" مَعْناهُ: أدْخَلَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَعْدِيِّ:
حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ
المدثر 74:41
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللهُ بِهَذا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هو وما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ﴾، أيْ: بِهَذِهِ الصِفَةِ وهَذا الرَيْنُ عَلى القُلُوبِ يَضِلُّ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنَ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ لِما ورَدَ، وذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِالقُدْرَةِ، ووُقُوفِ عُقُولِهِمْ عَلى كُنْهِ سُلْطانِ اللهِ تَعالى، فَهم مُوقِنُونَ مُتَصَوِّرُونَ صِحَّةَ ما أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ وكَتَبَ اللهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، (p-٤٦١)ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الخَبَرَ إنَّما هو عن بَعْضِ القُدْرَةِ لا عن كُلِّها، والسَماءُ كُلُّها عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ، كُلُّهم في عِبادَةٍ مُتَّصِلَةٍ، وخُشُوعٍ دائِمٍ وطاعَةٍ، لا فَتْرَةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا دَقِيقَةَ واحِدَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "هِيَ" لِلنّارِ المَذْكُورَةِ، أيْ يَذْكُرُها البَشَرُ فَيَخافُونَها فَيُطِيعُونَ اللهَ تَعالى، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: قَوْلُهُ تَعالى: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هى"يُرادُ نارَ الدُنْيا، أيْ: إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ بِنارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: "كَلّا" رَدٌّ عَلى الكافِرِينَ وأنْواعِ الطاعِنِينَ عَلى الحَقِّ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِالقَمَرِ، تَخْصِيصُ تَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ عَلى النَظَرِ في عَجائِبِهِ، وقُدْرَةِ اللهِ تَعالى في حَرَكاتِهِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي مَعَ كَثْرَتِها واخْتِلافِها عَلى نِظامٍ واحِدٍ لا يَخْتَلُّ، وكَذَلِكَ هو القَسَمُ بِاللَيْلِ والصُبْحِ، فَيَعُودُ التَعْظِيمُ في آخِرِ الفِكْرَةِ وتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ إلى اللهِ تَعالى، مالِكُ الكُلِّ، وقِوامُ الوُجُودِ، ونُورُ السَماءِ والأرْضِ، لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الغَفّارُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "إذْ دَبَرَ" بِفَتْحِ الدالِ والباءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُبَيْرِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي الزِنادِ، وقَتادَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، وطَلْحَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إذا أدْبَرَ" بِتَسْكِينِ الدالِ وفِعْلٍ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُمْ- والأعْرَجِ، وأبِي شَيْخٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ سِيرِينَ. قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: "دَبَّرَ" مَعْناهُ: انْقَضى، و"أدْبَرَ" مَعْناهُ: تَوَلّى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "إذْ أدْبَرَ" بِالألِفِ في "إذا" وألِفِ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رُزَيْنٍ، وأبِي رَجاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ. وسَألَ مُجاهِدٌ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عن "دُبُرِ اللَيْلِ"، فَتَرَكَهُ حَتّى إذا سَمِعَ المُنادِي الأوَّلَ لِلصُّبْحِ قالَ لَهُ: يا مُجاهِدٌ (p-٤٦٢)هَذا حِينَ دَبَرَ اللَيْلُ، وقالَ قَتادَةُ: "دَبَرَ اللَيْلُ": ولّى، قالَ الشاعِرُ:
؎ وأبِي الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم ∗∗∗ بِهَضّامِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدابِرِ
والعَرَبُ تَقُولُ في كَلامِها: "كَأمْسِ المُدَبِّرِ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالقِراءَتانِ جَمِيعًا حَسَنَتانِ.
وأسْفَرَ الصُبْحُ: أضاءَ وانْتَشَرَ ضَوْءُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ بِكَثِيرٍ، والإسْفارُ رُتِّبَ: أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ السَفْرُ والسِفْرُ والسَفِيرُ وسَفَرَتِ المَرْأةُ عن وجْهِها، وكُلُّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى الظُهُورِ والِانْجِلاءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ الفُضَيْلِ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "إذا أسْفَرَ"، فَكَأنَّ المَعْنى: طَرَحَ الظُلْمَةَ عن وجْهِهِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو رُزَيْنٍ، وغَيْرُهُما الضَمِيرُ لِجَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلنِّذارَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ، فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] ﴿أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨]، و"الكِبَرُ" جَمْعُ كَبِيرَةٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِإحْدى" بِهَمْزَةٍ في ألِفِ "إحْدى"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: "حِدى" دُون هَمْزَةٍ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ:التَخْفِيفُ في "لَإحْدى (p-٤٦٣)الكُبَرِ" أنْ تَجْعَلَ الهَمْزَةَ فِيها بَيْنَ بَيْنَ، فَأمّا حَذْفُ الهَمْزَةِ فَلَيْسَ بِقِياسٍ، وقَدْ جاءَ حَذْفُها، قالَ أبُو الأُسُودِ الدُؤَلِيُّ:
؎ يا أبا المُغِيرَةَ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ∗∗∗ فَرَّجْتُهُ بِالنُكْرِ مِنِّي والَدَّها
وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
؎ إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبَسُونِي بُرْقُعًا.. ∗∗∗ وفَتَخاتٍ في اليَدَيْنِ أرْبَعًا
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَذِيرًا لِلْبَشَرِ"، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ لا نَذِيرَ أدْهى مِنَ النارِ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "إنَّها"، أو مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَإحْدى"، وكَذَلِكَ أيْضًا عَلى الِاحْتِمالِ في أنْ تَكُونَ "إنَّها"، يُرادُ بِها قِصَّةَ الآخِرَةِ وحالَ المَعادِ. وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ هو النَذِيرُ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اعْبُدُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ أوِ ادْعُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ، نادِ نَذِيرًا، أو بَلِّغْ نَذِيرًا، ونَحْوُ هَذا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَصْدَرًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨] ؟ وهَذا اخْتِيارُ الخَلِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، قالَ: ولِذَلِكَ يُوصَفُ بِهِ المُؤَنَّثُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَذِيرٌ" بِالرَفْعِ عَلى إضْمارِ "هُوَ". وقَوْلُهُ تَعالى: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ، قالَ الحَسَنُ هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾، قالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤].
(p-٤٦٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هُوَ بَيانٌ في النَذارَةِ، وإعْلامُ كُلِّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَظَرَ، أيْ: أو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عن هَذِهِ الرُتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ.
ثُمَّ قَوِيَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ إذْ أُلْزِمَ بِهَذا القَوْلِ أنَّ المُقَصِّرَ مُرْتَهِنٌ بِسُوءِ عَمَلِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ حَقَّتْ عَلَيْها كَلِمَةُ العَذابِ، ولا يَرْتَهِنُ اللهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. والهاءُ في "رَهِينَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، أو عَلى تَأْنِيثِ اللَفْظِ لا عَلى مَعْنى الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ اسْتِثْناءٌ ظاهِرُ الِانْفِصالِ، وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكْتَسِبُوا ما هم بِهِ مُرْتَهِنُونَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ في هَذِهِ الآيَةِ أطْفالُ المُسْلِمِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقالَ الضَحّاكُ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللهِ الحُسْنى، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، ولَيْسُوا بِمُرْتَهِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ أصْحابِ اليَمِينِ، وأنَّهم في جَنّاتٍ يَسْألُ بَعْضُهم بعضًا عَمَّنْ غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النارِ قالُوا لَهم -أو قالَتِ المَلائِكَةُ-: "ما سَلَكَكم في سَقَرَ"، و"سَلَكَ" مَعْناهُ: أدْخَلَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَعْدِيِّ:
حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ
المدثر 74:42
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللهُ بِهَذا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هو وما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ﴾، أيْ: بِهَذِهِ الصِفَةِ وهَذا الرَيْنُ عَلى القُلُوبِ يَضِلُّ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنَ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ لِما ورَدَ، وذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِالقُدْرَةِ، ووُقُوفِ عُقُولِهِمْ عَلى كُنْهِ سُلْطانِ اللهِ تَعالى، فَهم مُوقِنُونَ مُتَصَوِّرُونَ صِحَّةَ ما أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ وكَتَبَ اللهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، (p-٤٦١)ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الخَبَرَ إنَّما هو عن بَعْضِ القُدْرَةِ لا عن كُلِّها، والسَماءُ كُلُّها عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ، كُلُّهم في عِبادَةٍ مُتَّصِلَةٍ، وخُشُوعٍ دائِمٍ وطاعَةٍ، لا فَتْرَةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا دَقِيقَةَ واحِدَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "هِيَ" لِلنّارِ المَذْكُورَةِ، أيْ يَذْكُرُها البَشَرُ فَيَخافُونَها فَيُطِيعُونَ اللهَ تَعالى، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: قَوْلُهُ تَعالى: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هى"يُرادُ نارَ الدُنْيا، أيْ: إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ بِنارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: "كَلّا" رَدٌّ عَلى الكافِرِينَ وأنْواعِ الطاعِنِينَ عَلى الحَقِّ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِالقَمَرِ، تَخْصِيصُ تَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ عَلى النَظَرِ في عَجائِبِهِ، وقُدْرَةِ اللهِ تَعالى في حَرَكاتِهِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي مَعَ كَثْرَتِها واخْتِلافِها عَلى نِظامٍ واحِدٍ لا يَخْتَلُّ، وكَذَلِكَ هو القَسَمُ بِاللَيْلِ والصُبْحِ، فَيَعُودُ التَعْظِيمُ في آخِرِ الفِكْرَةِ وتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ إلى اللهِ تَعالى، مالِكُ الكُلِّ، وقِوامُ الوُجُودِ، ونُورُ السَماءِ والأرْضِ، لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الغَفّارُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "إذْ دَبَرَ" بِفَتْحِ الدالِ والباءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُبَيْرِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي الزِنادِ، وقَتادَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، وطَلْحَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إذا أدْبَرَ" بِتَسْكِينِ الدالِ وفِعْلٍ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُمْ- والأعْرَجِ، وأبِي شَيْخٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ سِيرِينَ. قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: "دَبَّرَ" مَعْناهُ: انْقَضى، و"أدْبَرَ" مَعْناهُ: تَوَلّى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "إذْ أدْبَرَ" بِالألِفِ في "إذا" وألِفِ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رُزَيْنٍ، وأبِي رَجاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ. وسَألَ مُجاهِدٌ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عن "دُبُرِ اللَيْلِ"، فَتَرَكَهُ حَتّى إذا سَمِعَ المُنادِي الأوَّلَ لِلصُّبْحِ قالَ لَهُ: يا مُجاهِدٌ (p-٤٦٢)هَذا حِينَ دَبَرَ اللَيْلُ، وقالَ قَتادَةُ: "دَبَرَ اللَيْلُ": ولّى، قالَ الشاعِرُ:
؎ وأبِي الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم ∗∗∗ بِهَضّامِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدابِرِ
والعَرَبُ تَقُولُ في كَلامِها: "كَأمْسِ المُدَبِّرِ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالقِراءَتانِ جَمِيعًا حَسَنَتانِ.
وأسْفَرَ الصُبْحُ: أضاءَ وانْتَشَرَ ضَوْءُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ بِكَثِيرٍ، والإسْفارُ رُتِّبَ: أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ السَفْرُ والسِفْرُ والسَفِيرُ وسَفَرَتِ المَرْأةُ عن وجْهِها، وكُلُّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى الظُهُورِ والِانْجِلاءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ الفُضَيْلِ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "إذا أسْفَرَ"، فَكَأنَّ المَعْنى: طَرَحَ الظُلْمَةَ عن وجْهِهِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو رُزَيْنٍ، وغَيْرُهُما الضَمِيرُ لِجَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلنِّذارَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ، فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] ﴿أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨]، و"الكِبَرُ" جَمْعُ كَبِيرَةٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِإحْدى" بِهَمْزَةٍ في ألِفِ "إحْدى"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: "حِدى" دُون هَمْزَةٍ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ:التَخْفِيفُ في "لَإحْدى (p-٤٦٣)الكُبَرِ" أنْ تَجْعَلَ الهَمْزَةَ فِيها بَيْنَ بَيْنَ، فَأمّا حَذْفُ الهَمْزَةِ فَلَيْسَ بِقِياسٍ، وقَدْ جاءَ حَذْفُها، قالَ أبُو الأُسُودِ الدُؤَلِيُّ:
؎ يا أبا المُغِيرَةَ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ∗∗∗ فَرَّجْتُهُ بِالنُكْرِ مِنِّي والَدَّها
وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
؎ إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبَسُونِي بُرْقُعًا.. ∗∗∗ وفَتَخاتٍ في اليَدَيْنِ أرْبَعًا
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَذِيرًا لِلْبَشَرِ"، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ لا نَذِيرَ أدْهى مِنَ النارِ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "إنَّها"، أو مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَإحْدى"، وكَذَلِكَ أيْضًا عَلى الِاحْتِمالِ في أنْ تَكُونَ "إنَّها"، يُرادُ بِها قِصَّةَ الآخِرَةِ وحالَ المَعادِ. وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ هو النَذِيرُ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اعْبُدُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ أوِ ادْعُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُحَمَّدٌ ﷺ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ، نادِ نَذِيرًا، أو بَلِّغْ نَذِيرًا، ونَحْوُ هَذا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَصْدَرًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨] ؟ وهَذا اخْتِيارُ الخَلِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، قالَ: ولِذَلِكَ يُوصَفُ بِهِ المُؤَنَّثُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَذِيرٌ" بِالرَفْعِ عَلى إضْمارِ "هُوَ". وقَوْلُهُ تَعالى: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ، قالَ الحَسَنُ هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ﴾، قالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤].
(p-٤٦٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هُوَ بَيانٌ في النَذارَةِ، وإعْلامُ كُلِّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَظَرَ، أيْ: أو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عن هَذِهِ الرُتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ.
ثُمَّ قَوِيَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ إذْ أُلْزِمَ بِهَذا القَوْلِ أنَّ المُقَصِّرَ مُرْتَهِنٌ بِسُوءِ عَمَلِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ حَقَّتْ عَلَيْها كَلِمَةُ العَذابِ، ولا يَرْتَهِنُ اللهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. والهاءُ في "رَهِينَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، أو عَلى تَأْنِيثِ اللَفْظِ لا عَلى مَعْنى الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ اسْتِثْناءٌ ظاهِرُ الِانْفِصالِ، وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكْتَسِبُوا ما هم بِهِ مُرْتَهِنُونَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ في هَذِهِ الآيَةِ أطْفالُ المُسْلِمِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقالَ الضَحّاكُ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللهِ الحُسْنى، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، ولَيْسُوا بِمُرْتَهِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ أصْحابِ اليَمِينِ، وأنَّهم في جَنّاتٍ يَسْألُ بَعْضُهم بعضًا عَمَّنْ غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النارِ قالُوا لَهم -أو قالَتِ المَلائِكَةُ-: "ما سَلَكَكم في سَقَرَ"، و"سَلَكَ" مَعْناهُ: أدْخَلَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَعْدِيِّ:
حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