Lafzullah

أحكام القرآن — البقرة 2:238 – النساء 4:94

المؤلف / المصدر: ابن الفرس (ت 597هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-27781)

المحتويات
  1. البقرة 2:238
  2. البقرة 2:239
  3. البقرة 2:240
  4. البقرة 2:241
  5. البقرة 2:243
  6. البقرة 2:247
  7. البقرة 2:249
  8. البقرة 2:256
  9. البقرة 2:259
  10. البقرة 2:267
  11. البقرة 2:271
  12. البقرة 2:272
  13. البقرة 2:273
  14. البقرة 2:275
  15. البقرة 2:276
  16. البقرة 2:277
  17. البقرة 2:278
  18. البقرة 2:279
  19. البقرة 2:280
  20. البقرة 2:282
  21. البقرة 2:283
  22. البقرة 2:284
  23. آل عمران 3:7
  24. آل عمران 3:28
  25. آل عمران 3:35
  26. آل عمران 3:36
  27. آل عمران 3:37
  28. آل عمران 3:41
  29. آل عمران 3:44
  30. آل عمران 3:75
  31. آل عمران 3:77
  32. آل عمران 3:85
  33. آل عمران 3:89
  34. آل عمران 3:90
  35. آل عمران 3:97
  36. آل عمران 3:102
  37. آل عمران 3:103
  38. آل عمران 3:104
  39. آل عمران 3:118
  40. آل عمران 3:128
  41. النساء 4:1
  42. النساء 4:2
  43. النساء 4:3
  44. النساء 4:4
  45. النساء 4:5
  46. النساء 4:6
  47. النساء 4:7
  48. النساء 4:8
  49. النساء 4:11
  50. النساء 4:12
  51. النساء 4:15
  52. النساء 4:16
  53. النساء 4:17
  54. النساء 4:18
  55. النساء 4:19
  56. النساء 4:20
  57. النساء 4:21
  58. النساء 4:22
  59. النساء 4:23
  60. النساء 4:24
  61. النساء 4:25
  62. النساء 4:29
  63. النساء 4:30
  64. النساء 4:31
  65. النساء 4:32
  66. النساء 4:33
  67. النساء 4:34
  68. النساء 4:35
  69. النساء 4:43
  70. النساء 4:48
  71. النساء 4:58
  72. النساء 4:59
  73. النساء 4:86
  74. النساء 4:90
  75. النساء 4:91
  76. النساء 4:92
  77. النساء 4:93
  78. النساء 4:94

البقرة 2:238

٢٣٨- قوله تعالى :( حافظوا على الصلوات ) إلى قوله :( والذين يتوفون منكم ) |البقرة : ٢٣٨، ٢٣٩|. هذه الآية أمر الله تعالى فيها بالمحافظة على إقامة الصلوات، في أوقاتها بجميع شروطها. وذكر تعالى الصلاة الوسطى ثانية وقد دخلت في عموم الصلوات، لأنه قصد تشريفها وإغراء المصلين بها وقد قرئت(١) : " والصلاة الوسطى " بالنصب على الإغراء(٢)، واختلف الناس في هذه الصلاة على ثمانية أقوال : فذهبت فرقة إلى أنها الصبح، وأن لفظ " وسطى " يعطي الترتيب لأن قبلها صلاتي الليل(٣)، يجهر فيهما وبعدهما صلاتا النهار(٤)، يسر فيهما وهو قول مالك، وجماعة من أهل العلم(٥). وقالت فرقة : هي صلاة الظهر، وهو قول زيد بن ثابت، ورفع فيها حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم(٦). واحتج قائلو هذا بأنها أول صلاة صليت في الإسلام فهي وسطى بذلك أي فضلى، وليس هذا بالتوسط في الترتيب. ويدل لذلك ما قالت حفصة وعائشة حين أملتا ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) صلاة العصر(٧). وقالت فرقة : هي صلاة العصر لأن قبلها صلاتي نهار وبعدها صلاتي ليل. وفي مصحف عائشة : " والصلاة الوسطى –وهي صلاة العصر " (٨). وفي إملاء حفصة : " والصلاة الوسطى –وهي صلاة العصر " (٩) فيتأول فيه أنه عطف إحدى الصفتين على الأخرى وهما شيء واحد. وروي عن ابن عباس أنه قرأ : " والصلاة الوسطى –صلاة العصر " (١٠) على البدل. وروى هذا القول سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم(١١). وقال صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا " (١٢). وقال البراء بن عازب : كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " حافظوا على الصلوات وصلاة العصر " ثم نسخها الله تعالى فقرأنا " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) فقال له رجل : فهي صلاة العصر ؟ قال : قد أخبرتك قال : كيف قرأناها وكيف نسخت(١٣). وروى أبو مالك الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :'الصلاة الوسطى صلاة العصر " (١٤). وقال قبيصة بن ذؤيب : " الصلاة الوسطى صلاة المغرب " لأنها متوسطة في عدد الركعات ليست ثنائية ولا رباعية(١٥). وقالت فرقة : الصلاة الوسطى صلاة العشاء الأخيرة(١٦). وقالت فرقة : الصلاة الوسطى لم يعينها الله تعالى لنا فهي في جملة الخمس غير معينة كليلة القدر في ليالي العشر جعل الله تعالى ذلك لتقع المحافظة على الجميع(١٧). وقالت فرقة : الصلاة الوسطى صلاة الجمعة فإنها وسطى أي فضلى أي وسطى لما خصت به من الجمع والخطبة وجعلت عيدا(١٨). وقال بعض العلماء : الصلاة الوسطى المكتوبات الخمس وقوله أولا :( على الصلوات ) يعم الفرض والنفل، ثم خص الفرض بالذكر(١٩). وقال المازري : يضعف قول من قال إنها الجمعة بأن المفهوم من الأمر المحافظة عليها من أجل المشقة فيها، والجمعة صلاة واحدة في سبعة أيام فلا مشقة فيها في الغالب(٢٠). وكذلك يضعف قول من قال : إنها جميع الصلوات، لأن أهل الفصاحة لا يذكرون شيئا مفصلا ثم يشيرون إليه مجملا. وإنما يصنعون عكس ذلك(٢١). والوسط إما يراد به التوسط في الركوع والسجود أو في العدد والزمان. فأما الركوع فإن حكم الصلاة فيه واحد فهذا القسم لا يراعى فيه للاتفاق عليه. وأما إن راعينا العدد فإنه يؤدي إلى أنها المغرب، وإن راعينا الزمان كان الصحيح أنها إحدى صلاتين إما الصبح وإما العصر، فأما الصبح فإنا إذا قلنا ما بين الفجر إلى طلوع الشمس ليس من النهار ولا من الليل كانت هي الوسطى لأنها الظهر والعصر من النهار والعشاء والمغرب من الدليل قطعا، ووقت المغرب مشترك بين الوقتين فهو وسط وعلى القول لأن ذلك الزمان من النهار يكون الأظهر أن الوسطى العصر لأن الصبح والظهر يسبقان العصر والمغرب والعشاء يتأخران عن العصر فهي إذا وسط بينهما. وقد احتج أصحابنا بأنها الصبح بالمشقة(٢٢) اللاحقة في إتيانها. وقال من ذهب إلى أنها العصر، أن العصر أيضا كانت تأتي وقت اشتغالهم بمعاشهم، فكانت تشق عليهم فأكد عليهم أمرها. ويؤيد أن أرجح الأقوال قول من زعم أنها الصبح أو العصر قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من صلى البردين دخل الجنة " (٢٣) قيل : المراد بها الصبح والعصر. وقال يعقوب(٢٤) : البردان : الغداة والعشاء(٢٥). قلت : فعلى ما تقدم يأتي في الوقت من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس قولان : أحدهما : أنه ليس من الليل ولا من النهار. والثاني : أنه من النهار. وفيه قول ثالث : أنه من الليل، وعليه يأتي قول من أجاز الأكل بعد طلوع الفجر في الصوم. واختلف في الوتر فعندنا أنها سنة مؤكدة(٢٦)، وعند أبي حنيفة أنها واجبة وليست بفرض. وعنده رواية أخرى أنها فرض. ودليلنا قوله تعالى :( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) فلو كانت الوتر واجبة لكانت ستا ولا وسط للست. ٢٣٨- وقوله تعالى :( وقوموا لله قانتين ) |البقرة : ٢٣٨|. معناه في صلواتكم(٢٧). واختلف في هذه الآية هل هي ناسخة أم لا ؟ فذهب السدي إلى أنها ناسخة. ومعنى ( قانتين ) ساكتين(٢٨)، وهذه الآية نزلت في المنع من الكلام في الصلاة، وكان ذلك مباحا في صدر الإسلام. وقال عبد الله بن مسعود : كنا نتكلم في الصلاة ونرد السلام، ويسأل الرجل صاحبه حاجته. قال : ودخلت يوما والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس، فسلمت عليه، فلم يرد علي السلام فاشتد ذلك علي. فلما فرغ صلى الله عليه وسلم، فقال : " إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أنه أمرنا أن نقوم قانتين، لا نتكلم في الصلاة ) (٢٩). وقد اختلف في ترك الكلام في الصلاة هل هو سنة أم فريضة ؟ على قولين في المذهب، والظاهر أنه فرض، والحجة لهذا قوله تعالى :( وقوموا لله قانتين ) والأمر للوجوب(٣٠). وقد أجمع الناس على أن الكلام في الصلاة عمدا إذا لم يكن لإصلاحها(٣١) يفسدها إلا الأوزاعي فإنه قال : من تكلم في الصلاة لإحياء نفس أو لمثل ذلك من الأمور الجسام لم تفسد صلاته بذلك ويمضي(٣٢) عليها(٣٣). وقال بعضهم عنه : ومثل ذلك لو رأى ذيبا يثب على غنم ونحو ذلك(٣٤). ولزم اللخمي على المذهب نحو قول الأوزاعي. وعموم الأمر بالسكوت في الآية والنهي الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك يرد هذا إلا أن يخصص بدليل واضح. وأما الكلام في الصلاة لإصلاحها في نحو قصة ذي اليدين حين سلم النبي صلى الله عليه وسلم من اثنتين، وتكلم مع الناس ثم رجع إلى الصلاة وأتمها(٣٥). فاختلف في ذلك اختلافا كثيرا. فروى ابن القاسم عن مالك : أن ذلك جائز في تلك القصة المروية وغيرها، فيخصص على قوله عموم الأمر بالسكوت، وعموم النهي عن الكلام(٣٦) بهذا الخبر(٣٧). ومن أصحاب مالك من قال : لا يجوز ذلك إلا في قصة ذي اليدين خاصة إذا سلم الإمام من اثنتين، وإذا سلم من واحدة أو ثلاثة، أو منع غير ذلك، فلا يجوز التكلم ولو في إصلاح الصلاة، فخصص من قال ذلك العموم بالحديث ولم يقس عليه. وقال ابن كنانة من أصحاب مالك : إن ذلك لا يجوز بوجه لا في قصة ذي اليدين ولا فيما أشبهها(٣٨). واختلفوا في تأويل قصة ذي اليدين فمنهم من رآها خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم(٣٩)، ومنهم من رآها منسوخة بالآية والحديث. وضعف أبو عمر(٤٠) النسخ(٤١). وبنحو قول ابن كنانة قال أبو حنيفة والشافعي : أنه لا يجوز الكلام عمدا لإصلاح الصلاة. وتأول أصحاب الشافعي الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما تكلم وهو يرى أنه في غير صلاة. وتكلم من تكلم معه من أصحابه، وهم يرون أن الصلاة قصرت فلم يتكلموا وهم يرون أنهم في صلاة(٤٢). ومنهم من قال لم يتكلموا، وإنما أومؤوا " أي نعم " (٤٣)، فعبر عنه بالقول وروي في ذلك حديث(٤٤). وأما الكلام سهوا فلا يبطل الصلاة عند مالك والشافعي خلافا لأبي حنيفة، والحجة عليه حديث ذي اليدين فإنه صلى الله عليه وسلم تكلم ساهيا. واختلف فيمن تكلم جاهلا يظن أن الكلام في الصلاة جائز فقيل : تفسد صلاته لأنه متعمد، وقيل : تصح لأنه تأول في أصل حكم الصلاة(٤٥). وقال سعيد بن المسيب يجوز رد السلام في الصلاة. وخالفه الجمهور، ورأوه كلاما عمدا يبطل الصلاة لعموم الآية ومخالفته لنص الحديث. وأما رده إشارة للجائز فليست بكلام خلافا لأبي حنيفة في أنه لا يرد إشارة. والذين ذهبوا إلى أنها ليست بناسخة اختلفوا في معناها، فقال قوم :( قانتين ) مطيعين قاله الشعبي وغيره(٤٦). وقال مجاهد : معنى ( قانتين ) خاشعين(٤٧). وقال قوم : القنوت الدعاء. واستدل القاضي أبو محمد على أن الصلاة الوسطى صلاة الصبح بقوله تعالى :( وقوموا لله قانتين ) والقنوت لا يكون إلا في صلاة الصبح. فأشار إلى أن المراد بذلك القنوت الذي يكون في صلاة الصبح(٤٨) وفيه إثبات القنوت في الفجر خلافا لمن لا يجيزه فيه. وفي القنوت في الوتر اختلاف كثير(٤٩). وقال الربيع : القنوت طول القيام والركوع والانتصاب له(٥٠). قلت يؤخذ أيضا من هذه الآية أن القيام ركن من أركان الصلاة، وشرط في صحتها مع القدرة عليه ولا خلاف في ذلك إلا خلافا شاذا حكاه اللخمي. وروى عمران بن حصين قال : كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " صل قائما، فإن لم تستطع فعلى جنب " (٥١) فخص بهذا الخبر من عموم الآية من لم يستطع القيام وبقيت الآية على عمومها في المستطيعين. وثبت أيضا بحديث عائشة في " الموطأ " (٥٢) جواز القعود في التنقل مع القدرة على القيام. فخص بذلك الآية أيضا على قول من زعم أنها تتناول الفرض والنفل. وبقيت عامة في المستطيعين للقيام في الفريضة فعلى هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : " صلاة القاعد، على النصف من صلاة القائم " (٥٣) إنما ينبغي أن يحمل إما على صلاة الفرض مع عدم الاستطاعة على القيام، أو على صلاة النفل مع الاستطاعة أو عدمها خلافا لما حكاه ابن حبيب عن ابن الماجشون من أن الحديث فيمن يستطيع أن يصلي قائما والقعود أرفق به قال : فأما من أقعده المرض في مكتوبة أو نافلة، فإن صلاته قاعدا مثل صلاته قائما في الثواب وخلافا للقاضي ابن إسحاق في قوله : إن الحديث في النوافل خاصة. ١ في أ "قرئ".. ٢ قاله ابن عطية، ونسب هذه القراءة للحلواني وأبي جعفر الرؤاسي كما في المحرر الوجيز (٢/١٤١، ١٤٢).. ٣ في ب "ليل".. ٤ في أ "نهار".. ٥ يراجع من قال بذلك في المحرر الوجيز (٢/١٤٢) وتفسير الطبري (٢/٧٤٨ -٧٥٠).. ٦ رواه أبو داود في الصلاة (٤١١) والنسائي في الكبرى (٣٥٧) ويراجع فتح الباري (٨/١٩٦).. ٧ في أ و ب "صلاة الظهر" والمثبت هو الصواب كما في الموطأ في الصلاة (١/٢٠٠، ٢٠١/ ٣٦٧ و٣٦٨).. ٨ رواه عنهما الطبري في تفسيره (٢/٧٤٦، ٧٤٧) ورواه غيره وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٤٤).. ٩ رواه عنهما الطبري في تفسيره (٢/٧٤٦، ٧٤٧) ورواه غيره وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٤٤).. ١٠ رواه الطبري في تفسيره (٢/٧٤٧) وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٤٤).. ١١ رواه الطبري في تفسيره (٢/٧٤٢) وأحمد في المسند (٥/١٢، ١٤) والترمذي (١٨٢) و (٢٩٨٣).. ١٢ أخرجه عن علي بن أبي طالب البخاري في الجهاد (٢٩٣١) ومسلم في المساجد، (٦٢٧).. ١٣ أخرجه مسلم في المساجد (٦٣٠).. ١٤ رواه الطبري في تفسيره (٢/٧٤٣) وقال ابن كثير في تفسيره (١/٢٩٣): "إسناده لا بأس به". واعلم أن الصواب في هذا هو القول أنها لثبوت نصوص في ذلك أصح سندا وأصرح عبارة، قال أبو جعفر الطبري في تفسيره (٢/٧٥١، ٧٥٢): "والصواب من القول في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها قبل في تأويله وهو أنها العصر. والذي حث الله تعالى ذكره عليه من ذلك نظير الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحث عليه" فيراجع بقية كلامه الممتع هناك. ووافقه المحققون المنصفون مثل ابن عطية في تفسيره (٢/١٤٥) وابن كثير (١/٢٩٣ -٢٩٥) وابن العربي وابن حبيب من المالكية كما في تفسير القرطبي (٣/٢١٠) وابن حجر وحقق في ذلك في فتح الباري (٨/١٩٦ -١٩٨).. ١٥ يراجع قوله في المحرر الوجيز (٢/١٤٥) وأحكام القرآن للجصاص (٢/١٥٥) وتفسير القرطبي (٣/٢١٠) وفتح الباري (٨/١٩٦).. ١٦ المحرر الوجيز (٢/١٤٦) وتفسير القرطبي (٣/٢١٠) وفتح الباري (٨/١٩٧).. ١٧ المحرر الوجيز (٢/١٤٦) ورجحه ابن عبد البر والقرطبي كما في تفسيره (٣/٢١٢، ٢١٣) والفتح (٨/١٩٦، ١٩٧).. ١٨ المحرر الوجيز (٢/١٤٦) وتفسير القرطبي (٣/٢١١) وفتح الباري (٨/١٩٧).. ١٩ المحرر الوجيز (٢/١٤٦) وتفسير القرطبي (٣/٢١٢) وفتح الباري (٨/١٩٦).. ٢٠ في المطبوع من المعلم (١/٤٣٢) "ولا يلحق في حضورها مشقة في الغالب".. ٢١ الظاهر من المؤلف رحمه الله أنه تصرف في كلام الإمام المازري حذفا واختصارا فهنا في المعلم جملة أسقطها.. ٢٢ في المعلم "للمشقة".. ٢٣ أخرجه عن أبي موسى الأشعري البخاري في مواقيت الصلاة (٥٧٤) ومسلم في المساجد (٦٣٥).. ٢٤ هو ابن السكيت قاله في إصلاح المنطق (ص٣٩٥) وفيه "العشي" وهو موافق لما في "المعلم" ولعله أصوب.. ٢٥ انتهى كلام المازري من المعلم بفوائد مسلم (١/٤٣٢ -٤٣٤).. ٢٦ يراجع أقوال العلماء في أحكام القرآن للجصاص (٢/١٥٦) وأحكام القرآن للهراسي (١/٢١٤، ٢١٥) والإشراف لعبد الوهاب (١/٢٨٨/ رقم ٣٣٠) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٢٦).. ٢٧ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٤٦).. ٢٨ رواه عنه الطبري في تفسيره (٢/٧٥٥) وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٤٧).. ٢٩ رواه بهذا اللفظ الطبري (٢/٧٥٥/ رقم ٥٥٢٥) وبمعناه عند البخاري في العمل في الصلاة (١١٩) ومسلم في المساجد (٥٣٨) ويراجع لتفصيل ذلك العجاب في بيان الأسباب لابن حجر (ص٤١٤ -٤١٨).. ٣٠ تراجع المدونة (١/١٠٤) والاستذكار لابن البر (٤/٣١٧).. ٣١ في أ "ومضى".. ٣٢ في ن "في صلاحها".. ٣٣ ذكره عنه ابن عبد البر التمهيدي (١/٣٥٠) والاستذكار (٤/٣١٢).. ٣٤ في أ "ونحوه".. ٣٥ أخرج هذه القصة عن أبي هريرة البخاري في الأذان (٧٥٧) ومسلم في الصلاة (٣٩٧).. ٣٦ في هامش "المقال".. ٣٧ قول ابن القاسم في المدونة (١/١٣٣) والتمهيد (١/٣٤٣، ٣٤٤) قال ابن عبد البر: "هذا قول ابن القاسم في كتب المدونة، وروايته عن مالك وهو المشهور من مذهب مالك.." ويراجع له أيضا الاستذكار (٤/٣١٧، ٣١٨).. ٣٨ قول ابن كنانة ذكره أبو عمر في التمهيد (١/٣٤٤) والاستذكار (٤/٣١٨).. ٣٩ قاله أصحاب مالك والشافعي وأصحابه كما في التمهيد (١/٣٤٥ -٣٤٨) والاستذكار (٤/٣١٩ -٣٢٥).. ٤٠ في ب "ابن جبير" وفي أ "ابن عمر" والصواب هو المثبت.. ٤١ في التمهيد '١/٣٥٢ (٣٦٩) والاستذكار (٤/٣٢٨ -٣٣٦).. ٤٢ في ب "أن نعم".. ٤٣ التمهيد (١/٣٤٩، ٣٥٠) والاستذكار (٤/٣٢٣، ٣٢٤).. ٤٤ في سنن أبي داود في الصلاة (١٠٠٨) ويراجع فتح الباري (٣/١٠٢).. ٤٥ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/١٥٧ -١٦٢) والتمهيد لابن عبد البر (١/٣٤٩ -٣٥١).. ٤٦ منهم ابن عباس رواه الطبري في تفسيره (٢/٧٥٣ -٧٥٥) وذكره في المحرر الوجيز (٢/١٤٧).. ٤٧ رواه عنه الطبري (٢/٧٥٦، ٧٥٧) وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٤٧).. ٤٨ يراجع المحرر الوجيز لابن عطية (٢/١٤٢، ١٤٣) واستدلال المؤلف غير ظاهر من كلام ابن عطية.. ٤٩ يراجع في هذا شرح معاني الآثار للطحاوي (١/٢٤٥ -٢٥٤).. ٥٠ رواه الطبري عنه في تفسيره (٢/٧٥٧) وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٤٨).. ٥١ أخرجه البخاري في تقصير الصلاة (١١١٧).. ٥٢ في الصلاة (١/١٩٩، ٢٠٠/٣٦٤ و٣٦٥).. ٥٣ سبق تخريجه أخرجه عن عبد الله بن عمرو ومسلم (٧٣٥)..

البقرة 2:239

٢٣٩- قوله تعالى :( فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ) |البقرة : ٢٣٩|. أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحالة قنوت، وهو الوقار والسكينة وهذا على الحالة(١) الغالبة في الأمن والطمأنينة، ثم ذكر الله تعالى حالة الخوف الطارئة أحيانا، فرخص لعبيده في الصلاة رجالا منصرفين على الأقدام، وركبانا على الخيل ونحوها إيماء بالرؤوس(٢) حيثما توجه وإن كانوا في حال مسايفة. هذا قول جمهور أهل العلم(٣)، . وقال أبو حنيفة : لا تجوز الصلاة حال المسايفة، ويؤخرون إلى الأمن والآية حجة عليه(٤). وقوله تعالى :( فإن خفتم ) يقتضي أنواع الخوف، خوف عدو يتبعه، أو خوف سبع يطلبه، أو خوف سيل يحمله. وبالجملة، فكل أمر يخاف منه على وجه(٥) يبيح ما تضمنت هذه الآية. وفرق مالك بين خوف العدو، وخوف السبع ونحوه، بأن استحب في غير خوف العدو والإعادة في الوقت إن وقع الأمن(٦). وقال المغيرة من أصحاب مالك فيمن صلى على دابته خوفا من العدو، ويعيد ما دام في الوقت. ويحتمل أن يتأول قوله تعالى :( فإذا أمنتم ) على ذلك أي إذا أمنتم في الوقت فأعيدوا الصلاة، وأكثر فقهاء الأمصار أن لا إعادة(٧)، وهو الأظهر من الآية(٨). ٢٣٩- قوله تعالى :( فإذا أمنتم فاذكروا الله ) الآية |البقرة : ٢٣٩|. اختلف المتأولون فيها فقالت فرقة : المعنى فإن زال خوفكم فاذكروا الله بالشكر على نعمه(٩) في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء ولم تفتكم صلاة من الصلوات. وهذا هو الذي لم تكونوا تعلمونه(١٠). وقالت فرقة : وإذا كنتم آمنين قبل أو بعد فكأنه قال فمتى كنتم في أمن فاذكروا الله أي صلوا الصلاة التي علمتموها وهي التامة(١١). وقال مجاهد : معنى قوله :( فإذا أمنتم ) فإذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة(١٢). ١ في أ "وعلى هذا الحال".. ٢ في المحرر الوجيز "بالرأس".. ٣ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٤٨) وينظر أحكام القرآن لابن العربي (١/٢٢٧، ٢٢٨).. ٤ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/١٦٢ -١٦٤) وأحكام القرآن للهراسي (١/٢١٨، ٢١٩).. ٥ في المحرر الوجيز "على روحه".. ٦ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٤٨، ١٤٩).. ٧ قال ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٤٩): "وأكثر فقهاء الأمصار على أن الأمر سواء".. ٨ في المحرر الوجيز "على هذه النعمة".. ٩ في المحرر الوجيز "يعلمونه".. ١٠ قاله ابن عطية وحكى هذه الجملة الأخيرة عن النقاش فيراجع المحرر الوجيز (٢/١٥١).. ١١ ينظر الهامش السابق.. ١٢ رواه عنه الطبري في تفسيره (٢/٧٦٤)..

البقرة 2:240

٢٤٠- قوله تعالى :( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم ) |البقرة : ٢٤٠|. معنى هذه الآية، أن الرجل إذا مات، كان لزوجه أن تقيم في منزله سنة، وينفق عليها من ماله، وذلك وصية لها. واختلف العلماء ممن هذه الوصية فقالت طائفة : كانت وصية من الله تعالى تجب بعد وفاة الزوج(١). قال قتادة : كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها فلها النفقة والسكنى حولا في مال زوجها ما لم تخرج برأيها ثم نسخ ما في هذه الآية من النفقة بالربع أو بالثمن الذي في سورة النساء(٢)، ونسخ سكنى الحول الأربعة الأشهر والعشر(٣). وقالت فرقة : بل هذه الوصية من الأزواج كانوا قد ندبوا أن يوصوا للزوجات بذلك فيتوفون على هذا القول، معناه : يقاربون الوفاة ويحتضرون، لأن الميت لا يوصي. وهذا القول أيضا لقتادة والسدي. وقال السدي : إلا أن العدة كانت أربعة أشهر وعشرا، وكان الرجال يوصون بسكنى سنة ونفقتها ما لم تخرج، فلو خرجت بعد انقضاء العدة الأربعة الأشهر والعشرة سقطت الوصية، ثم نسخ الله تعالى ذلك بنزول الفرائض، فأخذت ربعها أو ثمنها ولم يكن لها سكنى ولا نفقة، وصارت الوصايا لمن لا يرث(٤). وقيل الناسخ لهذه الوصية قوله –عليه السلام- : " لا وصية لوارث " (٥) وهذان القولان لمن زعم أن الآية منسوخة. وقال الطبري عن مجاهد : إن هذه الآية محكمة لا عدة فيها، والعدة قد ثبتت أربعة أشهر وعشرا، ثم جعل الله تعالى لهن وصية منه سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قوله تعالى :( غير إخراج ) الآية(٦) |البقرة : ٢٤٠| وقد تقدم القول على(٧) هذه الآية. ١ حكاه ابن عطية عن فرقة في المحرر الوجيز (٢/١٥٣).. ٢ هي قوله تعالى: (ولهن الربع مما تركتم أن لم يكن لكم ولد فان كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم) |النساء: ١٢|.. ٣ رواه الطبري عن قتادة في تفسيره (٢/٧٦٧، ٧٦٨) وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٥٣) ويراجع العجاب في بيان الأسباب (ص٤١٨، ٤١٩).. ٤ رواه الطبري عن السدي في تفسيره (٢/٧٦٩) وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٥٣).. ٥ مضى تخريجه ص ١٦٤).. ٦ يراجع جامع البيان (٢/٧٧٠، ٧٧١) وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٥٣، ١٥٤).. ٧ في ب "في"..

البقرة 2:241

٢٤١- قوله تعالى :( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ٢٤١ ) |البقرة : ٢٤١|. اختلف في هذه الآية فقال أبو ثور : هي محكمة(١)، والمتعة لكل مطلقة : دخل بها أو لم يدخل، فرض لها أو لم يفرض بهذه الآية. وقال الزهري لكل مطلقة متعة والأمة يطلقها زوجها. وقال ابن القاسم : جعل الله المتعة لكل مطلقة بهذه الآية، ثم استثنى في الآية الأخرى التي فرض لها ولم يدخل بها فأخرجها من المتعة(٢). وزعم زيد بن أسلم أنها نسختها. قال بعض المؤلفين في التفسير : ففر ابن القاسم من لفظ النسخ إلى لفظ الاستثناء. والاستثناء لا يتجه في هذا الموضع بل هو نسخ محض كما قال زيد بن أسلم. وإذا التزم ابن القاسم أن قوله :( وللمطلقات ) عم كل مطلقة لزم القول بالنسخ ولا بد. وهذا كلام من لا يفهم معنى العموم والخصوص، ولا وقف على ما للعلماء فيه من الأقاويل. وإنما أراد ابن القاسم أنه فيه تخصيص فسماه استثناء فلا اعتراض فيما قاله. وقال عطاء ابن أبي رباح وغيره هذه الآية في الثيب اللواتي قد جومعن إذ قد تقدم في غير هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن. وقال ابن زيد : هذه الآية نزلت مؤكدة لأمر المتعة لأنه قد نزل قبل :( حقا على المحسنين ) فقال رجل : فإن لم أرد أن أحسن لم أمتع. فنزلت ( حقا على المتقين ) فوجب ذلك عليهم(٣). ١ يراجع كلام ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٥٥، ١٥٦) وأغلب كلام المؤلف منقول منه وتفسير الطبري (٢/٧٧٣، ٧٧٤) وتفسير الطبري (٣/٢٢٨، ٢٢٩).. ٢ يراجع المدونة لسحنون (٢/٣٣٢).. ٣ حكاه الطبري في تفسيره (٢/٧٧٤) قال ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٥٦): "هذا الإيجاب هو من تقويل الطبري لا من لفظ ابن زيد"..

البقرة 2:243

٢٤٣- قوله تعالى :( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهو ألوف حذر الموت ) الآية |البقرة : ٢٤٣|. قيل(١) : إنهم فروا من الطاعون وقالوا نأتي أرضا لا موت فيها فأماتهم الله، فمر عليهم نبئ فدعا الله تعالى فأحياهم. ويروى أنهم ماتوا ثمانية أيام. وقيل : إنهم أحيوا بعد أن نتنوا، وكانوا من بني إسرائيل فتلك الرائحة توجد فيهم إلى يومنا. وقيل : إنهم فروا من القتال فأماتهم الله، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد. فقال : وقاتلوا في سبيل الله. وقد كره قوم الفرار من الطاعون والوباء والأراضي السقيمة(٢). واستدلوا بهذه الآية، وقد اشتهر حديث عمر –رضي الله عنه- في خروجه إلى الشام مع أبي عبيدة، ورجوعه من أجل الوباء، واختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك عليه. وما رواه عبد الرحمان بن عوف من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :'إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه " فقيل : إن عمر -رضي الله عنه- رجع عنه بحديث عبد الرحمان(٣). وقيل : إنما حدثه به بعد أن كان قد عزم على الرجوع بما أشار به عليه مشيخة الفتح. وقال بعضهم : نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن القدوم عليه والفرار منه نهي أدب وإرشاد من ناحية قوله –عليه السلام- : " لا يرد الممرض على المصح، وليحل(٤) المصح حيث شاء " (٥). لئلا يقع بنفسه إن قدم عليه فأصابه قدر أنه إن لم يقدم عليه لنجا منه. وأما إن قدم عليه موقنا بالقدر فهو مأجور على ذلك. وإن خالف النهي لأنه ليس بنهي تحريم، قال فعلى هذا هو مخير. وقد قيل سئل مالك عن ذلك في " جامع العتبية " (٦) فقال : إن شاء قدم عليه وذكر الحديث. قال : وكذلك الخروج عنه جائز إلا أنه مكروه لمخالفة الحديث والمقام أفضل ؛ للحديث والاستسلام للقدر. وقد روى الزهري أن عمرو بن العاص حين أصاب الناس طاعون بالجابية(٧) قام بينهم فقال تفرقوا عنه فإنما هو نار. فقام معاذ فقال : لقد كنت فينا وأنت أضل من حمار أهلك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " هو رحمة لهذه الأمة " اللهم اذكر معاذا فيمن تذكره في هذه الرحمة(٨). فمات في طاعون عمواس. وروي عن عمرو أنه(٩) قال : إنه رجس فتفرقوا عنه فقال شرحبيل بن حسنة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنه رحمة ربكم ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم فلا تفرقوا عنه " وأراد بقوله : " دعوة نبيكم " قوله صلى الله عليه وسلم : " اللهم اجعل فناء أمتي بالطعن والطاعون " ووجه ما ذهب إليه عمر هو مخافة أن يصيب الإنسان بالمقام قدر فيقول القائل لو خرج لنجا. فيحصل على هذا في : الأفضل من القدوم على الوباء، أو الخروج عنه، أو ترك ذلك بعد القول بأنه لا إثم ولا حرج في شيء من ذلك، ثلاثة أقوال : أحدهما : أن الأفضل أن يقدم وألا يخرج وهو مذهب من أشار على عمر –رضي الله عنه- أن يقدم لأنه إذا رأى القدوم عليه فأحرى ألا يرى الخروج عنه. والثاني : ألا يقدم وأن يخرج عنه وهو مذهب عمر –رضي الله عنه-. والثالث : الأفضل ألا يقدم عليه، وألا يخرج عنه على حديث عبد الرحمان وهو أرجح الأقوال(١٠). قال أبو الحسن : ولا نعلم خلافا أن الكفار، وقطاع الطريق إذا قصدوا بلدة ضعيفة، لا طاقة لأهلها بهم(١١) أن لهم أن يتنحوا من بين أيديهم، وإن كانت الآجال لا تزيد ولا تنقص(١٢). ومن هذا مسألة : العدو يأخذ مركبا فيه المسلمون فيلقون أنفسهم في البحر ؛ فرارا من العدو وطمعا في النجاة. وقد اختلف في ذلك بالجواز والكراهة. ومن هذا النوع عندي الفرار وقت الزلزلة فانظره. ١ ذكر هذه الروايات والأقوال الطبري في تفسيره (٢/٧٧٦ -٧٨٢) وابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٥٧، ١٥٨) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٢٨) وتفسير البغوي (١/٢٩٢ -٢٩٤) وتفسير القرطبي (٣/٢٣٠ -٢٣٣) وتفسير ابن كثير (١/٢٩٩) وقال ابن عطية: "وهذه القصص كله لين الأسانيد".. ٢ في ب "السخيمة".. ٣ يراجع حديث ابن عباس في هذا في صحيح البخاري في الطب (٥٧٢٩) وفي الحيل (٦٩٧٣) ومسلم في السلام (٢٢١٩).. ٤ في ب "وليمض".. ٥ أخرجه البخاري في الطب، عن أبي هريرة (٥٧٧١) ومسلم في السلام (٢٢٢١) مقتصرين على الجملة الأولى فقط. وهذه الزيادة رواها مالك بلاغا في الموطأ (٢/٥٣٥/٢٧٢٤) في ثنايا حديث وهو حديث ضعيف يراجع كلام ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/١٨٨، ١٨٩) والبيهقي في السنن (٧/٢١٧) وتعليقنا على مسند الموطأ للجوهري (ص٦٢٨/ رقم ٨٤٧).. ٦ ينظر البيان والتحصيل لابن رشد (١٧/ ٣٩٦ – ط دار الغرب).. ٧ موضع الشام وهو جابية الملوك يراجع معجم ما استعجم (٢/٣٥٥).. ٨ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/٢٤٨) وصححه الحافظ بطرقه وشواهده فيراجع فتح الباري (١٠/٧٨٧، ١٨٨).. ٩ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/١٩٥، ١٩٦) والطحاوي في شرح المعاني (٤/٣٠٦) بسند صحيح كما قال الحافظ في الفتح (١٠/١٨٧) وللحديث طرق أخرى عند أحمد تراجع هناك.. ١٠ أخرجه أحمد في المسند (٤/٢٣٨) والحاكم في المستدرك (٢/٩٣) من حديث أبي بردة بن قيس أخي موسى الأشعري مرفوعا بنحوه وصححه الحاكم وقواه الحافظ ابن حجر (١٠/١٨٢).. ١١ يراجع في هذا التمهيد لابن عبد البر (٦/٢٠٩ -٢١٧) و (٨/٣٧١، ٣٧٢) وفتح الباري لابن حجر (١٠/١٨٠ -١٩٤).. ١٢ في أحكام القرآن للهراسي "لأهلها بالقاصدين"..

البقرة 2:247

٢٤٧- قوله تعالى :( إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ) الآية |البقرة : ٢٤٧|. دلت على(١) أن الإمامة لا تؤخذ بالوراثة عن بيت النبوءة أو بيت المملكة وإن ذلك إنما يستحق بالعلم والقوة. وذكر الجسم هنا كناية عن فضل القوة لاقتران فضل القوة زيادة الجسم ولم يرد به عظم الجسم بلا قوة(٢). ١ في ن بقية الآية ثم قال: "دلت هذه الآية".. ٢ كذا قال أبو الحسن الهراسي في أحكام القرآن (١/٢٢١، ٢٢٢) وهو كلام الجصاص في أحكام القرآن (٢/١٦٧)..

البقرة 2:249

٢٤٩- قوله تعالى :( فمن شرب منه فليس مني ) الآية |البقرة : ٢٤٩|. ذكر أبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة(١) أن ذلك يدل على أن الشرب من النهر إنما هو الكرع فيه ووضع الشفة عليه ؛ لأنه كان حظر الشرب فيه إلا من اغترف بيده. وهذا يدل على أن الاغتراف ليس بشرب وهو تصحيح لقول أبي حنيفة فيمن قال إن شربت من ماء الفرات فعبدي حر أنه محمول على أن يكرع فيه، وأنه إذا(٢) اغترف منه أو شرب بإناء فإنه لا يحنث(٣). وهذا بعيد لأن الله تعالى إنما أراد من شرب |من|(٤) مائه وأكثر فقد عصى، ومن اغترف غرفة بيده فأقنعه ذلك لم يكن عاصيا. فهجموا على النهر بعد عطش شديد، فوقع أكثرهم في النهر وأكثروا الشرب منه. فبان بذلك ضعف نيتهم أنهم يجبنون على لقاء العدو. وأطاع قوم قليل عددهم، فلم يزيدوا على الاغتراف، فبان بذلك صبرهم وامتثالهم للأمر، وهو استثناء متصل، وعلى ما قالوه هو استثناء منقطع، وحمله على الاتصال أولى ما أمكن(٥). وهذا الذي ذكره أبو الحسن رحمه الله في الاستثناء إنما هو إذا رد الاستثناء إلى قوله تعالى :( فمن شرب منه فليس مني ) وأما إن رد إلى قوله :( ومن لم يطعمه فإنه مني ) فلا يكون إلا منفصلا(٦). وقد استدل بعضهم بقوله :( ومن لم يطعمه ) أن الماء طعام لا يصح بيعه إلا بما يصح به بيع الطعام. والرواية المشهورة عن مالك أنه ليس بطعام وأنه يجوز بيعه بالطعام نقدا وإلى أجل وبيعه قبل قبضه وبيع بعضه ببعض متفاضلا يدا بيد، ونسيئة(٧) وهو قول الشافعي. والأول قول أبي حنيفة ولا حجة في الآية لأن الطعام فيها بمعنى الذوق وإثبات الطعم له أو نفيه عنه لا يثبت له أنه طعام(٨). ١ في أحكام القرآن للهراسي (١/٢٢٢) زيادة "في أحكام القرآن".. ٢ في أ "أن" والمثبت موافق لما عند الهراسي.. ٣ زيادة من ن.. ٤ أحكام القرآن للجصاص (٢/١٦٧).. ٥ قاله الهراسي في أحكام القرآن (١/٢٢٢، ٢٢٣).. ٦ يراجع أيضا أحكام القرآن لابن العربي (١/١٣٢).. ٧ في ن "والى أجل".. ٨ ينظر أقوال الفقهاء في المدونة (٤/٨٦) وتفسير القرطبي (٣/٢٥٢)..

البقرة 2:256

٢٥٦- قوله تعالى :( لا إكراه في الدين ) |البقرة : ٢٥٦|. الدين هنا المعتقد والنية(١) بدليل قوله :( قد تبين الرشد من الغي ) (٢) |البقرة : ٢٥٦|. والغي أكثر استعمالهما في الدين. وقد اختلف الناس في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة فالذين ذهبوا إلى أنها منسوخة اختلفوا فقال بعضهم : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحدا في الدين فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم فاستأذن الله تعالى في قتالهم فأذن له فالآية على هذا القول مكية منسوخة بآية السيف(٣). وقال السدي : نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين كان له ابنان فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت. فلما أرادوا الرجوع أتاهم ابنا أبي حصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصروا وذهبا معهم إلى الشام، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكيا أمرهما، ورغب في أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يردهما فنزلت الآية ( لا إكراه في الدين ) ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل مكة. وقال : " أبعدهما الله هما أول من كفر ) فوجد أبو الحصين في نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله عز وجل :( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) |النساء : ٦٥| ثم إنه نسخ الإكراه في الدين فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة(٤). فالآية على هذا مدنية منسوخة. والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها. فقال قتادة وغيره(٥) : هذه الآية خاصة في أهل الكتاب الذين يبذلون الجزية عن يد وهم صاغرون. قالوا وأما العرب أهل الأوثان فلا يقبل منهم إلا لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو السيف، فليسوا بداخلين تحت الآية وإنما المراد بها من يجوز أخذ الجزية منهم وهم أهل الكتاب فعلى هذا القول يكره مشركو العرب على الإسلام، دعوا إلى إعطاء الجزية أو لا فإن أبوا فالسيف. وهذا القول يأتي على مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وابن حبيب في مشركي العرب(٦). وأما على مذهب مالك الذي يرى قبول الجزية منهم فإنهم داخلون في الآية ولا يكرهون إذا أدوها(٧). وأما قريش والمرتدون فباتفاق أنهم ليسوا بداخلين في هذه الآية على هذا التأويل لأنه لا يجوز أن تؤخذ(٨) الجزية منهم باتفاق ؛ فيسلمون أو يقتلون باتفاق. وأما أهل الكتاب فباتفاق أنهم داخلون في الآية على هذا |القول|(٩)، بل التأويل لأنه لا خلاف في وجوب قبول الجزية منهم، إلا أني رأيت بعض أشياخ |أهل|(١٠) زماننا يقول : الإمام مخير في أخذ الجزية من اليهود والنصارى إذا بذلوها ورضوا بالذمة فالإمام مخير على قوله ألا يقبلها. ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وحكاه عن بعض أشياخه. ومما احتج به هذا القائل حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن عيسى ابن مريم –عليه السلام- أنه ينزل فيكسر الصليب ويضع الجزية(١١) قال : وهو لا يأتي إلا بشريعة محمد –عليه السلام-، فلولا أنه في شريعة محمد –عليه السلام- أن الإمام مخير لما جاز له أن لا يقبلها ولو كان قبولها منهم واجبا إذا بذلوها لما جاز له أن يضعها، ولا يأخذها منهم. وهذا قول غريب لا يتجه إلا على القول الأول إن الآية منسوخة. وأما الاحتجاج بالحديث فيضعف لاحتمال أن قوله " يضع الجزية " أن يريد وضعها عليهم حتى لا يبقى منهم أحد إلا تحت الجزية. ويحتمل أن يريد ويسقطها ولا يرضى منهم إلا بالإسلام. وحكى ابن حزم الإجماع على أنه تحرم دماؤهم إذا بذلوا الجزية(١٢)، وهو ظاهر قوله تعالى :( حتى يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون ) |التوبة : ٢٩| وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث إلى قتالهم، أمر أن يدعوا إلى الإسلام فإن أجابوا، وإلا دعوا إلى الجزية، فإن أجابوا، وإلا فالسيف(١٣). والمجوس مثلهم لأنه صلى الله عليه وسلم قال : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " (١٤) وهم أهل كتاب على قول، فلا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية باتفاق على القول(١٥). وقوله تعالى :( لا إكراه في الدين ) |البقرة : ٢٥٦| لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي(١٦)، فإن أكره أحد ممن ذكرنا إنه لا يكره على الإسلام فهل ينعقد إسلامه ولا يكون عنه رجوع أم لا ؟. ففيه في المذهب قولان. والشافعي يقول لا يصح إسلامه، وأبو حنيفة(١٧) يقول يصح ويحكم به. والخلاف في المسألة مبني على أن النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا ؟ فإذا قلنا إنه يدل على الفساد فليس إسلامهم بإسلام، وإذا لم يكن كذلك(١٨) فكأنهم لم يسلموا، فلهم الرجوع إلى ما كانوا عليه. وإن قلنا إنه يدل على الصحة كما قال بعضهم، فالإسلام منعقد تام، فإن رجع عنه قتل، وإن قلنا إنه لا يدل لا على فساد، ولا على صحة كما يذهب إليه المحققون من الأصوليين، فليس في الآية على شيء من ذلك دليل(١٩). وقد وقعت هذه المسألة في زمن الفتنة عندنا بالأندلس(٢٠)، وقد كتب إلى أبي –رضي الله عنه- بعض ولاة الكور فأجابه بأنهم لا يمكنون من الرجوع عن الإسلام. وقال ابن عباس وغيره : إنما نزلت الآية في قوم من الأوس والخزرج كانت المرأة منهم إذا كانت مقلاتا لا يعيش لها ولد(٢١) تجعل على نفسها إن جاءت بولد أن تهوده، فكان من بني النضير جماعة على هذا النحو، فلما أجلى رسول الله عليه وسلم بني النضير قالت الأنصار : كيف نصنع بأبنائنا إذ قد فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه. وأما إذا جاء |الله|(٢٢) بالإسلام فنكرههم عليه فنزلت :( لا إكراه في الدين ) الآية. وبهذا قال الشعبي ومجاهد : إلا أنه قال كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع(٢٣). ١ كذا في أ و ب وفي المحرر الوجيز (٢/١٩٥): "الملة".. ٢ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٩٥).. ٣ يراجع في هذا جامع البيان للطبري (٣/٢٤) والمحرر الوجيز لابن عطية (٢/١٩٧).. ٤ رواه الطبري في تفسيره (٣/٢٢/ رقم ٥٨٢٠) وإسماعيل القاضي في أحكام القرآن وأبو داود في الناسخ والمنسوخ كما في العجاب في بيان الأسباب لابن حجر (ص٤٣٠) من طريق أسباط، عن السدي. وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٩٧).. ٥ يراجع قول قتادة في تفسير الطبري (٣/٢٣، ٢٤) وأحكام القرآن للجصاص (٢/١٦٧، ١٦٨) وللهراسي (١/٢٢٣).. ٦ ونسب ابن عبد البر هذه القول زيادة على ذلك إلى أبي ثور، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد كما في التمهيد (٢/١١٨) والمحرر الوجيز (٢/١٩٦).. ٧ يراجع قول مالك في التمهيد (٢/١١٧، ١١٨) والمحرر الوجيز (٢/١٩٦).. ٨ في ب "أخذ".. ٩ كلاهما زيادة من ب.. ١٠ كلاهما زيادة من ب.. ١١ أخرجه البخاري في البيوع (٢٢٢٢). ومسلم في الإيمان (١٥٥).. ١٢ يراجع المحلى (١١/٣٠٤) ومراتب الإجماع (ص ١٢٠، ١٢٢).. ١٣ أخرجه مالك في الموطأ بهذا اللفظ في الزكاة (١/٣٧٥/٧٥٦) وسنده منقطع بينه ابن عبد البر في التمهيد (٢/١١٤) وابن حجر في الفتح (٦/٢٦١) ولكن معناه ثابت عند البخاري (٣١٥٧).. ١٤ يراجع في هذا البخاري في التوحيد (٧٣٧٢) ومسلم في الإيمان (١٩).. ١٥ يراجع في هذا التمهيد لابن عبد البر (٢/١١٨، ١١٩) وفتح الآري (٦/٢٥٩ -٢٦٦).. ١٦ كما في أحكام القرآن للجصاص (٢/١٦٨).. ١٧ يراجع قولهما في أحكام القرآن للجصاص (٢/١٦٨، ١٦٩) وأحكام القرآن للهراسي (١/٢٢٣ -٢٢٥).. ١٨ في ب "إذا كان كذلك.."".. ١٩ تراجع هذه المسألة في أحكام الفصول للباجي (ص ٢٢٨ – ٢٣٠) والمستصفى للغزالي (٣/١٩٩ -٢٠٣) وإرشاد الفحول للشوكاني (ص ١١٠ -١١٢).. ٢٠ هي من جملة الثورات العارمة التي عصفت بالأندلس في النصف الأول من القرن السادس للهجرة أبان ضعف حكم المرابطين (سنة ٥٣٩ ه) يراجع ترجمة والد المؤلف في التكملة لكتاب الصلة لابن الأبار (٢/٣٧ -٣٩/ رقم ١٠٢) وبغية الملتمس للضبي (ص ١٠٢/ رقم ١٩٦).. ٢١ أو التي ليس لها إلا لها ولد واحد يراجع اللسان مادة "قلت" (٥/٣٧١٥، ٣٧١٦).. ٢٢ زيادة من المحرر الوجيز وسقطت من أ و ب ثم وجدتها في ن.. ٢٣ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/١٩٦، ١٩٧) ورواه عنهما الطبري في تفسيره (٣/٢٠١) وأخرجه غيره فيراجع العجاب في بيان الأسباب لابن حجر (ص ٤٢٨، ٤٢٩)..

البقرة 2:259

٢٥٩- قوله تعالى :( لبثت يوما أو بعض يوم ) الآية |البقرة : ٢٥٩|. استدل بعضهم بهذا على أن من قال في شيء كان : لم يكن، وهو يعتقد صحة ذلك، أنه لا يكون كذبا ؛ لأنه أخبر عما عنده. فكأنه قال عندي أني لبثت يوما أو بعض يوم وقد كان لبث مئة عام. ومثله قول أصحاب الكهف ( لبثنا يوما أو بعض يوم ) |الكهف : ١٩| وكانوا لبثوا ثلاثمئة وتسع سنين ولم يكونوا كاذبين لأنهم أخبروا عما عندهم. ومثله قوله –عليه السلام- في قصة ذي اليدن " كل ذلك لم يكن " (١). وفي الناس من يقول إنه كذب على حد حقيقة الكذب، لكنه لا مؤاخذة فيه، فعلى هذا يجوز أن يقال الأنبياء-عليهم الصلاة والسلام- لا يعصمون عن الإخبار عن الشيء خلاف ما هو عليه إذا لم يكن عن قصد، كما لا يعصمون عن السهو والنسيان(٢). وهذا على قول الأشعرية، والأول على قول المعتزلة فإن هذا عندهم ليس بكذب لأنهم يشترطون في حد الكذب أنه الإخبار عن الشيء على ما ليس هو به عن عمد وقصد إليه، ودليل قوله –عليه السلام- : " من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار " (٣) يرد عليهم لأنه يدل على أن ما لم يتعمد لا يقع عليه اسم الكذب. ١ أخرجه عن أبي هريرة البخاري في الصلاة (٤٨٢) ومسلم في المساجد (٥٧٣).. ٢ قاله أبو الحسن الهراسي في أحكام القرآن (١/٢٢٥، ٢٢٦) وأصله من كلام الجصاص في أحكام القرآن للجصاص (٢/١٧٢).. ٣ أخرجه البخاري عن أني بن مالك في العلم (١٠٨) ومسلم في المقدمة (٢)..

البقرة 2:267

٢٦٧- قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ) الآية |البقرة : ٢٦٧|. اختلف المتأولون هل المراد بهذا الإنفاق الزكاة المفروضة |أو التطوع فقال علي بن أبي طالب وغيره : هي الزكاة المفروضة|(١) نهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدلا عنه(٢) عن الجيد. وأما التطوع فكما أن للمرء ألا يتطوع بقليل، فكذلك له أن يتطوع بنزر في القدر، ودرهم زائف خير من تمرة، فالأمر على هذا القول فإنه الزكاة المفروضة على الوجوب. وأما البراء بن عازب |وقتادة|(٣) والحسن بن أبي الحسن، فظاهر أقوالهم أن الآية في التطوع. وروى البراء وعطاء أن الأنصار كانوا أيام الجذاذ يعلقون أفناء التمر في حبل بين إسطوانتين في المسجد، فيأكل من ذلك فقراء المهاجرين، فعلق رجل حشفا، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بيده : " بئس ما علق هذه " (٤) فنزلت الآية. فالأمر على هذا على الندب(٥). |و قال أبو الحسن : الأمر على الفرض والنفل من طريق الندب والوجوب، وإن كان الأمر أظهر من جهة الوجوب إلا أن يقال أن الآية على الندب|(٦) فمن هذا الوجه يظهر أن يقال هو أولى بالوجوب(٧)، ومن جهة أخرى وهو أنه في النفل يجوز أداء القليل والكثير الجيد والرديء(٨). وقوله تعالى :( ولستم بآخذيه ) الآية |البقرة : ٢٦٧|. يؤكد الاختصاص بالواجب، فإن مثل هذا إنما يذكر في الديون إذا تسامح طالبها فيها فقبل الرديء(٩)، والزكاة دين الله على عباده، فلا يقبل منه الرديء إلا مسامحة وعلى إغماض، فالأمر على هذا القول على الندب(١٠). وإن كان في الزكاة المفروضة، وكذلك ندبوا أن لا يتطوعوا إلا بجيد مختار. وكل من ذكرنا قوله في الآية، قالوا(١١) يعني من طيبات ما كسبتم يعني من جيد ما كسبتم ومختاره، وجعلوا الخبيث بمعنى الرديء والرذالة. وخالف في ذلك ابن زيد وقال معناه من حلال ما كسبتم(١٢)، وجعل الخبيث الحرام(١٣). فعلى التأويل الأول في الآية يجب على الإنسان إذا كان له من التمر أو الحب ما تجب فيه الزكاة أن لا يتعمد إخراج الرديء منه في الزكاة فإن كان ماله المزكى كله جيدا فقيل : إنه يخرج منه وقيل : إن له أن يأتي بوسط من ذلك ولا يخرج منه. والروايتان عن مالك(١٤). ووجه القول الأول قوله تعالى :( ومن طيبات ما كسبتم ) |البقرة : ٢٦٧| وإن كان كلهم رديئا، فقد اختلف فيه. فذهب الجمهور إلى أنه يخرج منه وليس عليه غير ذلك. وفال عبد الملك : إن كان رديئا كله لم يؤخذ منه وكلف صاحبه أن يخرج من غيره. والروايتان عن مالك أيضا. وحجة القول الأول قوله تعالى :( من طيبات ما كسبتم ) فقيد بالطيب من الكسب فإذا لم يكن في الكسب طيب، فليس عليه سواه. وإنما أمر الله تعالى بذلك من وجد كسبا طيبا فأخرج رديئا كما كانوا يفعلون في ذلك الوقت. وقد تتأول هذه الآية على مذهب عبد الملك(١٥) فقال : المراد بها أنفقوا من الطيبات من أي نوع تكسبونه كان الطيب من ذلك النوع المكسوب أو لم يكن. والتأويل الأول أظهر. وإن كان هذا سائغا وإذا كان الجيد والرديء متساويين في القدر أو أحدهما أكثر من الآخر، فروى ابن القاسم عن مالك أنه يخرج من الوسط(١٦). وروى أشهب عنه أنه قال يخرج من كل شيء بقدره(١٧). وقوله تعالى :( ما كسبتم ) |البقرة : ٢٦٧|. معناه كما كانت لكم فيه سعاية، إما بتعب بدن أو مناولة بتجارة والموروث داخل في هذا لأن غير الوارث قد كسبه لأن الضمير في ( كسبتم ) إنما هو لنوع الإنسان والمؤمنين(١٨). وقوله تعالى :( ومما أخرجنا لكم من الأرض ) |البقرة : ٢٦٧|. يعني النباتات والمعادن والركاز وما ضارع ذلك(١٩). وقد اختلف الناس فيما تجب فيه الزكاة من الثمار والحبوب بعد اتفاقهم على وجوبها في أربعة أشياء : الحنطة والشعير، والتمر، والزيت. فقالت فرقة : لا صدقة إلا في هذه الأربعة، وهو قول الحسن وابن سيرين. وقالت فرقة : لا صدقة إلا فيها وفي السلت(٢٠)، وهو قول ابن عمر. وقالت فرقة : لا صدقة إلا في ستة أشياء الخمسة المتقدمة مع الذرة وهو قول النخعي. وذهبت فرقة إلى إيجاب الصدقة في الثمار والنخل، والكرم والحبوب كلها. وهذا قول الجمهور ومالك ومن تابعه. ثم عن مالك على ما تأول بعضهم ثلاثة أقوال : أحدها :|أن|(٢١) الزكاة تجب في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والسلت والأرز، والدخن، والذرة، والقطاني(٢٢). والثاني : أنها تجب في كل ما كان من الحبوب يؤكل، ويدخر، ويختبز. فعلى هذا لا تجب زكاة القطنية لأنها لا تختبز إلا في الشدائد، وليس ذلك الشأن فيها. والثالث : أنها تجب في كل حب يأكله الناس ويدخر وعلى هذا لا يقتصر على ما جاء عنه في القول الأول، الذي ذكرنا بل تجب على كل بلد في كل حب يأكله الناس مقتاتا أصلا للعيش. فمن ذلك التين قال ابن القصار : يرجح فيه قول مالك وإنما تكلم على بلده(٢٣)، ولم يكن التين عندهم إلا مجلوبا فأما بالشام وغيره ففيه الزكاة. قال بعضهم وكذلك بالأندلس وعموم الآية حجة لمن يرى الزكاة في جميع ذلك. واختلف في سائر ما أخرجته الأرض من غير الحبوب والثمار هل فيها صدقة ؟ فقيل : إن فيها الصدقة حتى أن في عشرة دساتج(٢٤) بقل دستجة بقل. وهو قول النخعي على اختلاف عنه في ذلك. وقال أبو حنيفة في كل ما أخرجت الأرض الزكاة إلا الحطب والعشب والقصب والتين، وقصب الذرة والسكر(٢٥). وقال ابن حبيب من أصحاب مالك : فيما أخرجت الأرض من الخضروات(٢٦) والفواكه الزكاة. وذهب الجمهور ومالك ومن تابعه إلى أنه لا يجب في شيء من ذلك زكاة(٢٧). وحجتهم ما تواتر من عمل أهل المدينة في ذلك. ومن حجة النخعي، ومن رأى الزكاة في شيء من ذلك عموم قوله تعالى :( ومما أخرجنا لكم من الأرض ) |البقرة : ٢٦٧|. والجمهور على نفي الزكاة فيه لأن العموم عندهم مخصص بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ليس في الخضروات صدقة " (٢٨) وتخصيص العموم بخبر الواحد مختلف فيه. قال أبو الحسن : وقد احتج قوم لأبي حنيفة في قوله تعالى :( ومما أخرجنا لكم من الأرض ) على أن ذلك عموم في قليل ما تخرجه وكثيره وفي سائر ما تخرجه الأرض. وهذا بعيد فإن المراد بيان الجهات التي يتعلق حق الله تعالى بها، وليس ذكر النصاب فيها مقصودا ولا بيان ما لا زكاة فيه(٢٩). وفي الخل والعسل خلاف هل فيهما زكاة أم لا ؟. فمن رأى الزكاة فيهما وهو أبو حنيفة اتبع عموم ظاهر(٣٠) الآية ولم يخصص، فمن رأى عدم الزكاة فيهما رآهما مخصصين(٣١) من العموم(٣٢). وأحسب أني رأيت في البغال والحمير والعبيد خلافا. ومن اكترى أرضا فزرعها فعلى المكتري زكاة ما تخرجه الأرض إذا بلغ خمسة أوسق خلافا لأبي حنيفة في قوله تعالى إن العشر على رب الأرض. ودليلنا قوله تعالى :( من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ) |البقرة : ٢٦٧| فكان على الزارع(٣٣). وقوله تعالى :( ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) |البقرة : ٢٦٧|. اختلف في تأويله، فقال ابن عباس والبراء وغيرهما : معناه بآخذيه في ديونكم(٣٤) وحقوقكم عند الناس إلا بأن تتساهلوا في ذلك وتتركون من حقوقكم وأنتم مكرهون، فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم. وقال الحسن : معنى ذلك ولستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع إلا أن يهضم لكم من ثمنه. وقال البراء أيضا : المعنى لستم بآخذيه ولو أهدي لكم إلا أن تستحيوا من المهدي. وقال ابن زيد : المعنى ( ولستم بآخذيه ) أي الحرام إلا أن تغمضوا في مكروهه(٣٥). ١ سقطت من أ وهي ثابتة في ب وموافقة لما في المحرر الوجيز.. ٢ في ب "من".. ٣ زيادة من ن.. ٤ أخرجه من حديث البراء بن عازب وليس فيه اللفظ المرفوع الترمذي في التفسير (٢٩٨٧) وابن ماجه في الزكاة (١٨٢٢) والطبري (٣/١٠٧) والواحدي في أسباب النزول (ص ٥٦) وصحح إسناد ابن ماجه البوصيري. ويراجع العجاب في بيان الأسباب (ص ٤٤٤ -٤٤٩).. ٥ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٤٣، ٢٤٤) ويراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/١٧٤، ١٧٥).. ٦ سقطت من أ وفي بعض الألفاظ بياض في ب وفي أحكام الهراسي: "إلا أن تقوم دلالة الندب".. ٧ في أحكام الهراسي "الواجب".. ٨ أحكام القرآن للهراسي (١/٢٢٦).. ٩ المصدر السابق (١/٢٢٦).. ١٠ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/١٧٤، ١٧٥).. ١١ في ب "قال".. ١٢ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢٢٤٤) ويراجع تفسير الطبري (٣/١٠٥، ١٠٦) قال ابن عطية: "وقول ابن زيد ليس بقوي من جهة نسق الآية، لا من معناه في نفسه".. ١٣ يراجع المدونة لسحنون (١/٣٤٠).. ١٤ في أ "مالك".. ١٥ ينظر المدونة (١/٣٤٠).. ١٦ يراجع المحرر الوجيز (٢/٢٤٤، ٢٤٥).. ١٧ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٤٥).. ١٨ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٤٥).. ١٩ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٤٥).. ٢٠ سقطت من أ.. ٢١ في ن "إلا في الأربعة الأشياء المتقدمة وفي السلت".. ٢٢ يراجع الموطأ، الزكاة (١/٣٦٩/٧٤١ و٧٤٢).. ٢٣ قاله ابن عبد البر في الاستذكار (٩/٢٧٢): "واختلفوا في التين، فالأشهر عند أهل المغرب ممن يذهب مذهب مالك، أنه لا زكاة عندهم في التين إلا عبد الله بن حبيب فانه كان يرى الزكاة على مذهب مالك قياسا على التمر والزبيب. والى هذا ذهب جماعة من البغداديين المالكيين: إسماعيل بن إسحاق ومن اتبعه. وقد بلغني عن الأبهري وجماعة من أصحابه أنهم كانوا يفتون به ويرونه مذهب مالك على أصوله عندهم..".. ٢٤ الدستجة هي الحزمة من الشيء.. ٢٥ يراجع شرح معاني الآثار للطحاوي (٢/٣٧، ٣٨) والاستذكار لابن عبد البر (٩/٢٧٤، ٢٧٥).. ٢٦ في ب "الخضر".. ٢٧ الموطأ، الزكاة (١/٣٧٢/٧٤٩) والاستذكار (٩/٢٧٠ -٢٧٣).. ٢٨ أخرجه من حديث موسى بن طلحة ابن عدي وابن عدي في الكامل (٢/٦١٠) والدارقطني في السنن (٢/٩٦) والبيهقي في السنن (٤/١٢٩) وسنده ضعيف. وله طرق وشواهد من حديث معاذ بن جبل قواه بها البيهقي وغيره ويراجع نصب الراية للزيلعي (٢/٣٨٩ -٣٨٦) والتلخيص الحبير لابن حجر (٢/١٦٦) وإرواء الغليل للألباني (٣/ رقم ٨٠١).. ٢٩ كذا قال المؤلف نقلا عن أبي الحسن الهراسي في أحكام القرآن (١/٢٢٧) وفيه تصرف.. ٣٠ في أ "عموم الظواهر".. ٣١ في ب "مخصوصين".. ٣٢ يراجع الموطأ الزكاة (١/٣٧٢ -٣٧٤) والإشراف لعبد الوهاب (١/٣٩٧) والاستذكار لابن عبد البر (٩/٢٨٤ -٢٨٧) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٣٥، ٢٣٦).. ٣٣ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (١/٣٩٧/ رقم ٥٤٩).. ٣٤ في ب "أموالكم".. ٣٥ بنحوه ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٤٧) وروى أغلب هذه الأقوال الطبري في تفسيره (٣/١٠٩ -١١٣)..

البقرة 2:271

قوله تعالى :( إن تبدوا الصدقات فنعما هي... ) إلى قوله :( لا تظلمون ) |البقرة : ٢٧١، ٢٧٢|. تضمنت هذه الآية أن إخفاء الصدقات مطلقا أفضل. واختلف هل المراد بها الفرض أم التطوع ؟ أم هما جميعا ؟ فذهب الجمهور إلى أن المراد بها التطوع وقال ابن عباس : صدقة التطوع في السر أفضل من صدقة العلانية بسبعين ضعفا. وصدقة الفريضة في العلانية أفضل من السر بخمسة وعشرين ضعفا(١). وعلى هذا القياس تجري جميع الفرائض والنوافل. وذهب قوم إلى أن المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به قالوا فكان الإخفاء أفضل في مدة النبي –عليه السلام-. ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك، فاستحسن العلماء إظهار الفرض لئلا يظن بأحد المنع(٢). وقيل : إنها صدقة الفرض. وكان يزيد ابن |أبي|(٣) حبيب يأمر بقسم الصدقات في السر ويقول : إنما نزلت في الصدقة على اليهود والنصارى(٤). وهذان القولان الأخيران ضعيفان لما حكاه الطبري من الإجماع على أن الإظهار في الواجب أفضل(٥). وقد كره ربيعة إظهار جميع أعمال البر، واحتج بالآية المتقدمة، وأجاز مالك ذلك دون كراهة إذا كان أوله لله وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لأنه لا يستطاع التخلص منه. وقد قال تعالى :( إن تبدوا الصدقات فنعما هي ) فأثنى على إظهارها، وإن كان كتمانها خيرا أو إذا أثنى الله على شيء لم يكره، ومن هذا صلاة النافلة في رمضان، فقال مالك رحمه الله : قيام الرجل بها في بيته فرادى أفضل(٦)، خلافا للشافعي في قوله إن القيام بها في المساجد أفضل(٧). وفي الآية حجة لمالك رحمه الله لأن الله تعالى إنما نبه بالصدقات على جميع أعمال البر فإذا كان عمل البر السر في الصدقة أفضل فهو في صلاة النافلة أفضل أيضا. وتضمنت الآية أن الصدقة حق للفقير أيضا. ١ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٥٣) وقول ابن عباس رواه الطبري (٣/١٢٠).. ٢ حكاه ابن عطية عن المهدوي قال: "وهذا القول مخالف للآثار، ويشبه في زمننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض، فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء"، المحرر الوجيز (٢/٢٥٤).. ٣ زيادة من المحرر الوجيز (٢/٢٥٤).. ٤ رواه الطبري عنه في تفسيره (٣/١٢١) وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٥٤).. ٥ يراجع تفسير الطبري (٣/١٢١).. ٦ الاستذكار لابن عبد البر (٥/١٥٨).. ٧ يراجع أحكام القرآن للهراسي (١/٢٢٧)..

البقرة 2:272

٢٧٢- وقوله تعالى :( ليس عليك هداهم ) الآية إلى قوله :( يوف إليكم ) |البقرة : ٢٧٢|. اختلف في سبب الآية، فقال ابن جبير : سببها أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تتصدقوا إلا على فقراء أهل دينكم " (١) فنزلت الآية فنسخت الصدقة على من ليس من دين الإسلام. وقيل أتي النبي صلى الله عليه وسلم بصدقات فجاءه يهودي فقال : أعطني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ليس لك من صدقات المسلمين شيء " فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت الآية فنسخت ذلك المنع(٢). وروى ابن عباس : أنه كان لأناس من الأنصار قرابات في بني النضير وقريظة، وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا فنزلت الآية(٣). وقال بعضهم : إن أسماء بنت أبي بكر الصديق –رضي الله عنها- أرادت أن تصل جدها أبا قحافة، ثم امتنعت من ذلك لكونه كافرا فنزلت الآية(٤). |وذكر الطبري أن مقصد النبي صلى الله عليه وسلم بمنع الصدقة إنما كان ليسلموا|(٥) وظاهر سياق(٦) الآية دليل على أن المراد بالآية الصدقة عليهم وإن لم يكونوا على دين الإسلام. ودليل ذلك قوله تعالى :( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ٨ ) |الإنسان : ٨| والأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركا. ومثله قوله تعالى :( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ) الآية |الممتحنة : ٨| فظواهر الآيات يقتضي جواز صرف الصدقات إليهم جملة إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم خص منها الزكاة المفروضة بقوله –عليه السلام- لمعاذ : " خذ الصدقة من أغنيائهم وردها إلى فقرائهم " (٧). فاتفق جمهور العلماء على أن الزكاة المفروضة لا تصرف إليهم ورأى أبو حنيفة ما عدا زكاة المال يجوز صرفها إليهم مثل صدقة الفطر نظرا إلى عموم الآيات(٨) في البر وإطعام الطعام(٩). ورأى غيره أن صدقة الفطر مخصوصة أيضا من ذلك العموم بقوله صلى الله عليه وسلم : " اغنوهم عن الطلب في مثل هذا اليوم " (١٠) وظاهر ذلك أنه لتشاغلهم بالعيد وصلاته، وذلك لا يتحقق في المشركين(١١). على أن قوله تعالى لنبيه –عليه السلام- :( ليس عليك هداهم ) |البقرة : ٢٧٢| غير ظاهر في الصدقات وصرفها إلى الكفار بل يحتمل أن يكون معناه ليس عليك هداهم ابتداء. ومن أهل العلم من حمل العمومات المذكورة على ظاهرها ولم ير فيها تخصيصا، فأجاز إعطاء الذمي من جميع الصدقات فرضها وتطوعها. وتحصل من هذا أنه لا خلاف في جواز إعطاء الذمي من صدقة التطوع واختلف في غير التطوع. وفي قوله تعالى :( إن تبدوا الصدقات فنعما هي ) الآية |البقرة : ٢٧١|. دليل على أن لرب المال تفريق الصدقة بنفسه وهو أحد قولي الشافعي، وهذا الاستدلال إنما يصح بأن الآية يراد بها الفرض(١٢). ١ رواه الطبري في تفسير (٣/١٢٣) وذكره الجصاص في أحكام القرآن (٢/١٧٩) وكذا الكيا الهراسي (١/٢٢٨) وابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٥٩) ويراجع العجاب في بيان الأسباب لابن حجر (ص ٤٥٢، ٤٥٣) وفي سنده نظر.. ٢ نقله ابن عطية عن النقاش في المحرر الوجيز (٢/٢٥٩) ولا أراه يصح.. ٣ أخرجه النسائي في التفسير من السنن الكبرى (١١٠٥٢) والطبري في تفسيره (٣/١٢٣) والفريابي وعبد بن حميد والثوري في تفاسيرهم كما في العجاب في بيان الأسباب لابن حجر (ص ٤٥١، ٤٥٢) وذكره الجصاص في أحكام (٢/١٧٩) وابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٥٩، ٢٦٠).. ٤ ذكره مقاتل بن سليمان في تفسيره كما في العجاب لابن حجر (ص٤٥٥) وهو لا يصح سندا ومتنا كما بينه الحافظ.. ٥ سقطت من أ.. ٦ في ب "مساق" وكذا في ن.. ٧ أخرجه من حديث ابن عباس البخاري في التوحيد (٧٣٧٢) ومسلم في الإيمان (١٩).. ٨ في ب "لعموم الآية".. ٩ ذكره الهراسي في أحكام القرآن (١/٢٢٩). قال العربي في أحكام القرآن (١/٢٣٨): "وقال أبو حنيفة: تصرف إليهم صدقة الفطر، لحديث يروى عن ابن مسعود انه كان يعطي الرهبان من صدقة الفطر، وهذا حديث ضعيف لا أصل له". ورأي أبي حنيفة ذكره الجصاص في أحكامه (٢/١٨٠).. ١٠ أخرجه الدارقطني (٢/١٥٣) والحاكم في معرفة علوم الحديث (ص١٣١) والبيهقي في السنن (٤/١٧٥) من طريق أبي معشر السندي، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا. وأبو معشر هو نجيح ضعيف. والحديث ضعفه غير واحد فيراجع نصب الراية للزيلعي (٢/٤٣١، ٤٣٢) وإرواء الغليل للألباني (٣/ رقم ٨٤٤).. ١١ قاله بنحوه الكيا الهراسي في أحكام القرآن (١/٢٢٨، ٢٢٩).. ١٢ يراجع المحرر الوجيز لابن عطية (٢/٢٦٠) وتفسير القرطبي (٣/٣٣٧، ٣٣٨)..

البقرة 2:273

٢٧٣- قوله تعالى :( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ) إلى قوله :( إلحافا ) |البقرة : ٢٧٣|. قال كثير من المفسرين إن اللام تتعلق بقوله :( وما تنفقوا من خير ) |البقرة : ٢٧٢| وعلى هذا يحتمل أن تكون اللام بمعنى على، فيكون التقدير على الفقراء، ويحتمل أن يكون ( للفقراء ) في موضع الحال من الضمير في ( تنفقوا ) كأنه قال وما تنفقوا باذلين ومتطوعين، ويجوز أن يكون في موضع الصفة لخير كأنه قال من خير مصنوع للفقراء. وقال بعضهم هو على إضمار فعل تقديره أعطوا للفقراء وهو تقدير ضعيف. وفي قوله :( الذين أحصروا ) قولان : أحدهما : أن المعنى أحصرهم فضل الجهاد فمنعهم من التصرف(١). والثاني : أحصرهم عدوهم أي شيء لشغلهم بجهادهم. ومعنى ( أحصروا ) صاروا إلى أن حصروا أنفسهم للجهاد كما تقول(٢) رابط في سبيل الله(٣). قال بعضهم : كان أصحاب الصفة عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أحصرهم الفقر. والصفة السقيفة وقال ابن جبير : هم قوم أخذتهم جراحات فلزمتهم(٤) الزمانة. وقال مجاهد وغيره : الآية يراد بها فقراء المسلمين بل المهاجرين(٥). وهذا وإن كان كما قال فمجملها على العموم في كل من كانت صفته على هذا أولى لأنه لفظ عام ورد على سبب وفيه خلاف بين الأصوليين. قوله تعالى :( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) |البقرة : ٢٧٣| يريد بالجاهل، الجاهل بهم. وقوله :( تعرفهم بسيماهم ) |البقرة : ٢٧٣|. اختلف في السيما ما هي : فقال السدي : أثر الفاقة والحاجة. وقال ابن زيد : رثاثة الثياب. وقال مجاهد : التواضع والخشوع(٦). وهذه الأقوال على جهة التمثيل، فكل ما تعرف به أحوالهم، فهو داخل تحت قوله ( تعرفهم بسيماهم ). قال بعضهم : هذه الآية تدل على أن اسم الفقير يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة، ولا يمنع ذلك من إعطائه الزكاة(٧). وهذا مما اتفق العلماء عليه، بل قد قال مالك : يعطى من الزكاة من له مسكن وخادم ولا فضل فيهما(٨). وقال في موضع آخر : له مسكن ودابة لا غناء به عن أحدهما(٩). وذكر ابن شعبان عن أبي حنيفة أنه : يعطى من له دار وخادم يساويان عشرة آلاف. وقاله الثوري(١٠). وفي " الموطأ " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أعطوا السائل وإن جاء على فرس " (١١) وهذا يدل على أن الفقير اسم ثابت لكل من عدم الفضل على ما لا بد له منه بحسب حاله. والآية على ما قدمت من تقدير تدل على ذلك. وقال بعضهم : هذه الآية ترد قول(١٢) من قال : إنه لا يجب أن يعطى من الصدقة من عنده ما يواري به عورته ويسد به جوعه. وهذا قول شاذ. وقد اختلفوا في القدر الذي يخرج به الفقير من اسم الفقر إلى اسم الغنى حتى لا تحل له الزكاة، فقيل : من كانت له كفاية بمال وإن كانت دون نصاب للحديث : " من سأل منكم وله أوقية أو عدلها، فقد سأل إلحافا " (١٣). وقد يكون للرجل أكثر من نصاب ولا كفاية له. وروي عن الشافعي، وذكر الباجي نحوه عن الشيخ أبي بكر(١٤). وقيل : هو من له نصاب، وهو قول عبد الملك. وذكر بعضهم عن الشافعي أنه اعتبر في ذلك قوت سنة. وعن مالك رحمه الله أنه اعتبر أربعين درهما. وقال الثوري وأحمد : خمسون درهما(١٥). والأظهر من هذه الأقوال على ظاهر الآية اعتبار الكفاية، لأن الله تعالى قد أباح لهؤلاء الفقراء المهاجرين المذكورين في الآية أخذ الصدقات ولا بد أن لهم كسوة وسلاحا ودوابا. وقد اختلف هل يعطى الفقير نصابا أم لا ؟ وظاهر الآية الجواز إذ لم يخص من النفقة يسيرا من كثير لهذا قلنا : إن من كان في الغزو لا يعطى من الزكاة إلا أن يكون فقيرا |أي|(١٦) في الموضع الذي هو فيه غاز وهو ظاهر الآية لأن الله تعالى قد سمى فقراء الغزاة من المهاجرين فقراء فبذلك الدليل يجب إذا شرط في الغزاة الفقر بموضعهم وحينئذ يعطون من الزكاة خلافا لمن قال يعطى من الزكاة وإن كان غنيا في موضع الغزو وتعلقا بظاهر قوله –عليه السلام- : " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لغاز " الحديث(١٧). واحتج بعضهم بهذه الآية، على أن القوي الصحيح في بدنه إذا لم يكن له شيء فقير تحل له الزكاة لأن قوله تعالى :( لا يستطيعون ضربا في الأرض ) |البقرة : ٢٧٣| يدل على أنهم لو زال عنهم الإحصار لقدروا على الضرب في الأرض فدل ذلك على أنهم ذوو مرة أقوياء. وقد أباح لهم تعالى أخذ الصدقة بالفقر خاصة وقوله –عليه السلام- : " لأن يأخذ أحدكم حبله فيحطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله " الحديث(١٨). يدل على هذا المعنى لأنه لا يقدر على الاحتطاب إلا ذو المرة القوي. ولم يحرم عليه المسألة. وذهب الآخرون(١٩) إلى الأخذ بقوله –عليه الصلاة والسلام- : " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي " (٢٠) |وجعلوا الصحة كالغنى، وهو قول الشافعي، وإسحاق، والقولان في المذهب|(٢١). وقوله –عليه السلام- : " ولا لذي مرة سوي " قال الطحاوي : إنما هذا في الصحيح الذي يقصد التكثر بما يأخذ(٢٢). واحتج بعضهم أيضا على أن الفقير أسوأ حالا من المسكين بقوله تعالى :( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ) الآية |البقرة : ٢٧٣| وبقوله تعالى :( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ) |الكهف : ٧٩| قال أبو الحسن : ولما قال تعالى(٢٣) :( تعرفهم بسيماهم ) دل على أن المراد بالسيما حال من يظهر عليه حتى إذا رأينا ميتا في دار الإسلام وعليه زنار وهو غير مختون(٢٤)، لا يدفن في مقابر المسلمين، ويقدم |ذلك|(٢٥) على حكم الدار في قول أكثر العلماء. ومثله قوله تعالى :( فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول ) |محمد : ٣٠|(٢٦). وقد اختلف عندنا في المذهب إن وجد المذكور مختونا ففي " كتاب " ابن حبيب : أنه لا يصلى عليه لأن النصارى قد يختتنون. وقال ابن وهب : يصلى عليه. قوله تعالى :( لا يسألون الناس إلحافا ) |البقرة : ٢٧٣|. اختلف المفسرون فيه(٢٧)، فقيل : يسألون ولا يلحفون، وقيل : إنهم لا يسألون أصلا، أي لا يكون منهم سؤال فيكون منهم إلحاف كما قال : على لاحب لا يهتدى بمناره(٢٨) ***......................... واستدل على صحة هذا التأويل بوصفه تعالى لهم بالتعفف، وبقوله –عليه الصلاة والسلام- : " ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يتفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس " والحديث في " البخاري " (٢٩). واحتج من قال بالتأويل الآخر بقوله –عليه الصلاة والسلام- في حديث آخر وهو في البخاري أيضا(٣٠) : " ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويستحيي، ولا يسأل الناس إلحافا " قال : والمسألة بغير إلحاف جائزة للمضطرين يدل على ذلك قوله – عليه السلام – ( من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا " (٣١) فدل هذا على أنه من لم تكن له أوقية فهو غير ملحف ولا ملوم، وهو متعفف. وقال الطحاوي(٣٢) : هذا حديث منسوخ بقوله : " من سأل وله خمس أواق فقد سأل إلحافا " (٣٣). فجعل هذا حدا لمن تحل له الصدقة ومن لا تحل له وقد تقدم الكلام على هذا المعنى. ١ يراجع تفسير الطبري (٣/١٢٤، ١٦٥) وأحكام للجصاص (٢/١٨٠، ١٨١).. ٢ يراجع كلام ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٦٢) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٣٨).. ٣ في ب "يقال".. ٤ في ب "فجرفتهم".. ٥ يراجع المحرر الوجيز (٢/٢٦٢) وتفسير الطبري (٣/١٢٥).. ٦ تراجع هذه الأقوال في تفسير الطبري (٣/١٢٧، ١٢٨) والمحرر الوجيز لابن عطية (٢/٢٦٤).. ٧ كذا في أحكام القرآن للهراسي (١/٢٣٠) وأصله في أحكام القرآن للجصاص (٢/١٨٠).. ٨ يراجع قول مالك في المدونة (١/٢٩٥) والإشراف على مسائل الخلاف لعبد الوهاب (١/٤٢٠/ رقم ٦١٣).. ٩ في ن "عنهما".. ١٠ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (١/٤٢٠).. ١١ في الجامع عن زيد بن أسلم مرفوعا فذكره، (٢/٥٩٥/٢٨٤٦). قال ابن عبد البر في التمهيد (٥/٢٩٤): "لا أعلم في إرسال هذا الحديث خلافا بين رواة مالك، وليس في هذا اللفظ مسند يحتج به فيما علمت".. ١٢ في ب "على قول".. ١٣ أخرجه مالك في الموطأ (٢/٥٩٩/٢٨٥٤) ومن طريقه أبو داود (١٦٢٧) والنسائي (٥/٩٨) والطحاوي في شرح المعاني (٢/٢١) والجوهري في مسند الموطأ (٣٥٠: بتحقيقي) والبيهقي (٦/٢١). وقد صححه ابن عبد البر في التمهيد (٤/٩٣، ٩٤) وينظر فتح الباري لابن حجر (٨/٢٠٣).. ١٤ يراجع المنتقى شرح الموطأ للباجي (٩/٥٠٩) – ط المحققة).. ١٥ تراجع أقوال الفقهاء في ذلك في التمهيد (٤/٩٦ -٤٠٥) وتحقيقه في ذلك وكذا في الاستذكار (٩/٢٠٦ -٢١٧).. ١٦ سقطت من أ.. ١٧ تمام الحديث في الموطأ، الزكاة (١/٣٦٠/ رقم ٧١٨) عن بن يسار مرفوعا: ".. في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو رجل له رجل مسكين، فتصدق على المسكين، فأهدى المسكين للغني" والحديث عند مالك كما ترى مرسل. ووصله معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه عبد الرزاق (٧١٥١) وأحمد (٣/٥٦) وأبو داود (١٦٣٦) وابن ماجه (١٨٤١) وابن خزيمة (٢٣٧٤) والحاكم (١/٤٠٧) والبيهقي (٧/١٥ و٢٢) ورجح ابن أبي حاتم والدارقطني الإرسال وهو الأصح يراجع العلل لابن حاتم (٦٤٢) وللدارقطني (١١/٢٧٠، ٢٧١).. ١٨ أخرجه عن أبي هريرة البخاري في الزكاة (١٤٧٠) ومسلم في الزكاة (١٠٤٢).. ١٩ في ن "وذهب قوم آخرون".. ٢٠ أخرجه النسائي (٥/٩٩) وابن ماجه (١٨٣٩) وأحمد في المسند (٢/٣٧٧ و٣٨٩) وابن حبان في صحيحه (الإحسان: ٣٢٩٠) والطحاوي في شرح المعاني (٢/١٤) والدارقطني في السنن (٢/١١٨) والبيهقي (٧/١٤) عن أبي هريرة. وصححه الألباني فيراجع إرواء (٣/ رقم ٨٧٧).. ٢١ سقطت من أ.. ٢٢ يراجع شرح معاني الآثار (٢/٢١).. ٢٣ سقطت من أ وهي ثابتة في ب و "أحكام القرآن".. ٢٤ في أحكام القرآن للهراسي "محبوب".. ٢٥ سقطت من أ.. ٢٦ أحكام القرآن للهراسي (١/٢٣٠).. ٢٧ يراجع تفسير الطبري (٣/١٢٨ -١٣٠) وأحكام القرآن للجصاص (٢/١٨١ -١٨٣) والمحرر الوجيز (٢/٢٦٤ -٢٦٧) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٣٨ -٢٤٠) وتفسير القرطبي (٣/٣٤٢ -٣٤٦).. ٢٨ وعجز البيت: إذا سافه العود النباطي جرجرا. وهو لامرئ القيس يراجع ديوانه (ص٩٥).. ٢٩ أخرجه في الزكاة من حديث أبي هريرة (١٤٧٩) ومسلم في الزكاة (١٠٣٩).. ٣٠ أخرجه أيضا من حديث أبي هريرة في الزكاة (١٤٧٦).. ٣١ تقدم الكلام على هذا الحديث الصحيح ص (٣٩٧). ومعنى الأوقية أربعون درهما من الفضة.. ٣٢ يراجع مشكل الآثار (١/٢٠٤ -٢٠٦).. ٣٣ أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (١/٢٠٤) وفي شرح المعاني (٤/٣٧٢) من حديث رجل من الصحابة وانظر لشواهد هذا الحديث ومعناه في فتح الباري (٣/٣٤١ -٣٤٣)..

البقرة 2:275

٢٧٥- قوله تعالى :( الذين يأكلون الربا ) الآية إلى قوله :( وإن كان ذو عسرة ) (١) |البقرة : ٢٧٥ -٢٧٩|. الربا الزيادة، وعلته ما كانت العرب(٢) تفعله من تأخير الدين بزيادة فيه فيقول أحدهم لغريمه : أتقضي أم تربي ؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه(٣). وقوله تعالى :( يأكلون الربا ) أي يكسبون الربا ويفعلونه. وخصت لفظة الأكل لأنها أقوى مقاصد الإنسان في المال ولأنها دالة على الحرص والجمع، فأقيم هذا البعض(٤) من توابع الكسب مقام الكسب كله فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال وغير ذلك كله داخل تحت قوله :( الذين يأكلون ) (٥). وقوله :( ذلك بأنهم قالوا ) الآية. معناه عند جميع المتأولين الكفار وأنه قول تكذيب للشريعة ورد عليها، والآية كلها في الكفار المرابين نزلت. ولهم قيل :( فله ما سلف ) ولا يقال ذلك لمؤمن عاص، ولكن يؤاخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد الآية(٦). ٢٧٨- وقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ٢٧٨ ) الآية |البقرة : ٢٧٨|. سبب نزولها أنه كان الربا بين الناس كثيرا في ذلك الوقت وكان بين قريش وثقيف ربا، فكان لهؤلاء على هؤلاء، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال في خطبته في اليوم الثاني من الفتح : " ألا كل ربا كان في الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب " (٧) فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمه وأخص الناس به، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واستعمل عتاب بن أسيد على مكة، فلما استنزل أهل الطائف بعد ذلك إلى الإسلام اشترطوا شروطا منها ما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها ما لم يعطه. وكان في شروطهم أن كل ربا لهم على الناس فإنهم يأخذونه، وكل ربا عليهم هو موضوع عنهم. فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرر لهم هذه، فردها الله بهذه الآية كما رد طلحة لكفار قريش في رد النساء عليهم في عام الحديبية(٨). وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يكتب في أسفل الكتاب لثقيف " لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم " فلما جاءت آجال ربائهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء، وكانت الديون لبني عنزة، وهم بنو عمرو بن عمير بن ثقيف على بني المغيرة المخزوميين. فقال بنو المغيرة : لا نعطي شيئا، فإن الربا قد وضع. ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد بمكة، فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية. فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب، فعلمت به ثقيف، فكفت(٩). وأصل الربا في اللغة الزيادة إلا أن الشرع أثبت زيادات(١٠) جائزة وحرم أنواعا من الزيادات ولكن إطلاق اللفظ يقتضي تحريم كل زيادة إلا ما خصه الشرع(١١). وقوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) |البقرة : ٢٧٥|. يقتضي جواز ما لا زيادة فيه إلا ما خصه الشرع(١٢) أيضا. وقد اختلف الأصوليون في قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) هل هو عام أو مجمل ؟ والذي اختاره أكثر الفقهاء أنه عام(١٣). ثم اختلفوا فمنهم من قال : هو من العموم الذي لا خصوص فيه، ولا يدخله الخصوص لأنه لا بيع إلا وهو حلال. أي أن البيوع الفاسدة لا يطلق عليها اسم البيع شرعا إلا مجازا فهي غير داخلة تحت قوله :( وأحل الله البيع ) وأجازوا أن يطلق عليها اسم البيع لغة. ومنهم من قال : هو من العموم الذي أريد به الخصوص. واختلف أهل هذه الطريقة فمنهم من يجعله فيما أريد به من ذلك من حيز العموم. ومنهم من يجعله من حيز المجمل. والأظهر أنه عام محمول على ظاهره إلا ما قام الدليل على خروجه منه. وإن تخصيص بعضه ليس بمانع من التعلق به، ولا موجب لاحتماله. وهذا هو الصحيح(١٤). وقد جاءت أخبار في النهي عن بيوع مخصوصة اتفق الناس على تخصيص الآية بنهيها كنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر(١٥)، وبيع حبل الحبلة(١٦)، وبيع الملامسة والمنابذة(١٧)، وبيع الحصاة(١٨)، وبيع المضامين والملاقيح(١٩) ونحو ذلك. وجاءت أخبار أخر اختلف الناس في التخصيص بها كبيع النجش(٢٠)، وبيع العربان(٢١)، وبيع الكلب(٢٢) إلى غير ذلك. وكذلك القياس قد يخصص به قوم ولا يخصص به آخرون إلى غير ذلك من الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها. فالبيوع على مذهبهم هذا ثلاثة أقسام، جائزة، ومحظورة ومكروهة. وهي المختلف فيها. فالجائزة : هي التي لم يحظرها الشرع ولا ورد فيها نهي فتندرج تحت قوله تعالى :( وأحل الله البيع ) كل بيع إلا ما خص منه بالدليل والمحظورة : هي التي قام الدليل على تخصيصها من عموم الآية بالمنع منها. والمختلف فيها : ما تجاذبه الطرفان. ونحن نسوق من ذلك أمثلة يتبين بالنظر فيها كيف تؤخذ الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع. فمن ذلك : السلم، أجازه مالك وأصحابه في كل ما يضبط(٢٣) بالصفة على شروط مسطورة في كتبهم. وذهب أبو حنيفة إلى أن السلم في الحيوان لا يجوز. وذهبت طائفة من أهل الظاهر إلى أن السلم، فيما عدا المكيل والموزون لا يجوز. ودليل مالك وأصحابه عموم الآية(٢٤). ولم ينه صلى الله عليه وسلم عنه فبقي على أصل الإباحة الواردة في القرآن، مع قوله –عليه الصلاة والسلام- : " من سلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " (٢٥) ومن ذلك بيع العين الغائبة وهو عند مالك جائز على الصفة، وعند الشافعي غير جائز وصف أو لم يوصف. وعند أبي حنيفة أنه جائز وصف أو لم يوصف إلا أنه يوجب(٢٦) للمبتاع خيار الرؤية إذا رأى المبيع. وحجة مالك على الشافعي عموم الآية(٢٧). ومن ذلك بيع الأعيان الحاضرة التي تشق رؤيتها كالأعدال تباع على البرنامج ونحوه أجازه مالك ومنعه الشافعي في أظهر قوليه(٢٨). والحجة لمالك، قوله عز وجل :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) وقوله :( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) |النساء : ٢٩|(٢٩). وقد اختلفوا في بيع المزايدة، وعموم الآية حجة لمن أجازه مع ما ورد في الحديث في ذلك(٣٠). واختلف في بيع أمهات الأولاد، فقال كافة العلماء : إنهن لا يبعن بوجه وأنهن أحرار. وقول أهل الظاهر(٣١) جواز بيعهن وعن الشافعي القولان. وقول علي –رضي الله عنه- أنهن يبعن في الدين خاصة(٣٢). واحتج من نصر قول أهل الظاهر بقول الله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) (٣٣) وهذا لا حجة فيه بأن يتخصص بأدلة معلومة. ومن ذلك بيع الجوز، واللوز، والباقلاء في قشره الأعلى أجازه مالك ومنعه الشافعي وأبو حنيفة. وحجة عموم قوله تعالى :( وأحل الله البيع ) (٣٤). ومن ذلك بيع السنبل إذا يبس واستغنى عن الماء قائما على اختلاف في المذهب وحزما على اختلاف فيه أيضا في المذهب وأجاز مالك كله في المشهور عنه. ومنعه الشافعي في أحد قوليه والحجة لمالك عموم الآية(٣٥). وأما بيع الحنطة مدروسة مع سنبلها فلا يجوز باتفاق في المذهب، وفي خارج المذهب اختلاف. ومن ذلك بيع المرابحة أجازه مالك وأصحابه وكرهه ابن عباس وجماعة من التابعين. وحجة مالك رحمه الله قوله تعالى(٣٦) :( وأحل الله البيع ) وإذا قلنا بعموم الآية فجعلنا كل بيع جائزا إلا ما قام الدليل عليه، فكذلك تجعل كل ما فيه ربا وهو الزيادة محظورا إلا ما قام الدليل على جوازه. ونضبط في ذلك أصلا فنقول : البيع يقع نقدا ويقع نساء(٣٧) فأما بيع النقد، فيجوز التفاضل فيه والتماثل والبيع كيف يشاء ما لم يكن التبايع في الأثمان والأطعمة المقتاتة، فلا يجوز فيها التفاضل مع الجنسية، ولا يباع المثل منها بمثله إلا متساويا. وإن اختلف التفاضل فيما سوى هذين القسمين جاز بيعه على الإطلاق، فيحصل من هذا أن التفاضل مع الاختلاف في بيع النقود يجوز على الإطلاق، والتفاضل مع التماثل يجوز إلا في ما قدمنا من الأثمان والمقتاتات. وقد ذهب بعضهم إلى أن لا ربا في النقد، وإنما الربا في النسيئة ورأى أن سياق الآية يدل على أن المذكور في كتاب الله تعالى، ربا النساء فقط فإنه قال :( فله ما سلف ) ( وذروا ما بقي من الربا ) وقال :( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) |البقرة : ٢٨٠| وقال :( وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ) |البقرة : ٢٧٩| واحتجوا بالحديث : " إنما الربا في النسيئة " (٣٨) قالوا : فخص الربا بالنسيئة، وجعلوا ذلك بيانا لقوله تعالى :( وحرم الربا ) وهذا مذهب لا خفاء في فساده. ودليلنا على الجواز مع اختلاف الأجناس قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) وقوله –عليه الصلاة والسلام- : " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " (٣٩) ودليلنا على جواز التفاضل فيه بالمتماثلات فيما سوى الثمن والمقتاتات، قوله تعالى :( وأحل الله البيع ). وأيضا فلو كان التفاضل في سائر الأشياء ممنوعا لم يكن لتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشياء بتحريم التفاضل معنى، ولقال التفاضل حرام عليكم في كل شيء، ولكن لما نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع هذه الستة " الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين، فمن زاد، أو ازداد فقد أربى " (٤٠)، وخصه بنهيه دل على أن التحريم ليس بعام في جميع الأشياء. وإنما يبقى النظر في هذه الستة هل الربا في بيع النقد مقصور عليها، فيكون تحريمها غير معقول المعنى ؟ أو يكون لتحريمها دون غيرها معنى فيطلب ذلك المعنى، فحيث وجد حرم قياسا على الستة ودخل في عموم قوله تعالى :( وحرم الربا ) (٤١) : فأما أهل الظاهر فقصروا التحريم عليها وأباحوا التفاضل في سائر الأشياء سواها، واحتجوا بعموم قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) (٤٢). وهذا القول مبني على رأيهم في إنكار القياس(٤٣). فأما جمهور العلماء المثبتون للقياس فإنهم طلبوا لذلك معنى وألحقوا به ما وافقه في ذلك المعنى، وخصصوا، وبينوا به قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) أما مالك فحرم التفاضل فيها لأمرين، أما الذهب والفضة فلكونهما ثمنين. وأما الأربعة المطعومة فلكونها تدخر للقوت أو تصلح للقوت. وبعضهم يزيد في العلة أصلا للمعاش غالبا، وبعضهم يسقطه. وقد قدمنا أن ذلك كله مع تماثل الجنس. وأما الشافعي فوافقه على(٤٤) العلة في الذهب والفضة وخالفه في الأربعة، واعتقد أن العلة فيها كونها مطعومة. وأما أبو حنيفة فخالفهما في الجميع واعتقد أن العلة في الذهب والفضة الوزن وفي الأربعة الكيل. وأما سعيد بن المسيب فوافق مالكا والشافعي في الذهب والفضة وخالف في الأربعة، واعتقد أن العلة فيها الكيل والوزن والطعم(٤٥). فهي خمسة أقوال في تحرير علة منع التفاضل في هذه المبيعات قولان في المذهب، وثلاثة خارج المذهب(٤٦). وإذا فرغنا من الكلام في ربا النقد فلنتكلم على الربا في النسيئة، واعلم أن الربا يدخل في الستة المذكورة في الحديث وما قيس عليها سواء اتفقت الأجناس أو اختلفت. فالذي تدل عليه الآية تحريم الزيادة في النساء، ولا دلالة فيها على تحريم النساء من غير زيادة في نفس المال، ومن أجل ذلك جوز مالك القرض وإن كان الشافعي قد منعه لكنه(٤٧) لم يمنعه من جهة الآية لكن من جهة أخرى، فلا يجوز النساء في شيء من تلك، وأما الستة وما قيس عليها فلا يدخل الربا في بيع النسيئة فيها إذا اختلفت الأجناس، كسلم عبد في ثوبين، فإن تسا ١ في ب "إلى قوله فنظرة إلى ميسرة".. ٢ في أ "الأعراب" والمثبت موافق لما في المحرر الوجيز.. ٣ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٦٩).. ٤ في ب "اللفظ".. ٥ قاله في الموضوعين ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٧٠، ٢٧١).. ٦ في ب "قررهم على هذا، ثم ردهم الله".. ٧ أخرجه من حديث جابر بن عبد الله مسلم في الحج (١٢١٨) وأبو داود (١٩٠٥) والنسائي (٥/١٤٣، ١٤٤) وابن ماجه (٣٠٧٤) والدارمي (١٨٥٠، ١٨٥١) وابن حبان (الإحسان: ٣٩٤٣، ٣٩٤٤).. ٨ يراجع تفسير الطبري (٣/١٣٨). والعجاب في بيان الأسباب لابن حجر (ص ٤٦٠، ٤٦١). . ٩ يراجع تفسير الطبري (٣/١٣٨) والعجاب لابن حجر (ص ٤٦٠ -٤٦٣).. ١٠ في ن "زيادة".. ١١ قاله أبو الحسن الهراسي في أحكام القرآن (١/٢٣١، ٢٣٢) وفيه اختلاف لا يضر من جهة المعنى مرده إلى تصرف المؤلف رحمه الله أو للنسخ.. ١٢ يراجع كلام الهراسي في المصدر السابق (١/٢٣٢).. ١٣ يراجع المحرر الوجيز لابن عطية (٢/٢٧١).. ١٤ واختاره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٧١) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٤٠ -٢٤٥) وتفسير القرطبي (٣/٣٥٦ -٣٥٨).. ١٥ أخرجه عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر" مسلم في البيوع (١٥١٣) ومعنى الغرر الخطر والغرور والخداع.. ١٦ أخرج البخاري عن ابن عمر في البيوع (٢١٤٣) ومسلم في البيوع (١٥١٤) ومعناه: بيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ويلد ولدها. وقال آخرون: هو بيع ولد الناقة الحامل في الحال.. ١٧ أخرجه عن أبي هريرة البخاري في البيوع (٢١٤٢) ومسلم في البيوع (١٥١١) أما الملامسة: فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل والمنابذة: أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر، ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه.. ١٨ فيه تأويلات منها أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها ويراجع شرح النووي على مسلم (١٠/١٥٦).. ١٩ المضامين: بيع ما في بطون إناث الإبل والملاقيح: بيع ما على ظهور الجمال. ويراجع الموطأ، كتاب البيوع (٢/١٩٤ -١٩٦).. ٢٠ أخرجه عن أبي هريرة البخاري في البيوع (٢١٥٠) ومسلم في البيوع (١٥١٥) والنجش هو إثارة الرغبة في شراء السلعة ليرفع ثمنها وهو نوع من الخداع.. ٢١ فيه حديث ضعيف من حديث عبد الله بن عمرو، رواه أبو داود (٢٠٣٥) وابن ماجه (٢١٩٢) وأحمد (٢/١٨٣) وضعفه غير واحد.. ٢٢ في ذلك حديث عن أبي مسعود الأنصاري أخرجه البخاري في الإجازة (٢٢٨٢) ومسلم في المساقاة (١٥٦٧).. ٢٣ في ب "ينضبط".. ٢٤ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/١٨٤ -١٨٦) والإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٦٧، ٥٦٨).. ٢٥ أخرجه عن ابن عباس البخاري في السلم (٢٢٤٠) ومسلم في المساقاة (١٦٠٤) بلفظ "من أسلق في شيء.. فليسلف" ولم هذا اللفظ إلا في الجمع بين الصحيحين لعبد الحق الاشبيلي (٢/٥٦٦ بتحقيقي) وقد يكون ذلك في بعض نسخ الصحيح والله أعلم ويراجع الفتح لابن حجر (٤/٤٣٢).. ٢٦ في أ "يجب".. ٢٧ يراجع المدونة لسحنون (٤/٢٠٧، ٢١٠، ٢١١).. ٢٨ في ب "ظاهر قوله".. ٢٩ يراجع المدونة لسحنون (٤/٢١٠ -٢١٣) والأم للشافعي (٣/١٨، ١٩).. ٣٠ أخرجه أبو داود (١٦٤١) والنسائي (٧/٢٥٩) والترمذي (١٢١٨) وابن ماجه (٢١٩٨) وغيرهم عن أنس. وسنده ضعيف ضعفه ابن القطان الفاسي كما في التلخيص الحبير لابن حجر (٣/١٥) والألباني في إرواء الغليل (١٢٨٩).. ٣١ عزا هذا القول ابن عبد البر لجماعة فقهاء الأمصار فيراجع التمهيد (٣/١٣٦، ١٣٧).. ٣٢ يراجع المحلى لابن حزم (٩/٢١٧ -٢٢١).. ٣٣ ينظر التمهيد (٣/١٣٧ و١٣٨).. ٣٤ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٤٥، ٥٤٦).. ٣٥ ينظر الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٤٦) والأم للشافعي (٣/٥٩).. ٣٦ في ب "الآية".. ٣٧ في ب "نسيئة".. ٣٨ أخرجه البخاري من حديث ابن سامة بن زيد في البيوع (٢١٧٨، ٢١٧٩) ومسلم في المساقاة (١٥٩٦).. ٣٩ أخرج مسلم في المساقاة (١٥٨٧) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا: "الذهب بالذهب.." وفي آخره: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد" ويراجع كلام أبي العباس القرطبي في المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٤/٤٧٥).. ٤٠ أخرجه مسلم في المساقاة من حديث عبادة بن الصامت (١٥٨٧).. ٤١ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٢٧ -٥٢٩).. ٤٢ قال أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار (٢٠/٤١): "وشذ داود فأجاز النسيئة والتفاضل فيما عدا البر والشعير، والتمر، والملح من الطعام، والآدام، لنص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعموم قوله الله عز وجل: (وأحل الله البيع) |البقرة: ٢٧٥| فلم يضم إلى النسيئة المنصوصة في حديث عبادة، وغيره شيئا غيرها، وهي الذهب، والورق، والبر، والشعير، والتمر، والملح".. ٤٣ قال ابن حزم في المحلى (٨/٤٦٨): "وممن قال: لا إلا في الأصناف المذكورة طاوس، وقتادة وعثمان البتي وأبو سليمان وجميع أصحابنا" ويراجع بقية كلامه هناك فهو قوي.. ٤٤ في ب "في "علة".. ٤٥ يراجع في هذا الاستذكار (٢٠/٣١ -٥٠) والمحلى لابن حزك (٨/ رقم ١٤٧٩ – ط منيرية) وفتح الباري (٤/٣٧٧ -٣٨٦) والمفهم للقرطبي (٤/٤٧٧ -٤٧٩) ونيل الأوطار للشوكاني (٥/١٩٠ -١٩٥).. ٤٦ في ب "خارجه".. ٤٧ في ب "لكن"..

البقرة 2:276

٢٧٥- قوله تعالى :( الذين يأكلون الربا ) الآية إلى قوله :( وإن كان ذو عسرة ) (١) |البقرة : ٢٧٥ -٢٧٩|. الربا الزيادة، وعلته ما كانت العرب(٢) تفعله من تأخير الدين بزيادة فيه فيقول أحدهم لغريمه : أتقضي أم تربي ؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه(٣). وقوله تعالى :( يأكلون الربا ) أي يكسبون الربا ويفعلونه. وخصت لفظة الأكل لأنها أقوى مقاصد الإنسان في المال ولأنها دالة على الحرص والجمع، فأقيم هذا البعض(٤) من توابع الكسب مقام الكسب كله فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال وغير ذلك كله داخل تحت قوله :( الذين يأكلون ) (٥). وقوله :( ذلك بأنهم قالوا ) الآية. معناه عند جميع المتأولين الكفار وأنه قول تكذيب للشريعة ورد عليها، والآية كلها في الكفار المرابين نزلت. ولهم قيل :( فله ما سلف ) ولا يقال ذلك لمؤمن عاص، ولكن يؤاخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد الآية(٦). ٢٧٨- وقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ٢٧٨ ) الآية |البقرة : ٢٧٨|. سبب نزولها أنه كان الربا بين الناس كثيرا في ذلك الوقت وكان بين قريش وثقيف ربا، فكان لهؤلاء على هؤلاء، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال في خطبته في اليوم الثاني من الفتح :" ألا كل ربا كان في الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب " (٧) فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمه وأخص الناس به، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واستعمل عتاب بن أسيد على مكة، فلما استنزل أهل الطائف بعد ذلك إلى الإسلام اشترطوا شروطا منها ما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها ما لم يعطه. وكان في شروطهم أن كل ربا لهم على الناس فإنهم يأخذونه، وكل ربا عليهم هو موضوع عنهم. فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرر لهم هذه، فردها الله بهذه الآية كما رد طلحة لكفار قريش في رد النساء عليهم في عام الحديبية(٨). وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يكتب في أسفل الكتاب لثقيف " لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم " فلما جاءت آجال ربائهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء، وكانت الديون لبني عنزة، وهم بنو عمرو بن عمير بن ثقيف على بني المغيرة المخزوميين. فقال بنو المغيرة : لا نعطي شيئا، فإن الربا قد وضع. ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد بمكة، فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية. فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب، فعلمت به ثقيف، فكفت(٩). وأصل الربا في اللغة الزيادة إلا أن الشرع أثبت زيادات(١٠) جائزة وحرم أنواعا من الزيادات ولكن إطلاق اللفظ يقتضي تحريم كل زيادة إلا ما خصه الشرع(١١). وقوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) |البقرة : ٢٧٥|. يقتضي جواز ما لا زيادة فيه إلا ما خصه الشرع(١٢) أيضا. وقد اختلف الأصوليون في قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) هل هو عام أو مجمل ؟ والذي اختاره أكثر الفقهاء أنه عام(١٣). ثم اختلفوا فمنهم من قال : هو من العموم الذي لا خصوص فيه، ولا يدخله الخصوص لأنه لا بيع إلا وهو حلال. أي أن البيوع الفاسدة لا يطلق عليها اسم البيع شرعا إلا مجازا فهي غير داخلة تحت قوله :( وأحل الله البيع ) وأجازوا أن يطلق عليها اسم البيع لغة. ومنهم من قال : هو من العموم الذي أريد به الخصوص. واختلف أهل هذه الطريقة فمنهم من يجعله فيما أريد به من ذلك من حيز العموم. ومنهم من يجعله من حيز المجمل. والأظهر أنه عام محمول على ظاهره إلا ما قام الدليل على خروجه منه. وإن تخصيص بعضه ليس بمانع من التعلق به، ولا موجب لاحتماله. وهذا هو الصحيح(١٤). وقد جاءت أخبار في النهي عن بيوع مخصوصة اتفق الناس على تخصيص الآية بنهيها كنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر(١٥)، وبيع حبل الحبلة(١٦)، وبيع الملامسة والمنابذة(١٧)، وبيع الحصاة(١٨)، وبيع المضامين والملاقيح(١٩) ونحو ذلك. وجاءت أخبار أخر اختلف الناس في التخصيص بها كبيع النجش(٢٠)، وبيع العربان(٢١)، وبيع الكلب(٢٢) إلى غير ذلك. وكذلك القياس قد يخصص به قوم ولا يخصص به آخرون إلى غير ذلك من الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها. فالبيوع على مذهبهم هذا ثلاثة أقسام، جائزة، ومحظورة ومكروهة. وهي المختلف فيها. فالجائزة : هي التي لم يحظرها الشرع ولا ورد فيها نهي فتندرج تحت قوله تعالى :( وأحل الله البيع ) كل بيع إلا ما خص منه بالدليل والمحظورة : هي التي قام الدليل على تخصيصها من عموم الآية بالمنع منها. والمختلف فيها : ما تجاذبه الطرفان. ونحن نسوق من ذلك أمثلة يتبين بالنظر فيها كيف تؤخذ الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع. فمن ذلك : السلم، أجازه مالك وأصحابه في كل ما يضبط(٢٣) بالصفة على شروط مسطورة في كتبهم. وذهب أبو حنيفة إلى أن السلم في الحيوان لا يجوز. وذهبت طائفة من أهل الظاهر إلى أن السلم، فيما عدا المكيل والموزون لا يجوز. ودليل مالك وأصحابه عموم الآية(٢٤). ولم ينه صلى الله عليه وسلم عنه فبقي على أصل الإباحة الواردة في القرآن، مع قوله –عليه الصلاة والسلام- :" من سلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " (٢٥) ومن ذلك بيع العين الغائبة وهو عند مالك جائز على الصفة، وعند الشافعي غير جائز وصف أو لم يوصف. وعند أبي حنيفة أنه جائز وصف أو لم يوصف إلا أنه يوجب(٢٦) للمبتاع خيار الرؤية إذا رأى المبيع. وحجة مالك على الشافعي عموم الآية(٢٧). ومن ذلك بيع الأعيان الحاضرة التي تشق رؤيتها كالأعدال تباع على البرنامج ونحوه أجازه مالك ومنعه الشافعي في أظهر قوليه(٢٨). والحجة لمالك، قوله عز وجل :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) وقوله :( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) |النساء : ٢٩|(٢٩). وقد اختلفوا في بيع المزايدة، وعموم الآية حجة لمن أجازه مع ما ورد في الحديث في ذلك(٣٠). واختلف في بيع أمهات الأولاد، فقال كافة العلماء : إنهن لا يبعن بوجه وأنهن أحرار. وقول أهل الظاهر(٣١) جواز بيعهن وعن الشافعي القولان. وقول علي –رضي الله عنه- أنهن يبعن في الدين خاصة(٣٢). واحتج من نصر قول أهل الظاهر بقول الله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) (٣٣) وهذا لا حجة فيه بأن يتخصص بأدلة معلومة. ومن ذلك بيع الجوز، واللوز، والباقلاء في قشره الأعلى أجازه مالك ومنعه الشافعي وأبو حنيفة. وحجة عموم قوله تعالى :( وأحل الله البيع ) (٣٤). ومن ذلك بيع السنبل إذا يبس واستغنى عن الماء قائما على اختلاف في المذهب وحزما على اختلاف فيه أيضا في المذهب وأجاز مالك كله في المشهور عنه. ومنعه الشافعي في أحد قوليه والحجة لمالك عموم الآية(٣٥). وأما بيع الحنطة مدروسة مع سنبلها فلا يجوز باتفاق في المذهب، وفي خارج المذهب اختلاف. ومن ذلك بيع المرابحة أجازه مالك وأصحابه وكرهه ابن عباس وجماعة من التابعين. وحجة مالك رحمه الله قوله تعالى(٣٦) :( وأحل الله البيع ) وإذا قلنا بعموم الآية فجعلنا كل بيع جائزا إلا ما قام الدليل عليه، فكذلك تجعل كل ما فيه ربا وهو الزيادة محظورا إلا ما قام الدليل على جوازه. ونضبط في ذلك أصلا فنقول : البيع يقع نقدا ويقع نساء(٣٧) فأما بيع النقد، فيجوز التفاضل فيه والتماثل والبيع كيف يشاء ما لم يكن التبايع في الأثمان والأطعمة المقتاتة، فلا يجوز فيها التفاضل مع الجنسية، ولا يباع المثل منها بمثله إلا متساويا. وإن اختلف التفاضل فيما سوى هذين القسمين جاز بيعه على الإطلاق، فيحصل من هذا أن التفاضل مع الاختلاف في بيع النقود يجوز على الإطلاق، والتفاضل مع التماثل يجوز إلا في ما قدمنا من الأثمان والمقتاتات. وقد ذهب بعضهم إلى أن لا ربا في النقد، وإنما الربا في النسيئة ورأى أن سياق الآية يدل على أن المذكور في كتاب الله تعالى، ربا النساء فقط فإنه قال :( فله ما سلف ) ( وذروا ما بقي من الربا ) وقال :( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) |البقرة : ٢٨٠| وقال :( وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ) |البقرة : ٢٧٩| واحتجوا بالحديث :" إنما الربا في النسيئة " (٣٨) قالوا : فخص الربا بالنسيئة، وجعلوا ذلك بيانا لقوله تعالى :( وحرم الربا ) وهذا مذهب لا خفاء في فساده. ودليلنا على الجواز مع اختلاف الأجناس قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) وقوله –عليه الصلاة والسلام- :" إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " (٣٩) ودليلنا على جواز التفاضل فيه بالمتماثلات فيما سوى الثمن والمقتاتات، قوله تعالى :( وأحل الله البيع ). وأيضا فلو كان التفاضل في سائر الأشياء ممنوعا لم يكن لتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشياء بتحريم التفاضل معنى، ولقال التفاضل حرام عليكم في كل شيء، ولكن لما نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع هذه الستة " الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين، فمن زاد، أو ازداد فقد أربى " (٤٠)، وخصه بنهيه دل على أن التحريم ليس بعام في جميع الأشياء. وإنما يبقى النظر في هذه الستة هل الربا في بيع النقد مقصور عليها، فيكون تحريمها غير معقول المعنى ؟ أو يكون لتحريمها دون غيرها معنى فيطلب ذلك المعنى، فحيث وجد حرم قياسا على الستة ودخل في عموم قوله تعالى :( وحرم الربا ) (٤١) : فأما أهل الظاهر فقصروا التحريم عليها وأباحوا التفاضل في سائر الأشياء سواها، واحتجوا بعموم قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) (٤٢). وهذا القول مبني على رأيهم في إنكار القياس(٤٣). فأما جمهور العلماء المثبتون للقياس فإنهم طلبوا لذلك معنى وألحقوا به ما وافقه في ذلك المعنى، وخصصوا، وبينوا به قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) أما مالك فحرم التفاضل فيها لأمرين، أما الذهب والفضة فلكونهما ثمنين. وأما الأربعة المطعومة فلكونها تدخر للقوت أو تصلح للقوت. وبعضهم يزيد في العلة أصلا للمعاش غالبا، وبعضهم يسقطه. وقد قدمنا أن ذلك كله مع تماثل الجنس. وأما الشافعي فوافقه على(٤٤) العلة في الذهب والفضة وخالفه في الأربعة، واعتقد أن العلة فيها كونها مطعومة. وأما أبو حنيفة فخالفهما في الجميع واعتقد أن العلة في الذهب والفضة الوزن وفي الأربعة الكيل. وأما سعيد بن المسيب فوافق مالكا والشافعي في الذهب والفضة وخالف في الأربعة، واعتقد أن العلة فيها الكيل والوزن والطعم(٤٥). فهي خمسة أقوال في تحرير علة منع التفاضل في هذه المبيعات قولان في المذهب، وثلاثة خارج المذهب(٤٦). وإذا فرغنا من الكلام في ربا النقد فلنتكلم على الربا في النسيئة، واعلم أن الربا يدخل في الستة المذكورة في الحديث وما قيس عليها سواء اتفقت الأجناس أو اختلفت. فالذي تدل عليه الآية تحريم الزيادة في النساء، ولا دلالة فيها على تحريم النساء من غير زيادة في نفس المال، ومن أجل ذلك جوز مالك القرض وإن كان الشافعي قد منعه لكنه(٤٧) لم يمنعه من جهة الآية لكن من جهة أخرى، فلا يجوز النساء في شيء من تلك، وأما الستة وما قيس عليها فلا يدخل الربا في بيع النسيئة فيها إذا اختلفت الأجناس، كسلم عبد في ثوبين، فإن تسا ١ في ب "إلى قوله فنظرة إلى ميسرة".. ٢ في أ "الأعراب" والمثبت موافق لما في المحرر الوجيز.. ٣ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٦٩).. ٤ في ب "اللفظ".. ٥ قاله في الموضوعين ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٧٠، ٢٧١).. ٦ في ب "قررهم على هذا، ثم ردهم الله".. ٧ أخرجه من حديث جابر بن عبد الله مسلم في الحج (١٢١٨) وأبو داود (١٩٠٥) والنسائي (٥/١٤٣، ١٤٤) وابن ماجه (٣٠٧٤) والدارمي (١٨٥٠، ١٨٥١) وابن حبان (الإحسان: ٣٩٤٣، ٣٩٤٤).. ٨ يراجع تفسير الطبري (٣/١٣٨). والعجاب في بيان الأسباب لابن حجر (ص ٤٦٠، ٤٦١). . ٩ يراجع تفسير الطبري (٣/١٣٨) والعجاب لابن حجر (ص ٤٦٠ -٤٦٣).. ١٠ في ن "زيادة".. ١١ قاله أبو الحسن الهراسي في أحكام القرآن (١/٢٣١، ٢٣٢) وفيه اختلاف لا يضر من جهة المعنى مرده إلى تصرف المؤلف رحمه الله أو للنسخ.. ١٢ يراجع كلام الهراسي في المصدر السابق (١/٢٣٢).. ١٣ يراجع المحرر الوجيز لابن عطية (٢/٢٧١).. ١٤ واختاره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٧١) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٤٠ -٢٤٥) وتفسير القرطبي (٣/٣٥٦ -٣٥٨).. ١٥ أخرجه عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر" مسلم في البيوع (١٥١٣) ومعنى الغرر الخطر والغرور والخداع.. ١٦ أخرج البخاري عن ابن عمر في البيوع (٢١٤٣) ومسلم في البيوع (١٥١٤) ومعناه: بيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ويلد ولدها. وقال آخرون: هو بيع ولد الناقة الحامل في الحال.. ١٧ أخرجه عن أبي هريرة البخاري في البيوع (٢١٤٢) ومسلم في البيوع (١٥١١) أما الملامسة: فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل والمنابذة: أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر، ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه.. ١٨ فيه تأويلات منها أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها ويراجع شرح النووي على مسلم (١٠/١٥٦).. ١٩ المضامين: بيع ما في بطون إناث الإبل والملاقيح: بيع ما على ظهور الجمال. ويراجع الموطأ، كتاب البيوع (٢/١٩٤ -١٩٦).. ٢٠ أخرجه عن أبي هريرة البخاري في البيوع (٢١٥٠) ومسلم في البيوع (١٥١٥) والنجش هو إثارة الرغبة في شراء السلعة ليرفع ثمنها وهو نوع من الخداع.. ٢١ فيه حديث ضعيف من حديث عبد الله بن عمرو، رواه أبو داود (٢٠٣٥) وابن ماجه (٢١٩٢) وأحمد (٢/١٨٣) وضعفه غير واحد.. ٢٢ في ذلك حديث عن أبي مسعود الأنصاري أخرجه البخاري في الإجازة (٢٢٨٢) ومسلم في المساقاة (١٥٦٧).. ٢٣ في ب "ينضبط".. ٢٤ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/١٨٤ -١٨٦) والإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٦٧، ٥٦٨).. ٢٥ أخرجه عن ابن عباس البخاري في السلم (٢٢٤٠) ومسلم في المساقاة (١٦٠٤) بلفظ "من أسلق في شيء.. فليسلف" ولم هذا اللفظ إلا في الجمع بين الصحيحين لعبد الحق الاشبيلي (٢/٥٦٦ بتحقيقي) وقد يكون ذلك في بعض نسخ الصحيح والله أعلم ويراجع الفتح لابن حجر (٤/٤٣٢).. ٢٦ في أ "يجب".. ٢٧ يراجع المدونة لسحنون (٤/٢٠٧، ٢١٠، ٢١١).. ٢٨ في ب "ظاهر قوله".. ٢٩ يراجع المدونة لسحنون (٤/٢١٠ -٢١٣) والأم للشافعي (٣/١٨، ١٩).. ٣٠ أخرجه أبو داود (١٦٤١) والنسائي (٧/٢٥٩) والترمذي (١٢١٨) وابن ماجه (٢١٩٨) وغيرهم عن أنس. وسنده ضعيف ضعفه ابن القطان الفاسي كما في التلخيص الحبير لابن حجر (٣/١٥) والألباني في إرواء الغليل (١٢٨٩).. ٣١ عزا هذا القول ابن عبد البر لجماعة فقهاء الأمصار فيراجع التمهيد (٣/١٣٦، ١٣٧).. ٣٢ يراجع المحلى لابن حزم (٩/٢١٧ -٢٢١).. ٣٣ ينظر التمهيد (٣/١٣٧ و١٣٨).. ٣٤ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٤٥، ٥٤٦).. ٣٥ ينظر الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٤٦) والأم للشافعي (٣/٥٩).. ٣٦ في ب "الآية".. ٣٧ في ب "نسيئة".. ٣٨ أخرجه البخاري من حديث ابن سامة بن زيد في البيوع (٢١٧٨، ٢١٧٩) ومسلم في المساقاة (١٥٩٦).. ٣٩ أخرج مسلم في المساقاة (١٥٨٧) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا: "الذهب بالذهب.." وفي آخره: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد" ويراجع كلام أبي العباس القرطبي في المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٤/٤٧٥).. ٤٠ أخرجه مسلم في المساقاة من حديث عبادة بن الصامت (١٥٨٧).. ٤١ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٢٧ -٥٢٩).. ٤٢ قال أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار (٢٠/٤١): "وشذ داود فأجاز النسيئة والتفاضل فيما عدا البر والشعير، والتمر، والملح من الطعام، والآدام، لنص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعموم قوله الله عز وجل: (وأحل الله البيع) |البقرة: ٢٧٥| فلم يضم إلى النسيئة المنصوصة في حديث عبادة، وغيره شيئا غيرها، وهي الذهب، والورق، والبر، والشعير، والتمر، والملح".. ٤٣ قال ابن حزم في المحلى (٨/٤٦٨): "وممن قال: لا إلا في الأصناف المذكورة طاوس، وقتادة وعثمان البتي وأبو سليمان وجميع أصحابنا" ويراجع بقية كلامه هناك فهو قوي.. ٤٤ في ب "في "علة".. ٤٥ يراجع في هذا الاستذكار (٢٠/٣١ -٥٠) والمحلى لابن حزك (٨/ رقم ١٤٧٩ – ط منيرية) وفتح الباري (٤/٣٧٧ -٣٨٦) والمفهم للقرطبي (٤/٤٧٧ -٤٧٩) ونيل الأوطار للشوكاني (٥/١٩٠ -١٩٥).. ٤٦ في ب "خارجه".. ٤٧ في ب "لكن"..

البقرة 2:277

٢٧٥- قوله تعالى :( الذين يأكلون الربا ) الآية إلى قوله :( وإن كان ذو عسرة ) (١) |البقرة : ٢٧٥ -٢٧٩|. الربا الزيادة، وعلته ما كانت العرب(٢) تفعله من تأخير الدين بزيادة فيه فيقول أحدهم لغريمه : أتقضي أم تربي ؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه(٣). وقوله تعالى :( يأكلون الربا ) أي يكسبون الربا ويفعلونه. وخصت لفظة الأكل لأنها أقوى مقاصد الإنسان في المال ولأنها دالة على الحرص والجمع، فأقيم هذا البعض(٤) من توابع الكسب مقام الكسب كله فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال وغير ذلك كله داخل تحت قوله :( الذين يأكلون ) (٥). وقوله :( ذلك بأنهم قالوا ) الآية. معناه عند جميع المتأولين الكفار وأنه قول تكذيب للشريعة ورد عليها، والآية كلها في الكفار المرابين نزلت. ولهم قيل :( فله ما سلف ) ولا يقال ذلك لمؤمن عاص، ولكن يؤاخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد الآية(٦). ٢٧٨- وقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ٢٧٨ ) الآية |البقرة : ٢٧٨|. سبب نزولها أنه كان الربا بين الناس كثيرا في ذلك الوقت وكان بين قريش وثقيف ربا، فكان لهؤلاء على هؤلاء، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال في خطبته في اليوم الثاني من الفتح :" ألا كل ربا كان في الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب " (٧) فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمه وأخص الناس به، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واستعمل عتاب بن أسيد على مكة، فلما استنزل أهل الطائف بعد ذلك إلى الإسلام اشترطوا شروطا منها ما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها ما لم يعطه. وكان في شروطهم أن كل ربا لهم على الناس فإنهم يأخذونه، وكل ربا عليهم هو موضوع عنهم. فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرر لهم هذه، فردها الله بهذه الآية كما رد طلحة لكفار قريش في رد النساء عليهم في عام الحديبية(٨). وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يكتب في أسفل الكتاب لثقيف " لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم " فلما جاءت آجال ربائهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء، وكانت الديون لبني عنزة، وهم بنو عمرو بن عمير بن ثقيف على بني المغيرة المخزوميين. فقال بنو المغيرة : لا نعطي شيئا، فإن الربا قد وضع. ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد بمكة، فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية. فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب، فعلمت به ثقيف، فكفت(٩). وأصل الربا في اللغة الزيادة إلا أن الشرع أثبت زيادات(١٠) جائزة وحرم أنواعا من الزيادات ولكن إطلاق اللفظ يقتضي تحريم كل زيادة إلا ما خصه الشرع(١١). وقوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) |البقرة : ٢٧٥|. يقتضي جواز ما لا زيادة فيه إلا ما خصه الشرع(١٢) أيضا. وقد اختلف الأصوليون في قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) هل هو عام أو مجمل ؟ والذي اختاره أكثر الفقهاء أنه عام(١٣). ثم اختلفوا فمنهم من قال : هو من العموم الذي لا خصوص فيه، ولا يدخله الخصوص لأنه لا بيع إلا وهو حلال. أي أن البيوع الفاسدة لا يطلق عليها اسم البيع شرعا إلا مجازا فهي غير داخلة تحت قوله :( وأحل الله البيع ) وأجازوا أن يطلق عليها اسم البيع لغة. ومنهم من قال : هو من العموم الذي أريد به الخصوص. واختلف أهل هذه الطريقة فمنهم من يجعله فيما أريد به من ذلك من حيز العموم. ومنهم من يجعله من حيز المجمل. والأظهر أنه عام محمول على ظاهره إلا ما قام الدليل على خروجه منه. وإن تخصيص بعضه ليس بمانع من التعلق به، ولا موجب لاحتماله. وهذا هو الصحيح(١٤). وقد جاءت أخبار في النهي عن بيوع مخصوصة اتفق الناس على تخصيص الآية بنهيها كنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر(١٥)، وبيع حبل الحبلة(١٦)، وبيع الملامسة والمنابذة(١٧)، وبيع الحصاة(١٨)، وبيع المضامين والملاقيح(١٩) ونحو ذلك. وجاءت أخبار أخر اختلف الناس في التخصيص بها كبيع النجش(٢٠)، وبيع العربان(٢١)، وبيع الكلب(٢٢) إلى غير ذلك. وكذلك القياس قد يخصص به قوم ولا يخصص به آخرون إلى غير ذلك من الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها. فالبيوع على مذهبهم هذا ثلاثة أقسام، جائزة، ومحظورة ومكروهة. وهي المختلف فيها. فالجائزة : هي التي لم يحظرها الشرع ولا ورد فيها نهي فتندرج تحت قوله تعالى :( وأحل الله البيع ) كل بيع إلا ما خص منه بالدليل والمحظورة : هي التي قام الدليل على تخصيصها من عموم الآية بالمنع منها. والمختلف فيها : ما تجاذبه الطرفان. ونحن نسوق من ذلك أمثلة يتبين بالنظر فيها كيف تؤخذ الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع. فمن ذلك : السلم، أجازه مالك وأصحابه في كل ما يضبط(٢٣) بالصفة على شروط مسطورة في كتبهم. وذهب أبو حنيفة إلى أن السلم في الحيوان لا يجوز. وذهبت طائفة من أهل الظاهر إلى أن السلم، فيما عدا المكيل والموزون لا يجوز. ودليل مالك وأصحابه عموم الآية(٢٤). ولم ينه صلى الله عليه وسلم عنه فبقي على أصل الإباحة الواردة في القرآن، مع قوله –عليه الصلاة والسلام- :" من سلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " (٢٥) ومن ذلك بيع العين الغائبة وهو عند مالك جائز على الصفة، وعند الشافعي غير جائز وصف أو لم يوصف. وعند أبي حنيفة أنه جائز وصف أو لم يوصف إلا أنه يوجب(٢٦) للمبتاع خيار الرؤية إذا رأى المبيع. وحجة مالك على الشافعي عموم الآية(٢٧). ومن ذلك بيع الأعيان الحاضرة التي تشق رؤيتها كالأعدال تباع على البرنامج ونحوه أجازه مالك ومنعه الشافعي في أظهر قوليه(٢٨). والحجة لمالك، قوله عز وجل :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) وقوله :( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) |النساء : ٢٩|(٢٩). وقد اختلفوا في بيع المزايدة، وعموم الآية حجة لمن أجازه مع ما ورد في الحديث في ذلك(٣٠). واختلف في بيع أمهات الأولاد، فقال كافة العلماء : إنهن لا يبعن بوجه وأنهن أحرار. وقول أهل الظاهر(٣١) جواز بيعهن وعن الشافعي القولان. وقول علي –رضي الله عنه- أنهن يبعن في الدين خاصة(٣٢). واحتج من نصر قول أهل الظاهر بقول الله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) (٣٣) وهذا لا حجة فيه بأن يتخصص بأدلة معلومة. ومن ذلك بيع الجوز، واللوز، والباقلاء في قشره الأعلى أجازه مالك ومنعه الشافعي وأبو حنيفة. وحجة عموم قوله تعالى :( وأحل الله البيع ) (٣٤). ومن ذلك بيع السنبل إذا يبس واستغنى عن الماء قائما على اختلاف في المذهب وحزما على اختلاف فيه أيضا في المذهب وأجاز مالك كله في المشهور عنه. ومنعه الشافعي في أحد قوليه والحجة لمالك عموم الآية(٣٥). وأما بيع الحنطة مدروسة مع سنبلها فلا يجوز باتفاق في المذهب، وفي خارج المذهب اختلاف. ومن ذلك بيع المرابحة أجازه مالك وأصحابه وكرهه ابن عباس وجماعة من التابعين. وحجة مالك رحمه الله قوله تعالى(٣٦) :( وأحل الله البيع ) وإذا قلنا بعموم الآية فجعلنا كل بيع جائزا إلا ما قام الدليل عليه، فكذلك تجعل كل ما فيه ربا وهو الزيادة محظورا إلا ما قام الدليل على جوازه. ونضبط في ذلك أصلا فنقول : البيع يقع نقدا ويقع نساء(٣٧) فأما بيع النقد، فيجوز التفاضل فيه والتماثل والبيع كيف يشاء ما لم يكن التبايع في الأثمان والأطعمة المقتاتة، فلا يجوز فيها التفاضل مع الجنسية، ولا يباع المثل منها بمثله إلا متساويا. وإن اختلف التفاضل فيما سوى هذين القسمين جاز بيعه على الإطلاق، فيحصل من هذا أن التفاضل مع الاختلاف في بيع النقود يجوز على الإطلاق، والتفاضل مع التماثل يجوز إلا في ما قدمنا من الأثمان والمقتاتات. وقد ذهب بعضهم إلى أن لا ربا في النقد، وإنما الربا في النسيئة ورأى أن سياق الآية يدل على أن المذكور في كتاب الله تعالى، ربا النساء فقط فإنه قال :( فله ما سلف ) ( وذروا ما بقي من الربا ) وقال :( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) |البقرة : ٢٨٠| وقال :( وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ) |البقرة : ٢٧٩| واحتجوا بالحديث :" إنما الربا في النسيئة " (٣٨) قالوا : فخص الربا بالنسيئة، وجعلوا ذلك بيانا لقوله تعالى :( وحرم الربا ) وهذا مذهب لا خفاء في فساده. ودليلنا على الجواز مع اختلاف الأجناس قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) وقوله –عليه الصلاة والسلام- :" إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " (٣٩) ودليلنا على جواز التفاضل فيه بالمتماثلات فيما سوى الثمن والمقتاتات، قوله تعالى :( وأحل الله البيع ). وأيضا فلو كان التفاضل في سائر الأشياء ممنوعا لم يكن لتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشياء بتحريم التفاضل معنى، ولقال التفاضل حرام عليكم في كل شيء، ولكن لما نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع هذه الستة " الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين، فمن زاد، أو ازداد فقد أربى " (٤٠)، وخصه بنهيه دل على أن التحريم ليس بعام في جميع الأشياء. وإنما يبقى النظر في هذه الستة هل الربا في بيع النقد مقصور عليها، فيكون تحريمها غير معقول المعنى ؟ أو يكون لتحريمها دون غيرها معنى فيطلب ذلك المعنى، فحيث وجد حرم قياسا على الستة ودخل في عموم قوله تعالى :( وحرم الربا ) (٤١) : فأما أهل الظاهر فقصروا التحريم عليها وأباحوا التفاضل في سائر الأشياء سواها، واحتجوا بعموم قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) (٤٢). وهذا القول مبني على رأيهم في إنكار القياس(٤٣). فأما جمهور العلماء المثبتون للقياس فإنهم طلبوا لذلك معنى وألحقوا به ما وافقه في ذلك المعنى، وخصصوا، وبينوا به قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) أما مالك فحرم التفاضل فيها لأمرين، أما الذهب والفضة فلكونهما ثمنين. وأما الأربعة المطعومة فلكونها تدخر للقوت أو تصلح للقوت. وبعضهم يزيد في العلة أصلا للمعاش غالبا، وبعضهم يسقطه. وقد قدمنا أن ذلك كله مع تماثل الجنس. وأما الشافعي فوافقه على(٤٤) العلة في الذهب والفضة وخالفه في الأربعة، واعتقد أن العلة فيها كونها مطعومة. وأما أبو حنيفة فخالفهما في الجميع واعتقد أن العلة في الذهب والفضة الوزن وفي الأربعة الكيل. وأما سعيد بن المسيب فوافق مالكا والشافعي في الذهب والفضة وخالف في الأربعة، واعتقد أن العلة فيها الكيل والوزن والطعم(٤٥). فهي خمسة أقوال في تحرير علة منع التفاضل في هذه المبيعات قولان في المذهب، وثلاثة خارج المذهب(٤٦). وإذا فرغنا من الكلام في ربا النقد فلنتكلم على الربا في النسيئة، واعلم أن الربا يدخل في الستة المذكورة في الحديث وما قيس عليها سواء اتفقت الأجناس أو اختلفت. فالذي تدل عليه الآية تحريم الزيادة في النساء، ولا دلالة فيها على تحريم النساء من غير زيادة في نفس المال، ومن أجل ذلك جوز مالك القرض وإن كان الشافعي قد منعه لكنه(٤٧) لم يمنعه من جهة الآية لكن من جهة أخرى، فلا يجوز النساء في شيء من تلك، وأما الستة وما قيس عليها فلا يدخل الربا في بيع النسيئة فيها إذا اختلفت الأجناس، كسلم عبد في ثوبين، فإن تسا ١ في ب "إلى قوله فنظرة إلى ميسرة".. ٢ في أ "الأعراب" والمثبت موافق لما في المحرر الوجيز.. ٣ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٦٩).. ٤ في ب "اللفظ".. ٥ قاله في الموضوعين ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٧٠، ٢٧١).. ٦ في ب "قررهم على هذا، ثم ردهم الله".. ٧ أخرجه من حديث جابر بن عبد الله مسلم في الحج (١٢١٨) وأبو داود (١٩٠٥) والنسائي (٥/١٤٣، ١٤٤) وابن ماجه (٣٠٧٤) والدارمي (١٨٥٠، ١٨٥١) وابن حبان (الإحسان: ٣٩٤٣، ٣٩٤٤).. ٨ يراجع تفسير الطبري (٣/١٣٨). والعجاب في بيان الأسباب لابن حجر (ص ٤٦٠، ٤٦١). . ٩ يراجع تفسير الطبري (٣/١٣٨) والعجاب لابن حجر (ص ٤٦٠ -٤٦٣).. ١٠ في ن "زيادة".. ١١ قاله أبو الحسن الهراسي في أحكام القرآن (١/٢٣١، ٢٣٢) وفيه اختلاف لا يضر من جهة المعنى مرده إلى تصرف المؤلف رحمه الله أو للنسخ.. ١٢ يراجع كلام الهراسي في المصدر السابق (١/٢٣٢).. ١٣ يراجع المحرر الوجيز لابن عطية (٢/٢٧١).. ١٤ واختاره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٧١) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٤٠ -٢٤٥) وتفسير القرطبي (٣/٣٥٦ -٣٥٨).. ١٥ أخرجه عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر" مسلم في البيوع (١٥١٣) ومعنى الغرر الخطر والغرور والخداع.. ١٦ أخرج البخاري عن ابن عمر في البيوع (٢١٤٣) ومسلم في البيوع (١٥١٤) ومعناه: بيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ويلد ولدها. وقال آخرون: هو بيع ولد الناقة الحامل في الحال.. ١٧ أخرجه عن أبي هريرة البخاري في البيوع (٢١٤٢) ومسلم في البيوع (١٥١١) أما الملامسة: فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل والمنابذة: أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر، ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه.. ١٨ فيه تأويلات منها أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها ويراجع شرح النووي على مسلم (١٠/١٥٦).. ١٩ المضامين: بيع ما في بطون إناث الإبل والملاقيح: بيع ما على ظهور الجمال. ويراجع الموطأ، كتاب البيوع (٢/١٩٤ -١٩٦).. ٢٠ أخرجه عن أبي هريرة البخاري في البيوع (٢١٥٠) ومسلم في البيوع (١٥١٥) والنجش هو إثارة الرغبة في شراء السلعة ليرفع ثمنها وهو نوع من الخداع.. ٢١ فيه حديث ضعيف من حديث عبد الله بن عمرو، رواه أبو داود (٢٠٣٥) وابن ماجه (٢١٩٢) وأحمد (٢/١٨٣) وضعفه غير واحد.. ٢٢ في ذلك حديث عن أبي مسعود الأنصاري أخرجه البخاري في الإجازة (٢٢٨٢) ومسلم في المساقاة (١٥٦٧).. ٢٣ في ب "ينضبط".. ٢٤ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/١٨٤ -١٨٦) والإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٦٧، ٥٦٨).. ٢٥ أخرجه عن ابن عباس البخاري في السلم (٢٢٤٠) ومسلم في المساقاة (١٦٠٤) بلفظ "من أسلق في شيء.. فليسلف" ولم هذا اللفظ إلا في الجمع بين الصحيحين لعبد الحق الاشبيلي (٢/٥٦٦ بتحقيقي) وقد يكون ذلك في بعض نسخ الصحيح والله أعلم ويراجع الفتح لابن حجر (٤/٤٣٢).. ٢٦ في أ "يجب".. ٢٧ يراجع المدونة لسحنون (٤/٢٠٧، ٢١٠، ٢١١).. ٢٨ في ب "ظاهر قوله".. ٢٩ يراجع المدونة لسحنون (٤/٢١٠ -٢١٣) والأم للشافعي (٣/١٨، ١٩).. ٣٠ أخرجه أبو داود (١٦٤١) والنسائي (٧/٢٥٩) والترمذي (١٢١٨) وابن ماجه (٢١٩٨) وغيرهم عن أنس. وسنده ضعيف ضعفه ابن القطان الفاسي كما في التلخيص الحبير لابن حجر (٣/١٥) والألباني في إرواء الغليل (١٢٨٩).. ٣١ عزا هذا القول ابن عبد البر لجماعة فقهاء الأمصار فيراجع التمهيد (٣/١٣٦، ١٣٧).. ٣٢ يراجع المحلى لابن حزم (٩/٢١٧ -٢٢١).. ٣٣ ينظر التمهيد (٣/١٣٧ و١٣٨).. ٣٤ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٤٥، ٥٤٦).. ٣٥ ينظر الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٤٦) والأم للشافعي (٣/٥٩).. ٣٦ في ب "الآية".. ٣٧ في ب "نسيئة".. ٣٨ أخرجه البخاري من حديث ابن سامة بن زيد في البيوع (٢١٧٨، ٢١٧٩) ومسلم في المساقاة (١٥٩٦).. ٣٩ أخرج مسلم في المساقاة (١٥٨٧) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا: "الذهب بالذهب.." وفي آخره: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد" ويراجع كلام أبي العباس القرطبي في المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٤/٤٧٥).. ٤٠ أخرجه مسلم في المساقاة من حديث عبادة بن الصامت (١٥٨٧).. ٤١ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٢٧ -٥٢٩).. ٤٢ قال أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار (٢٠/٤١): "وشذ داود فأجاز النسيئة والتفاضل فيما عدا البر والشعير، والتمر، والملح من الطعام، والآدام، لنص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعموم قوله الله عز وجل: (وأحل الله البيع) |البقرة: ٢٧٥| فلم يضم إلى النسيئة المنصوصة في حديث عبادة، وغيره شيئا غيرها، وهي الذهب، والورق، والبر، والشعير، والتمر، والملح".. ٤٣ قال ابن حزم في المحلى (٨/٤٦٨): "وممن قال: لا إلا في الأصناف المذكورة طاوس، وقتادة وعثمان البتي وأبو سليمان وجميع أصحابنا" ويراجع بقية كلامه هناك فهو قوي.. ٤٤ في ب "في "علة".. ٤٥ يراجع في هذا الاستذكار (٢٠/٣١ -٥٠) والمحلى لابن حزك (٨/ رقم ١٤٧٩ – ط منيرية) وفتح الباري (٤/٣٧٧ -٣٨٦) والمفهم للقرطبي (٤/٤٧٧ -٤٧٩) ونيل الأوطار للشوكاني (٥/١٩٠ -١٩٥).. ٤٦ في ب "خارجه".. ٤٧ في ب "لكن"..

البقرة 2:278

٢٧٥- قوله تعالى :( الذين يأكلون الربا ) الآية إلى قوله :( وإن كان ذو عسرة ) (١) |البقرة : ٢٧٥ -٢٧٩|. الربا الزيادة، وعلته ما كانت العرب(٢) تفعله من تأخير الدين بزيادة فيه فيقول أحدهم لغريمه : أتقضي أم تربي ؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه(٣). وقوله تعالى :( يأكلون الربا ) أي يكسبون الربا ويفعلونه. وخصت لفظة الأكل لأنها أقوى مقاصد الإنسان في المال ولأنها دالة على الحرص والجمع، فأقيم هذا البعض(٤) من توابع الكسب مقام الكسب كله فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال وغير ذلك كله داخل تحت قوله :( الذين يأكلون ) (٥). وقوله :( ذلك بأنهم قالوا ) الآية. معناه عند جميع المتأولين الكفار وأنه قول تكذيب للشريعة ورد عليها، والآية كلها في الكفار المرابين نزلت. ولهم قيل :( فله ما سلف ) ولا يقال ذلك لمؤمن عاص، ولكن يؤاخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد الآية(٦). ٢٧٨- وقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ٢٧٨ ) الآية |البقرة : ٢٧٨|. سبب نزولها أنه كان الربا بين الناس كثيرا في ذلك الوقت وكان بين قريش وثقيف ربا، فكان لهؤلاء على هؤلاء، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال في خطبته في اليوم الثاني من الفتح :" ألا كل ربا كان في الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب " (٧) فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمه وأخص الناس به، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واستعمل عتاب بن أسيد على مكة، فلما استنزل أهل الطائف بعد ذلك إلى الإسلام اشترطوا شروطا منها ما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها ما لم يعطه. وكان في شروطهم أن كل ربا لهم على الناس فإنهم يأخذونه، وكل ربا عليهم هو موضوع عنهم. فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرر لهم هذه، فردها الله بهذه الآية كما رد طلحة لكفار قريش في رد النساء عليهم في عام الحديبية(٨). وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يكتب في أسفل الكتاب لثقيف " لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم " فلما جاءت آجال ربائهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء، وكانت الديون لبني عنزة، وهم بنو عمرو بن عمير بن ثقيف على بني المغيرة المخزوميين. فقال بنو المغيرة : لا نعطي شيئا، فإن الربا قد وضع. ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد بمكة، فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية. فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب، فعلمت به ثقيف، فكفت(٩). وأصل الربا في اللغة الزيادة إلا أن الشرع أثبت زيادات(١٠) جائزة وحرم أنواعا من الزيادات ولكن إطلاق اللفظ يقتضي تحريم كل زيادة إلا ما خصه الشرع(١١). وقوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) |البقرة : ٢٧٥|. يقتضي جواز ما لا زيادة فيه إلا ما خصه الشرع(١٢) أيضا. وقد اختلف الأصوليون في قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) هل هو عام أو مجمل ؟ والذي اختاره أكثر الفقهاء أنه عام(١٣). ثم اختلفوا فمنهم من قال : هو من العموم الذي لا خصوص فيه، ولا يدخله الخصوص لأنه لا بيع إلا وهو حلال. أي أن البيوع الفاسدة لا يطلق عليها اسم البيع شرعا إلا مجازا فهي غير داخلة تحت قوله :( وأحل الله البيع ) وأجازوا أن يطلق عليها اسم البيع لغة. ومنهم من قال : هو من العموم الذي أريد به الخصوص. واختلف أهل هذه الطريقة فمنهم من يجعله فيما أريد به من ذلك من حيز العموم. ومنهم من يجعله من حيز المجمل. والأظهر أنه عام محمول على ظاهره إلا ما قام الدليل على خروجه منه. وإن تخصيص بعضه ليس بمانع من التعلق به، ولا موجب لاحتماله. وهذا هو الصحيح(١٤). وقد جاءت أخبار في النهي عن بيوع مخصوصة اتفق الناس على تخصيص الآية بنهيها كنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر(١٥)، وبيع حبل الحبلة(١٦)، وبيع الملامسة والمنابذة(١٧)، وبيع الحصاة(١٨)، وبيع المضامين والملاقيح(١٩) ونحو ذلك. وجاءت أخبار أخر اختلف الناس في التخصيص بها كبيع النجش(٢٠)، وبيع العربان(٢١)، وبيع الكلب(٢٢) إلى غير ذلك. وكذلك القياس قد يخصص به قوم ولا يخصص به آخرون إلى غير ذلك من الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها. فالبيوع على مذهبهم هذا ثلاثة أقسام، جائزة، ومحظورة ومكروهة. وهي المختلف فيها. فالجائزة : هي التي لم يحظرها الشرع ولا ورد فيها نهي فتندرج تحت قوله تعالى :( وأحل الله البيع ) كل بيع إلا ما خص منه بالدليل والمحظورة : هي التي قام الدليل على تخصيصها من عموم الآية بالمنع منها. والمختلف فيها : ما تجاذبه الطرفان. ونحن نسوق من ذلك أمثلة يتبين بالنظر فيها كيف تؤخذ الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع. فمن ذلك : السلم، أجازه مالك وأصحابه في كل ما يضبط(٢٣) بالصفة على شروط مسطورة في كتبهم. وذهب أبو حنيفة إلى أن السلم في الحيوان لا يجوز. وذهبت طائفة من أهل الظاهر إلى أن السلم، فيما عدا المكيل والموزون لا يجوز. ودليل مالك وأصحابه عموم الآية(٢٤). ولم ينه صلى الله عليه وسلم عنه فبقي على أصل الإباحة الواردة في القرآن، مع قوله –عليه الصلاة والسلام- :" من سلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " (٢٥) ومن ذلك بيع العين الغائبة وهو عند مالك جائز على الصفة، وعند الشافعي غير جائز وصف أو لم يوصف. وعند أبي حنيفة أنه جائز وصف أو لم يوصف إلا أنه يوجب(٢٦) للمبتاع خيار الرؤية إذا رأى المبيع. وحجة مالك على الشافعي عموم الآية(٢٧). ومن ذلك بيع الأعيان الحاضرة التي تشق رؤيتها كالأعدال تباع على البرنامج ونحوه أجازه مالك ومنعه الشافعي في أظهر قوليه(٢٨). والحجة لمالك، قوله عز وجل :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) وقوله :( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) |النساء : ٢٩|(٢٩). وقد اختلفوا في بيع المزايدة، وعموم الآية حجة لمن أجازه مع ما ورد في الحديث في ذلك(٣٠). واختلف في بيع أمهات الأولاد، فقال كافة العلماء : إنهن لا يبعن بوجه وأنهن أحرار. وقول أهل الظاهر(٣١) جواز بيعهن وعن الشافعي القولان. وقول علي –رضي الله عنه- أنهن يبعن في الدين خاصة(٣٢). واحتج من نصر قول أهل الظاهر بقول الله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) (٣٣) وهذا لا حجة فيه بأن يتخصص بأدلة معلومة. ومن ذلك بيع الجوز، واللوز، والباقلاء في قشره الأعلى أجازه مالك ومنعه الشافعي وأبو حنيفة. وحجة عموم قوله تعالى :( وأحل الله البيع ) (٣٤). ومن ذلك بيع السنبل إذا يبس واستغنى عن الماء قائما على اختلاف في المذهب وحزما على اختلاف فيه أيضا في المذهب وأجاز مالك كله في المشهور عنه. ومنعه الشافعي في أحد قوليه والحجة لمالك عموم الآية(٣٥). وأما بيع الحنطة مدروسة مع سنبلها فلا يجوز باتفاق في المذهب، وفي خارج المذهب اختلاف. ومن ذلك بيع المرابحة أجازه مالك وأصحابه وكرهه ابن عباس وجماعة من التابعين. وحجة مالك رحمه الله قوله تعالى(٣٦) :( وأحل الله البيع ) وإذا قلنا بعموم الآية فجعلنا كل بيع جائزا إلا ما قام الدليل عليه، فكذلك تجعل كل ما فيه ربا وهو الزيادة محظورا إلا ما قام الدليل على جوازه. ونضبط في ذلك أصلا فنقول : البيع يقع نقدا ويقع نساء(٣٧) فأما بيع النقد، فيجوز التفاضل فيه والتماثل والبيع كيف يشاء ما لم يكن التبايع في الأثمان والأطعمة المقتاتة، فلا يجوز فيها التفاضل مع الجنسية، ولا يباع المثل منها بمثله إلا متساويا. وإن اختلف التفاضل فيما سوى هذين القسمين جاز بيعه على الإطلاق، فيحصل من هذا أن التفاضل مع الاختلاف في بيع النقود يجوز على الإطلاق، والتفاضل مع التماثل يجوز إلا في ما قدمنا من الأثمان والمقتاتات. وقد ذهب بعضهم إلى أن لا ربا في النقد، وإنما الربا في النسيئة ورأى أن سياق الآية يدل على أن المذكور في كتاب الله تعالى، ربا النساء فقط فإنه قال :( فله ما سلف ) ( وذروا ما بقي من الربا ) وقال :( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) |البقرة : ٢٨٠| وقال :( وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ) |البقرة : ٢٧٩| واحتجوا بالحديث :" إنما الربا في النسيئة " (٣٨) قالوا : فخص الربا بالنسيئة، وجعلوا ذلك بيانا لقوله تعالى :( وحرم الربا ) وهذا مذهب لا خفاء في فساده. ودليلنا على الجواز مع اختلاف الأجناس قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) وقوله –عليه الصلاة والسلام- :" إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " (٣٩) ودليلنا على جواز التفاضل فيه بالمتماثلات فيما سوى الثمن والمقتاتات، قوله تعالى :( وأحل الله البيع ). وأيضا فلو كان التفاضل في سائر الأشياء ممنوعا لم يكن لتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشياء بتحريم التفاضل معنى، ولقال التفاضل حرام عليكم في كل شيء، ولكن لما نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع هذه الستة " الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين، فمن زاد، أو ازداد فقد أربى " (٤٠)، وخصه بنهيه دل على أن التحريم ليس بعام في جميع الأشياء. وإنما يبقى النظر في هذه الستة هل الربا في بيع النقد مقصور عليها، فيكون تحريمها غير معقول المعنى ؟ أو يكون لتحريمها دون غيرها معنى فيطلب ذلك المعنى، فحيث وجد حرم قياسا على الستة ودخل في عموم قوله تعالى :( وحرم الربا ) (٤١) : فأما أهل الظاهر فقصروا التحريم عليها وأباحوا التفاضل في سائر الأشياء سواها، واحتجوا بعموم قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) (٤٢). وهذا القول مبني على رأيهم في إنكار القياس(٤٣). فأما جمهور العلماء المثبتون للقياس فإنهم طلبوا لذلك معنى وألحقوا به ما وافقه في ذلك المعنى، وخصصوا، وبينوا به قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) أما مالك فحرم التفاضل فيها لأمرين، أما الذهب والفضة فلكونهما ثمنين. وأما الأربعة المطعومة فلكونها تدخر للقوت أو تصلح للقوت. وبعضهم يزيد في العلة أصلا للمعاش غالبا، وبعضهم يسقطه. وقد قدمنا أن ذلك كله مع تماثل الجنس. وأما الشافعي فوافقه على(٤٤) العلة في الذهب والفضة وخالفه في الأربعة، واعتقد أن العلة فيها كونها مطعومة. وأما أبو حنيفة فخالفهما في الجميع واعتقد أن العلة في الذهب والفضة الوزن وفي الأربعة الكيل. وأما سعيد بن المسيب فوافق مالكا والشافعي في الذهب والفضة وخالف في الأربعة، واعتقد أن العلة فيها الكيل والوزن والطعم(٤٥). فهي خمسة أقوال في تحرير علة منع التفاضل في هذه المبيعات قولان في المذهب، وثلاثة خارج المذهب(٤٦). وإذا فرغنا من الكلام في ربا النقد فلنتكلم على الربا في النسيئة، واعلم أن الربا يدخل في الستة المذكورة في الحديث وما قيس عليها سواء اتفقت الأجناس أو اختلفت. فالذي تدل عليه الآية تحريم الزيادة في النساء، ولا دلالة فيها على تحريم النساء من غير زيادة في نفس المال، ومن أجل ذلك جوز مالك القرض وإن كان الشافعي قد منعه لكنه(٤٧) لم يمنعه من جهة الآية لكن من جهة أخرى، فلا يجوز النساء في شيء من تلك، وأما الستة وما قيس عليها فلا يدخل الربا في بيع النسيئة فيها إذا اختلفت الأجناس، كسلم عبد في ثوبين، فإن تسا ١ في ب "إلى قوله فنظرة إلى ميسرة".. ٢ في أ "الأعراب" والمثبت موافق لما في المحرر الوجيز.. ٣ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٦٩).. ٤ في ب "اللفظ".. ٥ قاله في الموضوعين ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٧٠، ٢٧١).. ٦ في ب "قررهم على هذا، ثم ردهم الله".. ٧ أخرجه من حديث جابر بن عبد الله مسلم في الحج (١٢١٨) وأبو داود (١٩٠٥) والنسائي (٥/١٤٣، ١٤٤) وابن ماجه (٣٠٧٤) والدارمي (١٨٥٠، ١٨٥١) وابن حبان (الإحسان: ٣٩٤٣، ٣٩٤٤).. ٨ يراجع تفسير الطبري (٣/١٣٨). والعجاب في بيان الأسباب لابن حجر (ص ٤٦٠، ٤٦١). . ٩ يراجع تفسير الطبري (٣/١٣٨) والعجاب لابن حجر (ص ٤٦٠ -٤٦٣).. ١٠ في ن "زيادة".. ١١ قاله أبو الحسن الهراسي في أحكام القرآن (١/٢٣١، ٢٣٢) وفيه اختلاف لا يضر من جهة المعنى مرده إلى تصرف المؤلف رحمه الله أو للنسخ.. ١٢ يراجع كلام الهراسي في المصدر السابق (١/٢٣٢).. ١٣ يراجع المحرر الوجيز لابن عطية (٢/٢٧١).. ١٤ واختاره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٧١) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٤٠ -٢٤٥) وتفسير القرطبي (٣/٣٥٦ -٣٥٨).. ١٥ أخرجه عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر" مسلم في البيوع (١٥١٣) ومعنى الغرر الخطر والغرور والخداع.. ١٦ أخرج البخاري عن ابن عمر في البيوع (٢١٤٣) ومسلم في البيوع (١٥١٤) ومعناه: بيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ويلد ولدها. وقال آخرون: هو بيع ولد الناقة الحامل في الحال.. ١٧ أخرجه عن أبي هريرة البخاري في البيوع (٢١٤٢) ومسلم في البيوع (١٥١١) أما الملامسة: فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل والمنابذة: أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر، ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه.. ١٨ فيه تأويلات منها أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها ويراجع شرح النووي على مسلم (١٠/١٥٦).. ١٩ المضامين: بيع ما في بطون إناث الإبل والملاقيح: بيع ما على ظهور الجمال. ويراجع الموطأ، كتاب البيوع (٢/١٩٤ -١٩٦).. ٢٠ أخرجه عن أبي هريرة البخاري في البيوع (٢١٥٠) ومسلم في البيوع (١٥١٥) والنجش هو إثارة الرغبة في شراء السلعة ليرفع ثمنها وهو نوع من الخداع.. ٢١ فيه حديث ضعيف من حديث عبد الله بن عمرو، رواه أبو داود (٢٠٣٥) وابن ماجه (٢١٩٢) وأحمد (٢/١٨٣) وضعفه غير واحد.. ٢٢ في ذلك حديث عن أبي مسعود الأنصاري أخرجه البخاري في الإجازة (٢٢٨٢) ومسلم في المساقاة (١٥٦٧).. ٢٣ في ب "ينضبط".. ٢٤ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/١٨٤ -١٨٦) والإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٦٧، ٥٦٨).. ٢٥ أخرجه عن ابن عباس البخاري في السلم (٢٢٤٠) ومسلم في المساقاة (١٦٠٤) بلفظ "من أسلق في شيء.. فليسلف" ولم هذا اللفظ إلا في الجمع بين الصحيحين لعبد الحق الاشبيلي (٢/٥٦٦ بتحقيقي) وقد يكون ذلك في بعض نسخ الصحيح والله أعلم ويراجع الفتح لابن حجر (٤/٤٣٢).. ٢٦ في أ "يجب".. ٢٧ يراجع المدونة لسحنون (٤/٢٠٧، ٢١٠، ٢١١).. ٢٨ في ب "ظاهر قوله".. ٢٩ يراجع المدونة لسحنون (٤/٢١٠ -٢١٣) والأم للشافعي (٣/١٨، ١٩).. ٣٠ أخرجه أبو داود (١٦٤١) والنسائي (٧/٢٥٩) والترمذي (١٢١٨) وابن ماجه (٢١٩٨) وغيرهم عن أنس. وسنده ضعيف ضعفه ابن القطان الفاسي كما في التلخيص الحبير لابن حجر (٣/١٥) والألباني في إرواء الغليل (١٢٨٩).. ٣١ عزا هذا القول ابن عبد البر لجماعة فقهاء الأمصار فيراجع التمهيد (٣/١٣٦، ١٣٧).. ٣٢ يراجع المحلى لابن حزم (٩/٢١٧ -٢٢١).. ٣٣ ينظر التمهيد (٣/١٣٧ و١٣٨).. ٣٤ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٤٥، ٥٤٦).. ٣٥ ينظر الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٤٦) والأم للشافعي (٣/٥٩).. ٣٦ في ب "الآية".. ٣٧ في ب "نسيئة".. ٣٨ أخرجه البخاري من حديث ابن سامة بن زيد في البيوع (٢١٧٨، ٢١٧٩) ومسلم في المساقاة (١٥٩٦).. ٣٩ أخرج مسلم في المساقاة (١٥٨٧) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا: "الذهب بالذهب.." وفي آخره: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد" ويراجع كلام أبي العباس القرطبي في المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٤/٤٧٥).. ٤٠ أخرجه مسلم في المساقاة من حديث عبادة بن الصامت (١٥٨٧).. ٤١ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٢٧ -٥٢٩).. ٤٢ قال أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار (٢٠/٤١): "وشذ داود فأجاز النسيئة والتفاضل فيما عدا البر والشعير، والتمر، والملح من الطعام، والآدام، لنص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعموم قوله الله عز وجل: (وأحل الله البيع) |البقرة: ٢٧٥| فلم يضم إلى النسيئة المنصوصة في حديث عبادة، وغيره شيئا غيرها، وهي الذهب، والورق، والبر، والشعير، والتمر، والملح".. ٤٣ قال ابن حزم في المحلى (٨/٤٦٨): "وممن قال: لا إلا في الأصناف المذكورة طاوس، وقتادة وعثمان البتي وأبو سليمان وجميع أصحابنا" ويراجع بقية كلامه هناك فهو قوي.. ٤٤ في ب "في "علة".. ٤٥ يراجع في هذا الاستذكار (٢٠/٣١ -٥٠) والمحلى لابن حزك (٨/ رقم ١٤٧٩ – ط منيرية) وفتح الباري (٤/٣٧٧ -٣٨٦) والمفهم للقرطبي (٤/٤٧٧ -٤٧٩) ونيل الأوطار للشوكاني (٥/١٩٠ -١٩٥).. ٤٦ في ب "خارجه".. ٤٧ في ب "لكن"..

البقرة 2:279

٢٧٥- قوله تعالى :( الذين يأكلون الربا ) الآية إلى قوله :( وإن كان ذو عسرة ) (١) |البقرة : ٢٧٥ -٢٧٩|. الربا الزيادة، وعلته ما كانت العرب(٢) تفعله من تأخير الدين بزيادة فيه فيقول أحدهم لغريمه : أتقضي أم تربي ؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه(٣). وقوله تعالى :( يأكلون الربا ) أي يكسبون الربا ويفعلونه. وخصت لفظة الأكل لأنها أقوى مقاصد الإنسان في المال ولأنها دالة على الحرص والجمع، فأقيم هذا البعض(٤) من توابع الكسب مقام الكسب كله فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال وغير ذلك كله داخل تحت قوله :( الذين يأكلون ) (٥). وقوله :( ذلك بأنهم قالوا ) الآية. معناه عند جميع المتأولين الكفار وأنه قول تكذيب للشريعة ورد عليها، والآية كلها في الكفار المرابين نزلت. ولهم قيل :( فله ما سلف ) ولا يقال ذلك لمؤمن عاص، ولكن يؤاخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد الآية(٦). ٢٧٨- وقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ٢٧٨ ) الآية |البقرة : ٢٧٨|. سبب نزولها أنه كان الربا بين الناس كثيرا في ذلك الوقت وكان بين قريش وثقيف ربا، فكان لهؤلاء على هؤلاء، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال في خطبته في اليوم الثاني من الفتح :" ألا كل ربا كان في الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب " (٧) فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمه وأخص الناس به، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واستعمل عتاب بن أسيد على مكة، فلما استنزل أهل الطائف بعد ذلك إلى الإسلام اشترطوا شروطا منها ما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها ما لم يعطه. وكان في شروطهم أن كل ربا لهم على الناس فإنهم يأخذونه، وكل ربا عليهم هو موضوع عنهم. فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرر لهم هذه، فردها الله بهذه الآية كما رد طلحة لكفار قريش في رد النساء عليهم في عام الحديبية(٨). وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يكتب في أسفل الكتاب لثقيف " لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم " فلما جاءت آجال ربائهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء، وكانت الديون لبني عنزة، وهم بنو عمرو بن عمير بن ثقيف على بني المغيرة المخزوميين. فقال بنو المغيرة : لا نعطي شيئا، فإن الربا قد وضع. ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد بمكة، فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية. فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب، فعلمت به ثقيف، فكفت(٩). وأصل الربا في اللغة الزيادة إلا أن الشرع أثبت زيادات(١٠) جائزة وحرم أنواعا من الزيادات ولكن إطلاق اللفظ يقتضي تحريم كل زيادة إلا ما خصه الشرع(١١). وقوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) |البقرة : ٢٧٥|. يقتضي جواز ما لا زيادة فيه إلا ما خصه الشرع(١٢) أيضا. وقد اختلف الأصوليون في قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) هل هو عام أو مجمل ؟ والذي اختاره أكثر الفقهاء أنه عام(١٣). ثم اختلفوا فمنهم من قال : هو من العموم الذي لا خصوص فيه، ولا يدخله الخصوص لأنه لا بيع إلا وهو حلال. أي أن البيوع الفاسدة لا يطلق عليها اسم البيع شرعا إلا مجازا فهي غير داخلة تحت قوله :( وأحل الله البيع ) وأجازوا أن يطلق عليها اسم البيع لغة. ومنهم من قال : هو من العموم الذي أريد به الخصوص. واختلف أهل هذه الطريقة فمنهم من يجعله فيما أريد به من ذلك من حيز العموم. ومنهم من يجعله من حيز المجمل. والأظهر أنه عام محمول على ظاهره إلا ما قام الدليل على خروجه منه. وإن تخصيص بعضه ليس بمانع من التعلق به، ولا موجب لاحتماله. وهذا هو الصحيح(١٤). وقد جاءت أخبار في النهي عن بيوع مخصوصة اتفق الناس على تخصيص الآية بنهيها كنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر(١٥)، وبيع حبل الحبلة(١٦)، وبيع الملامسة والمنابذة(١٧)، وبيع الحصاة(١٨)، وبيع المضامين والملاقيح(١٩) ونحو ذلك. وجاءت أخبار أخر اختلف الناس في التخصيص بها كبيع النجش(٢٠)، وبيع العربان(٢١)، وبيع الكلب(٢٢) إلى غير ذلك. وكذلك القياس قد يخصص به قوم ولا يخصص به آخرون إلى غير ذلك من الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها. فالبيوع على مذهبهم هذا ثلاثة أقسام، جائزة، ومحظورة ومكروهة. وهي المختلف فيها. فالجائزة : هي التي لم يحظرها الشرع ولا ورد فيها نهي فتندرج تحت قوله تعالى :( وأحل الله البيع ) كل بيع إلا ما خص منه بالدليل والمحظورة : هي التي قام الدليل على تخصيصها من عموم الآية بالمنع منها. والمختلف فيها : ما تجاذبه الطرفان. ونحن نسوق من ذلك أمثلة يتبين بالنظر فيها كيف تؤخذ الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع. فمن ذلك : السلم، أجازه مالك وأصحابه في كل ما يضبط(٢٣) بالصفة على شروط مسطورة في كتبهم. وذهب أبو حنيفة إلى أن السلم في الحيوان لا يجوز. وذهبت طائفة من أهل الظاهر إلى أن السلم، فيما عدا المكيل والموزون لا يجوز. ودليل مالك وأصحابه عموم الآية(٢٤). ولم ينه صلى الله عليه وسلم عنه فبقي على أصل الإباحة الواردة في القرآن، مع قوله –عليه الصلاة والسلام- :" من سلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " (٢٥) ومن ذلك بيع العين الغائبة وهو عند مالك جائز على الصفة، وعند الشافعي غير جائز وصف أو لم يوصف. وعند أبي حنيفة أنه جائز وصف أو لم يوصف إلا أنه يوجب(٢٦) للمبتاع خيار الرؤية إذا رأى المبيع. وحجة مالك على الشافعي عموم الآية(٢٧). ومن ذلك بيع الأعيان الحاضرة التي تشق رؤيتها كالأعدال تباع على البرنامج ونحوه أجازه مالك ومنعه الشافعي في أظهر قوليه(٢٨). والحجة لمالك، قوله عز وجل :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) وقوله :( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) |النساء : ٢٩|(٢٩). وقد اختلفوا في بيع المزايدة، وعموم الآية حجة لمن أجازه مع ما ورد في الحديث في ذلك(٣٠). واختلف في بيع أمهات الأولاد، فقال كافة العلماء : إنهن لا يبعن بوجه وأنهن أحرار. وقول أهل الظاهر(٣١) جواز بيعهن وعن الشافعي القولان. وقول علي –رضي الله عنه- أنهن يبعن في الدين خاصة(٣٢). واحتج من نصر قول أهل الظاهر بقول الله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) (٣٣) وهذا لا حجة فيه بأن يتخصص بأدلة معلومة. ومن ذلك بيع الجوز، واللوز، والباقلاء في قشره الأعلى أجازه مالك ومنعه الشافعي وأبو حنيفة. وحجة عموم قوله تعالى :( وأحل الله البيع ) (٣٤). ومن ذلك بيع السنبل إذا يبس واستغنى عن الماء قائما على اختلاف في المذهب وحزما على اختلاف فيه أيضا في المذهب وأجاز مالك كله في المشهور عنه. ومنعه الشافعي في أحد قوليه والحجة لمالك عموم الآية(٣٥). وأما بيع الحنطة مدروسة مع سنبلها فلا يجوز باتفاق في المذهب، وفي خارج المذهب اختلاف. ومن ذلك بيع المرابحة أجازه مالك وأصحابه وكرهه ابن عباس وجماعة من التابعين. وحجة مالك رحمه الله قوله تعالى(٣٦) :( وأحل الله البيع ) وإذا قلنا بعموم الآية فجعلنا كل بيع جائزا إلا ما قام الدليل عليه، فكذلك تجعل كل ما فيه ربا وهو الزيادة محظورا إلا ما قام الدليل على جوازه. ونضبط في ذلك أصلا فنقول : البيع يقع نقدا ويقع نساء(٣٧) فأما بيع النقد، فيجوز التفاضل فيه والتماثل والبيع كيف يشاء ما لم يكن التبايع في الأثمان والأطعمة المقتاتة، فلا يجوز فيها التفاضل مع الجنسية، ولا يباع المثل منها بمثله إلا متساويا. وإن اختلف التفاضل فيما سوى هذين القسمين جاز بيعه على الإطلاق، فيحصل من هذا أن التفاضل مع الاختلاف في بيع النقود يجوز على الإطلاق، والتفاضل مع التماثل يجوز إلا في ما قدمنا من الأثمان والمقتاتات. وقد ذهب بعضهم إلى أن لا ربا في النقد، وإنما الربا في النسيئة ورأى أن سياق الآية يدل على أن المذكور في كتاب الله تعالى، ربا النساء فقط فإنه قال :( فله ما سلف ) ( وذروا ما بقي من الربا ) وقال :( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) |البقرة : ٢٨٠| وقال :( وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ) |البقرة : ٢٧٩| واحتجوا بالحديث :" إنما الربا في النسيئة " (٣٨) قالوا : فخص الربا بالنسيئة، وجعلوا ذلك بيانا لقوله تعالى :( وحرم الربا ) وهذا مذهب لا خفاء في فساده. ودليلنا على الجواز مع اختلاف الأجناس قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) وقوله –عليه الصلاة والسلام- :" إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " (٣٩) ودليلنا على جواز التفاضل فيه بالمتماثلات فيما سوى الثمن والمقتاتات، قوله تعالى :( وأحل الله البيع ). وأيضا فلو كان التفاضل في سائر الأشياء ممنوعا لم يكن لتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشياء بتحريم التفاضل معنى، ولقال التفاضل حرام عليكم في كل شيء، ولكن لما نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع هذه الستة " الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين، فمن زاد، أو ازداد فقد أربى " (٤٠)، وخصه بنهيه دل على أن التحريم ليس بعام في جميع الأشياء. وإنما يبقى النظر في هذه الستة هل الربا في بيع النقد مقصور عليها، فيكون تحريمها غير معقول المعنى ؟ أو يكون لتحريمها دون غيرها معنى فيطلب ذلك المعنى، فحيث وجد حرم قياسا على الستة ودخل في عموم قوله تعالى :( وحرم الربا ) (٤١) : فأما أهل الظاهر فقصروا التحريم عليها وأباحوا التفاضل في سائر الأشياء سواها، واحتجوا بعموم قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) (٤٢). وهذا القول مبني على رأيهم في إنكار القياس(٤٣). فأما جمهور العلماء المثبتون للقياس فإنهم طلبوا لذلك معنى وألحقوا به ما وافقه في ذلك المعنى، وخصصوا، وبينوا به قوله تعالى :( وأحل الله البيع وحرم الربا ) أما مالك فحرم التفاضل فيها لأمرين، أما الذهب والفضة فلكونهما ثمنين. وأما الأربعة المطعومة فلكونها تدخر للقوت أو تصلح للقوت. وبعضهم يزيد في العلة أصلا للمعاش غالبا، وبعضهم يسقطه. وقد قدمنا أن ذلك كله مع تماثل الجنس. وأما الشافعي فوافقه على(٤٤) العلة في الذهب والفضة وخالفه في الأربعة، واعتقد أن العلة فيها كونها مطعومة. وأما أبو حنيفة فخالفهما في الجميع واعتقد أن العلة في الذهب والفضة الوزن وفي الأربعة الكيل. وأما سعيد بن المسيب فوافق مالكا والشافعي في الذهب والفضة وخالف في الأربعة، واعتقد أن العلة فيها الكيل والوزن والطعم(٤٥). فهي خمسة أقوال في تحرير علة منع التفاضل في هذه المبيعات قولان في المذهب، وثلاثة خارج المذهب(٤٦). وإذا فرغنا من الكلام في ربا النقد فلنتكلم على الربا في النسيئة، واعلم أن الربا يدخل في الستة المذكورة في الحديث وما قيس عليها سواء اتفقت الأجناس أو اختلفت. فالذي تدل عليه الآية تحريم الزيادة في النساء، ولا دلالة فيها على تحريم النساء من غير زيادة في نفس المال، ومن أجل ذلك جوز مالك القرض وإن كان الشافعي قد منعه لكنه(٤٧) لم يمنعه من جهة الآية لكن من جهة أخرى، فلا يجوز النساء في شيء من تلك، وأما الستة وما قيس عليها فلا يدخل الربا في بيع النسيئة فيها إذا اختلفت الأجناس، كسلم عبد في ثوبين، فإن تسا ١ في ب "إلى قوله فنظرة إلى ميسرة".. ٢ في أ "الأعراب" والمثبت موافق لما في المحرر الوجيز.. ٣ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٦٩).. ٤ في ب "اللفظ".. ٥ قاله في الموضوعين ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٧٠، ٢٧١).. ٦ في ب "قررهم على هذا، ثم ردهم الله".. ٧ أخرجه من حديث جابر بن عبد الله مسلم في الحج (١٢١٨) وأبو داود (١٩٠٥) والنسائي (٥/١٤٣، ١٤٤) وابن ماجه (٣٠٧٤) والدارمي (١٨٥٠، ١٨٥١) وابن حبان (الإحسان: ٣٩٤٣، ٣٩٤٤).. ٨ يراجع تفسير الطبري (٣/١٣٨). والعجاب في بيان الأسباب لابن حجر (ص ٤٦٠، ٤٦١). . ٩ يراجع تفسير الطبري (٣/١٣٨) والعجاب لابن حجر (ص ٤٦٠ -٤٦٣).. ١٠ في ن "زيادة".. ١١ قاله أبو الحسن الهراسي في أحكام القرآن (١/٢٣١، ٢٣٢) وفيه اختلاف لا يضر من جهة المعنى مرده إلى تصرف المؤلف رحمه الله أو للنسخ.. ١٢ يراجع كلام الهراسي في المصدر السابق (١/٢٣٢).. ١٣ يراجع المحرر الوجيز لابن عطية (٢/٢٧١).. ١٤ واختاره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٧١) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٤٠ -٢٤٥) وتفسير القرطبي (٣/٣٥٦ -٣٥٨).. ١٥ أخرجه عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر" مسلم في البيوع (١٥١٣) ومعنى الغرر الخطر والغرور والخداع.. ١٦ أخرج البخاري عن ابن عمر في البيوع (٢١٤٣) ومسلم في البيوع (١٥١٤) ومعناه: بيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ويلد ولدها. وقال آخرون: هو بيع ولد الناقة الحامل في الحال.. ١٧ أخرجه عن أبي هريرة البخاري في البيوع (٢١٤٢) ومسلم في البيوع (١٥١١) أما الملامسة: فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل والمنابذة: أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر، ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه.. ١٨ فيه تأويلات منها أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها ويراجع شرح النووي على مسلم (١٠/١٥٦).. ١٩ المضامين: بيع ما في بطون إناث الإبل والملاقيح: بيع ما على ظهور الجمال. ويراجع الموطأ، كتاب البيوع (٢/١٩٤ -١٩٦).. ٢٠ أخرجه عن أبي هريرة البخاري في البيوع (٢١٥٠) ومسلم في البيوع (١٥١٥) والنجش هو إثارة الرغبة في شراء السلعة ليرفع ثمنها وهو نوع من الخداع.. ٢١ فيه حديث ضعيف من حديث عبد الله بن عمرو، رواه أبو داود (٢٠٣٥) وابن ماجه (٢١٩٢) وأحمد (٢/١٨٣) وضعفه غير واحد.. ٢٢ في ذلك حديث عن أبي مسعود الأنصاري أخرجه البخاري في الإجازة (٢٢٨٢) ومسلم في المساقاة (١٥٦٧).. ٢٣ في ب "ينضبط".. ٢٤ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/١٨٤ -١٨٦) والإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٦٧، ٥٦٨).. ٢٥ أخرجه عن ابن عباس البخاري في السلم (٢٢٤٠) ومسلم في المساقاة (١٦٠٤) بلفظ "من أسلق في شيء.. فليسلف" ولم هذا اللفظ إلا في الجمع بين الصحيحين لعبد الحق الاشبيلي (٢/٥٦٦ بتحقيقي) وقد يكون ذلك في بعض نسخ الصحيح والله أعلم ويراجع الفتح لابن حجر (٤/٤٣٢).. ٢٦ في أ "يجب".. ٢٧ يراجع المدونة لسحنون (٤/٢٠٧، ٢١٠، ٢١١).. ٢٨ في ب "ظاهر قوله".. ٢٩ يراجع المدونة لسحنون (٤/٢١٠ -٢١٣) والأم للشافعي (٣/١٨، ١٩).. ٣٠ أخرجه أبو داود (١٦٤١) والنسائي (٧/٢٥٩) والترمذي (١٢١٨) وابن ماجه (٢١٩٨) وغيرهم عن أنس. وسنده ضعيف ضعفه ابن القطان الفاسي كما في التلخيص الحبير لابن حجر (٣/١٥) والألباني في إرواء الغليل (١٢٨٩).. ٣١ عزا هذا القول ابن عبد البر لجماعة فقهاء الأمصار فيراجع التمهيد (٣/١٣٦، ١٣٧).. ٣٢ يراجع المحلى لابن حزم (٩/٢١٧ -٢٢١).. ٣٣ ينظر التمهيد (٣/١٣٧ و١٣٨).. ٣٤ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٤٥، ٥٤٦).. ٣٥ ينظر الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٤٦) والأم للشافعي (٣/٥٩).. ٣٦ في ب "الآية".. ٣٧ في ب "نسيئة".. ٣٨ أخرجه البخاري من حديث ابن سامة بن زيد في البيوع (٢١٧٨، ٢١٧٩) ومسلم في المساقاة (١٥٩٦).. ٣٩ أخرج مسلم في المساقاة (١٥٨٧) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا: "الذهب بالذهب.." وفي آخره: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد" ويراجع كلام أبي العباس القرطبي في المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٤/٤٧٥).. ٤٠ أخرجه مسلم في المساقاة من حديث عبادة بن الصامت (١٥٨٧).. ٤١ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٢٧ -٥٢٩).. ٤٢ قال أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار (٢٠/٤١): "وشذ داود فأجاز النسيئة والتفاضل فيما عدا البر والشعير، والتمر، والملح من الطعام، والآدام، لنص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعموم قوله الله عز وجل: (وأحل الله البيع) |البقرة: ٢٧٥| فلم يضم إلى النسيئة المنصوصة في حديث عبادة، وغيره شيئا غيرها، وهي الذهب، والورق، والبر، والشعير، والتمر، والملح".. ٤٣ قال ابن حزم في المحلى (٨/٤٦٨): "وممن قال: لا إلا في الأصناف المذكورة طاوس، وقتادة وعثمان البتي وأبو سليمان وجميع أصحابنا" ويراجع بقية كلامه هناك فهو قوي.. ٤٤ في ب "في "علة".. ٤٥ يراجع في هذا الاستذكار (٢٠/٣١ -٥٠) والمحلى لابن حزك (٨/ رقم ١٤٧٩ – ط منيرية) وفتح الباري (٤/٣٧٧ -٣٨٦) والمفهم للقرطبي (٤/٤٧٧ -٤٧٩) ونيل الأوطار للشوكاني (٥/١٩٠ -١٩٥).. ٤٦ في ب "خارجه".. ٤٧ في ب "لكن"..

البقرة 2:280

قوله تعالى :( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) |البقرة : ٢٨٠|. اختلف الناس في هذه الآية، فذهب بعضهم(١) إلى أنها ناسخة ما كان في أول الإسلام إذا لم يجد ما يقضي به دينه يبيعه صاحب الدين ويستوفي منه دينه، فأنزل الله تعالى :( وإن كان ذو عسرة فنظرة ) الآية(٢). وجاء عن عبد الرحمان بن البيلماني قال : كنت بمصر، فقال لي رجل : ألا أدلك على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت : بلى. فأشار إلى رجل فجئته، فقلت : من أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا سرق. فقلت : سبحان الله ما ينبغي أن تتسمى بهذا الاسم وأنت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال : إن رسول الله سماني سرقا. قال لقيت رجلا من أهل البادية ببعيرين له يبيعهما فابتعتهما منه. وقلت له انطلق معي حتى أعطيك فدخلت بيتي ثم خرجت من خلف بيتي(٣)، وقضيت بثمن البعيرين حاجتي وتغيبت حتى ظننت أن الأعرابي قد خرج فخرجت والأعرابي مقيم فأخذني فقدمني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما حملك على ما صنعت ؟ " قال : قضيت بثمنهما حاجتي يا رسول الله. قال : " فاقضه " قال : ليس عندي مال. قال : " أنت سرق، اذهب يا أعرابي فبعه حتى تستوفي حقك " فجعل الناس يسومونه في ويلتفت إليهم فيقول : " ما تريدون ؟ " فيقولون نريد أن نبتاعه منك ونعتقه. قال : " فوالله ما منكم(٤) أحوج إليه مني اذهب فقد أعتقتك " (٥) ثم نسخ الله تعالى هذا من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالآية. فعلى هذا لا يجوز أن يباع الحر في الدين. وقد ذهب قوم إلى أن الحر يباع في الدين وكأنهم لم يروا الآية ناسخة. وذهب بعضهم في الآية إلى أنها نزلت في الربا كانوا يتعاملون به في الجاهلية فلما جاء الإسلام أمرهم الله عز وجل أن يأخذوا رؤوس أموالهم بلا زيادة فإن أعسر الذي عليه الدين فلينظر إلى أن يوسر(٦). وعلى هذا القول يأتي قول من يقول : إن النظرة إلى ميسرة إنما هي موقوفة على أهل الربا خاصة دون سائر الديون خلافا لقول الجمهور من أن ذلك عام في الديون كلها ربا كان أو غير ربا(٧). فإذا ثبت عدم الذي عليه الدين فلينظر حتى يوسر. وعلى هذا القول، فلا يجوز أن يؤاجر الحر المعسر في الدين، وهو المشهور عن مالك خلافا لأحمد بن حنبل في قوله إنه يؤاجر في الدين(٨). وذكر الباجي عن مالك أنه يؤاجر إذا كان مثله يؤاجر. وعموم الآية حجة لمن لم ير ذلك، ولا يلازم أيضا في الدين، فيدار معه كيف دار خلافا لأبي حنيفة في قوله إنه يلازم والآية حجة عليه ولا يحبس أيضا خلافا لشريح ومن قال بقوله(٩). وكان هؤلاء أخذوا في الآية بالقول الثاني الذي ذكرناه أنها في الربا خاصة وقالوا إن الله أمر بأداء الأمانة. والآية في إنظار المعسر إنما نزلت في الربا وقد قرئ : " وإن كان ذا عسرة " (١٠) قال بعضهم : على هذا تختص الآية بالربا، ومن قرأ : " ذو عسرة " فهي عامة في جميع من عليه الدين. وهذا الذي ذكروه غير لازم بل القراءتان كل واحدة(١١) منهما محتملة للتأويلين(١٢). وقوله سبحانه :( وإن كان ذو عسرة ) يظهر منه أن الأصل في الناس الملأ حتى يتبين العدم، لأنه تعالى قضى أولا برد رؤوس الأموال ثم قال :( وإن كان ذو عسرة ) فظهر من هذا أن الأصل الملأ فيلزم قضاء الدين إلا أن يكون معسرا فيسقط عنه القضاء في تلك الحال. قال بعضهم : ويحتمل أن يقال : إنه محمول على العدم حتى يتبين الملأ. وقد اختلفوا من هذا في الذي يغيب عن امرأته، ثم يقدم، فتطلبه بالنفقة، فيدعي الإعسار في غيبته ليسقط بذلك نفقتها التي تطلبه بها. فذهب ابن القاسم إلى أنه محمول على اليسر أبدا إذا لم تعرف حاله إلا أن يكون خرج عديما فتكون هذه شبهة(١٣) توجب أن يكون القول قوله(١٤). وذهب ابن كنانة إلى أنه إن لم تعرف حالته في مغيبه ووقت خروجه فهو محمول على العدم مع يمينه حتى تثبت الزوجة ما تدعيه. والآية حجة لقول ابن القاسم إذا جعلناها عامة في الديون. ونفقة المرأة دين على زوجها، فيجب أن يحمل على اليسر حتى يثبت خلافه. وإذا وجب تأخير المعسر بالدين فليس في الآية ما يقتضي أن عليه مع ذلك يمينا بصحة عدمه. وقد ذكر مالك عن بعض الصحابة اليمين وأخذ بذلك(١٥). وقوله تعالى :( وأن تصدقوا خير لكم ) الآية(١٦) |البقرة : ٢٨٠|. اختلف في تأويلها فقيل : هي الصدقة على المعسر جعلها خيرا من الإنظار. وقيل : هي في الغني والفقير(١٧). ١ هو مكي بن أبي طالب القيرواني كما في تفسير القرطبي (٣/٣٧١) وانظر ما يأتي.. ٢ حكاه ابن عطية عن مكي بن أبي طالب، ويراجع نقله عن المهدوي في المحرر الوجيز (٢/٢٨٠). ويراجع في سبب نزولها تفسير الطبري (٣/١٤٢ -١٤٥) والعجاب في بيان الأسباب لابن حجر العسقلاني (ص٤٦٤).. ٣ في "من خلف لي".. ٤ في ب "ما أنتم".. ٥ أخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/٥٠٤، ٥٠٥) والطحاوي في شرح المعاني (٤/١٥٧) والحاكم في المستدرك (٤/١٠) ومن طريقه البيهقي في السنن (٦/٥٠) من طرق عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمان بن البيلماني. وابن البيلماني ضعيف في الحديث وبه ضعفه البيهقي (٦/٥١) وضعفه القرطبي في تفسيره (٣/٣٧١).. ٦ يراجع ما سبق التنبيه عليه من أسباب النزول ص(٤١٣).. ٧ عزاه ابن عطية لجمهور العلماء في المحرر الوجيز (٢/٢٨٣) ويراجع أحكام القرآن لابن العربي (١/٢٤٥، ٢٤٦) وتفسير القرطبي (٣/٣٧٢). . ٨ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/١٩٦، ١٩٧) والمدونة لسحنون (٥/٢٠٤، ٢٠٥).. ٩ يراجع المصدرين السابقين والأم للشافعي (٣/٢١٢، ٢١٣).. ١٠ نسب الطبري هذه القراءة لمصحف أبي بن كعب في تفسيره (٣/١٤٢) وعند ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٨٠) ويراجع تفسير القرطبي (٣/٣٧٣، ٣٧٤).. ١١ في ب "بل كلتا القراءتين محتملة".. ١٢ قاله النحاس في الناسخ والمنسوخ (ص٨٢) وابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٨٠، ٢٨١).. ١٣ في ب "سمته".. ١٤ المدونة لسحنون (٢/٢٦٢).. ١٥ يراجع نقل سحنون عن بعض معنى ذلك في المدونة (٥/٢٠٥).. ١٦ زيادة من ب.. ١٧ يراجع تفسير الطبري (٣/١٤٦) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٤٦) والمحرر الوجيز (٢/٢٨٣) وتفسير القرطبي (٣/٣٧٤، ٣٧٥)..

البقرة 2:282

٢٨٢- قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ) الآية إلى قوله :( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) |البقرة : ٢٨٢|. اختلف الناس في أمره تعالى بالكتب هل هو منسوخ أم لا ؟ فذهب أبو سعيد الخذري وغيره إلى أن ذلك منسوخ بقوله تعالى بعد ذلك :( فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ) (١). وهذا القول مبني على أن الأمر بالكتب في الآية على الوجوب فنسخ وجوبه. وذهب(٢) جماعة إلى أن الآية محكمة واختلفوا في التأويل فذهب جماعة إلى أن الأمر على الوجوب وأنه لم ينسخ، وأن كتب الديون واجب على أربابها(٣). وذهب قوم إلى أن الأمر في الآية محمول على الندب لا على الوجوب(٤). وقد روي عن ابن عباس أنه لما قيل له إن آية الدين منسوخة قال : والله إنها محكمة ما فيها نسخ(٥). ومن مضمن القول بوجوب الكتب القول بوجوب الإشهاد. وقد قال به بعض علماء السلف. فقالوا : يجب الإشهاد فيما قل وجل، وفيما حل وأجل، وإليه ذهب داود وابنه أبو بكر. وإذا قيل : إن وجوب الكتب منسوخ فوجوب الإشهاد أيضا منسوخ. وقد روي ذلك عن أبي سعيد، والشعبي والحسن(٦). وقوله سبحانه وتعالى :( إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ) قال ابن عباس : نزلت في السلم خاصة. يعني أن سلم أهل المدينة كان سبب(٧) الآية(٨). وقد اختلف الأصوليين في الكلام المستقل بنفسه الوارد على سبب هل يقتصر على سببه أو يحمل على عمومه. وقد قال مالك في الآية : وهذا يجمع الدين كله. وقد استدل بعضهم بهذه الآية على جواز التأجيل في القرض على ما قاله مالك إذ لم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات وضعف بعضهم الاستدلال بذلك(٩). وكيف ما قلنا فالآية دليل لمن أجاز السلم في كل ما يضبط بالصفة على الشروط المعروفة. وإنما قال تعالى :( بدين ) وقد كان قوله :( تداينتم ) يغني عنه لأن ذلك لفظ مشترك يكون بمعنى الجزاء كقولهم : " كما تدين تدان " ويكون من الدين المعروف فأزال تعالى ذلك الاشتراك بقوله :( بدين ) وقوله ( مسمى ) دليل على أنه لا يجوز الجهل بالمداينة. وفي هذه الآية عندي دليل للقول بأن السلم لا بد له من أجل، وأنه لا يجوز أن يكون حالا وهذا(١٠) الأشهر من قول مالك، وإن كان قد جاء عنه القول الآخر أنه يجوز أن يكون حالا، فهما روايتان عنه(١١). ولا بأس بالبيع إلى الجداد والحصاد لأنه معروف عند الناس فهو أجل مسمى، وإن اختلف بأيام يسيرة. وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن البيع إليهما لا يجوز، ورأيا أنهما ليسا بأجل مسمى(١٢). وقد اتفقوا على جواز البيع إلى عشرين شهرا وأيامها مختلفة ثلاثون وتسعة وعشرون والبيوعات لا تخلو من يسير الغرر(١٣). وقوله تعالى :( وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب ) البقرة : ٢٨٢|. اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة ؟ فذهب الربيع، والضحاك إلى أنها منسوخة بقوله :( ولا يضار كاتب ولا شهيد ) (١٤). وذهب آخرون إلى أنها محكمة واختلفوا في تأويلها : فقال عطاء وغيره : واجب على الكاتب أن يكتب ولم يفصل، فسواء عنده وجد كاتب سواه أو لم يوجد ؟ وهذا قول ضعيف. وقال الشافعي(١٥) وعطاء أيضا : ذلك واجب عليه إذا لم يوجد كاتب سواه. وقال السدي : ذلك واجب على الكاتب إذا كان فارغا(١٦). والقول في هذا عندي أن الأمر فيه أنه لا مدخل للوجوب فيه. ولذلك أجاز الجمهور إجازة الموثقين(١٧). والذي اختاره اللخمي أن الكتابة من فروض الكفاية، وما هو فرض على الكفاية، إذا حقق النظر فيه رئي أنه فرض على الأعيان، هذا قول محققي الأصوليين. وقوله تعالى :( وليكتب بينكم كاتب بالعدل ) |البقرة : ٢٨٢|. استدل به بعضهم على أنه لا يكتب الوثائق إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون(١٨). وقوله تعالى :( كما علمه الله فليكتب ) |البقرة : ٢٨٢|. اختلف في قوله تعالى :( كما ) بماذا تتعلق فقيل : تتعلق بقوله :( أن يكتب ) وقال بعضهم : يحتمل أن تكون متعلقة بما في قوله :( ولا يأب ) من المعنى أي كما أنعم الله تعالى عليه بعلم الكتابة فلا يأب هو(١٩). وقوله تعالى :( وليملل الذي عليه الحق ) |البقرة : ٢٨٢|. أمر الله الذي عليه الحق بالإملاء، لأن الكتب والشهادة إنما هما بحسب إقراره. وهذا أمر مندوب إليه، فإن كانت الوثيقة دون إملاء الذي عليه الحق ثم عرضت عليه فأقر بها فهي كإملاله، ثم أمر تعالى بالتقوى فيما يمل، وأن لا يترك من الحق شيئا. وهذا يدل على أن كل من أقر بشيء لغيره فالقول قوله فيه، وهو مثل قوله تعالى :( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) |البقرة : ٢٢٨| ومثل قوله تعالى :( ولا تكتموا الشهادة ) |البقرة : ٢٨٣| ثم قال تعالى :( فليملل وليه بالعدل ) الآية |البقرة : ٢٨٢| وقد اختلف في الضمير في قوله :( وليه ) على ما يعود ؟ فقيل : هو عائد على الذي عليه الحق، وقيل : هو عائد على الحق. وهذا قول الربيع، وابن عباس، وهذا ضعيف(٢٠). واختلف في السفيه : فقيل : السفيه هنا الجاهل بالإملال من قوله :( سيقول السفهاء من الناس ) |البقرة : ١٤٢| وقيل : هو السفيه في المال من صغير أو كبير لا يحسن الإمساك. وقيل : هو العاجز عن الإملال لعي في لسانه أو خرس أو نحو ذلك(٢١). وقيل : هو الأحمق أي ضعيف العقل. واختلف في الذي لا يستطيع أن يمل لعيه أو لعذر : فقيل هو الصبي الصغير(٢٢). واختلف فيمن ليس في ولاية وهو مبذر أيحجر عليه أم لا ؟ والمشهور في المذهب وغيره أنه يحجر عليه. والدليل على ذلك قوله تعالى :( فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا ) الآية ثم قال :( فليملل وليه بالعدل ) فلم يجز إملال السفيه وأمر أن يمل وليه. والولي لا يكون إلا أبا أو وصيا، فليلزم إن لم يكن له أب أن يقدم له وصي يمل عنه. وإذا كان هذا في الإملال، فأن يكون في صلاح ماله أولى(٢٣). وقال أبو الحسن : ليس في قوله تعالى :( فليملل وليه ) تصريح بأن إقرار الولي عليه مقبول، ولا فيه دليل ظاهر على أن الحجر ثابت على السفيه ولا فيه(٢٤) بيان معنى السفه الذي يقتضي الحجر بل قوله تعالى :( إذا تداينتم بدين ) الآية يدل على أن المداينة مع من ذكر في الآية جائزة فإنه قال :( إذا تداينتم ) ثم قال :( فمن لم يستطع ) بعض المتدائنين(٢٥)أن يمل فليملل الولي بالعدل، وليس الضعيف اسما للمحجور عليه فإنه يتناول الخرف والأخرس، والصبي(٢٦)، والسفيه قد يراد به الخفيف العقل. واختلفوا في الذمي والفاسق هل يجوز أن يوصى إليهما ؟ والصحيح أن لا يكونا وصيين. والدليل على ذلك قوله :( فليملل وليه بالعدل ) ولا يؤمر أن يمل بالعدل إلا عدل. واختلفوا في الوصية إلى المرأة والعبد، والصحيح أنهما يكونان وصيين إذا وجد فيهما العدل لأن الله تعالى لم يشترط في الأولياء إلا العدل. قوله تعالى :( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) الآية إلى قوله :( وإن كنتم على سفر ) |البقرة : ٢٨٢|. اختلف العلماء في شهادة العبد، فقال الجمهور لا تجوز واستشهدوا بقوله تعالى :( ذوى عدل منكم ) قالوا : وهذه الإضافة تفيد الحرية دون الإسلام لأن غير المسلمين ليسوا بعدول(٢٧). وقال داود وجماعة من الصحابة : شهادة العبيد جائزة. وقال أنس : ما علمت أحدا رد شهادة العبد وبه قال ابن المنذر لدخوله في جملة قوله تعالى :( ممن ترضون من الشهداء ). وذهب الشعبي والنخعي إلى قبول شهادتهم في القليل لا(٢٨) الكثير. وكذلك رأى بعضهم أن قوله تعالى :( من رجالكم ) شامل للعبيد والأحرار لأنهم من رجالنا وأهل ديننا، فقيل لهم قد قال تعالى :( إذا تداينتم بدين ) الآية وساق الكلام إلى قوله :( من رجالكم ) فظاهر الخطاب يتناول الذين يتداينون، والعبيد لا يملكون ذلك دون إذن السيد، ولهم أن يقولوا : إن خصوص أول الآية لا يمنع التعلق بعموم آخرها(٢٩). وقد اختلف فيه الأصوليون، ومن أقوى ما يستدل به من كتاب الله تعالى على رد شهادة العبد قوله تعالى :( كونوا قوامين بالقسط شهداء على الله ) |النساء : ١٣٥| والعبد قد سلب القيام بذلك لكونه ممنوعا من الخروج إلى القاضي. وتصحيح دعوى المدعي(٣٠). ومن شروط الشاهد الإسلام، فلا تجوز عندنا شهادة الكافر على مسلم ولا على كافر(٣١). وأجاز قوم شهادة الكفار وإن كانوا مجوسيين(٣٢) في الوصية في السفر إذا لم يكن هناك مسلمون على كفار أو مسلمين. وأجاز أبو حنيفة شهادة الكفار على الكفار. وقال بعض أصحابه : إلا في الحدود. ودليلنا على منع شهادة الكفار(٣٣) جملة قوله تعالى :( ممن ترضون من الشهداء ) |البقرة : ٢٨٢| وقوله :( وأشهدوا ذوى عدل منكم ) |الطلاق : ٢| ولم يخص سفرا من حضر. وحجة من أجاز شهادة الكفار على المسلمين في وصية السفر قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ) |المائدة : ١٠٦| وسيأتي الكلام على هذا في موضعه إن شاء الله تعالى. واختلف فيمن لا يعرف بعدالة ولا سخط(٣٤)، هل يحمل على غير العدالة حتى تثبت عدالته أو على العدالة حتى يثبت فسقه ؟ فذهب مالك والشافعي إلى أنه لا يقبل حتى تعرف عدالته(٣٥). وذهب أبو حنيفة، والليث بن سعد، والحسن، إلى أنه مقبول حتى يعرف فسقه قال : ومجرد الإسلام يقتضي العدالة(٣٦). وقد أجاز ابن حبيب شهادة من ظاهره العدالة بالتوسم فيما يقع بين المسلمين في الأسفار من المعاملات والتجارات والأكرية بينهم، وبين المكارين مراعاة لهذا القول. وحكي ذلك عن مالك وأصحابه وهو خلاف قول ابن القاسم، وروايته عن مالك، أنه لم يجز شهادة الغرباء دون أن تعرف عدالتهم. وروي عن يحيى بن عمر أنه أجاز شهادة من لا تعرف عدالته في الشيء اليسير وذلك أيضا استحسان. والحجة لقول مالك المتقدم قوله تعالى :( واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ) |البقرة : ٢٨٢| وقال :( وأشهدوا ذوى عدل منكم ) |الطلاق : ٢| فقد اعتبر الرضى والعدالة. وذلك معنى يزيد على الإسلام. واختلف في شهادة الوالد لولده(٣٧)، والولد لوالده، والجد لولد ولده، وولد الولد لجده(٣٨). فأجاز جماعة لعموم الآية ولم يجزها الأكثر لأنها مخصصة من العموم بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين " (٣٩). وقال الزهري : كانوا فيما مضى يتأولون قوله عز وجل :( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ) |النساء : ١٣٥| ولم يكن يتهم في سلف(٤٠) الأمة والد، ولا ولد ولا زوجة ولا زوج، ثم دخل الناس فتركنا شهادتهم. واختلف في شهادة أحد الزوجين لصاحبه(٤١)، فمنعها الجمهور وأجازها الشافعي. وقال الشعبي : تجوز شهادة الرجل للمرأة، ولا تجوز شهادة المرأة لزوجها. وأخذ ابن المنذر بقول الشافعي لقوله تعالى :( ممن ترضون من الشهداء ) الآية. قال : ولا نعلم حجة توجب استثناء الزوج والزوجة من الآية. ودليلنا عليه قوله تعالى :( خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) |الروم : ٢١| فنبه على أن التهمة حاصلة بين الزوجين في غالب الطباع، لأن الإنسان يحب نفع زوجته ويهوى هواها وينتفع بمالها. قال مالك فيما حكى عنه ابن حبيب : وتجوز شهادة من وراء هؤلاء من القرابات. وهذا يقتضي جواز شهادة الأخ لأخيه وابن أخيه وهي رواية ا ١ رواه الطبري عنه في تفسيره (٣/١٥٤) وذكره الجصاص في أحكام القرآن (٢/٢٠٥) والهراسي في أحكام القرآن (١/٢٣٨) وابن في المحرر الوجيز (٢/٢٨٦).. ٢ في ب "وذهبت".. ٣ وهو اختيار الإمام الطبري في تفسيره (٣/١٥٥) ويراجع تعقب ابن عطية له في المحرر الوجيز (٢/٢٨٦).. ٤ هو رأي الجمهور كما في المحرر الوجيز (٢/٢٨٦).. ٥ رواه عنه الطبري في تفسيره (٣/١٥٠) وذكره الجصاص في أحكام القرآن (٢/٢٠٥) والهراسي في أحكام القرآن (١/٢٣٧).. ٦ ذكره الهراسي في أحكام القرآن (١/٢٣٧، ٢٣٨) ويراجع كلام القرطبي في تفسيره (٣/٣٨٢، ٣٨٣) وابن كثير في تفسيره (١/٣٣٥ – ط دار الفكر بيروت).. ٧ في ب "بسبب".. ٨ رواه عنه الطبري (٣/١٥٠) وذكره عنه الجصاص في أحكام القرآن (٢/٢٠٨) وذكره البغوي في معالم التنزيل (١/٣٤٨) وابن كثير في تفسيره (١/٣٣٥).. ٩ يراجع كلام الهراسي في ذلك في أحكام القرآن (١/٢٣٩).. ١٠ في ب "وهو".. ١١ يراجع الإشراف على مسائل الخلاف لعبد الوهاب (٢/٥٦٧).. ١٢ يراجع المصدر السابق (٢/٥٦٨) وبتوسع الاستذكار لابن عبد البر (٢٠/١٩ -٣٠) و (١٩/١٦٨).. ١٣ في ب "غرر".. ١٤ يراجع تفسير الطبري (٣/١٥١).. ١٥ في المحرر الوجيز (٢/٢٨٧) "الشعبي" وأظنه الصواب وكذا عند الطبري (٣/١٥٤).. ١٦ يراجع تفسير الطبري (٣/١٥٤) والمحرر الوجيز (٢/٢٨٧) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٤٨) وتفسير القرطبي (٣/٣٨٣، ٣٨٤).. ١٧ قاله بمعناه الهراسي في أحكام القرآن (١/٢٤٠).. ١٨ عزاه ابن عطية إلى مالك في المحرر الوجيز (٢/٢٨٧).. ١٩ ذكره ابن عطية وقال أيضا: "ويحتمل أن يكون الكلام على هذا المعنى تاما عند قوله: "إن يكتب" ثم يكون قوله: "كما علمه الله" ابتداء كلام، وتكون الكاف متعلقة بقوله: "فليكتب" كذا في المحرر الوجيز (٢/٢٨٧، ٢٨٨).. ٢٠ قال ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٨٩، ٢٩٠): "وذهب الطبري إلى أن الضمير في وليه عائد على (الحق) وأسند في ذلك عن الربيع وابن عباس. وهذا عندي شيء لا يصح عن ابن عباس.." ثم توسع في رده بقوة.. ٢١ يراجع كلام الهراسي في أحكام القرآن (١/٢٤٢) وتحقيق القاضي أبي بكر بن العربي في أحكام القرآن (١/٢٤٩، ٢٥٠) وتفسير القرطبي (٣/٣٨٥ -٣٨٨).. ٢٢ يراجع المحرر الوجيز لابن عطية (٢/٢٨٩).. ٢٣ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٩٣، ٥٩٤).. ٢٤ في ن "فيها".. ٢٥ في ب "المدائنيين" والمثبت موافق لما في أحكام القرآن للهراسي (١/٢٤٣).. ٢٦ قاله أبو الحسن الكيا الهراسي في أحكام القرآن (١/٢٤٢، ٢٤٣) وعنده "العيي".. ٢٧ قول الجمهور في الإشراف لعبد الوهاب (٢/٩٧١) والمحرر الوجيز لابن عطية (٢/٢٩٠) وبداية المجتهد لابن رشد (٢/٣٤٧). وتفسير القرطبي (٣/٣٩٠).. ٢٨ في ب "دون الكثير". وكذا في ن.. ٢٩ نسب هذا القول لداود ابن حزم في المحلى (٩/٤١٢) كما نسبه لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعزاه ابن عطية لشريح وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل كما في المحرر الوجيز (٢/٢٩٠) وعزاه القرطبي لعثمان البتي وأبي ثور يراجع تفسيره (٣/٣٨٩، ٣٩٠).. ٣٠ استدل بهذا أبو الحسن الهراسي في أحكام القرآن (١/٢٤٥) وهو معنى كلام الجصاص في أحكام القرآن (٢/٢٢٢، ٢٢٣) ورده ابن حزم بقوة قائلا أن "العبد قادر على أداء الشهادة، كما يقدر على أداء الصلاة، والى النهوض إلى من يتعلم منه أمر دينه" وله أدلة قوية ترجح اختياره في المحلى (٩/٤١٢ -٤١٥).. ٣١ يراجع في هذا أقوال الفقهاء عند الجصاص في أحكام القرآن (٢/٢٢١، ٢٢٢) وفي المدونة لسحنون (٥/١٥٦، ١٥٧) والإشراف لعبد الوهاب (٢/٩٧٢) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٥٢) وتفسير القرطبي (٣/٣٨٩ -٣٩١).. ٣٢ في ب "مجوسا" وكذا في ن.. ٣٣ في ب "الكافر".. ٣٤ في ب "ولا سخطة".. ٣٥ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/٢٣٧) والإشراف لعبد الوهاب (٢/٩٥٦، ٩٥٧) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٥٤، ٢٥٥).. ٣٦ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/٢٣٣ -٢٣٦) وتعقب القرطبي لرأي أبي حنيفة في تفسيره (٣/٣٩٥ -٣٩٧).. ٣٧ في ب في الموضعين: "وعكسه".. ٣٨ يراجع الخلاف في هذا الإشراف لعبد الوهاب (٢/٩٧٢، ٩٧٣) وأحكام القرآن للجصاص (٢/٢٤١) والمدونة (٥/١٥٤، ١٥٥) والمحلى لابن حزم (٩/٤١٥ -٤١٨) وأحكام القرآن للهراسي (١/٢٥٣، ٢٥٤).. ٣٩ أخرجه من حديث طلحة بن عبد الله بن عوف أبو داود في المراسيل (٣٥٩ – ط باكستان) ومن طريقه البيهقي في السنن (١٠/٢٠١) قال الحافظ في التلخيص (٤/٢٠٣): "ليس له إسناد صحيح لكن له طرق يقوي بعضها بعضا" وصححه الألباني بنحو ذلك في إرواء الغليل (٨/ رقم ٢٦٧٤).. ٤٠ في ب "سالف".. ٤١ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (٢/٩٧٣) والمحلى (٩/٤١٥) وأحكام القرآن للهراسي (١/٢٥٤)..

البقرة 2:283

٢٨٣- قوله تعالى :﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ إلى قوله :( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ) الآية |البقرة : ٢٨٣، ٢٨٤|. مذهب مالك وجميع أصحابه وغيرهم إجازة الرهن في السفر والحضر خلافا لأبي حنيفة، ومجاهد، وداود، في قصرهم ذلك على السفر تعلقا منهم بدليل خطاب الآية(١). ولا حجة لهم فيها لأن ذكر الرهن في السفر ليس دليلا على منعه في الحضر بل أراد الله تعالى أن ينبه على جواز الرهن إذا منع عذر من الانتقاد فذكر السفر إذ قد يكون أحد الأعذار المانعة من الانتقاد تنبيها على سائر الأعذار. فالرهن في الحضر أيضا مشار إليه بالآية على هذا الوجه، وأيضا فإنه قدرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي في شعير استلفه. وتوفي صلى الله عليه وسلم وتلك الدرع مرهونة(٢). وكان هذا منه –عليه الصلاة والسلام- في الحضر فهذا يذهب حكم دليل الخطاب في الآية لو قلنا به(٣). واختلف في الرهن في السلم فلم يجزه بعضهم والجمهور على الجواز. وحجة(٤) الجواز قوله تعالى :﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان﴾ الآية. فعم. والرهن يجوز ويلزم بالعقد ولا يتم إلا بالحيازة لقوله تعالى :( فرهان مقبوضة ) هذا مذهب مالك وجميع أصحابه. وذهب الشافعي، وأهل العراق إلى أنه لا يكون رهنا حتى يكون مقبوضا(٥). وفائدة الخلاف أن الراهن عندنا لا يكون له الرجوع في الرهن وإن لم يقبضه المرتهن. وعندهم أنه لا يلزمه حتى يقبضه. واستدلوا بقوله تعالى :( فرهان مقبوضة ) وقالوا لما وصفها الله تعالى بالقبض وجب أن يكون ذلك من شروط كونها رهنا، وأن يكون القبض مصاحبا لها كما أنه لما وصف الرقبة بالإيمان، كان الإيمان شرطا فيها مصاحبا لها. قالوا ولأن قوله فرهان مقبوضة لا يخلو إما أن يكون خبرا أو أمرا فإن كان خبرا كان شرطا فيها لامتناع أن يقع الخبر بخلاف مخبره، وإن كان أمرا فهو على وجوبه والدليل على صحة قولنا قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) |المائدة : ١| والعقد قد حصل لأنه الإيجاب والقبول وذلك موجود. وأيضا فإنه قال :( فرهان مقبوضة ) فجعل القبض من صفاتها فدل ذلك على أنها تكون رهنا قبل القبض لأن وصف الشيء بصفة يجب أن يكون معنى زائدا على وجوده. واختلف في الرهن يوضع على يدي عدل فقالت طائفة : لا يصح وليس بمقبوض ولا يكون شاهدا ولا يكون أحق به من الغرماء والذي ذهب إليه مالك أنه مقبوض فيكون بذلك شاهدا له ويكون أحق به من الغرماء. والذي ذهب إليه مالك أنه مقبوض(٦). وقيل : إنه لا يكون شاهدا إذا كان على يدي عدل، وهو ظاهر قول مالك في " موطئه " (٧) وحجة القول بأنه مقبوض قوله تعالى :( فرهان مقبوضة ) معناه مقبوضة من الراهن. وهذا موجود في هذا الرهن، فهو إذا مقبوض. واختلف في استدامة القبض هل هي شرط في صحة الرهن أم لا ؟ فالمذهب على أنه شرط فمتى عاد إلى يد الراهن برضى من المرتهن على أي وجه خرج فقد زال عن الرهن. وقال الشعبي(٨) ليس ذلك بشرط ولا يخرج من الرهن بعوده إلى يد الراهن. وقال أبو حنيفة إن رجع بكراء بطل وإن رجع بوديعة أو عارية لم يبطل. ودليل المذهب قوله تعالى :( فرهان مقبوضة ) فعم سائر أحوال الرهن(٩). واختلف في شهادة الرهن فذهب بعضهم إلى أن القول قول المرتهن فيما رهن وإن كان ما ادعى أكثر من قيمة الرهن فجعلوا الرهن شاهدا له بجميع دينه. وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن القول قول الراهن قل أو كثر ما ادعاه فلم يجعلوا للراهن شهادة(١٠). واستدل بعضهم لهذا القول بقوله تعالى :( وليملل الذي عليه الحق ) قال : فهذا يدل على أنه مؤتمن، فيقتضي ذلك قبول(١١) قول الراهن إذا اختلف هو والمرتهن في مقدار الدين، والراهن هو الذي عليه الحق. قال : وربما رهن الشيء بالقليل والكثير. وذهب مالك وجميع أصحابه إلى أن القول قول المرتهن فيما رهن فيه الرهن ما لم يجاوز قيمة الرهن، فكأن الرهن شاهد بقيمته. وهذا القول أعدل الأقوال. ولو لم يكن الرهن شاهدا، وكان كما يقول من ذكرنا لم يكن لقوله عز وجل :( فإن أمن بعضكم فليؤد الذي اؤتمن أمانته ) معنى لأنه إذا ائتمنه ولم يستوثق منه بالرهن فيما داينه به. فالقول قوله أيضا فيما يقر به من الدين ولا يجوز أن تكون الحالة الثالثة كالتي قبلها، فالقرآن دال على خلاف قول من ذكرنا. وعندنا أنه يصح عقد الرهن قبل وجوب الحق، فإذا وجب الحق كان رهنا بذلك العقد، ولا يحتاج إلى استئناف عقد ثان. وكذلك يصح تقديم الضمان على الحق المضمون. وقال الشافعي : لا يصح ذلك. ودليل ذلك قوله تعالى :( فرهان مقبوضة ) فعم(١٢). واختلف في رهن المشاع فأجازه مالك وأصحابه ولم يجزه أبو حنيفة(١٣). والحجة على من لم يجزه أنهم إن(١٤) سلموا أن قبضه يصح، فالظاهر تناوله بقوله فرهان مقبوضة. وإن منعوه دللنا عليه بأن صفة القبض متساوية. وقد ثبت أن بيع المشاع جائز، وأن بيع ما لا يمكن قبضه لا يصح. فإذا صح البيع فيه صح قبضه كالمقسوم. وإذا كان لرجل على رجل دين فباع من عليه الدين ممن له الدين شيئا وجعل الدين عليه رهنا. فروى ابن القاسم عن مالك أنه يجوز ويصح الرهن(١٥). وقال غيره من العلماء : لا يجوز لأنه لا يتحقق إقباضه له والقبض شرط لزوم الرهن ودليل القول الأول عموم الآية. وإذا رهن الرجل عند الرجل رهنا على حق ثم استزاده شيئا آخر على ذلك الرهن جاز وكان رهنا بالحقين خلافا لأبي حنيفة والشافعي لقوله تعالى :( فرهان مقبوضة ) فعم كل دين يجوز أخذ الرهن به. وكل رهن(١٦) يجوز ارتهانه بكل(١٧) دين(١٨). وإذا ارتهن الرجل رهنا على أنه إن جاء الراهن بالثمن، وإلا فالرهن للمرتهن صح الرهن عندنا وبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي : يبطل الرهن. ودليلنا على أنه لا يبطل قوله تعالى :( فرهان مقبوضة ) (١٩). ورهن المجهول، والغرر يجوز. وقال أبو حنيفة والشافعي(٢٠) لا يجوز. ودليلنا عموم الآية قوله تعالى :( فرهان مقبوضة ) فعم. والمكاتب والعبد المأذون يجوز أن يرهن. وذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز(٢١). ودليلنا ( فرهان مقبوضة ) فعم العبد والمكاتب. وقوله تعالى :( فرهان مقبوضة ) ليس في هذه دليل على حكم الرهن إذا قبض فهلك فأحاله من الضمان ؟ لأن القبض إذا حصل بحكم الآية بقي النظر فيه هل يحكم لذلك القبض بحكم الأمانة أم لا ؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنه مضمون منه من غير تفصيل(٢٢). وذهب الشافعي إلى أنه غير مضمون منه من غير تفصيل. وفرق مالك بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه. وعنه إذا قامت بينة على التلف مما يغاب عليه قولان(٢٣). ومن حجة الشافعي قوله –عليه الصلاة والسلام- : " الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه " (٢٤) وهذا يحتمل أن يريد إذا ظهر هلاكه فلا يكون فيه حجة. وقد جاء عنه –عليه الصلاة والسلام- قال : " الرهن بما فيه " (٢٥) وهذه عبارة عن وجوب ضمانه على المرتهن(٢٦). وقوله تعالى :( فإن أمن بعضكم بعضا ) الآية |البقرة : ٢٨٣|. قد استدل بعضهم بهذه الآية في مسألة اختلاف المتبايعين للسلعة إذا اختلفا في أجل الثمن على المبتاع إذا قبض السلعة، فإن القول قوله سواء أقر له البائع بأجل أم لا ؟. وفي المسألة اختلاف كثير. وكذلك إذا اختلفا في عدد الثمن قال : لأن القبض ائتمان فإذا دفع السلعة إلى المبتاع ولم يتوثق بالشهادة وجب أن يكون القول قوله(٢٧). ١ يراجع اختلاف الفقهاء في ذلك في تفسير الطبري (٣/١٧٩ -١٨٢) وأحكام القرآن للجصاص (٢/٢٥٨ -٢٦٠) والإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٧٦) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٦٠، ٢٦١) وأحكام بالقرآن للهراسي (١/٢٦٢، ٢٦٣).. ٢ يراجع صحيح البخاري كتاب السلم من حديث عائشة (٢٢٥١، ٢٢٥٢).. ٣ يراجع تحقيق ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٣٠١).. ٤ في ب "وحجتهم".. ٥ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/٢٦٠ -٢٦٢) الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٧٦، ٥٧٧) وأحكام القرآن للهراسي (١/٢٦٣ -٢٦٥).. ٦ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/٢٦١، ٢٦٢) الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٧٦، ٥٧٧) والمحرر الوجيز (٢/٣٠٦) وتفسير القرطبي (٣/٤١٠).. ٧ يراجع الموطأ (٢/٢٧١ -٢٧٦).. ٨ كذا في الأصول الخطية والظاهر أنه تصحيف والصواب "الشافعي" كما في الإشراف لعبد الوهاب والمؤلف ينقل عنه.. ٩ يراجع في هذا المدونة لسحنون (٥/٣٠٩) والإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٧٦) والأم للشافعي (٣/١٤٠، ١٤١) وأحكام القرآن للجصاص (٢/٢٦٠، ٢٦١).. ١٠ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٨٥) وأحكام القرآن للكيا الهراسي (١/٢٦٣).. ١١ في ب "فيقضى ذلك بقبول".. ١٢ يراجع كلام القاضي عبد الوهاب في الإشراف (٢/٤٨٣، ٥٨٤/ رقم ٩٧٥).. ١٣ يراجع الأم للشافعي (٣/١٩٠، ١٩١) وأحكام القرآن للجصاص (٢/٢٦٠) والإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٧٧/ رقم ٩٥٧).. ١٤ في ب "إذا".. ١٥ تراجع المدونة لسحنون (٥/٣٤٠).. ١٦ في ب "وكان رهنا".. ١٧ في ب و أ "لكل" والمثبت موافق لما في "الإشراف" لعبد الوهاب.. ١٨ يراجع الأم للشافعي (٣/١٥٤، ١٥٥) والإشراف على مسائل الخلاف لعبد الوهاب (٢/٥٧٩/ رقم ٩٦١).. ١٩ يراجع الموطأ لمالك (٢/٢٧١، ٢٧٢) وأحكام القرآن للجصاص (٢/٢٧٠، ٢٧١) وأحكام القرآن للهراسي (١/٢٦٨).. ٢٠ الأم للشافعي (٣/١٢٦).. ٢١ الظاهر أن نقل المؤلف لما في كتاب الشافعي يراجع الأم (٣/١٩٣).. ٢٢ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/٢٦٢، ٢٦٣).. ٢٣ الأم للشافعي (٣/١٦٧، ١٦٨).. ٢٤ ورد من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: "لا يغلق الرهن.." والبقية مثله أخرجه ابن ماجه (٢٤٤١) والشافعي (٢/١٦٤) وابن حبان (الإحسان: ٥٩٣٤) والدارقطني في السنن (٣/٣٢) والحاكم في المستدرك (٢/٥١) والبيهقي (٦/٣٩). والحديث موصول ضعيف وهو مرسل صحيح وتوسعت في الكلام عليه في تحقيقي لغرائب مالك لابن مظفر (ص ١٠٥ -١٠٧/ رقم ٩٩ و١٠٠). ويراجع إرواء الغليل للألباني (٥/٢٣٩ -٢٤٣/ رقم ١٤٠٦).. ٢٥ أخرجه الدارقطني في السنن (٣/٢٣) وعنه البيهقي في السنن (٦/٤٠) من طريق إسماعيل بن أبي أمية، نا حماد بن سلمة، عن قتادة، أنس. فذكره مرفوعا. كما روياه من طريق إسماعيل بن أبي أمية، نا سعيد بن راشد، نا حميد الطويل، عن أنس فذكر مثله. قال أبو الحسن الدارقطني: "إسماعيل هذا يضع الحديث، وهذا باطل عن قتادة، وعن حماد بن سلمة والله أعلم". ووافقه الحافظ البيهقي وقال: "والأصل في هذا الباب حديث مرسل وفيه من الوهن ما فيه". وللحديث طرق أخرى لا يصح شيء منها لكن وجدت إمام المغرب وحافظه أبو عمر بن عبد البر يقول في الاستذكار (٢٢/٩٥): "وأصل هذا الحديث عند أكثر أهل العلم به مرسل، وان كان قد وصل من جهات كثيرة إلا أنهم يعللونها على ما ذكرنا عنهم في "التمهيد" وهم مع ذلك لا يدفعه، بل الجميع يقبله، وان اختلفوا في تأويله" فهو يصححه من حيث المعنى وان كان يضعفه من جهة السند، وهو منهجه في كثير من الأحاديث كما هو مبين في رسالتي العلمية حوله.. ٢٦ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (٢/٥٨٢، ٥٨٣) والاستذكار لابن عبد البر (٢٢/٩٣ -١٠٥).. ٢٧ يراجع أحكام القرآن لان العربي (١/٢٦٢، ٢٦٣) والمحرر الوجيز لابن عطية (٢/٣٠٦، ٣٠٧)..

البقرة 2:284

٢٨٤قوله تعالى :( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ) الآية |البقرة : ٢٨٤|. اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أم محكمة : والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة قالوا لما نزلت هذه الآية شق على أصحاب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى :( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) فنسخ بهذه الآية تلك. وهذا قول ابن عباس، وأبي هريرة، والشعبي، وغيرهم(١). والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها : فقال بعضهم : هي في كتمان الشهادة(٢) وإظهارها وهو قول ابن عباس والشعبي أيضا وعكرمة وغيره. فهذان القولان للشعبي في الآية. وقال آخرون : معناها أن الله تعالى يحاسب خلقه على ما عملوا وعلى ما لم يعملوا بما ثبت في نفوسهم وأضمروه ونووه وأرادوه، فيغفر للمؤمنين، ويؤاخذ بها أهل الكفر والنفاق(٣). وهذا القول أيضا لابن عباس(٤). فهذه ثلاثة أقوال لابن عباس في الآية. وقال مجاهد : الآية فيما يطرأ(٥) على النفوس من الشك واليقين. وقال آخرون : ما هم الرجل به من الذنوب في الدنيا عوقب على ذلك بما يصيبه من الهم والحزن. وهذا القول لعائشة. والأحسن في الآية أن لا تكون منسوخة لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ إلا أن تكون الآية الثانية إنما نسخت الشدة اللاحقة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الأولى فيكون من قولهم نسخت الريح. الأمر أي أزالته. ومن قولهم نسخت الشمس الظل إذا أزالته وحلت محله(٦). فكأن اللين الذي في الآية الأخرى أزال الشدة التي في الأولى وحل محلها(٧) والله تعالى أعلم. ١ ذكر هذا عنه الطبري في تفسيره (٣/١٨٥ -١٩٠) وابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٣٠٩) ورواه مسلم مطولا في صحيحه في الإيمان (١٥٢) وتوسع الحافظ فغي بيان ذلك في العجاب في بيان الأسباب (ص٤٦٨ -٤٨١).. ٢ رواه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (ص٢٧٤، ٢٧٥) والطبري في تفسيره (٣/١٨٤، ١٨٥) ويراجع العجاب لابن حجر (ص ٤٦٧، ٤٦٨).. ٣ في ب "الكفار والمنافقين".. ٤ رواه الطبري عنه في تفسيره (٣/١٩١) وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٣١٠).. ٥ في ب "يظهر".. ٦ رواه الطبري عنها في تفسير (٣/١٩٣).. ٧ ووافق على هذا وحقق فيه الإمام الطبري في تفسيره (٣/١٩٤ -١٩٦) وابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٣١٠ -٣١٣) ويراجع تفسير القرطبي (٣/٤٢٢، ٤٢٣). .

آل عمران 3:7

٧ - قوله تعالى :﴿منه آيات محكمات﴾ :|آل عمران : ٧| قد(١) اختلف العلماء(٢) في تفسير المحكم والمتشابه اختلافا كثيرا. والصحيح على مقتضى اللغة أن المحكم يرجع إلى معنيين. أحدهما : المكشوف المعنى الذي لا يتطرق إليه احتمال ولا إشكال والمتشابه يتعارض فيه الاحتمال. والثاني : أن المحكم ما انتظم وترتب ترتيبا مفيدا(٣) إلا أن(٤) هذا لا يقابله متشابه، وإنما يقابله المثبج(٥) والفساد. وقد يجوز على مقتضى اللغة أن يعبر بما يتشابه (٦) في اللفظ المشترك وقد يطلق على ما ورد من صفات الله تعالى ما (٧) يوهم ظاهره (٨) الجهة والتشبيه(٩). وقد سمى الله تعالى المحكمات :﴿أم الكتاب﴾ [آل عمران: ٧]، أي أصل الكتاب وذلك يقتضي رد المتشابهات إلى المحكمات لتفهم منها فيؤخذ من هذا(١٠) أن المتشابه هو المحتمل للمعاني فيعرف المراد منه برده إلى المحكم وإن كان كثير منه يستدل بالأدلة العقلية على معرفة المراد منه. وقد يجوز أن تسمّى المحكمات بمعنى أنها أنفع للناس وأفضل من المتشابهات كما تسمى فاتحة الكتاب :﴿أم الكتاب﴾، ومكة :﴿أم القرى﴾ (١١) وقد يجوز أن تسمى المحكمات ؛ لأن معناها بين، فتستنبط منه الفوائد وتقاس عليه المسائل(١٢) والذي يرجع إلى الأحكام(١٣) من هذا أن تأويل ما يتعلق/ بالأحكام الشرعية واجب وما يتعلق بها فلا (١٤) يجب تأويله. وهل يحرم أم لا ؟ اختلف فيه وقد ظن قوم أنه لا يجوز ؛ لظاهر قوله تعالى :﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ الآية [آل عمران: ٧]، وجعلوا الوقف عند قوله :﴿إلا الله﴾. ومن الناس من حرم تأويل المتشابهات تعويلا على ذلك الظاهر والأكثر على جواز التأويل وعلى ذلك اختار قوم(١٥) الوقف(١٦) على قوله :﴿والراسخون في العلم﴾. ١ في (أ) و (ب): "وقد".. ٢ في (ب) و(هـ): "أهـل العلم".. ٣ في (هـ): "بعيدا".. ٤ في (هـ): " لأن".. ٥ هـذه الكلمة بياض في (ب) وفي (ج) و(د): "الصحيح"، في (هـ): "المنتج"، يقال: ثبج الكتاب والكلام تثبيجا لم يبين وقيل: لم يأت به على وجه. انظر لسان العرب، ج ١، ص ٣٤٧.. ٦ في (أ): "يتشابه به".. ٧ في غير (ب) و(هـ): "مما".. ٨ في (أ) و(د): "ظاهـر"؛ في (هـ): "الظاهـر"؟ كلمة "ظاهـرة" ساقطة في (ب).. ٩ ورد ما يشبهـه في كتاب المستصفى من علم الأصول للغزالي ج ١، ص ١٠٦، ط١، المطبعة الأميرية بولاق، مصر سنة ١٣٢٢هــ.. ١٠ في (هـ): "منهـا".. ١١ قوله: "وقد يجوز... أم القرى" ساقط في (ب).. ١٢ في (ج): "ولا تقاس عليه المسائل"، والصواب ما أثبتناه.. ١٣ في (ج): "للأحكام".. ١٤ في (هـ): "لا" بسقوط الفاء.. ١٥ كلمة "قوم" ساقطة في (هـ).. ١٦ في (ج): "الوقوف"..

آل عمران 3:28

٢٨ قوله تعالى :﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين﴾ :|آل عمران : ٢٨| وهذا النهي إنما هو أن يظهر الإنسان اللطف بالكفار والميل إليهم، وإن كان لا يعتقد ذلك. وقد اختلف في سبب هذه الآية. فقال ابن عباس : كان كعب ابن الأشرف(١)، وابن أبي الحقيق وقيس ابن زيد وقد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم(٢)، فقال رفاعة ابن المنذر وعبد الله ابن جبير، وسعيد ابن خيثمة(٣) لأولئك النفر : اجتنبوا(٤) أولئك اليهود، واحذروا مباطنتهم ؛ فأبى ذلك(٥) النفر إلا مباطنة اليهود، فنزلت الآية. وقال آخرون : نزلت الآية (٦) في قصة حاطب(٧) بن أبي بلتعة(٨) وكتابه إلى أهل(٩) مكة. والآية عندي على العموم في هذه القصة وغيرها(١٠)، ويدخل تحتها فعل أبي لبابة في إشارته إلى خلقه حين بعثه (١١) النبي صلى الله عليه وسلم في استنزال بني قريظة، ثم أباح الله تعالى اتخاذهم أولياء في الظاهر بشرط الاتقاء فقال :﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ (١٢)، وذهب (١٣) قتادة إلى أن معنى الآية :﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ من جهة صلة الرحم أي ملامة، فالآية عنده مبيحة للإحسان إلى القرابة (١٤) من الكفار. ١ هـو أحد اليهـود الذين عرفوا بعدائهـم للنبي صلى الله عليه وسلم وبهـجائهـم له. قال ابن إسحاق وغيره: كان عربيا من بني نبهـان قتل في (٣للهـجرة) قصته في صحيح البخاري (٧ / ٣٣٦ فتح).. ٢ في (ج) و(د):"عن يمينهـم".. ٣ هـو سعيد بن خيثمة بن الحارث الأوسي الأنصاري، أبو عبد الله، أو أبو خيثمة: صحابي كان أحد النقباء الإثني عشر بالعقبة واستشهـد يوم بدر. الأعلام، ج ٣، ص ١٣٣.. ٤ في (ب) و(ج) و(د): "احتبسوا".. ٥ في غير (ب) و(د): "أولئك".. ٦ كلمة "الآية" ساقطة في (هـ).. ٧ هـو حاطب بن أبي بلتعة اللخمي: صحابي شهـد الوقائع كلهـا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من أشد الرماة في الصحابة، وكانت له تجارة واسعة، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم بكتابه إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، ومات في المدينة. وكان أحد فرسان قريش وشعرائهـا في الجاهـلية. الأعلام: ج ٢، ص ١٦٣.. ٨ في (د): "حاطب بن أبي بلتعة"، في (هـ): "حاطب بن بلتة" والصواب ما أثبتناه.. ٩ كلمة "أهـل" ساقطة في (ج) و(د) و(هــ).. ١٠ كلمة "وغيرهـا" ساقطة في (هــ).. ١١ في (ج):"بعث".. ١٢ قوله: "فقال:﴿ألا أن تتقوا منهـم﴾... وذهـب... ﴿أن تتقوا منهـم تقاة﴾" ساقط في (ب) و(ج) و(د).. ١٣ في (ب) و(ج): "فقال".. ١٤ في (هـ): "للقرابة"..

آل عمران 3:35

٣٥ - قوله تعالى :﴿إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك﴾. |آل عمران : ٣٥| هذا النذر غير معمول به في شريعتنا، فلا يجوز لأحد أن يحبس ولده على مسجد من المساجد. وكان هذا معنى للتحبيس على الكنائس في شرع من قبلنا عرفا في الذكور خاصة. وكان فرضا على الأبناء(١) التزامه، فمعنى الآية : جعلت نذرا على أن يكون هذا المولود الذي في بطني محررا من كل خدمة وشغل. والبيت الذي نذرت له هو بيت المقدس، فإن(٢) قيل : كيف كان التحبيس شرطا في الذكور خاصة، وقد قالت امرأة عمران أم مريم :﴿ما في بطني﴾، ولم تخص ذكرا من أنثى. قيل(٣) : جزمت (٤) الدعوة رجاء(٥) منها أن يكون ذكرا. ١ في (ج) و(هـ): "إلا نبياء" والصواب ما أثبتناه.. ٢ في (ب) و(هـ): " و إن".. ٣ كلمة "قيل" ساقطة في (ج).. ٤ في (هـ): "حرصت".. ٥ في غير(هـ): "رجاء أن"..

آل عمران 3:36

٣٦ وقوله تعالى :﴿وإني سميتها مريم﴾. |آل عمران : ٣٦| فيه دليل(١)على جواز تسمية الأطفال عند الولادة ؛ لأنها إنما قالت هذا بإثر الوضع، وهي مسألة قد اختلف(٢) فيها، فذهب قوم إلى أنه لا يجوز أن يسمى المولود إلا يوم(٣) سابعه، وذهب مالك إلى أنه يسمى إذا استهل صارخا وأن السقط لا يسمى، وذهب قوم إلى أنه يسمى يوم ولادته وإلى هذا(٤) ذهب ابن حبيب، واستحب أيضا أن يسمى السقط لما روي من رجاء شفاعته. وحجة من أجاز تسميته يوم الولادة الآية المتقدمة. وإنما تصح الحجة بها على قول من يرى(٥) أن(٦) شريعة من قبلنا شرع لنا(٧). ولكنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل أن(٨) ذلك أيضا في شريعتنا ؛ وذلك(٩) قوله عليه الصلاة والسلام(١٠) : " ولد لي الليلة مولود سميته إبراهيم " (١١) ؛ وإن كان يروى(١٢) عنه عليه الصلاة والسلام (١٣)، وأنه في اليوم(١٤) السابع يعق(١٥) عن المولود ويسمّى. ١ كلمة "دليل" ساقطة في (ب)، وفي (د): "في دليل".. ٢ في غير (ب) و(هـ): "اختلف" بدون "قد".. ٣ في (د): "إلى يوم".. ٤ في غير (ب): "وإلى نحو هـذا".. ٥ في غير (هـ) "من رأى".. ٦ في غير (هـ) سقوط "أن".. ٧ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "لازمة لنا". ٨ "أن" ساقط في (ب) و(ج) و(د).. ٩ ذلك ساقط في (ب) و(ج) في (هـ) "هـو".. ١٠ في (أ) و(ب): "عليه السلام".. ١١ في غير (ب) و(ج) و(د): "بإبراهـيم" ورد في (ب) و(ج) و(د): "ولد ي الليلة سميتـه إبراهـيم" وفي (هـ): "ولد في الليلة سميته إبراهـيم" والحديث رواه مسلم في صحيحه، الجزء الثاني، باب "رحمتـه صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك" ص ١٨٠٧.. ١٢ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "قد روى".. ١٣ كلمة "عليه الصلاة السلام": ساقطة في (ب) وأما في (هـ): "وعليـه السلام".. ١٤ في (أ) و(ج) و(د) و(هـ): "يوم".. ١٥ "يعق" بياض في (ب) و(ج) و(د)، والحديث أخرجه الترمذي في سننه. كتاب الأضاحي باب "من العقيقة"، ج ٤، ص ١٠١؛ وكذلك ابن ماجه كتاب الذبائح، باب "العقيقة"، والدارمي في كتاب الأضاحي باب "السنة في العقيقة" والنسائي في كتاب العقيقة، باب "متى يعق" بألفاظ مختلفة..

آل عمران 3:37

٣٧ قوله تعالى :﴿وكفلها زكريا﴾ :|آل عمران : ٣٧| أصل في الحضانة، ومعنى كفلها زكرياء(١) أي ضمها إليه وقام بأمرها(٢) وقرئ ﴿وكفلها﴾ بالتشديد، زكرياء بالنصب، أي : أوجب كفالتها بالقرعة التي أخرجتها له. والآية أظهرها(٣) لخصومه فيها. وذلك أن زكرياء عليه السلام(٤) وخصومه فيها لما تنازعوا أيهم يكفلها تساهموا بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة. وقيل : بأقلام بروها كالقداح. وقيل بعصيّ لهم فرموا بها في نهر الأردن، فصعد(٥) قلم زكرياء بالجرية وانحدرت قداح الآخرين(٦). وقيل : أن أقلام القوم عامت(٧) على الماء معروضة كما تفعل العيدان وبقي قلم زكرياء موتدا(٨) واقفا كأنما ركز في طين، فكفلها زكرياء عليه السلام بهذا(٩) الاستهام ؛ فذلك قوله تعالى :﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾ (١٠) الآية [آل عمران: ٤٤]، وكان زكرياء قد قال لهم : أنا أحق بها منكم ؛ لأن عندي أختها أو خالتها(١١) على اختلاف في ذلك ؛ لأنه قيل : إن زوجته أم يحيى كانت خالة مريم وقيل : أختها فحكم الله تعالى بها لزكرياء لموضع أختها أو خالتها وعلى هذا شرعنا ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قضى بابنة حمزة(١٢) (١٣) لجعفر بن أبي طالب(١٤) إذ تنازع(١٥) علي بن أبي طالب وجعفر وزيد بن حارثة فقال علي : هي (١٦) ابنة عمي، وعندي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا أحق بها. وقال جعفر(١٧) : هي ابنة عمي وعندي خالتها، فأنا أحق بها. وقال زيد بن حارثة(١٨) : هي ابنة أخي، وتجشمت(١٩) لها السفر. وكان قد خرج إليها(٢٠) حين أصيب حمزة فأقدمها. وعلى هذا مذهبنا أن الحاضنة إذا كان زوجها وليا من أولياء المحضون فهي أحق به من سائر الأولياء، وإن كان زوجها أبعد منهم، إلا على مذهب ابن وهب في أن الزوج يسقط حضانة الحاضنة(٢١)، وإن كان ذا رحم(٢٢) من المحضون. اختلف في السبب الذي كفلها له زكرياء، فالأصح أنها كانت يتيمة توفيت(٢٣) أمها وتركتها صغيرة. وذكر قتادة وغيره : أنهم كانوا يتشاءمون في ذلك الزمان في المحرر عند من يكون من القائمين بأمر المسجد، فيتساهمون(٢٤) عليه، وأنهم فعلوا ذلك في مريم. وقال ابن إسحاق (٢٥) : إنها لما ترعرعت(٢٦) أصابت بني إسرائيل مجاعة فقال لهم زكرياء : قد(٢٧) عجزن عن إنفاق مريم فاقترعوا على من يكفلها ففعلوا، فخرج السهم على رجل يقال له : جريج، فجعل ينفق عليها وحينئذ(٢٨)، كان زكرياء يدخل عليها المحراب عند جريج فيجد عندها الرزق. ١ "زكرياء" ساقط في (هـ).. ٢ في (هـ): "بهـا".. ٣ في (هـ): "أخرجهـا".. ٤ "عليه السلام" كلمة ساقطة في (ج) و(هـ).. ٥ في (أ) و(ج) و(هـ): "فصاعد"؛ وفي (ب) و(د): "فصمر".. ٦ في (ب): "الأخرى".. ٧ في (ج) :"أقوام القوم علقت".. ٨ في (ب) و(ج) و(د):"مرتدا"؛ وفي (هـ): "ممتدا" والقصة ذكرهـا صاحب الكشاف ج١، ٣٥٧.. ٩ في (هـ):"بذلك بذلك".. ١٠ في (غير (ب) و(ج) و(هـ) سقوط "يكفل مريم".. ١١ في (هـ): "وخالتهـا".. ١٢ هـو حمزة بن عبد المطلب بن هـاشم، أبو عمارة، من قريش، عن النبي صلى الله عليه وسلم وأحد صناديد قريش وساداتهـم في الجاهـلية والإسلام، أسلم وهـاجر مع النبي إلى المدينة، وحضر وقعة بدر وغيرهـا. وقال المدني: أول لواء عقده رسول الله كان لحمزة، وكان شعار حمزة في الحرب ريشة نعامة يضعهـا على صدره ولما كان يوم بدر قاتل بسيفين وفعل الأفاعيل وقتل يوم أحد فدفنه المسلمون في المدينة. الأعلام: ج ٢، ص ٣١٠.. ١٣ انظر صحيح البخاري، كتاب الصلح، الباب السادس، ج ٣، ص ١٨، وكذلك في كتاب المغازي، الباب ٤٣، ج ٥، ص ٨٥، وانظر أيضا أبو داود في سننه، كتاب الطلاق، الباب ٣٥، من أحق بالولد، ج ٢، ص ٧٠٨ – ٧٠٩.. ١٤ قوله: "ابن أبي طالب" ساقط في (ب) و(هـ).. ١٥ في (ج) و(د): "تنازعا"، والصواب ما أثبتناه.. ١٦ في (ج) و(د): "معي".. ١٧ هـو جعفر بن أبي طالب عبد مناف ابن عبد المطلب بن هـاشم صحابي هـاشمي من شجعانهـم، يقال له جعفر الطيار وهـو أخو علي بن أبي طالب... وهـو من السابقين إلى الإسلام هـاجر إلى الحبشة في الهـجرة الثانية ولم يزل هـناك إلى أن هـاجر النبي إلى المدينة فقدم عليه جعفر وهـو بخيبر سنة ٧ هـ، وحضر وقعة مؤتة بالبلقاء (من أرض الشام)، فنزل عن فرسه وقاتل ثم حمل الراية وتقدم صفوف المسلمين فقطعت يمناه فحمل الراية باليسرى فقطعت أيضا، فاحتضن الراية إلى صدره، وصبر حتى وقع شهـيدا فقيل: إن الله عوضه عن يديه جناحين في الجنة. الأعلام: ج ٢، ص ١١٨.. ١٨ قوله: "ابن حارثة" ساقط في (هـ).. ١٩ في (ج) و(د): "تخشعت"، والصواب ما أثبتناه.. ٢٠ في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ): "عنهـا".. ٢١ في غير (هـ): "الحاضن".. ٢٢ "رحم" ساقط على (هـ). ٢٣ في غير (هـ): "فتوفيت".. ٢٤ في (د): "يتساهـمون" بسقوط "الفاء".. ٢٥ هـو محمد بن إسحاق بن يسار ابن خيار أبو بكر المدني صاحب المغازي، روى عن أبيه وقتادة والزهـري وابن المنكدر والنخعي وعطاء وغيره. اختلف في تاريخ وفاته بين ١٥١ هـ / ٧٦٨م، وسنة ١٥٣هـ / ٧٧٠م. انظر: تهـذيب ج ٩، ص ٣٨ - ٤٦.. ٢٦ قوله: "ترعرعت" كلمة ساقطة في (ب)، وفي (د) "تحررت".. ٢٧ في (و): "عن".. ٢٨ في (ب) و(ج) و(هـ): "ح"..

آل عمران 3:41

٤١- قوله تعالى :﴿قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾. |آل عمران : ٤١| اختلف في صمت زكرياء، هل كان على اختيار منه أم لا ؟ فالذين ذهبوا إلى أنه عن(١) اختيار منه اختلفوا في الآية هل هي محكمة أو منسوخة. فذهب قوم إلى أنها محكمة، ليس في شريعتنا(٢) ما نسخها، على القول بأن شريعة من قبلنا لازمة لنا أولا(٣). أما على(٤) القول بخلاف ذلك لا يحتاج إلى نظر(٥) فيها، هل هي محكمة أو منسوخة ؟ وتأولوا قوله عليه الصلاة والسلام(٦) : " لا صمت يوم إلى الليل (٧) " على أن معناها : لا يصمت أحد فلا يذكر الله تعالى يوما إلى الليل، وهذا محظور في كل شريعة. والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة، قالوا : نسخها قوله عليه الصلاة والسلام(٨) : " لا وصال في الصيام، ولا يتم بعد احتلام، ولا عتق قبل ملك، ولا طلاق قبل نكاح، ولا صمت يوم إلى الليل، ولا وفاء بنذر في معصية الله " (٩). قالوا : فنسخ إباحة الصمت وهذا النسخ، إنما يجوز على قول الكوفيين ومن تابعهم. والذين ذهبوا إلى أن صمته لم يكن اختيارا منه، وإنما منع الكلام فلم يقدر عليه، فلا شك أن الآية عندهم محكمة. وقد اختلف في السبب الذي لأجله منع الكلام زكرياء(١٠) عليه السلام(١١). فقال بعضهم : إنه قال : يا رب إن كان ذلك الكلام من قبلك والبشارة حقا فاجعل لي علامة أعرف بها صحة ذلك(١٢)، فعوقب على هذا الشك في أمر الله، بأن منع الكلام ثلاثة أيام مع الناس. وقيل : لم(١٣) يشك قط زكرياء وإنما سأل عن الجهة التي يكون بها الولد وتتم البشارة فلما(١٤) قيل له(١٥) :﴿كذلك الله(١٦) يفعل ما يشاء﴾ سأل علامة على وقت الحمل ليعرف متى يحمل بيحيى. واختلف هل كان منعه(١٧) الكلام بآفة نزلت به أم لا ؟ فقيل : ربا لسانه في فيه حتى ملأه ثم أطلقه الله بعد ثلاث(١٨). وقيل : أخذ الله تعالى(١٩) عليه لسانه فجعل لا يقدر على الكلام ؛ فهذان القولان لمن رأى ذلك لآفة. وقال قوم : لم تكن آفة، ولكنه منع محاورة الناس، فلم يقدر عليها، وكان يقدر على ذكر الله والرمز بالإشارة. وقد اختلف في من حلف أن لا يكلم إنسانا فأشار إليه بالسلام هل يحنث أم لا ؟ فقال ابن عبد الحكم(٢٠) لا يحنث. وقال مالك : يحنث واحتج به ابن حبيب في أن الإشارة بالسلام كلام ؛ لقوله تعالى لزكرياء عليه السلام(٢١) :﴿قال آياتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾، يريد ابن حبيب : أن الله تعالى(٢٢) جعل الرمز كلاما وهو الإشارة بعينها. وقال عيسى(٢٣) عن ابن القاسم : لا أرى الإشارة بالسلام كلاما، مثل قول ابن عبد الحكم. وقد اختلف فيمن حلف أن لا يكلم إنسانا فكتب إليه أو أرسل رسولا(٢٤)، فقرأ المحلوف عليه الكتاب أو أبلغه(٢٥) الرسول، على أقوال في المذهب فقيل : يحنث، وروي ذلك(٢٦) عن مالك. واحتج له بقوله تعالى :﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب﴾ (٢٧) [الشورى: ٥١]، أو يرسل رسولا. وهو بعيد(٢٨) لأن الصحيح في الاستثناء أنه منفصل. وقيل(٢٩) : لا يحنث وهو قول أشهب وابن عبد الحكم وابن شهاب(٣٠) وقيل : يحنث إلا أن ينوي المشافهة وهو(٣١) الذي رجع إليه مالك. وقيل : يحنث في الكتابة (٣٢) إلا أن ينوي المشافهة، ولا يحنث في الرسول، رواه أشهب عن مالك. واحتج أبو عبيد(٣٣) للقول بأنه لا يحنث(٣٤) بالكتاب(٣٥) ولا بالإشارة (٣٦) فقال : الكلام غير الخط والإشارة. وأصل هذا أن الله تعالى قال :﴿آياتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾، وقال في موضع آخر :﴿فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا﴾ [مريم: ١١]، والرمز والإشارة بالعين والحاجب، والوحي الخط والإشارة، ويقال : كتب إليهم وأشار إليهم وفي قصة مريم :﴿فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ [مريم: ٢٦]، ثم قال :﴿فأشارت إليه﴾ [مريم: ٢٩]، فصار الإيماء والخط خارجين(٣٧) عن معنى النطق. ١ في (ج) و(د): "من"؛ وفي (هـ): "على".. ٢ في (ب) و(هـ): "شرعنا".. ٣ في (ج) و(د): "أولى"، وهـي ساقطة في (هـ).. ٤ في (هـ): "فعلى".. ٥ في (هـ) "النظر".. ٦ في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ): "عليه السلام".. ٧ في (هـ): "الليل" والحديث أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الوصايا، باب "ما جاء متى ينقطع اليتم" باب٩، ص ٢٩٣ – ٢٩٤.. ٨ في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ): "عليه السلام".. ٩ صحيح البخاري، ج ٣، كتاب الصوم، باب الوصال، ص ٢٤٢ –٢٤٣، وكذلك صحيح مسلم، كتاب الصوم، باب النهـي عن الوصال، ص ٧٧٤ – ٧٧٥، باب الوصال، ص ٧٦٦ وأخرجه أيضا الترمذي في سننه كتاب الصوم، باب "ما جاء في كراهـية الصوم" ج ٣، ص ١٤٨، وأبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب في الطلاق قبل النكاح، ج ٢، ص ٦٤٠ – ٦٤٢، وابن ماجه في سننه، كتاب الطلاق، باب "لا طلاق قبل نكاح"، ج ١، ص ٦٦٠.. ١٠ في (هـ): الذي منع لأجله زكرياء الكلام.. ١١ قوله: "عليه السلام"، ساقط في (أ) و(ب) و(ج).. ١٢ في غير (هـ):"أعرف صحة ذلك بهـا"وفي (ب): "أعرف به صحة ذلك بهـا" وفي (ج) و(د): "اعرف بهـا صحة ذلك". ١٣ في (ج): "لهـم" والصواب ما أثبتناه.. ١٤ في (ج) و(د): "بلا".. ١٥ قوله: "له" ساقط في (ج).. ١٦ كلمة "كذلك الله" ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ١٧ في (د): "منع".. ١٨ في (ب) و(هـ): "بعد ثلاثة أيام".. ١٩ كلمة "تعالى" ساقطة في (هـ).. ٢٠ هـو أبو عبد الله محمد ابن عبد الحكم، سمع من أصحاب مالك، له عدة تآليف منهـا: "أحكام القرآن" و"الوثائق والشروط" و"الرد على الشافعي" وغيرهـا. توفي سنة ٢٦٨ هـ / ٨٨٢ م. انظر: ترتيب المدارك ج٤، ص ١٥٧ - ١٦٥. ٢١ كلمة "عليه السلام" ساقطة في (أ) و(ج) و(هـ).. ٢٢ في (أ) و(ب): "أنه تعالى".. ٢٣ هـو عيسى ابن إبراهـيم بن مثرود المصري يروي عن ابن القاسم وغيرهـ توفي ٢٦١ هـ. يراجع الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٦/٢٧٢) و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (١٢/٣٦٢).. ٢٤ كلمة "أو يرسل إليه رسولا" ساقطة في (هـ). ٢٥ في (أ) و(ب) و(ج) و(د): أو "بلغه" في (هـ): "وبلغه". ٢٦ "ذلك" سقطت في (ج).. ٢٧ "أو من وراء حجاب" ساقط في (ج). ٢٨ "وهـو بعيد" بياض في (د). ٢٩ في (ب) و(ج): "وقيل أنه".. ٣٠ هـو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهـاب، القرشي الزهـري، أحد الفقهـاء والمحدثين والأعلام التابعين بالمدينة، توفي سنة ١٢٤ هـ، على خلاف في ذلك، وقيل: مولده سنة ٥١ هـ. انظر: وفيات الأعيان، ج ١، ص٤٥١ - ٤٥٢.. ٣١ في (ج): "وهـذا". ٣٢ في (هـ): "بالكتابة".. ٣٣ هـو أبو عبيد القاسم ابن سلام البغدادي من أئمة القراء والفقه واللغة، له عدة تآليف منهـا: الناسخ والمنسوخ توفي سنة ٢٢٢ هـ / ٨٣٧، على خلاف في ذلك. انظر: تهـذيب التهـذيب، ج ٨، ص ٣١٥ – ٣١٨ وتذكرة الحفاظ، ج ٢، ص ٦٦٥، ونزهـة الألباء لابن الأنباري، ص ١٣٦ –١٤١، وتاريخ بغداد، ج ١٢، ص ٤٠٣ –٤١٦.. ٣٤ في (هـ):"بأنه يحنث".. ٣٥ في (د): "بالكتابة".. ٣٦ في (هـ): "بهـما".. ٣٧ في (أ) و(ب): "من"..

آل عمران 3:44

٤٤ - قوله تعالى :﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾ :|آل عمران : ٤٤| استدل جمهور العلماء بهذه الآية(١) على صحة الحكم بالقرعة وكان النبي صلى الله عليه وسلم(٢) إذا سافر أقرع بين نسائه(٣) وقال عليه الصلاة والسلام(٤) : " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا أن يستهمّوا عليه لاستهموا عليه(٥) ". وشذ قوم فلم(٦) يروها جملة(٧) وجعلوه قمارا وأجاز أبو حنيفة ومن تابعه القرعة في الرباع ولم يجزها(٨) في العبيد. ١ في (هـ) "بهـا".. ٢ في (ج) و(د): "عليه السلام".. ٣ صحيح البخاري، كتاب الهـبة باب، ١٥ ص ١٣٥، وكتاب الشهـادات، باب ١٥ ص ١٥٤، وكتاب الجهـاد والسير، باب ٦٤، ص ٢٢١ وكذلك صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب ١٣، ص ١٨٩٤، وسنن ابن ماجه، كتاب النكاح، باب ٤٧، ص ٦٢٤، وكتاب الأحكام، باب ٢٠، ص ٧٨٦ وسنن الدارمي، كتاب النكاح، باب ٢٦، ص ٥٤٠، ومسند ابن حنبل، ج ٦، ص ١١٤، ٢٥٩.. ٤ في (ج) و(د): "عليه السلام".. ٥ انظر صحيح البخاري: كتاب الآذان، باب ٩، بنفس اللفظ، وباب ٧٣ ؛ وصحيح مسلم: كتاب الصلاة، باب ٢٨ ؛ وسنن النسائي: كتاب المواقيت وكتاب الآذان ومسند الإمام أحمد ج ٢، ص ٣٠٣، ٥٣٣.. ٦ في (ب) و(هـ): "لم".. ٧ في (هـ): "حجة".. ٨ في (ب) و(د) و(ج): "لم يجزهـا"..

آل عمران 3:75

٧٥ - قوله تعالى :﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما﴾ : |آل عمران : ٧٥| أقام بعض الناس من هذه الآية(١) اتخاذ السجن والحبس فيه، لقوله تعالى :﴿ما دمت عليه قائما﴾ واستدل بعضهم(٢) به على جواز ملازمة الغريم الذي ثبت غرمه(٣). ١ في (هـ) "فيهـا".. ٢ "بعضهـم" ساقط في (ج) و(د) و(هـ).. ٣ في (ج) و(د) و(هـ): "عدمه"..

آل عمران 3:77

٧٧ قوله تعالى :(١) ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾. |آل عمران : ٧٧| اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية(٢)، فقال عكرمة : نزلت في أحبار اليهود أي رافع(٣) وكنانة ابن أبي الحقيق وكعب ابن الأشرف وحيي ابن الأخطب(٤) تركوا عهد الله في التوراة للمكاسب والرئاسة التي(٥) كانوا بسبيلها. وقيل : نزلت بسبب خصومة الأشعث ابن القيس مع رجل من اليهود في أرض فوجبت(٦) اليمين على اليهودي فقال الأشعث(٧) : إذا يحلف يا رسول الله، ويذهب بمالي(٨)، فنزلت. وقيل : إن(٩) الأشعث اختصم في أرض مع رجل من قرابته فوجبت اليمين على الأشعث، وكان في الحقيقة مبطلا قد غصب تلك(١٠) الأرض في جاهليته : فنزلت الآية فنكل الأشعث عن(١١) اليمين وتحرج وأعطى الأرض وزاد من عنده أرضا أخرى. وقيل : الآية نزلت بسبب خصومة غير الأشعث. وقال الشعبي(١٢) : نزلت الآية بسبب رجل أقام سلعة في السوق أول(١٣) النهار، فلما كان من آخره جاء رجل يساومه فحلف حانثا لقد منعها في(١٤) أول النهار من كذا كذا ولولا المساء ما باعها، فنزلت الآية. واختلف العلماء في من قال : " علي عهد الله "، فقال مالك وجماعة من حلف بذلك وحنث فعليه الكفارة سواء نوى اليمين أم لا. وقال عطاء : ليس ذلك(١٥) بيمين إلا أن ينوي اليمين، وهو قول الشافعي. وحكي عن أحمد(١٦) أنه ليس في العهد كفارة قال(١٧) : هي أعظم من أن يكون فيها كفارة. وحجة القول الأول قوله تعالى :﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم﴾ (١٨) الآية(١٩)، فخص عهد الله بالتقدمة على سائر الأيمان فدل على تأكيد الحلف به، ولذلك قال إبراهيم(٢٠) : كانوا ينهوننا عن الحلف بالعهد، وليس ذلك إلا لغلظ اليمين به وخشية التقصير في الوفاء به، وقال تعالى :﴿ومنهم من عاهد الله﴾ الآية [ التوبة ٧٥ ]، فذمهم على ترك الوفاء. وقال ابن القصار : مما احتج به قوله تعالى :﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ [النحل: ٩١]، فأمر(٢١) بالوفاء بعهده ثم عطف بقوله :﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾، ولم يتقدم غير ذكر العهد، فعلمنا(٢٢) أنه يمين مؤكد. واختلف في اليمين الغموس هل فيها كفارة(٢٣) ؟ وفي(٢٤) الآية حجة لقول الجمهور من العلماء(٢٥) في أن لا كفارة فيها لأنه تعالى ذكر(٢٦) في هذه اليمين المقصود بها الحنث والعصيان(٢٧) والعقوبة والإثم ولم يذكر فيها كفارة. فدل ذلك على أن ليس(٢٨) فيها كفارة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ(٢٩) مسلم لقي الله وهو عليه غضبان(٣٠) ". وقال(٣١) سعيد ابن المسيب : اليمين الفاجرة من الكبائر وتلا هذه الآية. ١ في (ج): "قوله عز وجل".. ٢ في (هـ):"نزولهـا".. ٣ في (د): "أبي رافع".. ٤ في (ج): "ابن الخطيب".. ٥ في (ب) و(د) و(هـ): "الذين".. ٦ في غير (أ): "فوجيب".. ٧ هـو الأشعث ابن قيس ابن معدي كرب الكندي، أبو محمد، أمير كندة في الجاهـلية والإسلام، روى له البخاري ومسلم تسعة أحاديث، ولد سنة ٢٣ ق. هـ، وتوفي سنة ٤٠ هـ. انظر: الأعلام، ج ١، ص ٣٣٣ – ٣٣٤.. ٨ في غير (أ) و(ب) و(هـ):"مالي"، والحديث رواه البخاري في صحيحه: كتاب الشهـادات وكتاب الخصومات، كما رواه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان.. ٩ كلمة "أن" سقطت في (هـ). ١٠ في (ج) و(د): "ملك".. ١١ في (هـ): "على". ١٢ هـو أبو عمرو عامر ابن شراحيل الشعبي، وهـو من حمير وعداده في هـمدان، وهـو كوفي تابعي، جليل القدر وافر العلم، ولد سنة ٢١ هـ، على خلاف في ذلك أيضا. وتوفي بالكوفة سنة ١٠٥ هـ، على خلاف في ذلك أيضا. انظر: وفيات الأعيان، ج ١، ص ٢٤٤ – ٢٤٥.. ١٣ في (ب): "وأول".. ١٤ قوله "في" ساقط في (هـ)، في غير (ب) و(د) و(ج): "من".. ١٥ في (و): "بذلك".. ١٦ هـو الإمام أبو عبد الله أحمد ابن محمد ابن حنبل ابن هـلال الشيباني، المروزي الأصل، ولد في بغداد سنة ١٦٤ هـ، كان إمام المحدثين وصنف كتابه المسند وجمع فيه من الحديث ما لم يتفق لغيره، وكان من أصحاب الإمام الشافعي وضرب وحبس لما دعي إلى القول بخلق القرآن، فلم يجب وأصر على الامتناع، توفي سنة ٢٤١ هـ ببغداد. انظر: وفيات الأعيان، ج ١، ص. ١٧.. ١٧ في (د): "وقال". ١٨ في (أ) سقوط كلمة و"إيمانهـم"، وفي (هـ): "وحجة القول الأول الآية".. ١٩ كلمة الآية.. ٢٠ هـو إبراهـيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي أحد فقهـاء العراق الأعلام، توفي سنة ٩٦ هـ. انظر طبقات ابن سعد ٦/ ٢٧٠ وتذكرة الحفاظ للذهـبي ١ / ٦٩.. ٢١ في (ب) و(د) و(هـ): "فأمروا".. ٢٢ في غير (هـ): "فأعلمنا". ٢٣ في (ج) و(د): "كفارة أم لا". ٢٤ في (ج) و(د): "ففي" ؛ وفي (هـ): "أم".. ٢٥ كلمة "من العلماء" ساقطة في (هـ).. ٢٦ كلمة "ذكر" ساقطة في (د).. ٢٧ كلمة"والعصيان" ساقطة في (و).. ٢٨ في (هـ): "أنه" وفي (و): "أنهـا".. ٢٩ كلمة "امرئ" ساقطة في (هـ).. ٣٠ صحيح البخاري في كتاب الشرب والمساقاة، وكتاب الخصومات، وفي كتاب الشهـادات في موضعين (أي باب ١٩، ٢٣)، وكذلك صحيح مسلم في كتاب الأيمان، وسنن الترمذي في كتاب البيوع، وسنن ابن ماجه في كتاب الأحكام، ومسند أحمد، ج١، ص ٣٧٧ – ٣٧٩.. ٣١ في (ج): وقد "قال"..

آل عمران 3:85

٨٥ - قوله(١) تعالى :﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. |آل عمران : ٨٥| اختلف الناس في الإيمان والإسلام هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين(٢) ؟ وليس في هذه(٣) الآية دليل على أحد القولين. ونبه (٤) تعالى(٥) بهذه الآية على أنه لا يقبل(٦) من آدمي دين غير دين الإسلام وهو دين كل من سمى من الأنبياء قبل هذه الآية. وهي الحنيفية السمحة، كذا(٧) قال جماعة من المفسرين. وقال عكرمة : لما نزلت هذه الآية، قال أهل الملل للنبي صلى الله عليه وسلم : قد أسلمنا قبلك ونحن المسلمون فقال الله تعالى له : " حجهم يا محمد "، وأنزل عليه :﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: ٩٦] /، فحج المسلمون وقعد الكفار. وذكر عن ابن عباس أنه قال : نزلت ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر﴾ (٨) إلى قوله :﴿ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٦٢]، ثم (٩) أنزل الله تعالى (١٠) بعدها :﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾ (١١) الآية [آل عمران: ٨٥]. وهذه إشارة إلى النسخ، قال بعضهم : إن قوله تعالى :﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا﴾ الآية(١٢) نزلت في الحارث ابن سويد وكان مسلما ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل لي(١٣) من توبة ؟ قال : فنزلت، فأرسل إليه قومه فأسلم. وقال السدي : نسخ الله تعالى بقوله :﴿إلا الذين تابوا﴾ [آل عمران: ٨٩]، قوله :﴿أولئك جزاءهم أن عليهم لعنة الله﴾ [آل عمران: ٨٧]، وهذا الذي ذكره لا يصح على حقيقة النسخ. وقال عكرمة : نزلت هذه الآية في أبي عامر الراهب والحارث ابن سويد وابن الأسلت(١٤) في اثني عشر رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش ثم كتبوا(١٥) إلى أهليهم : هل لنا(١٦) من توبة ؟ فنزلت الآية. وقال ابن عباس أيضا والحسن ابن أبي الحسن : نزلت في اليهود والنصارى شهدوا مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به، وقال بعضهم : نزلت في طعمة ابن أبيرق. وفي هذه الآية دليل على قبول توبة المرتد، خلافا لمن لم يقبلها. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة عند قوله :﴿ومن يرتدد منكم عن دينه﴾ (١٧) [البقرة: ٢١٧]. ١ في (د) "وقوله".. ٢ في (ج): "أو هـما بمعنيين" وفي (هـ):"لقبين".. ٣ في غير (أ) و (ب) سقوط كلمة "هـذه".. ٤ في (هـ):"ونبه الله".. ٥ كلمة"تعالى" ساقطة في (ج).. ٦ كلمة "لا يقبل"ساقطة في (ج).. ٧ في (ب) و(ج) و(د): "كما".. ٨ قوله: "من آمن بالله واليوم الآخر" ساقط في (هـ).. ٩ "ثم" ساقطة في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ) وجاء مكانهـا: "فأنزل".. ١٠ كلمة: "تعالى" سقطت في (ج) و(د) و(هـ).. ١١ قوله: "فلن يقبل منه" ساقط في (ب) و(ج) و(د).. ١٢ قوله: "الآية": ساقطة في (ب) وفي (د) زيادة: "فلن يقبل منه".. ١٣ كلمة "لي" ساقطة في (ب) و(ج) و(د).. ١٤ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "وجرج بني الأسلت".. ١٥ في (هـ): "فكتبوا".. ١٦ "لنا" ساقطة في (هـ).. ١٧ في (د) زيادة: "فيمت وهـو كافر الآية"..

آل عمران 3:89

وهذه إشارة إلى النسخ، قال بعضهم : إن قوله تعالى :﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا﴾ الآية(١٢) نزلت في الحارث ابن سويد وكان مسلما ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل لي(١٣) من توبة ؟ قال : فنزلت، فأرسل إليه قومه فأسلم. وقال السدي : نسخ الله تعالى بقوله :﴿إلا الذين تابوا﴾ [آل عمران: ٨٩]، قوله :﴿أولئك جزاءهم أن عليهم لعنة الله﴾ [آل عمران: ٨٧]، وهذا الذي ذكره لا يصح على حقيقة النسخ.

آل عمران 3:90

٩٠ قوله تعالى :﴿إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون﴾ :|آل عمران : ٩٠| اختلف المفسرون في الكفر المزداد ما هو ؟ فقال الحسن وغيره : الآية في اليهود، كفروا بعيسى عليه السلام(١) بعد الإيمان بموسى عليه السلام(٢) ثم ازدادوا كفرا بسيدنا(٣) محمد صلى الله عليه وسلم. وفي هذا القول ضعف : لأن الكافرين بعيسى بعد الإيمان بموسى ليسوا الكافرين بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وقال أبو العالية : الآية نزلت(٤) في اليهود كفروا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بصفاته وإقرارهم أنها في التوراة، ثم ازدادوا كفرا بالذنوب التي أصابوها في خلاف النبي صلى الله عليه وسلم بالسب(٥) والافتراء والسعي على الإسلام(٦) وغير ذلك. ويدخل في الآية على هذا القول المرتدون اللاحقون بقريش وغيرهم. وقال مجاهد : ازدادوا كفرا أي ثبتوا على كفرهم حتى بلغوا الموت به، فهذا قول عام ثم أخبر(٧) تعالى أن توبة هؤلاء غير مقبولة(٨) ؛ فإن قيل : وكيف(٩) يصح ذلك على قولكم : إن(١٠) توبة التوبة مقبولة، وقد قال تعالى : إنها غير مقبولة(١١) فكيف الانحلال عن هذه الأنشوطة(١٢) ؟ فالجواب أن العلماء قد اختلفوا في تأويل ذلك فقال الحسن وغيره : نفي(١٣) قبول توبتهم مختص بوقت الحشرجة والغرغرة والمعاينة. وقال أبو العالية(١٤) : المعنى لن تقبل توبتهم من تلك الذنوب التي أصابوها مع إقامتهم على الكفر بسيدنا(١٥) محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا يقولون في بعض الأحيان(١٦) نحن نتوب من هذه الأفعال وهم مقيمون على كفرهم، فأخبر الله تعالى أنه لن تقبل(١٧) تلك التوبة. وقال بعض المفسرين : إن الإشارة بالآية إلى قوم معيّنين ختم الله عليهم بالكفر، وجعل ذلك جزاء لجرمهم، وهم(١٨) الذين أشار إليهم بقوله تعالى(١٩) :﴿كيف يهدي الله قوما﴾ الآية [آل عمران: ٨٦]، فأخبر عنهم أنه(٢٠) لا يكون لهم توبة فيتصور قبولها فتجيء كقول علقمة : " علي لا حب لا يهتدي بمنارة " (٢١) أي ليس لهم ثم توبة فتقبل كما أنه(٢٢) ليس ثم(٢٣) منار فيهتدي(٢٤) به. وهذا(٢٥) قول ضعيف لا يخلص(٢٦) عند السبر ؛ لأن الآية التي بعدها تغني عن ذلك، وإن جعل الأولى خاصة والأخرى عامة فمن يسلم له هذا. هذا، ولعل ذلك بالعكس بل لعلهما عامتان وهو الأظهر عندي. ١ كلمة "عليه السلام" ساقطة في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ).. ٢ كلمة "عليه السلام" ساقطة في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ).. ٣ كلمة "بسيدنا" ساقطة في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٤ كلمة "نزلت" ساقطة في (هـ).. ٥ في غير (هـ) "في السب".. ٦ في غير (ب): "عن الإسلام".. ٧ في (ج) و(د): "الله".. ٨ في (ج) و(د): "هـؤلاء مقبولة".. ٩ في (ب) و(ج): "كيف" بسقوط "الواو".. ١٠ في غير (ب):"بأن".. ١١ قولـه: "وقد قال تعالى: إنهـا غير مقبولة" ساقط في (ب) و(ج).. ١٢ في (ب) و(ج): "الأشرطة"، "الأنشوطة" بياض في (د)، والأنشوطة: هـي العقدة التي يسهـل حلهـا.. ١٣ في (هـ): "إن نفي".. ١٤ في (هـ): "أبو المعالي".. ١٥ "بسيدنا" ساقطة في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ١٦ في غير (هـ): "الأخبار".. ١٧ في (ب) و(هـ): (تقبل) في (ج) و(د): "لا تقبل".. ١٨ قوله: "وقال بعض المفسرين... لجرهـم هـم" ساقطة كله في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ١٩ كلمة "تعالى" ساقط في (ب) و(هـ).. ٢٠ في (ب) و(ج) و(هـ): "أنهـم".. ٢١ انظر ديوان امرؤ القيس، ص ٩٢.. ٢٢ في (هـ): "أن".. ٢٣ "ثم" ساقطة في (هـ).. ٢٤ في (ب) و(هـ): "يهـتدي".. ٢٥ في (ج): "وهـو".. ٢٦ في (و) و(د): "لا يخلو"..

آل عمران 3:97

٩٧ قوله تعالى :﴿ومن دخله كان آمنا﴾ :|آل عمران : ٩٧| تضمنت هذه الآية أن(١) الأمن إنما يكون للداخل الذي يجني خارج الحرم(٢) ثم يلجأ إليه أما الجاني فيه خلاف(٣) ذلك فالأكثر(٤) على إقامة الحد عليه فيه(٥)، خلافا لمن منع ذلك من أهل العلم وحجة الجمهور ظاهر هذه الآية. وقد اختلف الناس أيضا فيمن أصاب حدا في غير الحرم من قتل أو زنا أو سرقة أو نحو ذلك(٦)، ثم لجأ إلى الحرم على حسب اختلافهم في تأويل (٧) هذه الآية، وهل هي محكمة أو منسوخة ؟ فقال قوم : بنص الآية أنه آمن لا يقام عليه حد ولا يخرج من الحرم لذلك(٨) حتى يخرج بنفسه(٩) لكنه لا يجالس ولا يبايع ولا يكلم حتى يخرج فيؤخذ بما يجب عليه، وإن أتى في الحرم حدا أقيم ذلك(١٠) عليه فيه. روي ذلك عن ابن عباس وهو قول عطاء وغيره. واحتج أهل هذا القول بظاهر قوله تعالى :﴿ومن دخله كان آمنا﴾ (١١)، قالوا : فجعل الله تعالى بيته آمنا(١٢) لمن دخله فداخله آمن من كل شيء وجب عليه قبل دخوله حتى يخرج عنه، ومن أتى فيه حدا فالواجب على السلطان أخذه ؛ لأنه ليس ممن دخله مستجيرا به(١٣) وإنما جعله الله تعالى آمنا لمن دخله من غيره(١٤)، وعلتهم في أنه لا يكلم حتى يخرج، أن يكون سببا لخروجه(١٥) وأخذ الحد. وقال قوم : لا يخرج من لجأ إلى الحرم حتى يخرج منه ولم يحظروا مبايعته ولا مجالسته، وروي ذلك عن ابن عمر قال : لو وجدت(١٦) قاتل عمر في الحرم ما هجرته(١٧) وحجتهم(١٨) قوله تعالى :﴿ومن دخله كان آمنا﴾. قالوا(١٩) : ومن كان خائفا من الاحتيال عليه فإنه(٢٠) غير آمن، فغير جائز إذايته بالامتناع من مكالمته وغير ذلك مما يضطره إلى الخروج. وقال أبو حنيفة : تقام فيه سائر الحدود الواقعة(٢١) في غير الحرم سوى القتل والرجم في الزنا(٢٢)، وهذا ضعيف ؛ فإن الأمن إذا اعتبر لم يتحقق مع إقامة سائر(٢٣) الحدود. وقال قوم : لا يجير الحرم ظالما ومن أتى فيه ما يوجب حده(٢٤) أو لجأ إليه ممن وجب عليه أقيم عليه الحد(٢٥) وحيث وجد منه ؛ لما جاء في الحديث(٢٦) الصحيح من أن الحرم لا يجير(٢٧) عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بجزية(٢٨)، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي رحمهما الله(٢٩). واحتج بعض أصحابنا بأن(٣٠) النبي صلى الله عليه وسلم قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة(٣١)، لم تعذه الكعبة، وهذا القول أولى بالصواب ؛ لأن الله تعالى أمر بإقامة الحدود ولم يخص بها مكانا دون مكان. ومما يشهد لذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الفواسق والمؤذية(٣٢) فيقوم الدليل من هذا أن كل(٣٣) فاسق استعاذ بالحرم أخذ بجريمته(٣٤). واختلف الذين ذهبوا إلى هذا القول في تأويل قوله :﴿كان آمنا﴾ (٣٥)، فقيل : كان ذلك(٣٦) في الجاهلية، ثم نسخ. وهذا قول ضعيف، وقيل : إن " من " هنا لمن لا يعقل، والآية في أمان الصيد، وهو قول شاذ. وقال يحيى ابن جعدة(٣٧) في معنى الآية : أي (٣٨) أن من دخل البيت(٣٩) كان آمنا من النار. واختلف الناس في قوله تعالى(٤٠) :﴿مقام إبراهيم﴾ أي مقام هو، فقيل : هو الحجر المعروف، وقيل : البيت كله، وقيل مكة كلها، وقيل : الحرم. والضمير في قوله : " ومن(٤١) دخله " يجوز أن يعود على المقام، ويجوز أن يعود على البيت(٤٢)، وهو قول الجمهور، وقالوا : إن المعنى يفهم منه أن من دخل الحرم فهو في الأمن، إذ الحرم حرم للبيت، إذ هو(٤٣) بسببه ولحرمته(٤٤). قوله تعالى :﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ : اختلف الناس في هذه الآية(٤٥) : هل هي من مجمل القرآن أو من عامة على قولين مشهورين : قول مالك وأكثر الفقهاء أنها عامة، والآية خبر في معنى الأمر. وقد أجمع العلماء على(٤٦) أن على الإنسان في عمره حجة واحدة إذا كان مستطيعا. واختلفوا في الاستطاعة : فزعم(٤٧) قوم أنه من قدر على الوصول(٤٨) إلى البيت راجلا أو راكبا مع السبيل الآمنة المسلوكة فهو مستطيع، وإلى هذا ذهب مالك في المشهور عنه وغيره. وزعم قوم : أن الاستطاعة الزاد والراحلة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي والثوري وغيرهم. وروي نحوه عن مالك، وحجة قول مالك المشهور عنه(٤٩) قوله تعالى :﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ وإذا(٥٠) كانت الحال التي ذكرنا فالاستطاعة موجودة وقوله تعالى :﴿يأتوك رجالا﴾ الآية [الحج: ٢٧]. ومن حجة أهل(٥١) القول الثاني ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : " السبيل : الزاد والراحلة " (٥٢)، وهذا الحديث أحد رواته(٥٣) ضعفه ابن معين(٥٤) وغيره، مع أن التأويل يدخله دخولا حسنا. واختلف في الحج مع لزوم الغرامة، فمنع(٥٥) من ذلك بعض أصحاب مالك جملة، ورأى / أن فرض الحج قد سقط بذلك. وذهب أكثرهم(٥٦) إلى أن الغرامة الكثيرة تسقط الفرض واليسيرة لا تسقطه، وهذا القول أظهر ؛ لأن الاستطاعة مع هذا موجودة إذا كان ما يغرمه لا يشق عليه وجوده، فهو ممن أوجب الله تعالى الحج عليه(٥٧) بقوله :﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ الآية(٥٨). واختلف(٥٩) قول مالك فيمن يخرج إلى الحج(٦٠) على أن يسأل جائيا(٦١) وذاهبا، وليست تلك عاداته في إقامته ؛ فروى عنه(٦٢) ابن وهب أنه قال : لا بأس بذلك. قيل له : فإن مات في الطريق ؟ قال : حسابه(٦٣) على الله. وروى عنه ابن القاسم أنه قال : لا أرى للذين لا يجدون ما ينفقون(٦٤) أن يخرجوا إلى الحج والغزو ويسألون، وإني لأكره ذلك لقول الله سبحانه وتعالى(٦٥) :﴿ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون(٦٦) حرج﴾ (٦٧). واختلف في الابن إذا بذل للأب الاستطاعة التي هي المال، هل يلزمه فرض الحج أم لا ؟ ففي المذهب أنه لا يلزم الفرض(٦٨) ؛ لأنه غير مستطيع بنفسه فلا يلزمه قبوله. وقال الشافعي : يلزمه قبول الاستطاعة لأنه صار بمنزلة الواجد، ودليلنا قوله تعالى :﴿لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧]، وقال :﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩]. واختلف فيمن مات ولم يحج هل يحج عنه من ماله أم لا ؟ فقال مالك : لا يحج عنه(٦٩) إلا ما يوصي به. وقال الشافعي : يلزم(٧٠) الحج عنه من رأس ماله، ودليل قولنا الآية المذكورة ومعناها أن يحجوا بأنفسهم وذلك ممتنع بعد الموت. واختلف أيضا في المعصوب الذي لا يتمسك(٧١) على الراحلة هل يلزمه أن(٧٢) يحج عنه غيره من ماله أم لا ؟ ففي المذهب أنه لا يلزمه، وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه مستطيع يلزمه أن يخرج غيره يؤدي(٧٣) غيره الحج. ودليلنا قوله تعالى(٧٤) :﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ فأخبر عن صفة التكليف، وهو أن يفعله بنفسه فانتقى بذلك وجوبه على خلاف هذه الصفة. واختلف في الأعمى، ففي المذهب أن الحج يلزمه إذا وجد من يهديه الطريق ؛ لأنه مستطيع إذا كان على تلك الحال. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يخرج غيره يحج عنه ودليلنا ما قدمناه في المسألة التي قبل هذه. واختلف في الطريق إذا كان على البحر هل يسقط ؟ وهذا عندنا إنما هو إذا كان البحر شديد الخوف والغالب فيه الغرر. وأما البحار المسلوكة التي يتصرف فيها التجار فلا تقع من وجوب الحج. والدليل على ذلك أن الاستطاعة هي القدرة إما بالدين أو بالمال(٧٥) وهذا قادر فهو إذن مستطيع. وقد قال تعالى :﴿من استطاع إليه سبيلا﴾. وذكر ابن شعبان(٧٦) لمالك قولا مثل الشافعي، واحتج بقوله تعالى :﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا﴾ [الحج: ٢٧] (٧٧). واختلف في حج النساء ماشيات مع القدرة على ذلك : فجمهور أهل(٧٨) المذهب أنهن والرجال في ذلك سواء، فعليهن أن يمشين. وروي عنه أنه لا حج عليها إذا كانت لا تحج إلا ماشية(٧٩)، قال : لأن المشي منها عورة إلا أن يكون المكان قريبا(٨٠) من مكة. والقول الأول أظهر، لعموم قوله تعالى :﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ لعموم الآية(٨١)، وهذه مستطيعة(٨٢)، وهي داخلة تحت لفظ الناس. واختلف في ذي المحرم هل هو من شرط الاستطاعة في(٨٣) المرأة أم لا ؟. ففي المذهب وغيره أنها تحج إن(٨٤) لم يكن لها محرم إذا وجدت رفقة(٨٥) مأمونة. وقال أبو حنيفة : المحرم من الاستطاعة، ودليلنا قوله تعالى :﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ فعم. واختلف هل للزوج أن يمنع المرأة(٨٦) من حج الفريضة أم لا ؟ فالجمهور على أنه ليس له منعها(٨٧). واضطرب قول الشافعي في ذلك، ومن حجة الجمهور أن الله تعالى(٨٨) قد فرض عليها(٨٩) الحج(٩٠) بقوله تعالى :﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ الآية وما هو فرض عليها فلن يسقطه الزوج. واختلف في العبد يحج هل يجزيه عن حج الفريضة إذا أعتق(٩١) فالجمهور على أنه لا يجزيه. وقال داود ابن علي : يجزيه، وحكى الرازي هذا عن الشافعي وهو منه غلط. وهذا مبني على أن الخطاب هل يدخل تحته العبد أم لا ؟ (٩٢) وفيه خلاف بين الأصوليين، فمنهم من لا يدخله فيه إلا بدليل وهو قول ضعيف، ومنهم من يدخله تحته حتى يخرج منه بدليل، وهذا أصح في النظر، وكذا(٩٣) اختلف في الصغير(٩٤) إذا حج أو حج به هل يجزيه عن حجة الفريضة أم لا ؟ فالجمهور على أنه لا يجزيه، وشذت فرقة فأجازت حجه تعلقا بحديث ابن عباس في المرأة التي قالت : " ألهذا حج يا رسول الله ؟ " قال : " " نعم ولك أجر(٩٥) وبظاهر الآية. وحجة الجمهور أن الخطاب قاصر عن(٩٦) الصبي والعبد لأن(٩٧) من شرط الخطاب الحرية والبلوغ فلا يتعلق بالعبد والصبي. وإن قلنا : إنهما داخلان تحت الخطاب فإنهما خارجان عنه بالدليل وقد روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أيما صبي حج ثم أدرك فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى " (٩٨) وهذا إذا صح أغنى عن تكلف كل معنى. واختلف في الحج : هل هو على الفور أم(٩٩) على التراخي ؟ على قولين : ولمالك(١٠٠) ما يدل على كلا القولين لكن الذي عليه رؤساء المذهب والمنصوص عن مالك أنه على الفور، لا يجوز تأخيره إلا من عذر، ومن حجة بعضهم في أنه على الفور أن الأوامر عندهم على الفور، قالوا : فكذلك الإيجاب المطلق، يعنون أن قوله تعالى :﴿ولله على الناس﴾ الآية إيجاب مطلق فهو على الفور كالأمر. قوله تعالى :﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ : اختلف في تأويله، فقال ابن عباس : أي من زعم أن الحج ليس بفرض ففسر الكفر بذلك، وقال قوم : المعنى من كفر بالله، وقيل : المعنى من كفر بهذه الآيات التي في البيت. وقيل : المعنى من كفر بأن من(١٠١) وجد ما يحج به ثم لم يحج، وهذا التأويل موافق لم ذهب إليه ابن حبيب وانفرد به دون سائر أهل العلم من أن الحج والصيام والزكاة مثل الصلاة من ترك فعل(١٠٢) شيء منها وإن كان مقر بفرضها فهو كافر وإنما قال جماعة من أهل العلم ذلك في ترك(١٠٣) الصلاة خاصة، فقالوا : لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب إلا بترك الصلاة خاصة(١٠٤). وأما مالك والشافعي(١٠٥) وجمهور أهل العلم فلا يرون التكفير بشيء من ذلك وإنما اختلفوا هل يقتل أو يؤدب بالضرب والسجن. ١ كلمة "أن" ساقطة في (ب) و(ج) و(د).. ٢ في (هـ):"الذي يجني من خارج الحرم".. ٣ في (د): "خلاف ذلك". ٤ في (ب): "الأكثر" ؛ وفي (هـ): "والأكثر".. ٥ "فيه" ساقط في (ب).. ٦ في (هـ): "أو غير ذلك".. ٧ كلمة "تأويل" ساقطة في (هـ).. ٨ في (ب) و(ج) و(د): "كذلك".. ٩ في غير (هـ) "بنفسه" ساقطة.. ١٠ سقوط كلمة "ذلك" في غير (هـ).. ١١ في (هـ): "لظاهـر الآية".. ١٢ في (هـ): "جعل الله بيته وبين آمنا".. ١٣ في (هـ): "مستجيرا به من غيره".. ١٤ قوله: "وإنما جعله الله تعالى أمنا لمن دخله من غيره) ساقط في (هـ).. ١٥ في (ب) و(ج): "إلى خروجه".. ١٦ في (ب): "ولو وجد".. ١٧ في غير (هـ): "هـجته".. ١٨ في (ب): "وحجته".. ١٩ "قالوا" ساقط في (هـ).. ٢٠ "فإنه" ساقط في (هـ).. ٢١ في غير (هـ): "المعلومة".. ٢٢ في (أ): "والزنى".. ٢٣ "سائر" ساقطة في (هـ).. ٢٤ في غير (ج): "حدا".. ٢٥ في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ): "أقيم الحد على كل واحد منهـم".. ٢٦ كلمة "الحديث" ساقطة في (هـ).. ٢٧ في (أ) و(ب) و(هـ): "لا يعيذ".. ٢٨ صحيح البخاري، كتاب الصيد، ج١، الباب الثامن، وج٥، باب ٥١ ؛ صحيح مسلم، باب ٧٢، ص ٩٨٨؛ وسنن الترمذي، ج ٣، كتاب الحج باب ١، ص ٧٤.. ٢٩ في غير (ب) و(هـ): سقوط كلمة "رحمهـما الله".. ٣٠ في (هـ): "أن".. ٣١ صحيح البخاري، في كتاب الصيد، باب ١٨، وكتاب الجهـاد، باب ١٦٩، وكتاب المغازي، باب ٤٨، وكذلك صحيح مسلم: كتاب الحج، باب ٨٥ ؛ وسنن الترمذي، كتاب الجهـاد، باب١٨، وسنن النسائي، كتاب ٥، الباب ١٨، سنن الدارمي: كتاب المناسك، الباب ٨، ومسند الإمام أحمد: ج٣، ص ١٦٤، ١٨٢، ٢٣١، ٢٣٣، ٢٤٠، وكذلك ج٤، ص ٤٢٣، ٤٢٤.. ٣٢ صحيح البخاري: كتاب الصيد، باب ٧، وكذلك صحيح مسلم، كتاب الحج، باب ٩.. ٣٣ في (ب) و(د) "على كل" وفي (ج): "على كل هـذا من كل" وفي (هـ): "على أن كل".. ٣٤ قولهـ (بالحرم أخذ بجريمتهـ) ساقطة في (ب) وأما في (ج) و(د) و(هـ) "بجريرته".. ٣٥ في (هـ): "في تأويل الآية" كلمة "تأويل" ساقطة في (ب).. ٣٦ في (ب): "فقيل ذلك كان".. ٣٧ كلمة "جعدة" ساقطة في (ب).. ٣٨ كلمة "أي" ساقطة في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٣٩ في (د): "للبيت".. ٤٠ كلمة "تعالى" ساقطة في (و).. ٤١ و"من" ساقطة في (ج) و(د).. ٤٢ في (ب) و(ج) و(د): "ويجوز للبيت" وفي (هـ): "يكون للبيت".. ٤٣ قوله: "وهـو قول الجمهـور... إذ هـو" ساقطة في (ج) و(د) و(هـ) ؛ وأما في (ب) فقوله: "وهـو قول الجمهـور... حرم البيت" ساقط. ٤٤ في (ب) و(هـ): "وسببه وحرمته".. ٤٥ في (هـ): "فيهـا".. ٤٦ "على" ساقطة في (ج).. ٤٧ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "فذهـب".. ٤٨ في (ج): "من قدر الوصول"؛ وفي (هـ) كلمة "الوصول" ساقطة.. ٤٩ في (ب) و(هـ): "رحمه الله".. ٥٠ في (هـ): "إن".. ٥١ "أهـل" ساقطة في (هـ).. ٥٢ انظر سنن الترمذي: كتاب الحج باب ٣، ٤.. ٥٣ في (ب): "رواياته": وفي (هـ): "رواية" ولعل في العبارة سقط تمامهـا "ضعف ابن معين".. ٥٤ في (ج): "ابن سفين".. ٥٥ في (ج) "يمنع".. ٥٦ في (ج): "عضهـم".. ٥٧ في (هـ): "فهـذا ممن أوجب اللهـ تعالى عليهـ الحج".. ٥٨ "الآية" سقطة في (ج) و(د) و(ب). . ٥٩ في (ب) و(ج) و(د) و(ه): "إلا أنه اختلف".. ٦٠ في (هـ): "إلى الحج ذاهبا أبيا".. ٦١ قوله: "على أن يسأل جائيا" ساقطة في (ب).. ٦٢ في (ب): "فروى عن ابن وهب"، وفي (هـ): "فروى عنه".. ٦٣ في (هـ): "فحسابه".. ٦٤ في (ج): "حرج".. ٦٥ في (هـ) "لقوله تعالى".. ٦٦ من قوله: "أن يخرجون للحج... ينفقون" ساقط في (ب).. ٦٧ ورد في (ج) و(د): "وروى عنه ابن القاسم أنه قال: لا أرى للذين لا يجدون ما ينفقون حرجا في الابن إذ أبذل للأب الاستطاعة التي هي أن يخرجوا إلى الحج والغزو ويسألون، وإني لأكره ذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجدون ما ينفقون".. ٦٨ قوله: "الغرض" ساقط في (هـ).. ٦٩ قوله"عنه" ساقط في (هـ).. ٧٠ في (د): "يلزمه".. ٧١ في (ب): "يتملك".. ٧٢ "أن" ساقطة في (ب) و(ج) و(د).. ٧٣ في (هـ) و(د): "يؤدي".. ٧٤ في (غير (ب) و(هـ): "قوله".. ٧٥ في غير (ب) و(هـ): "المال".. ٧٦ في (ج) و(د): "ابن سفيان".. ٧٧ في (ب) و(ج) و(هـ): "وأذن... يأتوك رجالا وعلى كل ضامر".. ٧٨ كلمة "أهل" ساقطة في غير (د).. ٧٩ في (هـ): "عليهن إذا كن لا يحججن إلا ماشيات".. ٨٠ في غير (هـ):"لقريب".. ٨١ قوله: "لعموم الآية" ساقط في غير (هـ).. ٨٢ قوله: "وهذه مستطيعة" ساقطة في غير (ج) و(د) و(هـ).. ٨٣ في (ج) و(د) و(هـ):"استطاعة المرأة".. ٨٤ في (ب) و(ج) و(د):"وإن".. ٨٥ في (ه):"صحبة".. ٨٦ في (ج) و(د): "الزوجة" قوله: "المرأة" ساقط في (هـ).. ٨٧ في (ج): "والجمهور على أنه ليس ذلك"وفي (هـ): "والجمهور أنه ليس له ذلك".. ٨٨ "تعالى" هذه الكلمة ساقطة في (هـ).. ٨٩ في (هـ): "علينا".. ٩٠ قوله: "إن الله تعالى قد فرض عليها الحج" ساقطة في (ج).. ٩١ "إذا أعتق" ساقط في غير (هـ).. ٩٢ "لا" ساقطة في (ب).. ٩٣ في (هـ): "وكذلك".. ٩٤ في (هـ):"الصبي".. ٩٥ والحديث في صحيح مسلم ٢/٩٧٤/١٣٣٦.. ٩٦ في (ج) و(د): "على".. ٩٧ في (ب): "لا".. ٩٨ الجامع الصحيح للترمذي: أبواب الحج، باب٩٢، ص٢٠٢، وقد نقل في ص٢٠٣، إجماع أهل العلم على عدم إجزاء حج الصبي قبل أن يدرك الإسلام إذا أدرك، وكذلك المملوك في رقه إذا أعتق ووجد إلى ذلك سبيلا أن هذا قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق.. ٩٩ في (أ) و(د): "أو".. ١٠٠ في (ب) و(د): "ولمالك رحمه الله".. ١٠١ في (و):"بأن وجدج".. ١٠٢ "فعل" ساقط في (هـ).. ١٠٣ "ترك" ساقط في (هـ).. ١٠٤ قوله: فقالوا: "لايكفر... الصلاة" ساقط في (هـ) وفي (ب) سقوط كلمة "خاصة".. ١٠٥ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "وأما مالك والشافعي وأبو حنيفة"..

آل عمران 3:102

١٠٢ - قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ :|آل عمران : ١٠٢| الخطاب بهذه الآية يعم جميع المؤمنين، والمقصود وقت نزولها الأوس والخزرج الذين شجر بينهم بسعاية شاس ابن قيس(١) ما شجر. واختلف العلماء في قوله تعالى :﴿حق تقاته﴾ فقالت(٢) فرقة : الآية على عموم لفظها وألزمت الآية تقوى الله غاية التقوى حتى لا يقع إخلال بشيء من الأشياء. ثم إن الله تعالى نسخ ذلك عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]، وبقوله تعالى :﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال كذلك قتادة والسدي والربيع ابن انس وابن زيد وغيرهم، وقالت(٣) جماعة من أهل العلم : لا نسخ في شيء من هذا، وعنى الآية ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ فيما استطعتم. ١ في (ب) و(ج) و(د): "شاس وقيس" وفي (هـ): "شماس بن قيس".. ٢ في (هـ): "قالت" بسقوط الفاء.. ٣ في (هـ): "قال"..

آل عمران 3:103

١٠٣ قوله تعالى :﴿واعتصموا بحبل الله جميعا﴾ :|آل عمران : ١٠٣| اختلف في حبل الله والمراد به(١) فقيل : عهده وقيل : القرآن. وقوله :﴿لا تفرقوا﴾ يحتمل(٢) أن يكون التفرق في أصول الدين ويحتمل أن يكون ذلك نهيا عن التقاطع والتدابر، ويدل عليه ما بعده من الآية. وليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع، فإن الاختلاف فيها سبب استخراج الغوامض ودقائق معنى الشرع وما زالت الصحابة مختلفين في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك يتواصلون. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك : " اختلاف أمتي رحمة " (٣). ١ في (أ) و(ب): "ما هو".. ٢ في (و): "محتمل".. ٣ هو حديث لا أصل له ومعناه باطل ضعفه ابن حزم والسبكي وغيرهما انظر الضعيفة للألباني رقم ٥٧..

آل عمران 3:104

١٠٤ - وقوله تعالى :﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف﴾ الآية :|آل عمران : ١٠٤| هذا يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض، لكنه(١) على الكفاية لقوله تعالى :﴿ولتكن منكم أمة﴾ الآية. وقد ورد الأمر بذلك في غير ما آية، ووردت أخبار كثيرة أوفاها ما ذكره(٢) أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه(٣) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من رأى منكم منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " (٤). وأما قوله تعالى(٥) :﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ (٦) [المائدة: ١٠٥]، فإنما يعني به(٧) من علم أنه لا يقبل الأمر ولا يقدر على منعه من الظلم، فحينئذ يقال للناهي عن المنكر : عليك نفسك، ولا يجعل هذا ناسخا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما(٨) إذا أمكن إزالة المنكر باللسان لم يتجاوز إلى العقوبة باليد، وإن انتهى بدون القتل لم يتجاوز إليه(٩) وإن لم ينته بما دونه جاز القتل. ويؤخذ هذا من قوله تعالى :﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: ٩]، وعليه يبني الشافعي(١٠) دفع الصائل على(١١) النفس والمال أنه جائز ولا شيء على الدوافع يدفع(١٢) عن نفسه وماله وعن نفس غيره أو ماله، وذلك مثل أن تصول بهيمة أو مجنون على مال رجل أو نفسه فيجوز عنده للموصول عليه(١٣)، ولغيره قتله ولا ضمان عليه، وهو(١٤) من قبيل النهي عن المنكر. وأبو حنيفة يخالف(١٥) في هذا الأصل ؛ لأنه يرى الفاعل ليس ظالما بفعله. ويجوز للإنسان أن يترك الصائل على ماله ولا يدفعه وفي تركه الدفع عن نفسه اختلاف(١٦). ومن هذا الباب أنه إذا كان في بلد الإسلام من يضل الناس بشبهة بدعة، فإنه تجب إزالته بما يمكن فإنه(١٧) نهي عن المنكر، فإن لم يكن(١٨) داعيا للناس إلى ضلالته أزيل ذلك(١٩) بإقامة الدليل على فساد شبهه(٢٠) وتبيين الحق له. وإن دعا الناس إلى شبهة وخرج مقاتلا على ذلك فهو الباغي الذي أمر الله تعالى بقتاله حتى يفيء إلى أمر الله. ١ قوله "فرض لكنه" ساقط في (هـ).. ٢ في (ب) و(ج):"ذكر".. ٣ قوله "رضي الله تعالى منه" ساقط في (أ) و(ب) و(هـ).. ٤ صحيح مسلم، ج١، كتاب الإيمان، باب ٦٢٠، سنن النسائي، ج٨، كتاب الأيمان، باب ١٧؛ مسند الإمام أحمد، ج ٣، ص ٢٠.. ٥ قوله "تعالى" ساقط في (أ).. ٦ قوله "إذا اهتديتم" ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٧ قوله "به" ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٨ قوله "أما" ساقط في غير (ب).. ٩ في غير (هـ): "إلى القتل".. ١٠ قوله: "الشافعي" ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ١١ في (ب) و(هـ): "عن".. ١٢ قول "يدفع" ساقط في (هـ).. ١٣ قوله "عليه" ساقط في (هـ).. ١٤ في (ب) و(هـ): "هذا".. ١٥ في (ج) و(د): "مخالف".. ١٦ في (هـ): "خلاف".. ١٧ في (و): "لأنه".. ١٨ قوله "يكن" ساقط في (ج).. ١٩ قوله "ذلك" ساقط في (هـ).. ٢٠ في (ب) و(ج) و(د): "شبهة"..

آل عمران 3:118

١١٨ قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ :|آل عمران : ١١٨| نهى الله تعالى بهذه الآية عن أن يتّخذوا من الكفار واليهود أخلاء يأنسون بهم في الباطن من أمرهم ويفاوضونهم في الآراء ويستندون إليهم. وقوله :﴿من دونكم﴾ : يعني من دون المؤمنين. وقال ابن عباس : كان رجال من المؤمنين يواصلون رجالا من اليهود(١)، للجوار والحلف الذي كان بينهم في الجاهلية فنزلت الآية في ذلك. وقال ابن عباس أيضا وقتادة والسدي والربيع : نزلت في المنافقين نهى الله المؤمنين عنهم. روى أنس ابن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تستضيؤوا بنار الكفار ولا تنقشوا في خواتمكم عربيا " (٢). فسره الحسن ابن أبي الحسن(٣)، فقال : أراد عليه الصلاة والسلام(٤) : لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم(٥)، ولا تنقشوا في خواتمكم محمدا(٦) ويؤخذ من هذه الآية أنه لا يجوز استكتاب أهل الذمة. وتصريفهم في البيع والشراء والاستنابة. وروي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذميا فكتب إليه عمر يعنفه وتلا عليه هذه الآية، وقيل لعمر : إن هاهنا رجالا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منهم ولا أخط بقلم أفلا يكتبون عنك ؟ فقال(٧) : إذا أتخذ بطانة من دون المؤمنين ؟. وقد اختلف في استغاثة المشركين(٨) وإعانتهم : فلم يجز ذلك مالك وأجازه أبو حنيفة والشافعي. ودليلنا عليهم قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ الآية، وقوله :﴿وما كنت متخذ المضلين عضدا﴾ [الكهف: ٥١]، وقوله في المنافقين :﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا﴾ [التوبة: ٤٧]، وقال عليه الصلاة والسلام(٩) : " لا أستعين بمشرك " (١٠). واختلف في الاستعانة بأهل الذمة وأهل الحرب إذا دخلوا بأمان على أهل البغي. فقال الشافعي : لا يجوز ذلك. وقال أصحاب الرأي : لا بأس بذلك(١١)، وحجة القول الآية. ١ في غير (ب) و(هـ):"يهود".. ٢ سنن النسائي: كتاب الزينة، باب ٥١ بلفظ: "وعلى خواتكم"، وسنن ابن ماجه كتاب اللباس، باب ٣٩.. ٣ في (هـ): "الحسن ابن أبي الحسن البصري".. ٤ في (أ) و(ب): "عليه السلام".. ٥ قوله "في شيء من أموركم" ساقط في غير (هـ).. ٦ في (ج) و(هـ): "محمد".. ٧ في (هـ): "قال".. ٨ في غير (أ) و(ب) و(هـ): "بالمشركين".. ٩ قوله: "وقال عليه الصلاة والسلام" ساقط في (ج) وفي (أ) و(ب) و(هـ): "عليه السلام".. ١٠ صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب ٥١، وكذلك سنن الترمذي: كتاب السير، الباب ١٠، وسنن أبي داود: كتاب الجهاد، الباب ١٥٣، ص ١٧٢.. ١١ في (هـ): "به"..

آل عمران 3:128

١٢٨ قوله تعالى :﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ :|آل عمران : ١٢٨| اختلف الناس في هذه الآية هل هي ناسخة أم لا ؟ (١) فزعم بعض الكوفيين أنها ناسخة للقنوت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم(٢) يفعله في الصبح. وذلك أنه كان يدعو على قوم ويلعنهم، فأنزل الله تعالى(٣) :﴿ليس لك من الأمر شيء﴾. وذهب أكثر العلماء إلا أن هذا ليس بناسخ، وإنما هو زيادة فائدة اقتدى النبي صلى الله عليه وسلم بها، ولو كان النسخ صحيحا لم يجز أن يلعن المنافقين، وهذا هو الصحيح أنها غير ناسخة لشيء، وإما نزلت على ما روي حين هزم وشج في وجهه حتى دخلت بعض حلق الدرع في خده وكسرت رباعيته وارتث بالحجارة حتى صرع لجنبه وتحيز صلى الله عليه وسلم عن الملحمة وجعل يمسح الدم على وجهه، ويقول : " لا يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم " (٤) فنزلت الآية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ما قيل(٥)، لما لحقه في تلك الحال من اليأس من فلاح قريش، فمالت نفسه إلى أن يستأصلهم ويريح منهم، فروي أنه دعا عليهم واستأذن في أن يدعو عليهم. وروى ابن عمر(٦) وغيره أنه دعا على أبي سفيان والحارث ابن هشام، وصفوان ابن أمية باللعنة إلى غير هذا من معناه فقيل له بسبب ذلك :﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ أي عواقب الأمور بيد(٧) الله تعالى(٨) فامض أنت لشأنك ودم على الدعاء إلى ربك. وقد اختلف في الدعاء على الكفار والمنافقين وفي غير ذلك من حوائج الدنيا والآخرة في الصلاة، فأجازه أكثر العلماء ولم يروا الآية ناسخة لشيء من الدعاء في الصلاة. ومنع الكوفيون أن يدعى في الصلاة إلا بما في القرآن فمن أجل ذلك جعلوا هذا ناسخا للقنوت. وروي عن ابن سيرين أنه قال : يجوز أن يدعى في المكتوبة بأمر الآخرة فأما بأمر الدنيا فلا، فقال له ابن عون : " أليس في القرآن :﴿وسألوا الله من فضله﴾ [النساء: ٣٢]. ١ في (ج) و(د): "ناسخة أو منسوخة".. ٢ في (هـ): "رسول الله".. ٣ قوله "تعالى" ساقط في (هـ). ٤ سنن ابن ماجة: كتاب الفتن، الجزء٢، الباب ٢٣، ص ١٣٣٦.. ٥ في (ج) "لما قيل" في (هـ): "ما فعل".. ٦ في (هـ): "أبو عمر".. ٧ في (ب) و(ج) و(د): "بأمر".. ٨ كلمة "تعالى" سقط في (ب) و(هـ)..

النساء 4:1

١ - قوله تعالى :﴿واتقوا(١) الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ : يدل على تأكيد(٢) الأمر بصلة الرحم والمنع من قطيعتها، والرحم اسم لكافة القرابة من غير فرق بين المحرم وغيره. [ وأبو حنيفة يعتبر ] في الرحم المحرم من منع الرجوع في الهبة(٣) فلا يجوز الرجوع في الهبة لهم(٤)، ويجوز الرجوع لغيرهم من الأقارب والأجنبيين مع أن القطيعة موجودة والقرابة حاصلة، ولذلك تعلق بحق بني الأعمام الميراث والولاية وغيرهما من الأحكام، واعتبار المحرم زيادة على ما في الكتاب من غير مستند. وهم يرون ذلك نسخا صحيحا. والشافعي يجوز في أحد أقواله الرجوع من حق الأبوين والأجداد دون غيرهم من الأقارب والأجانب. وأما مالك(٥) فلا يجيزه إلا من حق الأبوين. قوله تعالى :﴿وبث منهما رجالا كثيرا ونساء﴾ : اختلف في الخنثى هل يكون مشكلا أم لا ؟ فذهب بعضهم إلى أنه لا يكون مشكلا، وأنه لا بد إما أن يكون(٦) ذكرا أو أنثى. وأما أن (٧) يكون(٨) مشكلا حتى يقال فيه : ليس(٩) بذكر(١٠) ولا أنثى(١١)، فلا. وذهب أكثرهم إلى أنه يكون مشكلا، لا يكون(١٢) ذكرا(١٣) ولا أنثى، وعلى هذا الاختلاف ينبني اختلافهم في توريثه، وذلك إذا تكافأت(١٤) فيه دلائل الذكورة والأنوثة، وإن لم يتكافأ كان الحكم للدليل الغالب(١٥) وذلك أن بعضهم قال : يورث(١٦) نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى. وهذا القول(١٧) يأتي على القول بأنه(١٨) مشكل(١٩) وقيل : يعطى نصيب(٢٠) أنثى ثم يقسم له ما بقي(٢١) من حظ ذكر بينه وبين من ينازعه من الورثة على وجه التداعي، وقيل : يعطي الحظين، حظ الأنثى وحظ الذكر أيهما(٢٢) كان(٢٣) أقل له أخذه وهذه أقوال تنبني على القول بأنه لا يكون مشكلا. ١ في (هـ): "واسألوا" والصواب ما أثبتناه.. ٢ في غير (ج):"تأكيد"، وهذه الكلمة ساقطة في (هـ).. ٣ في (و): "... وغيره في الرحم المحرم من منع..."، وفي (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "... وأبو حنيفة يعتبر الرحم المحرم" والذي في (أ) هو ما أثبتناه طبقا لمذهب الحنفية راجع في ذلك أحكام القرآن للجصاص، ج ٢، ص ٣٣٧.. ٤ "لهم" هذه الكلمة ساقطة في (ج) و(هـ).. ٥ في (د) و(هـ): "مالك رحمه الله".. ٦ "أن يكون" هذه الكلمة ساقطة في (د).. ٧ (أن) ساقطة في (هـ).. ٨ في (هـ): "كونه".. ٩ "فيه ليس" هذه الكلمة ساقطة في (هـ).. ١٠ في (هـ): "أنه لا ذكر".. ١١ في (د): "بأنثى".. ١٢ "لا يكون" هذه الكلمة ساقطة في (هـ) وكتب فيها "ليس".. ١٣ في (هـ): "بذكر".. ١٤ في (هـ) "إذا تكافأت".. ١٥ جملة "وذلك إذا تكافأت فيه... للدليل الغالب" ساقطة في (د). ١٦ في (د) و(هـ): "يرث".. ١٧ "القول" كلمة ساقطة في (هـ).. ١٨ في (ج): "لأنه".. ١٩ في (ج): "بأنه مشكل وقيل: يورث توريث الأنثى خاصة"، وفي (د) "بأنه مشكل وقيل: يرث ميراث الأنثى خاصة"، وفي (هـ): "بأنه مشكل وقيل: يرث ميراث أنثى خاصة"، هذا الكلام الذي ورد في (ج) و(د) و(هـ) ساقط في (أ) و (و) باستثناء "بأنه مشكل".. ٢٠ في (ج) و(د) و(هـ): "نصف".. ٢١ في (د) و(هـ): "ثم يقسم ما بقي له".. ٢٢ في (د): "أنهما".. ٢٣ في (د): "كانا"..

النساء 4:2

٢ - قوله تعالى :﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ إلى قوله :﴿وإن خفتم﴾ الآية : روي عن الحسن أنه قال : لما نزلت هذه الآية كرهوا أن يخالطوهم فجعلوا يعزلون مال اليتيم من أموالهم فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل ما يدخل على الأيتام من فساد أموالهم، فأنزل الله تعالى :﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ [البقرة: ٢٢٠] الآية(١). فمعنى قوله :﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾، أي : آتوا اليتامى الذين لم يبلغوا أموالهم للأكل والشرب واللباس والسكنى، فالآية على هذا يحتمل أن تكون مبنية، ويحتمل أن يقال فيها أنها ناسخة. ويجوز أن يكون قوله تعالى :﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ يعني به البالغ وسماه يتيما لقرب عهده بالبلوغ، والظاهر منه(٢) أنهم يؤتون أموالهم بمعنى التسليط عليها، لا بمعنى الإطعام والكسوة ونهى الولي عن إمساك ماله بعد البلوغ عنه، ولذلك لم يشترط الرشد هنا واشترط إيناس(٣) الرشد والابتلاء في قوله : " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح " [النساء: ٦] الآية، فكان ذلك مطلقا وهذا مقيد. وذكر الرازي في أحكام القرآن أنه لما(٤) لم يقيد بالرشد في موضع وقيد في موضع وجب استعمالهما والجمع بينهما فأقول : إذا بلغ خمسا وعشرين سنة، وهو سفيه لم يؤنس منه الرشد وجب دفع المال إليه، وإن كان دون ذلك لم يجب عملا بالآيتين. وهذا في(٥) غاية البعد ؛ لأن اليتيم إنما يطلق عليه قبل البلوغ حقيقة وقرب العهد بالبلوغ مجازا، فأما أن يقال : أنه يتناول ابن خمس وعشرين سنة فصاعدا إلى مائة فهو جهل عظيم. والعجب أن(٦) أبا حنيفة إنما أطلقه من الحجر(٧) لأنه قد بلغ رشده وصار يصلح أن يكون جدا، فإذا صار يصلح أن يكون جدا فكيف يصح إعطاؤه المال بعلة اليتم أو باسم(٨) اليتيم، وهل ذلك إلا في غاية البعد. قوله تعالى :/ ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾ : قال مجاهد وأبو صالح : أي لا تبدلوا الحرام بالحلال. وقال ابن المسيب والزهري وغيرهما : لا تعطوهم زيوفا بجياد ولا مهزولا بسمين. وقوله تعالى :﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ : قيل معناه لا تخلطوا أموالهم إلى أموالكم لتأكلوا الجميع، يروى(٩) عن مجاهد وغيره. وقال الحسن : هي منسوخة بقوله(١٠) :﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وقد تقدم(١١). وقيل(١٢) : المعنى لا تربح على يتيمك في(١٣) شيء تهواه(١٤) عندك وهو جاهل به. و ﴿إلى﴾ على بابها. والمعنى : لا تضموها في الأكل إلى أموالكم، وقيل : هي بمعنى " مع ". ١ في غير (هـ) بدون "الآية". ٢ في (أ): "منهم".. ٣ في (د): "استئناس".. ٤ "لما" كلمة ساقطة في (ج) و(د) و(هـ)، والصواب ما أثبتناه.. ٥ حرف الجر "في" ساقط في (ج) و(د).. ٦ في (ج) و(د): "من"، وفي (هـ): "من أبي حنفية".. ٧ وفي نسخة "أطلق الحجر".. ٨ في (ب) و(د): "وباسم".. ٩ "يروي" كلمة ساقطة في (ج) و(هـ) وفي (د): "روى".. ١٠ في (د): "بقوله تعالى".. ١١ "وقد تقدم" ساقط في (هـ).. ١٢ في (هـ): "وقد قيل".. ١٣ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "على شيء".. ١٤ في (هـ): "هواه"..

النساء 4:3

٣ ٥ قوله تعالى :﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ إلى قوله :﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ الآية : اختلف في تأويل هذه الآية، فقال ابن عباس وابن جبير وغيرهما : المعنى : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء وقالت عائشة رضي الله عنها(١) هي اليتيمة تكون(٢) في حجر وليها تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها أدنى من سنة صداقها(٣) فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا فيهن فيكملوا الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قالت : ثم استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله تعالى :﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب﴾ [النساء: ١٢٧]، أي : والذي/ يتلى عليكم في الكتاب قوله تعالى(٤) :﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ الآية، قالت عائشة : قوله تعالى(٥) :﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ [النساء: ١٢٧]، رغبة أحدكم عن يتيمته التي في حجره حين تكون قليلة المال والجمال. وروي عن مجاهد أن المعنى، وإن تحرجتم من أكل أموال اليتامى فتحرجوا(٦) من الزنا وانكحوا النساء نكاحا طيبا. وفي تفسير عائشة رضي الله عنها(٧) الآية من الفقه ما قال به مالك في صداق المثل، والرد إليه فيما فسد صداقه أو وقع الغبن في مقداره لقولها : من سنة صداقها، فوجب أن يكون الصداق معروفا لكل طبقة من الناس على قدر أحوالهم. وإذا كان الله تعالى قد نهى عن نكاح اليتيمة حتى تبلغ صداق مثلها، فواجب أن لا يكون نكاح بقبضة تبن ولا بما لا(٨) خطر له، كما قال جماعة من العلماء منهم ابن وهب(٩). وفيه أن اليتيمة ذات الوصي لا يجوز أن يزوجها الوصي بأقل من صداق مثلها، وهذا مذهب مالك. خلاف مذهب ابن القاسم في أن ذلك جائز له على وجه النظر : إلا أنه شرط(١٠) رضاها، وفي ذلك نظر. واختلف في اليتيمة(١١) التي لها ولي وليس بوصي هل يجوز رضاها بأقل من صداقها أم لا ؟ على قولين منصوصين. والأظهر أن ليس لها ذلك لأنها يتيمة فهي على تفسير عائشة(١٢) داخلة تحت قوله تعالى :﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾. وفيه أن المرأة غير اليتيمة جائز أن تنكح بأدنى من صداق مثلها، لأنه إنما حرم(١٣) ذلك في اليتامى وأباحه(١٤) في غيرهن، كذات الأب لأبيها أن يزوجها بأقل من مهر مثلها، خلافا للشافعي في قوله : ليس لأبيها ذلك، وكالثيب التي لا حجر عليها، جائز لها أن ترضى بأقل من مهر(١٥) مثلها، وليس للولي في ذلك قول خلافا لأبي حنيفة في قوله : أن مهر المثل من الكفاءة. وفيه أن ولي(١٦) اليتيمة له أن ينكحها من نفسه إذا عدل في صداقها، وهو قول مالك وأبي حنيفة وغيرهما. وقال الشافعي وغيره : لا يجوز أن يزوجها هو من نفسه، وقد جاء عن مالك(١٧) الكراهية في(١٨) أن يزوج الرجل وليته من نفسه أو من ابنه. وقع ذلك في " الواضحة ". وفي الآية دليل على(١٩) أن الولي شرط في النكاح خلافا لمن يجيز النكاح بغير ولي جملة، دنية كانت المرأة أو شريفة، لأن الله تعالى خاطب(٢٠) بإنكاح اليتامى والأولياء، ولولا أن أمر نكاحهن إليهم(٢١) لما خاطبهم بذلك، ومثل هذا في الكتاب العزيز كثير، كقوله تعالى :﴿فلا تعضلوهن﴾ [ البقرة ٢٣٢ ]، وقوله(٢٢) :﴿وانكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢]، وقوله(٢٣) :﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقد تقدم. وأما تفرقة أهل الظاهر بين البكر والثيب في ذلك، وقولهم : إن كانت بكرا فلا بد من ولي، وإن كانت ثيبا فلا تحتاج إلى ولي(٢٤) فلا وجه له وهو خلاف ظاهر الآية، لأن الله تعالى لم يخص بالخطاب ولي الثيب دون ولي البكر. واحتج أبو حنيفة ومحمد ابن الحسن(٢٥) بهذه الآية(٢٦)، في أنه يجوز للولي أن يزوج من نفسه اليتيمة التي لم تبلغ. ورأيا أن المراد باليتامى في الآية اللائي هن على تلك الصفة، وهي التي لا أمر لها في صداقها، فأما(٢٧) من هي بالغ فلها الأمر في(٢٨) صداقها(٢٩) ولها أن تراضي وليها على(٣٠) ما شاءت ثم يتزوجها على ذلك فيكون لها حلالا، كما(٣١) قال تعالى :﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه﴾ (٣٢). وهذا لا يجوز عند مالك والشافعي(٣٣) وغيرهما(٣٤) ويفسخ هذا النكاح عند مالك قبل الدخول وبعده. ومن الحجة على(٣٥) أبي حنيفة ومن تابعه أنه قد يكون في اليتامى من تجوز حد البلوغ وهي بعد سفيهة، فلا يجوز بيعها ولا شيء من أفعالها، فأمر الله تعالى أولياءهن بالإسقاط لهن في صدقاتهن فليس هو أولى بالتأويل ممن عارضه، وتأويل الآية في اليتيمة البالغ السفيهة أو في جميع اليتامى. وقد اختلف في اليتيمة غير البالغ(٣٦) هل يجوز تزويجها قبل البلوغ بغير الأب أم لا ؟ فلم يجز ذلك مالك. ورأى أن عموم قوله تعالى :﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ مخصص باليتيمة(٣٧) البالغ، وأجازه في رواية أخرى عنه إذا كانت ذات حاجة، وأجازه غيره(٣٨) كيفما كانت، واحتج بعموم(٣٩) هذه الآية. فيترتب على هذا الخلاف في اليتامى : هل المراد بهن البوالغ خاصة أم لا ؟ ومن حجة من خصه بالبالغ أن عائشة(٤٠) قالت : ثم استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت :﴿ويستفتونك في النساء﴾، والصغار لا يسمين نساء، فإن قيل : اليتيم حقيقة في الصغيرة : وقد قال عليه الصلاة والسلام(٤١) " لا يتم بعد حلم " (٤٢) واسم النساء(٤٣) يتناول الصغيرة في قوله(٤٤) :﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ وقوله :﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ [النساء: ٢٢] (٤٥). فيقال في الجواب عنه : إن اسم النساء في قبيل الإناث كاسم الرجال في قبيل الذكور، واسم الرجال لا يتناول الصغير، واسم النساء والمرأة لا يتناول الصغيرة والصغائر(٤٦) والآيات(٤٧) التي وقع الاستشهاد بها يمكن أن يكون اللفظ لغير الصغيرة، ولكن يثبت مثل ذلك الحكم في الصغيرة بدليل الإجماع واليتم يطلق على البوالغ مجازا، بدليل أنه ذكر النساء ولا يمكن تعطيل لفظ النساء الذي هو حقيقة في البالغات، فإن قيل : فإن كان المراد بذلك البالغ(٤٨) فكيف يتجه قول من يجوز لها(٤٩) النكاح بأقل من مهر(٥٠) المثل(٥١) برضاها، فالجواب أن يكون معنى الآية(٥٢) أن يستضعفها الولي ويستولي على مالها وهي لا تقدر على مقاومته، وإذا ثبت أن المراد بالآية البالغ لم يكن في كتاب الله تعالى ما يدل على جواز تزويج الصغيرة، وقد صار(٥٣) ابن شبرمة إلى أن تزويج الآباء الصغار لا يجوز وهو مذهب ابن القاسم لا الأصم(٥٤)، لما في ذلك من تفويتها لغير تعجيل مصلحة. وقد استدل قوم على جواز تزويج(٥٥) الصغيرة بقوله تعالى :﴿واللائي لم يحضن﴾ [الطلاق: ٤] (٥٦)، فحكم(٥٧) بصحة طلاق الصغيرة، والطلاق لا يقع(٥٨) إلا بعد نكاح صحيح، إلا أن يقال : ليس في القرآن ذكر الطلاق وإنما فيه ذكر العدة، والعدة قد تتصور بالنكاح الفاسد أو على(٥٩) حكم الشبهة، أو في حق الأمة تزوجها(٦٠) مولاها، وهي صغيرة توطأ وللاعتماد(٦١) على ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تزوج عائشة رضي الله تعالى عنها(٦٢) وهي بنت ست سنين(٦٣). وقوله تعالى :﴿ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ : هذه الآية على ما قال الضحاك والحسن وغيرهما ناسخة لما كان في الجاهلية، وفي(٦٤) أول الإسلام من أنه(٦٥) كان(٦٦) للرجل(٦٧) أن(٦٨) يتزوج ما شاء من الحرائر(٦٩) فقصرتهم(٧٠) الآية على أربع، فلا يجوز الجمع بين أكثر من أربع لظاهر هذه الآية، وقد ذهب قوم لا يعبأ/ بخلافهم إلى أنه يجوز الجمع بين تسع. واحتجوا بأن معنى قوله تعالى :﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ يفيد الجمع بين العدد، بدليل أنه عليه الصلاة والسلام(٧١) مات عن تسع، ولنا فيه(٧٢) أسوة حسنة. وقال قوم أيضا لا يعد خلافهم : يجوز أي عدد كان قليلا أو كثيرا، وقالوا(٧٣) : إن معنى الآية أن ينكح اثنتين وثلاثا وأرباعا إلى ما كان من العدد، واستغنى بذكر بعض الأعداد عن استقصائها، وهذا كما تقول : قرأت : " أ، ب "... تريد جميع الحروف أبجد(٧٤)، ولكن تقتصر على بعضها، وهذا في كلام العرب كثير. وحجة أهل القول الأول أن أهل التفسير اتفقوا في تأويل هذه الآية على أنه أراد التخيير بين الأعداد الثلاثة لا الجمع. ووجهه أنه لو أراد الجمع بين تسع لم يعدل عن ذلك اللفظ المختصر غير الموهم، وهو تسع، إلى لفظ غير مختصر موهم وهو مثنى وثلاث ورباع(٧٥)، فلما كان ذلك علمنا أن المعنى مثنى مثنى، وثلاث ثلاث، ورباع رباع ؛ فإذن التخيير كقوله : " أولي أجنحة " (٧٦) مثنى وثلاث ورباع(٧٧). وأما احتجاجهم بالنبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا بذلك كما خص بأن ينكح بغير صداق وأن لا تنكح أزواجه من بعده(٧٨). وقد روي أن غيلان ابن سلمة أسلم عن عشرة نسوة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اختر منهن أربعا وفارق سائرهن " (٧٩). وأما قول من أجاز الجمع بين القليل والكثير، فقول ظاهر الفساد في العربية وترده الآثار، ولولا أن بعض أهل(٨٠) الخلاف ذكر هذين القولين لأعرضت عن ذكرهما، واختلفوا في العبد هل له أن يتزوج أربعا أم(٨١) ليس له أن/ يتزوج إلا اثنتين(٨٢)، فقال أهل الظاهر وجماعة معهم : إن للعبد(٨٣) أن يتزوج أربعا. وقال أبو حنيفة والشافعي : لا يتزوج إلا(٨٤) اثنتين. وعن مالك في ذلك روايتان(٨٥) ودليل إجازة ذلك قوله :﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ فعم(٨٦). واختلف هل للحر أن يتزوج أربع مملوكات إذا خشي العنة أم لا ؟ : فذهب مالك ومن تابعه إلى جوازه، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي : لا يتزوج إلا واحدة. وقال حماد(٨٧) لا يتزوج إلا اثنتين(٨٨) ودليل نكاح الأربع(٨٩) قوله تعالى :﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ فعم. وقوله تعالى :﴿فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]. قوله تعالى :﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ : المراد به العدل في القسم بينهن، كما قال :﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ الآية [النساء: ١٢٩]. والعدل في القسم بينهن والجور فيما يظهر لهن وهو الذي يملكه الإنسان. وأما الميل بالقلب فشيء لا يملك، فلا يتصور الأمر بالعدل فيه. ودل مضمون(٩٠) هذه الآية على أن لا عدد في ملك اليمين ولا وجوب في القسم والعدل بينهن، وظن قوم أن المراد به العطف(٩١) على قوله :﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء... أو ما(٩٢) ملكت أيمانكم﴾. وهذا يدل عند من(٩٣) قال : هذا على أنه يجوز التزوج(٩٤) بأربع من الإماء(٩٥) كما أجاز التزوج بأربع حرائر(٩٦)، وهذا فيه نظر، لأن العطف هل يرجع إلى أقرب مذكور أو يجوز رجوعه إلى أبعد مذكور، فيه(٩٧) نظر، وفيه أيضا دليل على أن النكاح ليس بواجب كما يقول أهل الظاهر وإنما هو في الجملة مرغب فيه. ووجه الدليل(٩٨) من الآية أن ملك اليمين ليس بواجب بالإجماع(٩٩)، وقد خير الله تعالى بين النكاح وبين ملك اليمين، ولا يصح التخيير بين الواجب(١٠٠) وما ليس بواجب ؛ لأن ذلك مخرج للواجب عن الوجوب. ومن الدليل أيضا على ذلك قوله تعالى :﴿والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [ المؤمنون ٥ ١ في (د): "عائشة" بدون ذكر رضي الله عنها.. ٢ في (ج): "التي يكون".. ٣ "فيعطيها أدنى من سنة صداقها" كلمة ساقطة في (د).. ٤ سقطت في (د) و(هـ) كلمة: "تعالى".. ٥ سقطت في (د) كلمة: "تعالى".. ٦ في (د): "فتحرزوا".. ٧ في غير (د) و(هـ) سقطت كلمة: "رضي الله عنها".. ٨ كلمة "لا" ساقطة في (ج).. ٩ هو أبو محمد عبد الله ابن وهب ابن مسلم الفهري، فقيه من الأئمة من أصحاب مالك، ولد سنة ١٢٥ هـ / ٧٤٩م وتوفي سنة ١٩٧هـ/ ٨١٣م انظر الأعلام، ج٤، ص٢٨٩، تهذيب التهذيب: ج٦، ص٧١ ـ ٧٤؛ الديباج: ص ١٣٢ – ١٣٣.. ١٠ في (هـ) "بشرط".. ١١ في غير (هـ): "في البكر" والأولى ما أثبتناه.. ١٢ في (د): "عائشة رضي الله عنها".. ١٣ في غير (د): "حرج".. ١٤ في (د): "أباحت".. ١٥ في (ج) و(د): سقطت كلمة "مهر".. ١٦ في (هـ): "لولي"، أما في (ج) (د) فقد سقطت كلمة "ولي".. ١٧ في غير (د) و(هـ): "مالك رحمه الله".. ١٨ في (هـ): "كراهية أن...".. ١٩ في (ج) و(د) سقطت كلمة "على".. ٢٠ في (د): "إنما خاطب".. ٢١ في (د): "إليهن".. ٢٢ في (د): "قوله تعالى".. ٢٣ في (د): "قوله تعالى".. ٢٤ في (هـ): "لا يحتاج إليه".. ٢٥ هو عبد الله محمد بن الحسن فرقد الشيباني بالولاء الفقيه الحنفي، كان مولده سنة ١٣٥ على خلاف في ذلك، ومات سنة ١٨٩ برنبوية من قرى الري. انظر ابن خلكان: ج١، ص٤٥٣ – ٤٥٤؛ تاريخ بغداد: جزء٢، ص ١٧٢ – ١٨٢؛ معجم المؤلفين: ج٩، ص٢٠٧، طبقات الحنفية ج٢، ص٤٢ – ٤٣؛ الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية لابن أبي الوفاء القرشي: ج٢، ص ٤٢ – ٤٣.. ٢٦ من قوله:"لأن الله تعالى لم يخص... إلى قوله: بهذه الآية" كله ساقط في (ب). ٢٧ في (ج): "فأمر من هي".. ٢٨ في (هـ): "فيه".. ٢٩ سقطت في (هـ) كلمة "الصداقية".. ٣٠ في (د) سقطت لفظة "على".. ٣١ سقطت في (د) كلمة: "كما".. ٣٢ قوله: "فكلوه" سقطت في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٣٣ سقطت في (د) كلمة "الشافعي".. ٣٤ في (د): و"غيره.. ٣٥ في (هـ): "عن أبي حنيفة".. ٣٦ "غير البالغ" سقطت في (هـ). ٣٧ في (ب): "فخصص اليتيمة"، وفي (د):"مخصص لليتيمة".. ٣٨ في (ج) و(د): "عنده" وفي (هـ) "عنه".. ٣٩ في (د): "لعموم".. ٤٠ في (د) و(هـ): "عائشة رضي الله عنها".. ٤١ في (هـ): "عليه السلام".. ٤٢ صحيح البخاري: كتاب الصوم، باب الوصال، ص٢٤٢ – ٢٤٣، وانظر أيضا صحيح مسلم: كتاب الصوم، باب النهي عن الوصال في الصوم، ص٧٧٣-٧٧٥ سنن ابن ماجه كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم، ص١٤٨، وسنن ابن أبي داود: كتاب الطلاق، باب في الطلاق قبل النكاح، ص ٦٤٠ – ٦٤٢.. ٤٣ "النساء" سقطت في (ب).. ٤٤ في (د): "قوله تعالى".. ٤٥ هذه الآية لم تذكر في (ب) و(ج) و(د).. ٤٦ في (هـ): "الصغار".. ٤٧ في (د): "الإناث"، والآيات ساقط في (هـ).. ٤٨ "مجاز بدليل أنه ذكر النساء ولا يمكن تعطيل لفظ النساء الذي هو حقيقة في البالغات فإن قيل: فإن كان المراد بذلك البالغ"، كل هذا ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ). ٤٩ في (هـ) كلمة "لها" ساقطة.. ٥٠ في (هـ): "مهرها".. ٥١ في (د): "مثلها" وفي (هـ) سقطت كلمة "المثل".. ٥٢ في (ب): "ومن الآية"، والصواب ما أثبتناه.. ٥٣ في (ج): "صار" بياض في (ب)، وسقطت في (ج)، وفي (هـ): "مال".. ٥٤ في غير (ب): "وهو مذهب الأصم" وجاء في أحكام القرآن للجصاص: "وقال ابن القاسم عن مالك في الرجل يزوج أخته وهي صغيرة لا يجوز" ج٢، ص٥١.. ٥٥ في غير (ب): "على تزويج".. ٥٦ والآية هي قوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾.. ٥٧ في (د): "و حكمه" وفي غير (هـ) و(د): "فحكمه".. ٥٨ في (ب): "لا يمنح".. ٥٩ في (أ): "وعلى حكم".. ٦٠ في (هـ): "تزويجها".. ٦١ في غير (ب) و(ج): "والاعتماد".. ٦٢ في (د) و(أ) بدون "رضي الله تعالى عنهما".. ٦٣ انظر سنن أبي داود: كتاب النكاح باب في تزويج الصغارص٢٣٩.. ٦٤ "في" ساقطة في (هـ).. ٦٥ في (هـ): "أن".. ٦٦ في (أ) و(ج) و(د): "من أن كان" في (ب): "من أن كون الرجل" وفي (هـ): "كان" ساقطة.. ٦٧ في (هـ): "الرجل".. ٦٨ في (هـ): "كام".. ٦٩ في (هـ): "من الحرائر ما شاء".. ٧٠ في (ج):"ففسرتهم" والصواب ما أثبتناه. ٧١ في (هـ): "عليه السلام".. ٧٢ سقطت "فيه" من (د).. ٧٣ في (د): "قال".. ٧٤ في (هـ): "الهجاء".. ٧٥ في (ج) سقطت كلمة "رباع".. ٧٦ من قوله: "فلما كان ذلك علمنا"... إلى قوله: "أولي حكمة" ساقط في (ب) و(د).. ٧٧ سقطت في (ب) و(ج): "مثنى وثلاث ورباع" والآية هي: ﴿الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾ [فاطر: ١].. ٧٨ في (ج): "من أزواجه".. ٧٩ انظر: سنن أبي داود: كتاب الطلاق، باب"من أسلم وعنده نساء أكثر من أربع أو أختان"، ص ٢٦٢.. ٨٠ سقطت كلمة "أهل" من (ب) و(ج).. ٨١ في (د): "لم لا".. ٨٢ "ليس له أن يتزوج إلا اثنتين" ساقطة في (د).. ٨٣ في (هـ): "أن له".. ٨٤ في (هـ): "أكثر" عوضا عن: "إلا".. ٨٥ في غير (هـ): "الروايتان".. ٨٦ "ودليل إجازة ذلك... رباع فعم" ساقط في (هـ).. ٨٧ في (ج): "وقال مالك" عوضا عن قوله: "قال حماد".. ٨٨ من قوله: "أبو حنيفة"... إلى قوله: "وقال حماد: لا يتزوج إلا اثنتين" كل ذلك ساقط في (ب).. ٨٩ في (ج) و(د): "ودليل إجازة نكاح الأربع"، وفي (هـ): "ودليل إجازة نكاح الأربعة".. ٩٠ في (ج): "مضمن".. ٩١ في (د): "العدل" والصواب ما أثبتناه.. ٩٢ في (ب) و(د): "وما".. ٩٣ في (ب) و(ج) و(د): "على من قال".. ٩٤ في (د): "التزويج"، والصواب ما أثبتناه.. ٩٥ في (د): "من الإيماء" والصواب ما أثبتناه.. ٩٦ في (د): "من الحرائر".. ٩٧ من قوله: "لأن العطف..." إلى قوله: "فيه نظر" ساقط في (د) و(هـ).. ٩٨ في (ب) و(د) و(هـ): "الدلائل".. ٩٩ في غير (د): "بإجماع".. ١٠٠ في (هـ): "بينهم واجب".

النساء 4:4

وقوله تعالى :﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ : قيل : النحلة العطية على غير وجه المثوبة، وقيل : معنى النحلة فريضة. وقيل : معناه دينا أي تعبدا. وقيل : سميت نحلة لأنه قد كان يجوز أن يعطين شيئا فنحلهن(١) الله تعالى(٢) ذلك. وقيل : لا تكون نحلة إلا فيما طابت به النفس لا فيما أكره عليه. وفي هذه الآية رد لقول(٣) من يرى الصداق عوضا من البضع، وهو قول كثير من الناس. / والله تعالى قد سماه نحلة، والنحلة ما لم يعتض عليه، فهو(٤) نحلة من الله تعالى فرضها للزوجات على أزواجهن لا عن عوض من الاستمتاع بها، لأن كل واحد منهما يستمتع بصاحبه، ولهذا المعنى يفتقر عقد النكاح إلى تسمية صداق. ولهذا استحب بعضهم أن يكتب في الصدقات(٥) عوض هذا ما أصدق، هذا ما نحل(٦) به فلان زوجه فلانة، ذكره ابن شعبان. وفي هذه(٧) الآية دليل على أن النكاح لا يكون إلا بصداق، وليس الصدقات(٨) التي أمر الله تعالى(٩) بنحلتها غير الأعيان الممتلكة. فأما ما لم يكن عينا ممتلكا، وإنما هو منفعة من المنافع التي لا تتملك كالإجارة على أن يحج بها أو نحوها(١٠) أو تعليم قرآن(١١) وشيء منه(١٢) خلافا للشافعي. وذكر اللخمي(١٣) في النكاح عن الإجارة أو على أن يحج عن المرأة ثلاثة أقوال : الكراهية عن مالك، والإجازة عن أصبغ(١٤)، والمنع عن ابن القاسم ؛ ثم قال : والقول بجواز جميع ذلك حسن ؛ لأن الإجارة والحج(١٥) كغيرهما من الأموال التي تتملك وتباع وتشترى، والصدقات في الآية على قوله : تجمع الأعيان والمنافع. وقيل(١٦) : سبب الآية أن الرجل كان يزوج الرجل أخته على أن يزوجه الآخر أخته ولا صداق لواحد منهما وهو الشغار، وهو عندي أدل دليل على أن النكاح لا يجوز بالمنافع. واختلف في المخاطبين بهذه الآية، فأكثر العلماء على أن المخاطب بها الأزواج(١٧). وقال بعضهم : هي للأولياء، لأن الولي كان يأخذ الصداق لنفسه. قوله تعالى(١٨) :﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا﴾ : لا خلاف في هذا(١٩) أن الخطاب للأزواج وقوله منه : يعني من الصداق أو المال دل عليه الكلام أو الآية(٢٠) قال أبو الحسن(٢١)................. هذه الآية تدل على(٢٢) أن للمرأة هبة الصداق لزوجها بكرا كانت أو ثيبا خلافا لمالك، فإنه منع من هبة البكر الصداق لزوجها وجعل ذلك للولي مع أن ذلك لها وذلك في غاية البعد. وقوله : " فكلوه " المراد منه(٢٣) الاستباحة بأي طريق كان. وعبر بالأكل عن أنواع التصرفات، فليس الأكل مراد عينه ؛ ونظائر هذا كثيرة من الكتاب والسنة. ١ في (ب): "فجعلهن".. ٢ سقطت في (هـ) كلمة "تعالى".. ٣ في (هـ): "رد لمن".. ٤ في (أ) و(ب) و(د) و(هـ): "فهي".. ٥ في غير (هـ): "في الصدقات".. ٦ في غير (هـ): "نحل".. ٧ في (ب) و(ج) و(هـ): "وفي الآية دليل".. ٨ في (هـ): "الصدقات".. ٩ سقطت في (هـ) كلمة: "تعالى".. ١٠ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "أو بخدمها".. ١١ في (هـ): "أو على تعليم قرآن".. ١٢ في (ب) و(د) و(هـ): "أو شيء منه خلاف".. ١٣ هو أبو الحسن علي بن محمد المعروف باللخمي، نزيل صفاقس، وله كتاب: "لتبصرة"، وهو تعليق كبير على المدونة، توفي سنة٤٧٠ هـ / ١١٠٥ م. انظر: الديباج، ص ٢٠٣.. ١٤ هو أبو عبد الله بن الفرج بن سعيد بن نافع، له كتاب الأول، وغريب الموطأ، توفي سنة ٢٢٥ هـ/ ٨٤٠م. انظر الديباج، ص ٩٧، مرآة الجنان لليافعي، ووفيات الأعيان: ج١، ص٢٤٠، طبقات الفقهاء: ص ١٥٣.. ١٥ في (ب) و(د): "والمتع" في (هـ): "والمنافع".. ١٦ في (د): "وقال: إن".. ١٧ في (أ) و(ب) و(د): "على أن المخاطبة بها للأزواج".. ١٨ في غير (د): "وقوله".. ١٩ في (د): "لا خلاف في أن الخطاب". ٢٠ في غير (ب) و(ج): "أو الإيتاء".. ٢١ هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري المعروف بالكيا الهراسي شيخ الشافعية في بغداد، تفقه بإمام الحرمين وبرع في المذهب وأصوله، قال الذهبي: تخرج به الأئمة، وكان أحد الفصحاء ومن ذوي الثروة والحشمة، وله تصانيف حسنة. ومنها: أحكام القرآن الذي هو عمدة المؤلف في كتابه هذا. توفي سنة ٥٠٤ هـ. يراجع: الكامل لابن الأثير (١٠/٤٨٤) ووفيات الأعيان(٣/٣٨٦/ ٣٩٠) والسير للذهبي (١٩/٣٥٠) وطبقات السبكي (٧/٢٣١- ٢٣٣).. ٢٢ في (ج) و(د): "وتدل أن المرأة".. ٢٣ في غير (ج) و(د): "به"..

النساء 4:5

٥ - قوله تعالى :﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي﴾ إلى قوله :﴿فليستعفف﴾ : قال ابن عباس وابن زيد : يعني بالسفهاء من ولدك. قال ابن جبر : السفهاء هنا النساء والصبيان، والمعنى : لا تطلقوهم على أموالكم فيفسدوها، فأما إعطاؤهم إياها مع صيانتهم لها فغير(١) مختلف فيه، وقال مجاهد : السفهاء النساء، وكان يجب على هذا أن يقال السفائه أو السفيهات، لأنه الأكثر في جمع فعيله. وقال أبو موسى الأشعري وغيره : السفهاء هاهنا كل من يستحق الحجر، وينشأ من هذه الأقوال النظر في قوله تعالى :﴿أموالكم﴾ هل المراد به المجاز أم(٢) الحقيقة ؟ فيحتمل أن يراد به(٣) المجاز، فيكون المراد بقوله :﴿أموالكم﴾ أموالهم(٤)، أي أموال(٥) السفهاء. ورجح بعضهم هذا التأويل وعليه يترتب أكثر أحكام السفهاء من أقوال العلماء، وإنما أضافها إلى المخاطبين على جهة الاتساع، لأنهم الناظرون لهم فيها فنسبت إليهم. وقيل : إنما أضافها إليهم كما قال :﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩]، يعني : بعضكم بعضا، وقال :﴿فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم﴾ [النور: ٦١]، يريد : من يكون فيها منكم، ويحتمل أن يقال : إنه على حقيقته والمراد النهي عن دفع الرجل ماله إلى الصبيان والنساء حتى يستنفدوه في أسرع مدة(٦). لكن الهبة لهم جائزة على أن لا يجعل(٧) في أيديهم، لكن ينصب قيم عليهم في الموهوب لهم، فمقتضى هذه(٨) الآية على هذا النهي عن تضييع الأموال. وقوله تعالى :﴿وارزقوهم فيها﴾ أي : منها. وقوله تعالى(٩) :﴿وقولوا لهم قولا معروفا﴾ : قيل(١٠) : قولوا لهم : إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم(١١). وقيل : المعنى ادعوا لهم بالصلاح، وقد اختلفوا (١٢) فيمن بلغ سفيها مبذرا لماله، فرأى مالك أن الحجر لا ينفك عنه(١٣)، وإن خضب بالحناء إلا أن يؤنس منه الرشد. وقال أبو حنيفة : إذا بلغ خمسا وعشرين سنة أسلم إليه ماله وإن كان مبذرا مضيعا، ولظاهر(١٤) قوله تعالى :﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ يرد ذلك(١٥). واختلفوا(١٦) أيضا هل يبتدأ الحجر(١٧) على الأكابر المبذرين لأموالهم في غير الطاعة أم لا ؟ فذهب مالك وأكثر العلماء إلى أنه يحجر عليه ولا يؤتي ماله. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يحجر على البالغ ابتداء، ووافقه ابن سيرين والنخعي وزفر(١٨) وظاهر الآية أيضا يرده لأنه سفيه، وقد قال :﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾، وإذا ترك له ماله فقد أتيه، فواجب أن يمنع منه ولا يؤتاه. واستدل عبد الوهاب على ذلك أيضا بقوله تعالى :﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾ [ البقرة ٢٨٢ ]، فأثبت الولاية(١٩) على السفيه، وذلك يفيد ثبوت الحجر عليه. ويختلف في الرجل يتصدق على المحجور(٢٠) عليه بمال و(٢١) يشترط في صدقته أن يترك في/ يده، ولا يضرب على يده فيها كما يفعل بسائر ماله، هل له ذلك(٢٢) ؟ فالمشهور أن ذلك له(٢٣) واعترض بعضهم هذا(٢٤) القول ومرضه، واحتج بقوله تعالى :﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ الآية. واختلف فيمن يخدع في البيوع هل يحجر عليه أم لا ؟ فقيل : لا يحجر(٢٥) لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمنقذ بن حبان أو حبان ابن منقذ : " إذا بايعت فقل : لا خلابة " (٢٦)، وكان قد اشتكى إليه أنه يخدع في البيوع. وقال ابن شعبان(٢٧) يضرب على يديه فمن يخدع في البيوع على هذا القول داخل تحت قوله تعالى :﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ الآية، ويعضد ذلك تأويل أبي موسى الأشعري في السفهاء. ١ كلمة "فغير" ساقطة في (ج).. ٢ في (ج) و(د) و(هـ): "أو".. ٣ في (أ): "أن يكون يراد به"، وفي (ج) و(د): "أن يريد به".. ٤ في (د): "وأموالهم".. ٥ "أي أموال" ساقط في (ب) و(د).. ٦ في (ب): "يستعبدوه في أقرب مدة"وفي (هـ) و(د): "في أقرب مدة".. ٧ في (و): "أن يجعل" والصواب ما أثبتناه.. ٨ "هذه" ساقطة في (د) و(هـ).. ٩ "وقوله تعالى" سقطت في (ب) و(د) وفي (ج): "قوله".. ١٠ في (هـ): "قيل معناه".. ١١ لعله "أمولكم".. ١٢ في (ج): "اختلفوا" في (د) و(هـ): "واختلف".. ١٣ في (د) و(هـ): "عليه".. ١٤ في (هـ) سقطت "ظاهر".. ١٥ في (هـ): "يرد عليه".. ١٦ في (هـ): "اختلف".. ١٧ "الحجر" سقطت في كل من (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ١٨ هو أبو هذيل زفر ابن الهذيل بن قيس بن سليم بن معد بن عدنان، من أصحاب أبي حنيفة ولد سنة ١١٠هـ / ٧٢٨م، وتوفي ١٥٨هـ / ٧٧٥م. انظر: الأعلام، ج ٣، ص ٧٨.. ١٩ في (ب) كلمة "الولاء" ساقطة وفي غير (ب) و(هـ): "الولاء".. ٢٠ في (هـ) "محجور".. ٢١ في (هـ): "أو".. ٢٢ في (د): "هل له ذلك أم لا؟".. ٢٣ في (د): "فالمشهور على أن له ذلك"، وهي ساقطة في (هـ).. ٢٤ "هذا" سقطت في (ب).. ٢٥ في (د): "لا يحجر عليه".. ٢٦ انظر: صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب ما يكره في الخداع من البيع، وكتاب الاستقراض باب ١٩، وكتاب الخصومات، باب٣، وانظر كذلك صحيح مسلم: كتاب البيوع، باب ١٢. وسنن أبي داود كتاب البيوع، باب ٦٨، انظر: فتح الباري، ج٤، ص ٣٧٣، وفي ابن حجر أن الرجل هو "حبان ابن منقذ" وليس منقذ بن حبان.. ٢٧ هو أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان بن محمد بن ربيع بن داود من كبار فقهاء المالكية بمصر له كتاب أحكام القرآن ومختصر ما ليس في المختصر، توفي سنة ٣٥٥ هـ، ، يوافق ٩٦٦م. انظر الديباج، ص ٢٤٨، حسن المحاضرة، ج ١، ص، ٣١٣ طبقات المفسرين، ج ٢، ص ٢٢٤ – ٢٢٥، وتبصرة المنتبه، ج٣، ص ١١٦٦..

النساء 4:6

٦ قوله تعالى :﴿وابتلوا اليتامى﴾ : قال مجاهد والحسن وغيرهما(١) أي اختبروهم في عقولهم وأديانهم وتمييز أحوالهم(٢). والمخاطبون بالابتلاء هم الأولياء الناظرون للأيتام. واختلف في الوصي من قبل الأب أو القاضي : هل لواحد منهما إطلاق من هو(٣) إلى نظره إذا علم حسن حاله دون إذن القاضي وشهادة الشهود بحسن حال المحجور أم لا ؟ ففي وصي القاضي ثلاثة أقوال : ذهب قوم(٤) إلى أنه لا يطلق إلا بإذن القاضي وإليه ذهب ابن زرب(٥). وذهب قوم إلى أنه لا يطلق بغير إذن القاضي إلا أن يكون المحجور عليه معروفا بالرشد فإذا(٦) عقد له بذلك عقدا ضمنه معرفة شهدائه لرشده. وقال(٧) قوم : إطلاق من إليه نظره جائز بغير إذن القاضي، وإن(٨) لم يعرف رشده إلا بقوله. وفي وصي الأب أيضا ثلاثة أقوال مثل ذلك فالأشهر منها(٩) أن إطلاقه جائز وهو مصدق فيما يذكر من حاله، وإن لم يعرف ذلك إلا من قوله. وقال عبد الوهاب(١٠) : لا ينفك الحجر بحكم أو بغيره إلا بحكم الحاكم وسواء في ذلك الصبي والبالغ والمفلس. والحجة لمن أجاز للموصيين الإطلاق دون إذن القاضي إذا علم حسن الحال، وإن لم يعرف ذلك غيرهم(١١) ظاهر الآية :﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾، فجعل الدفع لمن(١٢) إليه الابتلاء وهو الذي إليه النظر في أمر المحجور(١٣). قال بعضهم : والقول الآخر اليوم أحسن لفساد حال الناس، يريد أنه(١٤) لا يطلق إلا بإذن القاضي، ويجوز أن يكون معنى الآية على هذا إن أنس منهم حكامهم رشدا فحذف. واختلف في وقت الابتلاء : ففي كتاب محمد أنه بعد البلوغ يكون الابتلاء، وقال الأبهري وغيره من البغداديين : هو ما كان قبل البلوغ لا يحتاج إلى غيره، وهو أبين، لقول الله تعالى :﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ (١٥). فجعل الابتلاء قبل البلوغ(١٦). وقوله :﴿فإن آنستم منهم رشدا﴾ يريد الابتلاء(١٧) لا بغيره و " الفاء " في قوله(١٨) :﴿فإن آنستم﴾ للشرط لا للتعقيب، واختلف هل يبتلى بشيء(١٩) من ماله يدفع إليه ليختبر به أم لا ؟ فالظاهر(٢٠) من مذهب مالك المنع، قال : إذا فعل ذلك الولي(٢١) فلحقه دين لم يلحقه ذلك الدين في المال الذي بيده(٢٢)، ولا في الذي في يد وصيّه، وأجاز ذلك غيره، وقال : يلحقه الدين في المال(٢٣) الذي في يده(٢٤)، والظاهر من الآية إجازة ذلك ؛ لأن الله تعالى أمر بالابتلاء ولم يخص الابتلاء في المال من الابتلاء بغير المال(٢٥) ويعضد هذا القول تفسير مجاهد وغيره للآية. والرشد الذي ذكره الله تعالى في الآية هو حسن النظر في المال(٢٦)، وأن يضع الأمور مواضعها. واختلف هل من شرطه صلاح الدين أم لا ؟ : قال من اعتبره(٢٧) : الفاسق غير رشيد ولا مأمون لأن التبذير يتولد من غفلة الهوى. والهوى : منشأ الفسق، ولا يؤمن من الفاسق صرف المال في المحظور(٢٨) المنكر وذلك تبذير وإن قل، فإنه(٢٩) لا يكسب به محمدة(٣٠) في الدنيا والآخرة والكثير في الطاعات(٣١)، ليس بتبذير على ما علم من أقوال السلف رضي الله تعالى عنهم. وللمفسرين في تفسير الآية ألفاظ مختلفة : فقال الحسن وقتادة(٣٢) : الرشد الصلاح في العقل والدين. وقال ابن عباس والسدي والثوري (٣٣) : الصلاح في العقل وحفظ المال. وقال مجاهد العقل خاصة. واختلف في الصبي الذي نظر فيه وصي يبلغ، فالمشهور في المذهب المعمول أنه لا يجوز له فعل، وإن كان رشيدا ما لم يطلق من وثاق(٣٤) الحجر بخلاف حاله مع الأب، وهو الظاهر من الآية ؛ لأنه تعالى لم يأمر(٣٥) بدفع أموالهم إليهم إلا إذا أونس منهم الرشد. ومعنى :﴿آنستم﴾ عرفتم، فوكل الإيناس إلى الأولياء، ولولا أنه لا يخرج من الحجر إلا بإطلاقهم لم يكن لجعله الإيناس فائدة. وقيل : إن حال الصبي مع الوصي كحاله مع الأب، فإن علم رشده بعد البلوغ فأفعاله جائزة، وليس للوصي أن يرد شيئا منها، وإن لم يشهد(٣٦) على إطلاقه من الولاية، وإن علم سفهه فلا يخرج من الولاية، وإن جهل حاله فيختلف فيه كما يختلف في ذي الأب. وقوله تعالى :﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾ : وهو الحلم في الرجال بلا خلاف في ذلك، واختلف قول(٣٧) مالك في الإناث ما البلوغ فيهن ؟ فمن أشهر أقواله أنه(٣٨) أن يدخل بهن أزواجهن(٣٩)، وله في بعض كتبه أنه الحيض. قال فيه قوله تعالى :﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾، وقال : بلوغ النكاح الاحتلام والحيض، فساوى بين الذكور والإناث بأن يدفع إليها مالها إذا حاضت وأونس منها الرشد وإن لم تتزوج. وإذا عدم البلوغ فهل يعتبر الإنبات في الدلالة على البلوغ أم لا ؟ فيه قولان في المذهب، ويحتمل أن تتأول الآية على ذلك لأنه إذا(٤٠) صحت دلالته على بلوغ النكاح فقد بلغ النكاح، ولا خلاف أن السن دليل على بلوغ النكاح، إلا أنه اختلف في حده، فقيل : خمس عشرة سنة، وهو قول ابن وهب. وقيل : سبع عشرة سنة، وقيل : ثماني(٤١) عشرة سنة، والقولان أيضا في المذهب. قال عبد الوهاب : والصحيح أنه(٤٢) لا حد في ذلك واستدل بقوله تعالى :﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾ [النور: ٥٩]، وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن الوصي على المحجورة إنما له النظر فيما يتعلق بالمال لا بالبدن، فإنما النظر فيه للمحجورة(٤٣)، ليس للوصي فيه نظر خلافا لمن يقول أن للوصي النظر في ذلك كله، وقال المستدل بالآية : لأن الله تعالى خص الأموال بالذكر دون الأبدان(٤٤)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " البكر تستأمر في نفسها " (٤٥)، وإنما معناه(٤٦) : تستأمر في بدنها وإن كانت ذات الأب خارجة عن هذا الحديث بدليل آخر. وقوله تعالى :﴿ولا تأكلوها إسرافا وبدارا﴾، أي مبادرة(٤٧)، أي يكبروا(٤٨) فيأخذوها منكم. قوله تعالى :﴿ومن كان غنيا فليستعفف﴾ إلى قوله :﴿للرجال نصيب﴾ (٤٩) الآية : اتفق أهل العلم جميعا على تحريم أكل مال اليتيم ظلما وإسرافا وعلى أن ذلك من الكبائر لقوله تعالى :﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ [النساء: ١٠]، وقوله :﴿ولا تأكلوها إسرافا وبدارا﴾، فإذا لم(٥٠) يكن إسرافا وبدارا فإن ذلك يختلف بحسب حال الولي، فإن كان غنيا فقد اختلف فيه، فقيل : لا يأكل شيئا لقوله تعالى :﴿ومن كان غنيا فليستعفف﴾ فبعضهم يرى ذلك محظورا ويرى الأمر أمر وجوب. وبعضهم يراه مكروها ويرى الأمر أمر ندب، وقيل : مباح للغني أن يأكل منه بقدر قيامه عليه وخدمته فيه وانتفاع اليتيم به في حسن نظره إليه، فإن لم يكن له في ذلك خدمة ولا عمل سوى أن يفتقده(٥١) ويشرف عليه لم يكن له أن يأكل منه إلا ما لا ثمن له ولا قدر لقيمته، مثل اللبن(٥٢) في الموضع الذي لا ثمن(٥٣) له فيه(٥٤)، ومثل الفاكهة في ثمر حائطه ولا يركب دوابه فيكون الأمر على هذا أمر إباحة، وإن كان الولي فقيرا فقد اختلف فيه أيضا، والاختلاف في ذلك يأتي على حسب اختلافهم في قوله تعالى :﴿ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾، وذلك أنهم اختلفوا فيه : هل هو منسوخ أم محكم ؟ والذين ذهبوا إلى أنه منسوخ اختلفوا في ناسخه : فذهب قوم إلى أنه منسوخ بقوله تعالى :﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم﴾ [البقرة: ١٨٨]، وإلى نحو هذا ذهب أبو يوسف صاحب أبي حنيفة(٥٥)، وروي عن ابن عباس أنه قال : نسخها ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ [ النساء ١٠ ] الآية، كذا ذكر بعضهم عن ابن عباس(٥٦) وقال غيره عن ابن عباس : نسخ الله تعالى منها الظلم والاعتداء بقوله :﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ الآية(٥٧)، والذين ذهبوا إلى أنه محكم اختلفوا في تأويله(٥٨)، فروي عن يحيى ابن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرحمان(٥٩) أنها في اليتيم، إذا كان(٦٠) اليتيم فقيرا أنفق عليه بقدر فقره. وإن كان غنيا أنفق عليه بقدر غناه. وروي عن ابن عباس أن المعنى : فليأكل ولي اليتيم بالمعروف من مال نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، فعلى هذين التأويلين، وعلى قول بأن الآية منسوخة يأتي قول من لا يجيز لولي اليتيم أو(٦١) الأمين أن يأخذ شيئا من مال إلى نظره، وإن كان محتاجا وهذا قول مجاهد، وذكره(٦٢) جماعة عن أبي حنيفة. قال أبو الحسن : قد جوّز أبو حنيفة للوصي(٦٣) أن يعمل في مال الصبي مضاربة فيأخذ منه مقدار ربحه. وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يأكل ماله إذا عمل فيه فيأخذ أجر مثل، بل هو أولى، فإن أجر المثل معلوم من وضع الشرع ومقدار أجرة عمله مأخوذ(٦٤) من العادة، وأما الربح فهو على قدر الشرط، وأي قدر شرطه الوصي(٦٥) من الربح لنفسه فهو فيه متحكم. قال الحسن ابن صالح(٦٦) : إن كان أبوهم أوصى بهم إليه فله أن يستقرض من مالهم وإن كان الحاكم(٦٧) جعله وصيا لم يستقرض. وذهب قوم إلى أن الآية محكمة، وأنها تقتضي إباحة الأكل للفقير. واختلفوا في المباح من ذلك فقال بعضهم : يأكل على وجه القرض يرده إذا(٦٨) أيسر، وهو قول لعمر ابن الخطاب روي عنه، وقول(٦٩) جماعة من التابعين. ومعنى ﴿بالمعروف﴾ عندهم : قرضا، وقال أبو العالية : يأكل من الغلة، ومعنى قوله :﴿بالمعروف﴾ أي : من الغلة فأما من الناس(٧٠) فلا يأكل قرضا كان(٧١) أو غير قرض. وقول جماعة(٧٢) :﴿فليأكل بالمعروف﴾ (٧٣) يريد من نفس المال، أي قوته(٧٤) ما سد جوعه وستر عورته إذا احتاج إليه وليس عليه رده، وهو قول الحسن وقتادة والنخعي، وذكره بعضهم عن أبي حنيفة وأصحابه. وقال بعض القائلين بهذا القول : معنى قوله :﴿بالمعروف﴾ يأكل من مال يتيمه بأطراف أصابعه ولا يكتسي منه. وقال بعض أهل العراق : إذا سافر من أجل اليتيم فله أن يتقوّت شيئا من ماله في سفره، وتأوّل(٧٥) الآية عليه. وقيل : معناه : أن يأكل(٧٦) من جميع المال، وإن أتى على المال ولا قضاء عليه، وروي عن ابن عباس أنه قال لرجل(٧٧) سأله عن إبل يتيم في حجره : إن كنت تلتمس ضالتها وتهنأ جراباها(٧٨) وتلوط حوضها وتسقي عليه فاشرب من لبنها غير مضر بنسل(٧٩) ولا ناهك في الحلب، وعند المالكيين في معنى الآية أنه إذا كان وصي اليتيم(٨٠) أو الأمين (٨١) محتاجا جاز أن يأكل من مال اليتيم(٨٢) بقدر أجرة مثله. ويعضده ما تقدم من قول ابن عباس(٨٣) : إن كنت تلتمس ضالتها... الخ، قوله(٨٤) وقول عائشة(٨٥) : رخص الله تعالى(٨٦) لولي اليتيم أن يأكل بالمعروف ولأنه ناظر في مصلحة غيره أصله الإمام. وقد أجمعت الأمة أن الإمام لا يجب عليه غرم ما أكل منه بالمعروف(٨٧) ؛ لأن الله تعالى(٨٨) فرض سهمه في مال الله تعالى. وقوله تعالى :﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ : الأمر بالإشهاد أمر ندب عند أكثر العلماء، وبعضهم يراه أمر إيجاب. والمعنى : إذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا على الدفع أي لا تدفعوه(٨٩) إلا بشهود، وعن عمر(٩٠) وغيره أن المعنى : فأشهدوا(٩١) عليهم فيما استقرضتم منهم. واختلف إذا بلغ اليتيم فطلب الوصي بماله : ففي المذهب أنه(٩٢) إذا زعم الوصي أنه دفعه(٩٣) إليه لم يقبل منه إلا ببينة خلافا لأبي حنيفة في قوله : إن القول قوله مع يمينه ؛ لقوله تعالى :﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ فأمر الولي بالتوثق لنفسه والإشهاد(٩٤) عند تسليم الأمانة التي في يده ١ "وغيرهما" ساقط في (هـ).. ٢ في (أ) و(ب): "أموالهم" في (د): "وتثمير أموالهم".. ٣ "هو" ساقطة في (أ) و(ب) و(د) و(هـ).. ٤ "قوم" سقطت في (هـ). ٥ ابن زرب هو محمد بن بقي بن زرب أبو بكر، من كبار القضاة، ولي القضاء بقرطبة سنة٣٦٧. وصنف "الخصال" في فقه المالكية، وكان مولده سنة ٣١٩ هـ / ٩٣١م، وتوفي بقرطبة سنة ٣٨١هـ / ٩٩١م، انظر: الأعلام، ج٧، ص ٣٦٠.. ٦ في (د) و(هـ): "فإذا".. ٧ في (ب): "وقيل".. ٨ في (ج): سقطت (أن) وفي (د): "لو".. ٩ في (د): "علما".. ١٠ القاضي أبو محمد عبد الوهاب ابن علي الثعلبي البغدادي الفقيه المالكي، وهو من ذرية مالك بن طوق الثعلبي صاحب الرحبة، كان فقيها أدبيا شاعرا، ولد سنة ٣٦٢ هـ ببغداد وتوفي سنة ٤٢٢ هـ بمصر. له عدة تآليف، منها: الإشراف، وشرح المدونة، وسر الرسالة، والتلقين. انظر: وفيات الأعيان، ج١، ص ٣٠٤، ٣٠٥، وانظر أيضا: تاريخ بغداد للخطيب، وانظر: البداية والنهاية ج ١٢، ص ٣٢، المدارك: ج ٢، ص ١٥٩.. ١١ في (أ) و(ج) و(د) و(هـ): "غيرهما".. ١٢ في (ب) و(ج): "فيمن".. ١٣ في (ج) و(د): "في حال المحجور".. ١٤ في (ج) و(د): "أن".. ١٥ "حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم" كله سقط في (هـ). ١٦ في (هـ): "فجعل الابتلاء في حال اليتيم" عوضا "قبل البلوغ".. ١٧ في غير (أ) و(ب) و(د) و(هـ): "الابتلاء".. ١٨ في (هـ): "قوله تعالى".. ١٩ في (ب): "من شيء".. ٢٠ في (ب): "الظاهر".. ٢١ كلمة "الولي" ساقطة في (ب).. ٢٢ في (د): في" يده".. ٢٣ "في المال": ساقط في (ب).. ٢٤ قوله: (وأجاز ذلك غيره.... الذي في يديه) ساقط في (د). ٢٥ في (هـ): "بغيره".. ٢٦ في (ج): "ماله".. ٢٧ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "اعتبر".. ٢٨ في (ج) و(د): "إلى المحظور".. ٢٩ كلمة "فإنه" ساقطة في (د) وفي (هـ): "فلا".. ٣٠ في (د): "همدة".. ٣١ في (ب) و(ج) و (هـ): "من الطاعات".. ٣٢ هو قتادة بن دعامة بن عرنين بن عمرو ابن ربيعة الدسوسي البصري أحد علماء التابعين توفي سنة ١١٧هـ / م٧٣٥. انظر: طبقات المفسرين: ج٢، ص ٤٣ – ٤٤، وفيات الأعيان: ج ٤، ص ٨٥، هدية العارفين ج١، ص ٨٣٤.. ٣٣ هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب... بن معد بن عدنان الثوري الكوفي، كان إماما في علم الحديث وغيره من العلوم، وهو أحد أئمة المجتهدين، ولد سنة ٩٥ هـ على خلاف في ذلك، وتوفي بالبصرة سنة ١٦١ هـ، وهو بفتح الثاء المثلثة وبعدها واو ساكنة، انظر: وفيات الأعيان: ج ١، ص ٢١٠.. ٣٤. في (ب) و(ج): "ثقات"، وفي غير (هـ) و(ب) و(ج): "تقاف".. ٣٥ في (ج): "لأن الله تعالى يأمر".. ٣٦ في غير (د) و(هـ): "وإن لم يشهده".. ٣٧ كلمة "قول" ساقطة في (هـ).. ٣٨ كلمة "أنه" ساقطة في (د).. ٣٩ في (ب) و(د) و(هـ): "يدخل بأزواجهن".. ٤٠ في (د): "وإن".. ٤١ في (أ): "ثمانية": والصواب ما أثبتناه.. ٤٢ في غير (ه): "أن". . ٤٣ في (ج): "لأن ما يتعلق بالبدن فإنما النظر فيه للمحجورة" وفي (هـ) و(د): "ولأن ما يتعلق بالبدن فإنما النظر فيه للمحجورة".. ٤٤ كلمة "الأبدان" ساقطة في (ج).. ٤٥ انظر: صحيح البخاري: كتاب الإكراه، باب٣، ص٥٦، كتاب الحيل، باب ١١، ص ٦٢ –، ٦٣ وسنن أبي داود: كتاب النكاح، باب ٢٤، ص ٥٧٣ – ٥٧٤، وسنن الترمذي: كتاب النكاح، باب ١٨، ص ٤١٥ – ٤١٦.. ٤٦ في (هـ) معناه: "أنها".. ٤٧ كلمة "مبادرة" ساقطة في (ب) و(ج) و(د).. ٤٨ في (ب) و(ج) و(ه): "أن يكبروا". ٤٩ كلمة "إلى قوله للرجال نصيب"ساقطة في (ج) و(هـ).. ٥٠ في (ب) و(ج) و(د): "فما لم" وفي (هـ): "فأما ما لم".. ٥١ لعله: يتفقده.. ٥٢ في (هـ): "التبن".. ٥٣ في (د) ساقط: "لا ثمن" وأما في (هـ): "لا قدر".. ٥٤ سقطت في (هـ) "فيه".. ٥٥ هو أبو يوسف بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، من أهل الكوفة وهو صاحب أبي حنيفة رضي الله عنه وكان فقيها عالما حافظا، وهو أول من دعى قاضي القضاة ولد سنة ١١٣ هـ وتوفي سنة ١٨٢هـ ببغداد، وولي القضاء سنة١٦٦. انظر: وفيات الأعيان ج ٢، ص ٣٠٢ – ٣٠٧.. ٥٦ "كذا ذكر بعضهم عن ابن عباس" ساقط في (د).. ٥٧ "كذا ذكر بعضهم عن ابن عباس، وقال غيره: عن ابن عباس، نسخ الله تعالى منها الظلم والاعتداء بقوله: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ كله ساقط في (ب).. ٥٨ في (ب) و(ج) و(هـ) و(د): "أنها محكمة" اختلفوا في تأويلها.. ٥٩ في (د) و(هـ): "ربيعة ابن عبد الرحيم" هو أبو عثمان ابن عبد الرحمان فروخ المعروف بربيعة الرأي، فقيه أهل المدينة أدرك جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم توفي سنة ١٣٦هـ، بالهاشمية بأرض الأنبار. انظر: وفيات الأعيان، ج١، ص ١٨٣.. ٦٠ في (ج): "أي إن كان". ٦١ في (هـ): "ولا الآمين". ٦٢ في (أ): "وذكر الجماعة"، وفي (د): "وقد ذكر جماعة"، وفي (د): "وقد ذكره". ٦٣ في (ب): "للموصي".. ٦٤ "مأخوذ" ساقط في (هـ). ٦٥ "الوصي" ساقط في (ب) و (د).. ٦٦ هو أبو عبد الله الحسن بن صالح بن يحيى الهمداني الكوفي، فقيه ومحدث توفي سنة ١٥٤هـ / ٧٧١م، وقيل سنة ١٦٧هـ / ٧٨٤م. انظر: تذكرة الحفاظ: ج١، ص ١٩٥ – ١٩٦، وطبقة الفقهاء: ص ٨٥.. ٦٧ في (ج):"الحكم".. ٦٨ "إذا" ساقطة في (ب).. ٦٩ في (ج) و(د): "وقال جماعة من التابعين".. ٧٠ في (د): "فأما من رأس المال" وأما في (هـ): "فأما من الغلة فلا يأكل".. ٧١ "كان" ساقط في (د).. ٧٢ في (د):"معنى فليأكل".. ٧٣ "بالمعروف"ساقط في (ج).. ٧٤ في (د): "من قوته".. ٧٥ في (ب) و(ج) و(د): "تأويل".. ٧٦ في (ب): "إلا أن يأكل".. ٧٧ في (د) و(هـ): "عن رجل".. ٧٨ في (ب) و(ج) و(د): "جريانها" وفي (هـ): "جريانها".. ٧٩ في (د): "سنبل" وفي (هـ): "بنسلها".. ٨٠ في (هـ) في معنى الآية:"أن وصي اليتيم إذا كان".. ٨١ كلمة "أو الأمين" ساقطة في (هـ).. ٨٢ كلمة "من مال اليتيم" ساقطة في (ب).. ٨٣ في (ج) و(د): "ما تقدم عن ابن عباس".. ٨٤ كلمة "ثولة" ساقطة في (د). ٨٥ في (د) و(هـ): "عائشة رضي الله عنها".. ٨٦ "تعالى" كلمة سقطت في (د) وكذلك: "الله تعالى" في (هـ).. ٨٧ قوله: "ولأنه ناظر في مصلحة غيره أصله الإمام، وقد أجمعت الأمة أن الإمام لا يجب عليه غرم ما أكل منه بالمعروف" كله ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٨٨ "تعالى" كلمة سقطت في (د).. ٨٩ في (هـ):"لا تدفعوا".. ٩٠ في (هـ): "عمر رضي الله عنه".. ٩١ من قوله: "على الدفع أي لا تدفعوه إلا بشهود..."إلى قوله: "فاشهدوا" ساقط في (ب) و(هـ) و(د).. ٩٢ في (هـ):"إن الوصي إذا عم أنه".. ٩٣ في (د): "قد دفعه".. ٩٤ في (هـ): "بالإشهاد"..

النساء 4:7

٧- قوله تعالى :﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ (١) إلى قوله :﴿وإذا حضر القسمة﴾ (٢) الآية : قال ابن جريج(٣) وقتادة وغيرهما : سبب نزولها أنهم كانوا في الجاهلية يورثون الذكور دون(٤) الإناث، فالآية ناسخة لما كانوا عليه في الجاهلية، وقولهم : ناسخة ليس على حقيقة النسخ. وهذه الآية مجملة في بيان القدر الذي للرجال والنساء غير أنه قد(٥) يحتج بعمومها من يورث ذوي الأرحام، ومن يرى الحجب في بعض الأحوال مثل حجب الإخوة بالجد(٦) عند قوم، وهذا في الاحتجاج به مثل قوله تعالى :﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقوله تعالى :﴿مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾، يعني : مما قل من المتروك. واختلف في الأخوات هل يكن عاصبات مع البنات أم لا ؟ فذهب الأكثر إلى أنهن عصبة معهن فيرثن. وقال ابن عباس : لا يرثن أصلا مع البنات، وهو قول داود. ودليل الأكثر قوله تعالى :﴿وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ فعم. واختلف في النساء هل يرثن من(٧) الولاء شيئا أم لا ؟ فذهب الجمهور إلى أنهن لا ولاء لهن إلا ولاء من أعتقن أو عتق من أعتقن(٨) أو ولد من أعتقن(٩) خاصة، ولا يرثن من الولاء شيئا عن غيرهم في من يعتقن. وذهب طاووس(١٠) ومسروق(١١) إلى أنهن يرثن من الولاء كما يرثن(١٢) من المال، واحتج بقوله تعالى :﴿وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾، وهذا شذوذ، واختلف في قسمة الدار الواحدة/، والأرض بين النفر ونحو ذلك مما إذا قسم كان في قسمته عدم منفعة به أو ضرر، فقال مالك : إنه يقسم بينهم إذا دعا إلى ذلك أحدهم وإن لم يصر في نصيب كل واحد منهم إلا قدر قدم وما لا منفعة له فيه، ولم يتابعه على ذلك أحد(١٣) من أصحابه إلا ابن كنانة. وقال ابن الماجشون : لا يقسم إلا أن يصير في حظ كل واحد منهم ما ينتفع به في وجه من وجوه المنافع، وإن قل نصيب أحدهم حتى كان لا يصير له بالقسمة إلا ما لا منفعة له فيه(١٤) بوجه(١٥) من الوجوه فلا قسم. وقال ابن القاسم : لا يقسم إلا أن ينقسم من غير ضرر ويصير(١٦) لكل واحد منهم في حظه موضع ينفرد به وينتفع بسكناه. وقال مطرف(١٧) : إن لم يصر في حظ أحدهم ما ينتفع به لم يقسم، وإن صار في حظ واحد منهم ما ينتفع به دعا إلى ذلك صاحب النصيب القليل الذي لا يصير له فيه ما ينتفع به أو صاحب النصيب الكثير. وقد قيل : إنها لا تقسم إلا أن يدعو إلى ذلك صاحب النصيب الكثير، وحجة مالك(١٨) فيما ذكره الرواة عنه قوله تعالى :﴿مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾ فتأول الآية على ذلك وهو قول أبي حنيفة، وحجة ابن القاسم أيضا(١٩) فيما(٢٠) ذكره الرواة عنه أيضا(٢١) هو قوله عليه الصلاة والسلام(٢٢) : " لا ضرر ولا ضرار " (٢٣) وقال ابن القاسم : وجميع من خالف في ذلك مالكا إنما معنى الآية أن لهم حقهم فيه ثم(٢٤) قسمته على السنة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ضرر ولا ضرار " ومن أعظم الضرر أن يقسم بينهم مالا ينتفعون به ولكن يباع فيقتسمون ثمنه. ١ "مما ترك الوالدان الأقربون" ساقط في (ج).. ٢ إلى قوله: ﴿إذا حضر القسمة﴾ ساقطة في (هـ).. ٣ في (د):"ابن جريج"، وهو أبو خالد وأبو عبد الملك ابن عبد العزيز ابن جريج القرشي، توفي سنة ١٤٩ هـ، وقيل: سنة ١٥٠هـ / ٧٦٧ م، وقيل منه: ١٥١ هـ / ٧٦٨م، انظر: طبقات المفسرين: ج١، تذكرة الحفاظ: ج ٢، ص ١٦٩ – ١٧١، طبقات الفقهاء: ص ٧١، وفيات الأعيان: ج١، ص ٢٨٦.. ٤ "دون" ساقط في (ج).. ٥ "قد" ساقط في (ب) و(د).. ٦ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "حجب الإخوة الجد".. ٧ في (ج): "مع".. ٨ في (ب) و(هـ): "أو أعتق من أعتقن".. ٩ "أو عتق من أعتقن أو وولد من أعتقن" ساقط في (ج).. ١٠ هو أبو عبد الرحمان طاووس ابن كيسان الخولاني الهمذاني اليماني من أبناء الفرس، أحد أعلام التابعين، توفي حاجا بمكة قبل التروية بيوم وصلى عليه هشام ابن عبد الملك، وذلك سنة ١٠٦ هـ، وقيل: سنة ١٠٤ هـ رضي الله عنه. انظر: وفيات الأعيان ج ١، ص ٢٣٣. ١١ هو أبو عائشة مسروق ابن الأجدع ابن مالك ابن أمية ابن عبد الله ابن مر ابن سلمان الهمذاني الكوفي عالم وفقيه، توفي سنة ٦٢هـ /٦٨٢ م، وقيل سنة ٦٣ هـ / ٦٨٣م، انظر: تهذيب التهذيب ج ١٠، ص ١٠٩ – ١١١، وتذكرة الحفاظ: ج ١، ص ٤٢ – ٤٣،. ١٢ كلمة "يرثن من الولاء كما يرثن" ساقطة في (هـ).. ١٣ كلمة "أحد" ساقطة في (د).. ١٤ "فيه" ساقطة في (ب).. ١٥ في (ج) و(د): "من وجه".. ١٦ في (هـ): "فيصير".. ١٧ هو مطرف ابن عبد الله ابن مطرف الهلالي الفقيه صاحب مالك وراوي الموطأ عنه، توفي ٢٢٠ هـ. كما في ترتيب المدارك لعياض (٣/١٣٣ - ١٣٥)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/٣٤٠).. ١٨ في (د) و(هـ): "مالك رحمه الله".. ١٩ من قوله تعالى:﴿مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾ فتناول الآية... إلى قوله: "وحجة ابن القاسم" ساقط في (ب).. ٢٠ في غير (هـ): "ما".. ٢١ "أيضا" ساقطة في (هـ).. ٢٢ في (د) و(هـ) "عليه السلام".. ٢٣ انظر سنن ابن ماجه: كتاب الأحكام، باب١٧، ص ٧٨٤، و الموطأ: كتاب الأقضية، باب ٢٦، ص ٧٤٥.. ٢٤ في (ب) و(ج) و(د): "لمن"..

النساء 4:8

٨ - قوله تعالى :﴿وإذا حضر القسمة﴾ الآية إلى قوله :﴿يوصيكم الله﴾ (١) : اختلف في قوله(٢) :﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ الآية، هل هي منسوخة أم(٣) محكمة ؟ والذين ذهبوا إلى أنها(٤) منسوخة اختلفوا في الناسخ(٥). فقال ابن عباس : ناسخها ﴿يوصيكم الله﴾ الآيات(٦). وقال ابن المسيب : ناسخها الميراث والوصية. وذكر بعضهم عن ابن عباس أن الآية من وصية الميت لهؤلاء وهي منسوخة بالميراث(٧). والذين قالوا(٨) : إنها محكمة اختلفوا في تأويلها، فقال سعيد ابن جبير(٩) والحسن وغيرهما : هي على الندب. وقال مجاهد : هو شيء واجب ما طابت(١٠) به أنفس الورثة عند القسمة، وهذا القول راجع إلى الرضخ لهم. وروي عن ابن عباس : أنها في قسمة المواريث في رضخه لهم، فإن كان المال عقارا أو فيه تقصير لا يقبل الرضخ اعتذر إليهم، فهو قوله تعالى :﴿وقولوا لهم قولا معروفا﴾ ادعوا لهم بخير والضمير في :﴿فارزقوهم﴾ لأولي القربى. وفي :﴿وقولوا لهم قولا معروفا﴾ (١١) لليتامى والمساكين، قاله ابن عباس بخلاف عنه، وابن المسيب، وابن زيد(١٢). وقيل : الضميران لأولي القربى واليتامى والمساكين. وقيل المعنى : ارضخوا لهم [............ ] (١٣). [.............. ] (١٤)أولى ما حملت إليه. ١ قوله:﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى﴾ الآية إلى قوله:﴿يوصيكم الله﴾ساقط في (هـ).. ٢ في (هـ): "اختلف فيها".. ٣ في (د) و(هـ): "أو".. ٤ في (هـ) سقطت كلمة "أنها".. ٥ في (هـ) ناسخها. ٦ في (ج) و(د): "لآية".. ٧ في (هـ): "بآيات الميراث".. ٨ في (هـ): "والقائلون".. ٩ هو أبو عبد الله، وقيل:: أبو محمد سعيد ابن جبير ابن هشام الأسدي، كوفي، وأحد أعلام التابعين، قتله الحجاج بن يوسف سنة ٩٥ هـ، بواسط. انظر: وفيات الأعيان: ج١، ص٢٠٣ – ٢٠٦.. ١٠ في (ب) و(د): "إن طابت".. ١١ قوله: "ادعوا لهم بخير... قولا معروفا" كله ساقط في (ج).. ١٢ في (ب) و(ج): "ابن أبي زيد". ١٣ بياض في المخطوطة.. ١٤ بياض في المخطوطة..

النساء 4:11

١١ قوله تعالى :﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ الآية : اختلف في سبب هذه الآية قيل(١) : نزلت الآية(٢) بسبب سعد ابن الربيع قتل يوم أحد وترك ابنتين وزوجا وأبا فأخذ أبوه جميع المال، فنزلت الآية(٣) وقيل : نزلت في ورثة ثابت ابن قيس بن شماس. وقيل : مرض جابر فعاده النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قال جابر : فأتاني(٤) وقد أغمي علي فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم فصب علي وضوءه فأفقت(٥) فقلت : يا رسول الله كيف أوصي في مالي ؟ فلم يجبني بشيء، حتى نزلت :﴿يوصيكم الله﴾ الآية، فجعل الله تعالى مال الميت(٦) بين جميع ولده ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾، إذا لم يكن معهم(٧) أحد من أهل الفرائض، ولو كان معهم من له فرض معلوم لأخذ فرضه قبل ثم ما فضل(٨) اقتسمه الأولاد القسمة المذكورة. وقيل : إن الناس في الجاهلية كانوا لا يورثون الصغار ولا الإناث، إنما كانوا يورثون من يقاتل ويذب عن الحريم(٩) وقد ورد في بعض الآثار أن ذلك كان في صدر الإسلام أيضا إلى أن نسخته هذه الآية. وهذا الذي ذكر(١٠) هذا القائل لم يثبت عندنا اشتمال الشريعة عليه، بل ثبت خلافه من قصة سعد ابن الربيع حين جاءت امرأته بابنتيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم(١١)، فقالت : يا رسول الله هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما معك يوم أحد وقد استوفى عمهما مالهما، وأن المرأة لا تنكح إلا ولها مال، فنزلت الآية فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم المال، ولو كان(١٢) ثابتا هذا الحكم قبل في شرعنا لما استرجعه(١٣). وقوله تعالى(١٤) :﴿في أولادكم﴾ أجمع العلماء على أن المراد بالأولاد هنا من ينسب إليه من أولاده دون من لا(١٥) ينسب إليه منهم، والذين ينتسبون إليه(١٦) هم أولاده ذكورهم وإناثهم، ثم أولاد أولاده الذكور(١٧) وذكورهم(١٨) أيضا وإناثهم، فأما أولاد بناته ذكورا كانوا أو إناثا فلا ينتسبون إليه، إنما يقع عليهم اسم الولد من جهة اللغة لا من جهة الشرع. فأما الأولاد(١٩) ذكورهم وإناثهم وأولاد أولاد الذكور ذكورهم / وإناثهم فهم الولد(٢٠) من جهة اللغة والشرع، وهم الذين ثبت لهم أحكام الشرع في النسب والميراث، وعول الشيخ أبو الحسن على أن لفظ الأولاد والولد حقيقة في أولاد الصلب مجاز في ولد ولد، قال : فإذا حلف أن لا ولد له وله ولد ولد لم يحنث، قال : ولا خلاف أن ولد الولد على حكم الولد في أن للذكر مثل حظ الأنثيين قال : لكن ليس ذلك كحكم ظاهر لفظ قوله تعالى :﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ فإن مطلق لفظ الأولاد لا يتناول أولاد الأولاد، وإنما أخذ ذلك عن طريق الإجماع. وقد اختلفوا في الرجل يحبس على ولده وأولاده(٢١) ولم يزد على ذلك فقال الجمهور : الحبس على أولاده وبنيه(٢٢) الذكور والإناث وعلى أولاد بنيه الذكور دون الإناث. وقال بعضهم : لا يدخل في ذلك إلا ولد المحبس لصلبه خاصة. وقال بعضهم : تخريجا عن المذهب : لا يدخل فيه إلا ذكور ولده لصلبه خاصة. وقد اتفق جميع من ذكرنا على أنه لا يدخل في ذلك أولاد البنات، وهو قول مالك وجميع أصحابه المتقدمين. واحتجوا لذلك بالإجماع على أن ولد البنات لا ميراث لهم مع قوله(٢٣) :﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾. وذهب جماعة إلى أن ولد البنات من الأولاد والأعقاب، وأنهم يدخلون في الحبس بقول المحبس : حبست على ولدي وعلى عقبي، وقال ذلك ابن عبد البر(٢٤) واحتجوا بقوله تعالى :﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾ قالوا : فلما حرم الله تعالى(٢٥) بذلك البنات(٢٦) حرمت(٢٧) بذلك بنت البنت(٢٨) بإجماع على أنها بنت فوجب أن تدخل في حبس أبيها إذا حبس على ولده أو(٢٩) عقبه، واحتجوا أيضا(٣٠) بحديث النبي صلى الله عليه وسلم(٣١) في الحسن رضي الله تعالى عنه(٣٢) : " ابني هذا سيد " (٣٣) فسماه ابنا. وفي الكلام على هذه المسألة طول، فمن أراد الوقوف عليها(٣٤) فعليه بمظانها، واختلفوا(٣٥) في بنات الابن هل يرثن مع(٣٦) ابن الابن إذا كان معهن في قعود(٣٧) واحد أو تحتهن، فذهب الأكثر إلى توريثهن معه، وذهب بعضهم إلى أنهن لا يرثن معه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " فما(٣٨) بقي فللأولى رجل ذكر(٣٩) ". وحجة القول الأول قوله تعالى :﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ الآية، لأن ولد الأولاد أولاد(٤٠) سواء اتفقوا في القعود(٤١) أو اختلفوا إلا ما أجمعوا عليه من أن الأعلى من ولد الولد يحجب من تحته منهم. وقوله تعالى :﴿فإن كن نساء فوق اثنتين﴾ (٤٢) : فرض الله(٤٣) تعالى للبنت الواحدة النصف، وفرض لما فوق الاثنتين من البنات الثلثين. ولم يذكر تعالى الاثنتين فاختلف في فرضهما، فألحقهما ابن عباس بالبنت الواحدة التي بين تعالى فرضها فرأى للبنتين النصف وألحقهما غيره بما فوق الاثنتين اللاتي بين الله تعالى فرضهن(٤٤)، فرأوا لهما الثلثين واختلف القائلون لهذا(٤٥) : هل هذا الفرض للبنتين بالسنة أم(٤٦) بالقرآن أو بالقياس ؟ فقال بعضهم : ذلك بالسنة، وقال الأكثرون : بالقرآن، واختلفوا في وجه ذلك، فقال قوم : لما كان للبنت الواحدة مع الذكر الواحد الثلث كان الثلث لها مع الأنثى أوكد، والله تعالى قد جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، فإذا اجتمع ذكر وأنثى فللذكر الثلثان وللأنثى الثلث، فاحتيج(٤٧) بذلك إلى ذكر ما فوق الاثنتين، ولم يحتج إلى ذكر الاثنتين. وقال بعضهم : المعنى : فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما(٤٨) واستدل بقوله تعالى :﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ [الأنفال: ١٢]، وإنما تضرب الأعناق. وقال قوم ذلك(٤٩) بالقياس واختلفوا في الأصل المقيس عليه، فجعل بعضهم الأصل في ذلك الإخوة للأم، وقال : إن حكم الاثنتين منهم فما فوقهما سواء، فكذلك البنات حكم البنتين منهن(٥٠)، وحكم ما فوقهما سواء(٥١). وجعل بعضهم الأصل في ذلك الأخوات، فقالوا : الأخت الواحدة لها النصف كالبنت الواحدة. وميراث الأختين الثلثان، قالوا : فكذلك يحمل حكم البنتين على حكم الأختين، كما كان حكم الواحدة(٥٢). قوله تعالى :﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ : يريد : إن كانت الوارثة واحدة بنتا فلها النصف لا غير، وإن كان فضل ولم يكن وارث غيرها كان(٥٣) لبيت المال. وقد اختلف(٥٤) فيما يفضل عنها عن سائر أهل الفرائض ما عدا الزوج والزوجة، هل يرد عليه ماله أم يكون لبيت مال المسلمين(٥٥) ؟ فإن لم يكن بيت مال للمسلمين فللفقراء(٥٦)، فذهب(٥٧) مالك وأكثر العلماء إلى أنه(٥٨) لا يرد شيء على ذوي السهام، وأن الفاضل من المال يكون لبيت المال والفقراء. وذهب علي ابن أبي طالب(٥٩) رضي الله تعالى عنه إلى أنه يرد عليهم ما فضل عن(٦٠) سهامهم إلا الزوج والزوجة فلا يرد عليهما(٦١). وذهب ابن مسعود إلى الرد، إلا أنه يرد على ستة : الزوج والزوجة(٦٢)، والأخت للأم مع الأم، والأخت للأب مع الأخت الشقيقة وبنت الابن مع البنت والجدة مع ذي سهم غير الزوجين. ودليلنا على من يقول بالرد قوله تعالى :﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ وقال في الأخت :﴿فلها نصف ما ترك﴾ [النساء: ١٧٦]، فلم تجز الزيادة على ما نص عليه. قوله تعالى :﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾ : يريد أن(٦٣) لكل واحد من أبوي الميت السدس إن كان للميت ولد ذكرا كان أو أنثى واحدا أو جماعة، فإن قيل : فيجب أن لا يزاد الوالد على السدس مع البنت الواحدة وهذا بخلاف الإجماع، قيل : ما زاد الأب على السدس في تلك الفريضة إنما أخذه بالتعصيب لا بالفرض، وحكم ما أبقت الفرائض أن يكون لأولي عصبة الميت وأقربهم إليه، فكان(٦٤) الأب ذلك. قوله تعالى :﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ : يريد أنه إن لم يكن للميت إلا أبوان أخذت الأم(٦٥) الثلث وأخذ الأب(٦٦) ما بقي. ولم ينص في الآية على نصيب الأب، ولكنه لما أثبت الميراث لهما أولا بقوله :﴿وورثه أبواه﴾ اقتضى ظاهر اللفظ المساواة لو اقتصر على قوله :﴿وورثه أبواه﴾ دون تفصيل نصيب الأم، فلما ذكر نصيب الأم(٦٧) دل على أن للأب الثلثين وهو الباقي بحكم العصوبة(٦٨). وعلى هذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما(٦٩) : في زوج وأبوين أو زوجة(٧٠) وأبوين : للأم الثلث كاملا فيكون ميراثا(٧١) زائدا على ميراث الأب، وهو أحد الروايتين عن علي(٧٢) خلافا لجمهور أهل العلم في قولهم : إن للأم فيها ثلث ما بقي بعد نصيب الزوجين خلافا لابن سيرين في تفرقته بين المرأة والأبوين والزوج والأبوين، فإنه يقول في المرأة والأبوين بقول ابن عباس، وفي الزوج والأبوين لقول الجمهور لئلا يقع تفضيل الأم على الأب، ونظر ابن عباس جليّ جدا(٧٣) ومخالفة الجمهور لذلك النظر لا يكون إلا عن توقيف إلا أن التوقيف لم يذكر، فالمسألة مشكلة ووجه مذهب الجمهور أنه إذا وجب أن يبدأ بالزوجين جعل ما بقي كأنه جملة المال لتأخذ الأم ثلثه والأب ثلثيه. قوله تعالى(٧٤) :﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾ : يريد إن كان للميت إخوة فيكون للأم من الأبوين السدس خاصة فيحجبها الإخوة عن الثلث(٧٥) الواحد الذي زيد في فرضها مع عدم الولد للإخوة ما بقي إن لم يكن معهم أب(٧٦)، وإن كان معهم أب فللأب(٧٧) ما بقي بعد السدس ولا يكون للأخوة شيء ؛ لأن الأب يحجبهم، فهم يحجبون الأم عن السدس(٧٨) الواحد(٧٩)، والأب يحجبهم. ولا يوجد(٨٠) في جميع الفرائض على مذهب زيد ابن ثابت رضي الله تعالى عنه(٨١) مسألة يحجب فيها من لا يرث غير هذه(٨٢). وعن ابن عباس في هذا رواية شاذة، وهو(٨٣) أن السدس تحجب عنه الأم يكون لمن يحجبها، وهم الإخوة وإن كان معهم أب، ويكون للأب الثلثان وهذا خلاف ظاهر الآية. وصار بعض الناس إلى أن الأخوات لا يحجبن الأم من الثلث إلى السدس، لأن كتاب الله تعالى(٨٤) في الإخوة ومقتضى قولهم : إن لفظ الإخوة لا يتناول الأخوات كما أن لفظ البنين على قول لا يتناول البنات، وأيضا فليست(٨٥) قوة ميراث الأخوات مثل قوة ميراث الذكور حتى يلحقن بهم، وقال : وقوله تعالى(٨٦) :﴿إخوة﴾ وفعلة من أبنية الجمع القليل، فعلمنا بذلك أن الأخ الواحد والأخت الواحدة لا يرثان(٨٧) شيئا من ذلك(٨٨) وأن وجودهما وعدمهما في هذه الفريضة سواء : وعلمنا أيضا أن الثلاثة من الإخوة ذكورا كانوا أو إناثا أو ذكورا وإناثا(٨٩)، يؤثرون(٩٠) في الفريضة المذكورة وتكون بهم(٩١) على ما ذكرنا، إذ لم يختلف أحد أن(٩٢) الثلاثة من الجمع القليل. وأما الاثنان ذكرين كانا أو أنثيين أو ذكرا وأنثى(٩٣) فاختلف العلماء هل يدخلان تحت قوله تعالى :﴿إخوة﴾ فيكونان كالثلاثة ﴿الذين﴾ لم يختلف أن لفظ الإخوة واقع عليهم أو لا يدخلان فيكونان كالواحدة(٩٤) أو الواحد(٩٥) ؛ إذ لم يختلف أنه لا مدخل لهما(٩٦) في ذلك اللفظ. فقال مالك : مضت السنة أن الإخوة اثنان فصاعدا واحتج لقوله(٩٧) بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " الاثنان فما فوقهما جماعة " (٩٨)، وبما جاء للجمهور في هذه الآية. وقال ابن عباس : الإخوة الذين عنى الله تعالى(٩٩) بقوله :﴿فإن كان له إخوة﴾ ثلاثة فصاعدا، و أنكر أن تحجب الأم عن الثلث مع الأب بأقل من ثلاثة إخوة. وعلى هذا القول يكون الثلاثة أقل الجمع، ولا تكون التثنية في شيء من الجمع، وهاهنا مسألة تظهر بها(١٠٠) حجة الجمهور على ابن عباس(١٠١) رضي الله تعالى عنهما(١٠٢) وهي إذا كان في الفريضة زوج وأم وأخ وأخت لأم فلا خل ١ في (د):"فقيل".. ٢ "الآية" ساقطة في (هـ).. ٣ "الآية" ساقطة في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٤ في (د): "فأتياني".. ٥ في (هـ): "ففقت".. ٦ في (ب): "مال اليتيم الميت".. ٧ في (ج): "بعضهم".. ٨ في غير (ج) و(د) و(هـ): "فضله".. ٩ في (ج):"على الحريم".. ١٠ في (د) و(هـ): "ذكره".. ١١ في (ج): "للنبي".. ١٢ في (ج): "لو كانت".. ١٣ في (ج): "لاسترجعه" في (هـ): "لما استرجعه رسول الله صلى الله عليه وسلم".. ١٤ "تعالى" ساقطة في (هـ).. ١٥ "لا" ساقطة في (ب) و(ج) و(د).. ١٦ "إليه" ساقطة في (د).. ١٧ "الذكور" ساقطة في (د).. ١٨ "ذكورهم" ساقطة في (ب) و(ج) و(هـ).. ١٩ في (ج): "فأما الأولاد".. ٢٠ قوله: "من جهة اللغة لا من جهة الشرع، فأما الأولاد ذكورهم وإناثهم وأولاد أولاد الذكور ذكورهم وإناثهم فهم الولد" ساقط في (ب).. ٢١ في (د): "وأولاده أولاده".. ٢٢ في (د): "الحبس على الأولاد بنيه".. ٢٣ في (د): "قوله تعالى".. ٢٤ هو أبو عمر يوسف ابن عبد الله ابن عبد البر الأندلسي، توفي بمدينة شاطبة من شرق الأندلس، سنة ٣٦٣ هـ / ١٠٧١م، انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي، ج٣، ص ٢٤، وانظر: أيضا وفيات الأعيان: ج١، ص ٣٤٨ – ٣٥٠.. ٢٥ كلمة "تعالى" سقطت في (د).. ٢٦ في (هـ): "البنت".. ٢٧ "حرمت" ساقطة في (ب).. ٢٨ في (هـ) و(ج) و(د): "بنت الابن".. ٢٩ في (د): "واو".. ٣٠ سقطت "أيضا" في (د).. ٣١ في (هـ): "بقوله".. ٣٢ "في الحسن رضي الله تعالى عنه" كله ساقط في (أ).. ٣٣ انظر: صحيح البخاري: كتاب الصلح، باب ٩، ص ١٦٩، وسنن أبي داود، كتاب السنة، باب١٢، ص٤٨ – ٤٩.. ٣٤ في (د): "عليه".. ٣٥ في (ج) و(د) و(هـ): "واختلف".. ٣٦ "مع" ساقطة في (ب) و(ج) و(د).. ٣٧ في غير (ب) و(ج): "قعدد".. ٣٨ في (د): "فيمن".. ٣٩ انظر: صحيح البخاري: كتاب الفرائض، باب٥، ص ١٠ – ١١.. ٤٠ في (ج) و(د): "لأن ولد أولاد الأولاد".. ٤١ في (ب):"في القعود" في (ج): "في القعود" في (د): "في العدد" وأما في (هـ): "في القعد".. ٤٢ في (هـ) "الآية".. ٤٣ سقطت كلمة "الله" في (ج) و(د).. ٤٤ في (هـ) و(د): "فرضهما".. ٤٥ في (هـ): "بهذا".. ٤٦ في (أ) و(د) و(هـ): "أو".. ٤٧ في (د): "فاحتاج".. ٤٨ في (هـ): "فإن كن نساء فوق اثنتين فما...".. ٤٩ "ذلك" سقطت في (د) و(هـ).. ٥٠ في (أ) و(د): "منهما" وفي (هـ): "منهم".. ٥١ قوله: "فكذلك البنات حكم البنتين منهن وحكم ما فوقهما سواء" ساقط في (ب).. ٥٢ "حكم الواحدة" ساقط في (ب) و(د).. ٥٣ "كان" سقطت في (د).. ٥٤ "اختلف" سقطت في (هـ).. ٥٥ في (ج) و(د): "لبيت المال".. ٥٦ في (هـ) و(ج) و(د): "فإلى الفقراء".. ٥٧ في (أ): "وذهب".. ٥٨ في (د): "إنها".. ٥٩ "ابن أبي طالب" سقطت في (د) و(هـ). هو علي ابن أبي طالب ابن عبد المطلب ابن هاشم ابن عبد مناف القرشي الهاشمي. ولد قبل البعثة بعشرين سنة على الصحيح. فربي في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، ولد سنة ٢٣ ق. هـ / ٦٠٠م، وتوفي سنة ٤٠ هـ ما يوافق ٦٦١ م، انظر: الأعلام، ج٥، ص ١٠٧ – ١٠٨، والإصابة، ج٢، ص ٥٠٧.. ٦٠ في (د): "من".. ٦١ "فلا يرد عليهما" ساقط في (د) و(ب). ٦٢ قوله: "وذهب ابن مسعود إلى الرد إلا أنه لا يرد على ستة الزوج والزوجة" ساقط في (ب) و(د).. ٦٣ "أن" ساقطة في (ج) و(د).. ٦٤ في (د): "كان".. ٦٥ في (هـ):"الأبوان فللام الثلث".. ٦٦ في (هـ): "وللأب".. ٦٧ "فلما ذكر نصيب الأم" ساقط في (ب) و(ج) و(د).. ٦٨ في (هـ): "التعصيب".. ٦٩ "رضي الله تعالى عنهما" ساقط في (د) و(هـ).. ٧٠ "زوجة" ساقط في (أ).. ٧١ في (ب) و(د): "ميراثها".. ٧٢ في (د) و(هـ): "علي رضي الله عنه".. ٧٣ في (ب): "جيدا".. ٧٤ في (هـ): "قوله تعالى".. ٧٥ في غير (هـ): "السدس".. ٧٦ سقطت في (هـ): "أب".. ٧٧ في (د): "فللأم" وأما في (هـ): "فله".. ٧٨ في (هـ):"الثلث".. ٧٩ "الواحد" ساقط في (هـ).. ٨٠ قوله: "للإخوة شيء لأن الأب يحجبهم فهم يحجبون الأم من السدس الواحد والأب يحجبهم ولا يوجد" كله ساقط في (ب) و(د) و(ج) مع سقوط "في".. ٨١ "رضي الله تعالى عنه" ساقط في كل من (د) و(هـ).. ٨٢ في (ب) و(ج) و(د): "غيرها وعن".. ٨٣ في (ج) و(د) (هـ): "وهي".. ٨٤ "تعالى" كلمة ساقطة في (د) و(هـ).. ٨٥ "وأيضا فليست" ساقطة في (ج).. ٨٦ في غير (د): "وقال تعالى".. ٨٧ في غير (هـ): "ولا يؤاثران".. ٨٨ في (ج) و(هـ): "في ذلك".. ٨٩ "أو ذكورا أو إناثا"ساقط في (د) و(هـ). ٩٠ في (هـ): "يرثون".. ٩١ في (د): "بينهم".. ٩٢ "أن" ساقط في (ب).. ٩٣ "أو ذكر أو أنثى" ساقط في (ب) و(د).. ٩٤ في (هـ) و(د): "كواحد".. ٩٥ "أو الواحد" ساقط في (ب) و(د).. ٩٦ في (هـ): "له".. ٩٧ "لقوله": ساقطة في (ب) و(د) و(هـ).. ٩٨ انظر: صحح البخاري، كتاب الأذان، باب ٣٥، ص ١٦٠، وسنن النسائي: كتاب الإمامة، باب ٤٣، ص ١٠٤ – ١٠٥.. ٩٩ كلمة "تعالى"غير موجودة في (د).. ١٠٠ في (ب) و(د): "تظهرها".. ١٠١ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "عن ابن عباس".. ١٠٢ "رضي الله تعالى عنها" ساقطة في (هـ) و(د)..

النساء 4:12

١٢ - وقوله تعالى :﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ الآية : بين في مورث الزوج من زوجته والزوجة من زوجها، وأن الولد يحجب الزوج عن(١) النصف إلى الربع، ويحجب الزوجة عن(٢) الربع إلى الثمن. واختلف في والد الولد هل(٣) يحجبون كالولد(٤) أم لا ؟ فذهب الأكثر(٥) إلى أنه كالولد في الحجب، لأن اسم الولد واقع عليه. وذهب ابن عباس إلى أنهم لا يحجبون لقوله تعالى :﴿إن كان له ولد﴾، قال : وليس هذا بولد، والحجة عليه ما قدمنا من أنه ولد. واختلف في العول : وأول من نزل به ذلك(٦) عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه(٧)، فقال : لا أدري من قدمه الكتاب فأقدمه ولا(٨) من أخره فأؤخره، ولكن رأيت رأيا فإن يكن صوابا فمن الله تعالى(٩)، وإن يكن خطأ فمن عمر، وهو أن يدخل الضرر على جميعهم وينقص كل واحد من سهمه. وحكم بالعول، ويقال : إن الذي أشار عليه به : العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه(١٠)، وخالفه ابن عباس فلم ير العول، وقال : لو أن عمر نظر من قدمه الكتاب فقدمه، ومن أخره فأخره ما عالت فريضة(١١)، فقيل : وكيف يصنع ؟ قال : ينظر أسوأ الورثة حالا وأكثر تغيرا فيدخل عليهم الضرر، وهو على قوله : البنات والأخوات، والصواب ما ذهب إليه الجماعة، ودليلهم أن الله تعالى قال في الأزواج :﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾. وقال في البنات :﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾. وقال :{ وله أخت فلها نصف ما ترك )، ولما كان الزوج لا يمت في الظاهر إلا بمثل ما تمت(١٢) به الابنة والأخت وجب(١٣) أن يتساويا في النقص. وقوله تعالى :﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة﴾ : اختلف في اشتقاق الكلالة، فقيل : من الإحاطة لذلك سمي الإكليل إكليلا لأنه محيط بالرأس، فكان هذا الميت يحاط به من جنباته(١٤). وقيل : أخذت من البعد والانقطاع، من قولهم : كلت الرحم إذ تباعدت فطال انتسابها، يقال : كلت الرحم إذا تباعدت، ولحت إذا قربت، يقال : هو أن عمي لحا أي هو ابن أخي(١٥) أبي، ....................... وهو(١٦) ابن عمي كلالة أي من عشيرتي. قال الشاعر(١٧). ورثتم قناة المجد لا عن كلالة؍ عن أبي مناف عبد شمس وهاشم(١٨)؍ يعني ورثتموها بالآباء لا بالإخوة والعمومة، ويمكن أن يكون مأخوذا من الكلال وهو الإعياء، ومنه الكلال في المشي. وفي الكلالة يقول الشاعر(١٩) : فإن أبا المرء أحمى له ومولى الكلالة لا يغضب(٢٠) (٢١) واختلف بعد هذا الاشتقاق فيما يقع عليه هذا الاسم(٢٢)، فقال قوم : الكلالة الوارثة إذا لم يكن فيها ولد ولا والد، وإذا فسرت به(٢٣) هذه الآية كانت الكلالة مصدر في موضع الحال. وقال بعضهم : هي نصب على الحال أو على النعت لمصدر محذوف : تقديره : ورأته كلالة، وهو قول ضعيف. وقال قوم(٢٤) : الكلالة اسم الميت(٢٥) الذي لا ولد ولا والد، ووقع(٢٦) على(٢٧) المذكر(٢٨)، وإن كان فيه(٢٩) " هاء " التأنيث كضرورة(٣٠) المذكر(٣١) والمؤنث فيه(٣٢) سواء(٣٣). ونصبه على هذا القول على الحال من الضمير(٣٤) في يورث، وهو العائد على الرجل، ورأى بعضهم نصبه على التمييز، ونصبه بعضهم على خبر كان. وقال قوم(٣٥) : الكلالة اسم للورثة الذين لا ولد فيهم ولا والد، واحتجوا بقول جابر لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما ترثني كلالة "، وكان أبوه قتل يوم أحد، وبقراءة من قرأ يورث بكسر الراء وشددها بعضهم، ونصبه على هذه القراءة على المفعول، وعلى القراءة المشهورة تنتصب(٣٦) الكلالة على أنها خبر كان. والتقدير : ذا كلالة ثم حذف المضاف " وأقيم المضاف " إليه مقامه، وبعضهم ينصبه على التمييز أو على حال، ويجعل كان التامة لا الناقصة. وقال قوم : الكلالة اسم للمال الذي لا يرثه ولد ولا والد، ونصبه على هذه القراءة على التمييز ونصبه بعضهم على النعت لمصدر محذوف وهو ضعيف. ونصبه بعضهم على المفعول الحقيقي، ويأتي هذا على أن ورث يتعدى إلى مفعولين، وذهبت طائفة وهم(٣٧) الشيعة(٣٨) إلى أن الكلالة من لا ولد له ذكرا كان أو أنثى، وإن كان له أب أو جد فورثوا الإخوة والأخوات مع الجد والأب ومنعوهم من الوراثة مع البنت. وروي هذا القول عن أبي بكر وعمر ثم رجعا عنه، وروي عن ابن عباس وهي رواية شاذة لا تصح عنه، والصحيح ما عليه جماعة العلماء، فعلى هذا يأتي في الأب قولان : هل يدخل في الكلالة أم لا ؟ فمن لم يدخله في الكلالة لم يورث الإخوة معه، وهو الصحيح(٣٩). ومن أدخله في الكلالة ورثهم معه(٤٠)، ويأتي في الجد قولان أيضا، كذلك فمن جعله أبا وكان الأب عنده لا يدخل في الكلالة لم يورث الأخوة معه(٤١)، وهو قول أبي حنيفة أنه يسقطهم وينفرد بالمال، وروي عن أبي بكر وابن عباس وعائشة وابن الزبير(٤٢) : ومن لم يجعله أبا ورث الإخوة معه وجعل الوراثة كلالة، وهو قول عثمان(٤٣) وعلي وابن مسعود(٤٤) وزيد(٤٥) وفقهاء المدينة. واختلفت الرواية فيه عن عمر(٤٦) اختلافا كثيرا، فتارة لا يجعل الوالد كلالة، وتارة كان(٤٧) يجعله كلالة. ورده رسول الله صلى الله عليه وسلم(٤٨) إلى آية الصيف ولم يجبه عن(٤٩) سؤاله، ووكله إلى استنباطه. وفيه دليل على جواز(٥٠) تفويض الأحكام إلى الاجتهاد، وعلى جواز استنباط معاني(٥١) القرآن بالاجتهاد خلافا لمن منع ذلك. ويأتي أيضا في البنت قولان فمن أدخلها في الكلالة ورث معها الإخوة والأخوات، وهو قول الجمهور. ومن لم يدخلها في الكلالة(٥٢) لم يورثها معها(٥٣)، وهو قول ابن عباس، وبه قال داود، وإليه ذهب الشيعة، وحجتهم قول الله تعالى عز وجل في آخر السورة :﴿ليس له ولد وله أخت﴾ فشرط عدم الولد، وسيأتي الكلام على المسألة في موضعه إن شاء الله تعالى، وقد مضى منها طرف. وقال قوم : الكلالة من(٥٤) لا ولد له مطلقا، وهذا القول أردؤ الأقوال وأسقطها(٥٥) ؛ لأن الأمة مجمعة على أن الإخوة لا يرثون مع الولد والذكر. ومن حجة الجمهور قوله تعالى :﴿قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦]، فأطلق اسم الكلالة ثم فسرها بميراث الإخوة منفردين. فدل ذلك أن الكلالة لا يدخل(٥٦) فيها ولد ولا والد، وقوله تعالى :﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾ إلى قوله :﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾ [النساء: ١١]، فلم يجعل للأخوة ميراثا مع الولد فخرج الولد من الكلالة والوالد جميعا، والابنة أيضا ليست بكلالة كالابن فأخوة الأم لا يرثون معها، لأنه تعالى شرط توريث إخوة الأم بأن(٥٧) يكون الميت كلالة أو الوارث كلالة. قوله تعالى :﴿وله أخ أو أخت﴾ : أجمع الناس أنه أراد الأخوة للأم في هذه الآية، وكان سعد(٥٨) ابن أبي وقاص يقرأ :﴿وله أخ أو أخت من أم﴾، فعلى ما في الآية إذا انفرد أخ أو أخت، فلكل منهما السدس فإن كانا اثنين فصاعدا ذكورا أو إناثا فهم شركاء في الثلث على السواء لا يفضل ذكر على أنثى. واختلف في المسألة الحمارية وتسمى أيضا المشتركة، وهي زوج وأم وإخوة لأم وإخوة أشقاء، فذهب قوم إلى أن الزوج يأخذ النصف والأم السدس(٥٩) والإخوة للأم الثلث ولا يكون للأشقاء شيء، قالوا : لأنهم عصبة وقد استغرقت(٦٠) الفرائض المال، وهو قول علي وأبيّ(٦١) وابن مسعود وأبي موسى(٦٢)، وإليه ذهب ابن أبي ليلى(٦٣) وطائفة من الكوفيين، وذهبت طائفة إلى أنه(٦٤) يأخذ الزوج النصف والأم السدس ويبقى الثلث وهو نصيب الإخوة للأم. قالوا(٦٥) : فيقول لهم الإخوة الأشقاء(٦٦) إنما ورثتم هذا الثلث من قبل الأم، وأمنا وأمكم واحدة والله تعالى جعل ذلك الثلث للإخوة للأم، والكل منا إخوة للأم وهب أن أبانا كان حمارا، فيشرّكونهم في ذلك الثلث ذكورهم وإناثهم فيه سواء، وهو قول عمر وعثمان، وإليه ذهب مالك والشافعي والثوري(٦٧) وإسحاق وحجتهم الآية(٦٨)، قوله تعالى(٦٩) :﴿وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾. قوله تعالى :﴿غير مضار وصية من الله﴾ : قال ابن عباس : الإضرار في الوصية من الكبائر، ورواه عن(٧٠) النبي صلى الله عليه وسلم، وروى أبو هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم(٧١) قال : " من ضار في وصية ألقاه الله تعالى في(٧٢) وادي جهنم(٧٣) " ووجوه الضرر في ذلك لا تنحصر وكلها ممنوعة للآية، مثل أن يقر بما ليس عليه(٧٤) أو يوصي بأكثر من الثلث. قال الشيخ أبو الحسن : وقوله تعالى :﴿غير مضار﴾. يمنع التعلق بعموم آية الوصية فيما يقع فيه التنازع، فلا يدري(٧٥) أنه من قبيل المضارة أم لا ؟ فيمتنع التعلق بعمومه لمكان الاستثناء المبهم ولا يعد مضارا في ثلثه، فإن علم أنه أراد بما يصنع فيه من التصرف الضرر، ففيه في المذهب قولان، أحدهما : أنه لا يعد إضراره في الثلث إضرارا وأنه ينفذ. وقيل : إنه يرد ويؤيد هذا قوله تعالى :﴿فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم﴾ الآية [البقرة: ١٨٢]، ومما يتعلق بمعاني هذه الآية أن عموم قوله تعالى :﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ مع ذكر الزوجة والزوج والأخوات والإخوة دال على جواز الميراث في مسائل : منها القاتل. وقد اختلف فيه على المذاهب : أحدها أن القتل لا يمنع الميراث، عمدا كان أو خطأ وهو قول الزهري والبصريين(٧٦)، وقيل إنه يمنع الميراث عمدا كان أو خطأ(٧٧) وهو قول الشافعي. وقال مالك : القاتل عمدا لا يرث والقاتل خطأ يرث من المال ولا يرث من الدية، وكذلك اختلف فيمن فيه بقية رق(٧٨)، فالجمهور(٧٩) أنه لا يرث، وقال أبو يوسف والمزني(٨٠) : يرث. وكذلك إذا مات ورثته(٨١) على قول الجمهور من(٨٢) له فيه خاصة/، وقال أصحاب(٨٣) الشافعي أن ورثته يرثون النصيب الحر(٨٤). وقال بعضهم : هو لبيت المال، وكذلك اختلف : هل يرث المسلم الكافر أم لا ؟ فالجمهور على أنه لا يرث، لقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يتوارث أهل ملتين " (٨٥). وقال معاوية ومحمد بن الحنفية(٨٦) ومحمد ابن الحسن : المسلم يرث قريبه الكافر، واتفقوا أنه لا يرث الكافر المسلم، وكذلك اختلف في ميراث المرتد إذا قتل على ردته، فقال مالك والشافعي لبيت المال وقال أبو حنيفة : لورثته المسلمين. وقيل : ما كسب في حال إسلامه لورثته المسلمين وما كسب في(٨٧) حال ردته لبيت المال. وروي عن قتادة(٨٨) أن(٨٩) ميراثه لأهل الدين الذي ارتد إليه(٩٠). وعموم الآية يدل على التوارث في هذه المسائل غير أن الأخبار الخاصة منعت من ذلك، وخصصت ذلك العموم. ومن ذلك اختلاف(٩١) الصحابة رضي الله تعالى(٩٢) عنهم في(٩٣) ميراث النبي صلى الله عليه وسلم : فذهب جماعة إلى أنه يورث تعلقا بعموم هذه الآية. وذهب جماعة(٩٤) إلى أنه لا يورث وخصص الآية(٩٥) بما نقل عنه عليه الصلاة والسلام(٩٦) من قوله : " نحن معاشر الأنبياء(٩٧) لا نورث ما تركنا صدقة(٩٨) " وبعضهم رواه صدقة بالنصب ولم ير على ذلك في الحديث(٩٩) حجة. ١ في (ج): "على": وفي (ه): "من".. ٢ في (ج) و(د): "على".. ٣ "هل" ساقطة في (ب) و(ج) و(د).. ٤ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "كالأولاد".. ٥ في (هـ): "الأكثرون".. ٦ "ذلك" ساقطة في (ج).. ٧ "رضي الله تعالى" سقطت في (د) و(هـ).. ٨ "لا" سقطت في (ب) وفي (د):"أو" عوض"لا".. ٩ "تعالى" كلمة سقطت في (هـ).. ١٠ "رضي الله تعالى عنه" كلمة سقطت في (هـ) و(د).. ١١ في (ج) و(د) و(هـ): "فريضة في الإسلام".. ١٢ "تمت" كلمة بياض في (د).. ١٣ "وجبت" كلمة ساقطة في (ج).. ١٤ في (د): "جهاته".. ١٥ "ابن أخي" ساقطة في (ج).. ١٦ "وهو ابن أخي أبي" ساقطة في (د): و"أبي" ساقط في (ب) و(ج).. ١٧ الشاعر هو الفرزدق همام بن غالب ابن صعصعة ابن مجاشع الدارمي التميمي، من شعراء العهد الأموي، له لغة وافرة الألفاظ والتعبير، له ديوان شعر، "ونقائض جرير الفرزدق". انظر: تاج العروس: ج٨، ص ١٠١، ولسان العرب: ج٣، ص ٢٨٨.. ١٨ الطويل.. ١٩ قوله: "ورثتم قناة المجد لا عن كلالة... يقول الشاعر" كله ساقط.. ٢٠ ذكره ابن عاشور وقال عنه: "واستشهدوا له بقول من لم يسموه" التحرير والتنويرج٤، ص ٢٦٤.. ٢١ المتقارب. ٢٢ في (ج) و(هـ): "من الاسم".. ٢٣ في (هـ): "بها".. ٢٤ في (هـ):"بعضهم".. ٢٥ في (هـ): "للميت".. ٢٦ في (د): "ويقع".. ٢٧ "على" سقطت في (د) و(هـ).. ٢٨ في (د) و(هـ): "للمذكر".. ٢٩ "فيه" ساقط في (هـ).. ٣٠ "كصورة" في (أ) و(ب) و(د).. ٣١ في (هـ): "للمذكر".. ٣٢ "فيه" ساقطة في (هـ).. ٣٣ "فيه سواء" سقطت في (د) وجاء مكانها: "وكذلك".. ٣٤ "الضمير الذي" في (ج) و(د) و(هـ).. ٣٥ في (د): "بعضهم".. ٣٦ في (د): "بنصب".. ٣٧ "طائفة وهم": ساط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٣٨ في (د):"السبعة".. ٣٩ في (ب) و(ج) و(د): "وهو الأرجح".. ٤٠ كلمة "معه" ساقطة في (هـ).. ٤١ قوله: "ويأتي في الجد... لم يورث الأخوة معه" سقطت في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٤٢ هو عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد، ولد أسماء بنت أبي بكر الصديق، شارك الجمل إلى جانب عائشة رضي الله تعالى عنها، وامتنع عن مبايعة يزيد بن معاوية، وقتل ابن الزبير سنة ٧٣هـ / ٦٩٢م، انظر: تاريخ الأمم للطبري: ج ٧، ص ٢٠٢ – ٢٠٥، والبداية والنهاية لابن كثير: ج٨، ص ٣٣٢ – ٣٣٣، والإصابة لابن حجر: ج٢، ص ٣٠٣.. ٤٣ هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية من قريش: أمير المؤمنين ذو النورين، ثالث الخلفاء الراشدين، وأحد المبشرين بالجنة، ولد بمكة سنة ٤٧ ق. هـ / ٥٧٧م، وأسلم بعد البعثة. من أعظم أعماله في الإسلام تجهيز نصف جيش العسرة بماله، تولى الخلافة سنة ٢٣هـ، وتوفي سنة ٣٥هـ / ٦٥٦م، انظر: الأعلام: ج٤، ص ٣٧١ – ٣٧٢.. ٤٤ هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، صحابي من أفضلهم أول من جهر بقراءة القرآن بمكة، توفي سنة ٣٢هـ الموافق ٦٥٣م، انظر: طبقات ابن سعد: ج٣، ص ١٥٠، والأعلام: ج٤، ص ٢٨٩.. ٤٥ هو زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي، صحابي من أكابرهم وكاتب الوحي، ولد بالمدينة سنة ١١ق. هـ، / ٦١١م، ونشأ بمكة ثم هاجر مع النبي، كان رأسا في المدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض، توفي سنة ٤٠هـ، / ٦٦٠م، انظر الأعلام: ج٣، ص ٩٥ – ٩٦.. ٤٦ في (د) و(هـ): "عمر رضي الله عنه".. ٤٧ "كان" ساقطة في (هـ) و(د).. ٤٨ في (ج) و(هـ): "لما سأله عن ذلك".. ٤٩ في (ب) و(د) و(ج): "على".. ٥٠ "على" ساقط في (ب).. ٥١ في (د): "الاستنباط من المعاني" وفي (هـ) سقطت "معاني".. ٥٢ "ورث معها الأخوة والأخوات وهو قول الجمهور ولم يدخلها في الكلالة" كله ساقط في (ج).. ٥٣ في (ب) و(ج) و(د): "لم يورثها معهم".. ٥٤ كلمة "من" ساقطة في (ب) و(د).. ٥٥ في (هـ): "وأسخفها".. ٥٦ في (هـ): "ليس فيها" عوض "لا يدخل".. ٥٧ في (هـ): "شرط في توريثهم أن يكون...".. ٥٨ "سعد" سقطت في (هـ)، وهو أبو إسحاق سعد ابن مالك ابن وهيب ابن عبد المناف بن زهرة بن أبي وقاص، صحابي من العشرة المبشرين بالجنة. اختلف في تاريخ وفاته بين سنة ٥٥هـ / ٦٧٥ م، وسنة ٥٨هـ / ٦٧٨م، انظر: الإصابة لابن حجر: ج٢، ص ٣٠، وتذكرة الحفاظ للذهبي: ج١، ص ١٩ – ٢٠.. ٥٩ في (هـ): "نصفه والأم سدسها".. ٦٠ في غير (هـ):"اغترقت".. ٦١ هو أبي بن كعب بن عبد الله بن مالك الأنصاري، سيد القراء، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك". انظر: الإصابة لابن حجر: ج١، ص ٣١ – ٣٣.. ٦٢ هو عبد الله بن قيس بن سليم، أبو موسى من بن الأشعر من قحطانة، صحابي من الشجعان الولاة الفاتحين ولاه عمر البصرة، له في الصحيحين خمسة وخمسون وثلاثمائة حديث، توفي سنة ٤٤هـ / ٦٦٥م، انظر: الأعلام: ج٤، ص. ١١٤. ٦٣ هو أبو عيسى عبد الرحمان ابن أبي ليلى يسار الأنصار في اسم أبيه خلاف، كان من الأكابر تابعي الكوفة، ولد لست سنين بقين من خلافة عمر رضي الله عنه، وتوفي سنة ٨٢هـ على خلاف في ذلك. انظر: وفيات الأعيان: ج١، ص ٢٧٥.. ٦٤ في (هـ): "أن".. ٦٥ قوله: "يأخذ الزوج النصف... قالوا" ساقط في (هـ).. ٦٦ في (هـ): "إلا أن الإخوة الأشقاء يقولون لذوي الأم".. ٦٧ هو سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد الله الثوري، فقيه حافظ له تفسير رواه أبو حذيفة موسى بن مسعود النديّ، توفي سنة ١٦١هـ / ٧٧٨م، انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي: ص ٢٠٣/ ٢٠٧، طبقات المفسرين للداودي: ج١، ص ١٨٠، طبقات الفقهاء للشيرازي: ص ٨٤ – ٨٥، وفيات الأعيان: ج١، ص ٢١٠.. ٦٨ كلمة "الآية" ساقطة في (د).. ٦٩ كلمة "تعالى": سقطت في (هـ).. ٧٠ "عن" ساقطة في (ج) وأما في (د): "فبياض".. ٧١ في (هـ): "أن النبي صلى الله عليه وسلم".. ٧٢ كلمة "تعالى" سقطت في (د) و(هـ).. ٧٣ انظر سنن أبي داود: كتاب الوصايا، باب٣، ص ١١٣.. ٧٤ في (ب): "عليها".. ٧٥ في (ب): "فإنه لا يدري" وفي (د) و(هـ): "وأنه لا يدري".. ٧٦ "وهو قول الزهري والبصريين" ساقط في (د).. ٧٧ قوله: "وقيل إنه يمنع الميراث عمدا كان أو خطأ" ساقط في (د).. ٧٨ في (ب) و(د): "وكذلك اختلف هل يرث المسلم الكافر أم لا؟" عوضا عن "وكذلك اختلف فيمن فيه بقية رق".. ٧٩ في (د): "على أنه".. ٨٠ هو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني صاحب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه كان زاهدا عالما مجتهدا محجاجا، وهو إمام الشافعيين وأعرفهم بطرقهم وفتاوى، صنف كتبا كثيرة منها الجامع الكبير، والجامع الصغير، ومختصر المختصر... إلخ توفي سنة ٢٦٤ هـ بمصر، ودفن بالقرافة بالقرب من تربة الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه. انظر: وفيات الأعيان: ج ١، ص ٧١.. ٨١ في (هـ): "ورثته".. ٨٢ في (هـ): "ومن".. ٨٣ "أصحاب" ساقطة في (هـ).. ٨٤ في (ج): "النصف الحر".. ٨٥ انظر: سنن أبي داود كتاب الفرائض الباب رقم١٠، وسنن الترمذي: كتاب الفرائض باب رقم، ١٦ وسنن ابن ماجه: كتاب الفرائض: باب٦.. ٨٦ هو أبو القاسم بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه المعروف بابن الحنيفة أمه الحنفية هي خولة بنت جعفر ابن قيس بن سلمى كان كثير العلم والورع. كانت ولادته لسنتين بقين من خلافة عمر بن الخطاب، وتوفي سنة ٨١هـ، على خلاف في ذلك بالمدينة ودفن بالبقيع. وفيات الأعيان: ج ١، ص ٤٤٩، الأعلام: ج، ٧ ص ١٥٢ – ١٥٣.. ٨٧ "في" ساقطة في (أ).. ٨٨ هو أبو الخطاب قتادة ابن دعامة السدوسي البصري، كان تابعيا عالما كبيرا، كانت ولادته سنة ٦٠ هـ، وتوفي سنة١١٠ هـ بواسط على خلاف في ذلك. انظر: وفيات الأعيان: ج١، ص ٤٢٧ – ٤٢٨.. ٨٩ "أن" ساقطة في (ب) و(ج) و(د).. ٩٠ في (ج) و(د): "عليه".. ٩١ في (د): "اختلف".. ٩٢ كلمة "تعالى" سقطت في (هـ).. ٩٣ "في" ساقطة في (ب) و(ج).. ٩٤ في (هـ): "آخرون".. ٩٥ في (هـ): "وخصصوا".. ٩٦ في (د) و(هـ): "عليه السلام".. ٩٧ في (هـ) و(ب) و(ج) و(د): "جماعة الأنبياء".. ٩٨ انظر المسند للإمام أحمد ابن حنبل: ج٢، ص ٤٢٣.. ٩٩ في (ب): "في الآية"..

النساء 4:15

١٥، ١٧ قوله تعالى :﴿والتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ إلى قوله :﴿إنما التوبة على الله﴾ : الفاحشة في هذا الموضع الزنا(١)، وقرأ ابن مسعود بالفاحشة، وقوله :﴿من نسائكم﴾ إضافة في معنى الإسلام بأن الكافرة قد تكون من نساء المسلمين بسبب ولا يلحقها هذا الحكم على خلاف فيه. واختلف في المعنى الذي له/ جعل الشهداء الزنا أربعة فقيل : تغليظا على المدعي وسترا(٢) على العباد، وقيل : لترتب شاهدين على كل واحد من الزانيين، وفي هذا ضعف. ١ في (هـ): "الزنا".. ٢ في (ج): "سرا" والصواب ما أثبتناه..

النساء 4:16

١٦ قوله تعالى :﴿فآذوهما﴾ : اختلف في ذلك الإذاء، ما هو ؟ فقال عبادة والسدي(١) هو التعيير والتوبيخ. وقيل : هو السب والجفاء دون تعيير. وقال ابن عباس(٢) : هو النيل باللسان واليد وضرب النعال وما أشبهه، فثبت بالآية الأولى أن حكم الزنا الإمساك في البيوت حتى يموتوا(٣)، وثبت بالآية بعدها(٤) أن الحكم فيهن الإذاية على ما قدمناه، والأولى منسوخة باتفاق. والثانية أيضا منسوخة إلا في قول من قال : إن الأذى والتعيير باقيان مع الجلد، لأنهما لا تعارض بينهما فلا يقع فيهما نسخ. وقد(٥) اختلف في كيفية ترتيب النسخ في هاتين الآيتين على أقوال ثمانية، وقيل : إن الآية الأولى في المحصنين والآية الثانية في البكرين ورجح الطبري هذا القول وهو قول حسن لولا أن لفظ الآية ينبو عنه فيضعف، لأن قوله(٦) :﴿والتي﴾ لا يعطي إلا(٧) النساء خاصة، والمؤنث لا يغلب على المذكر إلا في موضعين ليس هذا منهما إلا أن يريد أن اللفظ إنما هو للنساء خاصة ثم دخل الرجال في ذلك الحكم حملا لهم على النساء ؛ كما قال عليه الصلاة والسلام(٨) : " من أعتق شركا له في عبد " (٩)، فلحقت به الأمة في ذلك من غير أن يقال اللفظ جامع للرجال والنساء. وقد اختلف في تسمية مثل هذا قياسا وقرأ ابن مسعود :﴿والذين يفعلون منكم﴾، وعلى هذا القول(١٠) لا يصح أن تكون إحدى الآيتين ناسخة للأخرى. لاختلاف الحكمين والمحكوم فيهما وتكون الآية الأولى(١١) منسوخة بأحد أمرين إما بالرجم المتواتر نقله المنسوخ في القرآن تلاوته على قول من ذهب إلى ما روى عن عمر ابن الخطاب(١٢) من قوله(١٣) : " الثيب والثيبة إذا زنيا فارجموهما البتة " (١٤)، وأنه كان قرآنا فنسخ تلاوته وبقي حكمه. وقد أنكر هذا قوم وسيأتي الكلام عليه في سورة النور إن شاء الله تعالى(١٥). أو بقول الله عز وجل :﴿ويدرأ عنها العذاب أن تشهد﴾ الآية [النور: ٨]، لأن العذاب المذكور في الآية الرجم على ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتكون الآية الثانية(١٦) منسوخة بقوله تعالى :﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ الآية [النور: ٢]. وقيل : إن الآيتين في الزانيين البكرين، وقيل : في الزانيين المحصنين(١٧)، وقيل : هما عامتان في الصنفين والضعف الذي ذكرناه في القول الأول داخل في هذه الأقوال. ولا بد على كل واحدة من هذه الثلاثة الأقوال(١٨) أن تكون إحدى الآيتين ناسخة للأخرى. وقد اختلف في ذلك على قولين، أحدهما : أن الأولى منسوخة بالثانية، وهو قول عبادة(١٩) والحسن ومجاهد، وقيل : إن الثانية منسوخة بالأولى ولكن التلاوة أخرت وقدمت ذكره ابن فورك(٢٠) ورجحه بعضهم. ثم إن الناسخة في الآيتين لا بد أن يكون منسوخا على القول بأن الآيتين جميعا منسوختان فعلى القول الأول(٢١) بأنها في الأبكار خاصة(٢٢)، يكون الناسخ قوله تعالى :﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ الآية [النور: ٢]، لأنها إنما هي في الأبكار على القول / المشهور. وعلى القول بأنهما في المحصنين يكون الناسخ إحدى الآيتين التي قدمنا ذكرهما في الرجم(٢٣)، وعلى القول بأنهما في الصنفين يكون الناسخ آية الجلد وآية الرجم، وقيل : الآية الأولى في النساء خاصة المحصنات كن أو غير محصنات والآية الثانية في الرجال(٢٤)خاصة وبين لفظ التثنية صنفي الرجال فيمن أحصن وفيمن لم يحصن(٢٥)، فكانت عقوبة النساء الحبس وعقوبة الرجال الأذى، ولم تكن إحدى الآيتين ناسخة للأخرى. ثم نسخ ذلك في آيتي الجلد والرجم، وهو قول مجاهد. وروي عن ابن عباس(٢٦) : وهذا القول في الآية عندي أحسن الأقوال وأصح على القوانين العربية ويؤيده من جهة اللفظ : قوله في الأولى :﴿من نسائكم﴾ وقوله في الثانية :﴿منكم﴾، فالذي يتحصل في هاتين الآيتين ثمانية أقوال. قوله تعالى :﴿فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾ : أمر بكف الأذى عنهما بعد التوبة، ولا خلاف بين أحد من أهل(٢٧) العلم أن الحد لا يقام بأقل من أربعة شهداء، رجال عدول، وعلى معاينة الفعل كالمرود في المكحلة، والأصل في ذلك قوله تعالى :﴿والتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ [النساء: ١٥]، وقوله :﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ [النور: ٤]، وقد حكي عن قوم أنهم أجازوا شهادة(٢٨) ثلاثة رجال وامرأتين. وحكي عن البتّي(٢٩) وهو غلط ؛ لقوله تعالى :﴿أربعة منكم﴾، وهو يخاطب الرجال. واختلف(٣٠) هل من شرط الشهادة في ذلك أن تكون في مجلس واحد فلا تقبل شهادتهم إذا كانوا متفرقين أم ليس من شرطها ذلك. وتقبل الشهادة إذا جاء الشهداء مجتمعين أو متفرقين على قولين في المذهب. والآية حجة لمن يرى ذلك، لأن الله تعالى لم يذكر في الشهداء الأربعة افتراقا ولا اجتماعا، فيحمل على عمومه حتى يقوم الدليل على غير ذلك. واختلف في اليهوديين والنصرانيين إذا زنيا هل يقام عليهما الحد كما يقام على المسلمين ؟ فذهب مالك(٣١) ومن تابعه إلى أنهما(٣٢) لا يقام عليهما الحد، ولكن يؤذيان إذا أعلنا ذلك. وذهب أبو حنيفة(٣٣) والشافعي(٣٤) إلى أنهما يرجمان إن كانا محصنين ويجلدان إن كان بكرين، والحجة عليهما قوله تعالى :﴿والتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾، فدل على أن ما عداهن بخلافهن. ١ "والسدي" ساقط في (ب) و(ج) و(د).. ٢ "وقال ابن عباس" ساقط في (د).. ٣ لعله "يمتن".. ٤ في غير (هـ): "بعدهما".. ٥ "قد": ساقطة في (د) و(هـ).. ٦ في (د): "تعالى".. ٧ "إلا" ساقطة في (د)، والصواب ما أثبتناه.. ٨ في (د) و(هـ): "عليه السلام".. ٩ انظر: صحيح البخاري: كتاب الشركة، باب٥، ص ١١١، كتاب العتق: باب ٤، ص١١٧، وصحيح مسلم: وكتاب العتق: حديث رقم ١٠٣٩.. ١٠ "القول" ساقط في (ب) و(د).. ١١ "الأولى" ساقطة في (ب) و(د).. ١٢ في (ج): "عمر ابن الخطاب رضي الله عنه".. ١٣ "من قوله" ساقط في كل من (ج) و(د) و(هـ).. ١٤ صحيح البخاري: كتاب التفسير، تفسير سورة النساء في الترجمة، وسنن أبي داود: كتاب الحدود، باب في الرجم.. ١٥ سقطت كلمة "في" (هـ).. ١٦ في (د): "الأولى" وفي (هـ): "الأخرى".. ١٧ "لمحصنين" ساقط في (ب).. ١٨ "هذه ثلاثة أقوال" ساقط في (هـ).. ١٩ هو عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد، صحابي من الموصوفين بالورع. شهد العقبة وبدر وسائر المشاهد، ثم حضر فتح مصر، وهو أول من ولي القضاء بفلسطين، روى ١٨١ حديثا، واتفق البخاري ومسلم على ستة منها، وكان من سادات الصحابة، ولد سنة ق. ٣٨هـ / ٥٨٢م، وتوفي سنة ٣٤ هـ / ٦٥٤م، انظر: الأعلام: ج ٤، ص ٣٠، الإصابة: ج ٢، ص ٢٦٨.. ٢٠ هو بضم الفاء وسكون الواو وفتح الراء: هو أبو بكر محمد ابن الحسين ابن فورك متكلم الأصولي الأديب النحوي، الواعظ الأصفهاني بلغت مصنفاته في أصول الفقه والدين ومعاني القرآن قريبا من مائة مصنف، توفي سنة ٤٠٦ هـ، ودفن بالحيرة (بكسر الحاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحت وفتح الراء) وهي محلة كبيرة بنيسابور. ابن خلكان: ج١، ص ٤٨٣.. ٢١ قوله: "يكون منسوخا..." القول الأول كله ساقط في (ج) و(د).. ٢٢ "بأنها في الأبكار خاصة" ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٢٣ "وعلى القول بأنهما في المحصنين يكون الناسخ في إحدى الآيتين التي قدمنا ذكرهما في الرجم" ساقط في (ب).. ٢٤ في (هـ): "النساء".. ٢٥ في (هـ): "كمن أحصن ومن لم يحصن".. ٢٦ هو عبد الله بن عبد المطلب بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعد خبر الأمة من الذين اشتهروا بتبحرهم في العلم، توفي سنة ٦٨ هـ/٦٨٧م، انظر: الأعلام: ج٤، ص ٢٢٨ – ٢٢٩.. ٢٧ في (ه): "لا خلاف بين أهل العلم".. ٢٨ كلمة "شهادة" ساقطة في (ج).. ٢٩ "البتي" بياض في (د)، والبتي هو: أبو عمرو بن سليمان بن جرموز البتي مولى بني زهرة. توفي سنة ١٤٣ هـ. انظر: طبقات ابن سعد: ج٧، ص ٢٥٧، وطبقات الفقهاء: ص٩١.. ٣٠ "واختلف" ساقط في (ب).. ٣١ هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وصاحب كتاب الموطأ وإليه تنسب المالكية، ولد سنة ١٩٣هـ / ٧١٢م، وتوفي سنة ١٧٩هـ / ٧٩٠م. انظر: الأعلام: ج١، ص ١٢٨.. ٣٢ في (د): "أنه".. ٣٣ هو النعمان بن ثابت التميمي بالولاء، الكوفي، أبو حنيفة، إمام الحنفية وأحد الأئمة الأربعة، وقيل: أصله من فارس، ولد سنة ٨٠هـ/ ٦٩٩م، وتوفي سنة ١٥٠هـ/ ٧٦٧م، بالسجن حبسه المنصور العباسي لأنه رفض القضاء ببغداد. انظر: الأعلام: ج٩، ص ٤-٥.. ٣٤ هو الإمام أبو عبد الله محمد ابن إدريس الشافعي، أحد أئمة المذاهب الأربعة، ولد سنة ١٥٠هـ / ٧٦٧م، وتوفي سنة ٢٠٤هـ / ٨٢٠م، صاحب كتاب "الأم" وكتاب "الرسالة". انظر: الأعلام: ج ٦، ص٢٤٩، وكذلك دائرة المعارف لبطرس البستاني: ج١٠، ص٣٩٠..

النساء 4:17

١٧ - قوله تعالى :﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة﴾ الآية : التوبة : الندم(١)، على ما مضى من فعل عصى الله تعالى(٢) به من حيث هو معصية لا من حيث(٣) أضر ببدن أو ملك. وإن كان ذلك الفعل مما يتأتى(٤) العودة إليه، فيجب أن ينضاف إلى الندم العزم على ترك العودة إليه، وإن كان مما لا يتأتى فلا يحتاج إلى ذلك العزم. والتوبة من الذنب واجبة لقوله تعالى :﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنين﴾ [النور: ٣١]، فأجمع الناس(٥) أن(٦) هذا الأمر على الوجوب، وتصح التوبة عندنا من الذنب مع البقاء على ذنب آخر خلافا لمن منع من المعتزلة، لأن النادم على ذنب وهو مصر على آخر قد لزمه اسم التوبة في كلام العرب وهو الرجوع. فهو قد رجع عن أمر فهو تائب منه، وهو تعالى قد قال :﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب﴾ [النساء: ١٧]، وهذا قد عمل سوء ثم تاب فهو تائب من جهة، وغير تائب من جهة أخرى/، وهذا لا يتنافى إلا لو كان من جهة واحدة في حين واحد من شخص(٧) واحد. وما ذلك في شخص(٨) واحد إلا بمنزلته في شخصين(٩) تاب أحدهما من ذنوبه والآخر لم يتب فهل يمنع الذي لم يتب قبول توبة التائب ؟ وإذا صحت توبة العبد، فإن كانت عن(١٠) الكفر قطعنا بقبولها وإن كانت عما(١١) سواه في المعاصي، فمن العلماء من يقطع بقبولها(١٢)، ومنهم من لا يقطع بقبول ذلك وظنه ظنا(١٣)، وهذا عندي هو الأصح لأن هذا لا يعرف من طريق العقل وإنما يلجأ فيه إلى السمع والظواهر التي أتت بالقبول ليست بعوض لاحتمال التأويل(١٤)، وإنما هي عمومات معرضة للتأويل كقوله تعالى :﴿هو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ [الشورى: ٢٥]، فكيف يصح القطع مع ذلك، والسوء في الآية يعم الكفر والمعاصي(١٥). وقوله(١٦) :﴿بجهالة﴾ اختلف في معناها فقيل : الجهالة السفاهة، قاله جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة : اجتمع(١٧) أصحاب سيدنا(١٨) محمد صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية فهي جهالة عمدا كانت أو جهلا. وقال به ابن عباس ومجاهد(١٩) والسدي(٢٠). وروي عن مجاهد والضحاك(٢١) أنهما قالا : الجهالة هنا العمد(٢٢)، وقال عكرمة(٢٣) : أمور الدنيا كلها جهالة يريد بها الخارجة عن طاعة الله، وقيل : بجهالة لا يعلم كنه العقوبة. واختلف في معنى قوله :﴿من قريب﴾ (٢٤)، فقال ابن عباس والسدي : معنى ذلك قبل المرض والموت. وقال أبو مجلز(٢٥) ومحمد ابن قيس والضحاك وعكرمة وابن يزيد(٢٦) وغيرهم : معنى ذلك قبل معاينة الملائكة وأن يغلب المرء على نفسه. وروي أن الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام فرآه إبليس أجوف ثم جرى له ما جرى/ ولعن وأنظر، وقال : " وعزتك لا برحت من قبله ما دام فيه الروح "، فقال : " وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح " (٢٧). وقال إبراهيم النخعي(٢٨) : كان يقال التوبة مبسوطة لأحدكم ما لم يأخذ بكظمه، وروى أن النبي صلى الله عله وسلم قال : " إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ويغلب على عقله " (٢٩)، وقيل : قوله تعالى :﴿من قريب﴾ معناه : من قريب إلى وقت الذنب. ١ في (ج) و(د): "التوبة هي الندم".. ٢ كلمة "تعالى" سقطت في (هـ).. ٣ في (هـ): "من حيث أنه".. ٤ في (ج) و(د): "لا يتأتى".. ٥ في (ج) و(د) و(هـ): "فأجمعوا".. ٦ في (د) و(هـ): "على أن".. ٧ في (أ): "في شخص واحد" وفي (ب) و(د): "ثم شخص واحد".. ٨ في (هـ): "وما ذلك بشخص".. ٩ في (ب): "إلا بمنزلة الشخصين".. ١٠ في (ب) و(د):"على".. ١١ في (د): "عن".. ١٢ قوله: "وإن كانت عما سواه بقبولها" ساقط في (هـ).. ١٣ في (هـ): "من لم يقطع بقبولها ويجعله ظنا".. ١٤ قوله: "لأن هذا لا يعرف من طريق العقل... لاحتمال التأويل" ساقط في (ب).. ١٥ قوله: "والسوء في الآية يعم الكفر والمعاصي" ساقط في (د).. ١٦ في (د): "وقوله تعالى".. ١٧ في (د): "أجمع".. ١٨ في (د) و(هـ): "أصحاب محمد".. ١٩ هو أبو الحجاج مجاهد ابن جبر، وقيل: ابن خبر، المكي المخزومي تابعي، ولد في خلافة عمر بن الخطاب، وتوفي سنة ١٠٤هـ / ٧٢٣م، انظر: ميزان الاعتدال: ج٣، ص٤٣٩، وتاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس: ج٢، ص ٣١٨، تهذيب التهذيب لابن حجر: ج١٠، ص٤٢، والبداية والنهاية لابن كثير: ج٩، ص ٢٢٤، وتفسير مجاهد ص ٣٩.. ٢٠ هو إسماعيل بن عبد الرحمان السدي، تابعي حجازي الأصل. الأعلام: ج١، ص٣١٣.. ٢١ هو الأجنب ابن قيس، تابعي أدرك عهد النبي صلى الله عليه وسلم. انظر وفيات الأعيان: ج٢، ص٤٩٩.. ٢٢ في (د): "العهد".. ٢٣ هو أبو عبد الله عكرمة بن عبد الله مولى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أصله من البربر من أهل المغرب تعلم القرآن والسنن، وهو أحد فقهاء مكة وتابعيها. وتوفي في سنة ١٠٧هـ / ٧٢٥م على خلاف في ذلك. انظر ابن خلكان: ج١، ص ٣١٩ – ٣٢٠، طبقات الفقهاء: ص٧٠، وتذكرة الحفاظ: ج ١، ص٩٥ – ٩٦، وطبقات المفسرين: ج١، ص ٣٨٠ – ٣٨١.. ٢٤ كلمة "من" سقطت في (د).. ٢٥ في (د):"أبو ماجد".. ٢٦ هو جابر ابن زيد الأزدي البصري، أبو الجعثاء، تابعي، فقيه من الأئمة من أهل البصرة ولد سنة ٢١ هـ / ٦٤٢ م، وتوفي سنة ٩٣ / ٧١٢م، انظر: الأعلام: ج٢، ص ٩١.. ٢٧ انظر المسند للإمام أحمد ابن حنبل: ج٣، ص٢٩ – ٤١.. ٢٨ هو أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي من كبار الفقهاء التابعين، توفي سنة ٩٥هـ / ٧١٤م، وقيل سنة ٩٦هـ / ٧١٥م. انظر وفيات الأعيان: ج١، ص ٢٥، تذكرة الحفاظ: ج١، ص ٦٣ – ٦٤، طبقات الفقهاء: ص ٨٢، وتذكرة الحفاظ: ج١، ص ٧٣ – ٧٤.. ٢٩ انظر سنن الترمذي كتاب الدعوات باب٩٩، ص ٥٤٧، وسنن ابن ماجة، كتاب الزهد، باب ٣٠، ص ١٤٢٠..

