Lafzullah

Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — عبس 80:28 – التكوير 81:29

المؤلف / المصدر: Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah

المحتويات
  1. عبس 80:28
  2. عبس 80:29
  3. عبس 80:30
  4. عبس 80:31
  5. عبس 80:32
  6. عبس 80:33
  7. عبس 80:34
  8. عبس 80:35
  9. عبس 80:36
  10. عبس 80:37
  11. عبس 80:38
  12. عبس 80:39
  13. عبس 80:40
  14. عبس 80:41
  15. عبس 80:42
  16. التكوير 81:1
  17. التكوير 81:2
  18. التكوير 81:3
  19. التكوير 81:4
  20. التكوير 81:5
  21. التكوير 81:6
  22. التكوير 81:7
  23. التكوير 81:8
  24. التكوير 81:9
  25. التكوير 81:10
  26. التكوير 81:11
  27. التكوير 81:12
  28. التكوير 81:13
  29. التكوير 81:14
  30. التكوير 81:15
  31. التكوير 81:16
  32. التكوير 81:17
  33. التكوير 81:18
  34. التكوير 81:19
  35. التكوير 81:20
  36. التكوير 81:21
  37. التكوير 81:22
  38. التكوير 81:23
  39. التكوير 81:24
  40. التكوير 81:25
  41. التكوير 81:26
  42. التكوير 81:27
  43. التكوير 81:28
  44. التكوير 81:29

عبس 80:28

قوله عزّ وجلّ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ السَبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ ﴿كَلا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ عَلى تَفاهَةِ الشَيْءِ الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مِنهُ، وهي عِبارَةٌ تَصْلُحُ لِلتَّحْقِيرِ والتَعْظِيمِ، والقَرِينَةُ تُبَيِّنُ الغَرَضَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] و"النُطْفَةُ" المُشارُ إلَيْها ماءُ الرَجُلِ وماءُ المَرْأةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَقَدَّرَهُ" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "فَقَدْرَهُ" بِتَخْفِيفِها، والمَعْنى: جَعَلَهُ بِقَدْرٍ واحِدٍ مَعْلُومٍ مِنَ الأعْضاءِ والخَلْقِ والأجَلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن إنْجابِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ تَعالى في إنْسانِ إنْسانٍ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ السَبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو صالِحٍ، والسُدِّيُّ: هي سَبِيلُ الخُرُوجِ مِن بَطْنِ المَرْأةِ ورَحِمِها، وقالَ (p-٥٤٠)الحَسَنُ ما مَعْناهُ: إنَّ السَبِيلَ هي سَبِيلُ النَظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيَسُّرِهِ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ السَبِيلَ عامَّةً، اسْمُ الجِنْسِ في "هُدًى وضَلالٍ"، أيْ: يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا وقَوْمًا لِهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ مَعْناهُ: أمْرٌ أنْ يَجْعَلَ لَهُ قَبْرٌ، وفي ذَلِكَ تَكْرِيمٌ لِئَلّا يَطْرَحَ كَسائِرِ الحَيَوانِ، والقابِرُ هو الَّذِي يَتَناوَلُ جَعْلَ المَيِّتِ في قَبْرِهِ، والمُقْبِرِ الَّذِي يَأْمُرُ بِقَبْرِ المَيِّتِ، ويُقَرِّرُهُ. و"أنْشَرَهُ" مَعْناهُ: أحْياهُ، يُقالُ: نَشَرَ المَيِّتَ وأنْشَرَهُ اللهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا شاءَ﴾ يُرِيدُ: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "إذا شاءَ أنْشَرَهُ" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إذا شاءَ أنْشَرَهُ" بِمَدَّةٍ وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الأُولى، وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: "إذا شاءَ نَشَرَهُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إذا أنْشَرَهُ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ رَدٌّ لِما عَسى أنَّ لِلْكُفّارِ مِنَ الِاعْتِراضاتِ في هَذِهِ الأقْوالِ المَسْرُودَةِ، ونَفْيٌ مُؤَكِّدٌ لِطاعَةِ الإنْسانِ لِرَبِّهِ، وإثْباتِ أنَّهُ تَرَكَ حَقَّ اللهِ تَعالى، ولَمْ يَقْضِ ما أمَرَهُ، قالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْضِي أحَدٌ أبَدًا ما افْتَرَضَ عَلَيْهِ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى الإنْسانَ بِالعِبْرَةِ والنَظَرِ إلى طَعامِهِ والدَلِيلِ فِيهِ، وذَهَبَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم إلى أنَّ المُرادَ إلى طَعامِهِ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ حَيْثُ تَصِيرُ عاقِبَةُ الدُنْيا، وعَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وتَسْتَدِيرُ رَحاها، وهَذا نَظِيرُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ الإنْسانَ إذا أحْدَثَ فَإنَّ مَلِكًا يَأْخُذُ بِناصِيَتِهِ عِنْدَ فَراغِهِ فَيَرُدُّ بَصَرَهُ إلى نَحْوِهِ مُوَقِّفًا لَهُ ومُعْجِبًا، فَيَنْفَعُ ذَلِكَ مَن لَهُ عَقْلٌ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَلْيَنْظُرْ إلى مَطْعُوماتِهِ وكَيْفَ يُسِرُّها اللهُ تَعالى لَهُ بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ، ويُرْوى أنَّ رَجُلًا أضافَهُ عابِدٌ، فَقَدَّمَ إلَيْهِ رَغِيفًا قِفارًا فَكَأنَّ الرَجُلَ (p-٥٤١)اسْتَخْشَنَهُ فَقالَ لَهُ: كُلْهُ فَإنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْعِمْ بِهِ ويُكْمِلْهُ حَتّى سَخِرَ فِيهِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ عامِلًا الماءُ والرِيحُ والشَمْسُ ثَلاثَةٌ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أنّا صَبَبْنا" بِفَتْحِ الألِفِ عَلى البَدَلِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، ورَدَّ عَلى هَذا الإعْرابِ قَوْمٌ بِأنَّ الثانِي لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ، "وَأنا" في مَوْضِعِ خَفْضٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنّا صَبَبْنا" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى اسْتِئْنافِ تَفْسِيرِ الطَعامِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أنّى" بِمَعْنى كَيْفَ، ذَكَرَها أبُو حاتِمٍ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ، وشَقُّ الأرْضِ هو بِالنَباتِ. و"الحُبُّ": جَمْعُ حَبَّةٍ -بِفَتْحِ الحاءِ- وهو كُلُّ ما يَتَّخِذُهُ الناسُ ويُرَبُّونَهُ كالقَمْحِ والشَعِيرِ ونَحْوِهِ، والحِبَّةُ -بِكَسْرِ الحاءِ- كُلُّ ما يَنْبُتُ مِنَ البُذُورِ ولا يَحْتَفِلُ بِهِ ولا هو بِمُتَّخِذٍ، و"القَضْبُ" قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هي الفَصافِصُ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، لِأنَّ الفَصافِصَ هي لِلْبَهائِمِ، فَهي داخِلَةٌ في "الأبِ"، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القَضْبُ: الرَطْبَةُ، وقالَ الحَسَنُ: هو العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ، قالَ ثَعْلَبٌ: لِأنَّهُ يَقْضِبُ كُلَّ يَوْمٍ، والَّذِي أقُولُهُ: إنَّ القَضْبَ هُنا هو كُلُّ ما يَقْضِبُ لِيَأْكُلهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَباتِ كالبُقُولِ والهِلْيُونِ ونَحْوِهِ، فَإنَّهُ مِنَ المَطْعُومِ جُزْءٌ عَظِيمٌ، ولا ذِكْرَ لَهُ في الآيَةِ إلّا في هَذِهِ اللَفْظَةِ. و"الغَلَبُ" الغِلاظُ الناعِمَةُ القَوِيَّةُ، و"الحَدِيقَةُ" الشَجَرُ الَّذِي قَدْ أحْدَقَ بِجِدارٍ أو نَحْوِهِ، و"الأبُّ": المَرْعى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ، وقالَ الضَحّاكُ: الأبُّ: التِبنُ، وفي اللَفْظَةِ غَرابَةٌ، وقَدْ تَوَقَّفَ في تَفْسِيرِها أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، و"مَتاعًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، والمَعْنى: تَتَمَتَّعُونَ بِهِ أنْتُمْ وأنْعامُكُمْ، فابْنُ آدَمَ في السَبْعَةِ المَذْكُورَةِ والأنْعامِ في الأبِّ.

عبس 80:29

قوله عزّ وجلّ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ السَبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ ﴿كَلا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ عَلى تَفاهَةِ الشَيْءِ الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مِنهُ، وهي عِبارَةٌ تَصْلُحُ لِلتَّحْقِيرِ والتَعْظِيمِ، والقَرِينَةُ تُبَيِّنُ الغَرَضَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] و"النُطْفَةُ" المُشارُ إلَيْها ماءُ الرَجُلِ وماءُ المَرْأةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَقَدَّرَهُ" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "فَقَدْرَهُ" بِتَخْفِيفِها، والمَعْنى: جَعَلَهُ بِقَدْرٍ واحِدٍ مَعْلُومٍ مِنَ الأعْضاءِ والخَلْقِ والأجَلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن إنْجابِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ تَعالى في إنْسانِ إنْسانٍ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ السَبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو صالِحٍ، والسُدِّيُّ: هي سَبِيلُ الخُرُوجِ مِن بَطْنِ المَرْأةِ ورَحِمِها، وقالَ (p-٥٤٠)الحَسَنُ ما مَعْناهُ: إنَّ السَبِيلَ هي سَبِيلُ النَظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيَسُّرِهِ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ السَبِيلَ عامَّةً، اسْمُ الجِنْسِ في "هُدًى وضَلالٍ"، أيْ: يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا وقَوْمًا لِهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ مَعْناهُ: أمْرٌ أنْ يَجْعَلَ لَهُ قَبْرٌ، وفي ذَلِكَ تَكْرِيمٌ لِئَلّا يَطْرَحَ كَسائِرِ الحَيَوانِ، والقابِرُ هو الَّذِي يَتَناوَلُ جَعْلَ المَيِّتِ في قَبْرِهِ، والمُقْبِرِ الَّذِي يَأْمُرُ بِقَبْرِ المَيِّتِ، ويُقَرِّرُهُ. و"أنْشَرَهُ" مَعْناهُ: أحْياهُ، يُقالُ: نَشَرَ المَيِّتَ وأنْشَرَهُ اللهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا شاءَ﴾ يُرِيدُ: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "إذا شاءَ أنْشَرَهُ" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إذا شاءَ أنْشَرَهُ" بِمَدَّةٍ وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الأُولى، وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: "إذا شاءَ نَشَرَهُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إذا أنْشَرَهُ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ رَدٌّ لِما عَسى أنَّ لِلْكُفّارِ مِنَ الِاعْتِراضاتِ في هَذِهِ الأقْوالِ المَسْرُودَةِ، ونَفْيٌ مُؤَكِّدٌ لِطاعَةِ الإنْسانِ لِرَبِّهِ، وإثْباتِ أنَّهُ تَرَكَ حَقَّ اللهِ تَعالى، ولَمْ يَقْضِ ما أمَرَهُ، قالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْضِي أحَدٌ أبَدًا ما افْتَرَضَ عَلَيْهِ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى الإنْسانَ بِالعِبْرَةِ والنَظَرِ إلى طَعامِهِ والدَلِيلِ فِيهِ، وذَهَبَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم إلى أنَّ المُرادَ إلى طَعامِهِ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ حَيْثُ تَصِيرُ عاقِبَةُ الدُنْيا، وعَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وتَسْتَدِيرُ رَحاها، وهَذا نَظِيرُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ الإنْسانَ إذا أحْدَثَ فَإنَّ مَلِكًا يَأْخُذُ بِناصِيَتِهِ عِنْدَ فَراغِهِ فَيَرُدُّ بَصَرَهُ إلى نَحْوِهِ مُوَقِّفًا لَهُ ومُعْجِبًا، فَيَنْفَعُ ذَلِكَ مَن لَهُ عَقْلٌ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَلْيَنْظُرْ إلى مَطْعُوماتِهِ وكَيْفَ يُسِرُّها اللهُ تَعالى لَهُ بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ، ويُرْوى أنَّ رَجُلًا أضافَهُ عابِدٌ، فَقَدَّمَ إلَيْهِ رَغِيفًا قِفارًا فَكَأنَّ الرَجُلَ (p-٥٤١)اسْتَخْشَنَهُ فَقالَ لَهُ: كُلْهُ فَإنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْعِمْ بِهِ ويُكْمِلْهُ حَتّى سَخِرَ فِيهِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ عامِلًا الماءُ والرِيحُ والشَمْسُ ثَلاثَةٌ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أنّا صَبَبْنا" بِفَتْحِ الألِفِ عَلى البَدَلِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، ورَدَّ عَلى هَذا الإعْرابِ قَوْمٌ بِأنَّ الثانِي لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ، "وَأنا" في مَوْضِعِ خَفْضٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنّا صَبَبْنا" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى اسْتِئْنافِ تَفْسِيرِ الطَعامِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أنّى" بِمَعْنى كَيْفَ، ذَكَرَها أبُو حاتِمٍ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ، وشَقُّ الأرْضِ هو بِالنَباتِ. و"الحُبُّ": جَمْعُ حَبَّةٍ -بِفَتْحِ الحاءِ- وهو كُلُّ ما يَتَّخِذُهُ الناسُ ويُرَبُّونَهُ كالقَمْحِ والشَعِيرِ ونَحْوِهِ، والحِبَّةُ -بِكَسْرِ الحاءِ- كُلُّ ما يَنْبُتُ مِنَ البُذُورِ ولا يَحْتَفِلُ بِهِ ولا هو بِمُتَّخِذٍ، و"القَضْبُ" قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هي الفَصافِصُ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، لِأنَّ الفَصافِصَ هي لِلْبَهائِمِ، فَهي داخِلَةٌ في "الأبِ"، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القَضْبُ: الرَطْبَةُ، وقالَ الحَسَنُ: هو العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ، قالَ ثَعْلَبٌ: لِأنَّهُ يَقْضِبُ كُلَّ يَوْمٍ، والَّذِي أقُولُهُ: إنَّ القَضْبَ هُنا هو كُلُّ ما يَقْضِبُ لِيَأْكُلهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَباتِ كالبُقُولِ والهِلْيُونِ ونَحْوِهِ، فَإنَّهُ مِنَ المَطْعُومِ جُزْءٌ عَظِيمٌ، ولا ذِكْرَ لَهُ في الآيَةِ إلّا في هَذِهِ اللَفْظَةِ. و"الغَلَبُ" الغِلاظُ الناعِمَةُ القَوِيَّةُ، و"الحَدِيقَةُ" الشَجَرُ الَّذِي قَدْ أحْدَقَ بِجِدارٍ أو نَحْوِهِ، و"الأبُّ": المَرْعى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ، وقالَ الضَحّاكُ: الأبُّ: التِبنُ، وفي اللَفْظَةِ غَرابَةٌ، وقَدْ تَوَقَّفَ في تَفْسِيرِها أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، و"مَتاعًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، والمَعْنى: تَتَمَتَّعُونَ بِهِ أنْتُمْ وأنْعامُكُمْ، فابْنُ آدَمَ في السَبْعَةِ المَذْكُورَةِ والأنْعامِ في الأبِّ.

عبس 80:30

قوله عزّ وجلّ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ السَبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ ﴿كَلا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ عَلى تَفاهَةِ الشَيْءِ الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مِنهُ، وهي عِبارَةٌ تَصْلُحُ لِلتَّحْقِيرِ والتَعْظِيمِ، والقَرِينَةُ تُبَيِّنُ الغَرَضَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] و"النُطْفَةُ" المُشارُ إلَيْها ماءُ الرَجُلِ وماءُ المَرْأةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَقَدَّرَهُ" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "فَقَدْرَهُ" بِتَخْفِيفِها، والمَعْنى: جَعَلَهُ بِقَدْرٍ واحِدٍ مَعْلُومٍ مِنَ الأعْضاءِ والخَلْقِ والأجَلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن إنْجابِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ تَعالى في إنْسانِ إنْسانٍ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ السَبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو صالِحٍ، والسُدِّيُّ: هي سَبِيلُ الخُرُوجِ مِن بَطْنِ المَرْأةِ ورَحِمِها، وقالَ (p-٥٤٠)الحَسَنُ ما مَعْناهُ: إنَّ السَبِيلَ هي سَبِيلُ النَظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيَسُّرِهِ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ السَبِيلَ عامَّةً، اسْمُ الجِنْسِ في "هُدًى وضَلالٍ"، أيْ: يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا وقَوْمًا لِهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ مَعْناهُ: أمْرٌ أنْ يَجْعَلَ لَهُ قَبْرٌ، وفي ذَلِكَ تَكْرِيمٌ لِئَلّا يَطْرَحَ كَسائِرِ الحَيَوانِ، والقابِرُ هو الَّذِي يَتَناوَلُ جَعْلَ المَيِّتِ في قَبْرِهِ، والمُقْبِرِ الَّذِي يَأْمُرُ بِقَبْرِ المَيِّتِ، ويُقَرِّرُهُ. و"أنْشَرَهُ" مَعْناهُ: أحْياهُ، يُقالُ: نَشَرَ المَيِّتَ وأنْشَرَهُ اللهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا شاءَ﴾ يُرِيدُ: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "إذا شاءَ أنْشَرَهُ" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إذا شاءَ أنْشَرَهُ" بِمَدَّةٍ وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الأُولى، وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: "إذا شاءَ نَشَرَهُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إذا أنْشَرَهُ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ رَدٌّ لِما عَسى أنَّ لِلْكُفّارِ مِنَ الِاعْتِراضاتِ في هَذِهِ الأقْوالِ المَسْرُودَةِ، ونَفْيٌ مُؤَكِّدٌ لِطاعَةِ الإنْسانِ لِرَبِّهِ، وإثْباتِ أنَّهُ تَرَكَ حَقَّ اللهِ تَعالى، ولَمْ يَقْضِ ما أمَرَهُ، قالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْضِي أحَدٌ أبَدًا ما افْتَرَضَ عَلَيْهِ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى الإنْسانَ بِالعِبْرَةِ والنَظَرِ إلى طَعامِهِ والدَلِيلِ فِيهِ، وذَهَبَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم إلى أنَّ المُرادَ إلى طَعامِهِ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ حَيْثُ تَصِيرُ عاقِبَةُ الدُنْيا، وعَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وتَسْتَدِيرُ رَحاها، وهَذا نَظِيرُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ الإنْسانَ إذا أحْدَثَ فَإنَّ مَلِكًا يَأْخُذُ بِناصِيَتِهِ عِنْدَ فَراغِهِ فَيَرُدُّ بَصَرَهُ إلى نَحْوِهِ مُوَقِّفًا لَهُ ومُعْجِبًا، فَيَنْفَعُ ذَلِكَ مَن لَهُ عَقْلٌ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَلْيَنْظُرْ إلى مَطْعُوماتِهِ وكَيْفَ يُسِرُّها اللهُ تَعالى لَهُ بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ، ويُرْوى أنَّ رَجُلًا أضافَهُ عابِدٌ، فَقَدَّمَ إلَيْهِ رَغِيفًا قِفارًا فَكَأنَّ الرَجُلَ (p-٥٤١)اسْتَخْشَنَهُ فَقالَ لَهُ: كُلْهُ فَإنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْعِمْ بِهِ ويُكْمِلْهُ حَتّى سَخِرَ فِيهِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ عامِلًا الماءُ والرِيحُ والشَمْسُ ثَلاثَةٌ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أنّا صَبَبْنا" بِفَتْحِ الألِفِ عَلى البَدَلِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، ورَدَّ عَلى هَذا الإعْرابِ قَوْمٌ بِأنَّ الثانِي لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ، "وَأنا" في مَوْضِعِ خَفْضٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنّا صَبَبْنا" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى اسْتِئْنافِ تَفْسِيرِ الطَعامِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أنّى" بِمَعْنى كَيْفَ، ذَكَرَها أبُو حاتِمٍ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ، وشَقُّ الأرْضِ هو بِالنَباتِ. و"الحُبُّ": جَمْعُ حَبَّةٍ -بِفَتْحِ الحاءِ- وهو كُلُّ ما يَتَّخِذُهُ الناسُ ويُرَبُّونَهُ كالقَمْحِ والشَعِيرِ ونَحْوِهِ، والحِبَّةُ -بِكَسْرِ الحاءِ- كُلُّ ما يَنْبُتُ مِنَ البُذُورِ ولا يَحْتَفِلُ بِهِ ولا هو بِمُتَّخِذٍ، و"القَضْبُ" قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هي الفَصافِصُ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، لِأنَّ الفَصافِصَ هي لِلْبَهائِمِ، فَهي داخِلَةٌ في "الأبِ"، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القَضْبُ: الرَطْبَةُ، وقالَ الحَسَنُ: هو العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ، قالَ ثَعْلَبٌ: لِأنَّهُ يَقْضِبُ كُلَّ يَوْمٍ، والَّذِي أقُولُهُ: إنَّ القَضْبَ هُنا هو كُلُّ ما يَقْضِبُ لِيَأْكُلهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَباتِ كالبُقُولِ والهِلْيُونِ ونَحْوِهِ، فَإنَّهُ مِنَ المَطْعُومِ جُزْءٌ عَظِيمٌ، ولا ذِكْرَ لَهُ في الآيَةِ إلّا في هَذِهِ اللَفْظَةِ. و"الغَلَبُ" الغِلاظُ الناعِمَةُ القَوِيَّةُ، و"الحَدِيقَةُ" الشَجَرُ الَّذِي قَدْ أحْدَقَ بِجِدارٍ أو نَحْوِهِ، و"الأبُّ": المَرْعى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ، وقالَ الضَحّاكُ: الأبُّ: التِبنُ، وفي اللَفْظَةِ غَرابَةٌ، وقَدْ تَوَقَّفَ في تَفْسِيرِها أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، و"مَتاعًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، والمَعْنى: تَتَمَتَّعُونَ بِهِ أنْتُمْ وأنْعامُكُمْ، فابْنُ آدَمَ في السَبْعَةِ المَذْكُورَةِ والأنْعامِ في الأبِّ.

عبس 80:31

قوله عزّ وجلّ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ السَبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ ﴿كَلا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ عَلى تَفاهَةِ الشَيْءِ الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مِنهُ، وهي عِبارَةٌ تَصْلُحُ لِلتَّحْقِيرِ والتَعْظِيمِ، والقَرِينَةُ تُبَيِّنُ الغَرَضَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] و"النُطْفَةُ" المُشارُ إلَيْها ماءُ الرَجُلِ وماءُ المَرْأةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَقَدَّرَهُ" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "فَقَدْرَهُ" بِتَخْفِيفِها، والمَعْنى: جَعَلَهُ بِقَدْرٍ واحِدٍ مَعْلُومٍ مِنَ الأعْضاءِ والخَلْقِ والأجَلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن إنْجابِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ تَعالى في إنْسانِ إنْسانٍ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ السَبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو صالِحٍ، والسُدِّيُّ: هي سَبِيلُ الخُرُوجِ مِن بَطْنِ المَرْأةِ ورَحِمِها، وقالَ (p-٥٤٠)الحَسَنُ ما مَعْناهُ: إنَّ السَبِيلَ هي سَبِيلُ النَظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيَسُّرِهِ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ السَبِيلَ عامَّةً، اسْمُ الجِنْسِ في "هُدًى وضَلالٍ"، أيْ: يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا وقَوْمًا لِهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ مَعْناهُ: أمْرٌ أنْ يَجْعَلَ لَهُ قَبْرٌ، وفي ذَلِكَ تَكْرِيمٌ لِئَلّا يَطْرَحَ كَسائِرِ الحَيَوانِ، والقابِرُ هو الَّذِي يَتَناوَلُ جَعْلَ المَيِّتِ في قَبْرِهِ، والمُقْبِرِ الَّذِي يَأْمُرُ بِقَبْرِ المَيِّتِ، ويُقَرِّرُهُ. و"أنْشَرَهُ" مَعْناهُ: أحْياهُ، يُقالُ: نَشَرَ المَيِّتَ وأنْشَرَهُ اللهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا شاءَ﴾ يُرِيدُ: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "إذا شاءَ أنْشَرَهُ" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إذا شاءَ أنْشَرَهُ" بِمَدَّةٍ وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الأُولى، وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: "إذا شاءَ نَشَرَهُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إذا أنْشَرَهُ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ رَدٌّ لِما عَسى أنَّ لِلْكُفّارِ مِنَ الِاعْتِراضاتِ في هَذِهِ الأقْوالِ المَسْرُودَةِ، ونَفْيٌ مُؤَكِّدٌ لِطاعَةِ الإنْسانِ لِرَبِّهِ، وإثْباتِ أنَّهُ تَرَكَ حَقَّ اللهِ تَعالى، ولَمْ يَقْضِ ما أمَرَهُ، قالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْضِي أحَدٌ أبَدًا ما افْتَرَضَ عَلَيْهِ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى الإنْسانَ بِالعِبْرَةِ والنَظَرِ إلى طَعامِهِ والدَلِيلِ فِيهِ، وذَهَبَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم إلى أنَّ المُرادَ إلى طَعامِهِ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ حَيْثُ تَصِيرُ عاقِبَةُ الدُنْيا، وعَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وتَسْتَدِيرُ رَحاها، وهَذا نَظِيرُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ الإنْسانَ إذا أحْدَثَ فَإنَّ مَلِكًا يَأْخُذُ بِناصِيَتِهِ عِنْدَ فَراغِهِ فَيَرُدُّ بَصَرَهُ إلى نَحْوِهِ مُوَقِّفًا لَهُ ومُعْجِبًا، فَيَنْفَعُ ذَلِكَ مَن لَهُ عَقْلٌ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَلْيَنْظُرْ إلى مَطْعُوماتِهِ وكَيْفَ يُسِرُّها اللهُ تَعالى لَهُ بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ، ويُرْوى أنَّ رَجُلًا أضافَهُ عابِدٌ، فَقَدَّمَ إلَيْهِ رَغِيفًا قِفارًا فَكَأنَّ الرَجُلَ (p-٥٤١)اسْتَخْشَنَهُ فَقالَ لَهُ: كُلْهُ فَإنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْعِمْ بِهِ ويُكْمِلْهُ حَتّى سَخِرَ فِيهِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ عامِلًا الماءُ والرِيحُ والشَمْسُ ثَلاثَةٌ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أنّا صَبَبْنا" بِفَتْحِ الألِفِ عَلى البَدَلِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، ورَدَّ عَلى هَذا الإعْرابِ قَوْمٌ بِأنَّ الثانِي لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ، "وَأنا" في مَوْضِعِ خَفْضٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنّا صَبَبْنا" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى اسْتِئْنافِ تَفْسِيرِ الطَعامِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أنّى" بِمَعْنى كَيْفَ، ذَكَرَها أبُو حاتِمٍ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ، وشَقُّ الأرْضِ هو بِالنَباتِ. و"الحُبُّ": جَمْعُ حَبَّةٍ -بِفَتْحِ الحاءِ- وهو كُلُّ ما يَتَّخِذُهُ الناسُ ويُرَبُّونَهُ كالقَمْحِ والشَعِيرِ ونَحْوِهِ، والحِبَّةُ -بِكَسْرِ الحاءِ- كُلُّ ما يَنْبُتُ مِنَ البُذُورِ ولا يَحْتَفِلُ بِهِ ولا هو بِمُتَّخِذٍ، و"القَضْبُ" قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هي الفَصافِصُ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، لِأنَّ الفَصافِصَ هي لِلْبَهائِمِ، فَهي داخِلَةٌ في "الأبِ"، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القَضْبُ: الرَطْبَةُ، وقالَ الحَسَنُ: هو العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ، قالَ ثَعْلَبٌ: لِأنَّهُ يَقْضِبُ كُلَّ يَوْمٍ، والَّذِي أقُولُهُ: إنَّ القَضْبَ هُنا هو كُلُّ ما يَقْضِبُ لِيَأْكُلهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَباتِ كالبُقُولِ والهِلْيُونِ ونَحْوِهِ، فَإنَّهُ مِنَ المَطْعُومِ جُزْءٌ عَظِيمٌ، ولا ذِكْرَ لَهُ في الآيَةِ إلّا في هَذِهِ اللَفْظَةِ. و"الغَلَبُ" الغِلاظُ الناعِمَةُ القَوِيَّةُ، و"الحَدِيقَةُ" الشَجَرُ الَّذِي قَدْ أحْدَقَ بِجِدارٍ أو نَحْوِهِ، و"الأبُّ": المَرْعى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ، وقالَ الضَحّاكُ: الأبُّ: التِبنُ، وفي اللَفْظَةِ غَرابَةٌ، وقَدْ تَوَقَّفَ في تَفْسِيرِها أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، و"مَتاعًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، والمَعْنى: تَتَمَتَّعُونَ بِهِ أنْتُمْ وأنْعامُكُمْ، فابْنُ آدَمَ في السَبْعَةِ المَذْكُورَةِ والأنْعامِ في الأبِّ.

عبس 80:32

قوله عزّ وجلّ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ السَبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ ﴿كَلا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ عَلى تَفاهَةِ الشَيْءِ الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مِنهُ، وهي عِبارَةٌ تَصْلُحُ لِلتَّحْقِيرِ والتَعْظِيمِ، والقَرِينَةُ تُبَيِّنُ الغَرَضَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] و"النُطْفَةُ" المُشارُ إلَيْها ماءُ الرَجُلِ وماءُ المَرْأةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَقَدَّرَهُ" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "فَقَدْرَهُ" بِتَخْفِيفِها، والمَعْنى: جَعَلَهُ بِقَدْرٍ واحِدٍ مَعْلُومٍ مِنَ الأعْضاءِ والخَلْقِ والأجَلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن إنْجابِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ تَعالى في إنْسانِ إنْسانٍ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ السَبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو صالِحٍ، والسُدِّيُّ: هي سَبِيلُ الخُرُوجِ مِن بَطْنِ المَرْأةِ ورَحِمِها، وقالَ (p-٥٤٠)الحَسَنُ ما مَعْناهُ: إنَّ السَبِيلَ هي سَبِيلُ النَظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيَسُّرِهِ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ السَبِيلَ عامَّةً، اسْمُ الجِنْسِ في "هُدًى وضَلالٍ"، أيْ: يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا وقَوْمًا لِهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ مَعْناهُ: أمْرٌ أنْ يَجْعَلَ لَهُ قَبْرٌ، وفي ذَلِكَ تَكْرِيمٌ لِئَلّا يَطْرَحَ كَسائِرِ الحَيَوانِ، والقابِرُ هو الَّذِي يَتَناوَلُ جَعْلَ المَيِّتِ في قَبْرِهِ، والمُقْبِرِ الَّذِي يَأْمُرُ بِقَبْرِ المَيِّتِ، ويُقَرِّرُهُ. و"أنْشَرَهُ" مَعْناهُ: أحْياهُ، يُقالُ: نَشَرَ المَيِّتَ وأنْشَرَهُ اللهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا شاءَ﴾ يُرِيدُ: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "إذا شاءَ أنْشَرَهُ" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إذا شاءَ أنْشَرَهُ" بِمَدَّةٍ وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الأُولى، وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: "إذا شاءَ نَشَرَهُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إذا أنْشَرَهُ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ رَدٌّ لِما عَسى أنَّ لِلْكُفّارِ مِنَ الِاعْتِراضاتِ في هَذِهِ الأقْوالِ المَسْرُودَةِ، ونَفْيٌ مُؤَكِّدٌ لِطاعَةِ الإنْسانِ لِرَبِّهِ، وإثْباتِ أنَّهُ تَرَكَ حَقَّ اللهِ تَعالى، ولَمْ يَقْضِ ما أمَرَهُ، قالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْضِي أحَدٌ أبَدًا ما افْتَرَضَ عَلَيْهِ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى الإنْسانَ بِالعِبْرَةِ والنَظَرِ إلى طَعامِهِ والدَلِيلِ فِيهِ، وذَهَبَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم إلى أنَّ المُرادَ إلى طَعامِهِ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ حَيْثُ تَصِيرُ عاقِبَةُ الدُنْيا، وعَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وتَسْتَدِيرُ رَحاها، وهَذا نَظِيرُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ الإنْسانَ إذا أحْدَثَ فَإنَّ مَلِكًا يَأْخُذُ بِناصِيَتِهِ عِنْدَ فَراغِهِ فَيَرُدُّ بَصَرَهُ إلى نَحْوِهِ مُوَقِّفًا لَهُ ومُعْجِبًا، فَيَنْفَعُ ذَلِكَ مَن لَهُ عَقْلٌ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَلْيَنْظُرْ إلى مَطْعُوماتِهِ وكَيْفَ يُسِرُّها اللهُ تَعالى لَهُ بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ، ويُرْوى أنَّ رَجُلًا أضافَهُ عابِدٌ، فَقَدَّمَ إلَيْهِ رَغِيفًا قِفارًا فَكَأنَّ الرَجُلَ (p-٥٤١)اسْتَخْشَنَهُ فَقالَ لَهُ: كُلْهُ فَإنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْعِمْ بِهِ ويُكْمِلْهُ حَتّى سَخِرَ فِيهِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ عامِلًا الماءُ والرِيحُ والشَمْسُ ثَلاثَةٌ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أنّا صَبَبْنا" بِفَتْحِ الألِفِ عَلى البَدَلِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، ورَدَّ عَلى هَذا الإعْرابِ قَوْمٌ بِأنَّ الثانِي لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ، "وَأنا" في مَوْضِعِ خَفْضٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنّا صَبَبْنا" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى اسْتِئْنافِ تَفْسِيرِ الطَعامِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أنّى" بِمَعْنى كَيْفَ، ذَكَرَها أبُو حاتِمٍ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ، وشَقُّ الأرْضِ هو بِالنَباتِ. و"الحُبُّ": جَمْعُ حَبَّةٍ -بِفَتْحِ الحاءِ- وهو كُلُّ ما يَتَّخِذُهُ الناسُ ويُرَبُّونَهُ كالقَمْحِ والشَعِيرِ ونَحْوِهِ، والحِبَّةُ -بِكَسْرِ الحاءِ- كُلُّ ما يَنْبُتُ مِنَ البُذُورِ ولا يَحْتَفِلُ بِهِ ولا هو بِمُتَّخِذٍ، و"القَضْبُ" قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هي الفَصافِصُ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، لِأنَّ الفَصافِصَ هي لِلْبَهائِمِ، فَهي داخِلَةٌ في "الأبِ"، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القَضْبُ: الرَطْبَةُ، وقالَ الحَسَنُ: هو العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ، قالَ ثَعْلَبٌ: لِأنَّهُ يَقْضِبُ كُلَّ يَوْمٍ، والَّذِي أقُولُهُ: إنَّ القَضْبَ هُنا هو كُلُّ ما يَقْضِبُ لِيَأْكُلهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَباتِ كالبُقُولِ والهِلْيُونِ ونَحْوِهِ، فَإنَّهُ مِنَ المَطْعُومِ جُزْءٌ عَظِيمٌ، ولا ذِكْرَ لَهُ في الآيَةِ إلّا في هَذِهِ اللَفْظَةِ. و"الغَلَبُ" الغِلاظُ الناعِمَةُ القَوِيَّةُ، و"الحَدِيقَةُ" الشَجَرُ الَّذِي قَدْ أحْدَقَ بِجِدارٍ أو نَحْوِهِ، و"الأبُّ": المَرْعى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ، وقالَ الضَحّاكُ: الأبُّ: التِبنُ، وفي اللَفْظَةِ غَرابَةٌ، وقَدْ تَوَقَّفَ في تَفْسِيرِها أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، و"مَتاعًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، والمَعْنى: تَتَمَتَّعُونَ بِهِ أنْتُمْ وأنْعامُكُمْ، فابْنُ آدَمَ في السَبْعَةِ المَذْكُورَةِ والأنْعامِ في الأبِّ.

عبس 80:33

(p-٥٤٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصاخَّةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ "الصاخَّةُ": اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، واللَفْظَةُ في حَقِيقَتِها إنَّما هي لِنَفْخَةِ الصُوَرِ الَّتِي تَصُخُّ الآذانَ أيْ تَصِمُّها، ويُسْتَعْمَلُ هَذا اللَفْظُ في الداهِيَةِ الَّتِي يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانُ لِصُعُوبَتِها، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وكَذَلِكَ في الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ الَّتِي يَصْعُبُ وقْعُها عَلى الأُذُنِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى فِرارَ المَرْءِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ مَعْهُودُهم ألّا يَفِرَّ عنهم في الشَدائِدِ، ثُمَّ رَتَّبَهم تَعالى الأوَّلُ فالأوَّلُ مَحَبَّةً وحَنُّوًا، وقَرَأ أبُو إياسٍ جَؤْيَةَ "مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ" بِضَمِّ الهاءِ في كُلِّها، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ: هَذا الفِرارُ هو خَوْفٌ مِن أنْ يَتْبَعَ بَعْضُهم بَعْضًا بِتَبِعاتٍ، إذِ المُلابَسَةُ تَعَلِّقُ المُطالَبَةَ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: إنَّما ذَلِكَ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، عَلى نَحْوِ ما رُوِيَ أنَّ الرُسُلَ تَقُولُ يَوْمَئِذٍ: نَفْسِي نَفْسِي، لا أسْألُكَ غَيْرِي، و"الشَأْنُ الَّذِي يُغْنِيهِ": هو فِكْرَةٌ في سَيِّئاتِهِ وخَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ مِنَ التَخْلِيدِ في النارِ، والمَعْنى يُغْنِيهِ عَنِ اللِقاءِ مَعَ غَيْرِهِ، والفِكْرَةُ في أمْرِهِ، قالَ قَتادَةُ: أفْضى كُلُّ إنْسانٍ إلى ما يَشْغَلُهُ عن غَيْرِهِ. «وَقالَ النَبِيُّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "لا يَضُرُّكَ في القِيامَةِ كانَ عَلَيْكَ ثِيابٌ أمْ لا"، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ نَحْوَهُ: لِسَوْدَةَ (p-٥٤٣)رَضِيَ اللهُ عنها وقَدْ قالَتْ: وا سَوْأتاهُ، يَنْظُرُ بَعْضُ الناسِ إلى بَعْضٍ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُغْنِيهِ" بالِغِينَ مَنقُوطَةً وضَمَّ الياءَ عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والزُهْرِيُّ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "يَعَنِيهِ" بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، مِن قَوْلِكَ: عَنانِي الأمْرُ، أيْ قَصَدَنِي وأرادَنِي. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى اخْتِلاف الوُجُوهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الواثِقِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى حِينَ بَدَتْ لَهم تَباشِيرُها، ومِنَ الكُفّارِ، و"مُسْفِرَةٌ" مَعْناهُ: نَيِّرَةٌ بادَ ضَوْؤُها وسُرُورُها. و"تُرْهِقُها" مَعْناهُ: تَلِحُّ عَلَيْها، و: "القِتْرَةُ": الغُبارُ، والغَبَرَةُ الأُولى إنَّما هي العُبُوسُ والهَمُّ، كَما يُرى عَلى وجْهِ المَهْمُومِ والمَيِّتِ والمَرِيضِ شِبْهَ الغُبارِ، وأمّا القَتَرَةُ فَغُبارُ الأرْضِ، ويُقالُ: إنَّ ذَلِكَ يَغْشاهم مِنَ التُرابِ الَّذِي تَعُودُهُ البَهائِمُ، ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى أصْحابَ هَذِهِ الوُجُوهِ المُغَبَّرَةِ بِأنَّهُمُ الكَفَرَةُ، قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ ومَن جَرى مَجْراهم قَدِيمًا وحَدِيثًا. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [عَبَسَ] والحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

عبس 80:34

(p-٥٤٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصاخَّةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ "الصاخَّةُ": اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، واللَفْظَةُ في حَقِيقَتِها إنَّما هي لِنَفْخَةِ الصُوَرِ الَّتِي تَصُخُّ الآذانَ أيْ تَصِمُّها، ويُسْتَعْمَلُ هَذا اللَفْظُ في الداهِيَةِ الَّتِي يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانُ لِصُعُوبَتِها، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وكَذَلِكَ في الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ الَّتِي يَصْعُبُ وقْعُها عَلى الأُذُنِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى فِرارَ المَرْءِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ مَعْهُودُهم ألّا يَفِرَّ عنهم في الشَدائِدِ، ثُمَّ رَتَّبَهم تَعالى الأوَّلُ فالأوَّلُ مَحَبَّةً وحَنُّوًا، وقَرَأ أبُو إياسٍ جَؤْيَةَ "مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ" بِضَمِّ الهاءِ في كُلِّها، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ: هَذا الفِرارُ هو خَوْفٌ مِن أنْ يَتْبَعَ بَعْضُهم بَعْضًا بِتَبِعاتٍ، إذِ المُلابَسَةُ تَعَلِّقُ المُطالَبَةَ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: إنَّما ذَلِكَ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، عَلى نَحْوِ ما رُوِيَ أنَّ الرُسُلَ تَقُولُ يَوْمَئِذٍ: نَفْسِي نَفْسِي، لا أسْألُكَ غَيْرِي، و"الشَأْنُ الَّذِي يُغْنِيهِ": هو فِكْرَةٌ في سَيِّئاتِهِ وخَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ مِنَ التَخْلِيدِ في النارِ، والمَعْنى يُغْنِيهِ عَنِ اللِقاءِ مَعَ غَيْرِهِ، والفِكْرَةُ في أمْرِهِ، قالَ قَتادَةُ: أفْضى كُلُّ إنْسانٍ إلى ما يَشْغَلُهُ عن غَيْرِهِ. «وَقالَ النَبِيُّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "لا يَضُرُّكَ في القِيامَةِ كانَ عَلَيْكَ ثِيابٌ أمْ لا"، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ نَحْوَهُ: لِسَوْدَةَ (p-٥٤٣)رَضِيَ اللهُ عنها وقَدْ قالَتْ: وا سَوْأتاهُ، يَنْظُرُ بَعْضُ الناسِ إلى بَعْضٍ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُغْنِيهِ" بالِغِينَ مَنقُوطَةً وضَمَّ الياءَ عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والزُهْرِيُّ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "يَعَنِيهِ" بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، مِن قَوْلِكَ: عَنانِي الأمْرُ، أيْ قَصَدَنِي وأرادَنِي. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى اخْتِلاف الوُجُوهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الواثِقِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى حِينَ بَدَتْ لَهم تَباشِيرُها، ومِنَ الكُفّارِ، و"مُسْفِرَةٌ" مَعْناهُ: نَيِّرَةٌ بادَ ضَوْؤُها وسُرُورُها. و"تُرْهِقُها" مَعْناهُ: تَلِحُّ عَلَيْها، و: "القِتْرَةُ": الغُبارُ، والغَبَرَةُ الأُولى إنَّما هي العُبُوسُ والهَمُّ، كَما يُرى عَلى وجْهِ المَهْمُومِ والمَيِّتِ والمَرِيضِ شِبْهَ الغُبارِ، وأمّا القَتَرَةُ فَغُبارُ الأرْضِ، ويُقالُ: إنَّ ذَلِكَ يَغْشاهم مِنَ التُرابِ الَّذِي تَعُودُهُ البَهائِمُ، ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى أصْحابَ هَذِهِ الوُجُوهِ المُغَبَّرَةِ بِأنَّهُمُ الكَفَرَةُ، قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ ومَن جَرى مَجْراهم قَدِيمًا وحَدِيثًا. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [عَبَسَ] والحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

عبس 80:35

(p-٥٤٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصاخَّةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ "الصاخَّةُ": اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، واللَفْظَةُ في حَقِيقَتِها إنَّما هي لِنَفْخَةِ الصُوَرِ الَّتِي تَصُخُّ الآذانَ أيْ تَصِمُّها، ويُسْتَعْمَلُ هَذا اللَفْظُ في الداهِيَةِ الَّتِي يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانُ لِصُعُوبَتِها، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وكَذَلِكَ في الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ الَّتِي يَصْعُبُ وقْعُها عَلى الأُذُنِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى فِرارَ المَرْءِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ مَعْهُودُهم ألّا يَفِرَّ عنهم في الشَدائِدِ، ثُمَّ رَتَّبَهم تَعالى الأوَّلُ فالأوَّلُ مَحَبَّةً وحَنُّوًا، وقَرَأ أبُو إياسٍ جَؤْيَةَ "مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ" بِضَمِّ الهاءِ في كُلِّها، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ: هَذا الفِرارُ هو خَوْفٌ مِن أنْ يَتْبَعَ بَعْضُهم بَعْضًا بِتَبِعاتٍ، إذِ المُلابَسَةُ تَعَلِّقُ المُطالَبَةَ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: إنَّما ذَلِكَ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، عَلى نَحْوِ ما رُوِيَ أنَّ الرُسُلَ تَقُولُ يَوْمَئِذٍ: نَفْسِي نَفْسِي، لا أسْألُكَ غَيْرِي، و"الشَأْنُ الَّذِي يُغْنِيهِ": هو فِكْرَةٌ في سَيِّئاتِهِ وخَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ مِنَ التَخْلِيدِ في النارِ، والمَعْنى يُغْنِيهِ عَنِ اللِقاءِ مَعَ غَيْرِهِ، والفِكْرَةُ في أمْرِهِ، قالَ قَتادَةُ: أفْضى كُلُّ إنْسانٍ إلى ما يَشْغَلُهُ عن غَيْرِهِ. «وَقالَ النَبِيُّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "لا يَضُرُّكَ في القِيامَةِ كانَ عَلَيْكَ ثِيابٌ أمْ لا"، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ نَحْوَهُ: لِسَوْدَةَ (p-٥٤٣)رَضِيَ اللهُ عنها وقَدْ قالَتْ: وا سَوْأتاهُ، يَنْظُرُ بَعْضُ الناسِ إلى بَعْضٍ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُغْنِيهِ" بالِغِينَ مَنقُوطَةً وضَمَّ الياءَ عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والزُهْرِيُّ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "يَعَنِيهِ" بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، مِن قَوْلِكَ: عَنانِي الأمْرُ، أيْ قَصَدَنِي وأرادَنِي. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى اخْتِلاف الوُجُوهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الواثِقِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى حِينَ بَدَتْ لَهم تَباشِيرُها، ومِنَ الكُفّارِ، و"مُسْفِرَةٌ" مَعْناهُ: نَيِّرَةٌ بادَ ضَوْؤُها وسُرُورُها. و"تُرْهِقُها" مَعْناهُ: تَلِحُّ عَلَيْها، و: "القِتْرَةُ": الغُبارُ، والغَبَرَةُ الأُولى إنَّما هي العُبُوسُ والهَمُّ، كَما يُرى عَلى وجْهِ المَهْمُومِ والمَيِّتِ والمَرِيضِ شِبْهَ الغُبارِ، وأمّا القَتَرَةُ فَغُبارُ الأرْضِ، ويُقالُ: إنَّ ذَلِكَ يَغْشاهم مِنَ التُرابِ الَّذِي تَعُودُهُ البَهائِمُ، ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى أصْحابَ هَذِهِ الوُجُوهِ المُغَبَّرَةِ بِأنَّهُمُ الكَفَرَةُ، قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ ومَن جَرى مَجْراهم قَدِيمًا وحَدِيثًا. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [عَبَسَ] والحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

عبس 80:36

(p-٥٤٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصاخَّةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ "الصاخَّةُ": اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، واللَفْظَةُ في حَقِيقَتِها إنَّما هي لِنَفْخَةِ الصُوَرِ الَّتِي تَصُخُّ الآذانَ أيْ تَصِمُّها، ويُسْتَعْمَلُ هَذا اللَفْظُ في الداهِيَةِ الَّتِي يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانُ لِصُعُوبَتِها، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وكَذَلِكَ في الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ الَّتِي يَصْعُبُ وقْعُها عَلى الأُذُنِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى فِرارَ المَرْءِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ مَعْهُودُهم ألّا يَفِرَّ عنهم في الشَدائِدِ، ثُمَّ رَتَّبَهم تَعالى الأوَّلُ فالأوَّلُ مَحَبَّةً وحَنُّوًا، وقَرَأ أبُو إياسٍ جَؤْيَةَ "مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ" بِضَمِّ الهاءِ في كُلِّها، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ: هَذا الفِرارُ هو خَوْفٌ مِن أنْ يَتْبَعَ بَعْضُهم بَعْضًا بِتَبِعاتٍ، إذِ المُلابَسَةُ تَعَلِّقُ المُطالَبَةَ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: إنَّما ذَلِكَ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، عَلى نَحْوِ ما رُوِيَ أنَّ الرُسُلَ تَقُولُ يَوْمَئِذٍ: نَفْسِي نَفْسِي، لا أسْألُكَ غَيْرِي، و"الشَأْنُ الَّذِي يُغْنِيهِ": هو فِكْرَةٌ في سَيِّئاتِهِ وخَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ مِنَ التَخْلِيدِ في النارِ، والمَعْنى يُغْنِيهِ عَنِ اللِقاءِ مَعَ غَيْرِهِ، والفِكْرَةُ في أمْرِهِ، قالَ قَتادَةُ: أفْضى كُلُّ إنْسانٍ إلى ما يَشْغَلُهُ عن غَيْرِهِ. «وَقالَ النَبِيُّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "لا يَضُرُّكَ في القِيامَةِ كانَ عَلَيْكَ ثِيابٌ أمْ لا"، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ نَحْوَهُ: لِسَوْدَةَ (p-٥٤٣)رَضِيَ اللهُ عنها وقَدْ قالَتْ: وا سَوْأتاهُ، يَنْظُرُ بَعْضُ الناسِ إلى بَعْضٍ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُغْنِيهِ" بالِغِينَ مَنقُوطَةً وضَمَّ الياءَ عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والزُهْرِيُّ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "يَعَنِيهِ" بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، مِن قَوْلِكَ: عَنانِي الأمْرُ، أيْ قَصَدَنِي وأرادَنِي. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى اخْتِلاف الوُجُوهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الواثِقِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى حِينَ بَدَتْ لَهم تَباشِيرُها، ومِنَ الكُفّارِ، و"مُسْفِرَةٌ" مَعْناهُ: نَيِّرَةٌ بادَ ضَوْؤُها وسُرُورُها. و"تُرْهِقُها" مَعْناهُ: تَلِحُّ عَلَيْها، و: "القِتْرَةُ": الغُبارُ، والغَبَرَةُ الأُولى إنَّما هي العُبُوسُ والهَمُّ، كَما يُرى عَلى وجْهِ المَهْمُومِ والمَيِّتِ والمَرِيضِ شِبْهَ الغُبارِ، وأمّا القَتَرَةُ فَغُبارُ الأرْضِ، ويُقالُ: إنَّ ذَلِكَ يَغْشاهم مِنَ التُرابِ الَّذِي تَعُودُهُ البَهائِمُ، ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى أصْحابَ هَذِهِ الوُجُوهِ المُغَبَّرَةِ بِأنَّهُمُ الكَفَرَةُ، قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ ومَن جَرى مَجْراهم قَدِيمًا وحَدِيثًا. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [عَبَسَ] والحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

عبس 80:37

(p-٥٤٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصاخَّةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ "الصاخَّةُ": اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، واللَفْظَةُ في حَقِيقَتِها إنَّما هي لِنَفْخَةِ الصُوَرِ الَّتِي تَصُخُّ الآذانَ أيْ تَصِمُّها، ويُسْتَعْمَلُ هَذا اللَفْظُ في الداهِيَةِ الَّتِي يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانُ لِصُعُوبَتِها، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وكَذَلِكَ في الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ الَّتِي يَصْعُبُ وقْعُها عَلى الأُذُنِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى فِرارَ المَرْءِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ مَعْهُودُهم ألّا يَفِرَّ عنهم في الشَدائِدِ، ثُمَّ رَتَّبَهم تَعالى الأوَّلُ فالأوَّلُ مَحَبَّةً وحَنُّوًا، وقَرَأ أبُو إياسٍ جَؤْيَةَ "مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ" بِضَمِّ الهاءِ في كُلِّها، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ: هَذا الفِرارُ هو خَوْفٌ مِن أنْ يَتْبَعَ بَعْضُهم بَعْضًا بِتَبِعاتٍ، إذِ المُلابَسَةُ تَعَلِّقُ المُطالَبَةَ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: إنَّما ذَلِكَ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، عَلى نَحْوِ ما رُوِيَ أنَّ الرُسُلَ تَقُولُ يَوْمَئِذٍ: نَفْسِي نَفْسِي، لا أسْألُكَ غَيْرِي، و"الشَأْنُ الَّذِي يُغْنِيهِ": هو فِكْرَةٌ في سَيِّئاتِهِ وخَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ مِنَ التَخْلِيدِ في النارِ، والمَعْنى يُغْنِيهِ عَنِ اللِقاءِ مَعَ غَيْرِهِ، والفِكْرَةُ في أمْرِهِ، قالَ قَتادَةُ: أفْضى كُلُّ إنْسانٍ إلى ما يَشْغَلُهُ عن غَيْرِهِ. «وَقالَ النَبِيُّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "لا يَضُرُّكَ في القِيامَةِ كانَ عَلَيْكَ ثِيابٌ أمْ لا"، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ نَحْوَهُ: لِسَوْدَةَ (p-٥٤٣)رَضِيَ اللهُ عنها وقَدْ قالَتْ: وا سَوْأتاهُ، يَنْظُرُ بَعْضُ الناسِ إلى بَعْضٍ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُغْنِيهِ" بالِغِينَ مَنقُوطَةً وضَمَّ الياءَ عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والزُهْرِيُّ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "يَعَنِيهِ" بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، مِن قَوْلِكَ: عَنانِي الأمْرُ، أيْ قَصَدَنِي وأرادَنِي. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى اخْتِلاف الوُجُوهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الواثِقِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى حِينَ بَدَتْ لَهم تَباشِيرُها، ومِنَ الكُفّارِ، و"مُسْفِرَةٌ" مَعْناهُ: نَيِّرَةٌ بادَ ضَوْؤُها وسُرُورُها. و"تُرْهِقُها" مَعْناهُ: تَلِحُّ عَلَيْها، و: "القِتْرَةُ": الغُبارُ، والغَبَرَةُ الأُولى إنَّما هي العُبُوسُ والهَمُّ، كَما يُرى عَلى وجْهِ المَهْمُومِ والمَيِّتِ والمَرِيضِ شِبْهَ الغُبارِ، وأمّا القَتَرَةُ فَغُبارُ الأرْضِ، ويُقالُ: إنَّ ذَلِكَ يَغْشاهم مِنَ التُرابِ الَّذِي تَعُودُهُ البَهائِمُ، ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى أصْحابَ هَذِهِ الوُجُوهِ المُغَبَّرَةِ بِأنَّهُمُ الكَفَرَةُ، قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ ومَن جَرى مَجْراهم قَدِيمًا وحَدِيثًا. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [عَبَسَ] والحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

عبس 80:38

(p-٥٤٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصاخَّةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ "الصاخَّةُ": اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، واللَفْظَةُ في حَقِيقَتِها إنَّما هي لِنَفْخَةِ الصُوَرِ الَّتِي تَصُخُّ الآذانَ أيْ تَصِمُّها، ويُسْتَعْمَلُ هَذا اللَفْظُ في الداهِيَةِ الَّتِي يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانُ لِصُعُوبَتِها، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وكَذَلِكَ في الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ الَّتِي يَصْعُبُ وقْعُها عَلى الأُذُنِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى فِرارَ المَرْءِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ مَعْهُودُهم ألّا يَفِرَّ عنهم في الشَدائِدِ، ثُمَّ رَتَّبَهم تَعالى الأوَّلُ فالأوَّلُ مَحَبَّةً وحَنُّوًا، وقَرَأ أبُو إياسٍ جَؤْيَةَ "مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ" بِضَمِّ الهاءِ في كُلِّها، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ: هَذا الفِرارُ هو خَوْفٌ مِن أنْ يَتْبَعَ بَعْضُهم بَعْضًا بِتَبِعاتٍ، إذِ المُلابَسَةُ تَعَلِّقُ المُطالَبَةَ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: إنَّما ذَلِكَ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، عَلى نَحْوِ ما رُوِيَ أنَّ الرُسُلَ تَقُولُ يَوْمَئِذٍ: نَفْسِي نَفْسِي، لا أسْألُكَ غَيْرِي، و"الشَأْنُ الَّذِي يُغْنِيهِ": هو فِكْرَةٌ في سَيِّئاتِهِ وخَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ مِنَ التَخْلِيدِ في النارِ، والمَعْنى يُغْنِيهِ عَنِ اللِقاءِ مَعَ غَيْرِهِ، والفِكْرَةُ في أمْرِهِ، قالَ قَتادَةُ: أفْضى كُلُّ إنْسانٍ إلى ما يَشْغَلُهُ عن غَيْرِهِ. «وَقالَ النَبِيُّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "لا يَضُرُّكَ في القِيامَةِ كانَ عَلَيْكَ ثِيابٌ أمْ لا"، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ نَحْوَهُ: لِسَوْدَةَ (p-٥٤٣)رَضِيَ اللهُ عنها وقَدْ قالَتْ: وا سَوْأتاهُ، يَنْظُرُ بَعْضُ الناسِ إلى بَعْضٍ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُغْنِيهِ" بالِغِينَ مَنقُوطَةً وضَمَّ الياءَ عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والزُهْرِيُّ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "يَعَنِيهِ" بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، مِن قَوْلِكَ: عَنانِي الأمْرُ، أيْ قَصَدَنِي وأرادَنِي. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى اخْتِلاف الوُجُوهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الواثِقِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى حِينَ بَدَتْ لَهم تَباشِيرُها، ومِنَ الكُفّارِ، و"مُسْفِرَةٌ" مَعْناهُ: نَيِّرَةٌ بادَ ضَوْؤُها وسُرُورُها. و"تُرْهِقُها" مَعْناهُ: تَلِحُّ عَلَيْها، و: "القِتْرَةُ": الغُبارُ، والغَبَرَةُ الأُولى إنَّما هي العُبُوسُ والهَمُّ، كَما يُرى عَلى وجْهِ المَهْمُومِ والمَيِّتِ والمَرِيضِ شِبْهَ الغُبارِ، وأمّا القَتَرَةُ فَغُبارُ الأرْضِ، ويُقالُ: إنَّ ذَلِكَ يَغْشاهم مِنَ التُرابِ الَّذِي تَعُودُهُ البَهائِمُ، ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى أصْحابَ هَذِهِ الوُجُوهِ المُغَبَّرَةِ بِأنَّهُمُ الكَفَرَةُ، قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ ومَن جَرى مَجْراهم قَدِيمًا وحَدِيثًا. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [عَبَسَ] والحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

عبس 80:39

(p-٥٤٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصاخَّةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ "الصاخَّةُ": اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، واللَفْظَةُ في حَقِيقَتِها إنَّما هي لِنَفْخَةِ الصُوَرِ الَّتِي تَصُخُّ الآذانَ أيْ تَصِمُّها، ويُسْتَعْمَلُ هَذا اللَفْظُ في الداهِيَةِ الَّتِي يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانُ لِصُعُوبَتِها، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وكَذَلِكَ في الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ الَّتِي يَصْعُبُ وقْعُها عَلى الأُذُنِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى فِرارَ المَرْءِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ مَعْهُودُهم ألّا يَفِرَّ عنهم في الشَدائِدِ، ثُمَّ رَتَّبَهم تَعالى الأوَّلُ فالأوَّلُ مَحَبَّةً وحَنُّوًا، وقَرَأ أبُو إياسٍ جَؤْيَةَ "مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ" بِضَمِّ الهاءِ في كُلِّها، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ: هَذا الفِرارُ هو خَوْفٌ مِن أنْ يَتْبَعَ بَعْضُهم بَعْضًا بِتَبِعاتٍ، إذِ المُلابَسَةُ تَعَلِّقُ المُطالَبَةَ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: إنَّما ذَلِكَ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، عَلى نَحْوِ ما رُوِيَ أنَّ الرُسُلَ تَقُولُ يَوْمَئِذٍ: نَفْسِي نَفْسِي، لا أسْألُكَ غَيْرِي، و"الشَأْنُ الَّذِي يُغْنِيهِ": هو فِكْرَةٌ في سَيِّئاتِهِ وخَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ مِنَ التَخْلِيدِ في النارِ، والمَعْنى يُغْنِيهِ عَنِ اللِقاءِ مَعَ غَيْرِهِ، والفِكْرَةُ في أمْرِهِ، قالَ قَتادَةُ: أفْضى كُلُّ إنْسانٍ إلى ما يَشْغَلُهُ عن غَيْرِهِ. «وَقالَ النَبِيُّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "لا يَضُرُّكَ في القِيامَةِ كانَ عَلَيْكَ ثِيابٌ أمْ لا"، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ نَحْوَهُ: لِسَوْدَةَ (p-٥٤٣)رَضِيَ اللهُ عنها وقَدْ قالَتْ: وا سَوْأتاهُ، يَنْظُرُ بَعْضُ الناسِ إلى بَعْضٍ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُغْنِيهِ" بالِغِينَ مَنقُوطَةً وضَمَّ الياءَ عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والزُهْرِيُّ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "يَعَنِيهِ" بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، مِن قَوْلِكَ: عَنانِي الأمْرُ، أيْ قَصَدَنِي وأرادَنِي. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى اخْتِلاف الوُجُوهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الواثِقِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى حِينَ بَدَتْ لَهم تَباشِيرُها، ومِنَ الكُفّارِ، و"مُسْفِرَةٌ" مَعْناهُ: نَيِّرَةٌ بادَ ضَوْؤُها وسُرُورُها. و"تُرْهِقُها" مَعْناهُ: تَلِحُّ عَلَيْها، و: "القِتْرَةُ": الغُبارُ، والغَبَرَةُ الأُولى إنَّما هي العُبُوسُ والهَمُّ، كَما يُرى عَلى وجْهِ المَهْمُومِ والمَيِّتِ والمَرِيضِ شِبْهَ الغُبارِ، وأمّا القَتَرَةُ فَغُبارُ الأرْضِ، ويُقالُ: إنَّ ذَلِكَ يَغْشاهم مِنَ التُرابِ الَّذِي تَعُودُهُ البَهائِمُ، ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى أصْحابَ هَذِهِ الوُجُوهِ المُغَبَّرَةِ بِأنَّهُمُ الكَفَرَةُ، قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ ومَن جَرى مَجْراهم قَدِيمًا وحَدِيثًا. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [عَبَسَ] والحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

عبس 80:40

(p-٥٤٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصاخَّةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ "الصاخَّةُ": اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، واللَفْظَةُ في حَقِيقَتِها إنَّما هي لِنَفْخَةِ الصُوَرِ الَّتِي تَصُخُّ الآذانَ أيْ تَصِمُّها، ويُسْتَعْمَلُ هَذا اللَفْظُ في الداهِيَةِ الَّتِي يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانُ لِصُعُوبَتِها، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وكَذَلِكَ في الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ الَّتِي يَصْعُبُ وقْعُها عَلى الأُذُنِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى فِرارَ المَرْءِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ مَعْهُودُهم ألّا يَفِرَّ عنهم في الشَدائِدِ، ثُمَّ رَتَّبَهم تَعالى الأوَّلُ فالأوَّلُ مَحَبَّةً وحَنُّوًا، وقَرَأ أبُو إياسٍ جَؤْيَةَ "مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ" بِضَمِّ الهاءِ في كُلِّها، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ: هَذا الفِرارُ هو خَوْفٌ مِن أنْ يَتْبَعَ بَعْضُهم بَعْضًا بِتَبِعاتٍ، إذِ المُلابَسَةُ تَعَلِّقُ المُطالَبَةَ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: إنَّما ذَلِكَ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، عَلى نَحْوِ ما رُوِيَ أنَّ الرُسُلَ تَقُولُ يَوْمَئِذٍ: نَفْسِي نَفْسِي، لا أسْألُكَ غَيْرِي، و"الشَأْنُ الَّذِي يُغْنِيهِ": هو فِكْرَةٌ في سَيِّئاتِهِ وخَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ مِنَ التَخْلِيدِ في النارِ، والمَعْنى يُغْنِيهِ عَنِ اللِقاءِ مَعَ غَيْرِهِ، والفِكْرَةُ في أمْرِهِ، قالَ قَتادَةُ: أفْضى كُلُّ إنْسانٍ إلى ما يَشْغَلُهُ عن غَيْرِهِ. «وَقالَ النَبِيُّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "لا يَضُرُّكَ في القِيامَةِ كانَ عَلَيْكَ ثِيابٌ أمْ لا"، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ نَحْوَهُ: لِسَوْدَةَ (p-٥٤٣)رَضِيَ اللهُ عنها وقَدْ قالَتْ: وا سَوْأتاهُ، يَنْظُرُ بَعْضُ الناسِ إلى بَعْضٍ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُغْنِيهِ" بالِغِينَ مَنقُوطَةً وضَمَّ الياءَ عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والزُهْرِيُّ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "يَعَنِيهِ" بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، مِن قَوْلِكَ: عَنانِي الأمْرُ، أيْ قَصَدَنِي وأرادَنِي. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى اخْتِلاف الوُجُوهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الواثِقِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى حِينَ بَدَتْ لَهم تَباشِيرُها، ومِنَ الكُفّارِ، و"مُسْفِرَةٌ" مَعْناهُ: نَيِّرَةٌ بادَ ضَوْؤُها وسُرُورُها. و"تُرْهِقُها" مَعْناهُ: تَلِحُّ عَلَيْها، و: "القِتْرَةُ": الغُبارُ، والغَبَرَةُ الأُولى إنَّما هي العُبُوسُ والهَمُّ، كَما يُرى عَلى وجْهِ المَهْمُومِ والمَيِّتِ والمَرِيضِ شِبْهَ الغُبارِ، وأمّا القَتَرَةُ فَغُبارُ الأرْضِ، ويُقالُ: إنَّ ذَلِكَ يَغْشاهم مِنَ التُرابِ الَّذِي تَعُودُهُ البَهائِمُ، ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى أصْحابَ هَذِهِ الوُجُوهِ المُغَبَّرَةِ بِأنَّهُمُ الكَفَرَةُ، قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ ومَن جَرى مَجْراهم قَدِيمًا وحَدِيثًا. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [عَبَسَ] والحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

عبس 80:41

(p-٥٤٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصاخَّةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ "الصاخَّةُ": اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، واللَفْظَةُ في حَقِيقَتِها إنَّما هي لِنَفْخَةِ الصُوَرِ الَّتِي تَصُخُّ الآذانَ أيْ تَصِمُّها، ويُسْتَعْمَلُ هَذا اللَفْظُ في الداهِيَةِ الَّتِي يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانُ لِصُعُوبَتِها، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وكَذَلِكَ في الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ الَّتِي يَصْعُبُ وقْعُها عَلى الأُذُنِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى فِرارَ المَرْءِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ مَعْهُودُهم ألّا يَفِرَّ عنهم في الشَدائِدِ، ثُمَّ رَتَّبَهم تَعالى الأوَّلُ فالأوَّلُ مَحَبَّةً وحَنُّوًا، وقَرَأ أبُو إياسٍ جَؤْيَةَ "مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ" بِضَمِّ الهاءِ في كُلِّها، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ: هَذا الفِرارُ هو خَوْفٌ مِن أنْ يَتْبَعَ بَعْضُهم بَعْضًا بِتَبِعاتٍ، إذِ المُلابَسَةُ تَعَلِّقُ المُطالَبَةَ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: إنَّما ذَلِكَ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، عَلى نَحْوِ ما رُوِيَ أنَّ الرُسُلَ تَقُولُ يَوْمَئِذٍ: نَفْسِي نَفْسِي، لا أسْألُكَ غَيْرِي، و"الشَأْنُ الَّذِي يُغْنِيهِ": هو فِكْرَةٌ في سَيِّئاتِهِ وخَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ مِنَ التَخْلِيدِ في النارِ، والمَعْنى يُغْنِيهِ عَنِ اللِقاءِ مَعَ غَيْرِهِ، والفِكْرَةُ في أمْرِهِ، قالَ قَتادَةُ: أفْضى كُلُّ إنْسانٍ إلى ما يَشْغَلُهُ عن غَيْرِهِ. «وَقالَ النَبِيُّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "لا يَضُرُّكَ في القِيامَةِ كانَ عَلَيْكَ ثِيابٌ أمْ لا"، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ نَحْوَهُ: لِسَوْدَةَ (p-٥٤٣)رَضِيَ اللهُ عنها وقَدْ قالَتْ: وا سَوْأتاهُ، يَنْظُرُ بَعْضُ الناسِ إلى بَعْضٍ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُغْنِيهِ" بالِغِينَ مَنقُوطَةً وضَمَّ الياءَ عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والزُهْرِيُّ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "يَعَنِيهِ" بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، مِن قَوْلِكَ: عَنانِي الأمْرُ، أيْ قَصَدَنِي وأرادَنِي. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى اخْتِلاف الوُجُوهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الواثِقِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى حِينَ بَدَتْ لَهم تَباشِيرُها، ومِنَ الكُفّارِ، و"مُسْفِرَةٌ" مَعْناهُ: نَيِّرَةٌ بادَ ضَوْؤُها وسُرُورُها. و"تُرْهِقُها" مَعْناهُ: تَلِحُّ عَلَيْها، و: "القِتْرَةُ": الغُبارُ، والغَبَرَةُ الأُولى إنَّما هي العُبُوسُ والهَمُّ، كَما يُرى عَلى وجْهِ المَهْمُومِ والمَيِّتِ والمَرِيضِ شِبْهَ الغُبارِ، وأمّا القَتَرَةُ فَغُبارُ الأرْضِ، ويُقالُ: إنَّ ذَلِكَ يَغْشاهم مِنَ التُرابِ الَّذِي تَعُودُهُ البَهائِمُ، ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى أصْحابَ هَذِهِ الوُجُوهِ المُغَبَّرَةِ بِأنَّهُمُ الكَفَرَةُ، قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ ومَن جَرى مَجْراهم قَدِيمًا وحَدِيثًا. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [عَبَسَ] والحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

عبس 80:42

(p-٥٤٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصاخَّةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ "الصاخَّةُ": اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، واللَفْظَةُ في حَقِيقَتِها إنَّما هي لِنَفْخَةِ الصُوَرِ الَّتِي تَصُخُّ الآذانَ أيْ تَصِمُّها، ويُسْتَعْمَلُ هَذا اللَفْظُ في الداهِيَةِ الَّتِي يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانُ لِصُعُوبَتِها، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وكَذَلِكَ في الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ الَّتِي يَصْعُبُ وقْعُها عَلى الأُذُنِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى فِرارَ المَرْءِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ مَعْهُودُهم ألّا يَفِرَّ عنهم في الشَدائِدِ، ثُمَّ رَتَّبَهم تَعالى الأوَّلُ فالأوَّلُ مَحَبَّةً وحَنُّوًا، وقَرَأ أبُو إياسٍ جَؤْيَةَ "مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ" بِضَمِّ الهاءِ في كُلِّها، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ: هَذا الفِرارُ هو خَوْفٌ مِن أنْ يَتْبَعَ بَعْضُهم بَعْضًا بِتَبِعاتٍ، إذِ المُلابَسَةُ تَعَلِّقُ المُطالَبَةَ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: إنَّما ذَلِكَ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، عَلى نَحْوِ ما رُوِيَ أنَّ الرُسُلَ تَقُولُ يَوْمَئِذٍ: نَفْسِي نَفْسِي، لا أسْألُكَ غَيْرِي، و"الشَأْنُ الَّذِي يُغْنِيهِ": هو فِكْرَةٌ في سَيِّئاتِهِ وخَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ مِنَ التَخْلِيدِ في النارِ، والمَعْنى يُغْنِيهِ عَنِ اللِقاءِ مَعَ غَيْرِهِ، والفِكْرَةُ في أمْرِهِ، قالَ قَتادَةُ: أفْضى كُلُّ إنْسانٍ إلى ما يَشْغَلُهُ عن غَيْرِهِ. «وَقالَ النَبِيُّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "لا يَضُرُّكَ في القِيامَةِ كانَ عَلَيْكَ ثِيابٌ أمْ لا"، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ نَحْوَهُ: لِسَوْدَةَ (p-٥٤٣)رَضِيَ اللهُ عنها وقَدْ قالَتْ: وا سَوْأتاهُ، يَنْظُرُ بَعْضُ الناسِ إلى بَعْضٍ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُغْنِيهِ" بالِغِينَ مَنقُوطَةً وضَمَّ الياءَ عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والزُهْرِيُّ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "يَعَنِيهِ" بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، مِن قَوْلِكَ: عَنانِي الأمْرُ، أيْ قَصَدَنِي وأرادَنِي. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى اخْتِلاف الوُجُوهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الواثِقِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى حِينَ بَدَتْ لَهم تَباشِيرُها، ومِنَ الكُفّارِ، و"مُسْفِرَةٌ" مَعْناهُ: نَيِّرَةٌ بادَ ضَوْؤُها وسُرُورُها. و"تُرْهِقُها" مَعْناهُ: تَلِحُّ عَلَيْها، و: "القِتْرَةُ": الغُبارُ، والغَبَرَةُ الأُولى إنَّما هي العُبُوسُ والهَمُّ، كَما يُرى عَلى وجْهِ المَهْمُومِ والمَيِّتِ والمَرِيضِ شِبْهَ الغُبارِ، وأمّا القَتَرَةُ فَغُبارُ الأرْضِ، ويُقالُ: إنَّ ذَلِكَ يَغْشاهم مِنَ التُرابِ الَّذِي تَعُودُهُ البَهائِمُ، ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى أصْحابَ هَذِهِ الوُجُوهِ المُغَبَّرَةِ بِأنَّهُمُ الكَفَرَةُ، قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ ومَن جَرى مَجْراهم قَدِيمًا وحَدِيثًا. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [عَبَسَ] والحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

