البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — يوسف 12:87 – إبراهيم 14:48
المحتويات
- يوسف 12:87
- يوسف 12:88
- يوسف 12:89
- يوسف 12:90
- يوسف 12:91
- يوسف 12:92
- يوسف 12:93
- يوسف 12:94
- يوسف 12:95
- يوسف 12:96
- يوسف 12:97
- يوسف 12:98
- يوسف 12:99
- يوسف 12:100
- يوسف 12:101
- يوسف 12:102
- يوسف 12:103
- يوسف 12:104
- يوسف 12:105
- يوسف 12:106
- يوسف 12:107
- يوسف 12:108
- يوسف 12:109
- يوسف 12:110
- يوسف 12:111
- الرعد 13:1
- الرعد 13:2
- الرعد 13:3
- الرعد 13:4
- الرعد 13:5
- الرعد 13:6
- الرعد 13:7
- الرعد 13:8
- الرعد 13:9
- الرعد 13:10
- الرعد 13:11
- الرعد 13:12
- الرعد 13:13
- الرعد 13:14
- الرعد 13:15
- الرعد 13:16
- الرعد 13:17
- الرعد 13:18
- الرعد 13:19
- الرعد 13:20
- الرعد 13:21
- الرعد 13:22
- الرعد 13:23
- الرعد 13:24
- الرعد 13:25
- الرعد 13:26
- الرعد 13:27
- الرعد 13:28
- الرعد 13:29
- الرعد 13:30
- الرعد 13:31
- الرعد 13:32
- الرعد 13:33
- الرعد 13:34
- الرعد 13:35
- الرعد 13:36
- الرعد 13:37
- الرعد 13:38
- الرعد 13:39
- الرعد 13:40
- الرعد 13:41
- الرعد 13:42
- الرعد 13:43
- إبراهيم 14:1
- إبراهيم 14:2
- إبراهيم 14:3
- إبراهيم 14:4
- إبراهيم 14:5
- إبراهيم 14:6
- إبراهيم 14:7
- إبراهيم 14:8
- إبراهيم 14:9
- إبراهيم 14:10
- إبراهيم 14:11
- إبراهيم 14:12
- إبراهيم 14:13
- إبراهيم 14:14
- إبراهيم 14:15
- إبراهيم 14:16
- إبراهيم 14:17
- إبراهيم 14:18
- إبراهيم 14:19
- إبراهيم 14:20
- إبراهيم 14:21
- إبراهيم 14:22
- إبراهيم 14:23
- إبراهيم 14:24
- إبراهيم 14:25
- إبراهيم 14:26
- إبراهيم 14:27
- إبراهيم 14:28
- إبراهيم 14:29
- إبراهيم 14:30
- إبراهيم 14:31
- إبراهيم 14:32
- إبراهيم 14:33
- إبراهيم 14:34
- إبراهيم 14:35
- إبراهيم 14:36
- إبراهيم 14:37
- إبراهيم 14:38
- إبراهيم 14:39
- إبراهيم 14:40
- إبراهيم 14:41
- إبراهيم 14:42
- إبراهيم 14:43
- إبراهيم 14:44
- إبراهيم 14:45
- إبراهيم 14:46
- إبراهيم 14:47
- إبراهيم 14:48
يوسف 12:87
قلت: يا أسفي، ويا ويلتي، ويا حسرتي، مما عوض فيه الألف عن ياء المتكلم. والأسف: أشد الحزن. وقيل: شدة الحسرة. و كظيم: إما بمعنى مفعول، كقوله: وهو مكظوم أي: فهو مملوء غيظا على أولاده، ممسك له في قلبه، تقول: كظم السقاء إذا شد على ملئه. أو بمعنى فاعل كقوله:
والكاظمين الغيظ
[آل عمران: 134] من كظم البعير جرته إذا ردها في جوفه. و تفتأ: من النواقص اللازم للنفي، وحذفه هنا لعدم الإلباس لأنه لو كان مثبتا لأكد باللام والنون. والحرض: المريض المشرف على الهلاك، وهو في الأصل مصدر، ولذلك لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع. والبث: أشد الحزن. يقول الحق جل جلاله: { وتولى } يعقوب عن أولاده، أي: أعرض { عنهم } لما لم يصدقهم، كراهة إما صادف منهم، ورجع إلى تأسفه { وقال يا أسفا } أي: يا شدة حزني { على يوسف }. وإنما تأسف على يوسف دون أخويه لأن محبته كانت أشد لإفراط محبته فيه، ولأن مصيبته سبقت عليهما. { وابيضت عيناه } من كثرة البكاء { من الحزن } ، كأن العبرة محقت سوادها، وقيل: ضعف بصره، وقيل: عمي. وقد روي أنه: " حزن يعقوب حزن سبعين ثكلى، وأعطي أجر مائة شهيد، وما ساء ظنه بالله قط ". وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند التفجع. ولعل أمثال ذلك لا يدخل تحت التكليف، فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد، وقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
" القلب يحزن، والعين تدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون ".
{ فهو كظيم } أي: مملوء غيظا على أولاده لما فعلوا. أو كاظم غيظه، ماسك له، لم يظهر منه شيئا، ولم يشك لأحد. { قالوا تالله تفتؤا }: لا تزال { تذكر يوسف } تفجعا عليه، { حتى تكون حرضا }: مشرفا على الهلاك، { أو تكون من الهالكين }: من الميتين. { قال إنما أشكو بثي } أي: شدة همي { وحزني } الذي لا صبر عليه، { إلى الله } لا إلى أحد منكم ولا غيركم فخلوني وشكايتي، فلست ممن يجزع ويضجر فيستحق التعنيف، وإنما أشكو إلى الله، ولا تعنيف فيه لأن فيه إظهار الفقر، والعجر بين يديه، وهو محمود. { وأعلم من الله ما لا تعلمون } أي: أعلم من لطف الله ورأفته ورحمته، ما يوجب حسن ظني وقوة رجائي، وأنه لا يخيب دعائي، ما لا تعلمون. أو: وأعلم من طريق الوحي من حياة يوسف ما لا تعلمون لأنه رأى ملك الموت فأخبره بحياته، كما تقدم. وقيل: علم من رؤيا يوسف أنه لا يموت حتى تخر له إخوته سجدا. { يا بني اذهبوا } إلى الأرض التي تركتم بها أخويكم، { فتحسسوا من يوسف وأخيه } أي: تعرفوا من خبرهما، وتفحصوا عن حالهما.
والتحسس: طلب الشيء بالحواس. وإنما لم يذكر الولد الثالث لأنه بقي هناك اختيارا. وفي ذكر يوسف دليل على أنه كان عالما بحياته. { ولا تيأسوا من روح الله }: لا تقنطوا من فرجه وتنفيسه، أو من رحمته، وقرئ بضم الراء، أي: من رحمته التي يحيي بها العباد، أي: ولا تيأسوا من حي معه روح الله فكل من بقي روحه يرجى، أي: ويوسف عندي، فمن معه روح الله فلا تيأسوا من رجوعه. { إنه } أي: الشأن { لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } بالله وصفاته لأن العارف لا يقنط من رحمته في شيء من الأحوال. وإنما جعل اليأس من صفة الكافر لأن سببه تكذيب بالربوبية، أو جهل بصفة الله وقدرته، والجهل بالصفة جهل بالموصوف، فالإياس من رحمة الله كفر. وأما حديث الرجل الذي قال: إذا مت فاحرقوني، ثم اذروني في البحر والبر في يوم رائح، فلئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحد من الناس، حسبما في الصحيح، فليس فيه اليأس ولا تعجيز القدرة، لكن لما غلبه الخوف المفرط لم يتأمل ولم بضبط حاله إما لحقه من الخوف وغمره من الدهش، دون عقد ولا إصرار على نفي الرحمة واليأس منها. ويدل على ذلك قوله: لما قال له الرب تعالى : ما حملك على هذا؟ قال: مخافتك، فغفر له. ولم يقل اليأس من رحمتك. انظر المحشي الفاسي. الإشارة: لم يتأسف يعقوب عليه السلام على فقد صورة يوسف الحسية، إنما تأسف على فقد ما كان يشاهد فيه من جمال الحق وبهائه، في تجلي يوسف وحسن طلعته البهية، وفي ذلك يقول ابن الفارض:
عيني لغير جمالكم لا تنظر وسواكم في خاطري لا يخطر
فلما فقد ذلك التجلي الجمالي حزن عليه، وإلا فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام أولى بالغنى بالله عما سواه. فإذا حصل للقلب الغنى بالله لم يتأسف على شيء، ولم يحزن على شيء لأنه حاز كل شيء، ولم يفته شيء. " ماذا فقد من وجده، وما الذي وجد من فقده ". ولله در القائل:
أنا الفقير إليكم والغني بكم وليس لي بعدكم حرص على أحد
وهذا أمر محقق، مذوق عند العارفين أهل الغنى بالله. وقوله: { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله }: فيه رفع الهمة عن الخلق، والاكتفاء بالملك الحق، وعدم الشكوى فيما ينزل إلى الخلق... وهو ركن من أركان طريق التصوف، بل هو عين التصوف. وبالله التوفيق. ثم ذهبوا إلى مصر كما أمرهم أبوهم، قال تعالى: { فلما دخلوا عليه قالوا يأيها العزيز }.
يوسف 12:88
قلت: من يتق ويصبر: من قرأ بالياء: أجرى الموصول مجرى الشرط لعمومه وإبهامه، فعطف على صلته بالجزم، ومنه قول الشاعر:
كذلك الذي يبغي على الناس ظالما تصبه على رغم عواقب ما صنع
يقول الحق جل جلاله: { فلما دخلوا عليه } على يوسف حين رجعوا إليه مرة ثالثة، { قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر } شدة الجوع { وجئنا } إليك { ببضاعة مزجاة }: رديئة، أو قليلة، أو ناقصة، تدفع وترد من أزجيته، دفعته. ومنه:
يزجي سحابا
[النور: 43] قيل: كانت دراهم زيوفا وقيل: الصنوبر وحبة الخضراء. وقيل: سويق المقل أي: الدوم. وقيل: عروضا. { فأوف لنا الكيل }: أتممه لنا، { وتصدق علينا } بالمسامحة، وقبول المزجاة، أو بالزيادة على ثمننا. وهذا يقتضي أن الصدقة كانت حلالا على الأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو خلاف المشهور. أو برد أخينا، { إن الله يجزي المتصدقين } أحسن الجزاء. والتصدق: التفضل مطلقا، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في القصر:
" هذه صدقة تصدق الله عليكم بها، فاقبلوا صدقته ".
روي أن يعقوب عليه السلام لما أرسلهم أرسلهم المرة الثالثة ليتحسسوا أخبار يوسف وأخيه، أرسل معهم كتابا ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم، من يعقوب الحزين إلى عزيز مصر، ولو عرفت اسمك لذكرتك في كتابي هذا، يا من أعتز بعز الله، فالله يعز من يشاء، ويذل من يشاء، وإني أيها العزيز قد اشمأز قلبي، وقطع الحزن أوصالي، وإني ناه إلى الإقراح، دائم البكاء والصياح، وإني من نطفة آباء كرام، فكيف يتولد اللصوص مني وأنا من الخصوص! وقد أخبرت أنك وضعت الصاع بالليل في رحل ولدي الأصغر، وإني حزين عليه كما كنت حزينا على أخيه الفقيد، حزنا دائما سرمدا شديدا. وإن كنت أفجعتني في الآخرة فإن قلبي لا محالة طائر. ثم ختمه بالسلام. فلما دفعوه ليوسف قرأه. وبكى بكاء شديدا، ثم دفعه لأخيه بنيامين فقرأه وبكى أيضا. ثم نزل عن سريره، ثم دفع لهم الكتاب الذي كانوا يكتبوه لمالك بن ذعر لما باعوه بخطوط شهادتهم، كان أخذه من مالك حين باعه. فلما قرأوه تغيرت ألوانهم وتضعضعت أركانهم، وبهتوا، فقال لهم: { هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } من إيذاء يوسف، وتفريقه من أبيه، ومضرة أخيه من بعده، فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه، أي: هل علمتم قبحة فتبتم منه؟ قاله نصحا وتحريضا لهم على التوبة. { إذ أنتم جاهلون } أي: فعلتم ذلك حين كنتم جاهلين قبح ذلك. وإنما سماهم جاهلين لأن فعلهم حينئذ فعل الجهال، أو لأنهم حينئذ كانوا صبيانا طياشين، فعرفوه حينئذ على ظن، فقالوا: { أئنك لأنت يوسف }؟ بالاستفهام التقريري. وقرأ ابن كثير على الإيجاب. قيل: عرفوه بذوائبه وشمائله حين نزل إليهم وكلمهم.
وقيل: تبسم فعرفوه بثناياه. وقيل: رفع التاج عن رأسه فعرفوه بشامة كانت في رأسه بيضاء، وكانت لسارة يعقوب مثلها. { قال } لهم: { أنا يوسف وهذا أخي } من أبي وأمي. ذكره تعريفا لنفسه به، وتفخيما لشأنه، وإدخالا له في المنة بقوله: { قد من الله علينا } بالسلامة والكرامة والعز. { إنه من يتق } الله { ويصبر } على بلواه، وعلى طاعته وتقواه { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } ، وضع المحسنين موضع المضمر تنبيها على أن المحسن جمع بين الصبر والتقوى. فمن اتقى الله وصبر فهو محسن... { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا } بحسن الصورة وكمال السيرة، أو فضلك علينا رغما على أنفنا، { وإن كنا لخاطئين } أي: والحال أن شأننا أنا كنا مذنبين فيما فعلنا معك. { قال لا تثريب }: لا عتاب { عليكم اليوم } أي: لا عقوبة عليكم في هذا اليوم. ثم دعا لهم فقال: { يغفر الله لكم } ، فيوقف على اليوم. وقيل: يتعلق بيغفر، فيوقف على ما قبله، وهو بعيد لأنه تحكم على الله، وإنما يصلح أن يكون دعاء، إذ هو الذي يليق بآداب الأنبياء، فكأنه أسقط حق نفسه بقوله: { لا تثريب عليكم اليوم } ، ثم دعا الله أن يغفر لهم الله حقه. قاله ابن جزي، وصدر به البيضاوي. وبه تعلم ضعف وقف الهبطي. ثم قال في تمام دعائه: { وهو أرحم الراحمين } فإنه يغفر الصغائر والكبائر، ويتفضل على التائب. قال البيضاوي: ومن كرم يوسف عليه السلام أنهم لما عرفوه أرسلوا له، وقالوا: إنك تدعوننا بالبكرة والعشي إلى الطعام، ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك، فقال لهم: إن أهل مصر كانوا ينظرون إلي بالعين الأولى، ويقولون: سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت بكم، وعظمت في أعينهم حيث إنكم إخوتي، وإني من حفدة إبراهيم عليه السلام. ه. الإشارة: من رام الدخول إلى حضرة الكريم الغفار، فليدخل من باب الذل والانكسار. وفي الحكم: " ما طلب لك شيء مثل الاضطرار، ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار ". فإذا قرعت الباب، ورمت الدخول مع الأحباب، فقل بلسان التضرع والانكسار: يا أيها العزيز الغفار مسنا الضر، وهو البعد والغفلة، وجئنا ببضاعة مزجاة عمل مدخول، وقلب معلول، فأوف لنا ما أملناه من الجزاء المأمول، وتفضل علينا بالقبول والوصول، وقل: اليوم نغفر لكم ونغطي مساوءكم، ونوصلكم بما مني إليكم من الإحسان، لا بما منكم إلينا الطاعة والإذعان. هؤلاء إخوة يوسف لما أظهروا فاقتهم، واستقلوا بضاعتهم، وأحضروا شكايتهم، سمح لهم وقربهم، وكشف لهم عن وجهه الجميل، ومنحهم العطاء الجزيل، فما ظنك بالرب العظيم الجليل، الذي هو أرحم الراحمين، ومحل أمل القاصدين. ثم أمرهم بالرجوع إلى أبيهم والإتيان به وبمن معه من أولادهم، فقال: { اذهبوا بقميصي هذا }.
يوسف 12:89
قلت: من يتق ويصبر: من قرأ بالياء: أجرى الموصول مجرى الشرط لعمومه وإبهامه، فعطف على صلته بالجزم، ومنه قول الشاعر:
كذلك الذي يبغي على الناس ظالما تصبه على رغم عواقب ما صنع
يقول الحق جل جلاله: { فلما دخلوا عليه } على يوسف حين رجعوا إليه مرة ثالثة، { قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر } شدة الجوع { وجئنا } إليك { ببضاعة مزجاة }: رديئة، أو قليلة، أو ناقصة، تدفع وترد من أزجيته، دفعته. ومنه:
يزجي سحابا
[النور: 43] قيل: كانت دراهم زيوفا وقيل: الصنوبر وحبة الخضراء. وقيل: سويق المقل أي: الدوم. وقيل: عروضا. { فأوف لنا الكيل }: أتممه لنا، { وتصدق علينا } بالمسامحة، وقبول المزجاة، أو بالزيادة على ثمننا. وهذا يقتضي أن الصدقة كانت حلالا على الأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو خلاف المشهور. أو برد أخينا، { إن الله يجزي المتصدقين } أحسن الجزاء. والتصدق: التفضل مطلقا، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في القصر:
" هذه صدقة تصدق الله عليكم بها، فاقبلوا صدقته ".
روي أن يعقوب عليه السلام لما أرسلهم أرسلهم المرة الثالثة ليتحسسوا أخبار يوسف وأخيه، أرسل معهم كتابا ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم، من يعقوب الحزين إلى عزيز مصر، ولو عرفت اسمك لذكرتك في كتابي هذا، يا من أعتز بعز الله، فالله يعز من يشاء، ويذل من يشاء، وإني أيها العزيز قد اشمأز قلبي، وقطع الحزن أوصالي، وإني ناه إلى الإقراح، دائم البكاء والصياح، وإني من نطفة آباء كرام، فكيف يتولد اللصوص مني وأنا من الخصوص! وقد أخبرت أنك وضعت الصاع بالليل في رحل ولدي الأصغر، وإني حزين عليه كما كنت حزينا على أخيه الفقيد، حزنا دائما سرمدا شديدا. وإن كنت أفجعتني في الآخرة فإن قلبي لا محالة طائر. ثم ختمه بالسلام. فلما دفعوه ليوسف قرأه. وبكى بكاء شديدا، ثم دفعه لأخيه بنيامين فقرأه وبكى أيضا. ثم نزل عن سريره، ثم دفع لهم الكتاب الذي كانوا يكتبوه لمالك بن ذعر لما باعوه بخطوط شهادتهم، كان أخذه من مالك حين باعه. فلما قرأوه تغيرت ألوانهم وتضعضعت أركانهم، وبهتوا، فقال لهم: { هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } من إيذاء يوسف، وتفريقه من أبيه، ومضرة أخيه من بعده، فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه، أي: هل علمتم قبحة فتبتم منه؟ قاله نصحا وتحريضا لهم على التوبة. { إذ أنتم جاهلون } أي: فعلتم ذلك حين كنتم جاهلين قبح ذلك. وإنما سماهم جاهلين لأن فعلهم حينئذ فعل الجهال، أو لأنهم حينئذ كانوا صبيانا طياشين، فعرفوه حينئذ على ظن، فقالوا: { أئنك لأنت يوسف }؟ بالاستفهام التقريري. وقرأ ابن كثير على الإيجاب. قيل: عرفوه بذوائبه وشمائله حين نزل إليهم وكلمهم.
وقيل: تبسم فعرفوه بثناياه. وقيل: رفع التاج عن رأسه فعرفوه بشامة كانت في رأسه بيضاء، وكانت لسارة يعقوب مثلها. { قال } لهم: { أنا يوسف وهذا أخي } من أبي وأمي. ذكره تعريفا لنفسه به، وتفخيما لشأنه، وإدخالا له في المنة بقوله: { قد من الله علينا } بالسلامة والكرامة والعز. { إنه من يتق } الله { ويصبر } على بلواه، وعلى طاعته وتقواه { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } ، وضع المحسنين موضع المضمر تنبيها على أن المحسن جمع بين الصبر والتقوى. فمن اتقى الله وصبر فهو محسن... { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا } بحسن الصورة وكمال السيرة، أو فضلك علينا رغما على أنفنا، { وإن كنا لخاطئين } أي: والحال أن شأننا أنا كنا مذنبين فيما فعلنا معك. { قال لا تثريب }: لا عتاب { عليكم اليوم } أي: لا عقوبة عليكم في هذا اليوم. ثم دعا لهم فقال: { يغفر الله لكم } ، فيوقف على اليوم. وقيل: يتعلق بيغفر، فيوقف على ما قبله، وهو بعيد لأنه تحكم على الله، وإنما يصلح أن يكون دعاء، إذ هو الذي يليق بآداب الأنبياء، فكأنه أسقط حق نفسه بقوله: { لا تثريب عليكم اليوم } ، ثم دعا الله أن يغفر لهم الله حقه. قاله ابن جزي، وصدر به البيضاوي. وبه تعلم ضعف وقف الهبطي. ثم قال في تمام دعائه: { وهو أرحم الراحمين } فإنه يغفر الصغائر والكبائر، ويتفضل على التائب. قال البيضاوي: ومن كرم يوسف عليه السلام أنهم لما عرفوه أرسلوا له، وقالوا: إنك تدعوننا بالبكرة والعشي إلى الطعام، ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك، فقال لهم: إن أهل مصر كانوا ينظرون إلي بالعين الأولى، ويقولون: سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت بكم، وعظمت في أعينهم حيث إنكم إخوتي، وإني من حفدة إبراهيم عليه السلام. ه. الإشارة: من رام الدخول إلى حضرة الكريم الغفار، فليدخل من باب الذل والانكسار. وفي الحكم: " ما طلب لك شيء مثل الاضطرار، ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار ". فإذا قرعت الباب، ورمت الدخول مع الأحباب، فقل بلسان التضرع والانكسار: يا أيها العزيز الغفار مسنا الضر، وهو البعد والغفلة، وجئنا ببضاعة مزجاة عمل مدخول، وقلب معلول، فأوف لنا ما أملناه من الجزاء المأمول، وتفضل علينا بالقبول والوصول، وقل: اليوم نغفر لكم ونغطي مساوءكم، ونوصلكم بما مني إليكم من الإحسان، لا بما منكم إلينا الطاعة والإذعان. هؤلاء إخوة يوسف لما أظهروا فاقتهم، واستقلوا بضاعتهم، وأحضروا شكايتهم، سمح لهم وقربهم، وكشف لهم عن وجهه الجميل، ومنحهم العطاء الجزيل، فما ظنك بالرب العظيم الجليل، الذي هو أرحم الراحمين، ومحل أمل القاصدين. ثم أمرهم بالرجوع إلى أبيهم والإتيان به وبمن معه من أولادهم، فقال: { اذهبوا بقميصي هذا }.
يوسف 12:90
قلت: من يتق ويصبر: من قرأ بالياء: أجرى الموصول مجرى الشرط لعمومه وإبهامه، فعطف على صلته بالجزم، ومنه قول الشاعر:
كذلك الذي يبغي على الناس ظالما تصبه على رغم عواقب ما صنع
يقول الحق جل جلاله: { فلما دخلوا عليه } على يوسف حين رجعوا إليه مرة ثالثة، { قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر } شدة الجوع { وجئنا } إليك { ببضاعة مزجاة }: رديئة، أو قليلة، أو ناقصة، تدفع وترد من أزجيته، دفعته. ومنه:
يزجي سحابا
[النور: 43] قيل: كانت دراهم زيوفا وقيل: الصنوبر وحبة الخضراء. وقيل: سويق المقل أي: الدوم. وقيل: عروضا. { فأوف لنا الكيل }: أتممه لنا، { وتصدق علينا } بالمسامحة، وقبول المزجاة، أو بالزيادة على ثمننا. وهذا يقتضي أن الصدقة كانت حلالا على الأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو خلاف المشهور. أو برد أخينا، { إن الله يجزي المتصدقين } أحسن الجزاء. والتصدق: التفضل مطلقا، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في القصر:
" هذه صدقة تصدق الله عليكم بها، فاقبلوا صدقته ".
روي أن يعقوب عليه السلام لما أرسلهم أرسلهم المرة الثالثة ليتحسسوا أخبار يوسف وأخيه، أرسل معهم كتابا ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم، من يعقوب الحزين إلى عزيز مصر، ولو عرفت اسمك لذكرتك في كتابي هذا، يا من أعتز بعز الله، فالله يعز من يشاء، ويذل من يشاء، وإني أيها العزيز قد اشمأز قلبي، وقطع الحزن أوصالي، وإني ناه إلى الإقراح، دائم البكاء والصياح، وإني من نطفة آباء كرام، فكيف يتولد اللصوص مني وأنا من الخصوص! وقد أخبرت أنك وضعت الصاع بالليل في رحل ولدي الأصغر، وإني حزين عليه كما كنت حزينا على أخيه الفقيد، حزنا دائما سرمدا شديدا. وإن كنت أفجعتني في الآخرة فإن قلبي لا محالة طائر. ثم ختمه بالسلام. فلما دفعوه ليوسف قرأه. وبكى بكاء شديدا، ثم دفعه لأخيه بنيامين فقرأه وبكى أيضا. ثم نزل عن سريره، ثم دفع لهم الكتاب الذي كانوا يكتبوه لمالك بن ذعر لما باعوه بخطوط شهادتهم، كان أخذه من مالك حين باعه. فلما قرأوه تغيرت ألوانهم وتضعضعت أركانهم، وبهتوا، فقال لهم: { هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } من إيذاء يوسف، وتفريقه من أبيه، ومضرة أخيه من بعده، فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه، أي: هل علمتم قبحة فتبتم منه؟ قاله نصحا وتحريضا لهم على التوبة. { إذ أنتم جاهلون } أي: فعلتم ذلك حين كنتم جاهلين قبح ذلك. وإنما سماهم جاهلين لأن فعلهم حينئذ فعل الجهال، أو لأنهم حينئذ كانوا صبيانا طياشين، فعرفوه حينئذ على ظن، فقالوا: { أئنك لأنت يوسف }؟ بالاستفهام التقريري. وقرأ ابن كثير على الإيجاب. قيل: عرفوه بذوائبه وشمائله حين نزل إليهم وكلمهم.
وقيل: تبسم فعرفوه بثناياه. وقيل: رفع التاج عن رأسه فعرفوه بشامة كانت في رأسه بيضاء، وكانت لسارة يعقوب مثلها. { قال } لهم: { أنا يوسف وهذا أخي } من أبي وأمي. ذكره تعريفا لنفسه به، وتفخيما لشأنه، وإدخالا له في المنة بقوله: { قد من الله علينا } بالسلامة والكرامة والعز. { إنه من يتق } الله { ويصبر } على بلواه، وعلى طاعته وتقواه { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } ، وضع المحسنين موضع المضمر تنبيها على أن المحسن جمع بين الصبر والتقوى. فمن اتقى الله وصبر فهو محسن... { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا } بحسن الصورة وكمال السيرة، أو فضلك علينا رغما على أنفنا، { وإن كنا لخاطئين } أي: والحال أن شأننا أنا كنا مذنبين فيما فعلنا معك. { قال لا تثريب }: لا عتاب { عليكم اليوم } أي: لا عقوبة عليكم في هذا اليوم. ثم دعا لهم فقال: { يغفر الله لكم } ، فيوقف على اليوم. وقيل: يتعلق بيغفر، فيوقف على ما قبله، وهو بعيد لأنه تحكم على الله، وإنما يصلح أن يكون دعاء، إذ هو الذي يليق بآداب الأنبياء، فكأنه أسقط حق نفسه بقوله: { لا تثريب عليكم اليوم } ، ثم دعا الله أن يغفر لهم الله حقه. قاله ابن جزي، وصدر به البيضاوي. وبه تعلم ضعف وقف الهبطي. ثم قال في تمام دعائه: { وهو أرحم الراحمين } فإنه يغفر الصغائر والكبائر، ويتفضل على التائب. قال البيضاوي: ومن كرم يوسف عليه السلام أنهم لما عرفوه أرسلوا له، وقالوا: إنك تدعوننا بالبكرة والعشي إلى الطعام، ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك، فقال لهم: إن أهل مصر كانوا ينظرون إلي بالعين الأولى، ويقولون: سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت بكم، وعظمت في أعينهم حيث إنكم إخوتي، وإني من حفدة إبراهيم عليه السلام. ه. الإشارة: من رام الدخول إلى حضرة الكريم الغفار، فليدخل من باب الذل والانكسار. وفي الحكم: " ما طلب لك شيء مثل الاضطرار، ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار ". فإذا قرعت الباب، ورمت الدخول مع الأحباب، فقل بلسان التضرع والانكسار: يا أيها العزيز الغفار مسنا الضر، وهو البعد والغفلة، وجئنا ببضاعة مزجاة عمل مدخول، وقلب معلول، فأوف لنا ما أملناه من الجزاء المأمول، وتفضل علينا بالقبول والوصول، وقل: اليوم نغفر لكم ونغطي مساوءكم، ونوصلكم بما مني إليكم من الإحسان، لا بما منكم إلينا الطاعة والإذعان. هؤلاء إخوة يوسف لما أظهروا فاقتهم، واستقلوا بضاعتهم، وأحضروا شكايتهم، سمح لهم وقربهم، وكشف لهم عن وجهه الجميل، ومنحهم العطاء الجزيل، فما ظنك بالرب العظيم الجليل، الذي هو أرحم الراحمين، ومحل أمل القاصدين. ثم أمرهم بالرجوع إلى أبيهم والإتيان به وبمن معه من أولادهم، فقال: { اذهبوا بقميصي هذا }.
يوسف 12:91
قلت: من يتق ويصبر: من قرأ بالياء: أجرى الموصول مجرى الشرط لعمومه وإبهامه، فعطف على صلته بالجزم، ومنه قول الشاعر:
كذلك الذي يبغي على الناس ظالما تصبه على رغم عواقب ما صنع
يقول الحق جل جلاله: { فلما دخلوا عليه } على يوسف حين رجعوا إليه مرة ثالثة، { قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر } شدة الجوع { وجئنا } إليك { ببضاعة مزجاة }: رديئة، أو قليلة، أو ناقصة، تدفع وترد من أزجيته، دفعته. ومنه:
يزجي سحابا
[النور: 43] قيل: كانت دراهم زيوفا وقيل: الصنوبر وحبة الخضراء. وقيل: سويق المقل أي: الدوم. وقيل: عروضا. { فأوف لنا الكيل }: أتممه لنا، { وتصدق علينا } بالمسامحة، وقبول المزجاة، أو بالزيادة على ثمننا. وهذا يقتضي أن الصدقة كانت حلالا على الأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو خلاف المشهور. أو برد أخينا، { إن الله يجزي المتصدقين } أحسن الجزاء. والتصدق: التفضل مطلقا، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في القصر:
" هذه صدقة تصدق الله عليكم بها، فاقبلوا صدقته ".
روي أن يعقوب عليه السلام لما أرسلهم أرسلهم المرة الثالثة ليتحسسوا أخبار يوسف وأخيه، أرسل معهم كتابا ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم، من يعقوب الحزين إلى عزيز مصر، ولو عرفت اسمك لذكرتك في كتابي هذا، يا من أعتز بعز الله، فالله يعز من يشاء، ويذل من يشاء، وإني أيها العزيز قد اشمأز قلبي، وقطع الحزن أوصالي، وإني ناه إلى الإقراح، دائم البكاء والصياح، وإني من نطفة آباء كرام، فكيف يتولد اللصوص مني وأنا من الخصوص! وقد أخبرت أنك وضعت الصاع بالليل في رحل ولدي الأصغر، وإني حزين عليه كما كنت حزينا على أخيه الفقيد، حزنا دائما سرمدا شديدا. وإن كنت أفجعتني في الآخرة فإن قلبي لا محالة طائر. ثم ختمه بالسلام. فلما دفعوه ليوسف قرأه. وبكى بكاء شديدا، ثم دفعه لأخيه بنيامين فقرأه وبكى أيضا. ثم نزل عن سريره، ثم دفع لهم الكتاب الذي كانوا يكتبوه لمالك بن ذعر لما باعوه بخطوط شهادتهم، كان أخذه من مالك حين باعه. فلما قرأوه تغيرت ألوانهم وتضعضعت أركانهم، وبهتوا، فقال لهم: { هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } من إيذاء يوسف، وتفريقه من أبيه، ومضرة أخيه من بعده، فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه، أي: هل علمتم قبحة فتبتم منه؟ قاله نصحا وتحريضا لهم على التوبة. { إذ أنتم جاهلون } أي: فعلتم ذلك حين كنتم جاهلين قبح ذلك. وإنما سماهم جاهلين لأن فعلهم حينئذ فعل الجهال، أو لأنهم حينئذ كانوا صبيانا طياشين، فعرفوه حينئذ على ظن، فقالوا: { أئنك لأنت يوسف }؟ بالاستفهام التقريري. وقرأ ابن كثير على الإيجاب. قيل: عرفوه بذوائبه وشمائله حين نزل إليهم وكلمهم.
وقيل: تبسم فعرفوه بثناياه. وقيل: رفع التاج عن رأسه فعرفوه بشامة كانت في رأسه بيضاء، وكانت لسارة يعقوب مثلها. { قال } لهم: { أنا يوسف وهذا أخي } من أبي وأمي. ذكره تعريفا لنفسه به، وتفخيما لشأنه، وإدخالا له في المنة بقوله: { قد من الله علينا } بالسلامة والكرامة والعز. { إنه من يتق } الله { ويصبر } على بلواه، وعلى طاعته وتقواه { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } ، وضع المحسنين موضع المضمر تنبيها على أن المحسن جمع بين الصبر والتقوى. فمن اتقى الله وصبر فهو محسن... { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا } بحسن الصورة وكمال السيرة، أو فضلك علينا رغما على أنفنا، { وإن كنا لخاطئين } أي: والحال أن شأننا أنا كنا مذنبين فيما فعلنا معك. { قال لا تثريب }: لا عتاب { عليكم اليوم } أي: لا عقوبة عليكم في هذا اليوم. ثم دعا لهم فقال: { يغفر الله لكم } ، فيوقف على اليوم. وقيل: يتعلق بيغفر، فيوقف على ما قبله، وهو بعيد لأنه تحكم على الله، وإنما يصلح أن يكون دعاء، إذ هو الذي يليق بآداب الأنبياء، فكأنه أسقط حق نفسه بقوله: { لا تثريب عليكم اليوم } ، ثم دعا الله أن يغفر لهم الله حقه. قاله ابن جزي، وصدر به البيضاوي. وبه تعلم ضعف وقف الهبطي. ثم قال في تمام دعائه: { وهو أرحم الراحمين } فإنه يغفر الصغائر والكبائر، ويتفضل على التائب. قال البيضاوي: ومن كرم يوسف عليه السلام أنهم لما عرفوه أرسلوا له، وقالوا: إنك تدعوننا بالبكرة والعشي إلى الطعام، ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك، فقال لهم: إن أهل مصر كانوا ينظرون إلي بالعين الأولى، ويقولون: سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت بكم، وعظمت في أعينهم حيث إنكم إخوتي، وإني من حفدة إبراهيم عليه السلام. ه. الإشارة: من رام الدخول إلى حضرة الكريم الغفار، فليدخل من باب الذل والانكسار. وفي الحكم: " ما طلب لك شيء مثل الاضطرار، ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار ". فإذا قرعت الباب، ورمت الدخول مع الأحباب، فقل بلسان التضرع والانكسار: يا أيها العزيز الغفار مسنا الضر، وهو البعد والغفلة، وجئنا ببضاعة مزجاة عمل مدخول، وقلب معلول، فأوف لنا ما أملناه من الجزاء المأمول، وتفضل علينا بالقبول والوصول، وقل: اليوم نغفر لكم ونغطي مساوءكم، ونوصلكم بما مني إليكم من الإحسان، لا بما منكم إلينا الطاعة والإذعان. هؤلاء إخوة يوسف لما أظهروا فاقتهم، واستقلوا بضاعتهم، وأحضروا شكايتهم، سمح لهم وقربهم، وكشف لهم عن وجهه الجميل، ومنحهم العطاء الجزيل، فما ظنك بالرب العظيم الجليل، الذي هو أرحم الراحمين، ومحل أمل القاصدين. ثم أمرهم بالرجوع إلى أبيهم والإتيان به وبمن معه من أولادهم، فقال: { اذهبوا بقميصي هذا }.
يوسف 12:92
قلت: من يتق ويصبر: من قرأ بالياء: أجرى الموصول مجرى الشرط لعمومه وإبهامه، فعطف على صلته بالجزم، ومنه قول الشاعر:
كذلك الذي يبغي على الناس ظالما تصبه على رغم عواقب ما صنع
يقول الحق جل جلاله: { فلما دخلوا عليه } على يوسف حين رجعوا إليه مرة ثالثة، { قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر } شدة الجوع { وجئنا } إليك { ببضاعة مزجاة }: رديئة، أو قليلة، أو ناقصة، تدفع وترد من أزجيته، دفعته. ومنه:
يزجي سحابا
[النور: 43] قيل: كانت دراهم زيوفا وقيل: الصنوبر وحبة الخضراء. وقيل: سويق المقل أي: الدوم. وقيل: عروضا. { فأوف لنا الكيل }: أتممه لنا، { وتصدق علينا } بالمسامحة، وقبول المزجاة، أو بالزيادة على ثمننا. وهذا يقتضي أن الصدقة كانت حلالا على الأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو خلاف المشهور. أو برد أخينا، { إن الله يجزي المتصدقين } أحسن الجزاء. والتصدق: التفضل مطلقا، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في القصر:
" هذه صدقة تصدق الله عليكم بها، فاقبلوا صدقته ".
روي أن يعقوب عليه السلام لما أرسلهم أرسلهم المرة الثالثة ليتحسسوا أخبار يوسف وأخيه، أرسل معهم كتابا ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم، من يعقوب الحزين إلى عزيز مصر، ولو عرفت اسمك لذكرتك في كتابي هذا، يا من أعتز بعز الله، فالله يعز من يشاء، ويذل من يشاء، وإني أيها العزيز قد اشمأز قلبي، وقطع الحزن أوصالي، وإني ناه إلى الإقراح، دائم البكاء والصياح، وإني من نطفة آباء كرام، فكيف يتولد اللصوص مني وأنا من الخصوص! وقد أخبرت أنك وضعت الصاع بالليل في رحل ولدي الأصغر، وإني حزين عليه كما كنت حزينا على أخيه الفقيد، حزنا دائما سرمدا شديدا. وإن كنت أفجعتني في الآخرة فإن قلبي لا محالة طائر. ثم ختمه بالسلام. فلما دفعوه ليوسف قرأه. وبكى بكاء شديدا، ثم دفعه لأخيه بنيامين فقرأه وبكى أيضا. ثم نزل عن سريره، ثم دفع لهم الكتاب الذي كانوا يكتبوه لمالك بن ذعر لما باعوه بخطوط شهادتهم، كان أخذه من مالك حين باعه. فلما قرأوه تغيرت ألوانهم وتضعضعت أركانهم، وبهتوا، فقال لهم: { هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } من إيذاء يوسف، وتفريقه من أبيه، ومضرة أخيه من بعده، فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه، أي: هل علمتم قبحة فتبتم منه؟ قاله نصحا وتحريضا لهم على التوبة. { إذ أنتم جاهلون } أي: فعلتم ذلك حين كنتم جاهلين قبح ذلك. وإنما سماهم جاهلين لأن فعلهم حينئذ فعل الجهال، أو لأنهم حينئذ كانوا صبيانا طياشين، فعرفوه حينئذ على ظن، فقالوا: { أئنك لأنت يوسف }؟ بالاستفهام التقريري. وقرأ ابن كثير على الإيجاب. قيل: عرفوه بذوائبه وشمائله حين نزل إليهم وكلمهم.
وقيل: تبسم فعرفوه بثناياه. وقيل: رفع التاج عن رأسه فعرفوه بشامة كانت في رأسه بيضاء، وكانت لسارة يعقوب مثلها. { قال } لهم: { أنا يوسف وهذا أخي } من أبي وأمي. ذكره تعريفا لنفسه به، وتفخيما لشأنه، وإدخالا له في المنة بقوله: { قد من الله علينا } بالسلامة والكرامة والعز. { إنه من يتق } الله { ويصبر } على بلواه، وعلى طاعته وتقواه { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } ، وضع المحسنين موضع المضمر تنبيها على أن المحسن جمع بين الصبر والتقوى. فمن اتقى الله وصبر فهو محسن... { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا } بحسن الصورة وكمال السيرة، أو فضلك علينا رغما على أنفنا، { وإن كنا لخاطئين } أي: والحال أن شأننا أنا كنا مذنبين فيما فعلنا معك. { قال لا تثريب }: لا عتاب { عليكم اليوم } أي: لا عقوبة عليكم في هذا اليوم. ثم دعا لهم فقال: { يغفر الله لكم } ، فيوقف على اليوم. وقيل: يتعلق بيغفر، فيوقف على ما قبله، وهو بعيد لأنه تحكم على الله، وإنما يصلح أن يكون دعاء، إذ هو الذي يليق بآداب الأنبياء، فكأنه أسقط حق نفسه بقوله: { لا تثريب عليكم اليوم } ، ثم دعا الله أن يغفر لهم الله حقه. قاله ابن جزي، وصدر به البيضاوي. وبه تعلم ضعف وقف الهبطي. ثم قال في تمام دعائه: { وهو أرحم الراحمين } فإنه يغفر الصغائر والكبائر، ويتفضل على التائب. قال البيضاوي: ومن كرم يوسف عليه السلام أنهم لما عرفوه أرسلوا له، وقالوا: إنك تدعوننا بالبكرة والعشي إلى الطعام، ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك، فقال لهم: إن أهل مصر كانوا ينظرون إلي بالعين الأولى، ويقولون: سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت بكم، وعظمت في أعينهم حيث إنكم إخوتي، وإني من حفدة إبراهيم عليه السلام. ه. الإشارة: من رام الدخول إلى حضرة الكريم الغفار، فليدخل من باب الذل والانكسار. وفي الحكم: " ما طلب لك شيء مثل الاضطرار، ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار ". فإذا قرعت الباب، ورمت الدخول مع الأحباب، فقل بلسان التضرع والانكسار: يا أيها العزيز الغفار مسنا الضر، وهو البعد والغفلة، وجئنا ببضاعة مزجاة عمل مدخول، وقلب معلول، فأوف لنا ما أملناه من الجزاء المأمول، وتفضل علينا بالقبول والوصول، وقل: اليوم نغفر لكم ونغطي مساوءكم، ونوصلكم بما مني إليكم من الإحسان، لا بما منكم إلينا الطاعة والإذعان. هؤلاء إخوة يوسف لما أظهروا فاقتهم، واستقلوا بضاعتهم، وأحضروا شكايتهم، سمح لهم وقربهم، وكشف لهم عن وجهه الجميل، ومنحهم العطاء الجزيل، فما ظنك بالرب العظيم الجليل، الذي هو أرحم الراحمين، ومحل أمل القاصدين. ثم أمرهم بالرجوع إلى أبيهم والإتيان به وبمن معه من أولادهم، فقال: { اذهبوا بقميصي هذا }.
يوسف 12:93
قلت: جواب لولا: محذوف، أي: لولا أن تفندون لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني. يقول الحق جل جلاله: قال يوسف لإخوته لما عرفوه، وأزال ما بينه وبينهم من الوحشة، وقد أخذ قميصه: { اذهبوا بقميصي هذا } ، روي أن هذا القميص كان لإبراهيم الذي لبسه حين كان في النار، وقيل: ألبسه له جبريل حين خرج من النار، وكان من ثياب الجنة، ثم كان لإسحاق ثم ليعقوب، ثم كان دفعه ليوسف، فكان عنده في حفاظ من قصب، وكان في عنقه في الجب، وأمره جبريل بإرساله، وقال: إنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل واحد. وبهذا تتبين الغرابة في أن وجد يعقوب ريحة من بعد ولو كان من قميص الجنة لما كان في ذلك غرابة، ويجده كل أحد. ه. قلت: وما قاله لا ينهض لأن ما ظهر من الجنة إلى دار الدنيا لا يبقى على حاله دائما لأنه من أسرار الغيب، بل لا يجده إلا أهل الذوق من أهل القرب، كنور الحجر الأسود، وغيره مما نزل من الجنة. والله تعالى أعلم. ثم قال لهم اذهبوا به: { فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا } أي: يرجع بصيرا، علم ذلك بوحي، أو تجربة من القميص، { وأتوني بأهلكم أجمعين } نسائكم وذراريكم وأموالكم. { ولما فصلت العير } من مصر، وخرجت من عمارتها، { قال أبوهم } لمن حضره: { إني لأجد ريح يوسف } أوجده الله، ريح ما عبق من قميصه حين أقبل إليه به يهوذا من ثمانين فرسخا لأن يعقوب كان إذ ذاك ببيت المقدس، ويوسف بمصر، { لولا أن تفندون } تنسبوني إلى الفند، وهو: نقصان عقل يحدث من هرم. ولذلك لا يقال عجوز مفندة لأن نقصان عقلها ذاتي. أي: لولا أن تحمقوني لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني في ذلك، أو لولا أن تلوموني، وتردوا علي قولي لقلت إنه ريح يوسف. { قالوا } أي: الحاضرون: { تالله إنك لفي ضلالك القديم } أي: إنك لفي خطئك القديم بالإفراط في محبة يوسف، وإكثار ذكره، وتوقع لقائه. { فلما أن جاء البشير } أي: المبشر، وهو يهوذا. روي أنه قال: كنت أحزنته بحمل قميصه الملطخ بالدم إليه، اليوم أفرحه بحمل هذا إليه. وفي رواية عنه قال: إني ذهبت إليه بقميص الترحة، فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة. فلما وصل إليه { ألقاه على وجهه } طرح البشير القميص على وجه يعقوب، أو: القاه يعقوب بنفسه على وجهه، { فارتد بصيرا } بقدرة الله وبركة القميص. { قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعملون } من حياة يوسف، وإنزال الفرج. { قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين } ، وقد اعترفنا بذنوبنا، وسألنا المغفرة.
{ قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم } ، أخره إلى السحر، أو إلى صلاة الليل، أو إلى ليلة الجمعة، تحريا لوقت الإجابة، أو إلى أن يتحلل لهم من يوسف، فإن عفو المظلوم شرط في المغفرة، ويؤيده ما روي أنه لما اجتمع به، وتحلل منه، استقبل يعقوب القبلة قائما يدعو، ويوسف خلفه يؤمن، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين، حتى نزل جبريل وقال: إن الله قد أجاب دعوتك في أولادك، وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة. وهو إن صح، دليل نبوتهم، وأن ما صدر منهم كان قبل نبوتهم، قاله البيضاوي. الإشارة: اعلم أن الحق جل جلاله جعل للبشرية عينين حسيين: تبصر بهما الحسيات، وجعل للقلب عينين معنويين يرى بهما المعاني. فالأول: يسمى البصر، والثاني: البصيرة: فأحد عيني القلب تبصر أنوار الشريعة، والأخرى تبصر أسرار الحقيقة. وقد يغشى القلب ظلمة الكفر، فتغطيهما معا، وهو: عمى البصيرة. وقد يغشاه ظلمة المعاصي، واتباع الحظوظ والهوى، فتعمى عين الحقيقة، وجلباب العصمة على عين الشريعة، فيرجع القلب بصيرا. ولا بد من صحبة شيخ عارف يعطيه هذا القميص، ويقول: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه بصيرتكم، تأتي بصيرة عارفة، فإذا قرب منها هذا القميص هب عليها نسيم الوصال، وهاج عليها الوجد والحال. وأنشدت بلسان المقال:
سويداء قلبي أصبحت حرما لكم تطوف بها الأسرار من عالم اللطف وسائل ما بين المحبين أصبحت تجل عن التعريف والرسم والعرف رسائل جاءتنا برؤيا جنابكم عوارف عرف فاق كل شذا عرف
ثم ذكر دخول يعقوب مصر، وجمع شمله بيوسف عليهما السلام ، فقال: { فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه }.
يوسف 12:94
قلت: جواب لولا: محذوف، أي: لولا أن تفندون لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني. يقول الحق جل جلاله: قال يوسف لإخوته لما عرفوه، وأزال ما بينه وبينهم من الوحشة، وقد أخذ قميصه: { اذهبوا بقميصي هذا } ، روي أن هذا القميص كان لإبراهيم الذي لبسه حين كان في النار، وقيل: ألبسه له جبريل حين خرج من النار، وكان من ثياب الجنة، ثم كان لإسحاق ثم ليعقوب، ثم كان دفعه ليوسف، فكان عنده في حفاظ من قصب، وكان في عنقه في الجب، وأمره جبريل بإرساله، وقال: إنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل واحد. وبهذا تتبين الغرابة في أن وجد يعقوب ريحة من بعد ولو كان من قميص الجنة لما كان في ذلك غرابة، ويجده كل أحد. ه. قلت: وما قاله لا ينهض لأن ما ظهر من الجنة إلى دار الدنيا لا يبقى على حاله دائما لأنه من أسرار الغيب، بل لا يجده إلا أهل الذوق من أهل القرب، كنور الحجر الأسود، وغيره مما نزل من الجنة. والله تعالى أعلم. ثم قال لهم اذهبوا به: { فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا } أي: يرجع بصيرا، علم ذلك بوحي، أو تجربة من القميص، { وأتوني بأهلكم أجمعين } نسائكم وذراريكم وأموالكم. { ولما فصلت العير } من مصر، وخرجت من عمارتها، { قال أبوهم } لمن حضره: { إني لأجد ريح يوسف } أوجده الله، ريح ما عبق من قميصه حين أقبل إليه به يهوذا من ثمانين فرسخا لأن يعقوب كان إذ ذاك ببيت المقدس، ويوسف بمصر، { لولا أن تفندون } تنسبوني إلى الفند، وهو: نقصان عقل يحدث من هرم. ولذلك لا يقال عجوز مفندة لأن نقصان عقلها ذاتي. أي: لولا أن تحمقوني لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني في ذلك، أو لولا أن تلوموني، وتردوا علي قولي لقلت إنه ريح يوسف. { قالوا } أي: الحاضرون: { تالله إنك لفي ضلالك القديم } أي: إنك لفي خطئك القديم بالإفراط في محبة يوسف، وإكثار ذكره، وتوقع لقائه. { فلما أن جاء البشير } أي: المبشر، وهو يهوذا. روي أنه قال: كنت أحزنته بحمل قميصه الملطخ بالدم إليه، اليوم أفرحه بحمل هذا إليه. وفي رواية عنه قال: إني ذهبت إليه بقميص الترحة، فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة. فلما وصل إليه { ألقاه على وجهه } طرح البشير القميص على وجه يعقوب، أو: القاه يعقوب بنفسه على وجهه، { فارتد بصيرا } بقدرة الله وبركة القميص. { قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعملون } من حياة يوسف، وإنزال الفرج. { قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين } ، وقد اعترفنا بذنوبنا، وسألنا المغفرة.
{ قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم } ، أخره إلى السحر، أو إلى صلاة الليل، أو إلى ليلة الجمعة، تحريا لوقت الإجابة، أو إلى أن يتحلل لهم من يوسف، فإن عفو المظلوم شرط في المغفرة، ويؤيده ما روي أنه لما اجتمع به، وتحلل منه، استقبل يعقوب القبلة قائما يدعو، ويوسف خلفه يؤمن، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين، حتى نزل جبريل وقال: إن الله قد أجاب دعوتك في أولادك، وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة. وهو إن صح، دليل نبوتهم، وأن ما صدر منهم كان قبل نبوتهم، قاله البيضاوي. الإشارة: اعلم أن الحق جل جلاله جعل للبشرية عينين حسيين: تبصر بهما الحسيات، وجعل للقلب عينين معنويين يرى بهما المعاني. فالأول: يسمى البصر، والثاني: البصيرة: فأحد عيني القلب تبصر أنوار الشريعة، والأخرى تبصر أسرار الحقيقة. وقد يغشى القلب ظلمة الكفر، فتغطيهما معا، وهو: عمى البصيرة. وقد يغشاه ظلمة المعاصي، واتباع الحظوظ والهوى، فتعمى عين الحقيقة، وجلباب العصمة على عين الشريعة، فيرجع القلب بصيرا. ولا بد من صحبة شيخ عارف يعطيه هذا القميص، ويقول: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه بصيرتكم، تأتي بصيرة عارفة، فإذا قرب منها هذا القميص هب عليها نسيم الوصال، وهاج عليها الوجد والحال. وأنشدت بلسان المقال:
سويداء قلبي أصبحت حرما لكم تطوف بها الأسرار من عالم اللطف وسائل ما بين المحبين أصبحت تجل عن التعريف والرسم والعرف رسائل جاءتنا برؤيا جنابكم عوارف عرف فاق كل شذا عرف
ثم ذكر دخول يعقوب مصر، وجمع شمله بيوسف عليهما السلام ، فقال: { فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه }.
يوسف 12:95
قلت: جواب لولا: محذوف، أي: لولا أن تفندون لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني. يقول الحق جل جلاله: قال يوسف لإخوته لما عرفوه، وأزال ما بينه وبينهم من الوحشة، وقد أخذ قميصه: { اذهبوا بقميصي هذا } ، روي أن هذا القميص كان لإبراهيم الذي لبسه حين كان في النار، وقيل: ألبسه له جبريل حين خرج من النار، وكان من ثياب الجنة، ثم كان لإسحاق ثم ليعقوب، ثم كان دفعه ليوسف، فكان عنده في حفاظ من قصب، وكان في عنقه في الجب، وأمره جبريل بإرساله، وقال: إنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل واحد. وبهذا تتبين الغرابة في أن وجد يعقوب ريحة من بعد ولو كان من قميص الجنة لما كان في ذلك غرابة، ويجده كل أحد. ه. قلت: وما قاله لا ينهض لأن ما ظهر من الجنة إلى دار الدنيا لا يبقى على حاله دائما لأنه من أسرار الغيب، بل لا يجده إلا أهل الذوق من أهل القرب، كنور الحجر الأسود، وغيره مما نزل من الجنة. والله تعالى أعلم. ثم قال لهم اذهبوا به: { فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا } أي: يرجع بصيرا، علم ذلك بوحي، أو تجربة من القميص، { وأتوني بأهلكم أجمعين } نسائكم وذراريكم وأموالكم. { ولما فصلت العير } من مصر، وخرجت من عمارتها، { قال أبوهم } لمن حضره: { إني لأجد ريح يوسف } أوجده الله، ريح ما عبق من قميصه حين أقبل إليه به يهوذا من ثمانين فرسخا لأن يعقوب كان إذ ذاك ببيت المقدس، ويوسف بمصر، { لولا أن تفندون } تنسبوني إلى الفند، وهو: نقصان عقل يحدث من هرم. ولذلك لا يقال عجوز مفندة لأن نقصان عقلها ذاتي. أي: لولا أن تحمقوني لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني في ذلك، أو لولا أن تلوموني، وتردوا علي قولي لقلت إنه ريح يوسف. { قالوا } أي: الحاضرون: { تالله إنك لفي ضلالك القديم } أي: إنك لفي خطئك القديم بالإفراط في محبة يوسف، وإكثار ذكره، وتوقع لقائه. { فلما أن جاء البشير } أي: المبشر، وهو يهوذا. روي أنه قال: كنت أحزنته بحمل قميصه الملطخ بالدم إليه، اليوم أفرحه بحمل هذا إليه. وفي رواية عنه قال: إني ذهبت إليه بقميص الترحة، فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة. فلما وصل إليه { ألقاه على وجهه } طرح البشير القميص على وجه يعقوب، أو: القاه يعقوب بنفسه على وجهه، { فارتد بصيرا } بقدرة الله وبركة القميص. { قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعملون } من حياة يوسف، وإنزال الفرج. { قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين } ، وقد اعترفنا بذنوبنا، وسألنا المغفرة.
{ قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم } ، أخره إلى السحر، أو إلى صلاة الليل، أو إلى ليلة الجمعة، تحريا لوقت الإجابة، أو إلى أن يتحلل لهم من يوسف، فإن عفو المظلوم شرط في المغفرة، ويؤيده ما روي أنه لما اجتمع به، وتحلل منه، استقبل يعقوب القبلة قائما يدعو، ويوسف خلفه يؤمن، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين، حتى نزل جبريل وقال: إن الله قد أجاب دعوتك في أولادك، وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة. وهو إن صح، دليل نبوتهم، وأن ما صدر منهم كان قبل نبوتهم، قاله البيضاوي. الإشارة: اعلم أن الحق جل جلاله جعل للبشرية عينين حسيين: تبصر بهما الحسيات، وجعل للقلب عينين معنويين يرى بهما المعاني. فالأول: يسمى البصر، والثاني: البصيرة: فأحد عيني القلب تبصر أنوار الشريعة، والأخرى تبصر أسرار الحقيقة. وقد يغشى القلب ظلمة الكفر، فتغطيهما معا، وهو: عمى البصيرة. وقد يغشاه ظلمة المعاصي، واتباع الحظوظ والهوى، فتعمى عين الحقيقة، وجلباب العصمة على عين الشريعة، فيرجع القلب بصيرا. ولا بد من صحبة شيخ عارف يعطيه هذا القميص، ويقول: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه بصيرتكم، تأتي بصيرة عارفة، فإذا قرب منها هذا القميص هب عليها نسيم الوصال، وهاج عليها الوجد والحال. وأنشدت بلسان المقال:
سويداء قلبي أصبحت حرما لكم تطوف بها الأسرار من عالم اللطف وسائل ما بين المحبين أصبحت تجل عن التعريف والرسم والعرف رسائل جاءتنا برؤيا جنابكم عوارف عرف فاق كل شذا عرف
ثم ذكر دخول يعقوب مصر، وجمع شمله بيوسف عليهما السلام ، فقال: { فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه }.
يوسف 12:96
قلت: جواب لولا: محذوف، أي: لولا أن تفندون لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني. يقول الحق جل جلاله: قال يوسف لإخوته لما عرفوه، وأزال ما بينه وبينهم من الوحشة، وقد أخذ قميصه: { اذهبوا بقميصي هذا } ، روي أن هذا القميص كان لإبراهيم الذي لبسه حين كان في النار، وقيل: ألبسه له جبريل حين خرج من النار، وكان من ثياب الجنة، ثم كان لإسحاق ثم ليعقوب، ثم كان دفعه ليوسف، فكان عنده في حفاظ من قصب، وكان في عنقه في الجب، وأمره جبريل بإرساله، وقال: إنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل واحد. وبهذا تتبين الغرابة في أن وجد يعقوب ريحة من بعد ولو كان من قميص الجنة لما كان في ذلك غرابة، ويجده كل أحد. ه. قلت: وما قاله لا ينهض لأن ما ظهر من الجنة إلى دار الدنيا لا يبقى على حاله دائما لأنه من أسرار الغيب، بل لا يجده إلا أهل الذوق من أهل القرب، كنور الحجر الأسود، وغيره مما نزل من الجنة. والله تعالى أعلم. ثم قال لهم اذهبوا به: { فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا } أي: يرجع بصيرا، علم ذلك بوحي، أو تجربة من القميص، { وأتوني بأهلكم أجمعين } نسائكم وذراريكم وأموالكم. { ولما فصلت العير } من مصر، وخرجت من عمارتها، { قال أبوهم } لمن حضره: { إني لأجد ريح يوسف } أوجده الله، ريح ما عبق من قميصه حين أقبل إليه به يهوذا من ثمانين فرسخا لأن يعقوب كان إذ ذاك ببيت المقدس، ويوسف بمصر، { لولا أن تفندون } تنسبوني إلى الفند، وهو: نقصان عقل يحدث من هرم. ولذلك لا يقال عجوز مفندة لأن نقصان عقلها ذاتي. أي: لولا أن تحمقوني لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني في ذلك، أو لولا أن تلوموني، وتردوا علي قولي لقلت إنه ريح يوسف. { قالوا } أي: الحاضرون: { تالله إنك لفي ضلالك القديم } أي: إنك لفي خطئك القديم بالإفراط في محبة يوسف، وإكثار ذكره، وتوقع لقائه. { فلما أن جاء البشير } أي: المبشر، وهو يهوذا. روي أنه قال: كنت أحزنته بحمل قميصه الملطخ بالدم إليه، اليوم أفرحه بحمل هذا إليه. وفي رواية عنه قال: إني ذهبت إليه بقميص الترحة، فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة. فلما وصل إليه { ألقاه على وجهه } طرح البشير القميص على وجه يعقوب، أو: القاه يعقوب بنفسه على وجهه، { فارتد بصيرا } بقدرة الله وبركة القميص. { قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعملون } من حياة يوسف، وإنزال الفرج. { قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين } ، وقد اعترفنا بذنوبنا، وسألنا المغفرة.
{ قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم } ، أخره إلى السحر، أو إلى صلاة الليل، أو إلى ليلة الجمعة، تحريا لوقت الإجابة، أو إلى أن يتحلل لهم من يوسف، فإن عفو المظلوم شرط في المغفرة، ويؤيده ما روي أنه لما اجتمع به، وتحلل منه، استقبل يعقوب القبلة قائما يدعو، ويوسف خلفه يؤمن، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين، حتى نزل جبريل وقال: إن الله قد أجاب دعوتك في أولادك، وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة. وهو إن صح، دليل نبوتهم، وأن ما صدر منهم كان قبل نبوتهم، قاله البيضاوي. الإشارة: اعلم أن الحق جل جلاله جعل للبشرية عينين حسيين: تبصر بهما الحسيات، وجعل للقلب عينين معنويين يرى بهما المعاني. فالأول: يسمى البصر، والثاني: البصيرة: فأحد عيني القلب تبصر أنوار الشريعة، والأخرى تبصر أسرار الحقيقة. وقد يغشى القلب ظلمة الكفر، فتغطيهما معا، وهو: عمى البصيرة. وقد يغشاه ظلمة المعاصي، واتباع الحظوظ والهوى، فتعمى عين الحقيقة، وجلباب العصمة على عين الشريعة، فيرجع القلب بصيرا. ولا بد من صحبة شيخ عارف يعطيه هذا القميص، ويقول: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه بصيرتكم، تأتي بصيرة عارفة، فإذا قرب منها هذا القميص هب عليها نسيم الوصال، وهاج عليها الوجد والحال. وأنشدت بلسان المقال:
سويداء قلبي أصبحت حرما لكم تطوف بها الأسرار من عالم اللطف وسائل ما بين المحبين أصبحت تجل عن التعريف والرسم والعرف رسائل جاءتنا برؤيا جنابكم عوارف عرف فاق كل شذا عرف
ثم ذكر دخول يعقوب مصر، وجمع شمله بيوسف عليهما السلام ، فقال: { فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه }.
يوسف 12:97
قلت: جواب لولا: محذوف، أي: لولا أن تفندون لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني. يقول الحق جل جلاله: قال يوسف لإخوته لما عرفوه، وأزال ما بينه وبينهم من الوحشة، وقد أخذ قميصه: { اذهبوا بقميصي هذا } ، روي أن هذا القميص كان لإبراهيم الذي لبسه حين كان في النار، وقيل: ألبسه له جبريل حين خرج من النار، وكان من ثياب الجنة، ثم كان لإسحاق ثم ليعقوب، ثم كان دفعه ليوسف، فكان عنده في حفاظ من قصب، وكان في عنقه في الجب، وأمره جبريل بإرساله، وقال: إنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل واحد. وبهذا تتبين الغرابة في أن وجد يعقوب ريحة من بعد ولو كان من قميص الجنة لما كان في ذلك غرابة، ويجده كل أحد. ه. قلت: وما قاله لا ينهض لأن ما ظهر من الجنة إلى دار الدنيا لا يبقى على حاله دائما لأنه من أسرار الغيب، بل لا يجده إلا أهل الذوق من أهل القرب، كنور الحجر الأسود، وغيره مما نزل من الجنة. والله تعالى أعلم. ثم قال لهم اذهبوا به: { فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا } أي: يرجع بصيرا، علم ذلك بوحي، أو تجربة من القميص، { وأتوني بأهلكم أجمعين } نسائكم وذراريكم وأموالكم. { ولما فصلت العير } من مصر، وخرجت من عمارتها، { قال أبوهم } لمن حضره: { إني لأجد ريح يوسف } أوجده الله، ريح ما عبق من قميصه حين أقبل إليه به يهوذا من ثمانين فرسخا لأن يعقوب كان إذ ذاك ببيت المقدس، ويوسف بمصر، { لولا أن تفندون } تنسبوني إلى الفند، وهو: نقصان عقل يحدث من هرم. ولذلك لا يقال عجوز مفندة لأن نقصان عقلها ذاتي. أي: لولا أن تحمقوني لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني في ذلك، أو لولا أن تلوموني، وتردوا علي قولي لقلت إنه ريح يوسف. { قالوا } أي: الحاضرون: { تالله إنك لفي ضلالك القديم } أي: إنك لفي خطئك القديم بالإفراط في محبة يوسف، وإكثار ذكره، وتوقع لقائه. { فلما أن جاء البشير } أي: المبشر، وهو يهوذا. روي أنه قال: كنت أحزنته بحمل قميصه الملطخ بالدم إليه، اليوم أفرحه بحمل هذا إليه. وفي رواية عنه قال: إني ذهبت إليه بقميص الترحة، فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة. فلما وصل إليه { ألقاه على وجهه } طرح البشير القميص على وجه يعقوب، أو: القاه يعقوب بنفسه على وجهه، { فارتد بصيرا } بقدرة الله وبركة القميص. { قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعملون } من حياة يوسف، وإنزال الفرج. { قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين } ، وقد اعترفنا بذنوبنا، وسألنا المغفرة.
{ قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم } ، أخره إلى السحر، أو إلى صلاة الليل، أو إلى ليلة الجمعة، تحريا لوقت الإجابة، أو إلى أن يتحلل لهم من يوسف، فإن عفو المظلوم شرط في المغفرة، ويؤيده ما روي أنه لما اجتمع به، وتحلل منه، استقبل يعقوب القبلة قائما يدعو، ويوسف خلفه يؤمن، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين، حتى نزل جبريل وقال: إن الله قد أجاب دعوتك في أولادك، وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة. وهو إن صح، دليل نبوتهم، وأن ما صدر منهم كان قبل نبوتهم، قاله البيضاوي. الإشارة: اعلم أن الحق جل جلاله جعل للبشرية عينين حسيين: تبصر بهما الحسيات، وجعل للقلب عينين معنويين يرى بهما المعاني. فالأول: يسمى البصر، والثاني: البصيرة: فأحد عيني القلب تبصر أنوار الشريعة، والأخرى تبصر أسرار الحقيقة. وقد يغشى القلب ظلمة الكفر، فتغطيهما معا، وهو: عمى البصيرة. وقد يغشاه ظلمة المعاصي، واتباع الحظوظ والهوى، فتعمى عين الحقيقة، وجلباب العصمة على عين الشريعة، فيرجع القلب بصيرا. ولا بد من صحبة شيخ عارف يعطيه هذا القميص، ويقول: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه بصيرتكم، تأتي بصيرة عارفة، فإذا قرب منها هذا القميص هب عليها نسيم الوصال، وهاج عليها الوجد والحال. وأنشدت بلسان المقال:
سويداء قلبي أصبحت حرما لكم تطوف بها الأسرار من عالم اللطف وسائل ما بين المحبين أصبحت تجل عن التعريف والرسم والعرف رسائل جاءتنا برؤيا جنابكم عوارف عرف فاق كل شذا عرف
ثم ذكر دخول يعقوب مصر، وجمع شمله بيوسف عليهما السلام ، فقال: { فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه }.
يوسف 12:98
قلت: جواب لولا: محذوف، أي: لولا أن تفندون لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني. يقول الحق جل جلاله: قال يوسف لإخوته لما عرفوه، وأزال ما بينه وبينهم من الوحشة، وقد أخذ قميصه: { اذهبوا بقميصي هذا } ، روي أن هذا القميص كان لإبراهيم الذي لبسه حين كان في النار، وقيل: ألبسه له جبريل حين خرج من النار، وكان من ثياب الجنة، ثم كان لإسحاق ثم ليعقوب، ثم كان دفعه ليوسف، فكان عنده في حفاظ من قصب، وكان في عنقه في الجب، وأمره جبريل بإرساله، وقال: إنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل واحد. وبهذا تتبين الغرابة في أن وجد يعقوب ريحة من بعد ولو كان من قميص الجنة لما كان في ذلك غرابة، ويجده كل أحد. ه. قلت: وما قاله لا ينهض لأن ما ظهر من الجنة إلى دار الدنيا لا يبقى على حاله دائما لأنه من أسرار الغيب، بل لا يجده إلا أهل الذوق من أهل القرب، كنور الحجر الأسود، وغيره مما نزل من الجنة. والله تعالى أعلم. ثم قال لهم اذهبوا به: { فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا } أي: يرجع بصيرا، علم ذلك بوحي، أو تجربة من القميص، { وأتوني بأهلكم أجمعين } نسائكم وذراريكم وأموالكم. { ولما فصلت العير } من مصر، وخرجت من عمارتها، { قال أبوهم } لمن حضره: { إني لأجد ريح يوسف } أوجده الله، ريح ما عبق من قميصه حين أقبل إليه به يهوذا من ثمانين فرسخا لأن يعقوب كان إذ ذاك ببيت المقدس، ويوسف بمصر، { لولا أن تفندون } تنسبوني إلى الفند، وهو: نقصان عقل يحدث من هرم. ولذلك لا يقال عجوز مفندة لأن نقصان عقلها ذاتي. أي: لولا أن تحمقوني لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني في ذلك، أو لولا أن تلوموني، وتردوا علي قولي لقلت إنه ريح يوسف. { قالوا } أي: الحاضرون: { تالله إنك لفي ضلالك القديم } أي: إنك لفي خطئك القديم بالإفراط في محبة يوسف، وإكثار ذكره، وتوقع لقائه. { فلما أن جاء البشير } أي: المبشر، وهو يهوذا. روي أنه قال: كنت أحزنته بحمل قميصه الملطخ بالدم إليه، اليوم أفرحه بحمل هذا إليه. وفي رواية عنه قال: إني ذهبت إليه بقميص الترحة، فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة. فلما وصل إليه { ألقاه على وجهه } طرح البشير القميص على وجه يعقوب، أو: القاه يعقوب بنفسه على وجهه، { فارتد بصيرا } بقدرة الله وبركة القميص. { قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعملون } من حياة يوسف، وإنزال الفرج. { قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين } ، وقد اعترفنا بذنوبنا، وسألنا المغفرة.
{ قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم } ، أخره إلى السحر، أو إلى صلاة الليل، أو إلى ليلة الجمعة، تحريا لوقت الإجابة، أو إلى أن يتحلل لهم من يوسف، فإن عفو المظلوم شرط في المغفرة، ويؤيده ما روي أنه لما اجتمع به، وتحلل منه، استقبل يعقوب القبلة قائما يدعو، ويوسف خلفه يؤمن، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين، حتى نزل جبريل وقال: إن الله قد أجاب دعوتك في أولادك، وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة. وهو إن صح، دليل نبوتهم، وأن ما صدر منهم كان قبل نبوتهم، قاله البيضاوي. الإشارة: اعلم أن الحق جل جلاله جعل للبشرية عينين حسيين: تبصر بهما الحسيات، وجعل للقلب عينين معنويين يرى بهما المعاني. فالأول: يسمى البصر، والثاني: البصيرة: فأحد عيني القلب تبصر أنوار الشريعة، والأخرى تبصر أسرار الحقيقة. وقد يغشى القلب ظلمة الكفر، فتغطيهما معا، وهو: عمى البصيرة. وقد يغشاه ظلمة المعاصي، واتباع الحظوظ والهوى، فتعمى عين الحقيقة، وجلباب العصمة على عين الشريعة، فيرجع القلب بصيرا. ولا بد من صحبة شيخ عارف يعطيه هذا القميص، ويقول: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه بصيرتكم، تأتي بصيرة عارفة، فإذا قرب منها هذا القميص هب عليها نسيم الوصال، وهاج عليها الوجد والحال. وأنشدت بلسان المقال:
سويداء قلبي أصبحت حرما لكم تطوف بها الأسرار من عالم اللطف وسائل ما بين المحبين أصبحت تجل عن التعريف والرسم والعرف رسائل جاءتنا برؤيا جنابكم عوارف عرف فاق كل شذا عرف
ثم ذكر دخول يعقوب مصر، وجمع شمله بيوسف عليهما السلام ، فقال: { فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه }.
يوسف 12:99
يقول الحق جل جلاله: { فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه }. قبل هذا الكلام محذوفات، وهي: فرحل يعقوب بأهله حتى بلغوا إليه، ولما دخلوا على يوسف... الخ. روي أن يوسف عليه السلام وجه إليه رواحل وأموالا ليتجهز إليه بمن معه، وأرسل إليه مائة وثمانين كسوة من رفيع الثياب والعمائم لإخواته، وقميصان مذهبان للإناث، فلما وصلت إلى يعقوب لبس، وألبس أولاده. وركبوا المراكب، وخرجوا من أرض كنعان يريدون مصر، فلما قربوا، أمر يوسف عليه السلام العساكر أن تخرج معه للقائهم، فأول من لقيهم ثلاثون ألف فارس، كلهم يسجدون بين يدي يعقوب، وهو يتعجب من عظم تلك الأجناد، ويضحك من نصر الله تعالى، وعزه لا بنه. ثم لقيهم البغال، والجواري لنساء إخوته وأولادهم. ثم لقيهم أربعون ألف شيخ من الوزراء والكبراء. ثم استقبلهم يوسف عليه السلام مترجلا ماشيا على قدميه، متواضعا لأبيه، في مائة ألف، كلهم على أرجلهم، معهم الملك " ريان " ثم سلم يوسف عليه السلام والملك على أبيه، ثم اقبلا يبكيان، وبكى إخوته وضج الناس بالبكاء، ثم ضم إليه أبويه، وقيل: أباه وخالته، { وقال ادخلوا ان شاء الله آمنين } ، ثم حمل يعقوب عليه السلام في هودج من الذهب، ويوسف عليه السلام، وإخوته يمشون بين يديه مترجلين حتى دخلوا مصر، ثم أتوا إلى قصر مملكته. قال ابن عباس: فجلس يوسف عليه السلام على سريره، وأبوه عن يمينه، وخالته عن شماله، وإخوته بين يديه، فخروا له سجدا لأنها كانت في ذلك الزمان يعني تحيتهم على الملوك روي أنهم قالوا في سجودهم: سبحان مولف الشتات بعد الإياس، سبحان كاشف الضر بعد البأس. فقال يوسف لأبيه: { يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل... } الخ هكذا ذكر القصة صاحب الزهرالأنيق في قصة يوسف الصديق. وهذا معنى قوله: { فلما دخلوا على يوسف } بلده ومملكته { آوى إليه أبويه } أي: اعتقهما، وسلم عليهما، وضمهما إليه. قيل: الأبوين حقيقة. وقيل: أباه وخالته، ونزل الخالة منزلة الأم تنزيل العم منزلة الأب في قوله:
نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق
[البقرة: 133]. { وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين } من القحط وأصناف المكاره. والمشيئة متعلقة بالدخول المكيف بتلك الهيئة لا بالأمن. وقال ابن جزي: راجعة إلى الأمن. قال البيضاوي: وكان أولاد يعقوب الذين دخلوا مصر اثنين وسبعين رجلا، وامرأة، وكانوا حين خرجوا مع موسى ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وتسعين رجلا سوى الذرية والهرمى. ه. { ورفع أبويه على العرش } ، أي: حين دخلوا قصر مملكته، { وخروا له سجدا } تحية وتكرمة فإن السجود كان عندهم يجري مجرى التحية. وقيل: معناه: خروا لأجله سجدا لله شكرا.
وقول البيضاوي: الرفع مؤخر عن الخرور، فيه نظر لما تقدم عن صاحب الزهر الأنيق، ولا داعي إلى الخروج عن الظاهر إلا بنص صريح. قال ابن عطية: واختلف في هذا السجود فقيل: كان المعهود عندنا من وضع الوجه بالأرض، وقيل: بل دون ذلك كالركوع البالغ ونحوه، مما كان سيرة تحيتهم للملوك في ذلك الزمان. وأجمع المفسرون أن ذلك السجود، كيفما كان، إنما كان تحية لا عبادة. قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم، وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة. ثم قال: قال أبو عمرو الشيباني: تقدم يوسف يعقوب عليه السلام في المشي في بعض تلك المواطن، فهبط جبريل فقال: أتتقدم أباك؟ إن عقوبتك لذلك ألا يخرج من نسلك نبي. ه. قال المحشي الفاسي: وما أظن لهذا صحة، وقد كان في ذريته " يوشع بن نون " عليه السلام، ويوسف المذكور في سورة الطول على قول. وفي البيضاوي: وكان عمر يوسف مائة عشرين سنة، وقد ولد له من راعيل: إفراثيم وميشا، وهو جد يوشع بن نون ورحمة امرأة أيوب. ه. قلت: المذكورفي قصة أيوب أن زوجه رحمة إنما كانت ابنة إفراثيم بن يوشع لابنته. ثم قال: { يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل } التي رأيتها أيام الصبا، وهي: رؤيا أحد عشر كوكبا والشمس والقمر يسجدون لي، { قد جعلها ربي حقا }: صدقا. وكان بين رؤياه وبين صدق تأويلها ثمانون عاما، وقيل: أربعون، وهو الأصح. { وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن } ، ولم يذكر الجب لئلا يخجل إخوته ولأنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك، فالنعمة هنا أوضح. { وجاء بكم من البدو }: من البادية لأنهم كانوا أصحاب المواشي وأهل البدو، فعد عليهم من النعم انتقالهم للحاضرة لأنها محل الراحة. { من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي }: أفسد بيننا وحرش، من نزغ الدابة إذا نخسها. { إن ربي لطيف لما يشاء } أي: لطيف التدبير لما يشاء من الأمور إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته، ويتسهل دونها، { إنه هو العليم } بوجوه المصالح والتدابير، { الحكيم } الذي يفعل كل شيء في وقته، على وجه تقتضيه الحكمة. روي أن يوسف عليه السلام طاف بأبيه عليهما السلام في خزائنه، فلما أدخله خزانة القرطاس، قال: يا بني، ما أغفلك، عندك هذه القراطيس وما كتبت لي على ثماني مراحل، قال: أمرني جبريل، قال: أو ما تسأله؟ قال: أنت أبسط مني، سله، فقال جبريل: أمرني ربي بذلك لقولكإني أخاف أن يأكله الذئب، فهلا خفتني. ه. قاله البيضاوي: وزاد في القوت: لم خفت عليه الذئب ولم ترجني؟ ولم نظرت إلى غفلة إخوته، ولم تنظر إلى حفظي له؟ فهذا على معنى قول يوسف عليه السلام للساقي: اذكرني عند ربك، فهذا مما يعتب على الخصوص من خفي سكونهم، ولمح نظرهم إلى ما سوى الله عز وجل.
ه. الإشارة: ما أحلى الوصال، بعد الفراق، وما ألذ شهود الحبيب على الاشتياق، فبقدر طول البين يعظم قدر الوصال، وبقدر حمل مشاق الطلب يظفر بالمأمول. فجد أيها العبد في طلب مولاك، وغب في سيرك إليه عن حظوظك وهواك، تظفر بالوصل الدائم في عزك وعلاك، وتتصل بكل ما كنت تأمله من مطالبك ومناك. وأنشدوا:
وإن امرؤ أمسى بقربك نازلا فأهلا به، حاز الفضائل كلها وألبسته حلي المحاسن فاكتسى حلل الرضا فازداد قربا ما انتهى
وبالله التوفيق. ثم إن يوسف عليه السلام لما تمكن من الملك الفاني، اشتاق إلى الملك الباقي، فقال: { رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث }.
يوسف 12:100
يقول الحق جل جلاله: { فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه }. قبل هذا الكلام محذوفات، وهي: فرحل يعقوب بأهله حتى بلغوا إليه، ولما دخلوا على يوسف... الخ. روي أن يوسف عليه السلام وجه إليه رواحل وأموالا ليتجهز إليه بمن معه، وأرسل إليه مائة وثمانين كسوة من رفيع الثياب والعمائم لإخواته، وقميصان مذهبان للإناث، فلما وصلت إلى يعقوب لبس، وألبس أولاده. وركبوا المراكب، وخرجوا من أرض كنعان يريدون مصر، فلما قربوا، أمر يوسف عليه السلام العساكر أن تخرج معه للقائهم، فأول من لقيهم ثلاثون ألف فارس، كلهم يسجدون بين يدي يعقوب، وهو يتعجب من عظم تلك الأجناد، ويضحك من نصر الله تعالى، وعزه لا بنه. ثم لقيهم البغال، والجواري لنساء إخوته وأولادهم. ثم لقيهم أربعون ألف شيخ من الوزراء والكبراء. ثم استقبلهم يوسف عليه السلام مترجلا ماشيا على قدميه، متواضعا لأبيه، في مائة ألف، كلهم على أرجلهم، معهم الملك " ريان " ثم سلم يوسف عليه السلام والملك على أبيه، ثم اقبلا يبكيان، وبكى إخوته وضج الناس بالبكاء، ثم ضم إليه أبويه، وقيل: أباه وخالته، { وقال ادخلوا ان شاء الله آمنين } ، ثم حمل يعقوب عليه السلام في هودج من الذهب، ويوسف عليه السلام، وإخوته يمشون بين يديه مترجلين حتى دخلوا مصر، ثم أتوا إلى قصر مملكته. قال ابن عباس: فجلس يوسف عليه السلام على سريره، وأبوه عن يمينه، وخالته عن شماله، وإخوته بين يديه، فخروا له سجدا لأنها كانت في ذلك الزمان يعني تحيتهم على الملوك روي أنهم قالوا في سجودهم: سبحان مولف الشتات بعد الإياس، سبحان كاشف الضر بعد البأس. فقال يوسف لأبيه: { يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل... } الخ هكذا ذكر القصة صاحب الزهرالأنيق في قصة يوسف الصديق. وهذا معنى قوله: { فلما دخلوا على يوسف } بلده ومملكته { آوى إليه أبويه } أي: اعتقهما، وسلم عليهما، وضمهما إليه. قيل: الأبوين حقيقة. وقيل: أباه وخالته، ونزل الخالة منزلة الأم تنزيل العم منزلة الأب في قوله:
نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق
[البقرة: 133]. { وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين } من القحط وأصناف المكاره. والمشيئة متعلقة بالدخول المكيف بتلك الهيئة لا بالأمن. وقال ابن جزي: راجعة إلى الأمن. قال البيضاوي: وكان أولاد يعقوب الذين دخلوا مصر اثنين وسبعين رجلا، وامرأة، وكانوا حين خرجوا مع موسى ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وتسعين رجلا سوى الذرية والهرمى. ه. { ورفع أبويه على العرش } ، أي: حين دخلوا قصر مملكته، { وخروا له سجدا } تحية وتكرمة فإن السجود كان عندهم يجري مجرى التحية. وقيل: معناه: خروا لأجله سجدا لله شكرا.
وقول البيضاوي: الرفع مؤخر عن الخرور، فيه نظر لما تقدم عن صاحب الزهر الأنيق، ولا داعي إلى الخروج عن الظاهر إلا بنص صريح. قال ابن عطية: واختلف في هذا السجود فقيل: كان المعهود عندنا من وضع الوجه بالأرض، وقيل: بل دون ذلك كالركوع البالغ ونحوه، مما كان سيرة تحيتهم للملوك في ذلك الزمان. وأجمع المفسرون أن ذلك السجود، كيفما كان، إنما كان تحية لا عبادة. قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم، وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة. ثم قال: قال أبو عمرو الشيباني: تقدم يوسف يعقوب عليه السلام في المشي في بعض تلك المواطن، فهبط جبريل فقال: أتتقدم أباك؟ إن عقوبتك لذلك ألا يخرج من نسلك نبي. ه. قال المحشي الفاسي: وما أظن لهذا صحة، وقد كان في ذريته " يوشع بن نون " عليه السلام، ويوسف المذكور في سورة الطول على قول. وفي البيضاوي: وكان عمر يوسف مائة عشرين سنة، وقد ولد له من راعيل: إفراثيم وميشا، وهو جد يوشع بن نون ورحمة امرأة أيوب. ه. قلت: المذكورفي قصة أيوب أن زوجه رحمة إنما كانت ابنة إفراثيم بن يوشع لابنته. ثم قال: { يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل } التي رأيتها أيام الصبا، وهي: رؤيا أحد عشر كوكبا والشمس والقمر يسجدون لي، { قد جعلها ربي حقا }: صدقا. وكان بين رؤياه وبين صدق تأويلها ثمانون عاما، وقيل: أربعون، وهو الأصح. { وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن } ، ولم يذكر الجب لئلا يخجل إخوته ولأنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك، فالنعمة هنا أوضح. { وجاء بكم من البدو }: من البادية لأنهم كانوا أصحاب المواشي وأهل البدو، فعد عليهم من النعم انتقالهم للحاضرة لأنها محل الراحة. { من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي }: أفسد بيننا وحرش، من نزغ الدابة إذا نخسها. { إن ربي لطيف لما يشاء } أي: لطيف التدبير لما يشاء من الأمور إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته، ويتسهل دونها، { إنه هو العليم } بوجوه المصالح والتدابير، { الحكيم } الذي يفعل كل شيء في وقته، على وجه تقتضيه الحكمة. روي أن يوسف عليه السلام طاف بأبيه عليهما السلام في خزائنه، فلما أدخله خزانة القرطاس، قال: يا بني، ما أغفلك، عندك هذه القراطيس وما كتبت لي على ثماني مراحل، قال: أمرني جبريل، قال: أو ما تسأله؟ قال: أنت أبسط مني، سله، فقال جبريل: أمرني ربي بذلك لقولكإني أخاف أن يأكله الذئب، فهلا خفتني. ه. قاله البيضاوي: وزاد في القوت: لم خفت عليه الذئب ولم ترجني؟ ولم نظرت إلى غفلة إخوته، ولم تنظر إلى حفظي له؟ فهذا على معنى قول يوسف عليه السلام للساقي: اذكرني عند ربك، فهذا مما يعتب على الخصوص من خفي سكونهم، ولمح نظرهم إلى ما سوى الله عز وجل.
ه. الإشارة: ما أحلى الوصال، بعد الفراق، وما ألذ شهود الحبيب على الاشتياق، فبقدر طول البين يعظم قدر الوصال، وبقدر حمل مشاق الطلب يظفر بالمأمول. فجد أيها العبد في طلب مولاك، وغب في سيرك إليه عن حظوظك وهواك، تظفر بالوصل الدائم في عزك وعلاك، وتتصل بكل ما كنت تأمله من مطالبك ومناك. وأنشدوا:
وإن امرؤ أمسى بقربك نازلا فأهلا به، حاز الفضائل كلها وألبسته حلي المحاسن فاكتسى حلل الرضا فازداد قربا ما انتهى
وبالله التوفيق. ثم إن يوسف عليه السلام لما تمكن من الملك الفاني، اشتاق إلى الملك الباقي، فقال: { رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث }.
يوسف 12:101
قلت: فاطر: نعت المنادي، أو منادى بنفسه. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن يوسف عليه السلام: { رب قد آتيتني من الملك } أي: من بعض الملك، وهو ملك مصر، { وعلمتني من تأويل الأحاديث } الكتب المتقدمة، أو تأويل الرؤيا. و " من ": للتبعيض فيهما إذ لم يعط ملك الدنيا كلها، ولا أحاط بالعلم كله. { فاطر السماوات والأرض }: مبدعهما ومنشئهما، { أنت وليي في الدنيا والآخرة }: أنت ناصري ومتولي أمري في الدارين، { توفني مسلما }: اقبضني ملسما { وألحقني بالصالحين } من آبائي، أو جماعة الصالحين في الرتبة والكرامة، أو بالصالحين لحضرة قدسك. روي أن يعقوب عليه السلام أقام معه أربعا وعشرين سنة، ثم توفي، فنقله يوسف عليه السلام إلى الشام ليدفن مع أبويه. هكذا ذكر بعض المفسرين. وقال في الزهر الأنيق: بقي يعقوب عليه السلام بمصر أربعين سنة في أطيب وقت، وأكمل عافية، ثم أوحى الله إلى جبريل: أن انزل إلى يعقوب، وقال له: يرحل إلى الأرض المقدسة، عند قبور آبائه، يجاورهم حتى ألحقه بهم. فنادى يعقوب عليه السلام يوسف وأولاده، وقال لهم: قد أمرني ربي بمجاورة أبي ليقبض روحي هناك، ثم ودعهم وخرج إلى الأرض المقدسة فزار قبور آبائه فبكى، فرأى في المنام إبراهيم على كرسي، وإسماعيل عن يمينه، وإسحاق عن يساره، وهم يقولون: ألحق بنا يا يعقوب، فانتبه، ثم قالم فوجد قبرا محفورا تخرج منه رائحة المسك، فقال: لمن هذا؟ قال له ملك عنده: هو لمن يتمنى سكناه، فقال: أنا، فقبض روحه ملك الموت، ثم نزل جبريل وميكائيل عليهما السلام وكفناه وصليا عليه، ودفناه. قال كعب الأحبار: توفي يعقوب وهو ابن مائتي سنة، ولما وصل نعيه يوسف بكى، وبكى معه إخوته. ه. قلت: ظاهره أنهم لم يحضروا موته. وهو خلاف قوله تعالى:
أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه
[البقرة: 133]، إلا أن يؤول بمعنى: قرب، فتكون وصيته وقعت حين أراد الرجوع إلى الشام، وهو خلاف الظاهر. ثم أن يوسف تاقت نفسه إلى الملك المخلد، فتمنى الموت، فقال: { رب قد آتيتني من الملك.... } الخ. روي أنه عاش بعد قوله هذا مدة، ثم ماتت زليخا، ولم يتزوج بعدها، وعاش بعدها أربعين يوما، ثم اشتاق إلى اللقاء واللحوق بآبائه، فتوفاه الله طيبا طاهرا، فتخاصم أهل مصر في مدفنه، حتى هموا بالقتال، فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر أي: رخام فيدفعوه في النيل بحيث يمر عليه الماء، ثم يصل إلى مصر ليكونوا شرعا فيه. وفي رواية: أنهم دفنوه في ضفة النيل فخصبت وجدبت الأولى، فجعلوه في صندوق، ودفنوه في النيل فاخضرت الجهتان، ثم نقله موسى عليه السلام إلى مدفن آبائه.
وكان عمره: مائة وعشرين سنة، وقد تقدم ذكر أولاده الثلاثة: إفراثيم، وميشا، ورحمة امرأة أيوب، وتقدم البحث فيها، وذكر في الزهر الأنيق أنه ولد له من زليخا عشرة أولاد، فانظره. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا كان العبد في زيادة من الأعمال، وفي الترقي إلى مقامات الكمال، فلا بأس أن يتمنى البقاء في هذه الدار لزيادة الزاد إلى دار القرار، وإذا كان في نقصان من الأعمال، أو خاف النقصان بعد الكمال، فلا بأس بطلب الرحيل والانتقال كما طلبه الصديق عليه السلام بعد الملك التام. وكما فعل عمر رضي الله عنه حين انتشرت رعيته، وخاف التقصير في سيرته. وقد تقدم في سورة البقرة تفصيل ذلك، ولقد أحسن الشاعر في التحذير، من الاغترار بزخرف هذه الدار، فقال:
هو الحمام فلا تبعد زيارته ولا تقل: ليتني منه على حذر يا ويح من غره دهر فسر به لم يخلص الصفو إلا شيب بالكدر انظر لمن باد تنظر آية عجبا وعبرة لأولي الأبصار والبصر بادوا فعادوا حديثا، إن ذا عجب ما أوضح الرشد لولا غفلة النظر تنافس الناس في الدنيا وقد علموا أن الزمان إذا فكرت ذو غير واعمل لأخراك لا تبخل بمكرمة ومهد العذر ليس العين كالأثر
ثم نبه الحق تعالى أن الإخبار بقصة يوسف عليه السلام من أعلام النبوة لنبينا صلى الله عليه وسلم، فقال: { ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك }.
يوسف 12:102
قلت: ذلك: مبتدأ، ومن أنباء الغيب: خبر. ونوحيه: حال. يقول الحق جل جلاله: ذلك أي: خبر يوسف وقصته، هو { من أنباء } أخبار { الغيب } التي لم يكن لك بها علم، وإنما علمته بالوحي الذي { نوحيه إليك } فأخبرتهم به. { وما كنت لديهم } أي: وما حضرت عندهم، { إذ أجمعوا أمرهم }: حين عزموا أمرهم على أن يجعلوه في غيابة الجب، { وهم يمكرون } به، وبأبيه ليرسله معهم. ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحدا من الأحبار فتعلمت ذلك منه، فتحققوا أنه وحي من عند الله، ولكن جحدوا { وما أكثر الناس ولو حرصت } على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات لهم، { بمؤمنين } لعنادهم وتصميمهم على الكفر، { وما تسألهم عليه } على تبليغ هذا النبأ، أو القرآن، { من أجر } كما يفعله حملة الأخبار من الأحبار. { إن هو إلا ذكر }: عظة من الله، { للعالمين } من الجن والإنس. { وكأين }: كثيرا { من آية في السماوات والأرض } الدالة على وجود صانعها وتوحيده، وكمال قدرته وتمام حكمته، { يمرون عليها } ويشاهدونها، { وهم عنها معرضون }: لا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون. { وما يؤمن أكثرهم بالله } أي: وما يصدق أكثرهم بوجود الله في إقرارهم، بوجوده، وخالقيته للأشياء، وأنه الرزاق المميت. { إلا وهم مشركون } بعبادة الأصنام، أو باتخاذ الأحبار والرهبان أربابا، أو بنسبة التبني إليه، أو الوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك الجلي والرهبان أربابا، أو بنسبة التبني إليه، أو بالوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك والجلي والخفي. قيل: نزلت في مشركي مكة، وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا تملكه وما ملك: وقيل: في أهل الكتاب. { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية }: عقوبة تغشاهم وتشملهم، { من عذاب الله } المرسل على الأمم المتقدمة، { أو تأتيهم الساعة بغته }: فجأة، { وهم لا يشعرون } بإتيانها، غير مستعدين لها. الإشارة: قوله تعالى: { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين }: مثله يقال لأهل الوعظ والتذكير، الداعين إلى مقام الخصوصية، وما أكثر الناس ولو حرصت على هدايتهم، بمهتدين إلى مقام الخصوصية لأن أهل الخصوصية أفراد قليلون في كل زمان قال تعالى:
وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13]. وتقدم في سورة هود ما يتعلق بقوله: { وما تسألهم عليه من أجر }. وقوله تعالى: { وكأين من آية... } الخ، فيه ذم الغفلة، والإعراض عن التفكر والاعتبار فإن الحق جل جلاله ما أظهر هذه الكائنات إلا ليعرف بها، وتظهر فيها أسرار ذاته، وأنوار صفاته. قال في لطائف المنن: فما نصبت الكائنات لتراها، ولكن لترى فيها مولاها فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها تراها من حيث ظهوره فيها، ولا تراها من حيث كونيتها.
قال: ولنا في هذا المعنى:
ما أثبت لك المعالم إلا لتراها بعين من لا يراها فارق عنها رقي من ليس يرضى حالة دون أن يرى مولاها. ه.
وقوله تعالى: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون }: لا ينجو من الشرك الخفي إلا أهل التوحيد الخاص، وهم الذين غابوا عن الأكوان جملة بشهود المكون، قد سقط من نظرهم وجود الأغيار، وتطهرت سرائرهم من لوث الأكدار، ولم يبق في مشهدهم إلا الواحد القهار، فلم يعتمدوا على الوسائط والأسباب، برؤية مسبب الأسباب، ولم يركنوا إلى العشائر والأصحاب، فإن التفتوا إلى غيره، غفلة، أدبهم، وردهم إلى حضرته. هذا شأنهم معه أبدا. جعلنا الله منهم، وخرطنا في سلكهم آمين. ثم أوضح طريقهم، فقال: { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله }.
يوسف 12:103
قلت: ذلك: مبتدأ، ومن أنباء الغيب: خبر. ونوحيه: حال. يقول الحق جل جلاله: ذلك أي: خبر يوسف وقصته، هو { من أنباء } أخبار { الغيب } التي لم يكن لك بها علم، وإنما علمته بالوحي الذي { نوحيه إليك } فأخبرتهم به. { وما كنت لديهم } أي: وما حضرت عندهم، { إذ أجمعوا أمرهم }: حين عزموا أمرهم على أن يجعلوه في غيابة الجب، { وهم يمكرون } به، وبأبيه ليرسله معهم. ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحدا من الأحبار فتعلمت ذلك منه، فتحققوا أنه وحي من عند الله، ولكن جحدوا { وما أكثر الناس ولو حرصت } على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات لهم، { بمؤمنين } لعنادهم وتصميمهم على الكفر، { وما تسألهم عليه } على تبليغ هذا النبأ، أو القرآن، { من أجر } كما يفعله حملة الأخبار من الأحبار. { إن هو إلا ذكر }: عظة من الله، { للعالمين } من الجن والإنس. { وكأين }: كثيرا { من آية في السماوات والأرض } الدالة على وجود صانعها وتوحيده، وكمال قدرته وتمام حكمته، { يمرون عليها } ويشاهدونها، { وهم عنها معرضون }: لا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون. { وما يؤمن أكثرهم بالله } أي: وما يصدق أكثرهم بوجود الله في إقرارهم، بوجوده، وخالقيته للأشياء، وأنه الرزاق المميت. { إلا وهم مشركون } بعبادة الأصنام، أو باتخاذ الأحبار والرهبان أربابا، أو بنسبة التبني إليه، أو الوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك الجلي والرهبان أربابا، أو بنسبة التبني إليه، أو بالوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك والجلي والخفي. قيل: نزلت في مشركي مكة، وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا تملكه وما ملك: وقيل: في أهل الكتاب. { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية }: عقوبة تغشاهم وتشملهم، { من عذاب الله } المرسل على الأمم المتقدمة، { أو تأتيهم الساعة بغته }: فجأة، { وهم لا يشعرون } بإتيانها، غير مستعدين لها. الإشارة: قوله تعالى: { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين }: مثله يقال لأهل الوعظ والتذكير، الداعين إلى مقام الخصوصية، وما أكثر الناس ولو حرصت على هدايتهم، بمهتدين إلى مقام الخصوصية لأن أهل الخصوصية أفراد قليلون في كل زمان قال تعالى:
وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13]. وتقدم في سورة هود ما يتعلق بقوله: { وما تسألهم عليه من أجر }. وقوله تعالى: { وكأين من آية... } الخ، فيه ذم الغفلة، والإعراض عن التفكر والاعتبار فإن الحق جل جلاله ما أظهر هذه الكائنات إلا ليعرف بها، وتظهر فيها أسرار ذاته، وأنوار صفاته. قال في لطائف المنن: فما نصبت الكائنات لتراها، ولكن لترى فيها مولاها فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها تراها من حيث ظهوره فيها، ولا تراها من حيث كونيتها.
قال: ولنا في هذا المعنى:
ما أثبت لك المعالم إلا لتراها بعين من لا يراها فارق عنها رقي من ليس يرضى حالة دون أن يرى مولاها. ه.
وقوله تعالى: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون }: لا ينجو من الشرك الخفي إلا أهل التوحيد الخاص، وهم الذين غابوا عن الأكوان جملة بشهود المكون، قد سقط من نظرهم وجود الأغيار، وتطهرت سرائرهم من لوث الأكدار، ولم يبق في مشهدهم إلا الواحد القهار، فلم يعتمدوا على الوسائط والأسباب، برؤية مسبب الأسباب، ولم يركنوا إلى العشائر والأصحاب، فإن التفتوا إلى غيره، غفلة، أدبهم، وردهم إلى حضرته. هذا شأنهم معه أبدا. جعلنا الله منهم، وخرطنا في سلكهم آمين. ثم أوضح طريقهم، فقال: { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله }.
يوسف 12:104
قلت: ذلك: مبتدأ، ومن أنباء الغيب: خبر. ونوحيه: حال. يقول الحق جل جلاله: ذلك أي: خبر يوسف وقصته، هو { من أنباء } أخبار { الغيب } التي لم يكن لك بها علم، وإنما علمته بالوحي الذي { نوحيه إليك } فأخبرتهم به. { وما كنت لديهم } أي: وما حضرت عندهم، { إذ أجمعوا أمرهم }: حين عزموا أمرهم على أن يجعلوه في غيابة الجب، { وهم يمكرون } به، وبأبيه ليرسله معهم. ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحدا من الأحبار فتعلمت ذلك منه، فتحققوا أنه وحي من عند الله، ولكن جحدوا { وما أكثر الناس ولو حرصت } على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات لهم، { بمؤمنين } لعنادهم وتصميمهم على الكفر، { وما تسألهم عليه } على تبليغ هذا النبأ، أو القرآن، { من أجر } كما يفعله حملة الأخبار من الأحبار. { إن هو إلا ذكر }: عظة من الله، { للعالمين } من الجن والإنس. { وكأين }: كثيرا { من آية في السماوات والأرض } الدالة على وجود صانعها وتوحيده، وكمال قدرته وتمام حكمته، { يمرون عليها } ويشاهدونها، { وهم عنها معرضون }: لا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون. { وما يؤمن أكثرهم بالله } أي: وما يصدق أكثرهم بوجود الله في إقرارهم، بوجوده، وخالقيته للأشياء، وأنه الرزاق المميت. { إلا وهم مشركون } بعبادة الأصنام، أو باتخاذ الأحبار والرهبان أربابا، أو بنسبة التبني إليه، أو الوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك الجلي والرهبان أربابا، أو بنسبة التبني إليه، أو بالوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك والجلي والخفي. قيل: نزلت في مشركي مكة، وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا تملكه وما ملك: وقيل: في أهل الكتاب. { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية }: عقوبة تغشاهم وتشملهم، { من عذاب الله } المرسل على الأمم المتقدمة، { أو تأتيهم الساعة بغته }: فجأة، { وهم لا يشعرون } بإتيانها، غير مستعدين لها. الإشارة: قوله تعالى: { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين }: مثله يقال لأهل الوعظ والتذكير، الداعين إلى مقام الخصوصية، وما أكثر الناس ولو حرصت على هدايتهم، بمهتدين إلى مقام الخصوصية لأن أهل الخصوصية أفراد قليلون في كل زمان قال تعالى:
وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13]. وتقدم في سورة هود ما يتعلق بقوله: { وما تسألهم عليه من أجر }. وقوله تعالى: { وكأين من آية... } الخ، فيه ذم الغفلة، والإعراض عن التفكر والاعتبار فإن الحق جل جلاله ما أظهر هذه الكائنات إلا ليعرف بها، وتظهر فيها أسرار ذاته، وأنوار صفاته. قال في لطائف المنن: فما نصبت الكائنات لتراها، ولكن لترى فيها مولاها فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها تراها من حيث ظهوره فيها، ولا تراها من حيث كونيتها.
قال: ولنا في هذا المعنى:
ما أثبت لك المعالم إلا لتراها بعين من لا يراها فارق عنها رقي من ليس يرضى حالة دون أن يرى مولاها. ه.
وقوله تعالى: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون }: لا ينجو من الشرك الخفي إلا أهل التوحيد الخاص، وهم الذين غابوا عن الأكوان جملة بشهود المكون، قد سقط من نظرهم وجود الأغيار، وتطهرت سرائرهم من لوث الأكدار، ولم يبق في مشهدهم إلا الواحد القهار، فلم يعتمدوا على الوسائط والأسباب، برؤية مسبب الأسباب، ولم يركنوا إلى العشائر والأصحاب، فإن التفتوا إلى غيره، غفلة، أدبهم، وردهم إلى حضرته. هذا شأنهم معه أبدا. جعلنا الله منهم، وخرطنا في سلكهم آمين. ثم أوضح طريقهم، فقال: { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله }.
يوسف 12:105
قلت: ذلك: مبتدأ، ومن أنباء الغيب: خبر. ونوحيه: حال. يقول الحق جل جلاله: ذلك أي: خبر يوسف وقصته، هو { من أنباء } أخبار { الغيب } التي لم يكن لك بها علم، وإنما علمته بالوحي الذي { نوحيه إليك } فأخبرتهم به. { وما كنت لديهم } أي: وما حضرت عندهم، { إذ أجمعوا أمرهم }: حين عزموا أمرهم على أن يجعلوه في غيابة الجب، { وهم يمكرون } به، وبأبيه ليرسله معهم. ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحدا من الأحبار فتعلمت ذلك منه، فتحققوا أنه وحي من عند الله، ولكن جحدوا { وما أكثر الناس ولو حرصت } على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات لهم، { بمؤمنين } لعنادهم وتصميمهم على الكفر، { وما تسألهم عليه } على تبليغ هذا النبأ، أو القرآن، { من أجر } كما يفعله حملة الأخبار من الأحبار. { إن هو إلا ذكر }: عظة من الله، { للعالمين } من الجن والإنس. { وكأين }: كثيرا { من آية في السماوات والأرض } الدالة على وجود صانعها وتوحيده، وكمال قدرته وتمام حكمته، { يمرون عليها } ويشاهدونها، { وهم عنها معرضون }: لا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون. { وما يؤمن أكثرهم بالله } أي: وما يصدق أكثرهم بوجود الله في إقرارهم، بوجوده، وخالقيته للأشياء، وأنه الرزاق المميت. { إلا وهم مشركون } بعبادة الأصنام، أو باتخاذ الأحبار والرهبان أربابا، أو بنسبة التبني إليه، أو الوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك الجلي والرهبان أربابا، أو بنسبة التبني إليه، أو بالوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك والجلي والخفي. قيل: نزلت في مشركي مكة، وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا تملكه وما ملك: وقيل: في أهل الكتاب. { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية }: عقوبة تغشاهم وتشملهم، { من عذاب الله } المرسل على الأمم المتقدمة، { أو تأتيهم الساعة بغته }: فجأة، { وهم لا يشعرون } بإتيانها، غير مستعدين لها. الإشارة: قوله تعالى: { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين }: مثله يقال لأهل الوعظ والتذكير، الداعين إلى مقام الخصوصية، وما أكثر الناس ولو حرصت على هدايتهم، بمهتدين إلى مقام الخصوصية لأن أهل الخصوصية أفراد قليلون في كل زمان قال تعالى:
وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13]. وتقدم في سورة هود ما يتعلق بقوله: { وما تسألهم عليه من أجر }. وقوله تعالى: { وكأين من آية... } الخ، فيه ذم الغفلة، والإعراض عن التفكر والاعتبار فإن الحق جل جلاله ما أظهر هذه الكائنات إلا ليعرف بها، وتظهر فيها أسرار ذاته، وأنوار صفاته. قال في لطائف المنن: فما نصبت الكائنات لتراها، ولكن لترى فيها مولاها فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها تراها من حيث ظهوره فيها، ولا تراها من حيث كونيتها.
قال: ولنا في هذا المعنى:
ما أثبت لك المعالم إلا لتراها بعين من لا يراها فارق عنها رقي من ليس يرضى حالة دون أن يرى مولاها. ه.
وقوله تعالى: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون }: لا ينجو من الشرك الخفي إلا أهل التوحيد الخاص، وهم الذين غابوا عن الأكوان جملة بشهود المكون، قد سقط من نظرهم وجود الأغيار، وتطهرت سرائرهم من لوث الأكدار، ولم يبق في مشهدهم إلا الواحد القهار، فلم يعتمدوا على الوسائط والأسباب، برؤية مسبب الأسباب، ولم يركنوا إلى العشائر والأصحاب، فإن التفتوا إلى غيره، غفلة، أدبهم، وردهم إلى حضرته. هذا شأنهم معه أبدا. جعلنا الله منهم، وخرطنا في سلكهم آمين. ثم أوضح طريقهم، فقال: { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله }.
يوسف 12:106
قلت: ذلك: مبتدأ، ومن أنباء الغيب: خبر. ونوحيه: حال. يقول الحق جل جلاله: ذلك أي: خبر يوسف وقصته، هو { من أنباء } أخبار { الغيب } التي لم يكن لك بها علم، وإنما علمته بالوحي الذي { نوحيه إليك } فأخبرتهم به. { وما كنت لديهم } أي: وما حضرت عندهم، { إذ أجمعوا أمرهم }: حين عزموا أمرهم على أن يجعلوه في غيابة الجب، { وهم يمكرون } به، وبأبيه ليرسله معهم. ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحدا من الأحبار فتعلمت ذلك منه، فتحققوا أنه وحي من عند الله، ولكن جحدوا { وما أكثر الناس ولو حرصت } على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات لهم، { بمؤمنين } لعنادهم وتصميمهم على الكفر، { وما تسألهم عليه } على تبليغ هذا النبأ، أو القرآن، { من أجر } كما يفعله حملة الأخبار من الأحبار. { إن هو إلا ذكر }: عظة من الله، { للعالمين } من الجن والإنس. { وكأين }: كثيرا { من آية في السماوات والأرض } الدالة على وجود صانعها وتوحيده، وكمال قدرته وتمام حكمته، { يمرون عليها } ويشاهدونها، { وهم عنها معرضون }: لا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون. { وما يؤمن أكثرهم بالله } أي: وما يصدق أكثرهم بوجود الله في إقرارهم، بوجوده، وخالقيته للأشياء، وأنه الرزاق المميت. { إلا وهم مشركون } بعبادة الأصنام، أو باتخاذ الأحبار والرهبان أربابا، أو بنسبة التبني إليه، أو الوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك الجلي والرهبان أربابا، أو بنسبة التبني إليه، أو بالوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك والجلي والخفي. قيل: نزلت في مشركي مكة، وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا تملكه وما ملك: وقيل: في أهل الكتاب. { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية }: عقوبة تغشاهم وتشملهم، { من عذاب الله } المرسل على الأمم المتقدمة، { أو تأتيهم الساعة بغته }: فجأة، { وهم لا يشعرون } بإتيانها، غير مستعدين لها. الإشارة: قوله تعالى: { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين }: مثله يقال لأهل الوعظ والتذكير، الداعين إلى مقام الخصوصية، وما أكثر الناس ولو حرصت على هدايتهم، بمهتدين إلى مقام الخصوصية لأن أهل الخصوصية أفراد قليلون في كل زمان قال تعالى:
وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13]. وتقدم في سورة هود ما يتعلق بقوله: { وما تسألهم عليه من أجر }. وقوله تعالى: { وكأين من آية... } الخ، فيه ذم الغفلة، والإعراض عن التفكر والاعتبار فإن الحق جل جلاله ما أظهر هذه الكائنات إلا ليعرف بها، وتظهر فيها أسرار ذاته، وأنوار صفاته. قال في لطائف المنن: فما نصبت الكائنات لتراها، ولكن لترى فيها مولاها فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها تراها من حيث ظهوره فيها، ولا تراها من حيث كونيتها.
قال: ولنا في هذا المعنى:
ما أثبت لك المعالم إلا لتراها بعين من لا يراها فارق عنها رقي من ليس يرضى حالة دون أن يرى مولاها. ه.
وقوله تعالى: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون }: لا ينجو من الشرك الخفي إلا أهل التوحيد الخاص، وهم الذين غابوا عن الأكوان جملة بشهود المكون، قد سقط من نظرهم وجود الأغيار، وتطهرت سرائرهم من لوث الأكدار، ولم يبق في مشهدهم إلا الواحد القهار، فلم يعتمدوا على الوسائط والأسباب، برؤية مسبب الأسباب، ولم يركنوا إلى العشائر والأصحاب، فإن التفتوا إلى غيره، غفلة، أدبهم، وردهم إلى حضرته. هذا شأنهم معه أبدا. جعلنا الله منهم، وخرطنا في سلكهم آمين. ثم أوضح طريقهم، فقال: { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله }.
يوسف 12:107
قلت: ذلك: مبتدأ، ومن أنباء الغيب: خبر. ونوحيه: حال. يقول الحق جل جلاله: ذلك أي: خبر يوسف وقصته، هو { من أنباء } أخبار { الغيب } التي لم يكن لك بها علم، وإنما علمته بالوحي الذي { نوحيه إليك } فأخبرتهم به. { وما كنت لديهم } أي: وما حضرت عندهم، { إذ أجمعوا أمرهم }: حين عزموا أمرهم على أن يجعلوه في غيابة الجب، { وهم يمكرون } به، وبأبيه ليرسله معهم. ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحدا من الأحبار فتعلمت ذلك منه، فتحققوا أنه وحي من عند الله، ولكن جحدوا { وما أكثر الناس ولو حرصت } على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات لهم، { بمؤمنين } لعنادهم وتصميمهم على الكفر، { وما تسألهم عليه } على تبليغ هذا النبأ، أو القرآن، { من أجر } كما يفعله حملة الأخبار من الأحبار. { إن هو إلا ذكر }: عظة من الله، { للعالمين } من الجن والإنس. { وكأين }: كثيرا { من آية في السماوات والأرض } الدالة على وجود صانعها وتوحيده، وكمال قدرته وتمام حكمته، { يمرون عليها } ويشاهدونها، { وهم عنها معرضون }: لا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون. { وما يؤمن أكثرهم بالله } أي: وما يصدق أكثرهم بوجود الله في إقرارهم، بوجوده، وخالقيته للأشياء، وأنه الرزاق المميت. { إلا وهم مشركون } بعبادة الأصنام، أو باتخاذ الأحبار والرهبان أربابا، أو بنسبة التبني إليه، أو الوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك الجلي والرهبان أربابا، أو بنسبة التبني إليه، أو بالوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك والجلي والخفي. قيل: نزلت في مشركي مكة، وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا تملكه وما ملك: وقيل: في أهل الكتاب. { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية }: عقوبة تغشاهم وتشملهم، { من عذاب الله } المرسل على الأمم المتقدمة، { أو تأتيهم الساعة بغته }: فجأة، { وهم لا يشعرون } بإتيانها، غير مستعدين لها. الإشارة: قوله تعالى: { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين }: مثله يقال لأهل الوعظ والتذكير، الداعين إلى مقام الخصوصية، وما أكثر الناس ولو حرصت على هدايتهم، بمهتدين إلى مقام الخصوصية لأن أهل الخصوصية أفراد قليلون في كل زمان قال تعالى:
وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13]. وتقدم في سورة هود ما يتعلق بقوله: { وما تسألهم عليه من أجر }. وقوله تعالى: { وكأين من آية... } الخ، فيه ذم الغفلة، والإعراض عن التفكر والاعتبار فإن الحق جل جلاله ما أظهر هذه الكائنات إلا ليعرف بها، وتظهر فيها أسرار ذاته، وأنوار صفاته. قال في لطائف المنن: فما نصبت الكائنات لتراها، ولكن لترى فيها مولاها فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها تراها من حيث ظهوره فيها، ولا تراها من حيث كونيتها.
قال: ولنا في هذا المعنى:
ما أثبت لك المعالم إلا لتراها بعين من لا يراها فارق عنها رقي من ليس يرضى حالة دون أن يرى مولاها. ه.
وقوله تعالى: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون }: لا ينجو من الشرك الخفي إلا أهل التوحيد الخاص، وهم الذين غابوا عن الأكوان جملة بشهود المكون، قد سقط من نظرهم وجود الأغيار، وتطهرت سرائرهم من لوث الأكدار، ولم يبق في مشهدهم إلا الواحد القهار، فلم يعتمدوا على الوسائط والأسباب، برؤية مسبب الأسباب، ولم يركنوا إلى العشائر والأصحاب، فإن التفتوا إلى غيره، غفلة، أدبهم، وردهم إلى حضرته. هذا شأنهم معه أبدا. جعلنا الله منهم، وخرطنا في سلكهم آمين. ثم أوضح طريقهم، فقال: { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله }.
يوسف 12:108
قلت: أدعوا: حال من الياء. وعلى بصيرة: حال ثان، وأنا ومن اتبعني: الضمير تأكيد للمستكن في أدعو، أو في على بصيرة، أو مبتدأ خبره: على بصيرة، مقدم. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: { هذه سبيلي }: طريقي الذي جئت به من عند ربي وهي الدعوة إلى التوحيد، والتاهب ليوم المعاد. ثم فسرها بقوله: { أدعو إلى الله } ، أول حال كوني داعيا إلى الله، أي: إلى توحيده ومعرفته والأدب معه، { على بصيرة }: حجة واضحة، وبينة من ربي، لا عن تقليد أو عمى. أدعو إلى الله { أنا ومن اتبعني } فمن كان على قدمي فهو يدعو أيضا إلى الله علي بصيرة وبينة من ربه، { وسبحان الله }: وأنزهه عن الشركاء والأنداد، { وما أنا من المشركين } به شركا جليا ولا خفيا، بل مخلصا موحدا. الإشارة: لا يصلح العبد أن يكون داعيا إلى الله حتى يكون على بصيرة من ربه، بحيث لا يبقى فيه تقليد بحت، ولا يختلجه شك ولا هم. والدعاة إلى الله على ثلاث مراتب: فمنهم من يدعو على بصيرة الإسلام وهم الدعاة إلى معرفة أحكام الله وشرائعه، ومنهم من يدعو على بصيرة الإيمان، وهم الدعاة إلى معرفة صفات الله تعالى وكمالاته، ومعرفة ما يجب له تعالى وما يستحيل وما يجوز على طريق البرهان الواضح. ومنهم من يدعو إلى الله على بصيرة الإحسان، وهم الدعاة إلى معرفة الذات العلية على نعت الشهود والعيان، من طريق الذوق والوجدان وهم العارفون بالله، أهل النور المخرق، بحيث كل من واجههم خرق النور إلى باطنه. وهذه الدعوة الحقيقية والبصيرة النافذة، وأهل هذا المقام هم اهل التربية النبوية، فدعوة هؤلاء أكثر نفعا، وأنجح تأثيرا في زمن يسير يهدي الله على أيديهم الجم الغفير. قال في نوادر الأصول: الداعي إلى الله على بصيرة أي معاينة هو الذي قلبه عند الله، وعلى بصيرة في الطريق، ومحل القلوب في تلك المراتب ناطقا بالله، عن الله، فلذلك يلج آذان المستمعين، مع الكسوة التي تخرق كل حجاب، وهو نورالله، لأنه خرج من قلب مشحون بالنور، فخرق كل حجاب قد تراكم على قلوب المخلطين، فخلصها إلى نور التوحيد فأنارها بمنزلة جمرة وصلت النفخة إليها، فالتهبت نارا، فاضاءت البيت. وهذا سبيل الناطق عن الله. ثم قال: وكيف يجوز الدعاء إلى الله لمن ليس عند الله، وهو لله، وإنما قلبه عند نفسه ولنفسه، مشغول بنهمته وشهواته وأحواله، وإنما هذا لمن تفرغ من نفسه، واشتغل بالله. ه. ثم رد على من زعم من الكفار أن الرسول من البشر، فقال: { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم }.
يوسف 12:109
قلت: نوحى: نعت لرجال، وكذا من أهل القرى: نعت ثان، وحتى: غاية لمحذوف، أي: وما أرسلنا إلا رجلا يوحى إليهم فأوذوا مثلك، ودام عليهم، حتى إذا استيأسوا جاءهم نصرنا. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا من قبلك } يا محمد { إلا رجالا } بشرا لا ملائكة، وهو رد لقولهم:
لو شآء ربنا لأنزل ملائكة
[فصلت: 14]، وقيل: معناه: نفي استنباء النساء. وصفة أولئك الرجال: { يوحى إليهم } كما أوحي إليك، فتميزوا بالوحي عن غيرهم، وهم { من أهل القرى }. وهم المدن والأمصار، والمداشر الكبار لأنهم أحلم وأعلم، بخلاف أهل العمود فإنهم أهل جفاء وجهالة. قال الحسن: لم يبعث الله نبيا من أهل البادية، ولا من النساء ولا من الجن. قال ابن عطية: والتبدي مكروه إلا في الفتن، وحين يفر بالدين، لحديث:
" يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها سعف الجبال... "
الحديث. وفي ذلك أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمة بن الأكوع. ه. قلت: والفتنة تتنوع بتنوع المقامات ففتنة أهل الظاهر: تعذر إقامة الشريعة لكثرة الهرج والفتن، وفتنة أهل الباطن: تعذر جمع القلب بالله لكثرة الحس، وتعرض الشواغل والعلائق. فمن وجد ذلك في الحواضر فلينتقل إلى البوادي، إن وجد من يعينه على الدين. والغالب أن الحواضر في هذا الزمان يغلب فيها العوائد والشهوات، وتعتري فيها الشواغل والشواغب، بخلاف البادية. فإذا كان عليه الصلاة والسلام أذن لسلمة: خوف فتنة الظاهر، فأولى خوف فتنة الباطن لأنه إذا فسد القلب فسد الجسد كله. ثم قال ابن عطية: وقال صلى الله عليه وسلم:
" لا تعرب في الإسلام "
وقال:
" من بدا جفا "
وعن معاذ بن جبل أنه قال: الشيطان ذئب الإنسان، كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية فإياكم والشعاب، وعليكم بالمساجد، والجماعات، والعامة. ثم قال: ويعترض هذا ببدو يعقوب، وينفصل عن ذلك بوجهين: أحدهما: أن ذلك البدو لم يكن في أهل العمود، بل بتقر في منازل وربوع، والثاني: إنما جعله بدوا بالإضافة إلى مصر، كما هي بنات الحواضر الصغار بدو بالإضافة إلى الحواضر الكبار.ه. قلت: فالتعرب المنهي عنه هو اعتزال الرجل وحده في جبل أو شعب، وإما إن تقرر في جماعة يقيمون الدين، ويجتمعون عليه، فليس بتعرب ولا بدو. ويدل عليه جواب ابن عطية الأول عن يعقوب عليه السلام. والحاصل: أن أهل القلوب بفتشون على مصالح قلوبهم، فأينما وجدوها فهي حاضرتهم. وقد ظهر في البوادي أكابر من الأولياء، ربما لم يظهروا في الحواضر. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: { أفلم يسيروا } أي: كفار مكة، { في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } من المكذبين لرسلهم: كيف هلكوا وتركوا آثارهم يشاهدونها خرابا دارسة، فيحذروا تكذيبك، ليؤمنوا ويتأهبوا للدار الآخرة { ولدار الآخرة } أي: ولدار الحياة الآخرة { خير للذين اتقوا } الشرك والمعاصي، { أفلا تعقلون } ، وتستعملون عقولكم لتعلموا أنها خير.
أو: أفلا يعقلون الذين يسيرون في الأرض ليعلموا أن الدنيا فانية، والدار الآخرة خير لأنها باقية. فإن أبيتم وكذبتم نبيكم فقد كذب من قبلكم رسلهم، وآذوهم، وتأخر نصرهم، { حتى إذا استيأس الرسل } من النصر، أو من إيمان قومهم لانهماكهم في الكفر، وتماديهم من غير وازع، { وظنوا } أي: تيقنوا { أنهم قد كذبوا } أي: أن قومهم كذبوهم فيئسوا من إيمانهم. أو: ظنوا أن من آمن بهم قد كذبوهم لطول البلاء وتأخر النصر. وأما قراءة كذبوا بالتخفيف فمعناه: وظنوا أنهم قد كذب عليهم في وعد النصر.. وأنكرت عائشة رضي الله عنها هذه الرواية، وقالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن بربها ذلك. كما في البخاري. وقد يجاب بأن ذلك كانت خواطر وهواجس من وسواس النفس، يمر ولا يثبت، وهو من طبع البشر، لا يدخل تحت التكليف. وسماه ظنا مبالغة في طلب المراقبة، كما تقدم في قوله: { ولقد همت به وهم بها }. وقال ابن جزي، على هذه القراءة: الضميران يعودان على المرسل إليهم، أي: ظن الأتباع أن الرسل قد كذبوا عليهم في دعوى الرسالة، أو في مجيء النصر لما اشتد عليهم البلاء، وتأخر عنهم النصر. فلما يئسوا { جاءهم نصرنا فنجي من نشاء } نجاته: وهو: النبي والمؤمنون. وإنما لم يعينهم للدلالة على أنهم الذين يستأهلون نجاتهم بالمشيئة القديمة، لا يشاركهم فيها غيرهم، { ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } إذا نزل بهم. وفيه بيان المستثنين بالمشيئة، كأنه قال: ولا نشاء نجاة المجرمين. الإشارة: قد وجد كثير من الأولياء بالمدن والحواضر، وكثير منهم في القرى والمداشر. وفضل الله يؤتيه من يشاء، لا يختص بمكان ولا زمان، غير أن جلهم جمعوا بين علم المدن وتفرغ البوادي، يعني: جمعوا بين شريعة المدن وحقيقة البوادي لأن أهل المدن شريعتهم قوية، وحقيقتهم ضعيفة. والبوادي بالعكس لكثرة العلائق في المدن وخفتها في البوادي، والحقيقة تحتاج إلى تفرغ كبير وتفكر كثير، والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { وظنوا أنهم قد كذبوا } بالتخفيف، معناه: أنهم لم يقفوا مع ظاهر الوعد لسعة علمهم لأن ذلك الوعد قد يكون في علم الغيب متوقفا على شروط خفية لا يعلمها ذلك النبي أو الولي، ليتحقق انفراده تعالى بالعلم الحقيقي، والقهرية الغالبة. فلذلك كان العارفون لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم. وقال الورتجبي: إنهم استغرقوا في قلزوم الأزلية، وغابوا تحت بحار الديمومية، ولم يروا الحق من كمال استغراقهم في الحق. فلما لم يروه ناداهم لسان غيره قهر القدم: أين أنتم؟ غبتم عنه وعن الحقيقة، فتطلع أنوار الحقيقة عليهم، ويأخذ لطفها عن شبكات امتحان القهر.
وهذا دأب الحق مع الأنبياء والأولياء حتى لا يسكنوا إلى ما وجدوا منه، بل يفنوا به عن كل ماله إليهم. ه. قال المحشي الفاسي: وحاصل ما أشار إليه: أن قراءة التخفيف تشير إلى أخذهم عن الوقوف مع الوعد، والسكون إليه، غيبة في الحق عن مقتضى وعده، لا تكذيبا لوعده، بل ذلك احوال غالبة آخذة عن الصفة، غيبة في الموصوف. وهذا حال الصوفي كما يعرف ذلك أهله. وهو صحيح في نفسه ولكنه بعيد عن مرمى الآية فإن صاحب الغيبة لا يوصف بظن خلاف الوعد، وإن كان غائبا عنه. وأقرب منه ما ذكره الترمذي الحكيم: من أن ذلك كان لظن فقد شرط في الموعود أوجب عدم القطع لوقوع الوعد. والله أعلم. وقد قال في الحكم: " لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود، وإن تعين زمنه ". يعني أنه قد يتخلف لفقد شرط كما في قضية الجرو الذي تخلف جبريل من أجله. أو لعدم تحقيق الوقت لأن تعيينه كان من قبل أنفسهم من غير وحي، فلما تأخر ظنوا ذلك بأنفسهم. والله تعالى أعلم. ه. والحاصل: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لما تأخر عنهم النصر هجس في أنفسهم تخلف الوعد خوفا أن يكون متوقفا على شرط لم يعلموه، أو جعلوا له وقتا فهموه من أمارات، فلما تأخر عنه ظنوا أنه قد تخلف. وأما قضية الجرو الذي أشار إليهم: فكان جبريل عليه السلام وعد نبينا صلى الله عليه وسلم أن يأتيه في وقت مخصوص، فدخل جرو البيت، فلم ينزل في ذلك الوقت، فلما نزل بعد ذلك، قال:
" إنما تخلفنا عن الوقت لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب "
كما في الصحيح. ثم قال تعالى: { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب }.
يوسف 12:110
قلت: نوحى: نعت لرجال، وكذا من أهل القرى: نعت ثان، وحتى: غاية لمحذوف، أي: وما أرسلنا إلا رجلا يوحى إليهم فأوذوا مثلك، ودام عليهم، حتى إذا استيأسوا جاءهم نصرنا. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا من قبلك } يا محمد { إلا رجالا } بشرا لا ملائكة، وهو رد لقولهم:
لو شآء ربنا لأنزل ملائكة
[فصلت: 14]، وقيل: معناه: نفي استنباء النساء. وصفة أولئك الرجال: { يوحى إليهم } كما أوحي إليك، فتميزوا بالوحي عن غيرهم، وهم { من أهل القرى }. وهم المدن والأمصار، والمداشر الكبار لأنهم أحلم وأعلم، بخلاف أهل العمود فإنهم أهل جفاء وجهالة. قال الحسن: لم يبعث الله نبيا من أهل البادية، ولا من النساء ولا من الجن. قال ابن عطية: والتبدي مكروه إلا في الفتن، وحين يفر بالدين، لحديث:
" يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها سعف الجبال... "
الحديث. وفي ذلك أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمة بن الأكوع. ه. قلت: والفتنة تتنوع بتنوع المقامات ففتنة أهل الظاهر: تعذر إقامة الشريعة لكثرة الهرج والفتن، وفتنة أهل الباطن: تعذر جمع القلب بالله لكثرة الحس، وتعرض الشواغل والعلائق. فمن وجد ذلك في الحواضر فلينتقل إلى البوادي، إن وجد من يعينه على الدين. والغالب أن الحواضر في هذا الزمان يغلب فيها العوائد والشهوات، وتعتري فيها الشواغل والشواغب، بخلاف البادية. فإذا كان عليه الصلاة والسلام أذن لسلمة: خوف فتنة الظاهر، فأولى خوف فتنة الباطن لأنه إذا فسد القلب فسد الجسد كله. ثم قال ابن عطية: وقال صلى الله عليه وسلم:
" لا تعرب في الإسلام "
وقال:
" من بدا جفا "
وعن معاذ بن جبل أنه قال: الشيطان ذئب الإنسان، كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية فإياكم والشعاب، وعليكم بالمساجد، والجماعات، والعامة. ثم قال: ويعترض هذا ببدو يعقوب، وينفصل عن ذلك بوجهين: أحدهما: أن ذلك البدو لم يكن في أهل العمود، بل بتقر في منازل وربوع، والثاني: إنما جعله بدوا بالإضافة إلى مصر، كما هي بنات الحواضر الصغار بدو بالإضافة إلى الحواضر الكبار.ه. قلت: فالتعرب المنهي عنه هو اعتزال الرجل وحده في جبل أو شعب، وإما إن تقرر في جماعة يقيمون الدين، ويجتمعون عليه، فليس بتعرب ولا بدو. ويدل عليه جواب ابن عطية الأول عن يعقوب عليه السلام. والحاصل: أن أهل القلوب بفتشون على مصالح قلوبهم، فأينما وجدوها فهي حاضرتهم. وقد ظهر في البوادي أكابر من الأولياء، ربما لم يظهروا في الحواضر. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: { أفلم يسيروا } أي: كفار مكة، { في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } من المكذبين لرسلهم: كيف هلكوا وتركوا آثارهم يشاهدونها خرابا دارسة، فيحذروا تكذيبك، ليؤمنوا ويتأهبوا للدار الآخرة { ولدار الآخرة } أي: ولدار الحياة الآخرة { خير للذين اتقوا } الشرك والمعاصي، { أفلا تعقلون } ، وتستعملون عقولكم لتعلموا أنها خير.
أو: أفلا يعقلون الذين يسيرون في الأرض ليعلموا أن الدنيا فانية، والدار الآخرة خير لأنها باقية. فإن أبيتم وكذبتم نبيكم فقد كذب من قبلكم رسلهم، وآذوهم، وتأخر نصرهم، { حتى إذا استيأس الرسل } من النصر، أو من إيمان قومهم لانهماكهم في الكفر، وتماديهم من غير وازع، { وظنوا } أي: تيقنوا { أنهم قد كذبوا } أي: أن قومهم كذبوهم فيئسوا من إيمانهم. أو: ظنوا أن من آمن بهم قد كذبوهم لطول البلاء وتأخر النصر. وأما قراءة كذبوا بالتخفيف فمعناه: وظنوا أنهم قد كذب عليهم في وعد النصر.. وأنكرت عائشة رضي الله عنها هذه الرواية، وقالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن بربها ذلك. كما في البخاري. وقد يجاب بأن ذلك كانت خواطر وهواجس من وسواس النفس، يمر ولا يثبت، وهو من طبع البشر، لا يدخل تحت التكليف. وسماه ظنا مبالغة في طلب المراقبة، كما تقدم في قوله: { ولقد همت به وهم بها }. وقال ابن جزي، على هذه القراءة: الضميران يعودان على المرسل إليهم، أي: ظن الأتباع أن الرسل قد كذبوا عليهم في دعوى الرسالة، أو في مجيء النصر لما اشتد عليهم البلاء، وتأخر عنهم النصر. فلما يئسوا { جاءهم نصرنا فنجي من نشاء } نجاته: وهو: النبي والمؤمنون. وإنما لم يعينهم للدلالة على أنهم الذين يستأهلون نجاتهم بالمشيئة القديمة، لا يشاركهم فيها غيرهم، { ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } إذا نزل بهم. وفيه بيان المستثنين بالمشيئة، كأنه قال: ولا نشاء نجاة المجرمين. الإشارة: قد وجد كثير من الأولياء بالمدن والحواضر، وكثير منهم في القرى والمداشر. وفضل الله يؤتيه من يشاء، لا يختص بمكان ولا زمان، غير أن جلهم جمعوا بين علم المدن وتفرغ البوادي، يعني: جمعوا بين شريعة المدن وحقيقة البوادي لأن أهل المدن شريعتهم قوية، وحقيقتهم ضعيفة. والبوادي بالعكس لكثرة العلائق في المدن وخفتها في البوادي، والحقيقة تحتاج إلى تفرغ كبير وتفكر كثير، والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { وظنوا أنهم قد كذبوا } بالتخفيف، معناه: أنهم لم يقفوا مع ظاهر الوعد لسعة علمهم لأن ذلك الوعد قد يكون في علم الغيب متوقفا على شروط خفية لا يعلمها ذلك النبي أو الولي، ليتحقق انفراده تعالى بالعلم الحقيقي، والقهرية الغالبة. فلذلك كان العارفون لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم. وقال الورتجبي: إنهم استغرقوا في قلزوم الأزلية، وغابوا تحت بحار الديمومية، ولم يروا الحق من كمال استغراقهم في الحق. فلما لم يروه ناداهم لسان غيره قهر القدم: أين أنتم؟ غبتم عنه وعن الحقيقة، فتطلع أنوار الحقيقة عليهم، ويأخذ لطفها عن شبكات امتحان القهر.
وهذا دأب الحق مع الأنبياء والأولياء حتى لا يسكنوا إلى ما وجدوا منه، بل يفنوا به عن كل ماله إليهم. ه. قال المحشي الفاسي: وحاصل ما أشار إليه: أن قراءة التخفيف تشير إلى أخذهم عن الوقوف مع الوعد، والسكون إليه، غيبة في الحق عن مقتضى وعده، لا تكذيبا لوعده، بل ذلك احوال غالبة آخذة عن الصفة، غيبة في الموصوف. وهذا حال الصوفي كما يعرف ذلك أهله. وهو صحيح في نفسه ولكنه بعيد عن مرمى الآية فإن صاحب الغيبة لا يوصف بظن خلاف الوعد، وإن كان غائبا عنه. وأقرب منه ما ذكره الترمذي الحكيم: من أن ذلك كان لظن فقد شرط في الموعود أوجب عدم القطع لوقوع الوعد. والله أعلم. وقد قال في الحكم: " لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود، وإن تعين زمنه ". يعني أنه قد يتخلف لفقد شرط كما في قضية الجرو الذي تخلف جبريل من أجله. أو لعدم تحقيق الوقت لأن تعيينه كان من قبل أنفسهم من غير وحي، فلما تأخر ظنوا ذلك بأنفسهم. والله تعالى أعلم. ه. والحاصل: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لما تأخر عنهم النصر هجس في أنفسهم تخلف الوعد خوفا أن يكون متوقفا على شرط لم يعلموه، أو جعلوا له وقتا فهموه من أمارات، فلما تأخر عنه ظنوا أنه قد تخلف. وأما قضية الجرو الذي أشار إليهم: فكان جبريل عليه السلام وعد نبينا صلى الله عليه وسلم أن يأتيه في وقت مخصوص، فدخل جرو البيت، فلم ينزل في ذلك الوقت، فلما نزل بعد ذلك، قال:
" إنما تخلفنا عن الوقت لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب "
كما في الصحيح. ثم قال تعالى: { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب }.
يوسف 12:111
يقول الحق جل جلاله: { لقد كان في قصصهم } أي: في قصص الأنبياء وأممهم، أو في قصة يوسف وإخوته، { عبرة لأولي الألباب }: لذوي العقول الصافية الخالصة من شوائب الإلف والعادة، ومن الركون إلى الحس لأن الإخبار بهم على يد نبي أمي آية واضحة لمن تفكر بقلب خالص. { ما كان حديثا يفترى } أي: ما كان القرآن حديثا مفترى، { ولكن } كان { تصديق الذي بين يديه } من الكتب الإلهية، { وتفصيل كل شيء } يحتاج إليه في الدارين إذ ما من أمر ديني إلا وله مستند من القرآن بوسط، أو بغير وسط. { وهدى } من الضلال، { ورحمة } ينال بها خير الدارين، { لقوم يؤمنون }: يصدقون به، ويتدبرون في معانيه. الإشارة: تفكر الاعتبار يشد عروة الإيمان، وفكرة الاستبصار تشد عروة الإحسان. قال في الحكم: " الفكرة فكرتان: فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان. فالأولى: لأهل التفكر والاعتبار، والثانية: لأهل الشهود والاستبصار ". ومرجع الاعتبار إلى خمسة أمور: الأول: التفكر في سرعة انصرام الدنيا وانقراضها، وذهاب أهلها. قرنا فقرنا، وجيلا فجيلا. فيوجب ذلك الزهد في الدنيا، والإعراض عن زخرفها الغرارة، والتأهب للدار الباقية. الثاني: التفكر في الدار الباقية، ودوام نعيمها، أو عذابها. وذلك مرتب على السعي في هذه الدار، فيوجب ذلك انتهاز الفرصة في الأعمال، واغتنام الأوقات والساعات قبل الفوات. الثالث: التفكر في النعم التي أنعم الحق تعالى بها على الإنسان إما ظاهرة كالعافية في البدن، والزرق الحلال، وما يتبع ذلك مما لا يحصى قال تعالى:
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها
[إبراهيم: 34]. وإما باطنة: كنعمة الإسلام والإيمان، وصحيح العرفان، والاستقامة في الدين، ولا سيما إن رزقه الله من يأخذ بيده من شيخ عارف. فهذه نعمة عظمى قل من يسقط عليها. فيوجب له ذلك الشكر الذي هو أعلى المقامات، ومتكفل بالزيادات، قال تعالى
لئن شكرتم لأزيدنكم
[إبراهيم: 7].. ولا يعرف العبد ما عليه من النعم إلا بالتفكر في أضدادها، والنظر إلى أهل البلاء. الرابع: التفكر في عيوبه ومساوئه، لعله يسعى في تطهيرها، أو يشتغل بها عن عيوب غيره. الخامس: التفكر فيما أظهر الله تعالى من أنواع المكونات، وضروب المصنوعات فيعرف بذلك جلالة الصانع، وعظيم قدرته، وإحاطة علمه، وحكمته. فإن اتصل بشيخ عارف غيبه عنها بشهود مكونها. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق
الرعد 13:1
{ بسم الله الرحمن الرحيم * المر... } قيل: معناه: أنا أعلم، الله أعلم وأرى. وقيل: مختصرة من لفظ المرسل، على عادة رمز المحبين. أو إشارة إلى العوالم الأربعة: فالألف لوحدة الجبروت، واللام لتدفق أنوار المكوت، والميم لحس عالم الملك والراء لسريان أمداد الرحموت. قال تعالى: {... تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون }. قلت: تلك مبتدأ. وآيات: خبر، والذي أنزل: مبتدأ، والحق: خبر، والجملة الثانية كالحجة على الجملة الأولى. يقول الحق جل جلاله: أيها المرسل المعظم، والحبيب المفخم، { تلك } الآيات التي تتلوها على الناس هي { آيات الكتاب } المنزل من حضرة قدسنا. { و } الكتاب أي: القرآن { الذي أنزل إليك من ربك } هو { الحق } الذي لا ريب فيه، { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } لإخلالهم بالنظر والتأمل فيه. الإشارة: لو صفت القلوب من الأكدار، وملئت بالمعارف والأنوار لفهمت أسرار الكتاب، وجواهر معانيه، ولأدركت معرفة الحق من كلامه لأن الكلام صفة المتكلم، ولكن أكثر الناس اشتغلوا بمتابعة الهوى، فصرفوا عن فهم الكلام، وفاتهم معرفة المتكلم. ولذلك لم يكتف الحق تعالى بآيات الكتاب حتى ذكر دلائل توحيده وكمال قدرته، فقال: { الله الذي رفع السماوات بغير... }
الرعد 13:2
قلت: الله: مبتدأ، الذي رفع: خبره، ويجوز أن يكون الموصول صفة، والخبر: يدبر الأمر، و { عمد }: اسم جمع عمود، وقياس جمعه: عمد كرسول ورسل، وشهاب وشهب، وليس جمعا خلافا لأبي عبيد. قاله ابن عطية. وقال البيضاوي: جمع عماد، كإهاب وأهب. وجملة: ترونها: إما حال، أو استئنافية فالضمير للسماوات، وإما صفة لعمد فالضمير لها، أي: ليس لها عمد مرئية، فيقتضي بالمفهوم أن لها عمدا لا ترى. وقيل: إن عمدها جبل قاف المحيط بالدنيا. والجمهور: أنه لا عمد لها البتة. فالمراد نفي العمد، ونفي رؤيتها. قاله ابن جزي. يقول الحق جل جلاله: مستدلا على وجوده، وكمال قدرته: { الله الذي رفع السماوات } فوقكم كالسقف المرفوع { بغير عمد }: أساطين، بل بقدرة أزلية، { ترونها } مرفوعة فوقكم. أو بغير عمد مرئية، بل بعمد خفية، وهي: أسرار الذات العلية إذ لا فاعل سواه. { ثم استوى على العرش } استواء استيلاء وإحاطة، حتى صار العرش غيبا في إحاطة قهريته وأسرار ذاته. وقد كانت العرب تجعل لملوكها سريرا يجلسون عليه لتدبير المملكة، فخاطبنا الحق تعالى بقدر ما نفهم، ولذلك رتب عليه قوله: { وسخر الشمس والقمر } لأن هذا من تدبير ملكه، أي: ذللهما لما أراد منهما، كالحركة المستمرة على حد من السرعة لينتفع بهما عباده في معاشهم ومعالم دينهم. { كل } منهما { يجري لأجل مسمى }: لمدة معينة تتم فيها أدواره، أو لغاية مضروبة ينقطع فيها سيرهما وهي يوم القيامة، حين تكور الشمس والقمر. { يدبر الأمر } أمر ملكه من الإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة، وغير ذلك، { يفصل الآيات }: ينزلها ويبين معانيها مفصلة، أو يحدث الدلائل واحدا بعد واحد { لعلكم بلقاء ربكم توقنون }: لكي تتفكروا فيها، وتتحقوا كمال قدرته فتعلموا أن من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها قادر على الإعادة والجزاء. الإشلرة: الله الذي رفع سماوات الأرواح، وزينها بنجوم العلم وقمر التوحيد، وأشرق عليها شموس العرفان وأسرار التفريد، ثم استوى بأسرار ذاته وأنوار صفاته على العرش، وهو قلب العارف لأنه سرير المعرفة، ومحل بيت الرب، وسخر شمس المعرفة وقمر التوحيد، يجريان بالترقي إلى محل التمكين، وهو الأجل المسمى لهما، يدبر أمر السير والترقي، ويفصل دلائل الطريق الموصلة إلى عين التحقيق لعلكم بالوصال إلى ربكم توقنون، حين يكون ذوقا وكشفا، والله تعالى أعلم.
الرعد 13:3
قلت: رواسي: جمع راسية، من رسى الشيء: ثبت، وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان من خفض عطف على أعناب، ومن رفع عطف على جنات، وصنوان نعت تابع، وغير: عطف عليه. يقول الحق جل جلاله: { وهو الذي مد الأرض } بسطها طولا وعرضا لتثبت عليها الأقدام وتتقلب عليها الحيوان والأنام، { وجعل فيها رواسي }: جبالا ثوابت لتستقر وتثبت، فلا تميد كالسفينة، { و } جعل فيها { أنهارا } مطرده دائمة الجري، من غير نفاد ولا فتور. ضمها إلى الجبال لأنها أسباب لتولدها في العادة. { ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } أي: وجعل فيها صنفين اثنين من كل الثمرات فكل ثمرة فيها صنفان أحمر وأسود، أو حلو وحامض، قال ابن جزي: فإن قيل: تقتضي الآية أنهخ تعالى خلق من كل ثمرة صنفين. وقد خلق من كثير من الثمرات أصنافا كثيرة؟ فالجواب: أن ذلك زيادة في الاعتبار، وأعظم في الدلالة على القدرة بذكر الاثنين لأن دلالة غيرهما من باب أولى. ه. { يغشى الليل النهار } ، أي: يجعل الليل غشاء على النهار ولباسا له، فيصير الجو مظلما بعدما كان مضيئا. { إن في ذلك لآيات } دلائل وجوده وباهر قدرته { لقوم يتفكرون } فيها فإن وجودها وتخصيصها في هذا الشكل العجيب، دليل على وجود صانع حكيم، دبر أمرها، وهيأ أسبابها. { وفي الأرض قطع متجاورات } قريب بعضها من بعض، مع اختلاف أوصافها، بعضها طيبة وبعضها سبخة، وبعضها رخوة وبعضها صلبة، وبعضها يصلح للزرع دون الشجر، وبعضها بالعكس، وبعضها معادن مختلفة. ولولا تخصيص قادر مخصص لتلك الأفعال، على وجه دون وجه، لم يكن الحكم كذلك لاشتراك تلك القطع في الطبيعة الأرضية، وما يلزمها ويعرض لها بتوسط ما يعرض من الأسباب السماوية، من حيث إنها متضامة متشاركة في السبب والأوضاع. قاله البيضاوي: { وجنات من أعناب وزرع ونخيل } أي: وفي الأرض أيضا بساتين فيها أنواع من الأعناب والزروع والنخيل، من صفة تلك النخيل: { صنوان } أي: نخلات كثيرة متفرعة من أصل واحد، { وغير صنوان } أي: غير متفرعة بل كلنخله منفردة باصل واحد { يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل } أي: في الثمر المأكول قدرا وشكلا، وطعما، ورائحة ولونا، مع اتفاق الماء الذي تسقى به. وذلك مما يدل أيضا على الصانع القادر الحكيم فإن إيجادها، مع اختلاف الأصول والأسباب، لا يكون إلا بتخصيص قادر مختار. وفيه رد على الطبائعيين. { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }: يستعملون عقولهم بالتفكر والاعتبار، فيدركون عظمة الواحد القهار. الإشارة: ذكر أولا سماء الأرواح، وما يناسبها من أنوار التوحيد وأسرار التفريد، وذكر هنا أرض النفوس، وما يلائمها من جبال العقول وأنهار العلوم، فقال: وهو الذي مد أرض النفوس، وجعل فيها جبالا من العقول الشامخة، حتى أدركت الصانع، وتحققت بوجوده ووحدانيته، بالدلائل الواضحة، والبراهين القطعية، وأنبع منها أنهارا من العلوم الرسمية والرقائق الوعظية.
وجعل فيها من كل صنف من ثمار ما جنت بمجاهدتها صنفين اثنين: قبضا وبسطا منعا ووجدا، ذلا وعزا، فقرا وغنى. يغشيانها غشاء الليل للنهار فإذا كان ليل القبض غشيه نهار البسط، فيزيله، وإذا كان المنع، غشية الوجد، وإذا كان الذل غشيه العز، وإذا كان الفقر غشيه الغنى، وهكذا. ودوام حال من قضايا المحال. وفي أرض النفوس أيضا قطع متجاورة، مع اختلاف ألوانها وطبائعها، وعلومها ومعارفها، ومواجدها وألسنتها. وفيها أيضا جنات المعارف إن اتصلت بطبيب عارف من أعناب الحقائق الناشئة عن خمرة الأزل، وزرع الشرائع الناشئة عن الكسب والتحصيل، ونخيل الأذواق والوجدان، صنوان وغير صنوان يعني من تعتريه الأحوال، ومن لا تعتريه لكمال رسوخه، تسقى بخمره واحدة، وهي الخمرة الأزلية، على أيدي الوسائط، أو بلا وسائط، وهو نادر. ونفضل بعضها على بعض في الأذواق والوجدان فترى العارفين بعضهم قطب في الأحوال، وبعضهم قطب في المقامات كان الجنيد رضي الله عنه قطبا في العلوم، وكذا الشاذلي والجيلاني والغزالي، وأمثالهم. وكان الشيخ أبو زيد قطبا في الأحوال، وكان سهل التستري قطبا في المقامات. والأولياء كلهم لا يخرجون عن هذا التقسيم، كل واحد وما يغلب عليه، مع مشاركته لغيره في الثلاث. والله تعالى أعلم. ولما ذكر دلائل قدرته ذكر وعيد من أعرض عنها حتى أنكر البعث فقال: { وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا... }
الرعد 13:4
قلت: رواسي: جمع راسية، من رسى الشيء: ثبت، وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان من خفض عطف على أعناب، ومن رفع عطف على جنات، وصنوان نعت تابع، وغير: عطف عليه. يقول الحق جل جلاله: { وهو الذي مد الأرض } بسطها طولا وعرضا لتثبت عليها الأقدام وتتقلب عليها الحيوان والأنام، { وجعل فيها رواسي }: جبالا ثوابت لتستقر وتثبت، فلا تميد كالسفينة، { و } جعل فيها { أنهارا } مطرده دائمة الجري، من غير نفاد ولا فتور. ضمها إلى الجبال لأنها أسباب لتولدها في العادة. { ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } أي: وجعل فيها صنفين اثنين من كل الثمرات فكل ثمرة فيها صنفان أحمر وأسود، أو حلو وحامض، قال ابن جزي: فإن قيل: تقتضي الآية أنهخ تعالى خلق من كل ثمرة صنفين. وقد خلق من كثير من الثمرات أصنافا كثيرة؟ فالجواب: أن ذلك زيادة في الاعتبار، وأعظم في الدلالة على القدرة بذكر الاثنين لأن دلالة غيرهما من باب أولى. ه. { يغشى الليل النهار } ، أي: يجعل الليل غشاء على النهار ولباسا له، فيصير الجو مظلما بعدما كان مضيئا. { إن في ذلك لآيات } دلائل وجوده وباهر قدرته { لقوم يتفكرون } فيها فإن وجودها وتخصيصها في هذا الشكل العجيب، دليل على وجود صانع حكيم، دبر أمرها، وهيأ أسبابها. { وفي الأرض قطع متجاورات } قريب بعضها من بعض، مع اختلاف أوصافها، بعضها طيبة وبعضها سبخة، وبعضها رخوة وبعضها صلبة، وبعضها يصلح للزرع دون الشجر، وبعضها بالعكس، وبعضها معادن مختلفة. ولولا تخصيص قادر مخصص لتلك الأفعال، على وجه دون وجه، لم يكن الحكم كذلك لاشتراك تلك القطع في الطبيعة الأرضية، وما يلزمها ويعرض لها بتوسط ما يعرض من الأسباب السماوية، من حيث إنها متضامة متشاركة في السبب والأوضاع. قاله البيضاوي: { وجنات من أعناب وزرع ونخيل } أي: وفي الأرض أيضا بساتين فيها أنواع من الأعناب والزروع والنخيل، من صفة تلك النخيل: { صنوان } أي: نخلات كثيرة متفرعة من أصل واحد، { وغير صنوان } أي: غير متفرعة بل كلنخله منفردة باصل واحد { يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل } أي: في الثمر المأكول قدرا وشكلا، وطعما، ورائحة ولونا، مع اتفاق الماء الذي تسقى به. وذلك مما يدل أيضا على الصانع القادر الحكيم فإن إيجادها، مع اختلاف الأصول والأسباب، لا يكون إلا بتخصيص قادر مختار. وفيه رد على الطبائعيين. { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }: يستعملون عقولهم بالتفكر والاعتبار، فيدركون عظمة الواحد القهار. الإشارة: ذكر أولا سماء الأرواح، وما يناسبها من أنوار التوحيد وأسرار التفريد، وذكر هنا أرض النفوس، وما يلائمها من جبال العقول وأنهار العلوم، فقال: وهو الذي مد أرض النفوس، وجعل فيها جبالا من العقول الشامخة، حتى أدركت الصانع، وتحققت بوجوده ووحدانيته، بالدلائل الواضحة، والبراهين القطعية، وأنبع منها أنهارا من العلوم الرسمية والرقائق الوعظية.
وجعل فيها من كل صنف من ثمار ما جنت بمجاهدتها صنفين اثنين: قبضا وبسطا منعا ووجدا، ذلا وعزا، فقرا وغنى. يغشيانها غشاء الليل للنهار فإذا كان ليل القبض غشيه نهار البسط، فيزيله، وإذا كان المنع، غشية الوجد، وإذا كان الذل غشيه العز، وإذا كان الفقر غشيه الغنى، وهكذا. ودوام حال من قضايا المحال. وفي أرض النفوس أيضا قطع متجاورة، مع اختلاف ألوانها وطبائعها، وعلومها ومعارفها، ومواجدها وألسنتها. وفيها أيضا جنات المعارف إن اتصلت بطبيب عارف من أعناب الحقائق الناشئة عن خمرة الأزل، وزرع الشرائع الناشئة عن الكسب والتحصيل، ونخيل الأذواق والوجدان، صنوان وغير صنوان يعني من تعتريه الأحوال، ومن لا تعتريه لكمال رسوخه، تسقى بخمره واحدة، وهي الخمرة الأزلية، على أيدي الوسائط، أو بلا وسائط، وهو نادر. ونفضل بعضها على بعض في الأذواق والوجدان فترى العارفين بعضهم قطب في الأحوال، وبعضهم قطب في المقامات كان الجنيد رضي الله عنه قطبا في العلوم، وكذا الشاذلي والجيلاني والغزالي، وأمثالهم. وكان الشيخ أبو زيد قطبا في الأحوال، وكان سهل التستري قطبا في المقامات. والأولياء كلهم لا يخرجون عن هذا التقسيم، كل واحد وما يغلب عليه، مع مشاركته لغيره في الثلاث. والله تعالى أعلم. ولما ذكر دلائل قدرته ذكر وعيد من أعرض عنها حتى أنكر البعث فقال: { وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا... }
الرعد 13:5
قلت: فعجب: خبر، وقولهم: مبتدأ، وأئذا كنا... الخ محكي به. واختلف القراء هنا، وفي مواضع من القرآن، فمنهم من قرأ بالاستفهام في الأول دون الثاني، ومنهم بالعكس، ومنهم من قرأ بالاستفهام فيهما. فمن قرأ بالاستفهام في الأول دون الثاني فإنما القصد هو الثاني لأنهم إنما أنكروا كون الإنسان يصير ترابا ثم يبعث، وأما كونهم يصيرون ترابا فلا إنكار عندهم فيه. ومن قرأ بالاستفهام في الثاني فعلى الأصل، ومن قرأ بالاستفهام فيهما فزيادة تأكيد. والعامل في إذا محذوف دل عليه: { لفي خلق جديد } أي: أنجدد إذا... الخ. يقول الحق جل جلاله: { وإن تعجب } يا محمد من إنكارهم البعث { فعجب قولهم } أي: فقولهم حقيق بأن يتعجب منه، فإن من قدر على إنشاء ما قص عليك من عجائب السماوات والأرض، وأنواع الثمار على اختلاف أصنافها وألوانها، كانت الإعادة أيسر شيء عليه، فالآيات المعدودة، كما هي دالة على وجود المبدأ، فهي دالة على إمكان الإعادة، لأنها دالة على كمال قدرته تعالى. ثم فسر قولهم في الإنكار قالوا: { أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد } أي: أنجدد إذا متنا، وكنا ترابا، { أولئك } القائلون ذلك، أو المنكرون البعث، { الذين كفروا بربهم } لأنهم كفروا صفة القدرة، { وأولئك الأغلال في أعناقهم } أي: مقيدون بالضلال، قد أحاط بهم الشقاء، ولا يرجى خلاصهم. أو: يغلون يوم القيامة. { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } لا ينفكون عنها. وتوسط ضمير الفصل لتخصيص الخلود بالكفار، ففيه رد على المعتزلة. والله تعالى أعلم. الإشارة: إنكار بعث الأرواح من غفلاتها وجهلها، كإنكار بعث الأشباح بعد موتها، يتعجب من الأول كما يتعجب من الثاني فالقدرة صالحة، فمن قدر على بعث الأشباح بعد موتها الحسي قدر على بعث الأرواح بعد موتها المعنوي: " من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية { وكان الله على كل شيء مقتدرا } " ، وقد أحيا الله أرواحا كثيرة كانت ميتة بالجهل والمعاصي، فصارت عارفة بالله، من خواص أولياء الله من كانوا لصوصا فصاروا خصوصا، ومنهم من كانوا كفارا فصاروا أبرارا. وبالله التوفيق. ثم استمد بهم الإنكار حتى أستعجلوا ممن أوعدهم بذلك العذاب
الرعد 13:6
قلت: " المثلات ": جمع مثلة، كسمرة، وهي العقوبة العظيمة، التي تجعل الإنسان مثلا لمن بعده. وفيها لغات وقراءات شاذة. وعلى ظلمهم: حال، والعامل فيه: المغفرة. يقول الحق جل جلاله: { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } أي: بالنقمة قبل العافية، طلبوا نزول العذاب الذي أوعدهم به استهزاء، { وقد خلت }: مضت { من قبلهم المثلات }: عقوبات أمثالهم من المكذبين، أو المصيبات الدواهي، حتى صاروا مثلا لمن بعدهم. فما لهم لم يعتبروا، ولم يخافوا حلول مثلها عليهم؟ { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } أي: مع ظلمهم أنفسهم بالكفر والمعاصي، فسترهم وأمهلهم في الدنيا. فالمغفرة هنا لغوية، وقيل: يغفر لهم بالتوبة. وقيل: بلا قيد التوبة، بل بمجرد الحلم. قال البيضاوي: وفيه جواز العفو قبل التوبة، فإن التائب ليس على ظلمه، ومن منع ذلك خص الظلم بالصغائر المكفرة باجتناب الكبائر. ه. { وإن ربك لشديد العقاب } لمن يريد تعذيبه، أو للكفار. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحد العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد "
قاله البيضاوي. الإشارة: ترى بعض المستهزئين بالأولياء يؤذيهم بلسانه، أو بغيره، ويقول: إن كان بيده ما يفعل يفعله بي، والله تعالى يقول:
" من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب "
ولكن الحق تعالى يمهل ولا يهمل { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب }. ثم طلبوا المعجزة
الرعد 13:7
وقلت وسارب: عطف على جملة من هو أي: ومن هو سارب، ليكمل التقسيم أربعة: من أسر، ومن جهر به، ومن استخفى، ومن سرب أي: برز. انظر ابن جزي. والمتعال: منقوص، يجوز في الوقف عليه حذف الياء وإثباتها، وكذلك: هاد، وواق، وشبهه، غير أن الراجح في المعرف بأل الإثبات، وفي المنون: الحذف. قال ابن مالك:
وحذف يا المنقوص ذي التنوين ما لم ينصب: أولى من ثبوت فاعلما وغير ذي التنوين بالعكس، وفي نحو مر: لزوم رد اليا اقتفي
وأثبتها ابن كثير في الجميع، ووافقه يعقوب في المعرف بأل، وحذفها غيره مطلقا. يقول الحق جل جلاله: { ويقول الذين كفروا } من أهل مكة: { لولا }: هلا { أنزل عليه آية } أي: معجزة واضحة { من ربه } كما أوتي موسى وعيسى. ولم يعتدوا بالآيات المنزلة عليه كانشقاق القمر وانقياد الشجر، وتسليم الحجر، وأعظمها: القرآن العظيم. وذلك عناد منهم. قال تعالى: { إنما أنت منذر } مرسل إليهم لتنذرهم كغيرك من الرسل وما عليك إلا الإتيان بما تصح به نبوتك من جنس المعجزات، لا مما يقترح عليك. { ولكل قوم هاد } رسول يهديهم إلى الحق والصواب، مخصوص بمعجزات من جنس ما هو الغالب عليهم ففي زمن موسى عليه السلام كان الغالب عليهم السحر، فأوتي بالعصا تنقلب حية ليبطل سحرهم، وفي زمن عيسى عليه السلام كان الغالب عليهم الطب، فأوتي إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى الذي يعجزون عن مثله، وفي زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان الغالب عليهم البلاغة والفصاحة، بما كانوا يتباهون ويتناضلون، فأوتي القرآن العظيم، أعجز ببلاغته البلغاء والفصحاء. أو: لكل قوم هاد، يقدر على هدايتهم، وهو الله تعالى، أي: إنما عليك الإنذار، والله هو الهادي لمن يشاء، أو: ولكل قوم واعظ ومذكر من نبي أو ولي. روي أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" أنا المنذر وأنت يا علي الهادي ".
ثم أردف ذلك ما يدل على كمال علمه وقدرته، وشمول قضائه وقدره تنبيها على أنه تعالى قادر على إنزال ما اقترحوه، وإنما لم ينزله لعلمه بأن اقتراحهم كان عنادا لا استرشادا. أو ان وقت الإنزال لم يحضر، فقال: { الله يعلم ما تحمل كل أنثى } هل هو ذكر أو أنثى، أو تام أو ناقص، أو حسن أو قبيح. وهو من الخمس التي اختص بها. { وما تغيض الأرحام وما تزداد } أي: ما تنقص في الجثة بمرض الجنين او إسقاطه، وما تزداد بنمو الجنين إلى أمده أو أكثر. قال البيضاوي: مدة الحمل عندنا اربع سنين، وخمس عند مالك، وسنتان عند أبي حنيفة. روي أن الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان لأربع سنين.
وأعلى عدده لا حد له. قلت: يعني مع تحققه وقيل: المراد نقصان دم الحيض وزيادته. ه. { وكل شيء عنده بمقدار }: بقدر محدود، ووقت مخصوص، لا يجاوزه، ولا ينقص عنه، فالحق تعالى خص كل حادث بوقت مخصوص معين، وهيأ له أسبابا تسوقه إليه على ما تقتضيه حكمته. { عالم الغيب والشهادة } أي: الغائب عن الحس، والظاهر فيه { الكبير }: العظيم الشأن، الذي يصغر كل شيء دون عظمته وكبريائه، { المتعال }: المستعلي عن سمة الحوادث، أو: المستعلي بقدرته على كل شيء. { سواء منكم من أسر القول } في نفسه { ومن جهر به } لغيره، { ومن هو مستخف بالليل }: طالب للخفاء مستترا بظلمة الليل، { و } من هو { سارب بالنهار } أي: بارز فيه. فقد أحاط الله بذلك، علما وسمعا وبصرا. فالآية مقرره لما قبلها من كمال علمه وشموله. { له معقبات } أي: لمن أسر أو جهر، أو استخفى أو برز، { معقبات }: ملائكة تعتقب في حفظه، اي: يعقب بعضها بعضا، اثنان بالليل واثنان بالنهار، أو: لأنهم يعقبون أقواله وافعاله فيكتبونها. أو: جماعة من الملائكة وكلهم الله بحفظ الآدمي، يعقب بعضهم بعضا، وهو مناسب لقوله: { يحفظونه من أمر الله } أي: يحرسونه من الآفات التي تنزل من امر الله وإرادته. أو: يحفظونه من عقوبة الله وغضبه. إذا أذنب ذنبا أمهلوه واستغفروا له. أو: يراقبون أحواله من أجل أمر الله، إذ أمرهم الله بذلك، أو يكون صفة للمعقبات، أي: له معقبات من أجل أمر الله، حيث أمرهم بحفظه. وقيل: الضمير في { له }: يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، المتقدم في قوله: { إنما أنت منذر } ، فتكون نزلت فيمن اراد غدر النبي صلى الله عليه وسلم سرا، على ما يأتي في الآية الآتية. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تقدم مرارا حال من طلب الكرامة من الأولياء، وأنه جاهل بهم، ولا يعرفهم ما دام يلتمس الكرامة منهم. وأي كرامة أعظم من الاستقامة، والمعرفة بالله، على نعت الشهود والعيان؟!. وقوله تعالى: { ولكل قوم هاد } أي: ولكل عصر عارف بالله، يهدي الناس إلى حضرة الله، وهم ورثة الهادي الأعظم والنبي الأفخم، نبينا عليه الصلاة والسلام أولهم سيدنا علي كرم الله وجهه للحديث المتقدم، لأنه أول من ظهر علم التصوف وأفشاه، ثم أخذه عنه الحسن البصري وهذبه، ثم حبيب العجمي، ثم داود الطائي، ثم معروف الكرخي، ثم سري السقطي، ثم إمام الطريقة: أبو القاسم الجنيد، ثم انتشر في الأرض، فلكل عصر رجال يحملون لواء الحقيقة ويهدون الناس إلى لباب الشريعة. وهم العارفون بالله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها "
أي: يجدد الطريقة بعد دروسها، ويحيي الحقيقة بعد خمود أنوارها، ويظهر الشريعة بعد خفاء أعلامها.
وقد يكون واحدا ومتعددا. وقد بعث الله في رأس هذه المائة الثالثة عشر، أربعة، أحيا الله بهم الحقيقة، وأظهر بهم أنوار الشريعة، يمشون في الأرض بالنصيحة، ويهدون الناس إلى رب العالمين، والله ولي المتقين، وشهرتهم تغني عن تعيينهم، وتقدم اثنان في العقود. وقوله تعالى: { الله يعلم ما تحمل كل أنثى }: ما تحمل كل نفس من العلوم، وما تحمل كل روح من الأسرار. وما تغيض الأرحام، أي: القلوب، فقد تنقص أنوارها بمباشرة الأغيار، وقد تزداد بالتفرغ أوصحبة العارفين الكبار. وكل شيء عنده بمقدار، فالفتح له وقت معلوم، وحد محدود، والمراتب والمقامات مقسومة محدودة في الأزل، كل أحد ياخذ ما قسم له. وقوله تعالى: { سواء منكم من أسر القول... } إلخ، فيه تحقيق المراقبة وتشديد المحاسبة على الخواطر والقلوب. والله تعالى أعلم. فإذا كان العبد على هداية من ربه أو نعمه فلا تزول عنه إلا من جهته.
الرعد 13:8
وقلت وسارب: عطف على جملة من هو أي: ومن هو سارب، ليكمل التقسيم أربعة: من أسر، ومن جهر به، ومن استخفى، ومن سرب أي: برز. انظر ابن جزي. والمتعال: منقوص، يجوز في الوقف عليه حذف الياء وإثباتها، وكذلك: هاد، وواق، وشبهه، غير أن الراجح في المعرف بأل الإثبات، وفي المنون: الحذف. قال ابن مالك:
وحذف يا المنقوص ذي التنوين ما لم ينصب: أولى من ثبوت فاعلما وغير ذي التنوين بالعكس، وفي نحو مر: لزوم رد اليا اقتفي
وأثبتها ابن كثير في الجميع، ووافقه يعقوب في المعرف بأل، وحذفها غيره مطلقا. يقول الحق جل جلاله: { ويقول الذين كفروا } من أهل مكة: { لولا }: هلا { أنزل عليه آية } أي: معجزة واضحة { من ربه } كما أوتي موسى وعيسى. ولم يعتدوا بالآيات المنزلة عليه كانشقاق القمر وانقياد الشجر، وتسليم الحجر، وأعظمها: القرآن العظيم. وذلك عناد منهم. قال تعالى: { إنما أنت منذر } مرسل إليهم لتنذرهم كغيرك من الرسل وما عليك إلا الإتيان بما تصح به نبوتك من جنس المعجزات، لا مما يقترح عليك. { ولكل قوم هاد } رسول يهديهم إلى الحق والصواب، مخصوص بمعجزات من جنس ما هو الغالب عليهم ففي زمن موسى عليه السلام كان الغالب عليهم السحر، فأوتي بالعصا تنقلب حية ليبطل سحرهم، وفي زمن عيسى عليه السلام كان الغالب عليهم الطب، فأوتي إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى الذي يعجزون عن مثله، وفي زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان الغالب عليهم البلاغة والفصاحة، بما كانوا يتباهون ويتناضلون، فأوتي القرآن العظيم، أعجز ببلاغته البلغاء والفصحاء. أو: لكل قوم هاد، يقدر على هدايتهم، وهو الله تعالى، أي: إنما عليك الإنذار، والله هو الهادي لمن يشاء، أو: ولكل قوم واعظ ومذكر من نبي أو ولي. روي أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" أنا المنذر وأنت يا علي الهادي ".
ثم أردف ذلك ما يدل على كمال علمه وقدرته، وشمول قضائه وقدره تنبيها على أنه تعالى قادر على إنزال ما اقترحوه، وإنما لم ينزله لعلمه بأن اقتراحهم كان عنادا لا استرشادا. أو ان وقت الإنزال لم يحضر، فقال: { الله يعلم ما تحمل كل أنثى } هل هو ذكر أو أنثى، أو تام أو ناقص، أو حسن أو قبيح. وهو من الخمس التي اختص بها. { وما تغيض الأرحام وما تزداد } أي: ما تنقص في الجثة بمرض الجنين او إسقاطه، وما تزداد بنمو الجنين إلى أمده أو أكثر. قال البيضاوي: مدة الحمل عندنا اربع سنين، وخمس عند مالك، وسنتان عند أبي حنيفة. روي أن الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان لأربع سنين.
وأعلى عدده لا حد له. قلت: يعني مع تحققه وقيل: المراد نقصان دم الحيض وزيادته. ه. { وكل شيء عنده بمقدار }: بقدر محدود، ووقت مخصوص، لا يجاوزه، ولا ينقص عنه، فالحق تعالى خص كل حادث بوقت مخصوص معين، وهيأ له أسبابا تسوقه إليه على ما تقتضيه حكمته. { عالم الغيب والشهادة } أي: الغائب عن الحس، والظاهر فيه { الكبير }: العظيم الشأن، الذي يصغر كل شيء دون عظمته وكبريائه، { المتعال }: المستعلي عن سمة الحوادث، أو: المستعلي بقدرته على كل شيء. { سواء منكم من أسر القول } في نفسه { ومن جهر به } لغيره، { ومن هو مستخف بالليل }: طالب للخفاء مستترا بظلمة الليل، { و } من هو { سارب بالنهار } أي: بارز فيه. فقد أحاط الله بذلك، علما وسمعا وبصرا. فالآية مقرره لما قبلها من كمال علمه وشموله. { له معقبات } أي: لمن أسر أو جهر، أو استخفى أو برز، { معقبات }: ملائكة تعتقب في حفظه، اي: يعقب بعضها بعضا، اثنان بالليل واثنان بالنهار، أو: لأنهم يعقبون أقواله وافعاله فيكتبونها. أو: جماعة من الملائكة وكلهم الله بحفظ الآدمي، يعقب بعضهم بعضا، وهو مناسب لقوله: { يحفظونه من أمر الله } أي: يحرسونه من الآفات التي تنزل من امر الله وإرادته. أو: يحفظونه من عقوبة الله وغضبه. إذا أذنب ذنبا أمهلوه واستغفروا له. أو: يراقبون أحواله من أجل أمر الله، إذ أمرهم الله بذلك، أو يكون صفة للمعقبات، أي: له معقبات من أجل أمر الله، حيث أمرهم بحفظه. وقيل: الضمير في { له }: يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، المتقدم في قوله: { إنما أنت منذر } ، فتكون نزلت فيمن اراد غدر النبي صلى الله عليه وسلم سرا، على ما يأتي في الآية الآتية. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تقدم مرارا حال من طلب الكرامة من الأولياء، وأنه جاهل بهم، ولا يعرفهم ما دام يلتمس الكرامة منهم. وأي كرامة أعظم من الاستقامة، والمعرفة بالله، على نعت الشهود والعيان؟!. وقوله تعالى: { ولكل قوم هاد } أي: ولكل عصر عارف بالله، يهدي الناس إلى حضرة الله، وهم ورثة الهادي الأعظم والنبي الأفخم، نبينا عليه الصلاة والسلام أولهم سيدنا علي كرم الله وجهه للحديث المتقدم، لأنه أول من ظهر علم التصوف وأفشاه، ثم أخذه عنه الحسن البصري وهذبه، ثم حبيب العجمي، ثم داود الطائي، ثم معروف الكرخي، ثم سري السقطي، ثم إمام الطريقة: أبو القاسم الجنيد، ثم انتشر في الأرض، فلكل عصر رجال يحملون لواء الحقيقة ويهدون الناس إلى لباب الشريعة. وهم العارفون بالله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها "
أي: يجدد الطريقة بعد دروسها، ويحيي الحقيقة بعد خمود أنوارها، ويظهر الشريعة بعد خفاء أعلامها.
وقد يكون واحدا ومتعددا. وقد بعث الله في رأس هذه المائة الثالثة عشر، أربعة، أحيا الله بهم الحقيقة، وأظهر بهم أنوار الشريعة، يمشون في الأرض بالنصيحة، ويهدون الناس إلى رب العالمين، والله ولي المتقين، وشهرتهم تغني عن تعيينهم، وتقدم اثنان في العقود. وقوله تعالى: { الله يعلم ما تحمل كل أنثى }: ما تحمل كل نفس من العلوم، وما تحمل كل روح من الأسرار. وما تغيض الأرحام، أي: القلوب، فقد تنقص أنوارها بمباشرة الأغيار، وقد تزداد بالتفرغ أوصحبة العارفين الكبار. وكل شيء عنده بمقدار، فالفتح له وقت معلوم، وحد محدود، والمراتب والمقامات مقسومة محدودة في الأزل، كل أحد ياخذ ما قسم له. وقوله تعالى: { سواء منكم من أسر القول... } إلخ، فيه تحقيق المراقبة وتشديد المحاسبة على الخواطر والقلوب. والله تعالى أعلم. فإذا كان العبد على هداية من ربه أو نعمه فلا تزول عنه إلا من جهته.
الرعد 13:9
وقلت وسارب: عطف على جملة من هو أي: ومن هو سارب، ليكمل التقسيم أربعة: من أسر، ومن جهر به، ومن استخفى، ومن سرب أي: برز. انظر ابن جزي. والمتعال: منقوص، يجوز في الوقف عليه حذف الياء وإثباتها، وكذلك: هاد، وواق، وشبهه، غير أن الراجح في المعرف بأل الإثبات، وفي المنون: الحذف. قال ابن مالك:
وحذف يا المنقوص ذي التنوين ما لم ينصب: أولى من ثبوت فاعلما وغير ذي التنوين بالعكس، وفي نحو مر: لزوم رد اليا اقتفي
وأثبتها ابن كثير في الجميع، ووافقه يعقوب في المعرف بأل، وحذفها غيره مطلقا. يقول الحق جل جلاله: { ويقول الذين كفروا } من أهل مكة: { لولا }: هلا { أنزل عليه آية } أي: معجزة واضحة { من ربه } كما أوتي موسى وعيسى. ولم يعتدوا بالآيات المنزلة عليه كانشقاق القمر وانقياد الشجر، وتسليم الحجر، وأعظمها: القرآن العظيم. وذلك عناد منهم. قال تعالى: { إنما أنت منذر } مرسل إليهم لتنذرهم كغيرك من الرسل وما عليك إلا الإتيان بما تصح به نبوتك من جنس المعجزات، لا مما يقترح عليك. { ولكل قوم هاد } رسول يهديهم إلى الحق والصواب، مخصوص بمعجزات من جنس ما هو الغالب عليهم ففي زمن موسى عليه السلام كان الغالب عليهم السحر، فأوتي بالعصا تنقلب حية ليبطل سحرهم، وفي زمن عيسى عليه السلام كان الغالب عليهم الطب، فأوتي إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى الذي يعجزون عن مثله، وفي زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان الغالب عليهم البلاغة والفصاحة، بما كانوا يتباهون ويتناضلون، فأوتي القرآن العظيم، أعجز ببلاغته البلغاء والفصحاء. أو: لكل قوم هاد، يقدر على هدايتهم، وهو الله تعالى، أي: إنما عليك الإنذار، والله هو الهادي لمن يشاء، أو: ولكل قوم واعظ ومذكر من نبي أو ولي. روي أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" أنا المنذر وأنت يا علي الهادي ".
ثم أردف ذلك ما يدل على كمال علمه وقدرته، وشمول قضائه وقدره تنبيها على أنه تعالى قادر على إنزال ما اقترحوه، وإنما لم ينزله لعلمه بأن اقتراحهم كان عنادا لا استرشادا. أو ان وقت الإنزال لم يحضر، فقال: { الله يعلم ما تحمل كل أنثى } هل هو ذكر أو أنثى، أو تام أو ناقص، أو حسن أو قبيح. وهو من الخمس التي اختص بها. { وما تغيض الأرحام وما تزداد } أي: ما تنقص في الجثة بمرض الجنين او إسقاطه، وما تزداد بنمو الجنين إلى أمده أو أكثر. قال البيضاوي: مدة الحمل عندنا اربع سنين، وخمس عند مالك، وسنتان عند أبي حنيفة. روي أن الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان لأربع سنين.
وأعلى عدده لا حد له. قلت: يعني مع تحققه وقيل: المراد نقصان دم الحيض وزيادته. ه. { وكل شيء عنده بمقدار }: بقدر محدود، ووقت مخصوص، لا يجاوزه، ولا ينقص عنه، فالحق تعالى خص كل حادث بوقت مخصوص معين، وهيأ له أسبابا تسوقه إليه على ما تقتضيه حكمته. { عالم الغيب والشهادة } أي: الغائب عن الحس، والظاهر فيه { الكبير }: العظيم الشأن، الذي يصغر كل شيء دون عظمته وكبريائه، { المتعال }: المستعلي عن سمة الحوادث، أو: المستعلي بقدرته على كل شيء. { سواء منكم من أسر القول } في نفسه { ومن جهر به } لغيره، { ومن هو مستخف بالليل }: طالب للخفاء مستترا بظلمة الليل، { و } من هو { سارب بالنهار } أي: بارز فيه. فقد أحاط الله بذلك، علما وسمعا وبصرا. فالآية مقرره لما قبلها من كمال علمه وشموله. { له معقبات } أي: لمن أسر أو جهر، أو استخفى أو برز، { معقبات }: ملائكة تعتقب في حفظه، اي: يعقب بعضها بعضا، اثنان بالليل واثنان بالنهار، أو: لأنهم يعقبون أقواله وافعاله فيكتبونها. أو: جماعة من الملائكة وكلهم الله بحفظ الآدمي، يعقب بعضهم بعضا، وهو مناسب لقوله: { يحفظونه من أمر الله } أي: يحرسونه من الآفات التي تنزل من امر الله وإرادته. أو: يحفظونه من عقوبة الله وغضبه. إذا أذنب ذنبا أمهلوه واستغفروا له. أو: يراقبون أحواله من أجل أمر الله، إذ أمرهم الله بذلك، أو يكون صفة للمعقبات، أي: له معقبات من أجل أمر الله، حيث أمرهم بحفظه. وقيل: الضمير في { له }: يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، المتقدم في قوله: { إنما أنت منذر } ، فتكون نزلت فيمن اراد غدر النبي صلى الله عليه وسلم سرا، على ما يأتي في الآية الآتية. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تقدم مرارا حال من طلب الكرامة من الأولياء، وأنه جاهل بهم، ولا يعرفهم ما دام يلتمس الكرامة منهم. وأي كرامة أعظم من الاستقامة، والمعرفة بالله، على نعت الشهود والعيان؟!. وقوله تعالى: { ولكل قوم هاد } أي: ولكل عصر عارف بالله، يهدي الناس إلى حضرة الله، وهم ورثة الهادي الأعظم والنبي الأفخم، نبينا عليه الصلاة والسلام أولهم سيدنا علي كرم الله وجهه للحديث المتقدم، لأنه أول من ظهر علم التصوف وأفشاه، ثم أخذه عنه الحسن البصري وهذبه، ثم حبيب العجمي، ثم داود الطائي، ثم معروف الكرخي، ثم سري السقطي، ثم إمام الطريقة: أبو القاسم الجنيد، ثم انتشر في الأرض، فلكل عصر رجال يحملون لواء الحقيقة ويهدون الناس إلى لباب الشريعة. وهم العارفون بالله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها "
أي: يجدد الطريقة بعد دروسها، ويحيي الحقيقة بعد خمود أنوارها، ويظهر الشريعة بعد خفاء أعلامها.
وقد يكون واحدا ومتعددا. وقد بعث الله في رأس هذه المائة الثالثة عشر، أربعة، أحيا الله بهم الحقيقة، وأظهر بهم أنوار الشريعة، يمشون في الأرض بالنصيحة، ويهدون الناس إلى رب العالمين، والله ولي المتقين، وشهرتهم تغني عن تعيينهم، وتقدم اثنان في العقود. وقوله تعالى: { الله يعلم ما تحمل كل أنثى }: ما تحمل كل نفس من العلوم، وما تحمل كل روح من الأسرار. وما تغيض الأرحام، أي: القلوب، فقد تنقص أنوارها بمباشرة الأغيار، وقد تزداد بالتفرغ أوصحبة العارفين الكبار. وكل شيء عنده بمقدار، فالفتح له وقت معلوم، وحد محدود، والمراتب والمقامات مقسومة محدودة في الأزل، كل أحد ياخذ ما قسم له. وقوله تعالى: { سواء منكم من أسر القول... } إلخ، فيه تحقيق المراقبة وتشديد المحاسبة على الخواطر والقلوب. والله تعالى أعلم. فإذا كان العبد على هداية من ربه أو نعمه فلا تزول عنه إلا من جهته.
الرعد 13:10
وقلت وسارب: عطف على جملة من هو أي: ومن هو سارب، ليكمل التقسيم أربعة: من أسر، ومن جهر به، ومن استخفى، ومن سرب أي: برز. انظر ابن جزي. والمتعال: منقوص، يجوز في الوقف عليه حذف الياء وإثباتها، وكذلك: هاد، وواق، وشبهه، غير أن الراجح في المعرف بأل الإثبات، وفي المنون: الحذف. قال ابن مالك:
وحذف يا المنقوص ذي التنوين ما لم ينصب: أولى من ثبوت فاعلما وغير ذي التنوين بالعكس، وفي نحو مر: لزوم رد اليا اقتفي
وأثبتها ابن كثير في الجميع، ووافقه يعقوب في المعرف بأل، وحذفها غيره مطلقا. يقول الحق جل جلاله: { ويقول الذين كفروا } من أهل مكة: { لولا }: هلا { أنزل عليه آية } أي: معجزة واضحة { من ربه } كما أوتي موسى وعيسى. ولم يعتدوا بالآيات المنزلة عليه كانشقاق القمر وانقياد الشجر، وتسليم الحجر، وأعظمها: القرآن العظيم. وذلك عناد منهم. قال تعالى: { إنما أنت منذر } مرسل إليهم لتنذرهم كغيرك من الرسل وما عليك إلا الإتيان بما تصح به نبوتك من جنس المعجزات، لا مما يقترح عليك. { ولكل قوم هاد } رسول يهديهم إلى الحق والصواب، مخصوص بمعجزات من جنس ما هو الغالب عليهم ففي زمن موسى عليه السلام كان الغالب عليهم السحر، فأوتي بالعصا تنقلب حية ليبطل سحرهم، وفي زمن عيسى عليه السلام كان الغالب عليهم الطب، فأوتي إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى الذي يعجزون عن مثله، وفي زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان الغالب عليهم البلاغة والفصاحة، بما كانوا يتباهون ويتناضلون، فأوتي القرآن العظيم، أعجز ببلاغته البلغاء والفصحاء. أو: لكل قوم هاد، يقدر على هدايتهم، وهو الله تعالى، أي: إنما عليك الإنذار، والله هو الهادي لمن يشاء، أو: ولكل قوم واعظ ومذكر من نبي أو ولي. روي أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" أنا المنذر وأنت يا علي الهادي ".
ثم أردف ذلك ما يدل على كمال علمه وقدرته، وشمول قضائه وقدره تنبيها على أنه تعالى قادر على إنزال ما اقترحوه، وإنما لم ينزله لعلمه بأن اقتراحهم كان عنادا لا استرشادا. أو ان وقت الإنزال لم يحضر، فقال: { الله يعلم ما تحمل كل أنثى } هل هو ذكر أو أنثى، أو تام أو ناقص، أو حسن أو قبيح. وهو من الخمس التي اختص بها. { وما تغيض الأرحام وما تزداد } أي: ما تنقص في الجثة بمرض الجنين او إسقاطه، وما تزداد بنمو الجنين إلى أمده أو أكثر. قال البيضاوي: مدة الحمل عندنا اربع سنين، وخمس عند مالك، وسنتان عند أبي حنيفة. روي أن الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان لأربع سنين.
وأعلى عدده لا حد له. قلت: يعني مع تحققه وقيل: المراد نقصان دم الحيض وزيادته. ه. { وكل شيء عنده بمقدار }: بقدر محدود، ووقت مخصوص، لا يجاوزه، ولا ينقص عنه، فالحق تعالى خص كل حادث بوقت مخصوص معين، وهيأ له أسبابا تسوقه إليه على ما تقتضيه حكمته. { عالم الغيب والشهادة } أي: الغائب عن الحس، والظاهر فيه { الكبير }: العظيم الشأن، الذي يصغر كل شيء دون عظمته وكبريائه، { المتعال }: المستعلي عن سمة الحوادث، أو: المستعلي بقدرته على كل شيء. { سواء منكم من أسر القول } في نفسه { ومن جهر به } لغيره، { ومن هو مستخف بالليل }: طالب للخفاء مستترا بظلمة الليل، { و } من هو { سارب بالنهار } أي: بارز فيه. فقد أحاط الله بذلك، علما وسمعا وبصرا. فالآية مقرره لما قبلها من كمال علمه وشموله. { له معقبات } أي: لمن أسر أو جهر، أو استخفى أو برز، { معقبات }: ملائكة تعتقب في حفظه، اي: يعقب بعضها بعضا، اثنان بالليل واثنان بالنهار، أو: لأنهم يعقبون أقواله وافعاله فيكتبونها. أو: جماعة من الملائكة وكلهم الله بحفظ الآدمي، يعقب بعضهم بعضا، وهو مناسب لقوله: { يحفظونه من أمر الله } أي: يحرسونه من الآفات التي تنزل من امر الله وإرادته. أو: يحفظونه من عقوبة الله وغضبه. إذا أذنب ذنبا أمهلوه واستغفروا له. أو: يراقبون أحواله من أجل أمر الله، إذ أمرهم الله بذلك، أو يكون صفة للمعقبات، أي: له معقبات من أجل أمر الله، حيث أمرهم بحفظه. وقيل: الضمير في { له }: يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، المتقدم في قوله: { إنما أنت منذر } ، فتكون نزلت فيمن اراد غدر النبي صلى الله عليه وسلم سرا، على ما يأتي في الآية الآتية. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تقدم مرارا حال من طلب الكرامة من الأولياء، وأنه جاهل بهم، ولا يعرفهم ما دام يلتمس الكرامة منهم. وأي كرامة أعظم من الاستقامة، والمعرفة بالله، على نعت الشهود والعيان؟!. وقوله تعالى: { ولكل قوم هاد } أي: ولكل عصر عارف بالله، يهدي الناس إلى حضرة الله، وهم ورثة الهادي الأعظم والنبي الأفخم، نبينا عليه الصلاة والسلام أولهم سيدنا علي كرم الله وجهه للحديث المتقدم، لأنه أول من ظهر علم التصوف وأفشاه، ثم أخذه عنه الحسن البصري وهذبه، ثم حبيب العجمي، ثم داود الطائي، ثم معروف الكرخي، ثم سري السقطي، ثم إمام الطريقة: أبو القاسم الجنيد، ثم انتشر في الأرض، فلكل عصر رجال يحملون لواء الحقيقة ويهدون الناس إلى لباب الشريعة. وهم العارفون بالله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها "
أي: يجدد الطريقة بعد دروسها، ويحيي الحقيقة بعد خمود أنوارها، ويظهر الشريعة بعد خفاء أعلامها.
وقد يكون واحدا ومتعددا. وقد بعث الله في رأس هذه المائة الثالثة عشر، أربعة، أحيا الله بهم الحقيقة، وأظهر بهم أنوار الشريعة، يمشون في الأرض بالنصيحة، ويهدون الناس إلى رب العالمين، والله ولي المتقين، وشهرتهم تغني عن تعيينهم، وتقدم اثنان في العقود. وقوله تعالى: { الله يعلم ما تحمل كل أنثى }: ما تحمل كل نفس من العلوم، وما تحمل كل روح من الأسرار. وما تغيض الأرحام، أي: القلوب، فقد تنقص أنوارها بمباشرة الأغيار، وقد تزداد بالتفرغ أوصحبة العارفين الكبار. وكل شيء عنده بمقدار، فالفتح له وقت معلوم، وحد محدود، والمراتب والمقامات مقسومة محدودة في الأزل، كل أحد ياخذ ما قسم له. وقوله تعالى: { سواء منكم من أسر القول... } إلخ، فيه تحقيق المراقبة وتشديد المحاسبة على الخواطر والقلوب. والله تعالى أعلم. فإذا كان العبد على هداية من ربه أو نعمه فلا تزول عنه إلا من جهته.
الرعد 13:11
قلت: وإذا: ظرف، والعامل فيه: ما دل عليه الجواب، أي: لا يرد ما قضى إذا أراد إنفاده. وخوفا وطعما: منصوبان على العلة بتقدير المضاف، أي: إرادة الخوف والطمع ليتحد الفاعل، أو بتأويل: يجعلكم ترون البرق خوفا وطمعا. والثقال: نعت للسحاب، وجمعه لأن السحاب جنس بمعنى الجمع. وجملة: { وهم يجادلون }: إما استئنافية، أو حال من الموصول، والمحال: المكر والخديعة. من محل بفلان إذا كاده وعرضه للهلاك، ومنه تحمل: إذا تكلف استعمال الحيلة، فالميم أصلية، ووزنه: فعال، وقيل: مشتق من الحيلة، فالميم زائدة، ووزنه: مفعل، وأصله: محيل. يقول الحق جل جلاله: { إن الله لا يغير ما بقوم } من النعم والعافية إلى النقمة والبلية { حتى يغيروا } هم { ما بأنفسهم } من الطاعة وترك المعصية، إلى ارتكاب الذنوب. فلا يسلب النعم عن قوم إلا بارتكاب ذنب، ولو من البعض إذا سكت الكل. { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له } أي فلا راد له ولا معقب لحكمه، { وما لهم من دونه من وال } أي: ليس لهم من يلي أمرهم، ويدفع عنهم السوء الذي قضاه الله عليهم، وأراد نزوله بهم لأن وقوع خلاف مراد الله تعالى محال. { هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا } أي: خوفا مما ينشأ عن البرق من الصواعق والأمور الهائلة، وطمعا في نزول الغيث الذي يكون معه غالبا، { وينشئ } أي: يخلق { السحاب } الغيم المسحب، { الثقال }: المثقل بالمطر الحاملة له، { ويسبح الرعد بحمده } أي: متلبسا بحمده. أو: يدل الرعد بنفسه على وحدانيته تعالى وكمال قدرته ملتبسا بالدلالة على كمال فضله، ونزول رحمته. وعن ابن عباس رضي الله عنه: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد فقال:
" ملك موكل بالسحاب، له مخاريق من نار يسوق السحاب ".
{ و } تسبح أيضا { الملائكة من خيفته } أي: من خوفه وإجلاله، { ويرسل الصواعق } نار تنزل من السماء وقت ضرب الرعد، { فيصيب بها ما يشاء } فيهلكه { وهم يجادلون في الله } أي: الكفار، حيث يكذبون رسوله فيما يصفه به من كمال العلم والقدرة، والتفرد بالألوهية، وبعث الناس وحشرهم للمجازاة، { وهو شديد المحال } أي: شديد المكر بأعدائه، الذين أرادوا أن يمكروا بنبيه عليه الصلاة والسلام . روي أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة وفدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصدين لقتله، فأخذ عامر بالمجادلة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشغله، ودار أربد من خلفه ليضربه بالسيف، فتنبه له الرسول عليه الصلاة والسلام وقال:
" اللهم اكفنيهما بما شئت "
، فأرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، ورمي عامر بغدة، فمات في بيت امرأة سلولية، فكان يقول: غدة كغدة البعير، وموت في بيت امرأة سلولية! فنزلت الآية من أولها، وهو قوله: { له معقبات.
.. } إلخ، على قول. الإشارة: من جريان حكمته تعالى في خلقه أنه لا يسلب النعم عنهم إلا بسوء أدب منهم، كل على قدر مقامه، فالنعم الظاهرة يسلبها بترك الطاعة الظاهرة، أو بالمخالفة الظاهرة، والنعم الباطنة يسلبها بترك المراقبة الباطنة أو المشاهدة الباطنة، فلكل مقام حقوق آداب فمن أخل بحقوق مقام نقص له منه، إلا أن يتوب. وقد يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه، فيظن أنه لم يسلب. ولو لم يكن إلا ترك المزيد. وقد يبعد، وهو لا يشعر، ولو لم يكن إلا وتركه وما يريد. كما في الحكم: " إن الله لا يغير ما في القلوب من أنوار الشهود والعيان، حتى يغيروا ما بأنفسهم من حسن الأدب بسوء الأدب ". وهذا ما لم يتحقق له مقام المحبوبية والتمكن مع الله في المعرفة. وإلا فالرعاية والعناية محفوفة بقلبه، فقد يبلغ الولي إلى مقام يقال له: افعل ما شئت فقد غفرت لك، كما وقع لأهل بدر، وراجع ما تقدم عند قوله:
أولئك لهم الأمن وهم مهتدون
[الأنعام: 82] وقد يغير الله قلب عبده اختبارا له، فيسلبه حلاوة المعاملة أو المعرفة، فإن هو اضطرب وتضرع رد له حاله، وإن لم يضطرب ولم يفزع إلى الله لم يرد له شيئا. وإليه الإشارة بقوله: { وإذا اراد الله بقوم سوءا فلا مرد له... } الآية. هو الذي يريكم برق لمعان أنوار المشاهدة، عند الاستشراف على الحضرة القدسية، خوفا من الرجوع لعدم إطاقة ذلك النور، وطمعا في الوصول إلى التمكين، فلا يزال تترادف عليه البروق حتى يستمر ذلك كبرق متصل، وهي أنوار المواجهة، وينشئ سحاب الواردات ثقالا بالعلوم والأسرار، ويرسل الصواعق تصعق وجود الحس عن أسرار المعاني، فيصيب بها من يشاء ممن سبقت له العناية. وأهل الإنكار والتكذيب بطريق الخصوص يجادلون في الله بتكذيب أوليائه وإنكار هذه الأنوار، وهو شديد المحال، فيمكر بهم ويتركهم في مقام البعد، وهم لا يشعرون. ومن جملة التغيير الذي يسلب النعم ويوجب العظم الركون إلى غير الله بالدعاء وغيره.
الرعد 13:12
قلت: وإذا: ظرف، والعامل فيه: ما دل عليه الجواب، أي: لا يرد ما قضى إذا أراد إنفاده. وخوفا وطعما: منصوبان على العلة بتقدير المضاف، أي: إرادة الخوف والطمع ليتحد الفاعل، أو بتأويل: يجعلكم ترون البرق خوفا وطمعا. والثقال: نعت للسحاب، وجمعه لأن السحاب جنس بمعنى الجمع. وجملة: { وهم يجادلون }: إما استئنافية، أو حال من الموصول، والمحال: المكر والخديعة. من محل بفلان إذا كاده وعرضه للهلاك، ومنه تحمل: إذا تكلف استعمال الحيلة، فالميم أصلية، ووزنه: فعال، وقيل: مشتق من الحيلة، فالميم زائدة، ووزنه: مفعل، وأصله: محيل. يقول الحق جل جلاله: { إن الله لا يغير ما بقوم } من النعم والعافية إلى النقمة والبلية { حتى يغيروا } هم { ما بأنفسهم } من الطاعة وترك المعصية، إلى ارتكاب الذنوب. فلا يسلب النعم عن قوم إلا بارتكاب ذنب، ولو من البعض إذا سكت الكل. { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له } أي فلا راد له ولا معقب لحكمه، { وما لهم من دونه من وال } أي: ليس لهم من يلي أمرهم، ويدفع عنهم السوء الذي قضاه الله عليهم، وأراد نزوله بهم لأن وقوع خلاف مراد الله تعالى محال. { هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا } أي: خوفا مما ينشأ عن البرق من الصواعق والأمور الهائلة، وطمعا في نزول الغيث الذي يكون معه غالبا، { وينشئ } أي: يخلق { السحاب } الغيم المسحب، { الثقال }: المثقل بالمطر الحاملة له، { ويسبح الرعد بحمده } أي: متلبسا بحمده. أو: يدل الرعد بنفسه على وحدانيته تعالى وكمال قدرته ملتبسا بالدلالة على كمال فضله، ونزول رحمته. وعن ابن عباس رضي الله عنه: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد فقال:
" ملك موكل بالسحاب، له مخاريق من نار يسوق السحاب ".
{ و } تسبح أيضا { الملائكة من خيفته } أي: من خوفه وإجلاله، { ويرسل الصواعق } نار تنزل من السماء وقت ضرب الرعد، { فيصيب بها ما يشاء } فيهلكه { وهم يجادلون في الله } أي: الكفار، حيث يكذبون رسوله فيما يصفه به من كمال العلم والقدرة، والتفرد بالألوهية، وبعث الناس وحشرهم للمجازاة، { وهو شديد المحال } أي: شديد المكر بأعدائه، الذين أرادوا أن يمكروا بنبيه عليه الصلاة والسلام . روي أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة وفدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصدين لقتله، فأخذ عامر بالمجادلة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشغله، ودار أربد من خلفه ليضربه بالسيف، فتنبه له الرسول عليه الصلاة والسلام وقال:
" اللهم اكفنيهما بما شئت "
، فأرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، ورمي عامر بغدة، فمات في بيت امرأة سلولية، فكان يقول: غدة كغدة البعير، وموت في بيت امرأة سلولية! فنزلت الآية من أولها، وهو قوله: { له معقبات.
.. } إلخ، على قول. الإشارة: من جريان حكمته تعالى في خلقه أنه لا يسلب النعم عنهم إلا بسوء أدب منهم، كل على قدر مقامه، فالنعم الظاهرة يسلبها بترك الطاعة الظاهرة، أو بالمخالفة الظاهرة، والنعم الباطنة يسلبها بترك المراقبة الباطنة أو المشاهدة الباطنة، فلكل مقام حقوق آداب فمن أخل بحقوق مقام نقص له منه، إلا أن يتوب. وقد يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه، فيظن أنه لم يسلب. ولو لم يكن إلا ترك المزيد. وقد يبعد، وهو لا يشعر، ولو لم يكن إلا وتركه وما يريد. كما في الحكم: " إن الله لا يغير ما في القلوب من أنوار الشهود والعيان، حتى يغيروا ما بأنفسهم من حسن الأدب بسوء الأدب ". وهذا ما لم يتحقق له مقام المحبوبية والتمكن مع الله في المعرفة. وإلا فالرعاية والعناية محفوفة بقلبه، فقد يبلغ الولي إلى مقام يقال له: افعل ما شئت فقد غفرت لك، كما وقع لأهل بدر، وراجع ما تقدم عند قوله:
أولئك لهم الأمن وهم مهتدون
[الأنعام: 82] وقد يغير الله قلب عبده اختبارا له، فيسلبه حلاوة المعاملة أو المعرفة، فإن هو اضطرب وتضرع رد له حاله، وإن لم يضطرب ولم يفزع إلى الله لم يرد له شيئا. وإليه الإشارة بقوله: { وإذا اراد الله بقوم سوءا فلا مرد له... } الآية. هو الذي يريكم برق لمعان أنوار المشاهدة، عند الاستشراف على الحضرة القدسية، خوفا من الرجوع لعدم إطاقة ذلك النور، وطمعا في الوصول إلى التمكين، فلا يزال تترادف عليه البروق حتى يستمر ذلك كبرق متصل، وهي أنوار المواجهة، وينشئ سحاب الواردات ثقالا بالعلوم والأسرار، ويرسل الصواعق تصعق وجود الحس عن أسرار المعاني، فيصيب بها من يشاء ممن سبقت له العناية. وأهل الإنكار والتكذيب بطريق الخصوص يجادلون في الله بتكذيب أوليائه وإنكار هذه الأنوار، وهو شديد المحال، فيمكر بهم ويتركهم في مقام البعد، وهم لا يشعرون. ومن جملة التغيير الذي يسلب النعم ويوجب العظم الركون إلى غير الله بالدعاء وغيره.
الرعد 13:13
قلت: وإذا: ظرف، والعامل فيه: ما دل عليه الجواب، أي: لا يرد ما قضى إذا أراد إنفاده. وخوفا وطعما: منصوبان على العلة بتقدير المضاف، أي: إرادة الخوف والطمع ليتحد الفاعل، أو بتأويل: يجعلكم ترون البرق خوفا وطمعا. والثقال: نعت للسحاب، وجمعه لأن السحاب جنس بمعنى الجمع. وجملة: { وهم يجادلون }: إما استئنافية، أو حال من الموصول، والمحال: المكر والخديعة. من محل بفلان إذا كاده وعرضه للهلاك، ومنه تحمل: إذا تكلف استعمال الحيلة، فالميم أصلية، ووزنه: فعال، وقيل: مشتق من الحيلة، فالميم زائدة، ووزنه: مفعل، وأصله: محيل. يقول الحق جل جلاله: { إن الله لا يغير ما بقوم } من النعم والعافية إلى النقمة والبلية { حتى يغيروا } هم { ما بأنفسهم } من الطاعة وترك المعصية، إلى ارتكاب الذنوب. فلا يسلب النعم عن قوم إلا بارتكاب ذنب، ولو من البعض إذا سكت الكل. { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له } أي فلا راد له ولا معقب لحكمه، { وما لهم من دونه من وال } أي: ليس لهم من يلي أمرهم، ويدفع عنهم السوء الذي قضاه الله عليهم، وأراد نزوله بهم لأن وقوع خلاف مراد الله تعالى محال. { هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا } أي: خوفا مما ينشأ عن البرق من الصواعق والأمور الهائلة، وطمعا في نزول الغيث الذي يكون معه غالبا، { وينشئ } أي: يخلق { السحاب } الغيم المسحب، { الثقال }: المثقل بالمطر الحاملة له، { ويسبح الرعد بحمده } أي: متلبسا بحمده. أو: يدل الرعد بنفسه على وحدانيته تعالى وكمال قدرته ملتبسا بالدلالة على كمال فضله، ونزول رحمته. وعن ابن عباس رضي الله عنه: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد فقال:
" ملك موكل بالسحاب، له مخاريق من نار يسوق السحاب ".
{ و } تسبح أيضا { الملائكة من خيفته } أي: من خوفه وإجلاله، { ويرسل الصواعق } نار تنزل من السماء وقت ضرب الرعد، { فيصيب بها ما يشاء } فيهلكه { وهم يجادلون في الله } أي: الكفار، حيث يكذبون رسوله فيما يصفه به من كمال العلم والقدرة، والتفرد بالألوهية، وبعث الناس وحشرهم للمجازاة، { وهو شديد المحال } أي: شديد المكر بأعدائه، الذين أرادوا أن يمكروا بنبيه عليه الصلاة والسلام . روي أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة وفدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصدين لقتله، فأخذ عامر بالمجادلة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشغله، ودار أربد من خلفه ليضربه بالسيف، فتنبه له الرسول عليه الصلاة والسلام وقال:
" اللهم اكفنيهما بما شئت "
، فأرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، ورمي عامر بغدة، فمات في بيت امرأة سلولية، فكان يقول: غدة كغدة البعير، وموت في بيت امرأة سلولية! فنزلت الآية من أولها، وهو قوله: { له معقبات.
.. } إلخ، على قول. الإشارة: من جريان حكمته تعالى في خلقه أنه لا يسلب النعم عنهم إلا بسوء أدب منهم، كل على قدر مقامه، فالنعم الظاهرة يسلبها بترك الطاعة الظاهرة، أو بالمخالفة الظاهرة، والنعم الباطنة يسلبها بترك المراقبة الباطنة أو المشاهدة الباطنة، فلكل مقام حقوق آداب فمن أخل بحقوق مقام نقص له منه، إلا أن يتوب. وقد يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه، فيظن أنه لم يسلب. ولو لم يكن إلا ترك المزيد. وقد يبعد، وهو لا يشعر، ولو لم يكن إلا وتركه وما يريد. كما في الحكم: " إن الله لا يغير ما في القلوب من أنوار الشهود والعيان، حتى يغيروا ما بأنفسهم من حسن الأدب بسوء الأدب ". وهذا ما لم يتحقق له مقام المحبوبية والتمكن مع الله في المعرفة. وإلا فالرعاية والعناية محفوفة بقلبه، فقد يبلغ الولي إلى مقام يقال له: افعل ما شئت فقد غفرت لك، كما وقع لأهل بدر، وراجع ما تقدم عند قوله:
أولئك لهم الأمن وهم مهتدون
[الأنعام: 82] وقد يغير الله قلب عبده اختبارا له، فيسلبه حلاوة المعاملة أو المعرفة، فإن هو اضطرب وتضرع رد له حاله، وإن لم يضطرب ولم يفزع إلى الله لم يرد له شيئا. وإليه الإشارة بقوله: { وإذا اراد الله بقوم سوءا فلا مرد له... } الآية. هو الذي يريكم برق لمعان أنوار المشاهدة، عند الاستشراف على الحضرة القدسية، خوفا من الرجوع لعدم إطاقة ذلك النور، وطمعا في الوصول إلى التمكين، فلا يزال تترادف عليه البروق حتى يستمر ذلك كبرق متصل، وهي أنوار المواجهة، وينشئ سحاب الواردات ثقالا بالعلوم والأسرار، ويرسل الصواعق تصعق وجود الحس عن أسرار المعاني، فيصيب بها من يشاء ممن سبقت له العناية. وأهل الإنكار والتكذيب بطريق الخصوص يجادلون في الله بتكذيب أوليائه وإنكار هذه الأنوار، وهو شديد المحال، فيمكر بهم ويتركهم في مقام البعد، وهم لا يشعرون. ومن جملة التغيير الذي يسلب النعم ويوجب العظم الركون إلى غير الله بالدعاء وغيره.
الرعد 13:14
يقول الحق جل جلاله: { له دعوة الحق } لأنه الذي يحق أن يدعى فيجيب، دون غيره فإنما له الدعاء الباطل لأنه يدعى فلا يسمع ولا يجيب. أو: له دعوة الحق، وهي كلمة التوحيد " لا إله إلا الله، فمن دعا إليها فقد دعا إلى الحق. والأول أرجح لمناسبة قوله: { والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء } ، أي: والأصنام الذين يدعونهم من دونه لا يستجيبون لهم بشيء، مما طلبوا، أو: والمشركون الذين يدعون أصناما من دون الله لا يستجيبون لهم بشيء، فحذف المفعول للدلالة عليه، فلا يستجيبون لهم { إلا كباسط كفيه إلى الماء } إلا استجابة كاستجابة من بسط كفيه إلى الماء يشير إليه، { ليبلغ فاه } أي: يطلب منه أن يصعد إليه ويبلغ فاه { وما هو ببالغه } أي: ليس الماء ببالغ فاه، لأنه جماد لا يشعر بدعائه، ولا يقدر على إجابته من حيث هو، شبه إجابة الأصنام لمن عبدهم بإجابة الماء لمن بسط إليه كفه، وأشار إليه بالإقبال إلى فيه، ولا يبلغ فاه أبدا لأنه جماد لا يسمع ولا يعقل، وكذلك الأصنام لا تسمع ولا تجيب من بسط إليها يده ليطلب منها لأنها خشب وأحجار. { وما دعاء الكافرين } للأصنام، { إلا في ضلال } وخسران وضياع. ثم ذكر الحقيق بالعبادة والطلب، فقال: { ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها } يحتمل أن يكون السجود حقيقة، فالملائكة والمؤمنون يسجدون طوعا في الشدة والرخاء يسجدون كرها في الشدة والضرورة. أو يكون مجازا وهو: انقيادهم لما أراد منهم، شاؤوا أو كرهوا. { و } تسجد أيضا { ظلالهم } بانقيادها لله تعالى في طولها وقصرها، وميلها من جانب إلى جانب، { بالغدو والآصال } ، أي: طرفي النهار. وخص هذان الوقتان وإن كان سجودهما دائما لأن الظلال إنما تعظم وتكبر فيهما. وقال الواحدي: كل شخص مؤمن أو كافر ظله يسجد لله تعالى، ونحن لا نقف على كيفية ذلك. ه. وقال القشيري: ذلك سجود شهادة، لا سجود عبادة، فإن امتنع من إقامة الشهادة قوم قالة فقد شهد كل جزء منهم من حيث البرهان والدلالة، فكل مخلوق من عين وأثر، حجر ومدر أو غير ذلك فمن حيث البرهان لله ساجد، ومن حيث البيان للواحد شاهد. ه. وقال أبو حيان: عن الفراء: الظل في الأصل مصدر، ثم أطلق على الخيال الذي يظهر للجرم طوله بسبب انخفاض الشمس، وقصره بسبب ارتفاعها، فهو منقاد لله تعالى في طوله وميله من جانب. ثم قال: والحاصل أنها جارية على مقتضى إرادته تعالى ومشيئته، من الامتداد والتقلص، والفيء والزوال. ه. وقيل: لا يعلم تسبيح الجماد والنبات والحيوان البهيمي وسجودها إلا من كاشفه الله تعالى بحقيقة ذلك من نبي أو ملك أو صديق.
واما حمدها لله تعالى وتسبيحها بلسان الحال فيعلمه العلماء. قاله المحشي الفاسي. الإشارة: كل من تعلق في نوائبه بغير الله، أو ركن في حوائجه إلى غير مولاه، فهو كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وليس بواصل إليه، ولا ببالغ قصده ومناه، بل دعاؤه في تلف وخسران، وجزاؤه الخيبة والحرمان. فالواجب على العبد أن يقصر حوائجه على مولاه، وينقاد إليه بكليته في حال الطوع والإكراه. إما أن ينقاد إليه بالإحسان، أو بسلاسل الامتحان. " عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل ". ثم ذكر الحقيق بالدعوة والعبادة
الرعد 13:15
يقول الحق جل جلاله: { له دعوة الحق } لأنه الذي يحق أن يدعى فيجيب، دون غيره فإنما له الدعاء الباطل لأنه يدعى فلا يسمع ولا يجيب. أو: له دعوة الحق، وهي كلمة التوحيد " لا إله إلا الله، فمن دعا إليها فقد دعا إلى الحق. والأول أرجح لمناسبة قوله: { والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء } ، أي: والأصنام الذين يدعونهم من دونه لا يستجيبون لهم بشيء، مما طلبوا، أو: والمشركون الذين يدعون أصناما من دون الله لا يستجيبون لهم بشيء، فحذف المفعول للدلالة عليه، فلا يستجيبون لهم { إلا كباسط كفيه إلى الماء } إلا استجابة كاستجابة من بسط كفيه إلى الماء يشير إليه، { ليبلغ فاه } أي: يطلب منه أن يصعد إليه ويبلغ فاه { وما هو ببالغه } أي: ليس الماء ببالغ فاه، لأنه جماد لا يشعر بدعائه، ولا يقدر على إجابته من حيث هو، شبه إجابة الأصنام لمن عبدهم بإجابة الماء لمن بسط إليه كفه، وأشار إليه بالإقبال إلى فيه، ولا يبلغ فاه أبدا لأنه جماد لا يسمع ولا يعقل، وكذلك الأصنام لا تسمع ولا تجيب من بسط إليها يده ليطلب منها لأنها خشب وأحجار. { وما دعاء الكافرين } للأصنام، { إلا في ضلال } وخسران وضياع. ثم ذكر الحقيق بالعبادة والطلب، فقال: { ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها } يحتمل أن يكون السجود حقيقة، فالملائكة والمؤمنون يسجدون طوعا في الشدة والرخاء يسجدون كرها في الشدة والضرورة. أو يكون مجازا وهو: انقيادهم لما أراد منهم، شاؤوا أو كرهوا. { و } تسجد أيضا { ظلالهم } بانقيادها لله تعالى في طولها وقصرها، وميلها من جانب إلى جانب، { بالغدو والآصال } ، أي: طرفي النهار. وخص هذان الوقتان وإن كان سجودهما دائما لأن الظلال إنما تعظم وتكبر فيهما. وقال الواحدي: كل شخص مؤمن أو كافر ظله يسجد لله تعالى، ونحن لا نقف على كيفية ذلك. ه. وقال القشيري: ذلك سجود شهادة، لا سجود عبادة، فإن امتنع من إقامة الشهادة قوم قالة فقد شهد كل جزء منهم من حيث البرهان والدلالة، فكل مخلوق من عين وأثر، حجر ومدر أو غير ذلك فمن حيث البرهان لله ساجد، ومن حيث البيان للواحد شاهد. ه. وقال أبو حيان: عن الفراء: الظل في الأصل مصدر، ثم أطلق على الخيال الذي يظهر للجرم طوله بسبب انخفاض الشمس، وقصره بسبب ارتفاعها، فهو منقاد لله تعالى في طوله وميله من جانب. ثم قال: والحاصل أنها جارية على مقتضى إرادته تعالى ومشيئته، من الامتداد والتقلص، والفيء والزوال. ه. وقيل: لا يعلم تسبيح الجماد والنبات والحيوان البهيمي وسجودها إلا من كاشفه الله تعالى بحقيقة ذلك من نبي أو ملك أو صديق.
واما حمدها لله تعالى وتسبيحها بلسان الحال فيعلمه العلماء. قاله المحشي الفاسي. الإشارة: كل من تعلق في نوائبه بغير الله، أو ركن في حوائجه إلى غير مولاه، فهو كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وليس بواصل إليه، ولا ببالغ قصده ومناه، بل دعاؤه في تلف وخسران، وجزاؤه الخيبة والحرمان. فالواجب على العبد أن يقصر حوائجه على مولاه، وينقاد إليه بكليته في حال الطوع والإكراه. إما أن ينقاد إليه بالإحسان، أو بسلاسل الامتحان. " عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل ". ثم ذكر الحقيق بالدعوة والعبادة
الرعد 13:16
يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد للمشركين: { من رب السماوات والأرض } أي: خالقهما، ومدبر أمرهما، { قل } لهم: هو { الله } لا خالق سواه، ولا مدبر غيره، أجاب عنهم بذلك، إذ لا جواب لهم سواه لأنهم يقرون به، ولكنهم يشركون به، فأبطل ذلك بقوله: { قل أفاتخذتم من دونه أولياء } أصناما جامدة تتولونها بالمحبة والنصرة والدفع، وهم جوامد { لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا } أي: لا يقدرون أن يجلبوا لأنفسهم نفعا، ولا يدفعون عنهم ضرا، فكيف يقدرون أن ينفعوا غيرهم ممن عبدهم، أو يدفعون عنه ضرا؟!. وهو دليل على ضلالهم وفساد رأيهم، في اتخاذهم الأصنام أولياء، وجاء أن يشفعوا لهم. { قل هل يستوي الأعمى والبصير } أي: الكافر الجاهل، الذي عميت بصيرته بالجهل والشرك، والمؤمن الموحد الذي انفتحت بصيرته بالإيمان والعلم. أو المعبود الغافل عن عبادة من عبده، والعالم بأسرار عباده. { أم هل تستوي الظلمات والنور } الكفر والإيمان، أو الجهل والعلم. { أم }: بل { جعلوا لله شركاء } من صفتهم، { خلقوا كخلقه فتشابه } التبس { الخلق عليهم } فلم يدروا ما خلق الله مما خلق أصنامهم، وهذا كله داخل الإنكار. والمعنى: هل خلق شركاؤهم خلقا كخلق الله، فالتبس الخلق عليهم، فلم يميزوا خلق الله من خلق أصنامهم، حتى ظنوا أنها تستحق أن تعبد مع الله، أو يطلب منها حوائج دون الله؟!. ثم أبطل ذلك بقوله: { قل الله خالق كل شيء } ، قال البيضاوي: والمعنى أنهم ما اتخذوا له شركاء خالقين مثله حتى يتشابه الخلق عليهم، فيقولوا: هؤلاء خلقوا كما خلق الله، واستحقوا العبادة كما استحقها، ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق، فضلا عما يقدر عليه الخالق.ه. { قل الله خالق كل شيء } لا خالق غيره فيشاركه في العبادة. جعل الخلق موجب الخلق موجب العبادة، ولازم استحقاقها، ثم نفاه عما سواه ليتحقق انفراده بالربوبية والقهرية كما أفاد قوله: { وهو الواحد } في الألوهية، { القهار } بتصريف أحكام الربوبية. ه. الإشارة: إذا علم العبد أن ربه قائم بأمر خلقه، مدبر لشأن ملكه، من عرشه إلى فرشه، جعل حوائجه كلها وقفا عليه، وانحاش بكليته إليه، ورفع همته عن خلقه، إذ ليس بيدهم ضر ولا نفع، ولا جلب ولا دفع، بل هم عاجزون عن إصلاح أنفسهم، فكيف يقدرون أن ينفعوا غيرهم؟! وفي الحكم العطائية: " لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك فيكف يرفع إلى غيره ما كان هو له واضعا، من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه: فكيف يستطيع أن يكون لها من غيره رافعا ". وقال بعض العارفين من المكاشفين رضي الله عنهم : قيل لي في نوم كاليقظة، أو يقظة كالنوم: لا تبدين فاقة فأضاعفها عليك، مكافأة لسوء أدبك، وخروجك عن حد عبوديتك.
إنما ابتليتك بالفاقة لتفزع بها إلي، وتتضرع بها لدي، وتتوكل فيها علي. سبكتك بالفاقة لتصير ذهبا خالصا، فلا تزيفن بعد السبك، وسمتك بالفاقة وحكمت لنفسي بالغنى، فإن وصلتها بي وصلتك بالغنى، وإن وصلتها بغيري قطعت عنك مواد معونتي، وحسمت أسبابك من أسبابي، طردا لك عن بابي. فمن وكلته إلي ملك، ومن وكلته إليه هلك. ه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: آيست من نفع نفسي لنفسي، فكيف لا آيس من نفع غيري لها، ورجوت الله لغيري فكيف لا أرجو لنفسي؟. ه. فالبصير من اعتمد في أموره على مولاه. والأعمى من ركن في حوائجه إلى سواه. فأنوار التفويض والتسليم لا تستوي مع ظلمات الشرك والتدبير. { قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور }. بالله التوفيق. ثم ضرب لنور العلم مع ظلمات الجهل، فقال: { أنزل من السمآء مآء فسالت... }
الرعد 13:17
قلت: جفاء: حال. والحسنى: مبتدأ، وللذين: خبر مقدم. والذين لم يستجيبوا: مبتدأ ولو أن: خبر، أو للذين: متعلق بيضرب، والحسنى: نعت لمصدر محذوف، والذين: معطوف على الذين الأولى، أي: يضرب الأمثال للذين استجابوا الاستجابة الحسنى وللذين لم يستجيبوا، ثم استانف قوله: لو أن... إلخ. يقول الحق جل جلاله: { أنزل من السماء } أي: السحاب، أو ناحية السماء، { ماء } مطرا { فسالت } به { أودية }: أنهار، جمع واد، وهو الموضع الذي يسيل الماء فيه بكثرة، فاتسع واستعمل للماء الجاري فيه. { بقدرها } أي: بقدر صغرها وكبرها، كل يسيل على قدره، أو بقدر ما قسم في قسمة الله تعالى، وعلم أنه نافع غير ضار، { فاحتمل السيل زبدا } أي: رفعه على وجه الماء، وهو ما يحمله السيل من غذاء ونحوه، أو ما يطفو على الماء من غليانه، { رابيا }: عاليا على وجه الماء، { ومما توقدون عليه في النار } من الذهب وفضة، وحديد ورصاص ونحاس وغيره، { ابتغاء } أي: لطلب { حلية } كالذهب والفضة، { أو متاع } كالحديد والنحاس يصنع منه ما يتمتع به من الأواني وآلات الحرب والحرث. والمقصود بذلك: بيان منافعها، فكل واحد منهما له { زبد مثله } أي: مثل زبد الماء، وهو خبثه الذي تخرجه النار عند سبكه. { كذلك يضرب الله الحق والباطل } فمثل الحق وهو العلم بالله وبأحكامه كمثل الأمطار الغزيرة، ومثل القلوب التي سكن فيها، وجرت حكمه على ألسنة أهلها كالأودية والأنهار والخلجان، كل يحمل منه على قدره، وسعة صدره، ومثل الباطل الذي دمغه وذهب به كالزبد وخبث الحديد والنحاس، أو الذهب والفضة. وسيأتي في الإشارة تكميله إن شاء الله. وروي مثل هذا عن ابن عباس. وإنكار ابن عطية له جمود، وتذكر حديث البخاري: " مثل ما بعثني الله به من الهدى... " الحديث، فإنه يشهد لذلك التأويل. وتقدم له بنفسه في قوله:
أأرباب متفرقون
[يوسف:39] ما يشير إلى تفسير أهل الإشارة والرموز. وراجع ما تقدم لنا في خطبة الكتاب يظهر لك الحق والصواب. قال البيضاوي: مثل الحق في إفادته وثباته بالماء الذي ينزل من السماء، فتسيل به الأودية على قدر الحاجة والمصلحة، فتنفع به أنواع المنافع، ويمكن في الأرض، فيثبت بعضه في منابعه، ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والآبار، وبالفلز الذي ينتفع به في صوغ الحلي، واتخاذ الأمتعة المختلفة، ويدوم ذلك مدة متطاولة. والباطل، في قلة نفعه وسرعة ذهابه، بزبدهما، وبين ذلك بقوله: { فأما الزبد فيذهب جفاء } ، أي: مرميا به، من جفاه: رمى به وأبعده، أي: يرمى به السيل والفلز المذاب. ه. { وأما ما ينفع الناس } كالماء، وخالص الذهب أو الحديد، { فيمكث في الأرض } لينتفع به أهلها.
{ كذلك يضرب الله الأمثال } لإيضاح المشكلات المعنوية، بالمحسوسات المرئية. { للذين استجابوا لربهم } بالإيمان والطاعة، { الحسنى } أي: المثوبة الحسنى، أو الجنة. { والذين لم يستجيبوا له } من الكفرة { لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به } من هول ذلك المطلع. أو: يضرب الأمثال للذين استجابوا الاستجابة الحسنى، والذين لم يستجيبوا له. ثم بين مثال غير المستجيبين بقوله: { لو أن لهم... } إلخ. { أولئك لهم سوء الحساب } أقبحه وأشده، وهو أن يناقش فيه، بأن يحاسب العبد على كل ذنب، ولا يغفر منه شيء، { ومأواهم }: مرجعهم { جهنم وبئس المهاد } الفراش والمستقر، والمخصوص محذوف، أي: هذا. الإشارة: قد اشتملت الآية على ثلاثة أمثلة: مثال للعلم النافع، ومثال للعمل الخالص، وللحال الصافي. فمثل الحق تعالى العلم النافع بالمطر النازل من السماء، فإنه تحيا به الأرض، وتجري به الأودية والعيون والآبار، ويحبس في الخلجان والقدور لنفع الناس، وتتطهر به الأرض من الخبث لأنه ترمى به السيول، فيذهب جفاء، كذلك العلم النافع تحيا به النفوس بعد الموت بالجهل والشك، وتحيا به الأرواح بعد موتها بالغفلة والحجاب، وتمتلئ به القلوب على قدر وسعها وسعتها، وعلى قدر ما قسم لهم من علم اليقين، أو عين اليقين، أو حق اليقين، وتتطهر به النفوس من البدع وسائر المعاصي. ومثل العمل الخالص الذي تصفى من الرياء والعجب وسائر العلل، بالحديد المصفى من خبثه لتصنع منه السيوف والآلات، أو النحاس المصفى لتصنع منه الأواني، وغيرها مما ينفع به الناس. ومثل الحال الصافي من العلل بالذهب المصفى أو الفضة، إذا صفيت وذهب خبثها ليصنع بهما الحلي والحلل ليتزين بها أهلها، فأشار إلى المثال الأول وهو ا لعلم بقوله: { أنزل من السماء ماء } إلخ. وأشار إلى الحال بقوله: { ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية } ، وأشار إلى العمل بقوله: { أو متاع زبد مثله }. وقدم الحال لشرفه، ومثله بالذهب والفضة لزيادة الرغبة فيه لأنه ثمرة العمل، ومرجعه إلى الوجدان والأذواق، وهو عزيز لا يجده إلا المقربون. والحاصل: أن المراتب أربعة: العلم، والعمل، والحال، والمقام. وإنما لم يضرب الحق تعالى مثلا للمقام لأن النزول فيه لا يكون إلا بعد التصفية، فليس فيه علة، يحتاج إلى التصفية منها. فمقامات اليقين كلها يجري فيها العلم، والعمل، والحال، والمقام. فالتوبة مثلا: يتعلق العلم بمعرفة حقيقتها وفضليتها، ثم يسعى في العمل بالمجاهدة والرياضة حتى يذهب زبده وخبثه، حتى يذوق حلاوة الاستقامة مع بقية الخوف من السقوط، وهذا هو الحال، ثم تطمئن النفس، وترسخ التوبة النصوح، وهذا هو المقام. وكذلك الصبر، يتعلق به العلم أولا ثم يسعى في مرارة استعماله حتى يذوق حلاوة الشدة والفاقة ثم يرسخ فيه، وهكذا يجري في المقامات كلها... وهي اثنا عشر مقاما: التوبة، والخوف، والرجاء، والورع، والزهد، والصبر، والشكر، والرضى، والتسليم، والمحبة، والمراقبة، والمشاهدة، وهي: بروج شمس المعرفة، وقمر التوحيد.
وكذلك معرفة الشهود والعيان: يتعلق العلم أولا بأسرار التوحيد، ثم يعمل في خرق عوائد نفسه حتى تموت، فيشرق عليها أنوار التوحيد، غير أنها تظهر وتخفى، ثم يصير الشهود مقاما، رسوخا وتمكينا. وقد أشار الحكم إلى بعض هذا فقال: " حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال، وحسن الأحوال من التحقق بمقامات الإنزال ". وكل واحد من الثلاثة يحتاج إلى تصفية حتى يذهب زبده وخبثه فتصفية العلم بالإخلاص والتحقيق، فيذهب عنه قصد الرئاسة والجاه، أو التوصل إلى الدنيا، ويذهب به الشكوك والأوهام فهذا زبده. وتصفية العمل بالإخلاص في أوله، والإتقان والحضور في وسطه، والكتمان في آخره، فيذهب عنه الرياء والعجب به، والتوصل به إلى حفظ نفساني. وتصفية الحال بصحة القصد وإفراد الوجهة، وإذا هاج عليه الوارد ملك نفسه وأمسكها، فيذهب به قصد الظهور، وطلب المراتب الدنيوية والكرامات الحسية، التي هي من حظ النفس وتشتيت القلب، إن لم يفرد وجهته لله، وانحلال عزمه وخمود نوره، إن لم يمسك نفسه عند هواجم الحال. فهذا زبد الحال الذي يذهب عنه بمجاهدة النفس، ويمكث في أرض القلوب صفاء اليقين والمعرفة وخالص العمل في مقام العبودية. وبالله التوفيق. ثم ذكر حال من عرف هذا العلم النازل وحال من أنكره فقال: { والذين ينقضون... }
الرعد 13:18
قلت: جفاء: حال. والحسنى: مبتدأ، وللذين: خبر مقدم. والذين لم يستجيبوا: مبتدأ ولو أن: خبر، أو للذين: متعلق بيضرب، والحسنى: نعت لمصدر محذوف، والذين: معطوف على الذين الأولى، أي: يضرب الأمثال للذين استجابوا الاستجابة الحسنى وللذين لم يستجيبوا، ثم استانف قوله: لو أن... إلخ. يقول الحق جل جلاله: { أنزل من السماء } أي: السحاب، أو ناحية السماء، { ماء } مطرا { فسالت } به { أودية }: أنهار، جمع واد، وهو الموضع الذي يسيل الماء فيه بكثرة، فاتسع واستعمل للماء الجاري فيه. { بقدرها } أي: بقدر صغرها وكبرها، كل يسيل على قدره، أو بقدر ما قسم في قسمة الله تعالى، وعلم أنه نافع غير ضار، { فاحتمل السيل زبدا } أي: رفعه على وجه الماء، وهو ما يحمله السيل من غذاء ونحوه، أو ما يطفو على الماء من غليانه، { رابيا }: عاليا على وجه الماء، { ومما توقدون عليه في النار } من الذهب وفضة، وحديد ورصاص ونحاس وغيره، { ابتغاء } أي: لطلب { حلية } كالذهب والفضة، { أو متاع } كالحديد والنحاس يصنع منه ما يتمتع به من الأواني وآلات الحرب والحرث. والمقصود بذلك: بيان منافعها، فكل واحد منهما له { زبد مثله } أي: مثل زبد الماء، وهو خبثه الذي تخرجه النار عند سبكه. { كذلك يضرب الله الحق والباطل } فمثل الحق وهو العلم بالله وبأحكامه كمثل الأمطار الغزيرة، ومثل القلوب التي سكن فيها، وجرت حكمه على ألسنة أهلها كالأودية والأنهار والخلجان، كل يحمل منه على قدره، وسعة صدره، ومثل الباطل الذي دمغه وذهب به كالزبد وخبث الحديد والنحاس، أو الذهب والفضة. وسيأتي في الإشارة تكميله إن شاء الله. وروي مثل هذا عن ابن عباس. وإنكار ابن عطية له جمود، وتذكر حديث البخاري: " مثل ما بعثني الله به من الهدى... " الحديث، فإنه يشهد لذلك التأويل. وتقدم له بنفسه في قوله:
أأرباب متفرقون
[يوسف:39] ما يشير إلى تفسير أهل الإشارة والرموز. وراجع ما تقدم لنا في خطبة الكتاب يظهر لك الحق والصواب. قال البيضاوي: مثل الحق في إفادته وثباته بالماء الذي ينزل من السماء، فتسيل به الأودية على قدر الحاجة والمصلحة، فتنفع به أنواع المنافع، ويمكن في الأرض، فيثبت بعضه في منابعه، ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والآبار، وبالفلز الذي ينتفع به في صوغ الحلي، واتخاذ الأمتعة المختلفة، ويدوم ذلك مدة متطاولة. والباطل، في قلة نفعه وسرعة ذهابه، بزبدهما، وبين ذلك بقوله: { فأما الزبد فيذهب جفاء } ، أي: مرميا به، من جفاه: رمى به وأبعده، أي: يرمى به السيل والفلز المذاب. ه. { وأما ما ينفع الناس } كالماء، وخالص الذهب أو الحديد، { فيمكث في الأرض } لينتفع به أهلها.
{ كذلك يضرب الله الأمثال } لإيضاح المشكلات المعنوية، بالمحسوسات المرئية. { للذين استجابوا لربهم } بالإيمان والطاعة، { الحسنى } أي: المثوبة الحسنى، أو الجنة. { والذين لم يستجيبوا له } من الكفرة { لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به } من هول ذلك المطلع. أو: يضرب الأمثال للذين استجابوا الاستجابة الحسنى، والذين لم يستجيبوا له. ثم بين مثال غير المستجيبين بقوله: { لو أن لهم... } إلخ. { أولئك لهم سوء الحساب } أقبحه وأشده، وهو أن يناقش فيه، بأن يحاسب العبد على كل ذنب، ولا يغفر منه شيء، { ومأواهم }: مرجعهم { جهنم وبئس المهاد } الفراش والمستقر، والمخصوص محذوف، أي: هذا. الإشارة: قد اشتملت الآية على ثلاثة أمثلة: مثال للعلم النافع، ومثال للعمل الخالص، وللحال الصافي. فمثل الحق تعالى العلم النافع بالمطر النازل من السماء، فإنه تحيا به الأرض، وتجري به الأودية والعيون والآبار، ويحبس في الخلجان والقدور لنفع الناس، وتتطهر به الأرض من الخبث لأنه ترمى به السيول، فيذهب جفاء، كذلك العلم النافع تحيا به النفوس بعد الموت بالجهل والشك، وتحيا به الأرواح بعد موتها بالغفلة والحجاب، وتمتلئ به القلوب على قدر وسعها وسعتها، وعلى قدر ما قسم لهم من علم اليقين، أو عين اليقين، أو حق اليقين، وتتطهر به النفوس من البدع وسائر المعاصي. ومثل العمل الخالص الذي تصفى من الرياء والعجب وسائر العلل، بالحديد المصفى من خبثه لتصنع منه السيوف والآلات، أو النحاس المصفى لتصنع منه الأواني، وغيرها مما ينفع به الناس. ومثل الحال الصافي من العلل بالذهب المصفى أو الفضة، إذا صفيت وذهب خبثها ليصنع بهما الحلي والحلل ليتزين بها أهلها، فأشار إلى المثال الأول وهو ا لعلم بقوله: { أنزل من السماء ماء } إلخ. وأشار إلى الحال بقوله: { ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية } ، وأشار إلى العمل بقوله: { أو متاع زبد مثله }. وقدم الحال لشرفه، ومثله بالذهب والفضة لزيادة الرغبة فيه لأنه ثمرة العمل، ومرجعه إلى الوجدان والأذواق، وهو عزيز لا يجده إلا المقربون. والحاصل: أن المراتب أربعة: العلم، والعمل، والحال، والمقام. وإنما لم يضرب الحق تعالى مثلا للمقام لأن النزول فيه لا يكون إلا بعد التصفية، فليس فيه علة، يحتاج إلى التصفية منها. فمقامات اليقين كلها يجري فيها العلم، والعمل، والحال، والمقام. فالتوبة مثلا: يتعلق العلم بمعرفة حقيقتها وفضليتها، ثم يسعى في العمل بالمجاهدة والرياضة حتى يذهب زبده وخبثه، حتى يذوق حلاوة الاستقامة مع بقية الخوف من السقوط، وهذا هو الحال، ثم تطمئن النفس، وترسخ التوبة النصوح، وهذا هو المقام. وكذلك الصبر، يتعلق به العلم أولا ثم يسعى في مرارة استعماله حتى يذوق حلاوة الشدة والفاقة ثم يرسخ فيه، وهكذا يجري في المقامات كلها... وهي اثنا عشر مقاما: التوبة، والخوف، والرجاء، والورع، والزهد، والصبر، والشكر، والرضى، والتسليم، والمحبة، والمراقبة، والمشاهدة، وهي: بروج شمس المعرفة، وقمر التوحيد.
وكذلك معرفة الشهود والعيان: يتعلق العلم أولا بأسرار التوحيد، ثم يعمل في خرق عوائد نفسه حتى تموت، فيشرق عليها أنوار التوحيد، غير أنها تظهر وتخفى، ثم يصير الشهود مقاما، رسوخا وتمكينا. وقد أشار الحكم إلى بعض هذا فقال: " حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال، وحسن الأحوال من التحقق بمقامات الإنزال ". وكل واحد من الثلاثة يحتاج إلى تصفية حتى يذهب زبده وخبثه فتصفية العلم بالإخلاص والتحقيق، فيذهب عنه قصد الرئاسة والجاه، أو التوصل إلى الدنيا، ويذهب به الشكوك والأوهام فهذا زبده. وتصفية العمل بالإخلاص في أوله، والإتقان والحضور في وسطه، والكتمان في آخره، فيذهب عنه الرياء والعجب به، والتوصل به إلى حفظ نفساني. وتصفية الحال بصحة القصد وإفراد الوجهة، وإذا هاج عليه الوارد ملك نفسه وأمسكها، فيذهب به قصد الظهور، وطلب المراتب الدنيوية والكرامات الحسية، التي هي من حظ النفس وتشتيت القلب، إن لم يفرد وجهته لله، وانحلال عزمه وخمود نوره، إن لم يمسك نفسه عند هواجم الحال. فهذا زبد الحال الذي يذهب عنه بمجاهدة النفس، ويمكث في أرض القلوب صفاء اليقين والمعرفة وخالص العمل في مقام العبودية. وبالله التوفيق. ثم ذكر حال من عرف هذا العلم النازل وحال من أنكره فقال: { والذين ينقضون... }
الرعد 13:19
قلت: أولئك.. الخ: جملة خبر الموصولات، إن رفعت بالابتداء، وإن جعلت صفات لأولي الألباب: فاستئناف بذكر ما استوجبوا بتلك الصفات. وجنات: بدل من عقبى الدار. ومن صلح: عطف على الواو بفصل المفعول، وسلام عليكم: محكي بحال محذوفة، أي: قائلين سلام عليكم، وحذف الحال إذا كان قولا كثير مطرد. يقول الحق جل جلاله: { أفمن يعلم انما أنزل إليك من ربك } هو { الحق } فيستجيب له، وينقاد له { كمن هو أعمى } عمى القلب، لا يستجيب ولا يستبصر؟ أنكر الحق جل جلاله على من اشتبه عليه الحق من الباطل، بعدما ضرب المثل، فإن الأمور المعنوية، إذا ضرب لها الأمثال المحسوسة، صارت في غاية الوضوح لا تخفى إلا على الخفاشة، الذين انطمس نور قلوبهم بالكفر أو المعاصي. ولذلك قال: { إنما يتذكر أولو الألباب } ذوو العقول الصافية والقلوب المنورة، التي تطهرت من كدر العوائد والشهوات، ولم تركن إلى المألوفات والمحسوسات. ثم وصفهم بقوله: { الذين يوفون بعهد الله } ما عقدوه على نفوسهم من معرفة عظمة الربوبية والقيام بوظائف العبودية، حين قالوا: { بلى }. { ولا ينقضون الميثاق } ما أوثقوه على نفوسهم، وتحملوه من المواثيق التي بينهم وبين الله، وبينهم وبين عباد الله. وهو تعميم بعد تخصيص تأكيدا على الوفاء بالعهود. { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } من الرحم، وموالاة المؤمنين، وحضور مجالس الصالحين، والعلماء العاملين، والاقتداء بقولهم والاهتداء بهديهم. { ويخشون ربهم }: غضبه، وعذابه، أو إبعاده وطرده، { ويخافون سوء الحساب }: مناقشته، فيحاسبون أنفسهم قبل ان يحاسبوا. { والذين صبروا } على مشاق الطاعة وترك المخالفة، أو على ما تكرهه النفوس، ويخالفه الهوى. فعلوا ذلك { ابتغاء وجه ربهم } طلبا لرضاه، أو لرؤية وجهه وشهود ذاته، لا فخرا ورياء، وطلبا لحظ نفساني. { وأقاموا الصلاة } المفروضة، بحيث حافظوا على شروطها وأركانها، وحضور السر فيها، { وأنفقوا مما رزقناهم } من الأموال فرضا ونفلا، { سرا وعلانية } إن تحقق الإخلاص، وإلا تعين الإسرار. أو سرا لمن لا يعرف بالمال، وجهرا لمن يعرف به لئلا يتهم، أو ليقتدى به. { ويدرءون بالحسنة السيئة } أي: يدفعون الخصلة السيئة بالخصلة الحسنة، فيجازون الإساءة بالإحسان امتثالا لقوله تعالى:
ادفع بالتي هي أحسن السيئة
[المؤمنون " 96]، أو: يدفعون الشرك بقول: " لا إله إلا الله " ، أو يفعلون الحسنات فيدرؤون بها السيئات، كقوله
إن الحسنات يذهبن السيئات
[هود: 114]. قيل: نزلت في الأنصار. وهي عامة. ثم ذكر جزاءهم، فقال: { أولئك لهم عقبى الدار } أي: عاقبة دار الدنيا وما يؤول إليه أهلها. وهي: الجنة التي فسرها بقوله: { جنات عدن } أي: إقامة، { يدخلونها } مخلدين فيها. والعدن: الإقامة، وقيل: هي بطنان الجنة، أي: مداخلها لا ربضها، فيدخلونها { ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم } أي: يلحق بهم من صلح من أهلهم، وإن لم يبلغوا في العمل مبلغهم، بتعا لهم وتعظميا لشأنهم، أو بشفاعتهم لهم.
وهو دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة، وأن الموصوفين بتلك الصفات يقرب بعضهم من بعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم لكن يقع التفاوت في الدرجات والنعيم والقرب، على قدر اجتهادهم في التحقق بتلك الصفات، والدؤوب عليها. والتقييد بالصلاح يدل على أن مجرد الانتساب لا ينفع من غير عمل. { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب } من أبواب المنازل، أو من أبواب الفتوح والتحف، قائلين: { سلام عليكم } بشارة بدوام السلامة، هذا { بما صبرتم } ، أو سلامة لكم بسبب صبركم. { فنعم عقبى الدار } التي سكنوها ورحلوا عنها دارهم هذه. الإشارة: أفمن تصفت مرآة قلبه من الأكدار والأغيار، حتى أبصرت أمطار العلوم والأسرار النازلة من سماء الملكوت على النبي المختار، فتضلع منها حتى امتلأ منها قلبه وسره، ونبع بأنهار العلوم لسانه وفكره، كمن هو أعمى القلب والبصيرة، فلم يرفع بذلك رأسا؟ إنما ينتفع بتلك العلوم أولو القلوب الصافية التي ذهب خبثها، فصفت علومها وأعمالها وأحوالها من زبد المساوئ والعيوب، الذين دخلوا تحت تربية المشايخ، فأوفوا بعهودهم، وواصلوهم، وخافوا ربهم أن يبعدهم من حضرته، أو يناقشهم الحساب فحاسبوا أنفسهم على الأنفاس والأوقات، وصبروا على دوام المجاهدات، حتى أفضوا إلى فضاء المشاهدات، وأقاموا صلاة القلوب وهي العكوف في حضرة الغيوب وأنفقوا مما رزقهم من سعة العلوم ومخازن الفهوم، ويقابلون الإساءة بالإحسان لأنهم أهل مقام الاحسان. أولئك لهم عقبى الدار وهي العكوف في حضرة الكريم الغفار، تدخل على أبواب قلوبهم المواهب والأسرار، تقول بلسان الحال: سلام عليكم بما صبرتم في مجاهدتكم، فنعم عقبى الدار. ثم شغله بضدهم فقال: { ويقول الذين كفروا.... }
الرعد 13:20
قلت: أولئك.. الخ: جملة خبر الموصولات، إن رفعت بالابتداء، وإن جعلت صفات لأولي الألباب: فاستئناف بذكر ما استوجبوا بتلك الصفات. وجنات: بدل من عقبى الدار. ومن صلح: عطف على الواو بفصل المفعول، وسلام عليكم: محكي بحال محذوفة، أي: قائلين سلام عليكم، وحذف الحال إذا كان قولا كثير مطرد. يقول الحق جل جلاله: { أفمن يعلم انما أنزل إليك من ربك } هو { الحق } فيستجيب له، وينقاد له { كمن هو أعمى } عمى القلب، لا يستجيب ولا يستبصر؟ أنكر الحق جل جلاله على من اشتبه عليه الحق من الباطل، بعدما ضرب المثل، فإن الأمور المعنوية، إذا ضرب لها الأمثال المحسوسة، صارت في غاية الوضوح لا تخفى إلا على الخفاشة، الذين انطمس نور قلوبهم بالكفر أو المعاصي. ولذلك قال: { إنما يتذكر أولو الألباب } ذوو العقول الصافية والقلوب المنورة، التي تطهرت من كدر العوائد والشهوات، ولم تركن إلى المألوفات والمحسوسات. ثم وصفهم بقوله: { الذين يوفون بعهد الله } ما عقدوه على نفوسهم من معرفة عظمة الربوبية والقيام بوظائف العبودية، حين قالوا: { بلى }. { ولا ينقضون الميثاق } ما أوثقوه على نفوسهم، وتحملوه من المواثيق التي بينهم وبين الله، وبينهم وبين عباد الله. وهو تعميم بعد تخصيص تأكيدا على الوفاء بالعهود. { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } من الرحم، وموالاة المؤمنين، وحضور مجالس الصالحين، والعلماء العاملين، والاقتداء بقولهم والاهتداء بهديهم. { ويخشون ربهم }: غضبه، وعذابه، أو إبعاده وطرده، { ويخافون سوء الحساب }: مناقشته، فيحاسبون أنفسهم قبل ان يحاسبوا. { والذين صبروا } على مشاق الطاعة وترك المخالفة، أو على ما تكرهه النفوس، ويخالفه الهوى. فعلوا ذلك { ابتغاء وجه ربهم } طلبا لرضاه، أو لرؤية وجهه وشهود ذاته، لا فخرا ورياء، وطلبا لحظ نفساني. { وأقاموا الصلاة } المفروضة، بحيث حافظوا على شروطها وأركانها، وحضور السر فيها، { وأنفقوا مما رزقناهم } من الأموال فرضا ونفلا، { سرا وعلانية } إن تحقق الإخلاص، وإلا تعين الإسرار. أو سرا لمن لا يعرف بالمال، وجهرا لمن يعرف به لئلا يتهم، أو ليقتدى به. { ويدرءون بالحسنة السيئة } أي: يدفعون الخصلة السيئة بالخصلة الحسنة، فيجازون الإساءة بالإحسان امتثالا لقوله تعالى:
ادفع بالتي هي أحسن السيئة
[المؤمنون " 96]، أو: يدفعون الشرك بقول: " لا إله إلا الله " ، أو يفعلون الحسنات فيدرؤون بها السيئات، كقوله
إن الحسنات يذهبن السيئات
[هود: 114]. قيل: نزلت في الأنصار. وهي عامة. ثم ذكر جزاءهم، فقال: { أولئك لهم عقبى الدار } أي: عاقبة دار الدنيا وما يؤول إليه أهلها. وهي: الجنة التي فسرها بقوله: { جنات عدن } أي: إقامة، { يدخلونها } مخلدين فيها. والعدن: الإقامة، وقيل: هي بطنان الجنة، أي: مداخلها لا ربضها، فيدخلونها { ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم } أي: يلحق بهم من صلح من أهلهم، وإن لم يبلغوا في العمل مبلغهم، بتعا لهم وتعظميا لشأنهم، أو بشفاعتهم لهم.
وهو دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة، وأن الموصوفين بتلك الصفات يقرب بعضهم من بعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم لكن يقع التفاوت في الدرجات والنعيم والقرب، على قدر اجتهادهم في التحقق بتلك الصفات، والدؤوب عليها. والتقييد بالصلاح يدل على أن مجرد الانتساب لا ينفع من غير عمل. { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب } من أبواب المنازل، أو من أبواب الفتوح والتحف، قائلين: { سلام عليكم } بشارة بدوام السلامة، هذا { بما صبرتم } ، أو سلامة لكم بسبب صبركم. { فنعم عقبى الدار } التي سكنوها ورحلوا عنها دارهم هذه. الإشارة: أفمن تصفت مرآة قلبه من الأكدار والأغيار، حتى أبصرت أمطار العلوم والأسرار النازلة من سماء الملكوت على النبي المختار، فتضلع منها حتى امتلأ منها قلبه وسره، ونبع بأنهار العلوم لسانه وفكره، كمن هو أعمى القلب والبصيرة، فلم يرفع بذلك رأسا؟ إنما ينتفع بتلك العلوم أولو القلوب الصافية التي ذهب خبثها، فصفت علومها وأعمالها وأحوالها من زبد المساوئ والعيوب، الذين دخلوا تحت تربية المشايخ، فأوفوا بعهودهم، وواصلوهم، وخافوا ربهم أن يبعدهم من حضرته، أو يناقشهم الحساب فحاسبوا أنفسهم على الأنفاس والأوقات، وصبروا على دوام المجاهدات، حتى أفضوا إلى فضاء المشاهدات، وأقاموا صلاة القلوب وهي العكوف في حضرة الغيوب وأنفقوا مما رزقهم من سعة العلوم ومخازن الفهوم، ويقابلون الإساءة بالإحسان لأنهم أهل مقام الاحسان. أولئك لهم عقبى الدار وهي العكوف في حضرة الكريم الغفار، تدخل على أبواب قلوبهم المواهب والأسرار، تقول بلسان الحال: سلام عليكم بما صبرتم في مجاهدتكم، فنعم عقبى الدار. ثم شغله بضدهم فقال: { ويقول الذين كفروا.... }
الرعد 13:21
قلت: أولئك.. الخ: جملة خبر الموصولات، إن رفعت بالابتداء، وإن جعلت صفات لأولي الألباب: فاستئناف بذكر ما استوجبوا بتلك الصفات. وجنات: بدل من عقبى الدار. ومن صلح: عطف على الواو بفصل المفعول، وسلام عليكم: محكي بحال محذوفة، أي: قائلين سلام عليكم، وحذف الحال إذا كان قولا كثير مطرد. يقول الحق جل جلاله: { أفمن يعلم انما أنزل إليك من ربك } هو { الحق } فيستجيب له، وينقاد له { كمن هو أعمى } عمى القلب، لا يستجيب ولا يستبصر؟ أنكر الحق جل جلاله على من اشتبه عليه الحق من الباطل، بعدما ضرب المثل، فإن الأمور المعنوية، إذا ضرب لها الأمثال المحسوسة، صارت في غاية الوضوح لا تخفى إلا على الخفاشة، الذين انطمس نور قلوبهم بالكفر أو المعاصي. ولذلك قال: { إنما يتذكر أولو الألباب } ذوو العقول الصافية والقلوب المنورة، التي تطهرت من كدر العوائد والشهوات، ولم تركن إلى المألوفات والمحسوسات. ثم وصفهم بقوله: { الذين يوفون بعهد الله } ما عقدوه على نفوسهم من معرفة عظمة الربوبية والقيام بوظائف العبودية، حين قالوا: { بلى }. { ولا ينقضون الميثاق } ما أوثقوه على نفوسهم، وتحملوه من المواثيق التي بينهم وبين الله، وبينهم وبين عباد الله. وهو تعميم بعد تخصيص تأكيدا على الوفاء بالعهود. { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } من الرحم، وموالاة المؤمنين، وحضور مجالس الصالحين، والعلماء العاملين، والاقتداء بقولهم والاهتداء بهديهم. { ويخشون ربهم }: غضبه، وعذابه، أو إبعاده وطرده، { ويخافون سوء الحساب }: مناقشته، فيحاسبون أنفسهم قبل ان يحاسبوا. { والذين صبروا } على مشاق الطاعة وترك المخالفة، أو على ما تكرهه النفوس، ويخالفه الهوى. فعلوا ذلك { ابتغاء وجه ربهم } طلبا لرضاه، أو لرؤية وجهه وشهود ذاته، لا فخرا ورياء، وطلبا لحظ نفساني. { وأقاموا الصلاة } المفروضة، بحيث حافظوا على شروطها وأركانها، وحضور السر فيها، { وأنفقوا مما رزقناهم } من الأموال فرضا ونفلا، { سرا وعلانية } إن تحقق الإخلاص، وإلا تعين الإسرار. أو سرا لمن لا يعرف بالمال، وجهرا لمن يعرف به لئلا يتهم، أو ليقتدى به. { ويدرءون بالحسنة السيئة } أي: يدفعون الخصلة السيئة بالخصلة الحسنة، فيجازون الإساءة بالإحسان امتثالا لقوله تعالى:
ادفع بالتي هي أحسن السيئة
[المؤمنون " 96]، أو: يدفعون الشرك بقول: " لا إله إلا الله " ، أو يفعلون الحسنات فيدرؤون بها السيئات، كقوله
إن الحسنات يذهبن السيئات
[هود: 114]. قيل: نزلت في الأنصار. وهي عامة. ثم ذكر جزاءهم، فقال: { أولئك لهم عقبى الدار } أي: عاقبة دار الدنيا وما يؤول إليه أهلها. وهي: الجنة التي فسرها بقوله: { جنات عدن } أي: إقامة، { يدخلونها } مخلدين فيها. والعدن: الإقامة، وقيل: هي بطنان الجنة، أي: مداخلها لا ربضها، فيدخلونها { ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم } أي: يلحق بهم من صلح من أهلهم، وإن لم يبلغوا في العمل مبلغهم، بتعا لهم وتعظميا لشأنهم، أو بشفاعتهم لهم.
وهو دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة، وأن الموصوفين بتلك الصفات يقرب بعضهم من بعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم لكن يقع التفاوت في الدرجات والنعيم والقرب، على قدر اجتهادهم في التحقق بتلك الصفات، والدؤوب عليها. والتقييد بالصلاح يدل على أن مجرد الانتساب لا ينفع من غير عمل. { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب } من أبواب المنازل، أو من أبواب الفتوح والتحف، قائلين: { سلام عليكم } بشارة بدوام السلامة، هذا { بما صبرتم } ، أو سلامة لكم بسبب صبركم. { فنعم عقبى الدار } التي سكنوها ورحلوا عنها دارهم هذه. الإشارة: أفمن تصفت مرآة قلبه من الأكدار والأغيار، حتى أبصرت أمطار العلوم والأسرار النازلة من سماء الملكوت على النبي المختار، فتضلع منها حتى امتلأ منها قلبه وسره، ونبع بأنهار العلوم لسانه وفكره، كمن هو أعمى القلب والبصيرة، فلم يرفع بذلك رأسا؟ إنما ينتفع بتلك العلوم أولو القلوب الصافية التي ذهب خبثها، فصفت علومها وأعمالها وأحوالها من زبد المساوئ والعيوب، الذين دخلوا تحت تربية المشايخ، فأوفوا بعهودهم، وواصلوهم، وخافوا ربهم أن يبعدهم من حضرته، أو يناقشهم الحساب فحاسبوا أنفسهم على الأنفاس والأوقات، وصبروا على دوام المجاهدات، حتى أفضوا إلى فضاء المشاهدات، وأقاموا صلاة القلوب وهي العكوف في حضرة الغيوب وأنفقوا مما رزقهم من سعة العلوم ومخازن الفهوم، ويقابلون الإساءة بالإحسان لأنهم أهل مقام الاحسان. أولئك لهم عقبى الدار وهي العكوف في حضرة الكريم الغفار، تدخل على أبواب قلوبهم المواهب والأسرار، تقول بلسان الحال: سلام عليكم بما صبرتم في مجاهدتكم، فنعم عقبى الدار. ثم شغله بضدهم فقال: { ويقول الذين كفروا.... }
الرعد 13:22
قلت: أولئك.. الخ: جملة خبر الموصولات، إن رفعت بالابتداء، وإن جعلت صفات لأولي الألباب: فاستئناف بذكر ما استوجبوا بتلك الصفات. وجنات: بدل من عقبى الدار. ومن صلح: عطف على الواو بفصل المفعول، وسلام عليكم: محكي بحال محذوفة، أي: قائلين سلام عليكم، وحذف الحال إذا كان قولا كثير مطرد. يقول الحق جل جلاله: { أفمن يعلم انما أنزل إليك من ربك } هو { الحق } فيستجيب له، وينقاد له { كمن هو أعمى } عمى القلب، لا يستجيب ولا يستبصر؟ أنكر الحق جل جلاله على من اشتبه عليه الحق من الباطل، بعدما ضرب المثل، فإن الأمور المعنوية، إذا ضرب لها الأمثال المحسوسة، صارت في غاية الوضوح لا تخفى إلا على الخفاشة، الذين انطمس نور قلوبهم بالكفر أو المعاصي. ولذلك قال: { إنما يتذكر أولو الألباب } ذوو العقول الصافية والقلوب المنورة، التي تطهرت من كدر العوائد والشهوات، ولم تركن إلى المألوفات والمحسوسات. ثم وصفهم بقوله: { الذين يوفون بعهد الله } ما عقدوه على نفوسهم من معرفة عظمة الربوبية والقيام بوظائف العبودية، حين قالوا: { بلى }. { ولا ينقضون الميثاق } ما أوثقوه على نفوسهم، وتحملوه من المواثيق التي بينهم وبين الله، وبينهم وبين عباد الله. وهو تعميم بعد تخصيص تأكيدا على الوفاء بالعهود. { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } من الرحم، وموالاة المؤمنين، وحضور مجالس الصالحين، والعلماء العاملين، والاقتداء بقولهم والاهتداء بهديهم. { ويخشون ربهم }: غضبه، وعذابه، أو إبعاده وطرده، { ويخافون سوء الحساب }: مناقشته، فيحاسبون أنفسهم قبل ان يحاسبوا. { والذين صبروا } على مشاق الطاعة وترك المخالفة، أو على ما تكرهه النفوس، ويخالفه الهوى. فعلوا ذلك { ابتغاء وجه ربهم } طلبا لرضاه، أو لرؤية وجهه وشهود ذاته، لا فخرا ورياء، وطلبا لحظ نفساني. { وأقاموا الصلاة } المفروضة، بحيث حافظوا على شروطها وأركانها، وحضور السر فيها، { وأنفقوا مما رزقناهم } من الأموال فرضا ونفلا، { سرا وعلانية } إن تحقق الإخلاص، وإلا تعين الإسرار. أو سرا لمن لا يعرف بالمال، وجهرا لمن يعرف به لئلا يتهم، أو ليقتدى به. { ويدرءون بالحسنة السيئة } أي: يدفعون الخصلة السيئة بالخصلة الحسنة، فيجازون الإساءة بالإحسان امتثالا لقوله تعالى:
ادفع بالتي هي أحسن السيئة
[المؤمنون " 96]، أو: يدفعون الشرك بقول: " لا إله إلا الله " ، أو يفعلون الحسنات فيدرؤون بها السيئات، كقوله
إن الحسنات يذهبن السيئات
[هود: 114]. قيل: نزلت في الأنصار. وهي عامة. ثم ذكر جزاءهم، فقال: { أولئك لهم عقبى الدار } أي: عاقبة دار الدنيا وما يؤول إليه أهلها. وهي: الجنة التي فسرها بقوله: { جنات عدن } أي: إقامة، { يدخلونها } مخلدين فيها. والعدن: الإقامة، وقيل: هي بطنان الجنة، أي: مداخلها لا ربضها، فيدخلونها { ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم } أي: يلحق بهم من صلح من أهلهم، وإن لم يبلغوا في العمل مبلغهم، بتعا لهم وتعظميا لشأنهم، أو بشفاعتهم لهم.
وهو دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة، وأن الموصوفين بتلك الصفات يقرب بعضهم من بعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم لكن يقع التفاوت في الدرجات والنعيم والقرب، على قدر اجتهادهم في التحقق بتلك الصفات، والدؤوب عليها. والتقييد بالصلاح يدل على أن مجرد الانتساب لا ينفع من غير عمل. { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب } من أبواب المنازل، أو من أبواب الفتوح والتحف، قائلين: { سلام عليكم } بشارة بدوام السلامة، هذا { بما صبرتم } ، أو سلامة لكم بسبب صبركم. { فنعم عقبى الدار } التي سكنوها ورحلوا عنها دارهم هذه. الإشارة: أفمن تصفت مرآة قلبه من الأكدار والأغيار، حتى أبصرت أمطار العلوم والأسرار النازلة من سماء الملكوت على النبي المختار، فتضلع منها حتى امتلأ منها قلبه وسره، ونبع بأنهار العلوم لسانه وفكره، كمن هو أعمى القلب والبصيرة، فلم يرفع بذلك رأسا؟ إنما ينتفع بتلك العلوم أولو القلوب الصافية التي ذهب خبثها، فصفت علومها وأعمالها وأحوالها من زبد المساوئ والعيوب، الذين دخلوا تحت تربية المشايخ، فأوفوا بعهودهم، وواصلوهم، وخافوا ربهم أن يبعدهم من حضرته، أو يناقشهم الحساب فحاسبوا أنفسهم على الأنفاس والأوقات، وصبروا على دوام المجاهدات، حتى أفضوا إلى فضاء المشاهدات، وأقاموا صلاة القلوب وهي العكوف في حضرة الغيوب وأنفقوا مما رزقهم من سعة العلوم ومخازن الفهوم، ويقابلون الإساءة بالإحسان لأنهم أهل مقام الاحسان. أولئك لهم عقبى الدار وهي العكوف في حضرة الكريم الغفار، تدخل على أبواب قلوبهم المواهب والأسرار، تقول بلسان الحال: سلام عليكم بما صبرتم في مجاهدتكم، فنعم عقبى الدار. ثم شغله بضدهم فقال: { ويقول الذين كفروا.... }
الرعد 13:23
قلت: أولئك.. الخ: جملة خبر الموصولات، إن رفعت بالابتداء، وإن جعلت صفات لأولي الألباب: فاستئناف بذكر ما استوجبوا بتلك الصفات. وجنات: بدل من عقبى الدار. ومن صلح: عطف على الواو بفصل المفعول، وسلام عليكم: محكي بحال محذوفة، أي: قائلين سلام عليكم، وحذف الحال إذا كان قولا كثير مطرد. يقول الحق جل جلاله: { أفمن يعلم انما أنزل إليك من ربك } هو { الحق } فيستجيب له، وينقاد له { كمن هو أعمى } عمى القلب، لا يستجيب ولا يستبصر؟ أنكر الحق جل جلاله على من اشتبه عليه الحق من الباطل، بعدما ضرب المثل، فإن الأمور المعنوية، إذا ضرب لها الأمثال المحسوسة، صارت في غاية الوضوح لا تخفى إلا على الخفاشة، الذين انطمس نور قلوبهم بالكفر أو المعاصي. ولذلك قال: { إنما يتذكر أولو الألباب } ذوو العقول الصافية والقلوب المنورة، التي تطهرت من كدر العوائد والشهوات، ولم تركن إلى المألوفات والمحسوسات. ثم وصفهم بقوله: { الذين يوفون بعهد الله } ما عقدوه على نفوسهم من معرفة عظمة الربوبية والقيام بوظائف العبودية، حين قالوا: { بلى }. { ولا ينقضون الميثاق } ما أوثقوه على نفوسهم، وتحملوه من المواثيق التي بينهم وبين الله، وبينهم وبين عباد الله. وهو تعميم بعد تخصيص تأكيدا على الوفاء بالعهود. { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } من الرحم، وموالاة المؤمنين، وحضور مجالس الصالحين، والعلماء العاملين، والاقتداء بقولهم والاهتداء بهديهم. { ويخشون ربهم }: غضبه، وعذابه، أو إبعاده وطرده، { ويخافون سوء الحساب }: مناقشته، فيحاسبون أنفسهم قبل ان يحاسبوا. { والذين صبروا } على مشاق الطاعة وترك المخالفة، أو على ما تكرهه النفوس، ويخالفه الهوى. فعلوا ذلك { ابتغاء وجه ربهم } طلبا لرضاه، أو لرؤية وجهه وشهود ذاته، لا فخرا ورياء، وطلبا لحظ نفساني. { وأقاموا الصلاة } المفروضة، بحيث حافظوا على شروطها وأركانها، وحضور السر فيها، { وأنفقوا مما رزقناهم } من الأموال فرضا ونفلا، { سرا وعلانية } إن تحقق الإخلاص، وإلا تعين الإسرار. أو سرا لمن لا يعرف بالمال، وجهرا لمن يعرف به لئلا يتهم، أو ليقتدى به. { ويدرءون بالحسنة السيئة } أي: يدفعون الخصلة السيئة بالخصلة الحسنة، فيجازون الإساءة بالإحسان امتثالا لقوله تعالى:
ادفع بالتي هي أحسن السيئة
[المؤمنون " 96]، أو: يدفعون الشرك بقول: " لا إله إلا الله " ، أو يفعلون الحسنات فيدرؤون بها السيئات، كقوله
إن الحسنات يذهبن السيئات
[هود: 114]. قيل: نزلت في الأنصار. وهي عامة. ثم ذكر جزاءهم، فقال: { أولئك لهم عقبى الدار } أي: عاقبة دار الدنيا وما يؤول إليه أهلها. وهي: الجنة التي فسرها بقوله: { جنات عدن } أي: إقامة، { يدخلونها } مخلدين فيها. والعدن: الإقامة، وقيل: هي بطنان الجنة، أي: مداخلها لا ربضها، فيدخلونها { ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم } أي: يلحق بهم من صلح من أهلهم، وإن لم يبلغوا في العمل مبلغهم، بتعا لهم وتعظميا لشأنهم، أو بشفاعتهم لهم.
وهو دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة، وأن الموصوفين بتلك الصفات يقرب بعضهم من بعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم لكن يقع التفاوت في الدرجات والنعيم والقرب، على قدر اجتهادهم في التحقق بتلك الصفات، والدؤوب عليها. والتقييد بالصلاح يدل على أن مجرد الانتساب لا ينفع من غير عمل. { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب } من أبواب المنازل، أو من أبواب الفتوح والتحف، قائلين: { سلام عليكم } بشارة بدوام السلامة، هذا { بما صبرتم } ، أو سلامة لكم بسبب صبركم. { فنعم عقبى الدار } التي سكنوها ورحلوا عنها دارهم هذه. الإشارة: أفمن تصفت مرآة قلبه من الأكدار والأغيار، حتى أبصرت أمطار العلوم والأسرار النازلة من سماء الملكوت على النبي المختار، فتضلع منها حتى امتلأ منها قلبه وسره، ونبع بأنهار العلوم لسانه وفكره، كمن هو أعمى القلب والبصيرة، فلم يرفع بذلك رأسا؟ إنما ينتفع بتلك العلوم أولو القلوب الصافية التي ذهب خبثها، فصفت علومها وأعمالها وأحوالها من زبد المساوئ والعيوب، الذين دخلوا تحت تربية المشايخ، فأوفوا بعهودهم، وواصلوهم، وخافوا ربهم أن يبعدهم من حضرته، أو يناقشهم الحساب فحاسبوا أنفسهم على الأنفاس والأوقات، وصبروا على دوام المجاهدات، حتى أفضوا إلى فضاء المشاهدات، وأقاموا صلاة القلوب وهي العكوف في حضرة الغيوب وأنفقوا مما رزقهم من سعة العلوم ومخازن الفهوم، ويقابلون الإساءة بالإحسان لأنهم أهل مقام الاحسان. أولئك لهم عقبى الدار وهي العكوف في حضرة الكريم الغفار، تدخل على أبواب قلوبهم المواهب والأسرار، تقول بلسان الحال: سلام عليكم بما صبرتم في مجاهدتكم، فنعم عقبى الدار. ثم شغله بضدهم فقال: { ويقول الذين كفروا.... }
الرعد 13:24
قلت: أولئك.. الخ: جملة خبر الموصولات، إن رفعت بالابتداء، وإن جعلت صفات لأولي الألباب: فاستئناف بذكر ما استوجبوا بتلك الصفات. وجنات: بدل من عقبى الدار. ومن صلح: عطف على الواو بفصل المفعول، وسلام عليكم: محكي بحال محذوفة، أي: قائلين سلام عليكم، وحذف الحال إذا كان قولا كثير مطرد. يقول الحق جل جلاله: { أفمن يعلم انما أنزل إليك من ربك } هو { الحق } فيستجيب له، وينقاد له { كمن هو أعمى } عمى القلب، لا يستجيب ولا يستبصر؟ أنكر الحق جل جلاله على من اشتبه عليه الحق من الباطل، بعدما ضرب المثل، فإن الأمور المعنوية، إذا ضرب لها الأمثال المحسوسة، صارت في غاية الوضوح لا تخفى إلا على الخفاشة، الذين انطمس نور قلوبهم بالكفر أو المعاصي. ولذلك قال: { إنما يتذكر أولو الألباب } ذوو العقول الصافية والقلوب المنورة، التي تطهرت من كدر العوائد والشهوات، ولم تركن إلى المألوفات والمحسوسات. ثم وصفهم بقوله: { الذين يوفون بعهد الله } ما عقدوه على نفوسهم من معرفة عظمة الربوبية والقيام بوظائف العبودية، حين قالوا: { بلى }. { ولا ينقضون الميثاق } ما أوثقوه على نفوسهم، وتحملوه من المواثيق التي بينهم وبين الله، وبينهم وبين عباد الله. وهو تعميم بعد تخصيص تأكيدا على الوفاء بالعهود. { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } من الرحم، وموالاة المؤمنين، وحضور مجالس الصالحين، والعلماء العاملين، والاقتداء بقولهم والاهتداء بهديهم. { ويخشون ربهم }: غضبه، وعذابه، أو إبعاده وطرده، { ويخافون سوء الحساب }: مناقشته، فيحاسبون أنفسهم قبل ان يحاسبوا. { والذين صبروا } على مشاق الطاعة وترك المخالفة، أو على ما تكرهه النفوس، ويخالفه الهوى. فعلوا ذلك { ابتغاء وجه ربهم } طلبا لرضاه، أو لرؤية وجهه وشهود ذاته، لا فخرا ورياء، وطلبا لحظ نفساني. { وأقاموا الصلاة } المفروضة، بحيث حافظوا على شروطها وأركانها، وحضور السر فيها، { وأنفقوا مما رزقناهم } من الأموال فرضا ونفلا، { سرا وعلانية } إن تحقق الإخلاص، وإلا تعين الإسرار. أو سرا لمن لا يعرف بالمال، وجهرا لمن يعرف به لئلا يتهم، أو ليقتدى به. { ويدرءون بالحسنة السيئة } أي: يدفعون الخصلة السيئة بالخصلة الحسنة، فيجازون الإساءة بالإحسان امتثالا لقوله تعالى:
ادفع بالتي هي أحسن السيئة
[المؤمنون " 96]، أو: يدفعون الشرك بقول: " لا إله إلا الله " ، أو يفعلون الحسنات فيدرؤون بها السيئات، كقوله
إن الحسنات يذهبن السيئات
[هود: 114]. قيل: نزلت في الأنصار. وهي عامة. ثم ذكر جزاءهم، فقال: { أولئك لهم عقبى الدار } أي: عاقبة دار الدنيا وما يؤول إليه أهلها. وهي: الجنة التي فسرها بقوله: { جنات عدن } أي: إقامة، { يدخلونها } مخلدين فيها. والعدن: الإقامة، وقيل: هي بطنان الجنة، أي: مداخلها لا ربضها، فيدخلونها { ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم } أي: يلحق بهم من صلح من أهلهم، وإن لم يبلغوا في العمل مبلغهم، بتعا لهم وتعظميا لشأنهم، أو بشفاعتهم لهم.
وهو دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة، وأن الموصوفين بتلك الصفات يقرب بعضهم من بعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم لكن يقع التفاوت في الدرجات والنعيم والقرب، على قدر اجتهادهم في التحقق بتلك الصفات، والدؤوب عليها. والتقييد بالصلاح يدل على أن مجرد الانتساب لا ينفع من غير عمل. { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب } من أبواب المنازل، أو من أبواب الفتوح والتحف، قائلين: { سلام عليكم } بشارة بدوام السلامة، هذا { بما صبرتم } ، أو سلامة لكم بسبب صبركم. { فنعم عقبى الدار } التي سكنوها ورحلوا عنها دارهم هذه. الإشارة: أفمن تصفت مرآة قلبه من الأكدار والأغيار، حتى أبصرت أمطار العلوم والأسرار النازلة من سماء الملكوت على النبي المختار، فتضلع منها حتى امتلأ منها قلبه وسره، ونبع بأنهار العلوم لسانه وفكره، كمن هو أعمى القلب والبصيرة، فلم يرفع بذلك رأسا؟ إنما ينتفع بتلك العلوم أولو القلوب الصافية التي ذهب خبثها، فصفت علومها وأعمالها وأحوالها من زبد المساوئ والعيوب، الذين دخلوا تحت تربية المشايخ، فأوفوا بعهودهم، وواصلوهم، وخافوا ربهم أن يبعدهم من حضرته، أو يناقشهم الحساب فحاسبوا أنفسهم على الأنفاس والأوقات، وصبروا على دوام المجاهدات، حتى أفضوا إلى فضاء المشاهدات، وأقاموا صلاة القلوب وهي العكوف في حضرة الغيوب وأنفقوا مما رزقهم من سعة العلوم ومخازن الفهوم، ويقابلون الإساءة بالإحسان لأنهم أهل مقام الاحسان. أولئك لهم عقبى الدار وهي العكوف في حضرة الكريم الغفار، تدخل على أبواب قلوبهم المواهب والأسرار، تقول بلسان الحال: سلام عليكم بما صبرتم في مجاهدتكم، فنعم عقبى الدار. ثم شغله بضدهم فقال: { ويقول الذين كفروا.... }
الرعد 13:25
يقول الحق جل جلاله: { والذين ينقضون عهد الله... } الذي اخذه عليهم في عالم الذر، حيث قال:
ألست بربكم قالوا بلى
[الأعراف: 172]، ثم كفروا به بعد بعث الرسل المنبهين عليه. أو ينقضون العهود فيما بينهم وبين عباد الله، أن أعطوا ذلك من أنفسهم، { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } من الأرحام، أو ممن يدل على الله من الأنبياء، والعلماء الأتقياء فإن الله أمر بوصلهم، { ويفسدون في الأرض } بالظلم والمعاصي، وتهييج الفتن، { أولئك لهم اللعنة }: البعد والطرد من رحمة الله، { ولهم سوء الدار }: سوء عاقبة الدار، وهو العذاب والهوان، حيث اغتروا في الدنيا بسعة الأرزاق، وظنوا أن ذلك من علامة إقبال الحق. ولم يدروا أن الله { يبسط الرزق لمن يشاء } ، ولو كان من أهل الشقاء، { ويقدر } يضيقه على من يشاء، ولو كان من أهل السعادة والعناية، { وفرحوا بالحياة الدنيا } واطمأنوا بها، وقنعوا بنعيمها الفاني، { وما الحياة الدنيا } في جنب الآخرة { إلا متاع } إلا متعة لا تدوم، كعجالة الراكب وزاد الراعي. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب سافر في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة، ثم راح عنها وتركها "
والمعنى: أنهم أشروا بما نالوا من الدنيا، ولم يصرفوها فيما يستوجبون به نعيم الآخرة، واغتروا بما هو في جنبه نزر قليل النفع، سريع الزوال. قاله البيضاوي. الإشارة: لا شيء أفسد على المريد من نقض عهود المشايخ، والرجوع عن صحبتهم فإنه لما دخل في حماهم انقبض عنه الشيطان والدنيا والهوى، وأسفوا عليه، فإذا رجع إليهم، واتصلوا به، فعلوا به ما لم يفعلوا بغيره كمن هرب من عدوه ثم اتصل به. وتنسحب عليه الآية من قوله: { والذين ينقضون عهد الله } إلى قوله: { أولئك لهم اللعنة } أي: البعد عن الحضرة، { ولهم سوء الدار } وهو: غم الحجاب والبقاء من وراء الباب. فإذا رجعت إليه الدنيا يقال له: { الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } فلا تغتر ولا تفرح بالعرض الفاني، فما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع قليل، ثم التحسر الوبيل. ثم أجاب عن طلب المعجزة ليؤمن فقال: { ويقول الذين كفروا لولا... }
الرعد 13:26
يقول الحق جل جلاله: { والذين ينقضون عهد الله... } الذي اخذه عليهم في عالم الذر، حيث قال:
ألست بربكم قالوا بلى
[الأعراف: 172]، ثم كفروا به بعد بعث الرسل المنبهين عليه. أو ينقضون العهود فيما بينهم وبين عباد الله، أن أعطوا ذلك من أنفسهم، { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } من الأرحام، أو ممن يدل على الله من الأنبياء، والعلماء الأتقياء فإن الله أمر بوصلهم، { ويفسدون في الأرض } بالظلم والمعاصي، وتهييج الفتن، { أولئك لهم اللعنة }: البعد والطرد من رحمة الله، { ولهم سوء الدار }: سوء عاقبة الدار، وهو العذاب والهوان، حيث اغتروا في الدنيا بسعة الأرزاق، وظنوا أن ذلك من علامة إقبال الحق. ولم يدروا أن الله { يبسط الرزق لمن يشاء } ، ولو كان من أهل الشقاء، { ويقدر } يضيقه على من يشاء، ولو كان من أهل السعادة والعناية، { وفرحوا بالحياة الدنيا } واطمأنوا بها، وقنعوا بنعيمها الفاني، { وما الحياة الدنيا } في جنب الآخرة { إلا متاع } إلا متعة لا تدوم، كعجالة الراكب وزاد الراعي. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب سافر في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة، ثم راح عنها وتركها "
والمعنى: أنهم أشروا بما نالوا من الدنيا، ولم يصرفوها فيما يستوجبون به نعيم الآخرة، واغتروا بما هو في جنبه نزر قليل النفع، سريع الزوال. قاله البيضاوي. الإشارة: لا شيء أفسد على المريد من نقض عهود المشايخ، والرجوع عن صحبتهم فإنه لما دخل في حماهم انقبض عنه الشيطان والدنيا والهوى، وأسفوا عليه، فإذا رجع إليهم، واتصلوا به، فعلوا به ما لم يفعلوا بغيره كمن هرب من عدوه ثم اتصل به. وتنسحب عليه الآية من قوله: { والذين ينقضون عهد الله } إلى قوله: { أولئك لهم اللعنة } أي: البعد عن الحضرة، { ولهم سوء الدار } وهو: غم الحجاب والبقاء من وراء الباب. فإذا رجعت إليه الدنيا يقال له: { الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } فلا تغتر ولا تفرح بالعرض الفاني، فما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع قليل، ثم التحسر الوبيل. ثم أجاب عن طلب المعجزة ليؤمن فقال: { ويقول الذين كفروا لولا... }
الرعد 13:27
يقول الحق جل جلاله: { ويقول الذين كفروا } من أهل مكة: { لولا أنزل عليه آية } ظاهرة { من ربه } كما أنزلت على من قبله فنؤمن حينئذ؟ { قل } لهم: { إن الله يضل من يشاء } بعد ظهور الآيات والمعجزات. وليس الإيمان والهداية بيد العبد في الحقيقة. { ويهدي إليه من أناب } أي: من أقبل ورجع عن عناده من غير احتياج إلى معجزة. قال البيضاوي: وهو جواب، يجري التعجب من قولهم، كأنه قال: قل لهم ما أعظم عنادكم! { إن الله يضل من يشاء } ممن كان على صفتكم، فلا سبيل إلى اهتدائه، وإن نزلت كل آية، ويهدي إليه من أناب لما جئت به، بل بأدنى منه من الآيات. ه. الإشارة: تقدم مرارا أن من سبقت له من عند الله عناية الخصوصية، لم يتوقف على ظهور آية. ومن لم يسبق له شيء في الخصوصية لا ينفع فيه ألف آية. فالله يضل من يشاء عن دخول حضرته، ولو رأى من أولياء زمانه ما رأى، ويهدي إلى حضرته من أناب، ورجع بلا سبب. وبالله التوفيق.
الرعد 13:28
قلت: الموصول: بدل ممن أناب، أو خبر عن مضمر، أي: هم. والموصول الثاني بدل ثان، أو مبتدأ، وجملة طوبى: خبر، وهي فعلى، من الطيب، كبشرى من البشارة، قلبت ياؤها واوا لضم ما قبلها، ومعناها: أصبت خيرا وطيبا. وقيل: شجرة في الجنة. وسوغ الابتداء بها: ما فيها من معنى الدعاء. يقول الحق جل جلاله: في وصف من سبقت له الهداية واتصفت بالإنابة: هم { الذين آمنوا } بالله وبرسوله إيمانا تمكن من قلوبهم، واطمأنت إليه نفوسهم فإذا حركتهم الخواطر والهواجم، أو فتن الزمان وأهواله { تطمئن قلوبهم بذكر الله } ، وترتاح بذكر الله أنسا به، واعتمادا عليه ورجاء منه، أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته، أو بذكر آلائه، ودلائله الدالة على وجوده ووحدانيته، أو بكلامه القرآن، الذي هو أقوى المعجزات. قاله البيضاوي. وقال في القوت: معنى تطمئن بذكر الله: تهش وتستأنس به. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي بعد كلام: والحاصل أن المراد من الطمأنينة: السكون إلى المذكور، والأنس به. ووجود الروح والفرح والانشراح، والغنى به. ه. قال تعالى: { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } لا بغيره، فلا تسكن إلا إليه، ولا تعتمد إلا عليه فإن سكنت إلى غيره ذهب نورها، وعظم قلقها. { الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم } أي: لهم عيش طيب وحياة طيبة. أو الجنة، أو شجرة فيها، { وحسن مآب } أي: مرجع يرجعون إليه بعد الموت. الإشارة: الطمأنينة على قسمين: طمأنينة إيمان وطمأنينة شهود وعيان. قوم اطمأنوا إلى غائب موجود، وقوم إلى آخر مشهود. قوم اطمأنوا بوجود الله من طريق الإيمان على نعت الدليل والبرهان، وقوم اطمأنوا بشهود الله من طريق العيان على نعت الذوق والوجدان. وهذه ثمرة الإكثار من ذكر الله. قال الشيخ الشاذلي رضي الله عنه: حقيقة الذكر: ما اطمأن بمعناه القلب، وتجلى في حقائق سحاب أنوار سمائه الرب. ه. وقال الورتجبي: إن كان الإيمان من حيث الاعتقاد، فطمأنينة القلب بالذكر، وإن كان من حيث المشاهدة فطمأنينة القلوب بالله وكشف وجوده. ه. فطمأنينة الإيمان لأهل التفكر والاعتبار من عامة أهل اليمين. وطمأنينة العيان لأهل الشهود والاستبصار من خاصة المقربين. أهل الأولى يستدلون بالأشياء على الله، وأهل الثانية يستدلون بالله على الأشياء فلا يرون إلا مظهر الأشياء. وشتان بين من يستدل به أو يستدل عليه المستدل به عرف الحق لأهله، وأثبت الأمر من وجود أصله، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه، ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟!. كما في الحكم. وقال في المناجاة: " إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟!.
أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك؟! متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟!. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: " كيف يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف؟! أم كيف يعرف بشيء من سبق وجوده كل شيء؟ أي: وظهر بكل شيء ". وفي ذلك يقول الشاعر:
عجبت لمن يبغي عليك شهادة وأنت الذي أشهدته كل شاهد
وقال آخر:
لقد ظهرت فما تخفى على أحد إلا على أكمه لا يبصر القمرا لكن بطنت بما أظهرت محتجبا وكيف يبصر من بالعزة استترا
وأهل طمأنينة الإيمان على قسمين باعتبار القرب والبعد: فمنهم من يطمئن بوجود الحق على نعت القرب والأنس، وهم أهل المراقبة من الزهاد والصالحين، والعلماء العابدين المجتهدين، وهم متفاوتون في القرب على قدر تفرغهم من الشواغل والعلائق، وعلى قدر التخلية والتحلية. ومنهم من يطمئن إليه على نعت البعد من قلبه، وهم أهل الشواغل والشواغب، و العلائق والعوائق. وعلامة القرب: وجود حلاوة المعاملة، كلذيذ المناجاة، والأنس به في الخلوات، ووجود حلاوة القرآن والتدبر في معانيه، حتى لا يشبع منه من كل أوان. وعلامة البعد: فقد الحلاوة المذكورة، وعدم الأنس به في الخلوة، وفقد الحلاوة القرآن، ولو كان من أعظم علماء اللسان. وأهل طمأنينة الشهود على قسمين أيضا: فمنهم من تشرق عليه أنوار، وتحيط به الأسرار، فيغرق في الأنوار وتطمس عنه الآثار، فيكسر ويغيب عن الأثر في شهود المؤثر، ويسمى عندهم هذا المقام: مقام الفناء. ومنهم من يصحو من سكرته، ويفيق من صعقته، فيشهد المؤثر، لا يحجبه جمعه عن فرقه، ولا فرقة عن جمعه، ولا يضره فناؤه عن بقائه، ولا بقاؤه، عن فنائه، يعطي كل ذي حق حقه، ويوفي كل ذي قسط قسطه، وهو مقام البقاء، ولا يصح وجوده إلا بعد وجود ما قبله، فلا بقاء إلا بعد الفناء، ولا صحو إلا بعد السكر. ومن ترامى على هذا المقام أعني مقام البقاء من غير تحقيق مقام السكر والفناء فهو لم يبرح عن مقام أهل الحجاب. واعلم أن طمأنينة الإيمان تزيد وتنقص، وطمأنينة العيان، إن حصلت، تزيد ولا تنقص. فمواد أسباب زيادة طمأنينة الإيمان أشياء متعددة، فمنهم من تزيد طمأنينته بالتفكر والاعتبار. إما في عجائب المصنوعات وضروب المخلوقات، فيطمئن إلى صانع عظيم القدرة باهر الحكمة. وإما بالنظر في معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، وباهر علمه، وعجائب حكمه وأسراره، وإخباره بالأمور الغيبية السابقة والآتية، مع كونه نبيا أميا. فإذا تحقق معرفة الرسول فقد تحقق بمعرفة الله، واطمأن به لأنه الواسطة العظمى، بين الله وبين عباده. ومنهم من تزيد طمأنينته بموالاة الطاعات وتكثير القربات، كالذكر وغيره.
ومنهم من تزيد طمأنينته بزيادة الأولياء أحياء أو ميتين. ومادة الأحياء أكثر، ونور طمأنينتهم أبهر، لا سيما العارفين، وفي الأثر: تعلموا اليقين بمجالسة أهل اليقين. وأما طمأنيته أهل الشهود: فزيادتها باعتبار زيادة الكشف وحلاوة الشهود، والترقي في العلوم والأسرار، والاتساع في المقامات إلى ما لا نهاية له، في هذه الدار الفانية وفي الدار الباقية، ففي كل نفس يجدد لهم كشوفات وترقيات ومواهب وتحف، على قدر توجههم وتحققهم. حققنا الله بمقامهم، وأتحفنا بما أتحفهم. آمين ولا بد في تحصيل طمأنينة الشهود من صحبة شيخ عارف طبيب ماهر، يقدح عين البصيرة حتى تنفتح فما حجب الناس عن شهود الحق إلا طمس البصيرة فإذا اتصل بشيخ عارف كحل عين بصيرته أولا بإثمد على اليقين، فيدرك شعاع نور الحق قريبا منه، ثم يكحل عينه ثانيا بإثمد عين اليقين، فيدرك عدمه لوجود الحق، أي: يغيب عن حسه بشهود معناه القائم به. ثم يكحل عينه بإثمد حق اليقين، فيدرك وجود الحق بلا واسطة قدرة وحكمة، معنى وحسا، لا يتحجب بأحدهما عن الآخر. وإلى هذا أشار في الحكم بقوله: " شعاع البصيرة يشهدك قرب الحق منك، وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجود الحق، لا عدمك ولا وجودك. وكان شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه. وأهل طمأنينة الشهودهم خاصة ورثة الرسول عليه الصلاة والسلام
الرعد 13:29
قلت: الموصول: بدل ممن أناب، أو خبر عن مضمر، أي: هم. والموصول الثاني بدل ثان، أو مبتدأ، وجملة طوبى: خبر، وهي فعلى، من الطيب، كبشرى من البشارة، قلبت ياؤها واوا لضم ما قبلها، ومعناها: أصبت خيرا وطيبا. وقيل: شجرة في الجنة. وسوغ الابتداء بها: ما فيها من معنى الدعاء. يقول الحق جل جلاله: في وصف من سبقت له الهداية واتصفت بالإنابة: هم { الذين آمنوا } بالله وبرسوله إيمانا تمكن من قلوبهم، واطمأنت إليه نفوسهم فإذا حركتهم الخواطر والهواجم، أو فتن الزمان وأهواله { تطمئن قلوبهم بذكر الله } ، وترتاح بذكر الله أنسا به، واعتمادا عليه ورجاء منه، أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته، أو بذكر آلائه، ودلائله الدالة على وجوده ووحدانيته، أو بكلامه القرآن، الذي هو أقوى المعجزات. قاله البيضاوي. وقال في القوت: معنى تطمئن بذكر الله: تهش وتستأنس به. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي بعد كلام: والحاصل أن المراد من الطمأنينة: السكون إلى المذكور، والأنس به. ووجود الروح والفرح والانشراح، والغنى به. ه. قال تعالى: { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } لا بغيره، فلا تسكن إلا إليه، ولا تعتمد إلا عليه فإن سكنت إلى غيره ذهب نورها، وعظم قلقها. { الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم } أي: لهم عيش طيب وحياة طيبة. أو الجنة، أو شجرة فيها، { وحسن مآب } أي: مرجع يرجعون إليه بعد الموت. الإشارة: الطمأنينة على قسمين: طمأنينة إيمان وطمأنينة شهود وعيان. قوم اطمأنوا إلى غائب موجود، وقوم إلى آخر مشهود. قوم اطمأنوا بوجود الله من طريق الإيمان على نعت الدليل والبرهان، وقوم اطمأنوا بشهود الله من طريق العيان على نعت الذوق والوجدان. وهذه ثمرة الإكثار من ذكر الله. قال الشيخ الشاذلي رضي الله عنه: حقيقة الذكر: ما اطمأن بمعناه القلب، وتجلى في حقائق سحاب أنوار سمائه الرب. ه. وقال الورتجبي: إن كان الإيمان من حيث الاعتقاد، فطمأنينة القلب بالذكر، وإن كان من حيث المشاهدة فطمأنينة القلوب بالله وكشف وجوده. ه. فطمأنينة الإيمان لأهل التفكر والاعتبار من عامة أهل اليمين. وطمأنينة العيان لأهل الشهود والاستبصار من خاصة المقربين. أهل الأولى يستدلون بالأشياء على الله، وأهل الثانية يستدلون بالله على الأشياء فلا يرون إلا مظهر الأشياء. وشتان بين من يستدل به أو يستدل عليه المستدل به عرف الحق لأهله، وأثبت الأمر من وجود أصله، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه، ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟!. كما في الحكم. وقال في المناجاة: " إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟!.
أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك؟! متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟!. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: " كيف يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف؟! أم كيف يعرف بشيء من سبق وجوده كل شيء؟ أي: وظهر بكل شيء ". وفي ذلك يقول الشاعر:
عجبت لمن يبغي عليك شهادة وأنت الذي أشهدته كل شاهد
وقال آخر:
لقد ظهرت فما تخفى على أحد إلا على أكمه لا يبصر القمرا لكن بطنت بما أظهرت محتجبا وكيف يبصر من بالعزة استترا
وأهل طمأنينة الإيمان على قسمين باعتبار القرب والبعد: فمنهم من يطمئن بوجود الحق على نعت القرب والأنس، وهم أهل المراقبة من الزهاد والصالحين، والعلماء العابدين المجتهدين، وهم متفاوتون في القرب على قدر تفرغهم من الشواغل والعلائق، وعلى قدر التخلية والتحلية. ومنهم من يطمئن إليه على نعت البعد من قلبه، وهم أهل الشواغل والشواغب، و العلائق والعوائق. وعلامة القرب: وجود حلاوة المعاملة، كلذيذ المناجاة، والأنس به في الخلوات، ووجود حلاوة القرآن والتدبر في معانيه، حتى لا يشبع منه من كل أوان. وعلامة البعد: فقد الحلاوة المذكورة، وعدم الأنس به في الخلوة، وفقد الحلاوة القرآن، ولو كان من أعظم علماء اللسان. وأهل طمأنينة الشهود على قسمين أيضا: فمنهم من تشرق عليه أنوار، وتحيط به الأسرار، فيغرق في الأنوار وتطمس عنه الآثار، فيكسر ويغيب عن الأثر في شهود المؤثر، ويسمى عندهم هذا المقام: مقام الفناء. ومنهم من يصحو من سكرته، ويفيق من صعقته، فيشهد المؤثر، لا يحجبه جمعه عن فرقه، ولا فرقة عن جمعه، ولا يضره فناؤه عن بقائه، ولا بقاؤه، عن فنائه، يعطي كل ذي حق حقه، ويوفي كل ذي قسط قسطه، وهو مقام البقاء، ولا يصح وجوده إلا بعد وجود ما قبله، فلا بقاء إلا بعد الفناء، ولا صحو إلا بعد السكر. ومن ترامى على هذا المقام أعني مقام البقاء من غير تحقيق مقام السكر والفناء فهو لم يبرح عن مقام أهل الحجاب. واعلم أن طمأنينة الإيمان تزيد وتنقص، وطمأنينة العيان، إن حصلت، تزيد ولا تنقص. فمواد أسباب زيادة طمأنينة الإيمان أشياء متعددة، فمنهم من تزيد طمأنينته بالتفكر والاعتبار. إما في عجائب المصنوعات وضروب المخلوقات، فيطمئن إلى صانع عظيم القدرة باهر الحكمة. وإما بالنظر في معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، وباهر علمه، وعجائب حكمه وأسراره، وإخباره بالأمور الغيبية السابقة والآتية، مع كونه نبيا أميا. فإذا تحقق معرفة الرسول فقد تحقق بمعرفة الله، واطمأن به لأنه الواسطة العظمى، بين الله وبين عباده. ومنهم من تزيد طمأنينته بموالاة الطاعات وتكثير القربات، كالذكر وغيره.
ومنهم من تزيد طمأنينته بزيادة الأولياء أحياء أو ميتين. ومادة الأحياء أكثر، ونور طمأنينتهم أبهر، لا سيما العارفين، وفي الأثر: تعلموا اليقين بمجالسة أهل اليقين. وأما طمأنيته أهل الشهود: فزيادتها باعتبار زيادة الكشف وحلاوة الشهود، والترقي في العلوم والأسرار، والاتساع في المقامات إلى ما لا نهاية له، في هذه الدار الفانية وفي الدار الباقية، ففي كل نفس يجدد لهم كشوفات وترقيات ومواهب وتحف، على قدر توجههم وتحققهم. حققنا الله بمقامهم، وأتحفنا بما أتحفهم. آمين ولا بد في تحصيل طمأنينة الشهود من صحبة شيخ عارف طبيب ماهر، يقدح عين البصيرة حتى تنفتح فما حجب الناس عن شهود الحق إلا طمس البصيرة فإذا اتصل بشيخ عارف كحل عين بصيرته أولا بإثمد على اليقين، فيدرك شعاع نور الحق قريبا منه، ثم يكحل عينه ثانيا بإثمد عين اليقين، فيدرك عدمه لوجود الحق، أي: يغيب عن حسه بشهود معناه القائم به. ثم يكحل عينه بإثمد حق اليقين، فيدرك وجود الحق بلا واسطة قدرة وحكمة، معنى وحسا، لا يتحجب بأحدهما عن الآخر. وإلى هذا أشار في الحكم بقوله: " شعاع البصيرة يشهدك قرب الحق منك، وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجود الحق، لا عدمك ولا وجودك. وكان شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه. وأهل طمأنينة الشهودهم خاصة ورثة الرسول عليه الصلاة والسلام
الرعد 13:30
قلت: كذلك: مفعول مطلق بأرسلناك، أي: مثل ذلك الإرسال المتقدم أرسلناك. وقال ابن جزي: الكاف تتعلق بالمعنى الذي في قوله: { يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب }. ه. أي: كما أن الإضلال والهداية بيده كذلك اختصاصك بالرسالة إلى أمة... إلخ، وجملة: وهم يكفرون: حال من ضمير عليهم أي: لتتلو عليهم في حال كفرهم لعلهم يؤمنون. و متاب: مفعل، من التوبة. يقول الحق جل جلاله: قد أرسلنا قبلك رسلا فأنذروا وبشروا قومهم، { كذلك أرسلناك } أي: مثل ذلك الإرسال أرسلناك في أمة، أو كما هدينا من أناب إلينا اختصصناك برسالتنا، { في أمة قد خلت } مضت { من قبلها } أي: تقدمها { أمم } أرسل إليهم رسلهم فليس ببدع إرسالك إلى هذه الأمة الأمية، { لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك }: لتقرأ عليهم الكتاب، الذي أوحينا إليك، والحالة أنهم { يكفرون بالرحمن } أي: بالبليغ الرحمة التي أحاطت بهم نعمته، ووسعت كل شيء رحمته، فلم يشكروا ما أنعم به عليهم، وخصوصا إرسالك إليهم، وإنزال القرآن عليهم، الذي هو مناط المنافع الدينية والدنيوية. قيل: نزلت في أبي جهل، وقيل: في قريش حين قالوا: لا نعرف الرحمن، والمعنى: أرسلناك إليهم رحمة لتتلوا عليهم ما هو مناط الرحمة، { وهم يكفرون بالرحمن } ، والحال: أنهم يكفرون ببليغ الرحمة. { قل هو ربي } أي: الرحمن خالقي ومتولي أمري، { لا إله إلا هو } ، لا مستحق للعبادة غيره، { عليه توكلت } في أموري، ومن جملتها نصري عليكم. { وإليه متاب } مرجعي في أموري كلها، لا أرجع إلى أحد غيره، ولا أتعلق بشيء سواه. الإشارة: قد بعث الله في كل عارفا بالله يحيي به الدين، ويعرف الطريق إلى رب العالمين فالأرض لا تخلو ممن يقوم بالحجة، غير أنهم تارة يخفون، لفساد الزمان، وتارة يظهرون رحمة للأنام. فإذا وقع الإنكار عليهم، أو استغرب وجودهم، يقال لهم: كذلك أرسلنا في كل أمة نذيرا، وداعيا، فإرسالكم أنتم وإظهاركم ليس ببدع، لتعلموا الناس ما أوحي إليكم من طريق الإلهام فإظهاركم رحمة، وهم يكفرون هذه النعمة. فاعتمدوا على الرحمن، وثقوا بالواحد المنان، وراجعوا إليه في كل حال وشأن. فمن توكل عليه كفاه، ومن التجأ إليه حماه.
الرعد 13:31
جواب لو: محذوف، أي: لم يؤمنوا لسابق الشقاء، أو: لكان هذا القرآن، وسيأتي بيانه. يقول الحق جل جلاله: { ولو أن قرآنا } أنزل عليك، من صفته: { سيرت به الجبال } أي: زعزعت عن مقارها، { أو قطعت به الأرض }: تصدعت وتشققت من خشية الله عند قراءته، أو: تشققت فجعلت أنهارا وعيونا، { أو كلم به الموتى } فتجيب من قبورها جهرا، كما آمنوا لعنادهم وغلبة الحسد عليهم. فهذا كقوله تعالى
ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا
[الأنعام: 111]، أو: ولو أن قرآنا بهذه الصفة: من تسيير الجبال، وتقطيع الأرض، وتكليم الموتى، لكان هذا القرآن لأنه الغاية في الإعجاز، والنهاية في التذكير والإنذار، والأرل أرجح لمناسبة ما قبله وما بعده. روي أن قريشا قالوا: يا محمد، إن سرك أن نتبعك فسير بقرآنك الجبال عن مكة، حتى تتسع لنا فنتخذها بساتين وقطائع. أو سخر لنا به الريح لنركبها، فنتجر بها إلى الشام. أو ابعث لنا قصي بن كلاب فإنه شيخ صدق، أو غيره من آبائنا، فيكلمونا فيك، ويشهدوا لك بما تقول. فنزلت الآية. { بل لله الأمر جميعا } ليس لي منه شيء، فهو القادر على الإتيان بما اقترحتموه من الآيات، إلا أن الإرادة لم تتعلق بذلك لأنه علم أنه لا ينجع فيكم شيء من ذلك لفرط عنادكم، فإذا رأيتموها قلتم:
إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون
[الحجر: 15]، وبين ذلك قوله: { أفلم ييأس الذين آمنوا } من إيمانهم مع رأوا من أحوالهم، وفرط عنادهم، علما منهم { أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا } ، أو: { أفلم ييأس } أي: يعلم { الذين آمنوا } أن الهداية بيد الله، ومشيئته، فلو شاء لهدى الناس جميعا، وكون " ييأس " بمعنى " علم ": لغة هوازن فقد علموا بما أعلمهم أن الله لا يهدي من يضل. وقد قرأ علي وابن عباس وجماعة: " أفلم يتبين الذين آمنوا " ، وهو يقوي تفسير ييأس بيعلم. قال البيضاوي: وإنما استعمل اليأس بمعنى العلم، لأنه مسبب عن العلم، فإن الميئوس منه لا يكون إلا معلوما. ولذلك علقه بقوله: { أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا } فإن معناه نفي هدى بعض الناس لعدم تعلق المشيئة باهتدائهم، وهو على الأول يتعلق بمحذوف تقديره: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمانهم علما منهم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا. أو: بآمنوا، على حذف الجار، أي: بأن الله... الخ. ه. { ولا يزال الذين كفروا } من قريش والعرب، { تصيبهم بما صنعوا } من الكفر والمعاصي، { قارعة } داهية تقرعهم تقلقهم، وتصيبهم في أنفسهم وأولادهم وأموالهم. أو غزوات المسلمين إليهم، إما أن تنزل بهم { أو تحل قريبا من دارهم } فيفزعون منها وتتطاير إليهم شررها.
وقيل: نزلت في كفار مكة، فإنهم لا يزالون مصابين بما صنعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لا يزال يبعث السرايا، فتغير حواليهم وتختطف أموالهم. وعلى هذا يجوز أن يكون ضمير { تحل } خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم أي: تحل بجيشك قريبا من دراهم، { حتى يأتي وعد الله } بالموت أو بالبعث أو فتح مكة. { إن الله لا يخلف الميعاد } لامتناع الخلف في وعده تعالى. الإشارة: لو أن عارفا بالله سير الجبال عن أماكنها وفجر الأرض عيونا، وكلمه الموتى لما آمن بخصوصيته إلا من سبقت له عناية الخصوصية. فلو شاء الله لهدى الناس إلى معرفته جميعا. لكن الحكمة اقتضت وجود الخلاف، قال تعالى:
ولا يزالون مختلفين
[هود: 118]، فمن لم يهتد إلى معرفتهم لا يزال تطرقه قوارع الشكوك والأوهام، وخواطر السوء، أو تحل قريبا من قلبه، إن لم تتمكن فيه، حتى يأتي وعد الله بحضور موته، فقد يتداركه اللطف والرعاية، وقد يتسع الخرق عليه فيموت على الشك، والعياذ بالله. بخلاف من صحب أهل الطمأنينة واليقين، ولا يموت إلا على اليقين لأن همة الشيوخ قد حلقت عليه، والعناية قد حفت به. والله ولي المتقين. قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: والله لا يكون الشيخ شيخا حتى تكون يده مع الفقير أينما ذهب، والمراد باليد: الهمة والحفظ. ووقت الموت أولى بالحضور، وقد شاهدنا ذلك من إخواننا ممن حضره الموت منهم، أخبر أنه يرى شيخه حاضرا معه. فلله الحمد والمنة.
الرعد 13:32
يقول الحق جل جلاله: في تسلية رسوله صلى الله عليه وسلم: { لقد استهزئ برسل من قبلك } فأوذوا وأهينوا، { فأمليت للذين كفروا }: أمهلتهم في دعة ورغد عيش، مدة من الزمان، { ثم أخذتهم } بالهلاك والاستئصال، { فكيف كان عقاب }؟ أي: عقابي إياهم، وهو تهويل لما نزل بهم، وتخويف لغيرهم من المستهزئين بالرسول صلى الله عليه وسلم والمقترحين عليه الآيات. الإشارة: الاستهزاء بأهل الخصوصية في بدايتهم سنة ماضية، ويتسلون بمن سلف من خصوص الأنبياء والأولياء. وما هدد به الكفار يهدد به أهل الإنكار. بالله التوفيق. ثم وينجهم على الشرك
الرعد 13:33
قلت: أفمن مع صلته: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: أفمن هو رقيب على كل شيء أحق أن يعبد أم غيره. أو كمن ليس كذلك؟!. يقول الحق جل جلاله: { أفمن هو قائم على كل نفس } أي: حفيظ رقيب على عمل كل نفس { بما كسبت } من خير أو شر، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، ولا يفوت عنده شيء من جزائهم أحق أن يعبد أم غيره؟ أو كمن ليس كذلك ممن هو جماد لا يسمع، ولا يعقل!!. { وجعلوا لله شركاء } بعد هذا البيان التام، { قل } لهم: { سموهم } أي: اذكروا أسماءهم، فلا تجدون إلا أسماء إناث كاللات والعزى ومناة، أو أسماء أحجار وخشب فبأي وجه تستحق أن تعبد، وتشرك مع الله في ألوهيته؟. { أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض } بل أتخبرونه بما لا يعلم وجوده في الأرض، وهذا تهكم بهم، كأنهم علموا استحقاق الأصنام العبادة، ولم يعلمها الحق تعالى، وهو محال. والمعنى: أن الله لا يعلم لنفسه شركاء وإذا لم يعلمهم فليسوا بشيء، فكيف تفترون الكذب في عبادتهم؟ { أم } تسمونهم شركاء، { بظاهر من القول } ، من غير حقيقة واعتبار معنى، كتسمية الخبث مسكا، والبول عطرا. { بل زين للذين كفروا مكرهم } أي: انخداعهم وغرورهم حتى توهموا الباطل حقا، أو مكرهم بالإسلام وكيدهم لأهله، { وصدوا عن السبيل } أي: وصدوا الناس عن طريق الحق، حيث منعوهم من الإسلام، ومن قرأ بضم الصاد مبنيا للمفعول فمعناه: صدهم الشيطان عن طريق الحق وضلوا عنه. { ومن يضلل الله فما له من هاد } أي: من يخذله الله فليس له من يوقفه غيره. { لهم عذاب في الحياة الدنيا } بالقتل والأسر، وسائر ما يصيبهم من المصائب، { ولعذاب الآخرة أشق } لشدته ودوامه، { وما لهم من الله } اي: من عذابه { من واق } يقيهم ويعصمهم منه. الإشارة: كل من تحقق أن الله قائم عليه استحيا منه أن يسيء الأدب بين يديه، يقول الله تعالى في بعض الأخبار:
" إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم، فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ "
وكل من وقف مع الأسباب واعتمد عليها، أو طمع في الخلق وركن إليهم، فقد جعل لله شركاء، فيقال له: سم هؤلاء تجدهم حقا عاجزين، لا قدرة لهم على شيء، ولا ينفعوك بشيء إلا ما قسم الله لك في الأزل. بل زين لضعفاء اليقين مكرهم، حتى انخدعوا وافتتنوا برؤية الأسباب، أي: كفروا كفرا دون كفر بأن شكوا في الرزق والشك في الرزق شك في الرزاق، وصدوا عن طريق اليقين، الغنى برب العالمين، لهم عذاب في الحياة الدنيا بالذل والحرص والحرمان. قال بعض العارفين: لو قيل للطمع: من أبوك؟ لقال: الشك في المقدور، ولو قيل له: ما حرفتك؟ لقال: الذل والهوان، ولو قيل له: ما غايتك؟ لقال: الحرمان. وفي الحكم: " ما بسقت أغصان ذل إلا على بذر طمع ". وقال الشاعر:
العبد حر ما قنع والحر عبد ما طمع
ولعذاب الآخرة أشق حيث يسقط بضعف يقينه عن درجة المقربين على سبيل الدوام، وما لهم من الله من واق يقيهم من غم الحجاب، وعدم اللحوق بالأحباب الذين ترقوا إلى القرب من الحبيب. والله تعالى أعلم. ثم وصف الجنة تشويقا وترغيبا في سلوك طريقها وهو الإيمان
الرعد 13:34
قلت: أفمن مع صلته: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: أفمن هو رقيب على كل شيء أحق أن يعبد أم غيره. أو كمن ليس كذلك؟!. يقول الحق جل جلاله: { أفمن هو قائم على كل نفس } أي: حفيظ رقيب على عمل كل نفس { بما كسبت } من خير أو شر، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، ولا يفوت عنده شيء من جزائهم أحق أن يعبد أم غيره؟ أو كمن ليس كذلك ممن هو جماد لا يسمع، ولا يعقل!!. { وجعلوا لله شركاء } بعد هذا البيان التام، { قل } لهم: { سموهم } أي: اذكروا أسماءهم، فلا تجدون إلا أسماء إناث كاللات والعزى ومناة، أو أسماء أحجار وخشب فبأي وجه تستحق أن تعبد، وتشرك مع الله في ألوهيته؟. { أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض } بل أتخبرونه بما لا يعلم وجوده في الأرض، وهذا تهكم بهم، كأنهم علموا استحقاق الأصنام العبادة، ولم يعلمها الحق تعالى، وهو محال. والمعنى: أن الله لا يعلم لنفسه شركاء وإذا لم يعلمهم فليسوا بشيء، فكيف تفترون الكذب في عبادتهم؟ { أم } تسمونهم شركاء، { بظاهر من القول } ، من غير حقيقة واعتبار معنى، كتسمية الخبث مسكا، والبول عطرا. { بل زين للذين كفروا مكرهم } أي: انخداعهم وغرورهم حتى توهموا الباطل حقا، أو مكرهم بالإسلام وكيدهم لأهله، { وصدوا عن السبيل } أي: وصدوا الناس عن طريق الحق، حيث منعوهم من الإسلام، ومن قرأ بضم الصاد مبنيا للمفعول فمعناه: صدهم الشيطان عن طريق الحق وضلوا عنه. { ومن يضلل الله فما له من هاد } أي: من يخذله الله فليس له من يوقفه غيره. { لهم عذاب في الحياة الدنيا } بالقتل والأسر، وسائر ما يصيبهم من المصائب، { ولعذاب الآخرة أشق } لشدته ودوامه، { وما لهم من الله } اي: من عذابه { من واق } يقيهم ويعصمهم منه. الإشارة: كل من تحقق أن الله قائم عليه استحيا منه أن يسيء الأدب بين يديه، يقول الله تعالى في بعض الأخبار:
" إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم، فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ "
وكل من وقف مع الأسباب واعتمد عليها، أو طمع في الخلق وركن إليهم، فقد جعل لله شركاء، فيقال له: سم هؤلاء تجدهم حقا عاجزين، لا قدرة لهم على شيء، ولا ينفعوك بشيء إلا ما قسم الله لك في الأزل. بل زين لضعفاء اليقين مكرهم، حتى انخدعوا وافتتنوا برؤية الأسباب، أي: كفروا كفرا دون كفر بأن شكوا في الرزق والشك في الرزق شك في الرزاق، وصدوا عن طريق اليقين، الغنى برب العالمين، لهم عذاب في الحياة الدنيا بالذل والحرص والحرمان. قال بعض العارفين: لو قيل للطمع: من أبوك؟ لقال: الشك في المقدور، ولو قيل له: ما حرفتك؟ لقال: الذل والهوان، ولو قيل له: ما غايتك؟ لقال: الحرمان. وفي الحكم: " ما بسقت أغصان ذل إلا على بذر طمع ". وقال الشاعر:
العبد حر ما قنع والحر عبد ما طمع
ولعذاب الآخرة أشق حيث يسقط بضعف يقينه عن درجة المقربين على سبيل الدوام، وما لهم من الله من واق يقيهم من غم الحجاب، وعدم اللحوق بالأحباب الذين ترقوا إلى القرب من الحبيب. والله تعالى أعلم. ثم وصف الجنة تشويقا وترغيبا في سلوك طريقها وهو الإيمان
الرعد 13:35
قلت: مثل الجنة: مبتدأ. قال سيبويه: الخبر محذوف، أي فيما يتلى عليكم صفة الجنة. وقال الفراء: الخبر هو: تجري... إلخ، وعلى قول سيبويه يكون تجري: حالا من العائد المحذوف، أي: التي وعدها المتقون حال كونها تجري... إلخ. والمراد بالمثل هنا: الصفة، لا ضرب المثل. وظلها: مبتدأ حذف خبره، وظلها كذلك، والأكل بضم الهمزة، ويجوز فيه ضم الكاف وإسكانها، وأما الأكل بالفتح فمصدر. يقول الحق جل جلاله: صفة الجنة التي وعدها المتقون هي غرف وقصور { تجري من تحتها الأنهار } من ماء وخمر وعسل ولبن، { أكلها دائم } ما يؤكل من ثمارها وأنواع أطعمتها لا ينقطع، { وظلها } دائم، لا ينسخ بالشمس كظلال الدنيا، { تلك } الجنة الموصوفة بهذه الأوصاف هي { عقبى الذين اتقوا } الشرك والمعاصي، وهي مآلهم وعاقبة استقرارهم، { وعقبى الكافرين النار } لا محيد عنها، وهي مآلهم وإليها رجوعهم. وفي ترتيب العقبيين إطماع للمتقين، وإقناط للكافرين. الإشارة: مثل جنة المعارف التي وعدها المتقون لكل ما يشغل عن الله هي حضرة مقدسة، يتنعم فيها أسرار العارفين، تجري من تحت قلوبهم أنهار العلوم والحكم، لذتها وقوت الأرواح فيها دائم، وهي الفكرة في ميادين أنوار التوحيد، وجولان الروح في فضاء أسرار التفريد، وظل روحها وريحانها دائم، وهو: سكون القلب إلى الله، وفرح الروح بشهود الله. وإليه أشار ابن الفارض بقوله، رحمه الله، في صف خمرتها:
وإن خطرت يوما على خاطر امرئ أقامت به الأفراح وارتحل الهم
تلك عقبى الذين أتقوا السوى، وعقبى المنكرين لوجود أهل هذه الجنة نار القطعية والبعد. أعاذنا الله من ذلك.
الرعد 13:36
قلت: حكما: حال من ضمير أنزلناه. يقول الحق جل جلاله: في حق من سبقت له السعادة: { والذين آتيناهم الكتاب } كعبد الله بن سلام ومخيريق وأصحابهما، ومن أسلم من النصارى، وهم: ثمانون رجلا: أربعون بنجران، وثمانية باليمن، واثنان وثلاثون من الحبشة. أو: كل من آمن من أهل الكتاب، فإنهم كانوا { يفرحون } بما يوافق كتبهم. ثم ذكر ضدهم فقال: { ومن الأحزاب من ينكر بعضه } أي: ومن كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة والشحناء ككعب بن الأشرف وأصحابه من اليهود، والعاقب والسيد وأشياعهما من النصارى، { من ينكر بعضه } ، وهو ما يخالف شرائعهم التي نسخت به، أو ما يوافق ما حرفوا منها. { قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به } ، وهو جواب للمنكرين، أي: قل لهم: إنما أمرت فيما أنزل إلي أن أعبد الله وأوحده، وهو العمدة في الأديان كلها، فلا سبيل لكم إلى إنكاره. وأما إنكاركم ما يخالف شرائعكم فليس ببدع مخالفة الشرائع والكتب الإلهية في جزئيات الأحكام لأنها تابعة للمصالح والعوائد وتتجدد بتجددها. { إليه أدعو } لا إلى غيره، { وإليه مآب } أي: وإليه مرجعي بالبعث لا إلى غيره. وهذا هو القدر المتفق عليه من الشرائع، وهو الأمر بعبادة الله وحده، والدعاء إليه، واعتقاد المآب إليه، وهو الرجوع بالبعث يوم القيامة فلا يخالف ما قبله من الشرائع، فلا معنى للإنكار حينئذ. { وكذلك أنزلناه } أي: ومثل هذا الإنزال المشتمل على أصول الدين المجمع عليها، { أنزلناه حكما عربيا } أي: يحكم في القضايا والوقائع، بما تقتضيه الحكمة، مترجما بلسان العرب ليسهل عليهم فهمه وحفظه. { ولئن اتبعت أهواءهم } التي يدعونك إليها كتقرير دينهم، والصلاة إلى قبلتهم بعدما حولت عنها، { بعد ما جاءك من العلم } بنسخ ذلك، { ما لك من الله من ولي } ينصرك، { ولا واق } يقيك عتابه. وهو حسم لأطماعهم، وتهييج للمؤمنين على الثبات في دينهم. وبالله التوفيق. الإشارة: الفرح بما أنزل من عند الله هو مقدمات الفرح بالله، فإذا رفعت أكنة الغفلة عن القلب تلذذ بسماع الخطاب من وراء الباب، وذلك أمارة القرب. وهذا مقام أهل المراقبة من المحبين. فإذا جد في السير رفعت عنه الحجب والأستار، وواجهته الأنوار والأسرار، فيكاشف بأسرار الذات وأنوار الصفات، فيتلذذ بشهود المتكلم، فيسمع حينئذ الكلام من المتكلم به بلا واسطة. وهذا مقام أهل الشهود من المحبين المقربين. ومن الأحزاب، وهم أهل الرئاسة والجاه، من ينكر وجود بعض هذه المقامات تعصبا وحمية. أو ينسبها لنفسه غلطا وجهلا، فيقول له من تحقق بهذا المقام: إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به، إليه أدعو وإليه مآب. ويغيب عنه بالاشتغال بالله، وبالدعاء إليه، فإن غفل واشتغل به، أو ركن إلى قوله، قيل له: ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق. ولما قالت اليهود لعنهم الله لو كان محمدا رسولا لما أولع بالنساء فرد الله عليهم
الرعد 13:37
قلت: حكما: حال من ضمير أنزلناه. يقول الحق جل جلاله: في حق من سبقت له السعادة: { والذين آتيناهم الكتاب } كعبد الله بن سلام ومخيريق وأصحابهما، ومن أسلم من النصارى، وهم: ثمانون رجلا: أربعون بنجران، وثمانية باليمن، واثنان وثلاثون من الحبشة. أو: كل من آمن من أهل الكتاب، فإنهم كانوا { يفرحون } بما يوافق كتبهم. ثم ذكر ضدهم فقال: { ومن الأحزاب من ينكر بعضه } أي: ومن كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة والشحناء ككعب بن الأشرف وأصحابه من اليهود، والعاقب والسيد وأشياعهما من النصارى، { من ينكر بعضه } ، وهو ما يخالف شرائعهم التي نسخت به، أو ما يوافق ما حرفوا منها. { قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به } ، وهو جواب للمنكرين، أي: قل لهم: إنما أمرت فيما أنزل إلي أن أعبد الله وأوحده، وهو العمدة في الأديان كلها، فلا سبيل لكم إلى إنكاره. وأما إنكاركم ما يخالف شرائعكم فليس ببدع مخالفة الشرائع والكتب الإلهية في جزئيات الأحكام لأنها تابعة للمصالح والعوائد وتتجدد بتجددها. { إليه أدعو } لا إلى غيره، { وإليه مآب } أي: وإليه مرجعي بالبعث لا إلى غيره. وهذا هو القدر المتفق عليه من الشرائع، وهو الأمر بعبادة الله وحده، والدعاء إليه، واعتقاد المآب إليه، وهو الرجوع بالبعث يوم القيامة فلا يخالف ما قبله من الشرائع، فلا معنى للإنكار حينئذ. { وكذلك أنزلناه } أي: ومثل هذا الإنزال المشتمل على أصول الدين المجمع عليها، { أنزلناه حكما عربيا } أي: يحكم في القضايا والوقائع، بما تقتضيه الحكمة، مترجما بلسان العرب ليسهل عليهم فهمه وحفظه. { ولئن اتبعت أهواءهم } التي يدعونك إليها كتقرير دينهم، والصلاة إلى قبلتهم بعدما حولت عنها، { بعد ما جاءك من العلم } بنسخ ذلك، { ما لك من الله من ولي } ينصرك، { ولا واق } يقيك عتابه. وهو حسم لأطماعهم، وتهييج للمؤمنين على الثبات في دينهم. وبالله التوفيق. الإشارة: الفرح بما أنزل من عند الله هو مقدمات الفرح بالله، فإذا رفعت أكنة الغفلة عن القلب تلذذ بسماع الخطاب من وراء الباب، وذلك أمارة القرب. وهذا مقام أهل المراقبة من المحبين. فإذا جد في السير رفعت عنه الحجب والأستار، وواجهته الأنوار والأسرار، فيكاشف بأسرار الذات وأنوار الصفات، فيتلذذ بشهود المتكلم، فيسمع حينئذ الكلام من المتكلم به بلا واسطة. وهذا مقام أهل الشهود من المحبين المقربين. ومن الأحزاب، وهم أهل الرئاسة والجاه، من ينكر وجود بعض هذه المقامات تعصبا وحمية. أو ينسبها لنفسه غلطا وجهلا، فيقول له من تحقق بهذا المقام: إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به، إليه أدعو وإليه مآب. ويغيب عنه بالاشتغال بالله، وبالدعاء إليه، فإن غفل واشتغل به، أو ركن إلى قوله، قيل له: ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق. ولما قالت اليهود لعنهم الله لو كان محمدا رسولا لما أولع بالنساء فرد الله عليهم
الرعد 13:38
يقول الحق جل جلاله: { ولقد ارسلنا رسلا من قبلك } يا محمد، { وجعلنا لهم أزواجا } كثيرة: كداود عليه السلام كان له مائة امرأة، وابنه كان له ألف، على ما قيل، وغيرهما من الأنبياء والرسل. { و } جعلنا لهم منهن { ذرية } ، وأنت يا محمد منهم فليس ببدع أن يكون الرسول بشرا، يتزوج النساء، ويحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر، إلا أنه لا يشغله ذلك عن أداء الرسالة، ونصيحة الأمة، وإظهار شريعة الدين، والقيام بحقوق رب العالمين. ولما أجابهم بشبهتهم قالوا: أظهر لنا معجزة كما كانت لهم، كالعصا وفلق البحر، وإحياء الموتى؟ فإنزل الله { وما كان لرسول } ما صح له ولم يكن في وسعه { أن يأتي بآية } تقترح عليه، ويظهرها { إلا بإذن الله } وإرادته فإنه القادر على ذلك. { لكل أجل } من آجال بني آدم وغيرهم، { كتاب } يكتب فيه وقت موته، وانتقاله من الدنيا. { يمحو الله ما يشاء } من ديوان الأحياء، فيكتب في الأموات، { ويثبت } من لا يموت. قيل: إن هذا الكتاب يكتب ليلة القدر، أو ليلة النصف من شعبان، ويجمع بينهما بأن الكتابة تقع ليلة النصف، وإبرازه للملائكة ليلة القدر، { وعنده أم الكتاب } أي: الأصل المنسوخ منه كتب الآجال، وهو اللوح المحفوظ، أو العلم القديم. وهذا التفسير يناسب اقتراح الآيات لأنهم إذا أجيبوا بظهور الآية ولم يؤمنوا، عوجلوا بالهلاك، وذلك له كتاب محدود. قال الورتجبي: بين الحق سبحانه أن أوان إتيان الآية بأجل معلوم في وقت معروف، بقوله: { لكل أجل كتاب } أي: لكل مقدور في الأزل في قضية مرادة وقت معلوم في علم الله، لا يأتي إلا في وقته. ه. أو: { لكل أجل } أي: عصر وزمان، { كتاب } فيه شريعة مخصوصة على ما يقتضيه استصلاحهم. { يمحو الله ما يشاء }: ينسخ ما يستصوب نسخه من الشرائع، { ويثبت } ما تقتضي الحكمة عدم نسخه. { وعنده أم الكتاب } وهو: اللوح المحفوظ فإنه جامع للكائنات. وهذا يترتب على قوله: { ومن الأحزاب من ينكر بعضه } ، وهو ما لا يوافق شريعتهم. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي: { يمحو الله ما يشاء } ما يستصوب نسخه، { ويثبت } ما تقتضيه حكمته، فلا ينكر مخالفته للشرائع في بعض الأحكام مع موافقته للحكم، وهو الأصول الثابتة في أصول الشرائع، ولذا قال: { وعنده أم الكتاب } أي: لا يبدل. ه. وقريب منه للبيضاوي. وقيل: إن المحو والإثبات عام في جميع الأشياء. قال ابن جزي: وهذا ترده القاعدة المتقررة بأن القضاء والقدرلا يتبدل، وعلم الله لا يتغير. ه. قلت: أما القضاء المبرم، وهو: علم الله القديم الذي استأثر الله به، فلا شك أنه لا يتبدل ولا يغير، وأما القضاء الذي يبرز إلى علم الخلائق من الملائكة وغيرهم، فيقع فيه المحو والإثبات، وذلك أن الحق تعالى قد يطلعهم على بعض الأقضية، وهي عنده متوقفة على أسباب وشروط يخفيها عنهم بقهريته، ليظهر اختصاصه بالعلم الحقيقي، فإذا أراد الملائكة أن ينفذوا ذلك الأمر محاه الله تعالى، وأثبت ما عنده في علم غيبه، وهو أم الكتاب، حتى قال بعضهم: إن اللوح الحفوظ له جهتان: جهة تلي عالم الغيب، وفيه القضاء المبرم، وجهة تلي عالم الشهادة، وفيه القضاء الذي يرد ويمحى لأنه قد تكتب فيه أمور، وهي متوقفة على شروط وأسباب في علم الغيب، لم تظهر في هذه الجهة التي تلي عالم الشهادة، فيقع فيها المحو والإثبات، وبهذا يندفع إشكالات كقوله في الحديث:
" لا يرد القضاء إلا الدعاء، وصلة الرحم تزيد في العمر ".
وقول ابن مسعود، وعمر رضي الله عنهما : اللهم إن كنت كتبتنا في ديوان الشقاء فامحنا، واكتبنا في ديوان السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. ه. أي: إن كنت أظهرت شقاوتنا فامحها، وأظهر سعادتنا فإنك تمحو ما تشاء...إلخ. وفي ابن عطية ما يشير إلى هذا، قال: وأصوب ما يفسر به أم الكتاب، أنه كتاب الأمور المجزومة التي سبق القضاء فيها بما هو كائن، وسبق ألا تبدل، ويبقى المحو والتثبيت في الأمور التي سبق في القضاء أن تبدل وتمحى وتثبت. قال نحوه قتادة. ه. الإشارة: قوله تعالى: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك... } الآية، قد أثبت تعالى لأهل خصوصية النبوة والرسالة الأزواج والذرية، وكان ذلك كمالا في حقهم. وكذلك أهل خصوصية الولاية، تكون لهم أزواج وذرية، ولا يقدح في مرتبتهم، بل يزيد فيها، وذلك بشرط أن يقع ذلك بعد التمكين، أو يكون في صحبة شيخ عارف كامل عند أمره ونهيه، يكون فعل ذلك بإذنه، فإذا كان هذا الشرط فإن التزوج يزيد صاحبه تمكينا من اليقين. قال الورتجبي في هذه الآية: أعلم تعالى، بهذه الآية، الجهال أنه إذا شرف وليا أو صديقا بولايته ومعرفته لم يضر به مباشرة أحكام البشرية من الأهل والولد، ولم يكن بسط الدنيا له قدحا في ولايته. ه. وقال الغزالي في الإحياء، في الترغيب في النكاح: قال تعالى في وصف الرسل ومدحهم: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } ، فذكر ذلك في معرض الامتنان وإظهار الفضل، ومدح أولياءه بسؤال ذلك في الدعاء، فقال تعالى:
والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين
[الفرقان: 74] الآية، ويقال: إن الله تعالى لم يذكر في كتابه من الأنبياء إلا المتأهلين. وقالوا: إن يحيىعليه السلام قد تزوج فلم يجامع. قيل: إنما فعل ذلك لنيل الفضل وإقامة السنة، وقيل: لغض البصر. وأما عيسى عليه السلام فإنه سينكح إذا نزل الأرض، ويولد له.
وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم:
" النكاح سنتي، فمن أحب فطرتي فليستن بسنتي "
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم:
" تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة، حتى السقط "
وقال أيضا:
" من رغب عن سنتي فليس مني، وإن من سنتي النكاح، فمن أحبني فليستن بسنتي "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من ترك التزوج مخافة العيلة فليس منا "
وقال صلى الله عليه وسل:م
" من نكح لله وأنكح لله استحق ولاية الله ".
ثم قال: وقال ابن عباس لابنه: لا يتم نسك الناسك حتى يتزوج. وكان ابن مسعود يقول: لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام لأحببت أن أتزوج، لا ألقى الله عزبا. وكان معاذ رضي الله عنه مطعونا وهو يقول: زوجوني، لا ألقي الله عزبا. وكان ماتت له زوجتان بالطاعون. وكان عمر يكثر النكاح، ويقول: لا أتزوج إلا للولد، وكان لعلي رضي الله عنه أربع نسوة، وسبع عشرة سرية، وهو أزهد الصحابة. فدل أن تزوج النساء لا يدل على الرغبة في الدنيا. قال سفيان: كثرة النساء ليس من الدنيا. واستدل بقضية علي رضي الله عنه قال: وكان أزهد الصحابة. وروي أن بشر الحافي رئي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: رفعت إلى منازلي في الجنة فأشرفت على مقامات الأنبياء، ولم أبلغ منازل المتأهلين. وفي رواية: قال لي: ما كنت أحب أن تلقاني عزبا، قال الرائي: فقلت له: ما فعل أبو نصر التمار؟ قال: رفع فوقي بسبعين درجة بصبره على بنياته وعياله. وقد قيل: فضل المتأهل على العزب كفضل المجاهد على القاعد، وركعة من متأهل أفضل من سبعين ركعة من عزب. ه. كلام الغزالي باختصار. وقوله تعالى: { يمحو الله ما يشاء ويثبت } ، من جملة ما يقع فيه المحو والإثبات الواردات الإلهية التي ترد على القلوب من تجليات الغيوب فإن القلب إذا تطهر من الأكدار، وصفا من الأغيار، كان كل ما يتجلى فيه من الغيوب فهو حق، إلا أنه ينسخ بعضها بعضا فقد يخبر الولي بأمر، يكون أو لا يكون على حساب ما تجلى في قلبه، ثم يمحو الله ذلك، ويثبت في قلبه خلافه. أو يظهر في الوجود خلاف ما أخبر، وليس بكذب في حقه، ولكن الحق تعالى يظهر لخلقه أمورا من مقدوراته، متوقفا وجودها على أسباب وشروط أخفاها الحق تعالى عن خلقه، ليظهر عجزهم عن إحاطة علمه، فالنسخ إنما يقع في فعله لا في أصل علمه. قال الأستاذ القشيري: المشيئة لا تتعلق إلا بالحدوث، والمحو والإثبات لا يكون إلا من أوصاف الحدوث، فصفات ذات الحق سبحانه من كلامه وعلمه، لا يدخل تحت المحو والإثبات، إنما يكون المحو والإثبات من صفات فعله.
ه. وقال سهل رضي الله عنه: { يمحو الله ما يشاء ويثبت } الأسباب، { وعنده أم الكتاب } القضاء المبرم. ه. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي: { وعنده أم الكتاب }: العلم الأول الثابت الذي لا يطرأ عليه تغيير ولا تبديل، ولا يقبل النسخ والتحريف. ومطالعته: بالفناء عن الحقيقة الخلقية، والبقاء بالأنوار الصمدانية، والأنفاس الرحمانية. قال في القوت: والمحبة من أشرف المقامات، ليس فوقها إلا مقام الخلة، وهو مقام في المعرفة الخاصة، وهي: تخلل أسرار الغيب، فيطلع على مشاهدة المحبوب، بان يعطى إحاطة بشيء من علمه بمشيئته، على مشيئته التي لا تتقلب، وعلمه القديم الذي لا يتغير. وفي هذا المقام: الإشراف على بحار الغيوب، وسرائر ما كان في القديم وعواقب ما يدب. ومنه: مكاشفة العبد بحاله، وإشهاده من المحبة مقامه، والإشراف على مقامات العباد في المآل، والاطلاع عليهم في تقلبهم في الأبد حالا ومآلا. ه. قلت: هذا الاطلاع إنما هو إجمالي لا تفصيلي، وقد يقع فيه المحو والإثبات لأنه من جملة المعلومات التي دخلت عالم التكوين، التي يقع فيها التبديل والتغيير. ثم قال صاحب القوت: وقد قال أحسن القائلين:
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء
[البقرة: 255]، والاستثناء واقع على إعطاء الإحاطة بشيء من شهادة علمه، بنور ثاقب من وصفه، وشعاع لائح من سبحاته، إذا شاء، وذلك إذا أخرجت النفس من الروح، فكان روحانيا، خروج الليل من النهار. ه. ثم تمم الجواب عن اقتراحهم الآيات
الرعد 13:39
يقول الحق جل جلاله: { ولقد ارسلنا رسلا من قبلك } يا محمد، { وجعلنا لهم أزواجا } كثيرة: كداود عليه السلام كان له مائة امرأة، وابنه كان له ألف، على ما قيل، وغيرهما من الأنبياء والرسل. { و } جعلنا لهم منهن { ذرية } ، وأنت يا محمد منهم فليس ببدع أن يكون الرسول بشرا، يتزوج النساء، ويحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر، إلا أنه لا يشغله ذلك عن أداء الرسالة، ونصيحة الأمة، وإظهار شريعة الدين، والقيام بحقوق رب العالمين. ولما أجابهم بشبهتهم قالوا: أظهر لنا معجزة كما كانت لهم، كالعصا وفلق البحر، وإحياء الموتى؟ فإنزل الله { وما كان لرسول } ما صح له ولم يكن في وسعه { أن يأتي بآية } تقترح عليه، ويظهرها { إلا بإذن الله } وإرادته فإنه القادر على ذلك. { لكل أجل } من آجال بني آدم وغيرهم، { كتاب } يكتب فيه وقت موته، وانتقاله من الدنيا. { يمحو الله ما يشاء } من ديوان الأحياء، فيكتب في الأموات، { ويثبت } من لا يموت. قيل: إن هذا الكتاب يكتب ليلة القدر، أو ليلة النصف من شعبان، ويجمع بينهما بأن الكتابة تقع ليلة النصف، وإبرازه للملائكة ليلة القدر، { وعنده أم الكتاب } أي: الأصل المنسوخ منه كتب الآجال، وهو اللوح المحفوظ، أو العلم القديم. وهذا التفسير يناسب اقتراح الآيات لأنهم إذا أجيبوا بظهور الآية ولم يؤمنوا، عوجلوا بالهلاك، وذلك له كتاب محدود. قال الورتجبي: بين الحق سبحانه أن أوان إتيان الآية بأجل معلوم في وقت معروف، بقوله: { لكل أجل كتاب } أي: لكل مقدور في الأزل في قضية مرادة وقت معلوم في علم الله، لا يأتي إلا في وقته. ه. أو: { لكل أجل } أي: عصر وزمان، { كتاب } فيه شريعة مخصوصة على ما يقتضيه استصلاحهم. { يمحو الله ما يشاء }: ينسخ ما يستصوب نسخه من الشرائع، { ويثبت } ما تقتضي الحكمة عدم نسخه. { وعنده أم الكتاب } وهو: اللوح المحفوظ فإنه جامع للكائنات. وهذا يترتب على قوله: { ومن الأحزاب من ينكر بعضه } ، وهو ما لا يوافق شريعتهم. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي: { يمحو الله ما يشاء } ما يستصوب نسخه، { ويثبت } ما تقتضيه حكمته، فلا ينكر مخالفته للشرائع في بعض الأحكام مع موافقته للحكم، وهو الأصول الثابتة في أصول الشرائع، ولذا قال: { وعنده أم الكتاب } أي: لا يبدل. ه. وقريب منه للبيضاوي. وقيل: إن المحو والإثبات عام في جميع الأشياء. قال ابن جزي: وهذا ترده القاعدة المتقررة بأن القضاء والقدرلا يتبدل، وعلم الله لا يتغير. ه. قلت: أما القضاء المبرم، وهو: علم الله القديم الذي استأثر الله به، فلا شك أنه لا يتبدل ولا يغير، وأما القضاء الذي يبرز إلى علم الخلائق من الملائكة وغيرهم، فيقع فيه المحو والإثبات، وذلك أن الحق تعالى قد يطلعهم على بعض الأقضية، وهي عنده متوقفة على أسباب وشروط يخفيها عنهم بقهريته، ليظهر اختصاصه بالعلم الحقيقي، فإذا أراد الملائكة أن ينفذوا ذلك الأمر محاه الله تعالى، وأثبت ما عنده في علم غيبه، وهو أم الكتاب، حتى قال بعضهم: إن اللوح الحفوظ له جهتان: جهة تلي عالم الغيب، وفيه القضاء المبرم، وجهة تلي عالم الشهادة، وفيه القضاء الذي يرد ويمحى لأنه قد تكتب فيه أمور، وهي متوقفة على شروط وأسباب في علم الغيب، لم تظهر في هذه الجهة التي تلي عالم الشهادة، فيقع فيها المحو والإثبات، وبهذا يندفع إشكالات كقوله في الحديث:
" لا يرد القضاء إلا الدعاء، وصلة الرحم تزيد في العمر ".
وقول ابن مسعود، وعمر رضي الله عنهما : اللهم إن كنت كتبتنا في ديوان الشقاء فامحنا، واكتبنا في ديوان السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. ه. أي: إن كنت أظهرت شقاوتنا فامحها، وأظهر سعادتنا فإنك تمحو ما تشاء...إلخ. وفي ابن عطية ما يشير إلى هذا، قال: وأصوب ما يفسر به أم الكتاب، أنه كتاب الأمور المجزومة التي سبق القضاء فيها بما هو كائن، وسبق ألا تبدل، ويبقى المحو والتثبيت في الأمور التي سبق في القضاء أن تبدل وتمحى وتثبت. قال نحوه قتادة. ه. الإشارة: قوله تعالى: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك... } الآية، قد أثبت تعالى لأهل خصوصية النبوة والرسالة الأزواج والذرية، وكان ذلك كمالا في حقهم. وكذلك أهل خصوصية الولاية، تكون لهم أزواج وذرية، ولا يقدح في مرتبتهم، بل يزيد فيها، وذلك بشرط أن يقع ذلك بعد التمكين، أو يكون في صحبة شيخ عارف كامل عند أمره ونهيه، يكون فعل ذلك بإذنه، فإذا كان هذا الشرط فإن التزوج يزيد صاحبه تمكينا من اليقين. قال الورتجبي في هذه الآية: أعلم تعالى، بهذه الآية، الجهال أنه إذا شرف وليا أو صديقا بولايته ومعرفته لم يضر به مباشرة أحكام البشرية من الأهل والولد، ولم يكن بسط الدنيا له قدحا في ولايته. ه. وقال الغزالي في الإحياء، في الترغيب في النكاح: قال تعالى في وصف الرسل ومدحهم: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } ، فذكر ذلك في معرض الامتنان وإظهار الفضل، ومدح أولياءه بسؤال ذلك في الدعاء، فقال تعالى:
والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين
[الفرقان: 74] الآية، ويقال: إن الله تعالى لم يذكر في كتابه من الأنبياء إلا المتأهلين. وقالوا: إن يحيىعليه السلام قد تزوج فلم يجامع. قيل: إنما فعل ذلك لنيل الفضل وإقامة السنة، وقيل: لغض البصر. وأما عيسى عليه السلام فإنه سينكح إذا نزل الأرض، ويولد له.
وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم:
" النكاح سنتي، فمن أحب فطرتي فليستن بسنتي "
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم:
" تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة، حتى السقط "
وقال أيضا:
" من رغب عن سنتي فليس مني، وإن من سنتي النكاح، فمن أحبني فليستن بسنتي "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من ترك التزوج مخافة العيلة فليس منا "
وقال صلى الله عليه وسل:م
" من نكح لله وأنكح لله استحق ولاية الله ".
ثم قال: وقال ابن عباس لابنه: لا يتم نسك الناسك حتى يتزوج. وكان ابن مسعود يقول: لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام لأحببت أن أتزوج، لا ألقى الله عزبا. وكان معاذ رضي الله عنه مطعونا وهو يقول: زوجوني، لا ألقي الله عزبا. وكان ماتت له زوجتان بالطاعون. وكان عمر يكثر النكاح، ويقول: لا أتزوج إلا للولد، وكان لعلي رضي الله عنه أربع نسوة، وسبع عشرة سرية، وهو أزهد الصحابة. فدل أن تزوج النساء لا يدل على الرغبة في الدنيا. قال سفيان: كثرة النساء ليس من الدنيا. واستدل بقضية علي رضي الله عنه قال: وكان أزهد الصحابة. وروي أن بشر الحافي رئي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: رفعت إلى منازلي في الجنة فأشرفت على مقامات الأنبياء، ولم أبلغ منازل المتأهلين. وفي رواية: قال لي: ما كنت أحب أن تلقاني عزبا، قال الرائي: فقلت له: ما فعل أبو نصر التمار؟ قال: رفع فوقي بسبعين درجة بصبره على بنياته وعياله. وقد قيل: فضل المتأهل على العزب كفضل المجاهد على القاعد، وركعة من متأهل أفضل من سبعين ركعة من عزب. ه. كلام الغزالي باختصار. وقوله تعالى: { يمحو الله ما يشاء ويثبت } ، من جملة ما يقع فيه المحو والإثبات الواردات الإلهية التي ترد على القلوب من تجليات الغيوب فإن القلب إذا تطهر من الأكدار، وصفا من الأغيار، كان كل ما يتجلى فيه من الغيوب فهو حق، إلا أنه ينسخ بعضها بعضا فقد يخبر الولي بأمر، يكون أو لا يكون على حساب ما تجلى في قلبه، ثم يمحو الله ذلك، ويثبت في قلبه خلافه. أو يظهر في الوجود خلاف ما أخبر، وليس بكذب في حقه، ولكن الحق تعالى يظهر لخلقه أمورا من مقدوراته، متوقفا وجودها على أسباب وشروط أخفاها الحق تعالى عن خلقه، ليظهر عجزهم عن إحاطة علمه، فالنسخ إنما يقع في فعله لا في أصل علمه. قال الأستاذ القشيري: المشيئة لا تتعلق إلا بالحدوث، والمحو والإثبات لا يكون إلا من أوصاف الحدوث، فصفات ذات الحق سبحانه من كلامه وعلمه، لا يدخل تحت المحو والإثبات، إنما يكون المحو والإثبات من صفات فعله.
ه. وقال سهل رضي الله عنه: { يمحو الله ما يشاء ويثبت } الأسباب، { وعنده أم الكتاب } القضاء المبرم. ه. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي: { وعنده أم الكتاب }: العلم الأول الثابت الذي لا يطرأ عليه تغيير ولا تبديل، ولا يقبل النسخ والتحريف. ومطالعته: بالفناء عن الحقيقة الخلقية، والبقاء بالأنوار الصمدانية، والأنفاس الرحمانية. قال في القوت: والمحبة من أشرف المقامات، ليس فوقها إلا مقام الخلة، وهو مقام في المعرفة الخاصة، وهي: تخلل أسرار الغيب، فيطلع على مشاهدة المحبوب، بان يعطى إحاطة بشيء من علمه بمشيئته، على مشيئته التي لا تتقلب، وعلمه القديم الذي لا يتغير. وفي هذا المقام: الإشراف على بحار الغيوب، وسرائر ما كان في القديم وعواقب ما يدب. ومنه: مكاشفة العبد بحاله، وإشهاده من المحبة مقامه، والإشراف على مقامات العباد في المآل، والاطلاع عليهم في تقلبهم في الأبد حالا ومآلا. ه. قلت: هذا الاطلاع إنما هو إجمالي لا تفصيلي، وقد يقع فيه المحو والإثبات لأنه من جملة المعلومات التي دخلت عالم التكوين، التي يقع فيها التبديل والتغيير. ثم قال صاحب القوت: وقد قال أحسن القائلين:
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء
[البقرة: 255]، والاستثناء واقع على إعطاء الإحاطة بشيء من شهادة علمه، بنور ثاقب من وصفه، وشعاع لائح من سبحاته، إذا شاء، وذلك إذا أخرجت النفس من الروح، فكان روحانيا، خروج الليل من النهار. ه. ثم تمم الجواب عن اقتراحهم الآيات
الرعد 13:40
قلت: إما: شرطية، اتصلت ما الزائدة بأن الشرطية للتأكيد، والجواب: فإنما... إلخ. أو: فلا تحتفل فإنما... إلخ، ولا معقب: في موضع الحال، أي: يحكم نافذا حكمه، كقوله: جاء زيد لا سلاح معه، أي: خاسرا. ومن عنده: عطف على بالله. يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم تسكينا له: { وإما نرينك بعض الذي نعدهم } من العذاب الذي استعجلوه، { أو نتوفينك } قبل أن ترى ذلك، فلا تحتفل بشأنهم، { فإنما عليك البلاغ } للرسالة لا غير، { وعلينا الحساب }: المجازاة. والمعنى: كيفما دار الحال در معه، أريناك بعض ما أوعدناهم في حياتك، أو توفيناك قبله، فلا تهتم بإعراضهم، ولا تستعجل بعذابهم فإنا فاعلون ذلك لا محالة، وهذا طلائعه، فقد فتحنا عليك كثيرا من بلادهم ونقصناها عليهم. { أو لم يروا أنا نأتي الأرض } أي: أرض الكفرة، { ننقصها من أطرافها } بما نفتحه على المسلمين منها، فيخافون أن نمكنك من أرضهم، وتنزل بساحتهم، منصورا عليهم، فإذا نزلت بساحتهم، ولم يخضعوا لك، فساء صباح المنذرين. وقيل: الأرض جنس، ونقصها بموت الناس، وهلاك الثمرات، وخراب البلاد، وشبه ذلك. وذلك مقدمات العذاب الذي حكم به عليهم، { والله يحكم لا معقب لحكمه }: لا راد له. والمعقب: الذي يعقب الشيء بالأبطال، ومنه قيل لصاحب الدين: معقب لأنه يعقب غريمه للاقتضاء، والمعنى: أنه حكم للأسلام بالإقبال، وعلى الكفرة بالإدبار، وذلك كائن لا يمكن تغييره. { وهو سريع الحساب } فيحاسبهم عما قليل في الآخرة، وبعدما عذبهم بالقتل والإجلاء في الدنيا. { وقد مكر الذين من قبلهم } بأنبيائهم، وبمن تبعهم، { فلله المكر جميعا } ، إذ لا يؤبه بمكر دون مكره، فإنه القادر على ما هو المقصود منه ودون غيره. سمى العقوبة باسم الذنب للمشاكلة، { يعلم ما تكسب كل نفس } فينفذ جزاؤها. { وسيعلم الكافر } أي: جنس الكافر، بدليل قراءة: " الكفار " ، { لمن } هي { عقبى الدار } أي: لمن تكون العاقبة في الدارين، دار الفناء، ودار البقاء، هل لأهل الإسلام المعد لهم دار السلام؟ أو للكفار المعد لهم دار البوار؟. قال البيضاوي: وهذا كالتفسير لمكر الله بهم، واللام تدل على أن المراد بالعقبى العاقبة المحمودة، مع ما في الإضافة إلى الدار كما عرفت. ه. { ويقول الذين كفروا } من رؤساء اليهود: { لست مرسلا } ، ولم نجد لك ذكرا في كتابنا، ولا ما يشهد لك عندنا. قال تعالى: { قل } لهم: { كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } فإنه أظهر من الأدلة على رسالتي ما يغني عن شاهد يشهد عليها منكم، ولا من غيركم. { و } يشهد لي أيضا: { من عنده علم الكتاب } الأول العلم الحقيقي، كعبد الله بن سلام، ومن أسلم من اليهود والنصارى الذين علموا صفته صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل، وعلماء المؤمنين الذين عندهم علم القرآن، وما احتوى عليه من النظم المعجز، والعلوم الغيبية الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم.
أو علم اللوح المحفوظ إلا هو، شهيدا بيننا. ويؤيده قراءة من قرأ: " ومن عنده " بكسر الميم. وعلم الكتاب، على الأول: مرفوع بالظرف فإنه معتمد على الموصول. ويجوز أن يكون مبتدأ، والظرف خبره. وهو متعين على الثاني. قاله البيضاوي. الإشارة: قد قال تعالى في الحديث القدسي:
" من آذى لي وليا فقد آذن بالحرب "
وجرت عادة الله تعالى أن ينتقم لأوليائه، ويغار عليهم، ولو بعد حين، فإذا أوذي أحدهم، واستعجل ذلك يقول له الحق تعالى ما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك } قبل ذلك، فليس الأمر بيدك، فإنما عليك بلاغ ما جاء به نبيك من نصح العباد، وإرشادهم إلى معالم دينهم، وتصفية بواطنهم، وعلينا الحساب فنجازي من أقبل ومن أدبر. ومن جملة الانتقام: حبس الأمطار، ونقص الثمار، وتخريب البلاد، وكثرة موت العباد، فتنقص الأرض من أطرافها. أفلم يعتبروا بذلك، ويقصروا عن مكرهم بأولياء الله؟. وقد مكر الذين من قبلهم بأولياء زمانهم، فلم يغنوا شيئا، فمكر الله بهم، وخذلهم عن طاعته، وسيعلم أهل الإنكار لمن تكون عاقبة الدار. ويقول الذين كفروا بخصوصية ولي من أولياء الله: لست وليا. فيقول لهم: كفى بالله شهيدا بيني وبينكم، ومن عنده علم الخصوصية، وهم: السادات الصوفية، فلا يعرف الولي إلا ولي مثله، ولا يعرف أهل الخصوصية إلا من له الخصوصية. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الرعد 13:41
قلت: إما: شرطية، اتصلت ما الزائدة بأن الشرطية للتأكيد، والجواب: فإنما... إلخ. أو: فلا تحتفل فإنما... إلخ، ولا معقب: في موضع الحال، أي: يحكم نافذا حكمه، كقوله: جاء زيد لا سلاح معه، أي: خاسرا. ومن عنده: عطف على بالله. يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم تسكينا له: { وإما نرينك بعض الذي نعدهم } من العذاب الذي استعجلوه، { أو نتوفينك } قبل أن ترى ذلك، فلا تحتفل بشأنهم، { فإنما عليك البلاغ } للرسالة لا غير، { وعلينا الحساب }: المجازاة. والمعنى: كيفما دار الحال در معه، أريناك بعض ما أوعدناهم في حياتك، أو توفيناك قبله، فلا تهتم بإعراضهم، ولا تستعجل بعذابهم فإنا فاعلون ذلك لا محالة، وهذا طلائعه، فقد فتحنا عليك كثيرا من بلادهم ونقصناها عليهم. { أو لم يروا أنا نأتي الأرض } أي: أرض الكفرة، { ننقصها من أطرافها } بما نفتحه على المسلمين منها، فيخافون أن نمكنك من أرضهم، وتنزل بساحتهم، منصورا عليهم، فإذا نزلت بساحتهم، ولم يخضعوا لك، فساء صباح المنذرين. وقيل: الأرض جنس، ونقصها بموت الناس، وهلاك الثمرات، وخراب البلاد، وشبه ذلك. وذلك مقدمات العذاب الذي حكم به عليهم، { والله يحكم لا معقب لحكمه }: لا راد له. والمعقب: الذي يعقب الشيء بالأبطال، ومنه قيل لصاحب الدين: معقب لأنه يعقب غريمه للاقتضاء، والمعنى: أنه حكم للأسلام بالإقبال، وعلى الكفرة بالإدبار، وذلك كائن لا يمكن تغييره. { وهو سريع الحساب } فيحاسبهم عما قليل في الآخرة، وبعدما عذبهم بالقتل والإجلاء في الدنيا. { وقد مكر الذين من قبلهم } بأنبيائهم، وبمن تبعهم، { فلله المكر جميعا } ، إذ لا يؤبه بمكر دون مكره، فإنه القادر على ما هو المقصود منه ودون غيره. سمى العقوبة باسم الذنب للمشاكلة، { يعلم ما تكسب كل نفس } فينفذ جزاؤها. { وسيعلم الكافر } أي: جنس الكافر، بدليل قراءة: " الكفار " ، { لمن } هي { عقبى الدار } أي: لمن تكون العاقبة في الدارين، دار الفناء، ودار البقاء، هل لأهل الإسلام المعد لهم دار السلام؟ أو للكفار المعد لهم دار البوار؟. قال البيضاوي: وهذا كالتفسير لمكر الله بهم، واللام تدل على أن المراد بالعقبى العاقبة المحمودة، مع ما في الإضافة إلى الدار كما عرفت. ه. { ويقول الذين كفروا } من رؤساء اليهود: { لست مرسلا } ، ولم نجد لك ذكرا في كتابنا، ولا ما يشهد لك عندنا. قال تعالى: { قل } لهم: { كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } فإنه أظهر من الأدلة على رسالتي ما يغني عن شاهد يشهد عليها منكم، ولا من غيركم. { و } يشهد لي أيضا: { من عنده علم الكتاب } الأول العلم الحقيقي، كعبد الله بن سلام، ومن أسلم من اليهود والنصارى الذين علموا صفته صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل، وعلماء المؤمنين الذين عندهم علم القرآن، وما احتوى عليه من النظم المعجز، والعلوم الغيبية الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم.
أو علم اللوح المحفوظ إلا هو، شهيدا بيننا. ويؤيده قراءة من قرأ: " ومن عنده " بكسر الميم. وعلم الكتاب، على الأول: مرفوع بالظرف فإنه معتمد على الموصول. ويجوز أن يكون مبتدأ، والظرف خبره. وهو متعين على الثاني. قاله البيضاوي. الإشارة: قد قال تعالى في الحديث القدسي:
" من آذى لي وليا فقد آذن بالحرب "
وجرت عادة الله تعالى أن ينتقم لأوليائه، ويغار عليهم، ولو بعد حين، فإذا أوذي أحدهم، واستعجل ذلك يقول له الحق تعالى ما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك } قبل ذلك، فليس الأمر بيدك، فإنما عليك بلاغ ما جاء به نبيك من نصح العباد، وإرشادهم إلى معالم دينهم، وتصفية بواطنهم، وعلينا الحساب فنجازي من أقبل ومن أدبر. ومن جملة الانتقام: حبس الأمطار، ونقص الثمار، وتخريب البلاد، وكثرة موت العباد، فتنقص الأرض من أطرافها. أفلم يعتبروا بذلك، ويقصروا عن مكرهم بأولياء الله؟. وقد مكر الذين من قبلهم بأولياء زمانهم، فلم يغنوا شيئا، فمكر الله بهم، وخذلهم عن طاعته، وسيعلم أهل الإنكار لمن تكون عاقبة الدار. ويقول الذين كفروا بخصوصية ولي من أولياء الله: لست وليا. فيقول لهم: كفى بالله شهيدا بيني وبينكم، ومن عنده علم الخصوصية، وهم: السادات الصوفية، فلا يعرف الولي إلا ولي مثله، ولا يعرف أهل الخصوصية إلا من له الخصوصية. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الرعد 13:42
قلت: إما: شرطية، اتصلت ما الزائدة بأن الشرطية للتأكيد، والجواب: فإنما... إلخ. أو: فلا تحتفل فإنما... إلخ، ولا معقب: في موضع الحال، أي: يحكم نافذا حكمه، كقوله: جاء زيد لا سلاح معه، أي: خاسرا. ومن عنده: عطف على بالله. يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم تسكينا له: { وإما نرينك بعض الذي نعدهم } من العذاب الذي استعجلوه، { أو نتوفينك } قبل أن ترى ذلك، فلا تحتفل بشأنهم، { فإنما عليك البلاغ } للرسالة لا غير، { وعلينا الحساب }: المجازاة. والمعنى: كيفما دار الحال در معه، أريناك بعض ما أوعدناهم في حياتك، أو توفيناك قبله، فلا تهتم بإعراضهم، ولا تستعجل بعذابهم فإنا فاعلون ذلك لا محالة، وهذا طلائعه، فقد فتحنا عليك كثيرا من بلادهم ونقصناها عليهم. { أو لم يروا أنا نأتي الأرض } أي: أرض الكفرة، { ننقصها من أطرافها } بما نفتحه على المسلمين منها، فيخافون أن نمكنك من أرضهم، وتنزل بساحتهم، منصورا عليهم، فإذا نزلت بساحتهم، ولم يخضعوا لك، فساء صباح المنذرين. وقيل: الأرض جنس، ونقصها بموت الناس، وهلاك الثمرات، وخراب البلاد، وشبه ذلك. وذلك مقدمات العذاب الذي حكم به عليهم، { والله يحكم لا معقب لحكمه }: لا راد له. والمعقب: الذي يعقب الشيء بالأبطال، ومنه قيل لصاحب الدين: معقب لأنه يعقب غريمه للاقتضاء، والمعنى: أنه حكم للأسلام بالإقبال، وعلى الكفرة بالإدبار، وذلك كائن لا يمكن تغييره. { وهو سريع الحساب } فيحاسبهم عما قليل في الآخرة، وبعدما عذبهم بالقتل والإجلاء في الدنيا. { وقد مكر الذين من قبلهم } بأنبيائهم، وبمن تبعهم، { فلله المكر جميعا } ، إذ لا يؤبه بمكر دون مكره، فإنه القادر على ما هو المقصود منه ودون غيره. سمى العقوبة باسم الذنب للمشاكلة، { يعلم ما تكسب كل نفس } فينفذ جزاؤها. { وسيعلم الكافر } أي: جنس الكافر، بدليل قراءة: " الكفار " ، { لمن } هي { عقبى الدار } أي: لمن تكون العاقبة في الدارين، دار الفناء، ودار البقاء، هل لأهل الإسلام المعد لهم دار السلام؟ أو للكفار المعد لهم دار البوار؟. قال البيضاوي: وهذا كالتفسير لمكر الله بهم، واللام تدل على أن المراد بالعقبى العاقبة المحمودة، مع ما في الإضافة إلى الدار كما عرفت. ه. { ويقول الذين كفروا } من رؤساء اليهود: { لست مرسلا } ، ولم نجد لك ذكرا في كتابنا، ولا ما يشهد لك عندنا. قال تعالى: { قل } لهم: { كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } فإنه أظهر من الأدلة على رسالتي ما يغني عن شاهد يشهد عليها منكم، ولا من غيركم. { و } يشهد لي أيضا: { من عنده علم الكتاب } الأول العلم الحقيقي، كعبد الله بن سلام، ومن أسلم من اليهود والنصارى الذين علموا صفته صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل، وعلماء المؤمنين الذين عندهم علم القرآن، وما احتوى عليه من النظم المعجز، والعلوم الغيبية الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم.
أو علم اللوح المحفوظ إلا هو، شهيدا بيننا. ويؤيده قراءة من قرأ: " ومن عنده " بكسر الميم. وعلم الكتاب، على الأول: مرفوع بالظرف فإنه معتمد على الموصول. ويجوز أن يكون مبتدأ، والظرف خبره. وهو متعين على الثاني. قاله البيضاوي. الإشارة: قد قال تعالى في الحديث القدسي:
" من آذى لي وليا فقد آذن بالحرب "
وجرت عادة الله تعالى أن ينتقم لأوليائه، ويغار عليهم، ولو بعد حين، فإذا أوذي أحدهم، واستعجل ذلك يقول له الحق تعالى ما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك } قبل ذلك، فليس الأمر بيدك، فإنما عليك بلاغ ما جاء به نبيك من نصح العباد، وإرشادهم إلى معالم دينهم، وتصفية بواطنهم، وعلينا الحساب فنجازي من أقبل ومن أدبر. ومن جملة الانتقام: حبس الأمطار، ونقص الثمار، وتخريب البلاد، وكثرة موت العباد، فتنقص الأرض من أطرافها. أفلم يعتبروا بذلك، ويقصروا عن مكرهم بأولياء الله؟. وقد مكر الذين من قبلهم بأولياء زمانهم، فلم يغنوا شيئا، فمكر الله بهم، وخذلهم عن طاعته، وسيعلم أهل الإنكار لمن تكون عاقبة الدار. ويقول الذين كفروا بخصوصية ولي من أولياء الله: لست وليا. فيقول لهم: كفى بالله شهيدا بيني وبينكم، ومن عنده علم الخصوصية، وهم: السادات الصوفية، فلا يعرف الولي إلا ولي مثله، ولا يعرف أهل الخصوصية إلا من له الخصوصية. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الرعد 13:43
قلت: إما: شرطية، اتصلت ما الزائدة بأن الشرطية للتأكيد، والجواب: فإنما... إلخ. أو: فلا تحتفل فإنما... إلخ، ولا معقب: في موضع الحال، أي: يحكم نافذا حكمه، كقوله: جاء زيد لا سلاح معه، أي: خاسرا. ومن عنده: عطف على بالله. يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم تسكينا له: { وإما نرينك بعض الذي نعدهم } من العذاب الذي استعجلوه، { أو نتوفينك } قبل أن ترى ذلك، فلا تحتفل بشأنهم، { فإنما عليك البلاغ } للرسالة لا غير، { وعلينا الحساب }: المجازاة. والمعنى: كيفما دار الحال در معه، أريناك بعض ما أوعدناهم في حياتك، أو توفيناك قبله، فلا تهتم بإعراضهم، ولا تستعجل بعذابهم فإنا فاعلون ذلك لا محالة، وهذا طلائعه، فقد فتحنا عليك كثيرا من بلادهم ونقصناها عليهم. { أو لم يروا أنا نأتي الأرض } أي: أرض الكفرة، { ننقصها من أطرافها } بما نفتحه على المسلمين منها، فيخافون أن نمكنك من أرضهم، وتنزل بساحتهم، منصورا عليهم، فإذا نزلت بساحتهم، ولم يخضعوا لك، فساء صباح المنذرين. وقيل: الأرض جنس، ونقصها بموت الناس، وهلاك الثمرات، وخراب البلاد، وشبه ذلك. وذلك مقدمات العذاب الذي حكم به عليهم، { والله يحكم لا معقب لحكمه }: لا راد له. والمعقب: الذي يعقب الشيء بالأبطال، ومنه قيل لصاحب الدين: معقب لأنه يعقب غريمه للاقتضاء، والمعنى: أنه حكم للأسلام بالإقبال، وعلى الكفرة بالإدبار، وذلك كائن لا يمكن تغييره. { وهو سريع الحساب } فيحاسبهم عما قليل في الآخرة، وبعدما عذبهم بالقتل والإجلاء في الدنيا. { وقد مكر الذين من قبلهم } بأنبيائهم، وبمن تبعهم، { فلله المكر جميعا } ، إذ لا يؤبه بمكر دون مكره، فإنه القادر على ما هو المقصود منه ودون غيره. سمى العقوبة باسم الذنب للمشاكلة، { يعلم ما تكسب كل نفس } فينفذ جزاؤها. { وسيعلم الكافر } أي: جنس الكافر، بدليل قراءة: " الكفار " ، { لمن } هي { عقبى الدار } أي: لمن تكون العاقبة في الدارين، دار الفناء، ودار البقاء، هل لأهل الإسلام المعد لهم دار السلام؟ أو للكفار المعد لهم دار البوار؟. قال البيضاوي: وهذا كالتفسير لمكر الله بهم، واللام تدل على أن المراد بالعقبى العاقبة المحمودة، مع ما في الإضافة إلى الدار كما عرفت. ه. { ويقول الذين كفروا } من رؤساء اليهود: { لست مرسلا } ، ولم نجد لك ذكرا في كتابنا، ولا ما يشهد لك عندنا. قال تعالى: { قل } لهم: { كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } فإنه أظهر من الأدلة على رسالتي ما يغني عن شاهد يشهد عليها منكم، ولا من غيركم. { و } يشهد لي أيضا: { من عنده علم الكتاب } الأول العلم الحقيقي، كعبد الله بن سلام، ومن أسلم من اليهود والنصارى الذين علموا صفته صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل، وعلماء المؤمنين الذين عندهم علم القرآن، وما احتوى عليه من النظم المعجز، والعلوم الغيبية الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم.
أو علم اللوح المحفوظ إلا هو، شهيدا بيننا. ويؤيده قراءة من قرأ: " ومن عنده " بكسر الميم. وعلم الكتاب، على الأول: مرفوع بالظرف فإنه معتمد على الموصول. ويجوز أن يكون مبتدأ، والظرف خبره. وهو متعين على الثاني. قاله البيضاوي. الإشارة: قد قال تعالى في الحديث القدسي:
" من آذى لي وليا فقد آذن بالحرب "
وجرت عادة الله تعالى أن ينتقم لأوليائه، ويغار عليهم، ولو بعد حين، فإذا أوذي أحدهم، واستعجل ذلك يقول له الحق تعالى ما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك } قبل ذلك، فليس الأمر بيدك، فإنما عليك بلاغ ما جاء به نبيك من نصح العباد، وإرشادهم إلى معالم دينهم، وتصفية بواطنهم، وعلينا الحساب فنجازي من أقبل ومن أدبر. ومن جملة الانتقام: حبس الأمطار، ونقص الثمار، وتخريب البلاد، وكثرة موت العباد، فتنقص الأرض من أطرافها. أفلم يعتبروا بذلك، ويقصروا عن مكرهم بأولياء الله؟. وقد مكر الذين من قبلهم بأولياء زمانهم، فلم يغنوا شيئا، فمكر الله بهم، وخذلهم عن طاعته، وسيعلم أهل الإنكار لمن تكون عاقبة الدار. ويقول الذين كفروا بخصوصية ولي من أولياء الله: لست وليا. فيقول لهم: كفى بالله شهيدا بيني وبينكم، ومن عنده علم الخصوصية، وهم: السادات الصوفية، فلا يعرف الولي إلا ولي مثله، ولا يعرف أهل الخصوصية إلا من له الخصوصية. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.
إبراهيم 14:1
{ بسم الله الرحمن الرحيم * الر... } الألف: آلاؤه، واللام: لطفه، والراء: رحمته. فكأنه يقول: بآلائنا ولطفنا ورحمتنا أنزلنا إليك كتابنا، ولذلك رتب عليه قوله: {... كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد } قلت: كتاب: خبر، أي: هذا كتاب، وبإذن: متعلق بتخرج، أو حال من فاعله، أو مفعوله. وإلى صراط: بدل من النور. الله الذي من رفعه فعلى الابتداء، والموصول خبره، أو خبر عن محذوف، ومن خفضه فبدل من العزيز، والذين يستحبون: صفة للكافرين أو نصب، أو رفع على الذم. يقول الحق جل جلاله: أيها الرسول المحبوب، هذا { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس } بدعائك إياهم إلى العمل به، { من الظلمات إلى النور } من ظلمات الضلال والجهل إلى نور الهداية والعلم، { بإذن ربهم } بتوفيقه وهدايته وتسهيله، { إلى صراط العزيز الحميد } أي: لتخرجهم إلى نور العلم الذي هو سلوك طريق العزيز الحميد، التي توصل إلى رضوانه ومعرفته. وفي ذكر الوصفين إشارة إلى أنه لا يذل سالكه، ولا يخيب سائله، بل تحمد عاقبته. ثم ذكر الموصوف بهما بقوله: { الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض } أي: الموصوف بالعزة والحمد هو الله الذي استقر له ما في السماوات وما في الأرض ملكا وعبيدا. ثم ذكر وعيد من كفر بكتابه أو به، فقال: { وويل للكافرين } بكتابه، ولم يخرجوا به من ظلمات كفرهم، { من عذاب شديد } ، والويل: كلمة عذاب تقال لمن استحق الهلاك، أي: هلاك لهم من أجل عذاب شديد يلحقهم. وقيل: واد في جهنم. ثم ذكر وجه استحقاقهم العذاب بقوله: { الذين يستحبون الحياة الدنيا } يختارونها { على الآخرة } ، فإن من أحب شيئا اختاره وطلبه، { ويصدون } الناس { عن سبيل الله } بتعويقهم عن الإيمان، { ويبغونها عوجا } أي: ويبغون لها زيغا، ونكوبا عن الحق، ليتوصلوا للقدح فيها، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير، { أولئك في ضلال بعيد } أي: في تلف بعيد عن الحق بحيث ضلوا عن الحق، وبعدوا عنه بمراحل. والبعد في الحقيقة: للضال، ووصف به فعله للمبالغة. الإشارة: قد أخرج صلى الله عليه وسلم أمته من ظلمات عديدة إلى نوار متعددة أولها: ظلمة الكفر والشرك إلى نور الإيمان والإسلام، ثم من ظلمة الجهل والتقليد إلى نور العلم والتحقيق، ثم من ظلمة الذنوب والمعاصي إلى نور التوبة والاستقامة، ثم من ظلمة الغفلة والبطالة إلى نور اليقظة والمجاهدة، ثم من ظلمة الحظوظ والشهوات إلى نور الزهد والعفة، ثم من ظلمة رؤية الأسباب، والوقوف مع العوائد، إلى نور شهود المسبب، وخرق العوائد، ثم من ظلمة الوقوف مع الكرامات وحلاوة الطاعات إلى نور شهود المعبود، ثم من ظلمة الوقوف مع حس الأكوان الظاهرة إلى شهود أسرار المعاني الباطنة، فيغيب عن الأكوان بشهود المكون، وهذا آخر ظلمة تبقى في النفس، فتصير حينئذ روحا وسرا من أسرار الله، ويصير صاحبها روحانيا ربانيا عارفا بالله، ولا يبقى حينئذ إلا التراقي في شهود الأسرار ابدا سرمدا.
وهذا محل القطبانية والتهيؤ للتربية النبوية، ويصير وليا محمديا، يخرج الناس من هذه الظلمات إلى هذه الأنوار. وأما من لم يبلغ هذا المقام، فإنه له الإخراج من أحد هذه الأشياء فالغزاة والمجاهدون يخرجون من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، والعلماء يخرجون من ظلمة الجهل إلى نور العلم، والعباد والزهاد يخرجون من صحبهم من الذنوب إلى التوبة والاستقامة. وأما ما بقي من الظلمات فلا يخرج منها إلا الربانيون الروحانيون. أهل التربية النبوية، بإذن ربهم، يدلهم على صراط العزيز الحميد، الموصل إلى العز المديد. وويل لمن أنكر هؤلاء، واشتغل بمتابعة حظوظه وهواه، واستحب حياة دنياه على أخراه، أولئك في ضلال عن حضرة الحق ببعيد. وبالله التوفيق. ولما كان الإخراج من هذه الظلمات لا يكون إلا بالمقال والحال
إبراهيم 14:2
{ بسم الله الرحمن الرحيم * الر... } الألف: آلاؤه، واللام: لطفه، والراء: رحمته. فكأنه يقول: بآلائنا ولطفنا ورحمتنا أنزلنا إليك كتابنا، ولذلك رتب عليه قوله: {... كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد } قلت: كتاب: خبر، أي: هذا كتاب، وبإذن: متعلق بتخرج، أو حال من فاعله، أو مفعوله. وإلى صراط: بدل من النور. الله الذي من رفعه فعلى الابتداء، والموصول خبره، أو خبر عن محذوف، ومن خفضه فبدل من العزيز، والذين يستحبون: صفة للكافرين أو نصب، أو رفع على الذم. يقول الحق جل جلاله: أيها الرسول المحبوب، هذا { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس } بدعائك إياهم إلى العمل به، { من الظلمات إلى النور } من ظلمات الضلال والجهل إلى نور الهداية والعلم، { بإذن ربهم } بتوفيقه وهدايته وتسهيله، { إلى صراط العزيز الحميد } أي: لتخرجهم إلى نور العلم الذي هو سلوك طريق العزيز الحميد، التي توصل إلى رضوانه ومعرفته. وفي ذكر الوصفين إشارة إلى أنه لا يذل سالكه، ولا يخيب سائله، بل تحمد عاقبته. ثم ذكر الموصوف بهما بقوله: { الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض } أي: الموصوف بالعزة والحمد هو الله الذي استقر له ما في السماوات وما في الأرض ملكا وعبيدا. ثم ذكر وعيد من كفر بكتابه أو به، فقال: { وويل للكافرين } بكتابه، ولم يخرجوا به من ظلمات كفرهم، { من عذاب شديد } ، والويل: كلمة عذاب تقال لمن استحق الهلاك، أي: هلاك لهم من أجل عذاب شديد يلحقهم. وقيل: واد في جهنم. ثم ذكر وجه استحقاقهم العذاب بقوله: { الذين يستحبون الحياة الدنيا } يختارونها { على الآخرة } ، فإن من أحب شيئا اختاره وطلبه، { ويصدون } الناس { عن سبيل الله } بتعويقهم عن الإيمان، { ويبغونها عوجا } أي: ويبغون لها زيغا، ونكوبا عن الحق، ليتوصلوا للقدح فيها، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير، { أولئك في ضلال بعيد } أي: في تلف بعيد عن الحق بحيث ضلوا عن الحق، وبعدوا عنه بمراحل. والبعد في الحقيقة: للضال، ووصف به فعله للمبالغة. الإشارة: قد أخرج صلى الله عليه وسلم أمته من ظلمات عديدة إلى نوار متعددة أولها: ظلمة الكفر والشرك إلى نور الإيمان والإسلام، ثم من ظلمة الجهل والتقليد إلى نور العلم والتحقيق، ثم من ظلمة الذنوب والمعاصي إلى نور التوبة والاستقامة، ثم من ظلمة الغفلة والبطالة إلى نور اليقظة والمجاهدة، ثم من ظلمة الحظوظ والشهوات إلى نور الزهد والعفة، ثم من ظلمة رؤية الأسباب، والوقوف مع العوائد، إلى نور شهود المسبب، وخرق العوائد، ثم من ظلمة الوقوف مع الكرامات وحلاوة الطاعات إلى نور شهود المعبود، ثم من ظلمة الوقوف مع حس الأكوان الظاهرة إلى شهود أسرار المعاني الباطنة، فيغيب عن الأكوان بشهود المكون، وهذا آخر ظلمة تبقى في النفس، فتصير حينئذ روحا وسرا من أسرار الله، ويصير صاحبها روحانيا ربانيا عارفا بالله، ولا يبقى حينئذ إلا التراقي في شهود الأسرار ابدا سرمدا.
وهذا محل القطبانية والتهيؤ للتربية النبوية، ويصير وليا محمديا، يخرج الناس من هذه الظلمات إلى هذه الأنوار. وأما من لم يبلغ هذا المقام، فإنه له الإخراج من أحد هذه الأشياء فالغزاة والمجاهدون يخرجون من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، والعلماء يخرجون من ظلمة الجهل إلى نور العلم، والعباد والزهاد يخرجون من صحبهم من الذنوب إلى التوبة والاستقامة. وأما ما بقي من الظلمات فلا يخرج منها إلا الربانيون الروحانيون. أهل التربية النبوية، بإذن ربهم، يدلهم على صراط العزيز الحميد، الموصل إلى العز المديد. وويل لمن أنكر هؤلاء، واشتغل بمتابعة حظوظه وهواه، واستحب حياة دنياه على أخراه، أولئك في ضلال عن حضرة الحق ببعيد. وبالله التوفيق. ولما كان الإخراج من هذه الظلمات لا يكون إلا بالمقال والحال
إبراهيم 14:3
{ بسم الله الرحمن الرحيم * الر... } الألف: آلاؤه، واللام: لطفه، والراء: رحمته. فكأنه يقول: بآلائنا ولطفنا ورحمتنا أنزلنا إليك كتابنا، ولذلك رتب عليه قوله: {... كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد } قلت: كتاب: خبر، أي: هذا كتاب، وبإذن: متعلق بتخرج، أو حال من فاعله، أو مفعوله. وإلى صراط: بدل من النور. الله الذي من رفعه فعلى الابتداء، والموصول خبره، أو خبر عن محذوف، ومن خفضه فبدل من العزيز، والذين يستحبون: صفة للكافرين أو نصب، أو رفع على الذم. يقول الحق جل جلاله: أيها الرسول المحبوب، هذا { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس } بدعائك إياهم إلى العمل به، { من الظلمات إلى النور } من ظلمات الضلال والجهل إلى نور الهداية والعلم، { بإذن ربهم } بتوفيقه وهدايته وتسهيله، { إلى صراط العزيز الحميد } أي: لتخرجهم إلى نور العلم الذي هو سلوك طريق العزيز الحميد، التي توصل إلى رضوانه ومعرفته. وفي ذكر الوصفين إشارة إلى أنه لا يذل سالكه، ولا يخيب سائله، بل تحمد عاقبته. ثم ذكر الموصوف بهما بقوله: { الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض } أي: الموصوف بالعزة والحمد هو الله الذي استقر له ما في السماوات وما في الأرض ملكا وعبيدا. ثم ذكر وعيد من كفر بكتابه أو به، فقال: { وويل للكافرين } بكتابه، ولم يخرجوا به من ظلمات كفرهم، { من عذاب شديد } ، والويل: كلمة عذاب تقال لمن استحق الهلاك، أي: هلاك لهم من أجل عذاب شديد يلحقهم. وقيل: واد في جهنم. ثم ذكر وجه استحقاقهم العذاب بقوله: { الذين يستحبون الحياة الدنيا } يختارونها { على الآخرة } ، فإن من أحب شيئا اختاره وطلبه، { ويصدون } الناس { عن سبيل الله } بتعويقهم عن الإيمان، { ويبغونها عوجا } أي: ويبغون لها زيغا، ونكوبا عن الحق، ليتوصلوا للقدح فيها، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير، { أولئك في ضلال بعيد } أي: في تلف بعيد عن الحق بحيث ضلوا عن الحق، وبعدوا عنه بمراحل. والبعد في الحقيقة: للضال، ووصف به فعله للمبالغة. الإشارة: قد أخرج صلى الله عليه وسلم أمته من ظلمات عديدة إلى نوار متعددة أولها: ظلمة الكفر والشرك إلى نور الإيمان والإسلام، ثم من ظلمة الجهل والتقليد إلى نور العلم والتحقيق، ثم من ظلمة الذنوب والمعاصي إلى نور التوبة والاستقامة، ثم من ظلمة الغفلة والبطالة إلى نور اليقظة والمجاهدة، ثم من ظلمة الحظوظ والشهوات إلى نور الزهد والعفة، ثم من ظلمة رؤية الأسباب، والوقوف مع العوائد، إلى نور شهود المسبب، وخرق العوائد، ثم من ظلمة الوقوف مع الكرامات وحلاوة الطاعات إلى نور شهود المعبود، ثم من ظلمة الوقوف مع حس الأكوان الظاهرة إلى شهود أسرار المعاني الباطنة، فيغيب عن الأكوان بشهود المكون، وهذا آخر ظلمة تبقى في النفس، فتصير حينئذ روحا وسرا من أسرار الله، ويصير صاحبها روحانيا ربانيا عارفا بالله، ولا يبقى حينئذ إلا التراقي في شهود الأسرار ابدا سرمدا.
وهذا محل القطبانية والتهيؤ للتربية النبوية، ويصير وليا محمديا، يخرج الناس من هذه الظلمات إلى هذه الأنوار. وأما من لم يبلغ هذا المقام، فإنه له الإخراج من أحد هذه الأشياء فالغزاة والمجاهدون يخرجون من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، والعلماء يخرجون من ظلمة الجهل إلى نور العلم، والعباد والزهاد يخرجون من صحبهم من الذنوب إلى التوبة والاستقامة. وأما ما بقي من الظلمات فلا يخرج منها إلا الربانيون الروحانيون. أهل التربية النبوية، بإذن ربهم، يدلهم على صراط العزيز الحميد، الموصل إلى العز المديد. وويل لمن أنكر هؤلاء، واشتغل بمتابعة حظوظه وهواه، واستحب حياة دنياه على أخراه، أولئك في ضلال عن حضرة الحق ببعيد. وبالله التوفيق. ولما كان الإخراج من هذه الظلمات لا يكون إلا بالمقال والحال
إبراهيم 14:4
يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا من رسول } قبلك { إلا بلسان قومه } ، وأنت بعثناك بلسان قومك. وإنما قال: بلسان قومه، ولم يقل بلسان أمته لأن الأمة قد تكون أوسع من قومه، كما في الحق نبينا عليه الصلاة والسلام فقد بعث إلى العرب والعجم والجن والإنس، فقومه الذين يفهمون عنه: يترجمون إلى من لا يفهم، فتقوم الحجة عليهم. وكذلك إعجاز القرآن يدركه أهل الفصاحة والبلاغة، فإذا وقع العجز عن معارضته منهم قامت الحجة على غيرهم، كما قامت الحجة في معجزة موسى عليه السلام بعجز السحرة، وفي معجزة عيسى بعجز الأطباء. ثم بين الحكمة، في كون الداعي لا يكون إلا بلسان قومه، بقوله: { ليبين لهم } ما أمروا به فيفهمونه عنه بسرعة، ثم ينقلونه ويترجمونه لغيرهم، فتقوم الحجة عليهم ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإنذار عشيرته أولا فإذا فهموا عنه بلغوا إلى غيرهم. قال البيضاوي: ولو نزل على من بعث إلى أمم مختلفة كتب على ألسنتهم استقل ذلك بنوع من الإعجاز، لكن ادى إلى اختلاف الكلمة وإضاعة فضل الاجتهاد في تعلم الألفاظ ومعانيها، والعلوم المتشبعة منها، وما في إتعاب القرائح وكد النفس من القرب المقتضية لجزيل الثواب. ه. فالرسل عليهم الصلاة والسلام إنما عليهم البيان بلسانهم، والهداية بيد ربهم، ولذلك قال تعالى: { فيضل الله من يشاء } إضلاله، فيخذله عن الإيمان، { ويهدي من يشاء } بالتوفيق له، { وهو العزيز } الغالب على أمره، فلا يغلب على مشيئته، { الحكيم } في صنعه، فلا يضل ولا يهدي إلا لحكمة أرادها. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما بعث الله وليا داعيا إلا بلسان قومه، وقد يخرق له العادة، فيطلعه على جميع اللغات، كما قال المرسي رضي الله عنه: من بلغ هذا المقام لا يخفى عليه شيء. وذلك من باب الكرامة كما كان صلى الله عليه وسلم يخاطب كل قوم بلغتهم معجزة له صلى الله عليه وسلم فقد اتسع علمه عليه الصلاة والسلام فأحاط بحقائق الأشياء وأسمائها ومفهوماتها، وأصول اللغة، وفروعها، فعلم ما علمه سيدنا آدم عليه السلام، أو أكثر، وإلى ذلك أشار القطب ابن مشيش في تصليته المشهورة، وبقوله: " وتنزلت علوم آدم فأعجز الخلائق ". وقال البوصيري في همزيته:
لك ذات العلوم من عالم الغي ب ومنها لآدم الأسماء
إبراهيم 14:5
قلت: أن أخرج: إما تفسيرية لا محل لها، أي: وقلنا: أن أخرج لأن في الإرسال معنى القول، أو على إسقاط الخافض، أي: بأن أخرج، فإن صيغ الأفعال سواء في الدلالة على المصدر، فيصح أن توصل بها " إن " الناصبة. يقول الحق جل جلاله: { ولقد ارسلنا موسى بأياتنا } كاليد والعصا، وسائر معجزاته التسع، وقلنا له: { أن أخرج قومك } بني إسرائيل، وفرعون وملأه { من الظلمات إلى النور } من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أما فرعون وملؤه فظاهر، وأما بنو أسرائيل فقد كان فرعون فتن جلهم، وأضلهم مع القبط، فكانوا أشياعا متفرقين، لم يبق لهم دين. فإن قلت: إذا كان موسى عليه السلام مبعوثا إلى القبط، فلم لم يرجع إليهم بعد خروجه عنهم إلى الشام؟ فالجواب: أنه لما بلغهم الرسالة قامت الحجة عليهم، فيجب عليهم أن يهاجروا إليه للدين. ثم أمره بالتذكير فقال: { وذكرهم بأيام الله }: بوقائعه التي وقعت على الأمم الدارجة قبلهم، وأيام العرب: حروبها. أو ذكرهم بنعم الله وآلائه، وبنقمه وبلائه فالأيام تطلق على المعنيين. { إن في ذلك لآيات لكل صبار } في بلائه، { شكور } لنعمائه، وإنما خصه لأنه إذا سمع ما نزل على من قبله من البلاء، وأفيض عليهم من النعماء، اعتبر وتنبه لما يجب عليه من الصبر والشكر. وقيل: المراد لكل مؤمن، وإنما عبر بذلك تنبيها على أن الصبر والشكر عنوان الإيمان. قاله البيضاوي. { وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم }: حين أنجاكم { من آل فرعون }: رهطه، { يسومونكم }: يولونكم { سوء العذاب }: أقبحه يستعبدونكم ويكلفونكم مشاق الأعمال، { ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم } ، قال البيضاوي: المراد بالعذاب هنا غير المراد به في سورتي البقرة والأعراف لأنه هناك مفسر بالتذبيح والقتل، ومعطوف عليه هنا، فهو هنا إما جنس العذاب، أو استعبادهم واستعمالهم بالأعمال الشاقة. ه. { وفي ذلكم } الامتحان { بلاء } أي: ابتلاء { من ربكم عظيم } اختبركم به حتى أنقذكم منه، ليعظم شكركم، أو: في ذلك الإنجاء بلاء، أي: نعمة واختبار عظيم، لينظر كيف تعملون في شكر هذه النعمة. ولذلك قال لهم موسى عليه السلام: { وإذ تأذن ربكم } أي: آذن، بمعنى أعلم، كتوعد وأوعد، غير أن تأذن أبلغ من آذن لما في تفعل من التكلف والمبالغة، أي أعلمكم، وقال: والله { لئن شكرتم } يا بني إسرائيل ما أنعمت به عليكم من الإنجاء وغيره، بالإيمان والعمل الصالح، وبالإقرار باللسان، وإفراد النعمة للمنعم بالجنان، { لأزيدنكم } نعمة على نعمة. وهذ الخطاب، وإن كان لبني إسرائيل، يعم جميع الخلق، والزيادة إما من خير الدنيا، أو ثواب الآخرة. وشكر الخواص يكون على السراء والضراء فتكون الزيادة في الضراء، إما في ثواب أو في التقريب.
ثم ذكر ضده فقال: { ولئن كفرتم } ما أنعمت به عليكم، وقابلتموه بالكفر والعصيان، { أن عذابي لشديد } فأعذبكم به على كفركم. قال البيضاوي: ومن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد. ه. فصرح بوصول الزيادة إليهم، ولم يقل: أعذبكم عذابا شديدا، بل عظم عذابه في الجملة. { وقال موسى } ، في شأن من لم يشكر: { إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا } من الثقلين، { فإن الله لغني } عن شكركم، { حميد }: محمود على ألسنة خلقه، من الملائكة وغيرهم. فكل ذرة من المخلوقات ناطقة بحمده حالا أو مقالا، فهو غني أيضا عن حمدكم، فما ضررتم بالكفر إلا أنفسكم حيث حرمتموها مزيد الإنعام، وعرضتموها لشديد الانتقال. وبالله التوفيق. الإشارة: ذكر الحق تعالى في هذه الآية مقامين من مقامات اليقين: الصبر والشكر، ومدح من تخلق بهما واستعملهما في محلهما، فيركب أيهما توجه إليه منهما، ويسير بهما إلى ربه. فالصبر عنوان الظفر، وأجره لا ينحصر، والشكر ضامن للزيادة، قال بعض العارفين: لم يضمن الحق تعالى الزيادة في مقام من المقامات إلا الشكر، فدل أنه أفضل المقامات وأحسن الطاعات، من حيث إنه متضمن للفرح بالله، وموجب لمحبة الله. ولا شك أن مقام الشكر أعلى من مقام الصبر لأن الشاكر يرى المنن في طي المحن، فيتلقى المهالك بوجه ضاحك لأنه لا يكون شاكرا حقيقة حتى يشكر في السراء والضراء، ولا يشكر في الضراء حتى يراها سراء، باعتبار ما يواجه به في حال الضراء من الفتوحات القلبية، والمواهب اللدنية، فتنقلب النقمة نعمة. بخلاف مقام الصبر، صاحبه يتجرع مرارة الصبر لأنه لم يترق إلى شهود المبلى في حال بلائه، ولو ترقى إلى شهوده للذت لديه البلايا، كما قال صاحب العينية:
تلذ لي الآلام إذ كنت مسقمي وإن تختبرني فهي عندي صنائع
لكن هذه الأحوال تختلف على العبد باعتبار القوة والضعف فتارة تجده قويا يتلقى المهالك بوجه ضاحك، وتارة تصادفه الأقدار ضعيفا فلا يبقى معه إلا الصبر وتجرع مرارة البلاء، والعياذ بالله. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في كتاب القصد: " رأيت كأني مع النبيين والصديقين، فأردت الكون معهم، ثم قلت: اللهم اسلك بي سبيلهم مع العافية مما ابتليتهم، فإنهم أقوى ونحن أضعف منهم، فقيل لي: قل: وما قدرت من شيء فأيدنا كما أيدتهم. ثم ذكرهم عن سلف قبلهم
إبراهيم 14:6
قلت: أن أخرج: إما تفسيرية لا محل لها، أي: وقلنا: أن أخرج لأن في الإرسال معنى القول، أو على إسقاط الخافض، أي: بأن أخرج، فإن صيغ الأفعال سواء في الدلالة على المصدر، فيصح أن توصل بها " إن " الناصبة. يقول الحق جل جلاله: { ولقد ارسلنا موسى بأياتنا } كاليد والعصا، وسائر معجزاته التسع، وقلنا له: { أن أخرج قومك } بني إسرائيل، وفرعون وملأه { من الظلمات إلى النور } من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أما فرعون وملؤه فظاهر، وأما بنو أسرائيل فقد كان فرعون فتن جلهم، وأضلهم مع القبط، فكانوا أشياعا متفرقين، لم يبق لهم دين. فإن قلت: إذا كان موسى عليه السلام مبعوثا إلى القبط، فلم لم يرجع إليهم بعد خروجه عنهم إلى الشام؟ فالجواب: أنه لما بلغهم الرسالة قامت الحجة عليهم، فيجب عليهم أن يهاجروا إليه للدين. ثم أمره بالتذكير فقال: { وذكرهم بأيام الله }: بوقائعه التي وقعت على الأمم الدارجة قبلهم، وأيام العرب: حروبها. أو ذكرهم بنعم الله وآلائه، وبنقمه وبلائه فالأيام تطلق على المعنيين. { إن في ذلك لآيات لكل صبار } في بلائه، { شكور } لنعمائه، وإنما خصه لأنه إذا سمع ما نزل على من قبله من البلاء، وأفيض عليهم من النعماء، اعتبر وتنبه لما يجب عليه من الصبر والشكر. وقيل: المراد لكل مؤمن، وإنما عبر بذلك تنبيها على أن الصبر والشكر عنوان الإيمان. قاله البيضاوي. { وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم }: حين أنجاكم { من آل فرعون }: رهطه، { يسومونكم }: يولونكم { سوء العذاب }: أقبحه يستعبدونكم ويكلفونكم مشاق الأعمال، { ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم } ، قال البيضاوي: المراد بالعذاب هنا غير المراد به في سورتي البقرة والأعراف لأنه هناك مفسر بالتذبيح والقتل، ومعطوف عليه هنا، فهو هنا إما جنس العذاب، أو استعبادهم واستعمالهم بالأعمال الشاقة. ه. { وفي ذلكم } الامتحان { بلاء } أي: ابتلاء { من ربكم عظيم } اختبركم به حتى أنقذكم منه، ليعظم شكركم، أو: في ذلك الإنجاء بلاء، أي: نعمة واختبار عظيم، لينظر كيف تعملون في شكر هذه النعمة. ولذلك قال لهم موسى عليه السلام: { وإذ تأذن ربكم } أي: آذن، بمعنى أعلم، كتوعد وأوعد، غير أن تأذن أبلغ من آذن لما في تفعل من التكلف والمبالغة، أي أعلمكم، وقال: والله { لئن شكرتم } يا بني إسرائيل ما أنعمت به عليكم من الإنجاء وغيره، بالإيمان والعمل الصالح، وبالإقرار باللسان، وإفراد النعمة للمنعم بالجنان، { لأزيدنكم } نعمة على نعمة. وهذ الخطاب، وإن كان لبني إسرائيل، يعم جميع الخلق، والزيادة إما من خير الدنيا، أو ثواب الآخرة. وشكر الخواص يكون على السراء والضراء فتكون الزيادة في الضراء، إما في ثواب أو في التقريب.
ثم ذكر ضده فقال: { ولئن كفرتم } ما أنعمت به عليكم، وقابلتموه بالكفر والعصيان، { أن عذابي لشديد } فأعذبكم به على كفركم. قال البيضاوي: ومن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد. ه. فصرح بوصول الزيادة إليهم، ولم يقل: أعذبكم عذابا شديدا، بل عظم عذابه في الجملة. { وقال موسى } ، في شأن من لم يشكر: { إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا } من الثقلين، { فإن الله لغني } عن شكركم، { حميد }: محمود على ألسنة خلقه، من الملائكة وغيرهم. فكل ذرة من المخلوقات ناطقة بحمده حالا أو مقالا، فهو غني أيضا عن حمدكم، فما ضررتم بالكفر إلا أنفسكم حيث حرمتموها مزيد الإنعام، وعرضتموها لشديد الانتقال. وبالله التوفيق. الإشارة: ذكر الحق تعالى في هذه الآية مقامين من مقامات اليقين: الصبر والشكر، ومدح من تخلق بهما واستعملهما في محلهما، فيركب أيهما توجه إليه منهما، ويسير بهما إلى ربه. فالصبر عنوان الظفر، وأجره لا ينحصر، والشكر ضامن للزيادة، قال بعض العارفين: لم يضمن الحق تعالى الزيادة في مقام من المقامات إلا الشكر، فدل أنه أفضل المقامات وأحسن الطاعات، من حيث إنه متضمن للفرح بالله، وموجب لمحبة الله. ولا شك أن مقام الشكر أعلى من مقام الصبر لأن الشاكر يرى المنن في طي المحن، فيتلقى المهالك بوجه ضاحك لأنه لا يكون شاكرا حقيقة حتى يشكر في السراء والضراء، ولا يشكر في الضراء حتى يراها سراء، باعتبار ما يواجه به في حال الضراء من الفتوحات القلبية، والمواهب اللدنية، فتنقلب النقمة نعمة. بخلاف مقام الصبر، صاحبه يتجرع مرارة الصبر لأنه لم يترق إلى شهود المبلى في حال بلائه، ولو ترقى إلى شهوده للذت لديه البلايا، كما قال صاحب العينية:
تلذ لي الآلام إذ كنت مسقمي وإن تختبرني فهي عندي صنائع
لكن هذه الأحوال تختلف على العبد باعتبار القوة والضعف فتارة تجده قويا يتلقى المهالك بوجه ضاحك، وتارة تصادفه الأقدار ضعيفا فلا يبقى معه إلا الصبر وتجرع مرارة البلاء، والعياذ بالله. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في كتاب القصد: " رأيت كأني مع النبيين والصديقين، فأردت الكون معهم، ثم قلت: اللهم اسلك بي سبيلهم مع العافية مما ابتليتهم، فإنهم أقوى ونحن أضعف منهم، فقيل لي: قل: وما قدرت من شيء فأيدنا كما أيدتهم. ثم ذكرهم عن سلف قبلهم
إبراهيم 14:7
قلت: أن أخرج: إما تفسيرية لا محل لها، أي: وقلنا: أن أخرج لأن في الإرسال معنى القول، أو على إسقاط الخافض، أي: بأن أخرج، فإن صيغ الأفعال سواء في الدلالة على المصدر، فيصح أن توصل بها " إن " الناصبة. يقول الحق جل جلاله: { ولقد ارسلنا موسى بأياتنا } كاليد والعصا، وسائر معجزاته التسع، وقلنا له: { أن أخرج قومك } بني إسرائيل، وفرعون وملأه { من الظلمات إلى النور } من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أما فرعون وملؤه فظاهر، وأما بنو أسرائيل فقد كان فرعون فتن جلهم، وأضلهم مع القبط، فكانوا أشياعا متفرقين، لم يبق لهم دين. فإن قلت: إذا كان موسى عليه السلام مبعوثا إلى القبط، فلم لم يرجع إليهم بعد خروجه عنهم إلى الشام؟ فالجواب: أنه لما بلغهم الرسالة قامت الحجة عليهم، فيجب عليهم أن يهاجروا إليه للدين. ثم أمره بالتذكير فقال: { وذكرهم بأيام الله }: بوقائعه التي وقعت على الأمم الدارجة قبلهم، وأيام العرب: حروبها. أو ذكرهم بنعم الله وآلائه، وبنقمه وبلائه فالأيام تطلق على المعنيين. { إن في ذلك لآيات لكل صبار } في بلائه، { شكور } لنعمائه، وإنما خصه لأنه إذا سمع ما نزل على من قبله من البلاء، وأفيض عليهم من النعماء، اعتبر وتنبه لما يجب عليه من الصبر والشكر. وقيل: المراد لكل مؤمن، وإنما عبر بذلك تنبيها على أن الصبر والشكر عنوان الإيمان. قاله البيضاوي. { وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم }: حين أنجاكم { من آل فرعون }: رهطه، { يسومونكم }: يولونكم { سوء العذاب }: أقبحه يستعبدونكم ويكلفونكم مشاق الأعمال، { ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم } ، قال البيضاوي: المراد بالعذاب هنا غير المراد به في سورتي البقرة والأعراف لأنه هناك مفسر بالتذبيح والقتل، ومعطوف عليه هنا، فهو هنا إما جنس العذاب، أو استعبادهم واستعمالهم بالأعمال الشاقة. ه. { وفي ذلكم } الامتحان { بلاء } أي: ابتلاء { من ربكم عظيم } اختبركم به حتى أنقذكم منه، ليعظم شكركم، أو: في ذلك الإنجاء بلاء، أي: نعمة واختبار عظيم، لينظر كيف تعملون في شكر هذه النعمة. ولذلك قال لهم موسى عليه السلام: { وإذ تأذن ربكم } أي: آذن، بمعنى أعلم، كتوعد وأوعد، غير أن تأذن أبلغ من آذن لما في تفعل من التكلف والمبالغة، أي أعلمكم، وقال: والله { لئن شكرتم } يا بني إسرائيل ما أنعمت به عليكم من الإنجاء وغيره، بالإيمان والعمل الصالح، وبالإقرار باللسان، وإفراد النعمة للمنعم بالجنان، { لأزيدنكم } نعمة على نعمة. وهذ الخطاب، وإن كان لبني إسرائيل، يعم جميع الخلق، والزيادة إما من خير الدنيا، أو ثواب الآخرة. وشكر الخواص يكون على السراء والضراء فتكون الزيادة في الضراء، إما في ثواب أو في التقريب.
ثم ذكر ضده فقال: { ولئن كفرتم } ما أنعمت به عليكم، وقابلتموه بالكفر والعصيان، { أن عذابي لشديد } فأعذبكم به على كفركم. قال البيضاوي: ومن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد. ه. فصرح بوصول الزيادة إليهم، ولم يقل: أعذبكم عذابا شديدا، بل عظم عذابه في الجملة. { وقال موسى } ، في شأن من لم يشكر: { إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا } من الثقلين، { فإن الله لغني } عن شكركم، { حميد }: محمود على ألسنة خلقه، من الملائكة وغيرهم. فكل ذرة من المخلوقات ناطقة بحمده حالا أو مقالا، فهو غني أيضا عن حمدكم، فما ضررتم بالكفر إلا أنفسكم حيث حرمتموها مزيد الإنعام، وعرضتموها لشديد الانتقال. وبالله التوفيق. الإشارة: ذكر الحق تعالى في هذه الآية مقامين من مقامات اليقين: الصبر والشكر، ومدح من تخلق بهما واستعملهما في محلهما، فيركب أيهما توجه إليه منهما، ويسير بهما إلى ربه. فالصبر عنوان الظفر، وأجره لا ينحصر، والشكر ضامن للزيادة، قال بعض العارفين: لم يضمن الحق تعالى الزيادة في مقام من المقامات إلا الشكر، فدل أنه أفضل المقامات وأحسن الطاعات، من حيث إنه متضمن للفرح بالله، وموجب لمحبة الله. ولا شك أن مقام الشكر أعلى من مقام الصبر لأن الشاكر يرى المنن في طي المحن، فيتلقى المهالك بوجه ضاحك لأنه لا يكون شاكرا حقيقة حتى يشكر في السراء والضراء، ولا يشكر في الضراء حتى يراها سراء، باعتبار ما يواجه به في حال الضراء من الفتوحات القلبية، والمواهب اللدنية، فتنقلب النقمة نعمة. بخلاف مقام الصبر، صاحبه يتجرع مرارة الصبر لأنه لم يترق إلى شهود المبلى في حال بلائه، ولو ترقى إلى شهوده للذت لديه البلايا، كما قال صاحب العينية:
تلذ لي الآلام إذ كنت مسقمي وإن تختبرني فهي عندي صنائع
لكن هذه الأحوال تختلف على العبد باعتبار القوة والضعف فتارة تجده قويا يتلقى المهالك بوجه ضاحك، وتارة تصادفه الأقدار ضعيفا فلا يبقى معه إلا الصبر وتجرع مرارة البلاء، والعياذ بالله. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في كتاب القصد: " رأيت كأني مع النبيين والصديقين، فأردت الكون معهم، ثم قلت: اللهم اسلك بي سبيلهم مع العافية مما ابتليتهم، فإنهم أقوى ونحن أضعف منهم، فقيل لي: قل: وما قدرت من شيء فأيدنا كما أيدتهم. ثم ذكرهم عن سلف قبلهم
إبراهيم 14:8
قلت: أن أخرج: إما تفسيرية لا محل لها، أي: وقلنا: أن أخرج لأن في الإرسال معنى القول، أو على إسقاط الخافض، أي: بأن أخرج، فإن صيغ الأفعال سواء في الدلالة على المصدر، فيصح أن توصل بها " إن " الناصبة. يقول الحق جل جلاله: { ولقد ارسلنا موسى بأياتنا } كاليد والعصا، وسائر معجزاته التسع، وقلنا له: { أن أخرج قومك } بني إسرائيل، وفرعون وملأه { من الظلمات إلى النور } من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أما فرعون وملؤه فظاهر، وأما بنو أسرائيل فقد كان فرعون فتن جلهم، وأضلهم مع القبط، فكانوا أشياعا متفرقين، لم يبق لهم دين. فإن قلت: إذا كان موسى عليه السلام مبعوثا إلى القبط، فلم لم يرجع إليهم بعد خروجه عنهم إلى الشام؟ فالجواب: أنه لما بلغهم الرسالة قامت الحجة عليهم، فيجب عليهم أن يهاجروا إليه للدين. ثم أمره بالتذكير فقال: { وذكرهم بأيام الله }: بوقائعه التي وقعت على الأمم الدارجة قبلهم، وأيام العرب: حروبها. أو ذكرهم بنعم الله وآلائه، وبنقمه وبلائه فالأيام تطلق على المعنيين. { إن في ذلك لآيات لكل صبار } في بلائه، { شكور } لنعمائه، وإنما خصه لأنه إذا سمع ما نزل على من قبله من البلاء، وأفيض عليهم من النعماء، اعتبر وتنبه لما يجب عليه من الصبر والشكر. وقيل: المراد لكل مؤمن، وإنما عبر بذلك تنبيها على أن الصبر والشكر عنوان الإيمان. قاله البيضاوي. { وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم }: حين أنجاكم { من آل فرعون }: رهطه، { يسومونكم }: يولونكم { سوء العذاب }: أقبحه يستعبدونكم ويكلفونكم مشاق الأعمال، { ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم } ، قال البيضاوي: المراد بالعذاب هنا غير المراد به في سورتي البقرة والأعراف لأنه هناك مفسر بالتذبيح والقتل، ومعطوف عليه هنا، فهو هنا إما جنس العذاب، أو استعبادهم واستعمالهم بالأعمال الشاقة. ه. { وفي ذلكم } الامتحان { بلاء } أي: ابتلاء { من ربكم عظيم } اختبركم به حتى أنقذكم منه، ليعظم شكركم، أو: في ذلك الإنجاء بلاء، أي: نعمة واختبار عظيم، لينظر كيف تعملون في شكر هذه النعمة. ولذلك قال لهم موسى عليه السلام: { وإذ تأذن ربكم } أي: آذن، بمعنى أعلم، كتوعد وأوعد، غير أن تأذن أبلغ من آذن لما في تفعل من التكلف والمبالغة، أي أعلمكم، وقال: والله { لئن شكرتم } يا بني إسرائيل ما أنعمت به عليكم من الإنجاء وغيره، بالإيمان والعمل الصالح، وبالإقرار باللسان، وإفراد النعمة للمنعم بالجنان، { لأزيدنكم } نعمة على نعمة. وهذ الخطاب، وإن كان لبني إسرائيل، يعم جميع الخلق، والزيادة إما من خير الدنيا، أو ثواب الآخرة. وشكر الخواص يكون على السراء والضراء فتكون الزيادة في الضراء، إما في ثواب أو في التقريب.
ثم ذكر ضده فقال: { ولئن كفرتم } ما أنعمت به عليكم، وقابلتموه بالكفر والعصيان، { أن عذابي لشديد } فأعذبكم به على كفركم. قال البيضاوي: ومن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد. ه. فصرح بوصول الزيادة إليهم، ولم يقل: أعذبكم عذابا شديدا، بل عظم عذابه في الجملة. { وقال موسى } ، في شأن من لم يشكر: { إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا } من الثقلين، { فإن الله لغني } عن شكركم، { حميد }: محمود على ألسنة خلقه، من الملائكة وغيرهم. فكل ذرة من المخلوقات ناطقة بحمده حالا أو مقالا، فهو غني أيضا عن حمدكم، فما ضررتم بالكفر إلا أنفسكم حيث حرمتموها مزيد الإنعام، وعرضتموها لشديد الانتقال. وبالله التوفيق. الإشارة: ذكر الحق تعالى في هذه الآية مقامين من مقامات اليقين: الصبر والشكر، ومدح من تخلق بهما واستعملهما في محلهما، فيركب أيهما توجه إليه منهما، ويسير بهما إلى ربه. فالصبر عنوان الظفر، وأجره لا ينحصر، والشكر ضامن للزيادة، قال بعض العارفين: لم يضمن الحق تعالى الزيادة في مقام من المقامات إلا الشكر، فدل أنه أفضل المقامات وأحسن الطاعات، من حيث إنه متضمن للفرح بالله، وموجب لمحبة الله. ولا شك أن مقام الشكر أعلى من مقام الصبر لأن الشاكر يرى المنن في طي المحن، فيتلقى المهالك بوجه ضاحك لأنه لا يكون شاكرا حقيقة حتى يشكر في السراء والضراء، ولا يشكر في الضراء حتى يراها سراء، باعتبار ما يواجه به في حال الضراء من الفتوحات القلبية، والمواهب اللدنية، فتنقلب النقمة نعمة. بخلاف مقام الصبر، صاحبه يتجرع مرارة الصبر لأنه لم يترق إلى شهود المبلى في حال بلائه، ولو ترقى إلى شهوده للذت لديه البلايا، كما قال صاحب العينية:
تلذ لي الآلام إذ كنت مسقمي وإن تختبرني فهي عندي صنائع
لكن هذه الأحوال تختلف على العبد باعتبار القوة والضعف فتارة تجده قويا يتلقى المهالك بوجه ضاحك، وتارة تصادفه الأقدار ضعيفا فلا يبقى معه إلا الصبر وتجرع مرارة البلاء، والعياذ بالله. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في كتاب القصد: " رأيت كأني مع النبيين والصديقين، فأردت الكون معهم، ثم قلت: اللهم اسلك بي سبيلهم مع العافية مما ابتليتهم، فإنهم أقوى ونحن أضعف منهم، فقيل لي: قل: وما قدرت من شيء فأيدنا كما أيدتهم. ثم ذكرهم عن سلف قبلهم
إبراهيم 14:9
قلت: شك: فاعل بالمجرور، وفاطر: نعت له. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن نبيه موسى عليه السلام في تذكير قومه، أو من كلامه تذكيرا لهذه الأمة { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم }: ما جرى عليهم حين عصوا أنبياءهم { قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم } كقوم شعيب، وأمم كثيرة { لا يعلمهم إلا الله } لكثرة عددهم، واندراس آثارهم. ولذلك قال ابن مسعود: كذب النسابون. { جاءتهم رسلهم بالبينات } بالمعجزات الواضحات، { فردوا أيديهم في أفواههم } ليعضوا عليها غيظا مما جاءت به الرسل كقوله
عضوا عليكم الأنامل من الغيظ
{ آل عمران: 119 }. أو: وضعوها عليها تعجبا منهم، أو: استهزاء بهم، كمن غلب عليه الضحك. أو إسكاتا للأنبياء، وأمرا لهم بإطباق الأفواه، أو: ردوها في أفواه الأنبياء، يمنعونهم من التكلم، أو: ردوا أيديهم، أي: نعم الأنبياء عليهم، وهي: مواعظهم والشرائع التي أتوهم بها من عند الله، ردوها في أفواه الأنبياء حيث كذبوها، ولم يعملوا بها، كما تقول لمن لم يمتثل أمرك: ترك كلامي في فمي وذهب. { وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به } على زعمكم، { وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه } من التوحيد والإيمان، { مريب }: موقع في الريبة، أو: ذي ريبة، وهو: قلق النفس بحيث لا تطمئن إلى شيء. فإجابهم الرسل عن دعواهم الشك في الربوبية، { قالت رسلهم أفي الله شك }: أفي وجوده شك، أو في ألوهيته، أو في وحدانيته شك؟ قال البيضاوي: أدخلت همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام في المشكوك فيه، لا في الشك، أي: إنما ندعوكم إلى الله، وهو لا يحتمل الشك لكثرة الأدلة، وظهور دلالتها عليه. ه. وأشار إلى ذلك بقوله: { فاطر السماوات والأرض } أي: خالقهما ومبدعهما على هذا الشكل الغريب، والإتقان العجيب إذ لا يصدر إلا من إله عظيم القدرة، باهر الحكمة، واحد في ملكه
لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا
[الأنبياء: 22]، وهو { يدعوكم } إلى الإيمان والتوحيد ببعثه إيانا، والتصديق بنا، { ليغفر لكم من ذنوبكم } إن آمنتم، أي: يغفر لكم بعض ذنوبكم، وهو ما تقدم قبل الإسلام، ويبقى ما يذنب بعده في المشيئة، أو: ما بينكم وبينه دون المظالم. والجمهور: أنه يغفر للكافر ما سلف مطلقا، وقيل: " من ": زائدة، على غير مذهب سيبويه. قال البيضاوي: وجيء بمن، في خطاب الكفرة، دون المؤمنين في جميع القرآن، تفرقة بين الخطابين، ولعل المعنى فيه أن المغفرة، حيث جاءت في خطاب الكفار، مرتبة على الإيمان، وحيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة بالطاعة، والتجنب عن المعاصي، ونحو ذلك، فيتناول الخروج عن المظالم. ه. { ويؤخركم إلى أجل مسمى }: إلى وقت سماه الله، وجعله آخر أعماركم.
وقال الزمخشري تبعا للمعتزلة: يؤخركم إن آمنتم إلى آجالكم، وإن لم تؤمنوا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت، وهذا على قولهم بالأجلين. وأهل السنة يأبون هذا، فإن الأجل عندهم واحد محتوم، والله تعالى أعلم. الإشارة: التفكر والاعتبار أفضل عبادة الأبرار، وفي الحديث:
" تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة "
فيتفكر العبد فيما سلف قبله من القرون الماضية والأمم الخالية، كيف رحلوا عن ديارهم المشيدة، وفروشهم الممهدة، واستبدلوها بضيق القبور، وافتراش التراب تحت الجنوب، وجاءهم الموت وهم غافلون، وتجرعوا كأسها وهم كارهون، فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم رجعوا قدموا على ما قدموا، وندموا على ما خلفوا، ولم ينفع الندم وقد جف القلم، فيوجب هذا التفكر الانحياش إلى الله، والمسارعة إلى طاعة الله، والزهد في هذه الدار الفانية، والتأهب للسفر إلى الدار الباقية فيفوز فوزا عظيما. وفي تكذيب الصادقين تسلية للعارفين، وللمتوجهين من المريدين، إذا قوبلوا بالإيذاء والتكذيب، وبالله التوفيق. ثم ذكر ما أصاب به الكفار رسلهم
إبراهيم 14:10
يقول الحق جل جلاله: وقال الذين كفروا لرسلهم: { إن أنتم إلا بشر مثلنا } لا فضل لكم علينا، فلم تختصون بالنبوة دوننا، ولو شاء الله أن يبعث رسلا إلى البشر لأرسلهم من جنس أفضل، كالملائكة، أو: ما أنتم إلا بشر، والبشر لا يكون رسولا. قال ابن جزي: يحتمل أن يكون استبعادا لتفضيل بعض البشر على بعض بالنبوة، أو يكون إحالة لنبوة البشر، والأول أظهر لطلبهم البرهان بقولهم: { فأتونا بسلطان مبين } ، ولقول الرسل: { ولكن الله يمن على من يشاء من عباده }. ه. ثم قالوا للرسل: { تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا } من الأصنام بهذه الدعوى، { فأتونا بسلطان مبين }: ببرهان بين يدل على فضلكم، واستحقاقكم لهذه المرتبة التي هي مرتبة النبوة، كأنهم لم يعتبروا ما جاؤوا به من البينات والحجج، فاقترحوا عليهم آية أخرى، تعنتا ولجاجا. { قالت لهم رسلهم إن نحن }: ما نحن { إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } بالنبوة والرسالة، فمن علينا بذلك، وإن كنا بشرا مثلكم، سلموا لهم مشاركتهم في الجنس، وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة فضل الله ومنه عليهم. وفيه دليل على ان النبوة مواهب عطائية لا كسبية. ثم أجابوا عما اقترحوا بقولهم: { وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله } ، فليس لنا الإتيان بآيات، ولا في قدرتنا أن نأتيكم بما اقترحتموه، وإنما هو أمر متعلق بمشيئة الله، يخص من يشاء بها، على ما تقتضيه حكمته وسابق إرادته. { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } ، فلنتوكل نحن عليه، في الصبر على معاناتكم ومعاداتكم. عمموا الأمر بذكر المؤمنين للإشعار بأن الإيمان موجب للتوكل، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا، ألا ترى قولهم: { وما لنا ألا نتوكل على الله } أي: أي عذر لنا في ترك التوكل على الله؟ { وقد هدانا سبلنا } أي: طرقنا التي نعرفه بها، فنوحده، ونعلم أن الأمور كلها بيده، { ولنصبرن على ما آذيتمونا }: على أذاكم حتى يحكم الله بيننا، وهو جواب عن قسم محذوف، أكدوا به توكلهم، وعدم مبالاتهم بما يجري من الكفار عليهم. { وعلى الله فليتوكل المتوكلون } أي: فليثبت المتوكلون على ما استحدثوه من توكلهم، المسبب عن إيمانهم. قاله البيضاوي تبعا للزمخشري. قال ابن جزي: إن قيل: لم كرر الأمر بالتوكل؟ فالجواب عندي: أن قوله: { وعلى الله فليتوكل المتوكلون } راجع إلى ما تقدم من طلب الكفار: { فأتونا بسلطان مبين } أي: حجة ظاهرة، فتوكل الرسل في ورود ذلك إلى الله. وأما قوله: { فليتوكل المتوكلون } فهو راجع إلى قولهم: ولنصبرن على ما آذيتمونا أي: نتوكل على الله في دفع أذاكم. ه. وهو حسن، لكن التعبير بالمتوكلين يقتضي أن التوكل حاصل، والمطلوب الدوام عليه، وقد يقال: إنما عبر ثانيا بلفظ المتوكلين كراهية إعادة اللفظ بعينه، أي: من كان متوكلا على الله فإنه الحقيق بذلك.
وقال في القوت: أي: ليتوكل عليه في كل شيء من توكل عليه في شيء. وهذا أحسن وجوهه. قال في الحاشية: والوجه الآخر: وعليه فليتوكل، في توكله من توكل عليه من الأشياء لأن الوكيل في كل شيء واحد، فينبغي أن يكون التوكل في كل شيء واحد. ه. الإشارة: سر الخصوصية مستور بأوصاف البشرية، ولا فرق بين خصوصية النبوة، والولاية. سترها الحق تعالى غيرة عليها أن يعرفها من لا يعرف قدرها فلا يطلع عليها إلا من سبقت له من الله العناية، وهبت عليه ريح الهداية. وفي الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية. وقال أيضا: " سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه ". قال في لطائف المنن: فأولياء الله أهل كهف الإيواء، فقليل من يعرفهم، ولقد سمعت شيخنا أبا العباس المرسي رضي الله عنه يقول: معرفة الولي أصعب من معرفة الله فإن الله معروف بكماله وجماله، وحتى متى تعرف مخلوقا مثلك، يأكل كما تأكل، ويشرب كما تشرب؟ قال فيه: وإذا أراد الله أن يعرفك بولي من أوليائه طوى عنك وجود بشريته، وأشهدك وجود خصوصيته. ه. قلت: ومعنى " طوى عنك وجود بشريته " هو: عدم الوقوف مع أوصافها اللازمة للنقائص، بل تنفذ منها إلى شهود خصوصيته، التي هي محل الكمالات. فأوصاف البشرية الذاتية للبشر لا تزول عن الولي، ولا عن النبي كالأكل والشرب، والنوم والنكاح، والضعف والفقر، وغير ذلك من نعوت البشر لأنها في حقهم رداء وصون لستر خصوصيتهم صيانة لها أن تتبدل بالإظهار، وينادى عليها بلسان الاشتهار، ولذلك اختفوا عن كثير من الخلق. وإلى هذا أشار في الحكم بقوله: لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم البشرية ". وقال صاحب كتاب أنوار القلوب: لله سبحانه عباد ضن بهم عن العامة، وأظهرهم الخاصة، فلا يعرفهم إلا شكل، أو محب لهم، ولله عباد ضن بهم عن الخاصة والعامة، ولله عباد يظهرهم في البداية ويسترهم في النهاية، ولله عباد يسترهم في البداية ويظهرهم في النهاية، ولله عباد لا يظهر حقيقة ما بينه وبينهم إلى الحفظة فمن سواهم، حتى يلقوه بما أودعهم منه في قلوبهم، وهم شهداء المكلوت الأعلى، والصفح الأيمن من العرش الذين يتولى الله قبض أرواحهم بيده، فتطيب اجسادهم به، فلا يعدوا عليها الثرى، حتى يبعثوا بها مشرقة بنور البقاء الأبد مع الباقي الأحد عز وجل. ه. وقال أبو يزيد رضي الله عنه: أولياء الله تعالى عرائس، ولا يرى العرائس إلا من كان محرما لهم، وأما غيرهم فلا. وهم مخبأون عنده في حجاب الأنس، لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة. ه. وجميع ما أجاب به الأنبياء قومهم يجيب به الأولياء من أنكر عليهم، من قوله: { إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آبآؤنا } ، من التعلق بالأسباب والانهماك في الحظوظ، ومتابعة الهوى، وحب الدنيا، ومن قولهم: { فأتونا بسلطان مبين } إلى تمام ما أجابوا به. والله تعالى أعلم. ثم ذكر تخويف الكفار للرسل باخراجهم من الديار
إبراهيم 14:11
يقول الحق جل جلاله: وقال الذين كفروا لرسلهم: { إن أنتم إلا بشر مثلنا } لا فضل لكم علينا، فلم تختصون بالنبوة دوننا، ولو شاء الله أن يبعث رسلا إلى البشر لأرسلهم من جنس أفضل، كالملائكة، أو: ما أنتم إلا بشر، والبشر لا يكون رسولا. قال ابن جزي: يحتمل أن يكون استبعادا لتفضيل بعض البشر على بعض بالنبوة، أو يكون إحالة لنبوة البشر، والأول أظهر لطلبهم البرهان بقولهم: { فأتونا بسلطان مبين } ، ولقول الرسل: { ولكن الله يمن على من يشاء من عباده }. ه. ثم قالوا للرسل: { تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا } من الأصنام بهذه الدعوى، { فأتونا بسلطان مبين }: ببرهان بين يدل على فضلكم، واستحقاقكم لهذه المرتبة التي هي مرتبة النبوة، كأنهم لم يعتبروا ما جاؤوا به من البينات والحجج، فاقترحوا عليهم آية أخرى، تعنتا ولجاجا. { قالت لهم رسلهم إن نحن }: ما نحن { إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } بالنبوة والرسالة، فمن علينا بذلك، وإن كنا بشرا مثلكم، سلموا لهم مشاركتهم في الجنس، وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة فضل الله ومنه عليهم. وفيه دليل على ان النبوة مواهب عطائية لا كسبية. ثم أجابوا عما اقترحوا بقولهم: { وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله } ، فليس لنا الإتيان بآيات، ولا في قدرتنا أن نأتيكم بما اقترحتموه، وإنما هو أمر متعلق بمشيئة الله، يخص من يشاء بها، على ما تقتضيه حكمته وسابق إرادته. { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } ، فلنتوكل نحن عليه، في الصبر على معاناتكم ومعاداتكم. عمموا الأمر بذكر المؤمنين للإشعار بأن الإيمان موجب للتوكل، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا، ألا ترى قولهم: { وما لنا ألا نتوكل على الله } أي: أي عذر لنا في ترك التوكل على الله؟ { وقد هدانا سبلنا } أي: طرقنا التي نعرفه بها، فنوحده، ونعلم أن الأمور كلها بيده، { ولنصبرن على ما آذيتمونا }: على أذاكم حتى يحكم الله بيننا، وهو جواب عن قسم محذوف، أكدوا به توكلهم، وعدم مبالاتهم بما يجري من الكفار عليهم. { وعلى الله فليتوكل المتوكلون } أي: فليثبت المتوكلون على ما استحدثوه من توكلهم، المسبب عن إيمانهم. قاله البيضاوي تبعا للزمخشري. قال ابن جزي: إن قيل: لم كرر الأمر بالتوكل؟ فالجواب عندي: أن قوله: { وعلى الله فليتوكل المتوكلون } راجع إلى ما تقدم من طلب الكفار: { فأتونا بسلطان مبين } أي: حجة ظاهرة، فتوكل الرسل في ورود ذلك إلى الله. وأما قوله: { فليتوكل المتوكلون } فهو راجع إلى قولهم: ولنصبرن على ما آذيتمونا أي: نتوكل على الله في دفع أذاكم. ه. وهو حسن، لكن التعبير بالمتوكلين يقتضي أن التوكل حاصل، والمطلوب الدوام عليه، وقد يقال: إنما عبر ثانيا بلفظ المتوكلين كراهية إعادة اللفظ بعينه، أي: من كان متوكلا على الله فإنه الحقيق بذلك.
وقال في القوت: أي: ليتوكل عليه في كل شيء من توكل عليه في شيء. وهذا أحسن وجوهه. قال في الحاشية: والوجه الآخر: وعليه فليتوكل، في توكله من توكل عليه من الأشياء لأن الوكيل في كل شيء واحد، فينبغي أن يكون التوكل في كل شيء واحد. ه. الإشارة: سر الخصوصية مستور بأوصاف البشرية، ولا فرق بين خصوصية النبوة، والولاية. سترها الحق تعالى غيرة عليها أن يعرفها من لا يعرف قدرها فلا يطلع عليها إلا من سبقت له من الله العناية، وهبت عليه ريح الهداية. وفي الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية. وقال أيضا: " سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه ". قال في لطائف المنن: فأولياء الله أهل كهف الإيواء، فقليل من يعرفهم، ولقد سمعت شيخنا أبا العباس المرسي رضي الله عنه يقول: معرفة الولي أصعب من معرفة الله فإن الله معروف بكماله وجماله، وحتى متى تعرف مخلوقا مثلك، يأكل كما تأكل، ويشرب كما تشرب؟ قال فيه: وإذا أراد الله أن يعرفك بولي من أوليائه طوى عنك وجود بشريته، وأشهدك وجود خصوصيته. ه. قلت: ومعنى " طوى عنك وجود بشريته " هو: عدم الوقوف مع أوصافها اللازمة للنقائص، بل تنفذ منها إلى شهود خصوصيته، التي هي محل الكمالات. فأوصاف البشرية الذاتية للبشر لا تزول عن الولي، ولا عن النبي كالأكل والشرب، والنوم والنكاح، والضعف والفقر، وغير ذلك من نعوت البشر لأنها في حقهم رداء وصون لستر خصوصيتهم صيانة لها أن تتبدل بالإظهار، وينادى عليها بلسان الاشتهار، ولذلك اختفوا عن كثير من الخلق. وإلى هذا أشار في الحكم بقوله: لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم البشرية ". وقال صاحب كتاب أنوار القلوب: لله سبحانه عباد ضن بهم عن العامة، وأظهرهم الخاصة، فلا يعرفهم إلا شكل، أو محب لهم، ولله عباد ضن بهم عن الخاصة والعامة، ولله عباد يظهرهم في البداية ويسترهم في النهاية، ولله عباد يسترهم في البداية ويظهرهم في النهاية، ولله عباد لا يظهر حقيقة ما بينه وبينهم إلى الحفظة فمن سواهم، حتى يلقوه بما أودعهم منه في قلوبهم، وهم شهداء المكلوت الأعلى، والصفح الأيمن من العرش الذين يتولى الله قبض أرواحهم بيده، فتطيب اجسادهم به، فلا يعدوا عليها الثرى، حتى يبعثوا بها مشرقة بنور البقاء الأبد مع الباقي الأحد عز وجل. ه. وقال أبو يزيد رضي الله عنه: أولياء الله تعالى عرائس، ولا يرى العرائس إلا من كان محرما لهم، وأما غيرهم فلا. وهم مخبأون عنده في حجاب الأنس، لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة. ه. وجميع ما أجاب به الأنبياء قومهم يجيب به الأولياء من أنكر عليهم، من قوله: { إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آبآؤنا } ، من التعلق بالأسباب والانهماك في الحظوظ، ومتابعة الهوى، وحب الدنيا، ومن قولهم: { فأتونا بسلطان مبين } إلى تمام ما أجابوا به. والله تعالى أعلم. ثم ذكر تخويف الكفار للرسل باخراجهم من الديار
إبراهيم 14:12
يقول الحق جل جلاله: وقال الذين كفروا لرسلهم: { إن أنتم إلا بشر مثلنا } لا فضل لكم علينا، فلم تختصون بالنبوة دوننا، ولو شاء الله أن يبعث رسلا إلى البشر لأرسلهم من جنس أفضل، كالملائكة، أو: ما أنتم إلا بشر، والبشر لا يكون رسولا. قال ابن جزي: يحتمل أن يكون استبعادا لتفضيل بعض البشر على بعض بالنبوة، أو يكون إحالة لنبوة البشر، والأول أظهر لطلبهم البرهان بقولهم: { فأتونا بسلطان مبين } ، ولقول الرسل: { ولكن الله يمن على من يشاء من عباده }. ه. ثم قالوا للرسل: { تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا } من الأصنام بهذه الدعوى، { فأتونا بسلطان مبين }: ببرهان بين يدل على فضلكم، واستحقاقكم لهذه المرتبة التي هي مرتبة النبوة، كأنهم لم يعتبروا ما جاؤوا به من البينات والحجج، فاقترحوا عليهم آية أخرى، تعنتا ولجاجا. { قالت لهم رسلهم إن نحن }: ما نحن { إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } بالنبوة والرسالة، فمن علينا بذلك، وإن كنا بشرا مثلكم، سلموا لهم مشاركتهم في الجنس، وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة فضل الله ومنه عليهم. وفيه دليل على ان النبوة مواهب عطائية لا كسبية. ثم أجابوا عما اقترحوا بقولهم: { وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله } ، فليس لنا الإتيان بآيات، ولا في قدرتنا أن نأتيكم بما اقترحتموه، وإنما هو أمر متعلق بمشيئة الله، يخص من يشاء بها، على ما تقتضيه حكمته وسابق إرادته. { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } ، فلنتوكل نحن عليه، في الصبر على معاناتكم ومعاداتكم. عمموا الأمر بذكر المؤمنين للإشعار بأن الإيمان موجب للتوكل، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا، ألا ترى قولهم: { وما لنا ألا نتوكل على الله } أي: أي عذر لنا في ترك التوكل على الله؟ { وقد هدانا سبلنا } أي: طرقنا التي نعرفه بها، فنوحده، ونعلم أن الأمور كلها بيده، { ولنصبرن على ما آذيتمونا }: على أذاكم حتى يحكم الله بيننا، وهو جواب عن قسم محذوف، أكدوا به توكلهم، وعدم مبالاتهم بما يجري من الكفار عليهم. { وعلى الله فليتوكل المتوكلون } أي: فليثبت المتوكلون على ما استحدثوه من توكلهم، المسبب عن إيمانهم. قاله البيضاوي تبعا للزمخشري. قال ابن جزي: إن قيل: لم كرر الأمر بالتوكل؟ فالجواب عندي: أن قوله: { وعلى الله فليتوكل المتوكلون } راجع إلى ما تقدم من طلب الكفار: { فأتونا بسلطان مبين } أي: حجة ظاهرة، فتوكل الرسل في ورود ذلك إلى الله. وأما قوله: { فليتوكل المتوكلون } فهو راجع إلى قولهم: ولنصبرن على ما آذيتمونا أي: نتوكل على الله في دفع أذاكم. ه. وهو حسن، لكن التعبير بالمتوكلين يقتضي أن التوكل حاصل، والمطلوب الدوام عليه، وقد يقال: إنما عبر ثانيا بلفظ المتوكلين كراهية إعادة اللفظ بعينه، أي: من كان متوكلا على الله فإنه الحقيق بذلك.
وقال في القوت: أي: ليتوكل عليه في كل شيء من توكل عليه في شيء. وهذا أحسن وجوهه. قال في الحاشية: والوجه الآخر: وعليه فليتوكل، في توكله من توكل عليه من الأشياء لأن الوكيل في كل شيء واحد، فينبغي أن يكون التوكل في كل شيء واحد. ه. الإشارة: سر الخصوصية مستور بأوصاف البشرية، ولا فرق بين خصوصية النبوة، والولاية. سترها الحق تعالى غيرة عليها أن يعرفها من لا يعرف قدرها فلا يطلع عليها إلا من سبقت له من الله العناية، وهبت عليه ريح الهداية. وفي الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية. وقال أيضا: " سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه ". قال في لطائف المنن: فأولياء الله أهل كهف الإيواء، فقليل من يعرفهم، ولقد سمعت شيخنا أبا العباس المرسي رضي الله عنه يقول: معرفة الولي أصعب من معرفة الله فإن الله معروف بكماله وجماله، وحتى متى تعرف مخلوقا مثلك، يأكل كما تأكل، ويشرب كما تشرب؟ قال فيه: وإذا أراد الله أن يعرفك بولي من أوليائه طوى عنك وجود بشريته، وأشهدك وجود خصوصيته. ه. قلت: ومعنى " طوى عنك وجود بشريته " هو: عدم الوقوف مع أوصافها اللازمة للنقائص، بل تنفذ منها إلى شهود خصوصيته، التي هي محل الكمالات. فأوصاف البشرية الذاتية للبشر لا تزول عن الولي، ولا عن النبي كالأكل والشرب، والنوم والنكاح، والضعف والفقر، وغير ذلك من نعوت البشر لأنها في حقهم رداء وصون لستر خصوصيتهم صيانة لها أن تتبدل بالإظهار، وينادى عليها بلسان الاشتهار، ولذلك اختفوا عن كثير من الخلق. وإلى هذا أشار في الحكم بقوله: لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم البشرية ". وقال صاحب كتاب أنوار القلوب: لله سبحانه عباد ضن بهم عن العامة، وأظهرهم الخاصة، فلا يعرفهم إلا شكل، أو محب لهم، ولله عباد ضن بهم عن الخاصة والعامة، ولله عباد يظهرهم في البداية ويسترهم في النهاية، ولله عباد يسترهم في البداية ويظهرهم في النهاية، ولله عباد لا يظهر حقيقة ما بينه وبينهم إلى الحفظة فمن سواهم، حتى يلقوه بما أودعهم منه في قلوبهم، وهم شهداء المكلوت الأعلى، والصفح الأيمن من العرش الذين يتولى الله قبض أرواحهم بيده، فتطيب اجسادهم به، فلا يعدوا عليها الثرى، حتى يبعثوا بها مشرقة بنور البقاء الأبد مع الباقي الأحد عز وجل. ه. وقال أبو يزيد رضي الله عنه: أولياء الله تعالى عرائس، ولا يرى العرائس إلا من كان محرما لهم، وأما غيرهم فلا. وهم مخبأون عنده في حجاب الأنس، لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة. ه. وجميع ما أجاب به الأنبياء قومهم يجيب به الأولياء من أنكر عليهم، من قوله: { إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آبآؤنا } ، من التعلق بالأسباب والانهماك في الحظوظ، ومتابعة الهوى، وحب الدنيا، ومن قولهم: { فأتونا بسلطان مبين } إلى تمام ما أجابوا به. والله تعالى أعلم. ثم ذكر تخويف الكفار للرسل باخراجهم من الديار
إبراهيم 14:13
قلت: واستفتحوا: معطوف على أوحى إن كان الضمير للرسل، واستئناف إن كان للكفار. ويسقى: معطوف على محذوف، أي: يلقى فيها ويسقى، وصديد: عطف بيان لماء، ويتجرعه: صفة لماء، أو حال من ضمير يسقى. يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا لرسلهم } تخويفا لهم: والله { لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا } ، حلفوا ليكونن أحد الأمرين إما إخراج الرسل من ديارهم، أو عودهم إلى ملتهم، والعود هنا بمعنى الصيرورة لأنهم لم يكونوا على ملتهم، كما تقدم في قصة شعيب عليه السلام. ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول، ولمن آمن معه، فغلب الجماعة على الواحد، وقال الذين كفروا في كل عصر لكل رسول أتاهم: لنخرجنك، أو لتعودن في ملتنا. { فأوحى إليهم ربهم } أي: إلى رسلهم، مجتمعين أو متفرقين على القولين وقال في إيحائه: والله { لنهلكن الظالمين } فتخلى بلادهم، { ولنسكننكم الأرض من بعدهم } أي: أرضهم وديارهم، لقوله:
وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ا
[الأعراف: 137]. { ذلك } الميراث والإسكان { لمن خاف مقامي } أي: قيامه للحساب بين يدي في القيامة، أو قيامي على عبادي، وحفظي لأعمالهم، واطلاعي على سرهم وعلانيتهم. أو خاف عظمة ذاتي وجلالي، { وخاف وعيد } أي: وعيدي بالعذاب، أو عذابي الموعود للكفار. { واستفتحوا } أي: استفتح الرسل: طلبوا من الله الفتح على أعدائهم، أو القضاء بينهم وبين أعاديهم، كقوله:
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق
[الأعراف: 89] واستفتح الكفرة واستنصروا على غلبة الرسل، على نحو قول أبي جهل في غزوة بدر: اللهم، أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة، أي: أهلكه. أو: استفتح الفريقان معا، فكل واحد منهما سأل الله أن يهلك المبطل وينصر المحق. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن: بكسر التاء على الأمر للرسل بطلب الفتح. { وخاب }: خسر { كل جبار }: متكبر على الله، { عنيد }: معاند للحق ولمن جاء به. وهذا هو الفتح الذي فتح لهم، وهو: خيبة المتكبرين وفلاح المؤمنين. ثم ذكر مآل خيبتهم بقوله: { من ورائه جهنم } أي: أمامه وبين يديه، فإنه مرصد بها، واقف على شفيرها في الدنيا، مبعوث إليها بعد الموت فيلقى فيها، { ويسقى من ماء صديد } ، وهو ما يسيل من جلود الكفارمن القيح والدم. { يتجرعه }: يتكلف جرعه، أي: زهوقه في حلقه. روي: " أن الكافر يؤتى بالشربة منه فيتكرهها، فإذا أدنيت منه شوت وجهه، وسقطت فيها فروة رأسه، فإذا شربها قطعت أمعاءه ". فيتجرعه { ولا يكاد يسيغه } أي: لا يقارب أن يسيغه، أي: يبتلعه بصعوبة فكيف يسيغه، بل يكلف به ويطول عذابه ثم يبتلعه لأن نفي " كاد " يقتضي الوقوع. والسوغ: جواز الشراب على الحلق بسهولة، وهذا بخلافه.
{ ويأتيه الموت } أي: أسباب الموت { من كل مكان } من أجل الشدائد التي تحيط به من جميع الجهات. أو: من كل مكان من جسده حتى من أصول شعره وإبهام رجليه. { وما هو بميت } فيستريح، { ومن ورائه }: من بين يديه { عذاب غليظ } أي: يستقبل في كل وقت عذابا أشد مما هو عليه، وقيل: هو الخلود في النار، وقيل: حبس الأنفاس في الأجساد. قاله الفضيل بن عياض. وقيل: قوله: { واستفتحوا }: كلام منقطع عن قصة الرسل، بل نزل في أهل مكة حين استفتحوا بطلب المطر في السنة التي أخذتهم بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فخيب الله رجاءهم ولم يسقهم، وأوعدهم أن يسقيهم بدلا من سقياهم المطر صديد أهل النار. قال معناه البيضاوي. الإشارة: ما خوفت الكفار به، رسلهم خوفت به العوام فقراءهم وأولياءهم، قال التجيبي، في الإنالة، لما تكلم على خفاء الأولياء، قال: ومعلوم أن العصمة لم تثبت إلا للنبيين والرسل عليهم الصلاة والسلام وأن غيرهم يصيب ويخطئ، ويذنب ويتوب، لكن لمن سطرت مناقب الرجال، وكراماتهم، ولم تذكر سيئاتهم، وطال العهد بهم، ظن أكثر الخلق أن ليس لهم سيئات، وقد كان لهم في أزمانهم المحب والمبغض، والمسلم والمنتقد. ثم قال: فمن يرضى يقول أحسن ما يعلم، ومن يسخط يقول أقبح ما يعلم، وقد رأى أولئك في أزمانهم من الأذى والتنقص، وإساءة الظن بهم ما كان يقصر عنه صبر غيرهم، وقد أخرج أبو زيد البسطامي من بسطام مرارا، ورفع الشبلي والخواص والنوري للسلطان، وتستر الجنيد بالفقه حين ضيق على الفقراء، وقبض على الحلاج، وضرب، ومثل به، على أنه ساحر زنديق. ه. المراد منه. قلت: وقد وقع بنا في مدينة تطوان أيام التجريد أمثال هذا، فقد خوفنا بالضرب مرارا، وسجنا وأخرجنا من زاويتنا، وقال لنا محتسبهم: والله لنخرجنكم من مدينتنا، ونركبكم في سفينة إلى بر النصارى، فقلت له: حبا وكرامة، ولعلنا نذكرهم الله حتى يسلموا، ولما وصل الخبر بهذه المقالة إلى شيخنا، كتب لنا بهذه الآية: { وقال الذين كفروا لرسلهم... } الخ. وكل آية في الكفار تجر ذيلها على من تشبه بهم، وإن كان مسلما. وبالله التوفيق. ثم ضرب مثلا لعمل الكفار.
إبراهيم 14:14
قلت: واستفتحوا: معطوف على أوحى إن كان الضمير للرسل، واستئناف إن كان للكفار. ويسقى: معطوف على محذوف، أي: يلقى فيها ويسقى، وصديد: عطف بيان لماء، ويتجرعه: صفة لماء، أو حال من ضمير يسقى. يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا لرسلهم } تخويفا لهم: والله { لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا } ، حلفوا ليكونن أحد الأمرين إما إخراج الرسل من ديارهم، أو عودهم إلى ملتهم، والعود هنا بمعنى الصيرورة لأنهم لم يكونوا على ملتهم، كما تقدم في قصة شعيب عليه السلام. ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول، ولمن آمن معه، فغلب الجماعة على الواحد، وقال الذين كفروا في كل عصر لكل رسول أتاهم: لنخرجنك، أو لتعودن في ملتنا. { فأوحى إليهم ربهم } أي: إلى رسلهم، مجتمعين أو متفرقين على القولين وقال في إيحائه: والله { لنهلكن الظالمين } فتخلى بلادهم، { ولنسكننكم الأرض من بعدهم } أي: أرضهم وديارهم، لقوله:
وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ا
[الأعراف: 137]. { ذلك } الميراث والإسكان { لمن خاف مقامي } أي: قيامه للحساب بين يدي في القيامة، أو قيامي على عبادي، وحفظي لأعمالهم، واطلاعي على سرهم وعلانيتهم. أو خاف عظمة ذاتي وجلالي، { وخاف وعيد } أي: وعيدي بالعذاب، أو عذابي الموعود للكفار. { واستفتحوا } أي: استفتح الرسل: طلبوا من الله الفتح على أعدائهم، أو القضاء بينهم وبين أعاديهم، كقوله:
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق
[الأعراف: 89] واستفتح الكفرة واستنصروا على غلبة الرسل، على نحو قول أبي جهل في غزوة بدر: اللهم، أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة، أي: أهلكه. أو: استفتح الفريقان معا، فكل واحد منهما سأل الله أن يهلك المبطل وينصر المحق. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن: بكسر التاء على الأمر للرسل بطلب الفتح. { وخاب }: خسر { كل جبار }: متكبر على الله، { عنيد }: معاند للحق ولمن جاء به. وهذا هو الفتح الذي فتح لهم، وهو: خيبة المتكبرين وفلاح المؤمنين. ثم ذكر مآل خيبتهم بقوله: { من ورائه جهنم } أي: أمامه وبين يديه، فإنه مرصد بها، واقف على شفيرها في الدنيا، مبعوث إليها بعد الموت فيلقى فيها، { ويسقى من ماء صديد } ، وهو ما يسيل من جلود الكفارمن القيح والدم. { يتجرعه }: يتكلف جرعه، أي: زهوقه في حلقه. روي: " أن الكافر يؤتى بالشربة منه فيتكرهها، فإذا أدنيت منه شوت وجهه، وسقطت فيها فروة رأسه، فإذا شربها قطعت أمعاءه ". فيتجرعه { ولا يكاد يسيغه } أي: لا يقارب أن يسيغه، أي: يبتلعه بصعوبة فكيف يسيغه، بل يكلف به ويطول عذابه ثم يبتلعه لأن نفي " كاد " يقتضي الوقوع. والسوغ: جواز الشراب على الحلق بسهولة، وهذا بخلافه.
{ ويأتيه الموت } أي: أسباب الموت { من كل مكان } من أجل الشدائد التي تحيط به من جميع الجهات. أو: من كل مكان من جسده حتى من أصول شعره وإبهام رجليه. { وما هو بميت } فيستريح، { ومن ورائه }: من بين يديه { عذاب غليظ } أي: يستقبل في كل وقت عذابا أشد مما هو عليه، وقيل: هو الخلود في النار، وقيل: حبس الأنفاس في الأجساد. قاله الفضيل بن عياض. وقيل: قوله: { واستفتحوا }: كلام منقطع عن قصة الرسل، بل نزل في أهل مكة حين استفتحوا بطلب المطر في السنة التي أخذتهم بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فخيب الله رجاءهم ولم يسقهم، وأوعدهم أن يسقيهم بدلا من سقياهم المطر صديد أهل النار. قال معناه البيضاوي. الإشارة: ما خوفت الكفار به، رسلهم خوفت به العوام فقراءهم وأولياءهم، قال التجيبي، في الإنالة، لما تكلم على خفاء الأولياء، قال: ومعلوم أن العصمة لم تثبت إلا للنبيين والرسل عليهم الصلاة والسلام وأن غيرهم يصيب ويخطئ، ويذنب ويتوب، لكن لمن سطرت مناقب الرجال، وكراماتهم، ولم تذكر سيئاتهم، وطال العهد بهم، ظن أكثر الخلق أن ليس لهم سيئات، وقد كان لهم في أزمانهم المحب والمبغض، والمسلم والمنتقد. ثم قال: فمن يرضى يقول أحسن ما يعلم، ومن يسخط يقول أقبح ما يعلم، وقد رأى أولئك في أزمانهم من الأذى والتنقص، وإساءة الظن بهم ما كان يقصر عنه صبر غيرهم، وقد أخرج أبو زيد البسطامي من بسطام مرارا، ورفع الشبلي والخواص والنوري للسلطان، وتستر الجنيد بالفقه حين ضيق على الفقراء، وقبض على الحلاج، وضرب، ومثل به، على أنه ساحر زنديق. ه. المراد منه. قلت: وقد وقع بنا في مدينة تطوان أيام التجريد أمثال هذا، فقد خوفنا بالضرب مرارا، وسجنا وأخرجنا من زاويتنا، وقال لنا محتسبهم: والله لنخرجنكم من مدينتنا، ونركبكم في سفينة إلى بر النصارى، فقلت له: حبا وكرامة، ولعلنا نذكرهم الله حتى يسلموا، ولما وصل الخبر بهذه المقالة إلى شيخنا، كتب لنا بهذه الآية: { وقال الذين كفروا لرسلهم... } الخ. وكل آية في الكفار تجر ذيلها على من تشبه بهم، وإن كان مسلما. وبالله التوفيق. ثم ضرب مثلا لعمل الكفار.
إبراهيم 14:15
قلت: واستفتحوا: معطوف على أوحى إن كان الضمير للرسل، واستئناف إن كان للكفار. ويسقى: معطوف على محذوف، أي: يلقى فيها ويسقى، وصديد: عطف بيان لماء، ويتجرعه: صفة لماء، أو حال من ضمير يسقى. يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا لرسلهم } تخويفا لهم: والله { لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا } ، حلفوا ليكونن أحد الأمرين إما إخراج الرسل من ديارهم، أو عودهم إلى ملتهم، والعود هنا بمعنى الصيرورة لأنهم لم يكونوا على ملتهم، كما تقدم في قصة شعيب عليه السلام. ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول، ولمن آمن معه، فغلب الجماعة على الواحد، وقال الذين كفروا في كل عصر لكل رسول أتاهم: لنخرجنك، أو لتعودن في ملتنا. { فأوحى إليهم ربهم } أي: إلى رسلهم، مجتمعين أو متفرقين على القولين وقال في إيحائه: والله { لنهلكن الظالمين } فتخلى بلادهم، { ولنسكننكم الأرض من بعدهم } أي: أرضهم وديارهم، لقوله:
وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ا
[الأعراف: 137]. { ذلك } الميراث والإسكان { لمن خاف مقامي } أي: قيامه للحساب بين يدي في القيامة، أو قيامي على عبادي، وحفظي لأعمالهم، واطلاعي على سرهم وعلانيتهم. أو خاف عظمة ذاتي وجلالي، { وخاف وعيد } أي: وعيدي بالعذاب، أو عذابي الموعود للكفار. { واستفتحوا } أي: استفتح الرسل: طلبوا من الله الفتح على أعدائهم، أو القضاء بينهم وبين أعاديهم، كقوله:
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق
[الأعراف: 89] واستفتح الكفرة واستنصروا على غلبة الرسل، على نحو قول أبي جهل في غزوة بدر: اللهم، أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة، أي: أهلكه. أو: استفتح الفريقان معا، فكل واحد منهما سأل الله أن يهلك المبطل وينصر المحق. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن: بكسر التاء على الأمر للرسل بطلب الفتح. { وخاب }: خسر { كل جبار }: متكبر على الله، { عنيد }: معاند للحق ولمن جاء به. وهذا هو الفتح الذي فتح لهم، وهو: خيبة المتكبرين وفلاح المؤمنين. ثم ذكر مآل خيبتهم بقوله: { من ورائه جهنم } أي: أمامه وبين يديه، فإنه مرصد بها، واقف على شفيرها في الدنيا، مبعوث إليها بعد الموت فيلقى فيها، { ويسقى من ماء صديد } ، وهو ما يسيل من جلود الكفارمن القيح والدم. { يتجرعه }: يتكلف جرعه، أي: زهوقه في حلقه. روي: " أن الكافر يؤتى بالشربة منه فيتكرهها، فإذا أدنيت منه شوت وجهه، وسقطت فيها فروة رأسه، فإذا شربها قطعت أمعاءه ". فيتجرعه { ولا يكاد يسيغه } أي: لا يقارب أن يسيغه، أي: يبتلعه بصعوبة فكيف يسيغه، بل يكلف به ويطول عذابه ثم يبتلعه لأن نفي " كاد " يقتضي الوقوع. والسوغ: جواز الشراب على الحلق بسهولة، وهذا بخلافه.
{ ويأتيه الموت } أي: أسباب الموت { من كل مكان } من أجل الشدائد التي تحيط به من جميع الجهات. أو: من كل مكان من جسده حتى من أصول شعره وإبهام رجليه. { وما هو بميت } فيستريح، { ومن ورائه }: من بين يديه { عذاب غليظ } أي: يستقبل في كل وقت عذابا أشد مما هو عليه، وقيل: هو الخلود في النار، وقيل: حبس الأنفاس في الأجساد. قاله الفضيل بن عياض. وقيل: قوله: { واستفتحوا }: كلام منقطع عن قصة الرسل، بل نزل في أهل مكة حين استفتحوا بطلب المطر في السنة التي أخذتهم بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فخيب الله رجاءهم ولم يسقهم، وأوعدهم أن يسقيهم بدلا من سقياهم المطر صديد أهل النار. قال معناه البيضاوي. الإشارة: ما خوفت الكفار به، رسلهم خوفت به العوام فقراءهم وأولياءهم، قال التجيبي، في الإنالة، لما تكلم على خفاء الأولياء، قال: ومعلوم أن العصمة لم تثبت إلا للنبيين والرسل عليهم الصلاة والسلام وأن غيرهم يصيب ويخطئ، ويذنب ويتوب، لكن لمن سطرت مناقب الرجال، وكراماتهم، ولم تذكر سيئاتهم، وطال العهد بهم، ظن أكثر الخلق أن ليس لهم سيئات، وقد كان لهم في أزمانهم المحب والمبغض، والمسلم والمنتقد. ثم قال: فمن يرضى يقول أحسن ما يعلم، ومن يسخط يقول أقبح ما يعلم، وقد رأى أولئك في أزمانهم من الأذى والتنقص، وإساءة الظن بهم ما كان يقصر عنه صبر غيرهم، وقد أخرج أبو زيد البسطامي من بسطام مرارا، ورفع الشبلي والخواص والنوري للسلطان، وتستر الجنيد بالفقه حين ضيق على الفقراء، وقبض على الحلاج، وضرب، ومثل به، على أنه ساحر زنديق. ه. المراد منه. قلت: وقد وقع بنا في مدينة تطوان أيام التجريد أمثال هذا، فقد خوفنا بالضرب مرارا، وسجنا وأخرجنا من زاويتنا، وقال لنا محتسبهم: والله لنخرجنكم من مدينتنا، ونركبكم في سفينة إلى بر النصارى، فقلت له: حبا وكرامة، ولعلنا نذكرهم الله حتى يسلموا، ولما وصل الخبر بهذه المقالة إلى شيخنا، كتب لنا بهذه الآية: { وقال الذين كفروا لرسلهم... } الخ. وكل آية في الكفار تجر ذيلها على من تشبه بهم، وإن كان مسلما. وبالله التوفيق. ثم ضرب مثلا لعمل الكفار.
إبراهيم 14:16
قلت: واستفتحوا: معطوف على أوحى إن كان الضمير للرسل، واستئناف إن كان للكفار. ويسقى: معطوف على محذوف، أي: يلقى فيها ويسقى، وصديد: عطف بيان لماء، ويتجرعه: صفة لماء، أو حال من ضمير يسقى. يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا لرسلهم } تخويفا لهم: والله { لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا } ، حلفوا ليكونن أحد الأمرين إما إخراج الرسل من ديارهم، أو عودهم إلى ملتهم، والعود هنا بمعنى الصيرورة لأنهم لم يكونوا على ملتهم، كما تقدم في قصة شعيب عليه السلام. ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول، ولمن آمن معه، فغلب الجماعة على الواحد، وقال الذين كفروا في كل عصر لكل رسول أتاهم: لنخرجنك، أو لتعودن في ملتنا. { فأوحى إليهم ربهم } أي: إلى رسلهم، مجتمعين أو متفرقين على القولين وقال في إيحائه: والله { لنهلكن الظالمين } فتخلى بلادهم، { ولنسكننكم الأرض من بعدهم } أي: أرضهم وديارهم، لقوله:
وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ا
[الأعراف: 137]. { ذلك } الميراث والإسكان { لمن خاف مقامي } أي: قيامه للحساب بين يدي في القيامة، أو قيامي على عبادي، وحفظي لأعمالهم، واطلاعي على سرهم وعلانيتهم. أو خاف عظمة ذاتي وجلالي، { وخاف وعيد } أي: وعيدي بالعذاب، أو عذابي الموعود للكفار. { واستفتحوا } أي: استفتح الرسل: طلبوا من الله الفتح على أعدائهم، أو القضاء بينهم وبين أعاديهم، كقوله:
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق
[الأعراف: 89] واستفتح الكفرة واستنصروا على غلبة الرسل، على نحو قول أبي جهل في غزوة بدر: اللهم، أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة، أي: أهلكه. أو: استفتح الفريقان معا، فكل واحد منهما سأل الله أن يهلك المبطل وينصر المحق. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن: بكسر التاء على الأمر للرسل بطلب الفتح. { وخاب }: خسر { كل جبار }: متكبر على الله، { عنيد }: معاند للحق ولمن جاء به. وهذا هو الفتح الذي فتح لهم، وهو: خيبة المتكبرين وفلاح المؤمنين. ثم ذكر مآل خيبتهم بقوله: { من ورائه جهنم } أي: أمامه وبين يديه، فإنه مرصد بها، واقف على شفيرها في الدنيا، مبعوث إليها بعد الموت فيلقى فيها، { ويسقى من ماء صديد } ، وهو ما يسيل من جلود الكفارمن القيح والدم. { يتجرعه }: يتكلف جرعه، أي: زهوقه في حلقه. روي: " أن الكافر يؤتى بالشربة منه فيتكرهها، فإذا أدنيت منه شوت وجهه، وسقطت فيها فروة رأسه، فإذا شربها قطعت أمعاءه ". فيتجرعه { ولا يكاد يسيغه } أي: لا يقارب أن يسيغه، أي: يبتلعه بصعوبة فكيف يسيغه، بل يكلف به ويطول عذابه ثم يبتلعه لأن نفي " كاد " يقتضي الوقوع. والسوغ: جواز الشراب على الحلق بسهولة، وهذا بخلافه.
{ ويأتيه الموت } أي: أسباب الموت { من كل مكان } من أجل الشدائد التي تحيط به من جميع الجهات. أو: من كل مكان من جسده حتى من أصول شعره وإبهام رجليه. { وما هو بميت } فيستريح، { ومن ورائه }: من بين يديه { عذاب غليظ } أي: يستقبل في كل وقت عذابا أشد مما هو عليه، وقيل: هو الخلود في النار، وقيل: حبس الأنفاس في الأجساد. قاله الفضيل بن عياض. وقيل: قوله: { واستفتحوا }: كلام منقطع عن قصة الرسل، بل نزل في أهل مكة حين استفتحوا بطلب المطر في السنة التي أخذتهم بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فخيب الله رجاءهم ولم يسقهم، وأوعدهم أن يسقيهم بدلا من سقياهم المطر صديد أهل النار. قال معناه البيضاوي. الإشارة: ما خوفت الكفار به، رسلهم خوفت به العوام فقراءهم وأولياءهم، قال التجيبي، في الإنالة، لما تكلم على خفاء الأولياء، قال: ومعلوم أن العصمة لم تثبت إلا للنبيين والرسل عليهم الصلاة والسلام وأن غيرهم يصيب ويخطئ، ويذنب ويتوب، لكن لمن سطرت مناقب الرجال، وكراماتهم، ولم تذكر سيئاتهم، وطال العهد بهم، ظن أكثر الخلق أن ليس لهم سيئات، وقد كان لهم في أزمانهم المحب والمبغض، والمسلم والمنتقد. ثم قال: فمن يرضى يقول أحسن ما يعلم، ومن يسخط يقول أقبح ما يعلم، وقد رأى أولئك في أزمانهم من الأذى والتنقص، وإساءة الظن بهم ما كان يقصر عنه صبر غيرهم، وقد أخرج أبو زيد البسطامي من بسطام مرارا، ورفع الشبلي والخواص والنوري للسلطان، وتستر الجنيد بالفقه حين ضيق على الفقراء، وقبض على الحلاج، وضرب، ومثل به، على أنه ساحر زنديق. ه. المراد منه. قلت: وقد وقع بنا في مدينة تطوان أيام التجريد أمثال هذا، فقد خوفنا بالضرب مرارا، وسجنا وأخرجنا من زاويتنا، وقال لنا محتسبهم: والله لنخرجنكم من مدينتنا، ونركبكم في سفينة إلى بر النصارى، فقلت له: حبا وكرامة، ولعلنا نذكرهم الله حتى يسلموا، ولما وصل الخبر بهذه المقالة إلى شيخنا، كتب لنا بهذه الآية: { وقال الذين كفروا لرسلهم... } الخ. وكل آية في الكفار تجر ذيلها على من تشبه بهم، وإن كان مسلما. وبالله التوفيق. ثم ضرب مثلا لعمل الكفار.
إبراهيم 14:17
قلت: واستفتحوا: معطوف على أوحى إن كان الضمير للرسل، واستئناف إن كان للكفار. ويسقى: معطوف على محذوف، أي: يلقى فيها ويسقى، وصديد: عطف بيان لماء، ويتجرعه: صفة لماء، أو حال من ضمير يسقى. يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا لرسلهم } تخويفا لهم: والله { لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا } ، حلفوا ليكونن أحد الأمرين إما إخراج الرسل من ديارهم، أو عودهم إلى ملتهم، والعود هنا بمعنى الصيرورة لأنهم لم يكونوا على ملتهم، كما تقدم في قصة شعيب عليه السلام. ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول، ولمن آمن معه، فغلب الجماعة على الواحد، وقال الذين كفروا في كل عصر لكل رسول أتاهم: لنخرجنك، أو لتعودن في ملتنا. { فأوحى إليهم ربهم } أي: إلى رسلهم، مجتمعين أو متفرقين على القولين وقال في إيحائه: والله { لنهلكن الظالمين } فتخلى بلادهم، { ولنسكننكم الأرض من بعدهم } أي: أرضهم وديارهم، لقوله:
وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ا
[الأعراف: 137]. { ذلك } الميراث والإسكان { لمن خاف مقامي } أي: قيامه للحساب بين يدي في القيامة، أو قيامي على عبادي، وحفظي لأعمالهم، واطلاعي على سرهم وعلانيتهم. أو خاف عظمة ذاتي وجلالي، { وخاف وعيد } أي: وعيدي بالعذاب، أو عذابي الموعود للكفار. { واستفتحوا } أي: استفتح الرسل: طلبوا من الله الفتح على أعدائهم، أو القضاء بينهم وبين أعاديهم، كقوله:
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق
[الأعراف: 89] واستفتح الكفرة واستنصروا على غلبة الرسل، على نحو قول أبي جهل في غزوة بدر: اللهم، أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة، أي: أهلكه. أو: استفتح الفريقان معا، فكل واحد منهما سأل الله أن يهلك المبطل وينصر المحق. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن: بكسر التاء على الأمر للرسل بطلب الفتح. { وخاب }: خسر { كل جبار }: متكبر على الله، { عنيد }: معاند للحق ولمن جاء به. وهذا هو الفتح الذي فتح لهم، وهو: خيبة المتكبرين وفلاح المؤمنين. ثم ذكر مآل خيبتهم بقوله: { من ورائه جهنم } أي: أمامه وبين يديه، فإنه مرصد بها، واقف على شفيرها في الدنيا، مبعوث إليها بعد الموت فيلقى فيها، { ويسقى من ماء صديد } ، وهو ما يسيل من جلود الكفارمن القيح والدم. { يتجرعه }: يتكلف جرعه، أي: زهوقه في حلقه. روي: " أن الكافر يؤتى بالشربة منه فيتكرهها، فإذا أدنيت منه شوت وجهه، وسقطت فيها فروة رأسه، فإذا شربها قطعت أمعاءه ". فيتجرعه { ولا يكاد يسيغه } أي: لا يقارب أن يسيغه، أي: يبتلعه بصعوبة فكيف يسيغه، بل يكلف به ويطول عذابه ثم يبتلعه لأن نفي " كاد " يقتضي الوقوع. والسوغ: جواز الشراب على الحلق بسهولة، وهذا بخلافه.
{ ويأتيه الموت } أي: أسباب الموت { من كل مكان } من أجل الشدائد التي تحيط به من جميع الجهات. أو: من كل مكان من جسده حتى من أصول شعره وإبهام رجليه. { وما هو بميت } فيستريح، { ومن ورائه }: من بين يديه { عذاب غليظ } أي: يستقبل في كل وقت عذابا أشد مما هو عليه، وقيل: هو الخلود في النار، وقيل: حبس الأنفاس في الأجساد. قاله الفضيل بن عياض. وقيل: قوله: { واستفتحوا }: كلام منقطع عن قصة الرسل، بل نزل في أهل مكة حين استفتحوا بطلب المطر في السنة التي أخذتهم بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فخيب الله رجاءهم ولم يسقهم، وأوعدهم أن يسقيهم بدلا من سقياهم المطر صديد أهل النار. قال معناه البيضاوي. الإشارة: ما خوفت الكفار به، رسلهم خوفت به العوام فقراءهم وأولياءهم، قال التجيبي، في الإنالة، لما تكلم على خفاء الأولياء، قال: ومعلوم أن العصمة لم تثبت إلا للنبيين والرسل عليهم الصلاة والسلام وأن غيرهم يصيب ويخطئ، ويذنب ويتوب، لكن لمن سطرت مناقب الرجال، وكراماتهم، ولم تذكر سيئاتهم، وطال العهد بهم، ظن أكثر الخلق أن ليس لهم سيئات، وقد كان لهم في أزمانهم المحب والمبغض، والمسلم والمنتقد. ثم قال: فمن يرضى يقول أحسن ما يعلم، ومن يسخط يقول أقبح ما يعلم، وقد رأى أولئك في أزمانهم من الأذى والتنقص، وإساءة الظن بهم ما كان يقصر عنه صبر غيرهم، وقد أخرج أبو زيد البسطامي من بسطام مرارا، ورفع الشبلي والخواص والنوري للسلطان، وتستر الجنيد بالفقه حين ضيق على الفقراء، وقبض على الحلاج، وضرب، ومثل به، على أنه ساحر زنديق. ه. المراد منه. قلت: وقد وقع بنا في مدينة تطوان أيام التجريد أمثال هذا، فقد خوفنا بالضرب مرارا، وسجنا وأخرجنا من زاويتنا، وقال لنا محتسبهم: والله لنخرجنكم من مدينتنا، ونركبكم في سفينة إلى بر النصارى، فقلت له: حبا وكرامة، ولعلنا نذكرهم الله حتى يسلموا، ولما وصل الخبر بهذه المقالة إلى شيخنا، كتب لنا بهذه الآية: { وقال الذين كفروا لرسلهم... } الخ. وكل آية في الكفار تجر ذيلها على من تشبه بهم، وإن كان مسلما. وبالله التوفيق. ثم ضرب مثلا لعمل الكفار.
إبراهيم 14:18
قلت: مثل: مبتدأ، والخبر محذوف عند سيبويه، أي: فيما يتلى عليكم مثلهم. وقال الفراء: الخبر ما بعده، وهو جملة: أعمالهم كرماد، أو أعمالهم: بدل، والخبر: كرماد، وعلى قول سيبويه تكون جملة: أعمالهم: مستأنفة لبيان مثلهم. يقول الحق جل جلاله: { مثل } أعمال { الذين كفروا بربهم } في عدم الانتفاع بها وذهابها: { كرماد اشتدت به الريح } في الهوى بسرعة { في يوم عاصف }: شديد ريحه. والعصف: اشتداد الريح. وصف به زمانه للمبالغة، كقولهم: نهاره صائم، وليله قائم. شبه صنائعهم من الصدقة، وصلة الرحم، وإغاثة الملهوف، وعتق الرقاب، ونحو ذلك من مكارمهم في حبوطها لبنائها على غير أساس من الإيمان بالله، والتوجه بها إليه بغبار طارت به الريح العاصفة { في يوم عاصف، لا يقدرون } يوم القيامة { مما كسبوا } من أعمالهم { على شيء } من الانتفاع بها لحبوطها، وتلاشيها، فلا يقدرون منها على شيء، ولا يجدون ثوابها، وحيل بينهم وبين النفع، كما حالت الرياح بينك وبين ما تنسفه، فهو كما قيل: فذلكة التمثيل. { ذلك } إشارة إلى ضلالهم مع حسبانهم أنهم محسنون، { هو الضلال البعيد } أي: هو الغاية في البعد عن طريق الحق. الإشارة: العمل الذي يثبت لصاحبه هو الذي يصحبه الإخلاص في أوله، والإسرار في آخره، والتبري فيه من الحول والقوة، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن الإبقاء على العمل أشد من العمل، وإن الرجل ليعمل العمل فيكتب له عمل صالح، معمول به في السر، يضعف أجره بسبعين ضعفا، فلا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس ويعلنه، فيكتب علانيته، ويمحى تضعيف أجره كله، ثم لا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس ويحب أن يحمد عليه، فيمحى من العلانية، ويكتب رياء، فاتقى الله امرؤ صان دينه، وإن الرياء شرك "
رواه البيهقي. وبهذا تظهر فضيلة عمل القلوب، كعبادة التفكر والاعتبار، أو الشهود والاستبصار، أو نية صالحة وهدى صالح، أو زهد في القلب، وورع وصبر، وشكر وحلم، وغير ذلك من أعمال القلوب، التي لا يطلع عليها ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، بل يتولى جزاءه أكرم الأكرمين. ولذلك قيل: ذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح. وقال عليه الصلاة والسلام:
" تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة "
ولهذا أمر به أي: بالتفكر . بعد ضرب المثل للعمل الظاهر.
إبراهيم 14:19
يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد، أو أيها السامع { أن الله خلق السماوات والأرض بالحق } لتدل على الحق، أو بالوجه الذي يحق ان تخلق لأجله، وهو التعريف بخالقها، وبقدرته الباهرة التي تقدر على الإيجاد والإعدام، ولذلك قال: { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } ، أي: إن يشأ يعدمكم ويستبدل مكانكم خلقا آخر. فإن من قدر على إيجاد صورهم، وما تتوقف عليه مادتهم، قادر على أن يبدلهم بخلق آخر { وما ذلك على الله بعزيز } أي: بمتعذر، أو ممتنع لأن قدرته عامة التعلق، لا تختص بمقدور دون آخر، ومن كان هذا شأنه كان حقيقا بأن يفرد بالعبادة والقصد رجاء لثوابه، وخوفا من عقابه يوم الجزاء، الذي أشار إليه بقوله: { وبرزوا لله... } إلخ. الإشارة: ألم تر أن الله خلق سماوات الأرواح، لشهود الحق في مقام التعريف، وأرض النفوس لعبادة الحق في مقام التكليف. الأرواح مستقرها سماء الحقائق، والأشباح مقرها أرض الشرائع. عالم الأرواح محل التعريف، وعالم الأشباح محله التكليف. والأرواح لا تنفك عن الأشباح في الصورة الخلقية، غير أنها تعرج عنها بالتصفية والذكر، حتى تترقى إلى عالم الأرواح، فلا تشهد إلا الأرواح في محل الأشباح وهذا من أعظم أسرار الربوبية، التي يطلع عليها العارفون بالله، فإذا أطلعهم الله على هذا المقام، كوشفوا بأسرار الذات العلية، وبعالم الأرواح الذي هو مظهر أرواح الأنبياء والرسل، فلا يغيبون عن الله ساعة، ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن مقام أرواح الأنبياء والأولياء. وفي هذا المقام قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: لي ثلاثون سنة، ما غاب عني الحق طرفة عين. وقال أيضا: لو غاب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة ما عددت نفسي من المسلمين. وقال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل العمراني رضي الله عنه: مما من الله به علي أني ما ذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خطر على قلبي إلا وجدتني بين يديه... الخ كلامه. نفعنا الله بهم. وأهل هذا المقام موجودون في كل زمان، فإن القادر في زمانهم هو القادر في زماننا، وفي قوله تعالى: { إن يشأ يذهبكم... } الآية، إشارة إلى هذا، أي: إن يشأ يذهبكم عن شهود أنفسكم، ويأت بخلق جديد، تشاهدون به أسرار ربكم، وما ذلك على الله بعزيز. قال أبو المواهب التونسي رضي الله عنه: حقيقة الفناء محو واضمحلال، وذهاب عنك وزوال. ه. فيبرزون من عالم الاشباح إلى عالم الأرواح.
إبراهيم 14:20
يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد، أو أيها السامع { أن الله خلق السماوات والأرض بالحق } لتدل على الحق، أو بالوجه الذي يحق ان تخلق لأجله، وهو التعريف بخالقها، وبقدرته الباهرة التي تقدر على الإيجاد والإعدام، ولذلك قال: { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } ، أي: إن يشأ يعدمكم ويستبدل مكانكم خلقا آخر. فإن من قدر على إيجاد صورهم، وما تتوقف عليه مادتهم، قادر على أن يبدلهم بخلق آخر { وما ذلك على الله بعزيز } أي: بمتعذر، أو ممتنع لأن قدرته عامة التعلق، لا تختص بمقدور دون آخر، ومن كان هذا شأنه كان حقيقا بأن يفرد بالعبادة والقصد رجاء لثوابه، وخوفا من عقابه يوم الجزاء، الذي أشار إليه بقوله: { وبرزوا لله... } إلخ. الإشارة: ألم تر أن الله خلق سماوات الأرواح، لشهود الحق في مقام التعريف، وأرض النفوس لعبادة الحق في مقام التكليف. الأرواح مستقرها سماء الحقائق، والأشباح مقرها أرض الشرائع. عالم الأرواح محل التعريف، وعالم الأشباح محله التكليف. والأرواح لا تنفك عن الأشباح في الصورة الخلقية، غير أنها تعرج عنها بالتصفية والذكر، حتى تترقى إلى عالم الأرواح، فلا تشهد إلا الأرواح في محل الأشباح وهذا من أعظم أسرار الربوبية، التي يطلع عليها العارفون بالله، فإذا أطلعهم الله على هذا المقام، كوشفوا بأسرار الذات العلية، وبعالم الأرواح الذي هو مظهر أرواح الأنبياء والرسل، فلا يغيبون عن الله ساعة، ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن مقام أرواح الأنبياء والأولياء. وفي هذا المقام قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: لي ثلاثون سنة، ما غاب عني الحق طرفة عين. وقال أيضا: لو غاب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة ما عددت نفسي من المسلمين. وقال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل العمراني رضي الله عنه: مما من الله به علي أني ما ذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خطر على قلبي إلا وجدتني بين يديه... الخ كلامه. نفعنا الله بهم. وأهل هذا المقام موجودون في كل زمان، فإن القادر في زمانهم هو القادر في زماننا، وفي قوله تعالى: { إن يشأ يذهبكم... } الآية، إشارة إلى هذا، أي: إن يشأ يذهبكم عن شهود أنفسكم، ويأت بخلق جديد، تشاهدون به أسرار ربكم، وما ذلك على الله بعزيز. قال أبو المواهب التونسي رضي الله عنه: حقيقة الفناء محو واضمحلال، وذهاب عنك وزوال. ه. فيبرزون من عالم الاشباح إلى عالم الأرواح.
إبراهيم 14:21
قلت: تبعا: جمع تابع، أو مصدر نعت به للمبالغة على حذف مضاف، أي: كنا لكم ذا تبع، ومن عذاب الله من شيء: من، الأولى لبيان، والثانية: زائدة، هذا المختار. و عليه الصلاة والسلام ومحيص: إما مصدر، أو اسم مكان. يقول الحق جل جلاله: { وبرزوا لله } أي: لأمر الله { جميعا } ، فيبرزون من قبورهم يوم القيامة حفاة عراة، لفصل القضاء، أو: برزوا لله على ظنهم فإنهم كانوا يرتكبون الفواحش خفية، ويظنون أنها تخفى على الله، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم. وإنما عبر بالماضي لتحقق وقوعه. فيقول حينئذ { الضعفاء } وهم: الأتباع، لضعف رأيهم عندهم، { للذين استكبروا } وهم الرؤساء الذين استتبعوهم وغووهم: { إنا كنا لكم تبعا } في الكفر، وتكذيب الرسل، والإعراض عن نصحهم، { فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء } أي: فهل أنتم دافعون عنا شيئا من عذاب الله؟. { قالوا } ، أي: رؤساؤهم، في جوابهم واعتذارهم: { لو هدانا الله لهديناكم } أي: لو هدانا الله للإيمان، ووفقنا إليه لهديناكم ولكن ضللنا فأضللناكم، أي: اخترنا لكم ما اخترنا لأنفسنا، ولو هدانا الله لطريق النجاة من العذاب لهديناكم وأغنيناه عنكم، لكن سد دوننا طريق الخلاص، { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا } ، أي: مستو علينا الجزع والصبر، { ما لنا من محيص }: من مهرب ومنجى، ويحتمل أن يكون قوله: { سواء علينا... } إلخ، من كلام الفريقين معا، ويؤيده ما روي أنهم يقولون: تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام، فلا ينفعهم، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون كذلك، ثم يقولون: { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص }. نسأل الله العصمة بمنه وكرمه. الإشارة: إذا ترقى العارفون، ومن تعلق بهم، عن عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، وبرزوا لشهود الله في كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، وعند كل شيء، وتنزهوا في حضرة الأسرار، ورفعوا يوم القيامة مع المقربين الأبرار، بقي ضعفاء اليقين الذين تعوقوا عن صحبتهم، في غم الحجاب، وتعب الحس والخواطر، مسجونين في سجن الأكوان، فيقولون لمن عوقهم عن صحبة العارفين من أهل الرئاسة والجاه: إنا كنا لكم تبعا، فهل تمنعون شيئا مما نحن فيه من غم الحجاب، وسقوط الدرجة؟ فيقولون: لو هدانا الله لصحبتهم لهديناكم. فإذا نظروا يوم القيامة إلى ارتفاع درجاتهم ضجوا، وفزعوا على ما فاتهم، فلا ينفعهم ذلك فما لهم من محيص عن تخلفهم عن مقام المقربين. روي أن أهل عليين إذا أشرفوا على الأسفلين تشرق منازلهم من أنوار وجوههم. وسيأتي إن شاء الله الحديث عند قوله:
فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين
[السجدة: 17]. ثم ذكر خطبة الشيطان على أهل النار فقال: { وقال الشيطان لما قضي الأمر... }
إبراهيم 14:22
قلت: إلا أن دعوتكم: الاستثناء منقطع، ويجوز الاتصال، وبما أشركتمون: مصدرية، أو موصولة اسمية، ومن قبل: يتعلق بأشركتمون، وعلى الثاني: بكفرت. يقول الحق جل جلاله: { وقال الشيطان } ، أي إبليس الأقدم { لما قضي الأمر } أي: أمر الحساب، وفرغ منه، ودخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. روي أنه ينصب له منبر من نار، فيقوم خطيبا في النار على أهل النار، يعني على الأشقياء من الثقلين، فيقول في خطبته: { إن الله وعدكم وعد الحق } ، أي: وعدا حقا أنجزه لكم، وهو وعد البعث والجزاء، { ووعدتكم } وعد الباطل، وهو: ألا بعث ولا حساب، وإن كان واقعا شيء من ذلك فالأصنام تشفع لكم، { فأخلفتكم } ، أي: فظهر خلاف ما وعدتكم، جعل تبين خلف وعده كالإخلاف منه، مجازا. { وما كان لي عليكم من سلطان } من تسلط، فألجئكم إلى الكفر والمعاصي، { إلا أن دعوتكم } إلا دعائي إياكم بتسويل وتزيين، { فاستجبتم لي } ، وهو ليس من جنس التسلط، لكنه تهكم بهم، على طريقة قوله:
تحية بينهم ضرب وجيع
ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا، أي: ما تسلطت عليكم بالقهر، لكن دعوتكم فأسرعتم إجابتي، { فلا تلوموني } فإن من اشتهر بالعداوة لا يلام على أمثال ذلك، { ولوموا أنفسكم } حيث أطعتموني حين دعوتكم، ولم تطيعوا ربكم لما دعاكم. ولا حجة للمعتزلة في الآية على أن العبد يخلق أفعاله لأن كسب العبد مقدر في ظاهر الأمر، لقيام عالم الحكمة، وهو رداء لعالم القدرة، فالقدرة تبرز، والحكمة تستر، وهو ما يظهر من اختيار العبد، ولا اختيار له في الحقيقة قال تعالى
ولو شآء ربك ما فعلوه
[الأنعام: 112]
وما تشآءون إلا أن يشآء
[الإنسان: 30، التكوير: 29]. ثم قال لهم: { ما أنا بمصرخكم }: بمغيثكم من العذاب، { وما أنتم بمصرخي }: بمغيثي، { إني كفرت بما أشركتمون من قبل } ، أي: إني كفرت اليوم بإشراككم إياي من قبل هذا اليوم في دار الدنيا، بمعنى: تبرأت منه واستنكرته، كقوله تعالى
ويوم القيامة يكفرون بشرككم
[فاطر: 14]. أو: أني كفرت بالله الذي أشركتموني معه في طاعته من قبل، حين امتنعت من السجود. والأول أظهر. قال تعالى: { إن الظالمين لهم عذاب أليم }. ويحتمل أن يكون من تتمة خطبة الشيطان، قال البيضاوي: وفي حكاية أمثال ذلك لطف للسامعين، وإيقاظ لهم، حتى يحاسبوا أنفسهم ويتدبروا عواقبهم. ه. الإشارة: ينبغي لك أيها العبد الصالح الناصح لنفسه ان تصغي بسمع قلبك إلى هذه المقالة، التي تصدر من الشيطان عند فوات الأوان، فتبادر إلى خلاص نفسك ما دمت في قيد حياتك، قبل حلول رمسك، قبل أن تزل بك القدم، حيث لا ينفعك الندم، فتحاسب نفسك، وتتدبر في عواقب أمرك، وتصحح عقائد توحيدك، وتعمل جهدك في طاعة ربك، وتجتنب مواقع غرور الشيطان، وتعتمد على فضل الكريم المنان، وتجعل الموت نصب عينيك، وما هو مستقبل تجعله حاصلا، وما هو متوقع تجعله واقعا فكل ما هو آت قريب، و
إن ما توعدون لآت ومآ أنتم بمعجزين
[الأنعام: 134]. وفي الحكم: " لو أشرق نور اليقين في قلبك لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها، ولرأيت محاسن الدنيا وكسفة الفناء ظاهرة عليها ". وبالله التوفيق. ثم تشفع بأضداد من غرهم الشيطان
إبراهيم 14:23
يقول الحق جل جلاله: { وأدخل الذين آمنوا } ، أي: أدخلهم الله على أيدي الملائكة { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } ، فيدخلونها { بإذن ربهم } بأمره، فيأذن للملائكة أن تدخلهم حين يقضي بينهم. { تحيتهم فيها سلام } أي: تحييهم الملائكة، أو الخدام، حين يتلقونهم يسلمون عليهم، ويهنئونهم، على ما في الحديث. الإشارة: في ذكر هذه الآية بعد خطبة الشيطان تنبيه على وجه الخلاص منه، حتى لا يكون من أهل خطبته، وهو تصحيح الإيمان وتقوية مواده، وهو ما ذكرنا قبل في مواد طمأنينة أهل الإيمان، وإن أسعده الله بصحبة عارف رقاه إلى شهود العيان، فلا يكون للشيطان ولا لغيره عليه سلطان، لتحقيق عبوديته، وارتقائه إلى شهود عظمة ربوبيته قال تعالى:
إن عبادي ليس لك عليهم سلطان
[الحجر: 42]، وهم الذين رسخت في قلوبهم شجرة الإيمان، وارتفعت أغصانها إلى الرحمن. الذي استشار إليها بقوله: { ألم تر كيف ضرب الله... }
إبراهيم 14:24
قلت: كلمة طيبة: يجوز أن يكون مفعولا بمحذوف، أي: جعل كلمة، وتكون الجملة تفسيرية لضرب المثل، وأن تكون كلمة: بدلا من مثلا، وشجرة: صفة لها، أو خبر عن مضمر، أي: هي شجرة. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد، أو أيها السامع، { كيف ضرب الله مثلا } لأهل " لا إله إلا الله " ، وهم: أهل التوحيد، الذين رسخ التوحيد في قلوبهم، وعبروا عنه بألسنتهم. فمثال الكلمة الطيبة التي نطقوا بها، ورسخ معناها في قلوبهم { كشجرة طيبة }: كالنخلة مثلا، { أصلها ثابت } في الأرض، غائص بعروقه فيها، { وفروعها في السماء } أي: أعلاها. أي: يريد الجنس، أي: فروعها وأفنانها في السماء، { تؤتي أكلها }: تعطى ما يؤكل من ثمرها { كل حين } وقته الله لإثمارها، فقيل: سنة، وبه قال ابن عباس وجماعة من المفسرين والفقهاء، واستدلوا بها على من حلف لا يكلم أخاه حينا لزمه سنة، وعن ابن عباس أيضا والضحاك وغيرهما: { كل حين } أي: غدوة وعشية، ومتى أريد جناها، قلت: وهذا هو الظاهر. واختلف في هذه الشجرة الطيبة، التي ضرب الله بها المثل لكلمة الإخلاص، فقيل: غير معينة، وقيل: النخلة، وبه قال الجمهور. قال الشطيبي: وقيل: جوزة الهند، فإنها ثابتة الأصل، متصلة النفع، يكون طعمها أولا لبنا، ثم عسلا، ثم تنعقد طعاما، ويصنع بلبنها ما يصنع بلبن المواشي، ثم يكون كالخل، ثم كالخمر، ثم كالزيت، كل هذا قبل عقد الطعم، وأما النخلة فهي: ستة أشهر طلع رخص، وستة أشهر رطب طيب، فنفعه متصل. وقال ابو حنيفة: إنه ببلاد اليمن نوع من التمر، يقال له: الباهين، يطعم السنة كلها. ه. قلت: وقد ذكر ابن مقشب جوزة الهند، ووصفها كما قال الشطيبي، وقوله: " في النخلة ستة أشهر... " الخ، فيه نظر، وصوابه: ثلاثة، فإن المعاينة ترده. والمشبه بهذه الشجرة: المؤمن الكامل الدائم نفعه، المتصل علمه، أوقاته معمورة بذكر الله، أو تذكير عباد الله، وحركاته وسكناته في طاعة الله، حيث أراد بها وجه الله، فكل حين وساعة يصعد منه عمل إلى الله. ثم قال تعالى: { ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } لأن في ضربها زيادة إيضاح وإفهام وتذكير فإنه تصوير للمعاني وتقريبها من الحس، لتفهم سريعا. ثم ذكر ضدها فقال: { ومثل كلمة خبيثة } كلمة الكفر { كشجرة } كمثل شجرة { خبيثة } كالحنظلة مثلا، { اجتثت }: استؤصلت، وأخذت جثتها، وقلعت { من فوق الأرض } ، أي: قطعت من فوق الأرض لأن عروقها قريبة منه، { ما لها من قرار } استقرار. وهذا في مقابلة قوله: { أصلها ثابت }. قال البيضاوي: واختلف في الكلمة والشجرة ففسرت الكلمة الطيبة بكلمة التوحيد أي: لا إله إلا الله، ودعوة الإسلام والقرآن، والكلمة الخبيثة بالإشراك بالله تعالى، والدعاء إلى الكفر، وتكذيب الحق.
ولعل المراد بهما ما يعم ذلك، فالكلمة الطيبة: ما أعرب عن حق، أو دعا الى صلاح، والكلمة الخبيثة: ما كان على خلاف ذلك، وفسرت الشجرة الطيبة بالنخلة، وروي ذلك، مرفوعا، وبشجرة في الجنة، والخبيثة بالحنظلة، ولعل المراد بهما أيضا ما يعم ذلك. ه. { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } وهو: لا إله إلا الله، أو كل ما يثبت في القلب، ويتمكن فيه من الحق، بالحجة الواضحة، { في الحياة الدنيا } مدة حياتهم، فلا يزالون إذا افتتنوا في حياتهم، أو عند موتهم، وهي حسن الخاتمة، { وفي الآخرة } عند السؤال، فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم في القبر، وعند الموقف، فلا تدهشهم أهوال القيامة. روي أنه صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح المؤمن فقال:
" ثم تعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه في قبره، ويقولان له: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي "
فذلك قوله تعالى: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت }. قلت: والقدرة صالحة لهذا كله. قال الغزالي: هو أشبه شيء بحال النائم. { ويضل الله الظالمين } الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والتقليد، فلا يهتدون إلى الحق، ولا يثبتون في مواقف الفتن. { ويفعل الله ما يشاء } من تثبيت بعض، وإضلال آخرين، من غير اعتراض عليه، ولا تعقيب لحكمه. الإشارة: الكلمة الطيبة، هي كلمة التوحيد، والشجرة الطيبة هي شجرة الإيمان، وأصلها هو: التوحيد الثابت في القلب، وفروعها: الفرائض والواجبات، وأغصانها: السنن المؤكدات، وأوراقها: المندوبات والمستحبات، وأزهارها: الأحوال والمقامات، وأذواقها: الوجدان وحلاوة المعاملات، وانتهاء طيب أثمارها: العلوم وكشف أسرار الذات، الذي هو مقام الإحسان، وهي معرفة الشهود والعيان. فمن لم يبلغ هذا المقام لم يجن ثمرة شجرة إيمانه. ومن نقص شيئا من هذه الفروع نقص بقدرها من شجرة إيمانه، إما من فروعها، أو من أغصانها، أو من ورقها، أو من حلاوة أذوقها، أو من عرف أزهارها، أو من طيب ثمرتها. ومعلوم أن الشجرة إذا نبتت بنفسها في الخلاء، ولم تلقح كانت ذكاره، تورق ولا ثمر، فهي شجرة إيمان من لا شيخ له يصلح للتربية، فإن الفروع والأوراق كثيرة، والثمار ضعيفة، أي ريح هاج عليها أسقطها. وراجع ما تقدم في إشارة قوله تعالى:
وابتغوا إليه الوسيلة
[المائدة: 35]. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال من أنكر هذه النعمة
إبراهيم 14:25
قلت: كلمة طيبة: يجوز أن يكون مفعولا بمحذوف، أي: جعل كلمة، وتكون الجملة تفسيرية لضرب المثل، وأن تكون كلمة: بدلا من مثلا، وشجرة: صفة لها، أو خبر عن مضمر، أي: هي شجرة. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد، أو أيها السامع، { كيف ضرب الله مثلا } لأهل " لا إله إلا الله " ، وهم: أهل التوحيد، الذين رسخ التوحيد في قلوبهم، وعبروا عنه بألسنتهم. فمثال الكلمة الطيبة التي نطقوا بها، ورسخ معناها في قلوبهم { كشجرة طيبة }: كالنخلة مثلا، { أصلها ثابت } في الأرض، غائص بعروقه فيها، { وفروعها في السماء } أي: أعلاها. أي: يريد الجنس، أي: فروعها وأفنانها في السماء، { تؤتي أكلها }: تعطى ما يؤكل من ثمرها { كل حين } وقته الله لإثمارها، فقيل: سنة، وبه قال ابن عباس وجماعة من المفسرين والفقهاء، واستدلوا بها على من حلف لا يكلم أخاه حينا لزمه سنة، وعن ابن عباس أيضا والضحاك وغيرهما: { كل حين } أي: غدوة وعشية، ومتى أريد جناها، قلت: وهذا هو الظاهر. واختلف في هذه الشجرة الطيبة، التي ضرب الله بها المثل لكلمة الإخلاص، فقيل: غير معينة، وقيل: النخلة، وبه قال الجمهور. قال الشطيبي: وقيل: جوزة الهند، فإنها ثابتة الأصل، متصلة النفع، يكون طعمها أولا لبنا، ثم عسلا، ثم تنعقد طعاما، ويصنع بلبنها ما يصنع بلبن المواشي، ثم يكون كالخل، ثم كالخمر، ثم كالزيت، كل هذا قبل عقد الطعم، وأما النخلة فهي: ستة أشهر طلع رخص، وستة أشهر رطب طيب، فنفعه متصل. وقال ابو حنيفة: إنه ببلاد اليمن نوع من التمر، يقال له: الباهين، يطعم السنة كلها. ه. قلت: وقد ذكر ابن مقشب جوزة الهند، ووصفها كما قال الشطيبي، وقوله: " في النخلة ستة أشهر... " الخ، فيه نظر، وصوابه: ثلاثة، فإن المعاينة ترده. والمشبه بهذه الشجرة: المؤمن الكامل الدائم نفعه، المتصل علمه، أوقاته معمورة بذكر الله، أو تذكير عباد الله، وحركاته وسكناته في طاعة الله، حيث أراد بها وجه الله، فكل حين وساعة يصعد منه عمل إلى الله. ثم قال تعالى: { ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } لأن في ضربها زيادة إيضاح وإفهام وتذكير فإنه تصوير للمعاني وتقريبها من الحس، لتفهم سريعا. ثم ذكر ضدها فقال: { ومثل كلمة خبيثة } كلمة الكفر { كشجرة } كمثل شجرة { خبيثة } كالحنظلة مثلا، { اجتثت }: استؤصلت، وأخذت جثتها، وقلعت { من فوق الأرض } ، أي: قطعت من فوق الأرض لأن عروقها قريبة منه، { ما لها من قرار } استقرار. وهذا في مقابلة قوله: { أصلها ثابت }. قال البيضاوي: واختلف في الكلمة والشجرة ففسرت الكلمة الطيبة بكلمة التوحيد أي: لا إله إلا الله، ودعوة الإسلام والقرآن، والكلمة الخبيثة بالإشراك بالله تعالى، والدعاء إلى الكفر، وتكذيب الحق.
ولعل المراد بهما ما يعم ذلك، فالكلمة الطيبة: ما أعرب عن حق، أو دعا الى صلاح، والكلمة الخبيثة: ما كان على خلاف ذلك، وفسرت الشجرة الطيبة بالنخلة، وروي ذلك، مرفوعا، وبشجرة في الجنة، والخبيثة بالحنظلة، ولعل المراد بهما أيضا ما يعم ذلك. ه. { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } وهو: لا إله إلا الله، أو كل ما يثبت في القلب، ويتمكن فيه من الحق، بالحجة الواضحة، { في الحياة الدنيا } مدة حياتهم، فلا يزالون إذا افتتنوا في حياتهم، أو عند موتهم، وهي حسن الخاتمة، { وفي الآخرة } عند السؤال، فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم في القبر، وعند الموقف، فلا تدهشهم أهوال القيامة. روي أنه صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح المؤمن فقال:
" ثم تعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه في قبره، ويقولان له: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي "
فذلك قوله تعالى: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت }. قلت: والقدرة صالحة لهذا كله. قال الغزالي: هو أشبه شيء بحال النائم. { ويضل الله الظالمين } الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والتقليد، فلا يهتدون إلى الحق، ولا يثبتون في مواقف الفتن. { ويفعل الله ما يشاء } من تثبيت بعض، وإضلال آخرين، من غير اعتراض عليه، ولا تعقيب لحكمه. الإشارة: الكلمة الطيبة، هي كلمة التوحيد، والشجرة الطيبة هي شجرة الإيمان، وأصلها هو: التوحيد الثابت في القلب، وفروعها: الفرائض والواجبات، وأغصانها: السنن المؤكدات، وأوراقها: المندوبات والمستحبات، وأزهارها: الأحوال والمقامات، وأذواقها: الوجدان وحلاوة المعاملات، وانتهاء طيب أثمارها: العلوم وكشف أسرار الذات، الذي هو مقام الإحسان، وهي معرفة الشهود والعيان. فمن لم يبلغ هذا المقام لم يجن ثمرة شجرة إيمانه. ومن نقص شيئا من هذه الفروع نقص بقدرها من شجرة إيمانه، إما من فروعها، أو من أغصانها، أو من ورقها، أو من حلاوة أذوقها، أو من عرف أزهارها، أو من طيب ثمرتها. ومعلوم أن الشجرة إذا نبتت بنفسها في الخلاء، ولم تلقح كانت ذكاره، تورق ولا ثمر، فهي شجرة إيمان من لا شيخ له يصلح للتربية، فإن الفروع والأوراق كثيرة، والثمار ضعيفة، أي ريح هاج عليها أسقطها. وراجع ما تقدم في إشارة قوله تعالى:
وابتغوا إليه الوسيلة
[المائدة: 35]. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال من أنكر هذه النعمة
إبراهيم 14:26
قلت: كلمة طيبة: يجوز أن يكون مفعولا بمحذوف، أي: جعل كلمة، وتكون الجملة تفسيرية لضرب المثل، وأن تكون كلمة: بدلا من مثلا، وشجرة: صفة لها، أو خبر عن مضمر، أي: هي شجرة. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد، أو أيها السامع، { كيف ضرب الله مثلا } لأهل " لا إله إلا الله " ، وهم: أهل التوحيد، الذين رسخ التوحيد في قلوبهم، وعبروا عنه بألسنتهم. فمثال الكلمة الطيبة التي نطقوا بها، ورسخ معناها في قلوبهم { كشجرة طيبة }: كالنخلة مثلا، { أصلها ثابت } في الأرض، غائص بعروقه فيها، { وفروعها في السماء } أي: أعلاها. أي: يريد الجنس، أي: فروعها وأفنانها في السماء، { تؤتي أكلها }: تعطى ما يؤكل من ثمرها { كل حين } وقته الله لإثمارها، فقيل: سنة، وبه قال ابن عباس وجماعة من المفسرين والفقهاء، واستدلوا بها على من حلف لا يكلم أخاه حينا لزمه سنة، وعن ابن عباس أيضا والضحاك وغيرهما: { كل حين } أي: غدوة وعشية، ومتى أريد جناها، قلت: وهذا هو الظاهر. واختلف في هذه الشجرة الطيبة، التي ضرب الله بها المثل لكلمة الإخلاص، فقيل: غير معينة، وقيل: النخلة، وبه قال الجمهور. قال الشطيبي: وقيل: جوزة الهند، فإنها ثابتة الأصل، متصلة النفع، يكون طعمها أولا لبنا، ثم عسلا، ثم تنعقد طعاما، ويصنع بلبنها ما يصنع بلبن المواشي، ثم يكون كالخل، ثم كالخمر، ثم كالزيت، كل هذا قبل عقد الطعم، وأما النخلة فهي: ستة أشهر طلع رخص، وستة أشهر رطب طيب، فنفعه متصل. وقال ابو حنيفة: إنه ببلاد اليمن نوع من التمر، يقال له: الباهين، يطعم السنة كلها. ه. قلت: وقد ذكر ابن مقشب جوزة الهند، ووصفها كما قال الشطيبي، وقوله: " في النخلة ستة أشهر... " الخ، فيه نظر، وصوابه: ثلاثة، فإن المعاينة ترده. والمشبه بهذه الشجرة: المؤمن الكامل الدائم نفعه، المتصل علمه، أوقاته معمورة بذكر الله، أو تذكير عباد الله، وحركاته وسكناته في طاعة الله، حيث أراد بها وجه الله، فكل حين وساعة يصعد منه عمل إلى الله. ثم قال تعالى: { ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } لأن في ضربها زيادة إيضاح وإفهام وتذكير فإنه تصوير للمعاني وتقريبها من الحس، لتفهم سريعا. ثم ذكر ضدها فقال: { ومثل كلمة خبيثة } كلمة الكفر { كشجرة } كمثل شجرة { خبيثة } كالحنظلة مثلا، { اجتثت }: استؤصلت، وأخذت جثتها، وقلعت { من فوق الأرض } ، أي: قطعت من فوق الأرض لأن عروقها قريبة منه، { ما لها من قرار } استقرار. وهذا في مقابلة قوله: { أصلها ثابت }. قال البيضاوي: واختلف في الكلمة والشجرة ففسرت الكلمة الطيبة بكلمة التوحيد أي: لا إله إلا الله، ودعوة الإسلام والقرآن، والكلمة الخبيثة بالإشراك بالله تعالى، والدعاء إلى الكفر، وتكذيب الحق.
ولعل المراد بهما ما يعم ذلك، فالكلمة الطيبة: ما أعرب عن حق، أو دعا الى صلاح، والكلمة الخبيثة: ما كان على خلاف ذلك، وفسرت الشجرة الطيبة بالنخلة، وروي ذلك، مرفوعا، وبشجرة في الجنة، والخبيثة بالحنظلة، ولعل المراد بهما أيضا ما يعم ذلك. ه. { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } وهو: لا إله إلا الله، أو كل ما يثبت في القلب، ويتمكن فيه من الحق، بالحجة الواضحة، { في الحياة الدنيا } مدة حياتهم، فلا يزالون إذا افتتنوا في حياتهم، أو عند موتهم، وهي حسن الخاتمة، { وفي الآخرة } عند السؤال، فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم في القبر، وعند الموقف، فلا تدهشهم أهوال القيامة. روي أنه صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح المؤمن فقال:
" ثم تعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه في قبره، ويقولان له: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي "
فذلك قوله تعالى: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت }. قلت: والقدرة صالحة لهذا كله. قال الغزالي: هو أشبه شيء بحال النائم. { ويضل الله الظالمين } الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والتقليد، فلا يهتدون إلى الحق، ولا يثبتون في مواقف الفتن. { ويفعل الله ما يشاء } من تثبيت بعض، وإضلال آخرين، من غير اعتراض عليه، ولا تعقيب لحكمه. الإشارة: الكلمة الطيبة، هي كلمة التوحيد، والشجرة الطيبة هي شجرة الإيمان، وأصلها هو: التوحيد الثابت في القلب، وفروعها: الفرائض والواجبات، وأغصانها: السنن المؤكدات، وأوراقها: المندوبات والمستحبات، وأزهارها: الأحوال والمقامات، وأذواقها: الوجدان وحلاوة المعاملات، وانتهاء طيب أثمارها: العلوم وكشف أسرار الذات، الذي هو مقام الإحسان، وهي معرفة الشهود والعيان. فمن لم يبلغ هذا المقام لم يجن ثمرة شجرة إيمانه. ومن نقص شيئا من هذه الفروع نقص بقدرها من شجرة إيمانه، إما من فروعها، أو من أغصانها، أو من ورقها، أو من حلاوة أذوقها، أو من عرف أزهارها، أو من طيب ثمرتها. ومعلوم أن الشجرة إذا نبتت بنفسها في الخلاء، ولم تلقح كانت ذكاره، تورق ولا ثمر، فهي شجرة إيمان من لا شيخ له يصلح للتربية، فإن الفروع والأوراق كثيرة، والثمار ضعيفة، أي ريح هاج عليها أسقطها. وراجع ما تقدم في إشارة قوله تعالى:
وابتغوا إليه الوسيلة
[المائدة: 35]. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال من أنكر هذه النعمة
إبراهيم 14:27
قلت: كلمة طيبة: يجوز أن يكون مفعولا بمحذوف، أي: جعل كلمة، وتكون الجملة تفسيرية لضرب المثل، وأن تكون كلمة: بدلا من مثلا، وشجرة: صفة لها، أو خبر عن مضمر، أي: هي شجرة. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد، أو أيها السامع، { كيف ضرب الله مثلا } لأهل " لا إله إلا الله " ، وهم: أهل التوحيد، الذين رسخ التوحيد في قلوبهم، وعبروا عنه بألسنتهم. فمثال الكلمة الطيبة التي نطقوا بها، ورسخ معناها في قلوبهم { كشجرة طيبة }: كالنخلة مثلا، { أصلها ثابت } في الأرض، غائص بعروقه فيها، { وفروعها في السماء } أي: أعلاها. أي: يريد الجنس، أي: فروعها وأفنانها في السماء، { تؤتي أكلها }: تعطى ما يؤكل من ثمرها { كل حين } وقته الله لإثمارها، فقيل: سنة، وبه قال ابن عباس وجماعة من المفسرين والفقهاء، واستدلوا بها على من حلف لا يكلم أخاه حينا لزمه سنة، وعن ابن عباس أيضا والضحاك وغيرهما: { كل حين } أي: غدوة وعشية، ومتى أريد جناها، قلت: وهذا هو الظاهر. واختلف في هذه الشجرة الطيبة، التي ضرب الله بها المثل لكلمة الإخلاص، فقيل: غير معينة، وقيل: النخلة، وبه قال الجمهور. قال الشطيبي: وقيل: جوزة الهند، فإنها ثابتة الأصل، متصلة النفع، يكون طعمها أولا لبنا، ثم عسلا، ثم تنعقد طعاما، ويصنع بلبنها ما يصنع بلبن المواشي، ثم يكون كالخل، ثم كالخمر، ثم كالزيت، كل هذا قبل عقد الطعم، وأما النخلة فهي: ستة أشهر طلع رخص، وستة أشهر رطب طيب، فنفعه متصل. وقال ابو حنيفة: إنه ببلاد اليمن نوع من التمر، يقال له: الباهين، يطعم السنة كلها. ه. قلت: وقد ذكر ابن مقشب جوزة الهند، ووصفها كما قال الشطيبي، وقوله: " في النخلة ستة أشهر... " الخ، فيه نظر، وصوابه: ثلاثة، فإن المعاينة ترده. والمشبه بهذه الشجرة: المؤمن الكامل الدائم نفعه، المتصل علمه، أوقاته معمورة بذكر الله، أو تذكير عباد الله، وحركاته وسكناته في طاعة الله، حيث أراد بها وجه الله، فكل حين وساعة يصعد منه عمل إلى الله. ثم قال تعالى: { ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } لأن في ضربها زيادة إيضاح وإفهام وتذكير فإنه تصوير للمعاني وتقريبها من الحس، لتفهم سريعا. ثم ذكر ضدها فقال: { ومثل كلمة خبيثة } كلمة الكفر { كشجرة } كمثل شجرة { خبيثة } كالحنظلة مثلا، { اجتثت }: استؤصلت، وأخذت جثتها، وقلعت { من فوق الأرض } ، أي: قطعت من فوق الأرض لأن عروقها قريبة منه، { ما لها من قرار } استقرار. وهذا في مقابلة قوله: { أصلها ثابت }. قال البيضاوي: واختلف في الكلمة والشجرة ففسرت الكلمة الطيبة بكلمة التوحيد أي: لا إله إلا الله، ودعوة الإسلام والقرآن، والكلمة الخبيثة بالإشراك بالله تعالى، والدعاء إلى الكفر، وتكذيب الحق.
ولعل المراد بهما ما يعم ذلك، فالكلمة الطيبة: ما أعرب عن حق، أو دعا الى صلاح، والكلمة الخبيثة: ما كان على خلاف ذلك، وفسرت الشجرة الطيبة بالنخلة، وروي ذلك، مرفوعا، وبشجرة في الجنة، والخبيثة بالحنظلة، ولعل المراد بهما أيضا ما يعم ذلك. ه. { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } وهو: لا إله إلا الله، أو كل ما يثبت في القلب، ويتمكن فيه من الحق، بالحجة الواضحة، { في الحياة الدنيا } مدة حياتهم، فلا يزالون إذا افتتنوا في حياتهم، أو عند موتهم، وهي حسن الخاتمة، { وفي الآخرة } عند السؤال، فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم في القبر، وعند الموقف، فلا تدهشهم أهوال القيامة. روي أنه صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح المؤمن فقال:
" ثم تعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه في قبره، ويقولان له: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي "
فذلك قوله تعالى: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت }. قلت: والقدرة صالحة لهذا كله. قال الغزالي: هو أشبه شيء بحال النائم. { ويضل الله الظالمين } الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والتقليد، فلا يهتدون إلى الحق، ولا يثبتون في مواقف الفتن. { ويفعل الله ما يشاء } من تثبيت بعض، وإضلال آخرين، من غير اعتراض عليه، ولا تعقيب لحكمه. الإشارة: الكلمة الطيبة، هي كلمة التوحيد، والشجرة الطيبة هي شجرة الإيمان، وأصلها هو: التوحيد الثابت في القلب، وفروعها: الفرائض والواجبات، وأغصانها: السنن المؤكدات، وأوراقها: المندوبات والمستحبات، وأزهارها: الأحوال والمقامات، وأذواقها: الوجدان وحلاوة المعاملات، وانتهاء طيب أثمارها: العلوم وكشف أسرار الذات، الذي هو مقام الإحسان، وهي معرفة الشهود والعيان. فمن لم يبلغ هذا المقام لم يجن ثمرة شجرة إيمانه. ومن نقص شيئا من هذه الفروع نقص بقدرها من شجرة إيمانه، إما من فروعها، أو من أغصانها، أو من ورقها، أو من حلاوة أذوقها، أو من عرف أزهارها، أو من طيب ثمرتها. ومعلوم أن الشجرة إذا نبتت بنفسها في الخلاء، ولم تلقح كانت ذكاره، تورق ولا ثمر، فهي شجرة إيمان من لا شيخ له يصلح للتربية، فإن الفروع والأوراق كثيرة، والثمار ضعيفة، أي ريح هاج عليها أسقطها. وراجع ما تقدم في إشارة قوله تعالى:
وابتغوا إليه الوسيلة
[المائدة: 35]. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال من أنكر هذه النعمة
إبراهيم 14:28
يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد { إلى الذين بدلوا } شكر { نعمة الله كفرا } بأن وضعوا الكفر مكان الشكر، أو: بدلوا نفس النعمة كفرا فإنهم لما كفروها سلبت منهم، فصاروا تاركين لها محصلين للكفر مكانها كأهل مكة، خلقهم الله من نسل إسماعيل عليه السلام، وأسكنهم حرمه، وجعلهم خدام بيته، ووسع عليهم أبواب رزقه، وعطف عليهم قلوب خلقه، وتمم شرفهم ببعثة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فكفروا ذلك، فقحطوا، وجاعوا حتى أكلوا الميتة، وأسروا وقتلوا يوم بدر، وصاروا كذلك مسلوبي النعمة، موصوفين بالكفر وعن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما : أنها نزلت في الأفجرين من قريش: بني المغيرة، وبني أمية فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. { وأحلوا قومهم }: من أطاعهم في الكفر والتبديل، أي: أنزلوهم { دار البوار }: دار الهلاك، بحملهم على الكفر معهم، ثم فسرهم بقوله: { جهنم يصلونها }: يحترقون فيها، و { بئس القرار } وبئس المستقر جهنم. ثم بين كفرهم، فقال: { وجعلوا لله أندادا }: أشباها وأمثالا، يعبدونها معه، { ليضلوا عن سبيله } عن طريق التوحيد، أي: لتكون عاقبتهم الضلال أو الإضلال، على القراءتين، أي: ليضلوا في أنفسهم، أو ليضلوا غيرهم. وليس الضلال كان غرضهم في اتخاذ الأنداد، ولكن لما كان نتيجته وعاقبته جعل كالغرض. { قل تمتعوا } بشهواتكم الدنيوية، فإنها فانية، أو بعبادتكم الأوثان، فإنها من قبيل الهوى والأمر للتهديد. وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدد به، وان الأمرين كائنان لا محالة، فلا بد من وقوع تمتعهم، ولا بد من إفضائهم إلى النار. ولذلك علقه بقوله: { فإن مصيركم إلى النار } ، وأن المخاطب، لانهماكه فيه، كالمأمور به من آمر مطاع. قاله البيضاوي. الإشارة: ظهور أهل التربية في زمان الغفلة والجهل نعمة عظيمة، لكن لا يعرفها إلا من سقط عليها، ومن أنكرها، وسد بابها، وعوق الناس عن الدخول في طريقها، فقد بدل نعمة الله كفرا، وأحل الناس من تبعه دار البوار، وهي: الإقبال على الدنيا، والانهماك في الغفلة، وخراب الباطن من نور اليقين، وكثرة الخواطر والوساوس، والحرص والجزع والهلع، وغير ذلك من أمراض القلوب. وأي عذاب المؤمن أشد من هذا في الدنيا؟ ويسقط في الآخرة عن درجة المقربين، ومن لم يصحب أهل التوحيد الخالص لا يخلو من عبادة أنداد وأشباه بمحبته لهم والركون إليهم. ومن أحب شيئا فهو عبد له. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه ذات يوم: إنا لا نحب إلا الله، ولا نحب معه شيئا سواه. فقال له بعض الحاضرين: قال جدك رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" النفس مجبولة على حب من أحسن إليها "
فقال له الشيخ: إنا لا نرى الإحسان إلا من الله، ولا نرى معه غيره. ه. بالمعنى. ثم ذكر ضد أهل الشرك
إبراهيم 14:29
يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد { إلى الذين بدلوا } شكر { نعمة الله كفرا } بأن وضعوا الكفر مكان الشكر، أو: بدلوا نفس النعمة كفرا فإنهم لما كفروها سلبت منهم، فصاروا تاركين لها محصلين للكفر مكانها كأهل مكة، خلقهم الله من نسل إسماعيل عليه السلام، وأسكنهم حرمه، وجعلهم خدام بيته، ووسع عليهم أبواب رزقه، وعطف عليهم قلوب خلقه، وتمم شرفهم ببعثة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فكفروا ذلك، فقحطوا، وجاعوا حتى أكلوا الميتة، وأسروا وقتلوا يوم بدر، وصاروا كذلك مسلوبي النعمة، موصوفين بالكفر وعن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما : أنها نزلت في الأفجرين من قريش: بني المغيرة، وبني أمية فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. { وأحلوا قومهم }: من أطاعهم في الكفر والتبديل، أي: أنزلوهم { دار البوار }: دار الهلاك، بحملهم على الكفر معهم، ثم فسرهم بقوله: { جهنم يصلونها }: يحترقون فيها، و { بئس القرار } وبئس المستقر جهنم. ثم بين كفرهم، فقال: { وجعلوا لله أندادا }: أشباها وأمثالا، يعبدونها معه، { ليضلوا عن سبيله } عن طريق التوحيد، أي: لتكون عاقبتهم الضلال أو الإضلال، على القراءتين، أي: ليضلوا في أنفسهم، أو ليضلوا غيرهم. وليس الضلال كان غرضهم في اتخاذ الأنداد، ولكن لما كان نتيجته وعاقبته جعل كالغرض. { قل تمتعوا } بشهواتكم الدنيوية، فإنها فانية، أو بعبادتكم الأوثان، فإنها من قبيل الهوى والأمر للتهديد. وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدد به، وان الأمرين كائنان لا محالة، فلا بد من وقوع تمتعهم، ولا بد من إفضائهم إلى النار. ولذلك علقه بقوله: { فإن مصيركم إلى النار } ، وأن المخاطب، لانهماكه فيه، كالمأمور به من آمر مطاع. قاله البيضاوي. الإشارة: ظهور أهل التربية في زمان الغفلة والجهل نعمة عظيمة، لكن لا يعرفها إلا من سقط عليها، ومن أنكرها، وسد بابها، وعوق الناس عن الدخول في طريقها، فقد بدل نعمة الله كفرا، وأحل الناس من تبعه دار البوار، وهي: الإقبال على الدنيا، والانهماك في الغفلة، وخراب الباطن من نور اليقين، وكثرة الخواطر والوساوس، والحرص والجزع والهلع، وغير ذلك من أمراض القلوب. وأي عذاب المؤمن أشد من هذا في الدنيا؟ ويسقط في الآخرة عن درجة المقربين، ومن لم يصحب أهل التوحيد الخالص لا يخلو من عبادة أنداد وأشباه بمحبته لهم والركون إليهم. ومن أحب شيئا فهو عبد له. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه ذات يوم: إنا لا نحب إلا الله، ولا نحب معه شيئا سواه. فقال له بعض الحاضرين: قال جدك رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" النفس مجبولة على حب من أحسن إليها "
فقال له الشيخ: إنا لا نرى الإحسان إلا من الله، ولا نرى معه غيره. ه. بالمعنى. ثم ذكر ضد أهل الشرك
إبراهيم 14:30
يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد { إلى الذين بدلوا } شكر { نعمة الله كفرا } بأن وضعوا الكفر مكان الشكر، أو: بدلوا نفس النعمة كفرا فإنهم لما كفروها سلبت منهم، فصاروا تاركين لها محصلين للكفر مكانها كأهل مكة، خلقهم الله من نسل إسماعيل عليه السلام، وأسكنهم حرمه، وجعلهم خدام بيته، ووسع عليهم أبواب رزقه، وعطف عليهم قلوب خلقه، وتمم شرفهم ببعثة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فكفروا ذلك، فقحطوا، وجاعوا حتى أكلوا الميتة، وأسروا وقتلوا يوم بدر، وصاروا كذلك مسلوبي النعمة، موصوفين بالكفر وعن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما : أنها نزلت في الأفجرين من قريش: بني المغيرة، وبني أمية فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. { وأحلوا قومهم }: من أطاعهم في الكفر والتبديل، أي: أنزلوهم { دار البوار }: دار الهلاك، بحملهم على الكفر معهم، ثم فسرهم بقوله: { جهنم يصلونها }: يحترقون فيها، و { بئس القرار } وبئس المستقر جهنم. ثم بين كفرهم، فقال: { وجعلوا لله أندادا }: أشباها وأمثالا، يعبدونها معه، { ليضلوا عن سبيله } عن طريق التوحيد، أي: لتكون عاقبتهم الضلال أو الإضلال، على القراءتين، أي: ليضلوا في أنفسهم، أو ليضلوا غيرهم. وليس الضلال كان غرضهم في اتخاذ الأنداد، ولكن لما كان نتيجته وعاقبته جعل كالغرض. { قل تمتعوا } بشهواتكم الدنيوية، فإنها فانية، أو بعبادتكم الأوثان، فإنها من قبيل الهوى والأمر للتهديد. وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدد به، وان الأمرين كائنان لا محالة، فلا بد من وقوع تمتعهم، ولا بد من إفضائهم إلى النار. ولذلك علقه بقوله: { فإن مصيركم إلى النار } ، وأن المخاطب، لانهماكه فيه، كالمأمور به من آمر مطاع. قاله البيضاوي. الإشارة: ظهور أهل التربية في زمان الغفلة والجهل نعمة عظيمة، لكن لا يعرفها إلا من سقط عليها، ومن أنكرها، وسد بابها، وعوق الناس عن الدخول في طريقها، فقد بدل نعمة الله كفرا، وأحل الناس من تبعه دار البوار، وهي: الإقبال على الدنيا، والانهماك في الغفلة، وخراب الباطن من نور اليقين، وكثرة الخواطر والوساوس، والحرص والجزع والهلع، وغير ذلك من أمراض القلوب. وأي عذاب المؤمن أشد من هذا في الدنيا؟ ويسقط في الآخرة عن درجة المقربين، ومن لم يصحب أهل التوحيد الخالص لا يخلو من عبادة أنداد وأشباه بمحبته لهم والركون إليهم. ومن أحب شيئا فهو عبد له. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه ذات يوم: إنا لا نحب إلا الله، ولا نحب معه شيئا سواه. فقال له بعض الحاضرين: قال جدك رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" النفس مجبولة على حب من أحسن إليها "
فقال له الشيخ: إنا لا نرى الإحسان إلا من الله، ولا نرى معه غيره. ه. بالمعنى. ثم ذكر ضد أهل الشرك
إبراهيم 14:31
قلت: يقيموا: جواب شرط مقدر، يتضمنه قوله: قل، تقديره: إن تقل لهم أقيموا يقيموا، ومعمول القول، على هذا، محذوف. وفيه تنبيه على أنهم لفرط مطاوعتهم للرسول عليه الصلاة والسلام ، بحيث لا ينفك فعلهم عن أمره، وأنه كالسبب الموجب له، أي: مهما قلت أقاموا وأنفقوا. وقيل جزم بإضمار لام الأمر. ولا يصح أن يكون جواب الأمر من غير حذف لأن أمر المواجهة لا يجاب بلفظ الغيبة. انظر البيضاوي: وقال ابن عطية: إلا إن ضمن قل معنى: بلغ أو أد، فيصح أن يكون يقيموا: جواب أمره. وسرا وعلانية: حالان، أو ظرفان، ومن قرأ: " لا بيع " بالبناء فقد بنى " لا " مع اسمها بناء التركيب، ومن قرأ بالرفع فقد أهملها. يقول الحق جل جلاله: { قل لعبادي الذين آمنوا } ، خصهم بالإضافة إليه تشريفا لم، وتنويها بقدرهم، وتنبيها على أنهم الذين قاموا بحقوق العبودية. قل لهم يا محمد: { يقيموا الصلاة } التي هي عنوان الإيمان، بإتقان شروطها وأركانها وآدابها، { وينفقوا مما رزقناهم } من الأموال، فرضا ونفلا، { سرا وعلانية } أي: مسرين ومعلنين، أو في سر وعلانية، والأحب: إعلان الواجب، وإخفاء المتطوع به، إلا في محل الاقتداء لأهل الإخلاص. { من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه } فيبتاع المقصر ما يتدارك به تقصيره، أو ما يفدي به نفسه، { ولا خلال }: ولا مخاللة ومودة تنفع في ذلك اليوم، حتى ينفع الخليل خليله، وإنما العمل الصالح، كالإنفاق لوجه الله، وإقام الصلاة، وغير ذلك. الإشارة: قد مدح الله هاتين الخصلتين: الصلاة والإنفاق، وأمر بهما في مواضع من القرآن لأنهما عنوان الصدق، أحدهما، عمل بدني، والآخر: عمل مالي. أما الصلاة فإنها طهارة للقلوب، واستفتاح لباب الغيوب، وهي محل المناجاة ومعدن المصافاة، تتسع فيها ميادين الأسرار، وتشرق فيها شوارق الأنوار، كما في الحكم. وفي بعض الأخبار: إن العبد إذا قام إلى الصلاة رفع الله الحجب بينه وبينه، وواجهه بوجهه، وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء، يصلون بصلاته، ويؤمنون على دعائه، وإن المصلي لينثر عليه البر من عنان السماء إلى مفرق رأسه، ويناديه مناد: لو يعلم المناجي من يناجي ما انفتل. وإن أبواب السماء لتفتح للمصلي. وإن الله تعالى يباهي ملائكته بصفوف المصلين. وفي التوراة: يا ابن آدم لا تعجز ان تقوم بين يدي مصليا باكيا، فأنا الذي اقتربت من قلبك، وبالغيب رأيت نوري. ه. فكانوا يرون أن تلك المراقبة والبكاء، وتلك الفتوح التي يجدها المصلي في قلبه من دنو الرب من القلب. وأما الصدقة فإنها برهان على إيمان صاحبها، وفي الحديث:
" الصدقة برهان "
فهي تدل على خروج حب الدنيا من القلب، وعلى اتصاف صاحبها بمنقبة السخاء، التي هي أفضل الخصال، وفي الحديث:
" السخي قريب من الله، قريب من الناس قريب من الجنة، بعيد من النار،والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عالم بخيل ".
ثم ذكرهم بالنعم ليقيدوها بالشكر قبل أن تسلب منهم.
إبراهيم 14:32
قلت: الله: مبتدأ، والذي، وما بعده: خبر، و رزقا لكم: مفعول أخرج، و من الثمرات: بيان له، حال، ويجوز العكس، ويجوز أن يراد بالرزق: المصدر، فينصب على العلة أو المصدر لأن أخرج فيها معنى " رزق " ، و دائبين: حال، والدؤوب: الدوام على عمل واحد، و من كل ما سألتموه: يحتمل أن تكون " ما " مصدرية، أو موصولة، أو موصوفة. يقول الحق جل جلاله: { الله الذي خلق السماوات والأرض } من أجلكم، السماء تظلكم، والأرض تقلكم، { وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم } ، تعيشون به وتتفكهون منه. ويشمل الملبوس، كالقطن، والكتان، وشبه ذلك { سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره }: بمشيئته وقدرته، إلى حيث توجههم مع أسباب حكمته، تغطية لقدرته، وهو ما يتوقف عليه جريها وإرساؤها، من الجبال والقلاع، { وسخر لكم الأنهار } مطردة لانتفاعكم بالسفن والشرب، وسائر منافعها، فجعلها معدة لا نتفاعكم وتصرفكم. وقيل: تسخير هذه الأشياء: تعليم كيفية اتخاذها والانتفاع بها. { وسخر لكم الشمس والقمر دائبين } متماديين في الطلوع والغروب، يدأبان في سيرهما وإنارتهما، وإصلاح ما يصلحانه من المكونات، بقدرة خالقهما، { وسخر لكم الليل والنهار } يتعاقبان لسكناتكم ومعايشكم. { وآتاكم من كل ما سألتموه } أي: وآتاكم بعض جميع ما سألتموه، وهو ما يليق بكم، وما سبق لكم في مشيئته وعلمه. قال البيضاوي: ولعل المراد بما سالتموه: ما كان حقيقيا بأن يسأل لاحتياج الناس إليه، سئل أو لم يسأل. ه. وقرأ الضحاك وابن عباس: " من كل " بالتنوين، أي: وآتاكم من كل شيء احتجتم إليه، وسألتموه بلسان الحال. ويجوز على هذا أن تكون " ما " نافية، في موضع الحال، أي: وآتاكم من كل شيء غير سائليه. { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها }: لا تحصوها، ولا تطيقوا عد أنواعها، فضلا عن أفرادها، فإنها غير متناهية فمنها ظاهرة، ومنها باطنة، كالهداية والمعرفة. قال طلق بن حبيب: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، ونعمة أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا توابين، وأمسوا توابين. ه. وقال أبو الدرداء: من لم ير نعمة الله إلا في مطعمه ومشربه، فقد قل علمه، وحضر عذابه. ه. { إن الإنسان لظلوم } بظلم النعمة لما غفل عن شكرها، أو بظلم نفسه لما عرضها للحرمان، بارتكاب المعاصي، { كفار }: شديد الكفران، وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع. قاله البيضاوي. الإشارة: الله الذي أنزل من سماء الملكوت علوما وأسرارا، تحيا به القلوب والأرواح، فأخرج به من أرض النفوس، ثمرة اليقين والطمأنينة، رزقا لأرواحكم. وسخر لكم فلك الفكرة تجري في بحر التوحيد، وفضاء التفريد بأمره.
وسخر لكم أنهار العلوم، منها ما هو علم الرسوم لأصلاح الظواهر، ومنها ما هو علم الحقائق لإصلاح الضمائر. وسخر لكم شمس العرفان وقمر الإيمان، دائبين، يستضيء بقمر التوحيد في السير إلى معرفة أنوار الصفات، وبشمس العرفان إلى أسرار الذات. وسخر لكم ليل القبض لتسكنوا فيه، ونهار البسط، لتنشروا في اقتباس العلوم وربما أفادك في ليل القبض ما لم تفسده في نهار البسط لا تدرون أيهم أقرب نفعا. وآتاكم من كل ما سألتموه حين كمل تهذيبكم، وصح وصلكم، فيكون أمركم بأمر الله. وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إذ نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد لا حد لهما في هذه الدار وفي تلك الدار، ففي كل نفس يمدهم بمدد جديد، ومع هذا كله يغفل العبد عن هذه النعم!! إن الإنسان لظلوم كفار، وشكرها: نسبتها لمعطيها، وحمد الله عليها. وفي الحكم: " لا تدهشك واردات النعم عن القيام بحقوق شكرك فإن ذلك مما يحط من وجود قدرك ". قال سهل بن عبد رضي الله عنه: ما من نعمة إلا والحمد أفضل منها، والنعمة التي ألهم بها الحمد أفضل من الأولى، لأن الشكر يستوجب المزيد. وفي أخبار داود عليه السلام أنه قال: إلهي، ابن آدم ليس فيه شعرة إلا وتحتها نعمة، وفوقها نعمة، فمن أين يكافئها؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا داود، إني أعطي الكثير وأرضى باليسير، وإن شكر ذلك أن تعلم أن ما بك من نعمة فمني. ه. ومن جملة النعم التي يجب الشكر عليها وهي التي بدلها الكفار كفرا.
إبراهيم 14:33
قلت: الله: مبتدأ، والذي، وما بعده: خبر، و رزقا لكم: مفعول أخرج، و من الثمرات: بيان له، حال، ويجوز العكس، ويجوز أن يراد بالرزق: المصدر، فينصب على العلة أو المصدر لأن أخرج فيها معنى " رزق " ، و دائبين: حال، والدؤوب: الدوام على عمل واحد، و من كل ما سألتموه: يحتمل أن تكون " ما " مصدرية، أو موصولة، أو موصوفة. يقول الحق جل جلاله: { الله الذي خلق السماوات والأرض } من أجلكم، السماء تظلكم، والأرض تقلكم، { وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم } ، تعيشون به وتتفكهون منه. ويشمل الملبوس، كالقطن، والكتان، وشبه ذلك { سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره }: بمشيئته وقدرته، إلى حيث توجههم مع أسباب حكمته، تغطية لقدرته، وهو ما يتوقف عليه جريها وإرساؤها، من الجبال والقلاع، { وسخر لكم الأنهار } مطردة لانتفاعكم بالسفن والشرب، وسائر منافعها، فجعلها معدة لا نتفاعكم وتصرفكم. وقيل: تسخير هذه الأشياء: تعليم كيفية اتخاذها والانتفاع بها. { وسخر لكم الشمس والقمر دائبين } متماديين في الطلوع والغروب، يدأبان في سيرهما وإنارتهما، وإصلاح ما يصلحانه من المكونات، بقدرة خالقهما، { وسخر لكم الليل والنهار } يتعاقبان لسكناتكم ومعايشكم. { وآتاكم من كل ما سألتموه } أي: وآتاكم بعض جميع ما سألتموه، وهو ما يليق بكم، وما سبق لكم في مشيئته وعلمه. قال البيضاوي: ولعل المراد بما سالتموه: ما كان حقيقيا بأن يسأل لاحتياج الناس إليه، سئل أو لم يسأل. ه. وقرأ الضحاك وابن عباس: " من كل " بالتنوين، أي: وآتاكم من كل شيء احتجتم إليه، وسألتموه بلسان الحال. ويجوز على هذا أن تكون " ما " نافية، في موضع الحال، أي: وآتاكم من كل شيء غير سائليه. { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها }: لا تحصوها، ولا تطيقوا عد أنواعها، فضلا عن أفرادها، فإنها غير متناهية فمنها ظاهرة، ومنها باطنة، كالهداية والمعرفة. قال طلق بن حبيب: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، ونعمة أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا توابين، وأمسوا توابين. ه. وقال أبو الدرداء: من لم ير نعمة الله إلا في مطعمه ومشربه، فقد قل علمه، وحضر عذابه. ه. { إن الإنسان لظلوم } بظلم النعمة لما غفل عن شكرها، أو بظلم نفسه لما عرضها للحرمان، بارتكاب المعاصي، { كفار }: شديد الكفران، وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع. قاله البيضاوي. الإشارة: الله الذي أنزل من سماء الملكوت علوما وأسرارا، تحيا به القلوب والأرواح، فأخرج به من أرض النفوس، ثمرة اليقين والطمأنينة، رزقا لأرواحكم. وسخر لكم فلك الفكرة تجري في بحر التوحيد، وفضاء التفريد بأمره.
وسخر لكم أنهار العلوم، منها ما هو علم الرسوم لأصلاح الظواهر، ومنها ما هو علم الحقائق لإصلاح الضمائر. وسخر لكم شمس العرفان وقمر الإيمان، دائبين، يستضيء بقمر التوحيد في السير إلى معرفة أنوار الصفات، وبشمس العرفان إلى أسرار الذات. وسخر لكم ليل القبض لتسكنوا فيه، ونهار البسط، لتنشروا في اقتباس العلوم وربما أفادك في ليل القبض ما لم تفسده في نهار البسط لا تدرون أيهم أقرب نفعا. وآتاكم من كل ما سألتموه حين كمل تهذيبكم، وصح وصلكم، فيكون أمركم بأمر الله. وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إذ نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد لا حد لهما في هذه الدار وفي تلك الدار، ففي كل نفس يمدهم بمدد جديد، ومع هذا كله يغفل العبد عن هذه النعم!! إن الإنسان لظلوم كفار، وشكرها: نسبتها لمعطيها، وحمد الله عليها. وفي الحكم: " لا تدهشك واردات النعم عن القيام بحقوق شكرك فإن ذلك مما يحط من وجود قدرك ". قال سهل بن عبد رضي الله عنه: ما من نعمة إلا والحمد أفضل منها، والنعمة التي ألهم بها الحمد أفضل من الأولى، لأن الشكر يستوجب المزيد. وفي أخبار داود عليه السلام أنه قال: إلهي، ابن آدم ليس فيه شعرة إلا وتحتها نعمة، وفوقها نعمة، فمن أين يكافئها؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا داود، إني أعطي الكثير وأرضى باليسير، وإن شكر ذلك أن تعلم أن ما بك من نعمة فمني. ه. ومن جملة النعم التي يجب الشكر عليها وهي التي بدلها الكفار كفرا.
إبراهيم 14:34
قلت: الله: مبتدأ، والذي، وما بعده: خبر، و رزقا لكم: مفعول أخرج، و من الثمرات: بيان له، حال، ويجوز العكس، ويجوز أن يراد بالرزق: المصدر، فينصب على العلة أو المصدر لأن أخرج فيها معنى " رزق " ، و دائبين: حال، والدؤوب: الدوام على عمل واحد، و من كل ما سألتموه: يحتمل أن تكون " ما " مصدرية، أو موصولة، أو موصوفة. يقول الحق جل جلاله: { الله الذي خلق السماوات والأرض } من أجلكم، السماء تظلكم، والأرض تقلكم، { وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم } ، تعيشون به وتتفكهون منه. ويشمل الملبوس، كالقطن، والكتان، وشبه ذلك { سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره }: بمشيئته وقدرته، إلى حيث توجههم مع أسباب حكمته، تغطية لقدرته، وهو ما يتوقف عليه جريها وإرساؤها، من الجبال والقلاع، { وسخر لكم الأنهار } مطردة لانتفاعكم بالسفن والشرب، وسائر منافعها، فجعلها معدة لا نتفاعكم وتصرفكم. وقيل: تسخير هذه الأشياء: تعليم كيفية اتخاذها والانتفاع بها. { وسخر لكم الشمس والقمر دائبين } متماديين في الطلوع والغروب، يدأبان في سيرهما وإنارتهما، وإصلاح ما يصلحانه من المكونات، بقدرة خالقهما، { وسخر لكم الليل والنهار } يتعاقبان لسكناتكم ومعايشكم. { وآتاكم من كل ما سألتموه } أي: وآتاكم بعض جميع ما سألتموه، وهو ما يليق بكم، وما سبق لكم في مشيئته وعلمه. قال البيضاوي: ولعل المراد بما سالتموه: ما كان حقيقيا بأن يسأل لاحتياج الناس إليه، سئل أو لم يسأل. ه. وقرأ الضحاك وابن عباس: " من كل " بالتنوين، أي: وآتاكم من كل شيء احتجتم إليه، وسألتموه بلسان الحال. ويجوز على هذا أن تكون " ما " نافية، في موضع الحال، أي: وآتاكم من كل شيء غير سائليه. { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها }: لا تحصوها، ولا تطيقوا عد أنواعها، فضلا عن أفرادها، فإنها غير متناهية فمنها ظاهرة، ومنها باطنة، كالهداية والمعرفة. قال طلق بن حبيب: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، ونعمة أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا توابين، وأمسوا توابين. ه. وقال أبو الدرداء: من لم ير نعمة الله إلا في مطعمه ومشربه، فقد قل علمه، وحضر عذابه. ه. { إن الإنسان لظلوم } بظلم النعمة لما غفل عن شكرها، أو بظلم نفسه لما عرضها للحرمان، بارتكاب المعاصي، { كفار }: شديد الكفران، وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع. قاله البيضاوي. الإشارة: الله الذي أنزل من سماء الملكوت علوما وأسرارا، تحيا به القلوب والأرواح، فأخرج به من أرض النفوس، ثمرة اليقين والطمأنينة، رزقا لأرواحكم. وسخر لكم فلك الفكرة تجري في بحر التوحيد، وفضاء التفريد بأمره.
وسخر لكم أنهار العلوم، منها ما هو علم الرسوم لأصلاح الظواهر، ومنها ما هو علم الحقائق لإصلاح الضمائر. وسخر لكم شمس العرفان وقمر الإيمان، دائبين، يستضيء بقمر التوحيد في السير إلى معرفة أنوار الصفات، وبشمس العرفان إلى أسرار الذات. وسخر لكم ليل القبض لتسكنوا فيه، ونهار البسط، لتنشروا في اقتباس العلوم وربما أفادك في ليل القبض ما لم تفسده في نهار البسط لا تدرون أيهم أقرب نفعا. وآتاكم من كل ما سألتموه حين كمل تهذيبكم، وصح وصلكم، فيكون أمركم بأمر الله. وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إذ نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد لا حد لهما في هذه الدار وفي تلك الدار، ففي كل نفس يمدهم بمدد جديد، ومع هذا كله يغفل العبد عن هذه النعم!! إن الإنسان لظلوم كفار، وشكرها: نسبتها لمعطيها، وحمد الله عليها. وفي الحكم: " لا تدهشك واردات النعم عن القيام بحقوق شكرك فإن ذلك مما يحط من وجود قدرك ". قال سهل بن عبد رضي الله عنه: ما من نعمة إلا والحمد أفضل منها، والنعمة التي ألهم بها الحمد أفضل من الأولى، لأن الشكر يستوجب المزيد. وفي أخبار داود عليه السلام أنه قال: إلهي، ابن آدم ليس فيه شعرة إلا وتحتها نعمة، وفوقها نعمة، فمن أين يكافئها؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا داود، إني أعطي الكثير وأرضى باليسير، وإن شكر ذلك أن تعلم أن ما بك من نعمة فمني. ه. ومن جملة النعم التي يجب الشكر عليها وهي التي بدلها الكفار كفرا.
إبراهيم 14:35
قلت: قال هنا: { اجعل هذا البلد } بالتعريف، وقال في سورة البقرة
بلدا
[البقرة: 126] بالتنكير، قال البيضاوي: الفرق بينهما أن المسؤول في الأول أي: في التعريف إزالة الخوف وتصييره أمنا، وفي الثانية جعله من البلاد الآمنة. ه. وفرق السهيلي: بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة حين نزول آية إبراهيم، لأنها مكية فلذلك قال فيه: " البلد " بلام التعريف التي للحضور، بخلاف آية البقرة، فإنما هي مدينة، ولم تكن مكة حاضرة حين نزولها، فلم يعرفها بلا تعريف الحضور. ه. قال ابن جزي: وفيه نظر لأن ذلك كان حكاية عن إبراهيم عليه السلام، ولا فرق بين كونه بالمدينة أو بمكة. ه. قلت: لا نظر فيه لأن الحق تعالى لم يحك لنا قصص الأنبياء بألفاظهم، وإنما ترجم عنها بلسان عربي، فينزل على رعاية مقتضى الحال. ولذلك اختلفت الألفاظ في قصص الأنبياء، لأن كل قصة تنزل على ما يقتضيه المقام والحال، من تعريف وتنكير، واختصار وإطناب. وقد ذكر أبو السعود في سورة الأعراف ما يؤيد هذا، فانظره. والله تعالى أعلم. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد } يعني: مكة، { آمنا } لمن فيها من أغدرة الناس عليها، أو من الخسف والعذاب، أو من الطاعون والوباء، { واجنبني } أي: امنعني واعصمني، { وبني } من بعدي، من { أن نعبد الأصنام } أي: اجعلنا منهم من جانب بعيد. قال البيضاوي: وفيه دليل على أن العصمة للأنبياء بتوفيق الله وحفظه إياهم، وهو بظاهره لا يتناول أحفاده وجميع ذريته، ورغم ابن عيينة أن أولاد إسماعيل لم يعبدوا الصنم، محتجا به، وإنما كانت لهم حجارة يدورون بها، وسمونها الدوار، ويقولون: البيت حجر، وحيثما نصبت حجرا فهو بمنزلته. ه. قال ابن جزي: و { بني } يعني: من صلبه، وفيهم أجيبت دعوته، وأما أعقاب بنيه فعبدوا الأصنام. ه. وقد قال في الإحياء: عنى إبراهيم عليه السلام بالأصنام، الذهب والفضة، بمعنى: حبهما والأغترار بهما، والركون إليهما. قال عليه الصلاة والسلام :
" تعس عبد الدينار والدرهم... "
الحديث لأن رتبة النبوة أجل من أن يخشى عليها أن تعتقد الألوهية في شيء من الحجارة. ه. قلت: الظاهر أن يبقى اللفظ على ظاهره، في حقه وفي حق بنيه. أما في حقه فلسعة علمه وعدم وقوفه مع ظاهر الوعد، كما هو شأن الأكابر، لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، وهذا كقوله:
ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشآء ربي شيئا
[الأنعام: 80]. وتقدم هذا المعنى مرارا. وأما في حق بنيه فإنما قصد العموم في نسله لكن لم يجب إلا فيما كان صلبه فإن دعاء الأنبياء عليهم السلام لا يجب أن يكون كله مجابا، فقد يجابون في أشياء، ويمنعون من أشياء.
وقد سأل نبينا صلى الله عليه وسلم لأمته أشياء، فأجيب في البعض، ومنع البعض، كما في الحديث. ثم قال إبراهيم عليه السلام: { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } أي: إن الأصنام أتلفت كثيرا من الخلق عن طريق الحق، فلذلك سألت منك العصمة، واستعذت بك من إضلالهن، وإسناد الإضلال إليهن باعتبار السببية، كقوله
وغرتهم الحياة الدنيا
[الأنعام: 70]. { فمن تبعني } على ديني { فإنه مني } لا ينفك عني في أمر الدين، { ومن عصاني فإنك غفور رحيم } ، تقدر أن تغفر له ابتداء، أو بعد التوفيق للتوبة. وفيه دليل على أن كل ذنب فلله أن يغفره، حتى الشرك، إلا أن الوعيد فرق بينه وبين غيره، قاله البيضاوي. قال ابن جزي: { ومن عصاني } يريد: بغير الكفر، أو عصاه بالكفر ثم تاب منه، فهو الذي يصح أن يدعى له بالمغفرة، ولكنه ذكر اللفظ بالعموم لما كان فيه عليه السلام من التخلق بالرحمة للخلق، وحسن الخلق. ه. { ربنا إني أسكنت من ذريتي } أي: بعض ذريتي، وهو: إسماعيل عليه السلام، أو: أسكنت ذرية من ذريتي، وهو إسماعيل ومن ولد منه فإن إسكانه متضمن لإسكانهم، { بواد غير ذي زرع } يعني: وادي مكة، لأنها حجرية لا تنبت، والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. ولم يقل: ولا ماء، ولعله علم بوحي أنه سيكون فيه الماء، { عند بيتك المحرم } الذي حرمه على الجبابرة من التعرض له والتهاون به، أو: لم يزل محترما تهابه الجبابرة، أو منع منه الطوفان، فلم يستأصله ويمح أثره. وهذا الدعاء وقع منه أول ما قدم، ولم يكن موجودا، فلعله قال ذلك باعتبار ما كان، أي: عند أثر بيتك المحرم، أو باعتبار ما يؤول إليه من بنائه وعمارته واحترامه. وقصة إنزاله ولده بمكة: أن هاجر كانت مملوكة لسارة، وهبها لها جبار من الجبابرة وذلك أن إبراهيم عليه السلام دخل مدينة، وكان فيها جبار يغصب النساء الجميلات، فأخذها، وأدخلها بيتا، فلما دخل عليها دعت عليه، فسقط، ثم قالت: يا رب إن مات قتلوني فيه، فقام، فلما دنا منها، دعت عليه، فسقط، فقال في الثالثة: ما هذه إلا شيطانة، أخرجوها عني، وأعطوها هاجر، فعصمها الله منه، وأخدمها هاجر، ثم وهبتها لإبراهيم، فوطئها فحملت بإسماعيل، فلما ولدته غارت منها فتعب إبراهيم معها، ثم ناشدته، سارة أن يخرجها من عندها، فركب البراق، وخرج بها تحمل ولدها حتى أنزلها مكة، تحت دوحة، قريبا من موضع زمزم، فلما ولى تبعته، وهي تقول: لمن تتركنا في هذه البلاد، وليس بها أنيس؟ ثم قالت: " أألله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذا لا يضيعنا.
فرجعت تأكل من مزود، تم تركها لها، وتشرب من قربة ماء، فما فرغ الماء نشف اللبن، وجعل الولد يتخبط من العطش، فجعلت تطوف من الصفا، وكان جبلا صغيرا قريبا منها، وتذهب إلى المروة، وتسعى بينهما، لعلها ترى أحدا، فلما بلغت سبعة أطواف وسمعت صوتا في الهواء، فقالت: أغث إن كان معك غياث، فتبدى جبريل بين يديها حتى وصل إلى موضع زمزم، فهمز بعقبه ففار الماء. فلما رأته دهشت، وخافت عليه يذهب فجعلت تحوطه، وتقول: زم زم، فانحصر الماء. قال صلى الله عليه وسلم:
" يرحم الله أم إسماعيل، لو تركته، كان عينا معينا "
فشربت، ودر لبنها. ثم إن جرهم رأوا طيورا تحوم، فقالوا: لا طيور إلا على الماء. فقصدوا الموضع، فوجدوها مع ابنها، وعندها عين، فقالوا لها: أتشركيننا في مائك، ونشركك في ألباننا؟ ففعلت. وفي حديث البخاري:
" قالوا لها: أتحبين أن نسكن معك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء "
فرحلوا إليها، وسكنوا معها، ثم زوجوا ولدها منهم. وحديث إتيان إبراهيم يتعاهد ابنه، وبنائهما الكعبة، مذكور في البخاري والسير. ثم قال: { ربنا ليقيموا الصلاة } أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع من كل مرتفق ومرتزق، إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم. وتكرير النداء وتوسيطه، للإشعار بأنها المقصود بالذات من إسكانهم ثمة. والمقصود من الدعاء: توفيقهم لها، وقيل: اللام للأمر، وكأنه طلب منهم الإقامة، وسأل من الله أن يوفقهم لها. { فاجعل أفئدة من الناس } أي: اجعل أفئدة من بعض الناس، { تهوي إليهم } أي: تسرع إليهم شوقا ومحبة، و " من ": للتبعيض، ولذلك قيل: لو قال: أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم، ولحجت اليهود والنصارى. وقيل: للبيان، أي: أفئدة ناس. { وارزقهم من الثمرات } مع كونهم بواد لا نبات فيه، { لعلهم يشكرون } تلك النعمة، فأجاب دعوته، فجعله حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء، حتى أنه يوجد فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية، في يوم واحد. { ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن } أي: تعلم سرنا، كما تعلم علانيتنا. والمعنى: إنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا، وأرحم منا بأنفسنا، فلا حاجة لنا إلى الطلب، لكننا ندعوك إظهارا لعبوديتك، وافتقارا إلى رحمتك، واستجلابا لنيل ما عندك. قاله البيضاوي: أي: فيكون مناسبا لحاله في قوله: " علمه بحالي يغني عن سؤالي ". وقيل: ما نخفي من وجد الفرقة، وما نعلن من التضرع إليك والتوكل عليك. وتكرير النداء للمبالغة في التضرع واللجوء إلى الله تعالى. { وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء } لأن علمه أحاط بكل معلوم. " من ": للاستغراق. الإشارة: ينبغي للعبد أن يكون إبراهيميا، فيدعو بهذا الدعاء على طريق الإشارة، فيقول: رب اجعل هذا القلب آمنا من الخواطر والوساوس، واجنبني وبني، أي: بعدني ومن تعلق بي، أن نعبد الأصنام، التي هي الدنانير والدراهم، وكل ما يعشق من دون الله، { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } فتلفوا في حبها والحرص عليها، فلا فكرة لهم إلا فيهما، ولا شغل لهم إلا جمعهما، فمن تبعني في الزهد فيهما، والغنى بك عنهما، فإنه مني، ومن عصاني، واشتغل بمحبتهما وجمعهما، { فإنك غفور رحيم }.
وقوله: { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع } فيه: تعليم اليقين لمن طلب تربية اليقين. قال الورتجبي: فيه إشارة إلى تربية أهله بحقائق التوكل والرضا والتسليم، ونعم التربية ذلك فأعلمنا بسنته القائمة الحنيفية السمحة السهلة، الخليلية الحبيبية، الأحمدية المصطفوية صلوات الله عليهما أن العارف الصادق ينبغي له ألا يكون معوله على الأملاك والأسباب في حياته وبعد وفاته لتربية عياله، فإنه تعالى حسبه، وزاد في تربيتهم بأن يؤدبهم بإقامة الصلاة إظهارا للعبودية، وإخلاصا في المعرفة، وطلبا للمشاهدة، ومناجاة في القربة بقوله: { ربنا ليقيموا الصلاة } الخ. وقال القشيري: أخبر عن صدق توكله وتفويضه، أي: أسكنت قوما من ذريتي بواد غير ذي زرع، عند بيتك المحرم. وإنما رد الرفق لهم في الجوار فقال: { عند بيتك المحرم } ، ثم قال: { ليقيموا الصلاة }. أي: أسكنتهم لإقامة حقك، لا لطلب حظوظهم. ويقال: اكتفى بأن يكونوا في ظلال عنايته، عن أن يكونوا في ظلال نعيمهم، ثم قال: قوله: { بواد غير ذي زرع } أي: أسكنتهم هذا الوادي، ولا متعلق من الأغيار لقلوبهم، ولا متناول لأفكارهم وأسرارهم، فهم مطروحون ببابك مقيمون بحضرتك، جار فيهم حكمك، إن راعيتهم كفيتهم، وكانوا أعز خلق الله، وإن أقصيتهم وأوبقتهم كانوا أضعف وأذل خلقك. ه. وقوله تعالى: { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم }: قال القشيري: ليشتغلوا بعبادتك، فأفرد قوما يقومون لهم بكفايتهم، وارزقهم من الثمرات، فإن من قام بحق الله قام الله بحقه. فاستجاب الله دعاءه فيهم، فصارت القلوب من أهل كل بر وبحر كالمجبولة على محبة ذلك البيت، ومحبة أولئك المصلين من سكانه. وقال الورتجبي: سأل أن يجعلهم مرادي جلاله وجماله، ويجعلهم آية الصادقين والعاشقين، بقوله: { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم } ، تميل بوصف الإرادة والمحبة لك، والاقتداء بهم في إقامة سنتك، وألبسهم لباس أنوارك، وألق في قلوب خلقك محبتهم بمحبتك. ه. ومعنى قوله: مرادي جلاله وجماله: أي: مظهرا لجلاله وجماله، يعشقهم البر والفاجر، والكامل والناقص، فقد ظهر فيهم الجلال والجمال. والله تعالى أعلم. ثم ذكر بقية كلام إبراهيم عليه السلام.
إبراهيم 14:36
قلت: قال هنا: { اجعل هذا البلد } بالتعريف، وقال في سورة البقرة
بلدا
[البقرة: 126] بالتنكير، قال البيضاوي: الفرق بينهما أن المسؤول في الأول أي: في التعريف إزالة الخوف وتصييره أمنا، وفي الثانية جعله من البلاد الآمنة. ه. وفرق السهيلي: بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة حين نزول آية إبراهيم، لأنها مكية فلذلك قال فيه: " البلد " بلام التعريف التي للحضور، بخلاف آية البقرة، فإنما هي مدينة، ولم تكن مكة حاضرة حين نزولها، فلم يعرفها بلا تعريف الحضور. ه. قال ابن جزي: وفيه نظر لأن ذلك كان حكاية عن إبراهيم عليه السلام، ولا فرق بين كونه بالمدينة أو بمكة. ه. قلت: لا نظر فيه لأن الحق تعالى لم يحك لنا قصص الأنبياء بألفاظهم، وإنما ترجم عنها بلسان عربي، فينزل على رعاية مقتضى الحال. ولذلك اختلفت الألفاظ في قصص الأنبياء، لأن كل قصة تنزل على ما يقتضيه المقام والحال، من تعريف وتنكير، واختصار وإطناب. وقد ذكر أبو السعود في سورة الأعراف ما يؤيد هذا، فانظره. والله تعالى أعلم. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد } يعني: مكة، { آمنا } لمن فيها من أغدرة الناس عليها، أو من الخسف والعذاب، أو من الطاعون والوباء، { واجنبني } أي: امنعني واعصمني، { وبني } من بعدي، من { أن نعبد الأصنام } أي: اجعلنا منهم من جانب بعيد. قال البيضاوي: وفيه دليل على أن العصمة للأنبياء بتوفيق الله وحفظه إياهم، وهو بظاهره لا يتناول أحفاده وجميع ذريته، ورغم ابن عيينة أن أولاد إسماعيل لم يعبدوا الصنم، محتجا به، وإنما كانت لهم حجارة يدورون بها، وسمونها الدوار، ويقولون: البيت حجر، وحيثما نصبت حجرا فهو بمنزلته. ه. قال ابن جزي: و { بني } يعني: من صلبه، وفيهم أجيبت دعوته، وأما أعقاب بنيه فعبدوا الأصنام. ه. وقد قال في الإحياء: عنى إبراهيم عليه السلام بالأصنام، الذهب والفضة، بمعنى: حبهما والأغترار بهما، والركون إليهما. قال عليه الصلاة والسلام :
" تعس عبد الدينار والدرهم... "
الحديث لأن رتبة النبوة أجل من أن يخشى عليها أن تعتقد الألوهية في شيء من الحجارة. ه. قلت: الظاهر أن يبقى اللفظ على ظاهره، في حقه وفي حق بنيه. أما في حقه فلسعة علمه وعدم وقوفه مع ظاهر الوعد، كما هو شأن الأكابر، لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، وهذا كقوله:
ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشآء ربي شيئا
[الأنعام: 80]. وتقدم هذا المعنى مرارا. وأما في حق بنيه فإنما قصد العموم في نسله لكن لم يجب إلا فيما كان صلبه فإن دعاء الأنبياء عليهم السلام لا يجب أن يكون كله مجابا، فقد يجابون في أشياء، ويمنعون من أشياء.
وقد سأل نبينا صلى الله عليه وسلم لأمته أشياء، فأجيب في البعض، ومنع البعض، كما في الحديث. ثم قال إبراهيم عليه السلام: { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } أي: إن الأصنام أتلفت كثيرا من الخلق عن طريق الحق، فلذلك سألت منك العصمة، واستعذت بك من إضلالهن، وإسناد الإضلال إليهن باعتبار السببية، كقوله
وغرتهم الحياة الدنيا
[الأنعام: 70]. { فمن تبعني } على ديني { فإنه مني } لا ينفك عني في أمر الدين، { ومن عصاني فإنك غفور رحيم } ، تقدر أن تغفر له ابتداء، أو بعد التوفيق للتوبة. وفيه دليل على أن كل ذنب فلله أن يغفره، حتى الشرك، إلا أن الوعيد فرق بينه وبين غيره، قاله البيضاوي. قال ابن جزي: { ومن عصاني } يريد: بغير الكفر، أو عصاه بالكفر ثم تاب منه، فهو الذي يصح أن يدعى له بالمغفرة، ولكنه ذكر اللفظ بالعموم لما كان فيه عليه السلام من التخلق بالرحمة للخلق، وحسن الخلق. ه. { ربنا إني أسكنت من ذريتي } أي: بعض ذريتي، وهو: إسماعيل عليه السلام، أو: أسكنت ذرية من ذريتي، وهو إسماعيل ومن ولد منه فإن إسكانه متضمن لإسكانهم، { بواد غير ذي زرع } يعني: وادي مكة، لأنها حجرية لا تنبت، والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. ولم يقل: ولا ماء، ولعله علم بوحي أنه سيكون فيه الماء، { عند بيتك المحرم } الذي حرمه على الجبابرة من التعرض له والتهاون به، أو: لم يزل محترما تهابه الجبابرة، أو منع منه الطوفان، فلم يستأصله ويمح أثره. وهذا الدعاء وقع منه أول ما قدم، ولم يكن موجودا، فلعله قال ذلك باعتبار ما كان، أي: عند أثر بيتك المحرم، أو باعتبار ما يؤول إليه من بنائه وعمارته واحترامه. وقصة إنزاله ولده بمكة: أن هاجر كانت مملوكة لسارة، وهبها لها جبار من الجبابرة وذلك أن إبراهيم عليه السلام دخل مدينة، وكان فيها جبار يغصب النساء الجميلات، فأخذها، وأدخلها بيتا، فلما دخل عليها دعت عليه، فسقط، ثم قالت: يا رب إن مات قتلوني فيه، فقام، فلما دنا منها، دعت عليه، فسقط، فقال في الثالثة: ما هذه إلا شيطانة، أخرجوها عني، وأعطوها هاجر، فعصمها الله منه، وأخدمها هاجر، ثم وهبتها لإبراهيم، فوطئها فحملت بإسماعيل، فلما ولدته غارت منها فتعب إبراهيم معها، ثم ناشدته، سارة أن يخرجها من عندها، فركب البراق، وخرج بها تحمل ولدها حتى أنزلها مكة، تحت دوحة، قريبا من موضع زمزم، فلما ولى تبعته، وهي تقول: لمن تتركنا في هذه البلاد، وليس بها أنيس؟ ثم قالت: " أألله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذا لا يضيعنا.
فرجعت تأكل من مزود، تم تركها لها، وتشرب من قربة ماء، فما فرغ الماء نشف اللبن، وجعل الولد يتخبط من العطش، فجعلت تطوف من الصفا، وكان جبلا صغيرا قريبا منها، وتذهب إلى المروة، وتسعى بينهما، لعلها ترى أحدا، فلما بلغت سبعة أطواف وسمعت صوتا في الهواء، فقالت: أغث إن كان معك غياث، فتبدى جبريل بين يديها حتى وصل إلى موضع زمزم، فهمز بعقبه ففار الماء. فلما رأته دهشت، وخافت عليه يذهب فجعلت تحوطه، وتقول: زم زم، فانحصر الماء. قال صلى الله عليه وسلم:
" يرحم الله أم إسماعيل، لو تركته، كان عينا معينا "
فشربت، ودر لبنها. ثم إن جرهم رأوا طيورا تحوم، فقالوا: لا طيور إلا على الماء. فقصدوا الموضع، فوجدوها مع ابنها، وعندها عين، فقالوا لها: أتشركيننا في مائك، ونشركك في ألباننا؟ ففعلت. وفي حديث البخاري:
" قالوا لها: أتحبين أن نسكن معك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء "
فرحلوا إليها، وسكنوا معها، ثم زوجوا ولدها منهم. وحديث إتيان إبراهيم يتعاهد ابنه، وبنائهما الكعبة، مذكور في البخاري والسير. ثم قال: { ربنا ليقيموا الصلاة } أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع من كل مرتفق ومرتزق، إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم. وتكرير النداء وتوسيطه، للإشعار بأنها المقصود بالذات من إسكانهم ثمة. والمقصود من الدعاء: توفيقهم لها، وقيل: اللام للأمر، وكأنه طلب منهم الإقامة، وسأل من الله أن يوفقهم لها. { فاجعل أفئدة من الناس } أي: اجعل أفئدة من بعض الناس، { تهوي إليهم } أي: تسرع إليهم شوقا ومحبة، و " من ": للتبعيض، ولذلك قيل: لو قال: أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم، ولحجت اليهود والنصارى. وقيل: للبيان، أي: أفئدة ناس. { وارزقهم من الثمرات } مع كونهم بواد لا نبات فيه، { لعلهم يشكرون } تلك النعمة، فأجاب دعوته، فجعله حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء، حتى أنه يوجد فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية، في يوم واحد. { ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن } أي: تعلم سرنا، كما تعلم علانيتنا. والمعنى: إنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا، وأرحم منا بأنفسنا، فلا حاجة لنا إلى الطلب، لكننا ندعوك إظهارا لعبوديتك، وافتقارا إلى رحمتك، واستجلابا لنيل ما عندك. قاله البيضاوي: أي: فيكون مناسبا لحاله في قوله: " علمه بحالي يغني عن سؤالي ". وقيل: ما نخفي من وجد الفرقة، وما نعلن من التضرع إليك والتوكل عليك. وتكرير النداء للمبالغة في التضرع واللجوء إلى الله تعالى. { وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء } لأن علمه أحاط بكل معلوم. " من ": للاستغراق. الإشارة: ينبغي للعبد أن يكون إبراهيميا، فيدعو بهذا الدعاء على طريق الإشارة، فيقول: رب اجعل هذا القلب آمنا من الخواطر والوساوس، واجنبني وبني، أي: بعدني ومن تعلق بي، أن نعبد الأصنام، التي هي الدنانير والدراهم، وكل ما يعشق من دون الله، { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } فتلفوا في حبها والحرص عليها، فلا فكرة لهم إلا فيهما، ولا شغل لهم إلا جمعهما، فمن تبعني في الزهد فيهما، والغنى بك عنهما، فإنه مني، ومن عصاني، واشتغل بمحبتهما وجمعهما، { فإنك غفور رحيم }.
وقوله: { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع } فيه: تعليم اليقين لمن طلب تربية اليقين. قال الورتجبي: فيه إشارة إلى تربية أهله بحقائق التوكل والرضا والتسليم، ونعم التربية ذلك فأعلمنا بسنته القائمة الحنيفية السمحة السهلة، الخليلية الحبيبية، الأحمدية المصطفوية صلوات الله عليهما أن العارف الصادق ينبغي له ألا يكون معوله على الأملاك والأسباب في حياته وبعد وفاته لتربية عياله، فإنه تعالى حسبه، وزاد في تربيتهم بأن يؤدبهم بإقامة الصلاة إظهارا للعبودية، وإخلاصا في المعرفة، وطلبا للمشاهدة، ومناجاة في القربة بقوله: { ربنا ليقيموا الصلاة } الخ. وقال القشيري: أخبر عن صدق توكله وتفويضه، أي: أسكنت قوما من ذريتي بواد غير ذي زرع، عند بيتك المحرم. وإنما رد الرفق لهم في الجوار فقال: { عند بيتك المحرم } ، ثم قال: { ليقيموا الصلاة }. أي: أسكنتهم لإقامة حقك، لا لطلب حظوظهم. ويقال: اكتفى بأن يكونوا في ظلال عنايته، عن أن يكونوا في ظلال نعيمهم، ثم قال: قوله: { بواد غير ذي زرع } أي: أسكنتهم هذا الوادي، ولا متعلق من الأغيار لقلوبهم، ولا متناول لأفكارهم وأسرارهم، فهم مطروحون ببابك مقيمون بحضرتك، جار فيهم حكمك، إن راعيتهم كفيتهم، وكانوا أعز خلق الله، وإن أقصيتهم وأوبقتهم كانوا أضعف وأذل خلقك. ه. وقوله تعالى: { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم }: قال القشيري: ليشتغلوا بعبادتك، فأفرد قوما يقومون لهم بكفايتهم، وارزقهم من الثمرات، فإن من قام بحق الله قام الله بحقه. فاستجاب الله دعاءه فيهم، فصارت القلوب من أهل كل بر وبحر كالمجبولة على محبة ذلك البيت، ومحبة أولئك المصلين من سكانه. وقال الورتجبي: سأل أن يجعلهم مرادي جلاله وجماله، ويجعلهم آية الصادقين والعاشقين، بقوله: { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم } ، تميل بوصف الإرادة والمحبة لك، والاقتداء بهم في إقامة سنتك، وألبسهم لباس أنوارك، وألق في قلوب خلقك محبتهم بمحبتك. ه. ومعنى قوله: مرادي جلاله وجماله: أي: مظهرا لجلاله وجماله، يعشقهم البر والفاجر، والكامل والناقص، فقد ظهر فيهم الجلال والجمال. والله تعالى أعلم. ثم ذكر بقية كلام إبراهيم عليه السلام.
إبراهيم 14:37
قلت: قال هنا: { اجعل هذا البلد } بالتعريف، وقال في سورة البقرة
بلدا
[البقرة: 126] بالتنكير، قال البيضاوي: الفرق بينهما أن المسؤول في الأول أي: في التعريف إزالة الخوف وتصييره أمنا، وفي الثانية جعله من البلاد الآمنة. ه. وفرق السهيلي: بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة حين نزول آية إبراهيم، لأنها مكية فلذلك قال فيه: " البلد " بلام التعريف التي للحضور، بخلاف آية البقرة، فإنما هي مدينة، ولم تكن مكة حاضرة حين نزولها، فلم يعرفها بلا تعريف الحضور. ه. قال ابن جزي: وفيه نظر لأن ذلك كان حكاية عن إبراهيم عليه السلام، ولا فرق بين كونه بالمدينة أو بمكة. ه. قلت: لا نظر فيه لأن الحق تعالى لم يحك لنا قصص الأنبياء بألفاظهم، وإنما ترجم عنها بلسان عربي، فينزل على رعاية مقتضى الحال. ولذلك اختلفت الألفاظ في قصص الأنبياء، لأن كل قصة تنزل على ما يقتضيه المقام والحال، من تعريف وتنكير، واختصار وإطناب. وقد ذكر أبو السعود في سورة الأعراف ما يؤيد هذا، فانظره. والله تعالى أعلم. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد } يعني: مكة، { آمنا } لمن فيها من أغدرة الناس عليها، أو من الخسف والعذاب، أو من الطاعون والوباء، { واجنبني } أي: امنعني واعصمني، { وبني } من بعدي، من { أن نعبد الأصنام } أي: اجعلنا منهم من جانب بعيد. قال البيضاوي: وفيه دليل على أن العصمة للأنبياء بتوفيق الله وحفظه إياهم، وهو بظاهره لا يتناول أحفاده وجميع ذريته، ورغم ابن عيينة أن أولاد إسماعيل لم يعبدوا الصنم، محتجا به، وإنما كانت لهم حجارة يدورون بها، وسمونها الدوار، ويقولون: البيت حجر، وحيثما نصبت حجرا فهو بمنزلته. ه. قال ابن جزي: و { بني } يعني: من صلبه، وفيهم أجيبت دعوته، وأما أعقاب بنيه فعبدوا الأصنام. ه. وقد قال في الإحياء: عنى إبراهيم عليه السلام بالأصنام، الذهب والفضة، بمعنى: حبهما والأغترار بهما، والركون إليهما. قال عليه الصلاة والسلام :
" تعس عبد الدينار والدرهم... "
الحديث لأن رتبة النبوة أجل من أن يخشى عليها أن تعتقد الألوهية في شيء من الحجارة. ه. قلت: الظاهر أن يبقى اللفظ على ظاهره، في حقه وفي حق بنيه. أما في حقه فلسعة علمه وعدم وقوفه مع ظاهر الوعد، كما هو شأن الأكابر، لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، وهذا كقوله:
ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشآء ربي شيئا
[الأنعام: 80]. وتقدم هذا المعنى مرارا. وأما في حق بنيه فإنما قصد العموم في نسله لكن لم يجب إلا فيما كان صلبه فإن دعاء الأنبياء عليهم السلام لا يجب أن يكون كله مجابا، فقد يجابون في أشياء، ويمنعون من أشياء.
وقد سأل نبينا صلى الله عليه وسلم لأمته أشياء، فأجيب في البعض، ومنع البعض، كما في الحديث. ثم قال إبراهيم عليه السلام: { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } أي: إن الأصنام أتلفت كثيرا من الخلق عن طريق الحق، فلذلك سألت منك العصمة، واستعذت بك من إضلالهن، وإسناد الإضلال إليهن باعتبار السببية، كقوله
وغرتهم الحياة الدنيا
[الأنعام: 70]. { فمن تبعني } على ديني { فإنه مني } لا ينفك عني في أمر الدين، { ومن عصاني فإنك غفور رحيم } ، تقدر أن تغفر له ابتداء، أو بعد التوفيق للتوبة. وفيه دليل على أن كل ذنب فلله أن يغفره، حتى الشرك، إلا أن الوعيد فرق بينه وبين غيره، قاله البيضاوي. قال ابن جزي: { ومن عصاني } يريد: بغير الكفر، أو عصاه بالكفر ثم تاب منه، فهو الذي يصح أن يدعى له بالمغفرة، ولكنه ذكر اللفظ بالعموم لما كان فيه عليه السلام من التخلق بالرحمة للخلق، وحسن الخلق. ه. { ربنا إني أسكنت من ذريتي } أي: بعض ذريتي، وهو: إسماعيل عليه السلام، أو: أسكنت ذرية من ذريتي، وهو إسماعيل ومن ولد منه فإن إسكانه متضمن لإسكانهم، { بواد غير ذي زرع } يعني: وادي مكة، لأنها حجرية لا تنبت، والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. ولم يقل: ولا ماء، ولعله علم بوحي أنه سيكون فيه الماء، { عند بيتك المحرم } الذي حرمه على الجبابرة من التعرض له والتهاون به، أو: لم يزل محترما تهابه الجبابرة، أو منع منه الطوفان، فلم يستأصله ويمح أثره. وهذا الدعاء وقع منه أول ما قدم، ولم يكن موجودا، فلعله قال ذلك باعتبار ما كان، أي: عند أثر بيتك المحرم، أو باعتبار ما يؤول إليه من بنائه وعمارته واحترامه. وقصة إنزاله ولده بمكة: أن هاجر كانت مملوكة لسارة، وهبها لها جبار من الجبابرة وذلك أن إبراهيم عليه السلام دخل مدينة، وكان فيها جبار يغصب النساء الجميلات، فأخذها، وأدخلها بيتا، فلما دخل عليها دعت عليه، فسقط، ثم قالت: يا رب إن مات قتلوني فيه، فقام، فلما دنا منها، دعت عليه، فسقط، فقال في الثالثة: ما هذه إلا شيطانة، أخرجوها عني، وأعطوها هاجر، فعصمها الله منه، وأخدمها هاجر، ثم وهبتها لإبراهيم، فوطئها فحملت بإسماعيل، فلما ولدته غارت منها فتعب إبراهيم معها، ثم ناشدته، سارة أن يخرجها من عندها، فركب البراق، وخرج بها تحمل ولدها حتى أنزلها مكة، تحت دوحة، قريبا من موضع زمزم، فلما ولى تبعته، وهي تقول: لمن تتركنا في هذه البلاد، وليس بها أنيس؟ ثم قالت: " أألله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذا لا يضيعنا.
فرجعت تأكل من مزود، تم تركها لها، وتشرب من قربة ماء، فما فرغ الماء نشف اللبن، وجعل الولد يتخبط من العطش، فجعلت تطوف من الصفا، وكان جبلا صغيرا قريبا منها، وتذهب إلى المروة، وتسعى بينهما، لعلها ترى أحدا، فلما بلغت سبعة أطواف وسمعت صوتا في الهواء، فقالت: أغث إن كان معك غياث، فتبدى جبريل بين يديها حتى وصل إلى موضع زمزم، فهمز بعقبه ففار الماء. فلما رأته دهشت، وخافت عليه يذهب فجعلت تحوطه، وتقول: زم زم، فانحصر الماء. قال صلى الله عليه وسلم:
" يرحم الله أم إسماعيل، لو تركته، كان عينا معينا "
فشربت، ودر لبنها. ثم إن جرهم رأوا طيورا تحوم، فقالوا: لا طيور إلا على الماء. فقصدوا الموضع، فوجدوها مع ابنها، وعندها عين، فقالوا لها: أتشركيننا في مائك، ونشركك في ألباننا؟ ففعلت. وفي حديث البخاري:
" قالوا لها: أتحبين أن نسكن معك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء "
فرحلوا إليها، وسكنوا معها، ثم زوجوا ولدها منهم. وحديث إتيان إبراهيم يتعاهد ابنه، وبنائهما الكعبة، مذكور في البخاري والسير. ثم قال: { ربنا ليقيموا الصلاة } أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع من كل مرتفق ومرتزق، إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم. وتكرير النداء وتوسيطه، للإشعار بأنها المقصود بالذات من إسكانهم ثمة. والمقصود من الدعاء: توفيقهم لها، وقيل: اللام للأمر، وكأنه طلب منهم الإقامة، وسأل من الله أن يوفقهم لها. { فاجعل أفئدة من الناس } أي: اجعل أفئدة من بعض الناس، { تهوي إليهم } أي: تسرع إليهم شوقا ومحبة، و " من ": للتبعيض، ولذلك قيل: لو قال: أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم، ولحجت اليهود والنصارى. وقيل: للبيان، أي: أفئدة ناس. { وارزقهم من الثمرات } مع كونهم بواد لا نبات فيه، { لعلهم يشكرون } تلك النعمة، فأجاب دعوته، فجعله حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء، حتى أنه يوجد فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية، في يوم واحد. { ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن } أي: تعلم سرنا، كما تعلم علانيتنا. والمعنى: إنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا، وأرحم منا بأنفسنا، فلا حاجة لنا إلى الطلب، لكننا ندعوك إظهارا لعبوديتك، وافتقارا إلى رحمتك، واستجلابا لنيل ما عندك. قاله البيضاوي: أي: فيكون مناسبا لحاله في قوله: " علمه بحالي يغني عن سؤالي ". وقيل: ما نخفي من وجد الفرقة، وما نعلن من التضرع إليك والتوكل عليك. وتكرير النداء للمبالغة في التضرع واللجوء إلى الله تعالى. { وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء } لأن علمه أحاط بكل معلوم. " من ": للاستغراق. الإشارة: ينبغي للعبد أن يكون إبراهيميا، فيدعو بهذا الدعاء على طريق الإشارة، فيقول: رب اجعل هذا القلب آمنا من الخواطر والوساوس، واجنبني وبني، أي: بعدني ومن تعلق بي، أن نعبد الأصنام، التي هي الدنانير والدراهم، وكل ما يعشق من دون الله، { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } فتلفوا في حبها والحرص عليها، فلا فكرة لهم إلا فيهما، ولا شغل لهم إلا جمعهما، فمن تبعني في الزهد فيهما، والغنى بك عنهما، فإنه مني، ومن عصاني، واشتغل بمحبتهما وجمعهما، { فإنك غفور رحيم }.
وقوله: { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع } فيه: تعليم اليقين لمن طلب تربية اليقين. قال الورتجبي: فيه إشارة إلى تربية أهله بحقائق التوكل والرضا والتسليم، ونعم التربية ذلك فأعلمنا بسنته القائمة الحنيفية السمحة السهلة، الخليلية الحبيبية، الأحمدية المصطفوية صلوات الله عليهما أن العارف الصادق ينبغي له ألا يكون معوله على الأملاك والأسباب في حياته وبعد وفاته لتربية عياله، فإنه تعالى حسبه، وزاد في تربيتهم بأن يؤدبهم بإقامة الصلاة إظهارا للعبودية، وإخلاصا في المعرفة، وطلبا للمشاهدة، ومناجاة في القربة بقوله: { ربنا ليقيموا الصلاة } الخ. وقال القشيري: أخبر عن صدق توكله وتفويضه، أي: أسكنت قوما من ذريتي بواد غير ذي زرع، عند بيتك المحرم. وإنما رد الرفق لهم في الجوار فقال: { عند بيتك المحرم } ، ثم قال: { ليقيموا الصلاة }. أي: أسكنتهم لإقامة حقك، لا لطلب حظوظهم. ويقال: اكتفى بأن يكونوا في ظلال عنايته، عن أن يكونوا في ظلال نعيمهم، ثم قال: قوله: { بواد غير ذي زرع } أي: أسكنتهم هذا الوادي، ولا متعلق من الأغيار لقلوبهم، ولا متناول لأفكارهم وأسرارهم، فهم مطروحون ببابك مقيمون بحضرتك، جار فيهم حكمك، إن راعيتهم كفيتهم، وكانوا أعز خلق الله، وإن أقصيتهم وأوبقتهم كانوا أضعف وأذل خلقك. ه. وقوله تعالى: { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم }: قال القشيري: ليشتغلوا بعبادتك، فأفرد قوما يقومون لهم بكفايتهم، وارزقهم من الثمرات، فإن من قام بحق الله قام الله بحقه. فاستجاب الله دعاءه فيهم، فصارت القلوب من أهل كل بر وبحر كالمجبولة على محبة ذلك البيت، ومحبة أولئك المصلين من سكانه. وقال الورتجبي: سأل أن يجعلهم مرادي جلاله وجماله، ويجعلهم آية الصادقين والعاشقين، بقوله: { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم } ، تميل بوصف الإرادة والمحبة لك، والاقتداء بهم في إقامة سنتك، وألبسهم لباس أنوارك، وألق في قلوب خلقك محبتهم بمحبتك. ه. ومعنى قوله: مرادي جلاله وجماله: أي: مظهرا لجلاله وجماله، يعشقهم البر والفاجر، والكامل والناقص، فقد ظهر فيهم الجلال والجمال. والله تعالى أعلم. ثم ذكر بقية كلام إبراهيم عليه السلام.
إبراهيم 14:38
قلت: قال هنا: { اجعل هذا البلد } بالتعريف، وقال في سورة البقرة
بلدا
[البقرة: 126] بالتنكير، قال البيضاوي: الفرق بينهما أن المسؤول في الأول أي: في التعريف إزالة الخوف وتصييره أمنا، وفي الثانية جعله من البلاد الآمنة. ه. وفرق السهيلي: بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة حين نزول آية إبراهيم، لأنها مكية فلذلك قال فيه: " البلد " بلام التعريف التي للحضور، بخلاف آية البقرة، فإنما هي مدينة، ولم تكن مكة حاضرة حين نزولها، فلم يعرفها بلا تعريف الحضور. ه. قال ابن جزي: وفيه نظر لأن ذلك كان حكاية عن إبراهيم عليه السلام، ولا فرق بين كونه بالمدينة أو بمكة. ه. قلت: لا نظر فيه لأن الحق تعالى لم يحك لنا قصص الأنبياء بألفاظهم، وإنما ترجم عنها بلسان عربي، فينزل على رعاية مقتضى الحال. ولذلك اختلفت الألفاظ في قصص الأنبياء، لأن كل قصة تنزل على ما يقتضيه المقام والحال، من تعريف وتنكير، واختصار وإطناب. وقد ذكر أبو السعود في سورة الأعراف ما يؤيد هذا، فانظره. والله تعالى أعلم. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد } يعني: مكة، { آمنا } لمن فيها من أغدرة الناس عليها، أو من الخسف والعذاب، أو من الطاعون والوباء، { واجنبني } أي: امنعني واعصمني، { وبني } من بعدي، من { أن نعبد الأصنام } أي: اجعلنا منهم من جانب بعيد. قال البيضاوي: وفيه دليل على أن العصمة للأنبياء بتوفيق الله وحفظه إياهم، وهو بظاهره لا يتناول أحفاده وجميع ذريته، ورغم ابن عيينة أن أولاد إسماعيل لم يعبدوا الصنم، محتجا به، وإنما كانت لهم حجارة يدورون بها، وسمونها الدوار، ويقولون: البيت حجر، وحيثما نصبت حجرا فهو بمنزلته. ه. قال ابن جزي: و { بني } يعني: من صلبه، وفيهم أجيبت دعوته، وأما أعقاب بنيه فعبدوا الأصنام. ه. وقد قال في الإحياء: عنى إبراهيم عليه السلام بالأصنام، الذهب والفضة، بمعنى: حبهما والأغترار بهما، والركون إليهما. قال عليه الصلاة والسلام :
" تعس عبد الدينار والدرهم... "
الحديث لأن رتبة النبوة أجل من أن يخشى عليها أن تعتقد الألوهية في شيء من الحجارة. ه. قلت: الظاهر أن يبقى اللفظ على ظاهره، في حقه وفي حق بنيه. أما في حقه فلسعة علمه وعدم وقوفه مع ظاهر الوعد، كما هو شأن الأكابر، لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، وهذا كقوله:
ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشآء ربي شيئا
[الأنعام: 80]. وتقدم هذا المعنى مرارا. وأما في حق بنيه فإنما قصد العموم في نسله لكن لم يجب إلا فيما كان صلبه فإن دعاء الأنبياء عليهم السلام لا يجب أن يكون كله مجابا، فقد يجابون في أشياء، ويمنعون من أشياء.
وقد سأل نبينا صلى الله عليه وسلم لأمته أشياء، فأجيب في البعض، ومنع البعض، كما في الحديث. ثم قال إبراهيم عليه السلام: { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } أي: إن الأصنام أتلفت كثيرا من الخلق عن طريق الحق، فلذلك سألت منك العصمة، واستعذت بك من إضلالهن، وإسناد الإضلال إليهن باعتبار السببية، كقوله
وغرتهم الحياة الدنيا
[الأنعام: 70]. { فمن تبعني } على ديني { فإنه مني } لا ينفك عني في أمر الدين، { ومن عصاني فإنك غفور رحيم } ، تقدر أن تغفر له ابتداء، أو بعد التوفيق للتوبة. وفيه دليل على أن كل ذنب فلله أن يغفره، حتى الشرك، إلا أن الوعيد فرق بينه وبين غيره، قاله البيضاوي. قال ابن جزي: { ومن عصاني } يريد: بغير الكفر، أو عصاه بالكفر ثم تاب منه، فهو الذي يصح أن يدعى له بالمغفرة، ولكنه ذكر اللفظ بالعموم لما كان فيه عليه السلام من التخلق بالرحمة للخلق، وحسن الخلق. ه. { ربنا إني أسكنت من ذريتي } أي: بعض ذريتي، وهو: إسماعيل عليه السلام، أو: أسكنت ذرية من ذريتي، وهو إسماعيل ومن ولد منه فإن إسكانه متضمن لإسكانهم، { بواد غير ذي زرع } يعني: وادي مكة، لأنها حجرية لا تنبت، والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. ولم يقل: ولا ماء، ولعله علم بوحي أنه سيكون فيه الماء، { عند بيتك المحرم } الذي حرمه على الجبابرة من التعرض له والتهاون به، أو: لم يزل محترما تهابه الجبابرة، أو منع منه الطوفان، فلم يستأصله ويمح أثره. وهذا الدعاء وقع منه أول ما قدم، ولم يكن موجودا، فلعله قال ذلك باعتبار ما كان، أي: عند أثر بيتك المحرم، أو باعتبار ما يؤول إليه من بنائه وعمارته واحترامه. وقصة إنزاله ولده بمكة: أن هاجر كانت مملوكة لسارة، وهبها لها جبار من الجبابرة وذلك أن إبراهيم عليه السلام دخل مدينة، وكان فيها جبار يغصب النساء الجميلات، فأخذها، وأدخلها بيتا، فلما دخل عليها دعت عليه، فسقط، ثم قالت: يا رب إن مات قتلوني فيه، فقام، فلما دنا منها، دعت عليه، فسقط، فقال في الثالثة: ما هذه إلا شيطانة، أخرجوها عني، وأعطوها هاجر، فعصمها الله منه، وأخدمها هاجر، ثم وهبتها لإبراهيم، فوطئها فحملت بإسماعيل، فلما ولدته غارت منها فتعب إبراهيم معها، ثم ناشدته، سارة أن يخرجها من عندها، فركب البراق، وخرج بها تحمل ولدها حتى أنزلها مكة، تحت دوحة، قريبا من موضع زمزم، فلما ولى تبعته، وهي تقول: لمن تتركنا في هذه البلاد، وليس بها أنيس؟ ثم قالت: " أألله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذا لا يضيعنا.
فرجعت تأكل من مزود، تم تركها لها، وتشرب من قربة ماء، فما فرغ الماء نشف اللبن، وجعل الولد يتخبط من العطش، فجعلت تطوف من الصفا، وكان جبلا صغيرا قريبا منها، وتذهب إلى المروة، وتسعى بينهما، لعلها ترى أحدا، فلما بلغت سبعة أطواف وسمعت صوتا في الهواء، فقالت: أغث إن كان معك غياث، فتبدى جبريل بين يديها حتى وصل إلى موضع زمزم، فهمز بعقبه ففار الماء. فلما رأته دهشت، وخافت عليه يذهب فجعلت تحوطه، وتقول: زم زم، فانحصر الماء. قال صلى الله عليه وسلم:
" يرحم الله أم إسماعيل، لو تركته، كان عينا معينا "
فشربت، ودر لبنها. ثم إن جرهم رأوا طيورا تحوم، فقالوا: لا طيور إلا على الماء. فقصدوا الموضع، فوجدوها مع ابنها، وعندها عين، فقالوا لها: أتشركيننا في مائك، ونشركك في ألباننا؟ ففعلت. وفي حديث البخاري:
" قالوا لها: أتحبين أن نسكن معك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء "
فرحلوا إليها، وسكنوا معها، ثم زوجوا ولدها منهم. وحديث إتيان إبراهيم يتعاهد ابنه، وبنائهما الكعبة، مذكور في البخاري والسير. ثم قال: { ربنا ليقيموا الصلاة } أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع من كل مرتفق ومرتزق، إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم. وتكرير النداء وتوسيطه، للإشعار بأنها المقصود بالذات من إسكانهم ثمة. والمقصود من الدعاء: توفيقهم لها، وقيل: اللام للأمر، وكأنه طلب منهم الإقامة، وسأل من الله أن يوفقهم لها. { فاجعل أفئدة من الناس } أي: اجعل أفئدة من بعض الناس، { تهوي إليهم } أي: تسرع إليهم شوقا ومحبة، و " من ": للتبعيض، ولذلك قيل: لو قال: أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم، ولحجت اليهود والنصارى. وقيل: للبيان، أي: أفئدة ناس. { وارزقهم من الثمرات } مع كونهم بواد لا نبات فيه، { لعلهم يشكرون } تلك النعمة، فأجاب دعوته، فجعله حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء، حتى أنه يوجد فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية، في يوم واحد. { ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن } أي: تعلم سرنا، كما تعلم علانيتنا. والمعنى: إنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا، وأرحم منا بأنفسنا، فلا حاجة لنا إلى الطلب، لكننا ندعوك إظهارا لعبوديتك، وافتقارا إلى رحمتك، واستجلابا لنيل ما عندك. قاله البيضاوي: أي: فيكون مناسبا لحاله في قوله: " علمه بحالي يغني عن سؤالي ". وقيل: ما نخفي من وجد الفرقة، وما نعلن من التضرع إليك والتوكل عليك. وتكرير النداء للمبالغة في التضرع واللجوء إلى الله تعالى. { وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء } لأن علمه أحاط بكل معلوم. " من ": للاستغراق. الإشارة: ينبغي للعبد أن يكون إبراهيميا، فيدعو بهذا الدعاء على طريق الإشارة، فيقول: رب اجعل هذا القلب آمنا من الخواطر والوساوس، واجنبني وبني، أي: بعدني ومن تعلق بي، أن نعبد الأصنام، التي هي الدنانير والدراهم، وكل ما يعشق من دون الله، { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } فتلفوا في حبها والحرص عليها، فلا فكرة لهم إلا فيهما، ولا شغل لهم إلا جمعهما، فمن تبعني في الزهد فيهما، والغنى بك عنهما، فإنه مني، ومن عصاني، واشتغل بمحبتهما وجمعهما، { فإنك غفور رحيم }.
وقوله: { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع } فيه: تعليم اليقين لمن طلب تربية اليقين. قال الورتجبي: فيه إشارة إلى تربية أهله بحقائق التوكل والرضا والتسليم، ونعم التربية ذلك فأعلمنا بسنته القائمة الحنيفية السمحة السهلة، الخليلية الحبيبية، الأحمدية المصطفوية صلوات الله عليهما أن العارف الصادق ينبغي له ألا يكون معوله على الأملاك والأسباب في حياته وبعد وفاته لتربية عياله، فإنه تعالى حسبه، وزاد في تربيتهم بأن يؤدبهم بإقامة الصلاة إظهارا للعبودية، وإخلاصا في المعرفة، وطلبا للمشاهدة، ومناجاة في القربة بقوله: { ربنا ليقيموا الصلاة } الخ. وقال القشيري: أخبر عن صدق توكله وتفويضه، أي: أسكنت قوما من ذريتي بواد غير ذي زرع، عند بيتك المحرم. وإنما رد الرفق لهم في الجوار فقال: { عند بيتك المحرم } ، ثم قال: { ليقيموا الصلاة }. أي: أسكنتهم لإقامة حقك، لا لطلب حظوظهم. ويقال: اكتفى بأن يكونوا في ظلال عنايته، عن أن يكونوا في ظلال نعيمهم، ثم قال: قوله: { بواد غير ذي زرع } أي: أسكنتهم هذا الوادي، ولا متعلق من الأغيار لقلوبهم، ولا متناول لأفكارهم وأسرارهم، فهم مطروحون ببابك مقيمون بحضرتك، جار فيهم حكمك، إن راعيتهم كفيتهم، وكانوا أعز خلق الله، وإن أقصيتهم وأوبقتهم كانوا أضعف وأذل خلقك. ه. وقوله تعالى: { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم }: قال القشيري: ليشتغلوا بعبادتك، فأفرد قوما يقومون لهم بكفايتهم، وارزقهم من الثمرات، فإن من قام بحق الله قام الله بحقه. فاستجاب الله دعاءه فيهم، فصارت القلوب من أهل كل بر وبحر كالمجبولة على محبة ذلك البيت، ومحبة أولئك المصلين من سكانه. وقال الورتجبي: سأل أن يجعلهم مرادي جلاله وجماله، ويجعلهم آية الصادقين والعاشقين، بقوله: { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم } ، تميل بوصف الإرادة والمحبة لك، والاقتداء بهم في إقامة سنتك، وألبسهم لباس أنوارك، وألق في قلوب خلقك محبتهم بمحبتك. ه. ومعنى قوله: مرادي جلاله وجماله: أي: مظهرا لجلاله وجماله، يعشقهم البر والفاجر، والكامل والناقص، فقد ظهر فيهم الجلال والجمال. والله تعالى أعلم. ثم ذكر بقية كلام إبراهيم عليه السلام.
إبراهيم 14:39
قلت: لسميع الدعاء: من إضافة أمثلة المبالغة إلى مفعوله، أي: لسميع دعاء من دعاءه. ومن ذريتي: عطف على مفعول " اجعل " ، أي: اجعلني وبعض ذريتي مقيمين للصلاة. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله عليه السلام: { الحمد لله الذي وهب لي على الكبر } أي: مع كبر سني عن الولد، { إسماعيل وإسحاق } ، روي أنه ولد له إسماعيل لتسع وتسعين سنة، وإسحاق لمائة وثنتي عشرة سنة، وقيل: غير ذلك. وإنما ذكر كبر سنه ليكون أعظم في إظهار النعمة، وإظهارا لما فيه من الآية، ولذلك قال: { إن ربي لسميع الدعاء } أي: يجيب من دعاه، من قولك: سمع الملك كلامي، إذا اعتنى به. وفيه إشعار بأنه تقدم منه سؤال الولد، فسمع منه، وأجابه حين وقع اليأس منه، ليكون من أجل النعم وأجلاها. ثم طلب الاستقامة له ولولده بقوله: { رب اجعلني مقيم الصلاة } أي: متقنا لها، مواظبا عليها، { ومن ذريتي } فاجعل من يقيمها. والتبعيض لعلمه بالوحي أن من ولده من لا يقيمها، أو باستقرار عادته في الأمم الماضية أن منهم من يكون كفارا. { ربنا وتقبل دعاء } أي: استجب، أو تقبل عبادتي. { ربنا اغفر لي ولوالدي } ، وكان هذا الدعاء قبل النهي، أو قبل تحقق موتهما على الكفر، أو يريد آدم وحواء. { وللمؤمنين يوم يقول الحساب } أي: يثبت ويتحقق وجوده، مستعار من القيام على الرجل، كقولهم: قامت الحرب على ساق. أو يقوم إليه أهله، فحذف المضاف، أي: يقوم أهل الحساب إليه، وأسند إليه قيامهم مجازا. الإشارة: إتيان النسل البشري، أو الروحاني، من أجل النعم وأكملها على العبد، وفي الحديث:
" إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم بثه في صدور الرجال، أو ولد صالح يدعو له بعد موته "
والولد الروحاني أتم، لتحقق استقامته في الغالب. وطلب ذلك محمود كما فعل الخليل وزكريا، وغيرهما، وقد مدح الله من فعل ذلك بقوله:
والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين
[الفرقان: 74]. وقرة عين في الذرية: أن يكونوا على الاستقامة في الدين، وسلوك منهاج الصالحين. وكل ما أتوا به من الطاعة والإحسان فللوالدين حظ ونصيب من ذلك، ولا فرق بين الولد الروحاني والبشري، وفي ذلك يقول الشاعر:
والمرء في ميزانه أتباعه فاقدر إذن قدر النبي محمد
والله تعالى أعلم. ثم تمم قوله يوم يقوم الحساب بذكر أهواله.
إبراهيم 14:40
قلت: لسميع الدعاء: من إضافة أمثلة المبالغة إلى مفعوله، أي: لسميع دعاء من دعاءه. ومن ذريتي: عطف على مفعول " اجعل " ، أي: اجعلني وبعض ذريتي مقيمين للصلاة. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله عليه السلام: { الحمد لله الذي وهب لي على الكبر } أي: مع كبر سني عن الولد، { إسماعيل وإسحاق } ، روي أنه ولد له إسماعيل لتسع وتسعين سنة، وإسحاق لمائة وثنتي عشرة سنة، وقيل: غير ذلك. وإنما ذكر كبر سنه ليكون أعظم في إظهار النعمة، وإظهارا لما فيه من الآية، ولذلك قال: { إن ربي لسميع الدعاء } أي: يجيب من دعاه، من قولك: سمع الملك كلامي، إذا اعتنى به. وفيه إشعار بأنه تقدم منه سؤال الولد، فسمع منه، وأجابه حين وقع اليأس منه، ليكون من أجل النعم وأجلاها. ثم طلب الاستقامة له ولولده بقوله: { رب اجعلني مقيم الصلاة } أي: متقنا لها، مواظبا عليها، { ومن ذريتي } فاجعل من يقيمها. والتبعيض لعلمه بالوحي أن من ولده من لا يقيمها، أو باستقرار عادته في الأمم الماضية أن منهم من يكون كفارا. { ربنا وتقبل دعاء } أي: استجب، أو تقبل عبادتي. { ربنا اغفر لي ولوالدي } ، وكان هذا الدعاء قبل النهي، أو قبل تحقق موتهما على الكفر، أو يريد آدم وحواء. { وللمؤمنين يوم يقول الحساب } أي: يثبت ويتحقق وجوده، مستعار من القيام على الرجل، كقولهم: قامت الحرب على ساق. أو يقوم إليه أهله، فحذف المضاف، أي: يقوم أهل الحساب إليه، وأسند إليه قيامهم مجازا. الإشارة: إتيان النسل البشري، أو الروحاني، من أجل النعم وأكملها على العبد، وفي الحديث:
" إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم بثه في صدور الرجال، أو ولد صالح يدعو له بعد موته "
والولد الروحاني أتم، لتحقق استقامته في الغالب. وطلب ذلك محمود كما فعل الخليل وزكريا، وغيرهما، وقد مدح الله من فعل ذلك بقوله:
والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين
[الفرقان: 74]. وقرة عين في الذرية: أن يكونوا على الاستقامة في الدين، وسلوك منهاج الصالحين. وكل ما أتوا به من الطاعة والإحسان فللوالدين حظ ونصيب من ذلك، ولا فرق بين الولد الروحاني والبشري، وفي ذلك يقول الشاعر:
والمرء في ميزانه أتباعه فاقدر إذن قدر النبي محمد
والله تعالى أعلم. ثم تمم قوله يوم يقوم الحساب بذكر أهواله.
إبراهيم 14:41
قلت: لسميع الدعاء: من إضافة أمثلة المبالغة إلى مفعوله، أي: لسميع دعاء من دعاءه. ومن ذريتي: عطف على مفعول " اجعل " ، أي: اجعلني وبعض ذريتي مقيمين للصلاة. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله عليه السلام: { الحمد لله الذي وهب لي على الكبر } أي: مع كبر سني عن الولد، { إسماعيل وإسحاق } ، روي أنه ولد له إسماعيل لتسع وتسعين سنة، وإسحاق لمائة وثنتي عشرة سنة، وقيل: غير ذلك. وإنما ذكر كبر سنه ليكون أعظم في إظهار النعمة، وإظهارا لما فيه من الآية، ولذلك قال: { إن ربي لسميع الدعاء } أي: يجيب من دعاه، من قولك: سمع الملك كلامي، إذا اعتنى به. وفيه إشعار بأنه تقدم منه سؤال الولد، فسمع منه، وأجابه حين وقع اليأس منه، ليكون من أجل النعم وأجلاها. ثم طلب الاستقامة له ولولده بقوله: { رب اجعلني مقيم الصلاة } أي: متقنا لها، مواظبا عليها، { ومن ذريتي } فاجعل من يقيمها. والتبعيض لعلمه بالوحي أن من ولده من لا يقيمها، أو باستقرار عادته في الأمم الماضية أن منهم من يكون كفارا. { ربنا وتقبل دعاء } أي: استجب، أو تقبل عبادتي. { ربنا اغفر لي ولوالدي } ، وكان هذا الدعاء قبل النهي، أو قبل تحقق موتهما على الكفر، أو يريد آدم وحواء. { وللمؤمنين يوم يقول الحساب } أي: يثبت ويتحقق وجوده، مستعار من القيام على الرجل، كقولهم: قامت الحرب على ساق. أو يقوم إليه أهله، فحذف المضاف، أي: يقوم أهل الحساب إليه، وأسند إليه قيامهم مجازا. الإشارة: إتيان النسل البشري، أو الروحاني، من أجل النعم وأكملها على العبد، وفي الحديث:
" إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم بثه في صدور الرجال، أو ولد صالح يدعو له بعد موته "
والولد الروحاني أتم، لتحقق استقامته في الغالب. وطلب ذلك محمود كما فعل الخليل وزكريا، وغيرهما، وقد مدح الله من فعل ذلك بقوله:
والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين
[الفرقان: 74]. وقرة عين في الذرية: أن يكونوا على الاستقامة في الدين، وسلوك منهاج الصالحين. وكل ما أتوا به من الطاعة والإحسان فللوالدين حظ ونصيب من ذلك، ولا فرق بين الولد الروحاني والبشري، وفي ذلك يقول الشاعر:
والمرء في ميزانه أتباعه فاقدر إذن قدر النبي محمد
والله تعالى أعلم. ثم تمم قوله يوم يقوم الحساب بذكر أهواله.
إبراهيم 14:42
قلت: يوم يأتيهم: مفعول ثان لأنذر، ولا يصح أن يكون ظرفا. ونجب دعوتك جواب الأمر. يقول الحق جل جلاله: { ولا تحسبن } أيها السامع، أن { الله غافلا عما يعمل الظالمون } ، أو أيها الرسول، بمعنى: دم على ما أنت عليه من أن الله مطلع على أفعالهم، لا تخفى عليه خافية، غير غافل عنهم. وهو وعيد بأنه معاقبهم على قليله وكثيره لا محالة. وقيل: إنه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم فالحق تعالى يمهل ولا يهمل. { إنما يؤخرهم } ، أي: يؤخر عذابهم { ليوم تشخص فيه الأبصار } ، أي: تحد فيه النظر، من غير أن تطرف من هول ما ترى. { مهطعين }: مسرعين إلى الداعي مذلة واستكانة، كإسراع الأسير والخائف ونحوه، أو مقبلين بأبصارهم، لا يطرفون هيبة وخوفا، { مقنعي رؤوسهم } رافعيها إلى السماء كرفع الإبل رأسها عند رعيها أعالي الشجر. وذلك من شدة الهول، أو من أجل الغل الذي في عنقه، كقوله
إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهى إلى الأذقان فهم مقمحون
[يس: 8]. وقال الحسن في هذه الآية: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. ه. { لا يرتد إليهم طرفهم } ، بل تقف أعينهم شاخصة لا تطرف، أو: لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم، { وأفئدتهم هواء }: خلاء، محترقة، فارغة من الفهم، لا تعي شيئا لفرط الحيرة والدهشة. ومنه يقال للأحمق وللجبان: قلبه هواء، أي: لا رأي فيه ولا قوة. وقيل: خالية من الخير، خاوية من الحق. { وأنذر الناس } يا محمد، أي: خوفهم هذا اليوم، وهو: { يوم يأتيهم العذاب } ، يعني يوم القيامة، أو يوم الموت فإنه أول مطلع عذابهم، { فيقول الذين ظلموا } بالشرك والتكذيب: { ربنا أخرنا إلى أجل قريب } أي: أخر العذاب عنا، وردنا إلى الدنيا، وأمهلنا إلى أجل قريب، { نجب دعوتك } حينئذ { ونتبع الرسل } ونظيره: لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين
[المنافقون: 10]. قال تعالى لهم: { أو لم تكونوا أقسمتم من قبل } أنكم باقون في الدنيا، { ما لكم من زوال } عنها بالموت ولا بغيره، ولعلهم أقسموا بطرا وغرورا. أو دل عليه حالهم حيث بنوا مشيدا، وأملوا بعيدا. أو أقسموا أنهم لا ينقلون إلى دار أخرى، وأنهم إذا ماتوا لا يزالون عن تلك الحالة، ولا ينقلون إلى دار الجزاء، كقوله:
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت
[النحل: 38]. { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } بالكفر والمعاصي، من الأمم السالفة كعاد وثمود، { وقد تبين لكم كيف فعلنا بهم } بما تشاهدون من آثارهم الدارسة، وديارهم الخربة، وما تواتر عندكم من أخبارهم، { و } قد { ضربنا لكم الأمثال } من أحوالهم، أي: بينا لكم أنكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب، أو بينا لكم صفات ما فعلوا، وما فعل بهم، التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة.
الإشارة: كما أمهل، سبحانه الظالمين إلى دار الشدائد والأهوال، أمهل عباده الصالحين إلى دار الكرامة والنوال لأن هذه الدار لا تسع ما أراد أن يعطيهم من الخيرات لأنها ضيقة الزمان والمكان، فقد أجل مقدارهم أن يجازيهم في دار لا بقاء لها، وتلك الدار باقية لا نفاذ لها، ففيها يتمحض الجمال والجلال. فبقدر ما ينزل على أهل الجلال من الأهوال ينزل على أهل الجمال من الكرامة والنوال. وتأمل ما تمناه أهل الجلال حين نزلت بهم الأهوال من قولهم: { ربنا أخرنا إلى اجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل } ، ثم بادر إلى إجابة الداعي، واتباع الرسول الهادي، في كل ما جاء به من الأوامر والنواهي، واعتبر بمساكن الذين ظلموا أنفسهم، كيف فعل بهم الزمان؟ وكيف غرتهم الأماني وخدعهم الشيطان، حتى أسكنهم دار الذل والهوان؟ فشد يدك على الطاعة والإحسان والشكر لله على الهداية لنعمة الإسلام، والإيمان، وعلق قلبك بمقام الإحسان فإن الله يرزق العبد على قدر نيته، وبالله التوفيق. ثم ذكر ما فعل بأهل المكر والخذلان.
إبراهيم 14:43
قلت: يوم يأتيهم: مفعول ثان لأنذر، ولا يصح أن يكون ظرفا. ونجب دعوتك جواب الأمر. يقول الحق جل جلاله: { ولا تحسبن } أيها السامع، أن { الله غافلا عما يعمل الظالمون } ، أو أيها الرسول، بمعنى: دم على ما أنت عليه من أن الله مطلع على أفعالهم، لا تخفى عليه خافية، غير غافل عنهم. وهو وعيد بأنه معاقبهم على قليله وكثيره لا محالة. وقيل: إنه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم فالحق تعالى يمهل ولا يهمل. { إنما يؤخرهم } ، أي: يؤخر عذابهم { ليوم تشخص فيه الأبصار } ، أي: تحد فيه النظر، من غير أن تطرف من هول ما ترى. { مهطعين }: مسرعين إلى الداعي مذلة واستكانة، كإسراع الأسير والخائف ونحوه، أو مقبلين بأبصارهم، لا يطرفون هيبة وخوفا، { مقنعي رؤوسهم } رافعيها إلى السماء كرفع الإبل رأسها عند رعيها أعالي الشجر. وذلك من شدة الهول، أو من أجل الغل الذي في عنقه، كقوله
إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهى إلى الأذقان فهم مقمحون
[يس: 8]. وقال الحسن في هذه الآية: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. ه. { لا يرتد إليهم طرفهم } ، بل تقف أعينهم شاخصة لا تطرف، أو: لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم، { وأفئدتهم هواء }: خلاء، محترقة، فارغة من الفهم، لا تعي شيئا لفرط الحيرة والدهشة. ومنه يقال للأحمق وللجبان: قلبه هواء، أي: لا رأي فيه ولا قوة. وقيل: خالية من الخير، خاوية من الحق. { وأنذر الناس } يا محمد، أي: خوفهم هذا اليوم، وهو: { يوم يأتيهم العذاب } ، يعني يوم القيامة، أو يوم الموت فإنه أول مطلع عذابهم، { فيقول الذين ظلموا } بالشرك والتكذيب: { ربنا أخرنا إلى أجل قريب } أي: أخر العذاب عنا، وردنا إلى الدنيا، وأمهلنا إلى أجل قريب، { نجب دعوتك } حينئذ { ونتبع الرسل } ونظيره: لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين
[المنافقون: 10]. قال تعالى لهم: { أو لم تكونوا أقسمتم من قبل } أنكم باقون في الدنيا، { ما لكم من زوال } عنها بالموت ولا بغيره، ولعلهم أقسموا بطرا وغرورا. أو دل عليه حالهم حيث بنوا مشيدا، وأملوا بعيدا. أو أقسموا أنهم لا ينقلون إلى دار أخرى، وأنهم إذا ماتوا لا يزالون عن تلك الحالة، ولا ينقلون إلى دار الجزاء، كقوله:
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت
[النحل: 38]. { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } بالكفر والمعاصي، من الأمم السالفة كعاد وثمود، { وقد تبين لكم كيف فعلنا بهم } بما تشاهدون من آثارهم الدارسة، وديارهم الخربة، وما تواتر عندكم من أخبارهم، { و } قد { ضربنا لكم الأمثال } من أحوالهم، أي: بينا لكم أنكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب، أو بينا لكم صفات ما فعلوا، وما فعل بهم، التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة.
الإشارة: كما أمهل، سبحانه الظالمين إلى دار الشدائد والأهوال، أمهل عباده الصالحين إلى دار الكرامة والنوال لأن هذه الدار لا تسع ما أراد أن يعطيهم من الخيرات لأنها ضيقة الزمان والمكان، فقد أجل مقدارهم أن يجازيهم في دار لا بقاء لها، وتلك الدار باقية لا نفاذ لها، ففيها يتمحض الجمال والجلال. فبقدر ما ينزل على أهل الجلال من الأهوال ينزل على أهل الجمال من الكرامة والنوال. وتأمل ما تمناه أهل الجلال حين نزلت بهم الأهوال من قولهم: { ربنا أخرنا إلى اجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل } ، ثم بادر إلى إجابة الداعي، واتباع الرسول الهادي، في كل ما جاء به من الأوامر والنواهي، واعتبر بمساكن الذين ظلموا أنفسهم، كيف فعل بهم الزمان؟ وكيف غرتهم الأماني وخدعهم الشيطان، حتى أسكنهم دار الذل والهوان؟ فشد يدك على الطاعة والإحسان والشكر لله على الهداية لنعمة الإسلام، والإيمان، وعلق قلبك بمقام الإحسان فإن الله يرزق العبد على قدر نيته، وبالله التوفيق. ثم ذكر ما فعل بأهل المكر والخذلان.
إبراهيم 14:44
قلت: يوم يأتيهم: مفعول ثان لأنذر، ولا يصح أن يكون ظرفا. ونجب دعوتك جواب الأمر. يقول الحق جل جلاله: { ولا تحسبن } أيها السامع، أن { الله غافلا عما يعمل الظالمون } ، أو أيها الرسول، بمعنى: دم على ما أنت عليه من أن الله مطلع على أفعالهم، لا تخفى عليه خافية، غير غافل عنهم. وهو وعيد بأنه معاقبهم على قليله وكثيره لا محالة. وقيل: إنه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم فالحق تعالى يمهل ولا يهمل. { إنما يؤخرهم } ، أي: يؤخر عذابهم { ليوم تشخص فيه الأبصار } ، أي: تحد فيه النظر، من غير أن تطرف من هول ما ترى. { مهطعين }: مسرعين إلى الداعي مذلة واستكانة، كإسراع الأسير والخائف ونحوه، أو مقبلين بأبصارهم، لا يطرفون هيبة وخوفا، { مقنعي رؤوسهم } رافعيها إلى السماء كرفع الإبل رأسها عند رعيها أعالي الشجر. وذلك من شدة الهول، أو من أجل الغل الذي في عنقه، كقوله
إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهى إلى الأذقان فهم مقمحون
[يس: 8]. وقال الحسن في هذه الآية: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. ه. { لا يرتد إليهم طرفهم } ، بل تقف أعينهم شاخصة لا تطرف، أو: لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم، { وأفئدتهم هواء }: خلاء، محترقة، فارغة من الفهم، لا تعي شيئا لفرط الحيرة والدهشة. ومنه يقال للأحمق وللجبان: قلبه هواء، أي: لا رأي فيه ولا قوة. وقيل: خالية من الخير، خاوية من الحق. { وأنذر الناس } يا محمد، أي: خوفهم هذا اليوم، وهو: { يوم يأتيهم العذاب } ، يعني يوم القيامة، أو يوم الموت فإنه أول مطلع عذابهم، { فيقول الذين ظلموا } بالشرك والتكذيب: { ربنا أخرنا إلى أجل قريب } أي: أخر العذاب عنا، وردنا إلى الدنيا، وأمهلنا إلى أجل قريب، { نجب دعوتك } حينئذ { ونتبع الرسل } ونظيره: لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين
[المنافقون: 10]. قال تعالى لهم: { أو لم تكونوا أقسمتم من قبل } أنكم باقون في الدنيا، { ما لكم من زوال } عنها بالموت ولا بغيره، ولعلهم أقسموا بطرا وغرورا. أو دل عليه حالهم حيث بنوا مشيدا، وأملوا بعيدا. أو أقسموا أنهم لا ينقلون إلى دار أخرى، وأنهم إذا ماتوا لا يزالون عن تلك الحالة، ولا ينقلون إلى دار الجزاء، كقوله:
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت
[النحل: 38]. { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } بالكفر والمعاصي، من الأمم السالفة كعاد وثمود، { وقد تبين لكم كيف فعلنا بهم } بما تشاهدون من آثارهم الدارسة، وديارهم الخربة، وما تواتر عندكم من أخبارهم، { و } قد { ضربنا لكم الأمثال } من أحوالهم، أي: بينا لكم أنكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب، أو بينا لكم صفات ما فعلوا، وما فعل بهم، التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة.
الإشارة: كما أمهل، سبحانه الظالمين إلى دار الشدائد والأهوال، أمهل عباده الصالحين إلى دار الكرامة والنوال لأن هذه الدار لا تسع ما أراد أن يعطيهم من الخيرات لأنها ضيقة الزمان والمكان، فقد أجل مقدارهم أن يجازيهم في دار لا بقاء لها، وتلك الدار باقية لا نفاذ لها، ففيها يتمحض الجمال والجلال. فبقدر ما ينزل على أهل الجلال من الأهوال ينزل على أهل الجمال من الكرامة والنوال. وتأمل ما تمناه أهل الجلال حين نزلت بهم الأهوال من قولهم: { ربنا أخرنا إلى اجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل } ، ثم بادر إلى إجابة الداعي، واتباع الرسول الهادي، في كل ما جاء به من الأوامر والنواهي، واعتبر بمساكن الذين ظلموا أنفسهم، كيف فعل بهم الزمان؟ وكيف غرتهم الأماني وخدعهم الشيطان، حتى أسكنهم دار الذل والهوان؟ فشد يدك على الطاعة والإحسان والشكر لله على الهداية لنعمة الإسلام، والإيمان، وعلق قلبك بمقام الإحسان فإن الله يرزق العبد على قدر نيته، وبالله التوفيق. ثم ذكر ما فعل بأهل المكر والخذلان.
إبراهيم 14:45
قلت: يوم يأتيهم: مفعول ثان لأنذر، ولا يصح أن يكون ظرفا. ونجب دعوتك جواب الأمر. يقول الحق جل جلاله: { ولا تحسبن } أيها السامع، أن { الله غافلا عما يعمل الظالمون } ، أو أيها الرسول، بمعنى: دم على ما أنت عليه من أن الله مطلع على أفعالهم، لا تخفى عليه خافية، غير غافل عنهم. وهو وعيد بأنه معاقبهم على قليله وكثيره لا محالة. وقيل: إنه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم فالحق تعالى يمهل ولا يهمل. { إنما يؤخرهم } ، أي: يؤخر عذابهم { ليوم تشخص فيه الأبصار } ، أي: تحد فيه النظر، من غير أن تطرف من هول ما ترى. { مهطعين }: مسرعين إلى الداعي مذلة واستكانة، كإسراع الأسير والخائف ونحوه، أو مقبلين بأبصارهم، لا يطرفون هيبة وخوفا، { مقنعي رؤوسهم } رافعيها إلى السماء كرفع الإبل رأسها عند رعيها أعالي الشجر. وذلك من شدة الهول، أو من أجل الغل الذي في عنقه، كقوله
إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهى إلى الأذقان فهم مقمحون
[يس: 8]. وقال الحسن في هذه الآية: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. ه. { لا يرتد إليهم طرفهم } ، بل تقف أعينهم شاخصة لا تطرف، أو: لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم، { وأفئدتهم هواء }: خلاء، محترقة، فارغة من الفهم، لا تعي شيئا لفرط الحيرة والدهشة. ومنه يقال للأحمق وللجبان: قلبه هواء، أي: لا رأي فيه ولا قوة. وقيل: خالية من الخير، خاوية من الحق. { وأنذر الناس } يا محمد، أي: خوفهم هذا اليوم، وهو: { يوم يأتيهم العذاب } ، يعني يوم القيامة، أو يوم الموت فإنه أول مطلع عذابهم، { فيقول الذين ظلموا } بالشرك والتكذيب: { ربنا أخرنا إلى أجل قريب } أي: أخر العذاب عنا، وردنا إلى الدنيا، وأمهلنا إلى أجل قريب، { نجب دعوتك } حينئذ { ونتبع الرسل } ونظيره: لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين
[المنافقون: 10]. قال تعالى لهم: { أو لم تكونوا أقسمتم من قبل } أنكم باقون في الدنيا، { ما لكم من زوال } عنها بالموت ولا بغيره، ولعلهم أقسموا بطرا وغرورا. أو دل عليه حالهم حيث بنوا مشيدا، وأملوا بعيدا. أو أقسموا أنهم لا ينقلون إلى دار أخرى، وأنهم إذا ماتوا لا يزالون عن تلك الحالة، ولا ينقلون إلى دار الجزاء، كقوله:
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت
[النحل: 38]. { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } بالكفر والمعاصي، من الأمم السالفة كعاد وثمود، { وقد تبين لكم كيف فعلنا بهم } بما تشاهدون من آثارهم الدارسة، وديارهم الخربة، وما تواتر عندكم من أخبارهم، { و } قد { ضربنا لكم الأمثال } من أحوالهم، أي: بينا لكم أنكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب، أو بينا لكم صفات ما فعلوا، وما فعل بهم، التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة.
الإشارة: كما أمهل، سبحانه الظالمين إلى دار الشدائد والأهوال، أمهل عباده الصالحين إلى دار الكرامة والنوال لأن هذه الدار لا تسع ما أراد أن يعطيهم من الخيرات لأنها ضيقة الزمان والمكان، فقد أجل مقدارهم أن يجازيهم في دار لا بقاء لها، وتلك الدار باقية لا نفاذ لها، ففيها يتمحض الجمال والجلال. فبقدر ما ينزل على أهل الجلال من الأهوال ينزل على أهل الجمال من الكرامة والنوال. وتأمل ما تمناه أهل الجلال حين نزلت بهم الأهوال من قولهم: { ربنا أخرنا إلى اجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل } ، ثم بادر إلى إجابة الداعي، واتباع الرسول الهادي، في كل ما جاء به من الأوامر والنواهي، واعتبر بمساكن الذين ظلموا أنفسهم، كيف فعل بهم الزمان؟ وكيف غرتهم الأماني وخدعهم الشيطان، حتى أسكنهم دار الذل والهوان؟ فشد يدك على الطاعة والإحسان والشكر لله على الهداية لنعمة الإسلام، والإيمان، وعلق قلبك بمقام الإحسان فإن الله يرزق العبد على قدر نيته، وبالله التوفيق. ثم ذكر ما فعل بأهل المكر والخذلان.
إبراهيم 14:46
قلت: وإن كان مكرهم " إن " نافية، واللام للجحود، ومن قرأ " لتزول " بفتح اللام، فإن مخففة، واللام فارقة و يوم تبدل: بدل من يوم يأتيهم، أو ظرف للانتقام، أو مقدر باذكر، أو بمخلف وعده. ولا يجوز ان ينتصب بمخلف لأن ما قبل " إن " لا يعمل فيما بعدها. والسماوات: عطف على الأرض، أي: وتبدل السماوات. يقول الحق جل جلاله: { وقد مكروا } بك يا محمد { مكرهم } الكلي، واستفرغوا جهدهم في إبطال الحق وتقرير الباطل، { وعند الله مكرهم } اي: مكتوب عنده فعلهم، فيجازيهم عليه. أو عند الله ما يمكرهم به جزاء لمكرهم، وإبطالا له، { وإن كان مكرهم } في العظم والشدة، { لتزول منه الجبال } الثوابت لو زالت تقديرا، أو ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، أي: الشرائع والنبوات الثابتة كالجبال الرواسي. والمعنى على هذا تحقير مكرهم لأنه لا تزول منه تلك الجبال الثابتة الراسخة، أو: وإن مكرهم لتزول منه الجبال من شدته، ولكن الله عصم ووقى. وقيل: الآية متصلة بما قبلها، أي وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم، ومكروا مكرهم في إبطال الحق. { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } ، يعني: وعد النصر على الأعداء، وقدم المفعول الثاني، والأصل: مخلف رسله وعده، فقدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا على الإطلاق، ثم قال: { رسله } ليعلم أنه لم يخلف وعد أحد من الناس، فكيف يخلف وعد رسله وخيرة خلقه؟! فقدم الوعد أولا بقصد الإطلاق، ثم ذكر الرسل لقصد التخصيص. { إن الله عزيز }: غالب لا يماكر، قادر لا يدافع، { ذو انتقام } لأوليائه من أعدائه. يظهر ذلك { يوم تبدل الأرض غير الأرض } ، أ اذكر { يوم تبدل الأرض غير الأرض } ، فتبدل أرض الدنيا يوم القيامة بأرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي، كما في الصحيح. { و } تبدل { السماوات } بأن تنشق وتطوى كطي السجل للكتب، ويبقى العرش بارزا، وهو سماوات الجنة. قال البيضاوي: والتبديل يكون في الذات، كقوله: بدلت الدراهم بالدنانير، وعليه قوله: { بدلناهم جلودا غيرها } [النساء: 56]، وفي الصفة، كقولك: بدلت الحلقة خاتما، إذا أذبتها وغيرت شكلها. وعليه قوله
يبدل الله سيئاتهم حسنات
[الفرقان: 70]. والآية تحتملها، فعن علي رضي الله عنه: تبدل أرضا من فضة وسماوات من ذهب، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هي تلك الأرض، وإنما تغير صفاتها، ويدل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" تبدل الأرض غير الأرض فتبسط، وتمد مد الأديم العكاظي، " لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ".
قال ابن عطية: وأكثر المفسرين على أن التبديل يكون بأرض بيضاء عفراء لم يعص الله فيها، ولا سفك فيها دم، وليس فيها معلم لأحد.
وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " المؤمن في وقت التبديل في ظل العرش ". وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" الناس، وقت التبديل، على الصراط "
وروي أنه قال:
" الناس حينئذ أضياف الله فلا يعجزهم ما ".
وفي سراج المريدين لابن العربي: أن الله خلق الأرض مختلفة محدودبة ويخلقها يوم القيامة مستوية، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، متماثلة بيضاء كخبرة النقى، كما في الصحيح، وأما تبديل السماوات فليس في كيفيتها حديث، وإنما هو مجهول. وفي حديث مسلم:
" أين يكون الناس يوم تبدل الأرض؟ قال: هم على الصراط "
قال: يحتمل أنه الصراط المعروف، ويحتمل أنه اسم لموضع غيره، تستقر الأقدام عليه، وكأنه الأظهر للحديث الآخر. وقد سألته عائشة وضي الله عنها أين يكون الناس يوم تبدل الأرض؟ قال صلى الله عليه وسلم
" هم في الظلمة دون الجسر ".
والجسر: الصراط. ه. أما تبديل الأرض: فظاهر الآيات أنها قبل البعث والحشر، فلا يقع البعث والحشر، إلا على الأرض المبدلة كقوله
ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم
[الكهف: 47]، وقوله
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا
[طه: 105 106].. ثم قال
يومئذ يتبعون الداعي
[طه: 108]. وقوله
إذا وقعت الواقعة
[الواقعة: 1]، ثم قال:
إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا
[الواقعة: 4 5] إلى غير ذلك من الآيات. والأرواح حينئذ أضياف الله، أو في ظل العرش، أو دون الجسر، حيث يعلم الله. وأما تبديل السماوات فظاهر الأخبار أنه وقت وقوف الناس في المحشر، حيث تشقق السماء بالغمام وتنزل الملائكة تنزيلا. والله تعالى أعلم. { وبرزوا لله الواحد القهار } ، أي: وبرزوا من أجداثهم لمحاسبة الواحد القهار، أو لمجازاته. وتوصيفه بالوصفين للدلالة على أنه في غاية الصعوبة، كقوله
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]، وأن الأمر إذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره، ولا مستجار، { وترى المجرمين يومئذ مقرنين }: قرن بعضهم إلى بعض { في الأصفاد }: في القيود، أو الأغلال، كل واحد قرن مع صاحبه، على حسب مشاركتهم في العقائد والأعمال، كقوله
وإذا النفوس زوجت
[التكوير: 7]: أو قرنوا مع الشياطين، أو مع ما اكتسبوا من العقائد الزائفة والأهوية الفاسدة، أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال. فقوله: { في الأصفاد }: متعلق بمقرنين، أو حال من ضميره. والصفد: القيد أو الغل. { سرابيلهم }: قمصانهم، والسربال: القميص، { من قطران } ، وهو الذي يهنأ به الإبل، أي: تدهن به. وللنار فيه اشتعال شديد، فلذلك جعل قميص أهل النار. قال البيضاوي: وهو أسود منتن، تشتعل فيه النار بسرعة، يطلى به جلود أهل النار، حتى يكون طلاؤه لهم كالقميص، ليجتمع عليهم لذغ القطران ووحشة لونه ونتن ريحه، مع إسراع النار في جلودهم.
على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين. ه. { وتغشى وجوههم النار } ، أي: تكسوها وتأكلها لأنهم لم يتوجهوا بها إلى الحق، ولم يخضعوا بها إلى الخالق، كما تطلع على أفئدتهم لأنها فارغة من المعرفة والنور، مملوءة بالجهالات والظلمة. ونظيره قوله:
أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة
[الزمر: 24]، وقوله تعالى:
يوم يسحبون في النار على وجوههم
[القمر: 48]. فعل ذلك بهم { ليجزي الله كل نفس ما كسبت } من الإجرام، أو ما كسبت مطلقا لأنه إذا بين أن المجرمين معاقبون لإجرامهم علم أن المطيعين يثابون لطاعتهم. ويتعين ذلك إذا علق اللام ببرزوا. { إن الله سريع الحساب } ، فيحاسب الناس في ساعة واحدة لأنه لا يشغله حساب عن حساب، فكل شخص يظهر له أنه واقف بين يديه، يحاسب في وقت حساب الآخر لأن ذلك وقت خرق العوائد. { هذا } القرآن، أو ما فيه من الوعظ والتذكير، أو ما وصفه من قوله
ولا تحسبن الله غافلا...
[إبراهيم: 42] إلخ، { بلاغ للناس } أي: كفاية لهم عن غيره في الوعظ وبيان الأحكام، يقال: أعطيته من المال ما فيه بلاغ له، أي: كفاية، أو بلاغ أي: تبليغ لهم، كقوله:
إن عليك إلا البلاغ
[الشورى: 48]
وما على الرسول إلا البلاغ
[النور: 54].وقوله: { ولينذروا به }: عطف على محذوف، أي: لينصحوا به، ولينذروا به، أو متعلق بمحذوف، أي: ولينذروا به أنزلناه، { وليعلموا أنما هو إله واحد } بالنظر والتأمل فيما فيه من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى، أو المنبهة على ما يدل عليه. { وليذكر } أي: ليتعظ به { أولو الألباب } أي: القلوب الصافية بالتدبر في أسرار معانيه وعجائب علومه وحكمه، فيرتدعوا عما يرديهم، ويتذرعوا بما يحظيهم. واعلم أنه سبحانه ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي الغاية والحكمة في إنزال الكتاب: تكميل الرسل للناس، واستكمالهم القوة النظرية التي منتهى كمالها التوحيد، وإصلاح القوة العملية التي هي التدرع بكمال التقوى. جعلنا الله من الفائزين بغايتها. قال معناه البيضاوي. الإشارة: قد مكر أهل الغفلة بالأولياء، قديما وحديثا، واحتالوا على إطفاء نورهم، فأبى الله إلا نصرهم وعزهم { إن الله عزيز ذو انتقام } فينتقم لهم وينصرهم. ووقت نصرهم هو حين يتحقق فناؤهم عن الرسوم والأشكال، فتبدل الأرض عندهم غير الأرض والسماوات فتنقلب كلها نورا مجموعا ببحر الأنوار، وبمحيطات أفلاك الأسرار، فتذهب ظلمة الأكوان بتجلي نور المكون
الله نور السماوات والأرض
[النور: 35]. وبرزوا من سجن الأكوان لشهود الواحد القهار. وقال الورتجبي: يريد أن أرض الظاهر وسماء الظاهر، تبدل من هذه الأوصاف، وظلمة الخلقية، إلا أنها منورة بنور جلال الحق عليها، وأنها صارت مشرق عيان الحق للخلق حين بدا سطوات عزته، بوصف الجبارية والقهارية بقوله
وأشرقت الأرض بنور ربها
[الزمر: 69] وهناك يا أخي يدخل الوجود تحت أذيال العدم من استيلاء قهر أنوار القدم، قال:
كل شيء هالك إلا وجهه
[القصص: 88]. وقيل: فأين الأشياء إذ ذاك؟ قال: عادت إلى مصادرها. وقال: متى كانوا شيئا حتى صاروا لا شيء؟! لأنهم أقل من البهاء في الهواء في جنب الحق. ه. وترى المجرمين، وهم الغافلون، مقرنين في قيود الأوهام، والشكوك، مسجونين في محيطات الأكوان، سرابيلهم ظلمة الغفلة، تغشى وجوههم نار القطيعة، لا تظهر عليها بهجة المحبين، ولا أسرار العارفين. فعل ذلك بهم ليظهر فضيلة المجتهدين. هذا بلاغ للناس، ولينذروا به وبال الغفلة والحجاب، وليتحقق أولو الألباب أن الوجود إنما هو للواحد القهار. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
إبراهيم 14:47
قلت: وإن كان مكرهم " إن " نافية، واللام للجحود، ومن قرأ " لتزول " بفتح اللام، فإن مخففة، واللام فارقة و يوم تبدل: بدل من يوم يأتيهم، أو ظرف للانتقام، أو مقدر باذكر، أو بمخلف وعده. ولا يجوز ان ينتصب بمخلف لأن ما قبل " إن " لا يعمل فيما بعدها. والسماوات: عطف على الأرض، أي: وتبدل السماوات. يقول الحق جل جلاله: { وقد مكروا } بك يا محمد { مكرهم } الكلي، واستفرغوا جهدهم في إبطال الحق وتقرير الباطل، { وعند الله مكرهم } اي: مكتوب عنده فعلهم، فيجازيهم عليه. أو عند الله ما يمكرهم به جزاء لمكرهم، وإبطالا له، { وإن كان مكرهم } في العظم والشدة، { لتزول منه الجبال } الثوابت لو زالت تقديرا، أو ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، أي: الشرائع والنبوات الثابتة كالجبال الرواسي. والمعنى على هذا تحقير مكرهم لأنه لا تزول منه تلك الجبال الثابتة الراسخة، أو: وإن مكرهم لتزول منه الجبال من شدته، ولكن الله عصم ووقى. وقيل: الآية متصلة بما قبلها، أي وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم، ومكروا مكرهم في إبطال الحق. { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } ، يعني: وعد النصر على الأعداء، وقدم المفعول الثاني، والأصل: مخلف رسله وعده، فقدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا على الإطلاق، ثم قال: { رسله } ليعلم أنه لم يخلف وعد أحد من الناس، فكيف يخلف وعد رسله وخيرة خلقه؟! فقدم الوعد أولا بقصد الإطلاق، ثم ذكر الرسل لقصد التخصيص. { إن الله عزيز }: غالب لا يماكر، قادر لا يدافع، { ذو انتقام } لأوليائه من أعدائه. يظهر ذلك { يوم تبدل الأرض غير الأرض } ، أ اذكر { يوم تبدل الأرض غير الأرض } ، فتبدل أرض الدنيا يوم القيامة بأرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي، كما في الصحيح. { و } تبدل { السماوات } بأن تنشق وتطوى كطي السجل للكتب، ويبقى العرش بارزا، وهو سماوات الجنة. قال البيضاوي: والتبديل يكون في الذات، كقوله: بدلت الدراهم بالدنانير، وعليه قوله: { بدلناهم جلودا غيرها } [النساء: 56]، وفي الصفة، كقولك: بدلت الحلقة خاتما، إذا أذبتها وغيرت شكلها. وعليه قوله
يبدل الله سيئاتهم حسنات
[الفرقان: 70]. والآية تحتملها، فعن علي رضي الله عنه: تبدل أرضا من فضة وسماوات من ذهب، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هي تلك الأرض، وإنما تغير صفاتها، ويدل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" تبدل الأرض غير الأرض فتبسط، وتمد مد الأديم العكاظي، " لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ".
قال ابن عطية: وأكثر المفسرين على أن التبديل يكون بأرض بيضاء عفراء لم يعص الله فيها، ولا سفك فيها دم، وليس فيها معلم لأحد.
وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " المؤمن في وقت التبديل في ظل العرش ". وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" الناس، وقت التبديل، على الصراط "
وروي أنه قال:
" الناس حينئذ أضياف الله فلا يعجزهم ما ".
وفي سراج المريدين لابن العربي: أن الله خلق الأرض مختلفة محدودبة ويخلقها يوم القيامة مستوية، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، متماثلة بيضاء كخبرة النقى، كما في الصحيح، وأما تبديل السماوات فليس في كيفيتها حديث، وإنما هو مجهول. وفي حديث مسلم:
" أين يكون الناس يوم تبدل الأرض؟ قال: هم على الصراط "
قال: يحتمل أنه الصراط المعروف، ويحتمل أنه اسم لموضع غيره، تستقر الأقدام عليه، وكأنه الأظهر للحديث الآخر. وقد سألته عائشة وضي الله عنها أين يكون الناس يوم تبدل الأرض؟ قال صلى الله عليه وسلم
" هم في الظلمة دون الجسر ".
والجسر: الصراط. ه. أما تبديل الأرض: فظاهر الآيات أنها قبل البعث والحشر، فلا يقع البعث والحشر، إلا على الأرض المبدلة كقوله
ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم
[الكهف: 47]، وقوله
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا
[طه: 105 106].. ثم قال
يومئذ يتبعون الداعي
[طه: 108]. وقوله
إذا وقعت الواقعة
[الواقعة: 1]، ثم قال:
إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا
[الواقعة: 4 5] إلى غير ذلك من الآيات. والأرواح حينئذ أضياف الله، أو في ظل العرش، أو دون الجسر، حيث يعلم الله. وأما تبديل السماوات فظاهر الأخبار أنه وقت وقوف الناس في المحشر، حيث تشقق السماء بالغمام وتنزل الملائكة تنزيلا. والله تعالى أعلم. { وبرزوا لله الواحد القهار } ، أي: وبرزوا من أجداثهم لمحاسبة الواحد القهار، أو لمجازاته. وتوصيفه بالوصفين للدلالة على أنه في غاية الصعوبة، كقوله
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]، وأن الأمر إذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره، ولا مستجار، { وترى المجرمين يومئذ مقرنين }: قرن بعضهم إلى بعض { في الأصفاد }: في القيود، أو الأغلال، كل واحد قرن مع صاحبه، على حسب مشاركتهم في العقائد والأعمال، كقوله
وإذا النفوس زوجت
[التكوير: 7]: أو قرنوا مع الشياطين، أو مع ما اكتسبوا من العقائد الزائفة والأهوية الفاسدة، أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال. فقوله: { في الأصفاد }: متعلق بمقرنين، أو حال من ضميره. والصفد: القيد أو الغل. { سرابيلهم }: قمصانهم، والسربال: القميص، { من قطران } ، وهو الذي يهنأ به الإبل، أي: تدهن به. وللنار فيه اشتعال شديد، فلذلك جعل قميص أهل النار. قال البيضاوي: وهو أسود منتن، تشتعل فيه النار بسرعة، يطلى به جلود أهل النار، حتى يكون طلاؤه لهم كالقميص، ليجتمع عليهم لذغ القطران ووحشة لونه ونتن ريحه، مع إسراع النار في جلودهم.
على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين. ه. { وتغشى وجوههم النار } ، أي: تكسوها وتأكلها لأنهم لم يتوجهوا بها إلى الحق، ولم يخضعوا بها إلى الخالق، كما تطلع على أفئدتهم لأنها فارغة من المعرفة والنور، مملوءة بالجهالات والظلمة. ونظيره قوله:
أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة
[الزمر: 24]، وقوله تعالى:
يوم يسحبون في النار على وجوههم
[القمر: 48]. فعل ذلك بهم { ليجزي الله كل نفس ما كسبت } من الإجرام، أو ما كسبت مطلقا لأنه إذا بين أن المجرمين معاقبون لإجرامهم علم أن المطيعين يثابون لطاعتهم. ويتعين ذلك إذا علق اللام ببرزوا. { إن الله سريع الحساب } ، فيحاسب الناس في ساعة واحدة لأنه لا يشغله حساب عن حساب، فكل شخص يظهر له أنه واقف بين يديه، يحاسب في وقت حساب الآخر لأن ذلك وقت خرق العوائد. { هذا } القرآن، أو ما فيه من الوعظ والتذكير، أو ما وصفه من قوله
ولا تحسبن الله غافلا...
[إبراهيم: 42] إلخ، { بلاغ للناس } أي: كفاية لهم عن غيره في الوعظ وبيان الأحكام، يقال: أعطيته من المال ما فيه بلاغ له، أي: كفاية، أو بلاغ أي: تبليغ لهم، كقوله:
إن عليك إلا البلاغ
[الشورى: 48]
وما على الرسول إلا البلاغ
[النور: 54].وقوله: { ولينذروا به }: عطف على محذوف، أي: لينصحوا به، ولينذروا به، أو متعلق بمحذوف، أي: ولينذروا به أنزلناه، { وليعلموا أنما هو إله واحد } بالنظر والتأمل فيما فيه من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى، أو المنبهة على ما يدل عليه. { وليذكر } أي: ليتعظ به { أولو الألباب } أي: القلوب الصافية بالتدبر في أسرار معانيه وعجائب علومه وحكمه، فيرتدعوا عما يرديهم، ويتذرعوا بما يحظيهم. واعلم أنه سبحانه ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي الغاية والحكمة في إنزال الكتاب: تكميل الرسل للناس، واستكمالهم القوة النظرية التي منتهى كمالها التوحيد، وإصلاح القوة العملية التي هي التدرع بكمال التقوى. جعلنا الله من الفائزين بغايتها. قال معناه البيضاوي. الإشارة: قد مكر أهل الغفلة بالأولياء، قديما وحديثا، واحتالوا على إطفاء نورهم، فأبى الله إلا نصرهم وعزهم { إن الله عزيز ذو انتقام } فينتقم لهم وينصرهم. ووقت نصرهم هو حين يتحقق فناؤهم عن الرسوم والأشكال، فتبدل الأرض عندهم غير الأرض والسماوات فتنقلب كلها نورا مجموعا ببحر الأنوار، وبمحيطات أفلاك الأسرار، فتذهب ظلمة الأكوان بتجلي نور المكون
الله نور السماوات والأرض
[النور: 35]. وبرزوا من سجن الأكوان لشهود الواحد القهار. وقال الورتجبي: يريد أن أرض الظاهر وسماء الظاهر، تبدل من هذه الأوصاف، وظلمة الخلقية، إلا أنها منورة بنور جلال الحق عليها، وأنها صارت مشرق عيان الحق للخلق حين بدا سطوات عزته، بوصف الجبارية والقهارية بقوله
وأشرقت الأرض بنور ربها
[الزمر: 69] وهناك يا أخي يدخل الوجود تحت أذيال العدم من استيلاء قهر أنوار القدم، قال:
كل شيء هالك إلا وجهه
[القصص: 88]. وقيل: فأين الأشياء إذ ذاك؟ قال: عادت إلى مصادرها. وقال: متى كانوا شيئا حتى صاروا لا شيء؟! لأنهم أقل من البهاء في الهواء في جنب الحق. ه. وترى المجرمين، وهم الغافلون، مقرنين في قيود الأوهام، والشكوك، مسجونين في محيطات الأكوان، سرابيلهم ظلمة الغفلة، تغشى وجوههم نار القطيعة، لا تظهر عليها بهجة المحبين، ولا أسرار العارفين. فعل ذلك بهم ليظهر فضيلة المجتهدين. هذا بلاغ للناس، ولينذروا به وبال الغفلة والحجاب، وليتحقق أولو الألباب أن الوجود إنما هو للواحد القهار. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
إبراهيم 14:48
قلت: وإن كان مكرهم " إن " نافية، واللام للجحود، ومن قرأ " لتزول " بفتح اللام، فإن مخففة، واللام فارقة و يوم تبدل: بدل من يوم يأتيهم، أو ظرف للانتقام، أو مقدر باذكر، أو بمخلف وعده. ولا يجوز ان ينتصب بمخلف لأن ما قبل " إن " لا يعمل فيما بعدها. والسماوات: عطف على الأرض، أي: وتبدل السماوات. يقول الحق جل جلاله: { وقد مكروا } بك يا محمد { مكرهم } الكلي، واستفرغوا جهدهم في إبطال الحق وتقرير الباطل، { وعند الله مكرهم } اي: مكتوب عنده فعلهم، فيجازيهم عليه. أو عند الله ما يمكرهم به جزاء لمكرهم، وإبطالا له، { وإن كان مكرهم } في العظم والشدة، { لتزول منه الجبال } الثوابت لو زالت تقديرا، أو ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، أي: الشرائع والنبوات الثابتة كالجبال الرواسي. والمعنى على هذا تحقير مكرهم لأنه لا تزول منه تلك الجبال الثابتة الراسخة، أو: وإن مكرهم لتزول منه الجبال من شدته، ولكن الله عصم ووقى. وقيل: الآية متصلة بما قبلها، أي وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم، ومكروا مكرهم في إبطال الحق. { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } ، يعني: وعد النصر على الأعداء، وقدم المفعول الثاني، والأصل: مخلف رسله وعده، فقدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا على الإطلاق، ثم قال: { رسله } ليعلم أنه لم يخلف وعد أحد من الناس، فكيف يخلف وعد رسله وخيرة خلقه؟! فقدم الوعد أولا بقصد الإطلاق، ثم ذكر الرسل لقصد التخصيص. { إن الله عزيز }: غالب لا يماكر، قادر لا يدافع، { ذو انتقام } لأوليائه من أعدائه. يظهر ذلك { يوم تبدل الأرض غير الأرض } ، أ اذكر { يوم تبدل الأرض غير الأرض } ، فتبدل أرض الدنيا يوم القيامة بأرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي، كما في الصحيح. { و } تبدل { السماوات } بأن تنشق وتطوى كطي السجل للكتب، ويبقى العرش بارزا، وهو سماوات الجنة. قال البيضاوي: والتبديل يكون في الذات، كقوله: بدلت الدراهم بالدنانير، وعليه قوله: { بدلناهم جلودا غيرها } [النساء: 56]، وفي الصفة، كقولك: بدلت الحلقة خاتما، إذا أذبتها وغيرت شكلها. وعليه قوله
يبدل الله سيئاتهم حسنات
[الفرقان: 70]. والآية تحتملها، فعن علي رضي الله عنه: تبدل أرضا من فضة وسماوات من ذهب، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هي تلك الأرض، وإنما تغير صفاتها، ويدل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" تبدل الأرض غير الأرض فتبسط، وتمد مد الأديم العكاظي، " لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ".
قال ابن عطية: وأكثر المفسرين على أن التبديل يكون بأرض بيضاء عفراء لم يعص الله فيها، ولا سفك فيها دم، وليس فيها معلم لأحد.
وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " المؤمن في وقت التبديل في ظل العرش ". وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" الناس، وقت التبديل، على الصراط "
وروي أنه قال:
" الناس حينئذ أضياف الله فلا يعجزهم ما ".
وفي سراج المريدين لابن العربي: أن الله خلق الأرض مختلفة محدودبة ويخلقها يوم القيامة مستوية، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، متماثلة بيضاء كخبرة النقى، كما في الصحيح، وأما تبديل السماوات فليس في كيفيتها حديث، وإنما هو مجهول. وفي حديث مسلم:
" أين يكون الناس يوم تبدل الأرض؟ قال: هم على الصراط "
قال: يحتمل أنه الصراط المعروف، ويحتمل أنه اسم لموضع غيره، تستقر الأقدام عليه، وكأنه الأظهر للحديث الآخر. وقد سألته عائشة وضي الله عنها أين يكون الناس يوم تبدل الأرض؟ قال صلى الله عليه وسلم
" هم في الظلمة دون الجسر ".
والجسر: الصراط. ه. أما تبديل الأرض: فظاهر الآيات أنها قبل البعث والحشر، فلا يقع البعث والحشر، إلا على الأرض المبدلة كقوله
ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم
[الكهف: 47]، وقوله
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا
[طه: 105 106].. ثم قال
يومئذ يتبعون الداعي
[طه: 108]. وقوله
إذا وقعت الواقعة
[الواقعة: 1]، ثم قال:
إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا
[الواقعة: 4 5] إلى غير ذلك من الآيات. والأرواح حينئذ أضياف الله، أو في ظل العرش، أو دون الجسر، حيث يعلم الله. وأما تبديل السماوات فظاهر الأخبار أنه وقت وقوف الناس في المحشر، حيث تشقق السماء بالغمام وتنزل الملائكة تنزيلا. والله تعالى أعلم. { وبرزوا لله الواحد القهار } ، أي: وبرزوا من أجداثهم لمحاسبة الواحد القهار، أو لمجازاته. وتوصيفه بالوصفين للدلالة على أنه في غاية الصعوبة، كقوله
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]، وأن الأمر إذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره، ولا مستجار، { وترى المجرمين يومئذ مقرنين }: قرن بعضهم إلى بعض { في الأصفاد }: في القيود، أو الأغلال، كل واحد قرن مع صاحبه، على حسب مشاركتهم في العقائد والأعمال، كقوله
وإذا النفوس زوجت
[التكوير: 7]: أو قرنوا مع الشياطين، أو مع ما اكتسبوا من العقائد الزائفة والأهوية الفاسدة، أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال. فقوله: { في الأصفاد }: متعلق بمقرنين، أو حال من ضميره. والصفد: القيد أو الغل. { سرابيلهم }: قمصانهم، والسربال: القميص، { من قطران } ، وهو الذي يهنأ به الإبل، أي: تدهن به. وللنار فيه اشتعال شديد، فلذلك جعل قميص أهل النار. قال البيضاوي: وهو أسود منتن، تشتعل فيه النار بسرعة، يطلى به جلود أهل النار، حتى يكون طلاؤه لهم كالقميص، ليجتمع عليهم لذغ القطران ووحشة لونه ونتن ريحه، مع إسراع النار في جلودهم.
على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين. ه. { وتغشى وجوههم النار } ، أي: تكسوها وتأكلها لأنهم لم يتوجهوا بها إلى الحق، ولم يخضعوا بها إلى الخالق، كما تطلع على أفئدتهم لأنها فارغة من المعرفة والنور، مملوءة بالجهالات والظلمة. ونظيره قوله:
أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة
[الزمر: 24]، وقوله تعالى:
يوم يسحبون في النار على وجوههم
[القمر: 48]. فعل ذلك بهم { ليجزي الله كل نفس ما كسبت } من الإجرام، أو ما كسبت مطلقا لأنه إذا بين أن المجرمين معاقبون لإجرامهم علم أن المطيعين يثابون لطاعتهم. ويتعين ذلك إذا علق اللام ببرزوا. { إن الله سريع الحساب } ، فيحاسب الناس في ساعة واحدة لأنه لا يشغله حساب عن حساب، فكل شخص يظهر له أنه واقف بين يديه، يحاسب في وقت حساب الآخر لأن ذلك وقت خرق العوائد. { هذا } القرآن، أو ما فيه من الوعظ والتذكير، أو ما وصفه من قوله
ولا تحسبن الله غافلا...
[إبراهيم: 42] إلخ، { بلاغ للناس } أي: كفاية لهم عن غيره في الوعظ وبيان الأحكام، يقال: أعطيته من المال ما فيه بلاغ له، أي: كفاية، أو بلاغ أي: تبليغ لهم، كقوله:
إن عليك إلا البلاغ
[الشورى: 48]
وما على الرسول إلا البلاغ
[النور: 54].وقوله: { ولينذروا به }: عطف على محذوف، أي: لينصحوا به، ولينذروا به، أو متعلق بمحذوف، أي: ولينذروا به أنزلناه، { وليعلموا أنما هو إله واحد } بالنظر والتأمل فيما فيه من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى، أو المنبهة على ما يدل عليه. { وليذكر } أي: ليتعظ به { أولو الألباب } أي: القلوب الصافية بالتدبر في أسرار معانيه وعجائب علومه وحكمه، فيرتدعوا عما يرديهم، ويتذرعوا بما يحظيهم. واعلم أنه سبحانه ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي الغاية والحكمة في إنزال الكتاب: تكميل الرسل للناس، واستكمالهم القوة النظرية التي منتهى كمالها التوحيد، وإصلاح القوة العملية التي هي التدرع بكمال التقوى. جعلنا الله من الفائزين بغايتها. قال معناه البيضاوي. الإشارة: قد مكر أهل الغفلة بالأولياء، قديما وحديثا، واحتالوا على إطفاء نورهم، فأبى الله إلا نصرهم وعزهم { إن الله عزيز ذو انتقام } فينتقم لهم وينصرهم. ووقت نصرهم هو حين يتحقق فناؤهم عن الرسوم والأشكال، فتبدل الأرض عندهم غير الأرض والسماوات فتنقلب كلها نورا مجموعا ببحر الأنوار، وبمحيطات أفلاك الأسرار، فتذهب ظلمة الأكوان بتجلي نور المكون
الله نور السماوات والأرض
[النور: 35]. وبرزوا من سجن الأكوان لشهود الواحد القهار. وقال الورتجبي: يريد أن أرض الظاهر وسماء الظاهر، تبدل من هذه الأوصاف، وظلمة الخلقية، إلا أنها منورة بنور جلال الحق عليها، وأنها صارت مشرق عيان الحق للخلق حين بدا سطوات عزته، بوصف الجبارية والقهارية بقوله
وأشرقت الأرض بنور ربها
[الزمر: 69] وهناك يا أخي يدخل الوجود تحت أذيال العدم من استيلاء قهر أنوار القدم، قال:
كل شيء هالك إلا وجهه
[القصص: 88]. وقيل: فأين الأشياء إذ ذاك؟ قال: عادت إلى مصادرها. وقال: متى كانوا شيئا حتى صاروا لا شيء؟! لأنهم أقل من البهاء في الهواء في جنب الحق. ه. وترى المجرمين، وهم الغافلون، مقرنين في قيود الأوهام، والشكوك، مسجونين في محيطات الأكوان، سرابيلهم ظلمة الغفلة، تغشى وجوههم نار القطيعة، لا تظهر عليها بهجة المحبين، ولا أسرار العارفين. فعل ذلك بهم ليظهر فضيلة المجتهدين. هذا بلاغ للناس، ولينذروا به وبال الغفلة والحجاب، وليتحقق أولو الألباب أن الوجود إنما هو للواحد القهار. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.