النساء 4:18

١٨ قوله تعالى :﴿حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾ الآية : هذا كما كان فرعون حين صار في غمر الماء والغرق فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان. واختلف الناس في هذه الآية التي ذكرنا هل هي منسوخة أم محكمة ؟ فذهب بعضهم إلى أنها منسوخة بقوله تعالى :﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، قالوا : فحرم الله تعالى المغفرة لمن مات كافرا وأرجى أهل المعاصي من أهل التوحيد إلى مشيئته(١)، فلم يؤيسهم من المغفرة ورأوا أن الآية الأولى تعطي أنه إذا لم تقبل توبة العاصي فلن يغفر الله له، وذهب أكثرهم إلى أن الآية لا تنفي أن يغفر(٢) للعاصي الذي لم تقبل توبته، وهو الذي لا يتوب من قريب فيضطر إلى أن يقول : إن قوله تعالى :﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ ناسخ لها، وإنما نفت هذه الآية أن يكون تائبا فلم يتب إلا عند حضور الوفاة. وطعن بعضهم في قول من جعل الآية منسوخة بأن الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ. وهذا الاعتراض ساقط لأن الآية وإن كانت خبرا فقد تضمنت حكما، وإذا كانت كذلك جاز أن تنسخ وعندنا أن المرتد إذا تاب قبلت توبته. وذهب بعضهم إلى أنه لا تقبل توبته، وحجتنا على من قال ذلك قوله تعالى :﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة﴾ (٣) الآية، وقوله :{ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون ) الآية [الشورى: ٢٥]، (٤) وقوله(٥) :{ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } [الأنفال: ٣٨]. ١ في (ج) و(د): "مشيئة الله تعالى".. ٢ في (د): "أن يغفر الله".. ٣ "على الله للذين يعملون السوء بجهالة" سقطت في (هـ).. ٤ هذه الآية مع "قوله" سقطت في (ب) و(د).. ٥ في (د): "وقوله تعالى"..

النساء 4:19

١٩ - قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ إلى قوله :﴿ولا تنكحوا ما نكح آبائكم من النساء﴾ : اختلف المتأولون في قوله :﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾، فقال(١) ابن عباس : كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته من أهلها إن شاؤوا تزوجوها، وإن شاؤوا منعوها الزواج حتى الموت، فنزلت الآية. قال أبو أمامة ابن سهل ابن حنيف(٢) : لما توفي أبو قيس ابن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية. فنزلت في ذلك واسم ابنه محض(٣) واسم(٤) المرأة على ما ذكر عكرمة : كبيشة بنت معن الأنصارية. وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة وفي قريش مباحة على التراضي، وقد خلف أبو عمرو ابن أمية على(٥) امرأة أبيه بعد موته، فولدت من أبي عمرو مسافرا وأبا معيط. وكان لها من أبيه أبو العيص وغيره(٦) فكان بنو أمية أخوة مسافر أبي معيط وأعمامهما. وقال بمثل(٧) هذا القول عكرمة وأبو مجلز(٨) والحسن البصري(٩). وقال مجاهد : كان الابن الأكبر أحق بامرأة أبيه إذا لم يكن ولدها، وقال السدي : كان ولد الميت إذا سبق فألقى على امرأة أبيه ثوبه(١٠) فهو أحق بها وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها. والروايات في هذا كثيرة بحسب سيرة الجاهلية فعلى هذا القول في الآية يكون الموروث النساء، والمعنى : لا تجعلوا النساء كالمال يورثن عن الرجال الموتى كما يورث المال. والمخاطبون أولياء الموتى. والتقدير : لا يحل لكم أن ترثوا(١١) آباءكم وأقرباءكم نكاح نسائهم. وقال بعض المتأولين : معنى الآية : لا يحل لكم عضل النساء/ اللواتي أنتم لهن أولياء وإمساكهن(١٢) دون تزويج فترثون(١٣) أموالهن، وعلى هذا القول يكون الموروث المال دون النساء، وقد روي نحو هذا عن ابن عباس... والمخاطبون بالآية على هذا التأويل أولياء النساء. واختلف المتأوّلون أيضا في معنى قوله تعالى :﴿ولا تعضلوهن﴾ الآية، فقال ابن عباس وغيره : هي أيضا في نهي أولئك الأولياء الذين كانوا يرثون المرأة لأنهم كانوا يتزوجونها إذا كانت جميلة ويمسكونها حتى تموت إذا كانت ذميمة، فالمعنى، لا تحبسوهن عن نكاح من أردن نكاحه حتى يمتن من أموالهن(١٤) ما كان أعطاهن موتاكم من صدقاتهن، وقال نحوه الحسن وعكرمة. ومعنى قوله تعالى(١٥) :﴿آتيتموهن﴾ على هذا القول، أي : آتاها الرجل قبلكم. وقال ابن عباس أيضا : هي للأزواج(١٦) أن يمسك أحدهم المرأة ويسيء عشرتها حتى تفتدي منه، فذلك لا يحل له، وقال بعضهم : نهى الزوج بعد فرقة(١٧) المرأة عن عضلها عن التزويج وكان ذلك من فعل الجاهلية. وقال ابن زيد : هذا العضل المنهي عنه في الآية هو من سير الجاهلية، كان في قريش بمكة إذا لم يتوافق الزوجان طلقها على أن تتزوج إلا بإذنه ويشهد عليها بذلك، فإذا خطبت فإن أعطته ورشته وإلا عضل(١٨) ففي هذا نزلت الآية. وأقوى هذه الأقوال والذي عليه(١٩) الجمهور أن المراد بالآية الأزواج وأنهم المخاطبون(٢٠) وبحسب ذلك تجاذب الفقهاء الآية واحتج بها أكثرهم في أمر الخلع، واختلف المتأولون في الفاحشة المبينة ما هي ؟ فقال قوم : هي الزنا، وقال قوم : الفاحشة المبينة هاهنا شتم العرض وأن تبذو عليه بلسانها أو تخالف أمره، لأن كل فاحشة وصفت في القرآن مبينة(٢١) فهي في باب النطق. وكل فاحشة أتت فيه مطلقة لم تنعت بمبينة، فالمراد بها الزنا. وقال بعضهم(٢٢) : المراد بها/ الزنا والأذى والنشوز والبذو باللسان وما أشبه ذلك. واختلف في قوله :﴿إلا أن يأتين﴾ هل هذا الاستثناء متصل أو منفصل ؟ وعلى هذا(٢٣) اختلف الفقهاء في الرجل إذا نشزت عليه امرأته أو أحدثت حدثا من زنا أو غيره، هل له أن يضارها حتى تفتدي منه أم لا ؟ فذهب مالك ومن تابعه إلى أنه ليس له ذلك وأنه إنما له من ذلك ما كان لغير ضرر منه وطابت به نفسها لقوله تعالى :﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا﴾ [النساء: ٤]، (٢٤) واختلف في الاستثناء على هذا القول، فقيل : هو(٢٥) متصل والآية تعطي جواز الإضرار حتى يأخذ(٢٦) ما أتاها، ولكن نسخ بالحدود وهو قول ضعيف، وإلى نحو(٢٧) هذا ذهب عطاء(٢٨)، وقيل : بل الاستثناء منفصل، والتقدير : ولكن إن أتين بفاحشة مبينة لكم أن تقبلوا منهن في الفداء ما طابت به أنفسهن. وذهب قوم من أهل العلم إلى أن الرجل(٢٩) إن أتت امرأته بشيء مما ذكرنا من زنا وغيره أن يضيق عليها حتى تفتدي منه وجعل الاستثناء أيضا متصلا، والآية محكمة. وإذا قلنا أنها إذا (٣٠) نشزت جاز له أن يأخذ منها، فهل له أن يأخذ منها (٣١) جميع ما أعطاها أم لا ؟ فذهب مالك (٣٢) وغيره إلى أنه جائز أن يأخذ جميع ما تملك. وقال بعضهم : يجوز ولكن لا يتجاوز ما أعطاها، واحتجوا بقوله تعالى :﴿لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن﴾. قوله تعالى :﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ : أمر للجميع ؛ إذ لكل أحد عشرة، زوجا كان أو وليا، ولكن الملتمس (٣٣) بهذا الأمر في الأغلب الأزواج. والعشرة المخالطة والممازجة، ومنه قول طرفة : فلئن شطت نواها مرة؍ لعلى عهد حبيب معتكر (٣٤) (٣٥)؍ وقوله :﴿بالمعروف﴾ اختلف فيه، فقيل : بالمعروف في المبيت والكلام، وقيل : إمساكهن بأداء حقوقهن التي لهن (٣٦) أو تسريحهن بإحسان. والآية ينبغي أن تحمل على العموم مما تقتضيه المعاشرة بالمعروف من (٣٧) المهر والنفقة والعدل في القسم وأن (٣٨) لا يعاتب ولا يعاقب على غير ذنب (٣٩) ونحو ذلك. واختلف العلماء في الزوجة إذا كانت ممن (٤٠) لا تخدم نفسها هل يجب على الزوج إخدامها أم لا ؟ فالجمهور على إيجاب ذلك. وذهب داود (٤١) إلى أنه لا يجب أن يخدمها. ودليل الجمهور مقتضى قوله تعالى :﴿وعاشروهن بالمعروف﴾، وإذا قلنا بوجوب الخدمة فما الذي يجب عليه منها ؟ فقيل : لا يجب عليه لها أكثر من خادم واحد، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك. وقيل : وإن كانت لا يكفيها خادم واحد وحال الزوج يحتمل أخدمها خدمة مثلها، ودليل هذا القول قوله تعالى :﴿وعاشروهن بالمعروف﴾. وقوله تعالى :﴿فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا﴾ : فيه بيان استحباب الإمساك بالمعروف وإن كان على خلاف هوى النفس وفيه دليل على أن الطلاق مكروه، وهو موافق لقوله عليه الصلاة والسلام(٤٢) : " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " (٤٣). ١ في (هـ): "اختلف المتأولون فيها فقال...".. ٢ في (د): "حيف".. ٣ في (ب) و(هـ): "محسن".. ٤ "واسم" ساقط في (ب).. ٥ "على" ساقطة في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٦ في (ج) و(هـ): "وغيره كان". ٧ "بمثل" ساقط في (ب).. ٨ في (ب): "أبو" وبعده بياض في مكان "مجلز".. ٩ البصري هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري، من أئمة علماء التابعين، له كتاب الرد على القدرية، توفي سنة ١١٠هـ/ ٧٢٩م. انظر طبقات المفسرين: ج٢، ص ١٤٧، وفيات الأعيان: ج ٢، ص ٦٩.. ١٠ في (هـ): "امرأة الميت ثوبه".. ١١ في (د): "ترثوا من".. ١٢ "إمساكهن" ساقط في (هـ).. ١٣ في (هـ): "دون تزويج حتى يمت فترثون".. ١٤ في (أ) و(ب) و(ج): "حتى يمتن فتأخذوا من أموالهم" وفي (هـ): "فتأخذوا أموالهن" وفي (د)"فتأخذوا أموالهن".. ١٥ "تعالى": سقطت في (د) و(هـ).. ١٦ في غير (هـ): "هي للأزواج".. ١٧ في (هـ): "فراق".. ١٨ في (د) و(هـ): "عضلها".. ١٩ في (هـ): "ذهب عليه".. ٢٠ في (د) و(هـ): "المخاطبون بها".. ٢١ في (د) و(هـ): "مبينة".. ٢٢ "وقال بعضهم المراد بها الزنا" هذا ساقط في (ج) و(هـ).. ٢٣ في (هـ): "وعليه اختلف".. ٢٤ قوله: "فكلوه هنيئا".. ٢٥ "هو" ساقط في (هـ).. ٢٦ ) في (ب) و(ج) و(هـ): "حتى تعطي".. ٢٧ لفظة "نحو" سقطة في (هـ).. ٢٨ هو أبو محمد عطاء ابن أبي رباح، كان من الفقهاء الأجلاء، ومن تابعي مكة وزهادها، توفي سنة ١١٥ هـ وقيل ١١٤هـ/ ٧٣٢م، وعمره ثمان وثمانون سنة رضي الله عنه. انظر: وفيات الأعيان: ج١، ص ٣١٨ – ٣١٩.. ٢٩ في (ب) و(هـ): "للرجل".. ٣٠ "إذا" ساقط في (ب).. ٣١ "منها" سقطت في (هـ).. ٣٢ في (هـ): "ذهب".. ٣٣ في (هـ): "الملتبس".. ٣٤ البيت من قصيد لطرفة ابن العبد. انظر ديوان طرفة: ص٥٢.. ٣٥ "الرمل".. ٣٦ "التي لهن" سقطت في (ج) و(ب) و(هـ).. ٣٧ "من"سقطت في (هـ).. ٣٨ "وإن" سقطت في (هـ).. ٣٩ "ولا يعاقب من غير ذنب" في (هـ).. ٤٠ "ممن"سقطت من (هـ).. ٤١ هو أبو سلمان داود بن علي بن خلف الأصفهاني الملقب بالظاهري أحد الأئمة المجتهدين، توفي سنة ١٧٠هـ / ٨٤٩م. انظر وفيات الأعيان: ج١، ص ٢٥٥ – ٢٥٧، وتذكرة الحفاظ: ج٢، ص ١٥٠ – ١٥٢، والفهرست لابن النديم: ج١، ص ٢١٦ – ٢١٧.. ٤٢ في (هـ) و(د):"لقوله النبي صلى الله عليه وسلم".. ٤٣ انظر سنن أبي داود: كتاب الطلاق، باب٣، ص ٦٣١ – ٦٣٢، وسنن ابن ماجه: كتاب الطلاق، باب١، ص ٦٥٠، واللفظ له. والحديث ضعفه غير واحد من الحفاظ..

النساء 4:20

٢٠ - وقوله تعالى :﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ الآية : اختلف في هذه الآية هل هي محكمة(١) أم لا ؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة في قوله تعالى في سورة البقرة :﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا﴾ إلى قوله :﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾، قاله ابن عباس وعكرمة وغيرهما. وذهب بعضهم / إلى أن هذه الآية :﴿فلا تأخذوا منه شيئا﴾ (٢) ناسخة لما في البقرة في قوله تعالى :﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ (٣) [البقرة: ٢٢٩]، وهذا(٤) من لا يجيز من المختلعة شيئا قليلا ولا كثيرا. والصحيح أن هذه الآية ليست ناسخة ولا منسوخة. وبعض الآيات تنبني على بعض، ولما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي سببه من المرأة وأن للزوج أخذ المال منها على ذلك عقب ذلك بذكر الفراق الذي سببه من الزوج والمنع من أخذ ما لها مع ذلك، وقد تقدم الكلام على فقه هذه الآية في سورة البقرة(٥). واختلف في جواز المغالاة بالمهور، فأجازه الجمهور ومنعه قوم. واحتج مجيزوه بهذه الآية(٦)، قالوا : لأن الله تعالى قد مثل بقنطار ولا يمثل تعالى إلا(٧) بمباح. وخطب عمر فقال : ألا لا تغالوا في صداق(٨) نسائكم، فإن الرجل يغالي حتى يكون ذلك في قلبه عداوة للمرأة، يقول : تجشمت إليك علق القربة وعرق القربة. فروى أن امرأة كلمته من وراء الناس فقالت : كيف هذا(٩) والله تعالى يقول :﴿وآتيتم إحداهن قنطارا﴾ قال : فأطرق عمر رضي الله عنه(١٠) ثم قال : " كل الناس أفقه منك يا عمر. ويروى أنه قال : امرأة أصابت ورجل أخطأ والله المستعان " وترك الإنكار. وقال الذين ذهبوا إلى منع المغالاة : لا تعطي الآية جواز ذلك ؛ لأن التمثيل جاء على جهة المبالغة كأنه قال : وآتيتم هذا القدر العظيم(١١) الذي لا يؤتيه أحد، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام(١٢) : " من بنى مسجدا(١٣) لله ولو كمفحص(١٤) قطاة بنى الله تعالى له بيتا في الجنة " (١٥)، فمعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص قطاة(١٦)، وقد قال عليه الصلاة والسلام(١٧) / لابن أبي حدرد وقد جاءه يستفتيه في مهر، فسأله عن المهر، فقال : مائتين، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " كأنكم تقطعون(١٨) الذهب والفضة من عرض الحرة أو جبل... ". الحديث(١٩). ١ في (ب) و(د) و(ج) و(هـ): "منسوخة".. ٢ قال ابن عباس وعكرمة وغيرهما، وذهب بعضهم إلى أن هذه الآية ﴿فلا تأخذوا منه شيئا﴾ ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٣ "ناسخة لما في البقرة في قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٤ في (هـ): "وهذا هو".. ٥ في "سورة البقرة" ساقط في (د) و(ب) و(ج)، والذي في (ج) هو: "وقد تقدم الكلام على فقه هذه الآية وقد استدل بها من قال بجواز المغالاة في الصدقات".. ٦ "واختلف في جواز المغالاة بالمهور فأجازه الجمهور ومنعه قوم واحتج مجيزوه بهذه الآية" ساقط في (ب) و(هـ) و(ج) و(د).. ٧ "إلا"ساقط في (ب) و(ج) و(د).. ٨ في (هـ): "صدقات".. ٩ في (ج): "كيف يكون هذا"، وفي (هـ): "وكيف يكون هذا".. ١٠ "رضي الله تعالى عنه" سقطت في (هـ) و(د).. ١١ في (هـ) و(ب) و(ج) و(د): "كأنه قال: وآتيتم إحداهن قنطار أي هذا القدر العظيم".. ١٢ في (هـ): "عليه السلام".. ١٣ في (هـ): "بيتا".. ١٤ "كفحص" ساقط في (ب).. ١٥ قوله: "بنى الله له بيتا في الجنة" ساقط في (هـ) والحديث في: صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب، ٤ ص ٣٧٨، في صحيح البخاري: كتاب الصلاة، باب ٦٥، ص ١١٦.. ١٦ "كمفحص قطاة" بياض في (ب)، و"قطاة" سقطت في (د) وفي (هـ): "القطاة".. ١٧ في (د) و(هـ): "عليه السلام".. ١٨ "تقطعون" بياض في (ب).. ١٩ صحيح مسلم: كتاب النكاح، باب ١٢، ص ١٠٤٠..

النساء 4:21

٢١ وقوله تعالى :﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ : يستدل به من أوجب المهر بالخلوة على ظاهر قول عمر(١) : " إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق " ولا حجة فيه لكون الإفضاء مختلفا في تفسيره، وأن الآية لم(٢) يصدق شيء من هذا المعنى، ومع أن قوله تعالى :﴿من قبل أن تمسوهن﴾ [البقرة: ٢٣٧]، يعم المخلو بها غيرها وما(٣) يوجب لها إلا نصف الصداق مهما لم يكن مسيس. وأيضا، فإن الإفضاء كأنه مأخوذ من الفضاء الذي هو السعة. والكناية عند العرب إنما تستعمل فيما يستحي من(٤) التصريح بذكره، فكني بالإفضاء عنه. والخلوة لا يستحي من ذكرها، فلا يحتاج إلى كناية، فإن قيل : فهذا محتمل. قلنا : صدقتم، ولكن الظاهر أنه الجماع، فلا يعدل عنه إلا بدليل، مع أن قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مقدم على قول الفراء(٥) ؛ إذ هو حبر الأمة وترجمان القرآن مع أنه قد نقل عن الفراء مثل قوله. ويحتمل أن يكون(٦) اشتقاق الآية من فضا، أي مختلط(٧)، وقوم فوضى أي مختلطون، وكيفما نظر معناه إن كان من الفضاء أو من قولهم : فضا فهو يدل على المجامعة، وقال الفراء(٨) : الإفضاء عبارة عن الخلوة(٩)، واختلف أيضا في الميثاق(١٠) الغليظ، فقال الحسن وابن سيرين(١١) وغيرهما : هو قوله تعالى :﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال مجاهد وابن زيد : هو عقدة النكاح، وقول الرجل : نكحت وملكت النكاح ونحوه... فهذه التي بها تستحل / الفروج. وقال عكرمة والربيع(١٢) : الميثاق الغليظ يفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم : " استوصوا بالنساء خيرا(١٣)، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله "، وقال قوم : الميثاق الغليظ الولد. ١ صحيح مسلم: كتاب النكاح، باب ١٢، ص ١٠٤٠.. ٢ في (هـ) و(د): "عمر رضي الله تعالى عنه".. ٣ "لم" ساقطة في (ب) و(ج) و(د). ** في (هـ) و(ج) و(د): "لم يوجب".. ٤ في (هـ): "فيما يستهجن التصريح". ٥ هو أبو زكرياء يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسلمي، المعروف بالفراء الديلمي الكوفي مولى بني أسد، وقيل: مولى بني منقر له كتاب المصادر في القرآن، وكتاب الجمع والتثنية في القرآن وغير ذلك من الكتب، توفي سنة ٢٠٧هـ، وعمره ٦٣ سنة رحمه الله تعالى. ابن خلكان: ج٢، ص ٢٢٨ – ٢٣٠.. ٦ (يكون) سقطت في (هـ).. ٧ في (هـ):"اختلط".. ٨ "الفراء" سقط الـ من (د).. ٩ في (د): "المجامعة".. ١٠ في (د) و(هـ): "في المراد بالميثاق".. ١١ هو محمد بن سيرين البصري الأنصاري تفقه ودرس الحديث واشتهر بالورع واستكتبه أنس بن مالك بفارس، توفي سنة ١١٠هـ/ ٧٢٩م. الأعلام: ج٧، ص٢٥.. ١٢ هو الربيع بن زياد بن أنس الحارثي أمير فاتح أدرك عصر النبوة، توفي سنة٥٣ هـ / ٦٧٣م انظر الأعلام: ج٣، ص٣٨.. ١٣ انظر صحيح البخاري: كتاب الأنبياء، باب١، ص١٠٣، وصحيح مسلم: كتاب الرضاع، باب٦٨، ص ١٠٩١..

النساء 4:22

٢٢ - قوله تعالى :﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ الآية إلى قوله ﴿فما استمتعتم﴾ : سبب هذه الآية أن العرب كانت منهم قبائل قد اعتادت أن يخلف الرجل منهم على امرأة أبيه على ما ذكرنا من أمر أبي عمرو ابن أمية وابن الأسلت(١)، ومن ذلك صفوان بن أمية ابن خلف(٢) تزوج بعد أبيه فاختة بنت الأسود بن عبد المطلب بن الأسد(٣)، وكانت امرأة أبيه أمية فقتل عنها، ومن ذلك منظور ابن زبان(٤) خلف على امرأة أبيه ريان وكانت مليكة بنت خارجة إلى كثير من هذا، وقد كان في العرب من تزوج ابنته وهو حاجب بن زرارة(٥) تمجس(٦) وفعل هذه(٧) الفعلة، وقال ابن عباس : كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فنزلت هذه الآية. وقوله تعالى :﴿ما نكح آباؤكم من النساء﴾ : اختلف في تأويله، فقالت فرقة : يراد به النساء، أي لا تنكحوا النساء اللواتي نكح آباؤكم، ف " ما " على هذا القول واقعة على من يعقل، وإنما جاز ذلك لأنه إنما أريد به نوع النساء، و " ما " تقع على الأنواع مما يعقل، والذين ذهبوا إلى هذا القول مختلفون في قوله تعالى :﴿إلا ما قد سلف﴾ فقيل : معناه إلا ما قد سلف فدعوه. وقيل : لكن ما سلف فهو معفوّ عنه لمن كان(٨) واقعه فكأنه قال : ولا تفعلوا حاشي ما قد سلف، وهذا(٩) استثناء منقطع/. قال أبو الحسن : في هذه الآية دلالة ظاهرة للشافعي في أن من تزوج امرأة أبيه ثم وطءها مع العلم بالنهي والتحريم أنه زان، لأنه تعالى قال :﴿كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا﴾ فذكر في نكاح امرأة الأب مثل ذلك. وقال ابن زيد : المعنى إلا ما قد سلف من الآباء في الجاهلية من الزنا بالنساء(١٠) لا على وجه المناكحة، فذلك جائز لكم زواجهن في الإسلام، لأن ذلك الزنا كان فاحشة ومقتا، فالاستثناء على هذا متصل. وقالت فرقة : ما نكح يراد به نكاح الآباء أي نكاحا مثل نكاحهم أو لا تنكحوا كما نكح آباؤكم من عقودهم الفاسدة. واختلف أيضا في تأويل الاستثناء فقيل : معناه إلا ما تقدم منكم من تلك العقود الفاسدة، فأباح لكم الإقامة عليها في الإسلام إذا كان مما يقر الإسلام عليه من جهة القرابة ويجوزه الشرع كما لو ابتدئ نكاحه في الإسلام على سنته. وقيل : المعنى إلا ما قد سلف فهو معفو عنكم. وقوله تعالى :﴿إنه كان فاحشة﴾ قال المبرد(١١) : كان هنا زائدة، قال الزجاج(١٢) : لو كانت زائدة لكانت فاحشة مرفوعة. وقال بعضهم : كان في هذه الآية تقتضي الماضي والمستقبل. والصحيح في ذلك ما قاله الزجاج وغيره من أن " " كان " إنما أريد بها هنا الماضي، لأن الله تعالى إنما أخبر أن الذي حرمه علينا كان في الجاهلية مستقبحا يسمونه فاحشة ومقتا. قال أبو عبيدة(١٣) وغيره : كانت العرب تسمي الولد الذي يجيء من زوج الوالد المفتي. واختلف في الزنا هل تثبت به حرمة المصاهرة/ أم لا ؟ فعن مالك في ذلك روايتان، وقول أبي حنيفة : أنه تثبت. وقول الشافعي : أنه لا تثبت. ووجه إثباتها قوله تعالى :﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ فعم. قال بعض من احتج بهذا القول : أن النكاح(١٤) في(١٥) اللغة عبارة عن الجمع والضم وهو أظهر في الوطء منه في العقد. فتقديره : ولا تطؤوا ما وطء آباؤكم من النساء. فدل هذا على أن التحريم متعلق بصورة الوطء. وأجاب عن هذا من نصر القول بأنه لا يثبت به حرمة المصاهرة، بأن قال : الصفة(١٦) إذا أطلقت في الشرع دون عرف في اللغة وعرف في الشرع وجب حملها على عرف الشرع دون عرف اللغة كالصوم والصلاة والزكاة ونحو ذلك. وعرف الشرع في لفظ النكاح : العقد. قال تعالى :﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وقال عليه الصلاة والسلام(١٧) : " لا نكاح إلا بولي " (١٨) إلى غير ذلك من الآيات والأخبار المراد بها العقد، ولهذا لو قال لامرأة : إن نكحتك فأنت طالق، فإنه يقع الطلاق بنفس العقد. وإذا صح أن المراد به في الشرع العقد وجب حمله عليه عند الإطلاق. وقال أبو بكر الرازي(١٩) أنا أسلم أن المراد به العقد إذا أطلق إلا إذا كانت قرينة هناك تصرفه عن العقد إلى الوطء. وفي هذا المقام قرائن دالة على أن المراد به الوطء، ومن ذلك ما ذكره المفسرون أن الآية إنما نزلت في العرب وذلك أنها كانت تخلف آباءها في نسائهم، وإنما كانت تخلفهم في الوطء لأنهم ما(٢٠) كانوا يجدون عقدا. ولهذا قال :﴿إلا ما قد سلف﴾ أي فإنه معفو/ ولا إثم فيه(٢١)، ولهذا سماه فاحشة(٢٢) ولهذا حرم نكاح(٢٣) موطوءة الأب بملك اليمين بحكم هذه الآية ولا نكاح هناك. قال(٢٤) : ولا يمكن ادعاء العموم في مسميات مختلفة المعاني بعضها مجاز وبعضها حقيقة. يريد أنه لا يجوز أن يحمل قوله تعالى :﴿ولا تنكحوا﴾ الآية على العموم في العقد والوطء، لأنه حقيق في العقد مجاز في الوطء. وهذا قول أكثر الأصوليين، فأجاب عن هذا من نصر القول الآخر، بأن قال : الآية من أولها إلى آخرها إنما دلت على الوطء في العقد، ولهذا قال :﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ [النساء: ٢٠]، وقال(٢٥) :﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخر الآية، ولم يجر للزنا فيه ذكر فكيف يحمل النكاح على ما لم يجر له في الآية ذكر. والآية إنما وردت في النكاح لا في الزنا، فلتحمل عليه، وكيف لا ! وقد قال(٢٦) :﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾، فقيد ذلك بالصلب. فذكر الله عز وجل في هذا المقام حليلة الابن وتعرض لها، فكيف يعرض عن حليلة الأب ولا ذكر لها إلا في قوله عز وجل :﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾، فثبت بهذا أن الآية صيغت لبيان حكم النكاح. وأما لبيان حكم الزنا فلا. ثم كلام الشرع إنما يجوز حمله على ما لو صرح به كان(٢٧) الكلام منتظما جاريا على وجه الاستقامة، ولا شك أنه تعالى لو قال : " ولا تزنوا(٢٨) بما زنى به آباؤكم " كان ذلك شنيعا، فإن تخصيص ذلك بالأب مما لا وجه له، إذ الزنى محرم على الإطلاق. وهذا الجواب غير لازم، فإن القائل بالتحريم بالزنا لا يحمل النكاح على وطء النسب فحسب، بل يحمله/ على كل وطء بالعموم، فيندرج تحته الوطء(٢٩) الحلال والحرام، فلا بشاعة في ذلك. واختلف القائلون بأن وطء الزنا محرم في اللمس(٣٠) والقبلة والنظرة إذا كان ذلك كله للشهوة، فجعله الحنفية مثل الجماع في التحريم قياسا عليه، وخالفهم غيرهم فيه. وفي المذهب قولان. واختلف أيضا في الوطء بوجه(٣١) شبهة، هل يحرم أم لا ؟ كمن وقع على ابنته بالليل وظنها امرأته، فالمشهور أنه وطء بموجب الحرمة كالوطء الصحيح الذي لا شبهة فيه. وحكي عن سحنون(٣٢) أنه لا يوجب حرمة فلا تحرم أم ابنته عليه. وقد أجمع الفقهاء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء وما عقد عليه الأبناء على الآباء، كان مع العقد وطء أو لم يكن، واختلف إذا كان العقد مختلفا في فساده هل يقع به تحريم(٣٣) ؟ فالمشهور أن التحريم يقع به حملا على العقد الذي لم يختلف في صحته. والآية إذا حملت على العقد كانت عامة في كل عقد، إلا أنه إنما ينبغي أن تحمل على العقد الشرعي. ١ هو صيفي بن عامر بن الأسلت ابن جشم بن وائل الأوسي الأنصاري أبو قيس شاعر جاهلي من حكمائهم، كان رأس الأوس وشاعرها وخطيبها وقائدها في حروبها، لقي الرسول وتريث في قبول الدعوة، فمات بالمدينة قبل أن يسلم، وذلك سنة ١هـ / ٦٢٣ م. انظر الأعلام: ج٣، ص ٣٠٣ – ٣٠٤، السيرة النبوية لابن هشام: ج١، ص٥٨.. ٢ هو صفوان بن أمية بن خلف بن وهب الجمحي القرشي المكي أبو وهب صحابي فصيح جواد كان من أشراف قريش في الجاهلية والإسلام بعد الفتح، وكان من المؤلفة قلوبهم، مات بمكة. انظر الأعلام: ج٣، ص٢٩٦.. ٣ هي فاختة بنت أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمية القرشية المشهورة بأم هانئ أخت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وبنت عم النبي، أسلمت عام الفتح بمكة، وروت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتوفيت سنة ٤٠هـ / ٦٦١ م. انظر الأعلام: ج، ص.. ٤ ورد في النسخ منظور ابن ريان، والصواب: منظور بن زيان ابن بشار العزاري، شاعر مخضرم من الصحابة سيد قومه تزوج امرأة أبيه مليكة بنت خارجة المزنية، وفرق بينهما الخليفة الأول أبو بكر الصديق، توفي سنة ٢٥ هـ / ٦٥٤ م. انظر الأعلام: ج٨، ص ٢٤٩.. ٥ هو حاجب بن زرارة بن عدس الدارمي التميمي من سادات العرب في الجاهلية، أدرك الإسلام وأسلم وبعثه النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات بني تميم، وتوفي سنة ٣هـ /٦٢٥م. انظر الأعلام: ج٢، ص ١٥٣.. ٦ "تمجس" بياض في (ب).. ٧ في (هـ): "هاته".. ٨ "كان": سقطت في (هـ).. ٩ في (د) و(هـ): "وهو".. ١٠ "النساء" سقطت في (هـ).. ١١ المبرّد: هو أبو العباس بن محمد بن يزيد الأزدي، من أئمة النحاة، وكبار الأدباء، صاحب كتاب "الكامل"، وأخذ ابن أبي عمر الجرمي وأبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وأخذ منه الصولي ونفطويه وأبو علي الطوماري، توفي سنة ٢٨٥ هـ، انظر "منهاج اليقين" لأبي الحسن علي بن حبيب الماوردي: ص ١٠٧.. ١٢ هو أبو إسحاق إبراهيم بن الشري بن سهل الزجاج، لغوي ومفسر، توفي سنة ٣١١ هـ/ ٩٢٣م. انظر مفتاح السعادة: ج١، ص ١٣٤ – ١٣٥، الفهرست لابن النديم: ص ٦٠ – ٦١، معجم الأدباء: ج١، ص ١٥٨٠ – ١٥١.. ١٣ هو أبو عبيدة بن المثني التميمي، من علماء اللغة والنحو، ملما بأخبار العرب وأنسابهم، صنف كتبا منها: "المجاز في تفسير غريب القرآن" و"نقائص جرير والفرزدق" "ومعاني القرآن" توفي سنة ٢٠٧هـ/ ٨٢٢ م على خلاف في ذلك. انظر معجم المؤلفين: ج ١٢، ص٣٠٩ – ٣١٠، ونزهة الألباء للأنباري: ص١٠٤ – ١١١، وتهذيب التهذيب لابن حجر: ج١٠، ص ٢٤٦ – ٢٤٨.. ١٤ في (هـ): "إن لفظ النكاح".. ١٥ قوله: "وقوله الشافعي أنه لا يثبت... أن النكاح" كله ساقط في (ج).. ١٦ في غير (هـ): "الصيغة".. ١٧ في (د) و(هـ): "عليه السلام".. ١٨ انظر صحيح البخاري: كتاب النكاح، باب ٣٦، ص ١٣٢، وسنن أبي داود: كتاب النكاح، باب ٢٠، ص ٥٦٦، سنن الترمذي: كتاب النكاح، باب ١٤، ص٤٠٧.. ١٩ هو أبو بكر ابن أحمد بن علي الرازي الحنفي المعروف بالجصاص من فقهاء الحنفية، توفي سنة ٣٧٠ هـ / ٩٨١م، مفتاح السعادة: ص١٨٣، طبقات المفسرين: ج١، ص٥٥، العوائد البهية لابن عماد: ص٢٧، شذرات الذهب: ج٣، ص٧١، المنتظم: ج٧، ص١٠٥.. ٢٠ "ما" ساقطة في (ج) و(د) و(هـ).. ٢١ في (د): "فإنه مغفور لا للإثم منه".. ٢٢ "ولهذا سماه فاحشة" ساقط في (ج).. ٢٣ "نكاح" ساقط في (د).. ٢٤ "قال" ساقط في (ج).. ٢٥ في (في (د): "قال تعالى".. ٢٦ في (د): "قال تعالى"، و(د): "الله تعالى".. ٢٧ في (هـ): "لكان". ٢٨ في (ب) و(د): "بمن".. ٢٩ كلمة "الوطء" سقطت في (هـ).. ٣٠ في (هـ): "في الجس".. ٣١ كلمة "بوجه" سقطت في (هـ).. ٣٢ هو أبو سعيد عبد السلام ابن سعيد التنوخي الملقب سحنون الفقيه المالكي، ولي القضاء بالقيروان، وصنف المدونة في مذهب الإمام مالك أخذها عن ابن القاسم، ولد في أول ليلة من رمضان سنة ١٦٠هـ وتوفي لتسع خلون من رجب سنة ٢٤٠هـ، انظر وفيات الأعيان: ج١ ص ١٩١ – ١٩٢.. ٣٣ في (د):"تحريم أم لا"..

النساء 4:23

٢٣ قوله تعالى :﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾ الآية : هذه الآية وغيرها خصصت عموم آيات أخر تقتضي إباحة نكاح(١) جميع النساء، و(٢) منها قوله(٣) :﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣]، الآية، وقوله(٤) :﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢] الآية، لكن الله تعالى(٥) خصص مما(٦) يقتضي ذلك العموم سبع عشرة امرأة، فلم يجز نكاحهن : سبع بالنسب، واثنان بالرضاعة، وست بالصهر، واثنتان بالدين. فأما السبع بالنسب، فالأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، وهن المذكورات/ في هذه الآية. وأما الاثنتان بالرضاعة(٧) : فالأمهات والأخوات وهما المذكورتان في هاته(٨) الآية أيضا. وأما الست(٩) بالصهر : فأمهات امرأة الرجل والربائب وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين وهؤلاء الأربع مذكورتان في هذه الآية. فأما الاثنتان المكملتان الست : فحلائل الآباء، وقد تقدم ذكرهن في الآية قبل هذه، والمحصنات من النساء وسيأتي ذكرهن في الآية بعد هذه، فهؤلاء الست بالصهر. وأما الاثنتان بالدين فلم يقع لهما ذكر في هذه الآية(١٠)، وهما : المشركات حتى يؤمن وقد تقدم ذكرهن في سورة البقرة(١١)، والإيماء المشركات ؛ لقوله تعالى :﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥] (١٢)، وسيأتي ذكرهن في الآية بعد هذه. وقد اختلف الأصوليون في قوله تعالى :﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ هل هو نص صريح أم(١٣) مجمل ؟ فذهب قوم من القدرية إلى أنه مجمل، لأن الأعيان لا تتصف بالتحريم وإنما يتصف بذلك ما يتعلق(١٤) بها من الأفعال. وذلك الفعل(١٥) في هذه الآية لا يدرى ما هو ؟ هل النظر أو المضاجعة(١٦) أو الوطء(١٧) فلا يدري أي ذلك حرم ولولا تبيينها(١٨) بغيرها لما علم المراد منها. وذهب الأكثر إلى أن هذا نص لكنه ليس بنص بالوضع، ولكنه نص بالعرف، لأن الأسماء قسمان، وضعية وعرفية. والوضعية(١٩) هي التي وضعت لشيء ما(٢٠) ولا تقع على غيره. والعرفية التي خصصت ببعض موضوعها أو نقلت عنه إلى سواه فصارت فيما خصصت(٢١) به أو نقلت إليه أعرف وأشهر وهذه تلحق بالوضعية بعرف الاستعمال فيها. ومن لاحن العرب ومارس اللغة واطلع على عرف أهلها علم(٢٢) أنه لا يستراب في أن من(٢٣) قال : حرمت/ عليك الدار إنما يريد الجماع(٢٤) وهذا صريح عندهم مقطوع به فكيف يكون مجملا ؟ وقال قوم : هو من قبيل المحذوف ؛ كقوله :﴿وسئل القرية﴾ وهذا إن أراد به أنه مجاز فيلزم أن تسمى الأسماء العرفية(٢٥) مجازا، ويدخل في قوله تعالى :﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾، كل من لها عليك ولادة ؛ لأنها أم. وفي قوله(٢٦) :﴿وبناتكم﴾ كل من لك عليها ولادة، لأنها بنت ولفظ الأمهات حقيقة في الأمهات الوالدات مجاز في أمهات الأمهات وأمهات الآباء والأجداد. وكذلك البنات حقيقة في المولودات مجاز في(٢٧) بنات البنات وبنات البنين، لكن التحريم شامل. فأما على قول من يرى اللفظ الشامل للحقيقة والمجاز عاما فتعلقه بالآية في التحريم(٢٨) ظاهر. لكنه قول ضعيف، ومن لم ير ذلك فوجه تعلقه بالتحريم الإجماع. والدليل على أن(٢٩) اسم الأمهات ليس حقيقة في الجدات أن(٣٠) الصحابة(٣١) لم يفهموا في ميراث الأبوين، ميراث الجدات والأجداد حتى يبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم. واستنبط أهل الإجماع بدقيق النظر، وروى لهم الراوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى(٣٢) الجدة السدس. واختلفوا(٣٣) في الجد مع الإخوة ولم يجهلوا معنى الاسم. وقد اختلفوا في بنات(٣٤) الإنسان(٣٥) من الزنا، هل تحرم عليه أم لا ؟ فقال أبو حنيفة : تحرم، وقال الشافعي : لا تحرم. وقال مالك : مثل قول أبي حنيفة وقال ابن الماجشون(٣٦) مثل قول الشافعي. واحتج المحرمون من الحنفية بأن قالوا : هي بضعه(٣٧) فحرمت عليه كابنته من نكاح. واحتج من لم يحرم بأن الله تعالى إنما حرم/ على الإنسان البنت المضافة إليه، لقوله تعالى :﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾ فأضاف التحريم إلى هذا الاسم المشتق فكأنه قال : حرمت البنت لبنوتها. وهذه الصبية الحاصلة من الزنا غير مضافة إلى الزاني، فلم تدخل في آية التحريم. وإذا خرجت من آية التحريم(٣٨) دخلت في آية التحليل، وهي قوله :﴿وأحل لكم ما وراء ذلك﴾ (٣٩)، وقال من حرم : الآية(٤٠) التي تمسكوا(٤١) بها عامة، فإن ولده من الزنا ولد له(٤٢) حقيقة، وانتفاء الأحكام لا يدرأ هذه الحقيقة. والتحريم مما يختاط له، ثم حرم الله تعالى بعد الأمهات البنات الأخوات(٤٣). وذكر بنات الأخوات(٤٤) لأن اسم الأخ لا يتناول ابن الأخ مجاز ولا حقيقة. والكلام في أمر العمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهات الرضاعة وما يحرم بسببهن(٤٥) الكلام فيما تقدم، فيدخل في قوله(٤٦) ﴿وأخواتكم﴾ جميع الأخوات أشقاء أو غير أشقاء(٤٧)، وفي قوله(٤٨) :﴿وعماتكم وخالتكم﴾ كل من ولده جدك أو جدتك وإن علوا(٤٩) من قبل الأب كانا أو من قبل الأم(٥٠). ولا يدخل في ذلك شيء من بناتهن. قال تعالى :﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك التي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عمتك وبنات خالك وبنات خالاتك﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]. وفي قوله تعالى :﴿وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ : كل من لأخيك عليه ولادة ولأختك عليه ولادة، ويدخل في قوله تعالى :﴿وأمهاتكم التي أرضعناكم﴾ أمهاتهن وإن علون، وفي قوله(٥١) :﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾، الأخوات للأب والأم وللأم دون الأب وللأب دون الأم. وعند الجمهور أن الأمر كذلك يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، كما جاء في الحديث(٥٢). وقال نفاة القياس : لا يحرم بالرضاع إلا/ الأمهات والأخوات ؛ لقوله تعالى :﴿وأمهاتكم التي أرضعناكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ (٥٣)، فلو حرم غيرهن لذكره(٥٤) ؛ ولقوله تعالى :﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ فدل(٥٥) ذلك على إباحة حليلة الابن من الرضاع. واختلف في قدر ما يحرم من الرضاع على أربعة أقوال : فقيل : المصة الواحدة تحرم، وقيل : الثلاث(٥٦) وقيل : الخمس، وقيل : العشر. والأول أصح. قال ابن القصار(٥٧) : الاعتبار(٥٨) فيه حصوله(٥٩) في البطن، يريد لعموم قوله تعالى :﴿التي أرضعناكم﴾ ولم يخص فوجب تعلق الحكم بما يقع(٦٠) عليه اسم الرضاعة، إلا أن يأتي ما يخص ذلك بسنة أو إجماع أو دليل. وقد ضعف بعضهم التعلق بهذا العموم، لكونه جاء لغرض(٦١) آخر غير غرض النعيم، وإن كانت صغته صيغة(٦٢) العموم. والشافعي يمنع الاستدلال(٦٣) بجنس(٦٤) هذا العموم. واختلف في ابن الصغيرة هل يحرم أم لا ؟ فذهب الجمهور إلى أنه يحرم. وقال ابن الجلاب(٦٥) : إن كانت صغيرة مثلها لا يوطء لا يحرم(٦٦) والأول أقيس لعموم قوله تعالى :﴿التي أرضعناكم﴾. واختلف في رضاع الرجل هل يحرم أم لا ؟ فقال مالك : لا يحرم ؛ لقوله عز وجل(٦٧) :﴿وأمهاتكم التي أرضعناكم﴾ (٦٨)، ولا أرى هذا أما. وقال بعض(٦٩) أهل المذهب : يقع بلبنه التحريم، وقد يتأول على مالك قال : وذكر الله تعالى(٧٠) الأمهات لأنه الغالب. واختلف في لبن البهائم هل يحرم أم لا ؟ فالجمهور على أنه يحرم، وذهب قوم من أهل المدينة : إلى وقوع التحريم به(٧١). وحجة القول الأول : قوله تعالى :﴿وأمهاتكم التي أرضعناكم﴾ والبهائم لا تكون أمهات. واختلف في لبن الفحل هل يحرم أم لا ؟ فذهب جماعة إلى أنه لا يحرم. واحتجوا بقوله تعالى :﴿وأمهاتكم التي أرضعناكم﴾ ولم يقل : وبناتكم/ من الرضاعة، فلو كان للفحل لبن لحرم(٧٢) البنت من الرضاع(٧٣) كما حرم الأم والأخوات. والجمهور على أنه يحرم، والحجة له حديث أفلح(٧٤) وغيره. وقال ابن سيرين : كرهه قوم، ولا يرى قوم(٧٥) به بأسا، ومن كرهه كان أفقه. واختلف في رضاع الكبير، حرم به قوم، ومن حجتهم : ظاهر الآية ولم يحرمه الجمهور، لما جاء عنه عليه الصلاة والسلام(٧٦) من قوله :﴿الرضاعة من المجاعة﴾ (٧٧)، ونحو ذلك من الأحاديث. واختلف في لبن الميتة هل يحرم أم لا ؟ على قولين(٧٨) : ومن حجة من لا يراه(٧٩) يحرم قوله تعالى :﴿أرضعناكم﴾ وهذه(٨٠) لم ترضع. ويدخل في قوله تعالى :﴿وأمهات نسائكم﴾ الأمهات(٨١) وإن علون. وفي قوله :﴿وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم﴾ كل من الربائب عليها ولادة. وفي قوله :﴿وحلائل أبنائكم﴾ حلائل أبناء النسب، وأبناء الرضاعة، وحلائل كل من لواحد منهم عليه ولادة. وهذه الآية من قوله :﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ إلى قوله :﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ تقتضي تحريم الاستمتاع، فيستوي فيه الاستمتاع بالنكاح وبملك اليمين، لأن الله تعالى(٨٢) إنما حرم النكاح لأنه طريق إلى الاستمتاع، وملك اليمين مثله، إلا أن تحريم(٨٣) الاستمتاع يمنع النكاح ولا يمنع ملك اليمين، فيمن لا تعتق منهن بالملك(٨٤). وقوله :﴿وحلائل أبنائكم﴾ لا يقتضي ذلك تحريم ما وطئه الابن بملك اليمين(٨٥) ؛ لأن لفظ الحليلة مخصوص بالمنكوحة، لكن الإجماع اقتضى إلحاقها بها. أما قوله :﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ فلا تدخلوا مع الأختين غيرهما في ذلك الحكم بالآية، بل إن كان فبالقياس، كما قال بعض أصحاب مالك : إن كل / امرأتين لو كانت إحداهما ذكرا لم يحل له أن يتزوج(٨٦) الأخرى فلا يجوز الجمع بينهما في النكاح قياسا على الأختين فيحرم(٨٧) على هذا الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها خلافا لمن لا يعتد بخلافه(٨٨)، وهو مذهب عثمان البتي(٨٩) والخوارج. وأصح ما يعتمد عليه في هذا الباب الخبر الوارد بالنهي على الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها ؛ إلا أن فيه نظرا، لأنه زيادة على ما في النص فيختلف فيها هل هي(٩٠) نسخ أم لا ؟ فإن كانت نسخا فنسخ القرآن بأخبار الأحاد فاسد، وإن لم يكن نسخا صح إلحاق ما في الخبر بما في الآية، وأيضا فإن المجيزين للجمع بين المرأة وعمتها وخالتها تعلقوا بقوله تعالى :﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾. ورأوا عموم الآية أولى من نص الخبر وذلك بناء منهم على أن أخبار الآحاد لا يخص(٩١) بها عموم القرآن، وقد اختلف فيه الأصوليون، والصحيح جوازه. وقالت طائفة : المعتمد عليه من ذلك معنى نص القرآن بتحريم الجمع بين الأختين(٩٢)، والمعنى في ذلك أن كل امرأتين لو كانت إحداهما رجلا لم يحل له نكاح الأخرى، فلا يجوز الجمع بينهما فلذلك لم يجز الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها(٩٣)، فعلى هذا التعليل يجوز الجمع بين ابنتي العمة والعم وابنتي الخالة والخال، وهو قول الجمهور، خلافا لمن منع الجمع بين كل امرأتين بينهما قربى، وعلل ذلك بما فيه من القطيعة، وهو قول الحسن بن أبي الحسن وجابر(٩٤) وإسحاق بن طلحة بن عبد الله(٩٥) وعطاء في رواية عنه وسنذكر ما يتعلق بهذه المسألة من المسائل إن شاء الله تعالى(٩٦). ويدخل في قوله :﴿ولا تنكحوا / ما نكح آباؤكم﴾ أباء الآباء ومن فوقهم من الأجداد من النسب والرضاعة. وقد اختلف في أمهات المرأة بماذا يحرمن هل(٩٧) بالعقد خاصة أو بالوطء مع العقد ؟ فذهب الجمهور إلى أنهن يحرمن بالعقد خاصة. وذهب علي بن أبي طالب(٩٨) وغيره إلى أنهن لا يحرمن إلا بالوطء. وجاء عن ابن عباس كلا القولين. وقال زيد بن ثابت(٩٩) : إن طلق البنت قبل الدخول تزوج الأم إن شاء الله(١٠٠)، وإن م ١ كلمة "نكاح" سقطت في (د).. ٢ "واو"سقطت في (د) و(هـ): "قوله تعالى".. ٣ في (د) و(هـ): "قوله تعالى".. ٤ في (د): "وقوله تعالى".. ٥ في (د) سقطت كلمة "تعالى".. ٦ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "بما".. ٧ في (هـ): "وأما اللتان بالرضاعة".. ٨ في (د) و(هـ): "هذه".. ٩ في (هـ):"التي بالصهر".. ١٠ من قوله: "قبل هذه والمحصنات...."إلى قوله: "لهما ذكر في هذه الآية" كله ساقط في (هـ).. ١١ قوله: "بالدين فلم يقع لهما ذكر... وقد تقدم ذكرهن في سورة البقرة" كله ساقط في (ج).. ١٢ في غير (ج) و(هـ) و(د): "كمن نسائكم المؤمنات"، والصواب ما أثبتناه.. ١٣ كلمة "ص صريح أم" ساقط في (ج) و(د) و(هـ) و(ب).. ١٤ كلمة "يتعلق" ساقط في (ج).. ١٥ كلمة "وذلك الفعل" ساقطة في (هـ).. ١٦ في (ب): "المضاعفة" والصواب ما أثبتناه.. ١٧ في (هـ): "والوطء".. ١٨ كلمة "ولولا تبيينها" ساقطة في (هـ).. ١٩ في (هـ): "فالوضعية".. ٢٠ في (هـ): "لشيء معين ولا تقع".. ٢١ "ببعض موضوعها أو نقلت عنه إلى سواه فصارت فيما خصصت" كله ساقط في (ج) و(د).. ٢٢ "عرف أهلها علم" ساقط في (ج) و(د).. ٢٣ في (هـ): "فيمن قال".. ٢٤ في (هـ): "الاستمتاع".. ٢٥ في (هـ): "العربية".. ٢٦ في (د) و(هـ): "قوله تعالى".. ٢٧ "في أمهات الأمهات وأمهات الآباء والأجداد، وكذلك البنات حقيقة في المولودات مجاز" ساقط في (ب) و(ج) و(د).. ٢٨ في (ب) و(ج) و(د): "فتعلقه بالتحريم في الآية" وأما في (هـ): "فتعلقه التحريم بالآية".. ٢٩ "أن" ساقطة في (ب) و(د).. ٣٠ "أن" ساقطة في (ب) و(ج) و(د).. ٣١ في (هـ): "قول الصحابة".. ٣٢ في غير (هـ): "أطعم".. ٣٣ في (هـ): "اختلف". ٣٤ في (د): "بنت".. ٣٥ في (هـ): "الرجل".. ٣٦ هو عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون صاحب مالك، توفي ٢١٢ هـ/ ٨٢٧م، وقيل ٢١٣هـ/ ٨٢٨م. انظر وفيات الأعيان: ج٣، ص ١٦٦. الأعلام: ج٤، ص ٨٠٥، وميزان الاعتدال: ج٤، ص٨٠٥.. ٣٧ في (د): "بضعته". وفي مختار الصحاح: البضعة: القطعة من اللحم. ٣٨ "وإذا خرجت من آية التحريم" ساقط في (هـ).. ٣٩ في (هـ): "ذلك" والصواب ما أثبتناه.. ٤٠ "الآية" ساقط في (د).. ٤١ في (ب) و(ج) و(د): "تكلموا"، وأما في (هـ): "تمسك".. ٤٢ في (هـ): "ولده حقيقة".. ٤٣ في غير (هـ): "الأخوات".. ٤٤ "وذكر بنات الأخوات" ساقط في (هـ).. ٤٥ في (د): "مسيسهن".. ٤٦ في (د): "قوله تعالى".. ٤٧ "أو غير أشقاء": ساقط في (ج).. ٤٨ في (د): "قوله تعالى".. ٤٩ "علون".. ٥٠ "كانا أو من قبل الأم" ساقط في (ج).. ٥١ في (د) و(هـ): "قوله تعالى".. ٥٢ من قوله: "وللأم دون الأب..." إلى قوله: "كما جاء في الحديث" كله ساقط في (ج) و(د) و(هـ): والحديث أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الشهادات، باب٧.. ٥٣ من قوله: "الأخوات للأب والأم، وللأم دون الأب وللأب دون الأم... إلى قوله: وأخواتكم من الرضاعة" ساقط في (ب).. ٥٤ لقوله: "وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة فلو حرم غيرهن لذكره" ساقط في (ج).. ٥٥ في (د): "ودل".. ٥٦ "وقيل الثلاثة" ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٥٧ هو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي القاضي المعروف بابن القصار، أصولي نظارة، وقليل الحديث من كبار فقهاء المالكية، توفي سنة ٣٩٨هـ / ١٠٠٨م. انظر الديباج: ص ١٩٩، معجم المؤلفين: ج٧، ص ١٢، وطبقات الفقهاء: ١٨٦.. ٥٨ في (ب): "الاختبار فيه" وفي (ج): "الاعتبار في".. ٥٩ في (هـ): "الاعتبار بحوصلة في البطن". . ٦٠ في (هـ): "يصدق" مع سقوط: "اسم الرضاعة".. ٦١ في غير (هـ): "بغرض".. ٦٢ "صيغة" ساقط في (ج) و(هـ).. ٦٣ في (د): "هذا الاستدلال".. ٦٤ في (هـ): "بمثل".. ٦٥ هو أبو القاسم عبيد الله بن الحسن، وفي هدية العارفين: عبيد الله ابن الحسن، وفي الطبقات: عبد الرحمان بن عبد الله المعروف بابن الجلاب، توفي سنة ٣٧٨هـ / ٩٨٨م. وقيل سنة ٣٧٥هـ / ٩٨٥م. انظر شذرات الذهب: ج٣، ص٩٣، هدية العارفين: ج١، ص ٦٤٧، طبقات الفقهاء: ص١٦٨، والديباج لابن فرحون: ص١٤٦.. ٦٦ في (ج): "لم يوطء لم يحرم" وفي (د): "لم يرضع لم تحرم" وأما في (هـ): "لم يحرم".. ٦٧ في (د): "لقوله تعالى".. ٦٨ "واختلف في الرضاع الرجل هل يحرم أم لا؟ فقال مالك: لا يحرم، لقوله عز وجل: ﴿وأمهاتكم التي أرضعنكم﴾ ساقط في (ج).. ٦٩ "بعض" كلمة ساقطة في (د).. ٧٠ "تعالى" كلمة غير مذكورة في (هـ).. ٧١ في (د): "إلى التحريم".. ٧٢ في (هـ): "لبن محرم لحرم".. ٧٣ في (هـ): "الرضاعة".. ٧٤ انظر صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب٩، ص ١١٧، وكتاب النكاح: باب٢٢، وسنن ابن ماجه: كتاب النكاح، باب٣٨.. ٧٥ "ولم يره قوم".. ٧٦ في (د) و(هـ): "عليه السلام".. ٧٧ انظر صحيح البخاري: كتاب الشهادات، باب٧، ص ١٤٩ – ١٥٠، وصحيح مسلم: كتاب الرضاعة، باب ٨، ص ١٠٧٨.. ٧٨ في (د): "قولين في المذهب" وسقطت في (هـ).. ٧٩ في (هـ): "لم يره".. ٨٠ في (هـ): "وهاته".. ٨١ في (هـ):"أمهات الأمهات".. ٨٢ في (د): "لأنه تعالى".. ٨٣ في (هـ) و(ج) و(د): "نكاح".. ٨٤ في (ب) و(ج): "بملك اليمين" وفي (د): "بملك يمين".. ٨٥ وقوله: "وحلائل أبنائكم لا يقتضي ذلك تحريم ما وطءه الابن بملك اليمين" ساقط في (ج) و(د) و(هـ).. ٨٦ في (هـ): "لم يحل له التزوج".. ٨٧ في (د) و(هـ):"فيجري".. ٨٨ في (ب) و(ج): "خلاف لا يعتد به" وفي (هـ): "خلا لمن لا يعتد به" وأما كلمة "بخلافة" فساقطة في (ب) و(ج) و(هـ).. ٨٩ "البتي" بياض في (ب) و(ج).. ٩٠ في (د) و(هـ): "فاختلف فيه هل هو".. ٩١ في (د) و(هـ): "لا يخص".. ٩٢ من قوله: "والصحيح جوازه وقال طائفة..." إلى قوله: "الجمع بين الأختين" ساقط في (ج).. ٩٣ في (هـ): "وعمتها وخالتها".. ٩٤ هو جابر بن زيد: هو أبو الشعثاء جار بن زيد الأزدي اليحمدي البصري، توفي سنة ٩٣ هـ/ ٧١٢م. وقيل سنة١٠٤ هـ /٧٢٢م. انظر تهذيب التهذيب: ج٣٨، – ٣٩، ولعله جابر بن سمرة: وهو أبو عبيد الله بن سمرة بن جنادة، ويقال: ابن عمرو بن جندب، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه خلق كثير، توفي سنة ٧٣هـ / ٦٩٢م، وقيل سنة ٧٣هـ /٦٩٣م، انظر أيضا تهذيب التهذيب: ج٢، ص ٩٣ – ٤٠.. ٩٥ في (ج) و(د): "وإسحاق وطلحة ابن عبد الله".. ٩٦ في (هـ): "من الأحكام إن شاء الله".. ٩٧ "هل" ساقطة في (ج).. ٩٨ في (هـ): "رضي الله تعالى عنه".. ٩٩ هو زيد ابن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي صحابي، كان كاتب وحي وأحد الذين جمعوا القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار وعرضه عليه، توفي سنة ٤٥هـ/ ٦٦٥م. انظر الأعلام: ج٣، ص٩٦.. ١٠٠ في (هـ): "قبل الدخول جاز له نكاح الأم"..

النساء 4:24

٢٤ قوله تعالى :﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ : اختلف في تأويله، فقال ابن عباس والزهري(١) وغيرهما : المحصنات(٢) ذات الأزواج وما ملكت الأيمان السبايا ذوات الأزواج. روى أبو سعيد(٣) أن سبب(٤) الآية(٥) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا إلى أوطاس، فلقوا عدوا وأصابوا سبيا(٦) من أزواج المشركين(٧) فتأثم المسلمون من غشيانهن، فنزلت الآية مرخصة. وبهذا(٨) القول في الآية يحتج(٩) من يرى أن السبي يهدم النكاح، سبيا جميعا أو متفرقين، وهو قول ابن القاسم وأشهب. وكذلك على مذهبهما إذا سبي أحدهما قبل صاحبه، ثم أتى الآخر بأمان. وأما إذا أتى أحدهما أولا بأمان ثم سبي الثاني فلا ينهدم النكاح، وفي المسألة أربعة أقوال : أحدها : ما ذكرته ويعضده تأويل الآية كما قدمته. والثاني : أن السبي مبيح فسخ النكاح إلا أن يقدم أحدهما قبل صاحبه بأمان، وإلى هذا ذهب(١٠) ابن حبيب(١١)، وعليه تأتي رواية عيسى(١٢) عن ابن القاسم. والثالث : أن السبي لا يهدم النكاح، سبيا جميعا أو متفرقين، وهو قول ابن المواز. والرابع : الفرق بين أن تسبى هي قبله(١٣)، أو(١٤) يسبى هو قبلها أو معها(١٥) فيستحي(١٦)، وهو قول ابن بكير(١٧) في " الأحكام ". وقال ابن عباس أيضا وابن مسعود وغيرهما : المحصنات ذوات الأزواج من السبايا وغيرهن، وأنهن ملكن حل وطئهن. فرأوا أن/ بيع الأمة أو وراثتها أو هبتها أو الصدقة بها تطليق لها من الزوج، وظن هؤلاء أن الآية عامة، ولم ينظروا إلى خصوص السبب الذي وردت فيه. وجمهور العلماء على أن انتقال الملك في الأمة لا يكون طلاقا، وقصروا الآية على سببها في سبي أهل الحرب، وأن لا طلاق لها إلا الطلاق. وقال عمر(١٨) وأبو العالية(١٩) وغيرهما وروي نحوه عن ابن عباس(٢٠) : المحصنات العفائف أي كل النساء حرام وألبسن اسم الإحصان إذ الشرائع في أنفسها تقتضي ذلك. وما ملكت الأيمان معناه : بنكاح أو شراء وعلى هذا تأول بعضهم قول مالك في " الموطأ " وهن(٢١) ذوات الأزواج، وهو تأويل بعيد، وهذا القول(٢٢) يرجع إلى تحريم الزنا(٢٣). وقال(٢٤) غيره : فيما ذكر الطبري(٢٥) عنه : المحصنات الحرائر وما ملكت الأيمان معناه بنكاح منهن والاستثناء متصل، وإن أريد الإماء فيكون الاستثناء منقطعا، وقال بعضهم : وحرم عليكم(٢٦) المحصنات إلا ما ملكت أيمانكم، يعني : الأزواج، فحرم ما فوق الأربعة، فهذه خمسة أقوال في الآية. والإحصان في القرآن يكون إما بالإسلام وإما بالحرية، وإما بالعفاف وإما بالتزويج، وأصله المنع وهو يكون بالوجوه الأربعة. ويروى أن رجلا قال لسعيد ابن جبير(٢٧) : أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم(٢٨) يقل فيها شيئا. قال سعيد ابن جبير(٢٩) : كان ابن عباس لا يعلمها(٣٠) وذكر عن مجاهد أنه قال : " لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل " قوله :﴿والمحصنات﴾ إلى قوله :﴿حكيم﴾. قوله تعالى :﴿كتاب الله عليكم﴾ : قال عبيدة السلماني(٣١) وغيره : هذه إشارة إلى ما ثبت في القرآن من قوله :﴿مثنى وثلاث ورباع﴾، وفي هذا بعد. وقيل : هذا(٣٢) / يرجع إلى جميع المحرمات المذكورات قبل، والأظهر أنه إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله. وقوله تعالى :﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ : اختلف في تأويله، فقال السدي : المعنى : وأحل لكم ما وراء من(٣٣) حرم من سائر القرابة، فهن حلال(٣٤) لكم تزويجهن. وقال قتادة : المعنى : وأحل لكم ما وراء ذلكم من الإماء(٣٥) وقال بعضهم : لفظ الآية يعم جميع الأقوال ويجوز الجمع بين المرأة وبين امرأة أبيها، خلافا لبعضهم في كراهة ذلك(٣٦) ولابن أبي ليلى في منعه، لأن(٣٧) الله تعالى ذكر جميع المحرمات ولم يذكر منهن من(٣٨) وقع الكلام فيه. ثم قال :﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾، فالجمع بينهما مباح بظاهر(٣٩) القرآن ؛ إلا أن يأتي في السنة ما يخصصه ولم يأت ذلك. ومن(٤٠) لم يجز ذلك، تعلق بالمعنى الذي ذكر من(٤١) تحريم الجمع بين الأختين، وأن معناه : الجمع بين كل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرا لم يجز له نكاح الأخرى، قال : فكذلك المرأة وامرأة أبيها وقد انفصل من علل بذلك عن هذا الاعتراض بانفصالين، فحكي عن سفيان أنه قال : معنى ذلك عندنا أن يكونا من نسب. وقال بعض المتأخرين : إنما جاز الجمع بين المرأة وامرأة أبيها، وإن عللنا بما تقدم ؛ لأن المرأة لو كانت رجلا يحل له نكاح الأخرى. والبنت لو كانت رجلا لم يحل له نكاح المرأة لأنها امرأة أبيه، وقد أجمعوا أنه يجوز للرجل أن يتزوج ما ولدت امرأة أبيه(٤٢). واختلفوا(٤٣) هل يجوز(٤٤) له أن يتزوج ما ولدت بعد أبيه على(٤٥) ثلاثة أقوال، أحدها : أن ذلك جائز، وهو قول مالك وإحدى الروايتين عن ابن القاسم. والثاني : أن ذلك لا يحل، وهو قول ابن القاسم الآخر(٤٦). والثالث : أن ذلك مكروه، وهو قول طاووس. والحجة/ لجواز ذلك قوله تعالى :﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾. وقوله تعالى :﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ : لفظ يجمع التزوج والشراء، ومقتضاه أن(٤٧) يبتغي كل واحد بمال نفسه، وقد ظن بعضهم أن المراد بذلك أن كل واحد يبتغي(٤٨) أن يصدق ما يسمى مالا(٤٩) وظاهره أكثر من العشرة فيكون على هذا أقل الصداق عشرة دراهم، وهو تأويل واستدلال ضعيف، كيف وقد قال تعالى :﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة﴾ (٥٠) [البقرة: ٢٣٧]، وذلك يقتضي إيجاب نصف المفروض قليلا كان أو كثيرا قال أبو الحسن : قوله تعالى :﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ يقتضي منع عتق الأمة أن يكون صداقا لها، خلافا لأحمد ابن حنبل لدلالة الآية على كون المهر مالا، وليس في العتق تسليم مال(٥١) وإنما فيه(٥٢) إسقاط الملك من غير أن تستحق(٥٣) هي تسليم مال إليها. وجوز الشافعي جعل منفعة الحر صداقا خلافا لمن لم يجوزه(٥٤). ولا خلاف عنده في منفعة العبد ؛ لأن المنفعة عنده(٥٥) مال. وقد وردت في ذلك أخبار نصوص. والذي جاء في الحديث، من أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل عتق صفية صداقها، لا يعارض استدلالنا(٥٦) بالقرآن لاحتمال كون(٥٧) ذلك مخصوصا بالنبي صلى الله عليه وسلم فإن النكاح بلا مهر كان له صلى الله عليه وسلم جائزا وكذلك قوله(٥٨) :﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ [النساء: ٤] الآية، يدل على أن العتق لا يكون صداقا. وقد استدل بعضهم بقوله تعالى :﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ الآية على أن الصداق إذا كان خمرا أو خنزيرا فسخ النكاح(٥٩) قبل الدخول وبعده، قال : لأن الخمر والخنزير ليسا من أموالنا، خلافا للرواية/ الأخرى عن مالك أنه(٦٠) يفسخ(٦١) قبل ولا يفسخ بعد، وخلافا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما : إن النكاح لا يفسخ قبل ولا بعد ويثبت بصداق المثل. وقوله تعالى :﴿محصنين﴾ : معناه : متعففين، غير مسافحين أي غير زناة(٦٢). قال بعضهم : فيحتمل أن يريد : " اطلبوا منافع البعض على وجه النكاح لا على وجه السفاح " ويحتمل أن يريد بقوله :﴿محصنين﴾ أي تزوجوهن على شرط الإحصان(٦٣). قوله تعالى :﴿فما استمتعتم به منهن﴾ الآية : اختلف في تأويلها، فقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما : المعنى فإذا استمتعتم بالزوجة ووقع الوطء ولو مرة قد وجب إعطاء الأجر وهو المهر كله. ولفظة " ما " تعطي أن يسير الوطء يوجب(٦٤) إيتاء الأجر. وهذا التفسير يرد قول أبي حنيفة وأصحابه : أن الخلوة الصحيحة توجب المهر كله وطء أو لم يطأ، ادعته المرأة أو لم تدعه ؛ لأن الخلوة دون وطء ليس باستمتاع. وظاهر(٦٥) الآية على هذا التفسير أن المهر لا يجب إلا بالوطء، وهو قول مالك وجميع أصحابه. وقد اختلف فيمن دخل بالزوجة وتلذذ بها ولم يطأها هل يجب لها جميع الصداق(٦٦) أو نصفه ؟ ومن حجة من يوجب لها جميعه ظاهر هذه الآية، لأن ذلك استمتاع بها فأخذ بأقل ما يقع عليه اسم الاستمتاع. واختلف أيضا في الوطء في الدبر هل هو كالوطء في الفرج في استحقاق جميع الصداق أم لا ؟ وكذلك اختلف(٦٧) في البكر إذا أذهب الرجل(٦٨) عذريتها بأصبعه ولم يطأها، هل هو كالوطء في وجوب(٦٩) الصداق أم لا ؟ وكذلك اختلف(٧٠) في المجبوب والحصور(٧١) وما أشبه / ذلك(٧٢) ممن لا يصل إلى الجماع هل يجب عليه جميع الصداق إذا لم تطل مدة إقامته(٧٣) أم لا ؟ ولم ير(٧٤) في ذلك كله إلا نصف الصداق وحمل هذه الآية على الوطء. ونص قوله تعالى :﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧]، يدل على أنه إنما لها النصف. وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن الصداق إنما يجب جميعه بالدخول، خلافا لمن يقول : يجب(٧٥) بالعقد وجوبا غير مستقر ولمن يقول : يجب بالعقد ويسقط نصفه بالطلاق قبل الدخول(٧٦) ولمن يقول : يجب نصفه بالعقد ونصفه الثاني بالدخول والاستمتاع، وقال أبو إسحاق الزجاج : معنى قوله تعالى :﴿فما استمتعتم به منهن﴾ أي ما(٧٧) نكحتموه منهن فأتوهن مهورهن فإن استمتع بالدخول بها أعطى المهر كله. وإن استمتع بعقد(٧٨) النكاح أعطى نصف المهر. والمتاع في اللغة ما انتفع به، فعلى هذا القول الاستمتاع يقع على الوطء والعقد. وقال ابن عباس ومجاهد أيضا وغيرهما : أن المراد بآية المتعة التي كانت(٧٩) مباحة في أول الإسلام. وقرأ ابن عباس وأُبيّ، وابن جبير :﴿فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فأتوهن أجورهن﴾، وقال ابن عباس لأبي بالبصرة : هكذا أنزلها الله(٨٠) عز وجل. والذين ذهبوا إلى التأويل اختلفوا في الآية هل هي محكمة أو منسوخة ؟ فذهب قوم أكثرهم الشيعة إلى أنها محكمة وأن نكاح المتعة جائز، وروي ذلك عن ابن عباس. وقال علي : لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلا شقي. وذهب الجمهور إلى أن الآية منسوخة على ذلك التأويل/ وأن نكاح المتعة اليوم باطل، وروي عن ابن عباس الرجوع عنه(٨١) وروي عنه أنه لما بلغه قول الشاعر : قال المحدث لما طال مجلسنا؍ يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس (٨٢)؍ في بضة(٨٣) رخصة الأطراف ناعمة تكون مثواك حتى مرجع الناس. قال علي زمزم، فقال : من عرفني فقد عرفني(٨٤)، ومن لم يعرفني فأنا ابن عباس، ألا إن المتعة حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير. واختلفوا في الناسخ لها(٨٥) على أربعة أقوال : فذهب قوم إلى أن الناسخ لها السنة بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريمها، وذهب قوم إلى أن الناسخ لها القرآن قوله تعالى :﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]، وروي هذا عن ابن عباس. وذهب قوم إلى أن الذي نسخها من القرآن آية الميراث، لأن المتعة لا ميراث فيها. وقال قوم : نسخها من القرآن قوله تعالى :﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم﴾ الآية [ المؤمنون : ٥ – ٦ ]، قالوا : ولا زوجة مع الأجل. قال ابن مسعود : نسخ المتعة الطلاق والعدة والميراث. واختلف في المتعة كيف كانت ؟ قيل(٨٦) : أن يتزوج الرجل المرأة(٨٧) بشاهدين(٨٨) وإذن الولي إلى أجل مسمى، وعلى أن لا ميراث بينهما ويعطيها ما اتفقا عليه، فإن(٨٩) انقضت المدة فليس عليها سبيل ويستبرئ رحمها(٩٠) ؛ لأن الولد لاحق به(٩١) فإن لم تحمل حلت لغيره، وفي كتاب ابن(٩٢) النحاس ما يوهم أن الولد كان لا يلحق(٩٣) في نكاح المتعة وهو خطأ. وقيل : إن ١ هو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، فقيه، حافظ ثقة ثابت. اختلف في تاريخ وفاته، فقيل: سنة ١٢٣ هـ/ ٧٤٧م، وقيل: سنة ١٢٥هـ/ ٧٤٣م. انظر: شجرة النور الزكية: ص٤٦، شذرات الذهب: ج١، ص١٦٢ – ١٦٣، تهذيب التهذيب: ج٩، ص ٤٤٥ – ٤٥١.. ٢ "وغيرهما المحصنات" ساقط في (ج).. ٣ في (ب) و(د): "ابن سعيد" والصواب ما أثبتناه. أما أبو سعيد فهو: سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري الخزرجي صحابي ملازم للنبي صلى الله عليه وسلم، ولد سنة ١٠ق. هـ/ ٦١٣م، وتوفي سنة ٧٤هـ / ٦٩٣م. انظر: الأعلام: ج٣، ص١٣٨.. ٤ من قوله: "ذات الأزواج وما ملكت..." إلى قوله: "أبو سعيد إن سبب" كله ساقط في (ج).. ٥ في (هـ):"إن سبب نزول الآية".. ٦ في (ج): "سبيا لهن".. ٧ في (د) و(هـ): "سبيا لهن أزواج من المشركين".. ٨ في (هـ): "وهذا".. ٩ في (هـ): "وهذا القول في الآية يحتج به".. ١٠ في (هـ: "وإليه ذهب".. ١١ هو أبو مروان عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن عباس القرطبي من كبار فقهاء المالكية توفي سنة ٢٣٨هـ /٨٥٢م. انظر: تاريخ علماء الأندلس: ج١، ص٢٢٥ – ٢٢٨، تهذيب التهذيب ج٢٦، ص ٣٩٠ – ٣٩١.. ١٢ هو عيسى ابن دينار، فقيه من أهل الفتيا في قرطبة، ولي القضاء بطليطلة، توفي سنة ٢١٢هـ/٨٢٧م. انظر الديبا: ص ١٧٨ – ١٧٩.. ١٣ "إن تسبي هي قبلة" ساقط في (ب) و(د) و(هـ).. ١٤ في (د) و(هـ): "أن".. ١٥ في (ج): "الفرق بين السبي هو قبلها أو معها".. ١٦ في (د): "فيستحبا".. ١٧ هو محمد بن أحمد بن محمد بن بكير له كتاب أحكام القرآن، توفي ٣٠٥هـ / ٩١٧م. انظر فهرست ابن خير: ص٥٣.. ١٨ في (د): "عمر رضي الله تعالى عنه" وفي (هـ): "رضي الله عنه".. ١٩ هو أبو العالية الرياحي رفيع بن مهران البصري، توفي سنة ٩٣هـ / ٧١٢م. انظر طبقات الفقهاء: ص٨٨، تذكرة الحفاظ: ج١، ص ٥٣، تهذيب التهذيب: ج٣، ص٢٨٤.. ٢٠ "ابن عباس" ساقط في (هـ).. ٢١ في (ب): "وهي". ٢٢ في (ج) و(د) و(هـ): "وهذا التأويل".. ٢٣ في (د): "التحريم".. ٢٤ في (ج) و(د) و(هـ):"وقول".. ٢٥ هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري صاحب التفسير الكبير، وكان من الأئمة المجتهدين، ولد سنة ٢٢٤هـ، بآماب طبرستان، وتوفي سنة ٣١٠ هـ ببغداد. انظر وفيات الأعيان: ج١، ص ٤٥٦.. ٢٦ في (د): "المعنى وحرم عليكم" وفي (هـ): "المعنى حرمت عليكم".. ٢٧ هو أبو عبد الله سعيد بن جبير بن هشام الأزدي تابعي محدث وفقيه، قتله الحجاج سنة ٩٥ هـ/ ٧١٤. انظر شذرات الذهب: ج١، ص ١٠٨، طبقات المفسرين: ج١، ص ١٨١، طبقات الفقهاء: ٨٢.. ٢٨ في (ب) و(ج) و(د): "ولم".. ٢٩ "ابن جبير": سقط في (د) و(هـ).. ٣٠ "لا يعلمها"ساقط في (ب).. ٣١ هو عبيدة ابن عمر السلماني من فقهاء الكوفة أسلم زمن الفتح ولم يلتق بالنبي عليه الصلاة والسلام شهد الشافعي له بمؤازرته لشريح في القضاء، توفي سنة ٧٢هـ/٦٩١م. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي: ص٨٨، والأعلام للزركلي: ج٤، ص ٣٥٧، تاريخ الإسلام للذهبي: ج٣، ص١٩١.. ٣٢ "هذا" ساقط في (هـ).. ٣٣ في (هـ):"ما".. ٣٤ في (د): "حلائل".. ٣٥ في (د):"الإيماء".. ٣٦ في (هـ): "في كراهيتهم لذلك" وفي (د): "كراهيتهم ذلك".. ٣٧ في (د): "أن".. ٣٨ في (د): "ما".. ٣٩ في (ج) و(د) و(هـ): "على ظاهر".. ٤٠ (ومن) ساقط في (ج) و(هـ).. ٤١ في (هـ): "في".. ٤٢ في (ب) و(ج) و(هـ): "وما ولدت امرأة أبيه قبل أبيه".. ٤٣ في (هـ): "وقد اختلفوا".. ٤٤ "يجوز" ساقط في (د).. ٤٥ في (ج): "قال ثلاثة أقوال".. ٤٦ في (هـ): "وهو ثاني قول ابن القاسم".. ٤٧ في (هـ): "أنه".. ٤٨ في غير (د) و(هـ): "ينبغي".. ٤٩ في (د): "أموالا".. ٥٠ في (هـ): "الخ".. ٥١ "مال" ساقط في (ج).. ٥٢ "وإنما فيه" ساقط في (هـ).. ٥٣ في (ب) و(د): "تستحق به".. ٥٤ في (ب) و(د) و(ج): "لمن يجزه" وفي (هـ): "لمن يجيزه".. ٥٥ في (ج) و(د) و(هـ): "منه".. ٥٦ في (د): "استدلالها".. ٥٧ "كون" ساقط في (ب) أما في (ج) و(د): "كونه مخصوصا".. ٥٨ في (د): "قوله تعالى".. ٥٩ "فسخ النكاح" ساقط في (هـ).. ٦٠ "قبل الدخول... عن مالك أنه" ساقط في (هـ).. ٦١ في (هـ): "فسخ".. ٦٢ في (هـ): "زانين".. ٦٣ في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ): "فيهن".. ٦٤ لعله: "يوجب إيتاء الأجر". ٦٥ في (ب) و(د) و(ج) و(هـ): "فظاهره".. ٦٦ "الصداق" ساقط في (ج).. ٦٧ "اختلف" سقطت في (د).. ٦٨ في (ج): "الزوج".. ٦٩ في (د): "جميع".. ٧٠ "اختلف" ساقط في (ج) و(د).. ٧١ في (أ): "المحصور" في (ب) و(د) و(ج): "الحصر".. ٧٢ في (هـ): "والحصور ونحوهما ممن..." في (هـ).. ٧٣ في (د): "وإذا لم تطل إقامته" وأما في (هـ) (أو إذا لم تطل إقامته).. ٧٤ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "ومن لم ير".. ٧٥ في (د): "جميعه بعقد".. ٧٦ "ولمن يقول يجب بالعقد ويسقط نصفه بالطلاق قبل الدخول" كله ساقط في (د).. ٧٧ في (د): "مما" وفي (هـ): "فما".. ٧٨ في (ب) و(د): "بعد النكاح".. ٧٩ في (أ) "كانت" وفي غيرها كانت مباحة فهو الصواب.. ٨٠ في (ب) و(د) و(هـ): "أنزله".. ٨١ كلمة "عنه" ساقطة في (ب) و(د) و(هـ).. ٨٢ البسيط. ٨٣ في (د): "قصة" وفي (هـ): "فضة" والصواب ما أثبتناه.. ٨٤ كلمة فقد عرفني ساقطة في (د).. ٨٥ كلمة لها ساقطة في (ب) و(ج) و(د). ٨٦ في (هـ): "فقيل".. ٨٧ كلمة "المرأة" ساقطة في (ج).. ٨٨ في (هـ) و(د): "بشاهدين".. ٨٩ في (هـ): "فإذا".. ٩٠ في (ب) و(ج) و(د):"رحمهم".. ٩١ في (هـ) و(ج) و(د): "لاحق فيه".. ٩٢ كلمة "ابن" ساقطة في (د) و(هـ). وابن النحاس هو أحمد ابن محمد إسماعيل المرادي المصري، النحوي، المشهور بابن النحاس، وقد توفي سنة ٣٣٨ هـ. صنف كتبا كثيرة منها: إعراب القرآن ومعاني القرآن، انظر النسخ في القرآن الكريم: ج١، ص ٣٢٦، تعليق رقم ١، وكذلك تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: ج٢، ص٢٠١ – ٢٠٥.. ٩٣ في (هـ): "لا يلحقه"..

النساء 4:25

٢٥ قوله تعالى :﴿من لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ (١) : اختلف في الطول ما هو ؟ فقال ابن عباس وغيره ومالك وأصحابه : الطول هنا(٢) : السعة في المال، وقال ربيعة وإبراهيم النخعي : الطول هنا الجلد والصبر لمن تزوج أمة وهواها حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها، فإن له أن يتزوج(٣) الأمة إذا لم يملك هواها(٤)، وإن كان يجد سعة في المال لنكاح حرة. ثم قوله(٥) ﴿لمن خشي العنت منكم﴾ (٦) على هذا القول بيان في صفة عدم الجلد. وعلى القول الآخر يكون شرطا زائدا إلى الطول في تزوج الأمة، والمشهور عن مالك أن الحر لا يجوز له نكاح الأمة إلا مع عدم الطول وخوف العنت، لقوله تعالى(٧) :﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾ (٨). وهذا من مالك اعتبار بدليل الخطاب، ولو لم يقل هنا بدليل الخطاب لما ألزم أن يعتبر واحد من الشرطين. والمشهور عن ابن القاسم أن ذلك جائز مع وجود / الطول والأمن من العنت، وهذا على قول بأن دليل الخطاب لا يعتبر. ويعضد ذلك قوله تعالى :﴿وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ [النور: ٣٢]، وقد روي عن مالك مثل قول ابن القاسم، وعن ابن القاسم مثل قول مالك(٩)، والعلة في المنع من ذلك إلا بشرطين(١٠) عند من قال بدليل الخطاب الكراهية للحر أن ينكح نكاحا يرق فيه ولده، فعلى هذا إذا(١١) تزوج الحر أمة من يعتق عليه ولده منها أو كان لا يولد له جاز نكاحه مع عدم الشرطين. والذين ذهبوا إلى أن الطول في الآية السعة في المال، اختلفوا في تقديره، فقيل : هو أن يجد صداق الحرة(١٢) ويقدر على نفقتها. وقيل : بل(١٣) هو أن يجد صداقا لها وإن عجز عن نفقتها، والأول أصح. واختلف في الحرة تكون تحت الرجل هل هي طول تمنعه من نكاح الأمة أم لا ؟ على قولين : وظاهر القرآن المنع مع وجود الحرة، ولذلك مالك(١٤) يقول : لا يجوز نكاح الأمة على الحرة ويفسخ إن وقع ثم إنه رجع إلى أنه يجوز وتخير المرأة(١٥). والمنع من الآية أظهر ؛ لأنه تعالى إنما شرط تزوج الأمة مع عدم القدرة على الحرة(١٦)، فإذا تقدمت المقدرة عليها وكان متزوجها(١٧) منع من نكاح الأمة. واختلف أيضا إذا كانت تحته أمة ثم تزوج حرة هل يفسخ نكاح الأمة أم لا ؟ وقال مسروق : الأمة كالميتة تضطر إليها، فإذا أغناك الله عنها فاستغن. وأنكر غيره هذا القول، وقال : من شبه الأمة بالميتة فقد غلط، لأن الله عز وجل جعل الأمة لمتزوجها(١٨) عند الإباحة(١٩) حلالا. والميتة حرام قبل الاضطرار وبعده عينها لا/ تنتقل عن التحريم. والمحصنات في هذا الموضع الحرائر، يدل عليه التقسيم(٢٠) بينهن وبين الإماء، وقيل : معناه العفائف، وهذا ضعيف ؛ لأن الإماء يقعن(٢١) تحته. قال بعضهم : ولأنه يلزم من قال ذلك أن يحرم على الناس أن يتزوجوا غير عفيفة. وقوله تعالى :﴿والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ [النور: ٣]، الآية : منسوخ. وقد وصف الله تعالى المحصنات بالمؤمنات، فاختلف بسبه(٢٢) ذلك في الحرة الكتابية بعد القول بأن الحرة طول تمنع نكاح الأمة هل هي طول تمنع نكاح الأمة أم لا ؟ على قولين : فمن منع(٢٣) نكاح الإماء مع القدرة على نكاح الكتابية، فالمؤمنات عنده صفة غير مشترطة، وإنما جاءت لأنها مقصد النكاح، إذ الأمة مؤمنة وغاية ما في هذا ترك الأخذ بدليل الخطاب. ومن رأى أنه يتزوج الأمة وإن كان قادرا على نكاح كتابية فصفة المؤمنات عنده مشترطة في المحصنات وغاية هذا الأخذ بدليل الخطاب(٢٤). وقوله تعالى :﴿فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ : هذه المخاطبة " بالكاف " " والميم " عامة أي منكم الناكحون وفيكم(٢٥) المالكون ؛ لأن الرجل ينكح فتاة نفسه. ومثل هذا التوسع في الكلام كثير(٢٦)، وقد وصف الله تعالى الفتيات، وهن الإماء بالمؤمنات. وعلى الخلاف في دليل الخطاب اختلف في جواز(٢٧) نكاح الإماء غير المؤمنات(٢٨)، فمن قال بدليل الخطاب في(٢٩) الآية لم يجز نكاحهن وهو قول(٣٠) مالك وجمهور أصحابه، وجعل المؤمنات هنا وصفا مشترطا. ومن لم يقل بدليل خطاب الآية أجاز نكاح الإماء غير المؤمنات، وهو قول أبي حنيفة وغيره في إماء/ أهل الكتاب وجعلوا ذكره تعالى :﴿المؤمنات﴾ إنما هو على الندب، واحتجوا أيضا بالقياس على الحرائر، قالوا : لما لم يمنع قوله :﴿المؤمنات﴾ (٣١) في الحرائر من نكاح الكتابيات الحرائر(٣٢) فكذلك لا يمنع قوله :( المؤمنات ) في الإماء من نكاح الكتابيات الإماء، وإذا قلنا بجواز نكاح الأمة للحر فله في قول مالك والزهري وأبي حنيفة وغيرهم نكاح أربع من الإماء، إذا خشي على نفسه العنت ولم يكفه أقل من أربع. وقال قتادة والشافعي وغيرهما : لا ينكح أكثر من واحدة من الإماء. قول حماد بن أبي سلمان(٣٣) : لا يتزوج منهن أكثر من اثنتين(٣٤). وإطلاق قوله :﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ (٣٥) يدل على صحة القول الأول والحر والعبد عند أكثر أهل المذهب في نكاح الإماء الكتابيات سواء خلافا لأشهب في إجازته ذلك للعبد. والحجة للقول الأول : أن الخطاب بالآية يعم الأحرار والعبيد، فمن فرق بينهما فعليه الدليل. وقوله تعالى :﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾ : يريد بإذن أربابهن المالكين لهن، وقد اختلف في من تزوج أمة بغير إذن سيدها هل للسيد أن يجيزه، فيجوز النكاح(٣٦) أم لا ؟ على قولين(٣٧) وهما مرويان عن مالك. المشهور منهما أنه لا يجوز وإن أجازه السيد، بخلاف العبد المشهور فيه أنه إذا تزوج(٣٨) بغير إذن سيده أنه(٣٩) يجوز إن أجازه السيد. وفي مذهب مالك قول آخر أنه لا يجوز وإن أجازه السيد. والحجة للمشهور من القولين(٤٠) في الأمة الآية، فلم يجز تعالى(٤١) نكاحهن إلا بإذن أربابهن(٤٢) فمن تزوج أمه بغير(٤٣) إذن سيدها(٤٤) فنكاحه فاسد لخلوه من الشرط الصحيح الذي شرطه الله/ تعالى فيهن. وقوله تعالى :﴿وآتوهن أجورهن﴾ : يريد مهورهن و ﴿بالمعروف﴾ : معناه بالشرع والسنة. وهذا يقتضي أنهن أحق بمهورهن من السادة وهو قول مالك خلافا لغيره(٤٥) من أن للسيد(٤٦) أن يأخذ(٤٧) صداقها إلا قدر ما تحل به، ولسحنون نحوه. وحكي عن بعض أهل العراق أنه قال : لا بأس أن يزوج الرجل عبده أمته بغير صداق، وهذا القول مخالف لكتاب الله تعالى، لأنه قال :﴿وآتوهن أجورهن﴾ (٤٨)، فوجب أن تكون الأجور لهن حرائر كن أو إماء ولو كان السيد أن يزوج عبده أمته بغير صداق، أو كان الصداق إنما هو له، فله أن يوجبه وله أن يبطله للزم(٤٩) أن يزوج أمته من غير عبده أو من حر على أن لا صداق، فيصل إلى أن يهب الفرج، وهذا مما لا يجوز لأحد إذ خص به النبي صلى الله عليه وسلم في الحرائر. وقوله تعالى :﴿محصنات﴾ : معناه : عفيفات أو مسلمات، والعامل في هذه الحال فانكحوهن، ويحتمل أن يكون العامل فيها فأتوهن، ويكون معنى : محصنات مزوجات والمسافحات الزواني المبتذلات اللواتي هن سوق للزنا، ومتخذات الأخذان هن المستترات اللواتي(٥٠) يصحبن واحدا واحدا ويزنين خفية. وهذان(٥١) كانا نوعين من زنا الجاهلية، قال ابن عباس وغيره. وقوله تعالى :﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة﴾ : اختلف فيما هو هذا الإحصان(٥٢) فقال الجمهور : هو الإسلام، فإذ زنت الأمة المسلمة حدت نصف حد الحرة، وعلى هذا يكون حد الأمة إذا زنت قبل التزويج(٥٣) وبعده بالقرآن والحديث. وقالت فرقة : إحصانها الذي في الآية : هو التزويج لحر(٥٤) فإذا زنت/ الأمة المسلمة التي لم تتزوج فلا حد عليها، قاله سعيد ابن جبير والحسن وقتادة. وقالت فرقة : الإحصان في الآية التزوج إلا أن الحد واجب على الأمة المسلمة غير المتزوجة بالسنة وهو ما جاء في " الموطأ " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة ؟ إذا زنت ولم تحصن، فقال : " إذ زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها " (٥٥). وقال الزهري : فالمتزوجة محدودة بالقرآن والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث. ومما يعضد قول من رأى(٥٦) أن الإحصان في الآية التزوج، وأن الصفة لهن بالإيمان قد تقدمت من قوله تعالى :﴿من فتياتكم المؤمنات﴾، فذلك(٥٧) يغني عن ذكر الإسلام هنا، فأن يكون معنى التزوج أولى. والفاحشة هنا الزنا بقرينة(٥٨) إلزام الحد كما قال بعضهم، وعندي أن الفاحشة هنا تعم الزنا والقذف وكل ما يمكن أن يتبعض من الحدود والمحصنات هنا الحرائر المسلمات الأبكار لا الحرائر المتزوجات لأن حد(٥٩) الحرائر المتزوجات(٦٠) الرجم وهو لا يتبعض وسمي الأبكار محصنات، لأن الإحصان يكون بهن، وقد ذهب قوم إلى أن العبد المحصن. والأمة المحصنة يرجمان كالأحرار، ولفظ الآية كما قدمنا يرد ذلك ؟ لأن الرجم ليس بمحدود معلوم(٦١)، فيتصف(٦٢) وإنما أراد تعالى ما يمكن فيه(٦٣) التصنيف(٦٤)، فمن قال ذلك فقد خالف الآية، وحد الحرائر المسلمات غير المتزوجات وهن الأبكار جلد مائة دون تغريب عندنا. وعند الشافعي(٦٥) أنه تغريب، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم(٦٦) " البكر بالبكر(٦٧) جلد مائة(٦٨) وتغريب عام " فإن قلنا : إن الحد دون / تغريب(٦٩) فالذي يلزم المرأة من الإماء بنص القرآن نصف ذلك، وهو خمسون جلدة وهو قول مالك وجميع أصحابه وأحد قولي الشافعي وقول ابن عباس وغيره. وإذا قلنا(٧٠) : إن حد الحرة المسلمة مائة وتغريب عام، فالذي يلزم المرأة من الإماء بنص القرآن نصف ذلك وهو خمسون جلدة وتغريب ستة أشهر، وهو أحد قولي الشافعي والعبد بمنزلة الأمة، فيما ذكرنا لا فرق بينهما. خلافا لمن لا يرى على العبد حدا أصلا أحصن أو لم يحصن، لأنه يرى أن(٧١) سورة النساء في الإماء(٧٢) خاصة، وآية النور في الأحرار(٧٣) خاصة، ولم يأت للعبد ذكر، ولم ير القياس بقي أن يكون على العبد(٧٤) حد في الزنا، وهو قول ظاهر الفساد وخلافا لأهل الظاهر من إيجابهم على العبد في الزنا مائة جلدة كالحرة احتجاجا بقوله تعالى :﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢]، ويخصصون الإناث من ذلك بعموم قوله تعالى(٧٥) :﴿فعليهن نصف ما على المحصنات﴾، ونحن نرى العبد لاحقا بالأمة(٧٦) فيتخصص(٧٧) بذلك وهو الأمة من عموم آية النور وإلحاق(٧٨) العبد بالأمة(٧٩) من هذا ونحوه أو الأمة بالعبد في نحو قوله عليه الصلاة والسلام(٨٠) : " من أعتق شركا له في عبد " (٨١) مختلف في تسميته قياسا والأصح أنه ليس بقياس وعلى حد الزنا قياس(٨٢) مالك(٨٣) عدة الإماء وإطلاق العبيد. وقوله تعالى :﴿ذلك لمن خشي العنت منكم﴾ : ذلك إشارة(٨٤) إلى نكاح الأمة، واختلف في تفسير العنت، فقيل هو(٨٥) : المشقة، وقيل : هو الزنا، وقيل : الإثم، وقيل : الحد. وقوله تعالى :﴿وأن تصبروا خير لكم﴾ : ندب منه تعالى إلى الترك وعلته ما يؤدي إليه نكاح الإماء من استرقاق الولد ومهانتهن. ١ قوله:﴿فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ سقطت في (هـ).. ٢ كلمة "هنا" سقطت في (ج) و(د) و(هـ).. ٣ كلمة "غيرها فإن له أن يتزوج" ساقطة في (ب).. ٤ في (د) و(هـ): "هواه".. ٥ في (د) و(هـ): "ثم يكون قوله".. ٦ في (ج): لقوله تعالى: ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم﴾.. ٧ في (هـ): "يقول الله تعالى".. ٨ في (د) و(هـ): ﴿المؤمنات﴾ الآية".. ٩ في (ج) و(د) و(هـ): "مثل قول مالك بالشرطين".. ١٠ في (ب) و(ج): "بالشرطين".. ١١ في (هـ): "لو تزوج".. ١٢ في (هـ): "حرة".. ١٣ كلمة "بل" سقطت في (هـ).. ١٤ في (ج): "كان مالك" وفي (د) و(هـ): "كان مالك رحمه الله".. ١٥ في (ب) و(هـ): "وتخير الحرة".. ١٦ من قوله: "ويفسخ إن وقع ثم إنه رجع..." إلى قوله: "مع عدم القدرة على الحرة" ساقط في (ج).. ١٧ في (هـ): "تزوجها".. ١٨ في (ب) و(ج): "ليتزوجها".. ١٩ في (هـ):"الحاجة".. ٢٠ في (ج): "على أن التقسيم".. ٢١ في (د): "يقعدن".. ٢٢ في (هـ): "بسبب تأويل".. ٢٣ كلمة "منع" سقطت في (د).. ٢٤ من قوله: "ومن رأى أنه يتزوج أمة..." إلى "الأخذ بدليل الخطاب" ساقط في (د).. ٢٥ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "ومنه".. ٢٦ في (ب): "والكثير".. ٢٧ كلمة "في جواز" ساقطة في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٢٨ في (هـ): "نكاح الإماء المؤمنات". ٢٩ "في" سقطت في (ب) و(ج) و(د).. ٣٠ في (ب) و(ج) و(د): "على قول".. ٣١ من قوله: "إنما هو..." إلى ﴿المؤمنات﴾ ساقط في (د).. ٣٢ من كلمة "من نكاح الكتابيات الحرائر" ساقطة في (ب) و(ج) و(د).. ٣٣ في (هـ):"سلمة" هو حماد بن سليمان مسلم الأشعري أبو سعيد الكوفي الفقيه، شيخ أبي حنيف. انظر في ترجمته: تهذيب التهذيب: ج٣، ص١٦ – ١٨.. ٣٤ في (ج): "أكثر منهن: أكثر من اثنين" وفي (هـ):"اثنين".. ٣٥ "المؤمنات" سقطت في (هـ).. ٣٦ في (هـ): "هل للسيد أن يجيز النكاح أم لا؟".. ٣٧ في (ج) و(د): "على قولين في المذهب".. ٣٨ في (د) و(هـ): "أن يتزوج".. ٣٩ في (د) و(هـ): "أنه".. ٤٠ في (هـ): "والحجة للجمهور من القول".. ٤١ كلمة: "لم يجز تعالى" سقطت في (د)، ولم تسقط في (د) إلا كلمة: "تعالى".. ٤٢ في (د):"أهلهن".. ٤٣ في (هـ): "من".. ٤٤ من قوله: "للسيد أن يجيزه فيجوز النكاح أم لا؟.." إلى قوله: "فمن تزوج أمة بغير إذن" كله ساقط في (د).. ٤٥ في غير (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "خلاف ما لغيره".. ٤٦ في (هـ): "لسيدها".. ٤٧ في (ب): "من أن السيد يأخذ".. ٤٨ في (هـ) و(ب) و(ج) و(د): "لأنه تعالى قال: ﴿وآتوهن أجورهن﴾ وقال: ﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾.. ٤٩ في (د): "لزم".. ٥٠ في (د): "اللاتي".. ٥١ في (هـ) و (د): "وهذين نوعين كان".. ٥٢ في (هـ): "اختلف في هذا الإحصان ما هو؟".. ٥٣ في (ب) و(ج) و(د): "إذا زنت قبل التزوج بحر".. ٥٤ "لحر" سقطت في (ج) و(د).. ٥٥ قوله: "ثم إذا زنت فاجلدوها ثم إذا زنت فاجلدوها"سقطت في (ب). والحديث أخرجه مالك في موطءه: كتاب الحدود(جامع ما جاء في حد الزنا) تنوير الحوالك شرح على الموطأ مالك: ج٣، ص٤٤.. ٥٦ في (هـ: "من قال".. ٥٧ "فذلك"ساقط في (هـ).. ٥٨ في (هـ): "الزنا بدليل".. ٥٩ في (د):"لأن الحرائر المتزوجات حدهن".. ٦٠ "لأن الحرائر المتزوجات" سقط في (ب).. ٦١ "معلوم" سقط في (د).. ٦٢ في (ج): (فيتصف). ٦٣ "فيه" سقطت في (ب) و(د).. ٦٤ في (ج): "التصيف".. ٦٥ في (د): "الشافعية".. ٦٦ في (هـ): "لقوله".. ٦٧ "البكر بالبكر" سقطت في (هـ).. ٦٨ "مائة" سقطت في (هـ). والحديث أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الحدود باب٧، رقم الحديث. ١٤٦١. ٦٩ "فإذ قلنا أن الحدود دون تغريب" ساقط في (ج) و(د).. ٧٠ في (ج): "قلت".. ٧١ "أن" سقطت في (د) و(هـ).. ٧٢ في (ج) و(د) و(هـ): "أن آية سورة النساء خاصة بالإماء".. ٧٣ في (هـ): "بالأحرار".. ٧٤ لعله: "فبقي أن لا يكون على العبد" ليستقيم المعنى.. ٧٥ في (د) و(هـ): "بعموم قوله تعالى".. ٧٦ "على محصنات ونحن نرى العبد لاحقا كالأمة" ساقط في (د) و(ج) و(ب).. ٧٧ في (هـ): "فيخصص".. ٧٨ قوله:"فيتخصص بذلك هو والأمة عموم آية النور وإلحاق" سقط في (ب) و(ج) و(د).. ٧٩ قوله: "بالأمة" سقط في (هـ).. ٨٠ في (د): "عليه السلام".. ٨١ في (هـ): "في عبده" والحديث أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الشركة، باب ٥، ص١١١.. ٨٢ في غير (ج): "قاس".. ٨٣ في (د): "مالك رحمه الله تعالى" وفي (هـ): "مالك رحمه الله".. ٨٤ في (هـ): "أشار به".. ٨٥ في (هـ): "هي"..

النساء 4:29

٢٩ - قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم﴾ الآية(١)، إلى قوله :﴿ولكل جعلنا موالي﴾ : قال عكرمة : في هذه الآية نهي بعضهم عن أكل طعام بعض، ثم نسخ بقوله :﴿ولا على أنفسكم(٢) أن تأكلوا من بيوتكم﴾ الآية [النور: ٦١]، وهذا الذي ذكره عكرمة إنما هو تخصيص. وأما تسميته نسخا ففيه خلاف ولا يصح في النظر، ولأجل هذا القول قال بعض الناس : إن الهبات والصدقات من أكل الأموال(٣) بالباطل، وأنها داخلة تحت النهي، إلا أنه نسخ بالإجماع أو بالآية المتقدمة، وهو قول ابن عباس. والأظهر أن الآية لا تفهم تحريم(٤) الهبات التي يبتغي بها الأغراض الصحيحة وإنما حرم الله تعالى مثل أكل المال(٥) بالقمار والخمر والإغرار(٦) مثل أثمان البيوع الفاسدة. وانظر إلى هذا(٧) مسألة النهبة(٨) التي تنثر على رؤوس الصبيان، ومسألة من أتى بطعام واجتمعوا للأكل هل(٩) لهما تعلق بهذه الآية. وقوله :﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ أباح الله تعالى في هذه الآية(١٠) التجارات وهي اسم واقع على عقود المعاوضات المقصود بها طلب الأرباح ويؤخذ منه(١١) جواز طلب القوت بها. وفي هذا دليل على فساد قول من ينكر طلب الأقوات بالصناعات والتجارات من المتصوفة الجهلة ؛ لأن الله تعالى حرم أكل الأموال بالباطل وأحلها بالتجارة وفي إحلاله تعالى ذلك(١٢) إباحة أن يشتري الإنسان سلعة من آخر بدرهم وهي تساوي مائة. وهذا إذا كان البائع عارفا بالقيمة، فما أحسب أن فيه خلافا أما إن لم يكن عارفا بالقيمة، فالمشهور إمضاء البيع لما قدمناه من دليل الآية. وهذا هو الذي يسمى بيع الغبن. وحكى ابن القصار أنه يجب الرد بالغبن إذا كان أكثر من الثلث. وذكره(١٣) بعضهم عن ابن وهب ومن(١٤) ذلك أن يشتري الرجل ياقوتة ولا يظنها ياقوتة(١٥)، ولا يعرفها البائع ولا المبتاع فيساوم فيها الرجل صاحبه ويبتاعها منه بما يتفقان عليه ثم يظهر أنها ياقوتة(١٦) أو غير ياقوتة. فالمشهور أن لا رجوع لأحدهما على صاحبه، لأن هذا ليس من أكل أموال الناس بالباطل، بل هو أكل الأموال(١٧) بالتجارة، كما أباحه في قوله :﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾. وقد قيل : إنه يرجع بذلك، وهو ظاهر ما وقع(١٨) لمالك في غير ما كتاب. وهذا يسمى بيع الغلط، وهاتان البيعتان، بيعة الغلط وبيعة الغبن، إنما يكون القول فيهما(١٩) على ما ذكرناه، إذا كانتا(٢٠) في بيع المكايسة. وأما بيع الاستمانة(٢١)، وذلك أن يأتي الرجل بالسلعة وهو لا يعرف ما تساوي ويستمين(٢٢) في معرفة ذلك إلى المشتري فيشتريها(٢٣) منه ثم يظهر أنها تساوي أكثر من ذلك(٢٤)، فهذا لا خلاف(٢٥) فيه(٢٦) أنه من(٢٧) أكل أموال الناس بالباطل. واختلف في اللقطة هل لملتقطها استنفاقها بعد السنة على وجه التملك أم لا ؟ على أربعة أقوال، أحدها : أن ذلك لا يجوز إلا أن يكون له وفاء. والثاني : أن ذلك لا يجوز(٢٨) إلا أن يكون ملتقطها محتاجا، وهو قول أبي حنيفة. والثالث : أن ذلك جائز له على كل(٢٩) حال، وهو قول الشافعي. والرابع : أن ذلك لايجوز على(٣٠) حال بل هو مكروه، وهو قول مالك(٣١) وهو في الصحيح ؛ لقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾، فإن أكلها بعد التعريف فعليها غرمها(٣٢). وذهب داود إلى أن لا غرامة عليه. والصحيح ما قدمناه(٣٣) لأن هنا من أكل أموال الناس(٣٤) بالباطل. واختلف في الرجل يمر بجنان غيره أو بغنمه هل له أن يأكل من الفاكهة ويشرب من اللبن إذا لم يكن محتاجا إليه، لأن المحتاج لا خلاف أن له(٣٥) أن يأكل. فقيل : جائز له أن يأكل ويشرب لصديق كان ذلك(٣٦) أو لغير صديق، وقيل : إن كان لصديق كان له أن يأكل(٣٧) وإن لم يكن لصديق لم يكن له ذلك. قال بعضهم : وهذا أعدل الأقوال، وأولاها بالصواب، وهو قول الليث(٣٨). وقيل : أن ذلك ممنوع، لصديق كان أو لغير صديق، لقوله تعالى :﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ وهذا من أكل المال بالباطل، وهو قول مالك(٣٩) قال بعضهم : وهذا في ثمر الحائط دون لبن الماشية. لحديث ابن عمر(٤٠) في الماشية. وقيل : بل ذلك في ثمر الحائط ولبن الماشية سواء ؛ لحديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه(٤١) قال :﴿إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه به، فإن أذن له فليحلب وليشرب، وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاثا، فإن لم يجب أحد فليحلب وليشرب﴾، ولا يحمل(٤٢) وإن كان على تلك الغنم أو الحائط أجير وأخبره الأجير أنه أذن له في أن يطعم أو يسقي(٤٣) فهل يصدقه في ذلك ؟ روايتان عن مالك. والأظهر أن(٤٤) لا يصدقه في ذلك ؛ لأنه بذلك متعد على مال الغير(٤٥)، لأن صدقه لا يعلم فيكون من أكل المال(٤٦) بالباطل. وقوله تعالى :﴿عن تراض﴾ علق تعالى التجارة التي تنتقل(٤٧) بها الأملاك بالتراضي خاصة دون التفرق بالأبدان، فيأخذ مالك بهذا الظاهر، ورأى أن تمام التجارة التراضي بالألسنة، فإذا كان ذلك انخرمت التجارة ولم يكن لأحدهما بعد خيار. وبهذه الآية استدل(٤٨) أصحاب مالك وأبي حنيفة(٤٩) في المسألة المذكورة، ونظيره(٥٠) من الاستدلال استدلالهم(٥١) أيضا في ذلك(٥٢) بقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تناديتم بدين(٥٣) إلى أجل مسمى﴾ (٥٤) إلى آخر الآية [البقرة: ٢٨٢]، وزعموا أن تلك الآيات كلها تقتضي نفي الخيار &&&الإخبار&&&. وقد رد هذا الاستدلال مثبتو خيار المجلس وغيرهم، وزعموا أنه ضعيف. وقال الشافعي : تمام التراضي وجزمه بافتراق الأبدان بعد عقدة البيع، وأن يقول أحدهما لصاحبه : اختر فيقول : قد اخترت وذلك بعد عقدة البيع. واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : " البيعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار " (٥٥)، وهذا الحديث قد تأول على وجوه ليس هذا الكتاب موضع ذكرها. قوله تعالى(٥٦) :﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ : واختلف في تأويله، فقيل : لا تتجروا في بلاد العدو فتغرروا بأنفسكم، وهذا التأويل(٥٧) في النهي عن التجارة إلى أرض(٥٨) الحرب يوافق مذهب مالك وغيره في تشديد الكراهية(٥٩) في التجارة إلى بلد الحرب، وإن كان قد جاء عن مالك ما يظهر منه(٦٠) إجازة ذلك. وقال بعضهم : المقصود بالآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضا، وأن يقتل الرجل نفسه بقصد منه إلى ذلك وأن يحملها على غرر ما مات منه(٦١)، وقد احتج عمرو ابن العاص بهذه الآية حين أجنب وتيمم وصلى بالقوم ولم يغتسل بالماء البارد خوفا على نفسه منه، فأقر رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجاجه. ومن أكره على الكفر فاختار القتل فلا خلاف فيه(٦٢) أنه أفضل ويخصص(٦٣) هذا من الآية بالإجماع. وأما من أكره على غير الكفر من فعل ما لا يحل له، فاختلف في الأفضل من ذلك. فقال أصحاب مالك(٦٤) : الأخذ بالشدة واختيار القتل أفضل وذهب جماعة إلى أن إتيان ما أكره عليه أفضل، وأنه لا يحل له قتل نفسه وحجتهم ظاهر هذه الآية. ١ كلمة "الآية" سقطت في (د).. ٢ قوله: "وعلى أنفسكم" سقط في (ب).. ٣ في (د): "المال" وفي (هـ): "أموال الناس".. ٤ في (ج): "أنها لا تفهم الآية تحريم" وفي (د): "أنه لا تفهم الآية تحريم" وفي (هـ): "أنه لا يفهم من الآية تحريم".. ٥ في (هـ): "أكل المال بمثل القمار".. ٦ "الأغرار" ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٧ في (هـ): "هذه".. ٨ في (ب) و(د) و(ج): "الهبة".. ٩ "هل" ساقطة في (ب) و(ج) و(د).. ١٠ في (هـ): "بهذه الآية".. ١١ في (هـ):"منها".. ١٢ "ذلك" سقطت في (ج).. ١٣ في (ج): "ذكر".. ١٤ في (هـ): "مثل عوض من".. ١٥ "ياقوتة" ساقطة في (ب).. ١٦ من قوله: "ولا يعرفها البائع..."إلى قوله:"ثم يظهر أنها ياقتة" كل ذلك ساقط في (ج).. ١٧ في (هـ): "المال".. ١٨ "وقع" سقطت في (هـ).. ١٩ في (د) و(ج): "البيع فيهما".. ٢٠ "إذ كانتا" سقطت في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٢١ في (هـ) و(ج) و(د) و(هـ): "الاستبانة".. ٢٢ في (د) و(ج) (وب) و(هـ): "يستنيب".. ٢٣ في (ب): "يستر بها".. ٢٤ في (ج): "أكثر من ذلك".. ٢٥ في (هـ): "لا خلاف".. ٢٦ "فيه" سقطت في (د).. ٢٧ "من" سقطت في (ب).. ٢٨ في (هـ): "أنه لا يجوز".. ٢٩ "بكل حال" في (هـ).. ٣٠ في (هـ) و(د): "عن".. ٣١ في (د): "مالك رحمه الله تعالى" وفي (هـ): "رحمه الله".. ٣٢ في (ب) و(د) و(ج): "غرامتها".. ٣٣ في (هـ): "قدمنا".. ٣٤ في (د): "المال والباطل".. ٣٥ "أن له" ساقط في (ب).. ٣٦ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "كان ذلك له". ٣٧ "أن يأكل" ساقط في (ج) و(د).. ٣٨ هو أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمان إمام أهل مصر في الفقه والحديث، وأصله من أصبهان. توفي ١٧٥هـ بمصر في القرافة الصغرى. انظر وفيات الأعيان: ج١، ص٤٣٨ – ٤٢٩.. ٣٩ في (د): "مالك رحمه الله".. ٤٠ هو أبو عبد الرحمان عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما القرشي العدوي، كان من أهل العلم والورع، توفي بمكة سنة ٦٣هـ وهو ابن ٨٤ سنة انظر وفيات الأعيان: ج١، ص ٢٤٧ – ٢٤٨.. ٤١ "وقيل" "بل ذلك صلى الله عليه وسلم" كله ساقط في (هـ).. ٤٢ في (ج)و (ب): "لحديث ابن عمر في الماشية قال: إذا أتى أحدكم عن ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذن فإن أذن له فليحلب وليشرب وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاثا فإن لم يجبه أحد فليحلب وليشرب، وقيل: بل ذلك في ثمر الحائط ولبن الماشية سواء في حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يحمل".. ٤٣ في (هـ): "لحديث ابن عمر في لبن الماشية قال: إذا أتى أحدكم عن ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحلب وليشرب وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاثا فإن لم يجبه أحد فليحلب وليشرب ولا يحمل فإن كان على تلك الغنم أو الحائط أجير وأخبره الأجير أنه أذن في أن يطعم أو يسقي"، والحديث عند البخاري في الصحيح، كتاب اللقطة، باب٨، ص٨٨، وفي سنن أبي داود: كتاب الجهاد، باب فيمن قال لا يحلب، ص٤٠، وفي مسند الإمام أحمد: ج٣، ص٢١.. ٤٤ في (ج): "ولا أظهر أنه".. ٤٥ في (د) و(ج) و(ب): "معتمد على ملك الغير".. ٤٦ في (د) و(هـ): "أموال الناس".. ٤٧ في (هـ): "تنقل".. ٤٨ في (ج): "وهذه الآية استدل بها".. ٤٩ في (د): "أبو حنيفة".. ٥٠ في (هـ) ونظيره "أيضا".. ٥١ في (ب) و(ج) و(د): "الاستدلال".. ٥٢ "في ذلك" ساقط في (ج) و(د)، وأما (هـ) فالذي سقط فيها: "واستدلالهم أيضا في ذلك".. ٥٣ "بدين" سقطت في (ب).. ٥٤ في (هـ): "... فاكتبوه" وليس فيها: "إلى آخر الآية".. ٥٥ انظر صحيح البخاري: كتاب البيوع باب٤٤، ص ٣٢٨، وسنن أبي داود: أبواب البيع، باب٢٦، ص ٣٢٨، وتنوير الحوالك: شرح على موطأ مالك، كتاب البيوع، ج٢، ص١٦١، والمسند للإمام أحمد: ج١، ص٥٦.. ٥٦ وفي (هـ): "وقوله تعالى".. ٥٧ "وهذا التأويل" سقطت في (هـ).. ٥٨ في (ج) و(د): "في أرض" وفي (هـ): "الأرض".. ٥٩ في (هـ): "في التشديد في الكراهة".. ٦٠ في (هـ): "ما يفيد إجازة".. ٦١ في (ب) و(هـ) و(د): "غرر بما مات".. ٦٢ "في" سقطت في (هـ).. ٦٣ في (هـ):"يخص".. ٦٤ في (هـ): "فقال مالك"..

النساء 4:30

٣٠- وقوله تعالى :﴿ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه﴾ الآية : و(١) اختلف في المشار إليه ب " ذلك "، فقيل : هو عائد عن القتل لأنه أقرب مذكور إليه(٢). وقيل : هو عائد على أكل المال(٣) بالباطل وقتل النفس، لأن النهي عنهما جاء متسقا مسرودا ثم ورد الوعيد حسب النهي. وقيل : هو عائد على كل ما نهى عنه من القضايا من أول سورة إلى قوله :﴿ومن يفعل ذلك﴾ (٤). وقيل : هو عائد على ما نهى عنه من آخر وعيد ؛ وذلك قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ [النساء: ١٩]، لأن كل ما نهى عنه(٥) من أول السورة قرن به وعيد إلا مع قوله(٦) " يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها " فإنه والنواهي بعده لا وعيد معها(٧) إلى قوله(٨) :﴿ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما﴾. ١ "و" سقطت في (هـ).. ٢ "إليه" سقطت في (هـ).. ٣ في (ج) و(هـ): "أكل أموال الناس".. ٤ في (هـ): "من أول السورة إلى هنا".. ٥ "من آخر وعيد ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ لأن كل ما نهى عنه" كل هذا ساقط في (ب).. ٦ في (د): "قوله تعالى".. ٧ في (هـ): "لا وعيد معه" وفي (ب): "لا وعيد له".. ٨ في (د): "قوله تعالى"..

النساء 4:31

٣١ - قوله تعالى :﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ الآية : اختلف أهل التأويل في الكبائر التي وعد الله تعالى عباده باجتنابها تكفير سيئاتهم ؟ فقال بعضهم : هي ما تقدم الله تعالى إلى عباده بالنهي عنه من أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية، وهذا قول ابن مسعود والنخعي. وقال قوم : الكبائر سبع، روي(١) هذا عن علي(٢) وعبيد(٣) ابن عمير وغيره. قال عبيد(٤) ابن عمير : ليس من هذه كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله تعالى. قال الله تعالى :﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء﴾ [الحج: ٣١]، ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها﴾ [النساء: ٩٣]، ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ [النساء: ١٠]، ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة﴾ [النور: ٢٣]، و " الفرار من الزحف " :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار﴾ [الأنفال: ١٥] الآية. والسابعة : التعرب(٥) بعد الهجرة ﴿إن الذين ارتدوا على أدبارهم﴾ [محمد: ٢٥] الآية. وفي البخاري(٦) عن النبي صلى الله عليه وسلم : " اتقوا السبع الموبيقات : الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات " (٧)، وقال قوم : هي :(٨) تسع، روي هذا عن ابن عمر(٩)، وزاد على ما قاله على السحر(١٠) والإلحاد في المسجد الحرام. وقال قوم : هي أربع(١١)، وروي هذا أيضا عن ابن مسعود : الإشراك بالله(١٢)، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله. وروي عن ابن مسعود أيضا أنها ثلاث : القنوط والإياس والأمن من مكر الله(١٣). وأحصى بعضهم ما جاء في القرآن(١٤) والحديث من الكبائر(١٥) فكانت إحدى وثلاثين وتضمنت جميع الأقوال المتقدمة : الشرك، وقتل النفس، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وأن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك(١٦)، والزنا، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وقذف المحصنات، والسرقة، وشرب الخمر، والنميمة، والإضرار في الوصية، والقنوط من رحمة الله، ومنع ابن السبيل الماء، والإلحاد في المسجد الحرام(١٧)، والذي يستسب لوالديه(١٨)، ومنعا وهات، ووأد البنات، والنميمة وترك التحرز من البول، والغلول، واستطالة الرجل في العرض(١٩) ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه " (٢٠)، والربا(٢١) من الكبائر، وسرقة الصلاة(٢٢) من الكبائر(٢٣) ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أسوأ السرقة الذي يسرق صلاته " (٢٤) والسرقة من الكبائر والجور في الحكم. قال الله تعالى :﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ (٢٥) [المائدة: ٤٧]، والأمن من مكر الله والتعرب(٢٦) بعد الهجرة. وهذه الأقوال المتقدمة هي أقوال من ذهب في الكبائر إلى حصرها(٢٧). والصواب في ذلك قول من ذهب إلى أنها لا تنحصر. قيل لابن عباس : الكبائر سبع : قال : هي إلى السبعين أقرب، وفي رواية أخرى عنه : هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى سبع غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار(٢٨). والذين لم يروا حصرها اختلفوا في رسمها فروي عن ابن عباس وغيره أنهم قالوا : الكبائر كل ذنب ختمه الله تعالى(٢٩) بنار أو غضب أو لعنة. وقال قوم : كل ما نهى الله تعالى(٣٠) عنه فهو كبيرة. وروي ذلك عن ابن عباس أيضا، وقالت الأشعرية : كل ما عصى الله تعالى فيه(٣١) كبيرة(٣٢). وعلى قول غير الأشعرية : من الذنوب كبائر وصغائر، وعلى قول الأشعرية : الذنوب كلها كبائر(٣٣) لأنه ما من ذنب يرتكبه(٣٤) أحد إلا وهو عاص لله تعالى به، فمعاصي الله تعالى كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغائر بالإضافة(٣٥) إلى ما هو أكبر منها(٣٦)، وحجة القول الأول أن الله تعالى قد ميز بين الكبائر وما سماه سيئات بقوله :﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ (٣٧) :(٣٨) [النساء: ٣١] الآية، فأخبر أن السيئات يكفرها اجتناب الكبائر إذا كانت الذنوب كلها كبائر، فأي شيء يكفر(٣٩) بعد اجتنابها، فإذا لا بد أن تكون ثم ذنوب/ تغفر باجتناب الكبائر، ولا تكون تلك إلا الصغائر، فثم إذا كبائر(٤٠) وصغائر. وقد اختلفوا هل تغفر الصغائر باجتناب الكبائر أم لا ؟ فذهب عامة الفقهاء وجماعة أهل التأويل إلى أن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر قطعا، وذهب(٤١) الأشعرية إلى أنه لا ذنب يغفر باجتناب ذنب آخر قطعا وهذا مبني على أصله من أن الذنوب كلها كبائر، فسووا بين الذنوب كلها، وجعلوا مرتكب شيء منها في المشيئة إلا الكفر ؛ لقوله تعالى :﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٢]، واحتجوا بقراءة من قرأ :﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر﴾ (٤٢) على التوحيد يعنون الشرك. وقال الفرّاء : من قرأ كبائر فالمراد به كبير وأكبر الإثم الشرك، وقد يأتي لفظ الجمع يراد به الواحد(٤٣) قال تعالى :﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ولم يأتهم إلا نوح عليهم السلام(٤٤) وحده. وقال بعضهم : الكبائر هنا جاءت على الجمع ؛ لأن المراد بها جميع أنواع الشرك التي لا تصلح(٤٥) معها الأعمال. قالوا : لجواز(٤٦) العقاب على الصغيرة كجوازه على الكبيرة لقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن أن تبلغ حيث بلغت، يكتب الله تعالى له بها سخطه إلى يوم القيامة " (٤٧)، وحجة الفقهاء وأهل التأويل ظاهر قوله تعالى :﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾، قالوا : معناه نكفر عنكم أيها المؤمنون باجتناب الكبائر صغائر سيئاتكم، لأن الله تعالى قد وعد مجتنبها تكفير ما عداها من سيئاته، ولا يخلف الميعاد. وقوله تعالى :﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ الآية : واختلف في سبب نزولها، فقيل : قول النساء : جعل الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين هلا جعلت أنصباؤنا كأنصاب(٤٨) الرجال ؟ وقول الرجال : إنا لنرجو أن نفضل(٤٩) بحسناتنا على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث. وقيل : قالت أم سلمة(٥٠) للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله فضل الرجال على النساء في الغزو(٥١) والميراث، فنزلت الآية(٥٢) وقيل : قال النساء : للرجال لهم(٥٣) نصيبان من الذنوب كما لهم نصيبان من الميراث(٥٤) فنزلت الآية(٥٥). وفي مقتضى ما ذكر من هذه الأسباب حسد النساء للرجال فيما خصهم الله(٥٦) به من زيادة الميراث والغزو. وقد روي في القول الأول : أنهن تمنين ذلك فنزلت الآية نهيا عن كل تمن بخلاف حكم شرعي. ويدخل في النهي أن ينتمي الرجال حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر، وهذا هو الحسد. واختلف في تمني حال الرجل من غير أن يزول حاله(٥٧) وهو الغبطة. هل يدخل في النهي فلا يجوز أم ليس بداخل في النهي(٥٨) فيجوز ؟ فكرهه قوم ورأوا النهي مشتملا عليه وأجازه آخرون ؛ واحتجوا لجوازه وخروجه عن النهي بقول النبي صلى الله عليه وسلم :﴿إذا حسدت فلا تبغ﴾ (٥٩)، أي لا تتمنى زوال ما بصاحبك من نعمة لتنصرف(٦٠) إليك. قال بعضهم : وهذا في نعم الدنيا. وأما في الأعمال الصالحات(٦١)، فذلك من الحسن ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم :﴿لا حسد إلا في اثنين : رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلاكته في الحق(٦٢)، ورجل آتاه(٦٣) الله علما...﴾ (٦٤) الحديث. وأما تمني الرجل شيئا من غير أن يقرن أمنيته بأحد فجائز أيضا ؛ لقوله تعالى(٦٥) :﴿وسئلوا الله من فضله﴾ [النساء: ٣٢]، ومما يدخل تحت المنهي عنه(٦٦) خطبة الرجل على خطبة أخيه ؟ ١ في (د): "روى".. ٢ في (د) و(هـ): "عن علي رضي الله تعالى عنه".. ٣ في (هـ): "وعبيدة".. ٤ في (هـ): "قال عبيدة".. ٥ في (ب) و(د): "التعرف".. ٦ هو أبو عبد الله محمد بن أبي الحسن إسماعيل بن إبراهيم.. الجحفي بالولاء البخاري حافظ الإمام في علم الحديث صاحب الجامع الصحيح والتاريخ، توفي سنة ٢٥٦هـ. انظر وفيات الأعيان: ج١، ص٢٥٥ – ٢٥٦.. ٧ انظر صحيح البخاري: كتاب الوصايا، باب٢٣، ص، ٣٩٣ وكتاب الحدود: باب ٤٤، ص١٨١.. ٨ في (هـ): "هي".. ٩ قوله:"روى هذا عن ابن عمر وزاد على ما قاله على السحر" ساقط في (ب) وفي (ج): "وقال قوم" هي تسع وروي أيضا عن ابن مسعود. وزاد ابن عمر على ما قال على السحر".. ١٠ في (د): "وزاد على ما قال السحر".. ١١ قوله: "والإلحاد في المسجد الحرام، وقال قوم: هي أربع" ساقط في (ب).. ١٢ ورد في (ج) و(د): "والإلحاد في المسجد الحرام وقال قوم، هي أربع وروي هذا عن ابن عمر الإشراك بالله"،. ١٣ "وروي عن ابن مسعود أيضا أنها ثلاث: القنوط والإياس والأمن من مكر الله"هذا ساقط في (ب) و(د).. ١٤ كلمة "قرآن" سقطت في (د).. ١٥ في (ج): "كما جاء في الكبائر".. ١٦ في (هـ): "يأكل معك".. ١٧ في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ) و(د): "في البيت الحرام".. ١٨ في (هـ): "والذي ينتسب لغير والديه".. ١٩ في (هـ): "في عرض أخيه". ٢٠ "لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه" كله ساقط في (ب). انظر سنن أبي داود: كتاب الأدب، باب في الغنيمة ص٢٦٩، ومسند الإمام أحمد: ج١، ص١٩٠.. ٢١ في (هـ): "والزنا".. ٢٢ في (هـ:"وترك الصلاة".. ٢٣ "والرباء من الكبائر وسرقة الصلاة من الكبائر" ساقط في (ب) وأما (ج) و(د) فقد سقط منهما قوله: "وسرقة الصلاة من الكبائر".. ٢٤ انظر مسند للإمام أحمد: ج٣، ص٥٦.. ٢٥ في (د): "... فأولئك هم الكافرون بل الفاسقون".. ٢٦ في (ب) و(د):"التقرب".. ٢٧ في (هـ): "إلى أن الكبائر تنحصر".. ٢٨ في (هـ): "الإصرار". ٢٩ "تعالى) سقطت في (هـ). ٣٠ "تعالى" سقطت في (هـ). ٣١ في (هـ): "كل ما عصى الله به".. ٣٢ في (د) "فهو كبيرة".. ٣٣ "الذنوب كلها كبائر" ساقط في (ب) (وج) و(د) و(هـ).. ٣٤ في (د):"ارتكبه".. ٣٥ في (ج) و(د): "بالنسبة".. ٣٦ في (هـ): "منه".. ٣٧ في (هـ): "نكفر عنكم سيئاتكم".. ٣٨ في (ج) و(د): "يغفرها" وفي (هـ): "يغفره".. ٣٩ "كبائر" سقطت في (هـ).. ٤٠ في (هـ): "وذهبت".. ٤١ "نكفر" سقطت في (ج) و(د) و(هـ).. ٤٢ في (ب): "الوطء الواحد".. ٤٣ "عليه السلام" لم تذكر في (هـ) و(د).. ٤٤ في (هـ): "تصح".. ٤٥ في (هـ): "فجواز".. ٤٦ انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري: كتاب الرقاق، باب٢٣، ص ٣٠٨، وتنوير الحوالك شرح على موطأ مالك: ج٣، ص١٤٩. وكذلك مسند الإمام أحمد: ج٢، ص، ٣٤٤ وج٣، ص٤٦٩.. ٤٧ في (هـ): "كأنصباء".. ٤٨ "أن نفضل" ساقط في (ب) و(ج).. ٤٩ هي أسماء بنت يزيد بن السكر الأنصاري الأوسية ثم الأشهلية، من أخطب نساء العرب، توفيت سنة٣٠ هـ / ٦٥٠م. انظر الأعلام: ج١، ص٣٠٠، لسان الميزان: ج٦، ص٨٥٤، حلبة الأولياء: ج٢، ص٧٦، والإصابة: ص٨، ١٢ والدر المنثور: ص٣٦.. ٥٠ في (ب) و(د): "في القدر".. ٥١ "فنزلت الآية" سقطت في (هـ).. ٥٢ "لهم" ساقط في (ج) و(د) و(هـ).. ٥٣ في (ب): "من الميراث والغزو".. ٥٤ في (ب): "من الميراث والغزو".. ٥٥ "الآية" سقطت في (هـ).. ٥٦ في (د): "الله تعالى".. ٥٧ في (هـ): "يزول عنه".. ٥٨ في غير (هـ) سقوط كلمة "في النهي".. ٥٩ انظر الجامع الصغير للسيوطي في أحاديث البشير النذير للإمام السيوطي: ج١، ص١٩.. ٦٠ في (ج): "لتصرف".. ٦١ في (هـ): "الصالحة".. ٦٢ في (د): "في الخير".. ٦٣ "أتاه" سقطت في (د).. ٦٤ انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري: كتاب التمني، باب٥، ص٢٢٠، وكتاب التوحيد: باب ٤٥، ص٥٠٢.. ٦٥ في (د): "لقول الله تعالى".. ٦٦ في (أ) و(ب): "التمني عن" وفي (هـ): "التمني المنهي عنه"..

النساء 4:32

٣٢ - وقوله تعالى :﴿للرجال نصيب﴾ الآية : واختلف في تأويله، فقال قتادة : معناه من الميراث ؛ لأن العرب كانت لا تورث النساء، وهذا قول ضعيف يرده لفظ الاكتساب، وقيل : معناه من الأجر والحسنات. وقوله تعالى :﴿وسألوا الله من فضله﴾ : اختلف فيه، فقال ابن جبير، وليث ابن أبي سليم : إن هذا في العبادات والدين وأعمال البر، وليس في فضل الدنيا. وقال الجمهور ذلك على العموم.

النساء 4:33

٣٣ - وقوله تعالى :﴿ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون﴾ الآية(١) : قوله عزّ وجلّ :﴿ولكل﴾ تقديره في قول قوم : ولكل واحد، وفي قول قوم آخرين : ولكل شيء، يعنون التركة. والمولى في كلام العرب لفظ مشترك، وأصله من ولي الشيء يليه، فسمي المعتق مولى وسمي المعتق مولى. ويقال : المولى الأعلى، والمولى الأسفل. ويسمى الناصر مولى، وقد قال تعالى(٢) :﴿وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ [محمد: ١١]. ويسمى ابن العم : مولى ويسمى الجار مولى. وقد بسط المتكلّمون أقوالهم في هذا في الرد على الإمامية عند احتجاجهم بقوله عليه الصلاة والسلام(٣) : " من كنت مولاه فعلي مولاه " (٤) وقد اختلف في(٥) المراد به في هذه الآية، فقيل : العصبة، وقيل : الورثة، وقيل : بنو العم(٦)، وقيل : هم(٧) الأقرباء، منهم الأب والأخ. قال ابن الحسن : وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ما أبقت السهام فلأولى عصبة(٨) ذكر "، يدل على أن المراد بقوله تعالى :﴿ولكل جعلنا موالي﴾ الآية : العصبة من العصبات(٩) المولى(١٠) الأعلى لا الأسفل على قول أكثر العلماء. وحكى الطحاوي(١١) عن الحسن ابن زياد(١٢) أن المولى(١٣) الأسفل يرث من(١٤) الأعلى ؛ واحتج فيه(١٥) بما روى أن رجلا أعتق(١٦) عبدا له، فمات المعتق ولم يترك إلا المعتق(١٧)، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المعتق(١٨). قال الطحاوي : ولا معارض لهذا الحديث، فوجب القول به. وعلى قول الطحاوي هذا يلزم(١٩) أن يكون المولى الأسفل داخلا تحت عموم الآية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " فما أبقت الفرائض فللأولى عصبة ذكر " يدل على اشتراطه(٢٠) القرابة مع الولاية، فلا معنى لهذا القول. قال أبو الحسن : والذي يحسن(٢١) من معانيه هنا أن يكون الموالي الورثة ؛ لأنها تصلح(٢٢) على(٢٣) تأويل : " ولكل شيء(٢٤) ". وبذلك فسره ابن عباس وغيره : ومما(٢٥) على تأويل ولكل شيء في موضع الصفة لشيء. وعلى تأويل : " ولكل(٢٦) أحد " متعلق بفعل مضمر يدل عليه ما قبله، كأنه(٢٧) قال : ولكل أحد جعلنا ورثة(٢٨) يرثون مما ترك الوالدان(٢٩) الآية. والآية(٣٠) على هذا التأويل لفظ عموم يراد به الخصوص ؛ لأنه ليس لكل إنسان ورثة معلومة ترثه. قال مالك : كل من هلك من العرب فلا يخلو أن يكون له وارث بهذه الآية، وإن لم تعرف عليه. وقوله تعالى :﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ : اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة، والذين ذهبوا إلى أنها(٣١) منسوخة(٣٢) قالوا : نسخها قوله تعالى :﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ [الأحزاب: ٦]. واختلفوا في تأويل الآية المنسوخة، فقال ابن عباس وابن جبير والحسن وقتادة وغيرهم : هم الأحلاف، فإن العرب كانت تتوارث(٣٣) بالحلف(٣٤) فشدد الله تعالى ذلك بهذه الآية ثم نسخه(٣٥) بآية الأنفال :﴿وأولوا الأرحام﴾ الآية. وقال ابن عباس أيضا : هم الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم، فإنهم كانوا يتوارثون بهذه الآية حتى نسخ الله(٣٦) ذلك بما تقدم. وروي أن أبا بكر الصديق(٣٧) عاقد رجلا فورثه لما مات، وقيل : إنهم كانوا يتعاقدون فيقول الرجل(٣٨) : ترثني وأرثك(٣٩)، وتطلب بي وأطلب(٤٠) بك، ودمي دون دمك فنزلت الآية مؤكدة لذلك، ثم نسخت(٤١) بقوله :﴿وأولوا الأرحام﴾ الآية إلى قوله :﴿إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، أي(٤٢) : إلا أن توصوا لهم ونسخ فرضه. وقد روي هذا(٤٣) عن ابن عباس، والذين ذهبوا(٤٤) إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها : فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الآية محكمة على ظاهرها في الميراث وغيره، وأن الرجلين إذا لم يكن بينهما معروف فوالى أحدهما الآخر على أن يتوارثا ويتعاقدا فإن ذلك يصح ويتوارثان ويتعاقلان(٤٥). قالوا : ولكل واحد منهما أن يرجع عن الموالاة. وهذا يرده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم(٤٦) : " لا حلف في الإسلام " (٤٧)، معناه : لا حكم في الموارثة(٤٨) على ما كانت(٤٩) تفعل(٥٠) الجاهلية. وأيضا فإنهم خالفوا الآية التي يحتجون(٥١) بها ؛ لأن الله تعالى علق فيها استحقاق النصيب بعقد اليمين وهم لا يرون اليمين(٥٢) في استحقاق الميراث شيئا، والمعلوم من مذهب أبي حنيفة أن الميراث بالمعاقدة إنما هو عند ذوي الرحم والولاية. وهو بعيد عن ظاهر الآية، فإن حكم المعاقدة فيها ثابت مع وجود الموالي. وذهب الحسن(٥٣) في الآية إلى أنها(٥٤) في قوم يوصى لهم، فيموت الموصى له قبل نفوذ الوصية ووجوبها، فأمر الموصي أن يؤديها إلى ورثة الموصى له. وهذا خلاف ما ذهب إليه مالك(٥٥) من أن الموصى له إذا مات قبل الموصي فلا شيء له، وتبطل(٥٦) الوصية. فلم ير مالك في الآية هذا التأويل(٥٧)، وكذلك هو بعيد عن لفظ الآية ؛ لأن المعاقدة والإيمان لا دخل لهما في الوصية. وذهب سعيد ابن المسيب(٥٨) في الآية إلى أنها من الأبناء الذين كانوا يتبنون، قال : والنصيب الذي أمر بإتيانه(٥٩) هو الوصية لا الميراث. وهذا القول يرجع إلى الحل على الوصية، وقال ابن عباس : هم الأحلاف، إلا أن(٦٠) النصيب هو المؤازرة في الحق والنصر والوفاء بالحلف لا الميراث، ثم ذكر عنه(٦١) أنه قال : كان المهاجري يرث الأنصاري دون ذوي رحم(٦٢) بالأخوة التي جعلها الله بينهم في الإسلام، فلما نزلت :﴿ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون﴾ (٦٣) نسخت ذلك. ثم قرأ :﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ من النصرة والرفادة والوصلة، وقد ذهب الميراث، وهو قول حسن ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة " (٦٤) وقوله : " ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به ولا حلف في الإسلام ) (٦٥)، وقد حكي عن ابن عباس أن الآية كانت عامة في الميراث والنصر والمعونة، فنسخ منها الميراث وبقي النصر/ والمعونة. ١ "الآية" ساقطة في (ج).. ٢ كلمة "تعالى" سقطت في (ج).. ٣ في (هـ) و(د): "عليه السلام".. ٤ انظر جامع الصحيح للإمام الترمذي: أبواب المناقب، ص٢٩٧، حديث رقم ٣٧٩٧، ومسند الإمام أحمد: ج١، ص٨٤، ١١٨، ١١٩، ج٤، ص٢٨١.. ٥ "في" سقطت في (ب) و(ج).. ٦ في (ج) و(د): "هم بنو العم".. ٧ كلمة "هم" سقطت في (ج).. ٨ انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري: كتاب الاستقراض، باب١١، ص٦١، وكتاب التفسير: سورة ٣٣، باب١.. ٩ كلمة "العصبات" سقطت في (هـ).. ١٠ في (ب) و(ج): "من العصبة الأولى".. ١١ هو أبو جعفر أحمد بن سلامة المعروف بالطحاوي، الفقيه الحنفي، له من التآليف: أحكام القرآن والمختصر توفي سنة ٣٢٠هـ / ٩٣٢م. انظر الجواهر المضيئة لابن أبي الوفاء القرشي: ج١، ص١٠٢ – ١٠٥، ولسان الميزان لابن حجر: ج١، ص ٢٧٤ – ٢٨٢، ومقدمة مختصر الطحاوي لابن الوضاء الأفغاني: ص١٠ – ١٤.. ١٢ هو الحسن بن زياد أبو علي، قاض، فقيه من أصحاب أبي حنيفة، أخذ عنه وسمع منه، وكان عالما لمذهب الرأي، ولي القضاء بالكوفة سنة١٩٤ هـ. ثم استعفي وصنف كتبا منها: "أدب القاضي، ومعاني الإيمان، والنفقات، والأمالي"، توفي سنة ٢٠٤هـ/ ٨١٩ م. انظر الأعلام: ج٢، ص٢٠٥.. ١٣ في (هـ): "الولي".. ١٤ كلمة "من" سقطت في (هـ).. ١٥ في (هـ): "واحتج له".. ١٦ في (د) و(هـ): "عتق" والصواب ما أثبتناه.. ١٧ بكسر "تاء" الأولى، وفتح "تاء" الثانية.. ١٨ بفتح "تاء" كلمة المعتق.. ١٩ في (د) و(هـ): "هذا يلزم".. ٢٠ في (هـ): "اشتراط".. ٢١ في (ج): "والذي يحصل".. ٢٢ في (ب) و(د): "تضع".. ٢٣ في (هـ): "على كل".. ٢٤ في (ب) و(د) و(هـ): "ولكل أحد".. ٢٥ في (د): "ولا" وفي (هـ): "وهما".. ٢٦ في (د): "وعلى كل أحد".. ٢٧ في (د): "لأنه".. ٢٨ في (هـ): "مورثة".. ٢٩ في (ب): "الوالدان والأقربون".. ٣٠ "الآية" (أي الأولى) ساقطة في (ب) والآية الثانية ساقطة في (د).. ٣١ في (هـ): "الذاهبون" عوضا: "والذين ذهبوا أنها".. ٣٢ في (هـ): "نسخها".. ٣٣ في (هـ): "تورث".. ٣٤ في (ج) و(د): "الحلق" وفي (هـ): "الأحلاف".. ٣٥ في (هـ): "نسخت".. ٣٦ في (ج) و(د) و(هـ): "حتى نسخ ذلك".. ٣٧ في (د) و(هـ): "أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه".. ٣٨ في (د) و(هـ): "الرجل للرجل".. ٣٩ في (ب) و(د) و(هـ): "ترثك".. ٤٠ في (د) و(ب): "تعلبك".. ٤١ في (هـ): "نسخ". ٤٢ "أي" سقطت في (ج).. ٤٣ في (هـ): "نحو هذا". ٤٤ في (هـ): "الذاهبون" عوضا: "والذين ذهبوا".. ٤٥ "ذلك يصح ويتوارثان ويتعاقدان" ساقط في (ب).. ٤٦ في (هـ) و(د): "النبي".. ٤٧ انظر صحيح مسلم: كتاب الفضائل الصحابة، باب٥٠، ص١٩٦١، وسنن أبي داود: كتاب الفرائض، باب١٧، ص٣٣٨، وسنن الترمذي: كتاب السير، باب٣٠، ص١٤٦، وسنن الدارمي: كتاب السير، باب٨١، ص٦٣٩.. ٤٨ في (د): "الوارثة" وفي (هـ): "في التوارث".. ٤٩ في (ب) و(د) و(هـ): "كان".. ٥٠ في (هـ): "يفعله".. ٥١ في (هـ): "احتجوا".. ٥٢ في (د): "تورث" والصواب ما أثبتناه.. ٥٣ في (ب) و(د): "الحسن".. ٥٤ في (د): "أنه".. ٥٥ في (هـ) و(د): "مالك رحمه الله". ٥٦ في (هـ): "لا شيء له من الوصية".. ٥٧ في (ب) و(د): "فلا ير مالك في الوصية هذا التأويل".. ٥٨ هو سعيد بن المسيب المخزومي القرشي أبو محمد، أحد فقهاء السبعة جمع بين الزهد والحديث ولد سنة١٣ هـ/ ٦٣٤م، توفي سنة ٩٤هـ/ ٧١٣م. انظر الأعلام: ج٣، ص١٥٥، وفيات الأعيان: ج١، ص٢٠٦.. ٥٩ في (هـ): "بإيتائه".. ٦٠ في (د): "لأن".. ٦١ في (هـ) و(ج) و(د): "ثم ذكر عنه رضي الله عنه".. ٦٢ "رحمه" ساقط في (ب) و(ج) و(د).. ٦٣ "مما ترك الوالدان والأقربون" ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ). أما في (أ) فقد سقط: "الوالدان والأقربون".. ٦٤ انظر صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب٥٠، وسنن أبي داود: كتاب الفرائض، باب١٧، وسنن الترمذي: كتاب السير، باب٣٠، وسنن الدارمي: كتاب السير، باب٨١.. ٦٥ نفس المصادر "بالهامش السابق"..

النساء 4:34

٣٤ - قوله تعالى :﴿الرجال قوامون على النساء﴾ الآية : اختلف في سببها، فقيل : سببها قول أم سلمة المتقدم، أي لما تمنى النساء درجة الرجال عرفن بوجه الفضيلة. وقيل : سببها أن سعد ابن الربيع لطم زوجه حبيبة بنت زيد ابن أبي زهير، فجاءت مع أبيها(١) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر أن تلطمه كما لطمها، فنزلت هذه الآية مبيحة للرجال تأديب نسائهم، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقض الحكم الأول، وقال : " أردت شيئا وما أراد الله خير " (٢). في حديث آخر : " أردت شيئا وأراد الله غيره "، وقد قيل : إن في هذا الحكم المردود نزلت :﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه وقل رب زدني علما﴾ [طه: ١١٤]. " وقوام " : فعال بالمبالغة، وهو من القيام على الشيء ومعناه الاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد. وتعليله تعالى ذلك بالفضيلة والنفقة يقتضي أن للرجال(٣) عليهن استيلاء وملكا ما. قال ابن عباس : " الرجال أمراء على النساء ". والفضيلة التي جعل الله هنا للزوج(٤) هي الغزو وكمال الدين والعقل وما أشبهه(٥). والإنفاق : هو المهر والنفقة المستمرة على الزوجات، ومقتضى هذه الآية أن الزوج(٦) يقوم بتدبير زوجته وتأديبها ومنعها من الخروج، وأن عليها طاعته ما لم يأمر بمعصية(٧)، وجعل تعالى ذلك للزوج لأجل(٨) ما يجب عليه من النفقة لها، ففهم العلماء من هذا أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قواما عليها وسقط عليها(٩) ما له من منعها من الخروج على الوجوه كلها. واختلف : هل لها فسخ النكاح ؟ فذهب الشافعي ومالك إلى أن لها ذلك، لأنه إذا خرج عن كونه قواما عليها وحابسا لها فقد خرج عن الغرض المقصود بالنكاح، فكان لها الفسخ لأجل ذلك، فنزلت الآية دلالة ظاهرة من هذا الوجه على أن لها الفسخ عند الإعسار بالنفقة والكسوة. وفي هذه الآية دليل على أن للرجل الحجر على زوجته في نفسها ومالها ؛ لأن الله تعالى قد جعله " قواما(١٠) " عليها، ولم يقل قائما بل قواما مبالغة في ذلك وهو الناظر في الشيء الحافظ له إذا كان هو الناظر لها الحافظ عليها لم يجز لها هي قضاء في ذي بال من مالها إلا عن رأيه. وهذه المسألة اختلف فيها : فذهب قوم إلى أنه لا يجوز لها في شيء من مالها قل أو كثر قضاء، إلا بإذن زوجها. وذهب قوم إلى أنه(١١) لها القضاء في كل شيء من مالها قل أو كثر. واحتجوا بظواهر آثار(١٢). وذهب مالك(١٣) إلى أنه لا يجوز للمرأة قضاء إلا في ثلثها. واحتج بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يجوز للمرأة قضاء في ذي بال من مالها(١٤) إلا بإذن زوجها "، ورأى أن الثلث ليس بذي بال فأجاز تصرفها فيه، وبين بالحديث معنى الآية. وقيل : إنما اعتبر مالك الثلث في جواز فعلها، لأنه رأى المريض محجورا عليه من أجل ورثته، وقد أجازت السنة له الثلث فقاسه عليه. وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن المرأة لا يجوز أن تلي القضاء، قال : لأنه تعالى يقول :﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض﴾، يعني من العقل والرأي، فلم يجز أن يضمن على الرجال، وهذا هو مذهب الجمهور. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز أن تقضي فيما يجوز فيه شهادتها. وشذ الطبري فأجاز قضاءها في جميع الأحكام(١٥)، فأما الإمامة الكبرى(١٦) فلا خلاف أنه لا يجوز أن تليها، والآية أيضا على الاستدلال المذكور تقتضي ذلك. وقوله تعالى :﴿فالصالحات﴾ هو الصلاح في الدين، والقانتات : المطيعات لأزواجهن أو لله في أزواجهن وغير ذلك. وقيل : المصليات : والغيب : كل ما غاب عن علم(١٧)الزوج. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خير النساء امرأة إذا نظرت إليها أسرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها(١٨)حفظتك في مالك وفي نفسها " (١٩)، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية. قوله تعالى :﴿بما حفظ الله﴾ أي : بحفظ الله تعالى إياهن في أمورهن. وقيل : المعنى : بحفظ الله إياهن(٢٠) في وصية الأزواج بهن. وقيل : بحفظ الله مطلقا. و ﴿تخافون﴾ : اختلف في تأويله، فقيل : تعلمون وتتيقنون. وذهبوا في(٢١) ذلك إلى أن وقوع النشوز هو الذي يوجب الوعظ، واحتجوا لذلك(٢٢) بقول أبي محجن : ولا تدفنوني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها(٢٣) وقيل : الخوف هنا(٢٤) على بابه من التوقع. والنشوز استعلاء المرأة على زوجها واعوجاجها عليه(٢٥) مأخوذ من نشز الأرض. وقال بعضهم : النشوز امتناع المرأة من فراش زوجها، والخلاف له فيما يلزمها(٢٦) من طاعته. وقال ابن عباس : هو أن تستخف بطاعته وبحقه ولا تطيع أمره. وقال عطاء : النشوز أن تحب فراقه. وقيل : النشوز البغض والأصل من ذلك ما قدمناه، واختلف في تأويل ﴿واهجروهن﴾ فقيل : اجتنبوا(٢٧) جماعهن. قال ابن عباس : يضاجعها ويوليها ظهره ولا يجامعها، فتكون " في " (٢٨) هنا للوعاء على بابها. وقيل : جنبوا مضاجعتهن، قاله مجاهد. ويكون التقدير : واهجروهن في سبب المضاجع. وقيل : معناه قولوا لهن : هجرا من القول أي إغلاظا. ويقال في ذلك : هجر وأهجر. وقيل : معناه اربطوهن في المضاجع بالهجار كما يربط البعير به وهو حبل يشد به البعير(٢٩)، فهي في معنى اضربوهن. قال الطبري : وقد أشار البخاري أن هجرانهن(٣٠) يكون في غير بيوتهن استنانا بالنبي صلى الله عليه وسلم، لما فيه من الرفق بالنساء وهو قول(٣١) مخالف للآية. قال بعضهم : وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم مقدار ذلك الهجران بإيلائه شهرا من أزواجه(٣٢) حين أسر(٣٣) إلى حفصة سرا فأفشته إلى عائشة وتظاهرتا(٣٤) عليه، فقيل : إنه كان أصاب جاريته مرية في بيت حفصة ويومها، وقيل : في يوم عائشة وسأل حفصة أن تكتم ذلك، فأخبرت عائشة وقيل : إنه شرب عسلا في بيت زينب، وذلك الهجران لا يبلغ به إيلاء(٣٥) أربعة أشهر. وقوله تعالى :﴿واضربوهن﴾ : الضرب هنا يعني به الضرب غير المبرح. قال قتادة : هو غير الشائن(٣٦). وقال الحسن : هو غير مؤثر. وسئل ابن عباس عن الضرب غير المبرح، قال(٣٧) : بالشراك أو نحوه. وقال النبي عليه الصلاة والسلام : " فاضربوا النساء إذا عصينكم في معروف ضربا غير مبرح " (٣٨)، وهو إشارة منه(٣٩) عليه الصلاة والسلام إلى تفسير الآية. وقد اختلف(٤٠) في ضرب النساء الضرب غير المبرح فرأى قوم أن أفضل ما يتخلق به الرجال الصفح عنهن على ما صح في الخبر(٤١) عن النبي صلى الله عليه وسلم من صبره على هجر نسائه له ولم يذكر أنه عاقبهن على ذلك. وأنكروا(٤٢) الأحاديث(٤٣) التي جاءت(٤٤) بإباحة ضربهن مثل قوله عليه الصلاة والسلام : " علق سوطك حيث تراه الخادم " (٤٥)، وقوله : " أخف أهلك ولا ترفع عنهم(٤٦) عصاك " (٤٧). وقالوا : لا يجوز الاحتجاج بها لولا أسانيدها(٤٨). وذهب آخرون إلى أن أخبار الضرب صحاح، واختلفوا في معناها فقال بعضهم : معنى ذلك أن يضرب الرجل امرأته(٤٩) إذا رأى منها ما يكره فيما تجب عليها طاعته(٥٠) فيه. واعتلوا بأن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين كانوا يفعلون ذلك. وذكروا أن ابنة علي بن أبي طالب كانت تحت عبد الله بن أبي سفيان بن(٥١) الحارثة فربما ضربها فتجيء إلى الحسن بن علي فتشكي وقد لزق درع حرير(٥٢) بجسدها من الضرب فيقسم عليها لترجعن إلى بيت زوجها، وذكروا أن أسماء قالت : كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير، فكان إذا عتب على أحدنا فك عودا من الشجب(٥٣) فضربها به حتى يكسره عليها. قال عمارة : دخلت على أبي مجلز(٥٤) فدار بينه وبين امرأته كلام فرفع العصا فثبّج قدر نصف أنملة أصبعه وكان محمد بن عجلان يحدث بقوله صلى الله عليه وسلم : " لا ترفع عصاك عن أهلك " (٥٥) فكان يشتري سوطا فيعلقه في بيته لتنظر إليه امرأته وأهله(٥٦). وقال آخرون : بل(٥٧) ذلك أمر من النبي صلى الله عليه وسلم للرجال في أدب أهلهم ووعظهم إياهن وأنه لا يخلو من تفقدهن بما يكون لهن مانعا(٥٨) من الفساد والخلاف لأمرهم. وذلك من قول العرب : شق فلان عصا المسلمين إذا خالف إلفتهم وفرّق جماعتهم، ومن ذلك قيل للرجل إذا أقام بالمكان واستقر فيه واجتمع إليه أمره : " قد ألقى فلان عصاه " (٥٩)، فأما ضربها من غير(٦٠) ذنب فمحرم(٦١). قالوا : وقد حرم الله تعالى أذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا. وقال بعضهم في معنى قوله عليه الصلاة والسلام : " لا ترفع عصاك عن أهلك " (٦٢) إنما ذلك حض على ترهيب أهله في ذات الله تعالى بالضرب لئلا يرتكبن موبقة باقيا عليه عارها، إذا كان صلى الله عليه وسلم قد جعله قيّما على أهله. والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " أما أبو جهم(٦٣) فلا يضع عصاه على عاتقه " (٦٤). أعلمها غلظته على أهله وشدته، فلو كان معناه لا تخلهم عن تأديبك بالوعظ والتذكير(٦٥) دون الترهيب بالضرب عند ركوبها ما لا يحل لها لم يكن لترهيبه فاطمة في أبي جهم بما وصفه معنى ؛ إذا كان الوعظ والتذكير لا يوجبان لصاحبهما ذما، وظاهر الآية عندي أعظم ممن رأى ضربهن(٦٦) ؛ لأنه تعالى قد قال :﴿واضربوهن﴾ ولا أقل من أن يكون مباحا بل لو قيل : إنه أمر ندب لكان ذلك حسنا ؛ لأن في ذلك إصلاح لهن ولو خلين وهواهن لهلكن. ولم يأمر الله تعالى في شيء من كتابه(٦٧) بالضرب صراحا إلا في ذلك وفي الحدود العظام، فساوى معصيتهن للأزواج بمعصية أهل الكبائر، وجعل تعالى ذلك الأزواج عليهن رفقا بالرجال، وإنما يكره في ضربهن التعدي والإسراف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يجلد أحدكم امرأته جلد(٦٨) العبد ثم يجامعها في آخر يوم " (٦٩)، واختلف في جواز ضربها في الخدمة، والقياس يوجب إذا جاز ضربها في المباضعة جاز في الخدمة الواجبة للزوج عليها بالمعروف. ولا خلاف أنه إذا ضرب ضربا يؤدي إلى الهلاك أنه ضامن وحكم المؤدب والمعزر في ذلك حكم الزوج بخلاف حكم(٧٠) الصائل على الإنسان في ماله، فإنه يجوز دفعه وإن أدى ذلك الدفع إلى هلاك الصائل. وإذا قلنا : إن للرجل أن يضرب زوجته تأديبا لها على ما جنته فضربها ثم ادعت هي أنه ضرب اعتداء، وادعى الزوج أنه ضرب أدب(٧١) ففي المذهب قولان في ذلك، أحدهما : أنه محمول على الاعتداء حتى يثبت غير ذلك(٧٢). وقيل : إنه محمول على الأدب حتى يثبت الاعتداء، وهذا القول أليق بلفظ الآية ؛ لأن الله تعالى قد أباح الضرب للزوج، وإذا كان كذلك فهو مصدق على أنه ضرب أدب(٧٣)، وقد جعل الله تعالى العظة والهجر والضرب مراتب : يبدأ أولا بالأضعف وهو العظة، ثم بأشد منه وهو الهجر، ثم بأشد من الهجر وهو الضرب، وإن كانت " الواو " لا تعطي رتبة، ولكن مفهوم الغرض يعطي ذلك. وإن وقعت(٧٤) الطاعة عند إحدى هذه المراتب لم يتعد إلى سائرها. ١ في (ب) و(د): "ابنها".. ٢ الحديث لم نعثر عليه. ٣ "أن للرجال" سقطت في (هـ).. ٤ "للزوج" سقطت في (هـ).. ٥ في (ج): "وما أشبه ذلك".. ٦ في (هـ): "أن الرجل). ٧ في (د) و(ه): (يأمرها". ٨ "لأجل" ساقط في (ب).. ٩ "عليها" ساقط في (أ): وفي (هـ): "عنها".. ١٠ في غير (هـ): "قائما". ١١ في (هـ): "أن".. ١٢ في (هـ): "بظواهر الآيات".. ١٣ في (د) و(هـ): "مالك رحمه الله".. ١٤ "إلا عن رأيه، وهذه المسألة..." إلى قوله: "في ذي بال من مالها" ساقط في (ج) والحديث في سنن أبي داود: كتاب البيوع، باب٨٤.. ١٥ "قوله إلى أنه يجوز أن تقضي فيما يجوز أن تقضي فيه شهادتها، وشذ الطبري فأجاز قضاءها في جميع الأحكام" ساقط في (ب) و(ج).. ١٦ في (ب): "إلا الإمامة الكبرى".. ١٧ "علم" كلمة سقطت في (هـ).. ١٨ في (أ): "عليها".. ١٩ انظر مسند للإمام أحمد: ج٢، ص ٢٥١ وص ٤٣٢ وص ٤٣٨.. ٢٠ في (د) و(ج) و(ب): "إياها".. ٢١ قوله: "في وصية الأزواج بهن وقيل بحفظ الله مطلقا وتخافون اختلف في تأويله، وقيل: تعلمون وتتيقنون وذهبوا" كل هذا ساقط في (ب) و(هـ) و(ج) و(د).. ٢٢ في (ج) و(د): "بذلك".. ٢٣ الطويل. ٢٤ في (ب) و(ج) و(د): "هاهنا".. ٢٥ "عليه" سقطت في (هـ).. ٢٦ في (ج) و(د): "على ما يلزمها".. ٢٧ في (د) و(هـ): "جنبوا".. ٢٨ "في" سقطت في (أ) و(ج) و(هـ).. ٢٩ "البعير" ساقط في (هـ).. ٣٠ "إلى هجرانهن".. ٣١ في (ب) و(ج) و(د): "وهذا القول" وهو الأولى.. ٣٢ "بإيلائه شهرا من أزواجه" كله ساقط في (ب).. ٣٣ في (د) و(ج) و(هـ): "حين أسر النبي صلى الله عليه وسلم".. ٣٤ في (د): "تظاهرا".. ٣٥ في (هـ): "الإيلاء". ٣٦ "قال قتادة: هو غير الشائن" سقط في (هـ).. ٣٧ "فقال" سقطت في (هـ).. ٣٨ الحديث أخرجه الترمذي في سننه: أبواب الرضاع، باب١١، رقم١١٧٣.. ٣٩ في (ج): "من النبي صلى الله عليه وسلم"، وفي (هـ): "منه عليه الصلاة والسلام".. ٤٠ كلمة "فقد اختلف" سقطت في (د) و(ج) و(هـ).. ٤١ في (هـ): "الصفح عنهن كما صح"، وفي (ب) و(د) و(ج): "على ما صح به الخبر".. ٤٢ في (ب) و(د): "وأنكر".. ٤٣ في (هـ): "واذكر من الأحاديث".. ٤٤ "التي جاءت" سقطت في (ب) و(د).. ٤٥ انظر مسند الإمام أحمد: ج٥، ص ٢٣٨.. ٤٦ في (هـ): "عنهن".. ٤٧ انظر مسند للإمام أحمد: ج٥، ص٢٣٨.. ٤٨ كلمة "لعله لوهي" يقال: وهي يهي وهيا ولم أقف على: "وهاء".. ٤٩ في (هـ): "وزوجته".. ٥٠ في (د): "ما يكره فلا يجب عليها عليه طاعته".. ٥١ "بن" ساقط في (ج).. ٥٢ "لزق درع حرير" سقط في (ب)، وأما في (د) و(هـ) فسقط "حرير".. ٥٣ في غير (ب) و(د) و(هـ): "المثجب"، والشجب يسكون الشين عمود من عمود البيت.. ٥٤ في (د): "المجلد".. ٥٥ مسند الإمام أحمد: ج٥، ص٢٣٨.. ٥٦ كلمة "وأهله" سقطت في (د).. ٥٧ "بل" ساقطة في (ج) و(هـ).. ٥٨ في (هـ): "مانعا لهن".. ٥٩ في (ج): "قد ألقى عصاه" وفي (هـ): "قد ألقى إليه".. ٦٠ في (ج): "بغير".. ٦١ في (ج): "محرم" وفي (هـ): "فيحرم".. ٦٢ انظر مسند الإمام أحمد: ج٥، ص٢٣٨.. ٦٣ في (د): "أبو حكيم" والصواب ما أثبتناه.. ٦٤ انظر سنن أبي داود: كتاب الطلاق، باب في نفقة المبثوتة، رقم الحديث٢١٨١، ص ٢٨٥ – ٢٨٦، وتنوير الحوالك: شرح على موطأ مالك: كتاب الطلاق، باب ما جاء في نفقة المطلقة، ص٩٨ – ٩٩، والمسند للإمام أحمد: ج٦، ص٤١٢ – ٤١٣.. ٦٥ لعله: "والتذكير".. ٦٦ في (هـ): "أعظم حجة لمن رأى ضربهن".. ٦٧ في (ج): "... تعالى في كتابه".. ٦٨ في (هـ): "لا يضرب أحدكم زوجته ضرب".. ٦٩ انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري: كتاب النكاح، باب٩٣، ص ٣٠٢، وكتاب التفسير، سورة ٩١، ص ٧٠٥، والمسند للإمام أحمد: ج٤، ص١٧.. ٧٠ "حكم" ساقط في (ج).. ٧١ من قوله: "أن يضرب زوجته تأديبا لها.." إلى قوله "ضرب أدب" كله ساقط في (هـ).. ٧٢ في (هـ): "حتى يثبت خلافه".. ٧٣ في (د) و(ج): "ضربها للأدب".. ٧٤ في (هـ): "وجرت"..

النساء 4:35

٣٥ - قوله تعالى :﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾ الآية : قال إسماعيل القاضي(١) : أما أبو حنيفة وأصحابه فما عرفوا هذه الآية، ولا تكلموا في شيء من أحكامها. وأما الشافعي فتكلم فيها بكلام السكوت أحسن منه. وذكر غيره عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه(٢) في الحكمين بعض كلام. ونحن نذكر إن شاء الله تعالى(٣) ما جاء في ذلك، وقد اختلف أهل التأويل في الخوف هاهنا على حسب ما تقدم ولا يبعث(٤) الحكمان إلا مع شدة الخوف والشقاق وإباية المرأة من الرجوع إلى طاعة زوجها. واختلف في المأمور بالبعثة للحكمين(٥) فقال سعيد ابن جبير : الحكام إذا أعضل(٦) أمرهما(٧) عليهم وترافعا إليهم. وقال السدي : المخاطب الزوجان. وقال بعض المفسرين : إليهما تقديم الحكمين، وهذا مذهب مالك، والأول لربيعة وغيره. وأخطأ فيما نسب إلى مالك ؛ لأن المشهور عن مالك(٨) أن الإمام هو الذي يبعث الحكمين. وأجاز أن يبعثهما الزوجان، وأجاز أيضا أن يبعثهما من يلي أمر الزوجين، فإن حملنا الآية على هذا القول جعلنا المخاطبة بها الحكام والزوجين والولاة جميعا. وأما أن يقال : إن مذهب مالك أن المخاطب بالآية الزوجان خاصة فشيء لا نعرفه ويؤخذ من هذه(٩) الآية أن السلطان يبعث الحكمين في أمر الزوجين(١٠)، وإن لم يطلبا ذلك منه خلافا للشافعي في أحد قوليه أنه(١١) لا يبعثهما(١٢) إلا السلطان برضى الزوجين ويوكلهما الزوجان بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة على ما ذكر بعضهم أيضا. وللشافعي قول آخر مثل قول مالك(١٣) أن الحكمين ينفردان بالتفريق دون رضى الزوجين إذا رأيا ذلك. واختلف فيما إلى الحكمين من النظر بين الزوجين، فقيل : لا ينظران إلا فيما وكلهما الزوجان به، وصرح بتقديمهما عليه. وقال أبو الحسن(١٤) : ينظر الحكمان في الإصلاح والأخذ والإعطاء(١٥) إلا(١٦) في الفرقة، وبمثله قال أبو حنيفة على ما ذكر بعضهم. قال : لأن الله تعالى لم يذكر فرقة، وقالت فرقة : ينظر الحكمان في كل شيء ويحملان على الظالم ويمضيان ما رأياه من بقاء أو فراق، وهذا هو مذهب مالك وجمهور أهل العلم. واختلف في قوله تعالى :﴿إن يريدا﴾، من المراد بذلك ؟ فقيل : الزوجان، وقيل : الحكمان. وخص الله(١٧) تعالى بعثهما من الأهل(١٨) ؛ لأنهم مظنة العلم بباطن الأمر، ومظنة الإشفاق بسبب القرابة. ولم يجعلهما من جهة الزوج وحده، ولا من جهة الزوجة وحدها(١٩) لما يلقى القريب عند الشنآن(٢٠) من الحمية لمن هو من ناحيته. وإن لم يوجد من الأهل من يصلح لذلك بعث من الأجنبيين. وإن جعل ذلك للأجنبيين مع وجود الأهل، فيشبه أن يقال : ينتقض(٢١) الحكم بمخالفة النص، ويشبه أن يقال : الحكم ماض بمنزلة ما لو تحاكما إليهما. وإن جعل السلطان النظر بين الزوجين إلى واحد هو منهما(٢٢) مثل عم أو خال جاز ذلك أيضا على مقربته مخالفة النص. ولو جعل السلطان ذلك إلى رجل واحد أجنبي منهما جاز على الأصل في الأحكام : أنه يجزئ(٢٣) في القضية رجل واحد وهو في هذا الوجه بخلاف الحكمين في الصيد، ولا يجوز أن يوقعا من الطلاق أكثر من واحدة، واختلف في الاثنين والثلاث. فقيل : يلزم الزوج ما أوقع عليه. وقيل : يلزم من ذلك طلقة. وقال عبد الملك : لأنهما لم يدخلا بما زاد على الواحدة صلاحا(٢٤) بل أدخلا مضرة. واختلف إذا كان الزوجان رشيدين وحكم بينهما(٢٥) غير عدل، أو امرأة، أو صبيا، أو صبية(٢٦)، هل ينقض الحكم أم لا ؟ فقال عبد الملك : " إنه منقوض " وكذلك لو حكما رجلا وهما يريان أنه(٢٧) من أهل المعرفة(٢٨) والعدالة ثم تبين غير ذلك فإنه يختلف هل/ يمضي الحكم أم لا ؟ وفي كتاب محمد بن الحكم(٢٩) ماض، ووجه القول ينقض الحكم إن من شرط الحكمين أن يكونا عدلين ؛ لأن الله تعالى سماهما حكمين. واختلف المتأخّرون من أشياخنا في جعل الأمينة بين الزوجين، فقالت طائفة منهم : بإجازة ذلك ولم تر بعث الحكمين. قالت : لأنه أمر لم يحكم به من كان(٣٠) قبلنا من أئمة العدل ولكن تخرج المرأة إلى دار أمين أو يسكن أمين معها(٣١). وقد ذكر مثل هذا ابن سحنون عن أبيه من قول مالك(٣٢) في النصرانية الحاضنة إذا خيف منها أن تضم إلى ناس من المسلمين(٣٣)، وأنكرت طائفة هذا وقالوا(٣٤) : القول بالحكمين مما لا يجوز(٣٥) الحكم بغيره، لأن الله تعالى حكم به، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهلم جرّا، وقد بعث عمر بن الخطاب حكمين، وفعل ذلك علي بن أبي طلب. وآية التحكيم محكمة لا خلاف في ذلك، وبذلك قال بن لبابة. وقال ابن القطان : لا يقضي بإسكان أمينة معهما(٣٦)، يتعرف بها الضرر وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وأعجب من أهل بلادنا في هذه المسألة وشبيهها يقلدون مالكا في العظائم، وإن لم يستند فيها إلى نص ويخالفونه في الدقائق، وإن استند فيها إلى نص ولم يقنعوا بخلاف مالك في هذه المسألة حتى خالفوا فيها(٣٧) ما أمره الله تعالى به. ١ هو القاضي إسماعيل بن إسحاق الأزدري البصري المتوفي سنة ٢٨٢هـ / ٨٩٥م، له من التآليف: أحكام القرآن وإعرابه ومعانيه، وله كتاب في القراءات. انظر ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج٤، ص ٢٧٦ – ٢٩٣، الديباج: ص٩٢، كشف الظنون: ج١، ص٢٠، طبقات المفسرين للداودي: ج١، ص١٠٥.. ٢ "رضي الله تعالى عنه" سقطت في (هـ).. ٣ كلمة "تعالى" سقطت في (هـ).. ٤ في (ج): "ولم يبعث".. ٥ في (هـ): "يبعث حكمين".. ٦ في (هـ): "عضل".. ٧ في (ب) و(ج) و(هـ): "أمرها".. ٨ في (ج): "مالك رحمه الله" وفي (هـ): "عنه رحمه الله".. ٩ في (ج) و(هـ): (سقطت كلمة "هذه".. ١٠ "في أمر الزوجين" ساقط في (ج) و(هـ).. ١١ في (هـ): "في أنه".. ١٢ في (ج): "أن لا يبعثهما".. ١٣ في (ج): "مالك رحمه الله تعالى"وفي (هـ): "رحمه الله".. ١٤ في (ج) و(هـ): "ابن أبي الحسن". ١٥ في (ج): "العطا".. ١٦ "إلا" ساقطة في (ب) و(د).. ١٧ "الله" كلمة ساقطة في (هـ).. ١٨ في (ج): "من الأكل". ١٩ في (ج): "لم يجعلهما من جهة الزوج وحده أو من جهة الزوجة وحدها".. ٢٠ في (ج): "الشقاق".. ٢١ في (ج): "ينقض".. ٢٢ في (ج): "منهما هو".. ٢٣ "لأنه يجزئ" ساقط في (ب) و(أنه) ساقط في (د) و(ج).. ٢٤ كلمة "صلاحا" ساقط في (ب).. ٢٥ "لو حكم بينهما" ساقط في (ب) و(ج) و(د).. ٢٦ "أو صبية" سقطت في (هـ).. ٢٧ "لأنه" ساقطة في (أ).. ٢٨ "المعرفة و" ساقط في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٢٩ في (هـ): "كتاب عبد الحكيم".. ٣٠ "كان" سقطت في (هـ).. ٣١ "معها" ساقط في (ج).. ٣٢ في (د): "عن قول مالك".. ٣٣ في (هـ) و(ب) و(د): "المشركين".. ٣٤ في (د): "وقالت".. ٣٥ في (ج): "ما لا يجوز".. ٣٦ كلمة "معهما" ساقطة في (هـ).. ٣٧ كلمة "فيها" سقطت في (هـ)..

النساء 4:43

٤٣ - قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ الآية : سبب النهي عن قرب الصلاة في حال السكر أن جماعة من الصحابة شربوا(١) الخمر عند أحدهم قبل التحريم، منهم أبو بكر وعمر وعلي وعبد الرحمان ابن عوف، فحضرت الصلاة فتقدمهم علي فقرأ :﴿قل يا أيها الكافرون ١﴾ [الكافرون: ١]، مخلطا(٢) فيها بأن قال :﴿أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد﴾. وروي أن المصلي عبد الرحمان بن عوف، وقد اختلفوا(٣) في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة ؟ فالذين ذهبوا(٤) إلى أنها محكمة اختلفوا في التأويل، فقالت طائفة معنى قوله :﴿وأنتم سكارى﴾ أي سكارى(٥) من النوم لا من الخمر، وقال عبيدة السلماني(٦) : هو الحاقن كقوله عليه الصلاة والسلام(٧) : " لا يصلين أحدكم وهو يدافع الأخبثين " (٨). وقيل : ليس المراد هنا العبادة المعلومة وإنما المراد بها مواضع(٩) الصلاة وهي المساجد، والتقدير : لا تقربوا مواضع(١٠) الصلاة ثم حذف، كقوله تعالى :﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]، وروي هذا عن ابن عباس أيضا، وإليه ذهب الشافعي وأصحابه. والأكثر كما قدمنا على أن المراد به الصلاة، وهو قول أبي حنيفة. ومقتضى هذا القول تنزيه المساجد عما يتوقع من السكران من فحش المنطق وتلويث المسجد، ويقاس على هذا السباب فيها والدخول بالروائح المنتنة أو(١١) بالنجاسات(١٢). ومن ذلك إنشاد الشعر فيها(١٣)، وقد اختلف فيه. والأظهر جوازه إلا ما كان فيه فحش. وكذلك رفع الأصوات فيها بغير ذكر الله تعالى(١٤)، وقد اختلف فيه أيضا. وقد قال عمر(١٥) : من أراد أن يغلظ أو ينشد شعرا فليخرج إلى هذه الرحبة. وكذلك النوم(١٦) فيها(١٧) مختلف فيه، والأظهر جوازه لما ورد من الآثار في ذلك. واختلف فيمن رأى في المسجد في ثوبه دما كثير هل له أن يخلعه(١٨) فيه على قولين، أحدهما : أنه يجب أن يخرج ولا يخلعه فيه. والثاني : أنه يجوز له أن يخلعه ويضعه بين يديه ويغطيه، وقيل : المعنى/ لا يكن منكم سكر فيقع قرب الصلاة ؛ إذ المرء مدعو إلى الصلاة. وهذا القول بأنها محكمة إنما يصح على القول ببطلان دليل الخطاب، إذ دليل خطاب(١٩) الآية على هذا القول إباحة ما دون السكر أو(٢٠) السكر في غير الصلاة. والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة اختلفوا، فمنهم(٢١) من قال بدليل خطابها، ورأى أن(٢٢) الآية نزلت قبل التحريم، فاقتضت عنده تحريم السكر في الصلاة خاصة، فرآها منسوخة بآية التحريم، وهي قوله(٢٣) تعالى :﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ [المائدة: ٩٠]، وهو مروي عن قتادة ومجاهد. ومنهم من رأى أن الآية إنما اقتضت النهي عن الصلاة في حال السكر، ثم ورد الأمر بالصلاة على كل حال، فإن كانوا لا يعقلون ما يقرأون وما يفعلون، فعليهم الإعادة وإن كانوا يعقلون ذلك فعليهم أن يصلوا، وهذا قبل التحريم. فأما(٢٤) بعد التحريم، فيجب أن لا يفعلوا ذلك، أعني(٢٥) الشرب، فإن فعلوا فقد أساؤوا الحكم في الصلاة، وأخذوا الآية التي وردت بالأمر بالصلاة على كل حال(٢٦) قوله تعالى :﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ [المائدة: ٦] الآية، وهذا قول ابن عباس. وفي هذه الأقوال كلها نظر. أما النسخ فيها، فلا يتحقق، لأنه مهما أمكن نفي التعارض بين الآيتين لم يصح نسخ. أما النسخ بتحريم الخمر، فمبني على القول بدليل الخطاب، وللناظر أن يقول : إنما حرم السكر في حالة الصلاة، ثم أكد التحريم فيها بأن صرح بتحريمه في الصلاة وفي غير الصلاة، فالتحريم المطلق قوى التحريم(٢٧) المخصوص ولم ينسخه. وأما القول بأن الأمر بالصلاة على كل حال فلأصحاب مالك، وهو قول الشافعي. وقالت طائفة : لا يصلون حتى يجدوا الأرض من السماء فلا خلاف أنه (٢٨) كالمجنون، إلا فيما ذهب وقته من الصلوات فلا يسقط عنه، لأنه هو الذي(٢٩) أدخل السكر على نفسه بخلاف المجنون(٣٠) والمغمى عليه. قوله تعالى :﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾ : واختلف في الجنب من هو ؟ فقال الجمهور، هو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة، ختان من غير إنزال، لأن المجانبة في اللغة ترجع إلى البعد والمفارقة، وهي كناية على الوطء، فالرجل إذا جامع ثم فارق فقد حصلت المفارقة سواء أنزل أو لم ينزل، وهو كقوله عليه الصلاة والسلام : " الكذب مجانب(٣١) للإيمان " (٣٢) أي مفارق، وذهب داود وبعض الصحابة(٣٣) إلى أن الجنب لا يكون إلا من إنزال، ولم يوجبوا الغسل إلا على ذلك. ودليل أهل القول الأول(٣٤) مع ما ذكرناه قول النبي صلى الله عليه وسلم(٣٥) : " إذا التقى الختانان فقد وجب(٣٦) الغسل أنزل أو لم ينزل ". وقوله :﴿إلا عابري سبيل﴾ : اختلف في عابر السبيل من هو ؟ فقيل هو المسافر، قالوا : فلا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد اغتسال إلا المسافر، فإنه يتيمم وهو قول علي وابن عباس وغيرهما. وهذا قول مبني على القول بأن الصلاة من قوله (٣٧) :﴿ولا تقربوا الصلاة﴾ المراد بها العبادة. وقيل : هو المجتاز مسافرا كان أم غير مسافر(٣٨) وهذا القول مبني على أن الصلاة فيما تقدم أريد بها موسع الصلاة. وعلى هذا يترتب الخلاف في الجنب يمر في المسجد أو(٣٩) يقعد فيه، فقيل : إنه يمر فيه ويقعد، وهو قول داود، قال : وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون وهم جنبا في المسجد، وجعلوا القعود كالمرور. وقال بعضهم : يجلس فيه ويمر إذا توضأ، وهو قول ابن حنبل. وقال قوم : لا يجلس فيه ولا يمر وهو قول الكوفيين وأشهر قولي(٤٠) مالك، وروي عن ابن عباس وغيره : إن لم يجد بدا تيمم ومر فيه ولا يقعد، وهو قول الثوري وإسحاق. وأما القول الأول فضعيف ومخالف لظاهر (٤١) الآية، لأن الله تعالى نهى عن القرب من موضع الصلاة جنبا، ثم أباح للجنب إذا كان عابر سبيل أن يعبره(٤٢) فمن أباح القعود فيه فقد أجاز ما نهى الله تعالى(٤٣)عنه. والقول الثاني مثله في الضعف بل أضعف. وأما القول الثالث وهو أشهر قولي مالك، فصحيح وليس في الآية ما يرده، لأن الآية على هذا القول إنما هي في المسافر الجنب إذا حضر الصلاة كما قدمنا : فليس فيها إباحة شيء من ذلك. ويؤيد هذا القول حديث عائشة قالت : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال : " وجهوا هذه(٤٤) البيوت عن المسجد " (٤٥) ثم دخل ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن ينزل لهم رخصة، فخرج إليهم بعد فقال : " وجهوا هذه البيوت فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " قالوا : فأمر النبي صلى الله عليه وسلم(٤٦) بهذا صيانة للمسجد(٤٧) عن اجتياز الجنب. وأما القول الرابع وهو أحد قولي مالك، فمحمول على أن الآية في غير المسافر، وأن المراد بالصلاة المسجد، وبعابر السبيل المجتاز فيه، وهو أحد قولي زيد ابن أسلم. وأما القول الخامس في الآية فضعيف ؛ إذ فيه التيمم والله تعالى لم يذكر التيمم، فالظاهر إباحة ذلك لعابر السبيل متيمما كان أو غير متيمم، ومما يؤيد أن الصلاة المراد بها موضع الصلاة، وأن عابر السبيل هو(٤٨) المار في المسجد ما روى بعضهم من أن سبب الآية أن قوما من الأنصار كانت أبواب دورهم(٤٩) شارعة في المسجد، فإذا أصابت أحدهم الجنابة اضطر إلى المرور في المسجد فنزلت الآية في ذلك. قوله تعالى :﴿حتى تغسلوا﴾ : اختلف في صفة الغسل التي عنى الله تعالى في هذه الآية، فقالت طائفة : يجزئ الجنب الانغماس في الماء دون إمرار اليد على الجسم، وهو قول الشافعي وابن عبد الحكم وأبي الفرج، وإحدى الروايتين عن مالك. وقالت طائفة : لا يجزئ الغسل حتى يمر يديه على جسده كله وهذا أشهر قولي مالك : وحجة القول الأول(٥٠) أن كل من صب الماء فقد اغتسل، لقول العرب : غسلتني السماء. ولا مدخل فيه لإمرار اليد، وحجة أهل القول الثاني : أن الغسل يتضمن زيادة على إيصال الماء إلى المحل، وليس ذلك إلا إمرار اليد، لأن أهل اللغة فرقوا بين الغمس والغسل، فيقولون : انغماس واغتسال، فدل على اختلاف حكمهما، ولقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة : " وادلكي جسدك بيديك " (٥١). واختلف في الجنب يحدث هل عليه وضوء أم لا ؟ فالجمهور على أن لا وضوء عليه، وذهب الشافعي في بعض أقواله إلى أن عليه الوضوء ودليل القول الأول قوله تعالى :﴿حتى تغتسلوا﴾ فلم يوجب غير الغسل. والحدث الأصغر يدخل في الأكبر، وكذلك لا يجب مع الغسل وضوء لظاهر الآية، وأي وضوء أعم من الغسل كما قال ابن عمر رضي الله / تعالى عنهما. قوله تعالى :﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ الآية : واختلف في سببها، فقيل : سببها عدم الصحابة للماء في غزوة المريسيع حين قام النبي صلى الله عليه وسلم على التماس العقد. وقيل : نزلت في قوم أصابتهم جراح ثم أجنبوا فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية. وذكر بعضهم أن ذلك نزل لعبد الرحمان ابن عوف. واختلف في المرض الذي شرط(٥٢) الله تعالى جواز التيمم فيه(٥٣) فأخذ بعضهم بظاهر الآية، هو داود ومن تابعه، فقال(٥٤)، كل ما انطلق عليه اسم مريض فجائز له التيمم. وقال الشافعي في أشهر قوله : هو المرض الذي يخاف فيه التلف باستعمال الماء. وقد روي عن مالك مثل هذا. وقال مالك : في أشهر قوله(٥٥) : هو المرض الذي يخاف فيه التلف أو الزيادة أو البطء في استعمال الماء. قال القابسي : مثل أن يخاف(٥٦) أن تصيبه نزلة أو حمى وقد روي عن الشافعي مثل هذا. واختلف في السفر الذي يباح فيه التيمم، فقال الجمهور : هو الغيبة عن الحضر، كان السفر مما تقصر فيه الصلاة أو لا تقصر أخذا بظاهر لفظ السفر في الآية ؛ لأنه لم يخص سفرا طويلا من قصير. وذهب قوم(٥٧) إلى أنه لا يتيمم إلا في سفر تقصر في مثله الصلاة، ويجوز فيه القصر. ورأوا أن السفر في الآية على ذلك يقع، واختلف في سفر المعصية هل يجوز فيه التيمم أم لا ؟ فذهبت فرقة إلى منعه والأكثر على جوازه لعموم الآية. قوله تعالى :﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ : في " أو " هنا تأويلان أحدهما : أنها على بابها من أن تكون لأحد الشيئين. والثاني : أنها بمعنى " الواو " وعلى هذين التأويلين ينبني اختلاف العلماء في المريض الواجد للماء والحاضر العادم للماء، هل هما من أهل التيمم أم لا ؟ فمن أبقى " أو " على بابها رآهما من أهل التيمم، وقال : إن(٥٨) معنى الآية وإن كنتم مرضى(٥٩) لا تقدرون على مس الماء، أو على من يناولكم إياه، لأن المرض يتعذر معه الوصول إلى الماء أو مسه في أكثر الأحوال، فاكتفى تعالى بذكر المرض(٦٠)، وفهم المراد كما (٦١) فهم من قوله تعالى :﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤] أن(٦٢) معناه : فاضطر(٦٣). وكذلك قوله :﴿أو على سفر﴾ يريد غير واجد للماء، فاكتفى بذكر السفر، وفهم المراد منه لأن السفر يعدم الماء فيه في أكثر الأحوال. ثم قال تعالى :﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء﴾ الآية، يريد بذلك الحاضر الصحيح. ولما كان الغالب في الحضر وجود الماء صرح بشرط عدمه(٦٤) فقال :﴿فلم تجدوا ماء﴾، ومن رأى " أو " (٦٥) في الآية بمعنى " الواو " ولم يرهما من أصل التيمم ؛ لأنه يعيد(٦٦) قوله(٦٧) :﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء﴾ على المرض والسفر، وكذلك يعيد(٦٨) قوله :﴿فلم تجدوا ماء﴾ ١ في (أ) و(هـ): "شربت".. ٢ في (ج): "فغلط". ٣ في (هـ) و(د) و(ج): "اختلف".. ٤ كلمة "ذهبوا" ساقطة في (ج).. ٥ في (ب) و(د) و(ج): "ساكرين".. ٦ هو عبيدة بن عمرو (أو قيس) السلماني المرادي، تابعي أسلم أيام فتح مكة، روى الحديث وتفقه وكان يوازي شريحا في القضاء، توفي سنةهـ٧٢/ ٦٩١م. انظر الأعلام: ج٤، ص ٢٥٧.. ٧ في (هـ): "عليه السلام".. ٨ الحديث أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب هل يصلي الرجل وهو حاقن، حديث رقم٨٩، ص٢٢، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده: ج٦، ص٤٣، ٥٤، ٧٣.. ٩ في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ): "إلى مواضع الصلاة" وفي (ج): "أي مواضع الصلاة".. ١٠ "مواضع" ساقطة في (ج).. ١١ "أو" ساقط في (د).. ١٢ في (هـ): "النجاسات".. ١٣ "فيها": (ساقطة في (د).. ١٤ كلمة "تعالى" سقطت في (هـ).. ١٥ في (ج) و(هـ): "عمر رضي الله عنه".. ١٦ "مكان النوم" بياض في (ب).. ١٧ "فيها" ساقطة في (د): وفي (ج): "فيه". ١٨ في (د): "يغسله".. ١٩ في (ب) و(هـ): "دليل الخطاب".. ٢٠ في (هـ): "والسكر".. ٢١ في (هـ): "ومنهم".. ٢٢ كلمة "أن" ساقطة في (ج) و(هـ).. ٢٣ في غير (هـ): "هي قوله تعالى".. ٢٤ في (ج) و(هـ): "وأما".. ٢٥ في (هـ): "يعني".. ٢٦ "حال" ساقطة في (أ).. ٢٧ في (د) و(هـ): ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ الآية.. ٢٨ في )أ) و(ب): "فلا اختلاف في الله" وفي (هـ) :"فلا اختلاف أنه".. ٢٩ كلمة "الذي" ساقطة في (أ) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "لأنه أدخل".. ٣٠ قوله: "إلا فيما ذهب وقته من الصلوات... بخلاف المجنون" ساقط في (ب).. ٣١ في (ج) و(د): "بجانب".. ٣٢ في (هـ): "الإيمان" والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده: ج١، ص٥.. ٣٣ في )هـ): "أصحابه".. ٣٤ كلمة "الأول" سقطت في (ب).. ٣٥ في (هـ) :"قوله".. ٣٦ في (ج ) :"الختانان أوجب" والحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الحيض، باب٢٢، ص٢٧١ – ٢٧٢، والإمام البخاري في صحيحه: كتاب الغسل باب٢٨، ص ٧٦. . ٣٧ في (هـ) :"قوله تعالى".. ٣٨ قوله: "وهذا قول مبني... مسافرا" ساقط في (ب).. ٣٩ في( هـ): "و". . ٤٠ في (هـ) :"قول".. ٤١ "يعبره" بياض في (ب).. ٤٢ "تعالى" سقط ت في (ج) .. ٤٣ ي (ج): "عائشة رضي الله تعالى عنها"، وفي (هـ): "رضي الله عنها". . ٤٤ كلمة "هذه" ساقطة في (ب) و(ج) و(د) و(هـ).. ٤٥ في ( ب) و(ج) و(د): "في المسجد" وهو خطأ والحديث جاء في سنن أبي داود: كتاب الطهارة، باب٩٣، ص١٥٧ – ١٥٩، وسنن ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب ١٢٩، ص٢١٢.. ٤٦ في (ج): "فأمر عليه الصلاة والسلام" وفي (هـ): "فأمر عليه السلام".. ٤٧ "صيانة بالمسجد" في (ب)و(د):. ٤٨ " هو" ساقط في (ج) و(هـ).. ٤٩ في (ج) و(هـ): " ديارهم".. ٥٠ في (هـ): "وحجة القول الأول قولهم".. ٥١ فتح الباري صحيح البخاري: كتاب الحيض، باب١٣، ص٤١٤.. ٥٢ في (ب) و (د) :"أجاز".. ٥٣ في (هـ): "لهم فيه".. ٥٤ في (ج ) و(هـ) و(د): "فقالوا".. ٥٥ قوله: "وهو المرض الذي يخالف فيه التلف باستعمال الماء، وقد روي عن مالك مثل هذا وقال مالك في أشهر قوليه" ساقط في (ب) و(ج) و(د).. ٥٦ في (هـ(و(د) و(ج): "يخشى".. ٥٧ في (هـ): "بعضهم".. ٥٨ أن" سقطت في (هـ).. ٥٩ كلمة "مرضى" سقطت في (ج).. ٦٠ في (ج) و(د): "المرض منه".. ٦١ "فهم المراد كما فهم" سقطت في (هـ).. ٦٢. في (ب) و(ج) و(د) و(هـ) ساقطة "(أن". ٦٣ في (ج): "فأفطروا".. ٦٤ في (ج): "بعدم شرطه" وفي (هـ): "شرطه بعدم".. ٦٥ في (ج) و(د) و(هـ): "أن".. ٦٦ "يفيد" :(هـ) في. ٦٧ في (هـ): "قوله تعالى".. ٦٨ "يفيد": (هـ) في .

النساء 4:48

٤٨ قوله تعالى :﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ (١) الآية(٢) : هذه الآية أصل في الوعد والوعيد، وهي الحاكمة ببيان ما تعارض من الآيات في ذلك. وتهذيب القول فيها أن الناس أربعة أصناف : كافر مات على كفره. فهذا مخلد في النار بإجماع، ومؤمن لم يذنب مات على إيمانه، فهذا في الجنة بإجماع، وهذا كله في هذين الصنفين بحسب ما أخبر الله تعالى عنهم، وتائب من ذنبه مات على توبته(٣) فهذا(٤) عند أهل السنة وجمهور الفقهاء الأمة لاحق بالمؤمن المتقدم ذكره، إلا أن مقتضى مذهب المتكلمين أنه في المشيئة. ومذنب مات قبل توبته(٥) فهذا اختلف(٦) فيه الفرق. فقالت المرجئة : هو في الجنة بإيمانه، ولا تضره سيئاته، وبنوا ذلك على أن جعلوا آيات الوعيد كلها مخصصة في الكفار(٧)، وآيات الوعد عامة في المؤمنين تقيّهم وعاصيهم. وقالت المعتزلة : إن كان(٨) صاحب كبيرة فهو في النار ولا بد. وقالت الخوارج : إذا كان صاحب كبيرة أو صغيرة فهو مخلد في النار ولا إيمان له ؛ لأنهم يرون كل الذنوب كبائر، وبنوا ذلك على أن جعلوا آيات الوعد كلها مخصصة في المؤمن الذي لم يذنب أو المؤمن التائب. وجعلوا آيات الوعيد عامة في العصاة كفرة كانوا أو مسلمين(٩)، وقال أهل السنة : آيات الوعد ظاهرة العموم، وآيات الوعيد ظاهرة العموم، ولا يمكن الجمع بينهما مع حملهما على عمومهما ؛ كقوله تعالى :﴿لا يصلاها إلا الأشقى ١٥ الذي كذب وتولى﴾ [الليل: ١٥، ١٦]، وقوله تعالى :﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم﴾ [الجن: ٢٣]، فلا بد أن نقول : إن آيات الوعد لفظها العموم والمراد بها(١٠) الخصوص في المؤمن وفي التائب، وفيمن(١١) سبق علم الله تعالى بالعفو عنه من المذنبين(١٢) وآيات(١٣) الوعيد لفظها العموم والمراد بها(١٤) الخصوص في الكفرة(١٥) وفيمن(١٦) سبق علم الله تعالى(١٧) بتعذيبه من المؤمنين(١٨). وهذه الآية :﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، ردت(١٩) على الطائفتين : المرجئة والمعتزلة، وذلك أن قوله تعالى(٢٠) :﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ فضل مجمع عليه. وقوله :﴿ويغفر ما دون ذلك﴾ فيه رد لقول المعتزلة بتخليد المذنب ولو تم الكلام هاهنا عند قوله :﴿ما دون ذلك﴾ (٢١) لكان فيه حجة للمرجئة، فجاء قوله تعالى(٢٢) :﴿لمن يشاء﴾ ردا عليهم، مبنيا أن غفران ما دون الشرك إنما هو لقوم دون قوم، بخلاف ما زعموا من أنه غفور لكل مؤمن. وقد تأولت المعتزلة الآية على مذهبها، فقالت : قوله :﴿لمن يشاء﴾ هو التائب، وهذا تحكم على الآية يرده النظر. وتأولت المرجئة الآية أيضا على مذهبها فقالت : قوله(٢٣) :﴿لمن يشاء﴾ أن يؤمن(٢٤) وهذا أيضا(٢٥) تأويل بعيد وكان سبب نزول هذه الآية أنه(٢٦) لما نزلت :﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ [الزمر: ٥٣]، قال أصحاب النبي(٢٧) صلى الله عليه وسلم : " والشرك يا رسول " فنزلت الآية :﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ (٢٨). وذهب بعض أهل التأويل(٢٩) إلى أن هذه الآية ناسخة للتي في آخر الفرقان. قال زيد بن ثابت : نزلت سورة النساء بعد سورة الفرقان بستة أشهر. والنسخ في الأخبار مستحيل. والصحيح أن التي في الفرقان مخصوصة بالكفار الذين أرادوا الدخول في الإسلام، فخافوا أن لا ينفعهم الإسلام مع ما سلف لهم في الجاهلية روي ذلك عن ابن عباس وغيره. ١ في (هـ): "... ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.. ٢ "الآية" سقطت في (هـ).. ٣ قوله: "فهذا في الجنة بإجماع... على توبته" ساقط في (هـ).. ٤ في (ج): "فهو".. ٥ في (د) و(ج): "على ذنبه" عوضا من "قبل توبته".. ٦ في (هـ) و(ب) و(د): "اختلف".. ٧ في (هـ): "مخصصة بالكفار".. ٨ في (ب) و(د) و(ج): "أن كل".. ٩ في (هـ): "أو المؤمنين".. ١٠ في (ب) و(ج): "به".. ١١ في (ب): "ومن".. ١٢ في (ج): "الموامنين".. ١٣ قوله: "الوعد لفظها العموم والمراد بها الخصوص في المؤمن وفي التائب وفيمن سبق علم الله تعالى بالعفو عنه من المذنبين وآيات" ساقط في (د).. ١٤ في (ب) و(ج): "به".. ١٥ في (هـ): "بالكفرة".. ١٦ ف (ج): "ومن".. ١٧ في (ج) و(هـ): "علمه".. ١٨ في (د): "من المسلمين".. ١٩ في (أ) و(ب) و(ج): "فيه رد".. ٢٠ "قوله تعالى" كلمة سقطت في (ج)، وكلمة "تعالى" سقطت في (هـ). ٢١ قوله: "عند قوله ما دون ذلك" سقطت في (ج) و(د) و(هـ).. ٢٢ كلمة "تعالى" سقطت في (هـ).. ٢٣ قوله: "هو التائب، وهذا تحكم على الآية يرده النظر وتأولت المرجئة الآية أيضا على مذهبها، فقالت قوله" كله ساقط في (د)، وكذلك في (هـ): لكن بداية من قوله: "لمن يشاء هو التائب".. ٢٤ في (ب) و(ج) و(د): "قوله لمن يشاء معناه لمن يشاء أن يؤمن".. ٢٥ في (ج) و(د): "وهو أيضا".. ٢٦ في (ج): "أنها".. ٢٧ في (ج): "رسول الله".. ٢٨ في (هـ): "... ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء".. ٢٩ "أهل التأويل" بياض في (ب) وفي (د): "بعض المتأولين" وفي (ج): "بعض التأويل"..

النساء 4:58

٥٨، قوله تعالى :﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ الآية، إلى قوله :﴿ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ : اختلف في المخاطب بالآية، فقال ابن عباس وغيره، هي عامة في كل مؤتمن على شيء، وقال علي بن أبي طالب وغيره : هي خطاب لولاة المسلمين أمروا بأداء الأمانة لمن ولوا عليه، وهذا اختيار الطبري. وقال ابن عباس : الآية في الولاة، أمروا أن يعضلوا النساء في النشوز ونحوه، ويردوهن إلى أزواجهن. وقال ابن جريج وغيره : ذلك خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم(١) خاصة، أمر(٢) أن يرد مفتاح الكعبة إلى عثمان بن أبي طلحة حين أخذه منه، واختلف في الحربي يدخل إلينا بأمان، فيودع وديعة ثم يقتل في دار الحرب، أو يموت عندنا، أو يقتل. فقال أبو حنيفة : لا يرد ما ترك عندنا، من مال أو وديعة إلى أهله، وهي غنيمة. وقال مالك(٣) : يرد ماله وودائعه إلى أهله. وقال الشافعي بقوليهما(٤). والأظهر(٥) قول مالك(٦) لعموم قوله تعالى :﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ (٧). واختلف أبو حنيفة والشافعي في المسلم يدخل دار الحرب بأمان فيداينه الحربي دينا، ثم يخرج الحربي مستأمنا، فقال أبو حنيفة : لا يقضى له على المسلم بدينه، وكذلك عنده لو كان المسلم قد أدان الحربي هما سواء ولا يقضى على الحربي. وفي قول الشافعي : يقضى بالمال في الوجهين جميعا، وهو ظاهر مذهب مالك، وهذا هو الأظهر ؛ لأن الدين من نوع الأمانات أيضا. واختلف في الأسير إذا ائتمنه الحربي على شيء هل يجوز أن يخونه أم لا ؟ والأظهر منع ذلك ؛ لعموم الآية من هذا مسألة الذي يودعه الرجل مالا وقد كان جحده(٨) قبل ذلك مالا. هل لهذا الآخر أن يجحده كما جحده أم لا ؟ وقد تقدمت المسألة مستوفاة. قوله تعالى :﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ : ظاهر الآية جواز حكم الحاكم بين جميع الناس لبعيد على قريب ولقريب على بعيد ؛ إذ حكم بالعدل. وعندنا في حكم الحاكم لمن لا تجوز شهادته له(٩) قولان : الإجازة والمنع، وحجّة القول بالجواز عموم(١٠) الآية. ١ في (ج): "عليه الصلاة والسلام".. ٢ كلمة "أمر"سقطت في (ج).. ٣ في (ج): "مالك رحمه الله".. ٤ في (ج): "بقولهما".. ٥ في (هـ): "والظاهر".. ٦ في (ج): "مالك رحمه الله".. ٧ في إضافة بعد الآية، وهي: "لعموم هذه الآية".. ٨ "كما جحده" ساقط في (د) و(هـ).. ٩ "له" سقطت في (هـ). ١٠ في (ب) و(ج): "لعموم"..

النساء 4:59

٥٩ قوله تعالى :﴿يا أيها(١) الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ الآية : اختلف في أولي الأمر، فقيل : هم الأمراء. وقيل هم العلماء(٢) وقيل(٣) : أولو العلم بالقرآن. وقيل : أصحاب(٤) سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وقيل : هي(٥) إشارة إلى أبي بكر وعمر خاصة. وحكى بعض(٦) من قال : إنهما الأمراء، إنها نزلت في أمراء(٧) رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان السبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها عمار بن ياسر وأميرها خالد بن الوليد، فقصدوا قوما من العرب، فأتاهم نذير، فهربوا تحت الليل(٨)، وجاء منهم رجل إلى عسكر خالد فدخل إلى عمار، فقال : يا أبا اليقظان ! إن قومي قد(٩) فروا وإني أسلمت فإن كان إسلامي ينفعني وإلا فررت، فقال له عمار : ينفعك، فأقم، فأقام(١٠) فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد سوى الرجل المذكور، فأخذه وأخذ ماله، فجاء عمار فقال : خل عن الرجل فإنه قد أسلم وإنه في أمان مني. فقال خالد : وأنت تجير، فاستبا وارتفعا إلى رسول الله صلى الله علي وسلم فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير. واستبا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خالد : يا رسول الله ! أتترك هذا العبد الأجدع يسبني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا خالد لا تسب عمارا، فإنه من سب عمارا سبه الله ومن أبغض عمارا أبغضه الله(١١)، ومن لعن عمارا لعنه الله " (١٢) فغضب عمار فقام، فذهب، فتبعه خالد حتى اعتذر إليه فتراضيا فنزلت الآية. و " طاعة الله " : اتباع أوامره واجتناب نواهيه(١٣). و " طاعة الرسول " : الرجوع إليه في حياته وإلى(١٤) سنته بعد وفاته. ومعنى :﴿فردوه إلى الله والرسول﴾ أي(١٥) : إلى الكتاب والسنة. ١ في (ج): "سبحانه".. ٢ "وقيل هم العلماء" ساقط في (ب).. ٣ في (هـ) و(ب) و(ج): "وقيل لهم".. ٤ في (د) و(ج) و(هـ): "وقيل أولوا الأمر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم".. ٥ كلمة "هي" سقطت في (هـ).. ٦ في (ب) و(ج) و(د): "بعضهم".. ٧ في (هـ): "أمر".. ٨ "الليل" بياض في (ب).. ٩ كلمة "قد" سقطت في (ج).. ١٠ "فأقام" سقطت في (هـ).. ١١ "فإنه من سب عمارا سبه الله ومن أبغض عمارا أبغضه الله" ساقط في (ج)، وبياض في (ب) و(د)، والحديث أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: ج٤، ص٩٠.. ١٢ "ومن لعن عمارا لعنه الله" بياض في (ب): "ومن لعن عمار"ساقط في (د) و(ج).. ١٣ في (ب) و(د): "والانتهاء عما نهى عنه" وفي (ج): "الانتهاء مما نهى عنه" وفي (هـ): "الانتهاء عما نهى الله عنه".. ١٤ في (هـ): "اتباع سنته".. ١٥ (أي) ساقطة في (ج) و(د) و(هـ)..

النساء 4:86

٨٦ قوله تعالى(١) :﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ : اختلف في المراد بالآية، فقيل : المراد بها تشميت العاطس، حكي ذلك عن مالك(٢)، وهو قول ضعيف ترده ألفاظ الآية. والذي ينبغي أن يظن بمالك أنه أراد قياس التشميت على رد السلام، وأن الآية في رد السلام لا في تشميت العاطس، كظاهر ما نسب إليه. وقيل : هو الذي عليه الجمهور : أن الآية في رد السلام ؛ لأن التحية المقصود بها السلام في كلام العرب، ألا ترى قول عبدة : عليك سلام الله قيس بن عاصم؍ ورحمته ما شاء أن يترحما؍ تحية من غادر ته غرض الردى؍ إذا زاد عن سخط(٣) ديار كسلما(٤) (٥)؍ وإذا قلنا : إن(٦) المراد بالآية السلام، فهل قوله تعالى :﴿وإذا حييتم بتحية﴾ عام في كل من سلم من مسلم وكافر، أو خاصة(٧) فيمن سلم على مؤمن ؟ اختلف في ذلك على قولين، أحدهما : أن الآية خاصة في المؤمنين فلا يجوز رد السلام على غير المؤمن، وإلى هذا ذهب عطاء. وذهب الجمهور إلى أن الآية عامة وأن السلام يرد على من سلم مؤمنا كان أو كافرا ؛ إلا أنهم اختلفوا في كيفية الرد على الكفار، فقال قوم بظاهر الآية ولم يفرّقوا في ذلك بينهم وبين المؤمنين. وقال بعضهم : يرد عليهم بأن يقال : عليك، وعن بعضهم : " السلام عليك " (٨)، ويجعله بعضهم اسما للموت، وبعضهم يريد السآمة. وعن بعضهم : عليك السلام بكسر السين. وعن بعضهم : علاك السلام. وإذا كانت الآية خاصة بالمؤمنين(٩) وقلنا(١٠) : لا يرد السلام على الكفار، بأن لا يبدؤوا بالسلام أحرى، وهو مذهب الجمهور، خلافا لمن أجاز ابتداءهم(١١) بالسلام. وإذا قلنا بالمنع، فإن سلمت عليه ناسيا فهل تستقبله السلام أم لا ؟ فيه(١٢) قولان. واختلف أيضا في أهل المعاصي هل يسلم عليهم أم يرد السلام إذا سلموا(١٣) فذهب مالك إلى أن(١٤) لا يسلم عليهم. وذهب غيره إلى إجازة السلام عليهم، ويحتج بعموم الآية وبغير ذلك. العلماء متفقون على أن الابتداء بالسلام سنة مندوب إليها. قال تعالى :﴿فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم﴾ [النور: ٦١]، أي بعضكم على بعض تحية من عند الله مباركة طيبة، والرد فريضة ؛ لقوله تعالى :﴿فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ فأمر بالرد، وأمره تعالى فيه على الوجوب. وكذلك تشميت العاطس، إلا أن في تشميت العاطس قولين، أحدهما : أنه واجب، والثاني : أنه مندوب إليه. ولم أر في(١٥) رد السلام خلافا. وإذا قلنا : إن رد السلام واجب، فهل ذلك على الأعيان أم على الكفاية ؟ فيه قولان : فذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى أنه على الكفاية، وكذلك التشميت عندهم، وذهب غيرهم : إلى أنه على الأعيان، وإن كل من سمع السلام فواجب عليه أن يرده(١٦). وكذلك التشميت عندهم، وكل طائفة تتناول الآية على مذهبها. ومما يقوي مذهب مالك ومن معه ما رواه مالك عن زيد بن أسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم " (١٧). وروى أبو داود عن علي مثله، وأنكر أبو يوسف حديث مالك لأنه مرسل. فقال الآخرون : المرسل أولى من الرأي المجرد، وقالوا : قد يكون من السنة ما ينوب عن الفرض كغسل الجمعة عن(١٨) غسل الجنابة، وغسل اليدين قبل الوضوء عن غسلهما مع الذراعين في الوضوء في قول عطاء. وكذلك رد الواحد يجزئ عن الجماعة. ومما يدل على وجوب التشميت قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة : " فإن عطس فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته " (١٩) وتأوله من ذهب إلى أنه مندوب إليه على أن ذلك(٢٠) حق في حسن الأدب وكرم الأخلاق، كما قال عليه الصلاة والسلام : " من حق الإبل أن تحلب على الماء " (٢١). واختلف في المصلي إذا سلم عليه هل يرد السلام(٢٢) أم لا ؟ فذهب سعيد بن المسيب وغيره إلى أنه يرد السلام لفظا. وقال أبو حنيفة : لا يرد السلام لفظا ولا إشارة(٢٣) بعضو من الأعضاء. وقال مالك(٢٤) : يرد إشارة بيده أو برأسه لا لفظا. وقال النخعي : يرده في نفسه. ومن حجة من لم يجز رده لفظا(٢٥) أنه كلام. ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ومن(٢٦) حجة من أجازه عموم قوله تعالى :﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ (٢٧)، فلم يخص صلاة من غيرها. واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى :﴿بأحسن منها أو ردوها﴾ على ثلاثة أقوال : فقال قوم : التحية(٢٨) أن يقول الرجل سلام عليك(٢٩). فيجب على الآخر أن يقول : عليك السلام ورحمة الله. فإن قال بادئ : " السلام عليك ورحمة الله ". قال الراد : عليك السلام ورحمة الله تعالى وبركاته. فإن قال البادئ : السلام عليك(٣٠) ورحمة الله وبركاته(٣١). فقد انتهى، ولم يبق للراد كيف يحيي بأحسن منها، فهاهنا يقع الرد المذكور في الآية. فالمعنى على هذا القول في الآية :﴿وإذا حييتم بتحية﴾ فإن نقص المسلم من النهاية، فحيوا بأحسن منها وأن انتهى فردوا. وعلى هذا القول ينتهي السلام إلى البركة كما جاء في الحديث ولا يجوز تجاوزها. وقال بعضهم : في الآية دليل على تجاوز البركة إذا انتهى المبتدئ بالسلام إليها. وقال قوم : معنى الآية دليل على تجاوز البركة إذا انتهى المبتدئ بالسلام إليها. وقال قوم : معنى الآية تخيير الراد فإذا قال البادئ : السلام عليك(٣٢) فللراد أن يقول : عليك السلام فقط. وهذا هو الرد. وله أن يقول : وعليك السلام ورحمة الله تعالى وبركاته(٣٣). وهذا هو التحية بأحسن. وقال قوم : المراد إذا حييتم بتحية، فإن كانت من مؤمن(٣٤) فحيوا بأحسن منها، وإن كانت من كافر فردوا ذلك، على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أن يقال : وعليك " (٣٥)، وإذا قلنا : إن المراد بالآية تشميت، أو(٣٦) قسناه على السلام، فإن التحية(٣٧) حينئذ هي العطاس مع حمد الله تعالى، فإن(٣٨) عريت من الحمد لم يشمت العاطس على ما تقدم في حديث أنس. وذكر بعضهم أنه إجماع من العلماء وإن كان(٣٩) قد جاء في حديث البراء : أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم بتشميت العاطس(٤٠)، فعم مع الحمد وغير الحمد(٤١)، والعام إذا عارضه الخاص فيه تنازع بين العلماء هل يسلك فيه(٤٢) مسلك البيان أو مسلك النسخ. وقد اختلف فيما يقرن إلى العطاس وحينئذ يكون تحية أو مقيسا على التحية، فقالت طائفة : يقول : " الحمد لله " على ما جاء في حديث أبي هريرة(٤٣) وقالت طائفة يقول : " الحمد لله رب العالمين ". وقالت طائفة(٤٤) : " الحمد لله على كل حال ". وذكره(٤٥) ابن عمر(٤٦) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الطبري : الصواب أن العاطس مخير في هذه المحامد، وذكر عن أم سلمة أن رجلا عطس عند النبي(٤٧) صلى الله عليه وسلم فحمد الله تعالى(٤٨)، فقال له : " يرحمك الله " ثم عطس ثانية(٤٩)، فقال : الحمد لله حمدا كثيرا طيبا(٥٠) مباركا فيه. فقال صلى الله عليه وسلم : " ارتفع هذا على هذا سبع عشرة درجة " (٥١). واختلفوا(٥٢) أيضا في كيفية رد المشمت، فقالت طائفة : يرحمك الله، يخصه بالدعاء على ما جاء في حديث أبي هريرة، وعلى ما جاء أيضا من أن الله تعالى قال لآدم عليه السلام(٥٣) حين عطس لما فرغ تعالى(٥٤) من خلقه، قال له : يرحمك الله(٥٥) ربك(٥٦). وقالت طائفة : يعم بالتشميت العاطس وغيره. وكان الحسن يقول : الحمد لله يرحمكم الله(٥٧). وقالت طائفة : يقول : يرحمنا الله وإياكم. وتشميت المشمت تحية أيضا، فينبغي أن يكون لها رد. واختلفوا(٥٨) أيضا في هذا الرد كيف يكون ؟ فقالت طائفة يقول(٥٩) " يهديكم الله ويصلح بالكم " على حديث أبي هريرة الواقع في البخاري(٦٠). وكان الشعبي(٦١) يقول : يهديكم الله. وأنكرت طائفة أن يقول : يهديكم الله ويصلح بالكم. واختارت يغفر الله لنا ولكم. وقال مالك والشافعي : إن شاء قال : يهديكم الله ويصلح بالكم، و إن شاء قال : يغفر الله لكم، لا بأس بذلك. وقال الطبري : لا وجه لمن أنكر يهديكم الله ويصلح بالكم(٦٢)، لأن الإخبار بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت من غيرها(٦٣). واحتج الطحاوي لقول مالك بقوله تعالى :﴿وإذا حييتم بتحية﴾ الآية. فقال : إذا قال جوابا لقوله : " يرحمكم الله "، " يغفر الله لكم " (٦٤) فقد رد مثل ما حياه به. وإذا قال : " يهديكم الله ويصلح بالكم "، فقد حياه بأحسن مما حياه ؛ لأن المغفرة إنما هي من الذنوب، والرحمة ترك العقاب عليها. ومن جعلت له الهداية وكان مهديا، كان بعيدا عن الذنوب(٦٥). ومن أصلح باله وهو حاله فحاله فوق حال المغفرة، فكان ذلك أولى. ١ في (ج): "قوله عز وجل".. ٢ في (ج): "مالك رحمه الله". ٣ في غير (ب) و(ج) و(د): "شخط".. ٤ البيتان من البحر الطويل.. ٥ الطويل. ٦ "أن" ساقطة في (ب) و(ج).. ٧ في (ج): "خاص"، وفي (هـ): "أو خاص".. ٨ في (ج): "عليك السلام".. ٩ في (د) و(ج): "في المؤمنين".. ١٠ "قلنا"سقطت في (هـ).. ١١ في (هـ): "يبدأوا". ١٢ "فيه" سقطت في (هـ).. ١٣ "إذا أسلموا" سقطت في (هـ).. ١٤ "إلى أن" ساقط في (ج).. ١٥ كلمة "ولم أر" سقطت في (ب) و(ج) و(د).. ١٦ في (هـ) و(ب) و(د): "يرد".. ١٧ انظر تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك للإمام جلال الدين عبد الرحمان السيوطي: كتاب الجامع، العمل في السلام، ج٣، ص١٣٢.. ١٨ في (ج) و(ب) و(د): "من".. ١٩ انظر صحيح مسلم: كتاب الزهد، باب٥٤، ص ٢٢٩٢ – ٢٢٩٣، وسنن الترمذي: كتاب الأدب، باب٣، ص ٨٢ – ٨٣، وسنن أبي داود: كتاب الزكاة، باب ٤٢، ص ٣١٤ – ٣١٥.. ٢٠ "ذلك" سقطت في (هـ).. ٢١ الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: كتاب الشرب المساقاة، باب١٦، ص ٨٠ –٨١، واللفظ له، وأخرجه النسائي: كتاب الزكاة، باب٦، ص٢٣ـ ٢٤.. ٢٢ في (هـ): "هل يرد عليه السلام؟". ٢٣ في (ج): "بإشارة".. ٢٤ في (ج): "مالك رحمه الله".. ٢٥ "لفظا" سقطت في (هـ).. ٢٦ "من" سقطت في (هـ).. ٢٧ "أو ردوها" سقطت في (هـ).. ٢٨ "التحية" سقطت في (ج).. ٢٩ في (ج): "السلام فيجب...".. ٣٠ في (ج): "عليكم".. ٣١ قوله: "فإن قال البادئ السلام عليك ورحمة الله وبركاته" ساقط في (ب) و(د).. ٣٢ "قال البادئ السلام عليك" سقطت في (ج).. ٣٣ في (هـ): "عليك السلام ورحمة الله والبركة".. ٣٤ "فإذا كانت من مؤمن" ساقطة في (ج).. ٣٥ في (ب) و(ج): "وعليكم"، فيما يخص الحديث انظر تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك: ج٣، ص١٣٢.. ٣٦ في (هـ): "و".. ٣٧ "فإن التحية" ساقط في (ب) و(د) و(ج).. ٣٨ في (ج) و(هـ): "وأن".. ٣٩ "كان" سقطت في (ج).. ٤٠ انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري: كتاب الجنائز، باب٢، ص١١٢، وكتاب النكاح، باب٧١، ص٢٤٠، وكتاب الأشربة، باب٢٨، ص٩٦.. ٤١ "وغير أحمد" سقطت في (هـ).. ٤٢ في (ب) و(ج): "منه".. ٤٣ في (ج): "في الحديث عن أبي هريرة" انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري: كتاب الأدب، باب ١٢٦، ص٦٠٨.. ٤٤ في (ج) و(د): "طائفة تقول".. ٤٥ في (هـ): "وذكر".. ٤٦ في (ب) و(د) و(ج): "عمر"، انظر سنن الترمذي أبواب الاستئذان والآداب، باب ٣٦، حديث رقم ٢٨٨٢.. ٤٧ في (هـ): "رسول الله".. ٤٨ "تعالى" كلمة سقطت في (هـ) و(ج).. ٤٩ في (هـ): "أخرى".. ٥٠ كلمة "طيبا" سقطت في (ج).. ٥١ انظر صحيح مسلم: كتاب الزهد، باب ٥٤، ص ٢٢٩٢، وسنن الترمذي كتاب الأدب، باب٣، ص ٨٢ – ٨٣، وسنن أبي داود: كتاب الأدب، باب٩٩، ص ٢٨٨ – ٢٩٩.. ٥٢ في (ب) و(ج): "واختلف".. ٥٣ كلمة "عليه السلام"سقطت في (ج).. ٥٤ في (هـ): "فرغ الله من خلقه".. ٥٥ كلمة "الله" سقطت في (هـ).. ٥٦ كلمة "ربك" سقطت في (ب) و(د) و(ج).. ٥٧ قوله: "وقالت طائفة يعم بالتشميت العاطس وغيره وكان الحسن يقول: الحمد لله يرحمكم الله" ساقط في (د).. ٥٨ "أيضا" ساقط في (ب) و(د).. ٥٩ "يقول" ساقط في (د) و(ج).. ٦٠ انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري: كتاب الأدب، باب١٢٦، ص٦٠٨.. ٦١ في (هـ): "الشافعي".. ٦٢ قوله: "إن شاء قال يغفر الله لكم... ويصلح بالكم" ساقط في (هـ).. ٦٣ في (ب) و(د) و(ج): "واختارت: يغفر لنا ولكم. وقال الطبري: لا وجه لمن أنكر يهديكم الله ويصلح بالكم، وقال مالك والشافعي: إن شاء قال: يهديكم الله ويصلح بالكم، وإن شاء قال: يغفر الله لكم ولا بأس بذلك أن الخبر بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أثبت من غيرا".. ٦٤ في (د): "يغفر الله لنا ولكم".. ٦٥ قوله: "والرحمة ترك... عن الذنوب" سقط في (هـ)..

النساء 4:90

٩٠ - قوله تعالى :﴿إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ (١) الآية، إلى قوله تعالى :﴿وما كان لمؤمن﴾ : معنى جملة الآية : خذوا الكافرين واقتلوهم حيث وجدتموهم إلا من دخل منهم في عداد(٢) من بينكم وبينهم ميثاق والتزم شهادتكم كرهط هلال بن عويمر الأسلمي، وشداد بن مالك بن جعشم، وخزيمة بن عامر ابن عبد مناف، أو(٣) من جاءكم وقد كره قتالكم وقتال قومه، وهذا بفضل الله ودفعه عنكم ؛ إذ لو شاء لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ولم يتاركوكم، فإن(٤) اعتزلوكم أي إذا وقع هذا فلم يقاتلوكم فلا سبيل لكم عليهم، وهذا كله الذي في سورة الممتحنة في قوله تعالى :﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم﴾ [الممتحنة: ٨]، منسوخ بما في سورة براءة، قاله ابن زيد وغيره. قال أبو الحسن : قال أبو عبيدة : " يصلون " ينتسبون. والانتساب يكون(٥) بالحلف وبالرحم وبالولاء، فجائز أن يدخل هؤلاء في عهد من انتسبوا إليه على حسب ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش من المواعدة، فدخلت خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ودخلت كنانة في عهد قريش ثم نسخت العهود ببراءة ؛ فالمنسوخ ذلك العهد فمتى دعت الإمام حاجة إلى مهادنة الكفار من غير جزية يؤدونها(٦)، فكل من انتسب إلى المعاهدين على مقتضى هذه الآية صار منهم، واشتمل الأمان عليهم. ثم إنه تعالى نبه بقوله :﴿ستجدون﴾ إلى آخر الآية ( ٩١ ) على قوم آخرين مخادعين يريدون الإقامة مع أهليهم في مواضعهم، فيقولون : نحن معكم على دينكم خديعة منهم(٧). واختلف في المشار إليهم بذلك من العرب، فقيل : أسد وغطفان لأنها كانت بهذه الصفة. وقيل : نعيم ابن مسعود الأشجعي، كان ينقل بين النبي صلى الله عليه وسلم(٨) وبين الكفار الأخبار. وقال قوم : كانوا يجيئون من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم رياء(٩) يظهرون الإسلام(١٠) ثم يرجعون إلى قريش فيكفرون(١١) فقصهم الله تعالى(١٢) وأخبر(١٣) أنهم على غير صفة من تقدم. ١ في (ب) و(ج): زيادة: "أو جاءكم حصرت صدورهم" الآية، وكلمة "الآية"سقطت في (هـ).. ٢ "عداد" بياض في (ب).. ٣ في (ب) و(ج) و(د): "أي".. ٤ في (ب) و(د) و(ج): "وأن".. ٥ "يكون" ساقط في (ب).. ٦ في (ج): "يردونها إليه".. ٧ في (هـ): "منكم وهم على دينكم خديعة منهم".. ٨ في (ج): "عليه السلام".. ٩ "رياء" ساقطة في (ب) و(د) و(ج).. ١٠ في (ب) و(ج): "يتظاهرون الإسلام".. ١١ "ويكفرون".. ١٢ كلمة "تعالى"ساقطة في (ج).. ١٣ "وأخبر"ساقطة في (ب)..

النساء 4:91

٩١ وقوله تعالى :/ ﴿إلى الفتنة﴾ : معناه إلى الاختبار، حكي أنهم كانوا يرجعون إلى قومهم، فيقال لأحدهم(١) : قل : ربي الخنفساء وربي العود(٢) وربي العقرب ونحوه(٣)، فيقولها. ومعنى :﴿أركسوا فيها﴾ (٤) ارجعوا إلى(٥) ضلالة أي أهلكوا(٦) في الاختبار بما أوقعوا(٧) من الكفر، فحض تعالى بهذه الآية على قتل هؤلاء المخادعين(٨) إذا لم يرجعوا عن حالهم إلى حال الآخرين المعتزلين الملقين السلم. ١ في (ب) و(د) و(ج): "فيقول أحدهم".. ٢ في (هـ): "ورب الدود".. ٣ في (ب) و(ج) و(د): "وغيره".. ٤ "فيها" ساقطة في (ب) و(ج) و(د).. ٥ في (أ): "رجعوا" والصواب ما أثبتناه.. ٦ في (د) و(هـ): "هلكوا".. ٧ في (د) و(هـ): "أوقعوا".. ٨ في (هـ): "الخادعين"..

النساء 4:92

٩٢ قوله تعالى :﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا﴾ إلى قوله :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾ (١) : اختلف(٢) في تأويل قوله :﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا﴾، فقيل(٣) : معناه : ما كان في إذن الله وأمره لمؤمن أن يقتل مؤمنا. وقيل : معناه(٤) : ما كان ذلك له(٥) في عهد الله تعالى(٦) وقيل : معناه ما كان له(٧) فيما سلف كما ليس له الآن. ويحتمل أن يقال : إن " كان " زائدة. واختلف(٨) في الاستثناء بقوله :﴿إلا خطئا﴾ هل هو منقطع أو متصل ؟ فذهب الأكثر إلى أنه استثناء منقطع ليس من جنس الأول ؛ وهو الذي تكون فيه " إلا " بمعنى : " لكن "، والتقدير(٩) : لكن الخطأ قد يقع. وهذا يرد قول(١٠) من لا يجيز الاستثناء المنقطع في الكلام، وبه يحتج من يجيزه. وذهب بعضهم إلى أن الاستثناء استثناء(١١) متصل، قال : وذلك بأن تقدر(١٢) " كان " بمعنى استقر ووجد، كأنه قال ما وجد ولا(١٣) استقر ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا، إلا خطأ ؛ إذ هو مغلوب فيه. وقيل : وجه اتصاله أن قوله تعالى :﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا﴾ اقتضى مأثم قاتله، لاقتضائه النهي عن ذلك. وقوله تعالى :﴿إلا خطئا﴾ رفع المأثم عن قاتله، فإنما دخل الاستثناء على ما تضمنه اللفظ الأول من المأثم على القتل مطلقا، فاستثنى من ذلك قتل الخطأ. وقال آخرون أيضا : هو استثناء صحيح، وجائز للمؤمن أن يقتل المؤمن خطأ في بعض الأحوال، وهو أن يرى عليه لباس المشركين والانحياز إليهم، فيظنه مشركا، فيقتله في هذا الوقت على هذا الوجه جائز، كما فعل بأبي حذيفة بن اليمان. وتقدير الآية على هذا : ولا يجوز لمؤمن(١٤) أن يقتل مؤمنا إلا إذا غلب على ظنه أنه مشرك، فعبر عن ذلك بالخطأ(١٥). واختلف فيمن نزلت الآية، فقيل : في عياش بن ربيعة المخزومي حين قتل الحارث بن يزيد ابن نبيشة ؛ وذلك أنه كان يعذبه بمكة، ثم لما(١٦) أسلم الحارث وجاء مهاجرا فلقيه عياش بن ربيعة بالحرة، فظنه باقيا(١٧) على الكفر فقتله. ثم جاء فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فشق ذلك عليه فنزلت الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قم(١٨) فحرر " (١٩) وقيل : نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، وكان يرعى غنما، فقتله وهو يتشهد، وساق غنمه فعنفه(٢٠) رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت(٢١) الآية. وقيل : نزلت(٢٢) في أبي حذيفة ابن اليمان قتل يوم(٢٣) أحد، وقيل غير هذا(٢٤). وقوله تعالى :﴿ومن قتل مؤمنا خطئا﴾ : في هذه الآية بيان ما(٢٥) على قاتل الخطأ من المؤمنين، والقتل عندنا عمدا وخطأ. واختلف قول مالك في نوع ثالث : وهو شبه العمد، فعنه فيه روايتان إحداهما : إثباته، وهو قول أبي حنيفة. والأخرى نفيه، ووجه هذه الرواية قوله تعالى :﴿ومن قتل مؤمنا خطئا﴾، فذكر الخطأ المحض، ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾ فذكر العمد المحض، ولم(٢٦) يذكر ثالثا. والخطأ المحض الذي لم يختلف فيه أنه خطأ مثل أن يرمي شيئا(٢٧) فيصيب(٢٨) به إنسانا فيقتله أو يقتل المسلم في معركة العدو وهو يظنه كافرا وما أشبهه، فهذا قتل خطأ لا يجب فيه قصاص وإنما تجب فيه الدية ؛ كما قال تعالى لأنه لم يتعمّد(٢٩) قتل مسلم ولا ضربه. واختلف إذا تعمد الضرب ولم يتعمد القتل، وكان ذلك على وجه اللعب فقيل : إن ذلك من الخطأ وهو قول ابن القاسم، وروايته عن مالك. وقيل : إن ذلك عمد وهو قول مطرف وابن الماجشون وروايتهما عن مالك. وقيل : إن معنى هذا القول أن يضربه على وجه اللعب دون أن يلاعبه صاحبه، وأن معنى هذا القول الأول(٣٠) : إذا لاعبه، فرجع القولان(٣١) إلى قول واحد والأظهر أنه خلاف وأن(٣٢) لا فرق بين أن يلاعبه وأن لا يلاعبه(٣٣)، إذا علم أنه لم يضربه إلا على وجه اللعب. والثالث : أن ذلك شبه العمد، فيه الدية مغلظة، وهو قول ابن وهب من أصحاب مالك. وقد قيل : إن(٣٤) التفرقة بين أن يلاعبه وبين أن لا يلاعبه قول رابع(٣٥) في المسألة، وكذلك إذا كان الضرب على وجه الأدب ممن يجوز له الأدب كالمؤدب ففيه ثلاثة الأقوال(٣٦) المذكورة. والأظهر في هذا كله أنه خطأ ؛ لأن حقيقة الخطأ في القتل عدم القصد إليه، وفي الأدب واللعب كما قدمنا عدم القصد إلى القتل. فوجب أن يكون خطأ. ولفظ الخطأ يعم ذلك كله. وقد قال تعالى :﴿ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة﴾ (٣٧) [النساء: ٩٢] الآية. وأما إن ضربه على وجه الحرج والدائرة ففيه روايتان، أحدهما : أنه عمد وهو عن مالك. والثانية : شبه العمد، حكى ذلك العراقيون عن مالك. والأظهر في هذا أنه عمد ؛ لأن عامد الضرب(٣٨) على هذا الوجه لا يبالي ما ترامت إليه ضرباته(٣٩). ففي مضمن(٤٠) ذلك إذ(٤١)/ القصد إلى النفس، وإن لم(٤٢) يتعمده، فذلك إذا عمدا(٤٣) ؛ لأن معنى العمد في القتل القصد إليه. والقصد إلى ما يفضي إليه قصد إليه، فهو إذا عمد. وحكمه ما نص الله تعالى عليه(٤٤) في الآية(٤٥) بعد هذه(٤٦). وأما قصد (٤٧) القتل، فهو عمد بلا خلاف، فالقتل إذا على ثلاثة أوجه، أحدها : أن لا يتعمد الضرب ولا القتل، فهو خطأ بلا خلاف(٤٨). والثاني : أن يتعمد القتل، فهو عمد بلا خلاف. والثالث : أن يتعمد الضرب ولا يتعمد القتل فيفضي إلى القتل(٤٩)، ففي هذا اختلف الناس(٥٠) والقول بشبه العمد في ذلك يرده ما قدمناه وإنما هو خطأ أو عمد، وليس هذا بموضع ذكره. وقوله تعالى :﴿فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾ : هذا لفظ يحتمل ثلاثة أوجه، أحدها : أن يكون تحرير الرقبة وتأدية الدية على غير القاتل. والثاني : أن يكون على القاتل(٥١). والثالث : أن يكون أحدهما على القاتل والآخر على غيره. والظاهر من محتملاته أن يكون على القاتل(٥٢)، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أبان(٥٣)، مراد الله تعالى في الآية، وأي وجه من وجوه محتملاتها قصد. وإن كان الأظهر من لفظها غير ذلك، فعرف أن الكفارة في مال قاتل الخطأ(٥٤) لا في مال غيره، وأن الدية على عاقلة القاتل. وأجمع الناس على ذلك، ولا شك أن إيجاب ذلك على العاقلة خلاف قياس الأصول في الغرامات وضمان المتلفات. ولم يجب ذلك في العاقلة تغليظا ولا لأن عليهم وزرا من قتل غيرهم ؛ ولكنها مواساة محضة. واعتقد أبو حنيفة أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل ديوان القاتل. وهذا بعيد، فإن نصرة الديوان غير لازمة. وإنما هي لاختيار من في الديوان، والأحسن ما عليه الجمهور في العاقلة. وقوله تعالى :﴿فتحرير رقبة﴾، يقتضي ابتداء عتقها من غير عقد حرية تقدمت فيها. ومن الناس من لم ير أنه يقتضي ذلك، والأول أظهر لهذا. واختلفوا(٥٥) في جواز عتق المدبر(٥٦) في الرقاب الواجبة، فلم يجزه مالك، وأجازه الشافعي(٥٧). واختلفوا أيضا في المكاتب في الرقاب الواجبة، فلم يجزه مالك(٥٨)، وأجازه غيره، وفرق قوم بين أن يكون أدى من كتابته شيئا أم لا ؟ فقالوا : إن لم يؤد شيئا جاز عتقه. وإن أدى لم يجزه عتقه(٥٩). واختلف أيضا في أم الولد، فلم يجزه الجمهور. وأجازه طاووس والنخعي والحسن، وأظهر الأقوال قول مالك ومن تابعه ؛ لأن أم الولد والمكاتب والمدبر قد ثبت لهم عقد حرية لا سبيل إلى دفعه(٦٠). والله تعالى إنما ألزم من عليه عتق واجبة أن يبتدئ عتقها من غير عقد حرية تقدمت فيها قبل عتقها. فقال(٦١) تعالى :﴿وتحرير رقبة﴾ ولم يقل : " بعض رقبة " (٦٢). واختلفوا أيضا في عتق المعتق إلى أجل فلم يجزه مالك وأجازه الشافعي. والحجة لمن أجازه في الرقاب الواجبة ما قدمناه. واختلفوا أيضا في عتق من يجب على الإنسان عتقه إذا ملكه، كالوالد والولد فلم يجزه(٦٣) الأكثر، وأجازه أصحاب الرأي ودليل القول الأول ما قدمناه. واختلفوا(٦٤) أيضا في عتق رقبة من قال فيها : " إن اشتريتها فهي(٦٥) حرة " والأظهر المنع من ذلك وهو مذهب مالك، وحجته ما قدمناه. واختلفوا(٦٦) أيضا إذا عتق(٦٧) عن رقبة واجبة عليه(٦٨) عبدا مشتركا بينه وبين أحد، فلم يجزه مالك في المشهور عنه، وهو قول أبي حنيفة وأجازه الشافعي ومالك على ما ذكره(٦٩) بعضهم عنه(٧٠) والأوزاعي إذا كان/ موسرا ولم يجوزه(٧١) إذا كان معسرا. وحجة المنع من ذلك أنه أعتق(٧٢) نصف عبد لا عبدا ؛ لأن الشريك مخير إن شاء قوم وإن شاء أعتق، والله تعالى إنما أمر بتحرير رقبة(٧٣)، وإن قوم عليه شريكه فقد تبعض العتق. والله تعالى إنما أمر بتحرير رقبة، ومفهوم ذلك إعتاقها بمرة(٧٤) لا أن يعتق بعضها ثم بعد ذلك باقيها. ولا يجزئ عند مالك ومن تابعه : إعتاق رقبة في الواجبات إلا أن تكون سليمة من جميع العيوب الفاحشة والتي تنقصها مما(٧٥) تحتاج إليه من العناء. وأجاز داود إعتاق المعيب جملة. وأجاز الشافعي عتق الأخرس والمجنون الذي يفيق أحيانا، وأجاز أكثرهم الأعرج. وأجاز أبو حنيفة أقطع أحد اليدين والرجلين، ولم يجز مالك(٧٦) شيئا من ذلك. والحجة لقوله : قوله(٧٧) تعالى :﴿فتحرير رقبة﴾ والإطلاق يقتضي كامله(٧٨). واختلف في ولد الزنا هل يجوز في الكفارة الواجبة أم لا ؟ فذهب الجمهور إلى جوازه. وقال عطاء والشافعي والنخعي : لا يجوز عتقه. والحجة لجواز عتقه قوله تعالى :﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾. وهذه الآية تقتضي إعتاق رقبة لم يتقدم فيها عقد حرية، سليمة البدن(٧٩)، وإذا كان ولد الزنا كذلك فعتقه(٨٠) جائز، وما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه : " ولد الزنا شر الثلاثة " (٨١) فللكلام عليه موضع غير هذا. وقوله تعالى :﴿مؤمنة﴾ : تقييد الرقبة بمؤمنة(٨٢) يقتضي أنه لا يجوز عتق غير المؤمنة في كفارة قتل الخطأ وهو إجماع. وإنما اختلفوا في العتق(٨٣) في كفارة اليمين وكفارة الظهار هل يجوز/ فيهما إعتاق غير المؤمنة أم لا ؟ لأن الله تعالى قد قال في تينك :﴿فتحرير رقبة﴾ مطلقا ولم يقيدها بمؤمنة كما فعل في كفارة القتل، فذهب قوم إلى أنه يجوز فيما عدا كفارة(٨٤) القتل إعتاق الرقبة غير المؤمنة ؛ لأن الله تعالى أطلق فيهما ولم يقيد بالإيمان. ومنع من ذلك آخرون، ولم يجيزوا إلا عتق(٨٥) المؤمنة استدلالا بقوله في كفارة القتل :﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾، فقيد الرقبة بالإيمان، قالوا : فواجب حمل كفارة اليمين وكفارة الظهار على كفارة القتل ؛ إذ(٨٦) كانتا في معناها(٨٧) ؛ لأن الكفارة تجمع ذلك. واحتجوا على ذلك بأن الله تعالى أمر بالإشهاد، فقال :﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولم يشرط العدالة. ثم قال في موضع آخر :﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، و ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلم يجز من الشهداء إلا العدل، فوجب حمل المطلق على المقيد وهذا الخلاف مبني على مسألة اختلف الأصوليون فيها، وهي(٨٨) حمل المطلق على المقيد إذا كانا من جنس واحد. والذي اعتمد عليه الشافعي في اشتراط الإيمان في كفارة الظهار حديث الأمة الخرساء ؛ لأنه لم ير حمل كفارة الظهار على كفارة القتل(٨٩). واختلف الذين ذهبوا إلى أنه لا يعتق إلا مؤمنة في عتق الكافر إذا كان ممن يجبر على الإسلام كالمجوسي الكبير أو الصغير. فقال مالك : غيره أحب إلي وإن لم يجد غيره أجزأه. وقال ابن وهب وأشهب : لا يجزيه واستظهر بحديث السوداء. واختلف في الكتابي الصغير، فقال ابن القاسم : يجزئه. وعلى قول ابن وهب ١ ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله﴾ سقطت في (هـ).. ٢ في (ب) و(ج) و(د): "اختلفوا".. ٣ في (هـ): "تأويله فقيل".. ٤ قوله: "معناه ما كان في إذن الله وقيل معناه" ساقط في (هـ).. ٥ "له" ساقطة في (ج) و(د)، وفي (هـ): "له ذلك".. ٦ كلمة "تعالى" سقطت في (ج) و(هـ).. ٧ في (هـ): "وقيل ذلك له".. ٨ في (ج) و(د): "واختلفوا".. ٩ في (هـ): "ويكون التقدير".. ١٠ في (ج): "وهذا قول يرد".. ١١ "استثناء" ساقطة في (ج) و(د) و(هـ).. ١٢ "بأن تقدر" سقطت في (ب).. ١٣ في (ج): "وما".. ١٤ في (ج): "ما" وفي (ب): "لمسلم" وفي (د): "وما يجوز لمسلم".. ١٥ في (ج) و(د): "فعبر بالخطأ عن ذلك".. ١٦ كلمة "لما" سقطت في (هـ).. ١٧ "باقيا" سقطت في (هـ).. ١٨ قوله: "فشق ذلك عليه فنزلت الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" قم ساقط في (ج).. ١٩ انظر سنن أبي داود: كتاب الطلاق، باب ١٧، ص ٦٦٠ – ٦٦٢.. ٢٠ في (ج) و(د): "عقبه".. ٢١ في (ج): "فنزلت".. ٢٢ كلمة "نزلت" ساقطة في (ج) و(د).. ٢٣ في (ب) و(ج): "حين قتل".. ٢٤ في (ب) و(د): "غير ذلك".. ٢٥ "ما" ساقطة في (ب) و(د) و(ج).. ٢٦ قوله: "ومن يقتل مؤمنا متعمدا فذكر العمد المحض" سقطت في (هـ) وأما في (ب) و(د) و(ج) فقد سقطت من قوله: "ومن يقتل مؤمنا..." إلى قوه: "... والخطأ المحض".. ٢٧ في (هـ): "الشيء".. ٢٨ في (ب) "فيرمي" وفي (د) و(ج): "أن يرمي الشيء فيرمي".. ٢٩ لعله "لم يتعمد".. ٣٠ "الأول" ساقط في (ب) و(ج) و(د).. ٣١ في (ج): "فيرجع القولين".. ٣٢ في (هـ): "وأنه". ٣٣ في (ب) و(ج) و(د): "أو لا يلاعبه".. ٣٤ "أن" ساقطة في (ب) و(د).. ٣٥ في (أ) و(ب) و(هـ): "وابع"وهذه الكلمة غامضة في (و).. ٣٦ في (ب) و(ج) و(هـ): "الثلاثة الأقوال".. ٣٧ "مؤمنة" سقطت في (هـ).. ٣٨ في (أ) و(و): "عامد الضر ب".. ٣٩ "ضرباته" ساقط في (د) وفي (هـ): "ضربته".. ٤٠ في (ب) و(هـ) و(د): "فمن".. ٤١ "إذا" ساقط في (ج).. ٤٢ "لم" سقطت في (ج).. ٤٣ في (ب): "فذلك أنه عمد".. ٤٤ "عليه" ساقط في (ب) و(ج).. ٤٥ في (هـ): "في كتابه".. ٤٦ في (هـ): "هذا".. ٤٧ في (د): "إن قصد".. ٤٨ في (هـ) سقطت كلمة: "بلا خلاف".. ٤٩ في (هـ): "فيقضي".. ٥٠ في (ب): "اختلاف الناس".. ٥١ "والثاني أن يكون على القاتل" سقطت في (هـ).. ٥٢ "والثالث أن يكون أحدهما على القاتل والآخر على غيره، والأظهر من محتملاته أن يكون على القاتل" ساقط في (ب).. ٥٣ في (ب) و(هـ): "بين" وفي (ج): "بأن".. ٥٤ "الخطأ" ساقط في (ب).. ٥٥ في (ج) و(د): "ولهذا اختلفوا".. ٥٦ في (ب): "المدين".. ٥٧ في (ج): "الشافعي رحمه الله تعالى".. ٥٨ "فلم يجز مالك رحمه الله".. ٥٩ "عتقه" سقطت في (هـ).. ٦٠ في (ج) و(هـ): "رفعه".. ٦١ في (ب) و(د) و(ج): "قال".. ٦٢ "ولم يقل بعض رقبة" سقطت في (هـ).. ٦٣ في (ب) و(ج) و(د): "فلم يجزه مالك".. ٦٤ ف (ج): "اختلف".. ٦٥ قوله: "واختلفوا أيضا في عتق من يجب على الإنسان..." إلى قوله: "وحجته ما قدمناه" كله ساقط في (هـ).. ٦٦ في (هـ): "واختلف".. ٦٧ في (هـ) و(ج): "عتق".. ٦٨ "عليه" سقطت في (ج).. ٦٩ في (ج): "ذكر".. ٧٠ كلمة "عنه" ساقطة في (د) و(ج).. ٧١ في (ج): "لم يجوزوه" وفي (هـ): "لم يجيزوه".. ٧٢ في (ج): "عتق".. ٧٣ في (ب) و(ج) و(د): "والله تعالى قال: ﴿فتحرير رقبة﴾".. ٧٤ كلمة "بمرة" بياض في (ب).. ٧٥ في (هـ): "ما".. ٧٦ في (ج): "مالك رحمه الله".. ٧٧ في (د): "وحجته قوله" وكلمة "قوله" سقطت في (ج)، وفي (هـ): "والحجة له قوله".. ٧٨ في (ب) و(ج): "رقبة كاملة".. ٧٩ قوله: "في الكفارة الواجبة أم لا؟ فذهب الجمهور.. سليمة البدن" سقطت في (هـ).. ٨٠ كلمة "فعتقه" بياض في (ب)، وفي (ج): "متفقه".. ٨١ انظر سنن أبي داود: كتاب العتق، باب١٢، ص ٢٧١ – ٢٧٢، واللفظ له.. ٨٢ كلمة "بمؤمنة" سقطت في (هـ).. ٨٣ قوله: "يقتضي أنه لا يجوز... وإنما اختلفوا في العتق"ساقط في (هـ).. ٨٤ في (ب) و(ب) و(ج): "كفارة" والكلمة غامضة في (و).. ٨٥ قوله: "غير المؤمنة... ولم يجيزوا إلا عتق" ساقط في (هـ).. ٨٦ في (ج): "أن".. ٨٧ في (هـ): "معناهما".. ٨٨ في (ب) و(د) و(ج): "وهو".. ٨٩ في (د): "لأنه حمل كفار ة الظهار على كفارة القتل"..

النساء 4:93

قوله تعالى :﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم﴾ الآية : هذه الآية مع قوله تعالى في سورة الفرقان :﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما٦٨ يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا٦٩ إلا من تاب وآمن﴾ (١) [ الفرقان : ٦٨ – ٧٠ ]. تنازع الناس في تأويلها على حسب اختلاف مذاهبهم(٢) في قبول التوبة من القاتل وإنفاذ الوعيد عليه(٣)، فمن رأى أنه لا توبة له، وأن الوعيد لاحق به ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وزيد ابن ثابت وغيرهم، وإلى هذا ذهب مالك ؛ لأنه روي(٤) عنه أن إمامة القاتل لا تجوز وإن تاب. وممن روي عنه قبول توبته وأنه في المشيئة ابن عباس وأبو هريرة وزيد ابن ثابت وغيرهم. والذين ذهبوا إلى المذهب الأول(٥) اختلفوا في تأويل الآيتين المتقدمتين(٦) الذكر الواردتين في قاتل(٧) النفس التي حرم الله تعالى(٨)، فمنهم من ذهب إلى أن آية النساء ناسخة لآية الفرقان ؛ لأن " النساء " مدنية " والفرقان " مكية. وروي أن الفرقان نزلت قبل " النساء " بستة أشهر، والقول بالنسخ هنا يضعف، ومنهم من ذهب إلى أن الآيتين محكمتان(٩) وأن آية " الفرقان " نزلت في المشركين، وآية " النساء " في المؤمنين. وأكثر الذاهبين إلى هذا القول يرون الخلود المذكور في الآية غير مؤبد ؛ لأنه لا يخلد في النار إلا الكافر. وبعضهم يرى أنه مخلد في النار على ظاهر الآية، وهؤلاء الذين(١٠) لا يرون قبول توبته القاتل يرون هذه الآية مخصصة عموم قوله تعالى :﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ١١٦]. وقد روي عن زيد أن هذه الآية :﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾ أنزلت قوله :﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ (١١) ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ بأربعة أشهر. والذين ذهبوا المذهب الثاني في(١٢) قبول التوبة كما قدمنا اختلفوا في تأويل الآيتين المذكورتين أيضا، فمنهم من قال : إن اللينة(١٣) نسخت الشديدة(١٤)، يعني أن آية " الفرقان " نسخت آية " النساء "، والقول بالنسخ كما قدمنا ضعيف ومنهم من قال : هما محكمتان واردتان في الكفار. واستدل على ذلك(١٥) بما فيهما من ذكر الخلود في النار الذي هو من صفة عذاب الكفار. ومنهم من قال : هما محكمتان إلا أن آية " الفرقان " وردت في الكفار، وآية " النساء " وردت في المسلمين إلا أن معناها أن ذلك جزاؤه إن جازاه الله تعالى، بدليل قوله تعالى :﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، ومنهم من قال : هما محكمتان إلا أن معنى آية " النساء " فيمن قتل مؤمنا متعمدا مستحلا(١٦) لقتله ؛ لأنه إذا فعل ذلك كافر(١٧) بإجماع. وكذلك كل من أحل حراما أو حرم حلالا على سبيل الاعتقاد. وقيل : إن الآية : نزلت في رجل أسلم(١٨) بعينه ثم ارتد وقتل مؤمنا. وقيل :(١٩) نزلت في رجل من الأنصار قتل له ولي فقبل الدية، ثم وقب على قاتل وليه فقتله وارتد، قاله ابن جريج وغيره. وقال بعضهم : نزلت في شأن مقيس ابن صبابة حين قتل أخاه هشام بن صبابة(٢٠) رجل من الأنصار فأخذ له رسول الله صلى الله عليه وسلم الدية ثم بعثه مع رجل من فهر بعد ذلك في أمر(٢١) فعمد إليه(٢٢) مقيس فقتله ورجع إلى مكة مرتدا، وجعل ينشد : قتلت به فهرا وحملت عقله؍ سراة بني النجار أرباب فارع(٢٣)؍ حللت به وتري وأدركت ثورتي(٢٤)؍ وكنت إلى الأوثان أول راجع؍ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا أومنه في حل ولا حرام " (٢٥)، وأمر بقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة(٢٦) وهو متعلق بأستار(٢٧) الكعبة(٢٨). ١ في (ب) و(ج): زيادة: "وعمل عملا صالحا"، وفي (د) زيادة: "وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما".. ٢ "مذاهبهم" سقطت في (هـ).. ٣ "عليه" سقطت في (ج) و(د).. ٤ في (ب) و(د): "وروى عنه".. ٥ "الأول" ساقط في (ج) و(د).. ٦ في (هـ): "المتقدمين" مع سقوط "الذكر الواردتين".. ٧ في (هـ): "قتل".. ٨ كلمة "تعالى" سقطت في (هـ).. ٩ في غير (هـ): "محكمتين".. ١٠ كلمة "الذين" سقطت في (هـ).. ١١ كلمة "به" سقطت في (ب).. ١٢ "في" ساقطة في (ج).. ١٣ في (ج): "البينة".. ١٤ في (ب): "الهينة".. ١٥ في (ب): "واستدل مالك بما فيهما...".. ١٦ في (د): "مستحقا".. ١٧ في (هـ): "كان كافرا".. ١٨ في (د): "رجل من أسلم".. ١٩ قوله: "نزلت في ر جل... وقيل" سقط في (هـ).. ٢٠ قوله: "حين قتل أخاه هشام ابن صبابة" سقط في (هـ).. ٢١ في (د): "في أمرها".. ٢٢ في (ب) و(د): "فعدا عليه".. ٢٣ في جميع النسخ "باقع"، والصواب ما أثبتناه. ومعنى: "فارع" حصن بالمدينة، يقال: إنه حصن حسان بن ثابت. انظر لسان العرب: ج٢، ص١٠٨٣. وقال الشيخ ابن عاشور في الهامش: "فارع: اسم حصن في المدينة لبني النجار" انظر: التحرير والتنوير: ج٥، ص ١٦٤.. ٢٤ ورد في لسان العرب: "وأدركت ثأري واضطجعت موسدا"، ج٢، ص١٠٨٣.. ٢٥ الحديث لم نعثر عليه.. ٢٦ قوله: "يوم فتح مكة" سقط في (هـ).. ٢٧ كلمة "أستار" سقطت في كل من: (أ) و(ج) و(د) و(هـ).. ٢٨ في (هـ): "بالكعبة"..

النساء 4:94

٩٤ قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾ (١) إلى قوله :﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ (٢) الآية : سببها أن بعض سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوا رجلا له حمل ومتاع، وقيل : غنيمة، فسلم على القوم وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت(٣) الآية. واختلف المفسرون في القاتل والمقتول من هما، فقيل : القاتل أسامة ابن زيد(٤)، والمقتول مرداس(٥) بن نهيك الغطفاني(٦). وقيل : القاتل غالب الليث، والمقتول مرداس. وقيل : هو فليت، وقيل : القاتل محلم(٧) ابن جثامة والمقتول عامر بن الأضبط. وقيل : القاتل أبو قتادة. وقيل : القاتل أبو الدرداء. وفي الخبر أن(٨) الذي قتله لما(٩) دفن لفظته(١٠) الأرض ثلاث مرات، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فألقي في غار، وقال : " إن الأرض تقبل من هو شر منه " (١١). قال بعضهم : ولا خلا ف أن الذي لفظته الأرض حين مات محلم ابن جثامة. وقوله تعالى :﴿السلم﴾، معناه : الاستسلام، أي ألقى بيده(١٢) لكم وأظهر دعوتكم، فعلى ما ذكرناه من تفسير هذه الآية إذا أسلم الكافر وقد قدر عليه أو لم يقدر عليه فقد عصم دمه، بخلاف المحارب. ولا أذكر في ذلك خلافا ؛ إلا أن أهل العلم(١٣) اختلفوا فيما يكون(١٤) به مسلما له ما للمسلمين، فذهب قوم إلى أن من قال : " لا إله إلا الله فقد صار بها(١٥) مسلما " واحتجوا بحديث أبي هريرة : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال ذلك فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله ". وخالفهم آخرون وقالوا : لا يكون مسلما حتى يقول : " لا إله إلا الله محمدا رسول الله "، قالوا : ولا حجة في حديث أبي هريرة ؛ لأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يقاتل قوما لا يوحدون الله تعالى فكان أحدهم إذا وحد الله تعالى علم بذلك تركه لما قوتل عليه، وإن كان لا يعلم دخوله في الإسلام، واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام(١٦) حين قال علي رضي الله عنه : " على ما(١٧) أقاتلهم " ؟ قال(١٨) : " حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " (١٩)، قالوا : وقد روى الحديث الذي يحتج به الأولون : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " (٢٠). وقد أباح الله تعالى قتالهم، وإن شهدوا أن لا إله إلا الله حتى يشهدوا أن محمدا رسول الله، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد فيأتي على قول الفريقين في الوثني إذا قال : لا إله إلا الله أنه مسلم على ما قدمنا، وإنما خلافهم في الكتابي، فإلقاء السلم من الوثني عندهم " لا إله إلا الله ". وإلقاؤه من الكتابي مختلف/ فيه، فمنهم من يقول : لا إله إلا الله إلقاء سلم منه، ومنهم من يقول : إلقاء السلم منه : " لا إله إلا الله محمد رسول الله "، وعندي أنه سواء في الوثني والكتابي، وأن الوثني ينبغي أن لا يقبل منه إلا لا إله إلا الله محمد رسول الله ؛ لأنه قد يقول : لا إله إلا الله، وإن كان دالا على ترك ما هو فيه ولا يدخل به في(٢١) الإسلام، بل لعله يدخل بذلك في دين اليهود والنصارى، أو لا يلزم دينا، وإنما أمرنا بالمقاتلة حتى يدخلوا(٢٢) في ديننا ولسنا نعرف بذلك دخولهم في ديننا، وإنما نعرفه باجتماع الكلمتين، فهو عندي إلقاء السلم من الوثني والكتابي. وقال أبو الحسن : مقتضى قوله تعالى :﴿لمن ألقى إليكم السلم﴾ أن من قال : " لا إله إلا الله محمد رسول الله " (٢٣)، أو قال : " إني مسلم " يحكم(٢٤) له بحكم الإسلام ؛ لأن قوله تعالى :﴿لمن ألقى إليكم السلم﴾ إنما معناه : لمن استسلم فأظهر(٢٥) الانقياد لما دعي إليه من الإسلام، وقد قرئ " السلام " فهو إظهار(٢٦) تحية الإسلام ممن استسلم، فلا جرم. قال علماؤنا : إنما يحكم له بالإسلام(٢٧) إذا أظهر ما ينافي سائر اعتقاد. فإذا قال اليهودي أو النصراني أنا مسلم لم يصر مسلما ؛ لأنهم كلهم يقولون نحن مسلمون ولو قاله(٢٨) المشركون حكم بإسلامهم ؛ لأنهم لا يقولون نحن مسلمون وكذلك قوله : لا إله إلا الله، لا يقوله المشركون. قال الله تعالى(٢٩) فيهم :﴿وإذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون﴾ [الصافات: ٣٥]، واليهود والنصارى يوافقون على هذه الكلمة وإنما يخالفون في نبوة سيدنا محمد(٣٠) صلى الله عليه وسلم، فمتى أظهر مظهر الإيمان بسيدنا محمد(٣١) صلى الله عليه وسلم فهو مسلم(٣٢)، حتى قال قائلون من أصحابنا، وأنه هو قول : محمد(٣٣) رسول الله، فلا يحكم بإسلامه لإمكان أن يكون من العيسوية(٣٤)، حتى يقول : " محمد رسول الله " إلى الكافة، ولا يكون مسلما بذلك أيضا لأن منهم من يقول : محمد رسول الله من الكافة من الناس، ولكنه لم يبعث وسيبعث. وإذا تبين ذلك فما(٣٥) لم يقل : أنا بريء من اليهودية والنصرانية لا يصير مسلما، ويحتمل أن يكون قراءة من قرأ : السلام أن يكون السلام بمعنى المسالمة والاعتزال. قال أبو الحسن : وظاهر هذه الآية مما احتج به في قبول توبة الزنديق وغيره(٣٦) ممن أظهر الاستسلام ؛ لأن الله تعالى(٣٧) لم يفرق بين الزنديق وغيره ممن أظهر الاستسلام(٣٨). وأما على ما قاله علماؤنا من الشروط المعتبرة في إسلام الكفار، فلا تقبل توبة الزنديق(٣٩) لأنا لا نعرف في حقه علما يظهر به خلاف اعتقاده، لأن دينه الذي يعتقده أن يدخل مع كل قوم فيما يهدونه، فكان كاليهودي إذا قال : لا إله إلا الله، وهذا تدقيق(٤٠) حسن. ولم يذكر الله تعالى فيما(٤١) فعلت هذه السرية من قتل الرجل الذي قال : " لا إله إلا الله محمد رسول الله "، قصاصا ولا عقلا. فيحتمل أن يكون أسقط ذلك عمن فعله ؛ لأنه متأول. وذلك حجة في إسقاط العقل على أحد الطريقتين عندنا في خطأ الإمام، ومن أذن له في شيء فأتلفه غلطا كالأجير والخازن(٤٢). وقد جاء في صاحب الغنيمة الذي قتل(٤٣) بعد أن قال لا إله إلا الله/، وأخذت غنيمته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل ديته إلى أهله وصرف عليهم(٤٤) غنيمته. وقوله تعالى :﴿إذا ضربتم في سبيل الله﴾ : يريد إذا خرجتم للغزو فتبينوا، وقرئ فتثبتوا. وقد اختلف في الدعوة قبل القتال هل يؤمر بها أم لا ؟ على ثلاثة أقوال، فقيل : يؤمر بها على الإطلاق. وقيل : لا يؤمر بها، وقيل : يؤمر بها(٤٥) إذا قوتل من لا يعلم ما يدعو(٤٦) إليه وتسقط في قتال من يعلم، وفي الآية حجة لمن يرى الدعوة في قوله تعالى :﴿فتبينوا﴾، والتبيين وإن كان غير الدعوة فالدعوة في مضمنه لأنه إذا بحث عنه هل هو مسلم أم لا لعله يسلم أو هل هو طاعة أم لا(٤٧) ؟ لعله يدخل(٤٨) في الطاعة ويرضى بالجزية. وتبين الشيء إنما هو معرفة حاله، ولا معنى للدعوة إلا تبين(٤٩) حال المدعوين على ما ثبت ؟ وقال بعض الناس : إن هذه المسألة مبنية على أن العقل ما خلا من سمع أو يجوز أن يكون خلا منه(٥٠) وهي مسألة خلاف بين الأصوليين. واحتج(٥١) من يقول : إنه ما خلا من سمع بقوله تعالى :﴿تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير٨ قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير٩﴾ [الملك: ٨، ٩] وبقوله تعالى :﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [الإسراء: ١٥]، ومن ينكر القول بالعموم لا يسلم هذا الاستدلال، وهذا البناء الذي بناه به الأصوليين بعيد ؛ لأن قصارى ما فيه أنه ليس في الأرض أمة إلا وقد بلغها دعوة رسول ما، وقد يكون عند هؤلاء في الأرض قوم لم يعلموا ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ونبوته، ويظنون(٥٢) أنه طالب ملك فتجب دعوتهم(٥٣). وقد اختلف الناس فيمن قاتل ولم يؤمر بقتاله إلا بعد دعوته فقتله فهل عليه ديته(٥٤) أم لا ؟ فمذهب مالك وأبي حنيفة أن لا دية عليه. ومذهب الشافعي : الدية عليه(٥٥). والحجة لمالك أن الله تعالى قد أمر بالتبين ولا معنى للدعوة عند التبيين، ولم يوجب على من قتل دون التبيين شيئا ولم يرد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، فوجب التوقف عن ذلك. قوله تعالى :﴿كذلك كنتم من قبل﴾ : اختلف في تأويله، فقيل : المعنى كذلك كنتم مستخفين من قومكم بإسلامكم خائفين منهم، فمن الله تعالى بإعزازه وإظهار دينكم. وقيل : المعنى كنتم كفارا(٥٦) من قبل، فمن الله عليكم بأن أسلمتم. وقيل : يحتمل أن يكون الإشارة بذلك إلى القتل قبل التثبت، أي على هذه الحال كنتم في جهالة لا تتثبتون. ١ كلمة "فتبينوا" سقطت في (ج).. ٢ كلمة "في الأرض" سقطت في (ب).. ٣ في غير (هـ): "ونزلت".. ٤ في (ج): "إني أسامة ابن زيد".. ٥ في (ج): "مرصاد".. ٦ "الغطفاني" سقطت في (هـ).. ٧ في (هـ): "محيلم".. ٨ "أن" سقطت في (ج) و(د).. ٩ "لما" سقطت في (ج) و(ب) و(أ) و(د) و(هـ).. ١٠ في (هـ): "فلفظته".. ١١ حديث:. ١٢ في (ب) و(ج) و(د): "أي معنى بيده" وفي (هـ): "معناه الاستسلام، معناه: الانقياذ".. ١٣ في (أ): "أهل الحكم".. ١٤ في (ب) و(ج) و(د): "في متى يكون".. ١٥ في (هـ): "به فمن قال لا إله إلا الله فقد صار به".. ١٦ في (هـ): "صلى الله عليه وسلم".. ١٧ سقطت "على ما" في (ب) و(ج) و(د) وفي (أ) و(هـ): "على ما" والصواب ما أثبتناه.. ١٨ كلمة "قال" سقطت في (ب) و(ج) و(د).. ١٩ انظر صحيح البخاري: كتاب الصلاة، باب ٢٨، ص ١٠٢ – ١٠٣، وكتاب الزكاة: باب١، ص ١١٠، وكتاب الاعتصام بالسنة: باب٢، ص ١٤٠، وباب ٢٨، ص ١٦٢، وصحيح مسلم: كتاب الأيمان، باب٨، ص ٥٢ – ٥٨، وسنن النسائي: كتاب الزكاة، باب٣، ص ١٤، وسنن ابن ماجه: كتاب الفتن، باب١، ص ١٢٩٥.. ٢٠ قوله: "قالوا: وقد روي الحديث الذي يحتج به... وأن محمدا رسول الله" ساقط في (ب) و (ج) و(د)، والحديث أخرجه إمام البخاري في صحيحه كتاب الصلاة، باب٢٨، ص ١٠٢ – ١٠٣، والإمام مسلم في صحيحه: كتاب الأيمان، باب٨، ص ٥١ – ٥٢.. ٢١ "في" سقطت في (ب) و(د).. ٢٢ في (هـ): "يدخل". ٢٣ "أو قال"سقطت في (هـ).. ٢٤ في (ج): "أنه يحكم له".. ٢٥ في (هـ): "فألقى الانقياد".. ٢٦ قوله: "لأن قوله تعالى: "لمن ألقى إليكم السلم" إنما معناه لمن استسلم فأظهر الانقياد لما دعي إليه من الإسلام وقد قرئ السلام فهو إظهار" ساقط في (ب) و(ج) و(د).. ٢٧ قوله: "تحية الإسلام ممن استسلم فلا جرم، قال علماؤنا: إنما يحكم له بالإسلام" ساقط في (ب) و(ج) و(د).. ٢٨ في (ب): "قال".. ٢٩ في (هـ): "قال تعالى".. ٣٠ في (هـ): "بنبوة محمد...".. ٣١ كلمة "سيدنا"ساقطة في (هـ).. ٣٢ "فهو مسلم" سقطت في (هـ).. ٣٣ في (ب) و(د): "وأن محمد...".. ٣٤ في (ب) و(ج) و(د): "من الميسر به".. ٣٥ في (هـ): "فمن".. ٣٦ في (ج) و(د): "الزنديق ممن".. ٣٧ كلمة "لأن الله تعالى" ساقطة في (أ) و(هـ).. ٣٨ قوله: "لأن الله تعالى لم يفرق... أظهر الاستسلام" سقط في (أ) و(هـ).. ٣٩ في (هـ): "... توبة الزنديق وغيره ممن أظهر الاستسلام".. ٤٠ في (أ) و (ج) و(د): "دقيق".. ٤١ في (هـ): "ما فعلت".. ٤٢ في (ج) و(د): "الصاحب".. ٤٣ في (أ) و(ج) و(د): "وقد جاء في حديث صاحب الغنيمة" وفي (هـ): "وقد جاء في حديث الذي قتل".. ٤٤ في (د): "وعليه".. ٤٥ قوله: "وقيل: يؤمر بها" ساقط في (ج).. ٤٦ في (هـ): "يدعى".. ٤٧ "أو هل هو طاعة أم لا" سقطت في (هـ) و(ج).. ٤٨ "لعله يدخل" ساقط في (ج).. ٤٩ في (ج): "إذا تبين".. ٥٠ "منه" ساقط في (ج).. ٥١ في (ج) و(هـ): "وقد احتج".. ٥٢ في (ب) و(د) و(ج): "ويظهر".. ٥٣ في (د): "دعوته".. ٥٤ في (هـ): "دية".. ٥٥ في (هـ): "ومذهب الشافعي أن عليه الدية".. ٥٦ من قوله: "فمن الله تعالى..." على قوله: "من قبل" ساقط في (هـ)..