التكوير 81:1

(p-٥٤٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَكْوِيرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ ﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ﴿وَإذا الصُحُفُ نُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ كُشِطَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ هَذِهِ كُلُّها أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"تَكْوِيرُ الشَمْسِ" هو أنْ تُدارَ ويُذْهَبَ بِها إلى حَيْثُ شاءَ اللهُ، كَما يُدارُ كَوْرُ العِمامَةِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن ذَلِكَ بِعِباراتٍ، فَمِنهم مَن قالَ: ذَهَبَ نُورُها، ومِنهم مَن قالَ: رُمِيَ بِها، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أشْياءٌ تابِعَةٌ لِتَكْوِيرِها. و"انْكِدارُ النُجُومِ" هو انْقِضاضُها وهُبُوطُها مِن مَواضِعِها، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ؎ أبْصَرَ خَرْبانَ فَلاةَ فانْكَدَرَ.. تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ (p-٥٤٥)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "انْكَدَرَتْ": تَغَيَّرَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: ماءٌ كَدِرٌ، أيْ: مُتَغَيِّرُ اللَوْنِ. و"تَسْيِيرُ الجِبالِ" هو قَبْلَ نَسْفِها، وإنَّما ذَلِكَ في صَدْرِ هَوْلِ القِيامَةِ. و: "العِشارُ" جَمْعُ عُشَراءَ، وهي الناقَةُ الَّتِي قَدْ مَرَّ لِحَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وهي أنْفَسُ ما عِنْدَ العَرَبِ، وتَهَمُّمْهم بِها عَظِيمٌ لِلرَّغْبَةِ في نَسْلِها، فَإنَّها تُعَطَّلُ عِنْدَ أشَدِّ الأهْوالِ، وقَرَأ مُضَرُ عَنِ اليَزِيدِيِّ: "عُطِّلَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ. و"حَشْرُ الوُحُوشِ" جَمْعُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الجَمْعِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حُشِرَتْ بِالمَوْتِ؛ لِأنَّها لا تَبْعَثُ القِيامَةَ، ولا يَحْضُرُ القِيامَةَ غَيْرُ الثِقْلَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: حُشِرَتْ لِلْجَمْعِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، فَجَعَلُوا ألْفاظَ هَذا الحَدِيثِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، مِثالًا في العَدْلِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: حُشِرَتْ في الدُنْيا في أوَّلِ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّها تَفِرُّ في الأرْضِ، وتَجْتَمِعُ إلى بَنِي آدَمَ تَأْنِيسًا بِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: "حُشِرَتْ" بِشَدِّ الشِينِ عَلى المُبالَغَةِ. و"تَسْجِيرُ البِحارِ" قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: فَرَغَتْ مِن مائِها وذَهَبَ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: يَبِسَتْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: مَعْناهُ: مُلِئَتْ وفاضَتْ (p-٥٤٦)وَفُجِّرَتْ مِن أعالِيها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وسُفْيانُ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارًا كَما يُسْجَرُ التَنُّورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَهَنَّمُ في البَحْرِ الأخْضَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَلَكَتْ، وقَيَّدَ اضْطِرابَها حَتّى لا تَخْرُجَ عَلى الأرْضِ بِسَبَبِ الهَوْلِ، فَتَكُونُ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةً مِن "ساجُورِ الكَلْبِ"، وقِيلَ: هَذِهِ مَجازُ نارٍ في جَهَنَّمَ تُسْجَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الأقْوالِ مَنصُوصَةً لِأهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "سَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، وهي مُتَرَجِّحَةٌ بِكَوْنِ البِحارِ جَمْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، وكَما قالَ سُبْحانَهُ: "صُحُفًا مُنَشَّرَةً"، ومِثْلُهُ: "قَصْرٌ مَشَيَّدٌ"، و"بُرُوجٌ مُشَيَّدَةٌ" لِأنَّها جَماعَةٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُلْحِدِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ اسْتِعاراتٌ في كُلِّ ابْنِ آدَمَ وأحْوالِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فالشَمْسُ نَفْسُهُ، والنُجُومُ عَيْناهُ وحَواسُّهُ، والعِشارُ ساقاهُ، وهَذا قَوْلُ سُوءٍ وخَيْمِ غَثٍّ ذاهِبٍ إلى إثْباتِ الرُمُوزِ في كِتابِ اللهِ تَعالى. و"تَزْوِيجُ النُفُوسِ" هو تَنْوِيعُها؛ لِأنَّ الأزْواجَ هي الأنْواعُ، والمَعْنى: جُعِلَ الكافِرُ مَعَ الكافِرِ، والمُؤْمِنُ مَعَ المُؤْمِنِ، وكُلُّ شَكْلٍ مَعَ شَكْلِهِ، رَواهُ النُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ (p-٥٤٧)تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى دَلِيلِ الخَبَرِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ".» وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقالَ مُقاتِلُ بْن سُلَيْمانَ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِزَوْجاتِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، والشَعْبِيُّ: زُوِّجَتِ الأرْواحُ الأجْسادُ. وقَرَأ عاصِمٌ: "زُوِّجَتْ" غَيْرَ مُدْغَمٍ. و"المَوْؤُدَةُ" اسْمٌ مَعْناهُ: المُثْقَلُ عَلَيْها، ومِنهُ:"وَلا يَؤُدُهُ"، ومِنهُ: "اتَّئِدْ"، أيْ تُوَقَّرُ واثْقَلْ، وعُرِفَ هَذا الِاسْمُ في البَناتِ اللَواتِي كانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يَدْفِنُونَهُنَّ أحْياءَ، يَحْفِرُ الرَجُلُ شِبْهَ البِئْرِ أوِ القَبْرِ ثُمَّ يَسُوقُ ابْنَتَهُ فَيُلْقِيها فِيها، وإذا كانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا خَدَّ لَها في الأرْضِ ودَفْنها، وبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وعَدَمَ المالِ، وبَعْضُهم غَيْرَةً وكَراهِيَةً لِلْبَناتِ وجَهالَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَوْءُودَةُ" بِالهَمْزِ مِن "وَأدَ" في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذا الماوَدَّةُ"، وقَرَأ البَزِّيُّ: "المُؤَوَّدَةُ" بِهَمْزَةٍ (p-٥٤٨)مَضْمُومَةٍ عَلى الواوِ مِثْلَ "المُعَوِّذَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "المَوَدَّةُ" بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "المَوْدَةُ" بِسُكُونِ الواوِ عَلى وزْنِ "الفَعْلَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ السَلَفِ: "المَوَدَّةُ" بِفَتْحِ الواوِ والدالِ المُشَدَّدَةِ، جَعَلَ البِنْتَ مَوَدَّةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُئِلَتْ"، وهَذا عَلى وجْهِ التَوْبِيخِ لِلْعَرَبِ الفاعِلِينَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَسْألُ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى سُؤالِ الفاعِلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ: مَسْؤُولًا عنها مَطْلُوبًا الجَوابُ مِنهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وكَما سُئِلَ التُراثُ والحُقُوقُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ "سَألَتْ"، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقَرَأ أكْثَرُهُمْ: "قَتَلَتْ" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ التاءِ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "قُتِّلَتْ" بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ: "قَتَلْتُ" بِسُكُونِ اللامِ وضَمِّ التاءَ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "سِيلَتْ" بِكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ. واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ أولادَ المُشْرِكِينَ في الجَنَّةِ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدِ انْتَصَرَ لَهم مِن ظُلْمِهِمْ. و"الصُحُفُ المَنشُورَةُ" قِيلَ: هي صُحُفُ الأعْمالِ تُنْشَرُ لِيَقْرَأ كُلُّ امْرِئٍ كِتابَهُ، وقِيلَ: هي الصُحُفُ الَّتِي تَتَطايَرُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ: "نُشِرَتْ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُشِّرَتْ" بِشَدِّ الشِين عَلى المُبالَغَةِ. و"الكَشْطُ": التَقْشِيرُ، وذَلِكَ كَما يُكْشَطُ جِلْدُ الشاةِ حِينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَماءِ هو طَيُّها كَطَيِّ السِجِلِّ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قُشِطَتْ" بِالقافِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. و"سُعِّرَتْ" مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارُها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "سُعِّرَتْ" بِشَدِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن (p-٥٤٩)عاصِمٍ: بِتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وذُنُوبُ بَنِي آدَمَ. و"أُزْلِفَتْ" مَعْناهُ: قَرُبَتْ لِيَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إلى هَذَيْنَ ما انْتَهى الحَدِيثُ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَإذا، وإذا" في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا إمّا تَمَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾، أيْ: ما أحْضَرَتْ مِن شَرٍّ فَدَخَلَتْ بِهِ جَهَنَّمَ، أو مِن خَيْرٍ فَدَخَلَتْ بِهِ الجَنَّةَ، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ: عَمِلَتِ النُفُوسُ، ووَقَعَ الإفْرادُ لِيُنَبَّهَ الذِهْنُ عَلى حَقارَةِ المَرْءِ الواحِدِ وقِلَّةِ دِفاعِهِ عن نَفْسِهِ.

التكوير 81:2

(p-٥٤٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَكْوِيرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ ﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ﴿وَإذا الصُحُفُ نُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ كُشِطَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ هَذِهِ كُلُّها أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"تَكْوِيرُ الشَمْسِ" هو أنْ تُدارَ ويُذْهَبَ بِها إلى حَيْثُ شاءَ اللهُ، كَما يُدارُ كَوْرُ العِمامَةِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن ذَلِكَ بِعِباراتٍ، فَمِنهم مَن قالَ: ذَهَبَ نُورُها، ومِنهم مَن قالَ: رُمِيَ بِها، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أشْياءٌ تابِعَةٌ لِتَكْوِيرِها. و"انْكِدارُ النُجُومِ" هو انْقِضاضُها وهُبُوطُها مِن مَواضِعِها، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ؎ أبْصَرَ خَرْبانَ فَلاةَ فانْكَدَرَ.. تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ (p-٥٤٥)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "انْكَدَرَتْ": تَغَيَّرَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: ماءٌ كَدِرٌ، أيْ: مُتَغَيِّرُ اللَوْنِ. و"تَسْيِيرُ الجِبالِ" هو قَبْلَ نَسْفِها، وإنَّما ذَلِكَ في صَدْرِ هَوْلِ القِيامَةِ. و: "العِشارُ" جَمْعُ عُشَراءَ، وهي الناقَةُ الَّتِي قَدْ مَرَّ لِحَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وهي أنْفَسُ ما عِنْدَ العَرَبِ، وتَهَمُّمْهم بِها عَظِيمٌ لِلرَّغْبَةِ في نَسْلِها، فَإنَّها تُعَطَّلُ عِنْدَ أشَدِّ الأهْوالِ، وقَرَأ مُضَرُ عَنِ اليَزِيدِيِّ: "عُطِّلَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ. و"حَشْرُ الوُحُوشِ" جَمْعُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الجَمْعِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حُشِرَتْ بِالمَوْتِ؛ لِأنَّها لا تَبْعَثُ القِيامَةَ، ولا يَحْضُرُ القِيامَةَ غَيْرُ الثِقْلَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: حُشِرَتْ لِلْجَمْعِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، فَجَعَلُوا ألْفاظَ هَذا الحَدِيثِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، مِثالًا في العَدْلِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: حُشِرَتْ في الدُنْيا في أوَّلِ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّها تَفِرُّ في الأرْضِ، وتَجْتَمِعُ إلى بَنِي آدَمَ تَأْنِيسًا بِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: "حُشِرَتْ" بِشَدِّ الشِينِ عَلى المُبالَغَةِ. و"تَسْجِيرُ البِحارِ" قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: فَرَغَتْ مِن مائِها وذَهَبَ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: يَبِسَتْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: مَعْناهُ: مُلِئَتْ وفاضَتْ (p-٥٤٦)وَفُجِّرَتْ مِن أعالِيها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وسُفْيانُ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارًا كَما يُسْجَرُ التَنُّورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَهَنَّمُ في البَحْرِ الأخْضَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَلَكَتْ، وقَيَّدَ اضْطِرابَها حَتّى لا تَخْرُجَ عَلى الأرْضِ بِسَبَبِ الهَوْلِ، فَتَكُونُ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةً مِن "ساجُورِ الكَلْبِ"، وقِيلَ: هَذِهِ مَجازُ نارٍ في جَهَنَّمَ تُسْجَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الأقْوالِ مَنصُوصَةً لِأهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "سَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، وهي مُتَرَجِّحَةٌ بِكَوْنِ البِحارِ جَمْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، وكَما قالَ سُبْحانَهُ: "صُحُفًا مُنَشَّرَةً"، ومِثْلُهُ: "قَصْرٌ مَشَيَّدٌ"، و"بُرُوجٌ مُشَيَّدَةٌ" لِأنَّها جَماعَةٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُلْحِدِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ اسْتِعاراتٌ في كُلِّ ابْنِ آدَمَ وأحْوالِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فالشَمْسُ نَفْسُهُ، والنُجُومُ عَيْناهُ وحَواسُّهُ، والعِشارُ ساقاهُ، وهَذا قَوْلُ سُوءٍ وخَيْمِ غَثٍّ ذاهِبٍ إلى إثْباتِ الرُمُوزِ في كِتابِ اللهِ تَعالى. و"تَزْوِيجُ النُفُوسِ" هو تَنْوِيعُها؛ لِأنَّ الأزْواجَ هي الأنْواعُ، والمَعْنى: جُعِلَ الكافِرُ مَعَ الكافِرِ، والمُؤْمِنُ مَعَ المُؤْمِنِ، وكُلُّ شَكْلٍ مَعَ شَكْلِهِ، رَواهُ النُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ (p-٥٤٧)تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى دَلِيلِ الخَبَرِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ".» وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقالَ مُقاتِلُ بْن سُلَيْمانَ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِزَوْجاتِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، والشَعْبِيُّ: زُوِّجَتِ الأرْواحُ الأجْسادُ. وقَرَأ عاصِمٌ: "زُوِّجَتْ" غَيْرَ مُدْغَمٍ. و"المَوْؤُدَةُ" اسْمٌ مَعْناهُ: المُثْقَلُ عَلَيْها، ومِنهُ:"وَلا يَؤُدُهُ"، ومِنهُ: "اتَّئِدْ"، أيْ تُوَقَّرُ واثْقَلْ، وعُرِفَ هَذا الِاسْمُ في البَناتِ اللَواتِي كانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يَدْفِنُونَهُنَّ أحْياءَ، يَحْفِرُ الرَجُلُ شِبْهَ البِئْرِ أوِ القَبْرِ ثُمَّ يَسُوقُ ابْنَتَهُ فَيُلْقِيها فِيها، وإذا كانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا خَدَّ لَها في الأرْضِ ودَفْنها، وبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وعَدَمَ المالِ، وبَعْضُهم غَيْرَةً وكَراهِيَةً لِلْبَناتِ وجَهالَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَوْءُودَةُ" بِالهَمْزِ مِن "وَأدَ" في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذا الماوَدَّةُ"، وقَرَأ البَزِّيُّ: "المُؤَوَّدَةُ" بِهَمْزَةٍ (p-٥٤٨)مَضْمُومَةٍ عَلى الواوِ مِثْلَ "المُعَوِّذَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "المَوَدَّةُ" بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "المَوْدَةُ" بِسُكُونِ الواوِ عَلى وزْنِ "الفَعْلَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ السَلَفِ: "المَوَدَّةُ" بِفَتْحِ الواوِ والدالِ المُشَدَّدَةِ، جَعَلَ البِنْتَ مَوَدَّةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُئِلَتْ"، وهَذا عَلى وجْهِ التَوْبِيخِ لِلْعَرَبِ الفاعِلِينَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَسْألُ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى سُؤالِ الفاعِلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ: مَسْؤُولًا عنها مَطْلُوبًا الجَوابُ مِنهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وكَما سُئِلَ التُراثُ والحُقُوقُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ "سَألَتْ"، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقَرَأ أكْثَرُهُمْ: "قَتَلَتْ" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ التاءِ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "قُتِّلَتْ" بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ: "قَتَلْتُ" بِسُكُونِ اللامِ وضَمِّ التاءَ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "سِيلَتْ" بِكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ. واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ أولادَ المُشْرِكِينَ في الجَنَّةِ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدِ انْتَصَرَ لَهم مِن ظُلْمِهِمْ. و"الصُحُفُ المَنشُورَةُ" قِيلَ: هي صُحُفُ الأعْمالِ تُنْشَرُ لِيَقْرَأ كُلُّ امْرِئٍ كِتابَهُ، وقِيلَ: هي الصُحُفُ الَّتِي تَتَطايَرُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ: "نُشِرَتْ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُشِّرَتْ" بِشَدِّ الشِين عَلى المُبالَغَةِ. و"الكَشْطُ": التَقْشِيرُ، وذَلِكَ كَما يُكْشَطُ جِلْدُ الشاةِ حِينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَماءِ هو طَيُّها كَطَيِّ السِجِلِّ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قُشِطَتْ" بِالقافِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. و"سُعِّرَتْ" مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارُها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "سُعِّرَتْ" بِشَدِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن (p-٥٤٩)عاصِمٍ: بِتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وذُنُوبُ بَنِي آدَمَ. و"أُزْلِفَتْ" مَعْناهُ: قَرُبَتْ لِيَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إلى هَذَيْنَ ما انْتَهى الحَدِيثُ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَإذا، وإذا" في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا إمّا تَمَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾، أيْ: ما أحْضَرَتْ مِن شَرٍّ فَدَخَلَتْ بِهِ جَهَنَّمَ، أو مِن خَيْرٍ فَدَخَلَتْ بِهِ الجَنَّةَ، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ: عَمِلَتِ النُفُوسُ، ووَقَعَ الإفْرادُ لِيُنَبَّهَ الذِهْنُ عَلى حَقارَةِ المَرْءِ الواحِدِ وقِلَّةِ دِفاعِهِ عن نَفْسِهِ.

التكوير 81:3

(p-٥٤٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَكْوِيرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ ﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ﴿وَإذا الصُحُفُ نُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ كُشِطَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ هَذِهِ كُلُّها أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"تَكْوِيرُ الشَمْسِ" هو أنْ تُدارَ ويُذْهَبَ بِها إلى حَيْثُ شاءَ اللهُ، كَما يُدارُ كَوْرُ العِمامَةِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن ذَلِكَ بِعِباراتٍ، فَمِنهم مَن قالَ: ذَهَبَ نُورُها، ومِنهم مَن قالَ: رُمِيَ بِها، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أشْياءٌ تابِعَةٌ لِتَكْوِيرِها. و"انْكِدارُ النُجُومِ" هو انْقِضاضُها وهُبُوطُها مِن مَواضِعِها، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ؎ أبْصَرَ خَرْبانَ فَلاةَ فانْكَدَرَ.. تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ (p-٥٤٥)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "انْكَدَرَتْ": تَغَيَّرَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: ماءٌ كَدِرٌ، أيْ: مُتَغَيِّرُ اللَوْنِ. و"تَسْيِيرُ الجِبالِ" هو قَبْلَ نَسْفِها، وإنَّما ذَلِكَ في صَدْرِ هَوْلِ القِيامَةِ. و: "العِشارُ" جَمْعُ عُشَراءَ، وهي الناقَةُ الَّتِي قَدْ مَرَّ لِحَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وهي أنْفَسُ ما عِنْدَ العَرَبِ، وتَهَمُّمْهم بِها عَظِيمٌ لِلرَّغْبَةِ في نَسْلِها، فَإنَّها تُعَطَّلُ عِنْدَ أشَدِّ الأهْوالِ، وقَرَأ مُضَرُ عَنِ اليَزِيدِيِّ: "عُطِّلَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ. و"حَشْرُ الوُحُوشِ" جَمْعُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الجَمْعِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حُشِرَتْ بِالمَوْتِ؛ لِأنَّها لا تَبْعَثُ القِيامَةَ، ولا يَحْضُرُ القِيامَةَ غَيْرُ الثِقْلَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: حُشِرَتْ لِلْجَمْعِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، فَجَعَلُوا ألْفاظَ هَذا الحَدِيثِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، مِثالًا في العَدْلِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: حُشِرَتْ في الدُنْيا في أوَّلِ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّها تَفِرُّ في الأرْضِ، وتَجْتَمِعُ إلى بَنِي آدَمَ تَأْنِيسًا بِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: "حُشِرَتْ" بِشَدِّ الشِينِ عَلى المُبالَغَةِ. و"تَسْجِيرُ البِحارِ" قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: فَرَغَتْ مِن مائِها وذَهَبَ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: يَبِسَتْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: مَعْناهُ: مُلِئَتْ وفاضَتْ (p-٥٤٦)وَفُجِّرَتْ مِن أعالِيها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وسُفْيانُ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارًا كَما يُسْجَرُ التَنُّورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَهَنَّمُ في البَحْرِ الأخْضَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَلَكَتْ، وقَيَّدَ اضْطِرابَها حَتّى لا تَخْرُجَ عَلى الأرْضِ بِسَبَبِ الهَوْلِ، فَتَكُونُ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةً مِن "ساجُورِ الكَلْبِ"، وقِيلَ: هَذِهِ مَجازُ نارٍ في جَهَنَّمَ تُسْجَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الأقْوالِ مَنصُوصَةً لِأهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "سَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، وهي مُتَرَجِّحَةٌ بِكَوْنِ البِحارِ جَمْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، وكَما قالَ سُبْحانَهُ: "صُحُفًا مُنَشَّرَةً"، ومِثْلُهُ: "قَصْرٌ مَشَيَّدٌ"، و"بُرُوجٌ مُشَيَّدَةٌ" لِأنَّها جَماعَةٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُلْحِدِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ اسْتِعاراتٌ في كُلِّ ابْنِ آدَمَ وأحْوالِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فالشَمْسُ نَفْسُهُ، والنُجُومُ عَيْناهُ وحَواسُّهُ، والعِشارُ ساقاهُ، وهَذا قَوْلُ سُوءٍ وخَيْمِ غَثٍّ ذاهِبٍ إلى إثْباتِ الرُمُوزِ في كِتابِ اللهِ تَعالى. و"تَزْوِيجُ النُفُوسِ" هو تَنْوِيعُها؛ لِأنَّ الأزْواجَ هي الأنْواعُ، والمَعْنى: جُعِلَ الكافِرُ مَعَ الكافِرِ، والمُؤْمِنُ مَعَ المُؤْمِنِ، وكُلُّ شَكْلٍ مَعَ شَكْلِهِ، رَواهُ النُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ (p-٥٤٧)تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى دَلِيلِ الخَبَرِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ".» وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقالَ مُقاتِلُ بْن سُلَيْمانَ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِزَوْجاتِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، والشَعْبِيُّ: زُوِّجَتِ الأرْواحُ الأجْسادُ. وقَرَأ عاصِمٌ: "زُوِّجَتْ" غَيْرَ مُدْغَمٍ. و"المَوْؤُدَةُ" اسْمٌ مَعْناهُ: المُثْقَلُ عَلَيْها، ومِنهُ:"وَلا يَؤُدُهُ"، ومِنهُ: "اتَّئِدْ"، أيْ تُوَقَّرُ واثْقَلْ، وعُرِفَ هَذا الِاسْمُ في البَناتِ اللَواتِي كانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يَدْفِنُونَهُنَّ أحْياءَ، يَحْفِرُ الرَجُلُ شِبْهَ البِئْرِ أوِ القَبْرِ ثُمَّ يَسُوقُ ابْنَتَهُ فَيُلْقِيها فِيها، وإذا كانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا خَدَّ لَها في الأرْضِ ودَفْنها، وبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وعَدَمَ المالِ، وبَعْضُهم غَيْرَةً وكَراهِيَةً لِلْبَناتِ وجَهالَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَوْءُودَةُ" بِالهَمْزِ مِن "وَأدَ" في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذا الماوَدَّةُ"، وقَرَأ البَزِّيُّ: "المُؤَوَّدَةُ" بِهَمْزَةٍ (p-٥٤٨)مَضْمُومَةٍ عَلى الواوِ مِثْلَ "المُعَوِّذَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "المَوَدَّةُ" بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "المَوْدَةُ" بِسُكُونِ الواوِ عَلى وزْنِ "الفَعْلَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ السَلَفِ: "المَوَدَّةُ" بِفَتْحِ الواوِ والدالِ المُشَدَّدَةِ، جَعَلَ البِنْتَ مَوَدَّةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُئِلَتْ"، وهَذا عَلى وجْهِ التَوْبِيخِ لِلْعَرَبِ الفاعِلِينَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَسْألُ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى سُؤالِ الفاعِلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ: مَسْؤُولًا عنها مَطْلُوبًا الجَوابُ مِنهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وكَما سُئِلَ التُراثُ والحُقُوقُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ "سَألَتْ"، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقَرَأ أكْثَرُهُمْ: "قَتَلَتْ" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ التاءِ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "قُتِّلَتْ" بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ: "قَتَلْتُ" بِسُكُونِ اللامِ وضَمِّ التاءَ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "سِيلَتْ" بِكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ. واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ أولادَ المُشْرِكِينَ في الجَنَّةِ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدِ انْتَصَرَ لَهم مِن ظُلْمِهِمْ. و"الصُحُفُ المَنشُورَةُ" قِيلَ: هي صُحُفُ الأعْمالِ تُنْشَرُ لِيَقْرَأ كُلُّ امْرِئٍ كِتابَهُ، وقِيلَ: هي الصُحُفُ الَّتِي تَتَطايَرُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ: "نُشِرَتْ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُشِّرَتْ" بِشَدِّ الشِين عَلى المُبالَغَةِ. و"الكَشْطُ": التَقْشِيرُ، وذَلِكَ كَما يُكْشَطُ جِلْدُ الشاةِ حِينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَماءِ هو طَيُّها كَطَيِّ السِجِلِّ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قُشِطَتْ" بِالقافِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. و"سُعِّرَتْ" مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارُها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "سُعِّرَتْ" بِشَدِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن (p-٥٤٩)عاصِمٍ: بِتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وذُنُوبُ بَنِي آدَمَ. و"أُزْلِفَتْ" مَعْناهُ: قَرُبَتْ لِيَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إلى هَذَيْنَ ما انْتَهى الحَدِيثُ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَإذا، وإذا" في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا إمّا تَمَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾، أيْ: ما أحْضَرَتْ مِن شَرٍّ فَدَخَلَتْ بِهِ جَهَنَّمَ، أو مِن خَيْرٍ فَدَخَلَتْ بِهِ الجَنَّةَ، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ: عَمِلَتِ النُفُوسُ، ووَقَعَ الإفْرادُ لِيُنَبَّهَ الذِهْنُ عَلى حَقارَةِ المَرْءِ الواحِدِ وقِلَّةِ دِفاعِهِ عن نَفْسِهِ.

التكوير 81:4

(p-٥٤٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَكْوِيرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ ﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ﴿وَإذا الصُحُفُ نُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ كُشِطَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ هَذِهِ كُلُّها أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"تَكْوِيرُ الشَمْسِ" هو أنْ تُدارَ ويُذْهَبَ بِها إلى حَيْثُ شاءَ اللهُ، كَما يُدارُ كَوْرُ العِمامَةِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن ذَلِكَ بِعِباراتٍ، فَمِنهم مَن قالَ: ذَهَبَ نُورُها، ومِنهم مَن قالَ: رُمِيَ بِها، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أشْياءٌ تابِعَةٌ لِتَكْوِيرِها. و"انْكِدارُ النُجُومِ" هو انْقِضاضُها وهُبُوطُها مِن مَواضِعِها، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ؎ أبْصَرَ خَرْبانَ فَلاةَ فانْكَدَرَ.. تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ (p-٥٤٥)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "انْكَدَرَتْ": تَغَيَّرَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: ماءٌ كَدِرٌ، أيْ: مُتَغَيِّرُ اللَوْنِ. و"تَسْيِيرُ الجِبالِ" هو قَبْلَ نَسْفِها، وإنَّما ذَلِكَ في صَدْرِ هَوْلِ القِيامَةِ. و: "العِشارُ" جَمْعُ عُشَراءَ، وهي الناقَةُ الَّتِي قَدْ مَرَّ لِحَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وهي أنْفَسُ ما عِنْدَ العَرَبِ، وتَهَمُّمْهم بِها عَظِيمٌ لِلرَّغْبَةِ في نَسْلِها، فَإنَّها تُعَطَّلُ عِنْدَ أشَدِّ الأهْوالِ، وقَرَأ مُضَرُ عَنِ اليَزِيدِيِّ: "عُطِّلَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ. و"حَشْرُ الوُحُوشِ" جَمْعُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الجَمْعِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حُشِرَتْ بِالمَوْتِ؛ لِأنَّها لا تَبْعَثُ القِيامَةَ، ولا يَحْضُرُ القِيامَةَ غَيْرُ الثِقْلَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: حُشِرَتْ لِلْجَمْعِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، فَجَعَلُوا ألْفاظَ هَذا الحَدِيثِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، مِثالًا في العَدْلِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: حُشِرَتْ في الدُنْيا في أوَّلِ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّها تَفِرُّ في الأرْضِ، وتَجْتَمِعُ إلى بَنِي آدَمَ تَأْنِيسًا بِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: "حُشِرَتْ" بِشَدِّ الشِينِ عَلى المُبالَغَةِ. و"تَسْجِيرُ البِحارِ" قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: فَرَغَتْ مِن مائِها وذَهَبَ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: يَبِسَتْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: مَعْناهُ: مُلِئَتْ وفاضَتْ (p-٥٤٦)وَفُجِّرَتْ مِن أعالِيها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وسُفْيانُ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارًا كَما يُسْجَرُ التَنُّورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَهَنَّمُ في البَحْرِ الأخْضَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَلَكَتْ، وقَيَّدَ اضْطِرابَها حَتّى لا تَخْرُجَ عَلى الأرْضِ بِسَبَبِ الهَوْلِ، فَتَكُونُ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةً مِن "ساجُورِ الكَلْبِ"، وقِيلَ: هَذِهِ مَجازُ نارٍ في جَهَنَّمَ تُسْجَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الأقْوالِ مَنصُوصَةً لِأهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "سَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، وهي مُتَرَجِّحَةٌ بِكَوْنِ البِحارِ جَمْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، وكَما قالَ سُبْحانَهُ: "صُحُفًا مُنَشَّرَةً"، ومِثْلُهُ: "قَصْرٌ مَشَيَّدٌ"، و"بُرُوجٌ مُشَيَّدَةٌ" لِأنَّها جَماعَةٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُلْحِدِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ اسْتِعاراتٌ في كُلِّ ابْنِ آدَمَ وأحْوالِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فالشَمْسُ نَفْسُهُ، والنُجُومُ عَيْناهُ وحَواسُّهُ، والعِشارُ ساقاهُ، وهَذا قَوْلُ سُوءٍ وخَيْمِ غَثٍّ ذاهِبٍ إلى إثْباتِ الرُمُوزِ في كِتابِ اللهِ تَعالى. و"تَزْوِيجُ النُفُوسِ" هو تَنْوِيعُها؛ لِأنَّ الأزْواجَ هي الأنْواعُ، والمَعْنى: جُعِلَ الكافِرُ مَعَ الكافِرِ، والمُؤْمِنُ مَعَ المُؤْمِنِ، وكُلُّ شَكْلٍ مَعَ شَكْلِهِ، رَواهُ النُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ (p-٥٤٧)تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى دَلِيلِ الخَبَرِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ".» وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقالَ مُقاتِلُ بْن سُلَيْمانَ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِزَوْجاتِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، والشَعْبِيُّ: زُوِّجَتِ الأرْواحُ الأجْسادُ. وقَرَأ عاصِمٌ: "زُوِّجَتْ" غَيْرَ مُدْغَمٍ. و"المَوْؤُدَةُ" اسْمٌ مَعْناهُ: المُثْقَلُ عَلَيْها، ومِنهُ:"وَلا يَؤُدُهُ"، ومِنهُ: "اتَّئِدْ"، أيْ تُوَقَّرُ واثْقَلْ، وعُرِفَ هَذا الِاسْمُ في البَناتِ اللَواتِي كانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يَدْفِنُونَهُنَّ أحْياءَ، يَحْفِرُ الرَجُلُ شِبْهَ البِئْرِ أوِ القَبْرِ ثُمَّ يَسُوقُ ابْنَتَهُ فَيُلْقِيها فِيها، وإذا كانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا خَدَّ لَها في الأرْضِ ودَفْنها، وبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وعَدَمَ المالِ، وبَعْضُهم غَيْرَةً وكَراهِيَةً لِلْبَناتِ وجَهالَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَوْءُودَةُ" بِالهَمْزِ مِن "وَأدَ" في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذا الماوَدَّةُ"، وقَرَأ البَزِّيُّ: "المُؤَوَّدَةُ" بِهَمْزَةٍ (p-٥٤٨)مَضْمُومَةٍ عَلى الواوِ مِثْلَ "المُعَوِّذَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "المَوَدَّةُ" بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "المَوْدَةُ" بِسُكُونِ الواوِ عَلى وزْنِ "الفَعْلَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ السَلَفِ: "المَوَدَّةُ" بِفَتْحِ الواوِ والدالِ المُشَدَّدَةِ، جَعَلَ البِنْتَ مَوَدَّةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُئِلَتْ"، وهَذا عَلى وجْهِ التَوْبِيخِ لِلْعَرَبِ الفاعِلِينَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَسْألُ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى سُؤالِ الفاعِلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ: مَسْؤُولًا عنها مَطْلُوبًا الجَوابُ مِنهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وكَما سُئِلَ التُراثُ والحُقُوقُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ "سَألَتْ"، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقَرَأ أكْثَرُهُمْ: "قَتَلَتْ" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ التاءِ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "قُتِّلَتْ" بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ: "قَتَلْتُ" بِسُكُونِ اللامِ وضَمِّ التاءَ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "سِيلَتْ" بِكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ. واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ أولادَ المُشْرِكِينَ في الجَنَّةِ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدِ انْتَصَرَ لَهم مِن ظُلْمِهِمْ. و"الصُحُفُ المَنشُورَةُ" قِيلَ: هي صُحُفُ الأعْمالِ تُنْشَرُ لِيَقْرَأ كُلُّ امْرِئٍ كِتابَهُ، وقِيلَ: هي الصُحُفُ الَّتِي تَتَطايَرُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ: "نُشِرَتْ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُشِّرَتْ" بِشَدِّ الشِين عَلى المُبالَغَةِ. و"الكَشْطُ": التَقْشِيرُ، وذَلِكَ كَما يُكْشَطُ جِلْدُ الشاةِ حِينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَماءِ هو طَيُّها كَطَيِّ السِجِلِّ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قُشِطَتْ" بِالقافِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. و"سُعِّرَتْ" مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارُها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "سُعِّرَتْ" بِشَدِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن (p-٥٤٩)عاصِمٍ: بِتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وذُنُوبُ بَنِي آدَمَ. و"أُزْلِفَتْ" مَعْناهُ: قَرُبَتْ لِيَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إلى هَذَيْنَ ما انْتَهى الحَدِيثُ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَإذا، وإذا" في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا إمّا تَمَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾، أيْ: ما أحْضَرَتْ مِن شَرٍّ فَدَخَلَتْ بِهِ جَهَنَّمَ، أو مِن خَيْرٍ فَدَخَلَتْ بِهِ الجَنَّةَ، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ: عَمِلَتِ النُفُوسُ، ووَقَعَ الإفْرادُ لِيُنَبَّهَ الذِهْنُ عَلى حَقارَةِ المَرْءِ الواحِدِ وقِلَّةِ دِفاعِهِ عن نَفْسِهِ.

