أحكام القرآن — التوبة 9:122 – الإسراء 17:110
المحتويات
- التوبة 9:122
- التوبة 9:123
- يونس 10:15
- يونس 10:59
- يونس 10:88
- يونس 10:89
- هود 11:15
- هود 11:16
- هود 11:34
- هود 11:37
- هود 11:38
- هود 11:45
- هود 11:46
- هود 11:61
- هود 11:69
- هود 11:72
- هود 11:73
- هود 11:87
- هود 11:113
- هود 11:117
- هود 11:118
- هود 11:119
- يوسف 12:4
- يوسف 12:5
- يوسف 12:6
- يوسف 12:8
- يوسف 12:9
- يوسف 12:10
- يوسف 12:11
- يوسف 12:12
- يوسف 12:13
- يوسف 12:15
- يوسف 12:16
- يوسف 12:17
- يوسف 12:18
- يوسف 12:19
- يوسف 12:20
- يوسف 12:21
- يوسف 12:22
- يوسف 12:24
- يوسف 12:26
- يوسف 12:36
- يوسف 12:37
- يوسف 12:42
- يوسف 12:44
- يوسف 12:50
- يوسف 12:52
- يوسف 12:53
- يوسف 12:54
- يوسف 12:55
- يوسف 12:59
- يوسف 12:60
- يوسف 12:67
- يوسف 12:70
- يوسف 12:75
- يوسف 12:81
- يوسف 12:88
- يوسف 12:89
- يوسف 12:100
- يوسف 12:105
- يوسف 12:106
- يوسف 12:108
- يوسف 12:109
- يوسف 12:110
- الرعد 13:4
- الرعد 13:7
- الرعد 13:8
- إبراهيم 14:25
- النحل 16:5
- النحل 16:8
- النحل 16:14
- النحل 16:66
- النحل 16:67
- النحل 16:69
- النحل 16:71
- النحل 16:72
- النحل 16:75
- النحل 16:76
- النحل 16:80
- النحل 16:89
- النحل 16:90
- النحل 16:91
- النحل 16:92
- النحل 16:98
- النحل 16:106
- النحل 16:126
- الإسراء 17:1
- الإسراء 17:7
- الإسراء 17:12
- الإسراء 17:13
- الإسراء 17:15
- الإسراء 17:16
- الإسراء 17:17
- الإسراء 17:18
- الإسراء 17:19
- الإسراء 17:20
- الإسراء 17:23
- الإسراء 17:24
- الإسراء 17:25
- الإسراء 17:26
- الإسراء 17:27
- الإسراء 17:28
- الإسراء 17:29
- الإسراء 17:31
- الإسراء 17:32
- الإسراء 17:33
- الإسراء 17:34
- الإسراء 17:35
- الإسراء 17:36
- الإسراء 17:45
- الإسراء 17:46
- الإسراء 17:52
- الإسراء 17:60
- الإسراء 17:64
- الإسراء 17:70
- الإسراء 17:71
- الإسراء 17:72
- الإسراء 17:78
- الإسراء 17:79
- الإسراء 17:84
- الإسراء 17:85
- الإسراء 17:88
- الإسراء 17:106
- الإسراء 17:107
- الإسراء 17:108
- الإسراء 17:109
- الإسراء 17:110
التوبة 9:122
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ نَسَخَ قَوْلَهُ: ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] وقَوْلُهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التوبة: ٤١] فَقالَ تَعالى: ما كانَ لَهم أنْ يَنْفِرُوا في السَّرايا ويَتْرُكُوا النَّبِيَّ ﷺ بِالمَدِينَةِ وحْدَهُ، ولَكِنْ تَبْقى بَقِيَّةٌ لِتَتَفَقَّهَ ثُمَّ تُنْذِرَ النّافِرَةَ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ وقالَ الحَسَنُ: " لِتَتَفَقَّهَ الطّائِفَةُ النّافِرَةُ ثُمَّ تُنْذِرَ إذا رَجَعَتْ إلى قَوْمِها المُتَخَلِّفَةَ " وهَذا التَّأْوِيلُ أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ فَظاهِرُ الكَلامِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ النّافِرَةُ هي الَّتِي تَتَفَقَّهُ وتُنْذِرُ قَوْمَها إذا رَجَعَتْ إلَيْهِمْ. وعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ الفِرْقَةُ الَّتِي نَفَرَتْ مِنها الطّائِفَةُ هي الَّتِي تَتَفَقَّهُ وتُنْذِرُ الطّائِفَةَ إذا رَجَعَتْ إلَيْها وهو بَعِيدٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ حُكْمَ العَطْفِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما يَلِيهِ دُونَ ما يَتَقَدَّمُهُ، فَوَجَبَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا﴾ أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ هي الَّتِي تَتَفَقَّهُ وتُنْذِرُ، ولا يَكُونُ مَعْناهُ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ تَتَفَقَّهُ في الدِّينِ تَنْفِرُ مِنهم طائِفَةٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي إزالَةَ تَرْتِيبِ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ وإثْباتَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فِيهِ.
والوَجْهُ الثّانِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ الطّائِفَةُ أوْلى مِنهُ بِالفِرْقَةِ النّافِرَةِ مِنها الطّائِفَةُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ نَفْرَ الطّائِفَةِ لِلتَّفَقُّهِ مَعْنًى مَفْهُومٌ يَقَعُ النَّفْرُ مِن أجْلِهِ، والفِرْقَةُ الَّتِي مِنها الطّائِفَةُ لَيْسَ تَفَقُّهُها لِأجْلِ خُرُوجِ الطّائِفَةِ مِنها؛ لِأنَّها إنَّما تَتَفَقَّهُ بِمُشاهَدَةِ النَّبِيِّ ﷺ ولُزُومِ حَضْرَتِهِ لا لِأنَّ الطّائِفَةَ نَفَرَتْ (p-٣٧٣)مِنها، فَحَمْلُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ يُبْطِلُ فائِدَةَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ فَثَبَتَ أنَّ الَّتِي تَتَفَقَّهُ هي الطّائِفَةُ النّافِرَةُ مِنَ الفِرْقَةِ المُقِيمَةِ في بَلَدِها وتُنْذِرُ قَوْمَها إذا رَجَعَتْ إلَيْها.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ طَلَبِ العِلْمِ وأنَّهُ مَعَ ذَلِكَ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ، لِما تَضَمَّنَتْ مِنَ الأمْرِ بِنَفْرِ الطّائِفَةِ مِنَ الفِرْقَةِ لِلتَّفَقُّهِ، وأمْرِ الباقِينَ بِالقُعُودِ لِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ وقَدْ رَوى زِيادُ بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ»، وهَذا عِنْدَنا يَنْصَرِفُ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: طَلَبُ العِلْمِ فِيما يُبْتَلى بِهِ الإنْسانُ مِن أُمُورِ دِينِهِ فَعَلَيْهِ أنْ يَتَعَلَّمَهُ، مِثْلُ مَن لا يَعْرِفُ حُدُودَ الصَّلاةِ وفُرُوضَها وحُضُورَ وقْتِها فَعَلَيْهِ أنْ يَتَعَلَّمَها، ومِثْلُ مَن مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَعَلَيْهِ أنْ يَتَعَلَّمَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ فِيها، وكَذَلِكَ الصَّوْمُ، والحَجُّ وسائِرُ الفُرُوضِ.
والمَعْنى الآخَرُ: أنَّهُ فَرْضٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ، إلّا أنَّهُ عَلى الكِفايَةِ إذا قامَ بِهِ بَعْضُهم سَقَطَ عَنِ الباقِينَ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى لُزُومِ خَبَرِ الواحِدِ في أُمُورِ الدِّياناتِ الَّتِي لا تَلْزَمُ الكافَّةَ ولا تَعُمُّ الحاجَةُ إلَيْها؛ وذَلِكَ لِأنَّ الطّائِفَةَ لَمّا كانَتْ مَأْمُورَةً بِالإنْذارِ انْتَظَمَ فَحْواهُ الدَّلالَةَ عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الإنْذارَ يَقْتَضِي فِعْلَ المَأْمُورِ بِهِ وإلّا لَمْ يَكُنْ إنْذارًا والثّانِي: أمْرُهُ إيّانا بِالحَذَرِ عِنْدَ إنْذارِ الطّائِفَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ مَعْناهُ: لِيَحْذَرُوا، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ لُزُومَ العَمَلِ بِخَبَرِ الواحِدِ؛ لِأنَّ الطّائِفَةَ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ. وقَدْ رُوِيَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] أنَّهُ أرادَ واحِدًا، وقالَ تَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] ولا خِلافَ أنَّ الِاثْنَيْنِ إذا اقْتَتَلا كانا مُرادَيْنِ بِحُكْمِ الآيَةِ ولِأنَّ الطّائِفَةَ في اللُّغَةِ كَقَوْلِكَ البَعْضُ، والقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في الواحِدِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ بِمَنزِلَتِهِ لَوْ قالَ بَعْضُها، أوْ شَيْءٌ مِنها، فَدَلالَةُ الآيَةِ ظاهِرَةٌ في وُجُوبِ قَبُولِ الخَبَرِ المُقَصِّرِ عَنْ إيجابِ العِلْمِ، وإنْ كانَ التَّأْوِيلُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الطّائِفَةَ النّافِرَةَ إنَّما تَنْفِرُ مِنَ المَدِينَةِ واَلَّتِي تَتَفَقَّهُ إنَّما هي القاعِدَةُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَلالَتُها أيْضًا قائِمَةٌ في لُزُومِ قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ؛ لِأنَّ النّافِرَةَ إذا رَجَعَتْ أنْذَرَتْها الَّتِي لَمْ تَنْفِرْ وأخْبَرَتْهُ بِما نَزَلَ مِنَ الأحْكامِ وهي تَدُلُّ أيْضًا عَلى لُزُومِ قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ بِالمَدِينَةٍ مَعَ كَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ بِها، لِإيجابِها الحَذَرَ عَلى السّامِعِينَ بِنِذارَةِ القاعِدِينَ
التوبة 9:123
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ خَصَّ الأمْرَ بِالقِتالِ لِلَّذِينَ يَلُونَهم مِنَ الكُفّارِ، وقالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: (p-٣٧٤)﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] فَأوْجَبَ قِتالَ جَمِيعِ الكُفّارِ، ولَكِنَّهُ خَصَّ بِالذِّكْرِ الَّذِينَ يَلُونَنا مِنَ الكُفّارِ؛ إذْ كانَ مَعْلُومًا أنَّهُ لا يُمَكِّنُنا قِتالُ جَمِيعِ الكُفّارِ في وقْتٍ واحِدٍ وأنَّ المُمْكِنَ مِنهُ هو قِتالُ طائِفَةٍ فَكانَ مِن قَرُبَ مِنهم، أوْلى بِالقِتالِ مِمَّنْ بَعُدَ؛ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِقِتالِ مَن بَعُدَ مِنهم مَعَ تَرْكِ قِتالِ مَن قَرُبَ لا يُؤْمَنُ مَعَهُ هَجْمُ مَن قَرُبَ عَلى ذَرارِيِّ المُسْلِمِينَ ونِسائِهِمْ وبِلادِهِمْ إذا خَلَتْ مِنَ المُجاهِدِينَ، فَلِذَلِكَ أمَرَ بِقِتالِ مَن قَرُبَ قَبْلَ قِتالِ مَن بَعُدَ، وأيْضًا لا يَصِحُّ تَكْلِيفُ قِتالِ الأبْعَدِ؛ إذْ لا حَدَّ لِلْأبْعَدِ يُبْتَدَأُ مِنهُ القِتالُ كَما لِلْأقْرَبِ. وأيْضًا فَغَيْرُ مُمْكِنٍ الوُصُولُ إلى قِتالِ الأبْعَدِ إلّا بَعْدَ قِتالِ مَن قَرُبَ وقَهْرِهِمْ وإذْلالِهِمْ فَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها تَقْتَضِي تَخْصِيصَ الأمْرِ بِقِتالِ الأقْرَبِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ فِيهِ أمْرٌ بِالغِلْظَةِ عَلى الكُفّارِ الَّذِينَ أُمِرْنا بِقِتالِهِمْ في القَوْلِ، والمُناظَرَةِ والرِّسالَةِ؛ إذْ كانَ ذَلِكَ يُوقِعُ المَهابَةَ لَنا في صُدُورِهِمْ والرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ ويَسْتَشْعِرُونَ مِنّا بِهِ شِدَّةَ الِاسْتِبْصارِ في الدِّينِ، والجِدِّ في قِتالِ المُشْرِكِينَ، ومَتى أظْهَرُوا لَهُمُ اللِّينَ في القَوْلِ، والمُحاوَرَةَ اسْتَجْرَءُوا عَلَيْهِمْ وطَمِعُوا فِيهِمْ، فَهَذا حَدُّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ مِنَ السِّيرَةِ في عَدُوِّهِمْ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ.
يونس 10:15
سُورَةُ يُونُسَ
﷽
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا يَخافُونَ عِقابَنا؛ لِأنَّ الرَّجاءَ يُقامُ مَقامَ الخَوْفِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣] قِيلَ: مَعْناهُ لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً.
والوَجْهُ الآخَرُ: لا تَطْمَعُونَ في ثَوابِنا كَقَوْلِهِمْ: تابَ رَجاءً لِثَوابِ اللَّهِ، وخَوْفًا مِن عِقابِهِ. والفَرْقُ بَيْنَ الإتْيانِ بِغَيْرِهِ وبَيْنَ تَبْدِيلِهِ أنَّ الإتْيانَ بِغَيْرِهِ لا يَقْتَضِي رَفْعَهُ بَلْ يَجُوزُ بَقاؤُهُ مَعَهُ، وتَبْدِيلُهُ لا يَكُونُ إلّا بِرَفْعِهِ ووَضْعِ آخَرَ مَكانَهُ، أوْ شَيْءٍ مِنهُ.
وكانَ سُؤالُهم لِذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّعَنُّتِ والتَّحَكُّمِ؛ إذْ لَمْ يَجِدُوا سَبَبًا آخَرَ يَتَعَلَّقُونَ بِهِ، ولَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ الأمْرُ مَوْقُوفًا عَلى اخْتِيارِهِمْ وتَحَكُّمِهِمْ؛ لِأنَّهم غَيْرُ عالِمِينَ بِالمَصالِحِ، ولَوْ جازَ أنْ يَأْتِيَ بِغَيْرِهِ، أوْ يُبَدِّلَهُ بِقَوْلِهِمْ لَقالُوا في الثّانِي مِثْلَهُ في الأوَّلِ وفي الثّالِثِ مِثْلَهُ في الثّانِي فَكانَ يَصِيرُ دَلائِلُ اللَّهِ تَعالى تابِعَةً لِمَقاصِدِ السُّفَهاءِ، وقَدْ قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ (p-٣٧٥)بِهَذا القُرْآنِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ يُقْنِعُهم ذَلِكَ مَعَ عَجْزِهِمْ فالثّانِي والثّالِثُ مِثْلُهُ.
ورُبَّما احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ مَن يَأْبى جَوازَ نَسْخِ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ ومُجِيزُ نَسْخِ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ مُجِيزٌ لِتَبْدِيلِهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ. ولَيْسَ هَذا كَما ظَنُّوا؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ في وُسْعِ النَّبِيِّ ﷺ تَبْدِيلُ القُرْآنِ بِقُرْآنٍ مِثْلِهِ ولا الإتْيانِ بِقُرْآنٍ غَيْرِهِ، وهَذا الَّذِي سَألَهُ المُشْرِكُونَ ولَمْ يَسْألُوهُ تَبْدِيلَ الحُكْمِ دُونَ اللَّفْظِ، والمُسْتَدِلُّ بِمِثْلِهِ في هَذا البابِ مُغَفَّلٌ. وأيْضًا فَإنَّ نَسْخَ القُرْآنِ لا يَجُوزُ عِنْدَنا إلّا بِسُنَّةٍ هي وحْيٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] فَنَسْخُ حُكْمِ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ إنَّما هو نَسْخٌ بِوَحْيِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ النَّبِيِّ ﷺ .
يونس 10:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ الآيَةَ. رُبَّما احْتَجَّ بَعْضُ الأغْبِياءِ مِن نُفاةِ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إبْطالِهِ؛ لِأنَّهُ زَعَمَ أنَّ القائِسَ يُحَرِّمُ بِقِياسِهِ ويُحِلُّ. وهَذا جَهْلٌ مِن قائِلِهِ؛ لِأنَّ القِياسَ دَلِيلُ اللَّهِ تَعالى كَما أنَّ حُجَّةَ العَقْلِ دَلِيلُ اللَّهِ تَعالى وكالنُّصُوصِ والسُّنَنِ كُلُّ هَذِهِ دَلائِلُ، فالقائِسُ إنَّما يَتْبَعُ مَوْضِعَ الدَّلالَةِ عَلى الحُكْمِ فَيَكُونُ اللَّهُ هو المُحَلِّلَ، والمُحَرِّمَ بِنَصْبِهِ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ، فَإنْ خالَفَ في أنَّ القِياسَ دَلِيلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلْيَكُنْ كَلامُهُ مَعَنا في إثْباتِهِ، فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ سَقَطَ سُؤالُهُ، وإنْ لَمْ يَقُمُ الدَّلِيلُ عَلى إثْباتِهِ فَقَدِ اكْتَفى في إيجابِ بُطْلانِهِ بِعَدَمِ دَلالَةِ صِحَّتِهِ، فَلا يَعْتَقِدُ أحَدٌ صِحَّةَ القِياسِ إلّا وهو يَرى أنَّهُ دَلِيلُ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ قامَتْ بِصِحَّتِهِ ضُرُوبٌ مِنَ الشَّواهِدِ ولا نُعَلِّقُ لِلْآيَةِ في نَفْيِ القِياسِ ولا إثْباتِهِ. ورُبَّما احْتَجُّوا أيْضًا في نَفْيِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وهَذا شَبِيهٌ بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ القائِسِينَ يَقُولُونَ: القَوْلُ بِالقِياسِ مِمّا آتانا الرَّسُولُ بِهِ وأقامَ اللَّهُ الحُجَّةَ عَلَيْهِ مِن دَلائِلِ الكِتابِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ الأُمَّةِ، فَلَيْسَ لِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلُّقٌ بِنَفْيِ القِياسِ.
يونس 10:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها لامُ العاقِبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] والآخَرُ: لِئَلّا يَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، فَحُذِفَتْ " لا " كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ [البقرة: ٢٨٢] أيْ لِئَلّا تَضِلَّ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] أيْ لِئَلّا تَقُولُوا، وقَوْلُهُ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] مَعْناهُ أنْ لا تَضِلُّوا.
يونس 10:89
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ أضافَ الدُّعاءَ إلَيْهِما، قالَ أبُو العالِيَةِ وعِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ بْنُ مُوسى: " كانَ مُوسى يَدْعُو وهارُونُ يُؤَمِّنُ فَسَمّاهُما اللَّهُ داعِيَيْنِ " . وهَذا يَدُلُّ (p-٣٧٦)عَلى أنَّ آمِينَ دُعاءٌ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ دُعاءٌ فَإخْفاؤُهُ أفْضَلُ مِنَ الجَهْرِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] آخِرَ سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
هود 11:15
ومِن سُورَةِ هُودٍ
﷽
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ﴾ فِيهِ إخْبارٌ أنَّ مَن عَمِلَ عَمَلًا لِلدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ في الآخِرَةِ نَصِيبٌ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] ومِثْلُهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «بَشِّرْ أُمَّتِي بِالسَّناءِ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ فَمَن عَمِلَ مِنهم عَمَلًا لِلدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ نَصِيبٌ»، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما سَبِيلُهُ أنْ لا يُفْعَلَ إلّا عَلى وجْهِ القُرْبَةِ لا يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأُجْرَةَ مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، فَمَتى أخَذَ عَلَيْهِ الأُجْرَةَ فَقَدْ خَرَجَ مِن أنْ يَكُونَ قُرْبَةً بِمُقْتَضى الكِتابِ والسُّنَّةِ.
وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ﴾ فِيها وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَصِلَ الكافِرُ رَحِمًا، أوْ يُعْطِيَ سائِلًا، أوْ يَرْحَمَ مُضْطَرًّا، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِن أعْمالِ البِرِّ فَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ جَزاءَ عَمَلِهِ في الدُّنْيا بِتَوْسِعَةِ الرِّزْقِ وقُرَّةِ العَيْنِ فِيما خُوِّلَ ودَفْعِ مَكارِهِ الدُّنْيا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ.
والوَجْهُ الثّانِي: مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا بِالغَزْوِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْغَنِيمَةِ دُونَ ثَوابِ الآخِرَةِ، فَإنَّهُ يَسْتَحِقُّ نَصِيبَهُ وسَهْمَهُ مِنَ المَغْنَمِ، وهَذا مِن صِفَةِ المُنافِقِينَ. فَإنْ كانَ التَّأْوِيلُ هو الثّانِيَ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ إذا شَهِدَ القِتالَ مَعَ المُسْلِمِينَ اسْتَحَقَّ مِنَ الغَنِيمَةِ نَصِيبًا.
وهَذا يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّهُ جائِزٌ الِاسْتِعانَةُ بِالكُفّارِ في قِتالِ غَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا. إذا كانُوا مَتى غُلِبُوا كانَ حُكْمُ الإسْلامِ هو الجارِيَ عَلَيْهِمْ دُونَ حُكْمِ الكُفْرِ ومَتى حَضَرُوا رَضَخَ لَهم ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الكافِرُ بِحُضُورِ القِتالِ هو السَّهْمُ، أوِ الرَّضْخُ.
هود 11:16
ومِن سُورَةِ هُودٍ
﷽
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ﴾ فِيهِ إخْبارٌ أنَّ مَن عَمِلَ عَمَلًا لِلدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ في الآخِرَةِ نَصِيبٌ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] ومِثْلُهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «بَشِّرْ أُمَّتِي بِالسَّناءِ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ فَمَن عَمِلَ مِنهم عَمَلًا لِلدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ نَصِيبٌ»، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما سَبِيلُهُ أنْ لا يُفْعَلَ إلّا عَلى وجْهِ القُرْبَةِ لا يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأُجْرَةَ مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، فَمَتى أخَذَ عَلَيْهِ الأُجْرَةَ فَقَدْ خَرَجَ مِن أنْ يَكُونَ قُرْبَةً بِمُقْتَضى الكِتابِ والسُّنَّةِ.
وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ﴾ فِيها وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَصِلَ الكافِرُ رَحِمًا، أوْ يُعْطِيَ سائِلًا، أوْ يَرْحَمَ مُضْطَرًّا، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِن أعْمالِ البِرِّ فَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ جَزاءَ عَمَلِهِ في الدُّنْيا بِتَوْسِعَةِ الرِّزْقِ وقُرَّةِ العَيْنِ فِيما خُوِّلَ ودَفْعِ مَكارِهِ الدُّنْيا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ.
والوَجْهُ الثّانِي: مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا بِالغَزْوِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْغَنِيمَةِ دُونَ ثَوابِ الآخِرَةِ، فَإنَّهُ يَسْتَحِقُّ نَصِيبَهُ وسَهْمَهُ مِنَ المَغْنَمِ، وهَذا مِن صِفَةِ المُنافِقِينَ. فَإنْ كانَ التَّأْوِيلُ هو الثّانِيَ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ إذا شَهِدَ القِتالَ مَعَ المُسْلِمِينَ اسْتَحَقَّ مِنَ الغَنِيمَةِ نَصِيبًا.
وهَذا يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّهُ جائِزٌ الِاسْتِعانَةُ بِالكُفّارِ في قِتالِ غَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا. إذا كانُوا مَتى غُلِبُوا كانَ حُكْمُ الإسْلامِ هو الجارِيَ عَلَيْهِمْ دُونَ حُكْمِ الكُفْرِ ومَتى حَضَرُوا رَضَخَ لَهم ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الكافِرُ بِحُضُورِ القِتالِ هو السَّهْمُ، أوِ الرَّضْخُ.
هود 11:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ يُحْتَجُّ بِهِ في أنَّ الشَّرْطَ المُعْتَرَضَ حُكْمُهُ أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى ما قَبْلَهُ في المَعْنى، وهو قَوْلُ القائِلِ: " إنْ دَخَلْتُ الدّارَ إنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَعَبْدِي حَرٌّ " أنَّهُ لا يَحْنَثُ حَتّى يُكَلِّمَ ثُمَّ يَدْخُلَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: " إنْ كَلَّمْتُ " شَرْطٌ مُعْتَرِضٌ عَلى الشَّرْطِ الأوَّلِ قَبْلَ اسْتِتْمامِ جَوابِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ شَرْطٌ اعْتَرَضَ عَلى قَوْلِهِ: (p-٣٧٧)﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ قَبْلَ اسْتِتْمامِ الجَوابِ، فَصارَ تَقْدِيرُهُ: ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم، وهَذا المَعْنى فِيهِ خِلافٌ بَيْنَ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ، والفَرّاءِ في مَسائِلَ قَدْ ذَكَرْناها في شَرْحِ الجامِعِ الكَبِيرِ.
* *
وقَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أيْ يُخَيِّبَكم مِن رَحْمَتِهِ، يُقالُ: غَوى يَغْوِي غَيًّا، ومِنهُ: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما
وحَدَّثَنا أبُو عُمَرَ غُلامُ ثَعْلَبٍ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: يُقالُ غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي غَيًّا إذا فَسَدَ عَلَيْهِ أمْرُهُ، أوْ فَسَدَ هو في نَفْسِهِ، قالَ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ آدَمَ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] أيْ فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ في الجَنَّةِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا يُؤَوَّلُ إلى المَعْنى الأوَّلِ، وذَلِكَ أنَّ الخَيْبَةَ فِيها فَسادُ العَيْشِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُغْوِيَكُمْ﴾ يُفْسِدُ عَلَيْكم عَيْشَكم وأمْرَكم بِأنْ يُخَيِّبَكم مِن رَحْمَتِهِ.
هود 11:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا﴾ يَعْنِي بِحَيْثُ نَراها فَكَأنَّها تُرى بِأعْيُنٍ عَلى طَرِيقِ البَلاغَةِ، والمَعْنى: بِحِفْظِنا إيّاكَ حِفْظَ مَن يَراكَ ويَمْلِكُ دَفْعَ السُّوءِ عَنْكَ وقِيلَ: بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿ووَحْيِنا﴾ يَعْنِي: عَلى ما أوْحَيْنا إلَيْكَ مِن صِفَتِها وحالِها، ويَجُوزُ: بِوَحْيِنا إلَيْكَ أنِ اصْنَعْها.
هود 11:38
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ مَجازٌ، وإنَّما أُطْلِقَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ جَزاءَ الذَّمِّ عَلى السُّخْرِيَةِ بِالمِقْدارِ المُسْتَحَقِّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] وقالَ بَعْضُهم مَعْناهُ، فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم كَما تَسْتَجْهِلُونَ.
هود 11:45
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ سَمّى ابْنَهُ مِن أهْلِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أوْصى لِأهْلِهِ بِثُلُثِ مالِهِ أنَّهُ عَلى مَن هو في عِيالِهِ ابْنًا كانَ، أوْ زَوْجَةً، أوْ أخًا، أوْ أجْنَبِيًّا وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا، والقِياسُ أنْ يَكُونَ لِلزَّوْجَةِ خاصَّةً ولَكِنِ اسْتُحْسِنَ فَجَعَلَهُ لِجَمِيعِ مَن تَضَمَّنَهُ مَنزِلُهُ وهو في عِيالٍ وقَوْلُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وقالَ اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥] ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] فَسَمّى جَمِيعَ مَن ضَمَّهُ مَنزِلُهُ وسَفِينَتُهُ مِن أهْلِهِ وقَوْلُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي يَعْنِي مِن أهْلِي الَّذِينَ وعَدْتَنِي أنْ تُنْجِيَهم فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ وعَدْتُكَ أنْ أُنْجِيَهم قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ قِيلَ فِيهِ: مَعْناهُ ذُو عَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ فَجاءَ عَلى المُبالَغَةِ في الصِّفَةِ كَما قالَتِ الخَنْساءُ:
؎تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حَتّى إذا ادَّكَرَتْ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ
(p-٣٧٨)تَعْنِي: ذاتَ إقْبالٍ وإدْبارٍ، أوْ مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وإبْراهِيمَ قالَ: سُؤالُكَ هَذا عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ وقَرَأ الكِسائِيُّ " إنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صالِحٍ " عَلى الفِعْلِ ونَصْبِ غَيْرٍ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ أنَّهُ كانَ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ؛ لِأنَّهُ قالَ تَعالى ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢] وقالَ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ يَعْنِي لَيْسَ مِن أهْلِ دِينِكَ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ وكانَ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ وقالَ الحَسَنُ: وكانَ مُنافِقًا يُظْهِرُ الإيمانَ ويُسِرُّ الكُفْرَ وقِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ امْرَأتِهِ. وإنَّما كانَ نُوحٌ يَدْعُوهُ إلى الرُّكُوبِ مَعَ نَهْيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إيّاهُ أنْ يَرْكَبَ فِيها كافِرٌ؛ لِأنَّهُ كانَ يُنافِقُ بِإظْهارِ الإيمانِ، وقِيلَ: إنَّهُ دَعاهُ عَلى شَرِيطَةِ الإيمانِ كَأنَّهُ قالَ آمِن وارْكَبْ مَعَنا.
هود 11:46
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ سَمّى ابْنَهُ مِن أهْلِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أوْصى لِأهْلِهِ بِثُلُثِ مالِهِ أنَّهُ عَلى مَن هو في عِيالِهِ ابْنًا كانَ، أوْ زَوْجَةً، أوْ أخًا، أوْ أجْنَبِيًّا وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا، والقِياسُ أنْ يَكُونَ لِلزَّوْجَةِ خاصَّةً ولَكِنِ اسْتُحْسِنَ فَجَعَلَهُ لِجَمِيعِ مَن تَضَمَّنَهُ مَنزِلُهُ وهو في عِيالٍ وقَوْلُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وقالَ اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥] ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] فَسَمّى جَمِيعَ مَن ضَمَّهُ مَنزِلُهُ وسَفِينَتُهُ مِن أهْلِهِ وقَوْلُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي يَعْنِي مِن أهْلِي الَّذِينَ وعَدْتَنِي أنْ تُنْجِيَهم فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ وعَدْتُكَ أنْ أُنْجِيَهم قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ قِيلَ فِيهِ: مَعْناهُ ذُو عَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ فَجاءَ عَلى المُبالَغَةِ في الصِّفَةِ كَما قالَتِ الخَنْساءُ:
؎تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حَتّى إذا ادَّكَرَتْ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ
(p-٣٧٨)تَعْنِي: ذاتَ إقْبالٍ وإدْبارٍ، أوْ مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وإبْراهِيمَ قالَ: سُؤالُكَ هَذا عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ وقَرَأ الكِسائِيُّ " إنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صالِحٍ " عَلى الفِعْلِ ونَصْبِ غَيْرٍ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ أنَّهُ كانَ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ؛ لِأنَّهُ قالَ تَعالى ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢] وقالَ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ يَعْنِي لَيْسَ مِن أهْلِ دِينِكَ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ وكانَ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ وقالَ الحَسَنُ: وكانَ مُنافِقًا يُظْهِرُ الإيمانَ ويُسِرُّ الكُفْرَ وقِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ امْرَأتِهِ. وإنَّما كانَ نُوحٌ يَدْعُوهُ إلى الرُّكُوبِ مَعَ نَهْيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إيّاهُ أنْ يَرْكَبَ فِيها كافِرٌ؛ لِأنَّهُ كانَ يُنافِقُ بِإظْهارِ الإيمانِ، وقِيلَ: إنَّهُ دَعاهُ عَلى شَرِيطَةِ الإيمانِ كَأنَّهُ قالَ آمِن وارْكَبْ مَعَنا.
هود 11:61
قَوْلُهُ تَعالى ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ نَسَبَهم إلى الأرْضِ؛ لِأنَّ أصْلَهم وهو آدَمُ خُلِقَ مِن تُرابِ الأرْضِ والنّاسُ كُلُّهم مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: إنَّ مَعْناهُ أنَّهُ خَلَقَكم في الأرْضِ. وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ يَعْنِي: أمَرَكم مِن عِمارَتِها بِما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ. وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى وُجُوبِ عِمارَةِ الأرْضِ لِلزِّراعَةِ، والغِراسِ، والأبْنِيَةِ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: " مَعْناهُ: أعْمَرَكم بِأنْ جَعَلَها لَكم طُولَ أعْمارِكم "، وهَذا كَقَوْلِ القائِلِ: " أعَمَرْتُكَ دارِي هَذِهِ " يَعْنِي مَلَّكْتُكَ طُولَ عُمْرِكَ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَن أُعْمِرَ عُمْرى فَهي لَهُ ولِوَرَثَتِهِ مِن بَعْدِهِ»، والعُمْرى هي العَطِيَّةُ إلّا أنَّ مَعْناها راجِعٌ إلى تَمْلِيكِهِ طُولَ عُمْرِهِ، فَأجازَ النَّبِيُّ ﷺ العُمْرى، والهِبَةَ وأبْطَلَ الشَّرْطَ في تَمْلِيكِهِ عُمْرَهُ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْقِدُونَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ يَرْجِعُ إلى الواهِبِ.
هود 11:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ مَعْنى الأوَّلِ: سَلَّمْتُ سَلامًا ولِذَلِكَ نَصَبَهُ، والثّانِي جَوابُهُ: عَلَيْكم سَلامٌ، وكِذَلِكَ رَفَعَهُ. ومَعْناهُما واحِدٌ، إلّا أنَّهُ خُولِفَ بَيْنَهُما لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ الحِكايَةَ. وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ السَّلامَ قَدْ كانَ تَحِيَّةَ أهْلِ الإسْلامِ وأنَّهُ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ.
هود 11:72
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَإنَّها مَعَ عِلْمِها بِأنَّ ذَلِكَ في مَقْدُورِ اللَّهِ تَعْجَبُ بِطَبْعِ البَشَرِيَّةِ قَبْلَ الفِكْرِ والرَّوِيَّةِ، كَما ولّى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُدْبِرًا حِينَ صارَتْ عَصاهُ حَيَّةً حَتّى قِيلَ لَهُ: ﴿أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١] وإنَّما تَعَجَّبَتْ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُقالُ: إنَّهُ كانَ لَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً ولِسارَةَ تِسْعُونَ سَنَةً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ مِن أهْلِ بَيْتِهِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ قَدْ سَمَّتِ امْرَأةَ إبْراهِيمَ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وكَذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى في مُخاطَبَةِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: (p-٣٧٩)﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ [الأحزاب: ٣١] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] قَدْ دَخَلَ فِيهِ أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ ابْتِداءَ الخِطابِ لَهُنَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] يَعْنِي: لَمّا ذَهَبَ عَنْهُ الفَزَعُ جادَلَ المَلائِكَةَ حَتّى قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ لِنُهْلِكَهم، فَقالَ: إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ يُرْوى ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وقِيلَ: إنَّهُ سَألَهم فَقالَ: أتُهْلِكُونَهم إنْ كانَ فِيها خَمْسُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ؟ قالُوا: لا، ثُمَّ نَزَّلَهم إلى عَشَرَةٍ، فَقالُوا: لا، يُرْوى ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ. ويُقالُ: جادَلَهم لِيَعْلَمَ بِأيِّ شَيْءٍ اسْتَحَقُّوا عَذابَ الِاسْتِئْصالِ وهَلْ ذَلِكَ واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ أمْ عَلى سَبِيلِ الإخافَةِ لِيُقْبِلُوا إلى الطّاعَةِ. ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِذَلِكَ في جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ أخْبَرَتْ أنَّها تُهْلِكُ قَوْمَ لُوطٍ ولَمْ تُبَيِّنِ المُنْجَيْنَ مِنهم، ومَعَ ذَلِكَ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ جادَلَهم وقالَ لَهم: أتُهْلِكُونَهم وفِيهِمْ كَذا رَجُلًا فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ سَألَهم عَنِ الوَجْهِ الَّذِي بِهِ اسْتَحَقُّوا عَذابَ الِاسْتِئْصالِ وهَلْ ذَلِكَ واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، أوْ عَلى سَبِيلِ التَّخْوِيفِ لِيَرْجِعُوا إلى الطّاعَةِ.
هود 11:73
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَإنَّها مَعَ عِلْمِها بِأنَّ ذَلِكَ في مَقْدُورِ اللَّهِ تَعْجَبُ بِطَبْعِ البَشَرِيَّةِ قَبْلَ الفِكْرِ والرَّوِيَّةِ، كَما ولّى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُدْبِرًا حِينَ صارَتْ عَصاهُ حَيَّةً حَتّى قِيلَ لَهُ: ﴿أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١] وإنَّما تَعَجَّبَتْ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُقالُ: إنَّهُ كانَ لَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً ولِسارَةَ تِسْعُونَ سَنَةً. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ مِن أهْلِ بَيْتِهِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ قَدْ سَمَّتِ امْرَأةَ إبْراهِيمَ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وكَذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى في مُخاطَبَةِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: (p-٣٧٩)﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ [الأحزاب: ٣١] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] قَدْ دَخَلَ فِيهِ أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ ابْتِداءَ الخِطابِ لَهُنَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] يَعْنِي: لَمّا ذَهَبَ عَنْهُ الفَزَعُ جادَلَ المَلائِكَةَ حَتّى قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ لِنُهْلِكَهم، فَقالَ: إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ يُرْوى ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وقِيلَ: إنَّهُ سَألَهم فَقالَ: أتُهْلِكُونَهم إنْ كانَ فِيها خَمْسُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ؟ قالُوا: لا، ثُمَّ نَزَّلَهم إلى عَشَرَةٍ، فَقالُوا: لا، يُرْوى ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ. ويُقالُ: جادَلَهم لِيَعْلَمَ بِأيِّ شَيْءٍ اسْتَحَقُّوا عَذابَ الِاسْتِئْصالِ وهَلْ ذَلِكَ واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ أمْ عَلى سَبِيلِ الإخافَةِ لِيُقْبِلُوا إلى الطّاعَةِ. ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِذَلِكَ في جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ أخْبَرَتْ أنَّها تُهْلِكُ قَوْمَ لُوطٍ ولَمْ تُبَيِّنِ المُنْجَيْنَ مِنهم، ومَعَ ذَلِكَ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ جادَلَهم وقالَ لَهم: أتُهْلِكُونَهم وفِيهِمْ كَذا رَجُلًا فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ سَألَهم عَنِ الوَجْهِ الَّذِي بِهِ اسْتَحَقُّوا عَذابَ الِاسْتِئْصالِ وهَلْ ذَلِكَ واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، أوْ عَلى سَبِيلِ التَّخْوِيفِ لِيَرْجِعُوا إلى الطّاعَةِ.
هود 11:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ وإنَّما قِيلَ: أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ؛ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ الآمِرِ بِالخَيْرِ والنّاهِي عَنِ الشَّرِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أخْبَرَهم بِذَلِكَ في حالِ الصَّلاةِ فَقالَ: أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ بِما ذَكَرْتَ ؟ وعَنِ الحَسَنِ: أدِينُكَ يَأْمُرُكَ ؟ أيْ فِيهِ الأمْرُ بِهَذا.
هود 11:113
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ والرُّكُونُ إلى الشَّيْءِ هو السُّكُونُ إلَيْهِ بِالأُنْسِ، والمَحَبَّةِ فاقْتَضى ذَلِكَ النَّهْيَ عَنْ مُجالَسَةِ الظّالِمِينَ ومُؤانَسَتِهِمْ، والإنْصاتِ إلَيْهِمْ، وهو مِثْلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]
هود 11:117
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ قِيلَ فِيهِ: لا يُهْلِكُهم بِظُلْمٍ صَغِيرٍ يَكُونُ مِنهم. وقِيلَ: بِظُلْمٍ كَبِيرٍ يَكُونُ مِن قَلِيلٍ مِنهم، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لا يُهْلِكُ العامَّةَ بِذُنُوبِ الخاصَّةِ» وقِيلَ: لا يُهْلِكُهم وهو ظالِمٌ لَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤] فِيهِ إخْبارٌ بِأنَّهُ لا يُهْلِكُ القُرى وأهْلُها مُصْلِحُونَ وقالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الإسراء: ٥٨] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ النّاسَ يَصِيرُونَ إلى غايَةِ الفَسادِ عِنْدَ اقْتِرابِ السّاعَةِ ولِذَلِكَ يُهْلِكُهُمُ اللَّهُ، وهو مِصْداقُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «لا تَقُومُ السّاعَةُ إلّا عَلى شِرارِ الخَلْقِ» .
هود 11:118
قَوْلُهُ تَعالى: (p-٣٨٠)﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ قالَ قَتادَةُ: يَجْعَلُهم مُسْلِمِينَ، وذَلِكَ بِالإلْجاءِ إلى الإيمانِ، وإنَّما يَكُونُ الإلْجاءُ بِالمَنعِ؛ لِأنَّهم لَوْ رامُوا خِلافَهُ مُنِعُوا مِنهُ مَعَ الِاضْطِرارِ إلى حُسْنِهِ وعِظَمِ المَنفَعَةِ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ وقَتادَةُ، والأعْمَشُ أيْ مُخْتَلِفِينَ في الأدْيانِ يَهُودِيٌّ ونَصْرانِيٌّ ومَجُوسِيٌّ ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ اخْتِلافِ المَذاهِبِ الفاسِدَةِ " . ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: " في الأرْزاقِ، والأحْوالِ مِن تَسْخِيرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ " . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ إنَّما هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المُخْتَلِفِينَ بِالباطِلِ بِالإطْلاقِ في الإيمانِ المُؤَدِّي إلى الثَّوابِ، فَإنَّهُ ناجٍ مِنَ الِاخْتِلافِ بِالباطِلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ: " خَلَقَهم لِلرَّحْمَةِ " .
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنِ وعَطاءٍ: " خَلَقَهم عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِاخْتِلافِهِمْ " وهي " لامُ العاقِبَةِ، قالُوا: وقَدْ تَكُونُ " اللّامُ " بِمَعْنى " عَلى " كَقَوْلِكَ: أكْرَمْتُكَ عَلى بِرِّكَ ولِبِرِّكَ بِي. آخِرُ سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
هود 11:119
قَوْلُهُ تَعالى: (p-٣٨٠)﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ قالَ قَتادَةُ: يَجْعَلُهم مُسْلِمِينَ، وذَلِكَ بِالإلْجاءِ إلى الإيمانِ، وإنَّما يَكُونُ الإلْجاءُ بِالمَنعِ؛ لِأنَّهم لَوْ رامُوا خِلافَهُ مُنِعُوا مِنهُ مَعَ الِاضْطِرارِ إلى حُسْنِهِ وعِظَمِ المَنفَعَةِ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ وقَتادَةُ، والأعْمَشُ أيْ مُخْتَلِفِينَ في الأدْيانِ يَهُودِيٌّ ونَصْرانِيٌّ ومَجُوسِيٌّ ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ اخْتِلافِ المَذاهِبِ الفاسِدَةِ " . ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: " في الأرْزاقِ، والأحْوالِ مِن تَسْخِيرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ " . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ إنَّما هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المُخْتَلِفِينَ بِالباطِلِ بِالإطْلاقِ في الإيمانِ المُؤَدِّي إلى الثَّوابِ، فَإنَّهُ ناجٍ مِنَ الِاخْتِلافِ بِالباطِلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ: " خَلَقَهم لِلرَّحْمَةِ " .
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنِ وعَطاءٍ: " خَلَقَهم عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِاخْتِلافِهِمْ " وهي " لامُ العاقِبَةِ، قالُوا: وقَدْ تَكُونُ " اللّامُ " بِمَعْنى " عَلى " كَقَوْلِكَ: أكْرَمْتُكَ عَلى بِرِّكَ ولِبِرِّكَ بِي. آخِرُ سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
يوسف 12:4
ومِن سُورَةِ يُوسُفَ
﷽
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يا أبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ فِيهِ بَيانُ صِحَّةِ الرُّؤْيا مِن غَيْرِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا في ذَلِكَ الوَقْتِ بَلْ كانَ صَغِيرًا، وكانَ تَأْوِيلُ الكَواكِبِ إخْوَتَهُ، والشَّمْسِ والقَمَرِ أبَوَيْهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ.
يوسف 12:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ عَلِمَ أنَّهُ إنْ قَصَّها عَلَيْهِمْ حَسَدُوهُ وطَلَبُوا كَيْدَهُ. وهو أصْلٌ في جَوازِ تَرْكِ إظْهارِ النِّعْمَةِ وكِتْمانِهِ عِنْدَ مَن يُخْشى حَسَدُهُ وكَيْدُهُ، وإنْ كانَ اللَّهُ قَدْ أمَرَ بِإظْهارِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]
يوسف 12:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ فَإنَّ التَّأْوِيلَ ما يُؤَوَّلُ إلَيْهِ المَعْنى ويَرْجِعُ إلَيْهِ، وتَأْوِيلُ الشَّيْءِ هو مَرْجِعُهُ وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ تَأْوِيلُ الأحادِيثِ عِبارَةُ الرُّؤْيا " . وقِيلَ تَأْوِيلُ الأحادِيثِ في آياتِ اللَّهِ ودَلائِلِهِ عَلى تَوْحِيدِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ دِينِهِ " .
يوسف 12:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا﴾ الآيَةَ. تَفاوَضُوا فِيما بَيْنَهم وأظْهَرُوا الحَسَدَ الَّذِي كانُوا يُضْمِرُونَهُ لِقُرْبِ مَنزِلَتِهِ عِنْدَ أبِيهِمْ دُونَهم، وقالُوا: ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يَعْنُونَ عَنْ صَوابِ الرَّأْيِ؛ لِأنَّهُ كانَ أصْغَرَ مِنهم، وكانَ عِنْدَهم أنَّ الأكْبَرَ، أوْلى بِتَقْدِيمِ المَنزِلَةِ مِنَ الأصْغَرِ ومَعَ ذَلِكَ، فَإنَّ الجَماعَةَ مِنَ البَنِينَ، أوْلى بِالمَحَبَّةِ (p-٣٨١)مِنَ الواحِدِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ومَعَ أنَّهم كانُوا أنْفَعَ لَهُ في تَدْبِيرِ أمْرِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُومُونَ بِأمْوالِهِ ومَواشِيهِ، فَذَهَبُوا إلى أنَّ اصْطِفاءَهُ إيّاهُ بِالمَحَبَّةِ دُونَهم وتَقْدِيمَهُ عَلَيْهِمْ ذَهابٌ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ.
يوسف 12:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ﴾ الآيَةَ، فَإنَّهم تَآمَرُوا فِيما بَيْنَهم عَلى أحَدِ هَذَيْنِ مِن قَتْلٍ، أوْ تَبْعِيدٍ لَهُ عَنْ أبِيهِ. وكانَ الَّذِي اسْتَجازُوا ذَلِكَ واسْتَجْرَءُوا مِن أجْلِهِ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾ فَرَجَوُا التَّوْبَةَ بَعْدَ هَذا الفِعْلِ، وهو نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ [القيامة: ٥] قِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّهُ يَعْزِمُ عَلى المَعْصِيَةِ رَجاءً لِلتَّوْبَةِ بَعْدَها فَيَقُولُ: أفْعَلُ ثُمَّ أتُوبُ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَوْبَةَ القاتِلِ مَقْبُولَةٌ؛ لِأنَّهم قالُوا: ﴿وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾ وحَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ولَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِمْ.
يوسف 12:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ لَمّا تَآمَرُوا عَلى أحَدِ شَيْئَيْنِ مِن قَتْلٍ، أوْ إبْعادٍ عَنْ أبِيهِ أشارَ عَلَيْهِمْ هَذا القائِلُ حِينَ قالُوا لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ بِأنْقَصِ الشَّرَّيْنِ وهو الطَّرْحُ في جُبٍّ قَلِيلِ الماءِ لِيَأْخُذَهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ، وهُمُ المُسافِرُونَ، فَلَمّا أبْرَمُوا التَّدْبِيرَ وعَزَمُوا عَلَيْهِ ثابُوا لِلتَّلَطُّفِ في الوُصُولِ إلى ما أرادُوا فَقالُوا: ﴿يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ.
يوسف 12:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ لَمّا تَآمَرُوا عَلى أحَدِ شَيْئَيْنِ مِن قَتْلٍ، أوْ إبْعادٍ عَنْ أبِيهِ أشارَ عَلَيْهِمْ هَذا القائِلُ حِينَ قالُوا لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ بِأنْقَصِ الشَّرَّيْنِ وهو الطَّرْحُ في جُبٍّ قَلِيلِ الماءِ لِيَأْخُذَهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ، وهُمُ المُسافِرُونَ، فَلَمّا أبْرَمُوا التَّدْبِيرَ وعَزَمُوا عَلَيْهِ ثابُوا لِلتَّلَطُّفِ في الوُصُولِ إلى ما أرادُوا فَقالُوا: ﴿يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ.
يوسف 12:12
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾ قِيلَ في يَرْتَعْ: " يَرْعى " وقِيلَ: إنَّ الرَّتْعَ الِاتِّساعُ في البِلادِ، ويُقالُ: يَرْتَعُ في المالِ أيْ هو يَتَّسِعُ بِهِ في البِلادِ، واللَّعِبُ هو الفِعْلُ المَقْصُودُ بِهِ التَّفَرُّجُ والرّاحَةُ مِن غَيْرِ عاقِبَةٍ لَهُ مَحْمُودَةٍ، ولا قَصْدَ فِيهِ لِفاعِلِهِ إلّا حُصُولُ اللَّهْوِ، والفَرَحِ، فَمِنهُ ما يَكُونُ مُباحًا وهو ما لا إثْمَ فِيهِ كَنَحْوِ مُلاعَبَةِ الرَّجُلِ أهْلَهُ ورُكُوبِهِ فَرَسَهُ لِلتَّطَرُّبِ والتَّفَرُّجِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ ما يَكُونُ مَحْظُورًا.
وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللَّعِبَ الَّذِي ذَكَرُوهُ كانَ مُباحًا لَوْلا ذَلِكَ لَأنْكَرَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا سَألُوهُ إرْسالَهُ مَعَهم قالَ: ﴿إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ فَذَكَرَ لَهم حُزْنَهُ لِذَهابِهِمْ بِهِ لِبُعْدِهِ عَنْ مُشاهَدَتِهِ وأنَّهُ خائِفٌ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، فاجْتَمَعَ عَلَيْهِ في هَذِهِ الحالِ شَيْئانِ الحُزْنُ، والخَوْفُ، فَأجابُوهُ بِأنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، وهم جَماعَةٌ وأنَّ ذَلِكَ لَوْ وقَعَ لَكانُوا خاسِرِينَ.
يوسف 12:13
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾ قِيلَ في يَرْتَعْ: " يَرْعى " وقِيلَ: إنَّ الرَّتْعَ الِاتِّساعُ في البِلادِ، ويُقالُ: يَرْتَعُ في المالِ أيْ هو يَتَّسِعُ بِهِ في البِلادِ، واللَّعِبُ هو الفِعْلُ المَقْصُودُ بِهِ التَّفَرُّجُ والرّاحَةُ مِن غَيْرِ عاقِبَةٍ لَهُ مَحْمُودَةٍ، ولا قَصْدَ فِيهِ لِفاعِلِهِ إلّا حُصُولُ اللَّهْوِ، والفَرَحِ، فَمِنهُ ما يَكُونُ مُباحًا وهو ما لا إثْمَ فِيهِ كَنَحْوِ مُلاعَبَةِ الرَّجُلِ أهْلَهُ ورُكُوبِهِ فَرَسَهُ لِلتَّطَرُّبِ والتَّفَرُّجِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ ما يَكُونُ مَحْظُورًا.
وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللَّعِبَ الَّذِي ذَكَرُوهُ كانَ مُباحًا لَوْلا ذَلِكَ لَأنْكَرَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا سَألُوهُ إرْسالَهُ مَعَهم قالَ: ﴿إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ فَذَكَرَ لَهم حُزْنَهُ لِذَهابِهِمْ بِهِ لِبُعْدِهِ عَنْ مُشاهَدَتِهِ وأنَّهُ خائِفٌ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، فاجْتَمَعَ عَلَيْهِ في هَذِهِ الحالِ شَيْئانِ الحُزْنُ، والخَوْفُ، فَأجابُوهُ بِأنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، وهم جَماعَةٌ وأنَّ ذَلِكَ لَوْ وقَعَ لَكانُوا خاسِرِينَ.
يوسف 12:15
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " لا يَشْعُرُونَ بِأنَّهُ يُوسُفُ في وقْتٍ يُنَبِّئُهم " وكَذَلِكَ قالَ الحَسَنُ: " أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ وهو في الجُبِّ فَأعْطاهُ النُّبُوَّةَ وأخْبَرَهُ أنَّهُ يُنَبِّئُهم بِأمْرِهِمْ هَذا " .
يوسف 12:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ رُوِيَ أنَّ الشَّعْبِيَّ كانَ جالِسًا (p-٣٨٢)لِلْقَضاءِ فَجاءَهُ رَجُلٌ يَبْكِي ويَدَّعِي أنَّ رَجُلًا ظَلَمَهُ، فَقالَ رَجُلٌ بِحَضْرَتِهِ: يُوشِكُ أنْ يَكُونُ هَذا مَظْلُومًا، فَقالَ الشَّعْبِيُّ: إخْوَةُ يُوسُفَ خانُوا وظَلَمُوا وكَذَبُوا وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ فَأظْهَرُوا البُكاءَ لِفَقْدِ يُوسُفَ لِيُبَرِّئُوا أنْفُسَهم مِنَ الخِيانَةِ وأوْهَمُوهُ أنَّهم مُشارِكُونَ لَهُ في المُصِيبَةِ ويُلَقِّنُوا ما كانَ أظْهَرَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم مِن خَوْفِهِ عَلى يُوسُفَ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، فَقالُوا: ﴿إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾، يُقالُ: نَنْتَضِلُ مِنَ السِّباقِ في الرَّمْيِ، وقِيلَ: نَسْتَبِقُ بِالعَدْوِ عَلى الرِّجْلِ ﴿وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ يَعْنِي: بِمُصَدِّقٍ وجاءُوا بِقَمِيصٍ عَلَيْهِ دَمٌ فَزَعَمُوا أنَّهُ دَمُ يُوسُفَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] يَعْنِي مَكْذُوبٌ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، قالَ: " لَوْ كانَ أكَلَهُ الذِّئْبُ لَخَرَقَهُ فَكانَتْ عَلامَةُ الكَذِبِ ظاهِرَةً فِيهِ وهو صِحَّةُ القَمِيصِ مِن غَيْرِ تَخْرِيقٍ " . وقالَ الشَّعْبِيُّ: " كانَ في قَمِيصِ يُوسُفَ ثَلاثُ آياتٍ: الدَّمُ والشَّقُّ وإلْقاؤُهُ عَلى وجْهِ أبِيهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا " . وقالَ الحَسَنُ: " لَمّا رَأى القَمِيصَ صَحِيحًا قالَ: يا بُنَيَّ واَللَّهِ ما عَهِدْتُ الذِّئْبَ حَلِيمًا " .
يوسف 12:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ رُوِيَ أنَّ الشَّعْبِيَّ كانَ جالِسًا (p-٣٨٢)لِلْقَضاءِ فَجاءَهُ رَجُلٌ يَبْكِي ويَدَّعِي أنَّ رَجُلًا ظَلَمَهُ، فَقالَ رَجُلٌ بِحَضْرَتِهِ: يُوشِكُ أنْ يَكُونُ هَذا مَظْلُومًا، فَقالَ الشَّعْبِيُّ: إخْوَةُ يُوسُفَ خانُوا وظَلَمُوا وكَذَبُوا وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ فَأظْهَرُوا البُكاءَ لِفَقْدِ يُوسُفَ لِيُبَرِّئُوا أنْفُسَهم مِنَ الخِيانَةِ وأوْهَمُوهُ أنَّهم مُشارِكُونَ لَهُ في المُصِيبَةِ ويُلَقِّنُوا ما كانَ أظْهَرَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم مِن خَوْفِهِ عَلى يُوسُفَ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، فَقالُوا: ﴿إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾، يُقالُ: نَنْتَضِلُ مِنَ السِّباقِ في الرَّمْيِ، وقِيلَ: نَسْتَبِقُ بِالعَدْوِ عَلى الرِّجْلِ ﴿وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ يَعْنِي: بِمُصَدِّقٍ وجاءُوا بِقَمِيصٍ عَلَيْهِ دَمٌ فَزَعَمُوا أنَّهُ دَمُ يُوسُفَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] يَعْنِي مَكْذُوبٌ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، قالَ: " لَوْ كانَ أكَلَهُ الذِّئْبُ لَخَرَقَهُ فَكانَتْ عَلامَةُ الكَذِبِ ظاهِرَةً فِيهِ وهو صِحَّةُ القَمِيصِ مِن غَيْرِ تَخْرِيقٍ " . وقالَ الشَّعْبِيُّ: " كانَ في قَمِيصِ يُوسُفَ ثَلاثُ آياتٍ: الدَّمُ والشَّقُّ وإلْقاؤُهُ عَلى وجْهِ أبِيهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا " . وقالَ الحَسَنُ: " لَمّا رَأى القَمِيصَ صَحِيحًا قالَ: يا بُنَيَّ واَللَّهِ ما عَهِدْتُ الذِّئْبَ حَلِيمًا " .
يوسف 12:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَطَعَ بِخِيانَتِهِمْ وظُلْمِهِمْ وأنَّ يُوسُفَ لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ لِما اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ مِن صِحَّةِ القَمِيصِ مِن غَيْرِ تَخْرِيقٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ بِما يَظْهَرُ مِنَ العَلامَةِ في مِثْلِهِ في التَّكْذِيبِ، أوِ التَّصْدِيقِ جائِزٌ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَطَعَ بِأنَّ الذِّئْبَ لَمْ يَأْكُلْهُ بِظُهُورِ عَلامَةِ كَذِبِهِمْ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ يُقالُ: إنَّهُ صَبْرٌ لا شَكْوى فِيهِ وفِيهِ البَيانُ عَمّا تَقْتَضِيهِ المُصِيبَةُ مِنَ الصَّبْرِ الجَمِيلِ والِاسْتِعانَةِ بِاَللَّهِ عِنْدَ ما يَعْرِضُ مِنَ الأُمُورِ القَطْعِيَّةِ المُجْزِيَةِ، فَحَكى لَنا حالَ نَبِيِّهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَما ابْتُلِيَ بِفَقْدِ ولَدِهِ العَزِيزِ عِنْدَهُ وحُسْنِ عَزائِهِ ورُجُوعِهِ إلى اللَّهِ تَعالى والِاسْتِعانَةِ بِهِ، وهو مِثْلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] الآيَةَ، لِيُقْتَدى بِهِ عِنْدَ نُزُولِ المَصائِبِ.
يوسف 12:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ وأسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمّا أرْسَلَ دَلْوَهُ تَعَلَّقَ بِها يُوسُفُ فَقالَ المُدْلِي: يا بُشْرايَ هَذا غُلامٌ قالَ قَتادَةُ: بَشَّرَ أصْحابَهُ بِأنَّهُ وجَدَ عَبْدًا وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ اسْمُ الرَّجُلِ الَّذِي ناداهُ بُشْرى. وقَوْلُهُ: ﴿وأسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: " أسَرَّهُ المُدْلِي ومَن مَعَهُ مِن باقِي التُّجّارِ لِئَلّا يَسْألُوهُمُ الشَّرِكَةَ فِيهِ بِرُخْصِ ثَمَنِهِ " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " أسَرَهُ إخْوَتُهُ وكَتَمُوا أنَّهُ أخُوهم وتابَعَهم عَلى ذَلِكَ لِئَلّا يَقْتُلُوهُ " . والبِضاعَةُ القِطْعَةُ مِنَ المالِ تُجْعَلُ لِلتِّجارَةِ. وقِيلَ في مَعْنى: ﴿وأسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ إنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِ التِّجارَةَ.
(p-٣٨٣)ورَوى شُعْبَةُ عَنْ يُونُسَ عَنْ عُبَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ عَنْ عَلِيٍّ: أنَّهُ قَضى بِاللَّقِيطِ أنَّهُ حَرٌّ، وقَرَأ: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سُنَيْنٍ أبِي جَمِيلَةَ قالَ: وجَدْتُ مَنبُوذًا عَلى عَهْدِ عُمَرَ، فَقالَ عُمَرُ: عَسى الغُوَيْرُ أبْؤُسًا فَقِيلَ: إنَّهُ لا يُتَّهَمُ، فَقالَ: هو حَرٌّ ولَكَ ولاؤُهُ وعَلَيْنا رَضاعُهُ.
فَمَعْنى قَوْلِهِ: " عَسى الغُوَيْرُ أبْؤُسًا " الغُوَيْرُ تَصِيرُ غارٍ، وهو مَثَلٌ مَعْناهُ: عَسى أنْ يَكُونَ جاءَ البَأْسُ مِن قِبَلِ الغارِ فاتَّهَمَ عُمَرُ الرَّجُلَ وقالَ: عَسى أنْ يَكُونَ الأمْرُ جاءَ مِن قِبَلِكَ في هَذا الصَّبِيِّ اللَّقِيطِ بِأنْ يَكُونَ مِن مائِكَ، فَلَمّا شَهِدُوا لَهُ بِالسَّتْرِ أمَرَهُ بِإمْساكِهِ وقالَ: ولاؤُهُ لَكَ. وجائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِالوَلاءِ هاهُنا إمْساكَهُ، والوِلايَةَ عَلَيْهِ وإثْباتَ هَذا الحَقِّ لَهُ كَما لَوْ كانَ عَبْدًا لَهُ فَأعْتَقَهُ؛ لِأنَّهُ تَبَرَّعَ بِأخْذِهِ وإحْيائِهِ، والإحْسانِ إلَيْهِ، وقَدْ أخْبَرَ عُمَرُ أنَّهُ حُرٌّ فَلا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الإخْبارِ بِأنَّهُ حَرُّ الأصْلِ ولا رِقَّ عَلَيْهِ، أوْ إيقاعَ حُرِّيَّةٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ عُمَرَ لَمْ يُمَلِّكْهُ ولَمْ يَكُنْ عَبْدًا لَهُ فَيُعْتِقُهُ، فَعَلِمْنا أنَّهُ أرادَ الإخْبارَ بِأنَّهُ حَرٌّ لا يَجْرِي عَلَيْهِ رِقٌّ، وإذا كانَ حُرَّ الأصْلِ لَمْ يَجُزْ أنْ يَثْبُتَ ولاؤُهُ لِإنْسانٍ.
فَعَلِمْنا أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: " لَكَ ولاؤُهُ " أيْ لَكَ وِلايَتُهُ في الإمْساكِ، والحِفْظِ. وما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعائِشَةَ أنَّهُما قالا في، أوْلادِ الزِّنا: " أعْتِقُوهم وأحْسِنُوا إلَيْهِمْ "، فَإنَّما مَعْناهُ: احْكُمُوا بِأنَّهم أحْرارٌ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «لا يَجْزِي ولَدٌ والِدَهُ إلّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ»، وذَلِكَ إخْبارٌ مِنهُ بِوُقُوعِ العَتاقِ بِالمِلْكِ لا يَحْتاجُ إلى اسْتِئْنافِهِ، وقَدْ رَوى المُغِيرَةُ عَنْ إبْراهِيمَ في اللَّقِيطِ يَجِدُهُ الرَّجُلُ قالَ: " إنْ نَوى أنْ يَسْتَرِقَّهُ كانَ رَقِيقًا وإنْ نَوى الحِسْبَةَ عَلَيْهِ كانَ عَتِيقًا "، وهَذا لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ حُرًّا لَمْ يَصِرْ رَقِيقًا بِنِيَّةِ المُلْتَقِطِ، وإنْ كانَ عَبْدًا لَمْ يَصِرْ عَتِيقًا بِنِيَّتِهِ أيْضًا. وأيْضًا أنَّ الأصْلَ في النّاسِ الحُرِّيَّةُ وهو الظّاهِرُ.
ألا تَرى أنَّ مَن وجَدْناهُ يَتَصَرَّفُ في دارِ الإسْلامِ أنّا نَحْكُمُ بِحُرِّيَّتِهِ ولا نَجْعَلُهُ عَبْدًا إلّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِذَلِكَ، أوْ بِإقْرارِهِ ؟ وأيْضًا فَإنَّ اللَّقِيطَ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ ولَدَ حُرَّةٍ، أوْ أمَةٍ، فَإنْ كانَ ولَدَ حُرَّةٍ فَهو حَرٌّ وغَيْرُ جائِزٍ اسْتِرْقاقُهُ، وإنْ كانَ ولَدَ أمَةٍ فَهو عَبْدٌ لِغَيْرِ المُلْتَقِطِ، فَلا يَجُوزُ لَنا أنْ نَتَمَلَّكَهُ فَفي الوُجُوهِ كُلِّها لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّقِيطُ عَبْدًا لِلْمُلْتَقِطِ.
وأيْضًا فَإنَّ الرِّقَّ طارِئٌ، والأصْلُ الحُرِّيَّةُ، كَشَيْءٍ عَلِمْناهُ مِلْكًا لِإنْسانٍ وادَّعى غَيْرُهُ زَوالَهُ إلَيْهِ فَلا نُصَدِّقُهُ؛ لِأنَّهُ يَدَّعِي مَعْنًى طارِئًا، كَذَلِكَ حُكْمُ المُلْتَقِطِ فِيما يَثْبُتُ لَهُ مِن رِقِّ اللَّقِيطِ. وأيْضًا لَمّا كانَ لُقَطَةُ المالِ لا تُوجِبُ لِلْمُلْتَقِطِ مِلْكًا فِيها مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ مِلْكٌ في الأصْلِ، كانَ التِقاطُ اللَّقِيطِ الَّذِي لا يُعْلَمُ رِقُّهُ أحْرى أنْ (p-٣٨٤)لا يُوجِبَ لِلْمُلْتَقِطِ مِلْكًا. وقَدْ رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ «أنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأةً فَوَلَدَتْ لِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَها صَداقُها بِما اسْتَحَلَّ مِن فَرْجِها ووَلَدُها مَمْلُوكٌ لَهُ»، وهو حَدِيثٌ شاذٌّ غَيْرُ مَعْمُولٍ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ أنَّهُ ولَدُ زِنًا إذا كانَ مِن حُرَّةٍ فَهو حَرٌّ، ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ في أنَّ ولَدَ الزِّنا واللَّقِيطِ حُرّانِ.
يوسف 12:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الثَّمَنُ ما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ بَدَلًا مِنَ البِياعاتِ مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ سَمّى الدَّراهِمَ ثَمَنًا بِقَوْلِهِ: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ﴾ وقَوْلُ الفَرّاءِ مَقْبُولٌ مِن طَرِيقِ اللُّغَةِ، فَإذا أخْبَرَ أنَّ الثَّمَنَ اسْمٌ لِما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا ثُمَّ سَمّى اللَّهُ تَعالى الدَّراهِمَ ثَمَنًا اقْتَضى ذَلِكَ ثُبُوتَها في الذِّمَّةِ مَتى جُعِلَتْ بَدَلًا في عُقُودِ البِياعاتِ سَواءٌ عَيَّنَها، أوْ أطْلَقَها ولَمْ يُعَيِّنْها؛ لِأنَّها لَوْ تَعَيَّنَتْ بِالتَّعْيِينِ لَخَرَجَتْ مِن أنْ تَكُونَ ثَمَنًا؛ إذْ كانَتِ الأعْيانُ لا تَكُونُ أثْمانًا في الحَقِيقَةِ إلّا أنْ يُجْرِيَها الإنْسانُ مَجْرى الأبْدالِ فَيُسَمِّيها ثَمَنًا عَلى مَعْنى البَدَلِ تَشْبِيهًا بِالثَّمَنِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ لا تَتَعَيَّنَ الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ؛ لِأنَّ في تَعْيِينِها سَلْبُ الصِّفَةِ الَّتِي وصَفَها اللَّهُ بِها مِن كَوْنِها ثَمَنًا؛ إذِ الأعْيانُ لا تَكُونُ أثْمانًا. والبَخْسُ النَّقْصُ، يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالُوا: " كانَتْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا " وعَنْ مُجاهِدٍ: " اثْنانِ وعِشْرُونَ دِرْهَمًا " . وقِيلَ: إنَّما سَمّاها مَعْدُودَةً لِقِلَّتِها. وقِيلَ: عَدُّوها ولَمْ يَزِنُوها. وقِيلَ: كانُوا لا يَزِنُونَ الدَّراهِمَ حَتّى تَبْلُغَ أُوقِيَّةً وأُوقِيَّتُهم أرْبَعُونَ دِرْهَمًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: إخْوَتُهُ كانُوا حُضُورًا فَقالُوا هَذا عَبْدٌ لَنا أبَقَ فاشْتَرَوْهُ مِنهم " وقالَ قَتادَةُ: " باعَهُ السَّيّارَةُ " .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ قِيلَ إنَّ إخْوَتَهُ كانُوا في الثَّمَنِ مِنَ الزّاهِدِينَ، وإنَّما كانَ غَرَضُهم أنْ يُغَيِّبُوهُ عَنْ وجْهِ أبِيهِمْ.
يوسف 12:21
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: " أحْسَنُ النّاسِ فِراسَةً ثَلاثَةٌ: العَزِيزُ حِينَ قالَ لِامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا، وابْنَةُ شُعَيْبٍ حِينَ قالَتْ في مُوسى يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، وأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ حِينَ ولّى عُمَرَ " .
يوسف 12:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ قِيلَ في مَعْنى الأشُدِّ إنَّها القُوَّةُ مِن ثَمانِي عَشْرَةَ إلى سِتِّينَ سَنَةً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأشُدُّ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً " وقالَ مُجاهِدٌ: " ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً " .
يوسف 12:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: " هَمَّتْ بِهِ بِالعَزِيمَةِ وهَمَّ بِها مِن جِهَةِ الشَّهْوَةِ ولَمْ يَعْزِمْ " . وقِيلَ: هَمّا جَمِيعًا بِالشَّهْوَةِ؛ (p-٣٨٥)لِأنَّ الهَمَّ بِالشَّيْءِ مُقارَبَتُهُ مِن غَيْرِ مُواقَعَةٍ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَمَّ يُوسُفَ بِها لَمْ يَكُنْ مِن جِهَةِ العَزِيمَةِ، وإنَّما كانَ مِن جِهَةِ دَواعِي الشَّهْوَةِ قَوْلُهُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ [يوسف: ٢٣] وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ فَكانَ ذَلِكَ إخْبارًا بِبَراءَةِ ساحَتِهِ مِنَ العَزِيمَةِ عَلى المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، ومَعْناهُ: لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ هَمَّ بِها؛ وذَلِكَ لِأنَّ جَوابَ " لَوْلا " لا يَجُوزُ أنْ يَتَقَدَّمَهُ؛ لِأنَّهم لا يُجِيزُونَ أنْ نَقُولَ: " قَدْ أتَيْتُكَ لَوْلا زَيْدٌ " وجائِزٌ أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِهِ تَقْدِيمِ " لَوْلا " . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: " رَأى صُورَةَ يَعْقُوبَ عاضًّا عَلى أنامِلِهِ " وقالَ قَتادَةُ: " نُودِيَ يا يُوسُفُ أنْتَ مَكْتُوبٌ في الأنْبِياءِ وتَعْمَلُ عَمَلَ السُّفَهاءِ " ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " أنَّهُ رَأى المَلَكَ " . وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " هو ما عَلِمَهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عِقابِ الزِّنا " .
يوسف 12:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ الآيَةَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وهِلالِ بْنِ يَسارٍ: " أنَّهُ صَبِيٌّ في المَهْدِ " ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ وعِكْرِمَةَ قالُوا: " هو رَجُلٌ " وقالَ عِكْرِمَةُ: " إنَّ المَلِكَ لَمّا رَأى يُوسُفَ مَشْقُوقَ القَمِيصِ عَلى البابِ قالَ ذَلِكَ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ، فَقالَ: إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ، فَإنَّهُ طَلَبَها فامْتَنَعَتْ مِنهُ، وإنْ كانَ مِن دُبُرٍ، فَإنَّهُ فَرَّ مِنها وطَلَبَتْهُ " . ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في الحُكْمِ بِالعَلامَةِ في اللُّقَطَةِ إذا ادَّعاها مُدَّعٍ ووَصَفَها. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في مُدَّعِي اللُّقَطَةِ إذا وصَفَ عَلاماتٍ فِيها، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ والشّافِعِيُّ: " لا يَسْتَحِقُّها بِالعَلامَةِ حَتّى يُقِيمَ البَيِّنَةَ، ولا يُجْبَرُ المُلْتَقِطُ عَلى دَفْعِها إلَيْهِ بِالعَلامَةِ، ويَسَعُهُ أنْ يَدْفَعَها، وإنْ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ في القَضاءِ " . وقالَ ابْنُ القاسِمِ: " في قِياسِ قَوْلِ مالِكٍ يَسْتَحِقُّها بِالعَلامَةِ ويُجْبَرُ عَلى دَفْعِها إلَيْهِ، فَإنْ جاءَ مُسْتَحِقٌّ فاسْتَحَقَّها بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَضْمَنِ المُلْتَقِطُ شَيْئًا " . وقالَ مالِكٌ: " وكَذَلِكَ اللُّصُوصُ إذا وُجِدَ مَعَهم أمْتِعَةٌ فَجاءَ قَوْمٌ فادَّعَوْها ولَيْسَ لَهم بَيِّنَةٌ أنَّ السُّلْطانَ يَتَلَوَّمُ في ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ يَأْتِ غَيْرُهم دَفَعَهُ إلَيْهِمْ، وكَذَلِكَ الآبِقُ " . وقالَ الحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: " يَدْفَعُها إلَيْهِ بِالعَلامَةِ " وقالَ أصْحابُنا في اللَّقِيطِ إذا ادَّعاهُ رَجُلانِ ووَصَفَ أحَدُهُما عَلامَةً في جَسَدِهِ: " إنَّهُ أوْلى مِنَ الآخَرِ " . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ في مَتاعِ البَيْتِ إذا اخْتَلَفَ فِيهِ الرَّجُلُ، والمَرْأةُ: " إنَّ ما يَكُونُ لِلرَّجُلِ فَهو لِلرَّجُلِ وما كانَ لِلنِّساءِ فَهو لِلْمَرْأةِ وما كانَ لِلرَّجُلِ والمَرْأةِ فَهو لِلرَّجُلِ " فَحَكَمُوا فِيهِ بِظاهِرِ هَيْئَةِ المَتاعِ. وقالُوا في المُسْتَأْجِرِ، والمُؤاجِرِ إذا اخْتَلَفا في مِصْراعِ (p-٣٨٦)بابٍ مَوْضُوعٍ في الدّارِ: " إنَّهُ إنْ كانَ وفْقًا لِمِصْراعٍ مُعَلَّقٍ في البِناءِ فالقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدّارِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ وفْقًا لَهُ فالقَوْلُ قَوْلُ المُسْتَأْجِرِ، وكَذَلِكَ إنْ كانَ جِذْعٌ مَطْرُوحٌ في دارٍ وعَلَيْهِ نُقُوشٌ وتَصاوِيرُ مُوافِقَةٌ لِنُقُوشِ جُذُوعِ السَّقْفِ ووَفْقًا لَها فالقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدّارِ، وإنْ كانَتْ مُخالِفَةً لَها فالقَوْلُ قَوْلُ المُسْتَأْجِرِ " .
وهَذِهِ مَسائِلُ قَدْ حَكَمُوا في بَعْضِها بِالعَلامَةِ ولَمْ يَحْكُمُوا بِها في بَعْضٍ. ولا خِلافَ بَيْنَ أصْحابِنا أنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ تَنازَعا عَلى قِرْبَةٍ وهُما مُتَعَلِّقانِ بِها وأحَدُهُما سَقّاءٌ، والآخَرُ عَطّارٌ أنَّهُ بَيْنَهُما نِصْفَيْنِ ولا يُقْضى لِلسَّقّاءِ بِذَلِكَ عَلى العَطّارِ، فَأمّا قَوْلُهم في اللُّقَطَةِ، فَإنَّ المُلْتَقِطَ لَهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ، والمُدَّعِي لَها يُرِيدُ إزالَةَ يَدِهِ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «البَيِّنَةُ عَلى المُدَّعِي، واليَمِينُ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ» وكَوْنُ الَّذِي في يَدِهِ مُلْتَقَطًا لا يُخْرِجُ المُدَّعِيَ مِن أنْ يَكُونَ مُدَّعِيًا فَلا يُصَدَّقُ عَلى دَعْواهُ إلّا بِبَيِّنَةٍ؛ إذْ لَيْسَتْ لَهُ يَدٌ، والعَلامَةُ لَيْسَتْ بِبَيِّنَةٍ؛ لِأنَّ رَجُلًا لَوِ ادَّعى مالًا في يَدِ رَجُلٍ وأعْطى عَلامَتَهُ واَلَّذِي في يَدِهِ غَيْرُ مُلْتَقِطٍ لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ العَلامَةِ بَيِّنَةً يَسْتَحِقُّ بِها شَيْئًا.
وأمّا قَوْلُ أصْحابِنا في الرَّجُلَيْنِ يَدَّعِيانِ لَقِيطًا كُلُّ واحِدٍ يَدَّعِي أنَّهُ ابْنُهُ ووَصَفَ أحَدُهُما عَلامَةً في جَسَدِهِ، فَإنَّما جَعَلُوهُ، أوْلى اسْتِحْسانًا، مِن قِبَلِ أنَّ مُدَّعِيَ اللَّقِيطِ يَسْتَحِقُّهُ بِدَعْواهُ مِن غَيْرِ عَلامَةٍ ويَثْبُتُ النَّسَبُ مِنهُ بِقَوْلِهِ وتَزُولُ يَدُ مَن هو في يَدِهِ، فَلَمّا تَنازَعَهُ اثْنانِ صارَ كَأنَّهُ في أيْدِيهِما؛ لِأنَّهُما قَدِ اسْتَحَقّا أنْ يُقْضى بِالنَّسَبِ لَهُما لَوْ لَمْ يَصِفْ أحَدُهُما عَلامَةً في جَسَدِهِ، فَلَمّا زالَتْ يَدُ مَن هو في يَدِهِ صارَ بِمَنزِلَتِهِ لَوْ كانَ في أيْدِيهِما مِن طَرِيقِ الحُكْمِ جَمِيعُهُ في يَدِ هَذا وجَمِيعُهُ في يَدِ هَذا، فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ اعْتِبارُ العَلامَةِ. ونَظِيرُهُ الزَّوْجانِ إذا اخْتَلَفا في مَتاعِ البَيْتِ، لَمّا كانَ لِكُلِّ واحِدٍ يَدٌ في الجَمِيعِ اعْتُبِرَ أظْهَرُهُما تَصَرُّفًا وآكَدُهُما يَدًا، وكَذَلِكَ المُسْتَأْجِرُ لَهُ يَدٌ في الدّارِ، والمُؤاجِرُ أيْضًا لَهُ يَدٌ في جَمِيعِ الدّارِ فَلَمّا اسْتَوَيا في اليَدِ في الجَمِيعِ كانَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ العَلامَةُ المُوافِقَةُ لِصِحَّةِ دَعْواهُ أوْلى، وكانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِحُكْمِ يَدِهِ لا أنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ الحُكْمَ لَهُ بِالمِلْكِ كَما يَسْتَحِقُّ بِالبَيِّناتِ. فَهَذِهِ المَواضِعُ الَّتِي اعْتَبَرُوا فِيها العَلامَةَ إنَّما اعْتَبَرُوها مَعَ ثُبُوتِ اليَدِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُدَّعِيَيْنِ في الجَمِيعِ، فَصارَتِ العَلامَةُ مِن حُجَّةِ اليَدِ دُونَ اسْتِحْقاقِ المِلْكِ بِالعَلامَةِ، وأمّا المُدَّعِيانِ إذا كانَ في أيْدِيهِما شَيْءٌ مِنَ المَتاعِ وأحَدُهُما مِمَّنْ يُعالِجُ مِثْلَهُ وهو مِن آلَتِهِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُها في صِناعَتِهِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ في يَدِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما النِّصْفُ وأنَّ ما في يَدِ هَذا لَيْسَ في يَدِ الآخَرِ مِنهُ شَيْءٌ، فَلَوْ حَكَمْنا لِأحَدِهِما بِظاهِرِ صِناعَتِهِ، أوْ بِعَلامَةٍ مَعَهُ لَكُنّا قَدِ اسْتَحْقَقْنا عَلَيْهِ يَدًا هي لَهُ دُونَهُ، فَهُما فِيهِ بِمَنزِلَةِ (p-٣٨٧)رَجُلِ إسْكافٍ ادَّعى قالِبَ خُفٍّ في يَدِ صَيْرَفِيٍّ فَلا يَسْتَحِقُّ يَدَ الصَّيْرَفِيِّ لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ مِن صِناعَتِهِ، ومَسْألَةُ اللُّقَطَةِ هي هَذِهِ بِعَيْنِها؛ لِأنَّ المُدَّعِيَ لا يَدَ لَهُ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِحْقاقَ يَدِ المُلْتَقِطِ بِالعَلامَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّها بِالدَّعْوى إذا لَمْ تَكُنْ مَعَهُ عَلامَةٌ، فَكَذَلِكَ العَلامَةُ لا يَجُوزُ أنْ يَسْتَحِقَّ بِها يَدَ الغَيْرِ، وأمّا ما رُوِيَ في حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ «عَنِ اللُّقَطَةِ فَقالَ: اعْرِفْ عِفاصَها ووِعاءَها ووِكاءَها ثُمَّ عَرِّفْها سَنَةً، فَإنْ جاءَ صاحِبُها وإلّا فَشَأْنُكَ بِها»، فَإنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ مُدَّعِيَها يَسْتَحِقُّها بِالعَلامَةِ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إنَّما أمَرَهُ بِمَعْرِفَةِ العِفاصِ، والوِعاءِ، والوِكاءِ لِئَلّا يَخْتَلِطَ بِمالِهِ ولِيُعْلَمَ أنَّها لَقْطَةٌ، وقَدْ يَكُونُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي فَيَسَعُهُ دَفْعُها إلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَلْزَمْ في الحُكْمِ، وقَدْ يَكُونُ لِذِكْرِ العَلامَةِ ولِما يَظْهَرُ مِنَ الحالِ تَأْثِيرٌ في القَلْبِ يَغْلِبُ في الظَّنِّ صِدْقُهُ ولَكِنَّهُ لا يَعْمَلُ عَلَيْهِ في الحُكْمِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى كَذِبِ إخْوَةِ يُوسُفَ بِأنَّهُ لَوْ أكَلَهُ الذِّئْبُ لَخَرَّقَ قَمِيصَهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ وإياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ أشْياءُ نَحْوُ هَذا رَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: " اخْتَصَمَ إلى شُرَيْحٍ امْرَأتانِ في ولَدِ هِرَّةٍ، فَقالَتْ إحْداهُما: هَذِهِ ولَدُ هِرَّتِي، وقالَتِ الأُخْرى: هَذِهِ ولَدُ هِرَّتِي، فَقالَ: ألْقُوها مَعَ هَذِهِ، فَإنْ دَرَّتْ وقَرَّتْ واسْبَطَرَتْ فَهي لَها، وإنْ هَرَّتْ وفَرَّتْ وازْبَأرَّتْ فَلَيْسَ لَها " .
ورَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ قالَ: أخْبَرَنِي مُخْبِرٌ عَنْ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ: أنَّ امْرَأتَيْنِ ادَّعَتا كُبَّةَ غَزْلٍ، فَخَلا بِإحْداهُما، وقالَ: عَلامَ كَبَبْتِ غَزْلَكَ ؟ فَقالَتْ: عَلى جَوْزَةٍ، وخَلا بِالأُخْرى فَقالَتْ: عَلى كِسْرَةِ خُبْزٍ، فَنَقَضُوا الغَزْلَ فَدَفَعُوهُ إلى الَّتِي أصابَتْ " وهَذا الَّذِي كانَ يَفْعَلُهُ شُرَيْحٌ وإياسٌ مِن نَحْوِ هَذا لَمْ يَكُنْ عَلى وجْهِ إمْضاءِ الحُكْمِ بِهِ وإلْزامِ الخَصْمِ إيّاهُ، وإنَّما كانَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِدْلالِ بِما يَغْلِبُ في الظَّنِّ مِنهُ فَيُقَرِّرُ بَعْدَ ذَلِكَ المُبْطِلَ مِنهُما، وقَدْ يَسْتَحْيِ الإنْسانُ إذا ظَهَرَ مِثْلُ هَذا مِنَ الإقامَةِ عَلى الدَّعْوى فَيُقِرُّ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالإقْرارِ.
يوسف 12:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أحَدُهُما إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ قِيلَ: فِيهِ إضْمارُ عَصِيرِ العِنَبِ لِلْخَمْرِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخَمْرَ المائِعَةَ لا يَتَأتّى فِيها العَصْرُ. وقِيلَ: مَعْناهُ: أعْصِرُ ما يَؤُولُ إلى الخَمْرِ، فَسَمّاهُ بِاسْمِ الخَمْرِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ خَمْرًا عَلى وجْهِ المَجازِ. وجائِزٌ أنْ يَعْصِرَ مِنَ العِنَبِ خَمْرًا بِأنْ يَطْرَحَ العِنَبَ في الخابِيَةِ ويُتْرَكَ حَتّى يَنُشَّ ويَغْلِيَ فَيَكُونَ ما في العِنَبِ خَمْرًا فَيَكُونَ العَصْرُ لِلْخَمْرِ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: في لُغَةٍ تُسَمِّي العِنَبَ خَمْرًا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ قالَ قَتادَةُ: " كانَ يُداوِي مَرِيضَهم ويُعَزِّي حَزِينَهم ويَجْتَهِدُ في عِبادَةِ (p-٣٨٨)رَبِّهِ " . وقِيلَ: " كانَ يُعِينُ المَظْلُومَ ويَنْصُرُ الضَّعِيفَ ويَعُودُ المَرِيضَ " وقِيلَ: " مِنَ المُحْسِنِينَ في عِبارَةِ الرُّؤْيا؛ لِأنَّهُ كانَ يَعْبُرُ لِغَيْرِهِما " .
يوسف 12:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ الآيَةَ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَدَلَ عَنْ تَأْوِيلِ الرُّؤْيا إلى الإخْبارِ بِهَذا لَمّا رَأى عَلى أحَدِهِما فِيهِ مِنَ المَكْرُوهِ، فَلَمْ يَدَعاهُ حَتّى أخْبَرَهُما بِهِ " . وقِيلَ: " إنَّما قَدَّمَ هَذا لَيَعْلَما ما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ ولِيُقْبِلا إلى طاعَةِ اللَّهِ " وقَدْ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما بَيْنَهم قَبْلَ ذَلِكَ زَمانًا فَلَمْ يَحْكِ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ ذَكَرَ لَهم شَيْئًا مِنَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ وكانُوا قَوْمًا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَطْمَعْ مِنهم في الِاسْتِماعِ، والقَبُولِ، فَلَمّا رَآهم مُقْبِلِينَ إلَيْهِ عارِفِينَ بِإحْسانِهِ أمَلَ مِنهُمُ القَبُولَ والِاسْتِماعَ فَقالَ: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] الآيَةَ وهو مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] وتَرَقَّبْ وقْتَ الِاسْتِماعِ، والقَبُولِ مِنَ الدُّعاءِ إلى سَبِيلِ اللَّهِ بِالحِكْمَةِ، وإنَّما حَكى اللَّهُ ذَلِكَ لَنا لِنَقْتَدِيَ بِهِ فِيهِ.
يوسف 12:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ الظَّنُّ هاهُنا بِمَعْنى اليَقِينِ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ يَقِينًا وُقُوعَ ما عَبَّرَ عَلَيْهِ الرُّؤْيا وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] ومَعْناهُ أيْقَنْتُ وقَوْلُهُ ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ﴾ هَذِهِ الهاءُ تَعُودُ عَلى يُوسُفَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ " عَلى السّاقِي " وفِيهِ بَيانُ أنَّ لُبْثَهُ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ إنَّما كانَ؛ لِأنَّهُ سَألَ الَّذِي نَجا مِنهُما أنْ يَذْكُرَهُ عِنْدَ المَلِكِ وكانَ ذَلِكَ مِنهُ عَلى جِهَةِ الغَفْلَةِ، فَإنْ كانَ التَّأْوِيلُ عَلى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ الشَّيْطانَ أنْسى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذِكْرَ رَبِّهِ يَعْنِي ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى وأنَّ الأوْلى كانَ في تِلْكَ الحالِ أنْ يَذْكُرَ اللَّهَ ولا يَشْتَغِلَ بِمَسْألَةِ النّاجِي مِنهُما أنْ يَذْكُرَهُ عِنْدَ صاحِبِهِ فَصارَ اشْتِغالُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ الوَقْتِ سَبَبًا لِبَقائِهِ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، وإنْ كانَ التَّأْوِيلُ أنَّ الشَّيْطانَ أنْسى السّاقِيَ فَلِأنَّ يُوسُفَ لَمّا سَألَ السّاقِيَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَ اللَّهِ تَوْفِيقٌ لِلسّاقِي وخَلّاهُ ووَساوِسَ الشَّيْطانِ وخَواطِرَهُ حَتّى أنْساهُ ذِكْرُ رَبِّهِ أمْرَ يُوسُفَ، وأمّا البِضْعُ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ " هو مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرِ " وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ " إلى التِّسْعِ " وقالَ وهْبٌ لَبِثَ سَبْعَ سِنِينَ.
يوسف 12:44
قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ فَإنّا قَدْ عَلِمْنا أنَّ الرُّؤْيا كانَتْ صَحِيحَةً ولَمْ تَكُنْ أضْغاثَ أحْلامٍ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَبَّرَها عَلى سِنِي الخَصْبِ، والجَدْبِ وهو يُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ الرُّؤْيا عَلى أوَّلِ ما تُعَبَّرُ؛ لِأنَّ القَوْمَ قالُوا هي أضْغاثُ أحْلامِ ولَمْ (p-٣٨٩)تَقَعْ كَذَلِكَ ويَدُلُّ عَلى فَسادِ الرِّوايَةِ بِأنَّ الرُّؤْيا عَلى رَجُلٍ طائِرٍ، فَإذا عَبَرَتْ وقَعَتْ.
يوسف 12:50
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ الآيَةَ يُقالُ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما لَمْ يُجِبْهم إلى الذَّهابِ إلى المَلِكِ حَتّى رَدَّ الرَّسُولُ إلَيْهِ بِأنْ يَسْألَ عَنِ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ لِتَظْهَرَ بَراءَةُ ساحَتِهِ فَيَكُونَ أجَلَّ في صَدْرِهِ عِنْدَ حُضُورِهِ وأقْرَبَ إلى قَبُولِ ما يَدْعُوهُ إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وقَبُولِ ما يُشِيرُ بِهِ عَلَيْهِ.
يوسف 12:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: هَذا مِن قَوْلِ يُوسُفَ، يَقُولُ: إنِّي إنَّما رَدَدْتُ الرَّسُولَ إلَيْهِ في سُؤالِ النِّسْوَةِ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ. وإنْ كانَ ابْتِداءُ الحِكايَةِ عَنِ المَرْأةِ، فَإنَّهُ رَدَّ الكَلامَ إلى الحِكايَةِ عَنْ قَوْلِ يُوسُفَ لِظُهُورِ الدَّلالَةِ عَلى المَعْنى، وذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقَبْلَهُ حِكايَةٌ عَنِ المَرْأةِ: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠] وقَبْلَهُ حِكايَةُ قَوْلِ المَلَإ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥]
يوسف 12:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ يَعْنِي أنَّ النَّفْسَ كَثِيرَةُ النِّزاعِ إلى السُّوءِ، فَلا يُبَرِّئُ نَفْسَهُ، وإنْ كانَ لا يُطاوِعُها، وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في قائِلِ هَذا القَوْلِ، فَقالَ قائِلُونَ: هو مِن قَوْلِ يُوسُفَ " وقالَ آخَرُونَ: هو مِن قَوْلِ المَرْأةِ " . الأمّارَةُ: الكَثِيرَةُ الأمْرِ بِالشَّيْءِ، والنَّفْسُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِكَثْرَةِ ما تَشْتَهِيهِ وتُنازِعُ إلَيْهِ مِمّا يَقَعُ الفِعْلُ مِن أجْلِهِ، وقَدْ كانَتْ إضافَةُ الأمْرِ بِالسُّوءِ إلى النَّفْسِ مَجازًا في أوَّلِ اسْتِعْمالِهِ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى سَقَطَ عَنْهُ اسْمُ المَجازِ وصارَ حَقِيقَةً، فَيُقالُ: نَفْسِي تَأْمُرُنِي بِكَذا وتَدْعُونِي إلى كَذا مِن جِهَةِ شَهْوَتِي لَهُ، وإنَّما لَمْ يَصِحَّ أنْ يَأْمُرَ الإنْسانُ نَفْسَهُ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ في الأمْرِ تَرْغِيبًا لِلْمَأْمُورِ بِتَمْلِيكِ ما لا يَمْلِكُ، ومُحالٌ أنْ يُمَلِّكَ الإنْسانُ نَفْسَهُ ما لا يَمْلِكُهُ؛ لِأنَّ مَن مَلَكَ شَيْئًا، فَإنَّما يَمْلِكُ ما هو مالِكُهُ.
يوسف 12:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ هَذا المَلِكُ لَمّا كانَ مِن أهْلِ العَقْلِ والدِّرايَةِ لَمْ يَرُعْهُ مِن يُوسُفَ مَنظَرُهُ الرّائِعُ البَهِجُ كَما راعَ النِّساءَ لِقِلَّةِ عُقُولِهِنَّ وضَعْفِ أحْلامِهِنَّ، وأنَّهُنَّ إنَّما نَظَرْنَ إلى ظاهِرِ حُسْنِهِ وجَمالِهِ دُونَ عِلْمِهِ وعَقْلِهِ وأنَّ المَلِكَ لَمْ يَعْبَأْ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ لَمّا كَلَّمَهُ ووَقَفَ عَلى كَمالِهِ بِبَيانِهِ وعِلْمِهِ قالَ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ فَقالَ يُوسُفُ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالعِلْمِ، والحِفْظِ. وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ جائِزٌ لِلْإنْسانِ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِالفَضْلِ عِنْدَ مَن لا يَعْرِفُهُ، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَحْظُورِ مِن تَزْكِيَةِ النَّفْسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]
يوسف 12:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ هَذا المَلِكُ لَمّا كانَ مِن أهْلِ العَقْلِ والدِّرايَةِ لَمْ يَرُعْهُ مِن يُوسُفَ مَنظَرُهُ الرّائِعُ البَهِجُ كَما راعَ النِّساءَ لِقِلَّةِ عُقُولِهِنَّ وضَعْفِ أحْلامِهِنَّ، وأنَّهُنَّ إنَّما نَظَرْنَ إلى ظاهِرِ حُسْنِهِ وجَمالِهِ دُونَ عِلْمِهِ وعَقْلِهِ وأنَّ المَلِكَ لَمْ يَعْبَأْ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ لَمّا كَلَّمَهُ ووَقَفَ عَلى كَمالِهِ بِبَيانِهِ وعِلْمِهِ قالَ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ فَقالَ يُوسُفُ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالعِلْمِ، والحِفْظِ. وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ جائِزٌ لِلْإنْسانِ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِالفَضْلِ عِنْدَ مَن لا يَعْرِفُهُ، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَحْظُورِ مِن تَزْكِيَةِ النَّفْسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]
يوسف 12:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ (p-٣٩٠)إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ يُقالُ إنَّ الَّذِي اقْتَضى طَلَبَهُ لِلْأخِ مِن أبِيهِمْ مُفاوَضَتُهُ لَهم بِالسُّؤالِ عَنْ أخْبارِهِمْ، فَلَمّا ذَكَرُوا إيثارَ أبِيهِمْ لَهُ عَلَيْهِمْ بِمَحَبَّتِهِ إيّاهُ مَعَ حِكْمَتِهِ أظْهَرَ أنَّهُ يُحِبُّ أنْ يَراهُ وأنَّ نَفْسَهُ مُتَطَلِّعَةٌ إلى عِلْمِ السَّبَبِ في ذَلِكَ، وكانَ غَرَضُهُ في ذُلِّ التَّوَصُّلِ إلى حُصُولِهِ عِنْدَهُ وكانَ قَدْ خافَ أنْ يَكْتُمُوا أباهُ أمْرَهُ إنْ ظَهَرَ لَهم أنَّهُ يُوسُفُ وأنْ يَتَوَصَّلُوا إلى أنْ يَحُولُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاجْتِماعِ مَعَهُ ومَعَ أخِيهِ، فَأجْرى تَدْبِيرَهُ عَلى تَدْرِيجٍ لِئَلّا يَهْجُمَ عَلَيْهِمْ ما يَشْتَدُّ اضْطِرابُهم مَعَهُ.
يوسف 12:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ (p-٣٩٠)إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ يُقالُ إنَّ الَّذِي اقْتَضى طَلَبَهُ لِلْأخِ مِن أبِيهِمْ مُفاوَضَتُهُ لَهم بِالسُّؤالِ عَنْ أخْبارِهِمْ، فَلَمّا ذَكَرُوا إيثارَ أبِيهِمْ لَهُ عَلَيْهِمْ بِمَحَبَّتِهِ إيّاهُ مَعَ حِكْمَتِهِ أظْهَرَ أنَّهُ يُحِبُّ أنْ يَراهُ وأنَّ نَفْسَهُ مُتَطَلِّعَةٌ إلى عِلْمِ السَّبَبِ في ذَلِكَ، وكانَ غَرَضُهُ في ذُلِّ التَّوَصُّلِ إلى حُصُولِهِ عِنْدَهُ وكانَ قَدْ خافَ أنْ يَكْتُمُوا أباهُ أمْرَهُ إنْ ظَهَرَ لَهم أنَّهُ يُوسُفُ وأنْ يَتَوَصَّلُوا إلى أنْ يَحُولُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاجْتِماعِ مَعَهُ ومَعَ أخِيهِ، فَأجْرى تَدْبِيرَهُ عَلى تَدْرِيجٍ لِئَلّا يَهْجُمَ عَلَيْهِمْ ما يَشْتَدُّ اضْطِرابُهم مَعَهُ.
