Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — هود 11:1 – هود 11:123

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. هود 11:1
  2. هود 11:2
  3. هود 11:3
  4. هود 11:4
  5. هود 11:5
  6. هود 11:6
  7. هود 11:7
  8. هود 11:8
  9. هود 11:9
  10. هود 11:10
  11. هود 11:11
  12. هود 11:12
  13. هود 11:13
  14. هود 11:14
  15. هود 11:15
  16. هود 11:16
  17. هود 11:17
  18. هود 11:18
  19. هود 11:19
  20. هود 11:20
  21. هود 11:21
  22. هود 11:22
  23. هود 11:23
  24. هود 11:24
  25. هود 11:25
  26. هود 11:26
  27. هود 11:27
  28. هود 11:28
  29. هود 11:29
  30. هود 11:30
  31. هود 11:31
  32. هود 11:32
  33. هود 11:33
  34. هود 11:34
  35. هود 11:35
  36. هود 11:36
  37. هود 11:37
  38. هود 11:38
  39. هود 11:39
  40. هود 11:40
  41. هود 11:41
  42. هود 11:42
  43. هود 11:43
  44. هود 11:44
  45. هود 11:45
  46. هود 11:46
  47. هود 11:47
  48. هود 11:48
  49. هود 11:49
  50. هود 11:50
  51. هود 11:51
  52. هود 11:52
  53. هود 11:53
  54. هود 11:54
  55. هود 11:55
  56. هود 11:56
  57. هود 11:57
  58. هود 11:58
  59. هود 11:59
  60. هود 11:60
  61. هود 11:61
  62. هود 11:62
  63. هود 11:63
  64. هود 11:64
  65. هود 11:65
  66. هود 11:66
  67. هود 11:67
  68. هود 11:68
  69. هود 11:69
  70. هود 11:70
  71. هود 11:71
  72. هود 11:72
  73. هود 11:73
  74. هود 11:74
  75. هود 11:75
  76. هود 11:76
  77. هود 11:77
  78. هود 11:78
  79. هود 11:79
  80. هود 11:80
  81. هود 11:81
  82. هود 11:82
  83. هود 11:83
  84. هود 11:84
  85. هود 11:85
  86. هود 11:86
  87. هود 11:87
  88. هود 11:88
  89. هود 11:89
  90. هود 11:90
  91. هود 11:91
  92. هود 11:92
  93. هود 11:93
  94. هود 11:94
  95. هود 11:95
  96. هود 11:96
  97. هود 11:97
  98. هود 11:98
  99. هود 11:99
  100. هود 11:100
  101. هود 11:101
  102. هود 11:102
  103. هود 11:103
  104. هود 11:104
  105. هود 11:105
  106. هود 11:106
  107. هود 11:107
  108. هود 11:108
  109. هود 11:109
  110. هود 11:110
  111. هود 11:111
  112. هود 11:112
  113. هود 11:113
  114. هود 11:114
  115. هود 11:115
  116. هود 11:116
  117. هود 11:117
  118. هود 11:118
  119. هود 11:119
  120. هود 11:120
  121. هود 11:121
  122. هود 11:122
  123. هود 11:123

هود 11:1

قلت: كتاب: خبر، أي: هذا كتاب. وأحكمت: صفة. ومن لدن: خبر ثان، أو خبر " كتاب " إن جعل مبتدأ، أو صفة له، إن كان خبرا. وألا تعبدوا: " أن " مفسرة، أو مصدرية في موضع مفعول لأجله، أو بدل من الآيات أو مستأنف. وأن استغفروا: عطف عليه. وحين: متعلق بمحذوف، أي: ألا إنهم يثنونها حين يستغشون... الخ. ويعلم: استئناف لبيان النقض عليهم. يقول الحق جل جلاله: أيها الرسول المصطفى، هذا الذي تقرؤه { كتاب أحكمت آياته } أتقنت، ونظمت نظما محكما، لا يعتريه خلل من جهة اللفظ ولا المعنى، أو أحكمت من النسخ بشريعة أخرى، أو أحكمت بالحجج والبراهين، أو جعلت حكيمة لأنها مشتملة على أمهات الحكم العلمية. { ثم فصلت } بينت لاشتمالها على بيان العقائد والأحكام والمواعظ والأخبار. أو فصلت سورة سورة ليسهل حفظها. وفصلت بالإنزال نجما نجما، في أزمنة مختلفة. أو فصل فيها لخص ما يحتاج إليه من الأحكام. وثم: للتفاوت في الحكم لأن الأحكام صفة ذاتية، والتفصيل إنما هو بحسب من يفصل له. نزل ذلك في الكتاب { من لدن حكيم خبير } ، ولذلك كان محكما مفصلا بالغا في ذلك الغاية لأن الحكيم الخبير لا يخفى عليه ما يخل بنظم الكلام. قائلا ذلك الكتاب: ألا تعبدوا معه غيره. وقال في القوت: { كتاب أحكمت آياته } يعني: بالتوحيد، { ثم فصلت } أي: بالوعد والوعيد. ثم قال: { من لدن حكيم } أي: بالإحكام للأحكام، { خبير } بالتفصيل للحلال والحرام. { ألا تعبدوا إلا الله } هذا هو التوحيد الذي أحكمه. { إنني لكم منه نذير } بالعذاب، { وبشير } بالثواب لمن آمن به. هذا هو الوعد والوعيد. قاله البيضاوي: { إنني لكم منه } أي: من الله، { نذير وبشير } بالعقاب على الشرك والثواب على التوحيد. { وأن استغفروا ربكم }: عطف على " ألا تعبدوا " ، { ثم توبوا إليه } ثم توصلوا إلى مطلبكم بالتوبة فإن المعرض عن طريق الحق لا بد له من رجوع. وقيل: استغفروا من الشرك، ثم توبوا إليه بالطاعة، ويجوز أن يكون " ثم ": للتفاوت بين الأمرين. ه. قال ابن جزي: { استغفروا ربكم } مما تقدم من الشرك والمعاصي، ثم ارجعوا إليه بالطاعة والاستقامة.ه. وقال الواحدي: { استغفروا ربكم } من ذنوبكم السابقة، { ثم توبوا إليه } من المستأنفة متى وقعت. ه. { يمتعكم متاعا حسنا } يحييكم حياة طيبة بالأرزاق والنعم والخيرات، فتعيشوا في أمن ودعة. { إلى أجل مسمى } تمام أجلكم، فلا يستأصلكم بالعذاب، أو يمتعكم بالرجاء فيه والرضا بقضائه لأن الكافر قد يمتع بالأرزاق في الدنيا استدراجا، { ويؤت } في الآخرة { كل ذي فضل } عمل صالحا، { فضله } أي: جزاء فضله، فيوفي ثوابه عمله، أو يعطي كل ذي فضل في دينه جزاء فضله في الدنيا والآخرة. وهو وعد للمؤمن التائب بخير الدارين. { وإن تولوا } أي: وإن تتولوا عما أمرتكم به، { فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } يوم القيامة، أو يوم الشدة بالقحط والجوع، وقد نزل بهم حتى أكلوا الجيف. أو يوم بدر { إلى الله مرجعكم } أي: رجوعكم في ذلك اليوم الكبير، أو بالموت، { وهو على كل شيء قدير } فيقدر على بعثهم وعذابهم أشد العذاب. وكأنه تقرير لكبر اليوم. { ألا أنهم يثنون صدورهم } يلوونها عن الحق وينحرفون عنه، أو يعطفونها على الكفر وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم، أو يولون ظهورهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يروه من شدة البغض والعداوة، { ليستخفوا منه } أي: من الرسول عليه الصلاة والسلام أو: من الله بسرهم، فلا يطلع رسوله والمؤمنين عليه. قيل: إنها نزلت في طائفة من المشركين، قالوا: إن أرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وطوينا صدورنا على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم كيف يعلم ذلك؟ والحاصل: أن الإثناء إن كان عن الحق فالضمير في: منه، يعود على الله، وإن كان عن النبي صلى الله عليه وسلم فالضمير يعود عليه وفي البخاري عن ابن عباس: أنها نزلت فيمن كان يستحي أن يتخلى أو يجامع فيفضي إلى السماء. وقوله: { ألا حين يستغشون ثيابهم }: يحتمل أن يكون عند النوم، فيكون الإثناء عن الحق، أو عن الله، أو عند مواجهة الرسول، فيكون الإثناء عن رؤيته عليه الصلاة والسلام ، أو عن سماع القرآن. قال تعالى: { يعلم ما يسرون } في قلوبهم، { وما يعلنون } بأفواههم فقد استوى في علمه سرهم وعلانيتهم، فكيف يخفى عليه أمرهم واستخفاؤهم منه؟ { إنه عليم بذات الصدور } أي: بالأسرار صاحبة الصدور، أو بحقائق الصدور وما احتوت عليه. الإشارة: يقول الحق جل جلاله: هذا كتاب أحكمت آياته بالتعريف بالذات، ثم فصلت ببيان الصفات، أو: أحكمت بتبيين الحقائق، ثم فصلت بتبيين الشرائع: أو أحكمت ببيان ما يتعلق بعالم الأرواح من التعريف، ثم فصلت ببيان ما يتعلق بعالم الأشباح من التكليف، أو: أحكمت ببيان أسرار الملكوت، ثم فصلت ببيان أحكام الملك. ثم بين ما يتعلق بالذات فقال: { ألا تعبدون إلا الله } وبين ما يتعلق بالصفات من التفصيل فقال: { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } ، أو: بين ما يتعلق بالحقائق، ثم ما يتعلق بالشرائع، وهكذا. فإن جمعتم بين الحقائق والشرائع يمتعكم متاعا حسنا بشهود ذاته، والتنزه في أنوار صفاته، إلى أجل مسمى، وهو: النزول في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ويؤت كل ذي فضل من المعرفة جزاء فضله من الشهود، فمن تولى عن هذا خاف من عذاب يوم كبير، وهو: غم الحجاب، والتخلف عن الأحباب. ثم عاتب أهل الشهود حيث تركوا مقام المشاهدة وتنزلوا إلى مقام المراقبة، بقوله: { ألا إنهم يثنون صدورهم... } ، الآية. ثم بين كما لعلمه تكميلا لقوله: { يعلم ما يسرون وما يعلنون } ، فقال: { وما من دآبة في الأرض }.

هود 11:2

قلت: كتاب: خبر، أي: هذا كتاب. وأحكمت: صفة. ومن لدن: خبر ثان، أو خبر " كتاب " إن جعل مبتدأ، أو صفة له، إن كان خبرا. وألا تعبدوا: " أن " مفسرة، أو مصدرية في موضع مفعول لأجله، أو بدل من الآيات أو مستأنف. وأن استغفروا: عطف عليه. وحين: متعلق بمحذوف، أي: ألا إنهم يثنونها حين يستغشون... الخ. ويعلم: استئناف لبيان النقض عليهم. يقول الحق جل جلاله: أيها الرسول المصطفى، هذا الذي تقرؤه { كتاب أحكمت آياته } أتقنت، ونظمت نظما محكما، لا يعتريه خلل من جهة اللفظ ولا المعنى، أو أحكمت من النسخ بشريعة أخرى، أو أحكمت بالحجج والبراهين، أو جعلت حكيمة لأنها مشتملة على أمهات الحكم العلمية. { ثم فصلت } بينت لاشتمالها على بيان العقائد والأحكام والمواعظ والأخبار. أو فصلت سورة سورة ليسهل حفظها. وفصلت بالإنزال نجما نجما، في أزمنة مختلفة. أو فصل فيها لخص ما يحتاج إليه من الأحكام. وثم: للتفاوت في الحكم لأن الأحكام صفة ذاتية، والتفصيل إنما هو بحسب من يفصل له. نزل ذلك في الكتاب { من لدن حكيم خبير } ، ولذلك كان محكما مفصلا بالغا في ذلك الغاية لأن الحكيم الخبير لا يخفى عليه ما يخل بنظم الكلام. قائلا ذلك الكتاب: ألا تعبدوا معه غيره. وقال في القوت: { كتاب أحكمت آياته } يعني: بالتوحيد، { ثم فصلت } أي: بالوعد والوعيد. ثم قال: { من لدن حكيم } أي: بالإحكام للأحكام، { خبير } بالتفصيل للحلال والحرام. { ألا تعبدوا إلا الله } هذا هو التوحيد الذي أحكمه. { إنني لكم منه نذير } بالعذاب، { وبشير } بالثواب لمن آمن به. هذا هو الوعد والوعيد. قاله البيضاوي: { إنني لكم منه } أي: من الله، { نذير وبشير } بالعقاب على الشرك والثواب على التوحيد. { وأن استغفروا ربكم }: عطف على " ألا تعبدوا " ، { ثم توبوا إليه } ثم توصلوا إلى مطلبكم بالتوبة فإن المعرض عن طريق الحق لا بد له من رجوع. وقيل: استغفروا من الشرك، ثم توبوا إليه بالطاعة، ويجوز أن يكون " ثم ": للتفاوت بين الأمرين. ه. قال ابن جزي: { استغفروا ربكم } مما تقدم من الشرك والمعاصي، ثم ارجعوا إليه بالطاعة والاستقامة.ه. وقال الواحدي: { استغفروا ربكم } من ذنوبكم السابقة، { ثم توبوا إليه } من المستأنفة متى وقعت. ه. { يمتعكم متاعا حسنا } يحييكم حياة طيبة بالأرزاق والنعم والخيرات، فتعيشوا في أمن ودعة. { إلى أجل مسمى } تمام أجلكم، فلا يستأصلكم بالعذاب، أو يمتعكم بالرجاء فيه والرضا بقضائه لأن الكافر قد يمتع بالأرزاق في الدنيا استدراجا، { ويؤت } في الآخرة { كل ذي فضل } عمل صالحا، { فضله } أي: جزاء فضله، فيوفي ثوابه عمله، أو يعطي كل ذي فضل في دينه جزاء فضله في الدنيا والآخرة. وهو وعد للمؤمن التائب بخير الدارين. { وإن تولوا } أي: وإن تتولوا عما أمرتكم به، { فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } يوم القيامة، أو يوم الشدة بالقحط والجوع، وقد نزل بهم حتى أكلوا الجيف. أو يوم بدر { إلى الله مرجعكم } أي: رجوعكم في ذلك اليوم الكبير، أو بالموت، { وهو على كل شيء قدير } فيقدر على بعثهم وعذابهم أشد العذاب. وكأنه تقرير لكبر اليوم. { ألا أنهم يثنون صدورهم } يلوونها عن الحق وينحرفون عنه، أو يعطفونها على الكفر وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم، أو يولون ظهورهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يروه من شدة البغض والعداوة، { ليستخفوا منه } أي: من الرسول عليه الصلاة والسلام أو: من الله بسرهم، فلا يطلع رسوله والمؤمنين عليه. قيل: إنها نزلت في طائفة من المشركين، قالوا: إن أرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وطوينا صدورنا على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم كيف يعلم ذلك؟ والحاصل: أن الإثناء إن كان عن الحق فالضمير في: منه، يعود على الله، وإن كان عن النبي صلى الله عليه وسلم فالضمير يعود عليه وفي البخاري عن ابن عباس: أنها نزلت فيمن كان يستحي أن يتخلى أو يجامع فيفضي إلى السماء. وقوله: { ألا حين يستغشون ثيابهم }: يحتمل أن يكون عند النوم، فيكون الإثناء عن الحق، أو عن الله، أو عند مواجهة الرسول، فيكون الإثناء عن رؤيته عليه الصلاة والسلام ، أو عن سماع القرآن. قال تعالى: { يعلم ما يسرون } في قلوبهم، { وما يعلنون } بأفواههم فقد استوى في علمه سرهم وعلانيتهم، فكيف يخفى عليه أمرهم واستخفاؤهم منه؟ { إنه عليم بذات الصدور } أي: بالأسرار صاحبة الصدور، أو بحقائق الصدور وما احتوت عليه. الإشارة: يقول الحق جل جلاله: هذا كتاب أحكمت آياته بالتعريف بالذات، ثم فصلت ببيان الصفات، أو: أحكمت بتبيين الحقائق، ثم فصلت بتبيين الشرائع: أو أحكمت ببيان ما يتعلق بعالم الأرواح من التعريف، ثم فصلت ببيان ما يتعلق بعالم الأشباح من التكليف، أو: أحكمت ببيان أسرار الملكوت، ثم فصلت ببيان أحكام الملك. ثم بين ما يتعلق بالذات فقال: { ألا تعبدون إلا الله } وبين ما يتعلق بالصفات من التفصيل فقال: { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } ، أو: بين ما يتعلق بالحقائق، ثم ما يتعلق بالشرائع، وهكذا. فإن جمعتم بين الحقائق والشرائع يمتعكم متاعا حسنا بشهود ذاته، والتنزه في أنوار صفاته، إلى أجل مسمى، وهو: النزول في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ويؤت كل ذي فضل من المعرفة جزاء فضله من الشهود، فمن تولى عن هذا خاف من عذاب يوم كبير، وهو: غم الحجاب، والتخلف عن الأحباب. ثم عاتب أهل الشهود حيث تركوا مقام المشاهدة وتنزلوا إلى مقام المراقبة، بقوله: { ألا إنهم يثنون صدورهم... } ، الآية. ثم بين كما لعلمه تكميلا لقوله: { يعلم ما يسرون وما يعلنون } ، فقال: { وما من دآبة في الأرض }.

هود 11:3

قلت: كتاب: خبر، أي: هذا كتاب. وأحكمت: صفة. ومن لدن: خبر ثان، أو خبر " كتاب " إن جعل مبتدأ، أو صفة له، إن كان خبرا. وألا تعبدوا: " أن " مفسرة، أو مصدرية في موضع مفعول لأجله، أو بدل من الآيات أو مستأنف. وأن استغفروا: عطف عليه. وحين: متعلق بمحذوف، أي: ألا إنهم يثنونها حين يستغشون... الخ. ويعلم: استئناف لبيان النقض عليهم. يقول الحق جل جلاله: أيها الرسول المصطفى، هذا الذي تقرؤه { كتاب أحكمت آياته } أتقنت، ونظمت نظما محكما، لا يعتريه خلل من جهة اللفظ ولا المعنى، أو أحكمت من النسخ بشريعة أخرى، أو أحكمت بالحجج والبراهين، أو جعلت حكيمة لأنها مشتملة على أمهات الحكم العلمية. { ثم فصلت } بينت لاشتمالها على بيان العقائد والأحكام والمواعظ والأخبار. أو فصلت سورة سورة ليسهل حفظها. وفصلت بالإنزال نجما نجما، في أزمنة مختلفة. أو فصل فيها لخص ما يحتاج إليه من الأحكام. وثم: للتفاوت في الحكم لأن الأحكام صفة ذاتية، والتفصيل إنما هو بحسب من يفصل له. نزل ذلك في الكتاب { من لدن حكيم خبير } ، ولذلك كان محكما مفصلا بالغا في ذلك الغاية لأن الحكيم الخبير لا يخفى عليه ما يخل بنظم الكلام. قائلا ذلك الكتاب: ألا تعبدوا معه غيره. وقال في القوت: { كتاب أحكمت آياته } يعني: بالتوحيد، { ثم فصلت } أي: بالوعد والوعيد. ثم قال: { من لدن حكيم } أي: بالإحكام للأحكام، { خبير } بالتفصيل للحلال والحرام. { ألا تعبدوا إلا الله } هذا هو التوحيد الذي أحكمه. { إنني لكم منه نذير } بالعذاب، { وبشير } بالثواب لمن آمن به. هذا هو الوعد والوعيد. قاله البيضاوي: { إنني لكم منه } أي: من الله، { نذير وبشير } بالعقاب على الشرك والثواب على التوحيد. { وأن استغفروا ربكم }: عطف على " ألا تعبدوا " ، { ثم توبوا إليه } ثم توصلوا إلى مطلبكم بالتوبة فإن المعرض عن طريق الحق لا بد له من رجوع. وقيل: استغفروا من الشرك، ثم توبوا إليه بالطاعة، ويجوز أن يكون " ثم ": للتفاوت بين الأمرين. ه. قال ابن جزي: { استغفروا ربكم } مما تقدم من الشرك والمعاصي، ثم ارجعوا إليه بالطاعة والاستقامة.ه. وقال الواحدي: { استغفروا ربكم } من ذنوبكم السابقة، { ثم توبوا إليه } من المستأنفة متى وقعت. ه. { يمتعكم متاعا حسنا } يحييكم حياة طيبة بالأرزاق والنعم والخيرات، فتعيشوا في أمن ودعة. { إلى أجل مسمى } تمام أجلكم، فلا يستأصلكم بالعذاب، أو يمتعكم بالرجاء فيه والرضا بقضائه لأن الكافر قد يمتع بالأرزاق في الدنيا استدراجا، { ويؤت } في الآخرة { كل ذي فضل } عمل صالحا، { فضله } أي: جزاء فضله، فيوفي ثوابه عمله، أو يعطي كل ذي فضل في دينه جزاء فضله في الدنيا والآخرة. وهو وعد للمؤمن التائب بخير الدارين. { وإن تولوا } أي: وإن تتولوا عما أمرتكم به، { فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } يوم القيامة، أو يوم الشدة بالقحط والجوع، وقد نزل بهم حتى أكلوا الجيف. أو يوم بدر { إلى الله مرجعكم } أي: رجوعكم في ذلك اليوم الكبير، أو بالموت، { وهو على كل شيء قدير } فيقدر على بعثهم وعذابهم أشد العذاب. وكأنه تقرير لكبر اليوم. { ألا أنهم يثنون صدورهم } يلوونها عن الحق وينحرفون عنه، أو يعطفونها على الكفر وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم، أو يولون ظهورهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يروه من شدة البغض والعداوة، { ليستخفوا منه } أي: من الرسول عليه الصلاة والسلام أو: من الله بسرهم، فلا يطلع رسوله والمؤمنين عليه. قيل: إنها نزلت في طائفة من المشركين، قالوا: إن أرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وطوينا صدورنا على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم كيف يعلم ذلك؟ والحاصل: أن الإثناء إن كان عن الحق فالضمير في: منه، يعود على الله، وإن كان عن النبي صلى الله عليه وسلم فالضمير يعود عليه وفي البخاري عن ابن عباس: أنها نزلت فيمن كان يستحي أن يتخلى أو يجامع فيفضي إلى السماء. وقوله: { ألا حين يستغشون ثيابهم }: يحتمل أن يكون عند النوم، فيكون الإثناء عن الحق، أو عن الله، أو عند مواجهة الرسول، فيكون الإثناء عن رؤيته عليه الصلاة والسلام ، أو عن سماع القرآن. قال تعالى: { يعلم ما يسرون } في قلوبهم، { وما يعلنون } بأفواههم فقد استوى في علمه سرهم وعلانيتهم، فكيف يخفى عليه أمرهم واستخفاؤهم منه؟ { إنه عليم بذات الصدور } أي: بالأسرار صاحبة الصدور، أو بحقائق الصدور وما احتوت عليه. الإشارة: يقول الحق جل جلاله: هذا كتاب أحكمت آياته بالتعريف بالذات، ثم فصلت ببيان الصفات، أو: أحكمت بتبيين الحقائق، ثم فصلت بتبيين الشرائع: أو أحكمت ببيان ما يتعلق بعالم الأرواح من التعريف، ثم فصلت ببيان ما يتعلق بعالم الأشباح من التكليف، أو: أحكمت ببيان أسرار الملكوت، ثم فصلت ببيان أحكام الملك. ثم بين ما يتعلق بالذات فقال: { ألا تعبدون إلا الله } وبين ما يتعلق بالصفات من التفصيل فقال: { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } ، أو: بين ما يتعلق بالحقائق، ثم ما يتعلق بالشرائع، وهكذا. فإن جمعتم بين الحقائق والشرائع يمتعكم متاعا حسنا بشهود ذاته، والتنزه في أنوار صفاته، إلى أجل مسمى، وهو: النزول في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ويؤت كل ذي فضل من المعرفة جزاء فضله من الشهود، فمن تولى عن هذا خاف من عذاب يوم كبير، وهو: غم الحجاب، والتخلف عن الأحباب. ثم عاتب أهل الشهود حيث تركوا مقام المشاهدة وتنزلوا إلى مقام المراقبة، بقوله: { ألا إنهم يثنون صدورهم... } ، الآية. ثم بين كما لعلمه تكميلا لقوله: { يعلم ما يسرون وما يعلنون } ، فقال: { وما من دآبة في الأرض }.

هود 11:4

قلت: كتاب: خبر، أي: هذا كتاب. وأحكمت: صفة. ومن لدن: خبر ثان، أو خبر " كتاب " إن جعل مبتدأ، أو صفة له، إن كان خبرا. وألا تعبدوا: " أن " مفسرة، أو مصدرية في موضع مفعول لأجله، أو بدل من الآيات أو مستأنف. وأن استغفروا: عطف عليه. وحين: متعلق بمحذوف، أي: ألا إنهم يثنونها حين يستغشون... الخ. ويعلم: استئناف لبيان النقض عليهم. يقول الحق جل جلاله: أيها الرسول المصطفى، هذا الذي تقرؤه { كتاب أحكمت آياته } أتقنت، ونظمت نظما محكما، لا يعتريه خلل من جهة اللفظ ولا المعنى، أو أحكمت من النسخ بشريعة أخرى، أو أحكمت بالحجج والبراهين، أو جعلت حكيمة لأنها مشتملة على أمهات الحكم العلمية. { ثم فصلت } بينت لاشتمالها على بيان العقائد والأحكام والمواعظ والأخبار. أو فصلت سورة سورة ليسهل حفظها. وفصلت بالإنزال نجما نجما، في أزمنة مختلفة. أو فصل فيها لخص ما يحتاج إليه من الأحكام. وثم: للتفاوت في الحكم لأن الأحكام صفة ذاتية، والتفصيل إنما هو بحسب من يفصل له. نزل ذلك في الكتاب { من لدن حكيم خبير } ، ولذلك كان محكما مفصلا بالغا في ذلك الغاية لأن الحكيم الخبير لا يخفى عليه ما يخل بنظم الكلام. قائلا ذلك الكتاب: ألا تعبدوا معه غيره. وقال في القوت: { كتاب أحكمت آياته } يعني: بالتوحيد، { ثم فصلت } أي: بالوعد والوعيد. ثم قال: { من لدن حكيم } أي: بالإحكام للأحكام، { خبير } بالتفصيل للحلال والحرام. { ألا تعبدوا إلا الله } هذا هو التوحيد الذي أحكمه. { إنني لكم منه نذير } بالعذاب، { وبشير } بالثواب لمن آمن به. هذا هو الوعد والوعيد. قاله البيضاوي: { إنني لكم منه } أي: من الله، { نذير وبشير } بالعقاب على الشرك والثواب على التوحيد. { وأن استغفروا ربكم }: عطف على " ألا تعبدوا " ، { ثم توبوا إليه } ثم توصلوا إلى مطلبكم بالتوبة فإن المعرض عن طريق الحق لا بد له من رجوع. وقيل: استغفروا من الشرك، ثم توبوا إليه بالطاعة، ويجوز أن يكون " ثم ": للتفاوت بين الأمرين. ه. قال ابن جزي: { استغفروا ربكم } مما تقدم من الشرك والمعاصي، ثم ارجعوا إليه بالطاعة والاستقامة.ه. وقال الواحدي: { استغفروا ربكم } من ذنوبكم السابقة، { ثم توبوا إليه } من المستأنفة متى وقعت. ه. { يمتعكم متاعا حسنا } يحييكم حياة طيبة بالأرزاق والنعم والخيرات، فتعيشوا في أمن ودعة. { إلى أجل مسمى } تمام أجلكم، فلا يستأصلكم بالعذاب، أو يمتعكم بالرجاء فيه والرضا بقضائه لأن الكافر قد يمتع بالأرزاق في الدنيا استدراجا، { ويؤت } في الآخرة { كل ذي فضل } عمل صالحا، { فضله } أي: جزاء فضله، فيوفي ثوابه عمله، أو يعطي كل ذي فضل في دينه جزاء فضله في الدنيا والآخرة. وهو وعد للمؤمن التائب بخير الدارين. { وإن تولوا } أي: وإن تتولوا عما أمرتكم به، { فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } يوم القيامة، أو يوم الشدة بالقحط والجوع، وقد نزل بهم حتى أكلوا الجيف. أو يوم بدر { إلى الله مرجعكم } أي: رجوعكم في ذلك اليوم الكبير، أو بالموت، { وهو على كل شيء قدير } فيقدر على بعثهم وعذابهم أشد العذاب. وكأنه تقرير لكبر اليوم. { ألا أنهم يثنون صدورهم } يلوونها عن الحق وينحرفون عنه، أو يعطفونها على الكفر وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم، أو يولون ظهورهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يروه من شدة البغض والعداوة، { ليستخفوا منه } أي: من الرسول عليه الصلاة والسلام أو: من الله بسرهم، فلا يطلع رسوله والمؤمنين عليه. قيل: إنها نزلت في طائفة من المشركين، قالوا: إن أرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وطوينا صدورنا على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم كيف يعلم ذلك؟ والحاصل: أن الإثناء إن كان عن الحق فالضمير في: منه، يعود على الله، وإن كان عن النبي صلى الله عليه وسلم فالضمير يعود عليه وفي البخاري عن ابن عباس: أنها نزلت فيمن كان يستحي أن يتخلى أو يجامع فيفضي إلى السماء. وقوله: { ألا حين يستغشون ثيابهم }: يحتمل أن يكون عند النوم، فيكون الإثناء عن الحق، أو عن الله، أو عند مواجهة الرسول، فيكون الإثناء عن رؤيته عليه الصلاة والسلام ، أو عن سماع القرآن. قال تعالى: { يعلم ما يسرون } في قلوبهم، { وما يعلنون } بأفواههم فقد استوى في علمه سرهم وعلانيتهم، فكيف يخفى عليه أمرهم واستخفاؤهم منه؟ { إنه عليم بذات الصدور } أي: بالأسرار صاحبة الصدور، أو بحقائق الصدور وما احتوت عليه. الإشارة: يقول الحق جل جلاله: هذا كتاب أحكمت آياته بالتعريف بالذات، ثم فصلت ببيان الصفات، أو: أحكمت بتبيين الحقائق، ثم فصلت بتبيين الشرائع: أو أحكمت ببيان ما يتعلق بعالم الأرواح من التعريف، ثم فصلت ببيان ما يتعلق بعالم الأشباح من التكليف، أو: أحكمت ببيان أسرار الملكوت، ثم فصلت ببيان أحكام الملك. ثم بين ما يتعلق بالذات فقال: { ألا تعبدون إلا الله } وبين ما يتعلق بالصفات من التفصيل فقال: { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } ، أو: بين ما يتعلق بالحقائق، ثم ما يتعلق بالشرائع، وهكذا. فإن جمعتم بين الحقائق والشرائع يمتعكم متاعا حسنا بشهود ذاته، والتنزه في أنوار صفاته، إلى أجل مسمى، وهو: النزول في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ويؤت كل ذي فضل من المعرفة جزاء فضله من الشهود، فمن تولى عن هذا خاف من عذاب يوم كبير، وهو: غم الحجاب، والتخلف عن الأحباب. ثم عاتب أهل الشهود حيث تركوا مقام المشاهدة وتنزلوا إلى مقام المراقبة، بقوله: { ألا إنهم يثنون صدورهم... } ، الآية. ثم بين كما لعلمه تكميلا لقوله: { يعلم ما يسرون وما يعلنون } ، فقال: { وما من دآبة في الأرض }.

هود 11:5

قلت: كتاب: خبر، أي: هذا كتاب. وأحكمت: صفة. ومن لدن: خبر ثان، أو خبر " كتاب " إن جعل مبتدأ، أو صفة له، إن كان خبرا. وألا تعبدوا: " أن " مفسرة، أو مصدرية في موضع مفعول لأجله، أو بدل من الآيات أو مستأنف. وأن استغفروا: عطف عليه. وحين: متعلق بمحذوف، أي: ألا إنهم يثنونها حين يستغشون... الخ. ويعلم: استئناف لبيان النقض عليهم. يقول الحق جل جلاله: أيها الرسول المصطفى، هذا الذي تقرؤه { كتاب أحكمت آياته } أتقنت، ونظمت نظما محكما، لا يعتريه خلل من جهة اللفظ ولا المعنى، أو أحكمت من النسخ بشريعة أخرى، أو أحكمت بالحجج والبراهين، أو جعلت حكيمة لأنها مشتملة على أمهات الحكم العلمية. { ثم فصلت } بينت لاشتمالها على بيان العقائد والأحكام والمواعظ والأخبار. أو فصلت سورة سورة ليسهل حفظها. وفصلت بالإنزال نجما نجما، في أزمنة مختلفة. أو فصل فيها لخص ما يحتاج إليه من الأحكام. وثم: للتفاوت في الحكم لأن الأحكام صفة ذاتية، والتفصيل إنما هو بحسب من يفصل له. نزل ذلك في الكتاب { من لدن حكيم خبير } ، ولذلك كان محكما مفصلا بالغا في ذلك الغاية لأن الحكيم الخبير لا يخفى عليه ما يخل بنظم الكلام. قائلا ذلك الكتاب: ألا تعبدوا معه غيره. وقال في القوت: { كتاب أحكمت آياته } يعني: بالتوحيد، { ثم فصلت } أي: بالوعد والوعيد. ثم قال: { من لدن حكيم } أي: بالإحكام للأحكام، { خبير } بالتفصيل للحلال والحرام. { ألا تعبدوا إلا الله } هذا هو التوحيد الذي أحكمه. { إنني لكم منه نذير } بالعذاب، { وبشير } بالثواب لمن آمن به. هذا هو الوعد والوعيد. قاله البيضاوي: { إنني لكم منه } أي: من الله، { نذير وبشير } بالعقاب على الشرك والثواب على التوحيد. { وأن استغفروا ربكم }: عطف على " ألا تعبدوا " ، { ثم توبوا إليه } ثم توصلوا إلى مطلبكم بالتوبة فإن المعرض عن طريق الحق لا بد له من رجوع. وقيل: استغفروا من الشرك، ثم توبوا إليه بالطاعة، ويجوز أن يكون " ثم ": للتفاوت بين الأمرين. ه. قال ابن جزي: { استغفروا ربكم } مما تقدم من الشرك والمعاصي، ثم ارجعوا إليه بالطاعة والاستقامة.ه. وقال الواحدي: { استغفروا ربكم } من ذنوبكم السابقة، { ثم توبوا إليه } من المستأنفة متى وقعت. ه. { يمتعكم متاعا حسنا } يحييكم حياة طيبة بالأرزاق والنعم والخيرات، فتعيشوا في أمن ودعة. { إلى أجل مسمى } تمام أجلكم، فلا يستأصلكم بالعذاب، أو يمتعكم بالرجاء فيه والرضا بقضائه لأن الكافر قد يمتع بالأرزاق في الدنيا استدراجا، { ويؤت } في الآخرة { كل ذي فضل } عمل صالحا، { فضله } أي: جزاء فضله، فيوفي ثوابه عمله، أو يعطي كل ذي فضل في دينه جزاء فضله في الدنيا والآخرة. وهو وعد للمؤمن التائب بخير الدارين. { وإن تولوا } أي: وإن تتولوا عما أمرتكم به، { فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } يوم القيامة، أو يوم الشدة بالقحط والجوع، وقد نزل بهم حتى أكلوا الجيف. أو يوم بدر { إلى الله مرجعكم } أي: رجوعكم في ذلك اليوم الكبير، أو بالموت، { وهو على كل شيء قدير } فيقدر على بعثهم وعذابهم أشد العذاب. وكأنه تقرير لكبر اليوم. { ألا أنهم يثنون صدورهم } يلوونها عن الحق وينحرفون عنه، أو يعطفونها على الكفر وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم، أو يولون ظهورهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يروه من شدة البغض والعداوة، { ليستخفوا منه } أي: من الرسول عليه الصلاة والسلام أو: من الله بسرهم، فلا يطلع رسوله والمؤمنين عليه. قيل: إنها نزلت في طائفة من المشركين، قالوا: إن أرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وطوينا صدورنا على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم كيف يعلم ذلك؟ والحاصل: أن الإثناء إن كان عن الحق فالضمير في: منه، يعود على الله، وإن كان عن النبي صلى الله عليه وسلم فالضمير يعود عليه وفي البخاري عن ابن عباس: أنها نزلت فيمن كان يستحي أن يتخلى أو يجامع فيفضي إلى السماء. وقوله: { ألا حين يستغشون ثيابهم }: يحتمل أن يكون عند النوم، فيكون الإثناء عن الحق، أو عن الله، أو عند مواجهة الرسول، فيكون الإثناء عن رؤيته عليه الصلاة والسلام ، أو عن سماع القرآن. قال تعالى: { يعلم ما يسرون } في قلوبهم، { وما يعلنون } بأفواههم فقد استوى في علمه سرهم وعلانيتهم، فكيف يخفى عليه أمرهم واستخفاؤهم منه؟ { إنه عليم بذات الصدور } أي: بالأسرار صاحبة الصدور، أو بحقائق الصدور وما احتوت عليه. الإشارة: يقول الحق جل جلاله: هذا كتاب أحكمت آياته بالتعريف بالذات، ثم فصلت ببيان الصفات، أو: أحكمت بتبيين الحقائق، ثم فصلت بتبيين الشرائع: أو أحكمت ببيان ما يتعلق بعالم الأرواح من التعريف، ثم فصلت ببيان ما يتعلق بعالم الأشباح من التكليف، أو: أحكمت ببيان أسرار الملكوت، ثم فصلت ببيان أحكام الملك. ثم بين ما يتعلق بالذات فقال: { ألا تعبدون إلا الله } وبين ما يتعلق بالصفات من التفصيل فقال: { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } ، أو: بين ما يتعلق بالحقائق، ثم ما يتعلق بالشرائع، وهكذا. فإن جمعتم بين الحقائق والشرائع يمتعكم متاعا حسنا بشهود ذاته، والتنزه في أنوار صفاته، إلى أجل مسمى، وهو: النزول في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ويؤت كل ذي فضل من المعرفة جزاء فضله من الشهود، فمن تولى عن هذا خاف من عذاب يوم كبير، وهو: غم الحجاب، والتخلف عن الأحباب. ثم عاتب أهل الشهود حيث تركوا مقام المشاهدة وتنزلوا إلى مقام المراقبة، بقوله: { ألا إنهم يثنون صدورهم... } ، الآية. ثم بين كما لعلمه تكميلا لقوله: { يعلم ما يسرون وما يعلنون } ، فقال: { وما من دآبة في الأرض }.

هود 11:6

يقول الحق جل جلاله: { وما من دابة في الأرض } أي: كل ما يدب عليها عاقلا أو غيره، { إلا على الله رزقها } غذاؤها ومعاشها لتكلفه إياه بذلك تفضلا وإحسانا. وإنما أتى بعلى التي تقتضي الوجوب تحقيقا لوصوله، وتهييجا على التوكل وقطع الوساوس فيه، { ويعلم مستقرها ومستودعها } أماكنها في الحياة والممات، أو الأصلاب والأرحام. أو: مستقرها في الأرض بعد وجودها، ومستودعها: موادها قبل إيجادها. أو بالعكس: مستقرها: موادها في العلم قبل الظهور، ومستودعها إقامتها في الدنيا بعد الوجود. { كل } واحد من الدواب على اختلاف أجناسها وأصنافها { في كتاب مبين } مذكور في اللوح المحفوظ، أو في العلم القديم المبين للأشياء، قال البيضاوي: وكأنه أريد بالآية كونه عالما بالمعلومات كلها، وبما بعدها بيان كونه قادرا على الممكنات بأسرها، تقريرا للتوحيد ولما سبق من الوعد والوعيد. ه. الإشارة: هم الرزق، وخوف الخلق، من أمراض القلوب، ولا ينقطعان عن العبد حتى يكاشف بعلم الغيوب وهو التوحيد الخاص أعني: الرسوخ في الشهود والعيان. وإنما يضر العبد ما كان ساكنا، وأما الخواطر التي تلمع وتذهب، فلا تضر لأن الإنسان خلق ضعيفا. واعلم ان الرزق على قسمين: رزق الأرواح، ورزق الأشباح. فرزق الأرواح معنوي، وهو: قوت الروح من المعرفة وعلم اليقين. ورزق الأشباح حسي، وهو: الطعام والشراب. وقد تكفل الله بالأمرين معا، وأمر بالتسبب فيهما، قياما برسم الحكمة. فالتكفل حقيقة، والتسبب شريعة، فالعامة اشتغلوا بالتسبب في الرزق الحسي والبحث عنه، ولم يعبأوا بالرزق المعنوي، ولا عرفوه من شدة إعراضهم عنه، مع أنهم لو فقدوا الرزق المعنوي لماتت أرواحهم. والخاصة اشتغلوا بالتسبب في الرزق المعنوي والبحث عنه، ولم يعبأوا بالرزق الحسي من شدة إعراضهم عنه، مع أنهم لو فقدوا الرزق الحسي لهلكت أشباحهم. وخاصة الخاصة يتسببون في الرزق الحسي والمعنوي، وليس هم مع إرادتهم في واحد منهما، وإنما هم أبدا مع إرادة مولاهم راتعين أبدا، حيث دفعتهم إرادة سيدهم في الحسي أو في المعنوي من غير تبرم ولا التفات لغيره، كما قال القائل: آراني كالآلات وهو محركي أنا قلم والاقتدار أصابع العامة قد حجبوا عن الله بإرادتهم للرزق الحسي، حيث صار الرزق الحسي هو حظ النفوس. صاروا مع حظ نفوسهم لا غير، والخاصة وجدوا الله في طلبهم للرزق المعنوي، لأنه حق الله، لا حظ للنفس فيه، لأجل ذلك لما كانوا لله كان الله لهم. وخاصة الخاصة ليس هم مع إرادتهم في شيء، بل هم بالله في الأحوال كلها لا بنفوسهم. قد انمحت إرادتهم في إرادة الله، فصارت إرادتهم إرادة الله، وفعلهم فعله. وهذا المقام يقال له: التمكين بالتلوين. ه. قاله شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل العمراني رضي الله عنه في كتابه، نفعنا الله بهم جميعا. قوله تعالى: { ويعلم مستقرها ومستودعها } أي: يعلم مستقرها في العلم، ومستودعها في العمل، أو مستقرها في الحال، ومستودعها في المقام، أو مستقرها في الفناء، ومستودعها في البقاء، أو مستقرها في التلوين ومستودعها في التمكين، أو مستقرها في عالم الأشباح، ومستودعها في عالم الأرواح. وأنشدوا: كل شيء سمعته أو تراه فهو للقبضتين يشير ضع قميصي عن العيون ترى ما غاب عنك فقد أتاك البشير فالمراد بالقبضتين: الحس والمعنى، وإن كانا في الأصل قبضة واحدة، لكن لما تجلت بالضدين سماها قبضتين. فالحس رداء للمعاني. وسماه هنا قميصا لأنه يستر كالرداء، فإذا رفع القميص عن عيون البصيرة رأت ما غاب عنها من أنوار الملكوت وأسرار الجبروت، وهذا معنى قوله: ضع قميصي عن العيون. إلخ... ورفع حجاب المعنى عن البصيرة هو بشير الولاية وعنوانها. والله تعالى أعلم. ولما بين كمال علمه ذكر كمال قدرته، فقال: { وهو الذي خلق السماوات والأرض }.

هود 11:7

يقول الحق جل جلاله: { وهو الذي خلق السماوات والأرض } وما بينهما وما فيهما { في } مقدار { ستة أيام } من أيام الدنيا، أو خلق العالم العلوي والسفلي في مقدار ذلك. وجمع السماوات دون الأرض لاختلاف العلويات بالأصل والذات دون السفليات. { وكان عرشه على الماء } قيل: لم يكن بينهما حائل، وكان موضوعا على متن الماء. واستدل به على إمكان الخلاء، وعلى أن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم. وقيل: كان الماء على متن الريح. والله أعلم بذلك. قاله البيضاوي. قلت: الخلاء هو الفضاء الخارج عن دائرة الأكوان. وهو عند المتكلمين من جملة الممكنات، ووجه الاستدلال من الآية على إمكانه: أن العرش والماء لما كانا محصورين لزم أن يكون ما خرج عنهما خلاء، وكل ما سوى الله فهو ممكن. وعند الصوفية: هو أسرارالذات الأزلية الجبروتية، كما أن الأكوان هي أنوار الصفات الملكوتية، ولا شيء معه، { سبحانه وتعالى عما يشركون }. ونقل بعض أهل التاريخ: أن الله تعالى خلق بعد العرش ياقوته صفراء، ذكروا من عظمتها وسعتها، ثم نظر إليها، فذابت من هيبته، فصارت ماء، فكان العرش مرتفعا فوقها، ثم اضطرب ذلك الماء، فعلته زبدة، خلق منها الأرض، ثم ارتفع من الماء دخان خلق منه السماوات. ه. خلق ذلك { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } أي: ليختبركم اختبارا تقوم به الحجة عليكم، { أيكم احسن عملا } بالزهد في هذا العالم الفاني، وتعلق الهمه بالعالم الباقي قال البيضاوي: أي: يعاملكم معاملة المبتلى لأحوالكم، كيف تعملون؟ فإن جملة ذلك أسباب ومواد لوجودكم ومعاشكم، وما تحتاج إليه أعمالكم، ودلائل وأمارات تستدلون بها وتستنبطون منها. ثم قال: فالمراد بالعمل ما يعم عمل القلب والجوارح. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله ". والمعنى: أكمل علما وعملا. ه. قال المحشي: ويتجه كون المعنى: أيكم أكثر شكرا لله على تمهيد تلك المنافع والمصالح. والشكر يشمل الطاعات القلبية والبدنية. ويحتمل أنه كآية: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]. وأن بقاء الدنيا وخلقها إنما هو للتكليف، فإذا لم يبق في الأرض من يعبد الله انقضت الدنيا، وجاءت الساعة، كما تقتضيه الأحاديث الصحاح والمتبادر ما قدمناه، وحاصله: أنه خلق الأشياء من أجل ابن آدم، ولتدله على خالقه فيجني بها ثمار معرفته تعالى، ويعترف بشكره، وإفراد عبادته. وقد جاء: " خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك من أجلي ". قلت: فيكون المعنى: هو الذي أظهر الوجود من عرشه إلى فرشه، ليختبركم أيكم أحسن عملا بالاشتغال بالله، والعكوف في حضرته دون الوقوف مع ظاهر الكون، والاشتغال بحسه، مع كونه خلق من أجله. ثم قال: وقوله تعالى: { لئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت... } الآية، هو: تنبيه على أن الإنكار الكفار للبعث بعد إقرارهم بأن الله تعالى خالق العالم، الذي هو أعظم من البعث، تناقض منهم لأن إقرارهم بقدرته على الأكبر، ثم إنكارهم لما هو أيسر تناقض. ه. أي: ولئن ذكرت لهم البعث بعد الموت لقالوا ما هذا إلا سحر ظاهر. أي: ما البعث أو القول به، أو القرآن المتضمن لذكره إلا كالسحر في الخديعة أو البطلان. وقرأ حمزة ساحر أي: القائل بهذا. والله تعالى أعلم. الإشارة: في صحيح البخاري قال صلى الله عليه وسلم: " كان الله ولا شيء معه، وكان عرشه على الماء " الحديث. فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الحق جل جلاله كان في أزله لا شيء معه، ثم أظهر الأشياء من نوره بنوره لنوره، فهو الآن على ما كان عليه. وعن أبي رزين: قلنا: يا رسول الله! أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: " كان في عماء ما فوقه هواء، وما تحته هواء، وخلق عرشه على الماء ". والعماء هو: الخفاء، قال تعالى: فعميت عليهم الأنبآء [القصص: 66]،أي: خفيت. ويقال للسحاب عماء لأنه يخفى ما فيه. وقال الششتري: في المقاليد: كان في عمى، ما فوقه هواء، وما تحته هواء. هي الوحدة المصمتة الصمدية، البحر الطامس الذي هو الأزل والأبد، فلم يكن موجود غير الوجود هو هو.ه. والحاصل: أن الحق جل جلاله كا في سابق أزله ذاتا مقدسة، لطيفة خفيفة عن العقول، نورانية متصفة بصفات الكمال، ليس معها رسوم ولا أشكال، ثم أظهر الحق تعالى قبضة من نوره حسية معنوية إذ لا ظهور للمعنى إلا بالحس، فقال لها: كوني محمدا، فمن جهة حسها محصورة، ومن جهة معناها لا نهاية لها، متصلة ببحر المعاني الأزلي، الذي برزت منه، وما نسبتها من ذلك البحر من جهة حسها إلا كخردلة في الهواء. وقد أشار ابن الفارض إلى وصف هذه الخمرة الأزلية وهو تفسير للعماء المذكور قبل فقال: صفاء ولا ماء، ولطف ولا هوا ونور ولا نار، وروح ولا جسم تقدم كل الكائنات حديثها قديما ولا شكل هناك، ولا رسم وقامت بها الأشياء ثم لحكمة بها احتجبت عن كل من لا له فهم فالأشكال والرسوم متفرعة من تلك القبضة المحمدية، والقبضة متدفقة من بحر الجبروت الذي لا نهاية له، فهي حقيقة، وما ظهر تحديدها إلا من جهة حسها. فهي كثلجة في بحر، ماؤها الباطن متصل في البحر، وظاهرها محدود محصور. فالأشكال كلها غريقة في بحر الجبروت. ولذلك قال صاحب العينية: هو العرش الكرسي والمنظر البهي هو السدرة التي إليها المراجع وقال أيضا: هو الموجد الأشياء وهو وجودها وعين ذوات الكل وهو الجوامع فأوصافه والاسم والأثر الذي هو الكون عين الذات والله جامع فالأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فالحق تعالى كما كان لا شيء معه، فهو الآن كما كان. إذ التغير في حقه تعالى محال، ولا يعلم هذه الأسرار إلا من صحب أهل الأسرار، وحسب من لم يصحبهم التسليم. كما رمزوا وأشاروا إليه: وإن لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار وقوله تعالى: { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } أي: ليظهر منكم من يقف مع الأكون، ومن ينفذ إلى شهود المكون. وهو الذي حسن عمله، وارتفعت همته. ولئن قلت أيها العامي: إنكم تحيون بالمعرفة من بعد موت قلوبكم بالجهل والغفلة إن صحبتموني، ليقولن أهل الإنكار: إن هذا إلا سحر مبين. ثم خوفهم بالعذاب الذي استعجلوه، فقال: { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة }.

هود 11:8

قلت: يوم: معمول لخبر ليس، وهو دليل جواز تقديمة إن كان ظرفا. { يقول الحق جل جلاله: } { ولئن أخرنا عنهم العذاب } الموعود في الدنيا، أو في الآخرة، { إلى أمة } أي: أوقات معدودة قلائل، { ليقولن } استهزاء: { ما يحسبه }؟ أي: ما يمنعه من الوقوع الآن؟ { ألا يوم يأتيهم } وينزل بهم كيوم بدر، أو يوم القيامة { ليس مصروفا عنهم } ليس مدفوعا عنهم حين ينزل بهم، { وحاق } نزل وأحاط { بهم ما كانوا به يستهزئون } ، وضع الماضي الاستقبال تحقيقا للوقوع، ومبالغة في التهديد. الإشارة: إمهال العاصي بإهمال له فإن الله تعالى يمهل ولا يهمل. فإمهاله إما استدراج، أو انتظار لتوبته، فليبادر بالتوبة قبل الفوات، وبالعمل الصالح قبل الممات. فما أبعد ما فات، وما أقرب ما هو آت، وبالله التوفيق. ومما وقع به الاختبار: الوقوف مع النعم دون شهود المنعم، كما أبان ذلك بقوله: { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة }.

هود 11:9

قلت: ولئن: شرط وقسم، ذكر جواب القسم، واستغنى به عن جواب الشرط. يقول الحق جل جلاله: { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة } أي: أعطيناه نعمة يجد لذتها. { ثم نزعناها منه } أي: سلبنا تلك النعمة منه { إنه ليؤوس } قنوط، حيث قل رجاؤه من فضل الله لقلة صبره، وعدم ثقته بربه، { كفور }: مبالغ في كفران ما سلف له من النعم، كأنه لم ير نعمة قط. { ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته } كصحة بعد سقم، وغنى بعد فقر، أو علم بعد جهل، { ليقولن ذهب السيئات }. أي: المصائب التي مستني، { عني } ، ونسي مقام الشكر. { إنه لفرح } أي: بطر متعزز بها، { فخور } على الناس، متكبر بها، مشغول بذلك عن شكرها، والقيام بحقها. قال البيضاوي: وفي لفظ الإذاقة والمس تنبيه على ان ما يجده الإنسان في الدنيا من النعم والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة، وأنه يقع في الكفر والبطر بأدنى شيء لأن الذوق: إدراك المطعم، والمس مبدأ الوصول إليه. ه. { إلا الذين صبروا } على الضراء إيمانا بالله، واستسلاما لقضائه، { وعملوا الصالحات } شكرا لآلائه، سابقها ولاحقها، { أولئك لهم مغفرة } لذنوبهم، { وأجر كبير } أقلة الجنة، وغايته النظرة. والاستثناء من الإنسان لأن المراد به الجنس. ومن حمله على الكافر لسبق ذكرهم جعله منقطعا. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للعبد أن يكون شاكرا للنعم، صابرا عند النقم، واقفا مع المنعم دون النعم. إن ذهبت من يدة نعمة رجى رجوعها، وإن أصابته نقمة انتظر انصرافها. والحاصل: ان يكون عبدا لله في جميع الحالات. حكي أن سيدنا موسى عليه السلام قال: يا رب دلني على عمل إذا عملته رضيت عني. قال: إنك لا تطيق ذلك، فخر ساجدا متضرعا، فقال: يا ابن عمران إن رضاي في رضائك بقضائي. ه. وقال ابن عباس رضي الله عنه أول شيء كتبه الله في اللوح المحفوظ: أنا الله لا إله إلا أنا، محمد رسولي، فمن استسلم لقضائي، وصبر على بلائي، وشكر نعمائي، كتبته صديقا، وبعثته مع الصديقين، ومن لم يستسلم لقضائي، ولم يصبر على بلائي، ولم يشكر نعمائي، فليتخذ ربا سوائي. ه. وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ثلاث من رزقهن رزق خير الدنيا والآخرة: الرضا بالقضاء، والصبر على الأذى، والدعاء في الرخاء. ه. من جملة الأذى: التكذيب والإنكار، كما أبان ذلك بقوله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام :

هود 11:10

قلت: ولئن: شرط وقسم، ذكر جواب القسم، واستغنى به عن جواب الشرط. يقول الحق جل جلاله: { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة } أي: أعطيناه نعمة يجد لذتها. { ثم نزعناها منه } أي: سلبنا تلك النعمة منه { إنه ليؤوس } قنوط، حيث قل رجاؤه من فضل الله لقلة صبره، وعدم ثقته بربه، { كفور }: مبالغ في كفران ما سلف له من النعم، كأنه لم ير نعمة قط. { ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته } كصحة بعد سقم، وغنى بعد فقر، أو علم بعد جهل، { ليقولن ذهب السيئات }. أي: المصائب التي مستني، { عني } ، ونسي مقام الشكر. { إنه لفرح } أي: بطر متعزز بها، { فخور } على الناس، متكبر بها، مشغول بذلك عن شكرها، والقيام بحقها. قال البيضاوي: وفي لفظ الإذاقة والمس تنبيه على ان ما يجده الإنسان في الدنيا من النعم والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة، وأنه يقع في الكفر والبطر بأدنى شيء لأن الذوق: إدراك المطعم، والمس مبدأ الوصول إليه. ه. { إلا الذين صبروا } على الضراء إيمانا بالله، واستسلاما لقضائه، { وعملوا الصالحات } شكرا لآلائه، سابقها ولاحقها، { أولئك لهم مغفرة } لذنوبهم، { وأجر كبير } أقلة الجنة، وغايته النظرة. والاستثناء من الإنسان لأن المراد به الجنس. ومن حمله على الكافر لسبق ذكرهم جعله منقطعا. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للعبد أن يكون شاكرا للنعم، صابرا عند النقم، واقفا مع المنعم دون النعم. إن ذهبت من يدة نعمة رجى رجوعها، وإن أصابته نقمة انتظر انصرافها. والحاصل: ان يكون عبدا لله في جميع الحالات. حكي أن سيدنا موسى عليه السلام قال: يا رب دلني على عمل إذا عملته رضيت عني. قال: إنك لا تطيق ذلك، فخر ساجدا متضرعا، فقال: يا ابن عمران إن رضاي في رضائك بقضائي. ه. وقال ابن عباس رضي الله عنه أول شيء كتبه الله في اللوح المحفوظ: أنا الله لا إله إلا أنا، محمد رسولي، فمن استسلم لقضائي، وصبر على بلائي، وشكر نعمائي، كتبته صديقا، وبعثته مع الصديقين، ومن لم يستسلم لقضائي، ولم يصبر على بلائي، ولم يشكر نعمائي، فليتخذ ربا سوائي. ه. وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ثلاث من رزقهن رزق خير الدنيا والآخرة: الرضا بالقضاء، والصبر على الأذى، والدعاء في الرخاء. ه. من جملة الأذى: التكذيب والإنكار، كما أبان ذلك بقوله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام :

هود 11:11

قلت: ولئن: شرط وقسم، ذكر جواب القسم، واستغنى به عن جواب الشرط. يقول الحق جل جلاله: { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة } أي: أعطيناه نعمة يجد لذتها. { ثم نزعناها منه } أي: سلبنا تلك النعمة منه { إنه ليؤوس } قنوط، حيث قل رجاؤه من فضل الله لقلة صبره، وعدم ثقته بربه، { كفور }: مبالغ في كفران ما سلف له من النعم، كأنه لم ير نعمة قط. { ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته } كصحة بعد سقم، وغنى بعد فقر، أو علم بعد جهل، { ليقولن ذهب السيئات }. أي: المصائب التي مستني، { عني } ، ونسي مقام الشكر. { إنه لفرح } أي: بطر متعزز بها، { فخور } على الناس، متكبر بها، مشغول بذلك عن شكرها، والقيام بحقها. قال البيضاوي: وفي لفظ الإذاقة والمس تنبيه على ان ما يجده الإنسان في الدنيا من النعم والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة، وأنه يقع في الكفر والبطر بأدنى شيء لأن الذوق: إدراك المطعم، والمس مبدأ الوصول إليه. ه. { إلا الذين صبروا } على الضراء إيمانا بالله، واستسلاما لقضائه، { وعملوا الصالحات } شكرا لآلائه، سابقها ولاحقها، { أولئك لهم مغفرة } لذنوبهم، { وأجر كبير } أقلة الجنة، وغايته النظرة. والاستثناء من الإنسان لأن المراد به الجنس. ومن حمله على الكافر لسبق ذكرهم جعله منقطعا. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للعبد أن يكون شاكرا للنعم، صابرا عند النقم، واقفا مع المنعم دون النعم. إن ذهبت من يدة نعمة رجى رجوعها، وإن أصابته نقمة انتظر انصرافها. والحاصل: ان يكون عبدا لله في جميع الحالات. حكي أن سيدنا موسى عليه السلام قال: يا رب دلني على عمل إذا عملته رضيت عني. قال: إنك لا تطيق ذلك، فخر ساجدا متضرعا، فقال: يا ابن عمران إن رضاي في رضائك بقضائي. ه. وقال ابن عباس رضي الله عنه أول شيء كتبه الله في اللوح المحفوظ: أنا الله لا إله إلا أنا، محمد رسولي، فمن استسلم لقضائي، وصبر على بلائي، وشكر نعمائي، كتبته صديقا، وبعثته مع الصديقين، ومن لم يستسلم لقضائي، ولم يصبر على بلائي، ولم يشكر نعمائي، فليتخذ ربا سوائي. ه. وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ثلاث من رزقهن رزق خير الدنيا والآخرة: الرضا بالقضاء، والصبر على الأذى، والدعاء في الرخاء. ه. من جملة الأذى: التكذيب والإنكار، كما أبان ذلك بقوله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام :

هود 11:12

يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } ، فلا تبلغه وهو ما فيه تشديد على المشركين، مخافة ردهم واستهزائهم به. ولا يلزم من توقع الشيء وقوعه. فالعصمة مانعة من ذلك. فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يترك شيئا من الوحي إلا بلغه، ولكن الحق تعالى شجعه وحرضه على التبليغ في المستقبل. ولو قوبل بالإنكار. ثم قال له: { وضائق به صدرك } أي: ولعله يعرض لك في بعض الأحيان ضيق في صدرك، فلا تتلوه عليهم مخافة { أن يقول لولا أنزل عليه كنز } ينفقه للاستتباع كالملوك، أو يستغني به عن طلب المعاش، { أو جاء معه ملك } يشهد له، والقصد تسليته صلى الله عليه وسلم عن قولهم، حتى يبلغ الرسالة ولا يبالي بهم. وإنما قال: { ضائق } ليدل على اتساع صدره صلى الله عليه وسلم، وقلة ضيقه في الحال. { إنما أنت نذير } ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي إليك، ولا عليك ردوا أو اقترحوا، فلا يضيق صدرك بذلك. { والله تعالى على كل شيء وكيل } فتوكل عليه، فإنه عالم بحالهم ومجازيهم على أقوالهم وأفعالهم. { أم } بل { يقولون افتراه } أي: ما يوحى إليه، { قل } لهم: { فأتوا بعشر سور مثله } في البيان وحسن النظم. تحداهم أولا بعشر سور، فلما عجزوا سهل الأمر عليهم وتحداهم بسورة. وتوحيد المثل باعتبار كل واحد. { مفتريات } مختلفات من عند أنفسكم، إن صح أني اختلقته من عند نفسي فإنكم عرب فصحاء مثلي. { وادعوا من استطعتم من دون الله } للمعاونه على المعارضة، { إن كنتم صادقين } أنه مفترى. { فإن لم يستجيبوا لكم } فإن عجزوا عن الإتيان، { فاعلموا } أيها الرسول المؤمنون { إنما أنزل بعلم الله } بإذنه، أو بما لا يعلمه إلا الله من الغيوب. والمعنى: دوموا على إيمانكم، وزيدوا يقينا فيه. قال البيضاوي: وجمع الضمير إما لتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، أو لأن المؤمنين كانوا يتحدونهم، فكان أمر الرسول عليه الصلا ة والسلام متناولا لهم من حيث إنه يجب اتباعه عليهم في كل أمر إلا ما خصه الدليل. أو للتنبيه على أن التحدي مما يوجب رسوخ إيمانهم وقوة يقينهم. ولذلك رتب عليه قوله: { فاعلموا أنما أنزل بعلم الله } ملتبسا بما لا يعلمه إلا الله، لأن العالم والقادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره. { وأن لا إله إلا هو } لظهور عجز آلهتهم. { فهل أنتم مسلمون }؟ ثابتون على الإسلام، راسخون مخلصون فيه، إذا تحقق عندكم إعجازه مطلقا. ويجوز أن يكون الكل خطابا للمشركين، والضمير في { يستجيبوا } لمن استطعتم، أي: فإن لم يستجيبوا لكم، أي: من استعنتم به على المعارضة لعجزهم، وقد عرفتم من أنفسكم القصور عن المعارضة، { فاعلموا } أنه نظم لا يعلمه إلا الله وأنه منزل من عنده، وأن ما دعاكم إليه من التوحيد حق، فهل أنتم داخلون في الإسلام بعد قيام الحجة القاطعة؟ وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه معنى الطلب، والتنبيه على قيام الموجب، وزوال العذر. ه. وقال في الوجيز: فإن لم يستجيبوا لكم من تدعون إلى المعاونة، ولا تهيأ لكم المعارضة، فقد قامت عليكم الحجة، { فاعلموا أنما أنزل بعلم الله } أي: أنزل والله عالم بإنزاله، وعالم أنه من عنده، { فهل أنتم مسلمون }؟ استفهام، معناه الأمر، كقوله فهل أنتم منتهون [المائدة: 91]. ه. الإشارة ينبغي لأهل الوعظ والتذكير أن يعمموا الناس في التذكير، ولا يفرقوا بين أهل الصدق، وأهل التنكير. يل ينصحوا العباد كلهم، ولا يتركوا تذكيرهم، ومخافة الرد عليهم، ولا تضيق صدورهم بما يسمعون منهم، اقتداء بنبيهم صلى الله عليه وسلم، وقد قال لقمان لابنه حين أمره بالتذكير واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور [لقمان: 17]، فإن طلبوا من المذكر الدليل فليقل: إنما أنا نذير، والله على كل شيء وكيل: فإن قالوا: هذا الذي تذكر كلنا نعرفه، فليقل: فأتوا بسورة من مثله، أو بعشر سور من مثله. والله تعالى أعلم. ولا ينفع الوعظ والإنذار إن كانت همته كلها مصروفة للدنيا، كما قال تعالى: { من كان يريد الحياة الدنيا }.

هود 11:13

يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } ، فلا تبلغه وهو ما فيه تشديد على المشركين، مخافة ردهم واستهزائهم به. ولا يلزم من توقع الشيء وقوعه. فالعصمة مانعة من ذلك. فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يترك شيئا من الوحي إلا بلغه، ولكن الحق تعالى شجعه وحرضه على التبليغ في المستقبل. ولو قوبل بالإنكار. ثم قال له: { وضائق به صدرك } أي: ولعله يعرض لك في بعض الأحيان ضيق في صدرك، فلا تتلوه عليهم مخافة { أن يقول لولا أنزل عليه كنز } ينفقه للاستتباع كالملوك، أو يستغني به عن طلب المعاش، { أو جاء معه ملك } يشهد له، والقصد تسليته صلى الله عليه وسلم عن قولهم، حتى يبلغ الرسالة ولا يبالي بهم. وإنما قال: { ضائق } ليدل على اتساع صدره صلى الله عليه وسلم، وقلة ضيقه في الحال. { إنما أنت نذير } ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي إليك، ولا عليك ردوا أو اقترحوا، فلا يضيق صدرك بذلك. { والله تعالى على كل شيء وكيل } فتوكل عليه، فإنه عالم بحالهم ومجازيهم على أقوالهم وأفعالهم. { أم } بل { يقولون افتراه } أي: ما يوحى إليه، { قل } لهم: { فأتوا بعشر سور مثله } في البيان وحسن النظم. تحداهم أولا بعشر سور، فلما عجزوا سهل الأمر عليهم وتحداهم بسورة. وتوحيد المثل باعتبار كل واحد. { مفتريات } مختلفات من عند أنفسكم، إن صح أني اختلقته من عند نفسي فإنكم عرب فصحاء مثلي. { وادعوا من استطعتم من دون الله } للمعاونه على المعارضة، { إن كنتم صادقين } أنه مفترى. { فإن لم يستجيبوا لكم } فإن عجزوا عن الإتيان، { فاعلموا } أيها الرسول المؤمنون { إنما أنزل بعلم الله } بإذنه، أو بما لا يعلمه إلا الله من الغيوب. والمعنى: دوموا على إيمانكم، وزيدوا يقينا فيه. قال البيضاوي: وجمع الضمير إما لتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، أو لأن المؤمنين كانوا يتحدونهم، فكان أمر الرسول عليه الصلا ة والسلام متناولا لهم من حيث إنه يجب اتباعه عليهم في كل أمر إلا ما خصه الدليل. أو للتنبيه على أن التحدي مما يوجب رسوخ إيمانهم وقوة يقينهم. ولذلك رتب عليه قوله: { فاعلموا أنما أنزل بعلم الله } ملتبسا بما لا يعلمه إلا الله، لأن العالم والقادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره. { وأن لا إله إلا هو } لظهور عجز آلهتهم. { فهل أنتم مسلمون }؟ ثابتون على الإسلام، راسخون مخلصون فيه، إذا تحقق عندكم إعجازه مطلقا. ويجوز أن يكون الكل خطابا للمشركين، والضمير في { يستجيبوا } لمن استطعتم، أي: فإن لم يستجيبوا لكم، أي: من استعنتم به على المعارضة لعجزهم، وقد عرفتم من أنفسكم القصور عن المعارضة، { فاعلموا } أنه نظم لا يعلمه إلا الله وأنه منزل من عنده، وأن ما دعاكم إليه من التوحيد حق، فهل أنتم داخلون في الإسلام بعد قيام الحجة القاطعة؟ وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه معنى الطلب، والتنبيه على قيام الموجب، وزوال العذر. ه. وقال في الوجيز: فإن لم يستجيبوا لكم من تدعون إلى المعاونة، ولا تهيأ لكم المعارضة، فقد قامت عليكم الحجة، { فاعلموا أنما أنزل بعلم الله } أي: أنزل والله عالم بإنزاله، وعالم أنه من عنده، { فهل أنتم مسلمون }؟ استفهام، معناه الأمر، كقوله فهل أنتم منتهون [المائدة: 91]. ه. الإشارة ينبغي لأهل الوعظ والتذكير أن يعمموا الناس في التذكير، ولا يفرقوا بين أهل الصدق، وأهل التنكير. يل ينصحوا العباد كلهم، ولا يتركوا تذكيرهم، ومخافة الرد عليهم، ولا تضيق صدورهم بما يسمعون منهم، اقتداء بنبيهم صلى الله عليه وسلم، وقد قال لقمان لابنه حين أمره بالتذكير واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور [لقمان: 17]، فإن طلبوا من المذكر الدليل فليقل: إنما أنا نذير، والله على كل شيء وكيل: فإن قالوا: هذا الذي تذكر كلنا نعرفه، فليقل: فأتوا بسورة من مثله، أو بعشر سور من مثله. والله تعالى أعلم. ولا ينفع الوعظ والإنذار إن كانت همته كلها مصروفة للدنيا، كما قال تعالى: { من كان يريد الحياة الدنيا }.

هود 11:14

يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } ، فلا تبلغه وهو ما فيه تشديد على المشركين، مخافة ردهم واستهزائهم به. ولا يلزم من توقع الشيء وقوعه. فالعصمة مانعة من ذلك. فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يترك شيئا من الوحي إلا بلغه، ولكن الحق تعالى شجعه وحرضه على التبليغ في المستقبل. ولو قوبل بالإنكار. ثم قال له: { وضائق به صدرك } أي: ولعله يعرض لك في بعض الأحيان ضيق في صدرك، فلا تتلوه عليهم مخافة { أن يقول لولا أنزل عليه كنز } ينفقه للاستتباع كالملوك، أو يستغني به عن طلب المعاش، { أو جاء معه ملك } يشهد له، والقصد تسليته صلى الله عليه وسلم عن قولهم، حتى يبلغ الرسالة ولا يبالي بهم. وإنما قال: { ضائق } ليدل على اتساع صدره صلى الله عليه وسلم، وقلة ضيقه في الحال. { إنما أنت نذير } ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي إليك، ولا عليك ردوا أو اقترحوا، فلا يضيق صدرك بذلك. { والله تعالى على كل شيء وكيل } فتوكل عليه، فإنه عالم بحالهم ومجازيهم على أقوالهم وأفعالهم. { أم } بل { يقولون افتراه } أي: ما يوحى إليه، { قل } لهم: { فأتوا بعشر سور مثله } في البيان وحسن النظم. تحداهم أولا بعشر سور، فلما عجزوا سهل الأمر عليهم وتحداهم بسورة. وتوحيد المثل باعتبار كل واحد. { مفتريات } مختلفات من عند أنفسكم، إن صح أني اختلقته من عند نفسي فإنكم عرب فصحاء مثلي. { وادعوا من استطعتم من دون الله } للمعاونه على المعارضة، { إن كنتم صادقين } أنه مفترى. { فإن لم يستجيبوا لكم } فإن عجزوا عن الإتيان، { فاعلموا } أيها الرسول المؤمنون { إنما أنزل بعلم الله } بإذنه، أو بما لا يعلمه إلا الله من الغيوب. والمعنى: دوموا على إيمانكم، وزيدوا يقينا فيه. قال البيضاوي: وجمع الضمير إما لتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، أو لأن المؤمنين كانوا يتحدونهم، فكان أمر الرسول عليه الصلا ة والسلام متناولا لهم من حيث إنه يجب اتباعه عليهم في كل أمر إلا ما خصه الدليل. أو للتنبيه على أن التحدي مما يوجب رسوخ إيمانهم وقوة يقينهم. ولذلك رتب عليه قوله: { فاعلموا أنما أنزل بعلم الله } ملتبسا بما لا يعلمه إلا الله، لأن العالم والقادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره. { وأن لا إله إلا هو } لظهور عجز آلهتهم. { فهل أنتم مسلمون }؟ ثابتون على الإسلام، راسخون مخلصون فيه، إذا تحقق عندكم إعجازه مطلقا. ويجوز أن يكون الكل خطابا للمشركين، والضمير في { يستجيبوا } لمن استطعتم، أي: فإن لم يستجيبوا لكم، أي: من استعنتم به على المعارضة لعجزهم، وقد عرفتم من أنفسكم القصور عن المعارضة، { فاعلموا } أنه نظم لا يعلمه إلا الله وأنه منزل من عنده، وأن ما دعاكم إليه من التوحيد حق، فهل أنتم داخلون في الإسلام بعد قيام الحجة القاطعة؟ وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه معنى الطلب، والتنبيه على قيام الموجب، وزوال العذر. ه. وقال في الوجيز: فإن لم يستجيبوا لكم من تدعون إلى المعاونة، ولا تهيأ لكم المعارضة، فقد قامت عليكم الحجة، { فاعلموا أنما أنزل بعلم الله } أي: أنزل والله عالم بإنزاله، وعالم أنه من عنده، { فهل أنتم مسلمون }؟ استفهام، معناه الأمر، كقوله فهل أنتم منتهون [المائدة: 91]. ه. الإشارة ينبغي لأهل الوعظ والتذكير أن يعمموا الناس في التذكير، ولا يفرقوا بين أهل الصدق، وأهل التنكير. يل ينصحوا العباد كلهم، ولا يتركوا تذكيرهم، ومخافة الرد عليهم، ولا تضيق صدورهم بما يسمعون منهم، اقتداء بنبيهم صلى الله عليه وسلم، وقد قال لقمان لابنه حين أمره بالتذكير واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور [لقمان: 17]، فإن طلبوا من المذكر الدليل فليقل: إنما أنا نذير، والله على كل شيء وكيل: فإن قالوا: هذا الذي تذكر كلنا نعرفه، فليقل: فأتوا بسورة من مثله، أو بعشر سور من مثله. والله تعالى أعلم. ولا ينفع الوعظ والإنذار إن كانت همته كلها مصروفة للدنيا، كما قال تعالى: { من كان يريد الحياة الدنيا }.

هود 11:15

قلت: " ما صنعوا فيها ": الضمير يعود على الدنيا، والظرف يتعلق بصنعوا. أو يعود على الآخرة، ويتعلق الظرف بحبط، أي: حبط في الآخرة ما صنعوا من الأعمال في الدنيا. يقول الحق جل جلاله: { من كان يريد } بعمله { الحياة الدنيا وزينتها } ، فكان إحسانه وبره رياء وسمعة، { نوف إليهم أعمالهم فيها } أي: نوصل إليهم جزاء أعمالهم في الدنيا، من الصحة والرئاسة، وسعة الأرزاق، وينالون ما قصدوا من حمد الناس، وإحسانهم وبرهم، { وهم فيها لا يبخسون } لا ينقصون شيئا من أجورهم، فيحتمل: أن تكون الآية نزلت في أهل الرياء من المؤمنين الذين يراؤون بأعمالهم كما ورد في حديث الغازي والغني القارئ المرائين، وأنهم أول من تسعر بهم جهنم. ويحتمل أن تكون نزلت في الكفار، وهو أليق بقوله: { أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار } لأنهم استوفواما تقضيه صور أعمالهم الحسنة، وبقيت لهم أوزار العزائم السيئة. { وحبط ما صنعوا فيها } أي: في الدنيا فكل ما صنعوا في الدنيا من الإحسان حبط يوم القيامة لأنهم لم يريدوا به وجه الله. والعمدة في انتظار ثواب الأعمال هو الإخلاص، { وباطل ما كانوا يعملون } لأنه لم تتوفر فيه شروط الصحة التي من جملتها الإخلاص. الإشارة: في الحديث " من كان الدنيا همه: فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قسم له. ومن كانت الآخرة نيته: جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي صاغرة ". قلت: ومن كان الله همه كفاه هم الدارين. فطالب الدنيا أسير، وطالب الآخرة أجير وطالب الحق أمير. فارفع همتك أيها العبد عن الدار الفانية، وعلق قلبك بالدار الباقية، ثم ارفعها إلى شهود الذات العالية، ولا تكن ممن قصر همته على هذه الدار فتكن ممن ليس له في الآخرة إلا النار. وحصن أعمالك بالإخلاص، وإياك وملاحظة الناس فتبوأ بالخيبة والإفلاس، وبالله التوفيق. ثم ذكر ضد من تقدم، فقال: { أفمن كان على بينة من ربه }.

هود 11:16

قلت: " ما صنعوا فيها ": الضمير يعود على الدنيا، والظرف يتعلق بصنعوا. أو يعود على الآخرة، ويتعلق الظرف بحبط، أي: حبط في الآخرة ما صنعوا من الأعمال في الدنيا. يقول الحق جل جلاله: { من كان يريد } بعمله { الحياة الدنيا وزينتها } ، فكان إحسانه وبره رياء وسمعة، { نوف إليهم أعمالهم فيها } أي: نوصل إليهم جزاء أعمالهم في الدنيا، من الصحة والرئاسة، وسعة الأرزاق، وينالون ما قصدوا من حمد الناس، وإحسانهم وبرهم، { وهم فيها لا يبخسون } لا ينقصون شيئا من أجورهم، فيحتمل: أن تكون الآية نزلت في أهل الرياء من المؤمنين الذين يراؤون بأعمالهم كما ورد في حديث الغازي والغني القارئ المرائين، وأنهم أول من تسعر بهم جهنم. ويحتمل أن تكون نزلت في الكفار، وهو أليق بقوله: { أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار } لأنهم استوفواما تقضيه صور أعمالهم الحسنة، وبقيت لهم أوزار العزائم السيئة. { وحبط ما صنعوا فيها } أي: في الدنيا فكل ما صنعوا في الدنيا من الإحسان حبط يوم القيامة لأنهم لم يريدوا به وجه الله. والعمدة في انتظار ثواب الأعمال هو الإخلاص، { وباطل ما كانوا يعملون } لأنه لم تتوفر فيه شروط الصحة التي من جملتها الإخلاص. الإشارة: في الحديث " من كان الدنيا همه: فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قسم له. ومن كانت الآخرة نيته: جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي صاغرة ". قلت: ومن كان الله همه كفاه هم الدارين. فطالب الدنيا أسير، وطالب الآخرة أجير وطالب الحق أمير. فارفع همتك أيها العبد عن الدار الفانية، وعلق قلبك بالدار الباقية، ثم ارفعها إلى شهود الذات العالية، ولا تكن ممن قصر همته على هذه الدار فتكن ممن ليس له في الآخرة إلا النار. وحصن أعمالك بالإخلاص، وإياك وملاحظة الناس فتبوأ بالخيبة والإفلاس، وبالله التوفيق. ثم ذكر ضد من تقدم، فقال: { أفمن كان على بينة من ربه }.

هود 11:17

قلت: أفمن كان: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: كمن كان يريد الدنيا وزينتها. يقول الحق جل جلاله: { أفمن كان على بينة } ، طريقة واضحة { من ربه } وهو النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، كمن ليس كذلك، ممن همه الدنيا؟! والمراد بالبينة: ما أدرك صحته العقل والذوق، أي: على برهان واضح من ربه، وهو الدليل العقلي والأمر الجلي. أو برهان من الله يدله على الحق والصواب فيما ياتيه ويذره، { ويتلوه } ويتبع ذلك البرهان الذي هو دليل العقل، { شاهد منه } أي: من الله يشهد بصحته، وهو: القرآن، لأنه مصباح البصيرة والقلب فهو يشهد بصحة ما أدركه العقل من البرهان. { ومن قبله } أي: من قبل القرآن، { كتاب موسى } يعني: التوارة، فإنها أيضا متلوة شاهدة بما عليه الرسول ومن تبعه من البينة الواضحة. أو البينة: القرآن، والشاهد: جيريل عليه السلام، أو علي كرم الله وجهه ، أو الإنجيل، وهو حسن، لقوله: { ومن قبله كتاب موسى } فإن التوراة قبل الإنجيل. قال ابن عطية: وهنا اعتراض وهو أن الضمير قي " قبله " عائدا على القرآن، فلم لم يذكر الإنجيل وهو قبله وبينه وبين كتاب موسى؟ فالانفصال عنه: أنه خص التوراة بالذكر لأن الملتين متفقتان على أنها من عند الله، والإنجيل قد خالف فيها. فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة على الكتابين أولى. وهذا كقول الجن إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى [الاحقاف: 30]. وقول النجاشي: " إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاه واحدة " ،. ه. وإذا فسرنا الشاهد بالإنجيل سقط الاعتراض. ثم وصف التوراة بقوله: { إماما }. أي: مؤتما به في الدين، لأجله، { ورحمة } على المنزل عليهم. { أولئك } أي: من كان على بينة من ربه، { يؤمنون به } أي: بالقرآن، { ومن يكفر به من الأحزاب }: كأهل مكة، ومن تحزب منهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، { فالنار موعده } يدخلها لا محالة، { فلا تك في مرية } شك { منه } أي: من ذلك الموعد، أو القرآن، { إنه الحق من ربك } الثابت وقوعه، { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } لقلة نظرهم، وإخلال فكرتهم. الإشارة: لا يكون العبد على بينة من ربه حتى يتحقق فيه أمران، أولهما: التوبة النصوح، والثاني: الزهد التام. فإذا تحقق فيه الأمران كان بينة من ربه. وهي درجات أولها: بينة ناشئة عن صحيح النظر ولاعتبار، وهي لقوم نظروا في الحجج والبراهين العقلية والدلائل السمعية، فأدركوا وجود الحق من طريق الإيمان بالغيب، وهم: أهل الدليل والبرهان. وثانيها: بينة ناشئة عن الرياضات والمجاهدات والاعتزال في الخلوات، فخرقت لهم العوائد الحسيات فرأوا كرامات وخوارق عادات، فأدركوا وجود الحق على وجه التحقيق والبيان، مع رقة الحجاب والوقوف بالباب. وهم: العباد، والزهاد، والصالحون من أهل الجد والاجتهاد. وثالثها: بينة ناشئة عن الذوق والوجدان، والمكاشفة والعيان، وهي لقوم دخلوا في تربية المشايخ، فتأدبوا وتهذبوا، وشربوا خمرة غيبتهم عن حسهم ورسمهم فغابوا عن الأكوان بشهود المكون. فهم يستدلون بالله على غيره. قدسوا الحق أن يحتاج إلى دليل، وهؤلاء هم الأفراد وخواص العباد، وإليهم أشار الشاعر بقوله: الطرق شتى وطريق الحق مقفرة والسالكون طريق الحق أفراد لا يعرفون ولا تدرى مسالكهم فهم على مهل يمشون قصاد والناس في غفلة عما يراد بهم فجلهم عن سبيل الحق رقاد وقال في القوت: { أفمن كان على بينة من ربه } أي: من شهد مقام الله عز وجل بالبيان، فقام له بشهادة الإيقان، فليس هذا كمن زين له سوء عمله، واتبع هواه، فآثره على طاعة مولاه. بل هذا قائم بشهادته، متبع لشهيده، مستقيم على محبة معبوده ه. وقال الورتجبي: تقدير الآية على وجه الاستفهام: أفمن كان على بينة من ربه كمن هو في الضلالة والجهالة؟ أفمن كان على معرفة من ربه، وولاية وسلامة وكرامة، وكل عارف إذا شاهد الحق سبحانه بقلبه وروحه، وعقله وسره، فأدرك فيض أنوار جماله، وقربه، يؤثر ذلك في هيكله حتى يبرز من وجهه نور الله الساطع، ويراه كل صاحب نظر، قال تعالى: { ويتلوه شاهد منه } ، والبينة: بصيرة المعرفة، والشاهد: بروز نور المشاهدة منه. وأيضا: البينة: كلام المعرفة. والشاهد: الكتاب والسنة. ثم قال عن الجنيد: البينة: حقيقة يؤيدها ظاهر العلم. ه. والحاصل: أن البينة أمر باطني، وهي: المعرفة، إما بالبرهان، أو بالعيان، والشاهد الذي يتلو هو العلم الظاهر، فيتفق ما أدركه العقل أو الذوق مع ما أفاده النقل، فتتفق الحقيقة مع الشريعة. كل في محله، الباطن منور بالحقائق، والظاهر مؤيد بالشرائع. وهذا غاية المطلوب والمرغوب. رزقنا الله من ذلك الحظ الأوفر بمنه وكرمه. ثم ذكر وعيد من كذب بها، فقال: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا }.

هود 11:18

قلت: مثلا: تمييز. يقول الحق جل جلاله: { ومن أظلم } أي: لا أحد أظلم { ممن افترى على الله كذبا } بأن أسند إليه ما لم يقله، وكذب بما أنزله، أو نسب لله ما لا يليق بجلاله. { أولئك يعرضون على ربهم } يوم القيامة، بأن يحبسوا في الموقف، وتعرض عليهم أعمالهم على رؤوس الأشهاد، { ويقول الأشهاد } من الملائكة والنبيين، أو كل من شهد الموقف: { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } وهو تهويل عظيم لما يحيق بهم حينئذ، لظلمهم بالكذب على الله، ورد الناس عن طريق الله. { الذين يصدون عن سبيل الله } عن دينه، { ويبغونها عوجا } يصفونها بالانحراف عن الحق والصواب. أو يبغون أهلها أن يعوجوا عنها بالردة والكفر، أو يطلبون اعوجاجها بالطعن فيها. { وهم بالآخرة هم كافرون } أي: والحال أنهم كافرون بالبعث. وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به. { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } أي: ما كانوا ليعجزوا الله في الدنيا أن يعاقبهم. بل هو قادر على ذلك، واخرهم ليوم الموعود، ليكون أشد وأدوم. { وما كان لهم من دون الله من أولياء } يمنعونهم من العقاب، { يضاعف لهم العذاب } بسبب ما اتصفوا به، كما ذكره بقوله: { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } لتصاممهم عن الحق، وبغضهم أهله. { أولئك الذين خسروا أنفسهم } حين اشتروا عبادة الأصنام بعبادة الله، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } من أن الأصنام تشفع لهم، أو خسروا بما بدلوا وضاع عنهم ما أملوا، فلم يبق لهم سوى الحسرة والندامة. { لا جرم } لا شك، أو لا بد { أنهم في الآخرة هم الأخسرون }: فلا أحد أكثر خسرانا منهم حيث حرموا النعيم المخلد، واستبدلوا بالعذاب المؤبد. ثم ذكر ضدهم فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا } أي: اطمأنوا أو خشعوا، أو تابوا { إلى ربهم أولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون } دائمون. { مثل الفريقين } المتقدمين فريق الكافر وفريق المؤمن: { كالأعمى والأصم والبصير والسميع } ، فمثل الكافر كمن جمع بين العمى والصمم، ومثل المؤمن كمن جمع بين السمع والبصر. فالواو لعطف الصفات، ويجوز أن يكون شبه الكافر بمن هو أعمى فقط، وبمن هو أصم فقط والمؤمن بضدهما، فهو تمثيل للكافرين بمثالين، قاله ابن جزي. وقال البيضاوي: يجوز أن يراد به تشبيه الكافر بالأعمى لتعاميه عن آيات الله، وبالأصم لتصاممه عن استماع كلام الله، وتأبيه عن تدبره معانيه. أو تشبيه المؤمن بالسميع والبصير لأن أمره بالضد، فيكون كل منهما مشبها باثنين باعتبار وصفين. أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصمم، والمؤمن بالجامع بين ضديهما، والعاطف لعطف الصفة على الصفة، كقوله: فالأيب الصابح فالغانم، فهذا من بيان اللف والطباق. ه. { هل يستويان }: هل يستوي الفريقان؟ { مثلا } أي: جهة التمثيل، بل لا استواء بينهما، { أفلا تذكرون } تتعظون بضرب الأمثال فترجعون عن غيكم. الإشارة: كل من ترامى على مراتب الرجال، أو ادعى مقاما من المقامات وهو لم يدركه، يريد بذلك إمالة وجوه الناس إليه، يفضح يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، ويقال له: { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم... } الآية. فكل آية في الكفار تجر ذيلها على عصاة المؤمنين. وقد تقدم أمارات من كان على بينة من ربه، فمن ادعى مقاما من تلك المقامات وهو يعلم أنه لم يصله نادى عليه الآية. ثم شرع في ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم وتتميما لقوله: لعلك تارك، وضائق. فقال: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه }.

هود 11:19

قلت: مثلا: تمييز. يقول الحق جل جلاله: { ومن أظلم } أي: لا أحد أظلم { ممن افترى على الله كذبا } بأن أسند إليه ما لم يقله، وكذب بما أنزله، أو نسب لله ما لا يليق بجلاله. { أولئك يعرضون على ربهم } يوم القيامة، بأن يحبسوا في الموقف، وتعرض عليهم أعمالهم على رؤوس الأشهاد، { ويقول الأشهاد } من الملائكة والنبيين، أو كل من شهد الموقف: { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } وهو تهويل عظيم لما يحيق بهم حينئذ، لظلمهم بالكذب على الله، ورد الناس عن طريق الله. { الذين يصدون عن سبيل الله } عن دينه، { ويبغونها عوجا } يصفونها بالانحراف عن الحق والصواب. أو يبغون أهلها أن يعوجوا عنها بالردة والكفر، أو يطلبون اعوجاجها بالطعن فيها. { وهم بالآخرة هم كافرون } أي: والحال أنهم كافرون بالبعث. وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به. { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } أي: ما كانوا ليعجزوا الله في الدنيا أن يعاقبهم. بل هو قادر على ذلك، واخرهم ليوم الموعود، ليكون أشد وأدوم. { وما كان لهم من دون الله من أولياء } يمنعونهم من العقاب، { يضاعف لهم العذاب } بسبب ما اتصفوا به، كما ذكره بقوله: { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } لتصاممهم عن الحق، وبغضهم أهله. { أولئك الذين خسروا أنفسهم } حين اشتروا عبادة الأصنام بعبادة الله، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } من أن الأصنام تشفع لهم، أو خسروا بما بدلوا وضاع عنهم ما أملوا، فلم يبق لهم سوى الحسرة والندامة. { لا جرم } لا شك، أو لا بد { أنهم في الآخرة هم الأخسرون }: فلا أحد أكثر خسرانا منهم حيث حرموا النعيم المخلد، واستبدلوا بالعذاب المؤبد. ثم ذكر ضدهم فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا } أي: اطمأنوا أو خشعوا، أو تابوا { إلى ربهم أولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون } دائمون. { مثل الفريقين } المتقدمين فريق الكافر وفريق المؤمن: { كالأعمى والأصم والبصير والسميع } ، فمثل الكافر كمن جمع بين العمى والصمم، ومثل المؤمن كمن جمع بين السمع والبصر. فالواو لعطف الصفات، ويجوز أن يكون شبه الكافر بمن هو أعمى فقط، وبمن هو أصم فقط والمؤمن بضدهما، فهو تمثيل للكافرين بمثالين، قاله ابن جزي. وقال البيضاوي: يجوز أن يراد به تشبيه الكافر بالأعمى لتعاميه عن آيات الله، وبالأصم لتصاممه عن استماع كلام الله، وتأبيه عن تدبره معانيه. أو تشبيه المؤمن بالسميع والبصير لأن أمره بالضد، فيكون كل منهما مشبها باثنين باعتبار وصفين. أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصمم، والمؤمن بالجامع بين ضديهما، والعاطف لعطف الصفة على الصفة، كقوله: فالأيب الصابح فالغانم، فهذا من بيان اللف والطباق. ه. { هل يستويان }: هل يستوي الفريقان؟ { مثلا } أي: جهة التمثيل، بل لا استواء بينهما، { أفلا تذكرون } تتعظون بضرب الأمثال فترجعون عن غيكم. الإشارة: كل من ترامى على مراتب الرجال، أو ادعى مقاما من المقامات وهو لم يدركه، يريد بذلك إمالة وجوه الناس إليه، يفضح يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، ويقال له: { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم... } الآية. فكل آية في الكفار تجر ذيلها على عصاة المؤمنين. وقد تقدم أمارات من كان على بينة من ربه، فمن ادعى مقاما من تلك المقامات وهو يعلم أنه لم يصله نادى عليه الآية. ثم شرع في ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم وتتميما لقوله: لعلك تارك، وضائق. فقال: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه }.

هود 11:20

قلت: مثلا: تمييز. يقول الحق جل جلاله: { ومن أظلم } أي: لا أحد أظلم { ممن افترى على الله كذبا } بأن أسند إليه ما لم يقله، وكذب بما أنزله، أو نسب لله ما لا يليق بجلاله. { أولئك يعرضون على ربهم } يوم القيامة، بأن يحبسوا في الموقف، وتعرض عليهم أعمالهم على رؤوس الأشهاد، { ويقول الأشهاد } من الملائكة والنبيين، أو كل من شهد الموقف: { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } وهو تهويل عظيم لما يحيق بهم حينئذ، لظلمهم بالكذب على الله، ورد الناس عن طريق الله. { الذين يصدون عن سبيل الله } عن دينه، { ويبغونها عوجا } يصفونها بالانحراف عن الحق والصواب. أو يبغون أهلها أن يعوجوا عنها بالردة والكفر، أو يطلبون اعوجاجها بالطعن فيها. { وهم بالآخرة هم كافرون } أي: والحال أنهم كافرون بالبعث. وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به. { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } أي: ما كانوا ليعجزوا الله في الدنيا أن يعاقبهم. بل هو قادر على ذلك، واخرهم ليوم الموعود، ليكون أشد وأدوم. { وما كان لهم من دون الله من أولياء } يمنعونهم من العقاب، { يضاعف لهم العذاب } بسبب ما اتصفوا به، كما ذكره بقوله: { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } لتصاممهم عن الحق، وبغضهم أهله. { أولئك الذين خسروا أنفسهم } حين اشتروا عبادة الأصنام بعبادة الله، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } من أن الأصنام تشفع لهم، أو خسروا بما بدلوا وضاع عنهم ما أملوا، فلم يبق لهم سوى الحسرة والندامة. { لا جرم } لا شك، أو لا بد { أنهم في الآخرة هم الأخسرون }: فلا أحد أكثر خسرانا منهم حيث حرموا النعيم المخلد، واستبدلوا بالعذاب المؤبد. ثم ذكر ضدهم فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا } أي: اطمأنوا أو خشعوا، أو تابوا { إلى ربهم أولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون } دائمون. { مثل الفريقين } المتقدمين فريق الكافر وفريق المؤمن: { كالأعمى والأصم والبصير والسميع } ، فمثل الكافر كمن جمع بين العمى والصمم، ومثل المؤمن كمن جمع بين السمع والبصر. فالواو لعطف الصفات، ويجوز أن يكون شبه الكافر بمن هو أعمى فقط، وبمن هو أصم فقط والمؤمن بضدهما، فهو تمثيل للكافرين بمثالين، قاله ابن جزي. وقال البيضاوي: يجوز أن يراد به تشبيه الكافر بالأعمى لتعاميه عن آيات الله، وبالأصم لتصاممه عن استماع كلام الله، وتأبيه عن تدبره معانيه. أو تشبيه المؤمن بالسميع والبصير لأن أمره بالضد، فيكون كل منهما مشبها باثنين باعتبار وصفين. أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصمم، والمؤمن بالجامع بين ضديهما، والعاطف لعطف الصفة على الصفة، كقوله: فالأيب الصابح فالغانم، فهذا من بيان اللف والطباق. ه. { هل يستويان }: هل يستوي الفريقان؟ { مثلا } أي: جهة التمثيل، بل لا استواء بينهما، { أفلا تذكرون } تتعظون بضرب الأمثال فترجعون عن غيكم. الإشارة: كل من ترامى على مراتب الرجال، أو ادعى مقاما من المقامات وهو لم يدركه، يريد بذلك إمالة وجوه الناس إليه، يفضح يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، ويقال له: { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم... } الآية. فكل آية في الكفار تجر ذيلها على عصاة المؤمنين. وقد تقدم أمارات من كان على بينة من ربه، فمن ادعى مقاما من تلك المقامات وهو يعلم أنه لم يصله نادى عليه الآية. ثم شرع في ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم وتتميما لقوله: لعلك تارك، وضائق. فقال: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه }.

هود 11:21

قلت: مثلا: تمييز. يقول الحق جل جلاله: { ومن أظلم } أي: لا أحد أظلم { ممن افترى على الله كذبا } بأن أسند إليه ما لم يقله، وكذب بما أنزله، أو نسب لله ما لا يليق بجلاله. { أولئك يعرضون على ربهم } يوم القيامة، بأن يحبسوا في الموقف، وتعرض عليهم أعمالهم على رؤوس الأشهاد، { ويقول الأشهاد } من الملائكة والنبيين، أو كل من شهد الموقف: { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } وهو تهويل عظيم لما يحيق بهم حينئذ، لظلمهم بالكذب على الله، ورد الناس عن طريق الله. { الذين يصدون عن سبيل الله } عن دينه، { ويبغونها عوجا } يصفونها بالانحراف عن الحق والصواب. أو يبغون أهلها أن يعوجوا عنها بالردة والكفر، أو يطلبون اعوجاجها بالطعن فيها. { وهم بالآخرة هم كافرون } أي: والحال أنهم كافرون بالبعث. وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به. { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } أي: ما كانوا ليعجزوا الله في الدنيا أن يعاقبهم. بل هو قادر على ذلك، واخرهم ليوم الموعود، ليكون أشد وأدوم. { وما كان لهم من دون الله من أولياء } يمنعونهم من العقاب، { يضاعف لهم العذاب } بسبب ما اتصفوا به، كما ذكره بقوله: { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } لتصاممهم عن الحق، وبغضهم أهله. { أولئك الذين خسروا أنفسهم } حين اشتروا عبادة الأصنام بعبادة الله، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } من أن الأصنام تشفع لهم، أو خسروا بما بدلوا وضاع عنهم ما أملوا، فلم يبق لهم سوى الحسرة والندامة. { لا جرم } لا شك، أو لا بد { أنهم في الآخرة هم الأخسرون }: فلا أحد أكثر خسرانا منهم حيث حرموا النعيم المخلد، واستبدلوا بالعذاب المؤبد. ثم ذكر ضدهم فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا } أي: اطمأنوا أو خشعوا، أو تابوا { إلى ربهم أولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون } دائمون. { مثل الفريقين } المتقدمين فريق الكافر وفريق المؤمن: { كالأعمى والأصم والبصير والسميع } ، فمثل الكافر كمن جمع بين العمى والصمم، ومثل المؤمن كمن جمع بين السمع والبصر. فالواو لعطف الصفات، ويجوز أن يكون شبه الكافر بمن هو أعمى فقط، وبمن هو أصم فقط والمؤمن بضدهما، فهو تمثيل للكافرين بمثالين، قاله ابن جزي. وقال البيضاوي: يجوز أن يراد به تشبيه الكافر بالأعمى لتعاميه عن آيات الله، وبالأصم لتصاممه عن استماع كلام الله، وتأبيه عن تدبره معانيه. أو تشبيه المؤمن بالسميع والبصير لأن أمره بالضد، فيكون كل منهما مشبها باثنين باعتبار وصفين. أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصمم، والمؤمن بالجامع بين ضديهما، والعاطف لعطف الصفة على الصفة، كقوله: فالأيب الصابح فالغانم، فهذا من بيان اللف والطباق. ه. { هل يستويان }: هل يستوي الفريقان؟ { مثلا } أي: جهة التمثيل، بل لا استواء بينهما، { أفلا تذكرون } تتعظون بضرب الأمثال فترجعون عن غيكم. الإشارة: كل من ترامى على مراتب الرجال، أو ادعى مقاما من المقامات وهو لم يدركه، يريد بذلك إمالة وجوه الناس إليه، يفضح يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، ويقال له: { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم... } الآية. فكل آية في الكفار تجر ذيلها على عصاة المؤمنين. وقد تقدم أمارات من كان على بينة من ربه، فمن ادعى مقاما من تلك المقامات وهو يعلم أنه لم يصله نادى عليه الآية. ثم شرع في ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم وتتميما لقوله: لعلك تارك، وضائق. فقال: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه }.

هود 11:22

قلت: مثلا: تمييز. يقول الحق جل جلاله: { ومن أظلم } أي: لا أحد أظلم { ممن افترى على الله كذبا } بأن أسند إليه ما لم يقله، وكذب بما أنزله، أو نسب لله ما لا يليق بجلاله. { أولئك يعرضون على ربهم } يوم القيامة، بأن يحبسوا في الموقف، وتعرض عليهم أعمالهم على رؤوس الأشهاد، { ويقول الأشهاد } من الملائكة والنبيين، أو كل من شهد الموقف: { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } وهو تهويل عظيم لما يحيق بهم حينئذ، لظلمهم بالكذب على الله، ورد الناس عن طريق الله. { الذين يصدون عن سبيل الله } عن دينه، { ويبغونها عوجا } يصفونها بالانحراف عن الحق والصواب. أو يبغون أهلها أن يعوجوا عنها بالردة والكفر، أو يطلبون اعوجاجها بالطعن فيها. { وهم بالآخرة هم كافرون } أي: والحال أنهم كافرون بالبعث. وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به. { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } أي: ما كانوا ليعجزوا الله في الدنيا أن يعاقبهم. بل هو قادر على ذلك، واخرهم ليوم الموعود، ليكون أشد وأدوم. { وما كان لهم من دون الله من أولياء } يمنعونهم من العقاب، { يضاعف لهم العذاب } بسبب ما اتصفوا به، كما ذكره بقوله: { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } لتصاممهم عن الحق، وبغضهم أهله. { أولئك الذين خسروا أنفسهم } حين اشتروا عبادة الأصنام بعبادة الله، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } من أن الأصنام تشفع لهم، أو خسروا بما بدلوا وضاع عنهم ما أملوا، فلم يبق لهم سوى الحسرة والندامة. { لا جرم } لا شك، أو لا بد { أنهم في الآخرة هم الأخسرون }: فلا أحد أكثر خسرانا منهم حيث حرموا النعيم المخلد، واستبدلوا بالعذاب المؤبد. ثم ذكر ضدهم فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا } أي: اطمأنوا أو خشعوا، أو تابوا { إلى ربهم أولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون } دائمون. { مثل الفريقين } المتقدمين فريق الكافر وفريق المؤمن: { كالأعمى والأصم والبصير والسميع } ، فمثل الكافر كمن جمع بين العمى والصمم، ومثل المؤمن كمن جمع بين السمع والبصر. فالواو لعطف الصفات، ويجوز أن يكون شبه الكافر بمن هو أعمى فقط، وبمن هو أصم فقط والمؤمن بضدهما، فهو تمثيل للكافرين بمثالين، قاله ابن جزي. وقال البيضاوي: يجوز أن يراد به تشبيه الكافر بالأعمى لتعاميه عن آيات الله، وبالأصم لتصاممه عن استماع كلام الله، وتأبيه عن تدبره معانيه. أو تشبيه المؤمن بالسميع والبصير لأن أمره بالضد، فيكون كل منهما مشبها باثنين باعتبار وصفين. أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصمم، والمؤمن بالجامع بين ضديهما، والعاطف لعطف الصفة على الصفة، كقوله: فالأيب الصابح فالغانم، فهذا من بيان اللف والطباق. ه. { هل يستويان }: هل يستوي الفريقان؟ { مثلا } أي: جهة التمثيل، بل لا استواء بينهما، { أفلا تذكرون } تتعظون بضرب الأمثال فترجعون عن غيكم. الإشارة: كل من ترامى على مراتب الرجال، أو ادعى مقاما من المقامات وهو لم يدركه، يريد بذلك إمالة وجوه الناس إليه، يفضح يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، ويقال له: { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم... } الآية. فكل آية في الكفار تجر ذيلها على عصاة المؤمنين. وقد تقدم أمارات من كان على بينة من ربه، فمن ادعى مقاما من تلك المقامات وهو يعلم أنه لم يصله نادى عليه الآية. ثم شرع في ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم وتتميما لقوله: لعلك تارك، وضائق. فقال: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه }.

هود 11:23

قلت: مثلا: تمييز. يقول الحق جل جلاله: { ومن أظلم } أي: لا أحد أظلم { ممن افترى على الله كذبا } بأن أسند إليه ما لم يقله، وكذب بما أنزله، أو نسب لله ما لا يليق بجلاله. { أولئك يعرضون على ربهم } يوم القيامة، بأن يحبسوا في الموقف، وتعرض عليهم أعمالهم على رؤوس الأشهاد، { ويقول الأشهاد } من الملائكة والنبيين، أو كل من شهد الموقف: { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } وهو تهويل عظيم لما يحيق بهم حينئذ، لظلمهم بالكذب على الله، ورد الناس عن طريق الله. { الذين يصدون عن سبيل الله } عن دينه، { ويبغونها عوجا } يصفونها بالانحراف عن الحق والصواب. أو يبغون أهلها أن يعوجوا عنها بالردة والكفر، أو يطلبون اعوجاجها بالطعن فيها. { وهم بالآخرة هم كافرون } أي: والحال أنهم كافرون بالبعث. وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به. { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } أي: ما كانوا ليعجزوا الله في الدنيا أن يعاقبهم. بل هو قادر على ذلك، واخرهم ليوم الموعود، ليكون أشد وأدوم. { وما كان لهم من دون الله من أولياء } يمنعونهم من العقاب، { يضاعف لهم العذاب } بسبب ما اتصفوا به، كما ذكره بقوله: { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } لتصاممهم عن الحق، وبغضهم أهله. { أولئك الذين خسروا أنفسهم } حين اشتروا عبادة الأصنام بعبادة الله، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } من أن الأصنام تشفع لهم، أو خسروا بما بدلوا وضاع عنهم ما أملوا، فلم يبق لهم سوى الحسرة والندامة. { لا جرم } لا شك، أو لا بد { أنهم في الآخرة هم الأخسرون }: فلا أحد أكثر خسرانا منهم حيث حرموا النعيم المخلد، واستبدلوا بالعذاب المؤبد. ثم ذكر ضدهم فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا } أي: اطمأنوا أو خشعوا، أو تابوا { إلى ربهم أولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون } دائمون. { مثل الفريقين } المتقدمين فريق الكافر وفريق المؤمن: { كالأعمى والأصم والبصير والسميع } ، فمثل الكافر كمن جمع بين العمى والصمم، ومثل المؤمن كمن جمع بين السمع والبصر. فالواو لعطف الصفات، ويجوز أن يكون شبه الكافر بمن هو أعمى فقط، وبمن هو أصم فقط والمؤمن بضدهما، فهو تمثيل للكافرين بمثالين، قاله ابن جزي. وقال البيضاوي: يجوز أن يراد به تشبيه الكافر بالأعمى لتعاميه عن آيات الله، وبالأصم لتصاممه عن استماع كلام الله، وتأبيه عن تدبره معانيه. أو تشبيه المؤمن بالسميع والبصير لأن أمره بالضد، فيكون كل منهما مشبها باثنين باعتبار وصفين. أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصمم، والمؤمن بالجامع بين ضديهما، والعاطف لعطف الصفة على الصفة، كقوله: فالأيب الصابح فالغانم، فهذا من بيان اللف والطباق. ه. { هل يستويان }: هل يستوي الفريقان؟ { مثلا } أي: جهة التمثيل، بل لا استواء بينهما، { أفلا تذكرون } تتعظون بضرب الأمثال فترجعون عن غيكم. الإشارة: كل من ترامى على مراتب الرجال، أو ادعى مقاما من المقامات وهو لم يدركه، يريد بذلك إمالة وجوه الناس إليه، يفضح يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، ويقال له: { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم... } الآية. فكل آية في الكفار تجر ذيلها على عصاة المؤمنين. وقد تقدم أمارات من كان على بينة من ربه، فمن ادعى مقاما من تلك المقامات وهو يعلم أنه لم يصله نادى عليه الآية. ثم شرع في ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم وتتميما لقوله: لعلك تارك، وضائق. فقال: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه }.

هود 11:24

قلت: مثلا: تمييز. يقول الحق جل جلاله: { ومن أظلم } أي: لا أحد أظلم { ممن افترى على الله كذبا } بأن أسند إليه ما لم يقله، وكذب بما أنزله، أو نسب لله ما لا يليق بجلاله. { أولئك يعرضون على ربهم } يوم القيامة، بأن يحبسوا في الموقف، وتعرض عليهم أعمالهم على رؤوس الأشهاد، { ويقول الأشهاد } من الملائكة والنبيين، أو كل من شهد الموقف: { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } وهو تهويل عظيم لما يحيق بهم حينئذ، لظلمهم بالكذب على الله، ورد الناس عن طريق الله. { الذين يصدون عن سبيل الله } عن دينه، { ويبغونها عوجا } يصفونها بالانحراف عن الحق والصواب. أو يبغون أهلها أن يعوجوا عنها بالردة والكفر، أو يطلبون اعوجاجها بالطعن فيها. { وهم بالآخرة هم كافرون } أي: والحال أنهم كافرون بالبعث. وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به. { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } أي: ما كانوا ليعجزوا الله في الدنيا أن يعاقبهم. بل هو قادر على ذلك، واخرهم ليوم الموعود، ليكون أشد وأدوم. { وما كان لهم من دون الله من أولياء } يمنعونهم من العقاب، { يضاعف لهم العذاب } بسبب ما اتصفوا به، كما ذكره بقوله: { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } لتصاممهم عن الحق، وبغضهم أهله. { أولئك الذين خسروا أنفسهم } حين اشتروا عبادة الأصنام بعبادة الله، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } من أن الأصنام تشفع لهم، أو خسروا بما بدلوا وضاع عنهم ما أملوا، فلم يبق لهم سوى الحسرة والندامة. { لا جرم } لا شك، أو لا بد { أنهم في الآخرة هم الأخسرون }: فلا أحد أكثر خسرانا منهم حيث حرموا النعيم المخلد، واستبدلوا بالعذاب المؤبد. ثم ذكر ضدهم فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا } أي: اطمأنوا أو خشعوا، أو تابوا { إلى ربهم أولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون } دائمون. { مثل الفريقين } المتقدمين فريق الكافر وفريق المؤمن: { كالأعمى والأصم والبصير والسميع } ، فمثل الكافر كمن جمع بين العمى والصمم، ومثل المؤمن كمن جمع بين السمع والبصر. فالواو لعطف الصفات، ويجوز أن يكون شبه الكافر بمن هو أعمى فقط، وبمن هو أصم فقط والمؤمن بضدهما، فهو تمثيل للكافرين بمثالين، قاله ابن جزي. وقال البيضاوي: يجوز أن يراد به تشبيه الكافر بالأعمى لتعاميه عن آيات الله، وبالأصم لتصاممه عن استماع كلام الله، وتأبيه عن تدبره معانيه. أو تشبيه المؤمن بالسميع والبصير لأن أمره بالضد، فيكون كل منهما مشبها باثنين باعتبار وصفين. أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصمم، والمؤمن بالجامع بين ضديهما، والعاطف لعطف الصفة على الصفة، كقوله: فالأيب الصابح فالغانم، فهذا من بيان اللف والطباق. ه. { هل يستويان }: هل يستوي الفريقان؟ { مثلا } أي: جهة التمثيل، بل لا استواء بينهما، { أفلا تذكرون } تتعظون بضرب الأمثال فترجعون عن غيكم. الإشارة: كل من ترامى على مراتب الرجال، أو ادعى مقاما من المقامات وهو لم يدركه، يريد بذلك إمالة وجوه الناس إليه، يفضح يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، ويقال له: { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم... } الآية. فكل آية في الكفار تجر ذيلها على عصاة المؤمنين. وقد تقدم أمارات من كان على بينة من ربه، فمن ادعى مقاما من تلك المقامات وهو يعلم أنه لم يصله نادى عليه الآية. ثم شرع في ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم وتتميما لقوله: لعلك تارك، وضائق. فقال: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه }.

هود 11:25

قلت: من قرأ: إني بالكسر، فعلى إرادة القول، ومن قرأ بالفتح، فعلى إسقاط الخافض، أي: بأني، وبادي الرأي: ظرف لاتبعك، على حذف مضاف أي: وقت حدوث أول رأيهم. وهو من البدء أي: الحدوث، أو من البدو، أي: الظهور. أي: اتبعوك في ظاهر الرأي دون التعمق في النظر. يقول الحق جل جلاله: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } فقال لهم: { إني لكم } ، أو بأني لكم { نذير مبين } أي: بين ظاهر، أو أبين لكم موجبات العذاب، ووجه الخلاص منه، قائلا: { ألا تعبدوا إلا الله } ، ولا تعبدوا معه غيره، { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } مؤلم، وهو في الحقيقة صفة للعذاب، ووصف به زمانه على طريقة [جد جده، ونهاره صائم] للمبالغة. { فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا } لا مزية لك علينا تخصك بالنبوءة ووجوب الطاعة، { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } أخساؤنا وسقاطنا جمع ارذل. { بادي الرأي } من أول الرأي من غير تفكر ولا تدبر، أي: اتبعك هؤلاء بادي الرأي من غير ترو. أو ظاهرا رأيهم خفيفا عقلهم، وإنما استرذلوهم، لأجل فقرهم، جهلا منهم، واعتقادا أن الشرف هو المال والجاه. وليس الأمر كذلك. بل الشرف إنما هو بالإيمان والطاعة، ومعرفة الحق. وقيل: إنهم كانوا حاكة وحجامين. وقيل: أراذل في أفعالهم، لقوله: وما علمي بما كانوا يعملون [الشعراء: 112]، ثم قالوا: { وما نرى لكم } أي: لك ولمتبعيك { علينا من فضل } يؤهلكم للنبوءة، واستحقاق المتابعة. { بل نظنكم كاذبين } أنت في دعوى النبوءة، وهم في دعوى العلم بصدقك. فغلب المخاطب على الغائبين. الإشارة: تكذيب الصادقين سنة ماضية، وأتباع الخصوص موسومون بالذلة والقلة، وهم أتباع الرسل والأولياء وهم أيضا جل أهل الجنة لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: " أهل الجنة كل ضعيف مستضعف ". وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا سقط الناس؟ فقال لها الحق تعالى: " أنت رحمتي أرحم بك من أشاء " حسبما في الصحيح. ثم أجابهم بقوله: { قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي }.

هود 11:26

قلت: من قرأ: إني بالكسر، فعلى إرادة القول، ومن قرأ بالفتح، فعلى إسقاط الخافض، أي: بأني، وبادي الرأي: ظرف لاتبعك، على حذف مضاف أي: وقت حدوث أول رأيهم. وهو من البدء أي: الحدوث، أو من البدو، أي: الظهور. أي: اتبعوك في ظاهر الرأي دون التعمق في النظر. يقول الحق جل جلاله: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } فقال لهم: { إني لكم } ، أو بأني لكم { نذير مبين } أي: بين ظاهر، أو أبين لكم موجبات العذاب، ووجه الخلاص منه، قائلا: { ألا تعبدوا إلا الله } ، ولا تعبدوا معه غيره، { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } مؤلم، وهو في الحقيقة صفة للعذاب، ووصف به زمانه على طريقة [جد جده، ونهاره صائم] للمبالغة. { فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا } لا مزية لك علينا تخصك بالنبوءة ووجوب الطاعة، { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } أخساؤنا وسقاطنا جمع ارذل. { بادي الرأي } من أول الرأي من غير تفكر ولا تدبر، أي: اتبعك هؤلاء بادي الرأي من غير ترو. أو ظاهرا رأيهم خفيفا عقلهم، وإنما استرذلوهم، لأجل فقرهم، جهلا منهم، واعتقادا أن الشرف هو المال والجاه. وليس الأمر كذلك. بل الشرف إنما هو بالإيمان والطاعة، ومعرفة الحق. وقيل: إنهم كانوا حاكة وحجامين. وقيل: أراذل في أفعالهم، لقوله: وما علمي بما كانوا يعملون [الشعراء: 112]، ثم قالوا: { وما نرى لكم } أي: لك ولمتبعيك { علينا من فضل } يؤهلكم للنبوءة، واستحقاق المتابعة. { بل نظنكم كاذبين } أنت في دعوى النبوءة، وهم في دعوى العلم بصدقك. فغلب المخاطب على الغائبين. الإشارة: تكذيب الصادقين سنة ماضية، وأتباع الخصوص موسومون بالذلة والقلة، وهم أتباع الرسل والأولياء وهم أيضا جل أهل الجنة لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: " أهل الجنة كل ضعيف مستضعف ". وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا سقط الناس؟ فقال لها الحق تعالى: " أنت رحمتي أرحم بك من أشاء " حسبما في الصحيح. ثم أجابهم بقوله: { قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي }.

هود 11:27

قلت: من قرأ: إني بالكسر، فعلى إرادة القول، ومن قرأ بالفتح، فعلى إسقاط الخافض، أي: بأني، وبادي الرأي: ظرف لاتبعك، على حذف مضاف أي: وقت حدوث أول رأيهم. وهو من البدء أي: الحدوث، أو من البدو، أي: الظهور. أي: اتبعوك في ظاهر الرأي دون التعمق في النظر. يقول الحق جل جلاله: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } فقال لهم: { إني لكم } ، أو بأني لكم { نذير مبين } أي: بين ظاهر، أو أبين لكم موجبات العذاب، ووجه الخلاص منه، قائلا: { ألا تعبدوا إلا الله } ، ولا تعبدوا معه غيره، { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } مؤلم، وهو في الحقيقة صفة للعذاب، ووصف به زمانه على طريقة [جد جده، ونهاره صائم] للمبالغة. { فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا } لا مزية لك علينا تخصك بالنبوءة ووجوب الطاعة، { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } أخساؤنا وسقاطنا جمع ارذل. { بادي الرأي } من أول الرأي من غير تفكر ولا تدبر، أي: اتبعك هؤلاء بادي الرأي من غير ترو. أو ظاهرا رأيهم خفيفا عقلهم، وإنما استرذلوهم، لأجل فقرهم، جهلا منهم، واعتقادا أن الشرف هو المال والجاه. وليس الأمر كذلك. بل الشرف إنما هو بالإيمان والطاعة، ومعرفة الحق. وقيل: إنهم كانوا حاكة وحجامين. وقيل: أراذل في أفعالهم، لقوله: وما علمي بما كانوا يعملون [الشعراء: 112]، ثم قالوا: { وما نرى لكم } أي: لك ولمتبعيك { علينا من فضل } يؤهلكم للنبوءة، واستحقاق المتابعة. { بل نظنكم كاذبين } أنت في دعوى النبوءة، وهم في دعوى العلم بصدقك. فغلب المخاطب على الغائبين. الإشارة: تكذيب الصادقين سنة ماضية، وأتباع الخصوص موسومون بالذلة والقلة، وهم أتباع الرسل والأولياء وهم أيضا جل أهل الجنة لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: " أهل الجنة كل ضعيف مستضعف ". وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا سقط الناس؟ فقال لها الحق تعالى: " أنت رحمتي أرحم بك من أشاء " حسبما في الصحيح. ثم أجابهم بقوله: { قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي }.

هود 11:28

قلت: " أنلزمكموها ": يصح في الضمير الثاني الوصل والفصل لتقدم الأخص. يقول الحق جل جلاله: { قال } نوح لقومه: { يا قوم أرأيتم }: أخبروني، { إن كنت على بينة من ربي } على طريقة واضحة من عند ربي، أو حجة واضحة شاهدة بصحة دعواي، { وآتاني رحمة من عنده } النبوة، { فعميت } خفيت { عليكم } فلم تهتدوا إليها، { أنلزمكموها } أنكرهكم على الاهتداء بها { وأنتم لها كارهون } لا تختارونها ولا تتأملون فيها. ولم يؤمر بالجهاد، بل تركهم حتى نزل بهم العذاب. الإشارة: طريقة أهل التذكير الذين هم على بينة من ربهم أنهم يذكرون الناس، ولا يكرهون أحدا على الدخول في طريقهم، إذا عميت عليهم، والله تعالى أعلم. ثم قال: { ويقوم لا أسألكم عليه مالا }.

هود 11:29

يقول الحق جل جلاله:، حاكيا عن نوح عليه السلام: { ويا قوم لا أسألكم عليه } على التبليغ المفهوم من السياق، { مالا }: جعلا انتفع به، { وإن أجري إلا على الله } فإنه المأمول منه. ثم طلبوا منه طرد الضعفاء ليجالسوه، فقال لهم: { وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم } فيخاصموني إن طردتهم، أو: إنهم ملاقوه فيفوزون بقربه، فكيف أطردهم؟ { ولكني أراكم قوما تجهلون } لقاء ربكم، أو بأقدارهم، أو تسفهون عليهم فتدعوهم أرذال، أو قوما جهالا استحكم فيكم الجهل وشختم فيه، فلا ينفع فيكم الوعظ والتذكير. { ويا قوم من ينصرني من الله }: من يدفع انتقامه عني { إن طردتهم } وهم بتلك الصفة الكاملة من الإيمان والخوف منه؟ { أفلا تذكرون } فتعلموا أن التماس طردهم، وتوقيف الإيمان عليه ليس بصواب. الإشارة: قال القشيري: قوله تعالى: { لا أسألكم عليه مالا } ، فيه تنبيه للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء أن يتأدبوا بأنبيائهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقوا منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، وما ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكر بها من الدين، ويعظ بها المسلمين فلا يبارك الله فيما يسمعون به عن الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون به على سخط من الله. ه. قلت: هذا إن كان له تشوف وتطلع بذلك، بحيث لو لم يعط لم يعلم، أو لم يذكر. وأما إن كان يعلم ويذكر لله، ثم يتصدق عليه لله، فلا بأس به إن شاء الله. وما زالت الأشياخ والأولياء يقبضون زيارات الفقراء، وكل من يأتيهم ويذكرونهم ويعرفونهم بالله، لأن ذلك ربح للمعطي وتقريب له، وما ربح الناس إلا من فلسهم ونفسهم بذلوها لله، فأغناهم الله. وقد تقدم عند قوله: خذ من أموالهم صدقة... [التوبة: 103] بعض الكلام على هذا المعنى، والله تعالى أعلم. ولما قالوا له: لو كنت نبي الله، لأغناك الله عن التكسب، ولأعلمك بما يفعل أتباعك فإنهم ما اتبعوك إلا في الظاهر دون الباطل، قال لهم: { ولا أقول لكم عندي خزآئن الله }.

هود 11:30

يقول الحق جل جلاله:، حاكيا عن نوح عليه السلام: { ويا قوم لا أسألكم عليه } على التبليغ المفهوم من السياق، { مالا }: جعلا انتفع به، { وإن أجري إلا على الله } فإنه المأمول منه. ثم طلبوا منه طرد الضعفاء ليجالسوه، فقال لهم: { وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم } فيخاصموني إن طردتهم، أو: إنهم ملاقوه فيفوزون بقربه، فكيف أطردهم؟ { ولكني أراكم قوما تجهلون } لقاء ربكم، أو بأقدارهم، أو تسفهون عليهم فتدعوهم أرذال، أو قوما جهالا استحكم فيكم الجهل وشختم فيه، فلا ينفع فيكم الوعظ والتذكير. { ويا قوم من ينصرني من الله }: من يدفع انتقامه عني { إن طردتهم } وهم بتلك الصفة الكاملة من الإيمان والخوف منه؟ { أفلا تذكرون } فتعلموا أن التماس طردهم، وتوقيف الإيمان عليه ليس بصواب. الإشارة: قال القشيري: قوله تعالى: { لا أسألكم عليه مالا } ، فيه تنبيه للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء أن يتأدبوا بأنبيائهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقوا منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، وما ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكر بها من الدين، ويعظ بها المسلمين فلا يبارك الله فيما يسمعون به عن الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون به على سخط من الله. ه. قلت: هذا إن كان له تشوف وتطلع بذلك، بحيث لو لم يعط لم يعلم، أو لم يذكر. وأما إن كان يعلم ويذكر لله، ثم يتصدق عليه لله، فلا بأس به إن شاء الله. وما زالت الأشياخ والأولياء يقبضون زيارات الفقراء، وكل من يأتيهم ويذكرونهم ويعرفونهم بالله، لأن ذلك ربح للمعطي وتقريب له، وما ربح الناس إلا من فلسهم ونفسهم بذلوها لله، فأغناهم الله. وقد تقدم عند قوله: خذ من أموالهم صدقة... [التوبة: 103] بعض الكلام على هذا المعنى، والله تعالى أعلم. ولما قالوا له: لو كنت نبي الله، لأغناك الله عن التكسب، ولأعلمك بما يفعل أتباعك فإنهم ما اتبعوك إلا في الظاهر دون الباطل، قال لهم: { ولا أقول لكم عندي خزآئن الله }.

هود 11:31

يقول الحق جل جلاله: قال نوح لقومه: { ولا أقول لكم عندي خزائن الله } حتى أنفق منها متى شئت، فأستغني عن مباشرة الأسباب، بل ما أنا إلا بشر، أو لا أدعي ما ليس لي فتنكروا قولي، أي: لا أفوه لكم، ولا أتعاطى غير ما ألهمني الله له، فلست أقول: عندي خزائن الله، أي: القوة التي توجد بها الأشياء بعد عدمها. أو: عندي خزائن الله التي يتنزل منها الأشياء، كالريح والمياه ونحوها، كما قال تعالى وإن من شيء إلا عندنا خزائنه [الحجر: 21] فتبرأ عليه السلام من هذه الدعوى. ثم قال: { ولا أعلم الغيب } أي: ولا أقول: إني أعلم الغيب، فأعلم من أصحابي ما يسترونه عني في نفوسهم، فسبيلي قبول ما ظهر منهم. أو: لا أعلم أنهم اتبعوني في بادي الرأي عن غير بصيرة وعقد قلب { ولا أقول إني ملك } حتى تقولوا: ما نراك إلا بشرا مثلنا. { ولا اقول للذين تزدري أعينكم } أي: تحتقرهم. من زريت على الرجل: قصرت به. قلبت تاؤه دالا لتجانس الزاي للتاء، والمراد بهم ضعفاء المؤمنين، أي: لا أقول في شأن من احتقرتموهم، لفقرهم: { لن يؤتهم الله خيرا } فإن ما أعد الله لهم في الآخرة خير مما آتاكم في الدنيا. { والله اعلم بما في أنفسكم } من خير أو غيره، { إني إذا } أي: إن قلت شيئا من ذلك، { لمن لظالمين }. قال البيضاوي: وإسناده إلى الأعين للمبالغة، والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادي الرأي من غير روية، مما عاينوه من رثاثة حالهم، وقلة منالهم، دون تأمل في معانيهم وكمالاتهم. وقال أيضا: وإنما استرذلوهم لفقرهم لأنهم لما لم يعلموا إلا ظاهرا من الحياة الدنيا كان الأحظ بها أشرف عندهم، والمحروم منها أرذل. ه. الإشارة: لا يشترط في وجود الخصوصية ظهور الكرامة فقد تظهر الكرامة على من لم تكمل له الاستقامة، فلا يشترط فيه الاطلاع على خزائن الغيوب، وإنما يشترط فيه التطهير من نقائص العيوب، لا يشترط فيه الإنفاق من الغيب، وإنما يشترط فيه الثقة بما ضمن له في الغيب. والله تعالى أعلم. ثم استعجلوا العذاب، كما قال تعالى: { قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا }.

هود 11:32

قلت: { إن اردت }: شرط حذف جوابه لتقدم ما يدل عليه، وكذا إن كان الله يريد أن يغويكم، والتقدير: إن كان يريد أن يغويكم لا ينفعكم نصحي إن أردت ان أنصح لكم. أي: فكذلك. فهو من تعليق الشرط، كقولك: إن دخلت الدار، إن كلمت زيدا، فأنت طالق. فلا تطلق إلا بهما، ثم استأنف: هو ربكم. يقول الحق جل جلاله: { قالوا يا نوح قد جادلتنا }: خاصمتنا { فأكثرت جدالنا }: خصامنا ومخاطبتنا، { فأتنا بما تعدنا } من العذاب، { إن كنت من الصادقين } في الدعوى والوعيد، فإن مناظرتك ووعظك لا يؤثر فينا. { قال } نوح عليه السلام: { إنما يأتيكم به الله } دوني { إن شاء } عاجلا أو آجلا، { وما أنتم بمعجزين } بدفع العذاب عنكم، أو الهرب منه حتى تعجزوا القدرة الإلهية، { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم } ، وأراد الله { ان يغويكم } ، فإن النصح مع سابق الشقاء عنت. وهذا جواب لما أوهموا من أن جداله كلام لا طائل تحته، وهو دليل على أن إرادة الله تعالى يصح تعلقها بالإغواء، وأن خلا ف مراد الله تعالى محال. ولذلك قيل: مراد الله من خلقه ما هم عليه. ثم قال: { هو ربكم } خالقكم والمتصرف فيكم وفق إرادته. { وإليه ترجعون } فيجازيكم على أعمالكم. الإشارة: ينبغي لأهل الوغظ والتذكير أن لا يملوا ولو أكثروا إذا قابلهم الناس بالبعد والإنكار، وليقولوا: ولا ينفعكم نصحنا إن أردنا ان ننصحكم { إن كان الله يريد أن يغويكم... } الآية. ولما كان المقصود من القصة تسلية رسوله صلى الله عليه وسلم خاطبه في أثنائها بقوله: { أم يقولون افتراه قل إن افتريته }.

هود 11:33

قلت: { إن اردت }: شرط حذف جوابه لتقدم ما يدل عليه، وكذا إن كان الله يريد أن يغويكم، والتقدير: إن كان يريد أن يغويكم لا ينفعكم نصحي إن أردت ان أنصح لكم. أي: فكذلك. فهو من تعليق الشرط، كقولك: إن دخلت الدار، إن كلمت زيدا، فأنت طالق. فلا تطلق إلا بهما، ثم استأنف: هو ربكم. يقول الحق جل جلاله: { قالوا يا نوح قد جادلتنا }: خاصمتنا { فأكثرت جدالنا }: خصامنا ومخاطبتنا، { فأتنا بما تعدنا } من العذاب، { إن كنت من الصادقين } في الدعوى والوعيد، فإن مناظرتك ووعظك لا يؤثر فينا. { قال } نوح عليه السلام: { إنما يأتيكم به الله } دوني { إن شاء } عاجلا أو آجلا، { وما أنتم بمعجزين } بدفع العذاب عنكم، أو الهرب منه حتى تعجزوا القدرة الإلهية، { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم } ، وأراد الله { ان يغويكم } ، فإن النصح مع سابق الشقاء عنت. وهذا جواب لما أوهموا من أن جداله كلام لا طائل تحته، وهو دليل على أن إرادة الله تعالى يصح تعلقها بالإغواء، وأن خلا ف مراد الله تعالى محال. ولذلك قيل: مراد الله من خلقه ما هم عليه. ثم قال: { هو ربكم } خالقكم والمتصرف فيكم وفق إرادته. { وإليه ترجعون } فيجازيكم على أعمالكم. الإشارة: ينبغي لأهل الوغظ والتذكير أن لا يملوا ولو أكثروا إذا قابلهم الناس بالبعد والإنكار، وليقولوا: ولا ينفعكم نصحنا إن أردنا ان ننصحكم { إن كان الله يريد أن يغويكم... } الآية. ولما كان المقصود من القصة تسلية رسوله صلى الله عليه وسلم خاطبه في أثنائها بقوله: { أم يقولون افتراه قل إن افتريته }.

هود 11:34

قلت: { إن اردت }: شرط حذف جوابه لتقدم ما يدل عليه، وكذا إن كان الله يريد أن يغويكم، والتقدير: إن كان يريد أن يغويكم لا ينفعكم نصحي إن أردت ان أنصح لكم. أي: فكذلك. فهو من تعليق الشرط، كقولك: إن دخلت الدار، إن كلمت زيدا، فأنت طالق. فلا تطلق إلا بهما، ثم استأنف: هو ربكم. يقول الحق جل جلاله: { قالوا يا نوح قد جادلتنا }: خاصمتنا { فأكثرت جدالنا }: خصامنا ومخاطبتنا، { فأتنا بما تعدنا } من العذاب، { إن كنت من الصادقين } في الدعوى والوعيد، فإن مناظرتك ووعظك لا يؤثر فينا. { قال } نوح عليه السلام: { إنما يأتيكم به الله } دوني { إن شاء } عاجلا أو آجلا، { وما أنتم بمعجزين } بدفع العذاب عنكم، أو الهرب منه حتى تعجزوا القدرة الإلهية، { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم } ، وأراد الله { ان يغويكم } ، فإن النصح مع سابق الشقاء عنت. وهذا جواب لما أوهموا من أن جداله كلام لا طائل تحته، وهو دليل على أن إرادة الله تعالى يصح تعلقها بالإغواء، وأن خلا ف مراد الله تعالى محال. ولذلك قيل: مراد الله من خلقه ما هم عليه. ثم قال: { هو ربكم } خالقكم والمتصرف فيكم وفق إرادته. { وإليه ترجعون } فيجازيكم على أعمالكم. الإشارة: ينبغي لأهل الوغظ والتذكير أن لا يملوا ولو أكثروا إذا قابلهم الناس بالبعد والإنكار، وليقولوا: ولا ينفعكم نصحنا إن أردنا ان ننصحكم { إن كان الله يريد أن يغويكم... } الآية. ولما كان المقصود من القصة تسلية رسوله صلى الله عليه وسلم خاطبه في أثنائها بقوله: { أم يقولون افتراه قل إن افتريته }.

هود 11:35

يقول الحق جل جلاله: { أم يقولون } أي: كفار قريش: هذا الذي يقرؤه محمد علينا، ويقصه من خبر من قبلنا { افتراه } من عنده. { قل } لهم: { إن افتريته } تقديرا { فعلي إجرامي } اي: وباله علي دونكم، { وأنا بريء مما تجرمون } مما ترتكبون من الإجرام بتكذيبكم وكفركم. الإشارة: ينبغي لمن قوبل بالتكذيب والإنكار أن يكتفي بعلم الله، ويقول لمن كذبه ما قال نبيه صلى الله عليه وسلم لمن كذبه: { إن افتريته فعلي إجرامي... } الآية. وفي الحكم: " متى آلمك عدم إقبال الناس عليك، أو توجههم بالذم إليك، فارجع إلى علم الله فيك، فإن كان لا يقنعك علمه فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم ". قال الشيخ زروق رضي الله عنه: وذلك لأن عدم قناعتك بعلمه يصيبك في قلبك ودينك، وأذاهم يصيبك في عرضك وبدنك ودنياك، وأيضا: أذاهم يردك إليه، فهو فائدتك، وعدم القناعة بعلمه يردك إليهم، فهو مصيبة توجب ثلاثا، هي علامة عدم القناعة بعلمه: أولها: التصنع والمراءاة، والثاني: طلب رضاهم بما أمكن في جميع الحالات. الثالث: إظهار علمه وعمله وحاله، ليعلموا برتبته. والقناعة بعلمه علامتها ثلاث: أولها قصد الإخلاص في كل، بحيث لا يبالي أين رآه الخلق، وكيف رأوه. الثاني: طلب رضاه بالعمل بطاعته، وترك ما لا يرضيه، رضوا بذلك أو سخطوا. الثالث: الاكتفاء بعلمه فيما يجري عليه من حكمه وحكمته، قال إبراهيم التيمي رضي الله عنه لبعض أصحابه: ما يقول الناس في؟ فقال: يقولون إنه مرائي، فقال: الآن طاب العمل. قال بشر الحافي: اكتفى والله بعلم الله. فلم يحب أن يدخل مع علم الله غيره، وقال أيضا: سكون النفس لقبول المدح لها أشد عليها من المعاصي. وقال أحمد بن أبي الحواري رضي الله عنه: من أحب أن يعرف بشيء من الخير، أو يذكر به، فقد أشرك مع الله في عبادته لأن من عمل على المحبة لا يحب أن يرى عمله غير محبوبه. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: لا تنشر علمك، ليصدقك الناس، وانشر علمك ليصدقك الله. وإن كان لام العلة موجودا، فعلة تكون بينك وبين الله من حيث أمرك، خير لك من علة تكون بينك وبين الناس، من حيث نهاك. ولعلة تردك إلى الله خير لك من علة تقطعك عن الله. ه. المراد منه. ثم تمم قصة نوح عليه السلام، فقال: { وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك }.

هود 11:36

يقول الحق جل جلاله: { وأوحي إلى نوح انه لم يؤمن من قومك } بعد هذا { إلا من قد آمن } قبل، وكان هذا الوحي بعد ان مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله تعالى: فكان الرجل منهم يأتيه بابنه، ويقول: يا بني لا تصدق هذا الشيخ، فهكذا عهد إلي أبي وجدي. فلما نزل الوحي وأيس من إيمانهم دعا عليهم. وقال له تعالى رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [نوح: 26]. قال له تعالى: { فلا تبتئس }: تحزن وتغتم { بما كانوا يفعلون } من التكذيب والإيذاء، أقنطه أولا من إيمانهم، ونهاه أن يغتم لأجلهم. ثم أمره بصنع السفينة، فقال: { واصنع الفلك بأعيننا } بحفظنا ورعايتنا، أو بمرأى منا ومسمع غير محتاج إلى آلة حفظ وحرس، { ووحينا } إليك، كيف تصنعها، روي أنه لما جهل صنعها أوحى الله إليه: أن اصنعها على مثال جؤجؤ الطائر. وروي أيضا: انها كانت مريعة الشكل، طويلة في السماء، ضيقة الأعلى، وأن المراد منها إنما كان الحفظ، لا سرعة المشي، والأول أرجح: أعني: على صورة ظهر الطائر. قال في الأساس: عملت سفينة نوح عليه السلام من ساج، وهو خشب أسود، رزان، لا تكاد الأرض تبليه، من الهند. ه. وفي رواية أخرى: صنعها نوح عليه السلام، وجبريل يصف له، فكان أسفلها كأسفل السفن وأعلاها كالسقف، وداخلها كالبيت، ولها أبواب في جوانبها. ه. ثم إن نوحا عليه السلام لما تحقق هلاك قومه، رق عليهم، فهم ان يراجع الله في شأنهم، فقال له تعالى: { ولا تخاطبني } ولا تراجعني { في الذين ظلموا } ، ولا تدع باستدفاع العذاب عنهم { إنهم مغرقون }: محكوم عليهم بالغرق لا محالة. فلا سبيل إلى كفه. { ويصنع الفلك } ، حكي ما وقع بصيغة الحال استحضارا لتلك الحال العجيبة، { وكلما مر عليه ملأ }: جماعة { من قومه سخروا منه }: استهزؤوا به: لأنه كان يعمل السفينة في برية بعيدة من الماء. أو أن عزته تنفي صنعته، فكان يضحكون منه، ويقولون له: صرت نجارا بعد أن كنت نبيا. { قال } لهم: { إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون } ، فنسخر منكم حين يأخذكم في الدنيا الغرق، وفي الآخرة الحرق. { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } ، وهو: الغرق، والحرق بعده. { ويحل } أي: ينزل { عليه عذاب مقيم }: دائم، وهو النار يوم القيامة. الإشارة: إذا تحقق الولي بإعراض الخلق عنه، وأيس منهم أن يتبعوه، فلا يحزن، ولا يغتم منهم، ففي الله غنى عن كل شيء، وليس يغني عنه شيء. وفي إعراض الخلق راحة لقلب الولي ولبدنه، فإذا سخروا منه فليقل في نفسه: إن تسخروا منا اليوم، فنسخر منكم حين تحقق الحقائق، فيرتفع المقربون، وينسفل الباطلون، وكان شيخ أشياخنا سيدي علي العمراني رضي الله عنه كثيرا ما يقول: ليت القيامة قامت، حتى يظهر الرجال من غيرهم. أو ما هذا معناه. ثم ذكر مبدأ الطوفان، فقال: { حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور }.

هود 11:37

يقول الحق جل جلاله: { وأوحي إلى نوح انه لم يؤمن من قومك } بعد هذا { إلا من قد آمن } قبل، وكان هذا الوحي بعد ان مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله تعالى: فكان الرجل منهم يأتيه بابنه، ويقول: يا بني لا تصدق هذا الشيخ، فهكذا عهد إلي أبي وجدي. فلما نزل الوحي وأيس من إيمانهم دعا عليهم. وقال له تعالى رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [نوح: 26]. قال له تعالى: { فلا تبتئس }: تحزن وتغتم { بما كانوا يفعلون } من التكذيب والإيذاء، أقنطه أولا من إيمانهم، ونهاه أن يغتم لأجلهم. ثم أمره بصنع السفينة، فقال: { واصنع الفلك بأعيننا } بحفظنا ورعايتنا، أو بمرأى منا ومسمع غير محتاج إلى آلة حفظ وحرس، { ووحينا } إليك، كيف تصنعها، روي أنه لما جهل صنعها أوحى الله إليه: أن اصنعها على مثال جؤجؤ الطائر. وروي أيضا: انها كانت مريعة الشكل، طويلة في السماء، ضيقة الأعلى، وأن المراد منها إنما كان الحفظ، لا سرعة المشي، والأول أرجح: أعني: على صورة ظهر الطائر. قال في الأساس: عملت سفينة نوح عليه السلام من ساج، وهو خشب أسود، رزان، لا تكاد الأرض تبليه، من الهند. ه. وفي رواية أخرى: صنعها نوح عليه السلام، وجبريل يصف له، فكان أسفلها كأسفل السفن وأعلاها كالسقف، وداخلها كالبيت، ولها أبواب في جوانبها. ه. ثم إن نوحا عليه السلام لما تحقق هلاك قومه، رق عليهم، فهم ان يراجع الله في شأنهم، فقال له تعالى: { ولا تخاطبني } ولا تراجعني { في الذين ظلموا } ، ولا تدع باستدفاع العذاب عنهم { إنهم مغرقون }: محكوم عليهم بالغرق لا محالة. فلا سبيل إلى كفه. { ويصنع الفلك } ، حكي ما وقع بصيغة الحال استحضارا لتلك الحال العجيبة، { وكلما مر عليه ملأ }: جماعة { من قومه سخروا منه }: استهزؤوا به: لأنه كان يعمل السفينة في برية بعيدة من الماء. أو أن عزته تنفي صنعته، فكان يضحكون منه، ويقولون له: صرت نجارا بعد أن كنت نبيا. { قال } لهم: { إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون } ، فنسخر منكم حين يأخذكم في الدنيا الغرق، وفي الآخرة الحرق. { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } ، وهو: الغرق، والحرق بعده. { ويحل } أي: ينزل { عليه عذاب مقيم }: دائم، وهو النار يوم القيامة. الإشارة: إذا تحقق الولي بإعراض الخلق عنه، وأيس منهم أن يتبعوه، فلا يحزن، ولا يغتم منهم، ففي الله غنى عن كل شيء، وليس يغني عنه شيء. وفي إعراض الخلق راحة لقلب الولي ولبدنه، فإذا سخروا منه فليقل في نفسه: إن تسخروا منا اليوم، فنسخر منكم حين تحقق الحقائق، فيرتفع المقربون، وينسفل الباطلون، وكان شيخ أشياخنا سيدي علي العمراني رضي الله عنه كثيرا ما يقول: ليت القيامة قامت، حتى يظهر الرجال من غيرهم. أو ما هذا معناه. ثم ذكر مبدأ الطوفان، فقال: { حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور }.

هود 11:38

يقول الحق جل جلاله: { وأوحي إلى نوح انه لم يؤمن من قومك } بعد هذا { إلا من قد آمن } قبل، وكان هذا الوحي بعد ان مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله تعالى: فكان الرجل منهم يأتيه بابنه، ويقول: يا بني لا تصدق هذا الشيخ، فهكذا عهد إلي أبي وجدي. فلما نزل الوحي وأيس من إيمانهم دعا عليهم. وقال له تعالى رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [نوح: 26]. قال له تعالى: { فلا تبتئس }: تحزن وتغتم { بما كانوا يفعلون } من التكذيب والإيذاء، أقنطه أولا من إيمانهم، ونهاه أن يغتم لأجلهم. ثم أمره بصنع السفينة، فقال: { واصنع الفلك بأعيننا } بحفظنا ورعايتنا، أو بمرأى منا ومسمع غير محتاج إلى آلة حفظ وحرس، { ووحينا } إليك، كيف تصنعها، روي أنه لما جهل صنعها أوحى الله إليه: أن اصنعها على مثال جؤجؤ الطائر. وروي أيضا: انها كانت مريعة الشكل، طويلة في السماء، ضيقة الأعلى، وأن المراد منها إنما كان الحفظ، لا سرعة المشي، والأول أرجح: أعني: على صورة ظهر الطائر. قال في الأساس: عملت سفينة نوح عليه السلام من ساج، وهو خشب أسود، رزان، لا تكاد الأرض تبليه، من الهند. ه. وفي رواية أخرى: صنعها نوح عليه السلام، وجبريل يصف له، فكان أسفلها كأسفل السفن وأعلاها كالسقف، وداخلها كالبيت، ولها أبواب في جوانبها. ه. ثم إن نوحا عليه السلام لما تحقق هلاك قومه، رق عليهم، فهم ان يراجع الله في شأنهم، فقال له تعالى: { ولا تخاطبني } ولا تراجعني { في الذين ظلموا } ، ولا تدع باستدفاع العذاب عنهم { إنهم مغرقون }: محكوم عليهم بالغرق لا محالة. فلا سبيل إلى كفه. { ويصنع الفلك } ، حكي ما وقع بصيغة الحال استحضارا لتلك الحال العجيبة، { وكلما مر عليه ملأ }: جماعة { من قومه سخروا منه }: استهزؤوا به: لأنه كان يعمل السفينة في برية بعيدة من الماء. أو أن عزته تنفي صنعته، فكان يضحكون منه، ويقولون له: صرت نجارا بعد أن كنت نبيا. { قال } لهم: { إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون } ، فنسخر منكم حين يأخذكم في الدنيا الغرق، وفي الآخرة الحرق. { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } ، وهو: الغرق، والحرق بعده. { ويحل } أي: ينزل { عليه عذاب مقيم }: دائم، وهو النار يوم القيامة. الإشارة: إذا تحقق الولي بإعراض الخلق عنه، وأيس منهم أن يتبعوه، فلا يحزن، ولا يغتم منهم، ففي الله غنى عن كل شيء، وليس يغني عنه شيء. وفي إعراض الخلق راحة لقلب الولي ولبدنه، فإذا سخروا منه فليقل في نفسه: إن تسخروا منا اليوم، فنسخر منكم حين تحقق الحقائق، فيرتفع المقربون، وينسفل الباطلون، وكان شيخ أشياخنا سيدي علي العمراني رضي الله عنه كثيرا ما يقول: ليت القيامة قامت، حتى يظهر الرجال من غيرهم. أو ما هذا معناه. ثم ذكر مبدأ الطوفان، فقال: { حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور }.

هود 11:39

يقول الحق جل جلاله: { وأوحي إلى نوح انه لم يؤمن من قومك } بعد هذا { إلا من قد آمن } قبل، وكان هذا الوحي بعد ان مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله تعالى: فكان الرجل منهم يأتيه بابنه، ويقول: يا بني لا تصدق هذا الشيخ، فهكذا عهد إلي أبي وجدي. فلما نزل الوحي وأيس من إيمانهم دعا عليهم. وقال له تعالى رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [نوح: 26]. قال له تعالى: { فلا تبتئس }: تحزن وتغتم { بما كانوا يفعلون } من التكذيب والإيذاء، أقنطه أولا من إيمانهم، ونهاه أن يغتم لأجلهم. ثم أمره بصنع السفينة، فقال: { واصنع الفلك بأعيننا } بحفظنا ورعايتنا، أو بمرأى منا ومسمع غير محتاج إلى آلة حفظ وحرس، { ووحينا } إليك، كيف تصنعها، روي أنه لما جهل صنعها أوحى الله إليه: أن اصنعها على مثال جؤجؤ الطائر. وروي أيضا: انها كانت مريعة الشكل، طويلة في السماء، ضيقة الأعلى، وأن المراد منها إنما كان الحفظ، لا سرعة المشي، والأول أرجح: أعني: على صورة ظهر الطائر. قال في الأساس: عملت سفينة نوح عليه السلام من ساج، وهو خشب أسود، رزان، لا تكاد الأرض تبليه، من الهند. ه. وفي رواية أخرى: صنعها نوح عليه السلام، وجبريل يصف له، فكان أسفلها كأسفل السفن وأعلاها كالسقف، وداخلها كالبيت، ولها أبواب في جوانبها. ه. ثم إن نوحا عليه السلام لما تحقق هلاك قومه، رق عليهم، فهم ان يراجع الله في شأنهم، فقال له تعالى: { ولا تخاطبني } ولا تراجعني { في الذين ظلموا } ، ولا تدع باستدفاع العذاب عنهم { إنهم مغرقون }: محكوم عليهم بالغرق لا محالة. فلا سبيل إلى كفه. { ويصنع الفلك } ، حكي ما وقع بصيغة الحال استحضارا لتلك الحال العجيبة، { وكلما مر عليه ملأ }: جماعة { من قومه سخروا منه }: استهزؤوا به: لأنه كان يعمل السفينة في برية بعيدة من الماء. أو أن عزته تنفي صنعته، فكان يضحكون منه، ويقولون له: صرت نجارا بعد أن كنت نبيا. { قال } لهم: { إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون } ، فنسخر منكم حين يأخذكم في الدنيا الغرق، وفي الآخرة الحرق. { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } ، وهو: الغرق، والحرق بعده. { ويحل } أي: ينزل { عليه عذاب مقيم }: دائم، وهو النار يوم القيامة. الإشارة: إذا تحقق الولي بإعراض الخلق عنه، وأيس منهم أن يتبعوه، فلا يحزن، ولا يغتم منهم، ففي الله غنى عن كل شيء، وليس يغني عنه شيء. وفي إعراض الخلق راحة لقلب الولي ولبدنه، فإذا سخروا منه فليقل في نفسه: إن تسخروا منا اليوم، فنسخر منكم حين تحقق الحقائق، فيرتفع المقربون، وينسفل الباطلون، وكان شيخ أشياخنا سيدي علي العمراني رضي الله عنه كثيرا ما يقول: ليت القيامة قامت، حتى يظهر الرجال من غيرهم. أو ما هذا معناه. ثم ذكر مبدأ الطوفان، فقال: { حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور }.

هود 11:40

قلت: حتى: غاية لقوله: ويصنع الفلك، أو ابتدائية. واثنين مفعول باحمل، وأهلك: عطف عليه. يقول الحق جل جلاله: { حتى إذا جاء أمرنا } بغرقهم، أو أمرنا للأرض بالفوران وللسحاب بالإرسال، { وفار التنور } نبع الماء منه وارتفع كالقدر تفور. والتنور: تنور الخبز، ابتدأ منه النبوع، على خرق العادة، أرادت ابنته أن تسجره ففار الماء في النار، روي أنه كان تنور آدم، خلص إلى نوح فكان يوقد فيه، وقيل: كان في الكوفة في موضع مسجدها. وقيل: في الهند، وقيل: التنور: وجه الأرض. قاله ابن عباس. فلما فار بالماء { قلنا احمل فيها } في السفينة، { من كل زوجين اثنين } من كل نوع من الحيوان ذكرا وأنثى روي أن نوحا عليه السلام وقف على باب السفينة، وحشر إليه الوحوش، فكان الذكر يقع في يمينه، والأنثى في شماله، وهو يدخل في السفينة. وآخر ما دخل الحمار، فتمسك الشيطان بذنبه فزجره نوح فلم ينعق، فدخل معه، فجلس عند مؤخر السفينة. وروي أن نوحا عليه السلام آذاه نتن الزبل والعذرة، فأوحى الله إليه: أن امسح على ذنب الفيل، فخرج من انفه خنزير وخنزيرة، فكفياه أمر ذلك الأذى. وروي أن الفأر آذى الناس فاوحى الله إليه: أن امسح على جبهة الأسد ففعل، فعطس فخرج منه هر وهرة. فكفياه أمر الفأر. انظر ابن عطية. { و } احمل أيضا { أهلك } أي: امرأتك وبنيك ونساءهم، { إلا من سبق عليه القول }: أنه من المغرقين يريد: ابنه كنعان وأمه واعلة، فإنهما كانا كافرين. { و } احمل { من آمن } بك. قال تعالى: { وما آمن معه إلا قليل } ، قيل: كانوا تسعة وسبعين: زوجته المسلمة، وبنوه الثلاثة: حام وسام ويافث، ونساؤهم، واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم. وفي بعض الآثار: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبوالحبش ". قاله ابن عطية: وسيأتي خلافه في سورة الصافات. وهو الراجح. وقال البيضاوي: روي ان نوحا عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين، وكان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين، وسمكها ثلاثين. وجعل لها ثلاثة بطون. فحمل في أسفلها الدواب والوحش، وفي وسطها الإنس، وفي أعلاها الطير. ه. والله تعالى أعلم. الإشارة: حتى إذا جاء أمرنا بكمال الطهارة من العيوب، وفار تنور القلب بعلم الغيوب وجرت سفينة الفكرة في بحار التوحيد، وأسرار التفريد، قلنا: احمل فيها من كل زوجين اثنين علم الشريعة والحقيقة، وعلم الحكمة القدرة، وعلم الحس والمعنى، وعلم الأشباح والأرواح، وعلم الملك والملكوت. وتحمل من تمسك بها من أهل المحبة والوداد، إلا من سبق عليه القول بالمكث في مقام البعاد، وتحمل من آمن بخصوصيتها من العباد، فتقربه من مسلك التوفيق والتسديد، حين يمن الحق تعالى عليها بالقرب من أهل المحبة والوداد. وبالله التوفيق. ثم أمرهم بالركوب في السفينة، فقال: { وقال اركبوا فيها بسم الله }.

هود 11:41

قلت: مجريها ومرساها: مشتقان من الجري والإرسال، أي: الثبوت، وهما إما ظرفان زمانيان، أو مكانيان، وإما مصدران، والعامل فيهما: ما في بسم الله من معنى الفعل. وإعراب " بسم الله ": إما حال مقدرة من الضمير في " اركبوا " ، أي: اركبوا متبركين بسم الله، أو قائلين: بسم الله، وقت إجرائها وإرسائها. أو مجراها ومرساها: مبتدأ، وبسم الله: خبر: فيوقف على فيها أي: إجراؤها وإرساؤها حاصل بسم الله. يقول الحق جل جلاله: وقال نوح لمن كان معه: { اركبوا } في السفينة وسيروا فيها. روي أنهم ركبوا أول يوم من رجب، وقيل: يوم العاشر منه، واستوت على الجودي يوم عاشوراء، { بسم الله مجريها ومرساها } أي: متبركين بسم الله وقت إجرائها، أو قائلين بسم الله وقت إجرائها وإرسائها، روي: أنه عليه السلام كان إذا أراد أن يجري السفينة قال: بسم الله، فتجري، وإن أراد أن يوقفها قال: بسم الله، فتوقف. { أن ربي لغفور رحيم } ، فلولا مغفرته لما فرط منكم، ورحمته إياكم، لما أنجاكم. فركبوا مسلمين وساروا. { وهي تجري بهم في موج كالجبال } ، والموج: ما يرتفع من الماء عند اضطرابه، أي: كل موجة من الطوفان كالجبال في تراكمها وارتفاعها، وما قيل من أن الماء أطبق ما بين السماء والأرض، وكانت السفينة تجري في جوفه، لم يثبت. وكيف يكون الموج كالجبال؟ والمشهور أنه علا شوامخ الجبال، خمسة عشر ذراعا، وإن صح ذلك فلعل ارتفاع الموج كالجبال كان قبل التطبيق. { ونادى نوح ابنه } ، كان كنعمان. وقيل: كان لغير رشدة، وهو خطأ لأن الأنبياء عصمت من أن تزني أزواجهم. والمراد بالخيانة في قوله: فخانتاهما [التحريم: 10]. في الدين. { وكان في معزل } في ناحية، عزل نفسه فيها عن أبيه، أو عن دينه، فقال له أبوه: { يا بني اركب معنا } في السفينة، { ولا تكن مع الكافرين } في الدين أو في الأعتزال عنا، وكان يظنه مؤمنا، لإخفاء كفره. { قال سآوي إلى جبل يعصمني } يمنعني { من الماء } ، فلا أغرق، { قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ربي } أي: إلا الراحم، وهو الله فلا عاصم إلا أرحم الراحمين. أو: { لا عاصم } لا ذو عصمة إلا من رحم الله، فلا معصوم إلا من رحمه الله. فالاستثناء حينئذ متصل. أو: لا عاصم اليوم من أمر الله لكن من رحمه الله فهو المعصوم. أو: لا ذو عصمة لكن الراحم يعصم من شاء، والاستثناء منقطع. { وحال بينهما الموج } بين نوح وابنه، { فكان من المغرقين } فصار من المهلكين بالماء. روي أنه صنع بيتا من زجاج، وحمل معه طعامه وشرابه، وصعد على وجه الماء فسلط الله عليه البول حتى غرق في بوله، والله تعالى أعلم بشأنه. الإشارة: إذا دخل العارف في بحر الفناء، وغاب عن حسه ورسمه، واتصل معناه ببحر معاني الأسرار، جرت سفينة فكرته في بحر الذات وأنوار الصفات، فقال لأصحابه: اركبوا فيها، بسم الله مجريها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم، حيث غطى وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته. فوصلكم بما منه إليه، لا بما منكم إليه، فصارت سفن الأفكار تجري بهم في موج كالجبال، وهي تيار بحر الذات. فالخمرة الأزلية الخفية الصافية بحر لا ساحل له، وما ظهر من أنوار الصفات أمواجه. فأنوار الآثار هي أمواج البحار، وما عظم من أمواجه يسمى التيار، ولذلك قيل: العارفون يغرقون في بحر الذات، وتيار الصفات، فتراهم إذا غرقوا في بحر الأسرار وتيار الأنوار، وساروا فيها بمدد أسرارهم، تلاطمت عليهم أمواجه. وهي تجري بهم في موج كالجبال، فلا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، فآواه إلى جبل السنة المحمدية فكان من الناجين. وآخرون حال بيهم الموج، فكانوا من المغرقين، فالتبس الأمر عليهم، فقالوا بالحلول والاتحاد، أو نفي الحكمة والأحكام. وهذا في حق من ركب بلا رئيس ماهر، وإلا رده إلى سفينة النجاة، وهي: التمسك بالشريعة المحمدية في الظاهر، والتحقق بالحقيقة الأصلية. وبالله التوفيق. ثم ذكر انتهاء الطوفان، فقال: { وقيل يأرض ابلعي مآءك }.

هود 11:42

قلت: مجريها ومرساها: مشتقان من الجري والإرسال، أي: الثبوت، وهما إما ظرفان زمانيان، أو مكانيان، وإما مصدران، والعامل فيهما: ما في بسم الله من معنى الفعل. وإعراب " بسم الله ": إما حال مقدرة من الضمير في " اركبوا " ، أي: اركبوا متبركين بسم الله، أو قائلين: بسم الله، وقت إجرائها وإرسائها. أو مجراها ومرساها: مبتدأ، وبسم الله: خبر: فيوقف على فيها أي: إجراؤها وإرساؤها حاصل بسم الله. يقول الحق جل جلاله: وقال نوح لمن كان معه: { اركبوا } في السفينة وسيروا فيها. روي أنهم ركبوا أول يوم من رجب، وقيل: يوم العاشر منه، واستوت على الجودي يوم عاشوراء، { بسم الله مجريها ومرساها } أي: متبركين بسم الله وقت إجرائها، أو قائلين بسم الله وقت إجرائها وإرسائها، روي: أنه عليه السلام كان إذا أراد أن يجري السفينة قال: بسم الله، فتجري، وإن أراد أن يوقفها قال: بسم الله، فتوقف. { أن ربي لغفور رحيم } ، فلولا مغفرته لما فرط منكم، ورحمته إياكم، لما أنجاكم. فركبوا مسلمين وساروا. { وهي تجري بهم في موج كالجبال } ، والموج: ما يرتفع من الماء عند اضطرابه، أي: كل موجة من الطوفان كالجبال في تراكمها وارتفاعها، وما قيل من أن الماء أطبق ما بين السماء والأرض، وكانت السفينة تجري في جوفه، لم يثبت. وكيف يكون الموج كالجبال؟ والمشهور أنه علا شوامخ الجبال، خمسة عشر ذراعا، وإن صح ذلك فلعل ارتفاع الموج كالجبال كان قبل التطبيق. { ونادى نوح ابنه } ، كان كنعمان. وقيل: كان لغير رشدة، وهو خطأ لأن الأنبياء عصمت من أن تزني أزواجهم. والمراد بالخيانة في قوله: فخانتاهما [التحريم: 10]. في الدين. { وكان في معزل } في ناحية، عزل نفسه فيها عن أبيه، أو عن دينه، فقال له أبوه: { يا بني اركب معنا } في السفينة، { ولا تكن مع الكافرين } في الدين أو في الأعتزال عنا، وكان يظنه مؤمنا، لإخفاء كفره. { قال سآوي إلى جبل يعصمني } يمنعني { من الماء } ، فلا أغرق، { قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ربي } أي: إلا الراحم، وهو الله فلا عاصم إلا أرحم الراحمين. أو: { لا عاصم } لا ذو عصمة إلا من رحم الله، فلا معصوم إلا من رحمه الله. فالاستثناء حينئذ متصل. أو: لا عاصم اليوم من أمر الله لكن من رحمه الله فهو المعصوم. أو: لا ذو عصمة لكن الراحم يعصم من شاء، والاستثناء منقطع. { وحال بينهما الموج } بين نوح وابنه، { فكان من المغرقين } فصار من المهلكين بالماء. روي أنه صنع بيتا من زجاج، وحمل معه طعامه وشرابه، وصعد على وجه الماء فسلط الله عليه البول حتى غرق في بوله، والله تعالى أعلم بشأنه. الإشارة: إذا دخل العارف في بحر الفناء، وغاب عن حسه ورسمه، واتصل معناه ببحر معاني الأسرار، جرت سفينة فكرته في بحر الذات وأنوار الصفات، فقال لأصحابه: اركبوا فيها، بسم الله مجريها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم، حيث غطى وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته. فوصلكم بما منه إليه، لا بما منكم إليه، فصارت سفن الأفكار تجري بهم في موج كالجبال، وهي تيار بحر الذات. فالخمرة الأزلية الخفية الصافية بحر لا ساحل له، وما ظهر من أنوار الصفات أمواجه. فأنوار الآثار هي أمواج البحار، وما عظم من أمواجه يسمى التيار، ولذلك قيل: العارفون يغرقون في بحر الذات، وتيار الصفات، فتراهم إذا غرقوا في بحر الأسرار وتيار الأنوار، وساروا فيها بمدد أسرارهم، تلاطمت عليهم أمواجه. وهي تجري بهم في موج كالجبال، فلا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، فآواه إلى جبل السنة المحمدية فكان من الناجين. وآخرون حال بيهم الموج، فكانوا من المغرقين، فالتبس الأمر عليهم، فقالوا بالحلول والاتحاد، أو نفي الحكمة والأحكام. وهذا في حق من ركب بلا رئيس ماهر، وإلا رده إلى سفينة النجاة، وهي: التمسك بالشريعة المحمدية في الظاهر، والتحقق بالحقيقة الأصلية. وبالله التوفيق. ثم ذكر انتهاء الطوفان، فقال: { وقيل يأرض ابلعي مآءك }.

هود 11:43

قلت: مجريها ومرساها: مشتقان من الجري والإرسال، أي: الثبوت، وهما إما ظرفان زمانيان، أو مكانيان، وإما مصدران، والعامل فيهما: ما في بسم الله من معنى الفعل. وإعراب " بسم الله ": إما حال مقدرة من الضمير في " اركبوا " ، أي: اركبوا متبركين بسم الله، أو قائلين: بسم الله، وقت إجرائها وإرسائها. أو مجراها ومرساها: مبتدأ، وبسم الله: خبر: فيوقف على فيها أي: إجراؤها وإرساؤها حاصل بسم الله. يقول الحق جل جلاله: وقال نوح لمن كان معه: { اركبوا } في السفينة وسيروا فيها. روي أنهم ركبوا أول يوم من رجب، وقيل: يوم العاشر منه، واستوت على الجودي يوم عاشوراء، { بسم الله مجريها ومرساها } أي: متبركين بسم الله وقت إجرائها، أو قائلين بسم الله وقت إجرائها وإرسائها، روي: أنه عليه السلام كان إذا أراد أن يجري السفينة قال: بسم الله، فتجري، وإن أراد أن يوقفها قال: بسم الله، فتوقف. { أن ربي لغفور رحيم } ، فلولا مغفرته لما فرط منكم، ورحمته إياكم، لما أنجاكم. فركبوا مسلمين وساروا. { وهي تجري بهم في موج كالجبال } ، والموج: ما يرتفع من الماء عند اضطرابه، أي: كل موجة من الطوفان كالجبال في تراكمها وارتفاعها، وما قيل من أن الماء أطبق ما بين السماء والأرض، وكانت السفينة تجري في جوفه، لم يثبت. وكيف يكون الموج كالجبال؟ والمشهور أنه علا شوامخ الجبال، خمسة عشر ذراعا، وإن صح ذلك فلعل ارتفاع الموج كالجبال كان قبل التطبيق. { ونادى نوح ابنه } ، كان كنعمان. وقيل: كان لغير رشدة، وهو خطأ لأن الأنبياء عصمت من أن تزني أزواجهم. والمراد بالخيانة في قوله: فخانتاهما [التحريم: 10]. في الدين. { وكان في معزل } في ناحية، عزل نفسه فيها عن أبيه، أو عن دينه، فقال له أبوه: { يا بني اركب معنا } في السفينة، { ولا تكن مع الكافرين } في الدين أو في الأعتزال عنا، وكان يظنه مؤمنا، لإخفاء كفره. { قال سآوي إلى جبل يعصمني } يمنعني { من الماء } ، فلا أغرق، { قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ربي } أي: إلا الراحم، وهو الله فلا عاصم إلا أرحم الراحمين. أو: { لا عاصم } لا ذو عصمة إلا من رحم الله، فلا معصوم إلا من رحمه الله. فالاستثناء حينئذ متصل. أو: لا عاصم اليوم من أمر الله لكن من رحمه الله فهو المعصوم. أو: لا ذو عصمة لكن الراحم يعصم من شاء، والاستثناء منقطع. { وحال بينهما الموج } بين نوح وابنه، { فكان من المغرقين } فصار من المهلكين بالماء. روي أنه صنع بيتا من زجاج، وحمل معه طعامه وشرابه، وصعد على وجه الماء فسلط الله عليه البول حتى غرق في بوله، والله تعالى أعلم بشأنه. الإشارة: إذا دخل العارف في بحر الفناء، وغاب عن حسه ورسمه، واتصل معناه ببحر معاني الأسرار، جرت سفينة فكرته في بحر الذات وأنوار الصفات، فقال لأصحابه: اركبوا فيها، بسم الله مجريها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم، حيث غطى وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته. فوصلكم بما منه إليه، لا بما منكم إليه، فصارت سفن الأفكار تجري بهم في موج كالجبال، وهي تيار بحر الذات. فالخمرة الأزلية الخفية الصافية بحر لا ساحل له، وما ظهر من أنوار الصفات أمواجه. فأنوار الآثار هي أمواج البحار، وما عظم من أمواجه يسمى التيار، ولذلك قيل: العارفون يغرقون في بحر الذات، وتيار الصفات، فتراهم إذا غرقوا في بحر الأسرار وتيار الأنوار، وساروا فيها بمدد أسرارهم، تلاطمت عليهم أمواجه. وهي تجري بهم في موج كالجبال، فلا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، فآواه إلى جبل السنة المحمدية فكان من الناجين. وآخرون حال بيهم الموج، فكانوا من المغرقين، فالتبس الأمر عليهم، فقالوا بالحلول والاتحاد، أو نفي الحكمة والأحكام. وهذا في حق من ركب بلا رئيس ماهر، وإلا رده إلى سفينة النجاة، وهي: التمسك بالشريعة المحمدية في الظاهر، والتحقق بالحقيقة الأصلية. وبالله التوفيق. ثم ذكر انتهاء الطوفان، فقال: { وقيل يأرض ابلعي مآءك }.

هود 11:44

قلت: بعدا: منصوب على المصدر، أي: أبعدوا بعدا. يقول الحق جل جلاله: { وقيل } أي: قال الله: { يا ارض ابلعي ماءك } الذي خرج منك، فانفتحت أفواها، فرجع إليها ما خرج منها، { ويا سماء أقلعي }: أمسكي عن الإمطار. روي أنها أمطرت من كل موضع. فبقي ما نزل منها بحارا على وجه الأرض. قال البيضاوي: نوديا بما ينادى به أولو العلم، وأمرا بما يؤمنون به، تمثيلا لكمال قدرته، وانقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما، بالأمر المطاع، الذي يأمر المنقاد لحكمه، المبادر إلى امتثال أمره، مهابة من عظمته، وخشية من أليم عقابه. والبلع: النشف، والإقلاع: الإمساك. ه. { وغيض الماء } نقص ولم ينشف ما خرج منها، { وقضي الأمر }: وأنجز ما وعد من إهلاك الكافرين، وإنجاء المؤمنين، { واستوت }: استقرت السفينة { على الجودي } جبل بالموصل. وقيل: بالشام. وتقدم أنه نزل يوم عاشوراء، فصامه شكرا. وبقي ستة أشهر على الماء. { وقيل بعدا للقوم الظالمين } هلاكا لهم. يقال بعد، إذا بعد بعدا بعيدا، بحيث لا يرجى عوده، ثم استعير للهلاك. وخص بدعاء السوء. والآية كما ترى في غاية الفصاحة لفخامة لفظها وحسن نظمها، والدلالة على كنه الحال مع الإيجاز الخالي عن الإخلال. وإيراد الأخبار على البناء للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل، وأنه متعين في نفسه، مستغن عن ذكره، إذ لا يذهب الوهم إلى غيره للعلم به، فإن مثل هذه الأفعال لا يقدر عليها سوى الواحد القهار. قاله البيضاوي. فإن قلت: قد عم الغرق الدنيا كلها، مع أن دعوة نوح عليه السلام لم تكن عامة، وقد قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15]؟ فالجواب: أن الكفر قد كان عم الموجودين في ذلك الزمان، مع تمكنهم من النظر والاستدلال على الصانع وتوحيده، ومع قدرتهم على الإتيان إلى نوح في أمر الشرائع، فقصروا في الجهتين. وأيضا: لم تكن الأرض كلها معمورة بالناس، فكل من كان موجودا سمع بدعوة نوح فجحدها. والله تعالى أعلم. وانظر ابن عطية عند قوله: { واصنع الفلك }. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا توالت على القلب الواردات الإلهية السماوية، والأحوال النفسانية المزعجة، خيف على العقل الاختطاف والاصطدام، فقيل: يا أرض النفس ابلعي ماءك واسكني، ويا سماء الواردات أقلعي، وغيض الماء، أي: نقص هيجان الحال، وقضي الأمر بالاعتدال، واستوت سفينة الفكرة على جبل العقل، فحاز الشرف والكمال لكونه برزخا بين بحرين، يعطي الحقيقة حقها والشريعة حقها، فيعطي كل ذي حق حقه، ويوفى كل ذي قسط قسطه. وقيل: بعدا لمن تخلف عن هذا المقام، وظلم نفسه بإلقائها في سجن الهوى وغيهب الظلام. والله تعالى أعلم. ولما غرق كنعان مع من غرق، استفهم نوح عليه السلام ربه عن الوعد الذي وعده بإنجاء أهله، كما قال تعالى: { ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي }.

هود 11:45

قلت: وإن وعدك: عطف على إن ابني. وأنت أحكم: حال من الكاف. وإني أعظك: مفعول من أجله، أي: كراهية أن تكون من الجاهلين. يقول الحق جل جلاله: { ونادى نوح ربه } بعد تعميم الغرق، أي: أراد النداء بدليل عطف قوله: { فقال رب إن ابني من أهلي } ، فإنه هو النداء، أو تكون فصيحة، جوابا عن مقدر، كأن قائلا قال: ماذا في ندائه؟ فقال: إن ابني من أهلي وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي، { وإن وعدك الحق } لا يتطرقه الخلف، فما باله غرق؟ { وأنت أحكم الحاكمين } لأنك أعلمهم وأعدلهم، فلم أعرف وجه حكمك عليه بالغرق. أو لأنك أكثر حكمة من ذوي الحكم، فلم أفهم حكمة غرقه. { قال } تعالى: { يا نوح إنه ليس من أهلك } لأنه خالفك في الدين، ولا ولاية بين الكافر والمؤمن، { إنه عمل غير صالح } أي: ذو عمل فاسد. جعل ذاته نفس العمل مبالغة. وقرأ الكسائي ويعقوب: عمل بلفظ الماضي. أي: عمل عملا فاسدا. استحق به البعد عنك. أو: إنه أي سؤالك عمل غير صالح. ويقوي هذا قراءة ابن مسعود: " إنه عمل غير صالح أن تسألني ما ليس لك به علم، وقراءة الجماعة: { فلا تسألن ما ليس لك به علم } أصواب هو أم لا، حتى تقف على كنهه. وإنما سمي نداءه سؤالا لتضمنه معنى السؤال، بذكر الوعد واستنجازه واستفسار المانع. ثم وعظه بقوله: { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } أي: إني أعظك كراهة أن تكون من الجاهلين الذين يسألون ما لا يوافق القدر. وقد استثنيته بقولي: { إلا من سبق عليه القول }. وليس فيه وصفه بالجهل، بل وعظه لئلا يقع فيه، والحامل له على السؤال، مع أنه استثنى له غلبة الشفقة على الولد مع كونه لم يتحقق أنه ممن سبق عليه القول. { قال } نوح: يا { رب إني أعوذ بك أن أسألك } في المستقبل { ما ليس لي به علم } ما لا علم لي بصحته. { وإلا تغفر لي } ما فرط مني من السؤال، { وترحمني } بالتوبة، تفضلا وإحسانا، وبالتوفيق والعصمة في المستقبل، { أكن من الخاسرين } بسوء أدبي معك. الإشارة: قال الورتجبي: أدب نبيه نوحا عليه السلام بأن لا يسأل إلا ما وافق القدر. كل دعاء لم يوافق مراده تعالى في سابق علمه لم يؤثر في مراد الداعي. وقوله: { إنه عمل غير صالح } أي: ليس عمله على موافقة السنة، ثم وعظه، وقال: { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } ، الجاهل: من جهل قدر الله، أي: أنزهك عن سوء الأدب في السؤال، على غير قاعدة مرادك. ه. وقال في الحكم: " ليس الشأن وجوب الطلب، وإنما الشأن أن ترزق حسن الأدب ". ثم أمره بالنزول إلى الأرض من السفينة، فقال: { قيل ينوح اهبط بسلام منا }.

هود 11:46

قلت: وإن وعدك: عطف على إن ابني. وأنت أحكم: حال من الكاف. وإني أعظك: مفعول من أجله، أي: كراهية أن تكون من الجاهلين. يقول الحق جل جلاله: { ونادى نوح ربه } بعد تعميم الغرق، أي: أراد النداء بدليل عطف قوله: { فقال رب إن ابني من أهلي } ، فإنه هو النداء، أو تكون فصيحة، جوابا عن مقدر، كأن قائلا قال: ماذا في ندائه؟ فقال: إن ابني من أهلي وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي، { وإن وعدك الحق } لا يتطرقه الخلف، فما باله غرق؟ { وأنت أحكم الحاكمين } لأنك أعلمهم وأعدلهم، فلم أعرف وجه حكمك عليه بالغرق. أو لأنك أكثر حكمة من ذوي الحكم، فلم أفهم حكمة غرقه. { قال } تعالى: { يا نوح إنه ليس من أهلك } لأنه خالفك في الدين، ولا ولاية بين الكافر والمؤمن، { إنه عمل غير صالح } أي: ذو عمل فاسد. جعل ذاته نفس العمل مبالغة. وقرأ الكسائي ويعقوب: عمل بلفظ الماضي. أي: عمل عملا فاسدا. استحق به البعد عنك. أو: إنه أي سؤالك عمل غير صالح. ويقوي هذا قراءة ابن مسعود: " إنه عمل غير صالح أن تسألني ما ليس لك به علم، وقراءة الجماعة: { فلا تسألن ما ليس لك به علم } أصواب هو أم لا، حتى تقف على كنهه. وإنما سمي نداءه سؤالا لتضمنه معنى السؤال، بذكر الوعد واستنجازه واستفسار المانع. ثم وعظه بقوله: { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } أي: إني أعظك كراهة أن تكون من الجاهلين الذين يسألون ما لا يوافق القدر. وقد استثنيته بقولي: { إلا من سبق عليه القول }. وليس فيه وصفه بالجهل، بل وعظه لئلا يقع فيه، والحامل له على السؤال، مع أنه استثنى له غلبة الشفقة على الولد مع كونه لم يتحقق أنه ممن سبق عليه القول. { قال } نوح: يا { رب إني أعوذ بك أن أسألك } في المستقبل { ما ليس لي به علم } ما لا علم لي بصحته. { وإلا تغفر لي } ما فرط مني من السؤال، { وترحمني } بالتوبة، تفضلا وإحسانا، وبالتوفيق والعصمة في المستقبل، { أكن من الخاسرين } بسوء أدبي معك. الإشارة: قال الورتجبي: أدب نبيه نوحا عليه السلام بأن لا يسأل إلا ما وافق القدر. كل دعاء لم يوافق مراده تعالى في سابق علمه لم يؤثر في مراد الداعي. وقوله: { إنه عمل غير صالح } أي: ليس عمله على موافقة السنة، ثم وعظه، وقال: { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } ، الجاهل: من جهل قدر الله، أي: أنزهك عن سوء الأدب في السؤال، على غير قاعدة مرادك. ه. وقال في الحكم: " ليس الشأن وجوب الطلب، وإنما الشأن أن ترزق حسن الأدب ". ثم أمره بالنزول إلى الأرض من السفينة، فقال: { قيل ينوح اهبط بسلام منا }.

هود 11:47

قلت: وإن وعدك: عطف على إن ابني. وأنت أحكم: حال من الكاف. وإني أعظك: مفعول من أجله، أي: كراهية أن تكون من الجاهلين. يقول الحق جل جلاله: { ونادى نوح ربه } بعد تعميم الغرق، أي: أراد النداء بدليل عطف قوله: { فقال رب إن ابني من أهلي } ، فإنه هو النداء، أو تكون فصيحة، جوابا عن مقدر، كأن قائلا قال: ماذا في ندائه؟ فقال: إن ابني من أهلي وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي، { وإن وعدك الحق } لا يتطرقه الخلف، فما باله غرق؟ { وأنت أحكم الحاكمين } لأنك أعلمهم وأعدلهم، فلم أعرف وجه حكمك عليه بالغرق. أو لأنك أكثر حكمة من ذوي الحكم، فلم أفهم حكمة غرقه. { قال } تعالى: { يا نوح إنه ليس من أهلك } لأنه خالفك في الدين، ولا ولاية بين الكافر والمؤمن، { إنه عمل غير صالح } أي: ذو عمل فاسد. جعل ذاته نفس العمل مبالغة. وقرأ الكسائي ويعقوب: عمل بلفظ الماضي. أي: عمل عملا فاسدا. استحق به البعد عنك. أو: إنه أي سؤالك عمل غير صالح. ويقوي هذا قراءة ابن مسعود: " إنه عمل غير صالح أن تسألني ما ليس لك به علم، وقراءة الجماعة: { فلا تسألن ما ليس لك به علم } أصواب هو أم لا، حتى تقف على كنهه. وإنما سمي نداءه سؤالا لتضمنه معنى السؤال، بذكر الوعد واستنجازه واستفسار المانع. ثم وعظه بقوله: { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } أي: إني أعظك كراهة أن تكون من الجاهلين الذين يسألون ما لا يوافق القدر. وقد استثنيته بقولي: { إلا من سبق عليه القول }. وليس فيه وصفه بالجهل، بل وعظه لئلا يقع فيه، والحامل له على السؤال، مع أنه استثنى له غلبة الشفقة على الولد مع كونه لم يتحقق أنه ممن سبق عليه القول. { قال } نوح: يا { رب إني أعوذ بك أن أسألك } في المستقبل { ما ليس لي به علم } ما لا علم لي بصحته. { وإلا تغفر لي } ما فرط مني من السؤال، { وترحمني } بالتوبة، تفضلا وإحسانا، وبالتوفيق والعصمة في المستقبل، { أكن من الخاسرين } بسوء أدبي معك. الإشارة: قال الورتجبي: أدب نبيه نوحا عليه السلام بأن لا يسأل إلا ما وافق القدر. كل دعاء لم يوافق مراده تعالى في سابق علمه لم يؤثر في مراد الداعي. وقوله: { إنه عمل غير صالح } أي: ليس عمله على موافقة السنة، ثم وعظه، وقال: { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } ، الجاهل: من جهل قدر الله، أي: أنزهك عن سوء الأدب في السؤال، على غير قاعدة مرادك. ه. وقال في الحكم: " ليس الشأن وجوب الطلب، وإنما الشأن أن ترزق حسن الأدب ". ثم أمره بالنزول إلى الأرض من السفينة، فقال: { قيل ينوح اهبط بسلام منا }.

هود 11:48

قلت: " تلك ": مبتدأ. و " من أنباء ": خبر. و " نوحيها ": خبر ثان، و " ما كنت تعلمها ": خبر ثالث، أو حال من الهاء، أي: حال كونها مجهولة عندك وعند قومك. يقول الحق جل جلاله: { قيل يا نوح اهبط } من السفينة إلى عمارة الأرض { بسلام منا } ، أي: متلبسا بسلامة من المكاره، من جهة حفظنا ورعايتنا. أو مسلما عليك. { وبركات عليك } وزيادات في نسلك حتى تصير آدما ثانيا، فالبركة هي: الخير النامي. أو: مباركا عليك، { وعلى أمم ممن معك } أي: هم الذين معك، أو ناشئة ممن معك، فقد تشعبت الأمم ممن معه من ذريته. والمراد: المؤمنون، بدليل قوله: { وأمم سنمتعهم } في الدنيا، ونوسع عليهم فيها، { ثم يمسهم منا عذاب أليم } في الآخرة، وهم الكفار ممن نشأ من ذريته. وقيل: هم قوم هود وصالح ولوط وشعيب، والعذاب: ما نزل بهم في الدنيا. { تلك } القصة، أو خبر نوح عليه السلام، هي: { من أنباء الغيب } أي: بعض أخبار الغيب { نوحيها إليك } لا طريق إلى معرفتها إلا الوحي، { ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا } الوقت لولا إيحاؤنا إليك بها، فهي من دلائل نبوتك لأنك لم تغب عنهم، ولم تخالط غيرهم، فتعين أنه من عند الله. فإن كذبوك { فاصبر إن العاقبة للمتقين } وأنت أعظمهم. فالعاقبة لك في الدنيا بالنصر والعز، وفي الآخرة بالرفيق الأعلى. أو فاصبر على مشاق التبليغ مع إذاية قومك، كما صبر نوح عليه السلام. إن العاقبة للمتقين بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة. الإشارة: يقال للمريد إذا تمكن من الفناء، وارتفعت فكرته عن عالم الأكوان: اهبط إلى مقام البقاء لتقوم بآداب العبودية بعد مشاهدة عظمة الربوبية، انزل إلى سماء الحقوق، أو أرض الحظوظ بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، لا بقصد متابعة الشهوة والمتعة. اهبط بسلام منا أي: بسلامة من الرجوع أو الشقاء. وبركات عليك وعلى من تبعك. ولذلك قيل: من رجع إلى البقاء أمن من الشقاء. وأمم قد ضلوا عن متابعتك، سنمتعهم في الدنيا بمتابعة الهوى، ثم يمسهم منا عذاب الحجاب وسوء الحساب. تلك الواردات الإلهية نوحيها إليك، ما كنت تعلمها أيها العارف من قبل هذا، أنت ولا من تبعك، فاصبر فإن الجمال مقرون بالجلال، والعاقبة للمتقين. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { وإلى عاد أخاهم هودا }.

هود 11:49

قلت: " تلك ": مبتدأ. و " من أنباء ": خبر. و " نوحيها ": خبر ثان، و " ما كنت تعلمها ": خبر ثالث، أو حال من الهاء، أي: حال كونها مجهولة عندك وعند قومك. يقول الحق جل جلاله: { قيل يا نوح اهبط } من السفينة إلى عمارة الأرض { بسلام منا } ، أي: متلبسا بسلامة من المكاره، من جهة حفظنا ورعايتنا. أو مسلما عليك. { وبركات عليك } وزيادات في نسلك حتى تصير آدما ثانيا، فالبركة هي: الخير النامي. أو: مباركا عليك، { وعلى أمم ممن معك } أي: هم الذين معك، أو ناشئة ممن معك، فقد تشعبت الأمم ممن معه من ذريته. والمراد: المؤمنون، بدليل قوله: { وأمم سنمتعهم } في الدنيا، ونوسع عليهم فيها، { ثم يمسهم منا عذاب أليم } في الآخرة، وهم الكفار ممن نشأ من ذريته. وقيل: هم قوم هود وصالح ولوط وشعيب، والعذاب: ما نزل بهم في الدنيا. { تلك } القصة، أو خبر نوح عليه السلام، هي: { من أنباء الغيب } أي: بعض أخبار الغيب { نوحيها إليك } لا طريق إلى معرفتها إلا الوحي، { ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا } الوقت لولا إيحاؤنا إليك بها، فهي من دلائل نبوتك لأنك لم تغب عنهم، ولم تخالط غيرهم، فتعين أنه من عند الله. فإن كذبوك { فاصبر إن العاقبة للمتقين } وأنت أعظمهم. فالعاقبة لك في الدنيا بالنصر والعز، وفي الآخرة بالرفيق الأعلى. أو فاصبر على مشاق التبليغ مع إذاية قومك، كما صبر نوح عليه السلام. إن العاقبة للمتقين بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة. الإشارة: يقال للمريد إذا تمكن من الفناء، وارتفعت فكرته عن عالم الأكوان: اهبط إلى مقام البقاء لتقوم بآداب العبودية بعد مشاهدة عظمة الربوبية، انزل إلى سماء الحقوق، أو أرض الحظوظ بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، لا بقصد متابعة الشهوة والمتعة. اهبط بسلام منا أي: بسلامة من الرجوع أو الشقاء. وبركات عليك وعلى من تبعك. ولذلك قيل: من رجع إلى البقاء أمن من الشقاء. وأمم قد ضلوا عن متابعتك، سنمتعهم في الدنيا بمتابعة الهوى، ثم يمسهم منا عذاب الحجاب وسوء الحساب. تلك الواردات الإلهية نوحيها إليك، ما كنت تعلمها أيها العارف من قبل هذا، أنت ولا من تبعك، فاصبر فإن الجمال مقرون بالجلال، والعاقبة للمتقين. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { وإلى عاد أخاهم هودا }.

هود 11:50

قلت: " أخاهم ": عطف على نوح في قوله: ولقد أرسلنا نوحا، وهودا: بدل. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى } قبيلة { عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله } وحده، { ما لكم من إله غيره } يستحق أن يعبد، { إن أنتم إلا مفترون } على الله، باتخاذ الأوثان آلهة. { يا قوم لا أسألكم عليه }: على التبليغ { أجرا } حتى يثقل عليكم، أو تتهموني لأجله { إن أجري إلا على الذي فطرني } خلقني. بهذا خاطب كل رسول قومه إزاحة للتهمة، وتمحيصا للنصيحة، فإنها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع. { أفلا تعقلون }: أفلا تستعملون عقولكم فتعرفوا المحق من المبطل، والصواب من الخطأ. { ويا قوم استغفروا ربكم } من الشرك، { ثم توبوا إليه } ، ثم ارجعوا إليه بطاعته فيما أمر ونهى. أو: ثم توبوا من المعاصي لأن التوبة من الذنوب لا تصح إلا بعد الإيمان، والتطهير من الشرك، { يرسل السماء عليكم مدرارا } أي: كثير الدر، أي النزول، { ويزدكم قوة إلى قوتكم }: يضاعف قوتكم، ويزدكم فيها. وإنما دعاهم إلى الله، ووعدهم بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وعمارات. وقيل: حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم ثلاثين سنة فوعدهم هود عليه السلام على الإيمان والتوبة بالأمطار وتضاعف القوة بالتناسل. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: وفي الآية دليل على أن التوبة والاستغفار سبب لنزول المطر. روي: أن عادا كان المطر قد حبس عنهم ثلاث سنين، فأمرهم بالتوبة والاستغفار، ووعدهم على ذلك بالمطر. ه. { ولا تتولوا }: ولا تعرضوا عما أدعوكم إليه، { مجرمين } مصرين على إجرامكم. الإشارة: في تكرير القصص والأخبار وعظ وتذكير لأهل الاعتبار، وزيادة إيقان لأهل الاستبصار، وتهديد وتخويف لأهل الإصرار، وحث على المبادرة إلى التوبة والاستغفار. وقوله تعالى: { ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } ، أي: استغفروا ربكم من الشرك الخفي، ثم توبوا إليه من النظر إلى وجودكم، ورؤية أعمالكم، يرسل سحاب الواردات الإلهية والعلوم الإلهامية على قلوبكم وأسراركم، مدرارا، ويزدكم قوة في شهود الذات إلى قوتكم في شهود الصفات، ولا تتولوا عن شهوده بشهود أثره، مجرمين معدودين في زمرة المجرمين المصرين على الكبائر، وهم لا يشعرون. وقال الورتجبي: استغفروا من النظر إلى غيري، وتوبوا إلي من نفوسكم، ورؤية طاعتكم وأعواضها، يرسل سماء القدم على قلوبكم مدرار أنوار تجليها، ويزدكم، أي: يزد قوة أرواحكم في طيرانها. انظر تمامه. ثم ذكر ما أجابه به قومه، فقال: { قالوا يهود ما جئتنا ببينة }.

هود 11:51

قلت: " أخاهم ": عطف على نوح في قوله: ولقد أرسلنا نوحا، وهودا: بدل. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى } قبيلة { عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله } وحده، { ما لكم من إله غيره } يستحق أن يعبد، { إن أنتم إلا مفترون } على الله، باتخاذ الأوثان آلهة. { يا قوم لا أسألكم عليه }: على التبليغ { أجرا } حتى يثقل عليكم، أو تتهموني لأجله { إن أجري إلا على الذي فطرني } خلقني. بهذا خاطب كل رسول قومه إزاحة للتهمة، وتمحيصا للنصيحة، فإنها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع. { أفلا تعقلون }: أفلا تستعملون عقولكم فتعرفوا المحق من المبطل، والصواب من الخطأ. { ويا قوم استغفروا ربكم } من الشرك، { ثم توبوا إليه } ، ثم ارجعوا إليه بطاعته فيما أمر ونهى. أو: ثم توبوا من المعاصي لأن التوبة من الذنوب لا تصح إلا بعد الإيمان، والتطهير من الشرك، { يرسل السماء عليكم مدرارا } أي: كثير الدر، أي النزول، { ويزدكم قوة إلى قوتكم }: يضاعف قوتكم، ويزدكم فيها. وإنما دعاهم إلى الله، ووعدهم بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وعمارات. وقيل: حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم ثلاثين سنة فوعدهم هود عليه السلام على الإيمان والتوبة بالأمطار وتضاعف القوة بالتناسل. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: وفي الآية دليل على أن التوبة والاستغفار سبب لنزول المطر. روي: أن عادا كان المطر قد حبس عنهم ثلاث سنين، فأمرهم بالتوبة والاستغفار، ووعدهم على ذلك بالمطر. ه. { ولا تتولوا }: ولا تعرضوا عما أدعوكم إليه، { مجرمين } مصرين على إجرامكم. الإشارة: في تكرير القصص والأخبار وعظ وتذكير لأهل الاعتبار، وزيادة إيقان لأهل الاستبصار، وتهديد وتخويف لأهل الإصرار، وحث على المبادرة إلى التوبة والاستغفار. وقوله تعالى: { ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } ، أي: استغفروا ربكم من الشرك الخفي، ثم توبوا إليه من النظر إلى وجودكم، ورؤية أعمالكم، يرسل سحاب الواردات الإلهية والعلوم الإلهامية على قلوبكم وأسراركم، مدرارا، ويزدكم قوة في شهود الذات إلى قوتكم في شهود الصفات، ولا تتولوا عن شهوده بشهود أثره، مجرمين معدودين في زمرة المجرمين المصرين على الكبائر، وهم لا يشعرون. وقال الورتجبي: استغفروا من النظر إلى غيري، وتوبوا إلي من نفوسكم، ورؤية طاعتكم وأعواضها، يرسل سماء القدم على قلوبكم مدرار أنوار تجليها، ويزدكم، أي: يزد قوة أرواحكم في طيرانها. انظر تمامه. ثم ذكر ما أجابه به قومه، فقال: { قالوا يهود ما جئتنا ببينة }.

هود 11:52

قلت: " أخاهم ": عطف على نوح في قوله: ولقد أرسلنا نوحا، وهودا: بدل. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى } قبيلة { عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله } وحده، { ما لكم من إله غيره } يستحق أن يعبد، { إن أنتم إلا مفترون } على الله، باتخاذ الأوثان آلهة. { يا قوم لا أسألكم عليه }: على التبليغ { أجرا } حتى يثقل عليكم، أو تتهموني لأجله { إن أجري إلا على الذي فطرني } خلقني. بهذا خاطب كل رسول قومه إزاحة للتهمة، وتمحيصا للنصيحة، فإنها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع. { أفلا تعقلون }: أفلا تستعملون عقولكم فتعرفوا المحق من المبطل، والصواب من الخطأ. { ويا قوم استغفروا ربكم } من الشرك، { ثم توبوا إليه } ، ثم ارجعوا إليه بطاعته فيما أمر ونهى. أو: ثم توبوا من المعاصي لأن التوبة من الذنوب لا تصح إلا بعد الإيمان، والتطهير من الشرك، { يرسل السماء عليكم مدرارا } أي: كثير الدر، أي النزول، { ويزدكم قوة إلى قوتكم }: يضاعف قوتكم، ويزدكم فيها. وإنما دعاهم إلى الله، ووعدهم بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وعمارات. وقيل: حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم ثلاثين سنة فوعدهم هود عليه السلام على الإيمان والتوبة بالأمطار وتضاعف القوة بالتناسل. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: وفي الآية دليل على أن التوبة والاستغفار سبب لنزول المطر. روي: أن عادا كان المطر قد حبس عنهم ثلاث سنين، فأمرهم بالتوبة والاستغفار، ووعدهم على ذلك بالمطر. ه. { ولا تتولوا }: ولا تعرضوا عما أدعوكم إليه، { مجرمين } مصرين على إجرامكم. الإشارة: في تكرير القصص والأخبار وعظ وتذكير لأهل الاعتبار، وزيادة إيقان لأهل الاستبصار، وتهديد وتخويف لأهل الإصرار، وحث على المبادرة إلى التوبة والاستغفار. وقوله تعالى: { ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } ، أي: استغفروا ربكم من الشرك الخفي، ثم توبوا إليه من النظر إلى وجودكم، ورؤية أعمالكم، يرسل سحاب الواردات الإلهية والعلوم الإلهامية على قلوبكم وأسراركم، مدرارا، ويزدكم قوة في شهود الذات إلى قوتكم في شهود الصفات، ولا تتولوا عن شهوده بشهود أثره، مجرمين معدودين في زمرة المجرمين المصرين على الكبائر، وهم لا يشعرون. وقال الورتجبي: استغفروا من النظر إلى غيري، وتوبوا إلي من نفوسكم، ورؤية طاعتكم وأعواضها، يرسل سماء القدم على قلوبكم مدرار أنوار تجليها، ويزدكم، أي: يزد قوة أرواحكم في طيرانها. انظر تمامه. ثم ذكر ما أجابه به قومه، فقال: { قالوا يهود ما جئتنا ببينة }.

هود 11:53

قلت: إن نقول إلا اعتراك: الاستثناء مفرغ، و " اعتراك ": مقول لقول محذوف، أي: ما نقول إلا قولنا اعتراك، وما من دابة: " ما " نافية، و " من " صلة و " دابة " مبتدأ مجرور بمن الزائدة، وجملة إلا هو آخذ: خبر. يقول الحق جل جلاله: قالوا يا هود ما جئتنا ببينة بمعجزة واضحة تدل على صدق دعواك، وهذا كذب منهم وجحود لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات. وفي الحديث: " ما من نبي إلا أوتي من المعجزات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحي إلي، فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ". كما في الصحيح. ويحتمل أن يريدوا: ما جئتنا بآية تضطر إلى الأيمان بك، وإن كان قد أتاهم بآية نظرية. ولم يذكر في القرآن معجزة معينة لهود عليه السلام، مع الاعتقاد أنه لم يخل من معجزة لما في الحديث. ثم قالوا: { وما نحن بتاركي آلهتنا } بتاركي عبادتهم { عن قولك } أي: بسبب قولك أو صادرين عن قولك، { وما نحن لك بمؤمنين } أبدا، وهو إقناط له عن الإجابة والتصديق. { إن نقول إلا اعتراك } أصابك { بعض آلهتنا بسوء } بجنون لما سببتها، ونهيت عن عبادتها، ولذلك صرت تهذو وتتكلم بالخرافات. { قال } هود عليه السلام: { إني أشهد الله } على براءتي من شرككم، { واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني } أي: اقصدوا كيدي وهلاكي، { جميعا } ، أنتم وشركاؤكم، { ثم لا تنظرون } لا تؤخرون ساعة. وهذا من جملة معجزاته، فإن مواجهة الواحد الجم الغفير من الجبابرة، والفتاك العطاش إلى إراقة دمه، بهذا الكلام، ليس إلا لتيقنه بالله، ومنعهم من إضراره ليس إلا لعصمته إياه. ولذلك عقبه بقوله: { إني توكلت على الله ربي وربكم } ، فهو تقرير له. والمعنى: أنكم وإن بذلتم غاية وسعكم لم تضروني فإني متوكل على الله، واثق بكلاءته، وهو مالكي ومالككم، لا يحيق بي ما لم يرده، ولا تقدرون على ما لم يقدره. ثم برهن عليه بقوله: { ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها }: إلا وهو مالك لها، قادر عليها، يصرفها على ما يريد بها. والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: أي: هي في قبضته وتحت قهره، وهذه الجملة تعليل لقوة توكله على الله، وعدم مبالاته بالخلق. ه. { إن ربي صراط مستقيم } أي: إنه على الحق والعدل، ولا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم. وقال في القوت: أخبر عن عدله في محله، وقيام حكمته، وأنه وإن كان آخذا بنواصي العباد في الخير والشر، والنفع والضر لاقتداره، فإن ذلك مستقيم في عدله، وصواب من حكمه. ه. { فإن تولوا } أي: فإن تتولوا وتعرضوا عما جئتكم به، { فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم }. أي: فقد أديت ما علي من الإبلاغ، فلا تفريط مني، ولا عذر لكم فقد جاءكم النذير، وقامت الحجة عليكم، وما بقي إلا هلاككم. { ويستخلف ربي قوما غيركم } يسكنون دياركم، ويعمرون بلادكم، فإن عتوا وطغوا سلك بهم مسلككم، { ولا تضرونه } بتوليكم عن الإيمان به، { شيئا } من الضرر. أو لا تضرونه شيئا إذا أهلككم واستخلف غيركم، { إن ربي على كل شيء حفيظ } رقيب فلا يخفى عليه أعمالكم، ولا يغفل عن مجازاتكم. أو حافظ مستول عليه، فلا يمكن أن يضره شيء. قاله البيضاوي. الإشارة: ما يقال للأولياء إلا ما قيل للرسل، فإذا توجه العبد إلى مولاه، وسقط على من هو أهل للتربية، وترك ما كان عليه قبل من الانتساب إلى غيره، وخرق عوائد نفسه، أو إصابة شيء من المكاره، قال الناس: ما اعتراه إلا بعض الصالحين بسوء، فيقول لهم: إني أشهد الله، واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه. فإن أجمعوا على إضراره أو قتله قال لهم: فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. { إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } ، وأنتم دواب مقهورون تحت قبضة الحق، { إن ربي على صراط مستقيم } لا ينتقم إلا من أهل الانتقام، " من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب " ، فإن ذكرهم بالله ودلهم على الطريق، فكذبوه وأعرضوا عنه، قال: عسى أن يذهب بكم، ويستخلف قوما غيركم، يكونون متوجهين إليه أكثر منكم، ولا تضرونه شيئا. وبالله التوفيق. ثم ذكر نزول العذاب الذي وعدهم به، فقال: { ولما جآء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه }.

هود 11:54

قلت: إن نقول إلا اعتراك: الاستثناء مفرغ، و " اعتراك ": مقول لقول محذوف، أي: ما نقول إلا قولنا اعتراك، وما من دابة: " ما " نافية، و " من " صلة و " دابة " مبتدأ مجرور بمن الزائدة، وجملة إلا هو آخذ: خبر. يقول الحق جل جلاله: قالوا يا هود ما جئتنا ببينة بمعجزة واضحة تدل على صدق دعواك، وهذا كذب منهم وجحود لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات. وفي الحديث: " ما من نبي إلا أوتي من المعجزات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحي إلي، فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ". كما في الصحيح. ويحتمل أن يريدوا: ما جئتنا بآية تضطر إلى الأيمان بك، وإن كان قد أتاهم بآية نظرية. ولم يذكر في القرآن معجزة معينة لهود عليه السلام، مع الاعتقاد أنه لم يخل من معجزة لما في الحديث. ثم قالوا: { وما نحن بتاركي آلهتنا } بتاركي عبادتهم { عن قولك } أي: بسبب قولك أو صادرين عن قولك، { وما نحن لك بمؤمنين } أبدا، وهو إقناط له عن الإجابة والتصديق. { إن نقول إلا اعتراك } أصابك { بعض آلهتنا بسوء } بجنون لما سببتها، ونهيت عن عبادتها، ولذلك صرت تهذو وتتكلم بالخرافات. { قال } هود عليه السلام: { إني أشهد الله } على براءتي من شرككم، { واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني } أي: اقصدوا كيدي وهلاكي، { جميعا } ، أنتم وشركاؤكم، { ثم لا تنظرون } لا تؤخرون ساعة. وهذا من جملة معجزاته، فإن مواجهة الواحد الجم الغفير من الجبابرة، والفتاك العطاش إلى إراقة دمه، بهذا الكلام، ليس إلا لتيقنه بالله، ومنعهم من إضراره ليس إلا لعصمته إياه. ولذلك عقبه بقوله: { إني توكلت على الله ربي وربكم } ، فهو تقرير له. والمعنى: أنكم وإن بذلتم غاية وسعكم لم تضروني فإني متوكل على الله، واثق بكلاءته، وهو مالكي ومالككم، لا يحيق بي ما لم يرده، ولا تقدرون على ما لم يقدره. ثم برهن عليه بقوله: { ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها }: إلا وهو مالك لها، قادر عليها، يصرفها على ما يريد بها. والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: أي: هي في قبضته وتحت قهره، وهذه الجملة تعليل لقوة توكله على الله، وعدم مبالاته بالخلق. ه. { إن ربي صراط مستقيم } أي: إنه على الحق والعدل، ولا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم. وقال في القوت: أخبر عن عدله في محله، وقيام حكمته، وأنه وإن كان آخذا بنواصي العباد في الخير والشر، والنفع والضر لاقتداره، فإن ذلك مستقيم في عدله، وصواب من حكمه. ه. { فإن تولوا } أي: فإن تتولوا وتعرضوا عما جئتكم به، { فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم }. أي: فقد أديت ما علي من الإبلاغ، فلا تفريط مني، ولا عذر لكم فقد جاءكم النذير، وقامت الحجة عليكم، وما بقي إلا هلاككم. { ويستخلف ربي قوما غيركم } يسكنون دياركم، ويعمرون بلادكم، فإن عتوا وطغوا سلك بهم مسلككم، { ولا تضرونه } بتوليكم عن الإيمان به، { شيئا } من الضرر. أو لا تضرونه شيئا إذا أهلككم واستخلف غيركم، { إن ربي على كل شيء حفيظ } رقيب فلا يخفى عليه أعمالكم، ولا يغفل عن مجازاتكم. أو حافظ مستول عليه، فلا يمكن أن يضره شيء. قاله البيضاوي. الإشارة: ما يقال للأولياء إلا ما قيل للرسل، فإذا توجه العبد إلى مولاه، وسقط على من هو أهل للتربية، وترك ما كان عليه قبل من الانتساب إلى غيره، وخرق عوائد نفسه، أو إصابة شيء من المكاره، قال الناس: ما اعتراه إلا بعض الصالحين بسوء، فيقول لهم: إني أشهد الله، واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه. فإن أجمعوا على إضراره أو قتله قال لهم: فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. { إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } ، وأنتم دواب مقهورون تحت قبضة الحق، { إن ربي على صراط مستقيم } لا ينتقم إلا من أهل الانتقام، " من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب " ، فإن ذكرهم بالله ودلهم على الطريق، فكذبوه وأعرضوا عنه، قال: عسى أن يذهب بكم، ويستخلف قوما غيركم، يكونون متوجهين إليه أكثر منكم، ولا تضرونه شيئا. وبالله التوفيق. ثم ذكر نزول العذاب الذي وعدهم به، فقال: { ولما جآء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه }.

هود 11:55

قلت: إن نقول إلا اعتراك: الاستثناء مفرغ، و " اعتراك ": مقول لقول محذوف، أي: ما نقول إلا قولنا اعتراك، وما من دابة: " ما " نافية، و " من " صلة و " دابة " مبتدأ مجرور بمن الزائدة، وجملة إلا هو آخذ: خبر. يقول الحق جل جلاله: قالوا يا هود ما جئتنا ببينة بمعجزة واضحة تدل على صدق دعواك، وهذا كذب منهم وجحود لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات. وفي الحديث: " ما من نبي إلا أوتي من المعجزات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحي إلي، فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ". كما في الصحيح. ويحتمل أن يريدوا: ما جئتنا بآية تضطر إلى الأيمان بك، وإن كان قد أتاهم بآية نظرية. ولم يذكر في القرآن معجزة معينة لهود عليه السلام، مع الاعتقاد أنه لم يخل من معجزة لما في الحديث. ثم قالوا: { وما نحن بتاركي آلهتنا } بتاركي عبادتهم { عن قولك } أي: بسبب قولك أو صادرين عن قولك، { وما نحن لك بمؤمنين } أبدا، وهو إقناط له عن الإجابة والتصديق. { إن نقول إلا اعتراك } أصابك { بعض آلهتنا بسوء } بجنون لما سببتها، ونهيت عن عبادتها، ولذلك صرت تهذو وتتكلم بالخرافات. { قال } هود عليه السلام: { إني أشهد الله } على براءتي من شرككم، { واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني } أي: اقصدوا كيدي وهلاكي، { جميعا } ، أنتم وشركاؤكم، { ثم لا تنظرون } لا تؤخرون ساعة. وهذا من جملة معجزاته، فإن مواجهة الواحد الجم الغفير من الجبابرة، والفتاك العطاش إلى إراقة دمه، بهذا الكلام، ليس إلا لتيقنه بالله، ومنعهم من إضراره ليس إلا لعصمته إياه. ولذلك عقبه بقوله: { إني توكلت على الله ربي وربكم } ، فهو تقرير له. والمعنى: أنكم وإن بذلتم غاية وسعكم لم تضروني فإني متوكل على الله، واثق بكلاءته، وهو مالكي ومالككم، لا يحيق بي ما لم يرده، ولا تقدرون على ما لم يقدره. ثم برهن عليه بقوله: { ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها }: إلا وهو مالك لها، قادر عليها، يصرفها على ما يريد بها. والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: أي: هي في قبضته وتحت قهره، وهذه الجملة تعليل لقوة توكله على الله، وعدم مبالاته بالخلق. ه. { إن ربي صراط مستقيم } أي: إنه على الحق والعدل، ولا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم. وقال في القوت: أخبر عن عدله في محله، وقيام حكمته، وأنه وإن كان آخذا بنواصي العباد في الخير والشر، والنفع والضر لاقتداره، فإن ذلك مستقيم في عدله، وصواب من حكمه. ه. { فإن تولوا } أي: فإن تتولوا وتعرضوا عما جئتكم به، { فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم }. أي: فقد أديت ما علي من الإبلاغ، فلا تفريط مني، ولا عذر لكم فقد جاءكم النذير، وقامت الحجة عليكم، وما بقي إلا هلاككم. { ويستخلف ربي قوما غيركم } يسكنون دياركم، ويعمرون بلادكم، فإن عتوا وطغوا سلك بهم مسلككم، { ولا تضرونه } بتوليكم عن الإيمان به، { شيئا } من الضرر. أو لا تضرونه شيئا إذا أهلككم واستخلف غيركم، { إن ربي على كل شيء حفيظ } رقيب فلا يخفى عليه أعمالكم، ولا يغفل عن مجازاتكم. أو حافظ مستول عليه، فلا يمكن أن يضره شيء. قاله البيضاوي. الإشارة: ما يقال للأولياء إلا ما قيل للرسل، فإذا توجه العبد إلى مولاه، وسقط على من هو أهل للتربية، وترك ما كان عليه قبل من الانتساب إلى غيره، وخرق عوائد نفسه، أو إصابة شيء من المكاره، قال الناس: ما اعتراه إلا بعض الصالحين بسوء، فيقول لهم: إني أشهد الله، واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه. فإن أجمعوا على إضراره أو قتله قال لهم: فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. { إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } ، وأنتم دواب مقهورون تحت قبضة الحق، { إن ربي على صراط مستقيم } لا ينتقم إلا من أهل الانتقام، " من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب " ، فإن ذكرهم بالله ودلهم على الطريق، فكذبوه وأعرضوا عنه، قال: عسى أن يذهب بكم، ويستخلف قوما غيركم، يكونون متوجهين إليه أكثر منكم، ولا تضرونه شيئا. وبالله التوفيق. ثم ذكر نزول العذاب الذي وعدهم به، فقال: { ولما جآء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه }.

هود 11:56

قلت: إن نقول إلا اعتراك: الاستثناء مفرغ، و " اعتراك ": مقول لقول محذوف، أي: ما نقول إلا قولنا اعتراك، وما من دابة: " ما " نافية، و " من " صلة و " دابة " مبتدأ مجرور بمن الزائدة، وجملة إلا هو آخذ: خبر. يقول الحق جل جلاله: قالوا يا هود ما جئتنا ببينة بمعجزة واضحة تدل على صدق دعواك، وهذا كذب منهم وجحود لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات. وفي الحديث: " ما من نبي إلا أوتي من المعجزات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحي إلي، فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ". كما في الصحيح. ويحتمل أن يريدوا: ما جئتنا بآية تضطر إلى الأيمان بك، وإن كان قد أتاهم بآية نظرية. ولم يذكر في القرآن معجزة معينة لهود عليه السلام، مع الاعتقاد أنه لم يخل من معجزة لما في الحديث. ثم قالوا: { وما نحن بتاركي آلهتنا } بتاركي عبادتهم { عن قولك } أي: بسبب قولك أو صادرين عن قولك، { وما نحن لك بمؤمنين } أبدا، وهو إقناط له عن الإجابة والتصديق. { إن نقول إلا اعتراك } أصابك { بعض آلهتنا بسوء } بجنون لما سببتها، ونهيت عن عبادتها، ولذلك صرت تهذو وتتكلم بالخرافات. { قال } هود عليه السلام: { إني أشهد الله } على براءتي من شرككم، { واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني } أي: اقصدوا كيدي وهلاكي، { جميعا } ، أنتم وشركاؤكم، { ثم لا تنظرون } لا تؤخرون ساعة. وهذا من جملة معجزاته، فإن مواجهة الواحد الجم الغفير من الجبابرة، والفتاك العطاش إلى إراقة دمه، بهذا الكلام، ليس إلا لتيقنه بالله، ومنعهم من إضراره ليس إلا لعصمته إياه. ولذلك عقبه بقوله: { إني توكلت على الله ربي وربكم } ، فهو تقرير له. والمعنى: أنكم وإن بذلتم غاية وسعكم لم تضروني فإني متوكل على الله، واثق بكلاءته، وهو مالكي ومالككم، لا يحيق بي ما لم يرده، ولا تقدرون على ما لم يقدره. ثم برهن عليه بقوله: { ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها }: إلا وهو مالك لها، قادر عليها، يصرفها على ما يريد بها. والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: أي: هي في قبضته وتحت قهره، وهذه الجملة تعليل لقوة توكله على الله، وعدم مبالاته بالخلق. ه. { إن ربي صراط مستقيم } أي: إنه على الحق والعدل، ولا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم. وقال في القوت: أخبر عن عدله في محله، وقيام حكمته، وأنه وإن كان آخذا بنواصي العباد في الخير والشر، والنفع والضر لاقتداره، فإن ذلك مستقيم في عدله، وصواب من حكمه. ه. { فإن تولوا } أي: فإن تتولوا وتعرضوا عما جئتكم به، { فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم }. أي: فقد أديت ما علي من الإبلاغ، فلا تفريط مني، ولا عذر لكم فقد جاءكم النذير، وقامت الحجة عليكم، وما بقي إلا هلاككم. { ويستخلف ربي قوما غيركم } يسكنون دياركم، ويعمرون بلادكم، فإن عتوا وطغوا سلك بهم مسلككم، { ولا تضرونه } بتوليكم عن الإيمان به، { شيئا } من الضرر. أو لا تضرونه شيئا إذا أهلككم واستخلف غيركم، { إن ربي على كل شيء حفيظ } رقيب فلا يخفى عليه أعمالكم، ولا يغفل عن مجازاتكم. أو حافظ مستول عليه، فلا يمكن أن يضره شيء. قاله البيضاوي. الإشارة: ما يقال للأولياء إلا ما قيل للرسل، فإذا توجه العبد إلى مولاه، وسقط على من هو أهل للتربية، وترك ما كان عليه قبل من الانتساب إلى غيره، وخرق عوائد نفسه، أو إصابة شيء من المكاره، قال الناس: ما اعتراه إلا بعض الصالحين بسوء، فيقول لهم: إني أشهد الله، واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه. فإن أجمعوا على إضراره أو قتله قال لهم: فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. { إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } ، وأنتم دواب مقهورون تحت قبضة الحق، { إن ربي على صراط مستقيم } لا ينتقم إلا من أهل الانتقام، " من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب " ، فإن ذكرهم بالله ودلهم على الطريق، فكذبوه وأعرضوا عنه، قال: عسى أن يذهب بكم، ويستخلف قوما غيركم، يكونون متوجهين إليه أكثر منكم، ولا تضرونه شيئا. وبالله التوفيق. ثم ذكر نزول العذاب الذي وعدهم به، فقال: { ولما جآء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه }.

هود 11:57

قلت: إن نقول إلا اعتراك: الاستثناء مفرغ، و " اعتراك ": مقول لقول محذوف، أي: ما نقول إلا قولنا اعتراك، وما من دابة: " ما " نافية، و " من " صلة و " دابة " مبتدأ مجرور بمن الزائدة، وجملة إلا هو آخذ: خبر. يقول الحق جل جلاله: قالوا يا هود ما جئتنا ببينة بمعجزة واضحة تدل على صدق دعواك، وهذا كذب منهم وجحود لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات. وفي الحديث: " ما من نبي إلا أوتي من المعجزات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحي إلي، فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ". كما في الصحيح. ويحتمل أن يريدوا: ما جئتنا بآية تضطر إلى الأيمان بك، وإن كان قد أتاهم بآية نظرية. ولم يذكر في القرآن معجزة معينة لهود عليه السلام، مع الاعتقاد أنه لم يخل من معجزة لما في الحديث. ثم قالوا: { وما نحن بتاركي آلهتنا } بتاركي عبادتهم { عن قولك } أي: بسبب قولك أو صادرين عن قولك، { وما نحن لك بمؤمنين } أبدا، وهو إقناط له عن الإجابة والتصديق. { إن نقول إلا اعتراك } أصابك { بعض آلهتنا بسوء } بجنون لما سببتها، ونهيت عن عبادتها، ولذلك صرت تهذو وتتكلم بالخرافات. { قال } هود عليه السلام: { إني أشهد الله } على براءتي من شرككم، { واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني } أي: اقصدوا كيدي وهلاكي، { جميعا } ، أنتم وشركاؤكم، { ثم لا تنظرون } لا تؤخرون ساعة. وهذا من جملة معجزاته، فإن مواجهة الواحد الجم الغفير من الجبابرة، والفتاك العطاش إلى إراقة دمه، بهذا الكلام، ليس إلا لتيقنه بالله، ومنعهم من إضراره ليس إلا لعصمته إياه. ولذلك عقبه بقوله: { إني توكلت على الله ربي وربكم } ، فهو تقرير له. والمعنى: أنكم وإن بذلتم غاية وسعكم لم تضروني فإني متوكل على الله، واثق بكلاءته، وهو مالكي ومالككم، لا يحيق بي ما لم يرده، ولا تقدرون على ما لم يقدره. ثم برهن عليه بقوله: { ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها }: إلا وهو مالك لها، قادر عليها، يصرفها على ما يريد بها. والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: أي: هي في قبضته وتحت قهره، وهذه الجملة تعليل لقوة توكله على الله، وعدم مبالاته بالخلق. ه. { إن ربي صراط مستقيم } أي: إنه على الحق والعدل، ولا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم. وقال في القوت: أخبر عن عدله في محله، وقيام حكمته، وأنه وإن كان آخذا بنواصي العباد في الخير والشر، والنفع والضر لاقتداره، فإن ذلك مستقيم في عدله، وصواب من حكمه. ه. { فإن تولوا } أي: فإن تتولوا وتعرضوا عما جئتكم به، { فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم }. أي: فقد أديت ما علي من الإبلاغ، فلا تفريط مني، ولا عذر لكم فقد جاءكم النذير، وقامت الحجة عليكم، وما بقي إلا هلاككم. { ويستخلف ربي قوما غيركم } يسكنون دياركم، ويعمرون بلادكم، فإن عتوا وطغوا سلك بهم مسلككم، { ولا تضرونه } بتوليكم عن الإيمان به، { شيئا } من الضرر. أو لا تضرونه شيئا إذا أهلككم واستخلف غيركم، { إن ربي على كل شيء حفيظ } رقيب فلا يخفى عليه أعمالكم، ولا يغفل عن مجازاتكم. أو حافظ مستول عليه، فلا يمكن أن يضره شيء. قاله البيضاوي. الإشارة: ما يقال للأولياء إلا ما قيل للرسل، فإذا توجه العبد إلى مولاه، وسقط على من هو أهل للتربية، وترك ما كان عليه قبل من الانتساب إلى غيره، وخرق عوائد نفسه، أو إصابة شيء من المكاره، قال الناس: ما اعتراه إلا بعض الصالحين بسوء، فيقول لهم: إني أشهد الله، واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه. فإن أجمعوا على إضراره أو قتله قال لهم: فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. { إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } ، وأنتم دواب مقهورون تحت قبضة الحق، { إن ربي على صراط مستقيم } لا ينتقم إلا من أهل الانتقام، " من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب " ، فإن ذكرهم بالله ودلهم على الطريق، فكذبوه وأعرضوا عنه، قال: عسى أن يذهب بكم، ويستخلف قوما غيركم، يكونون متوجهين إليه أكثر منكم، ولا تضرونه شيئا. وبالله التوفيق. ثم ذكر نزول العذاب الذي وعدهم به، فقال: { ولما جآء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه }.

هود 11:58

قلت: إنما قال هنا وفي قصة شعيب: ولما، بالواو، وفي قصة صالح ولوط: فلما، بالفاء لأن قصة صالح ولوط ذكرهما بعد الوعيد، في الفاء التي تقتضي التسبب، كما تقول: وعدته فما جاء الوعيد كان.. الخ، بخلاف قصة هود وشعيب لم يتقدم ذلك فيهما، فعطف بالواو، قاله الزمخشري. يقول الحق جل جلاله: { ولما جاء أمرنا }: عذابنا، أو أمرنا بالعذاب، { نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا } ، وكانوا أربعة آلاف، { ونجيناكم من عذاب غليظ } ، وهو ريح السموم، وكانت تدخل أنوف الكفرة وتخرج من أدبارهم فتقطع أمعاءهم. والتكرير لبيان ما نجاهم منه، وإعلاما بأنه عذاب غليظ، وتعديدا للنعمة في نجاتهم. ويحتمل أن يريد النجاة الأولى: من عذاب الدنيا، وهو الريح الذي نزل بقومهم، وبالنجاة الثانية: عذاب الآخرة، وهو العذاب الغليظ، ولذلك عطفه على النجاة الأولى التي أراد بها النجاة من الريح. { وتلك عاد } الإشارة إلى القبيلة، أو إلى قبورهم وآثارهم تهويلا وتهديدا، { جحدوا بآيات ر بهم } كفروا بها، { وعصوا رسله } ، والجمع إما لأن من عصى رسولا فكأنما عصى الكل لأنهم متفقون في الدعوة، مع أنهم أمروا بطاعة كل رسول. وإما على إرادة الجنس كقولك: فلان يركب الخيل، وإن يركب إلا فرسا واحدا. { واتبعوا أمر كل جبار عنيد } يعني: كبراءهم الطاغين، والعنيد: الطاغي، والمعنى: عصوا من دعاهم إلى الإيمان وما ينجيهم، وأطاعوا من دعاهم إلى الكفر وما يرديهم، { وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة } أي: جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين في الدنيا أهلكتهم، وفي الآخرة أحرقتهم. { ألا إن عادا كفروا ربهم } جحدوه، أو كفروا نعمه. وفيه تشنيع لكفرهم وتهويل لأمرهم، بالإتيان بحرف التنبيه، وتكرار اسم عاد { ألا بعدا لعاد } أي: هلاكا لهم، دعا عليهم بالهلاك بعد أن هلكوا للدلالة على أنهم كانوا مستحقين له، مستوجبين لما نزل بهم بسبب ما حكي عنهم. وإنما كرر " ألا " وأعاد ذكرهم تفظيعا لأمرهم، وحثا على الاعتبار بحالهم. ثم بينهم بقوله: { قوم هود }. فهو عطف بيان لعاد، وفائدته: تمييزهم عن عاد الثانية التي هي عاد إرم، والإيمان إلى استحقاقهم للبعد، بما جرى بينهم وبينه. قاله البيضاوي. الإشارة: من أراد سلامة الدارين والظفر بقرة العين، فليتمسك بالإيمان بالله، وبكل رسول أتى من عند الله، وليتبع من يدعو إلى الله. وهم أهل المحبة والوداد، السالكون مناهج الرشاد والسداد. وليتجنب كل جبار عنيد، وهو: كل من يحول بينك وبين الله، ويغفلك عن ذكر الله. وقوله تعالى: ألا بعدا لعاد وأخواتها، فيها تخويف لأهل القرب والوصال. قال في الإحياء: ولخصوص المحبين مخاوف في مقام المحبة، ليست لغيرهم، وبعض مخاوفهم أشد من بعض، فأولها: خوف الإعراض، وأشد منه: خوف الحجاب، وأشد منه خوف الإبعاد، وهذا المعنى من سورة هود هو الذي شيب سيد المحبين، أنه سمع: ألا بعدا لعاد، ألا بعدا لمدين، وإنما تعظم هيبة البعد وخوفه في قلب من ألف القرب وذاقه، وتنعم به. ثم قال: ثم خوف الوقوف وسلب المزيد، فإنا قدمنا: أن درجات القرب لا نهاية لها. ه. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { وإلى ثمود أخاهم صالحا }.

هود 11:59

قلت: إنما قال هنا وفي قصة شعيب: ولما، بالواو، وفي قصة صالح ولوط: فلما، بالفاء لأن قصة صالح ولوط ذكرهما بعد الوعيد، في الفاء التي تقتضي التسبب، كما تقول: وعدته فما جاء الوعيد كان.. الخ، بخلاف قصة هود وشعيب لم يتقدم ذلك فيهما، فعطف بالواو، قاله الزمخشري. يقول الحق جل جلاله: { ولما جاء أمرنا }: عذابنا، أو أمرنا بالعذاب، { نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا } ، وكانوا أربعة آلاف، { ونجيناكم من عذاب غليظ } ، وهو ريح السموم، وكانت تدخل أنوف الكفرة وتخرج من أدبارهم فتقطع أمعاءهم. والتكرير لبيان ما نجاهم منه، وإعلاما بأنه عذاب غليظ، وتعديدا للنعمة في نجاتهم. ويحتمل أن يريد النجاة الأولى: من عذاب الدنيا، وهو الريح الذي نزل بقومهم، وبالنجاة الثانية: عذاب الآخرة، وهو العذاب الغليظ، ولذلك عطفه على النجاة الأولى التي أراد بها النجاة من الريح. { وتلك عاد } الإشارة إلى القبيلة، أو إلى قبورهم وآثارهم تهويلا وتهديدا، { جحدوا بآيات ر بهم } كفروا بها، { وعصوا رسله } ، والجمع إما لأن من عصى رسولا فكأنما عصى الكل لأنهم متفقون في الدعوة، مع أنهم أمروا بطاعة كل رسول. وإما على إرادة الجنس كقولك: فلان يركب الخيل، وإن يركب إلا فرسا واحدا. { واتبعوا أمر كل جبار عنيد } يعني: كبراءهم الطاغين، والعنيد: الطاغي، والمعنى: عصوا من دعاهم إلى الإيمان وما ينجيهم، وأطاعوا من دعاهم إلى الكفر وما يرديهم، { وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة } أي: جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين في الدنيا أهلكتهم، وفي الآخرة أحرقتهم. { ألا إن عادا كفروا ربهم } جحدوه، أو كفروا نعمه. وفيه تشنيع لكفرهم وتهويل لأمرهم، بالإتيان بحرف التنبيه، وتكرار اسم عاد { ألا بعدا لعاد } أي: هلاكا لهم، دعا عليهم بالهلاك بعد أن هلكوا للدلالة على أنهم كانوا مستحقين له، مستوجبين لما نزل بهم بسبب ما حكي عنهم. وإنما كرر " ألا " وأعاد ذكرهم تفظيعا لأمرهم، وحثا على الاعتبار بحالهم. ثم بينهم بقوله: { قوم هود }. فهو عطف بيان لعاد، وفائدته: تمييزهم عن عاد الثانية التي هي عاد إرم، والإيمان إلى استحقاقهم للبعد، بما جرى بينهم وبينه. قاله البيضاوي. الإشارة: من أراد سلامة الدارين والظفر بقرة العين، فليتمسك بالإيمان بالله، وبكل رسول أتى من عند الله، وليتبع من يدعو إلى الله. وهم أهل المحبة والوداد، السالكون مناهج الرشاد والسداد. وليتجنب كل جبار عنيد، وهو: كل من يحول بينك وبين الله، ويغفلك عن ذكر الله. وقوله تعالى: ألا بعدا لعاد وأخواتها، فيها تخويف لأهل القرب والوصال. قال في الإحياء: ولخصوص المحبين مخاوف في مقام المحبة، ليست لغيرهم، وبعض مخاوفهم أشد من بعض، فأولها: خوف الإعراض، وأشد منه: خوف الحجاب، وأشد منه خوف الإبعاد، وهذا المعنى من سورة هود هو الذي شيب سيد المحبين، أنه سمع: ألا بعدا لعاد، ألا بعدا لمدين، وإنما تعظم هيبة البعد وخوفه في قلب من ألف القرب وذاقه، وتنعم به. ثم قال: ثم خوف الوقوف وسلب المزيد، فإنا قدمنا: أن درجات القرب لا نهاية لها. ه. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { وإلى ثمود أخاهم صالحا }.

هود 11:60

قلت: إنما قال هنا وفي قصة شعيب: ولما، بالواو، وفي قصة صالح ولوط: فلما، بالفاء لأن قصة صالح ولوط ذكرهما بعد الوعيد، في الفاء التي تقتضي التسبب، كما تقول: وعدته فما جاء الوعيد كان.. الخ، بخلاف قصة هود وشعيب لم يتقدم ذلك فيهما، فعطف بالواو، قاله الزمخشري. يقول الحق جل جلاله: { ولما جاء أمرنا }: عذابنا، أو أمرنا بالعذاب، { نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا } ، وكانوا أربعة آلاف، { ونجيناكم من عذاب غليظ } ، وهو ريح السموم، وكانت تدخل أنوف الكفرة وتخرج من أدبارهم فتقطع أمعاءهم. والتكرير لبيان ما نجاهم منه، وإعلاما بأنه عذاب غليظ، وتعديدا للنعمة في نجاتهم. ويحتمل أن يريد النجاة الأولى: من عذاب الدنيا، وهو الريح الذي نزل بقومهم، وبالنجاة الثانية: عذاب الآخرة، وهو العذاب الغليظ، ولذلك عطفه على النجاة الأولى التي أراد بها النجاة من الريح. { وتلك عاد } الإشارة إلى القبيلة، أو إلى قبورهم وآثارهم تهويلا وتهديدا، { جحدوا بآيات ر بهم } كفروا بها، { وعصوا رسله } ، والجمع إما لأن من عصى رسولا فكأنما عصى الكل لأنهم متفقون في الدعوة، مع أنهم أمروا بطاعة كل رسول. وإما على إرادة الجنس كقولك: فلان يركب الخيل، وإن يركب إلا فرسا واحدا. { واتبعوا أمر كل جبار عنيد } يعني: كبراءهم الطاغين، والعنيد: الطاغي، والمعنى: عصوا من دعاهم إلى الإيمان وما ينجيهم، وأطاعوا من دعاهم إلى الكفر وما يرديهم، { وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة } أي: جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين في الدنيا أهلكتهم، وفي الآخرة أحرقتهم. { ألا إن عادا كفروا ربهم } جحدوه، أو كفروا نعمه. وفيه تشنيع لكفرهم وتهويل لأمرهم، بالإتيان بحرف التنبيه، وتكرار اسم عاد { ألا بعدا لعاد } أي: هلاكا لهم، دعا عليهم بالهلاك بعد أن هلكوا للدلالة على أنهم كانوا مستحقين له، مستوجبين لما نزل بهم بسبب ما حكي عنهم. وإنما كرر " ألا " وأعاد ذكرهم تفظيعا لأمرهم، وحثا على الاعتبار بحالهم. ثم بينهم بقوله: { قوم هود }. فهو عطف بيان لعاد، وفائدته: تمييزهم عن عاد الثانية التي هي عاد إرم، والإيمان إلى استحقاقهم للبعد، بما جرى بينهم وبينه. قاله البيضاوي. الإشارة: من أراد سلامة الدارين والظفر بقرة العين، فليتمسك بالإيمان بالله، وبكل رسول أتى من عند الله، وليتبع من يدعو إلى الله. وهم أهل المحبة والوداد، السالكون مناهج الرشاد والسداد. وليتجنب كل جبار عنيد، وهو: كل من يحول بينك وبين الله، ويغفلك عن ذكر الله. وقوله تعالى: ألا بعدا لعاد وأخواتها، فيها تخويف لأهل القرب والوصال. قال في الإحياء: ولخصوص المحبين مخاوف في مقام المحبة، ليست لغيرهم، وبعض مخاوفهم أشد من بعض، فأولها: خوف الإعراض، وأشد منه: خوف الحجاب، وأشد منه خوف الإبعاد، وهذا المعنى من سورة هود هو الذي شيب سيد المحبين، أنه سمع: ألا بعدا لعاد، ألا بعدا لمدين، وإنما تعظم هيبة البعد وخوفه في قلب من ألف القرب وذاقه، وتنعم به. ثم قال: ثم خوف الوقوف وسلب المزيد، فإنا قدمنا: أن درجات القرب لا نهاية لها. ه. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { وإلى ثمود أخاهم صالحا }.

هود 11:61

قلت: قال الشطيبي: صالح: هو ابن عبيد بن عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح. وثمود هم أولاد ثمود بن عوص بن عاد بن إرم بن سام بن نوح. ه. وفيه نظر فقد ذكر البيضاوي في سورة الأعراف أن بين صالح ونوح تسعة أجداد، فانظره. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض } كونكم من الأرض لأنه خلق آدم منها، والنطف التي هي مواد نسله أصها منها، { واستعمركم } عمركم { فيها } وجعلكم تعمرونها بعد من مضى قبلكم، ثم تتركونها لغيركم. أو استبقاكم فيها مدة أعماركم، ثم ترحلون عنها. { فاستغفروه ثم توبوا إليه، أن ربي قريب } من كل شيء { مجيب } لمن دعاه. { قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا } أي: كنا نرجو أن ننتفع بك لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد، فتكون لنا سيدا، أو مستشارا في الأمور، وإن توافقنا على ديننا، فلما سمعنا هذا القول منك انقطع رجاؤنا منك { أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا } قبلنا لتصرفنا عن ديننا، { وإننا لفي شك مما تدعونا إليه } من التوحيد، والتبري من الأوثان. { مريب }: موقع في الريبة مبالغة في الشك، { قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة } طريقة واضحة { من ربي } وبصيرة نافذة منه، { وآتاني منه رحمة }: نبوة، { فمن ينصرني من الله } من يمنعني من عذابه { إن عصيته } وأطعتكم في ترك التبليغ، وموافقتكم في الدين الفاسد، { فما تزيدونني } باستتباعكم { غير تخسير } بترك ما منحني الله به، والتعرض لغضبه، أو فما تزيدونني بما تقولون لي غير تخسير لكم لأنه يجركم إلى الخسران. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من وجهه الحق تعالى يدعو إلى الله فإنما يدعو إلى خصلتين: إفراد الحق بنعوت الألوهية، والقيام بوظائف العبودية شكرا لنعمة الإيجاد، وتوالي الإمداد. فقول صالح عليه السلام: { اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } ، هذا إفراد الحق بالربوبية، وقوله: { هو أنشأكم من الأرض } ، هذه نعمة الإيجاد. وقوله: { واستعمركم فيها } هي: نعمة الإمداد، وقوله: { فاستغفروه ثم توبوا إليه } ، وهو القيام بوظائف العبودية شكرا لتلك النعمتين. وفي قوله: { إن ربي قريب مجيب }: ترهيب وترغيب. وقوله تعالى: { قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا }: يؤخذ من الآية: أن شعاع الخصوصية، وآثارها، تظهر على العبد قبل شروق أنوارها، وهو جار في خصوص النبوة والولاية، فلا تظهر على العبد في الغالب حتى يتقدمها آثار وأنوار، من مجاهدة أو أنس، أو اضطرار أو انكسار، أوعرق طيب. والله تعالى أعلم. وكل من واجهه منهم تكذيب أو إنكار يقول: { أرأيتم إن كنت على بينة من ربي... } الآية. وبالله التوفيق. ثم ذكر معجزة الناقة، فقال: { ويقوم هذه ناقة الله لكم آية }.

هود 11:62

قلت: قال الشطيبي: صالح: هو ابن عبيد بن عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح. وثمود هم أولاد ثمود بن عوص بن عاد بن إرم بن سام بن نوح. ه. وفيه نظر فقد ذكر البيضاوي في سورة الأعراف أن بين صالح ونوح تسعة أجداد، فانظره. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض } كونكم من الأرض لأنه خلق آدم منها، والنطف التي هي مواد نسله أصها منها، { واستعمركم } عمركم { فيها } وجعلكم تعمرونها بعد من مضى قبلكم، ثم تتركونها لغيركم. أو استبقاكم فيها مدة أعماركم، ثم ترحلون عنها. { فاستغفروه ثم توبوا إليه، أن ربي قريب } من كل شيء { مجيب } لمن دعاه. { قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا } أي: كنا نرجو أن ننتفع بك لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد، فتكون لنا سيدا، أو مستشارا في الأمور، وإن توافقنا على ديننا، فلما سمعنا هذا القول منك انقطع رجاؤنا منك { أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا } قبلنا لتصرفنا عن ديننا، { وإننا لفي شك مما تدعونا إليه } من التوحيد، والتبري من الأوثان. { مريب }: موقع في الريبة مبالغة في الشك، { قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة } طريقة واضحة { من ربي } وبصيرة نافذة منه، { وآتاني منه رحمة }: نبوة، { فمن ينصرني من الله } من يمنعني من عذابه { إن عصيته } وأطعتكم في ترك التبليغ، وموافقتكم في الدين الفاسد، { فما تزيدونني } باستتباعكم { غير تخسير } بترك ما منحني الله به، والتعرض لغضبه، أو فما تزيدونني بما تقولون لي غير تخسير لكم لأنه يجركم إلى الخسران. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من وجهه الحق تعالى يدعو إلى الله فإنما يدعو إلى خصلتين: إفراد الحق بنعوت الألوهية، والقيام بوظائف العبودية شكرا لنعمة الإيجاد، وتوالي الإمداد. فقول صالح عليه السلام: { اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } ، هذا إفراد الحق بالربوبية، وقوله: { هو أنشأكم من الأرض } ، هذه نعمة الإيجاد. وقوله: { واستعمركم فيها } هي: نعمة الإمداد، وقوله: { فاستغفروه ثم توبوا إليه } ، وهو القيام بوظائف العبودية شكرا لتلك النعمتين. وفي قوله: { إن ربي قريب مجيب }: ترهيب وترغيب. وقوله تعالى: { قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا }: يؤخذ من الآية: أن شعاع الخصوصية، وآثارها، تظهر على العبد قبل شروق أنوارها، وهو جار في خصوص النبوة والولاية، فلا تظهر على العبد في الغالب حتى يتقدمها آثار وأنوار، من مجاهدة أو أنس، أو اضطرار أو انكسار، أوعرق طيب. والله تعالى أعلم. وكل من واجهه منهم تكذيب أو إنكار يقول: { أرأيتم إن كنت على بينة من ربي... } الآية. وبالله التوفيق. ثم ذكر معجزة الناقة، فقال: { ويقوم هذه ناقة الله لكم آية }.

هود 11:63

قلت: قال الشطيبي: صالح: هو ابن عبيد بن عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح. وثمود هم أولاد ثمود بن عوص بن عاد بن إرم بن سام بن نوح. ه. وفيه نظر فقد ذكر البيضاوي في سورة الأعراف أن بين صالح ونوح تسعة أجداد، فانظره. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض } كونكم من الأرض لأنه خلق آدم منها، والنطف التي هي مواد نسله أصها منها، { واستعمركم } عمركم { فيها } وجعلكم تعمرونها بعد من مضى قبلكم، ثم تتركونها لغيركم. أو استبقاكم فيها مدة أعماركم، ثم ترحلون عنها. { فاستغفروه ثم توبوا إليه، أن ربي قريب } من كل شيء { مجيب } لمن دعاه. { قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا } أي: كنا نرجو أن ننتفع بك لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد، فتكون لنا سيدا، أو مستشارا في الأمور، وإن توافقنا على ديننا، فلما سمعنا هذا القول منك انقطع رجاؤنا منك { أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا } قبلنا لتصرفنا عن ديننا، { وإننا لفي شك مما تدعونا إليه } من التوحيد، والتبري من الأوثان. { مريب }: موقع في الريبة مبالغة في الشك، { قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة } طريقة واضحة { من ربي } وبصيرة نافذة منه، { وآتاني منه رحمة }: نبوة، { فمن ينصرني من الله } من يمنعني من عذابه { إن عصيته } وأطعتكم في ترك التبليغ، وموافقتكم في الدين الفاسد، { فما تزيدونني } باستتباعكم { غير تخسير } بترك ما منحني الله به، والتعرض لغضبه، أو فما تزيدونني بما تقولون لي غير تخسير لكم لأنه يجركم إلى الخسران. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من وجهه الحق تعالى يدعو إلى الله فإنما يدعو إلى خصلتين: إفراد الحق بنعوت الألوهية، والقيام بوظائف العبودية شكرا لنعمة الإيجاد، وتوالي الإمداد. فقول صالح عليه السلام: { اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } ، هذا إفراد الحق بالربوبية، وقوله: { هو أنشأكم من الأرض } ، هذه نعمة الإيجاد. وقوله: { واستعمركم فيها } هي: نعمة الإمداد، وقوله: { فاستغفروه ثم توبوا إليه } ، وهو القيام بوظائف العبودية شكرا لتلك النعمتين. وفي قوله: { إن ربي قريب مجيب }: ترهيب وترغيب. وقوله تعالى: { قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا }: يؤخذ من الآية: أن شعاع الخصوصية، وآثارها، تظهر على العبد قبل شروق أنوارها، وهو جار في خصوص النبوة والولاية، فلا تظهر على العبد في الغالب حتى يتقدمها آثار وأنوار، من مجاهدة أو أنس، أو اضطرار أو انكسار، أوعرق طيب. والله تعالى أعلم. وكل من واجهه منهم تكذيب أو إنكار يقول: { أرأيتم إن كنت على بينة من ربي... } الآية. وبالله التوفيق. ثم ذكر معجزة الناقة، فقال: { ويقوم هذه ناقة الله لكم آية }.

هود 11:64

قلت: " آية ": نصبت على الحال، والعامل فيها: معنى الإشارة. ولكم: حال منها، تقدمت عليها لتنكيرها. ومن خزي يومئذ حذف المعطوف، أي: ونجيناهم من خزي يومئذ، ومن قرأ بكسر الميم أعربه، ومن قرأ بالفتح بناه لاكتساب المضاف البناء من المضاف إليه. قاله البيضاوي. وقال في الألفية: وابن، أو اعرب ما كإذ قد أجريا واختر بنا متلو فعل بنيا وقبل فعل معرب أو مبتدأ أعرب، ومن بنى فلن يفندا وثمود: اسم قبيلة، يصح فيه الصرف باعتبار الحي أو الأب الأكبر، وعدمه باعتبار القبيلة. وقد جاء بالوجهين في هذه الآية. يقول الحق جل جلاله: قال صالح لقومه بعد ظهور آية الناقة، وقد تقدم في الأعراف قصتها: { هذه ناقة الله لكم آية } تدل على صدقي، { فذروها تأكل في أرض الله } أي: ترعى نباتها وتشرب ماءها، { ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب }: عاجل، لا يتأخر عن مسكم لها بالسوء إلا ثلاثة أيام. { فعقروها } وقسموا لحمها { فقال } لهم: { تمتعوا }: عيشوا { في داركم } منازلكم { ثلاثة ايام } الأربعاء والخميس والجمعة. وقيل: عقروها يوم الأربعاء، وتأخروا الخميس والجمعة والسبت، وهلكوا يوم الأحد. { ذلك وعد غير مكذوب } فيه " ، بل هو حق. { فلما جاء أمرنا }: عذابنا، أو أمرنا بهلاكهم، { نجينا صالحا والذين آمنوا معه } ، قيل: كانوا ألفين وثمانمائة رجل وامرأة. وقيل أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح أربعة عشر ألفا، سوى النساء والذرية، ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. انظر القرطبي. قلت: وقول كعب: كان قوم صالح... الخ، لعله يعني الجميع: من آمن ومن لم يؤمن، فآمن ألفان وثمانمائة، وهلك الباقي. وكذا هود، أسلم أربعة آلاف، وهلك الباقي. قال تعالى: فنجينا { صالحا } ومن معه { برحمة منا } ونجيناهم { من خزي يؤمئذ } وهو: هلاكهم بالصيحة، أو من هوان يوم القيامة، { إن ربك هو القوي العزيز } القادر على كل شيء، الغالب عليه، { وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين } باركين على ركبهم ميتين، { كأن لم يغنوا }: يعيشوا، أو يقيموا { فيها } ساعة، { ألا إن ثمود كفروا ربهم } جحدوه، { ألا بعدا لثمود } هلاكا وسحقا لهم. الإشارة: ما رأينا أحدا ربح من ولي وهو يطلب منه إظهار الكرامة، بل إذا أراد الله أن يوصل عبدا إليه كشف له عن سر خصوصيته، بلا توقف على كرامة. وقد يظهرها الله له بلا طلب تأييدا له، وزيادة في إيقانه، فإن طلب الكرامة، وظهرت له، ثم أعرض عنه، فلا أحد أبعد منه. قال تعالى، في حق من رأى المعجزة ثم أعرض: { ألا بعدا لثمود }. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة لوط، مع ما تقدمها من بشارة إبراهيم عليه السلام، فقال: { ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى }.

هود 11:65

قلت: " آية ": نصبت على الحال، والعامل فيها: معنى الإشارة. ولكم: حال منها، تقدمت عليها لتنكيرها. ومن خزي يومئذ حذف المعطوف، أي: ونجيناهم من خزي يومئذ، ومن قرأ بكسر الميم أعربه، ومن قرأ بالفتح بناه لاكتساب المضاف البناء من المضاف إليه. قاله البيضاوي. وقال في الألفية: وابن، أو اعرب ما كإذ قد أجريا واختر بنا متلو فعل بنيا وقبل فعل معرب أو مبتدأ أعرب، ومن بنى فلن يفندا وثمود: اسم قبيلة، يصح فيه الصرف باعتبار الحي أو الأب الأكبر، وعدمه باعتبار القبيلة. وقد جاء بالوجهين في هذه الآية. يقول الحق جل جلاله: قال صالح لقومه بعد ظهور آية الناقة، وقد تقدم في الأعراف قصتها: { هذه ناقة الله لكم آية } تدل على صدقي، { فذروها تأكل في أرض الله } أي: ترعى نباتها وتشرب ماءها، { ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب }: عاجل، لا يتأخر عن مسكم لها بالسوء إلا ثلاثة أيام. { فعقروها } وقسموا لحمها { فقال } لهم: { تمتعوا }: عيشوا { في داركم } منازلكم { ثلاثة ايام } الأربعاء والخميس والجمعة. وقيل: عقروها يوم الأربعاء، وتأخروا الخميس والجمعة والسبت، وهلكوا يوم الأحد. { ذلك وعد غير مكذوب } فيه " ، بل هو حق. { فلما جاء أمرنا }: عذابنا، أو أمرنا بهلاكهم، { نجينا صالحا والذين آمنوا معه } ، قيل: كانوا ألفين وثمانمائة رجل وامرأة. وقيل أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح أربعة عشر ألفا، سوى النساء والذرية، ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. انظر القرطبي. قلت: وقول كعب: كان قوم صالح... الخ، لعله يعني الجميع: من آمن ومن لم يؤمن، فآمن ألفان وثمانمائة، وهلك الباقي. وكذا هود، أسلم أربعة آلاف، وهلك الباقي. قال تعالى: فنجينا { صالحا } ومن معه { برحمة منا } ونجيناهم { من خزي يؤمئذ } وهو: هلاكهم بالصيحة، أو من هوان يوم القيامة، { إن ربك هو القوي العزيز } القادر على كل شيء، الغالب عليه، { وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين } باركين على ركبهم ميتين، { كأن لم يغنوا }: يعيشوا، أو يقيموا { فيها } ساعة، { ألا إن ثمود كفروا ربهم } جحدوه، { ألا بعدا لثمود } هلاكا وسحقا لهم. الإشارة: ما رأينا أحدا ربح من ولي وهو يطلب منه إظهار الكرامة، بل إذا أراد الله أن يوصل عبدا إليه كشف له عن سر خصوصيته، بلا توقف على كرامة. وقد يظهرها الله له بلا طلب تأييدا له، وزيادة في إيقانه، فإن طلب الكرامة، وظهرت له، ثم أعرض عنه، فلا أحد أبعد منه. قال تعالى، في حق من رأى المعجزة ثم أعرض: { ألا بعدا لثمود }. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة لوط، مع ما تقدمها من بشارة إبراهيم عليه السلام، فقال: { ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى }.

هود 11:66

قلت: " آية ": نصبت على الحال، والعامل فيها: معنى الإشارة. ولكم: حال منها، تقدمت عليها لتنكيرها. ومن خزي يومئذ حذف المعطوف، أي: ونجيناهم من خزي يومئذ، ومن قرأ بكسر الميم أعربه، ومن قرأ بالفتح بناه لاكتساب المضاف البناء من المضاف إليه. قاله البيضاوي. وقال في الألفية: وابن، أو اعرب ما كإذ قد أجريا واختر بنا متلو فعل بنيا وقبل فعل معرب أو مبتدأ أعرب، ومن بنى فلن يفندا وثمود: اسم قبيلة، يصح فيه الصرف باعتبار الحي أو الأب الأكبر، وعدمه باعتبار القبيلة. وقد جاء بالوجهين في هذه الآية. يقول الحق جل جلاله: قال صالح لقومه بعد ظهور آية الناقة، وقد تقدم في الأعراف قصتها: { هذه ناقة الله لكم آية } تدل على صدقي، { فذروها تأكل في أرض الله } أي: ترعى نباتها وتشرب ماءها، { ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب }: عاجل، لا يتأخر عن مسكم لها بالسوء إلا ثلاثة أيام. { فعقروها } وقسموا لحمها { فقال } لهم: { تمتعوا }: عيشوا { في داركم } منازلكم { ثلاثة ايام } الأربعاء والخميس والجمعة. وقيل: عقروها يوم الأربعاء، وتأخروا الخميس والجمعة والسبت، وهلكوا يوم الأحد. { ذلك وعد غير مكذوب } فيه " ، بل هو حق. { فلما جاء أمرنا }: عذابنا، أو أمرنا بهلاكهم، { نجينا صالحا والذين آمنوا معه } ، قيل: كانوا ألفين وثمانمائة رجل وامرأة. وقيل أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح أربعة عشر ألفا، سوى النساء والذرية، ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. انظر القرطبي. قلت: وقول كعب: كان قوم صالح... الخ، لعله يعني الجميع: من آمن ومن لم يؤمن، فآمن ألفان وثمانمائة، وهلك الباقي. وكذا هود، أسلم أربعة آلاف، وهلك الباقي. قال تعالى: فنجينا { صالحا } ومن معه { برحمة منا } ونجيناهم { من خزي يؤمئذ } وهو: هلاكهم بالصيحة، أو من هوان يوم القيامة، { إن ربك هو القوي العزيز } القادر على كل شيء، الغالب عليه، { وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين } باركين على ركبهم ميتين، { كأن لم يغنوا }: يعيشوا، أو يقيموا { فيها } ساعة، { ألا إن ثمود كفروا ربهم } جحدوه، { ألا بعدا لثمود } هلاكا وسحقا لهم. الإشارة: ما رأينا أحدا ربح من ولي وهو يطلب منه إظهار الكرامة، بل إذا أراد الله أن يوصل عبدا إليه كشف له عن سر خصوصيته، بلا توقف على كرامة. وقد يظهرها الله له بلا طلب تأييدا له، وزيادة في إيقانه، فإن طلب الكرامة، وظهرت له، ثم أعرض عنه، فلا أحد أبعد منه. قال تعالى، في حق من رأى المعجزة ثم أعرض: { ألا بعدا لثمود }. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة لوط، مع ما تقدمها من بشارة إبراهيم عليه السلام، فقال: { ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى }.

هود 11:67

قلت: " آية ": نصبت على الحال، والعامل فيها: معنى الإشارة. ولكم: حال منها، تقدمت عليها لتنكيرها. ومن خزي يومئذ حذف المعطوف، أي: ونجيناهم من خزي يومئذ، ومن قرأ بكسر الميم أعربه، ومن قرأ بالفتح بناه لاكتساب المضاف البناء من المضاف إليه. قاله البيضاوي. وقال في الألفية: وابن، أو اعرب ما كإذ قد أجريا واختر بنا متلو فعل بنيا وقبل فعل معرب أو مبتدأ أعرب، ومن بنى فلن يفندا وثمود: اسم قبيلة، يصح فيه الصرف باعتبار الحي أو الأب الأكبر، وعدمه باعتبار القبيلة. وقد جاء بالوجهين في هذه الآية. يقول الحق جل جلاله: قال صالح لقومه بعد ظهور آية الناقة، وقد تقدم في الأعراف قصتها: { هذه ناقة الله لكم آية } تدل على صدقي، { فذروها تأكل في أرض الله } أي: ترعى نباتها وتشرب ماءها، { ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب }: عاجل، لا يتأخر عن مسكم لها بالسوء إلا ثلاثة أيام. { فعقروها } وقسموا لحمها { فقال } لهم: { تمتعوا }: عيشوا { في داركم } منازلكم { ثلاثة ايام } الأربعاء والخميس والجمعة. وقيل: عقروها يوم الأربعاء، وتأخروا الخميس والجمعة والسبت، وهلكوا يوم الأحد. { ذلك وعد غير مكذوب } فيه " ، بل هو حق. { فلما جاء أمرنا }: عذابنا، أو أمرنا بهلاكهم، { نجينا صالحا والذين آمنوا معه } ، قيل: كانوا ألفين وثمانمائة رجل وامرأة. وقيل أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح أربعة عشر ألفا، سوى النساء والذرية، ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. انظر القرطبي. قلت: وقول كعب: كان قوم صالح... الخ، لعله يعني الجميع: من آمن ومن لم يؤمن، فآمن ألفان وثمانمائة، وهلك الباقي. وكذا هود، أسلم أربعة آلاف، وهلك الباقي. قال تعالى: فنجينا { صالحا } ومن معه { برحمة منا } ونجيناهم { من خزي يؤمئذ } وهو: هلاكهم بالصيحة، أو من هوان يوم القيامة، { إن ربك هو القوي العزيز } القادر على كل شيء، الغالب عليه، { وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين } باركين على ركبهم ميتين، { كأن لم يغنوا }: يعيشوا، أو يقيموا { فيها } ساعة، { ألا إن ثمود كفروا ربهم } جحدوه، { ألا بعدا لثمود } هلاكا وسحقا لهم. الإشارة: ما رأينا أحدا ربح من ولي وهو يطلب منه إظهار الكرامة، بل إذا أراد الله أن يوصل عبدا إليه كشف له عن سر خصوصيته، بلا توقف على كرامة. وقد يظهرها الله له بلا طلب تأييدا له، وزيادة في إيقانه، فإن طلب الكرامة، وظهرت له، ثم أعرض عنه، فلا أحد أبعد منه. قال تعالى، في حق من رأى المعجزة ثم أعرض: { ألا بعدا لثمود }. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة لوط، مع ما تقدمها من بشارة إبراهيم عليه السلام، فقال: { ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى }.

هود 11:68

قلت: " آية ": نصبت على الحال، والعامل فيها: معنى الإشارة. ولكم: حال منها، تقدمت عليها لتنكيرها. ومن خزي يومئذ حذف المعطوف، أي: ونجيناهم من خزي يومئذ، ومن قرأ بكسر الميم أعربه، ومن قرأ بالفتح بناه لاكتساب المضاف البناء من المضاف إليه. قاله البيضاوي. وقال في الألفية: وابن، أو اعرب ما كإذ قد أجريا واختر بنا متلو فعل بنيا وقبل فعل معرب أو مبتدأ أعرب، ومن بنى فلن يفندا وثمود: اسم قبيلة، يصح فيه الصرف باعتبار الحي أو الأب الأكبر، وعدمه باعتبار القبيلة. وقد جاء بالوجهين في هذه الآية. يقول الحق جل جلاله: قال صالح لقومه بعد ظهور آية الناقة، وقد تقدم في الأعراف قصتها: { هذه ناقة الله لكم آية } تدل على صدقي، { فذروها تأكل في أرض الله } أي: ترعى نباتها وتشرب ماءها، { ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب }: عاجل، لا يتأخر عن مسكم لها بالسوء إلا ثلاثة أيام. { فعقروها } وقسموا لحمها { فقال } لهم: { تمتعوا }: عيشوا { في داركم } منازلكم { ثلاثة ايام } الأربعاء والخميس والجمعة. وقيل: عقروها يوم الأربعاء، وتأخروا الخميس والجمعة والسبت، وهلكوا يوم الأحد. { ذلك وعد غير مكذوب } فيه " ، بل هو حق. { فلما جاء أمرنا }: عذابنا، أو أمرنا بهلاكهم، { نجينا صالحا والذين آمنوا معه } ، قيل: كانوا ألفين وثمانمائة رجل وامرأة. وقيل أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح أربعة عشر ألفا، سوى النساء والذرية، ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. انظر القرطبي. قلت: وقول كعب: كان قوم صالح... الخ، لعله يعني الجميع: من آمن ومن لم يؤمن، فآمن ألفان وثمانمائة، وهلك الباقي. وكذا هود، أسلم أربعة آلاف، وهلك الباقي. قال تعالى: فنجينا { صالحا } ومن معه { برحمة منا } ونجيناهم { من خزي يؤمئذ } وهو: هلاكهم بالصيحة، أو من هوان يوم القيامة، { إن ربك هو القوي العزيز } القادر على كل شيء، الغالب عليه، { وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين } باركين على ركبهم ميتين، { كأن لم يغنوا }: يعيشوا، أو يقيموا { فيها } ساعة، { ألا إن ثمود كفروا ربهم } جحدوه، { ألا بعدا لثمود } هلاكا وسحقا لهم. الإشارة: ما رأينا أحدا ربح من ولي وهو يطلب منه إظهار الكرامة، بل إذا أراد الله أن يوصل عبدا إليه كشف له عن سر خصوصيته، بلا توقف على كرامة. وقد يظهرها الله له بلا طلب تأييدا له، وزيادة في إيقانه، فإن طلب الكرامة، وظهرت له، ثم أعرض عنه، فلا أحد أبعد منه. قال تعالى، في حق من رأى المعجزة ثم أعرض: { ألا بعدا لثمود }. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة لوط، مع ما تقدمها من بشارة إبراهيم عليه السلام، فقال: { ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى }.

هود 11:69

قلت: " سلاما ": منصوب على المصدر، أي: سلمنا سلاما. ويجوز نصبه بقالوا لتضمنه معنى ذكروا. قال سلام: إما خبر، أي: أمرنا سلام، أو جواب سلام، وإما مبتدأ، أي: عليكم سلام. وكسر السين: لغة، وإنما رفع جوابه ليدل على ثبوت سلامة فيكون قد حياهم بأحسن مما حيوه به. فما لبث أن جاء. " ما ": نافية و " أن جاء ": فاعل " لبث ". ونكر وأنكر بمعنى واحد. والإيجاس: الإدراك أو الإضمار. ومن وراء إسحاق يعقوب: من قرأ بالنصب فبفعل دل عليه الكلام، أي: ووهبنا لها يعقوب. ومن رفعه فمبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده. وشيخا: حال، والعامل فيه: الإشارة، أي: أشير إليه شيخا. وأهل البيت: نصب على المدح والاختصاص، أو على النداء. يقول الحق جل جلاله: { ولقد جاءت رسلنا إبراهيم } ، وهم الملائكة، وقيل: ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقيل: تسعة جاؤوه { بالبشرى } بالولد. فلما دخلوا عليه { قالوا سلاما } أي: سلمنا عليك سلاما، أو ذكروا سلاما، { قال سلام } أي: عليكم سلام، { فما لبث } أي: أبطأ، { أن جاء بعجل حنيذ } مشوي بالرضف، أي: بالحجر المحمي. وقيل: حنيذ بمعنى يقطر ودكه. كقوله: بعجل سمين [الذاريات: 26]، فامتنعوا من أكله، { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه } لا يمدون إليه أيديهم، { نكرهم } أي: أنكر ذلك منهم، { وأوجس }: أدرك، أو أضمر { منهم خفية } أي: خوفا، خاف أن يريدوا به مكروها لامتناعهم من طعامه، وكان من عادتهم إذا مس من يطرقهم طعامهم أمنوه، وإلا خافوه. والظاهر أنه أحس بأنهم ملائكة ونكرهم لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه فأمنوه، وقالوا: { لا تخف إنا } ملائكة { أرسلنا إلى قوم لوط } لنعذبهم، وإنما لم نأكل طعامك لأنا لا نأكل الطعام. { وامرأته قائمة } من وراء ستر تسمع محاورتهم، أو على رؤوسهم للخدمة، { فضحكت } سرورا بزوال الخيفة، أو بهلاك أهل الفساد، أو بإصابة رأيها، فإنها كانت تقول لإبراهيم: اضمم إليك لوطا، فإني لأعلم أن العذاب نازل بهؤلاء القوم. وقيل: معنى ضحكت: حاضت. يقال: ضحكت الشجرة: إذا سال صمغها. وقيل: ضحكت سرورا بالولد الذي بشرت به. فيكون في الكلام تقديم وتأخير، أي: فبشرناها فضحكت، وهو ضعيف. قال تعالى { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } ولد ولدها. وتوجيه البشارة إليها لأنه من نسلها، ولأنها كانت عقيمة حريصة على الولد، { قالت يا ويلتا } يا عجبا، وأصله في الشر، فأطلق على كل أمر فظيع. وقرئ بالياء على الأصل، أي: يا ويلتي { أألد وأنا عجوز } ابنة تسعين، أو تسع وتسعين { وهذا بعلي }: زوجي، وأصله: القائم بالأمر، { شيخا } ابن مائة أو مائة وعشرين سنة، { إن هذا لشيء عجيب } يتعجب منه لكونه نشأ الولد من هرمين. وهو استغرب من حيث العادة، لا من حيث القدرة، ولذلك قالوا: { أتعجبين من أمر الله } منكرين عليها، فإن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة، ومهبط الوحي ومظهر المعجزات. وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع، ولذلك قالوا: { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت } أي: بيت إبراهيم، فلا تستغرب ما يظهر منهم من خوارق العادات، ولا سيما من نشأت وشابت في ملاحظة الآيات، { إنه } تعالى { حميد } فاعل ما يستوجب به الحمد، أو محمود على كل حال { مجيد } كثير الخير والإحسان. أو ممجد بمعنى العلو والشرف التام. قال ابن عطية هنا: إن في الآية دليلا على ان الذبيح إسماعيل لا إسحاق. وفيه نظر. وسيأتي في سورة الصافات ما هو الحق، إن شاء الله تعالى. الإشارة: من شأن أهل الكرم والامتنان: المبادرة إلى من أتاهم بالبر والإحسان إما بقوت الأرواح، أو بقوت الأشباح. من أتاهم لقوت الأرواح بادروه بإمداد الروح من اليقين والمعرفة، ومن أتاهم لقوت الأشباح بادروه بالطعام والشراب، كلا ما يليق به، ومن شأن الضيف اللبيب المبادرة إلى أكل ما قدم إليه، من غير اختبار، إلا لمانع شرعي أو عادي. ومن شأن أهل التحقيق والتصديق ألا يتعجبوا مما يظهر من القدرة من الخوارق إذ القدرة صالحة لكل شيء، حاكمة على كل شيء، هي تحكم على العادة، لا العادة تحكم عليها. وهذا شأن الصديقين لا يتعجبون من شيء ولا يستغربون شيئا، ولذلك توجه الإنكار إلى سارة من الملائكة، ولم يتوجه إلى مريم حيث سألت استفهاما، ولم تتعجب، ووصفت بالصديقية دون سارة. والله تعالى أعلم. ولما تحقق إبراهيم عليه السلام بهلاك قو لوط أسف عليهم، كما قال تعالى: { فلما ذهب عن إبراهيم الروع }.

هود 11:70

قلت: " سلاما ": منصوب على المصدر، أي: سلمنا سلاما. ويجوز نصبه بقالوا لتضمنه معنى ذكروا. قال سلام: إما خبر، أي: أمرنا سلام، أو جواب سلام، وإما مبتدأ، أي: عليكم سلام. وكسر السين: لغة، وإنما رفع جوابه ليدل على ثبوت سلامة فيكون قد حياهم بأحسن مما حيوه به. فما لبث أن جاء. " ما ": نافية و " أن جاء ": فاعل " لبث ". ونكر وأنكر بمعنى واحد. والإيجاس: الإدراك أو الإضمار. ومن وراء إسحاق يعقوب: من قرأ بالنصب فبفعل دل عليه الكلام، أي: ووهبنا لها يعقوب. ومن رفعه فمبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده. وشيخا: حال، والعامل فيه: الإشارة، أي: أشير إليه شيخا. وأهل البيت: نصب على المدح والاختصاص، أو على النداء. يقول الحق جل جلاله: { ولقد جاءت رسلنا إبراهيم } ، وهم الملائكة، وقيل: ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقيل: تسعة جاؤوه { بالبشرى } بالولد. فلما دخلوا عليه { قالوا سلاما } أي: سلمنا عليك سلاما، أو ذكروا سلاما، { قال سلام } أي: عليكم سلام، { فما لبث } أي: أبطأ، { أن جاء بعجل حنيذ } مشوي بالرضف، أي: بالحجر المحمي. وقيل: حنيذ بمعنى يقطر ودكه. كقوله: بعجل سمين [الذاريات: 26]، فامتنعوا من أكله، { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه } لا يمدون إليه أيديهم، { نكرهم } أي: أنكر ذلك منهم، { وأوجس }: أدرك، أو أضمر { منهم خفية } أي: خوفا، خاف أن يريدوا به مكروها لامتناعهم من طعامه، وكان من عادتهم إذا مس من يطرقهم طعامهم أمنوه، وإلا خافوه. والظاهر أنه أحس بأنهم ملائكة ونكرهم لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه فأمنوه، وقالوا: { لا تخف إنا } ملائكة { أرسلنا إلى قوم لوط } لنعذبهم، وإنما لم نأكل طعامك لأنا لا نأكل الطعام. { وامرأته قائمة } من وراء ستر تسمع محاورتهم، أو على رؤوسهم للخدمة، { فضحكت } سرورا بزوال الخيفة، أو بهلاك أهل الفساد، أو بإصابة رأيها، فإنها كانت تقول لإبراهيم: اضمم إليك لوطا، فإني لأعلم أن العذاب نازل بهؤلاء القوم. وقيل: معنى ضحكت: حاضت. يقال: ضحكت الشجرة: إذا سال صمغها. وقيل: ضحكت سرورا بالولد الذي بشرت به. فيكون في الكلام تقديم وتأخير، أي: فبشرناها فضحكت، وهو ضعيف. قال تعالى { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } ولد ولدها. وتوجيه البشارة إليها لأنه من نسلها، ولأنها كانت عقيمة حريصة على الولد، { قالت يا ويلتا } يا عجبا، وأصله في الشر، فأطلق على كل أمر فظيع. وقرئ بالياء على الأصل، أي: يا ويلتي { أألد وأنا عجوز } ابنة تسعين، أو تسع وتسعين { وهذا بعلي }: زوجي، وأصله: القائم بالأمر، { شيخا } ابن مائة أو مائة وعشرين سنة، { إن هذا لشيء عجيب } يتعجب منه لكونه نشأ الولد من هرمين. وهو استغرب من حيث العادة، لا من حيث القدرة، ولذلك قالوا: { أتعجبين من أمر الله } منكرين عليها، فإن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة، ومهبط الوحي ومظهر المعجزات. وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع، ولذلك قالوا: { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت } أي: بيت إبراهيم، فلا تستغرب ما يظهر منهم من خوارق العادات، ولا سيما من نشأت وشابت في ملاحظة الآيات، { إنه } تعالى { حميد } فاعل ما يستوجب به الحمد، أو محمود على كل حال { مجيد } كثير الخير والإحسان. أو ممجد بمعنى العلو والشرف التام. قال ابن عطية هنا: إن في الآية دليلا على ان الذبيح إسماعيل لا إسحاق. وفيه نظر. وسيأتي في سورة الصافات ما هو الحق، إن شاء الله تعالى. الإشارة: من شأن أهل الكرم والامتنان: المبادرة إلى من أتاهم بالبر والإحسان إما بقوت الأرواح، أو بقوت الأشباح. من أتاهم لقوت الأرواح بادروه بإمداد الروح من اليقين والمعرفة، ومن أتاهم لقوت الأشباح بادروه بالطعام والشراب، كلا ما يليق به، ومن شأن الضيف اللبيب المبادرة إلى أكل ما قدم إليه، من غير اختبار، إلا لمانع شرعي أو عادي. ومن شأن أهل التحقيق والتصديق ألا يتعجبوا مما يظهر من القدرة من الخوارق إذ القدرة صالحة لكل شيء، حاكمة على كل شيء، هي تحكم على العادة، لا العادة تحكم عليها. وهذا شأن الصديقين لا يتعجبون من شيء ولا يستغربون شيئا، ولذلك توجه الإنكار إلى سارة من الملائكة، ولم يتوجه إلى مريم حيث سألت استفهاما، ولم تتعجب، ووصفت بالصديقية دون سارة. والله تعالى أعلم. ولما تحقق إبراهيم عليه السلام بهلاك قو لوط أسف عليهم، كما قال تعالى: { فلما ذهب عن إبراهيم الروع }.

هود 11:71

قلت: " سلاما ": منصوب على المصدر، أي: سلمنا سلاما. ويجوز نصبه بقالوا لتضمنه معنى ذكروا. قال سلام: إما خبر، أي: أمرنا سلام، أو جواب سلام، وإما مبتدأ، أي: عليكم سلام. وكسر السين: لغة، وإنما رفع جوابه ليدل على ثبوت سلامة فيكون قد حياهم بأحسن مما حيوه به. فما لبث أن جاء. " ما ": نافية و " أن جاء ": فاعل " لبث ". ونكر وأنكر بمعنى واحد. والإيجاس: الإدراك أو الإضمار. ومن وراء إسحاق يعقوب: من قرأ بالنصب فبفعل دل عليه الكلام، أي: ووهبنا لها يعقوب. ومن رفعه فمبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده. وشيخا: حال، والعامل فيه: الإشارة، أي: أشير إليه شيخا. وأهل البيت: نصب على المدح والاختصاص، أو على النداء. يقول الحق جل جلاله: { ولقد جاءت رسلنا إبراهيم } ، وهم الملائكة، وقيل: ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقيل: تسعة جاؤوه { بالبشرى } بالولد. فلما دخلوا عليه { قالوا سلاما } أي: سلمنا عليك سلاما، أو ذكروا سلاما، { قال سلام } أي: عليكم سلام، { فما لبث } أي: أبطأ، { أن جاء بعجل حنيذ } مشوي بالرضف، أي: بالحجر المحمي. وقيل: حنيذ بمعنى يقطر ودكه. كقوله: بعجل سمين [الذاريات: 26]، فامتنعوا من أكله، { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه } لا يمدون إليه أيديهم، { نكرهم } أي: أنكر ذلك منهم، { وأوجس }: أدرك، أو أضمر { منهم خفية } أي: خوفا، خاف أن يريدوا به مكروها لامتناعهم من طعامه، وكان من عادتهم إذا مس من يطرقهم طعامهم أمنوه، وإلا خافوه. والظاهر أنه أحس بأنهم ملائكة ونكرهم لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه فأمنوه، وقالوا: { لا تخف إنا } ملائكة { أرسلنا إلى قوم لوط } لنعذبهم، وإنما لم نأكل طعامك لأنا لا نأكل الطعام. { وامرأته قائمة } من وراء ستر تسمع محاورتهم، أو على رؤوسهم للخدمة، { فضحكت } سرورا بزوال الخيفة، أو بهلاك أهل الفساد، أو بإصابة رأيها، فإنها كانت تقول لإبراهيم: اضمم إليك لوطا، فإني لأعلم أن العذاب نازل بهؤلاء القوم. وقيل: معنى ضحكت: حاضت. يقال: ضحكت الشجرة: إذا سال صمغها. وقيل: ضحكت سرورا بالولد الذي بشرت به. فيكون في الكلام تقديم وتأخير، أي: فبشرناها فضحكت، وهو ضعيف. قال تعالى { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } ولد ولدها. وتوجيه البشارة إليها لأنه من نسلها، ولأنها كانت عقيمة حريصة على الولد، { قالت يا ويلتا } يا عجبا، وأصله في الشر، فأطلق على كل أمر فظيع. وقرئ بالياء على الأصل، أي: يا ويلتي { أألد وأنا عجوز } ابنة تسعين، أو تسع وتسعين { وهذا بعلي }: زوجي، وأصله: القائم بالأمر، { شيخا } ابن مائة أو مائة وعشرين سنة، { إن هذا لشيء عجيب } يتعجب منه لكونه نشأ الولد من هرمين. وهو استغرب من حيث العادة، لا من حيث القدرة، ولذلك قالوا: { أتعجبين من أمر الله } منكرين عليها، فإن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة، ومهبط الوحي ومظهر المعجزات. وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع، ولذلك قالوا: { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت } أي: بيت إبراهيم، فلا تستغرب ما يظهر منهم من خوارق العادات، ولا سيما من نشأت وشابت في ملاحظة الآيات، { إنه } تعالى { حميد } فاعل ما يستوجب به الحمد، أو محمود على كل حال { مجيد } كثير الخير والإحسان. أو ممجد بمعنى العلو والشرف التام. قال ابن عطية هنا: إن في الآية دليلا على ان الذبيح إسماعيل لا إسحاق. وفيه نظر. وسيأتي في سورة الصافات ما هو الحق، إن شاء الله تعالى. الإشارة: من شأن أهل الكرم والامتنان: المبادرة إلى من أتاهم بالبر والإحسان إما بقوت الأرواح، أو بقوت الأشباح. من أتاهم لقوت الأرواح بادروه بإمداد الروح من اليقين والمعرفة، ومن أتاهم لقوت الأشباح بادروه بالطعام والشراب، كلا ما يليق به، ومن شأن الضيف اللبيب المبادرة إلى أكل ما قدم إليه، من غير اختبار، إلا لمانع شرعي أو عادي. ومن شأن أهل التحقيق والتصديق ألا يتعجبوا مما يظهر من القدرة من الخوارق إذ القدرة صالحة لكل شيء، حاكمة على كل شيء، هي تحكم على العادة، لا العادة تحكم عليها. وهذا شأن الصديقين لا يتعجبون من شيء ولا يستغربون شيئا، ولذلك توجه الإنكار إلى سارة من الملائكة، ولم يتوجه إلى مريم حيث سألت استفهاما، ولم تتعجب، ووصفت بالصديقية دون سارة. والله تعالى أعلم. ولما تحقق إبراهيم عليه السلام بهلاك قو لوط أسف عليهم، كما قال تعالى: { فلما ذهب عن إبراهيم الروع }.

هود 11:72

قلت: " سلاما ": منصوب على المصدر، أي: سلمنا سلاما. ويجوز نصبه بقالوا لتضمنه معنى ذكروا. قال سلام: إما خبر، أي: أمرنا سلام، أو جواب سلام، وإما مبتدأ، أي: عليكم سلام. وكسر السين: لغة، وإنما رفع جوابه ليدل على ثبوت سلامة فيكون قد حياهم بأحسن مما حيوه به. فما لبث أن جاء. " ما ": نافية و " أن جاء ": فاعل " لبث ". ونكر وأنكر بمعنى واحد. والإيجاس: الإدراك أو الإضمار. ومن وراء إسحاق يعقوب: من قرأ بالنصب فبفعل دل عليه الكلام، أي: ووهبنا لها يعقوب. ومن رفعه فمبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده. وشيخا: حال، والعامل فيه: الإشارة، أي: أشير إليه شيخا. وأهل البيت: نصب على المدح والاختصاص، أو على النداء. يقول الحق جل جلاله: { ولقد جاءت رسلنا إبراهيم } ، وهم الملائكة، وقيل: ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقيل: تسعة جاؤوه { بالبشرى } بالولد. فلما دخلوا عليه { قالوا سلاما } أي: سلمنا عليك سلاما، أو ذكروا سلاما، { قال سلام } أي: عليكم سلام، { فما لبث } أي: أبطأ، { أن جاء بعجل حنيذ } مشوي بالرضف، أي: بالحجر المحمي. وقيل: حنيذ بمعنى يقطر ودكه. كقوله: بعجل سمين [الذاريات: 26]، فامتنعوا من أكله، { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه } لا يمدون إليه أيديهم، { نكرهم } أي: أنكر ذلك منهم، { وأوجس }: أدرك، أو أضمر { منهم خفية } أي: خوفا، خاف أن يريدوا به مكروها لامتناعهم من طعامه، وكان من عادتهم إذا مس من يطرقهم طعامهم أمنوه، وإلا خافوه. والظاهر أنه أحس بأنهم ملائكة ونكرهم لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه فأمنوه، وقالوا: { لا تخف إنا } ملائكة { أرسلنا إلى قوم لوط } لنعذبهم، وإنما لم نأكل طعامك لأنا لا نأكل الطعام. { وامرأته قائمة } من وراء ستر تسمع محاورتهم، أو على رؤوسهم للخدمة، { فضحكت } سرورا بزوال الخيفة، أو بهلاك أهل الفساد، أو بإصابة رأيها، فإنها كانت تقول لإبراهيم: اضمم إليك لوطا، فإني لأعلم أن العذاب نازل بهؤلاء القوم. وقيل: معنى ضحكت: حاضت. يقال: ضحكت الشجرة: إذا سال صمغها. وقيل: ضحكت سرورا بالولد الذي بشرت به. فيكون في الكلام تقديم وتأخير، أي: فبشرناها فضحكت، وهو ضعيف. قال تعالى { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } ولد ولدها. وتوجيه البشارة إليها لأنه من نسلها، ولأنها كانت عقيمة حريصة على الولد، { قالت يا ويلتا } يا عجبا، وأصله في الشر، فأطلق على كل أمر فظيع. وقرئ بالياء على الأصل، أي: يا ويلتي { أألد وأنا عجوز } ابنة تسعين، أو تسع وتسعين { وهذا بعلي }: زوجي، وأصله: القائم بالأمر، { شيخا } ابن مائة أو مائة وعشرين سنة، { إن هذا لشيء عجيب } يتعجب منه لكونه نشأ الولد من هرمين. وهو استغرب من حيث العادة، لا من حيث القدرة، ولذلك قالوا: { أتعجبين من أمر الله } منكرين عليها، فإن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة، ومهبط الوحي ومظهر المعجزات. وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع، ولذلك قالوا: { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت } أي: بيت إبراهيم، فلا تستغرب ما يظهر منهم من خوارق العادات، ولا سيما من نشأت وشابت في ملاحظة الآيات، { إنه } تعالى { حميد } فاعل ما يستوجب به الحمد، أو محمود على كل حال { مجيد } كثير الخير والإحسان. أو ممجد بمعنى العلو والشرف التام. قال ابن عطية هنا: إن في الآية دليلا على ان الذبيح إسماعيل لا إسحاق. وفيه نظر. وسيأتي في سورة الصافات ما هو الحق، إن شاء الله تعالى. الإشارة: من شأن أهل الكرم والامتنان: المبادرة إلى من أتاهم بالبر والإحسان إما بقوت الأرواح، أو بقوت الأشباح. من أتاهم لقوت الأرواح بادروه بإمداد الروح من اليقين والمعرفة، ومن أتاهم لقوت الأشباح بادروه بالطعام والشراب، كلا ما يليق به، ومن شأن الضيف اللبيب المبادرة إلى أكل ما قدم إليه، من غير اختبار، إلا لمانع شرعي أو عادي. ومن شأن أهل التحقيق والتصديق ألا يتعجبوا مما يظهر من القدرة من الخوارق إذ القدرة صالحة لكل شيء، حاكمة على كل شيء، هي تحكم على العادة، لا العادة تحكم عليها. وهذا شأن الصديقين لا يتعجبون من شيء ولا يستغربون شيئا، ولذلك توجه الإنكار إلى سارة من الملائكة، ولم يتوجه إلى مريم حيث سألت استفهاما، ولم تتعجب، ووصفت بالصديقية دون سارة. والله تعالى أعلم. ولما تحقق إبراهيم عليه السلام بهلاك قو لوط أسف عليهم، كما قال تعالى: { فلما ذهب عن إبراهيم الروع }.

هود 11:73

قلت: " سلاما ": منصوب على المصدر، أي: سلمنا سلاما. ويجوز نصبه بقالوا لتضمنه معنى ذكروا. قال سلام: إما خبر، أي: أمرنا سلام، أو جواب سلام، وإما مبتدأ، أي: عليكم سلام. وكسر السين: لغة، وإنما رفع جوابه ليدل على ثبوت سلامة فيكون قد حياهم بأحسن مما حيوه به. فما لبث أن جاء. " ما ": نافية و " أن جاء ": فاعل " لبث ". ونكر وأنكر بمعنى واحد. والإيجاس: الإدراك أو الإضمار. ومن وراء إسحاق يعقوب: من قرأ بالنصب فبفعل دل عليه الكلام، أي: ووهبنا لها يعقوب. ومن رفعه فمبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده. وشيخا: حال، والعامل فيه: الإشارة، أي: أشير إليه شيخا. وأهل البيت: نصب على المدح والاختصاص، أو على النداء. يقول الحق جل جلاله: { ولقد جاءت رسلنا إبراهيم } ، وهم الملائكة، وقيل: ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقيل: تسعة جاؤوه { بالبشرى } بالولد. فلما دخلوا عليه { قالوا سلاما } أي: سلمنا عليك سلاما، أو ذكروا سلاما، { قال سلام } أي: عليكم سلام، { فما لبث } أي: أبطأ، { أن جاء بعجل حنيذ } مشوي بالرضف، أي: بالحجر المحمي. وقيل: حنيذ بمعنى يقطر ودكه. كقوله: بعجل سمين [الذاريات: 26]، فامتنعوا من أكله، { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه } لا يمدون إليه أيديهم، { نكرهم } أي: أنكر ذلك منهم، { وأوجس }: أدرك، أو أضمر { منهم خفية } أي: خوفا، خاف أن يريدوا به مكروها لامتناعهم من طعامه، وكان من عادتهم إذا مس من يطرقهم طعامهم أمنوه، وإلا خافوه. والظاهر أنه أحس بأنهم ملائكة ونكرهم لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه فأمنوه، وقالوا: { لا تخف إنا } ملائكة { أرسلنا إلى قوم لوط } لنعذبهم، وإنما لم نأكل طعامك لأنا لا نأكل الطعام. { وامرأته قائمة } من وراء ستر تسمع محاورتهم، أو على رؤوسهم للخدمة، { فضحكت } سرورا بزوال الخيفة، أو بهلاك أهل الفساد، أو بإصابة رأيها، فإنها كانت تقول لإبراهيم: اضمم إليك لوطا، فإني لأعلم أن العذاب نازل بهؤلاء القوم. وقيل: معنى ضحكت: حاضت. يقال: ضحكت الشجرة: إذا سال صمغها. وقيل: ضحكت سرورا بالولد الذي بشرت به. فيكون في الكلام تقديم وتأخير، أي: فبشرناها فضحكت، وهو ضعيف. قال تعالى { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } ولد ولدها. وتوجيه البشارة إليها لأنه من نسلها، ولأنها كانت عقيمة حريصة على الولد، { قالت يا ويلتا } يا عجبا، وأصله في الشر، فأطلق على كل أمر فظيع. وقرئ بالياء على الأصل، أي: يا ويلتي { أألد وأنا عجوز } ابنة تسعين، أو تسع وتسعين { وهذا بعلي }: زوجي، وأصله: القائم بالأمر، { شيخا } ابن مائة أو مائة وعشرين سنة، { إن هذا لشيء عجيب } يتعجب منه لكونه نشأ الولد من هرمين. وهو استغرب من حيث العادة، لا من حيث القدرة، ولذلك قالوا: { أتعجبين من أمر الله } منكرين عليها، فإن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة، ومهبط الوحي ومظهر المعجزات. وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع، ولذلك قالوا: { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت } أي: بيت إبراهيم، فلا تستغرب ما يظهر منهم من خوارق العادات، ولا سيما من نشأت وشابت في ملاحظة الآيات، { إنه } تعالى { حميد } فاعل ما يستوجب به الحمد، أو محمود على كل حال { مجيد } كثير الخير والإحسان. أو ممجد بمعنى العلو والشرف التام. قال ابن عطية هنا: إن في الآية دليلا على ان الذبيح إسماعيل لا إسحاق. وفيه نظر. وسيأتي في سورة الصافات ما هو الحق، إن شاء الله تعالى. الإشارة: من شأن أهل الكرم والامتنان: المبادرة إلى من أتاهم بالبر والإحسان إما بقوت الأرواح، أو بقوت الأشباح. من أتاهم لقوت الأرواح بادروه بإمداد الروح من اليقين والمعرفة، ومن أتاهم لقوت الأشباح بادروه بالطعام والشراب، كلا ما يليق به، ومن شأن الضيف اللبيب المبادرة إلى أكل ما قدم إليه، من غير اختبار، إلا لمانع شرعي أو عادي. ومن شأن أهل التحقيق والتصديق ألا يتعجبوا مما يظهر من القدرة من الخوارق إذ القدرة صالحة لكل شيء، حاكمة على كل شيء، هي تحكم على العادة، لا العادة تحكم عليها. وهذا شأن الصديقين لا يتعجبون من شيء ولا يستغربون شيئا، ولذلك توجه الإنكار إلى سارة من الملائكة، ولم يتوجه إلى مريم حيث سألت استفهاما، ولم تتعجب، ووصفت بالصديقية دون سارة. والله تعالى أعلم. ولما تحقق إبراهيم عليه السلام بهلاك قو لوط أسف عليهم، كما قال تعالى: { فلما ذهب عن إبراهيم الروع }.

هود 11:74

قلت: " لما ": حرف وجود لوجود، تفتقر للشرط والجواب. فشرطها: " ذهب " ، وجوابها: محذوف أي: جعل يجادلنا. والتأوه: التفجع والتأسف، ومنه قول الشاعر: إذا ما قمت أرحلها بليل تأوه آهة الرجل الحزين يقول الحق جل جلاله: { فلما ذهب عن إبراهيم الروع } ، وهو ما أوجس في نفسه من الخيفة، { وجاءته البشرى } بدل الروع، جعل { يجادلنا } أي: يخاصم رسلنا { في } شأن { قوم لوط } ، ويدفع عنهم، قال: إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها [العنكبوت: 32]، { إن إبراهيم لحليم } ، غير عجول من الانتقام إلى من أساء اليه. { أواه } كثير التأوه والتأسف على الناس، { منيب } ، راجع إلى الله. والمقصود من ذلك: بيان الحامل له على المجادلة، وهي: رقة قلبه وفرط ترحمه. قال تعالى على لسان الملائكة: { يا إبراهيم أعرض عن هذا } ، الجدال { إنه قد جاء أمر ربك } بهلاكهم، ونفذ قضاؤه الأزلي فيهم، ولا مرد لما قضى، { وإنهم آتيهم عذاب غير مردود } غير مصروف بجدال ولا دعاء، ولا غير ذلك. الإشارة: قال الورتجبي: قوله تعالى { إن أبراهيم لحليم أواه } حليم بأنه كان لا يدعو على قومه، بل قال: فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم [إبراهيم: 36] وتأوه زفرة قلبه من الشوق إلى جمال ربه، هكذا وصف العاشقين. ثم قال: ومجادلته كمال الانبساط، ولم يكن جهلا، ولكن كان مشفقا، بارا كريما، رأى مكانة نفسه في محل الخلة والاصطفائية القديمة، وهو تعالى يحب غضب العارفين، وتغير المحبين، ومجادلة الصديقين، وانبساط العاشقين حتى يحثهم على ذلك. وفي الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما أسري بي رأيت رجلا في الحضرة يتذمر، فقلت لجبريل: من هذا؟ فقال: أخوك موسى يتذمر على ربه أي: يجترئ عليه انبساط فقلت: وهل يليق له ذلك؟ فقال: يعرفه فيتحمل عنه " ثم قال: ولا يجوز الانبساط إلا لمن كان على وصفهم. ه. قال في الصحاح: يتذمر على فلان: إذا تنكر له وأوعده. قاله المحشي. والحاصل أن إبراهيم عليه السلام حملته الشفقة والرحمة، حتى صدر، منه ما صدر مع خلته واصطفائيته، فالشفقة والرحمة من شأن الصالحين والعارفين المقربين، غير أن العارفين بالله مع مراد مولاهم، يشفقون على عباد الله، ما لم يتعين مراد الله، فالله أرحم بعباده من غيره. ولذلك قال لخليله، لما تعين قضاؤه: { يا أبراهيم أعرض عن هذا }. فالشفقة التي تؤدي إلى معارضة القدر لا تليق بأهل الأقدار، وفي الحكم " ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله ". ولهذا قالوا: الشفقة لا تليق بالأولياء. قال جعفر الصادق رحمه الله : ست خصال لا تحس بستة رجال: لا يحسن الطمع في العلماء، ولا العجلة في الأمراء، ولا الشح في الأغنياء، ولا الكبر في الفقراء، ولا الشفقة في المشايخ، ولا اللؤم في ذوي الأحساب. وقولنا: الشفقة لا تليق بالأولياء، يعني إذا تعين مراد الله، أو إذا ظهرت المصلحة في عدمها، كأمر الشيخ المريد بما تموت به نفسه، فإذا كان الشيخ يحن على الفقراء في هذا المعنى لا تكمل تربيته. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هلاك لوط،، فقال: { ولما جآءت رسلنا لوطا }.

هود 11:75

قلت: " لما ": حرف وجود لوجود، تفتقر للشرط والجواب. فشرطها: " ذهب " ، وجوابها: محذوف أي: جعل يجادلنا. والتأوه: التفجع والتأسف، ومنه قول الشاعر: إذا ما قمت أرحلها بليل تأوه آهة الرجل الحزين يقول الحق جل جلاله: { فلما ذهب عن إبراهيم الروع } ، وهو ما أوجس في نفسه من الخيفة، { وجاءته البشرى } بدل الروع، جعل { يجادلنا } أي: يخاصم رسلنا { في } شأن { قوم لوط } ، ويدفع عنهم، قال: إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها [العنكبوت: 32]، { إن إبراهيم لحليم } ، غير عجول من الانتقام إلى من أساء اليه. { أواه } كثير التأوه والتأسف على الناس، { منيب } ، راجع إلى الله. والمقصود من ذلك: بيان الحامل له على المجادلة، وهي: رقة قلبه وفرط ترحمه. قال تعالى على لسان الملائكة: { يا إبراهيم أعرض عن هذا } ، الجدال { إنه قد جاء أمر ربك } بهلاكهم، ونفذ قضاؤه الأزلي فيهم، ولا مرد لما قضى، { وإنهم آتيهم عذاب غير مردود } غير مصروف بجدال ولا دعاء، ولا غير ذلك. الإشارة: قال الورتجبي: قوله تعالى { إن أبراهيم لحليم أواه } حليم بأنه كان لا يدعو على قومه، بل قال: فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم [إبراهيم: 36] وتأوه زفرة قلبه من الشوق إلى جمال ربه، هكذا وصف العاشقين. ثم قال: ومجادلته كمال الانبساط، ولم يكن جهلا، ولكن كان مشفقا، بارا كريما، رأى مكانة نفسه في محل الخلة والاصطفائية القديمة، وهو تعالى يحب غضب العارفين، وتغير المحبين، ومجادلة الصديقين، وانبساط العاشقين حتى يحثهم على ذلك. وفي الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما أسري بي رأيت رجلا في الحضرة يتذمر، فقلت لجبريل: من هذا؟ فقال: أخوك موسى يتذمر على ربه أي: يجترئ عليه انبساط فقلت: وهل يليق له ذلك؟ فقال: يعرفه فيتحمل عنه " ثم قال: ولا يجوز الانبساط إلا لمن كان على وصفهم. ه. قال في الصحاح: يتذمر على فلان: إذا تنكر له وأوعده. قاله المحشي. والحاصل أن إبراهيم عليه السلام حملته الشفقة والرحمة، حتى صدر، منه ما صدر مع خلته واصطفائيته، فالشفقة والرحمة من شأن الصالحين والعارفين المقربين، غير أن العارفين بالله مع مراد مولاهم، يشفقون على عباد الله، ما لم يتعين مراد الله، فالله أرحم بعباده من غيره. ولذلك قال لخليله، لما تعين قضاؤه: { يا أبراهيم أعرض عن هذا }. فالشفقة التي تؤدي إلى معارضة القدر لا تليق بأهل الأقدار، وفي الحكم " ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله ". ولهذا قالوا: الشفقة لا تليق بالأولياء. قال جعفر الصادق رحمه الله : ست خصال لا تحس بستة رجال: لا يحسن الطمع في العلماء، ولا العجلة في الأمراء، ولا الشح في الأغنياء، ولا الكبر في الفقراء، ولا الشفقة في المشايخ، ولا اللؤم في ذوي الأحساب. وقولنا: الشفقة لا تليق بالأولياء، يعني إذا تعين مراد الله، أو إذا ظهرت المصلحة في عدمها، كأمر الشيخ المريد بما تموت به نفسه، فإذا كان الشيخ يحن على الفقراء في هذا المعنى لا تكمل تربيته. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هلاك لوط،، فقال: { ولما جآءت رسلنا لوطا }.

هود 11:76

قلت: " لما ": حرف وجود لوجود، تفتقر للشرط والجواب. فشرطها: " ذهب " ، وجوابها: محذوف أي: جعل يجادلنا. والتأوه: التفجع والتأسف، ومنه قول الشاعر: إذا ما قمت أرحلها بليل تأوه آهة الرجل الحزين يقول الحق جل جلاله: { فلما ذهب عن إبراهيم الروع } ، وهو ما أوجس في نفسه من الخيفة، { وجاءته البشرى } بدل الروع، جعل { يجادلنا } أي: يخاصم رسلنا { في } شأن { قوم لوط } ، ويدفع عنهم، قال: إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها [العنكبوت: 32]، { إن إبراهيم لحليم } ، غير عجول من الانتقام إلى من أساء اليه. { أواه } كثير التأوه والتأسف على الناس، { منيب } ، راجع إلى الله. والمقصود من ذلك: بيان الحامل له على المجادلة، وهي: رقة قلبه وفرط ترحمه. قال تعالى على لسان الملائكة: { يا إبراهيم أعرض عن هذا } ، الجدال { إنه قد جاء أمر ربك } بهلاكهم، ونفذ قضاؤه الأزلي فيهم، ولا مرد لما قضى، { وإنهم آتيهم عذاب غير مردود } غير مصروف بجدال ولا دعاء، ولا غير ذلك. الإشارة: قال الورتجبي: قوله تعالى { إن أبراهيم لحليم أواه } حليم بأنه كان لا يدعو على قومه، بل قال: فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم [إبراهيم: 36] وتأوه زفرة قلبه من الشوق إلى جمال ربه، هكذا وصف العاشقين. ثم قال: ومجادلته كمال الانبساط، ولم يكن جهلا، ولكن كان مشفقا، بارا كريما، رأى مكانة نفسه في محل الخلة والاصطفائية القديمة، وهو تعالى يحب غضب العارفين، وتغير المحبين، ومجادلة الصديقين، وانبساط العاشقين حتى يحثهم على ذلك. وفي الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما أسري بي رأيت رجلا في الحضرة يتذمر، فقلت لجبريل: من هذا؟ فقال: أخوك موسى يتذمر على ربه أي: يجترئ عليه انبساط فقلت: وهل يليق له ذلك؟ فقال: يعرفه فيتحمل عنه " ثم قال: ولا يجوز الانبساط إلا لمن كان على وصفهم. ه. قال في الصحاح: يتذمر على فلان: إذا تنكر له وأوعده. قاله المحشي. والحاصل أن إبراهيم عليه السلام حملته الشفقة والرحمة، حتى صدر، منه ما صدر مع خلته واصطفائيته، فالشفقة والرحمة من شأن الصالحين والعارفين المقربين، غير أن العارفين بالله مع مراد مولاهم، يشفقون على عباد الله، ما لم يتعين مراد الله، فالله أرحم بعباده من غيره. ولذلك قال لخليله، لما تعين قضاؤه: { يا أبراهيم أعرض عن هذا }. فالشفقة التي تؤدي إلى معارضة القدر لا تليق بأهل الأقدار، وفي الحكم " ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله ". ولهذا قالوا: الشفقة لا تليق بالأولياء. قال جعفر الصادق رحمه الله : ست خصال لا تحس بستة رجال: لا يحسن الطمع في العلماء، ولا العجلة في الأمراء، ولا الشح في الأغنياء، ولا الكبر في الفقراء، ولا الشفقة في المشايخ، ولا اللؤم في ذوي الأحساب. وقولنا: الشفقة لا تليق بالأولياء، يعني إذا تعين مراد الله، أو إذا ظهرت المصلحة في عدمها، كأمر الشيخ المريد بما تموت به نفسه، فإذا كان الشيخ يحن على الفقراء في هذا المعنى لا تكمل تربيته. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هلاك لوط،، فقال: { ولما جآءت رسلنا لوطا }.

هود 11:77

قلت: سيء: مبني للمفعول، صلة: سوئ، نقلت حركة الواو إلى السين بعد ذهاب حركتها، ثم قلبت الولو ياء. وذرعا: تمييز محول عن الفاعل، أي: ضاق ذرعه، وهو كناية عن شدة الانقباض عن مدافعة الأمر المكروه، وعجزه عن مقاومته. ولو أن لي بكم قوة: إما للتمني فلا جواب له، أو محذوف، أي: لدفعت. وفيأسر لغتان: قطع الهمزة من الإسراء، ووصلها من السرى، وقرئ بهما معا، وإلا امرأتك الرفع بدل من أحد، وبالنصب منصوب بالاستثناء من فأسر بأهلك. ومنشأ القراءتين: هل أخرجها معه، فالتفتت أم لا؟ فمن رفع ذهب إلى أنه أخرجها. ومن نصب ذهب إلى أنه لم يسر بها، وهما روايتان. يقول الحق جلاله: { ولما جاءت رسلنا } ، وهم الملائكة المتقدمون، { لوطا سيء بهم } ساءه مجيئهم لأنهم أتوه في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن أنهم بشر، فخاف عليهم من قومه أن يقصدوهم للفاحشة، ولا يقدر على مدافعتهم، { وضاق بهم ذرعا } أي: ضاق صدره بهم، { وقال هذا يوم عصيب }: شديد من عصبه: إذا شده، وروي أن الله تعالى قال لهم: لا تهلكوا قومه حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم منطلقا بهم إلى منزله، قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله أنها شر قرية في الأرض عملا. قال ذلك أربع مرات. فدخلوا منزله، ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته فأخبرتهم، { وجاءه قومه يهرعون } يسرعون { إليه } كأنهم يدفعون إليه دفعا، لطلب الفاحشة من أضيافه. { ومن قبل } ذلك الوقت { كانوا يعملون السيئات } الفواحش، كاللواطة، وغيرها، مستمرين عليها مجاهرين بها، حتى لم يستحيوا وجاؤوا يهرعون إليها. { قال يا قوم هؤلاء بناتي } تزوجوهن، وكانوا يطلبونهن قبل، فلا يجيبهم لخبثهم، وعدم كفاءتهم، لا لحرمة المسلمات على الكفار، فإنه شرع طارئ قال ابن جزي: وإنما قال لهم ذلك ليقي أضيافه ببناته. قيل: إن اسم بناته، الواحدة: ريثا، والأخرى: غوثا. ه. ولم يذكر الثالثة، فعرضهن عليهم، وقال: { هن أطهر لكم } أحل لكم، أو أقل فحشا، كقولك: الميتة أطيب من المغضوب، { فاتقوا الله } بترك الفواحش، { ولا تحزون } لا تفضحوني { في ضيفي } في شأنهم، فإن افتضاح ضيف الرجل خزي له. { أليس منكم رجل رشيد } عاقل يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح. { قالوا لقد علمت ما لنا من بناتك من حق } من حاجة، { وإنك لتعلم ما نريد } وهو إتيان الذكران، { قال لو أن لي } ليت لي { بكم قوة } طاقة على دفعكم بنفسي، { أو آوي إلى ركن شديد } أو ألجأ إلى أصحاب أو عشيرة يحمونني منكم، شبه ما يتمتع بهم بركن الجبل في شدته، قال صلى الله عليه وسلم: " رحم الله أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد " يعني: الله تعالى. روي أنه أغلق بابه دون أضيافه، وأخذ يجادلهم من وراء الباب، فتسوروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب، { قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك }: لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا، فهون عليك ودعنا وإياهم. فخلاهم، فلما دخلوا ضرب. جبريل عليه السلام بجناحيه وجوههم، فطمس أعينهم، وأعمالهم، فخرجوا يقولون: النجاء النجاء في بيت لوط سحرة، فقالت الملائكة للوط عليه السلام: { فأسر بأهلك } سر بهم { بقطع من الليل }: بطائفة منه، { ولا يلتفت منكم أحد }: لا يتخلف، أو لا ينظر إلى ورائة لئلا يرى ما يهوله. والنهي في المعنى يتوجه إلى لوط، وإن كان في اللفظ مسندا إلى أحد. { إلا امرأتك } ، اسمها: واهلة، أي: فلا تسر بها، أو: ولا ينظر أحد منكم إلى ورائه إلا امرأتك فإنها تنظر. روي أنها خرجت معه، فلما سمعت صوات العذاب التفتت وقالت: يا قوماه فأدركها حجر فقتلها، ولذلك قال: { أنه مصيبها ما أصابهم } من العذاب، { إن موعدهم } وقت { الصبح } في نزول العذاب بهم، فاستبطأ لوط وقت الصبح، وقال: هلا عذبوا الأن؟ فقالوا: { أليس الصبح بقريب }. { فلما جاء أمرنا } عذابنا، أو أمرنا به، { جعلنا } مدائنهم { عاليها سافلها } ، روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائنهم، ورفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب، وصياح الديكة، ثم قلبها بهم. { وأمطرنا عليهم } على المدائن، أي: أهلها، أو على ما حولها. روي أنه من كان منهم خارج المدائن أصابته الحجارة من السماء، وأما من كان في المدائن، فهلك لما قلبت. فأرسلنا عليهم: { حجارة من سجيل }: من طين طبخ بالنار، أو من طين متحجر كقوله: حجارة من طين [الذاريات: 33]، وأصلها: سنكين، ثم عرب، وقيل: إنه من أسجله إذا أرسله، أي: من مثل الشيء المرسل، وقيل: أصله من سجين، أي جهنم، ثم أبدلت نونه لاما، { منضود }: مضموم بعضه فوق بعض، معدا لعذابهم، أو متتابع يتبع بعضه بعضا في الإرسال، كقطر الأمطار. { مسومة } أي: معلمة للعذاب، وقيل: معلمة ببياض وحمرة، أو بسيما تتميز به عن حجارة الأرض، أو باسم من يرمي به فكل حجارة كان فيها اسم من ترمى به، وقوله: { عند ربك } ، أي: في خزائن علمه وقدرته، { وما هي من الظالمين ببعيد } بل هي قريبة من كل ظالم. قال ابن جزي: الضمير للحجارة، والمراد بالظالمين: كفار قريش، فهذا تهديد لهم، أي: ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم، وقيل: الضمير للمدائن، أي: ليس مدائنهم ببعيد منهم أفلا يعتبرون بها. كقوله: ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء [الفرقان: 40]. وقيل: الظالمين على العموم. ه. وقال البيضاوي: وعنه عليه الصلاة والسلام : " أنه سأل جبريل، فقال: " يعني: ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلا هو معرض لحجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة " ه. الإشارة: الاعتناء بشأن الأضياف، وحفظ حرمتهم: من شأن الكرام، والاستخفاف بحقهم، والتجاسر عليهم، من فعل اللئام. وفي الحديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " والإسراع إلى الفواحش من علامة الهلاك، لا سيما اللواط والسفاح. والإيواء إلى الله والاعتصام به من علامة الفلاح، والبعد عن ساحة أهل الفساد من شيم أهل الصلاح، وكل من اشتغل بالظلم والفساد فالرمي بالحجارة إليه بالمرصاد. ثم ذكر قصة شعيب، فقال: { وإلى مدين أخاهم شعيبا }.

هود 11:78

قلت: سيء: مبني للمفعول، صلة: سوئ، نقلت حركة الواو إلى السين بعد ذهاب حركتها، ثم قلبت الولو ياء. وذرعا: تمييز محول عن الفاعل، أي: ضاق ذرعه، وهو كناية عن شدة الانقباض عن مدافعة الأمر المكروه، وعجزه عن مقاومته. ولو أن لي بكم قوة: إما للتمني فلا جواب له، أو محذوف، أي: لدفعت. وفيأسر لغتان: قطع الهمزة من الإسراء، ووصلها من السرى، وقرئ بهما معا، وإلا امرأتك الرفع بدل من أحد، وبالنصب منصوب بالاستثناء من فأسر بأهلك. ومنشأ القراءتين: هل أخرجها معه، فالتفتت أم لا؟ فمن رفع ذهب إلى أنه أخرجها. ومن نصب ذهب إلى أنه لم يسر بها، وهما روايتان. يقول الحق جلاله: { ولما جاءت رسلنا } ، وهم الملائكة المتقدمون، { لوطا سيء بهم } ساءه مجيئهم لأنهم أتوه في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن أنهم بشر، فخاف عليهم من قومه أن يقصدوهم للفاحشة، ولا يقدر على مدافعتهم، { وضاق بهم ذرعا } أي: ضاق صدره بهم، { وقال هذا يوم عصيب }: شديد من عصبه: إذا شده، وروي أن الله تعالى قال لهم: لا تهلكوا قومه حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم منطلقا بهم إلى منزله، قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله أنها شر قرية في الأرض عملا. قال ذلك أربع مرات. فدخلوا منزله، ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته فأخبرتهم، { وجاءه قومه يهرعون } يسرعون { إليه } كأنهم يدفعون إليه دفعا، لطلب الفاحشة من أضيافه. { ومن قبل } ذلك الوقت { كانوا يعملون السيئات } الفواحش، كاللواطة، وغيرها، مستمرين عليها مجاهرين بها، حتى لم يستحيوا وجاؤوا يهرعون إليها. { قال يا قوم هؤلاء بناتي } تزوجوهن، وكانوا يطلبونهن قبل، فلا يجيبهم لخبثهم، وعدم كفاءتهم، لا لحرمة المسلمات على الكفار، فإنه شرع طارئ قال ابن جزي: وإنما قال لهم ذلك ليقي أضيافه ببناته. قيل: إن اسم بناته، الواحدة: ريثا، والأخرى: غوثا. ه. ولم يذكر الثالثة، فعرضهن عليهم، وقال: { هن أطهر لكم } أحل لكم، أو أقل فحشا، كقولك: الميتة أطيب من المغضوب، { فاتقوا الله } بترك الفواحش، { ولا تحزون } لا تفضحوني { في ضيفي } في شأنهم، فإن افتضاح ضيف الرجل خزي له. { أليس منكم رجل رشيد } عاقل يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح. { قالوا لقد علمت ما لنا من بناتك من حق } من حاجة، { وإنك لتعلم ما نريد } وهو إتيان الذكران، { قال لو أن لي } ليت لي { بكم قوة } طاقة على دفعكم بنفسي، { أو آوي إلى ركن شديد } أو ألجأ إلى أصحاب أو عشيرة يحمونني منكم، شبه ما يتمتع بهم بركن الجبل في شدته، قال صلى الله عليه وسلم: " رحم الله أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد " يعني: الله تعالى. روي أنه أغلق بابه دون أضيافه، وأخذ يجادلهم من وراء الباب، فتسوروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب، { قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك }: لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا، فهون عليك ودعنا وإياهم. فخلاهم، فلما دخلوا ضرب. جبريل عليه السلام بجناحيه وجوههم، فطمس أعينهم، وأعمالهم، فخرجوا يقولون: النجاء النجاء في بيت لوط سحرة، فقالت الملائكة للوط عليه السلام: { فأسر بأهلك } سر بهم { بقطع من الليل }: بطائفة منه، { ولا يلتفت منكم أحد }: لا يتخلف، أو لا ينظر إلى ورائة لئلا يرى ما يهوله. والنهي في المعنى يتوجه إلى لوط، وإن كان في اللفظ مسندا إلى أحد. { إلا امرأتك } ، اسمها: واهلة، أي: فلا تسر بها، أو: ولا ينظر أحد منكم إلى ورائه إلا امرأتك فإنها تنظر. روي أنها خرجت معه، فلما سمعت صوات العذاب التفتت وقالت: يا قوماه فأدركها حجر فقتلها، ولذلك قال: { أنه مصيبها ما أصابهم } من العذاب، { إن موعدهم } وقت { الصبح } في نزول العذاب بهم، فاستبطأ لوط وقت الصبح، وقال: هلا عذبوا الأن؟ فقالوا: { أليس الصبح بقريب }. { فلما جاء أمرنا } عذابنا، أو أمرنا به، { جعلنا } مدائنهم { عاليها سافلها } ، روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائنهم، ورفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب، وصياح الديكة، ثم قلبها بهم. { وأمطرنا عليهم } على المدائن، أي: أهلها، أو على ما حولها. روي أنه من كان منهم خارج المدائن أصابته الحجارة من السماء، وأما من كان في المدائن، فهلك لما قلبت. فأرسلنا عليهم: { حجارة من سجيل }: من طين طبخ بالنار، أو من طين متحجر كقوله: حجارة من طين [الذاريات: 33]، وأصلها: سنكين، ثم عرب، وقيل: إنه من أسجله إذا أرسله، أي: من مثل الشيء المرسل، وقيل: أصله من سجين، أي جهنم، ثم أبدلت نونه لاما، { منضود }: مضموم بعضه فوق بعض، معدا لعذابهم، أو متتابع يتبع بعضه بعضا في الإرسال، كقطر الأمطار. { مسومة } أي: معلمة للعذاب، وقيل: معلمة ببياض وحمرة، أو بسيما تتميز به عن حجارة الأرض، أو باسم من يرمي به فكل حجارة كان فيها اسم من ترمى به، وقوله: { عند ربك } ، أي: في خزائن علمه وقدرته، { وما هي من الظالمين ببعيد } بل هي قريبة من كل ظالم. قال ابن جزي: الضمير للحجارة، والمراد بالظالمين: كفار قريش، فهذا تهديد لهم، أي: ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم، وقيل: الضمير للمدائن، أي: ليس مدائنهم ببعيد منهم أفلا يعتبرون بها. كقوله: ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء [الفرقان: 40]. وقيل: الظالمين على العموم. ه. وقال البيضاوي: وعنه عليه الصلاة والسلام : " أنه سأل جبريل، فقال: " يعني: ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلا هو معرض لحجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة " ه. الإشارة: الاعتناء بشأن الأضياف، وحفظ حرمتهم: من شأن الكرام، والاستخفاف بحقهم، والتجاسر عليهم، من فعل اللئام. وفي الحديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " والإسراع إلى الفواحش من علامة الهلاك، لا سيما اللواط والسفاح. والإيواء إلى الله والاعتصام به من علامة الفلاح، والبعد عن ساحة أهل الفساد من شيم أهل الصلاح، وكل من اشتغل بالظلم والفساد فالرمي بالحجارة إليه بالمرصاد. ثم ذكر قصة شعيب، فقال: { وإلى مدين أخاهم شعيبا }.

هود 11:79

قلت: سيء: مبني للمفعول، صلة: سوئ، نقلت حركة الواو إلى السين بعد ذهاب حركتها، ثم قلبت الولو ياء. وذرعا: تمييز محول عن الفاعل، أي: ضاق ذرعه، وهو كناية عن شدة الانقباض عن مدافعة الأمر المكروه، وعجزه عن مقاومته. ولو أن لي بكم قوة: إما للتمني فلا جواب له، أو محذوف، أي: لدفعت. وفيأسر لغتان: قطع الهمزة من الإسراء، ووصلها من السرى، وقرئ بهما معا، وإلا امرأتك الرفع بدل من أحد، وبالنصب منصوب بالاستثناء من فأسر بأهلك. ومنشأ القراءتين: هل أخرجها معه، فالتفتت أم لا؟ فمن رفع ذهب إلى أنه أخرجها. ومن نصب ذهب إلى أنه لم يسر بها، وهما روايتان. يقول الحق جلاله: { ولما جاءت رسلنا } ، وهم الملائكة المتقدمون، { لوطا سيء بهم } ساءه مجيئهم لأنهم أتوه في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن أنهم بشر، فخاف عليهم من قومه أن يقصدوهم للفاحشة، ولا يقدر على مدافعتهم، { وضاق بهم ذرعا } أي: ضاق صدره بهم، { وقال هذا يوم عصيب }: شديد من عصبه: إذا شده، وروي أن الله تعالى قال لهم: لا تهلكوا قومه حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم منطلقا بهم إلى منزله، قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله أنها شر قرية في الأرض عملا. قال ذلك أربع مرات. فدخلوا منزله، ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته فأخبرتهم، { وجاءه قومه يهرعون } يسرعون { إليه } كأنهم يدفعون إليه دفعا، لطلب الفاحشة من أضيافه. { ومن قبل } ذلك الوقت { كانوا يعملون السيئات } الفواحش، كاللواطة، وغيرها، مستمرين عليها مجاهرين بها، حتى لم يستحيوا وجاؤوا يهرعون إليها. { قال يا قوم هؤلاء بناتي } تزوجوهن، وكانوا يطلبونهن قبل، فلا يجيبهم لخبثهم، وعدم كفاءتهم، لا لحرمة المسلمات على الكفار، فإنه شرع طارئ قال ابن جزي: وإنما قال لهم ذلك ليقي أضيافه ببناته. قيل: إن اسم بناته، الواحدة: ريثا، والأخرى: غوثا. ه. ولم يذكر الثالثة، فعرضهن عليهم، وقال: { هن أطهر لكم } أحل لكم، أو أقل فحشا، كقولك: الميتة أطيب من المغضوب، { فاتقوا الله } بترك الفواحش، { ولا تحزون } لا تفضحوني { في ضيفي } في شأنهم، فإن افتضاح ضيف الرجل خزي له. { أليس منكم رجل رشيد } عاقل يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح. { قالوا لقد علمت ما لنا من بناتك من حق } من حاجة، { وإنك لتعلم ما نريد } وهو إتيان الذكران، { قال لو أن لي } ليت لي { بكم قوة } طاقة على دفعكم بنفسي، { أو آوي إلى ركن شديد } أو ألجأ إلى أصحاب أو عشيرة يحمونني منكم، شبه ما يتمتع بهم بركن الجبل في شدته، قال صلى الله عليه وسلم: " رحم الله أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد " يعني: الله تعالى. روي أنه أغلق بابه دون أضيافه، وأخذ يجادلهم من وراء الباب، فتسوروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب، { قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك }: لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا، فهون عليك ودعنا وإياهم. فخلاهم، فلما دخلوا ضرب. جبريل عليه السلام بجناحيه وجوههم، فطمس أعينهم، وأعمالهم، فخرجوا يقولون: النجاء النجاء في بيت لوط سحرة، فقالت الملائكة للوط عليه السلام: { فأسر بأهلك } سر بهم { بقطع من الليل }: بطائفة منه، { ولا يلتفت منكم أحد }: لا يتخلف، أو لا ينظر إلى ورائة لئلا يرى ما يهوله. والنهي في المعنى يتوجه إلى لوط، وإن كان في اللفظ مسندا إلى أحد. { إلا امرأتك } ، اسمها: واهلة، أي: فلا تسر بها، أو: ولا ينظر أحد منكم إلى ورائه إلا امرأتك فإنها تنظر. روي أنها خرجت معه، فلما سمعت صوات العذاب التفتت وقالت: يا قوماه فأدركها حجر فقتلها، ولذلك قال: { أنه مصيبها ما أصابهم } من العذاب، { إن موعدهم } وقت { الصبح } في نزول العذاب بهم، فاستبطأ لوط وقت الصبح، وقال: هلا عذبوا الأن؟ فقالوا: { أليس الصبح بقريب }. { فلما جاء أمرنا } عذابنا، أو أمرنا به، { جعلنا } مدائنهم { عاليها سافلها } ، روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائنهم، ورفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب، وصياح الديكة، ثم قلبها بهم. { وأمطرنا عليهم } على المدائن، أي: أهلها، أو على ما حولها. روي أنه من كان منهم خارج المدائن أصابته الحجارة من السماء، وأما من كان في المدائن، فهلك لما قلبت. فأرسلنا عليهم: { حجارة من سجيل }: من طين طبخ بالنار، أو من طين متحجر كقوله: حجارة من طين [الذاريات: 33]، وأصلها: سنكين، ثم عرب، وقيل: إنه من أسجله إذا أرسله، أي: من مثل الشيء المرسل، وقيل: أصله من سجين، أي جهنم، ثم أبدلت نونه لاما، { منضود }: مضموم بعضه فوق بعض، معدا لعذابهم، أو متتابع يتبع بعضه بعضا في الإرسال، كقطر الأمطار. { مسومة } أي: معلمة للعذاب، وقيل: معلمة ببياض وحمرة، أو بسيما تتميز به عن حجارة الأرض، أو باسم من يرمي به فكل حجارة كان فيها اسم من ترمى به، وقوله: { عند ربك } ، أي: في خزائن علمه وقدرته، { وما هي من الظالمين ببعيد } بل هي قريبة من كل ظالم. قال ابن جزي: الضمير للحجارة، والمراد بالظالمين: كفار قريش، فهذا تهديد لهم، أي: ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم، وقيل: الضمير للمدائن، أي: ليس مدائنهم ببعيد منهم أفلا يعتبرون بها. كقوله: ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء [الفرقان: 40]. وقيل: الظالمين على العموم. ه. وقال البيضاوي: وعنه عليه الصلاة والسلام : " أنه سأل جبريل، فقال: " يعني: ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلا هو معرض لحجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة " ه. الإشارة: الاعتناء بشأن الأضياف، وحفظ حرمتهم: من شأن الكرام، والاستخفاف بحقهم، والتجاسر عليهم، من فعل اللئام. وفي الحديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " والإسراع إلى الفواحش من علامة الهلاك، لا سيما اللواط والسفاح. والإيواء إلى الله والاعتصام به من علامة الفلاح، والبعد عن ساحة أهل الفساد من شيم أهل الصلاح، وكل من اشتغل بالظلم والفساد فالرمي بالحجارة إليه بالمرصاد. ثم ذكر قصة شعيب، فقال: { وإلى مدين أخاهم شعيبا }.

هود 11:80

قلت: سيء: مبني للمفعول، صلة: سوئ، نقلت حركة الواو إلى السين بعد ذهاب حركتها، ثم قلبت الولو ياء. وذرعا: تمييز محول عن الفاعل، أي: ضاق ذرعه، وهو كناية عن شدة الانقباض عن مدافعة الأمر المكروه، وعجزه عن مقاومته. ولو أن لي بكم قوة: إما للتمني فلا جواب له، أو محذوف، أي: لدفعت. وفيأسر لغتان: قطع الهمزة من الإسراء، ووصلها من السرى، وقرئ بهما معا، وإلا امرأتك الرفع بدل من أحد، وبالنصب منصوب بالاستثناء من فأسر بأهلك. ومنشأ القراءتين: هل أخرجها معه، فالتفتت أم لا؟ فمن رفع ذهب إلى أنه أخرجها. ومن نصب ذهب إلى أنه لم يسر بها، وهما روايتان. يقول الحق جلاله: { ولما جاءت رسلنا } ، وهم الملائكة المتقدمون، { لوطا سيء بهم } ساءه مجيئهم لأنهم أتوه في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن أنهم بشر، فخاف عليهم من قومه أن يقصدوهم للفاحشة، ولا يقدر على مدافعتهم، { وضاق بهم ذرعا } أي: ضاق صدره بهم، { وقال هذا يوم عصيب }: شديد من عصبه: إذا شده، وروي أن الله تعالى قال لهم: لا تهلكوا قومه حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم منطلقا بهم إلى منزله، قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله أنها شر قرية في الأرض عملا. قال ذلك أربع مرات. فدخلوا منزله، ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته فأخبرتهم، { وجاءه قومه يهرعون } يسرعون { إليه } كأنهم يدفعون إليه دفعا، لطلب الفاحشة من أضيافه. { ومن قبل } ذلك الوقت { كانوا يعملون السيئات } الفواحش، كاللواطة، وغيرها، مستمرين عليها مجاهرين بها، حتى لم يستحيوا وجاؤوا يهرعون إليها. { قال يا قوم هؤلاء بناتي } تزوجوهن، وكانوا يطلبونهن قبل، فلا يجيبهم لخبثهم، وعدم كفاءتهم، لا لحرمة المسلمات على الكفار، فإنه شرع طارئ قال ابن جزي: وإنما قال لهم ذلك ليقي أضيافه ببناته. قيل: إن اسم بناته، الواحدة: ريثا، والأخرى: غوثا. ه. ولم يذكر الثالثة، فعرضهن عليهم، وقال: { هن أطهر لكم } أحل لكم، أو أقل فحشا، كقولك: الميتة أطيب من المغضوب، { فاتقوا الله } بترك الفواحش، { ولا تحزون } لا تفضحوني { في ضيفي } في شأنهم، فإن افتضاح ضيف الرجل خزي له. { أليس منكم رجل رشيد } عاقل يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح. { قالوا لقد علمت ما لنا من بناتك من حق } من حاجة، { وإنك لتعلم ما نريد } وهو إتيان الذكران، { قال لو أن لي } ليت لي { بكم قوة } طاقة على دفعكم بنفسي، { أو آوي إلى ركن شديد } أو ألجأ إلى أصحاب أو عشيرة يحمونني منكم، شبه ما يتمتع بهم بركن الجبل في شدته، قال صلى الله عليه وسلم: " رحم الله أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد " يعني: الله تعالى. روي أنه أغلق بابه دون أضيافه، وأخذ يجادلهم من وراء الباب، فتسوروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب، { قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك }: لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا، فهون عليك ودعنا وإياهم. فخلاهم، فلما دخلوا ضرب. جبريل عليه السلام بجناحيه وجوههم، فطمس أعينهم، وأعمالهم، فخرجوا يقولون: النجاء النجاء في بيت لوط سحرة، فقالت الملائكة للوط عليه السلام: { فأسر بأهلك } سر بهم { بقطع من الليل }: بطائفة منه، { ولا يلتفت منكم أحد }: لا يتخلف، أو لا ينظر إلى ورائة لئلا يرى ما يهوله. والنهي في المعنى يتوجه إلى لوط، وإن كان في اللفظ مسندا إلى أحد. { إلا امرأتك } ، اسمها: واهلة، أي: فلا تسر بها، أو: ولا ينظر أحد منكم إلى ورائه إلا امرأتك فإنها تنظر. روي أنها خرجت معه، فلما سمعت صوات العذاب التفتت وقالت: يا قوماه فأدركها حجر فقتلها، ولذلك قال: { أنه مصيبها ما أصابهم } من العذاب، { إن موعدهم } وقت { الصبح } في نزول العذاب بهم، فاستبطأ لوط وقت الصبح، وقال: هلا عذبوا الأن؟ فقالوا: { أليس الصبح بقريب }. { فلما جاء أمرنا } عذابنا، أو أمرنا به، { جعلنا } مدائنهم { عاليها سافلها } ، روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائنهم، ورفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب، وصياح الديكة، ثم قلبها بهم. { وأمطرنا عليهم } على المدائن، أي: أهلها، أو على ما حولها. روي أنه من كان منهم خارج المدائن أصابته الحجارة من السماء، وأما من كان في المدائن، فهلك لما قلبت. فأرسلنا عليهم: { حجارة من سجيل }: من طين طبخ بالنار، أو من طين متحجر كقوله: حجارة من طين [الذاريات: 33]، وأصلها: سنكين، ثم عرب، وقيل: إنه من أسجله إذا أرسله، أي: من مثل الشيء المرسل، وقيل: أصله من سجين، أي جهنم، ثم أبدلت نونه لاما، { منضود }: مضموم بعضه فوق بعض، معدا لعذابهم، أو متتابع يتبع بعضه بعضا في الإرسال، كقطر الأمطار. { مسومة } أي: معلمة للعذاب، وقيل: معلمة ببياض وحمرة، أو بسيما تتميز به عن حجارة الأرض، أو باسم من يرمي به فكل حجارة كان فيها اسم من ترمى به، وقوله: { عند ربك } ، أي: في خزائن علمه وقدرته، { وما هي من الظالمين ببعيد } بل هي قريبة من كل ظالم. قال ابن جزي: الضمير للحجارة، والمراد بالظالمين: كفار قريش، فهذا تهديد لهم، أي: ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم، وقيل: الضمير للمدائن، أي: ليس مدائنهم ببعيد منهم أفلا يعتبرون بها. كقوله: ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء [الفرقان: 40]. وقيل: الظالمين على العموم. ه. وقال البيضاوي: وعنه عليه الصلاة والسلام : " أنه سأل جبريل، فقال: " يعني: ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلا هو معرض لحجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة " ه. الإشارة: الاعتناء بشأن الأضياف، وحفظ حرمتهم: من شأن الكرام، والاستخفاف بحقهم، والتجاسر عليهم، من فعل اللئام. وفي الحديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " والإسراع إلى الفواحش من علامة الهلاك، لا سيما اللواط والسفاح. والإيواء إلى الله والاعتصام به من علامة الفلاح، والبعد عن ساحة أهل الفساد من شيم أهل الصلاح، وكل من اشتغل بالظلم والفساد فالرمي بالحجارة إليه بالمرصاد. ثم ذكر قصة شعيب، فقال: { وإلى مدين أخاهم شعيبا }.

هود 11:81

قلت: سيء: مبني للمفعول، صلة: سوئ، نقلت حركة الواو إلى السين بعد ذهاب حركتها، ثم قلبت الولو ياء. وذرعا: تمييز محول عن الفاعل، أي: ضاق ذرعه، وهو كناية عن شدة الانقباض عن مدافعة الأمر المكروه، وعجزه عن مقاومته. ولو أن لي بكم قوة: إما للتمني فلا جواب له، أو محذوف، أي: لدفعت. وفيأسر لغتان: قطع الهمزة من الإسراء، ووصلها من السرى، وقرئ بهما معا، وإلا امرأتك الرفع بدل من أحد، وبالنصب منصوب بالاستثناء من فأسر بأهلك. ومنشأ القراءتين: هل أخرجها معه، فالتفتت أم لا؟ فمن رفع ذهب إلى أنه أخرجها. ومن نصب ذهب إلى أنه لم يسر بها، وهما روايتان. يقول الحق جلاله: { ولما جاءت رسلنا } ، وهم الملائكة المتقدمون، { لوطا سيء بهم } ساءه مجيئهم لأنهم أتوه في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن أنهم بشر، فخاف عليهم من قومه أن يقصدوهم للفاحشة، ولا يقدر على مدافعتهم، { وضاق بهم ذرعا } أي: ضاق صدره بهم، { وقال هذا يوم عصيب }: شديد من عصبه: إذا شده، وروي أن الله تعالى قال لهم: لا تهلكوا قومه حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم منطلقا بهم إلى منزله، قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله أنها شر قرية في الأرض عملا. قال ذلك أربع مرات. فدخلوا منزله، ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته فأخبرتهم، { وجاءه قومه يهرعون } يسرعون { إليه } كأنهم يدفعون إليه دفعا، لطلب الفاحشة من أضيافه. { ومن قبل } ذلك الوقت { كانوا يعملون السيئات } الفواحش، كاللواطة، وغيرها، مستمرين عليها مجاهرين بها، حتى لم يستحيوا وجاؤوا يهرعون إليها. { قال يا قوم هؤلاء بناتي } تزوجوهن، وكانوا يطلبونهن قبل، فلا يجيبهم لخبثهم، وعدم كفاءتهم، لا لحرمة المسلمات على الكفار، فإنه شرع طارئ قال ابن جزي: وإنما قال لهم ذلك ليقي أضيافه ببناته. قيل: إن اسم بناته، الواحدة: ريثا، والأخرى: غوثا. ه. ولم يذكر الثالثة، فعرضهن عليهم، وقال: { هن أطهر لكم } أحل لكم، أو أقل فحشا، كقولك: الميتة أطيب من المغضوب، { فاتقوا الله } بترك الفواحش، { ولا تحزون } لا تفضحوني { في ضيفي } في شأنهم، فإن افتضاح ضيف الرجل خزي له. { أليس منكم رجل رشيد } عاقل يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح. { قالوا لقد علمت ما لنا من بناتك من حق } من حاجة، { وإنك لتعلم ما نريد } وهو إتيان الذكران، { قال لو أن لي } ليت لي { بكم قوة } طاقة على دفعكم بنفسي، { أو آوي إلى ركن شديد } أو ألجأ إلى أصحاب أو عشيرة يحمونني منكم، شبه ما يتمتع بهم بركن الجبل في شدته، قال صلى الله عليه وسلم: " رحم الله أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد " يعني: الله تعالى. روي أنه أغلق بابه دون أضيافه، وأخذ يجادلهم من وراء الباب، فتسوروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب، { قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك }: لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا، فهون عليك ودعنا وإياهم. فخلاهم، فلما دخلوا ضرب. جبريل عليه السلام بجناحيه وجوههم، فطمس أعينهم، وأعمالهم، فخرجوا يقولون: النجاء النجاء في بيت لوط سحرة، فقالت الملائكة للوط عليه السلام: { فأسر بأهلك } سر بهم { بقطع من الليل }: بطائفة منه، { ولا يلتفت منكم أحد }: لا يتخلف، أو لا ينظر إلى ورائة لئلا يرى ما يهوله. والنهي في المعنى يتوجه إلى لوط، وإن كان في اللفظ مسندا إلى أحد. { إلا امرأتك } ، اسمها: واهلة، أي: فلا تسر بها، أو: ولا ينظر أحد منكم إلى ورائه إلا امرأتك فإنها تنظر. روي أنها خرجت معه، فلما سمعت صوات العذاب التفتت وقالت: يا قوماه فأدركها حجر فقتلها، ولذلك قال: { أنه مصيبها ما أصابهم } من العذاب، { إن موعدهم } وقت { الصبح } في نزول العذاب بهم، فاستبطأ لوط وقت الصبح، وقال: هلا عذبوا الأن؟ فقالوا: { أليس الصبح بقريب }. { فلما جاء أمرنا } عذابنا، أو أمرنا به، { جعلنا } مدائنهم { عاليها سافلها } ، روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائنهم، ورفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب، وصياح الديكة، ثم قلبها بهم. { وأمطرنا عليهم } على المدائن، أي: أهلها، أو على ما حولها. روي أنه من كان منهم خارج المدائن أصابته الحجارة من السماء، وأما من كان في المدائن، فهلك لما قلبت. فأرسلنا عليهم: { حجارة من سجيل }: من طين طبخ بالنار، أو من طين متحجر كقوله: حجارة من طين [الذاريات: 33]، وأصلها: سنكين، ثم عرب، وقيل: إنه من أسجله إذا أرسله، أي: من مثل الشيء المرسل، وقيل: أصله من سجين، أي جهنم، ثم أبدلت نونه لاما، { منضود }: مضموم بعضه فوق بعض، معدا لعذابهم، أو متتابع يتبع بعضه بعضا في الإرسال، كقطر الأمطار. { مسومة } أي: معلمة للعذاب، وقيل: معلمة ببياض وحمرة، أو بسيما تتميز به عن حجارة الأرض، أو باسم من يرمي به فكل حجارة كان فيها اسم من ترمى به، وقوله: { عند ربك } ، أي: في خزائن علمه وقدرته، { وما هي من الظالمين ببعيد } بل هي قريبة من كل ظالم. قال ابن جزي: الضمير للحجارة، والمراد بالظالمين: كفار قريش، فهذا تهديد لهم، أي: ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم، وقيل: الضمير للمدائن، أي: ليس مدائنهم ببعيد منهم أفلا يعتبرون بها. كقوله: ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء [الفرقان: 40]. وقيل: الظالمين على العموم. ه. وقال البيضاوي: وعنه عليه الصلاة والسلام : " أنه سأل جبريل، فقال: " يعني: ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلا هو معرض لحجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة " ه. الإشارة: الاعتناء بشأن الأضياف، وحفظ حرمتهم: من شأن الكرام، والاستخفاف بحقهم، والتجاسر عليهم، من فعل اللئام. وفي الحديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " والإسراع إلى الفواحش من علامة الهلاك، لا سيما اللواط والسفاح. والإيواء إلى الله والاعتصام به من علامة الفلاح، والبعد عن ساحة أهل الفساد من شيم أهل الصلاح، وكل من اشتغل بالظلم والفساد فالرمي بالحجارة إليه بالمرصاد. ثم ذكر قصة شعيب، فقال: { وإلى مدين أخاهم شعيبا }.

هود 11:82

قلت: سيء: مبني للمفعول، صلة: سوئ، نقلت حركة الواو إلى السين بعد ذهاب حركتها، ثم قلبت الولو ياء. وذرعا: تمييز محول عن الفاعل، أي: ضاق ذرعه، وهو كناية عن شدة الانقباض عن مدافعة الأمر المكروه، وعجزه عن مقاومته. ولو أن لي بكم قوة: إما للتمني فلا جواب له، أو محذوف، أي: لدفعت. وفيأسر لغتان: قطع الهمزة من الإسراء، ووصلها من السرى، وقرئ بهما معا، وإلا امرأتك الرفع بدل من أحد، وبالنصب منصوب بالاستثناء من فأسر بأهلك. ومنشأ القراءتين: هل أخرجها معه، فالتفتت أم لا؟ فمن رفع ذهب إلى أنه أخرجها. ومن نصب ذهب إلى أنه لم يسر بها، وهما روايتان. يقول الحق جلاله: { ولما جاءت رسلنا } ، وهم الملائكة المتقدمون، { لوطا سيء بهم } ساءه مجيئهم لأنهم أتوه في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن أنهم بشر، فخاف عليهم من قومه أن يقصدوهم للفاحشة، ولا يقدر على مدافعتهم، { وضاق بهم ذرعا } أي: ضاق صدره بهم، { وقال هذا يوم عصيب }: شديد من عصبه: إذا شده، وروي أن الله تعالى قال لهم: لا تهلكوا قومه حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم منطلقا بهم إلى منزله، قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله أنها شر قرية في الأرض عملا. قال ذلك أربع مرات. فدخلوا منزله، ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته فأخبرتهم، { وجاءه قومه يهرعون } يسرعون { إليه } كأنهم يدفعون إليه دفعا، لطلب الفاحشة من أضيافه. { ومن قبل } ذلك الوقت { كانوا يعملون السيئات } الفواحش، كاللواطة، وغيرها، مستمرين عليها مجاهرين بها، حتى لم يستحيوا وجاؤوا يهرعون إليها. { قال يا قوم هؤلاء بناتي } تزوجوهن، وكانوا يطلبونهن قبل، فلا يجيبهم لخبثهم، وعدم كفاءتهم، لا لحرمة المسلمات على الكفار، فإنه شرع طارئ قال ابن جزي: وإنما قال لهم ذلك ليقي أضيافه ببناته. قيل: إن اسم بناته، الواحدة: ريثا، والأخرى: غوثا. ه. ولم يذكر الثالثة، فعرضهن عليهم، وقال: { هن أطهر لكم } أحل لكم، أو أقل فحشا، كقولك: الميتة أطيب من المغضوب، { فاتقوا الله } بترك الفواحش، { ولا تحزون } لا تفضحوني { في ضيفي } في شأنهم، فإن افتضاح ضيف الرجل خزي له. { أليس منكم رجل رشيد } عاقل يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح. { قالوا لقد علمت ما لنا من بناتك من حق } من حاجة، { وإنك لتعلم ما نريد } وهو إتيان الذكران، { قال لو أن لي } ليت لي { بكم قوة } طاقة على دفعكم بنفسي، { أو آوي إلى ركن شديد } أو ألجأ إلى أصحاب أو عشيرة يحمونني منكم، شبه ما يتمتع بهم بركن الجبل في شدته، قال صلى الله عليه وسلم: " رحم الله أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد " يعني: الله تعالى. روي أنه أغلق بابه دون أضيافه، وأخذ يجادلهم من وراء الباب، فتسوروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب، { قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك }: لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا، فهون عليك ودعنا وإياهم. فخلاهم، فلما دخلوا ضرب. جبريل عليه السلام بجناحيه وجوههم، فطمس أعينهم، وأعمالهم، فخرجوا يقولون: النجاء النجاء في بيت لوط سحرة، فقالت الملائكة للوط عليه السلام: { فأسر بأهلك } سر بهم { بقطع من الليل }: بطائفة منه، { ولا يلتفت منكم أحد }: لا يتخلف، أو لا ينظر إلى ورائة لئلا يرى ما يهوله. والنهي في المعنى يتوجه إلى لوط، وإن كان في اللفظ مسندا إلى أحد. { إلا امرأتك } ، اسمها: واهلة، أي: فلا تسر بها، أو: ولا ينظر أحد منكم إلى ورائه إلا امرأتك فإنها تنظر. روي أنها خرجت معه، فلما سمعت صوات العذاب التفتت وقالت: يا قوماه فأدركها حجر فقتلها، ولذلك قال: { أنه مصيبها ما أصابهم } من العذاب، { إن موعدهم } وقت { الصبح } في نزول العذاب بهم، فاستبطأ لوط وقت الصبح، وقال: هلا عذبوا الأن؟ فقالوا: { أليس الصبح بقريب }. { فلما جاء أمرنا } عذابنا، أو أمرنا به، { جعلنا } مدائنهم { عاليها سافلها } ، روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائنهم، ورفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب، وصياح الديكة، ثم قلبها بهم. { وأمطرنا عليهم } على المدائن، أي: أهلها، أو على ما حولها. روي أنه من كان منهم خارج المدائن أصابته الحجارة من السماء، وأما من كان في المدائن، فهلك لما قلبت. فأرسلنا عليهم: { حجارة من سجيل }: من طين طبخ بالنار، أو من طين متحجر كقوله: حجارة من طين [الذاريات: 33]، وأصلها: سنكين، ثم عرب، وقيل: إنه من أسجله إذا أرسله، أي: من مثل الشيء المرسل، وقيل: أصله من سجين، أي جهنم، ثم أبدلت نونه لاما، { منضود }: مضموم بعضه فوق بعض، معدا لعذابهم، أو متتابع يتبع بعضه بعضا في الإرسال، كقطر الأمطار. { مسومة } أي: معلمة للعذاب، وقيل: معلمة ببياض وحمرة، أو بسيما تتميز به عن حجارة الأرض، أو باسم من يرمي به فكل حجارة كان فيها اسم من ترمى به، وقوله: { عند ربك } ، أي: في خزائن علمه وقدرته، { وما هي من الظالمين ببعيد } بل هي قريبة من كل ظالم. قال ابن جزي: الضمير للحجارة، والمراد بالظالمين: كفار قريش، فهذا تهديد لهم، أي: ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم، وقيل: الضمير للمدائن، أي: ليس مدائنهم ببعيد منهم أفلا يعتبرون بها. كقوله: ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء [الفرقان: 40]. وقيل: الظالمين على العموم. ه. وقال البيضاوي: وعنه عليه الصلاة والسلام : " أنه سأل جبريل، فقال: " يعني: ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلا هو معرض لحجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة " ه. الإشارة: الاعتناء بشأن الأضياف، وحفظ حرمتهم: من شأن الكرام، والاستخفاف بحقهم، والتجاسر عليهم، من فعل اللئام. وفي الحديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " والإسراع إلى الفواحش من علامة الهلاك، لا سيما اللواط والسفاح. والإيواء إلى الله والاعتصام به من علامة الفلاح، والبعد عن ساحة أهل الفساد من شيم أهل الصلاح، وكل من اشتغل بالظلم والفساد فالرمي بالحجارة إليه بالمرصاد. ثم ذكر قصة شعيب، فقال: { وإلى مدين أخاهم شعيبا }.

هود 11:83

قلت: سيء: مبني للمفعول، صلة: سوئ، نقلت حركة الواو إلى السين بعد ذهاب حركتها، ثم قلبت الولو ياء. وذرعا: تمييز محول عن الفاعل، أي: ضاق ذرعه، وهو كناية عن شدة الانقباض عن مدافعة الأمر المكروه، وعجزه عن مقاومته. ولو أن لي بكم قوة: إما للتمني فلا جواب له، أو محذوف، أي: لدفعت. وفيأسر لغتان: قطع الهمزة من الإسراء، ووصلها من السرى، وقرئ بهما معا، وإلا امرأتك الرفع بدل من أحد، وبالنصب منصوب بالاستثناء من فأسر بأهلك. ومنشأ القراءتين: هل أخرجها معه، فالتفتت أم لا؟ فمن رفع ذهب إلى أنه أخرجها. ومن نصب ذهب إلى أنه لم يسر بها، وهما روايتان. يقول الحق جلاله: { ولما جاءت رسلنا } ، وهم الملائكة المتقدمون، { لوطا سيء بهم } ساءه مجيئهم لأنهم أتوه في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن أنهم بشر، فخاف عليهم من قومه أن يقصدوهم للفاحشة، ولا يقدر على مدافعتهم، { وضاق بهم ذرعا } أي: ضاق صدره بهم، { وقال هذا يوم عصيب }: شديد من عصبه: إذا شده، وروي أن الله تعالى قال لهم: لا تهلكوا قومه حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم منطلقا بهم إلى منزله، قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله أنها شر قرية في الأرض عملا. قال ذلك أربع مرات. فدخلوا منزله، ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته فأخبرتهم، { وجاءه قومه يهرعون } يسرعون { إليه } كأنهم يدفعون إليه دفعا، لطلب الفاحشة من أضيافه. { ومن قبل } ذلك الوقت { كانوا يعملون السيئات } الفواحش، كاللواطة، وغيرها، مستمرين عليها مجاهرين بها، حتى لم يستحيوا وجاؤوا يهرعون إليها. { قال يا قوم هؤلاء بناتي } تزوجوهن، وكانوا يطلبونهن قبل، فلا يجيبهم لخبثهم، وعدم كفاءتهم، لا لحرمة المسلمات على الكفار، فإنه شرع طارئ قال ابن جزي: وإنما قال لهم ذلك ليقي أضيافه ببناته. قيل: إن اسم بناته، الواحدة: ريثا، والأخرى: غوثا. ه. ولم يذكر الثالثة، فعرضهن عليهم، وقال: { هن أطهر لكم } أحل لكم، أو أقل فحشا، كقولك: الميتة أطيب من المغضوب، { فاتقوا الله } بترك الفواحش، { ولا تحزون } لا تفضحوني { في ضيفي } في شأنهم، فإن افتضاح ضيف الرجل خزي له. { أليس منكم رجل رشيد } عاقل يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح. { قالوا لقد علمت ما لنا من بناتك من حق } من حاجة، { وإنك لتعلم ما نريد } وهو إتيان الذكران، { قال لو أن لي } ليت لي { بكم قوة } طاقة على دفعكم بنفسي، { أو آوي إلى ركن شديد } أو ألجأ إلى أصحاب أو عشيرة يحمونني منكم، شبه ما يتمتع بهم بركن الجبل في شدته، قال صلى الله عليه وسلم: " رحم الله أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد " يعني: الله تعالى. روي أنه أغلق بابه دون أضيافه، وأخذ يجادلهم من وراء الباب، فتسوروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب، { قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك }: لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا، فهون عليك ودعنا وإياهم. فخلاهم، فلما دخلوا ضرب. جبريل عليه السلام بجناحيه وجوههم، فطمس أعينهم، وأعمالهم، فخرجوا يقولون: النجاء النجاء في بيت لوط سحرة، فقالت الملائكة للوط عليه السلام: { فأسر بأهلك } سر بهم { بقطع من الليل }: بطائفة منه، { ولا يلتفت منكم أحد }: لا يتخلف، أو لا ينظر إلى ورائة لئلا يرى ما يهوله. والنهي في المعنى يتوجه إلى لوط، وإن كان في اللفظ مسندا إلى أحد. { إلا امرأتك } ، اسمها: واهلة، أي: فلا تسر بها، أو: ولا ينظر أحد منكم إلى ورائه إلا امرأتك فإنها تنظر. روي أنها خرجت معه، فلما سمعت صوات العذاب التفتت وقالت: يا قوماه فأدركها حجر فقتلها، ولذلك قال: { أنه مصيبها ما أصابهم } من العذاب، { إن موعدهم } وقت { الصبح } في نزول العذاب بهم، فاستبطأ لوط وقت الصبح، وقال: هلا عذبوا الأن؟ فقالوا: { أليس الصبح بقريب }. { فلما جاء أمرنا } عذابنا، أو أمرنا به، { جعلنا } مدائنهم { عاليها سافلها } ، روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائنهم، ورفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب، وصياح الديكة، ثم قلبها بهم. { وأمطرنا عليهم } على المدائن، أي: أهلها، أو على ما حولها. روي أنه من كان منهم خارج المدائن أصابته الحجارة من السماء، وأما من كان في المدائن، فهلك لما قلبت. فأرسلنا عليهم: { حجارة من سجيل }: من طين طبخ بالنار، أو من طين متحجر كقوله: حجارة من طين [الذاريات: 33]، وأصلها: سنكين، ثم عرب، وقيل: إنه من أسجله إذا أرسله، أي: من مثل الشيء المرسل، وقيل: أصله من سجين، أي جهنم، ثم أبدلت نونه لاما، { منضود }: مضموم بعضه فوق بعض، معدا لعذابهم، أو متتابع يتبع بعضه بعضا في الإرسال، كقطر الأمطار. { مسومة } أي: معلمة للعذاب، وقيل: معلمة ببياض وحمرة، أو بسيما تتميز به عن حجارة الأرض، أو باسم من يرمي به فكل حجارة كان فيها اسم من ترمى به، وقوله: { عند ربك } ، أي: في خزائن علمه وقدرته، { وما هي من الظالمين ببعيد } بل هي قريبة من كل ظالم. قال ابن جزي: الضمير للحجارة، والمراد بالظالمين: كفار قريش، فهذا تهديد لهم، أي: ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم، وقيل: الضمير للمدائن، أي: ليس مدائنهم ببعيد منهم أفلا يعتبرون بها. كقوله: ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء [الفرقان: 40]. وقيل: الظالمين على العموم. ه. وقال البيضاوي: وعنه عليه الصلاة والسلام : " أنه سأل جبريل، فقال: " يعني: ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلا هو معرض لحجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة " ه. الإشارة: الاعتناء بشأن الأضياف، وحفظ حرمتهم: من شأن الكرام، والاستخفاف بحقهم، والتجاسر عليهم، من فعل اللئام. وفي الحديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " والإسراع إلى الفواحش من علامة الهلاك، لا سيما اللواط والسفاح. والإيواء إلى الله والاعتصام به من علامة الفلاح، والبعد عن ساحة أهل الفساد من شيم أهل الصلاح، وكل من اشتغل بالظلم والفساد فالرمي بالحجارة إليه بالمرصاد. ثم ذكر قصة شعيب، فقال: { وإلى مدين أخاهم شعيبا }.

هود 11:84

قلت: " مفسدين ": حال مؤكده لمعنى عاملها، وهو: " لا تعثوا ". وفائدة ذكره: إخراج ما يقصد به الإصلاح، كما فعله الخضر عليه السلام. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى مدين أخاهم شعيبا } ، أراد أولاد مدين بن إبراهيم عليه السلام أو أهل مدين، وهي بلده، فسميت باسمه، { قال يا قوم اعبدوا الله } وحده { ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان } ، وكانوا مطففين. أمرهم أولا بالتوحيد فإنه رأس الأمر، ثم نهاهم عما اعتادوا من: البخس المنافي للعدل، المخل بحكمة المعاوضة، ثم قال لهم: { إني اراكم بخير } بسعة كرخص الأسعار، وكثرة الأرزاق، فينبغي أن تشكروا عليها، وتتعففوا بها عن البخس، لا أن تنقضوا الناس حقوقهم، أو بسعة ونعمة، فلا تزيلوها بما أنتم عليه فإن من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، { وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } يوم القيامة، فإنه محيط بكل ظالم، أو عذاب الاستئصال في الدنيا، ووصف اليوم بالإحاطة، وهي صفة العذاب لاشتماله عليه. { ويا قوم أوفوا الميكال والميزان بالقسط } بالعدل من غير زيادة ولا نقصان. صرح بالأمر بالاستيفاء بعد النهي عن ضده مبالغة، وتنبيها على أنهم لا يكفيهم الكف عن تعمد التطفيف، بل يلزمهم السعي في الإيفاء ولو بالزيادة، حيث لا يتأتى دونها، وقد تكون الزيادة محظورة، ولذلك أمرهم بالعدل في قوله: بالقسط، بلا زيادة ولا نقصان. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } لا تنقصوهم حقهم، وهو تعميم بعد تخصيص، فإنه أعم من أن يكون في الميزان والمكيال وفي غيره، وكذا قوله: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } فإن العثو وهو الفساد يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد. وقيل: المراد بالبخس: المكس، كأخذ العشور في المعاملات، والعثو: السرقة وقطع الطريق والغارة، وأكد بقوله: { مفسدين } وفائدته: إخراج ما يقصد به الإصلاح، كما فعل الخضر عليه السلام، وقيل: معناه: مفسدين أمر دينكم ومصالح آخرتكم. قاله البيضاوي. { بقية الله } أي: ما أبقاه لكم من الحلال بعد التنزه عن الحرام، { خير لكم } مما تجمعون بالتطفيف، { إن كنتم مؤمنين } فإن الإيمان يقتضي الاكتفاء بالحلال عن الحرام. أو إن كنتم مؤمنين فالبقية خير لكم، فإن خيريتها تظهر باعتبار الثواب والنجاة من العذاب، وذلك مشروط بالإيمان، أو: إن كنتم مصدقين لي في قولي لكم. وقيل: البقية: الطاعة، كقوله والباقيات الصالحات [الكهف: 46]. وقرئ: " تقية الله " بالتاء المثناة، وهي تقواه التي تكف عن المعاصي، { وما أنا عليكم بحفيظ } أحفظ عليكم أعمالكم، وأجازيكم عليها، إنما أنا نذير وناصح مبلغ، وقد أعذرت حين أنذرت. أو: أحفظكم عن القبائح وأمنعكم منها. أو: لست بحافظ عليكم نعم الله إن سلبت عنكم بسوء صنيعكم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما أمر الحق تعالى بالوفاء في الموازين أمر بالوفاء في الأعمال والأحوال والمقامات. ولذلك قيل للجنيد في النوم: أفضل ما يتقرب به إلى الله عمل خفي، بميزان وفي، فالوفاء في الأعمال: إتقانها في الظاهر، باستيفاء شروطها وآدابها، وإخلاصها في الباطن مع حضور القلب فيها. والوفاء في الأحوال: ألا تخرج عن قواعد الشريعة، بأن لا تكون محرمة ولا مكروهة، وأن يقصد بها موت النفوس وحياة الأرواح، والوفاء في المقام: ألا ينتقل عن مقام إلى غيره حتى يتحقق بالمقام الذي أنزل فيه. وفيه خلاف بين الصوفية: هل يصح الانتقال عن مقام قبل التحقق به، ثم يحققه في المقام الذي بعده، أم لا؟. والمقامات التي ينزل فيها المريد: التوبة، الخوف، الرجاء، والورع، والزهد، والتوكل، والصبر، والرضى، والتسليم، والمحبة، والمراقبة، والمشاهدة بالفناء ثم البقاء، أو الإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان. فلا ينتقل من مقام إلى ما بعده حتى يحقق المقام الذي هو فيه، ذوقا وحالا. وقيل: يجوز أن ينتقل إلى ما بعده إذا كان ذا قريحة فتحقق له ما قبله. والله تعالى أعلم. وطريق الشاذلية مختصرة، تطوي عن المريد هذه المقامات، فينزل في أول قدم في مقام الإحسان، شعر أم لا، ثم يحصل الفناء ثم البقاء، إن وجد شيخا كاملا تربى على يد شيخ كامل، وإلا فلا. وقول الجنيد رضي الله عنه: عمل خفي، اعلم أن الخفاء على ثلاثة أقسام: خفاء عوام الصالحين، وهو: إخفاء الأعمال عن الناس مخافة الرياء. وخفاء المريدين، وهو: الإخفاء عن ملاحظة الخلق ومراقبتهم، ولو كانوا بين أظهرهم، فإخفاؤهم قلبي لا قالبي. وخفاء العارفين الواصلين، وهو: الإخفاء عن رؤية النفس، فهم يغيبون عن أنفسهم ووجودهم، في حال أعمالهم، فليس لهم عن نفوسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ما أجابه به قومه، فقال: { قالوا يشعيب أصلوتك }.

هود 11:85

قلت: " مفسدين ": حال مؤكده لمعنى عاملها، وهو: " لا تعثوا ". وفائدة ذكره: إخراج ما يقصد به الإصلاح، كما فعله الخضر عليه السلام. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى مدين أخاهم شعيبا } ، أراد أولاد مدين بن إبراهيم عليه السلام أو أهل مدين، وهي بلده، فسميت باسمه، { قال يا قوم اعبدوا الله } وحده { ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان } ، وكانوا مطففين. أمرهم أولا بالتوحيد فإنه رأس الأمر، ثم نهاهم عما اعتادوا من: البخس المنافي للعدل، المخل بحكمة المعاوضة، ثم قال لهم: { إني اراكم بخير } بسعة كرخص الأسعار، وكثرة الأرزاق، فينبغي أن تشكروا عليها، وتتعففوا بها عن البخس، لا أن تنقضوا الناس حقوقهم، أو بسعة ونعمة، فلا تزيلوها بما أنتم عليه فإن من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، { وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } يوم القيامة، فإنه محيط بكل ظالم، أو عذاب الاستئصال في الدنيا، ووصف اليوم بالإحاطة، وهي صفة العذاب لاشتماله عليه. { ويا قوم أوفوا الميكال والميزان بالقسط } بالعدل من غير زيادة ولا نقصان. صرح بالأمر بالاستيفاء بعد النهي عن ضده مبالغة، وتنبيها على أنهم لا يكفيهم الكف عن تعمد التطفيف، بل يلزمهم السعي في الإيفاء ولو بالزيادة، حيث لا يتأتى دونها، وقد تكون الزيادة محظورة، ولذلك أمرهم بالعدل في قوله: بالقسط، بلا زيادة ولا نقصان. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } لا تنقصوهم حقهم، وهو تعميم بعد تخصيص، فإنه أعم من أن يكون في الميزان والمكيال وفي غيره، وكذا قوله: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } فإن العثو وهو الفساد يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد. وقيل: المراد بالبخس: المكس، كأخذ العشور في المعاملات، والعثو: السرقة وقطع الطريق والغارة، وأكد بقوله: { مفسدين } وفائدته: إخراج ما يقصد به الإصلاح، كما فعل الخضر عليه السلام، وقيل: معناه: مفسدين أمر دينكم ومصالح آخرتكم. قاله البيضاوي. { بقية الله } أي: ما أبقاه لكم من الحلال بعد التنزه عن الحرام، { خير لكم } مما تجمعون بالتطفيف، { إن كنتم مؤمنين } فإن الإيمان يقتضي الاكتفاء بالحلال عن الحرام. أو إن كنتم مؤمنين فالبقية خير لكم، فإن خيريتها تظهر باعتبار الثواب والنجاة من العذاب، وذلك مشروط بالإيمان، أو: إن كنتم مصدقين لي في قولي لكم. وقيل: البقية: الطاعة، كقوله والباقيات الصالحات [الكهف: 46]. وقرئ: " تقية الله " بالتاء المثناة، وهي تقواه التي تكف عن المعاصي، { وما أنا عليكم بحفيظ } أحفظ عليكم أعمالكم، وأجازيكم عليها، إنما أنا نذير وناصح مبلغ، وقد أعذرت حين أنذرت. أو: أحفظكم عن القبائح وأمنعكم منها. أو: لست بحافظ عليكم نعم الله إن سلبت عنكم بسوء صنيعكم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما أمر الحق تعالى بالوفاء في الموازين أمر بالوفاء في الأعمال والأحوال والمقامات. ولذلك قيل للجنيد في النوم: أفضل ما يتقرب به إلى الله عمل خفي، بميزان وفي، فالوفاء في الأعمال: إتقانها في الظاهر، باستيفاء شروطها وآدابها، وإخلاصها في الباطن مع حضور القلب فيها. والوفاء في الأحوال: ألا تخرج عن قواعد الشريعة، بأن لا تكون محرمة ولا مكروهة، وأن يقصد بها موت النفوس وحياة الأرواح، والوفاء في المقام: ألا ينتقل عن مقام إلى غيره حتى يتحقق بالمقام الذي أنزل فيه. وفيه خلاف بين الصوفية: هل يصح الانتقال عن مقام قبل التحقق به، ثم يحققه في المقام الذي بعده، أم لا؟. والمقامات التي ينزل فيها المريد: التوبة، الخوف، الرجاء، والورع، والزهد، والتوكل، والصبر، والرضى، والتسليم، والمحبة، والمراقبة، والمشاهدة بالفناء ثم البقاء، أو الإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان. فلا ينتقل من مقام إلى ما بعده حتى يحقق المقام الذي هو فيه، ذوقا وحالا. وقيل: يجوز أن ينتقل إلى ما بعده إذا كان ذا قريحة فتحقق له ما قبله. والله تعالى أعلم. وطريق الشاذلية مختصرة، تطوي عن المريد هذه المقامات، فينزل في أول قدم في مقام الإحسان، شعر أم لا، ثم يحصل الفناء ثم البقاء، إن وجد شيخا كاملا تربى على يد شيخ كامل، وإلا فلا. وقول الجنيد رضي الله عنه: عمل خفي، اعلم أن الخفاء على ثلاثة أقسام: خفاء عوام الصالحين، وهو: إخفاء الأعمال عن الناس مخافة الرياء. وخفاء المريدين، وهو: الإخفاء عن ملاحظة الخلق ومراقبتهم، ولو كانوا بين أظهرهم، فإخفاؤهم قلبي لا قالبي. وخفاء العارفين الواصلين، وهو: الإخفاء عن رؤية النفس، فهم يغيبون عن أنفسهم ووجودهم، في حال أعمالهم، فليس لهم عن نفوسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ما أجابه به قومه، فقال: { قالوا يشعيب أصلوتك }.

هود 11:86

قلت: " مفسدين ": حال مؤكده لمعنى عاملها، وهو: " لا تعثوا ". وفائدة ذكره: إخراج ما يقصد به الإصلاح، كما فعله الخضر عليه السلام. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى مدين أخاهم شعيبا } ، أراد أولاد مدين بن إبراهيم عليه السلام أو أهل مدين، وهي بلده، فسميت باسمه، { قال يا قوم اعبدوا الله } وحده { ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان } ، وكانوا مطففين. أمرهم أولا بالتوحيد فإنه رأس الأمر، ثم نهاهم عما اعتادوا من: البخس المنافي للعدل، المخل بحكمة المعاوضة، ثم قال لهم: { إني اراكم بخير } بسعة كرخص الأسعار، وكثرة الأرزاق، فينبغي أن تشكروا عليها، وتتعففوا بها عن البخس، لا أن تنقضوا الناس حقوقهم، أو بسعة ونعمة، فلا تزيلوها بما أنتم عليه فإن من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، { وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } يوم القيامة، فإنه محيط بكل ظالم، أو عذاب الاستئصال في الدنيا، ووصف اليوم بالإحاطة، وهي صفة العذاب لاشتماله عليه. { ويا قوم أوفوا الميكال والميزان بالقسط } بالعدل من غير زيادة ولا نقصان. صرح بالأمر بالاستيفاء بعد النهي عن ضده مبالغة، وتنبيها على أنهم لا يكفيهم الكف عن تعمد التطفيف، بل يلزمهم السعي في الإيفاء ولو بالزيادة، حيث لا يتأتى دونها، وقد تكون الزيادة محظورة، ولذلك أمرهم بالعدل في قوله: بالقسط، بلا زيادة ولا نقصان. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } لا تنقصوهم حقهم، وهو تعميم بعد تخصيص، فإنه أعم من أن يكون في الميزان والمكيال وفي غيره، وكذا قوله: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } فإن العثو وهو الفساد يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد. وقيل: المراد بالبخس: المكس، كأخذ العشور في المعاملات، والعثو: السرقة وقطع الطريق والغارة، وأكد بقوله: { مفسدين } وفائدته: إخراج ما يقصد به الإصلاح، كما فعل الخضر عليه السلام، وقيل: معناه: مفسدين أمر دينكم ومصالح آخرتكم. قاله البيضاوي. { بقية الله } أي: ما أبقاه لكم من الحلال بعد التنزه عن الحرام، { خير لكم } مما تجمعون بالتطفيف، { إن كنتم مؤمنين } فإن الإيمان يقتضي الاكتفاء بالحلال عن الحرام. أو إن كنتم مؤمنين فالبقية خير لكم، فإن خيريتها تظهر باعتبار الثواب والنجاة من العذاب، وذلك مشروط بالإيمان، أو: إن كنتم مصدقين لي في قولي لكم. وقيل: البقية: الطاعة، كقوله والباقيات الصالحات [الكهف: 46]. وقرئ: " تقية الله " بالتاء المثناة، وهي تقواه التي تكف عن المعاصي، { وما أنا عليكم بحفيظ } أحفظ عليكم أعمالكم، وأجازيكم عليها، إنما أنا نذير وناصح مبلغ، وقد أعذرت حين أنذرت. أو: أحفظكم عن القبائح وأمنعكم منها. أو: لست بحافظ عليكم نعم الله إن سلبت عنكم بسوء صنيعكم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما أمر الحق تعالى بالوفاء في الموازين أمر بالوفاء في الأعمال والأحوال والمقامات. ولذلك قيل للجنيد في النوم: أفضل ما يتقرب به إلى الله عمل خفي، بميزان وفي، فالوفاء في الأعمال: إتقانها في الظاهر، باستيفاء شروطها وآدابها، وإخلاصها في الباطن مع حضور القلب فيها. والوفاء في الأحوال: ألا تخرج عن قواعد الشريعة، بأن لا تكون محرمة ولا مكروهة، وأن يقصد بها موت النفوس وحياة الأرواح، والوفاء في المقام: ألا ينتقل عن مقام إلى غيره حتى يتحقق بالمقام الذي أنزل فيه. وفيه خلاف بين الصوفية: هل يصح الانتقال عن مقام قبل التحقق به، ثم يحققه في المقام الذي بعده، أم لا؟. والمقامات التي ينزل فيها المريد: التوبة، الخوف، الرجاء، والورع، والزهد، والتوكل، والصبر، والرضى، والتسليم، والمحبة، والمراقبة، والمشاهدة بالفناء ثم البقاء، أو الإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان. فلا ينتقل من مقام إلى ما بعده حتى يحقق المقام الذي هو فيه، ذوقا وحالا. وقيل: يجوز أن ينتقل إلى ما بعده إذا كان ذا قريحة فتحقق له ما قبله. والله تعالى أعلم. وطريق الشاذلية مختصرة، تطوي عن المريد هذه المقامات، فينزل في أول قدم في مقام الإحسان، شعر أم لا، ثم يحصل الفناء ثم البقاء، إن وجد شيخا كاملا تربى على يد شيخ كامل، وإلا فلا. وقول الجنيد رضي الله عنه: عمل خفي، اعلم أن الخفاء على ثلاثة أقسام: خفاء عوام الصالحين، وهو: إخفاء الأعمال عن الناس مخافة الرياء. وخفاء المريدين، وهو: الإخفاء عن ملاحظة الخلق ومراقبتهم، ولو كانوا بين أظهرهم، فإخفاؤهم قلبي لا قالبي. وخفاء العارفين الواصلين، وهو: الإخفاء عن رؤية النفس، فهم يغيبون عن أنفسهم ووجودهم، في حال أعمالهم، فليس لهم عن نفوسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ما أجابه به قومه، فقال: { قالوا يشعيب أصلوتك }.

هود 11:87

قلت: " تأمرك أن نترك ": على حذف مضاف، أي: تأمرك بتكليف أن نترك لأن الرجل لا يؤمر بفعل غيره. وأن نفعل: عطف على ما أي: أو نترك فعلنا في أموالنا ما نشاء. يقول الحق جل جلاله: { قالوا يا شعيب أصلواتك } التي تكثر منها هي التي { تأمرك } أن تأمرنا { أن نترك ما يعبد آباؤنا } من الأصنام، وندخل معك في دينك المحدث، أجابوا به ما أمرهم به من التوحيد بقوله: { ما لكم من إله غيره } ، على وجه التهكم والاستهزاء بصلواته. وكان كثير الصلاة، ولذلك جمعوها وخصوها بالذكر. وقرأ الأخوان وحفص بالإفراد المراد به الجنس. ثم أجابوه عن نهيهم عن التطفيف وأمرهم بالإيفاء، فقالوا: { أو } نترك { أن نفعل في أموالنا ما نشاء } من البخس وغيره؟ وقيل: كانوا يقطعون الدراهم والدنانير، فناهم عن ذلك.. { إنك لأنت الحليم الرشيد } ، تهكموا به وقصدوا وصفه بضده، من خفة العقل والسفه لأن العاقل عندهم هو الحريص على جمع الدنيا وتوفيرها، وهو الحمق عند العقلاء، أو إنك موسوم بالحلم والرشد فلا ينبغي لك أن تنهانا عن تنمية أموالنا والتصرف فيها. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإنكار على من أمر بالخروج عن العوائد والتقلل من الدنيا من طبع أهل الكفر والجهل، وكذلك رميه بالحمق والسفه. فلا تجد الناس اليوم يعظمون إلا من أقرهم على توفير دنياهم ورئاستهم. والتكاثر منها، وأما من زهدهم فيها وأمرهم بالقناعة، فإنهم يرفضونه، ويحمقونه. وهذا طبع من طبع الأمم الخالية، الجاهلة بالله، وبما أمر به، وفي الحديث: " لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " وبالله التوفيق. ثم ذكر موعظة شعيب لقومه، فقال: { قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي }.

هود 11:88

قلت: جواب " إن كنت ": محذوف، أي: فهل ينبغي أن أخون في وحيه وأخالفه في أمره. يقول الحق جل جلاله: { قال } شعيب لقومه: { يا قوم أرأيتم إن كنتم على بينة من ربي } ، وهي النبوة والعلم والحكمة، { ورزقني منه } من عنده، وبإعانته، بلا كد في تحصيله، { رزقا حسنا }: حلالا، إشارة إلى من آتاه من المال الحلال. فهل يسع لي بعد هذا الإنعام، الجامع للسعادات الروحانية والجسمانية، أن أخون في وحيه، وأخالفه في أمره ونهيه، حتى لا أنهاكم عن عبادة الأوثان، والكف عن العصيان، والأنبياء لا يبعثون إلا بذلك، وهذا منه اعتذار لما أنكروا عليه من الأمر بالخروج عن عوائدهم، وترك ما ألفوه من دينهم الفاسد، أي: كيف أترك ما أمرني به ربي من تبليغ وحيه، وأنا على بينة منه، وقد أغناني الله عنكم وعن غيركم. ولذلك قال إثره: { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } أي: وما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه لأستبد به دونكم، فتتهموني إن أردت الاستبداد به. يقال: خالفني فلان إلى كذا: إذا قصده، وأنت مول عنه، وخالفني عنه: إذا ولى عنه وأنت قاصده. { إن أريد إلا صلاح ما استطعت } أي: ما أريد إلا أن أصلحكم بأمري لكم بالمعروف، ونهيي لكم عن المنكر جهد استطاعتي. قال البيضاوي: ولهذه الأجوبة الثلاثة على هذا النسق شأن، وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة: أهمها وأعلاها: حق الله تعالى. وثانيها: حق النفس، وثالثها: حق الناس. ه. قلت: فحق الله: كونه على بينة من ربه، وحق النفس: تمكينه من الرزق الحسن. وحق الناس: نصحهم من غير طمع، ولا حظ. ثم قال: { وما توفيقي إلا بالله } وما توفيقي لإجابة الحق، والصواب إلا بهدايته ومعونته، { عليه توكلت } فإنه القادر على كل شيء، وما عداه عاجز بل معدوم، ساقط عن درجة الاعتبار. وفيه إشارة إلى محض التوحيد، الذي هو أقصى مراتب العلم بالله. { وإليه أنيب } أرجع في جميع أموري. { ويا قوم لا يجرمنكم }: لا يكسبنكم { شقاقي }: معاداتي، { أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح } من الغرق، { أو قوم هود } من الريح، { أو قوم صالح } من الصيحة، والمعنى: لا تخالفوني فيجركم ذلك إلى الهلاك كما هلك الأمم قبلكم، { وما قوم لوط منكم ببعيد } زمانا ولا مكانا، فإن لم تعتبروا بمن قبلكم، فاعتبروا بهم إذ هم ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساوئ، فلا يبعد عنكم ما أصابهم. وإنما أفرد " بعيد " لأن المراد: وما إهلاكهم، أو وما هم بشيء بعيد. { واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه } عما أنتم عليه { إن ربي رحيم } عظيم الرحمة للتائبين { ودود } متودد إليهم، فاعل بهم من اللطف والإحسان ما يفعل البليغ بمن يوده، وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار. قاله البيضاوي. الإشارة: قد تضمنت خطبة شعيب عليه السلام ست خصال، من اجتمعت فيه فاز بسعادة الدارين: الأولى: فتح البصيرة، ونفوذ العزيمة، وتنوير القلب بمعرفة الله، حتى يكون على بينة من ربه. الثانية: تيسير الرزق الحلال، من غير تعب ولا مشقة، يستعين به على طاعة ربه، ويقوم به بمؤنة أمره. الثالثة: السعي في إصلاح عباد الله وإرشادهم، ودعاؤهم إلى الله من غير طمع ولا حرف، ويكون حاله يصحح مقاله، فلا يترك ما أمر به، ولا يفعل ما نهى عنه. الرابعة: الاعتماد على الله والرجوع إليه في توفيقه وتسديده، وفي أمر دنياه ودينه، بحيث لا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا منه. الخامسة: الحذر والتحذير من مخالفة ما جاءت به الرسل من عند الله، والتمسك بما أمروا به من طاعة الله، والاعتذار بمن هلك قبله ممن خالف أمر الله. السادسة: تحقيق التوبة والانكسار، والإكثار من الذكر والاستغفار. فذلك سبب المودة من الكريم الغفار. ولأجل هذه الخطبة سمي شعيب خطيب الأنبياء. والله تعالى أعلم. ثم ذكر جواب قومه، فقال: { قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول }.

هود 11:89

قلت: جواب " إن كنت ": محذوف، أي: فهل ينبغي أن أخون في وحيه وأخالفه في أمره. يقول الحق جل جلاله: { قال } شعيب لقومه: { يا قوم أرأيتم إن كنتم على بينة من ربي } ، وهي النبوة والعلم والحكمة، { ورزقني منه } من عنده، وبإعانته، بلا كد في تحصيله، { رزقا حسنا }: حلالا، إشارة إلى من آتاه من المال الحلال. فهل يسع لي بعد هذا الإنعام، الجامع للسعادات الروحانية والجسمانية، أن أخون في وحيه، وأخالفه في أمره ونهيه، حتى لا أنهاكم عن عبادة الأوثان، والكف عن العصيان، والأنبياء لا يبعثون إلا بذلك، وهذا منه اعتذار لما أنكروا عليه من الأمر بالخروج عن عوائدهم، وترك ما ألفوه من دينهم الفاسد، أي: كيف أترك ما أمرني به ربي من تبليغ وحيه، وأنا على بينة منه، وقد أغناني الله عنكم وعن غيركم. ولذلك قال إثره: { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } أي: وما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه لأستبد به دونكم، فتتهموني إن أردت الاستبداد به. يقال: خالفني فلان إلى كذا: إذا قصده، وأنت مول عنه، وخالفني عنه: إذا ولى عنه وأنت قاصده. { إن أريد إلا صلاح ما استطعت } أي: ما أريد إلا أن أصلحكم بأمري لكم بالمعروف، ونهيي لكم عن المنكر جهد استطاعتي. قال البيضاوي: ولهذه الأجوبة الثلاثة على هذا النسق شأن، وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة: أهمها وأعلاها: حق الله تعالى. وثانيها: حق النفس، وثالثها: حق الناس. ه. قلت: فحق الله: كونه على بينة من ربه، وحق النفس: تمكينه من الرزق الحسن. وحق الناس: نصحهم من غير طمع، ولا حظ. ثم قال: { وما توفيقي إلا بالله } وما توفيقي لإجابة الحق، والصواب إلا بهدايته ومعونته، { عليه توكلت } فإنه القادر على كل شيء، وما عداه عاجز بل معدوم، ساقط عن درجة الاعتبار. وفيه إشارة إلى محض التوحيد، الذي هو أقصى مراتب العلم بالله. { وإليه أنيب } أرجع في جميع أموري. { ويا قوم لا يجرمنكم }: لا يكسبنكم { شقاقي }: معاداتي، { أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح } من الغرق، { أو قوم هود } من الريح، { أو قوم صالح } من الصيحة، والمعنى: لا تخالفوني فيجركم ذلك إلى الهلاك كما هلك الأمم قبلكم، { وما قوم لوط منكم ببعيد } زمانا ولا مكانا، فإن لم تعتبروا بمن قبلكم، فاعتبروا بهم إذ هم ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساوئ، فلا يبعد عنكم ما أصابهم. وإنما أفرد " بعيد " لأن المراد: وما إهلاكهم، أو وما هم بشيء بعيد. { واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه } عما أنتم عليه { إن ربي رحيم } عظيم الرحمة للتائبين { ودود } متودد إليهم، فاعل بهم من اللطف والإحسان ما يفعل البليغ بمن يوده، وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار. قاله البيضاوي. الإشارة: قد تضمنت خطبة شعيب عليه السلام ست خصال، من اجتمعت فيه فاز بسعادة الدارين: الأولى: فتح البصيرة، ونفوذ العزيمة، وتنوير القلب بمعرفة الله، حتى يكون على بينة من ربه. الثانية: تيسير الرزق الحلال، من غير تعب ولا مشقة، يستعين به على طاعة ربه، ويقوم به بمؤنة أمره. الثالثة: السعي في إصلاح عباد الله وإرشادهم، ودعاؤهم إلى الله من غير طمع ولا حرف، ويكون حاله يصحح مقاله، فلا يترك ما أمر به، ولا يفعل ما نهى عنه. الرابعة: الاعتماد على الله والرجوع إليه في توفيقه وتسديده، وفي أمر دنياه ودينه، بحيث لا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا منه. الخامسة: الحذر والتحذير من مخالفة ما جاءت به الرسل من عند الله، والتمسك بما أمروا به من طاعة الله، والاعتذار بمن هلك قبله ممن خالف أمر الله. السادسة: تحقيق التوبة والانكسار، والإكثار من الذكر والاستغفار. فذلك سبب المودة من الكريم الغفار. ولأجل هذه الخطبة سمي شعيب خطيب الأنبياء. والله تعالى أعلم. ثم ذكر جواب قومه، فقال: { قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول }.

هود 11:90

قلت: جواب " إن كنت ": محذوف، أي: فهل ينبغي أن أخون في وحيه وأخالفه في أمره. يقول الحق جل جلاله: { قال } شعيب لقومه: { يا قوم أرأيتم إن كنتم على بينة من ربي } ، وهي النبوة والعلم والحكمة، { ورزقني منه } من عنده، وبإعانته، بلا كد في تحصيله، { رزقا حسنا }: حلالا، إشارة إلى من آتاه من المال الحلال. فهل يسع لي بعد هذا الإنعام، الجامع للسعادات الروحانية والجسمانية، أن أخون في وحيه، وأخالفه في أمره ونهيه، حتى لا أنهاكم عن عبادة الأوثان، والكف عن العصيان، والأنبياء لا يبعثون إلا بذلك، وهذا منه اعتذار لما أنكروا عليه من الأمر بالخروج عن عوائدهم، وترك ما ألفوه من دينهم الفاسد، أي: كيف أترك ما أمرني به ربي من تبليغ وحيه، وأنا على بينة منه، وقد أغناني الله عنكم وعن غيركم. ولذلك قال إثره: { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } أي: وما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه لأستبد به دونكم، فتتهموني إن أردت الاستبداد به. يقال: خالفني فلان إلى كذا: إذا قصده، وأنت مول عنه، وخالفني عنه: إذا ولى عنه وأنت قاصده. { إن أريد إلا صلاح ما استطعت } أي: ما أريد إلا أن أصلحكم بأمري لكم بالمعروف، ونهيي لكم عن المنكر جهد استطاعتي. قال البيضاوي: ولهذه الأجوبة الثلاثة على هذا النسق شأن، وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة: أهمها وأعلاها: حق الله تعالى. وثانيها: حق النفس، وثالثها: حق الناس. ه. قلت: فحق الله: كونه على بينة من ربه، وحق النفس: تمكينه من الرزق الحسن. وحق الناس: نصحهم من غير طمع، ولا حظ. ثم قال: { وما توفيقي إلا بالله } وما توفيقي لإجابة الحق، والصواب إلا بهدايته ومعونته، { عليه توكلت } فإنه القادر على كل شيء، وما عداه عاجز بل معدوم، ساقط عن درجة الاعتبار. وفيه إشارة إلى محض التوحيد، الذي هو أقصى مراتب العلم بالله. { وإليه أنيب } أرجع في جميع أموري. { ويا قوم لا يجرمنكم }: لا يكسبنكم { شقاقي }: معاداتي، { أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح } من الغرق، { أو قوم هود } من الريح، { أو قوم صالح } من الصيحة، والمعنى: لا تخالفوني فيجركم ذلك إلى الهلاك كما هلك الأمم قبلكم، { وما قوم لوط منكم ببعيد } زمانا ولا مكانا، فإن لم تعتبروا بمن قبلكم، فاعتبروا بهم إذ هم ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساوئ، فلا يبعد عنكم ما أصابهم. وإنما أفرد " بعيد " لأن المراد: وما إهلاكهم، أو وما هم بشيء بعيد. { واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه } عما أنتم عليه { إن ربي رحيم } عظيم الرحمة للتائبين { ودود } متودد إليهم، فاعل بهم من اللطف والإحسان ما يفعل البليغ بمن يوده، وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار. قاله البيضاوي. الإشارة: قد تضمنت خطبة شعيب عليه السلام ست خصال، من اجتمعت فيه فاز بسعادة الدارين: الأولى: فتح البصيرة، ونفوذ العزيمة، وتنوير القلب بمعرفة الله، حتى يكون على بينة من ربه. الثانية: تيسير الرزق الحلال، من غير تعب ولا مشقة، يستعين به على طاعة ربه، ويقوم به بمؤنة أمره. الثالثة: السعي في إصلاح عباد الله وإرشادهم، ودعاؤهم إلى الله من غير طمع ولا حرف، ويكون حاله يصحح مقاله، فلا يترك ما أمر به، ولا يفعل ما نهى عنه. الرابعة: الاعتماد على الله والرجوع إليه في توفيقه وتسديده، وفي أمر دنياه ودينه، بحيث لا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا منه. الخامسة: الحذر والتحذير من مخالفة ما جاءت به الرسل من عند الله، والتمسك بما أمروا به من طاعة الله، والاعتذار بمن هلك قبله ممن خالف أمر الله. السادسة: تحقيق التوبة والانكسار، والإكثار من الذكر والاستغفار. فذلك سبب المودة من الكريم الغفار. ولأجل هذه الخطبة سمي شعيب خطيب الأنبياء. والله تعالى أعلم. ثم ذكر جواب قومه، فقال: { قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول }.

هود 11:91

قلت: " سوف تعلمون ": ذكره هنا بغير فاء، وفي الأنعام بالفاء، لأن الكلام في سورة الأنعام مع الأمة المحمدية، فأتى بالفاء لمطلق السببية، وهنا مع قوم شعيب عليه السلام، فحذفها لأنه أبلغ في التهويل. فكأن الجملة بيانية لجواب سائل قال: فما يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون... الخ. يقول الحق جل جلاله: { قالوا يا شعيب ما نفقه } ما نفهم { كثيرا مما تقول } من أمر التوحيد، وترك التبخيس، وما ذكرت من الدليل عليها وذلك لانهماكم في الهوى، وقصور عقلهم وعدم تفكرهم. وقيل: قالوا ذلك استهانة بكلامه، أو لأنهم لم يلقوا إليه أذهانهم لشدة نفرتهم. ثم قالوا: { وإنا لنراك فينا ضعيفا } لا قوة لك تمتنع بها منا إن أردنا بك سوءا، أو: نراك ناحل البدن، أو: ضرير البصر. وضعفه ابن عطيه. { ولولا رهطك } أي: قومك، الذين هم باقون على ما ملتنا، وكونهم في عزة عندنا، { لرجمناك }: لقتلناك بالحجارة. أو بأصعب وجه، { وما أنت علينا بعزيز } فتمنعنا عزتك من رجمك. قال البيضاوي: وهذا ديدن السفيه المحجوج، يقابل الحجج والآيات بالسب والتهديد. وفي إيلاء ضميره حرف النفي تنبيه على أن الكلام فيه لا في ثبوت العزة، وأن المانع لهم من إيذائه عزة قومه. ولذلك قال: { يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا } ، وجعلتموه كالمنسي المنبوذ وراء الظهر، بإشراككم به، والإهانة لرسوله. وهو يحتمل الإنكار والتوبيخ والرد والتكذيب. والظهري: منسوب إلى الظهر، والكسر من تغيير البناء. ه. قال ابن جزي: فإن قيل: إنما وقع الكلام فيه وفي رهطه، بأنهم هم الأعزة دونه، فكيف طابق جوابه كلامهم؟ فالجواب: أن تهاونهم به، وهو رسول الله، تهاون بالله. فلذلك قال: { أرهطي أعز عليكم من الله }. ه. { إن ربي بما تعملون محيط } فلا يخفى عليه شيء منها، فيجازي عليها بتمامها. { ويا قوم اعملوا على مكانتكم }: على حالتكم من تمكنكم في الدنيا، وعزتكم فيها، { إني عامل } على حالي، { سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } ، يهينه في الدنيا والآخرة، { و } سوف تعلمون { من هو كاذب } مني ومنكم، { وارتقبوا } وانتظروا ما أقول لكم، { إني معكم رقيب }: مرتقب لذلك. وهو فعيل بمعنى فاعل، كالصريح والرفيع. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا يفقه المواعظ والتذكير إلا أهل الإيمان والتنوير. وأما القلب القاسي بالكفر والمعاصي فلا يسمع إلا ما تسمعه البهائم من الناعق والراعي. فبقدر ما يرق القلب يتأثر بالمواعظ، وبقدر ما يغلظ باتباع الحظوظ والهوى يغيب عن تدبر المواعظ. وسبب تنوير القلب ورقته: قربه من الله، وتعظيمه لحرمات الله، وتعظيم من جاء من عند الله من أنبيائه ورسله، وورثتهم القائمين بحجته، كالأولياء والعلماء الأتقياء. وسبب ظلمة القلب وقساوته: بعده من الله، وإهانته لحرمات الله، واتخاذه أمره ظهريا، وجعل ذكره نسيا منسيا. وبالله التوفيق. ثم ذكر هلاك قوم شعيب، فقال: { ولما جآء أمرنا نجينا شعيبا }.

هود 11:92

قلت: " سوف تعلمون ": ذكره هنا بغير فاء، وفي الأنعام بالفاء، لأن الكلام في سورة الأنعام مع الأمة المحمدية، فأتى بالفاء لمطلق السببية، وهنا مع قوم شعيب عليه السلام، فحذفها لأنه أبلغ في التهويل. فكأن الجملة بيانية لجواب سائل قال: فما يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون... الخ. يقول الحق جل جلاله: { قالوا يا شعيب ما نفقه } ما نفهم { كثيرا مما تقول } من أمر التوحيد، وترك التبخيس، وما ذكرت من الدليل عليها وذلك لانهماكم في الهوى، وقصور عقلهم وعدم تفكرهم. وقيل: قالوا ذلك استهانة بكلامه، أو لأنهم لم يلقوا إليه أذهانهم لشدة نفرتهم. ثم قالوا: { وإنا لنراك فينا ضعيفا } لا قوة لك تمتنع بها منا إن أردنا بك سوءا، أو: نراك ناحل البدن، أو: ضرير البصر. وضعفه ابن عطيه. { ولولا رهطك } أي: قومك، الذين هم باقون على ما ملتنا، وكونهم في عزة عندنا، { لرجمناك }: لقتلناك بالحجارة. أو بأصعب وجه، { وما أنت علينا بعزيز } فتمنعنا عزتك من رجمك. قال البيضاوي: وهذا ديدن السفيه المحجوج، يقابل الحجج والآيات بالسب والتهديد. وفي إيلاء ضميره حرف النفي تنبيه على أن الكلام فيه لا في ثبوت العزة، وأن المانع لهم من إيذائه عزة قومه. ولذلك قال: { يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا } ، وجعلتموه كالمنسي المنبوذ وراء الظهر، بإشراككم به، والإهانة لرسوله. وهو يحتمل الإنكار والتوبيخ والرد والتكذيب. والظهري: منسوب إلى الظهر، والكسر من تغيير البناء. ه. قال ابن جزي: فإن قيل: إنما وقع الكلام فيه وفي رهطه، بأنهم هم الأعزة دونه، فكيف طابق جوابه كلامهم؟ فالجواب: أن تهاونهم به، وهو رسول الله، تهاون بالله. فلذلك قال: { أرهطي أعز عليكم من الله }. ه. { إن ربي بما تعملون محيط } فلا يخفى عليه شيء منها، فيجازي عليها بتمامها. { ويا قوم اعملوا على مكانتكم }: على حالتكم من تمكنكم في الدنيا، وعزتكم فيها، { إني عامل } على حالي، { سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } ، يهينه في الدنيا والآخرة، { و } سوف تعلمون { من هو كاذب } مني ومنكم، { وارتقبوا } وانتظروا ما أقول لكم، { إني معكم رقيب }: مرتقب لذلك. وهو فعيل بمعنى فاعل، كالصريح والرفيع. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا يفقه المواعظ والتذكير إلا أهل الإيمان والتنوير. وأما القلب القاسي بالكفر والمعاصي فلا يسمع إلا ما تسمعه البهائم من الناعق والراعي. فبقدر ما يرق القلب يتأثر بالمواعظ، وبقدر ما يغلظ باتباع الحظوظ والهوى يغيب عن تدبر المواعظ. وسبب تنوير القلب ورقته: قربه من الله، وتعظيمه لحرمات الله، وتعظيم من جاء من عند الله من أنبيائه ورسله، وورثتهم القائمين بحجته، كالأولياء والعلماء الأتقياء. وسبب ظلمة القلب وقساوته: بعده من الله، وإهانته لحرمات الله، واتخاذه أمره ظهريا، وجعل ذكره نسيا منسيا. وبالله التوفيق. ثم ذكر هلاك قوم شعيب، فقال: { ولما جآء أمرنا نجينا شعيبا }.

هود 11:93

قلت: " سوف تعلمون ": ذكره هنا بغير فاء، وفي الأنعام بالفاء، لأن الكلام في سورة الأنعام مع الأمة المحمدية، فأتى بالفاء لمطلق السببية، وهنا مع قوم شعيب عليه السلام، فحذفها لأنه أبلغ في التهويل. فكأن الجملة بيانية لجواب سائل قال: فما يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون... الخ. يقول الحق جل جلاله: { قالوا يا شعيب ما نفقه } ما نفهم { كثيرا مما تقول } من أمر التوحيد، وترك التبخيس، وما ذكرت من الدليل عليها وذلك لانهماكم في الهوى، وقصور عقلهم وعدم تفكرهم. وقيل: قالوا ذلك استهانة بكلامه، أو لأنهم لم يلقوا إليه أذهانهم لشدة نفرتهم. ثم قالوا: { وإنا لنراك فينا ضعيفا } لا قوة لك تمتنع بها منا إن أردنا بك سوءا، أو: نراك ناحل البدن، أو: ضرير البصر. وضعفه ابن عطيه. { ولولا رهطك } أي: قومك، الذين هم باقون على ما ملتنا، وكونهم في عزة عندنا، { لرجمناك }: لقتلناك بالحجارة. أو بأصعب وجه، { وما أنت علينا بعزيز } فتمنعنا عزتك من رجمك. قال البيضاوي: وهذا ديدن السفيه المحجوج، يقابل الحجج والآيات بالسب والتهديد. وفي إيلاء ضميره حرف النفي تنبيه على أن الكلام فيه لا في ثبوت العزة، وأن المانع لهم من إيذائه عزة قومه. ولذلك قال: { يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا } ، وجعلتموه كالمنسي المنبوذ وراء الظهر، بإشراككم به، والإهانة لرسوله. وهو يحتمل الإنكار والتوبيخ والرد والتكذيب. والظهري: منسوب إلى الظهر، والكسر من تغيير البناء. ه. قال ابن جزي: فإن قيل: إنما وقع الكلام فيه وفي رهطه، بأنهم هم الأعزة دونه، فكيف طابق جوابه كلامهم؟ فالجواب: أن تهاونهم به، وهو رسول الله، تهاون بالله. فلذلك قال: { أرهطي أعز عليكم من الله }. ه. { إن ربي بما تعملون محيط } فلا يخفى عليه شيء منها، فيجازي عليها بتمامها. { ويا قوم اعملوا على مكانتكم }: على حالتكم من تمكنكم في الدنيا، وعزتكم فيها، { إني عامل } على حالي، { سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } ، يهينه في الدنيا والآخرة، { و } سوف تعلمون { من هو كاذب } مني ومنكم، { وارتقبوا } وانتظروا ما أقول لكم، { إني معكم رقيب }: مرتقب لذلك. وهو فعيل بمعنى فاعل، كالصريح والرفيع. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا يفقه المواعظ والتذكير إلا أهل الإيمان والتنوير. وأما القلب القاسي بالكفر والمعاصي فلا يسمع إلا ما تسمعه البهائم من الناعق والراعي. فبقدر ما يرق القلب يتأثر بالمواعظ، وبقدر ما يغلظ باتباع الحظوظ والهوى يغيب عن تدبر المواعظ. وسبب تنوير القلب ورقته: قربه من الله، وتعظيمه لحرمات الله، وتعظيم من جاء من عند الله من أنبيائه ورسله، وورثتهم القائمين بحجته، كالأولياء والعلماء الأتقياء. وسبب ظلمة القلب وقساوته: بعده من الله، وإهانته لحرمات الله، واتخاذه أمره ظهريا، وجعل ذكره نسيا منسيا. وبالله التوفيق. ثم ذكر هلاك قوم شعيب، فقال: { ولما جآء أمرنا نجينا شعيبا }.

هود 11:94

يقول الحق جل جلاله: { ولما جاء أمرنا }: عذابنا لقوم شعيب، { نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا } ، لا بعمل استحقوا به ذلك إذ كل من عنده، { وأخذت الذين ظلموا الصيحة } قيل: صاح بهم جبريل فهلكوا، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين. وأصل الجثوم: اللزوم في المكان. { كأن لم يغنوا فيها } كأن لم يقيموا فيها ساعة، { ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود } ، شبههم بهم لأن عذابهم كان أيضا بالصيحة، غير أن صيحة ثمود كانت من فوق، وصيحة مدين كانت من تحت، على ما قيل، ويدل عليه: التعبير عنهما بالرجفة في آية أخرى. والرجفة في الغالب إنما تكون من ناحية الأرض. وفي البيضاوي خلاف هذا، وهو غير جيد. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين: أصحاب الأيكة، وأصحاب مدين، فأهلك أصحاب الأيكة بالظلة، على ما يأتي، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا أجمعين. قيل: وآمن بشعيب من الفئتين: تسعمائة إنسان. وكان أهل الأيكة أهل غيطة وشجر، وكان شجرهم الدوم وهو شجر المقل. الإشارة: سبب النجاة من الهلاك في الدارين: توحيد الله، وتعظيم من جاء من عند الله. وسبب الهلاك: الإشراك بالله، وإهانة من عظمه الله. والله تعالى أعلم. ثم ذكر رسالة موسى عليه السلام بعد شعيب لأنه من تلامذته، فقال: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا }.

هود 11:95

يقول الحق جل جلاله: { ولما جاء أمرنا }: عذابنا لقوم شعيب، { نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا } ، لا بعمل استحقوا به ذلك إذ كل من عنده، { وأخذت الذين ظلموا الصيحة } قيل: صاح بهم جبريل فهلكوا، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين. وأصل الجثوم: اللزوم في المكان. { كأن لم يغنوا فيها } كأن لم يقيموا فيها ساعة، { ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود } ، شبههم بهم لأن عذابهم كان أيضا بالصيحة، غير أن صيحة ثمود كانت من فوق، وصيحة مدين كانت من تحت، على ما قيل، ويدل عليه: التعبير عنهما بالرجفة في آية أخرى. والرجفة في الغالب إنما تكون من ناحية الأرض. وفي البيضاوي خلاف هذا، وهو غير جيد. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين: أصحاب الأيكة، وأصحاب مدين، فأهلك أصحاب الأيكة بالظلة، على ما يأتي، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا أجمعين. قيل: وآمن بشعيب من الفئتين: تسعمائة إنسان. وكان أهل الأيكة أهل غيطة وشجر، وكان شجرهم الدوم وهو شجر المقل. الإشارة: سبب النجاة من الهلاك في الدارين: توحيد الله، وتعظيم من جاء من عند الله. وسبب الهلاك: الإشراك بالله، وإهانة من عظمه الله. والله تعالى أعلم. ثم ذكر رسالة موسى عليه السلام بعد شعيب لأنه من تلامذته، فقال: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا }.

هود 11:96

يقول الحق جل جلاله: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } بمعجزاتنا الدالة على صدقه، { وسلطان مبين } وتسلط ظاهر على فرعون، أو برهان بين على نبوته. قال البيضاوي: والفرق بينهما: أن الآية تعم الأمارة والدليل القاطع، والسلطان يخص بالقاطع، والمبين يخص بما فيه جلاء. ه. أرسلناه { إلى فرعون وملئه } جماعته، { فاتبعوا أمر فرعون } أي: اتبعوا أمره بالكفر بموسى، أو: فما اتبعوا موسى الهادي إلى الحق، المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة، واتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلالة والطغيان، الداعي إلى ما لا يخفى فساده على من له أدنى مسكة من العقل لفرط جهالتهم، وعدم استبصارهم، { وما أمر فرعون برشيد } أي: ليس أمره برشد وصواب، وإنما هو غي وضلال. { يقدم قومه يوم القيامة } إلى النار، كما يتقدم في الدنيا إلى الضلال، { فأوردهم }: أدخلهم { النار } ذكره بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ونزل النار لهم منزلة الماء، فسمى إتيانها موردا ثم قال: { وبئس الورد المورود } أي: بئس المورد الذي وردوه، فإن المورد إنما يراد لتبريد الأكباد، وتسكين العطش، والنار بضد ذلك. والآية كالدليل على قوله: { وما أمر فرعون برشيد } فإن من هذا عاقبته لم يكن في أمره رشد، أو تفسير له، على أن المراد بالرشيد: ما يكون مأمون العاقبة حميدها. قاله البيضاوي. { وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة } أي: تتبعهم اللعنة في الدارين { بئس الرفد المرفود }: بئس العون المعان، أو العطاء المعطى. فالرفد: العطاء، والإرفاد: المعونة، ومنه: رفادة قريش، أي: معونتهم للفقراء في الحج بالطعام. والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم، وهو اللعنة في الدارين. الإشارة: إذا أردت أن تعرف قدر الرجل في مرتبة الخصوصية فاسأل عن إمامه الذي يقتدى به، فإن كان من أهل الخصوصية فصاحبه من الخصوص، إن دامت صحبته معه، وإن كان من العموم فصاحبه من العموم. والمراد بالخصوصية: تحقيق مقام الفناء، ودخول بلاد المعاني. فكل من لم يحصل مقام الفناء، ولم يشهد إلا المحسوسات فهو من العوام، ولو بلغ من العلم والعمل ما بلغ، ولو رأى من الكرامات أمثال الجبال. فمن صحب مثل هذا الذي لم يفن عن نفسه، ولم يخرج عن دائرة حسه، لم يخرج من العمومية لأن نفسه فرعونية. قال تعالى: { وما أمر فرعون برشيد } ، وفي الخبر: " المرء على دين خليله " وقال الشاعر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي والله تعالى أعلم. ثم وعظ نبيه بما جرى على الأمم المتقدمة آنفا، فقال: { ذلك من أنبآء القرى نقصه عليك }.

هود 11:97

يقول الحق جل جلاله: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } بمعجزاتنا الدالة على صدقه، { وسلطان مبين } وتسلط ظاهر على فرعون، أو برهان بين على نبوته. قال البيضاوي: والفرق بينهما: أن الآية تعم الأمارة والدليل القاطع، والسلطان يخص بالقاطع، والمبين يخص بما فيه جلاء. ه. أرسلناه { إلى فرعون وملئه } جماعته، { فاتبعوا أمر فرعون } أي: اتبعوا أمره بالكفر بموسى، أو: فما اتبعوا موسى الهادي إلى الحق، المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة، واتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلالة والطغيان، الداعي إلى ما لا يخفى فساده على من له أدنى مسكة من العقل لفرط جهالتهم، وعدم استبصارهم، { وما أمر فرعون برشيد } أي: ليس أمره برشد وصواب، وإنما هو غي وضلال. { يقدم قومه يوم القيامة } إلى النار، كما يتقدم في الدنيا إلى الضلال، { فأوردهم }: أدخلهم { النار } ذكره بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ونزل النار لهم منزلة الماء، فسمى إتيانها موردا ثم قال: { وبئس الورد المورود } أي: بئس المورد الذي وردوه، فإن المورد إنما يراد لتبريد الأكباد، وتسكين العطش، والنار بضد ذلك. والآية كالدليل على قوله: { وما أمر فرعون برشيد } فإن من هذا عاقبته لم يكن في أمره رشد، أو تفسير له، على أن المراد بالرشيد: ما يكون مأمون العاقبة حميدها. قاله البيضاوي. { وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة } أي: تتبعهم اللعنة في الدارين { بئس الرفد المرفود }: بئس العون المعان، أو العطاء المعطى. فالرفد: العطاء، والإرفاد: المعونة، ومنه: رفادة قريش، أي: معونتهم للفقراء في الحج بالطعام. والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم، وهو اللعنة في الدارين. الإشارة: إذا أردت أن تعرف قدر الرجل في مرتبة الخصوصية فاسأل عن إمامه الذي يقتدى به، فإن كان من أهل الخصوصية فصاحبه من الخصوص، إن دامت صحبته معه، وإن كان من العموم فصاحبه من العموم. والمراد بالخصوصية: تحقيق مقام الفناء، ودخول بلاد المعاني. فكل من لم يحصل مقام الفناء، ولم يشهد إلا المحسوسات فهو من العوام، ولو بلغ من العلم والعمل ما بلغ، ولو رأى من الكرامات أمثال الجبال. فمن صحب مثل هذا الذي لم يفن عن نفسه، ولم يخرج عن دائرة حسه، لم يخرج من العمومية لأن نفسه فرعونية. قال تعالى: { وما أمر فرعون برشيد } ، وفي الخبر: " المرء على دين خليله " وقال الشاعر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي والله تعالى أعلم. ثم وعظ نبيه بما جرى على الأمم المتقدمة آنفا، فقال: { ذلك من أنبآء القرى نقصه عليك }.

هود 11:98

يقول الحق جل جلاله: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } بمعجزاتنا الدالة على صدقه، { وسلطان مبين } وتسلط ظاهر على فرعون، أو برهان بين على نبوته. قال البيضاوي: والفرق بينهما: أن الآية تعم الأمارة والدليل القاطع، والسلطان يخص بالقاطع، والمبين يخص بما فيه جلاء. ه. أرسلناه { إلى فرعون وملئه } جماعته، { فاتبعوا أمر فرعون } أي: اتبعوا أمره بالكفر بموسى، أو: فما اتبعوا موسى الهادي إلى الحق، المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة، واتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلالة والطغيان، الداعي إلى ما لا يخفى فساده على من له أدنى مسكة من العقل لفرط جهالتهم، وعدم استبصارهم، { وما أمر فرعون برشيد } أي: ليس أمره برشد وصواب، وإنما هو غي وضلال. { يقدم قومه يوم القيامة } إلى النار، كما يتقدم في الدنيا إلى الضلال، { فأوردهم }: أدخلهم { النار } ذكره بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ونزل النار لهم منزلة الماء، فسمى إتيانها موردا ثم قال: { وبئس الورد المورود } أي: بئس المورد الذي وردوه، فإن المورد إنما يراد لتبريد الأكباد، وتسكين العطش، والنار بضد ذلك. والآية كالدليل على قوله: { وما أمر فرعون برشيد } فإن من هذا عاقبته لم يكن في أمره رشد، أو تفسير له، على أن المراد بالرشيد: ما يكون مأمون العاقبة حميدها. قاله البيضاوي. { وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة } أي: تتبعهم اللعنة في الدارين { بئس الرفد المرفود }: بئس العون المعان، أو العطاء المعطى. فالرفد: العطاء، والإرفاد: المعونة، ومنه: رفادة قريش، أي: معونتهم للفقراء في الحج بالطعام. والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم، وهو اللعنة في الدارين. الإشارة: إذا أردت أن تعرف قدر الرجل في مرتبة الخصوصية فاسأل عن إمامه الذي يقتدى به، فإن كان من أهل الخصوصية فصاحبه من الخصوص، إن دامت صحبته معه، وإن كان من العموم فصاحبه من العموم. والمراد بالخصوصية: تحقيق مقام الفناء، ودخول بلاد المعاني. فكل من لم يحصل مقام الفناء، ولم يشهد إلا المحسوسات فهو من العوام، ولو بلغ من العلم والعمل ما بلغ، ولو رأى من الكرامات أمثال الجبال. فمن صحب مثل هذا الذي لم يفن عن نفسه، ولم يخرج عن دائرة حسه، لم يخرج من العمومية لأن نفسه فرعونية. قال تعالى: { وما أمر فرعون برشيد } ، وفي الخبر: " المرء على دين خليله " وقال الشاعر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي والله تعالى أعلم. ثم وعظ نبيه بما جرى على الأمم المتقدمة آنفا، فقال: { ذلك من أنبآء القرى نقصه عليك }.

هود 11:99

يقول الحق جل جلاله: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } بمعجزاتنا الدالة على صدقه، { وسلطان مبين } وتسلط ظاهر على فرعون، أو برهان بين على نبوته. قال البيضاوي: والفرق بينهما: أن الآية تعم الأمارة والدليل القاطع، والسلطان يخص بالقاطع، والمبين يخص بما فيه جلاء. ه. أرسلناه { إلى فرعون وملئه } جماعته، { فاتبعوا أمر فرعون } أي: اتبعوا أمره بالكفر بموسى، أو: فما اتبعوا موسى الهادي إلى الحق، المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة، واتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلالة والطغيان، الداعي إلى ما لا يخفى فساده على من له أدنى مسكة من العقل لفرط جهالتهم، وعدم استبصارهم، { وما أمر فرعون برشيد } أي: ليس أمره برشد وصواب، وإنما هو غي وضلال. { يقدم قومه يوم القيامة } إلى النار، كما يتقدم في الدنيا إلى الضلال، { فأوردهم }: أدخلهم { النار } ذكره بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ونزل النار لهم منزلة الماء، فسمى إتيانها موردا ثم قال: { وبئس الورد المورود } أي: بئس المورد الذي وردوه، فإن المورد إنما يراد لتبريد الأكباد، وتسكين العطش، والنار بضد ذلك. والآية كالدليل على قوله: { وما أمر فرعون برشيد } فإن من هذا عاقبته لم يكن في أمره رشد، أو تفسير له، على أن المراد بالرشيد: ما يكون مأمون العاقبة حميدها. قاله البيضاوي. { وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة } أي: تتبعهم اللعنة في الدارين { بئس الرفد المرفود }: بئس العون المعان، أو العطاء المعطى. فالرفد: العطاء، والإرفاد: المعونة، ومنه: رفادة قريش، أي: معونتهم للفقراء في الحج بالطعام. والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم، وهو اللعنة في الدارين. الإشارة: إذا أردت أن تعرف قدر الرجل في مرتبة الخصوصية فاسأل عن إمامه الذي يقتدى به، فإن كان من أهل الخصوصية فصاحبه من الخصوص، إن دامت صحبته معه، وإن كان من العموم فصاحبه من العموم. والمراد بالخصوصية: تحقيق مقام الفناء، ودخول بلاد المعاني. فكل من لم يحصل مقام الفناء، ولم يشهد إلا المحسوسات فهو من العوام، ولو بلغ من العلم والعمل ما بلغ، ولو رأى من الكرامات أمثال الجبال. فمن صحب مثل هذا الذي لم يفن عن نفسه، ولم يخرج عن دائرة حسه، لم يخرج من العمومية لأن نفسه فرعونية. قال تعالى: { وما أمر فرعون برشيد } ، وفي الخبر: " المرء على دين خليله " وقال الشاعر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي والله تعالى أعلم. ثم وعظ نبيه بما جرى على الأمم المتقدمة آنفا، فقال: { ذلك من أنبآء القرى نقصه عليك }.

هود 11:100

قلت: ذلك: مبتدأ. ومن أنباء: خبر، ونقصه: خبر ثان. وجملة: منها قائم وحصيد: استئنافية لا حالية لعدم الرابط. يقول الحق جل جلاله: { ذلك } النبأ الذي أخبرناك به في هذه السورة، هو { من أنباء القرى } الماضية المهلكة، { نقصه عليك } ، ونخبرك به تهديدا لأمتك وتسلية لك. { منها } ما هو { قائم } البناء باقي الأثر، { و } منها { حصيد } أي: محصود عافي الأثر، كالزرع المحصود. أو: منها ما هو ساكن بقوم آخرين، قائم العمارة بغير من هلك، ومنها ما هو دارس عفى أثره، واندرست أطلاله. قال تعالى: { وما ظلمناهم } بإهلاكنا إياهم، { ولكن ظلموا أنفسهم } بأن عرضوها له بارتكابهم ما يوجب هلاكهم، فعبدوا معي غيري، { فما أغنت عنهم }: ما نفعتهم، ولا قدرت أن تدفع عنهم العذاب، { آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء } من ذلك العذاب، { لما جاء أمر ربك } حين جاءهم عذابه { وكذلك أخذ ربك } أي: مثل ذلك الأخذ الوبيل أخذ ربك { إذا أخذ القرى وهي ظالمة } فلا يمهلها، وقد يمهلها ثم يأخذها. فكل ظالم معرض لذلك. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته " ثم قرأ: { وكذلك أخذ ربك... } الآية. فالآية تعم قرى المؤمنين حيث عبر بظالمة دون كافرة. قاله ابن عطية. { إن أخذه أليم شديد } وجيع عظيم، غير مرجو الخلاص منه، وهو مبالغة في التهديد والتحذير. { إن في ذلك } الذي نسرده عليك من قصص الأمم الدارسة، { لآية } لعبرة { لمن خاف عذاب الآخرة } فيعتبر به ويتعظ لعلمه بأن ما خاق بهم أنموذج مما أعد الله للمجرمين في الآخرة. وأما من أنكر الآخرة فلا ينفعه هذا الوعظ والتذكير لفساد قلبه، وموت روحه. { ذلك } أي: يوم القيامة الذي وقع التخويف به، { يوم مجموع له الناس }: محشورون إليه أينما كانوا. وعبر باسم المفعول دون الفعل للدلالة على الثبوت والاستقرار، ليكون أبلغ لأن " مجموع " أبلغ من " يجمع ". { وذلك يوم مشهود } أي: تشهده أهل السماوات وأهل الأرض لفصل القضاء، ويحضره الأولون والآخرون، لاقتضاء الثواب والعقاب. فاليوم مشهود فيه، فحذف الظرف اتساعا.. { وما نؤخره إلا لأجل معدود } أي: إلا لانتهاء مدة معدودة في علم الله، لا يتقدم ولا يتأخر عنها، قد اختص الله تعالى به. والله تعالى أعلم. الإشارة: التفكر والاعتبار من أفضل عبادة الأبرار لأنه يزهد في الدنيا الفانية، ويشوق إلى دار الباقية، ويرقق القلب، ويستدعي مخافة الرب، فلينظر الإنسان بعين الاعتبار في الأمم الخالية، والقرون الماضية، والأماكن الدارسة كيف رحل أهلها عن الدنيا أحوج ما كانوا إليها، وتركوها أحب ما كانت إليهم؟ وفي بعض الخطب الوعظية: أين الفراعين المتكبرة، وأين جنودها المعسكرات؟ أين الأكاسير المنكسرة؟ وأين كنوزها المقنطرات؟ أين ملكوك قيصر والروم؟ وأين قصورها المشيدات؟ أين ملوك عدن؟ أهل الملابس والحيجان؟ وأين ملوك اليمن، أهل العمائم والتيجان؟ قد دارت عليهم والله الأقدار الدائرات، وجرت عليهم برياحها العاصفات، وأسكنتهم تحت أطباق الرجام المنكرات، وصيرت أجسامهم طعمة للديدان والحشرات، وأيمت منهم الزوجات، وأيتمت منهم البنين والبنات. أفضوا إلى ما قدموا، وانقادوا قهرا إلى القضاء وسلموا. فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم من العمل الصالح رجعوا. وبالله التوفيق. ثم ذكر شأن ذلك اليوم المشهود، فقال: { يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه }.

هود 11:101

قلت: ذلك: مبتدأ. ومن أنباء: خبر، ونقصه: خبر ثان. وجملة: منها قائم وحصيد: استئنافية لا حالية لعدم الرابط. يقول الحق جل جلاله: { ذلك } النبأ الذي أخبرناك به في هذه السورة، هو { من أنباء القرى } الماضية المهلكة، { نقصه عليك } ، ونخبرك به تهديدا لأمتك وتسلية لك. { منها } ما هو { قائم } البناء باقي الأثر، { و } منها { حصيد } أي: محصود عافي الأثر، كالزرع المحصود. أو: منها ما هو ساكن بقوم آخرين، قائم العمارة بغير من هلك، ومنها ما هو دارس عفى أثره، واندرست أطلاله. قال تعالى: { وما ظلمناهم } بإهلاكنا إياهم، { ولكن ظلموا أنفسهم } بأن عرضوها له بارتكابهم ما يوجب هلاكهم، فعبدوا معي غيري، { فما أغنت عنهم }: ما نفعتهم، ولا قدرت أن تدفع عنهم العذاب، { آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء } من ذلك العذاب، { لما جاء أمر ربك } حين جاءهم عذابه { وكذلك أخذ ربك } أي: مثل ذلك الأخذ الوبيل أخذ ربك { إذا أخذ القرى وهي ظالمة } فلا يمهلها، وقد يمهلها ثم يأخذها. فكل ظالم معرض لذلك. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته " ثم قرأ: { وكذلك أخذ ربك... } الآية. فالآية تعم قرى المؤمنين حيث عبر بظالمة دون كافرة. قاله ابن عطية. { إن أخذه أليم شديد } وجيع عظيم، غير مرجو الخلاص منه، وهو مبالغة في التهديد والتحذير. { إن في ذلك } الذي نسرده عليك من قصص الأمم الدارسة، { لآية } لعبرة { لمن خاف عذاب الآخرة } فيعتبر به ويتعظ لعلمه بأن ما خاق بهم أنموذج مما أعد الله للمجرمين في الآخرة. وأما من أنكر الآخرة فلا ينفعه هذا الوعظ والتذكير لفساد قلبه، وموت روحه. { ذلك } أي: يوم القيامة الذي وقع التخويف به، { يوم مجموع له الناس }: محشورون إليه أينما كانوا. وعبر باسم المفعول دون الفعل للدلالة على الثبوت والاستقرار، ليكون أبلغ لأن " مجموع " أبلغ من " يجمع ". { وذلك يوم مشهود } أي: تشهده أهل السماوات وأهل الأرض لفصل القضاء، ويحضره الأولون والآخرون، لاقتضاء الثواب والعقاب. فاليوم مشهود فيه، فحذف الظرف اتساعا.. { وما نؤخره إلا لأجل معدود } أي: إلا لانتهاء مدة معدودة في علم الله، لا يتقدم ولا يتأخر عنها، قد اختص الله تعالى به. والله تعالى أعلم. الإشارة: التفكر والاعتبار من أفضل عبادة الأبرار لأنه يزهد في الدنيا الفانية، ويشوق إلى دار الباقية، ويرقق القلب، ويستدعي مخافة الرب، فلينظر الإنسان بعين الاعتبار في الأمم الخالية، والقرون الماضية، والأماكن الدارسة كيف رحل أهلها عن الدنيا أحوج ما كانوا إليها، وتركوها أحب ما كانت إليهم؟ وفي بعض الخطب الوعظية: أين الفراعين المتكبرة، وأين جنودها المعسكرات؟ أين الأكاسير المنكسرة؟ وأين كنوزها المقنطرات؟ أين ملكوك قيصر والروم؟ وأين قصورها المشيدات؟ أين ملوك عدن؟ أهل الملابس والحيجان؟ وأين ملوك اليمن، أهل العمائم والتيجان؟ قد دارت عليهم والله الأقدار الدائرات، وجرت عليهم برياحها العاصفات، وأسكنتهم تحت أطباق الرجام المنكرات، وصيرت أجسامهم طعمة للديدان والحشرات، وأيمت منهم الزوجات، وأيتمت منهم البنين والبنات. أفضوا إلى ما قدموا، وانقادوا قهرا إلى القضاء وسلموا. فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم من العمل الصالح رجعوا. وبالله التوفيق. ثم ذكر شأن ذلك اليوم المشهود، فقال: { يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه }.

هود 11:102

قلت: ذلك: مبتدأ. ومن أنباء: خبر، ونقصه: خبر ثان. وجملة: منها قائم وحصيد: استئنافية لا حالية لعدم الرابط. يقول الحق جل جلاله: { ذلك } النبأ الذي أخبرناك به في هذه السورة، هو { من أنباء القرى } الماضية المهلكة، { نقصه عليك } ، ونخبرك به تهديدا لأمتك وتسلية لك. { منها } ما هو { قائم } البناء باقي الأثر، { و } منها { حصيد } أي: محصود عافي الأثر، كالزرع المحصود. أو: منها ما هو ساكن بقوم آخرين، قائم العمارة بغير من هلك، ومنها ما هو دارس عفى أثره، واندرست أطلاله. قال تعالى: { وما ظلمناهم } بإهلاكنا إياهم، { ولكن ظلموا أنفسهم } بأن عرضوها له بارتكابهم ما يوجب هلاكهم، فعبدوا معي غيري، { فما أغنت عنهم }: ما نفعتهم، ولا قدرت أن تدفع عنهم العذاب، { آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء } من ذلك العذاب، { لما جاء أمر ربك } حين جاءهم عذابه { وكذلك أخذ ربك } أي: مثل ذلك الأخذ الوبيل أخذ ربك { إذا أخذ القرى وهي ظالمة } فلا يمهلها، وقد يمهلها ثم يأخذها. فكل ظالم معرض لذلك. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته " ثم قرأ: { وكذلك أخذ ربك... } الآية. فالآية تعم قرى المؤمنين حيث عبر بظالمة دون كافرة. قاله ابن عطية. { إن أخذه أليم شديد } وجيع عظيم، غير مرجو الخلاص منه، وهو مبالغة في التهديد والتحذير. { إن في ذلك } الذي نسرده عليك من قصص الأمم الدارسة، { لآية } لعبرة { لمن خاف عذاب الآخرة } فيعتبر به ويتعظ لعلمه بأن ما خاق بهم أنموذج مما أعد الله للمجرمين في الآخرة. وأما من أنكر الآخرة فلا ينفعه هذا الوعظ والتذكير لفساد قلبه، وموت روحه. { ذلك } أي: يوم القيامة الذي وقع التخويف به، { يوم مجموع له الناس }: محشورون إليه أينما كانوا. وعبر باسم المفعول دون الفعل للدلالة على الثبوت والاستقرار، ليكون أبلغ لأن " مجموع " أبلغ من " يجمع ". { وذلك يوم مشهود } أي: تشهده أهل السماوات وأهل الأرض لفصل القضاء، ويحضره الأولون والآخرون، لاقتضاء الثواب والعقاب. فاليوم مشهود فيه، فحذف الظرف اتساعا.. { وما نؤخره إلا لأجل معدود } أي: إلا لانتهاء مدة معدودة في علم الله، لا يتقدم ولا يتأخر عنها، قد اختص الله تعالى به. والله تعالى أعلم. الإشارة: التفكر والاعتبار من أفضل عبادة الأبرار لأنه يزهد في الدنيا الفانية، ويشوق إلى دار الباقية، ويرقق القلب، ويستدعي مخافة الرب، فلينظر الإنسان بعين الاعتبار في الأمم الخالية، والقرون الماضية، والأماكن الدارسة كيف رحل أهلها عن الدنيا أحوج ما كانوا إليها، وتركوها أحب ما كانت إليهم؟ وفي بعض الخطب الوعظية: أين الفراعين المتكبرة، وأين جنودها المعسكرات؟ أين الأكاسير المنكسرة؟ وأين كنوزها المقنطرات؟ أين ملكوك قيصر والروم؟ وأين قصورها المشيدات؟ أين ملوك عدن؟ أهل الملابس والحيجان؟ وأين ملوك اليمن، أهل العمائم والتيجان؟ قد دارت عليهم والله الأقدار الدائرات، وجرت عليهم برياحها العاصفات، وأسكنتهم تحت أطباق الرجام المنكرات، وصيرت أجسامهم طعمة للديدان والحشرات، وأيمت منهم الزوجات، وأيتمت منهم البنين والبنات. أفضوا إلى ما قدموا، وانقادوا قهرا إلى القضاء وسلموا. فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم من العمل الصالح رجعوا. وبالله التوفيق. ثم ذكر شأن ذلك اليوم المشهود، فقال: { يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه }.

هود 11:103

قلت: ذلك: مبتدأ. ومن أنباء: خبر، ونقصه: خبر ثان. وجملة: منها قائم وحصيد: استئنافية لا حالية لعدم الرابط. يقول الحق جل جلاله: { ذلك } النبأ الذي أخبرناك به في هذه السورة، هو { من أنباء القرى } الماضية المهلكة، { نقصه عليك } ، ونخبرك به تهديدا لأمتك وتسلية لك. { منها } ما هو { قائم } البناء باقي الأثر، { و } منها { حصيد } أي: محصود عافي الأثر، كالزرع المحصود. أو: منها ما هو ساكن بقوم آخرين، قائم العمارة بغير من هلك، ومنها ما هو دارس عفى أثره، واندرست أطلاله. قال تعالى: { وما ظلمناهم } بإهلاكنا إياهم، { ولكن ظلموا أنفسهم } بأن عرضوها له بارتكابهم ما يوجب هلاكهم، فعبدوا معي غيري، { فما أغنت عنهم }: ما نفعتهم، ولا قدرت أن تدفع عنهم العذاب، { آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء } من ذلك العذاب، { لما جاء أمر ربك } حين جاءهم عذابه { وكذلك أخذ ربك } أي: مثل ذلك الأخذ الوبيل أخذ ربك { إذا أخذ القرى وهي ظالمة } فلا يمهلها، وقد يمهلها ثم يأخذها. فكل ظالم معرض لذلك. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته " ثم قرأ: { وكذلك أخذ ربك... } الآية. فالآية تعم قرى المؤمنين حيث عبر بظالمة دون كافرة. قاله ابن عطية. { إن أخذه أليم شديد } وجيع عظيم، غير مرجو الخلاص منه، وهو مبالغة في التهديد والتحذير. { إن في ذلك } الذي نسرده عليك من قصص الأمم الدارسة، { لآية } لعبرة { لمن خاف عذاب الآخرة } فيعتبر به ويتعظ لعلمه بأن ما خاق بهم أنموذج مما أعد الله للمجرمين في الآخرة. وأما من أنكر الآخرة فلا ينفعه هذا الوعظ والتذكير لفساد قلبه، وموت روحه. { ذلك } أي: يوم القيامة الذي وقع التخويف به، { يوم مجموع له الناس }: محشورون إليه أينما كانوا. وعبر باسم المفعول دون الفعل للدلالة على الثبوت والاستقرار، ليكون أبلغ لأن " مجموع " أبلغ من " يجمع ". { وذلك يوم مشهود } أي: تشهده أهل السماوات وأهل الأرض لفصل القضاء، ويحضره الأولون والآخرون، لاقتضاء الثواب والعقاب. فاليوم مشهود فيه، فحذف الظرف اتساعا.. { وما نؤخره إلا لأجل معدود } أي: إلا لانتهاء مدة معدودة في علم الله، لا يتقدم ولا يتأخر عنها، قد اختص الله تعالى به. والله تعالى أعلم. الإشارة: التفكر والاعتبار من أفضل عبادة الأبرار لأنه يزهد في الدنيا الفانية، ويشوق إلى دار الباقية، ويرقق القلب، ويستدعي مخافة الرب، فلينظر الإنسان بعين الاعتبار في الأمم الخالية، والقرون الماضية، والأماكن الدارسة كيف رحل أهلها عن الدنيا أحوج ما كانوا إليها، وتركوها أحب ما كانت إليهم؟ وفي بعض الخطب الوعظية: أين الفراعين المتكبرة، وأين جنودها المعسكرات؟ أين الأكاسير المنكسرة؟ وأين كنوزها المقنطرات؟ أين ملكوك قيصر والروم؟ وأين قصورها المشيدات؟ أين ملوك عدن؟ أهل الملابس والحيجان؟ وأين ملوك اليمن، أهل العمائم والتيجان؟ قد دارت عليهم والله الأقدار الدائرات، وجرت عليهم برياحها العاصفات، وأسكنتهم تحت أطباق الرجام المنكرات، وصيرت أجسامهم طعمة للديدان والحشرات، وأيمت منهم الزوجات، وأيتمت منهم البنين والبنات. أفضوا إلى ما قدموا، وانقادوا قهرا إلى القضاء وسلموا. فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم من العمل الصالح رجعوا. وبالله التوفيق. ثم ذكر شأن ذلك اليوم المشهود، فقال: { يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه }.

هود 11:104

قلت: ذلك: مبتدأ. ومن أنباء: خبر، ونقصه: خبر ثان. وجملة: منها قائم وحصيد: استئنافية لا حالية لعدم الرابط. يقول الحق جل جلاله: { ذلك } النبأ الذي أخبرناك به في هذه السورة، هو { من أنباء القرى } الماضية المهلكة، { نقصه عليك } ، ونخبرك به تهديدا لأمتك وتسلية لك. { منها } ما هو { قائم } البناء باقي الأثر، { و } منها { حصيد } أي: محصود عافي الأثر، كالزرع المحصود. أو: منها ما هو ساكن بقوم آخرين، قائم العمارة بغير من هلك، ومنها ما هو دارس عفى أثره، واندرست أطلاله. قال تعالى: { وما ظلمناهم } بإهلاكنا إياهم، { ولكن ظلموا أنفسهم } بأن عرضوها له بارتكابهم ما يوجب هلاكهم، فعبدوا معي غيري، { فما أغنت عنهم }: ما نفعتهم، ولا قدرت أن تدفع عنهم العذاب، { آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء } من ذلك العذاب، { لما جاء أمر ربك } حين جاءهم عذابه { وكذلك أخذ ربك } أي: مثل ذلك الأخذ الوبيل أخذ ربك { إذا أخذ القرى وهي ظالمة } فلا يمهلها، وقد يمهلها ثم يأخذها. فكل ظالم معرض لذلك. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته " ثم قرأ: { وكذلك أخذ ربك... } الآية. فالآية تعم قرى المؤمنين حيث عبر بظالمة دون كافرة. قاله ابن عطية. { إن أخذه أليم شديد } وجيع عظيم، غير مرجو الخلاص منه، وهو مبالغة في التهديد والتحذير. { إن في ذلك } الذي نسرده عليك من قصص الأمم الدارسة، { لآية } لعبرة { لمن خاف عذاب الآخرة } فيعتبر به ويتعظ لعلمه بأن ما خاق بهم أنموذج مما أعد الله للمجرمين في الآخرة. وأما من أنكر الآخرة فلا ينفعه هذا الوعظ والتذكير لفساد قلبه، وموت روحه. { ذلك } أي: يوم القيامة الذي وقع التخويف به، { يوم مجموع له الناس }: محشورون إليه أينما كانوا. وعبر باسم المفعول دون الفعل للدلالة على الثبوت والاستقرار، ليكون أبلغ لأن " مجموع " أبلغ من " يجمع ". { وذلك يوم مشهود } أي: تشهده أهل السماوات وأهل الأرض لفصل القضاء، ويحضره الأولون والآخرون، لاقتضاء الثواب والعقاب. فاليوم مشهود فيه، فحذف الظرف اتساعا.. { وما نؤخره إلا لأجل معدود } أي: إلا لانتهاء مدة معدودة في علم الله، لا يتقدم ولا يتأخر عنها، قد اختص الله تعالى به. والله تعالى أعلم. الإشارة: التفكر والاعتبار من أفضل عبادة الأبرار لأنه يزهد في الدنيا الفانية، ويشوق إلى دار الباقية، ويرقق القلب، ويستدعي مخافة الرب، فلينظر الإنسان بعين الاعتبار في الأمم الخالية، والقرون الماضية، والأماكن الدارسة كيف رحل أهلها عن الدنيا أحوج ما كانوا إليها، وتركوها أحب ما كانت إليهم؟ وفي بعض الخطب الوعظية: أين الفراعين المتكبرة، وأين جنودها المعسكرات؟ أين الأكاسير المنكسرة؟ وأين كنوزها المقنطرات؟ أين ملكوك قيصر والروم؟ وأين قصورها المشيدات؟ أين ملوك عدن؟ أهل الملابس والحيجان؟ وأين ملوك اليمن، أهل العمائم والتيجان؟ قد دارت عليهم والله الأقدار الدائرات، وجرت عليهم برياحها العاصفات، وأسكنتهم تحت أطباق الرجام المنكرات، وصيرت أجسامهم طعمة للديدان والحشرات، وأيمت منهم الزوجات، وأيتمت منهم البنين والبنات. أفضوا إلى ما قدموا، وانقادوا قهرا إلى القضاء وسلموا. فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم من العمل الصالح رجعوا. وبالله التوفيق. ثم ذكر شأن ذلك اليوم المشهود، فقال: { يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه }.

هود 11:105

قلت: يوم يأتي: العامل في الظرف: " لا تكلم " ، أو: اذكر، مضمر. والضمير في " يأتي ": يعود على اليوم. وقال الزمخشري: يعود على " الله " لعود الضمير عليه في قوله: إلا بإذنه، وضمير " منهم " على أهل الموقف المفهوم من قوله: لا تكلم نفس. يقول الحق جل جلاله: { يوم يأتي } ذلك اليوم المشهود، وهو: يوم الجزاء { لا تكلم } لا تتكلم { نفس } بما ينفع وينجي في جواب أو شفاعة { إلا بإذنه } تعالى، وهذا كقوله: لا يتكلمون إلا من أذن له الرحم [النبأ: 38]، وهذا في موقف، وقوله هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون [المرسلات: 35 38]، في موقف آخر. والمأذون فيه هي الجوابات الحقية، أو الشفاعات المرضية، والممنوع منه هي الأعذار الباطلة. ثم قسم أهل الموقف، فقال: { فمنهم شقي } وجبت له النار بمقتضى الوعيد لكفره وعصيانه. { و } منهم { سعيد } وجبت له الجنة بمقتضى الوعد لإيمانه وطاعته. { فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق } ، الزفير: إخراج النفس، والشهيق: رده. ويستعملان في أول النهيق وآخره. أو الزفير: صوت المحزون، والشهيق: صوت الباكي. أو الزفير من الحلق، والشهيق من الصدر. والمراد بهما: الدلالة على شدة الكرب والغم، وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه، وانحصرت فيه روحه، أو تشبيه حالهم بأصوات الحمير. قاله البيضاوي. { خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض } أي سماوات النار وأرضها. وهي دائمة أبدا، ويدل عليه قوله تعالى: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات [إبراهيم: 48]، أو يكون عبارة عن التأبيد: كقوله العرب: ما لاح كوكب وما ناح الحمام، وشبه ذلك بما يقصد به الدوام، وهذا أصح. وقوله: { إلا ما شاء ربك } ، للناس هنا كلام واختلاف. وأحسن ما قيل فيه ما ذكره البقاعي، قال: والذي ظهر لي والله أعلم أنه لما تكرر الجزم بالخلود في الدارين، وأن الشرك لا يغفر، والإيمان موجب للجنة، فكان ربما يظن أنه لا يمكن غير ذلك، كما ظنه المعتزلة، لا سيما إذا تأمل القطع في مثل قوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به [النساء: 48]، مع تقييد غيره بالمشيئة في قوله: { ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } جاء هذا الاستثناء معلما أن الأمر فيه إلى الله كغيره من الأمور، له أن يفعل في كلها ما يشاء، وإن جزم القوم فيه، لكنه لا يقع غير ما أخبره به، وهذا كما تقول: اسكن هذه الدار عمرك ألا ما شاء زيد، وقد لا يشاء زيد شيئا. فكما أن التعليق بدوام السماوات والأرض غير مراد الظاهر، كذلك الاستثناء فلا يشاء الله قطع الخلود لأحد من الفريقين، وسوقه هكذا أدل على القدرة وأعظم في تقليد المنة. ه. وقال الجلال السيوطي، في " البدور السافرة في أمور الآخرة ": اعلم أن للعلماء في هذا الاستثناء أقوالا، أشبهها بالصواب: أنه ليس باستثناء، وإنما " إلا ". بمعنى " سوى " كما تقول: لي عليك ألف درهم إلا ألفان، التي لي عليك، أي: سوى الألفين، والمعنى: خالدين فيها قدر مدة السماوات والأرض في الدنيا سوى ما شاء ربك من الزيادة عليها، فلا منتهى له. وذلك عبارة عن الخلود. والنكتة في تقديم ذكر مدة السماوات والأرض: التقريب إلى الأذهان بذكر المعهود أولا. ثم أردفه بما لا إحاطة للدهر به، والجري على عادة العرب في قولهم في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده: لا آتيك ما دامت السماوات والأرض. ه. ومثله لابن عطية. قال: ويؤيده هذا التأويل قوله بعد: { عطاء غير مجذوذ } أي: غير مقطوع، وهذا قول الفراء، فإنه يقدر الاستثناء المنقطع بسوى، وسيبويه بلكن. ه. وقال الورتجبي: قال ابن عطاء: { إلا ما شاء ربك } من الزوائد لأهل الجنة من الثواب. ومن الزوائد لأهل النار من العقاب. ه. { إن ربك فعال لما يريد } من غير حجر ولا اعتراض. { وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك } كما تقدم. { عطاء غير مجذوذ }: غير مقطوع، وهو تصريح بأن الثواب غير مقطوع، وتنبيه على أن المراد من الاستثناء تعليم الأدب فقط. والله تعالى أعلم. الإشارة: السعادة على قسمين: سعادة الظاهر، وسعادة الباطن. والشقاو ة كذلك. أما سعادة الظاهر ففي الدنيا بالراحة من التعب، وفي الآخرة بالنجاة من العذاب. وأما سعادة الباطن ففي الدنيا براحة القلب من كد الهموم والأحزان، واليقين والاطمئنان، في حضرة الشهود والعيان، وفي الآخرة بدوام النظر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وشقاوة الظاهر باتصال الكد والتعب. وشقاوة الباطن بالبعد عن الله، وافتراقه عن حضرة مولاه. قال في نوادر الأصول: الشقاوة: فراق العبد من الله، والسعادة اندساسه إليه. ه. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه في حزبه الكبير: والسعيد من أغنيته عن السؤال منك، والشقي حقا من حرمته مع كثرة السؤال لك. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي في حاشيته عليه: ومدار السعادة: الجمع على الله والغيبة عمن سواه، فيفنى العبد عن وجوده، ويبقى بربه، فيشغله استغراقه في شهوده عن الشعور بغيريته، وينمحي عنه أمل شيء يرجى، أو خوف شيء يتقى، فليس له عن سوى الحق إخبار، ولا مع غيره قرار. وعندما حل بهذه الحضرة، وظفر بقرة عينه، وحياة روحه، وسر حياته، لا يتصور منه سول، ولا فوات مأمول، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك " ، " اشتاقت الجنة إلى علي وعمار وسلمان وصهيب وبلال " كما في الأثر. نعم، إن رد إليه تصور منه الدعاء على وجه العبودية، وأداء الأمر وإظهار الفاقة، لا على وجه الاقتضاء والسببية. " جل حكم الأزل أن ينضاف إلى الأسباب والعلل ". ثم قال: وعلى ما تقرر في السعادة، فالشقاوة: احتجاب العبد بوجوده عن شهوده، فلا ينفك عن أمل، ولا عن خوف عطب. فيستحثه الطبع للسؤال جلبا أو دفعا. وهو في ذلك في شقاء، سواء أعطى أو منع لفقده قرة عينه وراحة قلبه، لأسره في طبعه، ومكابدة أمره وهلعه. كما قال تعالى: إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين [المعارج: 19 22]، فلم يستثن من كد الطبع ومكابدته غير أهل الصلاة الدائمة، وهم أهل الوجهة لله، المواجهين بعناية الله، المتحققين بذكر الله. وقد ورد: " هم القوم لا يشقى جليسهم " فضلا عنهم. وعلى الجملة: فالمراد بالسعادة والشقاوة في كلامه أي الشاذلي الباطنة لا الظاهرة، والقلبية لا القالبية. وإن كان قد تطلق على ذلك أيضا، لكن لكل مقام مقال. وقد قال تعالى: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى [طه: 123]. قال في نوادر الأصول: تابع القرآن قد أجير من شقاء العيش في الدنيا لراحة قلبه من غموم الدنيا وظلماتها، وسيره في الأمور بقلبه في راحة لأنه منشرح الصدر واسعه، وبدنه في راحة لأنه ميسر عليه أمور الدنيا، تهيأ له في يسر لضمان الله، واكتنافه له. وكذا يجار في الآخرة من شقاء العيش في سجون النيران. أعاذنا الله من ذلك. ه. ثم حذر من الشرك، الذي هو سبب الخلود في النار، فقال: { فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء }.

هود 11:106

قلت: يوم يأتي: العامل في الظرف: " لا تكلم " ، أو: اذكر، مضمر. والضمير في " يأتي ": يعود على اليوم. وقال الزمخشري: يعود على " الله " لعود الضمير عليه في قوله: إلا بإذنه، وضمير " منهم " على أهل الموقف المفهوم من قوله: لا تكلم نفس. يقول الحق جل جلاله: { يوم يأتي } ذلك اليوم المشهود، وهو: يوم الجزاء { لا تكلم } لا تتكلم { نفس } بما ينفع وينجي في جواب أو شفاعة { إلا بإذنه } تعالى، وهذا كقوله: لا يتكلمون إلا من أذن له الرحم [النبأ: 38]، وهذا في موقف، وقوله هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون [المرسلات: 35 38]، في موقف آخر. والمأذون فيه هي الجوابات الحقية، أو الشفاعات المرضية، والممنوع منه هي الأعذار الباطلة. ثم قسم أهل الموقف، فقال: { فمنهم شقي } وجبت له النار بمقتضى الوعيد لكفره وعصيانه. { و } منهم { سعيد } وجبت له الجنة بمقتضى الوعد لإيمانه وطاعته. { فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق } ، الزفير: إخراج النفس، والشهيق: رده. ويستعملان في أول النهيق وآخره. أو الزفير: صوت المحزون، والشهيق: صوت الباكي. أو الزفير من الحلق، والشهيق من الصدر. والمراد بهما: الدلالة على شدة الكرب والغم، وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه، وانحصرت فيه روحه، أو تشبيه حالهم بأصوات الحمير. قاله البيضاوي. { خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض } أي سماوات النار وأرضها. وهي دائمة أبدا، ويدل عليه قوله تعالى: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات [إبراهيم: 48]، أو يكون عبارة عن التأبيد: كقوله العرب: ما لاح كوكب وما ناح الحمام، وشبه ذلك بما يقصد به الدوام، وهذا أصح. وقوله: { إلا ما شاء ربك } ، للناس هنا كلام واختلاف. وأحسن ما قيل فيه ما ذكره البقاعي، قال: والذي ظهر لي والله أعلم أنه لما تكرر الجزم بالخلود في الدارين، وأن الشرك لا يغفر، والإيمان موجب للجنة، فكان ربما يظن أنه لا يمكن غير ذلك، كما ظنه المعتزلة، لا سيما إذا تأمل القطع في مثل قوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به [النساء: 48]، مع تقييد غيره بالمشيئة في قوله: { ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } جاء هذا الاستثناء معلما أن الأمر فيه إلى الله كغيره من الأمور، له أن يفعل في كلها ما يشاء، وإن جزم القوم فيه، لكنه لا يقع غير ما أخبره به، وهذا كما تقول: اسكن هذه الدار عمرك ألا ما شاء زيد، وقد لا يشاء زيد شيئا. فكما أن التعليق بدوام السماوات والأرض غير مراد الظاهر، كذلك الاستثناء فلا يشاء الله قطع الخلود لأحد من الفريقين، وسوقه هكذا أدل على القدرة وأعظم في تقليد المنة. ه. وقال الجلال السيوطي، في " البدور السافرة في أمور الآخرة ": اعلم أن للعلماء في هذا الاستثناء أقوالا، أشبهها بالصواب: أنه ليس باستثناء، وإنما " إلا ". بمعنى " سوى " كما تقول: لي عليك ألف درهم إلا ألفان، التي لي عليك، أي: سوى الألفين، والمعنى: خالدين فيها قدر مدة السماوات والأرض في الدنيا سوى ما شاء ربك من الزيادة عليها، فلا منتهى له. وذلك عبارة عن الخلود. والنكتة في تقديم ذكر مدة السماوات والأرض: التقريب إلى الأذهان بذكر المعهود أولا. ثم أردفه بما لا إحاطة للدهر به، والجري على عادة العرب في قولهم في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده: لا آتيك ما دامت السماوات والأرض. ه. ومثله لابن عطية. قال: ويؤيده هذا التأويل قوله بعد: { عطاء غير مجذوذ } أي: غير مقطوع، وهذا قول الفراء، فإنه يقدر الاستثناء المنقطع بسوى، وسيبويه بلكن. ه. وقال الورتجبي: قال ابن عطاء: { إلا ما شاء ربك } من الزوائد لأهل الجنة من الثواب. ومن الزوائد لأهل النار من العقاب. ه. { إن ربك فعال لما يريد } من غير حجر ولا اعتراض. { وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك } كما تقدم. { عطاء غير مجذوذ }: غير مقطوع، وهو تصريح بأن الثواب غير مقطوع، وتنبيه على أن المراد من الاستثناء تعليم الأدب فقط. والله تعالى أعلم. الإشارة: السعادة على قسمين: سعادة الظاهر، وسعادة الباطن. والشقاو ة كذلك. أما سعادة الظاهر ففي الدنيا بالراحة من التعب، وفي الآخرة بالنجاة من العذاب. وأما سعادة الباطن ففي الدنيا براحة القلب من كد الهموم والأحزان، واليقين والاطمئنان، في حضرة الشهود والعيان، وفي الآخرة بدوام النظر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وشقاوة الظاهر باتصال الكد والتعب. وشقاوة الباطن بالبعد عن الله، وافتراقه عن حضرة مولاه. قال في نوادر الأصول: الشقاوة: فراق العبد من الله، والسعادة اندساسه إليه. ه. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه في حزبه الكبير: والسعيد من أغنيته عن السؤال منك، والشقي حقا من حرمته مع كثرة السؤال لك. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي في حاشيته عليه: ومدار السعادة: الجمع على الله والغيبة عمن سواه، فيفنى العبد عن وجوده، ويبقى بربه، فيشغله استغراقه في شهوده عن الشعور بغيريته، وينمحي عنه أمل شيء يرجى، أو خوف شيء يتقى، فليس له عن سوى الحق إخبار، ولا مع غيره قرار. وعندما حل بهذه الحضرة، وظفر بقرة عينه، وحياة روحه، وسر حياته، لا يتصور منه سول، ولا فوات مأمول، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك " ، " اشتاقت الجنة إلى علي وعمار وسلمان وصهيب وبلال " كما في الأثر. نعم، إن رد إليه تصور منه الدعاء على وجه العبودية، وأداء الأمر وإظهار الفاقة، لا على وجه الاقتضاء والسببية. " جل حكم الأزل أن ينضاف إلى الأسباب والعلل ". ثم قال: وعلى ما تقرر في السعادة، فالشقاوة: احتجاب العبد بوجوده عن شهوده، فلا ينفك عن أمل، ولا عن خوف عطب. فيستحثه الطبع للسؤال جلبا أو دفعا. وهو في ذلك في شقاء، سواء أعطى أو منع لفقده قرة عينه وراحة قلبه، لأسره في طبعه، ومكابدة أمره وهلعه. كما قال تعالى: إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين [المعارج: 19 22]، فلم يستثن من كد الطبع ومكابدته غير أهل الصلاة الدائمة، وهم أهل الوجهة لله، المواجهين بعناية الله، المتحققين بذكر الله. وقد ورد: " هم القوم لا يشقى جليسهم " فضلا عنهم. وعلى الجملة: فالمراد بالسعادة والشقاوة في كلامه أي الشاذلي الباطنة لا الظاهرة، والقلبية لا القالبية. وإن كان قد تطلق على ذلك أيضا، لكن لكل مقام مقال. وقد قال تعالى: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى [طه: 123]. قال في نوادر الأصول: تابع القرآن قد أجير من شقاء العيش في الدنيا لراحة قلبه من غموم الدنيا وظلماتها، وسيره في الأمور بقلبه في راحة لأنه منشرح الصدر واسعه، وبدنه في راحة لأنه ميسر عليه أمور الدنيا، تهيأ له في يسر لضمان الله، واكتنافه له. وكذا يجار في الآخرة من شقاء العيش في سجون النيران. أعاذنا الله من ذلك. ه. ثم حذر من الشرك، الذي هو سبب الخلود في النار، فقال: { فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء }.

هود 11:107

قلت: يوم يأتي: العامل في الظرف: " لا تكلم " ، أو: اذكر، مضمر. والضمير في " يأتي ": يعود على اليوم. وقال الزمخشري: يعود على " الله " لعود الضمير عليه في قوله: إلا بإذنه، وضمير " منهم " على أهل الموقف المفهوم من قوله: لا تكلم نفس. يقول الحق جل جلاله: { يوم يأتي } ذلك اليوم المشهود، وهو: يوم الجزاء { لا تكلم } لا تتكلم { نفس } بما ينفع وينجي في جواب أو شفاعة { إلا بإذنه } تعالى، وهذا كقوله: لا يتكلمون إلا من أذن له الرحم [النبأ: 38]، وهذا في موقف، وقوله هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون [المرسلات: 35 38]، في موقف آخر. والمأذون فيه هي الجوابات الحقية، أو الشفاعات المرضية، والممنوع منه هي الأعذار الباطلة. ثم قسم أهل الموقف، فقال: { فمنهم شقي } وجبت له النار بمقتضى الوعيد لكفره وعصيانه. { و } منهم { سعيد } وجبت له الجنة بمقتضى الوعد لإيمانه وطاعته. { فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق } ، الزفير: إخراج النفس، والشهيق: رده. ويستعملان في أول النهيق وآخره. أو الزفير: صوت المحزون، والشهيق: صوت الباكي. أو الزفير من الحلق، والشهيق من الصدر. والمراد بهما: الدلالة على شدة الكرب والغم، وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه، وانحصرت فيه روحه، أو تشبيه حالهم بأصوات الحمير. قاله البيضاوي. { خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض } أي سماوات النار وأرضها. وهي دائمة أبدا، ويدل عليه قوله تعالى: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات [إبراهيم: 48]، أو يكون عبارة عن التأبيد: كقوله العرب: ما لاح كوكب وما ناح الحمام، وشبه ذلك بما يقصد به الدوام، وهذا أصح. وقوله: { إلا ما شاء ربك } ، للناس هنا كلام واختلاف. وأحسن ما قيل فيه ما ذكره البقاعي، قال: والذي ظهر لي والله أعلم أنه لما تكرر الجزم بالخلود في الدارين، وأن الشرك لا يغفر، والإيمان موجب للجنة، فكان ربما يظن أنه لا يمكن غير ذلك، كما ظنه المعتزلة، لا سيما إذا تأمل القطع في مثل قوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به [النساء: 48]، مع تقييد غيره بالمشيئة في قوله: { ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } جاء هذا الاستثناء معلما أن الأمر فيه إلى الله كغيره من الأمور، له أن يفعل في كلها ما يشاء، وإن جزم القوم فيه، لكنه لا يقع غير ما أخبره به، وهذا كما تقول: اسكن هذه الدار عمرك ألا ما شاء زيد، وقد لا يشاء زيد شيئا. فكما أن التعليق بدوام السماوات والأرض غير مراد الظاهر، كذلك الاستثناء فلا يشاء الله قطع الخلود لأحد من الفريقين، وسوقه هكذا أدل على القدرة وأعظم في تقليد المنة. ه. وقال الجلال السيوطي، في " البدور السافرة في أمور الآخرة ": اعلم أن للعلماء في هذا الاستثناء أقوالا، أشبهها بالصواب: أنه ليس باستثناء، وإنما " إلا ". بمعنى " سوى " كما تقول: لي عليك ألف درهم إلا ألفان، التي لي عليك، أي: سوى الألفين، والمعنى: خالدين فيها قدر مدة السماوات والأرض في الدنيا سوى ما شاء ربك من الزيادة عليها، فلا منتهى له. وذلك عبارة عن الخلود. والنكتة في تقديم ذكر مدة السماوات والأرض: التقريب إلى الأذهان بذكر المعهود أولا. ثم أردفه بما لا إحاطة للدهر به، والجري على عادة العرب في قولهم في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده: لا آتيك ما دامت السماوات والأرض. ه. ومثله لابن عطية. قال: ويؤيده هذا التأويل قوله بعد: { عطاء غير مجذوذ } أي: غير مقطوع، وهذا قول الفراء، فإنه يقدر الاستثناء المنقطع بسوى، وسيبويه بلكن. ه. وقال الورتجبي: قال ابن عطاء: { إلا ما شاء ربك } من الزوائد لأهل الجنة من الثواب. ومن الزوائد لأهل النار من العقاب. ه. { إن ربك فعال لما يريد } من غير حجر ولا اعتراض. { وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك } كما تقدم. { عطاء غير مجذوذ }: غير مقطوع، وهو تصريح بأن الثواب غير مقطوع، وتنبيه على أن المراد من الاستثناء تعليم الأدب فقط. والله تعالى أعلم. الإشارة: السعادة على قسمين: سعادة الظاهر، وسعادة الباطن. والشقاو ة كذلك. أما سعادة الظاهر ففي الدنيا بالراحة من التعب، وفي الآخرة بالنجاة من العذاب. وأما سعادة الباطن ففي الدنيا براحة القلب من كد الهموم والأحزان، واليقين والاطمئنان، في حضرة الشهود والعيان، وفي الآخرة بدوام النظر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وشقاوة الظاهر باتصال الكد والتعب. وشقاوة الباطن بالبعد عن الله، وافتراقه عن حضرة مولاه. قال في نوادر الأصول: الشقاوة: فراق العبد من الله، والسعادة اندساسه إليه. ه. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه في حزبه الكبير: والسعيد من أغنيته عن السؤال منك، والشقي حقا من حرمته مع كثرة السؤال لك. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي في حاشيته عليه: ومدار السعادة: الجمع على الله والغيبة عمن سواه، فيفنى العبد عن وجوده، ويبقى بربه، فيشغله استغراقه في شهوده عن الشعور بغيريته، وينمحي عنه أمل شيء يرجى، أو خوف شيء يتقى، فليس له عن سوى الحق إخبار، ولا مع غيره قرار. وعندما حل بهذه الحضرة، وظفر بقرة عينه، وحياة روحه، وسر حياته، لا يتصور منه سول، ولا فوات مأمول، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك " ، " اشتاقت الجنة إلى علي وعمار وسلمان وصهيب وبلال " كما في الأثر. نعم، إن رد إليه تصور منه الدعاء على وجه العبودية، وأداء الأمر وإظهار الفاقة، لا على وجه الاقتضاء والسببية. " جل حكم الأزل أن ينضاف إلى الأسباب والعلل ". ثم قال: وعلى ما تقرر في السعادة، فالشقاوة: احتجاب العبد بوجوده عن شهوده، فلا ينفك عن أمل، ولا عن خوف عطب. فيستحثه الطبع للسؤال جلبا أو دفعا. وهو في ذلك في شقاء، سواء أعطى أو منع لفقده قرة عينه وراحة قلبه، لأسره في طبعه، ومكابدة أمره وهلعه. كما قال تعالى: إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين [المعارج: 19 22]، فلم يستثن من كد الطبع ومكابدته غير أهل الصلاة الدائمة، وهم أهل الوجهة لله، المواجهين بعناية الله، المتحققين بذكر الله. وقد ورد: " هم القوم لا يشقى جليسهم " فضلا عنهم. وعلى الجملة: فالمراد بالسعادة والشقاوة في كلامه أي الشاذلي الباطنة لا الظاهرة، والقلبية لا القالبية. وإن كان قد تطلق على ذلك أيضا، لكن لكل مقام مقال. وقد قال تعالى: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى [طه: 123]. قال في نوادر الأصول: تابع القرآن قد أجير من شقاء العيش في الدنيا لراحة قلبه من غموم الدنيا وظلماتها، وسيره في الأمور بقلبه في راحة لأنه منشرح الصدر واسعه، وبدنه في راحة لأنه ميسر عليه أمور الدنيا، تهيأ له في يسر لضمان الله، واكتنافه له. وكذا يجار في الآخرة من شقاء العيش في سجون النيران. أعاذنا الله من ذلك. ه. ثم حذر من الشرك، الذي هو سبب الخلود في النار، فقال: { فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء }.

هود 11:108

قلت: يوم يأتي: العامل في الظرف: " لا تكلم " ، أو: اذكر، مضمر. والضمير في " يأتي ": يعود على اليوم. وقال الزمخشري: يعود على " الله " لعود الضمير عليه في قوله: إلا بإذنه، وضمير " منهم " على أهل الموقف المفهوم من قوله: لا تكلم نفس. يقول الحق جل جلاله: { يوم يأتي } ذلك اليوم المشهود، وهو: يوم الجزاء { لا تكلم } لا تتكلم { نفس } بما ينفع وينجي في جواب أو شفاعة { إلا بإذنه } تعالى، وهذا كقوله: لا يتكلمون إلا من أذن له الرحم [النبأ: 38]، وهذا في موقف، وقوله هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون [المرسلات: 35 38]، في موقف آخر. والمأذون فيه هي الجوابات الحقية، أو الشفاعات المرضية، والممنوع منه هي الأعذار الباطلة. ثم قسم أهل الموقف، فقال: { فمنهم شقي } وجبت له النار بمقتضى الوعيد لكفره وعصيانه. { و } منهم { سعيد } وجبت له الجنة بمقتضى الوعد لإيمانه وطاعته. { فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق } ، الزفير: إخراج النفس، والشهيق: رده. ويستعملان في أول النهيق وآخره. أو الزفير: صوت المحزون، والشهيق: صوت الباكي. أو الزفير من الحلق، والشهيق من الصدر. والمراد بهما: الدلالة على شدة الكرب والغم، وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه، وانحصرت فيه روحه، أو تشبيه حالهم بأصوات الحمير. قاله البيضاوي. { خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض } أي سماوات النار وأرضها. وهي دائمة أبدا، ويدل عليه قوله تعالى: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات [إبراهيم: 48]، أو يكون عبارة عن التأبيد: كقوله العرب: ما لاح كوكب وما ناح الحمام، وشبه ذلك بما يقصد به الدوام، وهذا أصح. وقوله: { إلا ما شاء ربك } ، للناس هنا كلام واختلاف. وأحسن ما قيل فيه ما ذكره البقاعي، قال: والذي ظهر لي والله أعلم أنه لما تكرر الجزم بالخلود في الدارين، وأن الشرك لا يغفر، والإيمان موجب للجنة، فكان ربما يظن أنه لا يمكن غير ذلك، كما ظنه المعتزلة، لا سيما إذا تأمل القطع في مثل قوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به [النساء: 48]، مع تقييد غيره بالمشيئة في قوله: { ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } جاء هذا الاستثناء معلما أن الأمر فيه إلى الله كغيره من الأمور، له أن يفعل في كلها ما يشاء، وإن جزم القوم فيه، لكنه لا يقع غير ما أخبره به، وهذا كما تقول: اسكن هذه الدار عمرك ألا ما شاء زيد، وقد لا يشاء زيد شيئا. فكما أن التعليق بدوام السماوات والأرض غير مراد الظاهر، كذلك الاستثناء فلا يشاء الله قطع الخلود لأحد من الفريقين، وسوقه هكذا أدل على القدرة وأعظم في تقليد المنة. ه. وقال الجلال السيوطي، في " البدور السافرة في أمور الآخرة ": اعلم أن للعلماء في هذا الاستثناء أقوالا، أشبهها بالصواب: أنه ليس باستثناء، وإنما " إلا ". بمعنى " سوى " كما تقول: لي عليك ألف درهم إلا ألفان، التي لي عليك، أي: سوى الألفين، والمعنى: خالدين فيها قدر مدة السماوات والأرض في الدنيا سوى ما شاء ربك من الزيادة عليها، فلا منتهى له. وذلك عبارة عن الخلود. والنكتة في تقديم ذكر مدة السماوات والأرض: التقريب إلى الأذهان بذكر المعهود أولا. ثم أردفه بما لا إحاطة للدهر به، والجري على عادة العرب في قولهم في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده: لا آتيك ما دامت السماوات والأرض. ه. ومثله لابن عطية. قال: ويؤيده هذا التأويل قوله بعد: { عطاء غير مجذوذ } أي: غير مقطوع، وهذا قول الفراء، فإنه يقدر الاستثناء المنقطع بسوى، وسيبويه بلكن. ه. وقال الورتجبي: قال ابن عطاء: { إلا ما شاء ربك } من الزوائد لأهل الجنة من الثواب. ومن الزوائد لأهل النار من العقاب. ه. { إن ربك فعال لما يريد } من غير حجر ولا اعتراض. { وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك } كما تقدم. { عطاء غير مجذوذ }: غير مقطوع، وهو تصريح بأن الثواب غير مقطوع، وتنبيه على أن المراد من الاستثناء تعليم الأدب فقط. والله تعالى أعلم. الإشارة: السعادة على قسمين: سعادة الظاهر، وسعادة الباطن. والشقاو ة كذلك. أما سعادة الظاهر ففي الدنيا بالراحة من التعب، وفي الآخرة بالنجاة من العذاب. وأما سعادة الباطن ففي الدنيا براحة القلب من كد الهموم والأحزان، واليقين والاطمئنان، في حضرة الشهود والعيان، وفي الآخرة بدوام النظر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وشقاوة الظاهر باتصال الكد والتعب. وشقاوة الباطن بالبعد عن الله، وافتراقه عن حضرة مولاه. قال في نوادر الأصول: الشقاوة: فراق العبد من الله، والسعادة اندساسه إليه. ه. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه في حزبه الكبير: والسعيد من أغنيته عن السؤال منك، والشقي حقا من حرمته مع كثرة السؤال لك. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي في حاشيته عليه: ومدار السعادة: الجمع على الله والغيبة عمن سواه، فيفنى العبد عن وجوده، ويبقى بربه، فيشغله استغراقه في شهوده عن الشعور بغيريته، وينمحي عنه أمل شيء يرجى، أو خوف شيء يتقى، فليس له عن سوى الحق إخبار، ولا مع غيره قرار. وعندما حل بهذه الحضرة، وظفر بقرة عينه، وحياة روحه، وسر حياته، لا يتصور منه سول، ولا فوات مأمول، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك " ، " اشتاقت الجنة إلى علي وعمار وسلمان وصهيب وبلال " كما في الأثر. نعم، إن رد إليه تصور منه الدعاء على وجه العبودية، وأداء الأمر وإظهار الفاقة، لا على وجه الاقتضاء والسببية. " جل حكم الأزل أن ينضاف إلى الأسباب والعلل ". ثم قال: وعلى ما تقرر في السعادة، فالشقاوة: احتجاب العبد بوجوده عن شهوده، فلا ينفك عن أمل، ولا عن خوف عطب. فيستحثه الطبع للسؤال جلبا أو دفعا. وهو في ذلك في شقاء، سواء أعطى أو منع لفقده قرة عينه وراحة قلبه، لأسره في طبعه، ومكابدة أمره وهلعه. كما قال تعالى: إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين [المعارج: 19 22]، فلم يستثن من كد الطبع ومكابدته غير أهل الصلاة الدائمة، وهم أهل الوجهة لله، المواجهين بعناية الله، المتحققين بذكر الله. وقد ورد: " هم القوم لا يشقى جليسهم " فضلا عنهم. وعلى الجملة: فالمراد بالسعادة والشقاوة في كلامه أي الشاذلي الباطنة لا الظاهرة، والقلبية لا القالبية. وإن كان قد تطلق على ذلك أيضا، لكن لكل مقام مقال. وقد قال تعالى: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى [طه: 123]. قال في نوادر الأصول: تابع القرآن قد أجير من شقاء العيش في الدنيا لراحة قلبه من غموم الدنيا وظلماتها، وسيره في الأمور بقلبه في راحة لأنه منشرح الصدر واسعه، وبدنه في راحة لأنه ميسر عليه أمور الدنيا، تهيأ له في يسر لضمان الله، واكتنافه له. وكذا يجار في الآخرة من شقاء العيش في سجون النيران. أعاذنا الله من ذلك. ه. ثم حذر من الشرك، الذي هو سبب الخلود في النار، فقال: { فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء }.

هود 11:109

يقول الحق جل جلاله: { فلا تك } يا محمد { في مرية }. في شك { مما يعبد هؤلاء } المشركون، أي: لا تشك في فساد ما هم فيه، بعد ما أنزل عليك من حال الناس، وتبيين ما لأهل السعادة الموحدين، مما لأهل الشقاء المشركين، { ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل } ، وهو تعليل للنهي، أي: ما يعبدون عبادة إلا كعبادة آبائهم. أو ما يعبدون شيئا إلا مثل ما عبد آباؤهم من الأوثان تقليدا من غير برهان، وقد بلغك ما لحق آبائهم من العذاب فسيلحقهم مثل ذلك لاتفاقهم في سبب الهلاك. { وإنا لموفوهم نصيبهم } حظهم من العذاب، كآبائهم، { غير منقوص } من نصيبهم شيء. فالتوفية لا تقتضي التمام، تقول: وفيته حقه، وتريد وفاء بعضه. والله تعالى أعلم. الإشارة: فلا تكن أيها العارف في مرية مما يعبد هؤلاء العوام، من جمع الدنيا، والتكاثر منها، وصرف الهمة إلى تحصيلها، واستعمال الفكر في أسباب جمعها، وانهماك النفس في حظوظها وشهواتها. ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل، ممن سلك هذا المسلك الذميم، وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص بانحطاط درجتهم عن درجة المقربين. قال بعض الحكماء: دار الدنيا كأحلام المنام، وسرورها كظل الغمام، وأحدثها كصوائب السهام، وشهواتها: كمشرب الشمام، وفتنتها كأمواج الطوام. ه. ولما ذكر رسالة موسى عليه السلام، وشأن فرعون ووبال من تبعه، ذكر نزول التوراة عليه، فقال: { ولقد آتينا موسى الكتاب }.

هود 11:110

قلت: { وإن كلا لما ليوفينهم }: إن: مخففة عاملة، والتنوين في كلا عوض عن المضاف. و " ما ": موصولة، واللام: لام الابتداء، و { ليوفينهم }: جواب لقسم محذوف، وجملة القسم وجوابه: صلة " ما " ، أي: وإن كل الفريقين للذين، والله ليوفينهم ربك أعمالهم. ومن قرأ: " لما " بالتشديد، فعلى أن إن نافية، و " لما " بمعنى إلا، وقيل: غير هذا. يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا موسى الكتاب }: التوراة، { فاختلف فيه } فآمن به قوم وكفر به قوم، كما اختلف هؤلاء في القرآن، { ولولا كلمة سبقت من ربك } وهي: كلمة الإنظار إلى يوم القيامة، { لقضي بينهم } بإنزال ما يستحقه المبطل من الهلاك، ونجاة المحق. { وإنهم } أي: قوم موسى، أو كفار قومك، { لفي شك منه } أي: التوراة، أو من القرآن، { مريب }: موقع في الريبة، { وإن كلا } من الفريقين المختلفين، المؤمنين والكافرين، للذين { ليوفينهم ربك } جزاء أعمالهم، ولا يهمل منه شيئا { إنه بما يعملون خبير } فلا يفوته شيء منه وإن خفي. الإشارة: الاختلاف على الأنبياء والأولياء سنة ماضية. ولولا أن الله سبحانه حكم في سابق علمه أنه لا يفضح الضمائر إلا يوم تبلى السرائر، لفضح أسرار البطالين. وأظهر منار الذاكرين من السائرين أو الواصلين. لكنه سبحانه أخر ذلك بحكمته وحلمه، إلى يوم الدين. والله تعالى أعلم. ثم بين أصل الأعمال وأفضلها، وهي الاستقامة، فقال: { فاستقم كمآ أمرت }.

هود 11:111

قلت: { وإن كلا لما ليوفينهم }: إن: مخففة عاملة، والتنوين في كلا عوض عن المضاف. و " ما ": موصولة، واللام: لام الابتداء، و { ليوفينهم }: جواب لقسم محذوف، وجملة القسم وجوابه: صلة " ما " ، أي: وإن كل الفريقين للذين، والله ليوفينهم ربك أعمالهم. ومن قرأ: " لما " بالتشديد، فعلى أن إن نافية، و " لما " بمعنى إلا، وقيل: غير هذا. يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا موسى الكتاب }: التوراة، { فاختلف فيه } فآمن به قوم وكفر به قوم، كما اختلف هؤلاء في القرآن، { ولولا كلمة سبقت من ربك } وهي: كلمة الإنظار إلى يوم القيامة، { لقضي بينهم } بإنزال ما يستحقه المبطل من الهلاك، ونجاة المحق. { وإنهم } أي: قوم موسى، أو كفار قومك، { لفي شك منه } أي: التوراة، أو من القرآن، { مريب }: موقع في الريبة، { وإن كلا } من الفريقين المختلفين، المؤمنين والكافرين، للذين { ليوفينهم ربك } جزاء أعمالهم، ولا يهمل منه شيئا { إنه بما يعملون خبير } فلا يفوته شيء منه وإن خفي. الإشارة: الاختلاف على الأنبياء والأولياء سنة ماضية. ولولا أن الله سبحانه حكم في سابق علمه أنه لا يفضح الضمائر إلا يوم تبلى السرائر، لفضح أسرار البطالين. وأظهر منار الذاكرين من السائرين أو الواصلين. لكنه سبحانه أخر ذلك بحكمته وحلمه، إلى يوم الدين. والله تعالى أعلم. ثم بين أصل الأعمال وأفضلها، وهي الاستقامة، فقال: { فاستقم كمآ أمرت }.

هود 11:112

قلت: ومن تاب: عطف على فاعل استقم للفصل، فتمسكم: جواب النهي. ويقال: ركن يركن: كعلم يعلم، وركن يركن: كدخل يدخل، وثم لا تنصرون: مستأنف لا معطوف، وطرفي: منصوب على الظرفية. وزلفا، كقربة، أزلفه: قربة. يقول الحق جل جلاله: { فاستقم } يا محمد { كما أمرت } ، { و } ليستقم { من تاب معك } من الكفر وآمن بك. وهي شاملة للاستقامة في العقائد، كالتوسط بين التشبيه والتعطيل، بحيث يبقى العقل مصونا من الطرفين، وفي الأعمال من تبليغ الوحي، وبيان الشرائع كما أنزل، والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط ولا إفراط. وهي في غاية العسر. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: " شيبتني هود " قاله البيضاوي. قال المحشي الفاسي: واللائق أن إشفاقه عليه الصلاة والسلام من أجل أمته لا من أجل نفسه لأجل نفسه لأجل عصمته، وإنما أشفق عليهم لتوعد اللعن لهم بقوله: لأقعدن لهم صراطك المستقيم [الأعراف: 16]. ه. قلت: ولا يبعد أن يكون أشفق عليه الصلاة والسلام من صعوبة استقامته التي تليق به، فبقدر ما يعلو المقام يطلب بزيادة الأدب، وبقدر ما يشتد القرب يتوجه العتاب. ولذلك كان الحق تعالى يعاتبه على ما لا يعاتب عليه غيره. وقد قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد تقدم كلام الإحياء في قوله: ألا بعدا لعاد [هود: 60]. ثم قال تعالى: { ولا تطغوا } ولا تخرجوا عما حد لكم، { إنه بما تعملون بصير } ، فيجازيكم على النقير والقطمير، وهو تهديد لمن لم يستقم، وتعليل للأمر والنهي. { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا }: لا تميلوا إليهم أدنى ميل فإن الركون: هو الميل اليسير، كالتزيي بزيهم، وتعظيم ذكرهم، وصحبتهم من غير تذكيرهم ووعظهم. { فتمسكم النار } لركونهم إليهم. قال الأوزاعي: ما من شيء أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور عاملا. ه. وقال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك. ه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من دعا لظالم بالبقاء أي بأن قال: بارك الله في عمرك فقد أحب أن يعصى الله في أرضه " وسئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية، هل يسقى شربة ماء؟ فقال: لا. فقيل له: يموت؟! فقال: دعه يموت. ه. وهذا إغراق ولعله في الكافر المحارب، والله أعلم. قال البيضاوي: وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلما موجبا للنار، فما ظنك بالركون إلى الظالمين الموسومين بالظلم، ثم الميل إليهم، ثم بالظلم نفسه، والانهماك فيه. ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه. وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بها للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط أو تفريط، ظلم على نفسه أو غيره، بل ظلم في نفسه. ه. { وما لكم من دون الله من أولياء } من أنصار يمنعون العذاب عنكم، { ثم لا تنصرون }: ثم لا ينصركم الله إن سبق في حكمه أنه يعذبكم. ولما كان الركون إلى الظلم، أو إلى من تلبس به فتنة، وهي تكفرها الصلاة، كما في الحديث، أمر بها أثره، فقال: { وأقم الصلاة طرفي النهار } غدوة وعشية، { وزلفا من الليل } ساعات منه قريبة من النهار. والمراد بالصلاة المأمور بها: الصلوات الخمس. فالطرف الأول: الصبح، والطرف الثاني: الظهر والعصر، والزلف من الليل: المغرب والعشاء، { إن الحسنات يذهبن السيئات } يكفر بها قال ابن عطية: لفظ الآية عام في الحسنات خاص في السيئات لقوله صلى الله عليه وسلم: " ما اجتنبت الكبائر " ثم قال: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الجمعة إلى الجمعة كفارة، والصلوات الخمس، ورمضان إلى رمضان كفاره لما بينهما ما اجتنبت الكبائر " انظر تمامه في الحاشية. قال ابن جزي: " روي أن رجلا قبل امراة، قلت: هو نبهان التمار، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وصلى معه الصلاة، فنزلت الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: " أين السائل؟ " فقال: ها أنا ذا، فقال: " قدغفر الله لك بصلاتك معنا ". فقال الرجل: ألي خاصة، أو للمسلمين عامة؟ فقال: " للمسلمين عامة " والآية على هذا مدنية. وقيل: إن الآية كانت قبل ذلك، وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم للرجل مستدلا بها. والآية على هذا مكية كسائر السورة، وإنما تذهب الحسنات عند الجمهور الصغائر إذا اجتنبت الكبائر. ه. قلت: وقيل: تكفر مطلقا اجتنبت الكبائر أم لا، وهو الظاهر،لأنه إذا حصل اجتناب الكبائر كفرت بلا سبب لقوله تعالى إن تجتنبوا كبآئر... [النساء: 31] الآية. وقوله عليه الصلاة والسلام: " ما اجتنبت الكبائر " معناه: أن الصلوات والجمعة مكفرة لما عدا الكبائر. والحاصل: أن من اجتنب الكبائر كفرت عنه الصغائر بلا سبب لنص الآية. ومن ارتكب الكبائر والصغائر وصلى، كفرت الصغائر دون الكبائر، وبهذا تتفق الآية مع الحديث. والله تعالى أعلم. قال ابن عطية في قوله تعالى: إن الله اشترى... [التوبة: 111] الآية: الشهادة ماحية لكل ذنب إلا لمظالم العباد. وقد روي: " أن الله يتحمل عن الشهيد مظالم العباد، ويجازيهم عنه ". ختم الله لنا بالحسنى. انتهى. { ذلك } أي: ما تقدم من وعظ ووعد ووعيد، وأمر الاستقامة، أو القرآن كله، { ذكرى للذاكرين }: عظة للمتقين. وخص الذاكرين، لمزيد انتفاعهم بالوعظ، لصقالة قلوبهم. وفي الخبر: " لكل شيء مصقلة، ومصقلة القلوب ذكر الله ". { واصبر } على مشاق الاستقامة، ودوامها { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } وهم: أهل الاستقامة ظاهرا وباطنا. الإشارة: الاستقامة على ثلاثة أقسام: استقامة الجوارح، واستقامة القلوب، واستقامة الأرواح والأسرار. أما استقامة الجوارح فتحصل بكمال التقوى، وتحقيق المتابعة للسنة المحمدية. وأما استقامة القلوب فتحصل بتطهيرها من سائر العيوب، كالكبر والعجب، والرياء، والسمعة، والحقد والحسد، وحب الجاه والمال، وما يتفرع عن ذلك من العداوة والبغضاء، وترك الثقة بمجيء الرزق، وخوف سقوط المنزلة، من قلوب الخلق، والشح والبخل، وطول الأمل، والأشر والبطر، والغل والمباهاة، والتصنع والمداهنة، والقسوة والفظاظة والغلظة، والغفلة، والجفاء، والطيش، والعجلة، والحمية، وضيق الصدر، وقلة الرحمة. إلى غير ذلك من أنواع الرذائل. فإذا تطهر القلب من هذه العيوب اتصف بأضدادها من الكمالات: كالتواضع لله، والخشوع بين يديه، والتعظيم لأمره، والحفظ لحدوده، والتذلل لربوبيته، والإخلاص في عبوديته، والرضى بقضائه، ورؤية المنة له في منعه وعطائه. ويتصف فيما بين خلقه بالرأفة والرحمة، واللين والرفق، وسعة الصدر والحلم، والاحتمال والصيانة، والنزاهة والأمانة، والثقة والتأني، والوقار، والسخاء والجود، والحياء، والبشاشة والنصيحة. إلى غير ذلك من الكمالات. وأما استقامة الأرواح والأسرار، فتحصل بعدم الوقوف مع شيء سوى الله تعالى، وعدم الالتفات إلى غيره حالا كان أو مقاما أو كرامة، أو غير ذلك: كما قال الششتري رضي الله عنه: فلا تلتفت في السير غيرا، وكل ما سوى الله غير، فاتخذ ذكره حصنا وكل مقام لا تقم فيه إنه حجاب، فجد السير واستنجد العونا ومهما ترى كل المراتب تجتلي عليك فحل عنها، فعن مثلها حلنا وقل: ليس لي في غير ذاتك مطلب فلا صورة تجلى ولا طرفة تجنا وقوله تعالى: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا }: هو نهي عن صحبة الغافلين والميل إليهم. قال بعض الصوفية: قلب لبعض الأبدال: كيف الطريق إلى التحقيق، والوصول إلى الحق؟ قال: لا تنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة، قلت: لا بد لي، قال: لا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة: قلت: لا بد لي، قال: لا تعاملهم لأن معاملتهم خسران وحسرة ووحشة، قلت: أنا بين أظهرهم لا بد لي من معاملتهم؟ قال: لا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة. قلت: هذا لعله يكون؟ قال: يا هذا، أتنظر إلى اللاعبين، وتسمع كلام الجاهلين، وتعامل البطالين، وتسكن إلى الهلكى، وتريد أن تجد حلاوة الطاعة، وقلبك مع غير الله عز وجل!! هيهات! هذا ما لا يكون أبدا. ه. ونقل الورتجبي عن جعفر الصادق: ولا تركنوا إلى نفوسكم فإنها ظلمة. ه. ثم ذكمر سبب هلاك الأمم الماضية، وهو فشو الظلم، وعدم تغيير المنكر، فقال: { فلولا كان من القرون من قبلكم }.

هود 11:113

قلت: ومن تاب: عطف على فاعل استقم للفصل، فتمسكم: جواب النهي. ويقال: ركن يركن: كعلم يعلم، وركن يركن: كدخل يدخل، وثم لا تنصرون: مستأنف لا معطوف، وطرفي: منصوب على الظرفية. وزلفا، كقربة، أزلفه: قربة. يقول الحق جل جلاله: { فاستقم } يا محمد { كما أمرت } ، { و } ليستقم { من تاب معك } من الكفر وآمن بك. وهي شاملة للاستقامة في العقائد، كالتوسط بين التشبيه والتعطيل، بحيث يبقى العقل مصونا من الطرفين، وفي الأعمال من تبليغ الوحي، وبيان الشرائع كما أنزل، والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط ولا إفراط. وهي في غاية العسر. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: " شيبتني هود " قاله البيضاوي. قال المحشي الفاسي: واللائق أن إشفاقه عليه الصلاة والسلام من أجل أمته لا من أجل نفسه لأجل نفسه لأجل عصمته، وإنما أشفق عليهم لتوعد اللعن لهم بقوله: لأقعدن لهم صراطك المستقيم [الأعراف: 16]. ه. قلت: ولا يبعد أن يكون أشفق عليه الصلاة والسلام من صعوبة استقامته التي تليق به، فبقدر ما يعلو المقام يطلب بزيادة الأدب، وبقدر ما يشتد القرب يتوجه العتاب. ولذلك كان الحق تعالى يعاتبه على ما لا يعاتب عليه غيره. وقد قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد تقدم كلام الإحياء في قوله: ألا بعدا لعاد [هود: 60]. ثم قال تعالى: { ولا تطغوا } ولا تخرجوا عما حد لكم، { إنه بما تعملون بصير } ، فيجازيكم على النقير والقطمير، وهو تهديد لمن لم يستقم، وتعليل للأمر والنهي. { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا }: لا تميلوا إليهم أدنى ميل فإن الركون: هو الميل اليسير، كالتزيي بزيهم، وتعظيم ذكرهم، وصحبتهم من غير تذكيرهم ووعظهم. { فتمسكم النار } لركونهم إليهم. قال الأوزاعي: ما من شيء أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور عاملا. ه. وقال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك. ه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من دعا لظالم بالبقاء أي بأن قال: بارك الله في عمرك فقد أحب أن يعصى الله في أرضه " وسئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية، هل يسقى شربة ماء؟ فقال: لا. فقيل له: يموت؟! فقال: دعه يموت. ه. وهذا إغراق ولعله في الكافر المحارب، والله أعلم. قال البيضاوي: وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلما موجبا للنار، فما ظنك بالركون إلى الظالمين الموسومين بالظلم، ثم الميل إليهم، ثم بالظلم نفسه، والانهماك فيه. ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه. وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بها للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط أو تفريط، ظلم على نفسه أو غيره، بل ظلم في نفسه. ه. { وما لكم من دون الله من أولياء } من أنصار يمنعون العذاب عنكم، { ثم لا تنصرون }: ثم لا ينصركم الله إن سبق في حكمه أنه يعذبكم. ولما كان الركون إلى الظلم، أو إلى من تلبس به فتنة، وهي تكفرها الصلاة، كما في الحديث، أمر بها أثره، فقال: { وأقم الصلاة طرفي النهار } غدوة وعشية، { وزلفا من الليل } ساعات منه قريبة من النهار. والمراد بالصلاة المأمور بها: الصلوات الخمس. فالطرف الأول: الصبح، والطرف الثاني: الظهر والعصر، والزلف من الليل: المغرب والعشاء، { إن الحسنات يذهبن السيئات } يكفر بها قال ابن عطية: لفظ الآية عام في الحسنات خاص في السيئات لقوله صلى الله عليه وسلم: " ما اجتنبت الكبائر " ثم قال: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الجمعة إلى الجمعة كفارة، والصلوات الخمس، ورمضان إلى رمضان كفاره لما بينهما ما اجتنبت الكبائر " انظر تمامه في الحاشية. قال ابن جزي: " روي أن رجلا قبل امراة، قلت: هو نبهان التمار، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وصلى معه الصلاة، فنزلت الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: " أين السائل؟ " فقال: ها أنا ذا، فقال: " قدغفر الله لك بصلاتك معنا ". فقال الرجل: ألي خاصة، أو للمسلمين عامة؟ فقال: " للمسلمين عامة " والآية على هذا مدنية. وقيل: إن الآية كانت قبل ذلك، وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم للرجل مستدلا بها. والآية على هذا مكية كسائر السورة، وإنما تذهب الحسنات عند الجمهور الصغائر إذا اجتنبت الكبائر. ه. قلت: وقيل: تكفر مطلقا اجتنبت الكبائر أم لا، وهو الظاهر،لأنه إذا حصل اجتناب الكبائر كفرت بلا سبب لقوله تعالى إن تجتنبوا كبآئر... [النساء: 31] الآية. وقوله عليه الصلاة والسلام: " ما اجتنبت الكبائر " معناه: أن الصلوات والجمعة مكفرة لما عدا الكبائر. والحاصل: أن من اجتنب الكبائر كفرت عنه الصغائر بلا سبب لنص الآية. ومن ارتكب الكبائر والصغائر وصلى، كفرت الصغائر دون الكبائر، وبهذا تتفق الآية مع الحديث. والله تعالى أعلم. قال ابن عطية في قوله تعالى: إن الله اشترى... [التوبة: 111] الآية: الشهادة ماحية لكل ذنب إلا لمظالم العباد. وقد روي: " أن الله يتحمل عن الشهيد مظالم العباد، ويجازيهم عنه ". ختم الله لنا بالحسنى. انتهى. { ذلك } أي: ما تقدم من وعظ ووعد ووعيد، وأمر الاستقامة، أو القرآن كله، { ذكرى للذاكرين }: عظة للمتقين. وخص الذاكرين، لمزيد انتفاعهم بالوعظ، لصقالة قلوبهم. وفي الخبر: " لكل شيء مصقلة، ومصقلة القلوب ذكر الله ". { واصبر } على مشاق الاستقامة، ودوامها { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } وهم: أهل الاستقامة ظاهرا وباطنا. الإشارة: الاستقامة على ثلاثة أقسام: استقامة الجوارح، واستقامة القلوب، واستقامة الأرواح والأسرار. أما استقامة الجوارح فتحصل بكمال التقوى، وتحقيق المتابعة للسنة المحمدية. وأما استقامة القلوب فتحصل بتطهيرها من سائر العيوب، كالكبر والعجب، والرياء، والسمعة، والحقد والحسد، وحب الجاه والمال، وما يتفرع عن ذلك من العداوة والبغضاء، وترك الثقة بمجيء الرزق، وخوف سقوط المنزلة، من قلوب الخلق، والشح والبخل، وطول الأمل، والأشر والبطر، والغل والمباهاة، والتصنع والمداهنة، والقسوة والفظاظة والغلظة، والغفلة، والجفاء، والطيش، والعجلة، والحمية، وضيق الصدر، وقلة الرحمة. إلى غير ذلك من أنواع الرذائل. فإذا تطهر القلب من هذه العيوب اتصف بأضدادها من الكمالات: كالتواضع لله، والخشوع بين يديه، والتعظيم لأمره، والحفظ لحدوده، والتذلل لربوبيته، والإخلاص في عبوديته، والرضى بقضائه، ورؤية المنة له في منعه وعطائه. ويتصف فيما بين خلقه بالرأفة والرحمة، واللين والرفق، وسعة الصدر والحلم، والاحتمال والصيانة، والنزاهة والأمانة، والثقة والتأني، والوقار، والسخاء والجود، والحياء، والبشاشة والنصيحة. إلى غير ذلك من الكمالات. وأما استقامة الأرواح والأسرار، فتحصل بعدم الوقوف مع شيء سوى الله تعالى، وعدم الالتفات إلى غيره حالا كان أو مقاما أو كرامة، أو غير ذلك: كما قال الششتري رضي الله عنه: فلا تلتفت في السير غيرا، وكل ما سوى الله غير، فاتخذ ذكره حصنا وكل مقام لا تقم فيه إنه حجاب، فجد السير واستنجد العونا ومهما ترى كل المراتب تجتلي عليك فحل عنها، فعن مثلها حلنا وقل: ليس لي في غير ذاتك مطلب فلا صورة تجلى ولا طرفة تجنا وقوله تعالى: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا }: هو نهي عن صحبة الغافلين والميل إليهم. قال بعض الصوفية: قلب لبعض الأبدال: كيف الطريق إلى التحقيق، والوصول إلى الحق؟ قال: لا تنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة، قلت: لا بد لي، قال: لا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة: قلت: لا بد لي، قال: لا تعاملهم لأن معاملتهم خسران وحسرة ووحشة، قلت: أنا بين أظهرهم لا بد لي من معاملتهم؟ قال: لا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة. قلت: هذا لعله يكون؟ قال: يا هذا، أتنظر إلى اللاعبين، وتسمع كلام الجاهلين، وتعامل البطالين، وتسكن إلى الهلكى، وتريد أن تجد حلاوة الطاعة، وقلبك مع غير الله عز وجل!! هيهات! هذا ما لا يكون أبدا. ه. ونقل الورتجبي عن جعفر الصادق: ولا تركنوا إلى نفوسكم فإنها ظلمة. ه. ثم ذكمر سبب هلاك الأمم الماضية، وهو فشو الظلم، وعدم تغيير المنكر، فقال: { فلولا كان من القرون من قبلكم }.

هود 11:114

قلت: ومن تاب: عطف على فاعل استقم للفصل، فتمسكم: جواب النهي. ويقال: ركن يركن: كعلم يعلم، وركن يركن: كدخل يدخل، وثم لا تنصرون: مستأنف لا معطوف، وطرفي: منصوب على الظرفية. وزلفا، كقربة، أزلفه: قربة. يقول الحق جل جلاله: { فاستقم } يا محمد { كما أمرت } ، { و } ليستقم { من تاب معك } من الكفر وآمن بك. وهي شاملة للاستقامة في العقائد، كالتوسط بين التشبيه والتعطيل، بحيث يبقى العقل مصونا من الطرفين، وفي الأعمال من تبليغ الوحي، وبيان الشرائع كما أنزل، والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط ولا إفراط. وهي في غاية العسر. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: " شيبتني هود " قاله البيضاوي. قال المحشي الفاسي: واللائق أن إشفاقه عليه الصلاة والسلام من أجل أمته لا من أجل نفسه لأجل نفسه لأجل عصمته، وإنما أشفق عليهم لتوعد اللعن لهم بقوله: لأقعدن لهم صراطك المستقيم [الأعراف: 16]. ه. قلت: ولا يبعد أن يكون أشفق عليه الصلاة والسلام من صعوبة استقامته التي تليق به، فبقدر ما يعلو المقام يطلب بزيادة الأدب، وبقدر ما يشتد القرب يتوجه العتاب. ولذلك كان الحق تعالى يعاتبه على ما لا يعاتب عليه غيره. وقد قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد تقدم كلام الإحياء في قوله: ألا بعدا لعاد [هود: 60]. ثم قال تعالى: { ولا تطغوا } ولا تخرجوا عما حد لكم، { إنه بما تعملون بصير } ، فيجازيكم على النقير والقطمير، وهو تهديد لمن لم يستقم، وتعليل للأمر والنهي. { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا }: لا تميلوا إليهم أدنى ميل فإن الركون: هو الميل اليسير، كالتزيي بزيهم، وتعظيم ذكرهم، وصحبتهم من غير تذكيرهم ووعظهم. { فتمسكم النار } لركونهم إليهم. قال الأوزاعي: ما من شيء أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور عاملا. ه. وقال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك. ه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من دعا لظالم بالبقاء أي بأن قال: بارك الله في عمرك فقد أحب أن يعصى الله في أرضه " وسئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية، هل يسقى شربة ماء؟ فقال: لا. فقيل له: يموت؟! فقال: دعه يموت. ه. وهذا إغراق ولعله في الكافر المحارب، والله أعلم. قال البيضاوي: وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلما موجبا للنار، فما ظنك بالركون إلى الظالمين الموسومين بالظلم، ثم الميل إليهم، ثم بالظلم نفسه، والانهماك فيه. ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه. وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بها للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط أو تفريط، ظلم على نفسه أو غيره، بل ظلم في نفسه. ه. { وما لكم من دون الله من أولياء } من أنصار يمنعون العذاب عنكم، { ثم لا تنصرون }: ثم لا ينصركم الله إن سبق في حكمه أنه يعذبكم. ولما كان الركون إلى الظلم، أو إلى من تلبس به فتنة، وهي تكفرها الصلاة، كما في الحديث، أمر بها أثره، فقال: { وأقم الصلاة طرفي النهار } غدوة وعشية، { وزلفا من الليل } ساعات منه قريبة من النهار. والمراد بالصلاة المأمور بها: الصلوات الخمس. فالطرف الأول: الصبح، والطرف الثاني: الظهر والعصر، والزلف من الليل: المغرب والعشاء، { إن الحسنات يذهبن السيئات } يكفر بها قال ابن عطية: لفظ الآية عام في الحسنات خاص في السيئات لقوله صلى الله عليه وسلم: " ما اجتنبت الكبائر " ثم قال: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الجمعة إلى الجمعة كفارة، والصلوات الخمس، ورمضان إلى رمضان كفاره لما بينهما ما اجتنبت الكبائر " انظر تمامه في الحاشية. قال ابن جزي: " روي أن رجلا قبل امراة، قلت: هو نبهان التمار، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وصلى معه الصلاة، فنزلت الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: " أين السائل؟ " فقال: ها أنا ذا، فقال: " قدغفر الله لك بصلاتك معنا ". فقال الرجل: ألي خاصة، أو للمسلمين عامة؟ فقال: " للمسلمين عامة " والآية على هذا مدنية. وقيل: إن الآية كانت قبل ذلك، وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم للرجل مستدلا بها. والآية على هذا مكية كسائر السورة، وإنما تذهب الحسنات عند الجمهور الصغائر إذا اجتنبت الكبائر. ه. قلت: وقيل: تكفر مطلقا اجتنبت الكبائر أم لا، وهو الظاهر،لأنه إذا حصل اجتناب الكبائر كفرت بلا سبب لقوله تعالى إن تجتنبوا كبآئر... [النساء: 31] الآية. وقوله عليه الصلاة والسلام: " ما اجتنبت الكبائر " معناه: أن الصلوات والجمعة مكفرة لما عدا الكبائر. والحاصل: أن من اجتنب الكبائر كفرت عنه الصغائر بلا سبب لنص الآية. ومن ارتكب الكبائر والصغائر وصلى، كفرت الصغائر دون الكبائر، وبهذا تتفق الآية مع الحديث. والله تعالى أعلم. قال ابن عطية في قوله تعالى: إن الله اشترى... [التوبة: 111] الآية: الشهادة ماحية لكل ذنب إلا لمظالم العباد. وقد روي: " أن الله يتحمل عن الشهيد مظالم العباد، ويجازيهم عنه ". ختم الله لنا بالحسنى. انتهى. { ذلك } أي: ما تقدم من وعظ ووعد ووعيد، وأمر الاستقامة، أو القرآن كله، { ذكرى للذاكرين }: عظة للمتقين. وخص الذاكرين، لمزيد انتفاعهم بالوعظ، لصقالة قلوبهم. وفي الخبر: " لكل شيء مصقلة، ومصقلة القلوب ذكر الله ". { واصبر } على مشاق الاستقامة، ودوامها { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } وهم: أهل الاستقامة ظاهرا وباطنا. الإشارة: الاستقامة على ثلاثة أقسام: استقامة الجوارح، واستقامة القلوب، واستقامة الأرواح والأسرار. أما استقامة الجوارح فتحصل بكمال التقوى، وتحقيق المتابعة للسنة المحمدية. وأما استقامة القلوب فتحصل بتطهيرها من سائر العيوب، كالكبر والعجب، والرياء، والسمعة، والحقد والحسد، وحب الجاه والمال، وما يتفرع عن ذلك من العداوة والبغضاء، وترك الثقة بمجيء الرزق، وخوف سقوط المنزلة، من قلوب الخلق، والشح والبخل، وطول الأمل، والأشر والبطر، والغل والمباهاة، والتصنع والمداهنة، والقسوة والفظاظة والغلظة، والغفلة، والجفاء، والطيش، والعجلة، والحمية، وضيق الصدر، وقلة الرحمة. إلى غير ذلك من أنواع الرذائل. فإذا تطهر القلب من هذه العيوب اتصف بأضدادها من الكمالات: كالتواضع لله، والخشوع بين يديه، والتعظيم لأمره، والحفظ لحدوده، والتذلل لربوبيته، والإخلاص في عبوديته، والرضى بقضائه، ورؤية المنة له في منعه وعطائه. ويتصف فيما بين خلقه بالرأفة والرحمة، واللين والرفق، وسعة الصدر والحلم، والاحتمال والصيانة، والنزاهة والأمانة، والثقة والتأني، والوقار، والسخاء والجود، والحياء، والبشاشة والنصيحة. إلى غير ذلك من الكمالات. وأما استقامة الأرواح والأسرار، فتحصل بعدم الوقوف مع شيء سوى الله تعالى، وعدم الالتفات إلى غيره حالا كان أو مقاما أو كرامة، أو غير ذلك: كما قال الششتري رضي الله عنه: فلا تلتفت في السير غيرا، وكل ما سوى الله غير، فاتخذ ذكره حصنا وكل مقام لا تقم فيه إنه حجاب، فجد السير واستنجد العونا ومهما ترى كل المراتب تجتلي عليك فحل عنها، فعن مثلها حلنا وقل: ليس لي في غير ذاتك مطلب فلا صورة تجلى ولا طرفة تجنا وقوله تعالى: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا }: هو نهي عن صحبة الغافلين والميل إليهم. قال بعض الصوفية: قلب لبعض الأبدال: كيف الطريق إلى التحقيق، والوصول إلى الحق؟ قال: لا تنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة، قلت: لا بد لي، قال: لا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة: قلت: لا بد لي، قال: لا تعاملهم لأن معاملتهم خسران وحسرة ووحشة، قلت: أنا بين أظهرهم لا بد لي من معاملتهم؟ قال: لا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة. قلت: هذا لعله يكون؟ قال: يا هذا، أتنظر إلى اللاعبين، وتسمع كلام الجاهلين، وتعامل البطالين، وتسكن إلى الهلكى، وتريد أن تجد حلاوة الطاعة، وقلبك مع غير الله عز وجل!! هيهات! هذا ما لا يكون أبدا. ه. ونقل الورتجبي عن جعفر الصادق: ولا تركنوا إلى نفوسكم فإنها ظلمة. ه. ثم ذكمر سبب هلاك الأمم الماضية، وهو فشو الظلم، وعدم تغيير المنكر، فقال: { فلولا كان من القرون من قبلكم }.

هود 11:115

قلت: ومن تاب: عطف على فاعل استقم للفصل، فتمسكم: جواب النهي. ويقال: ركن يركن: كعلم يعلم، وركن يركن: كدخل يدخل، وثم لا تنصرون: مستأنف لا معطوف، وطرفي: منصوب على الظرفية. وزلفا، كقربة، أزلفه: قربة. يقول الحق جل جلاله: { فاستقم } يا محمد { كما أمرت } ، { و } ليستقم { من تاب معك } من الكفر وآمن بك. وهي شاملة للاستقامة في العقائد، كالتوسط بين التشبيه والتعطيل، بحيث يبقى العقل مصونا من الطرفين، وفي الأعمال من تبليغ الوحي، وبيان الشرائع كما أنزل، والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط ولا إفراط. وهي في غاية العسر. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: " شيبتني هود " قاله البيضاوي. قال المحشي الفاسي: واللائق أن إشفاقه عليه الصلاة والسلام من أجل أمته لا من أجل نفسه لأجل نفسه لأجل عصمته، وإنما أشفق عليهم لتوعد اللعن لهم بقوله: لأقعدن لهم صراطك المستقيم [الأعراف: 16]. ه. قلت: ولا يبعد أن يكون أشفق عليه الصلاة والسلام من صعوبة استقامته التي تليق به، فبقدر ما يعلو المقام يطلب بزيادة الأدب، وبقدر ما يشتد القرب يتوجه العتاب. ولذلك كان الحق تعالى يعاتبه على ما لا يعاتب عليه غيره. وقد قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد تقدم كلام الإحياء في قوله: ألا بعدا لعاد [هود: 60]. ثم قال تعالى: { ولا تطغوا } ولا تخرجوا عما حد لكم، { إنه بما تعملون بصير } ، فيجازيكم على النقير والقطمير، وهو تهديد لمن لم يستقم، وتعليل للأمر والنهي. { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا }: لا تميلوا إليهم أدنى ميل فإن الركون: هو الميل اليسير، كالتزيي بزيهم، وتعظيم ذكرهم، وصحبتهم من غير تذكيرهم ووعظهم. { فتمسكم النار } لركونهم إليهم. قال الأوزاعي: ما من شيء أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور عاملا. ه. وقال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك. ه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من دعا لظالم بالبقاء أي بأن قال: بارك الله في عمرك فقد أحب أن يعصى الله في أرضه " وسئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية، هل يسقى شربة ماء؟ فقال: لا. فقيل له: يموت؟! فقال: دعه يموت. ه. وهذا إغراق ولعله في الكافر المحارب، والله أعلم. قال البيضاوي: وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلما موجبا للنار، فما ظنك بالركون إلى الظالمين الموسومين بالظلم، ثم الميل إليهم، ثم بالظلم نفسه، والانهماك فيه. ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه. وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بها للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط أو تفريط، ظلم على نفسه أو غيره، بل ظلم في نفسه. ه. { وما لكم من دون الله من أولياء } من أنصار يمنعون العذاب عنكم، { ثم لا تنصرون }: ثم لا ينصركم الله إن سبق في حكمه أنه يعذبكم. ولما كان الركون إلى الظلم، أو إلى من تلبس به فتنة، وهي تكفرها الصلاة، كما في الحديث، أمر بها أثره، فقال: { وأقم الصلاة طرفي النهار } غدوة وعشية، { وزلفا من الليل } ساعات منه قريبة من النهار. والمراد بالصلاة المأمور بها: الصلوات الخمس. فالطرف الأول: الصبح، والطرف الثاني: الظهر والعصر، والزلف من الليل: المغرب والعشاء، { إن الحسنات يذهبن السيئات } يكفر بها قال ابن عطية: لفظ الآية عام في الحسنات خاص في السيئات لقوله صلى الله عليه وسلم: " ما اجتنبت الكبائر " ثم قال: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الجمعة إلى الجمعة كفارة، والصلوات الخمس، ورمضان إلى رمضان كفاره لما بينهما ما اجتنبت الكبائر " انظر تمامه في الحاشية. قال ابن جزي: " روي أن رجلا قبل امراة، قلت: هو نبهان التمار، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وصلى معه الصلاة، فنزلت الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: " أين السائل؟ " فقال: ها أنا ذا، فقال: " قدغفر الله لك بصلاتك معنا ". فقال الرجل: ألي خاصة، أو للمسلمين عامة؟ فقال: " للمسلمين عامة " والآية على هذا مدنية. وقيل: إن الآية كانت قبل ذلك، وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم للرجل مستدلا بها. والآية على هذا مكية كسائر السورة، وإنما تذهب الحسنات عند الجمهور الصغائر إذا اجتنبت الكبائر. ه. قلت: وقيل: تكفر مطلقا اجتنبت الكبائر أم لا، وهو الظاهر،لأنه إذا حصل اجتناب الكبائر كفرت بلا سبب لقوله تعالى إن تجتنبوا كبآئر... [النساء: 31] الآية. وقوله عليه الصلاة والسلام: " ما اجتنبت الكبائر " معناه: أن الصلوات والجمعة مكفرة لما عدا الكبائر. والحاصل: أن من اجتنب الكبائر كفرت عنه الصغائر بلا سبب لنص الآية. ومن ارتكب الكبائر والصغائر وصلى، كفرت الصغائر دون الكبائر، وبهذا تتفق الآية مع الحديث. والله تعالى أعلم. قال ابن عطية في قوله تعالى: إن الله اشترى... [التوبة: 111] الآية: الشهادة ماحية لكل ذنب إلا لمظالم العباد. وقد روي: " أن الله يتحمل عن الشهيد مظالم العباد، ويجازيهم عنه ". ختم الله لنا بالحسنى. انتهى. { ذلك } أي: ما تقدم من وعظ ووعد ووعيد، وأمر الاستقامة، أو القرآن كله، { ذكرى للذاكرين }: عظة للمتقين. وخص الذاكرين، لمزيد انتفاعهم بالوعظ، لصقالة قلوبهم. وفي الخبر: " لكل شيء مصقلة، ومصقلة القلوب ذكر الله ". { واصبر } على مشاق الاستقامة، ودوامها { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } وهم: أهل الاستقامة ظاهرا وباطنا. الإشارة: الاستقامة على ثلاثة أقسام: استقامة الجوارح، واستقامة القلوب، واستقامة الأرواح والأسرار. أما استقامة الجوارح فتحصل بكمال التقوى، وتحقيق المتابعة للسنة المحمدية. وأما استقامة القلوب فتحصل بتطهيرها من سائر العيوب، كالكبر والعجب، والرياء، والسمعة، والحقد والحسد، وحب الجاه والمال، وما يتفرع عن ذلك من العداوة والبغضاء، وترك الثقة بمجيء الرزق، وخوف سقوط المنزلة، من قلوب الخلق، والشح والبخل، وطول الأمل، والأشر والبطر، والغل والمباهاة، والتصنع والمداهنة، والقسوة والفظاظة والغلظة، والغفلة، والجفاء، والطيش، والعجلة، والحمية، وضيق الصدر، وقلة الرحمة. إلى غير ذلك من أنواع الرذائل. فإذا تطهر القلب من هذه العيوب اتصف بأضدادها من الكمالات: كالتواضع لله، والخشوع بين يديه، والتعظيم لأمره، والحفظ لحدوده، والتذلل لربوبيته، والإخلاص في عبوديته، والرضى بقضائه، ورؤية المنة له في منعه وعطائه. ويتصف فيما بين خلقه بالرأفة والرحمة، واللين والرفق، وسعة الصدر والحلم، والاحتمال والصيانة، والنزاهة والأمانة، والثقة والتأني، والوقار، والسخاء والجود، والحياء، والبشاشة والنصيحة. إلى غير ذلك من الكمالات. وأما استقامة الأرواح والأسرار، فتحصل بعدم الوقوف مع شيء سوى الله تعالى، وعدم الالتفات إلى غيره حالا كان أو مقاما أو كرامة، أو غير ذلك: كما قال الششتري رضي الله عنه: فلا تلتفت في السير غيرا، وكل ما سوى الله غير، فاتخذ ذكره حصنا وكل مقام لا تقم فيه إنه حجاب، فجد السير واستنجد العونا ومهما ترى كل المراتب تجتلي عليك فحل عنها، فعن مثلها حلنا وقل: ليس لي في غير ذاتك مطلب فلا صورة تجلى ولا طرفة تجنا وقوله تعالى: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا }: هو نهي عن صحبة الغافلين والميل إليهم. قال بعض الصوفية: قلب لبعض الأبدال: كيف الطريق إلى التحقيق، والوصول إلى الحق؟ قال: لا تنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة، قلت: لا بد لي، قال: لا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة: قلت: لا بد لي، قال: لا تعاملهم لأن معاملتهم خسران وحسرة ووحشة، قلت: أنا بين أظهرهم لا بد لي من معاملتهم؟ قال: لا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة. قلت: هذا لعله يكون؟ قال: يا هذا، أتنظر إلى اللاعبين، وتسمع كلام الجاهلين، وتعامل البطالين، وتسكن إلى الهلكى، وتريد أن تجد حلاوة الطاعة، وقلبك مع غير الله عز وجل!! هيهات! هذا ما لا يكون أبدا. ه. ونقل الورتجبي عن جعفر الصادق: ولا تركنوا إلى نفوسكم فإنها ظلمة. ه. ثم ذكمر سبب هلاك الأمم الماضية، وهو فشو الظلم، وعدم تغيير المنكر، فقال: { فلولا كان من القرون من قبلكم }.

هود 11:116

قلت: لولا: تحضيضة، ويقترن بها هنا معنى التفجع والتأسف، كقوله: يحسرة على العباد و " إلا قليلا " منقطع، ولا يصح اتصاله، إلا إذا جعل استثناء من النفي اللازم للتحضيض. أي: ما كان في القرون الماضية أولو بقية إلا قليل. يقال: فلان من بقية القوم، أي: خيارهم، وإنما قيل فيه " بقية " لأن الشرائع والدول تقوى أولا ثم تضعف. فمن ثبت في وقت الضعف على ما كان في أوله، فهو بقية الصدر الأول. قاله ابن عطية. وقوله: " بظلم ": حال من " ربك " أي: ما كان ربك ليهلك القرى ظالما لهم، أو متعلق بيهلك. يقول الحق جل جلاله: { فلولا } فهلا { كان من القرون من قبلكم } كقوم نوح وعاد وثمود ومن تقدم ذكرهم، { اولوا بقية } من الرأي، والعقل ينكرون عليهم، أي: فهلا وجد فيهم من فيه بقية من العقل والحزم والثبوت، { ينهون عن الفساد في الأرض } ، لكن قليلا ممن أنجينا منهم كانوا كذلك، فأنكروا على أهل الفساد، واعتزلوهم في دينهم فأنجيناهم. وفي هذا تحريض على النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، وأنه سبب النجاة في الدارين. { واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه }: ما أنعموا فيه من الشهوات، واهتموا بتحصيل أسبابها، وأعرضوا عما وراء ذلك، { وكانوا مجرمين } كافرين. قال البيضاوي: كأنه أراد أن يبين ما كان السبب لاستئصال الأمم الماضية: وهو: فشو الظلم فيهم، واتباع الهوى، وترك النهي عن المنكرات مع الكفر. ه. { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم } أي: متلبسا بظلم، { وأهلها مصلحون } ، فيعذبهم بلا جرم، أي: ما كان ليعذبهم ظالما لهم بلا سبب. أو ما كان ليهلك القرى بشرك وأهلها مصلحون فيما بينهم، لا يضمون إلى شركهم فسادا وبغيا، وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه. ومن ذلك قدم الفقهاء، عند تزاحم الحقوق، وحقوق العباد، وقال بعضهم: [الذنوب ثلاثة: ذنب لا يغفره الله، وهو الشرك، وذنب لا يعبأ الله به، وهو ما كان بينه وبين عباده، وذنب لا يتركه الله، وهو حقوق عباده]. وقالوا: قد يبقى الملك مع الشرك ولا يبقى مع الظلم. الإشارة: أولو البقية الذين ينهون عن الفساد في الأرض هم: أهل النور المخزون المستودع في قلوبهم من نور الحق، إذا قابلوا منكرا دمغوه بالحال أو المقال، وإذا قابلوا فسادا أصلحوه، وإذا قابلوا فتنة أطفؤوها. وإذا قابلوا بدعة أخمدوها، واجهوا ضالا أرشده، أو غافلا ذكروه، أو طالبا للوصول وصلوه، يمشون في الأرض بالنصيحة، لا يخافون في الله لومة لائم. أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفس محمد بيده لئن شئتم لأقسمن لكم: إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، ويمشون في الأرض بالنصيحة " أما كونهم يحببون الله إلى عباده، فلأنهم يذكرون لهم آلاءه وإحسانه وبره. والنفس تحب بالطبع من أحسن إليها. وأما كونهم يحببون عباد الله إلى الله فلأنهم يردونهم عن غيهم وحظوظهم، التي تبعدهم عن ربهم. فإذا رجعوا إليه أحبهم. وسئل ذو النون المصري رضي الله عنه عن وصف الأبدال، فقال: سألت عن دياجي الظلام لأكشف لك عنهم، وهم قوم ذكروا الله بقلوبهم، تعظيما لربهم لمعرفتهم بجلاله، فهم حجج الله تعالى على خلقه، ألبسهم الله تعالى النور الساطع من محبته، ورفع لهم أعلام الهداية إلى مواصلته، وأقامهم مقام الأبطال لإرادته، وأفرغ عليهم من مخافته، وطهر أبدانهم بمراقبته، وطيبهم بطيب أهل معاملته، وكساهم حللا من نسج مودته، ووضع على رؤوسهم تيجان مبرته، ثم أودع القلوب من ذخائر الغيوب، فهي متعلقة بمواصلته، فهممهم إليه ثائرة، وأعينهم بالغيب ناظرة، قد أقامهم على باب النظر من رؤية، وأجلسهم على كراسي أطباء أهل معرفته، ثم قال لهم: إن أتاكم عليل من فقدي فداووه، أو مريض من فراقي فعالجوه، أو خائف مني فانصروه، أو من آمن مني فحذروه، أو راغب في مواصلتي فمنوه، أو راحل نحوي فزودوه، أو جبان في متاجرتي فشجعوه، أو آيس من فضلي فرجوه، أو راج لإحساني فبشروه، أو حسن الظن بي فباسطوه، أو محب لي فواصلوه، أو معظم لقدرتي فعظموه، أو مسيء بعد إحساني فعاتبوه، أو مسترشد فأرشدوه. ه. وهذا بقدر الله ومشيئته، كما قال تعالى: { ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة }.

هود 11:117

قلت: لولا: تحضيضة، ويقترن بها هنا معنى التفجع والتأسف، كقوله: يحسرة على العباد و " إلا قليلا " منقطع، ولا يصح اتصاله، إلا إذا جعل استثناء من النفي اللازم للتحضيض. أي: ما كان في القرون الماضية أولو بقية إلا قليل. يقال: فلان من بقية القوم، أي: خيارهم، وإنما قيل فيه " بقية " لأن الشرائع والدول تقوى أولا ثم تضعف. فمن ثبت في وقت الضعف على ما كان في أوله، فهو بقية الصدر الأول. قاله ابن عطية. وقوله: " بظلم ": حال من " ربك " أي: ما كان ربك ليهلك القرى ظالما لهم، أو متعلق بيهلك. يقول الحق جل جلاله: { فلولا } فهلا { كان من القرون من قبلكم } كقوم نوح وعاد وثمود ومن تقدم ذكرهم، { اولوا بقية } من الرأي، والعقل ينكرون عليهم، أي: فهلا وجد فيهم من فيه بقية من العقل والحزم والثبوت، { ينهون عن الفساد في الأرض } ، لكن قليلا ممن أنجينا منهم كانوا كذلك، فأنكروا على أهل الفساد، واعتزلوهم في دينهم فأنجيناهم. وفي هذا تحريض على النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، وأنه سبب النجاة في الدارين. { واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه }: ما أنعموا فيه من الشهوات، واهتموا بتحصيل أسبابها، وأعرضوا عما وراء ذلك، { وكانوا مجرمين } كافرين. قال البيضاوي: كأنه أراد أن يبين ما كان السبب لاستئصال الأمم الماضية: وهو: فشو الظلم فيهم، واتباع الهوى، وترك النهي عن المنكرات مع الكفر. ه. { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم } أي: متلبسا بظلم، { وأهلها مصلحون } ، فيعذبهم بلا جرم، أي: ما كان ليعذبهم ظالما لهم بلا سبب. أو ما كان ليهلك القرى بشرك وأهلها مصلحون فيما بينهم، لا يضمون إلى شركهم فسادا وبغيا، وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه. ومن ذلك قدم الفقهاء، عند تزاحم الحقوق، وحقوق العباد، وقال بعضهم: [الذنوب ثلاثة: ذنب لا يغفره الله، وهو الشرك، وذنب لا يعبأ الله به، وهو ما كان بينه وبين عباده، وذنب لا يتركه الله، وهو حقوق عباده]. وقالوا: قد يبقى الملك مع الشرك ولا يبقى مع الظلم. الإشارة: أولو البقية الذين ينهون عن الفساد في الأرض هم: أهل النور المخزون المستودع في قلوبهم من نور الحق، إذا قابلوا منكرا دمغوه بالحال أو المقال، وإذا قابلوا فسادا أصلحوه، وإذا قابلوا فتنة أطفؤوها. وإذا قابلوا بدعة أخمدوها، واجهوا ضالا أرشده، أو غافلا ذكروه، أو طالبا للوصول وصلوه، يمشون في الأرض بالنصيحة، لا يخافون في الله لومة لائم. أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفس محمد بيده لئن شئتم لأقسمن لكم: إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، ويمشون في الأرض بالنصيحة " أما كونهم يحببون الله إلى عباده، فلأنهم يذكرون لهم آلاءه وإحسانه وبره. والنفس تحب بالطبع من أحسن إليها. وأما كونهم يحببون عباد الله إلى الله فلأنهم يردونهم عن غيهم وحظوظهم، التي تبعدهم عن ربهم. فإذا رجعوا إليه أحبهم. وسئل ذو النون المصري رضي الله عنه عن وصف الأبدال، فقال: سألت عن دياجي الظلام لأكشف لك عنهم، وهم قوم ذكروا الله بقلوبهم، تعظيما لربهم لمعرفتهم بجلاله، فهم حجج الله تعالى على خلقه، ألبسهم الله تعالى النور الساطع من محبته، ورفع لهم أعلام الهداية إلى مواصلته، وأقامهم مقام الأبطال لإرادته، وأفرغ عليهم من مخافته، وطهر أبدانهم بمراقبته، وطيبهم بطيب أهل معاملته، وكساهم حللا من نسج مودته، ووضع على رؤوسهم تيجان مبرته، ثم أودع القلوب من ذخائر الغيوب، فهي متعلقة بمواصلته، فهممهم إليه ثائرة، وأعينهم بالغيب ناظرة، قد أقامهم على باب النظر من رؤية، وأجلسهم على كراسي أطباء أهل معرفته، ثم قال لهم: إن أتاكم عليل من فقدي فداووه، أو مريض من فراقي فعالجوه، أو خائف مني فانصروه، أو من آمن مني فحذروه، أو راغب في مواصلتي فمنوه، أو راحل نحوي فزودوه، أو جبان في متاجرتي فشجعوه، أو آيس من فضلي فرجوه، أو راج لإحساني فبشروه، أو حسن الظن بي فباسطوه، أو محب لي فواصلوه، أو معظم لقدرتي فعظموه، أو مسيء بعد إحساني فعاتبوه، أو مسترشد فأرشدوه. ه. وهذا بقدر الله ومشيئته، كما قال تعالى: { ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة }.

هود 11:118

قلت: الاستثناء من ضمير " يزالون ". يقول الحق جل جلاله: { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } ، متفقين على الإيمان أو الكفران، لكن مقتضى الحكمة وجود الاختلاف ليظهر مقتضيات الأسماء في عالم الشهادة فاسمه: الرحيم يقتضي وجود من يستحق الكرم والرحمة، وهم: أهل الإيمان. واسمه: المنتقم والقهار يقتضي وجود من يستحق الاتنقام والقهرية، وهم أهل الكفر والعصيان. قال البيضاوي: وفيه دليل ظاهر على أن الأمر غير الإرادة، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد، وأن ما أراد يجب وقوعه. ه. { ولا يزالون مختلفين } بعضهم على الحق، وهم أهل الرحمة والكرم وبعضهم على الباطل، وهم أهل القهرية والانتقام. أو مختلفين في الأديان والملل والمذاهب، { إلا من رحم ربك } إلا ناسا هداهم الله من فضله، فاتفقوا على ما هو أصل الدين والعمدة فيه، كالتوحيد والإيمان بجميع الرسل وبما جاؤوا به، وهم المؤمنون. وقوله: { ولذلك خلقهم } إن كان الضمير للناس، فالإشارة إلى الاختلاف، واللام للعاقبة، أي: ولتكون عاقبتهم الاختلاف خلقهم، وإن كان الضمير يعود على " من " ، فالإشارة إلى الرحمة، أي: إلا من رحم ربك وللرحمة خلقه. { وتمت كلمة ربك } الأزلية على ما سبق له الشقاء، أي: نفذ قضاؤه ووعيده في أهل الشقاء، أو هي قوله للملائكة: { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } أي من أهل العصيان منهما، لا من جميعهما. الإشارة: الاختلاف بين الناس حكم أزلي، لا محيد عنه. وقد وقع بين أهل الحق وبين أهل الباطل. فقد اختلف هذه الأمة في الأصول والفروع. أما الأصول فأهل توحيد الدليل وقع بينهم تخالف في صفات الحق، كالمعتزلة والقدرية والجهمية والجبرية مع أهل السنة. وأما الفروع فالاختلاف بينهم شهير. فقد كان في أول الإسلام اثنا عشر مذهبا. ولا تجد علما من علوم إلا وبين أهله اختلاف، إلا أهل التوحيد الخاص، وهم: المحققون من الصوفية، فكلهم متفقون في الأذواق والوجدان، وإن اختلفت طرقهم، وكيفية سيرهم. فهم متفقون في النهايات، التي هي معرفة الشهود والعيان، على طريق الذوق والوجدان، وفي ذلك يقول ابن البنا رحمه الله : مذاهب الناس على اختلاف ومذاهب القوم على ائتلاف وأما قول من قال: [ما زالت الصوفية بخير ما اختلفوا، فإذا اتفقوا فلا خير فيهم]، فالمراد بالاختلاف: تغيير بعضهم على بعض، عند ظهور نقص أو عيب أو ذنب. فإذا اتفقوا وسكت بعضهم عن بعض فلا خير فيهم. وقوله عليه الصلاة والسلام: " خلاف أمتي رحمة " المراد: الاختلاف في الفروع كاختلاف المذاهب ففي ذلك رخصة لأهل الاضطرار لأن من قلد عالما لقي الله سالما. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكمة سرد قصص الأنبياء: فقال: { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل }.

هود 11:119

قلت: الاستثناء من ضمير " يزالون ". يقول الحق جل جلاله: { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } ، متفقين على الإيمان أو الكفران، لكن مقتضى الحكمة وجود الاختلاف ليظهر مقتضيات الأسماء في عالم الشهادة فاسمه: الرحيم يقتضي وجود من يستحق الكرم والرحمة، وهم: أهل الإيمان. واسمه: المنتقم والقهار يقتضي وجود من يستحق الاتنقام والقهرية، وهم أهل الكفر والعصيان. قال البيضاوي: وفيه دليل ظاهر على أن الأمر غير الإرادة، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد، وأن ما أراد يجب وقوعه. ه. { ولا يزالون مختلفين } بعضهم على الحق، وهم أهل الرحمة والكرم وبعضهم على الباطل، وهم أهل القهرية والانتقام. أو مختلفين في الأديان والملل والمذاهب، { إلا من رحم ربك } إلا ناسا هداهم الله من فضله، فاتفقوا على ما هو أصل الدين والعمدة فيه، كالتوحيد والإيمان بجميع الرسل وبما جاؤوا به، وهم المؤمنون. وقوله: { ولذلك خلقهم } إن كان الضمير للناس، فالإشارة إلى الاختلاف، واللام للعاقبة، أي: ولتكون عاقبتهم الاختلاف خلقهم، وإن كان الضمير يعود على " من " ، فالإشارة إلى الرحمة، أي: إلا من رحم ربك وللرحمة خلقه. { وتمت كلمة ربك } الأزلية على ما سبق له الشقاء، أي: نفذ قضاؤه ووعيده في أهل الشقاء، أو هي قوله للملائكة: { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } أي من أهل العصيان منهما، لا من جميعهما. الإشارة: الاختلاف بين الناس حكم أزلي، لا محيد عنه. وقد وقع بين أهل الحق وبين أهل الباطل. فقد اختلف هذه الأمة في الأصول والفروع. أما الأصول فأهل توحيد الدليل وقع بينهم تخالف في صفات الحق، كالمعتزلة والقدرية والجهمية والجبرية مع أهل السنة. وأما الفروع فالاختلاف بينهم شهير. فقد كان في أول الإسلام اثنا عشر مذهبا. ولا تجد علما من علوم إلا وبين أهله اختلاف، إلا أهل التوحيد الخاص، وهم: المحققون من الصوفية، فكلهم متفقون في الأذواق والوجدان، وإن اختلفت طرقهم، وكيفية سيرهم. فهم متفقون في النهايات، التي هي معرفة الشهود والعيان، على طريق الذوق والوجدان، وفي ذلك يقول ابن البنا رحمه الله : مذاهب الناس على اختلاف ومذاهب القوم على ائتلاف وأما قول من قال: [ما زالت الصوفية بخير ما اختلفوا، فإذا اتفقوا فلا خير فيهم]، فالمراد بالاختلاف: تغيير بعضهم على بعض، عند ظهور نقص أو عيب أو ذنب. فإذا اتفقوا وسكت بعضهم عن بعض فلا خير فيهم. وقوله عليه الصلاة والسلام: " خلاف أمتي رحمة " المراد: الاختلاف في الفروع كاختلاف المذاهب ففي ذلك رخصة لأهل الاضطرار لأن من قلد عالما لقي الله سالما. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكمة سرد قصص الأنبياء: فقال: { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل }.

هود 11:120

قلت: " وكلا " مفعول " نقص " ، و " ما نثبت به ": بدل، أو " ما " مفعول " نقص " ، و " كلا ": مصدر. أي: ونقص. علك كلا من الاقتصاص ما نثبت به فؤادك. يقول الحق جل جلاله: وكل نبأ { نقص عليك } من أخبار الرسل، ونخبرك به { ما نثبت به فؤادك } ، ليزيدك يقينا وطمأنينة، وثباتا بما تسمع من أخبارهم، وما جرى لهم مع قومهم، وما لقوا من الأذى منهم، فتتسلى بهم، وتثبت على أداء الرسالة، واحتمال أذى الكفار. { وجاءك في هذه } السورة، أو الأنباء المقتصة عليك، { الحق } أي: ما هو حق، { وموعظة وذكرى للمؤمنين } فيتحملون، ويصبرون لما يواجههم من الأذى والإنكار. الإشارة: ذكر أحوال الصالحين، وسيرهم وكراماتهم جند من جنود القلب، وذكر أشعارهم ومواجيدهم جند من جنود الروح، وقد ورد: أن عند ذكرهم تنزل الرحمة، أي: رحمة القلوب باليقين والطمأنينة. والله تعالى أعلم. ثم أمر بتهديد من خالفه، فقال: { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا }.

هود 11:121

يقول الحق جل جلاله: { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم }: حالهم، { إنا عاملون } على حالنا، { وانتظروا } وقوع ما نزل بمن قبلكم ممن خالف رسوله فإنه نازل بكم، { إنا منتظرون } ما وعدنا ربنا من النصر والعز. { ولله غيب السموات والأرض } لا يعلمه غيره فلا يعلم غيب العواقب، ووقت وقوع المواعد إلا هو. { وإليه يرجع الأمر كله } فيرجع لا محالة أمرهم وأمرك إليه، { فاعبدوه وتوكل عليه } فإنه كافيك أمرهم وأمر غيرهم. وفي تقديم العبادة على التوكل تنبيه على أنه إنما ينفع التوكل العابد دون البطال. { وما ربك بغافل عما تعملون } أنت وهم، فيجازي كلا ما يستحقه. أو عما يعمل الكافرون، فيمهلهم ولا يهملهم. الإشارة: { فاعبده وتوكل عليه }: يقول تعالى: يا عبدي قم بخدمتي أقم لك بقسمتي، قف ببابي وانتسب لجنابي أكفك شؤونك، وتكن من أحبابي. أأدعوك لداري، وأمنعك من وجودي إبراري، أأكلفك بخدمتي، ولا أقوم لك بقسمتي، فثق بي كفيلا، واتخذني، وكيلا، أعطك عطاء جزيلا، وأمنحك فخرا جليلا. قال القشيري: ويقال: إن التوكل: سكون القلب بضمان الرب. ويقال: سكون الجأش في طلب المعاش، ويقال: الاكتفاء بوعده عند عدم نقده، أو الا كتفاء بالوعد عند فقد النقد. وسيأتي تمامه في سورة الفرقان، إن شاء الله. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

هود 11:122

يقول الحق جل جلاله: { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم }: حالهم، { إنا عاملون } على حالنا، { وانتظروا } وقوع ما نزل بمن قبلكم ممن خالف رسوله فإنه نازل بكم، { إنا منتظرون } ما وعدنا ربنا من النصر والعز. { ولله غيب السموات والأرض } لا يعلمه غيره فلا يعلم غيب العواقب، ووقت وقوع المواعد إلا هو. { وإليه يرجع الأمر كله } فيرجع لا محالة أمرهم وأمرك إليه، { فاعبدوه وتوكل عليه } فإنه كافيك أمرهم وأمر غيرهم. وفي تقديم العبادة على التوكل تنبيه على أنه إنما ينفع التوكل العابد دون البطال. { وما ربك بغافل عما تعملون } أنت وهم، فيجازي كلا ما يستحقه. أو عما يعمل الكافرون، فيمهلهم ولا يهملهم. الإشارة: { فاعبده وتوكل عليه }: يقول تعالى: يا عبدي قم بخدمتي أقم لك بقسمتي، قف ببابي وانتسب لجنابي أكفك شؤونك، وتكن من أحبابي. أأدعوك لداري، وأمنعك من وجودي إبراري، أأكلفك بخدمتي، ولا أقوم لك بقسمتي، فثق بي كفيلا، واتخذني، وكيلا، أعطك عطاء جزيلا، وأمنحك فخرا جليلا. قال القشيري: ويقال: إن التوكل: سكون القلب بضمان الرب. ويقال: سكون الجأش في طلب المعاش، ويقال: الاكتفاء بوعده عند عدم نقده، أو الا كتفاء بالوعد عند فقد النقد. وسيأتي تمامه في سورة الفرقان، إن شاء الله. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

هود 11:123

يقول الحق جل جلاله: { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم }: حالهم، { إنا عاملون } على حالنا، { وانتظروا } وقوع ما نزل بمن قبلكم ممن خالف رسوله فإنه نازل بكم، { إنا منتظرون } ما وعدنا ربنا من النصر والعز. { ولله غيب السموات والأرض } لا يعلمه غيره فلا يعلم غيب العواقب، ووقت وقوع المواعد إلا هو. { وإليه يرجع الأمر كله } فيرجع لا محالة أمرهم وأمرك إليه، { فاعبدوه وتوكل عليه } فإنه كافيك أمرهم وأمر غيرهم. وفي تقديم العبادة على التوكل تنبيه على أنه إنما ينفع التوكل العابد دون البطال. { وما ربك بغافل عما تعملون } أنت وهم، فيجازي كلا ما يستحقه. أو عما يعمل الكافرون، فيمهلهم ولا يهملهم. الإشارة: { فاعبده وتوكل عليه }: يقول تعالى: يا عبدي قم بخدمتي أقم لك بقسمتي، قف ببابي وانتسب لجنابي أكفك شؤونك، وتكن من أحبابي. أأدعوك لداري، وأمنعك من وجودي إبراري، أأكلفك بخدمتي، ولا أقوم لك بقسمتي، فثق بي كفيلا، واتخذني، وكيلا، أعطك عطاء جزيلا، وأمنحك فخرا جليلا. قال القشيري: ويقال: إن التوكل: سكون القلب بضمان الرب. ويقال: سكون الجأش في طلب المعاش، ويقال: الاكتفاء بوعده عند عدم نقده، أو الا كتفاء بالوعد عند فقد النقد. وسيأتي تمامه في سورة الفرقان، إن شاء الله. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.