Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — فصلت 41:1 – الشورى 42:52

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. فصلت 41:1
  2. فصلت 41:2
  3. فصلت 41:3
  4. فصلت 41:4
  5. فصلت 41:5
  6. فصلت 41:6
  7. فصلت 41:7
  8. فصلت 41:8
  9. فصلت 41:9
  10. فصلت 41:10
  11. فصلت 41:11
  12. فصلت 41:12
  13. فصلت 41:13
  14. فصلت 41:14
  15. فصلت 41:15
  16. فصلت 41:16
  17. فصلت 41:17
  18. فصلت 41:18
  19. فصلت 41:19
  20. فصلت 41:20
  21. فصلت 41:21
  22. فصلت 41:22
  23. فصلت 41:23
  24. فصلت 41:24
  25. فصلت 41:25
  26. فصلت 41:26
  27. فصلت 41:27
  28. فصلت 41:28
  29. فصلت 41:29
  30. فصلت 41:30
  31. فصلت 41:31
  32. فصلت 41:32
  33. فصلت 41:33
  34. فصلت 41:34
  35. فصلت 41:35
  36. فصلت 41:36
  37. فصلت 41:37
  38. فصلت 41:38
  39. فصلت 41:39
  40. فصلت 41:40
  41. فصلت 41:41
  42. فصلت 41:42
  43. فصلت 41:43
  44. فصلت 41:44
  45. فصلت 41:45
  46. فصلت 41:46
  47. فصلت 41:47
  48. فصلت 41:48
  49. فصلت 41:49
  50. فصلت 41:50
  51. فصلت 41:51
  52. فصلت 41:52
  53. فصلت 41:53
  54. فصلت 41:54
  55. الشورى 42:1
  56. الشورى 42:2
  57. الشورى 42:3
  58. الشورى 42:4
  59. الشورى 42:5
  60. الشورى 42:6
  61. الشورى 42:7
  62. الشورى 42:8
  63. الشورى 42:9
  64. الشورى 42:10
  65. الشورى 42:11
  66. الشورى 42:12
  67. الشورى 42:13
  68. الشورى 42:14
  69. الشورى 42:15
  70. الشورى 42:16
  71. الشورى 42:17
  72. الشورى 42:18
  73. الشورى 42:19
  74. الشورى 42:20
  75. الشورى 42:21
  76. الشورى 42:22
  77. الشورى 42:23
  78. الشورى 42:24
  79. الشورى 42:25
  80. الشورى 42:26
  81. الشورى 42:27
  82. الشورى 42:28
  83. الشورى 42:29
  84. الشورى 42:30
  85. الشورى 42:31
  86. الشورى 42:32
  87. الشورى 42:33
  88. الشورى 42:34
  89. الشورى 42:35
  90. الشورى 42:36
  91. الشورى 42:37
  92. الشورى 42:38
  93. الشورى 42:39
  94. الشورى 42:40
  95. الشورى 42:41
  96. الشورى 42:42
  97. الشورى 42:43
  98. الشورى 42:44
  99. الشورى 42:45
  100. الشورى 42:46
  101. الشورى 42:47
  102. الشورى 42:48
  103. الشورى 42:49
  104. الشورى 42:50
  105. الشورى 42:51
  106. الشورى 42:52

فصلت 41:1

قلت: { تنزيل }: خبر عن مضمر، أي: هذا تنزيل. و { كتاب }. بدل من { تنزيل } ، أو: خبر بعد خبر، و { تنزيل }: مبتدأ. و { من الرحمن }: صفة، و { كتاب }. خبره، و { قرآنا }: منصوب على الاختصاص والمدح، أو: حال، أي: فصلت آياته في حال كونه قرآنا. و { لقوم }: متعلق بفصلت، أو: صفة، مثل ما قبله وما بعده، أي: قرآنا عربيا كائنا لقوم يعلمون. و { بشيرا ونذيرا }: صفتان ل " قرآنا ". يقول الحق جل جلاله: { حم } يا محمد هذا { تنزيل } ، قاله القشيري: أي: بحقي وحياتي ومجدي في ذاتي وصفاتي، هذا تنزيل { من الرحمن الرحيم }. ونسبة التنزيل إلى الرحمن الرحيم للإيذان بأنه نزل للمصالح الدينية والدنيوية، واقع بمقتضى الرحمة الربانية، حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107]، { كتاب فصلت آياته } ميزت وجعلت تفاصيل في أساليب مختلفة، ومعان متغايرة من أحكام، وتوحيد، وقصص، ومواعظ، ووعد، ووعيد وغير ذلك، { قرآنا عربيا } أي: أعني قرآنا بلسان العرب كائنا { لقوم يعلمون } معانيه، ويتدبرون في آياته لكونه على لسانهم، أو: لأهل العلم والنظر لأنهم المنتفعون به. { بشيرا ونذيرا } بشيرا لأهل الطاعة، ونذيرا لأهل المعصية، { فأعرض أكثرهم } عن الإيمان به والتدبر في معانيه مع كونه على لغتهم، { فهم لا يسمعون } سماع تفكر وتأمل، حتى يفهموا جلالة قدره فيؤمنوا به. { وقالوا } للرسول عليه الصلاة والسلام عند دعوته إياهم إلى الإيمان والعمل بما في القرآن: { قلوبنا في أكنة } أي: أغطية متكاثفة، { وفي آذاننا وقر } صمم وثقل يمنعنا من استماع قولك، { ومن بيننا وبينك حجاب } غليظ، وستر مانع يمنعنا من التواصل إليك. و من للدلالة على أن الحجاب مبتدى منهم ومنه بحيث استوعب ما بينهما من المسافة المتوسطة، ولم يبق ثم فراغ أصلا. وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق وقبوله، ومج أسماعهم له، كأن بها صمما وثقلا منعهم من موافقتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قالوا: { فاعمل } على دينك وإبطال ديننا، { إننا عاملون } على ديننا، لا نفارقه أبدا. { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } ، هذا تلقين للجواب عنه، أي: لست من جنس مباين لكم حتى يكون بيني وبينكم حجاب، وتباين مصحح لتباين الأعمال والأديان، كما ينبىء عنه قوله: { فاعلم إننا عاملون } ، بل إنما أنا بشر مثلكم، مأمور بما أمرتم به من التوحيد، حيث أخبرنا جميعا بأن إلهنا واحد، فالخطاب في " إلهكم " محكي منتظم للكل، لا أنه خطاب منه عليه الصلاة والسلام للكفرة. وقيل: لما دعاهم إلى الإيمان، قالوا: إنا نراك مثلنا، تأكل وتشرب، فلو كنت رسولا لاستغنيت عن ذلك، فأنزل: { قل إنما أنا بشر. .. } الآية. { فاستقيموا إليه } بالتوحيد وإخلاص العبادة، غير ذاهبين يمينا وشمالا، ولا ملتفتين إلى ما يسول لكم الشيطان من عبادة الأصنام... قال تعالى: { واستغفروه } مما كنتم عليه من سوء العقيدة. والفاء لترتيب ما قبلها من إيحاء التوحيد على ما بعدها من الاستقامة، { وويل للمشركين } ، وهو ترهيب وتنفير لهم عن الشرك إثر ترغيبهم في التوحيد. ووصفهم بقوله: { الذين لا يؤتون الزكاة } أي: لا يؤمنون بوجوب الزكاة ولا يعطونها، وهو إخبار بما سيقع، إذ لم تكن الزكاة حينئذ مفروضة، أو: لا يفعلون ما يكونون به أزكياء، وهو الإيمان. وفيه تحذير من منع الزكاة، حيث جعله من أوصاف المشركين. { وهم بالآخرة هم كافرون } أي: وهم بالبعث والثواب والعقاب كافرون. والجملة: عطف على يؤتون داخل في الصلة. وإنما جعل منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على استقامته، وصدق نيته، وخلوص طويته، وما ارتدت العرب إلا بمنعها. { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } غير مقطوع، من: مننت الحبل: قطعته، أو: غير ممنون به عليهم. وقيل: نزلت في المرضى والهرمى، إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون. الإشارة: كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الإيمان بالقرآن والعمل به، وخلفاؤه من مشايخ التربية يدعون إلى تصفية البواطن، لتتهيأ لفهمه والغوص عن أسراره، وحضور القلب عند تلاوته، فأعرض أكثر الناس عن صحبتهم، { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه... } إلى تمام الآية. فبقيت قلوبهم مغلفة بسبب الهوى، ألسنتهم تتلو وقلوبهم تجول في أودية الدينا، فلا حضور ولا تدبر، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا طلبوا من المشايخ الذين هم أطبة القلوب الكرامة، يقولون ما قالت الرسل: إنما نحن بشر يوحى إلينا وحي إلهام بوحدانية الحق، وانفراده بالوجود، فاستقيموا إليه بتصفية بواطنكم، واستغفروه من سالف زلاتكم، فإن بقيتم على ما أنتم عليه من الشرك ورؤية السوى، فويل للمشركين الذين لا يزكون أنفسهم، وهم بالآخرة حيث لم يتأهبوا لها كل التأهب هم الكافرون. إن الذين آمنوا إيمان الخصوص، بصحبة الخصوص، لهم أجر غير ممنون، وهو شهود الحق على الدوام. والله تعالى أعلم. ثم وبخهم على الكفر بعد بيان بطلانه، فقال: { قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض }.

فصلت 41:2

قلت: { تنزيل }: خبر عن مضمر، أي: هذا تنزيل. و { كتاب }. بدل من { تنزيل } ، أو: خبر بعد خبر، و { تنزيل }: مبتدأ. و { من الرحمن }: صفة، و { كتاب }. خبره، و { قرآنا }: منصوب على الاختصاص والمدح، أو: حال، أي: فصلت آياته في حال كونه قرآنا. و { لقوم }: متعلق بفصلت، أو: صفة، مثل ما قبله وما بعده، أي: قرآنا عربيا كائنا لقوم يعلمون. و { بشيرا ونذيرا }: صفتان ل " قرآنا ". يقول الحق جل جلاله: { حم } يا محمد هذا { تنزيل } ، قاله القشيري: أي: بحقي وحياتي ومجدي في ذاتي وصفاتي، هذا تنزيل { من الرحمن الرحيم }. ونسبة التنزيل إلى الرحمن الرحيم للإيذان بأنه نزل للمصالح الدينية والدنيوية، واقع بمقتضى الرحمة الربانية، حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107]، { كتاب فصلت آياته } ميزت وجعلت تفاصيل في أساليب مختلفة، ومعان متغايرة من أحكام، وتوحيد، وقصص، ومواعظ، ووعد، ووعيد وغير ذلك، { قرآنا عربيا } أي: أعني قرآنا بلسان العرب كائنا { لقوم يعلمون } معانيه، ويتدبرون في آياته لكونه على لسانهم، أو: لأهل العلم والنظر لأنهم المنتفعون به. { بشيرا ونذيرا } بشيرا لأهل الطاعة، ونذيرا لأهل المعصية، { فأعرض أكثرهم } عن الإيمان به والتدبر في معانيه مع كونه على لغتهم، { فهم لا يسمعون } سماع تفكر وتأمل، حتى يفهموا جلالة قدره فيؤمنوا به. { وقالوا } للرسول عليه الصلاة والسلام عند دعوته إياهم إلى الإيمان والعمل بما في القرآن: { قلوبنا في أكنة } أي: أغطية متكاثفة، { وفي آذاننا وقر } صمم وثقل يمنعنا من استماع قولك، { ومن بيننا وبينك حجاب } غليظ، وستر مانع يمنعنا من التواصل إليك. و من للدلالة على أن الحجاب مبتدى منهم ومنه بحيث استوعب ما بينهما من المسافة المتوسطة، ولم يبق ثم فراغ أصلا. وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق وقبوله، ومج أسماعهم له، كأن بها صمما وثقلا منعهم من موافقتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قالوا: { فاعمل } على دينك وإبطال ديننا، { إننا عاملون } على ديننا، لا نفارقه أبدا. { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } ، هذا تلقين للجواب عنه، أي: لست من جنس مباين لكم حتى يكون بيني وبينكم حجاب، وتباين مصحح لتباين الأعمال والأديان، كما ينبىء عنه قوله: { فاعلم إننا عاملون } ، بل إنما أنا بشر مثلكم، مأمور بما أمرتم به من التوحيد، حيث أخبرنا جميعا بأن إلهنا واحد، فالخطاب في " إلهكم " محكي منتظم للكل، لا أنه خطاب منه عليه الصلاة والسلام للكفرة. وقيل: لما دعاهم إلى الإيمان، قالوا: إنا نراك مثلنا، تأكل وتشرب، فلو كنت رسولا لاستغنيت عن ذلك، فأنزل: { قل إنما أنا بشر. .. } الآية. { فاستقيموا إليه } بالتوحيد وإخلاص العبادة، غير ذاهبين يمينا وشمالا، ولا ملتفتين إلى ما يسول لكم الشيطان من عبادة الأصنام... قال تعالى: { واستغفروه } مما كنتم عليه من سوء العقيدة. والفاء لترتيب ما قبلها من إيحاء التوحيد على ما بعدها من الاستقامة، { وويل للمشركين } ، وهو ترهيب وتنفير لهم عن الشرك إثر ترغيبهم في التوحيد. ووصفهم بقوله: { الذين لا يؤتون الزكاة } أي: لا يؤمنون بوجوب الزكاة ولا يعطونها، وهو إخبار بما سيقع، إذ لم تكن الزكاة حينئذ مفروضة، أو: لا يفعلون ما يكونون به أزكياء، وهو الإيمان. وفيه تحذير من منع الزكاة، حيث جعله من أوصاف المشركين. { وهم بالآخرة هم كافرون } أي: وهم بالبعث والثواب والعقاب كافرون. والجملة: عطف على يؤتون داخل في الصلة. وإنما جعل منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على استقامته، وصدق نيته، وخلوص طويته، وما ارتدت العرب إلا بمنعها. { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } غير مقطوع، من: مننت الحبل: قطعته، أو: غير ممنون به عليهم. وقيل: نزلت في المرضى والهرمى، إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون. الإشارة: كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الإيمان بالقرآن والعمل به، وخلفاؤه من مشايخ التربية يدعون إلى تصفية البواطن، لتتهيأ لفهمه والغوص عن أسراره، وحضور القلب عند تلاوته، فأعرض أكثر الناس عن صحبتهم، { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه... } إلى تمام الآية. فبقيت قلوبهم مغلفة بسبب الهوى، ألسنتهم تتلو وقلوبهم تجول في أودية الدينا، فلا حضور ولا تدبر، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا طلبوا من المشايخ الذين هم أطبة القلوب الكرامة، يقولون ما قالت الرسل: إنما نحن بشر يوحى إلينا وحي إلهام بوحدانية الحق، وانفراده بالوجود، فاستقيموا إليه بتصفية بواطنكم، واستغفروه من سالف زلاتكم، فإن بقيتم على ما أنتم عليه من الشرك ورؤية السوى، فويل للمشركين الذين لا يزكون أنفسهم، وهم بالآخرة حيث لم يتأهبوا لها كل التأهب هم الكافرون. إن الذين آمنوا إيمان الخصوص، بصحبة الخصوص، لهم أجر غير ممنون، وهو شهود الحق على الدوام. والله تعالى أعلم. ثم وبخهم على الكفر بعد بيان بطلانه، فقال: { قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض }.

فصلت 41:3

قلت: { تنزيل }: خبر عن مضمر، أي: هذا تنزيل. و { كتاب }. بدل من { تنزيل } ، أو: خبر بعد خبر، و { تنزيل }: مبتدأ. و { من الرحمن }: صفة، و { كتاب }. خبره، و { قرآنا }: منصوب على الاختصاص والمدح، أو: حال، أي: فصلت آياته في حال كونه قرآنا. و { لقوم }: متعلق بفصلت، أو: صفة، مثل ما قبله وما بعده، أي: قرآنا عربيا كائنا لقوم يعلمون. و { بشيرا ونذيرا }: صفتان ل " قرآنا ". يقول الحق جل جلاله: { حم } يا محمد هذا { تنزيل } ، قاله القشيري: أي: بحقي وحياتي ومجدي في ذاتي وصفاتي، هذا تنزيل { من الرحمن الرحيم }. ونسبة التنزيل إلى الرحمن الرحيم للإيذان بأنه نزل للمصالح الدينية والدنيوية، واقع بمقتضى الرحمة الربانية، حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107]، { كتاب فصلت آياته } ميزت وجعلت تفاصيل في أساليب مختلفة، ومعان متغايرة من أحكام، وتوحيد، وقصص، ومواعظ، ووعد، ووعيد وغير ذلك، { قرآنا عربيا } أي: أعني قرآنا بلسان العرب كائنا { لقوم يعلمون } معانيه، ويتدبرون في آياته لكونه على لسانهم، أو: لأهل العلم والنظر لأنهم المنتفعون به. { بشيرا ونذيرا } بشيرا لأهل الطاعة، ونذيرا لأهل المعصية، { فأعرض أكثرهم } عن الإيمان به والتدبر في معانيه مع كونه على لغتهم، { فهم لا يسمعون } سماع تفكر وتأمل، حتى يفهموا جلالة قدره فيؤمنوا به. { وقالوا } للرسول عليه الصلاة والسلام عند دعوته إياهم إلى الإيمان والعمل بما في القرآن: { قلوبنا في أكنة } أي: أغطية متكاثفة، { وفي آذاننا وقر } صمم وثقل يمنعنا من استماع قولك، { ومن بيننا وبينك حجاب } غليظ، وستر مانع يمنعنا من التواصل إليك. و من للدلالة على أن الحجاب مبتدى منهم ومنه بحيث استوعب ما بينهما من المسافة المتوسطة، ولم يبق ثم فراغ أصلا. وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق وقبوله، ومج أسماعهم له، كأن بها صمما وثقلا منعهم من موافقتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قالوا: { فاعمل } على دينك وإبطال ديننا، { إننا عاملون } على ديننا، لا نفارقه أبدا. { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } ، هذا تلقين للجواب عنه، أي: لست من جنس مباين لكم حتى يكون بيني وبينكم حجاب، وتباين مصحح لتباين الأعمال والأديان، كما ينبىء عنه قوله: { فاعلم إننا عاملون } ، بل إنما أنا بشر مثلكم، مأمور بما أمرتم به من التوحيد، حيث أخبرنا جميعا بأن إلهنا واحد، فالخطاب في " إلهكم " محكي منتظم للكل، لا أنه خطاب منه عليه الصلاة والسلام للكفرة. وقيل: لما دعاهم إلى الإيمان، قالوا: إنا نراك مثلنا، تأكل وتشرب، فلو كنت رسولا لاستغنيت عن ذلك، فأنزل: { قل إنما أنا بشر. .. } الآية. { فاستقيموا إليه } بالتوحيد وإخلاص العبادة، غير ذاهبين يمينا وشمالا، ولا ملتفتين إلى ما يسول لكم الشيطان من عبادة الأصنام... قال تعالى: { واستغفروه } مما كنتم عليه من سوء العقيدة. والفاء لترتيب ما قبلها من إيحاء التوحيد على ما بعدها من الاستقامة، { وويل للمشركين } ، وهو ترهيب وتنفير لهم عن الشرك إثر ترغيبهم في التوحيد. ووصفهم بقوله: { الذين لا يؤتون الزكاة } أي: لا يؤمنون بوجوب الزكاة ولا يعطونها، وهو إخبار بما سيقع، إذ لم تكن الزكاة حينئذ مفروضة، أو: لا يفعلون ما يكونون به أزكياء، وهو الإيمان. وفيه تحذير من منع الزكاة، حيث جعله من أوصاف المشركين. { وهم بالآخرة هم كافرون } أي: وهم بالبعث والثواب والعقاب كافرون. والجملة: عطف على يؤتون داخل في الصلة. وإنما جعل منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على استقامته، وصدق نيته، وخلوص طويته، وما ارتدت العرب إلا بمنعها. { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } غير مقطوع، من: مننت الحبل: قطعته، أو: غير ممنون به عليهم. وقيل: نزلت في المرضى والهرمى، إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون. الإشارة: كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الإيمان بالقرآن والعمل به، وخلفاؤه من مشايخ التربية يدعون إلى تصفية البواطن، لتتهيأ لفهمه والغوص عن أسراره، وحضور القلب عند تلاوته، فأعرض أكثر الناس عن صحبتهم، { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه... } إلى تمام الآية. فبقيت قلوبهم مغلفة بسبب الهوى، ألسنتهم تتلو وقلوبهم تجول في أودية الدينا، فلا حضور ولا تدبر، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا طلبوا من المشايخ الذين هم أطبة القلوب الكرامة، يقولون ما قالت الرسل: إنما نحن بشر يوحى إلينا وحي إلهام بوحدانية الحق، وانفراده بالوجود، فاستقيموا إليه بتصفية بواطنكم، واستغفروه من سالف زلاتكم، فإن بقيتم على ما أنتم عليه من الشرك ورؤية السوى، فويل للمشركين الذين لا يزكون أنفسهم، وهم بالآخرة حيث لم يتأهبوا لها كل التأهب هم الكافرون. إن الذين آمنوا إيمان الخصوص، بصحبة الخصوص، لهم أجر غير ممنون، وهو شهود الحق على الدوام. والله تعالى أعلم. ثم وبخهم على الكفر بعد بيان بطلانه، فقال: { قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض }.

فصلت 41:4

قلت: { تنزيل }: خبر عن مضمر، أي: هذا تنزيل. و { كتاب }. بدل من { تنزيل } ، أو: خبر بعد خبر، و { تنزيل }: مبتدأ. و { من الرحمن }: صفة، و { كتاب }. خبره، و { قرآنا }: منصوب على الاختصاص والمدح، أو: حال، أي: فصلت آياته في حال كونه قرآنا. و { لقوم }: متعلق بفصلت، أو: صفة، مثل ما قبله وما بعده، أي: قرآنا عربيا كائنا لقوم يعلمون. و { بشيرا ونذيرا }: صفتان ل " قرآنا ". يقول الحق جل جلاله: { حم } يا محمد هذا { تنزيل } ، قاله القشيري: أي: بحقي وحياتي ومجدي في ذاتي وصفاتي، هذا تنزيل { من الرحمن الرحيم }. ونسبة التنزيل إلى الرحمن الرحيم للإيذان بأنه نزل للمصالح الدينية والدنيوية، واقع بمقتضى الرحمة الربانية، حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107]، { كتاب فصلت آياته } ميزت وجعلت تفاصيل في أساليب مختلفة، ومعان متغايرة من أحكام، وتوحيد، وقصص، ومواعظ، ووعد، ووعيد وغير ذلك، { قرآنا عربيا } أي: أعني قرآنا بلسان العرب كائنا { لقوم يعلمون } معانيه، ويتدبرون في آياته لكونه على لسانهم، أو: لأهل العلم والنظر لأنهم المنتفعون به. { بشيرا ونذيرا } بشيرا لأهل الطاعة، ونذيرا لأهل المعصية، { فأعرض أكثرهم } عن الإيمان به والتدبر في معانيه مع كونه على لغتهم، { فهم لا يسمعون } سماع تفكر وتأمل، حتى يفهموا جلالة قدره فيؤمنوا به. { وقالوا } للرسول عليه الصلاة والسلام عند دعوته إياهم إلى الإيمان والعمل بما في القرآن: { قلوبنا في أكنة } أي: أغطية متكاثفة، { وفي آذاننا وقر } صمم وثقل يمنعنا من استماع قولك، { ومن بيننا وبينك حجاب } غليظ، وستر مانع يمنعنا من التواصل إليك. و من للدلالة على أن الحجاب مبتدى منهم ومنه بحيث استوعب ما بينهما من المسافة المتوسطة، ولم يبق ثم فراغ أصلا. وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق وقبوله، ومج أسماعهم له، كأن بها صمما وثقلا منعهم من موافقتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قالوا: { فاعمل } على دينك وإبطال ديننا، { إننا عاملون } على ديننا، لا نفارقه أبدا. { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } ، هذا تلقين للجواب عنه، أي: لست من جنس مباين لكم حتى يكون بيني وبينكم حجاب، وتباين مصحح لتباين الأعمال والأديان، كما ينبىء عنه قوله: { فاعلم إننا عاملون } ، بل إنما أنا بشر مثلكم، مأمور بما أمرتم به من التوحيد، حيث أخبرنا جميعا بأن إلهنا واحد، فالخطاب في " إلهكم " محكي منتظم للكل، لا أنه خطاب منه عليه الصلاة والسلام للكفرة. وقيل: لما دعاهم إلى الإيمان، قالوا: إنا نراك مثلنا، تأكل وتشرب، فلو كنت رسولا لاستغنيت عن ذلك، فأنزل: { قل إنما أنا بشر. .. } الآية. { فاستقيموا إليه } بالتوحيد وإخلاص العبادة، غير ذاهبين يمينا وشمالا، ولا ملتفتين إلى ما يسول لكم الشيطان من عبادة الأصنام... قال تعالى: { واستغفروه } مما كنتم عليه من سوء العقيدة. والفاء لترتيب ما قبلها من إيحاء التوحيد على ما بعدها من الاستقامة، { وويل للمشركين } ، وهو ترهيب وتنفير لهم عن الشرك إثر ترغيبهم في التوحيد. ووصفهم بقوله: { الذين لا يؤتون الزكاة } أي: لا يؤمنون بوجوب الزكاة ولا يعطونها، وهو إخبار بما سيقع، إذ لم تكن الزكاة حينئذ مفروضة، أو: لا يفعلون ما يكونون به أزكياء، وهو الإيمان. وفيه تحذير من منع الزكاة، حيث جعله من أوصاف المشركين. { وهم بالآخرة هم كافرون } أي: وهم بالبعث والثواب والعقاب كافرون. والجملة: عطف على يؤتون داخل في الصلة. وإنما جعل منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على استقامته، وصدق نيته، وخلوص طويته، وما ارتدت العرب إلا بمنعها. { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } غير مقطوع، من: مننت الحبل: قطعته، أو: غير ممنون به عليهم. وقيل: نزلت في المرضى والهرمى، إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون. الإشارة: كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الإيمان بالقرآن والعمل به، وخلفاؤه من مشايخ التربية يدعون إلى تصفية البواطن، لتتهيأ لفهمه والغوص عن أسراره، وحضور القلب عند تلاوته، فأعرض أكثر الناس عن صحبتهم، { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه... } إلى تمام الآية. فبقيت قلوبهم مغلفة بسبب الهوى، ألسنتهم تتلو وقلوبهم تجول في أودية الدينا، فلا حضور ولا تدبر، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا طلبوا من المشايخ الذين هم أطبة القلوب الكرامة، يقولون ما قالت الرسل: إنما نحن بشر يوحى إلينا وحي إلهام بوحدانية الحق، وانفراده بالوجود، فاستقيموا إليه بتصفية بواطنكم، واستغفروه من سالف زلاتكم، فإن بقيتم على ما أنتم عليه من الشرك ورؤية السوى، فويل للمشركين الذين لا يزكون أنفسهم، وهم بالآخرة حيث لم يتأهبوا لها كل التأهب هم الكافرون. إن الذين آمنوا إيمان الخصوص، بصحبة الخصوص، لهم أجر غير ممنون، وهو شهود الحق على الدوام. والله تعالى أعلم. ثم وبخهم على الكفر بعد بيان بطلانه، فقال: { قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض }.

فصلت 41:5

قلت: { تنزيل }: خبر عن مضمر، أي: هذا تنزيل. و { كتاب }. بدل من { تنزيل } ، أو: خبر بعد خبر، و { تنزيل }: مبتدأ. و { من الرحمن }: صفة، و { كتاب }. خبره، و { قرآنا }: منصوب على الاختصاص والمدح، أو: حال، أي: فصلت آياته في حال كونه قرآنا. و { لقوم }: متعلق بفصلت، أو: صفة، مثل ما قبله وما بعده، أي: قرآنا عربيا كائنا لقوم يعلمون. و { بشيرا ونذيرا }: صفتان ل " قرآنا ". يقول الحق جل جلاله: { حم } يا محمد هذا { تنزيل } ، قاله القشيري: أي: بحقي وحياتي ومجدي في ذاتي وصفاتي، هذا تنزيل { من الرحمن الرحيم }. ونسبة التنزيل إلى الرحمن الرحيم للإيذان بأنه نزل للمصالح الدينية والدنيوية، واقع بمقتضى الرحمة الربانية، حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107]، { كتاب فصلت آياته } ميزت وجعلت تفاصيل في أساليب مختلفة، ومعان متغايرة من أحكام، وتوحيد، وقصص، ومواعظ، ووعد، ووعيد وغير ذلك، { قرآنا عربيا } أي: أعني قرآنا بلسان العرب كائنا { لقوم يعلمون } معانيه، ويتدبرون في آياته لكونه على لسانهم، أو: لأهل العلم والنظر لأنهم المنتفعون به. { بشيرا ونذيرا } بشيرا لأهل الطاعة، ونذيرا لأهل المعصية، { فأعرض أكثرهم } عن الإيمان به والتدبر في معانيه مع كونه على لغتهم، { فهم لا يسمعون } سماع تفكر وتأمل، حتى يفهموا جلالة قدره فيؤمنوا به. { وقالوا } للرسول عليه الصلاة والسلام عند دعوته إياهم إلى الإيمان والعمل بما في القرآن: { قلوبنا في أكنة } أي: أغطية متكاثفة، { وفي آذاننا وقر } صمم وثقل يمنعنا من استماع قولك، { ومن بيننا وبينك حجاب } غليظ، وستر مانع يمنعنا من التواصل إليك. و من للدلالة على أن الحجاب مبتدى منهم ومنه بحيث استوعب ما بينهما من المسافة المتوسطة، ولم يبق ثم فراغ أصلا. وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق وقبوله، ومج أسماعهم له، كأن بها صمما وثقلا منعهم من موافقتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قالوا: { فاعمل } على دينك وإبطال ديننا، { إننا عاملون } على ديننا، لا نفارقه أبدا. { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } ، هذا تلقين للجواب عنه، أي: لست من جنس مباين لكم حتى يكون بيني وبينكم حجاب، وتباين مصحح لتباين الأعمال والأديان، كما ينبىء عنه قوله: { فاعلم إننا عاملون } ، بل إنما أنا بشر مثلكم، مأمور بما أمرتم به من التوحيد، حيث أخبرنا جميعا بأن إلهنا واحد، فالخطاب في " إلهكم " محكي منتظم للكل، لا أنه خطاب منه عليه الصلاة والسلام للكفرة. وقيل: لما دعاهم إلى الإيمان، قالوا: إنا نراك مثلنا، تأكل وتشرب، فلو كنت رسولا لاستغنيت عن ذلك، فأنزل: { قل إنما أنا بشر. .. } الآية. { فاستقيموا إليه } بالتوحيد وإخلاص العبادة، غير ذاهبين يمينا وشمالا، ولا ملتفتين إلى ما يسول لكم الشيطان من عبادة الأصنام... قال تعالى: { واستغفروه } مما كنتم عليه من سوء العقيدة. والفاء لترتيب ما قبلها من إيحاء التوحيد على ما بعدها من الاستقامة، { وويل للمشركين } ، وهو ترهيب وتنفير لهم عن الشرك إثر ترغيبهم في التوحيد. ووصفهم بقوله: { الذين لا يؤتون الزكاة } أي: لا يؤمنون بوجوب الزكاة ولا يعطونها، وهو إخبار بما سيقع، إذ لم تكن الزكاة حينئذ مفروضة، أو: لا يفعلون ما يكونون به أزكياء، وهو الإيمان. وفيه تحذير من منع الزكاة، حيث جعله من أوصاف المشركين. { وهم بالآخرة هم كافرون } أي: وهم بالبعث والثواب والعقاب كافرون. والجملة: عطف على يؤتون داخل في الصلة. وإنما جعل منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على استقامته، وصدق نيته، وخلوص طويته، وما ارتدت العرب إلا بمنعها. { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } غير مقطوع، من: مننت الحبل: قطعته، أو: غير ممنون به عليهم. وقيل: نزلت في المرضى والهرمى، إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون. الإشارة: كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الإيمان بالقرآن والعمل به، وخلفاؤه من مشايخ التربية يدعون إلى تصفية البواطن، لتتهيأ لفهمه والغوص عن أسراره، وحضور القلب عند تلاوته، فأعرض أكثر الناس عن صحبتهم، { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه... } إلى تمام الآية. فبقيت قلوبهم مغلفة بسبب الهوى، ألسنتهم تتلو وقلوبهم تجول في أودية الدينا، فلا حضور ولا تدبر، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا طلبوا من المشايخ الذين هم أطبة القلوب الكرامة، يقولون ما قالت الرسل: إنما نحن بشر يوحى إلينا وحي إلهام بوحدانية الحق، وانفراده بالوجود، فاستقيموا إليه بتصفية بواطنكم، واستغفروه من سالف زلاتكم، فإن بقيتم على ما أنتم عليه من الشرك ورؤية السوى، فويل للمشركين الذين لا يزكون أنفسهم، وهم بالآخرة حيث لم يتأهبوا لها كل التأهب هم الكافرون. إن الذين آمنوا إيمان الخصوص، بصحبة الخصوص، لهم أجر غير ممنون، وهو شهود الحق على الدوام. والله تعالى أعلم. ثم وبخهم على الكفر بعد بيان بطلانه، فقال: { قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض }.

فصلت 41:6

قلت: { تنزيل }: خبر عن مضمر، أي: هذا تنزيل. و { كتاب }. بدل من { تنزيل } ، أو: خبر بعد خبر، و { تنزيل }: مبتدأ. و { من الرحمن }: صفة، و { كتاب }. خبره، و { قرآنا }: منصوب على الاختصاص والمدح، أو: حال، أي: فصلت آياته في حال كونه قرآنا. و { لقوم }: متعلق بفصلت، أو: صفة، مثل ما قبله وما بعده، أي: قرآنا عربيا كائنا لقوم يعلمون. و { بشيرا ونذيرا }: صفتان ل " قرآنا ". يقول الحق جل جلاله: { حم } يا محمد هذا { تنزيل } ، قاله القشيري: أي: بحقي وحياتي ومجدي في ذاتي وصفاتي، هذا تنزيل { من الرحمن الرحيم }. ونسبة التنزيل إلى الرحمن الرحيم للإيذان بأنه نزل للمصالح الدينية والدنيوية، واقع بمقتضى الرحمة الربانية، حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107]، { كتاب فصلت آياته } ميزت وجعلت تفاصيل في أساليب مختلفة، ومعان متغايرة من أحكام، وتوحيد، وقصص، ومواعظ، ووعد، ووعيد وغير ذلك، { قرآنا عربيا } أي: أعني قرآنا بلسان العرب كائنا { لقوم يعلمون } معانيه، ويتدبرون في آياته لكونه على لسانهم، أو: لأهل العلم والنظر لأنهم المنتفعون به. { بشيرا ونذيرا } بشيرا لأهل الطاعة، ونذيرا لأهل المعصية، { فأعرض أكثرهم } عن الإيمان به والتدبر في معانيه مع كونه على لغتهم، { فهم لا يسمعون } سماع تفكر وتأمل، حتى يفهموا جلالة قدره فيؤمنوا به. { وقالوا } للرسول عليه الصلاة والسلام عند دعوته إياهم إلى الإيمان والعمل بما في القرآن: { قلوبنا في أكنة } أي: أغطية متكاثفة، { وفي آذاننا وقر } صمم وثقل يمنعنا من استماع قولك، { ومن بيننا وبينك حجاب } غليظ، وستر مانع يمنعنا من التواصل إليك. و من للدلالة على أن الحجاب مبتدى منهم ومنه بحيث استوعب ما بينهما من المسافة المتوسطة، ولم يبق ثم فراغ أصلا. وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق وقبوله، ومج أسماعهم له، كأن بها صمما وثقلا منعهم من موافقتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قالوا: { فاعمل } على دينك وإبطال ديننا، { إننا عاملون } على ديننا، لا نفارقه أبدا. { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } ، هذا تلقين للجواب عنه، أي: لست من جنس مباين لكم حتى يكون بيني وبينكم حجاب، وتباين مصحح لتباين الأعمال والأديان، كما ينبىء عنه قوله: { فاعلم إننا عاملون } ، بل إنما أنا بشر مثلكم، مأمور بما أمرتم به من التوحيد، حيث أخبرنا جميعا بأن إلهنا واحد، فالخطاب في " إلهكم " محكي منتظم للكل، لا أنه خطاب منه عليه الصلاة والسلام للكفرة. وقيل: لما دعاهم إلى الإيمان، قالوا: إنا نراك مثلنا، تأكل وتشرب، فلو كنت رسولا لاستغنيت عن ذلك، فأنزل: { قل إنما أنا بشر. .. } الآية. { فاستقيموا إليه } بالتوحيد وإخلاص العبادة، غير ذاهبين يمينا وشمالا، ولا ملتفتين إلى ما يسول لكم الشيطان من عبادة الأصنام... قال تعالى: { واستغفروه } مما كنتم عليه من سوء العقيدة. والفاء لترتيب ما قبلها من إيحاء التوحيد على ما بعدها من الاستقامة، { وويل للمشركين } ، وهو ترهيب وتنفير لهم عن الشرك إثر ترغيبهم في التوحيد. ووصفهم بقوله: { الذين لا يؤتون الزكاة } أي: لا يؤمنون بوجوب الزكاة ولا يعطونها، وهو إخبار بما سيقع، إذ لم تكن الزكاة حينئذ مفروضة، أو: لا يفعلون ما يكونون به أزكياء، وهو الإيمان. وفيه تحذير من منع الزكاة، حيث جعله من أوصاف المشركين. { وهم بالآخرة هم كافرون } أي: وهم بالبعث والثواب والعقاب كافرون. والجملة: عطف على يؤتون داخل في الصلة. وإنما جعل منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على استقامته، وصدق نيته، وخلوص طويته، وما ارتدت العرب إلا بمنعها. { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } غير مقطوع، من: مننت الحبل: قطعته، أو: غير ممنون به عليهم. وقيل: نزلت في المرضى والهرمى، إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون. الإشارة: كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الإيمان بالقرآن والعمل به، وخلفاؤه من مشايخ التربية يدعون إلى تصفية البواطن، لتتهيأ لفهمه والغوص عن أسراره، وحضور القلب عند تلاوته، فأعرض أكثر الناس عن صحبتهم، { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه... } إلى تمام الآية. فبقيت قلوبهم مغلفة بسبب الهوى، ألسنتهم تتلو وقلوبهم تجول في أودية الدينا، فلا حضور ولا تدبر، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا طلبوا من المشايخ الذين هم أطبة القلوب الكرامة، يقولون ما قالت الرسل: إنما نحن بشر يوحى إلينا وحي إلهام بوحدانية الحق، وانفراده بالوجود، فاستقيموا إليه بتصفية بواطنكم، واستغفروه من سالف زلاتكم، فإن بقيتم على ما أنتم عليه من الشرك ورؤية السوى، فويل للمشركين الذين لا يزكون أنفسهم، وهم بالآخرة حيث لم يتأهبوا لها كل التأهب هم الكافرون. إن الذين آمنوا إيمان الخصوص، بصحبة الخصوص، لهم أجر غير ممنون، وهو شهود الحق على الدوام. والله تعالى أعلم. ثم وبخهم على الكفر بعد بيان بطلانه، فقال: { قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض }.

فصلت 41:7

قلت: { تنزيل }: خبر عن مضمر، أي: هذا تنزيل. و { كتاب }. بدل من { تنزيل } ، أو: خبر بعد خبر، و { تنزيل }: مبتدأ. و { من الرحمن }: صفة، و { كتاب }. خبره، و { قرآنا }: منصوب على الاختصاص والمدح، أو: حال، أي: فصلت آياته في حال كونه قرآنا. و { لقوم }: متعلق بفصلت، أو: صفة، مثل ما قبله وما بعده، أي: قرآنا عربيا كائنا لقوم يعلمون. و { بشيرا ونذيرا }: صفتان ل " قرآنا ". يقول الحق جل جلاله: { حم } يا محمد هذا { تنزيل } ، قاله القشيري: أي: بحقي وحياتي ومجدي في ذاتي وصفاتي، هذا تنزيل { من الرحمن الرحيم }. ونسبة التنزيل إلى الرحمن الرحيم للإيذان بأنه نزل للمصالح الدينية والدنيوية، واقع بمقتضى الرحمة الربانية، حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107]، { كتاب فصلت آياته } ميزت وجعلت تفاصيل في أساليب مختلفة، ومعان متغايرة من أحكام، وتوحيد، وقصص، ومواعظ، ووعد، ووعيد وغير ذلك، { قرآنا عربيا } أي: أعني قرآنا بلسان العرب كائنا { لقوم يعلمون } معانيه، ويتدبرون في آياته لكونه على لسانهم، أو: لأهل العلم والنظر لأنهم المنتفعون به. { بشيرا ونذيرا } بشيرا لأهل الطاعة، ونذيرا لأهل المعصية، { فأعرض أكثرهم } عن الإيمان به والتدبر في معانيه مع كونه على لغتهم، { فهم لا يسمعون } سماع تفكر وتأمل، حتى يفهموا جلالة قدره فيؤمنوا به. { وقالوا } للرسول عليه الصلاة والسلام عند دعوته إياهم إلى الإيمان والعمل بما في القرآن: { قلوبنا في أكنة } أي: أغطية متكاثفة، { وفي آذاننا وقر } صمم وثقل يمنعنا من استماع قولك، { ومن بيننا وبينك حجاب } غليظ، وستر مانع يمنعنا من التواصل إليك. و من للدلالة على أن الحجاب مبتدى منهم ومنه بحيث استوعب ما بينهما من المسافة المتوسطة، ولم يبق ثم فراغ أصلا. وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق وقبوله، ومج أسماعهم له، كأن بها صمما وثقلا منعهم من موافقتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قالوا: { فاعمل } على دينك وإبطال ديننا، { إننا عاملون } على ديننا، لا نفارقه أبدا. { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } ، هذا تلقين للجواب عنه، أي: لست من جنس مباين لكم حتى يكون بيني وبينكم حجاب، وتباين مصحح لتباين الأعمال والأديان، كما ينبىء عنه قوله: { فاعلم إننا عاملون } ، بل إنما أنا بشر مثلكم، مأمور بما أمرتم به من التوحيد، حيث أخبرنا جميعا بأن إلهنا واحد، فالخطاب في " إلهكم " محكي منتظم للكل، لا أنه خطاب منه عليه الصلاة والسلام للكفرة. وقيل: لما دعاهم إلى الإيمان، قالوا: إنا نراك مثلنا، تأكل وتشرب، فلو كنت رسولا لاستغنيت عن ذلك، فأنزل: { قل إنما أنا بشر. .. } الآية. { فاستقيموا إليه } بالتوحيد وإخلاص العبادة، غير ذاهبين يمينا وشمالا، ولا ملتفتين إلى ما يسول لكم الشيطان من عبادة الأصنام... قال تعالى: { واستغفروه } مما كنتم عليه من سوء العقيدة. والفاء لترتيب ما قبلها من إيحاء التوحيد على ما بعدها من الاستقامة، { وويل للمشركين } ، وهو ترهيب وتنفير لهم عن الشرك إثر ترغيبهم في التوحيد. ووصفهم بقوله: { الذين لا يؤتون الزكاة } أي: لا يؤمنون بوجوب الزكاة ولا يعطونها، وهو إخبار بما سيقع، إذ لم تكن الزكاة حينئذ مفروضة، أو: لا يفعلون ما يكونون به أزكياء، وهو الإيمان. وفيه تحذير من منع الزكاة، حيث جعله من أوصاف المشركين. { وهم بالآخرة هم كافرون } أي: وهم بالبعث والثواب والعقاب كافرون. والجملة: عطف على يؤتون داخل في الصلة. وإنما جعل منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على استقامته، وصدق نيته، وخلوص طويته، وما ارتدت العرب إلا بمنعها. { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } غير مقطوع، من: مننت الحبل: قطعته، أو: غير ممنون به عليهم. وقيل: نزلت في المرضى والهرمى، إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون. الإشارة: كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الإيمان بالقرآن والعمل به، وخلفاؤه من مشايخ التربية يدعون إلى تصفية البواطن، لتتهيأ لفهمه والغوص عن أسراره، وحضور القلب عند تلاوته، فأعرض أكثر الناس عن صحبتهم، { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه... } إلى تمام الآية. فبقيت قلوبهم مغلفة بسبب الهوى، ألسنتهم تتلو وقلوبهم تجول في أودية الدينا، فلا حضور ولا تدبر، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا طلبوا من المشايخ الذين هم أطبة القلوب الكرامة، يقولون ما قالت الرسل: إنما نحن بشر يوحى إلينا وحي إلهام بوحدانية الحق، وانفراده بالوجود، فاستقيموا إليه بتصفية بواطنكم، واستغفروه من سالف زلاتكم، فإن بقيتم على ما أنتم عليه من الشرك ورؤية السوى، فويل للمشركين الذين لا يزكون أنفسهم، وهم بالآخرة حيث لم يتأهبوا لها كل التأهب هم الكافرون. إن الذين آمنوا إيمان الخصوص، بصحبة الخصوص، لهم أجر غير ممنون، وهو شهود الحق على الدوام. والله تعالى أعلم. ثم وبخهم على الكفر بعد بيان بطلانه، فقال: { قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض }.

فصلت 41:8

قلت: { تنزيل }: خبر عن مضمر، أي: هذا تنزيل. و { كتاب }. بدل من { تنزيل } ، أو: خبر بعد خبر، و { تنزيل }: مبتدأ. و { من الرحمن }: صفة، و { كتاب }. خبره، و { قرآنا }: منصوب على الاختصاص والمدح، أو: حال، أي: فصلت آياته في حال كونه قرآنا. و { لقوم }: متعلق بفصلت، أو: صفة، مثل ما قبله وما بعده، أي: قرآنا عربيا كائنا لقوم يعلمون. و { بشيرا ونذيرا }: صفتان ل " قرآنا ". يقول الحق جل جلاله: { حم } يا محمد هذا { تنزيل } ، قاله القشيري: أي: بحقي وحياتي ومجدي في ذاتي وصفاتي، هذا تنزيل { من الرحمن الرحيم }. ونسبة التنزيل إلى الرحمن الرحيم للإيذان بأنه نزل للمصالح الدينية والدنيوية، واقع بمقتضى الرحمة الربانية، حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107]، { كتاب فصلت آياته } ميزت وجعلت تفاصيل في أساليب مختلفة، ومعان متغايرة من أحكام، وتوحيد، وقصص، ومواعظ، ووعد، ووعيد وغير ذلك، { قرآنا عربيا } أي: أعني قرآنا بلسان العرب كائنا { لقوم يعلمون } معانيه، ويتدبرون في آياته لكونه على لسانهم، أو: لأهل العلم والنظر لأنهم المنتفعون به. { بشيرا ونذيرا } بشيرا لأهل الطاعة، ونذيرا لأهل المعصية، { فأعرض أكثرهم } عن الإيمان به والتدبر في معانيه مع كونه على لغتهم، { فهم لا يسمعون } سماع تفكر وتأمل، حتى يفهموا جلالة قدره فيؤمنوا به. { وقالوا } للرسول عليه الصلاة والسلام عند دعوته إياهم إلى الإيمان والعمل بما في القرآن: { قلوبنا في أكنة } أي: أغطية متكاثفة، { وفي آذاننا وقر } صمم وثقل يمنعنا من استماع قولك، { ومن بيننا وبينك حجاب } غليظ، وستر مانع يمنعنا من التواصل إليك. و من للدلالة على أن الحجاب مبتدى منهم ومنه بحيث استوعب ما بينهما من المسافة المتوسطة، ولم يبق ثم فراغ أصلا. وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق وقبوله، ومج أسماعهم له، كأن بها صمما وثقلا منعهم من موافقتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قالوا: { فاعمل } على دينك وإبطال ديننا، { إننا عاملون } على ديننا، لا نفارقه أبدا. { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } ، هذا تلقين للجواب عنه، أي: لست من جنس مباين لكم حتى يكون بيني وبينكم حجاب، وتباين مصحح لتباين الأعمال والأديان، كما ينبىء عنه قوله: { فاعلم إننا عاملون } ، بل إنما أنا بشر مثلكم، مأمور بما أمرتم به من التوحيد، حيث أخبرنا جميعا بأن إلهنا واحد، فالخطاب في " إلهكم " محكي منتظم للكل، لا أنه خطاب منه عليه الصلاة والسلام للكفرة. وقيل: لما دعاهم إلى الإيمان، قالوا: إنا نراك مثلنا، تأكل وتشرب، فلو كنت رسولا لاستغنيت عن ذلك، فأنزل: { قل إنما أنا بشر. .. } الآية. { فاستقيموا إليه } بالتوحيد وإخلاص العبادة، غير ذاهبين يمينا وشمالا، ولا ملتفتين إلى ما يسول لكم الشيطان من عبادة الأصنام... قال تعالى: { واستغفروه } مما كنتم عليه من سوء العقيدة. والفاء لترتيب ما قبلها من إيحاء التوحيد على ما بعدها من الاستقامة، { وويل للمشركين } ، وهو ترهيب وتنفير لهم عن الشرك إثر ترغيبهم في التوحيد. ووصفهم بقوله: { الذين لا يؤتون الزكاة } أي: لا يؤمنون بوجوب الزكاة ولا يعطونها، وهو إخبار بما سيقع، إذ لم تكن الزكاة حينئذ مفروضة، أو: لا يفعلون ما يكونون به أزكياء، وهو الإيمان. وفيه تحذير من منع الزكاة، حيث جعله من أوصاف المشركين. { وهم بالآخرة هم كافرون } أي: وهم بالبعث والثواب والعقاب كافرون. والجملة: عطف على يؤتون داخل في الصلة. وإنما جعل منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على استقامته، وصدق نيته، وخلوص طويته، وما ارتدت العرب إلا بمنعها. { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } غير مقطوع، من: مننت الحبل: قطعته، أو: غير ممنون به عليهم. وقيل: نزلت في المرضى والهرمى، إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون. الإشارة: كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الإيمان بالقرآن والعمل به، وخلفاؤه من مشايخ التربية يدعون إلى تصفية البواطن، لتتهيأ لفهمه والغوص عن أسراره، وحضور القلب عند تلاوته، فأعرض أكثر الناس عن صحبتهم، { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه... } إلى تمام الآية. فبقيت قلوبهم مغلفة بسبب الهوى، ألسنتهم تتلو وقلوبهم تجول في أودية الدينا، فلا حضور ولا تدبر، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا طلبوا من المشايخ الذين هم أطبة القلوب الكرامة، يقولون ما قالت الرسل: إنما نحن بشر يوحى إلينا وحي إلهام بوحدانية الحق، وانفراده بالوجود، فاستقيموا إليه بتصفية بواطنكم، واستغفروه من سالف زلاتكم، فإن بقيتم على ما أنتم عليه من الشرك ورؤية السوى، فويل للمشركين الذين لا يزكون أنفسهم، وهم بالآخرة حيث لم يتأهبوا لها كل التأهب هم الكافرون. إن الذين آمنوا إيمان الخصوص، بصحبة الخصوص، لهم أجر غير ممنون، وهو شهود الحق على الدوام. والله تعالى أعلم. ثم وبخهم على الكفر بعد بيان بطلانه، فقال: { قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض }.

فصلت 41:9

قلت: { وتجعلون }: عطف على { تكفرون }. و { جعل }: عطف على { خلق } داخل في حيز الصلة، و { سواء }: من نصبه فمصدر أي: استوت سواء. ومن جره فصفة لأيام، ومن رفعه فخبر هي سواء. و { للسائلين }: متعلق بقدر، أو: بمحذوف، أي: هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض. يقول الحق جل جلاله: { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } وهما الأحد والاثنين، تعليما للتأني، ولو أراد أن يخلقها في لحظة لفعل. { وتجعلون له أندادا } شركاء وأشباها. والحال أنه لا يمكن أن يكون له ند واحد، فضلا عن التعدد، وكيف يكون الحادث المعدوم ندا للقديم؟! { ذلك } الذي خلق ما سبق. وما في الإشارة من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه لبعد منزلته في العظمة، أي: ذلك العظيم الشأن هو { رب العالمين } أي: خالق جميع الموجودات ومربيها، فكيف يتصور أن يكون أخس الخلق ندا له؟! { وجعل فيها رواسي } جبالا ثوابت كائنة { من فوقها } ، وإنما اختار إرساءها من فوق الأرض لتكون منافع الجبال معرضة لأهلها، ويظهر للناظرين ما فيها من مراصد الاعبتار، ومطارح الأفكار، فإن الأرض والجبال أثقال على أثقال، كلها ممسكة بقدرة الله عز وجل. { وبارك فيها } أي: قدر بأن يكثر خيرها بما يخلق فيها من منافع، ويجعل فيها من المصالح، وما ينبت فيها من الطيبات والأطعمة وأصناف النعم. { وقدر فيها أقواتها } أي: حكم أن يوجد فيها لأهلها ما يحتاجون إليه من الأقوات المختلفة المناسبة لهم على مقدار معين، تقتضيه الحكمة والمشيئة، وما يصلح بمعايشهم من الثمار والأنهار والأشجار، وجعل الأقوات مختلفة في الطعم والصورة والمقدار، وقيل: خصابها التي قسمها في البلاد. جعل ذلك { في أربعة أيام } أي: تتمة أربعة أيام، يومين للخلق، ويومين لتقدير الأقوات، كما تقول: سرت إلى البصرة في عشرة، وإلى الكوفة في خمسة عشر، أي: في تتمة خمسة عشر، ولو أجري الكلام على ظاهرة لكانت ثمانية أيام يومين للخلق وأربعة للتقدير، ويومين لخلق السماء، وهو مناقض لقوله: فى ستة أيام [الأعراف: 54]. وقوله: { سواء } راجع للأربعة، أي: في أربعة أيام مستويات تامات، أو: استوت سواء { للسائلين } أي: قدر فيها الأقوات للطالبين لها والمحتاجين إليها، لأن كلا يطلب القوت ويسأله، أو هذا الحصر في هذه الأيام لأجل من سأل: في كم خلقت الأرض وما فيها؟ { ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } ، الاستواء مجاز عن إيجاد الله تعالى السماء على ما أراد، تقول العرب: فعل فلان كذا ثم استوى إلى عمل كذا، يريدون أنه أكمل الأول وابتدأ الثاني، أو قصد وانتهى. فالاستواء إذا عدي ب " إلى " فهو بمعنى الانتهاء إليه بالذات أو بالتدبير، وإذا عدي ب " على " فبمعنى الاستعلاء، ويفهم منه أن خلق السماء بعد الأرض، وهو كذلك، وأما دحو الأرض وتقدير أقواتها فمؤخر عن السماء، كما صرح في قوله: والأرض بعد ذلك دحاهآ [النازعات: 30]، والترتيب في الخارج: أنه خلق الأرض، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض في يومين، ف " ثم " للتفاوت بين الخلقين لا للترتيب، أو: للتفاوت في المرتبة، ترقيا من الأدنى إلى الأعلى، كقول القائل: إن من ساد ثم ساد أبوه ثم [قد] ساد بعد ذلك جده وفي بعض الأحاديث: " إن الله خلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والعمران والخراب، فتلك أربعة أيام، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة، وخلق آدم عليه السلام في آخر ساعة من يوم الجمعة " وهي الساعة التي تقوم فيها الساعة. قاله النسفي، وفي حديث مسلم ما يخالفه. قال ابن عباس رضي الله عنه: أول ما خلق الله أي: بعد العرش جوهرة طولها وعرضها ألف سنة، فنظر إليها بالهيبة، فذابت وصارت ماء، فكان العرش على الماء، فاضطرب الماء، فثار منه دخان، فارتفع إلى الجو، واجتمع زيد، فقام فوق الماء، فجعل الزبد أرضا، ثم فتقها سبعا، والدخان سماء، فسواهن سبع سموات. ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان طوعا أو كرها وامتثالهما أنه أراد أن يكونهما، فلم يمتنعا عليه، ووجدتا كما أراد، وكانتا في ذلك كالمأمور والمطيع، وإنما ذكر الأرض مع السماء في الأمر بالإتيان، مع أن الأرض مخلوقة قبل السماء بيومين لأن المعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف، أي: ائتي يا أرض مدحوة قرارا ومهادا لأهلك، وائتي يا سماء مبنية سقفا لهم، ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع. وقوله: { طوعا أو كرها } لبيان تأثير قدرته فيهما، وأن امتناعهما عن قدرته محال كما تقول لمن تحت يدك: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، طوعا أو كرها. وقال ابن عطية: الأمر بالإتيان بعد اختراعهما، قال: وهنا حذف، أي: ثم استوى إلى السماء فأوجدها، وأتقنها، وأكمل أمرها، وحينئذ قال لها وللأرض: ائتيا لأمري وإرادتي فيكما، والمراد: تنجيزهما لما أراده منهما، وما قدر من أعمالهما. ه. حكي أن بعض الأنبياء قال: يا رب لو أن السماوات والأرض حين قلت لهما: ائتيا طوعا أو كرها عصتاك، ما كنت صانعا بهما؟ قال: كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما، قال: وأين تلك الدابة؟ قال: في مرج من مروجي، قال: وأين ذلك المرج؟ قال: في علم من علومي. وانتصاب { طوعا أو كرها } على الحال، أي: طائعين أو مكرهين. ولم يقل " طائعتين " لأن المراد الجنس، أي: السموات والأرضين، وجمع جمع العقلاء لوصفهما بالطوع والكره، اللذين من وصف العقلاء، وقال: طائعين في موضع طائعات تغليبا للتذكير لشرفه، كقوله: ساجدين [يوسف: 4]. { فقضاهن سبع سماوات } أي: فأحكم خلقهن، وأتقن أمرهن سبعا، حسبما تقتضيه الحكمة، فالضمير راجع إلى السماء، لأنه جنس، يجوز أن يكون الضمير مبهما مفسرا بقوله: { سبع سماوات } ، فينتصب سبع على الأول حالا، وعلى الثاني تمييزا. حصل ذلك القضاء { في يومين } الخميس والجمعة، أي: في وقتين قدر يومين، فكان المجموع ستة أيام، { وأوحى في كل سماء أمرها } أي: أوحى إلى ساكنها وعمارها من الملائكة في كل سماء ما شاء الله من الأمور، التي تليق بهم، كالخدمة وأنواع العبادة، وإلى السماء في نفسها ما شاء الله من الأمور التي بها قوامها وصلاحها. { وزينا السماء الدنيا بمصابيح } كالشمس والقمر والنجوم، وهي زينة السماء الدنيا، سواء كانت فيها أو فيما فوقها لأنها ترى متلألأة عليها كأنها فيها، والالتفات إلى نون العظمة لإبراز مزيد العناية بأمرها، { وحفظا } أي: حفظناها حفظا من المسترقة، أو من الآفات، فهو مصدر لمحذوف، وقيل: مفعول لأجله على المعنى، أي: وجعلنا المصابيح للزينة والحفظ. { ذلك تقدير العزيز العليم } أي: ذلك الذي ذكر تفصيله تقدير البالغ في القدرة والعلم، أو: الغالب العليم بمواقع الأمور. الإشارة: خلق الحق تعالى أرض النفوس محلا للعبودية، وأرساها بجبال العقل، لئلا تميل إلى بحر الهوى، وبارك فيها، بأن جعل فيها صالحين وأبرارا، وعبادا وزهادا، وعلماء أتقياء، وقدر لها أقواتها الحسية والمعنوية، فجعل الحسية سواء للسائلين، أي: مستوية لا يزيد بالطلب ولا بالتعب، ولا ينقص، ففيه تأديب لمن لم يرض بقسمته، والأرزاق المعنوية: أرزاق القلوب من اليقين والمعرفة، يزيد بالطلب والتعب، وينقص بنقصانه، حكمة من الحكيم العليم، ثم استوى إلى سماء الأرواح، أي: قصدها بالدعاء إليه، وهي لطائف، فقال لها ولأرض النفوس: ائتيا إلى حضرتي، طوعا أو كرها، قالتا: أتينا طائعين، فقضاهن سبع طبقات، وهي دوائر الأولياء، دائرة الغوث، ثم دائرة الأقطاب، ثم الأوتاد، ثم النقباء، ثم النجباء، ثم الأبرار، ثم الصالحين. وأوحى في كل سماء، أي: في كل دائرة ما يليق بها من العبادة، فمنهم من عبادته الشهود والعيان، ومنهم من عبادته الفكرة، ومنهم الركوع والسجود، ومنهم التلاوة والذكر... إلى غير ذلك من أنواع الأعمال. قال القشيري: وجعل نفوس العابدين، أرضا لطاعته وعبادته، وجعل قلوبهم فلكا لنجوم علمه، وشموس معرفته، فأوتاد النفوس الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، وفي القلوب ضياء العرفان، وشموس التوحيد، ونجوم العلوم والعقول، والنفوس والقلوب، بيده يصرفها على ما أراد من أحكامه. وقال في قوله: { وجعل فيها رواسي من فوقها }: الجبال أوتاد الأرض، في الصورة، والأولياء رواسي الأرض في الحقيقة، بهم تنزل البركة والأمطار، وبهم يدفع البلاء. ثم قال: قوله تعالى: { وزينا السماء الدنيا بمصابيح } وزين وجه الأرض بمصابيح، وهي قلوب الأحباب، فأهل السماء إذا نظروا إلى قلوب أولياء الله بالليل، فذلك متنزههم، كما أن أهل الأرض إذا نظروا إلى السماء تأنسوا برؤية الكواكب. ه. ثم هدد أهل الكفر، فقال: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة }.

فصلت 41:10

قلت: { وتجعلون }: عطف على { تكفرون }. و { جعل }: عطف على { خلق } داخل في حيز الصلة، و { سواء }: من نصبه فمصدر أي: استوت سواء. ومن جره فصفة لأيام، ومن رفعه فخبر هي سواء. و { للسائلين }: متعلق بقدر، أو: بمحذوف، أي: هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض. يقول الحق جل جلاله: { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } وهما الأحد والاثنين، تعليما للتأني، ولو أراد أن يخلقها في لحظة لفعل. { وتجعلون له أندادا } شركاء وأشباها. والحال أنه لا يمكن أن يكون له ند واحد، فضلا عن التعدد، وكيف يكون الحادث المعدوم ندا للقديم؟! { ذلك } الذي خلق ما سبق. وما في الإشارة من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه لبعد منزلته في العظمة، أي: ذلك العظيم الشأن هو { رب العالمين } أي: خالق جميع الموجودات ومربيها، فكيف يتصور أن يكون أخس الخلق ندا له؟! { وجعل فيها رواسي } جبالا ثوابت كائنة { من فوقها } ، وإنما اختار إرساءها من فوق الأرض لتكون منافع الجبال معرضة لأهلها، ويظهر للناظرين ما فيها من مراصد الاعبتار، ومطارح الأفكار، فإن الأرض والجبال أثقال على أثقال، كلها ممسكة بقدرة الله عز وجل. { وبارك فيها } أي: قدر بأن يكثر خيرها بما يخلق فيها من منافع، ويجعل فيها من المصالح، وما ينبت فيها من الطيبات والأطعمة وأصناف النعم. { وقدر فيها أقواتها } أي: حكم أن يوجد فيها لأهلها ما يحتاجون إليه من الأقوات المختلفة المناسبة لهم على مقدار معين، تقتضيه الحكمة والمشيئة، وما يصلح بمعايشهم من الثمار والأنهار والأشجار، وجعل الأقوات مختلفة في الطعم والصورة والمقدار، وقيل: خصابها التي قسمها في البلاد. جعل ذلك { في أربعة أيام } أي: تتمة أربعة أيام، يومين للخلق، ويومين لتقدير الأقوات، كما تقول: سرت إلى البصرة في عشرة، وإلى الكوفة في خمسة عشر، أي: في تتمة خمسة عشر، ولو أجري الكلام على ظاهرة لكانت ثمانية أيام يومين للخلق وأربعة للتقدير، ويومين لخلق السماء، وهو مناقض لقوله: فى ستة أيام [الأعراف: 54]. وقوله: { سواء } راجع للأربعة، أي: في أربعة أيام مستويات تامات، أو: استوت سواء { للسائلين } أي: قدر فيها الأقوات للطالبين لها والمحتاجين إليها، لأن كلا يطلب القوت ويسأله، أو هذا الحصر في هذه الأيام لأجل من سأل: في كم خلقت الأرض وما فيها؟ { ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } ، الاستواء مجاز عن إيجاد الله تعالى السماء على ما أراد، تقول العرب: فعل فلان كذا ثم استوى إلى عمل كذا، يريدون أنه أكمل الأول وابتدأ الثاني، أو قصد وانتهى. فالاستواء إذا عدي ب " إلى " فهو بمعنى الانتهاء إليه بالذات أو بالتدبير، وإذا عدي ب " على " فبمعنى الاستعلاء، ويفهم منه أن خلق السماء بعد الأرض، وهو كذلك، وأما دحو الأرض وتقدير أقواتها فمؤخر عن السماء، كما صرح في قوله: والأرض بعد ذلك دحاهآ [النازعات: 30]، والترتيب في الخارج: أنه خلق الأرض، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض في يومين، ف " ثم " للتفاوت بين الخلقين لا للترتيب، أو: للتفاوت في المرتبة، ترقيا من الأدنى إلى الأعلى، كقول القائل: إن من ساد ثم ساد أبوه ثم [قد] ساد بعد ذلك جده وفي بعض الأحاديث: " إن الله خلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والعمران والخراب، فتلك أربعة أيام، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة، وخلق آدم عليه السلام في آخر ساعة من يوم الجمعة " وهي الساعة التي تقوم فيها الساعة. قاله النسفي، وفي حديث مسلم ما يخالفه. قال ابن عباس رضي الله عنه: أول ما خلق الله أي: بعد العرش جوهرة طولها وعرضها ألف سنة، فنظر إليها بالهيبة، فذابت وصارت ماء، فكان العرش على الماء، فاضطرب الماء، فثار منه دخان، فارتفع إلى الجو، واجتمع زيد، فقام فوق الماء، فجعل الزبد أرضا، ثم فتقها سبعا، والدخان سماء، فسواهن سبع سموات. ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان طوعا أو كرها وامتثالهما أنه أراد أن يكونهما، فلم يمتنعا عليه، ووجدتا كما أراد، وكانتا في ذلك كالمأمور والمطيع، وإنما ذكر الأرض مع السماء في الأمر بالإتيان، مع أن الأرض مخلوقة قبل السماء بيومين لأن المعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف، أي: ائتي يا أرض مدحوة قرارا ومهادا لأهلك، وائتي يا سماء مبنية سقفا لهم، ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع. وقوله: { طوعا أو كرها } لبيان تأثير قدرته فيهما، وأن امتناعهما عن قدرته محال كما تقول لمن تحت يدك: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، طوعا أو كرها. وقال ابن عطية: الأمر بالإتيان بعد اختراعهما، قال: وهنا حذف، أي: ثم استوى إلى السماء فأوجدها، وأتقنها، وأكمل أمرها، وحينئذ قال لها وللأرض: ائتيا لأمري وإرادتي فيكما، والمراد: تنجيزهما لما أراده منهما، وما قدر من أعمالهما. ه. حكي أن بعض الأنبياء قال: يا رب لو أن السماوات والأرض حين قلت لهما: ائتيا طوعا أو كرها عصتاك، ما كنت صانعا بهما؟ قال: كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما، قال: وأين تلك الدابة؟ قال: في مرج من مروجي، قال: وأين ذلك المرج؟ قال: في علم من علومي. وانتصاب { طوعا أو كرها } على الحال، أي: طائعين أو مكرهين. ولم يقل " طائعتين " لأن المراد الجنس، أي: السموات والأرضين، وجمع جمع العقلاء لوصفهما بالطوع والكره، اللذين من وصف العقلاء، وقال: طائعين في موضع طائعات تغليبا للتذكير لشرفه، كقوله: ساجدين [يوسف: 4]. { فقضاهن سبع سماوات } أي: فأحكم خلقهن، وأتقن أمرهن سبعا، حسبما تقتضيه الحكمة، فالضمير راجع إلى السماء، لأنه جنس، يجوز أن يكون الضمير مبهما مفسرا بقوله: { سبع سماوات } ، فينتصب سبع على الأول حالا، وعلى الثاني تمييزا. حصل ذلك القضاء { في يومين } الخميس والجمعة، أي: في وقتين قدر يومين، فكان المجموع ستة أيام، { وأوحى في كل سماء أمرها } أي: أوحى إلى ساكنها وعمارها من الملائكة في كل سماء ما شاء الله من الأمور، التي تليق بهم، كالخدمة وأنواع العبادة، وإلى السماء في نفسها ما شاء الله من الأمور التي بها قوامها وصلاحها. { وزينا السماء الدنيا بمصابيح } كالشمس والقمر والنجوم، وهي زينة السماء الدنيا، سواء كانت فيها أو فيما فوقها لأنها ترى متلألأة عليها كأنها فيها، والالتفات إلى نون العظمة لإبراز مزيد العناية بأمرها، { وحفظا } أي: حفظناها حفظا من المسترقة، أو من الآفات، فهو مصدر لمحذوف، وقيل: مفعول لأجله على المعنى، أي: وجعلنا المصابيح للزينة والحفظ. { ذلك تقدير العزيز العليم } أي: ذلك الذي ذكر تفصيله تقدير البالغ في القدرة والعلم، أو: الغالب العليم بمواقع الأمور. الإشارة: خلق الحق تعالى أرض النفوس محلا للعبودية، وأرساها بجبال العقل، لئلا تميل إلى بحر الهوى، وبارك فيها، بأن جعل فيها صالحين وأبرارا، وعبادا وزهادا، وعلماء أتقياء، وقدر لها أقواتها الحسية والمعنوية، فجعل الحسية سواء للسائلين، أي: مستوية لا يزيد بالطلب ولا بالتعب، ولا ينقص، ففيه تأديب لمن لم يرض بقسمته، والأرزاق المعنوية: أرزاق القلوب من اليقين والمعرفة، يزيد بالطلب والتعب، وينقص بنقصانه، حكمة من الحكيم العليم، ثم استوى إلى سماء الأرواح، أي: قصدها بالدعاء إليه، وهي لطائف، فقال لها ولأرض النفوس: ائتيا إلى حضرتي، طوعا أو كرها، قالتا: أتينا طائعين، فقضاهن سبع طبقات، وهي دوائر الأولياء، دائرة الغوث، ثم دائرة الأقطاب، ثم الأوتاد، ثم النقباء، ثم النجباء، ثم الأبرار، ثم الصالحين. وأوحى في كل سماء، أي: في كل دائرة ما يليق بها من العبادة، فمنهم من عبادته الشهود والعيان، ومنهم من عبادته الفكرة، ومنهم الركوع والسجود، ومنهم التلاوة والذكر... إلى غير ذلك من أنواع الأعمال. قال القشيري: وجعل نفوس العابدين، أرضا لطاعته وعبادته، وجعل قلوبهم فلكا لنجوم علمه، وشموس معرفته، فأوتاد النفوس الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، وفي القلوب ضياء العرفان، وشموس التوحيد، ونجوم العلوم والعقول، والنفوس والقلوب، بيده يصرفها على ما أراد من أحكامه. وقال في قوله: { وجعل فيها رواسي من فوقها }: الجبال أوتاد الأرض، في الصورة، والأولياء رواسي الأرض في الحقيقة، بهم تنزل البركة والأمطار، وبهم يدفع البلاء. ثم قال: قوله تعالى: { وزينا السماء الدنيا بمصابيح } وزين وجه الأرض بمصابيح، وهي قلوب الأحباب، فأهل السماء إذا نظروا إلى قلوب أولياء الله بالليل، فذلك متنزههم، كما أن أهل الأرض إذا نظروا إلى السماء تأنسوا برؤية الكواكب. ه. ثم هدد أهل الكفر، فقال: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة }.

فصلت 41:11

قلت: { وتجعلون }: عطف على { تكفرون }. و { جعل }: عطف على { خلق } داخل في حيز الصلة، و { سواء }: من نصبه فمصدر أي: استوت سواء. ومن جره فصفة لأيام، ومن رفعه فخبر هي سواء. و { للسائلين }: متعلق بقدر، أو: بمحذوف، أي: هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض. يقول الحق جل جلاله: { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } وهما الأحد والاثنين، تعليما للتأني، ولو أراد أن يخلقها في لحظة لفعل. { وتجعلون له أندادا } شركاء وأشباها. والحال أنه لا يمكن أن يكون له ند واحد، فضلا عن التعدد، وكيف يكون الحادث المعدوم ندا للقديم؟! { ذلك } الذي خلق ما سبق. وما في الإشارة من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه لبعد منزلته في العظمة، أي: ذلك العظيم الشأن هو { رب العالمين } أي: خالق جميع الموجودات ومربيها، فكيف يتصور أن يكون أخس الخلق ندا له؟! { وجعل فيها رواسي } جبالا ثوابت كائنة { من فوقها } ، وإنما اختار إرساءها من فوق الأرض لتكون منافع الجبال معرضة لأهلها، ويظهر للناظرين ما فيها من مراصد الاعبتار، ومطارح الأفكار، فإن الأرض والجبال أثقال على أثقال، كلها ممسكة بقدرة الله عز وجل. { وبارك فيها } أي: قدر بأن يكثر خيرها بما يخلق فيها من منافع، ويجعل فيها من المصالح، وما ينبت فيها من الطيبات والأطعمة وأصناف النعم. { وقدر فيها أقواتها } أي: حكم أن يوجد فيها لأهلها ما يحتاجون إليه من الأقوات المختلفة المناسبة لهم على مقدار معين، تقتضيه الحكمة والمشيئة، وما يصلح بمعايشهم من الثمار والأنهار والأشجار، وجعل الأقوات مختلفة في الطعم والصورة والمقدار، وقيل: خصابها التي قسمها في البلاد. جعل ذلك { في أربعة أيام } أي: تتمة أربعة أيام، يومين للخلق، ويومين لتقدير الأقوات، كما تقول: سرت إلى البصرة في عشرة، وإلى الكوفة في خمسة عشر، أي: في تتمة خمسة عشر، ولو أجري الكلام على ظاهرة لكانت ثمانية أيام يومين للخلق وأربعة للتقدير، ويومين لخلق السماء، وهو مناقض لقوله: فى ستة أيام [الأعراف: 54]. وقوله: { سواء } راجع للأربعة، أي: في أربعة أيام مستويات تامات، أو: استوت سواء { للسائلين } أي: قدر فيها الأقوات للطالبين لها والمحتاجين إليها، لأن كلا يطلب القوت ويسأله، أو هذا الحصر في هذه الأيام لأجل من سأل: في كم خلقت الأرض وما فيها؟ { ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } ، الاستواء مجاز عن إيجاد الله تعالى السماء على ما أراد، تقول العرب: فعل فلان كذا ثم استوى إلى عمل كذا، يريدون أنه أكمل الأول وابتدأ الثاني، أو قصد وانتهى. فالاستواء إذا عدي ب " إلى " فهو بمعنى الانتهاء إليه بالذات أو بالتدبير، وإذا عدي ب " على " فبمعنى الاستعلاء، ويفهم منه أن خلق السماء بعد الأرض، وهو كذلك، وأما دحو الأرض وتقدير أقواتها فمؤخر عن السماء، كما صرح في قوله: والأرض بعد ذلك دحاهآ [النازعات: 30]، والترتيب في الخارج: أنه خلق الأرض، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض في يومين، ف " ثم " للتفاوت بين الخلقين لا للترتيب، أو: للتفاوت في المرتبة، ترقيا من الأدنى إلى الأعلى، كقول القائل: إن من ساد ثم ساد أبوه ثم [قد] ساد بعد ذلك جده وفي بعض الأحاديث: " إن الله خلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والعمران والخراب، فتلك أربعة أيام، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة، وخلق آدم عليه السلام في آخر ساعة من يوم الجمعة " وهي الساعة التي تقوم فيها الساعة. قاله النسفي، وفي حديث مسلم ما يخالفه. قال ابن عباس رضي الله عنه: أول ما خلق الله أي: بعد العرش جوهرة طولها وعرضها ألف سنة، فنظر إليها بالهيبة، فذابت وصارت ماء، فكان العرش على الماء، فاضطرب الماء، فثار منه دخان، فارتفع إلى الجو، واجتمع زيد، فقام فوق الماء، فجعل الزبد أرضا، ثم فتقها سبعا، والدخان سماء، فسواهن سبع سموات. ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان طوعا أو كرها وامتثالهما أنه أراد أن يكونهما، فلم يمتنعا عليه، ووجدتا كما أراد، وكانتا في ذلك كالمأمور والمطيع، وإنما ذكر الأرض مع السماء في الأمر بالإتيان، مع أن الأرض مخلوقة قبل السماء بيومين لأن المعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف، أي: ائتي يا أرض مدحوة قرارا ومهادا لأهلك، وائتي يا سماء مبنية سقفا لهم، ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع. وقوله: { طوعا أو كرها } لبيان تأثير قدرته فيهما، وأن امتناعهما عن قدرته محال كما تقول لمن تحت يدك: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، طوعا أو كرها. وقال ابن عطية: الأمر بالإتيان بعد اختراعهما، قال: وهنا حذف، أي: ثم استوى إلى السماء فأوجدها، وأتقنها، وأكمل أمرها، وحينئذ قال لها وللأرض: ائتيا لأمري وإرادتي فيكما، والمراد: تنجيزهما لما أراده منهما، وما قدر من أعمالهما. ه. حكي أن بعض الأنبياء قال: يا رب لو أن السماوات والأرض حين قلت لهما: ائتيا طوعا أو كرها عصتاك، ما كنت صانعا بهما؟ قال: كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما، قال: وأين تلك الدابة؟ قال: في مرج من مروجي، قال: وأين ذلك المرج؟ قال: في علم من علومي. وانتصاب { طوعا أو كرها } على الحال، أي: طائعين أو مكرهين. ولم يقل " طائعتين " لأن المراد الجنس، أي: السموات والأرضين، وجمع جمع العقلاء لوصفهما بالطوع والكره، اللذين من وصف العقلاء، وقال: طائعين في موضع طائعات تغليبا للتذكير لشرفه، كقوله: ساجدين [يوسف: 4]. { فقضاهن سبع سماوات } أي: فأحكم خلقهن، وأتقن أمرهن سبعا، حسبما تقتضيه الحكمة، فالضمير راجع إلى السماء، لأنه جنس، يجوز أن يكون الضمير مبهما مفسرا بقوله: { سبع سماوات } ، فينتصب سبع على الأول حالا، وعلى الثاني تمييزا. حصل ذلك القضاء { في يومين } الخميس والجمعة، أي: في وقتين قدر يومين، فكان المجموع ستة أيام، { وأوحى في كل سماء أمرها } أي: أوحى إلى ساكنها وعمارها من الملائكة في كل سماء ما شاء الله من الأمور، التي تليق بهم، كالخدمة وأنواع العبادة، وإلى السماء في نفسها ما شاء الله من الأمور التي بها قوامها وصلاحها. { وزينا السماء الدنيا بمصابيح } كالشمس والقمر والنجوم، وهي زينة السماء الدنيا، سواء كانت فيها أو فيما فوقها لأنها ترى متلألأة عليها كأنها فيها، والالتفات إلى نون العظمة لإبراز مزيد العناية بأمرها، { وحفظا } أي: حفظناها حفظا من المسترقة، أو من الآفات، فهو مصدر لمحذوف، وقيل: مفعول لأجله على المعنى، أي: وجعلنا المصابيح للزينة والحفظ. { ذلك تقدير العزيز العليم } أي: ذلك الذي ذكر تفصيله تقدير البالغ في القدرة والعلم، أو: الغالب العليم بمواقع الأمور. الإشارة: خلق الحق تعالى أرض النفوس محلا للعبودية، وأرساها بجبال العقل، لئلا تميل إلى بحر الهوى، وبارك فيها، بأن جعل فيها صالحين وأبرارا، وعبادا وزهادا، وعلماء أتقياء، وقدر لها أقواتها الحسية والمعنوية، فجعل الحسية سواء للسائلين، أي: مستوية لا يزيد بالطلب ولا بالتعب، ولا ينقص، ففيه تأديب لمن لم يرض بقسمته، والأرزاق المعنوية: أرزاق القلوب من اليقين والمعرفة، يزيد بالطلب والتعب، وينقص بنقصانه، حكمة من الحكيم العليم، ثم استوى إلى سماء الأرواح، أي: قصدها بالدعاء إليه، وهي لطائف، فقال لها ولأرض النفوس: ائتيا إلى حضرتي، طوعا أو كرها، قالتا: أتينا طائعين، فقضاهن سبع طبقات، وهي دوائر الأولياء، دائرة الغوث، ثم دائرة الأقطاب، ثم الأوتاد، ثم النقباء، ثم النجباء، ثم الأبرار، ثم الصالحين. وأوحى في كل سماء، أي: في كل دائرة ما يليق بها من العبادة، فمنهم من عبادته الشهود والعيان، ومنهم من عبادته الفكرة، ومنهم الركوع والسجود، ومنهم التلاوة والذكر... إلى غير ذلك من أنواع الأعمال. قال القشيري: وجعل نفوس العابدين، أرضا لطاعته وعبادته، وجعل قلوبهم فلكا لنجوم علمه، وشموس معرفته، فأوتاد النفوس الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، وفي القلوب ضياء العرفان، وشموس التوحيد، ونجوم العلوم والعقول، والنفوس والقلوب، بيده يصرفها على ما أراد من أحكامه. وقال في قوله: { وجعل فيها رواسي من فوقها }: الجبال أوتاد الأرض، في الصورة، والأولياء رواسي الأرض في الحقيقة، بهم تنزل البركة والأمطار، وبهم يدفع البلاء. ثم قال: قوله تعالى: { وزينا السماء الدنيا بمصابيح } وزين وجه الأرض بمصابيح، وهي قلوب الأحباب، فأهل السماء إذا نظروا إلى قلوب أولياء الله بالليل، فذلك متنزههم، كما أن أهل الأرض إذا نظروا إلى السماء تأنسوا برؤية الكواكب. ه. ثم هدد أهل الكفر، فقال: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة }.

فصلت 41:12

قلت: { وتجعلون }: عطف على { تكفرون }. و { جعل }: عطف على { خلق } داخل في حيز الصلة، و { سواء }: من نصبه فمصدر أي: استوت سواء. ومن جره فصفة لأيام، ومن رفعه فخبر هي سواء. و { للسائلين }: متعلق بقدر، أو: بمحذوف، أي: هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض. يقول الحق جل جلاله: { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } وهما الأحد والاثنين، تعليما للتأني، ولو أراد أن يخلقها في لحظة لفعل. { وتجعلون له أندادا } شركاء وأشباها. والحال أنه لا يمكن أن يكون له ند واحد، فضلا عن التعدد، وكيف يكون الحادث المعدوم ندا للقديم؟! { ذلك } الذي خلق ما سبق. وما في الإشارة من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه لبعد منزلته في العظمة، أي: ذلك العظيم الشأن هو { رب العالمين } أي: خالق جميع الموجودات ومربيها، فكيف يتصور أن يكون أخس الخلق ندا له؟! { وجعل فيها رواسي } جبالا ثوابت كائنة { من فوقها } ، وإنما اختار إرساءها من فوق الأرض لتكون منافع الجبال معرضة لأهلها، ويظهر للناظرين ما فيها من مراصد الاعبتار، ومطارح الأفكار، فإن الأرض والجبال أثقال على أثقال، كلها ممسكة بقدرة الله عز وجل. { وبارك فيها } أي: قدر بأن يكثر خيرها بما يخلق فيها من منافع، ويجعل فيها من المصالح، وما ينبت فيها من الطيبات والأطعمة وأصناف النعم. { وقدر فيها أقواتها } أي: حكم أن يوجد فيها لأهلها ما يحتاجون إليه من الأقوات المختلفة المناسبة لهم على مقدار معين، تقتضيه الحكمة والمشيئة، وما يصلح بمعايشهم من الثمار والأنهار والأشجار، وجعل الأقوات مختلفة في الطعم والصورة والمقدار، وقيل: خصابها التي قسمها في البلاد. جعل ذلك { في أربعة أيام } أي: تتمة أربعة أيام، يومين للخلق، ويومين لتقدير الأقوات، كما تقول: سرت إلى البصرة في عشرة، وإلى الكوفة في خمسة عشر، أي: في تتمة خمسة عشر، ولو أجري الكلام على ظاهرة لكانت ثمانية أيام يومين للخلق وأربعة للتقدير، ويومين لخلق السماء، وهو مناقض لقوله: فى ستة أيام [الأعراف: 54]. وقوله: { سواء } راجع للأربعة، أي: في أربعة أيام مستويات تامات، أو: استوت سواء { للسائلين } أي: قدر فيها الأقوات للطالبين لها والمحتاجين إليها، لأن كلا يطلب القوت ويسأله، أو هذا الحصر في هذه الأيام لأجل من سأل: في كم خلقت الأرض وما فيها؟ { ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } ، الاستواء مجاز عن إيجاد الله تعالى السماء على ما أراد، تقول العرب: فعل فلان كذا ثم استوى إلى عمل كذا، يريدون أنه أكمل الأول وابتدأ الثاني، أو قصد وانتهى. فالاستواء إذا عدي ب " إلى " فهو بمعنى الانتهاء إليه بالذات أو بالتدبير، وإذا عدي ب " على " فبمعنى الاستعلاء، ويفهم منه أن خلق السماء بعد الأرض، وهو كذلك، وأما دحو الأرض وتقدير أقواتها فمؤخر عن السماء، كما صرح في قوله: والأرض بعد ذلك دحاهآ [النازعات: 30]، والترتيب في الخارج: أنه خلق الأرض، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض في يومين، ف " ثم " للتفاوت بين الخلقين لا للترتيب، أو: للتفاوت في المرتبة، ترقيا من الأدنى إلى الأعلى، كقول القائل: إن من ساد ثم ساد أبوه ثم [قد] ساد بعد ذلك جده وفي بعض الأحاديث: " إن الله خلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والعمران والخراب، فتلك أربعة أيام، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة، وخلق آدم عليه السلام في آخر ساعة من يوم الجمعة " وهي الساعة التي تقوم فيها الساعة. قاله النسفي، وفي حديث مسلم ما يخالفه. قال ابن عباس رضي الله عنه: أول ما خلق الله أي: بعد العرش جوهرة طولها وعرضها ألف سنة، فنظر إليها بالهيبة، فذابت وصارت ماء، فكان العرش على الماء، فاضطرب الماء، فثار منه دخان، فارتفع إلى الجو، واجتمع زيد، فقام فوق الماء، فجعل الزبد أرضا، ثم فتقها سبعا، والدخان سماء، فسواهن سبع سموات. ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان طوعا أو كرها وامتثالهما أنه أراد أن يكونهما، فلم يمتنعا عليه، ووجدتا كما أراد، وكانتا في ذلك كالمأمور والمطيع، وإنما ذكر الأرض مع السماء في الأمر بالإتيان، مع أن الأرض مخلوقة قبل السماء بيومين لأن المعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف، أي: ائتي يا أرض مدحوة قرارا ومهادا لأهلك، وائتي يا سماء مبنية سقفا لهم، ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع. وقوله: { طوعا أو كرها } لبيان تأثير قدرته فيهما، وأن امتناعهما عن قدرته محال كما تقول لمن تحت يدك: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، طوعا أو كرها. وقال ابن عطية: الأمر بالإتيان بعد اختراعهما، قال: وهنا حذف، أي: ثم استوى إلى السماء فأوجدها، وأتقنها، وأكمل أمرها، وحينئذ قال لها وللأرض: ائتيا لأمري وإرادتي فيكما، والمراد: تنجيزهما لما أراده منهما، وما قدر من أعمالهما. ه. حكي أن بعض الأنبياء قال: يا رب لو أن السماوات والأرض حين قلت لهما: ائتيا طوعا أو كرها عصتاك، ما كنت صانعا بهما؟ قال: كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما، قال: وأين تلك الدابة؟ قال: في مرج من مروجي، قال: وأين ذلك المرج؟ قال: في علم من علومي. وانتصاب { طوعا أو كرها } على الحال، أي: طائعين أو مكرهين. ولم يقل " طائعتين " لأن المراد الجنس، أي: السموات والأرضين، وجمع جمع العقلاء لوصفهما بالطوع والكره، اللذين من وصف العقلاء، وقال: طائعين في موضع طائعات تغليبا للتذكير لشرفه، كقوله: ساجدين [يوسف: 4]. { فقضاهن سبع سماوات } أي: فأحكم خلقهن، وأتقن أمرهن سبعا، حسبما تقتضيه الحكمة، فالضمير راجع إلى السماء، لأنه جنس، يجوز أن يكون الضمير مبهما مفسرا بقوله: { سبع سماوات } ، فينتصب سبع على الأول حالا، وعلى الثاني تمييزا. حصل ذلك القضاء { في يومين } الخميس والجمعة، أي: في وقتين قدر يومين، فكان المجموع ستة أيام، { وأوحى في كل سماء أمرها } أي: أوحى إلى ساكنها وعمارها من الملائكة في كل سماء ما شاء الله من الأمور، التي تليق بهم، كالخدمة وأنواع العبادة، وإلى السماء في نفسها ما شاء الله من الأمور التي بها قوامها وصلاحها. { وزينا السماء الدنيا بمصابيح } كالشمس والقمر والنجوم، وهي زينة السماء الدنيا، سواء كانت فيها أو فيما فوقها لأنها ترى متلألأة عليها كأنها فيها، والالتفات إلى نون العظمة لإبراز مزيد العناية بأمرها، { وحفظا } أي: حفظناها حفظا من المسترقة، أو من الآفات، فهو مصدر لمحذوف، وقيل: مفعول لأجله على المعنى، أي: وجعلنا المصابيح للزينة والحفظ. { ذلك تقدير العزيز العليم } أي: ذلك الذي ذكر تفصيله تقدير البالغ في القدرة والعلم، أو: الغالب العليم بمواقع الأمور. الإشارة: خلق الحق تعالى أرض النفوس محلا للعبودية، وأرساها بجبال العقل، لئلا تميل إلى بحر الهوى، وبارك فيها، بأن جعل فيها صالحين وأبرارا، وعبادا وزهادا، وعلماء أتقياء، وقدر لها أقواتها الحسية والمعنوية، فجعل الحسية سواء للسائلين، أي: مستوية لا يزيد بالطلب ولا بالتعب، ولا ينقص، ففيه تأديب لمن لم يرض بقسمته، والأرزاق المعنوية: أرزاق القلوب من اليقين والمعرفة، يزيد بالطلب والتعب، وينقص بنقصانه، حكمة من الحكيم العليم، ثم استوى إلى سماء الأرواح، أي: قصدها بالدعاء إليه، وهي لطائف، فقال لها ولأرض النفوس: ائتيا إلى حضرتي، طوعا أو كرها، قالتا: أتينا طائعين، فقضاهن سبع طبقات، وهي دوائر الأولياء، دائرة الغوث، ثم دائرة الأقطاب، ثم الأوتاد، ثم النقباء، ثم النجباء، ثم الأبرار، ثم الصالحين. وأوحى في كل سماء، أي: في كل دائرة ما يليق بها من العبادة، فمنهم من عبادته الشهود والعيان، ومنهم من عبادته الفكرة، ومنهم الركوع والسجود، ومنهم التلاوة والذكر... إلى غير ذلك من أنواع الأعمال. قال القشيري: وجعل نفوس العابدين، أرضا لطاعته وعبادته، وجعل قلوبهم فلكا لنجوم علمه، وشموس معرفته، فأوتاد النفوس الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، وفي القلوب ضياء العرفان، وشموس التوحيد، ونجوم العلوم والعقول، والنفوس والقلوب، بيده يصرفها على ما أراد من أحكامه. وقال في قوله: { وجعل فيها رواسي من فوقها }: الجبال أوتاد الأرض، في الصورة، والأولياء رواسي الأرض في الحقيقة، بهم تنزل البركة والأمطار، وبهم يدفع البلاء. ثم قال: قوله تعالى: { وزينا السماء الدنيا بمصابيح } وزين وجه الأرض بمصابيح، وهي قلوب الأحباب، فأهل السماء إذا نظروا إلى قلوب أولياء الله بالليل، فذلك متنزههم، كما أن أهل الأرض إذا نظروا إلى السماء تأنسوا برؤية الكواكب. ه. ثم هدد أهل الكفر، فقال: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة }.

فصلت 41:13

قلت: { وأما ثمود } ، قراءة الجماعة بالرفع، غير مصروف، إرادة القبيلة، وقراءة الأعمش ويحيى بن وثاب مصروفا، إرادة الحي، وقراءة ابن أبي إسحاق: بالنصب، من باب الاشتغال، وأصل الكلام: مهما يكن من شيء فثمود هديناهم، فحذف الملزوم الذي هو الشرط، وأقيم مقامه لازمه، وهو الجزاء، وأبقيت الفاء المؤذنه بأن ما بعدها لازم لما قبلها، وإلا فليس هذا موضع الفاء لأن موضعه صدر الجزاء. انظر المطول. يقول الحق جل جلاله: { فإن أعرضوا } عن الإيمان بعد هذا البيان { فقل } لهم: { أنذرتكم } خوفتكم. وعبر بالماضي للدلالة على تحقق الإنذار المنبىء عن تحقق الوقوع، { صاعقة } أي: عذابا شديدا لو وقع كان كأنه صاعقة، وأصلها: رعد معه نار تحرق. تكون { مثل صاعقة عاد وثمود } وقد تقدم عذابهما. { إذ جاءتهم }: ظرف لمحذوف، أي: أنزلناها بهم حين جاءتهم { الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم } أي: أتوهم من كل جانب، وعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا الإعراض، أو: جاءتهم الرسل قبلهم لآبائهم، وبعدهم لمن خلفهم، أي: تواردت عليهم الرسل قديما وحديثا، والمعهود إنما هو هود وصالح عليهما السلام وعن الحسن: أنذروهم من وقائع الله بمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة، { ألا تعبدوا إلا الله } أي: بأن لا تعبدوا إلا الله، على أنها مصدرية، أو: لا تعبدوا، على أنها مفسرة، وقيل: مخففة، أي: أنه لا تعبدوا إلا الله. { قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة } أي: لو شاء إرسال الرسل لأرسل ملائكة، ولما كان إرسالهم بطريق الإنزال عبر به، { فإنا بما أرسلتم به كافرون } أي: فحيث كنتم بشرا مثلنا، ولم تكونوا ملائكة، ولم يكن لكم فضل علينا، فإنا لا نؤمن بكم، ولا بما جئتم به، وقولهم: { أرسلتم به } ليس بإقرار بالإرسال، وإنما هو على كلام الرسل، وفيه تهكم، كما قاله فرعون: إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون [الشعراء: 27] وقولهم: { بما أرسلتم به كافرون } خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء، الذين دعوا للإيمان. روي أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والكهانة، فكلمه، ثم أتانا بالبيان من أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر، وعلمت من ذلك علما ما يخفى علي، فأتاه، فقال: أنت يا محمد خير أم هاشم؟ أنت يا محمد خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا وتضللنا؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء، فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة من أي بنات قريش شئت، وإن كان بك المال، جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك. والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فرغ عتبة، قال صلى الله عليه وسلم: " { بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم... } إلى قوله تعالى: { مثل صاعقة عاد وثمود } " ، فأمسك عتبة على فيه النبي صلى الله عليه وسلم وناشده بالرحم، فرجع عبتة إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم، قالوا: ما نرى عتبة إلا صبأ، فانطلقوا، وقالوا: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد، أم أنك أعجبك طعامه؟ فغضب، ثم قال لهم: لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو شعر، ولا كهانة، ولا سحر، ثم تلى عليهم ما سمع منه إلى قوله: { مثل صاعقة عاد وثمود } فأمسكت بفيه، وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب. ه. ثم بين ما ذكره من صاعقة عاد وثمود، فقال: { فأما عاد فاستبكروا في الأرض بغير الحق } أي: تعاظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم، وهو القوة، وعظم الأجرام، واستولوا على الأرض بغير استحقاق للولاية، { وقالوا من أشد منا قوة } ، كانوا ذوي أجسام طوال، وخلق عظيم، بلغ من قوتهم أن الرجل كان يقلع الصخرة من الجبل بيده، ويلوي الحديد بيده، { أولم يروا } أي: أولم يعلموا علم عيان { أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة }؟ أوسع منهم قدرة لأنه قادر على كل شيء، وهم قادرون على بعض الأشياء بإقداره، { وكانوا بآياتنا } المنزلة على رسلهم { يجحدون } أي: ينكرونها وهم يعرفون حقيتها، كما يجحد المودع الوديعة. و هم: عطف على فاستكبروا، وما بينها اعتراض، للرد على كلمتهم الشنعاء. { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا } أي: باردا تهلك وتحرق لشدة بردها، من: الصر، وهو البرد، الذي يجمع ويقبض، أو: عاصفة تصوت في هبوبها، من الصرير، فضوعف، كما يقال: نهنهت وكفكفت. { في أيام نحسات } مشؤومات عليهم، من: نحس نحسا، نقيض: سعد سعدا، وكانت من الأربعاء آخر شوال إلى الأربعاء، وما عذب قوم إلا في الأربعاء. قيل: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، ودامت الرياح عليهم من غير مطر. قيل: إذا أراد الله بقوم خيرا، أرسل عليهم المطر، وحبس عنهم كثرة الرياح، وإذا أراد الله بقوم شرا، حبس عنهم المطر، وأرسل عليهم كثرة الرياح. ه. { لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا } ، أضاف العذاب إلى الخزي، وهو الذل، على أنه وصف للعذاب، كأنه قال: عذاب خزي، ويدل عليه قوله: { ولعذاب الآخرة أخزى } أي: أذل لصاحبه، وهو في الحقيقة وصف للمعذب، وصف به العذاب للمبالغة، كقولك: له شعر شاعر. { وهم لا ينصرون } برفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه. { وأما ثمود فهديناهم } دللناهم على الرشد، بنصب الآيات التكوينية، وإرسال الرسل، وإنزال الآيات التشريعية، { فاستحبوا العمى على الهدى } أي: اختاروا الضلالة على الهداية، { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } أي: داهية العذاب الذي يهين صاحبه ويخزيه، وهي الصيحة والرجفة، والهون: الهوان، وصف به للمبالغة، { بما كانوا يكسبون } أي: بكسبهم الخبيث من الشرك والمعاصي. قال الشيخ أبو منصور: يحتمل قوله: { فهديناهم }: بينا لهم، كما تقدم، ويحتمل: خلق الهداية في قلوبهم، فصاروا مهتدين، ثم كفروا بعد ذلك، وعقروا الناقة، لأن الهدي المضاف إلى الخالق يكون بمعنى البيان، ويكون بخلق فعل الاهتداء، وأما الهدي المضاف إلى الخلق فيكون بمعنى البيان، لا غير. ه. وقال الطيبي: قوله تعالى: { فهديناهم } هو كقوله تعالى: إذ جآءتهم الرسل [فصلت: 14]. وقوله: { فاستحبوا العمى على الهدى } هو كقوله: قالوا لو شآء ربنا... [فصلت: 14] الآية. وكذا في قوله: { فأما عاد فاستكبروا في الأرض } ، فإن الفاء في " فاستكبروا " فصيحة، تفصح عن محذوف، أي: فهديناهم فاستكبروا بدلالة ما قيل في ثمود. ه. { ونجينا الذين آمنوا } أي: اختاروا الهدى على العمى، من تلك الصاعقة، { وكانوا يتقون } الضلالة والتقليد. الإشارة: كل من أعرض عن الوعظ والتذكار، ونأى عن صحبة الأبرار فالصعقة لاحقة به، إما في الدنيا أو في الآخرة. وقوله تعالى: { فأما عاد فاستكبروا... } الآية: أوصاف العبودية أربعة: الضعف، والذل، والفقر، والعجز، فمن خرج عن واحد منها، فقد تعدى طوره، واستحق الهلاك والهوان، ورمته رياح الأقدار في مهاوي النيران. وقوله: { وأما ثمود فهديناهم } أي: بينا لهم طريق السير إلينا، على ألسنة الوسائط، فحادوا عنها، واستحبوا العمى على الهدى حيث لم يسبق لهم الهداية في الأزل، فالسوابق تؤثر في العواقب، والعواقب لا تؤثر في السوابق، فكأن جبلة القوم الضلالة، فمالوا إلى ما جبلوا عليه من قبول الضلالة. وقوله تعالى: { ونجينا الذين آمنوا } أي: في الدنيا من الصاعقة، وفي الآخرة من السقوط في الهاوية. قال القشيري: منهم من نجاهم من غير أن رأوا النار، عبروا القنطرة ولم يعلموا، وقوم كالبرق الخاطف، وهم أعلاهم قلت: بل أعلاهم كالطرف ثم قال: وقوم كالرواكض، وهم أيضا الأكابر، وقوم على الصراط يسقطون وتردهم الملائكة على الصراط، فبعدوا. ثم قال: وقوم بعدما دخلوا النار، فمنهم من تأخذه إلى كعبيه، ثم إلى ركبتيه، ثم إلى حقويه، فإذا بلغ القلب قال الحق للنار: لا تحرقي قلبه، فإنه محترق بي. وقوم يخرجون من النار بعدما أمتحشوا فصاروا حمما. ه منه. ثم ذكر وعيد أهل الشرك، فقال: { ويوم يحشر أعدآء الله }.

فصلت 41:14

قلت: { وأما ثمود } ، قراءة الجماعة بالرفع، غير مصروف، إرادة القبيلة، وقراءة الأعمش ويحيى بن وثاب مصروفا، إرادة الحي، وقراءة ابن أبي إسحاق: بالنصب، من باب الاشتغال، وأصل الكلام: مهما يكن من شيء فثمود هديناهم، فحذف الملزوم الذي هو الشرط، وأقيم مقامه لازمه، وهو الجزاء، وأبقيت الفاء المؤذنه بأن ما بعدها لازم لما قبلها، وإلا فليس هذا موضع الفاء لأن موضعه صدر الجزاء. انظر المطول. يقول الحق جل جلاله: { فإن أعرضوا } عن الإيمان بعد هذا البيان { فقل } لهم: { أنذرتكم } خوفتكم. وعبر بالماضي للدلالة على تحقق الإنذار المنبىء عن تحقق الوقوع، { صاعقة } أي: عذابا شديدا لو وقع كان كأنه صاعقة، وأصلها: رعد معه نار تحرق. تكون { مثل صاعقة عاد وثمود } وقد تقدم عذابهما. { إذ جاءتهم }: ظرف لمحذوف، أي: أنزلناها بهم حين جاءتهم { الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم } أي: أتوهم من كل جانب، وعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا الإعراض، أو: جاءتهم الرسل قبلهم لآبائهم، وبعدهم لمن خلفهم، أي: تواردت عليهم الرسل قديما وحديثا، والمعهود إنما هو هود وصالح عليهما السلام وعن الحسن: أنذروهم من وقائع الله بمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة، { ألا تعبدوا إلا الله } أي: بأن لا تعبدوا إلا الله، على أنها مصدرية، أو: لا تعبدوا، على أنها مفسرة، وقيل: مخففة، أي: أنه لا تعبدوا إلا الله. { قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة } أي: لو شاء إرسال الرسل لأرسل ملائكة، ولما كان إرسالهم بطريق الإنزال عبر به، { فإنا بما أرسلتم به كافرون } أي: فحيث كنتم بشرا مثلنا، ولم تكونوا ملائكة، ولم يكن لكم فضل علينا، فإنا لا نؤمن بكم، ولا بما جئتم به، وقولهم: { أرسلتم به } ليس بإقرار بالإرسال، وإنما هو على كلام الرسل، وفيه تهكم، كما قاله فرعون: إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون [الشعراء: 27] وقولهم: { بما أرسلتم به كافرون } خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء، الذين دعوا للإيمان. روي أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والكهانة، فكلمه، ثم أتانا بالبيان من أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر، وعلمت من ذلك علما ما يخفى علي، فأتاه، فقال: أنت يا محمد خير أم هاشم؟ أنت يا محمد خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا وتضللنا؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء، فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة من أي بنات قريش شئت، وإن كان بك المال، جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك. والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فرغ عتبة، قال صلى الله عليه وسلم: " { بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم... } إلى قوله تعالى: { مثل صاعقة عاد وثمود } " ، فأمسك عتبة على فيه النبي صلى الله عليه وسلم وناشده بالرحم، فرجع عبتة إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم، قالوا: ما نرى عتبة إلا صبأ، فانطلقوا، وقالوا: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد، أم أنك أعجبك طعامه؟ فغضب، ثم قال لهم: لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو شعر، ولا كهانة، ولا سحر، ثم تلى عليهم ما سمع منه إلى قوله: { مثل صاعقة عاد وثمود } فأمسكت بفيه، وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب. ه. ثم بين ما ذكره من صاعقة عاد وثمود، فقال: { فأما عاد فاستبكروا في الأرض بغير الحق } أي: تعاظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم، وهو القوة، وعظم الأجرام، واستولوا على الأرض بغير استحقاق للولاية، { وقالوا من أشد منا قوة } ، كانوا ذوي أجسام طوال، وخلق عظيم، بلغ من قوتهم أن الرجل كان يقلع الصخرة من الجبل بيده، ويلوي الحديد بيده، { أولم يروا } أي: أولم يعلموا علم عيان { أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة }؟ أوسع منهم قدرة لأنه قادر على كل شيء، وهم قادرون على بعض الأشياء بإقداره، { وكانوا بآياتنا } المنزلة على رسلهم { يجحدون } أي: ينكرونها وهم يعرفون حقيتها، كما يجحد المودع الوديعة. و هم: عطف على فاستكبروا، وما بينها اعتراض، للرد على كلمتهم الشنعاء. { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا } أي: باردا تهلك وتحرق لشدة بردها، من: الصر، وهو البرد، الذي يجمع ويقبض، أو: عاصفة تصوت في هبوبها، من الصرير، فضوعف، كما يقال: نهنهت وكفكفت. { في أيام نحسات } مشؤومات عليهم، من: نحس نحسا، نقيض: سعد سعدا، وكانت من الأربعاء آخر شوال إلى الأربعاء، وما عذب قوم إلا في الأربعاء. قيل: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، ودامت الرياح عليهم من غير مطر. قيل: إذا أراد الله بقوم خيرا، أرسل عليهم المطر، وحبس عنهم كثرة الرياح، وإذا أراد الله بقوم شرا، حبس عنهم المطر، وأرسل عليهم كثرة الرياح. ه. { لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا } ، أضاف العذاب إلى الخزي، وهو الذل، على أنه وصف للعذاب، كأنه قال: عذاب خزي، ويدل عليه قوله: { ولعذاب الآخرة أخزى } أي: أذل لصاحبه، وهو في الحقيقة وصف للمعذب، وصف به العذاب للمبالغة، كقولك: له شعر شاعر. { وهم لا ينصرون } برفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه. { وأما ثمود فهديناهم } دللناهم على الرشد، بنصب الآيات التكوينية، وإرسال الرسل، وإنزال الآيات التشريعية، { فاستحبوا العمى على الهدى } أي: اختاروا الضلالة على الهداية، { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } أي: داهية العذاب الذي يهين صاحبه ويخزيه، وهي الصيحة والرجفة، والهون: الهوان، وصف به للمبالغة، { بما كانوا يكسبون } أي: بكسبهم الخبيث من الشرك والمعاصي. قال الشيخ أبو منصور: يحتمل قوله: { فهديناهم }: بينا لهم، كما تقدم، ويحتمل: خلق الهداية في قلوبهم، فصاروا مهتدين، ثم كفروا بعد ذلك، وعقروا الناقة، لأن الهدي المضاف إلى الخالق يكون بمعنى البيان، ويكون بخلق فعل الاهتداء، وأما الهدي المضاف إلى الخلق فيكون بمعنى البيان، لا غير. ه. وقال الطيبي: قوله تعالى: { فهديناهم } هو كقوله تعالى: إذ جآءتهم الرسل [فصلت: 14]. وقوله: { فاستحبوا العمى على الهدى } هو كقوله: قالوا لو شآء ربنا... [فصلت: 14] الآية. وكذا في قوله: { فأما عاد فاستكبروا في الأرض } ، فإن الفاء في " فاستكبروا " فصيحة، تفصح عن محذوف، أي: فهديناهم فاستكبروا بدلالة ما قيل في ثمود. ه. { ونجينا الذين آمنوا } أي: اختاروا الهدى على العمى، من تلك الصاعقة، { وكانوا يتقون } الضلالة والتقليد. الإشارة: كل من أعرض عن الوعظ والتذكار، ونأى عن صحبة الأبرار فالصعقة لاحقة به، إما في الدنيا أو في الآخرة. وقوله تعالى: { فأما عاد فاستكبروا... } الآية: أوصاف العبودية أربعة: الضعف، والذل، والفقر، والعجز، فمن خرج عن واحد منها، فقد تعدى طوره، واستحق الهلاك والهوان، ورمته رياح الأقدار في مهاوي النيران. وقوله: { وأما ثمود فهديناهم } أي: بينا لهم طريق السير إلينا، على ألسنة الوسائط، فحادوا عنها، واستحبوا العمى على الهدى حيث لم يسبق لهم الهداية في الأزل، فالسوابق تؤثر في العواقب، والعواقب لا تؤثر في السوابق، فكأن جبلة القوم الضلالة، فمالوا إلى ما جبلوا عليه من قبول الضلالة. وقوله تعالى: { ونجينا الذين آمنوا } أي: في الدنيا من الصاعقة، وفي الآخرة من السقوط في الهاوية. قال القشيري: منهم من نجاهم من غير أن رأوا النار، عبروا القنطرة ولم يعلموا، وقوم كالبرق الخاطف، وهم أعلاهم قلت: بل أعلاهم كالطرف ثم قال: وقوم كالرواكض، وهم أيضا الأكابر، وقوم على الصراط يسقطون وتردهم الملائكة على الصراط، فبعدوا. ثم قال: وقوم بعدما دخلوا النار، فمنهم من تأخذه إلى كعبيه، ثم إلى ركبتيه، ثم إلى حقويه، فإذا بلغ القلب قال الحق للنار: لا تحرقي قلبه، فإنه محترق بي. وقوم يخرجون من النار بعدما أمتحشوا فصاروا حمما. ه منه. ثم ذكر وعيد أهل الشرك، فقال: { ويوم يحشر أعدآء الله }.

فصلت 41:15

قلت: { وأما ثمود } ، قراءة الجماعة بالرفع، غير مصروف، إرادة القبيلة، وقراءة الأعمش ويحيى بن وثاب مصروفا، إرادة الحي، وقراءة ابن أبي إسحاق: بالنصب، من باب الاشتغال، وأصل الكلام: مهما يكن من شيء فثمود هديناهم، فحذف الملزوم الذي هو الشرط، وأقيم مقامه لازمه، وهو الجزاء، وأبقيت الفاء المؤذنه بأن ما بعدها لازم لما قبلها، وإلا فليس هذا موضع الفاء لأن موضعه صدر الجزاء. انظر المطول. يقول الحق جل جلاله: { فإن أعرضوا } عن الإيمان بعد هذا البيان { فقل } لهم: { أنذرتكم } خوفتكم. وعبر بالماضي للدلالة على تحقق الإنذار المنبىء عن تحقق الوقوع، { صاعقة } أي: عذابا شديدا لو وقع كان كأنه صاعقة، وأصلها: رعد معه نار تحرق. تكون { مثل صاعقة عاد وثمود } وقد تقدم عذابهما. { إذ جاءتهم }: ظرف لمحذوف، أي: أنزلناها بهم حين جاءتهم { الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم } أي: أتوهم من كل جانب، وعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا الإعراض، أو: جاءتهم الرسل قبلهم لآبائهم، وبعدهم لمن خلفهم، أي: تواردت عليهم الرسل قديما وحديثا، والمعهود إنما هو هود وصالح عليهما السلام وعن الحسن: أنذروهم من وقائع الله بمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة، { ألا تعبدوا إلا الله } أي: بأن لا تعبدوا إلا الله، على أنها مصدرية، أو: لا تعبدوا، على أنها مفسرة، وقيل: مخففة، أي: أنه لا تعبدوا إلا الله. { قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة } أي: لو شاء إرسال الرسل لأرسل ملائكة، ولما كان إرسالهم بطريق الإنزال عبر به، { فإنا بما أرسلتم به كافرون } أي: فحيث كنتم بشرا مثلنا، ولم تكونوا ملائكة، ولم يكن لكم فضل علينا، فإنا لا نؤمن بكم، ولا بما جئتم به، وقولهم: { أرسلتم به } ليس بإقرار بالإرسال، وإنما هو على كلام الرسل، وفيه تهكم، كما قاله فرعون: إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون [الشعراء: 27] وقولهم: { بما أرسلتم به كافرون } خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء، الذين دعوا للإيمان. روي أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والكهانة، فكلمه، ثم أتانا بالبيان من أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر، وعلمت من ذلك علما ما يخفى علي، فأتاه، فقال: أنت يا محمد خير أم هاشم؟ أنت يا محمد خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا وتضللنا؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء، فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة من أي بنات قريش شئت، وإن كان بك المال، جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك. والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فرغ عتبة، قال صلى الله عليه وسلم: " { بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم... } إلى قوله تعالى: { مثل صاعقة عاد وثمود } " ، فأمسك عتبة على فيه النبي صلى الله عليه وسلم وناشده بالرحم، فرجع عبتة إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم، قالوا: ما نرى عتبة إلا صبأ، فانطلقوا، وقالوا: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد، أم أنك أعجبك طعامه؟ فغضب، ثم قال لهم: لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو شعر، ولا كهانة، ولا سحر، ثم تلى عليهم ما سمع منه إلى قوله: { مثل صاعقة عاد وثمود } فأمسكت بفيه، وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب. ه. ثم بين ما ذكره من صاعقة عاد وثمود، فقال: { فأما عاد فاستبكروا في الأرض بغير الحق } أي: تعاظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم، وهو القوة، وعظم الأجرام، واستولوا على الأرض بغير استحقاق للولاية، { وقالوا من أشد منا قوة } ، كانوا ذوي أجسام طوال، وخلق عظيم، بلغ من قوتهم أن الرجل كان يقلع الصخرة من الجبل بيده، ويلوي الحديد بيده، { أولم يروا } أي: أولم يعلموا علم عيان { أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة }؟ أوسع منهم قدرة لأنه قادر على كل شيء، وهم قادرون على بعض الأشياء بإقداره، { وكانوا بآياتنا } المنزلة على رسلهم { يجحدون } أي: ينكرونها وهم يعرفون حقيتها، كما يجحد المودع الوديعة. و هم: عطف على فاستكبروا، وما بينها اعتراض، للرد على كلمتهم الشنعاء. { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا } أي: باردا تهلك وتحرق لشدة بردها، من: الصر، وهو البرد، الذي يجمع ويقبض، أو: عاصفة تصوت في هبوبها، من الصرير، فضوعف، كما يقال: نهنهت وكفكفت. { في أيام نحسات } مشؤومات عليهم، من: نحس نحسا، نقيض: سعد سعدا، وكانت من الأربعاء آخر شوال إلى الأربعاء، وما عذب قوم إلا في الأربعاء. قيل: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، ودامت الرياح عليهم من غير مطر. قيل: إذا أراد الله بقوم خيرا، أرسل عليهم المطر، وحبس عنهم كثرة الرياح، وإذا أراد الله بقوم شرا، حبس عنهم المطر، وأرسل عليهم كثرة الرياح. ه. { لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا } ، أضاف العذاب إلى الخزي، وهو الذل، على أنه وصف للعذاب، كأنه قال: عذاب خزي، ويدل عليه قوله: { ولعذاب الآخرة أخزى } أي: أذل لصاحبه، وهو في الحقيقة وصف للمعذب، وصف به العذاب للمبالغة، كقولك: له شعر شاعر. { وهم لا ينصرون } برفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه. { وأما ثمود فهديناهم } دللناهم على الرشد، بنصب الآيات التكوينية، وإرسال الرسل، وإنزال الآيات التشريعية، { فاستحبوا العمى على الهدى } أي: اختاروا الضلالة على الهداية، { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } أي: داهية العذاب الذي يهين صاحبه ويخزيه، وهي الصيحة والرجفة، والهون: الهوان، وصف به للمبالغة، { بما كانوا يكسبون } أي: بكسبهم الخبيث من الشرك والمعاصي. قال الشيخ أبو منصور: يحتمل قوله: { فهديناهم }: بينا لهم، كما تقدم، ويحتمل: خلق الهداية في قلوبهم، فصاروا مهتدين، ثم كفروا بعد ذلك، وعقروا الناقة، لأن الهدي المضاف إلى الخالق يكون بمعنى البيان، ويكون بخلق فعل الاهتداء، وأما الهدي المضاف إلى الخلق فيكون بمعنى البيان، لا غير. ه. وقال الطيبي: قوله تعالى: { فهديناهم } هو كقوله تعالى: إذ جآءتهم الرسل [فصلت: 14]. وقوله: { فاستحبوا العمى على الهدى } هو كقوله: قالوا لو شآء ربنا... [فصلت: 14] الآية. وكذا في قوله: { فأما عاد فاستكبروا في الأرض } ، فإن الفاء في " فاستكبروا " فصيحة، تفصح عن محذوف، أي: فهديناهم فاستكبروا بدلالة ما قيل في ثمود. ه. { ونجينا الذين آمنوا } أي: اختاروا الهدى على العمى، من تلك الصاعقة، { وكانوا يتقون } الضلالة والتقليد. الإشارة: كل من أعرض عن الوعظ والتذكار، ونأى عن صحبة الأبرار فالصعقة لاحقة به، إما في الدنيا أو في الآخرة. وقوله تعالى: { فأما عاد فاستكبروا... } الآية: أوصاف العبودية أربعة: الضعف، والذل، والفقر، والعجز، فمن خرج عن واحد منها، فقد تعدى طوره، واستحق الهلاك والهوان، ورمته رياح الأقدار في مهاوي النيران. وقوله: { وأما ثمود فهديناهم } أي: بينا لهم طريق السير إلينا، على ألسنة الوسائط، فحادوا عنها، واستحبوا العمى على الهدى حيث لم يسبق لهم الهداية في الأزل، فالسوابق تؤثر في العواقب، والعواقب لا تؤثر في السوابق، فكأن جبلة القوم الضلالة، فمالوا إلى ما جبلوا عليه من قبول الضلالة. وقوله تعالى: { ونجينا الذين آمنوا } أي: في الدنيا من الصاعقة، وفي الآخرة من السقوط في الهاوية. قال القشيري: منهم من نجاهم من غير أن رأوا النار، عبروا القنطرة ولم يعلموا، وقوم كالبرق الخاطف، وهم أعلاهم قلت: بل أعلاهم كالطرف ثم قال: وقوم كالرواكض، وهم أيضا الأكابر، وقوم على الصراط يسقطون وتردهم الملائكة على الصراط، فبعدوا. ثم قال: وقوم بعدما دخلوا النار، فمنهم من تأخذه إلى كعبيه، ثم إلى ركبتيه، ثم إلى حقويه، فإذا بلغ القلب قال الحق للنار: لا تحرقي قلبه، فإنه محترق بي. وقوم يخرجون من النار بعدما أمتحشوا فصاروا حمما. ه منه. ثم ذكر وعيد أهل الشرك، فقال: { ويوم يحشر أعدآء الله }.

فصلت 41:16

قلت: { وأما ثمود } ، قراءة الجماعة بالرفع، غير مصروف، إرادة القبيلة، وقراءة الأعمش ويحيى بن وثاب مصروفا، إرادة الحي، وقراءة ابن أبي إسحاق: بالنصب، من باب الاشتغال، وأصل الكلام: مهما يكن من شيء فثمود هديناهم، فحذف الملزوم الذي هو الشرط، وأقيم مقامه لازمه، وهو الجزاء، وأبقيت الفاء المؤذنه بأن ما بعدها لازم لما قبلها، وإلا فليس هذا موضع الفاء لأن موضعه صدر الجزاء. انظر المطول. يقول الحق جل جلاله: { فإن أعرضوا } عن الإيمان بعد هذا البيان { فقل } لهم: { أنذرتكم } خوفتكم. وعبر بالماضي للدلالة على تحقق الإنذار المنبىء عن تحقق الوقوع، { صاعقة } أي: عذابا شديدا لو وقع كان كأنه صاعقة، وأصلها: رعد معه نار تحرق. تكون { مثل صاعقة عاد وثمود } وقد تقدم عذابهما. { إذ جاءتهم }: ظرف لمحذوف، أي: أنزلناها بهم حين جاءتهم { الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم } أي: أتوهم من كل جانب، وعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا الإعراض، أو: جاءتهم الرسل قبلهم لآبائهم، وبعدهم لمن خلفهم، أي: تواردت عليهم الرسل قديما وحديثا، والمعهود إنما هو هود وصالح عليهما السلام وعن الحسن: أنذروهم من وقائع الله بمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة، { ألا تعبدوا إلا الله } أي: بأن لا تعبدوا إلا الله، على أنها مصدرية، أو: لا تعبدوا، على أنها مفسرة، وقيل: مخففة، أي: أنه لا تعبدوا إلا الله. { قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة } أي: لو شاء إرسال الرسل لأرسل ملائكة، ولما كان إرسالهم بطريق الإنزال عبر به، { فإنا بما أرسلتم به كافرون } أي: فحيث كنتم بشرا مثلنا، ولم تكونوا ملائكة، ولم يكن لكم فضل علينا، فإنا لا نؤمن بكم، ولا بما جئتم به، وقولهم: { أرسلتم به } ليس بإقرار بالإرسال، وإنما هو على كلام الرسل، وفيه تهكم، كما قاله فرعون: إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون [الشعراء: 27] وقولهم: { بما أرسلتم به كافرون } خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء، الذين دعوا للإيمان. روي أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والكهانة، فكلمه، ثم أتانا بالبيان من أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر، وعلمت من ذلك علما ما يخفى علي، فأتاه، فقال: أنت يا محمد خير أم هاشم؟ أنت يا محمد خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا وتضللنا؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء، فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة من أي بنات قريش شئت، وإن كان بك المال، جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك. والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فرغ عتبة، قال صلى الله عليه وسلم: " { بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم... } إلى قوله تعالى: { مثل صاعقة عاد وثمود } " ، فأمسك عتبة على فيه النبي صلى الله عليه وسلم وناشده بالرحم، فرجع عبتة إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم، قالوا: ما نرى عتبة إلا صبأ، فانطلقوا، وقالوا: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد، أم أنك أعجبك طعامه؟ فغضب، ثم قال لهم: لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو شعر، ولا كهانة، ولا سحر، ثم تلى عليهم ما سمع منه إلى قوله: { مثل صاعقة عاد وثمود } فأمسكت بفيه، وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب. ه. ثم بين ما ذكره من صاعقة عاد وثمود، فقال: { فأما عاد فاستبكروا في الأرض بغير الحق } أي: تعاظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم، وهو القوة، وعظم الأجرام، واستولوا على الأرض بغير استحقاق للولاية، { وقالوا من أشد منا قوة } ، كانوا ذوي أجسام طوال، وخلق عظيم، بلغ من قوتهم أن الرجل كان يقلع الصخرة من الجبل بيده، ويلوي الحديد بيده، { أولم يروا } أي: أولم يعلموا علم عيان { أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة }؟ أوسع منهم قدرة لأنه قادر على كل شيء، وهم قادرون على بعض الأشياء بإقداره، { وكانوا بآياتنا } المنزلة على رسلهم { يجحدون } أي: ينكرونها وهم يعرفون حقيتها، كما يجحد المودع الوديعة. و هم: عطف على فاستكبروا، وما بينها اعتراض، للرد على كلمتهم الشنعاء. { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا } أي: باردا تهلك وتحرق لشدة بردها، من: الصر، وهو البرد، الذي يجمع ويقبض، أو: عاصفة تصوت في هبوبها، من الصرير، فضوعف، كما يقال: نهنهت وكفكفت. { في أيام نحسات } مشؤومات عليهم، من: نحس نحسا، نقيض: سعد سعدا، وكانت من الأربعاء آخر شوال إلى الأربعاء، وما عذب قوم إلا في الأربعاء. قيل: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، ودامت الرياح عليهم من غير مطر. قيل: إذا أراد الله بقوم خيرا، أرسل عليهم المطر، وحبس عنهم كثرة الرياح، وإذا أراد الله بقوم شرا، حبس عنهم المطر، وأرسل عليهم كثرة الرياح. ه. { لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا } ، أضاف العذاب إلى الخزي، وهو الذل، على أنه وصف للعذاب، كأنه قال: عذاب خزي، ويدل عليه قوله: { ولعذاب الآخرة أخزى } أي: أذل لصاحبه، وهو في الحقيقة وصف للمعذب، وصف به العذاب للمبالغة، كقولك: له شعر شاعر. { وهم لا ينصرون } برفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه. { وأما ثمود فهديناهم } دللناهم على الرشد، بنصب الآيات التكوينية، وإرسال الرسل، وإنزال الآيات التشريعية، { فاستحبوا العمى على الهدى } أي: اختاروا الضلالة على الهداية، { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } أي: داهية العذاب الذي يهين صاحبه ويخزيه، وهي الصيحة والرجفة، والهون: الهوان، وصف به للمبالغة، { بما كانوا يكسبون } أي: بكسبهم الخبيث من الشرك والمعاصي. قال الشيخ أبو منصور: يحتمل قوله: { فهديناهم }: بينا لهم، كما تقدم، ويحتمل: خلق الهداية في قلوبهم، فصاروا مهتدين، ثم كفروا بعد ذلك، وعقروا الناقة، لأن الهدي المضاف إلى الخالق يكون بمعنى البيان، ويكون بخلق فعل الاهتداء، وأما الهدي المضاف إلى الخلق فيكون بمعنى البيان، لا غير. ه. وقال الطيبي: قوله تعالى: { فهديناهم } هو كقوله تعالى: إذ جآءتهم الرسل [فصلت: 14]. وقوله: { فاستحبوا العمى على الهدى } هو كقوله: قالوا لو شآء ربنا... [فصلت: 14] الآية. وكذا في قوله: { فأما عاد فاستكبروا في الأرض } ، فإن الفاء في " فاستكبروا " فصيحة، تفصح عن محذوف، أي: فهديناهم فاستكبروا بدلالة ما قيل في ثمود. ه. { ونجينا الذين آمنوا } أي: اختاروا الهدى على العمى، من تلك الصاعقة، { وكانوا يتقون } الضلالة والتقليد. الإشارة: كل من أعرض عن الوعظ والتذكار، ونأى عن صحبة الأبرار فالصعقة لاحقة به، إما في الدنيا أو في الآخرة. وقوله تعالى: { فأما عاد فاستكبروا... } الآية: أوصاف العبودية أربعة: الضعف، والذل، والفقر، والعجز، فمن خرج عن واحد منها، فقد تعدى طوره، واستحق الهلاك والهوان، ورمته رياح الأقدار في مهاوي النيران. وقوله: { وأما ثمود فهديناهم } أي: بينا لهم طريق السير إلينا، على ألسنة الوسائط، فحادوا عنها، واستحبوا العمى على الهدى حيث لم يسبق لهم الهداية في الأزل، فالسوابق تؤثر في العواقب، والعواقب لا تؤثر في السوابق، فكأن جبلة القوم الضلالة، فمالوا إلى ما جبلوا عليه من قبول الضلالة. وقوله تعالى: { ونجينا الذين آمنوا } أي: في الدنيا من الصاعقة، وفي الآخرة من السقوط في الهاوية. قال القشيري: منهم من نجاهم من غير أن رأوا النار، عبروا القنطرة ولم يعلموا، وقوم كالبرق الخاطف، وهم أعلاهم قلت: بل أعلاهم كالطرف ثم قال: وقوم كالرواكض، وهم أيضا الأكابر، وقوم على الصراط يسقطون وتردهم الملائكة على الصراط، فبعدوا. ثم قال: وقوم بعدما دخلوا النار، فمنهم من تأخذه إلى كعبيه، ثم إلى ركبتيه، ثم إلى حقويه، فإذا بلغ القلب قال الحق للنار: لا تحرقي قلبه، فإنه محترق بي. وقوم يخرجون من النار بعدما أمتحشوا فصاروا حمما. ه منه. ثم ذكر وعيد أهل الشرك، فقال: { ويوم يحشر أعدآء الله }.

فصلت 41:17

قلت: { وأما ثمود } ، قراءة الجماعة بالرفع، غير مصروف، إرادة القبيلة، وقراءة الأعمش ويحيى بن وثاب مصروفا، إرادة الحي، وقراءة ابن أبي إسحاق: بالنصب، من باب الاشتغال، وأصل الكلام: مهما يكن من شيء فثمود هديناهم، فحذف الملزوم الذي هو الشرط، وأقيم مقامه لازمه، وهو الجزاء، وأبقيت الفاء المؤذنه بأن ما بعدها لازم لما قبلها، وإلا فليس هذا موضع الفاء لأن موضعه صدر الجزاء. انظر المطول. يقول الحق جل جلاله: { فإن أعرضوا } عن الإيمان بعد هذا البيان { فقل } لهم: { أنذرتكم } خوفتكم. وعبر بالماضي للدلالة على تحقق الإنذار المنبىء عن تحقق الوقوع، { صاعقة } أي: عذابا شديدا لو وقع كان كأنه صاعقة، وأصلها: رعد معه نار تحرق. تكون { مثل صاعقة عاد وثمود } وقد تقدم عذابهما. { إذ جاءتهم }: ظرف لمحذوف، أي: أنزلناها بهم حين جاءتهم { الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم } أي: أتوهم من كل جانب، وعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا الإعراض، أو: جاءتهم الرسل قبلهم لآبائهم، وبعدهم لمن خلفهم، أي: تواردت عليهم الرسل قديما وحديثا، والمعهود إنما هو هود وصالح عليهما السلام وعن الحسن: أنذروهم من وقائع الله بمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة، { ألا تعبدوا إلا الله } أي: بأن لا تعبدوا إلا الله، على أنها مصدرية، أو: لا تعبدوا، على أنها مفسرة، وقيل: مخففة، أي: أنه لا تعبدوا إلا الله. { قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة } أي: لو شاء إرسال الرسل لأرسل ملائكة، ولما كان إرسالهم بطريق الإنزال عبر به، { فإنا بما أرسلتم به كافرون } أي: فحيث كنتم بشرا مثلنا، ولم تكونوا ملائكة، ولم يكن لكم فضل علينا، فإنا لا نؤمن بكم، ولا بما جئتم به، وقولهم: { أرسلتم به } ليس بإقرار بالإرسال، وإنما هو على كلام الرسل، وفيه تهكم، كما قاله فرعون: إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون [الشعراء: 27] وقولهم: { بما أرسلتم به كافرون } خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء، الذين دعوا للإيمان. روي أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والكهانة، فكلمه، ثم أتانا بالبيان من أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر، وعلمت من ذلك علما ما يخفى علي، فأتاه، فقال: أنت يا محمد خير أم هاشم؟ أنت يا محمد خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا وتضللنا؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء، فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة من أي بنات قريش شئت، وإن كان بك المال، جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك. والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فرغ عتبة، قال صلى الله عليه وسلم: " { بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم... } إلى قوله تعالى: { مثل صاعقة عاد وثمود } " ، فأمسك عتبة على فيه النبي صلى الله عليه وسلم وناشده بالرحم، فرجع عبتة إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم، قالوا: ما نرى عتبة إلا صبأ، فانطلقوا، وقالوا: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد، أم أنك أعجبك طعامه؟ فغضب، ثم قال لهم: لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو شعر، ولا كهانة، ولا سحر، ثم تلى عليهم ما سمع منه إلى قوله: { مثل صاعقة عاد وثمود } فأمسكت بفيه، وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب. ه. ثم بين ما ذكره من صاعقة عاد وثمود، فقال: { فأما عاد فاستبكروا في الأرض بغير الحق } أي: تعاظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم، وهو القوة، وعظم الأجرام، واستولوا على الأرض بغير استحقاق للولاية، { وقالوا من أشد منا قوة } ، كانوا ذوي أجسام طوال، وخلق عظيم، بلغ من قوتهم أن الرجل كان يقلع الصخرة من الجبل بيده، ويلوي الحديد بيده، { أولم يروا } أي: أولم يعلموا علم عيان { أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة }؟ أوسع منهم قدرة لأنه قادر على كل شيء، وهم قادرون على بعض الأشياء بإقداره، { وكانوا بآياتنا } المنزلة على رسلهم { يجحدون } أي: ينكرونها وهم يعرفون حقيتها، كما يجحد المودع الوديعة. و هم: عطف على فاستكبروا، وما بينها اعتراض، للرد على كلمتهم الشنعاء. { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا } أي: باردا تهلك وتحرق لشدة بردها، من: الصر، وهو البرد، الذي يجمع ويقبض، أو: عاصفة تصوت في هبوبها، من الصرير، فضوعف، كما يقال: نهنهت وكفكفت. { في أيام نحسات } مشؤومات عليهم، من: نحس نحسا، نقيض: سعد سعدا، وكانت من الأربعاء آخر شوال إلى الأربعاء، وما عذب قوم إلا في الأربعاء. قيل: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، ودامت الرياح عليهم من غير مطر. قيل: إذا أراد الله بقوم خيرا، أرسل عليهم المطر، وحبس عنهم كثرة الرياح، وإذا أراد الله بقوم شرا، حبس عنهم المطر، وأرسل عليهم كثرة الرياح. ه. { لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا } ، أضاف العذاب إلى الخزي، وهو الذل، على أنه وصف للعذاب، كأنه قال: عذاب خزي، ويدل عليه قوله: { ولعذاب الآخرة أخزى } أي: أذل لصاحبه، وهو في الحقيقة وصف للمعذب، وصف به العذاب للمبالغة، كقولك: له شعر شاعر. { وهم لا ينصرون } برفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه. { وأما ثمود فهديناهم } دللناهم على الرشد، بنصب الآيات التكوينية، وإرسال الرسل، وإنزال الآيات التشريعية، { فاستحبوا العمى على الهدى } أي: اختاروا الضلالة على الهداية، { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } أي: داهية العذاب الذي يهين صاحبه ويخزيه، وهي الصيحة والرجفة، والهون: الهوان، وصف به للمبالغة، { بما كانوا يكسبون } أي: بكسبهم الخبيث من الشرك والمعاصي. قال الشيخ أبو منصور: يحتمل قوله: { فهديناهم }: بينا لهم، كما تقدم، ويحتمل: خلق الهداية في قلوبهم، فصاروا مهتدين، ثم كفروا بعد ذلك، وعقروا الناقة، لأن الهدي المضاف إلى الخالق يكون بمعنى البيان، ويكون بخلق فعل الاهتداء، وأما الهدي المضاف إلى الخلق فيكون بمعنى البيان، لا غير. ه. وقال الطيبي: قوله تعالى: { فهديناهم } هو كقوله تعالى: إذ جآءتهم الرسل [فصلت: 14]. وقوله: { فاستحبوا العمى على الهدى } هو كقوله: قالوا لو شآء ربنا... [فصلت: 14] الآية. وكذا في قوله: { فأما عاد فاستكبروا في الأرض } ، فإن الفاء في " فاستكبروا " فصيحة، تفصح عن محذوف، أي: فهديناهم فاستكبروا بدلالة ما قيل في ثمود. ه. { ونجينا الذين آمنوا } أي: اختاروا الهدى على العمى، من تلك الصاعقة، { وكانوا يتقون } الضلالة والتقليد. الإشارة: كل من أعرض عن الوعظ والتذكار، ونأى عن صحبة الأبرار فالصعقة لاحقة به، إما في الدنيا أو في الآخرة. وقوله تعالى: { فأما عاد فاستكبروا... } الآية: أوصاف العبودية أربعة: الضعف، والذل، والفقر، والعجز، فمن خرج عن واحد منها، فقد تعدى طوره، واستحق الهلاك والهوان، ورمته رياح الأقدار في مهاوي النيران. وقوله: { وأما ثمود فهديناهم } أي: بينا لهم طريق السير إلينا، على ألسنة الوسائط، فحادوا عنها، واستحبوا العمى على الهدى حيث لم يسبق لهم الهداية في الأزل، فالسوابق تؤثر في العواقب، والعواقب لا تؤثر في السوابق، فكأن جبلة القوم الضلالة، فمالوا إلى ما جبلوا عليه من قبول الضلالة. وقوله تعالى: { ونجينا الذين آمنوا } أي: في الدنيا من الصاعقة، وفي الآخرة من السقوط في الهاوية. قال القشيري: منهم من نجاهم من غير أن رأوا النار، عبروا القنطرة ولم يعلموا، وقوم كالبرق الخاطف، وهم أعلاهم قلت: بل أعلاهم كالطرف ثم قال: وقوم كالرواكض، وهم أيضا الأكابر، وقوم على الصراط يسقطون وتردهم الملائكة على الصراط، فبعدوا. ثم قال: وقوم بعدما دخلوا النار، فمنهم من تأخذه إلى كعبيه، ثم إلى ركبتيه، ثم إلى حقويه، فإذا بلغ القلب قال الحق للنار: لا تحرقي قلبه، فإنه محترق بي. وقوم يخرجون من النار بعدما أمتحشوا فصاروا حمما. ه منه. ثم ذكر وعيد أهل الشرك، فقال: { ويوم يحشر أعدآء الله }.

فصلت 41:18

قلت: { وأما ثمود } ، قراءة الجماعة بالرفع، غير مصروف، إرادة القبيلة، وقراءة الأعمش ويحيى بن وثاب مصروفا، إرادة الحي، وقراءة ابن أبي إسحاق: بالنصب، من باب الاشتغال، وأصل الكلام: مهما يكن من شيء فثمود هديناهم، فحذف الملزوم الذي هو الشرط، وأقيم مقامه لازمه، وهو الجزاء، وأبقيت الفاء المؤذنه بأن ما بعدها لازم لما قبلها، وإلا فليس هذا موضع الفاء لأن موضعه صدر الجزاء. انظر المطول. يقول الحق جل جلاله: { فإن أعرضوا } عن الإيمان بعد هذا البيان { فقل } لهم: { أنذرتكم } خوفتكم. وعبر بالماضي للدلالة على تحقق الإنذار المنبىء عن تحقق الوقوع، { صاعقة } أي: عذابا شديدا لو وقع كان كأنه صاعقة، وأصلها: رعد معه نار تحرق. تكون { مثل صاعقة عاد وثمود } وقد تقدم عذابهما. { إذ جاءتهم }: ظرف لمحذوف، أي: أنزلناها بهم حين جاءتهم { الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم } أي: أتوهم من كل جانب، وعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا الإعراض، أو: جاءتهم الرسل قبلهم لآبائهم، وبعدهم لمن خلفهم، أي: تواردت عليهم الرسل قديما وحديثا، والمعهود إنما هو هود وصالح عليهما السلام وعن الحسن: أنذروهم من وقائع الله بمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة، { ألا تعبدوا إلا الله } أي: بأن لا تعبدوا إلا الله، على أنها مصدرية، أو: لا تعبدوا، على أنها مفسرة، وقيل: مخففة، أي: أنه لا تعبدوا إلا الله. { قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة } أي: لو شاء إرسال الرسل لأرسل ملائكة، ولما كان إرسالهم بطريق الإنزال عبر به، { فإنا بما أرسلتم به كافرون } أي: فحيث كنتم بشرا مثلنا، ولم تكونوا ملائكة، ولم يكن لكم فضل علينا، فإنا لا نؤمن بكم، ولا بما جئتم به، وقولهم: { أرسلتم به } ليس بإقرار بالإرسال، وإنما هو على كلام الرسل، وفيه تهكم، كما قاله فرعون: إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون [الشعراء: 27] وقولهم: { بما أرسلتم به كافرون } خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء، الذين دعوا للإيمان. روي أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والكهانة، فكلمه، ثم أتانا بالبيان من أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر، وعلمت من ذلك علما ما يخفى علي، فأتاه، فقال: أنت يا محمد خير أم هاشم؟ أنت يا محمد خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا وتضللنا؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء، فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة من أي بنات قريش شئت، وإن كان بك المال، جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك. والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فرغ عتبة، قال صلى الله عليه وسلم: " { بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم... } إلى قوله تعالى: { مثل صاعقة عاد وثمود } " ، فأمسك عتبة على فيه النبي صلى الله عليه وسلم وناشده بالرحم، فرجع عبتة إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم، قالوا: ما نرى عتبة إلا صبأ، فانطلقوا، وقالوا: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد، أم أنك أعجبك طعامه؟ فغضب، ثم قال لهم: لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو شعر، ولا كهانة، ولا سحر، ثم تلى عليهم ما سمع منه إلى قوله: { مثل صاعقة عاد وثمود } فأمسكت بفيه، وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب. ه. ثم بين ما ذكره من صاعقة عاد وثمود، فقال: { فأما عاد فاستبكروا في الأرض بغير الحق } أي: تعاظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم، وهو القوة، وعظم الأجرام، واستولوا على الأرض بغير استحقاق للولاية، { وقالوا من أشد منا قوة } ، كانوا ذوي أجسام طوال، وخلق عظيم، بلغ من قوتهم أن الرجل كان يقلع الصخرة من الجبل بيده، ويلوي الحديد بيده، { أولم يروا } أي: أولم يعلموا علم عيان { أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة }؟ أوسع منهم قدرة لأنه قادر على كل شيء، وهم قادرون على بعض الأشياء بإقداره، { وكانوا بآياتنا } المنزلة على رسلهم { يجحدون } أي: ينكرونها وهم يعرفون حقيتها، كما يجحد المودع الوديعة. و هم: عطف على فاستكبروا، وما بينها اعتراض، للرد على كلمتهم الشنعاء. { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا } أي: باردا تهلك وتحرق لشدة بردها، من: الصر، وهو البرد، الذي يجمع ويقبض، أو: عاصفة تصوت في هبوبها، من الصرير، فضوعف، كما يقال: نهنهت وكفكفت. { في أيام نحسات } مشؤومات عليهم، من: نحس نحسا، نقيض: سعد سعدا، وكانت من الأربعاء آخر شوال إلى الأربعاء، وما عذب قوم إلا في الأربعاء. قيل: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، ودامت الرياح عليهم من غير مطر. قيل: إذا أراد الله بقوم خيرا، أرسل عليهم المطر، وحبس عنهم كثرة الرياح، وإذا أراد الله بقوم شرا، حبس عنهم المطر، وأرسل عليهم كثرة الرياح. ه. { لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا } ، أضاف العذاب إلى الخزي، وهو الذل، على أنه وصف للعذاب، كأنه قال: عذاب خزي، ويدل عليه قوله: { ولعذاب الآخرة أخزى } أي: أذل لصاحبه، وهو في الحقيقة وصف للمعذب، وصف به العذاب للمبالغة، كقولك: له شعر شاعر. { وهم لا ينصرون } برفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه. { وأما ثمود فهديناهم } دللناهم على الرشد، بنصب الآيات التكوينية، وإرسال الرسل، وإنزال الآيات التشريعية، { فاستحبوا العمى على الهدى } أي: اختاروا الضلالة على الهداية، { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } أي: داهية العذاب الذي يهين صاحبه ويخزيه، وهي الصيحة والرجفة، والهون: الهوان، وصف به للمبالغة، { بما كانوا يكسبون } أي: بكسبهم الخبيث من الشرك والمعاصي. قال الشيخ أبو منصور: يحتمل قوله: { فهديناهم }: بينا لهم، كما تقدم، ويحتمل: خلق الهداية في قلوبهم، فصاروا مهتدين، ثم كفروا بعد ذلك، وعقروا الناقة، لأن الهدي المضاف إلى الخالق يكون بمعنى البيان، ويكون بخلق فعل الاهتداء، وأما الهدي المضاف إلى الخلق فيكون بمعنى البيان، لا غير. ه. وقال الطيبي: قوله تعالى: { فهديناهم } هو كقوله تعالى: إذ جآءتهم الرسل [فصلت: 14]. وقوله: { فاستحبوا العمى على الهدى } هو كقوله: قالوا لو شآء ربنا... [فصلت: 14] الآية. وكذا في قوله: { فأما عاد فاستكبروا في الأرض } ، فإن الفاء في " فاستكبروا " فصيحة، تفصح عن محذوف، أي: فهديناهم فاستكبروا بدلالة ما قيل في ثمود. ه. { ونجينا الذين آمنوا } أي: اختاروا الهدى على العمى، من تلك الصاعقة، { وكانوا يتقون } الضلالة والتقليد. الإشارة: كل من أعرض عن الوعظ والتذكار، ونأى عن صحبة الأبرار فالصعقة لاحقة به، إما في الدنيا أو في الآخرة. وقوله تعالى: { فأما عاد فاستكبروا... } الآية: أوصاف العبودية أربعة: الضعف، والذل، والفقر، والعجز، فمن خرج عن واحد منها، فقد تعدى طوره، واستحق الهلاك والهوان، ورمته رياح الأقدار في مهاوي النيران. وقوله: { وأما ثمود فهديناهم } أي: بينا لهم طريق السير إلينا، على ألسنة الوسائط، فحادوا عنها، واستحبوا العمى على الهدى حيث لم يسبق لهم الهداية في الأزل، فالسوابق تؤثر في العواقب، والعواقب لا تؤثر في السوابق، فكأن جبلة القوم الضلالة، فمالوا إلى ما جبلوا عليه من قبول الضلالة. وقوله تعالى: { ونجينا الذين آمنوا } أي: في الدنيا من الصاعقة، وفي الآخرة من السقوط في الهاوية. قال القشيري: منهم من نجاهم من غير أن رأوا النار، عبروا القنطرة ولم يعلموا، وقوم كالبرق الخاطف، وهم أعلاهم قلت: بل أعلاهم كالطرف ثم قال: وقوم كالرواكض، وهم أيضا الأكابر، وقوم على الصراط يسقطون وتردهم الملائكة على الصراط، فبعدوا. ثم قال: وقوم بعدما دخلوا النار، فمنهم من تأخذه إلى كعبيه، ثم إلى ركبتيه، ثم إلى حقويه، فإذا بلغ القلب قال الحق للنار: لا تحرقي قلبه، فإنه محترق بي. وقوم يخرجون من النار بعدما أمتحشوا فصاروا حمما. ه منه. ثم ذكر وعيد أهل الشرك، فقال: { ويوم يحشر أعدآء الله }.

فصلت 41:19

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نحشر أعداء الله } من كفار المتقدمين والمتأخرين { إلى النار فهم يوزعون } يضمون ويساقون إلى النار، ويحبس أولهم على أخرهم، فيستوقف سوابقهم حتى تلحق بهم تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار، وأصله: من وزعته، أي: كففته. { حتى إذا ما جاؤوها } أي: حضروها، و " حتى ": غاية للحشر، أو: ليوزعون، و " ما ": مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور، فبمجرد حضورهم { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم } أي: بشراتهم { بما كانوا يعملون } في الدنيا، من فنون الكفر والمعاصي، بأن ينطقها الله تعالى، ويظهرعليها آثار ما اقترفوا بها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن المراد بشهادة الجلود: شهادة الفروج، كقول الشاعر: أو سالم من قد تث نى جلده وابيض رأسه فكنى بجلده عن فرحه، وهو الأنسب لتخصيص السؤال بها في قوله تعالى: { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } ، فإن ما تشهد به من الزنا أعظم جناية وقبحا، وأجلب للحزن والعقوبة، مما تشهد به السمع والأبصار من الجنايات المكتسبة بتوسطها. روي: أن العبد يقول يوم القيامة: يا رب، أليس قد وعدتني ألا تظلمني؟ فيقول تعالى: فإن لك ذلك، قال: فإني لا أقبل علي شاهدا إلا من نفسي، قال تعالى: أو ليس كفى بي شهيدا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال: فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول لهن: بعدا لكن وسحقا، عنكن كنت أجادل ". { قالوا } في جوابهم: { وأنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } من الحيوانات، وأقدرنا على بيان الواقع، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح، وما كتمناها. أو: ما نطقنا باختيارنا، بل أنطقنا الله الذي انطق كل شيء. وقيل: سألوها سؤال تعجب، فالمعنى حينئذ: وليس نطقنا بعجب من قدرة الله تعالى الذي أنطق كل شيء، { وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون } فإن من قدر على خلقكم أول مرة، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه، لا يتعجب من إنطاقه جوارحكم. ولعل صيغة المضارع، مع أن هذه المحاورة بعد البعث والرجع، كما أن المراد بالرجوع ليس مجرد الرد إلى الحياة بالعبث، بل ما يعمه، وما يترتب عليه من العذاب الخالد الترقب عند التخاطب، على تغليب المتوقع على الواقع، مع ما فيه من مراعاة الفواصل، فهذا على أنه من تتمة كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الحق تعالى لهم، فيوقف على " شيء " وهو ضعيف. وكذا قوله: { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم } ، يحتمل أن يكون من كلام الجلود، أو: من كلام الله عز وجل وهو الظاهر، أي: وما كنتم تستترون في الدنيا عند مباشرتكم الفواحش مخافة أن تشهد عليكم جوارحكم، ولو خفتم من ذلك ما استترتم بها، { ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } من القبائح الخفية، فلا يظهرها في الآخرة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كنت مستترا بأستار الكعبة، فدخل ثلاثة نفر وثقفيان وقرشي، أو: قرشيان وثقفي، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: سمع جهرنا ولا يسمع ما أخفينا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: { وما كنتم تستترون... } الآية، فالحكم المحكي حينئذ يكون خاصا بمن كان على ذلك الاعتقاد من الكفرة، انظر أبا السعود. { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم } أهلككم، ف " ذلك ": مبتدأ، و " ظنكم ": خبر، و " الذي ظننتم بربكم ": صفة، و " أرداكم ": خبر ثان، أو: ظنكم: بدل من " ذلك " و " أرداكم ": خبر، { فأصبحتم } بسبب الظن السوء { من الخاسرين } إذ صار ما منحوا لسعادة الدارين سببا لشقاء النشأتين. { فإن يصبروا فالنار مثوى } مقام { لهم } أي: فإن يصبروا لم ينفعهم الصبر، ولم ينفكوا به من الثوى في النار، { وإن يستعينوا } أي: يسألوا العتبى وهو الاسترضاء { فما هم من المعتبين } المجابين إليها، أي: وإن يطلبوا الاسترضاء من الله تعالى ليرضى عنهم، فما هم من المرضين لما تحتم عليهم واستوجبوه من السخط، قال الجوهري: أعتبني فلان: إذا عاد إلى مسرتي، راجعا عن الإساءة، والاسم منه: العتبى، يقال استعتبته فأعتبني، أي: استرضيته فأرضاني. وقال الهروي: إن يستقيلوا ربهم لم يقلهم، أي: لم يردهم إلى الدنيا، أو: إن أقالهم وردهم لم يعملوا بطاعته، كقوله: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه [الأنعام: 28]. الإشارة: أعداء الله هم الجاحدون لوحدانيته ولرسالة رسله، وهم الذين تشهد عليهم جوارحهم، وأما المؤمن فلا، نعم إن مات عاصيا شهدت عليه البقع أو الحفظة، فإن تاب أنسى الله حفظته ومعالمه في الأرض ذنوبه. قال في التذكرة: إن العبد إذا صدق في توبته أنسى الله ذنوبه لحافظيه، وأوحى إلى بقع الأرض وإلى جميع جوارحه: أن اكتموا مساوىء عبدي، ولا تظهروها، فإنه تاب إلي توبة صادقة، بنية مخلصة، فقبلته وتبت عليه، وأنا التواب الرحيم. وفي الآية حث على حسن الظن بالله، وفي الحديث: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل " وقال أيضا: " يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي... " الحديث فمن ظن خيرا لقي خيرا، ومن ظن شرا لقي شرا. وبالله التوفيق. ثم إن سبب الغواية أو الهداية هي الصحبة، كما قال تعالى: { وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين أيديهم }.

فصلت 41:20

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نحشر أعداء الله } من كفار المتقدمين والمتأخرين { إلى النار فهم يوزعون } يضمون ويساقون إلى النار، ويحبس أولهم على أخرهم، فيستوقف سوابقهم حتى تلحق بهم تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار، وأصله: من وزعته، أي: كففته. { حتى إذا ما جاؤوها } أي: حضروها، و " حتى ": غاية للحشر، أو: ليوزعون، و " ما ": مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور، فبمجرد حضورهم { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم } أي: بشراتهم { بما كانوا يعملون } في الدنيا، من فنون الكفر والمعاصي، بأن ينطقها الله تعالى، ويظهرعليها آثار ما اقترفوا بها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن المراد بشهادة الجلود: شهادة الفروج، كقول الشاعر: أو سالم من قد تث نى جلده وابيض رأسه فكنى بجلده عن فرحه، وهو الأنسب لتخصيص السؤال بها في قوله تعالى: { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } ، فإن ما تشهد به من الزنا أعظم جناية وقبحا، وأجلب للحزن والعقوبة، مما تشهد به السمع والأبصار من الجنايات المكتسبة بتوسطها. روي: أن العبد يقول يوم القيامة: يا رب، أليس قد وعدتني ألا تظلمني؟ فيقول تعالى: فإن لك ذلك، قال: فإني لا أقبل علي شاهدا إلا من نفسي، قال تعالى: أو ليس كفى بي شهيدا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال: فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول لهن: بعدا لكن وسحقا، عنكن كنت أجادل ". { قالوا } في جوابهم: { وأنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } من الحيوانات، وأقدرنا على بيان الواقع، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح، وما كتمناها. أو: ما نطقنا باختيارنا، بل أنطقنا الله الذي انطق كل شيء. وقيل: سألوها سؤال تعجب، فالمعنى حينئذ: وليس نطقنا بعجب من قدرة الله تعالى الذي أنطق كل شيء، { وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون } فإن من قدر على خلقكم أول مرة، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه، لا يتعجب من إنطاقه جوارحكم. ولعل صيغة المضارع، مع أن هذه المحاورة بعد البعث والرجع، كما أن المراد بالرجوع ليس مجرد الرد إلى الحياة بالعبث، بل ما يعمه، وما يترتب عليه من العذاب الخالد الترقب عند التخاطب، على تغليب المتوقع على الواقع، مع ما فيه من مراعاة الفواصل، فهذا على أنه من تتمة كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الحق تعالى لهم، فيوقف على " شيء " وهو ضعيف. وكذا قوله: { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم } ، يحتمل أن يكون من كلام الجلود، أو: من كلام الله عز وجل وهو الظاهر، أي: وما كنتم تستترون في الدنيا عند مباشرتكم الفواحش مخافة أن تشهد عليكم جوارحكم، ولو خفتم من ذلك ما استترتم بها، { ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } من القبائح الخفية، فلا يظهرها في الآخرة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كنت مستترا بأستار الكعبة، فدخل ثلاثة نفر وثقفيان وقرشي، أو: قرشيان وثقفي، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: سمع جهرنا ولا يسمع ما أخفينا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: { وما كنتم تستترون... } الآية، فالحكم المحكي حينئذ يكون خاصا بمن كان على ذلك الاعتقاد من الكفرة، انظر أبا السعود. { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم } أهلككم، ف " ذلك ": مبتدأ، و " ظنكم ": خبر، و " الذي ظننتم بربكم ": صفة، و " أرداكم ": خبر ثان، أو: ظنكم: بدل من " ذلك " و " أرداكم ": خبر، { فأصبحتم } بسبب الظن السوء { من الخاسرين } إذ صار ما منحوا لسعادة الدارين سببا لشقاء النشأتين. { فإن يصبروا فالنار مثوى } مقام { لهم } أي: فإن يصبروا لم ينفعهم الصبر، ولم ينفكوا به من الثوى في النار، { وإن يستعينوا } أي: يسألوا العتبى وهو الاسترضاء { فما هم من المعتبين } المجابين إليها، أي: وإن يطلبوا الاسترضاء من الله تعالى ليرضى عنهم، فما هم من المرضين لما تحتم عليهم واستوجبوه من السخط، قال الجوهري: أعتبني فلان: إذا عاد إلى مسرتي، راجعا عن الإساءة، والاسم منه: العتبى، يقال استعتبته فأعتبني، أي: استرضيته فأرضاني. وقال الهروي: إن يستقيلوا ربهم لم يقلهم، أي: لم يردهم إلى الدنيا، أو: إن أقالهم وردهم لم يعملوا بطاعته، كقوله: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه [الأنعام: 28]. الإشارة: أعداء الله هم الجاحدون لوحدانيته ولرسالة رسله، وهم الذين تشهد عليهم جوارحهم، وأما المؤمن فلا، نعم إن مات عاصيا شهدت عليه البقع أو الحفظة، فإن تاب أنسى الله حفظته ومعالمه في الأرض ذنوبه. قال في التذكرة: إن العبد إذا صدق في توبته أنسى الله ذنوبه لحافظيه، وأوحى إلى بقع الأرض وإلى جميع جوارحه: أن اكتموا مساوىء عبدي، ولا تظهروها، فإنه تاب إلي توبة صادقة، بنية مخلصة، فقبلته وتبت عليه، وأنا التواب الرحيم. وفي الآية حث على حسن الظن بالله، وفي الحديث: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل " وقال أيضا: " يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي... " الحديث فمن ظن خيرا لقي خيرا، ومن ظن شرا لقي شرا. وبالله التوفيق. ثم إن سبب الغواية أو الهداية هي الصحبة، كما قال تعالى: { وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين أيديهم }.

فصلت 41:21

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نحشر أعداء الله } من كفار المتقدمين والمتأخرين { إلى النار فهم يوزعون } يضمون ويساقون إلى النار، ويحبس أولهم على أخرهم، فيستوقف سوابقهم حتى تلحق بهم تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار، وأصله: من وزعته، أي: كففته. { حتى إذا ما جاؤوها } أي: حضروها، و " حتى ": غاية للحشر، أو: ليوزعون، و " ما ": مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور، فبمجرد حضورهم { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم } أي: بشراتهم { بما كانوا يعملون } في الدنيا، من فنون الكفر والمعاصي، بأن ينطقها الله تعالى، ويظهرعليها آثار ما اقترفوا بها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن المراد بشهادة الجلود: شهادة الفروج، كقول الشاعر: أو سالم من قد تث نى جلده وابيض رأسه فكنى بجلده عن فرحه، وهو الأنسب لتخصيص السؤال بها في قوله تعالى: { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } ، فإن ما تشهد به من الزنا أعظم جناية وقبحا، وأجلب للحزن والعقوبة، مما تشهد به السمع والأبصار من الجنايات المكتسبة بتوسطها. روي: أن العبد يقول يوم القيامة: يا رب، أليس قد وعدتني ألا تظلمني؟ فيقول تعالى: فإن لك ذلك، قال: فإني لا أقبل علي شاهدا إلا من نفسي، قال تعالى: أو ليس كفى بي شهيدا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال: فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول لهن: بعدا لكن وسحقا، عنكن كنت أجادل ". { قالوا } في جوابهم: { وأنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } من الحيوانات، وأقدرنا على بيان الواقع، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح، وما كتمناها. أو: ما نطقنا باختيارنا، بل أنطقنا الله الذي انطق كل شيء. وقيل: سألوها سؤال تعجب، فالمعنى حينئذ: وليس نطقنا بعجب من قدرة الله تعالى الذي أنطق كل شيء، { وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون } فإن من قدر على خلقكم أول مرة، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه، لا يتعجب من إنطاقه جوارحكم. ولعل صيغة المضارع، مع أن هذه المحاورة بعد البعث والرجع، كما أن المراد بالرجوع ليس مجرد الرد إلى الحياة بالعبث، بل ما يعمه، وما يترتب عليه من العذاب الخالد الترقب عند التخاطب، على تغليب المتوقع على الواقع، مع ما فيه من مراعاة الفواصل، فهذا على أنه من تتمة كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الحق تعالى لهم، فيوقف على " شيء " وهو ضعيف. وكذا قوله: { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم } ، يحتمل أن يكون من كلام الجلود، أو: من كلام الله عز وجل وهو الظاهر، أي: وما كنتم تستترون في الدنيا عند مباشرتكم الفواحش مخافة أن تشهد عليكم جوارحكم، ولو خفتم من ذلك ما استترتم بها، { ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } من القبائح الخفية، فلا يظهرها في الآخرة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كنت مستترا بأستار الكعبة، فدخل ثلاثة نفر وثقفيان وقرشي، أو: قرشيان وثقفي، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: سمع جهرنا ولا يسمع ما أخفينا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: { وما كنتم تستترون... } الآية، فالحكم المحكي حينئذ يكون خاصا بمن كان على ذلك الاعتقاد من الكفرة، انظر أبا السعود. { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم } أهلككم، ف " ذلك ": مبتدأ، و " ظنكم ": خبر، و " الذي ظننتم بربكم ": صفة، و " أرداكم ": خبر ثان، أو: ظنكم: بدل من " ذلك " و " أرداكم ": خبر، { فأصبحتم } بسبب الظن السوء { من الخاسرين } إذ صار ما منحوا لسعادة الدارين سببا لشقاء النشأتين. { فإن يصبروا فالنار مثوى } مقام { لهم } أي: فإن يصبروا لم ينفعهم الصبر، ولم ينفكوا به من الثوى في النار، { وإن يستعينوا } أي: يسألوا العتبى وهو الاسترضاء { فما هم من المعتبين } المجابين إليها، أي: وإن يطلبوا الاسترضاء من الله تعالى ليرضى عنهم، فما هم من المرضين لما تحتم عليهم واستوجبوه من السخط، قال الجوهري: أعتبني فلان: إذا عاد إلى مسرتي، راجعا عن الإساءة، والاسم منه: العتبى، يقال استعتبته فأعتبني، أي: استرضيته فأرضاني. وقال الهروي: إن يستقيلوا ربهم لم يقلهم، أي: لم يردهم إلى الدنيا، أو: إن أقالهم وردهم لم يعملوا بطاعته، كقوله: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه [الأنعام: 28]. الإشارة: أعداء الله هم الجاحدون لوحدانيته ولرسالة رسله، وهم الذين تشهد عليهم جوارحهم، وأما المؤمن فلا، نعم إن مات عاصيا شهدت عليه البقع أو الحفظة، فإن تاب أنسى الله حفظته ومعالمه في الأرض ذنوبه. قال في التذكرة: إن العبد إذا صدق في توبته أنسى الله ذنوبه لحافظيه، وأوحى إلى بقع الأرض وإلى جميع جوارحه: أن اكتموا مساوىء عبدي، ولا تظهروها، فإنه تاب إلي توبة صادقة، بنية مخلصة، فقبلته وتبت عليه، وأنا التواب الرحيم. وفي الآية حث على حسن الظن بالله، وفي الحديث: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل " وقال أيضا: " يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي... " الحديث فمن ظن خيرا لقي خيرا، ومن ظن شرا لقي شرا. وبالله التوفيق. ثم إن سبب الغواية أو الهداية هي الصحبة، كما قال تعالى: { وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين أيديهم }.

فصلت 41:22

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نحشر أعداء الله } من كفار المتقدمين والمتأخرين { إلى النار فهم يوزعون } يضمون ويساقون إلى النار، ويحبس أولهم على أخرهم، فيستوقف سوابقهم حتى تلحق بهم تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار، وأصله: من وزعته، أي: كففته. { حتى إذا ما جاؤوها } أي: حضروها، و " حتى ": غاية للحشر، أو: ليوزعون، و " ما ": مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور، فبمجرد حضورهم { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم } أي: بشراتهم { بما كانوا يعملون } في الدنيا، من فنون الكفر والمعاصي، بأن ينطقها الله تعالى، ويظهرعليها آثار ما اقترفوا بها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن المراد بشهادة الجلود: شهادة الفروج، كقول الشاعر: أو سالم من قد تث نى جلده وابيض رأسه فكنى بجلده عن فرحه، وهو الأنسب لتخصيص السؤال بها في قوله تعالى: { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } ، فإن ما تشهد به من الزنا أعظم جناية وقبحا، وأجلب للحزن والعقوبة، مما تشهد به السمع والأبصار من الجنايات المكتسبة بتوسطها. روي: أن العبد يقول يوم القيامة: يا رب، أليس قد وعدتني ألا تظلمني؟ فيقول تعالى: فإن لك ذلك، قال: فإني لا أقبل علي شاهدا إلا من نفسي، قال تعالى: أو ليس كفى بي شهيدا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال: فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول لهن: بعدا لكن وسحقا، عنكن كنت أجادل ". { قالوا } في جوابهم: { وأنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } من الحيوانات، وأقدرنا على بيان الواقع، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح، وما كتمناها. أو: ما نطقنا باختيارنا، بل أنطقنا الله الذي انطق كل شيء. وقيل: سألوها سؤال تعجب، فالمعنى حينئذ: وليس نطقنا بعجب من قدرة الله تعالى الذي أنطق كل شيء، { وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون } فإن من قدر على خلقكم أول مرة، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه، لا يتعجب من إنطاقه جوارحكم. ولعل صيغة المضارع، مع أن هذه المحاورة بعد البعث والرجع، كما أن المراد بالرجوع ليس مجرد الرد إلى الحياة بالعبث، بل ما يعمه، وما يترتب عليه من العذاب الخالد الترقب عند التخاطب، على تغليب المتوقع على الواقع، مع ما فيه من مراعاة الفواصل، فهذا على أنه من تتمة كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الحق تعالى لهم، فيوقف على " شيء " وهو ضعيف. وكذا قوله: { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم } ، يحتمل أن يكون من كلام الجلود، أو: من كلام الله عز وجل وهو الظاهر، أي: وما كنتم تستترون في الدنيا عند مباشرتكم الفواحش مخافة أن تشهد عليكم جوارحكم، ولو خفتم من ذلك ما استترتم بها، { ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } من القبائح الخفية، فلا يظهرها في الآخرة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كنت مستترا بأستار الكعبة، فدخل ثلاثة نفر وثقفيان وقرشي، أو: قرشيان وثقفي، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: سمع جهرنا ولا يسمع ما أخفينا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: { وما كنتم تستترون... } الآية، فالحكم المحكي حينئذ يكون خاصا بمن كان على ذلك الاعتقاد من الكفرة، انظر أبا السعود. { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم } أهلككم، ف " ذلك ": مبتدأ، و " ظنكم ": خبر، و " الذي ظننتم بربكم ": صفة، و " أرداكم ": خبر ثان، أو: ظنكم: بدل من " ذلك " و " أرداكم ": خبر، { فأصبحتم } بسبب الظن السوء { من الخاسرين } إذ صار ما منحوا لسعادة الدارين سببا لشقاء النشأتين. { فإن يصبروا فالنار مثوى } مقام { لهم } أي: فإن يصبروا لم ينفعهم الصبر، ولم ينفكوا به من الثوى في النار، { وإن يستعينوا } أي: يسألوا العتبى وهو الاسترضاء { فما هم من المعتبين } المجابين إليها، أي: وإن يطلبوا الاسترضاء من الله تعالى ليرضى عنهم، فما هم من المرضين لما تحتم عليهم واستوجبوه من السخط، قال الجوهري: أعتبني فلان: إذا عاد إلى مسرتي، راجعا عن الإساءة، والاسم منه: العتبى، يقال استعتبته فأعتبني، أي: استرضيته فأرضاني. وقال الهروي: إن يستقيلوا ربهم لم يقلهم، أي: لم يردهم إلى الدنيا، أو: إن أقالهم وردهم لم يعملوا بطاعته، كقوله: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه [الأنعام: 28]. الإشارة: أعداء الله هم الجاحدون لوحدانيته ولرسالة رسله، وهم الذين تشهد عليهم جوارحهم، وأما المؤمن فلا، نعم إن مات عاصيا شهدت عليه البقع أو الحفظة، فإن تاب أنسى الله حفظته ومعالمه في الأرض ذنوبه. قال في التذكرة: إن العبد إذا صدق في توبته أنسى الله ذنوبه لحافظيه، وأوحى إلى بقع الأرض وإلى جميع جوارحه: أن اكتموا مساوىء عبدي، ولا تظهروها، فإنه تاب إلي توبة صادقة، بنية مخلصة، فقبلته وتبت عليه، وأنا التواب الرحيم. وفي الآية حث على حسن الظن بالله، وفي الحديث: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل " وقال أيضا: " يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي... " الحديث فمن ظن خيرا لقي خيرا، ومن ظن شرا لقي شرا. وبالله التوفيق. ثم إن سبب الغواية أو الهداية هي الصحبة، كما قال تعالى: { وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين أيديهم }.

فصلت 41:23

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نحشر أعداء الله } من كفار المتقدمين والمتأخرين { إلى النار فهم يوزعون } يضمون ويساقون إلى النار، ويحبس أولهم على أخرهم، فيستوقف سوابقهم حتى تلحق بهم تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار، وأصله: من وزعته، أي: كففته. { حتى إذا ما جاؤوها } أي: حضروها، و " حتى ": غاية للحشر، أو: ليوزعون، و " ما ": مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور، فبمجرد حضورهم { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم } أي: بشراتهم { بما كانوا يعملون } في الدنيا، من فنون الكفر والمعاصي، بأن ينطقها الله تعالى، ويظهرعليها آثار ما اقترفوا بها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن المراد بشهادة الجلود: شهادة الفروج، كقول الشاعر: أو سالم من قد تث نى جلده وابيض رأسه فكنى بجلده عن فرحه، وهو الأنسب لتخصيص السؤال بها في قوله تعالى: { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } ، فإن ما تشهد به من الزنا أعظم جناية وقبحا، وأجلب للحزن والعقوبة، مما تشهد به السمع والأبصار من الجنايات المكتسبة بتوسطها. روي: أن العبد يقول يوم القيامة: يا رب، أليس قد وعدتني ألا تظلمني؟ فيقول تعالى: فإن لك ذلك، قال: فإني لا أقبل علي شاهدا إلا من نفسي، قال تعالى: أو ليس كفى بي شهيدا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال: فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول لهن: بعدا لكن وسحقا، عنكن كنت أجادل ". { قالوا } في جوابهم: { وأنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } من الحيوانات، وأقدرنا على بيان الواقع، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح، وما كتمناها. أو: ما نطقنا باختيارنا، بل أنطقنا الله الذي انطق كل شيء. وقيل: سألوها سؤال تعجب، فالمعنى حينئذ: وليس نطقنا بعجب من قدرة الله تعالى الذي أنطق كل شيء، { وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون } فإن من قدر على خلقكم أول مرة، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه، لا يتعجب من إنطاقه جوارحكم. ولعل صيغة المضارع، مع أن هذه المحاورة بعد البعث والرجع، كما أن المراد بالرجوع ليس مجرد الرد إلى الحياة بالعبث، بل ما يعمه، وما يترتب عليه من العذاب الخالد الترقب عند التخاطب، على تغليب المتوقع على الواقع، مع ما فيه من مراعاة الفواصل، فهذا على أنه من تتمة كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الحق تعالى لهم، فيوقف على " شيء " وهو ضعيف. وكذا قوله: { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم } ، يحتمل أن يكون من كلام الجلود، أو: من كلام الله عز وجل وهو الظاهر، أي: وما كنتم تستترون في الدنيا عند مباشرتكم الفواحش مخافة أن تشهد عليكم جوارحكم، ولو خفتم من ذلك ما استترتم بها، { ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } من القبائح الخفية، فلا يظهرها في الآخرة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كنت مستترا بأستار الكعبة، فدخل ثلاثة نفر وثقفيان وقرشي، أو: قرشيان وثقفي، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: سمع جهرنا ولا يسمع ما أخفينا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: { وما كنتم تستترون... } الآية، فالحكم المحكي حينئذ يكون خاصا بمن كان على ذلك الاعتقاد من الكفرة، انظر أبا السعود. { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم } أهلككم، ف " ذلك ": مبتدأ، و " ظنكم ": خبر، و " الذي ظننتم بربكم ": صفة، و " أرداكم ": خبر ثان، أو: ظنكم: بدل من " ذلك " و " أرداكم ": خبر، { فأصبحتم } بسبب الظن السوء { من الخاسرين } إذ صار ما منحوا لسعادة الدارين سببا لشقاء النشأتين. { فإن يصبروا فالنار مثوى } مقام { لهم } أي: فإن يصبروا لم ينفعهم الصبر، ولم ينفكوا به من الثوى في النار، { وإن يستعينوا } أي: يسألوا العتبى وهو الاسترضاء { فما هم من المعتبين } المجابين إليها، أي: وإن يطلبوا الاسترضاء من الله تعالى ليرضى عنهم، فما هم من المرضين لما تحتم عليهم واستوجبوه من السخط، قال الجوهري: أعتبني فلان: إذا عاد إلى مسرتي، راجعا عن الإساءة، والاسم منه: العتبى، يقال استعتبته فأعتبني، أي: استرضيته فأرضاني. وقال الهروي: إن يستقيلوا ربهم لم يقلهم، أي: لم يردهم إلى الدنيا، أو: إن أقالهم وردهم لم يعملوا بطاعته، كقوله: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه [الأنعام: 28]. الإشارة: أعداء الله هم الجاحدون لوحدانيته ولرسالة رسله، وهم الذين تشهد عليهم جوارحهم، وأما المؤمن فلا، نعم إن مات عاصيا شهدت عليه البقع أو الحفظة، فإن تاب أنسى الله حفظته ومعالمه في الأرض ذنوبه. قال في التذكرة: إن العبد إذا صدق في توبته أنسى الله ذنوبه لحافظيه، وأوحى إلى بقع الأرض وإلى جميع جوارحه: أن اكتموا مساوىء عبدي، ولا تظهروها، فإنه تاب إلي توبة صادقة، بنية مخلصة، فقبلته وتبت عليه، وأنا التواب الرحيم. وفي الآية حث على حسن الظن بالله، وفي الحديث: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل " وقال أيضا: " يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي... " الحديث فمن ظن خيرا لقي خيرا، ومن ظن شرا لقي شرا. وبالله التوفيق. ثم إن سبب الغواية أو الهداية هي الصحبة، كما قال تعالى: { وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين أيديهم }.

فصلت 41:24

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نحشر أعداء الله } من كفار المتقدمين والمتأخرين { إلى النار فهم يوزعون } يضمون ويساقون إلى النار، ويحبس أولهم على أخرهم، فيستوقف سوابقهم حتى تلحق بهم تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار، وأصله: من وزعته، أي: كففته. { حتى إذا ما جاؤوها } أي: حضروها، و " حتى ": غاية للحشر، أو: ليوزعون، و " ما ": مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور، فبمجرد حضورهم { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم } أي: بشراتهم { بما كانوا يعملون } في الدنيا، من فنون الكفر والمعاصي، بأن ينطقها الله تعالى، ويظهرعليها آثار ما اقترفوا بها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن المراد بشهادة الجلود: شهادة الفروج، كقول الشاعر: أو سالم من قد تث نى جلده وابيض رأسه فكنى بجلده عن فرحه، وهو الأنسب لتخصيص السؤال بها في قوله تعالى: { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } ، فإن ما تشهد به من الزنا أعظم جناية وقبحا، وأجلب للحزن والعقوبة، مما تشهد به السمع والأبصار من الجنايات المكتسبة بتوسطها. روي: أن العبد يقول يوم القيامة: يا رب، أليس قد وعدتني ألا تظلمني؟ فيقول تعالى: فإن لك ذلك، قال: فإني لا أقبل علي شاهدا إلا من نفسي، قال تعالى: أو ليس كفى بي شهيدا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال: فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول لهن: بعدا لكن وسحقا، عنكن كنت أجادل ". { قالوا } في جوابهم: { وأنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } من الحيوانات، وأقدرنا على بيان الواقع، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح، وما كتمناها. أو: ما نطقنا باختيارنا، بل أنطقنا الله الذي انطق كل شيء. وقيل: سألوها سؤال تعجب، فالمعنى حينئذ: وليس نطقنا بعجب من قدرة الله تعالى الذي أنطق كل شيء، { وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون } فإن من قدر على خلقكم أول مرة، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه، لا يتعجب من إنطاقه جوارحكم. ولعل صيغة المضارع، مع أن هذه المحاورة بعد البعث والرجع، كما أن المراد بالرجوع ليس مجرد الرد إلى الحياة بالعبث، بل ما يعمه، وما يترتب عليه من العذاب الخالد الترقب عند التخاطب، على تغليب المتوقع على الواقع، مع ما فيه من مراعاة الفواصل، فهذا على أنه من تتمة كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الحق تعالى لهم، فيوقف على " شيء " وهو ضعيف. وكذا قوله: { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم } ، يحتمل أن يكون من كلام الجلود، أو: من كلام الله عز وجل وهو الظاهر، أي: وما كنتم تستترون في الدنيا عند مباشرتكم الفواحش مخافة أن تشهد عليكم جوارحكم، ولو خفتم من ذلك ما استترتم بها، { ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } من القبائح الخفية، فلا يظهرها في الآخرة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كنت مستترا بأستار الكعبة، فدخل ثلاثة نفر وثقفيان وقرشي، أو: قرشيان وثقفي، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: سمع جهرنا ولا يسمع ما أخفينا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: { وما كنتم تستترون... } الآية، فالحكم المحكي حينئذ يكون خاصا بمن كان على ذلك الاعتقاد من الكفرة، انظر أبا السعود. { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم } أهلككم، ف " ذلك ": مبتدأ، و " ظنكم ": خبر، و " الذي ظننتم بربكم ": صفة، و " أرداكم ": خبر ثان، أو: ظنكم: بدل من " ذلك " و " أرداكم ": خبر، { فأصبحتم } بسبب الظن السوء { من الخاسرين } إذ صار ما منحوا لسعادة الدارين سببا لشقاء النشأتين. { فإن يصبروا فالنار مثوى } مقام { لهم } أي: فإن يصبروا لم ينفعهم الصبر، ولم ينفكوا به من الثوى في النار، { وإن يستعينوا } أي: يسألوا العتبى وهو الاسترضاء { فما هم من المعتبين } المجابين إليها، أي: وإن يطلبوا الاسترضاء من الله تعالى ليرضى عنهم، فما هم من المرضين لما تحتم عليهم واستوجبوه من السخط، قال الجوهري: أعتبني فلان: إذا عاد إلى مسرتي، راجعا عن الإساءة، والاسم منه: العتبى، يقال استعتبته فأعتبني، أي: استرضيته فأرضاني. وقال الهروي: إن يستقيلوا ربهم لم يقلهم، أي: لم يردهم إلى الدنيا، أو: إن أقالهم وردهم لم يعملوا بطاعته، كقوله: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه [الأنعام: 28]. الإشارة: أعداء الله هم الجاحدون لوحدانيته ولرسالة رسله، وهم الذين تشهد عليهم جوارحهم، وأما المؤمن فلا، نعم إن مات عاصيا شهدت عليه البقع أو الحفظة، فإن تاب أنسى الله حفظته ومعالمه في الأرض ذنوبه. قال في التذكرة: إن العبد إذا صدق في توبته أنسى الله ذنوبه لحافظيه، وأوحى إلى بقع الأرض وإلى جميع جوارحه: أن اكتموا مساوىء عبدي، ولا تظهروها، فإنه تاب إلي توبة صادقة، بنية مخلصة، فقبلته وتبت عليه، وأنا التواب الرحيم. وفي الآية حث على حسن الظن بالله، وفي الحديث: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل " وقال أيضا: " يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي... " الحديث فمن ظن خيرا لقي خيرا، ومن ظن شرا لقي شرا. وبالله التوفيق. ثم إن سبب الغواية أو الهداية هي الصحبة، كما قال تعالى: { وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين أيديهم }.

فصلت 41:25

يقول الحق جل جلاله: { وقيضنا } أي: سيرنا، أو: قدرنا، { لهم } أي: كفار مكة في الدنيا { قرناء } سواء من الجن والإنس، أو: سلطنا عليهم نظراء لهم من الشياطين يستولون عليهم، كقوله: ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين [الزخرف: 36]، { فزينوا لهم ما بين أيديهم } من أمور الدنيا، واتباع الشهوات، والتقليد لأسلافهم، حتى حادوا عن الحق، { وما خلفهم } من أمور الآخرة، حيث ألقوا إليهم: ألا بعث ولا حساب. أو: ما تقدم من أعمالهم وما هم عازمون عليها، { وحق عليهم القول } أي: ثبت وتقرر عليهم كلمة العذاب، أو: تحقق موجبها ومصداقها، وهي قوله تعالى لإبليس: لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين [ص: 85]، حال كونهم { في } جملة { أمم قد خلت من قبلهم } أي: قبل أهل مكة { من الجن والإنس } كانوا مصرين على الكفر والعصيان، { إنهم كانوا خاسرين } حيث آثروا الباطل على الحق، وهو تعليل لاستحقاقهم العذاب. والضمير لهم وللأمم. الإشارة: قال القشيري: إذا أراد الله بعبده سوء، قيض له إخوان سوء وقرناء شر، هم الأضداد له فيما راموا، وإذا أراد الله بعبد خيرا قيض له قرناء خير، يعينونه على الطاعة، ويحملونه عليها، ويدعونه إليها، وإذا كانوا إخوان سوء يحملونه على المخالفات، ويدعونه إليها، ومن ذلك الشيطان. ثم قال: وشر قرين للمرء نفسه، ثم الشيطان، ثم شياطين الإنس، فزينوا لهم ما بين أيديهم من طول الأمل، وما خلفهم من نسيان الزلل، والتسويف في التوبة، والتقصير في الطاعة. ه. قلت: والله ما رأينا الفلاح والخسران إلا من الخلطة. قال بعضهم: والله ما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح، ولا سيما صبحة العارفين فساعة معهم تعدل عبادة سنين بالصيام والقيام وأنواع المجاهدة، ولله در الجيلاني رضي الله عنه حيث قال: فشمر ولذ بالأولياء فإنهم لهم من كتاب الله تلك الوقائع هم الذخر للملهوف والكنز للرجا ومنهم ينال الصب ما هو طامع بهم يهتدى للعين من ضل في العمى بهم يجذب العشاق والربع شاسع هم الناس فالزم إن عرفت جنابهم ففيهم لضر العالمين منافع ثم ذكر بعض ما زينوا لهم، فقال: { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن }.

فصلت 41:26

يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا } من رؤساء المشركين لأتباعهم، أو: بعضهم لبعض: { لا تسمعوا لهذا القرآن } إذا قرىء، أي: لا تنصتوا له لأنه يقلب القلوب، ويسبي العقول، وكل من استمع إليه صبا إليه، { والغوا فيه لعلكم تغلبون } أي: عارضوه بكلام غير مفهوم، أو: بالخرافات من الرجز والشعر والتصدية، وارفعوا أصواتكم بها { لعلكم تغلبون } أي: تغلبونه على قراءته، وشوشوا عليه فيقع في الغلط، أو: لا يسمعه منه أحد. واللغو: الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته. { فلنذيقن الذين كفروا } أي فوالله لنذيقن هؤلاء اللاغين والقائلين، أو: جميع الكفار، وهم داخلون فيهم دخولا أوليا. { عذابا شديدا } لا يقادر قدره، { ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون } أي: أعظم عقوبة على أسوأ أعمالهم، وهو الكفر، وقيل: إنه لا يجازيهم بمحاسن أعمالهم، كإغاثة الملهوفين، وصلة الأرحام، وقرى الضيف لأنها محبطة بالكفر، وإنما يجازيهم على أسوئها. عن ابن عباس: { عذابا شديدا }: يوم بدر، و { أسوأ الذي كانوا يعملون }: ما يجزون في الآخرة. { ذلك جزاء أعداء الله النار } أي: ذلك الأسوأ من الجزاء هو جزاء أعداء الله، وهو النار. فالنار: خبر عن مضمر، أو: عطف بيان للجزاء، والنار: مبتدأ. و { لهم فيها دار الخلد }: خبر، أي: النار في نفسها دار الخلد، كما تقول: لك في هذه الدار السرور، وأنت تعني الدار بعينها، ويسمى في علم البلاغة: التجريد، وهو أن ينتزع من ذي صفة أمرا آخر مثله، مبالغة، لكمال فيه. تقول: لقيت من زيد أسدا. وقيل: هي على معناها، والمراد: أن لهم في النار المشتملة على الدركات دار مخصوصة، هم فيها خالدون، { جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون } أي: جوزوا بذلك جزاء بسبب ما كانوا يجحدون بآياتنا ويلغون فيها. الإشارة: الآية تنسحب على من يرفع صوته بمحضر مجلس الوعظ والذكر، أو العلم النافع، أو صفوف الصلاة، فهذه المجالس يجب صونها من اللغو والصخب، ويجب الاستماع لها، والإنصات، والتوقير، والتعظيم، لأنها موروثة عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى: إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى [الحجرات: 3]، ومن فعل شيئا من ذلك فالوعيد بقوله تعالى: { فلنذيقن الذين كفروا... } الآية منه بالمرصاد. والله تعالى أعلم. ثم ذكر مقالتهم بعد دخول النار، فقال: { وقال الذين كفروا ربنآ أرنا الذين أضلانا }.

فصلت 41:27

يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا } من رؤساء المشركين لأتباعهم، أو: بعضهم لبعض: { لا تسمعوا لهذا القرآن } إذا قرىء، أي: لا تنصتوا له لأنه يقلب القلوب، ويسبي العقول، وكل من استمع إليه صبا إليه، { والغوا فيه لعلكم تغلبون } أي: عارضوه بكلام غير مفهوم، أو: بالخرافات من الرجز والشعر والتصدية، وارفعوا أصواتكم بها { لعلكم تغلبون } أي: تغلبونه على قراءته، وشوشوا عليه فيقع في الغلط، أو: لا يسمعه منه أحد. واللغو: الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته. { فلنذيقن الذين كفروا } أي فوالله لنذيقن هؤلاء اللاغين والقائلين، أو: جميع الكفار، وهم داخلون فيهم دخولا أوليا. { عذابا شديدا } لا يقادر قدره، { ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون } أي: أعظم عقوبة على أسوأ أعمالهم، وهو الكفر، وقيل: إنه لا يجازيهم بمحاسن أعمالهم، كإغاثة الملهوفين، وصلة الأرحام، وقرى الضيف لأنها محبطة بالكفر، وإنما يجازيهم على أسوئها. عن ابن عباس: { عذابا شديدا }: يوم بدر، و { أسوأ الذي كانوا يعملون }: ما يجزون في الآخرة. { ذلك جزاء أعداء الله النار } أي: ذلك الأسوأ من الجزاء هو جزاء أعداء الله، وهو النار. فالنار: خبر عن مضمر، أو: عطف بيان للجزاء، والنار: مبتدأ. و { لهم فيها دار الخلد }: خبر، أي: النار في نفسها دار الخلد، كما تقول: لك في هذه الدار السرور، وأنت تعني الدار بعينها، ويسمى في علم البلاغة: التجريد، وهو أن ينتزع من ذي صفة أمرا آخر مثله، مبالغة، لكمال فيه. تقول: لقيت من زيد أسدا. وقيل: هي على معناها، والمراد: أن لهم في النار المشتملة على الدركات دار مخصوصة، هم فيها خالدون، { جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون } أي: جوزوا بذلك جزاء بسبب ما كانوا يجحدون بآياتنا ويلغون فيها. الإشارة: الآية تنسحب على من يرفع صوته بمحضر مجلس الوعظ والذكر، أو العلم النافع، أو صفوف الصلاة، فهذه المجالس يجب صونها من اللغو والصخب، ويجب الاستماع لها، والإنصات، والتوقير، والتعظيم، لأنها موروثة عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى: إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى [الحجرات: 3]، ومن فعل شيئا من ذلك فالوعيد بقوله تعالى: { فلنذيقن الذين كفروا... } الآية منه بالمرصاد. والله تعالى أعلم. ثم ذكر مقالتهم بعد دخول النار، فقال: { وقال الذين كفروا ربنآ أرنا الذين أضلانا }.

فصلت 41:28

يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا } من رؤساء المشركين لأتباعهم، أو: بعضهم لبعض: { لا تسمعوا لهذا القرآن } إذا قرىء، أي: لا تنصتوا له لأنه يقلب القلوب، ويسبي العقول، وكل من استمع إليه صبا إليه، { والغوا فيه لعلكم تغلبون } أي: عارضوه بكلام غير مفهوم، أو: بالخرافات من الرجز والشعر والتصدية، وارفعوا أصواتكم بها { لعلكم تغلبون } أي: تغلبونه على قراءته، وشوشوا عليه فيقع في الغلط، أو: لا يسمعه منه أحد. واللغو: الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته. { فلنذيقن الذين كفروا } أي فوالله لنذيقن هؤلاء اللاغين والقائلين، أو: جميع الكفار، وهم داخلون فيهم دخولا أوليا. { عذابا شديدا } لا يقادر قدره، { ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون } أي: أعظم عقوبة على أسوأ أعمالهم، وهو الكفر، وقيل: إنه لا يجازيهم بمحاسن أعمالهم، كإغاثة الملهوفين، وصلة الأرحام، وقرى الضيف لأنها محبطة بالكفر، وإنما يجازيهم على أسوئها. عن ابن عباس: { عذابا شديدا }: يوم بدر، و { أسوأ الذي كانوا يعملون }: ما يجزون في الآخرة. { ذلك جزاء أعداء الله النار } أي: ذلك الأسوأ من الجزاء هو جزاء أعداء الله، وهو النار. فالنار: خبر عن مضمر، أو: عطف بيان للجزاء، والنار: مبتدأ. و { لهم فيها دار الخلد }: خبر، أي: النار في نفسها دار الخلد، كما تقول: لك في هذه الدار السرور، وأنت تعني الدار بعينها، ويسمى في علم البلاغة: التجريد، وهو أن ينتزع من ذي صفة أمرا آخر مثله، مبالغة، لكمال فيه. تقول: لقيت من زيد أسدا. وقيل: هي على معناها، والمراد: أن لهم في النار المشتملة على الدركات دار مخصوصة، هم فيها خالدون، { جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون } أي: جوزوا بذلك جزاء بسبب ما كانوا يجحدون بآياتنا ويلغون فيها. الإشارة: الآية تنسحب على من يرفع صوته بمحضر مجلس الوعظ والذكر، أو العلم النافع، أو صفوف الصلاة، فهذه المجالس يجب صونها من اللغو والصخب، ويجب الاستماع لها، والإنصات، والتوقير، والتعظيم، لأنها موروثة عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى: إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى [الحجرات: 3]، ومن فعل شيئا من ذلك فالوعيد بقوله تعالى: { فلنذيقن الذين كفروا... } الآية منه بالمرصاد. والله تعالى أعلم. ثم ذكر مقالتهم بعد دخول النار، فقال: { وقال الذين كفروا ربنآ أرنا الذين أضلانا }.

فصلت 41:29

يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين كفروا } وهم متقلبون فيما ذكر من العذاب: { ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس } ، يعنون الفريقين الحاملين على الضلال، من شياطين الجن والإنس، بالتسويل والتزيين، وقيل: هما إبليس وقابيل، فإنهما سنا الكفر والقتل، وقرىء بسكون الراء تخفيفا، كفخذ وفخذ، وبالاختلاس، أي: أبصرناهما، { نجعلهما تحت أقدامنا } أي: ندسهما تحت أرجلنا، انتقاما منهما، أو: نجعلهما في الدرك الأسفل { ليكونا من الأسفلين } ذلا ومهانة، أو: مكانا، جزاء إضلالهم إيانا. الإشارة: كل من سقط عن درجة المقربين العارفين، وتعوق عن صحبتهم، بسبب تعويق أحد، تمنى يوم القيامة أن يكون تحت قدمه، ليكون أسفل منه، غيظا وندما، ولا ينفع التمني والندم في ذلك اليوم. وبالله التوفيق. ثم ذكر أهل القرب والعناية، بعد ذكر أهل البعد والغواية، فقال: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا }.

فصلت 41:30

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين قالوا ربنا الله } أي: نطقوا بالتوحيد واعتقدوا، { ثم استقاموا } أي: ثبتوا على الإقرار ومقتضياته من حسن الأعمال، وعن الصديق رضي الله عنه: استقاموا فعلا، كما استقاموا قولا. وعنه: أنه تلاها ثم قال: ما تقولون فيها؟ قالوا: لم يذنبوا، قال: حملتم الأمر على أشده، قالوا: فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. وعن عمر رضي الله عنه: لم يروغوا روغان الثعالب، أي: لم ينافقوا. وعن عثمان رضي الله عنه: أحكموا العمل، وعن علي رضي الله عنه: أدوا الفرائض. وعن الفضيل: زهدوا في الفانية، ورغبوا في الباقية. قلت: ويجمعها الإقرار بالربوبية، والقيام بوصائف العبودية. { تتنزل عليهم الملائكة } عند الموت، وفي القبر، وعند البعث، أو: في الدنيا بإلهام الخير وشرح الصدر، وإعانتهم على الأمور الدينية، كما أن الكفرة تقويهم ما قيض لهم في قرناء السوء. والأظهر: العموم. { ألا تخافوا ولا تحزنوا } ف " أن " مخففة، أو: تفسيرية، أي: لا تخافوا ما تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما خلفتم، فالخوف: غم يلحق لتوقع مكروه، والحزن: غم يلحق لفوات نافع، أو حضور ضار. والمعنى: أن الله تعالى كتب لكم الأمن من كل غم، فلن تذوقوه أبدا. { وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } في الدنيا على ألسنة الرسل. وقال محمد بن علي الترمذي: تتنزل عليهم ملائكة الرحمة، عند مفارقة الأرواح الأبدان، ألا تخافوا سلب الإيمان، ولا تحزنوا على ما كان من العصيان، وأبشروا بدخول الجنان، التي توعدون في سالف الأزمان. { نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة } ، كما أن الشياطين قرناء العصاة وإخوانهم، فكذلك الملائكة أولياء المتقين وأحباؤهم في الدارين. { ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم } من فنون الطيبات، { ولكم فيها ما تدعون } ما تتمنون، افتعال من الدعاء، بمعنى الطلب، { نزلا }: حال من مفعلو " تدعون " المحذوف، أو: من " ما " ، والنزل: ما يقدم للنزيل، وفيه تنبيه على أن ما يتمنونه بالنسبة إلى ما يعطون من عظائم النعيم كالنزل للضيف. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن الذين أقروا بقهرية الربوبية، وقاموا بوظائف العبودية، تتنزل عليهم الملائكة بالبشارة الأبدية. قال القشيري: فأما الاستقامة فهي الثبات على شرائط الإيمان بجملتها، من غير إخلال بشيء من أقسامها. ثم قال: من كان له أصل الاستقامة، وهي التوحيد، أمن من الخلود في النار، ومن كان له كمال الاستقامة أمن من الوعيد، من غير أن يلحقه سوء بحال. ويقال: استقاموا على دوام الشهود، وانفراد القلب بالمعبود، أو: استقاموا في تصفية العقد، ثم في توفية العهد، ثم في صحة القصد، بدوام الوجد، أو: استقاموا بأقوالهم، ثم بأعمالهم، ثم بصفاء أحوالهم، في وقتهم وفي مآلهم، أو: داموا على طاعته، واستقاموا في معرفته، وهاموا في محبته، وقاموا بشرائط خدمته. واستقامة العابد: ألا يعود إلى الفترة واتباع الشهوة، ولا يدخله رياء ولا تصنع، واستقامة العارف: ألا يشوب معرفته حظ في الدارين، فيحجب به عن مولاه، واستقامة المحبين: ألا يكون لهم أرب من غير محبوبهم يكتفون من عطائه ببقائه، ومن مقتضى جوده بدوام عزه ووجوده. ه. وقوله تعالى: { تتنزل عليهم الملائكة } أي: تمدهم بالاهتداء والأنوار، وتلهمهم العلوم والأسرار، في مقابلة تقييض الغافل بالقرناء الأشرار، فكما أن الغافل يخذل بتسليط الغواة في الدارين، كذلك العارف يمد وينصر من قبل الملائكة في الدارين. وقوله تعالى: { ألا تخافوا ولا تحزنوا } أي: حيث وجدتم الله لا تخافوا من شيء، ولا تحزنوا على فوات شيء، إذ لم يفتكم شيء، وماذا فقط من وجده؟ قال القشيري: لا تخافوا من عزلة الولاية، ولا تحزنوا على ما أسلفتم من الجناية، وأبشروا بحسن العناية، أو: لا تخافوا مما أسلفتم، ولا تحزنوا على ما خلفتم، وأبشروا بالجنة التي وعدتم. أو: لا تخافوا المذلة، ولا تحزنوا على ما أسلفتم من الزلة، وأبشروا بدوام الوصلة. ه. ثم قال في قوله تعالى: { نحن أولياؤكم }: الولاية من الله تعالى بمعنى المحبة، وتكون بمعنى النصرة، وهذا الخطاب بقوله: { نحن أولياؤكم } ، يحتمل أن يكون من قبل الملائكة، الذين يتنزلون عليهم، ويحتمل أن يكون ابتداء خطاب من الله تعالى، والنصرة تصدر من المحبة، ولو لم تكن المحبة الأزلية لم تكن تحصل النصرة في الحال. ه. وكونه من الملائكة أظهر، كما تقدم. والله تعالى أعلم. ولمت ذكر حال أهل الاستقامة، ذكر حال من دعا إليها، أو: نقول: لما ذكر حال أهل الكمال فقط، ذكر أهل الكمال والتكميل، فقال: { ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله }.

فصلت 41:31

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين قالوا ربنا الله } أي: نطقوا بالتوحيد واعتقدوا، { ثم استقاموا } أي: ثبتوا على الإقرار ومقتضياته من حسن الأعمال، وعن الصديق رضي الله عنه: استقاموا فعلا، كما استقاموا قولا. وعنه: أنه تلاها ثم قال: ما تقولون فيها؟ قالوا: لم يذنبوا، قال: حملتم الأمر على أشده، قالوا: فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. وعن عمر رضي الله عنه: لم يروغوا روغان الثعالب، أي: لم ينافقوا. وعن عثمان رضي الله عنه: أحكموا العمل، وعن علي رضي الله عنه: أدوا الفرائض. وعن الفضيل: زهدوا في الفانية، ورغبوا في الباقية. قلت: ويجمعها الإقرار بالربوبية، والقيام بوصائف العبودية. { تتنزل عليهم الملائكة } عند الموت، وفي القبر، وعند البعث، أو: في الدنيا بإلهام الخير وشرح الصدر، وإعانتهم على الأمور الدينية، كما أن الكفرة تقويهم ما قيض لهم في قرناء السوء. والأظهر: العموم. { ألا تخافوا ولا تحزنوا } ف " أن " مخففة، أو: تفسيرية، أي: لا تخافوا ما تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما خلفتم، فالخوف: غم يلحق لتوقع مكروه، والحزن: غم يلحق لفوات نافع، أو حضور ضار. والمعنى: أن الله تعالى كتب لكم الأمن من كل غم، فلن تذوقوه أبدا. { وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } في الدنيا على ألسنة الرسل. وقال محمد بن علي الترمذي: تتنزل عليهم ملائكة الرحمة، عند مفارقة الأرواح الأبدان، ألا تخافوا سلب الإيمان، ولا تحزنوا على ما كان من العصيان، وأبشروا بدخول الجنان، التي توعدون في سالف الأزمان. { نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة } ، كما أن الشياطين قرناء العصاة وإخوانهم، فكذلك الملائكة أولياء المتقين وأحباؤهم في الدارين. { ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم } من فنون الطيبات، { ولكم فيها ما تدعون } ما تتمنون، افتعال من الدعاء، بمعنى الطلب، { نزلا }: حال من مفعلو " تدعون " المحذوف، أو: من " ما " ، والنزل: ما يقدم للنزيل، وفيه تنبيه على أن ما يتمنونه بالنسبة إلى ما يعطون من عظائم النعيم كالنزل للضيف. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن الذين أقروا بقهرية الربوبية، وقاموا بوظائف العبودية، تتنزل عليهم الملائكة بالبشارة الأبدية. قال القشيري: فأما الاستقامة فهي الثبات على شرائط الإيمان بجملتها، من غير إخلال بشيء من أقسامها. ثم قال: من كان له أصل الاستقامة، وهي التوحيد، أمن من الخلود في النار، ومن كان له كمال الاستقامة أمن من الوعيد، من غير أن يلحقه سوء بحال. ويقال: استقاموا على دوام الشهود، وانفراد القلب بالمعبود، أو: استقاموا في تصفية العقد، ثم في توفية العهد، ثم في صحة القصد، بدوام الوجد، أو: استقاموا بأقوالهم، ثم بأعمالهم، ثم بصفاء أحوالهم، في وقتهم وفي مآلهم، أو: داموا على طاعته، واستقاموا في معرفته، وهاموا في محبته، وقاموا بشرائط خدمته. واستقامة العابد: ألا يعود إلى الفترة واتباع الشهوة، ولا يدخله رياء ولا تصنع، واستقامة العارف: ألا يشوب معرفته حظ في الدارين، فيحجب به عن مولاه، واستقامة المحبين: ألا يكون لهم أرب من غير محبوبهم يكتفون من عطائه ببقائه، ومن مقتضى جوده بدوام عزه ووجوده. ه. وقوله تعالى: { تتنزل عليهم الملائكة } أي: تمدهم بالاهتداء والأنوار، وتلهمهم العلوم والأسرار، في مقابلة تقييض الغافل بالقرناء الأشرار، فكما أن الغافل يخذل بتسليط الغواة في الدارين، كذلك العارف يمد وينصر من قبل الملائكة في الدارين. وقوله تعالى: { ألا تخافوا ولا تحزنوا } أي: حيث وجدتم الله لا تخافوا من شيء، ولا تحزنوا على فوات شيء، إذ لم يفتكم شيء، وماذا فقط من وجده؟ قال القشيري: لا تخافوا من عزلة الولاية، ولا تحزنوا على ما أسلفتم من الجناية، وأبشروا بحسن العناية، أو: لا تخافوا مما أسلفتم، ولا تحزنوا على ما خلفتم، وأبشروا بالجنة التي وعدتم. أو: لا تخافوا المذلة، ولا تحزنوا على ما أسلفتم من الزلة، وأبشروا بدوام الوصلة. ه. ثم قال في قوله تعالى: { نحن أولياؤكم }: الولاية من الله تعالى بمعنى المحبة، وتكون بمعنى النصرة، وهذا الخطاب بقوله: { نحن أولياؤكم } ، يحتمل أن يكون من قبل الملائكة، الذين يتنزلون عليهم، ويحتمل أن يكون ابتداء خطاب من الله تعالى، والنصرة تصدر من المحبة، ولو لم تكن المحبة الأزلية لم تكن تحصل النصرة في الحال. ه. وكونه من الملائكة أظهر، كما تقدم. والله تعالى أعلم. ولمت ذكر حال أهل الاستقامة، ذكر حال من دعا إليها، أو: نقول: لما ذكر حال أهل الكمال فقط، ذكر أهل الكمال والتكميل، فقال: { ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله }.

فصلت 41:32

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين قالوا ربنا الله } أي: نطقوا بالتوحيد واعتقدوا، { ثم استقاموا } أي: ثبتوا على الإقرار ومقتضياته من حسن الأعمال، وعن الصديق رضي الله عنه: استقاموا فعلا، كما استقاموا قولا. وعنه: أنه تلاها ثم قال: ما تقولون فيها؟ قالوا: لم يذنبوا، قال: حملتم الأمر على أشده، قالوا: فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. وعن عمر رضي الله عنه: لم يروغوا روغان الثعالب، أي: لم ينافقوا. وعن عثمان رضي الله عنه: أحكموا العمل، وعن علي رضي الله عنه: أدوا الفرائض. وعن الفضيل: زهدوا في الفانية، ورغبوا في الباقية. قلت: ويجمعها الإقرار بالربوبية، والقيام بوصائف العبودية. { تتنزل عليهم الملائكة } عند الموت، وفي القبر، وعند البعث، أو: في الدنيا بإلهام الخير وشرح الصدر، وإعانتهم على الأمور الدينية، كما أن الكفرة تقويهم ما قيض لهم في قرناء السوء. والأظهر: العموم. { ألا تخافوا ولا تحزنوا } ف " أن " مخففة، أو: تفسيرية، أي: لا تخافوا ما تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما خلفتم، فالخوف: غم يلحق لتوقع مكروه، والحزن: غم يلحق لفوات نافع، أو حضور ضار. والمعنى: أن الله تعالى كتب لكم الأمن من كل غم، فلن تذوقوه أبدا. { وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } في الدنيا على ألسنة الرسل. وقال محمد بن علي الترمذي: تتنزل عليهم ملائكة الرحمة، عند مفارقة الأرواح الأبدان، ألا تخافوا سلب الإيمان، ولا تحزنوا على ما كان من العصيان، وأبشروا بدخول الجنان، التي توعدون في سالف الأزمان. { نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة } ، كما أن الشياطين قرناء العصاة وإخوانهم، فكذلك الملائكة أولياء المتقين وأحباؤهم في الدارين. { ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم } من فنون الطيبات، { ولكم فيها ما تدعون } ما تتمنون، افتعال من الدعاء، بمعنى الطلب، { نزلا }: حال من مفعلو " تدعون " المحذوف، أو: من " ما " ، والنزل: ما يقدم للنزيل، وفيه تنبيه على أن ما يتمنونه بالنسبة إلى ما يعطون من عظائم النعيم كالنزل للضيف. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن الذين أقروا بقهرية الربوبية، وقاموا بوظائف العبودية، تتنزل عليهم الملائكة بالبشارة الأبدية. قال القشيري: فأما الاستقامة فهي الثبات على شرائط الإيمان بجملتها، من غير إخلال بشيء من أقسامها. ثم قال: من كان له أصل الاستقامة، وهي التوحيد، أمن من الخلود في النار، ومن كان له كمال الاستقامة أمن من الوعيد، من غير أن يلحقه سوء بحال. ويقال: استقاموا على دوام الشهود، وانفراد القلب بالمعبود، أو: استقاموا في تصفية العقد، ثم في توفية العهد، ثم في صحة القصد، بدوام الوجد، أو: استقاموا بأقوالهم، ثم بأعمالهم، ثم بصفاء أحوالهم، في وقتهم وفي مآلهم، أو: داموا على طاعته، واستقاموا في معرفته، وهاموا في محبته، وقاموا بشرائط خدمته. واستقامة العابد: ألا يعود إلى الفترة واتباع الشهوة، ولا يدخله رياء ولا تصنع، واستقامة العارف: ألا يشوب معرفته حظ في الدارين، فيحجب به عن مولاه، واستقامة المحبين: ألا يكون لهم أرب من غير محبوبهم يكتفون من عطائه ببقائه، ومن مقتضى جوده بدوام عزه ووجوده. ه. وقوله تعالى: { تتنزل عليهم الملائكة } أي: تمدهم بالاهتداء والأنوار، وتلهمهم العلوم والأسرار، في مقابلة تقييض الغافل بالقرناء الأشرار، فكما أن الغافل يخذل بتسليط الغواة في الدارين، كذلك العارف يمد وينصر من قبل الملائكة في الدارين. وقوله تعالى: { ألا تخافوا ولا تحزنوا } أي: حيث وجدتم الله لا تخافوا من شيء، ولا تحزنوا على فوات شيء، إذ لم يفتكم شيء، وماذا فقط من وجده؟ قال القشيري: لا تخافوا من عزلة الولاية، ولا تحزنوا على ما أسلفتم من الجناية، وأبشروا بحسن العناية، أو: لا تخافوا مما أسلفتم، ولا تحزنوا على ما خلفتم، وأبشروا بالجنة التي وعدتم. أو: لا تخافوا المذلة، ولا تحزنوا على ما أسلفتم من الزلة، وأبشروا بدوام الوصلة. ه. ثم قال في قوله تعالى: { نحن أولياؤكم }: الولاية من الله تعالى بمعنى المحبة، وتكون بمعنى النصرة، وهذا الخطاب بقوله: { نحن أولياؤكم } ، يحتمل أن يكون من قبل الملائكة، الذين يتنزلون عليهم، ويحتمل أن يكون ابتداء خطاب من الله تعالى، والنصرة تصدر من المحبة، ولو لم تكن المحبة الأزلية لم تكن تحصل النصرة في الحال. ه. وكونه من الملائكة أظهر، كما تقدم. والله تعالى أعلم. ولمت ذكر حال أهل الاستقامة، ذكر حال من دعا إليها، أو: نقول: لما ذكر حال أهل الكمال فقط، ذكر أهل الكمال والتكميل، فقال: { ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله }.

فصلت 41:33

يقول الحق جل جلاله: { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } أي: إلى الإقرار بربوبيته، والاستقامة على عبوديته، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من أمته، الدعاة إلى الله في كل عصر، أي: لا أحد أحسن قولا ممن دعا إلى معرفة الله، { وعمل صالحا } فيما بينه وبين ربه، بأن عمل أولا بما دعا إليه، { وقال إنني من المسلمين } تفاخرا بالإسلام، وابتهاجا بأنه منهم، واتخاذ الإسلام دينا، من قولهم: هذا قول فلان، أي: مذهبه لأنه يتكلم بذلك، أو: يقوله تواضعا، أي: من جملة عامة المسلمين. { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } ، هذا بيان محاسن الأعمال الجارية بين العباد، إثر بيان محاسن الأعمال الجارية بين العبد وبين الرب عز وجل ترغيبا للدعاة إلى الله في الصبر على إذاية الخلق، لأن كل من يأمر بالحق يؤذى، فأمروا بمقابلة الإساءة بالإحسان، أي: لا تستوي الخصلة الحسنة والخصلة السيئة، و لا: مزيدة، لتأكيد النفي، { ادفع بالتي هي أحسن } أي: ادفع السيئة التي اعترضتك من بعض أعدائك بالتي هي أحسن منها، وهي: أن تحسن إليه في مقابلة إساءته، فالحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها، وادفع بها السيئة، كما لو أساء إليك رجل، فالحسنة: أن تعفو عنه، والتي هي أحسن: أن تحسن إليه مكان إساءته، مثل أن يذمك فتمدحه، ويحرمك فتعطيه، ويقطعك فتصله. وعن ابن عباس رضي الله عنه: التي هي أحسن: الصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة. ه. { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } أي: فإنك إن فعلت ذلك انقلب عدوك المشاقق مثل وليك الحميم الشفيق، مصافاة لك، وهذا صعب على النفوس، ولذلك قال: { وما يلقاها إلا الذين صبروا } أي: ما يلقى هذه الخصلة التي في مقابلة الإساءة بالإحسان إلا أهل الصبر، { وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } من الله تعالى وسبق عنايته بكمال النفس وتهذيبها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: الحظ العظيم: الثواب، وعن الحسن: والله ما عظم حظ دون الجنة. وقيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب، كان عدوا مؤذيا للنبي صلى الله عليه وسلم فصار وليا مصافيا له، وبقيت عامة. { وإما ينزغنك من الشياطن نزغ } ، النزغ: شبه النخس، والشيطان ينزغ الإنسان، كأنه ينخسه، يبعثه على ما لا ينبغي، وجعل النزغ نازغا مجاز، كجد جده، والمعنى: وإن طرقك الشيطان على ترك ما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن، { فاستعذ بالله } من شره، وامض على حلمك ولا تطعه، { إنه هو السميع } لاستعاذتك، { العليم } بنيتك وتعلقك به، أو: بنزغ الشيطان ووسوسته. وهو تعليم لأمته صلى الله عليه وسلم إذ كان شيطانه أسلم على يده. الإشارة: قال القشيري: قيل: الداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى الاكتفاء بالله، وترك طلب العوض من الله، بل يكل أمره إلى الله، ويرضى من الله بقسمة الله. ثم قال: { وعمل صالحا } كما يدعو الخلق إلى الله يأتي بما يدعوهم إليه، ويقال: هم الذين عرفوا طريق الله، ثم دعوا بعدما عرفوا الطريق إلى الله الخلق إلى الله، { وقال إنني من المسلمين } لحكمه، الراضين بقضائه وتدبيره. ه. وقال الشاذلي رضي الله عنه: عليك برفض الناس جملة، إلا من يدلك على الله، بإشارة صادقة، وأعمال ثابتة، لا ينقضها كتاب ولا سنة. ه. وشروط الداعي إلى الله على طريق المشيخة أربعة: علم صحيح، وذوق صريح، وهمة عالية، وحالة مرضية، كما قال زروق رضي الله عنه. وقال الشريشي في رائيته: وللشيخ آيات إذا لن تكن له فما هو إلا في ليالي الهوى يسري إذا لم يكن علم لديه بظاهر ولا باطن فاضرب به لجج البحر أما العلم الظاهر فإنما يشترط منه ما يحتاج إليه في خاصة نفسه، ويحتاج إليه المريد في حال سفره إلى ربه، وهو القدر الذي لا بد منه، من أحكام الطهارة والصلاة ونحو ذلك، ولا يشترط التبحر في علم الشريعة. قال الشيخ أبو يزيد رضي الله عنه: صحبت أبا علي المسندي، فكنت ألقنه ما يقيم به فرضه، وكان يعلمني التوحيد والحقائق صرفا. ه. ومن المعلوم أن الشيخ ابن عباد لم يفتح عليه إلا على يد رجل عامي، وقد تحققت تربية كثير من الأولياء، كانوا أميين في علم الظاهر. وأما علم الباطن فالمطلوب فيه التبحر التام إذ المقصود بالذات في الشيخ المصطلح عليه عند القوم هو هذا العلم لأن المريد إنما يطلب الشيخ ليسلكه ويعلمه علم الطريقة والحقيقة فيكون عنده علم تام بالله وصفاته وأسمائه، ذوقا وكشفا، وعلم بآفات الطريق، ومكائد النفس، والشيطان، وطرق المواجيد، وتحقيق المقامات، كما هو مقرر في فنه، وهذا الداعي لا تخلو الأرض منه على الكمال، خلافا لمن حكم بانقطاعه. والله تعالى أعلم. وفي الإحياء: المقتدى به هو الذي استقام في نفسه، واستنار قلبه فانتشر نوره إلى غيره، لا من يظهر خلاف ما هو عليه ليقتدى به، فإنه ملبس، لم ينصح لنفسه، فكيف بغيره؟. ه. قال الورتجبي: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله، أي: ممن عرف الله بعد أن رآه وأحبه واشتاق إليه، ودعا الخلق إليه، من حيث هو فيه وصدقه في حاله، يدعو الخلق إلى الله بلسان الأفعال، وصدق المقال، وحلاوة الأحوال، ويذكر لهم شمائل القدم وحق الربوبية، ويعرفهم صفات الحق وجلال ذاته، ويحبب الله في قلوبهم، وهذا عمله الصالح، ثم يقول بعد كماله وتمكنه: إنني واحد من المسلمين، من تواضعه ولطف حاله خلقا وظرافة، وإن كان إسلامه من قصارى أي: غاية أحوال المستقيمين. قال سهل: أي ممن دل على الله، وعلى عبادة الله وسنة رسوله، واجتناب المناهي، وإدامة الاستقامة مع الله، ثم قال: { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } بين الله هنا أن الخلق الحسن ليس كالخلق السيء، وأمر بتبديل الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة، وأحسن الأخلاق: الحلم إذ يكون به العدو صديقا، والبعيد قريبا، حين دفع غضبه بحلمه، وظلمه بعفوه، وسوء جانبه بكرمه، وفي مظنة الخطاب: أن من كان متخلقا بخلقه، متصفا بصفاته، مستقيما في خدمته، صادقا في محبته، عارفا بذاته وصفاته، ليس كالمدعي الذي ليس في دعواه معنى. ثم قال: { وما يلقاها إلا الذين صبروا } ، بين الله سبحانه ألا يبلغ أحد درجة الخلق الحسن، وحسنات الأعمال وسنيات الأفعال، إلا من تصبر في بلاء الله، وامتحانه، بالوسائط وغير الوسائط، ولا يتحمل هذه البليات إلا ذو حظ عظيم من مشاهدته، وذو نصيب من قربه ووصاله، صاحب معرفة كاملة، ومحبة شاملة: وكمال هذا الصبر الاتصاف بصبر الله، ثم الصبر في مشاهدة الأزل، فبالصبر الاتصافي ومشاهدة الأبدي، والحظ الجمالي، يوازي طوارق صدمات الألوهية، وغلبات القهارية. ثم قال: عن الجنيد: ما يوفق لهذا المقام إلا ذو حظ عظيم من عناية الحق فيه. ه. ثم بين دلائل توحيده، فقال: { ومن آياته اليل والنهار }.

فصلت 41:34

يقول الحق جل جلاله: { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } أي: إلى الإقرار بربوبيته، والاستقامة على عبوديته، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من أمته، الدعاة إلى الله في كل عصر، أي: لا أحد أحسن قولا ممن دعا إلى معرفة الله، { وعمل صالحا } فيما بينه وبين ربه، بأن عمل أولا بما دعا إليه، { وقال إنني من المسلمين } تفاخرا بالإسلام، وابتهاجا بأنه منهم، واتخاذ الإسلام دينا، من قولهم: هذا قول فلان، أي: مذهبه لأنه يتكلم بذلك، أو: يقوله تواضعا، أي: من جملة عامة المسلمين. { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } ، هذا بيان محاسن الأعمال الجارية بين العباد، إثر بيان محاسن الأعمال الجارية بين العبد وبين الرب عز وجل ترغيبا للدعاة إلى الله في الصبر على إذاية الخلق، لأن كل من يأمر بالحق يؤذى، فأمروا بمقابلة الإساءة بالإحسان، أي: لا تستوي الخصلة الحسنة والخصلة السيئة، و لا: مزيدة، لتأكيد النفي، { ادفع بالتي هي أحسن } أي: ادفع السيئة التي اعترضتك من بعض أعدائك بالتي هي أحسن منها، وهي: أن تحسن إليه في مقابلة إساءته، فالحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها، وادفع بها السيئة، كما لو أساء إليك رجل، فالحسنة: أن تعفو عنه، والتي هي أحسن: أن تحسن إليه مكان إساءته، مثل أن يذمك فتمدحه، ويحرمك فتعطيه، ويقطعك فتصله. وعن ابن عباس رضي الله عنه: التي هي أحسن: الصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة. ه. { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } أي: فإنك إن فعلت ذلك انقلب عدوك المشاقق مثل وليك الحميم الشفيق، مصافاة لك، وهذا صعب على النفوس، ولذلك قال: { وما يلقاها إلا الذين صبروا } أي: ما يلقى هذه الخصلة التي في مقابلة الإساءة بالإحسان إلا أهل الصبر، { وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } من الله تعالى وسبق عنايته بكمال النفس وتهذيبها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: الحظ العظيم: الثواب، وعن الحسن: والله ما عظم حظ دون الجنة. وقيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب، كان عدوا مؤذيا للنبي صلى الله عليه وسلم فصار وليا مصافيا له، وبقيت عامة. { وإما ينزغنك من الشياطن نزغ } ، النزغ: شبه النخس، والشيطان ينزغ الإنسان، كأنه ينخسه، يبعثه على ما لا ينبغي، وجعل النزغ نازغا مجاز، كجد جده، والمعنى: وإن طرقك الشيطان على ترك ما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن، { فاستعذ بالله } من شره، وامض على حلمك ولا تطعه، { إنه هو السميع } لاستعاذتك، { العليم } بنيتك وتعلقك به، أو: بنزغ الشيطان ووسوسته. وهو تعليم لأمته صلى الله عليه وسلم إذ كان شيطانه أسلم على يده. الإشارة: قال القشيري: قيل: الداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى الاكتفاء بالله، وترك طلب العوض من الله، بل يكل أمره إلى الله، ويرضى من الله بقسمة الله. ثم قال: { وعمل صالحا } كما يدعو الخلق إلى الله يأتي بما يدعوهم إليه، ويقال: هم الذين عرفوا طريق الله، ثم دعوا بعدما عرفوا الطريق إلى الله الخلق إلى الله، { وقال إنني من المسلمين } لحكمه، الراضين بقضائه وتدبيره. ه. وقال الشاذلي رضي الله عنه: عليك برفض الناس جملة، إلا من يدلك على الله، بإشارة صادقة، وأعمال ثابتة، لا ينقضها كتاب ولا سنة. ه. وشروط الداعي إلى الله على طريق المشيخة أربعة: علم صحيح، وذوق صريح، وهمة عالية، وحالة مرضية، كما قال زروق رضي الله عنه. وقال الشريشي في رائيته: وللشيخ آيات إذا لن تكن له فما هو إلا في ليالي الهوى يسري إذا لم يكن علم لديه بظاهر ولا باطن فاضرب به لجج البحر أما العلم الظاهر فإنما يشترط منه ما يحتاج إليه في خاصة نفسه، ويحتاج إليه المريد في حال سفره إلى ربه، وهو القدر الذي لا بد منه، من أحكام الطهارة والصلاة ونحو ذلك، ولا يشترط التبحر في علم الشريعة. قال الشيخ أبو يزيد رضي الله عنه: صحبت أبا علي المسندي، فكنت ألقنه ما يقيم به فرضه، وكان يعلمني التوحيد والحقائق صرفا. ه. ومن المعلوم أن الشيخ ابن عباد لم يفتح عليه إلا على يد رجل عامي، وقد تحققت تربية كثير من الأولياء، كانوا أميين في علم الظاهر. وأما علم الباطن فالمطلوب فيه التبحر التام إذ المقصود بالذات في الشيخ المصطلح عليه عند القوم هو هذا العلم لأن المريد إنما يطلب الشيخ ليسلكه ويعلمه علم الطريقة والحقيقة فيكون عنده علم تام بالله وصفاته وأسمائه، ذوقا وكشفا، وعلم بآفات الطريق، ومكائد النفس، والشيطان، وطرق المواجيد، وتحقيق المقامات، كما هو مقرر في فنه، وهذا الداعي لا تخلو الأرض منه على الكمال، خلافا لمن حكم بانقطاعه. والله تعالى أعلم. وفي الإحياء: المقتدى به هو الذي استقام في نفسه، واستنار قلبه فانتشر نوره إلى غيره، لا من يظهر خلاف ما هو عليه ليقتدى به، فإنه ملبس، لم ينصح لنفسه، فكيف بغيره؟. ه. قال الورتجبي: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله، أي: ممن عرف الله بعد أن رآه وأحبه واشتاق إليه، ودعا الخلق إليه، من حيث هو فيه وصدقه في حاله، يدعو الخلق إلى الله بلسان الأفعال، وصدق المقال، وحلاوة الأحوال، ويذكر لهم شمائل القدم وحق الربوبية، ويعرفهم صفات الحق وجلال ذاته، ويحبب الله في قلوبهم، وهذا عمله الصالح، ثم يقول بعد كماله وتمكنه: إنني واحد من المسلمين، من تواضعه ولطف حاله خلقا وظرافة، وإن كان إسلامه من قصارى أي: غاية أحوال المستقيمين. قال سهل: أي ممن دل على الله، وعلى عبادة الله وسنة رسوله، واجتناب المناهي، وإدامة الاستقامة مع الله، ثم قال: { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } بين الله هنا أن الخلق الحسن ليس كالخلق السيء، وأمر بتبديل الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة، وأحسن الأخلاق: الحلم إذ يكون به العدو صديقا، والبعيد قريبا، حين دفع غضبه بحلمه، وظلمه بعفوه، وسوء جانبه بكرمه، وفي مظنة الخطاب: أن من كان متخلقا بخلقه، متصفا بصفاته، مستقيما في خدمته، صادقا في محبته، عارفا بذاته وصفاته، ليس كالمدعي الذي ليس في دعواه معنى. ثم قال: { وما يلقاها إلا الذين صبروا } ، بين الله سبحانه ألا يبلغ أحد درجة الخلق الحسن، وحسنات الأعمال وسنيات الأفعال، إلا من تصبر في بلاء الله، وامتحانه، بالوسائط وغير الوسائط، ولا يتحمل هذه البليات إلا ذو حظ عظيم من مشاهدته، وذو نصيب من قربه ووصاله، صاحب معرفة كاملة، ومحبة شاملة: وكمال هذا الصبر الاتصاف بصبر الله، ثم الصبر في مشاهدة الأزل، فبالصبر الاتصافي ومشاهدة الأبدي، والحظ الجمالي، يوازي طوارق صدمات الألوهية، وغلبات القهارية. ثم قال: عن الجنيد: ما يوفق لهذا المقام إلا ذو حظ عظيم من عناية الحق فيه. ه. ثم بين دلائل توحيده، فقال: { ومن آياته اليل والنهار }.

فصلت 41:35

يقول الحق جل جلاله: { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } أي: إلى الإقرار بربوبيته، والاستقامة على عبوديته، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من أمته، الدعاة إلى الله في كل عصر، أي: لا أحد أحسن قولا ممن دعا إلى معرفة الله، { وعمل صالحا } فيما بينه وبين ربه، بأن عمل أولا بما دعا إليه، { وقال إنني من المسلمين } تفاخرا بالإسلام، وابتهاجا بأنه منهم، واتخاذ الإسلام دينا، من قولهم: هذا قول فلان، أي: مذهبه لأنه يتكلم بذلك، أو: يقوله تواضعا، أي: من جملة عامة المسلمين. { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } ، هذا بيان محاسن الأعمال الجارية بين العباد، إثر بيان محاسن الأعمال الجارية بين العبد وبين الرب عز وجل ترغيبا للدعاة إلى الله في الصبر على إذاية الخلق، لأن كل من يأمر بالحق يؤذى، فأمروا بمقابلة الإساءة بالإحسان، أي: لا تستوي الخصلة الحسنة والخصلة السيئة، و لا: مزيدة، لتأكيد النفي، { ادفع بالتي هي أحسن } أي: ادفع السيئة التي اعترضتك من بعض أعدائك بالتي هي أحسن منها، وهي: أن تحسن إليه في مقابلة إساءته، فالحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها، وادفع بها السيئة، كما لو أساء إليك رجل، فالحسنة: أن تعفو عنه، والتي هي أحسن: أن تحسن إليه مكان إساءته، مثل أن يذمك فتمدحه، ويحرمك فتعطيه، ويقطعك فتصله. وعن ابن عباس رضي الله عنه: التي هي أحسن: الصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة. ه. { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } أي: فإنك إن فعلت ذلك انقلب عدوك المشاقق مثل وليك الحميم الشفيق، مصافاة لك، وهذا صعب على النفوس، ولذلك قال: { وما يلقاها إلا الذين صبروا } أي: ما يلقى هذه الخصلة التي في مقابلة الإساءة بالإحسان إلا أهل الصبر، { وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } من الله تعالى وسبق عنايته بكمال النفس وتهذيبها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: الحظ العظيم: الثواب، وعن الحسن: والله ما عظم حظ دون الجنة. وقيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب، كان عدوا مؤذيا للنبي صلى الله عليه وسلم فصار وليا مصافيا له، وبقيت عامة. { وإما ينزغنك من الشياطن نزغ } ، النزغ: شبه النخس، والشيطان ينزغ الإنسان، كأنه ينخسه، يبعثه على ما لا ينبغي، وجعل النزغ نازغا مجاز، كجد جده، والمعنى: وإن طرقك الشيطان على ترك ما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن، { فاستعذ بالله } من شره، وامض على حلمك ولا تطعه، { إنه هو السميع } لاستعاذتك، { العليم } بنيتك وتعلقك به، أو: بنزغ الشيطان ووسوسته. وهو تعليم لأمته صلى الله عليه وسلم إذ كان شيطانه أسلم على يده. الإشارة: قال القشيري: قيل: الداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى الاكتفاء بالله، وترك طلب العوض من الله، بل يكل أمره إلى الله، ويرضى من الله بقسمة الله. ثم قال: { وعمل صالحا } كما يدعو الخلق إلى الله يأتي بما يدعوهم إليه، ويقال: هم الذين عرفوا طريق الله، ثم دعوا بعدما عرفوا الطريق إلى الله الخلق إلى الله، { وقال إنني من المسلمين } لحكمه، الراضين بقضائه وتدبيره. ه. وقال الشاذلي رضي الله عنه: عليك برفض الناس جملة، إلا من يدلك على الله، بإشارة صادقة، وأعمال ثابتة، لا ينقضها كتاب ولا سنة. ه. وشروط الداعي إلى الله على طريق المشيخة أربعة: علم صحيح، وذوق صريح، وهمة عالية، وحالة مرضية، كما قال زروق رضي الله عنه. وقال الشريشي في رائيته: وللشيخ آيات إذا لن تكن له فما هو إلا في ليالي الهوى يسري إذا لم يكن علم لديه بظاهر ولا باطن فاضرب به لجج البحر أما العلم الظاهر فإنما يشترط منه ما يحتاج إليه في خاصة نفسه، ويحتاج إليه المريد في حال سفره إلى ربه، وهو القدر الذي لا بد منه، من أحكام الطهارة والصلاة ونحو ذلك، ولا يشترط التبحر في علم الشريعة. قال الشيخ أبو يزيد رضي الله عنه: صحبت أبا علي المسندي، فكنت ألقنه ما يقيم به فرضه، وكان يعلمني التوحيد والحقائق صرفا. ه. ومن المعلوم أن الشيخ ابن عباد لم يفتح عليه إلا على يد رجل عامي، وقد تحققت تربية كثير من الأولياء، كانوا أميين في علم الظاهر. وأما علم الباطن فالمطلوب فيه التبحر التام إذ المقصود بالذات في الشيخ المصطلح عليه عند القوم هو هذا العلم لأن المريد إنما يطلب الشيخ ليسلكه ويعلمه علم الطريقة والحقيقة فيكون عنده علم تام بالله وصفاته وأسمائه، ذوقا وكشفا، وعلم بآفات الطريق، ومكائد النفس، والشيطان، وطرق المواجيد، وتحقيق المقامات، كما هو مقرر في فنه، وهذا الداعي لا تخلو الأرض منه على الكمال، خلافا لمن حكم بانقطاعه. والله تعالى أعلم. وفي الإحياء: المقتدى به هو الذي استقام في نفسه، واستنار قلبه فانتشر نوره إلى غيره، لا من يظهر خلاف ما هو عليه ليقتدى به، فإنه ملبس، لم ينصح لنفسه، فكيف بغيره؟. ه. قال الورتجبي: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله، أي: ممن عرف الله بعد أن رآه وأحبه واشتاق إليه، ودعا الخلق إليه، من حيث هو فيه وصدقه في حاله، يدعو الخلق إلى الله بلسان الأفعال، وصدق المقال، وحلاوة الأحوال، ويذكر لهم شمائل القدم وحق الربوبية، ويعرفهم صفات الحق وجلال ذاته، ويحبب الله في قلوبهم، وهذا عمله الصالح، ثم يقول بعد كماله وتمكنه: إنني واحد من المسلمين، من تواضعه ولطف حاله خلقا وظرافة، وإن كان إسلامه من قصارى أي: غاية أحوال المستقيمين. قال سهل: أي ممن دل على الله، وعلى عبادة الله وسنة رسوله، واجتناب المناهي، وإدامة الاستقامة مع الله، ثم قال: { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } بين الله هنا أن الخلق الحسن ليس كالخلق السيء، وأمر بتبديل الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة، وأحسن الأخلاق: الحلم إذ يكون به العدو صديقا، والبعيد قريبا، حين دفع غضبه بحلمه، وظلمه بعفوه، وسوء جانبه بكرمه، وفي مظنة الخطاب: أن من كان متخلقا بخلقه، متصفا بصفاته، مستقيما في خدمته، صادقا في محبته، عارفا بذاته وصفاته، ليس كالمدعي الذي ليس في دعواه معنى. ثم قال: { وما يلقاها إلا الذين صبروا } ، بين الله سبحانه ألا يبلغ أحد درجة الخلق الحسن، وحسنات الأعمال وسنيات الأفعال، إلا من تصبر في بلاء الله، وامتحانه، بالوسائط وغير الوسائط، ولا يتحمل هذه البليات إلا ذو حظ عظيم من مشاهدته، وذو نصيب من قربه ووصاله، صاحب معرفة كاملة، ومحبة شاملة: وكمال هذا الصبر الاتصاف بصبر الله، ثم الصبر في مشاهدة الأزل، فبالصبر الاتصافي ومشاهدة الأبدي، والحظ الجمالي، يوازي طوارق صدمات الألوهية، وغلبات القهارية. ثم قال: عن الجنيد: ما يوفق لهذا المقام إلا ذو حظ عظيم من عناية الحق فيه. ه. ثم بين دلائل توحيده، فقال: { ومن آياته اليل والنهار }.

فصلت 41:36

يقول الحق جل جلاله: { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } أي: إلى الإقرار بربوبيته، والاستقامة على عبوديته، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من أمته، الدعاة إلى الله في كل عصر، أي: لا أحد أحسن قولا ممن دعا إلى معرفة الله، { وعمل صالحا } فيما بينه وبين ربه، بأن عمل أولا بما دعا إليه، { وقال إنني من المسلمين } تفاخرا بالإسلام، وابتهاجا بأنه منهم، واتخاذ الإسلام دينا، من قولهم: هذا قول فلان، أي: مذهبه لأنه يتكلم بذلك، أو: يقوله تواضعا، أي: من جملة عامة المسلمين. { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } ، هذا بيان محاسن الأعمال الجارية بين العباد، إثر بيان محاسن الأعمال الجارية بين العبد وبين الرب عز وجل ترغيبا للدعاة إلى الله في الصبر على إذاية الخلق، لأن كل من يأمر بالحق يؤذى، فأمروا بمقابلة الإساءة بالإحسان، أي: لا تستوي الخصلة الحسنة والخصلة السيئة، و لا: مزيدة، لتأكيد النفي، { ادفع بالتي هي أحسن } أي: ادفع السيئة التي اعترضتك من بعض أعدائك بالتي هي أحسن منها، وهي: أن تحسن إليه في مقابلة إساءته، فالحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها، وادفع بها السيئة، كما لو أساء إليك رجل، فالحسنة: أن تعفو عنه، والتي هي أحسن: أن تحسن إليه مكان إساءته، مثل أن يذمك فتمدحه، ويحرمك فتعطيه، ويقطعك فتصله. وعن ابن عباس رضي الله عنه: التي هي أحسن: الصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة. ه. { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } أي: فإنك إن فعلت ذلك انقلب عدوك المشاقق مثل وليك الحميم الشفيق، مصافاة لك، وهذا صعب على النفوس، ولذلك قال: { وما يلقاها إلا الذين صبروا } أي: ما يلقى هذه الخصلة التي في مقابلة الإساءة بالإحسان إلا أهل الصبر، { وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } من الله تعالى وسبق عنايته بكمال النفس وتهذيبها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: الحظ العظيم: الثواب، وعن الحسن: والله ما عظم حظ دون الجنة. وقيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب، كان عدوا مؤذيا للنبي صلى الله عليه وسلم فصار وليا مصافيا له، وبقيت عامة. { وإما ينزغنك من الشياطن نزغ } ، النزغ: شبه النخس، والشيطان ينزغ الإنسان، كأنه ينخسه، يبعثه على ما لا ينبغي، وجعل النزغ نازغا مجاز، كجد جده، والمعنى: وإن طرقك الشيطان على ترك ما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن، { فاستعذ بالله } من شره، وامض على حلمك ولا تطعه، { إنه هو السميع } لاستعاذتك، { العليم } بنيتك وتعلقك به، أو: بنزغ الشيطان ووسوسته. وهو تعليم لأمته صلى الله عليه وسلم إذ كان شيطانه أسلم على يده. الإشارة: قال القشيري: قيل: الداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى الاكتفاء بالله، وترك طلب العوض من الله، بل يكل أمره إلى الله، ويرضى من الله بقسمة الله. ثم قال: { وعمل صالحا } كما يدعو الخلق إلى الله يأتي بما يدعوهم إليه، ويقال: هم الذين عرفوا طريق الله، ثم دعوا بعدما عرفوا الطريق إلى الله الخلق إلى الله، { وقال إنني من المسلمين } لحكمه، الراضين بقضائه وتدبيره. ه. وقال الشاذلي رضي الله عنه: عليك برفض الناس جملة، إلا من يدلك على الله، بإشارة صادقة، وأعمال ثابتة، لا ينقضها كتاب ولا سنة. ه. وشروط الداعي إلى الله على طريق المشيخة أربعة: علم صحيح، وذوق صريح، وهمة عالية، وحالة مرضية، كما قال زروق رضي الله عنه. وقال الشريشي في رائيته: وللشيخ آيات إذا لن تكن له فما هو إلا في ليالي الهوى يسري إذا لم يكن علم لديه بظاهر ولا باطن فاضرب به لجج البحر أما العلم الظاهر فإنما يشترط منه ما يحتاج إليه في خاصة نفسه، ويحتاج إليه المريد في حال سفره إلى ربه، وهو القدر الذي لا بد منه، من أحكام الطهارة والصلاة ونحو ذلك، ولا يشترط التبحر في علم الشريعة. قال الشيخ أبو يزيد رضي الله عنه: صحبت أبا علي المسندي، فكنت ألقنه ما يقيم به فرضه، وكان يعلمني التوحيد والحقائق صرفا. ه. ومن المعلوم أن الشيخ ابن عباد لم يفتح عليه إلا على يد رجل عامي، وقد تحققت تربية كثير من الأولياء، كانوا أميين في علم الظاهر. وأما علم الباطن فالمطلوب فيه التبحر التام إذ المقصود بالذات في الشيخ المصطلح عليه عند القوم هو هذا العلم لأن المريد إنما يطلب الشيخ ليسلكه ويعلمه علم الطريقة والحقيقة فيكون عنده علم تام بالله وصفاته وأسمائه، ذوقا وكشفا، وعلم بآفات الطريق، ومكائد النفس، والشيطان، وطرق المواجيد، وتحقيق المقامات، كما هو مقرر في فنه، وهذا الداعي لا تخلو الأرض منه على الكمال، خلافا لمن حكم بانقطاعه. والله تعالى أعلم. وفي الإحياء: المقتدى به هو الذي استقام في نفسه، واستنار قلبه فانتشر نوره إلى غيره، لا من يظهر خلاف ما هو عليه ليقتدى به، فإنه ملبس، لم ينصح لنفسه، فكيف بغيره؟. ه. قال الورتجبي: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله، أي: ممن عرف الله بعد أن رآه وأحبه واشتاق إليه، ودعا الخلق إليه، من حيث هو فيه وصدقه في حاله، يدعو الخلق إلى الله بلسان الأفعال، وصدق المقال، وحلاوة الأحوال، ويذكر لهم شمائل القدم وحق الربوبية، ويعرفهم صفات الحق وجلال ذاته، ويحبب الله في قلوبهم، وهذا عمله الصالح، ثم يقول بعد كماله وتمكنه: إنني واحد من المسلمين، من تواضعه ولطف حاله خلقا وظرافة، وإن كان إسلامه من قصارى أي: غاية أحوال المستقيمين. قال سهل: أي ممن دل على الله، وعلى عبادة الله وسنة رسوله، واجتناب المناهي، وإدامة الاستقامة مع الله، ثم قال: { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } بين الله هنا أن الخلق الحسن ليس كالخلق السيء، وأمر بتبديل الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة، وأحسن الأخلاق: الحلم إذ يكون به العدو صديقا، والبعيد قريبا، حين دفع غضبه بحلمه، وظلمه بعفوه، وسوء جانبه بكرمه، وفي مظنة الخطاب: أن من كان متخلقا بخلقه، متصفا بصفاته، مستقيما في خدمته، صادقا في محبته، عارفا بذاته وصفاته، ليس كالمدعي الذي ليس في دعواه معنى. ثم قال: { وما يلقاها إلا الذين صبروا } ، بين الله سبحانه ألا يبلغ أحد درجة الخلق الحسن، وحسنات الأعمال وسنيات الأفعال، إلا من تصبر في بلاء الله، وامتحانه، بالوسائط وغير الوسائط، ولا يتحمل هذه البليات إلا ذو حظ عظيم من مشاهدته، وذو نصيب من قربه ووصاله، صاحب معرفة كاملة، ومحبة شاملة: وكمال هذا الصبر الاتصاف بصبر الله، ثم الصبر في مشاهدة الأزل، فبالصبر الاتصافي ومشاهدة الأبدي، والحظ الجمالي، يوازي طوارق صدمات الألوهية، وغلبات القهارية. ثم قال: عن الجنيد: ما يوفق لهذا المقام إلا ذو حظ عظيم من عناية الحق فيه. ه. ثم بين دلائل توحيده، فقال: { ومن آياته اليل والنهار }.

فصلت 41:37

يقول الحق جل جلاله: { ومن آياته } الدالة على وحدانيته: { الليل والنهار } في تعاقبهما على حد معلوم، وتناوبهما على قدر مقسوم، { والشمس والقمر } في اختصاصهما بسير مقدر، ونور مقرر إذ لا يصدر ذلك إلا من واحد قهار. { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } فإنها مخلوقان مثلكم، وإن كثرت منافعهما، { واسجدوا لله الذي خلقهن } أي: الليل والنهار والشمس والقمر. وحكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث في الضمير، تقول: الأقلام بريتها وبريتهن. ولعل ناسا من المشركين كانوا يسجدون للشمس والقمر، تبعا للصابئين من المجوس في عبادتهم الكواكب، ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لها السجود لله تعالى فنهوا عن هذه الواسطة، وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله وحده، إن كانوا موحدين، ولذلك قال: { إن كنتم إياه تعبدون } فإن السجود أقصى مراتب العبادة، فلا بد من تخصيصه به سبحانه، وهذا موضع السجدة عند مالك والشافعي، وعند أبي حنيفة: لا يسأمون. { فإن استكبروا } عن الامتثال، { فالذين عند ربك } من الملائكة { يسبحون له بالليل والنهار } أي: دائما، { وهم لا يسأمون } لا يملون ولا يفترون، والمعنى: فإن استكبر هؤلاء وأبوا إلا الواسطة، فدعهم وشأنهم، فإن الله غني عنهم، وقد عمر سماواته بمن يعبده، وينزهه بالليل والنهار عن الأنداد. والعندية عبارة عن الزلفى والكرامة. { ومن آياته } أيضا { أنك ترى الأرض خاشعة } يابسة مغبرة. والخشوع: التذلل، فاستعير للأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها، { فإذا أنزلنا عليها الماء } المطر { اهتزت } أي: تحركت { وربت } انتفخت لأن النبات إذا دنا أن يظهر ارتفعت به وانتفخت، ثم تصدعت عن النبات، وقيل: تزخرفت وارتفعت بارتفاع نباتها، { إن الذي أحياها لمحيي الموتى } بالبعث، { إنه على كل شيء قدير } ، ومن جملة الأشياء: البعث والحساب. الإشارة: الليل والنهار والشمس والقمر خلقهن من أجلك، فعار عليك أن تخضع لما خلق لك، وتترك المنعم بها عليك. قال القشيري: الحق سبحانه يأمرك بصيانة وجهك عن الشمس والقمر مع علوهما، وأنت لأجل حظ خسيس تنقل قدمك إلى كل أحد، وتذل وجهك لكل أحد. ه. وأما الخضوع لمن أمر الله بالخضوع له من الدعاة إلى الله فهو من الخضوع لله، كأمر الملائكة بالسجود لآدم، وكأمره بالخضوع له من الدعاة إلى الله فهو من الخضوع لله، كأمر الملائكة بالسجود لآدم، وكأمره بالخضوع للأنبياء والأولياء، فكان مآل من سجد وخضع التقريب، ومآل من استكبر وأنف الطرد والبعد، والله تعالى غني عن الكل، ولذلك قال: { فإن استكبروا... } الآية. قوله تعالى: { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة... } الآية، وكذلك أرض النفوس تراها يابسة بالغفلة والقسوة والجهل، فإذا أنزل عليها ماء الحياة، وهي خمرة المحبة، هاجت وارتفعت، وحييت بذكر الله ومعرفته، إن الذي أحيا الأرض الحسية قادر على إحياء النفوس الميتة بالغفلة، وانظر القشيري. ثم ذكر حال من أعرض عن الآيات، فقال: { إن الذين يلحدون في آياتنا }.

فصلت 41:38

يقول الحق جل جلاله: { ومن آياته } الدالة على وحدانيته: { الليل والنهار } في تعاقبهما على حد معلوم، وتناوبهما على قدر مقسوم، { والشمس والقمر } في اختصاصهما بسير مقدر، ونور مقرر إذ لا يصدر ذلك إلا من واحد قهار. { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } فإنها مخلوقان مثلكم، وإن كثرت منافعهما، { واسجدوا لله الذي خلقهن } أي: الليل والنهار والشمس والقمر. وحكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث في الضمير، تقول: الأقلام بريتها وبريتهن. ولعل ناسا من المشركين كانوا يسجدون للشمس والقمر، تبعا للصابئين من المجوس في عبادتهم الكواكب، ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لها السجود لله تعالى فنهوا عن هذه الواسطة، وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله وحده، إن كانوا موحدين، ولذلك قال: { إن كنتم إياه تعبدون } فإن السجود أقصى مراتب العبادة، فلا بد من تخصيصه به سبحانه، وهذا موضع السجدة عند مالك والشافعي، وعند أبي حنيفة: لا يسأمون. { فإن استكبروا } عن الامتثال، { فالذين عند ربك } من الملائكة { يسبحون له بالليل والنهار } أي: دائما، { وهم لا يسأمون } لا يملون ولا يفترون، والمعنى: فإن استكبر هؤلاء وأبوا إلا الواسطة، فدعهم وشأنهم، فإن الله غني عنهم، وقد عمر سماواته بمن يعبده، وينزهه بالليل والنهار عن الأنداد. والعندية عبارة عن الزلفى والكرامة. { ومن آياته } أيضا { أنك ترى الأرض خاشعة } يابسة مغبرة. والخشوع: التذلل، فاستعير للأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها، { فإذا أنزلنا عليها الماء } المطر { اهتزت } أي: تحركت { وربت } انتفخت لأن النبات إذا دنا أن يظهر ارتفعت به وانتفخت، ثم تصدعت عن النبات، وقيل: تزخرفت وارتفعت بارتفاع نباتها، { إن الذي أحياها لمحيي الموتى } بالبعث، { إنه على كل شيء قدير } ، ومن جملة الأشياء: البعث والحساب. الإشارة: الليل والنهار والشمس والقمر خلقهن من أجلك، فعار عليك أن تخضع لما خلق لك، وتترك المنعم بها عليك. قال القشيري: الحق سبحانه يأمرك بصيانة وجهك عن الشمس والقمر مع علوهما، وأنت لأجل حظ خسيس تنقل قدمك إلى كل أحد، وتذل وجهك لكل أحد. ه. وأما الخضوع لمن أمر الله بالخضوع له من الدعاة إلى الله فهو من الخضوع لله، كأمر الملائكة بالسجود لآدم، وكأمره بالخضوع له من الدعاة إلى الله فهو من الخضوع لله، كأمر الملائكة بالسجود لآدم، وكأمره بالخضوع للأنبياء والأولياء، فكان مآل من سجد وخضع التقريب، ومآل من استكبر وأنف الطرد والبعد، والله تعالى غني عن الكل، ولذلك قال: { فإن استكبروا... } الآية. قوله تعالى: { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة... } الآية، وكذلك أرض النفوس تراها يابسة بالغفلة والقسوة والجهل، فإذا أنزل عليها ماء الحياة، وهي خمرة المحبة، هاجت وارتفعت، وحييت بذكر الله ومعرفته، إن الذي أحيا الأرض الحسية قادر على إحياء النفوس الميتة بالغفلة، وانظر القشيري. ثم ذكر حال من أعرض عن الآيات، فقال: { إن الذين يلحدون في آياتنا }.

فصلت 41:39

يقول الحق جل جلاله: { ومن آياته } الدالة على وحدانيته: { الليل والنهار } في تعاقبهما على حد معلوم، وتناوبهما على قدر مقسوم، { والشمس والقمر } في اختصاصهما بسير مقدر، ونور مقرر إذ لا يصدر ذلك إلا من واحد قهار. { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } فإنها مخلوقان مثلكم، وإن كثرت منافعهما، { واسجدوا لله الذي خلقهن } أي: الليل والنهار والشمس والقمر. وحكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث في الضمير، تقول: الأقلام بريتها وبريتهن. ولعل ناسا من المشركين كانوا يسجدون للشمس والقمر، تبعا للصابئين من المجوس في عبادتهم الكواكب، ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لها السجود لله تعالى فنهوا عن هذه الواسطة، وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله وحده، إن كانوا موحدين، ولذلك قال: { إن كنتم إياه تعبدون } فإن السجود أقصى مراتب العبادة، فلا بد من تخصيصه به سبحانه، وهذا موضع السجدة عند مالك والشافعي، وعند أبي حنيفة: لا يسأمون. { فإن استكبروا } عن الامتثال، { فالذين عند ربك } من الملائكة { يسبحون له بالليل والنهار } أي: دائما، { وهم لا يسأمون } لا يملون ولا يفترون، والمعنى: فإن استكبر هؤلاء وأبوا إلا الواسطة، فدعهم وشأنهم، فإن الله غني عنهم، وقد عمر سماواته بمن يعبده، وينزهه بالليل والنهار عن الأنداد. والعندية عبارة عن الزلفى والكرامة. { ومن آياته } أيضا { أنك ترى الأرض خاشعة } يابسة مغبرة. والخشوع: التذلل، فاستعير للأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها، { فإذا أنزلنا عليها الماء } المطر { اهتزت } أي: تحركت { وربت } انتفخت لأن النبات إذا دنا أن يظهر ارتفعت به وانتفخت، ثم تصدعت عن النبات، وقيل: تزخرفت وارتفعت بارتفاع نباتها، { إن الذي أحياها لمحيي الموتى } بالبعث، { إنه على كل شيء قدير } ، ومن جملة الأشياء: البعث والحساب. الإشارة: الليل والنهار والشمس والقمر خلقهن من أجلك، فعار عليك أن تخضع لما خلق لك، وتترك المنعم بها عليك. قال القشيري: الحق سبحانه يأمرك بصيانة وجهك عن الشمس والقمر مع علوهما، وأنت لأجل حظ خسيس تنقل قدمك إلى كل أحد، وتذل وجهك لكل أحد. ه. وأما الخضوع لمن أمر الله بالخضوع له من الدعاة إلى الله فهو من الخضوع لله، كأمر الملائكة بالسجود لآدم، وكأمره بالخضوع له من الدعاة إلى الله فهو من الخضوع لله، كأمر الملائكة بالسجود لآدم، وكأمره بالخضوع للأنبياء والأولياء، فكان مآل من سجد وخضع التقريب، ومآل من استكبر وأنف الطرد والبعد، والله تعالى غني عن الكل، ولذلك قال: { فإن استكبروا... } الآية. قوله تعالى: { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة... } الآية، وكذلك أرض النفوس تراها يابسة بالغفلة والقسوة والجهل، فإذا أنزل عليها ماء الحياة، وهي خمرة المحبة، هاجت وارتفعت، وحييت بذكر الله ومعرفته، إن الذي أحيا الأرض الحسية قادر على إحياء النفوس الميتة بالغفلة، وانظر القشيري. ثم ذكر حال من أعرض عن الآيات، فقال: { إن الذين يلحدون في آياتنا }.

فصلت 41:40

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يلحدون في آياتنا } أي: يميلون عن الحق في أدلتنا التكوينية، الدالة على وحدانيتنا، فلا ينظرون فيها، أو: يلحدون في آياتنا التنزيلية، بالطعن فيها، وتحريفها، بحملها على المحامل الباطلة، { لا يخفون علينا } ، بل نجازيهم على ذلك. يقال: ألحد الكافر ولحد: إذا مال عن الاستقامة عن الحق. ثم ذكر جزاءهم فقال: { أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة } قيل: نزلت في أبي جهل وعثمان، وهي عامة، { اعملوا ما شئتم } من الأعمال المؤدية إلى ما ذكر من الإبقاء في النار، والإتيان آمنا، وفيه تهديد وتنديد. { إنه بما تعملون بصير } فيجازيكم بحسب أعمالكم. { إن الذين كفروا بالذكر } القرآن { لما } حين { جاءهم } مخلدون في النار، أو: هالكون، أو: معاندون، فخبر " إن " محذوف، دل عليه ما قبله. وقيل: بدل من قوله: { إن الذين يلحدون في آياتنا } فخبر " إن " هو الخبر السابق، وقال عمرو بن العلاء: الخبر: أولئك ينادون [فصلت: 44]، ورد بكثرة الفصل. ثم فسر الذكر المذكور بقوله: { وإنه لكتاب عزيز } ، منيع، محمي بحماية الله، لا تتأتى معارضته بحال، أو: كثير المنافع، عديم النظير، { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } أي: لا يتطرقه الباطل من جهة من الجهات، أو: لا يأتيه التبديل والتحريف، أو: التناقض بوجه من الوجوه، وأما النسخ فليس بمبطل للمنسوخ، بل هو: انتهاء حكم إلى مدة وابتداء حكم آخر، خلافا لمن احتج بالآية على عدم النسخ في القرآن، انظر ابن عرفة. { تنزيل من حكيم حميد } أي: تنزيل من حكيم محمود، ف " تنزيل ": خبر عن مضمر، أو: صفة أخرى لكتاب، مفيدة لفخامته الإضافية، كما أن الصلتين السابقتين، مفيدتان لفخامته الذاتية، كل ذلك لتأكيد بطلان الكفر به وبشاعة قبحه. الإشارة: إن الذين يلحدون في آياتنا، فيطعنون في أوليائنا، الدالين علينا، لا يخفون علينا، وسيلقون في نار القطيعة والبعد مع عموم الخوف من هول المطلع، أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة؟ اعملوا ما شئتم من التسليم أو الانتقاد، وكل من لا يصحب الرجال لا يخلو خاطره من شك أو وهم في مواعيد القرآن، كالرزق وغيره، ينسحب عليه قوله: { إن الذين كفروا بالذكر... } الآية، من طريق الإشارة. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { وإنه لكتاب عزيز } قال الشيخ عبد الرحمن اللجاي في كتاب " قطب العارفين ": الكتاب عزيز، وعلم الكتاب أعز، والعلم عزيز، والعمل به أعز، والعمل عزيز، والذوق أعز، والذوق عزيز، والمشاهدة في الذوق أعز، والمشاهدة عزيزة، والموافقة في المشاهدة أعز، والموافقة عزيزة، والأنفس في الموافقة أعز، والأنس عزيز، وآداب الأنس أعز. ثم قال: لكن لا يستنشق رائحة هذه المقامات من غلب جهله على علمه، وهواه على عقله، وسفهه على حلمه. ه. ثم سلى نبيه من تكذيب قومه، فقال: { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل }.

فصلت 41:41

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يلحدون في آياتنا } أي: يميلون عن الحق في أدلتنا التكوينية، الدالة على وحدانيتنا، فلا ينظرون فيها، أو: يلحدون في آياتنا التنزيلية، بالطعن فيها، وتحريفها، بحملها على المحامل الباطلة، { لا يخفون علينا } ، بل نجازيهم على ذلك. يقال: ألحد الكافر ولحد: إذا مال عن الاستقامة عن الحق. ثم ذكر جزاءهم فقال: { أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة } قيل: نزلت في أبي جهل وعثمان، وهي عامة، { اعملوا ما شئتم } من الأعمال المؤدية إلى ما ذكر من الإبقاء في النار، والإتيان آمنا، وفيه تهديد وتنديد. { إنه بما تعملون بصير } فيجازيكم بحسب أعمالكم. { إن الذين كفروا بالذكر } القرآن { لما } حين { جاءهم } مخلدون في النار، أو: هالكون، أو: معاندون، فخبر " إن " محذوف، دل عليه ما قبله. وقيل: بدل من قوله: { إن الذين يلحدون في آياتنا } فخبر " إن " هو الخبر السابق، وقال عمرو بن العلاء: الخبر: أولئك ينادون [فصلت: 44]، ورد بكثرة الفصل. ثم فسر الذكر المذكور بقوله: { وإنه لكتاب عزيز } ، منيع، محمي بحماية الله، لا تتأتى معارضته بحال، أو: كثير المنافع، عديم النظير، { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } أي: لا يتطرقه الباطل من جهة من الجهات، أو: لا يأتيه التبديل والتحريف، أو: التناقض بوجه من الوجوه، وأما النسخ فليس بمبطل للمنسوخ، بل هو: انتهاء حكم إلى مدة وابتداء حكم آخر، خلافا لمن احتج بالآية على عدم النسخ في القرآن، انظر ابن عرفة. { تنزيل من حكيم حميد } أي: تنزيل من حكيم محمود، ف " تنزيل ": خبر عن مضمر، أو: صفة أخرى لكتاب، مفيدة لفخامته الإضافية، كما أن الصلتين السابقتين، مفيدتان لفخامته الذاتية، كل ذلك لتأكيد بطلان الكفر به وبشاعة قبحه. الإشارة: إن الذين يلحدون في آياتنا، فيطعنون في أوليائنا، الدالين علينا، لا يخفون علينا، وسيلقون في نار القطيعة والبعد مع عموم الخوف من هول المطلع، أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة؟ اعملوا ما شئتم من التسليم أو الانتقاد، وكل من لا يصحب الرجال لا يخلو خاطره من شك أو وهم في مواعيد القرآن، كالرزق وغيره، ينسحب عليه قوله: { إن الذين كفروا بالذكر... } الآية، من طريق الإشارة. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { وإنه لكتاب عزيز } قال الشيخ عبد الرحمن اللجاي في كتاب " قطب العارفين ": الكتاب عزيز، وعلم الكتاب أعز، والعلم عزيز، والعمل به أعز، والعمل عزيز، والذوق أعز، والذوق عزيز، والمشاهدة في الذوق أعز، والمشاهدة عزيزة، والموافقة في المشاهدة أعز، والموافقة عزيزة، والأنفس في الموافقة أعز، والأنس عزيز، وآداب الأنس أعز. ثم قال: لكن لا يستنشق رائحة هذه المقامات من غلب جهله على علمه، وهواه على عقله، وسفهه على حلمه. ه. ثم سلى نبيه من تكذيب قومه، فقال: { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل }.

فصلت 41:42

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يلحدون في آياتنا } أي: يميلون عن الحق في أدلتنا التكوينية، الدالة على وحدانيتنا، فلا ينظرون فيها، أو: يلحدون في آياتنا التنزيلية، بالطعن فيها، وتحريفها، بحملها على المحامل الباطلة، { لا يخفون علينا } ، بل نجازيهم على ذلك. يقال: ألحد الكافر ولحد: إذا مال عن الاستقامة عن الحق. ثم ذكر جزاءهم فقال: { أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة } قيل: نزلت في أبي جهل وعثمان، وهي عامة، { اعملوا ما شئتم } من الأعمال المؤدية إلى ما ذكر من الإبقاء في النار، والإتيان آمنا، وفيه تهديد وتنديد. { إنه بما تعملون بصير } فيجازيكم بحسب أعمالكم. { إن الذين كفروا بالذكر } القرآن { لما } حين { جاءهم } مخلدون في النار، أو: هالكون، أو: معاندون، فخبر " إن " محذوف، دل عليه ما قبله. وقيل: بدل من قوله: { إن الذين يلحدون في آياتنا } فخبر " إن " هو الخبر السابق، وقال عمرو بن العلاء: الخبر: أولئك ينادون [فصلت: 44]، ورد بكثرة الفصل. ثم فسر الذكر المذكور بقوله: { وإنه لكتاب عزيز } ، منيع، محمي بحماية الله، لا تتأتى معارضته بحال، أو: كثير المنافع، عديم النظير، { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } أي: لا يتطرقه الباطل من جهة من الجهات، أو: لا يأتيه التبديل والتحريف، أو: التناقض بوجه من الوجوه، وأما النسخ فليس بمبطل للمنسوخ، بل هو: انتهاء حكم إلى مدة وابتداء حكم آخر، خلافا لمن احتج بالآية على عدم النسخ في القرآن، انظر ابن عرفة. { تنزيل من حكيم حميد } أي: تنزيل من حكيم محمود، ف " تنزيل ": خبر عن مضمر، أو: صفة أخرى لكتاب، مفيدة لفخامته الإضافية، كما أن الصلتين السابقتين، مفيدتان لفخامته الذاتية، كل ذلك لتأكيد بطلان الكفر به وبشاعة قبحه. الإشارة: إن الذين يلحدون في آياتنا، فيطعنون في أوليائنا، الدالين علينا، لا يخفون علينا، وسيلقون في نار القطيعة والبعد مع عموم الخوف من هول المطلع، أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة؟ اعملوا ما شئتم من التسليم أو الانتقاد، وكل من لا يصحب الرجال لا يخلو خاطره من شك أو وهم في مواعيد القرآن، كالرزق وغيره، ينسحب عليه قوله: { إن الذين كفروا بالذكر... } الآية، من طريق الإشارة. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { وإنه لكتاب عزيز } قال الشيخ عبد الرحمن اللجاي في كتاب " قطب العارفين ": الكتاب عزيز، وعلم الكتاب أعز، والعلم عزيز، والعمل به أعز، والعمل عزيز، والذوق أعز، والذوق عزيز، والمشاهدة في الذوق أعز، والمشاهدة عزيزة، والموافقة في المشاهدة أعز، والموافقة عزيزة، والأنفس في الموافقة أعز، والأنس عزيز، وآداب الأنس أعز. ثم قال: لكن لا يستنشق رائحة هذه المقامات من غلب جهله على علمه، وهواه على عقله، وسفهه على حلمه. ه. ثم سلى نبيه من تكذيب قومه، فقال: { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل }.

فصلت 41:43

يقول الحق جل جلاله: { ما يقال لك } أي: ما يقول لك كفار قومك { إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم، من الكلمات المؤذية، والمطاعن في الكتب المنزلة، فاصبر كما صبروا، { إن ربك لذو مغفرة } ورحمة لأنبيائه { وذو عقاب أليم } لأعدائهم، وقد نصر من قبلك من الرسل، وانتقم من أعدائهم، وسيفعل مثل ذلك بك وبأعدائك، و: { ما يقال لك } من الوحي وتخاطب به من جهته تعالى، { إلا ما قد قيل للرسل } وأوحي إليهم، فلست ببدع منهم { إن ربك لذو مغفرة } لمن صدق وحيه، { وذو عقاب أليم } لمن كذب. { ولو جعلناه } أي: الذكر { قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته } أي: هلا بينت بلسان العرب حتى نفهمها، كانوا يقولون: لتعنتهم: هلا نزل القرآن بلغة العجم! فقيل لهم: لو كان كما تقترحون لقلتم: هلا بينت آياته بلغتنا لنفهمه، { أأعجمي وعربي } ، بهمزتين الأولى للإنكار، يعني: لو نزل بلغة العجم لأنكروا وقالوا: أقرآن أعجمي ورسول عربي؟ والأعجمي: الذي لا يفصح ولا يفهم كلامه، سواء كان من العجم أو من العرب، والعجمي: منسوب إلى أمة العجم، فصيحا كان أو غير فصيح، ومن قرأ بهمزة واحدة، فالمعنى: هلا فصلت آياته فيجعل بعضها أعجميا لإفهام العجم، وبعضها عربيا لإفهام العرب، فيكون معنى " فصلت ": نوعت. وقرىء " أعجمي " بفح العين، ويتجه على كونهم طعنوا فيه من أجل ما فيه من الكلمة العجمية، ك سجين [المطففين: 7] و إستبرق [الكهف: 31]، فقالوا: فيه أعجمي وعربي، مخلط من كلام العرب وكلام العجم، وأيا ما كان فالمقصود: أن آيات الله عز وجل على أي طريق جاءتهم وجدوا متعنتا يتعللون به لأنهم غير طالبين للحق، وإنما يتعبون أهواءهم. { قل هو للذين آمنوا هدى } يهديهم إلى الحق، { وشفاء } لما في الصدور من شك وشبهة إذ الشك مرض. { والذين لا يؤمنون } به { في آذانهم وقر } أي: صمم، فالموصول: مبتدأ، والجار: خبره، وقيل: في موضع الجر، بدل من الذين آمنوا أي: هو للذين آمنوا هدى وللذين لا يؤمنون في آذانهم وقر، إلا أن فيه عطفا على عاملين، وهو جائز عند الأخفش. { وهو } أي: القرآن { عليهم عمى } ظلمة وشبهة، { أولئك } البعداء الموصوفون بما ذكر من التعامي عن الحق الذي يسمعونه، والتعامي عن الآيات الظاهرة التي يشاهدونها، { ينادون من مكان بعيد } يعني: أنهم لعدم قبولهم وانتفاعهم، كأنهم ينادون إلى الإيمان بالقرآن من حيث لا يسمعون، لبعد المسافة، وهو تمثيل لحالهم بحال من ينادي من مسافة بعيدة لا يكاد يسمع من مسافتها الأصوات، وقيل: ينادون في القيامة من مكان بعيد بأقبح الأسماء. الإشارة: ما يقال لك أيها المتوجه أو الولي، إلا ما قد قيل لمن قبلك من المنتسبين، فقد أوذي من قبلك من أهل النسبة بأنواع الإذايات من ضرب وقتل وسجن، وغير ذلك، ففيهم أسوة لمن بعدهم، { إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم }. ومما جرت عادة الله في خلقه ألا يسلموا لأحياء عصرهم ما نطقوا به من حكم، وأتوا به من علوم، ولو بلغت من البلاغة ما بلغت، كما وقع من طعن الكفرة في القرآن، على أي وجه جاء، وهي نزعة جاهلية. وقوله تعالى: { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء } ، قال الورتجبي: هدى، لقلوب العارفين إلى معدنه، وهو الذات القديم، وشفاء لقلوب العاشقين، وأرواح مرضى المحبة وسقمى الصبابة، فلأنه خطاب حبيبهم، وكتاب مشوقهم، يستلذونه من حيث العبارات، ويعرفونه من حيث الإشارات. ه. وقوله تعالى: { في آذانهم وقر } قال ذو النون: من وقر سمعه وأصم عن نداء الحق في الأزل، لا يسمع نداءه عند الإيجاد، وإن سمعه كان ذلك عليه عمى، ويكون عن دقائقه بعيدا، وذلك أنهم نودوا عن بعد، ولم يكونوا بالقرب. ه. فكل من قرأه ذاهلا عن تدبره بوساوس نفسه، فهو ممن نودي في الأزل عن بعد. وبالله التوفيق. ولما ذكر بيان القرآن أتبعه بذكر التوراة، تسلية أيضا، فقال: { ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه }.

فصلت 41:44

يقول الحق جل جلاله: { ما يقال لك } أي: ما يقول لك كفار قومك { إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم، من الكلمات المؤذية، والمطاعن في الكتب المنزلة، فاصبر كما صبروا، { إن ربك لذو مغفرة } ورحمة لأنبيائه { وذو عقاب أليم } لأعدائهم، وقد نصر من قبلك من الرسل، وانتقم من أعدائهم، وسيفعل مثل ذلك بك وبأعدائك، و: { ما يقال لك } من الوحي وتخاطب به من جهته تعالى، { إلا ما قد قيل للرسل } وأوحي إليهم، فلست ببدع منهم { إن ربك لذو مغفرة } لمن صدق وحيه، { وذو عقاب أليم } لمن كذب. { ولو جعلناه } أي: الذكر { قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته } أي: هلا بينت بلسان العرب حتى نفهمها، كانوا يقولون: لتعنتهم: هلا نزل القرآن بلغة العجم! فقيل لهم: لو كان كما تقترحون لقلتم: هلا بينت آياته بلغتنا لنفهمه، { أأعجمي وعربي } ، بهمزتين الأولى للإنكار، يعني: لو نزل بلغة العجم لأنكروا وقالوا: أقرآن أعجمي ورسول عربي؟ والأعجمي: الذي لا يفصح ولا يفهم كلامه، سواء كان من العجم أو من العرب، والعجمي: منسوب إلى أمة العجم، فصيحا كان أو غير فصيح، ومن قرأ بهمزة واحدة، فالمعنى: هلا فصلت آياته فيجعل بعضها أعجميا لإفهام العجم، وبعضها عربيا لإفهام العرب، فيكون معنى " فصلت ": نوعت. وقرىء " أعجمي " بفح العين، ويتجه على كونهم طعنوا فيه من أجل ما فيه من الكلمة العجمية، ك سجين [المطففين: 7] و إستبرق [الكهف: 31]، فقالوا: فيه أعجمي وعربي، مخلط من كلام العرب وكلام العجم، وأيا ما كان فالمقصود: أن آيات الله عز وجل على أي طريق جاءتهم وجدوا متعنتا يتعللون به لأنهم غير طالبين للحق، وإنما يتعبون أهواءهم. { قل هو للذين آمنوا هدى } يهديهم إلى الحق، { وشفاء } لما في الصدور من شك وشبهة إذ الشك مرض. { والذين لا يؤمنون } به { في آذانهم وقر } أي: صمم، فالموصول: مبتدأ، والجار: خبره، وقيل: في موضع الجر، بدل من الذين آمنوا أي: هو للذين آمنوا هدى وللذين لا يؤمنون في آذانهم وقر، إلا أن فيه عطفا على عاملين، وهو جائز عند الأخفش. { وهو } أي: القرآن { عليهم عمى } ظلمة وشبهة، { أولئك } البعداء الموصوفون بما ذكر من التعامي عن الحق الذي يسمعونه، والتعامي عن الآيات الظاهرة التي يشاهدونها، { ينادون من مكان بعيد } يعني: أنهم لعدم قبولهم وانتفاعهم، كأنهم ينادون إلى الإيمان بالقرآن من حيث لا يسمعون، لبعد المسافة، وهو تمثيل لحالهم بحال من ينادي من مسافة بعيدة لا يكاد يسمع من مسافتها الأصوات، وقيل: ينادون في القيامة من مكان بعيد بأقبح الأسماء. الإشارة: ما يقال لك أيها المتوجه أو الولي، إلا ما قد قيل لمن قبلك من المنتسبين، فقد أوذي من قبلك من أهل النسبة بأنواع الإذايات من ضرب وقتل وسجن، وغير ذلك، ففيهم أسوة لمن بعدهم، { إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم }. ومما جرت عادة الله في خلقه ألا يسلموا لأحياء عصرهم ما نطقوا به من حكم، وأتوا به من علوم، ولو بلغت من البلاغة ما بلغت، كما وقع من طعن الكفرة في القرآن، على أي وجه جاء، وهي نزعة جاهلية. وقوله تعالى: { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء } ، قال الورتجبي: هدى، لقلوب العارفين إلى معدنه، وهو الذات القديم، وشفاء لقلوب العاشقين، وأرواح مرضى المحبة وسقمى الصبابة، فلأنه خطاب حبيبهم، وكتاب مشوقهم، يستلذونه من حيث العبارات، ويعرفونه من حيث الإشارات. ه. وقوله تعالى: { في آذانهم وقر } قال ذو النون: من وقر سمعه وأصم عن نداء الحق في الأزل، لا يسمع نداءه عند الإيجاد، وإن سمعه كان ذلك عليه عمى، ويكون عن دقائقه بعيدا، وذلك أنهم نودوا عن بعد، ولم يكونوا بالقرب. ه. فكل من قرأه ذاهلا عن تدبره بوساوس نفسه، فهو ممن نودي في الأزل عن بعد. وبالله التوفيق. ولما ذكر بيان القرآن أتبعه بذكر التوراة، تسلية أيضا، فقال: { ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه }.

فصلت 41:45

يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا موسى الكتاب } التوراة { فاختلف فيه } فقال بعضهم: حق، وقال بعضهم: كتبه بيده في الجبل، كما اختلف قومك في كتابك القرآن، فمن مؤمن به وكافر، { ولولا كلمة سبقت من ربك } في حق أمتك بتأخير العذاب، { لقضي بينهم } لأهلكهم إهلاك استئصال. وقيل: الكلمة السابقة هو العدة بالقيامة لقوله: بل الساعة موعدهم [القمر: 46]، وأن الخصومات تفصل في ذلك اليوم، ولولا ذلك لقضي بينهم في الدنيا. { وإنهم } أي: كفار قومك { لفي شك منه } من أجل القرآن { مريب } موقع للريبة، وقيل: الضمير في بينهم وإنهم لليهود، وفي منه لموسى، أو: لكتابه، وهو ضعيف. { من عمل صالحا } بأن آمن بالكتب وعمل بوحيها، { فلنفسه } نفع، لا غيره، { ومن أساء فعليها } ضرره، لا على غيره، { وما ربك بظلام للعبيد } ، فيعذب غير المسيء، أو ينقص من إحسان المحسن. الإشارة: الاختلاف على أهل الخصوصية سنة ماضية، { ولن تجد لسنة الله تبديلا } ، فمن رام الاتفاق على خصوصيته، فهو كاذب في دعوى الخصوصية، وفي الحكم: " استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك ". ثم ذكر بيان الساعة الموعودة بها في قوله: { ولولا كلمة سبقت من ربك } لأنها محل القضاء بين العباد، فكأن قائلا قال: متى ذلك؟ فقال: { إليه يرد علم الساعة }.

فصلت 41:46

يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا موسى الكتاب } التوراة { فاختلف فيه } فقال بعضهم: حق، وقال بعضهم: كتبه بيده في الجبل، كما اختلف قومك في كتابك القرآن، فمن مؤمن به وكافر، { ولولا كلمة سبقت من ربك } في حق أمتك بتأخير العذاب، { لقضي بينهم } لأهلكهم إهلاك استئصال. وقيل: الكلمة السابقة هو العدة بالقيامة لقوله: بل الساعة موعدهم [القمر: 46]، وأن الخصومات تفصل في ذلك اليوم، ولولا ذلك لقضي بينهم في الدنيا. { وإنهم } أي: كفار قومك { لفي شك منه } من أجل القرآن { مريب } موقع للريبة، وقيل: الضمير في بينهم وإنهم لليهود، وفي منه لموسى، أو: لكتابه، وهو ضعيف. { من عمل صالحا } بأن آمن بالكتب وعمل بوحيها، { فلنفسه } نفع، لا غيره، { ومن أساء فعليها } ضرره، لا على غيره، { وما ربك بظلام للعبيد } ، فيعذب غير المسيء، أو ينقص من إحسان المحسن. الإشارة: الاختلاف على أهل الخصوصية سنة ماضية، { ولن تجد لسنة الله تبديلا } ، فمن رام الاتفاق على خصوصيته، فهو كاذب في دعوى الخصوصية، وفي الحكم: " استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك ". ثم ذكر بيان الساعة الموعودة بها في قوله: { ولولا كلمة سبقت من ربك } لأنها محل القضاء بين العباد، فكأن قائلا قال: متى ذلك؟ فقال: { إليه يرد علم الساعة }.

فصلت 41:47

يقول الحق جل جلاله: { إليه يرد علم الساعة } أي: إذا سئل عنها يجب أن يقال: الله أعلم بوقت مجيئها، أو: لا يعلمها إلا الله، { وما تخرج من ثمرات من أكمامها } من أوعيتها، جمع " كم " بكسر الكاف وهو وعاء الثمرة قبل أن تنشق، أي: لا يعلم كيفية خروجها ومآلها إلا الله. { وما تحمل من أنثى } أي: تعلق النطفة في رحمها، وما ينشأ عنها من ذكورة وأنوثة وأوصاف الخلقة تامة أو ناقصة، { ولا تضع } حملها { إلا بعلمه } استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي: ما يحدث شيء من خروج ثمرة، ولا حمل حامل، ولا وضع واضع، ملابسا بشيء من الأشياء إلا ملابسا بعلمه المحيط. { و } اذكر { يوم يناديهم } فيقول: { أين شركائي } بزعمكم، أضافهم إليه على زعمهم، وفيه تهكم بهم وتقريع، { قالوا آذناك ما منا من شهيد } أي: من أحد يشهد لهم بالشركة، إذ تبرأنا منهم، لما عاينا حقيقة الحال، وتفسير " آذن " هنا بالإخبار، أحسن من تفسيره بالإعلام لأن الله تعالى كان عالما بذلك، وإعلام العالم محال أما الإخبار للعالم بالشيء ليتحقق بما علم به فجائز، إلا أن يكون المعنى: إنك علمت من قلوبنا الآن: أنا لا نشهد تلك الشهادة الباطلة لأنه إذا علمه من نفوسهم، فكأنهم أعلموه، أي: أخبرناك بأنا ما منا أحد اليوم يشهد بأن لك شريكا، وما منا إلا من هو موحد. أو: ما منا من أحد يشاهدهم، لأنهم ضلوا عنهم في ساعة التوبيخ، وقيل: هو من كلام الشركاء، أي: ما منا شهيد يشهد بما أضافوا لنا من الشركة. { وضل عنهم ما كانوا يدعون } يعبدون { من قبل } في الدنيا { وظنوا } وأيقنوا { ما لهم من محيص } من مهرب، والظن معلق عنهم بحرف النفي عن المفعولين. الإشارة: إليه تعالى يرد علم الساعة، التي يقع الفتح فيها على المتوجه، بكشف الحجاب بينه وبين حبيبه، وما تخرج من ثمرات العلوم والحكم من أكمام قلبه، وما تحمل نفس من اليقين والمعرفة، إلا بعلمه. ثم ذم من مال إلى غيره بالركون والمحبة، وذكر أنه يتبرأ منه في حال ضيقه، فلا ينبغي التعلق إلا به، ولا ميل القصد والمحبة إلا له سبحانه وبالله التوفيق. ثم ذكر ما جبل عليه طبع الإنسان من الجزع والهلع، فقال: { لا يسأم الإنسان من دعآء الخير }.

فصلت 41:48

يقول الحق جل جلاله: { إليه يرد علم الساعة } أي: إذا سئل عنها يجب أن يقال: الله أعلم بوقت مجيئها، أو: لا يعلمها إلا الله، { وما تخرج من ثمرات من أكمامها } من أوعيتها، جمع " كم " بكسر الكاف وهو وعاء الثمرة قبل أن تنشق، أي: لا يعلم كيفية خروجها ومآلها إلا الله. { وما تحمل من أنثى } أي: تعلق النطفة في رحمها، وما ينشأ عنها من ذكورة وأنوثة وأوصاف الخلقة تامة أو ناقصة، { ولا تضع } حملها { إلا بعلمه } استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي: ما يحدث شيء من خروج ثمرة، ولا حمل حامل، ولا وضع واضع، ملابسا بشيء من الأشياء إلا ملابسا بعلمه المحيط. { و } اذكر { يوم يناديهم } فيقول: { أين شركائي } بزعمكم، أضافهم إليه على زعمهم، وفيه تهكم بهم وتقريع، { قالوا آذناك ما منا من شهيد } أي: من أحد يشهد لهم بالشركة، إذ تبرأنا منهم، لما عاينا حقيقة الحال، وتفسير " آذن " هنا بالإخبار، أحسن من تفسيره بالإعلام لأن الله تعالى كان عالما بذلك، وإعلام العالم محال أما الإخبار للعالم بالشيء ليتحقق بما علم به فجائز، إلا أن يكون المعنى: إنك علمت من قلوبنا الآن: أنا لا نشهد تلك الشهادة الباطلة لأنه إذا علمه من نفوسهم، فكأنهم أعلموه، أي: أخبرناك بأنا ما منا أحد اليوم يشهد بأن لك شريكا، وما منا إلا من هو موحد. أو: ما منا من أحد يشاهدهم، لأنهم ضلوا عنهم في ساعة التوبيخ، وقيل: هو من كلام الشركاء، أي: ما منا شهيد يشهد بما أضافوا لنا من الشركة. { وضل عنهم ما كانوا يدعون } يعبدون { من قبل } في الدنيا { وظنوا } وأيقنوا { ما لهم من محيص } من مهرب، والظن معلق عنهم بحرف النفي عن المفعولين. الإشارة: إليه تعالى يرد علم الساعة، التي يقع الفتح فيها على المتوجه، بكشف الحجاب بينه وبين حبيبه، وما تخرج من ثمرات العلوم والحكم من أكمام قلبه، وما تحمل نفس من اليقين والمعرفة، إلا بعلمه. ثم ذم من مال إلى غيره بالركون والمحبة، وذكر أنه يتبرأ منه في حال ضيقه، فلا ينبغي التعلق إلا به، ولا ميل القصد والمحبة إلا له سبحانه وبالله التوفيق. ثم ذكر ما جبل عليه طبع الإنسان من الجزع والهلع، فقال: { لا يسأم الإنسان من دعآء الخير }.

فصلت 41:49

يقول الحق جل جلاله: { لا يسأم الإنسان } أي: جنسه، أو: الكافر، بدليل قوله: ومآ أظن الساعة قآئمة [الكهف: 36]، أي: لا يمل { من دعاء الخير } من طلب السعة في المال والنعمة، ولا يمل عن إرادة النفع والسلامة، والتقدير: من دعائه الخير، فحذف الفاعل وأضيف إلى المفعول، { وإن مسه الشر } الفقر والضيق، { فيؤوس } من الخير { قنوط } من الرحمة، أي: لا يرجو زواله لعدم علمه بربه، وانسداد الطريق على قلبه في الرجوع إلى ربه، بولغ فيه من طريقين: من طريق بناء فعول، ومن طريق التكرير لأن اليأس هو القنط، والقنوط: أن يظهر أثر اليأس فيتضاءل وينكسر، ويظهر الجزع، وهذا صفة الكافر لقوله: إنه لا يايئس من روح الله إلا القوم الكافرون [يوسف: 87]. وقال الإمام الفخر: اليأس على أمر الدنيا من صفة القلب، والقنوط: إظهار آثاره على الظاهر. ه. { ولئن أذقناه رحمة من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي } أي: وإذا فرجنا عنه بصحة بعد مرض، أو: سعة بعد ضيق، قال: { هذا لي } أي: هذا قد وصل إلي لأني استوجبته بما عندي من خير، وفضل، وأعمال بر، أو: هذا لي لا يزول عني أبدا، { وما أظن الساعة قائمة } أي: ما أظنها تقوم فيما سيأتي، { ولئن رجعت إلى ربي } كما يقول المسلمون، { إن لي عنده للحسنى } أي: الحالة الحسنى من الكرامة والنعمة، أو: الجنة. قاس أمر الآخرة على أمر الدينا لأن ما أصابه من نعم الدنيا، زعم أنه لاستحقاقه إياها، وأن نعم الآخرة كذلك. وهذا غرور وحمق، الرجاء ما قارنه عمل، وإلا فهو أمنية، " الجاهل من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله، والكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت ". { فلننبئن الذين كفروا بما عملوا } أي: فلنخبرنهم بحقيقة ما عملوا من الأعمال الموجبة للعذاب، { ولنذيقنهم من عذاب غليظ } شديد، لا يفتر عنهم. { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض } ، هذا ضرب آخر من طغيان الإنسان إذا أصابه الله بنعمته، أبطرته النعمة، وأعجب بنفسه، فنسي المنعم، وأعرض عن شكره، { ونأى بجانبه } وتباعد عن ذكر الله ودعائه وطاعته، أو: ذهب بنفسه وتكبر وتعاظم، والتحقيق: أن المراد بالجانب النفس، فكأنه قال: وتباعد بنفسه عن شكر ربه، { وإذا مسه الشر } الفقر والضر، { فذو دعاء عريض } أي: تضرع كثير، أي: أقبل على دوام الدعاء والابتهال. ولا منافاة بين قوله: { فيؤوس قنوط } وبين قوله: { فذو دعاء عريض } لأن الأول في قوم، والثاني في قوم، أو: قنوط في البر، وذو دعاء عريض في البحر، أو: قنوط بالقلب، وذو دعاء باللسان، أو: قنوط من الصنم، وذو دعاء لله تعالى. الإشارة: اللائق بالأدب أن يكون العبد عند الشدة داعيا بلسانه، راضيا بقلبه، إن أجابه شكر، وإن منعه انتظر وصبر، ولا ييأس ولا يقنط، فإنه ضمن الإجابة فيما يريد، لا فيما تريد، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد، وإن فرج عنك نسبت النعمة إليه، دون شيء من الوسائط العادية، هذا ما يفهم من الآية، وتقدم الكلام عليها في سورة هود. وبالله التوفيق. ثم وبخ من أعرض عن النظر، فقال: { قل أرأيتم إن كان من عند الله }.

فصلت 41:50

يقول الحق جل جلاله: { لا يسأم الإنسان } أي: جنسه، أو: الكافر، بدليل قوله: ومآ أظن الساعة قآئمة [الكهف: 36]، أي: لا يمل { من دعاء الخير } من طلب السعة في المال والنعمة، ولا يمل عن إرادة النفع والسلامة، والتقدير: من دعائه الخير، فحذف الفاعل وأضيف إلى المفعول، { وإن مسه الشر } الفقر والضيق، { فيؤوس } من الخير { قنوط } من الرحمة، أي: لا يرجو زواله لعدم علمه بربه، وانسداد الطريق على قلبه في الرجوع إلى ربه، بولغ فيه من طريقين: من طريق بناء فعول، ومن طريق التكرير لأن اليأس هو القنط، والقنوط: أن يظهر أثر اليأس فيتضاءل وينكسر، ويظهر الجزع، وهذا صفة الكافر لقوله: إنه لا يايئس من روح الله إلا القوم الكافرون [يوسف: 87]. وقال الإمام الفخر: اليأس على أمر الدنيا من صفة القلب، والقنوط: إظهار آثاره على الظاهر. ه. { ولئن أذقناه رحمة من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي } أي: وإذا فرجنا عنه بصحة بعد مرض، أو: سعة بعد ضيق، قال: { هذا لي } أي: هذا قد وصل إلي لأني استوجبته بما عندي من خير، وفضل، وأعمال بر، أو: هذا لي لا يزول عني أبدا، { وما أظن الساعة قائمة } أي: ما أظنها تقوم فيما سيأتي، { ولئن رجعت إلى ربي } كما يقول المسلمون، { إن لي عنده للحسنى } أي: الحالة الحسنى من الكرامة والنعمة، أو: الجنة. قاس أمر الآخرة على أمر الدينا لأن ما أصابه من نعم الدنيا، زعم أنه لاستحقاقه إياها، وأن نعم الآخرة كذلك. وهذا غرور وحمق، الرجاء ما قارنه عمل، وإلا فهو أمنية، " الجاهل من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله، والكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت ". { فلننبئن الذين كفروا بما عملوا } أي: فلنخبرنهم بحقيقة ما عملوا من الأعمال الموجبة للعذاب، { ولنذيقنهم من عذاب غليظ } شديد، لا يفتر عنهم. { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض } ، هذا ضرب آخر من طغيان الإنسان إذا أصابه الله بنعمته، أبطرته النعمة، وأعجب بنفسه، فنسي المنعم، وأعرض عن شكره، { ونأى بجانبه } وتباعد عن ذكر الله ودعائه وطاعته، أو: ذهب بنفسه وتكبر وتعاظم، والتحقيق: أن المراد بالجانب النفس، فكأنه قال: وتباعد بنفسه عن شكر ربه، { وإذا مسه الشر } الفقر والضر، { فذو دعاء عريض } أي: تضرع كثير، أي: أقبل على دوام الدعاء والابتهال. ولا منافاة بين قوله: { فيؤوس قنوط } وبين قوله: { فذو دعاء عريض } لأن الأول في قوم، والثاني في قوم، أو: قنوط في البر، وذو دعاء عريض في البحر، أو: قنوط بالقلب، وذو دعاء باللسان، أو: قنوط من الصنم، وذو دعاء لله تعالى. الإشارة: اللائق بالأدب أن يكون العبد عند الشدة داعيا بلسانه، راضيا بقلبه، إن أجابه شكر، وإن منعه انتظر وصبر، ولا ييأس ولا يقنط، فإنه ضمن الإجابة فيما يريد، لا فيما تريد، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد، وإن فرج عنك نسبت النعمة إليه، دون شيء من الوسائط العادية، هذا ما يفهم من الآية، وتقدم الكلام عليها في سورة هود. وبالله التوفيق. ثم وبخ من أعرض عن النظر، فقال: { قل أرأيتم إن كان من عند الله }.

فصلت 41:51

يقول الحق جل جلاله: { لا يسأم الإنسان } أي: جنسه، أو: الكافر، بدليل قوله: ومآ أظن الساعة قآئمة [الكهف: 36]، أي: لا يمل { من دعاء الخير } من طلب السعة في المال والنعمة، ولا يمل عن إرادة النفع والسلامة، والتقدير: من دعائه الخير، فحذف الفاعل وأضيف إلى المفعول، { وإن مسه الشر } الفقر والضيق، { فيؤوس } من الخير { قنوط } من الرحمة، أي: لا يرجو زواله لعدم علمه بربه، وانسداد الطريق على قلبه في الرجوع إلى ربه، بولغ فيه من طريقين: من طريق بناء فعول، ومن طريق التكرير لأن اليأس هو القنط، والقنوط: أن يظهر أثر اليأس فيتضاءل وينكسر، ويظهر الجزع، وهذا صفة الكافر لقوله: إنه لا يايئس من روح الله إلا القوم الكافرون [يوسف: 87]. وقال الإمام الفخر: اليأس على أمر الدنيا من صفة القلب، والقنوط: إظهار آثاره على الظاهر. ه. { ولئن أذقناه رحمة من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي } أي: وإذا فرجنا عنه بصحة بعد مرض، أو: سعة بعد ضيق، قال: { هذا لي } أي: هذا قد وصل إلي لأني استوجبته بما عندي من خير، وفضل، وأعمال بر، أو: هذا لي لا يزول عني أبدا، { وما أظن الساعة قائمة } أي: ما أظنها تقوم فيما سيأتي، { ولئن رجعت إلى ربي } كما يقول المسلمون، { إن لي عنده للحسنى } أي: الحالة الحسنى من الكرامة والنعمة، أو: الجنة. قاس أمر الآخرة على أمر الدينا لأن ما أصابه من نعم الدنيا، زعم أنه لاستحقاقه إياها، وأن نعم الآخرة كذلك. وهذا غرور وحمق، الرجاء ما قارنه عمل، وإلا فهو أمنية، " الجاهل من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله، والكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت ". { فلننبئن الذين كفروا بما عملوا } أي: فلنخبرنهم بحقيقة ما عملوا من الأعمال الموجبة للعذاب، { ولنذيقنهم من عذاب غليظ } شديد، لا يفتر عنهم. { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض } ، هذا ضرب آخر من طغيان الإنسان إذا أصابه الله بنعمته، أبطرته النعمة، وأعجب بنفسه، فنسي المنعم، وأعرض عن شكره، { ونأى بجانبه } وتباعد عن ذكر الله ودعائه وطاعته، أو: ذهب بنفسه وتكبر وتعاظم، والتحقيق: أن المراد بالجانب النفس، فكأنه قال: وتباعد بنفسه عن شكر ربه، { وإذا مسه الشر } الفقر والضر، { فذو دعاء عريض } أي: تضرع كثير، أي: أقبل على دوام الدعاء والابتهال. ولا منافاة بين قوله: { فيؤوس قنوط } وبين قوله: { فذو دعاء عريض } لأن الأول في قوم، والثاني في قوم، أو: قنوط في البر، وذو دعاء عريض في البحر، أو: قنوط بالقلب، وذو دعاء باللسان، أو: قنوط من الصنم، وذو دعاء لله تعالى. الإشارة: اللائق بالأدب أن يكون العبد عند الشدة داعيا بلسانه، راضيا بقلبه، إن أجابه شكر، وإن منعه انتظر وصبر، ولا ييأس ولا يقنط، فإنه ضمن الإجابة فيما يريد، لا فيما تريد، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد، وإن فرج عنك نسبت النعمة إليه، دون شيء من الوسائط العادية، هذا ما يفهم من الآية، وتقدم الكلام عليها في سورة هود. وبالله التوفيق. ثم وبخ من أعرض عن النظر، فقال: { قل أرأيتم إن كان من عند الله }.

فصلت 41:52

يقول الحق جل جلاله: { قل أرأيتم } أخبروني { إن كان } القرآن { من عند الله ثم كفرتم به } جحدتم أنه من عند الله، مع تعاضد موجبات الإيمان به، { من أضل } منكم؟ فوضع قوله: { ممن هو في شقاق بعيد } موضعه، شرحا لحالهم، وتعليلا لمزيد ضلالهم. { سنريهم آياتنا } الادلة على حقيته وكونه من عند الله، { في الآفاق } من فتح البلاد، وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من الحوادث الآتية، وآثار النوازل الماضية، وما يسر الله تعالى له ولخلفائه من الفتوحات، والظهور على آفاق الدنيا، والاستيلاء على بلاد المشارق والمغارب، على وجه خرق العادة، { و } نريهم { في أنفسهم } ما ظهر من فتح مكة وما حل بهم. وقال ابن عباس: في الآفاق: منازل الأمم الخالية وآثارهم، وفي أنفسهم: يوم بدر. وقال مجاهد وغيره: في الآفاق: ما يفتح الله من القرى على نبيه صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وفي أنفسهم: فتح مكة. وقيل: الآفاق: في أقطار السموات والأرض، من الشمس، والقمر، والنجوم، وما يترتب عليها من الليل، والنهار، والأضواء، والظلال، والظلمات، ومن النبات، والأشجار، والأنهار، { وفي أنفسهم }: من لطيف الصنعة وبديع الحكمة، من تكوين النطفة في ظلمات الأرحام، وحدوث الأعضاء العجيبة، والتركيبات الغريبة، كقوله تعالى: وفى أنفسكم... [الذاريات: 21]. وعبر بالسين مع أن إراءة تلك الآيات قد حصلت قبل ذلك، بمعنى أن الله تعالى سيطلعهم على تلك الآيات زمانا فزمانا، ويزيدهم وقوفا على حقائقها يوما فيوما، { حتى يتبين لهم } بذلك { أنه الحق } أي: القرآن، أو: الإسلام، أو: التوحيد، { أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } ، توبيخ على ترددهم في شأن القرآن، وعنادهم المحوج إلى إراءة الآيات، وعدم اكتفائهم بإخباره تعالى. والهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي: ألم يغن ولم يكف ربك. والباء: مزيدة للتأكيد، ولا تكاد تزاد إلا مع " كفى ". و أنه... الخ: بدل منه، أي: ألم يغنهم عن إراءة الآيات المبنية لحقية القرآن ولم يكفهم في ذلك أنه تعالى شهيد على كل شيء، وقد أخبر أنه من عنده. وقيل: معناه: إن هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه فيتيقنون عند ذلك أن القرآن تنزيل من عالم الغيب الذي هو على كل شيء شهيد. { ألا إنهم في مرية } شك عظيم { من لقاء ربهم } فلذلك أنكروا القرآن، { ألا إنه بكل شيء محيط } عالم بجميع الأشياء وتفاصيلها، وظواهرها، وبواطنها، فلا يخفى عليه خافية منهم، وهو مجازيهم على كفرهم وشكهم، لا محالة. الإشارة: قد اشتملت الآية على مقام الاستدلال في مقام الإيمان، وعلى مقام العيان في مقام الإحسان، أي: سنريهم آياتنا الدالة على وجودنا في الآفاق، وفي أنفسهم، أي: في العوالم المنفصلة والمتصلة، حتى يتبين لهم أنه الحق، أي: وجوده حق، لأن الصنعة قطعا تحتاج إلى صانع، ثم رقاهم إلى مقام المراقبة بقوله: { أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } ، ثم زاد إلى المشاهدة بقوله: { ألا إنهم } أي: أهل الجهل بالله، { في مرية من لقاء ربهم } في الدنيا، بحصول الفناء، فيفنى وجود العبد في وجود الحق، ألا إنه بكل شيء محيط، فبحر العظمة أحاط بكل شيء، وأفنى كل شيء، ولم يبق مع وجوده شيء. وفي الحكم: " ما حجبك عن الله وجود موجود معه إذ لا شيء معه، وإنما حجبك توهم موجود معه " وقال أيضا: " الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فأحدية الذات محت وجود الأشياء كلها، ولم يبق إلا القديم الأزلي. وقال القطب ابن مشيش لأبي الحسن رضي الله عنه: يا أبا الحسن، حدد بصر الإيمان تجد الله في كل شيء، وعند كل شيء، ومع كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء، وتحت كل شيء، وقريبا من كل شيء، ومحيطا بكل شيء، بقرب هو وصفه، وبحيطة هي نعته، وعد عن الظرفية والحدود، وعن الأماكن والجهات، وعن الصحبة والقرب في المسافات، وعن الدور بالمخلوقات، وأمحق الكل بوصفه الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو هو هو، كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان. ه. وقوله: وعد عن الحجهات، جاوز عن اعتقادها إذ لا ظرف، ولا حد، ولا مكان، ولا جهة، إذ الكل عظمة ذاته، وأنوار صفاته، والحد إنما يتصور في المحدود، ولا حد لعظمة ذاته ولا نهاية، ولا يحصرها مكان، ولا جهة إذ الكل منه وإليه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، عين بحر التحقيق، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما.

فصلت 41:53

يقول الحق جل جلاله: { قل أرأيتم } أخبروني { إن كان } القرآن { من عند الله ثم كفرتم به } جحدتم أنه من عند الله، مع تعاضد موجبات الإيمان به، { من أضل } منكم؟ فوضع قوله: { ممن هو في شقاق بعيد } موضعه، شرحا لحالهم، وتعليلا لمزيد ضلالهم. { سنريهم آياتنا } الادلة على حقيته وكونه من عند الله، { في الآفاق } من فتح البلاد، وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من الحوادث الآتية، وآثار النوازل الماضية، وما يسر الله تعالى له ولخلفائه من الفتوحات، والظهور على آفاق الدنيا، والاستيلاء على بلاد المشارق والمغارب، على وجه خرق العادة، { و } نريهم { في أنفسهم } ما ظهر من فتح مكة وما حل بهم. وقال ابن عباس: في الآفاق: منازل الأمم الخالية وآثارهم، وفي أنفسهم: يوم بدر. وقال مجاهد وغيره: في الآفاق: ما يفتح الله من القرى على نبيه صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وفي أنفسهم: فتح مكة. وقيل: الآفاق: في أقطار السموات والأرض، من الشمس، والقمر، والنجوم، وما يترتب عليها من الليل، والنهار، والأضواء، والظلال، والظلمات، ومن النبات، والأشجار، والأنهار، { وفي أنفسهم }: من لطيف الصنعة وبديع الحكمة، من تكوين النطفة في ظلمات الأرحام، وحدوث الأعضاء العجيبة، والتركيبات الغريبة، كقوله تعالى: وفى أنفسكم... [الذاريات: 21]. وعبر بالسين مع أن إراءة تلك الآيات قد حصلت قبل ذلك، بمعنى أن الله تعالى سيطلعهم على تلك الآيات زمانا فزمانا، ويزيدهم وقوفا على حقائقها يوما فيوما، { حتى يتبين لهم } بذلك { أنه الحق } أي: القرآن، أو: الإسلام، أو: التوحيد، { أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } ، توبيخ على ترددهم في شأن القرآن، وعنادهم المحوج إلى إراءة الآيات، وعدم اكتفائهم بإخباره تعالى. والهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي: ألم يغن ولم يكف ربك. والباء: مزيدة للتأكيد، ولا تكاد تزاد إلا مع " كفى ". و أنه... الخ: بدل منه، أي: ألم يغنهم عن إراءة الآيات المبنية لحقية القرآن ولم يكفهم في ذلك أنه تعالى شهيد على كل شيء، وقد أخبر أنه من عنده. وقيل: معناه: إن هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه فيتيقنون عند ذلك أن القرآن تنزيل من عالم الغيب الذي هو على كل شيء شهيد. { ألا إنهم في مرية } شك عظيم { من لقاء ربهم } فلذلك أنكروا القرآن، { ألا إنه بكل شيء محيط } عالم بجميع الأشياء وتفاصيلها، وظواهرها، وبواطنها، فلا يخفى عليه خافية منهم، وهو مجازيهم على كفرهم وشكهم، لا محالة. الإشارة: قد اشتملت الآية على مقام الاستدلال في مقام الإيمان، وعلى مقام العيان في مقام الإحسان، أي: سنريهم آياتنا الدالة على وجودنا في الآفاق، وفي أنفسهم، أي: في العوالم المنفصلة والمتصلة، حتى يتبين لهم أنه الحق، أي: وجوده حق، لأن الصنعة قطعا تحتاج إلى صانع، ثم رقاهم إلى مقام المراقبة بقوله: { أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } ، ثم زاد إلى المشاهدة بقوله: { ألا إنهم } أي: أهل الجهل بالله، { في مرية من لقاء ربهم } في الدنيا، بحصول الفناء، فيفنى وجود العبد في وجود الحق، ألا إنه بكل شيء محيط، فبحر العظمة أحاط بكل شيء، وأفنى كل شيء، ولم يبق مع وجوده شيء. وفي الحكم: " ما حجبك عن الله وجود موجود معه إذ لا شيء معه، وإنما حجبك توهم موجود معه " وقال أيضا: " الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فأحدية الذات محت وجود الأشياء كلها، ولم يبق إلا القديم الأزلي. وقال القطب ابن مشيش لأبي الحسن رضي الله عنه: يا أبا الحسن، حدد بصر الإيمان تجد الله في كل شيء، وعند كل شيء، ومع كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء، وتحت كل شيء، وقريبا من كل شيء، ومحيطا بكل شيء، بقرب هو وصفه، وبحيطة هي نعته، وعد عن الظرفية والحدود، وعن الأماكن والجهات، وعن الصحبة والقرب في المسافات، وعن الدور بالمخلوقات، وأمحق الكل بوصفه الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو هو هو، كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان. ه. وقوله: وعد عن الحجهات، جاوز عن اعتقادها إذ لا ظرف، ولا حد، ولا مكان، ولا جهة، إذ الكل عظمة ذاته، وأنوار صفاته، والحد إنما يتصور في المحدود، ولا حد لعظمة ذاته ولا نهاية، ولا يحصرها مكان، ولا جهة إذ الكل منه وإليه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، عين بحر التحقيق، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما.

فصلت 41:54

يقول الحق جل جلاله: { قل أرأيتم } أخبروني { إن كان } القرآن { من عند الله ثم كفرتم به } جحدتم أنه من عند الله، مع تعاضد موجبات الإيمان به، { من أضل } منكم؟ فوضع قوله: { ممن هو في شقاق بعيد } موضعه، شرحا لحالهم، وتعليلا لمزيد ضلالهم. { سنريهم آياتنا } الادلة على حقيته وكونه من عند الله، { في الآفاق } من فتح البلاد، وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من الحوادث الآتية، وآثار النوازل الماضية، وما يسر الله تعالى له ولخلفائه من الفتوحات، والظهور على آفاق الدنيا، والاستيلاء على بلاد المشارق والمغارب، على وجه خرق العادة، { و } نريهم { في أنفسهم } ما ظهر من فتح مكة وما حل بهم. وقال ابن عباس: في الآفاق: منازل الأمم الخالية وآثارهم، وفي أنفسهم: يوم بدر. وقال مجاهد وغيره: في الآفاق: ما يفتح الله من القرى على نبيه صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وفي أنفسهم: فتح مكة. وقيل: الآفاق: في أقطار السموات والأرض، من الشمس، والقمر، والنجوم، وما يترتب عليها من الليل، والنهار، والأضواء، والظلال، والظلمات، ومن النبات، والأشجار، والأنهار، { وفي أنفسهم }: من لطيف الصنعة وبديع الحكمة، من تكوين النطفة في ظلمات الأرحام، وحدوث الأعضاء العجيبة، والتركيبات الغريبة، كقوله تعالى: وفى أنفسكم... [الذاريات: 21]. وعبر بالسين مع أن إراءة تلك الآيات قد حصلت قبل ذلك، بمعنى أن الله تعالى سيطلعهم على تلك الآيات زمانا فزمانا، ويزيدهم وقوفا على حقائقها يوما فيوما، { حتى يتبين لهم } بذلك { أنه الحق } أي: القرآن، أو: الإسلام، أو: التوحيد، { أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } ، توبيخ على ترددهم في شأن القرآن، وعنادهم المحوج إلى إراءة الآيات، وعدم اكتفائهم بإخباره تعالى. والهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي: ألم يغن ولم يكف ربك. والباء: مزيدة للتأكيد، ولا تكاد تزاد إلا مع " كفى ". و أنه... الخ: بدل منه، أي: ألم يغنهم عن إراءة الآيات المبنية لحقية القرآن ولم يكفهم في ذلك أنه تعالى شهيد على كل شيء، وقد أخبر أنه من عنده. وقيل: معناه: إن هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه فيتيقنون عند ذلك أن القرآن تنزيل من عالم الغيب الذي هو على كل شيء شهيد. { ألا إنهم في مرية } شك عظيم { من لقاء ربهم } فلذلك أنكروا القرآن، { ألا إنه بكل شيء محيط } عالم بجميع الأشياء وتفاصيلها، وظواهرها، وبواطنها، فلا يخفى عليه خافية منهم، وهو مجازيهم على كفرهم وشكهم، لا محالة. الإشارة: قد اشتملت الآية على مقام الاستدلال في مقام الإيمان، وعلى مقام العيان في مقام الإحسان، أي: سنريهم آياتنا الدالة على وجودنا في الآفاق، وفي أنفسهم، أي: في العوالم المنفصلة والمتصلة، حتى يتبين لهم أنه الحق، أي: وجوده حق، لأن الصنعة قطعا تحتاج إلى صانع، ثم رقاهم إلى مقام المراقبة بقوله: { أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } ، ثم زاد إلى المشاهدة بقوله: { ألا إنهم } أي: أهل الجهل بالله، { في مرية من لقاء ربهم } في الدنيا، بحصول الفناء، فيفنى وجود العبد في وجود الحق، ألا إنه بكل شيء محيط، فبحر العظمة أحاط بكل شيء، وأفنى كل شيء، ولم يبق مع وجوده شيء. وفي الحكم: " ما حجبك عن الله وجود موجود معه إذ لا شيء معه، وإنما حجبك توهم موجود معه " وقال أيضا: " الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فأحدية الذات محت وجود الأشياء كلها، ولم يبق إلا القديم الأزلي. وقال القطب ابن مشيش لأبي الحسن رضي الله عنه: يا أبا الحسن، حدد بصر الإيمان تجد الله في كل شيء، وعند كل شيء، ومع كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء، وتحت كل شيء، وقريبا من كل شيء، ومحيطا بكل شيء، بقرب هو وصفه، وبحيطة هي نعته، وعد عن الظرفية والحدود، وعن الأماكن والجهات، وعن الصحبة والقرب في المسافات، وعن الدور بالمخلوقات، وأمحق الكل بوصفه الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو هو هو، كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان. ه. وقوله: وعد عن الحجهات، جاوز عن اعتقادها إذ لا ظرف، ولا حد، ولا مكان، ولا جهة، إذ الكل عظمة ذاته، وأنوار صفاته، والحد إنما يتصور في المحدود، ولا حد لعظمة ذاته ولا نهاية، ولا يحصرها مكان، ولا جهة إذ الكل منه وإليه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، عين بحر التحقيق، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما.

الشورى 42:1

يقول الحق جل جلاله: { حم. عسق } يشير والله أعلم بكل حرف إلى وصف يدل على تعظيم قدر حبيبه صلى الله عليه وسلم، فالحاء: أحببناك، أو: حبيناك، أي: أعطيناك الملك والملكوت، والميم: ملكناك، والعين: علمناك ما لم تكن تعلم، أو: عيناك للرسالة، والسين: سيدناك، والقاف: قربناك. { كذلك يوحي إليك } أي: كما خصصناك بهذه الخصائص العظام أوحينا إليك { وإلى الذين من قبلك } ، فقد خصصناهم ببعض ذلك، وأوحينا إليهم، وفي ابن عطية: عن ابن عباس: أن هذه الحروف بأعيانها نزلت في كل كتب الله، المنزلة على كل نبي أنزل عليه كتاب، ولذلك قال تعالى: { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك }. وقال القشيري: الحاء: مفتاح اسمه حكيم وحفيظ، والميم: مفتاح اسمه مالك وماجد ومؤمن ومهيمن، والعين: مفتاح اسمه عليم وعلي، والسين: مفتاح اسمه سيد وسميع وسريع الحساب، والقاف: مفتاح اسمه قادر وقاهر وقريب وقدوس، أقسم الله تعالى بهذه الحروف أنه كذلك يوحي إليك يا محمد. ه. وقال ابن عطية: وإنما فصلت " حم عسق " ، ولم يفعل ذلك ب " كهيعص " لتجري هذه مجرى الحواميم أخواتها. ه. زاد النسفي: وأيضا: هذه آيتان، و " كهيعص " آية واحدة. ه. فانظره. { الله } أي: يوحي الله { العزيز الحكيم }: فاعل " يوحي " ، وقرأ ابن كثير بالبناء للمفعول. و " الله ": فاعل بمحذوف، كأن قائلا قال: من الموحي؟ فقال: { الله العزيز الحكيم } أي: الغالب بقهره، الحكيم في صنعه وتدبيره. { له ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وملكا، { وهو العلي } شأنه { العظيم } سلطانه وبرهانه. ثم بين عظمته، فقال: { يكاد السماوات يتفطرن من فوقهن } تتشققن من عظمة الله تعالى وعلو شأنه، يدل عليه مجيئه بعد قوله: { وهو العلي العظيم }. وقيل: من دعائهم له ولدا، كقوله: تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض [مريم: 90] إلخ، ويؤيده: مجيء قوله: والذين اتخذوا من دونه أوليآء [الشورى: 6]. وقرأ البصري وشبعة: " ينفطرن " ، والأول أبلغ. ومعنى: { من فوقهن } أي: يبتدين بالانفطار من جهتهن الفوقانية. وتخصيصها على التفسير الأول لأن أعظم الآيات وأدلها على العظمة والجلال من تلك الجهة، وأيضا: استقرار الملائكة إنما هو من فوق، فكادت تنشق من كثرة الثقل، كما في الحديث: " أطت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفيها ملك راكع أو ساجد ". وعلى الثاني للدلالة على التفطر من تحتهن بالطريق الأولى لأن تلك الكلمة الشنعاء، الواقعة في الأرض حين أثرت في جهة الفوق فلأن تؤثر في جهة التحت أولى. وقيل: " من فوقهن ": من فوق الأرض، فالكناية راجعة إلى الأرض، من قوله: { له ما في السماوات وما في الأرض } لأنه بمعنى الأرضين. { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } خضوعا لما يرون من عظمته، { ويستغفرون لمن في الأرض } أي: للمؤمنين منهم، خوفا عليهم من سطواته، ويوحدون الله وينزهونه عما لا يليق به من الصفات، حامدين له على ما أولاهم من ألطافه، متعجبين لما رأوا من تعرض الكفرة لسخط الله تعالى. ويستغفرون لمؤمني أهل الأرض، الذين تبرؤوا من تلك الكلمات، { ألا إن الله هو الغفور الرحيم } حيث لا يعاجلهم بالعقوبة على ما وصفوه به مما لا يجوز عليه. الإشارة: حم عسق، الحاء تشير إلى حمده لأوليائه، وتنويهه بقدرهم، والميم إلى تمليكهم التصرف في حس الملك، وأسرار الملكوت، والعين إلى علو رتبتهم، أو إلى علومهم اللدنية، والسين إلى سيادتهم وسنا نورهم وسرهم، والقاف إلى قربهم وتقريبهم حتى يمتحق وجودهم في وجود محبوبهم، فيمتحي القرب من شدة القرب، وبذلك صاروا مقربين. والوحي ينقسم إلى أربعة أقسام وحي أحكام، ووحي منام، ووحي إلهام، ووحي إعلام، فاختصت الأنبياء بالأول، وشاركتهم الأولياء في الثلاثة. ووحي إعلام هو إطلاعهم على بعض المغيبات. وقوله تعالى: { يكاد السماوات يتفطرن } أي: يتشققن من هيبته تعالى وكبريائه. وذلك لما لطف حسها أدركت هيبة معاني أسرار الذات، وكذلك الأرواح إذا لطفت ورق حسن بشريتها أدركت عظمة الحق وجلاله وجماله، وإذا كثفت بشريتها، بمباشرة الحس واتباع الهوى، غلظ حجابها، فبعدت عن حضرة الحق في حال قربها. وقوله تعالى: { ويستغفرون لمن في الأرض } ، انظر جلالة قدر هذا الآدمي، حتى سخر الله له الملائكة الكرام يستغفرون له، ويسعون في مصالحه، فاستحي من الله أيها العبد، إن كان لك عقل وتمييز. ثم رد على أهل الشرك، فقال: { والذين اتخذوا من دونه أوليآء }.

الشورى 42:2

يقول الحق جل جلاله: { حم. عسق } يشير والله أعلم بكل حرف إلى وصف يدل على تعظيم قدر حبيبه صلى الله عليه وسلم، فالحاء: أحببناك، أو: حبيناك، أي: أعطيناك الملك والملكوت، والميم: ملكناك، والعين: علمناك ما لم تكن تعلم، أو: عيناك للرسالة، والسين: سيدناك، والقاف: قربناك. { كذلك يوحي إليك } أي: كما خصصناك بهذه الخصائص العظام أوحينا إليك { وإلى الذين من قبلك } ، فقد خصصناهم ببعض ذلك، وأوحينا إليهم، وفي ابن عطية: عن ابن عباس: أن هذه الحروف بأعيانها نزلت في كل كتب الله، المنزلة على كل نبي أنزل عليه كتاب، ولذلك قال تعالى: { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك }. وقال القشيري: الحاء: مفتاح اسمه حكيم وحفيظ، والميم: مفتاح اسمه مالك وماجد ومؤمن ومهيمن، والعين: مفتاح اسمه عليم وعلي، والسين: مفتاح اسمه سيد وسميع وسريع الحساب، والقاف: مفتاح اسمه قادر وقاهر وقريب وقدوس، أقسم الله تعالى بهذه الحروف أنه كذلك يوحي إليك يا محمد. ه. وقال ابن عطية: وإنما فصلت " حم عسق " ، ولم يفعل ذلك ب " كهيعص " لتجري هذه مجرى الحواميم أخواتها. ه. زاد النسفي: وأيضا: هذه آيتان، و " كهيعص " آية واحدة. ه. فانظره. { الله } أي: يوحي الله { العزيز الحكيم }: فاعل " يوحي " ، وقرأ ابن كثير بالبناء للمفعول. و " الله ": فاعل بمحذوف، كأن قائلا قال: من الموحي؟ فقال: { الله العزيز الحكيم } أي: الغالب بقهره، الحكيم في صنعه وتدبيره. { له ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وملكا، { وهو العلي } شأنه { العظيم } سلطانه وبرهانه. ثم بين عظمته، فقال: { يكاد السماوات يتفطرن من فوقهن } تتشققن من عظمة الله تعالى وعلو شأنه، يدل عليه مجيئه بعد قوله: { وهو العلي العظيم }. وقيل: من دعائهم له ولدا، كقوله: تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض [مريم: 90] إلخ، ويؤيده: مجيء قوله: والذين اتخذوا من دونه أوليآء [الشورى: 6]. وقرأ البصري وشبعة: " ينفطرن " ، والأول أبلغ. ومعنى: { من فوقهن } أي: يبتدين بالانفطار من جهتهن الفوقانية. وتخصيصها على التفسير الأول لأن أعظم الآيات وأدلها على العظمة والجلال من تلك الجهة، وأيضا: استقرار الملائكة إنما هو من فوق، فكادت تنشق من كثرة الثقل، كما في الحديث: " أطت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفيها ملك راكع أو ساجد ". وعلى الثاني للدلالة على التفطر من تحتهن بالطريق الأولى لأن تلك الكلمة الشنعاء، الواقعة في الأرض حين أثرت في جهة الفوق فلأن تؤثر في جهة التحت أولى. وقيل: " من فوقهن ": من فوق الأرض، فالكناية راجعة إلى الأرض، من قوله: { له ما في السماوات وما في الأرض } لأنه بمعنى الأرضين. { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } خضوعا لما يرون من عظمته، { ويستغفرون لمن في الأرض } أي: للمؤمنين منهم، خوفا عليهم من سطواته، ويوحدون الله وينزهونه عما لا يليق به من الصفات، حامدين له على ما أولاهم من ألطافه، متعجبين لما رأوا من تعرض الكفرة لسخط الله تعالى. ويستغفرون لمؤمني أهل الأرض، الذين تبرؤوا من تلك الكلمات، { ألا إن الله هو الغفور الرحيم } حيث لا يعاجلهم بالعقوبة على ما وصفوه به مما لا يجوز عليه. الإشارة: حم عسق، الحاء تشير إلى حمده لأوليائه، وتنويهه بقدرهم، والميم إلى تمليكهم التصرف في حس الملك، وأسرار الملكوت، والعين إلى علو رتبتهم، أو إلى علومهم اللدنية، والسين إلى سيادتهم وسنا نورهم وسرهم، والقاف إلى قربهم وتقريبهم حتى يمتحق وجودهم في وجود محبوبهم، فيمتحي القرب من شدة القرب، وبذلك صاروا مقربين. والوحي ينقسم إلى أربعة أقسام وحي أحكام، ووحي منام، ووحي إلهام، ووحي إعلام، فاختصت الأنبياء بالأول، وشاركتهم الأولياء في الثلاثة. ووحي إعلام هو إطلاعهم على بعض المغيبات. وقوله تعالى: { يكاد السماوات يتفطرن } أي: يتشققن من هيبته تعالى وكبريائه. وذلك لما لطف حسها أدركت هيبة معاني أسرار الذات، وكذلك الأرواح إذا لطفت ورق حسن بشريتها أدركت عظمة الحق وجلاله وجماله، وإذا كثفت بشريتها، بمباشرة الحس واتباع الهوى، غلظ حجابها، فبعدت عن حضرة الحق في حال قربها. وقوله تعالى: { ويستغفرون لمن في الأرض } ، انظر جلالة قدر هذا الآدمي، حتى سخر الله له الملائكة الكرام يستغفرون له، ويسعون في مصالحه، فاستحي من الله أيها العبد، إن كان لك عقل وتمييز. ثم رد على أهل الشرك، فقال: { والذين اتخذوا من دونه أوليآء }.

الشورى 42:3

يقول الحق جل جلاله: { حم. عسق } يشير والله أعلم بكل حرف إلى وصف يدل على تعظيم قدر حبيبه صلى الله عليه وسلم، فالحاء: أحببناك، أو: حبيناك، أي: أعطيناك الملك والملكوت، والميم: ملكناك، والعين: علمناك ما لم تكن تعلم، أو: عيناك للرسالة، والسين: سيدناك، والقاف: قربناك. { كذلك يوحي إليك } أي: كما خصصناك بهذه الخصائص العظام أوحينا إليك { وإلى الذين من قبلك } ، فقد خصصناهم ببعض ذلك، وأوحينا إليهم، وفي ابن عطية: عن ابن عباس: أن هذه الحروف بأعيانها نزلت في كل كتب الله، المنزلة على كل نبي أنزل عليه كتاب، ولذلك قال تعالى: { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك }. وقال القشيري: الحاء: مفتاح اسمه حكيم وحفيظ، والميم: مفتاح اسمه مالك وماجد ومؤمن ومهيمن، والعين: مفتاح اسمه عليم وعلي، والسين: مفتاح اسمه سيد وسميع وسريع الحساب، والقاف: مفتاح اسمه قادر وقاهر وقريب وقدوس، أقسم الله تعالى بهذه الحروف أنه كذلك يوحي إليك يا محمد. ه. وقال ابن عطية: وإنما فصلت " حم عسق " ، ولم يفعل ذلك ب " كهيعص " لتجري هذه مجرى الحواميم أخواتها. ه. زاد النسفي: وأيضا: هذه آيتان، و " كهيعص " آية واحدة. ه. فانظره. { الله } أي: يوحي الله { العزيز الحكيم }: فاعل " يوحي " ، وقرأ ابن كثير بالبناء للمفعول. و " الله ": فاعل بمحذوف، كأن قائلا قال: من الموحي؟ فقال: { الله العزيز الحكيم } أي: الغالب بقهره، الحكيم في صنعه وتدبيره. { له ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وملكا، { وهو العلي } شأنه { العظيم } سلطانه وبرهانه. ثم بين عظمته، فقال: { يكاد السماوات يتفطرن من فوقهن } تتشققن من عظمة الله تعالى وعلو شأنه، يدل عليه مجيئه بعد قوله: { وهو العلي العظيم }. وقيل: من دعائهم له ولدا، كقوله: تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض [مريم: 90] إلخ، ويؤيده: مجيء قوله: والذين اتخذوا من دونه أوليآء [الشورى: 6]. وقرأ البصري وشبعة: " ينفطرن " ، والأول أبلغ. ومعنى: { من فوقهن } أي: يبتدين بالانفطار من جهتهن الفوقانية. وتخصيصها على التفسير الأول لأن أعظم الآيات وأدلها على العظمة والجلال من تلك الجهة، وأيضا: استقرار الملائكة إنما هو من فوق، فكادت تنشق من كثرة الثقل، كما في الحديث: " أطت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفيها ملك راكع أو ساجد ". وعلى الثاني للدلالة على التفطر من تحتهن بالطريق الأولى لأن تلك الكلمة الشنعاء، الواقعة في الأرض حين أثرت في جهة الفوق فلأن تؤثر في جهة التحت أولى. وقيل: " من فوقهن ": من فوق الأرض، فالكناية راجعة إلى الأرض، من قوله: { له ما في السماوات وما في الأرض } لأنه بمعنى الأرضين. { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } خضوعا لما يرون من عظمته، { ويستغفرون لمن في الأرض } أي: للمؤمنين منهم، خوفا عليهم من سطواته، ويوحدون الله وينزهونه عما لا يليق به من الصفات، حامدين له على ما أولاهم من ألطافه، متعجبين لما رأوا من تعرض الكفرة لسخط الله تعالى. ويستغفرون لمؤمني أهل الأرض، الذين تبرؤوا من تلك الكلمات، { ألا إن الله هو الغفور الرحيم } حيث لا يعاجلهم بالعقوبة على ما وصفوه به مما لا يجوز عليه. الإشارة: حم عسق، الحاء تشير إلى حمده لأوليائه، وتنويهه بقدرهم، والميم إلى تمليكهم التصرف في حس الملك، وأسرار الملكوت، والعين إلى علو رتبتهم، أو إلى علومهم اللدنية، والسين إلى سيادتهم وسنا نورهم وسرهم، والقاف إلى قربهم وتقريبهم حتى يمتحق وجودهم في وجود محبوبهم، فيمتحي القرب من شدة القرب، وبذلك صاروا مقربين. والوحي ينقسم إلى أربعة أقسام وحي أحكام، ووحي منام، ووحي إلهام، ووحي إعلام، فاختصت الأنبياء بالأول، وشاركتهم الأولياء في الثلاثة. ووحي إعلام هو إطلاعهم على بعض المغيبات. وقوله تعالى: { يكاد السماوات يتفطرن } أي: يتشققن من هيبته تعالى وكبريائه. وذلك لما لطف حسها أدركت هيبة معاني أسرار الذات، وكذلك الأرواح إذا لطفت ورق حسن بشريتها أدركت عظمة الحق وجلاله وجماله، وإذا كثفت بشريتها، بمباشرة الحس واتباع الهوى، غلظ حجابها، فبعدت عن حضرة الحق في حال قربها. وقوله تعالى: { ويستغفرون لمن في الأرض } ، انظر جلالة قدر هذا الآدمي، حتى سخر الله له الملائكة الكرام يستغفرون له، ويسعون في مصالحه، فاستحي من الله أيها العبد، إن كان لك عقل وتمييز. ثم رد على أهل الشرك، فقال: { والذين اتخذوا من دونه أوليآء }.

الشورى 42:4

يقول الحق جل جلاله: { حم. عسق } يشير والله أعلم بكل حرف إلى وصف يدل على تعظيم قدر حبيبه صلى الله عليه وسلم، فالحاء: أحببناك، أو: حبيناك، أي: أعطيناك الملك والملكوت، والميم: ملكناك، والعين: علمناك ما لم تكن تعلم، أو: عيناك للرسالة، والسين: سيدناك، والقاف: قربناك. { كذلك يوحي إليك } أي: كما خصصناك بهذه الخصائص العظام أوحينا إليك { وإلى الذين من قبلك } ، فقد خصصناهم ببعض ذلك، وأوحينا إليهم، وفي ابن عطية: عن ابن عباس: أن هذه الحروف بأعيانها نزلت في كل كتب الله، المنزلة على كل نبي أنزل عليه كتاب، ولذلك قال تعالى: { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك }. وقال القشيري: الحاء: مفتاح اسمه حكيم وحفيظ، والميم: مفتاح اسمه مالك وماجد ومؤمن ومهيمن، والعين: مفتاح اسمه عليم وعلي، والسين: مفتاح اسمه سيد وسميع وسريع الحساب، والقاف: مفتاح اسمه قادر وقاهر وقريب وقدوس، أقسم الله تعالى بهذه الحروف أنه كذلك يوحي إليك يا محمد. ه. وقال ابن عطية: وإنما فصلت " حم عسق " ، ولم يفعل ذلك ب " كهيعص " لتجري هذه مجرى الحواميم أخواتها. ه. زاد النسفي: وأيضا: هذه آيتان، و " كهيعص " آية واحدة. ه. فانظره. { الله } أي: يوحي الله { العزيز الحكيم }: فاعل " يوحي " ، وقرأ ابن كثير بالبناء للمفعول. و " الله ": فاعل بمحذوف، كأن قائلا قال: من الموحي؟ فقال: { الله العزيز الحكيم } أي: الغالب بقهره، الحكيم في صنعه وتدبيره. { له ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وملكا، { وهو العلي } شأنه { العظيم } سلطانه وبرهانه. ثم بين عظمته، فقال: { يكاد السماوات يتفطرن من فوقهن } تتشققن من عظمة الله تعالى وعلو شأنه، يدل عليه مجيئه بعد قوله: { وهو العلي العظيم }. وقيل: من دعائهم له ولدا، كقوله: تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض [مريم: 90] إلخ، ويؤيده: مجيء قوله: والذين اتخذوا من دونه أوليآء [الشورى: 6]. وقرأ البصري وشبعة: " ينفطرن " ، والأول أبلغ. ومعنى: { من فوقهن } أي: يبتدين بالانفطار من جهتهن الفوقانية. وتخصيصها على التفسير الأول لأن أعظم الآيات وأدلها على العظمة والجلال من تلك الجهة، وأيضا: استقرار الملائكة إنما هو من فوق، فكادت تنشق من كثرة الثقل، كما في الحديث: " أطت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفيها ملك راكع أو ساجد ". وعلى الثاني للدلالة على التفطر من تحتهن بالطريق الأولى لأن تلك الكلمة الشنعاء، الواقعة في الأرض حين أثرت في جهة الفوق فلأن تؤثر في جهة التحت أولى. وقيل: " من فوقهن ": من فوق الأرض، فالكناية راجعة إلى الأرض، من قوله: { له ما في السماوات وما في الأرض } لأنه بمعنى الأرضين. { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } خضوعا لما يرون من عظمته، { ويستغفرون لمن في الأرض } أي: للمؤمنين منهم، خوفا عليهم من سطواته، ويوحدون الله وينزهونه عما لا يليق به من الصفات، حامدين له على ما أولاهم من ألطافه، متعجبين لما رأوا من تعرض الكفرة لسخط الله تعالى. ويستغفرون لمؤمني أهل الأرض، الذين تبرؤوا من تلك الكلمات، { ألا إن الله هو الغفور الرحيم } حيث لا يعاجلهم بالعقوبة على ما وصفوه به مما لا يجوز عليه. الإشارة: حم عسق، الحاء تشير إلى حمده لأوليائه، وتنويهه بقدرهم، والميم إلى تمليكهم التصرف في حس الملك، وأسرار الملكوت، والعين إلى علو رتبتهم، أو إلى علومهم اللدنية، والسين إلى سيادتهم وسنا نورهم وسرهم، والقاف إلى قربهم وتقريبهم حتى يمتحق وجودهم في وجود محبوبهم، فيمتحي القرب من شدة القرب، وبذلك صاروا مقربين. والوحي ينقسم إلى أربعة أقسام وحي أحكام، ووحي منام، ووحي إلهام، ووحي إعلام، فاختصت الأنبياء بالأول، وشاركتهم الأولياء في الثلاثة. ووحي إعلام هو إطلاعهم على بعض المغيبات. وقوله تعالى: { يكاد السماوات يتفطرن } أي: يتشققن من هيبته تعالى وكبريائه. وذلك لما لطف حسها أدركت هيبة معاني أسرار الذات، وكذلك الأرواح إذا لطفت ورق حسن بشريتها أدركت عظمة الحق وجلاله وجماله، وإذا كثفت بشريتها، بمباشرة الحس واتباع الهوى، غلظ حجابها، فبعدت عن حضرة الحق في حال قربها. وقوله تعالى: { ويستغفرون لمن في الأرض } ، انظر جلالة قدر هذا الآدمي، حتى سخر الله له الملائكة الكرام يستغفرون له، ويسعون في مصالحه، فاستحي من الله أيها العبد، إن كان لك عقل وتمييز. ثم رد على أهل الشرك، فقال: { والذين اتخذوا من دونه أوليآء }.

الشورى 42:5

يقول الحق جل جلاله: { حم. عسق } يشير والله أعلم بكل حرف إلى وصف يدل على تعظيم قدر حبيبه صلى الله عليه وسلم، فالحاء: أحببناك، أو: حبيناك، أي: أعطيناك الملك والملكوت، والميم: ملكناك، والعين: علمناك ما لم تكن تعلم، أو: عيناك للرسالة، والسين: سيدناك، والقاف: قربناك. { كذلك يوحي إليك } أي: كما خصصناك بهذه الخصائص العظام أوحينا إليك { وإلى الذين من قبلك } ، فقد خصصناهم ببعض ذلك، وأوحينا إليهم، وفي ابن عطية: عن ابن عباس: أن هذه الحروف بأعيانها نزلت في كل كتب الله، المنزلة على كل نبي أنزل عليه كتاب، ولذلك قال تعالى: { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك }. وقال القشيري: الحاء: مفتاح اسمه حكيم وحفيظ، والميم: مفتاح اسمه مالك وماجد ومؤمن ومهيمن، والعين: مفتاح اسمه عليم وعلي، والسين: مفتاح اسمه سيد وسميع وسريع الحساب، والقاف: مفتاح اسمه قادر وقاهر وقريب وقدوس، أقسم الله تعالى بهذه الحروف أنه كذلك يوحي إليك يا محمد. ه. وقال ابن عطية: وإنما فصلت " حم عسق " ، ولم يفعل ذلك ب " كهيعص " لتجري هذه مجرى الحواميم أخواتها. ه. زاد النسفي: وأيضا: هذه آيتان، و " كهيعص " آية واحدة. ه. فانظره. { الله } أي: يوحي الله { العزيز الحكيم }: فاعل " يوحي " ، وقرأ ابن كثير بالبناء للمفعول. و " الله ": فاعل بمحذوف، كأن قائلا قال: من الموحي؟ فقال: { الله العزيز الحكيم } أي: الغالب بقهره، الحكيم في صنعه وتدبيره. { له ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وملكا، { وهو العلي } شأنه { العظيم } سلطانه وبرهانه. ثم بين عظمته، فقال: { يكاد السماوات يتفطرن من فوقهن } تتشققن من عظمة الله تعالى وعلو شأنه، يدل عليه مجيئه بعد قوله: { وهو العلي العظيم }. وقيل: من دعائهم له ولدا، كقوله: تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض [مريم: 90] إلخ، ويؤيده: مجيء قوله: والذين اتخذوا من دونه أوليآء [الشورى: 6]. وقرأ البصري وشبعة: " ينفطرن " ، والأول أبلغ. ومعنى: { من فوقهن } أي: يبتدين بالانفطار من جهتهن الفوقانية. وتخصيصها على التفسير الأول لأن أعظم الآيات وأدلها على العظمة والجلال من تلك الجهة، وأيضا: استقرار الملائكة إنما هو من فوق، فكادت تنشق من كثرة الثقل، كما في الحديث: " أطت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفيها ملك راكع أو ساجد ". وعلى الثاني للدلالة على التفطر من تحتهن بالطريق الأولى لأن تلك الكلمة الشنعاء، الواقعة في الأرض حين أثرت في جهة الفوق فلأن تؤثر في جهة التحت أولى. وقيل: " من فوقهن ": من فوق الأرض، فالكناية راجعة إلى الأرض، من قوله: { له ما في السماوات وما في الأرض } لأنه بمعنى الأرضين. { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } خضوعا لما يرون من عظمته، { ويستغفرون لمن في الأرض } أي: للمؤمنين منهم، خوفا عليهم من سطواته، ويوحدون الله وينزهونه عما لا يليق به من الصفات، حامدين له على ما أولاهم من ألطافه، متعجبين لما رأوا من تعرض الكفرة لسخط الله تعالى. ويستغفرون لمؤمني أهل الأرض، الذين تبرؤوا من تلك الكلمات، { ألا إن الله هو الغفور الرحيم } حيث لا يعاجلهم بالعقوبة على ما وصفوه به مما لا يجوز عليه. الإشارة: حم عسق، الحاء تشير إلى حمده لأوليائه، وتنويهه بقدرهم، والميم إلى تمليكهم التصرف في حس الملك، وأسرار الملكوت، والعين إلى علو رتبتهم، أو إلى علومهم اللدنية، والسين إلى سيادتهم وسنا نورهم وسرهم، والقاف إلى قربهم وتقريبهم حتى يمتحق وجودهم في وجود محبوبهم، فيمتحي القرب من شدة القرب، وبذلك صاروا مقربين. والوحي ينقسم إلى أربعة أقسام وحي أحكام، ووحي منام، ووحي إلهام، ووحي إعلام، فاختصت الأنبياء بالأول، وشاركتهم الأولياء في الثلاثة. ووحي إعلام هو إطلاعهم على بعض المغيبات. وقوله تعالى: { يكاد السماوات يتفطرن } أي: يتشققن من هيبته تعالى وكبريائه. وذلك لما لطف حسها أدركت هيبة معاني أسرار الذات، وكذلك الأرواح إذا لطفت ورق حسن بشريتها أدركت عظمة الحق وجلاله وجماله، وإذا كثفت بشريتها، بمباشرة الحس واتباع الهوى، غلظ حجابها، فبعدت عن حضرة الحق في حال قربها. وقوله تعالى: { ويستغفرون لمن في الأرض } ، انظر جلالة قدر هذا الآدمي، حتى سخر الله له الملائكة الكرام يستغفرون له، ويسعون في مصالحه، فاستحي من الله أيها العبد، إن كان لك عقل وتمييز. ثم رد على أهل الشرك، فقال: { والذين اتخذوا من دونه أوليآء }.

الشورى 42:6

قلت: { وكذلك }: الكاف في محل النصب على المصدر، و { قرآنا }: مفعول " أوحينا ". يقول الحق جل جلاله: { والذين اتخذوا من دونه أولياء } شركاء، يوالونهم بالعبادة والمحبة { الله حفيظ عليهم }: رقيب على أحوالهم وأعمالهم، فيجازيهم بها، { وما أنت عليهم بوكيل } بموكل عليهم، تجبرهم على الإيمان، ثم نسخ بالجهاد. أو: ما أنت بموكول إليك أمرهم، وإنما وظيفتك الإنذار بما أوحينا إليك. { وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا } أي: ومثل ذلك الإيحاء البديع الواضح أوحينا إليك قرآنا عربيا، لا لبس فيه عليك ولا على قومك، { لتنذر أم القرى } أي: أهلها، وهي مكة لأن الأرض دحيت من تحتها، أو: لأنها أشرف البقع، { و } تنذر { من حولها } من العرب أو من سائر البلاد. قال القشيري: وجميع العالم محدق بالكعبة لأنها سرة الأرض. ه. { وتنذر يوم الجمع } يوم القيامة لأنه تجمع فيه الخلائق، وفيه تجمع الأرواح والأشباح. وحذف المفعول الثاني من " تنذر " الأول للتهويل، أي: لتنذر الناس أمرا فظيعا تضيق عنه العبارة، { لا ريب فيه } لا شك في وقوع ذلك اليوم، { فريق في الجنة وفريق في السعير } أي: بعد جمعهم في الموقف يفترقون، فريق يصرف إلى الجنة، وفريق إلى السعير بعد الحساب، والتقدير: فريق منهم في الجنة. والجملة: حال، أي: وتنذر يوم الجمع متفرقين. { ولو شاء الله لجعلهم } في الدنيا { أمة واحدة } إما مهتدين كلهم، أو ضالين، { ولكن يدخل من يشاء في رحمته } أي: ويدخل من يشاء في عذابه، يدل عليه ما بعده، ومن ضرورة اختلاف الرحمة والعذاب: اختلاف الداخلين فيهما، فلم يشأ جعل الكل أمة واحدة، بل جعلهم فريقين، فيسر كلا لمن خلق له. { والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير } والكافرون ما لهم من شافع ولا دافع. قال أبو السعود: والذي يقتضيه سياق النظم أن يراد بقوله: { أمة واحدة } الاتحاد في الكفر، كما في قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة... [البقرة: 213] الآية، على أحد الوجهين، بأن يراد بهم الذين هم في فترة إدريس، أو فترة نوح. ولو شاء لجعلهم أمة واحدة متفقة على الكفر، بأن لا يرسل إليهم رسولا لينذرهم ما ذكر من يوم الجمع، وما فيه من ألوان الأهوال، فيبقوا على ما هم عليه من الكفر، ولكن يدخل من يشاء في رحمته إن شاء ذلك، فيرسل إلى الكل من ينذرهم، فيتأثر بعضهم بالإنذار فيعرفون الحق فيوفقهم الله تعالى للإيمان والطاعة، ويدخلهم في رحمته، ولا يتأثر به الآخرون، ويتمادى في غيهم، وهم الظالمون، فيبقون في الدنيا على ما هم عليه، ويصيرون في الآخرة إلى السعير، من غير ولي يلي أمرهم، ولا نصير يخلصهم من العذاب. ه. { أم اتخذوا من دونه أولياء } ، هذه جملة مقررة لما قبلها، من انتفاء أن يكون للظالمين ولي ولا نصير. و " أم ": منقطعة، وما فيها من الإضراب للانتقال من بيان ما قبلها إلى بيان ما بعدها. والهمزة لإنكار الوقوع ونفيه على أبلغ وجه، أي: ليس المتخذون أولياء، ولا ينبغي اتخاذ ولي سواه. وقوله: { فالله هو الولي }: جواب عن شرط مقدر، كأنه قيل بعد إبطال ما اتخذوه أولياء من الأصنام: إن إرادوا وليا في الحقيقة فالله هو الولي، لا ولي سواه. { وهو يحيي الموتى } أي: ومن شأنه إحياء الأموات، { وهو على كل شيء قدير } فهو الحقيق بأن يتخذ وليا، فليخصوه بالاتخاذ، دون من لا يقدر على شيء. وبالله التوفيق. الإشارة: قال القشيري: كل من تبع هواه، وترك لله حدا، أو نقض له عهدا فهو ممن اتخذ الشيطان وليا، فالله يعلمه، لا يخفى عليه أمره، وعلى الله حسابه، ثم إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. ه. فيقال للواعظ أو الداعي إلى الله: لا تأس عليهم إن أدبروا، الله حفيظ عليهم، وما أنت عليهم بوكيل. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم داعيا إلى الله، ينذر الناس بالقرآن، فمن تبعه كان من أهل الجنة، ومن خالفه كان من أهل السعير، وبقي خلفاؤه من بعده، العلماء بالله، الذين يذكرون الناس، ويدلونهم على الله، فمن صحبهم وتبعهم كان من أهل الجنة جنة المعارف، أو الزخارف، أو هما، ومن انحرف عنهم كان من أهل السعير، نار القطيعة أو الهاوية. قال القشيري: كما أنهم اليوم فريقان فريق في درجات الطاعات وحلاوة العبادات أو المشاهدات، وفريق في ظلمات الشرك وعقوبات الجحد، فكذلك غدا، فريق هم أهل اللقاء، وفريق هم أهل الشقاء. { ولو شاء الله } أي: أراد أن يجمعهم كلهم على الرشاد لم يكن مانع. ه. وقوله تعالى: { فالله هو الولي } تحويش إلى التوجه إلى الله، ورفض كل ما سواه، كما قال بعضهم: اتخذ الله صاحبا، ودع الناس جانبا، فكل من والى غير الله تعالى خذله، ومن حبه أبعده. ثم أمر بالرجوع إليه عند الاختلاف، فقال: { وما اختلفتم فيه من شيء }.

الشورى 42:7

قلت: { وكذلك }: الكاف في محل النصب على المصدر، و { قرآنا }: مفعول " أوحينا ". يقول الحق جل جلاله: { والذين اتخذوا من دونه أولياء } شركاء، يوالونهم بالعبادة والمحبة { الله حفيظ عليهم }: رقيب على أحوالهم وأعمالهم، فيجازيهم بها، { وما أنت عليهم بوكيل } بموكل عليهم، تجبرهم على الإيمان، ثم نسخ بالجهاد. أو: ما أنت بموكول إليك أمرهم، وإنما وظيفتك الإنذار بما أوحينا إليك. { وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا } أي: ومثل ذلك الإيحاء البديع الواضح أوحينا إليك قرآنا عربيا، لا لبس فيه عليك ولا على قومك، { لتنذر أم القرى } أي: أهلها، وهي مكة لأن الأرض دحيت من تحتها، أو: لأنها أشرف البقع، { و } تنذر { من حولها } من العرب أو من سائر البلاد. قال القشيري: وجميع العالم محدق بالكعبة لأنها سرة الأرض. ه. { وتنذر يوم الجمع } يوم القيامة لأنه تجمع فيه الخلائق، وفيه تجمع الأرواح والأشباح. وحذف المفعول الثاني من " تنذر " الأول للتهويل، أي: لتنذر الناس أمرا فظيعا تضيق عنه العبارة، { لا ريب فيه } لا شك في وقوع ذلك اليوم، { فريق في الجنة وفريق في السعير } أي: بعد جمعهم في الموقف يفترقون، فريق يصرف إلى الجنة، وفريق إلى السعير بعد الحساب، والتقدير: فريق منهم في الجنة. والجملة: حال، أي: وتنذر يوم الجمع متفرقين. { ولو شاء الله لجعلهم } في الدنيا { أمة واحدة } إما مهتدين كلهم، أو ضالين، { ولكن يدخل من يشاء في رحمته } أي: ويدخل من يشاء في عذابه، يدل عليه ما بعده، ومن ضرورة اختلاف الرحمة والعذاب: اختلاف الداخلين فيهما، فلم يشأ جعل الكل أمة واحدة، بل جعلهم فريقين، فيسر كلا لمن خلق له. { والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير } والكافرون ما لهم من شافع ولا دافع. قال أبو السعود: والذي يقتضيه سياق النظم أن يراد بقوله: { أمة واحدة } الاتحاد في الكفر، كما في قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة... [البقرة: 213] الآية، على أحد الوجهين، بأن يراد بهم الذين هم في فترة إدريس، أو فترة نوح. ولو شاء لجعلهم أمة واحدة متفقة على الكفر، بأن لا يرسل إليهم رسولا لينذرهم ما ذكر من يوم الجمع، وما فيه من ألوان الأهوال، فيبقوا على ما هم عليه من الكفر، ولكن يدخل من يشاء في رحمته إن شاء ذلك، فيرسل إلى الكل من ينذرهم، فيتأثر بعضهم بالإنذار فيعرفون الحق فيوفقهم الله تعالى للإيمان والطاعة، ويدخلهم في رحمته، ولا يتأثر به الآخرون، ويتمادى في غيهم، وهم الظالمون، فيبقون في الدنيا على ما هم عليه، ويصيرون في الآخرة إلى السعير، من غير ولي يلي أمرهم، ولا نصير يخلصهم من العذاب. ه. { أم اتخذوا من دونه أولياء } ، هذه جملة مقررة لما قبلها، من انتفاء أن يكون للظالمين ولي ولا نصير. و " أم ": منقطعة، وما فيها من الإضراب للانتقال من بيان ما قبلها إلى بيان ما بعدها. والهمزة لإنكار الوقوع ونفيه على أبلغ وجه، أي: ليس المتخذون أولياء، ولا ينبغي اتخاذ ولي سواه. وقوله: { فالله هو الولي }: جواب عن شرط مقدر، كأنه قيل بعد إبطال ما اتخذوه أولياء من الأصنام: إن إرادوا وليا في الحقيقة فالله هو الولي، لا ولي سواه. { وهو يحيي الموتى } أي: ومن شأنه إحياء الأموات، { وهو على كل شيء قدير } فهو الحقيق بأن يتخذ وليا، فليخصوه بالاتخاذ، دون من لا يقدر على شيء. وبالله التوفيق. الإشارة: قال القشيري: كل من تبع هواه، وترك لله حدا، أو نقض له عهدا فهو ممن اتخذ الشيطان وليا، فالله يعلمه، لا يخفى عليه أمره، وعلى الله حسابه، ثم إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. ه. فيقال للواعظ أو الداعي إلى الله: لا تأس عليهم إن أدبروا، الله حفيظ عليهم، وما أنت عليهم بوكيل. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم داعيا إلى الله، ينذر الناس بالقرآن، فمن تبعه كان من أهل الجنة، ومن خالفه كان من أهل السعير، وبقي خلفاؤه من بعده، العلماء بالله، الذين يذكرون الناس، ويدلونهم على الله، فمن صحبهم وتبعهم كان من أهل الجنة جنة المعارف، أو الزخارف، أو هما، ومن انحرف عنهم كان من أهل السعير، نار القطيعة أو الهاوية. قال القشيري: كما أنهم اليوم فريقان فريق في درجات الطاعات وحلاوة العبادات أو المشاهدات، وفريق في ظلمات الشرك وعقوبات الجحد، فكذلك غدا، فريق هم أهل اللقاء، وفريق هم أهل الشقاء. { ولو شاء الله } أي: أراد أن يجمعهم كلهم على الرشاد لم يكن مانع. ه. وقوله تعالى: { فالله هو الولي } تحويش إلى التوجه إلى الله، ورفض كل ما سواه، كما قال بعضهم: اتخذ الله صاحبا، ودع الناس جانبا، فكل من والى غير الله تعالى خذله، ومن حبه أبعده. ثم أمر بالرجوع إليه عند الاختلاف، فقال: { وما اختلفتم فيه من شيء }.

الشورى 42:8

قلت: { وكذلك }: الكاف في محل النصب على المصدر، و { قرآنا }: مفعول " أوحينا ". يقول الحق جل جلاله: { والذين اتخذوا من دونه أولياء } شركاء، يوالونهم بالعبادة والمحبة { الله حفيظ عليهم }: رقيب على أحوالهم وأعمالهم، فيجازيهم بها، { وما أنت عليهم بوكيل } بموكل عليهم، تجبرهم على الإيمان، ثم نسخ بالجهاد. أو: ما أنت بموكول إليك أمرهم، وإنما وظيفتك الإنذار بما أوحينا إليك. { وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا } أي: ومثل ذلك الإيحاء البديع الواضح أوحينا إليك قرآنا عربيا، لا لبس فيه عليك ولا على قومك، { لتنذر أم القرى } أي: أهلها، وهي مكة لأن الأرض دحيت من تحتها، أو: لأنها أشرف البقع، { و } تنذر { من حولها } من العرب أو من سائر البلاد. قال القشيري: وجميع العالم محدق بالكعبة لأنها سرة الأرض. ه. { وتنذر يوم الجمع } يوم القيامة لأنه تجمع فيه الخلائق، وفيه تجمع الأرواح والأشباح. وحذف المفعول الثاني من " تنذر " الأول للتهويل، أي: لتنذر الناس أمرا فظيعا تضيق عنه العبارة، { لا ريب فيه } لا شك في وقوع ذلك اليوم، { فريق في الجنة وفريق في السعير } أي: بعد جمعهم في الموقف يفترقون، فريق يصرف إلى الجنة، وفريق إلى السعير بعد الحساب، والتقدير: فريق منهم في الجنة. والجملة: حال، أي: وتنذر يوم الجمع متفرقين. { ولو شاء الله لجعلهم } في الدنيا { أمة واحدة } إما مهتدين كلهم، أو ضالين، { ولكن يدخل من يشاء في رحمته } أي: ويدخل من يشاء في عذابه، يدل عليه ما بعده، ومن ضرورة اختلاف الرحمة والعذاب: اختلاف الداخلين فيهما، فلم يشأ جعل الكل أمة واحدة، بل جعلهم فريقين، فيسر كلا لمن خلق له. { والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير } والكافرون ما لهم من شافع ولا دافع. قال أبو السعود: والذي يقتضيه سياق النظم أن يراد بقوله: { أمة واحدة } الاتحاد في الكفر، كما في قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة... [البقرة: 213] الآية، على أحد الوجهين، بأن يراد بهم الذين هم في فترة إدريس، أو فترة نوح. ولو شاء لجعلهم أمة واحدة متفقة على الكفر، بأن لا يرسل إليهم رسولا لينذرهم ما ذكر من يوم الجمع، وما فيه من ألوان الأهوال، فيبقوا على ما هم عليه من الكفر، ولكن يدخل من يشاء في رحمته إن شاء ذلك، فيرسل إلى الكل من ينذرهم، فيتأثر بعضهم بالإنذار فيعرفون الحق فيوفقهم الله تعالى للإيمان والطاعة، ويدخلهم في رحمته، ولا يتأثر به الآخرون، ويتمادى في غيهم، وهم الظالمون، فيبقون في الدنيا على ما هم عليه، ويصيرون في الآخرة إلى السعير، من غير ولي يلي أمرهم، ولا نصير يخلصهم من العذاب. ه. { أم اتخذوا من دونه أولياء } ، هذه جملة مقررة لما قبلها، من انتفاء أن يكون للظالمين ولي ولا نصير. و " أم ": منقطعة، وما فيها من الإضراب للانتقال من بيان ما قبلها إلى بيان ما بعدها. والهمزة لإنكار الوقوع ونفيه على أبلغ وجه، أي: ليس المتخذون أولياء، ولا ينبغي اتخاذ ولي سواه. وقوله: { فالله هو الولي }: جواب عن شرط مقدر، كأنه قيل بعد إبطال ما اتخذوه أولياء من الأصنام: إن إرادوا وليا في الحقيقة فالله هو الولي، لا ولي سواه. { وهو يحيي الموتى } أي: ومن شأنه إحياء الأموات، { وهو على كل شيء قدير } فهو الحقيق بأن يتخذ وليا، فليخصوه بالاتخاذ، دون من لا يقدر على شيء. وبالله التوفيق. الإشارة: قال القشيري: كل من تبع هواه، وترك لله حدا، أو نقض له عهدا فهو ممن اتخذ الشيطان وليا، فالله يعلمه، لا يخفى عليه أمره، وعلى الله حسابه، ثم إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. ه. فيقال للواعظ أو الداعي إلى الله: لا تأس عليهم إن أدبروا، الله حفيظ عليهم، وما أنت عليهم بوكيل. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم داعيا إلى الله، ينذر الناس بالقرآن، فمن تبعه كان من أهل الجنة، ومن خالفه كان من أهل السعير، وبقي خلفاؤه من بعده، العلماء بالله، الذين يذكرون الناس، ويدلونهم على الله، فمن صحبهم وتبعهم كان من أهل الجنة جنة المعارف، أو الزخارف، أو هما، ومن انحرف عنهم كان من أهل السعير، نار القطيعة أو الهاوية. قال القشيري: كما أنهم اليوم فريقان فريق في درجات الطاعات وحلاوة العبادات أو المشاهدات، وفريق في ظلمات الشرك وعقوبات الجحد، فكذلك غدا، فريق هم أهل اللقاء، وفريق هم أهل الشقاء. { ولو شاء الله } أي: أراد أن يجمعهم كلهم على الرشاد لم يكن مانع. ه. وقوله تعالى: { فالله هو الولي } تحويش إلى التوجه إلى الله، ورفض كل ما سواه، كما قال بعضهم: اتخذ الله صاحبا، ودع الناس جانبا، فكل من والى غير الله تعالى خذله، ومن حبه أبعده. ثم أمر بالرجوع إليه عند الاختلاف، فقال: { وما اختلفتم فيه من شيء }.

الشورى 42:9

قلت: { وكذلك }: الكاف في محل النصب على المصدر، و { قرآنا }: مفعول " أوحينا ". يقول الحق جل جلاله: { والذين اتخذوا من دونه أولياء } شركاء، يوالونهم بالعبادة والمحبة { الله حفيظ عليهم }: رقيب على أحوالهم وأعمالهم، فيجازيهم بها، { وما أنت عليهم بوكيل } بموكل عليهم، تجبرهم على الإيمان، ثم نسخ بالجهاد. أو: ما أنت بموكول إليك أمرهم، وإنما وظيفتك الإنذار بما أوحينا إليك. { وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا } أي: ومثل ذلك الإيحاء البديع الواضح أوحينا إليك قرآنا عربيا، لا لبس فيه عليك ولا على قومك، { لتنذر أم القرى } أي: أهلها، وهي مكة لأن الأرض دحيت من تحتها، أو: لأنها أشرف البقع، { و } تنذر { من حولها } من العرب أو من سائر البلاد. قال القشيري: وجميع العالم محدق بالكعبة لأنها سرة الأرض. ه. { وتنذر يوم الجمع } يوم القيامة لأنه تجمع فيه الخلائق، وفيه تجمع الأرواح والأشباح. وحذف المفعول الثاني من " تنذر " الأول للتهويل، أي: لتنذر الناس أمرا فظيعا تضيق عنه العبارة، { لا ريب فيه } لا شك في وقوع ذلك اليوم، { فريق في الجنة وفريق في السعير } أي: بعد جمعهم في الموقف يفترقون، فريق يصرف إلى الجنة، وفريق إلى السعير بعد الحساب، والتقدير: فريق منهم في الجنة. والجملة: حال، أي: وتنذر يوم الجمع متفرقين. { ولو شاء الله لجعلهم } في الدنيا { أمة واحدة } إما مهتدين كلهم، أو ضالين، { ولكن يدخل من يشاء في رحمته } أي: ويدخل من يشاء في عذابه، يدل عليه ما بعده، ومن ضرورة اختلاف الرحمة والعذاب: اختلاف الداخلين فيهما، فلم يشأ جعل الكل أمة واحدة، بل جعلهم فريقين، فيسر كلا لمن خلق له. { والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير } والكافرون ما لهم من شافع ولا دافع. قال أبو السعود: والذي يقتضيه سياق النظم أن يراد بقوله: { أمة واحدة } الاتحاد في الكفر، كما في قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة... [البقرة: 213] الآية، على أحد الوجهين، بأن يراد بهم الذين هم في فترة إدريس، أو فترة نوح. ولو شاء لجعلهم أمة واحدة متفقة على الكفر، بأن لا يرسل إليهم رسولا لينذرهم ما ذكر من يوم الجمع، وما فيه من ألوان الأهوال، فيبقوا على ما هم عليه من الكفر، ولكن يدخل من يشاء في رحمته إن شاء ذلك، فيرسل إلى الكل من ينذرهم، فيتأثر بعضهم بالإنذار فيعرفون الحق فيوفقهم الله تعالى للإيمان والطاعة، ويدخلهم في رحمته، ولا يتأثر به الآخرون، ويتمادى في غيهم، وهم الظالمون، فيبقون في الدنيا على ما هم عليه، ويصيرون في الآخرة إلى السعير، من غير ولي يلي أمرهم، ولا نصير يخلصهم من العذاب. ه. { أم اتخذوا من دونه أولياء } ، هذه جملة مقررة لما قبلها، من انتفاء أن يكون للظالمين ولي ولا نصير. و " أم ": منقطعة، وما فيها من الإضراب للانتقال من بيان ما قبلها إلى بيان ما بعدها. والهمزة لإنكار الوقوع ونفيه على أبلغ وجه، أي: ليس المتخذون أولياء، ولا ينبغي اتخاذ ولي سواه. وقوله: { فالله هو الولي }: جواب عن شرط مقدر، كأنه قيل بعد إبطال ما اتخذوه أولياء من الأصنام: إن إرادوا وليا في الحقيقة فالله هو الولي، لا ولي سواه. { وهو يحيي الموتى } أي: ومن شأنه إحياء الأموات، { وهو على كل شيء قدير } فهو الحقيق بأن يتخذ وليا، فليخصوه بالاتخاذ، دون من لا يقدر على شيء. وبالله التوفيق. الإشارة: قال القشيري: كل من تبع هواه، وترك لله حدا، أو نقض له عهدا فهو ممن اتخذ الشيطان وليا، فالله يعلمه، لا يخفى عليه أمره، وعلى الله حسابه، ثم إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. ه. فيقال للواعظ أو الداعي إلى الله: لا تأس عليهم إن أدبروا، الله حفيظ عليهم، وما أنت عليهم بوكيل. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم داعيا إلى الله، ينذر الناس بالقرآن، فمن تبعه كان من أهل الجنة، ومن خالفه كان من أهل السعير، وبقي خلفاؤه من بعده، العلماء بالله، الذين يذكرون الناس، ويدلونهم على الله، فمن صحبهم وتبعهم كان من أهل الجنة جنة المعارف، أو الزخارف، أو هما، ومن انحرف عنهم كان من أهل السعير، نار القطيعة أو الهاوية. قال القشيري: كما أنهم اليوم فريقان فريق في درجات الطاعات وحلاوة العبادات أو المشاهدات، وفريق في ظلمات الشرك وعقوبات الجحد، فكذلك غدا، فريق هم أهل اللقاء، وفريق هم أهل الشقاء. { ولو شاء الله } أي: أراد أن يجمعهم كلهم على الرشاد لم يكن مانع. ه. وقوله تعالى: { فالله هو الولي } تحويش إلى التوجه إلى الله، ورفض كل ما سواه، كما قال بعضهم: اتخذ الله صاحبا، ودع الناس جانبا، فكل من والى غير الله تعالى خذله، ومن حبه أبعده. ثم أمر بالرجوع إليه عند الاختلاف، فقال: { وما اختلفتم فيه من شيء }.

الشورى 42:10

يقول الحق جل جلاله: { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } ، حكاية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، بدليل قوله: { ذلكم الله ربي } أي: ما خالفكم الكفار فيه من أهل الكتاب والمشركين، من أمور الدين، واختلفتم أنتم وهم، فحكم ذلك المختلف فيه راجع إلى الله، ومفوض إليه، وهو إثابة المحقين فيه، ومعاقبة المبطلين. والمختار العموم، أي: وما اختلفتم فيه أيها الناس من أمور الدين، سواء رجع ذلك الاختلاف إلى الأصول أو الفروع، فحكم ذلك إلى الله، وقد قال في آية أخرى: فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول [النساء: 59]. فكل ما اختلف فيه يرد إلى كتاب الله، ثم إلى سنة رسول الله، ثم إلى الإجماع، ثم القياس، فهذه هي قواعد الشريعة، وعليها بنيت الأحكام، فمن خرج عنها فهو مبطل، ففي كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من علم الأصول والفروع ما فيه غنية، فإن لم يوجد نص فالإجماع أو القياس. وقيل: ما اختلفتم فيه من العلوم، التي لا تتصل بتكليفكم، ولا طريق لكم إلى علمه، فقولوا: الله أعلم. ثم قال: { ذلكم الله ربي } أي: ذلكم العظيم الشأن الله مالكي ومدبر أمري، { عليه توكلت } في جميع أموري، لا على غيره، { وإليه أنيب } أرجع في كل ما يعرض لي، لا إلى أحد سواه. وحيث كان التوكل أمرا واحدا مستمرا، والإنابة متعددة، متجددة بحسب تجدد مؤداها، أوثر في الأول صيغة الماضي، والثاني صيغة المضارع. { فاطر السماوات والأرض } خالقهما ومظهرهما، وهو خبر ثان لذلكم، أو عن مضمر، { جعل لكم من أنفسكم } من جنسكم { أزواجا } نساء { ومن الأنعام أزواجا } أي: وجعل للأنعام من جنسها أزواجا، أو: خلق لكم من الأنعام أصنافا ذكورا وإناثا، { يذرؤكم فيه } أي: يكثركم فيما ذكر من التدبير البديع، من: الذرء، وهو البث، فجعل الناس والأنعام أزواجا، حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل، واختير لفظ " فيه " على " به " لأنه جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير. والضمير في " يذرؤكم " يرجع إلى المخاطبين والأنعام، مغلبا فيه المخاطبون العقلاء على غيرهم. وقال الهروي: { يذرؤكم فيه } أي: يكثركم بالتزويج، كأنه قال: يذرؤكم به. ه. وقال ابن عطية: لفظة " ذرأ " تزيد على لفظة " خلق " معنى آخر، ليس في خلق، وهو توالي طبقاته على مر الزمان، وقوله: " فيه " الضمير عائد على الجعل. وقال القتبي: الضمير للتزويج. ه. { ليس كمثله شيء } أي: ليس مثله شيء في شأن من الشؤون، التي من جملتها هذا التدبير البديع. قيل: إن كلمة التشبيه كررت لتأكيد نفي التماثل لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة. قال ابن عطية: الكاف مؤكدة للتشبيه، فنفي التشبيه أوكد ما يكون، وذلك أنك تقول: زيد كعمرو، وزيد مثل عمر، فإذا أردت المبالغة التامة قلت: زيد كمثل عمرو، وجرت الآية في هذا الموضع على عرف كلام العرب، وعلى هذا المعنى شواهد كثيرة. ه. قال النسفي: وقيل: المثل زائد، والتقدير: ليس كهو شيء، كقوله تعالى: فإن ءامنوا بمثل مآ ءامنتم به [البقرة: 137]، وهذا لأن المراد نفي المثلية، وإذا لم نجعل الكاف أو المثل زيادة كان إثبات المثل. ه. والجواب ما تقدم لابن عطية. وقيل: الآية جرت على طريق الكناية، كقولهم: مثلك لا يبخل، وغيرك لا يجود، أي: أنت لا تبخل لأنه إذا نفي البخل عمن هو مثله كان نفيه عنه أولى. ثم قال تعالى: { وهو السميع البصير } سميع لجميع المسموعات بلا آذان، بصير بجميع المبصرات بلا أجفان. وذكرهما لئلا يتوهم أنه لا صفة له، كما لا مثل له، وقدم تنزيهه عن المماثلة على وصفه بالسمع والبصر ليعلمنا أن سمعه وبصره ليس كسمعنا وبصرنا. { له مقاليد السماوات والأرض } مفاتيح خزائنها، { يبسط الرزق لمن يشاء } أي: يوسعه { ويقدر } أي: يضيق على ما تقتضيه المناسبة المبنية على الحكم البالغة. { إنه بكل شيء عليم } لا يخفى عليه شيء، فيفعل كل ما يفعل على ما ينبغي أن يفعل، على ما تقتضيه مشيئته وحكمته البالغة. قال ابن عرفة: تضمنت هذه الآية وصفه تعالى بجميع صفات الكمال، فالقدرة في قوله: { فاطر السماوات والأرض } والوحدانية في قوله: { ليس كمثله شيء } والإرادة في قوله: { يبسط الرزق لمن يشاء } لأن تخصيص البعض بالبسط إنما هو بالإرادة. والعلم في قوله: { إنه بكل شيء عليم } ، والكلام في قوله: { شرع لكم من الدين } لأن المراد به الحكم الشرعي، وهو خطاب الله تعالى المعلق بأفعال المكلفين، وخطابه كلامه. ه. زاد في الحاشية الفاسية: يعني وكل وصف من هذه الأوصاف يستلزم الحياة، مع أنه قال: { يحيي الموتى } والإحياء إنما يكون من الحي. ه. الإشارة: قوله تعالى: { وما اختلفتم فيه من شيء } قال القشيري: ويقال إذا لم تهتدوا إلى شيء وتعرضت منهم الخواطر فدعوا تدبيركم والتجئوا إلى ظل شهود تقديره، وانتظروا ما الذي ينبغي لكم أن تفعلوا بحكم تيسيره. ويقال: إذا اشتغلت قلوبكم بحديث أنفسكم، فلا تدرون أبالسعادة جرى حكمكم، أو بالشقاوة جرى اسمكم، فكلوا الأمر فيه إلى الله، واشتغلوا في الوقت بأمر الله، دون التفكر فيما ليس له سبيل إلى علمه من عواقبكم. ه. وقوله: { فاطر السماوات والأرض } أي: شققهما من أسرار الغيب، ومتجل بهما وسائر الكائنات. جعل لكم في عالم الحكمة من أنفسكم أزواجا ليقع التناسل، بعضكم من بعض، ومن الأنعام أزواجا ليقع التناسل فيها وأما بحر الجبروت فليس كمثله شيء. وقال بعض العارفين: ليت شعري هل معه شيء حتى يشبهه أو لا يشبهه، كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان. فقوله تعالى: { ليس كمثله شيء } أي: ليس معه شيء حتى يشبهه. وقال الورتجبي عن الواسطي: أمور التوحيد كلها خرجت من هذه الآية لأنه ما عبر عن الحقيقة بشيء إلا والعلة مصحوبة، والعبارة منقوضة لأن الحق لا ينعت على أقداره لأن كل ناعت مشرف على المنعوت، وجل أن يشرف عليه مخلوق. وقال الشبلي: كل ما ميزتموه بأوهامكم، وأدركتموه بعقولكم في أتم معانيكم، فهو مصروف إليكم، ومردود عليكم، محدث مصنوع مثلكم لأن حقيقته عالية عن أن تلحقها عبارة، أو يدركها وهم، أو يحيط بها علم، كلا، كيف يحيط به علم، وقد اتفق فيه الأضداد، بقوله: هو الأول والآخر والظاهر والباطن [الحديد: 3]؟ أي عبارة تخبر عن حقيقة هذه الألفاظ؟ كلا، قصرت عنه العبارة، وخرست الألسن لقوله: { ليس كمثله شيء }. ه. ولما عرف بذاته وصفاته، ذكر شرائعه لعباده، فقال: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا }.

الشورى 42:11

يقول الحق جل جلاله: { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } ، حكاية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، بدليل قوله: { ذلكم الله ربي } أي: ما خالفكم الكفار فيه من أهل الكتاب والمشركين، من أمور الدين، واختلفتم أنتم وهم، فحكم ذلك المختلف فيه راجع إلى الله، ومفوض إليه، وهو إثابة المحقين فيه، ومعاقبة المبطلين. والمختار العموم، أي: وما اختلفتم فيه أيها الناس من أمور الدين، سواء رجع ذلك الاختلاف إلى الأصول أو الفروع، فحكم ذلك إلى الله، وقد قال في آية أخرى: فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول [النساء: 59]. فكل ما اختلف فيه يرد إلى كتاب الله، ثم إلى سنة رسول الله، ثم إلى الإجماع، ثم القياس، فهذه هي قواعد الشريعة، وعليها بنيت الأحكام، فمن خرج عنها فهو مبطل، ففي كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من علم الأصول والفروع ما فيه غنية، فإن لم يوجد نص فالإجماع أو القياس. وقيل: ما اختلفتم فيه من العلوم، التي لا تتصل بتكليفكم، ولا طريق لكم إلى علمه، فقولوا: الله أعلم. ثم قال: { ذلكم الله ربي } أي: ذلكم العظيم الشأن الله مالكي ومدبر أمري، { عليه توكلت } في جميع أموري، لا على غيره، { وإليه أنيب } أرجع في كل ما يعرض لي، لا إلى أحد سواه. وحيث كان التوكل أمرا واحدا مستمرا، والإنابة متعددة، متجددة بحسب تجدد مؤداها، أوثر في الأول صيغة الماضي، والثاني صيغة المضارع. { فاطر السماوات والأرض } خالقهما ومظهرهما، وهو خبر ثان لذلكم، أو عن مضمر، { جعل لكم من أنفسكم } من جنسكم { أزواجا } نساء { ومن الأنعام أزواجا } أي: وجعل للأنعام من جنسها أزواجا، أو: خلق لكم من الأنعام أصنافا ذكورا وإناثا، { يذرؤكم فيه } أي: يكثركم فيما ذكر من التدبير البديع، من: الذرء، وهو البث، فجعل الناس والأنعام أزواجا، حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل، واختير لفظ " فيه " على " به " لأنه جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير. والضمير في " يذرؤكم " يرجع إلى المخاطبين والأنعام، مغلبا فيه المخاطبون العقلاء على غيرهم. وقال الهروي: { يذرؤكم فيه } أي: يكثركم بالتزويج، كأنه قال: يذرؤكم به. ه. وقال ابن عطية: لفظة " ذرأ " تزيد على لفظة " خلق " معنى آخر، ليس في خلق، وهو توالي طبقاته على مر الزمان، وقوله: " فيه " الضمير عائد على الجعل. وقال القتبي: الضمير للتزويج. ه. { ليس كمثله شيء } أي: ليس مثله شيء في شأن من الشؤون، التي من جملتها هذا التدبير البديع. قيل: إن كلمة التشبيه كررت لتأكيد نفي التماثل لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة. قال ابن عطية: الكاف مؤكدة للتشبيه، فنفي التشبيه أوكد ما يكون، وذلك أنك تقول: زيد كعمرو، وزيد مثل عمر، فإذا أردت المبالغة التامة قلت: زيد كمثل عمرو، وجرت الآية في هذا الموضع على عرف كلام العرب، وعلى هذا المعنى شواهد كثيرة. ه. قال النسفي: وقيل: المثل زائد، والتقدير: ليس كهو شيء، كقوله تعالى: فإن ءامنوا بمثل مآ ءامنتم به [البقرة: 137]، وهذا لأن المراد نفي المثلية، وإذا لم نجعل الكاف أو المثل زيادة كان إثبات المثل. ه. والجواب ما تقدم لابن عطية. وقيل: الآية جرت على طريق الكناية، كقولهم: مثلك لا يبخل، وغيرك لا يجود، أي: أنت لا تبخل لأنه إذا نفي البخل عمن هو مثله كان نفيه عنه أولى. ثم قال تعالى: { وهو السميع البصير } سميع لجميع المسموعات بلا آذان، بصير بجميع المبصرات بلا أجفان. وذكرهما لئلا يتوهم أنه لا صفة له، كما لا مثل له، وقدم تنزيهه عن المماثلة على وصفه بالسمع والبصر ليعلمنا أن سمعه وبصره ليس كسمعنا وبصرنا. { له مقاليد السماوات والأرض } مفاتيح خزائنها، { يبسط الرزق لمن يشاء } أي: يوسعه { ويقدر } أي: يضيق على ما تقتضيه المناسبة المبنية على الحكم البالغة. { إنه بكل شيء عليم } لا يخفى عليه شيء، فيفعل كل ما يفعل على ما ينبغي أن يفعل، على ما تقتضيه مشيئته وحكمته البالغة. قال ابن عرفة: تضمنت هذه الآية وصفه تعالى بجميع صفات الكمال، فالقدرة في قوله: { فاطر السماوات والأرض } والوحدانية في قوله: { ليس كمثله شيء } والإرادة في قوله: { يبسط الرزق لمن يشاء } لأن تخصيص البعض بالبسط إنما هو بالإرادة. والعلم في قوله: { إنه بكل شيء عليم } ، والكلام في قوله: { شرع لكم من الدين } لأن المراد به الحكم الشرعي، وهو خطاب الله تعالى المعلق بأفعال المكلفين، وخطابه كلامه. ه. زاد في الحاشية الفاسية: يعني وكل وصف من هذه الأوصاف يستلزم الحياة، مع أنه قال: { يحيي الموتى } والإحياء إنما يكون من الحي. ه. الإشارة: قوله تعالى: { وما اختلفتم فيه من شيء } قال القشيري: ويقال إذا لم تهتدوا إلى شيء وتعرضت منهم الخواطر فدعوا تدبيركم والتجئوا إلى ظل شهود تقديره، وانتظروا ما الذي ينبغي لكم أن تفعلوا بحكم تيسيره. ويقال: إذا اشتغلت قلوبكم بحديث أنفسكم، فلا تدرون أبالسعادة جرى حكمكم، أو بالشقاوة جرى اسمكم، فكلوا الأمر فيه إلى الله، واشتغلوا في الوقت بأمر الله، دون التفكر فيما ليس له سبيل إلى علمه من عواقبكم. ه. وقوله: { فاطر السماوات والأرض } أي: شققهما من أسرار الغيب، ومتجل بهما وسائر الكائنات. جعل لكم في عالم الحكمة من أنفسكم أزواجا ليقع التناسل، بعضكم من بعض، ومن الأنعام أزواجا ليقع التناسل فيها وأما بحر الجبروت فليس كمثله شيء. وقال بعض العارفين: ليت شعري هل معه شيء حتى يشبهه أو لا يشبهه، كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان. فقوله تعالى: { ليس كمثله شيء } أي: ليس معه شيء حتى يشبهه. وقال الورتجبي عن الواسطي: أمور التوحيد كلها خرجت من هذه الآية لأنه ما عبر عن الحقيقة بشيء إلا والعلة مصحوبة، والعبارة منقوضة لأن الحق لا ينعت على أقداره لأن كل ناعت مشرف على المنعوت، وجل أن يشرف عليه مخلوق. وقال الشبلي: كل ما ميزتموه بأوهامكم، وأدركتموه بعقولكم في أتم معانيكم، فهو مصروف إليكم، ومردود عليكم، محدث مصنوع مثلكم لأن حقيقته عالية عن أن تلحقها عبارة، أو يدركها وهم، أو يحيط بها علم، كلا، كيف يحيط به علم، وقد اتفق فيه الأضداد، بقوله: هو الأول والآخر والظاهر والباطن [الحديد: 3]؟ أي عبارة تخبر عن حقيقة هذه الألفاظ؟ كلا، قصرت عنه العبارة، وخرست الألسن لقوله: { ليس كمثله شيء }. ه. ولما عرف بذاته وصفاته، ذكر شرائعه لعباده، فقال: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا }.

الشورى 42:12

يقول الحق جل جلاله: { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } ، حكاية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، بدليل قوله: { ذلكم الله ربي } أي: ما خالفكم الكفار فيه من أهل الكتاب والمشركين، من أمور الدين، واختلفتم أنتم وهم، فحكم ذلك المختلف فيه راجع إلى الله، ومفوض إليه، وهو إثابة المحقين فيه، ومعاقبة المبطلين. والمختار العموم، أي: وما اختلفتم فيه أيها الناس من أمور الدين، سواء رجع ذلك الاختلاف إلى الأصول أو الفروع، فحكم ذلك إلى الله، وقد قال في آية أخرى: فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول [النساء: 59]. فكل ما اختلف فيه يرد إلى كتاب الله، ثم إلى سنة رسول الله، ثم إلى الإجماع، ثم القياس، فهذه هي قواعد الشريعة، وعليها بنيت الأحكام، فمن خرج عنها فهو مبطل، ففي كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من علم الأصول والفروع ما فيه غنية، فإن لم يوجد نص فالإجماع أو القياس. وقيل: ما اختلفتم فيه من العلوم، التي لا تتصل بتكليفكم، ولا طريق لكم إلى علمه، فقولوا: الله أعلم. ثم قال: { ذلكم الله ربي } أي: ذلكم العظيم الشأن الله مالكي ومدبر أمري، { عليه توكلت } في جميع أموري، لا على غيره، { وإليه أنيب } أرجع في كل ما يعرض لي، لا إلى أحد سواه. وحيث كان التوكل أمرا واحدا مستمرا، والإنابة متعددة، متجددة بحسب تجدد مؤداها، أوثر في الأول صيغة الماضي، والثاني صيغة المضارع. { فاطر السماوات والأرض } خالقهما ومظهرهما، وهو خبر ثان لذلكم، أو عن مضمر، { جعل لكم من أنفسكم } من جنسكم { أزواجا } نساء { ومن الأنعام أزواجا } أي: وجعل للأنعام من جنسها أزواجا، أو: خلق لكم من الأنعام أصنافا ذكورا وإناثا، { يذرؤكم فيه } أي: يكثركم فيما ذكر من التدبير البديع، من: الذرء، وهو البث، فجعل الناس والأنعام أزواجا، حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل، واختير لفظ " فيه " على " به " لأنه جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير. والضمير في " يذرؤكم " يرجع إلى المخاطبين والأنعام، مغلبا فيه المخاطبون العقلاء على غيرهم. وقال الهروي: { يذرؤكم فيه } أي: يكثركم بالتزويج، كأنه قال: يذرؤكم به. ه. وقال ابن عطية: لفظة " ذرأ " تزيد على لفظة " خلق " معنى آخر، ليس في خلق، وهو توالي طبقاته على مر الزمان، وقوله: " فيه " الضمير عائد على الجعل. وقال القتبي: الضمير للتزويج. ه. { ليس كمثله شيء } أي: ليس مثله شيء في شأن من الشؤون، التي من جملتها هذا التدبير البديع. قيل: إن كلمة التشبيه كررت لتأكيد نفي التماثل لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة. قال ابن عطية: الكاف مؤكدة للتشبيه، فنفي التشبيه أوكد ما يكون، وذلك أنك تقول: زيد كعمرو، وزيد مثل عمر، فإذا أردت المبالغة التامة قلت: زيد كمثل عمرو، وجرت الآية في هذا الموضع على عرف كلام العرب، وعلى هذا المعنى شواهد كثيرة. ه. قال النسفي: وقيل: المثل زائد، والتقدير: ليس كهو شيء، كقوله تعالى: فإن ءامنوا بمثل مآ ءامنتم به [البقرة: 137]، وهذا لأن المراد نفي المثلية، وإذا لم نجعل الكاف أو المثل زيادة كان إثبات المثل. ه. والجواب ما تقدم لابن عطية. وقيل: الآية جرت على طريق الكناية، كقولهم: مثلك لا يبخل، وغيرك لا يجود، أي: أنت لا تبخل لأنه إذا نفي البخل عمن هو مثله كان نفيه عنه أولى. ثم قال تعالى: { وهو السميع البصير } سميع لجميع المسموعات بلا آذان، بصير بجميع المبصرات بلا أجفان. وذكرهما لئلا يتوهم أنه لا صفة له، كما لا مثل له، وقدم تنزيهه عن المماثلة على وصفه بالسمع والبصر ليعلمنا أن سمعه وبصره ليس كسمعنا وبصرنا. { له مقاليد السماوات والأرض } مفاتيح خزائنها، { يبسط الرزق لمن يشاء } أي: يوسعه { ويقدر } أي: يضيق على ما تقتضيه المناسبة المبنية على الحكم البالغة. { إنه بكل شيء عليم } لا يخفى عليه شيء، فيفعل كل ما يفعل على ما ينبغي أن يفعل، على ما تقتضيه مشيئته وحكمته البالغة. قال ابن عرفة: تضمنت هذه الآية وصفه تعالى بجميع صفات الكمال، فالقدرة في قوله: { فاطر السماوات والأرض } والوحدانية في قوله: { ليس كمثله شيء } والإرادة في قوله: { يبسط الرزق لمن يشاء } لأن تخصيص البعض بالبسط إنما هو بالإرادة. والعلم في قوله: { إنه بكل شيء عليم } ، والكلام في قوله: { شرع لكم من الدين } لأن المراد به الحكم الشرعي، وهو خطاب الله تعالى المعلق بأفعال المكلفين، وخطابه كلامه. ه. زاد في الحاشية الفاسية: يعني وكل وصف من هذه الأوصاف يستلزم الحياة، مع أنه قال: { يحيي الموتى } والإحياء إنما يكون من الحي. ه. الإشارة: قوله تعالى: { وما اختلفتم فيه من شيء } قال القشيري: ويقال إذا لم تهتدوا إلى شيء وتعرضت منهم الخواطر فدعوا تدبيركم والتجئوا إلى ظل شهود تقديره، وانتظروا ما الذي ينبغي لكم أن تفعلوا بحكم تيسيره. ويقال: إذا اشتغلت قلوبكم بحديث أنفسكم، فلا تدرون أبالسعادة جرى حكمكم، أو بالشقاوة جرى اسمكم، فكلوا الأمر فيه إلى الله، واشتغلوا في الوقت بأمر الله، دون التفكر فيما ليس له سبيل إلى علمه من عواقبكم. ه. وقوله: { فاطر السماوات والأرض } أي: شققهما من أسرار الغيب، ومتجل بهما وسائر الكائنات. جعل لكم في عالم الحكمة من أنفسكم أزواجا ليقع التناسل، بعضكم من بعض، ومن الأنعام أزواجا ليقع التناسل فيها وأما بحر الجبروت فليس كمثله شيء. وقال بعض العارفين: ليت شعري هل معه شيء حتى يشبهه أو لا يشبهه، كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان. فقوله تعالى: { ليس كمثله شيء } أي: ليس معه شيء حتى يشبهه. وقال الورتجبي عن الواسطي: أمور التوحيد كلها خرجت من هذه الآية لأنه ما عبر عن الحقيقة بشيء إلا والعلة مصحوبة، والعبارة منقوضة لأن الحق لا ينعت على أقداره لأن كل ناعت مشرف على المنعوت، وجل أن يشرف عليه مخلوق. وقال الشبلي: كل ما ميزتموه بأوهامكم، وأدركتموه بعقولكم في أتم معانيكم، فهو مصروف إليكم، ومردود عليكم، محدث مصنوع مثلكم لأن حقيقته عالية عن أن تلحقها عبارة، أو يدركها وهم، أو يحيط بها علم، كلا، كيف يحيط به علم، وقد اتفق فيه الأضداد، بقوله: هو الأول والآخر والظاهر والباطن [الحديد: 3]؟ أي عبارة تخبر عن حقيقة هذه الألفاظ؟ كلا، قصرت عنه العبارة، وخرست الألسن لقوله: { ليس كمثله شيء }. ه. ولما عرف بذاته وصفاته، ذكر شرائعه لعباده، فقال: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا }.

الشورى 42:13

يقول الحق جل جلاله: { شرع } أي: بين وأظهر { لكم من الذين ما وصى به نوحا } ومن بعده من أرباب الشرائع، وأولي العزم من مشاهير الأنبياء عليهم السلام، وأمرهم به أمرا مؤكدا. وفي بيان نسبته إلى المذكورين تنبيه على كونه دينا قديما، أجمع عليه الرسل،على أن تخصيصهم بالذكر لما ذكر من علو شأنهم، ولاستمالة قلوب الكفرة إليه لاتفاق الكل على نبوة جلهم. قيل: خص نوحا وإبراهيم بالوصية، ونبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بالوحي لأن متعلق الوصية غير الموصي، بل الموصى إليه به، ومتعلق الوحي: الموحى إليه بذاته، ولما كان صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء جعل الملقى إليه وحيا، ولما كان ما قبله من الأنبياء متبعين له، ومنذرين بشريعته، أنه سيظهر آخر الزمان نبي اسمه " محمد " ، كان ذلك وصية منهم لقومهم على الإيمان به. انظر ابن عرفة. قلت: والظاهر أنه تفنن، وفرار من تكرار لفظ الوحي إذ الموحى به هو قوله: { أن أقيموا الدين } وهو الذي أوحي إلى نبينا عليه الصلاة والسلام . وقال أبو السعود: والتعبير عن ذلك عند نسبته صلى الله عليه وسلم ب " الذي " لتفخيم شأنه من تلك الحيثية، وإيثار الإيحاء على ما قبله وما بعده من التوصية لمراعاة ما وقع في الآيات المذكورة يعني في صدر السورة من قوله: { كذلك يوحي إليك... } وفي آخرها من قوله: { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } ، ولما في الإيحاء من التصريح برسالته صلى الله عليه وسلم القامع لإنكار الكفرة. والالتفات إلى نون العظمة إظهارا لكمال الاعتناء بإيحائه، وهو السر في تقديمه على ما قبله مع تقدمه عليه زمانا. وتقديم وصية نوح عليه السلام للمسارعة إلى بيان كون المشروع لهم دينا قديما أي: فلا ينبغي إنكاره وتوجيه الخطاب إليه عليه الصلاة والسلام بطريق التلوين للتشريف، والتنبيه على أنه تعالى شرع لهم على لسانه عليه الصلاة والسلام. ه. ثم فسر ما وصاهم به فقال: { أن أقيموا الدين } أي: دين الإسلام، الذي هو توحيد الله تعالى، وطاعته، والإيمان بكتبه ورسله، وبيوم الجزاء، وسائر أركان الإيمان. والمراد بإقامته: تعليل أركانه، وحفظه من أن يقع فيه زيغ، والمواظبة عليه، والتشمير في القيام به. وموضع " أن أقيموا " إما: نصب، بدل من مفعول " شرع " ، أو: رفع، خبر جواب عن سؤال مقدر، كأن قائلا قال: وما ذاك؟ فقال: هو إقامة الدين. { ولا تتفرقوا فيه } ولا تختلفوا في الدين، فالجماعة رحمة، والفرقة عذاب، والمراد: الاختلاف في الأصول، دون الفروع المختلفة حسب اختلاف الأمم باختلاف الأعصار، كما ينطق به قوله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا [المائدة: 48]. { كبر على المشركين } أي: عظم وشق عليهم { ما تدعوهم إليه } من التوحيد، ورفض عبادة الأصنام، الذي هو إقامة الدين، { الله يجتبي } أي: يجلب ويجمع { إليه من يشاء } بالتوفيق والتسديد، { ويهدي إليه من ينيب } يقبل على طاعته. فالاجتباء يرجع إلى تصديق القلب، والإنابة إلى توفيق الطاعة في الظاهر. { وما تفرقوا } أي: أهل الكتاب من بعد أنبيائهم { إلا من بعد ما جاءهم العلم } إلا بعد أن علموا أن الفرقة ضلال، وأمر متوعد عليه على ألسنة الرسل، { بغيا بينهم } حسدا، وطلبا للرئاسة، والاستطالة بغير حق، أو: ما تفرقوا في الدين الذي دعوا إليه، وهو الإسلام، ولم يؤمنوا كما آمن بعضهم إلا من بعد ما جاءهم العلم بحقيقته لما يشهدونه في رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن من دلائل الحقية، حسبما وجدوه في كتبهم، أو: العلم بمبعثه صلى الله عليه وسلم. { ولولا كلمة سبقت من ربك } ، وهي العدة بتأخير العقوبة { إلى أجل مسمى } هو يوم القيامة { لقضي بينهم } أي: لوقع القضاء بينهم، وأهلكوا حين افترقوا لعظم ما اقترنوا. { وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم } وهم المشركون { لفي شك منه } أي: القرآن { مريب } موقع في الريبة. وهو بيان لكيفية كفر المشركين، بعد بيان كيفية كفر أهل الكتاب، أي: وإن المشركين الذي أوتوا القرآن من بعدهم، أي: من بعد ما أورث أهل الكتاب كتابهم، لفي شك من القرآن مريب. والظاهر: أن التفرق المذكور هنا إنما هو في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم لأن سياق النظم إنما هو لبيان أحوال هذه الأمة، وإنما ذكر من ذكر من الأنبياء عليهم السلام لتحقيق أن ما شرع لهؤلاء دين قديم، أجمع عليه أولئك الأعلام عليهم الصلاة والسلام تأكيدا لوجوب إقامته، وتشديدا للزجر عن التفرق والاختلاف. فالتعرض لبيان تفرق أممهم عنه ربما يوهم الإخلال بذلك المرام. قاله أبو السعود. الإشارة: الذي شرع الله من الدين لأقوياء عباده، ووصى به خواص أنبيائه: أن يشاهدوه وحده في الباطن، ويقوموا برسم العبودية في الظاهر، وهذا هو إقامة الدين، الذي يجب الاتفاق عليه، لكن لا ينال هذا إلا بعد موت النفوس، وحط الرؤوس، وبذل الفلوس. ولذلك كبر على أهل الفرق، قال تعالى: { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } ، فإذا وفق العبد لفعل ما تقدم، وسلك طريقه اجتباه ربه لحضرته، بعد أن هداه لسلوك طريقته. قال تعالى { الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب } فالاجتباء جذب، والإنابة سلوك، الاجتباء للحقيقة، والإنابة للشريعة والطريقة. وقدم الاجتباء على الاهتداء اهتماما بأمره لأن الجذب عناية يختص به أهل الولاية، والإنابة هداية ينالها كل من تمسك بالشريعة. وحقيقة الجذب: شهود الخلق بلا خلق، وحقيقة السلوك المحض: شهود الخلق بلا حق، وحقيقة الجذب في السلوك: شهود الحق في قوالب الخلق، أو: شهود الخلق في مظهر الحق. فالناس ثلاثة: مجذوبون فقط، سالكون فقط، مجذبون سالكون، فالأولان لا يصلحان للتربية، والثالث هو الذي يصلح للتربية، وهو الذي يتقدمه السلوك، ثم يختطف إلى الحضرة في مقام الفناء، ثم يرجع إلى السلوك في مقام البقاء. وما وقع من التفرق والاختلاف في جانب النبوة، يقع في جانب الولاية، سنة ماضية، فيجب على الداعي إلى الله أن يجهد نفسه في الدعاء إليه، ولا يبالي باختلافهم، كما قال تعالى: { فلذلك فادع واستقم كمآ أمرت }.

الشورى 42:14

يقول الحق جل جلاله: { شرع } أي: بين وأظهر { لكم من الذين ما وصى به نوحا } ومن بعده من أرباب الشرائع، وأولي العزم من مشاهير الأنبياء عليهم السلام، وأمرهم به أمرا مؤكدا. وفي بيان نسبته إلى المذكورين تنبيه على كونه دينا قديما، أجمع عليه الرسل،على أن تخصيصهم بالذكر لما ذكر من علو شأنهم، ولاستمالة قلوب الكفرة إليه لاتفاق الكل على نبوة جلهم. قيل: خص نوحا وإبراهيم بالوصية، ونبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بالوحي لأن متعلق الوصية غير الموصي، بل الموصى إليه به، ومتعلق الوحي: الموحى إليه بذاته، ولما كان صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء جعل الملقى إليه وحيا، ولما كان ما قبله من الأنبياء متبعين له، ومنذرين بشريعته، أنه سيظهر آخر الزمان نبي اسمه " محمد " ، كان ذلك وصية منهم لقومهم على الإيمان به. انظر ابن عرفة. قلت: والظاهر أنه تفنن، وفرار من تكرار لفظ الوحي إذ الموحى به هو قوله: { أن أقيموا الدين } وهو الذي أوحي إلى نبينا عليه الصلاة والسلام . وقال أبو السعود: والتعبير عن ذلك عند نسبته صلى الله عليه وسلم ب " الذي " لتفخيم شأنه من تلك الحيثية، وإيثار الإيحاء على ما قبله وما بعده من التوصية لمراعاة ما وقع في الآيات المذكورة يعني في صدر السورة من قوله: { كذلك يوحي إليك... } وفي آخرها من قوله: { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } ، ولما في الإيحاء من التصريح برسالته صلى الله عليه وسلم القامع لإنكار الكفرة. والالتفات إلى نون العظمة إظهارا لكمال الاعتناء بإيحائه، وهو السر في تقديمه على ما قبله مع تقدمه عليه زمانا. وتقديم وصية نوح عليه السلام للمسارعة إلى بيان كون المشروع لهم دينا قديما أي: فلا ينبغي إنكاره وتوجيه الخطاب إليه عليه الصلاة والسلام بطريق التلوين للتشريف، والتنبيه على أنه تعالى شرع لهم على لسانه عليه الصلاة والسلام. ه. ثم فسر ما وصاهم به فقال: { أن أقيموا الدين } أي: دين الإسلام، الذي هو توحيد الله تعالى، وطاعته، والإيمان بكتبه ورسله، وبيوم الجزاء، وسائر أركان الإيمان. والمراد بإقامته: تعليل أركانه، وحفظه من أن يقع فيه زيغ، والمواظبة عليه، والتشمير في القيام به. وموضع " أن أقيموا " إما: نصب، بدل من مفعول " شرع " ، أو: رفع، خبر جواب عن سؤال مقدر، كأن قائلا قال: وما ذاك؟ فقال: هو إقامة الدين. { ولا تتفرقوا فيه } ولا تختلفوا في الدين، فالجماعة رحمة، والفرقة عذاب، والمراد: الاختلاف في الأصول، دون الفروع المختلفة حسب اختلاف الأمم باختلاف الأعصار، كما ينطق به قوله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا [المائدة: 48]. { كبر على المشركين } أي: عظم وشق عليهم { ما تدعوهم إليه } من التوحيد، ورفض عبادة الأصنام، الذي هو إقامة الدين، { الله يجتبي } أي: يجلب ويجمع { إليه من يشاء } بالتوفيق والتسديد، { ويهدي إليه من ينيب } يقبل على طاعته. فالاجتباء يرجع إلى تصديق القلب، والإنابة إلى توفيق الطاعة في الظاهر. { وما تفرقوا } أي: أهل الكتاب من بعد أنبيائهم { إلا من بعد ما جاءهم العلم } إلا بعد أن علموا أن الفرقة ضلال، وأمر متوعد عليه على ألسنة الرسل، { بغيا بينهم } حسدا، وطلبا للرئاسة، والاستطالة بغير حق، أو: ما تفرقوا في الدين الذي دعوا إليه، وهو الإسلام، ولم يؤمنوا كما آمن بعضهم إلا من بعد ما جاءهم العلم بحقيقته لما يشهدونه في رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن من دلائل الحقية، حسبما وجدوه في كتبهم، أو: العلم بمبعثه صلى الله عليه وسلم. { ولولا كلمة سبقت من ربك } ، وهي العدة بتأخير العقوبة { إلى أجل مسمى } هو يوم القيامة { لقضي بينهم } أي: لوقع القضاء بينهم، وأهلكوا حين افترقوا لعظم ما اقترنوا. { وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم } وهم المشركون { لفي شك منه } أي: القرآن { مريب } موقع في الريبة. وهو بيان لكيفية كفر المشركين، بعد بيان كيفية كفر أهل الكتاب، أي: وإن المشركين الذي أوتوا القرآن من بعدهم، أي: من بعد ما أورث أهل الكتاب كتابهم، لفي شك من القرآن مريب. والظاهر: أن التفرق المذكور هنا إنما هو في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم لأن سياق النظم إنما هو لبيان أحوال هذه الأمة، وإنما ذكر من ذكر من الأنبياء عليهم السلام لتحقيق أن ما شرع لهؤلاء دين قديم، أجمع عليه أولئك الأعلام عليهم الصلاة والسلام تأكيدا لوجوب إقامته، وتشديدا للزجر عن التفرق والاختلاف. فالتعرض لبيان تفرق أممهم عنه ربما يوهم الإخلال بذلك المرام. قاله أبو السعود. الإشارة: الذي شرع الله من الدين لأقوياء عباده، ووصى به خواص أنبيائه: أن يشاهدوه وحده في الباطن، ويقوموا برسم العبودية في الظاهر، وهذا هو إقامة الدين، الذي يجب الاتفاق عليه، لكن لا ينال هذا إلا بعد موت النفوس، وحط الرؤوس، وبذل الفلوس. ولذلك كبر على أهل الفرق، قال تعالى: { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } ، فإذا وفق العبد لفعل ما تقدم، وسلك طريقه اجتباه ربه لحضرته، بعد أن هداه لسلوك طريقته. قال تعالى { الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب } فالاجتباء جذب، والإنابة سلوك، الاجتباء للحقيقة، والإنابة للشريعة والطريقة. وقدم الاجتباء على الاهتداء اهتماما بأمره لأن الجذب عناية يختص به أهل الولاية، والإنابة هداية ينالها كل من تمسك بالشريعة. وحقيقة الجذب: شهود الخلق بلا خلق، وحقيقة السلوك المحض: شهود الخلق بلا حق، وحقيقة الجذب في السلوك: شهود الحق في قوالب الخلق، أو: شهود الخلق في مظهر الحق. فالناس ثلاثة: مجذوبون فقط، سالكون فقط، مجذبون سالكون، فالأولان لا يصلحان للتربية، والثالث هو الذي يصلح للتربية، وهو الذي يتقدمه السلوك، ثم يختطف إلى الحضرة في مقام الفناء، ثم يرجع إلى السلوك في مقام البقاء. وما وقع من التفرق والاختلاف في جانب النبوة، يقع في جانب الولاية، سنة ماضية، فيجب على الداعي إلى الله أن يجهد نفسه في الدعاء إليه، ولا يبالي باختلافهم، كما قال تعالى: { فلذلك فادع واستقم كمآ أمرت }.

الشورى 42:15

يقول الحق جل جلاله: { فلذلك فادع } أي: فلأجل ذلك التفرق، ولما حدث بسببه من تشعب الكفر شعبا، فادع إلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية القيمة، { واستقم } عليها، وعلى الدعوة إليها { كما أمرت } كما أمرك الله. أو: لأجل ما شرع لكم من الدين القويم القديم، الحقيق بأن يتنافس فيه المتنافسون، فادع الناس كافة إلى إقامته، والعمل بموجبه فإن كلا من تفرقهم وشكهم، سبب للدعوة إليه والأمر بها، أو: فإلى ذلك الدين المشروع فادع، واستقم عليه، وعلى الدعوة إليه، كما أمرت وأوحي إليك. { ولا تتبع أهواءهم } الباطلة، وعقائدهم الزائغة، { وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب } أي كتاب كان من الكتب المنزلة، لا كالذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وهم أهل الكتاب، أولئك هم الكافرون حقا [النساء: 151]، وفيه تحقيق للحق، وبيان لاتفاق الكتب في الأصول، وتأليف لقلوب أهل الكتابين، وتعريض بهم. { وأمرت لأعدل بينكم } في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلي، أو: في تبليغ الشرائع والأحكام، لا أخص بعضا دون بعض، أو: لأسوي بيني وبينكم، ولا آمركم بما لا أعمل به، ولا أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه. أو: لا أفرق بين أكابركم وأصاغركم. واللام: إما على حقيقتها، أي: أمرت بذلك لأعدل، أو: زائدة، أي: أمرت أن أعدل بينكم. { الله ربنا وربكم } خالقنا جميعا، ومتولي أمورنا، كلنا عبيده، { لنا أعمالنا } لا يتخطانا ثوابها أو عقابها، { ولكم أعمالكم } لا يجاوزكم وبالها إلى غيركم، أو: لنا ديننا التوحيد، ولكم دينكم الشرك. { لا حجة بيننا وبينكم } أي: لا خصومة لأن الحق قد وضح، ولم يبق للمحاجاة حاجة، ولا للفصاحة محل، سوى المكابرة. { الله يجمع بيننا } يوم القيامة { وإليه المصير } المرجع، فيظهر هناك حالنا وحالكم. وهذه محاججة، لا متاركة، فلا نسخ فيها. { والذين يحاجون في الله } يخاصمون في دينه { من بعد ما استجيب له } من بعد ما استجاب له الناس، ودخلوا فيه، ليردوهم إلى دين الجاهلية، كقوله: ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا... [البقرة: 109]، والتعبير عن ذلك بالاستجابة باعتبار دعوتهم إليه، أو: من بعد ما استجاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وأيده بنصره، كيوم بدر، أو: من بعد ما استجاب له أهل الكتاب، بأن أقروا بنعوته صلى الله عليه وسلم، واستفتحوا به قبل مبعثه. وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون للمؤمنين: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن خير منكم، فنزلت: { والذين يحاجون... } الآية. { حجتهم داحضة } باطلة، { عند ربهم } ، وإذا كانت داحضة من حيث كونه ربا رؤوفا فأحرى من حيث كونه قاهرا منتقما. وسماها حجة، وإن كانت شبهة لزعمهم أنها حجة. { وعليهم غضب } عظيم، لمكابرتهم الحق بعد ظهوره { ولهم عذاب شديد } لا يقادر قدره. الإشارة: إذا استولت الغفلة على الناس، وتفرقت القلوب، يجب على أهل البصيرة النافذة أن يتحركوا لوعظ الناس وتذكيرهم، ولا يلتفتون إلى أهوائهم، وما هو مشغوفون به من حظوظهم. قال تعالى: { فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم } فتدعون الناس إلى التوحيد، وإقامة الشرائع، بامتثال الأوامر، واجتناب المناكر، ثم يدسونهم إلى حضرة الحق، إن رأوا منهم من هو أهله، فمن فعل هذا كان قدره عند الله عظيما، وجاهه كبيرا. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " والذي نفس محمد بيده إن شئتم لأقسمن لكم: إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، ويمشون في الأرض بالنصيحة ". ومن وظيفته أن يقول: آمنت بما أنزل الله من كتاب، وما بعث من نبي وولي، وأمرت لأعدل بينكم في الوعظ، والنصيحة، وإمداد المدد، لكن يأخذ كل واحد على قدر صدقه وتعظيمه، ثم يقول: { الله ربنا وربكم } ، يخص برحمته من يشاء، لنا أعمالنا: ما يليق بنا من عبادة القلوب، ولكم أعمالكم: ما تطيقونه من عبادة الجوارح، لا خصومة بيننا وبينكم لأن قلوبنا سالمة لكم. الله يجمع بيننا وبينكم في الدنيا بجمع متصل، وإليه مصير الكل بالموت والفناء. والذين يحاجون في الله، أي: يخاصمون في طريق الله، ويقولون: انقطعت التربية، حجتهم داحضة، وعليهم غضب البعد، ولهم عذاب الكد والتعب. ثم حض على التمسك بكتابه لأنه جامع لما أنزل الله من كتاب، فقال: { الله الذي أنزل الكتاب بالحق }.

الشورى 42:16

يقول الحق جل جلاله: { فلذلك فادع } أي: فلأجل ذلك التفرق، ولما حدث بسببه من تشعب الكفر شعبا، فادع إلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية القيمة، { واستقم } عليها، وعلى الدعوة إليها { كما أمرت } كما أمرك الله. أو: لأجل ما شرع لكم من الدين القويم القديم، الحقيق بأن يتنافس فيه المتنافسون، فادع الناس كافة إلى إقامته، والعمل بموجبه فإن كلا من تفرقهم وشكهم، سبب للدعوة إليه والأمر بها، أو: فإلى ذلك الدين المشروع فادع، واستقم عليه، وعلى الدعوة إليه، كما أمرت وأوحي إليك. { ولا تتبع أهواءهم } الباطلة، وعقائدهم الزائغة، { وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب } أي كتاب كان من الكتب المنزلة، لا كالذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وهم أهل الكتاب، أولئك هم الكافرون حقا [النساء: 151]، وفيه تحقيق للحق، وبيان لاتفاق الكتب في الأصول، وتأليف لقلوب أهل الكتابين، وتعريض بهم. { وأمرت لأعدل بينكم } في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلي، أو: في تبليغ الشرائع والأحكام، لا أخص بعضا دون بعض، أو: لأسوي بيني وبينكم، ولا آمركم بما لا أعمل به، ولا أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه. أو: لا أفرق بين أكابركم وأصاغركم. واللام: إما على حقيقتها، أي: أمرت بذلك لأعدل، أو: زائدة، أي: أمرت أن أعدل بينكم. { الله ربنا وربكم } خالقنا جميعا، ومتولي أمورنا، كلنا عبيده، { لنا أعمالنا } لا يتخطانا ثوابها أو عقابها، { ولكم أعمالكم } لا يجاوزكم وبالها إلى غيركم، أو: لنا ديننا التوحيد، ولكم دينكم الشرك. { لا حجة بيننا وبينكم } أي: لا خصومة لأن الحق قد وضح، ولم يبق للمحاجاة حاجة، ولا للفصاحة محل، سوى المكابرة. { الله يجمع بيننا } يوم القيامة { وإليه المصير } المرجع، فيظهر هناك حالنا وحالكم. وهذه محاججة، لا متاركة، فلا نسخ فيها. { والذين يحاجون في الله } يخاصمون في دينه { من بعد ما استجيب له } من بعد ما استجاب له الناس، ودخلوا فيه، ليردوهم إلى دين الجاهلية، كقوله: ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا... [البقرة: 109]، والتعبير عن ذلك بالاستجابة باعتبار دعوتهم إليه، أو: من بعد ما استجاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وأيده بنصره، كيوم بدر، أو: من بعد ما استجاب له أهل الكتاب، بأن أقروا بنعوته صلى الله عليه وسلم، واستفتحوا به قبل مبعثه. وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون للمؤمنين: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن خير منكم، فنزلت: { والذين يحاجون... } الآية. { حجتهم داحضة } باطلة، { عند ربهم } ، وإذا كانت داحضة من حيث كونه ربا رؤوفا فأحرى من حيث كونه قاهرا منتقما. وسماها حجة، وإن كانت شبهة لزعمهم أنها حجة. { وعليهم غضب } عظيم، لمكابرتهم الحق بعد ظهوره { ولهم عذاب شديد } لا يقادر قدره. الإشارة: إذا استولت الغفلة على الناس، وتفرقت القلوب، يجب على أهل البصيرة النافذة أن يتحركوا لوعظ الناس وتذكيرهم، ولا يلتفتون إلى أهوائهم، وما هو مشغوفون به من حظوظهم. قال تعالى: { فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم } فتدعون الناس إلى التوحيد، وإقامة الشرائع، بامتثال الأوامر، واجتناب المناكر، ثم يدسونهم إلى حضرة الحق، إن رأوا منهم من هو أهله، فمن فعل هذا كان قدره عند الله عظيما، وجاهه كبيرا. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " والذي نفس محمد بيده إن شئتم لأقسمن لكم: إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، ويمشون في الأرض بالنصيحة ". ومن وظيفته أن يقول: آمنت بما أنزل الله من كتاب، وما بعث من نبي وولي، وأمرت لأعدل بينكم في الوعظ، والنصيحة، وإمداد المدد، لكن يأخذ كل واحد على قدر صدقه وتعظيمه، ثم يقول: { الله ربنا وربكم } ، يخص برحمته من يشاء، لنا أعمالنا: ما يليق بنا من عبادة القلوب، ولكم أعمالكم: ما تطيقونه من عبادة الجوارح، لا خصومة بيننا وبينكم لأن قلوبنا سالمة لكم. الله يجمع بيننا وبينكم في الدنيا بجمع متصل، وإليه مصير الكل بالموت والفناء. والذين يحاجون في الله، أي: يخاصمون في طريق الله، ويقولون: انقطعت التربية، حجتهم داحضة، وعليهم غضب البعد، ولهم عذاب الكد والتعب. ثم حض على التمسك بكتابه لأنه جامع لما أنزل الله من كتاب، فقال: { الله الذي أنزل الكتاب بالحق }.

الشورى 42:17

يقول الحق جل جلاله: { الله الذي أنزل الكتاب } القرآن، أو: جنس الكتاب، { بالحق } ملتبسا بالحق في أحكامه وأخباره، أو: بما يحق إنزاله من العقائد والأحكام، { والميزان } وأنزل العدل والتسوية بين الناس، أي: أنزله في كتبه المنزلة، وأمر به، أو: الشرع الذي يوزن به الحقوق، ويساوي بين الناس. وقيل: هو عين الميزان، أي: الآلة، أنزله في زمن نوح عليه السلام. { وما يدريك } أي شيء يجعلك عالما { لعل الساعة } التي أخبر بها الكتاب الناطق بالحق { قريب } مجيئها. وضمن الساعة معنى البعث فذكر الخبر، وقيل: وجه المناسبة في ذكر الساعة مع إنزال الكتاب: أن الساعة يقع فيها الحساب ووضع الموازين بالقسط، فكأنه قيل: أمركم الله بالعدل والتسوية، والعمل بالشرائع، فاعملوا بالكتاب والعدل قبل أن يفاجئكم يوم حسابكم، ووزن أعمالكم. { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } استعجال إنكار واستهزاء، { والذين آمنوا مشفقون } خائفون { منها } وجلون لهولها، { ويعلمون أنها الحق } الكائن لا محالة، { ألا إن الذين يمارون في الساعة } يجادلون فيها، من: المرية، أو: المماراة والملاحاة، أو: من: مريت الناقة: إذا مسحت ضرعها بشدة للحلب لأن كلا من المتجادلين يخرج ما عند صاحبه بكلام فيه شدة. { لفي ضلال بعيد } عن الحق لأن قيام الساعة أظهر من كل ظاهر، وقد تواترت الشرائع على وقوعها، والعقول تشهد أنه لا بد من دار الجزاء، وإلا كان وجود هذا العالم عبثا. { الله لطيف بعباده } أي: بر بهم في إيصال المنافع ودفع المضار، أوصل لهم من فنون الألطاف ما لا تكاد تناله أيدي الأفكار والظنون. وقيل: هو من لطف بالغوامض علمه، وعظم عن الجرائم حلمه، أو: من ينشر المناقب ويستر المثالب، أو: يعفو عمن يهفو، أو: من يعطي العبد فوق الكفاية، ويكلفه من الطاعة دون الطاقة. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه: الظاهر حمل العباد على ما اصطفاه، بدليل الإضافة المفيدة للتشريف، وأنه تعالى لطيف بهم رفيق، ومن ذلك: حمايتهم من الدنيا، ومما يطغى من الرزق، وعليه ينزل قوله: { يرزق من يشاء }. ه. أي: يرزق على حسب مشيئته، المبنية على الحكم البالغة. وفي الحديث: " إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك ". وأما قوله تعالى: وما من دآبة فى الأرض إلا على الله رزقها [هود: 6] فهو وعد لجميع الخلق، وهو مبني على المشيئة المذكورة هنا، فلا منافاة بينهما، خلافا لابن جزي لأن المشيئة قاضية على ظاهر الوعد، ولا يقضي ظاهر الوعد عليها. انظر الحاشية. { وهو القوي } الباهر القدرة، الغالب على كل شيء، { العزيز } المنيع الذي لا يغلب. الإشارة: الميزان هو العقل إذ به تعرف الأشياء ومقاديرها، نافعها وضارها. فالعقول متفاوتة كالموازين، فبعض الموازين لرقته لا يوزن فيها إلا الشيء الرفيع، كالذهب، والإكسير، والفضة، والطيب الرفيع، وبعضها يصلح لوزن الأشياء اللطيفة، دون الخشينة، كميزان العطار وشبهه، وبعضها يصلح للأشياء الخشينة المتوسطة، كميزان الغزالين والحاكة، وبعضها لا يصلح إلا للخشين، كالفحم وشبه، وبعضها لا يصلح إلا للخشين الكثير، كالذي يوزن به القناطير من الشيء الخشين، فالأول عقول العارفين، لا يوزن فيها إلا أنوار التوحيد وأسرار التفريد، لا يصلح لغيرها، والثاني للعباد، والزهاد، والعلماء الصالحين، والثالث للمتجمدين من العلماء، والرابع لعامة المؤمنين، والخامس للفجار والكفار، وفيهم نزل: { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها... } الآية، وما قبله هو قوله: { والذين آمنوا مشفقون منها }. وقوله تعالى: { الله لطيف بعباده } ، اعلم أن لطفه سبحانه بعباده لا ينحصر ولا ينفك عنه مخلوق، من ظن انفكاك لطف الله عن قدره فذلك لقصور نظره، فمن لطفه سبحانه بخلقه: أنه أعطاهم فوق الكفاية، وكلفهم دون الطاقة. ومن لطفه سبحانه: تسهيله الأرزاق، وتيسير الارتفاق، فلو تفكر الإنسان في اللقمة التي توضع بين يديه، ماذا عمل فيها من العوالم العلوية والسفلية لتحقق بغاية عجزه، وتيقن بوجود لطفه، وكذا ما يحتاج إليه من مشروب، وملبوس، ومطعوم. ومن لطفه سبحانه: توفيق الطاعات، وتسهيل العبادات، وتيسير الموافقات. ومن لطفه سبحانه: حفظ التوحيد في القلوب، واطلاعها على مكاشفة الغيوب، وصيانة العقائد عن الارتياب، وسلامة القلوب عن الاضطراب. ومن لطفه سبحانه: إيهام العاقبة لئلا يتكلموا أو ييأسوا. ومن لطفه سبحانه بالعبد: إخفاء أجله عليه لئلا يستوحش إن كان قد دنا أجله. ومن لطفه سبحانه بخواصه: ستر عيوبهم، ومحو ذنوبهم، حتى وصلهم بما منه إليهم، لا بما منهم إليه، فكشف لهم عن أسرار ذاته، وأنوار صفاته، فشاهدوه جهرا، وعبدوه شكرا. وقوله تعالى: { يرزق من يشاء } إما رزق الأرواح، أو رزق الأشباح، وإلى هذا القسمين أشار قوله: { من كان يريد حرث الآخرة }.

الشورى 42:18

يقول الحق جل جلاله: { الله الذي أنزل الكتاب } القرآن، أو: جنس الكتاب، { بالحق } ملتبسا بالحق في أحكامه وأخباره، أو: بما يحق إنزاله من العقائد والأحكام، { والميزان } وأنزل العدل والتسوية بين الناس، أي: أنزله في كتبه المنزلة، وأمر به، أو: الشرع الذي يوزن به الحقوق، ويساوي بين الناس. وقيل: هو عين الميزان، أي: الآلة، أنزله في زمن نوح عليه السلام. { وما يدريك } أي شيء يجعلك عالما { لعل الساعة } التي أخبر بها الكتاب الناطق بالحق { قريب } مجيئها. وضمن الساعة معنى البعث فذكر الخبر، وقيل: وجه المناسبة في ذكر الساعة مع إنزال الكتاب: أن الساعة يقع فيها الحساب ووضع الموازين بالقسط، فكأنه قيل: أمركم الله بالعدل والتسوية، والعمل بالشرائع، فاعملوا بالكتاب والعدل قبل أن يفاجئكم يوم حسابكم، ووزن أعمالكم. { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } استعجال إنكار واستهزاء، { والذين آمنوا مشفقون } خائفون { منها } وجلون لهولها، { ويعلمون أنها الحق } الكائن لا محالة، { ألا إن الذين يمارون في الساعة } يجادلون فيها، من: المرية، أو: المماراة والملاحاة، أو: من: مريت الناقة: إذا مسحت ضرعها بشدة للحلب لأن كلا من المتجادلين يخرج ما عند صاحبه بكلام فيه شدة. { لفي ضلال بعيد } عن الحق لأن قيام الساعة أظهر من كل ظاهر، وقد تواترت الشرائع على وقوعها، والعقول تشهد أنه لا بد من دار الجزاء، وإلا كان وجود هذا العالم عبثا. { الله لطيف بعباده } أي: بر بهم في إيصال المنافع ودفع المضار، أوصل لهم من فنون الألطاف ما لا تكاد تناله أيدي الأفكار والظنون. وقيل: هو من لطف بالغوامض علمه، وعظم عن الجرائم حلمه، أو: من ينشر المناقب ويستر المثالب، أو: يعفو عمن يهفو، أو: من يعطي العبد فوق الكفاية، ويكلفه من الطاعة دون الطاقة. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه: الظاهر حمل العباد على ما اصطفاه، بدليل الإضافة المفيدة للتشريف، وأنه تعالى لطيف بهم رفيق، ومن ذلك: حمايتهم من الدنيا، ومما يطغى من الرزق، وعليه ينزل قوله: { يرزق من يشاء }. ه. أي: يرزق على حسب مشيئته، المبنية على الحكم البالغة. وفي الحديث: " إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك ". وأما قوله تعالى: وما من دآبة فى الأرض إلا على الله رزقها [هود: 6] فهو وعد لجميع الخلق، وهو مبني على المشيئة المذكورة هنا، فلا منافاة بينهما، خلافا لابن جزي لأن المشيئة قاضية على ظاهر الوعد، ولا يقضي ظاهر الوعد عليها. انظر الحاشية. { وهو القوي } الباهر القدرة، الغالب على كل شيء، { العزيز } المنيع الذي لا يغلب. الإشارة: الميزان هو العقل إذ به تعرف الأشياء ومقاديرها، نافعها وضارها. فالعقول متفاوتة كالموازين، فبعض الموازين لرقته لا يوزن فيها إلا الشيء الرفيع، كالذهب، والإكسير، والفضة، والطيب الرفيع، وبعضها يصلح لوزن الأشياء اللطيفة، دون الخشينة، كميزان العطار وشبهه، وبعضها يصلح للأشياء الخشينة المتوسطة، كميزان الغزالين والحاكة، وبعضها لا يصلح إلا للخشين، كالفحم وشبه، وبعضها لا يصلح إلا للخشين الكثير، كالذي يوزن به القناطير من الشيء الخشين، فالأول عقول العارفين، لا يوزن فيها إلا أنوار التوحيد وأسرار التفريد، لا يصلح لغيرها، والثاني للعباد، والزهاد، والعلماء الصالحين، والثالث للمتجمدين من العلماء، والرابع لعامة المؤمنين، والخامس للفجار والكفار، وفيهم نزل: { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها... } الآية، وما قبله هو قوله: { والذين آمنوا مشفقون منها }. وقوله تعالى: { الله لطيف بعباده } ، اعلم أن لطفه سبحانه بعباده لا ينحصر ولا ينفك عنه مخلوق، من ظن انفكاك لطف الله عن قدره فذلك لقصور نظره، فمن لطفه سبحانه بخلقه: أنه أعطاهم فوق الكفاية، وكلفهم دون الطاقة. ومن لطفه سبحانه: تسهيله الأرزاق، وتيسير الارتفاق، فلو تفكر الإنسان في اللقمة التي توضع بين يديه، ماذا عمل فيها من العوالم العلوية والسفلية لتحقق بغاية عجزه، وتيقن بوجود لطفه، وكذا ما يحتاج إليه من مشروب، وملبوس، ومطعوم. ومن لطفه سبحانه: توفيق الطاعات، وتسهيل العبادات، وتيسير الموافقات. ومن لطفه سبحانه: حفظ التوحيد في القلوب، واطلاعها على مكاشفة الغيوب، وصيانة العقائد عن الارتياب، وسلامة القلوب عن الاضطراب. ومن لطفه سبحانه: إيهام العاقبة لئلا يتكلموا أو ييأسوا. ومن لطفه سبحانه بالعبد: إخفاء أجله عليه لئلا يستوحش إن كان قد دنا أجله. ومن لطفه سبحانه بخواصه: ستر عيوبهم، ومحو ذنوبهم، حتى وصلهم بما منه إليهم، لا بما منهم إليه، فكشف لهم عن أسرار ذاته، وأنوار صفاته، فشاهدوه جهرا، وعبدوه شكرا. وقوله تعالى: { يرزق من يشاء } إما رزق الأرواح، أو رزق الأشباح، وإلى هذا القسمين أشار قوله: { من كان يريد حرث الآخرة }.

الشورى 42:19

يقول الحق جل جلاله: { الله الذي أنزل الكتاب } القرآن، أو: جنس الكتاب، { بالحق } ملتبسا بالحق في أحكامه وأخباره، أو: بما يحق إنزاله من العقائد والأحكام، { والميزان } وأنزل العدل والتسوية بين الناس، أي: أنزله في كتبه المنزلة، وأمر به، أو: الشرع الذي يوزن به الحقوق، ويساوي بين الناس. وقيل: هو عين الميزان، أي: الآلة، أنزله في زمن نوح عليه السلام. { وما يدريك } أي شيء يجعلك عالما { لعل الساعة } التي أخبر بها الكتاب الناطق بالحق { قريب } مجيئها. وضمن الساعة معنى البعث فذكر الخبر، وقيل: وجه المناسبة في ذكر الساعة مع إنزال الكتاب: أن الساعة يقع فيها الحساب ووضع الموازين بالقسط، فكأنه قيل: أمركم الله بالعدل والتسوية، والعمل بالشرائع، فاعملوا بالكتاب والعدل قبل أن يفاجئكم يوم حسابكم، ووزن أعمالكم. { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } استعجال إنكار واستهزاء، { والذين آمنوا مشفقون } خائفون { منها } وجلون لهولها، { ويعلمون أنها الحق } الكائن لا محالة، { ألا إن الذين يمارون في الساعة } يجادلون فيها، من: المرية، أو: المماراة والملاحاة، أو: من: مريت الناقة: إذا مسحت ضرعها بشدة للحلب لأن كلا من المتجادلين يخرج ما عند صاحبه بكلام فيه شدة. { لفي ضلال بعيد } عن الحق لأن قيام الساعة أظهر من كل ظاهر، وقد تواترت الشرائع على وقوعها، والعقول تشهد أنه لا بد من دار الجزاء، وإلا كان وجود هذا العالم عبثا. { الله لطيف بعباده } أي: بر بهم في إيصال المنافع ودفع المضار، أوصل لهم من فنون الألطاف ما لا تكاد تناله أيدي الأفكار والظنون. وقيل: هو من لطف بالغوامض علمه، وعظم عن الجرائم حلمه، أو: من ينشر المناقب ويستر المثالب، أو: يعفو عمن يهفو، أو: من يعطي العبد فوق الكفاية، ويكلفه من الطاعة دون الطاقة. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه: الظاهر حمل العباد على ما اصطفاه، بدليل الإضافة المفيدة للتشريف، وأنه تعالى لطيف بهم رفيق، ومن ذلك: حمايتهم من الدنيا، ومما يطغى من الرزق، وعليه ينزل قوله: { يرزق من يشاء }. ه. أي: يرزق على حسب مشيئته، المبنية على الحكم البالغة. وفي الحديث: " إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك ". وأما قوله تعالى: وما من دآبة فى الأرض إلا على الله رزقها [هود: 6] فهو وعد لجميع الخلق، وهو مبني على المشيئة المذكورة هنا، فلا منافاة بينهما، خلافا لابن جزي لأن المشيئة قاضية على ظاهر الوعد، ولا يقضي ظاهر الوعد عليها. انظر الحاشية. { وهو القوي } الباهر القدرة، الغالب على كل شيء، { العزيز } المنيع الذي لا يغلب. الإشارة: الميزان هو العقل إذ به تعرف الأشياء ومقاديرها، نافعها وضارها. فالعقول متفاوتة كالموازين، فبعض الموازين لرقته لا يوزن فيها إلا الشيء الرفيع، كالذهب، والإكسير، والفضة، والطيب الرفيع، وبعضها يصلح لوزن الأشياء اللطيفة، دون الخشينة، كميزان العطار وشبهه، وبعضها يصلح للأشياء الخشينة المتوسطة، كميزان الغزالين والحاكة، وبعضها لا يصلح إلا للخشين، كالفحم وشبه، وبعضها لا يصلح إلا للخشين الكثير، كالذي يوزن به القناطير من الشيء الخشين، فالأول عقول العارفين، لا يوزن فيها إلا أنوار التوحيد وأسرار التفريد، لا يصلح لغيرها، والثاني للعباد، والزهاد، والعلماء الصالحين، والثالث للمتجمدين من العلماء، والرابع لعامة المؤمنين، والخامس للفجار والكفار، وفيهم نزل: { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها... } الآية، وما قبله هو قوله: { والذين آمنوا مشفقون منها }. وقوله تعالى: { الله لطيف بعباده } ، اعلم أن لطفه سبحانه بعباده لا ينحصر ولا ينفك عنه مخلوق، من ظن انفكاك لطف الله عن قدره فذلك لقصور نظره، فمن لطفه سبحانه بخلقه: أنه أعطاهم فوق الكفاية، وكلفهم دون الطاقة. ومن لطفه سبحانه: تسهيله الأرزاق، وتيسير الارتفاق، فلو تفكر الإنسان في اللقمة التي توضع بين يديه، ماذا عمل فيها من العوالم العلوية والسفلية لتحقق بغاية عجزه، وتيقن بوجود لطفه، وكذا ما يحتاج إليه من مشروب، وملبوس، ومطعوم. ومن لطفه سبحانه: توفيق الطاعات، وتسهيل العبادات، وتيسير الموافقات. ومن لطفه سبحانه: حفظ التوحيد في القلوب، واطلاعها على مكاشفة الغيوب، وصيانة العقائد عن الارتياب، وسلامة القلوب عن الاضطراب. ومن لطفه سبحانه: إيهام العاقبة لئلا يتكلموا أو ييأسوا. ومن لطفه سبحانه بالعبد: إخفاء أجله عليه لئلا يستوحش إن كان قد دنا أجله. ومن لطفه سبحانه بخواصه: ستر عيوبهم، ومحو ذنوبهم، حتى وصلهم بما منه إليهم، لا بما منهم إليه، فكشف لهم عن أسرار ذاته، وأنوار صفاته، فشاهدوه جهرا، وعبدوه شكرا. وقوله تعالى: { يرزق من يشاء } إما رزق الأرواح، أو رزق الأشباح، وإلى هذا القسمين أشار قوله: { من كان يريد حرث الآخرة }.

الشورى 42:20

يقول الحق جل جلاله: { من كان يريد حرث الآخرة } ، سمي ما يعمله العامل مما يبتغي به الفائدة المستقبلة حرثا، مجازا لأن الحرث: إلقاء البذر في الأرض لننظر نتاجه، فأطلقه على العمل، لجامع حصول النتاج، أي: من كان يريد بأعماله ثواب الآخرة { نزد له في حرثه } نضاعف له ثوابه، الواحدة بعشر إلى سبعمائة فما فوقها، أو: نزد له في توفيقه وإعانته، وتسهيل سبيل الخيرات والطاعات عليه. { ومن كان يريد } بأعماله { حرث الدنيا } وهو متاعها وطيباتها { نؤته منها } أي: شيئا منها، حسبما قسمناه له، لا ما يريده ويبتغيه، { وما له في الآخرة من نصيب } إذا كانت همته مقصورة على الدنيا. ولم يذكر في عامل الآخرة أن رزقه المقسوم يصل إليه، للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده، من زكاء أعماله، وفوزه في المآب لأن ما يعطى في الآخرة يستحقر أن يذكر معه غيره من الدنيا. الإشارة: قد مر مرارا ذم الدينا وصرف الهمة إليها، وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض خطبه: " أيها الناس، أقبلوا على ما كلفتموه من صالح آخرتكم، وأعرضوا عما ضمن لكم من أمر دنياكم، ولا تشغلوا جوارحكم جوارح غذيت بنعمته في التعرض لخطأ بمعصيته، واجعلوا شغلكم بالتماس معرفته، واصرفوا هممكم إلى التقرب بطاعته، إنه من بدأ بنصيبه من الدنيا فاته نصيبه من الآخرة، ولم يدرك منها ما يريد، ومن بدأ بنصيبه من الآخرة وصل إليه نصيبه من الدنيا، وأدرك من الآخرة ما يريد ". قال الورتجبي: حرث الآخرة: مشاهدته ووصاله وقربه، وهذا للعارفين، وحرث الدنيا: كرامات الظاهر، ومن شغلته الكرامات احتجب بها عن الحق. ثم قال: عن بعضهم: من عمل لله محبة له، لا طلبا للجزاء، صغر عنده كل شيء دون الله، فلا يطلب حرث الدنيا، ولا حرث الآخرة، بل يطلب الله من الدنيا والآخرة. ثم قال: حرث الدنيا: قضاء الوطر منها، والجمع منها، والافتخار بها، ومن كان بهذه الصفة فما له في الآخرة من نصيب. ه. وقال بعض الشعراء في هذا المعنى: يا مؤثر الدنيا على دينه ومشتر دنياه بالآخره بعت الذي يبقى بما ينقضي تبا لها من صفقة خاسره

الشورى 42:21

{ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات... } يقول الحق جل جلاله: { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين } ، " أم ": منقطعة، أي: بل ألهم شركاء، أو: معادلة لمحذوف، تقديره: أقبلوا ما شرعت لهم من الدين، أم لهم آلهة شرعوا من الدين { ما لم يأذن به الله } أي: لم يأمر به، { ولولا كلمة الفصل } أي: القضاء السابق بتأخير الجزاء، أي: ولولا العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة { لقضي بينهم } بين الكفار والمؤمنين. أو: لعجلت لهم العقوبة. { وإن الظالمين لهم عذاب أليم } وإن المشركين لهم عذاب أليم في الآخرة، وإن أخر عنهم في دار الدنيا. { ترى الظالمين } المشركين في الآخرة { مشفقين } خائفين { مما كسبوا } من جزاء كفرهم، { وهو واقع } نازل { بهم } لا محالة، أشفقوا أم لم يشفقوا. { والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات } كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها وأنزهها، فالروضات: المواضع المونقة النضرة، فهم مستقرون في أطيب بقعها وأنزهها. { لهم ما يشاؤون عند ربهم } أي: ما يشتهون من فنون المستلذات حاصل لهم عند ربهم، { ذلك هو الفضل الكبير } الذي لا يقادر قدره، ولا يبلغ غايته على العمل القليل، فضلا من الكبير الجليل. { ذلك الذي يبشر الله } تعالى، { عباده } فحذف عائد الموصول. ويقال: بشر وبشر، بالتشديد والتخفيف، وقرىء بهما. ثم وصف المبشرين بقوله: { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } دون غيرهم. الإشارة: كل من ابتدع عملا خارجا عن الكتاب والسنة فقد شرع من الدين، ما لم يأذن به الله، فينسحب عليه الوعيد، لقوله صلى الله عليه وسلم: " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ". وقوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات } قال القشيري: في الدنيا جنة الوصلة، ولذاذة الطاعة والعبادة، وطيب الأنس في أوقات الخلوة، وفي الآخرة في روضات الجنات، إن أرادوا دوام اللطف دام لهم، وإن أرادوا تمام الكشف كان لهم. ه. ولما كان من شأن المبشر بالخير أن يلتمس الأجر، نزه نبيه عن ذلك، فقال: {... قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور }. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد { لا أسألكم عليه } على التبليغ { أجرا }. روي أنه اجتمع المشركون في مجمع لهم، فقال بعضهم لبعض: أترون أن محمدا يسأل على ما يتعاطاه أجرا؟ فنزلت. أي: لا أسألكم على التبليغ والبشارة أجرا، أي: نفعا { إلا المودة في القربى } إلا أن تودوا أهل قرابتي، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا، أي: لا أسألكم أجرا قط، ولكن أسألكم أن تودوا قرابتي التي هم قرابتكم، ولا تؤذوهم. ولم يقل: إلا مودة القربى، أو: المودة للقربى لأنهم جعلوا مكانا للمودة، ومقرا لها، مبالغة، كقولك: لي في مال فلان مودة، ولي فيهم حب شديد، تريد: أحبهم، وهم مكان حبي ومحله. وليست " في " بصلة للمودة كاللام، إذا قلت: إلا المودة للقربى، وإنما هي متعلقة بمحذوف، تعلق الظرف. به والتقدير: إلا المودة ثابتة في القربى، ومتمكنة فيها. والقربى: مصدر، كالزلفى والبشرى، بمعنى القرابة. والمراد: في أهل القربى. روي أنه لما نزلت قيل: يا رسول الله! من أهل قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: " علي وفاطمة وابناهما " وقيل: معناه: إلا أن تودوني لقرابتي فيكم، ولا تؤذوني، إذ لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم قرابة. وقيل: القربى: التقرب إلى الله تعالى، أي: إلا أن تحبوا الله ورسوله في تقربكم إليه بالطاعة والعمل الصالح. { ومن يقترف } أي: يكتسب { حسنة } أي حسنة كانت، فيتناول مودة ذي القربى تناولا أوليا. وعن السدي: أنها المرادة، قيل: نزلت في الصديق رضي الله عنه ومودته فيهم، والظاهر: العموم، { نزد له فيها حسنا } أي: نضاعفها له في الجنة. { إن الله غفور } لمن أذنب بطوله { شكور } لمن أطاع بفضله، بتوفية الثواب والزيادة، أو: غفور: قابل التوبة، شكور: حامل عليها. الإشارة: محبة أهل البيت واجبة على البشر، حرمة وتعظيما لسيد البشر، وقد قال: " من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم " فمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم ركن من أركان الإيمان، وعقد من عقوده، لا يتم الإيمان إلا بها، وكذلك محبة أهل بيته. وفي الحديث صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يحبني، ولا يحبني حتى يحب ذوي قرابتي، أنا حرب لمن حاربهم. وسلم لمن سالمهم، وعدو لمن عاداهم، ألا من آذى قرابتي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى " وقال أيضا عليه الصلاة والسلام: " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله تعالى وعترتي " ، فانظر كيف قرنهم بالقرآن في كون التمسك بهم يمنع الضلال. وقال صلى الله عليه وسلم: " من مات على حب آل محمد مات شهيدا، ألا ومن مات على حب آل محمد بدل الله له زوار قبره ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينية: آيس من رحة الله " انظر الثعلبي. زاد بعضهم: ولو عصوا وغيروا في المذهب فنكره فعلهم ونحب ذاتهم. قال الشيخ زروق في نصيحته: وما ينزل بنا من ناحيتهم نعده من القضاء النازل. ه. وفي همزية البوصيري رحمه الله: آل بيت النبي إن فؤادي ليس يسليه عنكم التأساء وقال آخر: آل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن أنزله يكفيكم من عظيم المجد أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له وقوله تعالى: { ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا } ، الزيادة في الدنيا بالهداية والتوفيق، وفي الآخرة بتضعيف الثواب وحسن الرفيق. قال القشيري: إذا أتانا بالمجاهدة زدناه بفضلنا تحقيق المشاهدة. ويقال: من يقترف حسنة الوظائف نزد له حسن اللطائف. ويقال: الزيادة ما لا يصل إليه العبد بوسيلة، مما لا يدخل تحت طوق البشر. ه. ثم رد على من طعن في الوحي، الذي نفى الأجر على تبليغه، فقال: { أم يقولون افترى على الله كذبا }.

الشورى 42:22

{ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات... } يقول الحق جل جلاله: { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين } ، " أم ": منقطعة، أي: بل ألهم شركاء، أو: معادلة لمحذوف، تقديره: أقبلوا ما شرعت لهم من الدين، أم لهم آلهة شرعوا من الدين { ما لم يأذن به الله } أي: لم يأمر به، { ولولا كلمة الفصل } أي: القضاء السابق بتأخير الجزاء، أي: ولولا العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة { لقضي بينهم } بين الكفار والمؤمنين. أو: لعجلت لهم العقوبة. { وإن الظالمين لهم عذاب أليم } وإن المشركين لهم عذاب أليم في الآخرة، وإن أخر عنهم في دار الدنيا. { ترى الظالمين } المشركين في الآخرة { مشفقين } خائفين { مما كسبوا } من جزاء كفرهم، { وهو واقع } نازل { بهم } لا محالة، أشفقوا أم لم يشفقوا. { والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات } كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها وأنزهها، فالروضات: المواضع المونقة النضرة، فهم مستقرون في أطيب بقعها وأنزهها. { لهم ما يشاؤون عند ربهم } أي: ما يشتهون من فنون المستلذات حاصل لهم عند ربهم، { ذلك هو الفضل الكبير } الذي لا يقادر قدره، ولا يبلغ غايته على العمل القليل، فضلا من الكبير الجليل. { ذلك الذي يبشر الله } تعالى، { عباده } فحذف عائد الموصول. ويقال: بشر وبشر، بالتشديد والتخفيف، وقرىء بهما. ثم وصف المبشرين بقوله: { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } دون غيرهم. الإشارة: كل من ابتدع عملا خارجا عن الكتاب والسنة فقد شرع من الدين، ما لم يأذن به الله، فينسحب عليه الوعيد، لقوله صلى الله عليه وسلم: " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ". وقوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات } قال القشيري: في الدنيا جنة الوصلة، ولذاذة الطاعة والعبادة، وطيب الأنس في أوقات الخلوة، وفي الآخرة في روضات الجنات، إن أرادوا دوام اللطف دام لهم، وإن أرادوا تمام الكشف كان لهم. ه. ولما كان من شأن المبشر بالخير أن يلتمس الأجر، نزه نبيه عن ذلك، فقال: {... قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور }. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد { لا أسألكم عليه } على التبليغ { أجرا }. روي أنه اجتمع المشركون في مجمع لهم، فقال بعضهم لبعض: أترون أن محمدا يسأل على ما يتعاطاه أجرا؟ فنزلت. أي: لا أسألكم على التبليغ والبشارة أجرا، أي: نفعا { إلا المودة في القربى } إلا أن تودوا أهل قرابتي، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا، أي: لا أسألكم أجرا قط، ولكن أسألكم أن تودوا قرابتي التي هم قرابتكم، ولا تؤذوهم. ولم يقل: إلا مودة القربى، أو: المودة للقربى لأنهم جعلوا مكانا للمودة، ومقرا لها، مبالغة، كقولك: لي في مال فلان مودة، ولي فيهم حب شديد، تريد: أحبهم، وهم مكان حبي ومحله. وليست " في " بصلة للمودة كاللام، إذا قلت: إلا المودة للقربى، وإنما هي متعلقة بمحذوف، تعلق الظرف. به والتقدير: إلا المودة ثابتة في القربى، ومتمكنة فيها. والقربى: مصدر، كالزلفى والبشرى، بمعنى القرابة. والمراد: في أهل القربى. روي أنه لما نزلت قيل: يا رسول الله! من أهل قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: " علي وفاطمة وابناهما " وقيل: معناه: إلا أن تودوني لقرابتي فيكم، ولا تؤذوني، إذ لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم قرابة. وقيل: القربى: التقرب إلى الله تعالى، أي: إلا أن تحبوا الله ورسوله في تقربكم إليه بالطاعة والعمل الصالح. { ومن يقترف } أي: يكتسب { حسنة } أي حسنة كانت، فيتناول مودة ذي القربى تناولا أوليا. وعن السدي: أنها المرادة، قيل: نزلت في الصديق رضي الله عنه ومودته فيهم، والظاهر: العموم، { نزد له فيها حسنا } أي: نضاعفها له في الجنة. { إن الله غفور } لمن أذنب بطوله { شكور } لمن أطاع بفضله، بتوفية الثواب والزيادة، أو: غفور: قابل التوبة، شكور: حامل عليها. الإشارة: محبة أهل البيت واجبة على البشر، حرمة وتعظيما لسيد البشر، وقد قال: " من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم " فمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم ركن من أركان الإيمان، وعقد من عقوده، لا يتم الإيمان إلا بها، وكذلك محبة أهل بيته. وفي الحديث صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يحبني، ولا يحبني حتى يحب ذوي قرابتي، أنا حرب لمن حاربهم. وسلم لمن سالمهم، وعدو لمن عاداهم، ألا من آذى قرابتي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى " وقال أيضا عليه الصلاة والسلام: " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله تعالى وعترتي " ، فانظر كيف قرنهم بالقرآن في كون التمسك بهم يمنع الضلال. وقال صلى الله عليه وسلم: " من مات على حب آل محمد مات شهيدا، ألا ومن مات على حب آل محمد بدل الله له زوار قبره ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينية: آيس من رحة الله " انظر الثعلبي. زاد بعضهم: ولو عصوا وغيروا في المذهب فنكره فعلهم ونحب ذاتهم. قال الشيخ زروق في نصيحته: وما ينزل بنا من ناحيتهم نعده من القضاء النازل. ه. وفي همزية البوصيري رحمه الله: آل بيت النبي إن فؤادي ليس يسليه عنكم التأساء وقال آخر: آل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن أنزله يكفيكم من عظيم المجد أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له وقوله تعالى: { ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا } ، الزيادة في الدنيا بالهداية والتوفيق، وفي الآخرة بتضعيف الثواب وحسن الرفيق. قال القشيري: إذا أتانا بالمجاهدة زدناه بفضلنا تحقيق المشاهدة. ويقال: من يقترف حسنة الوظائف نزد له حسن اللطائف. ويقال: الزيادة ما لا يصل إليه العبد بوسيلة، مما لا يدخل تحت طوق البشر. ه. ثم رد على من طعن في الوحي، الذي نفى الأجر على تبليغه، فقال: { أم يقولون افترى على الله كذبا }.

الشورى 42:23

{ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات... } يقول الحق جل جلاله: { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين } ، " أم ": منقطعة، أي: بل ألهم شركاء، أو: معادلة لمحذوف، تقديره: أقبلوا ما شرعت لهم من الدين، أم لهم آلهة شرعوا من الدين { ما لم يأذن به الله } أي: لم يأمر به، { ولولا كلمة الفصل } أي: القضاء السابق بتأخير الجزاء، أي: ولولا العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة { لقضي بينهم } بين الكفار والمؤمنين. أو: لعجلت لهم العقوبة. { وإن الظالمين لهم عذاب أليم } وإن المشركين لهم عذاب أليم في الآخرة، وإن أخر عنهم في دار الدنيا. { ترى الظالمين } المشركين في الآخرة { مشفقين } خائفين { مما كسبوا } من جزاء كفرهم، { وهو واقع } نازل { بهم } لا محالة، أشفقوا أم لم يشفقوا. { والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات } كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها وأنزهها، فالروضات: المواضع المونقة النضرة، فهم مستقرون في أطيب بقعها وأنزهها. { لهم ما يشاؤون عند ربهم } أي: ما يشتهون من فنون المستلذات حاصل لهم عند ربهم، { ذلك هو الفضل الكبير } الذي لا يقادر قدره، ولا يبلغ غايته على العمل القليل، فضلا من الكبير الجليل. { ذلك الذي يبشر الله } تعالى، { عباده } فحذف عائد الموصول. ويقال: بشر وبشر، بالتشديد والتخفيف، وقرىء بهما. ثم وصف المبشرين بقوله: { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } دون غيرهم. الإشارة: كل من ابتدع عملا خارجا عن الكتاب والسنة فقد شرع من الدين، ما لم يأذن به الله، فينسحب عليه الوعيد، لقوله صلى الله عليه وسلم: " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ". وقوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات } قال القشيري: في الدنيا جنة الوصلة، ولذاذة الطاعة والعبادة، وطيب الأنس في أوقات الخلوة، وفي الآخرة في روضات الجنات، إن أرادوا دوام اللطف دام لهم، وإن أرادوا تمام الكشف كان لهم. ه. ولما كان من شأن المبشر بالخير أن يلتمس الأجر، نزه نبيه عن ذلك، فقال: {... قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور }. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد { لا أسألكم عليه } على التبليغ { أجرا }. روي أنه اجتمع المشركون في مجمع لهم، فقال بعضهم لبعض: أترون أن محمدا يسأل على ما يتعاطاه أجرا؟ فنزلت. أي: لا أسألكم على التبليغ والبشارة أجرا، أي: نفعا { إلا المودة في القربى } إلا أن تودوا أهل قرابتي، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا، أي: لا أسألكم أجرا قط، ولكن أسألكم أن تودوا قرابتي التي هم قرابتكم، ولا تؤذوهم. ولم يقل: إلا مودة القربى، أو: المودة للقربى لأنهم جعلوا مكانا للمودة، ومقرا لها، مبالغة، كقولك: لي في مال فلان مودة، ولي فيهم حب شديد، تريد: أحبهم، وهم مكان حبي ومحله. وليست " في " بصلة للمودة كاللام، إذا قلت: إلا المودة للقربى، وإنما هي متعلقة بمحذوف، تعلق الظرف. به والتقدير: إلا المودة ثابتة في القربى، ومتمكنة فيها. والقربى: مصدر، كالزلفى والبشرى، بمعنى القرابة. والمراد: في أهل القربى. روي أنه لما نزلت قيل: يا رسول الله! من أهل قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: " علي وفاطمة وابناهما " وقيل: معناه: إلا أن تودوني لقرابتي فيكم، ولا تؤذوني، إذ لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم قرابة. وقيل: القربى: التقرب إلى الله تعالى، أي: إلا أن تحبوا الله ورسوله في تقربكم إليه بالطاعة والعمل الصالح. { ومن يقترف } أي: يكتسب { حسنة } أي حسنة كانت، فيتناول مودة ذي القربى تناولا أوليا. وعن السدي: أنها المرادة، قيل: نزلت في الصديق رضي الله عنه ومودته فيهم، والظاهر: العموم، { نزد له فيها حسنا } أي: نضاعفها له في الجنة. { إن الله غفور } لمن أذنب بطوله { شكور } لمن أطاع بفضله، بتوفية الثواب والزيادة، أو: غفور: قابل التوبة، شكور: حامل عليها. الإشارة: محبة أهل البيت واجبة على البشر، حرمة وتعظيما لسيد البشر، وقد قال: " من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم " فمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم ركن من أركان الإيمان، وعقد من عقوده، لا يتم الإيمان إلا بها، وكذلك محبة أهل بيته. وفي الحديث صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يحبني، ولا يحبني حتى يحب ذوي قرابتي، أنا حرب لمن حاربهم. وسلم لمن سالمهم، وعدو لمن عاداهم، ألا من آذى قرابتي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى " وقال أيضا عليه الصلاة والسلام: " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله تعالى وعترتي " ، فانظر كيف قرنهم بالقرآن في كون التمسك بهم يمنع الضلال. وقال صلى الله عليه وسلم: " من مات على حب آل محمد مات شهيدا، ألا ومن مات على حب آل محمد بدل الله له زوار قبره ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينية: آيس من رحة الله " انظر الثعلبي. زاد بعضهم: ولو عصوا وغيروا في المذهب فنكره فعلهم ونحب ذاتهم. قال الشيخ زروق في نصيحته: وما ينزل بنا من ناحيتهم نعده من القضاء النازل. ه. وفي همزية البوصيري رحمه الله: آل بيت النبي إن فؤادي ليس يسليه عنكم التأساء وقال آخر: آل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن أنزله يكفيكم من عظيم المجد أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له وقوله تعالى: { ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا } ، الزيادة في الدنيا بالهداية والتوفيق، وفي الآخرة بتضعيف الثواب وحسن الرفيق. قال القشيري: إذا أتانا بالمجاهدة زدناه بفضلنا تحقيق المشاهدة. ويقال: من يقترف حسنة الوظائف نزد له حسن اللطائف. ويقال: الزيادة ما لا يصل إليه العبد بوسيلة، مما لا يدخل تحت طوق البشر. ه. ثم رد على من طعن في الوحي، الذي نفى الأجر على تبليغه، فقال: { أم يقولون افترى على الله كذبا }.

الشورى 42:24

يقول الحق جل جلاله: { أم يقولون } أي: بل أيقولون { افترى } محمد { على الله كذبا } في دعوة النبوة، أو القرآن؟ والهمزة للإنكار التوبيخي، كأنه قيل: أيمكن أن ينسبوا مثله عليه الصلاة والسلام للافتراء، لا سيما لعظم الافتراء، وهو الافتراء على الله، فإن الافتراء إنما يسام به أبعد خلق الله، ومن هو عرضة للختم والطبع، فالعجب ممن يفوه به في جانب أكرم الخلق على الله. { فإن يشإ يختم على قلبك } ، هذا استبعاد للافتراء على مثله لأنه إنما يجترىء على الله من كان مختوما على قلبه، جاهلا بربه، أما من كان على بصيرة ومعرفة بربه، فلا، وكأنه قال: إن يشأ الله خذلانك يختم على قلبك، لتجترىء بالافتراء عليه، لكنه لم يفعل فلم تفتر. أو: فإن يشأ الله عدم صدور القرآن عنك يختم على قلبك، فلم تقدر أن تنطق بحرف واحد منه، وحيث لم يكن كذلك، بل تواتر الوحي عليك حينا فحينا تبين أنه من عند الله تعالى. وهذا أظهر. وقال مجاهد: إن يشأ يربط على قلبك بالصبر على أذاهم، وعلى قولهم: افترى على الله كذبا لئلا تدخله مشقة بتكذيبهم. ه. { ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته } ، استئناف مقرر لنفي الافتراء، غير معطوف على " يختم " كما ينبىء عنه إظهار الاسم الجليل، وإنما سقطت الواو كما في بعض المصاحف لاتباع اللفظ، كقوله تعالى: ويدع الإنسان بالشر... [الإسراء: 11] مع أنها ثابتة في مصحف نافع. قاله النسفي. أي: ومن شأنه تعالى أن يمحق الباطل، ويثبت الحق بوحيه، أو بقضائه، كقوله تعالى: بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه [الأنبياء: 18]، فلو كان افتراء كما زعموا لمحقه ودمغه. أو: يكون عدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه تعالى يمحو الباطل الذي هم عليه، ويثبت الحق الذي هو عليه صلى الله عليه وسلم بالقرآن، أو بقضائه الذي لا مرد له بنصره عليهم، وقد فعل ذلك، فمحا باطلهم، وأظهر الإسلام. { إنه عليم بذات الصدور } أي: عليم بما في صدرك وصدورهم، فيجري الأمر على حسب ذلك من المحو والإثبات. { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده }. يقال: قبلت الشيء منه: إذا أخذته منه، وجعلته مبدأ قبولك، وقبلته عنه، أي: عزلته وأبنته عنه. والتوبة: الرجوع عن القبيح بالندم، والعزم ألا يعود، ورد المظالم واجب غير شرط. قال ابن عباس: لما نزل. { قل لا اسألكم عليه أجرا... } الآية. قال قوم في نفوسهم: ما يريد إلا أن يحثنا على أقاربه من بعده، فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد اتهموه، وأنزل: { أم يقولون افترى على الله كذبا... } الآية، فقال القوم: يا رسول الله فإنا نشهد أنك صادق. فنزل: { وهو الذي يقبل التوبة... } ه. قال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الله أفرح بتوبة عبده المؤمن من الضال الواجد، ومن العقيم الوالد، ومن الظمآن الوارد، فمن تاب إلى الله توبة نصوحا أنسى الله حافظيه، ولو كانت بقاع الأرض خطاياه وذنوبه ". واختلف العلماء في حقيقة التوبة وشرائطها، فقال جابر بن عبد الله: دخل أعرابي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اللهم إني أستعيذك وأتوب إليك، سريعا، وكبر، فلما فرغ من صلاته، قال له علي: ما هذا؟ إن سرعة الاستغفار باللسان توبة الكذابين، وتوبتك تحتاج إلى توبة، فقال: يا أمير المؤمنين، وما التوبة؟ قال: أسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، ورد المظالم، وإذابة النفس في الطاعة، كما أذبتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة، كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته. وعن السدي: هي صدق العزيمة على ترك الذنوب، والإنابة بالقلب إلى علام الغيوب. وعن سهل: هي الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة. وعن الجنيد: هي الإعراض عما سوى الله. قال الله تعالى: { ويعفو عن السيئات } وهو ما دون الشرك، يعفو لمن يشاء بلا توبة، { ويعلم ما تفعلون } كائنا ما كان، من خير أو شر، حسبما تقتضيه مشيئته. { ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي: يستجيب لهم فحذف اللام كما في قوله: وإذا كالوهم [المطففين: 3] أي: يجيب دعوتهم، ويثيبهم على طاعتهم، أو: يستجيبون له بالطاعة إذا دعاهم إليها. قيل لإبراهيم بن أدهم: ما لنا ندعو فلا نجاب؟ قال: " لأنه دعاكم فلم تجيبوا ". { ويزيدهم من فضله } على ما سألوه، واستحقوه بموجب الوعد. { والكافرون لهم عذاب شديد } بدل ما للمؤمنين من الفضل العظيم والمزيد. الإشارة: قال الورتجبي: { أم يقولون افترى على الله كذبا } فيه تقديس كلامه، وطهارة نبيه صلى الله عليه وسلم عن الافتراء، وكيف يفتري وهو مصون من طريان الشك والريب والوساوس والهواجس على قلبه؟ وقال أيضا: عن الواسطي: إن يشأ الله يختم على قلبك لكن ما يشاء، ويمح الله الباطل بنفسه ونعته، حتى يعلم أنه لا حاجة له إلى أحد من خلقه، ثم يحقق الحق في قلوب أنشأها للحقيقة. قلت: في الآية تهديد لأهل الدعوى لأنهم إن داموا على دعواهم الخصوصية بلا خصوصية ختم الله على قلوبهم بالنفاق، ثم يمحو الله الباطل بأهل الحق والتحقيق، فتشرق حقائقهم على ما يقابلها من البال فتدمغه بإذن الله وقضائه وكلماته. وقوله تعالى: { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده... } الخ، لكل مقام توبة، ولكل رجال سيئات، فتوبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من العيوب، وتوبة خواص الخواص من الغيبة عن شهود علام الغيوب. وقوله تعالى: { ويعلم ما تفعلون } يشير إلى الحلم بعد العلم. وقوله تعالى: { ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي: في كل ما يتمنون، { ويزيدهم من فضله } النظر إلى وجهه، ويتفاوتون فيه على قدر توجههم، ومعرفتهم في الدنيا. وذكر في القوت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى: { ويزيدهم من فضله } قال: " يشفعهم في إخوانهم، فيدخلهم الجنة " ه. قال القشيري: ويقال: لما ذكر أن التائبين يقبل توبتهم، ومن لم يتب يعفو عن زلته، والمطيع يدخله الجنة، فلعله خطر ببال أحد: فهذه النار لمن هي؟ فقال { والكافرون لهم عذاب شديد } ، ولعله يخطر بالبال أن العصاة لا عذاب لهم، فقال: شديد بدليل الخطاب أنه ليس بشديد ه. ولما ذكر أن أهل الإيمان يستجيب لهم، ويزيدهم من فضله، يعني في الآخرة، وأما في الدنيا فإنما يعطيهم الكفاف، ذكر حكمة ذلك، فقال: { ولو بسط الله الرزق لعباده }.

الشورى 42:25

يقول الحق جل جلاله: { أم يقولون } أي: بل أيقولون { افترى } محمد { على الله كذبا } في دعوة النبوة، أو القرآن؟ والهمزة للإنكار التوبيخي، كأنه قيل: أيمكن أن ينسبوا مثله عليه الصلاة والسلام للافتراء، لا سيما لعظم الافتراء، وهو الافتراء على الله، فإن الافتراء إنما يسام به أبعد خلق الله، ومن هو عرضة للختم والطبع، فالعجب ممن يفوه به في جانب أكرم الخلق على الله. { فإن يشإ يختم على قلبك } ، هذا استبعاد للافتراء على مثله لأنه إنما يجترىء على الله من كان مختوما على قلبه، جاهلا بربه، أما من كان على بصيرة ومعرفة بربه، فلا، وكأنه قال: إن يشأ الله خذلانك يختم على قلبك، لتجترىء بالافتراء عليه، لكنه لم يفعل فلم تفتر. أو: فإن يشأ الله عدم صدور القرآن عنك يختم على قلبك، فلم تقدر أن تنطق بحرف واحد منه، وحيث لم يكن كذلك، بل تواتر الوحي عليك حينا فحينا تبين أنه من عند الله تعالى. وهذا أظهر. وقال مجاهد: إن يشأ يربط على قلبك بالصبر على أذاهم، وعلى قولهم: افترى على الله كذبا لئلا تدخله مشقة بتكذيبهم. ه. { ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته } ، استئناف مقرر لنفي الافتراء، غير معطوف على " يختم " كما ينبىء عنه إظهار الاسم الجليل، وإنما سقطت الواو كما في بعض المصاحف لاتباع اللفظ، كقوله تعالى: ويدع الإنسان بالشر... [الإسراء: 11] مع أنها ثابتة في مصحف نافع. قاله النسفي. أي: ومن شأنه تعالى أن يمحق الباطل، ويثبت الحق بوحيه، أو بقضائه، كقوله تعالى: بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه [الأنبياء: 18]، فلو كان افتراء كما زعموا لمحقه ودمغه. أو: يكون عدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه تعالى يمحو الباطل الذي هم عليه، ويثبت الحق الذي هو عليه صلى الله عليه وسلم بالقرآن، أو بقضائه الذي لا مرد له بنصره عليهم، وقد فعل ذلك، فمحا باطلهم، وأظهر الإسلام. { إنه عليم بذات الصدور } أي: عليم بما في صدرك وصدورهم، فيجري الأمر على حسب ذلك من المحو والإثبات. { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده }. يقال: قبلت الشيء منه: إذا أخذته منه، وجعلته مبدأ قبولك، وقبلته عنه، أي: عزلته وأبنته عنه. والتوبة: الرجوع عن القبيح بالندم، والعزم ألا يعود، ورد المظالم واجب غير شرط. قال ابن عباس: لما نزل. { قل لا اسألكم عليه أجرا... } الآية. قال قوم في نفوسهم: ما يريد إلا أن يحثنا على أقاربه من بعده، فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد اتهموه، وأنزل: { أم يقولون افترى على الله كذبا... } الآية، فقال القوم: يا رسول الله فإنا نشهد أنك صادق. فنزل: { وهو الذي يقبل التوبة... } ه. قال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الله أفرح بتوبة عبده المؤمن من الضال الواجد، ومن العقيم الوالد، ومن الظمآن الوارد، فمن تاب إلى الله توبة نصوحا أنسى الله حافظيه، ولو كانت بقاع الأرض خطاياه وذنوبه ". واختلف العلماء في حقيقة التوبة وشرائطها، فقال جابر بن عبد الله: دخل أعرابي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اللهم إني أستعيذك وأتوب إليك، سريعا، وكبر، فلما فرغ من صلاته، قال له علي: ما هذا؟ إن سرعة الاستغفار باللسان توبة الكذابين، وتوبتك تحتاج إلى توبة، فقال: يا أمير المؤمنين، وما التوبة؟ قال: أسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، ورد المظالم، وإذابة النفس في الطاعة، كما أذبتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة، كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته. وعن السدي: هي صدق العزيمة على ترك الذنوب، والإنابة بالقلب إلى علام الغيوب. وعن سهل: هي الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة. وعن الجنيد: هي الإعراض عما سوى الله. قال الله تعالى: { ويعفو عن السيئات } وهو ما دون الشرك، يعفو لمن يشاء بلا توبة، { ويعلم ما تفعلون } كائنا ما كان، من خير أو شر، حسبما تقتضيه مشيئته. { ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي: يستجيب لهم فحذف اللام كما في قوله: وإذا كالوهم [المطففين: 3] أي: يجيب دعوتهم، ويثيبهم على طاعتهم، أو: يستجيبون له بالطاعة إذا دعاهم إليها. قيل لإبراهيم بن أدهم: ما لنا ندعو فلا نجاب؟ قال: " لأنه دعاكم فلم تجيبوا ". { ويزيدهم من فضله } على ما سألوه، واستحقوه بموجب الوعد. { والكافرون لهم عذاب شديد } بدل ما للمؤمنين من الفضل العظيم والمزيد. الإشارة: قال الورتجبي: { أم يقولون افترى على الله كذبا } فيه تقديس كلامه، وطهارة نبيه صلى الله عليه وسلم عن الافتراء، وكيف يفتري وهو مصون من طريان الشك والريب والوساوس والهواجس على قلبه؟ وقال أيضا: عن الواسطي: إن يشأ الله يختم على قلبك لكن ما يشاء، ويمح الله الباطل بنفسه ونعته، حتى يعلم أنه لا حاجة له إلى أحد من خلقه، ثم يحقق الحق في قلوب أنشأها للحقيقة. قلت: في الآية تهديد لأهل الدعوى لأنهم إن داموا على دعواهم الخصوصية بلا خصوصية ختم الله على قلوبهم بالنفاق، ثم يمحو الله الباطل بأهل الحق والتحقيق، فتشرق حقائقهم على ما يقابلها من البال فتدمغه بإذن الله وقضائه وكلماته. وقوله تعالى: { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده... } الخ، لكل مقام توبة، ولكل رجال سيئات، فتوبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من العيوب، وتوبة خواص الخواص من الغيبة عن شهود علام الغيوب. وقوله تعالى: { ويعلم ما تفعلون } يشير إلى الحلم بعد العلم. وقوله تعالى: { ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي: في كل ما يتمنون، { ويزيدهم من فضله } النظر إلى وجهه، ويتفاوتون فيه على قدر توجههم، ومعرفتهم في الدنيا. وذكر في القوت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى: { ويزيدهم من فضله } قال: " يشفعهم في إخوانهم، فيدخلهم الجنة " ه. قال القشيري: ويقال: لما ذكر أن التائبين يقبل توبتهم، ومن لم يتب يعفو عن زلته، والمطيع يدخله الجنة، فلعله خطر ببال أحد: فهذه النار لمن هي؟ فقال { والكافرون لهم عذاب شديد } ، ولعله يخطر بالبال أن العصاة لا عذاب لهم، فقال: شديد بدليل الخطاب أنه ليس بشديد ه. ولما ذكر أن أهل الإيمان يستجيب لهم، ويزيدهم من فضله، يعني في الآخرة، وأما في الدنيا فإنما يعطيهم الكفاف، ذكر حكمة ذلك، فقال: { ولو بسط الله الرزق لعباده }.

الشورى 42:26

يقول الحق جل جلاله: { أم يقولون } أي: بل أيقولون { افترى } محمد { على الله كذبا } في دعوة النبوة، أو القرآن؟ والهمزة للإنكار التوبيخي، كأنه قيل: أيمكن أن ينسبوا مثله عليه الصلاة والسلام للافتراء، لا سيما لعظم الافتراء، وهو الافتراء على الله، فإن الافتراء إنما يسام به أبعد خلق الله، ومن هو عرضة للختم والطبع، فالعجب ممن يفوه به في جانب أكرم الخلق على الله. { فإن يشإ يختم على قلبك } ، هذا استبعاد للافتراء على مثله لأنه إنما يجترىء على الله من كان مختوما على قلبه، جاهلا بربه، أما من كان على بصيرة ومعرفة بربه، فلا، وكأنه قال: إن يشأ الله خذلانك يختم على قلبك، لتجترىء بالافتراء عليه، لكنه لم يفعل فلم تفتر. أو: فإن يشأ الله عدم صدور القرآن عنك يختم على قلبك، فلم تقدر أن تنطق بحرف واحد منه، وحيث لم يكن كذلك، بل تواتر الوحي عليك حينا فحينا تبين أنه من عند الله تعالى. وهذا أظهر. وقال مجاهد: إن يشأ يربط على قلبك بالصبر على أذاهم، وعلى قولهم: افترى على الله كذبا لئلا تدخله مشقة بتكذيبهم. ه. { ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته } ، استئناف مقرر لنفي الافتراء، غير معطوف على " يختم " كما ينبىء عنه إظهار الاسم الجليل، وإنما سقطت الواو كما في بعض المصاحف لاتباع اللفظ، كقوله تعالى: ويدع الإنسان بالشر... [الإسراء: 11] مع أنها ثابتة في مصحف نافع. قاله النسفي. أي: ومن شأنه تعالى أن يمحق الباطل، ويثبت الحق بوحيه، أو بقضائه، كقوله تعالى: بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه [الأنبياء: 18]، فلو كان افتراء كما زعموا لمحقه ودمغه. أو: يكون عدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه تعالى يمحو الباطل الذي هم عليه، ويثبت الحق الذي هو عليه صلى الله عليه وسلم بالقرآن، أو بقضائه الذي لا مرد له بنصره عليهم، وقد فعل ذلك، فمحا باطلهم، وأظهر الإسلام. { إنه عليم بذات الصدور } أي: عليم بما في صدرك وصدورهم، فيجري الأمر على حسب ذلك من المحو والإثبات. { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده }. يقال: قبلت الشيء منه: إذا أخذته منه، وجعلته مبدأ قبولك، وقبلته عنه، أي: عزلته وأبنته عنه. والتوبة: الرجوع عن القبيح بالندم، والعزم ألا يعود، ورد المظالم واجب غير شرط. قال ابن عباس: لما نزل. { قل لا اسألكم عليه أجرا... } الآية. قال قوم في نفوسهم: ما يريد إلا أن يحثنا على أقاربه من بعده، فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد اتهموه، وأنزل: { أم يقولون افترى على الله كذبا... } الآية، فقال القوم: يا رسول الله فإنا نشهد أنك صادق. فنزل: { وهو الذي يقبل التوبة... } ه. قال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الله أفرح بتوبة عبده المؤمن من الضال الواجد، ومن العقيم الوالد، ومن الظمآن الوارد، فمن تاب إلى الله توبة نصوحا أنسى الله حافظيه، ولو كانت بقاع الأرض خطاياه وذنوبه ". واختلف العلماء في حقيقة التوبة وشرائطها، فقال جابر بن عبد الله: دخل أعرابي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اللهم إني أستعيذك وأتوب إليك، سريعا، وكبر، فلما فرغ من صلاته، قال له علي: ما هذا؟ إن سرعة الاستغفار باللسان توبة الكذابين، وتوبتك تحتاج إلى توبة، فقال: يا أمير المؤمنين، وما التوبة؟ قال: أسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، ورد المظالم، وإذابة النفس في الطاعة، كما أذبتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة، كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته. وعن السدي: هي صدق العزيمة على ترك الذنوب، والإنابة بالقلب إلى علام الغيوب. وعن سهل: هي الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة. وعن الجنيد: هي الإعراض عما سوى الله. قال الله تعالى: { ويعفو عن السيئات } وهو ما دون الشرك، يعفو لمن يشاء بلا توبة، { ويعلم ما تفعلون } كائنا ما كان، من خير أو شر، حسبما تقتضيه مشيئته. { ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي: يستجيب لهم فحذف اللام كما في قوله: وإذا كالوهم [المطففين: 3] أي: يجيب دعوتهم، ويثيبهم على طاعتهم، أو: يستجيبون له بالطاعة إذا دعاهم إليها. قيل لإبراهيم بن أدهم: ما لنا ندعو فلا نجاب؟ قال: " لأنه دعاكم فلم تجيبوا ". { ويزيدهم من فضله } على ما سألوه، واستحقوه بموجب الوعد. { والكافرون لهم عذاب شديد } بدل ما للمؤمنين من الفضل العظيم والمزيد. الإشارة: قال الورتجبي: { أم يقولون افترى على الله كذبا } فيه تقديس كلامه، وطهارة نبيه صلى الله عليه وسلم عن الافتراء، وكيف يفتري وهو مصون من طريان الشك والريب والوساوس والهواجس على قلبه؟ وقال أيضا: عن الواسطي: إن يشأ الله يختم على قلبك لكن ما يشاء، ويمح الله الباطل بنفسه ونعته، حتى يعلم أنه لا حاجة له إلى أحد من خلقه، ثم يحقق الحق في قلوب أنشأها للحقيقة. قلت: في الآية تهديد لأهل الدعوى لأنهم إن داموا على دعواهم الخصوصية بلا خصوصية ختم الله على قلوبهم بالنفاق، ثم يمحو الله الباطل بأهل الحق والتحقيق، فتشرق حقائقهم على ما يقابلها من البال فتدمغه بإذن الله وقضائه وكلماته. وقوله تعالى: { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده... } الخ، لكل مقام توبة، ولكل رجال سيئات، فتوبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من العيوب، وتوبة خواص الخواص من الغيبة عن شهود علام الغيوب. وقوله تعالى: { ويعلم ما تفعلون } يشير إلى الحلم بعد العلم. وقوله تعالى: { ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي: في كل ما يتمنون، { ويزيدهم من فضله } النظر إلى وجهه، ويتفاوتون فيه على قدر توجههم، ومعرفتهم في الدنيا. وذكر في القوت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى: { ويزيدهم من فضله } قال: " يشفعهم في إخوانهم، فيدخلهم الجنة " ه. قال القشيري: ويقال: لما ذكر أن التائبين يقبل توبتهم، ومن لم يتب يعفو عن زلته، والمطيع يدخله الجنة، فلعله خطر ببال أحد: فهذه النار لمن هي؟ فقال { والكافرون لهم عذاب شديد } ، ولعله يخطر بالبال أن العصاة لا عذاب لهم، فقال: شديد بدليل الخطاب أنه ليس بشديد ه. ولما ذكر أن أهل الإيمان يستجيب لهم، ويزيدهم من فضله، يعني في الآخرة، وأما في الدنيا فإنما يعطيهم الكفاف، ذكر حكمة ذلك، فقال: { ولو بسط الله الرزق لعباده }.

الشورى 42:27

يقول الحق جل جلاله: { ولو بسط الله الرزق لعباده } أي: لو أغناهم جميعا { لبغوا في الأرض } أي: لتكبروا وأفسدوا فيها، بطرا، ولعلا بعضهم على بعض بالاستعلاء والاستيلاء، لأن الغنى مبطرة مفسدة، وكفى بحال قارون وفرعون عبرة. وأصل البغي: تجاوز الاقتصاد عما يجزي من حيث الكمية أو الكيفية. { ولكن ينزل بقدر } أي: بتقدير { ما يشاء } أن ينزله، مما تقضيه مشيئته. يقال: قدره وقدره قدرا وتقديرا { إنه بعباده خبير بصير } محيط بخفايا أمورهم وجلاياها، فيقدر لكل واحد منهم ما يليق بشأنه، فيفقر ويغني، ويعطى ويمنع، ويقبض ويبسط، حسبما تقتضيه الحكمة الربانية، ولو أغناهم جميعا لبغوا في الأرض، ولو أفقرهم لهلكوا، وما ترى من البسط على من يبغي، ومن البغي بدون البسط، فهو قليل، ولكن البغي مع الفقر أقل، ومع البسط أكثر وأغلب، فالحكمة لا تنافي بغي البعض بدفعه بالبعض الآخر، بخلاف بغي الجميع. ولولا دفع الله الناس... [الحج: 40] الآية. وقال شفيق بن إبراهيم: { لو بسط الله الرزق لعباده } أي: لو رزق الله العباد من غير كسب { لبغوا } طغوا وسعوا في الأرض بالفساد، ولكن شغلهم بالكسب والمعاش، رحمة منه. ه. أي: لئلا يتفرغوا للفساد، ومثله في التنوير. وقال شيخ شيوخنا الفاسي العارف: والظاهر حمل العباد على الخصوص المصطفين من المؤمنين، فإنهم يحمون من الطغيان وبسط الرزق لئلا يبغوا. ه. وقال قتادة: كان يقال: خير الرزق: ما لا يطغيك، ولا يلهيك، فذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها " ه. روي أن أهل الصفة تمنوا الغنى، فنزلت. وقيل: نزلت في العرب، كانوا إذا أخصبوا تحاربوا، وإذا جدبوا انتجعوا. ه. { وهو الذي ينزل الغيث } أي: المطر الذي يغيثهم من الجدب، ولذا خص بالنافع منه، فلا يقال للمطر الكثير: غيث، { من بعد ما قنطوا }: يئسوا منه. وتقييد تنزيله بذلك، مع نزوله بدونه أيضا لمزيد تذكر كمال النعمة. { وينشر رحمته } أي: بركات الغيث ومنافعه، وما يحصل به من الخصب في كل مكان، من السهل، والجبل، والنبات، والحيوان. أو: رحمته الواسعة المنتظمة لما ذكر وغيره. { وهو الولي } الذي يتولى عباده بالإحسان ونشر الرحمة، { الحميد } المستحق للحمد على ذلك، لا غيره. الإشارة: عادته تعالى مع أوليائه أن يعطيهم ما يكفيهم بعد الاضطرار، ويمنعهم منه فوق الكفاية لئلا يشغلهم بذلك عن حضرته، وفي الحديث: " إن الله يحمي عبده المؤمن أي: مما يضره الدنيا وغيرها كما يحمي الراعي الشفيق غنمه من مراتع الهلكة " وفي حديث آخر: " إذا أحب الله عبدا حماه الدنيا كما يحمي أحدكم سقيمه الماء " وروى ابن المبارك، عن سعيد بن المسيب قال: " جاء رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني يا رسول الله بجلساء الله يوم القيامة؟ فقال: هم الخائفون، الخاضعون، المتواضعون، الذاكرون كثيرا " فقال: يا رسول الله فهم أول الناس يدخلون الجنة؟ قال: " لا " قال: فمن أول الناس دخولا الجنة؟ قال: " الفقراء يسبقون الناس إلى الجنة، فيخرج إليهم ملائكة، فيقولون: ارجعوا إلى الحساب، فيقولون: علام نحاسب؟ والله ما أفيضت علينا الأموال فنفيض فيها، وما كنا أمراء نعدل ونجور، ولكنا جاءنا أمره فعبدنا حتى أتانا اليقين " ه. قوله: { وهو الذي ينزل الغيث... } الآية، كما ينزل غيث المطر على الأرض الميتة، ينزل أمطار الواردات الإلهية على القلوب الميتة، فتحيا بالذكر والمعرفة، بعد أن أيست من الخصوصية. قال القشيري: بعد كلام: وكذلك العبد إذا ذبل غصن وقته، وتكدر صفو وده وكسفت شمس أنسه، وبعد عن الحضرة وساحات القرب عهده، فربما ينظر إليه الحق نظر رحمة، فينزل على سره أمطار الرحمة، ويعود عوده طريا، وينبت في مشاهد أنسه وردا جنيا، وأنشدوا في المعنى: إن راعني منك الصدود فلعل أيامي تعود ولعل عهدك باللوى يحيا فقد تحيا العهود والغصن ييبس تارة وتراه مخضرا يميد وقوله تعالى: { وهو الولي } قال القشيري في شرح الأسماء: الولي هو المتولي لأحوال عباده، وقيل معناه: المناصر، فأولياء الله أنصار دينه، وأشياع طاعته، والولي في صفة العبد: هو من يواظب على طاعة ربه، ومن علامات من يكون الحق سبحانه وليه: أن يصونه ويكفيه في جميع الأحوال، ويؤمنه، فيغار على قلبه أن يتعلق بمخلوق في دفع شر أو جلب نفع، بل يكون سبحانه هو القائم على قلبه في كل نفس، فيحقق آماله عند إشارته، ويجعل مآربه عند خطراته. ومن أمارات ولايته لعبده: أن يديم توفيقه، حتى لو أراد سوءا، أو قصد محظورا، عصمه من ارتكابه. ثم قال: ومن أمارات ولايته: أن يرزقه مودة في قلوب أوليائه. ه. قلت: " جعل مآربه عند خطراته: ليس شرطا لأن هذا من باب الكرامة، ولا يشترط ظهورها عند المحققين. وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل، عن ربه عز وجل قال: " من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وإني لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي، وإني لأغضب لهم، كما يغضب الليث الحرد " انظر بقية الحديث في الثعلبي. ثم ذكر شواهد قدرته، فقال: { ومن آياته خلق السماوات والأرض }.

الشورى 42:28

يقول الحق جل جلاله: { ولو بسط الله الرزق لعباده } أي: لو أغناهم جميعا { لبغوا في الأرض } أي: لتكبروا وأفسدوا فيها، بطرا، ولعلا بعضهم على بعض بالاستعلاء والاستيلاء، لأن الغنى مبطرة مفسدة، وكفى بحال قارون وفرعون عبرة. وأصل البغي: تجاوز الاقتصاد عما يجزي من حيث الكمية أو الكيفية. { ولكن ينزل بقدر } أي: بتقدير { ما يشاء } أن ينزله، مما تقضيه مشيئته. يقال: قدره وقدره قدرا وتقديرا { إنه بعباده خبير بصير } محيط بخفايا أمورهم وجلاياها، فيقدر لكل واحد منهم ما يليق بشأنه، فيفقر ويغني، ويعطى ويمنع، ويقبض ويبسط، حسبما تقتضيه الحكمة الربانية، ولو أغناهم جميعا لبغوا في الأرض، ولو أفقرهم لهلكوا، وما ترى من البسط على من يبغي، ومن البغي بدون البسط، فهو قليل، ولكن البغي مع الفقر أقل، ومع البسط أكثر وأغلب، فالحكمة لا تنافي بغي البعض بدفعه بالبعض الآخر، بخلاف بغي الجميع. ولولا دفع الله الناس... [الحج: 40] الآية. وقال شفيق بن إبراهيم: { لو بسط الله الرزق لعباده } أي: لو رزق الله العباد من غير كسب { لبغوا } طغوا وسعوا في الأرض بالفساد، ولكن شغلهم بالكسب والمعاش، رحمة منه. ه. أي: لئلا يتفرغوا للفساد، ومثله في التنوير. وقال شيخ شيوخنا الفاسي العارف: والظاهر حمل العباد على الخصوص المصطفين من المؤمنين، فإنهم يحمون من الطغيان وبسط الرزق لئلا يبغوا. ه. وقال قتادة: كان يقال: خير الرزق: ما لا يطغيك، ولا يلهيك، فذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها " ه. روي أن أهل الصفة تمنوا الغنى، فنزلت. وقيل: نزلت في العرب، كانوا إذا أخصبوا تحاربوا، وإذا جدبوا انتجعوا. ه. { وهو الذي ينزل الغيث } أي: المطر الذي يغيثهم من الجدب، ولذا خص بالنافع منه، فلا يقال للمطر الكثير: غيث، { من بعد ما قنطوا }: يئسوا منه. وتقييد تنزيله بذلك، مع نزوله بدونه أيضا لمزيد تذكر كمال النعمة. { وينشر رحمته } أي: بركات الغيث ومنافعه، وما يحصل به من الخصب في كل مكان، من السهل، والجبل، والنبات، والحيوان. أو: رحمته الواسعة المنتظمة لما ذكر وغيره. { وهو الولي } الذي يتولى عباده بالإحسان ونشر الرحمة، { الحميد } المستحق للحمد على ذلك، لا غيره. الإشارة: عادته تعالى مع أوليائه أن يعطيهم ما يكفيهم بعد الاضطرار، ويمنعهم منه فوق الكفاية لئلا يشغلهم بذلك عن حضرته، وفي الحديث: " إن الله يحمي عبده المؤمن أي: مما يضره الدنيا وغيرها كما يحمي الراعي الشفيق غنمه من مراتع الهلكة " وفي حديث آخر: " إذا أحب الله عبدا حماه الدنيا كما يحمي أحدكم سقيمه الماء " وروى ابن المبارك، عن سعيد بن المسيب قال: " جاء رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني يا رسول الله بجلساء الله يوم القيامة؟ فقال: هم الخائفون، الخاضعون، المتواضعون، الذاكرون كثيرا " فقال: يا رسول الله فهم أول الناس يدخلون الجنة؟ قال: " لا " قال: فمن أول الناس دخولا الجنة؟ قال: " الفقراء يسبقون الناس إلى الجنة، فيخرج إليهم ملائكة، فيقولون: ارجعوا إلى الحساب، فيقولون: علام نحاسب؟ والله ما أفيضت علينا الأموال فنفيض فيها، وما كنا أمراء نعدل ونجور، ولكنا جاءنا أمره فعبدنا حتى أتانا اليقين " ه. قوله: { وهو الذي ينزل الغيث... } الآية، كما ينزل غيث المطر على الأرض الميتة، ينزل أمطار الواردات الإلهية على القلوب الميتة، فتحيا بالذكر والمعرفة، بعد أن أيست من الخصوصية. قال القشيري: بعد كلام: وكذلك العبد إذا ذبل غصن وقته، وتكدر صفو وده وكسفت شمس أنسه، وبعد عن الحضرة وساحات القرب عهده، فربما ينظر إليه الحق نظر رحمة، فينزل على سره أمطار الرحمة، ويعود عوده طريا، وينبت في مشاهد أنسه وردا جنيا، وأنشدوا في المعنى: إن راعني منك الصدود فلعل أيامي تعود ولعل عهدك باللوى يحيا فقد تحيا العهود والغصن ييبس تارة وتراه مخضرا يميد وقوله تعالى: { وهو الولي } قال القشيري في شرح الأسماء: الولي هو المتولي لأحوال عباده، وقيل معناه: المناصر، فأولياء الله أنصار دينه، وأشياع طاعته، والولي في صفة العبد: هو من يواظب على طاعة ربه، ومن علامات من يكون الحق سبحانه وليه: أن يصونه ويكفيه في جميع الأحوال، ويؤمنه، فيغار على قلبه أن يتعلق بمخلوق في دفع شر أو جلب نفع، بل يكون سبحانه هو القائم على قلبه في كل نفس، فيحقق آماله عند إشارته، ويجعل مآربه عند خطراته. ومن أمارات ولايته لعبده: أن يديم توفيقه، حتى لو أراد سوءا، أو قصد محظورا، عصمه من ارتكابه. ثم قال: ومن أمارات ولايته: أن يرزقه مودة في قلوب أوليائه. ه. قلت: " جعل مآربه عند خطراته: ليس شرطا لأن هذا من باب الكرامة، ولا يشترط ظهورها عند المحققين. وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل، عن ربه عز وجل قال: " من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وإني لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي، وإني لأغضب لهم، كما يغضب الليث الحرد " انظر بقية الحديث في الثعلبي. ثم ذكر شواهد قدرته، فقال: { ومن آياته خلق السماوات والأرض }.

الشورى 42:29

يقول الحق جل جلاله: { ومن آياته } الدالة على باهر قدرته ووحدانيته { خلق السماوات والأرض } على ما هما عليه من تعاجيب الصنعة، فإنها بذاتها وصفاتها تدل على شؤونه العظيمة، { وما بث } أي: فرق { فيهما من دابة } من حي على الإطلاق، فأطلق الدابة على مطلق الحيوان، ليدخل الملائكة. أو: ما يدب على الأرض، فإن ما يختص أحد الشيئين المجاورين يصح نسبته إليهما، كقوله تعالى: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان [الرحمن: 22] وإنما يخرج المرجان من الملح، ولا يبعد أن يخلق الله في السموات حيوانا يمشون مشي الأناسي على الأرض، أو: يكون للملائكة مشي مع الطيران، فوصفوا بالدبيب لذلك. { وهو على جمعهم } أي: حشرهم بعد البعث للحساب { إذا يشاء } أي: في الوقت الذي يشاء { قدير } لا يعجزه شيء. الإشارة: من تعرفاته: إظهار السموات والأرض، وهذه رسوم المعاني، وما بث فيهما من دابة، وهذه أشكال توضح أسرار المعاني، فإذا قبضت المعاني محيت الرسول والأشكال. وقوله تعالى: { وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } ، قال القشيري: الإشارة في هذا: أن الحق تعالى يغار على أوليائه أن يسكن بعضهم بقلبه إلى بعض، فأبدا يبدد شملهم، ولا يكاد تتفق الجماعة من أهل القلوب إلا نادرا، وذلك أيضا مدة يسيرة، كما أنشدوا: رمى الدهر بالفتيان حتى كأنهم بأكناف أطراف السماء نجوم وقد يتفضل تعالى باجتماعهم في الظاهر، وذلك وقت نظر الحق بفضله إلى العالم، وفي بركات اجتماعهم حياة العالم، وإذ كان قادرا فهو على جمعهم إذا يشاء قدير. ه. قلت: مما جرت به عادة الله تعالى في أوليائه: أنه لا يجتمع في موضع واحد منهم اثنان فأكثر إلا قام أحدهما بالآخر، ويفقد نظامهما، فلا تكاد تحد أهل النور القوي إلا متباعدي الأوطان، لئلا يطفي نور إحداهما نور الآخر، وقد يجتمعون نادرا في وقت مخصوص، وذلك وقت النفحات. كما تقدم للقشيري. ثم ذكر سبب نزول المصائب بعباده، فقال: { ومآ أصابكم من مصيبة }.

الشورى 42:30

يقول الحق جل جلاله: { وما أصابكم من مصيبة } غم، أو ألم، أو مكروه { بما كسبت أيديكم } أي: بجناية كسبتموها، عقوبة لكم. ومن قرأ بالفاء ف " ما " شرطية. ومن قرأ بغيرها فموصلة. وتعلق بهذه الآية من يقول بالتناسخ، ومعناه عندهم: أن أرواح المتقدمين حين تموت أشباحها تنتقل إلى أشباح أخر، فإن كانت صالحة انتقلت إلى جسم صالح وإن كانت خبيثة انتقلت إلى جسم خبيث، وهو باطل وكفر. ووجه التعلق: أنه لو لم يكن للأطفال حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة لما تألموا. ويجاب: بأن تألم الأطفال إما زيارة في درجات آبائهم إن عاشوا، أو في درجاتهم إن ماتوا لأنهم يلحقون بآبائهم في الدرجة، ولا عمل لهم إلا هذا التألم. والله أعلم. والآية مخصوصة بالمكلفين بدليل السياق وهو قوله: { ويعفو عن كثير } أي: من الذنوب فلا يعاقب عليها، أو: عن كثير من الناس، فلا يعاجلهم بالعقوبة. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا عنه فالله أحلم من أن يعود فيه بعد عفوه " وقال ابن عطاء: من لم يعلم أن ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه، وأن ما عفا عنه مولاه أكثر، كان قليل النظر في إحسان ربه إليه. وقال محمد بن حامد: العبد ملازم للجنايات في كل أوان، وجناياته في طاعته أكثر من جناياته في معاصيه لأن جناية المعصية من وجه، وجناية الطاعة من وجوه، والله يطهر العبد من جناياته بأنواع من المصائب ليخفف عنه أثقاله في القيامة، ولولا عفوه ورحمته لهلك في أول خطوة. وعن علي كرم الله وجهه : هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن لأن الكريم إذا عاقب مرة لا يعاقب ثانيا، وإذا عفا لا يعود. ه. وقد تقدم حديثا. قال في الحاشية الفاسية: قلت: وإنما يعفو في الدنيا عما يشاء، ويؤخر عقوبة من شاء إلى الآخرة، فلا يلزم إبطال وعيد الآخرة. ثم الآية إما خاصة بالحدود، أو بالمجرم المذنب، وأما من لا ذنب له فما يصيبه من البلاء اجتباء، وتخصيص، لا تمحيص. ه. قلت: لكل مقام ذنب، حسنات الأبرار سيئات المقربين، فالتمحيص جار في كل مقام، وراجع ما تقدم عند قوله: لقد تاب الله على النبى... [التوبة: 117] وسيأتي عند قوله: واستغفر لذنبك... [محمد: 19] ما يبين هذا. والله أعلم. { وما أنتم بمعجزين في الأرض } أي: ما أنتم بفائتين ما قضي عليكم من المصائب، وإن هجرتم في أقطارها كل مهرب، { وما لكم من دون الله من ولي } متول يحميكم منها { ولا نصير } يدفعها عنكم، أو يدفع عذابه إن حل. الإشارة: إذا كان العبد عند الله في عين العناية أدبه في الدنيا، ويبقى في حال قربه، وإذا كان عنده في عين الإهمال أمهل عقوبته إلى دار البقاء، وربما استدرجه بالنعم في حال إساءته، والعياذ بالله من مكره. وإذا علم العبد أن ما يصيبه في هذه الدار من الأكدار كلها تخليص وتمحيص لم يستوحش منها، بل يفرح بها إذ هي علامة العناية، وإذا كانت على أيدي الناس، لم يقابلهم بالانتصار، بل يعفو ويصفح لعلمه أن ذلك زيارة وترقية. وقوله تعالى: { ويعفو عن كثير } هذا والله أعلم في حق العامة، وأما الخاصة فيشدد عليهم المحاسبة والتأديب ليرفع مقامهم، ويكرم مثواهم. ثم ذكر برهانا آخر على قدرته تعالى، فقال: { ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام }.

الشورى 42:31

يقول الحق جل جلاله: { وما أصابكم من مصيبة } غم، أو ألم، أو مكروه { بما كسبت أيديكم } أي: بجناية كسبتموها، عقوبة لكم. ومن قرأ بالفاء ف " ما " شرطية. ومن قرأ بغيرها فموصلة. وتعلق بهذه الآية من يقول بالتناسخ، ومعناه عندهم: أن أرواح المتقدمين حين تموت أشباحها تنتقل إلى أشباح أخر، فإن كانت صالحة انتقلت إلى جسم صالح وإن كانت خبيثة انتقلت إلى جسم خبيث، وهو باطل وكفر. ووجه التعلق: أنه لو لم يكن للأطفال حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة لما تألموا. ويجاب: بأن تألم الأطفال إما زيارة في درجات آبائهم إن عاشوا، أو في درجاتهم إن ماتوا لأنهم يلحقون بآبائهم في الدرجة، ولا عمل لهم إلا هذا التألم. والله أعلم. والآية مخصوصة بالمكلفين بدليل السياق وهو قوله: { ويعفو عن كثير } أي: من الذنوب فلا يعاقب عليها، أو: عن كثير من الناس، فلا يعاجلهم بالعقوبة. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا عنه فالله أحلم من أن يعود فيه بعد عفوه " وقال ابن عطاء: من لم يعلم أن ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه، وأن ما عفا عنه مولاه أكثر، كان قليل النظر في إحسان ربه إليه. وقال محمد بن حامد: العبد ملازم للجنايات في كل أوان، وجناياته في طاعته أكثر من جناياته في معاصيه لأن جناية المعصية من وجه، وجناية الطاعة من وجوه، والله يطهر العبد من جناياته بأنواع من المصائب ليخفف عنه أثقاله في القيامة، ولولا عفوه ورحمته لهلك في أول خطوة. وعن علي كرم الله وجهه : هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن لأن الكريم إذا عاقب مرة لا يعاقب ثانيا، وإذا عفا لا يعود. ه. وقد تقدم حديثا. قال في الحاشية الفاسية: قلت: وإنما يعفو في الدنيا عما يشاء، ويؤخر عقوبة من شاء إلى الآخرة، فلا يلزم إبطال وعيد الآخرة. ثم الآية إما خاصة بالحدود، أو بالمجرم المذنب، وأما من لا ذنب له فما يصيبه من البلاء اجتباء، وتخصيص، لا تمحيص. ه. قلت: لكل مقام ذنب، حسنات الأبرار سيئات المقربين، فالتمحيص جار في كل مقام، وراجع ما تقدم عند قوله: لقد تاب الله على النبى... [التوبة: 117] وسيأتي عند قوله: واستغفر لذنبك... [محمد: 19] ما يبين هذا. والله أعلم. { وما أنتم بمعجزين في الأرض } أي: ما أنتم بفائتين ما قضي عليكم من المصائب، وإن هجرتم في أقطارها كل مهرب، { وما لكم من دون الله من ولي } متول يحميكم منها { ولا نصير } يدفعها عنكم، أو يدفع عذابه إن حل. الإشارة: إذا كان العبد عند الله في عين العناية أدبه في الدنيا، ويبقى في حال قربه، وإذا كان عنده في عين الإهمال أمهل عقوبته إلى دار البقاء، وربما استدرجه بالنعم في حال إساءته، والعياذ بالله من مكره. وإذا علم العبد أن ما يصيبه في هذه الدار من الأكدار كلها تخليص وتمحيص لم يستوحش منها، بل يفرح بها إذ هي علامة العناية، وإذا كانت على أيدي الناس، لم يقابلهم بالانتصار، بل يعفو ويصفح لعلمه أن ذلك زيارة وترقية. وقوله تعالى: { ويعفو عن كثير } هذا والله أعلم في حق العامة، وأما الخاصة فيشدد عليهم المحاسبة والتأديب ليرفع مقامهم، ويكرم مثواهم. ثم ذكر برهانا آخر على قدرته تعالى، فقال: { ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام }.

الشورى 42:32

يقول الحق جل جلاله: { ومن آياته } للدلالة على قدرته ووحدانيته { الجواري } السفن الجارية { في البحر كالأعلام } كالجبال { إن يشاء يسكن الرياح } التي تجريها. وقرىء بالإفراد. { فيظللن رواكد على ظهره } فيبقين ثوابت على ظهر البحر، أي: غير جاريات لا غير متحركات أصلا، { إن في ذلك لآيات } عظيمة في أنفسها، كثيرة في العدد، دلالة على باهر قدرته { لكل صبار شكور } لكل من حبس نفسه عن الهوى، وصرف همته إلى النظر في آلائه، أو: لكل صبار على بلائه، شكور لنعمائه، أي: لكل مؤمن كامل فإن الإيمان نصفان: نصف شكر، ونصف صبر لأن الإنسان لا يخلو من ضر يمسه، أو نفع يناله، فآداب الضر: الصبر، وآداب النفع: الشكر، وأيضا: راكب السفن ملزوم، إما للمشقة أو السلامة، فالصبر والشكر لا زمان له. ولم يعطف إحدى الصفتين على الأخرى لأنهما لموصوف واحد. { أو يوبقهن } أي: يهلكهن، عطف على قوله: { يسكن } أي: إن يشأ يسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها { بما كسبوا } من الذنوب. وإيقاع الإيباق عليهم مع أنه حال أهلهن للمبالغة والتهويل، { ويعف عن كثير } منها، فلا يجازي عليها، وإنما أدخل العفو في حكم الإيباق، حيث جزم جزمه لأن المعنى: أو إن يشأ يهلك وينج ناسا، على طريق العفو عنهم. وقرىء: " ويعفو " عن الاستئناف. { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا } أي: في إبطالها وردها { ما لهم من محيص } من مهرب من العذاب. والجملة معلقة بالنفي، ومن نصب " يعلم " عطفه على علة محذوفة، أي: لينتقم منهم وليعلم، كما في قوله: ولنجعله ءاية للناس [مريم: 21]. وقيل غير ذلك. ومن رفعه فعلى الاستئناف. وقرىء بالجزم، عطفا على: " يعف " ، فيكون المعنى: أو إن يشأ يجمع بين إهلاك قوم وإنجاء آخرين وتحذير قوم. الإشارة: ومن آياته الأفكار الجارية في بحر التوحيد، كالأعلام، أي: أصحابها كالجبال الرواسي، لا يهزهم شيء من الواردات ولا غيرها، إن يشأ يسكن رياح الواردات عن أسرارهم، فيبقين رواكد على ظهر بحر الأحدية، مستغرقين في شهود الذات العلية، أو يوبقهن بما كسبوا من سوء الأدب، فيغرقن في الزندقة أو الحلول والاتحاد، ويعف عن كثير، ويعلم الذين يطعنون في آياتنا الدالة علينا ما لهم من مهرب. ثم زهد في الدنيا لأنها العائقة للأفكار، عن الجري في بحار الاسرار، فقال: { فمآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا }.

الشورى 42:33

يقول الحق جل جلاله: { ومن آياته } للدلالة على قدرته ووحدانيته { الجواري } السفن الجارية { في البحر كالأعلام } كالجبال { إن يشاء يسكن الرياح } التي تجريها. وقرىء بالإفراد. { فيظللن رواكد على ظهره } فيبقين ثوابت على ظهر البحر، أي: غير جاريات لا غير متحركات أصلا، { إن في ذلك لآيات } عظيمة في أنفسها، كثيرة في العدد، دلالة على باهر قدرته { لكل صبار شكور } لكل من حبس نفسه عن الهوى، وصرف همته إلى النظر في آلائه، أو: لكل صبار على بلائه، شكور لنعمائه، أي: لكل مؤمن كامل فإن الإيمان نصفان: نصف شكر، ونصف صبر لأن الإنسان لا يخلو من ضر يمسه، أو نفع يناله، فآداب الضر: الصبر، وآداب النفع: الشكر، وأيضا: راكب السفن ملزوم، إما للمشقة أو السلامة، فالصبر والشكر لا زمان له. ولم يعطف إحدى الصفتين على الأخرى لأنهما لموصوف واحد. { أو يوبقهن } أي: يهلكهن، عطف على قوله: { يسكن } أي: إن يشأ يسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها { بما كسبوا } من الذنوب. وإيقاع الإيباق عليهم مع أنه حال أهلهن للمبالغة والتهويل، { ويعف عن كثير } منها، فلا يجازي عليها، وإنما أدخل العفو في حكم الإيباق، حيث جزم جزمه لأن المعنى: أو إن يشأ يهلك وينج ناسا، على طريق العفو عنهم. وقرىء: " ويعفو " عن الاستئناف. { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا } أي: في إبطالها وردها { ما لهم من محيص } من مهرب من العذاب. والجملة معلقة بالنفي، ومن نصب " يعلم " عطفه على علة محذوفة، أي: لينتقم منهم وليعلم، كما في قوله: ولنجعله ءاية للناس [مريم: 21]. وقيل غير ذلك. ومن رفعه فعلى الاستئناف. وقرىء بالجزم، عطفا على: " يعف " ، فيكون المعنى: أو إن يشأ يجمع بين إهلاك قوم وإنجاء آخرين وتحذير قوم. الإشارة: ومن آياته الأفكار الجارية في بحر التوحيد، كالأعلام، أي: أصحابها كالجبال الرواسي، لا يهزهم شيء من الواردات ولا غيرها، إن يشأ يسكن رياح الواردات عن أسرارهم، فيبقين رواكد على ظهر بحر الأحدية، مستغرقين في شهود الذات العلية، أو يوبقهن بما كسبوا من سوء الأدب، فيغرقن في الزندقة أو الحلول والاتحاد، ويعف عن كثير، ويعلم الذين يطعنون في آياتنا الدالة علينا ما لهم من مهرب. ثم زهد في الدنيا لأنها العائقة للأفكار، عن الجري في بحار الاسرار، فقال: { فمآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا }.

الشورى 42:34

يقول الحق جل جلاله: { ومن آياته } للدلالة على قدرته ووحدانيته { الجواري } السفن الجارية { في البحر كالأعلام } كالجبال { إن يشاء يسكن الرياح } التي تجريها. وقرىء بالإفراد. { فيظللن رواكد على ظهره } فيبقين ثوابت على ظهر البحر، أي: غير جاريات لا غير متحركات أصلا، { إن في ذلك لآيات } عظيمة في أنفسها، كثيرة في العدد، دلالة على باهر قدرته { لكل صبار شكور } لكل من حبس نفسه عن الهوى، وصرف همته إلى النظر في آلائه، أو: لكل صبار على بلائه، شكور لنعمائه، أي: لكل مؤمن كامل فإن الإيمان نصفان: نصف شكر، ونصف صبر لأن الإنسان لا يخلو من ضر يمسه، أو نفع يناله، فآداب الضر: الصبر، وآداب النفع: الشكر، وأيضا: راكب السفن ملزوم، إما للمشقة أو السلامة، فالصبر والشكر لا زمان له. ولم يعطف إحدى الصفتين على الأخرى لأنهما لموصوف واحد. { أو يوبقهن } أي: يهلكهن، عطف على قوله: { يسكن } أي: إن يشأ يسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها { بما كسبوا } من الذنوب. وإيقاع الإيباق عليهم مع أنه حال أهلهن للمبالغة والتهويل، { ويعف عن كثير } منها، فلا يجازي عليها، وإنما أدخل العفو في حكم الإيباق، حيث جزم جزمه لأن المعنى: أو إن يشأ يهلك وينج ناسا، على طريق العفو عنهم. وقرىء: " ويعفو " عن الاستئناف. { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا } أي: في إبطالها وردها { ما لهم من محيص } من مهرب من العذاب. والجملة معلقة بالنفي، ومن نصب " يعلم " عطفه على علة محذوفة، أي: لينتقم منهم وليعلم، كما في قوله: ولنجعله ءاية للناس [مريم: 21]. وقيل غير ذلك. ومن رفعه فعلى الاستئناف. وقرىء بالجزم، عطفا على: " يعف " ، فيكون المعنى: أو إن يشأ يجمع بين إهلاك قوم وإنجاء آخرين وتحذير قوم. الإشارة: ومن آياته الأفكار الجارية في بحر التوحيد، كالأعلام، أي: أصحابها كالجبال الرواسي، لا يهزهم شيء من الواردات ولا غيرها، إن يشأ يسكن رياح الواردات عن أسرارهم، فيبقين رواكد على ظهر بحر الأحدية، مستغرقين في شهود الذات العلية، أو يوبقهن بما كسبوا من سوء الأدب، فيغرقن في الزندقة أو الحلول والاتحاد، ويعف عن كثير، ويعلم الذين يطعنون في آياتنا الدالة علينا ما لهم من مهرب. ثم زهد في الدنيا لأنها العائقة للأفكار، عن الجري في بحار الاسرار، فقال: { فمآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا }.

الشورى 42:35

يقول الحق جل جلاله: { ومن آياته } للدلالة على قدرته ووحدانيته { الجواري } السفن الجارية { في البحر كالأعلام } كالجبال { إن يشاء يسكن الرياح } التي تجريها. وقرىء بالإفراد. { فيظللن رواكد على ظهره } فيبقين ثوابت على ظهر البحر، أي: غير جاريات لا غير متحركات أصلا، { إن في ذلك لآيات } عظيمة في أنفسها، كثيرة في العدد، دلالة على باهر قدرته { لكل صبار شكور } لكل من حبس نفسه عن الهوى، وصرف همته إلى النظر في آلائه، أو: لكل صبار على بلائه، شكور لنعمائه، أي: لكل مؤمن كامل فإن الإيمان نصفان: نصف شكر، ونصف صبر لأن الإنسان لا يخلو من ضر يمسه، أو نفع يناله، فآداب الضر: الصبر، وآداب النفع: الشكر، وأيضا: راكب السفن ملزوم، إما للمشقة أو السلامة، فالصبر والشكر لا زمان له. ولم يعطف إحدى الصفتين على الأخرى لأنهما لموصوف واحد. { أو يوبقهن } أي: يهلكهن، عطف على قوله: { يسكن } أي: إن يشأ يسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها { بما كسبوا } من الذنوب. وإيقاع الإيباق عليهم مع أنه حال أهلهن للمبالغة والتهويل، { ويعف عن كثير } منها، فلا يجازي عليها، وإنما أدخل العفو في حكم الإيباق، حيث جزم جزمه لأن المعنى: أو إن يشأ يهلك وينج ناسا، على طريق العفو عنهم. وقرىء: " ويعفو " عن الاستئناف. { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا } أي: في إبطالها وردها { ما لهم من محيص } من مهرب من العذاب. والجملة معلقة بالنفي، ومن نصب " يعلم " عطفه على علة محذوفة، أي: لينتقم منهم وليعلم، كما في قوله: ولنجعله ءاية للناس [مريم: 21]. وقيل غير ذلك. ومن رفعه فعلى الاستئناف. وقرىء بالجزم، عطفا على: " يعف " ، فيكون المعنى: أو إن يشأ يجمع بين إهلاك قوم وإنجاء آخرين وتحذير قوم. الإشارة: ومن آياته الأفكار الجارية في بحر التوحيد، كالأعلام، أي: أصحابها كالجبال الرواسي، لا يهزهم شيء من الواردات ولا غيرها، إن يشأ يسكن رياح الواردات عن أسرارهم، فيبقين رواكد على ظهر بحر الأحدية، مستغرقين في شهود الذات العلية، أو يوبقهن بما كسبوا من سوء الأدب، فيغرقن في الزندقة أو الحلول والاتحاد، ويعف عن كثير، ويعلم الذين يطعنون في آياتنا الدالة علينا ما لهم من مهرب. ثم زهد في الدنيا لأنها العائقة للأفكار، عن الجري في بحار الاسرار، فقال: { فمآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا }.

الشورى 42:36

يقول الحق جل جلاله: { فما أوتيتم من شيء } مما ترجون وتتنافسون فيه { فمتاع الحياة الدنيا } أي: فهو متاعها، تتمتعون به مدة حياتكم، ثم يفنى، { وما عند الله } من ثواب الآخرة { خير } ذاتا لخلوص نفعه، { وأبقى } زمانا لدوام بقائه. { للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } ، و " ما " الأولى ضمنت معنى الشرط، فدخلت في جوابها الفاء، بخلاف الثانية. وعن علي رضي الله عنه: أن أبا بكر رضي الله عنه تصدق بماله كله، فلامه الناس، فنزلت الآية. ثم قال تعالى: { والذين يجتنبون كبائر الإثم } أي: الكبائر من هذا الجنس. وقرأ الأخوان: " كبير الإثم ". قال ابن عباس: هو الشرك، { و } يجتنبون { الفواحش } وهي ما عظم قبحها، كالزنى ونحوه، { وإذا ما غضبوا } من أمر دنياهم { هم يغفرون } أي: هم الإخصاء بالغفران في حال الغضب، فيحملون، ويتجاوزون. وفي الحديث: " من كظم غيظه في الدنيا رد الله عنه غضبه يوم القيامة ". { والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة } أتقنوا الصلوات الخمس، { وأمرهم شورى بينهم } أي: ذو شورى، يعني: لا ينفردون برأيهم حتى يجتمعون عليه. وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم. والشورى: مصدر، كالفتيا، بمعنى التشاور. { ومما رزقناهم ينفقون } يتصدقون. { والذين إذا أصابهم البغي } الظلم { هم ينتصرون } ينتقمون ممن ظلمهم، أي: يقتصرون في الانتصار على ما حد لهم، ولا يعتدون، وكانوا يكرهو أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم الفساق، فإذا قدروا عفوا، وإنما حمدوا على الانتصار لأن من انتصر، وأخذ حقه، ولم يجاوز في ذلك حد الله، فلم يسرف في القتل، إن كان ولي دم، فهو مطيع لله. وقال ابن العربي: قوله: { والذين إذا أصابهم البغي... } الآية ذكر الانتصار في معرض المدح، ثم ذكر العفو في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالين، أحدهما: أن يكون الباغي معلنا بالفجور وقحا في الجمهور، ومؤذيا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، وفي مثله قال إبراهيم النخعي: يكره للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم، فيجترىء عليهم الفساق. وإما أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة، ويسأل المغفرة، فالعفو ها هنا أفضل، وفي مثله نزل: وأن تعفوا أقرب للتقوى [البقرة: 277]، وليعفوا وليصفحوا [النور: 22] الآية. ه. ثم بين حد الانتصار، فقال: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } فالأولى سيئة حقيقة، والثانية مجازا للمشاكلة، وفي تسميتها سيئة نكتة، وهي الإشارة إلى أن العفو أولى، والأخذ بالقصاص سيئة بالنسبة إلى العفو، ولذلك عقبه بقوله: { فمن عفا وأصلح } بينه وبين خصمه بالتجاوز والإغضاء { فأجره على الله } ، وهي عدة مبهمة لا يقادر قدرها، { إنه لا يحب الظالمين } الذين يبدؤون بالظلم، أو: يتجاوزون حد الانتصار. وفي الحديث: " ينادي مناد يوم القيامة: من كان له أجر على الله فليقم، فلا يقوم إلا من عفا ". { ولمن انتصر بعد ظلمه } أي: أخذ حقه بعدما ظلم على إضافة المصدر إلى المفعول { فأولئك } جمع الإشارة مراعاة لمعنى " من " { ما عليهم من سبيل } للمعاقب ولا للمعاتب { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } يبتدئونهم بالظلم، { ويبغون في الأرض } يتكبرون فيها، ويعلون، ويفسدون { بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم } بسبب بغيهم وظلمهم. وفسر السبيل بالتبعة والحجة. { ولمن صبر } على الظلم والأذى، { وغفر } ولم ينتصر، أو: ولمن صبر على البلاء من غير شكوى، وغفر بالتجاوز عن الخصم، ولا يبقي لنفسه عليه دعوى، بل يبري خصمه من جهته من كل دعوى في الدنيا، والعقبى، { إن ذلك لمن عزم الأمور } أي: إن ذلك الصبر والغفران منه لمن عزم الأمور، أي: من الأمور التي ندب إليها، وعزم على فعلها، أو: مما ينبغي للعاقل أن يوجبه على نفسه، ولا يترخص في تركه. وحذف الراجع أي: منه كما حذف في قولهم: السمن منوان بدرهم. وقال أبو سعيد القرشي: الصبر على المكاره من علامات الانتباه، فمن صبر على مكروه أصابه، ولم يجزع، أورثه الله تعالى حال الرضا، وهو أصل الأحوال ومن جزع من المصيبات، وشكى، وكله إلى نفسه، ثم لم تنفعه شكواه. ه. وانظر تحصيل الآية في الإشارة، إن شاء الله. قال ابن جزي: ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لأنه بدأ أولا بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر، ثم صفات عثمان، ثم صفات علي بن أبي طالب، فأما صفات أبي بكر، فقوله: { الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } وإنما جعلنا هذه صفات أبي بكر، وإن كان جميعهم متصفا بها، لأن أبا بكر كانت له مزية فيها لم تكن لغيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا مدينة الإيمان، وأبو بكر بابها " وقال أبو بكر: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ". والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان. وأما صفات عمر: فقوله: { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } لأن ذلك هو التقوى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا مدينة التقوى وعمر بابها " ، وقوله: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ، وقوله: { قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } نزلت في عمر. وأما صفات عثمان فقوله: { والذين استجابوا لربهم } لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت: أمن هو قانت ءانآء الليل ساجدا... [الزمر: 9] الآية. وروي أنه كان يحيي الليل بركعة، يقرأ فيها القرآن كله. وقوله: { وأمرهم شورى بينهم } لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى، وقوله: { ومما رزقناهم ينفقون } لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله، ويكفيك أنه جهز جيش العسرة. وأما صفات علي فقوله: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } لأنه لما قاتلته الفئة الباغية قاتلها، انتصارا للحق، وانظر كيف سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلين لعلي الفئة الباغية، حسبما ورد في الحديث الصحيح، أنه قال لعمار: " ويح عمار، تقتله الفئة الباغية " وذلك هو البغي الذي أصابه، وقوله: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } إشارة إلى فعل الحسن بن علي، حين بايع معاوية، وأسقط حق نفسه، ليصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن: " إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " وقوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت أخيه، وطلبه للخلافة، وانتصاره من بني أمية. وقوله: { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } إشارة إلى بني أمية، فإنهم استطالوا على الناس، كما في الحديث: " إنهم جعلوا عباد الله خولا، ومال الله دولا " ، فيكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب على منابرهم، وقوله: { ولمن صبر وغفر } إشارة إلى صبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما نالهم من الضر والذل، طول مدة بني أمية. ه. الإشارة: قوله تعالى: { فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا } أي: وينقص من درجاتكم في الآخرة بقدر ما تمتعتم به، كما في الخبر، ولذلك زهد فيه بقوله: { وما عند الله خير وأبقى... } الآية، أي: وما عند الله من الثواب الموعود خير من هذا القليل الموجود. { والذين يجتنبون كبائر الإثم } هي أمراض القلوب، كالحسد والكبر والرياء وغيرها، { والفواحش } هي معاصي الجوارح كالزنا وغيره. وقوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } لم يقل الحق تعالى: والذين لم يغضبوا لأن الغضب وصف بشري، لا ينفك عنه مخلوق، فالمطلوب المجاهدة في دفعه، ورد ما ينشأ عنه، لا زواله من أصله، فعدم وجوده في البشر أصلا نقص، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه: " من استغضب ولم يغضب فهو حمار " فالشرف هو كظمه بعد ظهوره، لا زواله بالكلية. وقوله تعالى: { والذين استجابوا لربهم } قال القشيري: المستجيب لربه هو الذي لا يبقى له نفس إلا على موافقة رضاه، ولا يبقى لهم منه بقية، { وأمرهم شورى بينهم } أي: لا يستبد أحدهم برأي، ويتهم رأيه وأمره، ثم إذا أراد القطع توكل على الله. ه. وحاصل ما اشتملت عليه الآية في رد الغضب: أربع مقامات: الأول: قوم من شأنهم الغفران مطلقا، قدروا أو عجزوا، لا يتحركون في الانتصار قط، وهو قوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون }. والثاني: قوم قادرون على إنفاذ الغضب، فتحركوا في الانتصار، ثم عفوا بعد الاقتدار، وهذا قوله: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } ، ثم قال: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله }. والثالث: قوم قدروا وانتصروا، وأخذوا حقهم، لكن وقفوا عند ما حد لهم، وهو قوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه... } الآية. والرابع: قوم ظلموا، فعفوا، وزادوا الإحسان إلى من أساء إليهم، والدعاء له بالمغفرة، حتى يصير مرحوما بهم، وهي رتبة الصديقية، أن ينتفع بهم أعداؤهم، وهو قوله تعالى: { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } ، ولذلك جعل الله هذا القسم من عزم الأمور. وعند الصوفية: ثلاث طبقات: العامة ينتصرون، والخاصة لا ينتصرون، لكن يرفعون أمرهم إلى الله في أخذ حقهم من ظالمهم، وخاصة الخاصة يحسنون لمن أساء إليهم، كما تقدم. وقال القشيري: { والذين إذا أصابهم البغي } وهو الظلم، ينتصرون لعلمهم أن الظلم أصابهم من قبل أنفسهم، فينتصرون من الظالم، وهو النفس، ويكبحون عنانها من الركض في ميدان المخالفة. ثم قال: قوله: { ولمن انتصر... } الآية، علم الله أن من عباده من لا يجد الحرية من أحكام النفس، ولا يستمكن من محاسن الخلق، فرخص لهم في المكافأة على سبيل العدل والقسط، وإن كان الأولى بهم الصفح والعفو. ه. ثم ذكر وبال الظلم وعقوبته، فقال: { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده }.

الشورى 42:37

يقول الحق جل جلاله: { فما أوتيتم من شيء } مما ترجون وتتنافسون فيه { فمتاع الحياة الدنيا } أي: فهو متاعها، تتمتعون به مدة حياتكم، ثم يفنى، { وما عند الله } من ثواب الآخرة { خير } ذاتا لخلوص نفعه، { وأبقى } زمانا لدوام بقائه. { للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } ، و " ما " الأولى ضمنت معنى الشرط، فدخلت في جوابها الفاء، بخلاف الثانية. وعن علي رضي الله عنه: أن أبا بكر رضي الله عنه تصدق بماله كله، فلامه الناس، فنزلت الآية. ثم قال تعالى: { والذين يجتنبون كبائر الإثم } أي: الكبائر من هذا الجنس. وقرأ الأخوان: " كبير الإثم ". قال ابن عباس: هو الشرك، { و } يجتنبون { الفواحش } وهي ما عظم قبحها، كالزنى ونحوه، { وإذا ما غضبوا } من أمر دنياهم { هم يغفرون } أي: هم الإخصاء بالغفران في حال الغضب، فيحملون، ويتجاوزون. وفي الحديث: " من كظم غيظه في الدنيا رد الله عنه غضبه يوم القيامة ". { والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة } أتقنوا الصلوات الخمس، { وأمرهم شورى بينهم } أي: ذو شورى، يعني: لا ينفردون برأيهم حتى يجتمعون عليه. وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم. والشورى: مصدر، كالفتيا، بمعنى التشاور. { ومما رزقناهم ينفقون } يتصدقون. { والذين إذا أصابهم البغي } الظلم { هم ينتصرون } ينتقمون ممن ظلمهم، أي: يقتصرون في الانتصار على ما حد لهم، ولا يعتدون، وكانوا يكرهو أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم الفساق، فإذا قدروا عفوا، وإنما حمدوا على الانتصار لأن من انتصر، وأخذ حقه، ولم يجاوز في ذلك حد الله، فلم يسرف في القتل، إن كان ولي دم، فهو مطيع لله. وقال ابن العربي: قوله: { والذين إذا أصابهم البغي... } الآية ذكر الانتصار في معرض المدح، ثم ذكر العفو في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالين، أحدهما: أن يكون الباغي معلنا بالفجور وقحا في الجمهور، ومؤذيا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، وفي مثله قال إبراهيم النخعي: يكره للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم، فيجترىء عليهم الفساق. وإما أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة، ويسأل المغفرة، فالعفو ها هنا أفضل، وفي مثله نزل: وأن تعفوا أقرب للتقوى [البقرة: 277]، وليعفوا وليصفحوا [النور: 22] الآية. ه. ثم بين حد الانتصار، فقال: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } فالأولى سيئة حقيقة، والثانية مجازا للمشاكلة، وفي تسميتها سيئة نكتة، وهي الإشارة إلى أن العفو أولى، والأخذ بالقصاص سيئة بالنسبة إلى العفو، ولذلك عقبه بقوله: { فمن عفا وأصلح } بينه وبين خصمه بالتجاوز والإغضاء { فأجره على الله } ، وهي عدة مبهمة لا يقادر قدرها، { إنه لا يحب الظالمين } الذين يبدؤون بالظلم، أو: يتجاوزون حد الانتصار. وفي الحديث: " ينادي مناد يوم القيامة: من كان له أجر على الله فليقم، فلا يقوم إلا من عفا ". { ولمن انتصر بعد ظلمه } أي: أخذ حقه بعدما ظلم على إضافة المصدر إلى المفعول { فأولئك } جمع الإشارة مراعاة لمعنى " من " { ما عليهم من سبيل } للمعاقب ولا للمعاتب { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } يبتدئونهم بالظلم، { ويبغون في الأرض } يتكبرون فيها، ويعلون، ويفسدون { بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم } بسبب بغيهم وظلمهم. وفسر السبيل بالتبعة والحجة. { ولمن صبر } على الظلم والأذى، { وغفر } ولم ينتصر، أو: ولمن صبر على البلاء من غير شكوى، وغفر بالتجاوز عن الخصم، ولا يبقي لنفسه عليه دعوى، بل يبري خصمه من جهته من كل دعوى في الدنيا، والعقبى، { إن ذلك لمن عزم الأمور } أي: إن ذلك الصبر والغفران منه لمن عزم الأمور، أي: من الأمور التي ندب إليها، وعزم على فعلها، أو: مما ينبغي للعاقل أن يوجبه على نفسه، ولا يترخص في تركه. وحذف الراجع أي: منه كما حذف في قولهم: السمن منوان بدرهم. وقال أبو سعيد القرشي: الصبر على المكاره من علامات الانتباه، فمن صبر على مكروه أصابه، ولم يجزع، أورثه الله تعالى حال الرضا، وهو أصل الأحوال ومن جزع من المصيبات، وشكى، وكله إلى نفسه، ثم لم تنفعه شكواه. ه. وانظر تحصيل الآية في الإشارة، إن شاء الله. قال ابن جزي: ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لأنه بدأ أولا بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر، ثم صفات عثمان، ثم صفات علي بن أبي طالب، فأما صفات أبي بكر، فقوله: { الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } وإنما جعلنا هذه صفات أبي بكر، وإن كان جميعهم متصفا بها، لأن أبا بكر كانت له مزية فيها لم تكن لغيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا مدينة الإيمان، وأبو بكر بابها " وقال أبو بكر: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ". والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان. وأما صفات عمر: فقوله: { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } لأن ذلك هو التقوى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا مدينة التقوى وعمر بابها " ، وقوله: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ، وقوله: { قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } نزلت في عمر. وأما صفات عثمان فقوله: { والذين استجابوا لربهم } لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت: أمن هو قانت ءانآء الليل ساجدا... [الزمر: 9] الآية. وروي أنه كان يحيي الليل بركعة، يقرأ فيها القرآن كله. وقوله: { وأمرهم شورى بينهم } لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى، وقوله: { ومما رزقناهم ينفقون } لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله، ويكفيك أنه جهز جيش العسرة. وأما صفات علي فقوله: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } لأنه لما قاتلته الفئة الباغية قاتلها، انتصارا للحق، وانظر كيف سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلين لعلي الفئة الباغية، حسبما ورد في الحديث الصحيح، أنه قال لعمار: " ويح عمار، تقتله الفئة الباغية " وذلك هو البغي الذي أصابه، وقوله: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } إشارة إلى فعل الحسن بن علي، حين بايع معاوية، وأسقط حق نفسه، ليصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن: " إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " وقوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت أخيه، وطلبه للخلافة، وانتصاره من بني أمية. وقوله: { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } إشارة إلى بني أمية، فإنهم استطالوا على الناس، كما في الحديث: " إنهم جعلوا عباد الله خولا، ومال الله دولا " ، فيكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب على منابرهم، وقوله: { ولمن صبر وغفر } إشارة إلى صبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما نالهم من الضر والذل، طول مدة بني أمية. ه. الإشارة: قوله تعالى: { فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا } أي: وينقص من درجاتكم في الآخرة بقدر ما تمتعتم به، كما في الخبر، ولذلك زهد فيه بقوله: { وما عند الله خير وأبقى... } الآية، أي: وما عند الله من الثواب الموعود خير من هذا القليل الموجود. { والذين يجتنبون كبائر الإثم } هي أمراض القلوب، كالحسد والكبر والرياء وغيرها، { والفواحش } هي معاصي الجوارح كالزنا وغيره. وقوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } لم يقل الحق تعالى: والذين لم يغضبوا لأن الغضب وصف بشري، لا ينفك عنه مخلوق، فالمطلوب المجاهدة في دفعه، ورد ما ينشأ عنه، لا زواله من أصله، فعدم وجوده في البشر أصلا نقص، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه: " من استغضب ولم يغضب فهو حمار " فالشرف هو كظمه بعد ظهوره، لا زواله بالكلية. وقوله تعالى: { والذين استجابوا لربهم } قال القشيري: المستجيب لربه هو الذي لا يبقى له نفس إلا على موافقة رضاه، ولا يبقى لهم منه بقية، { وأمرهم شورى بينهم } أي: لا يستبد أحدهم برأي، ويتهم رأيه وأمره، ثم إذا أراد القطع توكل على الله. ه. وحاصل ما اشتملت عليه الآية في رد الغضب: أربع مقامات: الأول: قوم من شأنهم الغفران مطلقا، قدروا أو عجزوا، لا يتحركون في الانتصار قط، وهو قوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون }. والثاني: قوم قادرون على إنفاذ الغضب، فتحركوا في الانتصار، ثم عفوا بعد الاقتدار، وهذا قوله: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } ، ثم قال: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله }. والثالث: قوم قدروا وانتصروا، وأخذوا حقهم، لكن وقفوا عند ما حد لهم، وهو قوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه... } الآية. والرابع: قوم ظلموا، فعفوا، وزادوا الإحسان إلى من أساء إليهم، والدعاء له بالمغفرة، حتى يصير مرحوما بهم، وهي رتبة الصديقية، أن ينتفع بهم أعداؤهم، وهو قوله تعالى: { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } ، ولذلك جعل الله هذا القسم من عزم الأمور. وعند الصوفية: ثلاث طبقات: العامة ينتصرون، والخاصة لا ينتصرون، لكن يرفعون أمرهم إلى الله في أخذ حقهم من ظالمهم، وخاصة الخاصة يحسنون لمن أساء إليهم، كما تقدم. وقال القشيري: { والذين إذا أصابهم البغي } وهو الظلم، ينتصرون لعلمهم أن الظلم أصابهم من قبل أنفسهم، فينتصرون من الظالم، وهو النفس، ويكبحون عنانها من الركض في ميدان المخالفة. ثم قال: قوله: { ولمن انتصر... } الآية، علم الله أن من عباده من لا يجد الحرية من أحكام النفس، ولا يستمكن من محاسن الخلق، فرخص لهم في المكافأة على سبيل العدل والقسط، وإن كان الأولى بهم الصفح والعفو. ه. ثم ذكر وبال الظلم وعقوبته، فقال: { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده }.

الشورى 42:38

يقول الحق جل جلاله: { فما أوتيتم من شيء } مما ترجون وتتنافسون فيه { فمتاع الحياة الدنيا } أي: فهو متاعها، تتمتعون به مدة حياتكم، ثم يفنى، { وما عند الله } من ثواب الآخرة { خير } ذاتا لخلوص نفعه، { وأبقى } زمانا لدوام بقائه. { للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } ، و " ما " الأولى ضمنت معنى الشرط، فدخلت في جوابها الفاء، بخلاف الثانية. وعن علي رضي الله عنه: أن أبا بكر رضي الله عنه تصدق بماله كله، فلامه الناس، فنزلت الآية. ثم قال تعالى: { والذين يجتنبون كبائر الإثم } أي: الكبائر من هذا الجنس. وقرأ الأخوان: " كبير الإثم ". قال ابن عباس: هو الشرك، { و } يجتنبون { الفواحش } وهي ما عظم قبحها، كالزنى ونحوه، { وإذا ما غضبوا } من أمر دنياهم { هم يغفرون } أي: هم الإخصاء بالغفران في حال الغضب، فيحملون، ويتجاوزون. وفي الحديث: " من كظم غيظه في الدنيا رد الله عنه غضبه يوم القيامة ". { والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة } أتقنوا الصلوات الخمس، { وأمرهم شورى بينهم } أي: ذو شورى، يعني: لا ينفردون برأيهم حتى يجتمعون عليه. وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم. والشورى: مصدر، كالفتيا، بمعنى التشاور. { ومما رزقناهم ينفقون } يتصدقون. { والذين إذا أصابهم البغي } الظلم { هم ينتصرون } ينتقمون ممن ظلمهم، أي: يقتصرون في الانتصار على ما حد لهم، ولا يعتدون، وكانوا يكرهو أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم الفساق، فإذا قدروا عفوا، وإنما حمدوا على الانتصار لأن من انتصر، وأخذ حقه، ولم يجاوز في ذلك حد الله، فلم يسرف في القتل، إن كان ولي دم، فهو مطيع لله. وقال ابن العربي: قوله: { والذين إذا أصابهم البغي... } الآية ذكر الانتصار في معرض المدح، ثم ذكر العفو في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالين، أحدهما: أن يكون الباغي معلنا بالفجور وقحا في الجمهور، ومؤذيا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، وفي مثله قال إبراهيم النخعي: يكره للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم، فيجترىء عليهم الفساق. وإما أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة، ويسأل المغفرة، فالعفو ها هنا أفضل، وفي مثله نزل: وأن تعفوا أقرب للتقوى [البقرة: 277]، وليعفوا وليصفحوا [النور: 22] الآية. ه. ثم بين حد الانتصار، فقال: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } فالأولى سيئة حقيقة، والثانية مجازا للمشاكلة، وفي تسميتها سيئة نكتة، وهي الإشارة إلى أن العفو أولى، والأخذ بالقصاص سيئة بالنسبة إلى العفو، ولذلك عقبه بقوله: { فمن عفا وأصلح } بينه وبين خصمه بالتجاوز والإغضاء { فأجره على الله } ، وهي عدة مبهمة لا يقادر قدرها، { إنه لا يحب الظالمين } الذين يبدؤون بالظلم، أو: يتجاوزون حد الانتصار. وفي الحديث: " ينادي مناد يوم القيامة: من كان له أجر على الله فليقم، فلا يقوم إلا من عفا ". { ولمن انتصر بعد ظلمه } أي: أخذ حقه بعدما ظلم على إضافة المصدر إلى المفعول { فأولئك } جمع الإشارة مراعاة لمعنى " من " { ما عليهم من سبيل } للمعاقب ولا للمعاتب { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } يبتدئونهم بالظلم، { ويبغون في الأرض } يتكبرون فيها، ويعلون، ويفسدون { بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم } بسبب بغيهم وظلمهم. وفسر السبيل بالتبعة والحجة. { ولمن صبر } على الظلم والأذى، { وغفر } ولم ينتصر، أو: ولمن صبر على البلاء من غير شكوى، وغفر بالتجاوز عن الخصم، ولا يبقي لنفسه عليه دعوى، بل يبري خصمه من جهته من كل دعوى في الدنيا، والعقبى، { إن ذلك لمن عزم الأمور } أي: إن ذلك الصبر والغفران منه لمن عزم الأمور، أي: من الأمور التي ندب إليها، وعزم على فعلها، أو: مما ينبغي للعاقل أن يوجبه على نفسه، ولا يترخص في تركه. وحذف الراجع أي: منه كما حذف في قولهم: السمن منوان بدرهم. وقال أبو سعيد القرشي: الصبر على المكاره من علامات الانتباه، فمن صبر على مكروه أصابه، ولم يجزع، أورثه الله تعالى حال الرضا، وهو أصل الأحوال ومن جزع من المصيبات، وشكى، وكله إلى نفسه، ثم لم تنفعه شكواه. ه. وانظر تحصيل الآية في الإشارة، إن شاء الله. قال ابن جزي: ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لأنه بدأ أولا بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر، ثم صفات عثمان، ثم صفات علي بن أبي طالب، فأما صفات أبي بكر، فقوله: { الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } وإنما جعلنا هذه صفات أبي بكر، وإن كان جميعهم متصفا بها، لأن أبا بكر كانت له مزية فيها لم تكن لغيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا مدينة الإيمان، وأبو بكر بابها " وقال أبو بكر: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ". والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان. وأما صفات عمر: فقوله: { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } لأن ذلك هو التقوى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا مدينة التقوى وعمر بابها " ، وقوله: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ، وقوله: { قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } نزلت في عمر. وأما صفات عثمان فقوله: { والذين استجابوا لربهم } لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت: أمن هو قانت ءانآء الليل ساجدا... [الزمر: 9] الآية. وروي أنه كان يحيي الليل بركعة، يقرأ فيها القرآن كله. وقوله: { وأمرهم شورى بينهم } لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى، وقوله: { ومما رزقناهم ينفقون } لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله، ويكفيك أنه جهز جيش العسرة. وأما صفات علي فقوله: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } لأنه لما قاتلته الفئة الباغية قاتلها، انتصارا للحق، وانظر كيف سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلين لعلي الفئة الباغية، حسبما ورد في الحديث الصحيح، أنه قال لعمار: " ويح عمار، تقتله الفئة الباغية " وذلك هو البغي الذي أصابه، وقوله: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } إشارة إلى فعل الحسن بن علي، حين بايع معاوية، وأسقط حق نفسه، ليصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن: " إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " وقوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت أخيه، وطلبه للخلافة، وانتصاره من بني أمية. وقوله: { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } إشارة إلى بني أمية، فإنهم استطالوا على الناس، كما في الحديث: " إنهم جعلوا عباد الله خولا، ومال الله دولا " ، فيكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب على منابرهم، وقوله: { ولمن صبر وغفر } إشارة إلى صبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما نالهم من الضر والذل، طول مدة بني أمية. ه. الإشارة: قوله تعالى: { فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا } أي: وينقص من درجاتكم في الآخرة بقدر ما تمتعتم به، كما في الخبر، ولذلك زهد فيه بقوله: { وما عند الله خير وأبقى... } الآية، أي: وما عند الله من الثواب الموعود خير من هذا القليل الموجود. { والذين يجتنبون كبائر الإثم } هي أمراض القلوب، كالحسد والكبر والرياء وغيرها، { والفواحش } هي معاصي الجوارح كالزنا وغيره. وقوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } لم يقل الحق تعالى: والذين لم يغضبوا لأن الغضب وصف بشري، لا ينفك عنه مخلوق، فالمطلوب المجاهدة في دفعه، ورد ما ينشأ عنه، لا زواله من أصله، فعدم وجوده في البشر أصلا نقص، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه: " من استغضب ولم يغضب فهو حمار " فالشرف هو كظمه بعد ظهوره، لا زواله بالكلية. وقوله تعالى: { والذين استجابوا لربهم } قال القشيري: المستجيب لربه هو الذي لا يبقى له نفس إلا على موافقة رضاه، ولا يبقى لهم منه بقية، { وأمرهم شورى بينهم } أي: لا يستبد أحدهم برأي، ويتهم رأيه وأمره، ثم إذا أراد القطع توكل على الله. ه. وحاصل ما اشتملت عليه الآية في رد الغضب: أربع مقامات: الأول: قوم من شأنهم الغفران مطلقا، قدروا أو عجزوا، لا يتحركون في الانتصار قط، وهو قوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون }. والثاني: قوم قادرون على إنفاذ الغضب، فتحركوا في الانتصار، ثم عفوا بعد الاقتدار، وهذا قوله: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } ، ثم قال: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله }. والثالث: قوم قدروا وانتصروا، وأخذوا حقهم، لكن وقفوا عند ما حد لهم، وهو قوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه... } الآية. والرابع: قوم ظلموا، فعفوا، وزادوا الإحسان إلى من أساء إليهم، والدعاء له بالمغفرة، حتى يصير مرحوما بهم، وهي رتبة الصديقية، أن ينتفع بهم أعداؤهم، وهو قوله تعالى: { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } ، ولذلك جعل الله هذا القسم من عزم الأمور. وعند الصوفية: ثلاث طبقات: العامة ينتصرون، والخاصة لا ينتصرون، لكن يرفعون أمرهم إلى الله في أخذ حقهم من ظالمهم، وخاصة الخاصة يحسنون لمن أساء إليهم، كما تقدم. وقال القشيري: { والذين إذا أصابهم البغي } وهو الظلم، ينتصرون لعلمهم أن الظلم أصابهم من قبل أنفسهم، فينتصرون من الظالم، وهو النفس، ويكبحون عنانها من الركض في ميدان المخالفة. ثم قال: قوله: { ولمن انتصر... } الآية، علم الله أن من عباده من لا يجد الحرية من أحكام النفس، ولا يستمكن من محاسن الخلق، فرخص لهم في المكافأة على سبيل العدل والقسط، وإن كان الأولى بهم الصفح والعفو. ه. ثم ذكر وبال الظلم وعقوبته، فقال: { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده }.

الشورى 42:39

يقول الحق جل جلاله: { فما أوتيتم من شيء } مما ترجون وتتنافسون فيه { فمتاع الحياة الدنيا } أي: فهو متاعها، تتمتعون به مدة حياتكم، ثم يفنى، { وما عند الله } من ثواب الآخرة { خير } ذاتا لخلوص نفعه، { وأبقى } زمانا لدوام بقائه. { للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } ، و " ما " الأولى ضمنت معنى الشرط، فدخلت في جوابها الفاء، بخلاف الثانية. وعن علي رضي الله عنه: أن أبا بكر رضي الله عنه تصدق بماله كله، فلامه الناس، فنزلت الآية. ثم قال تعالى: { والذين يجتنبون كبائر الإثم } أي: الكبائر من هذا الجنس. وقرأ الأخوان: " كبير الإثم ". قال ابن عباس: هو الشرك، { و } يجتنبون { الفواحش } وهي ما عظم قبحها، كالزنى ونحوه، { وإذا ما غضبوا } من أمر دنياهم { هم يغفرون } أي: هم الإخصاء بالغفران في حال الغضب، فيحملون، ويتجاوزون. وفي الحديث: " من كظم غيظه في الدنيا رد الله عنه غضبه يوم القيامة ". { والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة } أتقنوا الصلوات الخمس، { وأمرهم شورى بينهم } أي: ذو شورى، يعني: لا ينفردون برأيهم حتى يجتمعون عليه. وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم. والشورى: مصدر، كالفتيا، بمعنى التشاور. { ومما رزقناهم ينفقون } يتصدقون. { والذين إذا أصابهم البغي } الظلم { هم ينتصرون } ينتقمون ممن ظلمهم، أي: يقتصرون في الانتصار على ما حد لهم، ولا يعتدون، وكانوا يكرهو أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم الفساق، فإذا قدروا عفوا، وإنما حمدوا على الانتصار لأن من انتصر، وأخذ حقه، ولم يجاوز في ذلك حد الله، فلم يسرف في القتل، إن كان ولي دم، فهو مطيع لله. وقال ابن العربي: قوله: { والذين إذا أصابهم البغي... } الآية ذكر الانتصار في معرض المدح، ثم ذكر العفو في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالين، أحدهما: أن يكون الباغي معلنا بالفجور وقحا في الجمهور، ومؤذيا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، وفي مثله قال إبراهيم النخعي: يكره للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم، فيجترىء عليهم الفساق. وإما أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة، ويسأل المغفرة، فالعفو ها هنا أفضل، وفي مثله نزل: وأن تعفوا أقرب للتقوى [البقرة: 277]، وليعفوا وليصفحوا [النور: 22] الآية. ه. ثم بين حد الانتصار، فقال: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } فالأولى سيئة حقيقة، والثانية مجازا للمشاكلة، وفي تسميتها سيئة نكتة، وهي الإشارة إلى أن العفو أولى، والأخذ بالقصاص سيئة بالنسبة إلى العفو، ولذلك عقبه بقوله: { فمن عفا وأصلح } بينه وبين خصمه بالتجاوز والإغضاء { فأجره على الله } ، وهي عدة مبهمة لا يقادر قدرها، { إنه لا يحب الظالمين } الذين يبدؤون بالظلم، أو: يتجاوزون حد الانتصار. وفي الحديث: " ينادي مناد يوم القيامة: من كان له أجر على الله فليقم، فلا يقوم إلا من عفا ". { ولمن انتصر بعد ظلمه } أي: أخذ حقه بعدما ظلم على إضافة المصدر إلى المفعول { فأولئك } جمع الإشارة مراعاة لمعنى " من " { ما عليهم من سبيل } للمعاقب ولا للمعاتب { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } يبتدئونهم بالظلم، { ويبغون في الأرض } يتكبرون فيها، ويعلون، ويفسدون { بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم } بسبب بغيهم وظلمهم. وفسر السبيل بالتبعة والحجة. { ولمن صبر } على الظلم والأذى، { وغفر } ولم ينتصر، أو: ولمن صبر على البلاء من غير شكوى، وغفر بالتجاوز عن الخصم، ولا يبقي لنفسه عليه دعوى، بل يبري خصمه من جهته من كل دعوى في الدنيا، والعقبى، { إن ذلك لمن عزم الأمور } أي: إن ذلك الصبر والغفران منه لمن عزم الأمور، أي: من الأمور التي ندب إليها، وعزم على فعلها، أو: مما ينبغي للعاقل أن يوجبه على نفسه، ولا يترخص في تركه. وحذف الراجع أي: منه كما حذف في قولهم: السمن منوان بدرهم. وقال أبو سعيد القرشي: الصبر على المكاره من علامات الانتباه، فمن صبر على مكروه أصابه، ولم يجزع، أورثه الله تعالى حال الرضا، وهو أصل الأحوال ومن جزع من المصيبات، وشكى، وكله إلى نفسه، ثم لم تنفعه شكواه. ه. وانظر تحصيل الآية في الإشارة، إن شاء الله. قال ابن جزي: ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لأنه بدأ أولا بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر، ثم صفات عثمان، ثم صفات علي بن أبي طالب، فأما صفات أبي بكر، فقوله: { الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } وإنما جعلنا هذه صفات أبي بكر، وإن كان جميعهم متصفا بها، لأن أبا بكر كانت له مزية فيها لم تكن لغيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا مدينة الإيمان، وأبو بكر بابها " وقال أبو بكر: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ". والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان. وأما صفات عمر: فقوله: { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } لأن ذلك هو التقوى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا مدينة التقوى وعمر بابها " ، وقوله: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ، وقوله: { قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } نزلت في عمر. وأما صفات عثمان فقوله: { والذين استجابوا لربهم } لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت: أمن هو قانت ءانآء الليل ساجدا... [الزمر: 9] الآية. وروي أنه كان يحيي الليل بركعة، يقرأ فيها القرآن كله. وقوله: { وأمرهم شورى بينهم } لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى، وقوله: { ومما رزقناهم ينفقون } لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله، ويكفيك أنه جهز جيش العسرة. وأما صفات علي فقوله: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } لأنه لما قاتلته الفئة الباغية قاتلها، انتصارا للحق، وانظر كيف سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلين لعلي الفئة الباغية، حسبما ورد في الحديث الصحيح، أنه قال لعمار: " ويح عمار، تقتله الفئة الباغية " وذلك هو البغي الذي أصابه، وقوله: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } إشارة إلى فعل الحسن بن علي، حين بايع معاوية، وأسقط حق نفسه، ليصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن: " إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " وقوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت أخيه، وطلبه للخلافة، وانتصاره من بني أمية. وقوله: { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } إشارة إلى بني أمية، فإنهم استطالوا على الناس، كما في الحديث: " إنهم جعلوا عباد الله خولا، ومال الله دولا " ، فيكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب على منابرهم، وقوله: { ولمن صبر وغفر } إشارة إلى صبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما نالهم من الضر والذل، طول مدة بني أمية. ه. الإشارة: قوله تعالى: { فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا } أي: وينقص من درجاتكم في الآخرة بقدر ما تمتعتم به، كما في الخبر، ولذلك زهد فيه بقوله: { وما عند الله خير وأبقى... } الآية، أي: وما عند الله من الثواب الموعود خير من هذا القليل الموجود. { والذين يجتنبون كبائر الإثم } هي أمراض القلوب، كالحسد والكبر والرياء وغيرها، { والفواحش } هي معاصي الجوارح كالزنا وغيره. وقوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } لم يقل الحق تعالى: والذين لم يغضبوا لأن الغضب وصف بشري، لا ينفك عنه مخلوق، فالمطلوب المجاهدة في دفعه، ورد ما ينشأ عنه، لا زواله من أصله، فعدم وجوده في البشر أصلا نقص، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه: " من استغضب ولم يغضب فهو حمار " فالشرف هو كظمه بعد ظهوره، لا زواله بالكلية. وقوله تعالى: { والذين استجابوا لربهم } قال القشيري: المستجيب لربه هو الذي لا يبقى له نفس إلا على موافقة رضاه، ولا يبقى لهم منه بقية، { وأمرهم شورى بينهم } أي: لا يستبد أحدهم برأي، ويتهم رأيه وأمره، ثم إذا أراد القطع توكل على الله. ه. وحاصل ما اشتملت عليه الآية في رد الغضب: أربع مقامات: الأول: قوم من شأنهم الغفران مطلقا، قدروا أو عجزوا، لا يتحركون في الانتصار قط، وهو قوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون }. والثاني: قوم قادرون على إنفاذ الغضب، فتحركوا في الانتصار، ثم عفوا بعد الاقتدار، وهذا قوله: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } ، ثم قال: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله }. والثالث: قوم قدروا وانتصروا، وأخذوا حقهم، لكن وقفوا عند ما حد لهم، وهو قوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه... } الآية. والرابع: قوم ظلموا، فعفوا، وزادوا الإحسان إلى من أساء إليهم، والدعاء له بالمغفرة، حتى يصير مرحوما بهم، وهي رتبة الصديقية، أن ينتفع بهم أعداؤهم، وهو قوله تعالى: { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } ، ولذلك جعل الله هذا القسم من عزم الأمور. وعند الصوفية: ثلاث طبقات: العامة ينتصرون، والخاصة لا ينتصرون، لكن يرفعون أمرهم إلى الله في أخذ حقهم من ظالمهم، وخاصة الخاصة يحسنون لمن أساء إليهم، كما تقدم. وقال القشيري: { والذين إذا أصابهم البغي } وهو الظلم، ينتصرون لعلمهم أن الظلم أصابهم من قبل أنفسهم، فينتصرون من الظالم، وهو النفس، ويكبحون عنانها من الركض في ميدان المخالفة. ثم قال: قوله: { ولمن انتصر... } الآية، علم الله أن من عباده من لا يجد الحرية من أحكام النفس، ولا يستمكن من محاسن الخلق، فرخص لهم في المكافأة على سبيل العدل والقسط، وإن كان الأولى بهم الصفح والعفو. ه. ثم ذكر وبال الظلم وعقوبته، فقال: { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده }.

الشورى 42:40

يقول الحق جل جلاله: { فما أوتيتم من شيء } مما ترجون وتتنافسون فيه { فمتاع الحياة الدنيا } أي: فهو متاعها، تتمتعون به مدة حياتكم، ثم يفنى، { وما عند الله } من ثواب الآخرة { خير } ذاتا لخلوص نفعه، { وأبقى } زمانا لدوام بقائه. { للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } ، و " ما " الأولى ضمنت معنى الشرط، فدخلت في جوابها الفاء، بخلاف الثانية. وعن علي رضي الله عنه: أن أبا بكر رضي الله عنه تصدق بماله كله، فلامه الناس، فنزلت الآية. ثم قال تعالى: { والذين يجتنبون كبائر الإثم } أي: الكبائر من هذا الجنس. وقرأ الأخوان: " كبير الإثم ". قال ابن عباس: هو الشرك، { و } يجتنبون { الفواحش } وهي ما عظم قبحها، كالزنى ونحوه، { وإذا ما غضبوا } من أمر دنياهم { هم يغفرون } أي: هم الإخصاء بالغفران في حال الغضب، فيحملون، ويتجاوزون. وفي الحديث: " من كظم غيظه في الدنيا رد الله عنه غضبه يوم القيامة ". { والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة } أتقنوا الصلوات الخمس، { وأمرهم شورى بينهم } أي: ذو شورى، يعني: لا ينفردون برأيهم حتى يجتمعون عليه. وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم. والشورى: مصدر، كالفتيا، بمعنى التشاور. { ومما رزقناهم ينفقون } يتصدقون. { والذين إذا أصابهم البغي } الظلم { هم ينتصرون } ينتقمون ممن ظلمهم، أي: يقتصرون في الانتصار على ما حد لهم، ولا يعتدون، وكانوا يكرهو أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم الفساق، فإذا قدروا عفوا، وإنما حمدوا على الانتصار لأن من انتصر، وأخذ حقه، ولم يجاوز في ذلك حد الله، فلم يسرف في القتل، إن كان ولي دم، فهو مطيع لله. وقال ابن العربي: قوله: { والذين إذا أصابهم البغي... } الآية ذكر الانتصار في معرض المدح، ثم ذكر العفو في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالين، أحدهما: أن يكون الباغي معلنا بالفجور وقحا في الجمهور، ومؤذيا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، وفي مثله قال إبراهيم النخعي: يكره للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم، فيجترىء عليهم الفساق. وإما أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة، ويسأل المغفرة، فالعفو ها هنا أفضل، وفي مثله نزل: وأن تعفوا أقرب للتقوى [البقرة: 277]، وليعفوا وليصفحوا [النور: 22] الآية. ه. ثم بين حد الانتصار، فقال: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } فالأولى سيئة حقيقة، والثانية مجازا للمشاكلة، وفي تسميتها سيئة نكتة، وهي الإشارة إلى أن العفو أولى، والأخذ بالقصاص سيئة بالنسبة إلى العفو، ولذلك عقبه بقوله: { فمن عفا وأصلح } بينه وبين خصمه بالتجاوز والإغضاء { فأجره على الله } ، وهي عدة مبهمة لا يقادر قدرها، { إنه لا يحب الظالمين } الذين يبدؤون بالظلم، أو: يتجاوزون حد الانتصار. وفي الحديث: " ينادي مناد يوم القيامة: من كان له أجر على الله فليقم، فلا يقوم إلا من عفا ". { ولمن انتصر بعد ظلمه } أي: أخذ حقه بعدما ظلم على إضافة المصدر إلى المفعول { فأولئك } جمع الإشارة مراعاة لمعنى " من " { ما عليهم من سبيل } للمعاقب ولا للمعاتب { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } يبتدئونهم بالظلم، { ويبغون في الأرض } يتكبرون فيها، ويعلون، ويفسدون { بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم } بسبب بغيهم وظلمهم. وفسر السبيل بالتبعة والحجة. { ولمن صبر } على الظلم والأذى، { وغفر } ولم ينتصر، أو: ولمن صبر على البلاء من غير شكوى، وغفر بالتجاوز عن الخصم، ولا يبقي لنفسه عليه دعوى، بل يبري خصمه من جهته من كل دعوى في الدنيا، والعقبى، { إن ذلك لمن عزم الأمور } أي: إن ذلك الصبر والغفران منه لمن عزم الأمور، أي: من الأمور التي ندب إليها، وعزم على فعلها، أو: مما ينبغي للعاقل أن يوجبه على نفسه، ولا يترخص في تركه. وحذف الراجع أي: منه كما حذف في قولهم: السمن منوان بدرهم. وقال أبو سعيد القرشي: الصبر على المكاره من علامات الانتباه، فمن صبر على مكروه أصابه، ولم يجزع، أورثه الله تعالى حال الرضا، وهو أصل الأحوال ومن جزع من المصيبات، وشكى، وكله إلى نفسه، ثم لم تنفعه شكواه. ه. وانظر تحصيل الآية في الإشارة، إن شاء الله. قال ابن جزي: ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لأنه بدأ أولا بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر، ثم صفات عثمان، ثم صفات علي بن أبي طالب، فأما صفات أبي بكر، فقوله: { الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } وإنما جعلنا هذه صفات أبي بكر، وإن كان جميعهم متصفا بها، لأن أبا بكر كانت له مزية فيها لم تكن لغيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا مدينة الإيمان، وأبو بكر بابها " وقال أبو بكر: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ". والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان. وأما صفات عمر: فقوله: { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } لأن ذلك هو التقوى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا مدينة التقوى وعمر بابها " ، وقوله: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ، وقوله: { قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } نزلت في عمر. وأما صفات عثمان فقوله: { والذين استجابوا لربهم } لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت: أمن هو قانت ءانآء الليل ساجدا... [الزمر: 9] الآية. وروي أنه كان يحيي الليل بركعة، يقرأ فيها القرآن كله. وقوله: { وأمرهم شورى بينهم } لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى، وقوله: { ومما رزقناهم ينفقون } لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله، ويكفيك أنه جهز جيش العسرة. وأما صفات علي فقوله: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } لأنه لما قاتلته الفئة الباغية قاتلها، انتصارا للحق، وانظر كيف سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلين لعلي الفئة الباغية، حسبما ورد في الحديث الصحيح، أنه قال لعمار: " ويح عمار، تقتله الفئة الباغية " وذلك هو البغي الذي أصابه، وقوله: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } إشارة إلى فعل الحسن بن علي، حين بايع معاوية، وأسقط حق نفسه، ليصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن: " إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " وقوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت أخيه، وطلبه للخلافة، وانتصاره من بني أمية. وقوله: { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } إشارة إلى بني أمية، فإنهم استطالوا على الناس، كما في الحديث: " إنهم جعلوا عباد الله خولا، ومال الله دولا " ، فيكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب على منابرهم، وقوله: { ولمن صبر وغفر } إشارة إلى صبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما نالهم من الضر والذل، طول مدة بني أمية. ه. الإشارة: قوله تعالى: { فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا } أي: وينقص من درجاتكم في الآخرة بقدر ما تمتعتم به، كما في الخبر، ولذلك زهد فيه بقوله: { وما عند الله خير وأبقى... } الآية، أي: وما عند الله من الثواب الموعود خير من هذا القليل الموجود. { والذين يجتنبون كبائر الإثم } هي أمراض القلوب، كالحسد والكبر والرياء وغيرها، { والفواحش } هي معاصي الجوارح كالزنا وغيره. وقوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } لم يقل الحق تعالى: والذين لم يغضبوا لأن الغضب وصف بشري، لا ينفك عنه مخلوق، فالمطلوب المجاهدة في دفعه، ورد ما ينشأ عنه، لا زواله من أصله، فعدم وجوده في البشر أصلا نقص، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه: " من استغضب ولم يغضب فهو حمار " فالشرف هو كظمه بعد ظهوره، لا زواله بالكلية. وقوله تعالى: { والذين استجابوا لربهم } قال القشيري: المستجيب لربه هو الذي لا يبقى له نفس إلا على موافقة رضاه، ولا يبقى لهم منه بقية، { وأمرهم شورى بينهم } أي: لا يستبد أحدهم برأي، ويتهم رأيه وأمره، ثم إذا أراد القطع توكل على الله. ه. وحاصل ما اشتملت عليه الآية في رد الغضب: أربع مقامات: الأول: قوم من شأنهم الغفران مطلقا، قدروا أو عجزوا، لا يتحركون في الانتصار قط، وهو قوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون }. والثاني: قوم قادرون على إنفاذ الغضب، فتحركوا في الانتصار، ثم عفوا بعد الاقتدار، وهذا قوله: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } ، ثم قال: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله }. والثالث: قوم قدروا وانتصروا، وأخذوا حقهم، لكن وقفوا عند ما حد لهم، وهو قوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه... } الآية. والرابع: قوم ظلموا، فعفوا، وزادوا الإحسان إلى من أساء إليهم، والدعاء له بالمغفرة، حتى يصير مرحوما بهم، وهي رتبة الصديقية، أن ينتفع بهم أعداؤهم، وهو قوله تعالى: { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } ، ولذلك جعل الله هذا القسم من عزم الأمور. وعند الصوفية: ثلاث طبقات: العامة ينتصرون، والخاصة لا ينتصرون، لكن يرفعون أمرهم إلى الله في أخذ حقهم من ظالمهم، وخاصة الخاصة يحسنون لمن أساء إليهم، كما تقدم. وقال القشيري: { والذين إذا أصابهم البغي } وهو الظلم، ينتصرون لعلمهم أن الظلم أصابهم من قبل أنفسهم، فينتصرون من الظالم، وهو النفس، ويكبحون عنانها من الركض في ميدان المخالفة. ثم قال: قوله: { ولمن انتصر... } الآية، علم الله أن من عباده من لا يجد الحرية من أحكام النفس، ولا يستمكن من محاسن الخلق، فرخص لهم في المكافأة على سبيل العدل والقسط، وإن كان الأولى بهم الصفح والعفو. ه. ثم ذكر وبال الظلم وعقوبته، فقال: { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده }.

الشورى 42:41

يقول الحق جل جلاله: { فما أوتيتم من شيء } مما ترجون وتتنافسون فيه { فمتاع الحياة الدنيا } أي: فهو متاعها، تتمتعون به مدة حياتكم، ثم يفنى، { وما عند الله } من ثواب الآخرة { خير } ذاتا لخلوص نفعه، { وأبقى } زمانا لدوام بقائه. { للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } ، و " ما " الأولى ضمنت معنى الشرط، فدخلت في جوابها الفاء، بخلاف الثانية. وعن علي رضي الله عنه: أن أبا بكر رضي الله عنه تصدق بماله كله، فلامه الناس، فنزلت الآية. ثم قال تعالى: { والذين يجتنبون كبائر الإثم } أي: الكبائر من هذا الجنس. وقرأ الأخوان: " كبير الإثم ". قال ابن عباس: هو الشرك، { و } يجتنبون { الفواحش } وهي ما عظم قبحها، كالزنى ونحوه، { وإذا ما غضبوا } من أمر دنياهم { هم يغفرون } أي: هم الإخصاء بالغفران في حال الغضب، فيحملون، ويتجاوزون. وفي الحديث: " من كظم غيظه في الدنيا رد الله عنه غضبه يوم القيامة ". { والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة } أتقنوا الصلوات الخمس، { وأمرهم شورى بينهم } أي: ذو شورى، يعني: لا ينفردون برأيهم حتى يجتمعون عليه. وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم. والشورى: مصدر، كالفتيا، بمعنى التشاور. { ومما رزقناهم ينفقون } يتصدقون. { والذين إذا أصابهم البغي } الظلم { هم ينتصرون } ينتقمون ممن ظلمهم، أي: يقتصرون في الانتصار على ما حد لهم، ولا يعتدون، وكانوا يكرهو أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم الفساق، فإذا قدروا عفوا، وإنما حمدوا على الانتصار لأن من انتصر، وأخذ حقه، ولم يجاوز في ذلك حد الله، فلم يسرف في القتل، إن كان ولي دم، فهو مطيع لله. وقال ابن العربي: قوله: { والذين إذا أصابهم البغي... } الآية ذكر الانتصار في معرض المدح، ثم ذكر العفو في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالين، أحدهما: أن يكون الباغي معلنا بالفجور وقحا في الجمهور، ومؤذيا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، وفي مثله قال إبراهيم النخعي: يكره للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم، فيجترىء عليهم الفساق. وإما أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة، ويسأل المغفرة، فالعفو ها هنا أفضل، وفي مثله نزل: وأن تعفوا أقرب للتقوى [البقرة: 277]، وليعفوا وليصفحوا [النور: 22] الآية. ه. ثم بين حد الانتصار، فقال: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } فالأولى سيئة حقيقة، والثانية مجازا للمشاكلة، وفي تسميتها سيئة نكتة، وهي الإشارة إلى أن العفو أولى، والأخذ بالقصاص سيئة بالنسبة إلى العفو، ولذلك عقبه بقوله: { فمن عفا وأصلح } بينه وبين خصمه بالتجاوز والإغضاء { فأجره على الله } ، وهي عدة مبهمة لا يقادر قدرها، { إنه لا يحب الظالمين } الذين يبدؤون بالظلم، أو: يتجاوزون حد الانتصار. وفي الحديث: " ينادي مناد يوم القيامة: من كان له أجر على الله فليقم، فلا يقوم إلا من عفا ". { ولمن انتصر بعد ظلمه } أي: أخذ حقه بعدما ظلم على إضافة المصدر إلى المفعول { فأولئك } جمع الإشارة مراعاة لمعنى " من " { ما عليهم من سبيل } للمعاقب ولا للمعاتب { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } يبتدئونهم بالظلم، { ويبغون في الأرض } يتكبرون فيها، ويعلون، ويفسدون { بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم } بسبب بغيهم وظلمهم. وفسر السبيل بالتبعة والحجة. { ولمن صبر } على الظلم والأذى، { وغفر } ولم ينتصر، أو: ولمن صبر على البلاء من غير شكوى، وغفر بالتجاوز عن الخصم، ولا يبقي لنفسه عليه دعوى، بل يبري خصمه من جهته من كل دعوى في الدنيا، والعقبى، { إن ذلك لمن عزم الأمور } أي: إن ذلك الصبر والغفران منه لمن عزم الأمور، أي: من الأمور التي ندب إليها، وعزم على فعلها، أو: مما ينبغي للعاقل أن يوجبه على نفسه، ولا يترخص في تركه. وحذف الراجع أي: منه كما حذف في قولهم: السمن منوان بدرهم. وقال أبو سعيد القرشي: الصبر على المكاره من علامات الانتباه، فمن صبر على مكروه أصابه، ولم يجزع، أورثه الله تعالى حال الرضا، وهو أصل الأحوال ومن جزع من المصيبات، وشكى، وكله إلى نفسه، ثم لم تنفعه شكواه. ه. وانظر تحصيل الآية في الإشارة، إن شاء الله. قال ابن جزي: ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لأنه بدأ أولا بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر، ثم صفات عثمان، ثم صفات علي بن أبي طالب، فأما صفات أبي بكر، فقوله: { الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } وإنما جعلنا هذه صفات أبي بكر، وإن كان جميعهم متصفا بها، لأن أبا بكر كانت له مزية فيها لم تكن لغيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا مدينة الإيمان، وأبو بكر بابها " وقال أبو بكر: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ". والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان. وأما صفات عمر: فقوله: { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } لأن ذلك هو التقوى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا مدينة التقوى وعمر بابها " ، وقوله: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ، وقوله: { قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } نزلت في عمر. وأما صفات عثمان فقوله: { والذين استجابوا لربهم } لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت: أمن هو قانت ءانآء الليل ساجدا... [الزمر: 9] الآية. وروي أنه كان يحيي الليل بركعة، يقرأ فيها القرآن كله. وقوله: { وأمرهم شورى بينهم } لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى، وقوله: { ومما رزقناهم ينفقون } لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله، ويكفيك أنه جهز جيش العسرة. وأما صفات علي فقوله: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } لأنه لما قاتلته الفئة الباغية قاتلها، انتصارا للحق، وانظر كيف سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلين لعلي الفئة الباغية، حسبما ورد في الحديث الصحيح، أنه قال لعمار: " ويح عمار، تقتله الفئة الباغية " وذلك هو البغي الذي أصابه، وقوله: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } إشارة إلى فعل الحسن بن علي، حين بايع معاوية، وأسقط حق نفسه، ليصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن: " إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " وقوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت أخيه، وطلبه للخلافة، وانتصاره من بني أمية. وقوله: { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } إشارة إلى بني أمية، فإنهم استطالوا على الناس، كما في الحديث: " إنهم جعلوا عباد الله خولا، ومال الله دولا " ، فيكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب على منابرهم، وقوله: { ولمن صبر وغفر } إشارة إلى صبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما نالهم من الضر والذل، طول مدة بني أمية. ه. الإشارة: قوله تعالى: { فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا } أي: وينقص من درجاتكم في الآخرة بقدر ما تمتعتم به، كما في الخبر، ولذلك زهد فيه بقوله: { وما عند الله خير وأبقى... } الآية، أي: وما عند الله من الثواب الموعود خير من هذا القليل الموجود. { والذين يجتنبون كبائر الإثم } هي أمراض القلوب، كالحسد والكبر والرياء وغيرها، { والفواحش } هي معاصي الجوارح كالزنا وغيره. وقوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } لم يقل الحق تعالى: والذين لم يغضبوا لأن الغضب وصف بشري، لا ينفك عنه مخلوق، فالمطلوب المجاهدة في دفعه، ورد ما ينشأ عنه، لا زواله من أصله، فعدم وجوده في البشر أصلا نقص، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه: " من استغضب ولم يغضب فهو حمار " فالشرف هو كظمه بعد ظهوره، لا زواله بالكلية. وقوله تعالى: { والذين استجابوا لربهم } قال القشيري: المستجيب لربه هو الذي لا يبقى له نفس إلا على موافقة رضاه، ولا يبقى لهم منه بقية، { وأمرهم شورى بينهم } أي: لا يستبد أحدهم برأي، ويتهم رأيه وأمره، ثم إذا أراد القطع توكل على الله. ه. وحاصل ما اشتملت عليه الآية في رد الغضب: أربع مقامات: الأول: قوم من شأنهم الغفران مطلقا، قدروا أو عجزوا، لا يتحركون في الانتصار قط، وهو قوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون }. والثاني: قوم قادرون على إنفاذ الغضب، فتحركوا في الانتصار، ثم عفوا بعد الاقتدار، وهذا قوله: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } ، ثم قال: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله }. والثالث: قوم قدروا وانتصروا، وأخذوا حقهم، لكن وقفوا عند ما حد لهم، وهو قوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه... } الآية. والرابع: قوم ظلموا، فعفوا، وزادوا الإحسان إلى من أساء إليهم، والدعاء له بالمغفرة، حتى يصير مرحوما بهم، وهي رتبة الصديقية، أن ينتفع بهم أعداؤهم، وهو قوله تعالى: { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } ، ولذلك جعل الله هذا القسم من عزم الأمور. وعند الصوفية: ثلاث طبقات: العامة ينتصرون، والخاصة لا ينتصرون، لكن يرفعون أمرهم إلى الله في أخذ حقهم من ظالمهم، وخاصة الخاصة يحسنون لمن أساء إليهم، كما تقدم. وقال القشيري: { والذين إذا أصابهم البغي } وهو الظلم، ينتصرون لعلمهم أن الظلم أصابهم من قبل أنفسهم، فينتصرون من الظالم، وهو النفس، ويكبحون عنانها من الركض في ميدان المخالفة. ثم قال: قوله: { ولمن انتصر... } الآية، علم الله أن من عباده من لا يجد الحرية من أحكام النفس، ولا يستمكن من محاسن الخلق، فرخص لهم في المكافأة على سبيل العدل والقسط، وإن كان الأولى بهم الصفح والعفو. ه. ثم ذكر وبال الظلم وعقوبته، فقال: { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده }.

الشورى 42:42

يقول الحق جل جلاله: { فما أوتيتم من شيء } مما ترجون وتتنافسون فيه { فمتاع الحياة الدنيا } أي: فهو متاعها، تتمتعون به مدة حياتكم، ثم يفنى، { وما عند الله } من ثواب الآخرة { خير } ذاتا لخلوص نفعه، { وأبقى } زمانا لدوام بقائه. { للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } ، و " ما " الأولى ضمنت معنى الشرط، فدخلت في جوابها الفاء، بخلاف الثانية. وعن علي رضي الله عنه: أن أبا بكر رضي الله عنه تصدق بماله كله، فلامه الناس، فنزلت الآية. ثم قال تعالى: { والذين يجتنبون كبائر الإثم } أي: الكبائر من هذا الجنس. وقرأ الأخوان: " كبير الإثم ". قال ابن عباس: هو الشرك، { و } يجتنبون { الفواحش } وهي ما عظم قبحها، كالزنى ونحوه، { وإذا ما غضبوا } من أمر دنياهم { هم يغفرون } أي: هم الإخصاء بالغفران في حال الغضب، فيحملون، ويتجاوزون. وفي الحديث: " من كظم غيظه في الدنيا رد الله عنه غضبه يوم القيامة ". { والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة } أتقنوا الصلوات الخمس، { وأمرهم شورى بينهم } أي: ذو شورى، يعني: لا ينفردون برأيهم حتى يجتمعون عليه. وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم. والشورى: مصدر، كالفتيا، بمعنى التشاور. { ومما رزقناهم ينفقون } يتصدقون. { والذين إذا أصابهم البغي } الظلم { هم ينتصرون } ينتقمون ممن ظلمهم، أي: يقتصرون في الانتصار على ما حد لهم، ولا يعتدون، وكانوا يكرهو أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم الفساق، فإذا قدروا عفوا، وإنما حمدوا على الانتصار لأن من انتصر، وأخذ حقه، ولم يجاوز في ذلك حد الله، فلم يسرف في القتل، إن كان ولي دم، فهو مطيع لله. وقال ابن العربي: قوله: { والذين إذا أصابهم البغي... } الآية ذكر الانتصار في معرض المدح، ثم ذكر العفو في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالين، أحدهما: أن يكون الباغي معلنا بالفجور وقحا في الجمهور، ومؤذيا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، وفي مثله قال إبراهيم النخعي: يكره للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم، فيجترىء عليهم الفساق. وإما أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة، ويسأل المغفرة، فالعفو ها هنا أفضل، وفي مثله نزل: وأن تعفوا أقرب للتقوى [البقرة: 277]، وليعفوا وليصفحوا [النور: 22] الآية. ه. ثم بين حد الانتصار، فقال: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } فالأولى سيئة حقيقة، والثانية مجازا للمشاكلة، وفي تسميتها سيئة نكتة، وهي الإشارة إلى أن العفو أولى، والأخذ بالقصاص سيئة بالنسبة إلى العفو، ولذلك عقبه بقوله: { فمن عفا وأصلح } بينه وبين خصمه بالتجاوز والإغضاء { فأجره على الله } ، وهي عدة مبهمة لا يقادر قدرها، { إنه لا يحب الظالمين } الذين يبدؤون بالظلم، أو: يتجاوزون حد الانتصار. وفي الحديث: " ينادي مناد يوم القيامة: من كان له أجر على الله فليقم، فلا يقوم إلا من عفا ". { ولمن انتصر بعد ظلمه } أي: أخذ حقه بعدما ظلم على إضافة المصدر إلى المفعول { فأولئك } جمع الإشارة مراعاة لمعنى " من " { ما عليهم من سبيل } للمعاقب ولا للمعاتب { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } يبتدئونهم بالظلم، { ويبغون في الأرض } يتكبرون فيها، ويعلون، ويفسدون { بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم } بسبب بغيهم وظلمهم. وفسر السبيل بالتبعة والحجة. { ولمن صبر } على الظلم والأذى، { وغفر } ولم ينتصر، أو: ولمن صبر على البلاء من غير شكوى، وغفر بالتجاوز عن الخصم، ولا يبقي لنفسه عليه دعوى، بل يبري خصمه من جهته من كل دعوى في الدنيا، والعقبى، { إن ذلك لمن عزم الأمور } أي: إن ذلك الصبر والغفران منه لمن عزم الأمور، أي: من الأمور التي ندب إليها، وعزم على فعلها، أو: مما ينبغي للعاقل أن يوجبه على نفسه، ولا يترخص في تركه. وحذف الراجع أي: منه كما حذف في قولهم: السمن منوان بدرهم. وقال أبو سعيد القرشي: الصبر على المكاره من علامات الانتباه، فمن صبر على مكروه أصابه، ولم يجزع، أورثه الله تعالى حال الرضا، وهو أصل الأحوال ومن جزع من المصيبات، وشكى، وكله إلى نفسه، ثم لم تنفعه شكواه. ه. وانظر تحصيل الآية في الإشارة، إن شاء الله. قال ابن جزي: ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لأنه بدأ أولا بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر، ثم صفات عثمان، ثم صفات علي بن أبي طالب، فأما صفات أبي بكر، فقوله: { الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } وإنما جعلنا هذه صفات أبي بكر، وإن كان جميعهم متصفا بها، لأن أبا بكر كانت له مزية فيها لم تكن لغيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا مدينة الإيمان، وأبو بكر بابها " وقال أبو بكر: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ". والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان. وأما صفات عمر: فقوله: { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } لأن ذلك هو التقوى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا مدينة التقوى وعمر بابها " ، وقوله: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ، وقوله: { قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } نزلت في عمر. وأما صفات عثمان فقوله: { والذين استجابوا لربهم } لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت: أمن هو قانت ءانآء الليل ساجدا... [الزمر: 9] الآية. وروي أنه كان يحيي الليل بركعة، يقرأ فيها القرآن كله. وقوله: { وأمرهم شورى بينهم } لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى، وقوله: { ومما رزقناهم ينفقون } لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله، ويكفيك أنه جهز جيش العسرة. وأما صفات علي فقوله: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } لأنه لما قاتلته الفئة الباغية قاتلها، انتصارا للحق، وانظر كيف سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلين لعلي الفئة الباغية، حسبما ورد في الحديث الصحيح، أنه قال لعمار: " ويح عمار، تقتله الفئة الباغية " وذلك هو البغي الذي أصابه، وقوله: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } إشارة إلى فعل الحسن بن علي، حين بايع معاوية، وأسقط حق نفسه، ليصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن: " إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " وقوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت أخيه، وطلبه للخلافة، وانتصاره من بني أمية. وقوله: { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } إشارة إلى بني أمية، فإنهم استطالوا على الناس، كما في الحديث: " إنهم جعلوا عباد الله خولا، ومال الله دولا " ، فيكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب على منابرهم، وقوله: { ولمن صبر وغفر } إشارة إلى صبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما نالهم من الضر والذل، طول مدة بني أمية. ه. الإشارة: قوله تعالى: { فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا } أي: وينقص من درجاتكم في الآخرة بقدر ما تمتعتم به، كما في الخبر، ولذلك زهد فيه بقوله: { وما عند الله خير وأبقى... } الآية، أي: وما عند الله من الثواب الموعود خير من هذا القليل الموجود. { والذين يجتنبون كبائر الإثم } هي أمراض القلوب، كالحسد والكبر والرياء وغيرها، { والفواحش } هي معاصي الجوارح كالزنا وغيره. وقوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } لم يقل الحق تعالى: والذين لم يغضبوا لأن الغضب وصف بشري، لا ينفك عنه مخلوق، فالمطلوب المجاهدة في دفعه، ورد ما ينشأ عنه، لا زواله من أصله، فعدم وجوده في البشر أصلا نقص، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه: " من استغضب ولم يغضب فهو حمار " فالشرف هو كظمه بعد ظهوره، لا زواله بالكلية. وقوله تعالى: { والذين استجابوا لربهم } قال القشيري: المستجيب لربه هو الذي لا يبقى له نفس إلا على موافقة رضاه، ولا يبقى لهم منه بقية، { وأمرهم شورى بينهم } أي: لا يستبد أحدهم برأي، ويتهم رأيه وأمره، ثم إذا أراد القطع توكل على الله. ه. وحاصل ما اشتملت عليه الآية في رد الغضب: أربع مقامات: الأول: قوم من شأنهم الغفران مطلقا، قدروا أو عجزوا، لا يتحركون في الانتصار قط، وهو قوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون }. والثاني: قوم قادرون على إنفاذ الغضب، فتحركوا في الانتصار، ثم عفوا بعد الاقتدار، وهذا قوله: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } ، ثم قال: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله }. والثالث: قوم قدروا وانتصروا، وأخذوا حقهم، لكن وقفوا عند ما حد لهم، وهو قوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه... } الآية. والرابع: قوم ظلموا، فعفوا، وزادوا الإحسان إلى من أساء إليهم، والدعاء له بالمغفرة، حتى يصير مرحوما بهم، وهي رتبة الصديقية، أن ينتفع بهم أعداؤهم، وهو قوله تعالى: { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } ، ولذلك جعل الله هذا القسم من عزم الأمور. وعند الصوفية: ثلاث طبقات: العامة ينتصرون، والخاصة لا ينتصرون، لكن يرفعون أمرهم إلى الله في أخذ حقهم من ظالمهم، وخاصة الخاصة يحسنون لمن أساء إليهم، كما تقدم. وقال القشيري: { والذين إذا أصابهم البغي } وهو الظلم، ينتصرون لعلمهم أن الظلم أصابهم من قبل أنفسهم، فينتصرون من الظالم، وهو النفس، ويكبحون عنانها من الركض في ميدان المخالفة. ثم قال: قوله: { ولمن انتصر... } الآية، علم الله أن من عباده من لا يجد الحرية من أحكام النفس، ولا يستمكن من محاسن الخلق، فرخص لهم في المكافأة على سبيل العدل والقسط، وإن كان الأولى بهم الصفح والعفو. ه. ثم ذكر وبال الظلم وعقوبته، فقال: { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده }.

الشورى 42:43

يقول الحق جل جلاله: { فما أوتيتم من شيء } مما ترجون وتتنافسون فيه { فمتاع الحياة الدنيا } أي: فهو متاعها، تتمتعون به مدة حياتكم، ثم يفنى، { وما عند الله } من ثواب الآخرة { خير } ذاتا لخلوص نفعه، { وأبقى } زمانا لدوام بقائه. { للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } ، و " ما " الأولى ضمنت معنى الشرط، فدخلت في جوابها الفاء، بخلاف الثانية. وعن علي رضي الله عنه: أن أبا بكر رضي الله عنه تصدق بماله كله، فلامه الناس، فنزلت الآية. ثم قال تعالى: { والذين يجتنبون كبائر الإثم } أي: الكبائر من هذا الجنس. وقرأ الأخوان: " كبير الإثم ". قال ابن عباس: هو الشرك، { و } يجتنبون { الفواحش } وهي ما عظم قبحها، كالزنى ونحوه، { وإذا ما غضبوا } من أمر دنياهم { هم يغفرون } أي: هم الإخصاء بالغفران في حال الغضب، فيحملون، ويتجاوزون. وفي الحديث: " من كظم غيظه في الدنيا رد الله عنه غضبه يوم القيامة ". { والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة } أتقنوا الصلوات الخمس، { وأمرهم شورى بينهم } أي: ذو شورى، يعني: لا ينفردون برأيهم حتى يجتمعون عليه. وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم. والشورى: مصدر، كالفتيا، بمعنى التشاور. { ومما رزقناهم ينفقون } يتصدقون. { والذين إذا أصابهم البغي } الظلم { هم ينتصرون } ينتقمون ممن ظلمهم، أي: يقتصرون في الانتصار على ما حد لهم، ولا يعتدون، وكانوا يكرهو أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم الفساق، فإذا قدروا عفوا، وإنما حمدوا على الانتصار لأن من انتصر، وأخذ حقه، ولم يجاوز في ذلك حد الله، فلم يسرف في القتل، إن كان ولي دم، فهو مطيع لله. وقال ابن العربي: قوله: { والذين إذا أصابهم البغي... } الآية ذكر الانتصار في معرض المدح، ثم ذكر العفو في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالين، أحدهما: أن يكون الباغي معلنا بالفجور وقحا في الجمهور، ومؤذيا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، وفي مثله قال إبراهيم النخعي: يكره للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم، فيجترىء عليهم الفساق. وإما أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة، ويسأل المغفرة، فالعفو ها هنا أفضل، وفي مثله نزل: وأن تعفوا أقرب للتقوى [البقرة: 277]، وليعفوا وليصفحوا [النور: 22] الآية. ه. ثم بين حد الانتصار، فقال: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } فالأولى سيئة حقيقة، والثانية مجازا للمشاكلة، وفي تسميتها سيئة نكتة، وهي الإشارة إلى أن العفو أولى، والأخذ بالقصاص سيئة بالنسبة إلى العفو، ولذلك عقبه بقوله: { فمن عفا وأصلح } بينه وبين خصمه بالتجاوز والإغضاء { فأجره على الله } ، وهي عدة مبهمة لا يقادر قدرها، { إنه لا يحب الظالمين } الذين يبدؤون بالظلم، أو: يتجاوزون حد الانتصار. وفي الحديث: " ينادي مناد يوم القيامة: من كان له أجر على الله فليقم، فلا يقوم إلا من عفا ". { ولمن انتصر بعد ظلمه } أي: أخذ حقه بعدما ظلم على إضافة المصدر إلى المفعول { فأولئك } جمع الإشارة مراعاة لمعنى " من " { ما عليهم من سبيل } للمعاقب ولا للمعاتب { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } يبتدئونهم بالظلم، { ويبغون في الأرض } يتكبرون فيها، ويعلون، ويفسدون { بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم } بسبب بغيهم وظلمهم. وفسر السبيل بالتبعة والحجة. { ولمن صبر } على الظلم والأذى، { وغفر } ولم ينتصر، أو: ولمن صبر على البلاء من غير شكوى، وغفر بالتجاوز عن الخصم، ولا يبقي لنفسه عليه دعوى، بل يبري خصمه من جهته من كل دعوى في الدنيا، والعقبى، { إن ذلك لمن عزم الأمور } أي: إن ذلك الصبر والغفران منه لمن عزم الأمور، أي: من الأمور التي ندب إليها، وعزم على فعلها، أو: مما ينبغي للعاقل أن يوجبه على نفسه، ولا يترخص في تركه. وحذف الراجع أي: منه كما حذف في قولهم: السمن منوان بدرهم. وقال أبو سعيد القرشي: الصبر على المكاره من علامات الانتباه، فمن صبر على مكروه أصابه، ولم يجزع، أورثه الله تعالى حال الرضا، وهو أصل الأحوال ومن جزع من المصيبات، وشكى، وكله إلى نفسه، ثم لم تنفعه شكواه. ه. وانظر تحصيل الآية في الإشارة، إن شاء الله. قال ابن جزي: ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لأنه بدأ أولا بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر، ثم صفات عثمان، ثم صفات علي بن أبي طالب، فأما صفات أبي بكر، فقوله: { الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } وإنما جعلنا هذه صفات أبي بكر، وإن كان جميعهم متصفا بها، لأن أبا بكر كانت له مزية فيها لم تكن لغيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا مدينة الإيمان، وأبو بكر بابها " وقال أبو بكر: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ". والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان. وأما صفات عمر: فقوله: { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } لأن ذلك هو التقوى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا مدينة التقوى وعمر بابها " ، وقوله: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ، وقوله: { قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } نزلت في عمر. وأما صفات عثمان فقوله: { والذين استجابوا لربهم } لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت: أمن هو قانت ءانآء الليل ساجدا... [الزمر: 9] الآية. وروي أنه كان يحيي الليل بركعة، يقرأ فيها القرآن كله. وقوله: { وأمرهم شورى بينهم } لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى، وقوله: { ومما رزقناهم ينفقون } لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله، ويكفيك أنه جهز جيش العسرة. وأما صفات علي فقوله: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } لأنه لما قاتلته الفئة الباغية قاتلها، انتصارا للحق، وانظر كيف سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلين لعلي الفئة الباغية، حسبما ورد في الحديث الصحيح، أنه قال لعمار: " ويح عمار، تقتله الفئة الباغية " وذلك هو البغي الذي أصابه، وقوله: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } إشارة إلى فعل الحسن بن علي، حين بايع معاوية، وأسقط حق نفسه، ليصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن: " إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " وقوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت أخيه، وطلبه للخلافة، وانتصاره من بني أمية. وقوله: { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } إشارة إلى بني أمية، فإنهم استطالوا على الناس، كما في الحديث: " إنهم جعلوا عباد الله خولا، ومال الله دولا " ، فيكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب على منابرهم، وقوله: { ولمن صبر وغفر } إشارة إلى صبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما نالهم من الضر والذل، طول مدة بني أمية. ه. الإشارة: قوله تعالى: { فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا } أي: وينقص من درجاتكم في الآخرة بقدر ما تمتعتم به، كما في الخبر، ولذلك زهد فيه بقوله: { وما عند الله خير وأبقى... } الآية، أي: وما عند الله من الثواب الموعود خير من هذا القليل الموجود. { والذين يجتنبون كبائر الإثم } هي أمراض القلوب، كالحسد والكبر والرياء وغيرها، { والفواحش } هي معاصي الجوارح كالزنا وغيره. وقوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } لم يقل الحق تعالى: والذين لم يغضبوا لأن الغضب وصف بشري، لا ينفك عنه مخلوق، فالمطلوب المجاهدة في دفعه، ورد ما ينشأ عنه، لا زواله من أصله، فعدم وجوده في البشر أصلا نقص، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه: " من استغضب ولم يغضب فهو حمار " فالشرف هو كظمه بعد ظهوره، لا زواله بالكلية. وقوله تعالى: { والذين استجابوا لربهم } قال القشيري: المستجيب لربه هو الذي لا يبقى له نفس إلا على موافقة رضاه، ولا يبقى لهم منه بقية، { وأمرهم شورى بينهم } أي: لا يستبد أحدهم برأي، ويتهم رأيه وأمره، ثم إذا أراد القطع توكل على الله. ه. وحاصل ما اشتملت عليه الآية في رد الغضب: أربع مقامات: الأول: قوم من شأنهم الغفران مطلقا، قدروا أو عجزوا، لا يتحركون في الانتصار قط، وهو قوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون }. والثاني: قوم قادرون على إنفاذ الغضب، فتحركوا في الانتصار، ثم عفوا بعد الاقتدار، وهذا قوله: { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } ، ثم قال: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله }. والثالث: قوم قدروا وانتصروا، وأخذوا حقهم، لكن وقفوا عند ما حد لهم، وهو قوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه... } الآية. والرابع: قوم ظلموا، فعفوا، وزادوا الإحسان إلى من أساء إليهم، والدعاء له بالمغفرة، حتى يصير مرحوما بهم، وهي رتبة الصديقية، أن ينتفع بهم أعداؤهم، وهو قوله تعالى: { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } ، ولذلك جعل الله هذا القسم من عزم الأمور. وعند الصوفية: ثلاث طبقات: العامة ينتصرون، والخاصة لا ينتصرون، لكن يرفعون أمرهم إلى الله في أخذ حقهم من ظالمهم، وخاصة الخاصة يحسنون لمن أساء إليهم، كما تقدم. وقال القشيري: { والذين إذا أصابهم البغي } وهو الظلم، ينتصرون لعلمهم أن الظلم أصابهم من قبل أنفسهم، فينتصرون من الظالم، وهو النفس، ويكبحون عنانها من الركض في ميدان المخالفة. ثم قال: قوله: { ولمن انتصر... } الآية، علم الله أن من عباده من لا يجد الحرية من أحكام النفس، ولا يستمكن من محاسن الخلق، فرخص لهم في المكافأة على سبيل العدل والقسط، وإن كان الأولى بهم الصفح والعفو. ه. ثم ذكر وبال الظلم وعقوبته، فقال: { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده }.

الشورى 42:44

يقول الحق جل جلاله: { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده } أي: فما له من أحد يلي هدايته من بعد إضلال الله إياه، ويمنعه من عذابه. { وترى الظالمين } يوم القيامة، وهم الذين أضلهم الله، { لما رأوا العذاب } حين يرون العذاب، وأتى بصيغة الماضي للدلالة على تحقيق الوقوع، { يقولون هل إلى مرد } رجعة إلى الدنيا { من سبيل } حتى نؤمن ونعمل صالحا. { وتراهم يعرضون عليها } على النار، يدل عليها ذكر العذاب. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية { خاشعين من الذل } متذللين متضائلين مما دهاهم، فالخشوع: خفض البصر وإظهار الذل، { ينظرون } إلى النار { من طرف خفي } ضعيف بمسارقة، كما ترى المصبور ينظر إلى السيف عند إرادة قتله. { وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم } بالتعرض للعذاب الخالد { يوم القيامة } ، و " يوم ": متعلق بخسروا. وقول المؤمنين واقع في الدنيا. ويقال، أي: يقولونه يوم القيامة، إذا رأوهم على تلك الصفة: { ألا إن الظالمين في عذاب مقيم } دائم، { وما كان لهم من أولياء ينصرونهم } برفع العذاب عنهم { من دون الله } حسبما كانوا يرجون ذلك في الدنيا، { ومن يضلل الله فما له من سبيل } إلى النجاة. { استجيبوا لربكم } إلى ما دعاكم إليه على لسان نبيه، { من قبل أن يأتي يوم } أي: يوم القيامة { لا مرد له من الله } أي: لا يرده الله بعد ما حكم بمجيئه، ف " من " متعلق ب " لا مرد " ، أو: ب " يأتي " أي: من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على رده، { ما لكم من ملجأ يومئذ } أي: مفر تلتجئون إليه، { وما لكم من نكير } أي: وليس لكم إنكار لما اقترفتموه لأنه مدون في صحائف أعمالكم، وتشهد عليكم جوارحكم. { فإن أعرضوا } عن الإيمان { فما أرسلناك عليهم حفيظا } رقيبا، تحفظ أعمالهم، وتحاسبهم، { إن عليك إلا البلاغ } ما عليك إلا تبليغ الرسالة، وقد بلغت، وليس المانع لهم من الإيمان عدم التبليغ، وإنما المانع: الطغيان وبطر النعمة، كما قال تعالى: { وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة } أي: نعمة من الصحة، والغنى، والأمن، { فرح بها } وقابلها بالبطر، وتوصل بها إلى المخالفة والعصيان. وأريد بالإنسان الجنس، لقوله تعالى: { وإن تصبهم سيئة } ، بلاء، من مرض، وفقر، وخوف، { بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور } بليغ الكفر، ينسى النعمة رأسا، ويذكر البلية، ويستعظمها، بل يزعم أنها أصابته من غير استحقاق. وأفرد الضمير في فرح مراعاة للفظ، وجمعه في " تصبهم " مراعاة للمعنى. وإسناد هذه الخصلة إلى الجنس مع كونها من خواص الجنس، لغلبتها فيهم. وتصدير الشرطية الأولى بإذا، مع إسناد الإذاقة إلى نون العظمة للتنبيه على أن إيصال الرحمة محقق الوجود، كثير الوقوع، وأنه مراد بالذات، كما أن تصدير الثانية بأن، وإسناد الإصابة إلى السيئة، وتعليلها بأعمالهم للإيذان بندرة وقوعها، وأنها غير مرادة بالذات، " إن رحمتي سبقت غضبي ". ووضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم. قاله أبو السعود. الإشارة: من تنكبته العناية السابقة، وأدركته الغواية اللاحقة، لم ينفع فيه وعظ ولا تذكير، وليس له من عذاب الله ولي ولا نصير، فإذا تحققت الحقائق، وطلب الرجوع، لم يجد له سبيلا، وبقي في الهوان خاشعا ذليلا، فيعيرهم من سبقت لهم العناية، من أهل الجد والتشمير، ويقولون: هؤلاء الذين خسروا أنفسهم، حيث لم يتعبوها في مرضاة الله، وأهليهم، حيث لم يذكروهم الله. قال القشيري: قوله تعالى: { استجيبوا لربكم } بالوفاء بعهده، والقيام بحقه، والرجوع من مخالفته إلى موافقته، والاستسلام في كل وقت لحكمه والطريق اليوم إلى الاستجابة مفتوح، وعن قريب سيغلق الباب على القلب بغتة، ويؤخذ فلتة. ه. ويقال لكل واعظ وداع: { فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا... } الآية. ثم بين وجه ما تقدم، من أن الأمور كلها بيده، هداية وإضلالا، وإنعاما وابتلاء، فقال: { لله ملك السماوات والأرض }.

الشورى 42:45

يقول الحق جل جلاله: { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده } أي: فما له من أحد يلي هدايته من بعد إضلال الله إياه، ويمنعه من عذابه. { وترى الظالمين } يوم القيامة، وهم الذين أضلهم الله، { لما رأوا العذاب } حين يرون العذاب، وأتى بصيغة الماضي للدلالة على تحقيق الوقوع، { يقولون هل إلى مرد } رجعة إلى الدنيا { من سبيل } حتى نؤمن ونعمل صالحا. { وتراهم يعرضون عليها } على النار، يدل عليها ذكر العذاب. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية { خاشعين من الذل } متذللين متضائلين مما دهاهم، فالخشوع: خفض البصر وإظهار الذل، { ينظرون } إلى النار { من طرف خفي } ضعيف بمسارقة، كما ترى المصبور ينظر إلى السيف عند إرادة قتله. { وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم } بالتعرض للعذاب الخالد { يوم القيامة } ، و " يوم ": متعلق بخسروا. وقول المؤمنين واقع في الدنيا. ويقال، أي: يقولونه يوم القيامة، إذا رأوهم على تلك الصفة: { ألا إن الظالمين في عذاب مقيم } دائم، { وما كان لهم من أولياء ينصرونهم } برفع العذاب عنهم { من دون الله } حسبما كانوا يرجون ذلك في الدنيا، { ومن يضلل الله فما له من سبيل } إلى النجاة. { استجيبوا لربكم } إلى ما دعاكم إليه على لسان نبيه، { من قبل أن يأتي يوم } أي: يوم القيامة { لا مرد له من الله } أي: لا يرده الله بعد ما حكم بمجيئه، ف " من " متعلق ب " لا مرد " ، أو: ب " يأتي " أي: من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على رده، { ما لكم من ملجأ يومئذ } أي: مفر تلتجئون إليه، { وما لكم من نكير } أي: وليس لكم إنكار لما اقترفتموه لأنه مدون في صحائف أعمالكم، وتشهد عليكم جوارحكم. { فإن أعرضوا } عن الإيمان { فما أرسلناك عليهم حفيظا } رقيبا، تحفظ أعمالهم، وتحاسبهم، { إن عليك إلا البلاغ } ما عليك إلا تبليغ الرسالة، وقد بلغت، وليس المانع لهم من الإيمان عدم التبليغ، وإنما المانع: الطغيان وبطر النعمة، كما قال تعالى: { وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة } أي: نعمة من الصحة، والغنى، والأمن، { فرح بها } وقابلها بالبطر، وتوصل بها إلى المخالفة والعصيان. وأريد بالإنسان الجنس، لقوله تعالى: { وإن تصبهم سيئة } ، بلاء، من مرض، وفقر، وخوف، { بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور } بليغ الكفر، ينسى النعمة رأسا، ويذكر البلية، ويستعظمها، بل يزعم أنها أصابته من غير استحقاق. وأفرد الضمير في فرح مراعاة للفظ، وجمعه في " تصبهم " مراعاة للمعنى. وإسناد هذه الخصلة إلى الجنس مع كونها من خواص الجنس، لغلبتها فيهم. وتصدير الشرطية الأولى بإذا، مع إسناد الإذاقة إلى نون العظمة للتنبيه على أن إيصال الرحمة محقق الوجود، كثير الوقوع، وأنه مراد بالذات، كما أن تصدير الثانية بأن، وإسناد الإصابة إلى السيئة، وتعليلها بأعمالهم للإيذان بندرة وقوعها، وأنها غير مرادة بالذات، " إن رحمتي سبقت غضبي ". ووضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم. قاله أبو السعود. الإشارة: من تنكبته العناية السابقة، وأدركته الغواية اللاحقة، لم ينفع فيه وعظ ولا تذكير، وليس له من عذاب الله ولي ولا نصير، فإذا تحققت الحقائق، وطلب الرجوع، لم يجد له سبيلا، وبقي في الهوان خاشعا ذليلا، فيعيرهم من سبقت لهم العناية، من أهل الجد والتشمير، ويقولون: هؤلاء الذين خسروا أنفسهم، حيث لم يتعبوها في مرضاة الله، وأهليهم، حيث لم يذكروهم الله. قال القشيري: قوله تعالى: { استجيبوا لربكم } بالوفاء بعهده، والقيام بحقه، والرجوع من مخالفته إلى موافقته، والاستسلام في كل وقت لحكمه والطريق اليوم إلى الاستجابة مفتوح، وعن قريب سيغلق الباب على القلب بغتة، ويؤخذ فلتة. ه. ويقال لكل واعظ وداع: { فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا... } الآية. ثم بين وجه ما تقدم، من أن الأمور كلها بيده، هداية وإضلالا، وإنعاما وابتلاء، فقال: { لله ملك السماوات والأرض }.

الشورى 42:46

يقول الحق جل جلاله: { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده } أي: فما له من أحد يلي هدايته من بعد إضلال الله إياه، ويمنعه من عذابه. { وترى الظالمين } يوم القيامة، وهم الذين أضلهم الله، { لما رأوا العذاب } حين يرون العذاب، وأتى بصيغة الماضي للدلالة على تحقيق الوقوع، { يقولون هل إلى مرد } رجعة إلى الدنيا { من سبيل } حتى نؤمن ونعمل صالحا. { وتراهم يعرضون عليها } على النار، يدل عليها ذكر العذاب. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية { خاشعين من الذل } متذللين متضائلين مما دهاهم، فالخشوع: خفض البصر وإظهار الذل، { ينظرون } إلى النار { من طرف خفي } ضعيف بمسارقة، كما ترى المصبور ينظر إلى السيف عند إرادة قتله. { وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم } بالتعرض للعذاب الخالد { يوم القيامة } ، و " يوم ": متعلق بخسروا. وقول المؤمنين واقع في الدنيا. ويقال، أي: يقولونه يوم القيامة، إذا رأوهم على تلك الصفة: { ألا إن الظالمين في عذاب مقيم } دائم، { وما كان لهم من أولياء ينصرونهم } برفع العذاب عنهم { من دون الله } حسبما كانوا يرجون ذلك في الدنيا، { ومن يضلل الله فما له من سبيل } إلى النجاة. { استجيبوا لربكم } إلى ما دعاكم إليه على لسان نبيه، { من قبل أن يأتي يوم } أي: يوم القيامة { لا مرد له من الله } أي: لا يرده الله بعد ما حكم بمجيئه، ف " من " متعلق ب " لا مرد " ، أو: ب " يأتي " أي: من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على رده، { ما لكم من ملجأ يومئذ } أي: مفر تلتجئون إليه، { وما لكم من نكير } أي: وليس لكم إنكار لما اقترفتموه لأنه مدون في صحائف أعمالكم، وتشهد عليكم جوارحكم. { فإن أعرضوا } عن الإيمان { فما أرسلناك عليهم حفيظا } رقيبا، تحفظ أعمالهم، وتحاسبهم، { إن عليك إلا البلاغ } ما عليك إلا تبليغ الرسالة، وقد بلغت، وليس المانع لهم من الإيمان عدم التبليغ، وإنما المانع: الطغيان وبطر النعمة، كما قال تعالى: { وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة } أي: نعمة من الصحة، والغنى، والأمن، { فرح بها } وقابلها بالبطر، وتوصل بها إلى المخالفة والعصيان. وأريد بالإنسان الجنس، لقوله تعالى: { وإن تصبهم سيئة } ، بلاء، من مرض، وفقر، وخوف، { بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور } بليغ الكفر، ينسى النعمة رأسا، ويذكر البلية، ويستعظمها، بل يزعم أنها أصابته من غير استحقاق. وأفرد الضمير في فرح مراعاة للفظ، وجمعه في " تصبهم " مراعاة للمعنى. وإسناد هذه الخصلة إلى الجنس مع كونها من خواص الجنس، لغلبتها فيهم. وتصدير الشرطية الأولى بإذا، مع إسناد الإذاقة إلى نون العظمة للتنبيه على أن إيصال الرحمة محقق الوجود، كثير الوقوع، وأنه مراد بالذات، كما أن تصدير الثانية بأن، وإسناد الإصابة إلى السيئة، وتعليلها بأعمالهم للإيذان بندرة وقوعها، وأنها غير مرادة بالذات، " إن رحمتي سبقت غضبي ". ووضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم. قاله أبو السعود. الإشارة: من تنكبته العناية السابقة، وأدركته الغواية اللاحقة، لم ينفع فيه وعظ ولا تذكير، وليس له من عذاب الله ولي ولا نصير، فإذا تحققت الحقائق، وطلب الرجوع، لم يجد له سبيلا، وبقي في الهوان خاشعا ذليلا، فيعيرهم من سبقت لهم العناية، من أهل الجد والتشمير، ويقولون: هؤلاء الذين خسروا أنفسهم، حيث لم يتعبوها في مرضاة الله، وأهليهم، حيث لم يذكروهم الله. قال القشيري: قوله تعالى: { استجيبوا لربكم } بالوفاء بعهده، والقيام بحقه، والرجوع من مخالفته إلى موافقته، والاستسلام في كل وقت لحكمه والطريق اليوم إلى الاستجابة مفتوح، وعن قريب سيغلق الباب على القلب بغتة، ويؤخذ فلتة. ه. ويقال لكل واعظ وداع: { فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا... } الآية. ثم بين وجه ما تقدم، من أن الأمور كلها بيده، هداية وإضلالا، وإنعاما وابتلاء، فقال: { لله ملك السماوات والأرض }.

الشورى 42:47

يقول الحق جل جلاله: { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده } أي: فما له من أحد يلي هدايته من بعد إضلال الله إياه، ويمنعه من عذابه. { وترى الظالمين } يوم القيامة، وهم الذين أضلهم الله، { لما رأوا العذاب } حين يرون العذاب، وأتى بصيغة الماضي للدلالة على تحقيق الوقوع، { يقولون هل إلى مرد } رجعة إلى الدنيا { من سبيل } حتى نؤمن ونعمل صالحا. { وتراهم يعرضون عليها } على النار، يدل عليها ذكر العذاب. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية { خاشعين من الذل } متذللين متضائلين مما دهاهم، فالخشوع: خفض البصر وإظهار الذل، { ينظرون } إلى النار { من طرف خفي } ضعيف بمسارقة، كما ترى المصبور ينظر إلى السيف عند إرادة قتله. { وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم } بالتعرض للعذاب الخالد { يوم القيامة } ، و " يوم ": متعلق بخسروا. وقول المؤمنين واقع في الدنيا. ويقال، أي: يقولونه يوم القيامة، إذا رأوهم على تلك الصفة: { ألا إن الظالمين في عذاب مقيم } دائم، { وما كان لهم من أولياء ينصرونهم } برفع العذاب عنهم { من دون الله } حسبما كانوا يرجون ذلك في الدنيا، { ومن يضلل الله فما له من سبيل } إلى النجاة. { استجيبوا لربكم } إلى ما دعاكم إليه على لسان نبيه، { من قبل أن يأتي يوم } أي: يوم القيامة { لا مرد له من الله } أي: لا يرده الله بعد ما حكم بمجيئه، ف " من " متعلق ب " لا مرد " ، أو: ب " يأتي " أي: من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على رده، { ما لكم من ملجأ يومئذ } أي: مفر تلتجئون إليه، { وما لكم من نكير } أي: وليس لكم إنكار لما اقترفتموه لأنه مدون في صحائف أعمالكم، وتشهد عليكم جوارحكم. { فإن أعرضوا } عن الإيمان { فما أرسلناك عليهم حفيظا } رقيبا، تحفظ أعمالهم، وتحاسبهم، { إن عليك إلا البلاغ } ما عليك إلا تبليغ الرسالة، وقد بلغت، وليس المانع لهم من الإيمان عدم التبليغ، وإنما المانع: الطغيان وبطر النعمة، كما قال تعالى: { وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة } أي: نعمة من الصحة، والغنى، والأمن، { فرح بها } وقابلها بالبطر، وتوصل بها إلى المخالفة والعصيان. وأريد بالإنسان الجنس، لقوله تعالى: { وإن تصبهم سيئة } ، بلاء، من مرض، وفقر، وخوف، { بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور } بليغ الكفر، ينسى النعمة رأسا، ويذكر البلية، ويستعظمها، بل يزعم أنها أصابته من غير استحقاق. وأفرد الضمير في فرح مراعاة للفظ، وجمعه في " تصبهم " مراعاة للمعنى. وإسناد هذه الخصلة إلى الجنس مع كونها من خواص الجنس، لغلبتها فيهم. وتصدير الشرطية الأولى بإذا، مع إسناد الإذاقة إلى نون العظمة للتنبيه على أن إيصال الرحمة محقق الوجود، كثير الوقوع، وأنه مراد بالذات، كما أن تصدير الثانية بأن، وإسناد الإصابة إلى السيئة، وتعليلها بأعمالهم للإيذان بندرة وقوعها، وأنها غير مرادة بالذات، " إن رحمتي سبقت غضبي ". ووضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم. قاله أبو السعود. الإشارة: من تنكبته العناية السابقة، وأدركته الغواية اللاحقة، لم ينفع فيه وعظ ولا تذكير، وليس له من عذاب الله ولي ولا نصير، فإذا تحققت الحقائق، وطلب الرجوع، لم يجد له سبيلا، وبقي في الهوان خاشعا ذليلا، فيعيرهم من سبقت لهم العناية، من أهل الجد والتشمير، ويقولون: هؤلاء الذين خسروا أنفسهم، حيث لم يتعبوها في مرضاة الله، وأهليهم، حيث لم يذكروهم الله. قال القشيري: قوله تعالى: { استجيبوا لربكم } بالوفاء بعهده، والقيام بحقه، والرجوع من مخالفته إلى موافقته، والاستسلام في كل وقت لحكمه والطريق اليوم إلى الاستجابة مفتوح، وعن قريب سيغلق الباب على القلب بغتة، ويؤخذ فلتة. ه. ويقال لكل واعظ وداع: { فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا... } الآية. ثم بين وجه ما تقدم، من أن الأمور كلها بيده، هداية وإضلالا، وإنعاما وابتلاء، فقال: { لله ملك السماوات والأرض }.

الشورى 42:48

يقول الحق جل جلاله: { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده } أي: فما له من أحد يلي هدايته من بعد إضلال الله إياه، ويمنعه من عذابه. { وترى الظالمين } يوم القيامة، وهم الذين أضلهم الله، { لما رأوا العذاب } حين يرون العذاب، وأتى بصيغة الماضي للدلالة على تحقيق الوقوع، { يقولون هل إلى مرد } رجعة إلى الدنيا { من سبيل } حتى نؤمن ونعمل صالحا. { وتراهم يعرضون عليها } على النار، يدل عليها ذكر العذاب. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية { خاشعين من الذل } متذللين متضائلين مما دهاهم، فالخشوع: خفض البصر وإظهار الذل، { ينظرون } إلى النار { من طرف خفي } ضعيف بمسارقة، كما ترى المصبور ينظر إلى السيف عند إرادة قتله. { وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم } بالتعرض للعذاب الخالد { يوم القيامة } ، و " يوم ": متعلق بخسروا. وقول المؤمنين واقع في الدنيا. ويقال، أي: يقولونه يوم القيامة، إذا رأوهم على تلك الصفة: { ألا إن الظالمين في عذاب مقيم } دائم، { وما كان لهم من أولياء ينصرونهم } برفع العذاب عنهم { من دون الله } حسبما كانوا يرجون ذلك في الدنيا، { ومن يضلل الله فما له من سبيل } إلى النجاة. { استجيبوا لربكم } إلى ما دعاكم إليه على لسان نبيه، { من قبل أن يأتي يوم } أي: يوم القيامة { لا مرد له من الله } أي: لا يرده الله بعد ما حكم بمجيئه، ف " من " متعلق ب " لا مرد " ، أو: ب " يأتي " أي: من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على رده، { ما لكم من ملجأ يومئذ } أي: مفر تلتجئون إليه، { وما لكم من نكير } أي: وليس لكم إنكار لما اقترفتموه لأنه مدون في صحائف أعمالكم، وتشهد عليكم جوارحكم. { فإن أعرضوا } عن الإيمان { فما أرسلناك عليهم حفيظا } رقيبا، تحفظ أعمالهم، وتحاسبهم، { إن عليك إلا البلاغ } ما عليك إلا تبليغ الرسالة، وقد بلغت، وليس المانع لهم من الإيمان عدم التبليغ، وإنما المانع: الطغيان وبطر النعمة، كما قال تعالى: { وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة } أي: نعمة من الصحة، والغنى، والأمن، { فرح بها } وقابلها بالبطر، وتوصل بها إلى المخالفة والعصيان. وأريد بالإنسان الجنس، لقوله تعالى: { وإن تصبهم سيئة } ، بلاء، من مرض، وفقر، وخوف، { بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور } بليغ الكفر، ينسى النعمة رأسا، ويذكر البلية، ويستعظمها، بل يزعم أنها أصابته من غير استحقاق. وأفرد الضمير في فرح مراعاة للفظ، وجمعه في " تصبهم " مراعاة للمعنى. وإسناد هذه الخصلة إلى الجنس مع كونها من خواص الجنس، لغلبتها فيهم. وتصدير الشرطية الأولى بإذا، مع إسناد الإذاقة إلى نون العظمة للتنبيه على أن إيصال الرحمة محقق الوجود، كثير الوقوع، وأنه مراد بالذات، كما أن تصدير الثانية بأن، وإسناد الإصابة إلى السيئة، وتعليلها بأعمالهم للإيذان بندرة وقوعها، وأنها غير مرادة بالذات، " إن رحمتي سبقت غضبي ". ووضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم. قاله أبو السعود. الإشارة: من تنكبته العناية السابقة، وأدركته الغواية اللاحقة، لم ينفع فيه وعظ ولا تذكير، وليس له من عذاب الله ولي ولا نصير، فإذا تحققت الحقائق، وطلب الرجوع، لم يجد له سبيلا، وبقي في الهوان خاشعا ذليلا، فيعيرهم من سبقت لهم العناية، من أهل الجد والتشمير، ويقولون: هؤلاء الذين خسروا أنفسهم، حيث لم يتعبوها في مرضاة الله، وأهليهم، حيث لم يذكروهم الله. قال القشيري: قوله تعالى: { استجيبوا لربكم } بالوفاء بعهده، والقيام بحقه، والرجوع من مخالفته إلى موافقته، والاستسلام في كل وقت لحكمه والطريق اليوم إلى الاستجابة مفتوح، وعن قريب سيغلق الباب على القلب بغتة، ويؤخذ فلتة. ه. ويقال لكل واعظ وداع: { فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا... } الآية. ثم بين وجه ما تقدم، من أن الأمور كلها بيده، هداية وإضلالا، وإنعاما وابتلاء، فقال: { لله ملك السماوات والأرض }.

الشورى 42:49

يقول الحق جل جلاله: { لله ملك السماوات والأرض } أي: يملك التصرف فيهما، وفي كل ما فيهما، كيف يشاء، ومن جملته: أن يقسم النعمة والبلية، حسبما يريده. { يخلق ما يشاء } مما يعلمه الخلق ومما لا يعلمونه، { يهب لمن يشاء إناثا } من الأولاد { ويهب لمن يشاء الذكور } منهم، من غير أن يكون لأحد في ذلك مدخل، { أو يزوجهم } أي: يقرن بين الصنفين، ويهبهما جميعا { ذكرانا وإناثا } ، بأن تلد غلاما ثم جارية، أو تلدهما معا. { ويجعل من يشاء عقيما } لا نسل له. والعقيم: الذي لا يولد له، رجل أو امرأة. وقدم الإناث أولا على الذكور لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء، لا ما يشاؤه الإنسان، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم، أو: لأن الكلام في البلاء، والعرب تعدهن عظيم البلايا، أو: تطييب القلوب آبائهم، ولما أخر الذكور وهم أحقاء بالتقديم تدارك ذلك بتعريفهم لأن التعريف تنويه وتشريف، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين ما يستحقه من التقديم والتأخير، فقال: { ذكرانا وإناثا }. وقيل المراد: أحوال الأنبياء عليهم السلام حيث وهب لشعيب ولوط إناثا، ولإبراهيم ذكورا، وللنبي صلى الله عليه وسلم ذكورا وإناثا، وجعل يحيى وعيسى عقيمين. { إنه عليم قدير } مبالغ في العلم والقدرة، فيفعل ما فيه حكمة ومصلحة. الإشارة: يهب لمن يشاء إناثا، علوما وحسنات، ويهب لمن يشاء الذكور، أذواقا وواردات، ويجعل من يشاء عقيما، لا علم ولا ذوق، وانظر لطائف المنن. أو تقول: يهب لمن يشاء إناثا من ورث علم الرسوم الظاهر، وأقيمت بعده، ويهب لمن يشاء الذكور من ورث علم الأذواق والوجدان، وعمر رجالا، أو يزوجهم من ورثهما، ويجعل من يشاء عقيما لم يترك وارثا، لا من الظاهر، ولا من الباطن، وقد يكون كاملا وهو عقيم، وقد يكون غير كامل وله أولاد كثيرة، لكن الغالب على من له أولاد أن يتسع بهم، بخلاف العقيم. والله تعالى أعلم. ثم قرر عظمة ملكه، فقال: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا }.

الشورى 42:50

يقول الحق جل جلاله: { لله ملك السماوات والأرض } أي: يملك التصرف فيهما، وفي كل ما فيهما، كيف يشاء، ومن جملته: أن يقسم النعمة والبلية، حسبما يريده. { يخلق ما يشاء } مما يعلمه الخلق ومما لا يعلمونه، { يهب لمن يشاء إناثا } من الأولاد { ويهب لمن يشاء الذكور } منهم، من غير أن يكون لأحد في ذلك مدخل، { أو يزوجهم } أي: يقرن بين الصنفين، ويهبهما جميعا { ذكرانا وإناثا } ، بأن تلد غلاما ثم جارية، أو تلدهما معا. { ويجعل من يشاء عقيما } لا نسل له. والعقيم: الذي لا يولد له، رجل أو امرأة. وقدم الإناث أولا على الذكور لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء، لا ما يشاؤه الإنسان، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم، أو: لأن الكلام في البلاء، والعرب تعدهن عظيم البلايا، أو: تطييب القلوب آبائهم، ولما أخر الذكور وهم أحقاء بالتقديم تدارك ذلك بتعريفهم لأن التعريف تنويه وتشريف، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين ما يستحقه من التقديم والتأخير، فقال: { ذكرانا وإناثا }. وقيل المراد: أحوال الأنبياء عليهم السلام حيث وهب لشعيب ولوط إناثا، ولإبراهيم ذكورا، وللنبي صلى الله عليه وسلم ذكورا وإناثا، وجعل يحيى وعيسى عقيمين. { إنه عليم قدير } مبالغ في العلم والقدرة، فيفعل ما فيه حكمة ومصلحة. الإشارة: يهب لمن يشاء إناثا، علوما وحسنات، ويهب لمن يشاء الذكور، أذواقا وواردات، ويجعل من يشاء عقيما، لا علم ولا ذوق، وانظر لطائف المنن. أو تقول: يهب لمن يشاء إناثا من ورث علم الرسوم الظاهر، وأقيمت بعده، ويهب لمن يشاء الذكور من ورث علم الأذواق والوجدان، وعمر رجالا، أو يزوجهم من ورثهما، ويجعل من يشاء عقيما لم يترك وارثا، لا من الظاهر، ولا من الباطن، وقد يكون كاملا وهو عقيم، وقد يكون غير كامل وله أولاد كثيرة، لكن الغالب على من له أولاد أن يتسع بهم، بخلاف العقيم. والله تعالى أعلم. ثم قرر عظمة ملكه، فقال: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا }.

الشورى 42:51

يقول الحق جل جلاله: { وما كان لبشر } أي: ما صح لأحد من البشر { أن يكلمه الله } بوجه من الوجوه { إلا وحيا } إلهاما، كقوله عليه الصلاة السلام: " ألقي في روعي " أو: رؤيا في المنام لقوله صلى الله عليه وسلم: " رؤيا الأنبياء وحي " كأمر إبراهيم عليه السلام بذبح الولد، وكما أوحي إلى أم موسى، روي عن مجاهد: " أوحى الله الزبور إلى داود عليه السلام في صدره ". { أو من وراء حجاب } بأن يسمع كلاما من الله، من غير رؤية السامع من يكلمه، كما سمع موسى عليه السلام من الشجرة، ومن الفضاء في جبل الطور، وليس المراد به حجاب الله تعالى على عبده حسا إذ لا حجاب بينه وبين خلقه حسا، وإنما المراد: المنع من رؤية الذات بلا واسطة. { أو يرسل رسولا } أو: بأن يرسل ملكا { فيوحي } الملك { بإذنه } بإذن الله تعالى وتيسيره { ما يشاء } من الوحي. وهذا هو الذي يجري بينه تعالى وبين أنبيائه في عامة الأوقات. روي: أن اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تكلم الله، وتنظر إليه إن كنت نبيا، كما كلمة موسى، ونظر إليه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " لم ينظر موسى إلى الله تعالى " فنزلت. والذي عليه جمهور المحققين أن نبينا عليه الصلاة والسلام رأى ربه ليلة المعراج، وكلمه مشافهة، وعليه حمل البيضاوي قوله تعالى: { إلا وحيا } لأن الوحي هو: الكلام الخفي، المدرك بسرعة، أعم من أن يكون مشافهة أو غيرها. قال الطيبي: وإذا حمل الوحي على ما قاله البيضاوي، وأنه المشافهة، المعنى بقوله: فأوحى إلى عبده مآ أوحى [النجم: 10] اتجه ترتيب الآية، وأنه ذكر أولا الكلام بلا واسطة، بل مشافهة، وهو حال نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر ما كان بغير واسطة، ولكن لا بمشافهة، بل من وراء الغيب، ثم ذكر الكلام بواسطة الإرسال. ه. بالمعنى. { إنه علي } متعال عن صفات المخلوقين، لا يتأتى جريان المفاوضة بينه تعالى وبينهم إلا بأحد الوجوه المذكورة، ولا تكون المكافحة إلا بالغيبة عن حس البشرية، { حيكم } يجري أفعاله على سنن الحكمة، فيكلم تارة بواسطة، وأخرى بدونها، مكافحة، أو غيرها. { وكذلك } أي: ومثل ذلك الإيحاء البديع كما وصفنا { أوحينا إليك روحا من أمرنا } وهو القرآن، الذي هو للقلوب بمنزلة الروح للأبدان، فحييت الحياة الأبدية. { ما كنت تدري } قبل الوحي { ما الكتاب } أي شيء هو، { ولا الإيمان } بما في تضاعيف الكتاب من الأمور التي لا تهتدي إليها العقول، لا الإيمان بما يستقل به العقل والنظر، فإن درايته صلى الله عليه وسلم مما لا ريب فيه قطعا. قال القشيري: ما كنت تدري قبل هذا ما القرآن ولا الإيمان بتفصيل هذه الشرائع. وقال الشيخ البكري: أي الإيمان على الوجه الأخص، المرتب على تنزلات الآيات، وتلاوة البينات، واستكشاف وجه الحق بأنوار العلم المنزل على قلبه من حضرة ربه. ه. وقال ابن المنير: الإيمان برسالة نفسه، وهو المنفي عنه قبل الوحي لأن حقيقة الإيمان: التصديق بالله وبرسوله. ه. { ولكن جعلناه } أي: الروح الذي أوحيناه إليك { نورا نهدي به من نشاء } هدايته { من عبادنا } ، وهو الذي يصرف اختياره نحو الاهتداء به. { وإنك لتهدي } بذلك النور من نشاء هدايته، أو: وإنك لتدعو { إلى صراط مستقيم } هو الإسلام وسائر الشرائع والأحكام، { صراط الله } بدل من الأول، وإضافته إلى الاسم الجليل، ثم وصفه بقوله تعالى: { الذي له ما في السماوات وما في الأرض } لتفخيم شأنه، وتقرير استقامته، وتأكيد وجوب سلوكه فإن كون جميع ما فيهما من الموجودات له تعالى، خلقا، وملكا، وتصرفا، مما يوجب ذلك أتم الإيجاب. { ألا إلى الله تصير الأمور } أي: الأمور قاطبة راجعة إليه، لا إلى غيره، فيتصرف فيها على وفق حكمته ومشيئته. الإشارة: قد تحصل للأولياء المكالمة مع الحق تعالى بواسطة تجلياته، فيسمعون خطابه تعالى من البشر والحجر، أو بلا واسطة، بحيث يسمعون الكلام من الفضاء، وإليه أشار الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه بقوله: " وهب لنا مشاهدة تصحبها مكالمة " ، ولا تكون هذه الحالة إلا للأكابر من أهل الفناء والبقاء. وأما مكالمة الحق من النور الأقدس، بلا واسطة، فهو خاص نبينا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه: والذي عندي أن التكلم على المكافحة والمشابهة إنما يكون بالانخلاع عن البشرية، ومحوها، والبقاء بصفات الربوبية، وذلك إشارة إلى أنه عليه السلام إنما شوفه وكلم بعد العروج عن أرض الطبيعة إلى سماء الحقيقة. وكان بالأرض يكلم بالواسطة، وموسى كلم بغير واسطة، ولكن بغير مشافهة، ولذلك كان كلامه بالأرض، ولم يعط الرؤية لأنها لا تكون في الأرض، أي في أرض البشرية، بل لا بد من الغيبة عنها. وذهب الورتجبي إلى أن الحصر فيما ذكر في الآية إنما هو لمن كان في حجاب البشرية، فأما من خرج عنها إلى الغيب، وألبس نور القرب وكحل عينه بنوره تعالى، ومد سمعه بقوة الربوبية، فإنه يخاطب كفاحا وعيانا. ونقل مثل ذلك عن الواسطي، فراجع بسطه فيه. والفرق بينه وبين ما ذكرنا: أن خطاب المكافحة عنده خارجة من الثلاثة المذكورة في الآية، وعندنا داخلة في قوله: { إلا وحيا } لأنه أعم من المشافهة، والله أعلم. وقوله تعالى: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } أي: طريق الوصول والترقي أبدا، فيؤخذ منه: أن وساطته صلى الله عليه وسلم لا تنقطع عن المريد أبدا لأن الترقي يكون باستعمال أدب العبودية، وهي مأخوذة عنه صلى الله عليه وسلم، وكما أن الترقي لا ينقطع فالأدب الذي هو سلوك طريقته صلى الله عليه وسلم لا ينقطع. والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

الشورى 42:52

يقول الحق جل جلاله: { وما كان لبشر } أي: ما صح لأحد من البشر { أن يكلمه الله } بوجه من الوجوه { إلا وحيا } إلهاما، كقوله عليه الصلاة السلام: " ألقي في روعي " أو: رؤيا في المنام لقوله صلى الله عليه وسلم: " رؤيا الأنبياء وحي " كأمر إبراهيم عليه السلام بذبح الولد، وكما أوحي إلى أم موسى، روي عن مجاهد: " أوحى الله الزبور إلى داود عليه السلام في صدره ". { أو من وراء حجاب } بأن يسمع كلاما من الله، من غير رؤية السامع من يكلمه، كما سمع موسى عليه السلام من الشجرة، ومن الفضاء في جبل الطور، وليس المراد به حجاب الله تعالى على عبده حسا إذ لا حجاب بينه وبين خلقه حسا، وإنما المراد: المنع من رؤية الذات بلا واسطة. { أو يرسل رسولا } أو: بأن يرسل ملكا { فيوحي } الملك { بإذنه } بإذن الله تعالى وتيسيره { ما يشاء } من الوحي. وهذا هو الذي يجري بينه تعالى وبين أنبيائه في عامة الأوقات. روي: أن اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تكلم الله، وتنظر إليه إن كنت نبيا، كما كلمة موسى، ونظر إليه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " لم ينظر موسى إلى الله تعالى " فنزلت. والذي عليه جمهور المحققين أن نبينا عليه الصلاة والسلام رأى ربه ليلة المعراج، وكلمه مشافهة، وعليه حمل البيضاوي قوله تعالى: { إلا وحيا } لأن الوحي هو: الكلام الخفي، المدرك بسرعة، أعم من أن يكون مشافهة أو غيرها. قال الطيبي: وإذا حمل الوحي على ما قاله البيضاوي، وأنه المشافهة، المعنى بقوله: فأوحى إلى عبده مآ أوحى [النجم: 10] اتجه ترتيب الآية، وأنه ذكر أولا الكلام بلا واسطة، بل مشافهة، وهو حال نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر ما كان بغير واسطة، ولكن لا بمشافهة، بل من وراء الغيب، ثم ذكر الكلام بواسطة الإرسال. ه. بالمعنى. { إنه علي } متعال عن صفات المخلوقين، لا يتأتى جريان المفاوضة بينه تعالى وبينهم إلا بأحد الوجوه المذكورة، ولا تكون المكافحة إلا بالغيبة عن حس البشرية، { حيكم } يجري أفعاله على سنن الحكمة، فيكلم تارة بواسطة، وأخرى بدونها، مكافحة، أو غيرها. { وكذلك } أي: ومثل ذلك الإيحاء البديع كما وصفنا { أوحينا إليك روحا من أمرنا } وهو القرآن، الذي هو للقلوب بمنزلة الروح للأبدان، فحييت الحياة الأبدية. { ما كنت تدري } قبل الوحي { ما الكتاب } أي شيء هو، { ولا الإيمان } بما في تضاعيف الكتاب من الأمور التي لا تهتدي إليها العقول، لا الإيمان بما يستقل به العقل والنظر، فإن درايته صلى الله عليه وسلم مما لا ريب فيه قطعا. قال القشيري: ما كنت تدري قبل هذا ما القرآن ولا الإيمان بتفصيل هذه الشرائع. وقال الشيخ البكري: أي الإيمان على الوجه الأخص، المرتب على تنزلات الآيات، وتلاوة البينات، واستكشاف وجه الحق بأنوار العلم المنزل على قلبه من حضرة ربه. ه. وقال ابن المنير: الإيمان برسالة نفسه، وهو المنفي عنه قبل الوحي لأن حقيقة الإيمان: التصديق بالله وبرسوله. ه. { ولكن جعلناه } أي: الروح الذي أوحيناه إليك { نورا نهدي به من نشاء } هدايته { من عبادنا } ، وهو الذي يصرف اختياره نحو الاهتداء به. { وإنك لتهدي } بذلك النور من نشاء هدايته، أو: وإنك لتدعو { إلى صراط مستقيم } هو الإسلام وسائر الشرائع والأحكام، { صراط الله } بدل من الأول، وإضافته إلى الاسم الجليل، ثم وصفه بقوله تعالى: { الذي له ما في السماوات وما في الأرض } لتفخيم شأنه، وتقرير استقامته، وتأكيد وجوب سلوكه فإن كون جميع ما فيهما من الموجودات له تعالى، خلقا، وملكا، وتصرفا، مما يوجب ذلك أتم الإيجاب. { ألا إلى الله تصير الأمور } أي: الأمور قاطبة راجعة إليه، لا إلى غيره، فيتصرف فيها على وفق حكمته ومشيئته. الإشارة: قد تحصل للأولياء المكالمة مع الحق تعالى بواسطة تجلياته، فيسمعون خطابه تعالى من البشر والحجر، أو بلا واسطة، بحيث يسمعون الكلام من الفضاء، وإليه أشار الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه بقوله: " وهب لنا مشاهدة تصحبها مكالمة " ، ولا تكون هذه الحالة إلا للأكابر من أهل الفناء والبقاء. وأما مكالمة الحق من النور الأقدس، بلا واسطة، فهو خاص نبينا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه: والذي عندي أن التكلم على المكافحة والمشابهة إنما يكون بالانخلاع عن البشرية، ومحوها، والبقاء بصفات الربوبية، وذلك إشارة إلى أنه عليه السلام إنما شوفه وكلم بعد العروج عن أرض الطبيعة إلى سماء الحقيقة. وكان بالأرض يكلم بالواسطة، وموسى كلم بغير واسطة، ولكن بغير مشافهة، ولذلك كان كلامه بالأرض، ولم يعط الرؤية لأنها لا تكون في الأرض، أي في أرض البشرية، بل لا بد من الغيبة عنها. وذهب الورتجبي إلى أن الحصر فيما ذكر في الآية إنما هو لمن كان في حجاب البشرية، فأما من خرج عنها إلى الغيب، وألبس نور القرب وكحل عينه بنوره تعالى، ومد سمعه بقوة الربوبية، فإنه يخاطب كفاحا وعيانا. ونقل مثل ذلك عن الواسطي، فراجع بسطه فيه. والفرق بينه وبين ما ذكرنا: أن خطاب المكافحة عنده خارجة من الثلاثة المذكورة في الآية، وعندنا داخلة في قوله: { إلا وحيا } لأنه أعم من المشافهة، والله أعلم. وقوله تعالى: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } أي: طريق الوصول والترقي أبدا، فيؤخذ منه: أن وساطته صلى الله عليه وسلم لا تنقطع عن المريد أبدا لأن الترقي يكون باستعمال أدب العبودية، وهي مأخوذة عنه صلى الله عليه وسلم، وكما أن الترقي لا ينقطع فالأدب الذي هو سلوك طريقته صلى الله عليه وسلم لا ينقطع. والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.