يوسف 12:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: " كانُوا ذَوِي صُورَةٍ وجَمالٍ فَخافَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ " . وقالَ غَيْرُهم: " خافَ عَلَيْهِمْ حَسَدَ النّاسِ لَهم وأنْ يَبْلُغَ المَلِكَ قُوَّتُهم وبَطْشُهم فَيَقْتُلَهم خَوْفًا عَلى مُلْكِهِ " . وما قالَتْهُ الجَماعَةُ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «العَيْنُ حَقٌّ» .
يوسف 12:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ قِيلَ: أمَرَ يُوسُفُ بَعْضَ أصْحابِهِ بِأنْ يَجْعَلَ الصّاعَ في رَحْلِ أخِيهِ، ثُمَّ قالَ قائِلٌ مِنَ المُوَكَّلِينَ بِالصِّيعانِ، وقَدْ فَقَدُوهُ ولَمْ يَدْرُوا مَن أخَذَهُ: ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ عَلى ظَنٍّ مِنهم أنَّهم كَذَلِكَ، ولَمْ يَأْمُرْهم يُوسُفُ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُ هَذا القائِلِ كَذِبًا؛ إذْ كانَ مَرْجِعُهُ إلى غالِبِ ظَنِّهِ وما هو عِنْدَهُ.
وفِيما تَوَصَّلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ إلى أخْذِ أخِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ جائِزٌ لِلْإنْسانِ التَّوَصُّلُ إلى أخْذِ حَقِّهِ مِن غَيْرِهِ بِما يُمْكِنُهُ الوُصُولُ إلَيْهِ بِغَيْرِ رِضا مَن عَلَيْهِ الحَقُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] رُوِيَ عَنْ يَحْيى بْنِ يَمانٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ: ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] قالَ: " كَفِيلٌ " . قالَ أبُو بَكْرٍ ظَنَّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ ذَلِكَ كَفالَةٌ عَنْ إنْسانٍ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ قائِلَ ذَلِكَ جَعَلَ حِمْلَ بَعِيرٍ أُجْرَةً لِمَن جاءَ بِالصّاعِ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: "أنا بِهِ زَعِيمٌ" يَعْنِي ضامِنٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنِّي زَعِيمٌ إنْ رَجَعْتُ مُسْلِمًا بِسَيْرٍ يُرى مِنهُ الفَرانِقُ أزْوَرا
أيْ ضامِنٌ لِذَلِكَ. فَهَذا القائِلُ لَمْ يَضْمَن عَنْ إنْسانٍ شَيْئًا، وإنَّما ألْزَمَ نَفْسَهُ ضَمانَ الأُجْرَةِ لِرَدِّ الصّاعِ، وهَذا أصْلٌ في جَوازِ قَوْلِ القائِلِ: " مَن حَمَلَ هَذا المَتاعَ إلى مَوْضِعِ كَذا فَلَهُ دِرْهَمٌ " وأنَّ هَذِهِ إجارَةٌ جائِزَةٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ يُشارِطُ عَلى ذَلِكَ رَجُلًا بِعَيْنِهِ وكَذَلِكَ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ في السِّيَرِ الكَبِيرِ إذا قالَ أمِيرُ الجَيْشِ: " مَن ساقَ هَذِهِ الدَّوابَّ إلى مَوْضِعِ كَذا " أوْ قالَ: " مَن حَمَلَ هَذا المَتاعَ إلى مَوْضِعِ كَذا فَلَهُ كَذا " أنَّ هَذا جائِزٌ ومَن حَمَلَهُ اسْتَحَقَّ الأجْرَ (p-٣٩١)وهَذا مَعْنى ما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ ذَكَرَ هِشامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أيْضًا فِيمَن كانَتْ في يَدِهِ دارٌ لِرَجُلٍ يَسْكُنْها فَقالَ: " إنْ أقَمْتَ فِيها بَعْدَ يَوْمِكَ هَذا فَأجْرُهُ كُلَّ يَوْمٍ عَشَرَةُ دَراهِمَ عَلَيْكَ " أنَّ هَذا جائِزٌ، وإنْ أقامَ فِيها بَعْدَ هَذا القَوْلِ لَزِمَهُ لِكُلِّ يَوْمٍ ما سَمّى، فَجَعَلَ سُكْناهُ بَعْدَ ذَلِكَ رِضًا، وكانَ ذَلِكَ إجارَةً وإنْ لَمْ يُقاوِلْهُ بِاللِّسانِ. وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قَدْ أخْبَرَ أنَّ مَن رَدَّ الصّاعَ اسْتَحَقَّ الأجْرَ وإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما عَقْدُ إجارَةٍ، بَلْ فِعْلُهُ لِذَلِكَ بِمَنزِلَةِ قَبُولِ الإجارَةِ. وعَلى هَذا قالُوا فِيمَن قالَ لِآخَرَ: " قَدِ اسْتَأْجَرْتُكَ عَلى حَمْلِ هَذا المَتاعِ إلى مَوْضِعِ كَذا بِدِرْهَمٍ " أنَّهُ إنْ حَمَلَهُ اسْتَحَقَّ الدِّرْهَمَ وإنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِقَبُولِها.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ هَذا لَمْ يَكُنْ إجارَةً؛ لِأنَّ الإجارَةَ لا تَصِحُّ عَلى حِمْلِ بَعِيرٍ، وإنْ كانَتْ إجارَةً فَهي مَنسُوخَةٌ؛ لِأنَّ الإجارَةَ لا تَجُوزُ في شَرِيعَةِ نَبِيِّنا ﷺ إلّا بِأجْرٍ مَعْلُومٍ. قِيلَ لَهُ: هو أجْرٌ مَعْلُومٌ؛ لِأنَّ حِمْلَ بَعِيرٍ اسْمٌ لِمِقْدارٍ ما مِنَ الكَيْلِ والوَزْنِ، كَقَوْلِهِمْ كارَّةٌ ووِقْرٌ ووَسْقٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، ولَمّا لَمْ يُنْكِرْ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ دَلَّ عَلى صِحَّتِهِ، وشَرائِعُ مَن قَبْلَنا مِنَ الأنْبِياءِ حُكْمُها ثابِتٌ عِنْدَنا ما لَمْ تُنْسَخْ.
يوسف 12:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ قالَ الحَسَنُ وأبُو إسْحاقَ ومَعْمَرٌ والسُّدِّيُّ: كانَ مِن عادَتِهِمْ أنْ يَسْتَرِقُّوا السّارِقَ، فَكانَ تَقْدِيرُهُ: جَزاؤُهُ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ رَقِيقًا فَهو جَزاءٌ عِنْدَنا كَجَزائِهِ عِنْدَكم، فَلَمّا وُجِدَ في رَحْلِ أخِيهِ أخَذَهُ عَلى ما شَرَطَ أنَّهُ جَزاءُ سَرِقَتِهِ، فَقالُوا: خُذْ أحَدَنا مَكانَهُ عَبْدًا رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ يَجُوزُ في ذَلِكَ الوَقْتِ اسْتِرْقاقُ الحُرِّ بِالسَّرِقَةِ، وكانَ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يُرِقَّ نَفْسَهُ لِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَذَلُوا واحِدًا مِنهم لِيَكُونَ عَبْدًا بَدَلَ أخِي يُوسُفَ. وقَدْ رُوِيَ «عَنْ عَبْدٍ سَرَقَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ باعَهُ في دَيْنٍ عَلَيْهِ وكانَ حُرًّا»، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ هَذا الحُكْمُ قَدْ كانَ ثابِتًا إلى أنْ نُسِخَ عَلى لِسانِ نَبِيِّنا ﷺ .
وفِيما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن قِصَّةِ يُوسُفَ وحِفْظِهِ لِلْأطْعِمَةِ في سِنِي الجَدْبِ وقِسْمَتِهِ عَلى النّاسِ بِقَدْرِ الحاجَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ عَلى الأئِمَّةِ في كُلِّ عَصْرٍ أنْ يَفْعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ إذا خافُوا هَلاكَ النّاسِ مِنَ القَحْطِ.
يوسف 12:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا﴾ إنَّما أخْبَرُوا عَنْ ظاهِرِ الحالِ لا عَنْ باطِنِها؛ إذْ لَمْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِباطِنِها ولِذَلِكَ قالُوا: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ فَكانَ في الظّاهِرِ لَمّا وُجِدَ الصّاعُ في رَحْلِهِ أنَّهُ هو الآخِذُ لَهُ فَقالُوا: ﴿وما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا﴾ يَعْنِي مِنَ الأمْرِ الظّاهِرِ لا مِنَ الحَقِيقَةِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى جَوازِ إطْلاقِ اسْمِ العِلْمِ مِن طَرِيقِ الظّاهِرِ (p-٣٩٢)وإنْ لَمْ يُعْلَمْ حَقِيقَةً، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ومَعْلُومٌ أنّا لا نُحِيطُ بِضَمائِرِهِنَّ عِلْمًا وإنَّما هو عَلى ما يَظْهَرُ مِن إيمانِهِنَّ. وقَدْ قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ: " ما كُنّا نَشْعُرُ أنَّ ابْنَكَ سَيَسْرِقُ "، والآخَرُ: ما قَدَّمْنا، وهو أنّا لا نَدْرِي باطِنَ الأمْرِ في السَّرِقَةِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ جازَ لَهُ اسْتِخْراجُ الصّاعِ مِن رَحْلِ أخِيهِ عَلى حالٍ يُوجِبُ تُهْمَتَهُ عِنْدَ النّاسِ مَعَ بَراءَةِ ساحَتِهِ وعَمَّ أبِيهِ وإخْوَتَهُ بِهِ ؟ قِيلَ لَهُ: لِأنَّهُ كانَ في ذَلِكَ ضُرُوبٌ مِنَ الصَّلاحِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ عَنْ مُواطَأةٍ مِن أخِيهِ لَهُ عَلى ذَلِكَ وتَلَطُّفٍ في إعْلامِ أبِيهِ بِسَلامَتِهِما، ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ أنْ يَتَّهِمَهُ بِالسَّرِقَةِ مَعَ إمْكانِ أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ جَعَلَهُ في رَحْلِهِ، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِذَلِكَ تَعْرِيضًا لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْبَلْوى بِفَقْدِهِ أيْضًا لِيَصْبِرَ فَيَتَضاعَفَ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ الثَّوابُ الجَزِيلُ بِصَبْرِهِ عَلى فَقْدِهِما.
وفِيما حَكى اللَّهُ تَعالى مِن أمْرِ يُوسُفَ وما عامَلَ بِهِ إخْوَتَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ [يوسف: ٧٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] دَلالَةٌ عَلى إجازَةِ الحِيلَةِ في التَّوَصُّلِ إلى المُباحِ واسْتِخْراجِ الحُقُوقِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى رَضِيَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِ ولَمْ يُنْكِرْهُ، وقالَ في آخِرِ القِصَّةِ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] ومِن نَحْوِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] وكانَ حَلَفَ أنْ يَضْرِبَها عَدَدًا، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأخْذِ الضِّغْثِ وضَرْبِها بِهِ لِيَبَرَّ في يَمِينِهِ مِن غَيْرِ إيصالِ ألَمٍ كَبِيرٍ إلَيْها. ومِن نَحْوِهِ النَّهْيُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالخِطْبَةِ وإباحَةُ التَّوَصُّلِ إلى إعْلامِها رَغْبَتَهُ بِالتَّعْرِيضِ. ومِن جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلى خَيْبَرَ فَأتاهُ بِتَمْرٍ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذا ؟ فَقالَ: لا واَللَّهِ، إنَّما نَأْخُذُ الصّاعَ بِالصّاعَيْنِ والصّاعَيْنِ بِالثَّلاثَةِ، قالَ: فَلا تَفْعَلْ بِعِ الجَمِيعَ بِالدَّراهِمِ ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّراهِمِ تَمْرًا»، كَذا رَوى ذَلِكَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ عَبْدِ المَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ «فَحَظَرَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّفاضُلَ في التَّمْرِ وعَلَّمَهُ كَيْفَ يَحْتالُ في التَّوَصُّلِ إلى أخْذِ هَذا التَّمْرِ». ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ لِهِنْدٍ: «خُذِي مِن مالِ أبِي سُفْيانَ ما يَكْفِيكَ ووَلَدَكَ بِالمَعْرُوفِ» . فَأمَرَها بِالتَّوَصُّلِ إلى أخْذِ حَقِّها وحَقِّ ولَدِها. ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا أرادَ سَفَرًا ورّى بِغَيْرِهِ» .
ورَوى يُونُسُ ومَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «أرْسَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ إلى أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ أنِ ائْتُونا فَإنّا سَنُغِيرُ عَلى بَيْضَةِ المُسْلِمِينَ مِن ورائِهِمْ، فَسَمِعَ ذَلِكَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ وكانَ مُوادِعًا لِلنَّبِيِّ ﷺ (p-٣٩٣)وكانَ عِنْدَ عُيَيْنَةَ حِينَ أرْسَلَتْ بِذَلِكَ بَنُو قُرَيْظَةَ إلى الأحْزابِ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ، فَأقْبَلَ نُعَيْمُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ خَبَرَها وما أرْسَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ إلى الأحْزابِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَعَلَّنا أُمِرْنا بِذَلِكَ فَقامَ نُعَيْمٌ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: وكانَ نُعَيْمٌ رَجُلًا لا يَكْتُمُ الحَدِيثَ، فَلَمّا ولّى مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذاهِبًا إلى غَطَفانَ قالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما هَذا الَّذِي قُلْتُ إنْ كانَ أمْرًا مِن أمْرِ اللَّهِ فَأمْضِهِ وإنْ كانَ هَذا رَأْيًا رَأيْتَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ فَإنَّ شَأْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ أهْوَنُ مِن أنْ تَقُولَ شَيْئًا يُؤْثَرُ عَنْكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ هَذا رَأْيٌ إنَّ الحَرْبَ خُدْعَةٌ» .
ورَوى أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ عَنْ عُمَرَ قالَ: " إنَّ في مَعارِيضِ الكَلامِ لَمَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ " .
ورَوى الحَسَنُ بْنُ عُمارَةَ عَنِ الحَكَمِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ما يَسُرُّنِي بِمَعارِيضِ الكَلامِ حُمُرُ النَّعَمِ " . وقالَ إبْراهِيمُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ لِلْمَلِكِ حِينَ سَألَهُ عَنْ سارَةَ فَقالَ: مَن هي مِنكَ ؟ قالَ: هي أُخْتِي لِئَلّا يَأْخُذَها، وإنَّما أرادَ أُخْتِي في الدِّينِ وقالَ لِلْكُفّارِ: إنِّي سَقِيمٌ، حِينَ تَخَلَّفَ لِيُكَسِّرَ آلِهَتَهم، وكانَ مَعْناهُ: إنِّي سَأسْقَمُ يَعْنِي أمُوتُ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] فَعارَضَ بِكَلامِهِ عَمّا سَألُوهُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ عَلى وجْهٍ لا يَلْحَقُ فِيهِ الكَذِبُ. فَهَذِهِ وُجُوهٌ أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِيها بِالِاحْتِيالِ في التَّوَصُّلِ إلى المُباحِ، وقَدْ كانَ لَوْلا وجْهُ الحِيلَةِ فِيهِ مَحْظُورًا وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ الوَطْءَ بِالزِّنا وأمَرَنا بِالتَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِعَقْدِ النِّكاحِ وحَظَرَ عَلَيْنا أكْلَ المالِ بِالباطِلِ وأباحَهُ بِالشِّرى والهِبَةِ ونَحْوِها، فَمَن أنْكَرَ التَّوَصُّلَ إلى اسْتِباحَةِ ما كانَ مَحْظُورًا مِنَ الجِهَةِ الَّتِي أباحَتْهُ الشَّرِيعَةُ فَإنَّما يَرُدُّ أُصُولَ الدِّينِ وما قَدْ ثَبَتَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ.
فَإنْ قِيلَ: حَظَرَ اللَّهُ تَعالى عَلى اليَهُودِ صَيْدَ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ فَحَبَسُوا السَّمَكَ يَوْمَ السَّبْتِ وأخَذُوهُ يَوْمَ الأحَدِ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ. قِيلَ لَهُ: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُمُ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ، وهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ حَبْسُها في السَّبْتِ قَدْ كانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِمْ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ حَبْسُهم لَها في السَّبْتِ مُحَرَّمًا لَما قالَ: ﴿اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥]
يوسف 12:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ لَمّا تَرَكَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ النَّكِيرَ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى جَوازِ إظْهارِ مِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ وأنَّهُ لا يَجْرِي مَجْرى الشَّكْوى مِنَ اللَّهِ تَعالى.
* *
وقَوْلُهُ: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ أُجْرَةَ الكَيّالِ عَلى البائِعِ؛ لِأنَّ عَلَيْهِ تَعْيِينَ المَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي ولا يَتَعَيَّنُ إلّا بِالكَيْلِ، وقَدْ قالُوا لَهُ: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ الكَيْلَ قَدْ كانَ عَلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: «نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعامِ (p-٣٩٤)حَتّى يَجْرِيَ فِيهِ الصّاعانِ صاعُ البائِعِ وصاعُ المُشْتَرِي»، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَيْلَ عَلى المُشْتَرِي لِأنَّ مُرادَهُ الصّاعُ الَّذِي اكْتالَ بِهِ البائِعُ مِن بائِعِهِ وصاعُ المُشْتَرِي هو ما اكْتالَهُ المُشْتَرِي الثّانِي مِنَ البائِعِ. قِيلَ لَهُ: قَوْلُهُ صاعُ البائِعِ " لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ البائِعَ هو الَّذِي اكْتالَ، وجائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصّاعَ الَّذِي كالَ البائِعُ بِهِ بائِعَهُ وصاعَ المُشْتَرِي الَّذِي كالَهُ لَهُ بائِعُهُ، فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الِاكْتِيالِ عَلى المُشْتَرِي وإذا صَحَّ ذَلِكَ فِيما وصَفْنا مِنَ الكَيْلِ فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ أُجْرَةَ وِزانِ الثَّمَنِ عَلى المُشْتَرِي؛ لِأنَّ عَلَيْهِ تَعْيِينَ الثَّمَنِ لِلْبائِعِ، ولا يَتَعَيَّنُ إلّا بِوَزْنِهِ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الوِزانِ. وأمّا أُجْرَةُ النّاقِدِ فَإنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِماعَةَ رَوى عَنْ مُحَمَّدٍ: " أنَّهُ قَبْلَ أنْ يَسْتَوْفِيَهُ البائِعُ فَهو عَلى المُشْتَرِي؛ لِأنَّ عَلَيْهِ تَسْلِيمَ الثَّمَنِ إلَيْهِ صَحِيحًا، وإنْ كانَ قَدْ قَبَضَهُ البائِعُ فَأُجْرَةُ النّاقِدِ عَلى البائِعِ؛ لِأنَّهُ قَدْ قَبَضَهُ ومَلَكَهُ، فَعَلَيْهِ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ شَيْئًا مِنهُ مَعِيبٌ يَجِبُ رَدُّهُ " .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّما سَألُوا التَّفَضُّلَ بِالنُّقْصانِ في السِّعْرِ ولَمْ يَسْألُوا الصَّدَقَةَ " . وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: " سَألُوا الصَّدَقَةَ وهم أنْبِياءٌ وكانَتْ حَلالًا، وإنَّما حُرِّمَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ " . وكَرِهَ مُجاهِدٌ أنْ يَقُولَ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ؛ لِأنَّ الصَّدَقَةَ إنَّما هي مِمَّنْ يَبْتَغِي الثَّوابَ.
يوسف 12:89
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ فِيهِ إخْبارٌ أنَّهم كانُوا جاهِلِينَ عِنْدَ وُقُوعِ الفِعْلِ مِنهم وأنَّهم لَمْ يَكُونُوا جاهِلِينَ في هَذا الوَقْتِ، فَمِنَ النّاسِ مَن يَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ؛ لِأنَّهم لَوْ فَعَلُوهُ بَعْدَ البُلُوغِ مَعَ أنَّهم لَمْ تَظْهَرْ مِنهم تَوْبَةٌ لَكانُوا جاهِلِينَ في الحالِ، وإنَّما أرادَ جَهالَةَ الصِّبا لا جَهالَةَ المَعاصِي. وقَوْلُ يُوسُفَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] يَدُلُّ عَلى أنَّهم فَعَلُوهُ بَعْدَ البُلُوغِ وأنَّ ذَلِكَ كانَ ذَنْبًا مِنهم يَجِبُ عَلَيْهِمُ الِاسْتِغْفارُ مِنهُ وظاهِرُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم تابُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧] ولا يَقُولُ مِثْلُهُ مَن فَعَلَ شَيْئًا في حالِ الصِّغَرِ قَبْلَ أنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ القَلَمُ. وقَوْلُهُ: ﴿يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ [يوسف: ٩٧] إنَّما جازَ لَهم مَسْألَةُ الِاسْتِغْفارِ مَعَ حُصُولِ التَّوْبَةِ لِأجْلِ المَظْلَمَةِ المُعَلَّقَةِ بِعَفْوِ المَظْلُومِ وسُؤالِ رَبِّهِ أنْ لا يَأْخُذَهُ بِما عامَلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما سَألَهُ أنْ يُبَلِّغَهُ بِدُعائِهِ مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَكُنْ في جِنايَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ وعَمْرِو بْنِ قَيْسٍ: " أنَّهُ أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى السَّحَرِ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى إجابَةِ الدُّعاءِ " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ «النَّبِيِّ ﷺ: (p-٣٩٥)أنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ» . وقِيلَ: إنَّما سَألُوهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم دائِمًا في دُعائِهِ.
يوسف 12:100
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ يُقالُ: إنَّ التَّحِيَّةَ لِلْمُلُوكِ كانَتِ السُّجُودَ وقِيلَ: إنَّهم سَجَدُوا لِلَّهِ شُكْرًا لَهُ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الِاجْتِماعِ مَعَ يُوسُفَ عَلى الحالِ السّارَّةِ، وأرادُوا بِذَلِكَ التَّعْظِيمَ لِيُوسُفَ، فَأضافَ السُّجُودَ إلى يُوسُفَ مَجازًا كَما يُقالُ: " صَلّى لِلْقِبْلَةِ " و" صَلّى إلى غَيْرِ القِبْلَةِ " يَعْنِي إلى تِلْكَ الجِهَةِ. وقَوْلُ يُوسُفَ: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي سُجُودَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ فَكانَ السُّجُودُ في الرُّؤْيا هو السُّجُودُ في اليَقَظَةِ، وكانَ الشَّمْسُ والقَمَرُ والكَواكِبُ أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ ويُقالُ في قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ إنَّ أُمَّهُ كانَتْ ماتَتْ وتَزَوَّجَ خالَتَهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ وقالَ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ أُمُّهُ باقِيَةً " ورُوِيَ عَنْ سُلَيْمانَ وعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ: كانَتِ المُدَّةُ بَيْنَ الرُّؤْيا وبَيْنَ تَأْوِيلِها أرْبَعِينَ سَنَةً "، وعَنِ الحَسَنِ: كانَتْ ثَمانِينَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: " ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً " فَإنْ قِيلَ: إذا كانَتْ رُؤْيا الأنْبِياءِ صادِقَةً فَهَلّا تَسَلّى يَعْقُوبُ بِعِلْمِهِ بِوُقُوعِ تَأْوِيلِ رُؤْيا يُوسُفَ قِيلَ لَهُ: لِأنَّهُ رَآها وهو صَبِيٌّ، وقِيلَ: لِأنَّ طُولَ الغَيْبَةِ عَنِ الحَبِيبِ يُوجِبُ الحُزْنَ كَما يُوجِبُهُ مَعَ الثِّقَةِ بِالِالتِقاءِ في الآخِرَةِ.
يوسف 12:105
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ يَعْنِي: وكَمْ مِن آيَةٍ فِيهِما لا يُفَكِّرُونَ فِيها ولا يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ. وفِيهِ حَثٌّ عَلى الِاسْتِدْلالِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِآياتِهِ ودَلائِلِهِ والفِكْرِ فِيما يَقْتَضِيهِ مِن تَدْبِيرِ مُدَبِّرِها العالِمِ بِها القادِرِ عَلَيْها وأنَّهُ لا يُشْبِهُها، وذَلِكَ في تَدْبِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والرِّياحِ والأشْجارِ والنَّباتِ والنِّتاجِ والحَيَوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو ظاهِرٌ لِلْحَواسِّ ومُدْرَكٌ بِالعِيانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ: وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاَللَّهِ في إقْرارِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ وخَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ إلّا وهو مُشْرِكٌ بِعِبادَةِ الوَثَنِ " . وقالَ الحَسَنُ هم أهْلُ الكِتابِ مَعَهم شِرْكٌ وإيمانٌ " . وقِيلَ: " ما يُصَدِّقُونَ بِعِبادَةِ اللَّهِ إلّا وهم يُشْرِكُونَ الأوْثانَ في العِبادَةِ " . وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَعَ اليَهُودِيِّ إيمانًا بِمُوسى وكُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّها قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ لا يَتَنافَيانِ مِن وجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَيَكُونُ فِيهِ كُفْرٌ مِن وجْهٍ وإيمانٌ مِن وجْهٍ إلّا أنَّهُ لا يَحْصُلُ اجْتِماعُهُما عَلى جِهَةِ إطْلاقِ اسْمِ المُؤْمِنِ واسْتِحْقاقِ ثَوابِ الإيمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُنافِيهِ الكُفْرُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] قَدْ أثْبَتَ لَهُمُ الإيمانَ بِبَعْضِ (p-٣٩٦)الكِتابِ والكُفْرَ بِبَعْضٍ آخَرَ فَثَبَتَ بِذَلِكَ جَوازُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ كُفْرٌ مِن وجْهٍ وإيمانٌ مِن وجْهٍ آخَرَ، وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَجْتَمِعَ لَهُ صِفَةُ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ؛ لِأنَّ صِفَةَ مُؤْمِنٍ عَلى الإطْلاقِ صِفَةُ مَدْحٍ وصِفَةَ كافِرٍ صِفَةُ ذَمٍّ ويَتَنافى اسْتِحْقاقُ الصِّفَتَيْنِ مَعًا عَلى الإطْلاقِ في حالٍ واحِدَةٍ.
يوسف 12:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ يَعْنِي: وكَمْ مِن آيَةٍ فِيهِما لا يُفَكِّرُونَ فِيها ولا يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ. وفِيهِ حَثٌّ عَلى الِاسْتِدْلالِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِآياتِهِ ودَلائِلِهِ والفِكْرِ فِيما يَقْتَضِيهِ مِن تَدْبِيرِ مُدَبِّرِها العالِمِ بِها القادِرِ عَلَيْها وأنَّهُ لا يُشْبِهُها، وذَلِكَ في تَدْبِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والرِّياحِ والأشْجارِ والنَّباتِ والنِّتاجِ والحَيَوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو ظاهِرٌ لِلْحَواسِّ ومُدْرَكٌ بِالعِيانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ: وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاَللَّهِ في إقْرارِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ وخَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ إلّا وهو مُشْرِكٌ بِعِبادَةِ الوَثَنِ " . وقالَ الحَسَنُ هم أهْلُ الكِتابِ مَعَهم شِرْكٌ وإيمانٌ " . وقِيلَ: " ما يُصَدِّقُونَ بِعِبادَةِ اللَّهِ إلّا وهم يُشْرِكُونَ الأوْثانَ في العِبادَةِ " . وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَعَ اليَهُودِيِّ إيمانًا بِمُوسى وكُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّها قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ لا يَتَنافَيانِ مِن وجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَيَكُونُ فِيهِ كُفْرٌ مِن وجْهٍ وإيمانٌ مِن وجْهٍ إلّا أنَّهُ لا يَحْصُلُ اجْتِماعُهُما عَلى جِهَةِ إطْلاقِ اسْمِ المُؤْمِنِ واسْتِحْقاقِ ثَوابِ الإيمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُنافِيهِ الكُفْرُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] قَدْ أثْبَتَ لَهُمُ الإيمانَ بِبَعْضِ (p-٣٩٦)الكِتابِ والكُفْرَ بِبَعْضٍ آخَرَ فَثَبَتَ بِذَلِكَ جَوازُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ كُفْرٌ مِن وجْهٍ وإيمانٌ مِن وجْهٍ آخَرَ، وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَجْتَمِعَ لَهُ صِفَةُ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ؛ لِأنَّ صِفَةَ مُؤْمِنٍ عَلى الإطْلاقِ صِفَةُ مَدْحٍ وصِفَةَ كافِرٍ صِفَةُ ذَمٍّ ويَتَنافى اسْتِحْقاقُ الصِّفَتَيْنِ مَعًا عَلى الإطْلاقِ في حالٍ واحِدَةٍ.
يوسف 12:108
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ فِيهِ بَيانٌ أنَّهُ مَبْعُوثٌ بِدُعاءِ النّاسِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى بَصِيرَةٍ مِن أمْرِهِ، كَأنَّهُ يُبْصِرُهُ بِعَيْنِهِ وأنَّ مَنِ اتَّبَعَهُ فَذَلِكَ سَبِيلُهُ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ عَلى المُسْلِمِينَ دُعاءَ النّاسِ إلى اللَّهِ تَعالى كَما كانَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ.
يوسف 12:109
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ قِيلَ: مِن أهْلِ الأمْصارِ دُونَ البَوادِي؛ لِأنَّ أهْلَ الأمْصارِ أعْلَمُ وأحْكَمُ وأحْرى بِقَبُولِ النّاسِ مِنهم. وقالَ الحَسَنُ: " لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا مِن أهْلِ البادِيَةِ قَطُّ ولا مِنَ الجِنِّ ولا مِنَ النِّساءِ " .
يوسف 12:110
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا﴾ اليَأْسُ انْقِطاعُ الطَّمَعِ وقَوْلُهُ: ﴿كُذِبُوا﴾ قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ وبِالتَّثْقِيلِ، فَإذا قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ كانَ مَعْناهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ قالُوا: ظَنَّ الأُمَمُ أنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوهم فِيما أخْبَرُوهم بِهِ مِن نَصْرِ اللَّهِ تَعالى لَهم وهَلاكِ أعْدائِهِمْ " . ورُوِيَ عَنْ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَبْحابِ قالَ: حَدَّثَنِي إبْراهِيمُ بْنُ أبِي حُرَّةَ الجَزَرِيُّ قالَ: صَنَعْتُ طَعامًا فَدَعَوْتُ ناسًا مِن أصْحابِنا فِيهِمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأرْسَلْتُ إلى الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ فَأبى أنْ يَجِيءَ، فَأتَيْتُهُ فَلَمْ أدَعْهُ حَتّى جاءَ، قالَ: فَسَألَ فَتًى مِن قُرَيْشٍ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَقالَ لَهُ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ كَيْفَ تَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ فَإنِّي إذا أتَيْتُ عَلَيْهِ تَمَنَّيْتُ أنِّي لا أقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ قالَ: نَعَمْ، حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ مِن قَوْمِهِمْ أنْ يُصَدِّقُوهم وظَنَّ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ أنَّ الرُّسُلَ كُذِبُوا مُخَفَّفَةً فَقالَ الضَّحّاكُ: ما رَأيْتُ كاليَوْمِ قَطُّ رَجُلًا يُدْعى إلى عِلْمٍ فَيَتَلَكَّأُ، لَوْ رَحَلْتُ في هَذا إلى اليَمَنِ كانَ قَلِيلًا. وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسارٍ سَألَ سَعِيدًا عَنْهُ فَأجابَهُ بِذَلِكَ، فَقامَ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فاعْتَنَقَهُ وقالَ: فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ كَما فَرَّجْتَ عَنِّي. ومَن قَرَأ: " كُذِّبُوا " بِالتَّشْدِيدِ كانَ مَعْناهُ: أيْقَنُوا أنَّ الأُمَمَ قَدْ كَذَّبُوهم فَكَذِبُنا عَمَّهم حَتّى لا يُفْلِحَ أحَدٌ مِنهم رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عائِشَةَ والحَسَنِ وقَتادَةَ. آخِرُ سُورَةِ يُوسُفَ.
(p-٣٩٧)
الرعد 13:4
ومِن سُورَةِ الرَّعْدِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: " الأرْضُ السَّبَخَةُ والأرْضُ العَذْبَةُ " ﴿ونَخِيلٌ صِنْوانٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: " النَّخَلاتُ أصْلُها واحِدٌ " . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ فِيهِ أوْضَحُ دَلالَةٍ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ أصْحابِ الطَّبائِعِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ حُدُوثُ ما يَحْدُثُ مِنَ الثِّمارِ بِطَبْعِ الأرْضِ والهَواءِ والماءِ لَوَجَبَ أنْ يَتَّفِقَ ما يَحْدُثُ مِن ذَلِكَ؛ لِاتِّفاقِ ما يُوجِبُ حُدُوثَهُ؛ إذْ كانَتِ الطَّبِيعَةُ الواحِدَةُ تُوجِبُ عِنْدَهُمُ اتِّفاقَ ما يَحْدُثُ مِنها ولا يَجُوزُ أنْ تُوجِبَ فِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مُتَضادَّيْنِ، فَلَوْ كانَ حُدُوثُ هَذِهِ الأشْياءِ المُخْتَلِفَةِ الألْوانِ والطُّعُومِ والأرايِيحِ والأشْكالِ مِن إيجابِ الطَّبِيعَةِ لاسْتَحالَ اخْتِلافُها وتَضادُّها مَعَ اتِّفاقِ المُوجِبِ لَها، فَثَبَتَ أنَّ المُحْدِثَ لَها قادِرٌ مُخْتارٌ حَكِيمٌ قَدْ أحْدَثَها عَلى اخْتِلافِها عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِها وهو اللَّهُ تَعالى.
الرعد 13:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ: " الهادِي هو اللَّهُ تَعالى " ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا وقَتادَةَ: " الهادِي نَبِيُّ كُلِّ أُمَّةٍ " . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الهادِي الدّاعِي إلى الحَقِّ " . وعَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وأبِي الضُّحى وعِكْرِمَةَ: " الهادِي مُحَمَّدٌ ﷺ " . وهَذا هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ وهادٍ لِكُلِّ قَوْمٍ، والمُنْذِرُ هو الهادِي والهادِي أيْضًا هو المُنْذِرُ.
الرعد 13:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: " وما تَنْقُصُ مِنَ الأشْهُرِ التِّسْعَةِ وما تَزْدادُ، فَإنَّ الوَلَدَ يُولَدُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ فَيَعِيشُ ويُولَدُ لِسَنَتَيْنِ فَيَعِيشُ " . وقالَ الحَسَنُ: " وما تَنْقُصُ بِالسَّقْطِ وما تَزْدادُ بِالتَّمامِ " . وقالَ الفَرّاءُ: " الغَيْضُ النُّقْصانُ، ألا تَراهم يَقُولُونَ غاضَتِ المِياهُ إذا نَقَصَتْ ؟ " . وقالَ عِكْرِمَةُ: " إذا غاضَتْ " وقالَ: " ما غاضَتِ الرَّحِمُ بِالدَّمِ يَوْمًا إلّا زادَ في الحَمْلِ " . وقالَ مُجاهِدٌ: " الغَيْضُ ما رَأتِ الحامِلُ مِنَ الدَّمِ في حَمْلِها وهو نُقْصانٌ مِنَ الوَلَدِ، والزِّيادَةُ ما زادَ عَلى تِسْعَةِ أشْهُرٍ وهو تَمامُ النُّقْصانِ وهو الزِّيادَةُ " .
وزَعَمَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ: أنَّ التَّفْسِيرَ إنْ كانَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ فَهو حُجَّةٌ مِنهُ في أنَّ الحامِلَ تَحِيضُ، قالَ: " لِأنَّ كُلَّ دَمٍ يَخْرُجُ مِنَ الرَّحِمِ فَلَيْسَ يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ حَيْضًا أوْ نِفاسًا وأمّا دَمُ الِاسْتِحاضَةِ فَهو مِن عَرَقٍ " . وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الدَّمَ الخارِجَ مِنَ الرَّحِمِ قَدْ يَكُونُ حَيْضًا ونِفاسًا وقَدْ يَكُونُ غَيْرَهُما، وقَوْلُهُ ﷺ في (p-٣٩٨)دَمِ الِاسْتِحاضَةِ: «إنَّهُ دَمُ عِرْقٍ» غَيْرُ مانِعٍ أنْ يَكُونَ بَعْضُ ما يَخْرُجُ مِنَ الرَّحِمِ مِنَ الدَّمِ قَدْ يَكُونُ دَمُ اسْتِحاضَةٍ؛ لِأنَّهُ ﷺ قالَ: «إنَّما هو دَمُ عِرْقٍ انْقَطَعَ أوْ داءٌ عَرَضَ» فَأخْبَرَ أنَّ دَمَ الِاسْتِحاضَةِ قَدْ يَكُونُ مِن داءٍ عَرَضَ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن عِرْقٍ وأيْضًا فَما الَّذِي يُحِيلُ أنْ يَكُونَ دَمُ العِرْقِ خارِجًا مِنَ الرَّحِمِ بِأنْ يَنْقَطِعَ العِرْقُ فَيَسِيلُ الدَّمُ إلَيْها ثُمَّ يَخْرُجُ فَلا يَكُونُ حَيْضًا ولا نِفاسًا ؟ ثُمَّ قالَ: " فَلا يُقالُ إنَّ الحامِلَ لا تَحِيضُ إلّا بِخَبَرٍ عَنِ اللَّهِ أوْ عَنْ رَسُولِهِ؛ لِأنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ غَيْبٍ " . ونَسِيَ أنَّ قَضِيَّتَهُ تُوجِبُ أنْ لا يُقالَ: إنَّها تَحِيضُ إلّا بِخَبَرٍ عَنِ اللَّهِ وعَنِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ غَيْبٍ عَلى حَسَبِ مَوْضُوعِهِ وقاعِدَتِهِ، بَلْ قَدْ يَسُوغُ لِمَن نَفى الحَيْضَ عَنِ الحامِلِ ما لا يَسُوغُ لِمَن أثْبَتَهُ؛ لِأنّا قَدْ عَلِمْنا أنَّها كانَتْ غَيْرَ حائِضٍ فَإذا رَأتِ الدَّمَ واخْتَلَفُوا أنَّهُ حَيْضٌ أوْ غَيْرُ حَيْضٍ وفي إثْباتِ الحَيْضِ إثْباتُ أحْكامٍ، فَغَيْرُ جائِزٍ إثْباتُهُ حَيْضًا إلّا بِتَوْقِيفٍ.
وواجِبٌ أنْ تَكُونَ باقِيَةً عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ الحَيْضِ حَتّى يَثْبُتَ الحَيْضُ بِتَوْقِيفٍ أوِ اتِّفاقٍ؛ إذْ كانَ في إثْباتِ الدَّمِ حَيْضًا إثْباتُ حُكْمٍ لا سَبِيلَ إلى عِلْمِهِ إلّا مِن طَرِيقِ التَّوْقِيفِ. وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَنا حَيْضٌ " هو حُكْمُ الدَّمِ خارِجٌ مِنَ الرَّحِمِ، وقَدْ يُوجَدُ الدَّمُ خارِجًا مِنَ الرَّحِمِ عَلى هَيْئَةٍ واحِدَةٍ فَيُحْكَمُ لِما رَأتْهُ في أيّامِها بِحُكْمِ الحَيْضِ ولِما رَأتْهُ في غَيْرِ أيّامِها بِحُكْمِ الِاسْتِحاضَةِ وكَذَلِكَ النِّفاسُ. فَإذا كانَ الحَيْضُ لَيْسَ بِأكْثَرَ مِن إثْباتِ أحْكامِ الدَّمِ يُوجَدُ في أوْقاتٍ ولَمْ يَكُنِ الحَيْضُ عِبارَةً عَنِ الدَّمِ فَحَسْبُ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الحُكْمِ وإثْباتِ الحُكْمِ بِخُرُوجِ دَمٍ لا يُعْلَمُ إلّا مِن طَرِيقِ التَّوْقِيفِ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يُجْعَلَ هَذا الحُكْمُ ثابِتًا لِدَمِ الحامِلِ؛ إذْ لَمْ يَرِدْ بِهِ تَوْقِيفٌ ولا حَصَلَ عَلَيْهِ اتِّفاقٌ. ثُمَّ قالَ إسْماعِيلُ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ لا يُقالُ إنَّ الحامِلَ لا تَحِيضُ إلّا بِخَبَرٍ عَنِ اللَّهِ أوْ عَنْ رَسُولِهِ؛ لِأنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ غَيْبٍ: " ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ مَن قالَ: إنَّها تَحِيضُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ قالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَلَمّا قِيلَ: " النِّساءَ " لَزِمَ في ذَلِكَ العُمُومُ؛ لِأنَّ الدَّمَ إذا خَرَجَ مِن فَرْجِها فالحَيْضُ أوْلى بِهِ حَتّى يُعْلَمَ غَيْرُهُ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] لَيْسَ فِيهِ بَيانُ صِفَةِ الحَيْضِ بِمَعْنى يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو أذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] إنَّما هو إخْبارٌ عَمّا يَتَعَلَّقُ بِالمَحِيضِ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ والصَّوْمِ واجْتِنابِ الرَّجُلِ جِماعَها وإخْبارٌ عَنْ نَجاسَةِ دَمِ الحَيْضِ ولُزُومِ اجْتِنابِهِ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى وُجُودِهِ في حالِ الحَمْلِ وعَدَمِهِ وقَوْلُهُ: " لَمّا قِيلَ النِّساءَ لَزِمَ في ذَلِكَ العُمُومُ " لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (p-٣٩٩)وقَوْلُهُ: ﴿فِي المَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ أنَّ الحَيْضَ ما هو، ومَتى ثَبَتَ المَحِيضُ وجَبَ الِاعْتِزالُ، وإنَّما اخْتَلَفا في أنَّ الدَّمَ الخارِجَ في وقْتِ الحَمْلِ هَلْ هو حَيْضٌ أمْ لا، وقَوْلُ الخَصْمِ لا يَكُونُ حُجَّةً لِنَفْسِهِ وقَوْلُهُ: " إنَّ الدَّمَ إذا خَرَجَ مِن فَرْجِها فالحَيْضُ أوْلى بِهِ " دَعْوى مُجَرَّدَةٌ مِنَ البُرْهانِ، ولِخَصْمِهِ أنْ يَقُولَ: إنَّ الدَّمَ إذا خَرَجَ مِن فَرْجِها فَغَيْرُ الحَيْضِ أوْلى بِهِ حَتّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ حَيْضٌ لِوُجُودِنا دَمًا خارِجًا مِنَ الرَّحِمِ غَيْرَ حَيْضٍ، فَلَمْ يَحْصُلْ مِن جَمِيعِ هَذا الكَلامِ إلّا دَعاوى مَبْنِيَّةٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ وجَمِيعُها مُفْتَقِرٌ إلى دَلِيلٍ يُعَضِّدُها. وقَدْ رَوى مَطَرٌ الوَرّاقُ عَنْ عَطاءٍ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ في الحامِلِ تَرى الدَّمَ: " إنَّها لا تَدَعُ الصَّلاةَ " .
ورَوى حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ قالَ: لا يُخْتَلَفُ فِيهِ عِنْدَنا عَنْ عائِشَةَ أنَّها كانَتْ تَقُولُ في الحامِلِ تَرى الدَّمَ أنَّها تُمْسِكُ عَنِ الصَّلاةِ حَتّى تَطْهُرَ، وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ تُرِيدَ بِهِ الحامِلَ الَّتِي في بَطْنِها ولَدانِ فَوَلَدَتْ أحَدَهُما أنَّ النِّفاسَ مِنَ الأوَّلِ وأنَّها تَدَعُ الصَّلاةَ حَتّى تَطْهُرَ، عَلى ما يَقُولُ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ في ذَلِكَ، حَتّى يُصَحِّحَ الخَبَرَيْنِ جَمِيعًا عَنْها. وعِنْدَ أصْحابِنا أنَّ الحامِلَ لا تَحِيضُ، وأنَّ ما رَأتْهُ مِن دَمٍ فَهو اسْتِحاضَةٌ، وعِنْدَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ تَحِيضُ. فالحُجَّةُ لِقَوْلِنا ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في سَبايا أرْطاسٍ: «لا تُوطَأُ حامِلٌ حَتّى تَضَعَ ولا حائِلٌ حَتّى تَسْتَبْرِئَ بِحَيْضَةٍ» والِاسْتِبْراءُ هو مَعْرِفَةُ بَراءَةِ الرَّحِمِ فَلَمّا جَعَلَ الشّارِعُ وُجُودَ الحَيْضِ عَلَمًا لِبَراءَةِ الرَّحِمِ لَمْ يَجُزْ وُجُودُهُ مَعَ الحَبَلِ؛ لِأنَّهُ لَوْ جازَ وُجُودُهُ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ وُجُودُ الحَيْضِ عَلَمًا لِبَراءَةِ الرَّحِمِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا «قَوْلُهُ ﷺ في طَلاقِ السُّنَّةِ: فَلْيُطَلِّقْها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ أوْ حامِلًا قَدِ اسْتَبانَ حَمْلُها» فَلَوْ كانَتِ الحامِلُ تَحِيضُ لَفُصِلَ بَيْنَ جِماعِها وطَلاقِها بِحَيْضَةٍ كَغَيْرِ الحامِلِ، وفي إباحَتِهِ ﷺ إيقافَ الطَّلاقِ عَلى الحامِلِ بَعْدَ الجِماعِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ الطَّلاقِ بِحَيْضَةٍ دَلالَةٌ عَلى أنَّها لا تَحِيضُ. آخِرُ سُورَةِ الرَّعْدِ.
إبراهيم 14:25
ومِن سُورَةِ إبْراهِيمَ
﷽
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ رَوى أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " غَدْوَةٌ وعَشِيَّةٌ " .
ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " هي النَّخْلَةُ تُطْعَمُ في كُلِّ سِتَّةِ أشْهُرٍ "، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعامِرٍ وعِكْرِمَةَ.
ورَوى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وسُلَيْمانُ بْنُ أبِي كَثِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: " أرى الحِينَ سَنَةً "، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الحَكَمِ وحَمّادٍ مِن قَوْلِهِما، وكَذَلِكَ رُوِيَ (p-٤٠٠)عَنْ عِكْرِمَةَ في رِوايَةٍ مِن قَوْلِهِ وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: " الحِينُ شَهْرانِ، مِن حِينِ تُصْرَمُ النَّخْلُ إلى أنْ تَطْلُعَ "، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ النَّخْلَةَ لا تَكُونُ فِيها أُكُلُها إلّا شَهْرَيْنِ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ الحِينَ سِتَّةُ أشْهُرٍ.
ورَوى القاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِي حازِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الحِينِ فَقالَ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ سِتَّةَ أشْهُرٍ، ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] يَوْمَ القِيامَةِ. ورَوى هِشامُ بْنُ حَسّانٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ رَجُلًا قالَ: إنْ فَعَلْتُ كَذا وكَذا إلى حِينٍ فَغُلامُهُ حَرٌّ، فَأتى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فَسَألَهُ، فَسَألَنِي عَنْها فَقُلْتُ: إنَّ مِنَ الحِينِ حِينٌ لا يُدْرَكُ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١] فَأرى أنْ يُمْسَكَ ما بَيْنَ صِرامِ النَّخْلِ إلى حَمْلِها فَكَأنَّهُ أعْجَبَهُ.
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ قالَ: " ما بَيْنَ سِتَّةِ الأشْهُرِ أوِ السَّبْعَةِ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: الحِينُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى وقْتٍ مُبْهَمٍ، وجائِزٌ أنْ يُرادَ بِهِ وقْتٌ مُقَدَّرٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ثُمَّ قالَ: ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] فَهَذا عَلى وقْتِ صَلاةِ الفَجْرِ ووَقْتِ الظُّهْرِ ووَقْتِ المَغْرِبِ عَلى اخْتِلافٍ فِيهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ أُرِيدَ بِهِ فِعْلُ الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ في هَذِهِ الأوْقاتِ، فَصارَ " حِينَ " في هَذا المَوْضِعِ اسْمًا لِأوْقاتِ هَذِهِ الصَّلَواتِ. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ابْنُ عَبّاسٍ في الرِّوايَةِ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْهُ في الحِينِ أنَّهُ غَدْوَةٌ وعَشِيَّةٌ ذَهَبَ إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ويُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ أقْصَرُ الأوْقاتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ [الفرقان: ٤٢] وهَذا عَلى وقْتِ الرُّؤْيَةِ وهو وقْتٌ قَصِيرٌ غَيْرُ مُمْتَدٍّ. ويُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً؛ لِأنَّهُ رُوِيَ في تَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] أنَّهُ أرادَ أرْبَعِينَ سَنَةً، والسَّنَةُ والسِّتَّةُ الأشْهُرُ والثَّلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً والشَّهْرانِ عَلى ما ذَكَرْنا مِن تَأْوِيلِ السَّلَفِ لِلْآيَةِ كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ فَلَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ الحِينَ اسْمٌ يَقَعُ عَلى وقْتٍ مُبْهَمٍ وعَلى أقْصَرِ الأوْقاتِ وعَلى مُدَدٍ مَعْلُومَةٍ بِحَسَبِ قَصْدِ المُتَكَلِّمِ. ثُمَّ قالَ أصْحابُنا فِيمَن حَلَفَ أنْ لا يُكَلِّمَ فُلانًا حِينًا أنَّهُ عَلى سِتَّةِ أشْهُرٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ أقْصَرَ الأوْقاتِ، إذْ كانَ هَذا القَدْرُ مِنَ الأوْقاتِ لا يُحْلَفُ عَلَيْهِ في العادَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ لِأنَّ مَن أرادَ الحَلِفَ عَلى أرْبَعِينَ سَنَةً حَلَفَ عَلى التَّأْبِيدِ مِن غَيْرِ تَوْقِيتٍ. ثُمَّ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ لَمّا اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهِ عَلى ما وصَفْنا كانَ أقْصَرُ الأوْقاتِ فِيهِ سِتَّةَ أشْهُرٍ؛ لِأنَّ مِن حِينِ الصِّرامِ إلى وقْتِ أوانِ الطَّلْعِ سِتَّةَ أشْهُرٍ، وهو أوْلى مِنَ اعْتِبارِ (p-٤٠١)السَّنَةِ؛ لِأنَّ وقْتَ الثَّمَرَةِ لا يَمْتَدُّ سَنَةً بَلْ يَنْقَطِعُ حَتّى لا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ، وإذا اعْتَبَرْنا سِتَّةَ أشْهُرٍ كانَ مُوافِقًا لِظاهِرِ اللَّفْظِ في أنَّها تُطْعَمُ سِتَّةَ أشْهُرٍ وتَنْقَطِعُ سِتَّةَ أشْهُرٍ. وأمّا الشَّهْرانِ فَلا مَعْنى لِاعْتِبارِ مَنِ اعْتَبَرَهُما؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ مِن وقْتِ الصِّرامِ إلى وقْتِ خُرُوجِ الطَّلْعِ أكْثَرَ مِن شَهْرَيْنِ، فَإنِ اعْتُبِرَ بَقاءُ الثَّمَرَةِ شَهْرَيْنِ فَإنّا قَدْ عَلِمْنا أنَّ مِن وقْتِ خُرُوجِ الطَّلْعِ إلى وقْتِ الصِّرامِ أكْثَرَ مِن شَهْرَيْنِ أيْضًا، فَلَمّا بَطَلَ اعْتِبارُ السَّنَةِ واعْتِبارُ الشَّهْرَيْنِ بِما وصَفْنا ثَبَتَ أنَّ اعْتِبارَ السِّتَّةِ الأشْهُرِ أوْلى. آخِرُ سُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
تَمَّ الجُزْءُ الرّابِعُ ويَلِيهِ الجُزْءُ الخامِسُ وأوَّلُهُ سُورَةُ النَّحْلِ
النحل 16:5
بابُ شَعْرِ المَيْتَةِ وصُوفِها والفِراءِ وجُلُودِ السِّباعِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ ومُحَمَّدُ بْنُ صالِحٍ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ: " يَجُوزُ الِانْتِفاعُ بِعِظامِ المَيْتَةِ.
ولا بَأْسَ بِشَعْرِ المَيْتَةِ وصُوفِها، ولا يَكُونُ مَيْتَةً؛ لِأنَّهُ يُؤْخَذُ مِنها في حالِ الحَياةِ " وقالَ اللَّيْثُ: " لا يُنْتَفَعُ بِعَصَبِ المَيْتَةِ ولا بِعَقِبِها ولا أرى بَأْسًا بِالقَرْنِ والظِّلْفِ أنْ يُنْتَفَعَ بِهِ، ولا بَأْسَ بِعِظامِ المَيْتَةِ ولا الشَّعْرِ ولا الصُّوفِ " .
حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ الفَضْلِ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ قالَ: حَدَّثَنا يُوسُفُ بْنُ الشُّقْرِ، قالَ: حَدَّثَنا الأوْزاعِيُّ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ قالَ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لا بَأْسَ بِمَسْكِ المَيْتَةِ إذا دُبِغَ، ولا بَأْسَ بِصُوفِها وشَعْرِها وقَرْنِها إذا اغْتُسِلَ بِالماءِ» حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ الفَضْلِ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عُمَرَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ابْنِ أبِي لَيْلى، عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: حَدَّثَنِي أبِي أنَّهُ كانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَألَهُ رَجُلٌ عَنِ الصَّلاةِ في الفِراءِ والمَساتِقِ قالَ: " وقى الدِّباغُ عَنْكم " .
ورَوى يَحْيى الحِمّانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سَيْفُ بْنُ هارُونَ البُرْجُمِيُّ، عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الفِراءِ والجُبْنِ والسَّمْنِ فَقالَ: إنَّ الحَلالَ الَّذِي أحَلَّ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ، والحَرامَ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ، وما سَكَتَ عَنْهُ فَهو عَفْوٌ مِنهُ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذِهِ الأخْبارُ فِيها إباحَةُ الشَّعْرِ والصُّوفِ والفِراءِ والجُبْنِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ما ذَكَرْناهُ في حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مِنَ النَّصِّ عَلى إباحَةِ الشَّعْرِ والصُّوفِ مِنَ المَيْتَةِ، وحَدِيثِ ابْنِ أبِي لَيْلى في إباحَةِ الفِراءِ والمَساتِقَ. والآخَرُ: ما ذُكِرَ في حَدِيثِ سَلْمانَ، وفِيهِ دَّلالَةُ عَلى الإباحَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ مُحَرَّمًا لَأجابَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّحْرِيمِ.
والثّانِي: أنَّ ما لَمْ يُذْكَرْ بِتَحْرِيمٍ ولا تَحْلِيلٍ فَهو مُباحٌ بِقَوْلِهِ: «وما سَكَتَ عَنْهُ فَهو عَفْوٌ» .
ولَيْسَ في القُرْآنِ تَحْرِيمُ الشَّعْرِ والصُّوفِ ونَحْوِهِما، بَلْ فِيهِ ما يُوجِبُ الإباحَةَ وهو قَوْلُهُ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ﴾ والدِّفْءُ: ما يُتَدَفَّأُ بِهِ مِن شَعْرِها ووَبَرِها (p-١٥٠)وصُوفِها، وذَلِكَ يَقْتَضِي إباحَةَ الجَمِيعِ مِنَ المَيْتَةِ والحَيِّ. وقالَ تَعالى: ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] فَعَمَّ الجَمِيعَ بِالإباحَةِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ المُذَكّى مِنهُ وبَيْنَ المَيْتَةِ.
ومَن حَظَرَ هَذِهِ الأشْياءَ مِنَ المَيْتَةِ احْتَجَّ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وذَلِكَ يَتَناوَلُها بِجَمِيعِ أجْزائِها، فَإذا كانَ الصُّوفُ والشَّعْرُ والعِظامُ ونَحْوُها مِن أجْزائِها اقْتَضَتِ الآيَةُ تَحْرِيمَ جَمِيعِها فَيُقالُ لَهُ: إنَّما المُرادُ بِالآيَةِ ما يَتَأتّى فِيهِ الأكْلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَأخْبَرَ أنَّ التَّحْرِيمَ مَقْصُورٌ عَلى ما يَتَأتّى فِيهِ الأكْلُ.
وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّما حُرِّمَ مِنَ المَيْتَةِ لَحْمُها» وفي خَبَرٍ آخَرَ: «إنَّما حُرِّمَ أكْلُها» فَأبانَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ مُرادِ اللَّهِ تَعالى بِتَحْرِيمِ المَيْتَةِ. فَلَمّا لَمْ يَكُنِ الشَّعْرُ والصُّوفُ والعَظْمُ ونَحْوُها مِمّا ذَكَرْنا مِنَ المَأْكُولِ لَمْ يَتَناوَلْها التَّحْرِيمُ، ومِن حَيْثُ خَصَّصْنا جِلْدَ المَيْتَةِ المَدْبُوغَ بِالإباحَةِ لِلْآثارِ الوارِدَةِ فِيهِ وجَبَ تَخْصِيصُ الشَّعْرِ والصُّوفِ وما لا يَتَأتّى فِيهِ الأكْلُ مِن جُمْلَةِ المُحَرَّمِ بِالآثارِ المَرْوِيَّةِ فِيها مِمّا قَدَّمْنا ذِكْرَهُ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا مِن جِهَةٍ أُخْرى، وهي أنَّ جِلْدَ المَيْتَةِ لَمّا كانَ خُرُوجُهُ عَنْ حَدِّ الأكْلِ بِالدَّبّاغِ مُبِيحًا لَهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ سائِرِ ما لا يَتَأتّى فِيهِ الأكْلُ مِنها مِنَ الشَّعْرِ والصُّوفِ ونَحْوِهِما ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ الأخْبارَ الوارِدَةَ في إباحَةِ الِانْتِفاعِ بِجُلُودِ المَيْتَةِ لَمْ يُذْكَرْ فِيها حَلْقُ الشَّعْرِ والصُّوفِ عَنْها، بَلْ فِيها الإباحَةُ عَلى الإطْلاقِ، فاقْتَضى ذَلِكَ إباحَةَ الِانْتِفاعِ بِها بِما عَلَيْها مِنَ الشَّعْرِ والصُّوفِ، ولَوْ كانَ التَّحْرِيمُ ثابِتًا في الصُّوفِ والشَّعْرِ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعِلْمِهِ أنَّ الجُلُودَ لا تَخْلُو مِن أجْزاءِ الحَيَوانِ مِمّا لَيْسَ فِيهِ حَياةٌ وما لا حَياةَ فِيهِ لا يَلْحَقُهُ حُكْمُ المَوْتِ.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الشَّعْرَ ونَحْوَهُ لا حَياةَ فِيهِ، أنَّ الحَيَوانَ لا يَأْلَمُ بِقَطْعِها، ولَوْ كانَتْ فِيهِ حَياةٌ لَتَألَّمَ بِقَطْعِها كَما يُؤْلِمُهُ قَطْعُ سائِرِ أعْضائِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الشَّعْرَ والصُّوفَ والعَظْمَ والقَرْنَ والظِّلْفَ والرِّيشَ لا حَياةَ فِيها، فَلا يَلْحَقُها حُكْمُ المَوْتِ، ووُجُودُ النَّماءِ فِيها لا يُوجِبُ لَها حَياةً؛ لِأنَّ الشَّجَرَ والنَّباتَ يَنْمِيانِ ولا حَياةَ فِيهِما ولا يَلْحَقُهُما حُكْمُ المَوْتِ، فَكَذَلِكَ الشَّعْرُ والصُّوفُ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «ما بانَ مِنَ البَهِيمَةِ وهي حَيَّةٌ فَهو مَيِّتٌ» ويَبِينُ مِنها الشَّعْرُ والصُّوفُ ولا يَلْحَقُهُما حُكْمُ المَوْتِ، فَلَوْ كانَ مِمّا يَلْحَقُهُما حُكْمُ المَوْتِ لَوَجَبَ أنْ لا يَحِلَّ إلّا بِذَكاةِ الأصْلِ كَسائِرِ أعْضاءِ الحَيَوانِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَلْحَقُهُ حُكْمُ المَوْتِ ولا يَحْتاجُ إلى ذَكاةٍ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ الحَسَنِ ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ (p-١٥١)وإبْراهِيمَ إباحَةُ شَعْرِ المَيْتَةِ وصُوفِها.
ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ كَراهِيَةُ المَيْتَةِ وعِظامِ الفِيلِ، وعَنْ طاوُسٍ كَراهَةُ عِظامِ الفِيلِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ رَأى عَلى رَجُلٍ فَرْوًا فَقالَ: لَوْ أعْلَمُهُ ذَكِيًّا لَسَرَّنِي أنْ يَكُونَ لِي مِنهُ ثَوْبٌ. وذَكَرَ أنَسٌ أنَّ عُمَرَ رَأى عَلى رَجُلٍ قَلَنْسُوَةَ ثَعْلَبٍ فَنَزَعَها وقالَ: ما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ مِمّا لَمْ يُذَكَّ
وقَدِ اخْتُلِفَ في جُلُودِ السِّباعِ، فَكَرِهَها قَوْمٌ وأباحَها أصْحابُنا ومَن قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ.
وقَدْ رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ ومُطَرِّفٌ عَنْ عَمّارٍ إباحَةَ الِانْتِفاعِ بِجُلُودِ السِّباعِ.
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ والحَسَنِ وإبْراهِيمَ والضَّحّاكِ وابْنِ سِيرِينَ: " لا بَأْسَ بِلُبْسِ جُلُودِ السِّباعِ " . وعَنْ عَطاءٍ عَنْ عائِشَةَ في الفِراءِ: " دِباغُها ذَكاتُها " . فَإنْ قالَ قائِلٌ: رَوى قَتادَةُ عَنْ أبِي المَلِيحِ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ «نَهى عَنْ جُلُودِ السِّباعِ» وقَتادَةُ عَنْ أبِي شَيْخٍ الهُنائِيِّ أنَّ مُعاوِيَةَ قالَ لِنَفَرٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: تَعْلَمُونَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنْ سُرُوجِ النُّمُورِ أنْ يُرْكَبَ عَلَيْها ؟ قالُوا: نَعَمْ» .
وقَدْ تَنازَعَ أهْلُ العِلْمِ مَعْنى هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ، فَقالَ قائِلُونَ: هَذا نَهْيُ تَحْرِيمٍ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ لُبْسِها عَلى كُلِّ حالٍ، وقالَ آخَرُونَ: هو عَلى وجْهِ الكَراهِيَةِ والتَّشَبُّهِ بِزِيِّ العَجَمِ، كَما رَوى أبُو إسْحاقَ عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ يَرِيمَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ خاتَمِ الذَّهَبِ وعَنْ لُبْسِ القَسِّيِّ وعَنِ الثِّيابِ الحُمْرِ» . وما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ في إباحَةِ لُبْسِ جُلُودِ السِّباعِ والِانْتِفاعِ بِها يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّهْيَ عَلى وجْهِ الكَراهِيَةِ والتَّشَبُّهِ بِالعَجَمِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ حَدِيثِ سَلْمانَ وغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في إباحَةِ لُبْسِ الفِراءِ والِانْتِفاعِ بِها، وقَوْلُهُ ﷺ: «أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» وقَوْلُهُ: «دِباغُ الأدِيمِ ذَكاتُهُ» عامٌّ في جُلُودِ السِّباعِ وغَيْرِها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنْ جُلُودِ السِّباعِ لَيْسَ مِن جِهَةِ النَّجاسَةِ بَلْ عَلى وجْهِ الكَراهَةِ والتَّشَبُّهِ بِالعَجَمِ.
* *
(p-٢)ومِن سُورَةِ النَّحْلِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " الدِّفْءُ اللِّباسُ " وقالَ الحَسَنُ: الدِّفْءُ ما اسْتُدْفِئَ بِهِ مِن أوْبارِها وأصْوافِها وأشْعارِها " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: وذَلِكَ يَقْتَضِي جَوازَ الِانْتِفاعِ بِأصْوافِها وأوْبارِها في سائِرِ الأحْوالِ مِن حَياةِ أوْ مَوْتٍ.
النحل 16:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ رَوى هِشامُ الدَّسْتُوائِيُّ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ نافِعٍ عَنْ عَلْقَمَةَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَكْرَهُ لُحُومَ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ، وكانَ يَقُولُ في ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] إنَّ هَذِهِ لِلْأكْلِ وهَذِهِ لِلرُّكُوبِ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ ورَوى أبُو حَنِيفَةَ عَنِ الهَيْثَمِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كَرِهَ لُحُومَ الخَيْلِ وتَأوَّلَ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَهَذا دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى حَظْرِ لُحُومِها وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ الأنْعامَ وعَظَّمَ مَنافِعَها، فَذَكَرَ مِنها الأكْلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ثُمَّ ذَكَرَ الخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ وذَكَرَ مَنافِعَها الرُّكُوبَ والزِّينَةَ، فَلَوْ كانَ الأكْلُ مِن مَنافِعِها وهو مِن أعْظَمِ المَنافِعِ لَذَكَرَهُ كَما ذَكَرَهُ مِن مَنافِعِ الأنْعامِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ أخْبارٌ مُتَضادَّةٌ في الإباحَةِ والحَظْرِ، فَرَوى عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ جابِرٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أصابَ النّاسَ مَجاعَةٌ، فَذَبَحُوها، فَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ ولُحُومَ الخَيْلِ والبِغالِ وكُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ وكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، وحَرَّمَ الخِلْسَةَ والنُّهْبَةَ». ورَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «أطْعَمَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الخَيْلِ ونَهانا عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ»، ولَمْ يَسْمَعْ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ هَذا الحَدِيثَ مِن جابِرٍ وذَلِكَ لِأنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ رَواهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ جابِرٍ، وجابِرٌ لَمْ يَشْهَدْ خَيْبَرَ لِأنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْحاقَ رَوى عَنْ سَلامِ بْنِ كَرْكَرَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ جابِرٍ، ولَمْ يَشْهَدْ جابِرٌ خَيْبَرَ وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ وأذِنَ لَهم في لُحُومِ الخَيْلِ فَوَرَدَتْ أخْبارُ جابِرٍ في ذَلِكَ مُتَعارِضَةً، فَجائِزٌ حِينَئِذٍ أنْ يُقالَ فِيها وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إذا ورَدَ (p-٣)خَبَرانِ أحَدُهُما حاظِرٌ والآخَرُ مُبِيحٌ فالحَظْرُ أوْلى، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ الشّارِعُ أباحَهُ في وقْتٍ ثُمَّ حَظَرَهُ وذَلِكَ لِأنَّ الأصْلَ كانَ الإباحَةَ والحَظْرَ طارِئٌ عَلَيْها لا مَحالَةَ، ولا نَعْلَمُ إباحَةً بَعْدَ الحَظْرِ، فَحُكْمُ الحَظْرِ ثابِتٌ لا مَحالَةَ؛ إذْ لَمْ تَثْبُتْ إباحَةٌ بَعْدَ الحَظْرِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِن السَّلَفِ هَذا المَعْنى وذَلِكَ لِأنَّ ابْنَ وهْبٍ رَوى عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ بَعْدَ العَصْرِ ونَحْنُ بِمَكَّةَ سَنَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ ومِائَةٍ، وبِها يَوْمَئِذٍ رِجالٌ مِن أهْلِ العِلْمِ كَثِيرٌ مِنهُمُ ابْنُ شِهابٍ وأبُو بَكْرِ بْنُ حَزْمٍ وقَتادَةُ وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، قالَ: فَقُمْنا قِيامًا بَعْدَ العَصْرِ نَدْعُو اللَّهَ، فَقُلْتُ لِأيُّوبَ بْنِ مُوسى القُرَشِيِّ: ما لَهم لا يُصَلُّونَ وقَدْ صَلّى النَّبِيُّ ﷺ قالَ: النَّهْيُ قَدْ جاءَ في الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ أنْ لا تُصَلِّيَ، فَلِذَلِكَ لا يُصَلُّونَ، وإنَّ النَّهْيَ يَقْطَعُ الأمْرَ فَهَذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ في حَدِيثِ جابِرٍ.
والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ يَتَعارَضَ خَبَرا جابِرٍ فَيَسْقُطا كَأنَّهُما لَمْ يَرِدا، وقَدْ رَوى إسْرائِيلُ بْنُ يُونُسَ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ الجَزَرِيِّ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: كُنّا نَأْكُلُ لُحُومَ الخَيْلِ، قالَ عَطاءٌ: فَقُلْتَ لَهُ: فالبِغالُ ؟ قالَ: أمّا البِغالُ فَلا.
ورَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ عَنْ أسْماءَ ابْنَةِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: " نَحَرْنا فَرَسًا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأكَلْناهُ " . وهَذا لا حُجَّةَ فِيهِ لِلْمُخالِفِ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ بِهِ وأقَرَّهم عَلَيْهِ، ولَوْ ثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ بِهِ وأقَرَّهم عَلَيْهِ كانَ مَحْمُولًا عَلى أنَّهُ كانَ قَبْلَ الحَظْرِ. وقَدْ رَوى بَقِيَّةُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ صالِحِ بْنِ يَحْيى بْنِ المِقْدامِ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهى عَنْ لُحُومِ الخَيْلِ» . وقالَ الزُّهْرِيُّ: ما عَلِمْنا الخَيْلَ أُكِلَتْ إلّا في حِصارٍ. وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ والشّافِعِيُّ: " لا بَأْسَ بِلُحُومِ الخَيْلِ " ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ الأسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ والحَسَنِ البَصْرِيِّ وشُرَيْحٍ. وأبُو حَنِيفَةَ لا يُطْلِقُ فِيهِ التَّحْرِيمَ ولَيْسَ هو عِنْدَهُ كَلَحْمِ الحِمارِ الأهْلِيِّ وإنَّما يَكْرَهُهُ لِتَعارُضِ الأخْبارِ الحاظِرَةِ والمُبِيحَةِ فِيهِ، ويَحْتَجُّ لَهُ مِن طَرِيقِ النَّظَرِ أنَّهُ ذُو حافِرٍ أهْلِيٍّ فَأشْبَهَ الحِمارَ والبَغْلَ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ لَحْمَ البَغْلِ لا يُؤْكَلُ، وهو مِنَ الفَرَسِ فَلَوْ كانَتْ أُمُّهُ حَلالًا لَكانَ حُكْمُهُ حُكْمَ أُمِّهِ؛ لِأنَّ حُكْمَ الوَلَدِ حُكْمُ الأُمِّ؛ إذْ هو كَبَعْضِها، ألا تَرى أنَّ حِمارَةً أهْلِيَّةً لَوْ ولَدَتْ مِن حِمارٍ وحْشِيٍّ لَمْ يُؤْكَلْ ولَدُها، ولَوْ ولَدَتْ حِمارَةٌ وحْشِيَّةٌ مِن حِمارٍ أهْلِيٍّ أُكِلَ ولَدُها ؟ فَكانَ الوَلَدُ تابِعًا لِأُمِّهِ دُونَ أبِيهِ، فَلَمّا كانَ لَحْمُ البَغْلِ غَيْرَ مَأْكُولٍ وإنْ كانَتْ أُمُّهُ فَرَسًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الخَيْلَ غَيْرُ مَأْكُولَةٍ.
النحل 16:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ يَحْتَجُّ بِهِ أبُو يُوسُفَ (p-٤)ومُحَمَّدٌ فِيمَن حَلَفَ لا يَلْبَسُ حُلِيًّا فَلَبِسَ لُؤْلُؤًا أنَّهُ يَحْنَثُ، لِتَسْمِيَةِ اللَّهِ إيّاهُ حُلِيًّا وأبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: لا يَحْنَثُ لِأنَّ الأيْمانَ مَحْمُولَةٌ عَلى التَّعارُفِ، ولَيْسَ في العُرْفِ تَسْمِيَةُ اللُّؤْلُؤِ وحْدَهُ حُلِيًّا، ألا تَرى أنَّ بائِعَهُ لا يُسَمّى بائِعَ حُلِيٍّ ؟ وأمّا الآيَةُ فَإنَّ فِيها أيْضًا ﴿لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ ولا خِلافَ بَيْنَهم أنَّهُ لَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأكَلَ سَمَكًا أنَّهُ لا يَحْنَثُ مَعَ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ لَحْمًا طَرِيًّا.
النحل 16:66
بابُ الِنْفَحَةِ المَيْتَةِ ولَبَنِها قالَ أبُو حَنِيفَةَ: لَبَنُ المَيْتَةِ وإنْفَحَتُها طاهِرانِ لا يَلْحَقُهُما حُكْمُ النَّجاسَةِ " .
وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ والثَّوْرِيُّ: " يُكْرَهُ اللَّبَنُ؛ لِأنَّهُ في وِعاءٍ نَجِسٍ، وكَذَلِكَ الإنْفَحَةُ إذا كانَتْ مائِعَةً، فَإنْ كانَتْ جامِدَةً فَلا بَأْسَ " . وقالُوا جَمِيعًا في البَيْضَةِ إذا كانَتْ مِن دَجاجَةٍ مَيِّتَةٍ: فَلا بَأْسَ بِها. وقالَ مالِكٌ (p-١٤٨)وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ والشّافِعِيُّ: " لا يَحِلُّ اللَّبَنُ في ضُرُوعِ المَيْتَةِ " . وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: " لا تُؤْكَلُ البَيْضَةُ الَّتِي تَخْرُجُ مِن دَجاجَةٍ مَيِّتَةٍ " .
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ: " أكْرَهُ أنْ أُرَخِّصَ فِيها "
قالَ أبُو بَكْرٍ: اللَّبَنُ لا يَجُوزُ أنْ يَلْحَقَهُ حُكْمُ المَوْتِ؛ لِأنَّهُ لا حَياةَ فِيهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يُؤْخَذُ مِنها وهي حَيَّةٌ فَيُؤْكَلُ، فَلَوْ كانَ مِمّا يَلْحَقُهُ حُكْمُ المَوْتِ لَمْ يَحِلَّ إلّا بِذَكاةِ الأصْلِ كَسائِرِ أعْضاءِ الشّاةِ. وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ عامٌّ في سائِرِ الألْبانِ، فاقْتَضى ذَلِكَ شَيْئَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّبَنَ لا يَمُوتُ ولا يُحَرِّمُهُ مَوْتُ الشّاةِ، والثّانِي: أنَّهُ لا يَنْجَسُ بِمَوْتِ الشّاةِ ولا يَكُونُ بِمَنزِلَةِ لَبَنٍ جُعِلَ في وِعاءٍ مَيِّتٍ. فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما لَوْ حُلِبَ مِن شاةٍ حَيَّةٍ ثُمَّ جُعِلَ في وِعاءٍ نَجِسٍ وبَيْنَ ما إذا كانَ في ضَرْعِ المَيْتَةِ ؟ قِيلَ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ مَوْضِعَ الخِلْقَةِ لا يُنَجِّسُ ما جاوَرَهُ بِما حَدَثَ فِيهِ خِلْقَةً.
والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ اتِّفاقُ المُسْلِمِينَ عَلى جَوازِ أكْلِ اللَّحْمِ بِما فِيهِ مِنَ العُرُوقِ مَعَ مُجاوَرَةِ الدَّمِ لِدَواخِلِها مِن غَيْرِ تَطْهِيرٍ ولا غَسْلٍ لِذَلِكَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَوْضِعَ الخِلْقَةِ لا يُنَجِّسُ بِالمُجاوَرَةِ لِما خُلِقَ فِيهِ.
ودَلِيلٌ آخَرُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ مِن وجْهَيْنِ عَلى ما ذَكَرْنا:
أحَدُهُما: ما قَدَّمْناهُ آنِفًا في صَدْرِ المَسْألَةِ في اقْتِضائِهِ لَبَنَ الحَيَّةِ ولَبَنَ المَيْتَةِ، والثّانِي: إخْبارُهُ بِخُرُوجِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ هُما نَجِسانِ مَعَ الحُكْمِ بِطَهارَتِهِ، ولَمْ تَكُنْ مُجاوَرَتُهُ لَهُما مُوجِبَةً لَتَنْجِيسِهِ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ الخِلْقَةِ، كَذَلِكَ كَوْنُهُ في ضَرْعِ مَيْتَةٍ لا يُوجِبُ تَنْجِيسَهُ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا ما رَواهُ شَرِيكٌ عَنْ جابِرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ في غَزْوَةِ الطّائِفِ بِجُبْنَةَ، فَجَعَلُوا يَقْرَعُونَها بِالعَصا، فَقالَ: أيْنَ يُصْنَعُ هَذا ؟ فَقالُوا: بِأرْضِ فارِسَ، فَقالَ: اُذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وكُلُوا» .
ومَعْلُومٌ أنَّ ذَبائِحَ المَجُوسِ مَيْتَةٌ، وقَدْ أباحَ ﷺ أكْلَها مَعَ العِلْمِ بِأنَّها مِن صَنْعَةِ أهْلِ فارِسَ وأنَّهم كانُوا؛ إذْ ذاكَ مَجُوسًا، ولا يَنْعَقِدُ الجُبْنُ إلّا بِإنْفَحَةٍ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ إنْفَحَةَ المَيْتَةِ طاهِرَةٌ.
وقَدْ رَوى القاسِمُ بْنُ الحَكَمِ، عَنْ غالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قالَتْ: «سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الجُبْنِ فَقالَ: ضَعِي السِّكِّينَ واذْكُرِي اسْمَ اللَّهِ تَعالى وكُلِي» فَأباحَ النَّبِيُّ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ أكْلَ الجَمِيعِ مِنهُ ولَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ ما صُنِعَ مِنهُ بِإنْفَحَةِ مَيْتَةٍ أوْ غَيْرِها.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ وسَلْمانَ وعائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ وطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وأُمِّ سَلَمَةَ والحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ إباحَةُ أكْلِ الجُبْنِ الَّذِي فِيهِ إنْفَحَةُ المَيْتَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإنْفَحَةَ طاهِرَةٌ وإنْ كانَتْ (p-١٤٩)مِن مَيْتَةٍ. وإذا ثَبَتَ بِما وصَفْنا طَهارَةُ الإنْفَحَةِ وإنْ كانَتْ مِن مَيْتَةٍ ثَبَتَ طَهارَةُ لَبَنِ المَيْتَةِ وإنْفَحَتِها، ووَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ البَيْضَةِ الخارِجَةِ مِنَ الدَّجاجَةِ المَيِّتَةِ؛ لِأنَّها تَبِينُ مِنها في حَياتِها وهي طاهِرَةٌ يَجُوزُ أكْلُها، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِها؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مِمّا يَحْتاجُ إلى ذَكاةٍ لَما أباحَها إلّا ذَكاةُ الأصْلِ كَسائِرِ أعْضائِها، لَمّا كانَ شَرْطُ إباحَتِها الذَّكاةُ لَمْ تَحِلَّ إلّا بِذَكاةِ الأصْلِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى طَهارَةِ اللَّبَنِ المَحْلُوبِ مِنَ الشّاةِ المَيْتَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدِهِما: عُمُومُ اللَّفْظِ في إباحَةِ اللَّبَنِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ ما يُؤْخَذُ مِنهُ حَيًّا أوْ مَيِّتًا.
والثّانِي: إخْبارُهُ تَعالى أنَّهُ خارِجٌ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ وحُكْمُهُ بِطَهارَتِهِ مَعَ ذَلِكَ؛ إذْ كانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ الخِلْقَةِ فَثَبَتَ أنَّ اللَّبَنَ لا يَنْجُسُ بِنَجاسَةِ مَوْضِعِ الخِلْقَةِ وهو ضَرْعُ المَيْتَةِ كَما لَمْ يَنْجُسْ بِمُجاوَرَتِهِ لِلْفَرْثِ والدَّمِ.
النحل 16:67
بابُ السَّكَرِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَأْوِيلِ السَّكَرِ، فَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُما قالا: " السَّكَرُ ما حُرِّمَ مِنهُ والرِّزْقُ الحَسَنُ ما حَلَّ مِنهُ " . ورُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ والشَّعْبِيِّ وأبِي رَزِينٍ قالُوا: " السَّكَرُ خَمْرٌ " .
ورَوى جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: " السَّكَرُ خَمْرٌ " .
ورَوى ابْنُ شُبْرُمَةَ عَنْ أبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قالَ: " السَّكَرُ خَمْرٌ إلّا أنَّهُ مِنَ التَّمْرِ " . وقالَ هَؤُلاءِ: إنَّهُ مَنسُوخٌ بِتَحْرِيمِ الخَمْرِ. وحَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيانَ عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُفْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " هو ما حُرِّمَ مِن ثَمَرَتَيْهِما وما أُحِلَّ مِن ثَمَرَتَيْهِما " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا نَحْوُ قَوْلِ الأوَّلِينَ وحَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وعُثْمانَ بْنِ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ قالَ: " السَّكَرُ النَّبِيذُ، والرِّزْقُ الحَسَنُ الزَّبِيبُ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا تَأوَّلَهُ السَّلَفُ عَلى الخَمْرِ وعَلى النَّبِيذِ وعَلى الحَرامِ مِنهُ، ثَبَتَ أنَّ الِاسْمَ يَقَعُ عَلى الجَمِيعِ وقَوْلُهم إنَّهُ مَنسُوخٌ بِتَحْرِيمِ الخَمْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ اقْتَضَتْ إباحَةَ السَّكَرِ وهو الخَمْرُ والنَّبِيذُ، واَلَّذِي ثَبَتَ نَسْخُهُ مِن ذَلِكَ إنَّما هو الخَمْرُ، ولَمْ يَثْبُتْ تَحْرِيمُ النَّبِيذِ، فَوَجَبَ تَحْلِيلُهُ بِظاهِرِ الآيَةِ؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ. ومَنِ ادَّعى أنَّهُ مَنسُوخٌ بِتَحْرِيمِ الخَمْرِ لَمْ يَصِحَّ لَهُ ذَلِكَ إلّا بِدَلالَةٍ؛ إذْ كانَ اسْمُ الخَمْرِ لا يَتَناوَلُ النَّبِيذَ.
ورَوى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ قالَ: " السَّكَرُ خُمُورُ الأعاجِمِ والرِّزْقُ الحَسَنُ ما يَنْبِذُونَ ويُخَلِّلُونَ ويَأْكُلُونَ، أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ولَمْ تُحَرِّمِ الخَمْرَ وإنَّما جاءَ تَحْرِيمُها في سُورَةِ المائِدَةِ " . وقَدْ رَوى أبُو يُوسُفَ قالَ: حَدَّثَنا أيُّوبُ بْنُ جابِرٍ الحَنَفِيُّ عَنْ أشْعَثَ بْنِ سُلَيْمانَ عَنْ أبِيهِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «لَمّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى اليَمَنِ أمَرَهُ أنْ يَنْهاهم عَنِ السَّكَرِ» . قالَ (p-٥)أبُو بَكْرٍ: وهَذا السَّكَرُ المُحَرَّمُ عِنْدَنا هو نَقِيعُ التَّمْرِ.
النحل 16:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ فِيهِ بَيانُ طَهارَةِ العَسَلِ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَخْلُو مِنَ النَّحْلِ المَيِّتِ وفِراخِهِ فِيهِ، وحَكَمَ اللَّهُ تَعالى مَعَ ذَلِكَ بِطَهارَتِهِ فَأخْبَرَ عَمّا فِيهِ مِنَ الشِّفاءِ لِلنّاسِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ما لا دَمَ لَهُ لا يُفْسِدُ ما يَمُوتُ فِيهِ.
النحل 16:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ: " أنَّهم لا يُشْرِكُونَ عَبِيدَهم في أمْوالِهِمْ حَتّى يَكُونُوا فِيهِ سَواءً وهم لا يَرْضَوْنَ بِذَلِكَ لِأنْفُسِهِمْ وهم يُشْرِكُونَ عَبِيدِي في مُلْكِي وسُلْطانِي " . وقِيلَ: " مَعْناهُ أنَّهم سَواءٌ في أنِّي رَزَقْتُ الجَمِيعَ وأنَّهُ لا يُمْكِنُ أحَدٌ أنْ يَرْزُقَ عَبْدَهُ إلّا بِرِزْقِي إيّاهُ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ انْتِفاءَ المُساواةِ بَيْنَ المَوْلى وبَيْنَ عَبْدِهِ في المِلْكِ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدِهِما: أنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَمْلِكَ العَبْدُ ما يَمْلِكُهُ المَوْلى إيّاهُ لَجازَ أنْ يُمَلِّكَهُ مالَهُ فَيَمْلِكُهُ حَتّى يَكُونَ مُساوِيًا لَهُ ويَكُونَ مِلْكُ العَبِيدِ مِثْلَ مِلْكِ المَوْلى، بَلْ كانَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَبْدُ أفْضَلَ في بابِ المِلْكِ وأكْثَرَ مِلْكًا، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ وإنْ مَلَّكَهُ المَوْلى إيّاهُ لِأنَّ الآيَةَ قَدِ اقْتَضَتْ نَفْيَ المُساواةِ لَهُ في المِلْكِ. وأيْضًا لَمّا جَعَلَهُ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِينَ في عِبادَتِهِمُ الأوْثانَ، وكانَ مَعْلُومًا أنَّ الأوْثانَ لا تَمْلِكُ شَيْئًا، دَلَّ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ لِنَفْيِهِ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحُرِّ كَما نَفى الشَّرِكَةَ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ الأوْثانِ.
النحل 16:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " أنَّ الحَفَدَةَ الخَدَمُ والأعْوانُ " وقالَ الحَسَنُ: " مَن أعانَكَ فَقَدْ حَفَدَكَ " . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وطاوُسٌ: " الحَفَدَةُ الخَدَمُ " . ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وأبِي الضُّحى وإبْراهِيمَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالُوا: " الحَفَدَةُ الأخْتانُ " . ويُقالُ: إنَّ أصْلَ الحَفْدِ الإسْراعُ في العَمَلِ، ومِنهُ: وإلَيْكَ نَسْعى ونَحْفِدُ، والحَفَدَةُ جَمْعُ حافِدٍ كَقَوْلِكَ: كامِلٌ وكَمَلَةٌ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا تَأوَّلَهُ السَّلَفُ عَلى هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ مِنَ الخَدَمِ والأعْوانِ ومِنَ الأخْتانِ وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِما، وفِيهِ (p-٦)دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأبَ يَسْتَحِقُّ عَلى ابْنِهِ الخِدْمَةَ والمَعُونَةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّ الأبَ إذا اسْتَأْجَرَ ابْنَهُ لِخِدْمَتِهِ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ الأجْرَ إنْ خَدَمَهُ لِأنَّها مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الإجارَةِ.
النحل 16:75
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ: " أنَّهُ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْكافِرِ الَّذِي لا خَيْرَ عِنْدَهُ والمُؤْمِنِ الَّذِي يَكْتَسِبُ الخَيْرَ " وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: " هو مَثَلٌ ضُرِبَ لِعِبادَتِهِمُ الأوْثانَ الَّتِي لا تَمْلِكُ شَيْئًا والعُدُولِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ الَّذِي يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ حَوَتْ هَذِهِ الآيَةُ ضُرُوبًا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ نَكِرَةً، فَهو شائِعٌ في جِنْسِ العَبِيدِ، كَقَوْلِ القائِلِ: لا تُكَلِّمْ عَبْدًا وأعْطِ هَذا عَبْدًا، أنَّ ذَلِكَ يَنْتَظِمُ كُلَّ مَن يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] فَكُلُّ مَن لَحِقَهُ هَذا الِاسْمُ قَدِ انْتَظَمَهُ الحُكْمُ؛ إذْ كانَ لَفْظًا مَنكُورًا، كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ قَدِ انْتَظَمَ سائِرَ العَبِيدِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَ القُدْرَةِ أوْ نَفْيَ المِلْكِ أوْ نَفْيَهُما، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ القُدْرَةِ؛ إذْ كانَ العَبْدُ والحُرُّ لا يَخْتَلِفانِ في القُدْرَةِ مِن حَيْثُ اخْتَلَفا في الرِّقِّ والحُرِّيَّةِ؛ لِأنَّ العَبْدَ قَدْ يَكُونُ أقْدَرَ مِنَ الحُرِّ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ القُدْرَةِ، فَثَبَتَ أنَّهُ أرادَ نَفْيَ المِلْكِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ. ووَجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ مَثَلًا لِلْأصْنامِ فَشَبَّهَها بِالعَبِيدِ المَمْلُوكِينَ في نَفْيِ المِلْكِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأصْنامَ لا تَمْلِكُ شَيْئًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مِن ضَرْبِ المَثَلِ بِهِ لا يَمْلِكُ شَيْئًا وإلّا زالَتْ فائِدَةُ ضَرْبِ المَثَلِ بِهِ، وكانَ يَكُونُ حِينَئِذٍ ضَرْبُ المَثَلِ بِالعَبْدِ والحُرِّ سَواءً وأيْضًا لَوْ أرادَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ لا يَمْلِكُ شَيْئًا وجازَ أنْ يَكُونَ مِنَ العَبِيدِ مَن يَمْلِكُ لَقالَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، فَلَمّا خَصَّ العَبْدَ بِذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّ وجْهَ تَخْصِيصِهِ أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَمْلِكُ. فَإنْ قِيلَ: رَوى إبْراهِيمُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ يَعْلى بْنِ مُنْيَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّها نَزَلَتْ في رِجْلٍ مِن قُرَيْشٍ وعَبْدِهِ ثُمَّ أسْلَما، فَنَزَلَتِ الأُخْرى في رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ إلى قَوْلِهِ ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ: كانَ مَوْلًى لِعُثْمانَ كانَ عُثْمانُ يَكْفُلُهُ ويُنْفِقُ عَلَيْهِ، فَعُثْمانُ الَّذِي يُنْفِقُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ والآخَرُ أبْكَمُ وهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ في عَبْدٍ بِعَيْنِهِ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في العَبِيدِ مَن لا يَمْلِكُ شَيْئًا كَما يَكُونُ في الأحْرارِ مَن لا يَمْلِكُ.
قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الرِّوايَةُ ضَعِيفَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وظاهِرُ اللَّفْظِ يَنْفِيها لِأنَّهُ لَوْ أرادَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ لَعَرَّفَهُ بِالألِفِ واللّامِ ولَمْ يَذْكُرْهُ بِلَفْظٍ (p-٧)مَنكُورٍ. وأيْضًا مَعْلُومٌ أنَّ الخِطابَ في ذِكْرِ عَبَدَةِ الأوْثانِ والِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] ثُمَّ قالَ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ فَأخْبَرَ أنَّ مَثَلَ ما يَعْبُدُونَ مَثَلُ العَبِيدِ المَمالِيكِ الَّذِينَ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَمْلِكُوا تَأْكِيدًا لِنَفْيِ أمْلاكِهِمْ، ولَوْ كانَ المُرادُ عَبْدًا بِعَيْنِهِ وكانَ ذَلِكَ العَبْدُ مِمَّنْ يَجُوزُ أنْ يَمْلِكَ، ما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحُرِّ فَرْقٌ وكانَ تَخْصِيصُهُ العَبْدَ بِالذِّكْرِ لَغْوًا فَثَبَتَ أنَّ المَعْنى فِيهِ نَفْيُ مِلْكِ العَبِيدِ رَأْسًا.
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ قالَ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ ولَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّ الأبْكَمَ لا يَمْلِكُ شَيْئًا. قِيلَ لَهُ: إنَّما أرادَ بِهِ عَبْدًا أبْكَمَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ فَذِكْرُ المَوْلى وتَوْجِيهُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ العَبْدُ، كَأنَّهُ ذَكَرَ أوَّلًا عَبْدًا غَيْرَ أبْكَمَ وجَعَلَهُ مَثَلًا لِلصَّنَمِ في نَفْيِ المِلْكِ، ثُمَّ زادَهُ نَقْصًا بِقَوْلِهِ ﴿أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أرادَ عَبْدًا أبْكَمَ مُبالَغَةً في وصْفِ الأصْنامِ بِالنَّقْصِ وقِلَّةِ الخَيْرِ وأنَّهُ مَمْلُوكٌ مُتَصَرَّفٌ فِيهِ.
فَإنْ قِيلَ: أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ ابْنَ عَمِّهِ لِأنَّ ابْنَ العَمِّ يُسَمّى مَوْلًى. قِيلَ لَهُ: هَذا خَطَأٌ، لِأنَّ ابْنَ العَمِّ لا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ ابْنِ عَمِّهِ ولا أنْ يَكُونَ كَلًّا عَلَيْهِ ولَيْسَ لَهُ تَوْجِيهُهُ في أُمُورِهِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ لِلْأبْكَمِ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الحُرَّ الَّذِي لَهُ ابْنُ عَمٍّ وأنَّهُ أرادَ عَبْدًا مَمْلُوكًا أبْكَمَ وعَلى أنَّهُ لا مَعْنى لِذِكْرِ ابْنِ العَمِّ هَهُنا لِأنَّ الأبَ والأخَ والعَمَّ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنَ ابْنِ العَمِّ وأوْلى بِهِ، فَحَمْلُهُ عَلى ابْنِ العَمِّ يُزِيلُ فائِدَتَهُ. وأيْضًا فَإنَّ المَوْلى إذا أُطْلِقَ يَقْتَضِي مَوْلى الرِّقِّ أوْ مَوْلى النِّعْمَةِ ولا يُصْرَفُ إلى ابْنِ العَمِّ إلّا بِدَلالَةٍ.
فَإنْ قِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأصْنامَ لِأنَّهُ قالَ: عَبْدًا مَمْلُوكًا ولا يُقالُ ذَلِكَ لِلصَّنَمِ. قِيلَ لَهُ: قَدْ أغْفَلْتَ مَوْضِعَ الدَّلالَةِ لِأنَّهُ إنَّما ذَكَرَ عَبْدًا مَمْلُوكًا لَنا وجَعَلَهُ مَثَلًا لِلْأصْنامِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها وأخْبَرَ أنَّها بِمَنزِلَةِ مَمالِيكِنا الَّذِينَ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، فَكَما أنَّ الصَّنَمَ لا يَمْلِكُ بِحالٍ كَذَلِكَ العَبْدُ، وعَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ سَمّى الأصْنامَ عِبادًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤] وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في مِلْكِ العَبْدِ، فَقالَ أصْحابُنا والشّافِعِيُّ: " العَبْدُ لا يَمْلِكُ ولا يَتَسَرّى " . وقالَ مالِكٌ: " يَمْلِكُ ويَتَسَرّى " . وقَدْ رَوى أبُو حَنِيفَةَ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ المَكِّيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: " لا يَحِلُّ (p-٨)فَرْجُ المَمْلُوكِ إلّا لِمَن إنْ باعَ أوْ وهَبَ أوْ تَصَدَّقَ أوْ أعْتَقَ جازَ " يَعْنِي بِذَلِكَ المَمْلُوكَ وكَذَلِكَ رَوى يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ورُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ وابْنِ سِيرِينَ والحَكَمِ: " أنَّ العَبْدَ لا يَتَسَرّى " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " أنَّ العَبْدَ يَتَسَرّى "، ورَوى يَعْمَرُ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " أنَّهُ كانَ يَرى بَعْضَ رَقِيقِهِ يَتَّخِذُ السُّرِّيَّةَ فَلا يُنْكِرُ عَلَيْهِ " وقالَ الحَسَنُ والشَّعْبِيُّ: " يَتَسَرّى العَبْدُ بِإذْنِ سَيِّدِهِ " .
ورَوى أبُو يُوسُفَ عَنِ العَلاءِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «العَبْدُ لا يَتَسَرّى» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَمْلِكُ لِأنَّهُ لَوْ مَلَكَ لَجازَ لَهُ التَّسَرِّي بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: «مَن باعَ عَبْدًا ولَهُ مالٌ فَمالُهُ لِلْبائِعِ إلّا أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتاعُ» وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أنْ جَعَلَهُ لِلْبائِعِ أوْ لِلْمُشْتَرِي أخْرَجَ العَبْدَ مِنهُ صِفْرًا بِلا شَيْءٍ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ لِلْمَوْلى أخْذَ ما في يَدِهِ وهو أوْلى بِهِ مِنهُ لِأجْلِ مِلْكِهِ لِرَقَبَتِهِ، فَلَوْ كانَ العَبْدُ مِمَّنْ يَمْلِكُ لَما كانَ لَهُ أخْذُ ما في يَدِهِ لِأنَّ ما بانَ بِهِ العَبْدُ عَنْ مَوْلاهُ فَلا سَبِيلَ لِلْمَوْلى عَلَيْهِ فِيهِ، ألا تَرى أنَّ العَبْدَ لَمّا مَلَكَ طَلاقَ امْرَأتِهِ ووَطْءَ زَوْجَتِهِ فَهي أمَةٌ لِلْمَوْلى لَمْ يَمْلِكْهُ المَوْلى ؟ وكَذَلِكَ سائِرُ ما يَمْلِكُهُ العَبْدُ مِن نَفْسِهِ لَمْ يَمْلِكْهُ المَوْلى مِنهُ، فَلَوْ مَلَكَ العَبْدُ المالَ لَما كانَ لِلْمَوْلى أخْذُهُ مِنهُ لِأجْلِ مِلْكِهِ لَهُ كَما لَمْ يَمْلِكْ طَلاقَ امْرَأتِهِ لِأجْلِ مِلْكِهِ.
فَإنْ قِيلَ جَوازُ أخْذِ المَوْلى مالَهُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مالِكٍ لِأنَّ لِلْغَرِيمِ أنْ يَأْخُذَ ما في يَدِ المَدِينِ بِدَيْنِهِ ولَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّ المَدِينَ غَيْرُ مالِكٍ. قِيلَ لَهُ: لِأنَّهُ يَأْخُذُهُ لا لِأنَّهُ مالِكٌ لِلْمَدِينِ بَلْ لِأجْلِ دَيْنِهِ الَّذِي عَلَيْهِ، والمَوْلى يَسْتَحِقُّهُ لِأجْلِ مِلْكِهِ لِرَقَبَتِهِ، فَلَوْ كانَ العَبْدُ مالِكًا لَمْ يَسْتَحِقَّ المَوْلى لِأجْلِ مِلْكِهِ لِرَقَبَتِهِ كَما لَمْ يَمْلِكْ طَلاقَ امْرَأتِهِ لِأجْلِ مِلْكِهِ لِرَقَبَتِهِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ. ودَلِيلٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ لا خِلافَ أنَّ مَن كاتَبَ عَبْدَهُ عَلى مالٍ فَأدّاهُ أنَّهُ يُعْتَقُ ويَكُونُ الوَلاءُ لِلْمَوْلى وأنَّهُ مُعْتَقٌ عَلى مِلْكِ مَوْلاهُ، فَلَوْ كانَ مِمَّنْ يَمْلِكُ لِمِلْكِ رَقَبَتِهِ بِالمالِ الَّذِي أدّاهُ ولا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ كَما يَنْتَقِلُ إلى غَيْرِهِ لَوْ أمَرَهُ بِأنْ يُعْتِقَهُ عَنْهُ عَلى مالٍ ولَوْ مَلَكَ رَقَبَتَهُ لَعَتَقَ عَلى نَفْسِهِ لَكانَ لا يَكُونُ الوَلاءُ لِلْمَوْلى بَلْ كانَ يَكُونُ ولاؤُهُ لِنَفْسِهِ، فَلَمّا لَمْ يَصِحَّ انْتِقالُ مِلْكِ رَقَبَتِهِ إلَيْهِ بِالمالِ وعَتَقَ عَلى مِلْكِ المَوْلى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَمْلِكُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِمَّنْ يَمْلِكُ لَكانَ بِمِلْكِ رَقَبَتِهِ أوْلى إذْ كانَتْ رَقَبَتُهُ مِمّا يَجُوزُ فِيهِ التَّمْلِيكُ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﷺ: «مَن باعَ عَبْدًا ولَهُ مالٌ فَمالُهُ لِلْبائِعِ» يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ يَمْلِكُ لِإضافَتِهِ المالَ إلَيْهِ. قِيلَ لَهُ: قَدْ أثْبَتَ النَّبِيُّ ﷺ المالَ لِلْبائِعِ في حالِ البَيْعِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ (p-٩)لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلْمَوْلى ومِلْكًا لِلْعَبْدِ لِاسْتِحالَةِ أنْ يَمْلِكَ، وإلّا لَكانَ لِكُلِّ واحِدٍ جَمِيعُ المالِ فَفي هَذا الخَبَرِ بِعَيْنِهِ إثْباتُ ما أضافَ إلى العَبْدِ مِلْكًا لِلْبائِعِ، فَثَبَتَ أنَّ إضافَتَهُ إلى العَبْدِ عَلى وجْهِ اليَدِ كَما تَقُولُ: " هَذِهِ دارُ فُلانٍ " وهو ساكِنٌ فِيها ولَيْسَ بِمالِكٍ، وكَقَوْلِهِ ﷺ: «أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ» ولَمْ يُرِدْ إثْباتَ مِلْكِ الأبِ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ رَوى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي جَعْفَرٍ عَنْ بِكِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأشَجِّ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن أعْتَقَ عَبْدًا فَمالُهُ لَهُ إلّا أنْ يَشْتَرِطَ السَّيِّدُ مالَهُ فَيَكُونُ لَهُ» .
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ يَمْلِكُ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْلِكْهُ قَبْلَ العِتْقِ لَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدَهُ. قِيلَ لَهُ: لا دَلالَةَ في هَذا عَلى أنَّ العَبْدَ يَمْلِكُ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ جَرَيانُ العادَةِ بِأنَّ ما عَلى العَبْدِ مِنَ الثِّيابِ ونَحْوُ ذَلِكَ لا يُؤْخَذُ مِنهُ عِنْدَ العِتْقِ، جَعَلَهُ كالمَنطُوقِ بِهِ وجَعَلَ تَرْكَ المَوْلى لِأخْذِهِ مِنهُ دَلالَةً عَلى أنَّهُ قَدْ رَضِيَ مِنهُ بِتَمْلِيكِهِ إيّاهُ بَعْدَ العِتْقِ وأيْضًا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِن أهْلِ النَّقْلِ تَضْعِيفُهُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي جَعْفَرٍ غَلِطَ في رَفْعِ هَذا الحَدِيثِ وفي مَتْنِهِ، وإنَّ أصْلَهُ ما رَواهُ أيُّوبُ عَنْ نافِعِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ إذا أعْتَقَ عَبْدًا لَمْ يَعْرِضْ لِمالِهِ، فَهَذا هو أصْلُ الحَدِيثِ، فَأخْطَأ عُبَيْدُ اللَّهِ في رَفْعِهِ وفي لَفْظِهِ. وقَدْ رُوِيَ خِلافُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهو ما رَواهُ أبُو مُسْلِمِ الكَجِّيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الأعْلى بْنُ أبِي المَساوِرِ عَنِ عِمْرانَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: وكانَ مَمْلُوكًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: يا عُمَيْرُ بَيِّنْ لِي مالَكَ فَإنِّي أُرِيدُ أنْ أُعْتِقَكَ، إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن أعْتَقَ عَبْدًا فَمالُهُ لِلَّذِي أعْتَقَ» وكَذَلِكَ رَواهُ يُونُسُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ عِمْرانَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. وقَدْ بَلَغَنا أنَّ المَسْعُودِيَّ رَواهُ مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ، وذَلِكَ لا يُفْسِدُهُ عِنْدَنا.
فَإنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] وذَلِكَ عائِدٌ عَلى جَمِيعِ المَذْكُورِينَ مِنَ الأيامى والعَبِيدِ والإماءِ، فَأثْبَتَ لِلْعَبْدِ الغِنى والفَقْرَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ يَمْلِكُ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَمْلِكْ لَكانَ أبَدًا فَقِيرًا. قِيلَ لَهُ: لا يَخْلُو قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الغِنى بِالوَطْءِ الحَلالِ عَنِ الحَرامِ أوِ الغِنى بِالمالِ فَلَمّا وجَدْنا كَثِيرًا مِنَ المُتَزَوِّجِينَ لا يَسْتَغْنُونَ بِالمالِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مُخْبِرَ أخْبارِ اللَّهِ لا مَحالَةَ كائِنٌ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الغِنى بِالمالِ وإنَّما أرادَ الغِنى بِالوَطْءِ الحَلالِ عَنِ الحَرامِ. وأيْضًا فَإنَّهُ إنْ أرادَ الغِنى بِالمالِ فَإنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى الأيامى والأحْرارِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ دُونَ العَبِيدِ (p-١٠)الَّذِينَ لا يَمْلِكُونَ بِما ذَكَرْنا مِنَ الدَّلِيلِ. وأيْضًا فَإنَّ العَبْدَ لا يَسْتَغْنِي بِالمالِ عِنْدَ مُخالِفِنا لِأنَّ المَوْلى أوْلى بِجَمِيعِ مالِهِ مِنهُ، فَأيُّ غِنًى في مالٍ يَحْصُلُ لَهُ وغَيْرُهُ أوْلى بِهِ مِنهُ، فالغِنى في هَذا المَوْضِعِ إنَّما يَحْصُلُ لِلْمَوْلى دُونَ العَبْدِ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَكُونُ غَنِيًّا بِالمالِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «أُمِرْتَ أنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِن أغْنِيائِكم وأرُدَّها في فُقَرائِكم» .
وعِنْدَ مُخالِفِنا أنَّهُ لا يُؤْخَذُ مِن مالِ العَبْدِ، فَلَوْ كانَ غَنِيًّا لَوَجَبَ في مالِهِ الزَّكاةُ؛ إذْ هو مُسْلِمٌ غَنِيٌّ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ العَبْدُ يَمْلِكُ الطَّلاقَ وجَبَ أنْ يَمْلِكَ المالَ كالحُرِّ. قِيلَ لَهُ: إنَّما مَلَكَ العَبْدُ الطَّلاقَ لِأنَّ المَوْلى لا يَمْلِكُهُ مِنهُ، فَلَوْ مَلَكَ العَبْدُ المالَ وجَبَ أنْ لا يَمْلِكَ المَوْلى مِنهُ وأنْ لا يَجُوزَ لَهُ أخْذُهُ مِنهُ لِأنَّ كُلَّ ما يَمْلِكُهُ المَوْلى مِن عَبْدِهِ فَإنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُهُ مِنهُ، ألا تَرى أنَّ العَبْدَ المَحْجُورَ عَلَيْهِ لَوْ أقَرَّ بِدَيْنٍ لَمْ يَلْزَمْهُ في الرِّقِّ ولَوْ أقَرَّ المَوْلى عَلَيْهِ بِهِ لَزِمَهُ ؟ وكَذَلِكَ لِلْمَوْلى أنْ يُزَوِّجَ عَبْدَهُ ولَيْسَ لِلْعَبْدِ أنْ يُزَوِّجَ نَفْسَهُ لَمّا كانَ ذَلِكَ مَعْنًى يَمْلِكُهُ المَوْلى مِنهُ، ولَوْ أقَرَّ المَوْلى عَلَيْهِ بِقِصاصٍ أوْ حَدٍّ لَمْ يَلْزَمْهُ لِأنَّ العَبْدَ يَمْلِكُ ذَلِكَ مِن نَفْسِهِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ؛ إذْ لَوْ مَلَكَهُ لَما جازَ لِلْمَوْلى أنْ يَتَصَرَّفَ عَلَيْهِ في مالِهِ كَما لا يَتَصَرَّفُ عَلَيْهِ في الطَّلاقِ حِينَ كانَ العَبْدُ يَمْلِكُهُ.
النحل 16:76
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ: " أنَّهُ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْكافِرِ الَّذِي لا خَيْرَ عِنْدَهُ والمُؤْمِنِ الَّذِي يَكْتَسِبُ الخَيْرَ " وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: " هو مَثَلٌ ضُرِبَ لِعِبادَتِهِمُ الأوْثانَ الَّتِي لا تَمْلِكُ شَيْئًا والعُدُولِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ الَّذِي يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ حَوَتْ هَذِهِ الآيَةُ ضُرُوبًا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ نَكِرَةً، فَهو شائِعٌ في جِنْسِ العَبِيدِ، كَقَوْلِ القائِلِ: لا تُكَلِّمْ عَبْدًا وأعْطِ هَذا عَبْدًا، أنَّ ذَلِكَ يَنْتَظِمُ كُلَّ مَن يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] فَكُلُّ مَن لَحِقَهُ هَذا الِاسْمُ قَدِ انْتَظَمَهُ الحُكْمُ؛ إذْ كانَ لَفْظًا مَنكُورًا، كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ قَدِ انْتَظَمَ سائِرَ العَبِيدِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَ القُدْرَةِ أوْ نَفْيَ المِلْكِ أوْ نَفْيَهُما، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ القُدْرَةِ؛ إذْ كانَ العَبْدُ والحُرُّ لا يَخْتَلِفانِ في القُدْرَةِ مِن حَيْثُ اخْتَلَفا في الرِّقِّ والحُرِّيَّةِ؛ لِأنَّ العَبْدَ قَدْ يَكُونُ أقْدَرَ مِنَ الحُرِّ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ القُدْرَةِ، فَثَبَتَ أنَّهُ أرادَ نَفْيَ المِلْكِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ. ووَجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ مَثَلًا لِلْأصْنامِ فَشَبَّهَها بِالعَبِيدِ المَمْلُوكِينَ في نَفْيِ المِلْكِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأصْنامَ لا تَمْلِكُ شَيْئًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مِن ضَرْبِ المَثَلِ بِهِ لا يَمْلِكُ شَيْئًا وإلّا زالَتْ فائِدَةُ ضَرْبِ المَثَلِ بِهِ، وكانَ يَكُونُ حِينَئِذٍ ضَرْبُ المَثَلِ بِالعَبْدِ والحُرِّ سَواءً وأيْضًا لَوْ أرادَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ لا يَمْلِكُ شَيْئًا وجازَ أنْ يَكُونَ مِنَ العَبِيدِ مَن يَمْلِكُ لَقالَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، فَلَمّا خَصَّ العَبْدَ بِذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّ وجْهَ تَخْصِيصِهِ أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَمْلِكُ. فَإنْ قِيلَ: رَوى إبْراهِيمُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ يَعْلى بْنِ مُنْيَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّها نَزَلَتْ في رِجْلٍ مِن قُرَيْشٍ وعَبْدِهِ ثُمَّ أسْلَما، فَنَزَلَتِ الأُخْرى في رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ إلى قَوْلِهِ ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ: كانَ مَوْلًى لِعُثْمانَ كانَ عُثْمانُ يَكْفُلُهُ ويُنْفِقُ عَلَيْهِ، فَعُثْمانُ الَّذِي يُنْفِقُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ والآخَرُ أبْكَمُ وهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ في عَبْدٍ بِعَيْنِهِ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في العَبِيدِ مَن لا يَمْلِكُ شَيْئًا كَما يَكُونُ في الأحْرارِ مَن لا يَمْلِكُ.
قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الرِّوايَةُ ضَعِيفَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وظاهِرُ اللَّفْظِ يَنْفِيها لِأنَّهُ لَوْ أرادَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ لَعَرَّفَهُ بِالألِفِ واللّامِ ولَمْ يَذْكُرْهُ بِلَفْظٍ (p-٧)مَنكُورٍ. وأيْضًا مَعْلُومٌ أنَّ الخِطابَ في ذِكْرِ عَبَدَةِ الأوْثانِ والِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] ثُمَّ قالَ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ فَأخْبَرَ أنَّ مَثَلَ ما يَعْبُدُونَ مَثَلُ العَبِيدِ المَمالِيكِ الَّذِينَ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَمْلِكُوا تَأْكِيدًا لِنَفْيِ أمْلاكِهِمْ، ولَوْ كانَ المُرادُ عَبْدًا بِعَيْنِهِ وكانَ ذَلِكَ العَبْدُ مِمَّنْ يَجُوزُ أنْ يَمْلِكَ، ما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحُرِّ فَرْقٌ وكانَ تَخْصِيصُهُ العَبْدَ بِالذِّكْرِ لَغْوًا فَثَبَتَ أنَّ المَعْنى فِيهِ نَفْيُ مِلْكِ العَبِيدِ رَأْسًا.
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ قالَ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ ولَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّ الأبْكَمَ لا يَمْلِكُ شَيْئًا. قِيلَ لَهُ: إنَّما أرادَ بِهِ عَبْدًا أبْكَمَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ فَذِكْرُ المَوْلى وتَوْجِيهُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ العَبْدُ، كَأنَّهُ ذَكَرَ أوَّلًا عَبْدًا غَيْرَ أبْكَمَ وجَعَلَهُ مَثَلًا لِلصَّنَمِ في نَفْيِ المِلْكِ، ثُمَّ زادَهُ نَقْصًا بِقَوْلِهِ ﴿أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أرادَ عَبْدًا أبْكَمَ مُبالَغَةً في وصْفِ الأصْنامِ بِالنَّقْصِ وقِلَّةِ الخَيْرِ وأنَّهُ مَمْلُوكٌ مُتَصَرَّفٌ فِيهِ.
فَإنْ قِيلَ: أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ ابْنَ عَمِّهِ لِأنَّ ابْنَ العَمِّ يُسَمّى مَوْلًى. قِيلَ لَهُ: هَذا خَطَأٌ، لِأنَّ ابْنَ العَمِّ لا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ ابْنِ عَمِّهِ ولا أنْ يَكُونَ كَلًّا عَلَيْهِ ولَيْسَ لَهُ تَوْجِيهُهُ في أُمُورِهِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ لِلْأبْكَمِ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الحُرَّ الَّذِي لَهُ ابْنُ عَمٍّ وأنَّهُ أرادَ عَبْدًا مَمْلُوكًا أبْكَمَ وعَلى أنَّهُ لا مَعْنى لِذِكْرِ ابْنِ العَمِّ هَهُنا لِأنَّ الأبَ والأخَ والعَمَّ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنَ ابْنِ العَمِّ وأوْلى بِهِ، فَحَمْلُهُ عَلى ابْنِ العَمِّ يُزِيلُ فائِدَتَهُ. وأيْضًا فَإنَّ المَوْلى إذا أُطْلِقَ يَقْتَضِي مَوْلى الرِّقِّ أوْ مَوْلى النِّعْمَةِ ولا يُصْرَفُ إلى ابْنِ العَمِّ إلّا بِدَلالَةٍ.
فَإنْ قِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأصْنامَ لِأنَّهُ قالَ: عَبْدًا مَمْلُوكًا ولا يُقالُ ذَلِكَ لِلصَّنَمِ. قِيلَ لَهُ: قَدْ أغْفَلْتَ مَوْضِعَ الدَّلالَةِ لِأنَّهُ إنَّما ذَكَرَ عَبْدًا مَمْلُوكًا لَنا وجَعَلَهُ مَثَلًا لِلْأصْنامِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها وأخْبَرَ أنَّها بِمَنزِلَةِ مَمالِيكِنا الَّذِينَ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، فَكَما أنَّ الصَّنَمَ لا يَمْلِكُ بِحالٍ كَذَلِكَ العَبْدُ، وعَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ سَمّى الأصْنامَ عِبادًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤] وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في مِلْكِ العَبْدِ، فَقالَ أصْحابُنا والشّافِعِيُّ: " العَبْدُ لا يَمْلِكُ ولا يَتَسَرّى " . وقالَ مالِكٌ: " يَمْلِكُ ويَتَسَرّى " . وقَدْ رَوى أبُو حَنِيفَةَ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ المَكِّيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: " لا يَحِلُّ (p-٨)فَرْجُ المَمْلُوكِ إلّا لِمَن إنْ باعَ أوْ وهَبَ أوْ تَصَدَّقَ أوْ أعْتَقَ جازَ " يَعْنِي بِذَلِكَ المَمْلُوكَ وكَذَلِكَ رَوى يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ورُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ وابْنِ سِيرِينَ والحَكَمِ: " أنَّ العَبْدَ لا يَتَسَرّى " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " أنَّ العَبْدَ يَتَسَرّى "، ورَوى يَعْمَرُ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " أنَّهُ كانَ يَرى بَعْضَ رَقِيقِهِ يَتَّخِذُ السُّرِّيَّةَ فَلا يُنْكِرُ عَلَيْهِ " وقالَ الحَسَنُ والشَّعْبِيُّ: " يَتَسَرّى العَبْدُ بِإذْنِ سَيِّدِهِ " .
ورَوى أبُو يُوسُفَ عَنِ العَلاءِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «العَبْدُ لا يَتَسَرّى» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَمْلِكُ لِأنَّهُ لَوْ مَلَكَ لَجازَ لَهُ التَّسَرِّي بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: «مَن باعَ عَبْدًا ولَهُ مالٌ فَمالُهُ لِلْبائِعِ إلّا أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتاعُ» وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أنْ جَعَلَهُ لِلْبائِعِ أوْ لِلْمُشْتَرِي أخْرَجَ العَبْدَ مِنهُ صِفْرًا بِلا شَيْءٍ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ لِلْمَوْلى أخْذَ ما في يَدِهِ وهو أوْلى بِهِ مِنهُ لِأجْلِ مِلْكِهِ لِرَقَبَتِهِ، فَلَوْ كانَ العَبْدُ مِمَّنْ يَمْلِكُ لَما كانَ لَهُ أخْذُ ما في يَدِهِ لِأنَّ ما بانَ بِهِ العَبْدُ عَنْ مَوْلاهُ فَلا سَبِيلَ لِلْمَوْلى عَلَيْهِ فِيهِ، ألا تَرى أنَّ العَبْدَ لَمّا مَلَكَ طَلاقَ امْرَأتِهِ ووَطْءَ زَوْجَتِهِ فَهي أمَةٌ لِلْمَوْلى لَمْ يَمْلِكْهُ المَوْلى ؟ وكَذَلِكَ سائِرُ ما يَمْلِكُهُ العَبْدُ مِن نَفْسِهِ لَمْ يَمْلِكْهُ المَوْلى مِنهُ، فَلَوْ مَلَكَ العَبْدُ المالَ لَما كانَ لِلْمَوْلى أخْذُهُ مِنهُ لِأجْلِ مِلْكِهِ لَهُ كَما لَمْ يَمْلِكْ طَلاقَ امْرَأتِهِ لِأجْلِ مِلْكِهِ.
فَإنْ قِيلَ جَوازُ أخْذِ المَوْلى مالَهُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مالِكٍ لِأنَّ لِلْغَرِيمِ أنْ يَأْخُذَ ما في يَدِ المَدِينِ بِدَيْنِهِ ولَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّ المَدِينَ غَيْرُ مالِكٍ. قِيلَ لَهُ: لِأنَّهُ يَأْخُذُهُ لا لِأنَّهُ مالِكٌ لِلْمَدِينِ بَلْ لِأجْلِ دَيْنِهِ الَّذِي عَلَيْهِ، والمَوْلى يَسْتَحِقُّهُ لِأجْلِ مِلْكِهِ لِرَقَبَتِهِ، فَلَوْ كانَ العَبْدُ مالِكًا لَمْ يَسْتَحِقَّ المَوْلى لِأجْلِ مِلْكِهِ لِرَقَبَتِهِ كَما لَمْ يَمْلِكْ طَلاقَ امْرَأتِهِ لِأجْلِ مِلْكِهِ لِرَقَبَتِهِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ. ودَلِيلٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ لا خِلافَ أنَّ مَن كاتَبَ عَبْدَهُ عَلى مالٍ فَأدّاهُ أنَّهُ يُعْتَقُ ويَكُونُ الوَلاءُ لِلْمَوْلى وأنَّهُ مُعْتَقٌ عَلى مِلْكِ مَوْلاهُ، فَلَوْ كانَ مِمَّنْ يَمْلِكُ لِمِلْكِ رَقَبَتِهِ بِالمالِ الَّذِي أدّاهُ ولا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ كَما يَنْتَقِلُ إلى غَيْرِهِ لَوْ أمَرَهُ بِأنْ يُعْتِقَهُ عَنْهُ عَلى مالٍ ولَوْ مَلَكَ رَقَبَتَهُ لَعَتَقَ عَلى نَفْسِهِ لَكانَ لا يَكُونُ الوَلاءُ لِلْمَوْلى بَلْ كانَ يَكُونُ ولاؤُهُ لِنَفْسِهِ، فَلَمّا لَمْ يَصِحَّ انْتِقالُ مِلْكِ رَقَبَتِهِ إلَيْهِ بِالمالِ وعَتَقَ عَلى مِلْكِ المَوْلى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَمْلِكُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِمَّنْ يَمْلِكُ لَكانَ بِمِلْكِ رَقَبَتِهِ أوْلى إذْ كانَتْ رَقَبَتُهُ مِمّا يَجُوزُ فِيهِ التَّمْلِيكُ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﷺ: «مَن باعَ عَبْدًا ولَهُ مالٌ فَمالُهُ لِلْبائِعِ» يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ يَمْلِكُ لِإضافَتِهِ المالَ إلَيْهِ. قِيلَ لَهُ: قَدْ أثْبَتَ النَّبِيُّ ﷺ المالَ لِلْبائِعِ في حالِ البَيْعِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ (p-٩)لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلْمَوْلى ومِلْكًا لِلْعَبْدِ لِاسْتِحالَةِ أنْ يَمْلِكَ، وإلّا لَكانَ لِكُلِّ واحِدٍ جَمِيعُ المالِ فَفي هَذا الخَبَرِ بِعَيْنِهِ إثْباتُ ما أضافَ إلى العَبْدِ مِلْكًا لِلْبائِعِ، فَثَبَتَ أنَّ إضافَتَهُ إلى العَبْدِ عَلى وجْهِ اليَدِ كَما تَقُولُ: " هَذِهِ دارُ فُلانٍ " وهو ساكِنٌ فِيها ولَيْسَ بِمالِكٍ، وكَقَوْلِهِ ﷺ: «أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ» ولَمْ يُرِدْ إثْباتَ مِلْكِ الأبِ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ رَوى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي جَعْفَرٍ عَنْ بِكِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأشَجِّ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن أعْتَقَ عَبْدًا فَمالُهُ لَهُ إلّا أنْ يَشْتَرِطَ السَّيِّدُ مالَهُ فَيَكُونُ لَهُ» .
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ يَمْلِكُ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْلِكْهُ قَبْلَ العِتْقِ لَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدَهُ. قِيلَ لَهُ: لا دَلالَةَ في هَذا عَلى أنَّ العَبْدَ يَمْلِكُ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ جَرَيانُ العادَةِ بِأنَّ ما عَلى العَبْدِ مِنَ الثِّيابِ ونَحْوُ ذَلِكَ لا يُؤْخَذُ مِنهُ عِنْدَ العِتْقِ، جَعَلَهُ كالمَنطُوقِ بِهِ وجَعَلَ تَرْكَ المَوْلى لِأخْذِهِ مِنهُ دَلالَةً عَلى أنَّهُ قَدْ رَضِيَ مِنهُ بِتَمْلِيكِهِ إيّاهُ بَعْدَ العِتْقِ وأيْضًا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِن أهْلِ النَّقْلِ تَضْعِيفُهُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي جَعْفَرٍ غَلِطَ في رَفْعِ هَذا الحَدِيثِ وفي مَتْنِهِ، وإنَّ أصْلَهُ ما رَواهُ أيُّوبُ عَنْ نافِعِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ إذا أعْتَقَ عَبْدًا لَمْ يَعْرِضْ لِمالِهِ، فَهَذا هو أصْلُ الحَدِيثِ، فَأخْطَأ عُبَيْدُ اللَّهِ في رَفْعِهِ وفي لَفْظِهِ. وقَدْ رُوِيَ خِلافُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهو ما رَواهُ أبُو مُسْلِمِ الكَجِّيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الأعْلى بْنُ أبِي المَساوِرِ عَنِ عِمْرانَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: وكانَ مَمْلُوكًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: يا عُمَيْرُ بَيِّنْ لِي مالَكَ فَإنِّي أُرِيدُ أنْ أُعْتِقَكَ، إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن أعْتَقَ عَبْدًا فَمالُهُ لِلَّذِي أعْتَقَ» وكَذَلِكَ رَواهُ يُونُسُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ عِمْرانَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. وقَدْ بَلَغَنا أنَّ المَسْعُودِيَّ رَواهُ مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ، وذَلِكَ لا يُفْسِدُهُ عِنْدَنا.
فَإنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] وذَلِكَ عائِدٌ عَلى جَمِيعِ المَذْكُورِينَ مِنَ الأيامى والعَبِيدِ والإماءِ، فَأثْبَتَ لِلْعَبْدِ الغِنى والفَقْرَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ يَمْلِكُ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَمْلِكْ لَكانَ أبَدًا فَقِيرًا. قِيلَ لَهُ: لا يَخْلُو قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الغِنى بِالوَطْءِ الحَلالِ عَنِ الحَرامِ أوِ الغِنى بِالمالِ فَلَمّا وجَدْنا كَثِيرًا مِنَ المُتَزَوِّجِينَ لا يَسْتَغْنُونَ بِالمالِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مُخْبِرَ أخْبارِ اللَّهِ لا مَحالَةَ كائِنٌ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الغِنى بِالمالِ وإنَّما أرادَ الغِنى بِالوَطْءِ الحَلالِ عَنِ الحَرامِ. وأيْضًا فَإنَّهُ إنْ أرادَ الغِنى بِالمالِ فَإنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى الأيامى والأحْرارِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ دُونَ العَبِيدِ (p-١٠)الَّذِينَ لا يَمْلِكُونَ بِما ذَكَرْنا مِنَ الدَّلِيلِ. وأيْضًا فَإنَّ العَبْدَ لا يَسْتَغْنِي بِالمالِ عِنْدَ مُخالِفِنا لِأنَّ المَوْلى أوْلى بِجَمِيعِ مالِهِ مِنهُ، فَأيُّ غِنًى في مالٍ يَحْصُلُ لَهُ وغَيْرُهُ أوْلى بِهِ مِنهُ، فالغِنى في هَذا المَوْضِعِ إنَّما يَحْصُلُ لِلْمَوْلى دُونَ العَبْدِ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَكُونُ غَنِيًّا بِالمالِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «أُمِرْتَ أنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِن أغْنِيائِكم وأرُدَّها في فُقَرائِكم» .
وعِنْدَ مُخالِفِنا أنَّهُ لا يُؤْخَذُ مِن مالِ العَبْدِ، فَلَوْ كانَ غَنِيًّا لَوَجَبَ في مالِهِ الزَّكاةُ؛ إذْ هو مُسْلِمٌ غَنِيٌّ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ العَبْدُ يَمْلِكُ الطَّلاقَ وجَبَ أنْ يَمْلِكَ المالَ كالحُرِّ. قِيلَ لَهُ: إنَّما مَلَكَ العَبْدُ الطَّلاقَ لِأنَّ المَوْلى لا يَمْلِكُهُ مِنهُ، فَلَوْ مَلَكَ العَبْدُ المالَ وجَبَ أنْ لا يَمْلِكَ المَوْلى مِنهُ وأنْ لا يَجُوزَ لَهُ أخْذُهُ مِنهُ لِأنَّ كُلَّ ما يَمْلِكُهُ المَوْلى مِن عَبْدِهِ فَإنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُهُ مِنهُ، ألا تَرى أنَّ العَبْدَ المَحْجُورَ عَلَيْهِ لَوْ أقَرَّ بِدَيْنٍ لَمْ يَلْزَمْهُ في الرِّقِّ ولَوْ أقَرَّ المَوْلى عَلَيْهِ بِهِ لَزِمَهُ ؟ وكَذَلِكَ لِلْمَوْلى أنْ يُزَوِّجَ عَبْدَهُ ولَيْسَ لِلْعَبْدِ أنْ يُزَوِّجَ نَفْسَهُ لَمّا كانَ ذَلِكَ مَعْنًى يَمْلِكُهُ المَوْلى مِنهُ، ولَوْ أقَرَّ المَوْلى عَلَيْهِ بِقِصاصٍ أوْ حَدٍّ لَمْ يَلْزَمْهُ لِأنَّ العَبْدَ يَمْلِكُ ذَلِكَ مِن نَفْسِهِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ؛ إذْ لَوْ مَلَكَهُ لَما جازَ لِلْمَوْلى أنْ يَتَصَرَّفَ عَلَيْهِ في مالِهِ كَما لا يَتَصَرَّفُ عَلَيْهِ في الطَّلاقِ حِينَ كانَ العَبْدُ يَمْلِكُهُ.
النحل 16:80
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى جَوازِ الِانْتِفاعِ بِما يُؤْخَذُ مِنها مِن ذَلِكَ بَعْدَ المَوْتِ؛ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أخْذِها بَعْدَ المَوْتِ وقَبْلَهُ.
النحل 16:89
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي بِهِ واللَّهُ أعْلَمُ: تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ بِالنَّصِّ والدَّلالَةِ، فَما مِن حادِثَةٍ جَلِيلَةٍ ولا دَقِيقَةٍ إلّا ولِلَّهِ فِيها حُكْمٌ قَدْ بَيَّنَهُ في الكِتابِ نَصًّا أوْ دَلِيلًا، فَما بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَإنَّما صَدَرَ عَنِ الكِتابِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿صِراطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٣] وقَوْلِهِ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] فَما بَيَّنَهُ الرَّسُولُ فَهو عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو مِن تِبْيانِ الكِتابِ لَهُ لِأمْرِ اللَّهِ إيّانا بِطاعَتِهِ واتِّباعِ أمْرِهِ، وما حَصَلَ عَلَيْهِ الإجْماعُ فَمَصْدَرُهُ أيْضًا عَنِ الكِتابِ لِأنَّ الكِتابَ قَدْ دَلَّ عَلى صِحَّةِ حُجَّةِ الإجْماعِ وأنَّهم لا يَجْتَمِعُونَ عَلى ضَلالٍ، وما أوْجَبَهُ القِياسُ واجْتِهادُ الرَّأْيِ وسائِرُ ضُرُوبِ الِاسْتِدْلالِ مِنَ الِاسْتِحْسانِ وقَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ جَمِيعُ ذَلِكَ مِن تِبْيانِ الكِتابِ لِأنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ أجْمَعَ، فَما مِن حُكْمٍ مِن أحْكامِ الدِّينِ إلّا وفي الكِتابِ تِبْيانُهُ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا. وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالقِياسِ وذَلِكَ لِأنّا إذا لَمْ نَجِدْ لِلْحادِثَةِ حُكْمًا (p-١١)مَنصُوصًا في الكِتابِ ولا في السُّنَّةِ ولا في الإجْماعِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ في الكِتابِ تِبْيانَ كُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، ثَبَتَ أنَّ طَرِيقَهُ النَّظَرُ والِاسْتِدْلالُ بِالقِياسِ عَلى حُكْمِهِ؛ إذْ لَمْ يَبْقَ هُناكَ وجْهٌ يُوَصِّلُ إلى حُكْمِها مِن غَيْرِ هَذِهِ الجِهَةِ ومَن قالَ بِنَصٍّ خَفِيٍّ أوْ بِالِاسْتِدْلالِ فَإنَّما خالَفَ في العِبارَةِ وهو مُوافِقٌ في المَعْنى ولا يَنْفَكُّ مِنِ اسْتِعْمالِ اجْتِهادِ الرَّأْيِ والنَّظَرِ والقِياسِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ.
النحل 16:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ أمّا العَدْلُ فَهو الإنْصافُ، وهو واجِبٌ في نَظَرِ العُقُولِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ، وإنَّما ورَدَ السَّمْعُ بِتَأْكِيدِ وُجُوبِهِ. والإحْسانُ في هَذا المَوْضِعِ التَّفَضُّلُ، وهو نَدْبٌ والأوَّلُ فَرْضٌ وإيتاءُ ذِي القُرْبى فِيهِ الأمْرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ قَدِ انْتَظَمَ العَدْلَ في الفِعْلِ والقَوْلُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢] فَأمَرَ بِالعَدْلِ في القَوْلِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَنْتَظِمُ الأمْرَيْنِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ فَإنَّهُ قَدِ انْتَظَمَ سائِرَ القَبائِحِ والأفْعالِ والأقْوالِ والضَّمائِرِ المَنهِيِّ عَنْها. والفَحْشاءُ قَدْ تَكُونُ بِما يَفْعَلُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ مِمّا لا يَظْهَرُ أمْرُهُ وهو مِمّا يَعْظُمُ قُبْحُهُ، وقَدْ تَكُونُ مِمّا يَظْهَرُ مِنَ الفَواحِشِ، وقَدْ تَكُونُ لِسُوءِ العَقِيدَةِ والنِّحَلِ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي البَخِيلَ فاحِشًا. والمُنْكَرُ ما يَظْهَرُ لِلنّاسِ مِمّا يَجِبُ إنْكارُهُ، ويَكُونُ أيْضًا في الِاعْتِقاداتِ والضَّمائِرِ وهو ما تَسْتَنْكِرُهُ العُقُولُ وتَأْباهُ والبَغْيُ ما يَتَطاوَلُ بِهِ مِنَ الظُّلْمِ لِغَيْرِهِ. فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ لَهُ في نَفْسِهِ مَعانٍ خاصَّةٌ تَنْفَصِلُ بِها مِن غَيْرِهِ.
النحل 16:91
الوَفاءِ بِالعَهْدِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: العَهْدُ يَنْصَرِفُ عَلى وُجُوهٍ: فَمِنها الأمْرُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ﴾ [طه: ١١٥] وقالَ: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠] والمُرادُ الأمْرُ. وقَدْ يَكُونُ العَهْدُ يَمِينًا، ودَلالَةُ الآيَةِ عَلى أنَّ المُرادَ في هَذا المَوْضِعِ اليَمِينُ ظاهِرَةٌ. لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّ مَن قالَ: " عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ إنْ فَعَلْتُ كَذا " أنَّهُ حالِفٌ. وقَدْ رُوِيَ في حَدِيثِ حُذَيْفَةَ حِينَ أخَذَهُ المُشْرِكُونَ وأباهُ فَأخَذُوا مِنهُ عَهْدَ اللَّهِ أنْ لا يُقاتِلُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمّا قَدِما المَدِينَةَ ذَكَرا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «نَفِي لَهم بِعَهْدِهِمْ ونَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ» . ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ والحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ وعامِرٍ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ ومُجاهِدٍ: " إذا قالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ إنْ فَعَلْتُ (p-١٢)كَذا فَهو يَمِينٌ " .
النحل 16:92
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا﴾ شَبَّهَ اللَّهُ تَعالى مَن عَقَدَ عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا لِلَّهِ تَعالى فِيهِ قُرْبَةٌ ثُمَّ فَسَخَهُ ولَمْ يُتِمَّهُ بِالمَرْأةِ الَّتِي تَغْزِلُ شَعْرًا أوْ ما أشْبَهَهُ ثُمَّ نَقَضَتْ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ فَتَلَتْهُ فَتْلًا شَدِيدًا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الفَتْلَ قُوَّةً، فَمَن عَقَدَ عَلى نَفْسِهِ عَقْدًا أوْ أوْجَبَ قُرْبَةً أوْ دَخَلَ فِيها أنْ لا يُتِمَّها فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها بَعْدَ قُوَّةٍ، وهَذا يُوجِبُ أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ في صَلاةِ تَطَوُّعٍ أوْ صَوْمِ نَفْلٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ القُرَبِ أنْ لا يَجُوزَ لَهُ الخُرُوجُ مِنهُ قَبْلَ إتْمامِهِ، فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ مَن نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا.
النحل 16:98
بابُ الِاسْتِعاذَةِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ رَوى عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ عَبّادِ بْنِ عاصِمٍ عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: سَمِعْتُ «النَّبِيَّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلاةَ قالَ: اللَّهُمَّ أعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطانِ مِن هَمْزِهِ ونَفْخِهِ ونَفْثِهِ» .
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَتَعَوَّذُ في صَلاتِهِ قَبْلَ القِراءَةِ» ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ عُمَرَ: " الِاسْتِعاذَةُ قَبْلَ القِراءَةِ في الصَّلاةِ " ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: " الِاسْتِعاذَةُ واجِبَةٌ لِكُلِّ قِراءَةٍ في الصَّلاةِ وغَيْرِها " . وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: " إذا تَعَوَّذْتَ مَرَّةً أوْ قَرَأْتَ مَرَّةً بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أجْزَأ عَنْكَ "، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ وكانَ الحَسَنُ يَسْتَعِيذُ في الصَّلاةِ حِينَ يَسْتَفْتِحُ قَبْلَ أنْ يَقْرَأ أُمَّ القُرْآنِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ رِوايَةٌ أُخْرى قالَ: " كُلَّما قَرَأْتَ فاتِحَةَ الكِتابِ حِينَ تَقُولُ آمِينَ فاسْتَعِذْ " . وقالَ أصْحابُنا والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ: " يَتَعَوَّذُ قَبْلَ القِراءَةِ " وقالَ مالِكٌ: " لا يُتَعَوَّذُ في المَكْتُوبَةِ قَبْلَ القِراءَةِ ويُتَعَوَّذُ في قِيامِ رَمَضانَ إذا قَرَأ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِعاذَةُ بَعْدَ القِراءَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾ [النساء: ١٠٣] ولَكِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعَنِ السَّلَفِ الَّذِينَ ذَكَرْناهم الِاسْتِعاذَةُ قَبْلَ القِراءَةِ.
وقَدْ جَرَتِ العادَةُ بِإطْلاقِ مِثْلِهِ. والمُرادُ إذا أرَدْتَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ولَيْسَ المُرادُ أنْ تَسْألَها مِن وراءِ حِجابٍ بَعْدَ سُؤالٍ مُتَقَدِّمٍ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مَعْناهُ: إذا قَرَأْتَ فَقَدِّمُ الِاسْتِعاذَةَ قَبْلَ (p-١٣)القِراءَةِ، وحَقِيقَةُ مَعْناهُ: إذا أرَدْتَ القِراءَةَ فاسْتَعِذْ، وكَقَوْلِ القائِلِ: إذا قُلْتَ فاصْدُقْ وإذا أحْرَمْتَ فاغْتَسِلْ يَعْنِي قَبْلَ الإحْرامِ، والمَعْنى في جَمِيعِ ذَلِكَ إذا أرَدْتَ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ مَعْناهُ: إذا أرَدْتَ قِراءَتَهُ. وقَوْلُ مَن قالَ: " الِاسْتِعاذَةُ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ القِراءَةِ شاذٌّ، وإنَّما الِاسْتِعاذَةُ قَبْلَ القِراءَةِ لِنَفْيِ وساوِسِ الشَّيْطانِ عِنْدَ القِراءَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ [الحج: ٥٢] فَإنَّما أمَرَ اللَّهُ بِتَقْدِيمِ الِاسْتِعاذَةِ قَبْلَ القِراءَةِ لِهَذِهِ العِلَّةِ.
والِاسْتِعاذَةُ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُعَلِّمْها الأعْرابِيَّ حِينَ عَلَّمَهُ الصَّلاةَ، ولَوْ كانَتْ فَرْضًا لَمْ يُخْلِهِ مِن تَعْلِيمِها.
النحل 16:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ رَوى مَعْمَرٌ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ: «﴿إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ قالَ: أخَذَ المُشْرِكُونَ عَمّارًا وجَماعَةً مَعَهُ فَعَذَّبُوهم حَتّى قارَبُوهم في بَعْضِ ما أرادُوا، فَشَكا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: كَيْفَ كانَ قَلْبُكَ ؟ قالَ: مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، قالَ: فَإنْ عادُوا فَعُدْ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا أصْلٌ في جَوازِ إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ في حالِ الإكْراهِ، والإكْراهُ المُبِيحُ لِذَلِكَ هو أنْ يَخافَ عَلى نَفْسِهِ أوْ بَعْضِ أعْضائِهِ التَّلَفَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ ما أمَرَهُ بِهِ، فَأُبِيحَ لَهُ في هَذِهِ الحالِ أنْ يُظْهِرَ كَلِمَةَ الكُفْرِ ويُعارِضَ بِها غَيْرَهُ إذا خَطَرَ ذَلِكَ بِبالِهِ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ خُطُورِهِ بِبالِهِ كانَ كافِرًا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: " إذا أكْرَهَهُ الكُفّارُ عَلى أنْ يَشْتُمَ مُحَمَّدًا ﷺ فَخَطَرَ بِبالِهِ أنْ يَشْتُمَ مُحَمَّدًا آخَرَ غَيْرَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ وقَدْ شَتَمَ النَّبِيَّ ﷺ كانَ كافِرًا، وكَذَلِكَ لَوْ قِيلَ لَهُ لَتَسْجُدَنَّ لِهَذا الصَّلِيبِ فَخَطَرَ بِبالِهِ أنْ يَجْعَلَ السُّجُودَ لِلَّهِ فَلَمْ يَفْعَلْ وسَجَدَ لِلصَّلِيبِ كانَ كافِرًا، فَإنْ أعْجَلُوهُ عَنِ الرَّوِيَّةِ ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ شَيْءٌ، وقالَ ما أُكْرِهَ عَلَيْهِ أوْ فَعَلَ لَمْ يَكُنْ كافِرًا إذا كانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا خَطَرَ بِبالِهِ ما ذَكَرْنا فَقَدْ أمْكَنَهُ أنْ يَفْعَلَ الشَّتِيمَةَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا عَلى الضَّمِيرِ وإنَّما كانَ مُكْرَهًا عَلى القَوْلِ وقَدْ أمْكَنَهُ صَرْفُ الضَّمِيرِ إلى غَيْرِهِ فَمَتى لَمْ يَفْعَلْهُ فَقَدِ اخْتارَ إظْهارَ الكُفْرِ مِن غَيْرِ إكْراهٍ فَلَزِمَهُ حُكْمُ الكُفْرِ. وقَوْلُهُ ﷺ لِعَمّارٍ: «إنْ عادُوا فَعُدْ» إنَّما هو عَلى وجْهِ الإباحَةِ لا عَلى جِهَةِ الإيجابِ ولا عَلى النَّدْبِ، وقالَ أصْحابُنا: الأفْضَلُ أنْ لا يُعْطِيَ التَّقِيَّةَ ولا يُظْهِرَ الكُفْرَ حَتّى يُقْتَلَ وإنْ كانَ غَيْرُ ذَلِكَ مُباحًا لَهُ وذَلِكَ لِأنَّ خَبِيبَ بْنَ عَدِيٍّ لَمّا أرادَ أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَقْتُلُوهُ لَمْ يُعْطِهِمُ التَّقِيَّةَ حَتّى قُتِلَ فَكانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وعِنْدَ المُسْلِمِينَ أفْضَلَ مِن عَمّارٍ في (p-١٤)إعْطائِهِ التَّقِيَّةَ ولِأنَّ في تَرْكِ إعْطاءِ التَّقِيَّةِ إعْزازًا لِلدِّينِ وغَيْظًا لِلْمُشْرِكِينَ، فَهو بِمَنزِلَةِ مَن قاتَلَ العَدُوَّ حَتّى قُتِلَ، فَحَظُّ الإكْراهِ في هَذا المَوْضِعِ إسْقاطُ المَأْثَمِ عَنْ قائِلِ هَذا القَوْلِ حَتّى يَكُونَ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَقُلْ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، فَجَعَلَ المُكْرَهَ كالنّاسِي والمُخْطِئِ في إسْقاطِ المَأْثَمِ عَنْهُ، فَلَوْ أنَّ رَجُلًا نَسِيَ أوْ أخْطَأ فَسَبَقَ لِسانُهُ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيها مَأْثَمٌ ولا تَعَلَّقَ بِها حُكْمٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في طَلاقِ المُكْرَهِ وعَتاقِهِ ونِكاحِهِ وأيْمانِهِ، فَقالَ أصْحابُنا: " ذَلِكَ كُلُّهُ لازِمٌ " . وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: " لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ " . واَلَّذِي يَدُلُّ عَلى لُزُومِ حُكْمِ هَذِهِ الأشْياءِ ظاهِرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ طَلاقِ المُكْرَهِ والطّائِعِ وقالَ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ عَهْدِ المُكْرَهِ وغَيْرِهِ، وقالَ: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلُّ طَلاقٍ جائِزٌ إلّا طَلاقَ المَعْتُوهِ» .
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما رَوى. يُونُسُ بْنُ بِكِيرٍ عَنْ الوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: «أقْبَلْتُ أنا وأبِي ونَحْنُ نُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَدْ تَوَجَّهَ إلى بَدْرٍ، فَأخَذَنا كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَقالَ: إنَّكم لَتُرِيدُونَ مُحَمَّدًا ؟ فَقُلْنا: لا نُرِيدُهُ إنَّما نُرِيدُ المَدِينَةَ، قالَ: فَأعْطُونا عَهْدَ اللَّهِ ومِيثاقَهُ لَتَنْصَرِفَنَّ إلى المَدِينَةِ ولا تُقاتِلُونَ مَعَهُ فَأعْطَيْناهم عَهْدَ اللَّهِ، فَمَرَرْنا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يُرِيدُ بَدْرًا فَأخْبَرْناهُ بِما كانَ مِنّا وقُلْنا: ما تَأْمُرُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَفِي لَهم بِعَهْدِهِمْ وتَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ»، فانْصَرَفْنا إلى المَدِينَةِ فَذَلِكَ مَنَعَنا مِنَ الحُضُورِ مَعَهم.
فَأثْبَتَ النَّبِيُّ ﷺ إحْلافَ المُشْرِكِينَ إيّاهم عَلى وجْهِ الإكْراهِ وجَعَلَها كَيَمِينِ الطَّوْعِ، فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في اليَمِينِ فالطَّلاقُ والعَتاقُ والنِّكاحُ مِثْلُها لِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما. ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ ماهَكٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكاحُ والطَّلاقُ والرَّجْعَةُ» .
فَلَمّا سَوّى النَّبِيُّ ﷺ فِيهِنَّ بَيْنَ الجادِّ والهازِلِ ولِأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الجِدِّ والهَزْلِ أنَّ الجادَّ قاصِدٌ إلى اللَّفْظِ وإلى إيقاعِ حُكْمِهِ والهازِلُ قاصِدٌ إلى اللَّفْظِ غَيْرُ مَرِيدٍ لِإيقاعِ حُكْمِهِ، عَلِمْنا أنَّهُ لا حَظَّ لِلْإرادَةِ في نَفْيِ الطَّلاقِ وأنَّهُما جَمِيعًا مِن حَيْثُ كانا قاصِدَيْنِ لِلْقَوْلِ أنْ يُثْبِتَ حُكْمَهُ عَلَيْهِما، وكَذَلِكَ المُكْرَهُ قاصِدٌ لِلْقَوْلِ غَيْرُ مَرِيدٍ لِإيقاعِ حُكْمِهِ فَهو كالهازِلِ سَواءٌ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ المُكْرَهُ عَلى الكُفْرِ لا تَبِينُ مِنهُ امْرَأتُهُ واخْتَلَفَ حُكْمُ الطَّوْعِ والإكْراهِ فِيهِ وكانَ الكُفْرُ يُوجِبُ (p-١٥)الفُرْقَةَ كالطَّلاقِ، وجَبَ أنْ يَخْتَلِفَ حُكْمُ طَلاقِ المُكْرَهِ والطّائِعِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ لَفْظُ الكُفْرِ مِن ألْفاظِ الفُرْقَةِ لا كِنايَةً ولا تَصْرِيحًا، وإنَّما تَقَعُ بِهِ الفُرْقَةُ إذا حَصَلَ كافِرًا، والمُكْرَهُ عَلى الكُفْرِ لا يَكُونُ كافِرًا، فَلَمّا لَمْ يَصِرْ كافِرًا بِإظْهارِهِ كَلِمَةَ الكُفْرِ عَلى وجْهِ الإكْراهِ لَمْ تَقَعِ الفُرْقَةُ، وأمّا الطَّلاقُ فَهو مِن ألْفاظِ الفُرْقَةِ والبَيْنُونَةِ وقَدْ وُجِدَ إيقاعُهُ في لَفْظٍ مُكَلَّفٍ فَوَجَبَ أنْ لا يَخْتَلِفَ حُكْمُهُ في حالِ الإكْراهِ والطَّوْعِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ تَساوِي حالِ الجِدِّ والهَزْلِ في الطَّلاقِ لا يُوجِبُ تَساوِيَ حالِ الإكْراهِ والطَّوْعِ فِيهِ لِأنَّ الكُفْرَ يَسْتَوِي حُكْمُ جِدِّهِ وهَزْلِهِ ولَمْ يَسْتَوِ حالُ الإكْراهِ والطَّوْعِ فِيهِ. قِيلَ لَهُ: نَحْنُ لَمْ نَقُلْ إنَّ كُلَّ ما يَسْتَوِي جِدُّهُ وهَزْلُهُ يَسْتَوِي حالُ الإكْراهِ والطَّوْعِ فِيهِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لَمّا سَوّى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الجادِّ والهازِلِ في الطَّلاقِ عَلِمْنا أنَّهُ لا اعْتِبارَ فِيهِ بِالقَصْدِ لِلْإيقاعِ بَعْدَ وُجُودِ القَصْدِ مِنهُ إلى القَوْلِ فاسْتَدْلَلْنا بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا اعْتِبارَ فِيهِ لِلْقَصْدِ لِلْإيقاعِ بَعْدَ وُجُودِ لَفْظِ الإيقاعِ مِن مُكَلَّفٍ، وأمّا الكُفْرُ فَإنَّما يَتَعَلَّقُ حُكْمُهُ بِالقَصْدِ لا بِالقَوْلِ، ألا تَرى أنَّ مَن قَصَدَ إلى الجِدِّ بِالكُفْرِ أوِ الهَزْلِ أنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَلْفِظَ بِهِ وأنَّ القاصِدَ إلى إيقاعِ الطَّلاقِ لا يَقَعُ طَلاقُهُ إلّا بِاللَّفْظِ ؟ ويُبَيِّنُ لَكَ الفَرْقَ بَيْنَهُما أنَّ النّاسِيَ إذا تَلَفَّظَ بِالطَّلاقِ وقَعَ طَلاقُهُ ولا يَصِيرُ كافِرًا بِلَفْظِ الكُفْرِ عَلى وجْهِ النِّسْيانِ، وكَذَلِكَ مَن غَلِطَ بِسَبْقِ لِسانِهِ بِالكُفْرِ لَمْ يَكْفُرْ ولَوْ سَبَقَ لِسانُهُ بِالطَّلاقِ طَلُقَتِ امْرَأتُهُ، فَهَذا يُبَيِّنُ الفَرْقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وشُرَيْحٍ وإبْراهِيمَ والنَّخَعِيِّ والزُّهْرِيِّ وقَتادَةَ قالُوا: " طَلاقُ المُكْرَهِ جائِزٌ " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ الزُّبَيْرِ والحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وطاوُسٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ قالُوا: " طَلاقُ المُكْرَهِ لا يَجُوزُ " .
ورَوى سُفْيانُ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ الشُّعَبِيِّ قالَ: " إذا أكْرَهَهُ السُّلْطانُ عَلى الطَّلاقِ فَهو جائِزٌ وإنْ أكْرَهَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ " .
وقالَ أصْحابُنا فِيمَن أُكْرِهَ بِالقَتْلِ وتَلَفِ بَعْضِ الأعْضاءِ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ أوْ أكْلِ المَيْتَةِ لَمْ يَسَعْهُ أنْ لا يَأْكُلَ ولا يَشْرَبَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتّى قُتِلَ كانَ آثِمًا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أباحَ ذَلِكَ في حالِ الضَّرُورَةِ عِنْدَ الخَوْفِ عَلى النَّفْسِ فَقالَ: ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] ومَن لَمْ يَأْكُلِ المَيْتَةَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ حَتّى ماتَ جُوعًا كانَ آثِمًا بِمَنزِلَةِ تارِكِ أكْلِ الخُبْزِ حَتّى يَمُوتَ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الإكْراهِ عَلى الكُفْرِ في أنَّ تَرْكَ إعْطاءِ التَّقِيَّةِ فِيهِ أفْضَلُ لِأنَّ أكْلَ المَيْتَةِ وشُرْبَ الخَمْرِ تَحْرِيمُهُ مِن طَرِيقِ السَّمْعِ فَمَتى أباحَهُ السَّمْعُ فَقَدْ زالَ الحَظْرُ وعادَ إلى حُكْمِ سائِرِ المُباحاتِ، وإظْهارُ الكُفْرِ مَحْظُورٌ (p-١٦)مِن طَرِيقِ العَقْلِ لا يَجُوزُ اسْتِباحَتُهُ لِلضَّرُوراتِ، وإنَّما يَجُوزُ لَهُ إظْهارُ اللَّفْظِ عَلى مَعْنى المَعارِيضِ والتَّوْرِيَةِ بِاللَّفْظِ إلى غَيْرِ مَعْنى الكُفْرِ مِن غَيْرِ اعْتِقادٍ لِمَعْنى ما أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ اللَّفْظُ بِمَنزِلَةِ لَفْظِ النّاسِي واَلَّذِي يَسْبِقُهُ لِسانُهُ بِالكُفْرِ، فَكانَ تَرْكُ إظْهارِهِ أوْلى وأفْضَلُ وإنْ كانَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ إظْهارُهُ عِنْدَ الخَوْفِ.
وقالُوا فِيمَن أُكْرِهَ عَلى قَتْلِ رِجْلٍ أوْ عَلى الزِّنا بِامْرَأةٍ: لا يَسَعُهُ الإقْدامُ عَلَيْهِ لِأنَّ ذَلِكَ مِن حُقُوقِ النّاسِ وهُما مُتَساوِيانِ في الحُقُوقِ، فَلا يَجُوزُ إحْياءُ نَفْسِهِ بِقَتْلِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، وكَذَلِكَ الزِّنا بِالمَرْأةِ فِيهِ انْتِهاكُ حُرْمَتِها بِمَعْنى لا تُبِيحُهُ الضَّرُورَةُ وإلْحاقُها بِالشَّيْنِ والعارِ.
ولَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَهم الإكْراهُ عَلى القَذْفِ، فَيَجُوزُ لَهُ أنْ يَفْعَلَ مِن قِبَلِ أنَّ القَذْفَ الواقِعَ عَلى وجْهِ الإكْراهِ لا يُؤَثِّرُ في المَقْذُوفِ ولا يَلْحَقُهُ بِهِ شَيْءٌ.
فَأحْكامُ الإكْراهِ مُخْتَلِفَةٌ عَلى الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا، مِنها ما هو واجِبٌ فِيهِ إعْطاءُ التَّقِيَّةِ وهو الإكْراهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ وأكْلِ المَيْتَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا طَرِيقُ حَظْرِهِ السَّمْعُ، ومِنها ما لا يَجُوزُ فِيهِ إعْطاءُ التَّقِيَّةِ وهو الإكْراهُ عَلى قَتْلِ مَن لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ ونَحْوِ الزِّنا ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ مَظْلَمَةٌ لِآدَمِيٍّ ولا يُمْكِنُ اسْتِدْراكُهُ، ومِنها ما هو جائِزٌ لَهُ فِعْلُ ما أُكْرِهَ عَلَيْهِ والأفْضَلُ تَرْكُهُ كالإكْراهِ عَلى الكُفْرِ وشِبْهِهِ.
النحل 16:126
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ: " أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا مَثَّلُوا بِقَتْلى أُحُدٍ قالَ المُسْلِمُونَ: لَئِنْ أظْهَرَنا اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ أعْظَمَ مِمّا مَثَّلُوا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ " وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ سِيرِينَ: هو في كُلِّ مَن ظُلِمَ بِغَضَبٍ أوْ نَحْوِهِ فَإنَّما يُجازى بِمِثْلِ ما عَمِلَ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: نُزُولُ الآيَةِ عَلى سَبَبٍ لا يَمْنَعُ عِنْدَنا اعْتِبارَ عُمُومِها في جَمِيعِ ما انْتَظَمَهُ الِاسْمُ، فَوَجَبَ اسْتِعْمالُها في جَمِيعِ ما انْطَوى تَحْتَها بِمُقْتَضى ذَلِكَ أنَّ مَن قَتَلَ رَجُلًا قُتِلَ بِهِ ومَن جَرَحَ جِراحَةً جُرِحَ بِهِ جِراحَةً مِثْلَها، وإنْ قَطَعَ يَدَ رِجْلٍ ثُمَّ قَتَلَهُ أنَّ لِلْوَلِيِّ قَطْعَ يَدِهِ ثُمَّ قَتْلَهُ واقْتَضى أيْضًا أنَّ مَن قَتَلَ رَجُلًا بِرَضْخِ رَأْسِهِ بِالحَجَرِ أوْ نَصْبِهِ غَرَضًا فَرَماهُ حَتّى قَتَلَهُ أنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ؛ إذْ لا يُمْكِنُ المُعاقَبَةُ بِمِثْلِ ما فَعَلَهُ لِأنّا لا نُحِيطُ عِلْمًا بِمِقْدارِ الضَّرْبِ وعَدَدِهِ ومِقْدارِ ألَمِهِ، وقَدْ يُمْكِنُنا المُعاقَبَةُ بِمِثْلِهِ في بابِ إتْلافِ نَفْسِهِ قَتْلًا بِالسَّيْفِ، فَوَجَبَ اسْتِعْمالُ حُكْمِ الآيَةِ فِيهِ مِن هَذا الوَجْهِ دُونَ الوَجْهِ الأوَّلِ. وقَدْ دَلَّتْ أيْضًا عَلى أنَّ مَنِ اسْتَهْلَكَ لِرَجُلٍ مالًا فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ، وإذا غَصَبَهُ ساجَةً فَأدْخَلَها في بِنائِهِ أوْ غَصَبَهُ حِنْطَةً فَطَحَنَها أنَّ عَلَيْهِ المِثْلَ فِيهِما جَمِيعًا لِأنَّ المِثْلَ في الحِنْطَةِ بِمِقْدارِ كَيْلِها مِن جِنْسِها وفي السّاجَةِ (p-١٧)قِيمَتُها لِدَلالَةٍ قَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ، وقَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ العَفْوَ عَنِ القاتِلِ والجانِي أفْضَلُ مِنِ اسْتِيفاءِ القِصاصِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ آخِرُ سُورَةِ النَّحْلِ.
الإسراء 17:1
سُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ.
﷽
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ رُوِيَ عَنْ أُمِّ هانِئٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُسْرِيَ بِهِ مِن بَيْتِها تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَقالَ تَعالى: ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾» لِأنَّ الحَرَمَ كُلَّهُ مَسْجِدٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِيما سَلَفَ وقالَ: الحَسَنُ وقَتادَةُ: مَعْناهُ كانَ في المَسْجِدِ نَفْسِهِ فَأُسْرِيَ بِهِ.
الإسراء 17:7
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ قِيلَ: مَعْناهُ فَإلَيْها، كَما يُقالُ: أحْسَنَ إلى نَفْسِهِ وأساءَ إلى نَفْسِهِ وحُرُوفُ الإضافَةِ يَقَعُ بَعْضُها مَوْضِعَ بَعْضٍ إذا تَقارَبَتْ، وقالَ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] والمَعْنى: أوْحى إلَيْها.
الإسراء 17:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ يَعْنِي جَعَلْناها لا يُبْصَرُ بِها كَما لا يُبْصَرُ بِما يُمْحى مِنَ الكِتابِ وهو في نِهايَةِ البَلاغَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " مَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ: السَّوادُ الَّذِي في القَمَرِ " .
الإسراء 17:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ قِيلَ: إنَّما أرادَ بِهِ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ عَلى عادَةِ العَرَبِ في الطّائِرِ الَّذِي يَجِيءُ مِن ذاتِ اليَمِينِ فَيَتَبَرَّكُ بِهِ والطّائِرِ الَّذِي يَجِيءُ مِن ذاتِ الشِّمالِ فَيُتَشاءَمُ بِهِ، فَجَعَلَ الطّائِرَ اسْمًا لِلْخَيْرِ والشَّرِّ جَمِيعًا فاقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِهِ دُونَ ذِكْرِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى حِيالِهِ لِدَلالَتِهِ عَلى المَعْنَيَيْنِ، وأخْبَرَ أنَّهُ في عُنُقِهِ كالطَّوْقِ الَّذِي يُحِيطُ بِهِ ويُلازِمُهُ مُبالَغَةً في الوَعْظِ والتَّحْذِيرِ واسْتِدْعاءً إلى الصَّلاحِ وزَجْرًا عَنِ الفَسادِ.
الإسراء 17:15
قَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ قِيلَ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ فِيما كانَ طَرِيقُهُ السَّمْعَ دُونَ العَقْلِ إلّا بِقِيامِ حُجَّةِ السَّمْعِ فِيهِ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الحَرْبِ ولَمْ يَسْمَعْ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ونَحْوِها مِنَ الشَّرائِعِ السَّمْعِيَّةِ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ قَضاءُ شَيْءٍ مِنها إذا عَلِمَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لازِمًا لَهُ إلّا بَعْدَ قِيامِ حُجَّةِ السَّمْعِ عَلَيْهِ، وبِذَلِكَ ورَدَتِ السُّنَّةُ في قِصَّةِ أهْلِ قَبا حِينَ أتاهم آتٍ أنَّ القِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ وهم في الصَّلاةِ فاسْتَدارُوا إلى الكَعْبَةِ ولَمْ يَسْتَأْنِفُوا لِفَقْدِ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِنَسْخِ القِبْلَةِ وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن أسْلَمَ في دارِ الحَرْبِ ولَمْ يَعْلَمْ بِوُجُوبِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ أنَّهُ لا قَضاءَ عَلَيْهِ فِيما تَرَكَ، قالُوا: ولَوْ أسْلَمَ في دارِ الإسْلامِ ولَمْ يَعْلَمْ بِفَرْضِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ القَضاءُ (p-١٨)اسْتِحْسانًا والقِياسُ أنْ يَكُونَ مِثْلُ الأوَّلِ لِعَدَمِ قِيامِ حُجَّةِ السَّمْعِ عَلَيْهِ، وحُجَّةُ الِاسْتِحْسانِ أنَّهُ قَدْ رَأى النّاسَ يُصَلُّونَ في المَساجِدِ بِأذانٍ وإقامَةٍ وذَلِكَ دُعاءٌ إلَيْها فَكانَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ ومُخاطَبَةِ المُسْلِمِينَ إيّاهُ بِلُزُومِ فَرْضِها، فَلا يُسْقِطُها عَنْهُ تَضْيِيعُهُ إيّاها والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ إلّا بَعْدَ قِيامِ حُجَّةِ السَّمْعِ بِالرَّسُولِ، وأنَّ مُخالَفَةَ مُوجِباتِ أحْكامِ العُقُولِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ لا تُوجِبُ في حُكْمِ اللَّهِ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ.
الإسراء 17:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ قالَ سَعِيدٌ: " أُمِرُوا بِالطّاعَةِ فَعَصَوْا " . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: " كُنّا نَقُولُ لِلْحَيِّ إذا كَثُرُوا في الجاهِلِيَّةِ قَدْ أُمِرَ بَنُو فُلانٍ " . وعَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ وأبِي العالِيَةِ وعِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ: ﴿أمَرْنا﴾ أكْثَرْنا. ومَعْناهُ عَلى هَذا أنّا إذا كانَ في مَعْلُومِنا إهْلاكُ قَرْيَةٍ أكْثَرْنا مُتْرَفِيها، ولَيْسَ المَعْنى وُجُودَ الإرادَةِ مِنهُ لِإهْلاكِهِمْ قَبْلَ المَعْصِيَةِ لِأنَّ الإهْلاكَ عُقُوبَةٌ واللَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ يُعاقِبَ مَن لَمْ يَعْصِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] لَيْسَ المَعْنى وُجُودَ الإرادَةِ مِنهُ وإنَّما هو أنَّهُ في المَعْلُومِ أنَّهُ سَيَنْقَضُّ. وخَصَّ المُتْرَفِينَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ الرُّؤَساءُ ومَن عَداهم تَبَعٌ لَهم، وكَما أمَرَ فِرْعَوْنَ وقَوْمُهُ تَبَعٌ لَهم، وكَما «كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إلى قَيْصَرَ أسْلِمْ وإلّا فَعَلَيْكَ إثْمُ الأرِيسِيِّينَ» «وكَتَبَ إلى كَسْرى: فَإنْ لَمْ تُسْلِمْ فَعَلَيْكَ إثْمُ الأكّارِينَ» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى: أنَّ القَرْنَ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ المازِنِيُّ: مِائَةُ سَنَةٍ. وقِيلَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً.
الإسراء 17:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ قالَ سَعِيدٌ: " أُمِرُوا بِالطّاعَةِ فَعَصَوْا " . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: " كُنّا نَقُولُ لِلْحَيِّ إذا كَثُرُوا في الجاهِلِيَّةِ قَدْ أُمِرَ بَنُو فُلانٍ " . وعَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ وأبِي العالِيَةِ وعِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ: ﴿أمَرْنا﴾ أكْثَرْنا. ومَعْناهُ عَلى هَذا أنّا إذا كانَ في مَعْلُومِنا إهْلاكُ قَرْيَةٍ أكْثَرْنا مُتْرَفِيها، ولَيْسَ المَعْنى وُجُودَ الإرادَةِ مِنهُ لِإهْلاكِهِمْ قَبْلَ المَعْصِيَةِ لِأنَّ الإهْلاكَ عُقُوبَةٌ واللَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ يُعاقِبَ مَن لَمْ يَعْصِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] لَيْسَ المَعْنى وُجُودَ الإرادَةِ مِنهُ وإنَّما هو أنَّهُ في المَعْلُومِ أنَّهُ سَيَنْقَضُّ. وخَصَّ المُتْرَفِينَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ الرُّؤَساءُ ومَن عَداهم تَبَعٌ لَهم، وكَما أمَرَ فِرْعَوْنَ وقَوْمُهُ تَبَعٌ لَهم، وكَما «كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إلى قَيْصَرَ أسْلِمْ وإلّا فَعَلَيْكَ إثْمُ الأرِيسِيِّينَ» «وكَتَبَ إلى كَسْرى: فَإنْ لَمْ تُسْلِمْ فَعَلَيْكَ إثْمُ الأكّارِينَ» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى: أنَّ القَرْنَ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ المازِنِيُّ: مِائَةُ سَنَةٍ. وقِيلَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً.
الإسراء 17:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ العاجِلَةُ: الدُّنْيا، كَقَوْلِهِ: ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مَن كانَ هَمُّهُ مَقْصُورًا عَلى طَلَبِ الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ عَجَّلَ لَهُ مِنها ما يُرِيدُ، فَعَلَّقَ ما يُؤْتِيهِ مِنها بِمَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ فَلِذَلِكَ اسْتَثْنى في المُعْطى، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مِقْدارَهُ وجِنْسَهُ وإدامَتَهُ أوْ قَطْعَهُ، ثُمَّ أدْخَلَ عَلَيْهِ اسْتِثْناءً آخَرَ فَقالَ: ﴿لِمَن نُرِيدُ﴾ فَلِذَلِكَ اسْتَثْنى في المُعْطَيْنَ وأنَّهُ لا يُعْطى الجَمِيعُ مِمَّنْ يَسْعى لِلدُّنْيا بَلْ يُعْطِي مَن شاءَ مِنهم ويَحْرِمُ مَن شاءَ، فَأدْخَلَ عَلى إرادَةِ العاجِلَةِ في إعْطاءِ المُرِيدِ مِنها اسْتِثْناءَيْنِ لِئَلّا يَثِقَ الطّالِبُونَ لِلدُّنْيا بِأنَّهم لا مَحالَةَ سَيَنالُونَ بِسَعْيِهِمْ ما يُرِيدُونَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ فَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا بَعْدَ وُقُوعِ السَّعْيِ مِنهم عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ، وشَرَطَ في السَّعْيِ لِلْآخِرَةِ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا ومُرِيدًا لِثَوابِها. قالَ مُحَمَّدُ (p-١٩)بْنُ عَجْلانَ: مَن لَمْ يَكُنْ فِيهِ ثَلاثُ خِلالٍ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ: نِيَّةٌ صَحِيحَةٌ وإيمانٌ صادِقٌ وعَمَلٌ مُصِيبٌ، قالَ: فَقُلْتُ: عَمَّنْ هَذا ؟ فَقالَ: عَنْ كِتابِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ﴾ فَعَلَّقَ سَعْيَ الآخِرَةِ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ لَهُ بِأوْصافٍ ولَمْ يَسْتَثْنِ في المَقْصُودِ شَيْئًا ولَمْ يُخَصِّصْ إرادَةَ العاجِلَةِ بِوَصْفٍ بَلْ أطْلَقَها واسْتَثْنى في العَطِيَّةِ والمُعْطى ما قَدَّمْنا.
الإسراء 17:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ العاجِلَةُ: الدُّنْيا، كَقَوْلِهِ: ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مَن كانَ هَمُّهُ مَقْصُورًا عَلى طَلَبِ الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ عَجَّلَ لَهُ مِنها ما يُرِيدُ، فَعَلَّقَ ما يُؤْتِيهِ مِنها بِمَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ فَلِذَلِكَ اسْتَثْنى في المُعْطى، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مِقْدارَهُ وجِنْسَهُ وإدامَتَهُ أوْ قَطْعَهُ، ثُمَّ أدْخَلَ عَلَيْهِ اسْتِثْناءً آخَرَ فَقالَ: ﴿لِمَن نُرِيدُ﴾ فَلِذَلِكَ اسْتَثْنى في المُعْطَيْنَ وأنَّهُ لا يُعْطى الجَمِيعُ مِمَّنْ يَسْعى لِلدُّنْيا بَلْ يُعْطِي مَن شاءَ مِنهم ويَحْرِمُ مَن شاءَ، فَأدْخَلَ عَلى إرادَةِ العاجِلَةِ في إعْطاءِ المُرِيدِ مِنها اسْتِثْناءَيْنِ لِئَلّا يَثِقَ الطّالِبُونَ لِلدُّنْيا بِأنَّهم لا مَحالَةَ سَيَنالُونَ بِسَعْيِهِمْ ما يُرِيدُونَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ فَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا بَعْدَ وُقُوعِ السَّعْيِ مِنهم عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ، وشَرَطَ في السَّعْيِ لِلْآخِرَةِ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا ومُرِيدًا لِثَوابِها. قالَ مُحَمَّدُ (p-١٩)بْنُ عَجْلانَ: مَن لَمْ يَكُنْ فِيهِ ثَلاثُ خِلالٍ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ: نِيَّةٌ صَحِيحَةٌ وإيمانٌ صادِقٌ وعَمَلٌ مُصِيبٌ، قالَ: فَقُلْتُ: عَمَّنْ هَذا ؟ فَقالَ: عَنْ كِتابِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ﴾ فَعَلَّقَ سَعْيَ الآخِرَةِ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ لَهُ بِأوْصافٍ ولَمْ يَسْتَثْنِ في المَقْصُودِ شَيْئًا ولَمْ يُخَصِّصْ إرادَةَ العاجِلَةِ بِوَصْفٍ بَلْ أطْلَقَها واسْتَثْنى في العَطِيَّةِ والمُعْطى ما قَدَّمْنا.
الإسراء 17:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَرِيدِ العاجِلَةِ والسّاعِي لِلْآخِرَةِ وحُكْمُ ما يَنالُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِقَصْدِهِ وإرادَتِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ نِعَمَهُ جَلَّ وتَعالى مَبْسُوطَةٌ عَلى البَرِّ والفاجِرِ في الدُّنْيا وإنَّها خاصَّةٌ لِلْمُتَّقِينَ في الآخِرَةِ، ألا تَرى أنَّ سائِرَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والسَّماءِ والأرْضِ بِما فِيها مِنَ المَنافِعِ والهَواءِ والماءِ والنَّباتِ والحَيَواناتِ المَأْكُولَةِ والأغْذِيَةِ والأدْوِيَةِ وصِحَّةِ الجِسْمِ والعافِيَةِ إلى ما لا يُحْصى مِنَ النِّعَمِ شامِلَةٌ لِلْبَرِّ والفاجِرِ ؟ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الإسراء 17:23
بابُ بِرُّ الوالِدَيْنِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ مَعْناهُ: أمَرَ رَبُّكَ، وأمَرَ بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وقِيلَ: مَعْناهُ وأوْصى بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا والمَعْنى واحِدٌ لِأنَّ الوَصِيَّةَ أمْرٌ. وقَدْ أوْصى اللَّهُ تَعالى بِبِرِّ الوالِدَيْنِ والإحْسانِ إلَيْهِما في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ وقالَ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وقالَ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] فَأمَرَ بِمُصاحِبَةِ الوالِدَيْنِ المُشْرِكَيْنِ بِالمَعْرُوفِ مَعَ النَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِما في الشِّرْكِ لِأنَّهُ لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ مِنَ الكَبائِرِ عُقُوقَ الوالِدَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ قِيلَ فِيهِ: إنْ بَلَغْتَ حالَ الكِبَرِ وهو حالُ التَّكْلِيفِ وقَدْ بَقِيَ مَعَكَ أبَواكَ أوْ أحَدُهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ. وذَكَرَ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: " لا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ إذا بَلَغا مِنَ الكِبَرِ ما كانا يَلِيانِ مِنكَ في الصِّغَرِ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: اللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ فَهو عَلَيْهِما، ولا مَحالَةَ أنَّ بُلُوغَ الوَلَدِ شَرْطٌ في الأمْرِ؛ إذْ لا يَصِحُّ تَكْلِيفُ غَيْرِ البالِغِ، فَإذا بَلَغَ حالَ التَّكْلِيفِ وقَدْ بَلَغاهُما حالُ الكِبَرِ والضَّعْفِ أوْ لَمْ يَبْلُغا فَعَلَيْهِ الإحْسانُ إلَيْهِما وهو مَزْجُورٌ أنْ يَقُولَ لَهُما أُفٍّ، وهي كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى الضَّجَرِ والتَّبَرُّمِ بِمَن يُخاطَبُ بِها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَنْهَرْهُما﴾ مَعْناهُ: لا تَزْجُرْهُما عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ (p-٢٠)بِهِما والإغْلاظِ لَهُما قالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ قالَ: " لَيِّنًا سَهْلًا " . وقالَ هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ قالَ: " لا تَمْنَعْهُما شَيْئًا يُرِيدانِهِ " .
ورَوى هِشامٌ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ: ما بِرُّ الوالِدَيْنِ ؟ قالَ: " أنْ تَبْذُلَ لَهُما ما مَلَكْتَ وأطِعْهُما في أمْرِكَ ما لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً " .
ورَوى عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ عَنْ واصِلِ بْنِ السّائِبِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ قالَ: " لا تَنْفُضْ يَدَكَ عَلَيْهِما " وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: " ما بَرَّ والِدَهُ مَن أحَدَّ النَّظَرَ إلَيْهِ وعَنْ أبِي الهِياجِ قالَ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿قَوْلا كَرِيمًا﴾ قالَ: " قَوْلُ العَبْدِ الذَّلِيلِ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ الغَلِيظِ " . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ الرُّصافِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي عَطاءٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ قالَ: " يَداكَ لا تَرْفَعُهُما عَلى أبَوَيْكَ ولا تُحِدَّ بَصَرَكَ إلَيْهِما إجْلالًا وتَعْظِيمًا "
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ هو مَجازٌ لِأنَّ الذُّلَّ لَيْسَ لَهُ جَناحٌ ولا يُوصَفُ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ أرادَ المُبالَغَةَ في التَّذَلُّلِ والتَّواضُعِ لَهُما، وهو كَقَوْلِ امْرِئِ القِيسِ في وصْفِ اللَّيْلِ:
؎فَقُلْتُ لَهُ لَمّا تَمَطّى بِصُلْبِهِ وأرْدَفَ أعْجازًا وناءَ بِكَلْكَلِ
ولَيْسَ لِلَّيْلِ صُلْبٌ ولا أعْجازٌ ولا كَلْكَلٌ، وهو مَجازٌ، وإنَّما أرادَ بِهِ تَكامُلَهُ واسْتِواءَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ فِيهِ الأمْرُ بِالدُّعاءِ لَهُما بِالرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ إذا كانا مُسْلِمَيْنِ لِأنَّهُ قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ [التوبة: ١١٣] فَعَلِمْنا أنَّ مُرادَهُ بِالدُّعاءِ لَلْوالِدَيْنِ خاصٌّ في المُؤْمِنِينَ. وبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ تَأْكِيدَ حَقِّ الأبَوَيْنِ، فَقَرَنَ الأمْرَ بِالإحْسانِ إلَيْهِما إلى الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ الإحْسانِ إلَيْهِما بِالقَوْلِ والفِعْلِ والمُخاطَبَةِ الجَمِيلَةِ عَلى وجْهِ التَّذَلُّلِ والخُضُوعِ ونَهى عَنِ التَّبَرُّمِ والتَّضَجُّرِ بِهِما بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ ونَهى عَنِ الإغْلاظِ والزَّجْرِ لَهُما بِقَوْلِهِ ﴿ولا تَنْهَرْهُما﴾ فَأمَرَ بِلِينِ القَوْلِ والِاسْتِجابَةِ لَهُما إلى ما يَأْمُرانِهِ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالأمْرِ بِالدُّعاءِ لَهُما في الحَياةِ وبَعْدَ الوَفاةِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ عَظَّمَ حَقَّ الأُمِّ عَلى الأبِ ورَوى أبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «جاءَ رِجْلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أحَقُّ النّاسِ بِحُسْنِ صَحابَتِي ؟ قالَ: أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: ثُمَّ أبُوكَ» .
الإسراء 17:24
بابُ بِرُّ الوالِدَيْنِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ مَعْناهُ: أمَرَ رَبُّكَ، وأمَرَ بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وقِيلَ: مَعْناهُ وأوْصى بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا والمَعْنى واحِدٌ لِأنَّ الوَصِيَّةَ أمْرٌ. وقَدْ أوْصى اللَّهُ تَعالى بِبِرِّ الوالِدَيْنِ والإحْسانِ إلَيْهِما في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ وقالَ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وقالَ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] فَأمَرَ بِمُصاحِبَةِ الوالِدَيْنِ المُشْرِكَيْنِ بِالمَعْرُوفِ مَعَ النَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِما في الشِّرْكِ لِأنَّهُ لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ مِنَ الكَبائِرِ عُقُوقَ الوالِدَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ قِيلَ فِيهِ: إنْ بَلَغْتَ حالَ الكِبَرِ وهو حالُ التَّكْلِيفِ وقَدْ بَقِيَ مَعَكَ أبَواكَ أوْ أحَدُهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ. وذَكَرَ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: " لا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ إذا بَلَغا مِنَ الكِبَرِ ما كانا يَلِيانِ مِنكَ في الصِّغَرِ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: اللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ فَهو عَلَيْهِما، ولا مَحالَةَ أنَّ بُلُوغَ الوَلَدِ شَرْطٌ في الأمْرِ؛ إذْ لا يَصِحُّ تَكْلِيفُ غَيْرِ البالِغِ، فَإذا بَلَغَ حالَ التَّكْلِيفِ وقَدْ بَلَغاهُما حالُ الكِبَرِ والضَّعْفِ أوْ لَمْ يَبْلُغا فَعَلَيْهِ الإحْسانُ إلَيْهِما وهو مَزْجُورٌ أنْ يَقُولَ لَهُما أُفٍّ، وهي كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى الضَّجَرِ والتَّبَرُّمِ بِمَن يُخاطَبُ بِها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَنْهَرْهُما﴾ مَعْناهُ: لا تَزْجُرْهُما عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ (p-٢٠)بِهِما والإغْلاظِ لَهُما قالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ قالَ: " لَيِّنًا سَهْلًا " . وقالَ هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ قالَ: " لا تَمْنَعْهُما شَيْئًا يُرِيدانِهِ " .
ورَوى هِشامٌ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ: ما بِرُّ الوالِدَيْنِ ؟ قالَ: " أنْ تَبْذُلَ لَهُما ما مَلَكْتَ وأطِعْهُما في أمْرِكَ ما لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً " .
ورَوى عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ عَنْ واصِلِ بْنِ السّائِبِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ قالَ: " لا تَنْفُضْ يَدَكَ عَلَيْهِما " وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: " ما بَرَّ والِدَهُ مَن أحَدَّ النَّظَرَ إلَيْهِ وعَنْ أبِي الهِياجِ قالَ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿قَوْلا كَرِيمًا﴾ قالَ: " قَوْلُ العَبْدِ الذَّلِيلِ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ الغَلِيظِ " . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ الرُّصافِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي عَطاءٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ قالَ: " يَداكَ لا تَرْفَعُهُما عَلى أبَوَيْكَ ولا تُحِدَّ بَصَرَكَ إلَيْهِما إجْلالًا وتَعْظِيمًا "
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ هو مَجازٌ لِأنَّ الذُّلَّ لَيْسَ لَهُ جَناحٌ ولا يُوصَفُ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ أرادَ المُبالَغَةَ في التَّذَلُّلِ والتَّواضُعِ لَهُما، وهو كَقَوْلِ امْرِئِ القِيسِ في وصْفِ اللَّيْلِ:
؎فَقُلْتُ لَهُ لَمّا تَمَطّى بِصُلْبِهِ وأرْدَفَ أعْجازًا وناءَ بِكَلْكَلِ
ولَيْسَ لِلَّيْلِ صُلْبٌ ولا أعْجازٌ ولا كَلْكَلٌ، وهو مَجازٌ، وإنَّما أرادَ بِهِ تَكامُلَهُ واسْتِواءَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ فِيهِ الأمْرُ بِالدُّعاءِ لَهُما بِالرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ إذا كانا مُسْلِمَيْنِ لِأنَّهُ قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ [التوبة: ١١٣] فَعَلِمْنا أنَّ مُرادَهُ بِالدُّعاءِ لَلْوالِدَيْنِ خاصٌّ في المُؤْمِنِينَ. وبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ تَأْكِيدَ حَقِّ الأبَوَيْنِ، فَقَرَنَ الأمْرَ بِالإحْسانِ إلَيْهِما إلى الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ الإحْسانِ إلَيْهِما بِالقَوْلِ والفِعْلِ والمُخاطَبَةِ الجَمِيلَةِ عَلى وجْهِ التَّذَلُّلِ والخُضُوعِ ونَهى عَنِ التَّبَرُّمِ والتَّضَجُّرِ بِهِما بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ ونَهى عَنِ الإغْلاظِ والزَّجْرِ لَهُما بِقَوْلِهِ ﴿ولا تَنْهَرْهُما﴾ فَأمَرَ بِلِينِ القَوْلِ والِاسْتِجابَةِ لَهُما إلى ما يَأْمُرانِهِ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالأمْرِ بِالدُّعاءِ لَهُما في الحَياةِ وبَعْدَ الوَفاةِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ عَظَّمَ حَقَّ الأُمِّ عَلى الأبِ ورَوى أبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «جاءَ رِجْلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أحَقُّ النّاسِ بِحُسْنِ صَحابَتِي ؟ قالَ: أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: ثُمَّ أبُوكَ» .
الإسراء 17:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ قالَ سَعِيدُ (p-٢١)بْنُ المُسَيِّبِ: " الأوّابُ الَّذِي يَتُوبُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ كُلَّما أذْنَبَ بادَرَ بِالتَّوْبَةِ " وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: " هو الرّاجِعُ عَنْ ذَنْبِهِ بِالتَّوْبَةِ مِنهُ " .
ورَوى مَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: " الأوّابُ الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ ويَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنها " . ورَوى قَتادَةُ عَنِ القاسِمِ بْنِ عَوْفٍ الشَّيْبانِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى أهْلِ قُباءَ وهم يُصَلُّونَ الضُّحى فَقالَ: إنَّ صَلاةَ الأوّابِينَ إذا رَمَضَتِ الفِصالُ مِنَ الضُّحى» .
الإسراء 17:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: الحَقُّ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ مُجْمَلٌ مُفْتَقِرٌ إلى البَيانِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» فَهَذا الحَقُّ غَيْرُ ظاهِرِ المَعْنى في الآيَةِ بَلْ هو مَوْقُوفٌ عَلى البَيانِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ هَذا الحَقُّ هو حَقُّهم مِنَ الخُمُسِ إنْ كانَ المُرادُ قَرابَةَ الرَّسُولِ ﷺ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ما لَهم مِنَ الحَقِّ في صِلَةِ رَحِمِهِمْ. وقَدِ اخْتُلِفَ في ذَوِي القُرْبى المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: هو قَرابَةُ الإنْسانِ " . ورُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: " أنَّهُ قَرابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " وقَدْ قِيلَ: إنَّ التَّأْوِيلَ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ الوالِدَيْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأمْرَ بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ عامٌّ في جَمِيعِ النّاسِ، فَكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن إيتاءِ ذِي القُرْبى حَقَّهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ الصَّدَقاتِ الواجِبَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآيَةُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الحَقُّ الَّذِي يَلْزَمُهُ إعْطاؤُهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ. وقَدْ رَوى ابْنُ حَمْزَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «في المالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ وتَلا: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧]» الآيَةُ.
ورَوى سُفْيانُ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ ذَكَرَ الإبِلَ فَقالَ: إنَّ فِيها حَقًّا فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إطْراقُ فَحْلِها وإعارَةُ دَلْوِها ومَنِيحَةُ سَمِينِها» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالُوا: " التَّبْذِيرُ إنْفاقُ المالِ في غَيْرِ حَقِّهِ " . وقالَ مُجاهِدٌ: " لَوْ أنْفَقَ مُدًّا في باطِلٍ كانَ تَبْذِيرًا " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: مَن يَرى الحَجْرَ لِلتَّبْذِيرِ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ إذْ كانَ التَّبْذِيرُ مَنهِيًّا عَنْهُ، فالواجِبُ عَلى الإمامِ مَنعُهُ مِنهُ بِالحَجْرِ والحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مالِهِ إلّا بِمِقْدارِ نَفَقَةِ مِثْلِهِ وأبُو حَنِيفَةَ لا يَرى الحَجْرَ وإنْ كانَ مِن أهْلِ التَّبْذِيرِ لِأنَّهُ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ، فَهو جائِزُ التَّصَرُّفِ عَلى نَفْسِهِ فَيَجُوزُ إقْرارُهُ وبِياعاتُهُ كَما يَجُوزُ إقْرارُهُ بِما يُوجِبُ الحَدَّ والقِصاصَ، وذَلِكَ مِمّا تُسْقِطُهُ الشُّبْهَةُ، فَإقْرارُهُ (p-٢٢)وعُقُودُهُ بِالجَوازِ أوْلى إذْ كانَتْ مِمّا لا تُسْقِطُهُ الشُّبْهَةُ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم أخِوانُهم بِاتِّباعِهِمْ آثارَهم وجَرْيِهِمْ عَلى سُنَنِهِمْ، والثّانِي: أنَّهم يُقْرَنُونَ بِالشَّياطِينِ في النّارِ.
الإسراء 17:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: الحَقُّ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ مُجْمَلٌ مُفْتَقِرٌ إلى البَيانِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» فَهَذا الحَقُّ غَيْرُ ظاهِرِ المَعْنى في الآيَةِ بَلْ هو مَوْقُوفٌ عَلى البَيانِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ هَذا الحَقُّ هو حَقُّهم مِنَ الخُمُسِ إنْ كانَ المُرادُ قَرابَةَ الرَّسُولِ ﷺ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ما لَهم مِنَ الحَقِّ في صِلَةِ رَحِمِهِمْ. وقَدِ اخْتُلِفَ في ذَوِي القُرْبى المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: هو قَرابَةُ الإنْسانِ " . ورُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: " أنَّهُ قَرابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " وقَدْ قِيلَ: إنَّ التَّأْوِيلَ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ الوالِدَيْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأمْرَ بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ عامٌّ في جَمِيعِ النّاسِ، فَكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن إيتاءِ ذِي القُرْبى حَقَّهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ الصَّدَقاتِ الواجِبَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآيَةُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الحَقُّ الَّذِي يَلْزَمُهُ إعْطاؤُهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ. وقَدْ رَوى ابْنُ حَمْزَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «في المالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ وتَلا: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧]» الآيَةُ.
ورَوى سُفْيانُ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ ذَكَرَ الإبِلَ فَقالَ: إنَّ فِيها حَقًّا فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إطْراقُ فَحْلِها وإعارَةُ دَلْوِها ومَنِيحَةُ سَمِينِها» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالُوا: " التَّبْذِيرُ إنْفاقُ المالِ في غَيْرِ حَقِّهِ " . وقالَ مُجاهِدٌ: " لَوْ أنْفَقَ مُدًّا في باطِلٍ كانَ تَبْذِيرًا " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: مَن يَرى الحَجْرَ لِلتَّبْذِيرِ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ إذْ كانَ التَّبْذِيرُ مَنهِيًّا عَنْهُ، فالواجِبُ عَلى الإمامِ مَنعُهُ مِنهُ بِالحَجْرِ والحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مالِهِ إلّا بِمِقْدارِ نَفَقَةِ مِثْلِهِ وأبُو حَنِيفَةَ لا يَرى الحَجْرَ وإنْ كانَ مِن أهْلِ التَّبْذِيرِ لِأنَّهُ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ، فَهو جائِزُ التَّصَرُّفِ عَلى نَفْسِهِ فَيَجُوزُ إقْرارُهُ وبِياعاتُهُ كَما يَجُوزُ إقْرارُهُ بِما يُوجِبُ الحَدَّ والقِصاصَ، وذَلِكَ مِمّا تُسْقِطُهُ الشُّبْهَةُ، فَإقْرارُهُ (p-٢٢)وعُقُودُهُ بِالجَوازِ أوْلى إذْ كانَتْ مِمّا لا تُسْقِطُهُ الشُّبْهَةُ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم أخِوانُهم بِاتِّباعِهِمْ آثارَهم وجَرْيِهِمْ عَلى سُنَنِهِمْ، والثّانِي: أنَّهم يُقْرَنُونَ بِالشَّياطِينِ في النّارِ.
الإسراء 17:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ الآيَةُ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عَلِمْنا ما يَفْعَلُهُ عِنْدَ مَسْألَةِ السّائِلِينَ لَنا مِنَ المُسْلِمِينَ وابْنِ السَّبِيلِ وذِي القُرْبى مَعَ عَوَزِ ما يُعْطِي وقِلَّةِ ذاتِ أيْدِينا، فَقالَ: إنْ أعْرَضْتَ عَنْهم لِأنَّكَ لا تَجِدُ ما تُعْطِيهِمْ وكُنْتَ مُنْتَظِرَ الرِّزْقِ ورَحْمَةً تَرْجُوها مِنَ اللَّهِ لِتُعْطِيَهم مِنهُ فَقُلْ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ قَوْلًا حَسَنًا لَيِّنًا سَهْلًا فَتَقُولُ لَهم يَرْزُقُ اللَّهُ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وإبْراهِيمَ وغَيْرِهِمْ.
الإسراء 17:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ: لا تَبْخَلْ بِالمَنعِ مِن حُقُوقِهِمُ الواجِبَةِ لَهم. وهَذا مَجازٌ، ومُرادُهُ تَرْكُ الإنْفاقِ، فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ مَن يَدُهُ مَغْلُولَةٌ إلى عُنُقِهِ فَلا يُعْطِي مِن مالِهِ شَيْئًا وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ تَصِفُ البَخِيلَ بِضِيقِ اليَدِ فَتَقُولُ: فُلانٌ جَعْدُ الكَفَّيْنِ، إذا كانَ بَخِيلًا، وقَصِيرُ الباعِ ويَقُولُونَ في ضِدِّهِ: فُلانٌ رَحْبُ الذِّراعِ وطَوِيلُ اليَدَيْنِ «وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِنِسائِهِ: أسْرَعُكُنَّ بِي لِحاقًا أطْوَلُكُنَّ يَدًا» .
وإنَّما أرادَ كَثْرَةَ الصَّدَقَةِ، فَكانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ لِأنَّها كانَتْ أكْثَرَهُنَّ صَدَقَةً وقالَ الشّاعِرُ:
؎وما إنْ كانَ أكْثَرَهم سَواما ولَكِنْ كانَ أرْحَبَهم ذِراعا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ يَعْنِي: ولا تُخْرِجْ جَمِيعَ ما في يَدِكَ مَعَ حاجَتِكَ وحاجَةِ عِيالِكَ إلَيْهِ ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ يَعْنِي: ذا حَسْرَةٍ عَلى ما خَرَجَ مِن يَدِكَ. وهَذا الخِطابُ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَدَّخِرْ شَيْئًا لِغَدٍ وكانَ يَجُوعُ حَتّى يَشُدَّ الحَجَرَ عَلى بَطْنِهِ، وقَدْ كانَ كَثِيرٌ مِن فُضَلاءِ الصَّحابَةِ يُنْفِقُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ جَمِيعَ أمْلاكِهِمْ فَلَمْ يُعَنِّفْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ لِصِحَّةِ يَقِينِهِمْ وشِدَّةِ بَصائِرِهِمْ، وإنَّما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنِ الإفْراطِ في الإنْفاقِ وإخْراجِ جَمِيعِ ما حَوَتْهُ يَدُهُ مِنَ المالِ مَن خِيفَ عَلَيْهِ الحَسْرَةُ عَلى ما خَرَجَ عَنْ يَدِهِ فَأمّا مِن وثِقَ بِمَوْعُودِ اللَّهِ وجَزِيلِ ثَوابِهِ فِيما أنْفَقَهُ فَغَيْرُ مُرادٍ بِالآيَةِ وقَدْ رُوِيَ أنَّ «رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِن ذَهَبٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أصَبْتُ هَذِهِ مِن مَعْدِنٍ واللَّهِ ما أمْلِكُ غَيْرَها فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَعادَ ثانِيًا فَأعْرَضَ عَنْهُ، فَعادَ ثالِثًا فَأخَذَها النَّبِيُّ ﷺ فَرَمى (p-٢٣)بِها فَلَوْ أصابَتْهُ لَعَقَرَتْهُ، فَقالَ: يَأْتِينِي أحَدُهم بِجَمِيعِ ما يَمْلِكُ ثُمَّ يَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ النّاسَ» .
ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ وعَلَيْهِ هَيْئَةٌ رَثَّةٌ والنَّبِيُّ ﷺ عَلى المِنبَرِ، فَأمَرَ الرَّجُلُ بِأنْ يَقُومَ فَقامَ، فَطَرَحَ النّاسُ ثِيابًا لِلصَّدَقَةِ فَأعْطاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنها ثَوْبَيْنِ، ثُمَّ حَثَّ النَّبِيُّ ﷺ النّاسَ عَلى الصَّدَقَةِ، فَطَرَحَ أحَدَ ثَوْبَيْهِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اُنْظُرُوا إلى هَذا أمَرْتُهُ أنْ يَقُومَ لِيُفْطَنَ لَهُ فَيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ فَأعْطَيْتُهُ ثَوْبَيْنِ ثُمَّ قَدْ طَرَحَ أحَدَهُما ثُمَّ قالَ لَهُ: خُذْ ثَوْبَكَ». فَإنَّما مَنَعَ أمْثالَ هَؤُلاءِ مِن إخْراجِ جَمِيعِ أمْوالِهِمْ. فَأمّا أهْلُ البَصائِرِ فَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ، وقَدْ كانَ أبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذا مالٍ كَثِيرٍ فَأنْفَقَ جَمِيعَ مالِهِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وفي سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى بَقِيَ في عَباءَةٍ فَلَمْ يُعَنِّفْهُ النَّبِيُّ ﷺ ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُخاطَبَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ وإنَّما خُوطِبَ بِهِ غَيْرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ولَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ مِمَّنْ يَتَحَسَّرُ عَلى إنْفاقِ ما حَوَتْهُ يَدُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ وهو نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ غَيْرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤] لَمْ يُرِدْ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ لِأنَّهُ لَمْ يَشُكَّ قَطُّ. فاقْتَضَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] الأمْرُ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ والإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ والتَّذَلُّلِ لَهُما وطاعَتِهِما وإعْطاءِ ذِي القُرْبى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حُقُوقَهم والنَّهْيِ عَنْ تَبْذِيرِ المالِ وإنْفاقِهِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ والأمْرِ بِالِاقْتِصادِ في الإنْفاقِ والنَّهْيِ عَنِ الإفْراطِ والتَّقْصِيرِ في الإعْطاءِ والمَنعِ وتَعْلِيمِ ما يُجِيبُ بِهِ السّائِلَ والمِسْكِينَ عِنْدَ تَعَذُّرِ ما يُعْطِي.
الإسراء 17:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ هو كَلامٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ السَّبَبِ الخارِجِ عَلَيْهِ وذَلِكَ لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن كانَ يَقْتُلُ بَناتِهِ خَشْيَةَ الفَقْرِ لِئَلّا يَحْتاجَ إلى النَّفَقَةِ عَلَيْهِنَّ ولِيَوَفِّرَ ما يُرِيدُ إنْفاقَهُ عَلَيْهِنَّ عَلى نَفْسِهِ وعَلى بَيْتِهِ، وكانَ ذَلِكَ مُسْتَفِيضًا شائِعًا فِيهِمْ، وهي المَوْءُودَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٩] والمَوْءُودَةُ هي المَدْفُونَةُ حَيًّا، وكانُوا يَدْفِنُونَ بَناتَهم أحْياءً. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقِيلَ: ما أعْظَمُ الذُّنُوبِ ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ وأنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَأْكُلَ مَعَكَ وأنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ﴾ فِيهِ إخْبارٌ بِأنَّ رِزْقَ الجَمِيعِ عَلى اللَّهِ تَعالى واللَّهُ سَيُسَبِّبُ لَهم ما يُنْفِقُونَ عَلى الأوْلادِ وعَلى أنْفُسِهِمْ، وفِيهِ بَيانٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَيَرْزُقُ كُلَّ حَيَوانٍ خَلَقَهُ ما دامَتْ حَياتُهُ باقِيَةً وأنَّهُ إنَّما يَقْطَعُ رِزْقَهُ بِالمَوْتِ، وبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى (p-٢٤)ذَلِكَ لِئَلّا يَتَعَدّى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ولا يَتَناوَلُ مالَ غَيْرِهِ؛ إذْ كانَ اللَّهُ قَدْ سَبَّبَ لَهُ مِنَ الرِّزْقِ ما يُغْنِيهِ عَنْ مالِ غَيْرِهِ.
الإسراء 17:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا﴾ فِيهِ الإخْبارُ بِتَحْرِيمِ الزِّنا وأنَّهُ قَبِيحٌ لِأنَّ الفاحِشَةَ هي الَّتِي قَدْ تَفاحَشَ قُبْحُهُ وعَظُمَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الزِّنا قَبِيحٌ في العَقْلِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ لِأنَّ اللَّهَ سَمّاهُ فاحِشَةً ولَمْ يُخَصِّصْ بِهِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ أوْ بَعْدَهُ ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ الزِّنا قَبِيحٌ في العَقْلِ أنَّ الزّانِيَةَ لا نَسَبَ لِوَلَدِها مِن قِبَلِ الأبِ؛ إذْ لَيْسَ بَعْضُ الزُّناةِ أوْلى بِهِ لَحاقُهُ بِهِ مِن بَعْضٍ، فَفِيهِ قَطْعُ الأنْسابِ ومَنعُ ما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الحُرُماتِ في المَوارِيثِ والمُناكَحاتِ وصِلَةِ الأرْحامِ وإبْطالِ حَقِّ الوالِدِ عَلى الوَلَدِ وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ مِنَ الحُقُوقِ الَّتِي تَبْطُلُ مَعَ الزِّنا، وذَلِكَ قَبِيحٌ في العُقُولِ مُسْتَنْكَرٌ في العاداتِ ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الوَلَدُ لِلْفِراشِ ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ» لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ النَّسَبُ مَقْصُورًا عَلى الفِراشِ وما هو في حُكْمِ الفِراشِ لَما كانَ صاحِبُ الفِراشِ بِأوْلى بِالنَّسَبِ مِنَ الزّانِي وكانَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى إبْطالِ الأنْسابِ وإسْقاطِ ما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الحُقُوقِ والحُرُماتِ.
الإسراء 17:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ﴾ إنَّما قالَ تَعالى: ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ لِأنَّ قَتْلَ النَّفْسِ قَدْ يَصِيرُ حَقًّا بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا، وذَلِكَ قَتْلُهُ عَلى وجْهِ القَوَدِ وبِالرِّدَّةِ والرَّجْمِ لِلْمُحْصَنِ والمُحارِبَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سُلْطانًا﴾ قالُوا: حُجَّةً، كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] وقالَ الضَّحّاكُ: السُّلْطانُ أنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ وبَيْنَ أخْذِ الدِّيَةِ وعَلى السُّلْطانِ أنْ يَطْلُبَ القاتِلَ حَتّى يَدْفَعَهُ إلَيْهِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: السُّلْطانُ لَفْظٌ مُجْمَلٌ غَيْرُ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ في الإبانَةِ عَنِ المُرادِ لِأنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَقَعُ عَلى مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَمِنها الحُجَّةُ ومِنها السُّلْطانُ الَّذِي يَلِي الأمْرَ والنَّهْيَ وغَيْرَ ذَلِكَ، إلّا أنَّ الجَمِيعَ مُجْمِعُونَ أنَّهُ قَدْ أُرِيدَ بِهِ القَوَدُ فَصارَ القَوَدُ كالمَنطُوقِ بِهِ في الآيَةِ، وتَقْدِيرُهُ فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا أيْ قَوَدًا، ولَمْ يَثْبُتْ أنَّ الدِّيَةَ مُرادَةٌ فَلَمْ نُثْبِتْها ولَمّا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ القَوَدُ دَلَّ ظاهِرُهُ عَلى أنَّهُ إذا كانَتِ الوَرَثَةُ صِغارًا وكِبارًا أنَّ لِلْكِبارِ أنْ يَقْتَصُّوا قَبْلَ بُلُوغِ الصِّغارِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم ولِيٌّ والصَّغِيرُ لَيْسَ بِوَلِيٍّ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَجُوزُ عَفْوُهُ ؟ وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وعِنْدَ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ لا يَقْتَصُّ الكِبارُ حَتّى يَبْلُغَ الصِّغارُ فَيُقْتَصُّوا مَعَهم أوْ يَعْفُوا ورُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ الرُّجُوعُ إلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (p-٢٥)والضَّحّاكِ وطَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ: " لا يَقْتُلْ غَيْرَ قاتِلِهِ ولا يُمَثِّلْ بِهِ " وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَتَعَدّى إلى غَيْرِ القاتِلِ مِنَ الحَمِيمِ والقَرِيبِ، فَلَمّا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ سُلْطانًا نَهاهُ أنْ يَتَعَدّى وعَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ [البقرة: ١٧٨] لِأنَّهُ كانَ لِبَعْضِ القَبائِلِ طَوْلٌ عَلى الأُخْرى فَكانَ إذا قُتِلَ مِنهُمُ العَبْدُ لا يَرْضَوْنَ إلّا أنْ يَقْتُلُوا الحُرَّ مِنهم وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: لا يُسْرِفْ في القَتْلِ بِأنْ يَتَعَدّى إلى غَيْرِ القاتِلِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا يُسْرِفْ في القَتْلِ، جَزَمَهُ بَعْضُهم عَلى النَّهْيِ ورَفَعَهُ بَعْضُهم عَلى مَجازِ الخَبَرِ، يَقُولُ: لَيْسَ في قَتْلِهِ سَرَفٌ لِأنَّ قَتْلَهُ مُسْتَحَقٌّ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ قالَ قَتادَةُ: " هو عائِدٌ عَلى الوَلِيِّ " وقالَ مُجاهِدٌ: " عَلى المَقْتُولِ " . وقِيلَ: " هو مَنصُورٌ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ، ونَصْرُهُ هو حُكْمُ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ أعْنِي لِلْوَلِيِّ " . وقِيلَ: " نَصْرُهُ أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ أنْ يُعِينُوهُ " . وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ قَدِ اقْتَضى إثْباتَ القِصاصِ لِلنِّساءٍ لِأنَّ الوَلِيَّ هُنا هو الوارِثُ كَما قالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] فَنَفى بِذَلِكَ إثْباتَ التَّوارُثِ بَيْنَهم إلّا بَعْدَ الهِجْرَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦] فَأثْبَتَ المِيراثَ بِأنْ جَعَلَ بَعْضَهم أوْلِياءَ بَعْضٍ، وقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] فَأثْبَتَ التَّوارُثَ بَيْنَهم بِذِكْرِ الوِلايَةِ. فَلَمّا قالَ ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ اقْتَضى ذَلِكَ إثْباتَ القَوَدِ لِسائِرِ الوَرَثَةِ ويَدُلُّ عَلى أنَّ الدَّمَ مَوْرُوثٌ عَنِ المَقْتُولِ أنَّ الدِّيَةَ الَّتِي هي بَدَلٌ مِنَ القِصاصِ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ لِلرِّجالِ والنِّساءِ، ولَوْ لَمْ تَكُنِ النِّساءُ قَدْ ورِثْنَ القِصاصَ لَما ورِثْنَ بَدَلَهُ الَّذِي هو المالُ، وكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَرِثَ بَعْضُ الوَرَثَةِ مِن بَعْضٍ مِيراثِ المَيِّتِ ولا يَرِثُ مِنَ البَعْضِ الآخَرُ هَذا القَوْلُ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِظاهِرِ الكِتابِ مُخالِفٌ لِلْأُصُولِ. وقَوْلُ مالِكٍ: " إنَّ النِّساءَ لَيْسَ إلَيْهِنَّ مِنَ القِصاصِ شَيْءٌ وإنَّما القِصاصُ لِلرِّجالِ فَإذا تَحَوَّلَ مالًا ورِثَتِ النِّساءُ مَعَ الرِّجالِ " ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ والحَسَنِ وقَتادَةَ والحَكَمِ: " لَيْسَ إلى النِّساءِ شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ والدَّمِ "، ومِن قَوْلِ أصْحابِنا: " إنَّ القِصاصَ واجِبٌ لِكُلِّ وارِثٍ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والصِّبْيانِ بِقَدْرِ مَوارِيثِهِمْ " .
الإسراء 17:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: " الَّتِي هي أحْسَنُ التِّجارَةُ " . وقالَ الضَّحّاكُ: يَبْتَغِي بِهِ مِن فَضْلِ اللَّهِ ولا يَكُونُ لِلَّذِي يَبْتَغِي فِيهِ شَيْءٌ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: (p-٢٦)إنَّما خَصَّ اليَتِيمَ بِالذِّكْرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ واجِبًا في أمْوالِ سائِرِ النّاسِ لِأنَّ اليَتِيمَ إلى ذَلِكَ أحْوَجُ والطَّمَعُ في مِثْلِهِ أكْثَرُ، وقَدِ انْتَظَمَ قَوْلُهُ: ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ جَوازَ التَّصَرُّفِ في مالِ اليَتِيمِ لِلْوالِي عَلَيْهِ مِن جَدٍّ أوْ وصِيِّ أبٍ لِسائِرِ ما يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَيْهِ لِأنَّ الأحْسَنَ ما كانَ فِيهِ حِفْظُ مالِهِ وتَثْمِيرُهُ، فَجائِزٌ عَلى ذَلِكَ أنْ يَبِيعَ ويَشْتَرِيَ لِلْيَتِيمِ بِما لا ضَرَرَ عَلى اليَتِيمِ فِيهِ وبِمِثْلِ القِيمَةِ وأقَلَّ مِنها مِمّا يَتَغابَنُ النّاسُ فِيهِ لِأنَّ النّاسَ قَدْ يَرَوْنَ ذَلِكَ حَطًّا لِما يَرْجُونَ فِيهِ مِنَ الرِّبْحِ والزِّيادَةِ ولِأنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ النُّقْصانِ مِمّا يَخْتَلِفُ المُقَوِّمُونَ فِيهِ، فَلَمْ تَثْبُتْ هُناكَ حَطِيطَةٌ في الحَقِيقَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِيَ بِأكْثَرَ مِنَ القِيمَةِ بِما لا يَتَغابَنُ النّاسُ فِيهِ لِأنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلى اليَتِيمِ وذَلِكَ ظاهِرٌ مُتَيَقَّنٌ، وقَدْ نَهى اللَّهُ أنْ يُقْرَبَ مالُ اليَتِيمِ إلّا بِاَلَّتِي هي أحْسَنُ.
وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ إجارَةِ مالِ اليَتِيمِ والعَمَلِ بِهِ مُضارَبَةً لِأنَّ الرِّبْحَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ اليَتِيمُ إنَّما يَحْصُلُ لَهُ بِعَمَلِ المُضارِبِ، فَذَلِكَ أحْسَنُ مِن تَرْكِهِ وقَدْ رَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ابْتَغُوا بِأمْوالِ الأيْتامِ خَيْرًا لا تَأْكُلْها الصَّدَقَةُ»، قِيلَ: مَعْناهُ النَّفَقَةُ لِأنَّ النَّفَقَةَ تُسَمّى صَدَقَةً. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «ما أنْفَقَ الرَّجُلُ عَلى نَفْسِهِ وعِيالِهِ فَهو لَهُ صَدَقَةٌ» . وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ عُمَرَ وعائِشَةَ وجَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ أنَّ لِلْوَصِيِّ أنْ يَتَّجِرَ بِمالِ اليَتِيمِ وأنْ يَدْفَعَهُ مُضارَبَةً ويَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْأبِ أنْ يَشْتَرِيَ مالِ الصَّغِيرِ لِنَفْسِهِ ويَبِيعَ مِنهُ وعَلى أنَّ لِلْوَصِيِّ أنْ يَشْتَرِيَ مالَ اليَتِيمِ لِنَفْسِهِ إذا كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ قالَ: " وإنِ اشْتَرى بِمِثْلِ القِيمَةِ لَمْ يَجُزْ حَتّى يَكُونَ ما يَأْخُذُهُ اليَتِيمُ أكْثَرَ قِيمَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: " لا يَجُوزُ ذَلِكَ بِحالٍ " .
وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ورَبِيعَةُ: " الحُلُمَ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] فَذَكَرَ الكِبَرَ هَهُنا وذَكَرَ الأشُدَّ في هَذِهِ الآيَةِ، وقالَ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] فَذَكَرَ في إحْدى الآياتِ الكِبَرَ مُطْلَقًا وفي الأُخْرى الأشُدَّ وفي الأُخْرى بُلُوغَ النِّكاحِ مَعَ إيناسِ الرُّشْدِ. ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمانَ بْنِ خَثِيمٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ [الأحقاف: ١٥] ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، ﴿واسْتَوى﴾ [القصص: ١٤] أرْبَعُونَ سَنَةً، ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ [فاطر: ٣٧] قالَ: العُمُرُ الَّذِي أعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ إلى ابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً. وقالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ [الأحقاف: ١٥] فَذَكَرَ في قِصَّةِ مُوسى بُلُوغَ الأشُدِّ والِاسْتِواءِ.
وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بُلُوغَ الأشُدِّ، (p-٢٧)وفِي الأُخْرى بُلُوغَ الأشُدِّ وبُلُوغَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِبُلُوغِ الأشُدِّ قِيلَ أرْبَعِينَ سَنَةً وقِيلَ الِاسْتِواءُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالأشُدُّ لَيْسَ لَهُ مِقْدارٌ مَعْلُومٌ في العادَةِ لا يَزِيدُ عَلَيْهِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ، وقَدْ يَخْتَلِفُ أحْوالُ النّاسِ فِيهِ فَيَبْلُغُ بَعْضُهُمُ الأشُدَّ في مُدَّةٍ لا يَبْلُغْهُ غَيْرُهُ في مِثْلِها لِأنَّهُ إنْ كانَ بُلُوغُ الأشُدِّ هو اجْتِماعُ الرَّأْيِ واللُّبِّ بَعْدَ الحُلُمِ فَذَلِكَ مُخْتَلِفٌ في العادَةِ وإنْ كانَ بُلُوغُهُ اجْتِماعَ القُوى وكَمالِ الجِسْمِ فَهو مُخْتَلِفٌ أيْضًا، وكُلُّ ما كانَ حُكْمُهُ مَبْنِيًّا عَلى العاداتِ فَغَيْرُ مُمْكِنٍ القَطْعُ بِهِ عَلى وقْتٍ لا يَتَجاوَزُهُ ولا يَقْصُرُ عَنْهُ إلّا بِتَوْقِيفٍ أوْ إجْماعٍ، فَلَمّا قالَ في آيَةٍ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ اقْتَضى ذَلِكَ دَفْعَ المالِ إلَيْهِ عِنْدَ بُلُوغِ الأشُدِّ مِن غَيْرِ شَرْطِ إيناسِ الرُّشْدِ، ولَمّا قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] شَرَطَ فِيها بَعْدَ بُلُوغِ النِّكاحِ إيناسَ الرُّشْدِ ولَمْ يَشْرُطْ ذَلِكَ في بُلُوغِ الأشُدِّ ولا بُلُوغِ حَدِّ الكِبَرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: " لا يَدْفَعُ إلَيْهِ مالَهُ بَعْدَ البُلُوغِ حَتّى يُؤْنِسَ مِنهُ رُشْدًا ويَكْبُرَ ويَبْلُغَ الأشُدَّ وهو خَمْسٌ وعِشْرُونَ سَنَةً ثُمَّ يَدْفَعُ إلَيْهِ مالَهُ بَعْدَ أنْ يَكُونَ عاقِلًا " فَجائِزٌ أنْ تَكُونَ هَذِهِ مُدَّةَ بُلُوغِ الأشُدِّ عِنْدَهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ إيجابَ الوَفاءِ بِما عاهَدَ اللَّهَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ النُّذُورِ والدُّخُولِ في القُرَبِ، فَألْزَمَهُ اللَّهُ تَعالى إتْمامَها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥] ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٦] ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٧] وقِيلَ: أوْفُوا بِالعَهْدِ في حِفْظِ مالِ اليَتِيمِ مَعَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْكم بِوُجُوبِ حِفْظِهِ وكُلُّ ما قامَتْ بِهِ الحُجَّةُ مِن أوامِرِ اللَّهِ وزَواجِرِهِ فَهو عَهْدٌ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ مَعْناهُ: مَسْؤُولًا عَنْهُ لِلْجَزاءِ، فَحُذِفَ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ الحالِ وعِلْمِ المُخاطَبِ بِالمُرادِ. وقِيلَ: إنَّ العَهْدَ يُسْألُ فَيُقالُ لِمَ نُقِضْتَ ؟ كَما تُسْألُ المَوْءُودَةُ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وذَلِكَ يَرْجِعُ إلى مَعْنى الأوَّلِ لِأنَّهُ تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ لِناقِضِ العَهْدِ كَما أنَّ سُؤالَ المَوْءُودَةِ تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ لِقائِلِها بِأنَّهُ قَتَلَها بِغَيْرِ ذَنْبٍ.
الإسراء 17:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مَنِ اشْتَرى شَيْئًا مِنَ المَكِيلاتِ مُكايَلَةً أوْ مِنَ المَوْزُوناتِ مُوازَنَةً واجِبٌ عَلَيْهِ أنْ لا يَأْخُذَ المُشْتَرى كَيْلًا إلّا بِكَيْلٍ ولا المُشْتَرى وزْنًا إلّا بِوَزْنٍ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ أنْ يَأْخُذَهُ مُجازَفَةً، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاعْتِبارَ في تَحْرِيمِ التَّفاضُلِ هو بِالكَيْلِ والوَزْنِ؛ إذْ (p-٢٨)لَمْ يُخَصِّصْ إيجابَ الكَيْلِ في المَكِيلِ وإيجابُ الوَزْنِ في المَوْزُونِ بِالمَأْكُولِ مِنهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ سائِرُ المَكِيلاتِ والمَوْزُوناتِ إذا اشْتَرى بَعْضَها بِبَعْضٍ مِن جِنْسٍ واحِدٍ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أخْذُهُ مُجازَفَةً إلّا بِكَيْلٍ سَواءٌ كانَ مَأْكُولًا أوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ نَحْوُ الجِصِّ والنُّورَةِ وفي المَوْزُونِ نَحْوُ الحَدِيدِ والرَّصاصِ وسائِرِ المَوْزُوناتِ. وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ وأنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لِأنَّ إيفاءَ الكَيْلِ والوَزْنِ لا سَبِيلَ لَنا إلَيْهِ إلّا مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ وغَلَبَةِ الظَّنِّ، ألا تَرى أنَّهُ لا يُمْكِنُ أحَدًا أنْ يَدَّعِيَ إذا كانَ لِغَيْرِهِ القَطْعُ بِأنَّهُ لا يَزِيدُ حَبَّةً ولا يَنْقُصُ وإنَّما مَرْجِعُهُ في إيفاءِ حَقِّهِ إلى غَلَبَةِ ظَنِّهِ ؟ ولَمّا كانَ الكائِلُ والوازِنُ مُصِيبًا لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى إذا فَعَلَ ذَلِكَ ولَمْ يُكَلَّفْ إصابَةَ حَقِيقَةِ المِقْدارِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كانَ كَذَلِكَ حُكْمُ مَسائِلِ الِاجْتِهادِ. وقِيلَ في القِسْطاسِ إنَّهُ المِيزانُ صَغُرَ أوْ كَبُرَ. وقالَ الحَسَنُ: هو القَبّانُ. ولَمّا ذَكَرْنا مِنَ المَعْنى في المَكِيلِ والمَوْزُونِ قالَ أصْحابُنا فِيمَن لَهُ عَلى آخَرَ شَيْءٌ مِنَ المَكِيلِ أوِ المَوْزُونِ: إنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ أنْ يَقْبِضَهُ مُجازَفَةً إنْ تَراضَيا وظاهِرُ الأمْرِ بِالكَيْلِ والوَزْنِ يُوجِبُ أنْ لا يَجُوزَ تَرْكُهُما بِتَراضِيهِما، وكَذَلِكَ لا تَجُوزُ قِسْمَتُهُما إذا كانَ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ مُجازَفَةٌ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا، ولَوْ كانَتْ ثِيابًا أوْ عُرُوضًا مِن غَيْرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ جازَ أنْ يَقْبِضَهُ مُجازَفَةً بِتَراضِيهِما وجازَ أنْ يَقْتَسِما مُجازَفَةً؛ إذْ لَمْ يُوجَدْ عَلَيْنا فِيهِ إيفاءُ الكَيْلِ والوَزْنِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ مَعْناهُ أنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأحْسَنُ عاقِبَةً في الدُّنْيا والآخِرَةِ والتَّأْوِيلُ هو الَّذِي إلَيْهِ مَرْجِعُ الشَّيْءِ وتَفْسِيرُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: آلَ يَؤُولُ أوْلًا إذا رَجَعَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] القَفْوُ اتِّباعُ الأثَرِ مِن غَيْرِ بَصِيرَةٍ ولا عِلْمٍ بِما يَصِيرُ إلَيْهِ، ومِنهُ القافَةُ وكانَتِ العَرَبُ فِيها مَن يَقْتافُ الأثَرَ وفِيها مَن يَقْتافُ النَّسَبَ، وقَدْ كانَ هَذا الِاسْمُ مَوْضُوعًا عِنْدَهم لِما يُخْبِرُ بِهِ الإنْسانُ مِن غَيْرِ حَقِيقَةٍ، يَقُولُونَ: تَقَوَّفَ الرَّجُلُ إذا قالَ الباطِلَ قالَ جَرِيرٌ:
؎وطالَ حِذارِي خِيفَةَ البَيْنِ والنَّوى وأُحْدُوثَةٍ مِن كاشِحٍ مُتَقَوِّفِ
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أرادَ بِقَوْلِهِ الباطِلَ. وقالَ آخَرُ:
؎ومِثْلُ الدُّمى شَمُّ العَرانِينِ ساكِنٌ ∗∗∗ بِهِنَّ الحَياءُ لا يُشِعْنَ التَّقافِيا
أيِ التَّقاذُفَ. وإنَّما سُمِّيَ التَّقاذُفُ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّ أكْثَرَهُ يَكُونُ عَنْ غَيْرِ حَقِيقَةٍ وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ بِكَذِبِ القاذِفِ إذا لَمْ يَأْتِ بِالشُّهُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ (p-٢٩)بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢] قالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] " لا تَقُلْ سَمِعْتُ ولَمْ تَسْمَعْ ولا رَأيْتُ ولَمْ تَرَهُ ولا عَلِمْتُ ولَمْ تَعْلَمْ " . وقَدِ اقْتَضى ذَلِكَ نَهْيَ الإنْسانِ عَنْ أنْ يَقُولَ في أحْكامِ اللَّهِ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ عَلى جِهَةِ الظَّنِّ والحُسْبانِ وأنْ لا يَقُولَ في النّاسِ مِنَ السُّوءِ ما لا يَعْلَمْ صِحَّتَهُ، ودَلَّ عَلى أنَّهُ إذا أخْبَرَ عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَهو آثِمٌ في خَبَرِهِ كَذِبًا كانَ خَبَرُهُ أوْ صِدْقًا لِأنَّهُ قائِلٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ وقَدْ نَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
الإسراء 17:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ فِيهِ بَيانٌ أنَّ لِلَّهِ عَلَيْنا حَقًّا في السَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ والمَرْءُ مَسْؤُولٌ عَمّا يَفْعَلُهُ بِهَذِهِ الجَوارِحِ مِنَ الِاسْتِماعِ بِما لا يَحِلُّ والنَّظَرِ إلى ما لا يَجُوزُ والإرادَةِ لِما يَقْبُحُ.
ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ في نَفْيِ القِياسِ في فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وإبْطالِ خَبَرِ الواحِدِ لِأنَّهُما لا يُفْضِيانِ بِنا إلى العِلْمِ والقائِلُ بِهِما قائِلٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ. وهَذا غَلَطٌ مِن قائِلِهِ وذَلِكَ لِأنَّ ما قامَتْ دَلالَةُ القَوْلِ بِهِ فَلَيْسَ قَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ والقِياسُ وأخْبارُ الآحادِ قَدْ قامَتْ دَلائِلُ مُوجِبَةٌ لِلْعِلْمِ بِصِحَّتِهِما وإنْ كُنّا غَيْرَ عالِمِينَ بِصِدْقِ المُخْبِرِ، وعَدَمُ العِلْمِ بِصِدْقِ المُخْبِرِ غَيْرُ مانِعٍ جَوازَ قَبُولِهِ ووُجُوبَ العَمَلِ بِهِ، كَما أنَّ شَهادَةَ الشّاهِدَيْنِ يَجِبُ قَبُولُها إذا كانَ ظاهِرُهُما العَدالَةَ وإنْ لَمْ يَقَعْ لَنا العِلْمُ بِصِحَّةِ مُخْبِرِهِما، وكَذَلِكَ أخْبارُ المُعامَلاتِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ العِلْمِ مَعَ فَقْدِ العِلْمِ بِصِحَّةِ الخَبَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ غَيْرُ مُوجِبٍ لِرَدِّ أخْبارِ الآحادِ كَما لَمْ يُوجِبْ رَدَّ الشَّهاداتِ، وأمّا القِياسُ الشَّرْعِيُّ فَإنَّ ما كانَ مِنهُ مِن خَبَرِ الِاجْتِهادِ فَكُلُّ قائِلٍ بِشَيْءٍ مِنَ الأقاوِيلِ الَّتِي يَسُوغُ فِيها الِاجْتِهادُ فَهو قائِلٌ بِعِلْمٍ؛ إذْ كانَ حُكْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ما أدّاهُ اجْتِهادُهُ إلَيْهِ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ العِلْمَ عَلى ضَرْبَيْنِ: عِلْمٌ حَقِيقِيٌّ وعِلْمٌ ظاهِرٌ، واَلَّذِي تَعَبَّدَنا بِهِ مِن ذَلِكَ هو العِلْمُ الظّاهِرُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وإنَّما هو العِلْمُ الظّاهِرُ لا مَعْرِفَةُ مَغِيبِ ضَمائِرِهِنَّ وقالَ إخْوَةُ يُوسُفَ: ﴿وما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١] فَأخْبَرُوا أنَّهم شَهِدُوا بِالعِلْمِ الظّاهِرِ.
الإسراء 17:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ قِيلَ: إنَّهُ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ لَهم بِمَن بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَأْتِي بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ في القُرْآنِ، فَكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حِجابًا عَنْ أنْ يُدْرِكُوهُ فَيَنْتَفِعُوا بِهِ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ غَيْرُهُ: " نَزَلَ في قَوْمٍ كانُوا يُؤْذُونَهُ بِاللَّيْلِ إذا تَلا القُرْآنَ فَحالَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم وبَيْنَهُ حَتّى لا يُؤْذُوهُ " . وقالَ الحَسَنُ: " مَنزِلَتُهم فِيما أعْرَضُوا عَنْهُ مَنزِلَةُ مَن بَيْنَكَ (p-٣٠)وبَيْنَهُ حِجابٌ " قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ مَنَعَهم مِن ذَلِكَ لَيْلًا في وقْتٍ مَخْصُوصٍ لِئَلّا يُؤْذُوا النَّبِيَّ ﷺ وقِيلَ: جَعَلْناها بِالحُكْمِ أنَّهم بِهَذِهِ المَنزِلَةِ، ذَمًّا لَهم عَلى الِامْتِناعِ مِن تَفَهُّمِ الحَقِّ والِاسْتِماعِ إلَيْهِ مَعَ إعْراضِهِمْ ونُفُورِهِمْ عَنْهُ.
الإسراء 17:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ قِيلَ: إنَّهُ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ لَهم بِمَن بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَأْتِي بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ في القُرْآنِ، فَكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حِجابًا عَنْ أنْ يُدْرِكُوهُ فَيَنْتَفِعُوا بِهِ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ غَيْرُهُ: " نَزَلَ في قَوْمٍ كانُوا يُؤْذُونَهُ بِاللَّيْلِ إذا تَلا القُرْآنَ فَحالَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم وبَيْنَهُ حَتّى لا يُؤْذُوهُ " . وقالَ الحَسَنُ: " مَنزِلَتُهم فِيما أعْرَضُوا عَنْهُ مَنزِلَةُ مَن بَيْنَكَ (p-٣٠)وبَيْنَهُ حِجابٌ " قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ مَنَعَهم مِن ذَلِكَ لَيْلًا في وقْتٍ مَخْصُوصٍ لِئَلّا يُؤْذُوا النَّبِيَّ ﷺ وقِيلَ: جَعَلْناها بِالحُكْمِ أنَّهم بِهَذِهِ المَنزِلَةِ، ذَمًّا لَهم عَلى الِامْتِناعِ مِن تَفَهُّمِ الحَقِّ والِاسْتِماعِ إلَيْهِ مَعَ إعْراضِهِمْ ونُفُورِهِمْ عَنْهُ.
الإسراء 17:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا﴾ قالَ الحَسَنُ: " إنَّ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا في الدُّنْيا لِطُولِ لُبْثِكم في الآخِرَةِ، كَما قِيلَ كَأنَّكَ بِالدُّنْيا لَمْ تَكُنْ وكَأنَّكَ بِالآخِرَةِ لَمْ تَزَلْ " . وقالَ قَتادَةُ: " أرادَ بِهِ احْتِقارَ أمْرِ الدُّنْيا حِينَ عايَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ " .
الإسراء 17:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةً وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ وقَتادَةِ وإبْراهِيمَ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ قالُوا: رُؤْيا غَيْرِ لَيْلَةِ الإسْراءِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَلَمّا أخْبَرَ المُشْرِكِينَ بِما رَأى كَذَّبُوا بِهِ " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ أرادَ بِرُؤْياهُ أنَّهُ سَيَدْخُلُ مَكَّةَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والسُّدِّيِّ وإبْراهِيمَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ: أنَّهُ أرادَ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ الَّتِي ذَكَرَها في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] فَأرادَ بِقَوْلِهِ: " مَلْعُونَةً " أنَّهُ مَلْعُونٌ أكْلُها. وكانَتْ فِتْنَتُهم بِها قَوْلَ أبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ: ودُونَهُ النّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ فَكَيْفَ تَنْبُتُ فِيها ؟ .
الإسراء 17:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ﴾ هَذا تَهَدُّدٌ واسْتِهانَةٌ بِفِعْلِ المَقُولِ لَهُ ذَلِكَ وأنَّهُ لا يَفُوتُهُ الجَزاءُ عَلَيْهِ والِانْتِقامُ مِنهُ، وهو مِثْلُ قَوْلِ القائِلِ: اجْهَدْ جَهْدَكَ فَسَتَرى ما يَنْزِلُ بِكَ. ومَعْنى اسْتَفْزِزِ اسْتَزِلَّ يُقالُ اسْتَفَزَّهُ واسْتَزَلَّهُ بِمَعْنًى. وقَوْلُهُ: ﴿بِصَوْتِكَ﴾ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الغِناءُ واللَّهْوُ وهُما مَحْظُورانِ وأنَّهُما مِن صَوْتِ الشَّيْطانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الصَّوْتُ الَّذِي يَدْعُو بِهِ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وكُلُّ صَوْتٍ دُعِيَ بِهِ إلى الفَسادِ فَهو مِن صَوْتِ الشَّيْطانِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ فَإنَّ الإجْلابَ هو السَّوْقُ بِجَلَبَةٍ مِنَ السّائِقِ، والجَلَبَةُ الصَّوْتُ الشَّدِيدُ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ: " كُلُّ راجِلٍ أوْ ماشٍ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ فَهو مِن رَجْلِ الشَّيْطانِ وخَيْلِهِ " . والرَّجْلُ جَمْعُ راجِلٍ كالتَّجْرِ جَمْعُ تاجِرٍ والرَّكْبُ جَمْعُ راكِبٍ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ كُنْ شَرِيكًا في ذَلِكَ فَإنَّ مِنهُ ما يَطْلُبُونَهُ بِشَهْوَتِهِمْ ومِنهُ ما يَطْلُبُونَهُ لِإغْرائِكَ بِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: وشارِكْهم في الأوْلادِ يَعْنِي الزِّنا " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " المَوْءُودَةُ " وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: " مَن هُوِّدُوا ونُصِّرُوا " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِوايَةً: " تَسْمِيَتُهم عَبْدَ الحارِثِ وعَبْدَ شَمْسٍ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا احْتَمَلَ هَذِهِ الوُجُوهَ كانَ مَحْمُولًا عَلَيْها وكانَ جَمِيعُها (p-٣١)مُرادًا؛ إذْ كانَ ذَلِكَ مِمّا لِلشَّيْطانِ نَصِيبٌ في الإغْراءِ بِهِ والدُّعاءِ إلَيْهِ.
الإسراء 17:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ أطْلَقَ ذَلِكَ عَلى الجِنْسِ وفِيهِمُ الكافِرُ المُهانُ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كَرَّمَهم بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ وعامَلَهم مُعامَلَةَ المُكَرَّمِ بِالنِّعْمَةِ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ في الصِّفَةِ، والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِمْ مَن عَلى هَذا المَعْنى أجْرى الصِّفَةَ عَلى جَماعَتِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] لِما كانَ فِيهِمْ مَن هو كَذَلِكَ أجْرى الصِّفَةَ عَلى الجَماعَةِ.
الإسراء 17:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ قِيلَ: إنَّهُ يُقالُ هاتُوا مُتَّبِعِي إبْراهِيمَ هاتُوا مُتَّبِعِي مُوسى هاتُوا مُتَّبِعِي مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَقُومُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الأنْبِياءَ واحِدًا واحِدًا فَيَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، ثُمَّ يَدْعُو بِمُتَّبِعِي أئِمَّةِ الضَّلالِ عَلى هَذا المِنهاجِ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: " إمامُهُ نَبِيُّهُ " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والضَّحّاكُ: " إمامُهُ كِتابُ عَمَلِهِ " . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " بِمَن كانُوا يَأْتَمُّونَ بِهِ في الدُّنْيا " . وقِيلَ: " بِإمامِهِمْ بِكِتابِهِمُ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الحَلالِ والحَرامِ والفَرائِضِ " .
الإسراء 17:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ: " مَن كانَ في أمْرِ هَذِهِ الدُّنْيا وهي شاهِدَةٌ لَهُ مِن تَدْبِيرِها وتَصْرِيفِها وتَقْلِيبِ النِّعَمِ فِيها أعْمى عَنِ اعْتِقادِ الحَقِّ الَّذِي هو مُقْتَضاها، وهو في الآخِرَةِ الَّتِي هي غائِبَةٌ عَنْهُ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا " .
الإسراء 17:78
وقْتُ المَغْرِبِ أوَّلُ وقْتِ المَغْرِبِ مِن حِينِ تَغْرُبُ الشَّمْسُ لا اخْتِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ في ذَلِكَ، وقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وهو يَقَعُ عَلى الغُرُوبِ لِما بَيَّنّاهُ فِيما سَلَفَ وقالَ تَعالى: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] وهو ما قَرُبَ مِنهُ مِنَ النَّهارِ، وهو أوَّلُ أوْقاتِهِ واَللَّهُ أعْلَمُ.
وقالَ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] قِيلَ فِيهِ إنَّهُ وقْتُ المَغْرِبِ. وفي أخْبارِ المَواقِيتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرٍ وأبِي سَعِيدٍ وغَيْرِهِمْ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى المَغْرِبَ في اليَوْمَيْنِ جَمِيعًا حِينَ غابَتِ الشَّمْسُ» . وقالَ سَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ: «كُنّا نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا تَوارَتْ بِالحِجابِ» .
وقَدْ ذَهَبَ شَواذٌّ مِنَ النّاسِ إلى أنَّ أوَّلَ وقْتِ المَغْرِبِ حِينَ يَطْلُعُ النَّجْمُ، واحْتَجُّوا بِما رَوى أبُو تَمِيمٍ الجَيَشانِيُّ عَنْ أبِي بُصْرَةَ الغِفارِيِّ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ العَصْرِ فَقالَ: إنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ عُرِضَتْ عَلى مَن كانَ قَبْلَكم فَضَيَّعُوها، فَمَن حافَظَ عَلَيْها مِنكم أُوتِيَ أجْرَهُ مَرَّتَيْنِ، ولا صَلاةَ بَعْدَها حَتّى يَطْلُعَ الشّاهِدُ؛ والشّاهِدُ النَّجْمُ» . وهَذا حَدِيثٌ شاذٌّ لا تُعارَضُ بِهِ الأخْبارُ المُتَواتِرَةُ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في أوَّلِ وقْتِ المَغْرِبِ أنَّهُ حِينَ تَغِيبُ الشَّمْسُ»
؛ وقَدْ رَوى ذَلِكَ أيْضًا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم عُمَرُ وعَبْدُ اللَّهِ وعُثْمانُ وأبُو هُرَيْرَةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ أبِي بُصْرَةَ في ذِكْرِ طُلُوعِ الشّاهِدِ غَيْرُ مُخالِفٍ لِهَذِهِ الأخْبارِ وذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّجْمَ قَدْ يُرى في بَعْضِ الأوْقاتِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ اخْتِلاطِ الظَّلامِ، فَلَمّا كانَ الغالِبُ في ذَلِكَ أنَّهُ لا يَكادُ يَخْلُو مِن أنْ يُرى بَعْضُ النُّجُومِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ جُعِلَ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ.
وأيْضًا فَلَوْ كانَ الِاعْتِبارُ بِرُؤْيَةِ النَّجْمِ لَوَجَبَ أنْ تُصَلّى قَبْلَ الغُرُوبِ إذا رُئِيَ النَّجْمُ؛ لِأنَّ بَعْضَ النُّجُومِ قَدْ يُرى في بَعْضِ الأوْقاتِ قَبْلَ الغُرُوبِ، ولا خِلافَ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ فِعْلُها قَبْلَ (p-٢٥٨)الغُرُوبِ مَعَ رُؤْيَةِ الشّاهِدِ، فَسَقَطَ بِذَلِكَ اعْتِبارُ طُلُوعِ الشّاهِدِ.
وأمّا آخِرُ وقْتِ المَغْرِبِ فَإنَّ أهْلَ العِلْمِ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " لِوَقْتِ المَغْرِبِ أوَّلٌ وآخِرٌ كَسائِرِ الصَّلَواتِ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " لَيْسَ لِلْمَغْرِبِ إلّا وقْتٌ واحِدٌ " . ثُمَّ اخْتَلَفَ مَن قالَ بِأنَّ لَهُ أوَّلًا وآخِرًا في آخِرِ وقْتِها، فَقالَ أصْحابُنا والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " آخِرُ وقْتِها أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ " . ثُمَّ اخْتَلَفُوا في الشَّفَقِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: " الشَّفَقُ البَياضُ " . وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وابْنُ أبِي لَيْلى ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ والشّافِعِيُّ: " الشَّفَقُ الحُمْرَةُ " .
وقالَ مالِكٌ: " وقْتُ المَغْرِبِ والعِشاءِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ أيْضًا في الشَّفَقِ ما هو، فَقالَ بَعْضُهم: " هو البَياضُ " وقالَ بَعْضُهم: " الحُمْرَةُ " . فَمِمَّنْ قالَ إنَّهُ الحُمْرَةُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ وشَدّادُ بْنُ أوْسٍ.
حَدَّثَنا أبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ شُعَيْبٍ المُؤَذِّنُ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عِمْرانَ مُوسى بْنُ القاسِمِ العَصّارُ والحُسَيْنُ بْنُ الفَرَجِ البَزّازُ قالا: حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا هَيّاجٌ عَمَّنْ ذُكِرَ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " الشَّفَقُ الحُمْرَةُ " .
قالَ هِشامٌ: وحَدَّثَنا أبُو سُفْيانَ عَنِ العُمَرِيِّ عَنْ نافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قالَ: " الشَّفَقُ الحُمْرَةُ " . قالَ هِشامٌ: وحَدَّثَنا أبُو سُفْيانَ عَنِ العُمَرِيِّ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: " كانَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ وشَدّادُ بْنُ أوْسٍ يُصَلِّيانِ العِشاءَ إذا غابَتِ الحُمْرَةُ ويَرَيانِها الشَّفَقَ " . فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ رُوِيَ عَنْهُمُ الحُمْرَةُ.
ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّ الشَّفَقَ البَياضُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ؛ حَدَّثَنا يُوسُفُ بْنُ شُعَيْبٍ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ القاسِمِ والحُسَيْنُ بْنُ الفَرْجِ قالا: حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قالَ: حَدَّثَنا عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ الكَلاعِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي قَتادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كَتَبَ: " إنَّ أوَّلَ وقْتِ العِشاءِ مَغِيبُ الشَّفَقِ "، ومَغِيبُهُ إذا اجْتَمَعَ البَياضُ مِنَ الأُفُقِ فَيَنْقَطِعُ، فَذَلِكَ أوَّلُ وقْتِها.
قالَ هِشامٌ: حَدَّثَنا أبُو عُثْمانَ عَنْ خالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: " الشَّفَقُ البَياضُ " . قالَ هِشامٌ: وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ عَمَّنْ ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: " الشَّفَقُ البَياضُ " .
فَصْلٌ
وأمّا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ لِوَقْتِ المَغْرِبِ أوَّلًا وآخِرًا وأنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِفِعْلِ الصَّلاةِ فَحَسْبُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا مَن (p-٢٥٩)قالَ مِنَ السَّلَفِ إنَّهُ الغُرُوبُ واحْتِمالُ اللَّفْظِ لَهُ، فاقْتَضَتِ الآيَةُ أنْ يَكُونَ لِوَقْتِ المَغْرِبِ أوَّلٌ وآخِرٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ غايَةٌ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ غَسَقَ اللَّيْلِ اجْتِماعُ الظُّلْمَةِ، فَثَبَتَ بِدَلالَةِ الآيَةِ أنَّ وقْتَ المَغْرِبِ مِن حِينِ الغُرُوبِ إلى اجْتِماعِ الظُّلْمَةِ، وفي ذَلِكَ ما يَقْضِي بِبُطْلانِ قَوْلِ مَن جَعَلَ لَها وقْتًا واحِدًا مُقَدَّرًا بِفِعْلِ الصَّلاةِ.
ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أوَّلُ وقْتِ المَغْرِبِ حِينَ تَسْقُطُ الشَّمْسُ وإنَّ آخِرَ وقْتِها حِينَ يَغِيبُ الأُفُقُ» وفي حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ عَنْ أبِي مُوسى عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ سائِلًا سَألَهُ عَنْ مَواقِيتِ الصَّلاةِ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ وقالَ فِيهِ: وصَلّى المَغْرِبَ في اليَوْمِ الأوَّلِ حِينَ وقَعَتِ الشَّمْسُ وآخِرُها في اليَوْمِ الثّانِي حَتّى كانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ، ثُمَّ قالَ: الوَقْتُ فِيما بَيْنَ هَذَيْنِ» .
وفِي حَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عَنْ وقْتِ الصَّلاةِ فَقالَ: صَلِّ مَعَنا فَأقامَ المَغْرِبَ حِينَ غابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلّى المَغْرِبَ في اليَوْمِ الثّانِي قَبْلَ أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ»؛ وكَذَلِكَ في حَدِيثِ جابِرٍ. فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ لِوَقْتِ المَغْرِبِ أوَّلًا وآخِرًا.
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا هَمّامٌ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أبِي أيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «وقْتُ المَغْرِبِ ما لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ» .
ورَوى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ بِأطْوَلِ الطُّوَلِ وهي المص» . وهَذا يَدُلُّ عَلى امْتِدادِ الوَقْتِ، ولَوْ كانَ الوَقْتُ مُقَدَّرًا بِفِعْلِ ثَلاثِ رَكَعاتٍ لَكانَ مَن قَرَأ: " المص " قَدْ أخَّرَها عَنْ وقْتِها.
فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي سَعِيدٍ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ صَلّى المَغْرِبَ في اليَوْمَيْنِ جَمِيعًا في وقْتٍ واحِدٍ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ» . قِيلَ لَهُ: هَذا لا يُعارِضُ ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ فَعَلَهُ كَذَلِكَ لِيُبَيِّنَ الوَقْتَ المُسْتَحَبَّ؛ وفي الأخْبارِ الَّتِي رَوَيْناها بَيانُ أوَّلِ الوَقْتِ وآخِرِهِ، وإخْبارٌ مِنهُ بِأنَّ ما بَيْنَ هَذَيْنِ وقْتٌ، فَهو أوْلى؛ لِأنَّ فِيهِ اسْتِعْمالَ الخَبَرَيْنِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ فِعْلَهُ لَها في اليَوْمَيْنِ في وقْتٍ واحِدٍ لَوِ انْفَرَدَ عَمّا يُعارِضُهُ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي ذَكَرْنا لَمْ تَكُنْ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنْ لا وقْتَ لَها غَيْرُهُ، كَما لَمْ يَدُلَّ فِعْلُهُ لِلْعَصْرِ في اليَوْمَيْنِ قَبْلَ اصْفِرارِ الشَّمْسِ عَلى أنَّهُ لا وقْتَ لَها غَيْرُهُ، وكَفِعْلِهِ لِلْعِشاءِ الآخِرَةِ في اليَوْمَيْنِ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ لَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّ ما بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ لَيْسَ بِوَقْتٍ لَها.
ومِن جِهَةِ النَّظَرِ أنَّ سائِرَ الصَّلَواتِ المَفْرُوضاتِ لَمّا كانَ لِأوْقاتِها أوَّلٌ وآخِرٌ ولَمْ تَكُنْ أوْقاتُها (p-٢٦٠)مُقَدَّرَةً بِفِعْلِ الصَّلاةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ المَغْرِبُ كَذَلِكَ؛ فَقَوْلُ مَن جَعَلَ الوَقْتَ مُقَدَّرًا بِفِعْلِ الصَّلاةِ خارِجٌ عَنِ الأُصُولِ مُخالِفٌ لِلْأثَرِ والنَّظَرِ جَمِيعًا. ومِمّا يَلْزَمُ الشّافِعِيَّ في هَذا أنَّهُ يُجِيزُ الجَمْعَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ في وقْتٍ واحِدٍ إمّا لِمَرَضٍ أوْ سَفَرٍ كَما يُجِيزُهُ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، فَلَوْ كانَ بَيْنَهُما وقْتٌ لَيْسَ مِنهُما لَما جازَ الجَمْعُ بَيْنَهُما، كَما لا يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الفَجْرِ والظُّهْرِ إذا كانَ بَيْنَهُما وقْتٌ لَيْسَ مِنهُما.
فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ عِلَّةُ الجَمْعِ تَجاوُرَ الوَقْتَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا يَجْمَعُ المَغْرِبَ إلى العَصْرِ مَعَ تَجاوُرِ الوَقْتَيْنِ.
قِيلَ لَهُ: لَمْ نُلْزِمْهُ أنْ يَجْعَلَ تَجاوُرَ الوَقْتَيْنِ عِلَّةً لِلْجَمْعِ، وإنَّما ألْزَمْناهُ المَنعَ مِنَ الجَمْعِ إذا لَمْ يَكُنِ الوَقْتانِ مُتَجاوِرَيْنِ؛ لِأنَّ كُلَّ صَلاتَيْنِ بَيْنَهُما وقْتٌ لَيْسَ مِنهُما لا يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُما واَللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
ذِكْرُ القَوْلِ في الشَّفَق والِاحْتِجاجِ لَهُ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا اخْتَلَفَ النّاسُ في الشَّفَقِ، فَقالَ مِنهم قائِلُونَ: " هو الحُمْرَةُ " وقالَ آخَرُونَ: " البَياضُ " . عَلِمْنا أنَّ الِاسْمَ يَتَناوَلُهُما ويَقَعُ عَلَيْهِما في اللُّغَةِ لَوْلا ذَلِكَ لَما تَأوَّلُوهُ عَلَيْهِما؛ إذْ كانُوا عالِمِينَ بِمَعانِي الأسْماءِ اللُّغَوِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ ألا تَرى أنَّهم لَمّا اخْتَلَفُوا في مَعْنى القُرْءِ فَتَأوَّلَهُ بَعْضُهم عَلى الحَيْضِ وبَعْضُهم عَلى الطُّهْرِ ثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ الِاسْمَ يَقَعُ عَلَيْهِما ؟ وإنَّما نَحْتاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى أنْ نَسْتَدِلَّ عَلى المُرادِ مِنهُما بِالآيَةِ.
وحَدَّثَنا أبُو عُمَرَ غُلامُ ثَعْلَبٍ قالَ: سُئِلَ ثَعْلَبٌ عَنِ الشَّفَقِ ما هو ؟ فَقالَ: البَياضُ؛ فَقالَ لَهُ السّائِلُ: الشَّواهِدُ عَلى الحُمْرَةِ أكْثَرُ، فَقالَ ثَعْلَبٌ: إنَّما يُحْتاجُ إلى الشّاهِدِ ما خَفِيَ فَأمّا البَياضُ فَهو أشْهَرُ في اللُّغَةِ مِن أنْ يَحْتاجَ إلى الشّاهِدِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: ويُقالُ إنَّ أصْلَ الشَّفَقِ الرِّقَّةُ، ومِنهُ يُقالُ ثَوْبٌ شَفَقٌ، ومِنهُ الشَّفَقَةُ وهي رِقَّةُ القَلْبِ. وإذا كانَ أصْلُهُ كَذَلِكَ فالبَياضُ أخَصُّ بِهِ؛ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الأجْزاءِ الرَّقِيقَةِ الباقِيَةِ مِن ضِياءِ الشَّمْسِ، وهو في البَياضِ أرَقُّ مِنهُ في الحُمْرَةِ؛ ويَشْهَدُ لِمَن قالَ بِالحُمْرَةِ قَوْلُ أبِي النَّجْمِ:
؎حَتّى إذا الشَّمْسُ اجْتَلاها المُجْتَلِي بَيْنَ سِماطَيْ شَفَقٍ مُهْوَلِ
؎فَهِيَ عَلى الأُفْقِ كَعَيْنِ الأحْوَلِ
ومَعْلُومٌ أنَّهُ أرادَ الحُمْرَةَ؛ لِأنَّهُ وصَفَها عِنْدَ الغُرُوبِ. ومِمّا يُحْتَجُّ بِهِ لِلْبَياضِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الإنشقاق: ١٦] قالَ مُجاهِدٌ: " هو النَّهارُ " .
ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] فَأقْسَمَ (p-٢٦١)بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، فَهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الشَّفَقُ البَياضَ؛ لِأنَّ أوَّلَ النَّهارِ هو طُلُوعُ بَياضِ الفَجْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الباقِيَ مِنَ البَياضِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ هو الشَّفَقُ ومِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّ المُرادَ البَياضُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الدُّلُوكَ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الغُرُوبِ، ثُمَّ جُعِلَ غَسَقُ اللَّيْلِ غايَتَهُ. ورُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ في غَسَقِ اللَّيْلِ: " أنَّهُ اجْتِماعُ الظُّلْمَةِ " وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ غَيْبُوبَةِ البَياضِ لِأنَّ البَياضَ ما دامَ باقِيًا فالظُّلْمَةُ مُتَفَرِّقَةٌ في الأُفُقِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ وقْتَ المَغْرِبِ إلى غَيْبُوبَةِ البَياضِ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ البَياضُ.
فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ أنَّ غَسَقَ اللَّيْلِ هو غُرُوبُ الشَّمْسِ. قِيلَ لَهُ: المَشْهُورُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ دُلُوكَ الشَّمْسِ هو غُرُوبُها، ومُحالٌ إذا كانَ الدُّلُوكُ عِنْدَهُ الغُرُوبَ أنْ يَكُونَ غَسَقُ اللَّيْلِ غُرُوبَ الشَّمْسِ أيْضًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ فَجَعَلَ الدُّلُوكَ أوَّلَ الوَقْتِ وغَسَقَ اللَّيْلِ آخِرَهُ، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ما جَعَلَهُ ابْتِداءً هو الَّذِي جَعَلَهُ غايَةً وإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فالرّاوِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ غَسَقَ اللَّيْلِ هو غُرُوبُ الشَّمْسِ غالَطَ في رِوايَتِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِوايَةٌ مَشْهُورَةٌ أنَّ دُلُوكَ الشَّمْسِ غُرُوبُها وأنَّ غَسَقَ اللَّيْلِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ؛ وهَذِهِ الرِّوايَةُ مُسْتَقِيمَةٌ عَلى ما ثَبَتَ عَنْهُ مِن تَأْوِيلِ الآيَةِ.
وقَدْ رَوى لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " أنَّ دُلُوكَ الشَّمْسِ حِينَ تَزُولُ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ حِينَ تَجِبُ الشَّمْسُ "، وهَذا غَيْرُ بَعِيدٍ عَلى ما ثَبَتَ عَنْهُ في تَأْوِيلِ الدُّلُوكِ أنَّهُ الزَّوالُ؛ إلّا أنَّهُ قَدْ رَوى عَنْهُ مالِكٌ عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ قالَ: أخْبَرَنِي مُخْبِرٌ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: " غَسَقُ اللَّيْلِ اجْتِماعُ اللَّيْلِ وظُلْمَتُهُ "، وهَذا يَنْفِي أنْ يَكُونَ غَسَقُ اللَّيْلِ وقْتَ الغُرُوبِ، مِن قِبَلِ أنَّ وقْتَ الغُرُوبِ لا يَكُونُ ظُلْمَةً مُجْتَمِعَةً.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ في غَسَقِ اللَّيْلِ أنَّهُ انْتِصافُهُ، وعَنْ إبْراهِيمَ: غَسَقُ اللَّيْلِ العِشاءُ الآخِرَةُ. وأوْلى هَذِهِ المَعانِي بِلَفْظِ الآيَةِ اجْتِماعُ الظُّلْمَةِ وذَهابُ البَياضِ وذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ غَسَقُ اللَّيْلِ هو غُرُوبُ الشَّمْسِ لَكانَتِ الغايَةُ المَذْكُورَةُ لِلْوَقْتِ هي وُجُودُ اللَّيْلِ فَحَسْبُ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى اللَّيْلِ؛ وتَسْقُطُ مَعَهُ فائِدَةُ ذِكْرِ الغَسَقِ مَعَ اللَّيْلِ.
ولَمّا وجَبَ حَمْلُ كُلِّ لَفْظٍ مِنهُ عَلى فائِدَةٍ مُجَدَّدَةٍ وجَبَ أنْ يَكُونَ غَسَقُ اللَّيْلِ قَدْ أفادَ ما لَمْ يُفِدْناهُ لَوْ قالَ: إلى اللَّيْلِ؛ فَتَكُونُ الفائِدَةُ فِيهِ اجْتِماعَ الظُّلْمَةِ دُونَ وُجُودِ اللَّيْلِ عارِيًّا مِنَ اجْتِماعِها.
ومِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّ الشَّفَقَ هو البَياضُ حَدِيثُ بَشِيرِ بْنِ أبِي مَسْعُودٍ عَنْ أبِيهِ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ صَلّى العِشاءَ اليَوْمَ الأوَّلَ حِينَ اسْوَدَّ الأُفُقُ (p-٢٦٢)ورُبَّما أخَّرَها حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ»، فَأخْبَرَ عَنْ صَلاةِ النَّبِيِّ ﷺ في أوائِلِ أوْقاتِها، وأخْبَرَ عَنْها في أواخِرِها، وذَكَرَ في أوَّلِ وقْتِ العِشاءِ الآخِرَةِ اسْوِدادَ الأُفُقِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ بَقاءَ البَياضِ يَمْنَعُ إطْلاقَ الِاسْمِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
فَثَبَتَ أنَّ أوَّلَ وقْتِ العِشاءِ الآخِرَةِ غَيْبُوبَةُ البَياضِ. ومَن يَأْبى هَذا القَوْلَ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: " حِينَ اسْوَدَّ الأُفُقُ " لا يَنْفِي بَقاءَ البَياضِ؛ لِأنَّهُ إنَّما أخْبَرَ عَنِ اسْوِدادِ أُفُقٍ مِنَ الآفاقِ لا عَنْ جَمِيعِها، ولَوْ أرادَ غَيْبُوبَةَ البَياضِ لَقالَ: حِينَ اسْوَدَّتِ الآفاقُ؛ ولَيْسَ يُمْتَنَعُ أنْ يَبْقى البَياضُ وتَكُونَ سائِرُ الآفاقِ غَيْرَ مَوْضِعِ البَياضِ مُسَوَّدَةً.
ويَحْتَجُّ القائِلُونَ بِالبَياضِ أيْضًا بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كانَ يُصَلِّي العِشاءَ الآخِرَةَ حِينَ يَسْتَوِي الأُفُقُ، ورُبَّما أخَّرَها حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ»؛ وهَذا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ مِنَ المَعْنى ما احْتَمَلَهُ قَوْلُهُ في الحَدِيثِ الأوَّلِ " حِينَ اسْوَدَّ الأُفُقُ " .
ومِمّا يَحْتَجُّ بِهِ القائِلُونَ بِالحُمْرَةِ ما رَوى ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «سَألَ رَجُلٌ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ عَنْ وقْتِ الصَّلاةِ فَقالَ: صَلِّ مَعِي. فَصَلّى في اليَوْمِ الأوَّلِ العِشاءَ الآخِرَةَ قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ» . قالُوا: ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُصَلِّها قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الحُمْرَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أرادَ البَياضَ؛ ولا تَكُونُ رِوايَةُ مَن رَوى أنَّهُ صَلّاها بَعْدَما غابَ الشَّفَقُ مُعارِضَةً لِحَدِيثِ جابِرٍ هَذا، مِن قِبَلِ أنَّ مَعْناهُ: بَعْدَما غابَ الشَّفَقُ الَّذِي هو الحُمْرَةُ؛ إذْ كانَ الِاسْمُ يَقَعُ عَلَيْهِما جَمِيعًا لِيَتَّفِقَ الحَدِيثانِ ولا يَتَضادّا، ومَن يَجْعَلُ الشَّفَقَ البَياضَ يَجْعَلُ خَبَرَ جابِرٍ مَنسُوخًا عَلى نَحْوِ ما رُوِيَ في خَبَرِ ابْنِ عَبّاسٍ في المَواقِيتِ أنَّهُ صَلّى الظُّهْرَ في اليَوْمِ الثّانِي وقْتَ العَصْرِ بِالأمْسِ.
ومِمّا يَحْتَجُّ بِهِ القائِلُونَ بِالحُمْرَةِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أوَّلُ وقْتِ المَغْرِبِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وآخِرُهُ غَيْبُوبَةُ الشَّفَقِ» . وفي بَعْضِ أخْبارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: " إذا غابَتِ الشَّمْسُ فَهو وقْتُ المَغْرِبِ إلى أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ " وفي لَفْظٍ آخَرَ: " وقْتُ المَغْرِبِ ما لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ " قالُوا: فالواجِبُ حَمْلُهُ عَلى أوَّلِهِما وهو الحُمْرَةُ؛ ومَن يَقُولُ بِالبَياضِ يُجِيبُ عَنْ هَذا بِأنَّ ظاهِرَ ذَلِكَ يَقْتَضِي غَيْبُوبَةَ جَمِيعِهِ وهو بِالبَياضِ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ البَياضِ دُونَ الحُمْرَةِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يُقالَ قَدْ غابَ الشَّفَقُ إلّا بَعْدَ غَيْبُوبَةِ جَمِيعِهِ، كَما لا يُقالُ غابَتِ الشَّمْسُ إلّا بَعْدَ غَيْبُوبَةِ جَمِيعِها دُونَ بَعْضِها.
ولِمَن قالَ بِالحُمْرَةِ أنْ يَقُولَ: إنَّ البَياضَ والحُمْرَةَ لَيْسا شَفَقًا واحِدًا بَلْ هُما شَفَقانِ فَيَتَناوَلُ الِاسْمُ أوَّلَهُما غَيْبُوبَةً؛ كَما أنَّ (p-٢٦٣)الفَجْرَ الأوَّلَ والثّانِيَ هُما فَجْرانِ ولَيْسا فَجْرًا واحِدًا، فَيَتَناوَلُهُما إطْلاقُ الِاسْمِ مَعًا كَذَلِكَ الشَّفَقُ. ومِمّا يُحْتَجُّ بِهِ لِلْقائِلَيْنِ بِالبَياضِ، حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كانَ يُصَلِّي العِشاءَ لِسُقُوطِ القَمَرِ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ»، وظاهِرُ ذَلِكَ يَقْتَضِي غَيْبُوبَةَ البَياضِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ في الصَّيْفِ والشِّتاءِ ولا يَمْتَنِعُ بَقاءُ البَياضِ بَعْدَ سُقُوطِ القَمَرِ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَدْ غابَ قَبْلَ سُقُوطِهِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ قالَ: راعَيْتُ البَياضَ فَرَأيْتُهُ لا يَغِيبُ ألْبَتَّةَ وإنَّما يَسْتَدِيرُ حَتّى يَرْجِعَ إلى مَطْلَعِ الفَجْرِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا غَلَطٌ؛ والمِحْنَةُ بَيْنَنا وبَيْنَهم؛ وقَدْ راعَيْتُهُ في البَوادِي في لَيالِيِ الصَّيْفِ والجَوُّ نَقِيٌّ والسَّماءُ مُصْحِيَةٌ فَإذا هو يَغِيبُ قَبْلَ أنْ يَمْضِيَ مِنَ اللَّيْلِ رُبُعُهُ بِالتَّقْرِيبِ، ومَن أرادَ أنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ فَلْيُجَرِّبْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ غَلَطُ هَذا القَوْلِ.
ومِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالشَّفَقِ البَياضُ، أنّا وجَدْنا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حُمْرَةً وبَياضًا قَبْلَها وكانا جَمِيعًا مِن وقْتِ صَلاةٍ واحِدَةٍ؛ إذْ كانا جَمِيعًا مِن ضِياءِ الشَّمْسِ دُونَ ظُهُورِ جُرْمِها؛ كَذَلِكَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ الحُمْرَةُ والبَياضُ جَمِيعًا بَعْدَ غُرُوبِها مِن وقْتِ صَلاةٍ واحِدَةٍ، لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها.
* *
وقْتُ العِشاءِ الآخِرَةِ وأوَّلُ وقْتِ العِشاءِ الآخِرَةِ مِن حِينِ يَغِيبُ الشَّفَقُ عَلى اخْتِلافِهِمْ فِيهِ إلى أنْ يَذْهَبَ نِصْفُ اللَّيْلِ في الوَقْتِ المُخْتارِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى: حَتّى يَذْهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ؛ ويُكْرَهُ تَأْخِيرُها إلى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ، ولا تَفُوتُ إلّا بِطُلُوعِ الفَجْرِ (p-٢٦٤)وأنَّ مَن أدْرَكَ أوْ أسْلَمَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ أنَّهُ تَلْزَمُهُ العِشاءُ الآخِرَةُ، وكَذَلِكَ المَرْأةُ إذا طَهُرَتْ مِنَ الحَيْضِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السِّلْمِيِّ قالا: " دُلُوكُها غُرُوبُها " . وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ وجابِرٍ وابْنِ عُمَرَ: " دُلُوكُ الشَّمْسِ مَيْلُها " وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَؤُلاءِ الصَّحابَةُ قالُوا: إنَّ الدُّلُوكَ المَيْلُ، وقَوْلُهم مَقْبُولٌ فِيهِ لِأنَّهم مِن أهْلِ اللُّغَةِ وإذا كانَ كَذَلِكَ جازَ أنْ يُرادَ بِهِ المَيْلُ لِلزَّوالِ والمَيْلُ لِلْغُرُوبِ، فَإنْ كانَ المُرادُ الزَّوالَ فَقَدِ انْتَظَمَ صَلاةَ الظُّهْرِ والعَصْرِ والمَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ؛ إذْ كانَتْ هَذِهِ أوْقاتًا مُتَّصِلَةً بِهَذِهِ الفُرُوضِ، فَجازَ أنْ يَكُونَ غَسَقُ اللَّيْلِ غايَةً لِفِعْلِ هَذِهِ الصَّلَواتِ في مَواقِيتِها. وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّ غَسَقَ اللَّيْلِ انْتِصافُهُ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ آخِرُ الوَقْتِ المُسْتَحَبِّ لِصَلاةِ العِشاءِ الآخِرَةِ وأنَّ تَأْخِيرَها إلى ما بَعْدَهُ مَكْرُوهٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ غُرُوبَ الشَّمْسِ، فَيَكُونُ المُرادُ بَيانَ وقْتِ المَغْرِبِ أنَّهُ مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في غَسَقِ اللَّيْلِ، فَرَوى مالِكٌ عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ قالَ: أخْبَرَنِي مُخْبِرٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: " غَسَقُ اللَّيْلِ اجْتِماعُ اللَّيْلِ وظُلْمَتُهُ " .
ورَوى لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: " دُلُوكُ الشَّمْسِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ حِينَ تَجِبُ (p-٣٢)الشَّمْسُ " . قالَ: وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: " دُلُوكُ الشَّمْسِ حِينَ تَجِبُ الشَّمْسُ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ " . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ أيْضًا أنَّهُ لَمّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قالَ: " هَذا غَسَقُ اللَّيْلِ " . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: " غَسَقُ اللَّيْلِ غَيْبُوبَةُ الشَّمْسِ " . وعَنِ الحَسَنِ: " غَسَقُ اللَّيْلِ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ " . وعَنْ إبْراهِيمَ: " غَسَقُ اللَّيْلِ العِشاءُ الآخِرَةُ " . وقالَ أبُو جَعْفَرٍ: " غَسَقُ اللَّيْلِ انْتِصافُهُ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: مَن تَأوَّلَ دُلُوكَ الشَّمْسِ عَلى غُرُوبِها فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ غَسَقِ اللَّيْلِ عِنْدَهُ غُرُوبَها أيْضًا لِأنَّهُ جَعَلَ الِابْتِداءَ الدُّلُوكَ وغَسَقُ اللَّيْلِ غايَةٌ لَهُ، وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ غايَةً لِنَفْسِهِ فَيَكُونُ هو الِابْتِداءَ وهو الغايَةُ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِالدُّلُوكِ غُرُوبَها فَغَسَقُ اللَّيْلِ هو إمّا الشَّفَقُ الَّذِي هو آخِرُ وقْتِ المَغْرِبِ أوِ اجْتِماعُ الظُّلْمَةِ وهو أيْضًا غَيْبُوبَةُ الشَّفَقِ لِأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ إلّا بِغَيْبُوبَةِ البَياضِ، وإمّا أنْ يَكُونَ آخِرَ وقْتِ العِشاءِ الآخِرَةِ المُسْتَحَبِّ وهو انْتِصافُ اللَّيْلِ، فَيَنْتَظِمُ اللَّفْظُ حِينَئِذٍ المَغْرِبَ والعِشاءَ الآخِرَةَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وتَقْدِيرُهُ: أقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ لِأنَّ الأمْرَ عَلى الوُجُوبِ ولا قِراءَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ واجِبَةٌ إلّا في الصَّلاةِ.
فَإنْ قِيلَ: مَعْناهُ صَلاةُ الفَجْرِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ تَجْعَلَ القِراءَةَ عِبارَةً عَنِ الصَّلاةِ لِأنَّهُ صَرْفُ الكَلامِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المَجازِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. والثّانِي: قَوْلُهُ في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] ويَسْتَحِيلُ التَّهَجُّدُ بِصَلاةِ الفَجْرِ لَيْلًا، والهاءُ في قَوْلِهِ " بِهِ " كِنايَةٌ عَنْ قُرْآنِ الفَجْرِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ القِراءَةِ لا مَكانُ التَّهَجُّدِ بِالقُرْآنِ المَقْرُوءِ في صَلاةِ الفَجْرِ واسْتِحالَةُ التَّهَجُّدِ بِصَلاةِ الفَجْرِ. وعَلى أنَّهُ لَوْ صَحَّ أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْتَ لَكانَتْ دَلالَتُهُ قائِمَةً عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ القِراءَةَ عِبارَةً عَنِ الصَّلاةِ إلّا وهي مِن أرْكانِها وفُرُوضِها.
الإسراء 17:79
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ رُوِيَ عَنْ حَجّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأنْصارِيِّ صاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: " يَحْسَبُ أحَدُكم إذا قامَ أوَّلَ اللَّيْلِ إلى آخِرِهِ أنَّهُ قَدْ تَهَجَّدَ، لا، ولَكِنَّ التَّهَجُّدَ الصَّلاةُ بَعْدَ رَقْدَةٍ ثُمَّ الصَّلاةُ بَعْدَ رَقْدَةٍ ثُمَّ الصَّلاةُ بَعْدَ رَقْدَةٍ، وكَذَلِكَ كانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " وعَنِ الأسْوَدِ وعَلْقَمَةَ قالا: " التَّهَجُّدُ بَعْدَ النَّوْمِ " . والتَّهَجُّدُ في اللُّغَةِ السَّهَرُ لِلصَّلاةِ أوْ لِذِكْرِ اللَّهِ، والهُجُودُ النَّوْمُ، وقِيلَ: التَّهَجُّدُ التَّيَقُّظُ بِما يَنْفِي النَّوْمَ.
* *
وقَوْلُهُ: ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: " وإنَّما كانَتْ نافِلَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ (p-٣٣)مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فَكانَتْ طاعاتُهُ نافِلَةً أيْ زِيادَةً في الثَّوابِ ولِغَيْرِهِ كَفّارَةً لِذُنُوبِهِ " . وقالَ قَتادَةُ: " نافِلَةً: تَطَوُّعًا وفَضِيلَةً " .
ورَوى سُلَيْمانُ بْنُ حَيّانَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو غالِبٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو أُمامَةَ قالَ: " إذا وضَعْتَ الطَّهُورَ مَواضِعَهُ قَعَدْتَ مَغْفُورًا، وإنْ قُمْتَ تُصَلِّي كانَتْ لَكَ فَضِيلَةً وأجْرًا، فَقالَ لَهُ رِجْلٌ: يا أبا أُمامَةَ أرَأيْتَ إنْ قامَ يُصَلِّي يَكُونُ لَهُ نافِلَةً ؟ قالَ: لا إنَّما النّافِلَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ نافِلَةً وهو يَسْعى في الذُّنُوبِ والخَطايا يَكُونُ لَكَ فَضِيلَةً وأجْرًا " فَمَنَعَ أبُو أُمامَةَ أنْ تَكُونَ النّافِلَةُ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصّامِتِ عَنْ أبِي ذَرِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ أنْتَ إذا كانَتْ عَلَيْكَ أُمَراءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ ؟ قالَ قُلْتُ: فَما تَأْمُرُنِي ؟ قالَ: صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِها فَإنْ أدْرَكْتَهم فَصَلِّها مَعَهم لَكَ نافِلَةً» .
ورَوى قَتادَةُ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الوُضُوءُ يُكَفِّرُ ما قَبْلَهُ ثُمَّ تَصِيرُ الصَّلاةُ نافِلَةً قِيلَ لَهُ: أنْتَ سَمِعْتَ هَذا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَ: نَعَمْ غَيْرَ مَرَّةٍ ولا مَرَّتَيْنِ ولا ثَلاثٍ ولا أرْبَعٍ ولا خَمْسٍ». فَأثْبَتَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ النّافِلَةَ لِغَيْرِهِ، النّافِلَةُ هي الزِّيادَةُ بَعْدَ الواجِبِ وهي التَّطَوُّعُ والفَضِيلَةُ، ومِنهُ النَّفَلُ في الغَنِيمَةِ وهو ما يَجْعَلُهُ الإمامُ لِبَعْضِ الجَيْشِ زِيادَةً عَلى ما يَسْتَحِقُّهُ مِن سِهامِها، بِأنْ يَقُولَ: مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ ومَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ.
الإسراء 17:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: " عَلى طَبِيعَتِهِ " . وقِيلَ: " عَلى عادَتِهِ الَّتِي ألِفِها " . وفِيهِ تَحْذِيرٌ مِن إلْفِ الفَسادِ والمُساكَنَةِ إلَيْهِ فَيَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ. وقِيلَ: " عَلى أخْلاقِهِ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: شاكِلَتُهُ ما يُشاكِلُهُ ويَلِيقُ بِهِ ويُشْبِهُهُ، فاَلَّذِي يُشاكِلُ الخَيِّرَ مِنَ النّاسِ الخَيْرُ والصَّلاحُ واَلَّذِي يُشاكِلُ الشِّرِّيرَ الشَّرُّ والفَسادُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦] يَعْنِي: الخَبِيثاتُ مِنَ الكَلامِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ النّاسِ ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور: ٢٦] يَعْنِي: الطَّيِّباتُ مِنَ الكَلامِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ النّاسِ. ويُرْوى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ بِقَوْمٍ فَكَلَّمُوهُ بِكَلامٍ قَبِيحٍ ورَدَّ عَلَيْهِمْ رَدًّا حَسَنًا، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: " إنَّما يُنْفِقُ كُلُّ إنْسانٍ ما عِنْدَهُ " .
الإسراء 17:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ اخْتُلِفَ في الرُّوحِ الَّذِي سَألُوا عَنْهُ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " أنَّهُ جِبْرِيلُ " . ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: " أنَّهُ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ لَهُ سَبْعُونَ ألْفِ وجْهٍ لِكُلِّ وجْهٍ سَبْعُونَ ألْفِ لِسانٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ " . وقِيلَ: " إنَّما أرادَ رُوحَ الحَيَوانِ " وهو ظاهِرُ الكَلامِ. قالَ قَتادَةُ: " الَّذِي سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ " . ورُوحُ الحَيَوانِ جِسْمٌ رَقِيقٌ عَلى بِنْيَةٍ حَيَوانِيَّةٍ في كُلِّ جُزْءٍ. مِنهُ حَياةٌ، وفِيهِ خِلافٌ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، وكُلُّ حَيَوانٍ فَهو رُوحٌ، إلّا أنَّ مِنهم مَنِ الأغْلَبُ عَلَيْهِ الرُّوحُ ومِنهم مَنِ الأغْلَبُ عَلَيْهِ البَدَنُ. وقِيلَ: (p-٣٤)أنَّهُ لَمْ يُجِبْهم لِأنَّ المَصْلَحَةَ في أنْ يُوكَلُوا إلى ما في عُقُولِهِمْ مِنَ الدَّلالَةِ عَلَيْها لِلِارْتِياضِ بِاسْتِخْراجِ الفائِدَةِ. ورُوِيَ في كِتابِهِمْ أنَّهُ إنْ أجابَ عَنِ الرُّوحِ فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ، فَلَمْ يُجِبْهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِصْداقًا لِما في كِتابِهِمْ. والرُّوحُ قَدْ يُسَمّى بِهِ أشْياءَ، مِنها القُرْآنُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] سَمّاهُ رُوحًا تَشْبِيهًا بِرُوحِ الحَيَوانِ الَّذِي بِهِ يَحْيا. والرُّوحُ الأمِينُ جِبْرِيلُ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ سُمِّيَ رُوحًا عَلى نَحْوِ ما سُمِّيَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ.
* *
وقَوْلُهُ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ أيْ مِنَ الأمْرِ الَّذِي يَعْلَمُهُ رَبِّي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ يَعْنِي: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ العِلْمِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ إلّا قَلِيلًا مِن كَثِيرٍ بِحَسَبِ حاجَتِكم إلَيْهِ، فالرُّوحُ مِنَ المَتْرُوكِ الَّذِي لا يَصْلُحُ النَّصُّ عَلَيْهِ لِلْمَصْلَحَةِ. وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى جَوازِ تَرْكِ جَوابِ السّائِلِ عَنْ بَعْضِ ما يُسْألُ عَنْهُ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ في اسْتِعْمالِ الفِكْرِ والتَّدَبُّرِ والِاسْتِخْراجِ، وهَذا في السّائِلِ الَّذِي يَكُونُ مِن أهْلِ النَّظَرِ واسْتِخْراجِ المَعانِي، فَأمّا إنْ كانَ مُسْتَفْتِيًا قَدْ بُلِيَ بِحادِثَةٍ احْتاجَ إلى مَعْرِفَةِ حُكْمِها ولَيْسَ مِن أهْلِ النَّظَرِ فَعَلى العالِمِ بِحُكْمِها أنْ يُجِيبَهُ عَنْها بِما هو حُكْمُ اللَّهِ عِنْدَهُ.
الإسراء 17:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ﴾ الآيَةُ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى إعْجازِ القُرْآنِ، فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: " إعْجازُهُ في النَّظْمِ عَلى حِيالِهِ وفي المَعانِي وتَرْتِيبِها عَلى حِيالِهِ " ويَسْتَدِلُّ عَلى ذَلِكَ بِتَحَدِّيهِ في هَذِهِ الآيَةِ العَرَبَ والعَجَمَ والجِنَّ والإنْسَ، ومَعْلُومٌ أنَّ العَجَمَ لا يُتَحَدَّوْنَ بِهِ مِن طَرِيقِ النَّظْمِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّحَدِّي لَهم مِن جِهَةِ المَعانِي وتَرْتِيبِها عَلى هَذا النِّظامِ دُونَ نَظْمِ الألْفاظِ. ومِنهم مَن يَأْبى أنْ يَكُونَ إعْجازُهُ إلّا مِن جِهَةِ نَظْمِ الألْفاظِ والبَلاغَةِ في العِبارَةِ، فَإنَّهُ يَقُولُ: إنَّ إعْجازَ القُرْآنِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، مِنها حُسْنُ النَّظْمِ وجَوْدَةُ البَلاغَةِ في اللَّفْظِ والِاخْتِصارُ وجَمْعُ المَعانِي الكَثِيرَةِ في الألْفاظِ اليَسِيرَةِ مَعَ تَعَرِّيهِ مِن أنْ يَكُونَ فِيهِ لَفْظٌ مَسْخُوطٌ أوْ مَعْنًى مَدْخُولٌ ولا تَناقُضَ ولا اخْتِلافَ تَضادٍّ، وجَمِيعُهُ في هَذِهِ الوُجُوهِ جارٍ عَلى مِنهاجٍ واحِدٍ، وكَلامُ العِبادِ لا يَخْلُو إذا طالَ مِن أنْ يَكُونَ فِيهِ الألْفاظُ السّاقِطَةُ والمَعانِي الفاسِدَةُ والتَّناقُضُ في المَعانِي. وهَذِهِ المَعانِي الَّتِي ذَكَرْنا مِن عُيُوبِ الكَلامِ مَوْجُودَةٌ في كَلامِ النّاسِ مِن أهْلِ سائِرِ اللُّغاتِ لا يَخْتَصُّ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ دُونَ غَيْرِها، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ التَّحَدِّي واقِعًا لِلْعَجَمِ بِمِثْلِ هَذِهِ المَعانِي في الإتْيانِ بِها عارِيَّةً مِمّا يَعِيبُها ويُهَجِّنُها مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها، ومِن جِهَةِ أنَّ الفَصاحَةَ لا تَخْتَصُّ بِها لُغَةُ العَرَبِ دُونَ سائِرِ اللُّغاتِ وإنْ كانَتْ (p-٣٥)لُغَةُ العَرَبِ أفْصَحَها، وقَدْ عَلِمْنا أنَّ القُرْآنَ في أعْلى طَبَقاتِ البَلاغَةِ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ التَّحَدِّي لِلْعَجَمِ واقِعًا بِأنْ يَأْتُوا بِكَلامٍ في أعْلى طَبَقاتِ البَلاغَةِ بِلُغَتِهِمُ الَّتِي يَتَكَلَّمُونَ بِها.
الإسراء 17:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ قَوْلُهُ: ﴿فَرَقْناهُ﴾ يَعْنِي فَرَقْناهُ بِالبَيانِ عَنِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ يَعْنِي عَلى تَثَبُّتٍ وتَوَقُّفٍ لِيَفْهَمُوهُ بِالتَّأمُّلِ ويَعْلَمُوا ما فِيهِ بِالتَّفَكُّرِ ويَتَفَقَّهُوا بِاسْتِخْراجِ ما تَضَمَّنَ مِنَ الحِكَمِ والعُلُومِ الشَّرِيفَةِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ يَنْزِلُ مِنهُ شَيْءٌ فَيَمْكُثُونَ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ يَنْزِلُ شَيْءٌ آخَرُ، وهو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] ورَوى سُفْيانُ عَنْ عُبَيْدٍ المَكْتَبِ قالَ: سُئِلَ مُجاهِدٌ عَنْ رَجُلَيْنِ قَرَأ أحَدُهُما البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ ورَجُلٌ قَرَأ البَقَرَةَ جُلُوسُهُما وسُجُودُهُما ورُكُوعُهُما سَواءٌ أيُّهُما أفْضَلُ ؟ قالَ: الَّذِي قَرَأ البَقَرَةَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ ورَوى مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ المُغَفَّلِ قالَ: «رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ وهو عَلى ناقَتِهِ وهو يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ أوْ مِن سُورَةِ الفَتْحِ قِراءَةً بَيِّنَةً» .
ورَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أبِي حَمْزَةَ الضُّبَعِيِّ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " لَأنْ أقْرَأ القُرْآنَ فَأُرَتِّلُها وأتَدَبَّرُها أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أقْرَأ القُرْآنَ هَذا " .
ورَوى الأعْمَشُ عَنْ عُمارَةَ عَنْ أبِي الأحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: " لا تَقْرَءُوا القُرْآنَ في أقَلَّ مِن ثَلاثٍ واقْرَأْهُ في سَبْعٍ " .
ورَوى الأعْمَشُ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُهُ في سَبْعٍ والأسْوَدُ في سِتٍّ وعَلْقَمَةُ في خَمْسٍ. ورُوِيَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ قَرَأ القُرْآنَ في لَيْلَةٍ. رَوى ابْنُ أبِي لَيْلَةَ عَنْ صَدَقَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «بُنِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَقْفٌ في المَسْجِدِ واعْتَكَفَ فِيهِ في آخِرِ رَمَضانَ وكانَ يُصَلِّي فِيهِ، فَأخْرَجَ رَأْسَهُ فَرَأى النّاسَ يُصَلُّونَ فَقالَ: إنَّ المُصَلِّيَ إذا صَلّى يُناجِي رَبَّهُ فَلْيَعْلَمْ أحَدُكم بِما يُناجِيهِ»، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُسْتَحَبَّ التَّرْتِيلُ؛ لِأنَّهُ بِهِ يَعْلَمُ ما يُناجِي رَبَّهُ بِهِ ويَفْهَمُ عَنْ نَفْسِهِ ما يَقْرَأُهُ.
الإسراء 17:107
بابُ السُّجُودِ عَلى الوَجْهِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " لِلْوُجُوهِ " . ورَوى مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ قالَ: " لِلْوُجُوهِ " . وقالَ مَعْمَرٌ: وقالَ الحَسَنُ: " اللِّحى " . وسُئِلَ ابْنُ سِيرِينَ عَنِ السُّجُودِ عَلى الأنْفِ فَقالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ورَوى طاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أُمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلى سَبْعَةِ أعْظُمٍ ولا أكُفَّ شَعْرًا ولا ثَوْبًا»، قالَ طاوُسٌ: وأشارَ إلى الجَبْهَةِ (p-٣٦)والأنْفِ هُما عَظْمٌ واحِدٌ.
ورَوى عامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلَبِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إذا سَجَدَ العَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ آرابٍ: وجْهُهُ وكَفّاهُ ورُكْبَتاهُ وقَدَماهُ» . ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ وأنْفَكَ مِنَ الأرْضِ» .
ورَوى وائِلُ بْنُ حُجْرٍ قالَ: «رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إذا سَجَدَ وضَعَ جَبْهَتَهُ وأنْفَهُ عَلى الأرْضِ» .
ورَوى أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ: أنَّهُ «رَأى الطِّينَ في أنْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأرْنَبَتَهُ مِن أثَرِ السُّجُودِ وكانُوا مُطِرُوا مِنَ اللَّيْلِ» .
ورَوى عاصِمٌ الأحْوَلُ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «رَأى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا ساجِدًا فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا تُقْبَلُ صَلاةٌ إلّا بِمَسِّ الأنْفِ مِنها ما يَمَسُّ الجَبِينُ» . وهَذِهِ الأخْبارُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَوْضِعَ السُّجُودِ هو الأنْفُ والجَبْهَةُ جَمِيعًا ورَوى عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قُلْتُ لِوَهْبِ بْنِ كَيْسانَ: يا أبا نُعَيْمٍ ما لَكَ لا تُمَكِّنُ جَبْهَتَكَ وأنْفَكَ مِنَ الأرْضِ ؟ قالَ: ذاكَ لِأنِّي سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «يَسْجُدُ عَلى جَبْهَتِهِ عَلى قِصاصِ الشَّعَرِ» .
ورَوى أبُو الشَّعْثاءِ قالَ: رَأيْتُ ابْنَ عُمَرَ سَجَدَ فَلَمْ يَضَعْ أنْفَهُ عَلى الأرْضِ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: " إنَّ أنْفِي مِن حُرِّ وجْهِي وأنا أكْرَهُ أنْ أشِينُ وجْهِي " . ورُوِيَ عَنْ القاسِمِ وسالِمٍ أنَّهُما كانا يَسْجُدانِ عَلى جِباهِهِما ولا تَمَسُّ أُنُوفُهُما الأرْضَ. وأمّا حَدِيثُ جابِرٍ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ رَأى النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ عَلى قِصاصِ شَعَرِهِ لِعُذْرٍ كانَ بِأنْفِهِ تَعَذَّرَ مَعَهُ السُّجُودُ عَلَيْهِ، وتَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَهُ عَلى الوُجُوهِ عَلى اللِّحى يَدُلُّ عَلى جَوازِ الِاقْتِصارِ بِالسُّجُودِ عَلى الأنْفِ دُونَ الجَبْهَةِ وإنْ كانَ المُسْتَحَبُّ فِعْلَ السُّجُودِ عَلَيْهِما؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ السُّجُودَ عَلى الذَّقَنِ؛ لِأنَّ أحَدًا مِن أهْلِ العِلْمِ لا يَقُولُ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ الأنْفُ لِقُرْبِهِ مِنَ الذَّقَنِ، ومَن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ إنْ سَجَدَ عَلى الأنْفِ دُونَ الجَبْهَةِ أجْزَأهُ، وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: " لا يُجْزِئُهُ " وإنْ سَجَدَ عَلى الجَبْهَةِ دُونَ الأنْفِ أجْزَأهُ عِنْدَهم جَمِيعًا.
ورَوى العَطّافُ بْنُ خالِدٍ عَنْ نافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قالَ: " إذا وقَعَ أنْفُكَ عَلى الأرْضِ فَقَدْ سَجَدْتَ " .
ورَوى سُفْيانُ عَنْ حَنْظَلَةَ عَنْ طاوُسٌ قالَ: " الجَبْهَةُ والأنْفُ مِنَ السَّبْعَةِ في الصَّلاةِ واحِدٌ " .
ورَوى إبْراهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ طاوُسٍ قالَ: " إنَّ الأنْفَ مِنَ الجَبِينِ " وقالَ: هو خَيْرُهُ.
الإسراء 17:108
بابٌ ما يُقالُ في السُّجُودِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ فَمَدَحَهم بِهَذا القَوْلِ عِنْدَ السُّجُودِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المَسْنُونَ في السُّجُودِ مِنَ الذِّكْرِ هو التَّسْبِيحُ.
ورَوى مُوسى بْنُ (p-٣٧)أيُّوبَ عَنْ عَمِّهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلُوها في رُكُوعِكم فَلَمّا نَزَلَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلُوها في سُجُودِكم» .
ورَوى ابْنُ أبِي لَيْلى عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ عَنْ حُذَيْفَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ في رُكُوعِهِ: سُبْحانَ رَبِّي العَظِيمِ وفي سُجُودِهِ: سُبْحانَ رَبِّي الأعْلى ثَلاثًا». ورَوى قَتادَةُ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ يَقُولُ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ» .
ورَوى ابْنُ أبِي ذِئْبٍ عَنْ إسْحاقَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إذا رَكَعَ أحَدُكم فَلْيَقُلْ في رُكُوعِهِ سُبْحانَ رَبِّي العَظِيمِ ثَلاثًا، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ وذَكَرَ في سُجُودِهِ: سُبْحانَ رَبِّي الأعْلى ثَلاثًا» . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قالَ: أمّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وأمّا السُّجُودُ فَأكْثِرُوا فِيهِ الدُّعاءَ، فَإنَّهُ قَمِنٌ أنْ يُسْتَجابَ لَكم» .
ورُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ في سُجُودِهِ: «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وبِكَ آمَنتُ» في كَلامٍ كَثِيرٍ. وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ما رَواهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ إنَّما «كانَ يَقُولُهُ قَبْلَ نُزُولِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] ثُمَّ لَمّا نَزَلَ ذَلِكَ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجْعَلَ في السُّجُودِ»، كَما رَواهُ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ. وقالَ أصْحابُنا والثَّوْرِيُّ والشّافِعِيُّ: " يَقُولُ في الرُّكُوعِ سُبْحانَ رَبِّي العَظِيمِ ثَلاثًا وفي السُّجُودِ سُبْحانَ رَبِّي الأعْلى ثَلاثًا " . وقالَ الثَّوْرِيُّ: " يُسْتَحَبُّ لِلْإمامِ أنْ يَقُولَها خَمْسًا في الرُّكُوعِ وفي السُّجُودِ حَتّى يُدْرِكَ الَّذِينَ خَلْفَهُ ثَلاثَ تَسْبِيحاتٍ " . وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ إذا أمْكَنَ ولَمْ يُسَبِّحْ فَهو يُجْزِئُ عَنْهُ، وكانَ لا يُوَقِّتُ تَسْبِيحًا. وقالَ مالِكٌ في السُّجُودِ والرُّكُوعِ: " قَوْلُ النّاسِ في الرُّكُوعِ سُبْحانَ رَبِّي العَظِيمِ وفي السُّجُودِ سُبْحانَ رَبِّي الأعْلى لا أعْرِفُهُ " فَأنْكَرَهُ ولَمْ يَحُدَّ فِيهِ دُعاءً مُوَقَّتًا، قالَ: " ولَكِنْ يُمَكِّنُ يَدَيْهِ مِن رُكْبَتَيْهِ في الرُّكُوعِ ويُمَكِّنُ جَبْهَتَهُ مِنَ الأرْضِ في السُّجُودِ " ولَيْسَ فِيهِ عِنْدَهُ حَدٌّ.
الإسراء 17:109
بابُ البُكاءِ في الصَّلاةِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ البُكاءَ في الصَّلاةِ مِن خَوْفِ اللَّهِ لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَدَحَهم بِالبُكاءِ في السُّجُودِ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ سُجُودِ الصَّلاةِ وسُجُودِ التِّلاوَةِ وسَجْدَةِ الشُّكْرِ.
ورَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: سَمِعْتُ (p-٣٨)عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدّادٍ قالَ: سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وإنِّي لَفي آخِرِ الصُّفُوفِ، وقَرَأ في صَلاةِ الصُّبْحِ سُورَةَ يُوسُفَ حَتّى إذا بَلَغَ ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] نَشَجَ ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ وقَدْ كانُوا خَلْفَهُ، فَصارَ إجْماعًا ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ كانَ يُصَلِّي ولِصَدْرِهِ أزِيزٌ كَأزِيزِ المِرْجَلِ مِنَ البُكاءِ» .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ يَعْنِي بِهِ أنَّ بُكاءَهم في حالِ السُّجُودِ يَزِيدُهم خُشُوعًا إلى خُشُوعِهِمْ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ مَخافَتَهم لِلَّهِ تَعالى حَتّى تُؤَدِّيَهم إلى البُكاءِ داعِيَةٌ إلى طاعَةِ اللَّهِ وإخْلاصِ العِبادَةِ عَلى ما يَجِبُ مِنَ القِيامِ بِحُقُوقِ نِعَمِهِ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الإسراء 17:110
بابُ الجَهْرِ بِالقِراءَةِ في الصَّلاةِ والدُّعاءِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةً وعائِشَةَ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ: " لا تَجْهَرْ بِدُعائِكَ ولا تُخافِتْ بِهِ " . ورُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةَ: «أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا جَهَرَ ولا يُسْمِعُ مَن خَلْفَهُ إذا خافَتَ، وذَلِكَ بِمَكَّةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ وأرادَ بِهِ القِراءَةَ في الصَّلاةِ» . وقالَ الحَسَنُ: " لا تَجْهَرْ بِالصَّلاةِ بِإشاعَتِها عِنْدَ مَن يُؤْذِيكَ ولا تُخافِتْ بِها عِنْدَ مَن يَلْتَمِسُها " فَكانَ عِنْدَ الحَسَنِ أنَّهُ أُرِيدَ تَرْكُ الجَهْرِ في حالٍ وتَرْكُ المُخافَتَةِ في أُخْرى. وقِيلَ: " ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ كُلِّها ولا تُخافِتْ بِجَمِيعِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا بِأنْ تَجْهَرَ بِصَلاةِ اللَّيْلِ وتُخافِتَ بِصَلاةِ النَّهارِ عَلى ما أمَرْناكَ بِهِ " . ورُوِيَ عَنْ عُبادَةَ بْنِ نَسِيٍّ عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الحارِثِ قالَ: سَألْتُ عائِشَةَ أكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَجْهَرُ بِالقُرْآنِ أوْ يُخافِتُ ؟ قالَتْ: رُبَّما جَهَرَ ورُبَّما خافَتَ». ورَوى أبُو خالِدِ الوالِبِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّهُ كانَ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يَخْفِضُ طَوْرًا ويَرْفَعُ طَوْرًا وقالَ: هَكَذا كانَتْ قِراءَةُ النَّبِيِّ ﷺ» . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «رَأى النّاسَ يُصَلُّونَ في آخِرِ رَمَضانَ فَقالَ: إنَّ المُصَلِّيَ إذا صَلّى يُناجِي رَبَّهُ فَلْيَعْلَمْ أحَدُكم بِما يُناجِيهِ ولا يَجْهَرْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ» .
ورَوى أبُو إسْحاقَ عَنِ الحارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ قَبْلَ العِشاءِ وبَعْدَها يُغَلِّطُ أصْحابَهُ في الصَّلاةِ» .
ورُوِيَتْ أخْبارٌ في الجَهْرِ بِالقِراءَةِ في صَلاةِ اللَّيْلِ، رَوى كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في بَعْضِ حُجَرِهِ فَيَسْمَعُ قِراءَتَهُ مَن كانَ خارِجًا» .
ورَوى إبْراهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: " صَلَّيْتَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ لَيْلَةً فَكانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالقِراءَةِ فَيُسْمِعُ أهْلَ الدّارِ " . ورُوِيَ «أنَّ أبا بَكْرٍ كانَ إذا صَلّى (p-٣٩)خَفَضَ صَوْتَهُ وأنَّ عُمَرَ كانَ إذا صَلّى رَفَعَ صَوْتَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ: لِمَ تَفْعَلُ هَذا قالَ: أُناجِي رَبِّي وقَدْ عَلِمَ حاجَتِي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أحْسَنْتَ وقالَ لِعُمَرَ: لِمَ تَفْعَلُ هَذا ؟ فَقالَ: أُوقِظُ الوَسْنانَ وأطْرُدُ الشَّيْطانَ، فَقالَ: أحْسَنْتَ فَلَمّا نَزَلَ: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ الآيَةَ، قالَ لِأبِي بِكْرٍ: ارْفَعْ شَيْئًا وقالَ لِعُمَرَ: اخْفِضْ شَيْئًا» .
ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَ أبِي مُوسى فَقالَ: «لَقَدْ أُوتِيَ أبُو مُوسى مِن مَزامِيرِ آلِ داوُدَ»، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ لَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ .
ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْسَجَةَ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأصْواتِكم» .
ورَوى حَمّادٌ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: " حَسِّنُوا أصْواتَكم بِالقُرْآنِ " .
ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ طاوُسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن أحْسَنُ النّاسِ قِراءَةً ؟ قالَ: الَّذِي إذا سَمِعْتَ قِراءَتَهُ رَأيْتَ أنَّهُ يَخْشى اللَّهَ» . آخِرُ سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ.