Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — القيامة 75:33 – المرسلات 77:45
المحتويات
- القيامة 75:33
- القيامة 75:34
- القيامة 75:35
- القيامة 75:36
- القيامة 75:37
- القيامة 75:38
- القيامة 75:39
- القيامة 75:40
- الإنسان 76:1
- الإنسان 76:2
- الإنسان 76:3
- الإنسان 76:4
- الإنسان 76:5
- الإنسان 76:6
- الإنسان 76:7
- الإنسان 76:8
- الإنسان 76:9
- الإنسان 76:10
- الإنسان 76:11
- الإنسان 76:12
- الإنسان 76:13
- الإنسان 76:14
- الإنسان 76:15
- الإنسان 76:16
- الإنسان 76:17
- الإنسان 76:18
- الإنسان 76:19
- الإنسان 76:20
- الإنسان 76:21
- الإنسان 76:22
- الإنسان 76:23
- الإنسان 76:24
- الإنسان 76:25
- الإنسان 76:26
- الإنسان 76:27
- الإنسان 76:28
- الإنسان 76:29
- الإنسان 76:30
- الإنسان 76:31
- المرسلات 77:1
- المرسلات 77:2
- المرسلات 77:3
- المرسلات 77:4
- المرسلات 77:5
- المرسلات 77:6
- المرسلات 77:7
- المرسلات 77:8
- المرسلات 77:9
- المرسلات 77:10
- المرسلات 77:11
- المرسلات 77:12
- المرسلات 77:13
- المرسلات 77:14
- المرسلات 77:15
- المرسلات 77:16
- المرسلات 77:17
- المرسلات 77:18
- المرسلات 77:19
- المرسلات 77:20
- المرسلات 77:21
- المرسلات 77:22
- المرسلات 77:23
- المرسلات 77:24
- المرسلات 77:25
- المرسلات 77:26
- المرسلات 77:27
- المرسلات 77:28
- المرسلات 77:29
- المرسلات 77:30
- المرسلات 77:31
- المرسلات 77:32
- المرسلات 77:33
- المرسلات 77:34
- المرسلات 77:35
- المرسلات 77:36
- المرسلات 77:37
- المرسلات 77:38
- المرسلات 77:39
- المرسلات 77:40
- المرسلات 77:41
- المرسلات 77:42
- المرسلات 77:43
- المرسلات 77:44
- المرسلات 77:45
القيامة 75:33
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ ﴿ثُمَّ أولى لَكَ فَأولى﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾
هَذِهِ الآياتُ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، ثُمَّ كادَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنْ تُصَرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَتَمَطّى" فَإنَّها كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وكانَ أبُو جَهْلٍ يُكْثِرُ مِنها، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى" تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ
؎ فَأيُّ خَمِيسٍ فَإنّا لا أبانا نَهابُهُ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن كَبْشِهِ دَمًا؟
(p-٤٨٢)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ إنْ تَغْفِرْ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا؟
فَـ "لا" في الآيَةِ نافِيَةٌ لا عاطِفَةَ. و"صَدَّقَ" مَعْناهُ: بِرِسالَةِ اللهِ ودِينِهِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مِنَ الصَدَقَةِ والأوَّلُ أصْوَبُ. و"يَتَمَطّى" مَعْناهُ: يَمْشِي المَطِيطا، وهي مِشْيَةٌ بِتَبَخْتُرٍ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ المَطا وهو الظَهْرُ، لِأنَّهُ يَنْثَنِي فِيها، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "إذا مَشَتْ أُمَّتِي المَطِيطا، وخَدَمَتْهُمُ الرُومُ وفارِسُ، سَلَّطَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ"،» وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ وعِيدٌ ثانٍ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، والمَعْنى: أولى لَكَ الِازْدِجارُ والِانْتِهاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مَن "وَلّى"، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الكَلِمَةَ زَجْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأولى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠] ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١]، ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَبَّبَ أبا جَهْلٍ يَوْمًا في البَطْحاءِ وقالَ لَهُ: إنَّ اللهَ يَقُولُ لَكَ: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلى نَحْوِها،» وفي شِعْر الخَنْساءِ: (p-٤٨٣)
؎ هَمَمْتُ بِنَفْسِي كُلَّ الهُمُومِ ∗∗∗ فَأولى لِنَفْسِي أولى لَها
وقَوْلُهُ تَعالى: "أيَحْسَبُ" تَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ، و"سُدًى" مَعْناهُ: مُهْمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى عَلى أحْوالِ ابْنِ آدَمَ في يَدِ اللهِ الَّتِي إذا تُؤُمِّلَتْ لَمْ يُنْكِرْ مَعَها جَوازَ البَعْثِ عاقِلٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ألَمْ يَكُ" بِالياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "ألَمْ تَكُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"النُطْفَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الماءِ، يُقالُ ذَلِكَ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ. والمَنِيُّ مَعْرُوفٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ- وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ، وسَلامُ، ويَعْقُوبُ: "يُمَنّى" بِالياءِ، يُرادُ بِذَلِكَ المَنِيَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "يُمْنى" مِن قَوْلِكَ: "أمْنى الرَجُلُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "مَنِيَ اللهُ الخَلْقَ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مِن مَنِيٍّ يخْلُقُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، والناسُ: تُمْنى" بِالتاءِ، يُرادُ بِذَلِكَ النُطْفَةُ، و"تَمَنّى" تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا. و"العَلَقَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الدَمِ؛ لِأنَّ الدَمَ هو العَلَقُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَخَلَقَ فَسَوّى" مَعْناهُ: فَخَلَقَ اللهُ تَعالى مِنهُ بَشَرًا مُرَكَّبًا مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ، فَسَوّاهُ شَخْصًا مُسْتَقِلًّا، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَخْلُقُ" بِالياءِ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا. و"الزَوْجَيْنِ": النَوْعَيْنِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُزْدَوَجَيْنِ مِنَ البَشَرِ.
(p-٤٨٤)ثُمَّ وقَفَ تَعالى تَوْقِيفَ تَوْبِيخٍ وإقامَةِ حُجَّةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ الأخِيرَةِ مَن "يُحْيِي"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ بِسُكُونِها، وهي تُحْذَفُ مِنَ اللَفْظِ لِسُكُونِ اللامِ مِن "المَوْتى". ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وبَلى"، ويُرْوى أنَّهُ كانَ يَقُولُ: "بَلى"» فَقَطْ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القِيامَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
القيامة 75:34
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ ﴿ثُمَّ أولى لَكَ فَأولى﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾
هَذِهِ الآياتُ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، ثُمَّ كادَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنْ تُصَرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَتَمَطّى" فَإنَّها كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وكانَ أبُو جَهْلٍ يُكْثِرُ مِنها، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى" تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ
؎ فَأيُّ خَمِيسٍ فَإنّا لا أبانا نَهابُهُ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن كَبْشِهِ دَمًا؟
(p-٤٨٢)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ إنْ تَغْفِرْ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا؟
فَـ "لا" في الآيَةِ نافِيَةٌ لا عاطِفَةَ. و"صَدَّقَ" مَعْناهُ: بِرِسالَةِ اللهِ ودِينِهِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مِنَ الصَدَقَةِ والأوَّلُ أصْوَبُ. و"يَتَمَطّى" مَعْناهُ: يَمْشِي المَطِيطا، وهي مِشْيَةٌ بِتَبَخْتُرٍ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ المَطا وهو الظَهْرُ، لِأنَّهُ يَنْثَنِي فِيها، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "إذا مَشَتْ أُمَّتِي المَطِيطا، وخَدَمَتْهُمُ الرُومُ وفارِسُ، سَلَّطَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ"،» وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ وعِيدٌ ثانٍ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، والمَعْنى: أولى لَكَ الِازْدِجارُ والِانْتِهاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مَن "وَلّى"، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الكَلِمَةَ زَجْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأولى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠] ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١]، ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَبَّبَ أبا جَهْلٍ يَوْمًا في البَطْحاءِ وقالَ لَهُ: إنَّ اللهَ يَقُولُ لَكَ: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلى نَحْوِها،» وفي شِعْر الخَنْساءِ: (p-٤٨٣)
؎ هَمَمْتُ بِنَفْسِي كُلَّ الهُمُومِ ∗∗∗ فَأولى لِنَفْسِي أولى لَها
وقَوْلُهُ تَعالى: "أيَحْسَبُ" تَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ، و"سُدًى" مَعْناهُ: مُهْمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى عَلى أحْوالِ ابْنِ آدَمَ في يَدِ اللهِ الَّتِي إذا تُؤُمِّلَتْ لَمْ يُنْكِرْ مَعَها جَوازَ البَعْثِ عاقِلٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ألَمْ يَكُ" بِالياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "ألَمْ تَكُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"النُطْفَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الماءِ، يُقالُ ذَلِكَ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ. والمَنِيُّ مَعْرُوفٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ- وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ، وسَلامُ، ويَعْقُوبُ: "يُمَنّى" بِالياءِ، يُرادُ بِذَلِكَ المَنِيَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "يُمْنى" مِن قَوْلِكَ: "أمْنى الرَجُلُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "مَنِيَ اللهُ الخَلْقَ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مِن مَنِيٍّ يخْلُقُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، والناسُ: تُمْنى" بِالتاءِ، يُرادُ بِذَلِكَ النُطْفَةُ، و"تَمَنّى" تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا. و"العَلَقَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الدَمِ؛ لِأنَّ الدَمَ هو العَلَقُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَخَلَقَ فَسَوّى" مَعْناهُ: فَخَلَقَ اللهُ تَعالى مِنهُ بَشَرًا مُرَكَّبًا مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ، فَسَوّاهُ شَخْصًا مُسْتَقِلًّا، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَخْلُقُ" بِالياءِ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا. و"الزَوْجَيْنِ": النَوْعَيْنِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُزْدَوَجَيْنِ مِنَ البَشَرِ.
(p-٤٨٤)ثُمَّ وقَفَ تَعالى تَوْقِيفَ تَوْبِيخٍ وإقامَةِ حُجَّةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ الأخِيرَةِ مَن "يُحْيِي"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ بِسُكُونِها، وهي تُحْذَفُ مِنَ اللَفْظِ لِسُكُونِ اللامِ مِن "المَوْتى". ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وبَلى"، ويُرْوى أنَّهُ كانَ يَقُولُ: "بَلى"» فَقَطْ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القِيامَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
القيامة 75:35
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ ﴿ثُمَّ أولى لَكَ فَأولى﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾
هَذِهِ الآياتُ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، ثُمَّ كادَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنْ تُصَرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَتَمَطّى" فَإنَّها كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وكانَ أبُو جَهْلٍ يُكْثِرُ مِنها، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى" تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ
؎ فَأيُّ خَمِيسٍ فَإنّا لا أبانا نَهابُهُ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن كَبْشِهِ دَمًا؟
(p-٤٨٢)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ إنْ تَغْفِرْ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا؟
فَـ "لا" في الآيَةِ نافِيَةٌ لا عاطِفَةَ. و"صَدَّقَ" مَعْناهُ: بِرِسالَةِ اللهِ ودِينِهِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مِنَ الصَدَقَةِ والأوَّلُ أصْوَبُ. و"يَتَمَطّى" مَعْناهُ: يَمْشِي المَطِيطا، وهي مِشْيَةٌ بِتَبَخْتُرٍ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ المَطا وهو الظَهْرُ، لِأنَّهُ يَنْثَنِي فِيها، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "إذا مَشَتْ أُمَّتِي المَطِيطا، وخَدَمَتْهُمُ الرُومُ وفارِسُ، سَلَّطَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ"،» وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ وعِيدٌ ثانٍ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، والمَعْنى: أولى لَكَ الِازْدِجارُ والِانْتِهاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مَن "وَلّى"، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الكَلِمَةَ زَجْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأولى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠] ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١]، ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَبَّبَ أبا جَهْلٍ يَوْمًا في البَطْحاءِ وقالَ لَهُ: إنَّ اللهَ يَقُولُ لَكَ: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلى نَحْوِها،» وفي شِعْر الخَنْساءِ: (p-٤٨٣)
؎ هَمَمْتُ بِنَفْسِي كُلَّ الهُمُومِ ∗∗∗ فَأولى لِنَفْسِي أولى لَها
وقَوْلُهُ تَعالى: "أيَحْسَبُ" تَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ، و"سُدًى" مَعْناهُ: مُهْمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى عَلى أحْوالِ ابْنِ آدَمَ في يَدِ اللهِ الَّتِي إذا تُؤُمِّلَتْ لَمْ يُنْكِرْ مَعَها جَوازَ البَعْثِ عاقِلٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ألَمْ يَكُ" بِالياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "ألَمْ تَكُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"النُطْفَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الماءِ، يُقالُ ذَلِكَ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ. والمَنِيُّ مَعْرُوفٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ- وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ، وسَلامُ، ويَعْقُوبُ: "يُمَنّى" بِالياءِ، يُرادُ بِذَلِكَ المَنِيَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "يُمْنى" مِن قَوْلِكَ: "أمْنى الرَجُلُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "مَنِيَ اللهُ الخَلْقَ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مِن مَنِيٍّ يخْلُقُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، والناسُ: تُمْنى" بِالتاءِ، يُرادُ بِذَلِكَ النُطْفَةُ، و"تَمَنّى" تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا. و"العَلَقَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الدَمِ؛ لِأنَّ الدَمَ هو العَلَقُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَخَلَقَ فَسَوّى" مَعْناهُ: فَخَلَقَ اللهُ تَعالى مِنهُ بَشَرًا مُرَكَّبًا مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ، فَسَوّاهُ شَخْصًا مُسْتَقِلًّا، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَخْلُقُ" بِالياءِ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا. و"الزَوْجَيْنِ": النَوْعَيْنِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُزْدَوَجَيْنِ مِنَ البَشَرِ.
(p-٤٨٤)ثُمَّ وقَفَ تَعالى تَوْقِيفَ تَوْبِيخٍ وإقامَةِ حُجَّةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ الأخِيرَةِ مَن "يُحْيِي"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ بِسُكُونِها، وهي تُحْذَفُ مِنَ اللَفْظِ لِسُكُونِ اللامِ مِن "المَوْتى". ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وبَلى"، ويُرْوى أنَّهُ كانَ يَقُولُ: "بَلى"» فَقَطْ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القِيامَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
القيامة 75:36
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ ﴿ثُمَّ أولى لَكَ فَأولى﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾
هَذِهِ الآياتُ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، ثُمَّ كادَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنْ تُصَرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَتَمَطّى" فَإنَّها كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وكانَ أبُو جَهْلٍ يُكْثِرُ مِنها، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى" تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ
؎ فَأيُّ خَمِيسٍ فَإنّا لا أبانا نَهابُهُ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن كَبْشِهِ دَمًا؟
(p-٤٨٢)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ إنْ تَغْفِرْ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا؟
فَـ "لا" في الآيَةِ نافِيَةٌ لا عاطِفَةَ. و"صَدَّقَ" مَعْناهُ: بِرِسالَةِ اللهِ ودِينِهِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مِنَ الصَدَقَةِ والأوَّلُ أصْوَبُ. و"يَتَمَطّى" مَعْناهُ: يَمْشِي المَطِيطا، وهي مِشْيَةٌ بِتَبَخْتُرٍ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ المَطا وهو الظَهْرُ، لِأنَّهُ يَنْثَنِي فِيها، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "إذا مَشَتْ أُمَّتِي المَطِيطا، وخَدَمَتْهُمُ الرُومُ وفارِسُ، سَلَّطَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ"،» وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ وعِيدٌ ثانٍ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، والمَعْنى: أولى لَكَ الِازْدِجارُ والِانْتِهاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مَن "وَلّى"، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الكَلِمَةَ زَجْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأولى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠] ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١]، ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَبَّبَ أبا جَهْلٍ يَوْمًا في البَطْحاءِ وقالَ لَهُ: إنَّ اللهَ يَقُولُ لَكَ: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلى نَحْوِها،» وفي شِعْر الخَنْساءِ: (p-٤٨٣)
؎ هَمَمْتُ بِنَفْسِي كُلَّ الهُمُومِ ∗∗∗ فَأولى لِنَفْسِي أولى لَها
وقَوْلُهُ تَعالى: "أيَحْسَبُ" تَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ، و"سُدًى" مَعْناهُ: مُهْمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى عَلى أحْوالِ ابْنِ آدَمَ في يَدِ اللهِ الَّتِي إذا تُؤُمِّلَتْ لَمْ يُنْكِرْ مَعَها جَوازَ البَعْثِ عاقِلٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ألَمْ يَكُ" بِالياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "ألَمْ تَكُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"النُطْفَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الماءِ، يُقالُ ذَلِكَ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ. والمَنِيُّ مَعْرُوفٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ- وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ، وسَلامُ، ويَعْقُوبُ: "يُمَنّى" بِالياءِ، يُرادُ بِذَلِكَ المَنِيَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "يُمْنى" مِن قَوْلِكَ: "أمْنى الرَجُلُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "مَنِيَ اللهُ الخَلْقَ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مِن مَنِيٍّ يخْلُقُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، والناسُ: تُمْنى" بِالتاءِ، يُرادُ بِذَلِكَ النُطْفَةُ، و"تَمَنّى" تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا. و"العَلَقَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الدَمِ؛ لِأنَّ الدَمَ هو العَلَقُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَخَلَقَ فَسَوّى" مَعْناهُ: فَخَلَقَ اللهُ تَعالى مِنهُ بَشَرًا مُرَكَّبًا مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ، فَسَوّاهُ شَخْصًا مُسْتَقِلًّا، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَخْلُقُ" بِالياءِ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا. و"الزَوْجَيْنِ": النَوْعَيْنِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُزْدَوَجَيْنِ مِنَ البَشَرِ.
(p-٤٨٤)ثُمَّ وقَفَ تَعالى تَوْقِيفَ تَوْبِيخٍ وإقامَةِ حُجَّةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ الأخِيرَةِ مَن "يُحْيِي"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ بِسُكُونِها، وهي تُحْذَفُ مِنَ اللَفْظِ لِسُكُونِ اللامِ مِن "المَوْتى". ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وبَلى"، ويُرْوى أنَّهُ كانَ يَقُولُ: "بَلى"» فَقَطْ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القِيامَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
القيامة 75:37
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ ﴿ثُمَّ أولى لَكَ فَأولى﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾
هَذِهِ الآياتُ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، ثُمَّ كادَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنْ تُصَرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَتَمَطّى" فَإنَّها كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وكانَ أبُو جَهْلٍ يُكْثِرُ مِنها، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى" تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ
؎ فَأيُّ خَمِيسٍ فَإنّا لا أبانا نَهابُهُ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن كَبْشِهِ دَمًا؟
(p-٤٨٢)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ إنْ تَغْفِرْ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا؟
فَـ "لا" في الآيَةِ نافِيَةٌ لا عاطِفَةَ. و"صَدَّقَ" مَعْناهُ: بِرِسالَةِ اللهِ ودِينِهِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مِنَ الصَدَقَةِ والأوَّلُ أصْوَبُ. و"يَتَمَطّى" مَعْناهُ: يَمْشِي المَطِيطا، وهي مِشْيَةٌ بِتَبَخْتُرٍ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ المَطا وهو الظَهْرُ، لِأنَّهُ يَنْثَنِي فِيها، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "إذا مَشَتْ أُمَّتِي المَطِيطا، وخَدَمَتْهُمُ الرُومُ وفارِسُ، سَلَّطَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ"،» وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ وعِيدٌ ثانٍ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، والمَعْنى: أولى لَكَ الِازْدِجارُ والِانْتِهاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مَن "وَلّى"، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الكَلِمَةَ زَجْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأولى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠] ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١]، ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَبَّبَ أبا جَهْلٍ يَوْمًا في البَطْحاءِ وقالَ لَهُ: إنَّ اللهَ يَقُولُ لَكَ: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلى نَحْوِها،» وفي شِعْر الخَنْساءِ: (p-٤٨٣)
؎ هَمَمْتُ بِنَفْسِي كُلَّ الهُمُومِ ∗∗∗ فَأولى لِنَفْسِي أولى لَها
وقَوْلُهُ تَعالى: "أيَحْسَبُ" تَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ، و"سُدًى" مَعْناهُ: مُهْمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى عَلى أحْوالِ ابْنِ آدَمَ في يَدِ اللهِ الَّتِي إذا تُؤُمِّلَتْ لَمْ يُنْكِرْ مَعَها جَوازَ البَعْثِ عاقِلٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ألَمْ يَكُ" بِالياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "ألَمْ تَكُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"النُطْفَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الماءِ، يُقالُ ذَلِكَ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ. والمَنِيُّ مَعْرُوفٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ- وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ، وسَلامُ، ويَعْقُوبُ: "يُمَنّى" بِالياءِ، يُرادُ بِذَلِكَ المَنِيَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "يُمْنى" مِن قَوْلِكَ: "أمْنى الرَجُلُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "مَنِيَ اللهُ الخَلْقَ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مِن مَنِيٍّ يخْلُقُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، والناسُ: تُمْنى" بِالتاءِ، يُرادُ بِذَلِكَ النُطْفَةُ، و"تَمَنّى" تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا. و"العَلَقَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الدَمِ؛ لِأنَّ الدَمَ هو العَلَقُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَخَلَقَ فَسَوّى" مَعْناهُ: فَخَلَقَ اللهُ تَعالى مِنهُ بَشَرًا مُرَكَّبًا مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ، فَسَوّاهُ شَخْصًا مُسْتَقِلًّا، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَخْلُقُ" بِالياءِ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا. و"الزَوْجَيْنِ": النَوْعَيْنِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُزْدَوَجَيْنِ مِنَ البَشَرِ.
(p-٤٨٤)ثُمَّ وقَفَ تَعالى تَوْقِيفَ تَوْبِيخٍ وإقامَةِ حُجَّةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ الأخِيرَةِ مَن "يُحْيِي"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ بِسُكُونِها، وهي تُحْذَفُ مِنَ اللَفْظِ لِسُكُونِ اللامِ مِن "المَوْتى". ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وبَلى"، ويُرْوى أنَّهُ كانَ يَقُولُ: "بَلى"» فَقَطْ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القِيامَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
القيامة 75:38
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ ﴿ثُمَّ أولى لَكَ فَأولى﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾
هَذِهِ الآياتُ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، ثُمَّ كادَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنْ تُصَرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَتَمَطّى" فَإنَّها كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وكانَ أبُو جَهْلٍ يُكْثِرُ مِنها، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى" تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ
؎ فَأيُّ خَمِيسٍ فَإنّا لا أبانا نَهابُهُ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن كَبْشِهِ دَمًا؟
(p-٤٨٢)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ إنْ تَغْفِرْ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا؟
فَـ "لا" في الآيَةِ نافِيَةٌ لا عاطِفَةَ. و"صَدَّقَ" مَعْناهُ: بِرِسالَةِ اللهِ ودِينِهِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مِنَ الصَدَقَةِ والأوَّلُ أصْوَبُ. و"يَتَمَطّى" مَعْناهُ: يَمْشِي المَطِيطا، وهي مِشْيَةٌ بِتَبَخْتُرٍ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ المَطا وهو الظَهْرُ، لِأنَّهُ يَنْثَنِي فِيها، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "إذا مَشَتْ أُمَّتِي المَطِيطا، وخَدَمَتْهُمُ الرُومُ وفارِسُ، سَلَّطَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ"،» وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ وعِيدٌ ثانٍ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، والمَعْنى: أولى لَكَ الِازْدِجارُ والِانْتِهاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مَن "وَلّى"، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الكَلِمَةَ زَجْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأولى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠] ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١]، ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَبَّبَ أبا جَهْلٍ يَوْمًا في البَطْحاءِ وقالَ لَهُ: إنَّ اللهَ يَقُولُ لَكَ: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلى نَحْوِها،» وفي شِعْر الخَنْساءِ: (p-٤٨٣)
؎ هَمَمْتُ بِنَفْسِي كُلَّ الهُمُومِ ∗∗∗ فَأولى لِنَفْسِي أولى لَها
وقَوْلُهُ تَعالى: "أيَحْسَبُ" تَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ، و"سُدًى" مَعْناهُ: مُهْمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى عَلى أحْوالِ ابْنِ آدَمَ في يَدِ اللهِ الَّتِي إذا تُؤُمِّلَتْ لَمْ يُنْكِرْ مَعَها جَوازَ البَعْثِ عاقِلٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ألَمْ يَكُ" بِالياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "ألَمْ تَكُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"النُطْفَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الماءِ، يُقالُ ذَلِكَ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ. والمَنِيُّ مَعْرُوفٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ- وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ، وسَلامُ، ويَعْقُوبُ: "يُمَنّى" بِالياءِ، يُرادُ بِذَلِكَ المَنِيَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "يُمْنى" مِن قَوْلِكَ: "أمْنى الرَجُلُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "مَنِيَ اللهُ الخَلْقَ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مِن مَنِيٍّ يخْلُقُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، والناسُ: تُمْنى" بِالتاءِ، يُرادُ بِذَلِكَ النُطْفَةُ، و"تَمَنّى" تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا. و"العَلَقَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الدَمِ؛ لِأنَّ الدَمَ هو العَلَقُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَخَلَقَ فَسَوّى" مَعْناهُ: فَخَلَقَ اللهُ تَعالى مِنهُ بَشَرًا مُرَكَّبًا مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ، فَسَوّاهُ شَخْصًا مُسْتَقِلًّا، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَخْلُقُ" بِالياءِ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا. و"الزَوْجَيْنِ": النَوْعَيْنِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُزْدَوَجَيْنِ مِنَ البَشَرِ.
(p-٤٨٤)ثُمَّ وقَفَ تَعالى تَوْقِيفَ تَوْبِيخٍ وإقامَةِ حُجَّةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ الأخِيرَةِ مَن "يُحْيِي"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ بِسُكُونِها، وهي تُحْذَفُ مِنَ اللَفْظِ لِسُكُونِ اللامِ مِن "المَوْتى". ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وبَلى"، ويُرْوى أنَّهُ كانَ يَقُولُ: "بَلى"» فَقَطْ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القِيامَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
القيامة 75:39
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ ﴿ثُمَّ أولى لَكَ فَأولى﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾
هَذِهِ الآياتُ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، ثُمَّ كادَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنْ تُصَرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَتَمَطّى" فَإنَّها كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وكانَ أبُو جَهْلٍ يُكْثِرُ مِنها، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى" تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ
؎ فَأيُّ خَمِيسٍ فَإنّا لا أبانا نَهابُهُ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن كَبْشِهِ دَمًا؟
(p-٤٨٢)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ إنْ تَغْفِرْ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا؟
فَـ "لا" في الآيَةِ نافِيَةٌ لا عاطِفَةَ. و"صَدَّقَ" مَعْناهُ: بِرِسالَةِ اللهِ ودِينِهِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مِنَ الصَدَقَةِ والأوَّلُ أصْوَبُ. و"يَتَمَطّى" مَعْناهُ: يَمْشِي المَطِيطا، وهي مِشْيَةٌ بِتَبَخْتُرٍ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ المَطا وهو الظَهْرُ، لِأنَّهُ يَنْثَنِي فِيها، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "إذا مَشَتْ أُمَّتِي المَطِيطا، وخَدَمَتْهُمُ الرُومُ وفارِسُ، سَلَّطَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ"،» وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ وعِيدٌ ثانٍ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، والمَعْنى: أولى لَكَ الِازْدِجارُ والِانْتِهاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مَن "وَلّى"، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الكَلِمَةَ زَجْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأولى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠] ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١]، ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَبَّبَ أبا جَهْلٍ يَوْمًا في البَطْحاءِ وقالَ لَهُ: إنَّ اللهَ يَقُولُ لَكَ: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلى نَحْوِها،» وفي شِعْر الخَنْساءِ: (p-٤٨٣)
؎ هَمَمْتُ بِنَفْسِي كُلَّ الهُمُومِ ∗∗∗ فَأولى لِنَفْسِي أولى لَها
وقَوْلُهُ تَعالى: "أيَحْسَبُ" تَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ، و"سُدًى" مَعْناهُ: مُهْمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى عَلى أحْوالِ ابْنِ آدَمَ في يَدِ اللهِ الَّتِي إذا تُؤُمِّلَتْ لَمْ يُنْكِرْ مَعَها جَوازَ البَعْثِ عاقِلٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ألَمْ يَكُ" بِالياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "ألَمْ تَكُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"النُطْفَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الماءِ، يُقالُ ذَلِكَ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ. والمَنِيُّ مَعْرُوفٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ- وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ، وسَلامُ، ويَعْقُوبُ: "يُمَنّى" بِالياءِ، يُرادُ بِذَلِكَ المَنِيَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "يُمْنى" مِن قَوْلِكَ: "أمْنى الرَجُلُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "مَنِيَ اللهُ الخَلْقَ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مِن مَنِيٍّ يخْلُقُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، والناسُ: تُمْنى" بِالتاءِ، يُرادُ بِذَلِكَ النُطْفَةُ، و"تَمَنّى" تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا. و"العَلَقَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الدَمِ؛ لِأنَّ الدَمَ هو العَلَقُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَخَلَقَ فَسَوّى" مَعْناهُ: فَخَلَقَ اللهُ تَعالى مِنهُ بَشَرًا مُرَكَّبًا مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ، فَسَوّاهُ شَخْصًا مُسْتَقِلًّا، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَخْلُقُ" بِالياءِ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا. و"الزَوْجَيْنِ": النَوْعَيْنِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُزْدَوَجَيْنِ مِنَ البَشَرِ.
(p-٤٨٤)ثُمَّ وقَفَ تَعالى تَوْقِيفَ تَوْبِيخٍ وإقامَةِ حُجَّةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ الأخِيرَةِ مَن "يُحْيِي"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ بِسُكُونِها، وهي تُحْذَفُ مِنَ اللَفْظِ لِسُكُونِ اللامِ مِن "المَوْتى". ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وبَلى"، ويُرْوى أنَّهُ كانَ يَقُولُ: "بَلى"» فَقَطْ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القِيامَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
القيامة 75:40
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ ﴿ثُمَّ أولى لَكَ فَأولى﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾
هَذِهِ الآياتُ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، ثُمَّ كادَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنْ تُصَرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَتَمَطّى" فَإنَّها كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وكانَ أبُو جَهْلٍ يُكْثِرُ مِنها، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى" تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ
؎ فَأيُّ خَمِيسٍ فَإنّا لا أبانا نَهابُهُ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن كَبْشِهِ دَمًا؟
(p-٤٨٢)وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ إنْ تَغْفِرْ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا؟
فَـ "لا" في الآيَةِ نافِيَةٌ لا عاطِفَةَ. و"صَدَّقَ" مَعْناهُ: بِرِسالَةِ اللهِ ودِينِهِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مِنَ الصَدَقَةِ والأوَّلُ أصْوَبُ. و"يَتَمَطّى" مَعْناهُ: يَمْشِي المَطِيطا، وهي مِشْيَةٌ بِتَبَخْتُرٍ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ المَطا وهو الظَهْرُ، لِأنَّهُ يَنْثَنِي فِيها، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "إذا مَشَتْ أُمَّتِي المَطِيطا، وخَدَمَتْهُمُ الرُومُ وفارِسُ، سَلَّطَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ"،» وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ وعِيدٌ ثانٍ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، والمَعْنى: أولى لَكَ الِازْدِجارُ والِانْتِهاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مَن "وَلّى"، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الكَلِمَةَ زَجْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأولى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠] ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١]، ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَبَّبَ أبا جَهْلٍ يَوْمًا في البَطْحاءِ وقالَ لَهُ: إنَّ اللهَ يَقُولُ لَكَ: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلى نَحْوِها،» وفي شِعْر الخَنْساءِ: (p-٤٨٣)
؎ هَمَمْتُ بِنَفْسِي كُلَّ الهُمُومِ ∗∗∗ فَأولى لِنَفْسِي أولى لَها
وقَوْلُهُ تَعالى: "أيَحْسَبُ" تَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ، و"سُدًى" مَعْناهُ: مُهْمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى عَلى أحْوالِ ابْنِ آدَمَ في يَدِ اللهِ الَّتِي إذا تُؤُمِّلَتْ لَمْ يُنْكِرْ مَعَها جَوازَ البَعْثِ عاقِلٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ألَمْ يَكُ" بِالياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "ألَمْ تَكُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"النُطْفَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الماءِ، يُقالُ ذَلِكَ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ. والمَنِيُّ مَعْرُوفٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ- وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ، وسَلامُ، ويَعْقُوبُ: "يُمَنّى" بِالياءِ، يُرادُ بِذَلِكَ المَنِيَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "يُمْنى" مِن قَوْلِكَ: "أمْنى الرَجُلُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "مَنِيَ اللهُ الخَلْقَ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مِن مَنِيٍّ يخْلُقُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، والناسُ: تُمْنى" بِالتاءِ، يُرادُ بِذَلِكَ النُطْفَةُ، و"تَمَنّى" تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا. و"العَلَقَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الدَمِ؛ لِأنَّ الدَمَ هو العَلَقُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَخَلَقَ فَسَوّى" مَعْناهُ: فَخَلَقَ اللهُ تَعالى مِنهُ بَشَرًا مُرَكَّبًا مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ، فَسَوّاهُ شَخْصًا مُسْتَقِلًّا، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَخْلُقُ" بِالياءِ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا. و"الزَوْجَيْنِ": النَوْعَيْنِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُزْدَوَجَيْنِ مِنَ البَشَرِ.
(p-٤٨٤)ثُمَّ وقَفَ تَعالى تَوْقِيفَ تَوْبِيخٍ وإقامَةِ حُجَّةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ الأخِيرَةِ مَن "يُحْيِي"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ بِسُكُونِها، وهي تُحْذَفُ مِنَ اللَفْظِ لِسُكُونِ اللامِ مِن "المَوْتى". ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وبَلى"، ويُرْوى أنَّهُ كانَ يَقُولُ: "بَلى"» فَقَطْ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القِيامَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الإنسان 76:1
(p-٤٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الإنْسانِ
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي مَكِّيَّةٌ كُلُّها، وحَكى النَقّاشُ، والثَعْلَبِيُّ عن مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: مِنها آيَةٌ مَكِّيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أو كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، والباقِي مَدَنِيٌّ، وأنَّها نَزَلَتْ في صَنِيعِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في إطْعامِهِ عَشاءَهُ وعَشاءَ أهْلِهِ ووَلَدِهِ لِمِسْكِينٍ لَيْلَةً، ثُمَّ لِيَتِيمٍ لَيْلَةً، ثُمَّ لِأسِيرٍ لَيْلَةً ثالِثَةً، مُتَوالِياتٍ، وقِيلَ نَزَلَتْ في صَنِيعِ ابْنِ الدَحْداحِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالا وسَعِيرًا﴾ ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾
"هَلْ" في كَلامِ العَرَبِ قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى "قَدْ"، حَكاهُ سِيبَوَيْهِ، لَكِنَّها لا تَخْلُو مِن تَقْرِيرٍ، وبابُها المَشْهُورُ الِاسْتِفْهامُ المَحْضُ، والتَقْرِيرُ أحْيانًا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي هُنا بِمَعْنى "قَدْ"، و"الإنْسانُ" يُرادُ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الحِينُ" هو المُدَّةُ الَّتِي بَقِيَ فِيها طِينًا قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُوحُ، أيْ أنَّهُ شَيْءٌ ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا مُنَوِّهًا بِهِ في العالَمِ وفي حالَةِ العَدَمِ المَحْضِ قَبْلَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا ولا مَذْكُورًا. وقالَ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: "هَلْ" تَقْرِيرٌ، و"الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ، أيْ: إذا تَأمَّلَ كُلُّ إنْسانٍ نَفْسَهُ عَلِمَ بِأنَّهُ قَدْ مَرَّ حِينٌ مِنَ (p-٤٨٦)الدَهْرِ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ هو فِيهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، أيْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وقَدْ يُسَمّى المَوْجُودُ شَيْئًا فَهو مَذْكُورٌ بِهَذا الوَجْهِ، و"الحِينُ" هُنا: المُدَّةُ مِنَ الزَمَنِ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ تَقَعُ على القَلِيلِ والكَثِيرِ، وإنَّما يُحْتاجُ إلى تَحْدِيدِ الحِينِ في الأيْمانِ، فَمَن حَلَفَ أنْ ألّا يُكَلِّمَ أخاهُ حِينًا، فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ الحِينَ سَنَةٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سِتَّةُ أشْهُرٍ، والقَوِيُّ في هَذا أنَّ "الإنْسانَ" اسْمُ جِنْسٍ، وأنَّ الآيَةَ جُعِلَتْ عِبْرَةً لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الناسِ لِيَعْلَمَ أنَّ الصانِعَ لَهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ﴾، هو هُنا اسْمُ الجِنْسِ بِلا خِلافٍ لِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يُخْلَقْ مِن نُطْفَةٍ، و"أمْشاجٍ" مَعْناهُ: أخْلاطٌ، واحِدُها "مَشَجٌ" بِفَتْحِ المِيمِ والشِينِ، قالَهُ ابْنُ السِكِّيتِ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: "مَشْجٍ" مِثْلُ عَدْلٍ وأعْدالٍ، وقِيلَ: "مَشِيجٌ" مِثْلِ شَرِيفٍ وأشْرافٍ.
واخْتُلِفَ في المَقْصُودِ مِن "الخَلْطِ"، فَقِيلَ: هو أمْشاجُ ماءِ الرَجُلِ بِماءِ المَرْأةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ حَدِيثًا، -وَهُوَ أيْضًا في بَعْضِ المُصَنَّفاتِ- «إنَّ عِظامَ ابْنِ آدَمَ وعَصْبَةً مِن ماءِ الرَجُلِ، ولَحْمَهُ وشَحْمَهُ مِن ماءِ المَرْأةِ،» وقِيلَ: هو اخْتِلاطُ أمْرِ الجَنِينِ بِالنَقْلِهِ مِنَ النُطْفَةِ إلى العَلَقَةِ إلى المُضْغَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَهو أمْرٌ مُخْتَلَطٌ، وقِيلَ: هو اخْتِلاطُ الدَمِ والبَلْغَمِ والسَوْداء والصَفْراء فِيهِ. و"نَبْتَلِيهِ" مَعْناهُ: نَخْتَبِرُهُ بِالإيجادِ والكَوْنِ في الدُنْيا، وهو حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "خَلَقْنا"، كَأنَّهُ قالَ: مُخْتَبِرِينَ لَهُ بِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَجَعَلْناهُ" عَطْفُ جُمْلَةٍ نِعَمٍ عَلى جُمْلَةِ نِعَمٍ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: إنَّما المَعْنى فَلَنَبْتَلِيهِ جَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ تَرَتَّبَ اللَفْظُ مُؤَخَّرًا مُتَداخِلًا كَأنَّهُ قالَ: نَحْن نَبْتَلِيهِ فَلِذَلِكَ جَعَلْناهُ، والِابْتِلاءُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- هو بِالإسْماعِ والإبْصارِ لا بِالإيجادِ، ولَيْسَ "نَبْتَلِيهِ" حالًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ السَبِيلَ العامَّةَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَذَلِكَ بِخَلْقِ الحَواسِّ ومَوْهِبَةِ الفِطْرَةِ ونَصْبِ الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، و"هَدَيْناهُ" -عَلى هَذا- بِمَعْنى أرْشَدْناهُ، كَما يُرْشَدُ الإنْسانُ إلى الطَرِيقِ ويُوقَفُ عَلَيْهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسَبِيلِ اسْمَ الجِنْسِ، أيْ: هَدى المُؤْمِنَ لِإيمانِهِ والكافِرَ لِكُفْرِهِ، فَـ "هَدَيْناهُ"- عَلى هَذا كَأنَّهُ بِمَعْنى أرَيْناهُ فَقَطْ ولَيْسَ الهُدى في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى خَلَقَ الهُدى والإيمانَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ حالانِ وقَسَّمَتْها "إمّا". قالَهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: (p-٤٨٧)وَقَرَأ أبُو العاجِ: "إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا" وأبُو العاجِ هو كُثَيِّرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السِلْمِيُّ، شامِيٌّ، ولّى البَصْرَةَ لِهُشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ.
و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: أعْدَدْناهُ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "سَلاسِلًا" بِالصَرْفِ، وهَذا عَلى ما حَكاهُ الأخْفَشُ مِن لُغَةِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يُصْرَفُ إلّا أفْعَلُ، وهي لُغَةُ الشُعَراءِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى جَرى في كَلامِهِمْ، وقَدْ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ وهي أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الضَرْبُ مِنَ الجُمُوعِ يَجْمَعُ لِشِبْهِ الآحادِ فَصُرِفَ، وذَلِكَ مِن شِبْهِ الآحادِ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِمْ: "صَواحِبُ وصَواحِباتٌ"، وفي قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ ............ نَواكِسِي الأبْصارِ
بِالياءِ جَمْعُ "نَواكِسَ"، وهَذا الإجْراءُ في "سَلاسِلًا" و"قَوارِيرا" ثَبَتَ في مُصْحَفِ ابْنِ (p-٤٨٨)مَسْعُودٍ ومُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُصْحَفِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والكُوفَةِ والبَصْرَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: "سَلاسِلَ" عَلى تَرْكِ الصَرْفِ في الوَقْفِ والوَصْلِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ -فِيما رُوِيَ عنهُما-: "سَلاسِلَ" في الوَصْلِ و"سَلاسِلا" بِألْفٍ دُونِ تَنْوِينٍ في الوَقْفِ، ورَواهُ هِشامُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ؛ لِأنَّ العَرَبَ مَن يَقُولُ: "رَأيْتُ عَمْرًا"، يَقِفُ بِألِفٍ، وأيْضًا فالوَقْفُ بِالألِفِ "سَلاسِلا" اتِّباعٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ.
و"الأبْرارَ" جَمْعُ "بارٍّ" كَشاهِدٍ وأشْهادٍ، قالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْذُونَ الذَرَّ ولا يَرْضَوْنَ الشَرَّ، و"الكَأْسُ": ما فِيهِ نَبِيذٌ ونَحْوُهُ مِمّا يُشْرَبُ بِهِ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: ولا يُقالُ "كَأْسٌ" إلّا لِما فِيهِ نَبِيذٌ ونَحْوُهُ، ولا يُقالُ "ظَعِينَةٌ" إلّا إذا كانَ عَلَيْها امْرَأةٌ، ولا يُقالُ "مائِدَةٌ" إلّا وعَلَيْها طَعامٌ، وإلّا فَهو "خَوّانٌ". و"المِزاجُ": ما تُمْزَجُ بِهِ الخُمُورُ ونَحْوُها، وهي أيْضًا مِزاجٌ لَهُ لِأنَّهُما تَمازَجا مِزاجًا، قالَ بَعْضُ الناسِ: المِزاجُ نَفْسُ الكافُورِ، وقالَ قَتادَةُ: قَوْمٌ يُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ بِالمِسْكِ، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: إنَّ في الجَنَّةِ عَيْنٌ تُسَمّى كافُورًا، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّما أرادَ كافُورًا في النَكْهَةِ والعُرْفِ كَما تَقُولُ إذا مَدَحْتَ طَعامًا: هَذا الطَعامُ مِسْكٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَيْنًا" قِيلَ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كافُورًا"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "يَشْرَبُونَ" أيْ يَشْرَبُونَ ماءَ هَذِهِ العَيْنِ مِن كَأْسٍ عَطِرَةٍ كالكافُورِ، وقِيلَ: نَصَبَ "عَيْنًا" عَلى المَدْحِ أو بِإضْمارِ "أعْنِي"، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَشْرَبُ بِها" بِمَنزِلَةِ "يَشْرَبُها"، فالباءُ زائِدَةٌ، قالَ الهُذَلِيُّ:
؎ شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ. ∗∗∗...............
(p-٤٨٩)أيْ: شَرِبْنَ ماءَ البَحْرِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يَشْرَبُها عِبادُ اللهِ"، و"عِبادُ اللهِ" هُنا خُصُوصٌ في المُؤْمِنَيْنِ الناعِمِينَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ عِبادُهُ. "وَيُفَجِّرُونَها" مَعْناهُ: يَشُقُّونَها بِعُودِ قَصَبٍ ونَحْوِهِ حَيْثُ شاءُوا، فَهي تَجْرِي عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ مِنهُمْ، هَكَذا ورَدَ الأثَرُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: عَيْنٌ في دارِ النَبِيِّ ﷺ تُفَجَّرُ إلى دَوْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ودَوْرِ المُؤْمِنِينَ. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
الإنسان 76:2
(p-٤٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الإنْسانِ
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي مَكِّيَّةٌ كُلُّها، وحَكى النَقّاشُ، والثَعْلَبِيُّ عن مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: مِنها آيَةٌ مَكِّيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أو كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، والباقِي مَدَنِيٌّ، وأنَّها نَزَلَتْ في صَنِيعِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في إطْعامِهِ عَشاءَهُ وعَشاءَ أهْلِهِ ووَلَدِهِ لِمِسْكِينٍ لَيْلَةً، ثُمَّ لِيَتِيمٍ لَيْلَةً، ثُمَّ لِأسِيرٍ لَيْلَةً ثالِثَةً، مُتَوالِياتٍ، وقِيلَ نَزَلَتْ في صَنِيعِ ابْنِ الدَحْداحِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالا وسَعِيرًا﴾ ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾
"هَلْ" في كَلامِ العَرَبِ قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى "قَدْ"، حَكاهُ سِيبَوَيْهِ، لَكِنَّها لا تَخْلُو مِن تَقْرِيرٍ، وبابُها المَشْهُورُ الِاسْتِفْهامُ المَحْضُ، والتَقْرِيرُ أحْيانًا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي هُنا بِمَعْنى "قَدْ"، و"الإنْسانُ" يُرادُ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الحِينُ" هو المُدَّةُ الَّتِي بَقِيَ فِيها طِينًا قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُوحُ، أيْ أنَّهُ شَيْءٌ ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا مُنَوِّهًا بِهِ في العالَمِ وفي حالَةِ العَدَمِ المَحْضِ قَبْلَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا ولا مَذْكُورًا. وقالَ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: "هَلْ" تَقْرِيرٌ، و"الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ، أيْ: إذا تَأمَّلَ كُلُّ إنْسانٍ نَفْسَهُ عَلِمَ بِأنَّهُ قَدْ مَرَّ حِينٌ مِنَ (p-٤٨٦)الدَهْرِ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ هو فِيهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، أيْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وقَدْ يُسَمّى المَوْجُودُ شَيْئًا فَهو مَذْكُورٌ بِهَذا الوَجْهِ، و"الحِينُ" هُنا: المُدَّةُ مِنَ الزَمَنِ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ تَقَعُ على القَلِيلِ والكَثِيرِ، وإنَّما يُحْتاجُ إلى تَحْدِيدِ الحِينِ في الأيْمانِ، فَمَن حَلَفَ أنْ ألّا يُكَلِّمَ أخاهُ حِينًا، فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ الحِينَ سَنَةٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سِتَّةُ أشْهُرٍ، والقَوِيُّ في هَذا أنَّ "الإنْسانَ" اسْمُ جِنْسٍ، وأنَّ الآيَةَ جُعِلَتْ عِبْرَةً لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الناسِ لِيَعْلَمَ أنَّ الصانِعَ لَهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ﴾، هو هُنا اسْمُ الجِنْسِ بِلا خِلافٍ لِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يُخْلَقْ مِن نُطْفَةٍ، و"أمْشاجٍ" مَعْناهُ: أخْلاطٌ، واحِدُها "مَشَجٌ" بِفَتْحِ المِيمِ والشِينِ، قالَهُ ابْنُ السِكِّيتِ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: "مَشْجٍ" مِثْلُ عَدْلٍ وأعْدالٍ، وقِيلَ: "مَشِيجٌ" مِثْلِ شَرِيفٍ وأشْرافٍ.
واخْتُلِفَ في المَقْصُودِ مِن "الخَلْطِ"، فَقِيلَ: هو أمْشاجُ ماءِ الرَجُلِ بِماءِ المَرْأةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ حَدِيثًا، -وَهُوَ أيْضًا في بَعْضِ المُصَنَّفاتِ- «إنَّ عِظامَ ابْنِ آدَمَ وعَصْبَةً مِن ماءِ الرَجُلِ، ولَحْمَهُ وشَحْمَهُ مِن ماءِ المَرْأةِ،» وقِيلَ: هو اخْتِلاطُ أمْرِ الجَنِينِ بِالنَقْلِهِ مِنَ النُطْفَةِ إلى العَلَقَةِ إلى المُضْغَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَهو أمْرٌ مُخْتَلَطٌ، وقِيلَ: هو اخْتِلاطُ الدَمِ والبَلْغَمِ والسَوْداء والصَفْراء فِيهِ. و"نَبْتَلِيهِ" مَعْناهُ: نَخْتَبِرُهُ بِالإيجادِ والكَوْنِ في الدُنْيا، وهو حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "خَلَقْنا"، كَأنَّهُ قالَ: مُخْتَبِرِينَ لَهُ بِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَجَعَلْناهُ" عَطْفُ جُمْلَةٍ نِعَمٍ عَلى جُمْلَةِ نِعَمٍ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: إنَّما المَعْنى فَلَنَبْتَلِيهِ جَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ تَرَتَّبَ اللَفْظُ مُؤَخَّرًا مُتَداخِلًا كَأنَّهُ قالَ: نَحْن نَبْتَلِيهِ فَلِذَلِكَ جَعَلْناهُ، والِابْتِلاءُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- هو بِالإسْماعِ والإبْصارِ لا بِالإيجادِ، ولَيْسَ "نَبْتَلِيهِ" حالًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ السَبِيلَ العامَّةَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَذَلِكَ بِخَلْقِ الحَواسِّ ومَوْهِبَةِ الفِطْرَةِ ونَصْبِ الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، و"هَدَيْناهُ" -عَلى هَذا- بِمَعْنى أرْشَدْناهُ، كَما يُرْشَدُ الإنْسانُ إلى الطَرِيقِ ويُوقَفُ عَلَيْهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسَبِيلِ اسْمَ الجِنْسِ، أيْ: هَدى المُؤْمِنَ لِإيمانِهِ والكافِرَ لِكُفْرِهِ، فَـ "هَدَيْناهُ"- عَلى هَذا كَأنَّهُ بِمَعْنى أرَيْناهُ فَقَطْ ولَيْسَ الهُدى في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى خَلَقَ الهُدى والإيمانَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ حالانِ وقَسَّمَتْها "إمّا". قالَهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: (p-٤٨٧)وَقَرَأ أبُو العاجِ: "إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا" وأبُو العاجِ هو كُثَيِّرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السِلْمِيُّ، شامِيٌّ، ولّى البَصْرَةَ لِهُشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ.
و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: أعْدَدْناهُ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "سَلاسِلًا" بِالصَرْفِ، وهَذا عَلى ما حَكاهُ الأخْفَشُ مِن لُغَةِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يُصْرَفُ إلّا أفْعَلُ، وهي لُغَةُ الشُعَراءِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى جَرى في كَلامِهِمْ، وقَدْ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ وهي أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الضَرْبُ مِنَ الجُمُوعِ يَجْمَعُ لِشِبْهِ الآحادِ فَصُرِفَ، وذَلِكَ مِن شِبْهِ الآحادِ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِمْ: "صَواحِبُ وصَواحِباتٌ"، وفي قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ ............ نَواكِسِي الأبْصارِ
بِالياءِ جَمْعُ "نَواكِسَ"، وهَذا الإجْراءُ في "سَلاسِلًا" و"قَوارِيرا" ثَبَتَ في مُصْحَفِ ابْنِ (p-٤٨٨)مَسْعُودٍ ومُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُصْحَفِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والكُوفَةِ والبَصْرَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: "سَلاسِلَ" عَلى تَرْكِ الصَرْفِ في الوَقْفِ والوَصْلِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ -فِيما رُوِيَ عنهُما-: "سَلاسِلَ" في الوَصْلِ و"سَلاسِلا" بِألْفٍ دُونِ تَنْوِينٍ في الوَقْفِ، ورَواهُ هِشامُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ؛ لِأنَّ العَرَبَ مَن يَقُولُ: "رَأيْتُ عَمْرًا"، يَقِفُ بِألِفٍ، وأيْضًا فالوَقْفُ بِالألِفِ "سَلاسِلا" اتِّباعٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ.
و"الأبْرارَ" جَمْعُ "بارٍّ" كَشاهِدٍ وأشْهادٍ، قالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْذُونَ الذَرَّ ولا يَرْضَوْنَ الشَرَّ، و"الكَأْسُ": ما فِيهِ نَبِيذٌ ونَحْوُهُ مِمّا يُشْرَبُ بِهِ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: ولا يُقالُ "كَأْسٌ" إلّا لِما فِيهِ نَبِيذٌ ونَحْوُهُ، ولا يُقالُ "ظَعِينَةٌ" إلّا إذا كانَ عَلَيْها امْرَأةٌ، ولا يُقالُ "مائِدَةٌ" إلّا وعَلَيْها طَعامٌ، وإلّا فَهو "خَوّانٌ". و"المِزاجُ": ما تُمْزَجُ بِهِ الخُمُورُ ونَحْوُها، وهي أيْضًا مِزاجٌ لَهُ لِأنَّهُما تَمازَجا مِزاجًا، قالَ بَعْضُ الناسِ: المِزاجُ نَفْسُ الكافُورِ، وقالَ قَتادَةُ: قَوْمٌ يُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ بِالمِسْكِ، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: إنَّ في الجَنَّةِ عَيْنٌ تُسَمّى كافُورًا، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّما أرادَ كافُورًا في النَكْهَةِ والعُرْفِ كَما تَقُولُ إذا مَدَحْتَ طَعامًا: هَذا الطَعامُ مِسْكٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَيْنًا" قِيلَ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كافُورًا"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "يَشْرَبُونَ" أيْ يَشْرَبُونَ ماءَ هَذِهِ العَيْنِ مِن كَأْسٍ عَطِرَةٍ كالكافُورِ، وقِيلَ: نَصَبَ "عَيْنًا" عَلى المَدْحِ أو بِإضْمارِ "أعْنِي"، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَشْرَبُ بِها" بِمَنزِلَةِ "يَشْرَبُها"، فالباءُ زائِدَةٌ، قالَ الهُذَلِيُّ:
؎ شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ. ∗∗∗...............
(p-٤٨٩)أيْ: شَرِبْنَ ماءَ البَحْرِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يَشْرَبُها عِبادُ اللهِ"، و"عِبادُ اللهِ" هُنا خُصُوصٌ في المُؤْمِنَيْنِ الناعِمِينَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ عِبادُهُ. "وَيُفَجِّرُونَها" مَعْناهُ: يَشُقُّونَها بِعُودِ قَصَبٍ ونَحْوِهِ حَيْثُ شاءُوا، فَهي تَجْرِي عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ مِنهُمْ، هَكَذا ورَدَ الأثَرُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: عَيْنٌ في دارِ النَبِيِّ ﷺ تُفَجَّرُ إلى دَوْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ودَوْرِ المُؤْمِنِينَ. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
الإنسان 76:3
(p-٤٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الإنْسانِ
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي مَكِّيَّةٌ كُلُّها، وحَكى النَقّاشُ، والثَعْلَبِيُّ عن مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: مِنها آيَةٌ مَكِّيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أو كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، والباقِي مَدَنِيٌّ، وأنَّها نَزَلَتْ في صَنِيعِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في إطْعامِهِ عَشاءَهُ وعَشاءَ أهْلِهِ ووَلَدِهِ لِمِسْكِينٍ لَيْلَةً، ثُمَّ لِيَتِيمٍ لَيْلَةً، ثُمَّ لِأسِيرٍ لَيْلَةً ثالِثَةً، مُتَوالِياتٍ، وقِيلَ نَزَلَتْ في صَنِيعِ ابْنِ الدَحْداحِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالا وسَعِيرًا﴾ ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾
"هَلْ" في كَلامِ العَرَبِ قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى "قَدْ"، حَكاهُ سِيبَوَيْهِ، لَكِنَّها لا تَخْلُو مِن تَقْرِيرٍ، وبابُها المَشْهُورُ الِاسْتِفْهامُ المَحْضُ، والتَقْرِيرُ أحْيانًا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي هُنا بِمَعْنى "قَدْ"، و"الإنْسانُ" يُرادُ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الحِينُ" هو المُدَّةُ الَّتِي بَقِيَ فِيها طِينًا قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُوحُ، أيْ أنَّهُ شَيْءٌ ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا مُنَوِّهًا بِهِ في العالَمِ وفي حالَةِ العَدَمِ المَحْضِ قَبْلَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا ولا مَذْكُورًا. وقالَ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: "هَلْ" تَقْرِيرٌ، و"الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ، أيْ: إذا تَأمَّلَ كُلُّ إنْسانٍ نَفْسَهُ عَلِمَ بِأنَّهُ قَدْ مَرَّ حِينٌ مِنَ (p-٤٨٦)الدَهْرِ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ هو فِيهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، أيْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وقَدْ يُسَمّى المَوْجُودُ شَيْئًا فَهو مَذْكُورٌ بِهَذا الوَجْهِ، و"الحِينُ" هُنا: المُدَّةُ مِنَ الزَمَنِ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ تَقَعُ على القَلِيلِ والكَثِيرِ، وإنَّما يُحْتاجُ إلى تَحْدِيدِ الحِينِ في الأيْمانِ، فَمَن حَلَفَ أنْ ألّا يُكَلِّمَ أخاهُ حِينًا، فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ الحِينَ سَنَةٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سِتَّةُ أشْهُرٍ، والقَوِيُّ في هَذا أنَّ "الإنْسانَ" اسْمُ جِنْسٍ، وأنَّ الآيَةَ جُعِلَتْ عِبْرَةً لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الناسِ لِيَعْلَمَ أنَّ الصانِعَ لَهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ﴾، هو هُنا اسْمُ الجِنْسِ بِلا خِلافٍ لِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يُخْلَقْ مِن نُطْفَةٍ، و"أمْشاجٍ" مَعْناهُ: أخْلاطٌ، واحِدُها "مَشَجٌ" بِفَتْحِ المِيمِ والشِينِ، قالَهُ ابْنُ السِكِّيتِ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: "مَشْجٍ" مِثْلُ عَدْلٍ وأعْدالٍ، وقِيلَ: "مَشِيجٌ" مِثْلِ شَرِيفٍ وأشْرافٍ.
واخْتُلِفَ في المَقْصُودِ مِن "الخَلْطِ"، فَقِيلَ: هو أمْشاجُ ماءِ الرَجُلِ بِماءِ المَرْأةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ حَدِيثًا، -وَهُوَ أيْضًا في بَعْضِ المُصَنَّفاتِ- «إنَّ عِظامَ ابْنِ آدَمَ وعَصْبَةً مِن ماءِ الرَجُلِ، ولَحْمَهُ وشَحْمَهُ مِن ماءِ المَرْأةِ،» وقِيلَ: هو اخْتِلاطُ أمْرِ الجَنِينِ بِالنَقْلِهِ مِنَ النُطْفَةِ إلى العَلَقَةِ إلى المُضْغَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَهو أمْرٌ مُخْتَلَطٌ، وقِيلَ: هو اخْتِلاطُ الدَمِ والبَلْغَمِ والسَوْداء والصَفْراء فِيهِ. و"نَبْتَلِيهِ" مَعْناهُ: نَخْتَبِرُهُ بِالإيجادِ والكَوْنِ في الدُنْيا، وهو حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "خَلَقْنا"، كَأنَّهُ قالَ: مُخْتَبِرِينَ لَهُ بِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَجَعَلْناهُ" عَطْفُ جُمْلَةٍ نِعَمٍ عَلى جُمْلَةِ نِعَمٍ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: إنَّما المَعْنى فَلَنَبْتَلِيهِ جَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ تَرَتَّبَ اللَفْظُ مُؤَخَّرًا مُتَداخِلًا كَأنَّهُ قالَ: نَحْن نَبْتَلِيهِ فَلِذَلِكَ جَعَلْناهُ، والِابْتِلاءُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- هو بِالإسْماعِ والإبْصارِ لا بِالإيجادِ، ولَيْسَ "نَبْتَلِيهِ" حالًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ السَبِيلَ العامَّةَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَذَلِكَ بِخَلْقِ الحَواسِّ ومَوْهِبَةِ الفِطْرَةِ ونَصْبِ الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، و"هَدَيْناهُ" -عَلى هَذا- بِمَعْنى أرْشَدْناهُ، كَما يُرْشَدُ الإنْسانُ إلى الطَرِيقِ ويُوقَفُ عَلَيْهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسَبِيلِ اسْمَ الجِنْسِ، أيْ: هَدى المُؤْمِنَ لِإيمانِهِ والكافِرَ لِكُفْرِهِ، فَـ "هَدَيْناهُ"- عَلى هَذا كَأنَّهُ بِمَعْنى أرَيْناهُ فَقَطْ ولَيْسَ الهُدى في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى خَلَقَ الهُدى والإيمانَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ حالانِ وقَسَّمَتْها "إمّا". قالَهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: (p-٤٨٧)وَقَرَأ أبُو العاجِ: "إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا" وأبُو العاجِ هو كُثَيِّرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السِلْمِيُّ، شامِيٌّ، ولّى البَصْرَةَ لِهُشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ.
و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: أعْدَدْناهُ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "سَلاسِلًا" بِالصَرْفِ، وهَذا عَلى ما حَكاهُ الأخْفَشُ مِن لُغَةِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يُصْرَفُ إلّا أفْعَلُ، وهي لُغَةُ الشُعَراءِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى جَرى في كَلامِهِمْ، وقَدْ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ وهي أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الضَرْبُ مِنَ الجُمُوعِ يَجْمَعُ لِشِبْهِ الآحادِ فَصُرِفَ، وذَلِكَ مِن شِبْهِ الآحادِ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِمْ: "صَواحِبُ وصَواحِباتٌ"، وفي قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ ............ نَواكِسِي الأبْصارِ
بِالياءِ جَمْعُ "نَواكِسَ"، وهَذا الإجْراءُ في "سَلاسِلًا" و"قَوارِيرا" ثَبَتَ في مُصْحَفِ ابْنِ (p-٤٨٨)مَسْعُودٍ ومُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُصْحَفِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والكُوفَةِ والبَصْرَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: "سَلاسِلَ" عَلى تَرْكِ الصَرْفِ في الوَقْفِ والوَصْلِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ -فِيما رُوِيَ عنهُما-: "سَلاسِلَ" في الوَصْلِ و"سَلاسِلا" بِألْفٍ دُونِ تَنْوِينٍ في الوَقْفِ، ورَواهُ هِشامُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ؛ لِأنَّ العَرَبَ مَن يَقُولُ: "رَأيْتُ عَمْرًا"، يَقِفُ بِألِفٍ، وأيْضًا فالوَقْفُ بِالألِفِ "سَلاسِلا" اتِّباعٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ.
و"الأبْرارَ" جَمْعُ "بارٍّ" كَشاهِدٍ وأشْهادٍ، قالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْذُونَ الذَرَّ ولا يَرْضَوْنَ الشَرَّ، و"الكَأْسُ": ما فِيهِ نَبِيذٌ ونَحْوُهُ مِمّا يُشْرَبُ بِهِ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: ولا يُقالُ "كَأْسٌ" إلّا لِما فِيهِ نَبِيذٌ ونَحْوُهُ، ولا يُقالُ "ظَعِينَةٌ" إلّا إذا كانَ عَلَيْها امْرَأةٌ، ولا يُقالُ "مائِدَةٌ" إلّا وعَلَيْها طَعامٌ، وإلّا فَهو "خَوّانٌ". و"المِزاجُ": ما تُمْزَجُ بِهِ الخُمُورُ ونَحْوُها، وهي أيْضًا مِزاجٌ لَهُ لِأنَّهُما تَمازَجا مِزاجًا، قالَ بَعْضُ الناسِ: المِزاجُ نَفْسُ الكافُورِ، وقالَ قَتادَةُ: قَوْمٌ يُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ بِالمِسْكِ، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: إنَّ في الجَنَّةِ عَيْنٌ تُسَمّى كافُورًا، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّما أرادَ كافُورًا في النَكْهَةِ والعُرْفِ كَما تَقُولُ إذا مَدَحْتَ طَعامًا: هَذا الطَعامُ مِسْكٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَيْنًا" قِيلَ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كافُورًا"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "يَشْرَبُونَ" أيْ يَشْرَبُونَ ماءَ هَذِهِ العَيْنِ مِن كَأْسٍ عَطِرَةٍ كالكافُورِ، وقِيلَ: نَصَبَ "عَيْنًا" عَلى المَدْحِ أو بِإضْمارِ "أعْنِي"، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَشْرَبُ بِها" بِمَنزِلَةِ "يَشْرَبُها"، فالباءُ زائِدَةٌ، قالَ الهُذَلِيُّ:
؎ شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ. ∗∗∗...............
(p-٤٨٩)أيْ: شَرِبْنَ ماءَ البَحْرِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يَشْرَبُها عِبادُ اللهِ"، و"عِبادُ اللهِ" هُنا خُصُوصٌ في المُؤْمِنَيْنِ الناعِمِينَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ عِبادُهُ. "وَيُفَجِّرُونَها" مَعْناهُ: يَشُقُّونَها بِعُودِ قَصَبٍ ونَحْوِهِ حَيْثُ شاءُوا، فَهي تَجْرِي عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ مِنهُمْ، هَكَذا ورَدَ الأثَرُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: عَيْنٌ في دارِ النَبِيِّ ﷺ تُفَجَّرُ إلى دَوْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ودَوْرِ المُؤْمِنِينَ. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
الإنسان 76:4
(p-٤٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الإنْسانِ
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي مَكِّيَّةٌ كُلُّها، وحَكى النَقّاشُ، والثَعْلَبِيُّ عن مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: مِنها آيَةٌ مَكِّيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أو كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، والباقِي مَدَنِيٌّ، وأنَّها نَزَلَتْ في صَنِيعِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في إطْعامِهِ عَشاءَهُ وعَشاءَ أهْلِهِ ووَلَدِهِ لِمِسْكِينٍ لَيْلَةً، ثُمَّ لِيَتِيمٍ لَيْلَةً، ثُمَّ لِأسِيرٍ لَيْلَةً ثالِثَةً، مُتَوالِياتٍ، وقِيلَ نَزَلَتْ في صَنِيعِ ابْنِ الدَحْداحِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالا وسَعِيرًا﴾ ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾
"هَلْ" في كَلامِ العَرَبِ قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى "قَدْ"، حَكاهُ سِيبَوَيْهِ، لَكِنَّها لا تَخْلُو مِن تَقْرِيرٍ، وبابُها المَشْهُورُ الِاسْتِفْهامُ المَحْضُ، والتَقْرِيرُ أحْيانًا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي هُنا بِمَعْنى "قَدْ"، و"الإنْسانُ" يُرادُ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الحِينُ" هو المُدَّةُ الَّتِي بَقِيَ فِيها طِينًا قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُوحُ، أيْ أنَّهُ شَيْءٌ ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا مُنَوِّهًا بِهِ في العالَمِ وفي حالَةِ العَدَمِ المَحْضِ قَبْلَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا ولا مَذْكُورًا. وقالَ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: "هَلْ" تَقْرِيرٌ، و"الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ، أيْ: إذا تَأمَّلَ كُلُّ إنْسانٍ نَفْسَهُ عَلِمَ بِأنَّهُ قَدْ مَرَّ حِينٌ مِنَ (p-٤٨٦)الدَهْرِ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ هو فِيهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، أيْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وقَدْ يُسَمّى المَوْجُودُ شَيْئًا فَهو مَذْكُورٌ بِهَذا الوَجْهِ، و"الحِينُ" هُنا: المُدَّةُ مِنَ الزَمَنِ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ تَقَعُ على القَلِيلِ والكَثِيرِ، وإنَّما يُحْتاجُ إلى تَحْدِيدِ الحِينِ في الأيْمانِ، فَمَن حَلَفَ أنْ ألّا يُكَلِّمَ أخاهُ حِينًا، فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ الحِينَ سَنَةٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سِتَّةُ أشْهُرٍ، والقَوِيُّ في هَذا أنَّ "الإنْسانَ" اسْمُ جِنْسٍ، وأنَّ الآيَةَ جُعِلَتْ عِبْرَةً لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الناسِ لِيَعْلَمَ أنَّ الصانِعَ لَهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ﴾، هو هُنا اسْمُ الجِنْسِ بِلا خِلافٍ لِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يُخْلَقْ مِن نُطْفَةٍ، و"أمْشاجٍ" مَعْناهُ: أخْلاطٌ، واحِدُها "مَشَجٌ" بِفَتْحِ المِيمِ والشِينِ، قالَهُ ابْنُ السِكِّيتِ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: "مَشْجٍ" مِثْلُ عَدْلٍ وأعْدالٍ، وقِيلَ: "مَشِيجٌ" مِثْلِ شَرِيفٍ وأشْرافٍ.
واخْتُلِفَ في المَقْصُودِ مِن "الخَلْطِ"، فَقِيلَ: هو أمْشاجُ ماءِ الرَجُلِ بِماءِ المَرْأةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ حَدِيثًا، -وَهُوَ أيْضًا في بَعْضِ المُصَنَّفاتِ- «إنَّ عِظامَ ابْنِ آدَمَ وعَصْبَةً مِن ماءِ الرَجُلِ، ولَحْمَهُ وشَحْمَهُ مِن ماءِ المَرْأةِ،» وقِيلَ: هو اخْتِلاطُ أمْرِ الجَنِينِ بِالنَقْلِهِ مِنَ النُطْفَةِ إلى العَلَقَةِ إلى المُضْغَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَهو أمْرٌ مُخْتَلَطٌ، وقِيلَ: هو اخْتِلاطُ الدَمِ والبَلْغَمِ والسَوْداء والصَفْراء فِيهِ. و"نَبْتَلِيهِ" مَعْناهُ: نَخْتَبِرُهُ بِالإيجادِ والكَوْنِ في الدُنْيا، وهو حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "خَلَقْنا"، كَأنَّهُ قالَ: مُخْتَبِرِينَ لَهُ بِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَجَعَلْناهُ" عَطْفُ جُمْلَةٍ نِعَمٍ عَلى جُمْلَةِ نِعَمٍ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: إنَّما المَعْنى فَلَنَبْتَلِيهِ جَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ تَرَتَّبَ اللَفْظُ مُؤَخَّرًا مُتَداخِلًا كَأنَّهُ قالَ: نَحْن نَبْتَلِيهِ فَلِذَلِكَ جَعَلْناهُ، والِابْتِلاءُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- هو بِالإسْماعِ والإبْصارِ لا بِالإيجادِ، ولَيْسَ "نَبْتَلِيهِ" حالًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ السَبِيلَ العامَّةَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَذَلِكَ بِخَلْقِ الحَواسِّ ومَوْهِبَةِ الفِطْرَةِ ونَصْبِ الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، و"هَدَيْناهُ" -عَلى هَذا- بِمَعْنى أرْشَدْناهُ، كَما يُرْشَدُ الإنْسانُ إلى الطَرِيقِ ويُوقَفُ عَلَيْهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسَبِيلِ اسْمَ الجِنْسِ، أيْ: هَدى المُؤْمِنَ لِإيمانِهِ والكافِرَ لِكُفْرِهِ، فَـ "هَدَيْناهُ"- عَلى هَذا كَأنَّهُ بِمَعْنى أرَيْناهُ فَقَطْ ولَيْسَ الهُدى في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى خَلَقَ الهُدى والإيمانَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ حالانِ وقَسَّمَتْها "إمّا". قالَهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: (p-٤٨٧)وَقَرَأ أبُو العاجِ: "إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا" وأبُو العاجِ هو كُثَيِّرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السِلْمِيُّ، شامِيٌّ، ولّى البَصْرَةَ لِهُشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ.
و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: أعْدَدْناهُ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "سَلاسِلًا" بِالصَرْفِ، وهَذا عَلى ما حَكاهُ الأخْفَشُ مِن لُغَةِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يُصْرَفُ إلّا أفْعَلُ، وهي لُغَةُ الشُعَراءِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى جَرى في كَلامِهِمْ، وقَدْ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ وهي أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الضَرْبُ مِنَ الجُمُوعِ يَجْمَعُ لِشِبْهِ الآحادِ فَصُرِفَ، وذَلِكَ مِن شِبْهِ الآحادِ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِمْ: "صَواحِبُ وصَواحِباتٌ"، وفي قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ ............ نَواكِسِي الأبْصارِ
بِالياءِ جَمْعُ "نَواكِسَ"، وهَذا الإجْراءُ في "سَلاسِلًا" و"قَوارِيرا" ثَبَتَ في مُصْحَفِ ابْنِ (p-٤٨٨)مَسْعُودٍ ومُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُصْحَفِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والكُوفَةِ والبَصْرَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: "سَلاسِلَ" عَلى تَرْكِ الصَرْفِ في الوَقْفِ والوَصْلِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ -فِيما رُوِيَ عنهُما-: "سَلاسِلَ" في الوَصْلِ و"سَلاسِلا" بِألْفٍ دُونِ تَنْوِينٍ في الوَقْفِ، ورَواهُ هِشامُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ؛ لِأنَّ العَرَبَ مَن يَقُولُ: "رَأيْتُ عَمْرًا"، يَقِفُ بِألِفٍ، وأيْضًا فالوَقْفُ بِالألِفِ "سَلاسِلا" اتِّباعٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ.
و"الأبْرارَ" جَمْعُ "بارٍّ" كَشاهِدٍ وأشْهادٍ، قالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْذُونَ الذَرَّ ولا يَرْضَوْنَ الشَرَّ، و"الكَأْسُ": ما فِيهِ نَبِيذٌ ونَحْوُهُ مِمّا يُشْرَبُ بِهِ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: ولا يُقالُ "كَأْسٌ" إلّا لِما فِيهِ نَبِيذٌ ونَحْوُهُ، ولا يُقالُ "ظَعِينَةٌ" إلّا إذا كانَ عَلَيْها امْرَأةٌ، ولا يُقالُ "مائِدَةٌ" إلّا وعَلَيْها طَعامٌ، وإلّا فَهو "خَوّانٌ". و"المِزاجُ": ما تُمْزَجُ بِهِ الخُمُورُ ونَحْوُها، وهي أيْضًا مِزاجٌ لَهُ لِأنَّهُما تَمازَجا مِزاجًا، قالَ بَعْضُ الناسِ: المِزاجُ نَفْسُ الكافُورِ، وقالَ قَتادَةُ: قَوْمٌ يُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ بِالمِسْكِ، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: إنَّ في الجَنَّةِ عَيْنٌ تُسَمّى كافُورًا، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّما أرادَ كافُورًا في النَكْهَةِ والعُرْفِ كَما تَقُولُ إذا مَدَحْتَ طَعامًا: هَذا الطَعامُ مِسْكٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَيْنًا" قِيلَ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كافُورًا"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "يَشْرَبُونَ" أيْ يَشْرَبُونَ ماءَ هَذِهِ العَيْنِ مِن كَأْسٍ عَطِرَةٍ كالكافُورِ، وقِيلَ: نَصَبَ "عَيْنًا" عَلى المَدْحِ أو بِإضْمارِ "أعْنِي"، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَشْرَبُ بِها" بِمَنزِلَةِ "يَشْرَبُها"، فالباءُ زائِدَةٌ، قالَ الهُذَلِيُّ:
؎ شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ. ∗∗∗...............
(p-٤٨٩)أيْ: شَرِبْنَ ماءَ البَحْرِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يَشْرَبُها عِبادُ اللهِ"، و"عِبادُ اللهِ" هُنا خُصُوصٌ في المُؤْمِنَيْنِ الناعِمِينَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ عِبادُهُ. "وَيُفَجِّرُونَها" مَعْناهُ: يَشُقُّونَها بِعُودِ قَصَبٍ ونَحْوِهِ حَيْثُ شاءُوا، فَهي تَجْرِي عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ مِنهُمْ، هَكَذا ورَدَ الأثَرُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: عَيْنٌ في دارِ النَبِيِّ ﷺ تُفَجَّرُ إلى دَوْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ودَوْرِ المُؤْمِنِينَ. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
الإنسان 76:5
(p-٤٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الإنْسانِ
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي مَكِّيَّةٌ كُلُّها، وحَكى النَقّاشُ، والثَعْلَبِيُّ عن مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: مِنها آيَةٌ مَكِّيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أو كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، والباقِي مَدَنِيٌّ، وأنَّها نَزَلَتْ في صَنِيعِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في إطْعامِهِ عَشاءَهُ وعَشاءَ أهْلِهِ ووَلَدِهِ لِمِسْكِينٍ لَيْلَةً، ثُمَّ لِيَتِيمٍ لَيْلَةً، ثُمَّ لِأسِيرٍ لَيْلَةً ثالِثَةً، مُتَوالِياتٍ، وقِيلَ نَزَلَتْ في صَنِيعِ ابْنِ الدَحْداحِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالا وسَعِيرًا﴾ ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾
"هَلْ" في كَلامِ العَرَبِ قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى "قَدْ"، حَكاهُ سِيبَوَيْهِ، لَكِنَّها لا تَخْلُو مِن تَقْرِيرٍ، وبابُها المَشْهُورُ الِاسْتِفْهامُ المَحْضُ، والتَقْرِيرُ أحْيانًا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي هُنا بِمَعْنى "قَدْ"، و"الإنْسانُ" يُرادُ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الحِينُ" هو المُدَّةُ الَّتِي بَقِيَ فِيها طِينًا قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُوحُ، أيْ أنَّهُ شَيْءٌ ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا مُنَوِّهًا بِهِ في العالَمِ وفي حالَةِ العَدَمِ المَحْضِ قَبْلَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا ولا مَذْكُورًا. وقالَ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: "هَلْ" تَقْرِيرٌ، و"الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ، أيْ: إذا تَأمَّلَ كُلُّ إنْسانٍ نَفْسَهُ عَلِمَ بِأنَّهُ قَدْ مَرَّ حِينٌ مِنَ (p-٤٨٦)الدَهْرِ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ هو فِيهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، أيْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وقَدْ يُسَمّى المَوْجُودُ شَيْئًا فَهو مَذْكُورٌ بِهَذا الوَجْهِ، و"الحِينُ" هُنا: المُدَّةُ مِنَ الزَمَنِ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ تَقَعُ على القَلِيلِ والكَثِيرِ، وإنَّما يُحْتاجُ إلى تَحْدِيدِ الحِينِ في الأيْمانِ، فَمَن حَلَفَ أنْ ألّا يُكَلِّمَ أخاهُ حِينًا، فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ الحِينَ سَنَةٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سِتَّةُ أشْهُرٍ، والقَوِيُّ في هَذا أنَّ "الإنْسانَ" اسْمُ جِنْسٍ، وأنَّ الآيَةَ جُعِلَتْ عِبْرَةً لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الناسِ لِيَعْلَمَ أنَّ الصانِعَ لَهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ﴾، هو هُنا اسْمُ الجِنْسِ بِلا خِلافٍ لِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يُخْلَقْ مِن نُطْفَةٍ، و"أمْشاجٍ" مَعْناهُ: أخْلاطٌ، واحِدُها "مَشَجٌ" بِفَتْحِ المِيمِ والشِينِ، قالَهُ ابْنُ السِكِّيتِ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: "مَشْجٍ" مِثْلُ عَدْلٍ وأعْدالٍ، وقِيلَ: "مَشِيجٌ" مِثْلِ شَرِيفٍ وأشْرافٍ.
واخْتُلِفَ في المَقْصُودِ مِن "الخَلْطِ"، فَقِيلَ: هو أمْشاجُ ماءِ الرَجُلِ بِماءِ المَرْأةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ حَدِيثًا، -وَهُوَ أيْضًا في بَعْضِ المُصَنَّفاتِ- «إنَّ عِظامَ ابْنِ آدَمَ وعَصْبَةً مِن ماءِ الرَجُلِ، ولَحْمَهُ وشَحْمَهُ مِن ماءِ المَرْأةِ،» وقِيلَ: هو اخْتِلاطُ أمْرِ الجَنِينِ بِالنَقْلِهِ مِنَ النُطْفَةِ إلى العَلَقَةِ إلى المُضْغَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَهو أمْرٌ مُخْتَلَطٌ، وقِيلَ: هو اخْتِلاطُ الدَمِ والبَلْغَمِ والسَوْداء والصَفْراء فِيهِ. و"نَبْتَلِيهِ" مَعْناهُ: نَخْتَبِرُهُ بِالإيجادِ والكَوْنِ في الدُنْيا، وهو حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "خَلَقْنا"، كَأنَّهُ قالَ: مُخْتَبِرِينَ لَهُ بِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَجَعَلْناهُ" عَطْفُ جُمْلَةٍ نِعَمٍ عَلى جُمْلَةِ نِعَمٍ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: إنَّما المَعْنى فَلَنَبْتَلِيهِ جَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ تَرَتَّبَ اللَفْظُ مُؤَخَّرًا مُتَداخِلًا كَأنَّهُ قالَ: نَحْن نَبْتَلِيهِ فَلِذَلِكَ جَعَلْناهُ، والِابْتِلاءُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- هو بِالإسْماعِ والإبْصارِ لا بِالإيجادِ، ولَيْسَ "نَبْتَلِيهِ" حالًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ السَبِيلَ العامَّةَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَذَلِكَ بِخَلْقِ الحَواسِّ ومَوْهِبَةِ الفِطْرَةِ ونَصْبِ الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، و"هَدَيْناهُ" -عَلى هَذا- بِمَعْنى أرْشَدْناهُ، كَما يُرْشَدُ الإنْسانُ إلى الطَرِيقِ ويُوقَفُ عَلَيْهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسَبِيلِ اسْمَ الجِنْسِ، أيْ: هَدى المُؤْمِنَ لِإيمانِهِ والكافِرَ لِكُفْرِهِ، فَـ "هَدَيْناهُ"- عَلى هَذا كَأنَّهُ بِمَعْنى أرَيْناهُ فَقَطْ ولَيْسَ الهُدى في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى خَلَقَ الهُدى والإيمانَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ حالانِ وقَسَّمَتْها "إمّا". قالَهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: (p-٤٨٧)وَقَرَأ أبُو العاجِ: "إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا" وأبُو العاجِ هو كُثَيِّرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السِلْمِيُّ، شامِيٌّ، ولّى البَصْرَةَ لِهُشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ.
و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: أعْدَدْناهُ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "سَلاسِلًا" بِالصَرْفِ، وهَذا عَلى ما حَكاهُ الأخْفَشُ مِن لُغَةِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يُصْرَفُ إلّا أفْعَلُ، وهي لُغَةُ الشُعَراءِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى جَرى في كَلامِهِمْ، وقَدْ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ وهي أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الضَرْبُ مِنَ الجُمُوعِ يَجْمَعُ لِشِبْهِ الآحادِ فَصُرِفَ، وذَلِكَ مِن شِبْهِ الآحادِ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِمْ: "صَواحِبُ وصَواحِباتٌ"، وفي قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ ............ نَواكِسِي الأبْصارِ
بِالياءِ جَمْعُ "نَواكِسَ"، وهَذا الإجْراءُ في "سَلاسِلًا" و"قَوارِيرا" ثَبَتَ في مُصْحَفِ ابْنِ (p-٤٨٨)مَسْعُودٍ ومُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُصْحَفِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والكُوفَةِ والبَصْرَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: "سَلاسِلَ" عَلى تَرْكِ الصَرْفِ في الوَقْفِ والوَصْلِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ -فِيما رُوِيَ عنهُما-: "سَلاسِلَ" في الوَصْلِ و"سَلاسِلا" بِألْفٍ دُونِ تَنْوِينٍ في الوَقْفِ، ورَواهُ هِشامُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ؛ لِأنَّ العَرَبَ مَن يَقُولُ: "رَأيْتُ عَمْرًا"، يَقِفُ بِألِفٍ، وأيْضًا فالوَقْفُ بِالألِفِ "سَلاسِلا" اتِّباعٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ.
و"الأبْرارَ" جَمْعُ "بارٍّ" كَشاهِدٍ وأشْهادٍ، قالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْذُونَ الذَرَّ ولا يَرْضَوْنَ الشَرَّ، و"الكَأْسُ": ما فِيهِ نَبِيذٌ ونَحْوُهُ مِمّا يُشْرَبُ بِهِ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: ولا يُقالُ "كَأْسٌ" إلّا لِما فِيهِ نَبِيذٌ ونَحْوُهُ، ولا يُقالُ "ظَعِينَةٌ" إلّا إذا كانَ عَلَيْها امْرَأةٌ، ولا يُقالُ "مائِدَةٌ" إلّا وعَلَيْها طَعامٌ، وإلّا فَهو "خَوّانٌ". و"المِزاجُ": ما تُمْزَجُ بِهِ الخُمُورُ ونَحْوُها، وهي أيْضًا مِزاجٌ لَهُ لِأنَّهُما تَمازَجا مِزاجًا، قالَ بَعْضُ الناسِ: المِزاجُ نَفْسُ الكافُورِ، وقالَ قَتادَةُ: قَوْمٌ يُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ بِالمِسْكِ، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: إنَّ في الجَنَّةِ عَيْنٌ تُسَمّى كافُورًا، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّما أرادَ كافُورًا في النَكْهَةِ والعُرْفِ كَما تَقُولُ إذا مَدَحْتَ طَعامًا: هَذا الطَعامُ مِسْكٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَيْنًا" قِيلَ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كافُورًا"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "يَشْرَبُونَ" أيْ يَشْرَبُونَ ماءَ هَذِهِ العَيْنِ مِن كَأْسٍ عَطِرَةٍ كالكافُورِ، وقِيلَ: نَصَبَ "عَيْنًا" عَلى المَدْحِ أو بِإضْمارِ "أعْنِي"، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَشْرَبُ بِها" بِمَنزِلَةِ "يَشْرَبُها"، فالباءُ زائِدَةٌ، قالَ الهُذَلِيُّ:
؎ شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ. ∗∗∗...............
(p-٤٨٩)أيْ: شَرِبْنَ ماءَ البَحْرِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يَشْرَبُها عِبادُ اللهِ"، و"عِبادُ اللهِ" هُنا خُصُوصٌ في المُؤْمِنَيْنِ الناعِمِينَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ عِبادُهُ. "وَيُفَجِّرُونَها" مَعْناهُ: يَشُقُّونَها بِعُودِ قَصَبٍ ونَحْوِهِ حَيْثُ شاءُوا، فَهي تَجْرِي عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ مِنهُمْ، هَكَذا ورَدَ الأثَرُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: عَيْنٌ في دارِ النَبِيِّ ﷺ تُفَجَّرُ إلى دَوْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ودَوْرِ المُؤْمِنِينَ. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
الإنسان 76:6
(p-٤٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الإنْسانِ
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي مَكِّيَّةٌ كُلُّها، وحَكى النَقّاشُ، والثَعْلَبِيُّ عن مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: مِنها آيَةٌ مَكِّيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أو كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، والباقِي مَدَنِيٌّ، وأنَّها نَزَلَتْ في صَنِيعِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في إطْعامِهِ عَشاءَهُ وعَشاءَ أهْلِهِ ووَلَدِهِ لِمِسْكِينٍ لَيْلَةً، ثُمَّ لِيَتِيمٍ لَيْلَةً، ثُمَّ لِأسِيرٍ لَيْلَةً ثالِثَةً، مُتَوالِياتٍ، وقِيلَ نَزَلَتْ في صَنِيعِ ابْنِ الدَحْداحِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالا وسَعِيرًا﴾ ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾
"هَلْ" في كَلامِ العَرَبِ قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى "قَدْ"، حَكاهُ سِيبَوَيْهِ، لَكِنَّها لا تَخْلُو مِن تَقْرِيرٍ، وبابُها المَشْهُورُ الِاسْتِفْهامُ المَحْضُ، والتَقْرِيرُ أحْيانًا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي هُنا بِمَعْنى "قَدْ"، و"الإنْسانُ" يُرادُ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الحِينُ" هو المُدَّةُ الَّتِي بَقِيَ فِيها طِينًا قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُوحُ، أيْ أنَّهُ شَيْءٌ ولَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا مُنَوِّهًا بِهِ في العالَمِ وفي حالَةِ العَدَمِ المَحْضِ قَبْلَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا ولا مَذْكُورًا. وقالَ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: "هَلْ" تَقْرِيرٌ، و"الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ، أيْ: إذا تَأمَّلَ كُلُّ إنْسانٍ نَفْسَهُ عَلِمَ بِأنَّهُ قَدْ مَرَّ حِينٌ مِنَ (p-٤٨٦)الدَهْرِ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ هو فِيهِ شَيْئًا مَذْكُورًا، أيْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، وقَدْ يُسَمّى المَوْجُودُ شَيْئًا فَهو مَذْكُورٌ بِهَذا الوَجْهِ، و"الحِينُ" هُنا: المُدَّةُ مِنَ الزَمَنِ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ تَقَعُ على القَلِيلِ والكَثِيرِ، وإنَّما يُحْتاجُ إلى تَحْدِيدِ الحِينِ في الأيْمانِ، فَمَن حَلَفَ أنْ ألّا يُكَلِّمَ أخاهُ حِينًا، فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ الحِينَ سَنَةٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سِتَّةُ أشْهُرٍ، والقَوِيُّ في هَذا أنَّ "الإنْسانَ" اسْمُ جِنْسٍ، وأنَّ الآيَةَ جُعِلَتْ عِبْرَةً لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الناسِ لِيَعْلَمَ أنَّ الصانِعَ لَهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ﴾، هو هُنا اسْمُ الجِنْسِ بِلا خِلافٍ لِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يُخْلَقْ مِن نُطْفَةٍ، و"أمْشاجٍ" مَعْناهُ: أخْلاطٌ، واحِدُها "مَشَجٌ" بِفَتْحِ المِيمِ والشِينِ، قالَهُ ابْنُ السِكِّيتِ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: "مَشْجٍ" مِثْلُ عَدْلٍ وأعْدالٍ، وقِيلَ: "مَشِيجٌ" مِثْلِ شَرِيفٍ وأشْرافٍ.
واخْتُلِفَ في المَقْصُودِ مِن "الخَلْطِ"، فَقِيلَ: هو أمْشاجُ ماءِ الرَجُلِ بِماءِ المَرْأةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ حَدِيثًا، -وَهُوَ أيْضًا في بَعْضِ المُصَنَّفاتِ- «إنَّ عِظامَ ابْنِ آدَمَ وعَصْبَةً مِن ماءِ الرَجُلِ، ولَحْمَهُ وشَحْمَهُ مِن ماءِ المَرْأةِ،» وقِيلَ: هو اخْتِلاطُ أمْرِ الجَنِينِ بِالنَقْلِهِ مِنَ النُطْفَةِ إلى العَلَقَةِ إلى المُضْغَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَهو أمْرٌ مُخْتَلَطٌ، وقِيلَ: هو اخْتِلاطُ الدَمِ والبَلْغَمِ والسَوْداء والصَفْراء فِيهِ. و"نَبْتَلِيهِ" مَعْناهُ: نَخْتَبِرُهُ بِالإيجادِ والكَوْنِ في الدُنْيا، وهو حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "خَلَقْنا"، كَأنَّهُ قالَ: مُخْتَبِرِينَ لَهُ بِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَجَعَلْناهُ" عَطْفُ جُمْلَةٍ نِعَمٍ عَلى جُمْلَةِ نِعَمٍ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: إنَّما المَعْنى فَلَنَبْتَلِيهِ جَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ تَرَتَّبَ اللَفْظُ مُؤَخَّرًا مُتَداخِلًا كَأنَّهُ قالَ: نَحْن نَبْتَلِيهِ فَلِذَلِكَ جَعَلْناهُ، والِابْتِلاءُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- هو بِالإسْماعِ والإبْصارِ لا بِالإيجادِ، ولَيْسَ "نَبْتَلِيهِ" حالًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ السَبِيلَ العامَّةَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَذَلِكَ بِخَلْقِ الحَواسِّ ومَوْهِبَةِ الفِطْرَةِ ونَصْبِ الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، و"هَدَيْناهُ" -عَلى هَذا- بِمَعْنى أرْشَدْناهُ، كَما يُرْشَدُ الإنْسانُ إلى الطَرِيقِ ويُوقَفُ عَلَيْهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسَبِيلِ اسْمَ الجِنْسِ، أيْ: هَدى المُؤْمِنَ لِإيمانِهِ والكافِرَ لِكُفْرِهِ، فَـ "هَدَيْناهُ"- عَلى هَذا كَأنَّهُ بِمَعْنى أرَيْناهُ فَقَطْ ولَيْسَ الهُدى في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى خَلَقَ الهُدى والإيمانَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ حالانِ وقَسَّمَتْها "إمّا". قالَهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: (p-٤٨٧)وَقَرَأ أبُو العاجِ: "إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا" وأبُو العاجِ هو كُثَيِّرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السِلْمِيُّ، شامِيٌّ، ولّى البَصْرَةَ لِهُشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ.
و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: أعْدَدْناهُ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "سَلاسِلًا" بِالصَرْفِ، وهَذا عَلى ما حَكاهُ الأخْفَشُ مِن لُغَةِ مَن يَصْرِفُ كُلَّ ما لا يُصْرَفُ إلّا أفْعَلُ، وهي لُغَةُ الشُعَراءِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى جَرى في كَلامِهِمْ، وقَدْ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ وهي أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الضَرْبُ مِنَ الجُمُوعِ يَجْمَعُ لِشِبْهِ الآحادِ فَصُرِفَ، وذَلِكَ مِن شِبْهِ الآحادِ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِمْ: "صَواحِبُ وصَواحِباتٌ"، وفي قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ ............ نَواكِسِي الأبْصارِ
بِالياءِ جَمْعُ "نَواكِسَ"، وهَذا الإجْراءُ في "سَلاسِلًا" و"قَوارِيرا" ثَبَتَ في مُصْحَفِ ابْنِ (p-٤٨٨)مَسْعُودٍ ومُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُصْحَفِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والكُوفَةِ والبَصْرَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: "سَلاسِلَ" عَلى تَرْكِ الصَرْفِ في الوَقْفِ والوَصْلِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ -فِيما رُوِيَ عنهُما-: "سَلاسِلَ" في الوَصْلِ و"سَلاسِلا" بِألْفٍ دُونِ تَنْوِينٍ في الوَقْفِ، ورَواهُ هِشامُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ؛ لِأنَّ العَرَبَ مَن يَقُولُ: "رَأيْتُ عَمْرًا"، يَقِفُ بِألِفٍ، وأيْضًا فالوَقْفُ بِالألِفِ "سَلاسِلا" اتِّباعٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ.
و"الأبْرارَ" جَمْعُ "بارٍّ" كَشاهِدٍ وأشْهادٍ، قالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْذُونَ الذَرَّ ولا يَرْضَوْنَ الشَرَّ، و"الكَأْسُ": ما فِيهِ نَبِيذٌ ونَحْوُهُ مِمّا يُشْرَبُ بِهِ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: ولا يُقالُ "كَأْسٌ" إلّا لِما فِيهِ نَبِيذٌ ونَحْوُهُ، ولا يُقالُ "ظَعِينَةٌ" إلّا إذا كانَ عَلَيْها امْرَأةٌ، ولا يُقالُ "مائِدَةٌ" إلّا وعَلَيْها طَعامٌ، وإلّا فَهو "خَوّانٌ". و"المِزاجُ": ما تُمْزَجُ بِهِ الخُمُورُ ونَحْوُها، وهي أيْضًا مِزاجٌ لَهُ لِأنَّهُما تَمازَجا مِزاجًا، قالَ بَعْضُ الناسِ: المِزاجُ نَفْسُ الكافُورِ، وقالَ قَتادَةُ: قَوْمٌ يُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ وتُخْتَمُ بِالمِسْكِ، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: إنَّ في الجَنَّةِ عَيْنٌ تُسَمّى كافُورًا، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّما أرادَ كافُورًا في النَكْهَةِ والعُرْفِ كَما تَقُولُ إذا مَدَحْتَ طَعامًا: هَذا الطَعامُ مِسْكٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَيْنًا" قِيلَ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كافُورًا"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "يَشْرَبُونَ" أيْ يَشْرَبُونَ ماءَ هَذِهِ العَيْنِ مِن كَأْسٍ عَطِرَةٍ كالكافُورِ، وقِيلَ: نَصَبَ "عَيْنًا" عَلى المَدْحِ أو بِإضْمارِ "أعْنِي"، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَشْرَبُ بِها" بِمَنزِلَةِ "يَشْرَبُها"، فالباءُ زائِدَةٌ، قالَ الهُذَلِيُّ:
؎ شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ. ∗∗∗...............
(p-٤٨٩)أيْ: شَرِبْنَ ماءَ البَحْرِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يَشْرَبُها عِبادُ اللهِ"، و"عِبادُ اللهِ" هُنا خُصُوصٌ في المُؤْمِنَيْنِ الناعِمِينَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ عِبادُهُ. "وَيُفَجِّرُونَها" مَعْناهُ: يَشُقُّونَها بِعُودِ قَصَبٍ ونَحْوِهِ حَيْثُ شاءُوا، فَهي تَجْرِي عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ مِنهُمْ، هَكَذا ورَدَ الأثَرُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: عَيْنٌ في دارِ النَبِيِّ ﷺ تُفَجَّرُ إلى دَوْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ودَوْرِ المُؤْمِنِينَ. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
الإنسان 76:7
قوله عزّ وجلّ:
﴿يُوفُونَ بِالنَذْرِ ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ ﴿وَجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾
وصَفَ اللهُ تَعالى حالَ الأبْرارِ بِأنَّهم كانُوا يُوفُونَ بِالنَذْرِ، أيْ بِكُلِّ ما نَذَرُوهُ وأعْطَوْا بِهِ عَهْدًا، يُقالُ: وفى الرَجُلُ وأوفى، واليَوْمُ المُشارُ إلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ، و"مُسْتَطِيرًا" مَعْناهُ: مُتَّصِلًا شائِعًا كاسْتِطارَةِ الفَجْرِ والصَدْعِ في الزَجّاجُةِ، وبِهِ شُبِّهَ في القَلْبِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى:
؎ فَبانَتْ وقَدْ أورَثَتْ في الفُؤا دِ صَدْعًا- عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرًا
(p-٤٩٠)وَقَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ أرادَ الطاعِنُونَ لِيَحْزِنُونِي فَهاجُوا ∗∗∗ صَدْعَ قَلْبِي فاسْتَطارا
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى حُبِّهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "الطَعامِ"، أيْ: وهو مَحْبُوبٌ لِلْفاقَةِ والحاجَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، أيْ: لِوَجْهِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدَرانِيُّ، والأوَّلُ أمْدَحُ لَهم لِأنَّ فِيهِ الإيثارَ عَلى النَفْسِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الثانِي فَقَدْ يَفْعَلُهُ الأغْنِياءُ أكْثَرَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الإطْعامِ، أيْ مُحِقِّينَ في فِعْلِهِمْ ذَلِكَ، لا رِياءَ فِيهِ ولا تَكَلُّفَ. و"المِسْكِينُ": الطَوّافُ المُنْكَشِفُ في السُؤالِ، و"اليَتِيمُ": الصَبِيُّ الَّذِي لا أب لَهُ مِنَ الناسِ، والَّذِي لا أُمَّ لَهُ مِنَ البَهائِمِ، وهي صِفَةٌ قَبْلَ البُلُوغِ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا يَتِمُّ بَعْدَ حُلْمٍ"،» و"الأسِيرُ" مَعْرُوفٌ، فَقالَ قَتادَةُ: أرادَ أسْرى الكُفّارِ وإنْ كانُوا عَلى غَيْرِ الإسْلامِ، قالَ الحَسَنُ: ما كانَ أسْراهم إلّا مُشْرِكِينَ، لِأنَّ كُلَّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرًا وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذا مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَيْفِ، وإمّا أنَّهُ مُحْكَمٌ لِيَحْفَظَ حَياةَ الأسِيرِ إلى أنْ يَرى الإمامُ فِيهِ رَأْيَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ: أرادَ المَسْجُونِينَ مِنَ الناسِ، ولِهَذا يَحُضُّ عَلى صَدَقَةِ السِجْنِ، فَهَذا تَشْبِيهٌ، ومِن قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا يُؤْسَرُ أحَدٌ في الإسْلامِ بِغَيْرِ العُدُولِ" ورَوى الخُدْرِيُّ أنَّ النَبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الأسِيرَ هُنا بِالمَمْلُوكِ المَسْجُونِ، وقالَ: أرادَ أسْرى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ تُرِكُوا في (p-٤٩١)بِلادِ الحَرْبِ رَهائِنَ وخَرَجُوا في طَلَبِ الفِداءِ، وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثَمّالِيُّ: الأسِيرُ هُنا المَرْأةُ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "اسْتَوْصُوا بِالنِساءِ خَيْرًا فَإنَّهُنَّ عَوانٌ عِنْدَكُمْ"،» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللهِ﴾ المَعْنى: يَقُولُونَ لَهم عِنْدَ الإطْعامِ، وهَذا إمّا أنْ يَكُونَ المُطْعِمُ يَقُولُ ذَلِكَ نَصًّا، فَحُكِيَ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا يُقالُ في الأنْفُسِ وبِالنِيَّةِ فَمُدِحَ بِذَلِكَ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ بِجَزْمِ المِيمِ مِن "نُطْعِمُكُمْ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: أسْكَنَ تَخْفِيفًا، و"الشَكُورُ" مَصْدَرٌ كالشُكْرِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِالعُبُوسِ هو عَلى التَجَوُّزِ، كَما تَقُولُ: "لَيْلٌ نائِمٌ" أيْ فِيهِ نَوْمٌ، و"القَمْطَرِيرُ" والقُماطِرُ هو في مَعْنى العُبُوسُ والِارْبِدادِ، يُقالُ: "اقْمَطَرَّ الرَجُلُ" إذا جَمَعَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ غَضَبًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا عَلَيْكم ∗∗∗ إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرِ
(p-٤٩٢)وَقالَ الآخَرُ:
؎ فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولُجْ بِها اليَوْمَ العَبُوسَ القَماطِرَ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْبِسُ الكافِرُ يَوْمَئِذٍ حَتّى يَسِيلَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ مِثْلُ القَطْرانِ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ القَمْطَرِيرِ بِالطَوِيلِ، وعَبَّرَ عنهُ ابْنُ الكَلْبِيِّ بِالشَدِيدِ، وذَلِكَ كُلُّهُ قَرِيبٌ في المَعْنى.
وقَرَأ الجُمْهُور "فَوَقاهُمْ" بِتَخْفِيفِ القافِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ "فَوَقّاهُمْ" بِشَدِّ القافِ، و"النَضِرَةُ" حالُ البَشَرَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ فَرَحِ النَفْسِ وقُرَّةِ العَيْنِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَجازاهُمْ" بِألِفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِما صَبَرُوا" عامٌّ عَنِ الشَهَواتِ وعَلى الطاعاتِ والشَدائِدِ، فَفي هَذا يَدْخُلُ كُلُّ ما خَصَّصَ الناسُ مِن صَوْمٍ ونَحْوِهِ، و"مُتَّكِئِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ المَنصُوبِ في "جَزاهُمْ" وهو الهاءُ والمِيمُ، وقَرَأأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: "مُتَّكِينَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، و"الأرائِكُ": السُرُرُ المَسْتُورَةُ بِالحِجالِ، وهَذا شَرْطٌ لِبَعْضِ اللُغَوِيِّينَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: كُلُّ ما يُتَوَسَّدُ ويُفْتَرَشُ مِمّا لَهُ حَشْوٌ فَهو أرِيكَةٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ في حَجْلَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَرَوْنَ" الآيَةُ عِبارَةٌ عَنِ اعْتِدالِ مَسِّ هَوائِها، وذَهابِ ضَرُورَتَيِ الحَرِّ والقَرِّ عنها، وكَوْنُ هَوائِها سَجْسَجًا كَما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، ومَسُّ الشَمْسِ وهو أشَدُّ الحَرِّ، والزَمْهَرِيرُ: هو أشَدُّ البَرْدِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَمْهَرِيرُ بِلُغَةِ طَيْءٍ القَمَرُ.
الإنسان 76:8
قوله عزّ وجلّ:
﴿يُوفُونَ بِالنَذْرِ ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ ﴿وَجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾
وصَفَ اللهُ تَعالى حالَ الأبْرارِ بِأنَّهم كانُوا يُوفُونَ بِالنَذْرِ، أيْ بِكُلِّ ما نَذَرُوهُ وأعْطَوْا بِهِ عَهْدًا، يُقالُ: وفى الرَجُلُ وأوفى، واليَوْمُ المُشارُ إلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ، و"مُسْتَطِيرًا" مَعْناهُ: مُتَّصِلًا شائِعًا كاسْتِطارَةِ الفَجْرِ والصَدْعِ في الزَجّاجُةِ، وبِهِ شُبِّهَ في القَلْبِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى:
؎ فَبانَتْ وقَدْ أورَثَتْ في الفُؤا دِ صَدْعًا- عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرًا
(p-٤٩٠)وَقَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ أرادَ الطاعِنُونَ لِيَحْزِنُونِي فَهاجُوا ∗∗∗ صَدْعَ قَلْبِي فاسْتَطارا
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى حُبِّهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "الطَعامِ"، أيْ: وهو مَحْبُوبٌ لِلْفاقَةِ والحاجَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، أيْ: لِوَجْهِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدَرانِيُّ، والأوَّلُ أمْدَحُ لَهم لِأنَّ فِيهِ الإيثارَ عَلى النَفْسِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الثانِي فَقَدْ يَفْعَلُهُ الأغْنِياءُ أكْثَرَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الإطْعامِ، أيْ مُحِقِّينَ في فِعْلِهِمْ ذَلِكَ، لا رِياءَ فِيهِ ولا تَكَلُّفَ. و"المِسْكِينُ": الطَوّافُ المُنْكَشِفُ في السُؤالِ، و"اليَتِيمُ": الصَبِيُّ الَّذِي لا أب لَهُ مِنَ الناسِ، والَّذِي لا أُمَّ لَهُ مِنَ البَهائِمِ، وهي صِفَةٌ قَبْلَ البُلُوغِ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا يَتِمُّ بَعْدَ حُلْمٍ"،» و"الأسِيرُ" مَعْرُوفٌ، فَقالَ قَتادَةُ: أرادَ أسْرى الكُفّارِ وإنْ كانُوا عَلى غَيْرِ الإسْلامِ، قالَ الحَسَنُ: ما كانَ أسْراهم إلّا مُشْرِكِينَ، لِأنَّ كُلَّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرًا وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذا مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَيْفِ، وإمّا أنَّهُ مُحْكَمٌ لِيَحْفَظَ حَياةَ الأسِيرِ إلى أنْ يَرى الإمامُ فِيهِ رَأْيَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ: أرادَ المَسْجُونِينَ مِنَ الناسِ، ولِهَذا يَحُضُّ عَلى صَدَقَةِ السِجْنِ، فَهَذا تَشْبِيهٌ، ومِن قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا يُؤْسَرُ أحَدٌ في الإسْلامِ بِغَيْرِ العُدُولِ" ورَوى الخُدْرِيُّ أنَّ النَبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الأسِيرَ هُنا بِالمَمْلُوكِ المَسْجُونِ، وقالَ: أرادَ أسْرى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ تُرِكُوا في (p-٤٩١)بِلادِ الحَرْبِ رَهائِنَ وخَرَجُوا في طَلَبِ الفِداءِ، وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثَمّالِيُّ: الأسِيرُ هُنا المَرْأةُ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "اسْتَوْصُوا بِالنِساءِ خَيْرًا فَإنَّهُنَّ عَوانٌ عِنْدَكُمْ"،» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللهِ﴾ المَعْنى: يَقُولُونَ لَهم عِنْدَ الإطْعامِ، وهَذا إمّا أنْ يَكُونَ المُطْعِمُ يَقُولُ ذَلِكَ نَصًّا، فَحُكِيَ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا يُقالُ في الأنْفُسِ وبِالنِيَّةِ فَمُدِحَ بِذَلِكَ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ بِجَزْمِ المِيمِ مِن "نُطْعِمُكُمْ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: أسْكَنَ تَخْفِيفًا، و"الشَكُورُ" مَصْدَرٌ كالشُكْرِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِالعُبُوسِ هو عَلى التَجَوُّزِ، كَما تَقُولُ: "لَيْلٌ نائِمٌ" أيْ فِيهِ نَوْمٌ، و"القَمْطَرِيرُ" والقُماطِرُ هو في مَعْنى العُبُوسُ والِارْبِدادِ، يُقالُ: "اقْمَطَرَّ الرَجُلُ" إذا جَمَعَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ غَضَبًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا عَلَيْكم ∗∗∗ إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرِ
(p-٤٩٢)وَقالَ الآخَرُ:
؎ فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولُجْ بِها اليَوْمَ العَبُوسَ القَماطِرَ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْبِسُ الكافِرُ يَوْمَئِذٍ حَتّى يَسِيلَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ مِثْلُ القَطْرانِ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ القَمْطَرِيرِ بِالطَوِيلِ، وعَبَّرَ عنهُ ابْنُ الكَلْبِيِّ بِالشَدِيدِ، وذَلِكَ كُلُّهُ قَرِيبٌ في المَعْنى.
وقَرَأ الجُمْهُور "فَوَقاهُمْ" بِتَخْفِيفِ القافِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ "فَوَقّاهُمْ" بِشَدِّ القافِ، و"النَضِرَةُ" حالُ البَشَرَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ فَرَحِ النَفْسِ وقُرَّةِ العَيْنِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَجازاهُمْ" بِألِفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِما صَبَرُوا" عامٌّ عَنِ الشَهَواتِ وعَلى الطاعاتِ والشَدائِدِ، فَفي هَذا يَدْخُلُ كُلُّ ما خَصَّصَ الناسُ مِن صَوْمٍ ونَحْوِهِ، و"مُتَّكِئِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ المَنصُوبِ في "جَزاهُمْ" وهو الهاءُ والمِيمُ، وقَرَأأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: "مُتَّكِينَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، و"الأرائِكُ": السُرُرُ المَسْتُورَةُ بِالحِجالِ، وهَذا شَرْطٌ لِبَعْضِ اللُغَوِيِّينَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: كُلُّ ما يُتَوَسَّدُ ويُفْتَرَشُ مِمّا لَهُ حَشْوٌ فَهو أرِيكَةٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ في حَجْلَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَرَوْنَ" الآيَةُ عِبارَةٌ عَنِ اعْتِدالِ مَسِّ هَوائِها، وذَهابِ ضَرُورَتَيِ الحَرِّ والقَرِّ عنها، وكَوْنُ هَوائِها سَجْسَجًا كَما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، ومَسُّ الشَمْسِ وهو أشَدُّ الحَرِّ، والزَمْهَرِيرُ: هو أشَدُّ البَرْدِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَمْهَرِيرُ بِلُغَةِ طَيْءٍ القَمَرُ.
الإنسان 76:9
قوله عزّ وجلّ:
﴿يُوفُونَ بِالنَذْرِ ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ ﴿وَجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾
وصَفَ اللهُ تَعالى حالَ الأبْرارِ بِأنَّهم كانُوا يُوفُونَ بِالنَذْرِ، أيْ بِكُلِّ ما نَذَرُوهُ وأعْطَوْا بِهِ عَهْدًا، يُقالُ: وفى الرَجُلُ وأوفى، واليَوْمُ المُشارُ إلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ، و"مُسْتَطِيرًا" مَعْناهُ: مُتَّصِلًا شائِعًا كاسْتِطارَةِ الفَجْرِ والصَدْعِ في الزَجّاجُةِ، وبِهِ شُبِّهَ في القَلْبِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى:
؎ فَبانَتْ وقَدْ أورَثَتْ في الفُؤا دِ صَدْعًا- عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرًا
(p-٤٩٠)وَقَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ أرادَ الطاعِنُونَ لِيَحْزِنُونِي فَهاجُوا ∗∗∗ صَدْعَ قَلْبِي فاسْتَطارا
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى حُبِّهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "الطَعامِ"، أيْ: وهو مَحْبُوبٌ لِلْفاقَةِ والحاجَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، أيْ: لِوَجْهِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدَرانِيُّ، والأوَّلُ أمْدَحُ لَهم لِأنَّ فِيهِ الإيثارَ عَلى النَفْسِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الثانِي فَقَدْ يَفْعَلُهُ الأغْنِياءُ أكْثَرَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الإطْعامِ، أيْ مُحِقِّينَ في فِعْلِهِمْ ذَلِكَ، لا رِياءَ فِيهِ ولا تَكَلُّفَ. و"المِسْكِينُ": الطَوّافُ المُنْكَشِفُ في السُؤالِ، و"اليَتِيمُ": الصَبِيُّ الَّذِي لا أب لَهُ مِنَ الناسِ، والَّذِي لا أُمَّ لَهُ مِنَ البَهائِمِ، وهي صِفَةٌ قَبْلَ البُلُوغِ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا يَتِمُّ بَعْدَ حُلْمٍ"،» و"الأسِيرُ" مَعْرُوفٌ، فَقالَ قَتادَةُ: أرادَ أسْرى الكُفّارِ وإنْ كانُوا عَلى غَيْرِ الإسْلامِ، قالَ الحَسَنُ: ما كانَ أسْراهم إلّا مُشْرِكِينَ، لِأنَّ كُلَّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرًا وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذا مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَيْفِ، وإمّا أنَّهُ مُحْكَمٌ لِيَحْفَظَ حَياةَ الأسِيرِ إلى أنْ يَرى الإمامُ فِيهِ رَأْيَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ: أرادَ المَسْجُونِينَ مِنَ الناسِ، ولِهَذا يَحُضُّ عَلى صَدَقَةِ السِجْنِ، فَهَذا تَشْبِيهٌ، ومِن قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا يُؤْسَرُ أحَدٌ في الإسْلامِ بِغَيْرِ العُدُولِ" ورَوى الخُدْرِيُّ أنَّ النَبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الأسِيرَ هُنا بِالمَمْلُوكِ المَسْجُونِ، وقالَ: أرادَ أسْرى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ تُرِكُوا في (p-٤٩١)بِلادِ الحَرْبِ رَهائِنَ وخَرَجُوا في طَلَبِ الفِداءِ، وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثَمّالِيُّ: الأسِيرُ هُنا المَرْأةُ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "اسْتَوْصُوا بِالنِساءِ خَيْرًا فَإنَّهُنَّ عَوانٌ عِنْدَكُمْ"،» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللهِ﴾ المَعْنى: يَقُولُونَ لَهم عِنْدَ الإطْعامِ، وهَذا إمّا أنْ يَكُونَ المُطْعِمُ يَقُولُ ذَلِكَ نَصًّا، فَحُكِيَ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا يُقالُ في الأنْفُسِ وبِالنِيَّةِ فَمُدِحَ بِذَلِكَ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ بِجَزْمِ المِيمِ مِن "نُطْعِمُكُمْ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: أسْكَنَ تَخْفِيفًا، و"الشَكُورُ" مَصْدَرٌ كالشُكْرِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِالعُبُوسِ هو عَلى التَجَوُّزِ، كَما تَقُولُ: "لَيْلٌ نائِمٌ" أيْ فِيهِ نَوْمٌ، و"القَمْطَرِيرُ" والقُماطِرُ هو في مَعْنى العُبُوسُ والِارْبِدادِ، يُقالُ: "اقْمَطَرَّ الرَجُلُ" إذا جَمَعَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ غَضَبًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا عَلَيْكم ∗∗∗ إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرِ
(p-٤٩٢)وَقالَ الآخَرُ:
؎ فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولُجْ بِها اليَوْمَ العَبُوسَ القَماطِرَ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْبِسُ الكافِرُ يَوْمَئِذٍ حَتّى يَسِيلَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ مِثْلُ القَطْرانِ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ القَمْطَرِيرِ بِالطَوِيلِ، وعَبَّرَ عنهُ ابْنُ الكَلْبِيِّ بِالشَدِيدِ، وذَلِكَ كُلُّهُ قَرِيبٌ في المَعْنى.
وقَرَأ الجُمْهُور "فَوَقاهُمْ" بِتَخْفِيفِ القافِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ "فَوَقّاهُمْ" بِشَدِّ القافِ، و"النَضِرَةُ" حالُ البَشَرَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ فَرَحِ النَفْسِ وقُرَّةِ العَيْنِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَجازاهُمْ" بِألِفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِما صَبَرُوا" عامٌّ عَنِ الشَهَواتِ وعَلى الطاعاتِ والشَدائِدِ، فَفي هَذا يَدْخُلُ كُلُّ ما خَصَّصَ الناسُ مِن صَوْمٍ ونَحْوِهِ، و"مُتَّكِئِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ المَنصُوبِ في "جَزاهُمْ" وهو الهاءُ والمِيمُ، وقَرَأأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: "مُتَّكِينَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، و"الأرائِكُ": السُرُرُ المَسْتُورَةُ بِالحِجالِ، وهَذا شَرْطٌ لِبَعْضِ اللُغَوِيِّينَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: كُلُّ ما يُتَوَسَّدُ ويُفْتَرَشُ مِمّا لَهُ حَشْوٌ فَهو أرِيكَةٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ في حَجْلَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَرَوْنَ" الآيَةُ عِبارَةٌ عَنِ اعْتِدالِ مَسِّ هَوائِها، وذَهابِ ضَرُورَتَيِ الحَرِّ والقَرِّ عنها، وكَوْنُ هَوائِها سَجْسَجًا كَما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، ومَسُّ الشَمْسِ وهو أشَدُّ الحَرِّ، والزَمْهَرِيرُ: هو أشَدُّ البَرْدِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَمْهَرِيرُ بِلُغَةِ طَيْءٍ القَمَرُ.
الإنسان 76:10
قوله عزّ وجلّ:
﴿يُوفُونَ بِالنَذْرِ ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ ﴿وَجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾
وصَفَ اللهُ تَعالى حالَ الأبْرارِ بِأنَّهم كانُوا يُوفُونَ بِالنَذْرِ، أيْ بِكُلِّ ما نَذَرُوهُ وأعْطَوْا بِهِ عَهْدًا، يُقالُ: وفى الرَجُلُ وأوفى، واليَوْمُ المُشارُ إلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ، و"مُسْتَطِيرًا" مَعْناهُ: مُتَّصِلًا شائِعًا كاسْتِطارَةِ الفَجْرِ والصَدْعِ في الزَجّاجُةِ، وبِهِ شُبِّهَ في القَلْبِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى:
؎ فَبانَتْ وقَدْ أورَثَتْ في الفُؤا دِ صَدْعًا- عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرًا
(p-٤٩٠)وَقَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ أرادَ الطاعِنُونَ لِيَحْزِنُونِي فَهاجُوا ∗∗∗ صَدْعَ قَلْبِي فاسْتَطارا
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى حُبِّهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "الطَعامِ"، أيْ: وهو مَحْبُوبٌ لِلْفاقَةِ والحاجَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، أيْ: لِوَجْهِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدَرانِيُّ، والأوَّلُ أمْدَحُ لَهم لِأنَّ فِيهِ الإيثارَ عَلى النَفْسِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الثانِي فَقَدْ يَفْعَلُهُ الأغْنِياءُ أكْثَرَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الإطْعامِ، أيْ مُحِقِّينَ في فِعْلِهِمْ ذَلِكَ، لا رِياءَ فِيهِ ولا تَكَلُّفَ. و"المِسْكِينُ": الطَوّافُ المُنْكَشِفُ في السُؤالِ، و"اليَتِيمُ": الصَبِيُّ الَّذِي لا أب لَهُ مِنَ الناسِ، والَّذِي لا أُمَّ لَهُ مِنَ البَهائِمِ، وهي صِفَةٌ قَبْلَ البُلُوغِ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا يَتِمُّ بَعْدَ حُلْمٍ"،» و"الأسِيرُ" مَعْرُوفٌ، فَقالَ قَتادَةُ: أرادَ أسْرى الكُفّارِ وإنْ كانُوا عَلى غَيْرِ الإسْلامِ، قالَ الحَسَنُ: ما كانَ أسْراهم إلّا مُشْرِكِينَ، لِأنَّ كُلَّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرًا وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذا مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَيْفِ، وإمّا أنَّهُ مُحْكَمٌ لِيَحْفَظَ حَياةَ الأسِيرِ إلى أنْ يَرى الإمامُ فِيهِ رَأْيَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ: أرادَ المَسْجُونِينَ مِنَ الناسِ، ولِهَذا يَحُضُّ عَلى صَدَقَةِ السِجْنِ، فَهَذا تَشْبِيهٌ، ومِن قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا يُؤْسَرُ أحَدٌ في الإسْلامِ بِغَيْرِ العُدُولِ" ورَوى الخُدْرِيُّ أنَّ النَبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الأسِيرَ هُنا بِالمَمْلُوكِ المَسْجُونِ، وقالَ: أرادَ أسْرى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ تُرِكُوا في (p-٤٩١)بِلادِ الحَرْبِ رَهائِنَ وخَرَجُوا في طَلَبِ الفِداءِ، وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثَمّالِيُّ: الأسِيرُ هُنا المَرْأةُ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "اسْتَوْصُوا بِالنِساءِ خَيْرًا فَإنَّهُنَّ عَوانٌ عِنْدَكُمْ"،» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللهِ﴾ المَعْنى: يَقُولُونَ لَهم عِنْدَ الإطْعامِ، وهَذا إمّا أنْ يَكُونَ المُطْعِمُ يَقُولُ ذَلِكَ نَصًّا، فَحُكِيَ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا يُقالُ في الأنْفُسِ وبِالنِيَّةِ فَمُدِحَ بِذَلِكَ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ بِجَزْمِ المِيمِ مِن "نُطْعِمُكُمْ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: أسْكَنَ تَخْفِيفًا، و"الشَكُورُ" مَصْدَرٌ كالشُكْرِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِالعُبُوسِ هو عَلى التَجَوُّزِ، كَما تَقُولُ: "لَيْلٌ نائِمٌ" أيْ فِيهِ نَوْمٌ، و"القَمْطَرِيرُ" والقُماطِرُ هو في مَعْنى العُبُوسُ والِارْبِدادِ، يُقالُ: "اقْمَطَرَّ الرَجُلُ" إذا جَمَعَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ غَضَبًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا عَلَيْكم ∗∗∗ إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرِ
(p-٤٩٢)وَقالَ الآخَرُ:
؎ فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولُجْ بِها اليَوْمَ العَبُوسَ القَماطِرَ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْبِسُ الكافِرُ يَوْمَئِذٍ حَتّى يَسِيلَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ مِثْلُ القَطْرانِ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ القَمْطَرِيرِ بِالطَوِيلِ، وعَبَّرَ عنهُ ابْنُ الكَلْبِيِّ بِالشَدِيدِ، وذَلِكَ كُلُّهُ قَرِيبٌ في المَعْنى.
وقَرَأ الجُمْهُور "فَوَقاهُمْ" بِتَخْفِيفِ القافِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ "فَوَقّاهُمْ" بِشَدِّ القافِ، و"النَضِرَةُ" حالُ البَشَرَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ فَرَحِ النَفْسِ وقُرَّةِ العَيْنِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَجازاهُمْ" بِألِفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِما صَبَرُوا" عامٌّ عَنِ الشَهَواتِ وعَلى الطاعاتِ والشَدائِدِ، فَفي هَذا يَدْخُلُ كُلُّ ما خَصَّصَ الناسُ مِن صَوْمٍ ونَحْوِهِ، و"مُتَّكِئِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ المَنصُوبِ في "جَزاهُمْ" وهو الهاءُ والمِيمُ، وقَرَأأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: "مُتَّكِينَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، و"الأرائِكُ": السُرُرُ المَسْتُورَةُ بِالحِجالِ، وهَذا شَرْطٌ لِبَعْضِ اللُغَوِيِّينَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: كُلُّ ما يُتَوَسَّدُ ويُفْتَرَشُ مِمّا لَهُ حَشْوٌ فَهو أرِيكَةٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ في حَجْلَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَرَوْنَ" الآيَةُ عِبارَةٌ عَنِ اعْتِدالِ مَسِّ هَوائِها، وذَهابِ ضَرُورَتَيِ الحَرِّ والقَرِّ عنها، وكَوْنُ هَوائِها سَجْسَجًا كَما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، ومَسُّ الشَمْسِ وهو أشَدُّ الحَرِّ، والزَمْهَرِيرُ: هو أشَدُّ البَرْدِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَمْهَرِيرُ بِلُغَةِ طَيْءٍ القَمَرُ.
الإنسان 76:11
قوله عزّ وجلّ:
﴿يُوفُونَ بِالنَذْرِ ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ ﴿وَجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾
وصَفَ اللهُ تَعالى حالَ الأبْرارِ بِأنَّهم كانُوا يُوفُونَ بِالنَذْرِ، أيْ بِكُلِّ ما نَذَرُوهُ وأعْطَوْا بِهِ عَهْدًا، يُقالُ: وفى الرَجُلُ وأوفى، واليَوْمُ المُشارُ إلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ، و"مُسْتَطِيرًا" مَعْناهُ: مُتَّصِلًا شائِعًا كاسْتِطارَةِ الفَجْرِ والصَدْعِ في الزَجّاجُةِ، وبِهِ شُبِّهَ في القَلْبِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى:
؎ فَبانَتْ وقَدْ أورَثَتْ في الفُؤا دِ صَدْعًا- عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرًا
(p-٤٩٠)وَقَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ أرادَ الطاعِنُونَ لِيَحْزِنُونِي فَهاجُوا ∗∗∗ صَدْعَ قَلْبِي فاسْتَطارا
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى حُبِّهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "الطَعامِ"، أيْ: وهو مَحْبُوبٌ لِلْفاقَةِ والحاجَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، أيْ: لِوَجْهِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدَرانِيُّ، والأوَّلُ أمْدَحُ لَهم لِأنَّ فِيهِ الإيثارَ عَلى النَفْسِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الثانِي فَقَدْ يَفْعَلُهُ الأغْنِياءُ أكْثَرَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الإطْعامِ، أيْ مُحِقِّينَ في فِعْلِهِمْ ذَلِكَ، لا رِياءَ فِيهِ ولا تَكَلُّفَ. و"المِسْكِينُ": الطَوّافُ المُنْكَشِفُ في السُؤالِ، و"اليَتِيمُ": الصَبِيُّ الَّذِي لا أب لَهُ مِنَ الناسِ، والَّذِي لا أُمَّ لَهُ مِنَ البَهائِمِ، وهي صِفَةٌ قَبْلَ البُلُوغِ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا يَتِمُّ بَعْدَ حُلْمٍ"،» و"الأسِيرُ" مَعْرُوفٌ، فَقالَ قَتادَةُ: أرادَ أسْرى الكُفّارِ وإنْ كانُوا عَلى غَيْرِ الإسْلامِ، قالَ الحَسَنُ: ما كانَ أسْراهم إلّا مُشْرِكِينَ، لِأنَّ كُلَّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرًا وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذا مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَيْفِ، وإمّا أنَّهُ مُحْكَمٌ لِيَحْفَظَ حَياةَ الأسِيرِ إلى أنْ يَرى الإمامُ فِيهِ رَأْيَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ: أرادَ المَسْجُونِينَ مِنَ الناسِ، ولِهَذا يَحُضُّ عَلى صَدَقَةِ السِجْنِ، فَهَذا تَشْبِيهٌ، ومِن قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا يُؤْسَرُ أحَدٌ في الإسْلامِ بِغَيْرِ العُدُولِ" ورَوى الخُدْرِيُّ أنَّ النَبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الأسِيرَ هُنا بِالمَمْلُوكِ المَسْجُونِ، وقالَ: أرادَ أسْرى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ تُرِكُوا في (p-٤٩١)بِلادِ الحَرْبِ رَهائِنَ وخَرَجُوا في طَلَبِ الفِداءِ، وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثَمّالِيُّ: الأسِيرُ هُنا المَرْأةُ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "اسْتَوْصُوا بِالنِساءِ خَيْرًا فَإنَّهُنَّ عَوانٌ عِنْدَكُمْ"،» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللهِ﴾ المَعْنى: يَقُولُونَ لَهم عِنْدَ الإطْعامِ، وهَذا إمّا أنْ يَكُونَ المُطْعِمُ يَقُولُ ذَلِكَ نَصًّا، فَحُكِيَ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا يُقالُ في الأنْفُسِ وبِالنِيَّةِ فَمُدِحَ بِذَلِكَ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ بِجَزْمِ المِيمِ مِن "نُطْعِمُكُمْ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: أسْكَنَ تَخْفِيفًا، و"الشَكُورُ" مَصْدَرٌ كالشُكْرِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِالعُبُوسِ هو عَلى التَجَوُّزِ، كَما تَقُولُ: "لَيْلٌ نائِمٌ" أيْ فِيهِ نَوْمٌ، و"القَمْطَرِيرُ" والقُماطِرُ هو في مَعْنى العُبُوسُ والِارْبِدادِ، يُقالُ: "اقْمَطَرَّ الرَجُلُ" إذا جَمَعَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ غَضَبًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا عَلَيْكم ∗∗∗ إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرِ
(p-٤٩٢)وَقالَ الآخَرُ:
؎ فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولُجْ بِها اليَوْمَ العَبُوسَ القَماطِرَ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْبِسُ الكافِرُ يَوْمَئِذٍ حَتّى يَسِيلَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ مِثْلُ القَطْرانِ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ القَمْطَرِيرِ بِالطَوِيلِ، وعَبَّرَ عنهُ ابْنُ الكَلْبِيِّ بِالشَدِيدِ، وذَلِكَ كُلُّهُ قَرِيبٌ في المَعْنى.
وقَرَأ الجُمْهُور "فَوَقاهُمْ" بِتَخْفِيفِ القافِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ "فَوَقّاهُمْ" بِشَدِّ القافِ، و"النَضِرَةُ" حالُ البَشَرَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ فَرَحِ النَفْسِ وقُرَّةِ العَيْنِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَجازاهُمْ" بِألِفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِما صَبَرُوا" عامٌّ عَنِ الشَهَواتِ وعَلى الطاعاتِ والشَدائِدِ، فَفي هَذا يَدْخُلُ كُلُّ ما خَصَّصَ الناسُ مِن صَوْمٍ ونَحْوِهِ، و"مُتَّكِئِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ المَنصُوبِ في "جَزاهُمْ" وهو الهاءُ والمِيمُ، وقَرَأأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: "مُتَّكِينَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، و"الأرائِكُ": السُرُرُ المَسْتُورَةُ بِالحِجالِ، وهَذا شَرْطٌ لِبَعْضِ اللُغَوِيِّينَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: كُلُّ ما يُتَوَسَّدُ ويُفْتَرَشُ مِمّا لَهُ حَشْوٌ فَهو أرِيكَةٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ في حَجْلَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَرَوْنَ" الآيَةُ عِبارَةٌ عَنِ اعْتِدالِ مَسِّ هَوائِها، وذَهابِ ضَرُورَتَيِ الحَرِّ والقَرِّ عنها، وكَوْنُ هَوائِها سَجْسَجًا كَما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، ومَسُّ الشَمْسِ وهو أشَدُّ الحَرِّ، والزَمْهَرِيرُ: هو أشَدُّ البَرْدِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَمْهَرِيرُ بِلُغَةِ طَيْءٍ القَمَرُ.
الإنسان 76:12
قوله عزّ وجلّ:
﴿يُوفُونَ بِالنَذْرِ ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ ﴿وَجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾
وصَفَ اللهُ تَعالى حالَ الأبْرارِ بِأنَّهم كانُوا يُوفُونَ بِالنَذْرِ، أيْ بِكُلِّ ما نَذَرُوهُ وأعْطَوْا بِهِ عَهْدًا، يُقالُ: وفى الرَجُلُ وأوفى، واليَوْمُ المُشارُ إلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ، و"مُسْتَطِيرًا" مَعْناهُ: مُتَّصِلًا شائِعًا كاسْتِطارَةِ الفَجْرِ والصَدْعِ في الزَجّاجُةِ، وبِهِ شُبِّهَ في القَلْبِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى:
؎ فَبانَتْ وقَدْ أورَثَتْ في الفُؤا دِ صَدْعًا- عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرًا
(p-٤٩٠)وَقَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ أرادَ الطاعِنُونَ لِيَحْزِنُونِي فَهاجُوا ∗∗∗ صَدْعَ قَلْبِي فاسْتَطارا
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى حُبِّهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "الطَعامِ"، أيْ: وهو مَحْبُوبٌ لِلْفاقَةِ والحاجَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، أيْ: لِوَجْهِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدَرانِيُّ، والأوَّلُ أمْدَحُ لَهم لِأنَّ فِيهِ الإيثارَ عَلى النَفْسِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الثانِي فَقَدْ يَفْعَلُهُ الأغْنِياءُ أكْثَرَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الإطْعامِ، أيْ مُحِقِّينَ في فِعْلِهِمْ ذَلِكَ، لا رِياءَ فِيهِ ولا تَكَلُّفَ. و"المِسْكِينُ": الطَوّافُ المُنْكَشِفُ في السُؤالِ، و"اليَتِيمُ": الصَبِيُّ الَّذِي لا أب لَهُ مِنَ الناسِ، والَّذِي لا أُمَّ لَهُ مِنَ البَهائِمِ، وهي صِفَةٌ قَبْلَ البُلُوغِ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا يَتِمُّ بَعْدَ حُلْمٍ"،» و"الأسِيرُ" مَعْرُوفٌ، فَقالَ قَتادَةُ: أرادَ أسْرى الكُفّارِ وإنْ كانُوا عَلى غَيْرِ الإسْلامِ، قالَ الحَسَنُ: ما كانَ أسْراهم إلّا مُشْرِكِينَ، لِأنَّ كُلَّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرًا وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذا مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَيْفِ، وإمّا أنَّهُ مُحْكَمٌ لِيَحْفَظَ حَياةَ الأسِيرِ إلى أنْ يَرى الإمامُ فِيهِ رَأْيَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ: أرادَ المَسْجُونِينَ مِنَ الناسِ، ولِهَذا يَحُضُّ عَلى صَدَقَةِ السِجْنِ، فَهَذا تَشْبِيهٌ، ومِن قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا يُؤْسَرُ أحَدٌ في الإسْلامِ بِغَيْرِ العُدُولِ" ورَوى الخُدْرِيُّ أنَّ النَبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الأسِيرَ هُنا بِالمَمْلُوكِ المَسْجُونِ، وقالَ: أرادَ أسْرى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ تُرِكُوا في (p-٤٩١)بِلادِ الحَرْبِ رَهائِنَ وخَرَجُوا في طَلَبِ الفِداءِ، وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثَمّالِيُّ: الأسِيرُ هُنا المَرْأةُ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "اسْتَوْصُوا بِالنِساءِ خَيْرًا فَإنَّهُنَّ عَوانٌ عِنْدَكُمْ"،» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللهِ﴾ المَعْنى: يَقُولُونَ لَهم عِنْدَ الإطْعامِ، وهَذا إمّا أنْ يَكُونَ المُطْعِمُ يَقُولُ ذَلِكَ نَصًّا، فَحُكِيَ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا يُقالُ في الأنْفُسِ وبِالنِيَّةِ فَمُدِحَ بِذَلِكَ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ بِجَزْمِ المِيمِ مِن "نُطْعِمُكُمْ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: أسْكَنَ تَخْفِيفًا، و"الشَكُورُ" مَصْدَرٌ كالشُكْرِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِالعُبُوسِ هو عَلى التَجَوُّزِ، كَما تَقُولُ: "لَيْلٌ نائِمٌ" أيْ فِيهِ نَوْمٌ، و"القَمْطَرِيرُ" والقُماطِرُ هو في مَعْنى العُبُوسُ والِارْبِدادِ، يُقالُ: "اقْمَطَرَّ الرَجُلُ" إذا جَمَعَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ غَضَبًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا عَلَيْكم ∗∗∗ إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرِ
(p-٤٩٢)وَقالَ الآخَرُ:
؎ فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولُجْ بِها اليَوْمَ العَبُوسَ القَماطِرَ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْبِسُ الكافِرُ يَوْمَئِذٍ حَتّى يَسِيلَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ مِثْلُ القَطْرانِ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ القَمْطَرِيرِ بِالطَوِيلِ، وعَبَّرَ عنهُ ابْنُ الكَلْبِيِّ بِالشَدِيدِ، وذَلِكَ كُلُّهُ قَرِيبٌ في المَعْنى.
وقَرَأ الجُمْهُور "فَوَقاهُمْ" بِتَخْفِيفِ القافِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ "فَوَقّاهُمْ" بِشَدِّ القافِ، و"النَضِرَةُ" حالُ البَشَرَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ فَرَحِ النَفْسِ وقُرَّةِ العَيْنِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَجازاهُمْ" بِألِفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِما صَبَرُوا" عامٌّ عَنِ الشَهَواتِ وعَلى الطاعاتِ والشَدائِدِ، فَفي هَذا يَدْخُلُ كُلُّ ما خَصَّصَ الناسُ مِن صَوْمٍ ونَحْوِهِ، و"مُتَّكِئِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ المَنصُوبِ في "جَزاهُمْ" وهو الهاءُ والمِيمُ، وقَرَأأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: "مُتَّكِينَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، و"الأرائِكُ": السُرُرُ المَسْتُورَةُ بِالحِجالِ، وهَذا شَرْطٌ لِبَعْضِ اللُغَوِيِّينَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: كُلُّ ما يُتَوَسَّدُ ويُفْتَرَشُ مِمّا لَهُ حَشْوٌ فَهو أرِيكَةٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ في حَجْلَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَرَوْنَ" الآيَةُ عِبارَةٌ عَنِ اعْتِدالِ مَسِّ هَوائِها، وذَهابِ ضَرُورَتَيِ الحَرِّ والقَرِّ عنها، وكَوْنُ هَوائِها سَجْسَجًا كَما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، ومَسُّ الشَمْسِ وهو أشَدُّ الحَرِّ، والزَمْهَرِيرُ: هو أشَدُّ البَرْدِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَمْهَرِيرُ بِلُغَةِ طَيْءٍ القَمَرُ.
الإنسان 76:13
قوله عزّ وجلّ:
﴿يُوفُونَ بِالنَذْرِ ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ ﴿وَجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾
وصَفَ اللهُ تَعالى حالَ الأبْرارِ بِأنَّهم كانُوا يُوفُونَ بِالنَذْرِ، أيْ بِكُلِّ ما نَذَرُوهُ وأعْطَوْا بِهِ عَهْدًا، يُقالُ: وفى الرَجُلُ وأوفى، واليَوْمُ المُشارُ إلَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ، و"مُسْتَطِيرًا" مَعْناهُ: مُتَّصِلًا شائِعًا كاسْتِطارَةِ الفَجْرِ والصَدْعِ في الزَجّاجُةِ، وبِهِ شُبِّهَ في القَلْبِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى:
؎ فَبانَتْ وقَدْ أورَثَتْ في الفُؤا دِ صَدْعًا- عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرًا
(p-٤٩٠)وَقَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ أرادَ الطاعِنُونَ لِيَحْزِنُونِي فَهاجُوا ∗∗∗ صَدْعَ قَلْبِي فاسْتَطارا
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى حُبِّهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "الطَعامِ"، أيْ: وهو مَحْبُوبٌ لِلْفاقَةِ والحاجَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، أيْ: لِوَجْهِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدَرانِيُّ، والأوَّلُ أمْدَحُ لَهم لِأنَّ فِيهِ الإيثارَ عَلى النَفْسِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الثانِي فَقَدْ يَفْعَلُهُ الأغْنِياءُ أكْثَرَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الإطْعامِ، أيْ مُحِقِّينَ في فِعْلِهِمْ ذَلِكَ، لا رِياءَ فِيهِ ولا تَكَلُّفَ. و"المِسْكِينُ": الطَوّافُ المُنْكَشِفُ في السُؤالِ، و"اليَتِيمُ": الصَبِيُّ الَّذِي لا أب لَهُ مِنَ الناسِ، والَّذِي لا أُمَّ لَهُ مِنَ البَهائِمِ، وهي صِفَةٌ قَبْلَ البُلُوغِ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا يَتِمُّ بَعْدَ حُلْمٍ"،» و"الأسِيرُ" مَعْرُوفٌ، فَقالَ قَتادَةُ: أرادَ أسْرى الكُفّارِ وإنْ كانُوا عَلى غَيْرِ الإسْلامِ، قالَ الحَسَنُ: ما كانَ أسْراهم إلّا مُشْرِكِينَ، لِأنَّ كُلَّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرًا وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذا مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ السَيْفِ، وإمّا أنَّهُ مُحْكَمٌ لِيَحْفَظَ حَياةَ الأسِيرِ إلى أنْ يَرى الإمامُ فِيهِ رَأْيَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ: أرادَ المَسْجُونِينَ مِنَ الناسِ، ولِهَذا يَحُضُّ عَلى صَدَقَةِ السِجْنِ، فَهَذا تَشْبِيهٌ، ومِن قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا يُؤْسَرُ أحَدٌ في الإسْلامِ بِغَيْرِ العُدُولِ" ورَوى الخُدْرِيُّ أنَّ النَبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الأسِيرَ هُنا بِالمَمْلُوكِ المَسْجُونِ، وقالَ: أرادَ أسْرى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ تُرِكُوا في (p-٤٩١)بِلادِ الحَرْبِ رَهائِنَ وخَرَجُوا في طَلَبِ الفِداءِ، وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثَمّالِيُّ: الأسِيرُ هُنا المَرْأةُ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "اسْتَوْصُوا بِالنِساءِ خَيْرًا فَإنَّهُنَّ عَوانٌ عِنْدَكُمْ"،» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللهِ﴾ المَعْنى: يَقُولُونَ لَهم عِنْدَ الإطْعامِ، وهَذا إمّا أنْ يَكُونَ المُطْعِمُ يَقُولُ ذَلِكَ نَصًّا، فَحُكِيَ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا يُقالُ في الأنْفُسِ وبِالنِيَّةِ فَمُدِحَ بِذَلِكَ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ بِجَزْمِ المِيمِ مِن "نُطْعِمُكُمْ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: أسْكَنَ تَخْفِيفًا، و"الشَكُورُ" مَصْدَرٌ كالشُكْرِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِالعُبُوسِ هو عَلى التَجَوُّزِ، كَما تَقُولُ: "لَيْلٌ نائِمٌ" أيْ فِيهِ نَوْمٌ، و"القَمْطَرِيرُ" والقُماطِرُ هو في مَعْنى العُبُوسُ والِارْبِدادِ، يُقالُ: "اقْمَطَرَّ الرَجُلُ" إذا جَمَعَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ غَضَبًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا عَلَيْكم ∗∗∗ إذا ما كانَ يَوْمَ قُماطِرِ
(p-٤٩٢)وَقالَ الآخَرُ:
؎ فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها ∗∗∗ ولُجْ بِها اليَوْمَ العَبُوسَ القَماطِرَ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْبِسُ الكافِرُ يَوْمَئِذٍ حَتّى يَسِيلَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ مِثْلُ القَطْرانِ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ القَمْطَرِيرِ بِالطَوِيلِ، وعَبَّرَ عنهُ ابْنُ الكَلْبِيِّ بِالشَدِيدِ، وذَلِكَ كُلُّهُ قَرِيبٌ في المَعْنى.
وقَرَأ الجُمْهُور "فَوَقاهُمْ" بِتَخْفِيفِ القافِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ "فَوَقّاهُمْ" بِشَدِّ القافِ، و"النَضِرَةُ" حالُ البَشَرَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ فَرَحِ النَفْسِ وقُرَّةِ العَيْنِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَجازاهُمْ" بِألِفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِما صَبَرُوا" عامٌّ عَنِ الشَهَواتِ وعَلى الطاعاتِ والشَدائِدِ، فَفي هَذا يَدْخُلُ كُلُّ ما خَصَّصَ الناسُ مِن صَوْمٍ ونَحْوِهِ، و"مُتَّكِئِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ المَنصُوبِ في "جَزاهُمْ" وهو الهاءُ والمِيمُ، وقَرَأأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: "مُتَّكِينَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، و"الأرائِكُ": السُرُرُ المَسْتُورَةُ بِالحِجالِ، وهَذا شَرْطٌ لِبَعْضِ اللُغَوِيِّينَ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: كُلُّ ما يُتَوَسَّدُ ويُفْتَرَشُ مِمّا لَهُ حَشْوٌ فَهو أرِيكَةٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ في حَجْلَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَرَوْنَ" الآيَةُ عِبارَةٌ عَنِ اعْتِدالِ مَسِّ هَوائِها، وذَهابِ ضَرُورَتَيِ الحَرِّ والقَرِّ عنها، وكَوْنُ هَوائِها سَجْسَجًا كَما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، ومَسُّ الشَمْسِ وهو أشَدُّ الحَرِّ، والزَمْهَرِيرُ: هو أشَدُّ البَرْدِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الزَمْهَرِيرُ بِلُغَةِ طَيْءٍ القَمَرُ.
الإنسان 76:14
(p-٤٩٣)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا﴾ ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرا﴾ ﴿قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا﴾ ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا﴾ ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾
اخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في إعْرابِ قَوْلِهِ تَعالى: "وَدانِيَةً"، فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو حالٌ عَطْفًا عَلى "مُتَّكِئِينَ"، وقالَ أيْضًا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْجَنَّةِ، فالمَعْنى: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "دانِيَةً"، وقَرَأ الأعْمَشُ "وَدانِيًا عَلَيْهِمْ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَدانِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَدانٍ"، فَهو مُفْرَدٌ مَرْفُوعٌ في الإعْرابِ، ودُنُوُّ الظِلالِ بِتَوَسُّطٍ أنْعَمَ لَها لِأنَّ الشَيْءَ المُظِلَّ إذا بَعُدَ فَتْرَ ظِلُّهُ لا سِيَّما مِنَ الشَجَرِ. و"التَذْلِيلُ" أنَّ تَطِيبَ الثَمَرَةُ فَتَتَدَلّى وتَنْعَكِسُ نَحْوَ الأرْضِ، والتَذْلِيلُ في الجَنَّةِ هو بِحَسَبِ إرادَةِ ساكِنِيها، قالَ قَتادَةُ، وسُفْيانُ ومُجاهِدٌ: إنْ كانَ الإنْسانُ قائِمًا تَناوَلَ الثَمَرَ دُونَ كُلْفَةٍ، وإنْ كانَ قاعِدًا فَكَذَلِكَ. وإنْ كانَ مُضْطَجِعًا فَكَذَلِكَ، فَهَذا تَذْلِيلُها، لا يَرُدُّ اليَدَ عنها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ ........... كَأُنْبُوبِ السَقْيِ المُذَلَّلِ
ومِنهُ قَوْلُ الأنْصارِيِّ: "والنَخْلُ قَدْ ذُلِّلَتْ فَهي مُطَوَّقَةٌ بِثَمَرِها"، و"القُطُوفُ" جَمْعُ قَطْفٍ وهو العُنْقُودُ مِنَ النَخْلِ والعِنَبِ ونَحْوِهِما.
و"الآنِيَةُ" جَمْعُ إناءٍ، و"الكُوبُ" ما لا عُرْوَةَ لَهُ ولا أُذُنَ مِنَ الأوانِي، وهي مَعْرُوفَةُ (p-٤٩٤)الشَكْلِ في تِلْكَ البِلادِ، وهو الَّذِي تَقُولُ لَهُ العامَّةُ "القَبُّ"، لَكِنَّها تُسَمِّي ذَلِكَ ما لَهُ عُرْوَةٌ، وذَلِكَ خَطَّأٌ أيْضًا، وقالَ قَتادَةُ: الكُوبُ القَدَحُ، و"القَوارِيرُ" الزُجاجُ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ، فَقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "قَوارِيرا، قَوارِيرا" بِالإجْراءِ فِيهِما عَلى ما قَدْ تَقَدَّمَ في "سَلاسِلًا"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "قَوارِيرًا، قَوارِيرًا" بِتَرْكِ الإجْراءِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالإجْراءِ في الأوَّلِ وتَرْكِهِ في الثانِي، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو إذا وقَفَ في الأوَّلِ بِألِفٍ دُونَ تَنْوِينٍ، وبِتَرْكِ الإجْراءِ في الثانِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فِضَّةٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّها مِن زُجاجٍ ومِن فِضَّةٍ، وذَلِكَ مُتَمَكِّنٌ لِكَوْنِهِ مِن زُجاجٍ في شُفُوفِهِ ومِن فِضَّةٍ في جَوْهَرِهِ، وكَذَلِكَ فِضَّةُ الجَنَّةِ شَفّافَةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: جَعَلَها مِن فِضَّةٍ لِصَفائِها ومُلازَمَتِها لِتِلْكَ الصِفَةِ، ولَيْسَتْ مِن فِضَّةٍ في حَقِيقِ أمْرِها، وإنَّما هَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ ألا أصْبَحَتْ أسْماءُ جاذِمَةَ الوَصْلِ ∗∗∗ وضَنَّتْ عَلَيْنا والضَنِينُ مِنَ البُخْلِ
وقَوْلُهُ تَعالى: "قَدَّرُوها" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْمَلائِكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلطّائِفِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُنْعِمِينَ، والتَقْدِيرُ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ الأكُفِّ، قالَهُ الرَبِيعُ، أو عَلى قَدْرِ الرَيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا كُلُّهُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "قَدَّرُوها" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ أبْزى، وعَلَيٌّ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ، وقَتادَةُ: "قُدِّرُوها" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدالِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَأنَّ اللَفْظَ "قًدِّرُوا عَلَيْها"، وفي المَعْنى قَلْبٌ لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ، فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]، ومِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: "إذا طَلَعَتِ الجَوْزاءُ ألْقى العَوْدَ عَلى الحِرْباءِ"، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ.
(p-٤٩٥)وَكَوْنُ الزَنْجَبِيلِ مِزاجًا هو عَلى ما ذَكَرْناهُ في العُرْفِ ولَذْعِ اللِسانِ، وذَلِكَ مِن لَذّاتِ المَشْرُوبِ، والزَنْجَبِيلِ طَيِّبٌ حارٌّ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ كَأنَّ جِنِّيًّا مِنَ الزَنْجَبِيـ ∗∗∗ ـلِ باتَ بِفِيها وأرْيًا حَشُورًا
وقالَ المُسَيِّبُ بْنُ عَلَسٍ:
؎ وكَأنَّ طَعْمَ الزَنْجَبِيلِ بِهِ ∗∗∗ إذْ ذُقْتَهُ وسُلافَةَ الخَمْرِ
وقالَ قَتادَةُ: الزَنْجَبِيلُ اسْمٌ لِعَيْنٍ يَشْرَبُ مِنها المُقَرَّبُونَ صَرْفًا، ويُمْزَجُ لِسائِرِ أهْلِ الجَنَّةِ، و"عَيْنًا" بَدَلٌ مِن "كَأْسًا"، أو مِن "زَنْجَبِيلًا" عَيْنٌ عَلى القَوْلِ الثانِي.
و"سَلْسَبِيلًا" قِيلَ: هو اسْمٌ بِمَعْنى السَلِسِ المُنْقادِ الجَرْيَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: حَدِيدُ الجَرْيَةِ، وقِيلَ: هي عِبارَةٌ عَنِ اتِّساعِها، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لَمْ أسْمَعْ هَذِهِ اللَفْظَةَ إلّا في القُرْآنِ، وقالَ آخَرُونَ: "سَلْسَبِيلًا" صِفَةٌ لِقَوْلُهُ تَعالى: "عَيْنًا"، و"تُسَمّى" بِمَعْنى: تُوصَفُ وتُشْهَرُ، وكَوْنُهُ مَصْرُوفًا مِمّا يُؤَكِّدُ كَوْنُهُ صِفَةً لا اسْمًا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "سَلْسَبِيلًا" أمْرٌ للنَّبِيِّ صَلّى اللهُ الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِأُمَّتِهِ بِسُؤالِ السَبِيلِ إلَيْها، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ (p-٤٩٦)بَراعَةَ القُرْآنِ وفَصاحَتَهُ لا تَجِيءُ هَكَذا، واللَفْظَةُ مَعْرُوفَةٌ في اللِسانِ، وأنَّ "السَلَسَ والسَلْسَبِيلَ" بِمَعْنًى واحِدٍ ومُتَقارِبٍ.
و"مُخَلَّدُونَ" قالَ جُمْهُورُ الناسِ: مَعْناهُ: باقُونَ، مِنَ الخُلُودِ، وجَعَلَهم وِلْدانًا لِأنَّهم في هَيْئَةِ الوِلْدانِ في السِنِّ، لا يَتَغَيَّرُونَ عن تِلْكَ الحالِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرِّطُونَ، والخَلَداتُ حُلِيٌّ تُعَلَّقُ في الآذانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُخَلَّداتٌ بِاللُجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وشُهْرَةُ هَذِهِ اللُغَةِ في حَمِيرٍ.
وشَبَّهَهم تَعالى بِاللُؤْلُؤِ المَنثُورِ في بَياضِهِمْ وانْتِشارِهِمْ في المَساكِنِ يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ، وفي جَمالِهِمْ، ومِنهُ سُمِّيَتِ المَرْأةُ دُرَّةً وجَوْهَرَةً، ثُمَّ كَرَّرَ تَعالى ذِكْرَ الرُؤْيَةِ مُبالَغَةً، و"ثَمَّ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "رَأيْتَ" أو مَعْناهُ، وقالَ الفَرّاءُ: التَقْدِيرُ: إذا رَأيْتَ ما ثَمَّ رَأيْتَ، وحُذِفَتْ "ما". وقَرَأ حُمَيْدُ الأعْرَجُ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، و"النَعِيمُ": ما هم فِيهِ مِن حُسْنِ عَيْشٍ. و"المَلِكُ الكَبِيرُ" قالَ سُفْيانُ: هو اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ وتَسْلِيمُهم عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمُهم لَهم في ذَلِكَ كالمُلُوكِ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: "المُلْكُ الكَبِيرُ" اتِّساعُ مَواضِعِهِمْ، رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ما مِن أهْلِ الجَنَّةِ مِن أحَدٍ إلّا يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ غُلامٍ، كُلُّهم مُخْتَلِفٌ شُغْلُهُ مَن شَغْلِ أصْحابِهِ، وأدْنى أهْلُ الجَنَّةِ مَنزِلَةً مَن يُنْظَرُ في مُلْكِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ عامٍ، يَرى أقْصاهُ كَما يَرى أدْناهُ.
الإنسان 76:15
(p-٤٩٣)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا﴾ ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرا﴾ ﴿قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا﴾ ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا﴾ ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾
اخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في إعْرابِ قَوْلِهِ تَعالى: "وَدانِيَةً"، فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو حالٌ عَطْفًا عَلى "مُتَّكِئِينَ"، وقالَ أيْضًا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْجَنَّةِ، فالمَعْنى: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "دانِيَةً"، وقَرَأ الأعْمَشُ "وَدانِيًا عَلَيْهِمْ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَدانِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَدانٍ"، فَهو مُفْرَدٌ مَرْفُوعٌ في الإعْرابِ، ودُنُوُّ الظِلالِ بِتَوَسُّطٍ أنْعَمَ لَها لِأنَّ الشَيْءَ المُظِلَّ إذا بَعُدَ فَتْرَ ظِلُّهُ لا سِيَّما مِنَ الشَجَرِ. و"التَذْلِيلُ" أنَّ تَطِيبَ الثَمَرَةُ فَتَتَدَلّى وتَنْعَكِسُ نَحْوَ الأرْضِ، والتَذْلِيلُ في الجَنَّةِ هو بِحَسَبِ إرادَةِ ساكِنِيها، قالَ قَتادَةُ، وسُفْيانُ ومُجاهِدٌ: إنْ كانَ الإنْسانُ قائِمًا تَناوَلَ الثَمَرَ دُونَ كُلْفَةٍ، وإنْ كانَ قاعِدًا فَكَذَلِكَ. وإنْ كانَ مُضْطَجِعًا فَكَذَلِكَ، فَهَذا تَذْلِيلُها، لا يَرُدُّ اليَدَ عنها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ ........... كَأُنْبُوبِ السَقْيِ المُذَلَّلِ
ومِنهُ قَوْلُ الأنْصارِيِّ: "والنَخْلُ قَدْ ذُلِّلَتْ فَهي مُطَوَّقَةٌ بِثَمَرِها"، و"القُطُوفُ" جَمْعُ قَطْفٍ وهو العُنْقُودُ مِنَ النَخْلِ والعِنَبِ ونَحْوِهِما.
و"الآنِيَةُ" جَمْعُ إناءٍ، و"الكُوبُ" ما لا عُرْوَةَ لَهُ ولا أُذُنَ مِنَ الأوانِي، وهي مَعْرُوفَةُ (p-٤٩٤)الشَكْلِ في تِلْكَ البِلادِ، وهو الَّذِي تَقُولُ لَهُ العامَّةُ "القَبُّ"، لَكِنَّها تُسَمِّي ذَلِكَ ما لَهُ عُرْوَةٌ، وذَلِكَ خَطَّأٌ أيْضًا، وقالَ قَتادَةُ: الكُوبُ القَدَحُ، و"القَوارِيرُ" الزُجاجُ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ، فَقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "قَوارِيرا، قَوارِيرا" بِالإجْراءِ فِيهِما عَلى ما قَدْ تَقَدَّمَ في "سَلاسِلًا"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "قَوارِيرًا، قَوارِيرًا" بِتَرْكِ الإجْراءِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالإجْراءِ في الأوَّلِ وتَرْكِهِ في الثانِي، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو إذا وقَفَ في الأوَّلِ بِألِفٍ دُونَ تَنْوِينٍ، وبِتَرْكِ الإجْراءِ في الثانِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فِضَّةٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّها مِن زُجاجٍ ومِن فِضَّةٍ، وذَلِكَ مُتَمَكِّنٌ لِكَوْنِهِ مِن زُجاجٍ في شُفُوفِهِ ومِن فِضَّةٍ في جَوْهَرِهِ، وكَذَلِكَ فِضَّةُ الجَنَّةِ شَفّافَةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: جَعَلَها مِن فِضَّةٍ لِصَفائِها ومُلازَمَتِها لِتِلْكَ الصِفَةِ، ولَيْسَتْ مِن فِضَّةٍ في حَقِيقِ أمْرِها، وإنَّما هَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ ألا أصْبَحَتْ أسْماءُ جاذِمَةَ الوَصْلِ ∗∗∗ وضَنَّتْ عَلَيْنا والضَنِينُ مِنَ البُخْلِ
وقَوْلُهُ تَعالى: "قَدَّرُوها" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْمَلائِكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلطّائِفِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُنْعِمِينَ، والتَقْدِيرُ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ الأكُفِّ، قالَهُ الرَبِيعُ، أو عَلى قَدْرِ الرَيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا كُلُّهُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "قَدَّرُوها" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ أبْزى، وعَلَيٌّ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ، وقَتادَةُ: "قُدِّرُوها" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدالِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَأنَّ اللَفْظَ "قًدِّرُوا عَلَيْها"، وفي المَعْنى قَلْبٌ لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ، فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]، ومِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: "إذا طَلَعَتِ الجَوْزاءُ ألْقى العَوْدَ عَلى الحِرْباءِ"، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ.
(p-٤٩٥)وَكَوْنُ الزَنْجَبِيلِ مِزاجًا هو عَلى ما ذَكَرْناهُ في العُرْفِ ولَذْعِ اللِسانِ، وذَلِكَ مِن لَذّاتِ المَشْرُوبِ، والزَنْجَبِيلِ طَيِّبٌ حارٌّ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ كَأنَّ جِنِّيًّا مِنَ الزَنْجَبِيـ ∗∗∗ ـلِ باتَ بِفِيها وأرْيًا حَشُورًا
وقالَ المُسَيِّبُ بْنُ عَلَسٍ:
؎ وكَأنَّ طَعْمَ الزَنْجَبِيلِ بِهِ ∗∗∗ إذْ ذُقْتَهُ وسُلافَةَ الخَمْرِ
وقالَ قَتادَةُ: الزَنْجَبِيلُ اسْمٌ لِعَيْنٍ يَشْرَبُ مِنها المُقَرَّبُونَ صَرْفًا، ويُمْزَجُ لِسائِرِ أهْلِ الجَنَّةِ، و"عَيْنًا" بَدَلٌ مِن "كَأْسًا"، أو مِن "زَنْجَبِيلًا" عَيْنٌ عَلى القَوْلِ الثانِي.
و"سَلْسَبِيلًا" قِيلَ: هو اسْمٌ بِمَعْنى السَلِسِ المُنْقادِ الجَرْيَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: حَدِيدُ الجَرْيَةِ، وقِيلَ: هي عِبارَةٌ عَنِ اتِّساعِها، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لَمْ أسْمَعْ هَذِهِ اللَفْظَةَ إلّا في القُرْآنِ، وقالَ آخَرُونَ: "سَلْسَبِيلًا" صِفَةٌ لِقَوْلُهُ تَعالى: "عَيْنًا"، و"تُسَمّى" بِمَعْنى: تُوصَفُ وتُشْهَرُ، وكَوْنُهُ مَصْرُوفًا مِمّا يُؤَكِّدُ كَوْنُهُ صِفَةً لا اسْمًا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "سَلْسَبِيلًا" أمْرٌ للنَّبِيِّ صَلّى اللهُ الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِأُمَّتِهِ بِسُؤالِ السَبِيلِ إلَيْها، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ (p-٤٩٦)بَراعَةَ القُرْآنِ وفَصاحَتَهُ لا تَجِيءُ هَكَذا، واللَفْظَةُ مَعْرُوفَةٌ في اللِسانِ، وأنَّ "السَلَسَ والسَلْسَبِيلَ" بِمَعْنًى واحِدٍ ومُتَقارِبٍ.
و"مُخَلَّدُونَ" قالَ جُمْهُورُ الناسِ: مَعْناهُ: باقُونَ، مِنَ الخُلُودِ، وجَعَلَهم وِلْدانًا لِأنَّهم في هَيْئَةِ الوِلْدانِ في السِنِّ، لا يَتَغَيَّرُونَ عن تِلْكَ الحالِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرِّطُونَ، والخَلَداتُ حُلِيٌّ تُعَلَّقُ في الآذانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُخَلَّداتٌ بِاللُجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وشُهْرَةُ هَذِهِ اللُغَةِ في حَمِيرٍ.
وشَبَّهَهم تَعالى بِاللُؤْلُؤِ المَنثُورِ في بَياضِهِمْ وانْتِشارِهِمْ في المَساكِنِ يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ، وفي جَمالِهِمْ، ومِنهُ سُمِّيَتِ المَرْأةُ دُرَّةً وجَوْهَرَةً، ثُمَّ كَرَّرَ تَعالى ذِكْرَ الرُؤْيَةِ مُبالَغَةً، و"ثَمَّ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "رَأيْتَ" أو مَعْناهُ، وقالَ الفَرّاءُ: التَقْدِيرُ: إذا رَأيْتَ ما ثَمَّ رَأيْتَ، وحُذِفَتْ "ما". وقَرَأ حُمَيْدُ الأعْرَجُ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، و"النَعِيمُ": ما هم فِيهِ مِن حُسْنِ عَيْشٍ. و"المَلِكُ الكَبِيرُ" قالَ سُفْيانُ: هو اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ وتَسْلِيمُهم عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمُهم لَهم في ذَلِكَ كالمُلُوكِ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: "المُلْكُ الكَبِيرُ" اتِّساعُ مَواضِعِهِمْ، رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ما مِن أهْلِ الجَنَّةِ مِن أحَدٍ إلّا يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ غُلامٍ، كُلُّهم مُخْتَلِفٌ شُغْلُهُ مَن شَغْلِ أصْحابِهِ، وأدْنى أهْلُ الجَنَّةِ مَنزِلَةً مَن يُنْظَرُ في مُلْكِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ عامٍ، يَرى أقْصاهُ كَما يَرى أدْناهُ.
الإنسان 76:16
(p-٤٩٣)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا﴾ ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرا﴾ ﴿قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا﴾ ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا﴾ ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾
اخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في إعْرابِ قَوْلِهِ تَعالى: "وَدانِيَةً"، فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو حالٌ عَطْفًا عَلى "مُتَّكِئِينَ"، وقالَ أيْضًا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْجَنَّةِ، فالمَعْنى: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "دانِيَةً"، وقَرَأ الأعْمَشُ "وَدانِيًا عَلَيْهِمْ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَدانِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَدانٍ"، فَهو مُفْرَدٌ مَرْفُوعٌ في الإعْرابِ، ودُنُوُّ الظِلالِ بِتَوَسُّطٍ أنْعَمَ لَها لِأنَّ الشَيْءَ المُظِلَّ إذا بَعُدَ فَتْرَ ظِلُّهُ لا سِيَّما مِنَ الشَجَرِ. و"التَذْلِيلُ" أنَّ تَطِيبَ الثَمَرَةُ فَتَتَدَلّى وتَنْعَكِسُ نَحْوَ الأرْضِ، والتَذْلِيلُ في الجَنَّةِ هو بِحَسَبِ إرادَةِ ساكِنِيها، قالَ قَتادَةُ، وسُفْيانُ ومُجاهِدٌ: إنْ كانَ الإنْسانُ قائِمًا تَناوَلَ الثَمَرَ دُونَ كُلْفَةٍ، وإنْ كانَ قاعِدًا فَكَذَلِكَ. وإنْ كانَ مُضْطَجِعًا فَكَذَلِكَ، فَهَذا تَذْلِيلُها، لا يَرُدُّ اليَدَ عنها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ ........... كَأُنْبُوبِ السَقْيِ المُذَلَّلِ
ومِنهُ قَوْلُ الأنْصارِيِّ: "والنَخْلُ قَدْ ذُلِّلَتْ فَهي مُطَوَّقَةٌ بِثَمَرِها"، و"القُطُوفُ" جَمْعُ قَطْفٍ وهو العُنْقُودُ مِنَ النَخْلِ والعِنَبِ ونَحْوِهِما.
و"الآنِيَةُ" جَمْعُ إناءٍ، و"الكُوبُ" ما لا عُرْوَةَ لَهُ ولا أُذُنَ مِنَ الأوانِي، وهي مَعْرُوفَةُ (p-٤٩٤)الشَكْلِ في تِلْكَ البِلادِ، وهو الَّذِي تَقُولُ لَهُ العامَّةُ "القَبُّ"، لَكِنَّها تُسَمِّي ذَلِكَ ما لَهُ عُرْوَةٌ، وذَلِكَ خَطَّأٌ أيْضًا، وقالَ قَتادَةُ: الكُوبُ القَدَحُ، و"القَوارِيرُ" الزُجاجُ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ، فَقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "قَوارِيرا، قَوارِيرا" بِالإجْراءِ فِيهِما عَلى ما قَدْ تَقَدَّمَ في "سَلاسِلًا"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "قَوارِيرًا، قَوارِيرًا" بِتَرْكِ الإجْراءِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالإجْراءِ في الأوَّلِ وتَرْكِهِ في الثانِي، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو إذا وقَفَ في الأوَّلِ بِألِفٍ دُونَ تَنْوِينٍ، وبِتَرْكِ الإجْراءِ في الثانِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فِضَّةٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّها مِن زُجاجٍ ومِن فِضَّةٍ، وذَلِكَ مُتَمَكِّنٌ لِكَوْنِهِ مِن زُجاجٍ في شُفُوفِهِ ومِن فِضَّةٍ في جَوْهَرِهِ، وكَذَلِكَ فِضَّةُ الجَنَّةِ شَفّافَةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: جَعَلَها مِن فِضَّةٍ لِصَفائِها ومُلازَمَتِها لِتِلْكَ الصِفَةِ، ولَيْسَتْ مِن فِضَّةٍ في حَقِيقِ أمْرِها، وإنَّما هَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ ألا أصْبَحَتْ أسْماءُ جاذِمَةَ الوَصْلِ ∗∗∗ وضَنَّتْ عَلَيْنا والضَنِينُ مِنَ البُخْلِ
وقَوْلُهُ تَعالى: "قَدَّرُوها" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْمَلائِكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلطّائِفِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُنْعِمِينَ، والتَقْدِيرُ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ الأكُفِّ، قالَهُ الرَبِيعُ، أو عَلى قَدْرِ الرَيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا كُلُّهُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "قَدَّرُوها" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ أبْزى، وعَلَيٌّ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ، وقَتادَةُ: "قُدِّرُوها" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدالِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَأنَّ اللَفْظَ "قًدِّرُوا عَلَيْها"، وفي المَعْنى قَلْبٌ لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ، فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]، ومِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: "إذا طَلَعَتِ الجَوْزاءُ ألْقى العَوْدَ عَلى الحِرْباءِ"، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ.
(p-٤٩٥)وَكَوْنُ الزَنْجَبِيلِ مِزاجًا هو عَلى ما ذَكَرْناهُ في العُرْفِ ولَذْعِ اللِسانِ، وذَلِكَ مِن لَذّاتِ المَشْرُوبِ، والزَنْجَبِيلِ طَيِّبٌ حارٌّ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ كَأنَّ جِنِّيًّا مِنَ الزَنْجَبِيـ ∗∗∗ ـلِ باتَ بِفِيها وأرْيًا حَشُورًا
وقالَ المُسَيِّبُ بْنُ عَلَسٍ:
؎ وكَأنَّ طَعْمَ الزَنْجَبِيلِ بِهِ ∗∗∗ إذْ ذُقْتَهُ وسُلافَةَ الخَمْرِ
وقالَ قَتادَةُ: الزَنْجَبِيلُ اسْمٌ لِعَيْنٍ يَشْرَبُ مِنها المُقَرَّبُونَ صَرْفًا، ويُمْزَجُ لِسائِرِ أهْلِ الجَنَّةِ، و"عَيْنًا" بَدَلٌ مِن "كَأْسًا"، أو مِن "زَنْجَبِيلًا" عَيْنٌ عَلى القَوْلِ الثانِي.
و"سَلْسَبِيلًا" قِيلَ: هو اسْمٌ بِمَعْنى السَلِسِ المُنْقادِ الجَرْيَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: حَدِيدُ الجَرْيَةِ، وقِيلَ: هي عِبارَةٌ عَنِ اتِّساعِها، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لَمْ أسْمَعْ هَذِهِ اللَفْظَةَ إلّا في القُرْآنِ، وقالَ آخَرُونَ: "سَلْسَبِيلًا" صِفَةٌ لِقَوْلُهُ تَعالى: "عَيْنًا"، و"تُسَمّى" بِمَعْنى: تُوصَفُ وتُشْهَرُ، وكَوْنُهُ مَصْرُوفًا مِمّا يُؤَكِّدُ كَوْنُهُ صِفَةً لا اسْمًا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "سَلْسَبِيلًا" أمْرٌ للنَّبِيِّ صَلّى اللهُ الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِأُمَّتِهِ بِسُؤالِ السَبِيلِ إلَيْها، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ (p-٤٩٦)بَراعَةَ القُرْآنِ وفَصاحَتَهُ لا تَجِيءُ هَكَذا، واللَفْظَةُ مَعْرُوفَةٌ في اللِسانِ، وأنَّ "السَلَسَ والسَلْسَبِيلَ" بِمَعْنًى واحِدٍ ومُتَقارِبٍ.
و"مُخَلَّدُونَ" قالَ جُمْهُورُ الناسِ: مَعْناهُ: باقُونَ، مِنَ الخُلُودِ، وجَعَلَهم وِلْدانًا لِأنَّهم في هَيْئَةِ الوِلْدانِ في السِنِّ، لا يَتَغَيَّرُونَ عن تِلْكَ الحالِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرِّطُونَ، والخَلَداتُ حُلِيٌّ تُعَلَّقُ في الآذانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُخَلَّداتٌ بِاللُجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وشُهْرَةُ هَذِهِ اللُغَةِ في حَمِيرٍ.
وشَبَّهَهم تَعالى بِاللُؤْلُؤِ المَنثُورِ في بَياضِهِمْ وانْتِشارِهِمْ في المَساكِنِ يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ، وفي جَمالِهِمْ، ومِنهُ سُمِّيَتِ المَرْأةُ دُرَّةً وجَوْهَرَةً، ثُمَّ كَرَّرَ تَعالى ذِكْرَ الرُؤْيَةِ مُبالَغَةً، و"ثَمَّ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "رَأيْتَ" أو مَعْناهُ، وقالَ الفَرّاءُ: التَقْدِيرُ: إذا رَأيْتَ ما ثَمَّ رَأيْتَ، وحُذِفَتْ "ما". وقَرَأ حُمَيْدُ الأعْرَجُ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، و"النَعِيمُ": ما هم فِيهِ مِن حُسْنِ عَيْشٍ. و"المَلِكُ الكَبِيرُ" قالَ سُفْيانُ: هو اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ وتَسْلِيمُهم عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمُهم لَهم في ذَلِكَ كالمُلُوكِ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: "المُلْكُ الكَبِيرُ" اتِّساعُ مَواضِعِهِمْ، رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ما مِن أهْلِ الجَنَّةِ مِن أحَدٍ إلّا يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ غُلامٍ، كُلُّهم مُخْتَلِفٌ شُغْلُهُ مَن شَغْلِ أصْحابِهِ، وأدْنى أهْلُ الجَنَّةِ مَنزِلَةً مَن يُنْظَرُ في مُلْكِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ عامٍ، يَرى أقْصاهُ كَما يَرى أدْناهُ.
الإنسان 76:17
(p-٤٩٣)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا﴾ ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرا﴾ ﴿قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا﴾ ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا﴾ ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾
اخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في إعْرابِ قَوْلِهِ تَعالى: "وَدانِيَةً"، فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو حالٌ عَطْفًا عَلى "مُتَّكِئِينَ"، وقالَ أيْضًا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْجَنَّةِ، فالمَعْنى: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "دانِيَةً"، وقَرَأ الأعْمَشُ "وَدانِيًا عَلَيْهِمْ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَدانِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَدانٍ"، فَهو مُفْرَدٌ مَرْفُوعٌ في الإعْرابِ، ودُنُوُّ الظِلالِ بِتَوَسُّطٍ أنْعَمَ لَها لِأنَّ الشَيْءَ المُظِلَّ إذا بَعُدَ فَتْرَ ظِلُّهُ لا سِيَّما مِنَ الشَجَرِ. و"التَذْلِيلُ" أنَّ تَطِيبَ الثَمَرَةُ فَتَتَدَلّى وتَنْعَكِسُ نَحْوَ الأرْضِ، والتَذْلِيلُ في الجَنَّةِ هو بِحَسَبِ إرادَةِ ساكِنِيها، قالَ قَتادَةُ، وسُفْيانُ ومُجاهِدٌ: إنْ كانَ الإنْسانُ قائِمًا تَناوَلَ الثَمَرَ دُونَ كُلْفَةٍ، وإنْ كانَ قاعِدًا فَكَذَلِكَ. وإنْ كانَ مُضْطَجِعًا فَكَذَلِكَ، فَهَذا تَذْلِيلُها، لا يَرُدُّ اليَدَ عنها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ ........... كَأُنْبُوبِ السَقْيِ المُذَلَّلِ
ومِنهُ قَوْلُ الأنْصارِيِّ: "والنَخْلُ قَدْ ذُلِّلَتْ فَهي مُطَوَّقَةٌ بِثَمَرِها"، و"القُطُوفُ" جَمْعُ قَطْفٍ وهو العُنْقُودُ مِنَ النَخْلِ والعِنَبِ ونَحْوِهِما.
و"الآنِيَةُ" جَمْعُ إناءٍ، و"الكُوبُ" ما لا عُرْوَةَ لَهُ ولا أُذُنَ مِنَ الأوانِي، وهي مَعْرُوفَةُ (p-٤٩٤)الشَكْلِ في تِلْكَ البِلادِ، وهو الَّذِي تَقُولُ لَهُ العامَّةُ "القَبُّ"، لَكِنَّها تُسَمِّي ذَلِكَ ما لَهُ عُرْوَةٌ، وذَلِكَ خَطَّأٌ أيْضًا، وقالَ قَتادَةُ: الكُوبُ القَدَحُ، و"القَوارِيرُ" الزُجاجُ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ، فَقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "قَوارِيرا، قَوارِيرا" بِالإجْراءِ فِيهِما عَلى ما قَدْ تَقَدَّمَ في "سَلاسِلًا"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "قَوارِيرًا، قَوارِيرًا" بِتَرْكِ الإجْراءِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالإجْراءِ في الأوَّلِ وتَرْكِهِ في الثانِي، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو إذا وقَفَ في الأوَّلِ بِألِفٍ دُونَ تَنْوِينٍ، وبِتَرْكِ الإجْراءِ في الثانِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فِضَّةٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّها مِن زُجاجٍ ومِن فِضَّةٍ، وذَلِكَ مُتَمَكِّنٌ لِكَوْنِهِ مِن زُجاجٍ في شُفُوفِهِ ومِن فِضَّةٍ في جَوْهَرِهِ، وكَذَلِكَ فِضَّةُ الجَنَّةِ شَفّافَةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: جَعَلَها مِن فِضَّةٍ لِصَفائِها ومُلازَمَتِها لِتِلْكَ الصِفَةِ، ولَيْسَتْ مِن فِضَّةٍ في حَقِيقِ أمْرِها، وإنَّما هَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ ألا أصْبَحَتْ أسْماءُ جاذِمَةَ الوَصْلِ ∗∗∗ وضَنَّتْ عَلَيْنا والضَنِينُ مِنَ البُخْلِ
وقَوْلُهُ تَعالى: "قَدَّرُوها" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْمَلائِكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلطّائِفِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُنْعِمِينَ، والتَقْدِيرُ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ الأكُفِّ، قالَهُ الرَبِيعُ، أو عَلى قَدْرِ الرَيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا كُلُّهُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "قَدَّرُوها" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ أبْزى، وعَلَيٌّ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ، وقَتادَةُ: "قُدِّرُوها" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدالِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَأنَّ اللَفْظَ "قًدِّرُوا عَلَيْها"، وفي المَعْنى قَلْبٌ لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ، فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]، ومِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: "إذا طَلَعَتِ الجَوْزاءُ ألْقى العَوْدَ عَلى الحِرْباءِ"، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ.
(p-٤٩٥)وَكَوْنُ الزَنْجَبِيلِ مِزاجًا هو عَلى ما ذَكَرْناهُ في العُرْفِ ولَذْعِ اللِسانِ، وذَلِكَ مِن لَذّاتِ المَشْرُوبِ، والزَنْجَبِيلِ طَيِّبٌ حارٌّ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ كَأنَّ جِنِّيًّا مِنَ الزَنْجَبِيـ ∗∗∗ ـلِ باتَ بِفِيها وأرْيًا حَشُورًا
وقالَ المُسَيِّبُ بْنُ عَلَسٍ:
؎ وكَأنَّ طَعْمَ الزَنْجَبِيلِ بِهِ ∗∗∗ إذْ ذُقْتَهُ وسُلافَةَ الخَمْرِ
وقالَ قَتادَةُ: الزَنْجَبِيلُ اسْمٌ لِعَيْنٍ يَشْرَبُ مِنها المُقَرَّبُونَ صَرْفًا، ويُمْزَجُ لِسائِرِ أهْلِ الجَنَّةِ، و"عَيْنًا" بَدَلٌ مِن "كَأْسًا"، أو مِن "زَنْجَبِيلًا" عَيْنٌ عَلى القَوْلِ الثانِي.
و"سَلْسَبِيلًا" قِيلَ: هو اسْمٌ بِمَعْنى السَلِسِ المُنْقادِ الجَرْيَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: حَدِيدُ الجَرْيَةِ، وقِيلَ: هي عِبارَةٌ عَنِ اتِّساعِها، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لَمْ أسْمَعْ هَذِهِ اللَفْظَةَ إلّا في القُرْآنِ، وقالَ آخَرُونَ: "سَلْسَبِيلًا" صِفَةٌ لِقَوْلُهُ تَعالى: "عَيْنًا"، و"تُسَمّى" بِمَعْنى: تُوصَفُ وتُشْهَرُ، وكَوْنُهُ مَصْرُوفًا مِمّا يُؤَكِّدُ كَوْنُهُ صِفَةً لا اسْمًا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "سَلْسَبِيلًا" أمْرٌ للنَّبِيِّ صَلّى اللهُ الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِأُمَّتِهِ بِسُؤالِ السَبِيلِ إلَيْها، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ (p-٤٩٦)بَراعَةَ القُرْآنِ وفَصاحَتَهُ لا تَجِيءُ هَكَذا، واللَفْظَةُ مَعْرُوفَةٌ في اللِسانِ، وأنَّ "السَلَسَ والسَلْسَبِيلَ" بِمَعْنًى واحِدٍ ومُتَقارِبٍ.
و"مُخَلَّدُونَ" قالَ جُمْهُورُ الناسِ: مَعْناهُ: باقُونَ، مِنَ الخُلُودِ، وجَعَلَهم وِلْدانًا لِأنَّهم في هَيْئَةِ الوِلْدانِ في السِنِّ، لا يَتَغَيَّرُونَ عن تِلْكَ الحالِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرِّطُونَ، والخَلَداتُ حُلِيٌّ تُعَلَّقُ في الآذانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُخَلَّداتٌ بِاللُجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وشُهْرَةُ هَذِهِ اللُغَةِ في حَمِيرٍ.
وشَبَّهَهم تَعالى بِاللُؤْلُؤِ المَنثُورِ في بَياضِهِمْ وانْتِشارِهِمْ في المَساكِنِ يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ، وفي جَمالِهِمْ، ومِنهُ سُمِّيَتِ المَرْأةُ دُرَّةً وجَوْهَرَةً، ثُمَّ كَرَّرَ تَعالى ذِكْرَ الرُؤْيَةِ مُبالَغَةً، و"ثَمَّ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "رَأيْتَ" أو مَعْناهُ، وقالَ الفَرّاءُ: التَقْدِيرُ: إذا رَأيْتَ ما ثَمَّ رَأيْتَ، وحُذِفَتْ "ما". وقَرَأ حُمَيْدُ الأعْرَجُ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، و"النَعِيمُ": ما هم فِيهِ مِن حُسْنِ عَيْشٍ. و"المَلِكُ الكَبِيرُ" قالَ سُفْيانُ: هو اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ وتَسْلِيمُهم عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمُهم لَهم في ذَلِكَ كالمُلُوكِ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: "المُلْكُ الكَبِيرُ" اتِّساعُ مَواضِعِهِمْ، رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ما مِن أهْلِ الجَنَّةِ مِن أحَدٍ إلّا يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ غُلامٍ، كُلُّهم مُخْتَلِفٌ شُغْلُهُ مَن شَغْلِ أصْحابِهِ، وأدْنى أهْلُ الجَنَّةِ مَنزِلَةً مَن يُنْظَرُ في مُلْكِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ عامٍ، يَرى أقْصاهُ كَما يَرى أدْناهُ.
الإنسان 76:18
(p-٤٩٣)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا﴾ ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرا﴾ ﴿قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا﴾ ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا﴾ ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾
اخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في إعْرابِ قَوْلِهِ تَعالى: "وَدانِيَةً"، فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو حالٌ عَطْفًا عَلى "مُتَّكِئِينَ"، وقالَ أيْضًا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْجَنَّةِ، فالمَعْنى: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "دانِيَةً"، وقَرَأ الأعْمَشُ "وَدانِيًا عَلَيْهِمْ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَدانِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَدانٍ"، فَهو مُفْرَدٌ مَرْفُوعٌ في الإعْرابِ، ودُنُوُّ الظِلالِ بِتَوَسُّطٍ أنْعَمَ لَها لِأنَّ الشَيْءَ المُظِلَّ إذا بَعُدَ فَتْرَ ظِلُّهُ لا سِيَّما مِنَ الشَجَرِ. و"التَذْلِيلُ" أنَّ تَطِيبَ الثَمَرَةُ فَتَتَدَلّى وتَنْعَكِسُ نَحْوَ الأرْضِ، والتَذْلِيلُ في الجَنَّةِ هو بِحَسَبِ إرادَةِ ساكِنِيها، قالَ قَتادَةُ، وسُفْيانُ ومُجاهِدٌ: إنْ كانَ الإنْسانُ قائِمًا تَناوَلَ الثَمَرَ دُونَ كُلْفَةٍ، وإنْ كانَ قاعِدًا فَكَذَلِكَ. وإنْ كانَ مُضْطَجِعًا فَكَذَلِكَ، فَهَذا تَذْلِيلُها، لا يَرُدُّ اليَدَ عنها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ ........... كَأُنْبُوبِ السَقْيِ المُذَلَّلِ
ومِنهُ قَوْلُ الأنْصارِيِّ: "والنَخْلُ قَدْ ذُلِّلَتْ فَهي مُطَوَّقَةٌ بِثَمَرِها"، و"القُطُوفُ" جَمْعُ قَطْفٍ وهو العُنْقُودُ مِنَ النَخْلِ والعِنَبِ ونَحْوِهِما.
و"الآنِيَةُ" جَمْعُ إناءٍ، و"الكُوبُ" ما لا عُرْوَةَ لَهُ ولا أُذُنَ مِنَ الأوانِي، وهي مَعْرُوفَةُ (p-٤٩٤)الشَكْلِ في تِلْكَ البِلادِ، وهو الَّذِي تَقُولُ لَهُ العامَّةُ "القَبُّ"، لَكِنَّها تُسَمِّي ذَلِكَ ما لَهُ عُرْوَةٌ، وذَلِكَ خَطَّأٌ أيْضًا، وقالَ قَتادَةُ: الكُوبُ القَدَحُ، و"القَوارِيرُ" الزُجاجُ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ، فَقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "قَوارِيرا، قَوارِيرا" بِالإجْراءِ فِيهِما عَلى ما قَدْ تَقَدَّمَ في "سَلاسِلًا"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "قَوارِيرًا، قَوارِيرًا" بِتَرْكِ الإجْراءِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالإجْراءِ في الأوَّلِ وتَرْكِهِ في الثانِي، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو إذا وقَفَ في الأوَّلِ بِألِفٍ دُونَ تَنْوِينٍ، وبِتَرْكِ الإجْراءِ في الثانِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فِضَّةٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّها مِن زُجاجٍ ومِن فِضَّةٍ، وذَلِكَ مُتَمَكِّنٌ لِكَوْنِهِ مِن زُجاجٍ في شُفُوفِهِ ومِن فِضَّةٍ في جَوْهَرِهِ، وكَذَلِكَ فِضَّةُ الجَنَّةِ شَفّافَةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: جَعَلَها مِن فِضَّةٍ لِصَفائِها ومُلازَمَتِها لِتِلْكَ الصِفَةِ، ولَيْسَتْ مِن فِضَّةٍ في حَقِيقِ أمْرِها، وإنَّما هَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ ألا أصْبَحَتْ أسْماءُ جاذِمَةَ الوَصْلِ ∗∗∗ وضَنَّتْ عَلَيْنا والضَنِينُ مِنَ البُخْلِ
وقَوْلُهُ تَعالى: "قَدَّرُوها" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْمَلائِكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلطّائِفِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُنْعِمِينَ، والتَقْدِيرُ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ الأكُفِّ، قالَهُ الرَبِيعُ، أو عَلى قَدْرِ الرَيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا كُلُّهُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "قَدَّرُوها" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ أبْزى، وعَلَيٌّ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ، وقَتادَةُ: "قُدِّرُوها" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدالِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَأنَّ اللَفْظَ "قًدِّرُوا عَلَيْها"، وفي المَعْنى قَلْبٌ لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ، فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]، ومِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: "إذا طَلَعَتِ الجَوْزاءُ ألْقى العَوْدَ عَلى الحِرْباءِ"، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ.
(p-٤٩٥)وَكَوْنُ الزَنْجَبِيلِ مِزاجًا هو عَلى ما ذَكَرْناهُ في العُرْفِ ولَذْعِ اللِسانِ، وذَلِكَ مِن لَذّاتِ المَشْرُوبِ، والزَنْجَبِيلِ طَيِّبٌ حارٌّ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ كَأنَّ جِنِّيًّا مِنَ الزَنْجَبِيـ ∗∗∗ ـلِ باتَ بِفِيها وأرْيًا حَشُورًا
وقالَ المُسَيِّبُ بْنُ عَلَسٍ:
؎ وكَأنَّ طَعْمَ الزَنْجَبِيلِ بِهِ ∗∗∗ إذْ ذُقْتَهُ وسُلافَةَ الخَمْرِ
وقالَ قَتادَةُ: الزَنْجَبِيلُ اسْمٌ لِعَيْنٍ يَشْرَبُ مِنها المُقَرَّبُونَ صَرْفًا، ويُمْزَجُ لِسائِرِ أهْلِ الجَنَّةِ، و"عَيْنًا" بَدَلٌ مِن "كَأْسًا"، أو مِن "زَنْجَبِيلًا" عَيْنٌ عَلى القَوْلِ الثانِي.
و"سَلْسَبِيلًا" قِيلَ: هو اسْمٌ بِمَعْنى السَلِسِ المُنْقادِ الجَرْيَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: حَدِيدُ الجَرْيَةِ، وقِيلَ: هي عِبارَةٌ عَنِ اتِّساعِها، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لَمْ أسْمَعْ هَذِهِ اللَفْظَةَ إلّا في القُرْآنِ، وقالَ آخَرُونَ: "سَلْسَبِيلًا" صِفَةٌ لِقَوْلُهُ تَعالى: "عَيْنًا"، و"تُسَمّى" بِمَعْنى: تُوصَفُ وتُشْهَرُ، وكَوْنُهُ مَصْرُوفًا مِمّا يُؤَكِّدُ كَوْنُهُ صِفَةً لا اسْمًا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "سَلْسَبِيلًا" أمْرٌ للنَّبِيِّ صَلّى اللهُ الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِأُمَّتِهِ بِسُؤالِ السَبِيلِ إلَيْها، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ (p-٤٩٦)بَراعَةَ القُرْآنِ وفَصاحَتَهُ لا تَجِيءُ هَكَذا، واللَفْظَةُ مَعْرُوفَةٌ في اللِسانِ، وأنَّ "السَلَسَ والسَلْسَبِيلَ" بِمَعْنًى واحِدٍ ومُتَقارِبٍ.
و"مُخَلَّدُونَ" قالَ جُمْهُورُ الناسِ: مَعْناهُ: باقُونَ، مِنَ الخُلُودِ، وجَعَلَهم وِلْدانًا لِأنَّهم في هَيْئَةِ الوِلْدانِ في السِنِّ، لا يَتَغَيَّرُونَ عن تِلْكَ الحالِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرِّطُونَ، والخَلَداتُ حُلِيٌّ تُعَلَّقُ في الآذانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُخَلَّداتٌ بِاللُجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وشُهْرَةُ هَذِهِ اللُغَةِ في حَمِيرٍ.
وشَبَّهَهم تَعالى بِاللُؤْلُؤِ المَنثُورِ في بَياضِهِمْ وانْتِشارِهِمْ في المَساكِنِ يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ، وفي جَمالِهِمْ، ومِنهُ سُمِّيَتِ المَرْأةُ دُرَّةً وجَوْهَرَةً، ثُمَّ كَرَّرَ تَعالى ذِكْرَ الرُؤْيَةِ مُبالَغَةً، و"ثَمَّ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "رَأيْتَ" أو مَعْناهُ، وقالَ الفَرّاءُ: التَقْدِيرُ: إذا رَأيْتَ ما ثَمَّ رَأيْتَ، وحُذِفَتْ "ما". وقَرَأ حُمَيْدُ الأعْرَجُ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، و"النَعِيمُ": ما هم فِيهِ مِن حُسْنِ عَيْشٍ. و"المَلِكُ الكَبِيرُ" قالَ سُفْيانُ: هو اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ وتَسْلِيمُهم عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمُهم لَهم في ذَلِكَ كالمُلُوكِ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: "المُلْكُ الكَبِيرُ" اتِّساعُ مَواضِعِهِمْ، رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ما مِن أهْلِ الجَنَّةِ مِن أحَدٍ إلّا يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ غُلامٍ، كُلُّهم مُخْتَلِفٌ شُغْلُهُ مَن شَغْلِ أصْحابِهِ، وأدْنى أهْلُ الجَنَّةِ مَنزِلَةً مَن يُنْظَرُ في مُلْكِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ عامٍ، يَرى أقْصاهُ كَما يَرى أدْناهُ.
الإنسان 76:19
(p-٤٩٣)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا﴾ ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرا﴾ ﴿قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا﴾ ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا﴾ ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾
اخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في إعْرابِ قَوْلِهِ تَعالى: "وَدانِيَةً"، فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو حالٌ عَطْفًا عَلى "مُتَّكِئِينَ"، وقالَ أيْضًا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْجَنَّةِ، فالمَعْنى: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "دانِيَةً"، وقَرَأ الأعْمَشُ "وَدانِيًا عَلَيْهِمْ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَدانِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَدانٍ"، فَهو مُفْرَدٌ مَرْفُوعٌ في الإعْرابِ، ودُنُوُّ الظِلالِ بِتَوَسُّطٍ أنْعَمَ لَها لِأنَّ الشَيْءَ المُظِلَّ إذا بَعُدَ فَتْرَ ظِلُّهُ لا سِيَّما مِنَ الشَجَرِ. و"التَذْلِيلُ" أنَّ تَطِيبَ الثَمَرَةُ فَتَتَدَلّى وتَنْعَكِسُ نَحْوَ الأرْضِ، والتَذْلِيلُ في الجَنَّةِ هو بِحَسَبِ إرادَةِ ساكِنِيها، قالَ قَتادَةُ، وسُفْيانُ ومُجاهِدٌ: إنْ كانَ الإنْسانُ قائِمًا تَناوَلَ الثَمَرَ دُونَ كُلْفَةٍ، وإنْ كانَ قاعِدًا فَكَذَلِكَ. وإنْ كانَ مُضْطَجِعًا فَكَذَلِكَ، فَهَذا تَذْلِيلُها، لا يَرُدُّ اليَدَ عنها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ ........... كَأُنْبُوبِ السَقْيِ المُذَلَّلِ
ومِنهُ قَوْلُ الأنْصارِيِّ: "والنَخْلُ قَدْ ذُلِّلَتْ فَهي مُطَوَّقَةٌ بِثَمَرِها"، و"القُطُوفُ" جَمْعُ قَطْفٍ وهو العُنْقُودُ مِنَ النَخْلِ والعِنَبِ ونَحْوِهِما.
و"الآنِيَةُ" جَمْعُ إناءٍ، و"الكُوبُ" ما لا عُرْوَةَ لَهُ ولا أُذُنَ مِنَ الأوانِي، وهي مَعْرُوفَةُ (p-٤٩٤)الشَكْلِ في تِلْكَ البِلادِ، وهو الَّذِي تَقُولُ لَهُ العامَّةُ "القَبُّ"، لَكِنَّها تُسَمِّي ذَلِكَ ما لَهُ عُرْوَةٌ، وذَلِكَ خَطَّأٌ أيْضًا، وقالَ قَتادَةُ: الكُوبُ القَدَحُ، و"القَوارِيرُ" الزُجاجُ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ، فَقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "قَوارِيرا، قَوارِيرا" بِالإجْراءِ فِيهِما عَلى ما قَدْ تَقَدَّمَ في "سَلاسِلًا"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "قَوارِيرًا، قَوارِيرًا" بِتَرْكِ الإجْراءِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالإجْراءِ في الأوَّلِ وتَرْكِهِ في الثانِي، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو إذا وقَفَ في الأوَّلِ بِألِفٍ دُونَ تَنْوِينٍ، وبِتَرْكِ الإجْراءِ في الثانِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فِضَّةٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّها مِن زُجاجٍ ومِن فِضَّةٍ، وذَلِكَ مُتَمَكِّنٌ لِكَوْنِهِ مِن زُجاجٍ في شُفُوفِهِ ومِن فِضَّةٍ في جَوْهَرِهِ، وكَذَلِكَ فِضَّةُ الجَنَّةِ شَفّافَةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: جَعَلَها مِن فِضَّةٍ لِصَفائِها ومُلازَمَتِها لِتِلْكَ الصِفَةِ، ولَيْسَتْ مِن فِضَّةٍ في حَقِيقِ أمْرِها، وإنَّما هَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ ألا أصْبَحَتْ أسْماءُ جاذِمَةَ الوَصْلِ ∗∗∗ وضَنَّتْ عَلَيْنا والضَنِينُ مِنَ البُخْلِ
وقَوْلُهُ تَعالى: "قَدَّرُوها" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْمَلائِكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلطّائِفِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُنْعِمِينَ، والتَقْدِيرُ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ الأكُفِّ، قالَهُ الرَبِيعُ، أو عَلى قَدْرِ الرَيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا كُلُّهُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "قَدَّرُوها" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ أبْزى، وعَلَيٌّ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ، وقَتادَةُ: "قُدِّرُوها" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدالِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَأنَّ اللَفْظَ "قًدِّرُوا عَلَيْها"، وفي المَعْنى قَلْبٌ لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ، فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]، ومِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: "إذا طَلَعَتِ الجَوْزاءُ ألْقى العَوْدَ عَلى الحِرْباءِ"، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ.
(p-٤٩٥)وَكَوْنُ الزَنْجَبِيلِ مِزاجًا هو عَلى ما ذَكَرْناهُ في العُرْفِ ولَذْعِ اللِسانِ، وذَلِكَ مِن لَذّاتِ المَشْرُوبِ، والزَنْجَبِيلِ طَيِّبٌ حارٌّ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ كَأنَّ جِنِّيًّا مِنَ الزَنْجَبِيـ ∗∗∗ ـلِ باتَ بِفِيها وأرْيًا حَشُورًا
وقالَ المُسَيِّبُ بْنُ عَلَسٍ:
؎ وكَأنَّ طَعْمَ الزَنْجَبِيلِ بِهِ ∗∗∗ إذْ ذُقْتَهُ وسُلافَةَ الخَمْرِ
وقالَ قَتادَةُ: الزَنْجَبِيلُ اسْمٌ لِعَيْنٍ يَشْرَبُ مِنها المُقَرَّبُونَ صَرْفًا، ويُمْزَجُ لِسائِرِ أهْلِ الجَنَّةِ، و"عَيْنًا" بَدَلٌ مِن "كَأْسًا"، أو مِن "زَنْجَبِيلًا" عَيْنٌ عَلى القَوْلِ الثانِي.
و"سَلْسَبِيلًا" قِيلَ: هو اسْمٌ بِمَعْنى السَلِسِ المُنْقادِ الجَرْيَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: حَدِيدُ الجَرْيَةِ، وقِيلَ: هي عِبارَةٌ عَنِ اتِّساعِها، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لَمْ أسْمَعْ هَذِهِ اللَفْظَةَ إلّا في القُرْآنِ، وقالَ آخَرُونَ: "سَلْسَبِيلًا" صِفَةٌ لِقَوْلُهُ تَعالى: "عَيْنًا"، و"تُسَمّى" بِمَعْنى: تُوصَفُ وتُشْهَرُ، وكَوْنُهُ مَصْرُوفًا مِمّا يُؤَكِّدُ كَوْنُهُ صِفَةً لا اسْمًا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "سَلْسَبِيلًا" أمْرٌ للنَّبِيِّ صَلّى اللهُ الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِأُمَّتِهِ بِسُؤالِ السَبِيلِ إلَيْها، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ (p-٤٩٦)بَراعَةَ القُرْآنِ وفَصاحَتَهُ لا تَجِيءُ هَكَذا، واللَفْظَةُ مَعْرُوفَةٌ في اللِسانِ، وأنَّ "السَلَسَ والسَلْسَبِيلَ" بِمَعْنًى واحِدٍ ومُتَقارِبٍ.
و"مُخَلَّدُونَ" قالَ جُمْهُورُ الناسِ: مَعْناهُ: باقُونَ، مِنَ الخُلُودِ، وجَعَلَهم وِلْدانًا لِأنَّهم في هَيْئَةِ الوِلْدانِ في السِنِّ، لا يَتَغَيَّرُونَ عن تِلْكَ الحالِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرِّطُونَ، والخَلَداتُ حُلِيٌّ تُعَلَّقُ في الآذانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُخَلَّداتٌ بِاللُجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وشُهْرَةُ هَذِهِ اللُغَةِ في حَمِيرٍ.
وشَبَّهَهم تَعالى بِاللُؤْلُؤِ المَنثُورِ في بَياضِهِمْ وانْتِشارِهِمْ في المَساكِنِ يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ، وفي جَمالِهِمْ، ومِنهُ سُمِّيَتِ المَرْأةُ دُرَّةً وجَوْهَرَةً، ثُمَّ كَرَّرَ تَعالى ذِكْرَ الرُؤْيَةِ مُبالَغَةً، و"ثَمَّ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "رَأيْتَ" أو مَعْناهُ، وقالَ الفَرّاءُ: التَقْدِيرُ: إذا رَأيْتَ ما ثَمَّ رَأيْتَ، وحُذِفَتْ "ما". وقَرَأ حُمَيْدُ الأعْرَجُ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، و"النَعِيمُ": ما هم فِيهِ مِن حُسْنِ عَيْشٍ. و"المَلِكُ الكَبِيرُ" قالَ سُفْيانُ: هو اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ وتَسْلِيمُهم عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمُهم لَهم في ذَلِكَ كالمُلُوكِ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: "المُلْكُ الكَبِيرُ" اتِّساعُ مَواضِعِهِمْ، رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ما مِن أهْلِ الجَنَّةِ مِن أحَدٍ إلّا يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ غُلامٍ، كُلُّهم مُخْتَلِفٌ شُغْلُهُ مَن شَغْلِ أصْحابِهِ، وأدْنى أهْلُ الجَنَّةِ مَنزِلَةً مَن يُنْظَرُ في مُلْكِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ عامٍ، يَرى أقْصاهُ كَما يَرى أدْناهُ.
الإنسان 76:20
(p-٤٩٣)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا﴾ ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرا﴾ ﴿قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا﴾ ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا﴾ ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾
اخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في إعْرابِ قَوْلِهِ تَعالى: "وَدانِيَةً"، فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو حالٌ عَطْفًا عَلى "مُتَّكِئِينَ"، وقالَ أيْضًا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْجَنَّةِ، فالمَعْنى: وجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "دانِيَةً"، وقَرَأ الأعْمَشُ "وَدانِيًا عَلَيْهِمْ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَدانِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَدانٍ"، فَهو مُفْرَدٌ مَرْفُوعٌ في الإعْرابِ، ودُنُوُّ الظِلالِ بِتَوَسُّطٍ أنْعَمَ لَها لِأنَّ الشَيْءَ المُظِلَّ إذا بَعُدَ فَتْرَ ظِلُّهُ لا سِيَّما مِنَ الشَجَرِ. و"التَذْلِيلُ" أنَّ تَطِيبَ الثَمَرَةُ فَتَتَدَلّى وتَنْعَكِسُ نَحْوَ الأرْضِ، والتَذْلِيلُ في الجَنَّةِ هو بِحَسَبِ إرادَةِ ساكِنِيها، قالَ قَتادَةُ، وسُفْيانُ ومُجاهِدٌ: إنْ كانَ الإنْسانُ قائِمًا تَناوَلَ الثَمَرَ دُونَ كُلْفَةٍ، وإنْ كانَ قاعِدًا فَكَذَلِكَ. وإنْ كانَ مُضْطَجِعًا فَكَذَلِكَ، فَهَذا تَذْلِيلُها، لا يَرُدُّ اليَدَ عنها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ ........... كَأُنْبُوبِ السَقْيِ المُذَلَّلِ
ومِنهُ قَوْلُ الأنْصارِيِّ: "والنَخْلُ قَدْ ذُلِّلَتْ فَهي مُطَوَّقَةٌ بِثَمَرِها"، و"القُطُوفُ" جَمْعُ قَطْفٍ وهو العُنْقُودُ مِنَ النَخْلِ والعِنَبِ ونَحْوِهِما.
و"الآنِيَةُ" جَمْعُ إناءٍ، و"الكُوبُ" ما لا عُرْوَةَ لَهُ ولا أُذُنَ مِنَ الأوانِي، وهي مَعْرُوفَةُ (p-٤٩٤)الشَكْلِ في تِلْكَ البِلادِ، وهو الَّذِي تَقُولُ لَهُ العامَّةُ "القَبُّ"، لَكِنَّها تُسَمِّي ذَلِكَ ما لَهُ عُرْوَةٌ، وذَلِكَ خَطَّأٌ أيْضًا، وقالَ قَتادَةُ: الكُوبُ القَدَحُ، و"القَوارِيرُ" الزُجاجُ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ، فَقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "قَوارِيرا، قَوارِيرا" بِالإجْراءِ فِيهِما عَلى ما قَدْ تَقَدَّمَ في "سَلاسِلًا"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "قَوارِيرًا، قَوارِيرًا" بِتَرْكِ الإجْراءِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالإجْراءِ في الأوَّلِ وتَرْكِهِ في الثانِي، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو إذا وقَفَ في الأوَّلِ بِألِفٍ دُونَ تَنْوِينٍ، وبِتَرْكِ الإجْراءِ في الثانِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فِضَّةٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّها مِن زُجاجٍ ومِن فِضَّةٍ، وذَلِكَ مُتَمَكِّنٌ لِكَوْنِهِ مِن زُجاجٍ في شُفُوفِهِ ومِن فِضَّةٍ في جَوْهَرِهِ، وكَذَلِكَ فِضَّةُ الجَنَّةِ شَفّافَةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: جَعَلَها مِن فِضَّةٍ لِصَفائِها ومُلازَمَتِها لِتِلْكَ الصِفَةِ، ولَيْسَتْ مِن فِضَّةٍ في حَقِيقِ أمْرِها، وإنَّما هَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ ألا أصْبَحَتْ أسْماءُ جاذِمَةَ الوَصْلِ ∗∗∗ وضَنَّتْ عَلَيْنا والضَنِينُ مِنَ البُخْلِ
وقَوْلُهُ تَعالى: "قَدَّرُوها" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْمَلائِكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلطّائِفِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُنْعِمِينَ، والتَقْدِيرُ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ الأكُفِّ، قالَهُ الرَبِيعُ، أو عَلى قَدْرِ الرَيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا كُلُّهُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "قَدَّرُوها" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ أبْزى، وعَلَيٌّ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ، وقَتادَةُ: "قُدِّرُوها" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الدالِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَأنَّ اللَفْظَ "قًدِّرُوا عَلَيْها"، وفي المَعْنى قَلْبٌ لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ، فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]، ومِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: "إذا طَلَعَتِ الجَوْزاءُ ألْقى العَوْدَ عَلى الحِرْباءِ"، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ.
(p-٤٩٥)وَكَوْنُ الزَنْجَبِيلِ مِزاجًا هو عَلى ما ذَكَرْناهُ في العُرْفِ ولَذْعِ اللِسانِ، وذَلِكَ مِن لَذّاتِ المَشْرُوبِ، والزَنْجَبِيلِ طَيِّبٌ حارٌّ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ كَأنَّ جِنِّيًّا مِنَ الزَنْجَبِيـ ∗∗∗ ـلِ باتَ بِفِيها وأرْيًا حَشُورًا
وقالَ المُسَيِّبُ بْنُ عَلَسٍ:
؎ وكَأنَّ طَعْمَ الزَنْجَبِيلِ بِهِ ∗∗∗ إذْ ذُقْتَهُ وسُلافَةَ الخَمْرِ
وقالَ قَتادَةُ: الزَنْجَبِيلُ اسْمٌ لِعَيْنٍ يَشْرَبُ مِنها المُقَرَّبُونَ صَرْفًا، ويُمْزَجُ لِسائِرِ أهْلِ الجَنَّةِ، و"عَيْنًا" بَدَلٌ مِن "كَأْسًا"، أو مِن "زَنْجَبِيلًا" عَيْنٌ عَلى القَوْلِ الثانِي.
و"سَلْسَبِيلًا" قِيلَ: هو اسْمٌ بِمَعْنى السَلِسِ المُنْقادِ الجَرْيَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: حَدِيدُ الجَرْيَةِ، وقِيلَ: هي عِبارَةٌ عَنِ اتِّساعِها، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لَمْ أسْمَعْ هَذِهِ اللَفْظَةَ إلّا في القُرْآنِ، وقالَ آخَرُونَ: "سَلْسَبِيلًا" صِفَةٌ لِقَوْلُهُ تَعالى: "عَيْنًا"، و"تُسَمّى" بِمَعْنى: تُوصَفُ وتُشْهَرُ، وكَوْنُهُ مَصْرُوفًا مِمّا يُؤَكِّدُ كَوْنُهُ صِفَةً لا اسْمًا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "سَلْسَبِيلًا" أمْرٌ للنَّبِيِّ صَلّى اللهُ الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِأُمَّتِهِ بِسُؤالِ السَبِيلِ إلَيْها، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ (p-٤٩٦)بَراعَةَ القُرْآنِ وفَصاحَتَهُ لا تَجِيءُ هَكَذا، واللَفْظَةُ مَعْرُوفَةٌ في اللِسانِ، وأنَّ "السَلَسَ والسَلْسَبِيلَ" بِمَعْنًى واحِدٍ ومُتَقارِبٍ.
و"مُخَلَّدُونَ" قالَ جُمْهُورُ الناسِ: مَعْناهُ: باقُونَ، مِنَ الخُلُودِ، وجَعَلَهم وِلْدانًا لِأنَّهم في هَيْئَةِ الوِلْدانِ في السِنِّ، لا يَتَغَيَّرُونَ عن تِلْكَ الحالِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرِّطُونَ، والخَلَداتُ حُلِيٌّ تُعَلَّقُ في الآذانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ومُخَلَّداتٌ بِاللُجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وشُهْرَةُ هَذِهِ اللُغَةِ في حَمِيرٍ.
وشَبَّهَهم تَعالى بِاللُؤْلُؤِ المَنثُورِ في بَياضِهِمْ وانْتِشارِهِمْ في المَساكِنِ يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ، وفي جَمالِهِمْ، ومِنهُ سُمِّيَتِ المَرْأةُ دُرَّةً وجَوْهَرَةً، ثُمَّ كَرَّرَ تَعالى ذِكْرَ الرُؤْيَةِ مُبالَغَةً، و"ثَمَّ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "رَأيْتَ" أو مَعْناهُ، وقالَ الفَرّاءُ: التَقْدِيرُ: إذا رَأيْتَ ما ثَمَّ رَأيْتَ، وحُذِفَتْ "ما". وقَرَأ حُمَيْدُ الأعْرَجُ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، و"النَعِيمُ": ما هم فِيهِ مِن حُسْنِ عَيْشٍ. و"المَلِكُ الكَبِيرُ" قالَ سُفْيانُ: هو اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ وتَسْلِيمُهم عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمُهم لَهم في ذَلِكَ كالمُلُوكِ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: "المُلْكُ الكَبِيرُ" اتِّساعُ مَواضِعِهِمْ، رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ما مِن أهْلِ الجَنَّةِ مِن أحَدٍ إلّا يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ غُلامٍ، كُلُّهم مُخْتَلِفٌ شُغْلُهُ مَن شَغْلِ أصْحابِهِ، وأدْنى أهْلُ الجَنَّةِ مَنزِلَةً مَن يُنْظَرُ في مُلْكِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ عامٍ، يَرى أقْصاهُ كَما يَرى أدْناهُ.
الإنسان 76:21
قوله عزّ وجلّ:
﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا﴾ ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أو كَفُورًا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ ﴿وَمِنَ اللَيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾
قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبانُ عن عاصِمٍ: "عالِيَهُمْ" عَلى الرَفْعِ لِلِابْتِداءِ، وهي قِراءَةُ (p-٤٩٧)الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عنهُ-، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ: "عالِيَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ "لَقّاهُمْ" أو "جَزاهُمْ"، وهي قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وأهْلِ مَكَّةَ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: "عالِيَتُهُمْ"، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ، وقَرَأ أيْضًا الأعْمَشُ: "عالِيَتَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، وقَدْ يَجُوزُ في النَصْبِ في القِراءَتَيْنِ أنْ تَكُونَ عَلى الظَرْفِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى: فَوْقَهُمْ، وقَرَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "عَلَتْهُمْ" بِتاءِ فِعْلٍ ماضٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو حَيْوَةَ: "عَلَيْهِمْ" بِالياءِ.
و"السُنْدُسُ" رَقِيقُ الدِيباجِ والمُرْتَفَعُ مِنهُ، وقِيلَ: "السُنْدُسُ" هو الحَرِيرُ الأخْضَرُ، و"الإسْتَبْرَقُ" والدِمْقَسُ هُما الأبْيَضُ، والأُرْجُوانُ هو الأحْمَرُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالخَفْضِ فِيهِما، وهى قِراءَةُ الأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ عُمَرَ -بِخِلافٍ عنهُما-، عَلى أنْ "خُضْرًا" نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، وجائِزٌ جَمْعَ صِفَةِ اسْمِ الجِنْسِ إذا كانَ اسْمًا مُفْرَدًا كَما قالُوا: "أهْلَكَ الناسَ الدِينارُ الصِفْرُ والدِرْهَمُ البِيضُ"، وفي هَذا قُبْحٌ، والعَرَبُ تُفْرِدُ اسْمَ الجِنْسِ وهو جَمْعٌ أحْيانًا فَيَقُولُونَ: "هُوَ حَصًى أبْيَضُ"، وفي القُرْآنِ: ﴿مِنَ الشَجَرِ الأخْضَرِ﴾ [يس: ٨٠]، و"نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" فَكَيْفَ بِأنْ لا يُفْرَدَ هَذا الَّذِي هو صِفَةٌ لِواحِدٍ في مَعْنى جَمْعٍ. "وَإسْتَبْرَقٍ" في هَذِهِ القِراءَةِ عَطْفٌ عَلى سُنْدُسٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وعِيسى: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، "خُضْرٌ" نَعْتْ لـِ "ثِيابُ"، و"إسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ أيْضًا "خُضْرٌ" رَفْعًا و"إسْتَبْرَقٍ" خَفْضًا، و"خُضْرٍ" صِفَةٌ لـ "ثِيابٍ" و"إسْتَبْرَقٍ" عُطِفَ عَلى "سُنْدُسٍ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "خُضْرٍ" خَفْضًا "وَإسْتَبْرَقٍ" رَفْعًا، فَخَفَضَ "خُضْرٍ" عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلًا، "وَإسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، و"الإسْتَبْرَقُ" غَلِيظُ الدِيباجِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَإسْتَبْرَقٌ" مَوْصُولَةُ الألِفِ مَفْتُوحَةُ القافِ، كَأنَّهُ مِثالُ الماضِي مِن بَرْقٍ وإسْتَبْرَقٍ كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ، والصَوابُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَحْمِلَ ضَمِيرًا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ دُخُولُ اللامِ المُعَرَّفَةِ عَلَيْهِ، والصَوابُ فِيهِ قَطْعُ الألِفِ وإجْراؤُهُ عَلى (p-٤٩٨)قِراءَةِ الجَماعَةِ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "عَلَيْهِمْ ثِيابٌ" بِالرَفْعِ "سُنْدُسٌ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" رَفْعًا في الثَلاثَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَحُلُّوا" أيْ: جَعَلَ لَهم حُلِيَّ، و"أساوِرَ" جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سَوارٍ، وهي مِن حُلِيِّ الذِراعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: "شَرابًا طَهُورًا"، قالَ أبُو قُلابَةَ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ لا يَصِيرُ بَوْلًا بَلْ يَكُونُ رَشْحًا مِنَ الأبْدانِ أطْيَبَ مِنَ المِسْكِ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُ اللهُ تَعالى لَهم والمَلائِكَةُ عنهُ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ الآيَةُ... تَثْبِيتٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ عَلى أفْعالِ قُرَيْشٍ وأحْوالِهِمْ، و"حَكَمَ رَبُّهُ" تَعالى أنْ يُبَلِّغَ ويُكافِحَ ويَتَحَمَّلَ المَشَقَّةَ ويَصْبِرَ عَلى الأذى لِيَعْرِفَ اللهَ تَعالى إلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آثِمًا أو كَفُورًا﴾ هو تَخْيِيرٌ في أنْ يَعْرِفَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ لا يُطِيعَهُ بِأيِّ وصْفٍ كانَ مِن هَذَيْنَ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم فَهو آثِمٌ وهو كَفُورٌ، ولَمْ تَكُنِ الأُمَّةُ حِينَئِذٍ مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ يَقَعُ الإثْمُ عَلى العاصِي، واللَفْظُ أيْضًا يَقْتَضِي نَهْيَ الإمامِ عن طاعَةِ آثِمٍ مِنَ العُصاةِ أو كَفُورٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أو" بِمَعْنًى "الواوِ" ولَيْسَ في هَذا تَخْيِيرٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِذِكْرِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ دَأْبًا بُكْرَةً وأصِيلًا، ومِنَ اللَيْلِ بِالسُجُودِ والتَسْبِيحِ الَّذِي هو الصَلاةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، وذَهَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ الخَمْسِ، مِنهُمُ ابْنُ حَبِيبٍ وغَيْرُهُ، فالبَكْرَةُ: صَلاةُ الصُبْحِ، والأصِيلُ الظَهْرُ والعَصْرُ، ومِنَ اللَيْلِ: المَغْرِبُ والعَشاءُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا فَرْضًا ونُسِخَ فَلا فَرْضَ إلّا الخَمْسَةُ، وقالَ قَوْمٌ، هو مَحْكَمٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ.
الإنسان 76:22
قوله عزّ وجلّ:
﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا﴾ ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أو كَفُورًا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ ﴿وَمِنَ اللَيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾
قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبانُ عن عاصِمٍ: "عالِيَهُمْ" عَلى الرَفْعِ لِلِابْتِداءِ، وهي قِراءَةُ (p-٤٩٧)الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عنهُ-، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ: "عالِيَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ "لَقّاهُمْ" أو "جَزاهُمْ"، وهي قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وأهْلِ مَكَّةَ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: "عالِيَتُهُمْ"، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ، وقَرَأ أيْضًا الأعْمَشُ: "عالِيَتَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، وقَدْ يَجُوزُ في النَصْبِ في القِراءَتَيْنِ أنْ تَكُونَ عَلى الظَرْفِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى: فَوْقَهُمْ، وقَرَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "عَلَتْهُمْ" بِتاءِ فِعْلٍ ماضٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو حَيْوَةَ: "عَلَيْهِمْ" بِالياءِ.
و"السُنْدُسُ" رَقِيقُ الدِيباجِ والمُرْتَفَعُ مِنهُ، وقِيلَ: "السُنْدُسُ" هو الحَرِيرُ الأخْضَرُ، و"الإسْتَبْرَقُ" والدِمْقَسُ هُما الأبْيَضُ، والأُرْجُوانُ هو الأحْمَرُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالخَفْضِ فِيهِما، وهى قِراءَةُ الأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ عُمَرَ -بِخِلافٍ عنهُما-، عَلى أنْ "خُضْرًا" نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، وجائِزٌ جَمْعَ صِفَةِ اسْمِ الجِنْسِ إذا كانَ اسْمًا مُفْرَدًا كَما قالُوا: "أهْلَكَ الناسَ الدِينارُ الصِفْرُ والدِرْهَمُ البِيضُ"، وفي هَذا قُبْحٌ، والعَرَبُ تُفْرِدُ اسْمَ الجِنْسِ وهو جَمْعٌ أحْيانًا فَيَقُولُونَ: "هُوَ حَصًى أبْيَضُ"، وفي القُرْآنِ: ﴿مِنَ الشَجَرِ الأخْضَرِ﴾ [يس: ٨٠]، و"نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" فَكَيْفَ بِأنْ لا يُفْرَدَ هَذا الَّذِي هو صِفَةٌ لِواحِدٍ في مَعْنى جَمْعٍ. "وَإسْتَبْرَقٍ" في هَذِهِ القِراءَةِ عَطْفٌ عَلى سُنْدُسٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وعِيسى: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، "خُضْرٌ" نَعْتْ لـِ "ثِيابُ"، و"إسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ أيْضًا "خُضْرٌ" رَفْعًا و"إسْتَبْرَقٍ" خَفْضًا، و"خُضْرٍ" صِفَةٌ لـ "ثِيابٍ" و"إسْتَبْرَقٍ" عُطِفَ عَلى "سُنْدُسٍ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "خُضْرٍ" خَفْضًا "وَإسْتَبْرَقٍ" رَفْعًا، فَخَفَضَ "خُضْرٍ" عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلًا، "وَإسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، و"الإسْتَبْرَقُ" غَلِيظُ الدِيباجِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَإسْتَبْرَقٌ" مَوْصُولَةُ الألِفِ مَفْتُوحَةُ القافِ، كَأنَّهُ مِثالُ الماضِي مِن بَرْقٍ وإسْتَبْرَقٍ كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ، والصَوابُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَحْمِلَ ضَمِيرًا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ دُخُولُ اللامِ المُعَرَّفَةِ عَلَيْهِ، والصَوابُ فِيهِ قَطْعُ الألِفِ وإجْراؤُهُ عَلى (p-٤٩٨)قِراءَةِ الجَماعَةِ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "عَلَيْهِمْ ثِيابٌ" بِالرَفْعِ "سُنْدُسٌ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" رَفْعًا في الثَلاثَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَحُلُّوا" أيْ: جَعَلَ لَهم حُلِيَّ، و"أساوِرَ" جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سَوارٍ، وهي مِن حُلِيِّ الذِراعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: "شَرابًا طَهُورًا"، قالَ أبُو قُلابَةَ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ لا يَصِيرُ بَوْلًا بَلْ يَكُونُ رَشْحًا مِنَ الأبْدانِ أطْيَبَ مِنَ المِسْكِ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُ اللهُ تَعالى لَهم والمَلائِكَةُ عنهُ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ الآيَةُ... تَثْبِيتٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ عَلى أفْعالِ قُرَيْشٍ وأحْوالِهِمْ، و"حَكَمَ رَبُّهُ" تَعالى أنْ يُبَلِّغَ ويُكافِحَ ويَتَحَمَّلَ المَشَقَّةَ ويَصْبِرَ عَلى الأذى لِيَعْرِفَ اللهَ تَعالى إلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آثِمًا أو كَفُورًا﴾ هو تَخْيِيرٌ في أنْ يَعْرِفَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ لا يُطِيعَهُ بِأيِّ وصْفٍ كانَ مِن هَذَيْنَ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم فَهو آثِمٌ وهو كَفُورٌ، ولَمْ تَكُنِ الأُمَّةُ حِينَئِذٍ مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ يَقَعُ الإثْمُ عَلى العاصِي، واللَفْظُ أيْضًا يَقْتَضِي نَهْيَ الإمامِ عن طاعَةِ آثِمٍ مِنَ العُصاةِ أو كَفُورٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أو" بِمَعْنًى "الواوِ" ولَيْسَ في هَذا تَخْيِيرٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِذِكْرِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ دَأْبًا بُكْرَةً وأصِيلًا، ومِنَ اللَيْلِ بِالسُجُودِ والتَسْبِيحِ الَّذِي هو الصَلاةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، وذَهَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ الخَمْسِ، مِنهُمُ ابْنُ حَبِيبٍ وغَيْرُهُ، فالبَكْرَةُ: صَلاةُ الصُبْحِ، والأصِيلُ الظَهْرُ والعَصْرُ، ومِنَ اللَيْلِ: المَغْرِبُ والعَشاءُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا فَرْضًا ونُسِخَ فَلا فَرْضَ إلّا الخَمْسَةُ، وقالَ قَوْمٌ، هو مَحْكَمٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ.
الإنسان 76:23
قوله عزّ وجلّ:
﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا﴾ ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أو كَفُورًا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ ﴿وَمِنَ اللَيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾
قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبانُ عن عاصِمٍ: "عالِيَهُمْ" عَلى الرَفْعِ لِلِابْتِداءِ، وهي قِراءَةُ (p-٤٩٧)الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عنهُ-، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ: "عالِيَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ "لَقّاهُمْ" أو "جَزاهُمْ"، وهي قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وأهْلِ مَكَّةَ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: "عالِيَتُهُمْ"، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ، وقَرَأ أيْضًا الأعْمَشُ: "عالِيَتَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، وقَدْ يَجُوزُ في النَصْبِ في القِراءَتَيْنِ أنْ تَكُونَ عَلى الظَرْفِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى: فَوْقَهُمْ، وقَرَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "عَلَتْهُمْ" بِتاءِ فِعْلٍ ماضٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو حَيْوَةَ: "عَلَيْهِمْ" بِالياءِ.
و"السُنْدُسُ" رَقِيقُ الدِيباجِ والمُرْتَفَعُ مِنهُ، وقِيلَ: "السُنْدُسُ" هو الحَرِيرُ الأخْضَرُ، و"الإسْتَبْرَقُ" والدِمْقَسُ هُما الأبْيَضُ، والأُرْجُوانُ هو الأحْمَرُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالخَفْضِ فِيهِما، وهى قِراءَةُ الأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ عُمَرَ -بِخِلافٍ عنهُما-، عَلى أنْ "خُضْرًا" نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، وجائِزٌ جَمْعَ صِفَةِ اسْمِ الجِنْسِ إذا كانَ اسْمًا مُفْرَدًا كَما قالُوا: "أهْلَكَ الناسَ الدِينارُ الصِفْرُ والدِرْهَمُ البِيضُ"، وفي هَذا قُبْحٌ، والعَرَبُ تُفْرِدُ اسْمَ الجِنْسِ وهو جَمْعٌ أحْيانًا فَيَقُولُونَ: "هُوَ حَصًى أبْيَضُ"، وفي القُرْآنِ: ﴿مِنَ الشَجَرِ الأخْضَرِ﴾ [يس: ٨٠]، و"نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" فَكَيْفَ بِأنْ لا يُفْرَدَ هَذا الَّذِي هو صِفَةٌ لِواحِدٍ في مَعْنى جَمْعٍ. "وَإسْتَبْرَقٍ" في هَذِهِ القِراءَةِ عَطْفٌ عَلى سُنْدُسٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وعِيسى: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، "خُضْرٌ" نَعْتْ لـِ "ثِيابُ"، و"إسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ أيْضًا "خُضْرٌ" رَفْعًا و"إسْتَبْرَقٍ" خَفْضًا، و"خُضْرٍ" صِفَةٌ لـ "ثِيابٍ" و"إسْتَبْرَقٍ" عُطِفَ عَلى "سُنْدُسٍ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "خُضْرٍ" خَفْضًا "وَإسْتَبْرَقٍ" رَفْعًا، فَخَفَضَ "خُضْرٍ" عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلًا، "وَإسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، و"الإسْتَبْرَقُ" غَلِيظُ الدِيباجِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَإسْتَبْرَقٌ" مَوْصُولَةُ الألِفِ مَفْتُوحَةُ القافِ، كَأنَّهُ مِثالُ الماضِي مِن بَرْقٍ وإسْتَبْرَقٍ كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ، والصَوابُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَحْمِلَ ضَمِيرًا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ دُخُولُ اللامِ المُعَرَّفَةِ عَلَيْهِ، والصَوابُ فِيهِ قَطْعُ الألِفِ وإجْراؤُهُ عَلى (p-٤٩٨)قِراءَةِ الجَماعَةِ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "عَلَيْهِمْ ثِيابٌ" بِالرَفْعِ "سُنْدُسٌ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" رَفْعًا في الثَلاثَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَحُلُّوا" أيْ: جَعَلَ لَهم حُلِيَّ، و"أساوِرَ" جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سَوارٍ، وهي مِن حُلِيِّ الذِراعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: "شَرابًا طَهُورًا"، قالَ أبُو قُلابَةَ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ لا يَصِيرُ بَوْلًا بَلْ يَكُونُ رَشْحًا مِنَ الأبْدانِ أطْيَبَ مِنَ المِسْكِ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُ اللهُ تَعالى لَهم والمَلائِكَةُ عنهُ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ الآيَةُ... تَثْبِيتٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ عَلى أفْعالِ قُرَيْشٍ وأحْوالِهِمْ، و"حَكَمَ رَبُّهُ" تَعالى أنْ يُبَلِّغَ ويُكافِحَ ويَتَحَمَّلَ المَشَقَّةَ ويَصْبِرَ عَلى الأذى لِيَعْرِفَ اللهَ تَعالى إلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آثِمًا أو كَفُورًا﴾ هو تَخْيِيرٌ في أنْ يَعْرِفَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ لا يُطِيعَهُ بِأيِّ وصْفٍ كانَ مِن هَذَيْنَ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم فَهو آثِمٌ وهو كَفُورٌ، ولَمْ تَكُنِ الأُمَّةُ حِينَئِذٍ مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ يَقَعُ الإثْمُ عَلى العاصِي، واللَفْظُ أيْضًا يَقْتَضِي نَهْيَ الإمامِ عن طاعَةِ آثِمٍ مِنَ العُصاةِ أو كَفُورٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أو" بِمَعْنًى "الواوِ" ولَيْسَ في هَذا تَخْيِيرٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِذِكْرِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ دَأْبًا بُكْرَةً وأصِيلًا، ومِنَ اللَيْلِ بِالسُجُودِ والتَسْبِيحِ الَّذِي هو الصَلاةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، وذَهَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ الخَمْسِ، مِنهُمُ ابْنُ حَبِيبٍ وغَيْرُهُ، فالبَكْرَةُ: صَلاةُ الصُبْحِ، والأصِيلُ الظَهْرُ والعَصْرُ، ومِنَ اللَيْلِ: المَغْرِبُ والعَشاءُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا فَرْضًا ونُسِخَ فَلا فَرْضَ إلّا الخَمْسَةُ، وقالَ قَوْمٌ، هو مَحْكَمٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ.
الإنسان 76:24
قوله عزّ وجلّ:
﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا﴾ ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أو كَفُورًا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ ﴿وَمِنَ اللَيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾
قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبانُ عن عاصِمٍ: "عالِيَهُمْ" عَلى الرَفْعِ لِلِابْتِداءِ، وهي قِراءَةُ (p-٤٩٧)الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عنهُ-، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ: "عالِيَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ "لَقّاهُمْ" أو "جَزاهُمْ"، وهي قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وأهْلِ مَكَّةَ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: "عالِيَتُهُمْ"، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ، وقَرَأ أيْضًا الأعْمَشُ: "عالِيَتَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، وقَدْ يَجُوزُ في النَصْبِ في القِراءَتَيْنِ أنْ تَكُونَ عَلى الظَرْفِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى: فَوْقَهُمْ، وقَرَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "عَلَتْهُمْ" بِتاءِ فِعْلٍ ماضٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو حَيْوَةَ: "عَلَيْهِمْ" بِالياءِ.
و"السُنْدُسُ" رَقِيقُ الدِيباجِ والمُرْتَفَعُ مِنهُ، وقِيلَ: "السُنْدُسُ" هو الحَرِيرُ الأخْضَرُ، و"الإسْتَبْرَقُ" والدِمْقَسُ هُما الأبْيَضُ، والأُرْجُوانُ هو الأحْمَرُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالخَفْضِ فِيهِما، وهى قِراءَةُ الأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ عُمَرَ -بِخِلافٍ عنهُما-، عَلى أنْ "خُضْرًا" نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، وجائِزٌ جَمْعَ صِفَةِ اسْمِ الجِنْسِ إذا كانَ اسْمًا مُفْرَدًا كَما قالُوا: "أهْلَكَ الناسَ الدِينارُ الصِفْرُ والدِرْهَمُ البِيضُ"، وفي هَذا قُبْحٌ، والعَرَبُ تُفْرِدُ اسْمَ الجِنْسِ وهو جَمْعٌ أحْيانًا فَيَقُولُونَ: "هُوَ حَصًى أبْيَضُ"، وفي القُرْآنِ: ﴿مِنَ الشَجَرِ الأخْضَرِ﴾ [يس: ٨٠]، و"نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" فَكَيْفَ بِأنْ لا يُفْرَدَ هَذا الَّذِي هو صِفَةٌ لِواحِدٍ في مَعْنى جَمْعٍ. "وَإسْتَبْرَقٍ" في هَذِهِ القِراءَةِ عَطْفٌ عَلى سُنْدُسٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وعِيسى: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، "خُضْرٌ" نَعْتْ لـِ "ثِيابُ"، و"إسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ أيْضًا "خُضْرٌ" رَفْعًا و"إسْتَبْرَقٍ" خَفْضًا، و"خُضْرٍ" صِفَةٌ لـ "ثِيابٍ" و"إسْتَبْرَقٍ" عُطِفَ عَلى "سُنْدُسٍ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "خُضْرٍ" خَفْضًا "وَإسْتَبْرَقٍ" رَفْعًا، فَخَفَضَ "خُضْرٍ" عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلًا، "وَإسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، و"الإسْتَبْرَقُ" غَلِيظُ الدِيباجِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَإسْتَبْرَقٌ" مَوْصُولَةُ الألِفِ مَفْتُوحَةُ القافِ، كَأنَّهُ مِثالُ الماضِي مِن بَرْقٍ وإسْتَبْرَقٍ كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ، والصَوابُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَحْمِلَ ضَمِيرًا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ دُخُولُ اللامِ المُعَرَّفَةِ عَلَيْهِ، والصَوابُ فِيهِ قَطْعُ الألِفِ وإجْراؤُهُ عَلى (p-٤٩٨)قِراءَةِ الجَماعَةِ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "عَلَيْهِمْ ثِيابٌ" بِالرَفْعِ "سُنْدُسٌ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" رَفْعًا في الثَلاثَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَحُلُّوا" أيْ: جَعَلَ لَهم حُلِيَّ، و"أساوِرَ" جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سَوارٍ، وهي مِن حُلِيِّ الذِراعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: "شَرابًا طَهُورًا"، قالَ أبُو قُلابَةَ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ لا يَصِيرُ بَوْلًا بَلْ يَكُونُ رَشْحًا مِنَ الأبْدانِ أطْيَبَ مِنَ المِسْكِ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُ اللهُ تَعالى لَهم والمَلائِكَةُ عنهُ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ الآيَةُ... تَثْبِيتٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ عَلى أفْعالِ قُرَيْشٍ وأحْوالِهِمْ، و"حَكَمَ رَبُّهُ" تَعالى أنْ يُبَلِّغَ ويُكافِحَ ويَتَحَمَّلَ المَشَقَّةَ ويَصْبِرَ عَلى الأذى لِيَعْرِفَ اللهَ تَعالى إلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آثِمًا أو كَفُورًا﴾ هو تَخْيِيرٌ في أنْ يَعْرِفَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ لا يُطِيعَهُ بِأيِّ وصْفٍ كانَ مِن هَذَيْنَ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم فَهو آثِمٌ وهو كَفُورٌ، ولَمْ تَكُنِ الأُمَّةُ حِينَئِذٍ مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ يَقَعُ الإثْمُ عَلى العاصِي، واللَفْظُ أيْضًا يَقْتَضِي نَهْيَ الإمامِ عن طاعَةِ آثِمٍ مِنَ العُصاةِ أو كَفُورٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أو" بِمَعْنًى "الواوِ" ولَيْسَ في هَذا تَخْيِيرٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِذِكْرِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ دَأْبًا بُكْرَةً وأصِيلًا، ومِنَ اللَيْلِ بِالسُجُودِ والتَسْبِيحِ الَّذِي هو الصَلاةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، وذَهَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ الخَمْسِ، مِنهُمُ ابْنُ حَبِيبٍ وغَيْرُهُ، فالبَكْرَةُ: صَلاةُ الصُبْحِ، والأصِيلُ الظَهْرُ والعَصْرُ، ومِنَ اللَيْلِ: المَغْرِبُ والعَشاءُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا فَرْضًا ونُسِخَ فَلا فَرْضَ إلّا الخَمْسَةُ، وقالَ قَوْمٌ، هو مَحْكَمٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ.
الإنسان 76:25
قوله عزّ وجلّ:
﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا﴾ ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أو كَفُورًا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ ﴿وَمِنَ اللَيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾
قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبانُ عن عاصِمٍ: "عالِيَهُمْ" عَلى الرَفْعِ لِلِابْتِداءِ، وهي قِراءَةُ (p-٤٩٧)الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عنهُ-، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ: "عالِيَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ "لَقّاهُمْ" أو "جَزاهُمْ"، وهي قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وأهْلِ مَكَّةَ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: "عالِيَتُهُمْ"، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ، وقَرَأ أيْضًا الأعْمَشُ: "عالِيَتَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، وقَدْ يَجُوزُ في النَصْبِ في القِراءَتَيْنِ أنْ تَكُونَ عَلى الظَرْفِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى: فَوْقَهُمْ، وقَرَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "عَلَتْهُمْ" بِتاءِ فِعْلٍ ماضٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو حَيْوَةَ: "عَلَيْهِمْ" بِالياءِ.
و"السُنْدُسُ" رَقِيقُ الدِيباجِ والمُرْتَفَعُ مِنهُ، وقِيلَ: "السُنْدُسُ" هو الحَرِيرُ الأخْضَرُ، و"الإسْتَبْرَقُ" والدِمْقَسُ هُما الأبْيَضُ، والأُرْجُوانُ هو الأحْمَرُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالخَفْضِ فِيهِما، وهى قِراءَةُ الأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ عُمَرَ -بِخِلافٍ عنهُما-، عَلى أنْ "خُضْرًا" نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، وجائِزٌ جَمْعَ صِفَةِ اسْمِ الجِنْسِ إذا كانَ اسْمًا مُفْرَدًا كَما قالُوا: "أهْلَكَ الناسَ الدِينارُ الصِفْرُ والدِرْهَمُ البِيضُ"، وفي هَذا قُبْحٌ، والعَرَبُ تُفْرِدُ اسْمَ الجِنْسِ وهو جَمْعٌ أحْيانًا فَيَقُولُونَ: "هُوَ حَصًى أبْيَضُ"، وفي القُرْآنِ: ﴿مِنَ الشَجَرِ الأخْضَرِ﴾ [يس: ٨٠]، و"نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" فَكَيْفَ بِأنْ لا يُفْرَدَ هَذا الَّذِي هو صِفَةٌ لِواحِدٍ في مَعْنى جَمْعٍ. "وَإسْتَبْرَقٍ" في هَذِهِ القِراءَةِ عَطْفٌ عَلى سُنْدُسٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وعِيسى: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، "خُضْرٌ" نَعْتْ لـِ "ثِيابُ"، و"إسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ أيْضًا "خُضْرٌ" رَفْعًا و"إسْتَبْرَقٍ" خَفْضًا، و"خُضْرٍ" صِفَةٌ لـ "ثِيابٍ" و"إسْتَبْرَقٍ" عُطِفَ عَلى "سُنْدُسٍ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "خُضْرٍ" خَفْضًا "وَإسْتَبْرَقٍ" رَفْعًا، فَخَفَضَ "خُضْرٍ" عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلًا، "وَإسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، و"الإسْتَبْرَقُ" غَلِيظُ الدِيباجِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَإسْتَبْرَقٌ" مَوْصُولَةُ الألِفِ مَفْتُوحَةُ القافِ، كَأنَّهُ مِثالُ الماضِي مِن بَرْقٍ وإسْتَبْرَقٍ كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ، والصَوابُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَحْمِلَ ضَمِيرًا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ دُخُولُ اللامِ المُعَرَّفَةِ عَلَيْهِ، والصَوابُ فِيهِ قَطْعُ الألِفِ وإجْراؤُهُ عَلى (p-٤٩٨)قِراءَةِ الجَماعَةِ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "عَلَيْهِمْ ثِيابٌ" بِالرَفْعِ "سُنْدُسٌ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" رَفْعًا في الثَلاثَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَحُلُّوا" أيْ: جَعَلَ لَهم حُلِيَّ، و"أساوِرَ" جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سَوارٍ، وهي مِن حُلِيِّ الذِراعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: "شَرابًا طَهُورًا"، قالَ أبُو قُلابَةَ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ لا يَصِيرُ بَوْلًا بَلْ يَكُونُ رَشْحًا مِنَ الأبْدانِ أطْيَبَ مِنَ المِسْكِ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُ اللهُ تَعالى لَهم والمَلائِكَةُ عنهُ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ الآيَةُ... تَثْبِيتٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ عَلى أفْعالِ قُرَيْشٍ وأحْوالِهِمْ، و"حَكَمَ رَبُّهُ" تَعالى أنْ يُبَلِّغَ ويُكافِحَ ويَتَحَمَّلَ المَشَقَّةَ ويَصْبِرَ عَلى الأذى لِيَعْرِفَ اللهَ تَعالى إلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آثِمًا أو كَفُورًا﴾ هو تَخْيِيرٌ في أنْ يَعْرِفَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ لا يُطِيعَهُ بِأيِّ وصْفٍ كانَ مِن هَذَيْنَ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم فَهو آثِمٌ وهو كَفُورٌ، ولَمْ تَكُنِ الأُمَّةُ حِينَئِذٍ مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ يَقَعُ الإثْمُ عَلى العاصِي، واللَفْظُ أيْضًا يَقْتَضِي نَهْيَ الإمامِ عن طاعَةِ آثِمٍ مِنَ العُصاةِ أو كَفُورٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أو" بِمَعْنًى "الواوِ" ولَيْسَ في هَذا تَخْيِيرٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِذِكْرِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ دَأْبًا بُكْرَةً وأصِيلًا، ومِنَ اللَيْلِ بِالسُجُودِ والتَسْبِيحِ الَّذِي هو الصَلاةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، وذَهَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ الخَمْسِ، مِنهُمُ ابْنُ حَبِيبٍ وغَيْرُهُ، فالبَكْرَةُ: صَلاةُ الصُبْحِ، والأصِيلُ الظَهْرُ والعَصْرُ، ومِنَ اللَيْلِ: المَغْرِبُ والعَشاءُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا فَرْضًا ونُسِخَ فَلا فَرْضَ إلّا الخَمْسَةُ، وقالَ قَوْمٌ، هو مَحْكَمٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ.
الإنسان 76:26
قوله عزّ وجلّ:
﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا﴾ ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أو كَفُورًا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ ﴿وَمِنَ اللَيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾
قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبانُ عن عاصِمٍ: "عالِيَهُمْ" عَلى الرَفْعِ لِلِابْتِداءِ، وهي قِراءَةُ (p-٤٩٧)الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عنهُ-، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ: "عالِيَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ "لَقّاهُمْ" أو "جَزاهُمْ"، وهي قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وأهْلِ مَكَّةَ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: "عالِيَتُهُمْ"، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ، وقَرَأ أيْضًا الأعْمَشُ: "عالِيَتَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، وقَدْ يَجُوزُ في النَصْبِ في القِراءَتَيْنِ أنْ تَكُونَ عَلى الظَرْفِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى: فَوْقَهُمْ، وقَرَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "عَلَتْهُمْ" بِتاءِ فِعْلٍ ماضٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو حَيْوَةَ: "عَلَيْهِمْ" بِالياءِ.
و"السُنْدُسُ" رَقِيقُ الدِيباجِ والمُرْتَفَعُ مِنهُ، وقِيلَ: "السُنْدُسُ" هو الحَرِيرُ الأخْضَرُ، و"الإسْتَبْرَقُ" والدِمْقَسُ هُما الأبْيَضُ، والأُرْجُوانُ هو الأحْمَرُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالخَفْضِ فِيهِما، وهى قِراءَةُ الأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ عُمَرَ -بِخِلافٍ عنهُما-، عَلى أنْ "خُضْرًا" نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، وجائِزٌ جَمْعَ صِفَةِ اسْمِ الجِنْسِ إذا كانَ اسْمًا مُفْرَدًا كَما قالُوا: "أهْلَكَ الناسَ الدِينارُ الصِفْرُ والدِرْهَمُ البِيضُ"، وفي هَذا قُبْحٌ، والعَرَبُ تُفْرِدُ اسْمَ الجِنْسِ وهو جَمْعٌ أحْيانًا فَيَقُولُونَ: "هُوَ حَصًى أبْيَضُ"، وفي القُرْآنِ: ﴿مِنَ الشَجَرِ الأخْضَرِ﴾ [يس: ٨٠]، و"نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" فَكَيْفَ بِأنْ لا يُفْرَدَ هَذا الَّذِي هو صِفَةٌ لِواحِدٍ في مَعْنى جَمْعٍ. "وَإسْتَبْرَقٍ" في هَذِهِ القِراءَةِ عَطْفٌ عَلى سُنْدُسٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وعِيسى: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، "خُضْرٌ" نَعْتْ لـِ "ثِيابُ"، و"إسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ أيْضًا "خُضْرٌ" رَفْعًا و"إسْتَبْرَقٍ" خَفْضًا، و"خُضْرٍ" صِفَةٌ لـ "ثِيابٍ" و"إسْتَبْرَقٍ" عُطِفَ عَلى "سُنْدُسٍ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "خُضْرٍ" خَفْضًا "وَإسْتَبْرَقٍ" رَفْعًا، فَخَفَضَ "خُضْرٍ" عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلًا، "وَإسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، و"الإسْتَبْرَقُ" غَلِيظُ الدِيباجِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَإسْتَبْرَقٌ" مَوْصُولَةُ الألِفِ مَفْتُوحَةُ القافِ، كَأنَّهُ مِثالُ الماضِي مِن بَرْقٍ وإسْتَبْرَقٍ كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ، والصَوابُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَحْمِلَ ضَمِيرًا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ دُخُولُ اللامِ المُعَرَّفَةِ عَلَيْهِ، والصَوابُ فِيهِ قَطْعُ الألِفِ وإجْراؤُهُ عَلى (p-٤٩٨)قِراءَةِ الجَماعَةِ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "عَلَيْهِمْ ثِيابٌ" بِالرَفْعِ "سُنْدُسٌ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" رَفْعًا في الثَلاثَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَحُلُّوا" أيْ: جَعَلَ لَهم حُلِيَّ، و"أساوِرَ" جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سَوارٍ، وهي مِن حُلِيِّ الذِراعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: "شَرابًا طَهُورًا"، قالَ أبُو قُلابَةَ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ لا يَصِيرُ بَوْلًا بَلْ يَكُونُ رَشْحًا مِنَ الأبْدانِ أطْيَبَ مِنَ المِسْكِ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُ اللهُ تَعالى لَهم والمَلائِكَةُ عنهُ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ الآيَةُ... تَثْبِيتٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ عَلى أفْعالِ قُرَيْشٍ وأحْوالِهِمْ، و"حَكَمَ رَبُّهُ" تَعالى أنْ يُبَلِّغَ ويُكافِحَ ويَتَحَمَّلَ المَشَقَّةَ ويَصْبِرَ عَلى الأذى لِيَعْرِفَ اللهَ تَعالى إلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آثِمًا أو كَفُورًا﴾ هو تَخْيِيرٌ في أنْ يَعْرِفَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ لا يُطِيعَهُ بِأيِّ وصْفٍ كانَ مِن هَذَيْنَ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم فَهو آثِمٌ وهو كَفُورٌ، ولَمْ تَكُنِ الأُمَّةُ حِينَئِذٍ مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ يَقَعُ الإثْمُ عَلى العاصِي، واللَفْظُ أيْضًا يَقْتَضِي نَهْيَ الإمامِ عن طاعَةِ آثِمٍ مِنَ العُصاةِ أو كَفُورٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أو" بِمَعْنًى "الواوِ" ولَيْسَ في هَذا تَخْيِيرٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِذِكْرِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ دَأْبًا بُكْرَةً وأصِيلًا، ومِنَ اللَيْلِ بِالسُجُودِ والتَسْبِيحِ الَّذِي هو الصَلاةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، وذَهَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ الخَمْسِ، مِنهُمُ ابْنُ حَبِيبٍ وغَيْرُهُ، فالبَكْرَةُ: صَلاةُ الصُبْحِ، والأصِيلُ الظَهْرُ والعَصْرُ، ومِنَ اللَيْلِ: المَغْرِبُ والعَشاءُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا فَرْضًا ونُسِخَ فَلا فَرْضَ إلّا الخَمْسَةُ، وقالَ قَوْمٌ، هو مَحْكَمٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ.
الإنسان 76:27
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلا﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلا﴾ ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ إنَّ اللهُ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾
الإشارَةُ بِـ "هَؤُلاءِ" إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، و"العاجِلَةَ" الدُنْيا، وحُبُهم لَها، أنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ غَيْرَها، ﴿وَيَذَرُونَ وراءَهُمْ﴾ مَعْناهُ: فِيما يَأْتِي مِنَ الزَمَنِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وقالَ لَبِيدُ: (p-٤٩٩)
؎ ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومُ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ
ووَصْفُ اليَوْمَ بِالثِقَلِ عَلى جِهَةِ النَسَبِ، أيْ: ذا ثِقَلٍ مِن حَيْثُ الثِقَلُ فِيهِ عَلى الكُفّارِ، فَهو كَلَيْلٍ نائِمٍ.
ثُمَّ عَدَّدَ النِعْمَةَ عَلى عِبادِهِ في خَلْقِهِمْ وإيجادِهِمْ وإتْقانٍ بِنِيَّتِهِمْ وشَدِّ خِلْقَتِهِمْ، و"الأُسَرُ": الخِلْقَةُ واتِّساقُ الأعْضاءِ والمَفاصِلِ، وقَدْ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، والرَبِيعُ: الأُسَرُ: المَفاصِلُ والأوصالُ، وقَدْ قالَ بَعْضُهُمْ: الأسْرُ: القُوَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَأنْجاهُ غَداةَ المَوْتِ مِنِّي ∗∗∗ شَدِيدَ الأُسَرِ عَضَّ عَلى اللِجامِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ مِن كُلِّ مُجْتَنِبٍ شَدِيدٍ أسْرُهُ ∗∗∗ سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُخْتالًا
قالَ الطَبَرِيُّ: ومِنهُ قَوْلُ العامَّةِ: "خُذْهُ بِأسْرِهِ" يُرِيدُونَ: خُذْهُ كُلَّهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأصْلُ هَذا في ما لَهُ شَدٌّ ورِباطٌ كالعَظْمِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ هَذا مِمّا يُخْتَصُّ بِالعامَّةِ، بَلْ (p-٥٠٠)هُوَ مِن فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ. اللهُمَّ إلّا أنْ يُرِيدَ بِالعامَّةِ جُمْهُورُ العَرَبِ ومِنَ اللَفْظَةِ "الإسارُ" وهو القَيْدُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الأسِيرُ.
ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى بِالتَبْدِيلِ واجْتَمَعَ مِنَ القَوْلَيْنِ تَعْدِيدُ النِعْمَةِ والوَعِيدِ بِالتَبَدُّلِ احْتِجاجٌ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، أيْ مِن هَذا الإيجادِ والتَبْدِيلُ -إذا شاءَ- في قُدْرَتِهِ، فَكَيْفَ تَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الإعادَةُ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى هَذِهِ الآيَةَ أو إلى السُورَةِ بِأسْرِها أو إلى الشَرِيعَةِ بِجُمْلَتِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ﴾ لَيْسَ عَلى جِهَةِ التَخْيِيرِ بَلْ فِيهِ قَرِينَةُ التَحْذِيرِ والحَضِّ عَلى اتِّخاذِ السَبِيلِ، و"السَبِيلُ" هُنا: لَيْسَ النَجاةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ نَفَيٌ لِقُدْرَتِهِمْ عَلى الِاخْتِراعِ وإيجادِ المَعانِي في نُفُوسِهِمْ، ولا يَرِدُ هَذا وُجُودُ ما لَهم مِنَ الِاكْتِسابِ والمَيْلِ إلى الكُفْرِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ "وَما تَشاءُونَ إلّا ما شاءَ اللهُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابِ "تِشاءُونَ" بِكَسْرِ التاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مَعْناهُ يَعْلَمُ ما يَنْبَغِي أنْ يُيَسَّرَ عَبْدُهُ إلَيْهِ، وفي ذَلِكَ حِكْمَةٌ لا يَعْلَمُها إلّا هو.
و"الظالِمِينَ" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ويُعَذِّبَ الظالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وَلِلظّالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ" بِتَكْرِيرِ اللامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ "وَما تَشاءُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو "يَشاءُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "والظالِمُونَ" بِالرَفْعِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وذَلِكَ عَلى ارْتِجالِ جُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ.
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الإنْسانِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الإنسان 76:28
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلا﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلا﴾ ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ إنَّ اللهُ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾
الإشارَةُ بِـ "هَؤُلاءِ" إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، و"العاجِلَةَ" الدُنْيا، وحُبُهم لَها، أنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ غَيْرَها، ﴿وَيَذَرُونَ وراءَهُمْ﴾ مَعْناهُ: فِيما يَأْتِي مِنَ الزَمَنِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وقالَ لَبِيدُ: (p-٤٩٩)
؎ ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومُ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ
ووَصْفُ اليَوْمَ بِالثِقَلِ عَلى جِهَةِ النَسَبِ، أيْ: ذا ثِقَلٍ مِن حَيْثُ الثِقَلُ فِيهِ عَلى الكُفّارِ، فَهو كَلَيْلٍ نائِمٍ.
ثُمَّ عَدَّدَ النِعْمَةَ عَلى عِبادِهِ في خَلْقِهِمْ وإيجادِهِمْ وإتْقانٍ بِنِيَّتِهِمْ وشَدِّ خِلْقَتِهِمْ، و"الأُسَرُ": الخِلْقَةُ واتِّساقُ الأعْضاءِ والمَفاصِلِ، وقَدْ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، والرَبِيعُ: الأُسَرُ: المَفاصِلُ والأوصالُ، وقَدْ قالَ بَعْضُهُمْ: الأسْرُ: القُوَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَأنْجاهُ غَداةَ المَوْتِ مِنِّي ∗∗∗ شَدِيدَ الأُسَرِ عَضَّ عَلى اللِجامِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ مِن كُلِّ مُجْتَنِبٍ شَدِيدٍ أسْرُهُ ∗∗∗ سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُخْتالًا
قالَ الطَبَرِيُّ: ومِنهُ قَوْلُ العامَّةِ: "خُذْهُ بِأسْرِهِ" يُرِيدُونَ: خُذْهُ كُلَّهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأصْلُ هَذا في ما لَهُ شَدٌّ ورِباطٌ كالعَظْمِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ هَذا مِمّا يُخْتَصُّ بِالعامَّةِ، بَلْ (p-٥٠٠)هُوَ مِن فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ. اللهُمَّ إلّا أنْ يُرِيدَ بِالعامَّةِ جُمْهُورُ العَرَبِ ومِنَ اللَفْظَةِ "الإسارُ" وهو القَيْدُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الأسِيرُ.
ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى بِالتَبْدِيلِ واجْتَمَعَ مِنَ القَوْلَيْنِ تَعْدِيدُ النِعْمَةِ والوَعِيدِ بِالتَبَدُّلِ احْتِجاجٌ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، أيْ مِن هَذا الإيجادِ والتَبْدِيلُ -إذا شاءَ- في قُدْرَتِهِ، فَكَيْفَ تَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الإعادَةُ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى هَذِهِ الآيَةَ أو إلى السُورَةِ بِأسْرِها أو إلى الشَرِيعَةِ بِجُمْلَتِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ﴾ لَيْسَ عَلى جِهَةِ التَخْيِيرِ بَلْ فِيهِ قَرِينَةُ التَحْذِيرِ والحَضِّ عَلى اتِّخاذِ السَبِيلِ، و"السَبِيلُ" هُنا: لَيْسَ النَجاةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ نَفَيٌ لِقُدْرَتِهِمْ عَلى الِاخْتِراعِ وإيجادِ المَعانِي في نُفُوسِهِمْ، ولا يَرِدُ هَذا وُجُودُ ما لَهم مِنَ الِاكْتِسابِ والمَيْلِ إلى الكُفْرِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ "وَما تَشاءُونَ إلّا ما شاءَ اللهُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابِ "تِشاءُونَ" بِكَسْرِ التاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مَعْناهُ يَعْلَمُ ما يَنْبَغِي أنْ يُيَسَّرَ عَبْدُهُ إلَيْهِ، وفي ذَلِكَ حِكْمَةٌ لا يَعْلَمُها إلّا هو.
و"الظالِمِينَ" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ويُعَذِّبَ الظالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وَلِلظّالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ" بِتَكْرِيرِ اللامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ "وَما تَشاءُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو "يَشاءُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "والظالِمُونَ" بِالرَفْعِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وذَلِكَ عَلى ارْتِجالِ جُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ.
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الإنْسانِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الإنسان 76:29
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلا﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلا﴾ ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ إنَّ اللهُ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾
الإشارَةُ بِـ "هَؤُلاءِ" إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، و"العاجِلَةَ" الدُنْيا، وحُبُهم لَها، أنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ غَيْرَها، ﴿وَيَذَرُونَ وراءَهُمْ﴾ مَعْناهُ: فِيما يَأْتِي مِنَ الزَمَنِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وقالَ لَبِيدُ: (p-٤٩٩)
؎ ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومُ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ
ووَصْفُ اليَوْمَ بِالثِقَلِ عَلى جِهَةِ النَسَبِ، أيْ: ذا ثِقَلٍ مِن حَيْثُ الثِقَلُ فِيهِ عَلى الكُفّارِ، فَهو كَلَيْلٍ نائِمٍ.
ثُمَّ عَدَّدَ النِعْمَةَ عَلى عِبادِهِ في خَلْقِهِمْ وإيجادِهِمْ وإتْقانٍ بِنِيَّتِهِمْ وشَدِّ خِلْقَتِهِمْ، و"الأُسَرُ": الخِلْقَةُ واتِّساقُ الأعْضاءِ والمَفاصِلِ، وقَدْ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، والرَبِيعُ: الأُسَرُ: المَفاصِلُ والأوصالُ، وقَدْ قالَ بَعْضُهُمْ: الأسْرُ: القُوَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَأنْجاهُ غَداةَ المَوْتِ مِنِّي ∗∗∗ شَدِيدَ الأُسَرِ عَضَّ عَلى اللِجامِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ مِن كُلِّ مُجْتَنِبٍ شَدِيدٍ أسْرُهُ ∗∗∗ سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُخْتالًا
قالَ الطَبَرِيُّ: ومِنهُ قَوْلُ العامَّةِ: "خُذْهُ بِأسْرِهِ" يُرِيدُونَ: خُذْهُ كُلَّهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأصْلُ هَذا في ما لَهُ شَدٌّ ورِباطٌ كالعَظْمِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ هَذا مِمّا يُخْتَصُّ بِالعامَّةِ، بَلْ (p-٥٠٠)هُوَ مِن فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ. اللهُمَّ إلّا أنْ يُرِيدَ بِالعامَّةِ جُمْهُورُ العَرَبِ ومِنَ اللَفْظَةِ "الإسارُ" وهو القَيْدُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الأسِيرُ.
ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى بِالتَبْدِيلِ واجْتَمَعَ مِنَ القَوْلَيْنِ تَعْدِيدُ النِعْمَةِ والوَعِيدِ بِالتَبَدُّلِ احْتِجاجٌ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، أيْ مِن هَذا الإيجادِ والتَبْدِيلُ -إذا شاءَ- في قُدْرَتِهِ، فَكَيْفَ تَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الإعادَةُ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى هَذِهِ الآيَةَ أو إلى السُورَةِ بِأسْرِها أو إلى الشَرِيعَةِ بِجُمْلَتِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ﴾ لَيْسَ عَلى جِهَةِ التَخْيِيرِ بَلْ فِيهِ قَرِينَةُ التَحْذِيرِ والحَضِّ عَلى اتِّخاذِ السَبِيلِ، و"السَبِيلُ" هُنا: لَيْسَ النَجاةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ نَفَيٌ لِقُدْرَتِهِمْ عَلى الِاخْتِراعِ وإيجادِ المَعانِي في نُفُوسِهِمْ، ولا يَرِدُ هَذا وُجُودُ ما لَهم مِنَ الِاكْتِسابِ والمَيْلِ إلى الكُفْرِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ "وَما تَشاءُونَ إلّا ما شاءَ اللهُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابِ "تِشاءُونَ" بِكَسْرِ التاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مَعْناهُ يَعْلَمُ ما يَنْبَغِي أنْ يُيَسَّرَ عَبْدُهُ إلَيْهِ، وفي ذَلِكَ حِكْمَةٌ لا يَعْلَمُها إلّا هو.
و"الظالِمِينَ" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ويُعَذِّبَ الظالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وَلِلظّالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ" بِتَكْرِيرِ اللامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ "وَما تَشاءُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو "يَشاءُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "والظالِمُونَ" بِالرَفْعِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وذَلِكَ عَلى ارْتِجالِ جُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ.
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الإنْسانِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الإنسان 76:30
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلا﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلا﴾ ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ إنَّ اللهُ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾
الإشارَةُ بِـ "هَؤُلاءِ" إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، و"العاجِلَةَ" الدُنْيا، وحُبُهم لَها، أنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ غَيْرَها، ﴿وَيَذَرُونَ وراءَهُمْ﴾ مَعْناهُ: فِيما يَأْتِي مِنَ الزَمَنِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وقالَ لَبِيدُ: (p-٤٩٩)
؎ ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومُ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ
ووَصْفُ اليَوْمَ بِالثِقَلِ عَلى جِهَةِ النَسَبِ، أيْ: ذا ثِقَلٍ مِن حَيْثُ الثِقَلُ فِيهِ عَلى الكُفّارِ، فَهو كَلَيْلٍ نائِمٍ.
ثُمَّ عَدَّدَ النِعْمَةَ عَلى عِبادِهِ في خَلْقِهِمْ وإيجادِهِمْ وإتْقانٍ بِنِيَّتِهِمْ وشَدِّ خِلْقَتِهِمْ، و"الأُسَرُ": الخِلْقَةُ واتِّساقُ الأعْضاءِ والمَفاصِلِ، وقَدْ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، والرَبِيعُ: الأُسَرُ: المَفاصِلُ والأوصالُ، وقَدْ قالَ بَعْضُهُمْ: الأسْرُ: القُوَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَأنْجاهُ غَداةَ المَوْتِ مِنِّي ∗∗∗ شَدِيدَ الأُسَرِ عَضَّ عَلى اللِجامِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ مِن كُلِّ مُجْتَنِبٍ شَدِيدٍ أسْرُهُ ∗∗∗ سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُخْتالًا
قالَ الطَبَرِيُّ: ومِنهُ قَوْلُ العامَّةِ: "خُذْهُ بِأسْرِهِ" يُرِيدُونَ: خُذْهُ كُلَّهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأصْلُ هَذا في ما لَهُ شَدٌّ ورِباطٌ كالعَظْمِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ هَذا مِمّا يُخْتَصُّ بِالعامَّةِ، بَلْ (p-٥٠٠)هُوَ مِن فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ. اللهُمَّ إلّا أنْ يُرِيدَ بِالعامَّةِ جُمْهُورُ العَرَبِ ومِنَ اللَفْظَةِ "الإسارُ" وهو القَيْدُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الأسِيرُ.
ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى بِالتَبْدِيلِ واجْتَمَعَ مِنَ القَوْلَيْنِ تَعْدِيدُ النِعْمَةِ والوَعِيدِ بِالتَبَدُّلِ احْتِجاجٌ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، أيْ مِن هَذا الإيجادِ والتَبْدِيلُ -إذا شاءَ- في قُدْرَتِهِ، فَكَيْفَ تَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الإعادَةُ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى هَذِهِ الآيَةَ أو إلى السُورَةِ بِأسْرِها أو إلى الشَرِيعَةِ بِجُمْلَتِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ﴾ لَيْسَ عَلى جِهَةِ التَخْيِيرِ بَلْ فِيهِ قَرِينَةُ التَحْذِيرِ والحَضِّ عَلى اتِّخاذِ السَبِيلِ، و"السَبِيلُ" هُنا: لَيْسَ النَجاةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ نَفَيٌ لِقُدْرَتِهِمْ عَلى الِاخْتِراعِ وإيجادِ المَعانِي في نُفُوسِهِمْ، ولا يَرِدُ هَذا وُجُودُ ما لَهم مِنَ الِاكْتِسابِ والمَيْلِ إلى الكُفْرِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ "وَما تَشاءُونَ إلّا ما شاءَ اللهُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابِ "تِشاءُونَ" بِكَسْرِ التاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مَعْناهُ يَعْلَمُ ما يَنْبَغِي أنْ يُيَسَّرَ عَبْدُهُ إلَيْهِ، وفي ذَلِكَ حِكْمَةٌ لا يَعْلَمُها إلّا هو.
و"الظالِمِينَ" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ويُعَذِّبَ الظالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وَلِلظّالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ" بِتَكْرِيرِ اللامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ "وَما تَشاءُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو "يَشاءُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "والظالِمُونَ" بِالرَفْعِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وذَلِكَ عَلى ارْتِجالِ جُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ.
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الإنْسانِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
الإنسان 76:31
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلا﴾ ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلا﴾ ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ إنَّ اللهُ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾
الإشارَةُ بِـ "هَؤُلاءِ" إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، و"العاجِلَةَ" الدُنْيا، وحُبُهم لَها، أنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ غَيْرَها، ﴿وَيَذَرُونَ وراءَهُمْ﴾ مَعْناهُ: فِيما يَأْتِي مِنَ الزَمَنِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وقالَ لَبِيدُ: (p-٤٩٩)
؎ ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومُ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ
ووَصْفُ اليَوْمَ بِالثِقَلِ عَلى جِهَةِ النَسَبِ، أيْ: ذا ثِقَلٍ مِن حَيْثُ الثِقَلُ فِيهِ عَلى الكُفّارِ، فَهو كَلَيْلٍ نائِمٍ.
ثُمَّ عَدَّدَ النِعْمَةَ عَلى عِبادِهِ في خَلْقِهِمْ وإيجادِهِمْ وإتْقانٍ بِنِيَّتِهِمْ وشَدِّ خِلْقَتِهِمْ، و"الأُسَرُ": الخِلْقَةُ واتِّساقُ الأعْضاءِ والمَفاصِلِ، وقَدْ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، والرَبِيعُ: الأُسَرُ: المَفاصِلُ والأوصالُ، وقَدْ قالَ بَعْضُهُمْ: الأسْرُ: القُوَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَأنْجاهُ غَداةَ المَوْتِ مِنِّي ∗∗∗ شَدِيدَ الأُسَرِ عَضَّ عَلى اللِجامِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ مِن كُلِّ مُجْتَنِبٍ شَدِيدٍ أسْرُهُ ∗∗∗ سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُخْتالًا
قالَ الطَبَرِيُّ: ومِنهُ قَوْلُ العامَّةِ: "خُذْهُ بِأسْرِهِ" يُرِيدُونَ: خُذْهُ كُلَّهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأصْلُ هَذا في ما لَهُ شَدٌّ ورِباطٌ كالعَظْمِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ هَذا مِمّا يُخْتَصُّ بِالعامَّةِ، بَلْ (p-٥٠٠)هُوَ مِن فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ. اللهُمَّ إلّا أنْ يُرِيدَ بِالعامَّةِ جُمْهُورُ العَرَبِ ومِنَ اللَفْظَةِ "الإسارُ" وهو القَيْدُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الأسِيرُ.
ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى بِالتَبْدِيلِ واجْتَمَعَ مِنَ القَوْلَيْنِ تَعْدِيدُ النِعْمَةِ والوَعِيدِ بِالتَبَدُّلِ احْتِجاجٌ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، أيْ مِن هَذا الإيجادِ والتَبْدِيلُ -إذا شاءَ- في قُدْرَتِهِ، فَكَيْفَ تَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الإعادَةُ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى هَذِهِ الآيَةَ أو إلى السُورَةِ بِأسْرِها أو إلى الشَرِيعَةِ بِجُمْلَتِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ﴾ لَيْسَ عَلى جِهَةِ التَخْيِيرِ بَلْ فِيهِ قَرِينَةُ التَحْذِيرِ والحَضِّ عَلى اتِّخاذِ السَبِيلِ، و"السَبِيلُ" هُنا: لَيْسَ النَجاةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ نَفَيٌ لِقُدْرَتِهِمْ عَلى الِاخْتِراعِ وإيجادِ المَعانِي في نُفُوسِهِمْ، ولا يَرِدُ هَذا وُجُودُ ما لَهم مِنَ الِاكْتِسابِ والمَيْلِ إلى الكُفْرِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ "وَما تَشاءُونَ إلّا ما شاءَ اللهُ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابِ "تِشاءُونَ" بِكَسْرِ التاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مَعْناهُ يَعْلَمُ ما يَنْبَغِي أنْ يُيَسَّرَ عَبْدُهُ إلَيْهِ، وفي ذَلِكَ حِكْمَةٌ لا يَعْلَمُها إلّا هو.
و"الظالِمِينَ" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ويُعَذِّبَ الظالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وَلِلظّالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ" بِتَكْرِيرِ اللامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ "وَما تَشاءُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو "يَشاءُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "والظالِمُونَ" بِالرَفْعِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وذَلِكَ عَلى ارْتِجالِ جُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ.
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الإنْسانِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
المرسلات 77:1
(p-٥٠١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المفَسِّرِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنّهُ قِيلَ: إنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ إنَّها حِكايَةً عن حالِ المُنافِقِينَ، وإنَّها بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُوَرَةُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَيْبَرَ... الحَدِيثُ بِطُولِهِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والناشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ فُرِجَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ ﴿وَإذا الرُسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "المُرْسَلاتِ": الرُسُلُ إلى الناسِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ المُرْسَلاتُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرْسَلاتِ: المَلائِكَةُ المُرْسَلَةُ بِالوَحْيِ وبِالتَعاقبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَهارِ، وقالَ ابْنُ (p-٥٠٢)مسعود أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: المُرْسَلاتِ: الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: المُرْسَلاتِ: السحاب. و"عُرْفًا" معناه على القول الأول: عُرْفًا من الله وإفضالًا على عباده ببعثة الرسل عليهم السلام، ومنه قول الشاعر:
؎ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بِقَوْلِهِ "عُرْفًا" متتابعة، على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: "الناس إلى فلان عرف واحد" إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد: بِالعرف، أي بِالحق والأمر بِالمعروف، وهذه الأقوال في "عرفًا" تتجه في قول من قال: في المُرْسَلاتِ هى الملائكة، ومن قال إن المُرْسَلاتِ هى الرياح اتجه في "العرف" أن يقال: التأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة بها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا نقمة فيه، ويكون الصنف الآخر من الريح في قَوْلِهِ تَعالى "فالعاصِفاتِ عَصْفًا"، ويحتمل أن يكون "عرفًا" بمعنى: والمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي العاصفات، ويحتمل أن يريد بِالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: "هب عرف من ريح"، والقول في العرف مع أن المُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن المُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى: "عرفا" بضم الراء. و"العاصف" من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره.
واختلف الناس في قَوْلِهِ تَعالى: "والناشرات"، فقال مقاتل، والسُدِّيُّ: هي الملائكة تنشر صحف العباد بِالأعمال، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشِراتِ طوائف الملائكة التى تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث، فكأنهم يحيونهم، وقال قوم: الناشرات (p-٥٠٣)الرمم في بعث يوم القيامه، يقال: نشر الميت، ومنه قول الأعشى:
؎ ............ ∗∗∗ يا عجبًا للميت الناشرِ
وقيل: الناشرات البقاع التى تحيا بِالأمطار، شبهت بِالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار تحى الأرض.
"فالفارقات"، قال ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو صالح، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هى الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتاده، والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: الفارقات آيات القران.
وأما "الملقيات ذكرًا" فهى في قول الجمهور: الملائكة، قال مقاتل: جبريل عليه السلام ونحوه، وقال آخرون: هى الرسل عليهم السلام، وقرأ جمهور الناس: "فالملقيات" بسكون اللام، أى تلقيه من عند الله تعالى وبأمره إلى الرسل عليهم السلام وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه -فيما ذكر المهدوى- "فالملقيات" بفتح اللام وفتح القاف وشدها أى تلقاه من قبل الله تعالى. وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا "فالملقيات" بفتح اللام وشد القاف وكسرها أى: تلقيه هى للرسل عليهم السلام، و"الذكر" الكتب والشرائع ومضمناتها.
وأختلف القراء في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾، فقرأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فى رواية أبى بكر- وأبُو جَعْفَرٍ، وشيبة بسكون الذال في "عذرا" وضمها في "نذرا"، وقرأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكسائى، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وإبراهيم التيمى بسكون الذال فيهما، وقرأ طَلْحَةُ، وعيسى، والحَسَنُ -بخلاف- وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ عن ابْنُ كَثِيرٍ عن عاصِمٍ بضمها فيها. وإسكان الذال على أنها مصدران، يقال: عذرا وعذير، ونذر ونذير، كنكير ونكر، وضم الذال يصح معه (p-٥٠٤)المصدر ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هُما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار، أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من "الذكر"، ويصح أن يكون على المفعول للذكر، كأنه تعالى قال: فالمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْرًا، ويصح أن يكون "عُذْرًا" مفعولا من أجله، أي تلقي الذكر من أجل الإعذار وأما إذا كان "عُذْرًا أو نُذْرًا" جمعا فالنصب على الحال، وقرأ إبراهيم التيمي: "عذرا ونذرا" بواو بدل "أو".
قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ"، هذا الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و"طمس النجوم": إزالة أضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و"فرج السماء" هو بانفطارها حتى تحدث فيها فروج، و"نسف الجبال" هو بعد التسيير، وقيل: كونها هباء وهو تفريقها بِالريح، وقرأ الجمهور: "أقتت" بِالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمز عيسى، وخالد، وقرأ أبُو عَمْرٍو وحده "وقتت" بِالواو، وقرأ بها أبو الأشهب، وعيسى، وعمرو بن عبيد، قال عيسى: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بواو واحدة خفيفة القاف، وهي قراءة ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ووقتت" بواوين، على وزن فوعلت، والمعنى: جعل لها وقت مسطر فجاء وحان، والواو في هذا كله هي الأصل والهمزة بدل.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تعجيب وتوقي على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فَسَّرَ تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله: "لِيَوْمِ الفَصْلِ" يعني تعالى: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم سبحانه يوم الفصل بقوله: "وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ"، على نحو قَوْلُهُ تَعالى: "وَما أدْراكَ ما الحاقَّة" وغير ذلك، ثم أثبت تعالى الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى: لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و"الويل": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بِالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعمار بن ياسر، أن واديا في جهنم اسمه الويل.
المرسلات 77:2
(p-٥٠١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المفَسِّرِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنّهُ قِيلَ: إنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ إنَّها حِكايَةً عن حالِ المُنافِقِينَ، وإنَّها بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُوَرَةُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَيْبَرَ... الحَدِيثُ بِطُولِهِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والناشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ فُرِجَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ ﴿وَإذا الرُسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "المُرْسَلاتِ": الرُسُلُ إلى الناسِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ المُرْسَلاتُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرْسَلاتِ: المَلائِكَةُ المُرْسَلَةُ بِالوَحْيِ وبِالتَعاقبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَهارِ، وقالَ ابْنُ (p-٥٠٢)مسعود أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: المُرْسَلاتِ: الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: المُرْسَلاتِ: السحاب. و"عُرْفًا" معناه على القول الأول: عُرْفًا من الله وإفضالًا على عباده ببعثة الرسل عليهم السلام، ومنه قول الشاعر:
؎ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بِقَوْلِهِ "عُرْفًا" متتابعة، على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: "الناس إلى فلان عرف واحد" إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد: بِالعرف، أي بِالحق والأمر بِالمعروف، وهذه الأقوال في "عرفًا" تتجه في قول من قال: في المُرْسَلاتِ هى الملائكة، ومن قال إن المُرْسَلاتِ هى الرياح اتجه في "العرف" أن يقال: التأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة بها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا نقمة فيه، ويكون الصنف الآخر من الريح في قَوْلِهِ تَعالى "فالعاصِفاتِ عَصْفًا"، ويحتمل أن يكون "عرفًا" بمعنى: والمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي العاصفات، ويحتمل أن يريد بِالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: "هب عرف من ريح"، والقول في العرف مع أن المُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن المُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى: "عرفا" بضم الراء. و"العاصف" من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره.
واختلف الناس في قَوْلِهِ تَعالى: "والناشرات"، فقال مقاتل، والسُدِّيُّ: هي الملائكة تنشر صحف العباد بِالأعمال، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشِراتِ طوائف الملائكة التى تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث، فكأنهم يحيونهم، وقال قوم: الناشرات (p-٥٠٣)الرمم في بعث يوم القيامه، يقال: نشر الميت، ومنه قول الأعشى:
؎ ............ ∗∗∗ يا عجبًا للميت الناشرِ
وقيل: الناشرات البقاع التى تحيا بِالأمطار، شبهت بِالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار تحى الأرض.
"فالفارقات"، قال ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو صالح، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هى الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتاده، والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: الفارقات آيات القران.
وأما "الملقيات ذكرًا" فهى في قول الجمهور: الملائكة، قال مقاتل: جبريل عليه السلام ونحوه، وقال آخرون: هى الرسل عليهم السلام، وقرأ جمهور الناس: "فالملقيات" بسكون اللام، أى تلقيه من عند الله تعالى وبأمره إلى الرسل عليهم السلام وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه -فيما ذكر المهدوى- "فالملقيات" بفتح اللام وفتح القاف وشدها أى تلقاه من قبل الله تعالى. وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا "فالملقيات" بفتح اللام وشد القاف وكسرها أى: تلقيه هى للرسل عليهم السلام، و"الذكر" الكتب والشرائع ومضمناتها.
وأختلف القراء في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾، فقرأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فى رواية أبى بكر- وأبُو جَعْفَرٍ، وشيبة بسكون الذال في "عذرا" وضمها في "نذرا"، وقرأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكسائى، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وإبراهيم التيمى بسكون الذال فيهما، وقرأ طَلْحَةُ، وعيسى، والحَسَنُ -بخلاف- وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ عن ابْنُ كَثِيرٍ عن عاصِمٍ بضمها فيها. وإسكان الذال على أنها مصدران، يقال: عذرا وعذير، ونذر ونذير، كنكير ونكر، وضم الذال يصح معه (p-٥٠٤)المصدر ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هُما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار، أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من "الذكر"، ويصح أن يكون على المفعول للذكر، كأنه تعالى قال: فالمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْرًا، ويصح أن يكون "عُذْرًا" مفعولا من أجله، أي تلقي الذكر من أجل الإعذار وأما إذا كان "عُذْرًا أو نُذْرًا" جمعا فالنصب على الحال، وقرأ إبراهيم التيمي: "عذرا ونذرا" بواو بدل "أو".
قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ"، هذا الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و"طمس النجوم": إزالة أضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و"فرج السماء" هو بانفطارها حتى تحدث فيها فروج، و"نسف الجبال" هو بعد التسيير، وقيل: كونها هباء وهو تفريقها بِالريح، وقرأ الجمهور: "أقتت" بِالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمز عيسى، وخالد، وقرأ أبُو عَمْرٍو وحده "وقتت" بِالواو، وقرأ بها أبو الأشهب، وعيسى، وعمرو بن عبيد، قال عيسى: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بواو واحدة خفيفة القاف، وهي قراءة ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ووقتت" بواوين، على وزن فوعلت، والمعنى: جعل لها وقت مسطر فجاء وحان، والواو في هذا كله هي الأصل والهمزة بدل.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تعجيب وتوقي على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فَسَّرَ تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله: "لِيَوْمِ الفَصْلِ" يعني تعالى: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم سبحانه يوم الفصل بقوله: "وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ"، على نحو قَوْلُهُ تَعالى: "وَما أدْراكَ ما الحاقَّة" وغير ذلك، ثم أثبت تعالى الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى: لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و"الويل": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بِالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعمار بن ياسر، أن واديا في جهنم اسمه الويل.
المرسلات 77:3
(p-٥٠١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المفَسِّرِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنّهُ قِيلَ: إنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ إنَّها حِكايَةً عن حالِ المُنافِقِينَ، وإنَّها بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُوَرَةُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَيْبَرَ... الحَدِيثُ بِطُولِهِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والناشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ فُرِجَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ ﴿وَإذا الرُسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "المُرْسَلاتِ": الرُسُلُ إلى الناسِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ المُرْسَلاتُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرْسَلاتِ: المَلائِكَةُ المُرْسَلَةُ بِالوَحْيِ وبِالتَعاقبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَهارِ، وقالَ ابْنُ (p-٥٠٢)مسعود أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: المُرْسَلاتِ: الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: المُرْسَلاتِ: السحاب. و"عُرْفًا" معناه على القول الأول: عُرْفًا من الله وإفضالًا على عباده ببعثة الرسل عليهم السلام، ومنه قول الشاعر:
؎ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بِقَوْلِهِ "عُرْفًا" متتابعة، على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: "الناس إلى فلان عرف واحد" إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد: بِالعرف، أي بِالحق والأمر بِالمعروف، وهذه الأقوال في "عرفًا" تتجه في قول من قال: في المُرْسَلاتِ هى الملائكة، ومن قال إن المُرْسَلاتِ هى الرياح اتجه في "العرف" أن يقال: التأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة بها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا نقمة فيه، ويكون الصنف الآخر من الريح في قَوْلِهِ تَعالى "فالعاصِفاتِ عَصْفًا"، ويحتمل أن يكون "عرفًا" بمعنى: والمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي العاصفات، ويحتمل أن يريد بِالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: "هب عرف من ريح"، والقول في العرف مع أن المُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن المُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى: "عرفا" بضم الراء. و"العاصف" من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره.
واختلف الناس في قَوْلِهِ تَعالى: "والناشرات"، فقال مقاتل، والسُدِّيُّ: هي الملائكة تنشر صحف العباد بِالأعمال، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشِراتِ طوائف الملائكة التى تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث، فكأنهم يحيونهم، وقال قوم: الناشرات (p-٥٠٣)الرمم في بعث يوم القيامه، يقال: نشر الميت، ومنه قول الأعشى:
؎ ............ ∗∗∗ يا عجبًا للميت الناشرِ
وقيل: الناشرات البقاع التى تحيا بِالأمطار، شبهت بِالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار تحى الأرض.
"فالفارقات"، قال ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو صالح، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هى الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتاده، والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: الفارقات آيات القران.
وأما "الملقيات ذكرًا" فهى في قول الجمهور: الملائكة، قال مقاتل: جبريل عليه السلام ونحوه، وقال آخرون: هى الرسل عليهم السلام، وقرأ جمهور الناس: "فالملقيات" بسكون اللام، أى تلقيه من عند الله تعالى وبأمره إلى الرسل عليهم السلام وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه -فيما ذكر المهدوى- "فالملقيات" بفتح اللام وفتح القاف وشدها أى تلقاه من قبل الله تعالى. وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا "فالملقيات" بفتح اللام وشد القاف وكسرها أى: تلقيه هى للرسل عليهم السلام، و"الذكر" الكتب والشرائع ومضمناتها.
وأختلف القراء في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾، فقرأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فى رواية أبى بكر- وأبُو جَعْفَرٍ، وشيبة بسكون الذال في "عذرا" وضمها في "نذرا"، وقرأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكسائى، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وإبراهيم التيمى بسكون الذال فيهما، وقرأ طَلْحَةُ، وعيسى، والحَسَنُ -بخلاف- وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ عن ابْنُ كَثِيرٍ عن عاصِمٍ بضمها فيها. وإسكان الذال على أنها مصدران، يقال: عذرا وعذير، ونذر ونذير، كنكير ونكر، وضم الذال يصح معه (p-٥٠٤)المصدر ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هُما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار، أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من "الذكر"، ويصح أن يكون على المفعول للذكر، كأنه تعالى قال: فالمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْرًا، ويصح أن يكون "عُذْرًا" مفعولا من أجله، أي تلقي الذكر من أجل الإعذار وأما إذا كان "عُذْرًا أو نُذْرًا" جمعا فالنصب على الحال، وقرأ إبراهيم التيمي: "عذرا ونذرا" بواو بدل "أو".
قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ"، هذا الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و"طمس النجوم": إزالة أضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و"فرج السماء" هو بانفطارها حتى تحدث فيها فروج، و"نسف الجبال" هو بعد التسيير، وقيل: كونها هباء وهو تفريقها بِالريح، وقرأ الجمهور: "أقتت" بِالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمز عيسى، وخالد، وقرأ أبُو عَمْرٍو وحده "وقتت" بِالواو، وقرأ بها أبو الأشهب، وعيسى، وعمرو بن عبيد، قال عيسى: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بواو واحدة خفيفة القاف، وهي قراءة ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ووقتت" بواوين، على وزن فوعلت، والمعنى: جعل لها وقت مسطر فجاء وحان، والواو في هذا كله هي الأصل والهمزة بدل.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تعجيب وتوقي على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فَسَّرَ تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله: "لِيَوْمِ الفَصْلِ" يعني تعالى: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم سبحانه يوم الفصل بقوله: "وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ"، على نحو قَوْلُهُ تَعالى: "وَما أدْراكَ ما الحاقَّة" وغير ذلك، ثم أثبت تعالى الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى: لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و"الويل": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بِالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعمار بن ياسر، أن واديا في جهنم اسمه الويل.
المرسلات 77:4
(p-٥٠١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المفَسِّرِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنّهُ قِيلَ: إنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ إنَّها حِكايَةً عن حالِ المُنافِقِينَ، وإنَّها بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُوَرَةُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَيْبَرَ... الحَدِيثُ بِطُولِهِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والناشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ فُرِجَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ ﴿وَإذا الرُسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "المُرْسَلاتِ": الرُسُلُ إلى الناسِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ المُرْسَلاتُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرْسَلاتِ: المَلائِكَةُ المُرْسَلَةُ بِالوَحْيِ وبِالتَعاقبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَهارِ، وقالَ ابْنُ (p-٥٠٢)مسعود أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: المُرْسَلاتِ: الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: المُرْسَلاتِ: السحاب. و"عُرْفًا" معناه على القول الأول: عُرْفًا من الله وإفضالًا على عباده ببعثة الرسل عليهم السلام، ومنه قول الشاعر:
؎ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بِقَوْلِهِ "عُرْفًا" متتابعة، على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: "الناس إلى فلان عرف واحد" إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد: بِالعرف، أي بِالحق والأمر بِالمعروف، وهذه الأقوال في "عرفًا" تتجه في قول من قال: في المُرْسَلاتِ هى الملائكة، ومن قال إن المُرْسَلاتِ هى الرياح اتجه في "العرف" أن يقال: التأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة بها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا نقمة فيه، ويكون الصنف الآخر من الريح في قَوْلِهِ تَعالى "فالعاصِفاتِ عَصْفًا"، ويحتمل أن يكون "عرفًا" بمعنى: والمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي العاصفات، ويحتمل أن يريد بِالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: "هب عرف من ريح"، والقول في العرف مع أن المُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن المُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى: "عرفا" بضم الراء. و"العاصف" من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره.
واختلف الناس في قَوْلِهِ تَعالى: "والناشرات"، فقال مقاتل، والسُدِّيُّ: هي الملائكة تنشر صحف العباد بِالأعمال، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشِراتِ طوائف الملائكة التى تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث، فكأنهم يحيونهم، وقال قوم: الناشرات (p-٥٠٣)الرمم في بعث يوم القيامه، يقال: نشر الميت، ومنه قول الأعشى:
؎ ............ ∗∗∗ يا عجبًا للميت الناشرِ
وقيل: الناشرات البقاع التى تحيا بِالأمطار، شبهت بِالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار تحى الأرض.
"فالفارقات"، قال ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو صالح، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هى الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتاده، والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: الفارقات آيات القران.
وأما "الملقيات ذكرًا" فهى في قول الجمهور: الملائكة، قال مقاتل: جبريل عليه السلام ونحوه، وقال آخرون: هى الرسل عليهم السلام، وقرأ جمهور الناس: "فالملقيات" بسكون اللام، أى تلقيه من عند الله تعالى وبأمره إلى الرسل عليهم السلام وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه -فيما ذكر المهدوى- "فالملقيات" بفتح اللام وفتح القاف وشدها أى تلقاه من قبل الله تعالى. وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا "فالملقيات" بفتح اللام وشد القاف وكسرها أى: تلقيه هى للرسل عليهم السلام، و"الذكر" الكتب والشرائع ومضمناتها.
وأختلف القراء في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾، فقرأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فى رواية أبى بكر- وأبُو جَعْفَرٍ، وشيبة بسكون الذال في "عذرا" وضمها في "نذرا"، وقرأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكسائى، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وإبراهيم التيمى بسكون الذال فيهما، وقرأ طَلْحَةُ، وعيسى، والحَسَنُ -بخلاف- وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ عن ابْنُ كَثِيرٍ عن عاصِمٍ بضمها فيها. وإسكان الذال على أنها مصدران، يقال: عذرا وعذير، ونذر ونذير، كنكير ونكر، وضم الذال يصح معه (p-٥٠٤)المصدر ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هُما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار، أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من "الذكر"، ويصح أن يكون على المفعول للذكر، كأنه تعالى قال: فالمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْرًا، ويصح أن يكون "عُذْرًا" مفعولا من أجله، أي تلقي الذكر من أجل الإعذار وأما إذا كان "عُذْرًا أو نُذْرًا" جمعا فالنصب على الحال، وقرأ إبراهيم التيمي: "عذرا ونذرا" بواو بدل "أو".
قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ"، هذا الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و"طمس النجوم": إزالة أضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و"فرج السماء" هو بانفطارها حتى تحدث فيها فروج، و"نسف الجبال" هو بعد التسيير، وقيل: كونها هباء وهو تفريقها بِالريح، وقرأ الجمهور: "أقتت" بِالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمز عيسى، وخالد، وقرأ أبُو عَمْرٍو وحده "وقتت" بِالواو، وقرأ بها أبو الأشهب، وعيسى، وعمرو بن عبيد، قال عيسى: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بواو واحدة خفيفة القاف، وهي قراءة ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ووقتت" بواوين، على وزن فوعلت، والمعنى: جعل لها وقت مسطر فجاء وحان، والواو في هذا كله هي الأصل والهمزة بدل.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تعجيب وتوقي على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فَسَّرَ تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله: "لِيَوْمِ الفَصْلِ" يعني تعالى: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم سبحانه يوم الفصل بقوله: "وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ"، على نحو قَوْلُهُ تَعالى: "وَما أدْراكَ ما الحاقَّة" وغير ذلك، ثم أثبت تعالى الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى: لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و"الويل": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بِالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعمار بن ياسر، أن واديا في جهنم اسمه الويل.
المرسلات 77:5
(p-٥٠١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المفَسِّرِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنّهُ قِيلَ: إنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ إنَّها حِكايَةً عن حالِ المُنافِقِينَ، وإنَّها بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُوَرَةُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَيْبَرَ... الحَدِيثُ بِطُولِهِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والناشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ فُرِجَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ ﴿وَإذا الرُسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "المُرْسَلاتِ": الرُسُلُ إلى الناسِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ المُرْسَلاتُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرْسَلاتِ: المَلائِكَةُ المُرْسَلَةُ بِالوَحْيِ وبِالتَعاقبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَهارِ، وقالَ ابْنُ (p-٥٠٢)مسعود أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: المُرْسَلاتِ: الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: المُرْسَلاتِ: السحاب. و"عُرْفًا" معناه على القول الأول: عُرْفًا من الله وإفضالًا على عباده ببعثة الرسل عليهم السلام، ومنه قول الشاعر:
؎ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بِقَوْلِهِ "عُرْفًا" متتابعة، على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: "الناس إلى فلان عرف واحد" إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد: بِالعرف، أي بِالحق والأمر بِالمعروف، وهذه الأقوال في "عرفًا" تتجه في قول من قال: في المُرْسَلاتِ هى الملائكة، ومن قال إن المُرْسَلاتِ هى الرياح اتجه في "العرف" أن يقال: التأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة بها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا نقمة فيه، ويكون الصنف الآخر من الريح في قَوْلِهِ تَعالى "فالعاصِفاتِ عَصْفًا"، ويحتمل أن يكون "عرفًا" بمعنى: والمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي العاصفات، ويحتمل أن يريد بِالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: "هب عرف من ريح"، والقول في العرف مع أن المُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن المُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى: "عرفا" بضم الراء. و"العاصف" من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره.
واختلف الناس في قَوْلِهِ تَعالى: "والناشرات"، فقال مقاتل، والسُدِّيُّ: هي الملائكة تنشر صحف العباد بِالأعمال، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشِراتِ طوائف الملائكة التى تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث، فكأنهم يحيونهم، وقال قوم: الناشرات (p-٥٠٣)الرمم في بعث يوم القيامه، يقال: نشر الميت، ومنه قول الأعشى:
؎ ............ ∗∗∗ يا عجبًا للميت الناشرِ
وقيل: الناشرات البقاع التى تحيا بِالأمطار، شبهت بِالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار تحى الأرض.
"فالفارقات"، قال ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو صالح، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هى الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتاده، والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: الفارقات آيات القران.
وأما "الملقيات ذكرًا" فهى في قول الجمهور: الملائكة، قال مقاتل: جبريل عليه السلام ونحوه، وقال آخرون: هى الرسل عليهم السلام، وقرأ جمهور الناس: "فالملقيات" بسكون اللام، أى تلقيه من عند الله تعالى وبأمره إلى الرسل عليهم السلام وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه -فيما ذكر المهدوى- "فالملقيات" بفتح اللام وفتح القاف وشدها أى تلقاه من قبل الله تعالى. وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا "فالملقيات" بفتح اللام وشد القاف وكسرها أى: تلقيه هى للرسل عليهم السلام، و"الذكر" الكتب والشرائع ومضمناتها.
وأختلف القراء في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾، فقرأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فى رواية أبى بكر- وأبُو جَعْفَرٍ، وشيبة بسكون الذال في "عذرا" وضمها في "نذرا"، وقرأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكسائى، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وإبراهيم التيمى بسكون الذال فيهما، وقرأ طَلْحَةُ، وعيسى، والحَسَنُ -بخلاف- وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ عن ابْنُ كَثِيرٍ عن عاصِمٍ بضمها فيها. وإسكان الذال على أنها مصدران، يقال: عذرا وعذير، ونذر ونذير، كنكير ونكر، وضم الذال يصح معه (p-٥٠٤)المصدر ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هُما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار، أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من "الذكر"، ويصح أن يكون على المفعول للذكر، كأنه تعالى قال: فالمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْرًا، ويصح أن يكون "عُذْرًا" مفعولا من أجله، أي تلقي الذكر من أجل الإعذار وأما إذا كان "عُذْرًا أو نُذْرًا" جمعا فالنصب على الحال، وقرأ إبراهيم التيمي: "عذرا ونذرا" بواو بدل "أو".
قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ"، هذا الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و"طمس النجوم": إزالة أضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و"فرج السماء" هو بانفطارها حتى تحدث فيها فروج، و"نسف الجبال" هو بعد التسيير، وقيل: كونها هباء وهو تفريقها بِالريح، وقرأ الجمهور: "أقتت" بِالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمز عيسى، وخالد، وقرأ أبُو عَمْرٍو وحده "وقتت" بِالواو، وقرأ بها أبو الأشهب، وعيسى، وعمرو بن عبيد، قال عيسى: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بواو واحدة خفيفة القاف، وهي قراءة ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ووقتت" بواوين، على وزن فوعلت، والمعنى: جعل لها وقت مسطر فجاء وحان، والواو في هذا كله هي الأصل والهمزة بدل.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تعجيب وتوقي على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فَسَّرَ تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله: "لِيَوْمِ الفَصْلِ" يعني تعالى: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم سبحانه يوم الفصل بقوله: "وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ"، على نحو قَوْلُهُ تَعالى: "وَما أدْراكَ ما الحاقَّة" وغير ذلك، ثم أثبت تعالى الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى: لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و"الويل": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بِالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعمار بن ياسر، أن واديا في جهنم اسمه الويل.
المرسلات 77:6
(p-٥٠١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المفَسِّرِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنّهُ قِيلَ: إنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ إنَّها حِكايَةً عن حالِ المُنافِقِينَ، وإنَّها بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُوَرَةُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَيْبَرَ... الحَدِيثُ بِطُولِهِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والناشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ فُرِجَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ ﴿وَإذا الرُسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "المُرْسَلاتِ": الرُسُلُ إلى الناسِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ المُرْسَلاتُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرْسَلاتِ: المَلائِكَةُ المُرْسَلَةُ بِالوَحْيِ وبِالتَعاقبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَهارِ، وقالَ ابْنُ (p-٥٠٢)مسعود أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: المُرْسَلاتِ: الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: المُرْسَلاتِ: السحاب. و"عُرْفًا" معناه على القول الأول: عُرْفًا من الله وإفضالًا على عباده ببعثة الرسل عليهم السلام، ومنه قول الشاعر:
؎ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بِقَوْلِهِ "عُرْفًا" متتابعة، على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: "الناس إلى فلان عرف واحد" إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد: بِالعرف، أي بِالحق والأمر بِالمعروف، وهذه الأقوال في "عرفًا" تتجه في قول من قال: في المُرْسَلاتِ هى الملائكة، ومن قال إن المُرْسَلاتِ هى الرياح اتجه في "العرف" أن يقال: التأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة بها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا نقمة فيه، ويكون الصنف الآخر من الريح في قَوْلِهِ تَعالى "فالعاصِفاتِ عَصْفًا"، ويحتمل أن يكون "عرفًا" بمعنى: والمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي العاصفات، ويحتمل أن يريد بِالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: "هب عرف من ريح"، والقول في العرف مع أن المُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن المُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى: "عرفا" بضم الراء. و"العاصف" من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره.
واختلف الناس في قَوْلِهِ تَعالى: "والناشرات"، فقال مقاتل، والسُدِّيُّ: هي الملائكة تنشر صحف العباد بِالأعمال، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشِراتِ طوائف الملائكة التى تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث، فكأنهم يحيونهم، وقال قوم: الناشرات (p-٥٠٣)الرمم في بعث يوم القيامه، يقال: نشر الميت، ومنه قول الأعشى:
؎ ............ ∗∗∗ يا عجبًا للميت الناشرِ
وقيل: الناشرات البقاع التى تحيا بِالأمطار، شبهت بِالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار تحى الأرض.
"فالفارقات"، قال ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو صالح، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هى الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتاده، والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: الفارقات آيات القران.
وأما "الملقيات ذكرًا" فهى في قول الجمهور: الملائكة، قال مقاتل: جبريل عليه السلام ونحوه، وقال آخرون: هى الرسل عليهم السلام، وقرأ جمهور الناس: "فالملقيات" بسكون اللام، أى تلقيه من عند الله تعالى وبأمره إلى الرسل عليهم السلام وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه -فيما ذكر المهدوى- "فالملقيات" بفتح اللام وفتح القاف وشدها أى تلقاه من قبل الله تعالى. وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا "فالملقيات" بفتح اللام وشد القاف وكسرها أى: تلقيه هى للرسل عليهم السلام، و"الذكر" الكتب والشرائع ومضمناتها.
وأختلف القراء في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾، فقرأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فى رواية أبى بكر- وأبُو جَعْفَرٍ، وشيبة بسكون الذال في "عذرا" وضمها في "نذرا"، وقرأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكسائى، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وإبراهيم التيمى بسكون الذال فيهما، وقرأ طَلْحَةُ، وعيسى، والحَسَنُ -بخلاف- وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ عن ابْنُ كَثِيرٍ عن عاصِمٍ بضمها فيها. وإسكان الذال على أنها مصدران، يقال: عذرا وعذير، ونذر ونذير، كنكير ونكر، وضم الذال يصح معه (p-٥٠٤)المصدر ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هُما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار، أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من "الذكر"، ويصح أن يكون على المفعول للذكر، كأنه تعالى قال: فالمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْرًا، ويصح أن يكون "عُذْرًا" مفعولا من أجله، أي تلقي الذكر من أجل الإعذار وأما إذا كان "عُذْرًا أو نُذْرًا" جمعا فالنصب على الحال، وقرأ إبراهيم التيمي: "عذرا ونذرا" بواو بدل "أو".
قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ"، هذا الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و"طمس النجوم": إزالة أضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و"فرج السماء" هو بانفطارها حتى تحدث فيها فروج، و"نسف الجبال" هو بعد التسيير، وقيل: كونها هباء وهو تفريقها بِالريح، وقرأ الجمهور: "أقتت" بِالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمز عيسى، وخالد، وقرأ أبُو عَمْرٍو وحده "وقتت" بِالواو، وقرأ بها أبو الأشهب، وعيسى، وعمرو بن عبيد، قال عيسى: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بواو واحدة خفيفة القاف، وهي قراءة ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ووقتت" بواوين، على وزن فوعلت، والمعنى: جعل لها وقت مسطر فجاء وحان، والواو في هذا كله هي الأصل والهمزة بدل.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تعجيب وتوقي على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فَسَّرَ تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله: "لِيَوْمِ الفَصْلِ" يعني تعالى: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم سبحانه يوم الفصل بقوله: "وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ"، على نحو قَوْلُهُ تَعالى: "وَما أدْراكَ ما الحاقَّة" وغير ذلك، ثم أثبت تعالى الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى: لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و"الويل": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بِالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعمار بن ياسر، أن واديا في جهنم اسمه الويل.
المرسلات 77:7
(p-٥٠١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المفَسِّرِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنّهُ قِيلَ: إنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ إنَّها حِكايَةً عن حالِ المُنافِقِينَ، وإنَّها بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُوَرَةُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَيْبَرَ... الحَدِيثُ بِطُولِهِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والناشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ فُرِجَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ ﴿وَإذا الرُسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "المُرْسَلاتِ": الرُسُلُ إلى الناسِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ المُرْسَلاتُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرْسَلاتِ: المَلائِكَةُ المُرْسَلَةُ بِالوَحْيِ وبِالتَعاقبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَهارِ، وقالَ ابْنُ (p-٥٠٢)مسعود أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: المُرْسَلاتِ: الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: المُرْسَلاتِ: السحاب. و"عُرْفًا" معناه على القول الأول: عُرْفًا من الله وإفضالًا على عباده ببعثة الرسل عليهم السلام، ومنه قول الشاعر:
؎ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بِقَوْلِهِ "عُرْفًا" متتابعة، على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: "الناس إلى فلان عرف واحد" إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد: بِالعرف، أي بِالحق والأمر بِالمعروف، وهذه الأقوال في "عرفًا" تتجه في قول من قال: في المُرْسَلاتِ هى الملائكة، ومن قال إن المُرْسَلاتِ هى الرياح اتجه في "العرف" أن يقال: التأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة بها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا نقمة فيه، ويكون الصنف الآخر من الريح في قَوْلِهِ تَعالى "فالعاصِفاتِ عَصْفًا"، ويحتمل أن يكون "عرفًا" بمعنى: والمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي العاصفات، ويحتمل أن يريد بِالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: "هب عرف من ريح"، والقول في العرف مع أن المُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن المُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى: "عرفا" بضم الراء. و"العاصف" من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره.
واختلف الناس في قَوْلِهِ تَعالى: "والناشرات"، فقال مقاتل، والسُدِّيُّ: هي الملائكة تنشر صحف العباد بِالأعمال، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشِراتِ طوائف الملائكة التى تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث، فكأنهم يحيونهم، وقال قوم: الناشرات (p-٥٠٣)الرمم في بعث يوم القيامه، يقال: نشر الميت، ومنه قول الأعشى:
؎ ............ ∗∗∗ يا عجبًا للميت الناشرِ
وقيل: الناشرات البقاع التى تحيا بِالأمطار، شبهت بِالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار تحى الأرض.
"فالفارقات"، قال ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو صالح، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هى الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتاده، والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: الفارقات آيات القران.
وأما "الملقيات ذكرًا" فهى في قول الجمهور: الملائكة، قال مقاتل: جبريل عليه السلام ونحوه، وقال آخرون: هى الرسل عليهم السلام، وقرأ جمهور الناس: "فالملقيات" بسكون اللام، أى تلقيه من عند الله تعالى وبأمره إلى الرسل عليهم السلام وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه -فيما ذكر المهدوى- "فالملقيات" بفتح اللام وفتح القاف وشدها أى تلقاه من قبل الله تعالى. وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا "فالملقيات" بفتح اللام وشد القاف وكسرها أى: تلقيه هى للرسل عليهم السلام، و"الذكر" الكتب والشرائع ومضمناتها.
وأختلف القراء في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾، فقرأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فى رواية أبى بكر- وأبُو جَعْفَرٍ، وشيبة بسكون الذال في "عذرا" وضمها في "نذرا"، وقرأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكسائى، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وإبراهيم التيمى بسكون الذال فيهما، وقرأ طَلْحَةُ، وعيسى، والحَسَنُ -بخلاف- وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ عن ابْنُ كَثِيرٍ عن عاصِمٍ بضمها فيها. وإسكان الذال على أنها مصدران، يقال: عذرا وعذير، ونذر ونذير، كنكير ونكر، وضم الذال يصح معه (p-٥٠٤)المصدر ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هُما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار، أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من "الذكر"، ويصح أن يكون على المفعول للذكر، كأنه تعالى قال: فالمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْرًا، ويصح أن يكون "عُذْرًا" مفعولا من أجله، أي تلقي الذكر من أجل الإعذار وأما إذا كان "عُذْرًا أو نُذْرًا" جمعا فالنصب على الحال، وقرأ إبراهيم التيمي: "عذرا ونذرا" بواو بدل "أو".
قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ"، هذا الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و"طمس النجوم": إزالة أضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و"فرج السماء" هو بانفطارها حتى تحدث فيها فروج، و"نسف الجبال" هو بعد التسيير، وقيل: كونها هباء وهو تفريقها بِالريح، وقرأ الجمهور: "أقتت" بِالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمز عيسى، وخالد، وقرأ أبُو عَمْرٍو وحده "وقتت" بِالواو، وقرأ بها أبو الأشهب، وعيسى، وعمرو بن عبيد، قال عيسى: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بواو واحدة خفيفة القاف، وهي قراءة ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ووقتت" بواوين، على وزن فوعلت، والمعنى: جعل لها وقت مسطر فجاء وحان، والواو في هذا كله هي الأصل والهمزة بدل.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تعجيب وتوقي على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فَسَّرَ تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله: "لِيَوْمِ الفَصْلِ" يعني تعالى: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم سبحانه يوم الفصل بقوله: "وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ"، على نحو قَوْلُهُ تَعالى: "وَما أدْراكَ ما الحاقَّة" وغير ذلك، ثم أثبت تعالى الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى: لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و"الويل": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بِالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعمار بن ياسر، أن واديا في جهنم اسمه الويل.
المرسلات 77:8
(p-٥٠١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المفَسِّرِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنّهُ قِيلَ: إنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ إنَّها حِكايَةً عن حالِ المُنافِقِينَ، وإنَّها بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُوَرَةُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَيْبَرَ... الحَدِيثُ بِطُولِهِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والناشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ فُرِجَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ ﴿وَإذا الرُسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "المُرْسَلاتِ": الرُسُلُ إلى الناسِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ المُرْسَلاتُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرْسَلاتِ: المَلائِكَةُ المُرْسَلَةُ بِالوَحْيِ وبِالتَعاقبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَهارِ، وقالَ ابْنُ (p-٥٠٢)مسعود أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: المُرْسَلاتِ: الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: المُرْسَلاتِ: السحاب. و"عُرْفًا" معناه على القول الأول: عُرْفًا من الله وإفضالًا على عباده ببعثة الرسل عليهم السلام، ومنه قول الشاعر:
؎ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بِقَوْلِهِ "عُرْفًا" متتابعة، على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: "الناس إلى فلان عرف واحد" إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد: بِالعرف، أي بِالحق والأمر بِالمعروف، وهذه الأقوال في "عرفًا" تتجه في قول من قال: في المُرْسَلاتِ هى الملائكة، ومن قال إن المُرْسَلاتِ هى الرياح اتجه في "العرف" أن يقال: التأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة بها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا نقمة فيه، ويكون الصنف الآخر من الريح في قَوْلِهِ تَعالى "فالعاصِفاتِ عَصْفًا"، ويحتمل أن يكون "عرفًا" بمعنى: والمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي العاصفات، ويحتمل أن يريد بِالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: "هب عرف من ريح"، والقول في العرف مع أن المُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن المُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى: "عرفا" بضم الراء. و"العاصف" من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره.
واختلف الناس في قَوْلِهِ تَعالى: "والناشرات"، فقال مقاتل، والسُدِّيُّ: هي الملائكة تنشر صحف العباد بِالأعمال، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشِراتِ طوائف الملائكة التى تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث، فكأنهم يحيونهم، وقال قوم: الناشرات (p-٥٠٣)الرمم في بعث يوم القيامه، يقال: نشر الميت، ومنه قول الأعشى:
؎ ............ ∗∗∗ يا عجبًا للميت الناشرِ
وقيل: الناشرات البقاع التى تحيا بِالأمطار، شبهت بِالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار تحى الأرض.
"فالفارقات"، قال ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو صالح، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هى الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتاده، والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: الفارقات آيات القران.
وأما "الملقيات ذكرًا" فهى في قول الجمهور: الملائكة، قال مقاتل: جبريل عليه السلام ونحوه، وقال آخرون: هى الرسل عليهم السلام، وقرأ جمهور الناس: "فالملقيات" بسكون اللام، أى تلقيه من عند الله تعالى وبأمره إلى الرسل عليهم السلام وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه -فيما ذكر المهدوى- "فالملقيات" بفتح اللام وفتح القاف وشدها أى تلقاه من قبل الله تعالى. وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا "فالملقيات" بفتح اللام وشد القاف وكسرها أى: تلقيه هى للرسل عليهم السلام، و"الذكر" الكتب والشرائع ومضمناتها.
وأختلف القراء في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾، فقرأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فى رواية أبى بكر- وأبُو جَعْفَرٍ، وشيبة بسكون الذال في "عذرا" وضمها في "نذرا"، وقرأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكسائى، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وإبراهيم التيمى بسكون الذال فيهما، وقرأ طَلْحَةُ، وعيسى، والحَسَنُ -بخلاف- وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ عن ابْنُ كَثِيرٍ عن عاصِمٍ بضمها فيها. وإسكان الذال على أنها مصدران، يقال: عذرا وعذير، ونذر ونذير، كنكير ونكر، وضم الذال يصح معه (p-٥٠٤)المصدر ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هُما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار، أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من "الذكر"، ويصح أن يكون على المفعول للذكر، كأنه تعالى قال: فالمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْرًا، ويصح أن يكون "عُذْرًا" مفعولا من أجله، أي تلقي الذكر من أجل الإعذار وأما إذا كان "عُذْرًا أو نُذْرًا" جمعا فالنصب على الحال، وقرأ إبراهيم التيمي: "عذرا ونذرا" بواو بدل "أو".
قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ"، هذا الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و"طمس النجوم": إزالة أضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و"فرج السماء" هو بانفطارها حتى تحدث فيها فروج، و"نسف الجبال" هو بعد التسيير، وقيل: كونها هباء وهو تفريقها بِالريح، وقرأ الجمهور: "أقتت" بِالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمز عيسى، وخالد، وقرأ أبُو عَمْرٍو وحده "وقتت" بِالواو، وقرأ بها أبو الأشهب، وعيسى، وعمرو بن عبيد، قال عيسى: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بواو واحدة خفيفة القاف، وهي قراءة ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ووقتت" بواوين، على وزن فوعلت، والمعنى: جعل لها وقت مسطر فجاء وحان، والواو في هذا كله هي الأصل والهمزة بدل.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تعجيب وتوقي على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فَسَّرَ تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله: "لِيَوْمِ الفَصْلِ" يعني تعالى: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم سبحانه يوم الفصل بقوله: "وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ"، على نحو قَوْلُهُ تَعالى: "وَما أدْراكَ ما الحاقَّة" وغير ذلك، ثم أثبت تعالى الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى: لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و"الويل": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بِالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعمار بن ياسر، أن واديا في جهنم اسمه الويل.
المرسلات 77:9
(p-٥٠١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المفَسِّرِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنّهُ قِيلَ: إنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ إنَّها حِكايَةً عن حالِ المُنافِقِينَ، وإنَّها بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُوَرَةُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَيْبَرَ... الحَدِيثُ بِطُولِهِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والناشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ فُرِجَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ ﴿وَإذا الرُسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "المُرْسَلاتِ": الرُسُلُ إلى الناسِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ المُرْسَلاتُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرْسَلاتِ: المَلائِكَةُ المُرْسَلَةُ بِالوَحْيِ وبِالتَعاقبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَهارِ، وقالَ ابْنُ (p-٥٠٢)مسعود أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: المُرْسَلاتِ: الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: المُرْسَلاتِ: السحاب. و"عُرْفًا" معناه على القول الأول: عُرْفًا من الله وإفضالًا على عباده ببعثة الرسل عليهم السلام، ومنه قول الشاعر:
؎ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بِقَوْلِهِ "عُرْفًا" متتابعة، على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: "الناس إلى فلان عرف واحد" إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد: بِالعرف، أي بِالحق والأمر بِالمعروف، وهذه الأقوال في "عرفًا" تتجه في قول من قال: في المُرْسَلاتِ هى الملائكة، ومن قال إن المُرْسَلاتِ هى الرياح اتجه في "العرف" أن يقال: التأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة بها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا نقمة فيه، ويكون الصنف الآخر من الريح في قَوْلِهِ تَعالى "فالعاصِفاتِ عَصْفًا"، ويحتمل أن يكون "عرفًا" بمعنى: والمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي العاصفات، ويحتمل أن يريد بِالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: "هب عرف من ريح"، والقول في العرف مع أن المُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن المُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى: "عرفا" بضم الراء. و"العاصف" من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره.
واختلف الناس في قَوْلِهِ تَعالى: "والناشرات"، فقال مقاتل، والسُدِّيُّ: هي الملائكة تنشر صحف العباد بِالأعمال، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشِراتِ طوائف الملائكة التى تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث، فكأنهم يحيونهم، وقال قوم: الناشرات (p-٥٠٣)الرمم في بعث يوم القيامه، يقال: نشر الميت، ومنه قول الأعشى:
؎ ............ ∗∗∗ يا عجبًا للميت الناشرِ
وقيل: الناشرات البقاع التى تحيا بِالأمطار، شبهت بِالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار تحى الأرض.
"فالفارقات"، قال ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو صالح، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هى الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتاده، والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: الفارقات آيات القران.
وأما "الملقيات ذكرًا" فهى في قول الجمهور: الملائكة، قال مقاتل: جبريل عليه السلام ونحوه، وقال آخرون: هى الرسل عليهم السلام، وقرأ جمهور الناس: "فالملقيات" بسكون اللام، أى تلقيه من عند الله تعالى وبأمره إلى الرسل عليهم السلام وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه -فيما ذكر المهدوى- "فالملقيات" بفتح اللام وفتح القاف وشدها أى تلقاه من قبل الله تعالى. وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا "فالملقيات" بفتح اللام وشد القاف وكسرها أى: تلقيه هى للرسل عليهم السلام، و"الذكر" الكتب والشرائع ومضمناتها.
وأختلف القراء في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾، فقرأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فى رواية أبى بكر- وأبُو جَعْفَرٍ، وشيبة بسكون الذال في "عذرا" وضمها في "نذرا"، وقرأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكسائى، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وإبراهيم التيمى بسكون الذال فيهما، وقرأ طَلْحَةُ، وعيسى، والحَسَنُ -بخلاف- وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ عن ابْنُ كَثِيرٍ عن عاصِمٍ بضمها فيها. وإسكان الذال على أنها مصدران، يقال: عذرا وعذير، ونذر ونذير، كنكير ونكر، وضم الذال يصح معه (p-٥٠٤)المصدر ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هُما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار، أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من "الذكر"، ويصح أن يكون على المفعول للذكر، كأنه تعالى قال: فالمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْرًا، ويصح أن يكون "عُذْرًا" مفعولا من أجله، أي تلقي الذكر من أجل الإعذار وأما إذا كان "عُذْرًا أو نُذْرًا" جمعا فالنصب على الحال، وقرأ إبراهيم التيمي: "عذرا ونذرا" بواو بدل "أو".
قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ"، هذا الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و"طمس النجوم": إزالة أضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و"فرج السماء" هو بانفطارها حتى تحدث فيها فروج، و"نسف الجبال" هو بعد التسيير، وقيل: كونها هباء وهو تفريقها بِالريح، وقرأ الجمهور: "أقتت" بِالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمز عيسى، وخالد، وقرأ أبُو عَمْرٍو وحده "وقتت" بِالواو، وقرأ بها أبو الأشهب، وعيسى، وعمرو بن عبيد، قال عيسى: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بواو واحدة خفيفة القاف، وهي قراءة ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ووقتت" بواوين، على وزن فوعلت، والمعنى: جعل لها وقت مسطر فجاء وحان، والواو في هذا كله هي الأصل والهمزة بدل.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تعجيب وتوقي على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فَسَّرَ تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله: "لِيَوْمِ الفَصْلِ" يعني تعالى: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم سبحانه يوم الفصل بقوله: "وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ"، على نحو قَوْلُهُ تَعالى: "وَما أدْراكَ ما الحاقَّة" وغير ذلك، ثم أثبت تعالى الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى: لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و"الويل": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بِالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعمار بن ياسر، أن واديا في جهنم اسمه الويل.
المرسلات 77:10
(p-٥٠١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المفَسِّرِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنّهُ قِيلَ: إنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ إنَّها حِكايَةً عن حالِ المُنافِقِينَ، وإنَّها بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُوَرَةُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَيْبَرَ... الحَدِيثُ بِطُولِهِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والناشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ فُرِجَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ ﴿وَإذا الرُسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "المُرْسَلاتِ": الرُسُلُ إلى الناسِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ المُرْسَلاتُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرْسَلاتِ: المَلائِكَةُ المُرْسَلَةُ بِالوَحْيِ وبِالتَعاقبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَهارِ، وقالَ ابْنُ (p-٥٠٢)مسعود أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: المُرْسَلاتِ: الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: المُرْسَلاتِ: السحاب. و"عُرْفًا" معناه على القول الأول: عُرْفًا من الله وإفضالًا على عباده ببعثة الرسل عليهم السلام، ومنه قول الشاعر:
؎ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بِقَوْلِهِ "عُرْفًا" متتابعة، على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: "الناس إلى فلان عرف واحد" إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد: بِالعرف، أي بِالحق والأمر بِالمعروف، وهذه الأقوال في "عرفًا" تتجه في قول من قال: في المُرْسَلاتِ هى الملائكة، ومن قال إن المُرْسَلاتِ هى الرياح اتجه في "العرف" أن يقال: التأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة بها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا نقمة فيه، ويكون الصنف الآخر من الريح في قَوْلِهِ تَعالى "فالعاصِفاتِ عَصْفًا"، ويحتمل أن يكون "عرفًا" بمعنى: والمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي العاصفات، ويحتمل أن يريد بِالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: "هب عرف من ريح"، والقول في العرف مع أن المُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن المُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى: "عرفا" بضم الراء. و"العاصف" من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره.
واختلف الناس في قَوْلِهِ تَعالى: "والناشرات"، فقال مقاتل، والسُدِّيُّ: هي الملائكة تنشر صحف العباد بِالأعمال، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشِراتِ طوائف الملائكة التى تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث، فكأنهم يحيونهم، وقال قوم: الناشرات (p-٥٠٣)الرمم في بعث يوم القيامه، يقال: نشر الميت، ومنه قول الأعشى:
؎ ............ ∗∗∗ يا عجبًا للميت الناشرِ
وقيل: الناشرات البقاع التى تحيا بِالأمطار، شبهت بِالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار تحى الأرض.
"فالفارقات"، قال ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو صالح، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هى الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتاده، والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: الفارقات آيات القران.
وأما "الملقيات ذكرًا" فهى في قول الجمهور: الملائكة، قال مقاتل: جبريل عليه السلام ونحوه، وقال آخرون: هى الرسل عليهم السلام، وقرأ جمهور الناس: "فالملقيات" بسكون اللام، أى تلقيه من عند الله تعالى وبأمره إلى الرسل عليهم السلام وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه -فيما ذكر المهدوى- "فالملقيات" بفتح اللام وفتح القاف وشدها أى تلقاه من قبل الله تعالى. وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا "فالملقيات" بفتح اللام وشد القاف وكسرها أى: تلقيه هى للرسل عليهم السلام، و"الذكر" الكتب والشرائع ومضمناتها.
وأختلف القراء في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾، فقرأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فى رواية أبى بكر- وأبُو جَعْفَرٍ، وشيبة بسكون الذال في "عذرا" وضمها في "نذرا"، وقرأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكسائى، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وإبراهيم التيمى بسكون الذال فيهما، وقرأ طَلْحَةُ، وعيسى، والحَسَنُ -بخلاف- وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ عن ابْنُ كَثِيرٍ عن عاصِمٍ بضمها فيها. وإسكان الذال على أنها مصدران، يقال: عذرا وعذير، ونذر ونذير، كنكير ونكر، وضم الذال يصح معه (p-٥٠٤)المصدر ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هُما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار، أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من "الذكر"، ويصح أن يكون على المفعول للذكر، كأنه تعالى قال: فالمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْرًا، ويصح أن يكون "عُذْرًا" مفعولا من أجله، أي تلقي الذكر من أجل الإعذار وأما إذا كان "عُذْرًا أو نُذْرًا" جمعا فالنصب على الحال، وقرأ إبراهيم التيمي: "عذرا ونذرا" بواو بدل "أو".
قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ"، هذا الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و"طمس النجوم": إزالة أضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و"فرج السماء" هو بانفطارها حتى تحدث فيها فروج، و"نسف الجبال" هو بعد التسيير، وقيل: كونها هباء وهو تفريقها بِالريح، وقرأ الجمهور: "أقتت" بِالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمز عيسى، وخالد، وقرأ أبُو عَمْرٍو وحده "وقتت" بِالواو، وقرأ بها أبو الأشهب، وعيسى، وعمرو بن عبيد، قال عيسى: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بواو واحدة خفيفة القاف، وهي قراءة ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ووقتت" بواوين، على وزن فوعلت، والمعنى: جعل لها وقت مسطر فجاء وحان، والواو في هذا كله هي الأصل والهمزة بدل.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تعجيب وتوقي على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فَسَّرَ تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله: "لِيَوْمِ الفَصْلِ" يعني تعالى: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم سبحانه يوم الفصل بقوله: "وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ"، على نحو قَوْلُهُ تَعالى: "وَما أدْراكَ ما الحاقَّة" وغير ذلك، ثم أثبت تعالى الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى: لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و"الويل": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بِالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعمار بن ياسر، أن واديا في جهنم اسمه الويل.
المرسلات 77:11
(p-٥٠١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المفَسِّرِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنّهُ قِيلَ: إنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ إنَّها حِكايَةً عن حالِ المُنافِقِينَ، وإنَّها بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُوَرَةُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَيْبَرَ... الحَدِيثُ بِطُولِهِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والناشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ فُرِجَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ ﴿وَإذا الرُسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "المُرْسَلاتِ": الرُسُلُ إلى الناسِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ المُرْسَلاتُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرْسَلاتِ: المَلائِكَةُ المُرْسَلَةُ بِالوَحْيِ وبِالتَعاقبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَهارِ، وقالَ ابْنُ (p-٥٠٢)مسعود أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: المُرْسَلاتِ: الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: المُرْسَلاتِ: السحاب. و"عُرْفًا" معناه على القول الأول: عُرْفًا من الله وإفضالًا على عباده ببعثة الرسل عليهم السلام، ومنه قول الشاعر:
؎ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بِقَوْلِهِ "عُرْفًا" متتابعة، على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: "الناس إلى فلان عرف واحد" إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد: بِالعرف، أي بِالحق والأمر بِالمعروف، وهذه الأقوال في "عرفًا" تتجه في قول من قال: في المُرْسَلاتِ هى الملائكة، ومن قال إن المُرْسَلاتِ هى الرياح اتجه في "العرف" أن يقال: التأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة بها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا نقمة فيه، ويكون الصنف الآخر من الريح في قَوْلِهِ تَعالى "فالعاصِفاتِ عَصْفًا"، ويحتمل أن يكون "عرفًا" بمعنى: والمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي العاصفات، ويحتمل أن يريد بِالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: "هب عرف من ريح"، والقول في العرف مع أن المُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن المُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى: "عرفا" بضم الراء. و"العاصف" من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره.
واختلف الناس في قَوْلِهِ تَعالى: "والناشرات"، فقال مقاتل، والسُدِّيُّ: هي الملائكة تنشر صحف العباد بِالأعمال، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشِراتِ طوائف الملائكة التى تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث، فكأنهم يحيونهم، وقال قوم: الناشرات (p-٥٠٣)الرمم في بعث يوم القيامه، يقال: نشر الميت، ومنه قول الأعشى:
؎ ............ ∗∗∗ يا عجبًا للميت الناشرِ
وقيل: الناشرات البقاع التى تحيا بِالأمطار، شبهت بِالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار تحى الأرض.
"فالفارقات"، قال ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو صالح، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هى الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتاده، والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: الفارقات آيات القران.
وأما "الملقيات ذكرًا" فهى في قول الجمهور: الملائكة، قال مقاتل: جبريل عليه السلام ونحوه، وقال آخرون: هى الرسل عليهم السلام، وقرأ جمهور الناس: "فالملقيات" بسكون اللام، أى تلقيه من عند الله تعالى وبأمره إلى الرسل عليهم السلام وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه -فيما ذكر المهدوى- "فالملقيات" بفتح اللام وفتح القاف وشدها أى تلقاه من قبل الله تعالى. وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا "فالملقيات" بفتح اللام وشد القاف وكسرها أى: تلقيه هى للرسل عليهم السلام، و"الذكر" الكتب والشرائع ومضمناتها.
وأختلف القراء في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾، فقرأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فى رواية أبى بكر- وأبُو جَعْفَرٍ، وشيبة بسكون الذال في "عذرا" وضمها في "نذرا"، وقرأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكسائى، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وإبراهيم التيمى بسكون الذال فيهما، وقرأ طَلْحَةُ، وعيسى، والحَسَنُ -بخلاف- وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ عن ابْنُ كَثِيرٍ عن عاصِمٍ بضمها فيها. وإسكان الذال على أنها مصدران، يقال: عذرا وعذير، ونذر ونذير، كنكير ونكر، وضم الذال يصح معه (p-٥٠٤)المصدر ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هُما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار، أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من "الذكر"، ويصح أن يكون على المفعول للذكر، كأنه تعالى قال: فالمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْرًا، ويصح أن يكون "عُذْرًا" مفعولا من أجله، أي تلقي الذكر من أجل الإعذار وأما إذا كان "عُذْرًا أو نُذْرًا" جمعا فالنصب على الحال، وقرأ إبراهيم التيمي: "عذرا ونذرا" بواو بدل "أو".
قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ"، هذا الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و"طمس النجوم": إزالة أضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و"فرج السماء" هو بانفطارها حتى تحدث فيها فروج، و"نسف الجبال" هو بعد التسيير، وقيل: كونها هباء وهو تفريقها بِالريح، وقرأ الجمهور: "أقتت" بِالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمز عيسى، وخالد، وقرأ أبُو عَمْرٍو وحده "وقتت" بِالواو، وقرأ بها أبو الأشهب، وعيسى، وعمرو بن عبيد، قال عيسى: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بواو واحدة خفيفة القاف، وهي قراءة ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ووقتت" بواوين، على وزن فوعلت، والمعنى: جعل لها وقت مسطر فجاء وحان، والواو في هذا كله هي الأصل والهمزة بدل.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تعجيب وتوقي على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فَسَّرَ تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله: "لِيَوْمِ الفَصْلِ" يعني تعالى: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم سبحانه يوم الفصل بقوله: "وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ"، على نحو قَوْلُهُ تَعالى: "وَما أدْراكَ ما الحاقَّة" وغير ذلك، ثم أثبت تعالى الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى: لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و"الويل": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بِالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعمار بن ياسر، أن واديا في جهنم اسمه الويل.
المرسلات 77:12
(p-٥٠١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المفَسِّرِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنّهُ قِيلَ: إنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ إنَّها حِكايَةً عن حالِ المُنافِقِينَ، وإنَّها بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُوَرَةُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَيْبَرَ... الحَدِيثُ بِطُولِهِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والناشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ فُرِجَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ ﴿وَإذا الرُسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "المُرْسَلاتِ": الرُسُلُ إلى الناسِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ المُرْسَلاتُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرْسَلاتِ: المَلائِكَةُ المُرْسَلَةُ بِالوَحْيِ وبِالتَعاقبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَهارِ، وقالَ ابْنُ (p-٥٠٢)مسعود أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: المُرْسَلاتِ: الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: المُرْسَلاتِ: السحاب. و"عُرْفًا" معناه على القول الأول: عُرْفًا من الله وإفضالًا على عباده ببعثة الرسل عليهم السلام، ومنه قول الشاعر:
؎ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بِقَوْلِهِ "عُرْفًا" متتابعة، على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: "الناس إلى فلان عرف واحد" إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد: بِالعرف، أي بِالحق والأمر بِالمعروف، وهذه الأقوال في "عرفًا" تتجه في قول من قال: في المُرْسَلاتِ هى الملائكة، ومن قال إن المُرْسَلاتِ هى الرياح اتجه في "العرف" أن يقال: التأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة بها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا نقمة فيه، ويكون الصنف الآخر من الريح في قَوْلِهِ تَعالى "فالعاصِفاتِ عَصْفًا"، ويحتمل أن يكون "عرفًا" بمعنى: والمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي العاصفات، ويحتمل أن يريد بِالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: "هب عرف من ريح"، والقول في العرف مع أن المُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن المُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى: "عرفا" بضم الراء. و"العاصف" من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره.
واختلف الناس في قَوْلِهِ تَعالى: "والناشرات"، فقال مقاتل، والسُدِّيُّ: هي الملائكة تنشر صحف العباد بِالأعمال، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشِراتِ طوائف الملائكة التى تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث، فكأنهم يحيونهم، وقال قوم: الناشرات (p-٥٠٣)الرمم في بعث يوم القيامه، يقال: نشر الميت، ومنه قول الأعشى:
؎ ............ ∗∗∗ يا عجبًا للميت الناشرِ
وقيل: الناشرات البقاع التى تحيا بِالأمطار، شبهت بِالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار تحى الأرض.
"فالفارقات"، قال ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو صالح، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هى الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتاده، والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: الفارقات آيات القران.
وأما "الملقيات ذكرًا" فهى في قول الجمهور: الملائكة، قال مقاتل: جبريل عليه السلام ونحوه، وقال آخرون: هى الرسل عليهم السلام، وقرأ جمهور الناس: "فالملقيات" بسكون اللام، أى تلقيه من عند الله تعالى وبأمره إلى الرسل عليهم السلام وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه -فيما ذكر المهدوى- "فالملقيات" بفتح اللام وفتح القاف وشدها أى تلقاه من قبل الله تعالى. وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا "فالملقيات" بفتح اللام وشد القاف وكسرها أى: تلقيه هى للرسل عليهم السلام، و"الذكر" الكتب والشرائع ومضمناتها.
وأختلف القراء في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾، فقرأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فى رواية أبى بكر- وأبُو جَعْفَرٍ، وشيبة بسكون الذال في "عذرا" وضمها في "نذرا"، وقرأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكسائى، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وإبراهيم التيمى بسكون الذال فيهما، وقرأ طَلْحَةُ، وعيسى، والحَسَنُ -بخلاف- وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ عن ابْنُ كَثِيرٍ عن عاصِمٍ بضمها فيها. وإسكان الذال على أنها مصدران، يقال: عذرا وعذير، ونذر ونذير، كنكير ونكر، وضم الذال يصح معه (p-٥٠٤)المصدر ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هُما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار، أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من "الذكر"، ويصح أن يكون على المفعول للذكر، كأنه تعالى قال: فالمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْرًا، ويصح أن يكون "عُذْرًا" مفعولا من أجله، أي تلقي الذكر من أجل الإعذار وأما إذا كان "عُذْرًا أو نُذْرًا" جمعا فالنصب على الحال، وقرأ إبراهيم التيمي: "عذرا ونذرا" بواو بدل "أو".
قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ"، هذا الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و"طمس النجوم": إزالة أضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و"فرج السماء" هو بانفطارها حتى تحدث فيها فروج، و"نسف الجبال" هو بعد التسيير، وقيل: كونها هباء وهو تفريقها بِالريح، وقرأ الجمهور: "أقتت" بِالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمز عيسى، وخالد، وقرأ أبُو عَمْرٍو وحده "وقتت" بِالواو، وقرأ بها أبو الأشهب، وعيسى، وعمرو بن عبيد، قال عيسى: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بواو واحدة خفيفة القاف، وهي قراءة ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ووقتت" بواوين، على وزن فوعلت، والمعنى: جعل لها وقت مسطر فجاء وحان، والواو في هذا كله هي الأصل والهمزة بدل.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تعجيب وتوقي على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فَسَّرَ تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله: "لِيَوْمِ الفَصْلِ" يعني تعالى: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم سبحانه يوم الفصل بقوله: "وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ"، على نحو قَوْلُهُ تَعالى: "وَما أدْراكَ ما الحاقَّة" وغير ذلك، ثم أثبت تعالى الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى: لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و"الويل": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بِالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعمار بن ياسر، أن واديا في جهنم اسمه الويل.
المرسلات 77:13
(p-٥٠١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المفَسِّرِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنّهُ قِيلَ: إنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ إنَّها حِكايَةً عن حالِ المُنافِقِينَ، وإنَّها بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُوَرَةُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَيْبَرَ... الحَدِيثُ بِطُولِهِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والناشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ فُرِجَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ ﴿وَإذا الرُسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "المُرْسَلاتِ": الرُسُلُ إلى الناسِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ المُرْسَلاتُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرْسَلاتِ: المَلائِكَةُ المُرْسَلَةُ بِالوَحْيِ وبِالتَعاقبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَهارِ، وقالَ ابْنُ (p-٥٠٢)مسعود أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: المُرْسَلاتِ: الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: المُرْسَلاتِ: السحاب. و"عُرْفًا" معناه على القول الأول: عُرْفًا من الله وإفضالًا على عباده ببعثة الرسل عليهم السلام، ومنه قول الشاعر:
؎ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بِقَوْلِهِ "عُرْفًا" متتابعة، على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: "الناس إلى فلان عرف واحد" إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد: بِالعرف، أي بِالحق والأمر بِالمعروف، وهذه الأقوال في "عرفًا" تتجه في قول من قال: في المُرْسَلاتِ هى الملائكة، ومن قال إن المُرْسَلاتِ هى الرياح اتجه في "العرف" أن يقال: التأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة بها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا نقمة فيه، ويكون الصنف الآخر من الريح في قَوْلِهِ تَعالى "فالعاصِفاتِ عَصْفًا"، ويحتمل أن يكون "عرفًا" بمعنى: والمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي العاصفات، ويحتمل أن يريد بِالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: "هب عرف من ريح"، والقول في العرف مع أن المُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن المُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى: "عرفا" بضم الراء. و"العاصف" من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره.
واختلف الناس في قَوْلِهِ تَعالى: "والناشرات"، فقال مقاتل، والسُدِّيُّ: هي الملائكة تنشر صحف العباد بِالأعمال، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشِراتِ طوائف الملائكة التى تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث، فكأنهم يحيونهم، وقال قوم: الناشرات (p-٥٠٣)الرمم في بعث يوم القيامه، يقال: نشر الميت، ومنه قول الأعشى:
؎ ............ ∗∗∗ يا عجبًا للميت الناشرِ
وقيل: الناشرات البقاع التى تحيا بِالأمطار، شبهت بِالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار تحى الأرض.
"فالفارقات"، قال ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو صالح، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هى الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتاده، والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: الفارقات آيات القران.
وأما "الملقيات ذكرًا" فهى في قول الجمهور: الملائكة، قال مقاتل: جبريل عليه السلام ونحوه، وقال آخرون: هى الرسل عليهم السلام، وقرأ جمهور الناس: "فالملقيات" بسكون اللام، أى تلقيه من عند الله تعالى وبأمره إلى الرسل عليهم السلام وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه -فيما ذكر المهدوى- "فالملقيات" بفتح اللام وفتح القاف وشدها أى تلقاه من قبل الله تعالى. وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا "فالملقيات" بفتح اللام وشد القاف وكسرها أى: تلقيه هى للرسل عليهم السلام، و"الذكر" الكتب والشرائع ومضمناتها.
وأختلف القراء في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾، فقرأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فى رواية أبى بكر- وأبُو جَعْفَرٍ، وشيبة بسكون الذال في "عذرا" وضمها في "نذرا"، وقرأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكسائى، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وإبراهيم التيمى بسكون الذال فيهما، وقرأ طَلْحَةُ، وعيسى، والحَسَنُ -بخلاف- وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ عن ابْنُ كَثِيرٍ عن عاصِمٍ بضمها فيها. وإسكان الذال على أنها مصدران، يقال: عذرا وعذير، ونذر ونذير، كنكير ونكر، وضم الذال يصح معه (p-٥٠٤)المصدر ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هُما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار، أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من "الذكر"، ويصح أن يكون على المفعول للذكر، كأنه تعالى قال: فالمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْرًا، ويصح أن يكون "عُذْرًا" مفعولا من أجله، أي تلقي الذكر من أجل الإعذار وأما إذا كان "عُذْرًا أو نُذْرًا" جمعا فالنصب على الحال، وقرأ إبراهيم التيمي: "عذرا ونذرا" بواو بدل "أو".
قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ"، هذا الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و"طمس النجوم": إزالة أضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و"فرج السماء" هو بانفطارها حتى تحدث فيها فروج، و"نسف الجبال" هو بعد التسيير، وقيل: كونها هباء وهو تفريقها بِالريح، وقرأ الجمهور: "أقتت" بِالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمز عيسى، وخالد، وقرأ أبُو عَمْرٍو وحده "وقتت" بِالواو، وقرأ بها أبو الأشهب، وعيسى، وعمرو بن عبيد، قال عيسى: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بواو واحدة خفيفة القاف، وهي قراءة ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ووقتت" بواوين، على وزن فوعلت، والمعنى: جعل لها وقت مسطر فجاء وحان، والواو في هذا كله هي الأصل والهمزة بدل.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تعجيب وتوقي على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فَسَّرَ تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله: "لِيَوْمِ الفَصْلِ" يعني تعالى: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم سبحانه يوم الفصل بقوله: "وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ"، على نحو قَوْلُهُ تَعالى: "وَما أدْراكَ ما الحاقَّة" وغير ذلك، ثم أثبت تعالى الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى: لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و"الويل": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بِالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعمار بن ياسر، أن واديا في جهنم اسمه الويل.
المرسلات 77:14
(p-٥٠١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المفَسِّرِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنّهُ قِيلَ: إنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ إنَّها حِكايَةً عن حالِ المُنافِقِينَ، وإنَّها بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُوَرَةُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَيْبَرَ... الحَدِيثُ بِطُولِهِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والناشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ فُرِجَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ ﴿وَإذا الرُسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "المُرْسَلاتِ": الرُسُلُ إلى الناسِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ المُرْسَلاتُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرْسَلاتِ: المَلائِكَةُ المُرْسَلَةُ بِالوَحْيِ وبِالتَعاقبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَهارِ، وقالَ ابْنُ (p-٥٠٢)مسعود أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: المُرْسَلاتِ: الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: المُرْسَلاتِ: السحاب. و"عُرْفًا" معناه على القول الأول: عُرْفًا من الله وإفضالًا على عباده ببعثة الرسل عليهم السلام، ومنه قول الشاعر:
؎ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بِقَوْلِهِ "عُرْفًا" متتابعة، على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: "الناس إلى فلان عرف واحد" إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد: بِالعرف، أي بِالحق والأمر بِالمعروف، وهذه الأقوال في "عرفًا" تتجه في قول من قال: في المُرْسَلاتِ هى الملائكة، ومن قال إن المُرْسَلاتِ هى الرياح اتجه في "العرف" أن يقال: التأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة بها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا نقمة فيه، ويكون الصنف الآخر من الريح في قَوْلِهِ تَعالى "فالعاصِفاتِ عَصْفًا"، ويحتمل أن يكون "عرفًا" بمعنى: والمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي العاصفات، ويحتمل أن يريد بِالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: "هب عرف من ريح"، والقول في العرف مع أن المُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن المُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى: "عرفا" بضم الراء. و"العاصف" من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره.
واختلف الناس في قَوْلِهِ تَعالى: "والناشرات"، فقال مقاتل، والسُدِّيُّ: هي الملائكة تنشر صحف العباد بِالأعمال، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشِراتِ طوائف الملائكة التى تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث، فكأنهم يحيونهم، وقال قوم: الناشرات (p-٥٠٣)الرمم في بعث يوم القيامه، يقال: نشر الميت، ومنه قول الأعشى:
؎ ............ ∗∗∗ يا عجبًا للميت الناشرِ
وقيل: الناشرات البقاع التى تحيا بِالأمطار، شبهت بِالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار تحى الأرض.
"فالفارقات"، قال ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو صالح، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هى الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتاده، والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: الفارقات آيات القران.
وأما "الملقيات ذكرًا" فهى في قول الجمهور: الملائكة، قال مقاتل: جبريل عليه السلام ونحوه، وقال آخرون: هى الرسل عليهم السلام، وقرأ جمهور الناس: "فالملقيات" بسكون اللام، أى تلقيه من عند الله تعالى وبأمره إلى الرسل عليهم السلام وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه -فيما ذكر المهدوى- "فالملقيات" بفتح اللام وفتح القاف وشدها أى تلقاه من قبل الله تعالى. وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا "فالملقيات" بفتح اللام وشد القاف وكسرها أى: تلقيه هى للرسل عليهم السلام، و"الذكر" الكتب والشرائع ومضمناتها.
وأختلف القراء في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾، فقرأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فى رواية أبى بكر- وأبُو جَعْفَرٍ، وشيبة بسكون الذال في "عذرا" وضمها في "نذرا"، وقرأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكسائى، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وإبراهيم التيمى بسكون الذال فيهما، وقرأ طَلْحَةُ، وعيسى، والحَسَنُ -بخلاف- وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ عن ابْنُ كَثِيرٍ عن عاصِمٍ بضمها فيها. وإسكان الذال على أنها مصدران، يقال: عذرا وعذير، ونذر ونذير، كنكير ونكر، وضم الذال يصح معه (p-٥٠٤)المصدر ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هُما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار، أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من "الذكر"، ويصح أن يكون على المفعول للذكر، كأنه تعالى قال: فالمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْرًا، ويصح أن يكون "عُذْرًا" مفعولا من أجله، أي تلقي الذكر من أجل الإعذار وأما إذا كان "عُذْرًا أو نُذْرًا" جمعا فالنصب على الحال، وقرأ إبراهيم التيمي: "عذرا ونذرا" بواو بدل "أو".
قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ"، هذا الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و"طمس النجوم": إزالة أضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و"فرج السماء" هو بانفطارها حتى تحدث فيها فروج، و"نسف الجبال" هو بعد التسيير، وقيل: كونها هباء وهو تفريقها بِالريح، وقرأ الجمهور: "أقتت" بِالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمز عيسى، وخالد، وقرأ أبُو عَمْرٍو وحده "وقتت" بِالواو، وقرأ بها أبو الأشهب، وعيسى، وعمرو بن عبيد، قال عيسى: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بواو واحدة خفيفة القاف، وهي قراءة ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ووقتت" بواوين، على وزن فوعلت، والمعنى: جعل لها وقت مسطر فجاء وحان، والواو في هذا كله هي الأصل والهمزة بدل.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تعجيب وتوقي على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فَسَّرَ تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله: "لِيَوْمِ الفَصْلِ" يعني تعالى: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم سبحانه يوم الفصل بقوله: "وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ"، على نحو قَوْلُهُ تَعالى: "وَما أدْراكَ ما الحاقَّة" وغير ذلك، ثم أثبت تعالى الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى: لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و"الويل": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بِالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعمار بن ياسر، أن واديا في جهنم اسمه الويل.
المرسلات 77:15
(p-٥٠١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المفَسِّرِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنّهُ قِيلَ: إنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ إنَّها حِكايَةً عن حالِ المُنافِقِينَ، وإنَّها بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُوَرَةُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخَيْبَرَ... الحَدِيثُ بِطُولِهِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والناشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ ﴿فَإذا النُجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ فُرِجَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ ﴿وَإذا الرُسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "المُرْسَلاتِ": الرُسُلُ إلى الناسِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والجَماعاتُ المُرْسَلاتُ، وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرْسَلاتِ: المَلائِكَةُ المُرْسَلَةُ بِالوَحْيِ وبِالتَعاقبِ عَلى العِبادِ طَرَفَيِ النَهارِ، وقالَ ابْنُ (p-٥٠٢)مسعود أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: المُرْسَلاتِ: الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن: المُرْسَلاتِ: السحاب. و"عُرْفًا" معناه على القول الأول: عُرْفًا من الله وإفضالًا على عباده ببعثة الرسل عليهم السلام، ومنه قول الشاعر:
؎ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بِقَوْلِهِ "عُرْفًا" متتابعة، على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: "الناس إلى فلان عرف واحد" إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد: بِالعرف، أي بِالحق والأمر بِالمعروف، وهذه الأقوال في "عرفًا" تتجه في قول من قال: في المُرْسَلاتِ هى الملائكة، ومن قال إن المُرْسَلاتِ هى الرياح اتجه في "العرف" أن يقال: التأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة بها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا نقمة فيه، ويكون الصنف الآخر من الريح في قَوْلِهِ تَعالى "فالعاصِفاتِ عَصْفًا"، ويحتمل أن يكون "عرفًا" بمعنى: والمُرْسَلاتِ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي العاصفات، ويحتمل أن يريد بِالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: "هب عرف من ريح"، والقول في العرف مع أن المُرْسَلاتِ هي الرياح يطرد على أن المُرْسَلاتِ السحاب، وقرأ عيسى: "عرفا" بضم الراء. و"العاصف" من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره.
واختلف الناس في قَوْلِهِ تَعالى: "والناشرات"، فقال مقاتل، والسُدِّيُّ: هي الملائكة تنشر صحف العباد بِالأعمال، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشِراتِ طوائف الملائكة التى تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث، فكأنهم يحيونهم، وقال قوم: الناشرات (p-٥٠٣)الرمم في بعث يوم القيامه، يقال: نشر الميت، ومنه قول الأعشى:
؎ ............ ∗∗∗ يا عجبًا للميت الناشرِ
وقيل: الناشرات البقاع التى تحيا بِالأمطار، شبهت بِالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار تحى الأرض.
"فالفارقات"، قال ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو صالح، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هى الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتاده، والحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: الفارقات آيات القران.
وأما "الملقيات ذكرًا" فهى في قول الجمهور: الملائكة، قال مقاتل: جبريل عليه السلام ونحوه، وقال آخرون: هى الرسل عليهم السلام، وقرأ جمهور الناس: "فالملقيات" بسكون اللام، أى تلقيه من عند الله تعالى وبأمره إلى الرسل عليهم السلام وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه -فيما ذكر المهدوى- "فالملقيات" بفتح اللام وفتح القاف وشدها أى تلقاه من قبل الله تعالى. وقرأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا "فالملقيات" بفتح اللام وشد القاف وكسرها أى: تلقيه هى للرسل عليهم السلام، و"الذكر" الكتب والشرائع ومضمناتها.
وأختلف القراء في قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾، فقرأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فى رواية أبى بكر- وأبُو جَعْفَرٍ، وشيبة بسكون الذال في "عذرا" وضمها في "نذرا"، وقرأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكسائى، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وإبراهيم التيمى بسكون الذال فيهما، وقرأ طَلْحَةُ، وعيسى، والحَسَنُ -بخلاف- وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ عن ابْنُ كَثِيرٍ عن عاصِمٍ بضمها فيها. وإسكان الذال على أنها مصدران، يقال: عذرا وعذير، ونذر ونذير، كنكير ونكر، وضم الذال يصح معه (p-٥٠٤)المصدر ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هُما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار، أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُذْرًا أو نُذْرًا﴾ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من "الذكر"، ويصح أن يكون على المفعول للذكر، كأنه تعالى قال: فالمُلْقِياتِ أن يذكر عُذْرًا، ويصح أن يكون "عُذْرًا" مفعولا من أجله، أي تلقي الذكر من أجل الإعذار وأما إذا كان "عُذْرًا أو نُذْرًا" جمعا فالنصب على الحال، وقرأ إبراهيم التيمي: "عذرا ونذرا" بواو بدل "أو".
قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ"، هذا الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و"طمس النجوم": إزالة أضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و"فرج السماء" هو بانفطارها حتى تحدث فيها فروج، و"نسف الجبال" هو بعد التسيير، وقيل: كونها هباء وهو تفريقها بِالريح، وقرأ الجمهور: "أقتت" بِالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمز عيسى، وخالد، وقرأ أبُو عَمْرٍو وحده "وقتت" بِالواو، وقرأ بها أبو الأشهب، وعيسى، وعمرو بن عبيد، قال عيسى: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبُو جَعْفَرٍ بواو واحدة خفيفة القاف، وهي قراءة ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ووقتت" بواوين، على وزن فوعلت، والمعنى: جعل لها وقت مسطر فجاء وحان، والواو في هذا كله هي الأصل والهمزة بدل.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تعجيب وتوقي على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فَسَّرَ تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله: "لِيَوْمِ الفَصْلِ" يعني تعالى: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم سبحانه يوم الفصل بقوله: "وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ"، على نحو قَوْلُهُ تَعالى: "وَما أدْراكَ ما الحاقَّة" وغير ذلك، ثم أثبت تعالى الويل لِلْمُكَذِّبِينَ في ذلك اليوم، والمعنى: لِلْمُكَذِّبِينَ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و"الويل": هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بِالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعمار بن ياسر، أن واديا في جهنم اسمه الويل.
المرسلات 77:16
(p-٥٠٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قرأ جمهور القراء: "ثم نتبعهم" بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبُو عَمْرٍو - فيما روي عنه_: "ثم نتبعهم" بجزم العين عطفا على "نُهْلِكِ" وهي قراءة الأعرج، وعلى حسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في "الأوَّلِينَ"، فمن قرأ الأولى جعل "الأوَّلِينَ" الأمم التي قدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر تعالى أنه يتبع "الآخِرِينَ" من قريش سير اولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومن قرأ الثانية جعل "الأوَّلِينَ"، قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و"الآخِرِينَ" قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي حرف عبد الله: "وسنتبعهم" ثم قال تعالى: "كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ" أي في المستقبل، فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار.
وأما تكرار قَوْلُهُ تَعالى في هذه السورة: ( ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) فقيل: ذلك بمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب يؤكد ذلك الذي في الآية.
ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث، و"الماء المهين" معناه: الضعيف، وهو المني من الرجل والمرأة، و"القرار المكين" الرحم وبطن المرأة، و"القدر المعلوم": وقت الولادة، ومعناه: معلوم عند الله تعالى في شخص شخص، وأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص بعينه، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "فقدّرنا" بتشديد الدال، وقرأ الباقون بتخفيفها، وهما بمعنى، من القدرة والقدر، ومن التَقْدِيرُ والتوقيف، وقوله
(p-٥٠٦)تَعالى: "القادِرُونَ" يُرَجِّحُ قِراءَةَ الجَماعَةِ، أمّا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ فَسَّرَ "القادِرِينَ" بِالمُقَدِّرِينَ،» وقَدَّرَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَقَدَّرْنا" بِتَشْدِيدِ الدالِ "فَنِعْمَ المُقْتَدِرُونَ"
و"الكَفاتُ": السِتْرُ والوِعاءُ الجامِعُ لِلشَّيْءِ بِإجْماعٍ، تَقُولُ: كَفَتِ الرَجُلَ شِعْرَهُ، إذا جَمَعَهُ بِخِرْقَةٍ، فالأرْضُ تَكَفَّتِ الأحْياءَ عَلى ظَهْرِها، وتَكَفَّتِ الأمْواتَ في بَطْنِها، و"أحْياءً" عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كِفاتًا" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أحْياءً وأمْواتًا"، إنَّما هو بِمَعْنى أنَّ الأرْضَ فِيها أقْطارُ أحْياءٍ وأقْطارُ أمْواتٍ، يُرادُ: ما يَنْبُتُ وما لا يَنْبُتُ، فَنَصْبُ "أحْياءً"- عَلى هَذا- إنَّما هو عَلى الحالِ مِن "الأرْضَ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى،وَقالَ بَنانُ: خَرَجْنا مَعَ الشَعْبِيِّ إلى جِنازَةٍ فَنَظَرَ إلى الجَبّانَةِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ المَوْتى، ثُمَّ نَظَرَ إلى البُيُوتِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ الأحْياءِ، وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي "بَقِيعَ الغَرْقَدِ" كَفْتَةٌ لِأنَّها مَقْبَرَةٌ تَضُمُّ المَوْتى، وفي الحَدِيثِ « "خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وأوكُوا أسْقَيَتَكُمْ، واكْفِتُوا صِبْيانَكُمْ، وأغْلِقُوا أبْوابَكم وأطْفِئُوا مَصابِيحَكُمْ"». ودَفَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَمْلَةً في المَسْجِدِ ثُمَّ قَرَأ: "ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا"، ولَمّا كانَ القَبْرُ كِفاتًا كالبَيْتِ قَطَعَ مَن سَرَقَ مِنهُ.
و"الرَواسِي" الجِبالُ؛ لِأنَّها رَسَتْ، أيْ ثَبَتَتْ، و"الشامِخُ": المُرْتَفِعُ، ومِنهُ: شَمَخَ بِأنْفِهِ، أيِ ارْتَفَعَ واسْتَعْلى، شَبَّهَ المَعْنى بِالشَخْصِ. و"أسْقى" جَعَلَهُ سَقْيًا لِلْغَلّاتِ والمَنافِعِ، وسَقى مَعْناهُ لِلشَّفَةِ خاصَّةً؛ هَذا قَوْلٌ لِجَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، و"الفُراتُ": الصافِي، ولا يُقالُ لِلْمِلِحِ فُراتٌ، وهي لَفْظَةٌ
(p-٥٠٧)تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ ومِياهَ الأنْهارِ، وخُصَّ النَهْرُ المَشْهُورَ بهَذا تَشْرِيفًا لَهُ، وهو نَهْرُ الكُوفَةِ، وسَيُحانُ هو نَهْرُ بَلْخٍ، وجِيحانِ هو دِجْلَةُ، والنِيلُ نَهْرُ مِصْرَ. وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِن هَذِهِ، وفي هَذا بُعْدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
المرسلات 77:17
(p-٥٠٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قرأ جمهور القراء: "ثم نتبعهم" بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبُو عَمْرٍو - فيما روي عنه_: "ثم نتبعهم" بجزم العين عطفا على "نُهْلِكِ" وهي قراءة الأعرج، وعلى حسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في "الأوَّلِينَ"، فمن قرأ الأولى جعل "الأوَّلِينَ" الأمم التي قدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر تعالى أنه يتبع "الآخِرِينَ" من قريش سير اولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومن قرأ الثانية جعل "الأوَّلِينَ"، قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و"الآخِرِينَ" قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي حرف عبد الله: "وسنتبعهم" ثم قال تعالى: "كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ" أي في المستقبل، فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار.
وأما تكرار قَوْلُهُ تَعالى في هذه السورة: ( ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) فقيل: ذلك بمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب يؤكد ذلك الذي في الآية.
ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث، و"الماء المهين" معناه: الضعيف، وهو المني من الرجل والمرأة، و"القرار المكين" الرحم وبطن المرأة، و"القدر المعلوم": وقت الولادة، ومعناه: معلوم عند الله تعالى في شخص شخص، وأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص بعينه، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "فقدّرنا" بتشديد الدال، وقرأ الباقون بتخفيفها، وهما بمعنى، من القدرة والقدر، ومن التَقْدِيرُ والتوقيف، وقوله
(p-٥٠٦)تَعالى: "القادِرُونَ" يُرَجِّحُ قِراءَةَ الجَماعَةِ، أمّا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ فَسَّرَ "القادِرِينَ" بِالمُقَدِّرِينَ،» وقَدَّرَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَقَدَّرْنا" بِتَشْدِيدِ الدالِ "فَنِعْمَ المُقْتَدِرُونَ"
و"الكَفاتُ": السِتْرُ والوِعاءُ الجامِعُ لِلشَّيْءِ بِإجْماعٍ، تَقُولُ: كَفَتِ الرَجُلَ شِعْرَهُ، إذا جَمَعَهُ بِخِرْقَةٍ، فالأرْضُ تَكَفَّتِ الأحْياءَ عَلى ظَهْرِها، وتَكَفَّتِ الأمْواتَ في بَطْنِها، و"أحْياءً" عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كِفاتًا" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أحْياءً وأمْواتًا"، إنَّما هو بِمَعْنى أنَّ الأرْضَ فِيها أقْطارُ أحْياءٍ وأقْطارُ أمْواتٍ، يُرادُ: ما يَنْبُتُ وما لا يَنْبُتُ، فَنَصْبُ "أحْياءً"- عَلى هَذا- إنَّما هو عَلى الحالِ مِن "الأرْضَ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى،وَقالَ بَنانُ: خَرَجْنا مَعَ الشَعْبِيِّ إلى جِنازَةٍ فَنَظَرَ إلى الجَبّانَةِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ المَوْتى، ثُمَّ نَظَرَ إلى البُيُوتِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ الأحْياءِ، وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي "بَقِيعَ الغَرْقَدِ" كَفْتَةٌ لِأنَّها مَقْبَرَةٌ تَضُمُّ المَوْتى، وفي الحَدِيثِ « "خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وأوكُوا أسْقَيَتَكُمْ، واكْفِتُوا صِبْيانَكُمْ، وأغْلِقُوا أبْوابَكم وأطْفِئُوا مَصابِيحَكُمْ"». ودَفَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَمْلَةً في المَسْجِدِ ثُمَّ قَرَأ: "ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا"، ولَمّا كانَ القَبْرُ كِفاتًا كالبَيْتِ قَطَعَ مَن سَرَقَ مِنهُ.
و"الرَواسِي" الجِبالُ؛ لِأنَّها رَسَتْ، أيْ ثَبَتَتْ، و"الشامِخُ": المُرْتَفِعُ، ومِنهُ: شَمَخَ بِأنْفِهِ، أيِ ارْتَفَعَ واسْتَعْلى، شَبَّهَ المَعْنى بِالشَخْصِ. و"أسْقى" جَعَلَهُ سَقْيًا لِلْغَلّاتِ والمَنافِعِ، وسَقى مَعْناهُ لِلشَّفَةِ خاصَّةً؛ هَذا قَوْلٌ لِجَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، و"الفُراتُ": الصافِي، ولا يُقالُ لِلْمِلِحِ فُراتٌ، وهي لَفْظَةٌ
(p-٥٠٧)تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ ومِياهَ الأنْهارِ، وخُصَّ النَهْرُ المَشْهُورَ بهَذا تَشْرِيفًا لَهُ، وهو نَهْرُ الكُوفَةِ، وسَيُحانُ هو نَهْرُ بَلْخٍ، وجِيحانِ هو دِجْلَةُ، والنِيلُ نَهْرُ مِصْرَ. وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِن هَذِهِ، وفي هَذا بُعْدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
المرسلات 77:18
(p-٥٠٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قرأ جمهور القراء: "ثم نتبعهم" بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبُو عَمْرٍو - فيما روي عنه_: "ثم نتبعهم" بجزم العين عطفا على "نُهْلِكِ" وهي قراءة الأعرج، وعلى حسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في "الأوَّلِينَ"، فمن قرأ الأولى جعل "الأوَّلِينَ" الأمم التي قدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر تعالى أنه يتبع "الآخِرِينَ" من قريش سير اولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومن قرأ الثانية جعل "الأوَّلِينَ"، قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و"الآخِرِينَ" قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي حرف عبد الله: "وسنتبعهم" ثم قال تعالى: "كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ" أي في المستقبل، فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار.
وأما تكرار قَوْلُهُ تَعالى في هذه السورة: ( ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) فقيل: ذلك بمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب يؤكد ذلك الذي في الآية.
ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث، و"الماء المهين" معناه: الضعيف، وهو المني من الرجل والمرأة، و"القرار المكين" الرحم وبطن المرأة، و"القدر المعلوم": وقت الولادة، ومعناه: معلوم عند الله تعالى في شخص شخص، وأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص بعينه، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "فقدّرنا" بتشديد الدال، وقرأ الباقون بتخفيفها، وهما بمعنى، من القدرة والقدر، ومن التَقْدِيرُ والتوقيف، وقوله
(p-٥٠٦)تَعالى: "القادِرُونَ" يُرَجِّحُ قِراءَةَ الجَماعَةِ، أمّا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ فَسَّرَ "القادِرِينَ" بِالمُقَدِّرِينَ،» وقَدَّرَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَقَدَّرْنا" بِتَشْدِيدِ الدالِ "فَنِعْمَ المُقْتَدِرُونَ"
و"الكَفاتُ": السِتْرُ والوِعاءُ الجامِعُ لِلشَّيْءِ بِإجْماعٍ، تَقُولُ: كَفَتِ الرَجُلَ شِعْرَهُ، إذا جَمَعَهُ بِخِرْقَةٍ، فالأرْضُ تَكَفَّتِ الأحْياءَ عَلى ظَهْرِها، وتَكَفَّتِ الأمْواتَ في بَطْنِها، و"أحْياءً" عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كِفاتًا" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أحْياءً وأمْواتًا"، إنَّما هو بِمَعْنى أنَّ الأرْضَ فِيها أقْطارُ أحْياءٍ وأقْطارُ أمْواتٍ، يُرادُ: ما يَنْبُتُ وما لا يَنْبُتُ، فَنَصْبُ "أحْياءً"- عَلى هَذا- إنَّما هو عَلى الحالِ مِن "الأرْضَ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى،وَقالَ بَنانُ: خَرَجْنا مَعَ الشَعْبِيِّ إلى جِنازَةٍ فَنَظَرَ إلى الجَبّانَةِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ المَوْتى، ثُمَّ نَظَرَ إلى البُيُوتِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ الأحْياءِ، وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي "بَقِيعَ الغَرْقَدِ" كَفْتَةٌ لِأنَّها مَقْبَرَةٌ تَضُمُّ المَوْتى، وفي الحَدِيثِ « "خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وأوكُوا أسْقَيَتَكُمْ، واكْفِتُوا صِبْيانَكُمْ، وأغْلِقُوا أبْوابَكم وأطْفِئُوا مَصابِيحَكُمْ"». ودَفَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَمْلَةً في المَسْجِدِ ثُمَّ قَرَأ: "ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا"، ولَمّا كانَ القَبْرُ كِفاتًا كالبَيْتِ قَطَعَ مَن سَرَقَ مِنهُ.
و"الرَواسِي" الجِبالُ؛ لِأنَّها رَسَتْ، أيْ ثَبَتَتْ، و"الشامِخُ": المُرْتَفِعُ، ومِنهُ: شَمَخَ بِأنْفِهِ، أيِ ارْتَفَعَ واسْتَعْلى، شَبَّهَ المَعْنى بِالشَخْصِ. و"أسْقى" جَعَلَهُ سَقْيًا لِلْغَلّاتِ والمَنافِعِ، وسَقى مَعْناهُ لِلشَّفَةِ خاصَّةً؛ هَذا قَوْلٌ لِجَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، و"الفُراتُ": الصافِي، ولا يُقالُ لِلْمِلِحِ فُراتٌ، وهي لَفْظَةٌ
(p-٥٠٧)تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ ومِياهَ الأنْهارِ، وخُصَّ النَهْرُ المَشْهُورَ بهَذا تَشْرِيفًا لَهُ، وهو نَهْرُ الكُوفَةِ، وسَيُحانُ هو نَهْرُ بَلْخٍ، وجِيحانِ هو دِجْلَةُ، والنِيلُ نَهْرُ مِصْرَ. وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِن هَذِهِ، وفي هَذا بُعْدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
المرسلات 77:19
(p-٥٠٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قرأ جمهور القراء: "ثم نتبعهم" بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبُو عَمْرٍو - فيما روي عنه_: "ثم نتبعهم" بجزم العين عطفا على "نُهْلِكِ" وهي قراءة الأعرج، وعلى حسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في "الأوَّلِينَ"، فمن قرأ الأولى جعل "الأوَّلِينَ" الأمم التي قدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر تعالى أنه يتبع "الآخِرِينَ" من قريش سير اولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومن قرأ الثانية جعل "الأوَّلِينَ"، قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و"الآخِرِينَ" قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي حرف عبد الله: "وسنتبعهم" ثم قال تعالى: "كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ" أي في المستقبل، فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار.
وأما تكرار قَوْلُهُ تَعالى في هذه السورة: ( ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) فقيل: ذلك بمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب يؤكد ذلك الذي في الآية.
ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث، و"الماء المهين" معناه: الضعيف، وهو المني من الرجل والمرأة، و"القرار المكين" الرحم وبطن المرأة، و"القدر المعلوم": وقت الولادة، ومعناه: معلوم عند الله تعالى في شخص شخص، وأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص بعينه، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "فقدّرنا" بتشديد الدال، وقرأ الباقون بتخفيفها، وهما بمعنى، من القدرة والقدر، ومن التَقْدِيرُ والتوقيف، وقوله
(p-٥٠٦)تَعالى: "القادِرُونَ" يُرَجِّحُ قِراءَةَ الجَماعَةِ، أمّا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ فَسَّرَ "القادِرِينَ" بِالمُقَدِّرِينَ،» وقَدَّرَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَقَدَّرْنا" بِتَشْدِيدِ الدالِ "فَنِعْمَ المُقْتَدِرُونَ"
و"الكَفاتُ": السِتْرُ والوِعاءُ الجامِعُ لِلشَّيْءِ بِإجْماعٍ، تَقُولُ: كَفَتِ الرَجُلَ شِعْرَهُ، إذا جَمَعَهُ بِخِرْقَةٍ، فالأرْضُ تَكَفَّتِ الأحْياءَ عَلى ظَهْرِها، وتَكَفَّتِ الأمْواتَ في بَطْنِها، و"أحْياءً" عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كِفاتًا" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أحْياءً وأمْواتًا"، إنَّما هو بِمَعْنى أنَّ الأرْضَ فِيها أقْطارُ أحْياءٍ وأقْطارُ أمْواتٍ، يُرادُ: ما يَنْبُتُ وما لا يَنْبُتُ، فَنَصْبُ "أحْياءً"- عَلى هَذا- إنَّما هو عَلى الحالِ مِن "الأرْضَ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى،وَقالَ بَنانُ: خَرَجْنا مَعَ الشَعْبِيِّ إلى جِنازَةٍ فَنَظَرَ إلى الجَبّانَةِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ المَوْتى، ثُمَّ نَظَرَ إلى البُيُوتِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ الأحْياءِ، وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي "بَقِيعَ الغَرْقَدِ" كَفْتَةٌ لِأنَّها مَقْبَرَةٌ تَضُمُّ المَوْتى، وفي الحَدِيثِ « "خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وأوكُوا أسْقَيَتَكُمْ، واكْفِتُوا صِبْيانَكُمْ، وأغْلِقُوا أبْوابَكم وأطْفِئُوا مَصابِيحَكُمْ"». ودَفَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَمْلَةً في المَسْجِدِ ثُمَّ قَرَأ: "ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا"، ولَمّا كانَ القَبْرُ كِفاتًا كالبَيْتِ قَطَعَ مَن سَرَقَ مِنهُ.
و"الرَواسِي" الجِبالُ؛ لِأنَّها رَسَتْ، أيْ ثَبَتَتْ، و"الشامِخُ": المُرْتَفِعُ، ومِنهُ: شَمَخَ بِأنْفِهِ، أيِ ارْتَفَعَ واسْتَعْلى، شَبَّهَ المَعْنى بِالشَخْصِ. و"أسْقى" جَعَلَهُ سَقْيًا لِلْغَلّاتِ والمَنافِعِ، وسَقى مَعْناهُ لِلشَّفَةِ خاصَّةً؛ هَذا قَوْلٌ لِجَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، و"الفُراتُ": الصافِي، ولا يُقالُ لِلْمِلِحِ فُراتٌ، وهي لَفْظَةٌ
(p-٥٠٧)تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ ومِياهَ الأنْهارِ، وخُصَّ النَهْرُ المَشْهُورَ بهَذا تَشْرِيفًا لَهُ، وهو نَهْرُ الكُوفَةِ، وسَيُحانُ هو نَهْرُ بَلْخٍ، وجِيحانِ هو دِجْلَةُ، والنِيلُ نَهْرُ مِصْرَ. وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِن هَذِهِ، وفي هَذا بُعْدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
المرسلات 77:20
(p-٥٠٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قرأ جمهور القراء: "ثم نتبعهم" بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبُو عَمْرٍو - فيما روي عنه_: "ثم نتبعهم" بجزم العين عطفا على "نُهْلِكِ" وهي قراءة الأعرج، وعلى حسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في "الأوَّلِينَ"، فمن قرأ الأولى جعل "الأوَّلِينَ" الأمم التي قدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر تعالى أنه يتبع "الآخِرِينَ" من قريش سير اولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومن قرأ الثانية جعل "الأوَّلِينَ"، قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و"الآخِرِينَ" قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي حرف عبد الله: "وسنتبعهم" ثم قال تعالى: "كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ" أي في المستقبل، فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار.
وأما تكرار قَوْلُهُ تَعالى في هذه السورة: ( ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) فقيل: ذلك بمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب يؤكد ذلك الذي في الآية.
ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث، و"الماء المهين" معناه: الضعيف، وهو المني من الرجل والمرأة، و"القرار المكين" الرحم وبطن المرأة، و"القدر المعلوم": وقت الولادة، ومعناه: معلوم عند الله تعالى في شخص شخص، وأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص بعينه، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "فقدّرنا" بتشديد الدال، وقرأ الباقون بتخفيفها، وهما بمعنى، من القدرة والقدر، ومن التَقْدِيرُ والتوقيف، وقوله
(p-٥٠٦)تَعالى: "القادِرُونَ" يُرَجِّحُ قِراءَةَ الجَماعَةِ، أمّا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ فَسَّرَ "القادِرِينَ" بِالمُقَدِّرِينَ،» وقَدَّرَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَقَدَّرْنا" بِتَشْدِيدِ الدالِ "فَنِعْمَ المُقْتَدِرُونَ"
و"الكَفاتُ": السِتْرُ والوِعاءُ الجامِعُ لِلشَّيْءِ بِإجْماعٍ، تَقُولُ: كَفَتِ الرَجُلَ شِعْرَهُ، إذا جَمَعَهُ بِخِرْقَةٍ، فالأرْضُ تَكَفَّتِ الأحْياءَ عَلى ظَهْرِها، وتَكَفَّتِ الأمْواتَ في بَطْنِها، و"أحْياءً" عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كِفاتًا" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أحْياءً وأمْواتًا"، إنَّما هو بِمَعْنى أنَّ الأرْضَ فِيها أقْطارُ أحْياءٍ وأقْطارُ أمْواتٍ، يُرادُ: ما يَنْبُتُ وما لا يَنْبُتُ، فَنَصْبُ "أحْياءً"- عَلى هَذا- إنَّما هو عَلى الحالِ مِن "الأرْضَ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى،وَقالَ بَنانُ: خَرَجْنا مَعَ الشَعْبِيِّ إلى جِنازَةٍ فَنَظَرَ إلى الجَبّانَةِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ المَوْتى، ثُمَّ نَظَرَ إلى البُيُوتِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ الأحْياءِ، وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي "بَقِيعَ الغَرْقَدِ" كَفْتَةٌ لِأنَّها مَقْبَرَةٌ تَضُمُّ المَوْتى، وفي الحَدِيثِ « "خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وأوكُوا أسْقَيَتَكُمْ، واكْفِتُوا صِبْيانَكُمْ، وأغْلِقُوا أبْوابَكم وأطْفِئُوا مَصابِيحَكُمْ"». ودَفَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَمْلَةً في المَسْجِدِ ثُمَّ قَرَأ: "ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا"، ولَمّا كانَ القَبْرُ كِفاتًا كالبَيْتِ قَطَعَ مَن سَرَقَ مِنهُ.
و"الرَواسِي" الجِبالُ؛ لِأنَّها رَسَتْ، أيْ ثَبَتَتْ، و"الشامِخُ": المُرْتَفِعُ، ومِنهُ: شَمَخَ بِأنْفِهِ، أيِ ارْتَفَعَ واسْتَعْلى، شَبَّهَ المَعْنى بِالشَخْصِ. و"أسْقى" جَعَلَهُ سَقْيًا لِلْغَلّاتِ والمَنافِعِ، وسَقى مَعْناهُ لِلشَّفَةِ خاصَّةً؛ هَذا قَوْلٌ لِجَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، و"الفُراتُ": الصافِي، ولا يُقالُ لِلْمِلِحِ فُراتٌ، وهي لَفْظَةٌ
(p-٥٠٧)تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ ومِياهَ الأنْهارِ، وخُصَّ النَهْرُ المَشْهُورَ بهَذا تَشْرِيفًا لَهُ، وهو نَهْرُ الكُوفَةِ، وسَيُحانُ هو نَهْرُ بَلْخٍ، وجِيحانِ هو دِجْلَةُ، والنِيلُ نَهْرُ مِصْرَ. وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِن هَذِهِ، وفي هَذا بُعْدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
المرسلات 77:21
(p-٥٠٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قرأ جمهور القراء: "ثم نتبعهم" بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبُو عَمْرٍو - فيما روي عنه_: "ثم نتبعهم" بجزم العين عطفا على "نُهْلِكِ" وهي قراءة الأعرج، وعلى حسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في "الأوَّلِينَ"، فمن قرأ الأولى جعل "الأوَّلِينَ" الأمم التي قدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر تعالى أنه يتبع "الآخِرِينَ" من قريش سير اولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومن قرأ الثانية جعل "الأوَّلِينَ"، قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و"الآخِرِينَ" قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي حرف عبد الله: "وسنتبعهم" ثم قال تعالى: "كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ" أي في المستقبل، فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار.
وأما تكرار قَوْلُهُ تَعالى في هذه السورة: ( ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) فقيل: ذلك بمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب يؤكد ذلك الذي في الآية.
ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث، و"الماء المهين" معناه: الضعيف، وهو المني من الرجل والمرأة، و"القرار المكين" الرحم وبطن المرأة، و"القدر المعلوم": وقت الولادة، ومعناه: معلوم عند الله تعالى في شخص شخص، وأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص بعينه، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "فقدّرنا" بتشديد الدال، وقرأ الباقون بتخفيفها، وهما بمعنى، من القدرة والقدر، ومن التَقْدِيرُ والتوقيف، وقوله
(p-٥٠٦)تَعالى: "القادِرُونَ" يُرَجِّحُ قِراءَةَ الجَماعَةِ، أمّا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ فَسَّرَ "القادِرِينَ" بِالمُقَدِّرِينَ،» وقَدَّرَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَقَدَّرْنا" بِتَشْدِيدِ الدالِ "فَنِعْمَ المُقْتَدِرُونَ"
و"الكَفاتُ": السِتْرُ والوِعاءُ الجامِعُ لِلشَّيْءِ بِإجْماعٍ، تَقُولُ: كَفَتِ الرَجُلَ شِعْرَهُ، إذا جَمَعَهُ بِخِرْقَةٍ، فالأرْضُ تَكَفَّتِ الأحْياءَ عَلى ظَهْرِها، وتَكَفَّتِ الأمْواتَ في بَطْنِها، و"أحْياءً" عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كِفاتًا" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أحْياءً وأمْواتًا"، إنَّما هو بِمَعْنى أنَّ الأرْضَ فِيها أقْطارُ أحْياءٍ وأقْطارُ أمْواتٍ، يُرادُ: ما يَنْبُتُ وما لا يَنْبُتُ، فَنَصْبُ "أحْياءً"- عَلى هَذا- إنَّما هو عَلى الحالِ مِن "الأرْضَ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى،وَقالَ بَنانُ: خَرَجْنا مَعَ الشَعْبِيِّ إلى جِنازَةٍ فَنَظَرَ إلى الجَبّانَةِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ المَوْتى، ثُمَّ نَظَرَ إلى البُيُوتِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ الأحْياءِ، وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي "بَقِيعَ الغَرْقَدِ" كَفْتَةٌ لِأنَّها مَقْبَرَةٌ تَضُمُّ المَوْتى، وفي الحَدِيثِ « "خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وأوكُوا أسْقَيَتَكُمْ، واكْفِتُوا صِبْيانَكُمْ، وأغْلِقُوا أبْوابَكم وأطْفِئُوا مَصابِيحَكُمْ"». ودَفَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَمْلَةً في المَسْجِدِ ثُمَّ قَرَأ: "ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا"، ولَمّا كانَ القَبْرُ كِفاتًا كالبَيْتِ قَطَعَ مَن سَرَقَ مِنهُ.
و"الرَواسِي" الجِبالُ؛ لِأنَّها رَسَتْ، أيْ ثَبَتَتْ، و"الشامِخُ": المُرْتَفِعُ، ومِنهُ: شَمَخَ بِأنْفِهِ، أيِ ارْتَفَعَ واسْتَعْلى، شَبَّهَ المَعْنى بِالشَخْصِ. و"أسْقى" جَعَلَهُ سَقْيًا لِلْغَلّاتِ والمَنافِعِ، وسَقى مَعْناهُ لِلشَّفَةِ خاصَّةً؛ هَذا قَوْلٌ لِجَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، و"الفُراتُ": الصافِي، ولا يُقالُ لِلْمِلِحِ فُراتٌ، وهي لَفْظَةٌ
(p-٥٠٧)تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ ومِياهَ الأنْهارِ، وخُصَّ النَهْرُ المَشْهُورَ بهَذا تَشْرِيفًا لَهُ، وهو نَهْرُ الكُوفَةِ، وسَيُحانُ هو نَهْرُ بَلْخٍ، وجِيحانِ هو دِجْلَةُ، والنِيلُ نَهْرُ مِصْرَ. وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِن هَذِهِ، وفي هَذا بُعْدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
المرسلات 77:22
(p-٥٠٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قرأ جمهور القراء: "ثم نتبعهم" بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبُو عَمْرٍو - فيما روي عنه_: "ثم نتبعهم" بجزم العين عطفا على "نُهْلِكِ" وهي قراءة الأعرج، وعلى حسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في "الأوَّلِينَ"، فمن قرأ الأولى جعل "الأوَّلِينَ" الأمم التي قدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر تعالى أنه يتبع "الآخِرِينَ" من قريش سير اولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومن قرأ الثانية جعل "الأوَّلِينَ"، قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و"الآخِرِينَ" قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي حرف عبد الله: "وسنتبعهم" ثم قال تعالى: "كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ" أي في المستقبل، فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار.
وأما تكرار قَوْلُهُ تَعالى في هذه السورة: ( ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) فقيل: ذلك بمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب يؤكد ذلك الذي في الآية.
ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث، و"الماء المهين" معناه: الضعيف، وهو المني من الرجل والمرأة، و"القرار المكين" الرحم وبطن المرأة، و"القدر المعلوم": وقت الولادة، ومعناه: معلوم عند الله تعالى في شخص شخص، وأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص بعينه، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "فقدّرنا" بتشديد الدال، وقرأ الباقون بتخفيفها، وهما بمعنى، من القدرة والقدر، ومن التَقْدِيرُ والتوقيف، وقوله
(p-٥٠٦)تَعالى: "القادِرُونَ" يُرَجِّحُ قِراءَةَ الجَماعَةِ، أمّا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ فَسَّرَ "القادِرِينَ" بِالمُقَدِّرِينَ،» وقَدَّرَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَقَدَّرْنا" بِتَشْدِيدِ الدالِ "فَنِعْمَ المُقْتَدِرُونَ"
و"الكَفاتُ": السِتْرُ والوِعاءُ الجامِعُ لِلشَّيْءِ بِإجْماعٍ، تَقُولُ: كَفَتِ الرَجُلَ شِعْرَهُ، إذا جَمَعَهُ بِخِرْقَةٍ، فالأرْضُ تَكَفَّتِ الأحْياءَ عَلى ظَهْرِها، وتَكَفَّتِ الأمْواتَ في بَطْنِها، و"أحْياءً" عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كِفاتًا" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أحْياءً وأمْواتًا"، إنَّما هو بِمَعْنى أنَّ الأرْضَ فِيها أقْطارُ أحْياءٍ وأقْطارُ أمْواتٍ، يُرادُ: ما يَنْبُتُ وما لا يَنْبُتُ، فَنَصْبُ "أحْياءً"- عَلى هَذا- إنَّما هو عَلى الحالِ مِن "الأرْضَ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى،وَقالَ بَنانُ: خَرَجْنا مَعَ الشَعْبِيِّ إلى جِنازَةٍ فَنَظَرَ إلى الجَبّانَةِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ المَوْتى، ثُمَّ نَظَرَ إلى البُيُوتِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ الأحْياءِ، وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي "بَقِيعَ الغَرْقَدِ" كَفْتَةٌ لِأنَّها مَقْبَرَةٌ تَضُمُّ المَوْتى، وفي الحَدِيثِ « "خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وأوكُوا أسْقَيَتَكُمْ، واكْفِتُوا صِبْيانَكُمْ، وأغْلِقُوا أبْوابَكم وأطْفِئُوا مَصابِيحَكُمْ"». ودَفَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَمْلَةً في المَسْجِدِ ثُمَّ قَرَأ: "ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا"، ولَمّا كانَ القَبْرُ كِفاتًا كالبَيْتِ قَطَعَ مَن سَرَقَ مِنهُ.
و"الرَواسِي" الجِبالُ؛ لِأنَّها رَسَتْ، أيْ ثَبَتَتْ، و"الشامِخُ": المُرْتَفِعُ، ومِنهُ: شَمَخَ بِأنْفِهِ، أيِ ارْتَفَعَ واسْتَعْلى، شَبَّهَ المَعْنى بِالشَخْصِ. و"أسْقى" جَعَلَهُ سَقْيًا لِلْغَلّاتِ والمَنافِعِ، وسَقى مَعْناهُ لِلشَّفَةِ خاصَّةً؛ هَذا قَوْلٌ لِجَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، و"الفُراتُ": الصافِي، ولا يُقالُ لِلْمِلِحِ فُراتٌ، وهي لَفْظَةٌ
(p-٥٠٧)تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ ومِياهَ الأنْهارِ، وخُصَّ النَهْرُ المَشْهُورَ بهَذا تَشْرِيفًا لَهُ، وهو نَهْرُ الكُوفَةِ، وسَيُحانُ هو نَهْرُ بَلْخٍ، وجِيحانِ هو دِجْلَةُ، والنِيلُ نَهْرُ مِصْرَ. وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِن هَذِهِ، وفي هَذا بُعْدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
المرسلات 77:23
(p-٥٠٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قرأ جمهور القراء: "ثم نتبعهم" بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبُو عَمْرٍو - فيما روي عنه_: "ثم نتبعهم" بجزم العين عطفا على "نُهْلِكِ" وهي قراءة الأعرج، وعلى حسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في "الأوَّلِينَ"، فمن قرأ الأولى جعل "الأوَّلِينَ" الأمم التي قدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر تعالى أنه يتبع "الآخِرِينَ" من قريش سير اولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومن قرأ الثانية جعل "الأوَّلِينَ"، قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و"الآخِرِينَ" قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي حرف عبد الله: "وسنتبعهم" ثم قال تعالى: "كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ" أي في المستقبل، فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار.
وأما تكرار قَوْلُهُ تَعالى في هذه السورة: ( ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) فقيل: ذلك بمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب يؤكد ذلك الذي في الآية.
ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث، و"الماء المهين" معناه: الضعيف، وهو المني من الرجل والمرأة، و"القرار المكين" الرحم وبطن المرأة، و"القدر المعلوم": وقت الولادة، ومعناه: معلوم عند الله تعالى في شخص شخص، وأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص بعينه، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "فقدّرنا" بتشديد الدال، وقرأ الباقون بتخفيفها، وهما بمعنى، من القدرة والقدر، ومن التَقْدِيرُ والتوقيف، وقوله
(p-٥٠٦)تَعالى: "القادِرُونَ" يُرَجِّحُ قِراءَةَ الجَماعَةِ، أمّا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ فَسَّرَ "القادِرِينَ" بِالمُقَدِّرِينَ،» وقَدَّرَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَقَدَّرْنا" بِتَشْدِيدِ الدالِ "فَنِعْمَ المُقْتَدِرُونَ"
و"الكَفاتُ": السِتْرُ والوِعاءُ الجامِعُ لِلشَّيْءِ بِإجْماعٍ، تَقُولُ: كَفَتِ الرَجُلَ شِعْرَهُ، إذا جَمَعَهُ بِخِرْقَةٍ، فالأرْضُ تَكَفَّتِ الأحْياءَ عَلى ظَهْرِها، وتَكَفَّتِ الأمْواتَ في بَطْنِها، و"أحْياءً" عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كِفاتًا" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أحْياءً وأمْواتًا"، إنَّما هو بِمَعْنى أنَّ الأرْضَ فِيها أقْطارُ أحْياءٍ وأقْطارُ أمْواتٍ، يُرادُ: ما يَنْبُتُ وما لا يَنْبُتُ، فَنَصْبُ "أحْياءً"- عَلى هَذا- إنَّما هو عَلى الحالِ مِن "الأرْضَ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى،وَقالَ بَنانُ: خَرَجْنا مَعَ الشَعْبِيِّ إلى جِنازَةٍ فَنَظَرَ إلى الجَبّانَةِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ المَوْتى، ثُمَّ نَظَرَ إلى البُيُوتِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ الأحْياءِ، وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي "بَقِيعَ الغَرْقَدِ" كَفْتَةٌ لِأنَّها مَقْبَرَةٌ تَضُمُّ المَوْتى، وفي الحَدِيثِ « "خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وأوكُوا أسْقَيَتَكُمْ، واكْفِتُوا صِبْيانَكُمْ، وأغْلِقُوا أبْوابَكم وأطْفِئُوا مَصابِيحَكُمْ"». ودَفَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَمْلَةً في المَسْجِدِ ثُمَّ قَرَأ: "ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا"، ولَمّا كانَ القَبْرُ كِفاتًا كالبَيْتِ قَطَعَ مَن سَرَقَ مِنهُ.
و"الرَواسِي" الجِبالُ؛ لِأنَّها رَسَتْ، أيْ ثَبَتَتْ، و"الشامِخُ": المُرْتَفِعُ، ومِنهُ: شَمَخَ بِأنْفِهِ، أيِ ارْتَفَعَ واسْتَعْلى، شَبَّهَ المَعْنى بِالشَخْصِ. و"أسْقى" جَعَلَهُ سَقْيًا لِلْغَلّاتِ والمَنافِعِ، وسَقى مَعْناهُ لِلشَّفَةِ خاصَّةً؛ هَذا قَوْلٌ لِجَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، و"الفُراتُ": الصافِي، ولا يُقالُ لِلْمِلِحِ فُراتٌ، وهي لَفْظَةٌ
(p-٥٠٧)تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ ومِياهَ الأنْهارِ، وخُصَّ النَهْرُ المَشْهُورَ بهَذا تَشْرِيفًا لَهُ، وهو نَهْرُ الكُوفَةِ، وسَيُحانُ هو نَهْرُ بَلْخٍ، وجِيحانِ هو دِجْلَةُ، والنِيلُ نَهْرُ مِصْرَ. وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِن هَذِهِ، وفي هَذا بُعْدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
المرسلات 77:24
(p-٥٠٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قرأ جمهور القراء: "ثم نتبعهم" بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبُو عَمْرٍو - فيما روي عنه_: "ثم نتبعهم" بجزم العين عطفا على "نُهْلِكِ" وهي قراءة الأعرج، وعلى حسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في "الأوَّلِينَ"، فمن قرأ الأولى جعل "الأوَّلِينَ" الأمم التي قدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر تعالى أنه يتبع "الآخِرِينَ" من قريش سير اولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومن قرأ الثانية جعل "الأوَّلِينَ"، قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و"الآخِرِينَ" قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي حرف عبد الله: "وسنتبعهم" ثم قال تعالى: "كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ" أي في المستقبل، فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار.
وأما تكرار قَوْلُهُ تَعالى في هذه السورة: ( ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) فقيل: ذلك بمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب يؤكد ذلك الذي في الآية.
ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث، و"الماء المهين" معناه: الضعيف، وهو المني من الرجل والمرأة، و"القرار المكين" الرحم وبطن المرأة، و"القدر المعلوم": وقت الولادة، ومعناه: معلوم عند الله تعالى في شخص شخص، وأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص بعينه، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "فقدّرنا" بتشديد الدال، وقرأ الباقون بتخفيفها، وهما بمعنى، من القدرة والقدر، ومن التَقْدِيرُ والتوقيف، وقوله
(p-٥٠٦)تَعالى: "القادِرُونَ" يُرَجِّحُ قِراءَةَ الجَماعَةِ، أمّا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ فَسَّرَ "القادِرِينَ" بِالمُقَدِّرِينَ،» وقَدَّرَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَقَدَّرْنا" بِتَشْدِيدِ الدالِ "فَنِعْمَ المُقْتَدِرُونَ"
و"الكَفاتُ": السِتْرُ والوِعاءُ الجامِعُ لِلشَّيْءِ بِإجْماعٍ، تَقُولُ: كَفَتِ الرَجُلَ شِعْرَهُ، إذا جَمَعَهُ بِخِرْقَةٍ، فالأرْضُ تَكَفَّتِ الأحْياءَ عَلى ظَهْرِها، وتَكَفَّتِ الأمْواتَ في بَطْنِها، و"أحْياءً" عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كِفاتًا" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أحْياءً وأمْواتًا"، إنَّما هو بِمَعْنى أنَّ الأرْضَ فِيها أقْطارُ أحْياءٍ وأقْطارُ أمْواتٍ، يُرادُ: ما يَنْبُتُ وما لا يَنْبُتُ، فَنَصْبُ "أحْياءً"- عَلى هَذا- إنَّما هو عَلى الحالِ مِن "الأرْضَ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى،وَقالَ بَنانُ: خَرَجْنا مَعَ الشَعْبِيِّ إلى جِنازَةٍ فَنَظَرَ إلى الجَبّانَةِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ المَوْتى، ثُمَّ نَظَرَ إلى البُيُوتِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ الأحْياءِ، وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي "بَقِيعَ الغَرْقَدِ" كَفْتَةٌ لِأنَّها مَقْبَرَةٌ تَضُمُّ المَوْتى، وفي الحَدِيثِ « "خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وأوكُوا أسْقَيَتَكُمْ، واكْفِتُوا صِبْيانَكُمْ، وأغْلِقُوا أبْوابَكم وأطْفِئُوا مَصابِيحَكُمْ"». ودَفَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَمْلَةً في المَسْجِدِ ثُمَّ قَرَأ: "ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا"، ولَمّا كانَ القَبْرُ كِفاتًا كالبَيْتِ قَطَعَ مَن سَرَقَ مِنهُ.
و"الرَواسِي" الجِبالُ؛ لِأنَّها رَسَتْ، أيْ ثَبَتَتْ، و"الشامِخُ": المُرْتَفِعُ، ومِنهُ: شَمَخَ بِأنْفِهِ، أيِ ارْتَفَعَ واسْتَعْلى، شَبَّهَ المَعْنى بِالشَخْصِ. و"أسْقى" جَعَلَهُ سَقْيًا لِلْغَلّاتِ والمَنافِعِ، وسَقى مَعْناهُ لِلشَّفَةِ خاصَّةً؛ هَذا قَوْلٌ لِجَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، و"الفُراتُ": الصافِي، ولا يُقالُ لِلْمِلِحِ فُراتٌ، وهي لَفْظَةٌ
(p-٥٠٧)تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ ومِياهَ الأنْهارِ، وخُصَّ النَهْرُ المَشْهُورَ بهَذا تَشْرِيفًا لَهُ، وهو نَهْرُ الكُوفَةِ، وسَيُحانُ هو نَهْرُ بَلْخٍ، وجِيحانِ هو دِجْلَةُ، والنِيلُ نَهْرُ مِصْرَ. وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِن هَذِهِ، وفي هَذا بُعْدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
المرسلات 77:25
(p-٥٠٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قرأ جمهور القراء: "ثم نتبعهم" بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبُو عَمْرٍو - فيما روي عنه_: "ثم نتبعهم" بجزم العين عطفا على "نُهْلِكِ" وهي قراءة الأعرج، وعلى حسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في "الأوَّلِينَ"، فمن قرأ الأولى جعل "الأوَّلِينَ" الأمم التي قدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر تعالى أنه يتبع "الآخِرِينَ" من قريش سير اولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومن قرأ الثانية جعل "الأوَّلِينَ"، قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و"الآخِرِينَ" قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي حرف عبد الله: "وسنتبعهم" ثم قال تعالى: "كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ" أي في المستقبل، فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار.
وأما تكرار قَوْلُهُ تَعالى في هذه السورة: ( ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) فقيل: ذلك بمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب يؤكد ذلك الذي في الآية.
ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث، و"الماء المهين" معناه: الضعيف، وهو المني من الرجل والمرأة، و"القرار المكين" الرحم وبطن المرأة، و"القدر المعلوم": وقت الولادة، ومعناه: معلوم عند الله تعالى في شخص شخص، وأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص بعينه، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "فقدّرنا" بتشديد الدال، وقرأ الباقون بتخفيفها، وهما بمعنى، من القدرة والقدر، ومن التَقْدِيرُ والتوقيف، وقوله
(p-٥٠٦)تَعالى: "القادِرُونَ" يُرَجِّحُ قِراءَةَ الجَماعَةِ، أمّا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ فَسَّرَ "القادِرِينَ" بِالمُقَدِّرِينَ،» وقَدَّرَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَقَدَّرْنا" بِتَشْدِيدِ الدالِ "فَنِعْمَ المُقْتَدِرُونَ"
و"الكَفاتُ": السِتْرُ والوِعاءُ الجامِعُ لِلشَّيْءِ بِإجْماعٍ، تَقُولُ: كَفَتِ الرَجُلَ شِعْرَهُ، إذا جَمَعَهُ بِخِرْقَةٍ، فالأرْضُ تَكَفَّتِ الأحْياءَ عَلى ظَهْرِها، وتَكَفَّتِ الأمْواتَ في بَطْنِها، و"أحْياءً" عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كِفاتًا" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أحْياءً وأمْواتًا"، إنَّما هو بِمَعْنى أنَّ الأرْضَ فِيها أقْطارُ أحْياءٍ وأقْطارُ أمْواتٍ، يُرادُ: ما يَنْبُتُ وما لا يَنْبُتُ، فَنَصْبُ "أحْياءً"- عَلى هَذا- إنَّما هو عَلى الحالِ مِن "الأرْضَ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى،وَقالَ بَنانُ: خَرَجْنا مَعَ الشَعْبِيِّ إلى جِنازَةٍ فَنَظَرَ إلى الجَبّانَةِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ المَوْتى، ثُمَّ نَظَرَ إلى البُيُوتِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ الأحْياءِ، وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي "بَقِيعَ الغَرْقَدِ" كَفْتَةٌ لِأنَّها مَقْبَرَةٌ تَضُمُّ المَوْتى، وفي الحَدِيثِ « "خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وأوكُوا أسْقَيَتَكُمْ، واكْفِتُوا صِبْيانَكُمْ، وأغْلِقُوا أبْوابَكم وأطْفِئُوا مَصابِيحَكُمْ"». ودَفَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَمْلَةً في المَسْجِدِ ثُمَّ قَرَأ: "ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا"، ولَمّا كانَ القَبْرُ كِفاتًا كالبَيْتِ قَطَعَ مَن سَرَقَ مِنهُ.
و"الرَواسِي" الجِبالُ؛ لِأنَّها رَسَتْ، أيْ ثَبَتَتْ، و"الشامِخُ": المُرْتَفِعُ، ومِنهُ: شَمَخَ بِأنْفِهِ، أيِ ارْتَفَعَ واسْتَعْلى، شَبَّهَ المَعْنى بِالشَخْصِ. و"أسْقى" جَعَلَهُ سَقْيًا لِلْغَلّاتِ والمَنافِعِ، وسَقى مَعْناهُ لِلشَّفَةِ خاصَّةً؛ هَذا قَوْلٌ لِجَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، و"الفُراتُ": الصافِي، ولا يُقالُ لِلْمِلِحِ فُراتٌ، وهي لَفْظَةٌ
(p-٥٠٧)تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ ومِياهَ الأنْهارِ، وخُصَّ النَهْرُ المَشْهُورَ بهَذا تَشْرِيفًا لَهُ، وهو نَهْرُ الكُوفَةِ، وسَيُحانُ هو نَهْرُ بَلْخٍ، وجِيحانِ هو دِجْلَةُ، والنِيلُ نَهْرُ مِصْرَ. وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِن هَذِهِ، وفي هَذا بُعْدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
المرسلات 77:26
(p-٥٠٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قرأ جمهور القراء: "ثم نتبعهم" بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبُو عَمْرٍو - فيما روي عنه_: "ثم نتبعهم" بجزم العين عطفا على "نُهْلِكِ" وهي قراءة الأعرج، وعلى حسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في "الأوَّلِينَ"، فمن قرأ الأولى جعل "الأوَّلِينَ" الأمم التي قدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر تعالى أنه يتبع "الآخِرِينَ" من قريش سير اولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومن قرأ الثانية جعل "الأوَّلِينَ"، قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و"الآخِرِينَ" قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي حرف عبد الله: "وسنتبعهم" ثم قال تعالى: "كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ" أي في المستقبل، فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار.
وأما تكرار قَوْلُهُ تَعالى في هذه السورة: ( ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) فقيل: ذلك بمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب يؤكد ذلك الذي في الآية.
ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث، و"الماء المهين" معناه: الضعيف، وهو المني من الرجل والمرأة، و"القرار المكين" الرحم وبطن المرأة، و"القدر المعلوم": وقت الولادة، ومعناه: معلوم عند الله تعالى في شخص شخص، وأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص بعينه، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "فقدّرنا" بتشديد الدال، وقرأ الباقون بتخفيفها، وهما بمعنى، من القدرة والقدر، ومن التَقْدِيرُ والتوقيف، وقوله
(p-٥٠٦)تَعالى: "القادِرُونَ" يُرَجِّحُ قِراءَةَ الجَماعَةِ، أمّا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ فَسَّرَ "القادِرِينَ" بِالمُقَدِّرِينَ،» وقَدَّرَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَقَدَّرْنا" بِتَشْدِيدِ الدالِ "فَنِعْمَ المُقْتَدِرُونَ"
و"الكَفاتُ": السِتْرُ والوِعاءُ الجامِعُ لِلشَّيْءِ بِإجْماعٍ، تَقُولُ: كَفَتِ الرَجُلَ شِعْرَهُ، إذا جَمَعَهُ بِخِرْقَةٍ، فالأرْضُ تَكَفَّتِ الأحْياءَ عَلى ظَهْرِها، وتَكَفَّتِ الأمْواتَ في بَطْنِها، و"أحْياءً" عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كِفاتًا" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أحْياءً وأمْواتًا"، إنَّما هو بِمَعْنى أنَّ الأرْضَ فِيها أقْطارُ أحْياءٍ وأقْطارُ أمْواتٍ، يُرادُ: ما يَنْبُتُ وما لا يَنْبُتُ، فَنَصْبُ "أحْياءً"- عَلى هَذا- إنَّما هو عَلى الحالِ مِن "الأرْضَ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى،وَقالَ بَنانُ: خَرَجْنا مَعَ الشَعْبِيِّ إلى جِنازَةٍ فَنَظَرَ إلى الجَبّانَةِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ المَوْتى، ثُمَّ نَظَرَ إلى البُيُوتِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ الأحْياءِ، وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي "بَقِيعَ الغَرْقَدِ" كَفْتَةٌ لِأنَّها مَقْبَرَةٌ تَضُمُّ المَوْتى، وفي الحَدِيثِ « "خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وأوكُوا أسْقَيَتَكُمْ، واكْفِتُوا صِبْيانَكُمْ، وأغْلِقُوا أبْوابَكم وأطْفِئُوا مَصابِيحَكُمْ"». ودَفَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَمْلَةً في المَسْجِدِ ثُمَّ قَرَأ: "ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا"، ولَمّا كانَ القَبْرُ كِفاتًا كالبَيْتِ قَطَعَ مَن سَرَقَ مِنهُ.
و"الرَواسِي" الجِبالُ؛ لِأنَّها رَسَتْ، أيْ ثَبَتَتْ، و"الشامِخُ": المُرْتَفِعُ، ومِنهُ: شَمَخَ بِأنْفِهِ، أيِ ارْتَفَعَ واسْتَعْلى، شَبَّهَ المَعْنى بِالشَخْصِ. و"أسْقى" جَعَلَهُ سَقْيًا لِلْغَلّاتِ والمَنافِعِ، وسَقى مَعْناهُ لِلشَّفَةِ خاصَّةً؛ هَذا قَوْلٌ لِجَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، و"الفُراتُ": الصافِي، ولا يُقالُ لِلْمِلِحِ فُراتٌ، وهي لَفْظَةٌ
(p-٥٠٧)تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ ومِياهَ الأنْهارِ، وخُصَّ النَهْرُ المَشْهُورَ بهَذا تَشْرِيفًا لَهُ، وهو نَهْرُ الكُوفَةِ، وسَيُحانُ هو نَهْرُ بَلْخٍ، وجِيحانِ هو دِجْلَةُ، والنِيلُ نَهْرُ مِصْرَ. وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِن هَذِهِ، وفي هَذا بُعْدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
المرسلات 77:27
(p-٥٠٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قرأ جمهور القراء: "ثم نتبعهم" بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبُو عَمْرٍو - فيما روي عنه_: "ثم نتبعهم" بجزم العين عطفا على "نُهْلِكِ" وهي قراءة الأعرج، وعلى حسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في "الأوَّلِينَ"، فمن قرأ الأولى جعل "الأوَّلِينَ" الأمم التي قدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر تعالى أنه يتبع "الآخِرِينَ" من قريش سير اولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومن قرأ الثانية جعل "الأوَّلِينَ"، قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و"الآخِرِينَ" قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي حرف عبد الله: "وسنتبعهم" ثم قال تعالى: "كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ" أي في المستقبل، فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار.
وأما تكرار قَوْلُهُ تَعالى في هذه السورة: ( ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) فقيل: ذلك بمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب يؤكد ذلك الذي في الآية.
ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث، و"الماء المهين" معناه: الضعيف، وهو المني من الرجل والمرأة، و"القرار المكين" الرحم وبطن المرأة، و"القدر المعلوم": وقت الولادة، ومعناه: معلوم عند الله تعالى في شخص شخص، وأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص بعينه، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "فقدّرنا" بتشديد الدال، وقرأ الباقون بتخفيفها، وهما بمعنى، من القدرة والقدر، ومن التَقْدِيرُ والتوقيف، وقوله
(p-٥٠٦)تَعالى: "القادِرُونَ" يُرَجِّحُ قِراءَةَ الجَماعَةِ، أمّا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ فَسَّرَ "القادِرِينَ" بِالمُقَدِّرِينَ،» وقَدَّرَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَقَدَّرْنا" بِتَشْدِيدِ الدالِ "فَنِعْمَ المُقْتَدِرُونَ"
و"الكَفاتُ": السِتْرُ والوِعاءُ الجامِعُ لِلشَّيْءِ بِإجْماعٍ، تَقُولُ: كَفَتِ الرَجُلَ شِعْرَهُ، إذا جَمَعَهُ بِخِرْقَةٍ، فالأرْضُ تَكَفَّتِ الأحْياءَ عَلى ظَهْرِها، وتَكَفَّتِ الأمْواتَ في بَطْنِها، و"أحْياءً" عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كِفاتًا" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أحْياءً وأمْواتًا"، إنَّما هو بِمَعْنى أنَّ الأرْضَ فِيها أقْطارُ أحْياءٍ وأقْطارُ أمْواتٍ، يُرادُ: ما يَنْبُتُ وما لا يَنْبُتُ، فَنَصْبُ "أحْياءً"- عَلى هَذا- إنَّما هو عَلى الحالِ مِن "الأرْضَ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى،وَقالَ بَنانُ: خَرَجْنا مَعَ الشَعْبِيِّ إلى جِنازَةٍ فَنَظَرَ إلى الجَبّانَةِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ المَوْتى، ثُمَّ نَظَرَ إلى البُيُوتِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ الأحْياءِ، وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي "بَقِيعَ الغَرْقَدِ" كَفْتَةٌ لِأنَّها مَقْبَرَةٌ تَضُمُّ المَوْتى، وفي الحَدِيثِ « "خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وأوكُوا أسْقَيَتَكُمْ، واكْفِتُوا صِبْيانَكُمْ، وأغْلِقُوا أبْوابَكم وأطْفِئُوا مَصابِيحَكُمْ"». ودَفَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَمْلَةً في المَسْجِدِ ثُمَّ قَرَأ: "ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا"، ولَمّا كانَ القَبْرُ كِفاتًا كالبَيْتِ قَطَعَ مَن سَرَقَ مِنهُ.
و"الرَواسِي" الجِبالُ؛ لِأنَّها رَسَتْ، أيْ ثَبَتَتْ، و"الشامِخُ": المُرْتَفِعُ، ومِنهُ: شَمَخَ بِأنْفِهِ، أيِ ارْتَفَعَ واسْتَعْلى، شَبَّهَ المَعْنى بِالشَخْصِ. و"أسْقى" جَعَلَهُ سَقْيًا لِلْغَلّاتِ والمَنافِعِ، وسَقى مَعْناهُ لِلشَّفَةِ خاصَّةً؛ هَذا قَوْلٌ لِجَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، و"الفُراتُ": الصافِي، ولا يُقالُ لِلْمِلِحِ فُراتٌ، وهي لَفْظَةٌ
(p-٥٠٧)تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ ومِياهَ الأنْهارِ، وخُصَّ النَهْرُ المَشْهُورَ بهَذا تَشْرِيفًا لَهُ، وهو نَهْرُ الكُوفَةِ، وسَيُحانُ هو نَهْرُ بَلْخٍ، وجِيحانِ هو دِجْلَةُ، والنِيلُ نَهْرُ مِصْرَ. وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِن هَذِهِ، وفي هَذا بُعْدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
المرسلات 77:28
(p-٥٠٥)قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
قرأ جمهور القراء: "ثم نتبعهم" بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبُو عَمْرٍو - فيما روي عنه_: "ثم نتبعهم" بجزم العين عطفا على "نُهْلِكِ" وهي قراءة الأعرج، وعلى حسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في "الأوَّلِينَ"، فمن قرأ الأولى جعل "الأوَّلِينَ" الأمم التي قدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر تعالى أنه يتبع "الآخِرِينَ" من قريش سير اولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومن قرأ الثانية جعل "الأوَّلِينَ"، قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و"الآخِرِينَ" قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي حرف عبد الله: "وسنتبعهم" ثم قال تعالى: "كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ" أي في المستقبل، فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار.
وأما تكرار قَوْلُهُ تَعالى في هذه السورة: ( ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) فقيل: ذلك بمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب يؤكد ذلك الذي في الآية.
ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث، و"الماء المهين" معناه: الضعيف، وهو المني من الرجل والمرأة، و"القرار المكين" الرحم وبطن المرأة، و"القدر المعلوم": وقت الولادة، ومعناه: معلوم عند الله تعالى في شخص شخص، وأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص بعينه، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "فقدّرنا" بتشديد الدال، وقرأ الباقون بتخفيفها، وهما بمعنى، من القدرة والقدر، ومن التَقْدِيرُ والتوقيف، وقوله
(p-٥٠٦)تَعالى: "القادِرُونَ" يُرَجِّحُ قِراءَةَ الجَماعَةِ، أمّا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ فَسَّرَ "القادِرِينَ" بِالمُقَدِّرِينَ،» وقَدَّرَ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَقَدَّرْنا" بِتَشْدِيدِ الدالِ "فَنِعْمَ المُقْتَدِرُونَ"
و"الكَفاتُ": السِتْرُ والوِعاءُ الجامِعُ لِلشَّيْءِ بِإجْماعٍ، تَقُولُ: كَفَتِ الرَجُلَ شِعْرَهُ، إذا جَمَعَهُ بِخِرْقَةٍ، فالأرْضُ تَكَفَّتِ الأحْياءَ عَلى ظَهْرِها، وتَكَفَّتِ الأمْواتَ في بَطْنِها، و"أحْياءً" عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كِفاتًا" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أحْياءً وأمْواتًا"، إنَّما هو بِمَعْنى أنَّ الأرْضَ فِيها أقْطارُ أحْياءٍ وأقْطارُ أمْواتٍ، يُرادُ: ما يَنْبُتُ وما لا يَنْبُتُ، فَنَصْبُ "أحْياءً"- عَلى هَذا- إنَّما هو عَلى الحالِ مِن "الأرْضَ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى،وَقالَ بَنانُ: خَرَجْنا مَعَ الشَعْبِيِّ إلى جِنازَةٍ فَنَظَرَ إلى الجَبّانَةِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ المَوْتى، ثُمَّ نَظَرَ إلى البُيُوتِ فَقالَ: هَذِهِ كِفاتُ الأحْياءِ، وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي "بَقِيعَ الغَرْقَدِ" كَفْتَةٌ لِأنَّها مَقْبَرَةٌ تَضُمُّ المَوْتى، وفي الحَدِيثِ « "خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وأوكُوا أسْقَيَتَكُمْ، واكْفِتُوا صِبْيانَكُمْ، وأغْلِقُوا أبْوابَكم وأطْفِئُوا مَصابِيحَكُمْ"». ودَفَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَمْلَةً في المَسْجِدِ ثُمَّ قَرَأ: "ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا"، ولَمّا كانَ القَبْرُ كِفاتًا كالبَيْتِ قَطَعَ مَن سَرَقَ مِنهُ.
و"الرَواسِي" الجِبالُ؛ لِأنَّها رَسَتْ، أيْ ثَبَتَتْ، و"الشامِخُ": المُرْتَفِعُ، ومِنهُ: شَمَخَ بِأنْفِهِ، أيِ ارْتَفَعَ واسْتَعْلى، شَبَّهَ المَعْنى بِالشَخْصِ. و"أسْقى" جَعَلَهُ سَقْيًا لِلْغَلّاتِ والمَنافِعِ، وسَقى مَعْناهُ لِلشَّفَةِ خاصَّةً؛ هَذا قَوْلٌ لِجَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، و"الفُراتُ": الصافِي، ولا يُقالُ لِلْمِلِحِ فُراتٌ، وهي لَفْظَةٌ
(p-٥٠٧)تَجْمَعُ ماءَ المَطَرِ ومِياهَ الأنْهارِ، وخُصَّ النَهْرُ المَشْهُورَ بهَذا تَشْرِيفًا لَهُ، وهو نَهْرُ الكُوفَةِ، وسَيُحانُ هو نَهْرُ بَلْخٍ، وجِيحانِ هو دِجْلَةُ، والنِيلُ نَهْرُ مِصْرَ. وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِن هَذِهِ، وفي هَذا بُعْدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
المرسلات 77:29
قوله عزّ وجلّ:
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا"، هو لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لَهُمُ الوَيْلُ يُقالُ لَهُمْ: انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ولا خِلافَ في كَسْرِ اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا" في هَذا الأمْرِ الأوَّلِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ- في رِوايَةِ رُوَيْسٍ: "انْطَلَقُوا إلى ظِلٍّ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "انْطَلِقُوا" بِكَسْرِ اللامِ، عَلى مَعْنى تَكْرَيرِ الأمْرِ الأوَّلِ، وبَيانِ المُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقالَ عَطاءٌ: الظِلُّ الَّذِي لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ فيَراهُ الكُفّارُ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مُغْنٍ فَيَهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ المُخاطَبَةُ إنَّما تُقالُ يَوْمَئِذَ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما كانَ يَعْبُدُ، فَيَكُونُ المُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللهِ تَعالى، ولا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ويُقالُ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ انْطَلِقُوا إلى ظِلِّ مَعْبُودِكم وهو الصَلِيبُ ولَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والتَشَعُّبُ تُفَرُّقُ الجِسْمِ الواحِدِ فِرَقًا، ثُمَّ نَفى عنهُ تَعالى مَحاسِنَ الظِلِّ. والضَمِيرُ في "إنَّها" لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ "بِشَرارِ" بِألِفٍ، جَمْعُ شَرارَةَ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، و"القَصْرُ" في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ نَوْعٍ
(p-٥٠٨)القُصُورُ، وهُى الأدْؤُرُ الكِبارِ مُشَيَّدَةً، وقَدْ شَبَّهَتِ العَرَبُ بِها النُوقَ، ومِنَ المَعْنى قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ لُزَّ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "القَصْرُ" أيْضًا خَشَبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يُقْطَعُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ مِنَ النَخْلِ وغَيْرِهِ، عَلى قَدْرِ الذِراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ، يَسْتَعِدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، يُسَمّى القَصْرُ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ وهو المُرادُ في الآيَةِ، وإنَّما سُمِّيَ بِالقَصّارِ لِأنَّهُ يُحْيطُ بِالقَصْرَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: "القَصْرُ" حِزَمُ الحَطَبِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنُ جُبَيْرٍ: "كالقَصْرِ" بِفَتْحِ الصادِ، جَمْعُ قَصْرَةٍ وهي أعْناقُ الخَيْلِ والإبِلِ، وكَذَلِكَ أيْضًا هي في الناسِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جُذُورُ النَخْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ: "كالقِصَرِ" بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصادِ، وهي جَمْعُ قَصْرَةٍ كَحَلْقَةٍ وحِلَقٍ مِنَ الحَدِيدِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الجَمالاتِ"، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي جَمْعُ "جِمالٍ" عَلى صَحِيحِ البِناءِ كَرِجالٍ ورِجالاتٍ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِالصُفْرِ: السُودُ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ بَيْتَ الأعْشى:
؎ تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ، وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرُ أولادِها كالزَبِيبِ
(p-٥٠٩)وَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: بَلْ "الصُفْرُ": الفاقِعَةُ لِأنَّها أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَرَرِ، وشَبَّهَ الشَرَرَ بِالجِمالاتِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "صُفُرٌ" بِضَمِّ الصادِ والفاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ قُلُوسُ السُفُنِ، وهي جِمالاتُها العِظامُ إذا جُمِعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الجِمالاتُ" قِطَعُ النُحاسِ الكِبارِ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنَ اسْمِ الجُمْلَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ. "جِمالَةٌ" بِكَسْرِ الجِيمِ لَحِقَتِ التاءَ جِمالًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ فَهي كَحِجْرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشُ: "جُمالَةٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ والجُمْهُورُ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ "جِمالاتٌ" عَلى ما تُفَسَّرُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ - بِخِلافٍ عنهُما: "جُمالاتٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وكانَ ضَمُّ الجِيمِ فِيها مِنَ الجُمْلَةِ لا مِنَ الجُمَلِ وكَسْرِها مِنَ الجِمَلِ لا مِنَ الجِمْلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى المُكَذِّبِينَ قالَ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ "هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ" أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ أسْكَتَتْهُمُ الهَيْبَةُ وذُلُّ الكُفْرِ، وهَذا في مَوْطِنٍ خاضِّ فَإنَّهم لا يَنْطِقُونَ فِيهِ؛ إذْ قَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِنُطْقِهِمْ: "رَبَّنا أخْرِجْنا"، "رَبَّنا أمِتْنا". فَهي مَواطِنُ، و"يَوْمَ" مُضافٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَنْطِقُونَ". وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "هَذا يَوْمٌ"، لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ، فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ كالقَصْرِ، وقَوْلَهُ "فَيَعْتَذِرُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى "يُؤْذَنُ" ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ يَوْمَئِذٍ، و"الأوَّلُونَ" المُشارُ
(p-٥١٠)إلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحِ وغَيْرُهم مِمَّنْ جاءَ في صَدْرِ الدُنْيا وعَلى وجْهِ الدَهْرِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَبِيدَهُ الكُفّارَ المُسْتَوْجَبِينَ عِقابَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ" أيْ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ أو مَكِيدَةٌ تُنْجِيكم فافْعَلُوها.
المرسلات 77:30
قوله عزّ وجلّ:
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا"، هو لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لَهُمُ الوَيْلُ يُقالُ لَهُمْ: انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ولا خِلافَ في كَسْرِ اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا" في هَذا الأمْرِ الأوَّلِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ- في رِوايَةِ رُوَيْسٍ: "انْطَلَقُوا إلى ظِلٍّ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "انْطَلِقُوا" بِكَسْرِ اللامِ، عَلى مَعْنى تَكْرَيرِ الأمْرِ الأوَّلِ، وبَيانِ المُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقالَ عَطاءٌ: الظِلُّ الَّذِي لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ فيَراهُ الكُفّارُ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مُغْنٍ فَيَهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ المُخاطَبَةُ إنَّما تُقالُ يَوْمَئِذَ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما كانَ يَعْبُدُ، فَيَكُونُ المُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللهِ تَعالى، ولا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ويُقالُ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ انْطَلِقُوا إلى ظِلِّ مَعْبُودِكم وهو الصَلِيبُ ولَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والتَشَعُّبُ تُفَرُّقُ الجِسْمِ الواحِدِ فِرَقًا، ثُمَّ نَفى عنهُ تَعالى مَحاسِنَ الظِلِّ. والضَمِيرُ في "إنَّها" لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ "بِشَرارِ" بِألِفٍ، جَمْعُ شَرارَةَ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، و"القَصْرُ" في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ نَوْعٍ
(p-٥٠٨)القُصُورُ، وهُى الأدْؤُرُ الكِبارِ مُشَيَّدَةً، وقَدْ شَبَّهَتِ العَرَبُ بِها النُوقَ، ومِنَ المَعْنى قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ لُزَّ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "القَصْرُ" أيْضًا خَشَبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يُقْطَعُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ مِنَ النَخْلِ وغَيْرِهِ، عَلى قَدْرِ الذِراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ، يَسْتَعِدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، يُسَمّى القَصْرُ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ وهو المُرادُ في الآيَةِ، وإنَّما سُمِّيَ بِالقَصّارِ لِأنَّهُ يُحْيطُ بِالقَصْرَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: "القَصْرُ" حِزَمُ الحَطَبِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنُ جُبَيْرٍ: "كالقَصْرِ" بِفَتْحِ الصادِ، جَمْعُ قَصْرَةٍ وهي أعْناقُ الخَيْلِ والإبِلِ، وكَذَلِكَ أيْضًا هي في الناسِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جُذُورُ النَخْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ: "كالقِصَرِ" بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصادِ، وهي جَمْعُ قَصْرَةٍ كَحَلْقَةٍ وحِلَقٍ مِنَ الحَدِيدِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الجَمالاتِ"، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي جَمْعُ "جِمالٍ" عَلى صَحِيحِ البِناءِ كَرِجالٍ ورِجالاتٍ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِالصُفْرِ: السُودُ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ بَيْتَ الأعْشى:
؎ تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ، وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرُ أولادِها كالزَبِيبِ
(p-٥٠٩)وَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: بَلْ "الصُفْرُ": الفاقِعَةُ لِأنَّها أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَرَرِ، وشَبَّهَ الشَرَرَ بِالجِمالاتِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "صُفُرٌ" بِضَمِّ الصادِ والفاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ قُلُوسُ السُفُنِ، وهي جِمالاتُها العِظامُ إذا جُمِعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الجِمالاتُ" قِطَعُ النُحاسِ الكِبارِ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنَ اسْمِ الجُمْلَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ. "جِمالَةٌ" بِكَسْرِ الجِيمِ لَحِقَتِ التاءَ جِمالًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ فَهي كَحِجْرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشُ: "جُمالَةٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ والجُمْهُورُ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ "جِمالاتٌ" عَلى ما تُفَسَّرُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ - بِخِلافٍ عنهُما: "جُمالاتٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وكانَ ضَمُّ الجِيمِ فِيها مِنَ الجُمْلَةِ لا مِنَ الجُمَلِ وكَسْرِها مِنَ الجِمَلِ لا مِنَ الجِمْلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى المُكَذِّبِينَ قالَ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ "هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ" أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ أسْكَتَتْهُمُ الهَيْبَةُ وذُلُّ الكُفْرِ، وهَذا في مَوْطِنٍ خاضِّ فَإنَّهم لا يَنْطِقُونَ فِيهِ؛ إذْ قَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِنُطْقِهِمْ: "رَبَّنا أخْرِجْنا"، "رَبَّنا أمِتْنا". فَهي مَواطِنُ، و"يَوْمَ" مُضافٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَنْطِقُونَ". وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "هَذا يَوْمٌ"، لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ، فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ كالقَصْرِ، وقَوْلَهُ "فَيَعْتَذِرُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى "يُؤْذَنُ" ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ يَوْمَئِذٍ، و"الأوَّلُونَ" المُشارُ
(p-٥١٠)إلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحِ وغَيْرُهم مِمَّنْ جاءَ في صَدْرِ الدُنْيا وعَلى وجْهِ الدَهْرِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَبِيدَهُ الكُفّارَ المُسْتَوْجَبِينَ عِقابَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ" أيْ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ أو مَكِيدَةٌ تُنْجِيكم فافْعَلُوها.
المرسلات 77:31
قوله عزّ وجلّ:
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا"، هو لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لَهُمُ الوَيْلُ يُقالُ لَهُمْ: انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ولا خِلافَ في كَسْرِ اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا" في هَذا الأمْرِ الأوَّلِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ- في رِوايَةِ رُوَيْسٍ: "انْطَلَقُوا إلى ظِلٍّ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "انْطَلِقُوا" بِكَسْرِ اللامِ، عَلى مَعْنى تَكْرَيرِ الأمْرِ الأوَّلِ، وبَيانِ المُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقالَ عَطاءٌ: الظِلُّ الَّذِي لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ فيَراهُ الكُفّارُ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مُغْنٍ فَيَهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ المُخاطَبَةُ إنَّما تُقالُ يَوْمَئِذَ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما كانَ يَعْبُدُ، فَيَكُونُ المُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللهِ تَعالى، ولا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ويُقالُ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ انْطَلِقُوا إلى ظِلِّ مَعْبُودِكم وهو الصَلِيبُ ولَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والتَشَعُّبُ تُفَرُّقُ الجِسْمِ الواحِدِ فِرَقًا، ثُمَّ نَفى عنهُ تَعالى مَحاسِنَ الظِلِّ. والضَمِيرُ في "إنَّها" لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ "بِشَرارِ" بِألِفٍ، جَمْعُ شَرارَةَ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، و"القَصْرُ" في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ نَوْعٍ
(p-٥٠٨)القُصُورُ، وهُى الأدْؤُرُ الكِبارِ مُشَيَّدَةً، وقَدْ شَبَّهَتِ العَرَبُ بِها النُوقَ، ومِنَ المَعْنى قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ لُزَّ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "القَصْرُ" أيْضًا خَشَبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يُقْطَعُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ مِنَ النَخْلِ وغَيْرِهِ، عَلى قَدْرِ الذِراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ، يَسْتَعِدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، يُسَمّى القَصْرُ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ وهو المُرادُ في الآيَةِ، وإنَّما سُمِّيَ بِالقَصّارِ لِأنَّهُ يُحْيطُ بِالقَصْرَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: "القَصْرُ" حِزَمُ الحَطَبِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنُ جُبَيْرٍ: "كالقَصْرِ" بِفَتْحِ الصادِ، جَمْعُ قَصْرَةٍ وهي أعْناقُ الخَيْلِ والإبِلِ، وكَذَلِكَ أيْضًا هي في الناسِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جُذُورُ النَخْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ: "كالقِصَرِ" بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصادِ، وهي جَمْعُ قَصْرَةٍ كَحَلْقَةٍ وحِلَقٍ مِنَ الحَدِيدِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الجَمالاتِ"، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي جَمْعُ "جِمالٍ" عَلى صَحِيحِ البِناءِ كَرِجالٍ ورِجالاتٍ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِالصُفْرِ: السُودُ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ بَيْتَ الأعْشى:
؎ تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ، وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرُ أولادِها كالزَبِيبِ
(p-٥٠٩)وَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: بَلْ "الصُفْرُ": الفاقِعَةُ لِأنَّها أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَرَرِ، وشَبَّهَ الشَرَرَ بِالجِمالاتِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "صُفُرٌ" بِضَمِّ الصادِ والفاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ قُلُوسُ السُفُنِ، وهي جِمالاتُها العِظامُ إذا جُمِعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الجِمالاتُ" قِطَعُ النُحاسِ الكِبارِ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنَ اسْمِ الجُمْلَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ. "جِمالَةٌ" بِكَسْرِ الجِيمِ لَحِقَتِ التاءَ جِمالًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ فَهي كَحِجْرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشُ: "جُمالَةٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ والجُمْهُورُ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ "جِمالاتٌ" عَلى ما تُفَسَّرُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ - بِخِلافٍ عنهُما: "جُمالاتٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وكانَ ضَمُّ الجِيمِ فِيها مِنَ الجُمْلَةِ لا مِنَ الجُمَلِ وكَسْرِها مِنَ الجِمَلِ لا مِنَ الجِمْلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى المُكَذِّبِينَ قالَ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ "هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ" أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ أسْكَتَتْهُمُ الهَيْبَةُ وذُلُّ الكُفْرِ، وهَذا في مَوْطِنٍ خاضِّ فَإنَّهم لا يَنْطِقُونَ فِيهِ؛ إذْ قَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِنُطْقِهِمْ: "رَبَّنا أخْرِجْنا"، "رَبَّنا أمِتْنا". فَهي مَواطِنُ، و"يَوْمَ" مُضافٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَنْطِقُونَ". وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "هَذا يَوْمٌ"، لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ، فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ كالقَصْرِ، وقَوْلَهُ "فَيَعْتَذِرُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى "يُؤْذَنُ" ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ يَوْمَئِذٍ، و"الأوَّلُونَ" المُشارُ
(p-٥١٠)إلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحِ وغَيْرُهم مِمَّنْ جاءَ في صَدْرِ الدُنْيا وعَلى وجْهِ الدَهْرِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَبِيدَهُ الكُفّارَ المُسْتَوْجَبِينَ عِقابَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ" أيْ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ أو مَكِيدَةٌ تُنْجِيكم فافْعَلُوها.
المرسلات 77:32
قوله عزّ وجلّ:
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا"، هو لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لَهُمُ الوَيْلُ يُقالُ لَهُمْ: انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ولا خِلافَ في كَسْرِ اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا" في هَذا الأمْرِ الأوَّلِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ- في رِوايَةِ رُوَيْسٍ: "انْطَلَقُوا إلى ظِلٍّ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "انْطَلِقُوا" بِكَسْرِ اللامِ، عَلى مَعْنى تَكْرَيرِ الأمْرِ الأوَّلِ، وبَيانِ المُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقالَ عَطاءٌ: الظِلُّ الَّذِي لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ فيَراهُ الكُفّارُ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مُغْنٍ فَيَهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ المُخاطَبَةُ إنَّما تُقالُ يَوْمَئِذَ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما كانَ يَعْبُدُ، فَيَكُونُ المُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللهِ تَعالى، ولا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ويُقالُ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ انْطَلِقُوا إلى ظِلِّ مَعْبُودِكم وهو الصَلِيبُ ولَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والتَشَعُّبُ تُفَرُّقُ الجِسْمِ الواحِدِ فِرَقًا، ثُمَّ نَفى عنهُ تَعالى مَحاسِنَ الظِلِّ. والضَمِيرُ في "إنَّها" لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ "بِشَرارِ" بِألِفٍ، جَمْعُ شَرارَةَ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، و"القَصْرُ" في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ نَوْعٍ
(p-٥٠٨)القُصُورُ، وهُى الأدْؤُرُ الكِبارِ مُشَيَّدَةً، وقَدْ شَبَّهَتِ العَرَبُ بِها النُوقَ، ومِنَ المَعْنى قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ لُزَّ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "القَصْرُ" أيْضًا خَشَبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يُقْطَعُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ مِنَ النَخْلِ وغَيْرِهِ، عَلى قَدْرِ الذِراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ، يَسْتَعِدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، يُسَمّى القَصْرُ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ وهو المُرادُ في الآيَةِ، وإنَّما سُمِّيَ بِالقَصّارِ لِأنَّهُ يُحْيطُ بِالقَصْرَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: "القَصْرُ" حِزَمُ الحَطَبِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنُ جُبَيْرٍ: "كالقَصْرِ" بِفَتْحِ الصادِ، جَمْعُ قَصْرَةٍ وهي أعْناقُ الخَيْلِ والإبِلِ، وكَذَلِكَ أيْضًا هي في الناسِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جُذُورُ النَخْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ: "كالقِصَرِ" بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصادِ، وهي جَمْعُ قَصْرَةٍ كَحَلْقَةٍ وحِلَقٍ مِنَ الحَدِيدِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الجَمالاتِ"، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي جَمْعُ "جِمالٍ" عَلى صَحِيحِ البِناءِ كَرِجالٍ ورِجالاتٍ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِالصُفْرِ: السُودُ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ بَيْتَ الأعْشى:
؎ تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ، وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرُ أولادِها كالزَبِيبِ
(p-٥٠٩)وَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: بَلْ "الصُفْرُ": الفاقِعَةُ لِأنَّها أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَرَرِ، وشَبَّهَ الشَرَرَ بِالجِمالاتِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "صُفُرٌ" بِضَمِّ الصادِ والفاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ قُلُوسُ السُفُنِ، وهي جِمالاتُها العِظامُ إذا جُمِعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الجِمالاتُ" قِطَعُ النُحاسِ الكِبارِ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنَ اسْمِ الجُمْلَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ. "جِمالَةٌ" بِكَسْرِ الجِيمِ لَحِقَتِ التاءَ جِمالًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ فَهي كَحِجْرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشُ: "جُمالَةٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ والجُمْهُورُ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ "جِمالاتٌ" عَلى ما تُفَسَّرُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ - بِخِلافٍ عنهُما: "جُمالاتٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وكانَ ضَمُّ الجِيمِ فِيها مِنَ الجُمْلَةِ لا مِنَ الجُمَلِ وكَسْرِها مِنَ الجِمَلِ لا مِنَ الجِمْلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى المُكَذِّبِينَ قالَ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ "هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ" أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ أسْكَتَتْهُمُ الهَيْبَةُ وذُلُّ الكُفْرِ، وهَذا في مَوْطِنٍ خاضِّ فَإنَّهم لا يَنْطِقُونَ فِيهِ؛ إذْ قَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِنُطْقِهِمْ: "رَبَّنا أخْرِجْنا"، "رَبَّنا أمِتْنا". فَهي مَواطِنُ، و"يَوْمَ" مُضافٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَنْطِقُونَ". وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "هَذا يَوْمٌ"، لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ، فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ كالقَصْرِ، وقَوْلَهُ "فَيَعْتَذِرُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى "يُؤْذَنُ" ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ يَوْمَئِذٍ، و"الأوَّلُونَ" المُشارُ
(p-٥١٠)إلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحِ وغَيْرُهم مِمَّنْ جاءَ في صَدْرِ الدُنْيا وعَلى وجْهِ الدَهْرِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَبِيدَهُ الكُفّارَ المُسْتَوْجَبِينَ عِقابَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ" أيْ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ أو مَكِيدَةٌ تُنْجِيكم فافْعَلُوها.
المرسلات 77:33
قوله عزّ وجلّ:
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا"، هو لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لَهُمُ الوَيْلُ يُقالُ لَهُمْ: انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ولا خِلافَ في كَسْرِ اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا" في هَذا الأمْرِ الأوَّلِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ- في رِوايَةِ رُوَيْسٍ: "انْطَلَقُوا إلى ظِلٍّ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "انْطَلِقُوا" بِكَسْرِ اللامِ، عَلى مَعْنى تَكْرَيرِ الأمْرِ الأوَّلِ، وبَيانِ المُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقالَ عَطاءٌ: الظِلُّ الَّذِي لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ فيَراهُ الكُفّارُ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مُغْنٍ فَيَهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ المُخاطَبَةُ إنَّما تُقالُ يَوْمَئِذَ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما كانَ يَعْبُدُ، فَيَكُونُ المُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللهِ تَعالى، ولا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ويُقالُ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ انْطَلِقُوا إلى ظِلِّ مَعْبُودِكم وهو الصَلِيبُ ولَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والتَشَعُّبُ تُفَرُّقُ الجِسْمِ الواحِدِ فِرَقًا، ثُمَّ نَفى عنهُ تَعالى مَحاسِنَ الظِلِّ. والضَمِيرُ في "إنَّها" لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ "بِشَرارِ" بِألِفٍ، جَمْعُ شَرارَةَ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، و"القَصْرُ" في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ نَوْعٍ
(p-٥٠٨)القُصُورُ، وهُى الأدْؤُرُ الكِبارِ مُشَيَّدَةً، وقَدْ شَبَّهَتِ العَرَبُ بِها النُوقَ، ومِنَ المَعْنى قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ لُزَّ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "القَصْرُ" أيْضًا خَشَبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يُقْطَعُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ مِنَ النَخْلِ وغَيْرِهِ، عَلى قَدْرِ الذِراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ، يَسْتَعِدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، يُسَمّى القَصْرُ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ وهو المُرادُ في الآيَةِ، وإنَّما سُمِّيَ بِالقَصّارِ لِأنَّهُ يُحْيطُ بِالقَصْرَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: "القَصْرُ" حِزَمُ الحَطَبِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنُ جُبَيْرٍ: "كالقَصْرِ" بِفَتْحِ الصادِ، جَمْعُ قَصْرَةٍ وهي أعْناقُ الخَيْلِ والإبِلِ، وكَذَلِكَ أيْضًا هي في الناسِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جُذُورُ النَخْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ: "كالقِصَرِ" بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصادِ، وهي جَمْعُ قَصْرَةٍ كَحَلْقَةٍ وحِلَقٍ مِنَ الحَدِيدِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الجَمالاتِ"، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي جَمْعُ "جِمالٍ" عَلى صَحِيحِ البِناءِ كَرِجالٍ ورِجالاتٍ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِالصُفْرِ: السُودُ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ بَيْتَ الأعْشى:
؎ تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ، وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرُ أولادِها كالزَبِيبِ
(p-٥٠٩)وَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: بَلْ "الصُفْرُ": الفاقِعَةُ لِأنَّها أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَرَرِ، وشَبَّهَ الشَرَرَ بِالجِمالاتِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "صُفُرٌ" بِضَمِّ الصادِ والفاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ قُلُوسُ السُفُنِ، وهي جِمالاتُها العِظامُ إذا جُمِعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الجِمالاتُ" قِطَعُ النُحاسِ الكِبارِ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنَ اسْمِ الجُمْلَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ. "جِمالَةٌ" بِكَسْرِ الجِيمِ لَحِقَتِ التاءَ جِمالًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ فَهي كَحِجْرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشُ: "جُمالَةٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ والجُمْهُورُ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ "جِمالاتٌ" عَلى ما تُفَسَّرُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ - بِخِلافٍ عنهُما: "جُمالاتٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وكانَ ضَمُّ الجِيمِ فِيها مِنَ الجُمْلَةِ لا مِنَ الجُمَلِ وكَسْرِها مِنَ الجِمَلِ لا مِنَ الجِمْلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى المُكَذِّبِينَ قالَ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ "هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ" أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ أسْكَتَتْهُمُ الهَيْبَةُ وذُلُّ الكُفْرِ، وهَذا في مَوْطِنٍ خاضِّ فَإنَّهم لا يَنْطِقُونَ فِيهِ؛ إذْ قَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِنُطْقِهِمْ: "رَبَّنا أخْرِجْنا"، "رَبَّنا أمِتْنا". فَهي مَواطِنُ، و"يَوْمَ" مُضافٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَنْطِقُونَ". وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "هَذا يَوْمٌ"، لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ، فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ كالقَصْرِ، وقَوْلَهُ "فَيَعْتَذِرُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى "يُؤْذَنُ" ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ يَوْمَئِذٍ، و"الأوَّلُونَ" المُشارُ
(p-٥١٠)إلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحِ وغَيْرُهم مِمَّنْ جاءَ في صَدْرِ الدُنْيا وعَلى وجْهِ الدَهْرِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَبِيدَهُ الكُفّارَ المُسْتَوْجَبِينَ عِقابَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ" أيْ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ أو مَكِيدَةٌ تُنْجِيكم فافْعَلُوها.
المرسلات 77:34
قوله عزّ وجلّ:
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا"، هو لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لَهُمُ الوَيْلُ يُقالُ لَهُمْ: انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ولا خِلافَ في كَسْرِ اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا" في هَذا الأمْرِ الأوَّلِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ- في رِوايَةِ رُوَيْسٍ: "انْطَلَقُوا إلى ظِلٍّ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "انْطَلِقُوا" بِكَسْرِ اللامِ، عَلى مَعْنى تَكْرَيرِ الأمْرِ الأوَّلِ، وبَيانِ المُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقالَ عَطاءٌ: الظِلُّ الَّذِي لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ فيَراهُ الكُفّارُ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مُغْنٍ فَيَهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ المُخاطَبَةُ إنَّما تُقالُ يَوْمَئِذَ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما كانَ يَعْبُدُ، فَيَكُونُ المُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللهِ تَعالى، ولا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ويُقالُ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ انْطَلِقُوا إلى ظِلِّ مَعْبُودِكم وهو الصَلِيبُ ولَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والتَشَعُّبُ تُفَرُّقُ الجِسْمِ الواحِدِ فِرَقًا، ثُمَّ نَفى عنهُ تَعالى مَحاسِنَ الظِلِّ. والضَمِيرُ في "إنَّها" لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ "بِشَرارِ" بِألِفٍ، جَمْعُ شَرارَةَ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، و"القَصْرُ" في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ نَوْعٍ
(p-٥٠٨)القُصُورُ، وهُى الأدْؤُرُ الكِبارِ مُشَيَّدَةً، وقَدْ شَبَّهَتِ العَرَبُ بِها النُوقَ، ومِنَ المَعْنى قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ لُزَّ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "القَصْرُ" أيْضًا خَشَبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يُقْطَعُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ مِنَ النَخْلِ وغَيْرِهِ، عَلى قَدْرِ الذِراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ، يَسْتَعِدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، يُسَمّى القَصْرُ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ وهو المُرادُ في الآيَةِ، وإنَّما سُمِّيَ بِالقَصّارِ لِأنَّهُ يُحْيطُ بِالقَصْرَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: "القَصْرُ" حِزَمُ الحَطَبِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنُ جُبَيْرٍ: "كالقَصْرِ" بِفَتْحِ الصادِ، جَمْعُ قَصْرَةٍ وهي أعْناقُ الخَيْلِ والإبِلِ، وكَذَلِكَ أيْضًا هي في الناسِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جُذُورُ النَخْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ: "كالقِصَرِ" بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصادِ، وهي جَمْعُ قَصْرَةٍ كَحَلْقَةٍ وحِلَقٍ مِنَ الحَدِيدِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الجَمالاتِ"، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي جَمْعُ "جِمالٍ" عَلى صَحِيحِ البِناءِ كَرِجالٍ ورِجالاتٍ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِالصُفْرِ: السُودُ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ بَيْتَ الأعْشى:
؎ تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ، وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرُ أولادِها كالزَبِيبِ
(p-٥٠٩)وَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: بَلْ "الصُفْرُ": الفاقِعَةُ لِأنَّها أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَرَرِ، وشَبَّهَ الشَرَرَ بِالجِمالاتِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "صُفُرٌ" بِضَمِّ الصادِ والفاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ قُلُوسُ السُفُنِ، وهي جِمالاتُها العِظامُ إذا جُمِعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الجِمالاتُ" قِطَعُ النُحاسِ الكِبارِ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنَ اسْمِ الجُمْلَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ. "جِمالَةٌ" بِكَسْرِ الجِيمِ لَحِقَتِ التاءَ جِمالًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ فَهي كَحِجْرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشُ: "جُمالَةٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ والجُمْهُورُ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ "جِمالاتٌ" عَلى ما تُفَسَّرُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ - بِخِلافٍ عنهُما: "جُمالاتٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وكانَ ضَمُّ الجِيمِ فِيها مِنَ الجُمْلَةِ لا مِنَ الجُمَلِ وكَسْرِها مِنَ الجِمَلِ لا مِنَ الجِمْلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى المُكَذِّبِينَ قالَ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ "هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ" أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ أسْكَتَتْهُمُ الهَيْبَةُ وذُلُّ الكُفْرِ، وهَذا في مَوْطِنٍ خاضِّ فَإنَّهم لا يَنْطِقُونَ فِيهِ؛ إذْ قَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِنُطْقِهِمْ: "رَبَّنا أخْرِجْنا"، "رَبَّنا أمِتْنا". فَهي مَواطِنُ، و"يَوْمَ" مُضافٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَنْطِقُونَ". وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "هَذا يَوْمٌ"، لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ، فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ كالقَصْرِ، وقَوْلَهُ "فَيَعْتَذِرُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى "يُؤْذَنُ" ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ يَوْمَئِذٍ، و"الأوَّلُونَ" المُشارُ
(p-٥١٠)إلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحِ وغَيْرُهم مِمَّنْ جاءَ في صَدْرِ الدُنْيا وعَلى وجْهِ الدَهْرِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَبِيدَهُ الكُفّارَ المُسْتَوْجَبِينَ عِقابَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ" أيْ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ أو مَكِيدَةٌ تُنْجِيكم فافْعَلُوها.
المرسلات 77:35
قوله عزّ وجلّ:
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا"، هو لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لَهُمُ الوَيْلُ يُقالُ لَهُمْ: انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ولا خِلافَ في كَسْرِ اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا" في هَذا الأمْرِ الأوَّلِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ- في رِوايَةِ رُوَيْسٍ: "انْطَلَقُوا إلى ظِلٍّ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "انْطَلِقُوا" بِكَسْرِ اللامِ، عَلى مَعْنى تَكْرَيرِ الأمْرِ الأوَّلِ، وبَيانِ المُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقالَ عَطاءٌ: الظِلُّ الَّذِي لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ فيَراهُ الكُفّارُ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مُغْنٍ فَيَهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ المُخاطَبَةُ إنَّما تُقالُ يَوْمَئِذَ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما كانَ يَعْبُدُ، فَيَكُونُ المُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللهِ تَعالى، ولا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ويُقالُ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ انْطَلِقُوا إلى ظِلِّ مَعْبُودِكم وهو الصَلِيبُ ولَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والتَشَعُّبُ تُفَرُّقُ الجِسْمِ الواحِدِ فِرَقًا، ثُمَّ نَفى عنهُ تَعالى مَحاسِنَ الظِلِّ. والضَمِيرُ في "إنَّها" لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ "بِشَرارِ" بِألِفٍ، جَمْعُ شَرارَةَ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، و"القَصْرُ" في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ نَوْعٍ
(p-٥٠٨)القُصُورُ، وهُى الأدْؤُرُ الكِبارِ مُشَيَّدَةً، وقَدْ شَبَّهَتِ العَرَبُ بِها النُوقَ، ومِنَ المَعْنى قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ لُزَّ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "القَصْرُ" أيْضًا خَشَبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يُقْطَعُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ مِنَ النَخْلِ وغَيْرِهِ، عَلى قَدْرِ الذِراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ، يَسْتَعِدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، يُسَمّى القَصْرُ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ وهو المُرادُ في الآيَةِ، وإنَّما سُمِّيَ بِالقَصّارِ لِأنَّهُ يُحْيطُ بِالقَصْرَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: "القَصْرُ" حِزَمُ الحَطَبِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنُ جُبَيْرٍ: "كالقَصْرِ" بِفَتْحِ الصادِ، جَمْعُ قَصْرَةٍ وهي أعْناقُ الخَيْلِ والإبِلِ، وكَذَلِكَ أيْضًا هي في الناسِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جُذُورُ النَخْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ: "كالقِصَرِ" بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصادِ، وهي جَمْعُ قَصْرَةٍ كَحَلْقَةٍ وحِلَقٍ مِنَ الحَدِيدِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الجَمالاتِ"، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي جَمْعُ "جِمالٍ" عَلى صَحِيحِ البِناءِ كَرِجالٍ ورِجالاتٍ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِالصُفْرِ: السُودُ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ بَيْتَ الأعْشى:
؎ تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ، وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرُ أولادِها كالزَبِيبِ
(p-٥٠٩)وَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: بَلْ "الصُفْرُ": الفاقِعَةُ لِأنَّها أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَرَرِ، وشَبَّهَ الشَرَرَ بِالجِمالاتِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "صُفُرٌ" بِضَمِّ الصادِ والفاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ قُلُوسُ السُفُنِ، وهي جِمالاتُها العِظامُ إذا جُمِعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الجِمالاتُ" قِطَعُ النُحاسِ الكِبارِ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنَ اسْمِ الجُمْلَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ. "جِمالَةٌ" بِكَسْرِ الجِيمِ لَحِقَتِ التاءَ جِمالًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ فَهي كَحِجْرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشُ: "جُمالَةٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ والجُمْهُورُ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ "جِمالاتٌ" عَلى ما تُفَسَّرُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ - بِخِلافٍ عنهُما: "جُمالاتٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وكانَ ضَمُّ الجِيمِ فِيها مِنَ الجُمْلَةِ لا مِنَ الجُمَلِ وكَسْرِها مِنَ الجِمَلِ لا مِنَ الجِمْلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى المُكَذِّبِينَ قالَ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ "هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ" أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ أسْكَتَتْهُمُ الهَيْبَةُ وذُلُّ الكُفْرِ، وهَذا في مَوْطِنٍ خاضِّ فَإنَّهم لا يَنْطِقُونَ فِيهِ؛ إذْ قَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِنُطْقِهِمْ: "رَبَّنا أخْرِجْنا"، "رَبَّنا أمِتْنا". فَهي مَواطِنُ، و"يَوْمَ" مُضافٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَنْطِقُونَ". وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "هَذا يَوْمٌ"، لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ، فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ كالقَصْرِ، وقَوْلَهُ "فَيَعْتَذِرُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى "يُؤْذَنُ" ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ يَوْمَئِذٍ، و"الأوَّلُونَ" المُشارُ
(p-٥١٠)إلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحِ وغَيْرُهم مِمَّنْ جاءَ في صَدْرِ الدُنْيا وعَلى وجْهِ الدَهْرِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَبِيدَهُ الكُفّارَ المُسْتَوْجَبِينَ عِقابَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ" أيْ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ أو مَكِيدَةٌ تُنْجِيكم فافْعَلُوها.
المرسلات 77:36
قوله عزّ وجلّ:
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا"، هو لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لَهُمُ الوَيْلُ يُقالُ لَهُمْ: انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ولا خِلافَ في كَسْرِ اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا" في هَذا الأمْرِ الأوَّلِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ- في رِوايَةِ رُوَيْسٍ: "انْطَلَقُوا إلى ظِلٍّ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "انْطَلِقُوا" بِكَسْرِ اللامِ، عَلى مَعْنى تَكْرَيرِ الأمْرِ الأوَّلِ، وبَيانِ المُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقالَ عَطاءٌ: الظِلُّ الَّذِي لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ فيَراهُ الكُفّارُ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مُغْنٍ فَيَهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ المُخاطَبَةُ إنَّما تُقالُ يَوْمَئِذَ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما كانَ يَعْبُدُ، فَيَكُونُ المُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللهِ تَعالى، ولا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ويُقالُ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ انْطَلِقُوا إلى ظِلِّ مَعْبُودِكم وهو الصَلِيبُ ولَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والتَشَعُّبُ تُفَرُّقُ الجِسْمِ الواحِدِ فِرَقًا، ثُمَّ نَفى عنهُ تَعالى مَحاسِنَ الظِلِّ. والضَمِيرُ في "إنَّها" لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ "بِشَرارِ" بِألِفٍ، جَمْعُ شَرارَةَ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، و"القَصْرُ" في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ نَوْعٍ
(p-٥٠٨)القُصُورُ، وهُى الأدْؤُرُ الكِبارِ مُشَيَّدَةً، وقَدْ شَبَّهَتِ العَرَبُ بِها النُوقَ، ومِنَ المَعْنى قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ لُزَّ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "القَصْرُ" أيْضًا خَشَبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يُقْطَعُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ مِنَ النَخْلِ وغَيْرِهِ، عَلى قَدْرِ الذِراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ، يَسْتَعِدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، يُسَمّى القَصْرُ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ وهو المُرادُ في الآيَةِ، وإنَّما سُمِّيَ بِالقَصّارِ لِأنَّهُ يُحْيطُ بِالقَصْرَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: "القَصْرُ" حِزَمُ الحَطَبِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنُ جُبَيْرٍ: "كالقَصْرِ" بِفَتْحِ الصادِ، جَمْعُ قَصْرَةٍ وهي أعْناقُ الخَيْلِ والإبِلِ، وكَذَلِكَ أيْضًا هي في الناسِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جُذُورُ النَخْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ: "كالقِصَرِ" بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصادِ، وهي جَمْعُ قَصْرَةٍ كَحَلْقَةٍ وحِلَقٍ مِنَ الحَدِيدِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الجَمالاتِ"، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي جَمْعُ "جِمالٍ" عَلى صَحِيحِ البِناءِ كَرِجالٍ ورِجالاتٍ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِالصُفْرِ: السُودُ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ بَيْتَ الأعْشى:
؎ تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ، وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرُ أولادِها كالزَبِيبِ
(p-٥٠٩)وَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: بَلْ "الصُفْرُ": الفاقِعَةُ لِأنَّها أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَرَرِ، وشَبَّهَ الشَرَرَ بِالجِمالاتِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "صُفُرٌ" بِضَمِّ الصادِ والفاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ قُلُوسُ السُفُنِ، وهي جِمالاتُها العِظامُ إذا جُمِعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الجِمالاتُ" قِطَعُ النُحاسِ الكِبارِ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنَ اسْمِ الجُمْلَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ. "جِمالَةٌ" بِكَسْرِ الجِيمِ لَحِقَتِ التاءَ جِمالًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ فَهي كَحِجْرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشُ: "جُمالَةٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ والجُمْهُورُ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ "جِمالاتٌ" عَلى ما تُفَسَّرُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ - بِخِلافٍ عنهُما: "جُمالاتٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وكانَ ضَمُّ الجِيمِ فِيها مِنَ الجُمْلَةِ لا مِنَ الجُمَلِ وكَسْرِها مِنَ الجِمَلِ لا مِنَ الجِمْلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى المُكَذِّبِينَ قالَ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ "هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ" أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ أسْكَتَتْهُمُ الهَيْبَةُ وذُلُّ الكُفْرِ، وهَذا في مَوْطِنٍ خاضِّ فَإنَّهم لا يَنْطِقُونَ فِيهِ؛ إذْ قَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِنُطْقِهِمْ: "رَبَّنا أخْرِجْنا"، "رَبَّنا أمِتْنا". فَهي مَواطِنُ، و"يَوْمَ" مُضافٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَنْطِقُونَ". وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "هَذا يَوْمٌ"، لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ، فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ كالقَصْرِ، وقَوْلَهُ "فَيَعْتَذِرُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى "يُؤْذَنُ" ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ يَوْمَئِذٍ، و"الأوَّلُونَ" المُشارُ
(p-٥١٠)إلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحِ وغَيْرُهم مِمَّنْ جاءَ في صَدْرِ الدُنْيا وعَلى وجْهِ الدَهْرِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَبِيدَهُ الكُفّارَ المُسْتَوْجَبِينَ عِقابَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ" أيْ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ أو مَكِيدَةٌ تُنْجِيكم فافْعَلُوها.
المرسلات 77:37
قوله عزّ وجلّ:
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا"، هو لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لَهُمُ الوَيْلُ يُقالُ لَهُمْ: انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ولا خِلافَ في كَسْرِ اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا" في هَذا الأمْرِ الأوَّلِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ- في رِوايَةِ رُوَيْسٍ: "انْطَلَقُوا إلى ظِلٍّ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "انْطَلِقُوا" بِكَسْرِ اللامِ، عَلى مَعْنى تَكْرَيرِ الأمْرِ الأوَّلِ، وبَيانِ المُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقالَ عَطاءٌ: الظِلُّ الَّذِي لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ فيَراهُ الكُفّارُ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مُغْنٍ فَيَهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ المُخاطَبَةُ إنَّما تُقالُ يَوْمَئِذَ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما كانَ يَعْبُدُ، فَيَكُونُ المُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللهِ تَعالى، ولا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ويُقالُ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ انْطَلِقُوا إلى ظِلِّ مَعْبُودِكم وهو الصَلِيبُ ولَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والتَشَعُّبُ تُفَرُّقُ الجِسْمِ الواحِدِ فِرَقًا، ثُمَّ نَفى عنهُ تَعالى مَحاسِنَ الظِلِّ. والضَمِيرُ في "إنَّها" لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ "بِشَرارِ" بِألِفٍ، جَمْعُ شَرارَةَ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، و"القَصْرُ" في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ نَوْعٍ
(p-٥٠٨)القُصُورُ، وهُى الأدْؤُرُ الكِبارِ مُشَيَّدَةً، وقَدْ شَبَّهَتِ العَرَبُ بِها النُوقَ، ومِنَ المَعْنى قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ لُزَّ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "القَصْرُ" أيْضًا خَشَبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يُقْطَعُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ مِنَ النَخْلِ وغَيْرِهِ، عَلى قَدْرِ الذِراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ، يَسْتَعِدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، يُسَمّى القَصْرُ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ وهو المُرادُ في الآيَةِ، وإنَّما سُمِّيَ بِالقَصّارِ لِأنَّهُ يُحْيطُ بِالقَصْرَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: "القَصْرُ" حِزَمُ الحَطَبِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنُ جُبَيْرٍ: "كالقَصْرِ" بِفَتْحِ الصادِ، جَمْعُ قَصْرَةٍ وهي أعْناقُ الخَيْلِ والإبِلِ، وكَذَلِكَ أيْضًا هي في الناسِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جُذُورُ النَخْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ: "كالقِصَرِ" بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصادِ، وهي جَمْعُ قَصْرَةٍ كَحَلْقَةٍ وحِلَقٍ مِنَ الحَدِيدِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الجَمالاتِ"، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي جَمْعُ "جِمالٍ" عَلى صَحِيحِ البِناءِ كَرِجالٍ ورِجالاتٍ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِالصُفْرِ: السُودُ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ بَيْتَ الأعْشى:
؎ تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ، وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرُ أولادِها كالزَبِيبِ
(p-٥٠٩)وَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: بَلْ "الصُفْرُ": الفاقِعَةُ لِأنَّها أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَرَرِ، وشَبَّهَ الشَرَرَ بِالجِمالاتِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "صُفُرٌ" بِضَمِّ الصادِ والفاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ قُلُوسُ السُفُنِ، وهي جِمالاتُها العِظامُ إذا جُمِعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الجِمالاتُ" قِطَعُ النُحاسِ الكِبارِ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنَ اسْمِ الجُمْلَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ. "جِمالَةٌ" بِكَسْرِ الجِيمِ لَحِقَتِ التاءَ جِمالًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ فَهي كَحِجْرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشُ: "جُمالَةٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ والجُمْهُورُ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ "جِمالاتٌ" عَلى ما تُفَسَّرُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ - بِخِلافٍ عنهُما: "جُمالاتٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وكانَ ضَمُّ الجِيمِ فِيها مِنَ الجُمْلَةِ لا مِنَ الجُمَلِ وكَسْرِها مِنَ الجِمَلِ لا مِنَ الجِمْلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى المُكَذِّبِينَ قالَ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ "هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ" أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ أسْكَتَتْهُمُ الهَيْبَةُ وذُلُّ الكُفْرِ، وهَذا في مَوْطِنٍ خاضِّ فَإنَّهم لا يَنْطِقُونَ فِيهِ؛ إذْ قَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِنُطْقِهِمْ: "رَبَّنا أخْرِجْنا"، "رَبَّنا أمِتْنا". فَهي مَواطِنُ، و"يَوْمَ" مُضافٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَنْطِقُونَ". وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "هَذا يَوْمٌ"، لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ، فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ كالقَصْرِ، وقَوْلَهُ "فَيَعْتَذِرُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى "يُؤْذَنُ" ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ يَوْمَئِذٍ، و"الأوَّلُونَ" المُشارُ
(p-٥١٠)إلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحِ وغَيْرُهم مِمَّنْ جاءَ في صَدْرِ الدُنْيا وعَلى وجْهِ الدَهْرِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَبِيدَهُ الكُفّارَ المُسْتَوْجَبِينَ عِقابَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ" أيْ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ أو مَكِيدَةٌ تُنْجِيكم فافْعَلُوها.
المرسلات 77:38
قوله عزّ وجلّ:
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا"، هو لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لَهُمُ الوَيْلُ يُقالُ لَهُمْ: انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ولا خِلافَ في كَسْرِ اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا" في هَذا الأمْرِ الأوَّلِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ- في رِوايَةِ رُوَيْسٍ: "انْطَلَقُوا إلى ظِلٍّ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "انْطَلِقُوا" بِكَسْرِ اللامِ، عَلى مَعْنى تَكْرَيرِ الأمْرِ الأوَّلِ، وبَيانِ المُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقالَ عَطاءٌ: الظِلُّ الَّذِي لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ فيَراهُ الكُفّارُ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مُغْنٍ فَيَهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ المُخاطَبَةُ إنَّما تُقالُ يَوْمَئِذَ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما كانَ يَعْبُدُ، فَيَكُونُ المُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللهِ تَعالى، ولا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ويُقالُ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ انْطَلِقُوا إلى ظِلِّ مَعْبُودِكم وهو الصَلِيبُ ولَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والتَشَعُّبُ تُفَرُّقُ الجِسْمِ الواحِدِ فِرَقًا، ثُمَّ نَفى عنهُ تَعالى مَحاسِنَ الظِلِّ. والضَمِيرُ في "إنَّها" لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ "بِشَرارِ" بِألِفٍ، جَمْعُ شَرارَةَ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، و"القَصْرُ" في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ نَوْعٍ
(p-٥٠٨)القُصُورُ، وهُى الأدْؤُرُ الكِبارِ مُشَيَّدَةً، وقَدْ شَبَّهَتِ العَرَبُ بِها النُوقَ، ومِنَ المَعْنى قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ لُزَّ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "القَصْرُ" أيْضًا خَشَبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يُقْطَعُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ مِنَ النَخْلِ وغَيْرِهِ، عَلى قَدْرِ الذِراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ، يَسْتَعِدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، يُسَمّى القَصْرُ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ وهو المُرادُ في الآيَةِ، وإنَّما سُمِّيَ بِالقَصّارِ لِأنَّهُ يُحْيطُ بِالقَصْرَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: "القَصْرُ" حِزَمُ الحَطَبِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنُ جُبَيْرٍ: "كالقَصْرِ" بِفَتْحِ الصادِ، جَمْعُ قَصْرَةٍ وهي أعْناقُ الخَيْلِ والإبِلِ، وكَذَلِكَ أيْضًا هي في الناسِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جُذُورُ النَخْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ: "كالقِصَرِ" بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصادِ، وهي جَمْعُ قَصْرَةٍ كَحَلْقَةٍ وحِلَقٍ مِنَ الحَدِيدِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الجَمالاتِ"، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي جَمْعُ "جِمالٍ" عَلى صَحِيحِ البِناءِ كَرِجالٍ ورِجالاتٍ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِالصُفْرِ: السُودُ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ بَيْتَ الأعْشى:
؎ تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ، وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرُ أولادِها كالزَبِيبِ
(p-٥٠٩)وَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: بَلْ "الصُفْرُ": الفاقِعَةُ لِأنَّها أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَرَرِ، وشَبَّهَ الشَرَرَ بِالجِمالاتِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "صُفُرٌ" بِضَمِّ الصادِ والفاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ قُلُوسُ السُفُنِ، وهي جِمالاتُها العِظامُ إذا جُمِعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الجِمالاتُ" قِطَعُ النُحاسِ الكِبارِ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنَ اسْمِ الجُمْلَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ. "جِمالَةٌ" بِكَسْرِ الجِيمِ لَحِقَتِ التاءَ جِمالًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ فَهي كَحِجْرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشُ: "جُمالَةٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ والجُمْهُورُ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ "جِمالاتٌ" عَلى ما تُفَسَّرُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ - بِخِلافٍ عنهُما: "جُمالاتٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وكانَ ضَمُّ الجِيمِ فِيها مِنَ الجُمْلَةِ لا مِنَ الجُمَلِ وكَسْرِها مِنَ الجِمَلِ لا مِنَ الجِمْلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى المُكَذِّبِينَ قالَ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ "هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ" أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ أسْكَتَتْهُمُ الهَيْبَةُ وذُلُّ الكُفْرِ، وهَذا في مَوْطِنٍ خاضِّ فَإنَّهم لا يَنْطِقُونَ فِيهِ؛ إذْ قَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِنُطْقِهِمْ: "رَبَّنا أخْرِجْنا"، "رَبَّنا أمِتْنا". فَهي مَواطِنُ، و"يَوْمَ" مُضافٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَنْطِقُونَ". وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "هَذا يَوْمٌ"، لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ، فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ كالقَصْرِ، وقَوْلَهُ "فَيَعْتَذِرُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى "يُؤْذَنُ" ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ يَوْمَئِذٍ، و"الأوَّلُونَ" المُشارُ
(p-٥١٠)إلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحِ وغَيْرُهم مِمَّنْ جاءَ في صَدْرِ الدُنْيا وعَلى وجْهِ الدَهْرِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَبِيدَهُ الكُفّارَ المُسْتَوْجَبِينَ عِقابَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ" أيْ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ أو مَكِيدَةٌ تُنْجِيكم فافْعَلُوها.
المرسلات 77:39
قوله عزّ وجلّ:
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا"، هو لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لَهُمُ الوَيْلُ يُقالُ لَهُمْ: انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ولا خِلافَ في كَسْرِ اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا" في هَذا الأمْرِ الأوَّلِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ- في رِوايَةِ رُوَيْسٍ: "انْطَلَقُوا إلى ظِلٍّ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "انْطَلِقُوا" بِكَسْرِ اللامِ، عَلى مَعْنى تَكْرَيرِ الأمْرِ الأوَّلِ، وبَيانِ المُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقالَ عَطاءٌ: الظِلُّ الَّذِي لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ فيَراهُ الكُفّارُ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مُغْنٍ فَيَهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ المُخاطَبَةُ إنَّما تُقالُ يَوْمَئِذَ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما كانَ يَعْبُدُ، فَيَكُونُ المُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللهِ تَعالى، ولا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ويُقالُ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ انْطَلِقُوا إلى ظِلِّ مَعْبُودِكم وهو الصَلِيبُ ولَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والتَشَعُّبُ تُفَرُّقُ الجِسْمِ الواحِدِ فِرَقًا، ثُمَّ نَفى عنهُ تَعالى مَحاسِنَ الظِلِّ. والضَمِيرُ في "إنَّها" لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ "بِشَرارِ" بِألِفٍ، جَمْعُ شَرارَةَ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، و"القَصْرُ" في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ نَوْعٍ
(p-٥٠٨)القُصُورُ، وهُى الأدْؤُرُ الكِبارِ مُشَيَّدَةً، وقَدْ شَبَّهَتِ العَرَبُ بِها النُوقَ، ومِنَ المَعْنى قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ لُزَّ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "القَصْرُ" أيْضًا خَشَبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يُقْطَعُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ مِنَ النَخْلِ وغَيْرِهِ، عَلى قَدْرِ الذِراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ، يَسْتَعِدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، يُسَمّى القَصْرُ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ وهو المُرادُ في الآيَةِ، وإنَّما سُمِّيَ بِالقَصّارِ لِأنَّهُ يُحْيطُ بِالقَصْرَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: "القَصْرُ" حِزَمُ الحَطَبِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنُ جُبَيْرٍ: "كالقَصْرِ" بِفَتْحِ الصادِ، جَمْعُ قَصْرَةٍ وهي أعْناقُ الخَيْلِ والإبِلِ، وكَذَلِكَ أيْضًا هي في الناسِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جُذُورُ النَخْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ: "كالقِصَرِ" بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصادِ، وهي جَمْعُ قَصْرَةٍ كَحَلْقَةٍ وحِلَقٍ مِنَ الحَدِيدِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الجَمالاتِ"، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي جَمْعُ "جِمالٍ" عَلى صَحِيحِ البِناءِ كَرِجالٍ ورِجالاتٍ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِالصُفْرِ: السُودُ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ بَيْتَ الأعْشى:
؎ تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ، وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرُ أولادِها كالزَبِيبِ
(p-٥٠٩)وَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: بَلْ "الصُفْرُ": الفاقِعَةُ لِأنَّها أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَرَرِ، وشَبَّهَ الشَرَرَ بِالجِمالاتِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "صُفُرٌ" بِضَمِّ الصادِ والفاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ قُلُوسُ السُفُنِ، وهي جِمالاتُها العِظامُ إذا جُمِعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الجِمالاتُ" قِطَعُ النُحاسِ الكِبارِ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنَ اسْمِ الجُمْلَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ. "جِمالَةٌ" بِكَسْرِ الجِيمِ لَحِقَتِ التاءَ جِمالًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ فَهي كَحِجْرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشُ: "جُمالَةٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ والجُمْهُورُ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ "جِمالاتٌ" عَلى ما تُفَسَّرُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ - بِخِلافٍ عنهُما: "جُمالاتٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وكانَ ضَمُّ الجِيمِ فِيها مِنَ الجُمْلَةِ لا مِنَ الجُمَلِ وكَسْرِها مِنَ الجِمَلِ لا مِنَ الجِمْلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى المُكَذِّبِينَ قالَ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ "هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ" أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ أسْكَتَتْهُمُ الهَيْبَةُ وذُلُّ الكُفْرِ، وهَذا في مَوْطِنٍ خاضِّ فَإنَّهم لا يَنْطِقُونَ فِيهِ؛ إذْ قَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِنُطْقِهِمْ: "رَبَّنا أخْرِجْنا"، "رَبَّنا أمِتْنا". فَهي مَواطِنُ، و"يَوْمَ" مُضافٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَنْطِقُونَ". وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "هَذا يَوْمٌ"، لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ، فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ كالقَصْرِ، وقَوْلَهُ "فَيَعْتَذِرُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى "يُؤْذَنُ" ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ يَوْمَئِذٍ، و"الأوَّلُونَ" المُشارُ
(p-٥١٠)إلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحِ وغَيْرُهم مِمَّنْ جاءَ في صَدْرِ الدُنْيا وعَلى وجْهِ الدَهْرِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَبِيدَهُ الكُفّارَ المُسْتَوْجَبِينَ عِقابَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ" أيْ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ أو مَكِيدَةٌ تُنْجِيكم فافْعَلُوها.
المرسلات 77:40
قوله عزّ وجلّ:
﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا"، هو لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لَهُمُ الوَيْلُ يُقالُ لَهُمْ: انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ولا خِلافَ في كَسْرِ اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "انْطَلِقُوا" في هَذا الأمْرِ الأوَّلِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ- في رِوايَةِ رُوَيْسٍ: "انْطَلَقُوا إلى ظِلٍّ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "انْطَلِقُوا" بِكَسْرِ اللامِ، عَلى مَعْنى تَكْرَيرِ الأمْرِ الأوَّلِ، وبَيانِ المُنْطَلَقِ إلَيْهِ، وقالَ عَطاءٌ: الظِلُّ الَّذِي لَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ هو دُخانُ جَهَنَّمَ، ورُوِيَ أنَّهُ يَعْلُو مِن ثَلاثَةِ مَواضِعَ فيَراهُ الكُفّارُ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مُغْنٍ فَيَهْرَعُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ عَلى أسْوَأِ وصْفٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ المُخاطَبَةُ إنَّما تُقالُ يَوْمَئِذَ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما كانَ يَعْبُدُ، فَيَكُونُ المُؤْمِنُونَ في ظِلِّ اللهِ تَعالى، ولا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ويُقالُ لِعَبَدَةِ الصَلِيبِ انْطَلِقُوا إلى ظِلِّ مَعْبُودِكم وهو الصَلِيبُ ولَهُ ثَلاثُ شُعَبٍ، والتَشَعُّبُ تُفَرُّقُ الجِسْمِ الواحِدِ فِرَقًا، ثُمَّ نَفى عنهُ تَعالى مَحاسِنَ الظِلِّ. والضَمِيرُ في "إنَّها" لِجَهَنَّمَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ "بِشَرارِ" بِألِفٍ، جَمْعُ شَرارَةَ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، و"القَصْرُ" في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ نَوْعٍ
(p-٥٠٨)القُصُورُ، وهُى الأدْؤُرُ الكِبارِ مُشَيَّدَةً، وقَدْ شَبَّهَتِ العَرَبُ بِها النُوقَ، ومِنَ المَعْنى قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ كَأنَّها بُرْجٌ رُومِيٌّ يُشَيِّدُهُ لُزَّ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "القَصْرُ" أيْضًا خَشَبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يُقْطَعُ مِن جَزْلِ الحَطَبِ مِنَ النَخْلِ وغَيْرِهِ، عَلى قَدْرِ الذِراعِ وفَوْقَهُ ودُونَهُ، يَسْتَعِدُّ بِهِ لِلشِّتاءِ، يُسَمّى القَصْرُ، واحِدُهُ قَصْرَةٌ وهو المُرادُ في الآيَةِ، وإنَّما سُمِّيَ بِالقَصّارِ لِأنَّهُ يُحْيطُ بِالقَصْرَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: "القَصْرُ" حِزَمُ الحَطَبِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنُ جُبَيْرٍ: "كالقَصْرِ" بِفَتْحِ الصادِ، جَمْعُ قَصْرَةٍ وهي أعْناقُ الخَيْلِ والإبِلِ، وكَذَلِكَ أيْضًا هي في الناسِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جُذُورُ النَخْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والحَسَنُ: "كالقِصَرِ" بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الصادِ، وهي جَمْعُ قَصْرَةٍ كَحَلْقَةٍ وحِلَقٍ مِنَ الحَدِيدِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الجَمالاتِ"، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي جَمْعُ "جِمالٍ" عَلى صَحِيحِ البِناءِ كَرِجالٍ ورِجالاتٍ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِالصُفْرِ: السُودُ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ بَيْتَ الأعْشى:
؎ تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ، وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرُ أولادِها كالزَبِيبِ
(p-٥٠٩)وَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: بَلْ "الصُفْرُ": الفاقِعَةُ لِأنَّها أشْبَهُ بِلَوْنِ الشَرَرِ، وشَبَّهَ الشَرَرَ بِالجِمالاتِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "صُفُرٌ" بِضَمِّ الصادِ والفاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: الجِمالاتُ قُلُوسُ السُفُنِ، وهي جِمالاتُها العِظامُ إذا جُمِعَتْ مُسْتَدِيرَةً بَعْضُها إلى بَعْضٍ جاءَ مِنها أجْرامٌ عِظامٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الجِمالاتُ" قِطَعُ النُحاسِ الكِبارِ، وكانَ اشْتِقاقُ هَذِهِ مِنَ اسْمِ الجُمْلَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ. "جِمالَةٌ" بِكَسْرِ الجِيمِ لَحِقَتِ التاءَ جِمالًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ فَهي كَحِجْرٍ وحِجارَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشُ: "جُمالَةٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ والجُمْهُورُ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ "جِمالاتٌ" عَلى ما تُفَسَّرُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ - بِخِلافٍ عنهُما: "جُمالاتٌ" بِضَمِّ الجِيمِ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وكانَ ضَمُّ الجِيمِ فِيها مِنَ الجُمْلَةِ لا مِنَ الجُمَلِ وكَسْرِها مِنَ الجِمَلِ لا مِنَ الجِمْلَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى المُكَذِّبِينَ قالَ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ "هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ" أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ أسْكَتَتْهُمُ الهَيْبَةُ وذُلُّ الكُفْرِ، وهَذا في مَوْطِنٍ خاضِّ فَإنَّهم لا يَنْطِقُونَ فِيهِ؛ إذْ قَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِنُطْقِهِمْ: "رَبَّنا أخْرِجْنا"، "رَبَّنا أمِتْنا". فَهي مَواطِنُ، و"يَوْمَ" مُضافٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَنْطِقُونَ". وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "هَذا يَوْمٌ"، لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ بَناهُ، فَهي فَتْحَةُ بِناءٍ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى رَمْيِها بِشَرَرٍ كالقَصْرِ، وقَوْلَهُ "فَيَعْتَذِرُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى "يُؤْذَنُ" ولَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ النَفْيِ لِتَشابُهِ رُءُوسِ الآيِ، والوَجْهانِ جائِزانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ يَوْمَئِذٍ، و"الأوَّلُونَ" المُشارُ
(p-٥١٠)إلَيْهِمْ قَوْمُ نُوحِ وغَيْرُهم مِمَّنْ جاءَ في صَدْرِ الدُنْيا وعَلى وجْهِ الدَهْرِ. ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَبِيدَهُ الكُفّارَ المُسْتَوْجَبِينَ عِقابَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ" أيْ إنْ كانَ لَكم حِيلَةٌ أو مَكِيدَةٌ تُنْجِيكم فافْعَلُوها.
المرسلات 77:41
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
ذَكَرَ تَعالى حالَةَ المُتَّقِينَ بِعَقِبِ ذِكْرِ حالَةِ أهْلِ النارِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، و"الظِلالُ" في الجَنَّةِ عِبارَةٌ عن تَكاثُفِ الأشْجارِ وجَوْدَةِ المَبانِي، وإلّا فَلا شَمْسَ تُؤْذِي هُنالِكَ حَتّى يَكُونَ ظِلٌّ يُجِيرُ مِن حَرِّها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي ظِلالٍ"، وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ: "فِي ظُلَلٍ" بِضَمِّ الظاءِ، و"العُيُونُ" الماءُ النابِعُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ" إعْلامٌ بِأنَّ المَأْكَلَ والمُشْرَبَ هُنالِكَ إنَّما يَكُونُ بِرَسْمِ شَهَواتِهِمْ، بِخِلافِ ما هي الدُنْيا عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ فِيهِ شاذٌّ نادِرٌ، والعُرْفُ أنَّ المَرْءَ يَرُدُّ شَهْوَتَهُ إلى ما يَقْتَضِيهِ وجْدُهُ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَفْظُ تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا. و"هَنِيئًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ. والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ كافُ تَشْبِيهٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما ذَكَرَهُ مِن نَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كُلُوا وتَمَتَّعُوا" مُخاطَبَةٌ لِقُرَيْشٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وهَذِهِ صِيغَةُ أمْرٍ مَعْناها التَهْدِيدُ والوَعِيدُ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ "قَلِيلًا"، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قَرَّرَ لَهُمُ الإجْرامَ المُوجِبَ لِتَعْذِيبِهِمْ، وقالَ مَن جَعَلَ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةً: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في كَفارِّ قُرَيْشٍ، وقالَ مَن جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ مِنها مَدَنِيَّةً: إنْ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ لِأنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى رَسُولُ اللهِ ﷺ وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ.»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾، قِيلَ: هي حِكايَةٌ عن حالِ المُنافِقِينَ في الآخِرَةِ إذا سَجَدَ الناسُ فَأرادُوا هُمُ السُجُودَ فانْصَرَفَتْ أصْلابُهم إلى الأرْضِ وصارَتْ فَقْاراتُهم كَصَياصِي البَقَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ فِي
(p-٥١١)آخَرِينَ هَذِهِ حالُ كَفّارِ قُرَيْشٍ في الدُنْيا كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُوهم وهم لا يُجِيبُونَ، وذِكْرُ الرُكُوعِ عِبارَةٌ عن جَمِيعِ الصَلاةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: عَنى بِالرُكُوعِ التَواضُعَ، كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ ................ تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
أيْ مُتَذَلِّلَةً، وتَأوَّلَ قَتادَةُ الآيَةَ قاصِدَةً الرُكُوعَ نَفْسَهُ، وقالَ: عَلَيْكم بِحُسْنِ الرُكُوعِ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ ذِكْرَ الرُكُوعِ هُنا وتَخْصِيصَهُ مِن بَيْنِ سائِرِ أحْوالِ العِبادَةِ إنَّما كانَ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ العَرَبِ كانَ يَأْنَفُ مِنَ الرُكُوعِ والسُجُودِ، ويَراها هَيْئَةً مُنْكَرَةً، لِما كانَ في أخْلاقِهِمْ مِنَ العَجْرَفَةِ، ألا تَرى أنَّ بَعْضَهم قَدْ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ: اسْتَخْذَأْتُ أوِ اسْتَخْذَيْتُ؟ فَقالَ: كُلٌّ لا أقُولُ، قِيلَ لَهُ: لِمَ؟ قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَسْتَخْذِي، فَظَنَّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَعْنى، ولَمْ يَفْهَمْ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ اللَفْظَةِ، وفي كِتابِ السِيَرِ عن بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ اسْتَعْفى مُتَكَلِّمًا عن قَوْمِهِ ونَفْسِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ الصَلاةِ، فَلَمْ يَجِبْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قِيلَ لَهُ لا بُدَّ مِنَ الصَلاةِ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: سَنُؤْتِيكَها وإنْ كانَتْ دَناءَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُؤَيِّدُ أنَّ الآيَةَ كُلَّها في قُرَيْشٍ، والحَدِيثُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الضَمِيرُ في "بُعْدِهِ" هو القُرْآنُ، وهَذا تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، ورُوِيَ عن يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ "تُؤْمِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، عَلى المُواجَهَةِ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُرْسِلاتِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
المرسلات 77:42
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
ذَكَرَ تَعالى حالَةَ المُتَّقِينَ بِعَقِبِ ذِكْرِ حالَةِ أهْلِ النارِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، و"الظِلالُ" في الجَنَّةِ عِبارَةٌ عن تَكاثُفِ الأشْجارِ وجَوْدَةِ المَبانِي، وإلّا فَلا شَمْسَ تُؤْذِي هُنالِكَ حَتّى يَكُونَ ظِلٌّ يُجِيرُ مِن حَرِّها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي ظِلالٍ"، وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ: "فِي ظُلَلٍ" بِضَمِّ الظاءِ، و"العُيُونُ" الماءُ النابِعُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ" إعْلامٌ بِأنَّ المَأْكَلَ والمُشْرَبَ هُنالِكَ إنَّما يَكُونُ بِرَسْمِ شَهَواتِهِمْ، بِخِلافِ ما هي الدُنْيا عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ فِيهِ شاذٌّ نادِرٌ، والعُرْفُ أنَّ المَرْءَ يَرُدُّ شَهْوَتَهُ إلى ما يَقْتَضِيهِ وجْدُهُ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَفْظُ تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا. و"هَنِيئًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ. والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ كافُ تَشْبِيهٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما ذَكَرَهُ مِن نَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كُلُوا وتَمَتَّعُوا" مُخاطَبَةٌ لِقُرَيْشٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وهَذِهِ صِيغَةُ أمْرٍ مَعْناها التَهْدِيدُ والوَعِيدُ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ "قَلِيلًا"، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قَرَّرَ لَهُمُ الإجْرامَ المُوجِبَ لِتَعْذِيبِهِمْ، وقالَ مَن جَعَلَ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةً: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في كَفارِّ قُرَيْشٍ، وقالَ مَن جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ مِنها مَدَنِيَّةً: إنْ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ لِأنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى رَسُولُ اللهِ ﷺ وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ.»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾، قِيلَ: هي حِكايَةٌ عن حالِ المُنافِقِينَ في الآخِرَةِ إذا سَجَدَ الناسُ فَأرادُوا هُمُ السُجُودَ فانْصَرَفَتْ أصْلابُهم إلى الأرْضِ وصارَتْ فَقْاراتُهم كَصَياصِي البَقَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ فِي
(p-٥١١)آخَرِينَ هَذِهِ حالُ كَفّارِ قُرَيْشٍ في الدُنْيا كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُوهم وهم لا يُجِيبُونَ، وذِكْرُ الرُكُوعِ عِبارَةٌ عن جَمِيعِ الصَلاةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: عَنى بِالرُكُوعِ التَواضُعَ، كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ ................ تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
أيْ مُتَذَلِّلَةً، وتَأوَّلَ قَتادَةُ الآيَةَ قاصِدَةً الرُكُوعَ نَفْسَهُ، وقالَ: عَلَيْكم بِحُسْنِ الرُكُوعِ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ ذِكْرَ الرُكُوعِ هُنا وتَخْصِيصَهُ مِن بَيْنِ سائِرِ أحْوالِ العِبادَةِ إنَّما كانَ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ العَرَبِ كانَ يَأْنَفُ مِنَ الرُكُوعِ والسُجُودِ، ويَراها هَيْئَةً مُنْكَرَةً، لِما كانَ في أخْلاقِهِمْ مِنَ العَجْرَفَةِ، ألا تَرى أنَّ بَعْضَهم قَدْ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ: اسْتَخْذَأْتُ أوِ اسْتَخْذَيْتُ؟ فَقالَ: كُلٌّ لا أقُولُ، قِيلَ لَهُ: لِمَ؟ قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَسْتَخْذِي، فَظَنَّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَعْنى، ولَمْ يَفْهَمْ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ اللَفْظَةِ، وفي كِتابِ السِيَرِ عن بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ اسْتَعْفى مُتَكَلِّمًا عن قَوْمِهِ ونَفْسِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ الصَلاةِ، فَلَمْ يَجِبْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قِيلَ لَهُ لا بُدَّ مِنَ الصَلاةِ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: سَنُؤْتِيكَها وإنْ كانَتْ دَناءَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُؤَيِّدُ أنَّ الآيَةَ كُلَّها في قُرَيْشٍ، والحَدِيثُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الضَمِيرُ في "بُعْدِهِ" هو القُرْآنُ، وهَذا تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، ورُوِيَ عن يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ "تُؤْمِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، عَلى المُواجَهَةِ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُرْسِلاتِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
المرسلات 77:43
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
ذَكَرَ تَعالى حالَةَ المُتَّقِينَ بِعَقِبِ ذِكْرِ حالَةِ أهْلِ النارِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، و"الظِلالُ" في الجَنَّةِ عِبارَةٌ عن تَكاثُفِ الأشْجارِ وجَوْدَةِ المَبانِي، وإلّا فَلا شَمْسَ تُؤْذِي هُنالِكَ حَتّى يَكُونَ ظِلٌّ يُجِيرُ مِن حَرِّها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي ظِلالٍ"، وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ: "فِي ظُلَلٍ" بِضَمِّ الظاءِ، و"العُيُونُ" الماءُ النابِعُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ" إعْلامٌ بِأنَّ المَأْكَلَ والمُشْرَبَ هُنالِكَ إنَّما يَكُونُ بِرَسْمِ شَهَواتِهِمْ، بِخِلافِ ما هي الدُنْيا عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ فِيهِ شاذٌّ نادِرٌ، والعُرْفُ أنَّ المَرْءَ يَرُدُّ شَهْوَتَهُ إلى ما يَقْتَضِيهِ وجْدُهُ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَفْظُ تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا. و"هَنِيئًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ. والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ كافُ تَشْبِيهٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما ذَكَرَهُ مِن نَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كُلُوا وتَمَتَّعُوا" مُخاطَبَةٌ لِقُرَيْشٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وهَذِهِ صِيغَةُ أمْرٍ مَعْناها التَهْدِيدُ والوَعِيدُ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ "قَلِيلًا"، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قَرَّرَ لَهُمُ الإجْرامَ المُوجِبَ لِتَعْذِيبِهِمْ، وقالَ مَن جَعَلَ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةً: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في كَفارِّ قُرَيْشٍ، وقالَ مَن جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ مِنها مَدَنِيَّةً: إنْ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ لِأنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى رَسُولُ اللهِ ﷺ وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ.»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾، قِيلَ: هي حِكايَةٌ عن حالِ المُنافِقِينَ في الآخِرَةِ إذا سَجَدَ الناسُ فَأرادُوا هُمُ السُجُودَ فانْصَرَفَتْ أصْلابُهم إلى الأرْضِ وصارَتْ فَقْاراتُهم كَصَياصِي البَقَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ فِي
(p-٥١١)آخَرِينَ هَذِهِ حالُ كَفّارِ قُرَيْشٍ في الدُنْيا كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُوهم وهم لا يُجِيبُونَ، وذِكْرُ الرُكُوعِ عِبارَةٌ عن جَمِيعِ الصَلاةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: عَنى بِالرُكُوعِ التَواضُعَ، كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ ................ تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
أيْ مُتَذَلِّلَةً، وتَأوَّلَ قَتادَةُ الآيَةَ قاصِدَةً الرُكُوعَ نَفْسَهُ، وقالَ: عَلَيْكم بِحُسْنِ الرُكُوعِ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ ذِكْرَ الرُكُوعِ هُنا وتَخْصِيصَهُ مِن بَيْنِ سائِرِ أحْوالِ العِبادَةِ إنَّما كانَ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ العَرَبِ كانَ يَأْنَفُ مِنَ الرُكُوعِ والسُجُودِ، ويَراها هَيْئَةً مُنْكَرَةً، لِما كانَ في أخْلاقِهِمْ مِنَ العَجْرَفَةِ، ألا تَرى أنَّ بَعْضَهم قَدْ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ: اسْتَخْذَأْتُ أوِ اسْتَخْذَيْتُ؟ فَقالَ: كُلٌّ لا أقُولُ، قِيلَ لَهُ: لِمَ؟ قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَسْتَخْذِي، فَظَنَّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَعْنى، ولَمْ يَفْهَمْ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ اللَفْظَةِ، وفي كِتابِ السِيَرِ عن بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ اسْتَعْفى مُتَكَلِّمًا عن قَوْمِهِ ونَفْسِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ الصَلاةِ، فَلَمْ يَجِبْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قِيلَ لَهُ لا بُدَّ مِنَ الصَلاةِ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: سَنُؤْتِيكَها وإنْ كانَتْ دَناءَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُؤَيِّدُ أنَّ الآيَةَ كُلَّها في قُرَيْشٍ، والحَدِيثُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الضَمِيرُ في "بُعْدِهِ" هو القُرْآنُ، وهَذا تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، ورُوِيَ عن يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ "تُؤْمِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، عَلى المُواجَهَةِ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُرْسِلاتِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
المرسلات 77:44
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
ذَكَرَ تَعالى حالَةَ المُتَّقِينَ بِعَقِبِ ذِكْرِ حالَةِ أهْلِ النارِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، و"الظِلالُ" في الجَنَّةِ عِبارَةٌ عن تَكاثُفِ الأشْجارِ وجَوْدَةِ المَبانِي، وإلّا فَلا شَمْسَ تُؤْذِي هُنالِكَ حَتّى يَكُونَ ظِلٌّ يُجِيرُ مِن حَرِّها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي ظِلالٍ"، وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ: "فِي ظُلَلٍ" بِضَمِّ الظاءِ، و"العُيُونُ" الماءُ النابِعُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ" إعْلامٌ بِأنَّ المَأْكَلَ والمُشْرَبَ هُنالِكَ إنَّما يَكُونُ بِرَسْمِ شَهَواتِهِمْ، بِخِلافِ ما هي الدُنْيا عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ فِيهِ شاذٌّ نادِرٌ، والعُرْفُ أنَّ المَرْءَ يَرُدُّ شَهْوَتَهُ إلى ما يَقْتَضِيهِ وجْدُهُ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَفْظُ تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا. و"هَنِيئًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ. والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ كافُ تَشْبِيهٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما ذَكَرَهُ مِن نَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كُلُوا وتَمَتَّعُوا" مُخاطَبَةٌ لِقُرَيْشٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وهَذِهِ صِيغَةُ أمْرٍ مَعْناها التَهْدِيدُ والوَعِيدُ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ "قَلِيلًا"، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قَرَّرَ لَهُمُ الإجْرامَ المُوجِبَ لِتَعْذِيبِهِمْ، وقالَ مَن جَعَلَ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةً: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في كَفارِّ قُرَيْشٍ، وقالَ مَن جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ مِنها مَدَنِيَّةً: إنْ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ لِأنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى رَسُولُ اللهِ ﷺ وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ.»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾، قِيلَ: هي حِكايَةٌ عن حالِ المُنافِقِينَ في الآخِرَةِ إذا سَجَدَ الناسُ فَأرادُوا هُمُ السُجُودَ فانْصَرَفَتْ أصْلابُهم إلى الأرْضِ وصارَتْ فَقْاراتُهم كَصَياصِي البَقَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ فِي
(p-٥١١)آخَرِينَ هَذِهِ حالُ كَفّارِ قُرَيْشٍ في الدُنْيا كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُوهم وهم لا يُجِيبُونَ، وذِكْرُ الرُكُوعِ عِبارَةٌ عن جَمِيعِ الصَلاةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: عَنى بِالرُكُوعِ التَواضُعَ، كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ ................ تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
أيْ مُتَذَلِّلَةً، وتَأوَّلَ قَتادَةُ الآيَةَ قاصِدَةً الرُكُوعَ نَفْسَهُ، وقالَ: عَلَيْكم بِحُسْنِ الرُكُوعِ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ ذِكْرَ الرُكُوعِ هُنا وتَخْصِيصَهُ مِن بَيْنِ سائِرِ أحْوالِ العِبادَةِ إنَّما كانَ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ العَرَبِ كانَ يَأْنَفُ مِنَ الرُكُوعِ والسُجُودِ، ويَراها هَيْئَةً مُنْكَرَةً، لِما كانَ في أخْلاقِهِمْ مِنَ العَجْرَفَةِ، ألا تَرى أنَّ بَعْضَهم قَدْ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ: اسْتَخْذَأْتُ أوِ اسْتَخْذَيْتُ؟ فَقالَ: كُلٌّ لا أقُولُ، قِيلَ لَهُ: لِمَ؟ قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَسْتَخْذِي، فَظَنَّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَعْنى، ولَمْ يَفْهَمْ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ اللَفْظَةِ، وفي كِتابِ السِيَرِ عن بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ اسْتَعْفى مُتَكَلِّمًا عن قَوْمِهِ ونَفْسِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ الصَلاةِ، فَلَمْ يَجِبْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قِيلَ لَهُ لا بُدَّ مِنَ الصَلاةِ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: سَنُؤْتِيكَها وإنْ كانَتْ دَناءَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُؤَيِّدُ أنَّ الآيَةَ كُلَّها في قُرَيْشٍ، والحَدِيثُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الضَمِيرُ في "بُعْدِهِ" هو القُرْآنُ، وهَذا تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، ورُوِيَ عن يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ "تُؤْمِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، عَلى المُواجَهَةِ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُرْسِلاتِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
المرسلات 77:45
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
ذَكَرَ تَعالى حالَةَ المُتَّقِينَ بِعَقِبِ ذِكْرِ حالَةِ أهْلِ النارِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، و"الظِلالُ" في الجَنَّةِ عِبارَةٌ عن تَكاثُفِ الأشْجارِ وجَوْدَةِ المَبانِي، وإلّا فَلا شَمْسَ تُؤْذِي هُنالِكَ حَتّى يَكُونَ ظِلٌّ يُجِيرُ مِن حَرِّها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي ظِلالٍ"، وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ: "فِي ظُلَلٍ" بِضَمِّ الظاءِ، و"العُيُونُ" الماءُ النابِعُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ" إعْلامٌ بِأنَّ المَأْكَلَ والمُشْرَبَ هُنالِكَ إنَّما يَكُونُ بِرَسْمِ شَهَواتِهِمْ، بِخِلافِ ما هي الدُنْيا عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ فِيهِ شاذٌّ نادِرٌ، والعُرْفُ أنَّ المَرْءَ يَرُدُّ شَهْوَتَهُ إلى ما يَقْتَضِيهِ وجْدُهُ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَفْظُ تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا. و"هَنِيئًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ. والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ كافُ تَشْبِيهٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما ذَكَرَهُ مِن نَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كُلُوا وتَمَتَّعُوا" مُخاطَبَةٌ لِقُرَيْشٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وهَذِهِ صِيغَةُ أمْرٍ مَعْناها التَهْدِيدُ والوَعِيدُ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ "قَلِيلًا"، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قَرَّرَ لَهُمُ الإجْرامَ المُوجِبَ لِتَعْذِيبِهِمْ، وقالَ مَن جَعَلَ السُورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةً: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في كَفارِّ قُرَيْشٍ، وقالَ مَن جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ مِنها مَدَنِيَّةً: إنْ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ لِأنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: حُطَّ عَنّا الصَلاةَ فَإنّا لا نَنْحَنِي فَإنَّها مَسَبَّةٌ، فَأبى رَسُولُ اللهِ ﷺ وقالَ: لا خَيْرَ في دِينٍ لا صَلاةَ فِيهِ.»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾، قِيلَ: هي حِكايَةٌ عن حالِ المُنافِقِينَ في الآخِرَةِ إذا سَجَدَ الناسُ فَأرادُوا هُمُ السُجُودَ فانْصَرَفَتْ أصْلابُهم إلى الأرْضِ وصارَتْ فَقْاراتُهم كَصَياصِي البَقَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ فِي
(p-٥١١)آخَرِينَ هَذِهِ حالُ كَفّارِ قُرَيْشٍ في الدُنْيا كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُوهم وهم لا يُجِيبُونَ، وذِكْرُ الرُكُوعِ عِبارَةٌ عن جَمِيعِ الصَلاةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: عَنى بِالرُكُوعِ التَواضُعَ، كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ ................ تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
أيْ مُتَذَلِّلَةً، وتَأوَّلَ قَتادَةُ الآيَةَ قاصِدَةً الرُكُوعَ نَفْسَهُ، وقالَ: عَلَيْكم بِحُسْنِ الرُكُوعِ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ ذِكْرَ الرُكُوعِ هُنا وتَخْصِيصَهُ مِن بَيْنِ سائِرِ أحْوالِ العِبادَةِ إنَّما كانَ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ العَرَبِ كانَ يَأْنَفُ مِنَ الرُكُوعِ والسُجُودِ، ويَراها هَيْئَةً مُنْكَرَةً، لِما كانَ في أخْلاقِهِمْ مِنَ العَجْرَفَةِ، ألا تَرى أنَّ بَعْضَهم قَدْ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ: اسْتَخْذَأْتُ أوِ اسْتَخْذَيْتُ؟ فَقالَ: كُلٌّ لا أقُولُ، قِيلَ لَهُ: لِمَ؟ قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَسْتَخْذِي، فَظَنَّ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَعْنى، ولَمْ يَفْهَمْ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ اللَفْظَةِ، وفي كِتابِ السِيَرِ عن بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ اسْتَعْفى مُتَكَلِّمًا عن قَوْمِهِ ونَفْسِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ الصَلاةِ، فَلَمْ يَجِبْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قِيلَ لَهُ لا بُدَّ مِنَ الصَلاةِ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: سَنُؤْتِيكَها وإنْ كانَتْ دَناءَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يُؤَيِّدُ أنَّ الآيَةَ كُلَّها في قُرَيْشٍ، والحَدِيثُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الضَمِيرُ في "بُعْدِهِ" هو القُرْآنُ، وهَذا تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، ورُوِيَ عن يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ "تُؤْمِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، عَلى المُواجَهَةِ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُرْسِلاتِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.