التكوير 81:5

(p-٥٤٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَكْوِيرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ ﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ﴿وَإذا الصُحُفُ نُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ كُشِطَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ هَذِهِ كُلُّها أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"تَكْوِيرُ الشَمْسِ" هو أنْ تُدارَ ويُذْهَبَ بِها إلى حَيْثُ شاءَ اللهُ، كَما يُدارُ كَوْرُ العِمامَةِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن ذَلِكَ بِعِباراتٍ، فَمِنهم مَن قالَ: ذَهَبَ نُورُها، ومِنهم مَن قالَ: رُمِيَ بِها، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أشْياءٌ تابِعَةٌ لِتَكْوِيرِها. و"انْكِدارُ النُجُومِ" هو انْقِضاضُها وهُبُوطُها مِن مَواضِعِها، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ؎ أبْصَرَ خَرْبانَ فَلاةَ فانْكَدَرَ.. تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ (p-٥٤٥)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "انْكَدَرَتْ": تَغَيَّرَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: ماءٌ كَدِرٌ، أيْ: مُتَغَيِّرُ اللَوْنِ. و"تَسْيِيرُ الجِبالِ" هو قَبْلَ نَسْفِها، وإنَّما ذَلِكَ في صَدْرِ هَوْلِ القِيامَةِ. و: "العِشارُ" جَمْعُ عُشَراءَ، وهي الناقَةُ الَّتِي قَدْ مَرَّ لِحَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وهي أنْفَسُ ما عِنْدَ العَرَبِ، وتَهَمُّمْهم بِها عَظِيمٌ لِلرَّغْبَةِ في نَسْلِها، فَإنَّها تُعَطَّلُ عِنْدَ أشَدِّ الأهْوالِ، وقَرَأ مُضَرُ عَنِ اليَزِيدِيِّ: "عُطِّلَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ. و"حَشْرُ الوُحُوشِ" جَمْعُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الجَمْعِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حُشِرَتْ بِالمَوْتِ؛ لِأنَّها لا تَبْعَثُ القِيامَةَ، ولا يَحْضُرُ القِيامَةَ غَيْرُ الثِقْلَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: حُشِرَتْ لِلْجَمْعِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، فَجَعَلُوا ألْفاظَ هَذا الحَدِيثِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، مِثالًا في العَدْلِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: حُشِرَتْ في الدُنْيا في أوَّلِ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّها تَفِرُّ في الأرْضِ، وتَجْتَمِعُ إلى بَنِي آدَمَ تَأْنِيسًا بِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: "حُشِرَتْ" بِشَدِّ الشِينِ عَلى المُبالَغَةِ. و"تَسْجِيرُ البِحارِ" قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: فَرَغَتْ مِن مائِها وذَهَبَ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: يَبِسَتْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: مَعْناهُ: مُلِئَتْ وفاضَتْ (p-٥٤٦)وَفُجِّرَتْ مِن أعالِيها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وسُفْيانُ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارًا كَما يُسْجَرُ التَنُّورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَهَنَّمُ في البَحْرِ الأخْضَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَلَكَتْ، وقَيَّدَ اضْطِرابَها حَتّى لا تَخْرُجَ عَلى الأرْضِ بِسَبَبِ الهَوْلِ، فَتَكُونُ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةً مِن "ساجُورِ الكَلْبِ"، وقِيلَ: هَذِهِ مَجازُ نارٍ في جَهَنَّمَ تُسْجَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الأقْوالِ مَنصُوصَةً لِأهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "سَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، وهي مُتَرَجِّحَةٌ بِكَوْنِ البِحارِ جَمْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، وكَما قالَ سُبْحانَهُ: "صُحُفًا مُنَشَّرَةً"، ومِثْلُهُ: "قَصْرٌ مَشَيَّدٌ"، و"بُرُوجٌ مُشَيَّدَةٌ" لِأنَّها جَماعَةٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُلْحِدِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ اسْتِعاراتٌ في كُلِّ ابْنِ آدَمَ وأحْوالِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فالشَمْسُ نَفْسُهُ، والنُجُومُ عَيْناهُ وحَواسُّهُ، والعِشارُ ساقاهُ، وهَذا قَوْلُ سُوءٍ وخَيْمِ غَثٍّ ذاهِبٍ إلى إثْباتِ الرُمُوزِ في كِتابِ اللهِ تَعالى. و"تَزْوِيجُ النُفُوسِ" هو تَنْوِيعُها؛ لِأنَّ الأزْواجَ هي الأنْواعُ، والمَعْنى: جُعِلَ الكافِرُ مَعَ الكافِرِ، والمُؤْمِنُ مَعَ المُؤْمِنِ، وكُلُّ شَكْلٍ مَعَ شَكْلِهِ، رَواهُ النُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ (p-٥٤٧)تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى دَلِيلِ الخَبَرِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ".» وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقالَ مُقاتِلُ بْن سُلَيْمانَ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِزَوْجاتِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، والشَعْبِيُّ: زُوِّجَتِ الأرْواحُ الأجْسادُ. وقَرَأ عاصِمٌ: "زُوِّجَتْ" غَيْرَ مُدْغَمٍ. و"المَوْؤُدَةُ" اسْمٌ مَعْناهُ: المُثْقَلُ عَلَيْها، ومِنهُ:"وَلا يَؤُدُهُ"، ومِنهُ: "اتَّئِدْ"، أيْ تُوَقَّرُ واثْقَلْ، وعُرِفَ هَذا الِاسْمُ في البَناتِ اللَواتِي كانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يَدْفِنُونَهُنَّ أحْياءَ، يَحْفِرُ الرَجُلُ شِبْهَ البِئْرِ أوِ القَبْرِ ثُمَّ يَسُوقُ ابْنَتَهُ فَيُلْقِيها فِيها، وإذا كانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا خَدَّ لَها في الأرْضِ ودَفْنها، وبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وعَدَمَ المالِ، وبَعْضُهم غَيْرَةً وكَراهِيَةً لِلْبَناتِ وجَهالَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَوْءُودَةُ" بِالهَمْزِ مِن "وَأدَ" في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذا الماوَدَّةُ"، وقَرَأ البَزِّيُّ: "المُؤَوَّدَةُ" بِهَمْزَةٍ (p-٥٤٨)مَضْمُومَةٍ عَلى الواوِ مِثْلَ "المُعَوِّذَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "المَوَدَّةُ" بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "المَوْدَةُ" بِسُكُونِ الواوِ عَلى وزْنِ "الفَعْلَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ السَلَفِ: "المَوَدَّةُ" بِفَتْحِ الواوِ والدالِ المُشَدَّدَةِ، جَعَلَ البِنْتَ مَوَدَّةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُئِلَتْ"، وهَذا عَلى وجْهِ التَوْبِيخِ لِلْعَرَبِ الفاعِلِينَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَسْألُ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى سُؤالِ الفاعِلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ: مَسْؤُولًا عنها مَطْلُوبًا الجَوابُ مِنهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وكَما سُئِلَ التُراثُ والحُقُوقُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ "سَألَتْ"، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقَرَأ أكْثَرُهُمْ: "قَتَلَتْ" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ التاءِ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "قُتِّلَتْ" بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ: "قَتَلْتُ" بِسُكُونِ اللامِ وضَمِّ التاءَ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "سِيلَتْ" بِكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ. واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ أولادَ المُشْرِكِينَ في الجَنَّةِ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدِ انْتَصَرَ لَهم مِن ظُلْمِهِمْ. و"الصُحُفُ المَنشُورَةُ" قِيلَ: هي صُحُفُ الأعْمالِ تُنْشَرُ لِيَقْرَأ كُلُّ امْرِئٍ كِتابَهُ، وقِيلَ: هي الصُحُفُ الَّتِي تَتَطايَرُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ: "نُشِرَتْ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُشِّرَتْ" بِشَدِّ الشِين عَلى المُبالَغَةِ. و"الكَشْطُ": التَقْشِيرُ، وذَلِكَ كَما يُكْشَطُ جِلْدُ الشاةِ حِينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَماءِ هو طَيُّها كَطَيِّ السِجِلِّ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قُشِطَتْ" بِالقافِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. و"سُعِّرَتْ" مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارُها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "سُعِّرَتْ" بِشَدِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن (p-٥٤٩)عاصِمٍ: بِتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وذُنُوبُ بَنِي آدَمَ. و"أُزْلِفَتْ" مَعْناهُ: قَرُبَتْ لِيَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إلى هَذَيْنَ ما انْتَهى الحَدِيثُ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَإذا، وإذا" في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا إمّا تَمَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾، أيْ: ما أحْضَرَتْ مِن شَرٍّ فَدَخَلَتْ بِهِ جَهَنَّمَ، أو مِن خَيْرٍ فَدَخَلَتْ بِهِ الجَنَّةَ، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ: عَمِلَتِ النُفُوسُ، ووَقَعَ الإفْرادُ لِيُنَبَّهَ الذِهْنُ عَلى حَقارَةِ المَرْءِ الواحِدِ وقِلَّةِ دِفاعِهِ عن نَفْسِهِ.

التكوير 81:6

(p-٥٤٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَكْوِيرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ ﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ﴿وَإذا الصُحُفُ نُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ كُشِطَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ هَذِهِ كُلُّها أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"تَكْوِيرُ الشَمْسِ" هو أنْ تُدارَ ويُذْهَبَ بِها إلى حَيْثُ شاءَ اللهُ، كَما يُدارُ كَوْرُ العِمامَةِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن ذَلِكَ بِعِباراتٍ، فَمِنهم مَن قالَ: ذَهَبَ نُورُها، ومِنهم مَن قالَ: رُمِيَ بِها، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أشْياءٌ تابِعَةٌ لِتَكْوِيرِها. و"انْكِدارُ النُجُومِ" هو انْقِضاضُها وهُبُوطُها مِن مَواضِعِها، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ؎ أبْصَرَ خَرْبانَ فَلاةَ فانْكَدَرَ.. تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ (p-٥٤٥)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "انْكَدَرَتْ": تَغَيَّرَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: ماءٌ كَدِرٌ، أيْ: مُتَغَيِّرُ اللَوْنِ. و"تَسْيِيرُ الجِبالِ" هو قَبْلَ نَسْفِها، وإنَّما ذَلِكَ في صَدْرِ هَوْلِ القِيامَةِ. و: "العِشارُ" جَمْعُ عُشَراءَ، وهي الناقَةُ الَّتِي قَدْ مَرَّ لِحَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وهي أنْفَسُ ما عِنْدَ العَرَبِ، وتَهَمُّمْهم بِها عَظِيمٌ لِلرَّغْبَةِ في نَسْلِها، فَإنَّها تُعَطَّلُ عِنْدَ أشَدِّ الأهْوالِ، وقَرَأ مُضَرُ عَنِ اليَزِيدِيِّ: "عُطِّلَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ. و"حَشْرُ الوُحُوشِ" جَمْعُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الجَمْعِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حُشِرَتْ بِالمَوْتِ؛ لِأنَّها لا تَبْعَثُ القِيامَةَ، ولا يَحْضُرُ القِيامَةَ غَيْرُ الثِقْلَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: حُشِرَتْ لِلْجَمْعِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، فَجَعَلُوا ألْفاظَ هَذا الحَدِيثِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، مِثالًا في العَدْلِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: حُشِرَتْ في الدُنْيا في أوَّلِ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّها تَفِرُّ في الأرْضِ، وتَجْتَمِعُ إلى بَنِي آدَمَ تَأْنِيسًا بِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: "حُشِرَتْ" بِشَدِّ الشِينِ عَلى المُبالَغَةِ. و"تَسْجِيرُ البِحارِ" قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: فَرَغَتْ مِن مائِها وذَهَبَ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: يَبِسَتْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: مَعْناهُ: مُلِئَتْ وفاضَتْ (p-٥٤٦)وَفُجِّرَتْ مِن أعالِيها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وسُفْيانُ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارًا كَما يُسْجَرُ التَنُّورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَهَنَّمُ في البَحْرِ الأخْضَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَلَكَتْ، وقَيَّدَ اضْطِرابَها حَتّى لا تَخْرُجَ عَلى الأرْضِ بِسَبَبِ الهَوْلِ، فَتَكُونُ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةً مِن "ساجُورِ الكَلْبِ"، وقِيلَ: هَذِهِ مَجازُ نارٍ في جَهَنَّمَ تُسْجَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الأقْوالِ مَنصُوصَةً لِأهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "سَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، وهي مُتَرَجِّحَةٌ بِكَوْنِ البِحارِ جَمْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، وكَما قالَ سُبْحانَهُ: "صُحُفًا مُنَشَّرَةً"، ومِثْلُهُ: "قَصْرٌ مَشَيَّدٌ"، و"بُرُوجٌ مُشَيَّدَةٌ" لِأنَّها جَماعَةٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُلْحِدِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ اسْتِعاراتٌ في كُلِّ ابْنِ آدَمَ وأحْوالِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فالشَمْسُ نَفْسُهُ، والنُجُومُ عَيْناهُ وحَواسُّهُ، والعِشارُ ساقاهُ، وهَذا قَوْلُ سُوءٍ وخَيْمِ غَثٍّ ذاهِبٍ إلى إثْباتِ الرُمُوزِ في كِتابِ اللهِ تَعالى. و"تَزْوِيجُ النُفُوسِ" هو تَنْوِيعُها؛ لِأنَّ الأزْواجَ هي الأنْواعُ، والمَعْنى: جُعِلَ الكافِرُ مَعَ الكافِرِ، والمُؤْمِنُ مَعَ المُؤْمِنِ، وكُلُّ شَكْلٍ مَعَ شَكْلِهِ، رَواهُ النُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ (p-٥٤٧)تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى دَلِيلِ الخَبَرِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ".» وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقالَ مُقاتِلُ بْن سُلَيْمانَ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِزَوْجاتِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، والشَعْبِيُّ: زُوِّجَتِ الأرْواحُ الأجْسادُ. وقَرَأ عاصِمٌ: "زُوِّجَتْ" غَيْرَ مُدْغَمٍ. و"المَوْؤُدَةُ" اسْمٌ مَعْناهُ: المُثْقَلُ عَلَيْها، ومِنهُ:"وَلا يَؤُدُهُ"، ومِنهُ: "اتَّئِدْ"، أيْ تُوَقَّرُ واثْقَلْ، وعُرِفَ هَذا الِاسْمُ في البَناتِ اللَواتِي كانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يَدْفِنُونَهُنَّ أحْياءَ، يَحْفِرُ الرَجُلُ شِبْهَ البِئْرِ أوِ القَبْرِ ثُمَّ يَسُوقُ ابْنَتَهُ فَيُلْقِيها فِيها، وإذا كانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا خَدَّ لَها في الأرْضِ ودَفْنها، وبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وعَدَمَ المالِ، وبَعْضُهم غَيْرَةً وكَراهِيَةً لِلْبَناتِ وجَهالَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَوْءُودَةُ" بِالهَمْزِ مِن "وَأدَ" في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذا الماوَدَّةُ"، وقَرَأ البَزِّيُّ: "المُؤَوَّدَةُ" بِهَمْزَةٍ (p-٥٤٨)مَضْمُومَةٍ عَلى الواوِ مِثْلَ "المُعَوِّذَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "المَوَدَّةُ" بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "المَوْدَةُ" بِسُكُونِ الواوِ عَلى وزْنِ "الفَعْلَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ السَلَفِ: "المَوَدَّةُ" بِفَتْحِ الواوِ والدالِ المُشَدَّدَةِ، جَعَلَ البِنْتَ مَوَدَّةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُئِلَتْ"، وهَذا عَلى وجْهِ التَوْبِيخِ لِلْعَرَبِ الفاعِلِينَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَسْألُ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى سُؤالِ الفاعِلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ: مَسْؤُولًا عنها مَطْلُوبًا الجَوابُ مِنهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وكَما سُئِلَ التُراثُ والحُقُوقُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ "سَألَتْ"، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقَرَأ أكْثَرُهُمْ: "قَتَلَتْ" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ التاءِ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "قُتِّلَتْ" بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ: "قَتَلْتُ" بِسُكُونِ اللامِ وضَمِّ التاءَ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "سِيلَتْ" بِكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ. واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ أولادَ المُشْرِكِينَ في الجَنَّةِ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدِ انْتَصَرَ لَهم مِن ظُلْمِهِمْ. و"الصُحُفُ المَنشُورَةُ" قِيلَ: هي صُحُفُ الأعْمالِ تُنْشَرُ لِيَقْرَأ كُلُّ امْرِئٍ كِتابَهُ، وقِيلَ: هي الصُحُفُ الَّتِي تَتَطايَرُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ: "نُشِرَتْ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُشِّرَتْ" بِشَدِّ الشِين عَلى المُبالَغَةِ. و"الكَشْطُ": التَقْشِيرُ، وذَلِكَ كَما يُكْشَطُ جِلْدُ الشاةِ حِينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَماءِ هو طَيُّها كَطَيِّ السِجِلِّ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قُشِطَتْ" بِالقافِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. و"سُعِّرَتْ" مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارُها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "سُعِّرَتْ" بِشَدِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن (p-٥٤٩)عاصِمٍ: بِتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وذُنُوبُ بَنِي آدَمَ. و"أُزْلِفَتْ" مَعْناهُ: قَرُبَتْ لِيَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إلى هَذَيْنَ ما انْتَهى الحَدِيثُ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَإذا، وإذا" في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا إمّا تَمَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾، أيْ: ما أحْضَرَتْ مِن شَرٍّ فَدَخَلَتْ بِهِ جَهَنَّمَ، أو مِن خَيْرٍ فَدَخَلَتْ بِهِ الجَنَّةَ، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ: عَمِلَتِ النُفُوسُ، ووَقَعَ الإفْرادُ لِيُنَبَّهَ الذِهْنُ عَلى حَقارَةِ المَرْءِ الواحِدِ وقِلَّةِ دِفاعِهِ عن نَفْسِهِ.

التكوير 81:7

(p-٥٤٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَكْوِيرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ ﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ﴿وَإذا الصُحُفُ نُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ كُشِطَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ هَذِهِ كُلُّها أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"تَكْوِيرُ الشَمْسِ" هو أنْ تُدارَ ويُذْهَبَ بِها إلى حَيْثُ شاءَ اللهُ، كَما يُدارُ كَوْرُ العِمامَةِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن ذَلِكَ بِعِباراتٍ، فَمِنهم مَن قالَ: ذَهَبَ نُورُها، ومِنهم مَن قالَ: رُمِيَ بِها، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أشْياءٌ تابِعَةٌ لِتَكْوِيرِها. و"انْكِدارُ النُجُومِ" هو انْقِضاضُها وهُبُوطُها مِن مَواضِعِها، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ؎ أبْصَرَ خَرْبانَ فَلاةَ فانْكَدَرَ.. تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ (p-٥٤٥)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "انْكَدَرَتْ": تَغَيَّرَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: ماءٌ كَدِرٌ، أيْ: مُتَغَيِّرُ اللَوْنِ. و"تَسْيِيرُ الجِبالِ" هو قَبْلَ نَسْفِها، وإنَّما ذَلِكَ في صَدْرِ هَوْلِ القِيامَةِ. و: "العِشارُ" جَمْعُ عُشَراءَ، وهي الناقَةُ الَّتِي قَدْ مَرَّ لِحَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وهي أنْفَسُ ما عِنْدَ العَرَبِ، وتَهَمُّمْهم بِها عَظِيمٌ لِلرَّغْبَةِ في نَسْلِها، فَإنَّها تُعَطَّلُ عِنْدَ أشَدِّ الأهْوالِ، وقَرَأ مُضَرُ عَنِ اليَزِيدِيِّ: "عُطِّلَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ. و"حَشْرُ الوُحُوشِ" جَمْعُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الجَمْعِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حُشِرَتْ بِالمَوْتِ؛ لِأنَّها لا تَبْعَثُ القِيامَةَ، ولا يَحْضُرُ القِيامَةَ غَيْرُ الثِقْلَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: حُشِرَتْ لِلْجَمْعِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، فَجَعَلُوا ألْفاظَ هَذا الحَدِيثِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، مِثالًا في العَدْلِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: حُشِرَتْ في الدُنْيا في أوَّلِ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّها تَفِرُّ في الأرْضِ، وتَجْتَمِعُ إلى بَنِي آدَمَ تَأْنِيسًا بِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: "حُشِرَتْ" بِشَدِّ الشِينِ عَلى المُبالَغَةِ. و"تَسْجِيرُ البِحارِ" قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: فَرَغَتْ مِن مائِها وذَهَبَ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: يَبِسَتْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: مَعْناهُ: مُلِئَتْ وفاضَتْ (p-٥٤٦)وَفُجِّرَتْ مِن أعالِيها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وسُفْيانُ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارًا كَما يُسْجَرُ التَنُّورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَهَنَّمُ في البَحْرِ الأخْضَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَلَكَتْ، وقَيَّدَ اضْطِرابَها حَتّى لا تَخْرُجَ عَلى الأرْضِ بِسَبَبِ الهَوْلِ، فَتَكُونُ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةً مِن "ساجُورِ الكَلْبِ"، وقِيلَ: هَذِهِ مَجازُ نارٍ في جَهَنَّمَ تُسْجَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الأقْوالِ مَنصُوصَةً لِأهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "سَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، وهي مُتَرَجِّحَةٌ بِكَوْنِ البِحارِ جَمْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، وكَما قالَ سُبْحانَهُ: "صُحُفًا مُنَشَّرَةً"، ومِثْلُهُ: "قَصْرٌ مَشَيَّدٌ"، و"بُرُوجٌ مُشَيَّدَةٌ" لِأنَّها جَماعَةٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُلْحِدِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ اسْتِعاراتٌ في كُلِّ ابْنِ آدَمَ وأحْوالِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فالشَمْسُ نَفْسُهُ، والنُجُومُ عَيْناهُ وحَواسُّهُ، والعِشارُ ساقاهُ، وهَذا قَوْلُ سُوءٍ وخَيْمِ غَثٍّ ذاهِبٍ إلى إثْباتِ الرُمُوزِ في كِتابِ اللهِ تَعالى. و"تَزْوِيجُ النُفُوسِ" هو تَنْوِيعُها؛ لِأنَّ الأزْواجَ هي الأنْواعُ، والمَعْنى: جُعِلَ الكافِرُ مَعَ الكافِرِ، والمُؤْمِنُ مَعَ المُؤْمِنِ، وكُلُّ شَكْلٍ مَعَ شَكْلِهِ، رَواهُ النُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ (p-٥٤٧)تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى دَلِيلِ الخَبَرِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ".» وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقالَ مُقاتِلُ بْن سُلَيْمانَ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِزَوْجاتِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، والشَعْبِيُّ: زُوِّجَتِ الأرْواحُ الأجْسادُ. وقَرَأ عاصِمٌ: "زُوِّجَتْ" غَيْرَ مُدْغَمٍ. و"المَوْؤُدَةُ" اسْمٌ مَعْناهُ: المُثْقَلُ عَلَيْها، ومِنهُ:"وَلا يَؤُدُهُ"، ومِنهُ: "اتَّئِدْ"، أيْ تُوَقَّرُ واثْقَلْ، وعُرِفَ هَذا الِاسْمُ في البَناتِ اللَواتِي كانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يَدْفِنُونَهُنَّ أحْياءَ، يَحْفِرُ الرَجُلُ شِبْهَ البِئْرِ أوِ القَبْرِ ثُمَّ يَسُوقُ ابْنَتَهُ فَيُلْقِيها فِيها، وإذا كانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا خَدَّ لَها في الأرْضِ ودَفْنها، وبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وعَدَمَ المالِ، وبَعْضُهم غَيْرَةً وكَراهِيَةً لِلْبَناتِ وجَهالَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَوْءُودَةُ" بِالهَمْزِ مِن "وَأدَ" في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذا الماوَدَّةُ"، وقَرَأ البَزِّيُّ: "المُؤَوَّدَةُ" بِهَمْزَةٍ (p-٥٤٨)مَضْمُومَةٍ عَلى الواوِ مِثْلَ "المُعَوِّذَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "المَوَدَّةُ" بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "المَوْدَةُ" بِسُكُونِ الواوِ عَلى وزْنِ "الفَعْلَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ السَلَفِ: "المَوَدَّةُ" بِفَتْحِ الواوِ والدالِ المُشَدَّدَةِ، جَعَلَ البِنْتَ مَوَدَّةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُئِلَتْ"، وهَذا عَلى وجْهِ التَوْبِيخِ لِلْعَرَبِ الفاعِلِينَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَسْألُ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى سُؤالِ الفاعِلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ: مَسْؤُولًا عنها مَطْلُوبًا الجَوابُ مِنهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وكَما سُئِلَ التُراثُ والحُقُوقُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ "سَألَتْ"، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقَرَأ أكْثَرُهُمْ: "قَتَلَتْ" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ التاءِ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "قُتِّلَتْ" بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ: "قَتَلْتُ" بِسُكُونِ اللامِ وضَمِّ التاءَ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "سِيلَتْ" بِكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ. واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ أولادَ المُشْرِكِينَ في الجَنَّةِ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدِ انْتَصَرَ لَهم مِن ظُلْمِهِمْ. و"الصُحُفُ المَنشُورَةُ" قِيلَ: هي صُحُفُ الأعْمالِ تُنْشَرُ لِيَقْرَأ كُلُّ امْرِئٍ كِتابَهُ، وقِيلَ: هي الصُحُفُ الَّتِي تَتَطايَرُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ: "نُشِرَتْ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُشِّرَتْ" بِشَدِّ الشِين عَلى المُبالَغَةِ. و"الكَشْطُ": التَقْشِيرُ، وذَلِكَ كَما يُكْشَطُ جِلْدُ الشاةِ حِينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَماءِ هو طَيُّها كَطَيِّ السِجِلِّ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قُشِطَتْ" بِالقافِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. و"سُعِّرَتْ" مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارُها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "سُعِّرَتْ" بِشَدِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن (p-٥٤٩)عاصِمٍ: بِتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وذُنُوبُ بَنِي آدَمَ. و"أُزْلِفَتْ" مَعْناهُ: قَرُبَتْ لِيَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إلى هَذَيْنَ ما انْتَهى الحَدِيثُ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَإذا، وإذا" في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا إمّا تَمَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾، أيْ: ما أحْضَرَتْ مِن شَرٍّ فَدَخَلَتْ بِهِ جَهَنَّمَ، أو مِن خَيْرٍ فَدَخَلَتْ بِهِ الجَنَّةَ، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ: عَمِلَتِ النُفُوسُ، ووَقَعَ الإفْرادُ لِيُنَبَّهَ الذِهْنُ عَلى حَقارَةِ المَرْءِ الواحِدِ وقِلَّةِ دِفاعِهِ عن نَفْسِهِ.

التكوير 81:8

(p-٥٤٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَكْوِيرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ ﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ﴿وَإذا الصُحُفُ نُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ كُشِطَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ هَذِهِ كُلُّها أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"تَكْوِيرُ الشَمْسِ" هو أنْ تُدارَ ويُذْهَبَ بِها إلى حَيْثُ شاءَ اللهُ، كَما يُدارُ كَوْرُ العِمامَةِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن ذَلِكَ بِعِباراتٍ، فَمِنهم مَن قالَ: ذَهَبَ نُورُها، ومِنهم مَن قالَ: رُمِيَ بِها، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أشْياءٌ تابِعَةٌ لِتَكْوِيرِها. و"انْكِدارُ النُجُومِ" هو انْقِضاضُها وهُبُوطُها مِن مَواضِعِها، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ؎ أبْصَرَ خَرْبانَ فَلاةَ فانْكَدَرَ.. تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ (p-٥٤٥)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "انْكَدَرَتْ": تَغَيَّرَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: ماءٌ كَدِرٌ، أيْ: مُتَغَيِّرُ اللَوْنِ. و"تَسْيِيرُ الجِبالِ" هو قَبْلَ نَسْفِها، وإنَّما ذَلِكَ في صَدْرِ هَوْلِ القِيامَةِ. و: "العِشارُ" جَمْعُ عُشَراءَ، وهي الناقَةُ الَّتِي قَدْ مَرَّ لِحَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وهي أنْفَسُ ما عِنْدَ العَرَبِ، وتَهَمُّمْهم بِها عَظِيمٌ لِلرَّغْبَةِ في نَسْلِها، فَإنَّها تُعَطَّلُ عِنْدَ أشَدِّ الأهْوالِ، وقَرَأ مُضَرُ عَنِ اليَزِيدِيِّ: "عُطِّلَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ. و"حَشْرُ الوُحُوشِ" جَمْعُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الجَمْعِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حُشِرَتْ بِالمَوْتِ؛ لِأنَّها لا تَبْعَثُ القِيامَةَ، ولا يَحْضُرُ القِيامَةَ غَيْرُ الثِقْلَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: حُشِرَتْ لِلْجَمْعِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، فَجَعَلُوا ألْفاظَ هَذا الحَدِيثِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، مِثالًا في العَدْلِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: حُشِرَتْ في الدُنْيا في أوَّلِ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّها تَفِرُّ في الأرْضِ، وتَجْتَمِعُ إلى بَنِي آدَمَ تَأْنِيسًا بِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: "حُشِرَتْ" بِشَدِّ الشِينِ عَلى المُبالَغَةِ. و"تَسْجِيرُ البِحارِ" قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: فَرَغَتْ مِن مائِها وذَهَبَ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: يَبِسَتْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: مَعْناهُ: مُلِئَتْ وفاضَتْ (p-٥٤٦)وَفُجِّرَتْ مِن أعالِيها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وسُفْيانُ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارًا كَما يُسْجَرُ التَنُّورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَهَنَّمُ في البَحْرِ الأخْضَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَلَكَتْ، وقَيَّدَ اضْطِرابَها حَتّى لا تَخْرُجَ عَلى الأرْضِ بِسَبَبِ الهَوْلِ، فَتَكُونُ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةً مِن "ساجُورِ الكَلْبِ"، وقِيلَ: هَذِهِ مَجازُ نارٍ في جَهَنَّمَ تُسْجَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الأقْوالِ مَنصُوصَةً لِأهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "سَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، وهي مُتَرَجِّحَةٌ بِكَوْنِ البِحارِ جَمْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، وكَما قالَ سُبْحانَهُ: "صُحُفًا مُنَشَّرَةً"، ومِثْلُهُ: "قَصْرٌ مَشَيَّدٌ"، و"بُرُوجٌ مُشَيَّدَةٌ" لِأنَّها جَماعَةٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُلْحِدِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ اسْتِعاراتٌ في كُلِّ ابْنِ آدَمَ وأحْوالِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فالشَمْسُ نَفْسُهُ، والنُجُومُ عَيْناهُ وحَواسُّهُ، والعِشارُ ساقاهُ، وهَذا قَوْلُ سُوءٍ وخَيْمِ غَثٍّ ذاهِبٍ إلى إثْباتِ الرُمُوزِ في كِتابِ اللهِ تَعالى. و"تَزْوِيجُ النُفُوسِ" هو تَنْوِيعُها؛ لِأنَّ الأزْواجَ هي الأنْواعُ، والمَعْنى: جُعِلَ الكافِرُ مَعَ الكافِرِ، والمُؤْمِنُ مَعَ المُؤْمِنِ، وكُلُّ شَكْلٍ مَعَ شَكْلِهِ، رَواهُ النُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ (p-٥٤٧)تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى دَلِيلِ الخَبَرِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ".» وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقالَ مُقاتِلُ بْن سُلَيْمانَ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِزَوْجاتِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، والشَعْبِيُّ: زُوِّجَتِ الأرْواحُ الأجْسادُ. وقَرَأ عاصِمٌ: "زُوِّجَتْ" غَيْرَ مُدْغَمٍ. و"المَوْؤُدَةُ" اسْمٌ مَعْناهُ: المُثْقَلُ عَلَيْها، ومِنهُ:"وَلا يَؤُدُهُ"، ومِنهُ: "اتَّئِدْ"، أيْ تُوَقَّرُ واثْقَلْ، وعُرِفَ هَذا الِاسْمُ في البَناتِ اللَواتِي كانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يَدْفِنُونَهُنَّ أحْياءَ، يَحْفِرُ الرَجُلُ شِبْهَ البِئْرِ أوِ القَبْرِ ثُمَّ يَسُوقُ ابْنَتَهُ فَيُلْقِيها فِيها، وإذا كانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا خَدَّ لَها في الأرْضِ ودَفْنها، وبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وعَدَمَ المالِ، وبَعْضُهم غَيْرَةً وكَراهِيَةً لِلْبَناتِ وجَهالَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَوْءُودَةُ" بِالهَمْزِ مِن "وَأدَ" في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذا الماوَدَّةُ"، وقَرَأ البَزِّيُّ: "المُؤَوَّدَةُ" بِهَمْزَةٍ (p-٥٤٨)مَضْمُومَةٍ عَلى الواوِ مِثْلَ "المُعَوِّذَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "المَوَدَّةُ" بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "المَوْدَةُ" بِسُكُونِ الواوِ عَلى وزْنِ "الفَعْلَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ السَلَفِ: "المَوَدَّةُ" بِفَتْحِ الواوِ والدالِ المُشَدَّدَةِ، جَعَلَ البِنْتَ مَوَدَّةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُئِلَتْ"، وهَذا عَلى وجْهِ التَوْبِيخِ لِلْعَرَبِ الفاعِلِينَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَسْألُ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى سُؤالِ الفاعِلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ: مَسْؤُولًا عنها مَطْلُوبًا الجَوابُ مِنهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وكَما سُئِلَ التُراثُ والحُقُوقُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ "سَألَتْ"، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقَرَأ أكْثَرُهُمْ: "قَتَلَتْ" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ التاءِ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "قُتِّلَتْ" بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ: "قَتَلْتُ" بِسُكُونِ اللامِ وضَمِّ التاءَ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "سِيلَتْ" بِكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ. واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ أولادَ المُشْرِكِينَ في الجَنَّةِ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدِ انْتَصَرَ لَهم مِن ظُلْمِهِمْ. و"الصُحُفُ المَنشُورَةُ" قِيلَ: هي صُحُفُ الأعْمالِ تُنْشَرُ لِيَقْرَأ كُلُّ امْرِئٍ كِتابَهُ، وقِيلَ: هي الصُحُفُ الَّتِي تَتَطايَرُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ: "نُشِرَتْ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُشِّرَتْ" بِشَدِّ الشِين عَلى المُبالَغَةِ. و"الكَشْطُ": التَقْشِيرُ، وذَلِكَ كَما يُكْشَطُ جِلْدُ الشاةِ حِينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَماءِ هو طَيُّها كَطَيِّ السِجِلِّ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قُشِطَتْ" بِالقافِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. و"سُعِّرَتْ" مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارُها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "سُعِّرَتْ" بِشَدِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن (p-٥٤٩)عاصِمٍ: بِتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وذُنُوبُ بَنِي آدَمَ. و"أُزْلِفَتْ" مَعْناهُ: قَرُبَتْ لِيَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إلى هَذَيْنَ ما انْتَهى الحَدِيثُ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَإذا، وإذا" في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا إمّا تَمَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾، أيْ: ما أحْضَرَتْ مِن شَرٍّ فَدَخَلَتْ بِهِ جَهَنَّمَ، أو مِن خَيْرٍ فَدَخَلَتْ بِهِ الجَنَّةَ، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ: عَمِلَتِ النُفُوسُ، ووَقَعَ الإفْرادُ لِيُنَبَّهَ الذِهْنُ عَلى حَقارَةِ المَرْءِ الواحِدِ وقِلَّةِ دِفاعِهِ عن نَفْسِهِ.

التكوير 81:9

(p-٥٤٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَكْوِيرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ ﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ﴿وَإذا الصُحُفُ نُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ كُشِطَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ هَذِهِ كُلُّها أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"تَكْوِيرُ الشَمْسِ" هو أنْ تُدارَ ويُذْهَبَ بِها إلى حَيْثُ شاءَ اللهُ، كَما يُدارُ كَوْرُ العِمامَةِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن ذَلِكَ بِعِباراتٍ، فَمِنهم مَن قالَ: ذَهَبَ نُورُها، ومِنهم مَن قالَ: رُمِيَ بِها، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أشْياءٌ تابِعَةٌ لِتَكْوِيرِها. و"انْكِدارُ النُجُومِ" هو انْقِضاضُها وهُبُوطُها مِن مَواضِعِها، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ؎ أبْصَرَ خَرْبانَ فَلاةَ فانْكَدَرَ.. تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ (p-٥٤٥)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "انْكَدَرَتْ": تَغَيَّرَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: ماءٌ كَدِرٌ، أيْ: مُتَغَيِّرُ اللَوْنِ. و"تَسْيِيرُ الجِبالِ" هو قَبْلَ نَسْفِها، وإنَّما ذَلِكَ في صَدْرِ هَوْلِ القِيامَةِ. و: "العِشارُ" جَمْعُ عُشَراءَ، وهي الناقَةُ الَّتِي قَدْ مَرَّ لِحَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وهي أنْفَسُ ما عِنْدَ العَرَبِ، وتَهَمُّمْهم بِها عَظِيمٌ لِلرَّغْبَةِ في نَسْلِها، فَإنَّها تُعَطَّلُ عِنْدَ أشَدِّ الأهْوالِ، وقَرَأ مُضَرُ عَنِ اليَزِيدِيِّ: "عُطِّلَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ. و"حَشْرُ الوُحُوشِ" جَمْعُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الجَمْعِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حُشِرَتْ بِالمَوْتِ؛ لِأنَّها لا تَبْعَثُ القِيامَةَ، ولا يَحْضُرُ القِيامَةَ غَيْرُ الثِقْلَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: حُشِرَتْ لِلْجَمْعِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، فَجَعَلُوا ألْفاظَ هَذا الحَدِيثِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، مِثالًا في العَدْلِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: حُشِرَتْ في الدُنْيا في أوَّلِ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّها تَفِرُّ في الأرْضِ، وتَجْتَمِعُ إلى بَنِي آدَمَ تَأْنِيسًا بِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: "حُشِرَتْ" بِشَدِّ الشِينِ عَلى المُبالَغَةِ. و"تَسْجِيرُ البِحارِ" قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: فَرَغَتْ مِن مائِها وذَهَبَ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: يَبِسَتْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: مَعْناهُ: مُلِئَتْ وفاضَتْ (p-٥٤٦)وَفُجِّرَتْ مِن أعالِيها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وسُفْيانُ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارًا كَما يُسْجَرُ التَنُّورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَهَنَّمُ في البَحْرِ الأخْضَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَلَكَتْ، وقَيَّدَ اضْطِرابَها حَتّى لا تَخْرُجَ عَلى الأرْضِ بِسَبَبِ الهَوْلِ، فَتَكُونُ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةً مِن "ساجُورِ الكَلْبِ"، وقِيلَ: هَذِهِ مَجازُ نارٍ في جَهَنَّمَ تُسْجَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الأقْوالِ مَنصُوصَةً لِأهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "سَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، وهي مُتَرَجِّحَةٌ بِكَوْنِ البِحارِ جَمْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، وكَما قالَ سُبْحانَهُ: "صُحُفًا مُنَشَّرَةً"، ومِثْلُهُ: "قَصْرٌ مَشَيَّدٌ"، و"بُرُوجٌ مُشَيَّدَةٌ" لِأنَّها جَماعَةٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُلْحِدِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ اسْتِعاراتٌ في كُلِّ ابْنِ آدَمَ وأحْوالِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فالشَمْسُ نَفْسُهُ، والنُجُومُ عَيْناهُ وحَواسُّهُ، والعِشارُ ساقاهُ، وهَذا قَوْلُ سُوءٍ وخَيْمِ غَثٍّ ذاهِبٍ إلى إثْباتِ الرُمُوزِ في كِتابِ اللهِ تَعالى. و"تَزْوِيجُ النُفُوسِ" هو تَنْوِيعُها؛ لِأنَّ الأزْواجَ هي الأنْواعُ، والمَعْنى: جُعِلَ الكافِرُ مَعَ الكافِرِ، والمُؤْمِنُ مَعَ المُؤْمِنِ، وكُلُّ شَكْلٍ مَعَ شَكْلِهِ، رَواهُ النُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ (p-٥٤٧)تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى دَلِيلِ الخَبَرِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ".» وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقالَ مُقاتِلُ بْن سُلَيْمانَ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِزَوْجاتِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، والشَعْبِيُّ: زُوِّجَتِ الأرْواحُ الأجْسادُ. وقَرَأ عاصِمٌ: "زُوِّجَتْ" غَيْرَ مُدْغَمٍ. و"المَوْؤُدَةُ" اسْمٌ مَعْناهُ: المُثْقَلُ عَلَيْها، ومِنهُ:"وَلا يَؤُدُهُ"، ومِنهُ: "اتَّئِدْ"، أيْ تُوَقَّرُ واثْقَلْ، وعُرِفَ هَذا الِاسْمُ في البَناتِ اللَواتِي كانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يَدْفِنُونَهُنَّ أحْياءَ، يَحْفِرُ الرَجُلُ شِبْهَ البِئْرِ أوِ القَبْرِ ثُمَّ يَسُوقُ ابْنَتَهُ فَيُلْقِيها فِيها، وإذا كانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا خَدَّ لَها في الأرْضِ ودَفْنها، وبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وعَدَمَ المالِ، وبَعْضُهم غَيْرَةً وكَراهِيَةً لِلْبَناتِ وجَهالَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَوْءُودَةُ" بِالهَمْزِ مِن "وَأدَ" في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذا الماوَدَّةُ"، وقَرَأ البَزِّيُّ: "المُؤَوَّدَةُ" بِهَمْزَةٍ (p-٥٤٨)مَضْمُومَةٍ عَلى الواوِ مِثْلَ "المُعَوِّذَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "المَوَدَّةُ" بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "المَوْدَةُ" بِسُكُونِ الواوِ عَلى وزْنِ "الفَعْلَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ السَلَفِ: "المَوَدَّةُ" بِفَتْحِ الواوِ والدالِ المُشَدَّدَةِ، جَعَلَ البِنْتَ مَوَدَّةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُئِلَتْ"، وهَذا عَلى وجْهِ التَوْبِيخِ لِلْعَرَبِ الفاعِلِينَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَسْألُ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى سُؤالِ الفاعِلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ: مَسْؤُولًا عنها مَطْلُوبًا الجَوابُ مِنهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وكَما سُئِلَ التُراثُ والحُقُوقُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ "سَألَتْ"، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقَرَأ أكْثَرُهُمْ: "قَتَلَتْ" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ التاءِ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "قُتِّلَتْ" بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ: "قَتَلْتُ" بِسُكُونِ اللامِ وضَمِّ التاءَ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "سِيلَتْ" بِكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ. واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ أولادَ المُشْرِكِينَ في الجَنَّةِ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدِ انْتَصَرَ لَهم مِن ظُلْمِهِمْ. و"الصُحُفُ المَنشُورَةُ" قِيلَ: هي صُحُفُ الأعْمالِ تُنْشَرُ لِيَقْرَأ كُلُّ امْرِئٍ كِتابَهُ، وقِيلَ: هي الصُحُفُ الَّتِي تَتَطايَرُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ: "نُشِرَتْ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُشِّرَتْ" بِشَدِّ الشِين عَلى المُبالَغَةِ. و"الكَشْطُ": التَقْشِيرُ، وذَلِكَ كَما يُكْشَطُ جِلْدُ الشاةِ حِينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَماءِ هو طَيُّها كَطَيِّ السِجِلِّ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قُشِطَتْ" بِالقافِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. و"سُعِّرَتْ" مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارُها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "سُعِّرَتْ" بِشَدِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن (p-٥٤٩)عاصِمٍ: بِتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وذُنُوبُ بَنِي آدَمَ. و"أُزْلِفَتْ" مَعْناهُ: قَرُبَتْ لِيَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إلى هَذَيْنَ ما انْتَهى الحَدِيثُ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَإذا، وإذا" في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا إمّا تَمَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾، أيْ: ما أحْضَرَتْ مِن شَرٍّ فَدَخَلَتْ بِهِ جَهَنَّمَ، أو مِن خَيْرٍ فَدَخَلَتْ بِهِ الجَنَّةَ، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ: عَمِلَتِ النُفُوسُ، ووَقَعَ الإفْرادُ لِيُنَبَّهَ الذِهْنُ عَلى حَقارَةِ المَرْءِ الواحِدِ وقِلَّةِ دِفاعِهِ عن نَفْسِهِ.

التكوير 81:10

(p-٥٤٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَكْوِيرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ ﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ﴿وَإذا الصُحُفُ نُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ كُشِطَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ هَذِهِ كُلُّها أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"تَكْوِيرُ الشَمْسِ" هو أنْ تُدارَ ويُذْهَبَ بِها إلى حَيْثُ شاءَ اللهُ، كَما يُدارُ كَوْرُ العِمامَةِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن ذَلِكَ بِعِباراتٍ، فَمِنهم مَن قالَ: ذَهَبَ نُورُها، ومِنهم مَن قالَ: رُمِيَ بِها، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أشْياءٌ تابِعَةٌ لِتَكْوِيرِها. و"انْكِدارُ النُجُومِ" هو انْقِضاضُها وهُبُوطُها مِن مَواضِعِها، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ؎ أبْصَرَ خَرْبانَ فَلاةَ فانْكَدَرَ.. تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ (p-٥٤٥)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "انْكَدَرَتْ": تَغَيَّرَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: ماءٌ كَدِرٌ، أيْ: مُتَغَيِّرُ اللَوْنِ. و"تَسْيِيرُ الجِبالِ" هو قَبْلَ نَسْفِها، وإنَّما ذَلِكَ في صَدْرِ هَوْلِ القِيامَةِ. و: "العِشارُ" جَمْعُ عُشَراءَ، وهي الناقَةُ الَّتِي قَدْ مَرَّ لِحَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وهي أنْفَسُ ما عِنْدَ العَرَبِ، وتَهَمُّمْهم بِها عَظِيمٌ لِلرَّغْبَةِ في نَسْلِها، فَإنَّها تُعَطَّلُ عِنْدَ أشَدِّ الأهْوالِ، وقَرَأ مُضَرُ عَنِ اليَزِيدِيِّ: "عُطِّلَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ. و"حَشْرُ الوُحُوشِ" جَمْعُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الجَمْعِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حُشِرَتْ بِالمَوْتِ؛ لِأنَّها لا تَبْعَثُ القِيامَةَ، ولا يَحْضُرُ القِيامَةَ غَيْرُ الثِقْلَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: حُشِرَتْ لِلْجَمْعِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، فَجَعَلُوا ألْفاظَ هَذا الحَدِيثِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، مِثالًا في العَدْلِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: حُشِرَتْ في الدُنْيا في أوَّلِ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّها تَفِرُّ في الأرْضِ، وتَجْتَمِعُ إلى بَنِي آدَمَ تَأْنِيسًا بِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: "حُشِرَتْ" بِشَدِّ الشِينِ عَلى المُبالَغَةِ. و"تَسْجِيرُ البِحارِ" قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: فَرَغَتْ مِن مائِها وذَهَبَ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: يَبِسَتْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: مَعْناهُ: مُلِئَتْ وفاضَتْ (p-٥٤٦)وَفُجِّرَتْ مِن أعالِيها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وسُفْيانُ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارًا كَما يُسْجَرُ التَنُّورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَهَنَّمُ في البَحْرِ الأخْضَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَلَكَتْ، وقَيَّدَ اضْطِرابَها حَتّى لا تَخْرُجَ عَلى الأرْضِ بِسَبَبِ الهَوْلِ، فَتَكُونُ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةً مِن "ساجُورِ الكَلْبِ"، وقِيلَ: هَذِهِ مَجازُ نارٍ في جَهَنَّمَ تُسْجَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الأقْوالِ مَنصُوصَةً لِأهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "سَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، وهي مُتَرَجِّحَةٌ بِكَوْنِ البِحارِ جَمْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، وكَما قالَ سُبْحانَهُ: "صُحُفًا مُنَشَّرَةً"، ومِثْلُهُ: "قَصْرٌ مَشَيَّدٌ"، و"بُرُوجٌ مُشَيَّدَةٌ" لِأنَّها جَماعَةٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُلْحِدِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ اسْتِعاراتٌ في كُلِّ ابْنِ آدَمَ وأحْوالِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فالشَمْسُ نَفْسُهُ، والنُجُومُ عَيْناهُ وحَواسُّهُ، والعِشارُ ساقاهُ، وهَذا قَوْلُ سُوءٍ وخَيْمِ غَثٍّ ذاهِبٍ إلى إثْباتِ الرُمُوزِ في كِتابِ اللهِ تَعالى. و"تَزْوِيجُ النُفُوسِ" هو تَنْوِيعُها؛ لِأنَّ الأزْواجَ هي الأنْواعُ، والمَعْنى: جُعِلَ الكافِرُ مَعَ الكافِرِ، والمُؤْمِنُ مَعَ المُؤْمِنِ، وكُلُّ شَكْلٍ مَعَ شَكْلِهِ، رَواهُ النُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ (p-٥٤٧)تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى دَلِيلِ الخَبَرِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ".» وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقالَ مُقاتِلُ بْن سُلَيْمانَ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِزَوْجاتِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، والشَعْبِيُّ: زُوِّجَتِ الأرْواحُ الأجْسادُ. وقَرَأ عاصِمٌ: "زُوِّجَتْ" غَيْرَ مُدْغَمٍ. و"المَوْؤُدَةُ" اسْمٌ مَعْناهُ: المُثْقَلُ عَلَيْها، ومِنهُ:"وَلا يَؤُدُهُ"، ومِنهُ: "اتَّئِدْ"، أيْ تُوَقَّرُ واثْقَلْ، وعُرِفَ هَذا الِاسْمُ في البَناتِ اللَواتِي كانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يَدْفِنُونَهُنَّ أحْياءَ، يَحْفِرُ الرَجُلُ شِبْهَ البِئْرِ أوِ القَبْرِ ثُمَّ يَسُوقُ ابْنَتَهُ فَيُلْقِيها فِيها، وإذا كانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا خَدَّ لَها في الأرْضِ ودَفْنها، وبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وعَدَمَ المالِ، وبَعْضُهم غَيْرَةً وكَراهِيَةً لِلْبَناتِ وجَهالَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَوْءُودَةُ" بِالهَمْزِ مِن "وَأدَ" في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذا الماوَدَّةُ"، وقَرَأ البَزِّيُّ: "المُؤَوَّدَةُ" بِهَمْزَةٍ (p-٥٤٨)مَضْمُومَةٍ عَلى الواوِ مِثْلَ "المُعَوِّذَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "المَوَدَّةُ" بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "المَوْدَةُ" بِسُكُونِ الواوِ عَلى وزْنِ "الفَعْلَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ السَلَفِ: "المَوَدَّةُ" بِفَتْحِ الواوِ والدالِ المُشَدَّدَةِ، جَعَلَ البِنْتَ مَوَدَّةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُئِلَتْ"، وهَذا عَلى وجْهِ التَوْبِيخِ لِلْعَرَبِ الفاعِلِينَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَسْألُ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى سُؤالِ الفاعِلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ: مَسْؤُولًا عنها مَطْلُوبًا الجَوابُ مِنهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وكَما سُئِلَ التُراثُ والحُقُوقُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ "سَألَتْ"، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقَرَأ أكْثَرُهُمْ: "قَتَلَتْ" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ التاءِ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "قُتِّلَتْ" بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ: "قَتَلْتُ" بِسُكُونِ اللامِ وضَمِّ التاءَ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "سِيلَتْ" بِكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ. واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ أولادَ المُشْرِكِينَ في الجَنَّةِ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدِ انْتَصَرَ لَهم مِن ظُلْمِهِمْ. و"الصُحُفُ المَنشُورَةُ" قِيلَ: هي صُحُفُ الأعْمالِ تُنْشَرُ لِيَقْرَأ كُلُّ امْرِئٍ كِتابَهُ، وقِيلَ: هي الصُحُفُ الَّتِي تَتَطايَرُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ: "نُشِرَتْ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُشِّرَتْ" بِشَدِّ الشِين عَلى المُبالَغَةِ. و"الكَشْطُ": التَقْشِيرُ، وذَلِكَ كَما يُكْشَطُ جِلْدُ الشاةِ حِينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَماءِ هو طَيُّها كَطَيِّ السِجِلِّ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قُشِطَتْ" بِالقافِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. و"سُعِّرَتْ" مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارُها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "سُعِّرَتْ" بِشَدِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن (p-٥٤٩)عاصِمٍ: بِتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وذُنُوبُ بَنِي آدَمَ. و"أُزْلِفَتْ" مَعْناهُ: قَرُبَتْ لِيَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إلى هَذَيْنَ ما انْتَهى الحَدِيثُ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَإذا، وإذا" في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا إمّا تَمَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾، أيْ: ما أحْضَرَتْ مِن شَرٍّ فَدَخَلَتْ بِهِ جَهَنَّمَ، أو مِن خَيْرٍ فَدَخَلَتْ بِهِ الجَنَّةَ، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ: عَمِلَتِ النُفُوسُ، ووَقَعَ الإفْرادُ لِيُنَبَّهَ الذِهْنُ عَلى حَقارَةِ المَرْءِ الواحِدِ وقِلَّةِ دِفاعِهِ عن نَفْسِهِ.

التكوير 81:11

(p-٥٤٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَكْوِيرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ ﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ﴿وَإذا الصُحُفُ نُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ كُشِطَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ هَذِهِ كُلُّها أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"تَكْوِيرُ الشَمْسِ" هو أنْ تُدارَ ويُذْهَبَ بِها إلى حَيْثُ شاءَ اللهُ، كَما يُدارُ كَوْرُ العِمامَةِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن ذَلِكَ بِعِباراتٍ، فَمِنهم مَن قالَ: ذَهَبَ نُورُها، ومِنهم مَن قالَ: رُمِيَ بِها، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أشْياءٌ تابِعَةٌ لِتَكْوِيرِها. و"انْكِدارُ النُجُومِ" هو انْقِضاضُها وهُبُوطُها مِن مَواضِعِها، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ؎ أبْصَرَ خَرْبانَ فَلاةَ فانْكَدَرَ.. تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ (p-٥٤٥)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "انْكَدَرَتْ": تَغَيَّرَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: ماءٌ كَدِرٌ، أيْ: مُتَغَيِّرُ اللَوْنِ. و"تَسْيِيرُ الجِبالِ" هو قَبْلَ نَسْفِها، وإنَّما ذَلِكَ في صَدْرِ هَوْلِ القِيامَةِ. و: "العِشارُ" جَمْعُ عُشَراءَ، وهي الناقَةُ الَّتِي قَدْ مَرَّ لِحَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وهي أنْفَسُ ما عِنْدَ العَرَبِ، وتَهَمُّمْهم بِها عَظِيمٌ لِلرَّغْبَةِ في نَسْلِها، فَإنَّها تُعَطَّلُ عِنْدَ أشَدِّ الأهْوالِ، وقَرَأ مُضَرُ عَنِ اليَزِيدِيِّ: "عُطِّلَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ. و"حَشْرُ الوُحُوشِ" جَمْعُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الجَمْعِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حُشِرَتْ بِالمَوْتِ؛ لِأنَّها لا تَبْعَثُ القِيامَةَ، ولا يَحْضُرُ القِيامَةَ غَيْرُ الثِقْلَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: حُشِرَتْ لِلْجَمْعِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، فَجَعَلُوا ألْفاظَ هَذا الحَدِيثِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، مِثالًا في العَدْلِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: حُشِرَتْ في الدُنْيا في أوَّلِ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّها تَفِرُّ في الأرْضِ، وتَجْتَمِعُ إلى بَنِي آدَمَ تَأْنِيسًا بِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: "حُشِرَتْ" بِشَدِّ الشِينِ عَلى المُبالَغَةِ. و"تَسْجِيرُ البِحارِ" قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: فَرَغَتْ مِن مائِها وذَهَبَ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: يَبِسَتْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: مَعْناهُ: مُلِئَتْ وفاضَتْ (p-٥٤٦)وَفُجِّرَتْ مِن أعالِيها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وسُفْيانُ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارًا كَما يُسْجَرُ التَنُّورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَهَنَّمُ في البَحْرِ الأخْضَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَلَكَتْ، وقَيَّدَ اضْطِرابَها حَتّى لا تَخْرُجَ عَلى الأرْضِ بِسَبَبِ الهَوْلِ، فَتَكُونُ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةً مِن "ساجُورِ الكَلْبِ"، وقِيلَ: هَذِهِ مَجازُ نارٍ في جَهَنَّمَ تُسْجَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الأقْوالِ مَنصُوصَةً لِأهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "سَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، وهي مُتَرَجِّحَةٌ بِكَوْنِ البِحارِ جَمْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، وكَما قالَ سُبْحانَهُ: "صُحُفًا مُنَشَّرَةً"، ومِثْلُهُ: "قَصْرٌ مَشَيَّدٌ"، و"بُرُوجٌ مُشَيَّدَةٌ" لِأنَّها جَماعَةٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُلْحِدِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ اسْتِعاراتٌ في كُلِّ ابْنِ آدَمَ وأحْوالِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فالشَمْسُ نَفْسُهُ، والنُجُومُ عَيْناهُ وحَواسُّهُ، والعِشارُ ساقاهُ، وهَذا قَوْلُ سُوءٍ وخَيْمِ غَثٍّ ذاهِبٍ إلى إثْباتِ الرُمُوزِ في كِتابِ اللهِ تَعالى. و"تَزْوِيجُ النُفُوسِ" هو تَنْوِيعُها؛ لِأنَّ الأزْواجَ هي الأنْواعُ، والمَعْنى: جُعِلَ الكافِرُ مَعَ الكافِرِ، والمُؤْمِنُ مَعَ المُؤْمِنِ، وكُلُّ شَكْلٍ مَعَ شَكْلِهِ، رَواهُ النُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ (p-٥٤٧)تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى دَلِيلِ الخَبَرِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ".» وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقالَ مُقاتِلُ بْن سُلَيْمانَ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِزَوْجاتِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، والشَعْبِيُّ: زُوِّجَتِ الأرْواحُ الأجْسادُ. وقَرَأ عاصِمٌ: "زُوِّجَتْ" غَيْرَ مُدْغَمٍ. و"المَوْؤُدَةُ" اسْمٌ مَعْناهُ: المُثْقَلُ عَلَيْها، ومِنهُ:"وَلا يَؤُدُهُ"، ومِنهُ: "اتَّئِدْ"، أيْ تُوَقَّرُ واثْقَلْ، وعُرِفَ هَذا الِاسْمُ في البَناتِ اللَواتِي كانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يَدْفِنُونَهُنَّ أحْياءَ، يَحْفِرُ الرَجُلُ شِبْهَ البِئْرِ أوِ القَبْرِ ثُمَّ يَسُوقُ ابْنَتَهُ فَيُلْقِيها فِيها، وإذا كانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا خَدَّ لَها في الأرْضِ ودَفْنها، وبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وعَدَمَ المالِ، وبَعْضُهم غَيْرَةً وكَراهِيَةً لِلْبَناتِ وجَهالَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَوْءُودَةُ" بِالهَمْزِ مِن "وَأدَ" في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذا الماوَدَّةُ"، وقَرَأ البَزِّيُّ: "المُؤَوَّدَةُ" بِهَمْزَةٍ (p-٥٤٨)مَضْمُومَةٍ عَلى الواوِ مِثْلَ "المُعَوِّذَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "المَوَدَّةُ" بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "المَوْدَةُ" بِسُكُونِ الواوِ عَلى وزْنِ "الفَعْلَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ السَلَفِ: "المَوَدَّةُ" بِفَتْحِ الواوِ والدالِ المُشَدَّدَةِ، جَعَلَ البِنْتَ مَوَدَّةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُئِلَتْ"، وهَذا عَلى وجْهِ التَوْبِيخِ لِلْعَرَبِ الفاعِلِينَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَسْألُ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى سُؤالِ الفاعِلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ: مَسْؤُولًا عنها مَطْلُوبًا الجَوابُ مِنهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وكَما سُئِلَ التُراثُ والحُقُوقُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ "سَألَتْ"، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقَرَأ أكْثَرُهُمْ: "قَتَلَتْ" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ التاءِ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "قُتِّلَتْ" بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ: "قَتَلْتُ" بِسُكُونِ اللامِ وضَمِّ التاءَ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "سِيلَتْ" بِكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ. واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ أولادَ المُشْرِكِينَ في الجَنَّةِ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدِ انْتَصَرَ لَهم مِن ظُلْمِهِمْ. و"الصُحُفُ المَنشُورَةُ" قِيلَ: هي صُحُفُ الأعْمالِ تُنْشَرُ لِيَقْرَأ كُلُّ امْرِئٍ كِتابَهُ، وقِيلَ: هي الصُحُفُ الَّتِي تَتَطايَرُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ: "نُشِرَتْ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُشِّرَتْ" بِشَدِّ الشِين عَلى المُبالَغَةِ. و"الكَشْطُ": التَقْشِيرُ، وذَلِكَ كَما يُكْشَطُ جِلْدُ الشاةِ حِينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَماءِ هو طَيُّها كَطَيِّ السِجِلِّ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قُشِطَتْ" بِالقافِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. و"سُعِّرَتْ" مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارُها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "سُعِّرَتْ" بِشَدِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن (p-٥٤٩)عاصِمٍ: بِتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وذُنُوبُ بَنِي آدَمَ. و"أُزْلِفَتْ" مَعْناهُ: قَرُبَتْ لِيَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إلى هَذَيْنَ ما انْتَهى الحَدِيثُ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَإذا، وإذا" في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا إمّا تَمَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾، أيْ: ما أحْضَرَتْ مِن شَرٍّ فَدَخَلَتْ بِهِ جَهَنَّمَ، أو مِن خَيْرٍ فَدَخَلَتْ بِهِ الجَنَّةَ، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ: عَمِلَتِ النُفُوسُ، ووَقَعَ الإفْرادُ لِيُنَبَّهَ الذِهْنُ عَلى حَقارَةِ المَرْءِ الواحِدِ وقِلَّةِ دِفاعِهِ عن نَفْسِهِ.

التكوير 81:12

(p-٥٤٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَكْوِيرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ ﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ﴿وَإذا الصُحُفُ نُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ كُشِطَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ هَذِهِ كُلُّها أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"تَكْوِيرُ الشَمْسِ" هو أنْ تُدارَ ويُذْهَبَ بِها إلى حَيْثُ شاءَ اللهُ، كَما يُدارُ كَوْرُ العِمامَةِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن ذَلِكَ بِعِباراتٍ، فَمِنهم مَن قالَ: ذَهَبَ نُورُها، ومِنهم مَن قالَ: رُمِيَ بِها، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أشْياءٌ تابِعَةٌ لِتَكْوِيرِها. و"انْكِدارُ النُجُومِ" هو انْقِضاضُها وهُبُوطُها مِن مَواضِعِها، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ؎ أبْصَرَ خَرْبانَ فَلاةَ فانْكَدَرَ.. تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ (p-٥٤٥)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "انْكَدَرَتْ": تَغَيَّرَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: ماءٌ كَدِرٌ، أيْ: مُتَغَيِّرُ اللَوْنِ. و"تَسْيِيرُ الجِبالِ" هو قَبْلَ نَسْفِها، وإنَّما ذَلِكَ في صَدْرِ هَوْلِ القِيامَةِ. و: "العِشارُ" جَمْعُ عُشَراءَ، وهي الناقَةُ الَّتِي قَدْ مَرَّ لِحَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وهي أنْفَسُ ما عِنْدَ العَرَبِ، وتَهَمُّمْهم بِها عَظِيمٌ لِلرَّغْبَةِ في نَسْلِها، فَإنَّها تُعَطَّلُ عِنْدَ أشَدِّ الأهْوالِ، وقَرَأ مُضَرُ عَنِ اليَزِيدِيِّ: "عُطِّلَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ. و"حَشْرُ الوُحُوشِ" جَمْعُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الجَمْعِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حُشِرَتْ بِالمَوْتِ؛ لِأنَّها لا تَبْعَثُ القِيامَةَ، ولا يَحْضُرُ القِيامَةَ غَيْرُ الثِقْلَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: حُشِرَتْ لِلْجَمْعِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، فَجَعَلُوا ألْفاظَ هَذا الحَدِيثِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، مِثالًا في العَدْلِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: حُشِرَتْ في الدُنْيا في أوَّلِ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّها تَفِرُّ في الأرْضِ، وتَجْتَمِعُ إلى بَنِي آدَمَ تَأْنِيسًا بِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: "حُشِرَتْ" بِشَدِّ الشِينِ عَلى المُبالَغَةِ. و"تَسْجِيرُ البِحارِ" قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: فَرَغَتْ مِن مائِها وذَهَبَ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: يَبِسَتْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: مَعْناهُ: مُلِئَتْ وفاضَتْ (p-٥٤٦)وَفُجِّرَتْ مِن أعالِيها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وسُفْيانُ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارًا كَما يُسْجَرُ التَنُّورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَهَنَّمُ في البَحْرِ الأخْضَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَلَكَتْ، وقَيَّدَ اضْطِرابَها حَتّى لا تَخْرُجَ عَلى الأرْضِ بِسَبَبِ الهَوْلِ، فَتَكُونُ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةً مِن "ساجُورِ الكَلْبِ"، وقِيلَ: هَذِهِ مَجازُ نارٍ في جَهَنَّمَ تُسْجَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الأقْوالِ مَنصُوصَةً لِأهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "سَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، وهي مُتَرَجِّحَةٌ بِكَوْنِ البِحارِ جَمْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، وكَما قالَ سُبْحانَهُ: "صُحُفًا مُنَشَّرَةً"، ومِثْلُهُ: "قَصْرٌ مَشَيَّدٌ"، و"بُرُوجٌ مُشَيَّدَةٌ" لِأنَّها جَماعَةٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُلْحِدِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ اسْتِعاراتٌ في كُلِّ ابْنِ آدَمَ وأحْوالِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فالشَمْسُ نَفْسُهُ، والنُجُومُ عَيْناهُ وحَواسُّهُ، والعِشارُ ساقاهُ، وهَذا قَوْلُ سُوءٍ وخَيْمِ غَثٍّ ذاهِبٍ إلى إثْباتِ الرُمُوزِ في كِتابِ اللهِ تَعالى. و"تَزْوِيجُ النُفُوسِ" هو تَنْوِيعُها؛ لِأنَّ الأزْواجَ هي الأنْواعُ، والمَعْنى: جُعِلَ الكافِرُ مَعَ الكافِرِ، والمُؤْمِنُ مَعَ المُؤْمِنِ، وكُلُّ شَكْلٍ مَعَ شَكْلِهِ، رَواهُ النُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ (p-٥٤٧)تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى دَلِيلِ الخَبَرِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ".» وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقالَ مُقاتِلُ بْن سُلَيْمانَ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِزَوْجاتِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، والشَعْبِيُّ: زُوِّجَتِ الأرْواحُ الأجْسادُ. وقَرَأ عاصِمٌ: "زُوِّجَتْ" غَيْرَ مُدْغَمٍ. و"المَوْؤُدَةُ" اسْمٌ مَعْناهُ: المُثْقَلُ عَلَيْها، ومِنهُ:"وَلا يَؤُدُهُ"، ومِنهُ: "اتَّئِدْ"، أيْ تُوَقَّرُ واثْقَلْ، وعُرِفَ هَذا الِاسْمُ في البَناتِ اللَواتِي كانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يَدْفِنُونَهُنَّ أحْياءَ، يَحْفِرُ الرَجُلُ شِبْهَ البِئْرِ أوِ القَبْرِ ثُمَّ يَسُوقُ ابْنَتَهُ فَيُلْقِيها فِيها، وإذا كانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا خَدَّ لَها في الأرْضِ ودَفْنها، وبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وعَدَمَ المالِ، وبَعْضُهم غَيْرَةً وكَراهِيَةً لِلْبَناتِ وجَهالَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَوْءُودَةُ" بِالهَمْزِ مِن "وَأدَ" في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذا الماوَدَّةُ"، وقَرَأ البَزِّيُّ: "المُؤَوَّدَةُ" بِهَمْزَةٍ (p-٥٤٨)مَضْمُومَةٍ عَلى الواوِ مِثْلَ "المُعَوِّذَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "المَوَدَّةُ" بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "المَوْدَةُ" بِسُكُونِ الواوِ عَلى وزْنِ "الفَعْلَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ السَلَفِ: "المَوَدَّةُ" بِفَتْحِ الواوِ والدالِ المُشَدَّدَةِ، جَعَلَ البِنْتَ مَوَدَّةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُئِلَتْ"، وهَذا عَلى وجْهِ التَوْبِيخِ لِلْعَرَبِ الفاعِلِينَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَسْألُ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى سُؤالِ الفاعِلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ: مَسْؤُولًا عنها مَطْلُوبًا الجَوابُ مِنهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وكَما سُئِلَ التُراثُ والحُقُوقُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ "سَألَتْ"، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقَرَأ أكْثَرُهُمْ: "قَتَلَتْ" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ التاءِ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "قُتِّلَتْ" بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ: "قَتَلْتُ" بِسُكُونِ اللامِ وضَمِّ التاءَ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "سِيلَتْ" بِكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ. واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ أولادَ المُشْرِكِينَ في الجَنَّةِ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدِ انْتَصَرَ لَهم مِن ظُلْمِهِمْ. و"الصُحُفُ المَنشُورَةُ" قِيلَ: هي صُحُفُ الأعْمالِ تُنْشَرُ لِيَقْرَأ كُلُّ امْرِئٍ كِتابَهُ، وقِيلَ: هي الصُحُفُ الَّتِي تَتَطايَرُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ: "نُشِرَتْ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُشِّرَتْ" بِشَدِّ الشِين عَلى المُبالَغَةِ. و"الكَشْطُ": التَقْشِيرُ، وذَلِكَ كَما يُكْشَطُ جِلْدُ الشاةِ حِينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَماءِ هو طَيُّها كَطَيِّ السِجِلِّ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قُشِطَتْ" بِالقافِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. و"سُعِّرَتْ" مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارُها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "سُعِّرَتْ" بِشَدِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن (p-٥٤٩)عاصِمٍ: بِتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وذُنُوبُ بَنِي آدَمَ. و"أُزْلِفَتْ" مَعْناهُ: قَرُبَتْ لِيَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إلى هَذَيْنَ ما انْتَهى الحَدِيثُ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَإذا، وإذا" في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا إمّا تَمَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾، أيْ: ما أحْضَرَتْ مِن شَرٍّ فَدَخَلَتْ بِهِ جَهَنَّمَ، أو مِن خَيْرٍ فَدَخَلَتْ بِهِ الجَنَّةَ، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ: عَمِلَتِ النُفُوسُ، ووَقَعَ الإفْرادُ لِيُنَبَّهَ الذِهْنُ عَلى حَقارَةِ المَرْءِ الواحِدِ وقِلَّةِ دِفاعِهِ عن نَفْسِهِ.

التكوير 81:13

(p-٥٤٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَكْوِيرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ ﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ﴿وَإذا الصُحُفُ نُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ كُشِطَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ هَذِهِ كُلُّها أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"تَكْوِيرُ الشَمْسِ" هو أنْ تُدارَ ويُذْهَبَ بِها إلى حَيْثُ شاءَ اللهُ، كَما يُدارُ كَوْرُ العِمامَةِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن ذَلِكَ بِعِباراتٍ، فَمِنهم مَن قالَ: ذَهَبَ نُورُها، ومِنهم مَن قالَ: رُمِيَ بِها، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أشْياءٌ تابِعَةٌ لِتَكْوِيرِها. و"انْكِدارُ النُجُومِ" هو انْقِضاضُها وهُبُوطُها مِن مَواضِعِها، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ؎ أبْصَرَ خَرْبانَ فَلاةَ فانْكَدَرَ.. تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ (p-٥٤٥)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "انْكَدَرَتْ": تَغَيَّرَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: ماءٌ كَدِرٌ، أيْ: مُتَغَيِّرُ اللَوْنِ. و"تَسْيِيرُ الجِبالِ" هو قَبْلَ نَسْفِها، وإنَّما ذَلِكَ في صَدْرِ هَوْلِ القِيامَةِ. و: "العِشارُ" جَمْعُ عُشَراءَ، وهي الناقَةُ الَّتِي قَدْ مَرَّ لِحَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وهي أنْفَسُ ما عِنْدَ العَرَبِ، وتَهَمُّمْهم بِها عَظِيمٌ لِلرَّغْبَةِ في نَسْلِها، فَإنَّها تُعَطَّلُ عِنْدَ أشَدِّ الأهْوالِ، وقَرَأ مُضَرُ عَنِ اليَزِيدِيِّ: "عُطِّلَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ. و"حَشْرُ الوُحُوشِ" جَمْعُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الجَمْعِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حُشِرَتْ بِالمَوْتِ؛ لِأنَّها لا تَبْعَثُ القِيامَةَ، ولا يَحْضُرُ القِيامَةَ غَيْرُ الثِقْلَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: حُشِرَتْ لِلْجَمْعِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، فَجَعَلُوا ألْفاظَ هَذا الحَدِيثِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، مِثالًا في العَدْلِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: حُشِرَتْ في الدُنْيا في أوَّلِ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّها تَفِرُّ في الأرْضِ، وتَجْتَمِعُ إلى بَنِي آدَمَ تَأْنِيسًا بِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: "حُشِرَتْ" بِشَدِّ الشِينِ عَلى المُبالَغَةِ. و"تَسْجِيرُ البِحارِ" قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: فَرَغَتْ مِن مائِها وذَهَبَ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: يَبِسَتْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: مَعْناهُ: مُلِئَتْ وفاضَتْ (p-٥٤٦)وَفُجِّرَتْ مِن أعالِيها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وسُفْيانُ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارًا كَما يُسْجَرُ التَنُّورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَهَنَّمُ في البَحْرِ الأخْضَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَلَكَتْ، وقَيَّدَ اضْطِرابَها حَتّى لا تَخْرُجَ عَلى الأرْضِ بِسَبَبِ الهَوْلِ، فَتَكُونُ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةً مِن "ساجُورِ الكَلْبِ"، وقِيلَ: هَذِهِ مَجازُ نارٍ في جَهَنَّمَ تُسْجَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الأقْوالِ مَنصُوصَةً لِأهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "سَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، وهي مُتَرَجِّحَةٌ بِكَوْنِ البِحارِ جَمْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، وكَما قالَ سُبْحانَهُ: "صُحُفًا مُنَشَّرَةً"، ومِثْلُهُ: "قَصْرٌ مَشَيَّدٌ"، و"بُرُوجٌ مُشَيَّدَةٌ" لِأنَّها جَماعَةٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُلْحِدِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ اسْتِعاراتٌ في كُلِّ ابْنِ آدَمَ وأحْوالِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فالشَمْسُ نَفْسُهُ، والنُجُومُ عَيْناهُ وحَواسُّهُ، والعِشارُ ساقاهُ، وهَذا قَوْلُ سُوءٍ وخَيْمِ غَثٍّ ذاهِبٍ إلى إثْباتِ الرُمُوزِ في كِتابِ اللهِ تَعالى. و"تَزْوِيجُ النُفُوسِ" هو تَنْوِيعُها؛ لِأنَّ الأزْواجَ هي الأنْواعُ، والمَعْنى: جُعِلَ الكافِرُ مَعَ الكافِرِ، والمُؤْمِنُ مَعَ المُؤْمِنِ، وكُلُّ شَكْلٍ مَعَ شَكْلِهِ، رَواهُ النُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ (p-٥٤٧)تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى دَلِيلِ الخَبَرِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ".» وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقالَ مُقاتِلُ بْن سُلَيْمانَ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِزَوْجاتِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، والشَعْبِيُّ: زُوِّجَتِ الأرْواحُ الأجْسادُ. وقَرَأ عاصِمٌ: "زُوِّجَتْ" غَيْرَ مُدْغَمٍ. و"المَوْؤُدَةُ" اسْمٌ مَعْناهُ: المُثْقَلُ عَلَيْها، ومِنهُ:"وَلا يَؤُدُهُ"، ومِنهُ: "اتَّئِدْ"، أيْ تُوَقَّرُ واثْقَلْ، وعُرِفَ هَذا الِاسْمُ في البَناتِ اللَواتِي كانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يَدْفِنُونَهُنَّ أحْياءَ، يَحْفِرُ الرَجُلُ شِبْهَ البِئْرِ أوِ القَبْرِ ثُمَّ يَسُوقُ ابْنَتَهُ فَيُلْقِيها فِيها، وإذا كانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا خَدَّ لَها في الأرْضِ ودَفْنها، وبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وعَدَمَ المالِ، وبَعْضُهم غَيْرَةً وكَراهِيَةً لِلْبَناتِ وجَهالَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَوْءُودَةُ" بِالهَمْزِ مِن "وَأدَ" في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذا الماوَدَّةُ"، وقَرَأ البَزِّيُّ: "المُؤَوَّدَةُ" بِهَمْزَةٍ (p-٥٤٨)مَضْمُومَةٍ عَلى الواوِ مِثْلَ "المُعَوِّذَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "المَوَدَّةُ" بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "المَوْدَةُ" بِسُكُونِ الواوِ عَلى وزْنِ "الفَعْلَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ السَلَفِ: "المَوَدَّةُ" بِفَتْحِ الواوِ والدالِ المُشَدَّدَةِ، جَعَلَ البِنْتَ مَوَدَّةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُئِلَتْ"، وهَذا عَلى وجْهِ التَوْبِيخِ لِلْعَرَبِ الفاعِلِينَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَسْألُ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى سُؤالِ الفاعِلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ: مَسْؤُولًا عنها مَطْلُوبًا الجَوابُ مِنهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وكَما سُئِلَ التُراثُ والحُقُوقُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ "سَألَتْ"، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقَرَأ أكْثَرُهُمْ: "قَتَلَتْ" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ التاءِ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "قُتِّلَتْ" بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ: "قَتَلْتُ" بِسُكُونِ اللامِ وضَمِّ التاءَ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "سِيلَتْ" بِكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ. واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ أولادَ المُشْرِكِينَ في الجَنَّةِ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدِ انْتَصَرَ لَهم مِن ظُلْمِهِمْ. و"الصُحُفُ المَنشُورَةُ" قِيلَ: هي صُحُفُ الأعْمالِ تُنْشَرُ لِيَقْرَأ كُلُّ امْرِئٍ كِتابَهُ، وقِيلَ: هي الصُحُفُ الَّتِي تَتَطايَرُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ: "نُشِرَتْ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُشِّرَتْ" بِشَدِّ الشِين عَلى المُبالَغَةِ. و"الكَشْطُ": التَقْشِيرُ، وذَلِكَ كَما يُكْشَطُ جِلْدُ الشاةِ حِينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَماءِ هو طَيُّها كَطَيِّ السِجِلِّ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قُشِطَتْ" بِالقافِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. و"سُعِّرَتْ" مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارُها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "سُعِّرَتْ" بِشَدِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن (p-٥٤٩)عاصِمٍ: بِتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وذُنُوبُ بَنِي آدَمَ. و"أُزْلِفَتْ" مَعْناهُ: قَرُبَتْ لِيَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إلى هَذَيْنَ ما انْتَهى الحَدِيثُ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَإذا، وإذا" في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا إمّا تَمَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾، أيْ: ما أحْضَرَتْ مِن شَرٍّ فَدَخَلَتْ بِهِ جَهَنَّمَ، أو مِن خَيْرٍ فَدَخَلَتْ بِهِ الجَنَّةَ، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ: عَمِلَتِ النُفُوسُ، ووَقَعَ الإفْرادُ لِيُنَبَّهَ الذِهْنُ عَلى حَقارَةِ المَرْءِ الواحِدِ وقِلَّةِ دِفاعِهِ عن نَفْسِهِ.

التكوير 81:14

(p-٥٤٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَكْوِيرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. قوله عزّ وجلّ: ﴿إذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ ﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ﴿وَإذا الصُحُفُ نُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ كُشِطَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ هَذِهِ كُلُّها أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"تَكْوِيرُ الشَمْسِ" هو أنْ تُدارَ ويُذْهَبَ بِها إلى حَيْثُ شاءَ اللهُ، كَما يُدارُ كَوْرُ العِمامَةِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن ذَلِكَ بِعِباراتٍ، فَمِنهم مَن قالَ: ذَهَبَ نُورُها، ومِنهم مَن قالَ: رُمِيَ بِها، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أشْياءٌ تابِعَةٌ لِتَكْوِيرِها. و"انْكِدارُ النُجُومِ" هو انْقِضاضُها وهُبُوطُها مِن مَواضِعِها، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ؎ أبْصَرَ خَرْبانَ فَلاةَ فانْكَدَرَ.. تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ (p-٥٤٥)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "انْكَدَرَتْ": تَغَيَّرَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: ماءٌ كَدِرٌ، أيْ: مُتَغَيِّرُ اللَوْنِ. و"تَسْيِيرُ الجِبالِ" هو قَبْلَ نَسْفِها، وإنَّما ذَلِكَ في صَدْرِ هَوْلِ القِيامَةِ. و: "العِشارُ" جَمْعُ عُشَراءَ، وهي الناقَةُ الَّتِي قَدْ مَرَّ لِحَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وهي أنْفَسُ ما عِنْدَ العَرَبِ، وتَهَمُّمْهم بِها عَظِيمٌ لِلرَّغْبَةِ في نَسْلِها، فَإنَّها تُعَطَّلُ عِنْدَ أشَدِّ الأهْوالِ، وقَرَأ مُضَرُ عَنِ اليَزِيدِيِّ: "عُطِّلَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ. و"حَشْرُ الوُحُوشِ" جَمْعُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الجَمْعِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حُشِرَتْ بِالمَوْتِ؛ لِأنَّها لا تَبْعَثُ القِيامَةَ، ولا يَحْضُرُ القِيامَةَ غَيْرُ الثِقْلَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: حُشِرَتْ لِلْجَمْعِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، فَجَعَلُوا ألْفاظَ هَذا الحَدِيثِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، مِثالًا في العَدْلِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: حُشِرَتْ في الدُنْيا في أوَّلِ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّها تَفِرُّ في الأرْضِ، وتَجْتَمِعُ إلى بَنِي آدَمَ تَأْنِيسًا بِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: "حُشِرَتْ" بِشَدِّ الشِينِ عَلى المُبالَغَةِ. و"تَسْجِيرُ البِحارِ" قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: فَرَغَتْ مِن مائِها وذَهَبَ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: يَبِسَتْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: مَعْناهُ: مُلِئَتْ وفاضَتْ (p-٥٤٦)وَفُجِّرَتْ مِن أعالِيها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وسُفْيانُ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارًا كَما يُسْجَرُ التَنُّورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَهَنَّمُ في البَحْرِ الأخْضَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَلَكَتْ، وقَيَّدَ اضْطِرابَها حَتّى لا تَخْرُجَ عَلى الأرْضِ بِسَبَبِ الهَوْلِ، فَتَكُونُ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةً مِن "ساجُورِ الكَلْبِ"، وقِيلَ: هَذِهِ مَجازُ نارٍ في جَهَنَّمَ تُسْجَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الأقْوالِ مَنصُوصَةً لِأهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "سَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، وهي مُتَرَجِّحَةٌ بِكَوْنِ البِحارِ جَمْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، وكَما قالَ سُبْحانَهُ: "صُحُفًا مُنَشَّرَةً"، ومِثْلُهُ: "قَصْرٌ مَشَيَّدٌ"، و"بُرُوجٌ مُشَيَّدَةٌ" لِأنَّها جَماعَةٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُلْحِدِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ اسْتِعاراتٌ في كُلِّ ابْنِ آدَمَ وأحْوالِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فالشَمْسُ نَفْسُهُ، والنُجُومُ عَيْناهُ وحَواسُّهُ، والعِشارُ ساقاهُ، وهَذا قَوْلُ سُوءٍ وخَيْمِ غَثٍّ ذاهِبٍ إلى إثْباتِ الرُمُوزِ في كِتابِ اللهِ تَعالى. و"تَزْوِيجُ النُفُوسِ" هو تَنْوِيعُها؛ لِأنَّ الأزْواجَ هي الأنْواعُ، والمَعْنى: جُعِلَ الكافِرُ مَعَ الكافِرِ، والمُؤْمِنُ مَعَ المُؤْمِنِ، وكُلُّ شَكْلٍ مَعَ شَكْلِهِ، رَواهُ النُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ (p-٥٤٧)تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى دَلِيلِ الخَبَرِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ".» وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقالَ مُقاتِلُ بْن سُلَيْمانَ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِزَوْجاتِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، والشَعْبِيُّ: زُوِّجَتِ الأرْواحُ الأجْسادُ. وقَرَأ عاصِمٌ: "زُوِّجَتْ" غَيْرَ مُدْغَمٍ. و"المَوْؤُدَةُ" اسْمٌ مَعْناهُ: المُثْقَلُ عَلَيْها، ومِنهُ:"وَلا يَؤُدُهُ"، ومِنهُ: "اتَّئِدْ"، أيْ تُوَقَّرُ واثْقَلْ، وعُرِفَ هَذا الِاسْمُ في البَناتِ اللَواتِي كانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يَدْفِنُونَهُنَّ أحْياءَ، يَحْفِرُ الرَجُلُ شِبْهَ البِئْرِ أوِ القَبْرِ ثُمَّ يَسُوقُ ابْنَتَهُ فَيُلْقِيها فِيها، وإذا كانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا خَدَّ لَها في الأرْضِ ودَفْنها، وبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وعَدَمَ المالِ، وبَعْضُهم غَيْرَةً وكَراهِيَةً لِلْبَناتِ وجَهالَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَوْءُودَةُ" بِالهَمْزِ مِن "وَأدَ" في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذا الماوَدَّةُ"، وقَرَأ البَزِّيُّ: "المُؤَوَّدَةُ" بِهَمْزَةٍ (p-٥٤٨)مَضْمُومَةٍ عَلى الواوِ مِثْلَ "المُعَوِّذَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "المَوَدَّةُ" بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "المَوْدَةُ" بِسُكُونِ الواوِ عَلى وزْنِ "الفَعْلَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ السَلَفِ: "المَوَدَّةُ" بِفَتْحِ الواوِ والدالِ المُشَدَّدَةِ، جَعَلَ البِنْتَ مَوَدَّةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُئِلَتْ"، وهَذا عَلى وجْهِ التَوْبِيخِ لِلْعَرَبِ الفاعِلِينَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَسْألُ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى سُؤالِ الفاعِلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ: مَسْؤُولًا عنها مَطْلُوبًا الجَوابُ مِنهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وكَما سُئِلَ التُراثُ والحُقُوقُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ "سَألَتْ"، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقَرَأ أكْثَرُهُمْ: "قَتَلَتْ" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ التاءِ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "قُتِّلَتْ" بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ: "قَتَلْتُ" بِسُكُونِ اللامِ وضَمِّ التاءَ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "سِيلَتْ" بِكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ. واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ أولادَ المُشْرِكِينَ في الجَنَّةِ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدِ انْتَصَرَ لَهم مِن ظُلْمِهِمْ. و"الصُحُفُ المَنشُورَةُ" قِيلَ: هي صُحُفُ الأعْمالِ تُنْشَرُ لِيَقْرَأ كُلُّ امْرِئٍ كِتابَهُ، وقِيلَ: هي الصُحُفُ الَّتِي تَتَطايَرُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ: "نُشِرَتْ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُشِّرَتْ" بِشَدِّ الشِين عَلى المُبالَغَةِ. و"الكَشْطُ": التَقْشِيرُ، وذَلِكَ كَما يُكْشَطُ جِلْدُ الشاةِ حِينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَماءِ هو طَيُّها كَطَيِّ السِجِلِّ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قُشِطَتْ" بِالقافِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. و"سُعِّرَتْ" مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارُها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "سُعِّرَتْ" بِشَدِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن (p-٥٤٩)عاصِمٍ: بِتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وذُنُوبُ بَنِي آدَمَ. و"أُزْلِفَتْ" مَعْناهُ: قَرُبَتْ لِيَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إلى هَذَيْنَ ما انْتَهى الحَدِيثُ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَإذا، وإذا" في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا إمّا تَمَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾، أيْ: ما أحْضَرَتْ مِن شَرٍّ فَدَخَلَتْ بِهِ جَهَنَّمَ، أو مِن خَيْرٍ فَدَخَلَتْ بِهِ الجَنَّةَ، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ: عَمِلَتِ النُفُوسُ، ووَقَعَ الإفْرادُ لِيُنَبَّهَ الذِهْنُ عَلى حَقارَةِ المَرْءِ الواحِدِ وقِلَّةِ دِفاعِهِ عن نَفْسِهِ.

التكوير 81:15

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، إمّا أمْ تَكُونُ "لا" زائِدَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ رَدَّ القَوْلِ قُرَيْشٌ في تَكْذِيبِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الدَرارِي السَبْعَةُ، الشَمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والمِرِّيخُ والزَهْرَةُ والمُشْتَرى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ الخَمْسَةُ دُونَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْنِسُ في جَرْيِها أيْ تَتَقَهْقَرُ فِيما تَرى العَيْنُ، وهو جِوارٌ في السَماءِ، وأثْبَتُ يَعْقُوبُ الياءَ في "الجَوارِي" في الوَقْفِ، وحَذَفَها الباقُونَ، وهي تَكْنُسُ في أبْراجِها، أيْ تَسْتَتِرُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المُرادُ النُجُومُ كُلُّها، لِأنَّها تَخْنِسُ وتَكْنُسُ بِالنَهارِ حِينَ تَخْتَفِي، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والنَخْعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ "بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ" بَقَرُ الوَحْشِ لِأنَّها تَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ في كُنّاسِها، وهي المَواضِعُ الَّتِي تَأْوِي إلَيْها مِنَ الشَجَرِ والغَيْرانِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ: هي الظِباءُ، وذَهَبَ هَؤُلاءِ في "الخَنْسِ" إلى أنَّهُ مِن صِفَةِ الأُنُوفِ لِأنَّها يَلْزَمُها الخُنَّسُ، وكَذَلِكَ هي بَقَرُ الوَحْشِ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٥٠) ؎ سِوى بازِ بَيْضٍ أو غَزالِ صَرِيمَةٍ ∗∗∗ أغَنٍّ مِنَ الخُنْسِ المَناخِرِ تَوْأمِ "وَعَسْعَسَ اللَيْلُ" في اللُغَةِ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَحْكِمِ الإظْلامِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في وقْتِ إقْبالِهِ، وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ عِنْدَ إدْبارِهِ وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، ويُرَجِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: "والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ"، فَكَأنَّهُما حالانِ مُتَّصِلانِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ قُرْطٍ: ؎ حَتّى إذا الصُبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ ∗∗∗ وانْجابَ عنها لَيْلُها وعَسْعَسا وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ تَعالى بِإقْبالِهِ وإدْبارِهِ مَعًا، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: عَسْعَسَ اللَيْلُ وسَعْسَعَ إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ. و"تَنَفَّسَ الصُبْحُ": اسْتَطارَ واتَّسَعَ ضَوْءُهُ، وقالَ عِلْوانُ بْنُ قَيْسٍ: ؎ ولَيْلٌ دُجى تَنَفَّسَ فَجْرُهُ لَهم ∗∗∗ بَعْدَ أنْ خالُوهُ لَنْ يَتَنَفَّسا والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الآياتِ كُلِّها، والقَوْلُ الأوَّلُ (p-٥٥١)أصَحُّ، و"كَرِيمٍ" في هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِقُوَّةِ مَنحِهِ اللهَ إيّاها. واخْتَلَفَ الناسُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾، فَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ذِي قُوَّةٍ"، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وتَعَلَّقَ الظَرْفُ بِقَوْلِهِ: "مَكِينٍ"، ومَعْناهُ: لَهُ مَكانَةٌ ورِفْعَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ مَعْناهُ: مَقْبُولُ القَوْلِ مُصَدِّقٌ بِقَوْلِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُرْسِلُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ مِن وحْيٍ وامْتِثالِ أمْرٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، وذَكَرَ اللهَ تَعالى نَفْسَهُ بِالإضافَةِ إلى عَرْشِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَلَكُوتِهِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "رَآهُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ حِينَ رَآهُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الإسْراءِ، وسَمّى ذَلِكَ المَوْضِعَ أُفُقًا مَجازًا، وقَدْ كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رُؤْيَةٌ ثانِيَةٌ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ. ووَصَفَ تَعالى الأُفُقَ بِالمُبِينِ لِأنَّهُ كانَ في الشَرْقِ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَمْسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا فَكُلُّ أُفُقٍ فَهو في غايَةِ البَيانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ بِالضادِ بِمَعْنى: بَخِيلٍ، أيْ: يَشِحُّ بِهِ، ولا يَبْلُغُ ما قِيلَ لَهُ ويَبْخَلُ كَما يَفْعَلُ الكاهِنُ حَتّى يُعْطى حُلْوانُهُ. وبِالضادِ هي في خُطُوطِ المَصاحِفِ كُلِّها فِيما قالَهُ الطَبَرِيُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وجَماعَةٍ وافِرَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وعائِشَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُسْلِمٌ وابْنُ جُنْدُبٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "بِظَنِينٍ" بِالظاءِ، أيْ بِمُتَّهَمٍ، وهَذا في المَعْنى نَظِيرُ وصْفِهِ بِأمِينٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِضَعِيفِ القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٍ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الظاءِ مُشالَةً لِأنَّ (p-٥٥٢)قُرَيْشًا لَمْ تُبَخِّلْ مُحَمَّدًا ﷺ فِيما يَأْتِي بِهِ وإنَّما كَذَّبَتْهُ فَقِيلَ ما هو بِمُتَّهَمٍ. ثُمَّ نَفى تَعالى عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ كَلامَ شَيْطانٍ، عَلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا كاهِنٌ، و"رَجِيمٍ" مَعْناهُ مُبْعَدٍ مَرْجُومٍ بِالكَواكِبِ واللَعْنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأيْنَ تَذْهَبُونَ" تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، عَلى مَعْنى: أيْنَ المَذْهَبُ لِأحَدٍ عن هَذِهِ الحَقائِقِ، و"الذِكْرُ" هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَذْكِرَةِ. ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا وذِكْرًا لِتَكَسُّبِهِمْ أفْعالَ الِاسْتِقامَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ عَلى العُمُومِ في اسْتِقامَةٍ وغَيْرِها إنَّما يَكُونُ مَعَ خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ الإيمانَ في صَدْرِ المَرْءِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَذا أمْرٌ قَدْ وُكِلَ إلَيْنا، فَإنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ لَمْ نَشَأْ لَمْ نَسْتَقِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ: يا ابْنَ آدَمَ، تُرِيدُ وأُرِيدُ، فَتَتْعَبُ فِيما تُرِيدُ، ولا يَكُونُ إلّا ما أُرِيدُ".» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكْوِيرِ] والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِينَ

التكوير 81:16

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، إمّا أمْ تَكُونُ "لا" زائِدَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ رَدَّ القَوْلِ قُرَيْشٌ في تَكْذِيبِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الدَرارِي السَبْعَةُ، الشَمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والمِرِّيخُ والزَهْرَةُ والمُشْتَرى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ الخَمْسَةُ دُونَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْنِسُ في جَرْيِها أيْ تَتَقَهْقَرُ فِيما تَرى العَيْنُ، وهو جِوارٌ في السَماءِ، وأثْبَتُ يَعْقُوبُ الياءَ في "الجَوارِي" في الوَقْفِ، وحَذَفَها الباقُونَ، وهي تَكْنُسُ في أبْراجِها، أيْ تَسْتَتِرُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المُرادُ النُجُومُ كُلُّها، لِأنَّها تَخْنِسُ وتَكْنُسُ بِالنَهارِ حِينَ تَخْتَفِي، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والنَخْعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ "بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ" بَقَرُ الوَحْشِ لِأنَّها تَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ في كُنّاسِها، وهي المَواضِعُ الَّتِي تَأْوِي إلَيْها مِنَ الشَجَرِ والغَيْرانِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ: هي الظِباءُ، وذَهَبَ هَؤُلاءِ في "الخَنْسِ" إلى أنَّهُ مِن صِفَةِ الأُنُوفِ لِأنَّها يَلْزَمُها الخُنَّسُ، وكَذَلِكَ هي بَقَرُ الوَحْشِ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٥٠) ؎ سِوى بازِ بَيْضٍ أو غَزالِ صَرِيمَةٍ ∗∗∗ أغَنٍّ مِنَ الخُنْسِ المَناخِرِ تَوْأمِ "وَعَسْعَسَ اللَيْلُ" في اللُغَةِ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَحْكِمِ الإظْلامِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في وقْتِ إقْبالِهِ، وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ عِنْدَ إدْبارِهِ وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، ويُرَجِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: "والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ"، فَكَأنَّهُما حالانِ مُتَّصِلانِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ قُرْطٍ: ؎ حَتّى إذا الصُبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ ∗∗∗ وانْجابَ عنها لَيْلُها وعَسْعَسا وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ تَعالى بِإقْبالِهِ وإدْبارِهِ مَعًا، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: عَسْعَسَ اللَيْلُ وسَعْسَعَ إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ. و"تَنَفَّسَ الصُبْحُ": اسْتَطارَ واتَّسَعَ ضَوْءُهُ، وقالَ عِلْوانُ بْنُ قَيْسٍ: ؎ ولَيْلٌ دُجى تَنَفَّسَ فَجْرُهُ لَهم ∗∗∗ بَعْدَ أنْ خالُوهُ لَنْ يَتَنَفَّسا والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الآياتِ كُلِّها، والقَوْلُ الأوَّلُ (p-٥٥١)أصَحُّ، و"كَرِيمٍ" في هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِقُوَّةِ مَنحِهِ اللهَ إيّاها. واخْتَلَفَ الناسُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾، فَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ذِي قُوَّةٍ"، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وتَعَلَّقَ الظَرْفُ بِقَوْلِهِ: "مَكِينٍ"، ومَعْناهُ: لَهُ مَكانَةٌ ورِفْعَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ مَعْناهُ: مَقْبُولُ القَوْلِ مُصَدِّقٌ بِقَوْلِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُرْسِلُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ مِن وحْيٍ وامْتِثالِ أمْرٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، وذَكَرَ اللهَ تَعالى نَفْسَهُ بِالإضافَةِ إلى عَرْشِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَلَكُوتِهِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "رَآهُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ حِينَ رَآهُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الإسْراءِ، وسَمّى ذَلِكَ المَوْضِعَ أُفُقًا مَجازًا، وقَدْ كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رُؤْيَةٌ ثانِيَةٌ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ. ووَصَفَ تَعالى الأُفُقَ بِالمُبِينِ لِأنَّهُ كانَ في الشَرْقِ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَمْسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا فَكُلُّ أُفُقٍ فَهو في غايَةِ البَيانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ بِالضادِ بِمَعْنى: بَخِيلٍ، أيْ: يَشِحُّ بِهِ، ولا يَبْلُغُ ما قِيلَ لَهُ ويَبْخَلُ كَما يَفْعَلُ الكاهِنُ حَتّى يُعْطى حُلْوانُهُ. وبِالضادِ هي في خُطُوطِ المَصاحِفِ كُلِّها فِيما قالَهُ الطَبَرِيُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وجَماعَةٍ وافِرَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وعائِشَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُسْلِمٌ وابْنُ جُنْدُبٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "بِظَنِينٍ" بِالظاءِ، أيْ بِمُتَّهَمٍ، وهَذا في المَعْنى نَظِيرُ وصْفِهِ بِأمِينٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِضَعِيفِ القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٍ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الظاءِ مُشالَةً لِأنَّ (p-٥٥٢)قُرَيْشًا لَمْ تُبَخِّلْ مُحَمَّدًا ﷺ فِيما يَأْتِي بِهِ وإنَّما كَذَّبَتْهُ فَقِيلَ ما هو بِمُتَّهَمٍ. ثُمَّ نَفى تَعالى عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ كَلامَ شَيْطانٍ، عَلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا كاهِنٌ، و"رَجِيمٍ" مَعْناهُ مُبْعَدٍ مَرْجُومٍ بِالكَواكِبِ واللَعْنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأيْنَ تَذْهَبُونَ" تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، عَلى مَعْنى: أيْنَ المَذْهَبُ لِأحَدٍ عن هَذِهِ الحَقائِقِ، و"الذِكْرُ" هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَذْكِرَةِ. ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا وذِكْرًا لِتَكَسُّبِهِمْ أفْعالَ الِاسْتِقامَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ عَلى العُمُومِ في اسْتِقامَةٍ وغَيْرِها إنَّما يَكُونُ مَعَ خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ الإيمانَ في صَدْرِ المَرْءِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَذا أمْرٌ قَدْ وُكِلَ إلَيْنا، فَإنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ لَمْ نَشَأْ لَمْ نَسْتَقِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ: يا ابْنَ آدَمَ، تُرِيدُ وأُرِيدُ، فَتَتْعَبُ فِيما تُرِيدُ، ولا يَكُونُ إلّا ما أُرِيدُ".» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكْوِيرِ] والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِينَ

التكوير 81:17

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، إمّا أمْ تَكُونُ "لا" زائِدَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ رَدَّ القَوْلِ قُرَيْشٌ في تَكْذِيبِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الدَرارِي السَبْعَةُ، الشَمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والمِرِّيخُ والزَهْرَةُ والمُشْتَرى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ الخَمْسَةُ دُونَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْنِسُ في جَرْيِها أيْ تَتَقَهْقَرُ فِيما تَرى العَيْنُ، وهو جِوارٌ في السَماءِ، وأثْبَتُ يَعْقُوبُ الياءَ في "الجَوارِي" في الوَقْفِ، وحَذَفَها الباقُونَ، وهي تَكْنُسُ في أبْراجِها، أيْ تَسْتَتِرُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المُرادُ النُجُومُ كُلُّها، لِأنَّها تَخْنِسُ وتَكْنُسُ بِالنَهارِ حِينَ تَخْتَفِي، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والنَخْعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ "بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ" بَقَرُ الوَحْشِ لِأنَّها تَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ في كُنّاسِها، وهي المَواضِعُ الَّتِي تَأْوِي إلَيْها مِنَ الشَجَرِ والغَيْرانِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ: هي الظِباءُ، وذَهَبَ هَؤُلاءِ في "الخَنْسِ" إلى أنَّهُ مِن صِفَةِ الأُنُوفِ لِأنَّها يَلْزَمُها الخُنَّسُ، وكَذَلِكَ هي بَقَرُ الوَحْشِ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٥٠) ؎ سِوى بازِ بَيْضٍ أو غَزالِ صَرِيمَةٍ ∗∗∗ أغَنٍّ مِنَ الخُنْسِ المَناخِرِ تَوْأمِ "وَعَسْعَسَ اللَيْلُ" في اللُغَةِ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَحْكِمِ الإظْلامِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في وقْتِ إقْبالِهِ، وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ عِنْدَ إدْبارِهِ وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، ويُرَجِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: "والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ"، فَكَأنَّهُما حالانِ مُتَّصِلانِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ قُرْطٍ: ؎ حَتّى إذا الصُبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ ∗∗∗ وانْجابَ عنها لَيْلُها وعَسْعَسا وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ تَعالى بِإقْبالِهِ وإدْبارِهِ مَعًا، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: عَسْعَسَ اللَيْلُ وسَعْسَعَ إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ. و"تَنَفَّسَ الصُبْحُ": اسْتَطارَ واتَّسَعَ ضَوْءُهُ، وقالَ عِلْوانُ بْنُ قَيْسٍ: ؎ ولَيْلٌ دُجى تَنَفَّسَ فَجْرُهُ لَهم ∗∗∗ بَعْدَ أنْ خالُوهُ لَنْ يَتَنَفَّسا والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الآياتِ كُلِّها، والقَوْلُ الأوَّلُ (p-٥٥١)أصَحُّ، و"كَرِيمٍ" في هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِقُوَّةِ مَنحِهِ اللهَ إيّاها. واخْتَلَفَ الناسُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾، فَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ذِي قُوَّةٍ"، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وتَعَلَّقَ الظَرْفُ بِقَوْلِهِ: "مَكِينٍ"، ومَعْناهُ: لَهُ مَكانَةٌ ورِفْعَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ مَعْناهُ: مَقْبُولُ القَوْلِ مُصَدِّقٌ بِقَوْلِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُرْسِلُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ مِن وحْيٍ وامْتِثالِ أمْرٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، وذَكَرَ اللهَ تَعالى نَفْسَهُ بِالإضافَةِ إلى عَرْشِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَلَكُوتِهِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "رَآهُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ حِينَ رَآهُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الإسْراءِ، وسَمّى ذَلِكَ المَوْضِعَ أُفُقًا مَجازًا، وقَدْ كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رُؤْيَةٌ ثانِيَةٌ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ. ووَصَفَ تَعالى الأُفُقَ بِالمُبِينِ لِأنَّهُ كانَ في الشَرْقِ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَمْسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا فَكُلُّ أُفُقٍ فَهو في غايَةِ البَيانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ بِالضادِ بِمَعْنى: بَخِيلٍ، أيْ: يَشِحُّ بِهِ، ولا يَبْلُغُ ما قِيلَ لَهُ ويَبْخَلُ كَما يَفْعَلُ الكاهِنُ حَتّى يُعْطى حُلْوانُهُ. وبِالضادِ هي في خُطُوطِ المَصاحِفِ كُلِّها فِيما قالَهُ الطَبَرِيُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وجَماعَةٍ وافِرَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وعائِشَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُسْلِمٌ وابْنُ جُنْدُبٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "بِظَنِينٍ" بِالظاءِ، أيْ بِمُتَّهَمٍ، وهَذا في المَعْنى نَظِيرُ وصْفِهِ بِأمِينٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِضَعِيفِ القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٍ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الظاءِ مُشالَةً لِأنَّ (p-٥٥٢)قُرَيْشًا لَمْ تُبَخِّلْ مُحَمَّدًا ﷺ فِيما يَأْتِي بِهِ وإنَّما كَذَّبَتْهُ فَقِيلَ ما هو بِمُتَّهَمٍ. ثُمَّ نَفى تَعالى عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ كَلامَ شَيْطانٍ، عَلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا كاهِنٌ، و"رَجِيمٍ" مَعْناهُ مُبْعَدٍ مَرْجُومٍ بِالكَواكِبِ واللَعْنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأيْنَ تَذْهَبُونَ" تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، عَلى مَعْنى: أيْنَ المَذْهَبُ لِأحَدٍ عن هَذِهِ الحَقائِقِ، و"الذِكْرُ" هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَذْكِرَةِ. ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا وذِكْرًا لِتَكَسُّبِهِمْ أفْعالَ الِاسْتِقامَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ عَلى العُمُومِ في اسْتِقامَةٍ وغَيْرِها إنَّما يَكُونُ مَعَ خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ الإيمانَ في صَدْرِ المَرْءِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَذا أمْرٌ قَدْ وُكِلَ إلَيْنا، فَإنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ لَمْ نَشَأْ لَمْ نَسْتَقِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ: يا ابْنَ آدَمَ، تُرِيدُ وأُرِيدُ، فَتَتْعَبُ فِيما تُرِيدُ، ولا يَكُونُ إلّا ما أُرِيدُ".» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكْوِيرِ] والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِينَ

التكوير 81:18

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، إمّا أمْ تَكُونُ "لا" زائِدَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ رَدَّ القَوْلِ قُرَيْشٌ في تَكْذِيبِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الدَرارِي السَبْعَةُ، الشَمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والمِرِّيخُ والزَهْرَةُ والمُشْتَرى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ الخَمْسَةُ دُونَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْنِسُ في جَرْيِها أيْ تَتَقَهْقَرُ فِيما تَرى العَيْنُ، وهو جِوارٌ في السَماءِ، وأثْبَتُ يَعْقُوبُ الياءَ في "الجَوارِي" في الوَقْفِ، وحَذَفَها الباقُونَ، وهي تَكْنُسُ في أبْراجِها، أيْ تَسْتَتِرُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المُرادُ النُجُومُ كُلُّها، لِأنَّها تَخْنِسُ وتَكْنُسُ بِالنَهارِ حِينَ تَخْتَفِي، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والنَخْعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ "بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ" بَقَرُ الوَحْشِ لِأنَّها تَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ في كُنّاسِها، وهي المَواضِعُ الَّتِي تَأْوِي إلَيْها مِنَ الشَجَرِ والغَيْرانِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ: هي الظِباءُ، وذَهَبَ هَؤُلاءِ في "الخَنْسِ" إلى أنَّهُ مِن صِفَةِ الأُنُوفِ لِأنَّها يَلْزَمُها الخُنَّسُ، وكَذَلِكَ هي بَقَرُ الوَحْشِ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٥٠) ؎ سِوى بازِ بَيْضٍ أو غَزالِ صَرِيمَةٍ ∗∗∗ أغَنٍّ مِنَ الخُنْسِ المَناخِرِ تَوْأمِ "وَعَسْعَسَ اللَيْلُ" في اللُغَةِ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَحْكِمِ الإظْلامِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في وقْتِ إقْبالِهِ، وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ عِنْدَ إدْبارِهِ وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، ويُرَجِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: "والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ"، فَكَأنَّهُما حالانِ مُتَّصِلانِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ قُرْطٍ: ؎ حَتّى إذا الصُبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ ∗∗∗ وانْجابَ عنها لَيْلُها وعَسْعَسا وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ تَعالى بِإقْبالِهِ وإدْبارِهِ مَعًا، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: عَسْعَسَ اللَيْلُ وسَعْسَعَ إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ. و"تَنَفَّسَ الصُبْحُ": اسْتَطارَ واتَّسَعَ ضَوْءُهُ، وقالَ عِلْوانُ بْنُ قَيْسٍ: ؎ ولَيْلٌ دُجى تَنَفَّسَ فَجْرُهُ لَهم ∗∗∗ بَعْدَ أنْ خالُوهُ لَنْ يَتَنَفَّسا والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الآياتِ كُلِّها، والقَوْلُ الأوَّلُ (p-٥٥١)أصَحُّ، و"كَرِيمٍ" في هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِقُوَّةِ مَنحِهِ اللهَ إيّاها. واخْتَلَفَ الناسُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾، فَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ذِي قُوَّةٍ"، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وتَعَلَّقَ الظَرْفُ بِقَوْلِهِ: "مَكِينٍ"، ومَعْناهُ: لَهُ مَكانَةٌ ورِفْعَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ مَعْناهُ: مَقْبُولُ القَوْلِ مُصَدِّقٌ بِقَوْلِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُرْسِلُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ مِن وحْيٍ وامْتِثالِ أمْرٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، وذَكَرَ اللهَ تَعالى نَفْسَهُ بِالإضافَةِ إلى عَرْشِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَلَكُوتِهِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "رَآهُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ حِينَ رَآهُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الإسْراءِ، وسَمّى ذَلِكَ المَوْضِعَ أُفُقًا مَجازًا، وقَدْ كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رُؤْيَةٌ ثانِيَةٌ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ. ووَصَفَ تَعالى الأُفُقَ بِالمُبِينِ لِأنَّهُ كانَ في الشَرْقِ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَمْسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا فَكُلُّ أُفُقٍ فَهو في غايَةِ البَيانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ بِالضادِ بِمَعْنى: بَخِيلٍ، أيْ: يَشِحُّ بِهِ، ولا يَبْلُغُ ما قِيلَ لَهُ ويَبْخَلُ كَما يَفْعَلُ الكاهِنُ حَتّى يُعْطى حُلْوانُهُ. وبِالضادِ هي في خُطُوطِ المَصاحِفِ كُلِّها فِيما قالَهُ الطَبَرِيُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وجَماعَةٍ وافِرَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وعائِشَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُسْلِمٌ وابْنُ جُنْدُبٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "بِظَنِينٍ" بِالظاءِ، أيْ بِمُتَّهَمٍ، وهَذا في المَعْنى نَظِيرُ وصْفِهِ بِأمِينٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِضَعِيفِ القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٍ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الظاءِ مُشالَةً لِأنَّ (p-٥٥٢)قُرَيْشًا لَمْ تُبَخِّلْ مُحَمَّدًا ﷺ فِيما يَأْتِي بِهِ وإنَّما كَذَّبَتْهُ فَقِيلَ ما هو بِمُتَّهَمٍ. ثُمَّ نَفى تَعالى عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ كَلامَ شَيْطانٍ، عَلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا كاهِنٌ، و"رَجِيمٍ" مَعْناهُ مُبْعَدٍ مَرْجُومٍ بِالكَواكِبِ واللَعْنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأيْنَ تَذْهَبُونَ" تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، عَلى مَعْنى: أيْنَ المَذْهَبُ لِأحَدٍ عن هَذِهِ الحَقائِقِ، و"الذِكْرُ" هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَذْكِرَةِ. ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا وذِكْرًا لِتَكَسُّبِهِمْ أفْعالَ الِاسْتِقامَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ عَلى العُمُومِ في اسْتِقامَةٍ وغَيْرِها إنَّما يَكُونُ مَعَ خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ الإيمانَ في صَدْرِ المَرْءِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَذا أمْرٌ قَدْ وُكِلَ إلَيْنا، فَإنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ لَمْ نَشَأْ لَمْ نَسْتَقِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ: يا ابْنَ آدَمَ، تُرِيدُ وأُرِيدُ، فَتَتْعَبُ فِيما تُرِيدُ، ولا يَكُونُ إلّا ما أُرِيدُ".» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكْوِيرِ] والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِينَ

التكوير 81:19

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، إمّا أمْ تَكُونُ "لا" زائِدَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ رَدَّ القَوْلِ قُرَيْشٌ في تَكْذِيبِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الدَرارِي السَبْعَةُ، الشَمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والمِرِّيخُ والزَهْرَةُ والمُشْتَرى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ الخَمْسَةُ دُونَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْنِسُ في جَرْيِها أيْ تَتَقَهْقَرُ فِيما تَرى العَيْنُ، وهو جِوارٌ في السَماءِ، وأثْبَتُ يَعْقُوبُ الياءَ في "الجَوارِي" في الوَقْفِ، وحَذَفَها الباقُونَ، وهي تَكْنُسُ في أبْراجِها، أيْ تَسْتَتِرُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المُرادُ النُجُومُ كُلُّها، لِأنَّها تَخْنِسُ وتَكْنُسُ بِالنَهارِ حِينَ تَخْتَفِي، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والنَخْعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ "بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ" بَقَرُ الوَحْشِ لِأنَّها تَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ في كُنّاسِها، وهي المَواضِعُ الَّتِي تَأْوِي إلَيْها مِنَ الشَجَرِ والغَيْرانِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ: هي الظِباءُ، وذَهَبَ هَؤُلاءِ في "الخَنْسِ" إلى أنَّهُ مِن صِفَةِ الأُنُوفِ لِأنَّها يَلْزَمُها الخُنَّسُ، وكَذَلِكَ هي بَقَرُ الوَحْشِ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٥٠) ؎ سِوى بازِ بَيْضٍ أو غَزالِ صَرِيمَةٍ ∗∗∗ أغَنٍّ مِنَ الخُنْسِ المَناخِرِ تَوْأمِ "وَعَسْعَسَ اللَيْلُ" في اللُغَةِ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَحْكِمِ الإظْلامِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في وقْتِ إقْبالِهِ، وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ عِنْدَ إدْبارِهِ وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، ويُرَجِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: "والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ"، فَكَأنَّهُما حالانِ مُتَّصِلانِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ قُرْطٍ: ؎ حَتّى إذا الصُبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ ∗∗∗ وانْجابَ عنها لَيْلُها وعَسْعَسا وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ تَعالى بِإقْبالِهِ وإدْبارِهِ مَعًا، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: عَسْعَسَ اللَيْلُ وسَعْسَعَ إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ. و"تَنَفَّسَ الصُبْحُ": اسْتَطارَ واتَّسَعَ ضَوْءُهُ، وقالَ عِلْوانُ بْنُ قَيْسٍ: ؎ ولَيْلٌ دُجى تَنَفَّسَ فَجْرُهُ لَهم ∗∗∗ بَعْدَ أنْ خالُوهُ لَنْ يَتَنَفَّسا والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الآياتِ كُلِّها، والقَوْلُ الأوَّلُ (p-٥٥١)أصَحُّ، و"كَرِيمٍ" في هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِقُوَّةِ مَنحِهِ اللهَ إيّاها. واخْتَلَفَ الناسُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾، فَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ذِي قُوَّةٍ"، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وتَعَلَّقَ الظَرْفُ بِقَوْلِهِ: "مَكِينٍ"، ومَعْناهُ: لَهُ مَكانَةٌ ورِفْعَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ مَعْناهُ: مَقْبُولُ القَوْلِ مُصَدِّقٌ بِقَوْلِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُرْسِلُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ مِن وحْيٍ وامْتِثالِ أمْرٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، وذَكَرَ اللهَ تَعالى نَفْسَهُ بِالإضافَةِ إلى عَرْشِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَلَكُوتِهِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "رَآهُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ حِينَ رَآهُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الإسْراءِ، وسَمّى ذَلِكَ المَوْضِعَ أُفُقًا مَجازًا، وقَدْ كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رُؤْيَةٌ ثانِيَةٌ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ. ووَصَفَ تَعالى الأُفُقَ بِالمُبِينِ لِأنَّهُ كانَ في الشَرْقِ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَمْسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا فَكُلُّ أُفُقٍ فَهو في غايَةِ البَيانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ بِالضادِ بِمَعْنى: بَخِيلٍ، أيْ: يَشِحُّ بِهِ، ولا يَبْلُغُ ما قِيلَ لَهُ ويَبْخَلُ كَما يَفْعَلُ الكاهِنُ حَتّى يُعْطى حُلْوانُهُ. وبِالضادِ هي في خُطُوطِ المَصاحِفِ كُلِّها فِيما قالَهُ الطَبَرِيُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وجَماعَةٍ وافِرَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وعائِشَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُسْلِمٌ وابْنُ جُنْدُبٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "بِظَنِينٍ" بِالظاءِ، أيْ بِمُتَّهَمٍ، وهَذا في المَعْنى نَظِيرُ وصْفِهِ بِأمِينٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِضَعِيفِ القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٍ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الظاءِ مُشالَةً لِأنَّ (p-٥٥٢)قُرَيْشًا لَمْ تُبَخِّلْ مُحَمَّدًا ﷺ فِيما يَأْتِي بِهِ وإنَّما كَذَّبَتْهُ فَقِيلَ ما هو بِمُتَّهَمٍ. ثُمَّ نَفى تَعالى عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ كَلامَ شَيْطانٍ، عَلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا كاهِنٌ، و"رَجِيمٍ" مَعْناهُ مُبْعَدٍ مَرْجُومٍ بِالكَواكِبِ واللَعْنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأيْنَ تَذْهَبُونَ" تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، عَلى مَعْنى: أيْنَ المَذْهَبُ لِأحَدٍ عن هَذِهِ الحَقائِقِ، و"الذِكْرُ" هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَذْكِرَةِ. ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا وذِكْرًا لِتَكَسُّبِهِمْ أفْعالَ الِاسْتِقامَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ عَلى العُمُومِ في اسْتِقامَةٍ وغَيْرِها إنَّما يَكُونُ مَعَ خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ الإيمانَ في صَدْرِ المَرْءِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَذا أمْرٌ قَدْ وُكِلَ إلَيْنا، فَإنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ لَمْ نَشَأْ لَمْ نَسْتَقِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ: يا ابْنَ آدَمَ، تُرِيدُ وأُرِيدُ، فَتَتْعَبُ فِيما تُرِيدُ، ولا يَكُونُ إلّا ما أُرِيدُ".» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكْوِيرِ] والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِينَ

التكوير 81:20

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، إمّا أمْ تَكُونُ "لا" زائِدَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ رَدَّ القَوْلِ قُرَيْشٌ في تَكْذِيبِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الدَرارِي السَبْعَةُ، الشَمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والمِرِّيخُ والزَهْرَةُ والمُشْتَرى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ الخَمْسَةُ دُونَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْنِسُ في جَرْيِها أيْ تَتَقَهْقَرُ فِيما تَرى العَيْنُ، وهو جِوارٌ في السَماءِ، وأثْبَتُ يَعْقُوبُ الياءَ في "الجَوارِي" في الوَقْفِ، وحَذَفَها الباقُونَ، وهي تَكْنُسُ في أبْراجِها، أيْ تَسْتَتِرُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المُرادُ النُجُومُ كُلُّها، لِأنَّها تَخْنِسُ وتَكْنُسُ بِالنَهارِ حِينَ تَخْتَفِي، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والنَخْعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ "بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ" بَقَرُ الوَحْشِ لِأنَّها تَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ في كُنّاسِها، وهي المَواضِعُ الَّتِي تَأْوِي إلَيْها مِنَ الشَجَرِ والغَيْرانِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ: هي الظِباءُ، وذَهَبَ هَؤُلاءِ في "الخَنْسِ" إلى أنَّهُ مِن صِفَةِ الأُنُوفِ لِأنَّها يَلْزَمُها الخُنَّسُ، وكَذَلِكَ هي بَقَرُ الوَحْشِ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٥٠) ؎ سِوى بازِ بَيْضٍ أو غَزالِ صَرِيمَةٍ ∗∗∗ أغَنٍّ مِنَ الخُنْسِ المَناخِرِ تَوْأمِ "وَعَسْعَسَ اللَيْلُ" في اللُغَةِ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَحْكِمِ الإظْلامِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في وقْتِ إقْبالِهِ، وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ عِنْدَ إدْبارِهِ وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، ويُرَجِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: "والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ"، فَكَأنَّهُما حالانِ مُتَّصِلانِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ قُرْطٍ: ؎ حَتّى إذا الصُبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ ∗∗∗ وانْجابَ عنها لَيْلُها وعَسْعَسا وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ تَعالى بِإقْبالِهِ وإدْبارِهِ مَعًا، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: عَسْعَسَ اللَيْلُ وسَعْسَعَ إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ. و"تَنَفَّسَ الصُبْحُ": اسْتَطارَ واتَّسَعَ ضَوْءُهُ، وقالَ عِلْوانُ بْنُ قَيْسٍ: ؎ ولَيْلٌ دُجى تَنَفَّسَ فَجْرُهُ لَهم ∗∗∗ بَعْدَ أنْ خالُوهُ لَنْ يَتَنَفَّسا والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الآياتِ كُلِّها، والقَوْلُ الأوَّلُ (p-٥٥١)أصَحُّ، و"كَرِيمٍ" في هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِقُوَّةِ مَنحِهِ اللهَ إيّاها. واخْتَلَفَ الناسُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾، فَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ذِي قُوَّةٍ"، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وتَعَلَّقَ الظَرْفُ بِقَوْلِهِ: "مَكِينٍ"، ومَعْناهُ: لَهُ مَكانَةٌ ورِفْعَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ مَعْناهُ: مَقْبُولُ القَوْلِ مُصَدِّقٌ بِقَوْلِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُرْسِلُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ مِن وحْيٍ وامْتِثالِ أمْرٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، وذَكَرَ اللهَ تَعالى نَفْسَهُ بِالإضافَةِ إلى عَرْشِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَلَكُوتِهِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "رَآهُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ حِينَ رَآهُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الإسْراءِ، وسَمّى ذَلِكَ المَوْضِعَ أُفُقًا مَجازًا، وقَدْ كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رُؤْيَةٌ ثانِيَةٌ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ. ووَصَفَ تَعالى الأُفُقَ بِالمُبِينِ لِأنَّهُ كانَ في الشَرْقِ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَمْسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا فَكُلُّ أُفُقٍ فَهو في غايَةِ البَيانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ بِالضادِ بِمَعْنى: بَخِيلٍ، أيْ: يَشِحُّ بِهِ، ولا يَبْلُغُ ما قِيلَ لَهُ ويَبْخَلُ كَما يَفْعَلُ الكاهِنُ حَتّى يُعْطى حُلْوانُهُ. وبِالضادِ هي في خُطُوطِ المَصاحِفِ كُلِّها فِيما قالَهُ الطَبَرِيُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وجَماعَةٍ وافِرَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وعائِشَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُسْلِمٌ وابْنُ جُنْدُبٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "بِظَنِينٍ" بِالظاءِ، أيْ بِمُتَّهَمٍ، وهَذا في المَعْنى نَظِيرُ وصْفِهِ بِأمِينٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِضَعِيفِ القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٍ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الظاءِ مُشالَةً لِأنَّ (p-٥٥٢)قُرَيْشًا لَمْ تُبَخِّلْ مُحَمَّدًا ﷺ فِيما يَأْتِي بِهِ وإنَّما كَذَّبَتْهُ فَقِيلَ ما هو بِمُتَّهَمٍ. ثُمَّ نَفى تَعالى عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ كَلامَ شَيْطانٍ، عَلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا كاهِنٌ، و"رَجِيمٍ" مَعْناهُ مُبْعَدٍ مَرْجُومٍ بِالكَواكِبِ واللَعْنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأيْنَ تَذْهَبُونَ" تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، عَلى مَعْنى: أيْنَ المَذْهَبُ لِأحَدٍ عن هَذِهِ الحَقائِقِ، و"الذِكْرُ" هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَذْكِرَةِ. ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا وذِكْرًا لِتَكَسُّبِهِمْ أفْعالَ الِاسْتِقامَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ عَلى العُمُومِ في اسْتِقامَةٍ وغَيْرِها إنَّما يَكُونُ مَعَ خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ الإيمانَ في صَدْرِ المَرْءِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَذا أمْرٌ قَدْ وُكِلَ إلَيْنا، فَإنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ لَمْ نَشَأْ لَمْ نَسْتَقِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ: يا ابْنَ آدَمَ، تُرِيدُ وأُرِيدُ، فَتَتْعَبُ فِيما تُرِيدُ، ولا يَكُونُ إلّا ما أُرِيدُ".» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكْوِيرِ] والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِينَ

التكوير 81:21

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، إمّا أمْ تَكُونُ "لا" زائِدَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ رَدَّ القَوْلِ قُرَيْشٌ في تَكْذِيبِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الدَرارِي السَبْعَةُ، الشَمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والمِرِّيخُ والزَهْرَةُ والمُشْتَرى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ الخَمْسَةُ دُونَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْنِسُ في جَرْيِها أيْ تَتَقَهْقَرُ فِيما تَرى العَيْنُ، وهو جِوارٌ في السَماءِ، وأثْبَتُ يَعْقُوبُ الياءَ في "الجَوارِي" في الوَقْفِ، وحَذَفَها الباقُونَ، وهي تَكْنُسُ في أبْراجِها، أيْ تَسْتَتِرُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المُرادُ النُجُومُ كُلُّها، لِأنَّها تَخْنِسُ وتَكْنُسُ بِالنَهارِ حِينَ تَخْتَفِي، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والنَخْعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ "بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ" بَقَرُ الوَحْشِ لِأنَّها تَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ في كُنّاسِها، وهي المَواضِعُ الَّتِي تَأْوِي إلَيْها مِنَ الشَجَرِ والغَيْرانِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ: هي الظِباءُ، وذَهَبَ هَؤُلاءِ في "الخَنْسِ" إلى أنَّهُ مِن صِفَةِ الأُنُوفِ لِأنَّها يَلْزَمُها الخُنَّسُ، وكَذَلِكَ هي بَقَرُ الوَحْشِ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٥٠) ؎ سِوى بازِ بَيْضٍ أو غَزالِ صَرِيمَةٍ ∗∗∗ أغَنٍّ مِنَ الخُنْسِ المَناخِرِ تَوْأمِ "وَعَسْعَسَ اللَيْلُ" في اللُغَةِ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَحْكِمِ الإظْلامِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في وقْتِ إقْبالِهِ، وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ عِنْدَ إدْبارِهِ وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، ويُرَجِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: "والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ"، فَكَأنَّهُما حالانِ مُتَّصِلانِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ قُرْطٍ: ؎ حَتّى إذا الصُبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ ∗∗∗ وانْجابَ عنها لَيْلُها وعَسْعَسا وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ تَعالى بِإقْبالِهِ وإدْبارِهِ مَعًا، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: عَسْعَسَ اللَيْلُ وسَعْسَعَ إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ. و"تَنَفَّسَ الصُبْحُ": اسْتَطارَ واتَّسَعَ ضَوْءُهُ، وقالَ عِلْوانُ بْنُ قَيْسٍ: ؎ ولَيْلٌ دُجى تَنَفَّسَ فَجْرُهُ لَهم ∗∗∗ بَعْدَ أنْ خالُوهُ لَنْ يَتَنَفَّسا والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الآياتِ كُلِّها، والقَوْلُ الأوَّلُ (p-٥٥١)أصَحُّ، و"كَرِيمٍ" في هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِقُوَّةِ مَنحِهِ اللهَ إيّاها. واخْتَلَفَ الناسُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾، فَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ذِي قُوَّةٍ"، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وتَعَلَّقَ الظَرْفُ بِقَوْلِهِ: "مَكِينٍ"، ومَعْناهُ: لَهُ مَكانَةٌ ورِفْعَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ مَعْناهُ: مَقْبُولُ القَوْلِ مُصَدِّقٌ بِقَوْلِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُرْسِلُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ مِن وحْيٍ وامْتِثالِ أمْرٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، وذَكَرَ اللهَ تَعالى نَفْسَهُ بِالإضافَةِ إلى عَرْشِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَلَكُوتِهِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "رَآهُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ حِينَ رَآهُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الإسْراءِ، وسَمّى ذَلِكَ المَوْضِعَ أُفُقًا مَجازًا، وقَدْ كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رُؤْيَةٌ ثانِيَةٌ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ. ووَصَفَ تَعالى الأُفُقَ بِالمُبِينِ لِأنَّهُ كانَ في الشَرْقِ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَمْسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا فَكُلُّ أُفُقٍ فَهو في غايَةِ البَيانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ بِالضادِ بِمَعْنى: بَخِيلٍ، أيْ: يَشِحُّ بِهِ، ولا يَبْلُغُ ما قِيلَ لَهُ ويَبْخَلُ كَما يَفْعَلُ الكاهِنُ حَتّى يُعْطى حُلْوانُهُ. وبِالضادِ هي في خُطُوطِ المَصاحِفِ كُلِّها فِيما قالَهُ الطَبَرِيُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وجَماعَةٍ وافِرَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وعائِشَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُسْلِمٌ وابْنُ جُنْدُبٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "بِظَنِينٍ" بِالظاءِ، أيْ بِمُتَّهَمٍ، وهَذا في المَعْنى نَظِيرُ وصْفِهِ بِأمِينٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِضَعِيفِ القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٍ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الظاءِ مُشالَةً لِأنَّ (p-٥٥٢)قُرَيْشًا لَمْ تُبَخِّلْ مُحَمَّدًا ﷺ فِيما يَأْتِي بِهِ وإنَّما كَذَّبَتْهُ فَقِيلَ ما هو بِمُتَّهَمٍ. ثُمَّ نَفى تَعالى عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ كَلامَ شَيْطانٍ، عَلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا كاهِنٌ، و"رَجِيمٍ" مَعْناهُ مُبْعَدٍ مَرْجُومٍ بِالكَواكِبِ واللَعْنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأيْنَ تَذْهَبُونَ" تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، عَلى مَعْنى: أيْنَ المَذْهَبُ لِأحَدٍ عن هَذِهِ الحَقائِقِ، و"الذِكْرُ" هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَذْكِرَةِ. ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا وذِكْرًا لِتَكَسُّبِهِمْ أفْعالَ الِاسْتِقامَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ عَلى العُمُومِ في اسْتِقامَةٍ وغَيْرِها إنَّما يَكُونُ مَعَ خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ الإيمانَ في صَدْرِ المَرْءِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَذا أمْرٌ قَدْ وُكِلَ إلَيْنا، فَإنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ لَمْ نَشَأْ لَمْ نَسْتَقِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ: يا ابْنَ آدَمَ، تُرِيدُ وأُرِيدُ، فَتَتْعَبُ فِيما تُرِيدُ، ولا يَكُونُ إلّا ما أُرِيدُ".» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكْوِيرِ] والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِينَ

التكوير 81:22

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، إمّا أمْ تَكُونُ "لا" زائِدَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ رَدَّ القَوْلِ قُرَيْشٌ في تَكْذِيبِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الدَرارِي السَبْعَةُ، الشَمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والمِرِّيخُ والزَهْرَةُ والمُشْتَرى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ الخَمْسَةُ دُونَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْنِسُ في جَرْيِها أيْ تَتَقَهْقَرُ فِيما تَرى العَيْنُ، وهو جِوارٌ في السَماءِ، وأثْبَتُ يَعْقُوبُ الياءَ في "الجَوارِي" في الوَقْفِ، وحَذَفَها الباقُونَ، وهي تَكْنُسُ في أبْراجِها، أيْ تَسْتَتِرُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المُرادُ النُجُومُ كُلُّها، لِأنَّها تَخْنِسُ وتَكْنُسُ بِالنَهارِ حِينَ تَخْتَفِي، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والنَخْعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ "بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ" بَقَرُ الوَحْشِ لِأنَّها تَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ في كُنّاسِها، وهي المَواضِعُ الَّتِي تَأْوِي إلَيْها مِنَ الشَجَرِ والغَيْرانِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ: هي الظِباءُ، وذَهَبَ هَؤُلاءِ في "الخَنْسِ" إلى أنَّهُ مِن صِفَةِ الأُنُوفِ لِأنَّها يَلْزَمُها الخُنَّسُ، وكَذَلِكَ هي بَقَرُ الوَحْشِ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٥٠) ؎ سِوى بازِ بَيْضٍ أو غَزالِ صَرِيمَةٍ ∗∗∗ أغَنٍّ مِنَ الخُنْسِ المَناخِرِ تَوْأمِ "وَعَسْعَسَ اللَيْلُ" في اللُغَةِ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَحْكِمِ الإظْلامِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في وقْتِ إقْبالِهِ، وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ عِنْدَ إدْبارِهِ وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، ويُرَجِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: "والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ"، فَكَأنَّهُما حالانِ مُتَّصِلانِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ قُرْطٍ: ؎ حَتّى إذا الصُبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ ∗∗∗ وانْجابَ عنها لَيْلُها وعَسْعَسا وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ تَعالى بِإقْبالِهِ وإدْبارِهِ مَعًا، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: عَسْعَسَ اللَيْلُ وسَعْسَعَ إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ. و"تَنَفَّسَ الصُبْحُ": اسْتَطارَ واتَّسَعَ ضَوْءُهُ، وقالَ عِلْوانُ بْنُ قَيْسٍ: ؎ ولَيْلٌ دُجى تَنَفَّسَ فَجْرُهُ لَهم ∗∗∗ بَعْدَ أنْ خالُوهُ لَنْ يَتَنَفَّسا والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الآياتِ كُلِّها، والقَوْلُ الأوَّلُ (p-٥٥١)أصَحُّ، و"كَرِيمٍ" في هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِقُوَّةِ مَنحِهِ اللهَ إيّاها. واخْتَلَفَ الناسُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾، فَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ذِي قُوَّةٍ"، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وتَعَلَّقَ الظَرْفُ بِقَوْلِهِ: "مَكِينٍ"، ومَعْناهُ: لَهُ مَكانَةٌ ورِفْعَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ مَعْناهُ: مَقْبُولُ القَوْلِ مُصَدِّقٌ بِقَوْلِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُرْسِلُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ مِن وحْيٍ وامْتِثالِ أمْرٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، وذَكَرَ اللهَ تَعالى نَفْسَهُ بِالإضافَةِ إلى عَرْشِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَلَكُوتِهِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "رَآهُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ حِينَ رَآهُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الإسْراءِ، وسَمّى ذَلِكَ المَوْضِعَ أُفُقًا مَجازًا، وقَدْ كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رُؤْيَةٌ ثانِيَةٌ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ. ووَصَفَ تَعالى الأُفُقَ بِالمُبِينِ لِأنَّهُ كانَ في الشَرْقِ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَمْسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا فَكُلُّ أُفُقٍ فَهو في غايَةِ البَيانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ بِالضادِ بِمَعْنى: بَخِيلٍ، أيْ: يَشِحُّ بِهِ، ولا يَبْلُغُ ما قِيلَ لَهُ ويَبْخَلُ كَما يَفْعَلُ الكاهِنُ حَتّى يُعْطى حُلْوانُهُ. وبِالضادِ هي في خُطُوطِ المَصاحِفِ كُلِّها فِيما قالَهُ الطَبَرِيُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وجَماعَةٍ وافِرَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وعائِشَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُسْلِمٌ وابْنُ جُنْدُبٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "بِظَنِينٍ" بِالظاءِ، أيْ بِمُتَّهَمٍ، وهَذا في المَعْنى نَظِيرُ وصْفِهِ بِأمِينٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِضَعِيفِ القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٍ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الظاءِ مُشالَةً لِأنَّ (p-٥٥٢)قُرَيْشًا لَمْ تُبَخِّلْ مُحَمَّدًا ﷺ فِيما يَأْتِي بِهِ وإنَّما كَذَّبَتْهُ فَقِيلَ ما هو بِمُتَّهَمٍ. ثُمَّ نَفى تَعالى عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ كَلامَ شَيْطانٍ، عَلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا كاهِنٌ، و"رَجِيمٍ" مَعْناهُ مُبْعَدٍ مَرْجُومٍ بِالكَواكِبِ واللَعْنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأيْنَ تَذْهَبُونَ" تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، عَلى مَعْنى: أيْنَ المَذْهَبُ لِأحَدٍ عن هَذِهِ الحَقائِقِ، و"الذِكْرُ" هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَذْكِرَةِ. ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا وذِكْرًا لِتَكَسُّبِهِمْ أفْعالَ الِاسْتِقامَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ عَلى العُمُومِ في اسْتِقامَةٍ وغَيْرِها إنَّما يَكُونُ مَعَ خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ الإيمانَ في صَدْرِ المَرْءِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَذا أمْرٌ قَدْ وُكِلَ إلَيْنا، فَإنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ لَمْ نَشَأْ لَمْ نَسْتَقِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ: يا ابْنَ آدَمَ، تُرِيدُ وأُرِيدُ، فَتَتْعَبُ فِيما تُرِيدُ، ولا يَكُونُ إلّا ما أُرِيدُ".» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكْوِيرِ] والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِينَ

التكوير 81:23

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، إمّا أمْ تَكُونُ "لا" زائِدَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ رَدَّ القَوْلِ قُرَيْشٌ في تَكْذِيبِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الدَرارِي السَبْعَةُ، الشَمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والمِرِّيخُ والزَهْرَةُ والمُشْتَرى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ الخَمْسَةُ دُونَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْنِسُ في جَرْيِها أيْ تَتَقَهْقَرُ فِيما تَرى العَيْنُ، وهو جِوارٌ في السَماءِ، وأثْبَتُ يَعْقُوبُ الياءَ في "الجَوارِي" في الوَقْفِ، وحَذَفَها الباقُونَ، وهي تَكْنُسُ في أبْراجِها، أيْ تَسْتَتِرُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المُرادُ النُجُومُ كُلُّها، لِأنَّها تَخْنِسُ وتَكْنُسُ بِالنَهارِ حِينَ تَخْتَفِي، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والنَخْعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ "بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ" بَقَرُ الوَحْشِ لِأنَّها تَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ في كُنّاسِها، وهي المَواضِعُ الَّتِي تَأْوِي إلَيْها مِنَ الشَجَرِ والغَيْرانِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ: هي الظِباءُ، وذَهَبَ هَؤُلاءِ في "الخَنْسِ" إلى أنَّهُ مِن صِفَةِ الأُنُوفِ لِأنَّها يَلْزَمُها الخُنَّسُ، وكَذَلِكَ هي بَقَرُ الوَحْشِ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٥٠) ؎ سِوى بازِ بَيْضٍ أو غَزالِ صَرِيمَةٍ ∗∗∗ أغَنٍّ مِنَ الخُنْسِ المَناخِرِ تَوْأمِ "وَعَسْعَسَ اللَيْلُ" في اللُغَةِ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَحْكِمِ الإظْلامِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في وقْتِ إقْبالِهِ، وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ عِنْدَ إدْبارِهِ وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، ويُرَجِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: "والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ"، فَكَأنَّهُما حالانِ مُتَّصِلانِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ قُرْطٍ: ؎ حَتّى إذا الصُبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ ∗∗∗ وانْجابَ عنها لَيْلُها وعَسْعَسا وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ تَعالى بِإقْبالِهِ وإدْبارِهِ مَعًا، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: عَسْعَسَ اللَيْلُ وسَعْسَعَ إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ. و"تَنَفَّسَ الصُبْحُ": اسْتَطارَ واتَّسَعَ ضَوْءُهُ، وقالَ عِلْوانُ بْنُ قَيْسٍ: ؎ ولَيْلٌ دُجى تَنَفَّسَ فَجْرُهُ لَهم ∗∗∗ بَعْدَ أنْ خالُوهُ لَنْ يَتَنَفَّسا والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الآياتِ كُلِّها، والقَوْلُ الأوَّلُ (p-٥٥١)أصَحُّ، و"كَرِيمٍ" في هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِقُوَّةِ مَنحِهِ اللهَ إيّاها. واخْتَلَفَ الناسُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾، فَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ذِي قُوَّةٍ"، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وتَعَلَّقَ الظَرْفُ بِقَوْلِهِ: "مَكِينٍ"، ومَعْناهُ: لَهُ مَكانَةٌ ورِفْعَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ مَعْناهُ: مَقْبُولُ القَوْلِ مُصَدِّقٌ بِقَوْلِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُرْسِلُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ مِن وحْيٍ وامْتِثالِ أمْرٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، وذَكَرَ اللهَ تَعالى نَفْسَهُ بِالإضافَةِ إلى عَرْشِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَلَكُوتِهِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "رَآهُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ حِينَ رَآهُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الإسْراءِ، وسَمّى ذَلِكَ المَوْضِعَ أُفُقًا مَجازًا، وقَدْ كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رُؤْيَةٌ ثانِيَةٌ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ. ووَصَفَ تَعالى الأُفُقَ بِالمُبِينِ لِأنَّهُ كانَ في الشَرْقِ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَمْسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا فَكُلُّ أُفُقٍ فَهو في غايَةِ البَيانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ بِالضادِ بِمَعْنى: بَخِيلٍ، أيْ: يَشِحُّ بِهِ، ولا يَبْلُغُ ما قِيلَ لَهُ ويَبْخَلُ كَما يَفْعَلُ الكاهِنُ حَتّى يُعْطى حُلْوانُهُ. وبِالضادِ هي في خُطُوطِ المَصاحِفِ كُلِّها فِيما قالَهُ الطَبَرِيُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وجَماعَةٍ وافِرَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وعائِشَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُسْلِمٌ وابْنُ جُنْدُبٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "بِظَنِينٍ" بِالظاءِ، أيْ بِمُتَّهَمٍ، وهَذا في المَعْنى نَظِيرُ وصْفِهِ بِأمِينٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِضَعِيفِ القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٍ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الظاءِ مُشالَةً لِأنَّ (p-٥٥٢)قُرَيْشًا لَمْ تُبَخِّلْ مُحَمَّدًا ﷺ فِيما يَأْتِي بِهِ وإنَّما كَذَّبَتْهُ فَقِيلَ ما هو بِمُتَّهَمٍ. ثُمَّ نَفى تَعالى عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ كَلامَ شَيْطانٍ، عَلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا كاهِنٌ، و"رَجِيمٍ" مَعْناهُ مُبْعَدٍ مَرْجُومٍ بِالكَواكِبِ واللَعْنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأيْنَ تَذْهَبُونَ" تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، عَلى مَعْنى: أيْنَ المَذْهَبُ لِأحَدٍ عن هَذِهِ الحَقائِقِ، و"الذِكْرُ" هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَذْكِرَةِ. ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا وذِكْرًا لِتَكَسُّبِهِمْ أفْعالَ الِاسْتِقامَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ عَلى العُمُومِ في اسْتِقامَةٍ وغَيْرِها إنَّما يَكُونُ مَعَ خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ الإيمانَ في صَدْرِ المَرْءِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَذا أمْرٌ قَدْ وُكِلَ إلَيْنا، فَإنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ لَمْ نَشَأْ لَمْ نَسْتَقِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ: يا ابْنَ آدَمَ، تُرِيدُ وأُرِيدُ، فَتَتْعَبُ فِيما تُرِيدُ، ولا يَكُونُ إلّا ما أُرِيدُ".» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكْوِيرِ] والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِينَ

التكوير 81:24

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، إمّا أمْ تَكُونُ "لا" زائِدَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ رَدَّ القَوْلِ قُرَيْشٌ في تَكْذِيبِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الدَرارِي السَبْعَةُ، الشَمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والمِرِّيخُ والزَهْرَةُ والمُشْتَرى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ الخَمْسَةُ دُونَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْنِسُ في جَرْيِها أيْ تَتَقَهْقَرُ فِيما تَرى العَيْنُ، وهو جِوارٌ في السَماءِ، وأثْبَتُ يَعْقُوبُ الياءَ في "الجَوارِي" في الوَقْفِ، وحَذَفَها الباقُونَ، وهي تَكْنُسُ في أبْراجِها، أيْ تَسْتَتِرُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المُرادُ النُجُومُ كُلُّها، لِأنَّها تَخْنِسُ وتَكْنُسُ بِالنَهارِ حِينَ تَخْتَفِي، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والنَخْعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ "بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ" بَقَرُ الوَحْشِ لِأنَّها تَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ في كُنّاسِها، وهي المَواضِعُ الَّتِي تَأْوِي إلَيْها مِنَ الشَجَرِ والغَيْرانِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ: هي الظِباءُ، وذَهَبَ هَؤُلاءِ في "الخَنْسِ" إلى أنَّهُ مِن صِفَةِ الأُنُوفِ لِأنَّها يَلْزَمُها الخُنَّسُ، وكَذَلِكَ هي بَقَرُ الوَحْشِ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٥٠) ؎ سِوى بازِ بَيْضٍ أو غَزالِ صَرِيمَةٍ ∗∗∗ أغَنٍّ مِنَ الخُنْسِ المَناخِرِ تَوْأمِ "وَعَسْعَسَ اللَيْلُ" في اللُغَةِ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَحْكِمِ الإظْلامِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في وقْتِ إقْبالِهِ، وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ عِنْدَ إدْبارِهِ وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، ويُرَجِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: "والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ"، فَكَأنَّهُما حالانِ مُتَّصِلانِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ قُرْطٍ: ؎ حَتّى إذا الصُبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ ∗∗∗ وانْجابَ عنها لَيْلُها وعَسْعَسا وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ تَعالى بِإقْبالِهِ وإدْبارِهِ مَعًا، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: عَسْعَسَ اللَيْلُ وسَعْسَعَ إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ. و"تَنَفَّسَ الصُبْحُ": اسْتَطارَ واتَّسَعَ ضَوْءُهُ، وقالَ عِلْوانُ بْنُ قَيْسٍ: ؎ ولَيْلٌ دُجى تَنَفَّسَ فَجْرُهُ لَهم ∗∗∗ بَعْدَ أنْ خالُوهُ لَنْ يَتَنَفَّسا والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الآياتِ كُلِّها، والقَوْلُ الأوَّلُ (p-٥٥١)أصَحُّ، و"كَرِيمٍ" في هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِقُوَّةِ مَنحِهِ اللهَ إيّاها. واخْتَلَفَ الناسُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾، فَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ذِي قُوَّةٍ"، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وتَعَلَّقَ الظَرْفُ بِقَوْلِهِ: "مَكِينٍ"، ومَعْناهُ: لَهُ مَكانَةٌ ورِفْعَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ مَعْناهُ: مَقْبُولُ القَوْلِ مُصَدِّقٌ بِقَوْلِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُرْسِلُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ مِن وحْيٍ وامْتِثالِ أمْرٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، وذَكَرَ اللهَ تَعالى نَفْسَهُ بِالإضافَةِ إلى عَرْشِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَلَكُوتِهِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "رَآهُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ حِينَ رَآهُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الإسْراءِ، وسَمّى ذَلِكَ المَوْضِعَ أُفُقًا مَجازًا، وقَدْ كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رُؤْيَةٌ ثانِيَةٌ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ. ووَصَفَ تَعالى الأُفُقَ بِالمُبِينِ لِأنَّهُ كانَ في الشَرْقِ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَمْسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا فَكُلُّ أُفُقٍ فَهو في غايَةِ البَيانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ بِالضادِ بِمَعْنى: بَخِيلٍ، أيْ: يَشِحُّ بِهِ، ولا يَبْلُغُ ما قِيلَ لَهُ ويَبْخَلُ كَما يَفْعَلُ الكاهِنُ حَتّى يُعْطى حُلْوانُهُ. وبِالضادِ هي في خُطُوطِ المَصاحِفِ كُلِّها فِيما قالَهُ الطَبَرِيُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وجَماعَةٍ وافِرَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وعائِشَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُسْلِمٌ وابْنُ جُنْدُبٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "بِظَنِينٍ" بِالظاءِ، أيْ بِمُتَّهَمٍ، وهَذا في المَعْنى نَظِيرُ وصْفِهِ بِأمِينٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِضَعِيفِ القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٍ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الظاءِ مُشالَةً لِأنَّ (p-٥٥٢)قُرَيْشًا لَمْ تُبَخِّلْ مُحَمَّدًا ﷺ فِيما يَأْتِي بِهِ وإنَّما كَذَّبَتْهُ فَقِيلَ ما هو بِمُتَّهَمٍ. ثُمَّ نَفى تَعالى عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ كَلامَ شَيْطانٍ، عَلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا كاهِنٌ، و"رَجِيمٍ" مَعْناهُ مُبْعَدٍ مَرْجُومٍ بِالكَواكِبِ واللَعْنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأيْنَ تَذْهَبُونَ" تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، عَلى مَعْنى: أيْنَ المَذْهَبُ لِأحَدٍ عن هَذِهِ الحَقائِقِ، و"الذِكْرُ" هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَذْكِرَةِ. ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا وذِكْرًا لِتَكَسُّبِهِمْ أفْعالَ الِاسْتِقامَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ عَلى العُمُومِ في اسْتِقامَةٍ وغَيْرِها إنَّما يَكُونُ مَعَ خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ الإيمانَ في صَدْرِ المَرْءِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَذا أمْرٌ قَدْ وُكِلَ إلَيْنا، فَإنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ لَمْ نَشَأْ لَمْ نَسْتَقِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ: يا ابْنَ آدَمَ، تُرِيدُ وأُرِيدُ، فَتَتْعَبُ فِيما تُرِيدُ، ولا يَكُونُ إلّا ما أُرِيدُ".» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكْوِيرِ] والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِينَ

التكوير 81:25

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، إمّا أمْ تَكُونُ "لا" زائِدَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ رَدَّ القَوْلِ قُرَيْشٌ في تَكْذِيبِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الدَرارِي السَبْعَةُ، الشَمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والمِرِّيخُ والزَهْرَةُ والمُشْتَرى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ الخَمْسَةُ دُونَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْنِسُ في جَرْيِها أيْ تَتَقَهْقَرُ فِيما تَرى العَيْنُ، وهو جِوارٌ في السَماءِ، وأثْبَتُ يَعْقُوبُ الياءَ في "الجَوارِي" في الوَقْفِ، وحَذَفَها الباقُونَ، وهي تَكْنُسُ في أبْراجِها، أيْ تَسْتَتِرُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المُرادُ النُجُومُ كُلُّها، لِأنَّها تَخْنِسُ وتَكْنُسُ بِالنَهارِ حِينَ تَخْتَفِي، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والنَخْعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ "بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ" بَقَرُ الوَحْشِ لِأنَّها تَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ في كُنّاسِها، وهي المَواضِعُ الَّتِي تَأْوِي إلَيْها مِنَ الشَجَرِ والغَيْرانِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ: هي الظِباءُ، وذَهَبَ هَؤُلاءِ في "الخَنْسِ" إلى أنَّهُ مِن صِفَةِ الأُنُوفِ لِأنَّها يَلْزَمُها الخُنَّسُ، وكَذَلِكَ هي بَقَرُ الوَحْشِ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٥٠) ؎ سِوى بازِ بَيْضٍ أو غَزالِ صَرِيمَةٍ ∗∗∗ أغَنٍّ مِنَ الخُنْسِ المَناخِرِ تَوْأمِ "وَعَسْعَسَ اللَيْلُ" في اللُغَةِ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَحْكِمِ الإظْلامِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في وقْتِ إقْبالِهِ، وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ عِنْدَ إدْبارِهِ وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، ويُرَجِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: "والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ"، فَكَأنَّهُما حالانِ مُتَّصِلانِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ قُرْطٍ: ؎ حَتّى إذا الصُبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ ∗∗∗ وانْجابَ عنها لَيْلُها وعَسْعَسا وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ تَعالى بِإقْبالِهِ وإدْبارِهِ مَعًا، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: عَسْعَسَ اللَيْلُ وسَعْسَعَ إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ. و"تَنَفَّسَ الصُبْحُ": اسْتَطارَ واتَّسَعَ ضَوْءُهُ، وقالَ عِلْوانُ بْنُ قَيْسٍ: ؎ ولَيْلٌ دُجى تَنَفَّسَ فَجْرُهُ لَهم ∗∗∗ بَعْدَ أنْ خالُوهُ لَنْ يَتَنَفَّسا والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الآياتِ كُلِّها، والقَوْلُ الأوَّلُ (p-٥٥١)أصَحُّ، و"كَرِيمٍ" في هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِقُوَّةِ مَنحِهِ اللهَ إيّاها. واخْتَلَفَ الناسُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾، فَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ذِي قُوَّةٍ"، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وتَعَلَّقَ الظَرْفُ بِقَوْلِهِ: "مَكِينٍ"، ومَعْناهُ: لَهُ مَكانَةٌ ورِفْعَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ مَعْناهُ: مَقْبُولُ القَوْلِ مُصَدِّقٌ بِقَوْلِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُرْسِلُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ مِن وحْيٍ وامْتِثالِ أمْرٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، وذَكَرَ اللهَ تَعالى نَفْسَهُ بِالإضافَةِ إلى عَرْشِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَلَكُوتِهِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "رَآهُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ حِينَ رَآهُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الإسْراءِ، وسَمّى ذَلِكَ المَوْضِعَ أُفُقًا مَجازًا، وقَدْ كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رُؤْيَةٌ ثانِيَةٌ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ. ووَصَفَ تَعالى الأُفُقَ بِالمُبِينِ لِأنَّهُ كانَ في الشَرْقِ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَمْسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا فَكُلُّ أُفُقٍ فَهو في غايَةِ البَيانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ بِالضادِ بِمَعْنى: بَخِيلٍ، أيْ: يَشِحُّ بِهِ، ولا يَبْلُغُ ما قِيلَ لَهُ ويَبْخَلُ كَما يَفْعَلُ الكاهِنُ حَتّى يُعْطى حُلْوانُهُ. وبِالضادِ هي في خُطُوطِ المَصاحِفِ كُلِّها فِيما قالَهُ الطَبَرِيُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وجَماعَةٍ وافِرَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وعائِشَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُسْلِمٌ وابْنُ جُنْدُبٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "بِظَنِينٍ" بِالظاءِ، أيْ بِمُتَّهَمٍ، وهَذا في المَعْنى نَظِيرُ وصْفِهِ بِأمِينٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِضَعِيفِ القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٍ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الظاءِ مُشالَةً لِأنَّ (p-٥٥٢)قُرَيْشًا لَمْ تُبَخِّلْ مُحَمَّدًا ﷺ فِيما يَأْتِي بِهِ وإنَّما كَذَّبَتْهُ فَقِيلَ ما هو بِمُتَّهَمٍ. ثُمَّ نَفى تَعالى عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ كَلامَ شَيْطانٍ، عَلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا كاهِنٌ، و"رَجِيمٍ" مَعْناهُ مُبْعَدٍ مَرْجُومٍ بِالكَواكِبِ واللَعْنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأيْنَ تَذْهَبُونَ" تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، عَلى مَعْنى: أيْنَ المَذْهَبُ لِأحَدٍ عن هَذِهِ الحَقائِقِ، و"الذِكْرُ" هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَذْكِرَةِ. ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا وذِكْرًا لِتَكَسُّبِهِمْ أفْعالَ الِاسْتِقامَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ عَلى العُمُومِ في اسْتِقامَةٍ وغَيْرِها إنَّما يَكُونُ مَعَ خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ الإيمانَ في صَدْرِ المَرْءِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَذا أمْرٌ قَدْ وُكِلَ إلَيْنا، فَإنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ لَمْ نَشَأْ لَمْ نَسْتَقِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ: يا ابْنَ آدَمَ، تُرِيدُ وأُرِيدُ، فَتَتْعَبُ فِيما تُرِيدُ، ولا يَكُونُ إلّا ما أُرِيدُ".» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكْوِيرِ] والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِينَ

التكوير 81:26

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، إمّا أمْ تَكُونُ "لا" زائِدَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ رَدَّ القَوْلِ قُرَيْشٌ في تَكْذِيبِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الدَرارِي السَبْعَةُ، الشَمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والمِرِّيخُ والزَهْرَةُ والمُشْتَرى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ الخَمْسَةُ دُونَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْنِسُ في جَرْيِها أيْ تَتَقَهْقَرُ فِيما تَرى العَيْنُ، وهو جِوارٌ في السَماءِ، وأثْبَتُ يَعْقُوبُ الياءَ في "الجَوارِي" في الوَقْفِ، وحَذَفَها الباقُونَ، وهي تَكْنُسُ في أبْراجِها، أيْ تَسْتَتِرُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المُرادُ النُجُومُ كُلُّها، لِأنَّها تَخْنِسُ وتَكْنُسُ بِالنَهارِ حِينَ تَخْتَفِي، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والنَخْعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ "بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ" بَقَرُ الوَحْشِ لِأنَّها تَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ في كُنّاسِها، وهي المَواضِعُ الَّتِي تَأْوِي إلَيْها مِنَ الشَجَرِ والغَيْرانِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ: هي الظِباءُ، وذَهَبَ هَؤُلاءِ في "الخَنْسِ" إلى أنَّهُ مِن صِفَةِ الأُنُوفِ لِأنَّها يَلْزَمُها الخُنَّسُ، وكَذَلِكَ هي بَقَرُ الوَحْشِ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٥٠) ؎ سِوى بازِ بَيْضٍ أو غَزالِ صَرِيمَةٍ ∗∗∗ أغَنٍّ مِنَ الخُنْسِ المَناخِرِ تَوْأمِ "وَعَسْعَسَ اللَيْلُ" في اللُغَةِ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَحْكِمِ الإظْلامِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في وقْتِ إقْبالِهِ، وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ عِنْدَ إدْبارِهِ وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، ويُرَجِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: "والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ"، فَكَأنَّهُما حالانِ مُتَّصِلانِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ قُرْطٍ: ؎ حَتّى إذا الصُبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ ∗∗∗ وانْجابَ عنها لَيْلُها وعَسْعَسا وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ تَعالى بِإقْبالِهِ وإدْبارِهِ مَعًا، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: عَسْعَسَ اللَيْلُ وسَعْسَعَ إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ. و"تَنَفَّسَ الصُبْحُ": اسْتَطارَ واتَّسَعَ ضَوْءُهُ، وقالَ عِلْوانُ بْنُ قَيْسٍ: ؎ ولَيْلٌ دُجى تَنَفَّسَ فَجْرُهُ لَهم ∗∗∗ بَعْدَ أنْ خالُوهُ لَنْ يَتَنَفَّسا والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الآياتِ كُلِّها، والقَوْلُ الأوَّلُ (p-٥٥١)أصَحُّ، و"كَرِيمٍ" في هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِقُوَّةِ مَنحِهِ اللهَ إيّاها. واخْتَلَفَ الناسُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾، فَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ذِي قُوَّةٍ"، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وتَعَلَّقَ الظَرْفُ بِقَوْلِهِ: "مَكِينٍ"، ومَعْناهُ: لَهُ مَكانَةٌ ورِفْعَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ مَعْناهُ: مَقْبُولُ القَوْلِ مُصَدِّقٌ بِقَوْلِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُرْسِلُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ مِن وحْيٍ وامْتِثالِ أمْرٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، وذَكَرَ اللهَ تَعالى نَفْسَهُ بِالإضافَةِ إلى عَرْشِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَلَكُوتِهِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "رَآهُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ حِينَ رَآهُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الإسْراءِ، وسَمّى ذَلِكَ المَوْضِعَ أُفُقًا مَجازًا، وقَدْ كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رُؤْيَةٌ ثانِيَةٌ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ. ووَصَفَ تَعالى الأُفُقَ بِالمُبِينِ لِأنَّهُ كانَ في الشَرْقِ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَمْسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا فَكُلُّ أُفُقٍ فَهو في غايَةِ البَيانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ بِالضادِ بِمَعْنى: بَخِيلٍ، أيْ: يَشِحُّ بِهِ، ولا يَبْلُغُ ما قِيلَ لَهُ ويَبْخَلُ كَما يَفْعَلُ الكاهِنُ حَتّى يُعْطى حُلْوانُهُ. وبِالضادِ هي في خُطُوطِ المَصاحِفِ كُلِّها فِيما قالَهُ الطَبَرِيُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وجَماعَةٍ وافِرَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وعائِشَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُسْلِمٌ وابْنُ جُنْدُبٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "بِظَنِينٍ" بِالظاءِ، أيْ بِمُتَّهَمٍ، وهَذا في المَعْنى نَظِيرُ وصْفِهِ بِأمِينٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِضَعِيفِ القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٍ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الظاءِ مُشالَةً لِأنَّ (p-٥٥٢)قُرَيْشًا لَمْ تُبَخِّلْ مُحَمَّدًا ﷺ فِيما يَأْتِي بِهِ وإنَّما كَذَّبَتْهُ فَقِيلَ ما هو بِمُتَّهَمٍ. ثُمَّ نَفى تَعالى عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ كَلامَ شَيْطانٍ، عَلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا كاهِنٌ، و"رَجِيمٍ" مَعْناهُ مُبْعَدٍ مَرْجُومٍ بِالكَواكِبِ واللَعْنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأيْنَ تَذْهَبُونَ" تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، عَلى مَعْنى: أيْنَ المَذْهَبُ لِأحَدٍ عن هَذِهِ الحَقائِقِ، و"الذِكْرُ" هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَذْكِرَةِ. ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا وذِكْرًا لِتَكَسُّبِهِمْ أفْعالَ الِاسْتِقامَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ عَلى العُمُومِ في اسْتِقامَةٍ وغَيْرِها إنَّما يَكُونُ مَعَ خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ الإيمانَ في صَدْرِ المَرْءِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَذا أمْرٌ قَدْ وُكِلَ إلَيْنا، فَإنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ لَمْ نَشَأْ لَمْ نَسْتَقِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ: يا ابْنَ آدَمَ، تُرِيدُ وأُرِيدُ، فَتَتْعَبُ فِيما تُرِيدُ، ولا يَكُونُ إلّا ما أُرِيدُ".» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكْوِيرِ] والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِينَ

التكوير 81:27

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، إمّا أمْ تَكُونُ "لا" زائِدَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ رَدَّ القَوْلِ قُرَيْشٌ في تَكْذِيبِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الدَرارِي السَبْعَةُ، الشَمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والمِرِّيخُ والزَهْرَةُ والمُشْتَرى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ الخَمْسَةُ دُونَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْنِسُ في جَرْيِها أيْ تَتَقَهْقَرُ فِيما تَرى العَيْنُ، وهو جِوارٌ في السَماءِ، وأثْبَتُ يَعْقُوبُ الياءَ في "الجَوارِي" في الوَقْفِ، وحَذَفَها الباقُونَ، وهي تَكْنُسُ في أبْراجِها، أيْ تَسْتَتِرُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المُرادُ النُجُومُ كُلُّها، لِأنَّها تَخْنِسُ وتَكْنُسُ بِالنَهارِ حِينَ تَخْتَفِي، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والنَخْعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ "بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ" بَقَرُ الوَحْشِ لِأنَّها تَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ في كُنّاسِها، وهي المَواضِعُ الَّتِي تَأْوِي إلَيْها مِنَ الشَجَرِ والغَيْرانِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ: هي الظِباءُ، وذَهَبَ هَؤُلاءِ في "الخَنْسِ" إلى أنَّهُ مِن صِفَةِ الأُنُوفِ لِأنَّها يَلْزَمُها الخُنَّسُ، وكَذَلِكَ هي بَقَرُ الوَحْشِ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٥٠) ؎ سِوى بازِ بَيْضٍ أو غَزالِ صَرِيمَةٍ ∗∗∗ أغَنٍّ مِنَ الخُنْسِ المَناخِرِ تَوْأمِ "وَعَسْعَسَ اللَيْلُ" في اللُغَةِ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَحْكِمِ الإظْلامِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في وقْتِ إقْبالِهِ، وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ عِنْدَ إدْبارِهِ وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، ويُرَجِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: "والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ"، فَكَأنَّهُما حالانِ مُتَّصِلانِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ قُرْطٍ: ؎ حَتّى إذا الصُبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ ∗∗∗ وانْجابَ عنها لَيْلُها وعَسْعَسا وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ تَعالى بِإقْبالِهِ وإدْبارِهِ مَعًا، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: عَسْعَسَ اللَيْلُ وسَعْسَعَ إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ. و"تَنَفَّسَ الصُبْحُ": اسْتَطارَ واتَّسَعَ ضَوْءُهُ، وقالَ عِلْوانُ بْنُ قَيْسٍ: ؎ ولَيْلٌ دُجى تَنَفَّسَ فَجْرُهُ لَهم ∗∗∗ بَعْدَ أنْ خالُوهُ لَنْ يَتَنَفَّسا والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الآياتِ كُلِّها، والقَوْلُ الأوَّلُ (p-٥٥١)أصَحُّ، و"كَرِيمٍ" في هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِقُوَّةِ مَنحِهِ اللهَ إيّاها. واخْتَلَفَ الناسُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾، فَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ذِي قُوَّةٍ"، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وتَعَلَّقَ الظَرْفُ بِقَوْلِهِ: "مَكِينٍ"، ومَعْناهُ: لَهُ مَكانَةٌ ورِفْعَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ مَعْناهُ: مَقْبُولُ القَوْلِ مُصَدِّقٌ بِقَوْلِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُرْسِلُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ مِن وحْيٍ وامْتِثالِ أمْرٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، وذَكَرَ اللهَ تَعالى نَفْسَهُ بِالإضافَةِ إلى عَرْشِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَلَكُوتِهِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "رَآهُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ حِينَ رَآهُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الإسْراءِ، وسَمّى ذَلِكَ المَوْضِعَ أُفُقًا مَجازًا، وقَدْ كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رُؤْيَةٌ ثانِيَةٌ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ. ووَصَفَ تَعالى الأُفُقَ بِالمُبِينِ لِأنَّهُ كانَ في الشَرْقِ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَمْسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا فَكُلُّ أُفُقٍ فَهو في غايَةِ البَيانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ بِالضادِ بِمَعْنى: بَخِيلٍ، أيْ: يَشِحُّ بِهِ، ولا يَبْلُغُ ما قِيلَ لَهُ ويَبْخَلُ كَما يَفْعَلُ الكاهِنُ حَتّى يُعْطى حُلْوانُهُ. وبِالضادِ هي في خُطُوطِ المَصاحِفِ كُلِّها فِيما قالَهُ الطَبَرِيُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وجَماعَةٍ وافِرَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وعائِشَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُسْلِمٌ وابْنُ جُنْدُبٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "بِظَنِينٍ" بِالظاءِ، أيْ بِمُتَّهَمٍ، وهَذا في المَعْنى نَظِيرُ وصْفِهِ بِأمِينٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِضَعِيفِ القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٍ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الظاءِ مُشالَةً لِأنَّ (p-٥٥٢)قُرَيْشًا لَمْ تُبَخِّلْ مُحَمَّدًا ﷺ فِيما يَأْتِي بِهِ وإنَّما كَذَّبَتْهُ فَقِيلَ ما هو بِمُتَّهَمٍ. ثُمَّ نَفى تَعالى عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ كَلامَ شَيْطانٍ، عَلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا كاهِنٌ، و"رَجِيمٍ" مَعْناهُ مُبْعَدٍ مَرْجُومٍ بِالكَواكِبِ واللَعْنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأيْنَ تَذْهَبُونَ" تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، عَلى مَعْنى: أيْنَ المَذْهَبُ لِأحَدٍ عن هَذِهِ الحَقائِقِ، و"الذِكْرُ" هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَذْكِرَةِ. ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا وذِكْرًا لِتَكَسُّبِهِمْ أفْعالَ الِاسْتِقامَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ عَلى العُمُومِ في اسْتِقامَةٍ وغَيْرِها إنَّما يَكُونُ مَعَ خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ الإيمانَ في صَدْرِ المَرْءِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَذا أمْرٌ قَدْ وُكِلَ إلَيْنا، فَإنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ لَمْ نَشَأْ لَمْ نَسْتَقِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ: يا ابْنَ آدَمَ، تُرِيدُ وأُرِيدُ، فَتَتْعَبُ فِيما تُرِيدُ، ولا يَكُونُ إلّا ما أُرِيدُ".» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكْوِيرِ] والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِينَ

التكوير 81:28

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، إمّا أمْ تَكُونُ "لا" زائِدَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ رَدَّ القَوْلِ قُرَيْشٌ في تَكْذِيبِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الدَرارِي السَبْعَةُ، الشَمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والمِرِّيخُ والزَهْرَةُ والمُشْتَرى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ الخَمْسَةُ دُونَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْنِسُ في جَرْيِها أيْ تَتَقَهْقَرُ فِيما تَرى العَيْنُ، وهو جِوارٌ في السَماءِ، وأثْبَتُ يَعْقُوبُ الياءَ في "الجَوارِي" في الوَقْفِ، وحَذَفَها الباقُونَ، وهي تَكْنُسُ في أبْراجِها، أيْ تَسْتَتِرُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المُرادُ النُجُومُ كُلُّها، لِأنَّها تَخْنِسُ وتَكْنُسُ بِالنَهارِ حِينَ تَخْتَفِي، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والنَخْعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ "بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ" بَقَرُ الوَحْشِ لِأنَّها تَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ في كُنّاسِها، وهي المَواضِعُ الَّتِي تَأْوِي إلَيْها مِنَ الشَجَرِ والغَيْرانِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ: هي الظِباءُ، وذَهَبَ هَؤُلاءِ في "الخَنْسِ" إلى أنَّهُ مِن صِفَةِ الأُنُوفِ لِأنَّها يَلْزَمُها الخُنَّسُ، وكَذَلِكَ هي بَقَرُ الوَحْشِ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٥٠) ؎ سِوى بازِ بَيْضٍ أو غَزالِ صَرِيمَةٍ ∗∗∗ أغَنٍّ مِنَ الخُنْسِ المَناخِرِ تَوْأمِ "وَعَسْعَسَ اللَيْلُ" في اللُغَةِ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَحْكِمِ الإظْلامِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في وقْتِ إقْبالِهِ، وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ عِنْدَ إدْبارِهِ وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، ويُرَجِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: "والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ"، فَكَأنَّهُما حالانِ مُتَّصِلانِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ قُرْطٍ: ؎ حَتّى إذا الصُبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ ∗∗∗ وانْجابَ عنها لَيْلُها وعَسْعَسا وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ تَعالى بِإقْبالِهِ وإدْبارِهِ مَعًا، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: عَسْعَسَ اللَيْلُ وسَعْسَعَ إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ. و"تَنَفَّسَ الصُبْحُ": اسْتَطارَ واتَّسَعَ ضَوْءُهُ، وقالَ عِلْوانُ بْنُ قَيْسٍ: ؎ ولَيْلٌ دُجى تَنَفَّسَ فَجْرُهُ لَهم ∗∗∗ بَعْدَ أنْ خالُوهُ لَنْ يَتَنَفَّسا والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الآياتِ كُلِّها، والقَوْلُ الأوَّلُ (p-٥٥١)أصَحُّ، و"كَرِيمٍ" في هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِقُوَّةِ مَنحِهِ اللهَ إيّاها. واخْتَلَفَ الناسُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾، فَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ذِي قُوَّةٍ"، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وتَعَلَّقَ الظَرْفُ بِقَوْلِهِ: "مَكِينٍ"، ومَعْناهُ: لَهُ مَكانَةٌ ورِفْعَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ مَعْناهُ: مَقْبُولُ القَوْلِ مُصَدِّقٌ بِقَوْلِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُرْسِلُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ مِن وحْيٍ وامْتِثالِ أمْرٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، وذَكَرَ اللهَ تَعالى نَفْسَهُ بِالإضافَةِ إلى عَرْشِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَلَكُوتِهِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "رَآهُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ حِينَ رَآهُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الإسْراءِ، وسَمّى ذَلِكَ المَوْضِعَ أُفُقًا مَجازًا، وقَدْ كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رُؤْيَةٌ ثانِيَةٌ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ. ووَصَفَ تَعالى الأُفُقَ بِالمُبِينِ لِأنَّهُ كانَ في الشَرْقِ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَمْسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا فَكُلُّ أُفُقٍ فَهو في غايَةِ البَيانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ بِالضادِ بِمَعْنى: بَخِيلٍ، أيْ: يَشِحُّ بِهِ، ولا يَبْلُغُ ما قِيلَ لَهُ ويَبْخَلُ كَما يَفْعَلُ الكاهِنُ حَتّى يُعْطى حُلْوانُهُ. وبِالضادِ هي في خُطُوطِ المَصاحِفِ كُلِّها فِيما قالَهُ الطَبَرِيُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وجَماعَةٍ وافِرَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وعائِشَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُسْلِمٌ وابْنُ جُنْدُبٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "بِظَنِينٍ" بِالظاءِ، أيْ بِمُتَّهَمٍ، وهَذا في المَعْنى نَظِيرُ وصْفِهِ بِأمِينٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِضَعِيفِ القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٍ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الظاءِ مُشالَةً لِأنَّ (p-٥٥٢)قُرَيْشًا لَمْ تُبَخِّلْ مُحَمَّدًا ﷺ فِيما يَأْتِي بِهِ وإنَّما كَذَّبَتْهُ فَقِيلَ ما هو بِمُتَّهَمٍ. ثُمَّ نَفى تَعالى عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ كَلامَ شَيْطانٍ، عَلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا كاهِنٌ، و"رَجِيمٍ" مَعْناهُ مُبْعَدٍ مَرْجُومٍ بِالكَواكِبِ واللَعْنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأيْنَ تَذْهَبُونَ" تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، عَلى مَعْنى: أيْنَ المَذْهَبُ لِأحَدٍ عن هَذِهِ الحَقائِقِ، و"الذِكْرُ" هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَذْكِرَةِ. ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا وذِكْرًا لِتَكَسُّبِهِمْ أفْعالَ الِاسْتِقامَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ عَلى العُمُومِ في اسْتِقامَةٍ وغَيْرِها إنَّما يَكُونُ مَعَ خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ الإيمانَ في صَدْرِ المَرْءِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَذا أمْرٌ قَدْ وُكِلَ إلَيْنا، فَإنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ لَمْ نَشَأْ لَمْ نَسْتَقِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ: يا ابْنَ آدَمَ، تُرِيدُ وأُرِيدُ، فَتَتْعَبُ فِيما تُرِيدُ، ولا يَكُونُ إلّا ما أُرِيدُ".» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكْوِيرِ] والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِينَ

التكوير 81:29

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، إمّا أمْ تَكُونُ "لا" زائِدَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ رَدَّ القَوْلِ قُرَيْشٌ في تَكْذِيبِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الدَرارِي السَبْعَةُ، الشَمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والمِرِّيخُ والزَهْرَةُ والمُشْتَرى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ الخَمْسَةُ دُونَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْنِسُ في جَرْيِها أيْ تَتَقَهْقَرُ فِيما تَرى العَيْنُ، وهو جِوارٌ في السَماءِ، وأثْبَتُ يَعْقُوبُ الياءَ في "الجَوارِي" في الوَقْفِ، وحَذَفَها الباقُونَ، وهي تَكْنُسُ في أبْراجِها، أيْ تَسْتَتِرُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المُرادُ النُجُومُ كُلُّها، لِأنَّها تَخْنِسُ وتَكْنُسُ بِالنَهارِ حِينَ تَخْتَفِي، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والنَخْعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ "بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ" بَقَرُ الوَحْشِ لِأنَّها تَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ في كُنّاسِها، وهي المَواضِعُ الَّتِي تَأْوِي إلَيْها مِنَ الشَجَرِ والغَيْرانِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ: هي الظِباءُ، وذَهَبَ هَؤُلاءِ في "الخَنْسِ" إلى أنَّهُ مِن صِفَةِ الأُنُوفِ لِأنَّها يَلْزَمُها الخُنَّسُ، وكَذَلِكَ هي بَقَرُ الوَحْشِ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٥٠) ؎ سِوى بازِ بَيْضٍ أو غَزالِ صَرِيمَةٍ ∗∗∗ أغَنٍّ مِنَ الخُنْسِ المَناخِرِ تَوْأمِ "وَعَسْعَسَ اللَيْلُ" في اللُغَةِ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَحْكِمِ الإظْلامِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في وقْتِ إقْبالِهِ، وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ عِنْدَ إدْبارِهِ وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، ويُرَجِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: "والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ"، فَكَأنَّهُما حالانِ مُتَّصِلانِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ قُرْطٍ: ؎ حَتّى إذا الصُبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ ∗∗∗ وانْجابَ عنها لَيْلُها وعَسْعَسا وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ تَعالى بِإقْبالِهِ وإدْبارِهِ مَعًا، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: عَسْعَسَ اللَيْلُ وسَعْسَعَ إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ. و"تَنَفَّسَ الصُبْحُ": اسْتَطارَ واتَّسَعَ ضَوْءُهُ، وقالَ عِلْوانُ بْنُ قَيْسٍ: ؎ ولَيْلٌ دُجى تَنَفَّسَ فَجْرُهُ لَهم ∗∗∗ بَعْدَ أنْ خالُوهُ لَنْ يَتَنَفَّسا والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الآياتِ كُلِّها، والقَوْلُ الأوَّلُ (p-٥٥١)أصَحُّ، و"كَرِيمٍ" في هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِقُوَّةِ مَنحِهِ اللهَ إيّاها. واخْتَلَفَ الناسُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾، فَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ذِي قُوَّةٍ"، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وتَعَلَّقَ الظَرْفُ بِقَوْلِهِ: "مَكِينٍ"، ومَعْناهُ: لَهُ مَكانَةٌ ورِفْعَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ مَعْناهُ: مَقْبُولُ القَوْلِ مُصَدِّقٌ بِقَوْلِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُرْسِلُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ مِن وحْيٍ وامْتِثالِ أمْرٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، وذَكَرَ اللهَ تَعالى نَفْسَهُ بِالإضافَةِ إلى عَرْشِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَلَكُوتِهِ. وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "رَآهُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ حِينَ رَآهُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الإسْراءِ، وسَمّى ذَلِكَ المَوْضِعَ أُفُقًا مَجازًا، وقَدْ كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رُؤْيَةٌ ثانِيَةٌ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ. ووَصَفَ تَعالى الأُفُقَ بِالمُبِينِ لِأنَّهُ كانَ في الشَرْقِ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَمْسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا فَكُلُّ أُفُقٍ فَهو في غايَةِ البَيانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ بِالضادِ بِمَعْنى: بَخِيلٍ، أيْ: يَشِحُّ بِهِ، ولا يَبْلُغُ ما قِيلَ لَهُ ويَبْخَلُ كَما يَفْعَلُ الكاهِنُ حَتّى يُعْطى حُلْوانُهُ. وبِالضادِ هي في خُطُوطِ المَصاحِفِ كُلِّها فِيما قالَهُ الطَبَرِيُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وجَماعَةٍ وافِرَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وعائِشَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُسْلِمٌ وابْنُ جُنْدُبٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "بِظَنِينٍ" بِالظاءِ، أيْ بِمُتَّهَمٍ، وهَذا في المَعْنى نَظِيرُ وصْفِهِ بِأمِينٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِضَعِيفِ القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٍ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الظاءِ مُشالَةً لِأنَّ (p-٥٥٢)قُرَيْشًا لَمْ تُبَخِّلْ مُحَمَّدًا ﷺ فِيما يَأْتِي بِهِ وإنَّما كَذَّبَتْهُ فَقِيلَ ما هو بِمُتَّهَمٍ. ثُمَّ نَفى تَعالى عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ كَلامَ شَيْطانٍ، عَلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا كاهِنٌ، و"رَجِيمٍ" مَعْناهُ مُبْعَدٍ مَرْجُومٍ بِالكَواكِبِ واللَعْنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأيْنَ تَذْهَبُونَ" تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، عَلى مَعْنى: أيْنَ المَذْهَبُ لِأحَدٍ عن هَذِهِ الحَقائِقِ، و"الذِكْرُ" هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَذْكِرَةِ. ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا وذِكْرًا لِتَكَسُّبِهِمْ أفْعالَ الِاسْتِقامَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ عَلى العُمُومِ في اسْتِقامَةٍ وغَيْرِها إنَّما يَكُونُ مَعَ خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ الإيمانَ في صَدْرِ المَرْءِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَذا أمْرٌ قَدْ وُكِلَ إلَيْنا، فَإنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ لَمْ نَشَأْ لَمْ نَسْتَقِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ: يا ابْنَ آدَمَ، تُرِيدُ وأُرِيدُ، فَتَتْعَبُ فِيما تُرِيدُ، ولا يَكُونُ إلّا ما أُرِيدُ".» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكْوِيرِ] والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِينَ