Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — نوح 71:1 – الجن 72:28

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. نوح 71:1
  2. نوح 71:2
  3. نوح 71:3
  4. نوح 71:4
  5. نوح 71:5
  6. نوح 71:6
  7. نوح 71:7
  8. نوح 71:8
  9. نوح 71:9
  10. نوح 71:10
  11. نوح 71:11
  12. نوح 71:12
  13. نوح 71:13
  14. نوح 71:14
  15. نوح 71:15
  16. نوح 71:16
  17. نوح 71:17
  18. نوح 71:18
  19. نوح 71:19
  20. نوح 71:20
  21. نوح 71:21
  22. نوح 71:22
  23. نوح 71:23
  24. نوح 71:24
  25. نوح 71:25
  26. نوح 71:26
  27. نوح 71:27
  28. نوح 71:28
  29. الجن 72:1
  30. الجن 72:2
  31. الجن 72:3
  32. الجن 72:4
  33. الجن 72:5
  34. الجن 72:6
  35. الجن 72:7
  36. الجن 72:8
  37. الجن 72:9
  38. الجن 72:10
  39. الجن 72:11
  40. الجن 72:12
  41. الجن 72:13
  42. الجن 72:14
  43. الجن 72:15
  44. الجن 72:16
  45. الجن 72:17
  46. الجن 72:18
  47. الجن 72:19
  48. الجن 72:20
  49. الجن 72:21
  50. الجن 72:22
  51. الجن 72:23
  52. الجن 72:24
  53. الجن 72:25
  54. الجن 72:26
  55. الجن 72:27
  56. الجن 72:28

نوح 71:1

يقول الحق جل جلاله: { إنا أرسلنا نوحا } وهو أول ألي العزم. قيل: معناه بالسريانية: الساكن، وقيل: سمي له لكثرة نوحه شوقا إلى ربه، { أن أنذر قومك } أي: بأن أنذر، فحذف الجار وأوصل الفعل، ومحله عند الخليل: الجر: وعند غيره: نصب، أو: " أن " مفسرة لأن الإرسال فيه معنى القول، فلا يكون للجملة محل، وقرىء: " أنذر " بغير " أن " ، أي: خوف قومك { من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } عذاب الآخرة، أو الطوفان، لئلا يبقى لهم عذر أصلا. { قال يا قوم } ، أضافهم إلى نفسه إظهارا للشفقة { إني لكم نذير مبين } منذر موضح لحقيقة الأمر، أبين لكم رسالة ربي بلغة تعرفونها، { أن اعبدوا الله } أي: وحدوه و " أن " هذه نحو " أن أنذر " على الوجهين، { واتقوه } واحذروا عصيانه، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، وإنما أضافه إلى نفسه لأن الطاعة تكون لغير الله بخلاف العبادة، وطاعته هي طاعة الله. { يغفر لكم من ذنوبكم } أي: بعض ذنوبكم وهو ما سلف في الجاهلية، فإن الإسلام يجبه، إلا حقوق العباد فإنه يؤديها، وقيل: " من " لبيان الجنس، كقوله: فاجتنبوا الرجس من الأوثآن [الحج:30]. قال ابن عطية: وكونها للتبعيض أبين لكونه لو قال: يغفر لكم ذنوبكم لعم هذا اللفظ ما تقدم به من الذنوب وما تأخر عن إيمانهم، والإسلام إنما يجب ما قبله. ه. قال القشيري: ولأنه لو أخبرهم بغفران ما تقدم وما تأخر لكان إغراء لهم، وذلك لا يجوز. ه. { ويؤخركم إلى أجل مسمى } وهو وقت موتكم، فتموتون عند انقضاء آجالكم الذي تعرفونه من غير غرق ولا هلاك استئصال، فإن لم تؤمنوا عاجلكم بالعذاب، فيكون هو آجالكم، ولما كان ربما يتوهم أن الأجل قد يتقدم، رفعه بقوله: { إن أجل الله } وهو الموت عند تمام الأجل { إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } أي: لو كنتم تعلمون لسارعتم إلى الإيمان قبل مجيئه، فلا حجة فيه للمعتزلة. وانظر ابن جزي. الإشارة: قال القشيري: إنا أرسلنا الروح إلى قومه، وهم: النفس والهوى وصفاتهم الظلمانية الطبيعية أن أنذرهم عن المخالفة الشرعية، من قبل أن يأتيهم عذاب القطيعة، قال: يا قوم إني لكم نذير بين الإنذار، أن اعبدوا الله، بأن تحبوه وحده، ولا تحبوا معه غيره، من الدنيا، وشهواتها وزخارفها، واتقوا بأن لا تروا معه سواه، وأطيعوني في أقوالي وأفعالي وأخلاقي وصفاتي، يغفر لكم ذنوب وجودكم، فيغطيه بنور وجوده، ويؤخركم إلى أجل مسمى، بتسمية الأزل، إن أجل الله بالموت الحسي والمعنوي، لا يؤخر، لو كنتم تعلمون، لكن انهماككم في حب الدنيا بعد عنكم الأجل. ه. بالمعنى. ثم أخبر عن نوح وما لقي من قومه، فقال: { قال رب إني دعوت قومي }.

نوح 71:2

يقول الحق جل جلاله: { إنا أرسلنا نوحا } وهو أول ألي العزم. قيل: معناه بالسريانية: الساكن، وقيل: سمي له لكثرة نوحه شوقا إلى ربه، { أن أنذر قومك } أي: بأن أنذر، فحذف الجار وأوصل الفعل، ومحله عند الخليل: الجر: وعند غيره: نصب، أو: " أن " مفسرة لأن الإرسال فيه معنى القول، فلا يكون للجملة محل، وقرىء: " أنذر " بغير " أن " ، أي: خوف قومك { من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } عذاب الآخرة، أو الطوفان، لئلا يبقى لهم عذر أصلا. { قال يا قوم } ، أضافهم إلى نفسه إظهارا للشفقة { إني لكم نذير مبين } منذر موضح لحقيقة الأمر، أبين لكم رسالة ربي بلغة تعرفونها، { أن اعبدوا الله } أي: وحدوه و " أن " هذه نحو " أن أنذر " على الوجهين، { واتقوه } واحذروا عصيانه، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، وإنما أضافه إلى نفسه لأن الطاعة تكون لغير الله بخلاف العبادة، وطاعته هي طاعة الله. { يغفر لكم من ذنوبكم } أي: بعض ذنوبكم وهو ما سلف في الجاهلية، فإن الإسلام يجبه، إلا حقوق العباد فإنه يؤديها، وقيل: " من " لبيان الجنس، كقوله: فاجتنبوا الرجس من الأوثآن [الحج:30]. قال ابن عطية: وكونها للتبعيض أبين لكونه لو قال: يغفر لكم ذنوبكم لعم هذا اللفظ ما تقدم به من الذنوب وما تأخر عن إيمانهم، والإسلام إنما يجب ما قبله. ه. قال القشيري: ولأنه لو أخبرهم بغفران ما تقدم وما تأخر لكان إغراء لهم، وذلك لا يجوز. ه. { ويؤخركم إلى أجل مسمى } وهو وقت موتكم، فتموتون عند انقضاء آجالكم الذي تعرفونه من غير غرق ولا هلاك استئصال، فإن لم تؤمنوا عاجلكم بالعذاب، فيكون هو آجالكم، ولما كان ربما يتوهم أن الأجل قد يتقدم، رفعه بقوله: { إن أجل الله } وهو الموت عند تمام الأجل { إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } أي: لو كنتم تعلمون لسارعتم إلى الإيمان قبل مجيئه، فلا حجة فيه للمعتزلة. وانظر ابن جزي. الإشارة: قال القشيري: إنا أرسلنا الروح إلى قومه، وهم: النفس والهوى وصفاتهم الظلمانية الطبيعية أن أنذرهم عن المخالفة الشرعية، من قبل أن يأتيهم عذاب القطيعة، قال: يا قوم إني لكم نذير بين الإنذار، أن اعبدوا الله، بأن تحبوه وحده، ولا تحبوا معه غيره، من الدنيا، وشهواتها وزخارفها، واتقوا بأن لا تروا معه سواه، وأطيعوني في أقوالي وأفعالي وأخلاقي وصفاتي، يغفر لكم ذنوب وجودكم، فيغطيه بنور وجوده، ويؤخركم إلى أجل مسمى، بتسمية الأزل، إن أجل الله بالموت الحسي والمعنوي، لا يؤخر، لو كنتم تعلمون، لكن انهماككم في حب الدنيا بعد عنكم الأجل. ه. بالمعنى. ثم أخبر عن نوح وما لقي من قومه، فقال: { قال رب إني دعوت قومي }.

نوح 71:3

يقول الحق جل جلاله: { إنا أرسلنا نوحا } وهو أول ألي العزم. قيل: معناه بالسريانية: الساكن، وقيل: سمي له لكثرة نوحه شوقا إلى ربه، { أن أنذر قومك } أي: بأن أنذر، فحذف الجار وأوصل الفعل، ومحله عند الخليل: الجر: وعند غيره: نصب، أو: " أن " مفسرة لأن الإرسال فيه معنى القول، فلا يكون للجملة محل، وقرىء: " أنذر " بغير " أن " ، أي: خوف قومك { من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } عذاب الآخرة، أو الطوفان، لئلا يبقى لهم عذر أصلا. { قال يا قوم } ، أضافهم إلى نفسه إظهارا للشفقة { إني لكم نذير مبين } منذر موضح لحقيقة الأمر، أبين لكم رسالة ربي بلغة تعرفونها، { أن اعبدوا الله } أي: وحدوه و " أن " هذه نحو " أن أنذر " على الوجهين، { واتقوه } واحذروا عصيانه، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، وإنما أضافه إلى نفسه لأن الطاعة تكون لغير الله بخلاف العبادة، وطاعته هي طاعة الله. { يغفر لكم من ذنوبكم } أي: بعض ذنوبكم وهو ما سلف في الجاهلية، فإن الإسلام يجبه، إلا حقوق العباد فإنه يؤديها، وقيل: " من " لبيان الجنس، كقوله: فاجتنبوا الرجس من الأوثآن [الحج:30]. قال ابن عطية: وكونها للتبعيض أبين لكونه لو قال: يغفر لكم ذنوبكم لعم هذا اللفظ ما تقدم به من الذنوب وما تأخر عن إيمانهم، والإسلام إنما يجب ما قبله. ه. قال القشيري: ولأنه لو أخبرهم بغفران ما تقدم وما تأخر لكان إغراء لهم، وذلك لا يجوز. ه. { ويؤخركم إلى أجل مسمى } وهو وقت موتكم، فتموتون عند انقضاء آجالكم الذي تعرفونه من غير غرق ولا هلاك استئصال، فإن لم تؤمنوا عاجلكم بالعذاب، فيكون هو آجالكم، ولما كان ربما يتوهم أن الأجل قد يتقدم، رفعه بقوله: { إن أجل الله } وهو الموت عند تمام الأجل { إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } أي: لو كنتم تعلمون لسارعتم إلى الإيمان قبل مجيئه، فلا حجة فيه للمعتزلة. وانظر ابن جزي. الإشارة: قال القشيري: إنا أرسلنا الروح إلى قومه، وهم: النفس والهوى وصفاتهم الظلمانية الطبيعية أن أنذرهم عن المخالفة الشرعية، من قبل أن يأتيهم عذاب القطيعة، قال: يا قوم إني لكم نذير بين الإنذار، أن اعبدوا الله، بأن تحبوه وحده، ولا تحبوا معه غيره، من الدنيا، وشهواتها وزخارفها، واتقوا بأن لا تروا معه سواه، وأطيعوني في أقوالي وأفعالي وأخلاقي وصفاتي، يغفر لكم ذنوب وجودكم، فيغطيه بنور وجوده، ويؤخركم إلى أجل مسمى، بتسمية الأزل، إن أجل الله بالموت الحسي والمعنوي، لا يؤخر، لو كنتم تعلمون، لكن انهماككم في حب الدنيا بعد عنكم الأجل. ه. بالمعنى. ثم أخبر عن نوح وما لقي من قومه، فقال: { قال رب إني دعوت قومي }.

نوح 71:4

يقول الحق جل جلاله: { إنا أرسلنا نوحا } وهو أول ألي العزم. قيل: معناه بالسريانية: الساكن، وقيل: سمي له لكثرة نوحه شوقا إلى ربه، { أن أنذر قومك } أي: بأن أنذر، فحذف الجار وأوصل الفعل، ومحله عند الخليل: الجر: وعند غيره: نصب، أو: " أن " مفسرة لأن الإرسال فيه معنى القول، فلا يكون للجملة محل، وقرىء: " أنذر " بغير " أن " ، أي: خوف قومك { من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } عذاب الآخرة، أو الطوفان، لئلا يبقى لهم عذر أصلا. { قال يا قوم } ، أضافهم إلى نفسه إظهارا للشفقة { إني لكم نذير مبين } منذر موضح لحقيقة الأمر، أبين لكم رسالة ربي بلغة تعرفونها، { أن اعبدوا الله } أي: وحدوه و " أن " هذه نحو " أن أنذر " على الوجهين، { واتقوه } واحذروا عصيانه، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، وإنما أضافه إلى نفسه لأن الطاعة تكون لغير الله بخلاف العبادة، وطاعته هي طاعة الله. { يغفر لكم من ذنوبكم } أي: بعض ذنوبكم وهو ما سلف في الجاهلية، فإن الإسلام يجبه، إلا حقوق العباد فإنه يؤديها، وقيل: " من " لبيان الجنس، كقوله: فاجتنبوا الرجس من الأوثآن [الحج:30]. قال ابن عطية: وكونها للتبعيض أبين لكونه لو قال: يغفر لكم ذنوبكم لعم هذا اللفظ ما تقدم به من الذنوب وما تأخر عن إيمانهم، والإسلام إنما يجب ما قبله. ه. قال القشيري: ولأنه لو أخبرهم بغفران ما تقدم وما تأخر لكان إغراء لهم، وذلك لا يجوز. ه. { ويؤخركم إلى أجل مسمى } وهو وقت موتكم، فتموتون عند انقضاء آجالكم الذي تعرفونه من غير غرق ولا هلاك استئصال، فإن لم تؤمنوا عاجلكم بالعذاب، فيكون هو آجالكم، ولما كان ربما يتوهم أن الأجل قد يتقدم، رفعه بقوله: { إن أجل الله } وهو الموت عند تمام الأجل { إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } أي: لو كنتم تعلمون لسارعتم إلى الإيمان قبل مجيئه، فلا حجة فيه للمعتزلة. وانظر ابن جزي. الإشارة: قال القشيري: إنا أرسلنا الروح إلى قومه، وهم: النفس والهوى وصفاتهم الظلمانية الطبيعية أن أنذرهم عن المخالفة الشرعية، من قبل أن يأتيهم عذاب القطيعة، قال: يا قوم إني لكم نذير بين الإنذار، أن اعبدوا الله، بأن تحبوه وحده، ولا تحبوا معه غيره، من الدنيا، وشهواتها وزخارفها، واتقوا بأن لا تروا معه سواه، وأطيعوني في أقوالي وأفعالي وأخلاقي وصفاتي، يغفر لكم ذنوب وجودكم، فيغطيه بنور وجوده، ويؤخركم إلى أجل مسمى، بتسمية الأزل، إن أجل الله بالموت الحسي والمعنوي، لا يؤخر، لو كنتم تعلمون، لكن انهماككم في حب الدنيا بعد عنكم الأجل. ه. بالمعنى. ثم أخبر عن نوح وما لقي من قومه، فقال: { قال رب إني دعوت قومي }.

نوح 71:5

يقول الحق جل جلاله: { قال } نوح شاكيا إلى الله تعالى: { رب إني دعوت قومي } إلى الإيمان والطاعة { ليلا ونهارا } دائما بلا فتور ولا توان، { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } مما دعوتهم إليه، ونسب ذلك إلى دعائه لحصوله عنده، وإن لم يكن في الحقيقة سببا للفرار، وهو كقوله: وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا [التوبة:125]، والقرآن لا يكون سببا لزيادة الرجس، لكن لما حصل عنده نسب إليه، وكان الرجل منهم يذهب بابنه إلى نوح عليه السلام ويقول له: احذر هذا، فلا يعرنك، فإن أبي قد أوصاني بهذا. ه. { وإني كلما دعوتهم } إلى الإيمان بك { لتغفر لهم } أي: ليؤمنوا فتغفر لهم، فاكتفى بذكر المسبب، { جعلوا أصابعهم في آذانهم } أي: سدوا مسامعهم لئلا يسمعوا كلامي، { واستغشوا ثيابهم } أي: وتغطوا بثيابهم لئلا يبصروني، كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله، { وأصروا } أقاموا على كفرهم { واستكبروا استكبارا } أي: تعاظموا عن إجابتي تعاظما كبيرا. وذكر المصدر دليل على فرط استكبارهم. { ثم إني دعوتهم جهارا } أي: مجاهرا، فيكون حالا، أو: مصدر " دعوت " ، كقعد القرفصاء لأن الجهار أحد نوعي الدعاء. يعني: أظهرت الدعوة في المحافل والمجالس. { ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا } أي: جمعت لهم بين دعاء العلانية والسر، فكنت أدعو كل من لقيت، فردا وجماعة. والحاصل: أنه دعاهم ليلا ونهارا في السر، ثم دعاهم جهارا، ثم دعاهم في السر والعلن، وهكذا يفعل المذكر في الأمر بالمعروف، يبتدىء بالأهون فالأشد، افتتح بالمناصحة بالسر، فلما لم يطيعوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان. و " ثم " تدل على تباعد الأحوال لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما. { فقلت استغفروا ربكم } بالتوبة من الكفر والمعاصي فالاستغفار: طلب المغفرة، فإن كان المستغفر كافرا فهو من الكفر، وإن كان مؤمنا فهو من الذنوب، { إنه كان غفارا } لم يزل غفار الذنوب لمن ينيب إليه، { يرسل السماء } بالمطر { عليكم مدرارا } كثير الدرور، أي: البروز، و " مفعال " يستوي فيه المذكر والمؤنث، { ويمددكم بأموال وبنين } أي: يزدكم أمولا وبنين على ما عندكم، { ويجعل لكم جنات } بساتين { ويجعل لكم أنهارا } جارية لمزارعكم وبساتينكم. وكانوا يحبون الأموال والأولاد، فحركوا بهذا على الإيمان، وقيل: لما كذبوه بعد طول تكرار الدعوة حبس الله عنهم القطر، وأعقم نساءهم أربعين سنة، أو سبعين، فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخصب، ورفع عنهم ما كانوا فيه. وعن عمر رضي الله عنه: أنه خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار، فمطر فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد استقيت بمجاديح السماء التي لا تخطىء، ثم قرأ الآية. وفي القاموس: ومجاديح السماء: أنواؤها. ه. وشكى رجل إلى الحسن الجدوبة، فقال له: استغفر الله، وشكى إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة غلة أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقيل له في ذلك، فقال: ما قلت من عندي شيئا، ثم تلا الآية. { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: لا تخافون لله عظمة. قال الأخفش: الرجاء هنا: الخوف لأن مع الرجاء طرفا من الخوف واليأس. والوقار: العظمة. وقال أبو السعود: الرجاء هنا بمعنى الاعتقاد. وجملة ترجون: حال من ضمير المخاطبين، و " لله " متعلق بمضمر، حال من وقارا، ولو تأخر لكان صفة له، أي: أي سبب حصل لكم حال كونكم غير معتقدين لله تعالى عظمة موجبة للتعظيم بالإيمان والطاعة. ه. أو: لا تأملون له توقيرا، أي: تعظيما، والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيه تعظيم الله إياكم في دار الثواب، { وقد خلقكم أطوارا } في موضع الحال، أي: ما لكم لا تؤمنون بالله، والحال أنكم على حال منافية لما أنتم عليه بالكلية، وهي أنكم تعلمون أنه خلقكم أطوارا، أي: أحوالا مختلفة، خلقكم أولا نطفا، ثم خلقكم علقا ثم مضغا، ثم عظاما ولحما، ثم إنسانا، ثم خلقا آخر، وبعد ظهوره إلى هذا العالم يكون شبابا، ثم كهلا، ثم شيخا، بالتقصير في توقير من هذه شؤونه من القدرة القاهرة والإحسان التام، مع العلم بها، مما لا يكاد يصدر عن العاقل. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للداعي أن يكون على قدم أولي العزم، لا يمل من التذكير والدعاء إلى الله، ويكرر ذلك ليلا ونهاران ولو قوبل بالرد والإنكار، فلأن يهدي الله به رجلا واحدا خير له مما طلعت عليه الشمس. وقوله تعالى: { وأصروا واستكبروا } ، قال القشيري: ويقال: لما دام إصرارهم تولد منه استكبارهم، قال تعالى: فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم [الحديد:16]. وقال الورتجبي: من أصر على المعصية أورثه التمادي على الضلالة، حتى يرى قبيح أفعاله مستحسنا، فإذا رآه مستحسنا يستكبر، ويعلو على أولياء الله، ولا يقبل بعد ذلك نصحتهم. قال سهل: الإصرار على الذنب يورث الاستكبار، والاستكبار يورث الجهل، والجهل يورث التخطي في الباطل، وذلك يورث قساوة القلب، وهي تورث النفاق، والنفاق يورث الكفر. ه. وقوله تعالى: { استغفروا ربكم } قال القشيري: ليعلم العاملون أن الاستغفار قرع أبواب النعمة، ومن وقعت له إلى الله حاجة فلا يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار. ويقال: من أراد التفضل فعليه بالعذر والتنصل. ه. وقوله: { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: ما لكم لا تعتقدون لله تعظيما وإجلالا، فلا تراقبونه، ولا تخافون سطوته، فإن المشاهدة على قدر المراقبة، فمن لم يحكم أمر المراقبة لم يظفر بغاية المشاهدة. وقد خلقكم أطوارا، أي: درج بشريتكم في أطوار مختلفة، وهي سبعة: النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الطفولية، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم يرتحل إلى دار الدوام، وكذلك الروح لها سبعة أطوار: التوبة ثم الورع، ثم الزهد، ثم التوكل، ثم الرضاء والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة. والله تعالى أعلم. ولما نبههم إلى النظر في أنفسهم، أمره بالنظر إلى العوالم العلوية والسفلية، وما فيها من العجائب، فقال: { ألم تروا كيف خلق الله }.

نوح 71:6

يقول الحق جل جلاله: { قال } نوح شاكيا إلى الله تعالى: { رب إني دعوت قومي } إلى الإيمان والطاعة { ليلا ونهارا } دائما بلا فتور ولا توان، { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } مما دعوتهم إليه، ونسب ذلك إلى دعائه لحصوله عنده، وإن لم يكن في الحقيقة سببا للفرار، وهو كقوله: وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا [التوبة:125]، والقرآن لا يكون سببا لزيادة الرجس، لكن لما حصل عنده نسب إليه، وكان الرجل منهم يذهب بابنه إلى نوح عليه السلام ويقول له: احذر هذا، فلا يعرنك، فإن أبي قد أوصاني بهذا. ه. { وإني كلما دعوتهم } إلى الإيمان بك { لتغفر لهم } أي: ليؤمنوا فتغفر لهم، فاكتفى بذكر المسبب، { جعلوا أصابعهم في آذانهم } أي: سدوا مسامعهم لئلا يسمعوا كلامي، { واستغشوا ثيابهم } أي: وتغطوا بثيابهم لئلا يبصروني، كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله، { وأصروا } أقاموا على كفرهم { واستكبروا استكبارا } أي: تعاظموا عن إجابتي تعاظما كبيرا. وذكر المصدر دليل على فرط استكبارهم. { ثم إني دعوتهم جهارا } أي: مجاهرا، فيكون حالا، أو: مصدر " دعوت " ، كقعد القرفصاء لأن الجهار أحد نوعي الدعاء. يعني: أظهرت الدعوة في المحافل والمجالس. { ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا } أي: جمعت لهم بين دعاء العلانية والسر، فكنت أدعو كل من لقيت، فردا وجماعة. والحاصل: أنه دعاهم ليلا ونهارا في السر، ثم دعاهم جهارا، ثم دعاهم في السر والعلن، وهكذا يفعل المذكر في الأمر بالمعروف، يبتدىء بالأهون فالأشد، افتتح بالمناصحة بالسر، فلما لم يطيعوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان. و " ثم " تدل على تباعد الأحوال لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما. { فقلت استغفروا ربكم } بالتوبة من الكفر والمعاصي فالاستغفار: طلب المغفرة، فإن كان المستغفر كافرا فهو من الكفر، وإن كان مؤمنا فهو من الذنوب، { إنه كان غفارا } لم يزل غفار الذنوب لمن ينيب إليه، { يرسل السماء } بالمطر { عليكم مدرارا } كثير الدرور، أي: البروز، و " مفعال " يستوي فيه المذكر والمؤنث، { ويمددكم بأموال وبنين } أي: يزدكم أمولا وبنين على ما عندكم، { ويجعل لكم جنات } بساتين { ويجعل لكم أنهارا } جارية لمزارعكم وبساتينكم. وكانوا يحبون الأموال والأولاد، فحركوا بهذا على الإيمان، وقيل: لما كذبوه بعد طول تكرار الدعوة حبس الله عنهم القطر، وأعقم نساءهم أربعين سنة، أو سبعين، فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخصب، ورفع عنهم ما كانوا فيه. وعن عمر رضي الله عنه: أنه خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار، فمطر فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد استقيت بمجاديح السماء التي لا تخطىء، ثم قرأ الآية. وفي القاموس: ومجاديح السماء: أنواؤها. ه. وشكى رجل إلى الحسن الجدوبة، فقال له: استغفر الله، وشكى إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة غلة أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقيل له في ذلك، فقال: ما قلت من عندي شيئا، ثم تلا الآية. { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: لا تخافون لله عظمة. قال الأخفش: الرجاء هنا: الخوف لأن مع الرجاء طرفا من الخوف واليأس. والوقار: العظمة. وقال أبو السعود: الرجاء هنا بمعنى الاعتقاد. وجملة ترجون: حال من ضمير المخاطبين، و " لله " متعلق بمضمر، حال من وقارا، ولو تأخر لكان صفة له، أي: أي سبب حصل لكم حال كونكم غير معتقدين لله تعالى عظمة موجبة للتعظيم بالإيمان والطاعة. ه. أو: لا تأملون له توقيرا، أي: تعظيما، والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيه تعظيم الله إياكم في دار الثواب، { وقد خلقكم أطوارا } في موضع الحال، أي: ما لكم لا تؤمنون بالله، والحال أنكم على حال منافية لما أنتم عليه بالكلية، وهي أنكم تعلمون أنه خلقكم أطوارا، أي: أحوالا مختلفة، خلقكم أولا نطفا، ثم خلقكم علقا ثم مضغا، ثم عظاما ولحما، ثم إنسانا، ثم خلقا آخر، وبعد ظهوره إلى هذا العالم يكون شبابا، ثم كهلا، ثم شيخا، بالتقصير في توقير من هذه شؤونه من القدرة القاهرة والإحسان التام، مع العلم بها، مما لا يكاد يصدر عن العاقل. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للداعي أن يكون على قدم أولي العزم، لا يمل من التذكير والدعاء إلى الله، ويكرر ذلك ليلا ونهاران ولو قوبل بالرد والإنكار، فلأن يهدي الله به رجلا واحدا خير له مما طلعت عليه الشمس. وقوله تعالى: { وأصروا واستكبروا } ، قال القشيري: ويقال: لما دام إصرارهم تولد منه استكبارهم، قال تعالى: فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم [الحديد:16]. وقال الورتجبي: من أصر على المعصية أورثه التمادي على الضلالة، حتى يرى قبيح أفعاله مستحسنا، فإذا رآه مستحسنا يستكبر، ويعلو على أولياء الله، ولا يقبل بعد ذلك نصحتهم. قال سهل: الإصرار على الذنب يورث الاستكبار، والاستكبار يورث الجهل، والجهل يورث التخطي في الباطل، وذلك يورث قساوة القلب، وهي تورث النفاق، والنفاق يورث الكفر. ه. وقوله تعالى: { استغفروا ربكم } قال القشيري: ليعلم العاملون أن الاستغفار قرع أبواب النعمة، ومن وقعت له إلى الله حاجة فلا يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار. ويقال: من أراد التفضل فعليه بالعذر والتنصل. ه. وقوله: { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: ما لكم لا تعتقدون لله تعظيما وإجلالا، فلا تراقبونه، ولا تخافون سطوته، فإن المشاهدة على قدر المراقبة، فمن لم يحكم أمر المراقبة لم يظفر بغاية المشاهدة. وقد خلقكم أطوارا، أي: درج بشريتكم في أطوار مختلفة، وهي سبعة: النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الطفولية، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم يرتحل إلى دار الدوام، وكذلك الروح لها سبعة أطوار: التوبة ثم الورع، ثم الزهد، ثم التوكل، ثم الرضاء والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة. والله تعالى أعلم. ولما نبههم إلى النظر في أنفسهم، أمره بالنظر إلى العوالم العلوية والسفلية، وما فيها من العجائب، فقال: { ألم تروا كيف خلق الله }.

نوح 71:7

يقول الحق جل جلاله: { قال } نوح شاكيا إلى الله تعالى: { رب إني دعوت قومي } إلى الإيمان والطاعة { ليلا ونهارا } دائما بلا فتور ولا توان، { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } مما دعوتهم إليه، ونسب ذلك إلى دعائه لحصوله عنده، وإن لم يكن في الحقيقة سببا للفرار، وهو كقوله: وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا [التوبة:125]، والقرآن لا يكون سببا لزيادة الرجس، لكن لما حصل عنده نسب إليه، وكان الرجل منهم يذهب بابنه إلى نوح عليه السلام ويقول له: احذر هذا، فلا يعرنك، فإن أبي قد أوصاني بهذا. ه. { وإني كلما دعوتهم } إلى الإيمان بك { لتغفر لهم } أي: ليؤمنوا فتغفر لهم، فاكتفى بذكر المسبب، { جعلوا أصابعهم في آذانهم } أي: سدوا مسامعهم لئلا يسمعوا كلامي، { واستغشوا ثيابهم } أي: وتغطوا بثيابهم لئلا يبصروني، كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله، { وأصروا } أقاموا على كفرهم { واستكبروا استكبارا } أي: تعاظموا عن إجابتي تعاظما كبيرا. وذكر المصدر دليل على فرط استكبارهم. { ثم إني دعوتهم جهارا } أي: مجاهرا، فيكون حالا، أو: مصدر " دعوت " ، كقعد القرفصاء لأن الجهار أحد نوعي الدعاء. يعني: أظهرت الدعوة في المحافل والمجالس. { ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا } أي: جمعت لهم بين دعاء العلانية والسر، فكنت أدعو كل من لقيت، فردا وجماعة. والحاصل: أنه دعاهم ليلا ونهارا في السر، ثم دعاهم جهارا، ثم دعاهم في السر والعلن، وهكذا يفعل المذكر في الأمر بالمعروف، يبتدىء بالأهون فالأشد، افتتح بالمناصحة بالسر، فلما لم يطيعوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان. و " ثم " تدل على تباعد الأحوال لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما. { فقلت استغفروا ربكم } بالتوبة من الكفر والمعاصي فالاستغفار: طلب المغفرة، فإن كان المستغفر كافرا فهو من الكفر، وإن كان مؤمنا فهو من الذنوب، { إنه كان غفارا } لم يزل غفار الذنوب لمن ينيب إليه، { يرسل السماء } بالمطر { عليكم مدرارا } كثير الدرور، أي: البروز، و " مفعال " يستوي فيه المذكر والمؤنث، { ويمددكم بأموال وبنين } أي: يزدكم أمولا وبنين على ما عندكم، { ويجعل لكم جنات } بساتين { ويجعل لكم أنهارا } جارية لمزارعكم وبساتينكم. وكانوا يحبون الأموال والأولاد، فحركوا بهذا على الإيمان، وقيل: لما كذبوه بعد طول تكرار الدعوة حبس الله عنهم القطر، وأعقم نساءهم أربعين سنة، أو سبعين، فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخصب، ورفع عنهم ما كانوا فيه. وعن عمر رضي الله عنه: أنه خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار، فمطر فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد استقيت بمجاديح السماء التي لا تخطىء، ثم قرأ الآية. وفي القاموس: ومجاديح السماء: أنواؤها. ه. وشكى رجل إلى الحسن الجدوبة، فقال له: استغفر الله، وشكى إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة غلة أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقيل له في ذلك، فقال: ما قلت من عندي شيئا، ثم تلا الآية. { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: لا تخافون لله عظمة. قال الأخفش: الرجاء هنا: الخوف لأن مع الرجاء طرفا من الخوف واليأس. والوقار: العظمة. وقال أبو السعود: الرجاء هنا بمعنى الاعتقاد. وجملة ترجون: حال من ضمير المخاطبين، و " لله " متعلق بمضمر، حال من وقارا، ولو تأخر لكان صفة له، أي: أي سبب حصل لكم حال كونكم غير معتقدين لله تعالى عظمة موجبة للتعظيم بالإيمان والطاعة. ه. أو: لا تأملون له توقيرا، أي: تعظيما، والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيه تعظيم الله إياكم في دار الثواب، { وقد خلقكم أطوارا } في موضع الحال، أي: ما لكم لا تؤمنون بالله، والحال أنكم على حال منافية لما أنتم عليه بالكلية، وهي أنكم تعلمون أنه خلقكم أطوارا، أي: أحوالا مختلفة، خلقكم أولا نطفا، ثم خلقكم علقا ثم مضغا، ثم عظاما ولحما، ثم إنسانا، ثم خلقا آخر، وبعد ظهوره إلى هذا العالم يكون شبابا، ثم كهلا، ثم شيخا، بالتقصير في توقير من هذه شؤونه من القدرة القاهرة والإحسان التام، مع العلم بها، مما لا يكاد يصدر عن العاقل. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للداعي أن يكون على قدم أولي العزم، لا يمل من التذكير والدعاء إلى الله، ويكرر ذلك ليلا ونهاران ولو قوبل بالرد والإنكار، فلأن يهدي الله به رجلا واحدا خير له مما طلعت عليه الشمس. وقوله تعالى: { وأصروا واستكبروا } ، قال القشيري: ويقال: لما دام إصرارهم تولد منه استكبارهم، قال تعالى: فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم [الحديد:16]. وقال الورتجبي: من أصر على المعصية أورثه التمادي على الضلالة، حتى يرى قبيح أفعاله مستحسنا، فإذا رآه مستحسنا يستكبر، ويعلو على أولياء الله، ولا يقبل بعد ذلك نصحتهم. قال سهل: الإصرار على الذنب يورث الاستكبار، والاستكبار يورث الجهل، والجهل يورث التخطي في الباطل، وذلك يورث قساوة القلب، وهي تورث النفاق، والنفاق يورث الكفر. ه. وقوله تعالى: { استغفروا ربكم } قال القشيري: ليعلم العاملون أن الاستغفار قرع أبواب النعمة، ومن وقعت له إلى الله حاجة فلا يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار. ويقال: من أراد التفضل فعليه بالعذر والتنصل. ه. وقوله: { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: ما لكم لا تعتقدون لله تعظيما وإجلالا، فلا تراقبونه، ولا تخافون سطوته، فإن المشاهدة على قدر المراقبة، فمن لم يحكم أمر المراقبة لم يظفر بغاية المشاهدة. وقد خلقكم أطوارا، أي: درج بشريتكم في أطوار مختلفة، وهي سبعة: النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الطفولية، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم يرتحل إلى دار الدوام، وكذلك الروح لها سبعة أطوار: التوبة ثم الورع، ثم الزهد، ثم التوكل، ثم الرضاء والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة. والله تعالى أعلم. ولما نبههم إلى النظر في أنفسهم، أمره بالنظر إلى العوالم العلوية والسفلية، وما فيها من العجائب، فقال: { ألم تروا كيف خلق الله }.

نوح 71:8

يقول الحق جل جلاله: { قال } نوح شاكيا إلى الله تعالى: { رب إني دعوت قومي } إلى الإيمان والطاعة { ليلا ونهارا } دائما بلا فتور ولا توان، { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } مما دعوتهم إليه، ونسب ذلك إلى دعائه لحصوله عنده، وإن لم يكن في الحقيقة سببا للفرار، وهو كقوله: وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا [التوبة:125]، والقرآن لا يكون سببا لزيادة الرجس، لكن لما حصل عنده نسب إليه، وكان الرجل منهم يذهب بابنه إلى نوح عليه السلام ويقول له: احذر هذا، فلا يعرنك، فإن أبي قد أوصاني بهذا. ه. { وإني كلما دعوتهم } إلى الإيمان بك { لتغفر لهم } أي: ليؤمنوا فتغفر لهم، فاكتفى بذكر المسبب، { جعلوا أصابعهم في آذانهم } أي: سدوا مسامعهم لئلا يسمعوا كلامي، { واستغشوا ثيابهم } أي: وتغطوا بثيابهم لئلا يبصروني، كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله، { وأصروا } أقاموا على كفرهم { واستكبروا استكبارا } أي: تعاظموا عن إجابتي تعاظما كبيرا. وذكر المصدر دليل على فرط استكبارهم. { ثم إني دعوتهم جهارا } أي: مجاهرا، فيكون حالا، أو: مصدر " دعوت " ، كقعد القرفصاء لأن الجهار أحد نوعي الدعاء. يعني: أظهرت الدعوة في المحافل والمجالس. { ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا } أي: جمعت لهم بين دعاء العلانية والسر، فكنت أدعو كل من لقيت، فردا وجماعة. والحاصل: أنه دعاهم ليلا ونهارا في السر، ثم دعاهم جهارا، ثم دعاهم في السر والعلن، وهكذا يفعل المذكر في الأمر بالمعروف، يبتدىء بالأهون فالأشد، افتتح بالمناصحة بالسر، فلما لم يطيعوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان. و " ثم " تدل على تباعد الأحوال لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما. { فقلت استغفروا ربكم } بالتوبة من الكفر والمعاصي فالاستغفار: طلب المغفرة، فإن كان المستغفر كافرا فهو من الكفر، وإن كان مؤمنا فهو من الذنوب، { إنه كان غفارا } لم يزل غفار الذنوب لمن ينيب إليه، { يرسل السماء } بالمطر { عليكم مدرارا } كثير الدرور، أي: البروز، و " مفعال " يستوي فيه المذكر والمؤنث، { ويمددكم بأموال وبنين } أي: يزدكم أمولا وبنين على ما عندكم، { ويجعل لكم جنات } بساتين { ويجعل لكم أنهارا } جارية لمزارعكم وبساتينكم. وكانوا يحبون الأموال والأولاد، فحركوا بهذا على الإيمان، وقيل: لما كذبوه بعد طول تكرار الدعوة حبس الله عنهم القطر، وأعقم نساءهم أربعين سنة، أو سبعين، فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخصب، ورفع عنهم ما كانوا فيه. وعن عمر رضي الله عنه: أنه خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار، فمطر فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد استقيت بمجاديح السماء التي لا تخطىء، ثم قرأ الآية. وفي القاموس: ومجاديح السماء: أنواؤها. ه. وشكى رجل إلى الحسن الجدوبة، فقال له: استغفر الله، وشكى إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة غلة أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقيل له في ذلك، فقال: ما قلت من عندي شيئا، ثم تلا الآية. { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: لا تخافون لله عظمة. قال الأخفش: الرجاء هنا: الخوف لأن مع الرجاء طرفا من الخوف واليأس. والوقار: العظمة. وقال أبو السعود: الرجاء هنا بمعنى الاعتقاد. وجملة ترجون: حال من ضمير المخاطبين، و " لله " متعلق بمضمر، حال من وقارا، ولو تأخر لكان صفة له، أي: أي سبب حصل لكم حال كونكم غير معتقدين لله تعالى عظمة موجبة للتعظيم بالإيمان والطاعة. ه. أو: لا تأملون له توقيرا، أي: تعظيما، والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيه تعظيم الله إياكم في دار الثواب، { وقد خلقكم أطوارا } في موضع الحال، أي: ما لكم لا تؤمنون بالله، والحال أنكم على حال منافية لما أنتم عليه بالكلية، وهي أنكم تعلمون أنه خلقكم أطوارا، أي: أحوالا مختلفة، خلقكم أولا نطفا، ثم خلقكم علقا ثم مضغا، ثم عظاما ولحما، ثم إنسانا، ثم خلقا آخر، وبعد ظهوره إلى هذا العالم يكون شبابا، ثم كهلا، ثم شيخا، بالتقصير في توقير من هذه شؤونه من القدرة القاهرة والإحسان التام، مع العلم بها، مما لا يكاد يصدر عن العاقل. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للداعي أن يكون على قدم أولي العزم، لا يمل من التذكير والدعاء إلى الله، ويكرر ذلك ليلا ونهاران ولو قوبل بالرد والإنكار، فلأن يهدي الله به رجلا واحدا خير له مما طلعت عليه الشمس. وقوله تعالى: { وأصروا واستكبروا } ، قال القشيري: ويقال: لما دام إصرارهم تولد منه استكبارهم، قال تعالى: فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم [الحديد:16]. وقال الورتجبي: من أصر على المعصية أورثه التمادي على الضلالة، حتى يرى قبيح أفعاله مستحسنا، فإذا رآه مستحسنا يستكبر، ويعلو على أولياء الله، ولا يقبل بعد ذلك نصحتهم. قال سهل: الإصرار على الذنب يورث الاستكبار، والاستكبار يورث الجهل، والجهل يورث التخطي في الباطل، وذلك يورث قساوة القلب، وهي تورث النفاق، والنفاق يورث الكفر. ه. وقوله تعالى: { استغفروا ربكم } قال القشيري: ليعلم العاملون أن الاستغفار قرع أبواب النعمة، ومن وقعت له إلى الله حاجة فلا يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار. ويقال: من أراد التفضل فعليه بالعذر والتنصل. ه. وقوله: { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: ما لكم لا تعتقدون لله تعظيما وإجلالا، فلا تراقبونه، ولا تخافون سطوته، فإن المشاهدة على قدر المراقبة، فمن لم يحكم أمر المراقبة لم يظفر بغاية المشاهدة. وقد خلقكم أطوارا، أي: درج بشريتكم في أطوار مختلفة، وهي سبعة: النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الطفولية، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم يرتحل إلى دار الدوام، وكذلك الروح لها سبعة أطوار: التوبة ثم الورع، ثم الزهد، ثم التوكل، ثم الرضاء والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة. والله تعالى أعلم. ولما نبههم إلى النظر في أنفسهم، أمره بالنظر إلى العوالم العلوية والسفلية، وما فيها من العجائب، فقال: { ألم تروا كيف خلق الله }.

نوح 71:9

يقول الحق جل جلاله: { قال } نوح شاكيا إلى الله تعالى: { رب إني دعوت قومي } إلى الإيمان والطاعة { ليلا ونهارا } دائما بلا فتور ولا توان، { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } مما دعوتهم إليه، ونسب ذلك إلى دعائه لحصوله عنده، وإن لم يكن في الحقيقة سببا للفرار، وهو كقوله: وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا [التوبة:125]، والقرآن لا يكون سببا لزيادة الرجس، لكن لما حصل عنده نسب إليه، وكان الرجل منهم يذهب بابنه إلى نوح عليه السلام ويقول له: احذر هذا، فلا يعرنك، فإن أبي قد أوصاني بهذا. ه. { وإني كلما دعوتهم } إلى الإيمان بك { لتغفر لهم } أي: ليؤمنوا فتغفر لهم، فاكتفى بذكر المسبب، { جعلوا أصابعهم في آذانهم } أي: سدوا مسامعهم لئلا يسمعوا كلامي، { واستغشوا ثيابهم } أي: وتغطوا بثيابهم لئلا يبصروني، كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله، { وأصروا } أقاموا على كفرهم { واستكبروا استكبارا } أي: تعاظموا عن إجابتي تعاظما كبيرا. وذكر المصدر دليل على فرط استكبارهم. { ثم إني دعوتهم جهارا } أي: مجاهرا، فيكون حالا، أو: مصدر " دعوت " ، كقعد القرفصاء لأن الجهار أحد نوعي الدعاء. يعني: أظهرت الدعوة في المحافل والمجالس. { ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا } أي: جمعت لهم بين دعاء العلانية والسر، فكنت أدعو كل من لقيت، فردا وجماعة. والحاصل: أنه دعاهم ليلا ونهارا في السر، ثم دعاهم جهارا، ثم دعاهم في السر والعلن، وهكذا يفعل المذكر في الأمر بالمعروف، يبتدىء بالأهون فالأشد، افتتح بالمناصحة بالسر، فلما لم يطيعوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان. و " ثم " تدل على تباعد الأحوال لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما. { فقلت استغفروا ربكم } بالتوبة من الكفر والمعاصي فالاستغفار: طلب المغفرة، فإن كان المستغفر كافرا فهو من الكفر، وإن كان مؤمنا فهو من الذنوب، { إنه كان غفارا } لم يزل غفار الذنوب لمن ينيب إليه، { يرسل السماء } بالمطر { عليكم مدرارا } كثير الدرور، أي: البروز، و " مفعال " يستوي فيه المذكر والمؤنث، { ويمددكم بأموال وبنين } أي: يزدكم أمولا وبنين على ما عندكم، { ويجعل لكم جنات } بساتين { ويجعل لكم أنهارا } جارية لمزارعكم وبساتينكم. وكانوا يحبون الأموال والأولاد، فحركوا بهذا على الإيمان، وقيل: لما كذبوه بعد طول تكرار الدعوة حبس الله عنهم القطر، وأعقم نساءهم أربعين سنة، أو سبعين، فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخصب، ورفع عنهم ما كانوا فيه. وعن عمر رضي الله عنه: أنه خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار، فمطر فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد استقيت بمجاديح السماء التي لا تخطىء، ثم قرأ الآية. وفي القاموس: ومجاديح السماء: أنواؤها. ه. وشكى رجل إلى الحسن الجدوبة، فقال له: استغفر الله، وشكى إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة غلة أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقيل له في ذلك، فقال: ما قلت من عندي شيئا، ثم تلا الآية. { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: لا تخافون لله عظمة. قال الأخفش: الرجاء هنا: الخوف لأن مع الرجاء طرفا من الخوف واليأس. والوقار: العظمة. وقال أبو السعود: الرجاء هنا بمعنى الاعتقاد. وجملة ترجون: حال من ضمير المخاطبين، و " لله " متعلق بمضمر، حال من وقارا، ولو تأخر لكان صفة له، أي: أي سبب حصل لكم حال كونكم غير معتقدين لله تعالى عظمة موجبة للتعظيم بالإيمان والطاعة. ه. أو: لا تأملون له توقيرا، أي: تعظيما، والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيه تعظيم الله إياكم في دار الثواب، { وقد خلقكم أطوارا } في موضع الحال، أي: ما لكم لا تؤمنون بالله، والحال أنكم على حال منافية لما أنتم عليه بالكلية، وهي أنكم تعلمون أنه خلقكم أطوارا، أي: أحوالا مختلفة، خلقكم أولا نطفا، ثم خلقكم علقا ثم مضغا، ثم عظاما ولحما، ثم إنسانا، ثم خلقا آخر، وبعد ظهوره إلى هذا العالم يكون شبابا، ثم كهلا، ثم شيخا، بالتقصير في توقير من هذه شؤونه من القدرة القاهرة والإحسان التام، مع العلم بها، مما لا يكاد يصدر عن العاقل. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للداعي أن يكون على قدم أولي العزم، لا يمل من التذكير والدعاء إلى الله، ويكرر ذلك ليلا ونهاران ولو قوبل بالرد والإنكار، فلأن يهدي الله به رجلا واحدا خير له مما طلعت عليه الشمس. وقوله تعالى: { وأصروا واستكبروا } ، قال القشيري: ويقال: لما دام إصرارهم تولد منه استكبارهم، قال تعالى: فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم [الحديد:16]. وقال الورتجبي: من أصر على المعصية أورثه التمادي على الضلالة، حتى يرى قبيح أفعاله مستحسنا، فإذا رآه مستحسنا يستكبر، ويعلو على أولياء الله، ولا يقبل بعد ذلك نصحتهم. قال سهل: الإصرار على الذنب يورث الاستكبار، والاستكبار يورث الجهل، والجهل يورث التخطي في الباطل، وذلك يورث قساوة القلب، وهي تورث النفاق، والنفاق يورث الكفر. ه. وقوله تعالى: { استغفروا ربكم } قال القشيري: ليعلم العاملون أن الاستغفار قرع أبواب النعمة، ومن وقعت له إلى الله حاجة فلا يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار. ويقال: من أراد التفضل فعليه بالعذر والتنصل. ه. وقوله: { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: ما لكم لا تعتقدون لله تعظيما وإجلالا، فلا تراقبونه، ولا تخافون سطوته، فإن المشاهدة على قدر المراقبة، فمن لم يحكم أمر المراقبة لم يظفر بغاية المشاهدة. وقد خلقكم أطوارا، أي: درج بشريتكم في أطوار مختلفة، وهي سبعة: النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الطفولية، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم يرتحل إلى دار الدوام، وكذلك الروح لها سبعة أطوار: التوبة ثم الورع، ثم الزهد، ثم التوكل، ثم الرضاء والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة. والله تعالى أعلم. ولما نبههم إلى النظر في أنفسهم، أمره بالنظر إلى العوالم العلوية والسفلية، وما فيها من العجائب، فقال: { ألم تروا كيف خلق الله }.

نوح 71:10

يقول الحق جل جلاله: { قال } نوح شاكيا إلى الله تعالى: { رب إني دعوت قومي } إلى الإيمان والطاعة { ليلا ونهارا } دائما بلا فتور ولا توان، { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } مما دعوتهم إليه، ونسب ذلك إلى دعائه لحصوله عنده، وإن لم يكن في الحقيقة سببا للفرار، وهو كقوله: وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا [التوبة:125]، والقرآن لا يكون سببا لزيادة الرجس، لكن لما حصل عنده نسب إليه، وكان الرجل منهم يذهب بابنه إلى نوح عليه السلام ويقول له: احذر هذا، فلا يعرنك، فإن أبي قد أوصاني بهذا. ه. { وإني كلما دعوتهم } إلى الإيمان بك { لتغفر لهم } أي: ليؤمنوا فتغفر لهم، فاكتفى بذكر المسبب، { جعلوا أصابعهم في آذانهم } أي: سدوا مسامعهم لئلا يسمعوا كلامي، { واستغشوا ثيابهم } أي: وتغطوا بثيابهم لئلا يبصروني، كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله، { وأصروا } أقاموا على كفرهم { واستكبروا استكبارا } أي: تعاظموا عن إجابتي تعاظما كبيرا. وذكر المصدر دليل على فرط استكبارهم. { ثم إني دعوتهم جهارا } أي: مجاهرا، فيكون حالا، أو: مصدر " دعوت " ، كقعد القرفصاء لأن الجهار أحد نوعي الدعاء. يعني: أظهرت الدعوة في المحافل والمجالس. { ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا } أي: جمعت لهم بين دعاء العلانية والسر، فكنت أدعو كل من لقيت، فردا وجماعة. والحاصل: أنه دعاهم ليلا ونهارا في السر، ثم دعاهم جهارا، ثم دعاهم في السر والعلن، وهكذا يفعل المذكر في الأمر بالمعروف، يبتدىء بالأهون فالأشد، افتتح بالمناصحة بالسر، فلما لم يطيعوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان. و " ثم " تدل على تباعد الأحوال لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما. { فقلت استغفروا ربكم } بالتوبة من الكفر والمعاصي فالاستغفار: طلب المغفرة، فإن كان المستغفر كافرا فهو من الكفر، وإن كان مؤمنا فهو من الذنوب، { إنه كان غفارا } لم يزل غفار الذنوب لمن ينيب إليه، { يرسل السماء } بالمطر { عليكم مدرارا } كثير الدرور، أي: البروز، و " مفعال " يستوي فيه المذكر والمؤنث، { ويمددكم بأموال وبنين } أي: يزدكم أمولا وبنين على ما عندكم، { ويجعل لكم جنات } بساتين { ويجعل لكم أنهارا } جارية لمزارعكم وبساتينكم. وكانوا يحبون الأموال والأولاد، فحركوا بهذا على الإيمان، وقيل: لما كذبوه بعد طول تكرار الدعوة حبس الله عنهم القطر، وأعقم نساءهم أربعين سنة، أو سبعين، فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخصب، ورفع عنهم ما كانوا فيه. وعن عمر رضي الله عنه: أنه خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار، فمطر فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد استقيت بمجاديح السماء التي لا تخطىء، ثم قرأ الآية. وفي القاموس: ومجاديح السماء: أنواؤها. ه. وشكى رجل إلى الحسن الجدوبة، فقال له: استغفر الله، وشكى إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة غلة أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقيل له في ذلك، فقال: ما قلت من عندي شيئا، ثم تلا الآية. { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: لا تخافون لله عظمة. قال الأخفش: الرجاء هنا: الخوف لأن مع الرجاء طرفا من الخوف واليأس. والوقار: العظمة. وقال أبو السعود: الرجاء هنا بمعنى الاعتقاد. وجملة ترجون: حال من ضمير المخاطبين، و " لله " متعلق بمضمر، حال من وقارا، ولو تأخر لكان صفة له، أي: أي سبب حصل لكم حال كونكم غير معتقدين لله تعالى عظمة موجبة للتعظيم بالإيمان والطاعة. ه. أو: لا تأملون له توقيرا، أي: تعظيما، والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيه تعظيم الله إياكم في دار الثواب، { وقد خلقكم أطوارا } في موضع الحال، أي: ما لكم لا تؤمنون بالله، والحال أنكم على حال منافية لما أنتم عليه بالكلية، وهي أنكم تعلمون أنه خلقكم أطوارا، أي: أحوالا مختلفة، خلقكم أولا نطفا، ثم خلقكم علقا ثم مضغا، ثم عظاما ولحما، ثم إنسانا، ثم خلقا آخر، وبعد ظهوره إلى هذا العالم يكون شبابا، ثم كهلا، ثم شيخا، بالتقصير في توقير من هذه شؤونه من القدرة القاهرة والإحسان التام، مع العلم بها، مما لا يكاد يصدر عن العاقل. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للداعي أن يكون على قدم أولي العزم، لا يمل من التذكير والدعاء إلى الله، ويكرر ذلك ليلا ونهاران ولو قوبل بالرد والإنكار، فلأن يهدي الله به رجلا واحدا خير له مما طلعت عليه الشمس. وقوله تعالى: { وأصروا واستكبروا } ، قال القشيري: ويقال: لما دام إصرارهم تولد منه استكبارهم، قال تعالى: فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم [الحديد:16]. وقال الورتجبي: من أصر على المعصية أورثه التمادي على الضلالة، حتى يرى قبيح أفعاله مستحسنا، فإذا رآه مستحسنا يستكبر، ويعلو على أولياء الله، ولا يقبل بعد ذلك نصحتهم. قال سهل: الإصرار على الذنب يورث الاستكبار، والاستكبار يورث الجهل، والجهل يورث التخطي في الباطل، وذلك يورث قساوة القلب، وهي تورث النفاق، والنفاق يورث الكفر. ه. وقوله تعالى: { استغفروا ربكم } قال القشيري: ليعلم العاملون أن الاستغفار قرع أبواب النعمة، ومن وقعت له إلى الله حاجة فلا يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار. ويقال: من أراد التفضل فعليه بالعذر والتنصل. ه. وقوله: { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: ما لكم لا تعتقدون لله تعظيما وإجلالا، فلا تراقبونه، ولا تخافون سطوته، فإن المشاهدة على قدر المراقبة، فمن لم يحكم أمر المراقبة لم يظفر بغاية المشاهدة. وقد خلقكم أطوارا، أي: درج بشريتكم في أطوار مختلفة، وهي سبعة: النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الطفولية، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم يرتحل إلى دار الدوام، وكذلك الروح لها سبعة أطوار: التوبة ثم الورع، ثم الزهد، ثم التوكل، ثم الرضاء والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة. والله تعالى أعلم. ولما نبههم إلى النظر في أنفسهم، أمره بالنظر إلى العوالم العلوية والسفلية، وما فيها من العجائب، فقال: { ألم تروا كيف خلق الله }.

نوح 71:11

يقول الحق جل جلاله: { قال } نوح شاكيا إلى الله تعالى: { رب إني دعوت قومي } إلى الإيمان والطاعة { ليلا ونهارا } دائما بلا فتور ولا توان، { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } مما دعوتهم إليه، ونسب ذلك إلى دعائه لحصوله عنده، وإن لم يكن في الحقيقة سببا للفرار، وهو كقوله: وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا [التوبة:125]، والقرآن لا يكون سببا لزيادة الرجس، لكن لما حصل عنده نسب إليه، وكان الرجل منهم يذهب بابنه إلى نوح عليه السلام ويقول له: احذر هذا، فلا يعرنك، فإن أبي قد أوصاني بهذا. ه. { وإني كلما دعوتهم } إلى الإيمان بك { لتغفر لهم } أي: ليؤمنوا فتغفر لهم، فاكتفى بذكر المسبب، { جعلوا أصابعهم في آذانهم } أي: سدوا مسامعهم لئلا يسمعوا كلامي، { واستغشوا ثيابهم } أي: وتغطوا بثيابهم لئلا يبصروني، كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله، { وأصروا } أقاموا على كفرهم { واستكبروا استكبارا } أي: تعاظموا عن إجابتي تعاظما كبيرا. وذكر المصدر دليل على فرط استكبارهم. { ثم إني دعوتهم جهارا } أي: مجاهرا، فيكون حالا، أو: مصدر " دعوت " ، كقعد القرفصاء لأن الجهار أحد نوعي الدعاء. يعني: أظهرت الدعوة في المحافل والمجالس. { ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا } أي: جمعت لهم بين دعاء العلانية والسر، فكنت أدعو كل من لقيت، فردا وجماعة. والحاصل: أنه دعاهم ليلا ونهارا في السر، ثم دعاهم جهارا، ثم دعاهم في السر والعلن، وهكذا يفعل المذكر في الأمر بالمعروف، يبتدىء بالأهون فالأشد، افتتح بالمناصحة بالسر، فلما لم يطيعوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان. و " ثم " تدل على تباعد الأحوال لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما. { فقلت استغفروا ربكم } بالتوبة من الكفر والمعاصي فالاستغفار: طلب المغفرة، فإن كان المستغفر كافرا فهو من الكفر، وإن كان مؤمنا فهو من الذنوب، { إنه كان غفارا } لم يزل غفار الذنوب لمن ينيب إليه، { يرسل السماء } بالمطر { عليكم مدرارا } كثير الدرور، أي: البروز، و " مفعال " يستوي فيه المذكر والمؤنث، { ويمددكم بأموال وبنين } أي: يزدكم أمولا وبنين على ما عندكم، { ويجعل لكم جنات } بساتين { ويجعل لكم أنهارا } جارية لمزارعكم وبساتينكم. وكانوا يحبون الأموال والأولاد، فحركوا بهذا على الإيمان، وقيل: لما كذبوه بعد طول تكرار الدعوة حبس الله عنهم القطر، وأعقم نساءهم أربعين سنة، أو سبعين، فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخصب، ورفع عنهم ما كانوا فيه. وعن عمر رضي الله عنه: أنه خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار، فمطر فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد استقيت بمجاديح السماء التي لا تخطىء، ثم قرأ الآية. وفي القاموس: ومجاديح السماء: أنواؤها. ه. وشكى رجل إلى الحسن الجدوبة، فقال له: استغفر الله، وشكى إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة غلة أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقيل له في ذلك، فقال: ما قلت من عندي شيئا، ثم تلا الآية. { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: لا تخافون لله عظمة. قال الأخفش: الرجاء هنا: الخوف لأن مع الرجاء طرفا من الخوف واليأس. والوقار: العظمة. وقال أبو السعود: الرجاء هنا بمعنى الاعتقاد. وجملة ترجون: حال من ضمير المخاطبين، و " لله " متعلق بمضمر، حال من وقارا، ولو تأخر لكان صفة له، أي: أي سبب حصل لكم حال كونكم غير معتقدين لله تعالى عظمة موجبة للتعظيم بالإيمان والطاعة. ه. أو: لا تأملون له توقيرا، أي: تعظيما، والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيه تعظيم الله إياكم في دار الثواب، { وقد خلقكم أطوارا } في موضع الحال، أي: ما لكم لا تؤمنون بالله، والحال أنكم على حال منافية لما أنتم عليه بالكلية، وهي أنكم تعلمون أنه خلقكم أطوارا، أي: أحوالا مختلفة، خلقكم أولا نطفا، ثم خلقكم علقا ثم مضغا، ثم عظاما ولحما، ثم إنسانا، ثم خلقا آخر، وبعد ظهوره إلى هذا العالم يكون شبابا، ثم كهلا، ثم شيخا، بالتقصير في توقير من هذه شؤونه من القدرة القاهرة والإحسان التام، مع العلم بها، مما لا يكاد يصدر عن العاقل. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للداعي أن يكون على قدم أولي العزم، لا يمل من التذكير والدعاء إلى الله، ويكرر ذلك ليلا ونهاران ولو قوبل بالرد والإنكار، فلأن يهدي الله به رجلا واحدا خير له مما طلعت عليه الشمس. وقوله تعالى: { وأصروا واستكبروا } ، قال القشيري: ويقال: لما دام إصرارهم تولد منه استكبارهم، قال تعالى: فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم [الحديد:16]. وقال الورتجبي: من أصر على المعصية أورثه التمادي على الضلالة، حتى يرى قبيح أفعاله مستحسنا، فإذا رآه مستحسنا يستكبر، ويعلو على أولياء الله، ولا يقبل بعد ذلك نصحتهم. قال سهل: الإصرار على الذنب يورث الاستكبار، والاستكبار يورث الجهل، والجهل يورث التخطي في الباطل، وذلك يورث قساوة القلب، وهي تورث النفاق، والنفاق يورث الكفر. ه. وقوله تعالى: { استغفروا ربكم } قال القشيري: ليعلم العاملون أن الاستغفار قرع أبواب النعمة، ومن وقعت له إلى الله حاجة فلا يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار. ويقال: من أراد التفضل فعليه بالعذر والتنصل. ه. وقوله: { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: ما لكم لا تعتقدون لله تعظيما وإجلالا، فلا تراقبونه، ولا تخافون سطوته، فإن المشاهدة على قدر المراقبة، فمن لم يحكم أمر المراقبة لم يظفر بغاية المشاهدة. وقد خلقكم أطوارا، أي: درج بشريتكم في أطوار مختلفة، وهي سبعة: النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الطفولية، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم يرتحل إلى دار الدوام، وكذلك الروح لها سبعة أطوار: التوبة ثم الورع، ثم الزهد، ثم التوكل، ثم الرضاء والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة. والله تعالى أعلم. ولما نبههم إلى النظر في أنفسهم، أمره بالنظر إلى العوالم العلوية والسفلية، وما فيها من العجائب، فقال: { ألم تروا كيف خلق الله }.

نوح 71:12

يقول الحق جل جلاله: { قال } نوح شاكيا إلى الله تعالى: { رب إني دعوت قومي } إلى الإيمان والطاعة { ليلا ونهارا } دائما بلا فتور ولا توان، { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } مما دعوتهم إليه، ونسب ذلك إلى دعائه لحصوله عنده، وإن لم يكن في الحقيقة سببا للفرار، وهو كقوله: وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا [التوبة:125]، والقرآن لا يكون سببا لزيادة الرجس، لكن لما حصل عنده نسب إليه، وكان الرجل منهم يذهب بابنه إلى نوح عليه السلام ويقول له: احذر هذا، فلا يعرنك، فإن أبي قد أوصاني بهذا. ه. { وإني كلما دعوتهم } إلى الإيمان بك { لتغفر لهم } أي: ليؤمنوا فتغفر لهم، فاكتفى بذكر المسبب، { جعلوا أصابعهم في آذانهم } أي: سدوا مسامعهم لئلا يسمعوا كلامي، { واستغشوا ثيابهم } أي: وتغطوا بثيابهم لئلا يبصروني، كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله، { وأصروا } أقاموا على كفرهم { واستكبروا استكبارا } أي: تعاظموا عن إجابتي تعاظما كبيرا. وذكر المصدر دليل على فرط استكبارهم. { ثم إني دعوتهم جهارا } أي: مجاهرا، فيكون حالا، أو: مصدر " دعوت " ، كقعد القرفصاء لأن الجهار أحد نوعي الدعاء. يعني: أظهرت الدعوة في المحافل والمجالس. { ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا } أي: جمعت لهم بين دعاء العلانية والسر، فكنت أدعو كل من لقيت، فردا وجماعة. والحاصل: أنه دعاهم ليلا ونهارا في السر، ثم دعاهم جهارا، ثم دعاهم في السر والعلن، وهكذا يفعل المذكر في الأمر بالمعروف، يبتدىء بالأهون فالأشد، افتتح بالمناصحة بالسر، فلما لم يطيعوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان. و " ثم " تدل على تباعد الأحوال لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما. { فقلت استغفروا ربكم } بالتوبة من الكفر والمعاصي فالاستغفار: طلب المغفرة، فإن كان المستغفر كافرا فهو من الكفر، وإن كان مؤمنا فهو من الذنوب، { إنه كان غفارا } لم يزل غفار الذنوب لمن ينيب إليه، { يرسل السماء } بالمطر { عليكم مدرارا } كثير الدرور، أي: البروز، و " مفعال " يستوي فيه المذكر والمؤنث، { ويمددكم بأموال وبنين } أي: يزدكم أمولا وبنين على ما عندكم، { ويجعل لكم جنات } بساتين { ويجعل لكم أنهارا } جارية لمزارعكم وبساتينكم. وكانوا يحبون الأموال والأولاد، فحركوا بهذا على الإيمان، وقيل: لما كذبوه بعد طول تكرار الدعوة حبس الله عنهم القطر، وأعقم نساءهم أربعين سنة، أو سبعين، فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخصب، ورفع عنهم ما كانوا فيه. وعن عمر رضي الله عنه: أنه خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار، فمطر فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد استقيت بمجاديح السماء التي لا تخطىء، ثم قرأ الآية. وفي القاموس: ومجاديح السماء: أنواؤها. ه. وشكى رجل إلى الحسن الجدوبة، فقال له: استغفر الله، وشكى إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة غلة أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقيل له في ذلك، فقال: ما قلت من عندي شيئا، ثم تلا الآية. { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: لا تخافون لله عظمة. قال الأخفش: الرجاء هنا: الخوف لأن مع الرجاء طرفا من الخوف واليأس. والوقار: العظمة. وقال أبو السعود: الرجاء هنا بمعنى الاعتقاد. وجملة ترجون: حال من ضمير المخاطبين، و " لله " متعلق بمضمر، حال من وقارا، ولو تأخر لكان صفة له، أي: أي سبب حصل لكم حال كونكم غير معتقدين لله تعالى عظمة موجبة للتعظيم بالإيمان والطاعة. ه. أو: لا تأملون له توقيرا، أي: تعظيما، والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيه تعظيم الله إياكم في دار الثواب، { وقد خلقكم أطوارا } في موضع الحال، أي: ما لكم لا تؤمنون بالله، والحال أنكم على حال منافية لما أنتم عليه بالكلية، وهي أنكم تعلمون أنه خلقكم أطوارا، أي: أحوالا مختلفة، خلقكم أولا نطفا، ثم خلقكم علقا ثم مضغا، ثم عظاما ولحما، ثم إنسانا، ثم خلقا آخر، وبعد ظهوره إلى هذا العالم يكون شبابا، ثم كهلا، ثم شيخا، بالتقصير في توقير من هذه شؤونه من القدرة القاهرة والإحسان التام، مع العلم بها، مما لا يكاد يصدر عن العاقل. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للداعي أن يكون على قدم أولي العزم، لا يمل من التذكير والدعاء إلى الله، ويكرر ذلك ليلا ونهاران ولو قوبل بالرد والإنكار، فلأن يهدي الله به رجلا واحدا خير له مما طلعت عليه الشمس. وقوله تعالى: { وأصروا واستكبروا } ، قال القشيري: ويقال: لما دام إصرارهم تولد منه استكبارهم، قال تعالى: فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم [الحديد:16]. وقال الورتجبي: من أصر على المعصية أورثه التمادي على الضلالة، حتى يرى قبيح أفعاله مستحسنا، فإذا رآه مستحسنا يستكبر، ويعلو على أولياء الله، ولا يقبل بعد ذلك نصحتهم. قال سهل: الإصرار على الذنب يورث الاستكبار، والاستكبار يورث الجهل، والجهل يورث التخطي في الباطل، وذلك يورث قساوة القلب، وهي تورث النفاق، والنفاق يورث الكفر. ه. وقوله تعالى: { استغفروا ربكم } قال القشيري: ليعلم العاملون أن الاستغفار قرع أبواب النعمة، ومن وقعت له إلى الله حاجة فلا يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار. ويقال: من أراد التفضل فعليه بالعذر والتنصل. ه. وقوله: { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: ما لكم لا تعتقدون لله تعظيما وإجلالا، فلا تراقبونه، ولا تخافون سطوته، فإن المشاهدة على قدر المراقبة، فمن لم يحكم أمر المراقبة لم يظفر بغاية المشاهدة. وقد خلقكم أطوارا، أي: درج بشريتكم في أطوار مختلفة، وهي سبعة: النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الطفولية، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم يرتحل إلى دار الدوام، وكذلك الروح لها سبعة أطوار: التوبة ثم الورع، ثم الزهد، ثم التوكل، ثم الرضاء والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة. والله تعالى أعلم. ولما نبههم إلى النظر في أنفسهم، أمره بالنظر إلى العوالم العلوية والسفلية، وما فيها من العجائب، فقال: { ألم تروا كيف خلق الله }.

نوح 71:13

يقول الحق جل جلاله: { قال } نوح شاكيا إلى الله تعالى: { رب إني دعوت قومي } إلى الإيمان والطاعة { ليلا ونهارا } دائما بلا فتور ولا توان، { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } مما دعوتهم إليه، ونسب ذلك إلى دعائه لحصوله عنده، وإن لم يكن في الحقيقة سببا للفرار، وهو كقوله: وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا [التوبة:125]، والقرآن لا يكون سببا لزيادة الرجس، لكن لما حصل عنده نسب إليه، وكان الرجل منهم يذهب بابنه إلى نوح عليه السلام ويقول له: احذر هذا، فلا يعرنك، فإن أبي قد أوصاني بهذا. ه. { وإني كلما دعوتهم } إلى الإيمان بك { لتغفر لهم } أي: ليؤمنوا فتغفر لهم، فاكتفى بذكر المسبب، { جعلوا أصابعهم في آذانهم } أي: سدوا مسامعهم لئلا يسمعوا كلامي، { واستغشوا ثيابهم } أي: وتغطوا بثيابهم لئلا يبصروني، كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله، { وأصروا } أقاموا على كفرهم { واستكبروا استكبارا } أي: تعاظموا عن إجابتي تعاظما كبيرا. وذكر المصدر دليل على فرط استكبارهم. { ثم إني دعوتهم جهارا } أي: مجاهرا، فيكون حالا، أو: مصدر " دعوت " ، كقعد القرفصاء لأن الجهار أحد نوعي الدعاء. يعني: أظهرت الدعوة في المحافل والمجالس. { ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا } أي: جمعت لهم بين دعاء العلانية والسر، فكنت أدعو كل من لقيت، فردا وجماعة. والحاصل: أنه دعاهم ليلا ونهارا في السر، ثم دعاهم جهارا، ثم دعاهم في السر والعلن، وهكذا يفعل المذكر في الأمر بالمعروف، يبتدىء بالأهون فالأشد، افتتح بالمناصحة بالسر، فلما لم يطيعوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان. و " ثم " تدل على تباعد الأحوال لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما. { فقلت استغفروا ربكم } بالتوبة من الكفر والمعاصي فالاستغفار: طلب المغفرة، فإن كان المستغفر كافرا فهو من الكفر، وإن كان مؤمنا فهو من الذنوب، { إنه كان غفارا } لم يزل غفار الذنوب لمن ينيب إليه، { يرسل السماء } بالمطر { عليكم مدرارا } كثير الدرور، أي: البروز، و " مفعال " يستوي فيه المذكر والمؤنث، { ويمددكم بأموال وبنين } أي: يزدكم أمولا وبنين على ما عندكم، { ويجعل لكم جنات } بساتين { ويجعل لكم أنهارا } جارية لمزارعكم وبساتينكم. وكانوا يحبون الأموال والأولاد، فحركوا بهذا على الإيمان، وقيل: لما كذبوه بعد طول تكرار الدعوة حبس الله عنهم القطر، وأعقم نساءهم أربعين سنة، أو سبعين، فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخصب، ورفع عنهم ما كانوا فيه. وعن عمر رضي الله عنه: أنه خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار، فمطر فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد استقيت بمجاديح السماء التي لا تخطىء، ثم قرأ الآية. وفي القاموس: ومجاديح السماء: أنواؤها. ه. وشكى رجل إلى الحسن الجدوبة، فقال له: استغفر الله، وشكى إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة غلة أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقيل له في ذلك، فقال: ما قلت من عندي شيئا، ثم تلا الآية. { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: لا تخافون لله عظمة. قال الأخفش: الرجاء هنا: الخوف لأن مع الرجاء طرفا من الخوف واليأس. والوقار: العظمة. وقال أبو السعود: الرجاء هنا بمعنى الاعتقاد. وجملة ترجون: حال من ضمير المخاطبين، و " لله " متعلق بمضمر، حال من وقارا، ولو تأخر لكان صفة له، أي: أي سبب حصل لكم حال كونكم غير معتقدين لله تعالى عظمة موجبة للتعظيم بالإيمان والطاعة. ه. أو: لا تأملون له توقيرا، أي: تعظيما، والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيه تعظيم الله إياكم في دار الثواب، { وقد خلقكم أطوارا } في موضع الحال، أي: ما لكم لا تؤمنون بالله، والحال أنكم على حال منافية لما أنتم عليه بالكلية، وهي أنكم تعلمون أنه خلقكم أطوارا، أي: أحوالا مختلفة، خلقكم أولا نطفا، ثم خلقكم علقا ثم مضغا، ثم عظاما ولحما، ثم إنسانا، ثم خلقا آخر، وبعد ظهوره إلى هذا العالم يكون شبابا، ثم كهلا، ثم شيخا، بالتقصير في توقير من هذه شؤونه من القدرة القاهرة والإحسان التام، مع العلم بها، مما لا يكاد يصدر عن العاقل. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للداعي أن يكون على قدم أولي العزم، لا يمل من التذكير والدعاء إلى الله، ويكرر ذلك ليلا ونهاران ولو قوبل بالرد والإنكار، فلأن يهدي الله به رجلا واحدا خير له مما طلعت عليه الشمس. وقوله تعالى: { وأصروا واستكبروا } ، قال القشيري: ويقال: لما دام إصرارهم تولد منه استكبارهم، قال تعالى: فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم [الحديد:16]. وقال الورتجبي: من أصر على المعصية أورثه التمادي على الضلالة، حتى يرى قبيح أفعاله مستحسنا، فإذا رآه مستحسنا يستكبر، ويعلو على أولياء الله، ولا يقبل بعد ذلك نصحتهم. قال سهل: الإصرار على الذنب يورث الاستكبار، والاستكبار يورث الجهل، والجهل يورث التخطي في الباطل، وذلك يورث قساوة القلب، وهي تورث النفاق، والنفاق يورث الكفر. ه. وقوله تعالى: { استغفروا ربكم } قال القشيري: ليعلم العاملون أن الاستغفار قرع أبواب النعمة، ومن وقعت له إلى الله حاجة فلا يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار. ويقال: من أراد التفضل فعليه بالعذر والتنصل. ه. وقوله: { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: ما لكم لا تعتقدون لله تعظيما وإجلالا، فلا تراقبونه، ولا تخافون سطوته، فإن المشاهدة على قدر المراقبة، فمن لم يحكم أمر المراقبة لم يظفر بغاية المشاهدة. وقد خلقكم أطوارا، أي: درج بشريتكم في أطوار مختلفة، وهي سبعة: النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الطفولية، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم يرتحل إلى دار الدوام، وكذلك الروح لها سبعة أطوار: التوبة ثم الورع، ثم الزهد، ثم التوكل، ثم الرضاء والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة. والله تعالى أعلم. ولما نبههم إلى النظر في أنفسهم، أمره بالنظر إلى العوالم العلوية والسفلية، وما فيها من العجائب، فقال: { ألم تروا كيف خلق الله }.

نوح 71:14

يقول الحق جل جلاله: { قال } نوح شاكيا إلى الله تعالى: { رب إني دعوت قومي } إلى الإيمان والطاعة { ليلا ونهارا } دائما بلا فتور ولا توان، { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } مما دعوتهم إليه، ونسب ذلك إلى دعائه لحصوله عنده، وإن لم يكن في الحقيقة سببا للفرار، وهو كقوله: وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا [التوبة:125]، والقرآن لا يكون سببا لزيادة الرجس، لكن لما حصل عنده نسب إليه، وكان الرجل منهم يذهب بابنه إلى نوح عليه السلام ويقول له: احذر هذا، فلا يعرنك، فإن أبي قد أوصاني بهذا. ه. { وإني كلما دعوتهم } إلى الإيمان بك { لتغفر لهم } أي: ليؤمنوا فتغفر لهم، فاكتفى بذكر المسبب، { جعلوا أصابعهم في آذانهم } أي: سدوا مسامعهم لئلا يسمعوا كلامي، { واستغشوا ثيابهم } أي: وتغطوا بثيابهم لئلا يبصروني، كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله، { وأصروا } أقاموا على كفرهم { واستكبروا استكبارا } أي: تعاظموا عن إجابتي تعاظما كبيرا. وذكر المصدر دليل على فرط استكبارهم. { ثم إني دعوتهم جهارا } أي: مجاهرا، فيكون حالا، أو: مصدر " دعوت " ، كقعد القرفصاء لأن الجهار أحد نوعي الدعاء. يعني: أظهرت الدعوة في المحافل والمجالس. { ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا } أي: جمعت لهم بين دعاء العلانية والسر، فكنت أدعو كل من لقيت، فردا وجماعة. والحاصل: أنه دعاهم ليلا ونهارا في السر، ثم دعاهم جهارا، ثم دعاهم في السر والعلن، وهكذا يفعل المذكر في الأمر بالمعروف، يبتدىء بالأهون فالأشد، افتتح بالمناصحة بالسر، فلما لم يطيعوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان. و " ثم " تدل على تباعد الأحوال لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما. { فقلت استغفروا ربكم } بالتوبة من الكفر والمعاصي فالاستغفار: طلب المغفرة، فإن كان المستغفر كافرا فهو من الكفر، وإن كان مؤمنا فهو من الذنوب، { إنه كان غفارا } لم يزل غفار الذنوب لمن ينيب إليه، { يرسل السماء } بالمطر { عليكم مدرارا } كثير الدرور، أي: البروز، و " مفعال " يستوي فيه المذكر والمؤنث، { ويمددكم بأموال وبنين } أي: يزدكم أمولا وبنين على ما عندكم، { ويجعل لكم جنات } بساتين { ويجعل لكم أنهارا } جارية لمزارعكم وبساتينكم. وكانوا يحبون الأموال والأولاد، فحركوا بهذا على الإيمان، وقيل: لما كذبوه بعد طول تكرار الدعوة حبس الله عنهم القطر، وأعقم نساءهم أربعين سنة، أو سبعين، فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخصب، ورفع عنهم ما كانوا فيه. وعن عمر رضي الله عنه: أنه خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار، فمطر فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد استقيت بمجاديح السماء التي لا تخطىء، ثم قرأ الآية. وفي القاموس: ومجاديح السماء: أنواؤها. ه. وشكى رجل إلى الحسن الجدوبة، فقال له: استغفر الله، وشكى إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة غلة أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقيل له في ذلك، فقال: ما قلت من عندي شيئا، ثم تلا الآية. { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: لا تخافون لله عظمة. قال الأخفش: الرجاء هنا: الخوف لأن مع الرجاء طرفا من الخوف واليأس. والوقار: العظمة. وقال أبو السعود: الرجاء هنا بمعنى الاعتقاد. وجملة ترجون: حال من ضمير المخاطبين، و " لله " متعلق بمضمر، حال من وقارا، ولو تأخر لكان صفة له، أي: أي سبب حصل لكم حال كونكم غير معتقدين لله تعالى عظمة موجبة للتعظيم بالإيمان والطاعة. ه. أو: لا تأملون له توقيرا، أي: تعظيما، والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيه تعظيم الله إياكم في دار الثواب، { وقد خلقكم أطوارا } في موضع الحال، أي: ما لكم لا تؤمنون بالله، والحال أنكم على حال منافية لما أنتم عليه بالكلية، وهي أنكم تعلمون أنه خلقكم أطوارا، أي: أحوالا مختلفة، خلقكم أولا نطفا، ثم خلقكم علقا ثم مضغا، ثم عظاما ولحما، ثم إنسانا، ثم خلقا آخر، وبعد ظهوره إلى هذا العالم يكون شبابا، ثم كهلا، ثم شيخا، بالتقصير في توقير من هذه شؤونه من القدرة القاهرة والإحسان التام، مع العلم بها، مما لا يكاد يصدر عن العاقل. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للداعي أن يكون على قدم أولي العزم، لا يمل من التذكير والدعاء إلى الله، ويكرر ذلك ليلا ونهاران ولو قوبل بالرد والإنكار، فلأن يهدي الله به رجلا واحدا خير له مما طلعت عليه الشمس. وقوله تعالى: { وأصروا واستكبروا } ، قال القشيري: ويقال: لما دام إصرارهم تولد منه استكبارهم، قال تعالى: فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم [الحديد:16]. وقال الورتجبي: من أصر على المعصية أورثه التمادي على الضلالة، حتى يرى قبيح أفعاله مستحسنا، فإذا رآه مستحسنا يستكبر، ويعلو على أولياء الله، ولا يقبل بعد ذلك نصحتهم. قال سهل: الإصرار على الذنب يورث الاستكبار، والاستكبار يورث الجهل، والجهل يورث التخطي في الباطل، وذلك يورث قساوة القلب، وهي تورث النفاق، والنفاق يورث الكفر. ه. وقوله تعالى: { استغفروا ربكم } قال القشيري: ليعلم العاملون أن الاستغفار قرع أبواب النعمة، ومن وقعت له إلى الله حاجة فلا يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار. ويقال: من أراد التفضل فعليه بالعذر والتنصل. ه. وقوله: { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: ما لكم لا تعتقدون لله تعظيما وإجلالا، فلا تراقبونه، ولا تخافون سطوته، فإن المشاهدة على قدر المراقبة، فمن لم يحكم أمر المراقبة لم يظفر بغاية المشاهدة. وقد خلقكم أطوارا، أي: درج بشريتكم في أطوار مختلفة، وهي سبعة: النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الطفولية، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم يرتحل إلى دار الدوام، وكذلك الروح لها سبعة أطوار: التوبة ثم الورع، ثم الزهد، ثم التوكل، ثم الرضاء والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة. والله تعالى أعلم. ولما نبههم إلى النظر في أنفسهم، أمره بالنظر إلى العوالم العلوية والسفلية، وما فيها من العجائب، فقال: { ألم تروا كيف خلق الله }.

نوح 71:15

يقول الحق جل جلاله: { ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا } أي: متطابقة بعضها فوق بعض، والرؤية هنا علمية إذ لا يرى بالبصر إلا واحدة، وعلقت بالاستفهام، وعلمهم بذلك من جهة الوحي السابق، أو كانوا منجمين، { وجعل القمر فيهن نورا } أي: ينور وجه الأرض في ظلمة الليل، ونسبته إلى الكل مع أنه في سماء الدنيا لأن بين السموات ملابسة، من حيث إنها طباق، فجاز أن يقال: فيهن، وإن لم يكن في جميعهن، كما يقال: في المدينة كذا، وهو في بعض جوانبها. وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم: إن الشمس والقمر وجوههما مما يلي السموات، وظهورهما مما يلي الأرض. فيكون نور القمر ساريا في جميع السموات لأنها لطيفة لاتحجب نوره. { وجعل الشمس سراجا } مصباحا يزيل ظلمة الليل، ويبصر أهل الدنيا في ضوئها وجه الأرض، ويشاهدون الآفاق، كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره، وليس القمر بهذه المثابة، إنما هو نور في الجملة، فنور الشمس أقوى، ومنه يستمد نور القمر، وأجمعوا أن الشمس في السماء الرابعة. { والله أنبتكم من الأرض نباتا } أي: أنشأكم منها، فاستغير الإنبات للإنشاء لكونه أدل على الحدوث والتكون من الأرض. و " نباتا " إما مصدر مؤكد لأنبتكم، بحذف الزوائد، ويسمى اسم مصدر، وحكمة إجراء اللفظ فيه على غير فعله: التنبيه على تحتم القدرة وسرعة نفوذ حكمها، حتى كأن إنبات الله تعالى نفس النبات، فقرن أحدهما بالآخر، ونحوه قوله تعالى: أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست [الأعراف:160] أي: فضرب فانبجست، فجعل الانبجاس مسببا عن الايحاء، للدلالة على سرعة نفوذ حكم القدرة، أو: لفعل مترتب عليه، أي: أنبتكم فنبتم نباتا، { ثم يعيدكم فيها } بعد الموت { ويخرجكم } يوم القيامة بالبعث والحشر { إخراجا } محققا لا ريب فيه، ولذا أكده بالمصدر. { والله جعل لكم الأرض بساطا } تتقلبون عليها تقلبكم على بسطكم في بيوتكم. قال ابن عطية: وظاهر الآية أن الأرض بسيطة غير كروية، واعتقاد أحد الأمرين غير قادح في الشرع، إلا أن يترتب على القول بالكروية قول فاسد، وأما اعتقاد كونها بسيطة فهو ظاهر في كتاب الله، وهو الذي لا يلحق عنه فساد البتة، واستدل ابن مجاهد على ذلك بماء البحر المحيط بالمعمور، قال: لو كانت الأرض كروية لما استقر الماء عليها. ه. المحشي الفاسي: وهو بعيد لأن أهل الهيئة يرون أنها مستقرة فيه اي: في البحر لا العكس، ولذلك أرسيت بالجبال لتستقر، كما علم من الشرع. ه. قلت: وإنما حكم الحق تعالى ببساطتها باعتبار ما يظهر للعين في ظاهر الأمر. والله تعالى أعلم. وتوسيط لكم بين الجعل ومفعوليه، مع أن حقه التأخير، للاهتمام بشأن كون المجعول من منافعهم، وللتشويق إلى المؤخر، فإن النفس عند تأخر ما حقه التقديم تبقى متشوقة مترقبة، فيتمكن عند ورودها له فضل تمكن، أي: بسطها لكم في مرأى العين { لتسلكوا منها سبلا فجاجا } أي: طرقا واسعة، جمع فج، وهو الطريق الواسع، وقيل: هو المسلك بين الجبلين، و " منها " متعلق ب " تسلكوا " لما فيه من معنى الاتخاذ، أو: بمضمر هو حال من " سبلا " أي: كائنة منها، ولو تأخر لكان صفة لهما. الإشارة: تقدم تفسير سبع سموات الأرواح، والقمر قمر التوحيد البرهاني، والشمس: شمس المعرفة، والله أنبت بشريتكم من الأرض نباتا، ثم يعيدكم فيها بالبقاء بعد الفناء لتقوموا برسم العبودية، ثم يخرجكم منها إلى صعود عرش الحضرة، والله جعل لكم أرض العبودية بساطا لتسلكوا منها إلى الله في طرق واسعة، قررها أئمة الطريق من الكتاب والسنة وإلهام العارفين ومواجيد العاشقين. وبالله التوفيق. ولما أيس من إيمانهم شكى إلى ربه، ثم دعا عليهم، كما قال تعالى: { قال نوح رب إنهم عصوني }.

نوح 71:16

يقول الحق جل جلاله: { ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا } أي: متطابقة بعضها فوق بعض، والرؤية هنا علمية إذ لا يرى بالبصر إلا واحدة، وعلقت بالاستفهام، وعلمهم بذلك من جهة الوحي السابق، أو كانوا منجمين، { وجعل القمر فيهن نورا } أي: ينور وجه الأرض في ظلمة الليل، ونسبته إلى الكل مع أنه في سماء الدنيا لأن بين السموات ملابسة، من حيث إنها طباق، فجاز أن يقال: فيهن، وإن لم يكن في جميعهن، كما يقال: في المدينة كذا، وهو في بعض جوانبها. وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم: إن الشمس والقمر وجوههما مما يلي السموات، وظهورهما مما يلي الأرض. فيكون نور القمر ساريا في جميع السموات لأنها لطيفة لاتحجب نوره. { وجعل الشمس سراجا } مصباحا يزيل ظلمة الليل، ويبصر أهل الدنيا في ضوئها وجه الأرض، ويشاهدون الآفاق، كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره، وليس القمر بهذه المثابة، إنما هو نور في الجملة، فنور الشمس أقوى، ومنه يستمد نور القمر، وأجمعوا أن الشمس في السماء الرابعة. { والله أنبتكم من الأرض نباتا } أي: أنشأكم منها، فاستغير الإنبات للإنشاء لكونه أدل على الحدوث والتكون من الأرض. و " نباتا " إما مصدر مؤكد لأنبتكم، بحذف الزوائد، ويسمى اسم مصدر، وحكمة إجراء اللفظ فيه على غير فعله: التنبيه على تحتم القدرة وسرعة نفوذ حكمها، حتى كأن إنبات الله تعالى نفس النبات، فقرن أحدهما بالآخر، ونحوه قوله تعالى: أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست [الأعراف:160] أي: فضرب فانبجست، فجعل الانبجاس مسببا عن الايحاء، للدلالة على سرعة نفوذ حكم القدرة، أو: لفعل مترتب عليه، أي: أنبتكم فنبتم نباتا، { ثم يعيدكم فيها } بعد الموت { ويخرجكم } يوم القيامة بالبعث والحشر { إخراجا } محققا لا ريب فيه، ولذا أكده بالمصدر. { والله جعل لكم الأرض بساطا } تتقلبون عليها تقلبكم على بسطكم في بيوتكم. قال ابن عطية: وظاهر الآية أن الأرض بسيطة غير كروية، واعتقاد أحد الأمرين غير قادح في الشرع، إلا أن يترتب على القول بالكروية قول فاسد، وأما اعتقاد كونها بسيطة فهو ظاهر في كتاب الله، وهو الذي لا يلحق عنه فساد البتة، واستدل ابن مجاهد على ذلك بماء البحر المحيط بالمعمور، قال: لو كانت الأرض كروية لما استقر الماء عليها. ه. المحشي الفاسي: وهو بعيد لأن أهل الهيئة يرون أنها مستقرة فيه اي: في البحر لا العكس، ولذلك أرسيت بالجبال لتستقر، كما علم من الشرع. ه. قلت: وإنما حكم الحق تعالى ببساطتها باعتبار ما يظهر للعين في ظاهر الأمر. والله تعالى أعلم. وتوسيط لكم بين الجعل ومفعوليه، مع أن حقه التأخير، للاهتمام بشأن كون المجعول من منافعهم، وللتشويق إلى المؤخر، فإن النفس عند تأخر ما حقه التقديم تبقى متشوقة مترقبة، فيتمكن عند ورودها له فضل تمكن، أي: بسطها لكم في مرأى العين { لتسلكوا منها سبلا فجاجا } أي: طرقا واسعة، جمع فج، وهو الطريق الواسع، وقيل: هو المسلك بين الجبلين، و " منها " متعلق ب " تسلكوا " لما فيه من معنى الاتخاذ، أو: بمضمر هو حال من " سبلا " أي: كائنة منها، ولو تأخر لكان صفة لهما. الإشارة: تقدم تفسير سبع سموات الأرواح، والقمر قمر التوحيد البرهاني، والشمس: شمس المعرفة، والله أنبت بشريتكم من الأرض نباتا، ثم يعيدكم فيها بالبقاء بعد الفناء لتقوموا برسم العبودية، ثم يخرجكم منها إلى صعود عرش الحضرة، والله جعل لكم أرض العبودية بساطا لتسلكوا منها إلى الله في طرق واسعة، قررها أئمة الطريق من الكتاب والسنة وإلهام العارفين ومواجيد العاشقين. وبالله التوفيق. ولما أيس من إيمانهم شكى إلى ربه، ثم دعا عليهم، كما قال تعالى: { قال نوح رب إنهم عصوني }.

نوح 71:17

يقول الحق جل جلاله: { ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا } أي: متطابقة بعضها فوق بعض، والرؤية هنا علمية إذ لا يرى بالبصر إلا واحدة، وعلقت بالاستفهام، وعلمهم بذلك من جهة الوحي السابق، أو كانوا منجمين، { وجعل القمر فيهن نورا } أي: ينور وجه الأرض في ظلمة الليل، ونسبته إلى الكل مع أنه في سماء الدنيا لأن بين السموات ملابسة، من حيث إنها طباق، فجاز أن يقال: فيهن، وإن لم يكن في جميعهن، كما يقال: في المدينة كذا، وهو في بعض جوانبها. وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم: إن الشمس والقمر وجوههما مما يلي السموات، وظهورهما مما يلي الأرض. فيكون نور القمر ساريا في جميع السموات لأنها لطيفة لاتحجب نوره. { وجعل الشمس سراجا } مصباحا يزيل ظلمة الليل، ويبصر أهل الدنيا في ضوئها وجه الأرض، ويشاهدون الآفاق، كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره، وليس القمر بهذه المثابة، إنما هو نور في الجملة، فنور الشمس أقوى، ومنه يستمد نور القمر، وأجمعوا أن الشمس في السماء الرابعة. { والله أنبتكم من الأرض نباتا } أي: أنشأكم منها، فاستغير الإنبات للإنشاء لكونه أدل على الحدوث والتكون من الأرض. و " نباتا " إما مصدر مؤكد لأنبتكم، بحذف الزوائد، ويسمى اسم مصدر، وحكمة إجراء اللفظ فيه على غير فعله: التنبيه على تحتم القدرة وسرعة نفوذ حكمها، حتى كأن إنبات الله تعالى نفس النبات، فقرن أحدهما بالآخر، ونحوه قوله تعالى: أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست [الأعراف:160] أي: فضرب فانبجست، فجعل الانبجاس مسببا عن الايحاء، للدلالة على سرعة نفوذ حكم القدرة، أو: لفعل مترتب عليه، أي: أنبتكم فنبتم نباتا، { ثم يعيدكم فيها } بعد الموت { ويخرجكم } يوم القيامة بالبعث والحشر { إخراجا } محققا لا ريب فيه، ولذا أكده بالمصدر. { والله جعل لكم الأرض بساطا } تتقلبون عليها تقلبكم على بسطكم في بيوتكم. قال ابن عطية: وظاهر الآية أن الأرض بسيطة غير كروية، واعتقاد أحد الأمرين غير قادح في الشرع، إلا أن يترتب على القول بالكروية قول فاسد، وأما اعتقاد كونها بسيطة فهو ظاهر في كتاب الله، وهو الذي لا يلحق عنه فساد البتة، واستدل ابن مجاهد على ذلك بماء البحر المحيط بالمعمور، قال: لو كانت الأرض كروية لما استقر الماء عليها. ه. المحشي الفاسي: وهو بعيد لأن أهل الهيئة يرون أنها مستقرة فيه اي: في البحر لا العكس، ولذلك أرسيت بالجبال لتستقر، كما علم من الشرع. ه. قلت: وإنما حكم الحق تعالى ببساطتها باعتبار ما يظهر للعين في ظاهر الأمر. والله تعالى أعلم. وتوسيط لكم بين الجعل ومفعوليه، مع أن حقه التأخير، للاهتمام بشأن كون المجعول من منافعهم، وللتشويق إلى المؤخر، فإن النفس عند تأخر ما حقه التقديم تبقى متشوقة مترقبة، فيتمكن عند ورودها له فضل تمكن، أي: بسطها لكم في مرأى العين { لتسلكوا منها سبلا فجاجا } أي: طرقا واسعة، جمع فج، وهو الطريق الواسع، وقيل: هو المسلك بين الجبلين، و " منها " متعلق ب " تسلكوا " لما فيه من معنى الاتخاذ، أو: بمضمر هو حال من " سبلا " أي: كائنة منها، ولو تأخر لكان صفة لهما. الإشارة: تقدم تفسير سبع سموات الأرواح، والقمر قمر التوحيد البرهاني، والشمس: شمس المعرفة، والله أنبت بشريتكم من الأرض نباتا، ثم يعيدكم فيها بالبقاء بعد الفناء لتقوموا برسم العبودية، ثم يخرجكم منها إلى صعود عرش الحضرة، والله جعل لكم أرض العبودية بساطا لتسلكوا منها إلى الله في طرق واسعة، قررها أئمة الطريق من الكتاب والسنة وإلهام العارفين ومواجيد العاشقين. وبالله التوفيق. ولما أيس من إيمانهم شكى إلى ربه، ثم دعا عليهم، كما قال تعالى: { قال نوح رب إنهم عصوني }.

نوح 71:18

يقول الحق جل جلاله: { ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا } أي: متطابقة بعضها فوق بعض، والرؤية هنا علمية إذ لا يرى بالبصر إلا واحدة، وعلقت بالاستفهام، وعلمهم بذلك من جهة الوحي السابق، أو كانوا منجمين، { وجعل القمر فيهن نورا } أي: ينور وجه الأرض في ظلمة الليل، ونسبته إلى الكل مع أنه في سماء الدنيا لأن بين السموات ملابسة، من حيث إنها طباق، فجاز أن يقال: فيهن، وإن لم يكن في جميعهن، كما يقال: في المدينة كذا، وهو في بعض جوانبها. وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم: إن الشمس والقمر وجوههما مما يلي السموات، وظهورهما مما يلي الأرض. فيكون نور القمر ساريا في جميع السموات لأنها لطيفة لاتحجب نوره. { وجعل الشمس سراجا } مصباحا يزيل ظلمة الليل، ويبصر أهل الدنيا في ضوئها وجه الأرض، ويشاهدون الآفاق، كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره، وليس القمر بهذه المثابة، إنما هو نور في الجملة، فنور الشمس أقوى، ومنه يستمد نور القمر، وأجمعوا أن الشمس في السماء الرابعة. { والله أنبتكم من الأرض نباتا } أي: أنشأكم منها، فاستغير الإنبات للإنشاء لكونه أدل على الحدوث والتكون من الأرض. و " نباتا " إما مصدر مؤكد لأنبتكم، بحذف الزوائد، ويسمى اسم مصدر، وحكمة إجراء اللفظ فيه على غير فعله: التنبيه على تحتم القدرة وسرعة نفوذ حكمها، حتى كأن إنبات الله تعالى نفس النبات، فقرن أحدهما بالآخر، ونحوه قوله تعالى: أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست [الأعراف:160] أي: فضرب فانبجست، فجعل الانبجاس مسببا عن الايحاء، للدلالة على سرعة نفوذ حكم القدرة، أو: لفعل مترتب عليه، أي: أنبتكم فنبتم نباتا، { ثم يعيدكم فيها } بعد الموت { ويخرجكم } يوم القيامة بالبعث والحشر { إخراجا } محققا لا ريب فيه، ولذا أكده بالمصدر. { والله جعل لكم الأرض بساطا } تتقلبون عليها تقلبكم على بسطكم في بيوتكم. قال ابن عطية: وظاهر الآية أن الأرض بسيطة غير كروية، واعتقاد أحد الأمرين غير قادح في الشرع، إلا أن يترتب على القول بالكروية قول فاسد، وأما اعتقاد كونها بسيطة فهو ظاهر في كتاب الله، وهو الذي لا يلحق عنه فساد البتة، واستدل ابن مجاهد على ذلك بماء البحر المحيط بالمعمور، قال: لو كانت الأرض كروية لما استقر الماء عليها. ه. المحشي الفاسي: وهو بعيد لأن أهل الهيئة يرون أنها مستقرة فيه اي: في البحر لا العكس، ولذلك أرسيت بالجبال لتستقر، كما علم من الشرع. ه. قلت: وإنما حكم الحق تعالى ببساطتها باعتبار ما يظهر للعين في ظاهر الأمر. والله تعالى أعلم. وتوسيط لكم بين الجعل ومفعوليه، مع أن حقه التأخير، للاهتمام بشأن كون المجعول من منافعهم، وللتشويق إلى المؤخر، فإن النفس عند تأخر ما حقه التقديم تبقى متشوقة مترقبة، فيتمكن عند ورودها له فضل تمكن، أي: بسطها لكم في مرأى العين { لتسلكوا منها سبلا فجاجا } أي: طرقا واسعة، جمع فج، وهو الطريق الواسع، وقيل: هو المسلك بين الجبلين، و " منها " متعلق ب " تسلكوا " لما فيه من معنى الاتخاذ، أو: بمضمر هو حال من " سبلا " أي: كائنة منها، ولو تأخر لكان صفة لهما. الإشارة: تقدم تفسير سبع سموات الأرواح، والقمر قمر التوحيد البرهاني، والشمس: شمس المعرفة، والله أنبت بشريتكم من الأرض نباتا، ثم يعيدكم فيها بالبقاء بعد الفناء لتقوموا برسم العبودية، ثم يخرجكم منها إلى صعود عرش الحضرة، والله جعل لكم أرض العبودية بساطا لتسلكوا منها إلى الله في طرق واسعة، قررها أئمة الطريق من الكتاب والسنة وإلهام العارفين ومواجيد العاشقين. وبالله التوفيق. ولما أيس من إيمانهم شكى إلى ربه، ثم دعا عليهم، كما قال تعالى: { قال نوح رب إنهم عصوني }.

نوح 71:19

يقول الحق جل جلاله: { ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا } أي: متطابقة بعضها فوق بعض، والرؤية هنا علمية إذ لا يرى بالبصر إلا واحدة، وعلقت بالاستفهام، وعلمهم بذلك من جهة الوحي السابق، أو كانوا منجمين، { وجعل القمر فيهن نورا } أي: ينور وجه الأرض في ظلمة الليل، ونسبته إلى الكل مع أنه في سماء الدنيا لأن بين السموات ملابسة، من حيث إنها طباق، فجاز أن يقال: فيهن، وإن لم يكن في جميعهن، كما يقال: في المدينة كذا، وهو في بعض جوانبها. وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم: إن الشمس والقمر وجوههما مما يلي السموات، وظهورهما مما يلي الأرض. فيكون نور القمر ساريا في جميع السموات لأنها لطيفة لاتحجب نوره. { وجعل الشمس سراجا } مصباحا يزيل ظلمة الليل، ويبصر أهل الدنيا في ضوئها وجه الأرض، ويشاهدون الآفاق، كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره، وليس القمر بهذه المثابة، إنما هو نور في الجملة، فنور الشمس أقوى، ومنه يستمد نور القمر، وأجمعوا أن الشمس في السماء الرابعة. { والله أنبتكم من الأرض نباتا } أي: أنشأكم منها، فاستغير الإنبات للإنشاء لكونه أدل على الحدوث والتكون من الأرض. و " نباتا " إما مصدر مؤكد لأنبتكم، بحذف الزوائد، ويسمى اسم مصدر، وحكمة إجراء اللفظ فيه على غير فعله: التنبيه على تحتم القدرة وسرعة نفوذ حكمها، حتى كأن إنبات الله تعالى نفس النبات، فقرن أحدهما بالآخر، ونحوه قوله تعالى: أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست [الأعراف:160] أي: فضرب فانبجست، فجعل الانبجاس مسببا عن الايحاء، للدلالة على سرعة نفوذ حكم القدرة، أو: لفعل مترتب عليه، أي: أنبتكم فنبتم نباتا، { ثم يعيدكم فيها } بعد الموت { ويخرجكم } يوم القيامة بالبعث والحشر { إخراجا } محققا لا ريب فيه، ولذا أكده بالمصدر. { والله جعل لكم الأرض بساطا } تتقلبون عليها تقلبكم على بسطكم في بيوتكم. قال ابن عطية: وظاهر الآية أن الأرض بسيطة غير كروية، واعتقاد أحد الأمرين غير قادح في الشرع، إلا أن يترتب على القول بالكروية قول فاسد، وأما اعتقاد كونها بسيطة فهو ظاهر في كتاب الله، وهو الذي لا يلحق عنه فساد البتة، واستدل ابن مجاهد على ذلك بماء البحر المحيط بالمعمور، قال: لو كانت الأرض كروية لما استقر الماء عليها. ه. المحشي الفاسي: وهو بعيد لأن أهل الهيئة يرون أنها مستقرة فيه اي: في البحر لا العكس، ولذلك أرسيت بالجبال لتستقر، كما علم من الشرع. ه. قلت: وإنما حكم الحق تعالى ببساطتها باعتبار ما يظهر للعين في ظاهر الأمر. والله تعالى أعلم. وتوسيط لكم بين الجعل ومفعوليه، مع أن حقه التأخير، للاهتمام بشأن كون المجعول من منافعهم، وللتشويق إلى المؤخر، فإن النفس عند تأخر ما حقه التقديم تبقى متشوقة مترقبة، فيتمكن عند ورودها له فضل تمكن، أي: بسطها لكم في مرأى العين { لتسلكوا منها سبلا فجاجا } أي: طرقا واسعة، جمع فج، وهو الطريق الواسع، وقيل: هو المسلك بين الجبلين، و " منها " متعلق ب " تسلكوا " لما فيه من معنى الاتخاذ، أو: بمضمر هو حال من " سبلا " أي: كائنة منها، ولو تأخر لكان صفة لهما. الإشارة: تقدم تفسير سبع سموات الأرواح، والقمر قمر التوحيد البرهاني، والشمس: شمس المعرفة، والله أنبت بشريتكم من الأرض نباتا، ثم يعيدكم فيها بالبقاء بعد الفناء لتقوموا برسم العبودية، ثم يخرجكم منها إلى صعود عرش الحضرة، والله جعل لكم أرض العبودية بساطا لتسلكوا منها إلى الله في طرق واسعة، قررها أئمة الطريق من الكتاب والسنة وإلهام العارفين ومواجيد العاشقين. وبالله التوفيق. ولما أيس من إيمانهم شكى إلى ربه، ثم دعا عليهم، كما قال تعالى: { قال نوح رب إنهم عصوني }.

نوح 71:20

يقول الحق جل جلاله: { ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا } أي: متطابقة بعضها فوق بعض، والرؤية هنا علمية إذ لا يرى بالبصر إلا واحدة، وعلقت بالاستفهام، وعلمهم بذلك من جهة الوحي السابق، أو كانوا منجمين، { وجعل القمر فيهن نورا } أي: ينور وجه الأرض في ظلمة الليل، ونسبته إلى الكل مع أنه في سماء الدنيا لأن بين السموات ملابسة، من حيث إنها طباق، فجاز أن يقال: فيهن، وإن لم يكن في جميعهن، كما يقال: في المدينة كذا، وهو في بعض جوانبها. وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم: إن الشمس والقمر وجوههما مما يلي السموات، وظهورهما مما يلي الأرض. فيكون نور القمر ساريا في جميع السموات لأنها لطيفة لاتحجب نوره. { وجعل الشمس سراجا } مصباحا يزيل ظلمة الليل، ويبصر أهل الدنيا في ضوئها وجه الأرض، ويشاهدون الآفاق، كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره، وليس القمر بهذه المثابة، إنما هو نور في الجملة، فنور الشمس أقوى، ومنه يستمد نور القمر، وأجمعوا أن الشمس في السماء الرابعة. { والله أنبتكم من الأرض نباتا } أي: أنشأكم منها، فاستغير الإنبات للإنشاء لكونه أدل على الحدوث والتكون من الأرض. و " نباتا " إما مصدر مؤكد لأنبتكم، بحذف الزوائد، ويسمى اسم مصدر، وحكمة إجراء اللفظ فيه على غير فعله: التنبيه على تحتم القدرة وسرعة نفوذ حكمها، حتى كأن إنبات الله تعالى نفس النبات، فقرن أحدهما بالآخر، ونحوه قوله تعالى: أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست [الأعراف:160] أي: فضرب فانبجست، فجعل الانبجاس مسببا عن الايحاء، للدلالة على سرعة نفوذ حكم القدرة، أو: لفعل مترتب عليه، أي: أنبتكم فنبتم نباتا، { ثم يعيدكم فيها } بعد الموت { ويخرجكم } يوم القيامة بالبعث والحشر { إخراجا } محققا لا ريب فيه، ولذا أكده بالمصدر. { والله جعل لكم الأرض بساطا } تتقلبون عليها تقلبكم على بسطكم في بيوتكم. قال ابن عطية: وظاهر الآية أن الأرض بسيطة غير كروية، واعتقاد أحد الأمرين غير قادح في الشرع، إلا أن يترتب على القول بالكروية قول فاسد، وأما اعتقاد كونها بسيطة فهو ظاهر في كتاب الله، وهو الذي لا يلحق عنه فساد البتة، واستدل ابن مجاهد على ذلك بماء البحر المحيط بالمعمور، قال: لو كانت الأرض كروية لما استقر الماء عليها. ه. المحشي الفاسي: وهو بعيد لأن أهل الهيئة يرون أنها مستقرة فيه اي: في البحر لا العكس، ولذلك أرسيت بالجبال لتستقر، كما علم من الشرع. ه. قلت: وإنما حكم الحق تعالى ببساطتها باعتبار ما يظهر للعين في ظاهر الأمر. والله تعالى أعلم. وتوسيط لكم بين الجعل ومفعوليه، مع أن حقه التأخير، للاهتمام بشأن كون المجعول من منافعهم، وللتشويق إلى المؤخر، فإن النفس عند تأخر ما حقه التقديم تبقى متشوقة مترقبة، فيتمكن عند ورودها له فضل تمكن، أي: بسطها لكم في مرأى العين { لتسلكوا منها سبلا فجاجا } أي: طرقا واسعة، جمع فج، وهو الطريق الواسع، وقيل: هو المسلك بين الجبلين، و " منها " متعلق ب " تسلكوا " لما فيه من معنى الاتخاذ، أو: بمضمر هو حال من " سبلا " أي: كائنة منها، ولو تأخر لكان صفة لهما. الإشارة: تقدم تفسير سبع سموات الأرواح، والقمر قمر التوحيد البرهاني، والشمس: شمس المعرفة، والله أنبت بشريتكم من الأرض نباتا، ثم يعيدكم فيها بالبقاء بعد الفناء لتقوموا برسم العبودية، ثم يخرجكم منها إلى صعود عرش الحضرة، والله جعل لكم أرض العبودية بساطا لتسلكوا منها إلى الله في طرق واسعة، قررها أئمة الطريق من الكتاب والسنة وإلهام العارفين ومواجيد العاشقين. وبالله التوفيق. ولما أيس من إيمانهم شكى إلى ربه، ثم دعا عليهم، كما قال تعالى: { قال نوح رب إنهم عصوني }.

نوح 71:21

يقول الحق جل جلاله: { قال نوح رب } أي: يارب { إنهم عصوني } أي: داموا على عصياني فيما أمرتهم، مع ما بلغت في إرشادهم بالعظة والتذكير، ولما كان عصيانهم مستبعدا لكونه منكرا فظيعا لأن طاعة الرسول واجبة، فأصروا على عصيانه، وعاملوه بأقبح الأحوال والأفعال، أكد الجملة بإن، { واتبعوا } أي: اتبع فقراؤهم { من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } ، وهم رؤساؤهم، أي: استمروا على اتباع رؤسائهم، الذين أبطرتهم أموالهم، وغرتهم أولادهم، وصار ذلك سببا لزيادة خسارهم في الآخرة، فصاروا أسوة لهم في الخسران. وفي وصفهم بذلك إشعار بأنهم إنما ابتعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأموال والأولاد، لما شاهدوا فيهم من شبهة مصححة للاتباع في الجملة. ومن قرأ بسكون اللام فجمع ولد، كأسد، وأسد. { ومكروا }: عطف على صلة " من " ، والجمع باعتبار معناه، كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار لفظها، والماكرون هم الرؤساء، ومكرهم: احتيالهم في الدين، وكيدهم لنوح، وتحريش الناس على أذاه، وصد الناس عن الميل إليه، { مكرا كبارا } عظيما في الغاية، وهو أكبر من " الكبار " بالتخفيف، وقرىء به، والكبار: أكبر من الكبير، وقرىء شاذا بالكسر جمع كبير. { وقالوا لا تذرن آلهتكم } أي: لا تتركوا عبادتها على العموم إلى عبادة رب نوح، { ولا تذرن ودا } بفتح الواو، وضمها لغتان: صنم على صورة رجل، { ولا سواعا } صنم على صورة امرأة، { ولا يغوث } صنم على صورة أسد، { ويعوق } صنم على صورة فرس، وهما لا ينصرفان للتعريف ووزن الفعل إن كانا عربيين، والتعريف والعجمة إن كانا عجميين، { ونسرا } صنم على صورة النسر، وخصوا بالذكر مع اندراجهم فيما سبق لأنها كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم، وقد انتقلت هذه الأصنام عنهم إلى العرب، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير. وقيل: هي أسماء رجال صالحين، كان الناس يقتدون بهم، بين آدم ونوح عليهما السلام، وقيل: أولاد آدم، فلما ماتوا، قال إبليس لمن بعدهم: لو صورتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم، وتتبركون بهم، ففعلوا، فلما مات أولئك، قال لمن بعدهم: إنهم كانوا يعبدونهم، فعبدوهم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: أول ما عبد من الأصنام في زمن مهلائل بن غينان بن أنوش بن شيت بن آدم عليه السلام، وذلك لما مات آدم جعله بنو شيت في مغارة بأرض الهند، في جبل سرنديب، لموضع يسمى نوره، وهو أخصب جبل في الأرض، ثم كانوا يزورونه، ويترحمون عليه، ويعطمونه، فلما قتل قابيل أخاه هابيل نفوه من الأرض، فكان بمعزل عنهم هو وبنوه، فجاء الشيطان في صورة رجل ناصح، فقال لهم: إن بني شيت يتبركون بآدم، وأنتم لا تلحقونه، فانحتوا صورته، وتبركوا بها، ففعلوا، ثم كان لشيت ولد صالح، اسمه يغوث، فتوفي، فكانوا يتبركون بقبره، فنحت أولاد قابيل على صورة يغوث صورة أخرى، ثم يعوق، ثم ود، ثم سواع، ثم نسر، كلهم من أولاد شيت قوم صالحون، كانوا يتبركون بهم في المحيا والممات، ولم يكن لأولاد قابيل سبيل إليهم، فنحتوا صورهم، وصاروا يعظمونها، ويتبركون بها مثلهم، فلما طال بهم الزمان صاروا يعبدونهم دون الله، إلى أن بعث الله نوح عليه السلام فنهاهم عنها، فلم ينتهوا، فلما أهلك الله الأرض ومن عليها بالطوفان، قذف الطوفان تلك الأصنام إلى أرض جدة وما والاها من مكة، وأخفتها الرمال هناك. قال الكلبي: وكان عمرو بن لحي كاهنا، يكنى أبا تمامة وكان يتراءى له الجن، فتراءى له يوما جني، وقال له: عجل أبا تمامة بالسعد والسلامة إلى صف جدة، واستخرج ما فيها من الأصنام، وأوردها ماء تهامة، ولا تسأم ولا تهب، وادع العرب إلى عبادتها تجب، فأتى عمرو بن لحي ساحل جدة، حيث وصف له الجني، واستخرج الأصنام في خفية عنهم، وأرودها ماء تهامة، فلما حضر الحج، واجتمع الناس إلى الموسم، دعا الناس إلى عبادتها، فأجابته العرب قاطبة، وأول من أجابته بنو عوف بن عزرة، فدفع لهم ودا، فنصبوه بواد القرى بدومة الجندل، ولم يزل عندهم إلى الإسلام، فكسره خالد بن الوليد، لما بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك لهدم دومة الجندل فحالت بينه وبينها العرب فقاتلهم وكسر صنمهم. قال: الكلبي: قلت لمالك بن الحارث: صف لي ودا، وكان قد رآها مرارا، قال: تمثال رجل أعظم ما يكون من الرجال، مؤتزر بحلة، مرتد بأخرى، مقلدا سيفا، راكبا فرسا، وفي يده حربة فيها لواء، ومعه قوس، ونبل في جعبة. ه. ثم دفع عمرو لمضر سواعا، فعكفت على عبادته مع هذيل، ثم فرق تلك الأصنام على القبائل على حسب ما تقدم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عمرو بن لحي ليلة أسري بي رجلا أحمر، قصيرا أزرق، وهو يجر قصبه في النار، لأنه أول من بحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام، وغير دين إسماعيل " ، وهو من خزاعة، كان يسكن مكة، فولد بها أولادا فكثروا، فنفوا من كان منها من العماليق. انظر اللباب. ثم قال تعالى: { وقد أضلوا } أي: الرؤساء، أو: الأصنام، كقوله: إنهن أضللن كثيرا من الناس [إبراهيم:36] { كثيرا } أي: خلقا كثيرا، { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } ، قال المحشي: وقد يقال: إن هذه الجملة مسببة عما قبلها فحقها الفاء، لكن تركت لمكان الاستئناف،أي: البياني، كأنه قال: فما تريد بهذا القول؟ فقال: ولا تزد الظالمين. ه. ووضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالظلم المفرط، وتعليل الدعاء عليهم به. والمراد بالضلال: الهلاك، كقوله: إن المجرمين في ضلال وسعر [القمر:47]. { مما خطيئاتهم } أي: من أجل خطيئاتهم. " وما " مزيدة للتوكيد والتفخيم، { أغرقوا } بالطوفان. وتقديم " مما " لبيان أن إغراقهم ودخولهم النار، إنما كان لأجل خطاياهم، لا لسبب آخر، { فأدخلوا نارا } عظيمة، والمراد: إما عذاب القبر لأنه عقب الإغراق، أو حين كانوا في الماء، فقد روي أنهم كانوا يغرقون من جانب، ويحرقون من جانب. أو: عذاب جهنم، والتعقيب لقربه باعتبار تحقق وقوعه. وتنكير " النار " إما لتعظيمها وتهويلها، أو لأنه تعالى أعد لهم نوعا من العذاب على حسب خطيئاته، { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله، وفيه تعريض بعدم نفع آلهتهم، وعدم قدرتهم على نصرهم. قيل: كان قوم نوح أهل وسع في الزرق، فطغوا، وكانوا يؤذون نوحا، ويحرشون عليه ويضربونه، حتى ربما يغشى عليه، فإذا أفاق قال: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ". كما في الحديث. { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } أي: أحدا يدور في الأرض، وهو " فيعال " من الدور، وهو من الأسماء المستعلمة في النفي العام، يقالك ما بالديار ديار وديور، كقيام وقيوم، أي: أحد، وأصله: ديوار، ففعل به ما فعل بسيد. { إنك إن تذرهم } ولا تهلكهم { يضلوا عبادك } عن طريق الحق، يدعوهم إلى الضلال، { ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } أي: إلا من إذا بلغ جحد وكفر، وإنما قال ذلك لاستحكام علمه بما يكون منهم ومن أعقابهم، بعدما خبرهم واستقرأ أحوالهم قريبا من ألف سنة، أو: يكون بعد إخباره تعالى له بقوله: أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن [هود:36]. { رب اغفر لي ولوالدي } وكانا مسلمين، واسم أبيه: لمك بن متوشلح، واسم أمه: شمخاء بنت أنوش، وقيل: المراد: آدم وحواء. قال ابن عباس: لم يكفر بنوح والد بينه وبين آدم عليه السلام، وقرىء: " ولولدي " يريد ساما وحاما، { ولمن دخل بيتي } أي: منزلي، أو مسجدي، أو سفينتي { مؤمنا } ، ولعله قد علم أن من دخل بيته مؤمنا لا يعد إلى الكفر، وبهذا القيد خرجت امرأته وابنه كنعان، ولم يجزم عليه السلام بخروجه إلا بعدما قيل له: إنه ليس من أهلك [هود:46]، { وللمؤمنين والمؤمنات } إلى يوم القيامة. خص أولا من يتصل به لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عمم، { ولا تزد الظالمين } أي: الكافرين { إلا تبارا } إهلاكا. قال ابن عباس رضي الله عنه: دعا نوح عليه السلام بدعوتين، إحداهما: للمؤمنين بالمغفرة، وأخرى على الكفارين بالتبار، فاستجيب على الكافرين، فاستحال ألا تجاب دعوته في حق المؤمنين. واختلف في صبيانهم: هل أغرقوا؟ فقيل: أعقم الله أرحام نسائهم قبل الطوفان بأربعين سنة، فلم يكن منهم صبي حين أغرقوا، وقيل: أهلك أطفالهم بغير عذاب، ثم أغرق كبارهم، وقيل: غرقوا معهم كما غرق سائر الحيوانات، وهو المشهور لأن المصيبة تعم، ثم يبعثون على نياتهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: وقال نوح الروح، أي: شكت الروح إلى ربها، وقالت: إن النفس وجنودها عصوني، واتبعوا حال المنهمكين في الدنيا، الفانين في أموالهم وأولادهم، فلم يزدهم ذلك إلا خسارا، ومكروا بي، حيث راموا مني الميل إليهم، مكرا كبارا، وقالوا: لا تذرن آلهتكم من الدنانير والدراهم، ولا تذرن ود الدنيا ومحبتها، ولا سواع الهوى والحظوظ، ولا يغوث الرياسة والجاه، ولا يعوق العلائق والشواغل، ولا طيور الهواجس والخواطر، يعني: لا تستعملوا ما يخرجكم عن هذه الأشياء، من خرق العوائد، والزهد، والورع، بل أقيموا على تنمية دنياكم، وتوفير هواكم، وقد أضلوا كثيرا ممن يقتدي بهم. وقالت أيضا: لا تزد الظالمين من هؤلاء إلا ضلالا هلاكها وانقطاعا. مما خطيئاتهم أغرقوا في بحر الدنيا، فأدخلوا نار القطيعة، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا، وقال نوح الروح أيضا: لا تذر على أرض البشرية من الكافرين من القواطع التي تقطعني عن السير بظلمتها ديارا ممن يدور بها، ويقوي حسها، إنك إن تذرهم يدورون بها ويقطعونها عن السير، ويضلوا عبادك عن الوصول إليك، ولا يلدوا منها إلا خاطرا فاجرا كفارا. رب اغفر لي، خطاب من الروح ودعاء، ولوالدي من العقل الكلي، والنفس الكلي، وهو الروح الأعظم، ولمن دخل بيتي، أي: تمسك بطريقتي، ودخل في زمرتي، ولأرواح المؤمنين والمؤمنات، ولا تزد الظالين الخارجين عن طريقتي إلا تبارا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

نوح 71:22

يقول الحق جل جلاله: { قال نوح رب } أي: يارب { إنهم عصوني } أي: داموا على عصياني فيما أمرتهم، مع ما بلغت في إرشادهم بالعظة والتذكير، ولما كان عصيانهم مستبعدا لكونه منكرا فظيعا لأن طاعة الرسول واجبة، فأصروا على عصيانه، وعاملوه بأقبح الأحوال والأفعال، أكد الجملة بإن، { واتبعوا } أي: اتبع فقراؤهم { من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } ، وهم رؤساؤهم، أي: استمروا على اتباع رؤسائهم، الذين أبطرتهم أموالهم، وغرتهم أولادهم، وصار ذلك سببا لزيادة خسارهم في الآخرة، فصاروا أسوة لهم في الخسران. وفي وصفهم بذلك إشعار بأنهم إنما ابتعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأموال والأولاد، لما شاهدوا فيهم من شبهة مصححة للاتباع في الجملة. ومن قرأ بسكون اللام فجمع ولد، كأسد، وأسد. { ومكروا }: عطف على صلة " من " ، والجمع باعتبار معناه، كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار لفظها، والماكرون هم الرؤساء، ومكرهم: احتيالهم في الدين، وكيدهم لنوح، وتحريش الناس على أذاه، وصد الناس عن الميل إليه، { مكرا كبارا } عظيما في الغاية، وهو أكبر من " الكبار " بالتخفيف، وقرىء به، والكبار: أكبر من الكبير، وقرىء شاذا بالكسر جمع كبير. { وقالوا لا تذرن آلهتكم } أي: لا تتركوا عبادتها على العموم إلى عبادة رب نوح، { ولا تذرن ودا } بفتح الواو، وضمها لغتان: صنم على صورة رجل، { ولا سواعا } صنم على صورة امرأة، { ولا يغوث } صنم على صورة أسد، { ويعوق } صنم على صورة فرس، وهما لا ينصرفان للتعريف ووزن الفعل إن كانا عربيين، والتعريف والعجمة إن كانا عجميين، { ونسرا } صنم على صورة النسر، وخصوا بالذكر مع اندراجهم فيما سبق لأنها كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم، وقد انتقلت هذه الأصنام عنهم إلى العرب، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير. وقيل: هي أسماء رجال صالحين، كان الناس يقتدون بهم، بين آدم ونوح عليهما السلام، وقيل: أولاد آدم، فلما ماتوا، قال إبليس لمن بعدهم: لو صورتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم، وتتبركون بهم، ففعلوا، فلما مات أولئك، قال لمن بعدهم: إنهم كانوا يعبدونهم، فعبدوهم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: أول ما عبد من الأصنام في زمن مهلائل بن غينان بن أنوش بن شيت بن آدم عليه السلام، وذلك لما مات آدم جعله بنو شيت في مغارة بأرض الهند، في جبل سرنديب، لموضع يسمى نوره، وهو أخصب جبل في الأرض، ثم كانوا يزورونه، ويترحمون عليه، ويعطمونه، فلما قتل قابيل أخاه هابيل نفوه من الأرض، فكان بمعزل عنهم هو وبنوه، فجاء الشيطان في صورة رجل ناصح، فقال لهم: إن بني شيت يتبركون بآدم، وأنتم لا تلحقونه، فانحتوا صورته، وتبركوا بها، ففعلوا، ثم كان لشيت ولد صالح، اسمه يغوث، فتوفي، فكانوا يتبركون بقبره، فنحت أولاد قابيل على صورة يغوث صورة أخرى، ثم يعوق، ثم ود، ثم سواع، ثم نسر، كلهم من أولاد شيت قوم صالحون، كانوا يتبركون بهم في المحيا والممات، ولم يكن لأولاد قابيل سبيل إليهم، فنحتوا صورهم، وصاروا يعظمونها، ويتبركون بها مثلهم، فلما طال بهم الزمان صاروا يعبدونهم دون الله، إلى أن بعث الله نوح عليه السلام فنهاهم عنها، فلم ينتهوا، فلما أهلك الله الأرض ومن عليها بالطوفان، قذف الطوفان تلك الأصنام إلى أرض جدة وما والاها من مكة، وأخفتها الرمال هناك. قال الكلبي: وكان عمرو بن لحي كاهنا، يكنى أبا تمامة وكان يتراءى له الجن، فتراءى له يوما جني، وقال له: عجل أبا تمامة بالسعد والسلامة إلى صف جدة، واستخرج ما فيها من الأصنام، وأوردها ماء تهامة، ولا تسأم ولا تهب، وادع العرب إلى عبادتها تجب، فأتى عمرو بن لحي ساحل جدة، حيث وصف له الجني، واستخرج الأصنام في خفية عنهم، وأرودها ماء تهامة، فلما حضر الحج، واجتمع الناس إلى الموسم، دعا الناس إلى عبادتها، فأجابته العرب قاطبة، وأول من أجابته بنو عوف بن عزرة، فدفع لهم ودا، فنصبوه بواد القرى بدومة الجندل، ولم يزل عندهم إلى الإسلام، فكسره خالد بن الوليد، لما بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك لهدم دومة الجندل فحالت بينه وبينها العرب فقاتلهم وكسر صنمهم. قال: الكلبي: قلت لمالك بن الحارث: صف لي ودا، وكان قد رآها مرارا، قال: تمثال رجل أعظم ما يكون من الرجال، مؤتزر بحلة، مرتد بأخرى، مقلدا سيفا، راكبا فرسا، وفي يده حربة فيها لواء، ومعه قوس، ونبل في جعبة. ه. ثم دفع عمرو لمضر سواعا، فعكفت على عبادته مع هذيل، ثم فرق تلك الأصنام على القبائل على حسب ما تقدم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عمرو بن لحي ليلة أسري بي رجلا أحمر، قصيرا أزرق، وهو يجر قصبه في النار، لأنه أول من بحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام، وغير دين إسماعيل " ، وهو من خزاعة، كان يسكن مكة، فولد بها أولادا فكثروا، فنفوا من كان منها من العماليق. انظر اللباب. ثم قال تعالى: { وقد أضلوا } أي: الرؤساء، أو: الأصنام، كقوله: إنهن أضللن كثيرا من الناس [إبراهيم:36] { كثيرا } أي: خلقا كثيرا، { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } ، قال المحشي: وقد يقال: إن هذه الجملة مسببة عما قبلها فحقها الفاء، لكن تركت لمكان الاستئناف،أي: البياني، كأنه قال: فما تريد بهذا القول؟ فقال: ولا تزد الظالمين. ه. ووضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالظلم المفرط، وتعليل الدعاء عليهم به. والمراد بالضلال: الهلاك، كقوله: إن المجرمين في ضلال وسعر [القمر:47]. { مما خطيئاتهم } أي: من أجل خطيئاتهم. " وما " مزيدة للتوكيد والتفخيم، { أغرقوا } بالطوفان. وتقديم " مما " لبيان أن إغراقهم ودخولهم النار، إنما كان لأجل خطاياهم، لا لسبب آخر، { فأدخلوا نارا } عظيمة، والمراد: إما عذاب القبر لأنه عقب الإغراق، أو حين كانوا في الماء، فقد روي أنهم كانوا يغرقون من جانب، ويحرقون من جانب. أو: عذاب جهنم، والتعقيب لقربه باعتبار تحقق وقوعه. وتنكير " النار " إما لتعظيمها وتهويلها، أو لأنه تعالى أعد لهم نوعا من العذاب على حسب خطيئاته، { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله، وفيه تعريض بعدم نفع آلهتهم، وعدم قدرتهم على نصرهم. قيل: كان قوم نوح أهل وسع في الزرق، فطغوا، وكانوا يؤذون نوحا، ويحرشون عليه ويضربونه، حتى ربما يغشى عليه، فإذا أفاق قال: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ". كما في الحديث. { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } أي: أحدا يدور في الأرض، وهو " فيعال " من الدور، وهو من الأسماء المستعلمة في النفي العام، يقالك ما بالديار ديار وديور، كقيام وقيوم، أي: أحد، وأصله: ديوار، ففعل به ما فعل بسيد. { إنك إن تذرهم } ولا تهلكهم { يضلوا عبادك } عن طريق الحق، يدعوهم إلى الضلال، { ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } أي: إلا من إذا بلغ جحد وكفر، وإنما قال ذلك لاستحكام علمه بما يكون منهم ومن أعقابهم، بعدما خبرهم واستقرأ أحوالهم قريبا من ألف سنة، أو: يكون بعد إخباره تعالى له بقوله: أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن [هود:36]. { رب اغفر لي ولوالدي } وكانا مسلمين، واسم أبيه: لمك بن متوشلح، واسم أمه: شمخاء بنت أنوش، وقيل: المراد: آدم وحواء. قال ابن عباس: لم يكفر بنوح والد بينه وبين آدم عليه السلام، وقرىء: " ولولدي " يريد ساما وحاما، { ولمن دخل بيتي } أي: منزلي، أو مسجدي، أو سفينتي { مؤمنا } ، ولعله قد علم أن من دخل بيته مؤمنا لا يعد إلى الكفر، وبهذا القيد خرجت امرأته وابنه كنعان، ولم يجزم عليه السلام بخروجه إلا بعدما قيل له: إنه ليس من أهلك [هود:46]، { وللمؤمنين والمؤمنات } إلى يوم القيامة. خص أولا من يتصل به لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عمم، { ولا تزد الظالمين } أي: الكافرين { إلا تبارا } إهلاكا. قال ابن عباس رضي الله عنه: دعا نوح عليه السلام بدعوتين، إحداهما: للمؤمنين بالمغفرة، وأخرى على الكفارين بالتبار، فاستجيب على الكافرين، فاستحال ألا تجاب دعوته في حق المؤمنين. واختلف في صبيانهم: هل أغرقوا؟ فقيل: أعقم الله أرحام نسائهم قبل الطوفان بأربعين سنة، فلم يكن منهم صبي حين أغرقوا، وقيل: أهلك أطفالهم بغير عذاب، ثم أغرق كبارهم، وقيل: غرقوا معهم كما غرق سائر الحيوانات، وهو المشهور لأن المصيبة تعم، ثم يبعثون على نياتهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: وقال نوح الروح، أي: شكت الروح إلى ربها، وقالت: إن النفس وجنودها عصوني، واتبعوا حال المنهمكين في الدنيا، الفانين في أموالهم وأولادهم، فلم يزدهم ذلك إلا خسارا، ومكروا بي، حيث راموا مني الميل إليهم، مكرا كبارا، وقالوا: لا تذرن آلهتكم من الدنانير والدراهم، ولا تذرن ود الدنيا ومحبتها، ولا سواع الهوى والحظوظ، ولا يغوث الرياسة والجاه، ولا يعوق العلائق والشواغل، ولا طيور الهواجس والخواطر، يعني: لا تستعملوا ما يخرجكم عن هذه الأشياء، من خرق العوائد، والزهد، والورع، بل أقيموا على تنمية دنياكم، وتوفير هواكم، وقد أضلوا كثيرا ممن يقتدي بهم. وقالت أيضا: لا تزد الظالمين من هؤلاء إلا ضلالا هلاكها وانقطاعا. مما خطيئاتهم أغرقوا في بحر الدنيا، فأدخلوا نار القطيعة، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا، وقال نوح الروح أيضا: لا تذر على أرض البشرية من الكافرين من القواطع التي تقطعني عن السير بظلمتها ديارا ممن يدور بها، ويقوي حسها، إنك إن تذرهم يدورون بها ويقطعونها عن السير، ويضلوا عبادك عن الوصول إليك، ولا يلدوا منها إلا خاطرا فاجرا كفارا. رب اغفر لي، خطاب من الروح ودعاء، ولوالدي من العقل الكلي، والنفس الكلي، وهو الروح الأعظم، ولمن دخل بيتي، أي: تمسك بطريقتي، ودخل في زمرتي، ولأرواح المؤمنين والمؤمنات، ولا تزد الظالين الخارجين عن طريقتي إلا تبارا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

نوح 71:23

يقول الحق جل جلاله: { قال نوح رب } أي: يارب { إنهم عصوني } أي: داموا على عصياني فيما أمرتهم، مع ما بلغت في إرشادهم بالعظة والتذكير، ولما كان عصيانهم مستبعدا لكونه منكرا فظيعا لأن طاعة الرسول واجبة، فأصروا على عصيانه، وعاملوه بأقبح الأحوال والأفعال، أكد الجملة بإن، { واتبعوا } أي: اتبع فقراؤهم { من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } ، وهم رؤساؤهم، أي: استمروا على اتباع رؤسائهم، الذين أبطرتهم أموالهم، وغرتهم أولادهم، وصار ذلك سببا لزيادة خسارهم في الآخرة، فصاروا أسوة لهم في الخسران. وفي وصفهم بذلك إشعار بأنهم إنما ابتعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأموال والأولاد، لما شاهدوا فيهم من شبهة مصححة للاتباع في الجملة. ومن قرأ بسكون اللام فجمع ولد، كأسد، وأسد. { ومكروا }: عطف على صلة " من " ، والجمع باعتبار معناه، كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار لفظها، والماكرون هم الرؤساء، ومكرهم: احتيالهم في الدين، وكيدهم لنوح، وتحريش الناس على أذاه، وصد الناس عن الميل إليه، { مكرا كبارا } عظيما في الغاية، وهو أكبر من " الكبار " بالتخفيف، وقرىء به، والكبار: أكبر من الكبير، وقرىء شاذا بالكسر جمع كبير. { وقالوا لا تذرن آلهتكم } أي: لا تتركوا عبادتها على العموم إلى عبادة رب نوح، { ولا تذرن ودا } بفتح الواو، وضمها لغتان: صنم على صورة رجل، { ولا سواعا } صنم على صورة امرأة، { ولا يغوث } صنم على صورة أسد، { ويعوق } صنم على صورة فرس، وهما لا ينصرفان للتعريف ووزن الفعل إن كانا عربيين، والتعريف والعجمة إن كانا عجميين، { ونسرا } صنم على صورة النسر، وخصوا بالذكر مع اندراجهم فيما سبق لأنها كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم، وقد انتقلت هذه الأصنام عنهم إلى العرب، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير. وقيل: هي أسماء رجال صالحين، كان الناس يقتدون بهم، بين آدم ونوح عليهما السلام، وقيل: أولاد آدم، فلما ماتوا، قال إبليس لمن بعدهم: لو صورتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم، وتتبركون بهم، ففعلوا، فلما مات أولئك، قال لمن بعدهم: إنهم كانوا يعبدونهم، فعبدوهم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: أول ما عبد من الأصنام في زمن مهلائل بن غينان بن أنوش بن شيت بن آدم عليه السلام، وذلك لما مات آدم جعله بنو شيت في مغارة بأرض الهند، في جبل سرنديب، لموضع يسمى نوره، وهو أخصب جبل في الأرض، ثم كانوا يزورونه، ويترحمون عليه، ويعطمونه، فلما قتل قابيل أخاه هابيل نفوه من الأرض، فكان بمعزل عنهم هو وبنوه، فجاء الشيطان في صورة رجل ناصح، فقال لهم: إن بني شيت يتبركون بآدم، وأنتم لا تلحقونه، فانحتوا صورته، وتبركوا بها، ففعلوا، ثم كان لشيت ولد صالح، اسمه يغوث، فتوفي، فكانوا يتبركون بقبره، فنحت أولاد قابيل على صورة يغوث صورة أخرى، ثم يعوق، ثم ود، ثم سواع، ثم نسر، كلهم من أولاد شيت قوم صالحون، كانوا يتبركون بهم في المحيا والممات، ولم يكن لأولاد قابيل سبيل إليهم، فنحتوا صورهم، وصاروا يعظمونها، ويتبركون بها مثلهم، فلما طال بهم الزمان صاروا يعبدونهم دون الله، إلى أن بعث الله نوح عليه السلام فنهاهم عنها، فلم ينتهوا، فلما أهلك الله الأرض ومن عليها بالطوفان، قذف الطوفان تلك الأصنام إلى أرض جدة وما والاها من مكة، وأخفتها الرمال هناك. قال الكلبي: وكان عمرو بن لحي كاهنا، يكنى أبا تمامة وكان يتراءى له الجن، فتراءى له يوما جني، وقال له: عجل أبا تمامة بالسعد والسلامة إلى صف جدة، واستخرج ما فيها من الأصنام، وأوردها ماء تهامة، ولا تسأم ولا تهب، وادع العرب إلى عبادتها تجب، فأتى عمرو بن لحي ساحل جدة، حيث وصف له الجني، واستخرج الأصنام في خفية عنهم، وأرودها ماء تهامة، فلما حضر الحج، واجتمع الناس إلى الموسم، دعا الناس إلى عبادتها، فأجابته العرب قاطبة، وأول من أجابته بنو عوف بن عزرة، فدفع لهم ودا، فنصبوه بواد القرى بدومة الجندل، ولم يزل عندهم إلى الإسلام، فكسره خالد بن الوليد، لما بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك لهدم دومة الجندل فحالت بينه وبينها العرب فقاتلهم وكسر صنمهم. قال: الكلبي: قلت لمالك بن الحارث: صف لي ودا، وكان قد رآها مرارا، قال: تمثال رجل أعظم ما يكون من الرجال، مؤتزر بحلة، مرتد بأخرى، مقلدا سيفا، راكبا فرسا، وفي يده حربة فيها لواء، ومعه قوس، ونبل في جعبة. ه. ثم دفع عمرو لمضر سواعا، فعكفت على عبادته مع هذيل، ثم فرق تلك الأصنام على القبائل على حسب ما تقدم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عمرو بن لحي ليلة أسري بي رجلا أحمر، قصيرا أزرق، وهو يجر قصبه في النار، لأنه أول من بحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام، وغير دين إسماعيل " ، وهو من خزاعة، كان يسكن مكة، فولد بها أولادا فكثروا، فنفوا من كان منها من العماليق. انظر اللباب. ثم قال تعالى: { وقد أضلوا } أي: الرؤساء، أو: الأصنام، كقوله: إنهن أضللن كثيرا من الناس [إبراهيم:36] { كثيرا } أي: خلقا كثيرا، { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } ، قال المحشي: وقد يقال: إن هذه الجملة مسببة عما قبلها فحقها الفاء، لكن تركت لمكان الاستئناف،أي: البياني، كأنه قال: فما تريد بهذا القول؟ فقال: ولا تزد الظالمين. ه. ووضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالظلم المفرط، وتعليل الدعاء عليهم به. والمراد بالضلال: الهلاك، كقوله: إن المجرمين في ضلال وسعر [القمر:47]. { مما خطيئاتهم } أي: من أجل خطيئاتهم. " وما " مزيدة للتوكيد والتفخيم، { أغرقوا } بالطوفان. وتقديم " مما " لبيان أن إغراقهم ودخولهم النار، إنما كان لأجل خطاياهم، لا لسبب آخر، { فأدخلوا نارا } عظيمة، والمراد: إما عذاب القبر لأنه عقب الإغراق، أو حين كانوا في الماء، فقد روي أنهم كانوا يغرقون من جانب، ويحرقون من جانب. أو: عذاب جهنم، والتعقيب لقربه باعتبار تحقق وقوعه. وتنكير " النار " إما لتعظيمها وتهويلها، أو لأنه تعالى أعد لهم نوعا من العذاب على حسب خطيئاته، { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله، وفيه تعريض بعدم نفع آلهتهم، وعدم قدرتهم على نصرهم. قيل: كان قوم نوح أهل وسع في الزرق، فطغوا، وكانوا يؤذون نوحا، ويحرشون عليه ويضربونه، حتى ربما يغشى عليه، فإذا أفاق قال: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ". كما في الحديث. { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } أي: أحدا يدور في الأرض، وهو " فيعال " من الدور، وهو من الأسماء المستعلمة في النفي العام، يقالك ما بالديار ديار وديور، كقيام وقيوم، أي: أحد، وأصله: ديوار، ففعل به ما فعل بسيد. { إنك إن تذرهم } ولا تهلكهم { يضلوا عبادك } عن طريق الحق، يدعوهم إلى الضلال، { ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } أي: إلا من إذا بلغ جحد وكفر، وإنما قال ذلك لاستحكام علمه بما يكون منهم ومن أعقابهم، بعدما خبرهم واستقرأ أحوالهم قريبا من ألف سنة، أو: يكون بعد إخباره تعالى له بقوله: أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن [هود:36]. { رب اغفر لي ولوالدي } وكانا مسلمين، واسم أبيه: لمك بن متوشلح، واسم أمه: شمخاء بنت أنوش، وقيل: المراد: آدم وحواء. قال ابن عباس: لم يكفر بنوح والد بينه وبين آدم عليه السلام، وقرىء: " ولولدي " يريد ساما وحاما، { ولمن دخل بيتي } أي: منزلي، أو مسجدي، أو سفينتي { مؤمنا } ، ولعله قد علم أن من دخل بيته مؤمنا لا يعد إلى الكفر، وبهذا القيد خرجت امرأته وابنه كنعان، ولم يجزم عليه السلام بخروجه إلا بعدما قيل له: إنه ليس من أهلك [هود:46]، { وللمؤمنين والمؤمنات } إلى يوم القيامة. خص أولا من يتصل به لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عمم، { ولا تزد الظالمين } أي: الكافرين { إلا تبارا } إهلاكا. قال ابن عباس رضي الله عنه: دعا نوح عليه السلام بدعوتين، إحداهما: للمؤمنين بالمغفرة، وأخرى على الكفارين بالتبار، فاستجيب على الكافرين، فاستحال ألا تجاب دعوته في حق المؤمنين. واختلف في صبيانهم: هل أغرقوا؟ فقيل: أعقم الله أرحام نسائهم قبل الطوفان بأربعين سنة، فلم يكن منهم صبي حين أغرقوا، وقيل: أهلك أطفالهم بغير عذاب، ثم أغرق كبارهم، وقيل: غرقوا معهم كما غرق سائر الحيوانات، وهو المشهور لأن المصيبة تعم، ثم يبعثون على نياتهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: وقال نوح الروح، أي: شكت الروح إلى ربها، وقالت: إن النفس وجنودها عصوني، واتبعوا حال المنهمكين في الدنيا، الفانين في أموالهم وأولادهم، فلم يزدهم ذلك إلا خسارا، ومكروا بي، حيث راموا مني الميل إليهم، مكرا كبارا، وقالوا: لا تذرن آلهتكم من الدنانير والدراهم، ولا تذرن ود الدنيا ومحبتها، ولا سواع الهوى والحظوظ، ولا يغوث الرياسة والجاه، ولا يعوق العلائق والشواغل، ولا طيور الهواجس والخواطر، يعني: لا تستعملوا ما يخرجكم عن هذه الأشياء، من خرق العوائد، والزهد، والورع، بل أقيموا على تنمية دنياكم، وتوفير هواكم، وقد أضلوا كثيرا ممن يقتدي بهم. وقالت أيضا: لا تزد الظالمين من هؤلاء إلا ضلالا هلاكها وانقطاعا. مما خطيئاتهم أغرقوا في بحر الدنيا، فأدخلوا نار القطيعة، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا، وقال نوح الروح أيضا: لا تذر على أرض البشرية من الكافرين من القواطع التي تقطعني عن السير بظلمتها ديارا ممن يدور بها، ويقوي حسها، إنك إن تذرهم يدورون بها ويقطعونها عن السير، ويضلوا عبادك عن الوصول إليك، ولا يلدوا منها إلا خاطرا فاجرا كفارا. رب اغفر لي، خطاب من الروح ودعاء، ولوالدي من العقل الكلي، والنفس الكلي، وهو الروح الأعظم، ولمن دخل بيتي، أي: تمسك بطريقتي، ودخل في زمرتي، ولأرواح المؤمنين والمؤمنات، ولا تزد الظالين الخارجين عن طريقتي إلا تبارا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

نوح 71:24

يقول الحق جل جلاله: { قال نوح رب } أي: يارب { إنهم عصوني } أي: داموا على عصياني فيما أمرتهم، مع ما بلغت في إرشادهم بالعظة والتذكير، ولما كان عصيانهم مستبعدا لكونه منكرا فظيعا لأن طاعة الرسول واجبة، فأصروا على عصيانه، وعاملوه بأقبح الأحوال والأفعال، أكد الجملة بإن، { واتبعوا } أي: اتبع فقراؤهم { من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } ، وهم رؤساؤهم، أي: استمروا على اتباع رؤسائهم، الذين أبطرتهم أموالهم، وغرتهم أولادهم، وصار ذلك سببا لزيادة خسارهم في الآخرة، فصاروا أسوة لهم في الخسران. وفي وصفهم بذلك إشعار بأنهم إنما ابتعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأموال والأولاد، لما شاهدوا فيهم من شبهة مصححة للاتباع في الجملة. ومن قرأ بسكون اللام فجمع ولد، كأسد، وأسد. { ومكروا }: عطف على صلة " من " ، والجمع باعتبار معناه، كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار لفظها، والماكرون هم الرؤساء، ومكرهم: احتيالهم في الدين، وكيدهم لنوح، وتحريش الناس على أذاه، وصد الناس عن الميل إليه، { مكرا كبارا } عظيما في الغاية، وهو أكبر من " الكبار " بالتخفيف، وقرىء به، والكبار: أكبر من الكبير، وقرىء شاذا بالكسر جمع كبير. { وقالوا لا تذرن آلهتكم } أي: لا تتركوا عبادتها على العموم إلى عبادة رب نوح، { ولا تذرن ودا } بفتح الواو، وضمها لغتان: صنم على صورة رجل، { ولا سواعا } صنم على صورة امرأة، { ولا يغوث } صنم على صورة أسد، { ويعوق } صنم على صورة فرس، وهما لا ينصرفان للتعريف ووزن الفعل إن كانا عربيين، والتعريف والعجمة إن كانا عجميين، { ونسرا } صنم على صورة النسر، وخصوا بالذكر مع اندراجهم فيما سبق لأنها كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم، وقد انتقلت هذه الأصنام عنهم إلى العرب، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير. وقيل: هي أسماء رجال صالحين، كان الناس يقتدون بهم، بين آدم ونوح عليهما السلام، وقيل: أولاد آدم، فلما ماتوا، قال إبليس لمن بعدهم: لو صورتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم، وتتبركون بهم، ففعلوا، فلما مات أولئك، قال لمن بعدهم: إنهم كانوا يعبدونهم، فعبدوهم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: أول ما عبد من الأصنام في زمن مهلائل بن غينان بن أنوش بن شيت بن آدم عليه السلام، وذلك لما مات آدم جعله بنو شيت في مغارة بأرض الهند، في جبل سرنديب، لموضع يسمى نوره، وهو أخصب جبل في الأرض، ثم كانوا يزورونه، ويترحمون عليه، ويعطمونه، فلما قتل قابيل أخاه هابيل نفوه من الأرض، فكان بمعزل عنهم هو وبنوه، فجاء الشيطان في صورة رجل ناصح، فقال لهم: إن بني شيت يتبركون بآدم، وأنتم لا تلحقونه، فانحتوا صورته، وتبركوا بها، ففعلوا، ثم كان لشيت ولد صالح، اسمه يغوث، فتوفي، فكانوا يتبركون بقبره، فنحت أولاد قابيل على صورة يغوث صورة أخرى، ثم يعوق، ثم ود، ثم سواع، ثم نسر، كلهم من أولاد شيت قوم صالحون، كانوا يتبركون بهم في المحيا والممات، ولم يكن لأولاد قابيل سبيل إليهم، فنحتوا صورهم، وصاروا يعظمونها، ويتبركون بها مثلهم، فلما طال بهم الزمان صاروا يعبدونهم دون الله، إلى أن بعث الله نوح عليه السلام فنهاهم عنها، فلم ينتهوا، فلما أهلك الله الأرض ومن عليها بالطوفان، قذف الطوفان تلك الأصنام إلى أرض جدة وما والاها من مكة، وأخفتها الرمال هناك. قال الكلبي: وكان عمرو بن لحي كاهنا، يكنى أبا تمامة وكان يتراءى له الجن، فتراءى له يوما جني، وقال له: عجل أبا تمامة بالسعد والسلامة إلى صف جدة، واستخرج ما فيها من الأصنام، وأوردها ماء تهامة، ولا تسأم ولا تهب، وادع العرب إلى عبادتها تجب، فأتى عمرو بن لحي ساحل جدة، حيث وصف له الجني، واستخرج الأصنام في خفية عنهم، وأرودها ماء تهامة، فلما حضر الحج، واجتمع الناس إلى الموسم، دعا الناس إلى عبادتها، فأجابته العرب قاطبة، وأول من أجابته بنو عوف بن عزرة، فدفع لهم ودا، فنصبوه بواد القرى بدومة الجندل، ولم يزل عندهم إلى الإسلام، فكسره خالد بن الوليد، لما بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك لهدم دومة الجندل فحالت بينه وبينها العرب فقاتلهم وكسر صنمهم. قال: الكلبي: قلت لمالك بن الحارث: صف لي ودا، وكان قد رآها مرارا، قال: تمثال رجل أعظم ما يكون من الرجال، مؤتزر بحلة، مرتد بأخرى، مقلدا سيفا، راكبا فرسا، وفي يده حربة فيها لواء، ومعه قوس، ونبل في جعبة. ه. ثم دفع عمرو لمضر سواعا، فعكفت على عبادته مع هذيل، ثم فرق تلك الأصنام على القبائل على حسب ما تقدم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عمرو بن لحي ليلة أسري بي رجلا أحمر، قصيرا أزرق، وهو يجر قصبه في النار، لأنه أول من بحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام، وغير دين إسماعيل " ، وهو من خزاعة، كان يسكن مكة، فولد بها أولادا فكثروا، فنفوا من كان منها من العماليق. انظر اللباب. ثم قال تعالى: { وقد أضلوا } أي: الرؤساء، أو: الأصنام، كقوله: إنهن أضللن كثيرا من الناس [إبراهيم:36] { كثيرا } أي: خلقا كثيرا، { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } ، قال المحشي: وقد يقال: إن هذه الجملة مسببة عما قبلها فحقها الفاء، لكن تركت لمكان الاستئناف،أي: البياني، كأنه قال: فما تريد بهذا القول؟ فقال: ولا تزد الظالمين. ه. ووضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالظلم المفرط، وتعليل الدعاء عليهم به. والمراد بالضلال: الهلاك، كقوله: إن المجرمين في ضلال وسعر [القمر:47]. { مما خطيئاتهم } أي: من أجل خطيئاتهم. " وما " مزيدة للتوكيد والتفخيم، { أغرقوا } بالطوفان. وتقديم " مما " لبيان أن إغراقهم ودخولهم النار، إنما كان لأجل خطاياهم، لا لسبب آخر، { فأدخلوا نارا } عظيمة، والمراد: إما عذاب القبر لأنه عقب الإغراق، أو حين كانوا في الماء، فقد روي أنهم كانوا يغرقون من جانب، ويحرقون من جانب. أو: عذاب جهنم، والتعقيب لقربه باعتبار تحقق وقوعه. وتنكير " النار " إما لتعظيمها وتهويلها، أو لأنه تعالى أعد لهم نوعا من العذاب على حسب خطيئاته، { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله، وفيه تعريض بعدم نفع آلهتهم، وعدم قدرتهم على نصرهم. قيل: كان قوم نوح أهل وسع في الزرق، فطغوا، وكانوا يؤذون نوحا، ويحرشون عليه ويضربونه، حتى ربما يغشى عليه، فإذا أفاق قال: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ". كما في الحديث. { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } أي: أحدا يدور في الأرض، وهو " فيعال " من الدور، وهو من الأسماء المستعلمة في النفي العام، يقالك ما بالديار ديار وديور، كقيام وقيوم، أي: أحد، وأصله: ديوار، ففعل به ما فعل بسيد. { إنك إن تذرهم } ولا تهلكهم { يضلوا عبادك } عن طريق الحق، يدعوهم إلى الضلال، { ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } أي: إلا من إذا بلغ جحد وكفر، وإنما قال ذلك لاستحكام علمه بما يكون منهم ومن أعقابهم، بعدما خبرهم واستقرأ أحوالهم قريبا من ألف سنة، أو: يكون بعد إخباره تعالى له بقوله: أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن [هود:36]. { رب اغفر لي ولوالدي } وكانا مسلمين، واسم أبيه: لمك بن متوشلح، واسم أمه: شمخاء بنت أنوش، وقيل: المراد: آدم وحواء. قال ابن عباس: لم يكفر بنوح والد بينه وبين آدم عليه السلام، وقرىء: " ولولدي " يريد ساما وحاما، { ولمن دخل بيتي } أي: منزلي، أو مسجدي، أو سفينتي { مؤمنا } ، ولعله قد علم أن من دخل بيته مؤمنا لا يعد إلى الكفر، وبهذا القيد خرجت امرأته وابنه كنعان، ولم يجزم عليه السلام بخروجه إلا بعدما قيل له: إنه ليس من أهلك [هود:46]، { وللمؤمنين والمؤمنات } إلى يوم القيامة. خص أولا من يتصل به لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عمم، { ولا تزد الظالمين } أي: الكافرين { إلا تبارا } إهلاكا. قال ابن عباس رضي الله عنه: دعا نوح عليه السلام بدعوتين، إحداهما: للمؤمنين بالمغفرة، وأخرى على الكفارين بالتبار، فاستجيب على الكافرين، فاستحال ألا تجاب دعوته في حق المؤمنين. واختلف في صبيانهم: هل أغرقوا؟ فقيل: أعقم الله أرحام نسائهم قبل الطوفان بأربعين سنة، فلم يكن منهم صبي حين أغرقوا، وقيل: أهلك أطفالهم بغير عذاب، ثم أغرق كبارهم، وقيل: غرقوا معهم كما غرق سائر الحيوانات، وهو المشهور لأن المصيبة تعم، ثم يبعثون على نياتهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: وقال نوح الروح، أي: شكت الروح إلى ربها، وقالت: إن النفس وجنودها عصوني، واتبعوا حال المنهمكين في الدنيا، الفانين في أموالهم وأولادهم، فلم يزدهم ذلك إلا خسارا، ومكروا بي، حيث راموا مني الميل إليهم، مكرا كبارا، وقالوا: لا تذرن آلهتكم من الدنانير والدراهم، ولا تذرن ود الدنيا ومحبتها، ولا سواع الهوى والحظوظ، ولا يغوث الرياسة والجاه، ولا يعوق العلائق والشواغل، ولا طيور الهواجس والخواطر، يعني: لا تستعملوا ما يخرجكم عن هذه الأشياء، من خرق العوائد، والزهد، والورع، بل أقيموا على تنمية دنياكم، وتوفير هواكم، وقد أضلوا كثيرا ممن يقتدي بهم. وقالت أيضا: لا تزد الظالمين من هؤلاء إلا ضلالا هلاكها وانقطاعا. مما خطيئاتهم أغرقوا في بحر الدنيا، فأدخلوا نار القطيعة، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا، وقال نوح الروح أيضا: لا تذر على أرض البشرية من الكافرين من القواطع التي تقطعني عن السير بظلمتها ديارا ممن يدور بها، ويقوي حسها، إنك إن تذرهم يدورون بها ويقطعونها عن السير، ويضلوا عبادك عن الوصول إليك، ولا يلدوا منها إلا خاطرا فاجرا كفارا. رب اغفر لي، خطاب من الروح ودعاء، ولوالدي من العقل الكلي، والنفس الكلي، وهو الروح الأعظم، ولمن دخل بيتي، أي: تمسك بطريقتي، ودخل في زمرتي، ولأرواح المؤمنين والمؤمنات، ولا تزد الظالين الخارجين عن طريقتي إلا تبارا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

نوح 71:25

يقول الحق جل جلاله: { قال نوح رب } أي: يارب { إنهم عصوني } أي: داموا على عصياني فيما أمرتهم، مع ما بلغت في إرشادهم بالعظة والتذكير، ولما كان عصيانهم مستبعدا لكونه منكرا فظيعا لأن طاعة الرسول واجبة، فأصروا على عصيانه، وعاملوه بأقبح الأحوال والأفعال، أكد الجملة بإن، { واتبعوا } أي: اتبع فقراؤهم { من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } ، وهم رؤساؤهم، أي: استمروا على اتباع رؤسائهم، الذين أبطرتهم أموالهم، وغرتهم أولادهم، وصار ذلك سببا لزيادة خسارهم في الآخرة، فصاروا أسوة لهم في الخسران. وفي وصفهم بذلك إشعار بأنهم إنما ابتعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأموال والأولاد، لما شاهدوا فيهم من شبهة مصححة للاتباع في الجملة. ومن قرأ بسكون اللام فجمع ولد، كأسد، وأسد. { ومكروا }: عطف على صلة " من " ، والجمع باعتبار معناه، كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار لفظها، والماكرون هم الرؤساء، ومكرهم: احتيالهم في الدين، وكيدهم لنوح، وتحريش الناس على أذاه، وصد الناس عن الميل إليه، { مكرا كبارا } عظيما في الغاية، وهو أكبر من " الكبار " بالتخفيف، وقرىء به، والكبار: أكبر من الكبير، وقرىء شاذا بالكسر جمع كبير. { وقالوا لا تذرن آلهتكم } أي: لا تتركوا عبادتها على العموم إلى عبادة رب نوح، { ولا تذرن ودا } بفتح الواو، وضمها لغتان: صنم على صورة رجل، { ولا سواعا } صنم على صورة امرأة، { ولا يغوث } صنم على صورة أسد، { ويعوق } صنم على صورة فرس، وهما لا ينصرفان للتعريف ووزن الفعل إن كانا عربيين، والتعريف والعجمة إن كانا عجميين، { ونسرا } صنم على صورة النسر، وخصوا بالذكر مع اندراجهم فيما سبق لأنها كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم، وقد انتقلت هذه الأصنام عنهم إلى العرب، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير. وقيل: هي أسماء رجال صالحين، كان الناس يقتدون بهم، بين آدم ونوح عليهما السلام، وقيل: أولاد آدم، فلما ماتوا، قال إبليس لمن بعدهم: لو صورتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم، وتتبركون بهم، ففعلوا، فلما مات أولئك، قال لمن بعدهم: إنهم كانوا يعبدونهم، فعبدوهم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: أول ما عبد من الأصنام في زمن مهلائل بن غينان بن أنوش بن شيت بن آدم عليه السلام، وذلك لما مات آدم جعله بنو شيت في مغارة بأرض الهند، في جبل سرنديب، لموضع يسمى نوره، وهو أخصب جبل في الأرض، ثم كانوا يزورونه، ويترحمون عليه، ويعطمونه، فلما قتل قابيل أخاه هابيل نفوه من الأرض، فكان بمعزل عنهم هو وبنوه، فجاء الشيطان في صورة رجل ناصح، فقال لهم: إن بني شيت يتبركون بآدم، وأنتم لا تلحقونه، فانحتوا صورته، وتبركوا بها، ففعلوا، ثم كان لشيت ولد صالح، اسمه يغوث، فتوفي، فكانوا يتبركون بقبره، فنحت أولاد قابيل على صورة يغوث صورة أخرى، ثم يعوق، ثم ود، ثم سواع، ثم نسر، كلهم من أولاد شيت قوم صالحون، كانوا يتبركون بهم في المحيا والممات، ولم يكن لأولاد قابيل سبيل إليهم، فنحتوا صورهم، وصاروا يعظمونها، ويتبركون بها مثلهم، فلما طال بهم الزمان صاروا يعبدونهم دون الله، إلى أن بعث الله نوح عليه السلام فنهاهم عنها، فلم ينتهوا، فلما أهلك الله الأرض ومن عليها بالطوفان، قذف الطوفان تلك الأصنام إلى أرض جدة وما والاها من مكة، وأخفتها الرمال هناك. قال الكلبي: وكان عمرو بن لحي كاهنا، يكنى أبا تمامة وكان يتراءى له الجن، فتراءى له يوما جني، وقال له: عجل أبا تمامة بالسعد والسلامة إلى صف جدة، واستخرج ما فيها من الأصنام، وأوردها ماء تهامة، ولا تسأم ولا تهب، وادع العرب إلى عبادتها تجب، فأتى عمرو بن لحي ساحل جدة، حيث وصف له الجني، واستخرج الأصنام في خفية عنهم، وأرودها ماء تهامة، فلما حضر الحج، واجتمع الناس إلى الموسم، دعا الناس إلى عبادتها، فأجابته العرب قاطبة، وأول من أجابته بنو عوف بن عزرة، فدفع لهم ودا، فنصبوه بواد القرى بدومة الجندل، ولم يزل عندهم إلى الإسلام، فكسره خالد بن الوليد، لما بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك لهدم دومة الجندل فحالت بينه وبينها العرب فقاتلهم وكسر صنمهم. قال: الكلبي: قلت لمالك بن الحارث: صف لي ودا، وكان قد رآها مرارا، قال: تمثال رجل أعظم ما يكون من الرجال، مؤتزر بحلة، مرتد بأخرى، مقلدا سيفا، راكبا فرسا، وفي يده حربة فيها لواء، ومعه قوس، ونبل في جعبة. ه. ثم دفع عمرو لمضر سواعا، فعكفت على عبادته مع هذيل، ثم فرق تلك الأصنام على القبائل على حسب ما تقدم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عمرو بن لحي ليلة أسري بي رجلا أحمر، قصيرا أزرق، وهو يجر قصبه في النار، لأنه أول من بحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام، وغير دين إسماعيل " ، وهو من خزاعة، كان يسكن مكة، فولد بها أولادا فكثروا، فنفوا من كان منها من العماليق. انظر اللباب. ثم قال تعالى: { وقد أضلوا } أي: الرؤساء، أو: الأصنام، كقوله: إنهن أضللن كثيرا من الناس [إبراهيم:36] { كثيرا } أي: خلقا كثيرا، { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } ، قال المحشي: وقد يقال: إن هذه الجملة مسببة عما قبلها فحقها الفاء، لكن تركت لمكان الاستئناف،أي: البياني، كأنه قال: فما تريد بهذا القول؟ فقال: ولا تزد الظالمين. ه. ووضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالظلم المفرط، وتعليل الدعاء عليهم به. والمراد بالضلال: الهلاك، كقوله: إن المجرمين في ضلال وسعر [القمر:47]. { مما خطيئاتهم } أي: من أجل خطيئاتهم. " وما " مزيدة للتوكيد والتفخيم، { أغرقوا } بالطوفان. وتقديم " مما " لبيان أن إغراقهم ودخولهم النار، إنما كان لأجل خطاياهم، لا لسبب آخر، { فأدخلوا نارا } عظيمة، والمراد: إما عذاب القبر لأنه عقب الإغراق، أو حين كانوا في الماء، فقد روي أنهم كانوا يغرقون من جانب، ويحرقون من جانب. أو: عذاب جهنم، والتعقيب لقربه باعتبار تحقق وقوعه. وتنكير " النار " إما لتعظيمها وتهويلها، أو لأنه تعالى أعد لهم نوعا من العذاب على حسب خطيئاته، { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله، وفيه تعريض بعدم نفع آلهتهم، وعدم قدرتهم على نصرهم. قيل: كان قوم نوح أهل وسع في الزرق، فطغوا، وكانوا يؤذون نوحا، ويحرشون عليه ويضربونه، حتى ربما يغشى عليه، فإذا أفاق قال: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ". كما في الحديث. { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } أي: أحدا يدور في الأرض، وهو " فيعال " من الدور، وهو من الأسماء المستعلمة في النفي العام، يقالك ما بالديار ديار وديور، كقيام وقيوم، أي: أحد، وأصله: ديوار، ففعل به ما فعل بسيد. { إنك إن تذرهم } ولا تهلكهم { يضلوا عبادك } عن طريق الحق، يدعوهم إلى الضلال، { ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } أي: إلا من إذا بلغ جحد وكفر، وإنما قال ذلك لاستحكام علمه بما يكون منهم ومن أعقابهم، بعدما خبرهم واستقرأ أحوالهم قريبا من ألف سنة، أو: يكون بعد إخباره تعالى له بقوله: أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن [هود:36]. { رب اغفر لي ولوالدي } وكانا مسلمين، واسم أبيه: لمك بن متوشلح، واسم أمه: شمخاء بنت أنوش، وقيل: المراد: آدم وحواء. قال ابن عباس: لم يكفر بنوح والد بينه وبين آدم عليه السلام، وقرىء: " ولولدي " يريد ساما وحاما، { ولمن دخل بيتي } أي: منزلي، أو مسجدي، أو سفينتي { مؤمنا } ، ولعله قد علم أن من دخل بيته مؤمنا لا يعد إلى الكفر، وبهذا القيد خرجت امرأته وابنه كنعان، ولم يجزم عليه السلام بخروجه إلا بعدما قيل له: إنه ليس من أهلك [هود:46]، { وللمؤمنين والمؤمنات } إلى يوم القيامة. خص أولا من يتصل به لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عمم، { ولا تزد الظالمين } أي: الكافرين { إلا تبارا } إهلاكا. قال ابن عباس رضي الله عنه: دعا نوح عليه السلام بدعوتين، إحداهما: للمؤمنين بالمغفرة، وأخرى على الكفارين بالتبار، فاستجيب على الكافرين، فاستحال ألا تجاب دعوته في حق المؤمنين. واختلف في صبيانهم: هل أغرقوا؟ فقيل: أعقم الله أرحام نسائهم قبل الطوفان بأربعين سنة، فلم يكن منهم صبي حين أغرقوا، وقيل: أهلك أطفالهم بغير عذاب، ثم أغرق كبارهم، وقيل: غرقوا معهم كما غرق سائر الحيوانات، وهو المشهور لأن المصيبة تعم، ثم يبعثون على نياتهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: وقال نوح الروح، أي: شكت الروح إلى ربها، وقالت: إن النفس وجنودها عصوني، واتبعوا حال المنهمكين في الدنيا، الفانين في أموالهم وأولادهم، فلم يزدهم ذلك إلا خسارا، ومكروا بي، حيث راموا مني الميل إليهم، مكرا كبارا، وقالوا: لا تذرن آلهتكم من الدنانير والدراهم، ولا تذرن ود الدنيا ومحبتها، ولا سواع الهوى والحظوظ، ولا يغوث الرياسة والجاه، ولا يعوق العلائق والشواغل، ولا طيور الهواجس والخواطر، يعني: لا تستعملوا ما يخرجكم عن هذه الأشياء، من خرق العوائد، والزهد، والورع، بل أقيموا على تنمية دنياكم، وتوفير هواكم، وقد أضلوا كثيرا ممن يقتدي بهم. وقالت أيضا: لا تزد الظالمين من هؤلاء إلا ضلالا هلاكها وانقطاعا. مما خطيئاتهم أغرقوا في بحر الدنيا، فأدخلوا نار القطيعة، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا، وقال نوح الروح أيضا: لا تذر على أرض البشرية من الكافرين من القواطع التي تقطعني عن السير بظلمتها ديارا ممن يدور بها، ويقوي حسها، إنك إن تذرهم يدورون بها ويقطعونها عن السير، ويضلوا عبادك عن الوصول إليك، ولا يلدوا منها إلا خاطرا فاجرا كفارا. رب اغفر لي، خطاب من الروح ودعاء، ولوالدي من العقل الكلي، والنفس الكلي، وهو الروح الأعظم، ولمن دخل بيتي، أي: تمسك بطريقتي، ودخل في زمرتي، ولأرواح المؤمنين والمؤمنات، ولا تزد الظالين الخارجين عن طريقتي إلا تبارا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

نوح 71:26

يقول الحق جل جلاله: { قال نوح رب } أي: يارب { إنهم عصوني } أي: داموا على عصياني فيما أمرتهم، مع ما بلغت في إرشادهم بالعظة والتذكير، ولما كان عصيانهم مستبعدا لكونه منكرا فظيعا لأن طاعة الرسول واجبة، فأصروا على عصيانه، وعاملوه بأقبح الأحوال والأفعال، أكد الجملة بإن، { واتبعوا } أي: اتبع فقراؤهم { من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } ، وهم رؤساؤهم، أي: استمروا على اتباع رؤسائهم، الذين أبطرتهم أموالهم، وغرتهم أولادهم، وصار ذلك سببا لزيادة خسارهم في الآخرة، فصاروا أسوة لهم في الخسران. وفي وصفهم بذلك إشعار بأنهم إنما ابتعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأموال والأولاد، لما شاهدوا فيهم من شبهة مصححة للاتباع في الجملة. ومن قرأ بسكون اللام فجمع ولد، كأسد، وأسد. { ومكروا }: عطف على صلة " من " ، والجمع باعتبار معناه، كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار لفظها، والماكرون هم الرؤساء، ومكرهم: احتيالهم في الدين، وكيدهم لنوح، وتحريش الناس على أذاه، وصد الناس عن الميل إليه، { مكرا كبارا } عظيما في الغاية، وهو أكبر من " الكبار " بالتخفيف، وقرىء به، والكبار: أكبر من الكبير، وقرىء شاذا بالكسر جمع كبير. { وقالوا لا تذرن آلهتكم } أي: لا تتركوا عبادتها على العموم إلى عبادة رب نوح، { ولا تذرن ودا } بفتح الواو، وضمها لغتان: صنم على صورة رجل، { ولا سواعا } صنم على صورة امرأة، { ولا يغوث } صنم على صورة أسد، { ويعوق } صنم على صورة فرس، وهما لا ينصرفان للتعريف ووزن الفعل إن كانا عربيين، والتعريف والعجمة إن كانا عجميين، { ونسرا } صنم على صورة النسر، وخصوا بالذكر مع اندراجهم فيما سبق لأنها كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم، وقد انتقلت هذه الأصنام عنهم إلى العرب، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير. وقيل: هي أسماء رجال صالحين، كان الناس يقتدون بهم، بين آدم ونوح عليهما السلام، وقيل: أولاد آدم، فلما ماتوا، قال إبليس لمن بعدهم: لو صورتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم، وتتبركون بهم، ففعلوا، فلما مات أولئك، قال لمن بعدهم: إنهم كانوا يعبدونهم، فعبدوهم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: أول ما عبد من الأصنام في زمن مهلائل بن غينان بن أنوش بن شيت بن آدم عليه السلام، وذلك لما مات آدم جعله بنو شيت في مغارة بأرض الهند، في جبل سرنديب، لموضع يسمى نوره، وهو أخصب جبل في الأرض، ثم كانوا يزورونه، ويترحمون عليه، ويعطمونه، فلما قتل قابيل أخاه هابيل نفوه من الأرض، فكان بمعزل عنهم هو وبنوه، فجاء الشيطان في صورة رجل ناصح، فقال لهم: إن بني شيت يتبركون بآدم، وأنتم لا تلحقونه، فانحتوا صورته، وتبركوا بها، ففعلوا، ثم كان لشيت ولد صالح، اسمه يغوث، فتوفي، فكانوا يتبركون بقبره، فنحت أولاد قابيل على صورة يغوث صورة أخرى، ثم يعوق، ثم ود، ثم سواع، ثم نسر، كلهم من أولاد شيت قوم صالحون، كانوا يتبركون بهم في المحيا والممات، ولم يكن لأولاد قابيل سبيل إليهم، فنحتوا صورهم، وصاروا يعظمونها، ويتبركون بها مثلهم، فلما طال بهم الزمان صاروا يعبدونهم دون الله، إلى أن بعث الله نوح عليه السلام فنهاهم عنها، فلم ينتهوا، فلما أهلك الله الأرض ومن عليها بالطوفان، قذف الطوفان تلك الأصنام إلى أرض جدة وما والاها من مكة، وأخفتها الرمال هناك. قال الكلبي: وكان عمرو بن لحي كاهنا، يكنى أبا تمامة وكان يتراءى له الجن، فتراءى له يوما جني، وقال له: عجل أبا تمامة بالسعد والسلامة إلى صف جدة، واستخرج ما فيها من الأصنام، وأوردها ماء تهامة، ولا تسأم ولا تهب، وادع العرب إلى عبادتها تجب، فأتى عمرو بن لحي ساحل جدة، حيث وصف له الجني، واستخرج الأصنام في خفية عنهم، وأرودها ماء تهامة، فلما حضر الحج، واجتمع الناس إلى الموسم، دعا الناس إلى عبادتها، فأجابته العرب قاطبة، وأول من أجابته بنو عوف بن عزرة، فدفع لهم ودا، فنصبوه بواد القرى بدومة الجندل، ولم يزل عندهم إلى الإسلام، فكسره خالد بن الوليد، لما بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك لهدم دومة الجندل فحالت بينه وبينها العرب فقاتلهم وكسر صنمهم. قال: الكلبي: قلت لمالك بن الحارث: صف لي ودا، وكان قد رآها مرارا، قال: تمثال رجل أعظم ما يكون من الرجال، مؤتزر بحلة، مرتد بأخرى، مقلدا سيفا، راكبا فرسا، وفي يده حربة فيها لواء، ومعه قوس، ونبل في جعبة. ه. ثم دفع عمرو لمضر سواعا، فعكفت على عبادته مع هذيل، ثم فرق تلك الأصنام على القبائل على حسب ما تقدم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عمرو بن لحي ليلة أسري بي رجلا أحمر، قصيرا أزرق، وهو يجر قصبه في النار، لأنه أول من بحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام، وغير دين إسماعيل " ، وهو من خزاعة، كان يسكن مكة، فولد بها أولادا فكثروا، فنفوا من كان منها من العماليق. انظر اللباب. ثم قال تعالى: { وقد أضلوا } أي: الرؤساء، أو: الأصنام، كقوله: إنهن أضللن كثيرا من الناس [إبراهيم:36] { كثيرا } أي: خلقا كثيرا، { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } ، قال المحشي: وقد يقال: إن هذه الجملة مسببة عما قبلها فحقها الفاء، لكن تركت لمكان الاستئناف،أي: البياني، كأنه قال: فما تريد بهذا القول؟ فقال: ولا تزد الظالمين. ه. ووضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالظلم المفرط، وتعليل الدعاء عليهم به. والمراد بالضلال: الهلاك، كقوله: إن المجرمين في ضلال وسعر [القمر:47]. { مما خطيئاتهم } أي: من أجل خطيئاتهم. " وما " مزيدة للتوكيد والتفخيم، { أغرقوا } بالطوفان. وتقديم " مما " لبيان أن إغراقهم ودخولهم النار، إنما كان لأجل خطاياهم، لا لسبب آخر، { فأدخلوا نارا } عظيمة، والمراد: إما عذاب القبر لأنه عقب الإغراق، أو حين كانوا في الماء، فقد روي أنهم كانوا يغرقون من جانب، ويحرقون من جانب. أو: عذاب جهنم، والتعقيب لقربه باعتبار تحقق وقوعه. وتنكير " النار " إما لتعظيمها وتهويلها، أو لأنه تعالى أعد لهم نوعا من العذاب على حسب خطيئاته، { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله، وفيه تعريض بعدم نفع آلهتهم، وعدم قدرتهم على نصرهم. قيل: كان قوم نوح أهل وسع في الزرق، فطغوا، وكانوا يؤذون نوحا، ويحرشون عليه ويضربونه، حتى ربما يغشى عليه، فإذا أفاق قال: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ". كما في الحديث. { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } أي: أحدا يدور في الأرض، وهو " فيعال " من الدور، وهو من الأسماء المستعلمة في النفي العام، يقالك ما بالديار ديار وديور، كقيام وقيوم، أي: أحد، وأصله: ديوار، ففعل به ما فعل بسيد. { إنك إن تذرهم } ولا تهلكهم { يضلوا عبادك } عن طريق الحق، يدعوهم إلى الضلال، { ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } أي: إلا من إذا بلغ جحد وكفر، وإنما قال ذلك لاستحكام علمه بما يكون منهم ومن أعقابهم، بعدما خبرهم واستقرأ أحوالهم قريبا من ألف سنة، أو: يكون بعد إخباره تعالى له بقوله: أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن [هود:36]. { رب اغفر لي ولوالدي } وكانا مسلمين، واسم أبيه: لمك بن متوشلح، واسم أمه: شمخاء بنت أنوش، وقيل: المراد: آدم وحواء. قال ابن عباس: لم يكفر بنوح والد بينه وبين آدم عليه السلام، وقرىء: " ولولدي " يريد ساما وحاما، { ولمن دخل بيتي } أي: منزلي، أو مسجدي، أو سفينتي { مؤمنا } ، ولعله قد علم أن من دخل بيته مؤمنا لا يعد إلى الكفر، وبهذا القيد خرجت امرأته وابنه كنعان، ولم يجزم عليه السلام بخروجه إلا بعدما قيل له: إنه ليس من أهلك [هود:46]، { وللمؤمنين والمؤمنات } إلى يوم القيامة. خص أولا من يتصل به لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عمم، { ولا تزد الظالمين } أي: الكافرين { إلا تبارا } إهلاكا. قال ابن عباس رضي الله عنه: دعا نوح عليه السلام بدعوتين، إحداهما: للمؤمنين بالمغفرة، وأخرى على الكفارين بالتبار، فاستجيب على الكافرين، فاستحال ألا تجاب دعوته في حق المؤمنين. واختلف في صبيانهم: هل أغرقوا؟ فقيل: أعقم الله أرحام نسائهم قبل الطوفان بأربعين سنة، فلم يكن منهم صبي حين أغرقوا، وقيل: أهلك أطفالهم بغير عذاب، ثم أغرق كبارهم، وقيل: غرقوا معهم كما غرق سائر الحيوانات، وهو المشهور لأن المصيبة تعم، ثم يبعثون على نياتهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: وقال نوح الروح، أي: شكت الروح إلى ربها، وقالت: إن النفس وجنودها عصوني، واتبعوا حال المنهمكين في الدنيا، الفانين في أموالهم وأولادهم، فلم يزدهم ذلك إلا خسارا، ومكروا بي، حيث راموا مني الميل إليهم، مكرا كبارا، وقالوا: لا تذرن آلهتكم من الدنانير والدراهم، ولا تذرن ود الدنيا ومحبتها، ولا سواع الهوى والحظوظ، ولا يغوث الرياسة والجاه، ولا يعوق العلائق والشواغل، ولا طيور الهواجس والخواطر، يعني: لا تستعملوا ما يخرجكم عن هذه الأشياء، من خرق العوائد، والزهد، والورع، بل أقيموا على تنمية دنياكم، وتوفير هواكم، وقد أضلوا كثيرا ممن يقتدي بهم. وقالت أيضا: لا تزد الظالمين من هؤلاء إلا ضلالا هلاكها وانقطاعا. مما خطيئاتهم أغرقوا في بحر الدنيا، فأدخلوا نار القطيعة، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا، وقال نوح الروح أيضا: لا تذر على أرض البشرية من الكافرين من القواطع التي تقطعني عن السير بظلمتها ديارا ممن يدور بها، ويقوي حسها، إنك إن تذرهم يدورون بها ويقطعونها عن السير، ويضلوا عبادك عن الوصول إليك، ولا يلدوا منها إلا خاطرا فاجرا كفارا. رب اغفر لي، خطاب من الروح ودعاء، ولوالدي من العقل الكلي، والنفس الكلي، وهو الروح الأعظم، ولمن دخل بيتي، أي: تمسك بطريقتي، ودخل في زمرتي، ولأرواح المؤمنين والمؤمنات، ولا تزد الظالين الخارجين عن طريقتي إلا تبارا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

نوح 71:27

يقول الحق جل جلاله: { قال نوح رب } أي: يارب { إنهم عصوني } أي: داموا على عصياني فيما أمرتهم، مع ما بلغت في إرشادهم بالعظة والتذكير، ولما كان عصيانهم مستبعدا لكونه منكرا فظيعا لأن طاعة الرسول واجبة، فأصروا على عصيانه، وعاملوه بأقبح الأحوال والأفعال، أكد الجملة بإن، { واتبعوا } أي: اتبع فقراؤهم { من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } ، وهم رؤساؤهم، أي: استمروا على اتباع رؤسائهم، الذين أبطرتهم أموالهم، وغرتهم أولادهم، وصار ذلك سببا لزيادة خسارهم في الآخرة، فصاروا أسوة لهم في الخسران. وفي وصفهم بذلك إشعار بأنهم إنما ابتعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأموال والأولاد، لما شاهدوا فيهم من شبهة مصححة للاتباع في الجملة. ومن قرأ بسكون اللام فجمع ولد، كأسد، وأسد. { ومكروا }: عطف على صلة " من " ، والجمع باعتبار معناه، كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار لفظها، والماكرون هم الرؤساء، ومكرهم: احتيالهم في الدين، وكيدهم لنوح، وتحريش الناس على أذاه، وصد الناس عن الميل إليه، { مكرا كبارا } عظيما في الغاية، وهو أكبر من " الكبار " بالتخفيف، وقرىء به، والكبار: أكبر من الكبير، وقرىء شاذا بالكسر جمع كبير. { وقالوا لا تذرن آلهتكم } أي: لا تتركوا عبادتها على العموم إلى عبادة رب نوح، { ولا تذرن ودا } بفتح الواو، وضمها لغتان: صنم على صورة رجل، { ولا سواعا } صنم على صورة امرأة، { ولا يغوث } صنم على صورة أسد، { ويعوق } صنم على صورة فرس، وهما لا ينصرفان للتعريف ووزن الفعل إن كانا عربيين، والتعريف والعجمة إن كانا عجميين، { ونسرا } صنم على صورة النسر، وخصوا بالذكر مع اندراجهم فيما سبق لأنها كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم، وقد انتقلت هذه الأصنام عنهم إلى العرب، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير. وقيل: هي أسماء رجال صالحين، كان الناس يقتدون بهم، بين آدم ونوح عليهما السلام، وقيل: أولاد آدم، فلما ماتوا، قال إبليس لمن بعدهم: لو صورتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم، وتتبركون بهم، ففعلوا، فلما مات أولئك، قال لمن بعدهم: إنهم كانوا يعبدونهم، فعبدوهم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: أول ما عبد من الأصنام في زمن مهلائل بن غينان بن أنوش بن شيت بن آدم عليه السلام، وذلك لما مات آدم جعله بنو شيت في مغارة بأرض الهند، في جبل سرنديب، لموضع يسمى نوره، وهو أخصب جبل في الأرض، ثم كانوا يزورونه، ويترحمون عليه، ويعطمونه، فلما قتل قابيل أخاه هابيل نفوه من الأرض، فكان بمعزل عنهم هو وبنوه، فجاء الشيطان في صورة رجل ناصح، فقال لهم: إن بني شيت يتبركون بآدم، وأنتم لا تلحقونه، فانحتوا صورته، وتبركوا بها، ففعلوا، ثم كان لشيت ولد صالح، اسمه يغوث، فتوفي، فكانوا يتبركون بقبره، فنحت أولاد قابيل على صورة يغوث صورة أخرى، ثم يعوق، ثم ود، ثم سواع، ثم نسر، كلهم من أولاد شيت قوم صالحون، كانوا يتبركون بهم في المحيا والممات، ولم يكن لأولاد قابيل سبيل إليهم، فنحتوا صورهم، وصاروا يعظمونها، ويتبركون بها مثلهم، فلما طال بهم الزمان صاروا يعبدونهم دون الله، إلى أن بعث الله نوح عليه السلام فنهاهم عنها، فلم ينتهوا، فلما أهلك الله الأرض ومن عليها بالطوفان، قذف الطوفان تلك الأصنام إلى أرض جدة وما والاها من مكة، وأخفتها الرمال هناك. قال الكلبي: وكان عمرو بن لحي كاهنا، يكنى أبا تمامة وكان يتراءى له الجن، فتراءى له يوما جني، وقال له: عجل أبا تمامة بالسعد والسلامة إلى صف جدة، واستخرج ما فيها من الأصنام، وأوردها ماء تهامة، ولا تسأم ولا تهب، وادع العرب إلى عبادتها تجب، فأتى عمرو بن لحي ساحل جدة، حيث وصف له الجني، واستخرج الأصنام في خفية عنهم، وأرودها ماء تهامة، فلما حضر الحج، واجتمع الناس إلى الموسم، دعا الناس إلى عبادتها، فأجابته العرب قاطبة، وأول من أجابته بنو عوف بن عزرة، فدفع لهم ودا، فنصبوه بواد القرى بدومة الجندل، ولم يزل عندهم إلى الإسلام، فكسره خالد بن الوليد، لما بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك لهدم دومة الجندل فحالت بينه وبينها العرب فقاتلهم وكسر صنمهم. قال: الكلبي: قلت لمالك بن الحارث: صف لي ودا، وكان قد رآها مرارا، قال: تمثال رجل أعظم ما يكون من الرجال، مؤتزر بحلة، مرتد بأخرى، مقلدا سيفا، راكبا فرسا، وفي يده حربة فيها لواء، ومعه قوس، ونبل في جعبة. ه. ثم دفع عمرو لمضر سواعا، فعكفت على عبادته مع هذيل، ثم فرق تلك الأصنام على القبائل على حسب ما تقدم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عمرو بن لحي ليلة أسري بي رجلا أحمر، قصيرا أزرق، وهو يجر قصبه في النار، لأنه أول من بحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام، وغير دين إسماعيل " ، وهو من خزاعة، كان يسكن مكة، فولد بها أولادا فكثروا، فنفوا من كان منها من العماليق. انظر اللباب. ثم قال تعالى: { وقد أضلوا } أي: الرؤساء، أو: الأصنام، كقوله: إنهن أضللن كثيرا من الناس [إبراهيم:36] { كثيرا } أي: خلقا كثيرا، { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } ، قال المحشي: وقد يقال: إن هذه الجملة مسببة عما قبلها فحقها الفاء، لكن تركت لمكان الاستئناف،أي: البياني، كأنه قال: فما تريد بهذا القول؟ فقال: ولا تزد الظالمين. ه. ووضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالظلم المفرط، وتعليل الدعاء عليهم به. والمراد بالضلال: الهلاك، كقوله: إن المجرمين في ضلال وسعر [القمر:47]. { مما خطيئاتهم } أي: من أجل خطيئاتهم. " وما " مزيدة للتوكيد والتفخيم، { أغرقوا } بالطوفان. وتقديم " مما " لبيان أن إغراقهم ودخولهم النار، إنما كان لأجل خطاياهم، لا لسبب آخر، { فأدخلوا نارا } عظيمة، والمراد: إما عذاب القبر لأنه عقب الإغراق، أو حين كانوا في الماء، فقد روي أنهم كانوا يغرقون من جانب، ويحرقون من جانب. أو: عذاب جهنم، والتعقيب لقربه باعتبار تحقق وقوعه. وتنكير " النار " إما لتعظيمها وتهويلها، أو لأنه تعالى أعد لهم نوعا من العذاب على حسب خطيئاته، { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله، وفيه تعريض بعدم نفع آلهتهم، وعدم قدرتهم على نصرهم. قيل: كان قوم نوح أهل وسع في الزرق، فطغوا، وكانوا يؤذون نوحا، ويحرشون عليه ويضربونه، حتى ربما يغشى عليه، فإذا أفاق قال: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ". كما في الحديث. { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } أي: أحدا يدور في الأرض، وهو " فيعال " من الدور، وهو من الأسماء المستعلمة في النفي العام، يقالك ما بالديار ديار وديور، كقيام وقيوم، أي: أحد، وأصله: ديوار، ففعل به ما فعل بسيد. { إنك إن تذرهم } ولا تهلكهم { يضلوا عبادك } عن طريق الحق، يدعوهم إلى الضلال، { ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } أي: إلا من إذا بلغ جحد وكفر، وإنما قال ذلك لاستحكام علمه بما يكون منهم ومن أعقابهم، بعدما خبرهم واستقرأ أحوالهم قريبا من ألف سنة، أو: يكون بعد إخباره تعالى له بقوله: أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن [هود:36]. { رب اغفر لي ولوالدي } وكانا مسلمين، واسم أبيه: لمك بن متوشلح، واسم أمه: شمخاء بنت أنوش، وقيل: المراد: آدم وحواء. قال ابن عباس: لم يكفر بنوح والد بينه وبين آدم عليه السلام، وقرىء: " ولولدي " يريد ساما وحاما، { ولمن دخل بيتي } أي: منزلي، أو مسجدي، أو سفينتي { مؤمنا } ، ولعله قد علم أن من دخل بيته مؤمنا لا يعد إلى الكفر، وبهذا القيد خرجت امرأته وابنه كنعان، ولم يجزم عليه السلام بخروجه إلا بعدما قيل له: إنه ليس من أهلك [هود:46]، { وللمؤمنين والمؤمنات } إلى يوم القيامة. خص أولا من يتصل به لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عمم، { ولا تزد الظالمين } أي: الكافرين { إلا تبارا } إهلاكا. قال ابن عباس رضي الله عنه: دعا نوح عليه السلام بدعوتين، إحداهما: للمؤمنين بالمغفرة، وأخرى على الكفارين بالتبار، فاستجيب على الكافرين، فاستحال ألا تجاب دعوته في حق المؤمنين. واختلف في صبيانهم: هل أغرقوا؟ فقيل: أعقم الله أرحام نسائهم قبل الطوفان بأربعين سنة، فلم يكن منهم صبي حين أغرقوا، وقيل: أهلك أطفالهم بغير عذاب، ثم أغرق كبارهم، وقيل: غرقوا معهم كما غرق سائر الحيوانات، وهو المشهور لأن المصيبة تعم، ثم يبعثون على نياتهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: وقال نوح الروح، أي: شكت الروح إلى ربها، وقالت: إن النفس وجنودها عصوني، واتبعوا حال المنهمكين في الدنيا، الفانين في أموالهم وأولادهم، فلم يزدهم ذلك إلا خسارا، ومكروا بي، حيث راموا مني الميل إليهم، مكرا كبارا، وقالوا: لا تذرن آلهتكم من الدنانير والدراهم، ولا تذرن ود الدنيا ومحبتها، ولا سواع الهوى والحظوظ، ولا يغوث الرياسة والجاه، ولا يعوق العلائق والشواغل، ولا طيور الهواجس والخواطر، يعني: لا تستعملوا ما يخرجكم عن هذه الأشياء، من خرق العوائد، والزهد، والورع، بل أقيموا على تنمية دنياكم، وتوفير هواكم، وقد أضلوا كثيرا ممن يقتدي بهم. وقالت أيضا: لا تزد الظالمين من هؤلاء إلا ضلالا هلاكها وانقطاعا. مما خطيئاتهم أغرقوا في بحر الدنيا، فأدخلوا نار القطيعة، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا، وقال نوح الروح أيضا: لا تذر على أرض البشرية من الكافرين من القواطع التي تقطعني عن السير بظلمتها ديارا ممن يدور بها، ويقوي حسها، إنك إن تذرهم يدورون بها ويقطعونها عن السير، ويضلوا عبادك عن الوصول إليك، ولا يلدوا منها إلا خاطرا فاجرا كفارا. رب اغفر لي، خطاب من الروح ودعاء، ولوالدي من العقل الكلي، والنفس الكلي، وهو الروح الأعظم، ولمن دخل بيتي، أي: تمسك بطريقتي، ودخل في زمرتي، ولأرواح المؤمنين والمؤمنات، ولا تزد الظالين الخارجين عن طريقتي إلا تبارا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

نوح 71:28

يقول الحق جل جلاله: { قال نوح رب } أي: يارب { إنهم عصوني } أي: داموا على عصياني فيما أمرتهم، مع ما بلغت في إرشادهم بالعظة والتذكير، ولما كان عصيانهم مستبعدا لكونه منكرا فظيعا لأن طاعة الرسول واجبة، فأصروا على عصيانه، وعاملوه بأقبح الأحوال والأفعال، أكد الجملة بإن، { واتبعوا } أي: اتبع فقراؤهم { من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } ، وهم رؤساؤهم، أي: استمروا على اتباع رؤسائهم، الذين أبطرتهم أموالهم، وغرتهم أولادهم، وصار ذلك سببا لزيادة خسارهم في الآخرة، فصاروا أسوة لهم في الخسران. وفي وصفهم بذلك إشعار بأنهم إنما ابتعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأموال والأولاد، لما شاهدوا فيهم من شبهة مصححة للاتباع في الجملة. ومن قرأ بسكون اللام فجمع ولد، كأسد، وأسد. { ومكروا }: عطف على صلة " من " ، والجمع باعتبار معناه، كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار لفظها، والماكرون هم الرؤساء، ومكرهم: احتيالهم في الدين، وكيدهم لنوح، وتحريش الناس على أذاه، وصد الناس عن الميل إليه، { مكرا كبارا } عظيما في الغاية، وهو أكبر من " الكبار " بالتخفيف، وقرىء به، والكبار: أكبر من الكبير، وقرىء شاذا بالكسر جمع كبير. { وقالوا لا تذرن آلهتكم } أي: لا تتركوا عبادتها على العموم إلى عبادة رب نوح، { ولا تذرن ودا } بفتح الواو، وضمها لغتان: صنم على صورة رجل، { ولا سواعا } صنم على صورة امرأة، { ولا يغوث } صنم على صورة أسد، { ويعوق } صنم على صورة فرس، وهما لا ينصرفان للتعريف ووزن الفعل إن كانا عربيين، والتعريف والعجمة إن كانا عجميين، { ونسرا } صنم على صورة النسر، وخصوا بالذكر مع اندراجهم فيما سبق لأنها كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم، وقد انتقلت هذه الأصنام عنهم إلى العرب، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير. وقيل: هي أسماء رجال صالحين، كان الناس يقتدون بهم، بين آدم ونوح عليهما السلام، وقيل: أولاد آدم، فلما ماتوا، قال إبليس لمن بعدهم: لو صورتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم، وتتبركون بهم، ففعلوا، فلما مات أولئك، قال لمن بعدهم: إنهم كانوا يعبدونهم، فعبدوهم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: أول ما عبد من الأصنام في زمن مهلائل بن غينان بن أنوش بن شيت بن آدم عليه السلام، وذلك لما مات آدم جعله بنو شيت في مغارة بأرض الهند، في جبل سرنديب، لموضع يسمى نوره، وهو أخصب جبل في الأرض، ثم كانوا يزورونه، ويترحمون عليه، ويعطمونه، فلما قتل قابيل أخاه هابيل نفوه من الأرض، فكان بمعزل عنهم هو وبنوه، فجاء الشيطان في صورة رجل ناصح، فقال لهم: إن بني شيت يتبركون بآدم، وأنتم لا تلحقونه، فانحتوا صورته، وتبركوا بها، ففعلوا، ثم كان لشيت ولد صالح، اسمه يغوث، فتوفي، فكانوا يتبركون بقبره، فنحت أولاد قابيل على صورة يغوث صورة أخرى، ثم يعوق، ثم ود، ثم سواع، ثم نسر، كلهم من أولاد شيت قوم صالحون، كانوا يتبركون بهم في المحيا والممات، ولم يكن لأولاد قابيل سبيل إليهم، فنحتوا صورهم، وصاروا يعظمونها، ويتبركون بها مثلهم، فلما طال بهم الزمان صاروا يعبدونهم دون الله، إلى أن بعث الله نوح عليه السلام فنهاهم عنها، فلم ينتهوا، فلما أهلك الله الأرض ومن عليها بالطوفان، قذف الطوفان تلك الأصنام إلى أرض جدة وما والاها من مكة، وأخفتها الرمال هناك. قال الكلبي: وكان عمرو بن لحي كاهنا، يكنى أبا تمامة وكان يتراءى له الجن، فتراءى له يوما جني، وقال له: عجل أبا تمامة بالسعد والسلامة إلى صف جدة، واستخرج ما فيها من الأصنام، وأوردها ماء تهامة، ولا تسأم ولا تهب، وادع العرب إلى عبادتها تجب، فأتى عمرو بن لحي ساحل جدة، حيث وصف له الجني، واستخرج الأصنام في خفية عنهم، وأرودها ماء تهامة، فلما حضر الحج، واجتمع الناس إلى الموسم، دعا الناس إلى عبادتها، فأجابته العرب قاطبة، وأول من أجابته بنو عوف بن عزرة، فدفع لهم ودا، فنصبوه بواد القرى بدومة الجندل، ولم يزل عندهم إلى الإسلام، فكسره خالد بن الوليد، لما بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك لهدم دومة الجندل فحالت بينه وبينها العرب فقاتلهم وكسر صنمهم. قال: الكلبي: قلت لمالك بن الحارث: صف لي ودا، وكان قد رآها مرارا، قال: تمثال رجل أعظم ما يكون من الرجال، مؤتزر بحلة، مرتد بأخرى، مقلدا سيفا، راكبا فرسا، وفي يده حربة فيها لواء، ومعه قوس، ونبل في جعبة. ه. ثم دفع عمرو لمضر سواعا، فعكفت على عبادته مع هذيل، ثم فرق تلك الأصنام على القبائل على حسب ما تقدم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عمرو بن لحي ليلة أسري بي رجلا أحمر، قصيرا أزرق، وهو يجر قصبه في النار، لأنه أول من بحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام، وغير دين إسماعيل " ، وهو من خزاعة، كان يسكن مكة، فولد بها أولادا فكثروا، فنفوا من كان منها من العماليق. انظر اللباب. ثم قال تعالى: { وقد أضلوا } أي: الرؤساء، أو: الأصنام، كقوله: إنهن أضللن كثيرا من الناس [إبراهيم:36] { كثيرا } أي: خلقا كثيرا، { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } ، قال المحشي: وقد يقال: إن هذه الجملة مسببة عما قبلها فحقها الفاء، لكن تركت لمكان الاستئناف،أي: البياني، كأنه قال: فما تريد بهذا القول؟ فقال: ولا تزد الظالمين. ه. ووضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالظلم المفرط، وتعليل الدعاء عليهم به. والمراد بالضلال: الهلاك، كقوله: إن المجرمين في ضلال وسعر [القمر:47]. { مما خطيئاتهم } أي: من أجل خطيئاتهم. " وما " مزيدة للتوكيد والتفخيم، { أغرقوا } بالطوفان. وتقديم " مما " لبيان أن إغراقهم ودخولهم النار، إنما كان لأجل خطاياهم، لا لسبب آخر، { فأدخلوا نارا } عظيمة، والمراد: إما عذاب القبر لأنه عقب الإغراق، أو حين كانوا في الماء، فقد روي أنهم كانوا يغرقون من جانب، ويحرقون من جانب. أو: عذاب جهنم، والتعقيب لقربه باعتبار تحقق وقوعه. وتنكير " النار " إما لتعظيمها وتهويلها، أو لأنه تعالى أعد لهم نوعا من العذاب على حسب خطيئاته، { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله، وفيه تعريض بعدم نفع آلهتهم، وعدم قدرتهم على نصرهم. قيل: كان قوم نوح أهل وسع في الزرق، فطغوا، وكانوا يؤذون نوحا، ويحرشون عليه ويضربونه، حتى ربما يغشى عليه، فإذا أفاق قال: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ". كما في الحديث. { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } أي: أحدا يدور في الأرض، وهو " فيعال " من الدور، وهو من الأسماء المستعلمة في النفي العام، يقالك ما بالديار ديار وديور، كقيام وقيوم، أي: أحد، وأصله: ديوار، ففعل به ما فعل بسيد. { إنك إن تذرهم } ولا تهلكهم { يضلوا عبادك } عن طريق الحق، يدعوهم إلى الضلال، { ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } أي: إلا من إذا بلغ جحد وكفر، وإنما قال ذلك لاستحكام علمه بما يكون منهم ومن أعقابهم، بعدما خبرهم واستقرأ أحوالهم قريبا من ألف سنة، أو: يكون بعد إخباره تعالى له بقوله: أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن [هود:36]. { رب اغفر لي ولوالدي } وكانا مسلمين، واسم أبيه: لمك بن متوشلح، واسم أمه: شمخاء بنت أنوش، وقيل: المراد: آدم وحواء. قال ابن عباس: لم يكفر بنوح والد بينه وبين آدم عليه السلام، وقرىء: " ولولدي " يريد ساما وحاما، { ولمن دخل بيتي } أي: منزلي، أو مسجدي، أو سفينتي { مؤمنا } ، ولعله قد علم أن من دخل بيته مؤمنا لا يعد إلى الكفر، وبهذا القيد خرجت امرأته وابنه كنعان، ولم يجزم عليه السلام بخروجه إلا بعدما قيل له: إنه ليس من أهلك [هود:46]، { وللمؤمنين والمؤمنات } إلى يوم القيامة. خص أولا من يتصل به لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عمم، { ولا تزد الظالمين } أي: الكافرين { إلا تبارا } إهلاكا. قال ابن عباس رضي الله عنه: دعا نوح عليه السلام بدعوتين، إحداهما: للمؤمنين بالمغفرة، وأخرى على الكفارين بالتبار، فاستجيب على الكافرين، فاستحال ألا تجاب دعوته في حق المؤمنين. واختلف في صبيانهم: هل أغرقوا؟ فقيل: أعقم الله أرحام نسائهم قبل الطوفان بأربعين سنة، فلم يكن منهم صبي حين أغرقوا، وقيل: أهلك أطفالهم بغير عذاب، ثم أغرق كبارهم، وقيل: غرقوا معهم كما غرق سائر الحيوانات، وهو المشهور لأن المصيبة تعم، ثم يبعثون على نياتهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: وقال نوح الروح، أي: شكت الروح إلى ربها، وقالت: إن النفس وجنودها عصوني، واتبعوا حال المنهمكين في الدنيا، الفانين في أموالهم وأولادهم، فلم يزدهم ذلك إلا خسارا، ومكروا بي، حيث راموا مني الميل إليهم، مكرا كبارا، وقالوا: لا تذرن آلهتكم من الدنانير والدراهم، ولا تذرن ود الدنيا ومحبتها، ولا سواع الهوى والحظوظ، ولا يغوث الرياسة والجاه، ولا يعوق العلائق والشواغل، ولا طيور الهواجس والخواطر، يعني: لا تستعملوا ما يخرجكم عن هذه الأشياء، من خرق العوائد، والزهد، والورع، بل أقيموا على تنمية دنياكم، وتوفير هواكم، وقد أضلوا كثيرا ممن يقتدي بهم. وقالت أيضا: لا تزد الظالمين من هؤلاء إلا ضلالا هلاكها وانقطاعا. مما خطيئاتهم أغرقوا في بحر الدنيا، فأدخلوا نار القطيعة، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا، وقال نوح الروح أيضا: لا تذر على أرض البشرية من الكافرين من القواطع التي تقطعني عن السير بظلمتها ديارا ممن يدور بها، ويقوي حسها، إنك إن تذرهم يدورون بها ويقطعونها عن السير، ويضلوا عبادك عن الوصول إليك، ولا يلدوا منها إلا خاطرا فاجرا كفارا. رب اغفر لي، خطاب من الروح ودعاء، ولوالدي من العقل الكلي، والنفس الكلي، وهو الروح الأعظم، ولمن دخل بيتي، أي: تمسك بطريقتي، ودخل في زمرتي، ولأرواح المؤمنين والمؤمنات، ولا تزد الظالين الخارجين عن طريقتي إلا تبارا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.

الجن 72:1

قلت: قد أجمعوا على فتح أنه لأنه نائب فاعل " أوحى " ، و وألو استقاموا [الجن:16] و وأن المساجد [الجن:18] للعطف على { أنه استمع } ف " أن " مخففة، و أن قد أبلغوا [الجن:28] لتعدي " يعلم " إليها، وكسر ما بعد فاء الجزاء، وبعد القول، نحو: فإن له نار جهنم [الجن:23] و { قالوا إنا سمعنا } لأنه مبتدأ محكي بعد القول. واختلفوا في فتح الهمزة وكسرها من { أنه تعالى جد ربنا } إلى: { وأنا منا المسلمون } ، ففتحها الشامي والكوفي [غير] أبي بكر عطفا على { أنه استمع } ، أو على محل الجار والمجرور في { آمنا به } تقديره: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا { وأنه كان يقول سفيهنا... } إلى آخره، وكسرها غيرهم عطفا على { إنا سمعنا } ، وهم يقفون على آخر الآيات. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد لأمتك: { أوحي إلي أنه استمع } أي: الأمر والشأن استمع للقرأن { نفر من الجن } ، وهم جن نصيبين، كما تقدم في الأحقاف، وكانوا متمسكين باليهودية. والنفر ما بين الثلاثة والعشرة. والجن عاقلة خفية، يغلب عليهم الناري والهوائية، وقيل: روح من الأرواح المجردة. وفيه دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم لم يشعر بهم وباستماعهم، ولم يقرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته، فسمعوها، فأخبره الله تعالى بذلك، فهذه غير الحكاية التي حضر معهم، ودعاهم، وقرأ عليهم سورة الرحمن، كما في حديث ابن مسعود. { فقالوا } أي: المستمعون حين رجعوا إلى قومهم: { إنا سمعنا قرآنا } كتابا { عجبا } بديعا، مباينا لكلام الناس في حسن النظم ورقة المعنى. والعجب: ما يكون خارجا عن العادة، وهو مصدر وصف به للمبالغة. { يهدي إلى الرشد } إلى الحق والصواب، { فآمنا به } أي: بذلك القرآن، ولما كان الإيمان به إيمانا بالله وتوحيده، وبراءة من الشرك، قالوا: { ولن نشرك بربنا أحدا } من خلقه، حسبما نطق به ما فيه من دلائل التوحيد، ويجوز أن يكون الضمير في " به " لله تعالى لأن قوله: بربنا يفسره. { وأنه تعالى جد ربنا } أي: ارتفع أو تنزه عظمة ربنا، أو سلطانه أو غناه، يقال: جد فلان في عيني إذا عظم ومنه قول عمر: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد في عيننا، أي: عظم في عيوننا، { ما اتخذ صاحبة } زوجة { ولا ولدا } كما يقول كفار الجن والإنس، والمعنى: وصفوه بالاستغناء عن الصاحبة والولد لعظمته وسلطانه، أو لغناه، وقرىء " جدا " على التمييز، أي: أنه تعالى ربنا جدا، وقرىء بكسر الجيم أي: تنزه صدق ربوبيته، وحق إلهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد، وذلك أنهم لما سمعوا القرآن، واهتدوا للتوحيد والإيمان، تنبهوا للخطأ فيما اعتقده كفرة الجن من تشبيهه تعالى بخلقه في اتخاذ الصاحبة والولد فاستعظموه ونزهوه تعالى عنه. { وأنه كان يقول سفيهنا } أي: جاهلنا من مردة الجن، أو إبليس إذ ليس فوقه سفيه، { على الله شططا } أي: قولا ذا شطط أي: بعد وجور، وهو الكفر لبعده عن الصواب، من: شطت الدار: بعدت، أو: قولا مجاوزا للحد، بعيدا عن القصد، أو هو شطط في نفسه لفرط بعده عن الحق، وهو نسبة الصاحبة والولد لله تعالى. والشطط: مجاوزة الحد في الظلم وغيره. { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا } أي: قولا كذبا أو مكذوبا فيه، أي: كان في ظننا أن أحدا لن يكذب على الله بنسبة الصاحبة والولد، فكنا نصدقهم فيما أضافوا إليه حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم. { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } ، كان الرجل من العرب إذا نزل بواد قفر وخاف على نفسه، يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد الجن وكبيرهم، فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الإنس والجن، وذلك قوله تعالى: { فزادوهم } زاد الإنس والجن باستعاذتهم بهم { رهقا }: طغيانا وسفها وتكبرا وعتوا، أو: فزاد الجن والإنس رهقا: إثما وغيا بأن أضلوهم، حتى استعاذوا بهم. { وأنهم } أي: الجن { ظنوا كما ظننتم } يا أهل مكة { أن لن يبعث الله أحدا } بعد الموت، أي: إن الجن كانوا ينكرون البعث كإنكاركم يا معشر الكفرة، ثم بسماع القرآن اهتدوا، وأقروا بالبعث، فهلا أقررتم كما أقروا؟! أو: ظنوا ألن يبعث الله رسولا من الإنس. وبالله التوفيق. الإشارة: كما كانت تسمع الجن من الرسول صلى الله عليه وسلم وتأخذ عنه، كذلك تسمع من خلفائه من الأولياء والعلماء الأتقياء فهي تحضر مجالس الذكر والتذكير والعلم، على حسب ما يطلب كل واحد منهم، وقد حدثني بعض أصحابنا أنه بات في موضع خال، فأتاه رجلان من الجن وتحدثا معه، وأخبره أنهما من الجن نازلان مع قومهما في ذلك الموضع، وقالا له: إنا لنحضر مجلس شيخكما أي: مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه ونسمع منه. ه. ففيهم الأولياء والعلماء، والقراء، وسائر الطرائق، كما يأتي في قوله: { طرائق قددا }. وقال الورتجبي: خلق الله بعض أوليائه من الجن، لهم أرواح ملكوتية، وأجسام روحانية، وهم إخواننا في المعرفة، يطيعون الله ورسوله، ويحبون أولياءه، ويستنون بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ويسمعون القرآن، ويفهمون معناه، وبعضهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا كلام الحق منه شفاها، وخضعوا له إذعانا، واستبشروا بروح الله، وروح قضائه استبشارا. ه. قلت: ومعرفة الآدمي أكمل لاعتدال بشريته وروحانيته، والجن الغالب عليه الانحراف للطافة بشريته واحتراقها. وقوله تعالى: { يهدي إلى الرشد } ، قال الجنيد: يهدي إلى الوصول إلى الله، وهو الرشد. ه. وقال الورتجبي: يهدي إلى معدن الرشد، وهو الذات القديم. ه. وقوله تعالى: { وأنه تعالى جد ربنا... } الخ، أي: تنزهت عظمة ربنا الأزلية، عن اتخاذ الصاحبة والولد، إنما اتخاذ الصاحبة والولد من شأن عالم الحكمة، سترا لأسرار القدرة، فافهم. وقال الجنيد: ارتفع شأنه عن أن يتخذ صاحبة أو ولدا. ه. والشطط الذي يقوله السفيه الجاهل هو وجود السوي مع الحق تعالى، وهو أيضا الكذب الذين ظنت الجن أن لن يقال على الله، ولذلك قال الشاعر: مذ عرفت الإله لم أر غيرا وكذا الغير عندنا ممنوع وقال بعض العارفين: لو كلفت أن أشهد غيره لم أستطيع، فإنه لا شيء معه حتى أشهده. ه. وكل من استعاذ بغير الله فهو ضال مضل، وكل من أنكر النشأة الأخرى فهو تالف ملحد. ثم ذكر امتناعهم من استراق السمع، فقال: { وأنا لمسنا السمآء فوجدناها }.

الجن 72:2

قلت: قد أجمعوا على فتح أنه لأنه نائب فاعل " أوحى " ، و وألو استقاموا [الجن:16] و وأن المساجد [الجن:18] للعطف على { أنه استمع } ف " أن " مخففة، و أن قد أبلغوا [الجن:28] لتعدي " يعلم " إليها، وكسر ما بعد فاء الجزاء، وبعد القول، نحو: فإن له نار جهنم [الجن:23] و { قالوا إنا سمعنا } لأنه مبتدأ محكي بعد القول. واختلفوا في فتح الهمزة وكسرها من { أنه تعالى جد ربنا } إلى: { وأنا منا المسلمون } ، ففتحها الشامي والكوفي [غير] أبي بكر عطفا على { أنه استمع } ، أو على محل الجار والمجرور في { آمنا به } تقديره: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا { وأنه كان يقول سفيهنا... } إلى آخره، وكسرها غيرهم عطفا على { إنا سمعنا } ، وهم يقفون على آخر الآيات. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد لأمتك: { أوحي إلي أنه استمع } أي: الأمر والشأن استمع للقرأن { نفر من الجن } ، وهم جن نصيبين، كما تقدم في الأحقاف، وكانوا متمسكين باليهودية. والنفر ما بين الثلاثة والعشرة. والجن عاقلة خفية، يغلب عليهم الناري والهوائية، وقيل: روح من الأرواح المجردة. وفيه دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم لم يشعر بهم وباستماعهم، ولم يقرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته، فسمعوها، فأخبره الله تعالى بذلك، فهذه غير الحكاية التي حضر معهم، ودعاهم، وقرأ عليهم سورة الرحمن، كما في حديث ابن مسعود. { فقالوا } أي: المستمعون حين رجعوا إلى قومهم: { إنا سمعنا قرآنا } كتابا { عجبا } بديعا، مباينا لكلام الناس في حسن النظم ورقة المعنى. والعجب: ما يكون خارجا عن العادة، وهو مصدر وصف به للمبالغة. { يهدي إلى الرشد } إلى الحق والصواب، { فآمنا به } أي: بذلك القرآن، ولما كان الإيمان به إيمانا بالله وتوحيده، وبراءة من الشرك، قالوا: { ولن نشرك بربنا أحدا } من خلقه، حسبما نطق به ما فيه من دلائل التوحيد، ويجوز أن يكون الضمير في " به " لله تعالى لأن قوله: بربنا يفسره. { وأنه تعالى جد ربنا } أي: ارتفع أو تنزه عظمة ربنا، أو سلطانه أو غناه، يقال: جد فلان في عيني إذا عظم ومنه قول عمر: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد في عيننا، أي: عظم في عيوننا، { ما اتخذ صاحبة } زوجة { ولا ولدا } كما يقول كفار الجن والإنس، والمعنى: وصفوه بالاستغناء عن الصاحبة والولد لعظمته وسلطانه، أو لغناه، وقرىء " جدا " على التمييز، أي: أنه تعالى ربنا جدا، وقرىء بكسر الجيم أي: تنزه صدق ربوبيته، وحق إلهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد، وذلك أنهم لما سمعوا القرآن، واهتدوا للتوحيد والإيمان، تنبهوا للخطأ فيما اعتقده كفرة الجن من تشبيهه تعالى بخلقه في اتخاذ الصاحبة والولد فاستعظموه ونزهوه تعالى عنه. { وأنه كان يقول سفيهنا } أي: جاهلنا من مردة الجن، أو إبليس إذ ليس فوقه سفيه، { على الله شططا } أي: قولا ذا شطط أي: بعد وجور، وهو الكفر لبعده عن الصواب، من: شطت الدار: بعدت، أو: قولا مجاوزا للحد، بعيدا عن القصد، أو هو شطط في نفسه لفرط بعده عن الحق، وهو نسبة الصاحبة والولد لله تعالى. والشطط: مجاوزة الحد في الظلم وغيره. { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا } أي: قولا كذبا أو مكذوبا فيه، أي: كان في ظننا أن أحدا لن يكذب على الله بنسبة الصاحبة والولد، فكنا نصدقهم فيما أضافوا إليه حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم. { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } ، كان الرجل من العرب إذا نزل بواد قفر وخاف على نفسه، يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد الجن وكبيرهم، فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الإنس والجن، وذلك قوله تعالى: { فزادوهم } زاد الإنس والجن باستعاذتهم بهم { رهقا }: طغيانا وسفها وتكبرا وعتوا، أو: فزاد الجن والإنس رهقا: إثما وغيا بأن أضلوهم، حتى استعاذوا بهم. { وأنهم } أي: الجن { ظنوا كما ظننتم } يا أهل مكة { أن لن يبعث الله أحدا } بعد الموت، أي: إن الجن كانوا ينكرون البعث كإنكاركم يا معشر الكفرة، ثم بسماع القرآن اهتدوا، وأقروا بالبعث، فهلا أقررتم كما أقروا؟! أو: ظنوا ألن يبعث الله رسولا من الإنس. وبالله التوفيق. الإشارة: كما كانت تسمع الجن من الرسول صلى الله عليه وسلم وتأخذ عنه، كذلك تسمع من خلفائه من الأولياء والعلماء الأتقياء فهي تحضر مجالس الذكر والتذكير والعلم، على حسب ما يطلب كل واحد منهم، وقد حدثني بعض أصحابنا أنه بات في موضع خال، فأتاه رجلان من الجن وتحدثا معه، وأخبره أنهما من الجن نازلان مع قومهما في ذلك الموضع، وقالا له: إنا لنحضر مجلس شيخكما أي: مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه ونسمع منه. ه. ففيهم الأولياء والعلماء، والقراء، وسائر الطرائق، كما يأتي في قوله: { طرائق قددا }. وقال الورتجبي: خلق الله بعض أوليائه من الجن، لهم أرواح ملكوتية، وأجسام روحانية، وهم إخواننا في المعرفة، يطيعون الله ورسوله، ويحبون أولياءه، ويستنون بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ويسمعون القرآن، ويفهمون معناه، وبعضهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا كلام الحق منه شفاها، وخضعوا له إذعانا، واستبشروا بروح الله، وروح قضائه استبشارا. ه. قلت: ومعرفة الآدمي أكمل لاعتدال بشريته وروحانيته، والجن الغالب عليه الانحراف للطافة بشريته واحتراقها. وقوله تعالى: { يهدي إلى الرشد } ، قال الجنيد: يهدي إلى الوصول إلى الله، وهو الرشد. ه. وقال الورتجبي: يهدي إلى معدن الرشد، وهو الذات القديم. ه. وقوله تعالى: { وأنه تعالى جد ربنا... } الخ، أي: تنزهت عظمة ربنا الأزلية، عن اتخاذ الصاحبة والولد، إنما اتخاذ الصاحبة والولد من شأن عالم الحكمة، سترا لأسرار القدرة، فافهم. وقال الجنيد: ارتفع شأنه عن أن يتخذ صاحبة أو ولدا. ه. والشطط الذي يقوله السفيه الجاهل هو وجود السوي مع الحق تعالى، وهو أيضا الكذب الذين ظنت الجن أن لن يقال على الله، ولذلك قال الشاعر: مذ عرفت الإله لم أر غيرا وكذا الغير عندنا ممنوع وقال بعض العارفين: لو كلفت أن أشهد غيره لم أستطيع، فإنه لا شيء معه حتى أشهده. ه. وكل من استعاذ بغير الله فهو ضال مضل، وكل من أنكر النشأة الأخرى فهو تالف ملحد. ثم ذكر امتناعهم من استراق السمع، فقال: { وأنا لمسنا السمآء فوجدناها }.

الجن 72:3

قلت: قد أجمعوا على فتح أنه لأنه نائب فاعل " أوحى " ، و وألو استقاموا [الجن:16] و وأن المساجد [الجن:18] للعطف على { أنه استمع } ف " أن " مخففة، و أن قد أبلغوا [الجن:28] لتعدي " يعلم " إليها، وكسر ما بعد فاء الجزاء، وبعد القول، نحو: فإن له نار جهنم [الجن:23] و { قالوا إنا سمعنا } لأنه مبتدأ محكي بعد القول. واختلفوا في فتح الهمزة وكسرها من { أنه تعالى جد ربنا } إلى: { وأنا منا المسلمون } ، ففتحها الشامي والكوفي [غير] أبي بكر عطفا على { أنه استمع } ، أو على محل الجار والمجرور في { آمنا به } تقديره: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا { وأنه كان يقول سفيهنا... } إلى آخره، وكسرها غيرهم عطفا على { إنا سمعنا } ، وهم يقفون على آخر الآيات. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد لأمتك: { أوحي إلي أنه استمع } أي: الأمر والشأن استمع للقرأن { نفر من الجن } ، وهم جن نصيبين، كما تقدم في الأحقاف، وكانوا متمسكين باليهودية. والنفر ما بين الثلاثة والعشرة. والجن عاقلة خفية، يغلب عليهم الناري والهوائية، وقيل: روح من الأرواح المجردة. وفيه دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم لم يشعر بهم وباستماعهم، ولم يقرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته، فسمعوها، فأخبره الله تعالى بذلك، فهذه غير الحكاية التي حضر معهم، ودعاهم، وقرأ عليهم سورة الرحمن، كما في حديث ابن مسعود. { فقالوا } أي: المستمعون حين رجعوا إلى قومهم: { إنا سمعنا قرآنا } كتابا { عجبا } بديعا، مباينا لكلام الناس في حسن النظم ورقة المعنى. والعجب: ما يكون خارجا عن العادة، وهو مصدر وصف به للمبالغة. { يهدي إلى الرشد } إلى الحق والصواب، { فآمنا به } أي: بذلك القرآن، ولما كان الإيمان به إيمانا بالله وتوحيده، وبراءة من الشرك، قالوا: { ولن نشرك بربنا أحدا } من خلقه، حسبما نطق به ما فيه من دلائل التوحيد، ويجوز أن يكون الضمير في " به " لله تعالى لأن قوله: بربنا يفسره. { وأنه تعالى جد ربنا } أي: ارتفع أو تنزه عظمة ربنا، أو سلطانه أو غناه، يقال: جد فلان في عيني إذا عظم ومنه قول عمر: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد في عيننا، أي: عظم في عيوننا، { ما اتخذ صاحبة } زوجة { ولا ولدا } كما يقول كفار الجن والإنس، والمعنى: وصفوه بالاستغناء عن الصاحبة والولد لعظمته وسلطانه، أو لغناه، وقرىء " جدا " على التمييز، أي: أنه تعالى ربنا جدا، وقرىء بكسر الجيم أي: تنزه صدق ربوبيته، وحق إلهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد، وذلك أنهم لما سمعوا القرآن، واهتدوا للتوحيد والإيمان، تنبهوا للخطأ فيما اعتقده كفرة الجن من تشبيهه تعالى بخلقه في اتخاذ الصاحبة والولد فاستعظموه ونزهوه تعالى عنه. { وأنه كان يقول سفيهنا } أي: جاهلنا من مردة الجن، أو إبليس إذ ليس فوقه سفيه، { على الله شططا } أي: قولا ذا شطط أي: بعد وجور، وهو الكفر لبعده عن الصواب، من: شطت الدار: بعدت، أو: قولا مجاوزا للحد، بعيدا عن القصد، أو هو شطط في نفسه لفرط بعده عن الحق، وهو نسبة الصاحبة والولد لله تعالى. والشطط: مجاوزة الحد في الظلم وغيره. { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا } أي: قولا كذبا أو مكذوبا فيه، أي: كان في ظننا أن أحدا لن يكذب على الله بنسبة الصاحبة والولد، فكنا نصدقهم فيما أضافوا إليه حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم. { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } ، كان الرجل من العرب إذا نزل بواد قفر وخاف على نفسه، يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد الجن وكبيرهم، فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الإنس والجن، وذلك قوله تعالى: { فزادوهم } زاد الإنس والجن باستعاذتهم بهم { رهقا }: طغيانا وسفها وتكبرا وعتوا، أو: فزاد الجن والإنس رهقا: إثما وغيا بأن أضلوهم، حتى استعاذوا بهم. { وأنهم } أي: الجن { ظنوا كما ظننتم } يا أهل مكة { أن لن يبعث الله أحدا } بعد الموت، أي: إن الجن كانوا ينكرون البعث كإنكاركم يا معشر الكفرة، ثم بسماع القرآن اهتدوا، وأقروا بالبعث، فهلا أقررتم كما أقروا؟! أو: ظنوا ألن يبعث الله رسولا من الإنس. وبالله التوفيق. الإشارة: كما كانت تسمع الجن من الرسول صلى الله عليه وسلم وتأخذ عنه، كذلك تسمع من خلفائه من الأولياء والعلماء الأتقياء فهي تحضر مجالس الذكر والتذكير والعلم، على حسب ما يطلب كل واحد منهم، وقد حدثني بعض أصحابنا أنه بات في موضع خال، فأتاه رجلان من الجن وتحدثا معه، وأخبره أنهما من الجن نازلان مع قومهما في ذلك الموضع، وقالا له: إنا لنحضر مجلس شيخكما أي: مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه ونسمع منه. ه. ففيهم الأولياء والعلماء، والقراء، وسائر الطرائق، كما يأتي في قوله: { طرائق قددا }. وقال الورتجبي: خلق الله بعض أوليائه من الجن، لهم أرواح ملكوتية، وأجسام روحانية، وهم إخواننا في المعرفة، يطيعون الله ورسوله، ويحبون أولياءه، ويستنون بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ويسمعون القرآن، ويفهمون معناه، وبعضهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا كلام الحق منه شفاها، وخضعوا له إذعانا، واستبشروا بروح الله، وروح قضائه استبشارا. ه. قلت: ومعرفة الآدمي أكمل لاعتدال بشريته وروحانيته، والجن الغالب عليه الانحراف للطافة بشريته واحتراقها. وقوله تعالى: { يهدي إلى الرشد } ، قال الجنيد: يهدي إلى الوصول إلى الله، وهو الرشد. ه. وقال الورتجبي: يهدي إلى معدن الرشد، وهو الذات القديم. ه. وقوله تعالى: { وأنه تعالى جد ربنا... } الخ، أي: تنزهت عظمة ربنا الأزلية، عن اتخاذ الصاحبة والولد، إنما اتخاذ الصاحبة والولد من شأن عالم الحكمة، سترا لأسرار القدرة، فافهم. وقال الجنيد: ارتفع شأنه عن أن يتخذ صاحبة أو ولدا. ه. والشطط الذي يقوله السفيه الجاهل هو وجود السوي مع الحق تعالى، وهو أيضا الكذب الذين ظنت الجن أن لن يقال على الله، ولذلك قال الشاعر: مذ عرفت الإله لم أر غيرا وكذا الغير عندنا ممنوع وقال بعض العارفين: لو كلفت أن أشهد غيره لم أستطيع، فإنه لا شيء معه حتى أشهده. ه. وكل من استعاذ بغير الله فهو ضال مضل، وكل من أنكر النشأة الأخرى فهو تالف ملحد. ثم ذكر امتناعهم من استراق السمع، فقال: { وأنا لمسنا السمآء فوجدناها }.

الجن 72:4

قلت: قد أجمعوا على فتح أنه لأنه نائب فاعل " أوحى " ، و وألو استقاموا [الجن:16] و وأن المساجد [الجن:18] للعطف على { أنه استمع } ف " أن " مخففة، و أن قد أبلغوا [الجن:28] لتعدي " يعلم " إليها، وكسر ما بعد فاء الجزاء، وبعد القول، نحو: فإن له نار جهنم [الجن:23] و { قالوا إنا سمعنا } لأنه مبتدأ محكي بعد القول. واختلفوا في فتح الهمزة وكسرها من { أنه تعالى جد ربنا } إلى: { وأنا منا المسلمون } ، ففتحها الشامي والكوفي [غير] أبي بكر عطفا على { أنه استمع } ، أو على محل الجار والمجرور في { آمنا به } تقديره: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا { وأنه كان يقول سفيهنا... } إلى آخره، وكسرها غيرهم عطفا على { إنا سمعنا } ، وهم يقفون على آخر الآيات. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد لأمتك: { أوحي إلي أنه استمع } أي: الأمر والشأن استمع للقرأن { نفر من الجن } ، وهم جن نصيبين، كما تقدم في الأحقاف، وكانوا متمسكين باليهودية. والنفر ما بين الثلاثة والعشرة. والجن عاقلة خفية، يغلب عليهم الناري والهوائية، وقيل: روح من الأرواح المجردة. وفيه دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم لم يشعر بهم وباستماعهم، ولم يقرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته، فسمعوها، فأخبره الله تعالى بذلك، فهذه غير الحكاية التي حضر معهم، ودعاهم، وقرأ عليهم سورة الرحمن، كما في حديث ابن مسعود. { فقالوا } أي: المستمعون حين رجعوا إلى قومهم: { إنا سمعنا قرآنا } كتابا { عجبا } بديعا، مباينا لكلام الناس في حسن النظم ورقة المعنى. والعجب: ما يكون خارجا عن العادة، وهو مصدر وصف به للمبالغة. { يهدي إلى الرشد } إلى الحق والصواب، { فآمنا به } أي: بذلك القرآن، ولما كان الإيمان به إيمانا بالله وتوحيده، وبراءة من الشرك، قالوا: { ولن نشرك بربنا أحدا } من خلقه، حسبما نطق به ما فيه من دلائل التوحيد، ويجوز أن يكون الضمير في " به " لله تعالى لأن قوله: بربنا يفسره. { وأنه تعالى جد ربنا } أي: ارتفع أو تنزه عظمة ربنا، أو سلطانه أو غناه، يقال: جد فلان في عيني إذا عظم ومنه قول عمر: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد في عيننا، أي: عظم في عيوننا، { ما اتخذ صاحبة } زوجة { ولا ولدا } كما يقول كفار الجن والإنس، والمعنى: وصفوه بالاستغناء عن الصاحبة والولد لعظمته وسلطانه، أو لغناه، وقرىء " جدا " على التمييز، أي: أنه تعالى ربنا جدا، وقرىء بكسر الجيم أي: تنزه صدق ربوبيته، وحق إلهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد، وذلك أنهم لما سمعوا القرآن، واهتدوا للتوحيد والإيمان، تنبهوا للخطأ فيما اعتقده كفرة الجن من تشبيهه تعالى بخلقه في اتخاذ الصاحبة والولد فاستعظموه ونزهوه تعالى عنه. { وأنه كان يقول سفيهنا } أي: جاهلنا من مردة الجن، أو إبليس إذ ليس فوقه سفيه، { على الله شططا } أي: قولا ذا شطط أي: بعد وجور، وهو الكفر لبعده عن الصواب، من: شطت الدار: بعدت، أو: قولا مجاوزا للحد، بعيدا عن القصد، أو هو شطط في نفسه لفرط بعده عن الحق، وهو نسبة الصاحبة والولد لله تعالى. والشطط: مجاوزة الحد في الظلم وغيره. { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا } أي: قولا كذبا أو مكذوبا فيه، أي: كان في ظننا أن أحدا لن يكذب على الله بنسبة الصاحبة والولد، فكنا نصدقهم فيما أضافوا إليه حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم. { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } ، كان الرجل من العرب إذا نزل بواد قفر وخاف على نفسه، يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد الجن وكبيرهم، فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الإنس والجن، وذلك قوله تعالى: { فزادوهم } زاد الإنس والجن باستعاذتهم بهم { رهقا }: طغيانا وسفها وتكبرا وعتوا، أو: فزاد الجن والإنس رهقا: إثما وغيا بأن أضلوهم، حتى استعاذوا بهم. { وأنهم } أي: الجن { ظنوا كما ظننتم } يا أهل مكة { أن لن يبعث الله أحدا } بعد الموت، أي: إن الجن كانوا ينكرون البعث كإنكاركم يا معشر الكفرة، ثم بسماع القرآن اهتدوا، وأقروا بالبعث، فهلا أقررتم كما أقروا؟! أو: ظنوا ألن يبعث الله رسولا من الإنس. وبالله التوفيق. الإشارة: كما كانت تسمع الجن من الرسول صلى الله عليه وسلم وتأخذ عنه، كذلك تسمع من خلفائه من الأولياء والعلماء الأتقياء فهي تحضر مجالس الذكر والتذكير والعلم، على حسب ما يطلب كل واحد منهم، وقد حدثني بعض أصحابنا أنه بات في موضع خال، فأتاه رجلان من الجن وتحدثا معه، وأخبره أنهما من الجن نازلان مع قومهما في ذلك الموضع، وقالا له: إنا لنحضر مجلس شيخكما أي: مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه ونسمع منه. ه. ففيهم الأولياء والعلماء، والقراء، وسائر الطرائق، كما يأتي في قوله: { طرائق قددا }. وقال الورتجبي: خلق الله بعض أوليائه من الجن، لهم أرواح ملكوتية، وأجسام روحانية، وهم إخواننا في المعرفة، يطيعون الله ورسوله، ويحبون أولياءه، ويستنون بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ويسمعون القرآن، ويفهمون معناه، وبعضهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا كلام الحق منه شفاها، وخضعوا له إذعانا، واستبشروا بروح الله، وروح قضائه استبشارا. ه. قلت: ومعرفة الآدمي أكمل لاعتدال بشريته وروحانيته، والجن الغالب عليه الانحراف للطافة بشريته واحتراقها. وقوله تعالى: { يهدي إلى الرشد } ، قال الجنيد: يهدي إلى الوصول إلى الله، وهو الرشد. ه. وقال الورتجبي: يهدي إلى معدن الرشد، وهو الذات القديم. ه. وقوله تعالى: { وأنه تعالى جد ربنا... } الخ، أي: تنزهت عظمة ربنا الأزلية، عن اتخاذ الصاحبة والولد، إنما اتخاذ الصاحبة والولد من شأن عالم الحكمة، سترا لأسرار القدرة، فافهم. وقال الجنيد: ارتفع شأنه عن أن يتخذ صاحبة أو ولدا. ه. والشطط الذي يقوله السفيه الجاهل هو وجود السوي مع الحق تعالى، وهو أيضا الكذب الذين ظنت الجن أن لن يقال على الله، ولذلك قال الشاعر: مذ عرفت الإله لم أر غيرا وكذا الغير عندنا ممنوع وقال بعض العارفين: لو كلفت أن أشهد غيره لم أستطيع، فإنه لا شيء معه حتى أشهده. ه. وكل من استعاذ بغير الله فهو ضال مضل، وكل من أنكر النشأة الأخرى فهو تالف ملحد. ثم ذكر امتناعهم من استراق السمع، فقال: { وأنا لمسنا السمآء فوجدناها }.

الجن 72:5

قلت: قد أجمعوا على فتح أنه لأنه نائب فاعل " أوحى " ، و وألو استقاموا [الجن:16] و وأن المساجد [الجن:18] للعطف على { أنه استمع } ف " أن " مخففة، و أن قد أبلغوا [الجن:28] لتعدي " يعلم " إليها، وكسر ما بعد فاء الجزاء، وبعد القول، نحو: فإن له نار جهنم [الجن:23] و { قالوا إنا سمعنا } لأنه مبتدأ محكي بعد القول. واختلفوا في فتح الهمزة وكسرها من { أنه تعالى جد ربنا } إلى: { وأنا منا المسلمون } ، ففتحها الشامي والكوفي [غير] أبي بكر عطفا على { أنه استمع } ، أو على محل الجار والمجرور في { آمنا به } تقديره: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا { وأنه كان يقول سفيهنا... } إلى آخره، وكسرها غيرهم عطفا على { إنا سمعنا } ، وهم يقفون على آخر الآيات. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد لأمتك: { أوحي إلي أنه استمع } أي: الأمر والشأن استمع للقرأن { نفر من الجن } ، وهم جن نصيبين، كما تقدم في الأحقاف، وكانوا متمسكين باليهودية. والنفر ما بين الثلاثة والعشرة. والجن عاقلة خفية، يغلب عليهم الناري والهوائية، وقيل: روح من الأرواح المجردة. وفيه دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم لم يشعر بهم وباستماعهم، ولم يقرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته، فسمعوها، فأخبره الله تعالى بذلك، فهذه غير الحكاية التي حضر معهم، ودعاهم، وقرأ عليهم سورة الرحمن، كما في حديث ابن مسعود. { فقالوا } أي: المستمعون حين رجعوا إلى قومهم: { إنا سمعنا قرآنا } كتابا { عجبا } بديعا، مباينا لكلام الناس في حسن النظم ورقة المعنى. والعجب: ما يكون خارجا عن العادة، وهو مصدر وصف به للمبالغة. { يهدي إلى الرشد } إلى الحق والصواب، { فآمنا به } أي: بذلك القرآن، ولما كان الإيمان به إيمانا بالله وتوحيده، وبراءة من الشرك، قالوا: { ولن نشرك بربنا أحدا } من خلقه، حسبما نطق به ما فيه من دلائل التوحيد، ويجوز أن يكون الضمير في " به " لله تعالى لأن قوله: بربنا يفسره. { وأنه تعالى جد ربنا } أي: ارتفع أو تنزه عظمة ربنا، أو سلطانه أو غناه، يقال: جد فلان في عيني إذا عظم ومنه قول عمر: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد في عيننا، أي: عظم في عيوننا، { ما اتخذ صاحبة } زوجة { ولا ولدا } كما يقول كفار الجن والإنس، والمعنى: وصفوه بالاستغناء عن الصاحبة والولد لعظمته وسلطانه، أو لغناه، وقرىء " جدا " على التمييز، أي: أنه تعالى ربنا جدا، وقرىء بكسر الجيم أي: تنزه صدق ربوبيته، وحق إلهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد، وذلك أنهم لما سمعوا القرآن، واهتدوا للتوحيد والإيمان، تنبهوا للخطأ فيما اعتقده كفرة الجن من تشبيهه تعالى بخلقه في اتخاذ الصاحبة والولد فاستعظموه ونزهوه تعالى عنه. { وأنه كان يقول سفيهنا } أي: جاهلنا من مردة الجن، أو إبليس إذ ليس فوقه سفيه، { على الله شططا } أي: قولا ذا شطط أي: بعد وجور، وهو الكفر لبعده عن الصواب، من: شطت الدار: بعدت، أو: قولا مجاوزا للحد، بعيدا عن القصد، أو هو شطط في نفسه لفرط بعده عن الحق، وهو نسبة الصاحبة والولد لله تعالى. والشطط: مجاوزة الحد في الظلم وغيره. { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا } أي: قولا كذبا أو مكذوبا فيه، أي: كان في ظننا أن أحدا لن يكذب على الله بنسبة الصاحبة والولد، فكنا نصدقهم فيما أضافوا إليه حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم. { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } ، كان الرجل من العرب إذا نزل بواد قفر وخاف على نفسه، يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد الجن وكبيرهم، فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الإنس والجن، وذلك قوله تعالى: { فزادوهم } زاد الإنس والجن باستعاذتهم بهم { رهقا }: طغيانا وسفها وتكبرا وعتوا، أو: فزاد الجن والإنس رهقا: إثما وغيا بأن أضلوهم، حتى استعاذوا بهم. { وأنهم } أي: الجن { ظنوا كما ظننتم } يا أهل مكة { أن لن يبعث الله أحدا } بعد الموت، أي: إن الجن كانوا ينكرون البعث كإنكاركم يا معشر الكفرة، ثم بسماع القرآن اهتدوا، وأقروا بالبعث، فهلا أقررتم كما أقروا؟! أو: ظنوا ألن يبعث الله رسولا من الإنس. وبالله التوفيق. الإشارة: كما كانت تسمع الجن من الرسول صلى الله عليه وسلم وتأخذ عنه، كذلك تسمع من خلفائه من الأولياء والعلماء الأتقياء فهي تحضر مجالس الذكر والتذكير والعلم، على حسب ما يطلب كل واحد منهم، وقد حدثني بعض أصحابنا أنه بات في موضع خال، فأتاه رجلان من الجن وتحدثا معه، وأخبره أنهما من الجن نازلان مع قومهما في ذلك الموضع، وقالا له: إنا لنحضر مجلس شيخكما أي: مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه ونسمع منه. ه. ففيهم الأولياء والعلماء، والقراء، وسائر الطرائق، كما يأتي في قوله: { طرائق قددا }. وقال الورتجبي: خلق الله بعض أوليائه من الجن، لهم أرواح ملكوتية، وأجسام روحانية، وهم إخواننا في المعرفة، يطيعون الله ورسوله، ويحبون أولياءه، ويستنون بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ويسمعون القرآن، ويفهمون معناه، وبعضهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا كلام الحق منه شفاها، وخضعوا له إذعانا، واستبشروا بروح الله، وروح قضائه استبشارا. ه. قلت: ومعرفة الآدمي أكمل لاعتدال بشريته وروحانيته، والجن الغالب عليه الانحراف للطافة بشريته واحتراقها. وقوله تعالى: { يهدي إلى الرشد } ، قال الجنيد: يهدي إلى الوصول إلى الله، وهو الرشد. ه. وقال الورتجبي: يهدي إلى معدن الرشد، وهو الذات القديم. ه. وقوله تعالى: { وأنه تعالى جد ربنا... } الخ، أي: تنزهت عظمة ربنا الأزلية، عن اتخاذ الصاحبة والولد، إنما اتخاذ الصاحبة والولد من شأن عالم الحكمة، سترا لأسرار القدرة، فافهم. وقال الجنيد: ارتفع شأنه عن أن يتخذ صاحبة أو ولدا. ه. والشطط الذي يقوله السفيه الجاهل هو وجود السوي مع الحق تعالى، وهو أيضا الكذب الذين ظنت الجن أن لن يقال على الله، ولذلك قال الشاعر: مذ عرفت الإله لم أر غيرا وكذا الغير عندنا ممنوع وقال بعض العارفين: لو كلفت أن أشهد غيره لم أستطيع، فإنه لا شيء معه حتى أشهده. ه. وكل من استعاذ بغير الله فهو ضال مضل، وكل من أنكر النشأة الأخرى فهو تالف ملحد. ثم ذكر امتناعهم من استراق السمع، فقال: { وأنا لمسنا السمآء فوجدناها }.

الجن 72:6

قلت: قد أجمعوا على فتح أنه لأنه نائب فاعل " أوحى " ، و وألو استقاموا [الجن:16] و وأن المساجد [الجن:18] للعطف على { أنه استمع } ف " أن " مخففة، و أن قد أبلغوا [الجن:28] لتعدي " يعلم " إليها، وكسر ما بعد فاء الجزاء، وبعد القول، نحو: فإن له نار جهنم [الجن:23] و { قالوا إنا سمعنا } لأنه مبتدأ محكي بعد القول. واختلفوا في فتح الهمزة وكسرها من { أنه تعالى جد ربنا } إلى: { وأنا منا المسلمون } ، ففتحها الشامي والكوفي [غير] أبي بكر عطفا على { أنه استمع } ، أو على محل الجار والمجرور في { آمنا به } تقديره: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا { وأنه كان يقول سفيهنا... } إلى آخره، وكسرها غيرهم عطفا على { إنا سمعنا } ، وهم يقفون على آخر الآيات. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد لأمتك: { أوحي إلي أنه استمع } أي: الأمر والشأن استمع للقرأن { نفر من الجن } ، وهم جن نصيبين، كما تقدم في الأحقاف، وكانوا متمسكين باليهودية. والنفر ما بين الثلاثة والعشرة. والجن عاقلة خفية، يغلب عليهم الناري والهوائية، وقيل: روح من الأرواح المجردة. وفيه دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم لم يشعر بهم وباستماعهم، ولم يقرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته، فسمعوها، فأخبره الله تعالى بذلك، فهذه غير الحكاية التي حضر معهم، ودعاهم، وقرأ عليهم سورة الرحمن، كما في حديث ابن مسعود. { فقالوا } أي: المستمعون حين رجعوا إلى قومهم: { إنا سمعنا قرآنا } كتابا { عجبا } بديعا، مباينا لكلام الناس في حسن النظم ورقة المعنى. والعجب: ما يكون خارجا عن العادة، وهو مصدر وصف به للمبالغة. { يهدي إلى الرشد } إلى الحق والصواب، { فآمنا به } أي: بذلك القرآن، ولما كان الإيمان به إيمانا بالله وتوحيده، وبراءة من الشرك، قالوا: { ولن نشرك بربنا أحدا } من خلقه، حسبما نطق به ما فيه من دلائل التوحيد، ويجوز أن يكون الضمير في " به " لله تعالى لأن قوله: بربنا يفسره. { وأنه تعالى جد ربنا } أي: ارتفع أو تنزه عظمة ربنا، أو سلطانه أو غناه، يقال: جد فلان في عيني إذا عظم ومنه قول عمر: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد في عيننا، أي: عظم في عيوننا، { ما اتخذ صاحبة } زوجة { ولا ولدا } كما يقول كفار الجن والإنس، والمعنى: وصفوه بالاستغناء عن الصاحبة والولد لعظمته وسلطانه، أو لغناه، وقرىء " جدا " على التمييز، أي: أنه تعالى ربنا جدا، وقرىء بكسر الجيم أي: تنزه صدق ربوبيته، وحق إلهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد، وذلك أنهم لما سمعوا القرآن، واهتدوا للتوحيد والإيمان، تنبهوا للخطأ فيما اعتقده كفرة الجن من تشبيهه تعالى بخلقه في اتخاذ الصاحبة والولد فاستعظموه ونزهوه تعالى عنه. { وأنه كان يقول سفيهنا } أي: جاهلنا من مردة الجن، أو إبليس إذ ليس فوقه سفيه، { على الله شططا } أي: قولا ذا شطط أي: بعد وجور، وهو الكفر لبعده عن الصواب، من: شطت الدار: بعدت، أو: قولا مجاوزا للحد، بعيدا عن القصد، أو هو شطط في نفسه لفرط بعده عن الحق، وهو نسبة الصاحبة والولد لله تعالى. والشطط: مجاوزة الحد في الظلم وغيره. { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا } أي: قولا كذبا أو مكذوبا فيه، أي: كان في ظننا أن أحدا لن يكذب على الله بنسبة الصاحبة والولد، فكنا نصدقهم فيما أضافوا إليه حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم. { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } ، كان الرجل من العرب إذا نزل بواد قفر وخاف على نفسه، يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد الجن وكبيرهم، فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الإنس والجن، وذلك قوله تعالى: { فزادوهم } زاد الإنس والجن باستعاذتهم بهم { رهقا }: طغيانا وسفها وتكبرا وعتوا، أو: فزاد الجن والإنس رهقا: إثما وغيا بأن أضلوهم، حتى استعاذوا بهم. { وأنهم } أي: الجن { ظنوا كما ظننتم } يا أهل مكة { أن لن يبعث الله أحدا } بعد الموت، أي: إن الجن كانوا ينكرون البعث كإنكاركم يا معشر الكفرة، ثم بسماع القرآن اهتدوا، وأقروا بالبعث، فهلا أقررتم كما أقروا؟! أو: ظنوا ألن يبعث الله رسولا من الإنس. وبالله التوفيق. الإشارة: كما كانت تسمع الجن من الرسول صلى الله عليه وسلم وتأخذ عنه، كذلك تسمع من خلفائه من الأولياء والعلماء الأتقياء فهي تحضر مجالس الذكر والتذكير والعلم، على حسب ما يطلب كل واحد منهم، وقد حدثني بعض أصحابنا أنه بات في موضع خال، فأتاه رجلان من الجن وتحدثا معه، وأخبره أنهما من الجن نازلان مع قومهما في ذلك الموضع، وقالا له: إنا لنحضر مجلس شيخكما أي: مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه ونسمع منه. ه. ففيهم الأولياء والعلماء، والقراء، وسائر الطرائق، كما يأتي في قوله: { طرائق قددا }. وقال الورتجبي: خلق الله بعض أوليائه من الجن، لهم أرواح ملكوتية، وأجسام روحانية، وهم إخواننا في المعرفة، يطيعون الله ورسوله، ويحبون أولياءه، ويستنون بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ويسمعون القرآن، ويفهمون معناه، وبعضهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا كلام الحق منه شفاها، وخضعوا له إذعانا، واستبشروا بروح الله، وروح قضائه استبشارا. ه. قلت: ومعرفة الآدمي أكمل لاعتدال بشريته وروحانيته، والجن الغالب عليه الانحراف للطافة بشريته واحتراقها. وقوله تعالى: { يهدي إلى الرشد } ، قال الجنيد: يهدي إلى الوصول إلى الله، وهو الرشد. ه. وقال الورتجبي: يهدي إلى معدن الرشد، وهو الذات القديم. ه. وقوله تعالى: { وأنه تعالى جد ربنا... } الخ، أي: تنزهت عظمة ربنا الأزلية، عن اتخاذ الصاحبة والولد، إنما اتخاذ الصاحبة والولد من شأن عالم الحكمة، سترا لأسرار القدرة، فافهم. وقال الجنيد: ارتفع شأنه عن أن يتخذ صاحبة أو ولدا. ه. والشطط الذي يقوله السفيه الجاهل هو وجود السوي مع الحق تعالى، وهو أيضا الكذب الذين ظنت الجن أن لن يقال على الله، ولذلك قال الشاعر: مذ عرفت الإله لم أر غيرا وكذا الغير عندنا ممنوع وقال بعض العارفين: لو كلفت أن أشهد غيره لم أستطيع، فإنه لا شيء معه حتى أشهده. ه. وكل من استعاذ بغير الله فهو ضال مضل، وكل من أنكر النشأة الأخرى فهو تالف ملحد. ثم ذكر امتناعهم من استراق السمع، فقال: { وأنا لمسنا السمآء فوجدناها }.

الجن 72:7

قلت: قد أجمعوا على فتح أنه لأنه نائب فاعل " أوحى " ، و وألو استقاموا [الجن:16] و وأن المساجد [الجن:18] للعطف على { أنه استمع } ف " أن " مخففة، و أن قد أبلغوا [الجن:28] لتعدي " يعلم " إليها، وكسر ما بعد فاء الجزاء، وبعد القول، نحو: فإن له نار جهنم [الجن:23] و { قالوا إنا سمعنا } لأنه مبتدأ محكي بعد القول. واختلفوا في فتح الهمزة وكسرها من { أنه تعالى جد ربنا } إلى: { وأنا منا المسلمون } ، ففتحها الشامي والكوفي [غير] أبي بكر عطفا على { أنه استمع } ، أو على محل الجار والمجرور في { آمنا به } تقديره: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا { وأنه كان يقول سفيهنا... } إلى آخره، وكسرها غيرهم عطفا على { إنا سمعنا } ، وهم يقفون على آخر الآيات. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد لأمتك: { أوحي إلي أنه استمع } أي: الأمر والشأن استمع للقرأن { نفر من الجن } ، وهم جن نصيبين، كما تقدم في الأحقاف، وكانوا متمسكين باليهودية. والنفر ما بين الثلاثة والعشرة. والجن عاقلة خفية، يغلب عليهم الناري والهوائية، وقيل: روح من الأرواح المجردة. وفيه دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم لم يشعر بهم وباستماعهم، ولم يقرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته، فسمعوها، فأخبره الله تعالى بذلك، فهذه غير الحكاية التي حضر معهم، ودعاهم، وقرأ عليهم سورة الرحمن، كما في حديث ابن مسعود. { فقالوا } أي: المستمعون حين رجعوا إلى قومهم: { إنا سمعنا قرآنا } كتابا { عجبا } بديعا، مباينا لكلام الناس في حسن النظم ورقة المعنى. والعجب: ما يكون خارجا عن العادة، وهو مصدر وصف به للمبالغة. { يهدي إلى الرشد } إلى الحق والصواب، { فآمنا به } أي: بذلك القرآن، ولما كان الإيمان به إيمانا بالله وتوحيده، وبراءة من الشرك، قالوا: { ولن نشرك بربنا أحدا } من خلقه، حسبما نطق به ما فيه من دلائل التوحيد، ويجوز أن يكون الضمير في " به " لله تعالى لأن قوله: بربنا يفسره. { وأنه تعالى جد ربنا } أي: ارتفع أو تنزه عظمة ربنا، أو سلطانه أو غناه، يقال: جد فلان في عيني إذا عظم ومنه قول عمر: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد في عيننا، أي: عظم في عيوننا، { ما اتخذ صاحبة } زوجة { ولا ولدا } كما يقول كفار الجن والإنس، والمعنى: وصفوه بالاستغناء عن الصاحبة والولد لعظمته وسلطانه، أو لغناه، وقرىء " جدا " على التمييز، أي: أنه تعالى ربنا جدا، وقرىء بكسر الجيم أي: تنزه صدق ربوبيته، وحق إلهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد، وذلك أنهم لما سمعوا القرآن، واهتدوا للتوحيد والإيمان، تنبهوا للخطأ فيما اعتقده كفرة الجن من تشبيهه تعالى بخلقه في اتخاذ الصاحبة والولد فاستعظموه ونزهوه تعالى عنه. { وأنه كان يقول سفيهنا } أي: جاهلنا من مردة الجن، أو إبليس إذ ليس فوقه سفيه، { على الله شططا } أي: قولا ذا شطط أي: بعد وجور، وهو الكفر لبعده عن الصواب، من: شطت الدار: بعدت، أو: قولا مجاوزا للحد، بعيدا عن القصد، أو هو شطط في نفسه لفرط بعده عن الحق، وهو نسبة الصاحبة والولد لله تعالى. والشطط: مجاوزة الحد في الظلم وغيره. { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا } أي: قولا كذبا أو مكذوبا فيه، أي: كان في ظننا أن أحدا لن يكذب على الله بنسبة الصاحبة والولد، فكنا نصدقهم فيما أضافوا إليه حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم. { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } ، كان الرجل من العرب إذا نزل بواد قفر وخاف على نفسه، يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد الجن وكبيرهم، فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الإنس والجن، وذلك قوله تعالى: { فزادوهم } زاد الإنس والجن باستعاذتهم بهم { رهقا }: طغيانا وسفها وتكبرا وعتوا، أو: فزاد الجن والإنس رهقا: إثما وغيا بأن أضلوهم، حتى استعاذوا بهم. { وأنهم } أي: الجن { ظنوا كما ظننتم } يا أهل مكة { أن لن يبعث الله أحدا } بعد الموت، أي: إن الجن كانوا ينكرون البعث كإنكاركم يا معشر الكفرة، ثم بسماع القرآن اهتدوا، وأقروا بالبعث، فهلا أقررتم كما أقروا؟! أو: ظنوا ألن يبعث الله رسولا من الإنس. وبالله التوفيق. الإشارة: كما كانت تسمع الجن من الرسول صلى الله عليه وسلم وتأخذ عنه، كذلك تسمع من خلفائه من الأولياء والعلماء الأتقياء فهي تحضر مجالس الذكر والتذكير والعلم، على حسب ما يطلب كل واحد منهم، وقد حدثني بعض أصحابنا أنه بات في موضع خال، فأتاه رجلان من الجن وتحدثا معه، وأخبره أنهما من الجن نازلان مع قومهما في ذلك الموضع، وقالا له: إنا لنحضر مجلس شيخكما أي: مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه ونسمع منه. ه. ففيهم الأولياء والعلماء، والقراء، وسائر الطرائق، كما يأتي في قوله: { طرائق قددا }. وقال الورتجبي: خلق الله بعض أوليائه من الجن، لهم أرواح ملكوتية، وأجسام روحانية، وهم إخواننا في المعرفة، يطيعون الله ورسوله، ويحبون أولياءه، ويستنون بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ويسمعون القرآن، ويفهمون معناه، وبعضهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا كلام الحق منه شفاها، وخضعوا له إذعانا، واستبشروا بروح الله، وروح قضائه استبشارا. ه. قلت: ومعرفة الآدمي أكمل لاعتدال بشريته وروحانيته، والجن الغالب عليه الانحراف للطافة بشريته واحتراقها. وقوله تعالى: { يهدي إلى الرشد } ، قال الجنيد: يهدي إلى الوصول إلى الله، وهو الرشد. ه. وقال الورتجبي: يهدي إلى معدن الرشد، وهو الذات القديم. ه. وقوله تعالى: { وأنه تعالى جد ربنا... } الخ، أي: تنزهت عظمة ربنا الأزلية، عن اتخاذ الصاحبة والولد، إنما اتخاذ الصاحبة والولد من شأن عالم الحكمة، سترا لأسرار القدرة، فافهم. وقال الجنيد: ارتفع شأنه عن أن يتخذ صاحبة أو ولدا. ه. والشطط الذي يقوله السفيه الجاهل هو وجود السوي مع الحق تعالى، وهو أيضا الكذب الذين ظنت الجن أن لن يقال على الله، ولذلك قال الشاعر: مذ عرفت الإله لم أر غيرا وكذا الغير عندنا ممنوع وقال بعض العارفين: لو كلفت أن أشهد غيره لم أستطيع، فإنه لا شيء معه حتى أشهده. ه. وكل من استعاذ بغير الله فهو ضال مضل، وكل من أنكر النشأة الأخرى فهو تالف ملحد. ثم ذكر امتناعهم من استراق السمع، فقال: { وأنا لمسنا السمآء فوجدناها }.

الجن 72:8

يقول الحق جل جلاله، حاكيا عن الجن: { وأنا لمسنا السماء } أي: طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها، واللمس،: المس، استعير للطلب لأن الماس طالب متعرف، { فوجدناها ملئت حرسا } أي: حراسا، اسم جمع، كخدم، مفرد اللفظ، ولذلك قيل: { شديدا } أي: قويا، أي: وجدنا جمعا أقوياء من الملائكة يحرسونها، { و } ملئت أيضا { شهبا }: جمع شهاب، وهي الشعلة المقتبسة من نار الكواكب، { وأنا كنا نقعد منه } أي: من السماء، قبل هذا الوقت، { مقاعد للسمع } ، لاستماع أخبار السماء، يعني: كنا نجد بعض السماء خالية من الحرس والشهب قبل المبعث، فنقعد نسترق، وقد فسر في الحديث صفة قعود الجن، وأنهم كانوا واحدا فوق واحد، فمتى احترق الأعلى طلع الذي تحته مكانه، فكانوا يسترقون الكلمة، فيلقونها إلى الكهان، ويزيدون معها، ثم يزيد الكهان للكلمة مائة كذبة. هذا قبل المبعث، وأما بعده فأشار إليه بقوله: { فمن يستمع } يريد الاستماع { الآن } بعد المبعث { يجد له شهابا رصدا } أي: شهابا راصدا له ولأجله، يصده عن الاستماع، أو هو اسم جمع لراصد، على معنى: ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب، ويمنعونهم من الاستماع، والجمهور على أن ذلك لم يكون قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم، وقيل: كان الرجم في الجاهلية، ولكن الشياطين كانت تسترق في بعض الأوقات، فمنعوا من الاستراق أصلا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: وهذا هو الظاهر، وأن الرمي كان موجودا قبل البعثة، إلا أنه قليل، وأشعار الجاهلية محشوة بذلك. انظر الثعلبي. وروي في بعض الأخبار: أن إبليس كان يسترق السمع من السموات، فلما ولد عيسى عليه السلام وبعث، حجبت الشياطين عن ثلاث سموات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم حجبت عن السموات كلها، وقذفت بالنجوم، ه. وذكر أبو جعفر العقيلي، بإسناد له إلى لهب بن مالك، قال: حضرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت عنده الكهانة، فقلت: بأبي أنت وأمي نحن أول من عرف حراسة السماء، ورصد الشياطين، ومنعهم من استراق السمع عند قذف النجوم، وذلك أنا جئنا إلى كاهن لنا، يقال له " خطل " ، وكان شيخا كبيرا، قد أتت عليه مائتا سنة وثمانون سننة، فقلنا: يا خطل هل عندك علم بهذا النجوم التي يرمى بها، فإنا قد فزعنا منها، وخفنا سوء عاقبتها، فقال: ائتوني بسحر أخبركم الخبر، ألخير أم ضرر، أم لأمن أو حذر، فأتيناه غدا عند السحر، فإذا هو قائم على قدميه، شاخص إلى السماء بعينيه، فناديناه: يا خطل، فأومأ إلينا: أن أمسكوا، فأنقض نجم عظيم من السماء، وصرخ الكاهن رافعا صوته: أصابه إصابة، خامره عقابه، عاجله عذابه، أحرقه شهابه، ثم قال: يا معشر قحطان، أخبركم بالحق والبيان، أقسم بالكعبة والأركان، لمنع السمع عتاة الجان، لمولود عظيم الشأن، يبعث بالتنزيل والقرآن، وبالهدى وفاصل الفرقان، يمنع من عبادة الأوثان. فقلنا: ما ترى لقومك؟ فقال: أرى لقومي ما أرى لنفسي، أن يتبعوا خير نبي الإنس، برهانه مثل شعاع الشمس، يبعث من مكة دار الحمس، يحكم بالتنزيل غير اللبس، فقلنا: وممن هو؟ فقال: والحياة والعيش، إنه لمن قريش، ما في حلمه طيش، ولا في خلقه هيش، يكون في جيش، وأي جيش!! فقلنا: بين لنا من أي قريش هو؟ فقال: والبيت ذي الدعائم، والديار والحمائم، إنه لمن نجل هاشم، من معشر أكارم، يبعث بالملاحم، وقتل كل ظالم، هذا البيان، أخبرني به رئيس الجان، ثم قال: الله أكبر، جاء الحق وظهر، وانقطع عن الجن الخبر. ه. { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض } بحراسة السماء، { أم أراد بهم ربهم رشدا } خيرا ورحمة، ونسبة الخير إلى الله تعالى دون الشر من الآداب الشريفة القرآنية، كقوله تعالى: وإذا مرضت فهو يشفين [الشعراء:80] وقوله: مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك [النساء:79] بعد أن ذكر ما في نفس الأمر بقوله: قل كل من عند الله [النساء:78]. الإشارة: إذا كان الله تعالى قد حفظ السماء من استراق السمع، فقلوب أوليائه أولى بأن يحفظها من خواطر السوء، فإذا تولى عبدا حفظ قلبه من طوارق الشك، وخواطر التدبير، وسوء الأدب مع الربوبية، فيملؤه باليقين والطمأنينة، ويهب عليه برد الرضا ونسيم التسليم، فيخرج عن مراد نفسه إلى مراد مولاه، في كل وجهة وعلى كل حال. جعلنا الله من أهل هذا القبيل، بمنه وكرمه. ثم قالوا: { وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك }.

الجن 72:9

يقول الحق جل جلاله، حاكيا عن الجن: { وأنا لمسنا السماء } أي: طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها، واللمس،: المس، استعير للطلب لأن الماس طالب متعرف، { فوجدناها ملئت حرسا } أي: حراسا، اسم جمع، كخدم، مفرد اللفظ، ولذلك قيل: { شديدا } أي: قويا، أي: وجدنا جمعا أقوياء من الملائكة يحرسونها، { و } ملئت أيضا { شهبا }: جمع شهاب، وهي الشعلة المقتبسة من نار الكواكب، { وأنا كنا نقعد منه } أي: من السماء، قبل هذا الوقت، { مقاعد للسمع } ، لاستماع أخبار السماء، يعني: كنا نجد بعض السماء خالية من الحرس والشهب قبل المبعث، فنقعد نسترق، وقد فسر في الحديث صفة قعود الجن، وأنهم كانوا واحدا فوق واحد، فمتى احترق الأعلى طلع الذي تحته مكانه، فكانوا يسترقون الكلمة، فيلقونها إلى الكهان، ويزيدون معها، ثم يزيد الكهان للكلمة مائة كذبة. هذا قبل المبعث، وأما بعده فأشار إليه بقوله: { فمن يستمع } يريد الاستماع { الآن } بعد المبعث { يجد له شهابا رصدا } أي: شهابا راصدا له ولأجله، يصده عن الاستماع، أو هو اسم جمع لراصد، على معنى: ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب، ويمنعونهم من الاستماع، والجمهور على أن ذلك لم يكون قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم، وقيل: كان الرجم في الجاهلية، ولكن الشياطين كانت تسترق في بعض الأوقات، فمنعوا من الاستراق أصلا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: وهذا هو الظاهر، وأن الرمي كان موجودا قبل البعثة، إلا أنه قليل، وأشعار الجاهلية محشوة بذلك. انظر الثعلبي. وروي في بعض الأخبار: أن إبليس كان يسترق السمع من السموات، فلما ولد عيسى عليه السلام وبعث، حجبت الشياطين عن ثلاث سموات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم حجبت عن السموات كلها، وقذفت بالنجوم، ه. وذكر أبو جعفر العقيلي، بإسناد له إلى لهب بن مالك، قال: حضرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت عنده الكهانة، فقلت: بأبي أنت وأمي نحن أول من عرف حراسة السماء، ورصد الشياطين، ومنعهم من استراق السمع عند قذف النجوم، وذلك أنا جئنا إلى كاهن لنا، يقال له " خطل " ، وكان شيخا كبيرا، قد أتت عليه مائتا سنة وثمانون سننة، فقلنا: يا خطل هل عندك علم بهذا النجوم التي يرمى بها، فإنا قد فزعنا منها، وخفنا سوء عاقبتها، فقال: ائتوني بسحر أخبركم الخبر، ألخير أم ضرر، أم لأمن أو حذر، فأتيناه غدا عند السحر، فإذا هو قائم على قدميه، شاخص إلى السماء بعينيه، فناديناه: يا خطل، فأومأ إلينا: أن أمسكوا، فأنقض نجم عظيم من السماء، وصرخ الكاهن رافعا صوته: أصابه إصابة، خامره عقابه، عاجله عذابه، أحرقه شهابه، ثم قال: يا معشر قحطان، أخبركم بالحق والبيان، أقسم بالكعبة والأركان، لمنع السمع عتاة الجان، لمولود عظيم الشأن، يبعث بالتنزيل والقرآن، وبالهدى وفاصل الفرقان، يمنع من عبادة الأوثان. فقلنا: ما ترى لقومك؟ فقال: أرى لقومي ما أرى لنفسي، أن يتبعوا خير نبي الإنس، برهانه مثل شعاع الشمس، يبعث من مكة دار الحمس، يحكم بالتنزيل غير اللبس، فقلنا: وممن هو؟ فقال: والحياة والعيش، إنه لمن قريش، ما في حلمه طيش، ولا في خلقه هيش، يكون في جيش، وأي جيش!! فقلنا: بين لنا من أي قريش هو؟ فقال: والبيت ذي الدعائم، والديار والحمائم، إنه لمن نجل هاشم، من معشر أكارم، يبعث بالملاحم، وقتل كل ظالم، هذا البيان، أخبرني به رئيس الجان، ثم قال: الله أكبر، جاء الحق وظهر، وانقطع عن الجن الخبر. ه. { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض } بحراسة السماء، { أم أراد بهم ربهم رشدا } خيرا ورحمة، ونسبة الخير إلى الله تعالى دون الشر من الآداب الشريفة القرآنية، كقوله تعالى: وإذا مرضت فهو يشفين [الشعراء:80] وقوله: مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك [النساء:79] بعد أن ذكر ما في نفس الأمر بقوله: قل كل من عند الله [النساء:78]. الإشارة: إذا كان الله تعالى قد حفظ السماء من استراق السمع، فقلوب أوليائه أولى بأن يحفظها من خواطر السوء، فإذا تولى عبدا حفظ قلبه من طوارق الشك، وخواطر التدبير، وسوء الأدب مع الربوبية، فيملؤه باليقين والطمأنينة، ويهب عليه برد الرضا ونسيم التسليم، فيخرج عن مراد نفسه إلى مراد مولاه، في كل وجهة وعلى كل حال. جعلنا الله من أهل هذا القبيل، بمنه وكرمه. ثم قالوا: { وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك }.

الجن 72:10

يقول الحق جل جلاله، حاكيا عن الجن: { وأنا لمسنا السماء } أي: طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها، واللمس،: المس، استعير للطلب لأن الماس طالب متعرف، { فوجدناها ملئت حرسا } أي: حراسا، اسم جمع، كخدم، مفرد اللفظ، ولذلك قيل: { شديدا } أي: قويا، أي: وجدنا جمعا أقوياء من الملائكة يحرسونها، { و } ملئت أيضا { شهبا }: جمع شهاب، وهي الشعلة المقتبسة من نار الكواكب، { وأنا كنا نقعد منه } أي: من السماء، قبل هذا الوقت، { مقاعد للسمع } ، لاستماع أخبار السماء، يعني: كنا نجد بعض السماء خالية من الحرس والشهب قبل المبعث، فنقعد نسترق، وقد فسر في الحديث صفة قعود الجن، وأنهم كانوا واحدا فوق واحد، فمتى احترق الأعلى طلع الذي تحته مكانه، فكانوا يسترقون الكلمة، فيلقونها إلى الكهان، ويزيدون معها، ثم يزيد الكهان للكلمة مائة كذبة. هذا قبل المبعث، وأما بعده فأشار إليه بقوله: { فمن يستمع } يريد الاستماع { الآن } بعد المبعث { يجد له شهابا رصدا } أي: شهابا راصدا له ولأجله، يصده عن الاستماع، أو هو اسم جمع لراصد، على معنى: ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب، ويمنعونهم من الاستماع، والجمهور على أن ذلك لم يكون قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم، وقيل: كان الرجم في الجاهلية، ولكن الشياطين كانت تسترق في بعض الأوقات، فمنعوا من الاستراق أصلا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: وهذا هو الظاهر، وأن الرمي كان موجودا قبل البعثة، إلا أنه قليل، وأشعار الجاهلية محشوة بذلك. انظر الثعلبي. وروي في بعض الأخبار: أن إبليس كان يسترق السمع من السموات، فلما ولد عيسى عليه السلام وبعث، حجبت الشياطين عن ثلاث سموات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم حجبت عن السموات كلها، وقذفت بالنجوم، ه. وذكر أبو جعفر العقيلي، بإسناد له إلى لهب بن مالك، قال: حضرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت عنده الكهانة، فقلت: بأبي أنت وأمي نحن أول من عرف حراسة السماء، ورصد الشياطين، ومنعهم من استراق السمع عند قذف النجوم، وذلك أنا جئنا إلى كاهن لنا، يقال له " خطل " ، وكان شيخا كبيرا، قد أتت عليه مائتا سنة وثمانون سننة، فقلنا: يا خطل هل عندك علم بهذا النجوم التي يرمى بها، فإنا قد فزعنا منها، وخفنا سوء عاقبتها، فقال: ائتوني بسحر أخبركم الخبر، ألخير أم ضرر، أم لأمن أو حذر، فأتيناه غدا عند السحر، فإذا هو قائم على قدميه، شاخص إلى السماء بعينيه، فناديناه: يا خطل، فأومأ إلينا: أن أمسكوا، فأنقض نجم عظيم من السماء، وصرخ الكاهن رافعا صوته: أصابه إصابة، خامره عقابه، عاجله عذابه، أحرقه شهابه، ثم قال: يا معشر قحطان، أخبركم بالحق والبيان، أقسم بالكعبة والأركان، لمنع السمع عتاة الجان، لمولود عظيم الشأن، يبعث بالتنزيل والقرآن، وبالهدى وفاصل الفرقان، يمنع من عبادة الأوثان. فقلنا: ما ترى لقومك؟ فقال: أرى لقومي ما أرى لنفسي، أن يتبعوا خير نبي الإنس، برهانه مثل شعاع الشمس، يبعث من مكة دار الحمس، يحكم بالتنزيل غير اللبس، فقلنا: وممن هو؟ فقال: والحياة والعيش، إنه لمن قريش، ما في حلمه طيش، ولا في خلقه هيش، يكون في جيش، وأي جيش!! فقلنا: بين لنا من أي قريش هو؟ فقال: والبيت ذي الدعائم، والديار والحمائم، إنه لمن نجل هاشم، من معشر أكارم، يبعث بالملاحم، وقتل كل ظالم، هذا البيان، أخبرني به رئيس الجان، ثم قال: الله أكبر، جاء الحق وظهر، وانقطع عن الجن الخبر. ه. { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض } بحراسة السماء، { أم أراد بهم ربهم رشدا } خيرا ورحمة، ونسبة الخير إلى الله تعالى دون الشر من الآداب الشريفة القرآنية، كقوله تعالى: وإذا مرضت فهو يشفين [الشعراء:80] وقوله: مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك [النساء:79] بعد أن ذكر ما في نفس الأمر بقوله: قل كل من عند الله [النساء:78]. الإشارة: إذا كان الله تعالى قد حفظ السماء من استراق السمع، فقلوب أوليائه أولى بأن يحفظها من خواطر السوء، فإذا تولى عبدا حفظ قلبه من طوارق الشك، وخواطر التدبير، وسوء الأدب مع الربوبية، فيملؤه باليقين والطمأنينة، ويهب عليه برد الرضا ونسيم التسليم، فيخرج عن مراد نفسه إلى مراد مولاه، في كل وجهة وعلى كل حال. جعلنا الله من أهل هذا القبيل، بمنه وكرمه. ثم قالوا: { وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك }.

الجن 72:11

يقول الحق جل جلاله، في مقالة الجن: { وأنا منا الصالحون } أي: الموصوفون بصلاح الحال، في شأن أنفسهم مع ربهم، وفي معاملتهم مع غيرهم، { ومنا دون ذلك } أي: ومنا قوم دون ذلك، وهم المقتصدون في الصلاح، غير الكاملين فيه على الوجه المذكور، لا في الإيمان والتقوى، كما يتوهم، فإن هذا بيان لحالهم قبل استماع القرآن، كما يعرب عنه قوله تعالى: { كنا طرائق قددا } أي: مذاهب متفرقة، وأديانا مختلفة، وأما حالهم بعد استماعهم، فسيحكي بقوله تعالى: { وأنا لما سمعنا الهدى... } الخ، أي: كنا قبل هذا ذوي طرائق، أي: مذاهب { قددا } أي: متفرقة مختلفة، جمع قدة، من: قد إذا شق، كقطعة من قطع. قاله أبو السعود. وقال الثعلبي: { وأنا منا الصالحون } السبعة الذين استمعوا القرآن، { ومنا دون ذلك } دون الصالحين، { كنا طرائق قددا } أهواء مختلفة، وفرقا شتى، كأهواء الإنس، قيل: وقوله: { وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك } ، يعنون بعد استماع القرآن، أي: منا بررة أتقياء، ومنا دون البررة، وهم مسلمون، وقيل: معناه: مسلمون وغير مسلمين، قال المسيب: كانوا مسلمين ويهودا ونصارى، وقال السدي: { طرائق قددا } قال: في الجن مثلكم، قدرية، ومرجئة، ورافضة، وشيعة. ه. والحاصل: أن " دون " صفة لمحذوف، وهي إما أن تكون بمعنى الأدون، فيكون الجميع مسلمين، لكنهم متفاوتون، أو بمعنى " غير " فيكون المعنى: منا المسلمون ومنا غير المسلمين، كنا مذاهب متفرقة نصارى ويهود ومجوس كالإنس، والظاهر: أنه قبل استماع القرآن، بدليل ما يأتي في قوله: { وأنا لما سمعنا الهدى... } الخ. { وأنا ظننا } أي: تيقنا { أن لن نعجز الله } أي: أن الشأن لن نفوت الله ونسبقه، و { في الأرض }: حال، أي: لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها، { ولن نعجزه هربا }: مصدر في موضع الحال، هاربين منها إلى السماء، أي: فلا مهرب منه تعالى إن طلبنا، لا في أرضه ولا في سمائه. { وأنا لما سمعنا الهدى } القرآن { آمنا به } بالقرآن، أو بالله تعالى، { فمن يؤمن بربه فلا يخاف } أي: فهو لا يخاف { بخسا } نقصا { ولا رهقا } أي: ولا ترهقه ذلة، كقوله: ولآ يرهق وجوههم قتر ولآ ذلة [يونس:26]، وفيه دليل على أن العمل ليس من الإيمان، وأن المؤمن لا يخلد في النار. { وأنا منا المسلمون } المؤمنون، { ومنا القاسطون } الجائرون عن طريق الحق، الذي هو الإيمان والطاعة، وهم الكفرة { فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } طلبوا هدى. والتحري: طلب الأحرى، أي الأولى، وجمع الإشارة باعتبار معنى " من " ، { وأما القاسطون } الحائدون عن الإسلام، { فكانوا } في علم الله { لجهنم حطبا } وقودا، وفيه دليل على أن الجني الكافر يعذب في النار وإن كان منها، والله أعلم بكيفية عذابه، وقد تقدم أن المشهور أنهم يثابون على طاعتهم بالجنة، قال ابن عطية: في قوله تعالى: { فمن أسلم. . } الخ، الوجه فيه: أن تكون مخاطبة من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤيده ما بعده من الآيات. ه. { وأن لو استقاموا } أي: القاسطون { على الطريقة } طريقة الإسلام { لأسقيناهم } المطر { ماء غدقا } أي: كثيرا، والمعنى: لوسعنا عليهم الرزق. وذكر الماء الغدق لأنه سبب سعة الرزق، { لنفتنهم فيه } لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خولوا منه. وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: " لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد " ، وهذا كقوله تعالى: ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمآء والأرض [الأعراف:96]، وقيل: المعنى: وأن لو استقاموا على طريقة الكفر لأسقيناهم ماء غدقا، استدراجا، { لنفتنهم فيه } فإذا لم يشكروا أهلكناهم، وهذا كقوله تعالى: ولولآ أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا... [الزخرف:33] الخ. والأول أظهر، بدليل قوله: { ومن يعرض عن ذكر ربه } القرآن أو التوحيد أو العبادة، { نسلكه } ندخله أو يدخله الله { عذابا صعدا } شاقا صعبا، يعلو المعذب ويغلبه ويصعد عليه، ومنه قول عمر رضي الله عنه: ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح، أي: ما شق علي. وهو مصدر وصف به، مبالغة، فعلى قول ابن عطية أن قوله تعالى: { فمن أسلم } من مخاطبة الله لنبيه عليه السلام، فيكون قوله: { وأن لو استقاموا } من تتمة الخطاب، فلا تقدير، وإذا قلنا: هو من قول الجن، فالتقدير: وأوحي إلي أن لو استقاموا... الخ. الإشارة: تقدم أن الجن فيهم الصالحون والعارفون، إلا أن معرفة الآدمي أكمل لاعتداله، وأما دوائر الأولياء من الأقطاب، والأوتاد، والنقباء، والنجباء، وغير ذلك، فلا تكون إلا من الإنس لشرفهم. قوله تعالى: { وأنا ظننا ألن نعجز الله في الأرض... } الخ، أي: تيقنا ألا مهرب منه، فرجعنا إليه اختبارا، فنحن ممن انقاد إليه بملاطفة الإحسان، لا بسلاسل الامتحان، { وأنا لما سمعنا الهدى آمنا } أي: أجبنا الداعي بلا تلعثم ولا تردد، وكذا في كل داع بعد الداعي الأكبر، فيكون السابقون في كل زمان، وهؤلاء سابقو الجن ومقربوهم، فمن يؤمن بربه، ويتوجه إليه، فلا يخاف نقصا ولا ذلا، بل كمالا وعزا، من أي فريق كان، وأنا منا المسلمون المنقادون لأحكامه تعالى، التكليفية والتعريفية، وهي الأحكام القهرية، فمن استسلم ورضي فقد تحرى رشدا، ومن قنط وسخط كان لجهنم حطبا، وأن لو استقاموا على الطريقة المرضية بالرضا والتسليم، وترك الاختيار لأسقيناهم من خمرة الأزل، ومن ماء الحياة، ماء غدقا، تحيا به قلوبهم وأرواحهم، فيتنعمون في شهود الذات الأقدس في الحياة وبعد الممات. قال القشيري: الاستقامة تقتضي إكمال النعمة وإكساب الراحة، والإعراض عن الله يجب تنقص النعمة ودوام العقوبة. ه. وقوله: { لنفتنهم } لنختبرهم، من يعرف قدرها فيشكر، أو لا يعرف قدرها فينكر، فيسلب من حيث لا يشعر. والله تعالى أعلم. ومن جملة ما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: { وأن المساجد لله }.

الجن 72:12

يقول الحق جل جلاله، في مقالة الجن: { وأنا منا الصالحون } أي: الموصوفون بصلاح الحال، في شأن أنفسهم مع ربهم، وفي معاملتهم مع غيرهم، { ومنا دون ذلك } أي: ومنا قوم دون ذلك، وهم المقتصدون في الصلاح، غير الكاملين فيه على الوجه المذكور، لا في الإيمان والتقوى، كما يتوهم، فإن هذا بيان لحالهم قبل استماع القرآن، كما يعرب عنه قوله تعالى: { كنا طرائق قددا } أي: مذاهب متفرقة، وأديانا مختلفة، وأما حالهم بعد استماعهم، فسيحكي بقوله تعالى: { وأنا لما سمعنا الهدى... } الخ، أي: كنا قبل هذا ذوي طرائق، أي: مذاهب { قددا } أي: متفرقة مختلفة، جمع قدة، من: قد إذا شق، كقطعة من قطع. قاله أبو السعود. وقال الثعلبي: { وأنا منا الصالحون } السبعة الذين استمعوا القرآن، { ومنا دون ذلك } دون الصالحين، { كنا طرائق قددا } أهواء مختلفة، وفرقا شتى، كأهواء الإنس، قيل: وقوله: { وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك } ، يعنون بعد استماع القرآن، أي: منا بررة أتقياء، ومنا دون البررة، وهم مسلمون، وقيل: معناه: مسلمون وغير مسلمين، قال المسيب: كانوا مسلمين ويهودا ونصارى، وقال السدي: { طرائق قددا } قال: في الجن مثلكم، قدرية، ومرجئة، ورافضة، وشيعة. ه. والحاصل: أن " دون " صفة لمحذوف، وهي إما أن تكون بمعنى الأدون، فيكون الجميع مسلمين، لكنهم متفاوتون، أو بمعنى " غير " فيكون المعنى: منا المسلمون ومنا غير المسلمين، كنا مذاهب متفرقة نصارى ويهود ومجوس كالإنس، والظاهر: أنه قبل استماع القرآن، بدليل ما يأتي في قوله: { وأنا لما سمعنا الهدى... } الخ. { وأنا ظننا } أي: تيقنا { أن لن نعجز الله } أي: أن الشأن لن نفوت الله ونسبقه، و { في الأرض }: حال، أي: لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها، { ولن نعجزه هربا }: مصدر في موضع الحال، هاربين منها إلى السماء، أي: فلا مهرب منه تعالى إن طلبنا، لا في أرضه ولا في سمائه. { وأنا لما سمعنا الهدى } القرآن { آمنا به } بالقرآن، أو بالله تعالى، { فمن يؤمن بربه فلا يخاف } أي: فهو لا يخاف { بخسا } نقصا { ولا رهقا } أي: ولا ترهقه ذلة، كقوله: ولآ يرهق وجوههم قتر ولآ ذلة [يونس:26]، وفيه دليل على أن العمل ليس من الإيمان، وأن المؤمن لا يخلد في النار. { وأنا منا المسلمون } المؤمنون، { ومنا القاسطون } الجائرون عن طريق الحق، الذي هو الإيمان والطاعة، وهم الكفرة { فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } طلبوا هدى. والتحري: طلب الأحرى، أي الأولى، وجمع الإشارة باعتبار معنى " من " ، { وأما القاسطون } الحائدون عن الإسلام، { فكانوا } في علم الله { لجهنم حطبا } وقودا، وفيه دليل على أن الجني الكافر يعذب في النار وإن كان منها، والله أعلم بكيفية عذابه، وقد تقدم أن المشهور أنهم يثابون على طاعتهم بالجنة، قال ابن عطية: في قوله تعالى: { فمن أسلم. . } الخ، الوجه فيه: أن تكون مخاطبة من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤيده ما بعده من الآيات. ه. { وأن لو استقاموا } أي: القاسطون { على الطريقة } طريقة الإسلام { لأسقيناهم } المطر { ماء غدقا } أي: كثيرا، والمعنى: لوسعنا عليهم الرزق. وذكر الماء الغدق لأنه سبب سعة الرزق، { لنفتنهم فيه } لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خولوا منه. وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: " لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد " ، وهذا كقوله تعالى: ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمآء والأرض [الأعراف:96]، وقيل: المعنى: وأن لو استقاموا على طريقة الكفر لأسقيناهم ماء غدقا، استدراجا، { لنفتنهم فيه } فإذا لم يشكروا أهلكناهم، وهذا كقوله تعالى: ولولآ أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا... [الزخرف:33] الخ. والأول أظهر، بدليل قوله: { ومن يعرض عن ذكر ربه } القرآن أو التوحيد أو العبادة، { نسلكه } ندخله أو يدخله الله { عذابا صعدا } شاقا صعبا، يعلو المعذب ويغلبه ويصعد عليه، ومنه قول عمر رضي الله عنه: ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح، أي: ما شق علي. وهو مصدر وصف به، مبالغة، فعلى قول ابن عطية أن قوله تعالى: { فمن أسلم } من مخاطبة الله لنبيه عليه السلام، فيكون قوله: { وأن لو استقاموا } من تتمة الخطاب، فلا تقدير، وإذا قلنا: هو من قول الجن، فالتقدير: وأوحي إلي أن لو استقاموا... الخ. الإشارة: تقدم أن الجن فيهم الصالحون والعارفون، إلا أن معرفة الآدمي أكمل لاعتداله، وأما دوائر الأولياء من الأقطاب، والأوتاد، والنقباء، والنجباء، وغير ذلك، فلا تكون إلا من الإنس لشرفهم. قوله تعالى: { وأنا ظننا ألن نعجز الله في الأرض... } الخ، أي: تيقنا ألا مهرب منه، فرجعنا إليه اختبارا، فنحن ممن انقاد إليه بملاطفة الإحسان، لا بسلاسل الامتحان، { وأنا لما سمعنا الهدى آمنا } أي: أجبنا الداعي بلا تلعثم ولا تردد، وكذا في كل داع بعد الداعي الأكبر، فيكون السابقون في كل زمان، وهؤلاء سابقو الجن ومقربوهم، فمن يؤمن بربه، ويتوجه إليه، فلا يخاف نقصا ولا ذلا، بل كمالا وعزا، من أي فريق كان، وأنا منا المسلمون المنقادون لأحكامه تعالى، التكليفية والتعريفية، وهي الأحكام القهرية، فمن استسلم ورضي فقد تحرى رشدا، ومن قنط وسخط كان لجهنم حطبا، وأن لو استقاموا على الطريقة المرضية بالرضا والتسليم، وترك الاختيار لأسقيناهم من خمرة الأزل، ومن ماء الحياة، ماء غدقا، تحيا به قلوبهم وأرواحهم، فيتنعمون في شهود الذات الأقدس في الحياة وبعد الممات. قال القشيري: الاستقامة تقتضي إكمال النعمة وإكساب الراحة، والإعراض عن الله يجب تنقص النعمة ودوام العقوبة. ه. وقوله: { لنفتنهم } لنختبرهم، من يعرف قدرها فيشكر، أو لا يعرف قدرها فينكر، فيسلب من حيث لا يشعر. والله تعالى أعلم. ومن جملة ما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: { وأن المساجد لله }.

الجن 72:13

يقول الحق جل جلاله، في مقالة الجن: { وأنا منا الصالحون } أي: الموصوفون بصلاح الحال، في شأن أنفسهم مع ربهم، وفي معاملتهم مع غيرهم، { ومنا دون ذلك } أي: ومنا قوم دون ذلك، وهم المقتصدون في الصلاح، غير الكاملين فيه على الوجه المذكور، لا في الإيمان والتقوى، كما يتوهم، فإن هذا بيان لحالهم قبل استماع القرآن، كما يعرب عنه قوله تعالى: { كنا طرائق قددا } أي: مذاهب متفرقة، وأديانا مختلفة، وأما حالهم بعد استماعهم، فسيحكي بقوله تعالى: { وأنا لما سمعنا الهدى... } الخ، أي: كنا قبل هذا ذوي طرائق، أي: مذاهب { قددا } أي: متفرقة مختلفة، جمع قدة، من: قد إذا شق، كقطعة من قطع. قاله أبو السعود. وقال الثعلبي: { وأنا منا الصالحون } السبعة الذين استمعوا القرآن، { ومنا دون ذلك } دون الصالحين، { كنا طرائق قددا } أهواء مختلفة، وفرقا شتى، كأهواء الإنس، قيل: وقوله: { وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك } ، يعنون بعد استماع القرآن، أي: منا بررة أتقياء، ومنا دون البررة، وهم مسلمون، وقيل: معناه: مسلمون وغير مسلمين، قال المسيب: كانوا مسلمين ويهودا ونصارى، وقال السدي: { طرائق قددا } قال: في الجن مثلكم، قدرية، ومرجئة، ورافضة، وشيعة. ه. والحاصل: أن " دون " صفة لمحذوف، وهي إما أن تكون بمعنى الأدون، فيكون الجميع مسلمين، لكنهم متفاوتون، أو بمعنى " غير " فيكون المعنى: منا المسلمون ومنا غير المسلمين، كنا مذاهب متفرقة نصارى ويهود ومجوس كالإنس، والظاهر: أنه قبل استماع القرآن، بدليل ما يأتي في قوله: { وأنا لما سمعنا الهدى... } الخ. { وأنا ظننا } أي: تيقنا { أن لن نعجز الله } أي: أن الشأن لن نفوت الله ونسبقه، و { في الأرض }: حال، أي: لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها، { ولن نعجزه هربا }: مصدر في موضع الحال، هاربين منها إلى السماء، أي: فلا مهرب منه تعالى إن طلبنا، لا في أرضه ولا في سمائه. { وأنا لما سمعنا الهدى } القرآن { آمنا به } بالقرآن، أو بالله تعالى، { فمن يؤمن بربه فلا يخاف } أي: فهو لا يخاف { بخسا } نقصا { ولا رهقا } أي: ولا ترهقه ذلة، كقوله: ولآ يرهق وجوههم قتر ولآ ذلة [يونس:26]، وفيه دليل على أن العمل ليس من الإيمان، وأن المؤمن لا يخلد في النار. { وأنا منا المسلمون } المؤمنون، { ومنا القاسطون } الجائرون عن طريق الحق، الذي هو الإيمان والطاعة، وهم الكفرة { فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } طلبوا هدى. والتحري: طلب الأحرى، أي الأولى، وجمع الإشارة باعتبار معنى " من " ، { وأما القاسطون } الحائدون عن الإسلام، { فكانوا } في علم الله { لجهنم حطبا } وقودا، وفيه دليل على أن الجني الكافر يعذب في النار وإن كان منها، والله أعلم بكيفية عذابه، وقد تقدم أن المشهور أنهم يثابون على طاعتهم بالجنة، قال ابن عطية: في قوله تعالى: { فمن أسلم. . } الخ، الوجه فيه: أن تكون مخاطبة من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤيده ما بعده من الآيات. ه. { وأن لو استقاموا } أي: القاسطون { على الطريقة } طريقة الإسلام { لأسقيناهم } المطر { ماء غدقا } أي: كثيرا، والمعنى: لوسعنا عليهم الرزق. وذكر الماء الغدق لأنه سبب سعة الرزق، { لنفتنهم فيه } لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خولوا منه. وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: " لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد " ، وهذا كقوله تعالى: ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمآء والأرض [الأعراف:96]، وقيل: المعنى: وأن لو استقاموا على طريقة الكفر لأسقيناهم ماء غدقا، استدراجا، { لنفتنهم فيه } فإذا لم يشكروا أهلكناهم، وهذا كقوله تعالى: ولولآ أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا... [الزخرف:33] الخ. والأول أظهر، بدليل قوله: { ومن يعرض عن ذكر ربه } القرآن أو التوحيد أو العبادة، { نسلكه } ندخله أو يدخله الله { عذابا صعدا } شاقا صعبا، يعلو المعذب ويغلبه ويصعد عليه، ومنه قول عمر رضي الله عنه: ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح، أي: ما شق علي. وهو مصدر وصف به، مبالغة، فعلى قول ابن عطية أن قوله تعالى: { فمن أسلم } من مخاطبة الله لنبيه عليه السلام، فيكون قوله: { وأن لو استقاموا } من تتمة الخطاب، فلا تقدير، وإذا قلنا: هو من قول الجن، فالتقدير: وأوحي إلي أن لو استقاموا... الخ. الإشارة: تقدم أن الجن فيهم الصالحون والعارفون، إلا أن معرفة الآدمي أكمل لاعتداله، وأما دوائر الأولياء من الأقطاب، والأوتاد، والنقباء، والنجباء، وغير ذلك، فلا تكون إلا من الإنس لشرفهم. قوله تعالى: { وأنا ظننا ألن نعجز الله في الأرض... } الخ، أي: تيقنا ألا مهرب منه، فرجعنا إليه اختبارا، فنحن ممن انقاد إليه بملاطفة الإحسان، لا بسلاسل الامتحان، { وأنا لما سمعنا الهدى آمنا } أي: أجبنا الداعي بلا تلعثم ولا تردد، وكذا في كل داع بعد الداعي الأكبر، فيكون السابقون في كل زمان، وهؤلاء سابقو الجن ومقربوهم، فمن يؤمن بربه، ويتوجه إليه، فلا يخاف نقصا ولا ذلا، بل كمالا وعزا، من أي فريق كان، وأنا منا المسلمون المنقادون لأحكامه تعالى، التكليفية والتعريفية، وهي الأحكام القهرية، فمن استسلم ورضي فقد تحرى رشدا، ومن قنط وسخط كان لجهنم حطبا، وأن لو استقاموا على الطريقة المرضية بالرضا والتسليم، وترك الاختيار لأسقيناهم من خمرة الأزل، ومن ماء الحياة، ماء غدقا، تحيا به قلوبهم وأرواحهم، فيتنعمون في شهود الذات الأقدس في الحياة وبعد الممات. قال القشيري: الاستقامة تقتضي إكمال النعمة وإكساب الراحة، والإعراض عن الله يجب تنقص النعمة ودوام العقوبة. ه. وقوله: { لنفتنهم } لنختبرهم، من يعرف قدرها فيشكر، أو لا يعرف قدرها فينكر، فيسلب من حيث لا يشعر. والله تعالى أعلم. ومن جملة ما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: { وأن المساجد لله }.

الجن 72:14

يقول الحق جل جلاله، في مقالة الجن: { وأنا منا الصالحون } أي: الموصوفون بصلاح الحال، في شأن أنفسهم مع ربهم، وفي معاملتهم مع غيرهم، { ومنا دون ذلك } أي: ومنا قوم دون ذلك، وهم المقتصدون في الصلاح، غير الكاملين فيه على الوجه المذكور، لا في الإيمان والتقوى، كما يتوهم، فإن هذا بيان لحالهم قبل استماع القرآن، كما يعرب عنه قوله تعالى: { كنا طرائق قددا } أي: مذاهب متفرقة، وأديانا مختلفة، وأما حالهم بعد استماعهم، فسيحكي بقوله تعالى: { وأنا لما سمعنا الهدى... } الخ، أي: كنا قبل هذا ذوي طرائق، أي: مذاهب { قددا } أي: متفرقة مختلفة، جمع قدة، من: قد إذا شق، كقطعة من قطع. قاله أبو السعود. وقال الثعلبي: { وأنا منا الصالحون } السبعة الذين استمعوا القرآن، { ومنا دون ذلك } دون الصالحين، { كنا طرائق قددا } أهواء مختلفة، وفرقا شتى، كأهواء الإنس، قيل: وقوله: { وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك } ، يعنون بعد استماع القرآن، أي: منا بررة أتقياء، ومنا دون البررة، وهم مسلمون، وقيل: معناه: مسلمون وغير مسلمين، قال المسيب: كانوا مسلمين ويهودا ونصارى، وقال السدي: { طرائق قددا } قال: في الجن مثلكم، قدرية، ومرجئة، ورافضة، وشيعة. ه. والحاصل: أن " دون " صفة لمحذوف، وهي إما أن تكون بمعنى الأدون، فيكون الجميع مسلمين، لكنهم متفاوتون، أو بمعنى " غير " فيكون المعنى: منا المسلمون ومنا غير المسلمين، كنا مذاهب متفرقة نصارى ويهود ومجوس كالإنس، والظاهر: أنه قبل استماع القرآن، بدليل ما يأتي في قوله: { وأنا لما سمعنا الهدى... } الخ. { وأنا ظننا } أي: تيقنا { أن لن نعجز الله } أي: أن الشأن لن نفوت الله ونسبقه، و { في الأرض }: حال، أي: لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها، { ولن نعجزه هربا }: مصدر في موضع الحال، هاربين منها إلى السماء، أي: فلا مهرب منه تعالى إن طلبنا، لا في أرضه ولا في سمائه. { وأنا لما سمعنا الهدى } القرآن { آمنا به } بالقرآن، أو بالله تعالى، { فمن يؤمن بربه فلا يخاف } أي: فهو لا يخاف { بخسا } نقصا { ولا رهقا } أي: ولا ترهقه ذلة، كقوله: ولآ يرهق وجوههم قتر ولآ ذلة [يونس:26]، وفيه دليل على أن العمل ليس من الإيمان، وأن المؤمن لا يخلد في النار. { وأنا منا المسلمون } المؤمنون، { ومنا القاسطون } الجائرون عن طريق الحق، الذي هو الإيمان والطاعة، وهم الكفرة { فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } طلبوا هدى. والتحري: طلب الأحرى، أي الأولى، وجمع الإشارة باعتبار معنى " من " ، { وأما القاسطون } الحائدون عن الإسلام، { فكانوا } في علم الله { لجهنم حطبا } وقودا، وفيه دليل على أن الجني الكافر يعذب في النار وإن كان منها، والله أعلم بكيفية عذابه، وقد تقدم أن المشهور أنهم يثابون على طاعتهم بالجنة، قال ابن عطية: في قوله تعالى: { فمن أسلم. . } الخ، الوجه فيه: أن تكون مخاطبة من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤيده ما بعده من الآيات. ه. { وأن لو استقاموا } أي: القاسطون { على الطريقة } طريقة الإسلام { لأسقيناهم } المطر { ماء غدقا } أي: كثيرا، والمعنى: لوسعنا عليهم الرزق. وذكر الماء الغدق لأنه سبب سعة الرزق، { لنفتنهم فيه } لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خولوا منه. وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: " لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد " ، وهذا كقوله تعالى: ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمآء والأرض [الأعراف:96]، وقيل: المعنى: وأن لو استقاموا على طريقة الكفر لأسقيناهم ماء غدقا، استدراجا، { لنفتنهم فيه } فإذا لم يشكروا أهلكناهم، وهذا كقوله تعالى: ولولآ أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا... [الزخرف:33] الخ. والأول أظهر، بدليل قوله: { ومن يعرض عن ذكر ربه } القرآن أو التوحيد أو العبادة، { نسلكه } ندخله أو يدخله الله { عذابا صعدا } شاقا صعبا، يعلو المعذب ويغلبه ويصعد عليه، ومنه قول عمر رضي الله عنه: ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح، أي: ما شق علي. وهو مصدر وصف به، مبالغة، فعلى قول ابن عطية أن قوله تعالى: { فمن أسلم } من مخاطبة الله لنبيه عليه السلام، فيكون قوله: { وأن لو استقاموا } من تتمة الخطاب، فلا تقدير، وإذا قلنا: هو من قول الجن، فالتقدير: وأوحي إلي أن لو استقاموا... الخ. الإشارة: تقدم أن الجن فيهم الصالحون والعارفون، إلا أن معرفة الآدمي أكمل لاعتداله، وأما دوائر الأولياء من الأقطاب، والأوتاد، والنقباء، والنجباء، وغير ذلك، فلا تكون إلا من الإنس لشرفهم. قوله تعالى: { وأنا ظننا ألن نعجز الله في الأرض... } الخ، أي: تيقنا ألا مهرب منه، فرجعنا إليه اختبارا، فنحن ممن انقاد إليه بملاطفة الإحسان، لا بسلاسل الامتحان، { وأنا لما سمعنا الهدى آمنا } أي: أجبنا الداعي بلا تلعثم ولا تردد، وكذا في كل داع بعد الداعي الأكبر، فيكون السابقون في كل زمان، وهؤلاء سابقو الجن ومقربوهم، فمن يؤمن بربه، ويتوجه إليه، فلا يخاف نقصا ولا ذلا، بل كمالا وعزا، من أي فريق كان، وأنا منا المسلمون المنقادون لأحكامه تعالى، التكليفية والتعريفية، وهي الأحكام القهرية، فمن استسلم ورضي فقد تحرى رشدا، ومن قنط وسخط كان لجهنم حطبا، وأن لو استقاموا على الطريقة المرضية بالرضا والتسليم، وترك الاختيار لأسقيناهم من خمرة الأزل، ومن ماء الحياة، ماء غدقا، تحيا به قلوبهم وأرواحهم، فيتنعمون في شهود الذات الأقدس في الحياة وبعد الممات. قال القشيري: الاستقامة تقتضي إكمال النعمة وإكساب الراحة، والإعراض عن الله يجب تنقص النعمة ودوام العقوبة. ه. وقوله: { لنفتنهم } لنختبرهم، من يعرف قدرها فيشكر، أو لا يعرف قدرها فينكر، فيسلب من حيث لا يشعر. والله تعالى أعلم. ومن جملة ما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: { وأن المساجد لله }.

الجن 72:15

يقول الحق جل جلاله، في مقالة الجن: { وأنا منا الصالحون } أي: الموصوفون بصلاح الحال، في شأن أنفسهم مع ربهم، وفي معاملتهم مع غيرهم، { ومنا دون ذلك } أي: ومنا قوم دون ذلك، وهم المقتصدون في الصلاح، غير الكاملين فيه على الوجه المذكور، لا في الإيمان والتقوى، كما يتوهم، فإن هذا بيان لحالهم قبل استماع القرآن، كما يعرب عنه قوله تعالى: { كنا طرائق قددا } أي: مذاهب متفرقة، وأديانا مختلفة، وأما حالهم بعد استماعهم، فسيحكي بقوله تعالى: { وأنا لما سمعنا الهدى... } الخ، أي: كنا قبل هذا ذوي طرائق، أي: مذاهب { قددا } أي: متفرقة مختلفة، جمع قدة، من: قد إذا شق، كقطعة من قطع. قاله أبو السعود. وقال الثعلبي: { وأنا منا الصالحون } السبعة الذين استمعوا القرآن، { ومنا دون ذلك } دون الصالحين، { كنا طرائق قددا } أهواء مختلفة، وفرقا شتى، كأهواء الإنس، قيل: وقوله: { وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك } ، يعنون بعد استماع القرآن، أي: منا بررة أتقياء، ومنا دون البررة، وهم مسلمون، وقيل: معناه: مسلمون وغير مسلمين، قال المسيب: كانوا مسلمين ويهودا ونصارى، وقال السدي: { طرائق قددا } قال: في الجن مثلكم، قدرية، ومرجئة، ورافضة، وشيعة. ه. والحاصل: أن " دون " صفة لمحذوف، وهي إما أن تكون بمعنى الأدون، فيكون الجميع مسلمين، لكنهم متفاوتون، أو بمعنى " غير " فيكون المعنى: منا المسلمون ومنا غير المسلمين، كنا مذاهب متفرقة نصارى ويهود ومجوس كالإنس، والظاهر: أنه قبل استماع القرآن، بدليل ما يأتي في قوله: { وأنا لما سمعنا الهدى... } الخ. { وأنا ظننا } أي: تيقنا { أن لن نعجز الله } أي: أن الشأن لن نفوت الله ونسبقه، و { في الأرض }: حال، أي: لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها، { ولن نعجزه هربا }: مصدر في موضع الحال، هاربين منها إلى السماء، أي: فلا مهرب منه تعالى إن طلبنا، لا في أرضه ولا في سمائه. { وأنا لما سمعنا الهدى } القرآن { آمنا به } بالقرآن، أو بالله تعالى، { فمن يؤمن بربه فلا يخاف } أي: فهو لا يخاف { بخسا } نقصا { ولا رهقا } أي: ولا ترهقه ذلة، كقوله: ولآ يرهق وجوههم قتر ولآ ذلة [يونس:26]، وفيه دليل على أن العمل ليس من الإيمان، وأن المؤمن لا يخلد في النار. { وأنا منا المسلمون } المؤمنون، { ومنا القاسطون } الجائرون عن طريق الحق، الذي هو الإيمان والطاعة، وهم الكفرة { فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } طلبوا هدى. والتحري: طلب الأحرى، أي الأولى، وجمع الإشارة باعتبار معنى " من " ، { وأما القاسطون } الحائدون عن الإسلام، { فكانوا } في علم الله { لجهنم حطبا } وقودا، وفيه دليل على أن الجني الكافر يعذب في النار وإن كان منها، والله أعلم بكيفية عذابه، وقد تقدم أن المشهور أنهم يثابون على طاعتهم بالجنة، قال ابن عطية: في قوله تعالى: { فمن أسلم. . } الخ، الوجه فيه: أن تكون مخاطبة من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤيده ما بعده من الآيات. ه. { وأن لو استقاموا } أي: القاسطون { على الطريقة } طريقة الإسلام { لأسقيناهم } المطر { ماء غدقا } أي: كثيرا، والمعنى: لوسعنا عليهم الرزق. وذكر الماء الغدق لأنه سبب سعة الرزق، { لنفتنهم فيه } لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خولوا منه. وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: " لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد " ، وهذا كقوله تعالى: ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمآء والأرض [الأعراف:96]، وقيل: المعنى: وأن لو استقاموا على طريقة الكفر لأسقيناهم ماء غدقا، استدراجا، { لنفتنهم فيه } فإذا لم يشكروا أهلكناهم، وهذا كقوله تعالى: ولولآ أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا... [الزخرف:33] الخ. والأول أظهر، بدليل قوله: { ومن يعرض عن ذكر ربه } القرآن أو التوحيد أو العبادة، { نسلكه } ندخله أو يدخله الله { عذابا صعدا } شاقا صعبا، يعلو المعذب ويغلبه ويصعد عليه، ومنه قول عمر رضي الله عنه: ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح، أي: ما شق علي. وهو مصدر وصف به، مبالغة، فعلى قول ابن عطية أن قوله تعالى: { فمن أسلم } من مخاطبة الله لنبيه عليه السلام، فيكون قوله: { وأن لو استقاموا } من تتمة الخطاب، فلا تقدير، وإذا قلنا: هو من قول الجن، فالتقدير: وأوحي إلي أن لو استقاموا... الخ. الإشارة: تقدم أن الجن فيهم الصالحون والعارفون، إلا أن معرفة الآدمي أكمل لاعتداله، وأما دوائر الأولياء من الأقطاب، والأوتاد، والنقباء، والنجباء، وغير ذلك، فلا تكون إلا من الإنس لشرفهم. قوله تعالى: { وأنا ظننا ألن نعجز الله في الأرض... } الخ، أي: تيقنا ألا مهرب منه، فرجعنا إليه اختبارا، فنحن ممن انقاد إليه بملاطفة الإحسان، لا بسلاسل الامتحان، { وأنا لما سمعنا الهدى آمنا } أي: أجبنا الداعي بلا تلعثم ولا تردد، وكذا في كل داع بعد الداعي الأكبر، فيكون السابقون في كل زمان، وهؤلاء سابقو الجن ومقربوهم، فمن يؤمن بربه، ويتوجه إليه، فلا يخاف نقصا ولا ذلا، بل كمالا وعزا، من أي فريق كان، وأنا منا المسلمون المنقادون لأحكامه تعالى، التكليفية والتعريفية، وهي الأحكام القهرية، فمن استسلم ورضي فقد تحرى رشدا، ومن قنط وسخط كان لجهنم حطبا، وأن لو استقاموا على الطريقة المرضية بالرضا والتسليم، وترك الاختيار لأسقيناهم من خمرة الأزل، ومن ماء الحياة، ماء غدقا، تحيا به قلوبهم وأرواحهم، فيتنعمون في شهود الذات الأقدس في الحياة وبعد الممات. قال القشيري: الاستقامة تقتضي إكمال النعمة وإكساب الراحة، والإعراض عن الله يجب تنقص النعمة ودوام العقوبة. ه. وقوله: { لنفتنهم } لنختبرهم، من يعرف قدرها فيشكر، أو لا يعرف قدرها فينكر، فيسلب من حيث لا يشعر. والله تعالى أعلم. ومن جملة ما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: { وأن المساجد لله }.

الجن 72:16

يقول الحق جل جلاله، في مقالة الجن: { وأنا منا الصالحون } أي: الموصوفون بصلاح الحال، في شأن أنفسهم مع ربهم، وفي معاملتهم مع غيرهم، { ومنا دون ذلك } أي: ومنا قوم دون ذلك، وهم المقتصدون في الصلاح، غير الكاملين فيه على الوجه المذكور، لا في الإيمان والتقوى، كما يتوهم، فإن هذا بيان لحالهم قبل استماع القرآن، كما يعرب عنه قوله تعالى: { كنا طرائق قددا } أي: مذاهب متفرقة، وأديانا مختلفة، وأما حالهم بعد استماعهم، فسيحكي بقوله تعالى: { وأنا لما سمعنا الهدى... } الخ، أي: كنا قبل هذا ذوي طرائق، أي: مذاهب { قددا } أي: متفرقة مختلفة، جمع قدة، من: قد إذا شق، كقطعة من قطع. قاله أبو السعود. وقال الثعلبي: { وأنا منا الصالحون } السبعة الذين استمعوا القرآن، { ومنا دون ذلك } دون الصالحين، { كنا طرائق قددا } أهواء مختلفة، وفرقا شتى، كأهواء الإنس، قيل: وقوله: { وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك } ، يعنون بعد استماع القرآن، أي: منا بررة أتقياء، ومنا دون البررة، وهم مسلمون، وقيل: معناه: مسلمون وغير مسلمين، قال المسيب: كانوا مسلمين ويهودا ونصارى، وقال السدي: { طرائق قددا } قال: في الجن مثلكم، قدرية، ومرجئة، ورافضة، وشيعة. ه. والحاصل: أن " دون " صفة لمحذوف، وهي إما أن تكون بمعنى الأدون، فيكون الجميع مسلمين، لكنهم متفاوتون، أو بمعنى " غير " فيكون المعنى: منا المسلمون ومنا غير المسلمين، كنا مذاهب متفرقة نصارى ويهود ومجوس كالإنس، والظاهر: أنه قبل استماع القرآن، بدليل ما يأتي في قوله: { وأنا لما سمعنا الهدى... } الخ. { وأنا ظننا } أي: تيقنا { أن لن نعجز الله } أي: أن الشأن لن نفوت الله ونسبقه، و { في الأرض }: حال، أي: لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها، { ولن نعجزه هربا }: مصدر في موضع الحال، هاربين منها إلى السماء، أي: فلا مهرب منه تعالى إن طلبنا، لا في أرضه ولا في سمائه. { وأنا لما سمعنا الهدى } القرآن { آمنا به } بالقرآن، أو بالله تعالى، { فمن يؤمن بربه فلا يخاف } أي: فهو لا يخاف { بخسا } نقصا { ولا رهقا } أي: ولا ترهقه ذلة، كقوله: ولآ يرهق وجوههم قتر ولآ ذلة [يونس:26]، وفيه دليل على أن العمل ليس من الإيمان، وأن المؤمن لا يخلد في النار. { وأنا منا المسلمون } المؤمنون، { ومنا القاسطون } الجائرون عن طريق الحق، الذي هو الإيمان والطاعة، وهم الكفرة { فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } طلبوا هدى. والتحري: طلب الأحرى، أي الأولى، وجمع الإشارة باعتبار معنى " من " ، { وأما القاسطون } الحائدون عن الإسلام، { فكانوا } في علم الله { لجهنم حطبا } وقودا، وفيه دليل على أن الجني الكافر يعذب في النار وإن كان منها، والله أعلم بكيفية عذابه، وقد تقدم أن المشهور أنهم يثابون على طاعتهم بالجنة، قال ابن عطية: في قوله تعالى: { فمن أسلم. . } الخ، الوجه فيه: أن تكون مخاطبة من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤيده ما بعده من الآيات. ه. { وأن لو استقاموا } أي: القاسطون { على الطريقة } طريقة الإسلام { لأسقيناهم } المطر { ماء غدقا } أي: كثيرا، والمعنى: لوسعنا عليهم الرزق. وذكر الماء الغدق لأنه سبب سعة الرزق، { لنفتنهم فيه } لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خولوا منه. وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: " لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد " ، وهذا كقوله تعالى: ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمآء والأرض [الأعراف:96]، وقيل: المعنى: وأن لو استقاموا على طريقة الكفر لأسقيناهم ماء غدقا، استدراجا، { لنفتنهم فيه } فإذا لم يشكروا أهلكناهم، وهذا كقوله تعالى: ولولآ أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا... [الزخرف:33] الخ. والأول أظهر، بدليل قوله: { ومن يعرض عن ذكر ربه } القرآن أو التوحيد أو العبادة، { نسلكه } ندخله أو يدخله الله { عذابا صعدا } شاقا صعبا، يعلو المعذب ويغلبه ويصعد عليه، ومنه قول عمر رضي الله عنه: ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح، أي: ما شق علي. وهو مصدر وصف به، مبالغة، فعلى قول ابن عطية أن قوله تعالى: { فمن أسلم } من مخاطبة الله لنبيه عليه السلام، فيكون قوله: { وأن لو استقاموا } من تتمة الخطاب، فلا تقدير، وإذا قلنا: هو من قول الجن، فالتقدير: وأوحي إلي أن لو استقاموا... الخ. الإشارة: تقدم أن الجن فيهم الصالحون والعارفون، إلا أن معرفة الآدمي أكمل لاعتداله، وأما دوائر الأولياء من الأقطاب، والأوتاد، والنقباء، والنجباء، وغير ذلك، فلا تكون إلا من الإنس لشرفهم. قوله تعالى: { وأنا ظننا ألن نعجز الله في الأرض... } الخ، أي: تيقنا ألا مهرب منه، فرجعنا إليه اختبارا، فنحن ممن انقاد إليه بملاطفة الإحسان، لا بسلاسل الامتحان، { وأنا لما سمعنا الهدى آمنا } أي: أجبنا الداعي بلا تلعثم ولا تردد، وكذا في كل داع بعد الداعي الأكبر، فيكون السابقون في كل زمان، وهؤلاء سابقو الجن ومقربوهم، فمن يؤمن بربه، ويتوجه إليه، فلا يخاف نقصا ولا ذلا، بل كمالا وعزا، من أي فريق كان، وأنا منا المسلمون المنقادون لأحكامه تعالى، التكليفية والتعريفية، وهي الأحكام القهرية، فمن استسلم ورضي فقد تحرى رشدا، ومن قنط وسخط كان لجهنم حطبا، وأن لو استقاموا على الطريقة المرضية بالرضا والتسليم، وترك الاختيار لأسقيناهم من خمرة الأزل، ومن ماء الحياة، ماء غدقا، تحيا به قلوبهم وأرواحهم، فيتنعمون في شهود الذات الأقدس في الحياة وبعد الممات. قال القشيري: الاستقامة تقتضي إكمال النعمة وإكساب الراحة، والإعراض عن الله يجب تنقص النعمة ودوام العقوبة. ه. وقوله: { لنفتنهم } لنختبرهم، من يعرف قدرها فيشكر، أو لا يعرف قدرها فينكر، فيسلب من حيث لا يشعر. والله تعالى أعلم. ومن جملة ما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: { وأن المساجد لله }.

الجن 72:17

يقول الحق جل جلاله، في مقالة الجن: { وأنا منا الصالحون } أي: الموصوفون بصلاح الحال، في شأن أنفسهم مع ربهم، وفي معاملتهم مع غيرهم، { ومنا دون ذلك } أي: ومنا قوم دون ذلك، وهم المقتصدون في الصلاح، غير الكاملين فيه على الوجه المذكور، لا في الإيمان والتقوى، كما يتوهم، فإن هذا بيان لحالهم قبل استماع القرآن، كما يعرب عنه قوله تعالى: { كنا طرائق قددا } أي: مذاهب متفرقة، وأديانا مختلفة، وأما حالهم بعد استماعهم، فسيحكي بقوله تعالى: { وأنا لما سمعنا الهدى... } الخ، أي: كنا قبل هذا ذوي طرائق، أي: مذاهب { قددا } أي: متفرقة مختلفة، جمع قدة، من: قد إذا شق، كقطعة من قطع. قاله أبو السعود. وقال الثعلبي: { وأنا منا الصالحون } السبعة الذين استمعوا القرآن، { ومنا دون ذلك } دون الصالحين، { كنا طرائق قددا } أهواء مختلفة، وفرقا شتى، كأهواء الإنس، قيل: وقوله: { وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك } ، يعنون بعد استماع القرآن، أي: منا بررة أتقياء، ومنا دون البررة، وهم مسلمون، وقيل: معناه: مسلمون وغير مسلمين، قال المسيب: كانوا مسلمين ويهودا ونصارى، وقال السدي: { طرائق قددا } قال: في الجن مثلكم، قدرية، ومرجئة، ورافضة، وشيعة. ه. والحاصل: أن " دون " صفة لمحذوف، وهي إما أن تكون بمعنى الأدون، فيكون الجميع مسلمين، لكنهم متفاوتون، أو بمعنى " غير " فيكون المعنى: منا المسلمون ومنا غير المسلمين، كنا مذاهب متفرقة نصارى ويهود ومجوس كالإنس، والظاهر: أنه قبل استماع القرآن، بدليل ما يأتي في قوله: { وأنا لما سمعنا الهدى... } الخ. { وأنا ظننا } أي: تيقنا { أن لن نعجز الله } أي: أن الشأن لن نفوت الله ونسبقه، و { في الأرض }: حال، أي: لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها، { ولن نعجزه هربا }: مصدر في موضع الحال، هاربين منها إلى السماء، أي: فلا مهرب منه تعالى إن طلبنا، لا في أرضه ولا في سمائه. { وأنا لما سمعنا الهدى } القرآن { آمنا به } بالقرآن، أو بالله تعالى، { فمن يؤمن بربه فلا يخاف } أي: فهو لا يخاف { بخسا } نقصا { ولا رهقا } أي: ولا ترهقه ذلة، كقوله: ولآ يرهق وجوههم قتر ولآ ذلة [يونس:26]، وفيه دليل على أن العمل ليس من الإيمان، وأن المؤمن لا يخلد في النار. { وأنا منا المسلمون } المؤمنون، { ومنا القاسطون } الجائرون عن طريق الحق، الذي هو الإيمان والطاعة، وهم الكفرة { فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } طلبوا هدى. والتحري: طلب الأحرى، أي الأولى، وجمع الإشارة باعتبار معنى " من " ، { وأما القاسطون } الحائدون عن الإسلام، { فكانوا } في علم الله { لجهنم حطبا } وقودا، وفيه دليل على أن الجني الكافر يعذب في النار وإن كان منها، والله أعلم بكيفية عذابه، وقد تقدم أن المشهور أنهم يثابون على طاعتهم بالجنة، قال ابن عطية: في قوله تعالى: { فمن أسلم. . } الخ، الوجه فيه: أن تكون مخاطبة من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤيده ما بعده من الآيات. ه. { وأن لو استقاموا } أي: القاسطون { على الطريقة } طريقة الإسلام { لأسقيناهم } المطر { ماء غدقا } أي: كثيرا، والمعنى: لوسعنا عليهم الرزق. وذكر الماء الغدق لأنه سبب سعة الرزق، { لنفتنهم فيه } لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خولوا منه. وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: " لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد " ، وهذا كقوله تعالى: ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمآء والأرض [الأعراف:96]، وقيل: المعنى: وأن لو استقاموا على طريقة الكفر لأسقيناهم ماء غدقا، استدراجا، { لنفتنهم فيه } فإذا لم يشكروا أهلكناهم، وهذا كقوله تعالى: ولولآ أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا... [الزخرف:33] الخ. والأول أظهر، بدليل قوله: { ومن يعرض عن ذكر ربه } القرآن أو التوحيد أو العبادة، { نسلكه } ندخله أو يدخله الله { عذابا صعدا } شاقا صعبا، يعلو المعذب ويغلبه ويصعد عليه، ومنه قول عمر رضي الله عنه: ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح، أي: ما شق علي. وهو مصدر وصف به، مبالغة، فعلى قول ابن عطية أن قوله تعالى: { فمن أسلم } من مخاطبة الله لنبيه عليه السلام، فيكون قوله: { وأن لو استقاموا } من تتمة الخطاب، فلا تقدير، وإذا قلنا: هو من قول الجن، فالتقدير: وأوحي إلي أن لو استقاموا... الخ. الإشارة: تقدم أن الجن فيهم الصالحون والعارفون، إلا أن معرفة الآدمي أكمل لاعتداله، وأما دوائر الأولياء من الأقطاب، والأوتاد، والنقباء، والنجباء، وغير ذلك، فلا تكون إلا من الإنس لشرفهم. قوله تعالى: { وأنا ظننا ألن نعجز الله في الأرض... } الخ، أي: تيقنا ألا مهرب منه، فرجعنا إليه اختبارا، فنحن ممن انقاد إليه بملاطفة الإحسان، لا بسلاسل الامتحان، { وأنا لما سمعنا الهدى آمنا } أي: أجبنا الداعي بلا تلعثم ولا تردد، وكذا في كل داع بعد الداعي الأكبر، فيكون السابقون في كل زمان، وهؤلاء سابقو الجن ومقربوهم، فمن يؤمن بربه، ويتوجه إليه، فلا يخاف نقصا ولا ذلا، بل كمالا وعزا، من أي فريق كان، وأنا منا المسلمون المنقادون لأحكامه تعالى، التكليفية والتعريفية، وهي الأحكام القهرية، فمن استسلم ورضي فقد تحرى رشدا، ومن قنط وسخط كان لجهنم حطبا، وأن لو استقاموا على الطريقة المرضية بالرضا والتسليم، وترك الاختيار لأسقيناهم من خمرة الأزل، ومن ماء الحياة، ماء غدقا، تحيا به قلوبهم وأرواحهم، فيتنعمون في شهود الذات الأقدس في الحياة وبعد الممات. قال القشيري: الاستقامة تقتضي إكمال النعمة وإكساب الراحة، والإعراض عن الله يجب تنقص النعمة ودوام العقوبة. ه. وقوله: { لنفتنهم } لنختبرهم، من يعرف قدرها فيشكر، أو لا يعرف قدرها فينكر، فيسلب من حيث لا يشعر. والله تعالى أعلم. ومن جملة ما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: { وأن المساجد لله }.

الجن 72:18

{ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به أحدا قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته... } يقول الحق جل جلاله: { وأن المساجد لله } أي: ومن جملة ما أوحي إلي: أن المساجد، أي: البيوت المبنية للصلاة فيها هي لله، وقيل: معناه: ولأن المساجد لله { فلا تدعوا } ، على أن اللام متعلقة ب " تدعوا " ، أي: فلا تدعوا { مع الله أحدا } في المساجد لأنها خالصة لله ولعبادته، فلا تعبدوا فيها غيره تعالى، ولا تفعلوا فيها إلا ما هو عبادة. وقيل: المراد: المسجد الحرام، والجمع لأن كل ناحية منه مسجد له قبلة مخصوصة، أو لأنه قبلة المساجد، وقيل: الأرض كلها لأن جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجدا وطهورا، وقيل: أعضاء السجود السبعة التي يسجد عليها العبد، وهي: القدمان، والركبتان، واليدان، والوجه، يقول: هذه الأعضاء أنعم الله بها عليك، فلا تسجد عليها لغيره، فتجحد نعمه، ولا تذلها لغير خالقها. فإن جعلت المساجد المواضع، فواحدها مسجد بكسر الجيم، وإن جعلت الأعضاء، فبفتح الجيم. { وأنه } أي: ومما أوحي إلي أن الشأن { لما قام عبد الله } ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم { يدعوه } يعبده في الصلاة، ويقرأ القرآن في صلاة الفجر، كما تقدم في الأحقاف، ولم يقل: نبي الله، أو رسول الله لأن العبودية من أشرف الخصال، أو: لأنه لما كان واقعا في كلامه صلى الله عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع، أو: لأن عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد حتى يجتمعوا عليه، كما قال: { كادوا } أي: كاد الجن { يكونون عليه لبدا } جماعات متراكبين من ازدحامهم عليه، تعجبا مما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به، أو إعجابا مما تلي من القرآن لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا ما لم يسمعوا بنظيره. وقيل: معناه: لما قام عليه السلام يعبد الله وحده مخالفا للمشركين، كادوا يزدحمون عليه متراكبين. واللبد: جمع لبدة، وهي ما تلبد بعضه على بعض. وعن قتادة: تلبدت الإنس والجن على أن يطفئوا نوره، فأبى الله إلا أن يظهره على من ناوأه. قال ابن عطية: قوله تعالى: وأنه... الخ، يحتمل أن يكون خطابا من الله تعالى، وأن يكون إخبارا عن الجن. { قال إنما أدعو } أي أعبد { ربي ولا أشرك به } في عبادتي { أحدا } ، فليس ذلك ببدع ولا بمستنكر يوجب التعجب أو الإطباق على عداوتي، وقرأ عاصم وحمزه " قل " بالأمر، ثم تبرأ من ملك الضر والنفع لأحد ولا لنفسه، وأن ذلك لله وحده، فلا يعبد إلا إياه، فقال: { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } والأصل: لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، ولا غيا ولا رشدا فترك من كلا المتقابلين ما ذكر في الآخر، أو أراد بالضر: الغي، أي: لا أستطيع أن أضركم ولا أنفعكم إذ ليس من وظيفتي إلا الإنذار. { قل إني لن يجيرني من الله أحد } أي: لن يدفع عني عذابه إن عصيته، كقول صالح عليه السلام: فمن ينصرني من الله إن عصيته [هود:63]، { ولن أجد من دونه ملتحدا } ملتجئا { إلا بلاغا من الله } ، استثناء من { لا أملك } أي: لا أملك لكم شيئا إلا تبليغ الرسالة، و { قل إني لن يجيرني }: اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه، وبيان عجزه، وقيل: { بلاغا }: بدل من { ملتحدا } ، أي: لن أجد من دونه ملجا إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به، أي: لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به فإنه ينجيني، وقوله: { ورسالاته }: عطف على " بلاغا " ، كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات، أي: إلا أن أبلغ عن الله، فأقول قال الله كذا، ناسبا قوله إليه، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها، بلا زيادة ولا نقصان ومن ليست صلة للتبليغ، إنما هي بمنزلة من في قوله: برآءة من الله [التوبة:1] أي: بلاغا كائنا من الله وتبليغ رسالاته قاله النسفي. والله تعالى أعلم. الإشارة: وأن مساجد الحضرة لله، والحضرة: شهود الذات الأقدس وحدها، فلا تدعوا مع الله أحدا، أي: لا تروا معه غيره، فتخرجوا من حضرته، وأنه لما قام عبد الله، وهو الداعي إلى الله في كل زمان يدعوه، ويدعو إليه، كادوا يكونون عليه لبدا، إما متعجبين منه، أو مقتبسين من أنواره، قال: إنما أدعو ربي ولا أشرك به شيئا قل يا أيها الداعي لتلك اللبد، لا أملك لكم من الله غيا ولا رشدا، إلا بلاغا، أي إنذارا وتبليغ ما كلفت به، فإنما أنا أدعو، والله يهدي على يدي من يشاء إلى صراط مستقيم، قل يا أيها الداعي: إني لن يجيرني من الله أحد إن قصرت في الدعوة أو أسأت الأدب، ولن أجد من دونه ملتجأ. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال من رد الرسالة، فقال: {...ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا }. يقول الحق جل جلاله: { ومن يعص الله ورسوله } في رد رسالته، وعدم قبول ما جاء به الرسول، { فإن له نار جهنم } ، وقرىء بفتح الهمزة، أي: فحقه، أو فجزاؤه أن له نار جهنم، { خالدين فيها } أي: في النار { أبدا } ، وحد في قوله " له " وجمع في " خالدين " للفظ من ومعناه. { حتى إذا رأوا ما يوعدون } ، متعلق بمحذوف، يدل عليه الحال من استضعاف الكفار لأمره صلى الله عليه وسلم، واستقلالهم لعدده، كأنه قيل: لا يزالون على ما هم عليه، { حتى إذا رأوا ما يوعدون } من فنون العذاب في الآخرة { فسيعلمون } عند حلول العذاب بهم { من أضعف ناصرا وأقل عددا } أهم أم المؤمنون؟ بل الكفار لا ناصر لهم يؤمئذ، والمؤمنون ينصرهم الله ويعزهم. وحمل { ما يوعدون } على ما رأوه يوم بدر، ويبعده قوله تعالى: { قل إن أدري أقريب ما توعدون } من العذاب، { أم يجعل له ربي أمدا } غاية بعيدة يعني: أنكم معذبون قطعا، ولكن لا أدري أهو حال أم مؤجل؟ { عالم الغيب } أي: هو عالم الغيب، { فلا يظهر } فلا يطلع { على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } أي: إلا رسولا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب ليكون إخباره عن الغيب معجزة له، والولي إذا أخبر بشيء فظهر فهو غير جازم به، وإنما أخبر به بناء على رؤيا، أو بالفراسة، أو بتجل قلبي، على أن كل كرامة لولي فهي معجزة لنبيه. قال بعضهم: وفي هذه الآية دلالة على تكذيب المنجمة، وليس كذلك، فإن فيهم من يصدق خبره، وكذلك المتطببة، فإنهم يعرفون طبائع النبات، وذا لا يعرف بالتأمل، فعلم بأنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق. قاله النسفي. فتحصل: أن إطلاع النبي على الغيب قطعي، وغيره ظني. وقال أبو السعود: وليس في الآية ما يدل على نفي كرامات الأولياء المتعلقة بالكشف، فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل لا يستلزم عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم أصلان ولا يدعي أحد لأحد من الأولياء ما في رتبة الرسل عليهم السلام من الكشف الكامل الحاصل بالوحي الصريح. ه. وفيه تعريض بالزمخشري، فإنه استدل بالآية على نفي كرامات الأولياء، قال: لأن الله خص الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم. قال بعض العلماء: ولا غرابة في إنكار معظم المعتزلة لكرامات الأولياء إذ هم لم يشاهدوا في جماعتهم الضالة المضلة وليا لله تعالى قط، فكيف يعرفون الكرامة؟!!. ه. { فإنه يسلك } يدخل { من بين يديه } أي: الرسول، { ومن خلفه } عند إظهاره على غيبه، { رصدا } حفظة وحرسا من الملائكة يحفظونه من تعرض الشيطان، لما أظهره عليه من الغيوب، ويعصمونه من وساوسهم، وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي، { ليعلم } الله علم شهادة { أن قد أبلغوا } أي: الرسل { رسالات ربهم } كاملة، بلا زيادة ولا نقصان، إلى المرسل إليهم، أي: ليعلم ذلك على ظهور، وقد كان يعلم ذلك قبل وجوده. ووحد الضمير في " يديه وخلفه " مراعاة للفظ من، وجمع في أبلغوا لمعناه، و " أن " مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، والجملة خبرها، { وأحاط } الله تعالى { بما لديهم } أي: بما عند الرسل من العلم { وأحصى كل شيء عددا } ، من القطر، والرمل، وورق الأشجار، وزبد البحر، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟! و " عددا ": حال، أي: علم كل شيء معدودا محصورا، أو مصدر، أي: أحصاه إحصاء. الإشارة: ومن يعص الله ورسوله، أو خليفته الداعي إلى الله بطريق التربية النبوية، فإن له نار القطيعة، خالدين فيها أبدا، وقد كانوا في حال حياتهم يستظهرون عليه بالدعاوى الفارغة، وكثرة الأتباع، حتى إذا رأوا ما يوعدون من أمارات الموت، فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا، قل: إن أدري أقريب ما توعدون من الموت، أم يجعل له ربي أمدا، ولا بد أن ينتهي، ويقع الرحيل إلى دار تنكشف فيها السرائر، ويفضح فيها الموعود. عالم الغيب، أي: يعلم ما غاب عن الحس من أسرار ذاته وأنوار ملكوته، أي: يعلم أسرار المعاني القائمة بالأواني، فلا يظهر على غيبه أحدا، أي: لا يكشف عن اسرار ذاته في دار الدنيا إلا لمن ارتضى من رسول، أو نائبه، وهو العارف الحقيقي، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، أي: يحفظه من جميع القواطع، من كل جهاته، حتى يوصله إلى حضرة أسرار ذاته، ليظهر أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ودعوا الناس إلى معرفة ذاته، وقد أحاط تعالى بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الجن 72:19

{ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به أحدا قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته... } يقول الحق جل جلاله: { وأن المساجد لله } أي: ومن جملة ما أوحي إلي: أن المساجد، أي: البيوت المبنية للصلاة فيها هي لله، وقيل: معناه: ولأن المساجد لله { فلا تدعوا } ، على أن اللام متعلقة ب " تدعوا " ، أي: فلا تدعوا { مع الله أحدا } في المساجد لأنها خالصة لله ولعبادته، فلا تعبدوا فيها غيره تعالى، ولا تفعلوا فيها إلا ما هو عبادة. وقيل: المراد: المسجد الحرام، والجمع لأن كل ناحية منه مسجد له قبلة مخصوصة، أو لأنه قبلة المساجد، وقيل: الأرض كلها لأن جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجدا وطهورا، وقيل: أعضاء السجود السبعة التي يسجد عليها العبد، وهي: القدمان، والركبتان، واليدان، والوجه، يقول: هذه الأعضاء أنعم الله بها عليك، فلا تسجد عليها لغيره، فتجحد نعمه، ولا تذلها لغير خالقها. فإن جعلت المساجد المواضع، فواحدها مسجد بكسر الجيم، وإن جعلت الأعضاء، فبفتح الجيم. { وأنه } أي: ومما أوحي إلي أن الشأن { لما قام عبد الله } ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم { يدعوه } يعبده في الصلاة، ويقرأ القرآن في صلاة الفجر، كما تقدم في الأحقاف، ولم يقل: نبي الله، أو رسول الله لأن العبودية من أشرف الخصال، أو: لأنه لما كان واقعا في كلامه صلى الله عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع، أو: لأن عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد حتى يجتمعوا عليه، كما قال: { كادوا } أي: كاد الجن { يكونون عليه لبدا } جماعات متراكبين من ازدحامهم عليه، تعجبا مما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به، أو إعجابا مما تلي من القرآن لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا ما لم يسمعوا بنظيره. وقيل: معناه: لما قام عليه السلام يعبد الله وحده مخالفا للمشركين، كادوا يزدحمون عليه متراكبين. واللبد: جمع لبدة، وهي ما تلبد بعضه على بعض. وعن قتادة: تلبدت الإنس والجن على أن يطفئوا نوره، فأبى الله إلا أن يظهره على من ناوأه. قال ابن عطية: قوله تعالى: وأنه... الخ، يحتمل أن يكون خطابا من الله تعالى، وأن يكون إخبارا عن الجن. { قال إنما أدعو } أي أعبد { ربي ولا أشرك به } في عبادتي { أحدا } ، فليس ذلك ببدع ولا بمستنكر يوجب التعجب أو الإطباق على عداوتي، وقرأ عاصم وحمزه " قل " بالأمر، ثم تبرأ من ملك الضر والنفع لأحد ولا لنفسه، وأن ذلك لله وحده، فلا يعبد إلا إياه، فقال: { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } والأصل: لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، ولا غيا ولا رشدا فترك من كلا المتقابلين ما ذكر في الآخر، أو أراد بالضر: الغي، أي: لا أستطيع أن أضركم ولا أنفعكم إذ ليس من وظيفتي إلا الإنذار. { قل إني لن يجيرني من الله أحد } أي: لن يدفع عني عذابه إن عصيته، كقول صالح عليه السلام: فمن ينصرني من الله إن عصيته [هود:63]، { ولن أجد من دونه ملتحدا } ملتجئا { إلا بلاغا من الله } ، استثناء من { لا أملك } أي: لا أملك لكم شيئا إلا تبليغ الرسالة، و { قل إني لن يجيرني }: اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه، وبيان عجزه، وقيل: { بلاغا }: بدل من { ملتحدا } ، أي: لن أجد من دونه ملجا إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به، أي: لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به فإنه ينجيني، وقوله: { ورسالاته }: عطف على " بلاغا " ، كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات، أي: إلا أن أبلغ عن الله، فأقول قال الله كذا، ناسبا قوله إليه، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها، بلا زيادة ولا نقصان ومن ليست صلة للتبليغ، إنما هي بمنزلة من في قوله: برآءة من الله [التوبة:1] أي: بلاغا كائنا من الله وتبليغ رسالاته قاله النسفي. والله تعالى أعلم. الإشارة: وأن مساجد الحضرة لله، والحضرة: شهود الذات الأقدس وحدها، فلا تدعوا مع الله أحدا، أي: لا تروا معه غيره، فتخرجوا من حضرته، وأنه لما قام عبد الله، وهو الداعي إلى الله في كل زمان يدعوه، ويدعو إليه، كادوا يكونون عليه لبدا، إما متعجبين منه، أو مقتبسين من أنواره، قال: إنما أدعو ربي ولا أشرك به شيئا قل يا أيها الداعي لتلك اللبد، لا أملك لكم من الله غيا ولا رشدا، إلا بلاغا، أي إنذارا وتبليغ ما كلفت به، فإنما أنا أدعو، والله يهدي على يدي من يشاء إلى صراط مستقيم، قل يا أيها الداعي: إني لن يجيرني من الله أحد إن قصرت في الدعوة أو أسأت الأدب، ولن أجد من دونه ملتجأ. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال من رد الرسالة، فقال: {...ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا }. يقول الحق جل جلاله: { ومن يعص الله ورسوله } في رد رسالته، وعدم قبول ما جاء به الرسول، { فإن له نار جهنم } ، وقرىء بفتح الهمزة، أي: فحقه، أو فجزاؤه أن له نار جهنم، { خالدين فيها } أي: في النار { أبدا } ، وحد في قوله " له " وجمع في " خالدين " للفظ من ومعناه. { حتى إذا رأوا ما يوعدون } ، متعلق بمحذوف، يدل عليه الحال من استضعاف الكفار لأمره صلى الله عليه وسلم، واستقلالهم لعدده، كأنه قيل: لا يزالون على ما هم عليه، { حتى إذا رأوا ما يوعدون } من فنون العذاب في الآخرة { فسيعلمون } عند حلول العذاب بهم { من أضعف ناصرا وأقل عددا } أهم أم المؤمنون؟ بل الكفار لا ناصر لهم يؤمئذ، والمؤمنون ينصرهم الله ويعزهم. وحمل { ما يوعدون } على ما رأوه يوم بدر، ويبعده قوله تعالى: { قل إن أدري أقريب ما توعدون } من العذاب، { أم يجعل له ربي أمدا } غاية بعيدة يعني: أنكم معذبون قطعا، ولكن لا أدري أهو حال أم مؤجل؟ { عالم الغيب } أي: هو عالم الغيب، { فلا يظهر } فلا يطلع { على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } أي: إلا رسولا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب ليكون إخباره عن الغيب معجزة له، والولي إذا أخبر بشيء فظهر فهو غير جازم به، وإنما أخبر به بناء على رؤيا، أو بالفراسة، أو بتجل قلبي، على أن كل كرامة لولي فهي معجزة لنبيه. قال بعضهم: وفي هذه الآية دلالة على تكذيب المنجمة، وليس كذلك، فإن فيهم من يصدق خبره، وكذلك المتطببة، فإنهم يعرفون طبائع النبات، وذا لا يعرف بالتأمل، فعلم بأنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق. قاله النسفي. فتحصل: أن إطلاع النبي على الغيب قطعي، وغيره ظني. وقال أبو السعود: وليس في الآية ما يدل على نفي كرامات الأولياء المتعلقة بالكشف، فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل لا يستلزم عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم أصلان ولا يدعي أحد لأحد من الأولياء ما في رتبة الرسل عليهم السلام من الكشف الكامل الحاصل بالوحي الصريح. ه. وفيه تعريض بالزمخشري، فإنه استدل بالآية على نفي كرامات الأولياء، قال: لأن الله خص الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم. قال بعض العلماء: ولا غرابة في إنكار معظم المعتزلة لكرامات الأولياء إذ هم لم يشاهدوا في جماعتهم الضالة المضلة وليا لله تعالى قط، فكيف يعرفون الكرامة؟!!. ه. { فإنه يسلك } يدخل { من بين يديه } أي: الرسول، { ومن خلفه } عند إظهاره على غيبه، { رصدا } حفظة وحرسا من الملائكة يحفظونه من تعرض الشيطان، لما أظهره عليه من الغيوب، ويعصمونه من وساوسهم، وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي، { ليعلم } الله علم شهادة { أن قد أبلغوا } أي: الرسل { رسالات ربهم } كاملة، بلا زيادة ولا نقصان، إلى المرسل إليهم، أي: ليعلم ذلك على ظهور، وقد كان يعلم ذلك قبل وجوده. ووحد الضمير في " يديه وخلفه " مراعاة للفظ من، وجمع في أبلغوا لمعناه، و " أن " مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، والجملة خبرها، { وأحاط } الله تعالى { بما لديهم } أي: بما عند الرسل من العلم { وأحصى كل شيء عددا } ، من القطر، والرمل، وورق الأشجار، وزبد البحر، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟! و " عددا ": حال، أي: علم كل شيء معدودا محصورا، أو مصدر، أي: أحصاه إحصاء. الإشارة: ومن يعص الله ورسوله، أو خليفته الداعي إلى الله بطريق التربية النبوية، فإن له نار القطيعة، خالدين فيها أبدا، وقد كانوا في حال حياتهم يستظهرون عليه بالدعاوى الفارغة، وكثرة الأتباع، حتى إذا رأوا ما يوعدون من أمارات الموت، فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا، قل: إن أدري أقريب ما توعدون من الموت، أم يجعل له ربي أمدا، ولا بد أن ينتهي، ويقع الرحيل إلى دار تنكشف فيها السرائر، ويفضح فيها الموعود. عالم الغيب، أي: يعلم ما غاب عن الحس من أسرار ذاته وأنوار ملكوته، أي: يعلم أسرار المعاني القائمة بالأواني، فلا يظهر على غيبه أحدا، أي: لا يكشف عن اسرار ذاته في دار الدنيا إلا لمن ارتضى من رسول، أو نائبه، وهو العارف الحقيقي، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، أي: يحفظه من جميع القواطع، من كل جهاته، حتى يوصله إلى حضرة أسرار ذاته، ليظهر أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ودعوا الناس إلى معرفة ذاته، وقد أحاط تعالى بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الجن 72:20

{ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به أحدا قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته... } يقول الحق جل جلاله: { وأن المساجد لله } أي: ومن جملة ما أوحي إلي: أن المساجد، أي: البيوت المبنية للصلاة فيها هي لله، وقيل: معناه: ولأن المساجد لله { فلا تدعوا } ، على أن اللام متعلقة ب " تدعوا " ، أي: فلا تدعوا { مع الله أحدا } في المساجد لأنها خالصة لله ولعبادته، فلا تعبدوا فيها غيره تعالى، ولا تفعلوا فيها إلا ما هو عبادة. وقيل: المراد: المسجد الحرام، والجمع لأن كل ناحية منه مسجد له قبلة مخصوصة، أو لأنه قبلة المساجد، وقيل: الأرض كلها لأن جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجدا وطهورا، وقيل: أعضاء السجود السبعة التي يسجد عليها العبد، وهي: القدمان، والركبتان، واليدان، والوجه، يقول: هذه الأعضاء أنعم الله بها عليك، فلا تسجد عليها لغيره، فتجحد نعمه، ولا تذلها لغير خالقها. فإن جعلت المساجد المواضع، فواحدها مسجد بكسر الجيم، وإن جعلت الأعضاء، فبفتح الجيم. { وأنه } أي: ومما أوحي إلي أن الشأن { لما قام عبد الله } ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم { يدعوه } يعبده في الصلاة، ويقرأ القرآن في صلاة الفجر، كما تقدم في الأحقاف، ولم يقل: نبي الله، أو رسول الله لأن العبودية من أشرف الخصال، أو: لأنه لما كان واقعا في كلامه صلى الله عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع، أو: لأن عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد حتى يجتمعوا عليه، كما قال: { كادوا } أي: كاد الجن { يكونون عليه لبدا } جماعات متراكبين من ازدحامهم عليه، تعجبا مما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به، أو إعجابا مما تلي من القرآن لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا ما لم يسمعوا بنظيره. وقيل: معناه: لما قام عليه السلام يعبد الله وحده مخالفا للمشركين، كادوا يزدحمون عليه متراكبين. واللبد: جمع لبدة، وهي ما تلبد بعضه على بعض. وعن قتادة: تلبدت الإنس والجن على أن يطفئوا نوره، فأبى الله إلا أن يظهره على من ناوأه. قال ابن عطية: قوله تعالى: وأنه... الخ، يحتمل أن يكون خطابا من الله تعالى، وأن يكون إخبارا عن الجن. { قال إنما أدعو } أي أعبد { ربي ولا أشرك به } في عبادتي { أحدا } ، فليس ذلك ببدع ولا بمستنكر يوجب التعجب أو الإطباق على عداوتي، وقرأ عاصم وحمزه " قل " بالأمر، ثم تبرأ من ملك الضر والنفع لأحد ولا لنفسه، وأن ذلك لله وحده، فلا يعبد إلا إياه، فقال: { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } والأصل: لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، ولا غيا ولا رشدا فترك من كلا المتقابلين ما ذكر في الآخر، أو أراد بالضر: الغي، أي: لا أستطيع أن أضركم ولا أنفعكم إذ ليس من وظيفتي إلا الإنذار. { قل إني لن يجيرني من الله أحد } أي: لن يدفع عني عذابه إن عصيته، كقول صالح عليه السلام: فمن ينصرني من الله إن عصيته [هود:63]، { ولن أجد من دونه ملتحدا } ملتجئا { إلا بلاغا من الله } ، استثناء من { لا أملك } أي: لا أملك لكم شيئا إلا تبليغ الرسالة، و { قل إني لن يجيرني }: اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه، وبيان عجزه، وقيل: { بلاغا }: بدل من { ملتحدا } ، أي: لن أجد من دونه ملجا إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به، أي: لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به فإنه ينجيني، وقوله: { ورسالاته }: عطف على " بلاغا " ، كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات، أي: إلا أن أبلغ عن الله، فأقول قال الله كذا، ناسبا قوله إليه، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها، بلا زيادة ولا نقصان ومن ليست صلة للتبليغ، إنما هي بمنزلة من في قوله: برآءة من الله [التوبة:1] أي: بلاغا كائنا من الله وتبليغ رسالاته قاله النسفي. والله تعالى أعلم. الإشارة: وأن مساجد الحضرة لله، والحضرة: شهود الذات الأقدس وحدها، فلا تدعوا مع الله أحدا، أي: لا تروا معه غيره، فتخرجوا من حضرته، وأنه لما قام عبد الله، وهو الداعي إلى الله في كل زمان يدعوه، ويدعو إليه، كادوا يكونون عليه لبدا، إما متعجبين منه، أو مقتبسين من أنواره، قال: إنما أدعو ربي ولا أشرك به شيئا قل يا أيها الداعي لتلك اللبد، لا أملك لكم من الله غيا ولا رشدا، إلا بلاغا، أي إنذارا وتبليغ ما كلفت به، فإنما أنا أدعو، والله يهدي على يدي من يشاء إلى صراط مستقيم، قل يا أيها الداعي: إني لن يجيرني من الله أحد إن قصرت في الدعوة أو أسأت الأدب، ولن أجد من دونه ملتجأ. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال من رد الرسالة، فقال: {...ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا }. يقول الحق جل جلاله: { ومن يعص الله ورسوله } في رد رسالته، وعدم قبول ما جاء به الرسول، { فإن له نار جهنم } ، وقرىء بفتح الهمزة، أي: فحقه، أو فجزاؤه أن له نار جهنم، { خالدين فيها } أي: في النار { أبدا } ، وحد في قوله " له " وجمع في " خالدين " للفظ من ومعناه. { حتى إذا رأوا ما يوعدون } ، متعلق بمحذوف، يدل عليه الحال من استضعاف الكفار لأمره صلى الله عليه وسلم، واستقلالهم لعدده، كأنه قيل: لا يزالون على ما هم عليه، { حتى إذا رأوا ما يوعدون } من فنون العذاب في الآخرة { فسيعلمون } عند حلول العذاب بهم { من أضعف ناصرا وأقل عددا } أهم أم المؤمنون؟ بل الكفار لا ناصر لهم يؤمئذ، والمؤمنون ينصرهم الله ويعزهم. وحمل { ما يوعدون } على ما رأوه يوم بدر، ويبعده قوله تعالى: { قل إن أدري أقريب ما توعدون } من العذاب، { أم يجعل له ربي أمدا } غاية بعيدة يعني: أنكم معذبون قطعا، ولكن لا أدري أهو حال أم مؤجل؟ { عالم الغيب } أي: هو عالم الغيب، { فلا يظهر } فلا يطلع { على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } أي: إلا رسولا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب ليكون إخباره عن الغيب معجزة له، والولي إذا أخبر بشيء فظهر فهو غير جازم به، وإنما أخبر به بناء على رؤيا، أو بالفراسة، أو بتجل قلبي، على أن كل كرامة لولي فهي معجزة لنبيه. قال بعضهم: وفي هذه الآية دلالة على تكذيب المنجمة، وليس كذلك، فإن فيهم من يصدق خبره، وكذلك المتطببة، فإنهم يعرفون طبائع النبات، وذا لا يعرف بالتأمل، فعلم بأنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق. قاله النسفي. فتحصل: أن إطلاع النبي على الغيب قطعي، وغيره ظني. وقال أبو السعود: وليس في الآية ما يدل على نفي كرامات الأولياء المتعلقة بالكشف، فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل لا يستلزم عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم أصلان ولا يدعي أحد لأحد من الأولياء ما في رتبة الرسل عليهم السلام من الكشف الكامل الحاصل بالوحي الصريح. ه. وفيه تعريض بالزمخشري، فإنه استدل بالآية على نفي كرامات الأولياء، قال: لأن الله خص الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم. قال بعض العلماء: ولا غرابة في إنكار معظم المعتزلة لكرامات الأولياء إذ هم لم يشاهدوا في جماعتهم الضالة المضلة وليا لله تعالى قط، فكيف يعرفون الكرامة؟!!. ه. { فإنه يسلك } يدخل { من بين يديه } أي: الرسول، { ومن خلفه } عند إظهاره على غيبه، { رصدا } حفظة وحرسا من الملائكة يحفظونه من تعرض الشيطان، لما أظهره عليه من الغيوب، ويعصمونه من وساوسهم، وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي، { ليعلم } الله علم شهادة { أن قد أبلغوا } أي: الرسل { رسالات ربهم } كاملة، بلا زيادة ولا نقصان، إلى المرسل إليهم، أي: ليعلم ذلك على ظهور، وقد كان يعلم ذلك قبل وجوده. ووحد الضمير في " يديه وخلفه " مراعاة للفظ من، وجمع في أبلغوا لمعناه، و " أن " مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، والجملة خبرها، { وأحاط } الله تعالى { بما لديهم } أي: بما عند الرسل من العلم { وأحصى كل شيء عددا } ، من القطر، والرمل، وورق الأشجار، وزبد البحر، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟! و " عددا ": حال، أي: علم كل شيء معدودا محصورا، أو مصدر، أي: أحصاه إحصاء. الإشارة: ومن يعص الله ورسوله، أو خليفته الداعي إلى الله بطريق التربية النبوية، فإن له نار القطيعة، خالدين فيها أبدا، وقد كانوا في حال حياتهم يستظهرون عليه بالدعاوى الفارغة، وكثرة الأتباع، حتى إذا رأوا ما يوعدون من أمارات الموت، فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا، قل: إن أدري أقريب ما توعدون من الموت، أم يجعل له ربي أمدا، ولا بد أن ينتهي، ويقع الرحيل إلى دار تنكشف فيها السرائر، ويفضح فيها الموعود. عالم الغيب، أي: يعلم ما غاب عن الحس من أسرار ذاته وأنوار ملكوته، أي: يعلم أسرار المعاني القائمة بالأواني، فلا يظهر على غيبه أحدا، أي: لا يكشف عن اسرار ذاته في دار الدنيا إلا لمن ارتضى من رسول، أو نائبه، وهو العارف الحقيقي، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، أي: يحفظه من جميع القواطع، من كل جهاته، حتى يوصله إلى حضرة أسرار ذاته، ليظهر أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ودعوا الناس إلى معرفة ذاته، وقد أحاط تعالى بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الجن 72:21

{ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به أحدا قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته... } يقول الحق جل جلاله: { وأن المساجد لله } أي: ومن جملة ما أوحي إلي: أن المساجد، أي: البيوت المبنية للصلاة فيها هي لله، وقيل: معناه: ولأن المساجد لله { فلا تدعوا } ، على أن اللام متعلقة ب " تدعوا " ، أي: فلا تدعوا { مع الله أحدا } في المساجد لأنها خالصة لله ولعبادته، فلا تعبدوا فيها غيره تعالى، ولا تفعلوا فيها إلا ما هو عبادة. وقيل: المراد: المسجد الحرام، والجمع لأن كل ناحية منه مسجد له قبلة مخصوصة، أو لأنه قبلة المساجد، وقيل: الأرض كلها لأن جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجدا وطهورا، وقيل: أعضاء السجود السبعة التي يسجد عليها العبد، وهي: القدمان، والركبتان، واليدان، والوجه، يقول: هذه الأعضاء أنعم الله بها عليك، فلا تسجد عليها لغيره، فتجحد نعمه، ولا تذلها لغير خالقها. فإن جعلت المساجد المواضع، فواحدها مسجد بكسر الجيم، وإن جعلت الأعضاء، فبفتح الجيم. { وأنه } أي: ومما أوحي إلي أن الشأن { لما قام عبد الله } ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم { يدعوه } يعبده في الصلاة، ويقرأ القرآن في صلاة الفجر، كما تقدم في الأحقاف، ولم يقل: نبي الله، أو رسول الله لأن العبودية من أشرف الخصال، أو: لأنه لما كان واقعا في كلامه صلى الله عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع، أو: لأن عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد حتى يجتمعوا عليه، كما قال: { كادوا } أي: كاد الجن { يكونون عليه لبدا } جماعات متراكبين من ازدحامهم عليه، تعجبا مما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به، أو إعجابا مما تلي من القرآن لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا ما لم يسمعوا بنظيره. وقيل: معناه: لما قام عليه السلام يعبد الله وحده مخالفا للمشركين، كادوا يزدحمون عليه متراكبين. واللبد: جمع لبدة، وهي ما تلبد بعضه على بعض. وعن قتادة: تلبدت الإنس والجن على أن يطفئوا نوره، فأبى الله إلا أن يظهره على من ناوأه. قال ابن عطية: قوله تعالى: وأنه... الخ، يحتمل أن يكون خطابا من الله تعالى، وأن يكون إخبارا عن الجن. { قال إنما أدعو } أي أعبد { ربي ولا أشرك به } في عبادتي { أحدا } ، فليس ذلك ببدع ولا بمستنكر يوجب التعجب أو الإطباق على عداوتي، وقرأ عاصم وحمزه " قل " بالأمر، ثم تبرأ من ملك الضر والنفع لأحد ولا لنفسه، وأن ذلك لله وحده، فلا يعبد إلا إياه، فقال: { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } والأصل: لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، ولا غيا ولا رشدا فترك من كلا المتقابلين ما ذكر في الآخر، أو أراد بالضر: الغي، أي: لا أستطيع أن أضركم ولا أنفعكم إذ ليس من وظيفتي إلا الإنذار. { قل إني لن يجيرني من الله أحد } أي: لن يدفع عني عذابه إن عصيته، كقول صالح عليه السلام: فمن ينصرني من الله إن عصيته [هود:63]، { ولن أجد من دونه ملتحدا } ملتجئا { إلا بلاغا من الله } ، استثناء من { لا أملك } أي: لا أملك لكم شيئا إلا تبليغ الرسالة، و { قل إني لن يجيرني }: اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه، وبيان عجزه، وقيل: { بلاغا }: بدل من { ملتحدا } ، أي: لن أجد من دونه ملجا إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به، أي: لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به فإنه ينجيني، وقوله: { ورسالاته }: عطف على " بلاغا " ، كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات، أي: إلا أن أبلغ عن الله، فأقول قال الله كذا، ناسبا قوله إليه، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها، بلا زيادة ولا نقصان ومن ليست صلة للتبليغ، إنما هي بمنزلة من في قوله: برآءة من الله [التوبة:1] أي: بلاغا كائنا من الله وتبليغ رسالاته قاله النسفي. والله تعالى أعلم. الإشارة: وأن مساجد الحضرة لله، والحضرة: شهود الذات الأقدس وحدها، فلا تدعوا مع الله أحدا، أي: لا تروا معه غيره، فتخرجوا من حضرته، وأنه لما قام عبد الله، وهو الداعي إلى الله في كل زمان يدعوه، ويدعو إليه، كادوا يكونون عليه لبدا، إما متعجبين منه، أو مقتبسين من أنواره، قال: إنما أدعو ربي ولا أشرك به شيئا قل يا أيها الداعي لتلك اللبد، لا أملك لكم من الله غيا ولا رشدا، إلا بلاغا، أي إنذارا وتبليغ ما كلفت به، فإنما أنا أدعو، والله يهدي على يدي من يشاء إلى صراط مستقيم، قل يا أيها الداعي: إني لن يجيرني من الله أحد إن قصرت في الدعوة أو أسأت الأدب، ولن أجد من دونه ملتجأ. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال من رد الرسالة، فقال: {...ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا }. يقول الحق جل جلاله: { ومن يعص الله ورسوله } في رد رسالته، وعدم قبول ما جاء به الرسول، { فإن له نار جهنم } ، وقرىء بفتح الهمزة، أي: فحقه، أو فجزاؤه أن له نار جهنم، { خالدين فيها } أي: في النار { أبدا } ، وحد في قوله " له " وجمع في " خالدين " للفظ من ومعناه. { حتى إذا رأوا ما يوعدون } ، متعلق بمحذوف، يدل عليه الحال من استضعاف الكفار لأمره صلى الله عليه وسلم، واستقلالهم لعدده، كأنه قيل: لا يزالون على ما هم عليه، { حتى إذا رأوا ما يوعدون } من فنون العذاب في الآخرة { فسيعلمون } عند حلول العذاب بهم { من أضعف ناصرا وأقل عددا } أهم أم المؤمنون؟ بل الكفار لا ناصر لهم يؤمئذ، والمؤمنون ينصرهم الله ويعزهم. وحمل { ما يوعدون } على ما رأوه يوم بدر، ويبعده قوله تعالى: { قل إن أدري أقريب ما توعدون } من العذاب، { أم يجعل له ربي أمدا } غاية بعيدة يعني: أنكم معذبون قطعا، ولكن لا أدري أهو حال أم مؤجل؟ { عالم الغيب } أي: هو عالم الغيب، { فلا يظهر } فلا يطلع { على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } أي: إلا رسولا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب ليكون إخباره عن الغيب معجزة له، والولي إذا أخبر بشيء فظهر فهو غير جازم به، وإنما أخبر به بناء على رؤيا، أو بالفراسة، أو بتجل قلبي، على أن كل كرامة لولي فهي معجزة لنبيه. قال بعضهم: وفي هذه الآية دلالة على تكذيب المنجمة، وليس كذلك، فإن فيهم من يصدق خبره، وكذلك المتطببة، فإنهم يعرفون طبائع النبات، وذا لا يعرف بالتأمل، فعلم بأنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق. قاله النسفي. فتحصل: أن إطلاع النبي على الغيب قطعي، وغيره ظني. وقال أبو السعود: وليس في الآية ما يدل على نفي كرامات الأولياء المتعلقة بالكشف، فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل لا يستلزم عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم أصلان ولا يدعي أحد لأحد من الأولياء ما في رتبة الرسل عليهم السلام من الكشف الكامل الحاصل بالوحي الصريح. ه. وفيه تعريض بالزمخشري، فإنه استدل بالآية على نفي كرامات الأولياء، قال: لأن الله خص الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم. قال بعض العلماء: ولا غرابة في إنكار معظم المعتزلة لكرامات الأولياء إذ هم لم يشاهدوا في جماعتهم الضالة المضلة وليا لله تعالى قط، فكيف يعرفون الكرامة؟!!. ه. { فإنه يسلك } يدخل { من بين يديه } أي: الرسول، { ومن خلفه } عند إظهاره على غيبه، { رصدا } حفظة وحرسا من الملائكة يحفظونه من تعرض الشيطان، لما أظهره عليه من الغيوب، ويعصمونه من وساوسهم، وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي، { ليعلم } الله علم شهادة { أن قد أبلغوا } أي: الرسل { رسالات ربهم } كاملة، بلا زيادة ولا نقصان، إلى المرسل إليهم، أي: ليعلم ذلك على ظهور، وقد كان يعلم ذلك قبل وجوده. ووحد الضمير في " يديه وخلفه " مراعاة للفظ من، وجمع في أبلغوا لمعناه، و " أن " مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، والجملة خبرها، { وأحاط } الله تعالى { بما لديهم } أي: بما عند الرسل من العلم { وأحصى كل شيء عددا } ، من القطر، والرمل، وورق الأشجار، وزبد البحر، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟! و " عددا ": حال، أي: علم كل شيء معدودا محصورا، أو مصدر، أي: أحصاه إحصاء. الإشارة: ومن يعص الله ورسوله، أو خليفته الداعي إلى الله بطريق التربية النبوية، فإن له نار القطيعة، خالدين فيها أبدا، وقد كانوا في حال حياتهم يستظهرون عليه بالدعاوى الفارغة، وكثرة الأتباع، حتى إذا رأوا ما يوعدون من أمارات الموت، فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا، قل: إن أدري أقريب ما توعدون من الموت، أم يجعل له ربي أمدا، ولا بد أن ينتهي، ويقع الرحيل إلى دار تنكشف فيها السرائر، ويفضح فيها الموعود. عالم الغيب، أي: يعلم ما غاب عن الحس من أسرار ذاته وأنوار ملكوته، أي: يعلم أسرار المعاني القائمة بالأواني، فلا يظهر على غيبه أحدا، أي: لا يكشف عن اسرار ذاته في دار الدنيا إلا لمن ارتضى من رسول، أو نائبه، وهو العارف الحقيقي، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، أي: يحفظه من جميع القواطع، من كل جهاته، حتى يوصله إلى حضرة أسرار ذاته، ليظهر أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ودعوا الناس إلى معرفة ذاته، وقد أحاط تعالى بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الجن 72:22

{ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به أحدا قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته... } يقول الحق جل جلاله: { وأن المساجد لله } أي: ومن جملة ما أوحي إلي: أن المساجد، أي: البيوت المبنية للصلاة فيها هي لله، وقيل: معناه: ولأن المساجد لله { فلا تدعوا } ، على أن اللام متعلقة ب " تدعوا " ، أي: فلا تدعوا { مع الله أحدا } في المساجد لأنها خالصة لله ولعبادته، فلا تعبدوا فيها غيره تعالى، ولا تفعلوا فيها إلا ما هو عبادة. وقيل: المراد: المسجد الحرام، والجمع لأن كل ناحية منه مسجد له قبلة مخصوصة، أو لأنه قبلة المساجد، وقيل: الأرض كلها لأن جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجدا وطهورا، وقيل: أعضاء السجود السبعة التي يسجد عليها العبد، وهي: القدمان، والركبتان، واليدان، والوجه، يقول: هذه الأعضاء أنعم الله بها عليك، فلا تسجد عليها لغيره، فتجحد نعمه، ولا تذلها لغير خالقها. فإن جعلت المساجد المواضع، فواحدها مسجد بكسر الجيم، وإن جعلت الأعضاء، فبفتح الجيم. { وأنه } أي: ومما أوحي إلي أن الشأن { لما قام عبد الله } ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم { يدعوه } يعبده في الصلاة، ويقرأ القرآن في صلاة الفجر، كما تقدم في الأحقاف، ولم يقل: نبي الله، أو رسول الله لأن العبودية من أشرف الخصال، أو: لأنه لما كان واقعا في كلامه صلى الله عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع، أو: لأن عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد حتى يجتمعوا عليه، كما قال: { كادوا } أي: كاد الجن { يكونون عليه لبدا } جماعات متراكبين من ازدحامهم عليه، تعجبا مما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به، أو إعجابا مما تلي من القرآن لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا ما لم يسمعوا بنظيره. وقيل: معناه: لما قام عليه السلام يعبد الله وحده مخالفا للمشركين، كادوا يزدحمون عليه متراكبين. واللبد: جمع لبدة، وهي ما تلبد بعضه على بعض. وعن قتادة: تلبدت الإنس والجن على أن يطفئوا نوره، فأبى الله إلا أن يظهره على من ناوأه. قال ابن عطية: قوله تعالى: وأنه... الخ، يحتمل أن يكون خطابا من الله تعالى، وأن يكون إخبارا عن الجن. { قال إنما أدعو } أي أعبد { ربي ولا أشرك به } في عبادتي { أحدا } ، فليس ذلك ببدع ولا بمستنكر يوجب التعجب أو الإطباق على عداوتي، وقرأ عاصم وحمزه " قل " بالأمر، ثم تبرأ من ملك الضر والنفع لأحد ولا لنفسه، وأن ذلك لله وحده، فلا يعبد إلا إياه، فقال: { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } والأصل: لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، ولا غيا ولا رشدا فترك من كلا المتقابلين ما ذكر في الآخر، أو أراد بالضر: الغي، أي: لا أستطيع أن أضركم ولا أنفعكم إذ ليس من وظيفتي إلا الإنذار. { قل إني لن يجيرني من الله أحد } أي: لن يدفع عني عذابه إن عصيته، كقول صالح عليه السلام: فمن ينصرني من الله إن عصيته [هود:63]، { ولن أجد من دونه ملتحدا } ملتجئا { إلا بلاغا من الله } ، استثناء من { لا أملك } أي: لا أملك لكم شيئا إلا تبليغ الرسالة، و { قل إني لن يجيرني }: اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه، وبيان عجزه، وقيل: { بلاغا }: بدل من { ملتحدا } ، أي: لن أجد من دونه ملجا إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به، أي: لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به فإنه ينجيني، وقوله: { ورسالاته }: عطف على " بلاغا " ، كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات، أي: إلا أن أبلغ عن الله، فأقول قال الله كذا، ناسبا قوله إليه، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها، بلا زيادة ولا نقصان ومن ليست صلة للتبليغ، إنما هي بمنزلة من في قوله: برآءة من الله [التوبة:1] أي: بلاغا كائنا من الله وتبليغ رسالاته قاله النسفي. والله تعالى أعلم. الإشارة: وأن مساجد الحضرة لله، والحضرة: شهود الذات الأقدس وحدها، فلا تدعوا مع الله أحدا، أي: لا تروا معه غيره، فتخرجوا من حضرته، وأنه لما قام عبد الله، وهو الداعي إلى الله في كل زمان يدعوه، ويدعو إليه، كادوا يكونون عليه لبدا، إما متعجبين منه، أو مقتبسين من أنواره، قال: إنما أدعو ربي ولا أشرك به شيئا قل يا أيها الداعي لتلك اللبد، لا أملك لكم من الله غيا ولا رشدا، إلا بلاغا، أي إنذارا وتبليغ ما كلفت به، فإنما أنا أدعو، والله يهدي على يدي من يشاء إلى صراط مستقيم، قل يا أيها الداعي: إني لن يجيرني من الله أحد إن قصرت في الدعوة أو أسأت الأدب، ولن أجد من دونه ملتجأ. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال من رد الرسالة، فقال: {...ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا }. يقول الحق جل جلاله: { ومن يعص الله ورسوله } في رد رسالته، وعدم قبول ما جاء به الرسول، { فإن له نار جهنم } ، وقرىء بفتح الهمزة، أي: فحقه، أو فجزاؤه أن له نار جهنم، { خالدين فيها } أي: في النار { أبدا } ، وحد في قوله " له " وجمع في " خالدين " للفظ من ومعناه. { حتى إذا رأوا ما يوعدون } ، متعلق بمحذوف، يدل عليه الحال من استضعاف الكفار لأمره صلى الله عليه وسلم، واستقلالهم لعدده، كأنه قيل: لا يزالون على ما هم عليه، { حتى إذا رأوا ما يوعدون } من فنون العذاب في الآخرة { فسيعلمون } عند حلول العذاب بهم { من أضعف ناصرا وأقل عددا } أهم أم المؤمنون؟ بل الكفار لا ناصر لهم يؤمئذ، والمؤمنون ينصرهم الله ويعزهم. وحمل { ما يوعدون } على ما رأوه يوم بدر، ويبعده قوله تعالى: { قل إن أدري أقريب ما توعدون } من العذاب، { أم يجعل له ربي أمدا } غاية بعيدة يعني: أنكم معذبون قطعا، ولكن لا أدري أهو حال أم مؤجل؟ { عالم الغيب } أي: هو عالم الغيب، { فلا يظهر } فلا يطلع { على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } أي: إلا رسولا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب ليكون إخباره عن الغيب معجزة له، والولي إذا أخبر بشيء فظهر فهو غير جازم به، وإنما أخبر به بناء على رؤيا، أو بالفراسة، أو بتجل قلبي، على أن كل كرامة لولي فهي معجزة لنبيه. قال بعضهم: وفي هذه الآية دلالة على تكذيب المنجمة، وليس كذلك، فإن فيهم من يصدق خبره، وكذلك المتطببة، فإنهم يعرفون طبائع النبات، وذا لا يعرف بالتأمل، فعلم بأنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق. قاله النسفي. فتحصل: أن إطلاع النبي على الغيب قطعي، وغيره ظني. وقال أبو السعود: وليس في الآية ما يدل على نفي كرامات الأولياء المتعلقة بالكشف، فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل لا يستلزم عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم أصلان ولا يدعي أحد لأحد من الأولياء ما في رتبة الرسل عليهم السلام من الكشف الكامل الحاصل بالوحي الصريح. ه. وفيه تعريض بالزمخشري، فإنه استدل بالآية على نفي كرامات الأولياء، قال: لأن الله خص الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم. قال بعض العلماء: ولا غرابة في إنكار معظم المعتزلة لكرامات الأولياء إذ هم لم يشاهدوا في جماعتهم الضالة المضلة وليا لله تعالى قط، فكيف يعرفون الكرامة؟!!. ه. { فإنه يسلك } يدخل { من بين يديه } أي: الرسول، { ومن خلفه } عند إظهاره على غيبه، { رصدا } حفظة وحرسا من الملائكة يحفظونه من تعرض الشيطان، لما أظهره عليه من الغيوب، ويعصمونه من وساوسهم، وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي، { ليعلم } الله علم شهادة { أن قد أبلغوا } أي: الرسل { رسالات ربهم } كاملة، بلا زيادة ولا نقصان، إلى المرسل إليهم، أي: ليعلم ذلك على ظهور، وقد كان يعلم ذلك قبل وجوده. ووحد الضمير في " يديه وخلفه " مراعاة للفظ من، وجمع في أبلغوا لمعناه، و " أن " مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، والجملة خبرها، { وأحاط } الله تعالى { بما لديهم } أي: بما عند الرسل من العلم { وأحصى كل شيء عددا } ، من القطر، والرمل، وورق الأشجار، وزبد البحر، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟! و " عددا ": حال، أي: علم كل شيء معدودا محصورا، أو مصدر، أي: أحصاه إحصاء. الإشارة: ومن يعص الله ورسوله، أو خليفته الداعي إلى الله بطريق التربية النبوية، فإن له نار القطيعة، خالدين فيها أبدا، وقد كانوا في حال حياتهم يستظهرون عليه بالدعاوى الفارغة، وكثرة الأتباع، حتى إذا رأوا ما يوعدون من أمارات الموت، فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا، قل: إن أدري أقريب ما توعدون من الموت، أم يجعل له ربي أمدا، ولا بد أن ينتهي، ويقع الرحيل إلى دار تنكشف فيها السرائر، ويفضح فيها الموعود. عالم الغيب، أي: يعلم ما غاب عن الحس من أسرار ذاته وأنوار ملكوته، أي: يعلم أسرار المعاني القائمة بالأواني، فلا يظهر على غيبه أحدا، أي: لا يكشف عن اسرار ذاته في دار الدنيا إلا لمن ارتضى من رسول، أو نائبه، وهو العارف الحقيقي، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، أي: يحفظه من جميع القواطع، من كل جهاته، حتى يوصله إلى حضرة أسرار ذاته، ليظهر أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ودعوا الناس إلى معرفة ذاته، وقد أحاط تعالى بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الجن 72:23

{ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به أحدا قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته... } يقول الحق جل جلاله: { وأن المساجد لله } أي: ومن جملة ما أوحي إلي: أن المساجد، أي: البيوت المبنية للصلاة فيها هي لله، وقيل: معناه: ولأن المساجد لله { فلا تدعوا } ، على أن اللام متعلقة ب " تدعوا " ، أي: فلا تدعوا { مع الله أحدا } في المساجد لأنها خالصة لله ولعبادته، فلا تعبدوا فيها غيره تعالى، ولا تفعلوا فيها إلا ما هو عبادة. وقيل: المراد: المسجد الحرام، والجمع لأن كل ناحية منه مسجد له قبلة مخصوصة، أو لأنه قبلة المساجد، وقيل: الأرض كلها لأن جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجدا وطهورا، وقيل: أعضاء السجود السبعة التي يسجد عليها العبد، وهي: القدمان، والركبتان، واليدان، والوجه، يقول: هذه الأعضاء أنعم الله بها عليك، فلا تسجد عليها لغيره، فتجحد نعمه، ولا تذلها لغير خالقها. فإن جعلت المساجد المواضع، فواحدها مسجد بكسر الجيم، وإن جعلت الأعضاء، فبفتح الجيم. { وأنه } أي: ومما أوحي إلي أن الشأن { لما قام عبد الله } ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم { يدعوه } يعبده في الصلاة، ويقرأ القرآن في صلاة الفجر، كما تقدم في الأحقاف، ولم يقل: نبي الله، أو رسول الله لأن العبودية من أشرف الخصال، أو: لأنه لما كان واقعا في كلامه صلى الله عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع، أو: لأن عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد حتى يجتمعوا عليه، كما قال: { كادوا } أي: كاد الجن { يكونون عليه لبدا } جماعات متراكبين من ازدحامهم عليه، تعجبا مما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به، أو إعجابا مما تلي من القرآن لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا ما لم يسمعوا بنظيره. وقيل: معناه: لما قام عليه السلام يعبد الله وحده مخالفا للمشركين، كادوا يزدحمون عليه متراكبين. واللبد: جمع لبدة، وهي ما تلبد بعضه على بعض. وعن قتادة: تلبدت الإنس والجن على أن يطفئوا نوره، فأبى الله إلا أن يظهره على من ناوأه. قال ابن عطية: قوله تعالى: وأنه... الخ، يحتمل أن يكون خطابا من الله تعالى، وأن يكون إخبارا عن الجن. { قال إنما أدعو } أي أعبد { ربي ولا أشرك به } في عبادتي { أحدا } ، فليس ذلك ببدع ولا بمستنكر يوجب التعجب أو الإطباق على عداوتي، وقرأ عاصم وحمزه " قل " بالأمر، ثم تبرأ من ملك الضر والنفع لأحد ولا لنفسه، وأن ذلك لله وحده، فلا يعبد إلا إياه، فقال: { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } والأصل: لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، ولا غيا ولا رشدا فترك من كلا المتقابلين ما ذكر في الآخر، أو أراد بالضر: الغي، أي: لا أستطيع أن أضركم ولا أنفعكم إذ ليس من وظيفتي إلا الإنذار. { قل إني لن يجيرني من الله أحد } أي: لن يدفع عني عذابه إن عصيته، كقول صالح عليه السلام: فمن ينصرني من الله إن عصيته [هود:63]، { ولن أجد من دونه ملتحدا } ملتجئا { إلا بلاغا من الله } ، استثناء من { لا أملك } أي: لا أملك لكم شيئا إلا تبليغ الرسالة، و { قل إني لن يجيرني }: اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه، وبيان عجزه، وقيل: { بلاغا }: بدل من { ملتحدا } ، أي: لن أجد من دونه ملجا إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به، أي: لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به فإنه ينجيني، وقوله: { ورسالاته }: عطف على " بلاغا " ، كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات، أي: إلا أن أبلغ عن الله، فأقول قال الله كذا، ناسبا قوله إليه، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها، بلا زيادة ولا نقصان ومن ليست صلة للتبليغ، إنما هي بمنزلة من في قوله: برآءة من الله [التوبة:1] أي: بلاغا كائنا من الله وتبليغ رسالاته قاله النسفي. والله تعالى أعلم. الإشارة: وأن مساجد الحضرة لله، والحضرة: شهود الذات الأقدس وحدها، فلا تدعوا مع الله أحدا، أي: لا تروا معه غيره، فتخرجوا من حضرته، وأنه لما قام عبد الله، وهو الداعي إلى الله في كل زمان يدعوه، ويدعو إليه، كادوا يكونون عليه لبدا، إما متعجبين منه، أو مقتبسين من أنواره، قال: إنما أدعو ربي ولا أشرك به شيئا قل يا أيها الداعي لتلك اللبد، لا أملك لكم من الله غيا ولا رشدا، إلا بلاغا، أي إنذارا وتبليغ ما كلفت به، فإنما أنا أدعو، والله يهدي على يدي من يشاء إلى صراط مستقيم، قل يا أيها الداعي: إني لن يجيرني من الله أحد إن قصرت في الدعوة أو أسأت الأدب، ولن أجد من دونه ملتجأ. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال من رد الرسالة، فقال: {...ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا }. يقول الحق جل جلاله: { ومن يعص الله ورسوله } في رد رسالته، وعدم قبول ما جاء به الرسول، { فإن له نار جهنم } ، وقرىء بفتح الهمزة، أي: فحقه، أو فجزاؤه أن له نار جهنم، { خالدين فيها } أي: في النار { أبدا } ، وحد في قوله " له " وجمع في " خالدين " للفظ من ومعناه. { حتى إذا رأوا ما يوعدون } ، متعلق بمحذوف، يدل عليه الحال من استضعاف الكفار لأمره صلى الله عليه وسلم، واستقلالهم لعدده، كأنه قيل: لا يزالون على ما هم عليه، { حتى إذا رأوا ما يوعدون } من فنون العذاب في الآخرة { فسيعلمون } عند حلول العذاب بهم { من أضعف ناصرا وأقل عددا } أهم أم المؤمنون؟ بل الكفار لا ناصر لهم يؤمئذ، والمؤمنون ينصرهم الله ويعزهم. وحمل { ما يوعدون } على ما رأوه يوم بدر، ويبعده قوله تعالى: { قل إن أدري أقريب ما توعدون } من العذاب، { أم يجعل له ربي أمدا } غاية بعيدة يعني: أنكم معذبون قطعا، ولكن لا أدري أهو حال أم مؤجل؟ { عالم الغيب } أي: هو عالم الغيب، { فلا يظهر } فلا يطلع { على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } أي: إلا رسولا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب ليكون إخباره عن الغيب معجزة له، والولي إذا أخبر بشيء فظهر فهو غير جازم به، وإنما أخبر به بناء على رؤيا، أو بالفراسة، أو بتجل قلبي، على أن كل كرامة لولي فهي معجزة لنبيه. قال بعضهم: وفي هذه الآية دلالة على تكذيب المنجمة، وليس كذلك، فإن فيهم من يصدق خبره، وكذلك المتطببة، فإنهم يعرفون طبائع النبات، وذا لا يعرف بالتأمل، فعلم بأنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق. قاله النسفي. فتحصل: أن إطلاع النبي على الغيب قطعي، وغيره ظني. وقال أبو السعود: وليس في الآية ما يدل على نفي كرامات الأولياء المتعلقة بالكشف، فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل لا يستلزم عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم أصلان ولا يدعي أحد لأحد من الأولياء ما في رتبة الرسل عليهم السلام من الكشف الكامل الحاصل بالوحي الصريح. ه. وفيه تعريض بالزمخشري، فإنه استدل بالآية على نفي كرامات الأولياء، قال: لأن الله خص الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم. قال بعض العلماء: ولا غرابة في إنكار معظم المعتزلة لكرامات الأولياء إذ هم لم يشاهدوا في جماعتهم الضالة المضلة وليا لله تعالى قط، فكيف يعرفون الكرامة؟!!. ه. { فإنه يسلك } يدخل { من بين يديه } أي: الرسول، { ومن خلفه } عند إظهاره على غيبه، { رصدا } حفظة وحرسا من الملائكة يحفظونه من تعرض الشيطان، لما أظهره عليه من الغيوب، ويعصمونه من وساوسهم، وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي، { ليعلم } الله علم شهادة { أن قد أبلغوا } أي: الرسل { رسالات ربهم } كاملة، بلا زيادة ولا نقصان، إلى المرسل إليهم، أي: ليعلم ذلك على ظهور، وقد كان يعلم ذلك قبل وجوده. ووحد الضمير في " يديه وخلفه " مراعاة للفظ من، وجمع في أبلغوا لمعناه، و " أن " مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، والجملة خبرها، { وأحاط } الله تعالى { بما لديهم } أي: بما عند الرسل من العلم { وأحصى كل شيء عددا } ، من القطر، والرمل، وورق الأشجار، وزبد البحر، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟! و " عددا ": حال، أي: علم كل شيء معدودا محصورا، أو مصدر، أي: أحصاه إحصاء. الإشارة: ومن يعص الله ورسوله، أو خليفته الداعي إلى الله بطريق التربية النبوية، فإن له نار القطيعة، خالدين فيها أبدا، وقد كانوا في حال حياتهم يستظهرون عليه بالدعاوى الفارغة، وكثرة الأتباع، حتى إذا رأوا ما يوعدون من أمارات الموت، فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا، قل: إن أدري أقريب ما توعدون من الموت، أم يجعل له ربي أمدا، ولا بد أن ينتهي، ويقع الرحيل إلى دار تنكشف فيها السرائر، ويفضح فيها الموعود. عالم الغيب، أي: يعلم ما غاب عن الحس من أسرار ذاته وأنوار ملكوته، أي: يعلم أسرار المعاني القائمة بالأواني، فلا يظهر على غيبه أحدا، أي: لا يكشف عن اسرار ذاته في دار الدنيا إلا لمن ارتضى من رسول، أو نائبه، وهو العارف الحقيقي، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، أي: يحفظه من جميع القواطع، من كل جهاته، حتى يوصله إلى حضرة أسرار ذاته، ليظهر أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ودعوا الناس إلى معرفة ذاته، وقد أحاط تعالى بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الجن 72:24

{ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به أحدا قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته... } يقول الحق جل جلاله: { وأن المساجد لله } أي: ومن جملة ما أوحي إلي: أن المساجد، أي: البيوت المبنية للصلاة فيها هي لله، وقيل: معناه: ولأن المساجد لله { فلا تدعوا } ، على أن اللام متعلقة ب " تدعوا " ، أي: فلا تدعوا { مع الله أحدا } في المساجد لأنها خالصة لله ولعبادته، فلا تعبدوا فيها غيره تعالى، ولا تفعلوا فيها إلا ما هو عبادة. وقيل: المراد: المسجد الحرام، والجمع لأن كل ناحية منه مسجد له قبلة مخصوصة، أو لأنه قبلة المساجد، وقيل: الأرض كلها لأن جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجدا وطهورا، وقيل: أعضاء السجود السبعة التي يسجد عليها العبد، وهي: القدمان، والركبتان، واليدان، والوجه، يقول: هذه الأعضاء أنعم الله بها عليك، فلا تسجد عليها لغيره، فتجحد نعمه، ولا تذلها لغير خالقها. فإن جعلت المساجد المواضع، فواحدها مسجد بكسر الجيم، وإن جعلت الأعضاء، فبفتح الجيم. { وأنه } أي: ومما أوحي إلي أن الشأن { لما قام عبد الله } ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم { يدعوه } يعبده في الصلاة، ويقرأ القرآن في صلاة الفجر، كما تقدم في الأحقاف، ولم يقل: نبي الله، أو رسول الله لأن العبودية من أشرف الخصال، أو: لأنه لما كان واقعا في كلامه صلى الله عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع، أو: لأن عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد حتى يجتمعوا عليه، كما قال: { كادوا } أي: كاد الجن { يكونون عليه لبدا } جماعات متراكبين من ازدحامهم عليه، تعجبا مما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به، أو إعجابا مما تلي من القرآن لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا ما لم يسمعوا بنظيره. وقيل: معناه: لما قام عليه السلام يعبد الله وحده مخالفا للمشركين، كادوا يزدحمون عليه متراكبين. واللبد: جمع لبدة، وهي ما تلبد بعضه على بعض. وعن قتادة: تلبدت الإنس والجن على أن يطفئوا نوره، فأبى الله إلا أن يظهره على من ناوأه. قال ابن عطية: قوله تعالى: وأنه... الخ، يحتمل أن يكون خطابا من الله تعالى، وأن يكون إخبارا عن الجن. { قال إنما أدعو } أي أعبد { ربي ولا أشرك به } في عبادتي { أحدا } ، فليس ذلك ببدع ولا بمستنكر يوجب التعجب أو الإطباق على عداوتي، وقرأ عاصم وحمزه " قل " بالأمر، ثم تبرأ من ملك الضر والنفع لأحد ولا لنفسه، وأن ذلك لله وحده، فلا يعبد إلا إياه، فقال: { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } والأصل: لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، ولا غيا ولا رشدا فترك من كلا المتقابلين ما ذكر في الآخر، أو أراد بالضر: الغي، أي: لا أستطيع أن أضركم ولا أنفعكم إذ ليس من وظيفتي إلا الإنذار. { قل إني لن يجيرني من الله أحد } أي: لن يدفع عني عذابه إن عصيته، كقول صالح عليه السلام: فمن ينصرني من الله إن عصيته [هود:63]، { ولن أجد من دونه ملتحدا } ملتجئا { إلا بلاغا من الله } ، استثناء من { لا أملك } أي: لا أملك لكم شيئا إلا تبليغ الرسالة، و { قل إني لن يجيرني }: اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه، وبيان عجزه، وقيل: { بلاغا }: بدل من { ملتحدا } ، أي: لن أجد من دونه ملجا إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به، أي: لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به فإنه ينجيني، وقوله: { ورسالاته }: عطف على " بلاغا " ، كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات، أي: إلا أن أبلغ عن الله، فأقول قال الله كذا، ناسبا قوله إليه، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها، بلا زيادة ولا نقصان ومن ليست صلة للتبليغ، إنما هي بمنزلة من في قوله: برآءة من الله [التوبة:1] أي: بلاغا كائنا من الله وتبليغ رسالاته قاله النسفي. والله تعالى أعلم. الإشارة: وأن مساجد الحضرة لله، والحضرة: شهود الذات الأقدس وحدها، فلا تدعوا مع الله أحدا، أي: لا تروا معه غيره، فتخرجوا من حضرته، وأنه لما قام عبد الله، وهو الداعي إلى الله في كل زمان يدعوه، ويدعو إليه، كادوا يكونون عليه لبدا، إما متعجبين منه، أو مقتبسين من أنواره، قال: إنما أدعو ربي ولا أشرك به شيئا قل يا أيها الداعي لتلك اللبد، لا أملك لكم من الله غيا ولا رشدا، إلا بلاغا، أي إنذارا وتبليغ ما كلفت به، فإنما أنا أدعو، والله يهدي على يدي من يشاء إلى صراط مستقيم، قل يا أيها الداعي: إني لن يجيرني من الله أحد إن قصرت في الدعوة أو أسأت الأدب، ولن أجد من دونه ملتجأ. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال من رد الرسالة، فقال: {...ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا }. يقول الحق جل جلاله: { ومن يعص الله ورسوله } في رد رسالته، وعدم قبول ما جاء به الرسول، { فإن له نار جهنم } ، وقرىء بفتح الهمزة، أي: فحقه، أو فجزاؤه أن له نار جهنم، { خالدين فيها } أي: في النار { أبدا } ، وحد في قوله " له " وجمع في " خالدين " للفظ من ومعناه. { حتى إذا رأوا ما يوعدون } ، متعلق بمحذوف، يدل عليه الحال من استضعاف الكفار لأمره صلى الله عليه وسلم، واستقلالهم لعدده، كأنه قيل: لا يزالون على ما هم عليه، { حتى إذا رأوا ما يوعدون } من فنون العذاب في الآخرة { فسيعلمون } عند حلول العذاب بهم { من أضعف ناصرا وأقل عددا } أهم أم المؤمنون؟ بل الكفار لا ناصر لهم يؤمئذ، والمؤمنون ينصرهم الله ويعزهم. وحمل { ما يوعدون } على ما رأوه يوم بدر، ويبعده قوله تعالى: { قل إن أدري أقريب ما توعدون } من العذاب، { أم يجعل له ربي أمدا } غاية بعيدة يعني: أنكم معذبون قطعا، ولكن لا أدري أهو حال أم مؤجل؟ { عالم الغيب } أي: هو عالم الغيب، { فلا يظهر } فلا يطلع { على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } أي: إلا رسولا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب ليكون إخباره عن الغيب معجزة له، والولي إذا أخبر بشيء فظهر فهو غير جازم به، وإنما أخبر به بناء على رؤيا، أو بالفراسة، أو بتجل قلبي، على أن كل كرامة لولي فهي معجزة لنبيه. قال بعضهم: وفي هذه الآية دلالة على تكذيب المنجمة، وليس كذلك، فإن فيهم من يصدق خبره، وكذلك المتطببة، فإنهم يعرفون طبائع النبات، وذا لا يعرف بالتأمل، فعلم بأنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق. قاله النسفي. فتحصل: أن إطلاع النبي على الغيب قطعي، وغيره ظني. وقال أبو السعود: وليس في الآية ما يدل على نفي كرامات الأولياء المتعلقة بالكشف، فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل لا يستلزم عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم أصلان ولا يدعي أحد لأحد من الأولياء ما في رتبة الرسل عليهم السلام من الكشف الكامل الحاصل بالوحي الصريح. ه. وفيه تعريض بالزمخشري، فإنه استدل بالآية على نفي كرامات الأولياء، قال: لأن الله خص الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم. قال بعض العلماء: ولا غرابة في إنكار معظم المعتزلة لكرامات الأولياء إذ هم لم يشاهدوا في جماعتهم الضالة المضلة وليا لله تعالى قط، فكيف يعرفون الكرامة؟!!. ه. { فإنه يسلك } يدخل { من بين يديه } أي: الرسول، { ومن خلفه } عند إظهاره على غيبه، { رصدا } حفظة وحرسا من الملائكة يحفظونه من تعرض الشيطان، لما أظهره عليه من الغيوب، ويعصمونه من وساوسهم، وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي، { ليعلم } الله علم شهادة { أن قد أبلغوا } أي: الرسل { رسالات ربهم } كاملة، بلا زيادة ولا نقصان، إلى المرسل إليهم، أي: ليعلم ذلك على ظهور، وقد كان يعلم ذلك قبل وجوده. ووحد الضمير في " يديه وخلفه " مراعاة للفظ من، وجمع في أبلغوا لمعناه، و " أن " مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، والجملة خبرها، { وأحاط } الله تعالى { بما لديهم } أي: بما عند الرسل من العلم { وأحصى كل شيء عددا } ، من القطر، والرمل، وورق الأشجار، وزبد البحر، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟! و " عددا ": حال، أي: علم كل شيء معدودا محصورا، أو مصدر، أي: أحصاه إحصاء. الإشارة: ومن يعص الله ورسوله، أو خليفته الداعي إلى الله بطريق التربية النبوية، فإن له نار القطيعة، خالدين فيها أبدا، وقد كانوا في حال حياتهم يستظهرون عليه بالدعاوى الفارغة، وكثرة الأتباع، حتى إذا رأوا ما يوعدون من أمارات الموت، فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا، قل: إن أدري أقريب ما توعدون من الموت، أم يجعل له ربي أمدا، ولا بد أن ينتهي، ويقع الرحيل إلى دار تنكشف فيها السرائر، ويفضح فيها الموعود. عالم الغيب، أي: يعلم ما غاب عن الحس من أسرار ذاته وأنوار ملكوته، أي: يعلم أسرار المعاني القائمة بالأواني، فلا يظهر على غيبه أحدا، أي: لا يكشف عن اسرار ذاته في دار الدنيا إلا لمن ارتضى من رسول، أو نائبه، وهو العارف الحقيقي، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، أي: يحفظه من جميع القواطع، من كل جهاته، حتى يوصله إلى حضرة أسرار ذاته، ليظهر أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ودعوا الناس إلى معرفة ذاته، وقد أحاط تعالى بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الجن 72:25

{ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به أحدا قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته... } يقول الحق جل جلاله: { وأن المساجد لله } أي: ومن جملة ما أوحي إلي: أن المساجد، أي: البيوت المبنية للصلاة فيها هي لله، وقيل: معناه: ولأن المساجد لله { فلا تدعوا } ، على أن اللام متعلقة ب " تدعوا " ، أي: فلا تدعوا { مع الله أحدا } في المساجد لأنها خالصة لله ولعبادته، فلا تعبدوا فيها غيره تعالى، ولا تفعلوا فيها إلا ما هو عبادة. وقيل: المراد: المسجد الحرام، والجمع لأن كل ناحية منه مسجد له قبلة مخصوصة، أو لأنه قبلة المساجد، وقيل: الأرض كلها لأن جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجدا وطهورا، وقيل: أعضاء السجود السبعة التي يسجد عليها العبد، وهي: القدمان، والركبتان، واليدان، والوجه، يقول: هذه الأعضاء أنعم الله بها عليك، فلا تسجد عليها لغيره، فتجحد نعمه، ولا تذلها لغير خالقها. فإن جعلت المساجد المواضع، فواحدها مسجد بكسر الجيم، وإن جعلت الأعضاء، فبفتح الجيم. { وأنه } أي: ومما أوحي إلي أن الشأن { لما قام عبد الله } ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم { يدعوه } يعبده في الصلاة، ويقرأ القرآن في صلاة الفجر، كما تقدم في الأحقاف، ولم يقل: نبي الله، أو رسول الله لأن العبودية من أشرف الخصال، أو: لأنه لما كان واقعا في كلامه صلى الله عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع، أو: لأن عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد حتى يجتمعوا عليه، كما قال: { كادوا } أي: كاد الجن { يكونون عليه لبدا } جماعات متراكبين من ازدحامهم عليه، تعجبا مما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به، أو إعجابا مما تلي من القرآن لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا ما لم يسمعوا بنظيره. وقيل: معناه: لما قام عليه السلام يعبد الله وحده مخالفا للمشركين، كادوا يزدحمون عليه متراكبين. واللبد: جمع لبدة، وهي ما تلبد بعضه على بعض. وعن قتادة: تلبدت الإنس والجن على أن يطفئوا نوره، فأبى الله إلا أن يظهره على من ناوأه. قال ابن عطية: قوله تعالى: وأنه... الخ، يحتمل أن يكون خطابا من الله تعالى، وأن يكون إخبارا عن الجن. { قال إنما أدعو } أي أعبد { ربي ولا أشرك به } في عبادتي { أحدا } ، فليس ذلك ببدع ولا بمستنكر يوجب التعجب أو الإطباق على عداوتي، وقرأ عاصم وحمزه " قل " بالأمر، ثم تبرأ من ملك الضر والنفع لأحد ولا لنفسه، وأن ذلك لله وحده، فلا يعبد إلا إياه، فقال: { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } والأصل: لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، ولا غيا ولا رشدا فترك من كلا المتقابلين ما ذكر في الآخر، أو أراد بالضر: الغي، أي: لا أستطيع أن أضركم ولا أنفعكم إذ ليس من وظيفتي إلا الإنذار. { قل إني لن يجيرني من الله أحد } أي: لن يدفع عني عذابه إن عصيته، كقول صالح عليه السلام: فمن ينصرني من الله إن عصيته [هود:63]، { ولن أجد من دونه ملتحدا } ملتجئا { إلا بلاغا من الله } ، استثناء من { لا أملك } أي: لا أملك لكم شيئا إلا تبليغ الرسالة، و { قل إني لن يجيرني }: اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه، وبيان عجزه، وقيل: { بلاغا }: بدل من { ملتحدا } ، أي: لن أجد من دونه ملجا إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به، أي: لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به فإنه ينجيني، وقوله: { ورسالاته }: عطف على " بلاغا " ، كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات، أي: إلا أن أبلغ عن الله، فأقول قال الله كذا، ناسبا قوله إليه، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها، بلا زيادة ولا نقصان ومن ليست صلة للتبليغ، إنما هي بمنزلة من في قوله: برآءة من الله [التوبة:1] أي: بلاغا كائنا من الله وتبليغ رسالاته قاله النسفي. والله تعالى أعلم. الإشارة: وأن مساجد الحضرة لله، والحضرة: شهود الذات الأقدس وحدها، فلا تدعوا مع الله أحدا، أي: لا تروا معه غيره، فتخرجوا من حضرته، وأنه لما قام عبد الله، وهو الداعي إلى الله في كل زمان يدعوه، ويدعو إليه، كادوا يكونون عليه لبدا، إما متعجبين منه، أو مقتبسين من أنواره، قال: إنما أدعو ربي ولا أشرك به شيئا قل يا أيها الداعي لتلك اللبد، لا أملك لكم من الله غيا ولا رشدا، إلا بلاغا، أي إنذارا وتبليغ ما كلفت به، فإنما أنا أدعو، والله يهدي على يدي من يشاء إلى صراط مستقيم، قل يا أيها الداعي: إني لن يجيرني من الله أحد إن قصرت في الدعوة أو أسأت الأدب، ولن أجد من دونه ملتجأ. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال من رد الرسالة، فقال: {...ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا }. يقول الحق جل جلاله: { ومن يعص الله ورسوله } في رد رسالته، وعدم قبول ما جاء به الرسول، { فإن له نار جهنم } ، وقرىء بفتح الهمزة، أي: فحقه، أو فجزاؤه أن له نار جهنم، { خالدين فيها } أي: في النار { أبدا } ، وحد في قوله " له " وجمع في " خالدين " للفظ من ومعناه. { حتى إذا رأوا ما يوعدون } ، متعلق بمحذوف، يدل عليه الحال من استضعاف الكفار لأمره صلى الله عليه وسلم، واستقلالهم لعدده، كأنه قيل: لا يزالون على ما هم عليه، { حتى إذا رأوا ما يوعدون } من فنون العذاب في الآخرة { فسيعلمون } عند حلول العذاب بهم { من أضعف ناصرا وأقل عددا } أهم أم المؤمنون؟ بل الكفار لا ناصر لهم يؤمئذ، والمؤمنون ينصرهم الله ويعزهم. وحمل { ما يوعدون } على ما رأوه يوم بدر، ويبعده قوله تعالى: { قل إن أدري أقريب ما توعدون } من العذاب، { أم يجعل له ربي أمدا } غاية بعيدة يعني: أنكم معذبون قطعا، ولكن لا أدري أهو حال أم مؤجل؟ { عالم الغيب } أي: هو عالم الغيب، { فلا يظهر } فلا يطلع { على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } أي: إلا رسولا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب ليكون إخباره عن الغيب معجزة له، والولي إذا أخبر بشيء فظهر فهو غير جازم به، وإنما أخبر به بناء على رؤيا، أو بالفراسة، أو بتجل قلبي، على أن كل كرامة لولي فهي معجزة لنبيه. قال بعضهم: وفي هذه الآية دلالة على تكذيب المنجمة، وليس كذلك، فإن فيهم من يصدق خبره، وكذلك المتطببة، فإنهم يعرفون طبائع النبات، وذا لا يعرف بالتأمل، فعلم بأنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق. قاله النسفي. فتحصل: أن إطلاع النبي على الغيب قطعي، وغيره ظني. وقال أبو السعود: وليس في الآية ما يدل على نفي كرامات الأولياء المتعلقة بالكشف، فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل لا يستلزم عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم أصلان ولا يدعي أحد لأحد من الأولياء ما في رتبة الرسل عليهم السلام من الكشف الكامل الحاصل بالوحي الصريح. ه. وفيه تعريض بالزمخشري، فإنه استدل بالآية على نفي كرامات الأولياء، قال: لأن الله خص الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم. قال بعض العلماء: ولا غرابة في إنكار معظم المعتزلة لكرامات الأولياء إذ هم لم يشاهدوا في جماعتهم الضالة المضلة وليا لله تعالى قط، فكيف يعرفون الكرامة؟!!. ه. { فإنه يسلك } يدخل { من بين يديه } أي: الرسول، { ومن خلفه } عند إظهاره على غيبه، { رصدا } حفظة وحرسا من الملائكة يحفظونه من تعرض الشيطان، لما أظهره عليه من الغيوب، ويعصمونه من وساوسهم، وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي، { ليعلم } الله علم شهادة { أن قد أبلغوا } أي: الرسل { رسالات ربهم } كاملة، بلا زيادة ولا نقصان، إلى المرسل إليهم، أي: ليعلم ذلك على ظهور، وقد كان يعلم ذلك قبل وجوده. ووحد الضمير في " يديه وخلفه " مراعاة للفظ من، وجمع في أبلغوا لمعناه، و " أن " مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، والجملة خبرها، { وأحاط } الله تعالى { بما لديهم } أي: بما عند الرسل من العلم { وأحصى كل شيء عددا } ، من القطر، والرمل، وورق الأشجار، وزبد البحر، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟! و " عددا ": حال، أي: علم كل شيء معدودا محصورا، أو مصدر، أي: أحصاه إحصاء. الإشارة: ومن يعص الله ورسوله، أو خليفته الداعي إلى الله بطريق التربية النبوية، فإن له نار القطيعة، خالدين فيها أبدا، وقد كانوا في حال حياتهم يستظهرون عليه بالدعاوى الفارغة، وكثرة الأتباع، حتى إذا رأوا ما يوعدون من أمارات الموت، فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا، قل: إن أدري أقريب ما توعدون من الموت، أم يجعل له ربي أمدا، ولا بد أن ينتهي، ويقع الرحيل إلى دار تنكشف فيها السرائر، ويفضح فيها الموعود. عالم الغيب، أي: يعلم ما غاب عن الحس من أسرار ذاته وأنوار ملكوته، أي: يعلم أسرار المعاني القائمة بالأواني، فلا يظهر على غيبه أحدا، أي: لا يكشف عن اسرار ذاته في دار الدنيا إلا لمن ارتضى من رسول، أو نائبه، وهو العارف الحقيقي، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، أي: يحفظه من جميع القواطع، من كل جهاته، حتى يوصله إلى حضرة أسرار ذاته، ليظهر أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ودعوا الناس إلى معرفة ذاته، وقد أحاط تعالى بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الجن 72:26

{ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به أحدا قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته... } يقول الحق جل جلاله: { وأن المساجد لله } أي: ومن جملة ما أوحي إلي: أن المساجد، أي: البيوت المبنية للصلاة فيها هي لله، وقيل: معناه: ولأن المساجد لله { فلا تدعوا } ، على أن اللام متعلقة ب " تدعوا " ، أي: فلا تدعوا { مع الله أحدا } في المساجد لأنها خالصة لله ولعبادته، فلا تعبدوا فيها غيره تعالى، ولا تفعلوا فيها إلا ما هو عبادة. وقيل: المراد: المسجد الحرام، والجمع لأن كل ناحية منه مسجد له قبلة مخصوصة، أو لأنه قبلة المساجد، وقيل: الأرض كلها لأن جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجدا وطهورا، وقيل: أعضاء السجود السبعة التي يسجد عليها العبد، وهي: القدمان، والركبتان، واليدان، والوجه، يقول: هذه الأعضاء أنعم الله بها عليك، فلا تسجد عليها لغيره، فتجحد نعمه، ولا تذلها لغير خالقها. فإن جعلت المساجد المواضع، فواحدها مسجد بكسر الجيم، وإن جعلت الأعضاء، فبفتح الجيم. { وأنه } أي: ومما أوحي إلي أن الشأن { لما قام عبد الله } ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم { يدعوه } يعبده في الصلاة، ويقرأ القرآن في صلاة الفجر، كما تقدم في الأحقاف، ولم يقل: نبي الله، أو رسول الله لأن العبودية من أشرف الخصال، أو: لأنه لما كان واقعا في كلامه صلى الله عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع، أو: لأن عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد حتى يجتمعوا عليه، كما قال: { كادوا } أي: كاد الجن { يكونون عليه لبدا } جماعات متراكبين من ازدحامهم عليه، تعجبا مما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به، أو إعجابا مما تلي من القرآن لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا ما لم يسمعوا بنظيره. وقيل: معناه: لما قام عليه السلام يعبد الله وحده مخالفا للمشركين، كادوا يزدحمون عليه متراكبين. واللبد: جمع لبدة، وهي ما تلبد بعضه على بعض. وعن قتادة: تلبدت الإنس والجن على أن يطفئوا نوره، فأبى الله إلا أن يظهره على من ناوأه. قال ابن عطية: قوله تعالى: وأنه... الخ، يحتمل أن يكون خطابا من الله تعالى، وأن يكون إخبارا عن الجن. { قال إنما أدعو } أي أعبد { ربي ولا أشرك به } في عبادتي { أحدا } ، فليس ذلك ببدع ولا بمستنكر يوجب التعجب أو الإطباق على عداوتي، وقرأ عاصم وحمزه " قل " بالأمر، ثم تبرأ من ملك الضر والنفع لأحد ولا لنفسه، وأن ذلك لله وحده، فلا يعبد إلا إياه، فقال: { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } والأصل: لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، ولا غيا ولا رشدا فترك من كلا المتقابلين ما ذكر في الآخر، أو أراد بالضر: الغي، أي: لا أستطيع أن أضركم ولا أنفعكم إذ ليس من وظيفتي إلا الإنذار. { قل إني لن يجيرني من الله أحد } أي: لن يدفع عني عذابه إن عصيته، كقول صالح عليه السلام: فمن ينصرني من الله إن عصيته [هود:63]، { ولن أجد من دونه ملتحدا } ملتجئا { إلا بلاغا من الله } ، استثناء من { لا أملك } أي: لا أملك لكم شيئا إلا تبليغ الرسالة، و { قل إني لن يجيرني }: اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه، وبيان عجزه، وقيل: { بلاغا }: بدل من { ملتحدا } ، أي: لن أجد من دونه ملجا إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به، أي: لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به فإنه ينجيني، وقوله: { ورسالاته }: عطف على " بلاغا " ، كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات، أي: إلا أن أبلغ عن الله، فأقول قال الله كذا، ناسبا قوله إليه، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها، بلا زيادة ولا نقصان ومن ليست صلة للتبليغ، إنما هي بمنزلة من في قوله: برآءة من الله [التوبة:1] أي: بلاغا كائنا من الله وتبليغ رسالاته قاله النسفي. والله تعالى أعلم. الإشارة: وأن مساجد الحضرة لله، والحضرة: شهود الذات الأقدس وحدها، فلا تدعوا مع الله أحدا، أي: لا تروا معه غيره، فتخرجوا من حضرته، وأنه لما قام عبد الله، وهو الداعي إلى الله في كل زمان يدعوه، ويدعو إليه، كادوا يكونون عليه لبدا، إما متعجبين منه، أو مقتبسين من أنواره، قال: إنما أدعو ربي ولا أشرك به شيئا قل يا أيها الداعي لتلك اللبد، لا أملك لكم من الله غيا ولا رشدا، إلا بلاغا، أي إنذارا وتبليغ ما كلفت به، فإنما أنا أدعو، والله يهدي على يدي من يشاء إلى صراط مستقيم، قل يا أيها الداعي: إني لن يجيرني من الله أحد إن قصرت في الدعوة أو أسأت الأدب، ولن أجد من دونه ملتجأ. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال من رد الرسالة، فقال: {...ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا }. يقول الحق جل جلاله: { ومن يعص الله ورسوله } في رد رسالته، وعدم قبول ما جاء به الرسول، { فإن له نار جهنم } ، وقرىء بفتح الهمزة، أي: فحقه، أو فجزاؤه أن له نار جهنم، { خالدين فيها } أي: في النار { أبدا } ، وحد في قوله " له " وجمع في " خالدين " للفظ من ومعناه. { حتى إذا رأوا ما يوعدون } ، متعلق بمحذوف، يدل عليه الحال من استضعاف الكفار لأمره صلى الله عليه وسلم، واستقلالهم لعدده، كأنه قيل: لا يزالون على ما هم عليه، { حتى إذا رأوا ما يوعدون } من فنون العذاب في الآخرة { فسيعلمون } عند حلول العذاب بهم { من أضعف ناصرا وأقل عددا } أهم أم المؤمنون؟ بل الكفار لا ناصر لهم يؤمئذ، والمؤمنون ينصرهم الله ويعزهم. وحمل { ما يوعدون } على ما رأوه يوم بدر، ويبعده قوله تعالى: { قل إن أدري أقريب ما توعدون } من العذاب، { أم يجعل له ربي أمدا } غاية بعيدة يعني: أنكم معذبون قطعا، ولكن لا أدري أهو حال أم مؤجل؟ { عالم الغيب } أي: هو عالم الغيب، { فلا يظهر } فلا يطلع { على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } أي: إلا رسولا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب ليكون إخباره عن الغيب معجزة له، والولي إذا أخبر بشيء فظهر فهو غير جازم به، وإنما أخبر به بناء على رؤيا، أو بالفراسة، أو بتجل قلبي، على أن كل كرامة لولي فهي معجزة لنبيه. قال بعضهم: وفي هذه الآية دلالة على تكذيب المنجمة، وليس كذلك، فإن فيهم من يصدق خبره، وكذلك المتطببة، فإنهم يعرفون طبائع النبات، وذا لا يعرف بالتأمل، فعلم بأنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق. قاله النسفي. فتحصل: أن إطلاع النبي على الغيب قطعي، وغيره ظني. وقال أبو السعود: وليس في الآية ما يدل على نفي كرامات الأولياء المتعلقة بالكشف، فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل لا يستلزم عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم أصلان ولا يدعي أحد لأحد من الأولياء ما في رتبة الرسل عليهم السلام من الكشف الكامل الحاصل بالوحي الصريح. ه. وفيه تعريض بالزمخشري، فإنه استدل بالآية على نفي كرامات الأولياء، قال: لأن الله خص الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم. قال بعض العلماء: ولا غرابة في إنكار معظم المعتزلة لكرامات الأولياء إذ هم لم يشاهدوا في جماعتهم الضالة المضلة وليا لله تعالى قط، فكيف يعرفون الكرامة؟!!. ه. { فإنه يسلك } يدخل { من بين يديه } أي: الرسول، { ومن خلفه } عند إظهاره على غيبه، { رصدا } حفظة وحرسا من الملائكة يحفظونه من تعرض الشيطان، لما أظهره عليه من الغيوب، ويعصمونه من وساوسهم، وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي، { ليعلم } الله علم شهادة { أن قد أبلغوا } أي: الرسل { رسالات ربهم } كاملة، بلا زيادة ولا نقصان، إلى المرسل إليهم، أي: ليعلم ذلك على ظهور، وقد كان يعلم ذلك قبل وجوده. ووحد الضمير في " يديه وخلفه " مراعاة للفظ من، وجمع في أبلغوا لمعناه، و " أن " مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، والجملة خبرها، { وأحاط } الله تعالى { بما لديهم } أي: بما عند الرسل من العلم { وأحصى كل شيء عددا } ، من القطر، والرمل، وورق الأشجار، وزبد البحر، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟! و " عددا ": حال، أي: علم كل شيء معدودا محصورا، أو مصدر، أي: أحصاه إحصاء. الإشارة: ومن يعص الله ورسوله، أو خليفته الداعي إلى الله بطريق التربية النبوية، فإن له نار القطيعة، خالدين فيها أبدا، وقد كانوا في حال حياتهم يستظهرون عليه بالدعاوى الفارغة، وكثرة الأتباع، حتى إذا رأوا ما يوعدون من أمارات الموت، فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا، قل: إن أدري أقريب ما توعدون من الموت، أم يجعل له ربي أمدا، ولا بد أن ينتهي، ويقع الرحيل إلى دار تنكشف فيها السرائر، ويفضح فيها الموعود. عالم الغيب، أي: يعلم ما غاب عن الحس من أسرار ذاته وأنوار ملكوته، أي: يعلم أسرار المعاني القائمة بالأواني، فلا يظهر على غيبه أحدا، أي: لا يكشف عن اسرار ذاته في دار الدنيا إلا لمن ارتضى من رسول، أو نائبه، وهو العارف الحقيقي، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، أي: يحفظه من جميع القواطع، من كل جهاته، حتى يوصله إلى حضرة أسرار ذاته، ليظهر أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ودعوا الناس إلى معرفة ذاته، وقد أحاط تعالى بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الجن 72:27

{ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به أحدا قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته... } يقول الحق جل جلاله: { وأن المساجد لله } أي: ومن جملة ما أوحي إلي: أن المساجد، أي: البيوت المبنية للصلاة فيها هي لله، وقيل: معناه: ولأن المساجد لله { فلا تدعوا } ، على أن اللام متعلقة ب " تدعوا " ، أي: فلا تدعوا { مع الله أحدا } في المساجد لأنها خالصة لله ولعبادته، فلا تعبدوا فيها غيره تعالى، ولا تفعلوا فيها إلا ما هو عبادة. وقيل: المراد: المسجد الحرام، والجمع لأن كل ناحية منه مسجد له قبلة مخصوصة، أو لأنه قبلة المساجد، وقيل: الأرض كلها لأن جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجدا وطهورا، وقيل: أعضاء السجود السبعة التي يسجد عليها العبد، وهي: القدمان، والركبتان، واليدان، والوجه، يقول: هذه الأعضاء أنعم الله بها عليك، فلا تسجد عليها لغيره، فتجحد نعمه، ولا تذلها لغير خالقها. فإن جعلت المساجد المواضع، فواحدها مسجد بكسر الجيم، وإن جعلت الأعضاء، فبفتح الجيم. { وأنه } أي: ومما أوحي إلي أن الشأن { لما قام عبد الله } ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم { يدعوه } يعبده في الصلاة، ويقرأ القرآن في صلاة الفجر، كما تقدم في الأحقاف، ولم يقل: نبي الله، أو رسول الله لأن العبودية من أشرف الخصال، أو: لأنه لما كان واقعا في كلامه صلى الله عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع، أو: لأن عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد حتى يجتمعوا عليه، كما قال: { كادوا } أي: كاد الجن { يكونون عليه لبدا } جماعات متراكبين من ازدحامهم عليه، تعجبا مما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به، أو إعجابا مما تلي من القرآن لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا ما لم يسمعوا بنظيره. وقيل: معناه: لما قام عليه السلام يعبد الله وحده مخالفا للمشركين، كادوا يزدحمون عليه متراكبين. واللبد: جمع لبدة، وهي ما تلبد بعضه على بعض. وعن قتادة: تلبدت الإنس والجن على أن يطفئوا نوره، فأبى الله إلا أن يظهره على من ناوأه. قال ابن عطية: قوله تعالى: وأنه... الخ، يحتمل أن يكون خطابا من الله تعالى، وأن يكون إخبارا عن الجن. { قال إنما أدعو } أي أعبد { ربي ولا أشرك به } في عبادتي { أحدا } ، فليس ذلك ببدع ولا بمستنكر يوجب التعجب أو الإطباق على عداوتي، وقرأ عاصم وحمزه " قل " بالأمر، ثم تبرأ من ملك الضر والنفع لأحد ولا لنفسه، وأن ذلك لله وحده، فلا يعبد إلا إياه، فقال: { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } والأصل: لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، ولا غيا ولا رشدا فترك من كلا المتقابلين ما ذكر في الآخر، أو أراد بالضر: الغي، أي: لا أستطيع أن أضركم ولا أنفعكم إذ ليس من وظيفتي إلا الإنذار. { قل إني لن يجيرني من الله أحد } أي: لن يدفع عني عذابه إن عصيته، كقول صالح عليه السلام: فمن ينصرني من الله إن عصيته [هود:63]، { ولن أجد من دونه ملتحدا } ملتجئا { إلا بلاغا من الله } ، استثناء من { لا أملك } أي: لا أملك لكم شيئا إلا تبليغ الرسالة، و { قل إني لن يجيرني }: اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه، وبيان عجزه، وقيل: { بلاغا }: بدل من { ملتحدا } ، أي: لن أجد من دونه ملجا إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به، أي: لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به فإنه ينجيني، وقوله: { ورسالاته }: عطف على " بلاغا " ، كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات، أي: إلا أن أبلغ عن الله، فأقول قال الله كذا، ناسبا قوله إليه، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها، بلا زيادة ولا نقصان ومن ليست صلة للتبليغ، إنما هي بمنزلة من في قوله: برآءة من الله [التوبة:1] أي: بلاغا كائنا من الله وتبليغ رسالاته قاله النسفي. والله تعالى أعلم. الإشارة: وأن مساجد الحضرة لله، والحضرة: شهود الذات الأقدس وحدها، فلا تدعوا مع الله أحدا، أي: لا تروا معه غيره، فتخرجوا من حضرته، وأنه لما قام عبد الله، وهو الداعي إلى الله في كل زمان يدعوه، ويدعو إليه، كادوا يكونون عليه لبدا، إما متعجبين منه، أو مقتبسين من أنواره، قال: إنما أدعو ربي ولا أشرك به شيئا قل يا أيها الداعي لتلك اللبد، لا أملك لكم من الله غيا ولا رشدا، إلا بلاغا، أي إنذارا وتبليغ ما كلفت به، فإنما أنا أدعو، والله يهدي على يدي من يشاء إلى صراط مستقيم، قل يا أيها الداعي: إني لن يجيرني من الله أحد إن قصرت في الدعوة أو أسأت الأدب، ولن أجد من دونه ملتجأ. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال من رد الرسالة، فقال: {...ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا }. يقول الحق جل جلاله: { ومن يعص الله ورسوله } في رد رسالته، وعدم قبول ما جاء به الرسول، { فإن له نار جهنم } ، وقرىء بفتح الهمزة، أي: فحقه، أو فجزاؤه أن له نار جهنم، { خالدين فيها } أي: في النار { أبدا } ، وحد في قوله " له " وجمع في " خالدين " للفظ من ومعناه. { حتى إذا رأوا ما يوعدون } ، متعلق بمحذوف، يدل عليه الحال من استضعاف الكفار لأمره صلى الله عليه وسلم، واستقلالهم لعدده، كأنه قيل: لا يزالون على ما هم عليه، { حتى إذا رأوا ما يوعدون } من فنون العذاب في الآخرة { فسيعلمون } عند حلول العذاب بهم { من أضعف ناصرا وأقل عددا } أهم أم المؤمنون؟ بل الكفار لا ناصر لهم يؤمئذ، والمؤمنون ينصرهم الله ويعزهم. وحمل { ما يوعدون } على ما رأوه يوم بدر، ويبعده قوله تعالى: { قل إن أدري أقريب ما توعدون } من العذاب، { أم يجعل له ربي أمدا } غاية بعيدة يعني: أنكم معذبون قطعا، ولكن لا أدري أهو حال أم مؤجل؟ { عالم الغيب } أي: هو عالم الغيب، { فلا يظهر } فلا يطلع { على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } أي: إلا رسولا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب ليكون إخباره عن الغيب معجزة له، والولي إذا أخبر بشيء فظهر فهو غير جازم به، وإنما أخبر به بناء على رؤيا، أو بالفراسة، أو بتجل قلبي، على أن كل كرامة لولي فهي معجزة لنبيه. قال بعضهم: وفي هذه الآية دلالة على تكذيب المنجمة، وليس كذلك، فإن فيهم من يصدق خبره، وكذلك المتطببة، فإنهم يعرفون طبائع النبات، وذا لا يعرف بالتأمل، فعلم بأنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق. قاله النسفي. فتحصل: أن إطلاع النبي على الغيب قطعي، وغيره ظني. وقال أبو السعود: وليس في الآية ما يدل على نفي كرامات الأولياء المتعلقة بالكشف، فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل لا يستلزم عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم أصلان ولا يدعي أحد لأحد من الأولياء ما في رتبة الرسل عليهم السلام من الكشف الكامل الحاصل بالوحي الصريح. ه. وفيه تعريض بالزمخشري، فإنه استدل بالآية على نفي كرامات الأولياء، قال: لأن الله خص الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم. قال بعض العلماء: ولا غرابة في إنكار معظم المعتزلة لكرامات الأولياء إذ هم لم يشاهدوا في جماعتهم الضالة المضلة وليا لله تعالى قط، فكيف يعرفون الكرامة؟!!. ه. { فإنه يسلك } يدخل { من بين يديه } أي: الرسول، { ومن خلفه } عند إظهاره على غيبه، { رصدا } حفظة وحرسا من الملائكة يحفظونه من تعرض الشيطان، لما أظهره عليه من الغيوب، ويعصمونه من وساوسهم، وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي، { ليعلم } الله علم شهادة { أن قد أبلغوا } أي: الرسل { رسالات ربهم } كاملة، بلا زيادة ولا نقصان، إلى المرسل إليهم، أي: ليعلم ذلك على ظهور، وقد كان يعلم ذلك قبل وجوده. ووحد الضمير في " يديه وخلفه " مراعاة للفظ من، وجمع في أبلغوا لمعناه، و " أن " مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، والجملة خبرها، { وأحاط } الله تعالى { بما لديهم } أي: بما عند الرسل من العلم { وأحصى كل شيء عددا } ، من القطر، والرمل، وورق الأشجار، وزبد البحر، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟! و " عددا ": حال، أي: علم كل شيء معدودا محصورا، أو مصدر، أي: أحصاه إحصاء. الإشارة: ومن يعص الله ورسوله، أو خليفته الداعي إلى الله بطريق التربية النبوية، فإن له نار القطيعة، خالدين فيها أبدا، وقد كانوا في حال حياتهم يستظهرون عليه بالدعاوى الفارغة، وكثرة الأتباع، حتى إذا رأوا ما يوعدون من أمارات الموت، فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا، قل: إن أدري أقريب ما توعدون من الموت، أم يجعل له ربي أمدا، ولا بد أن ينتهي، ويقع الرحيل إلى دار تنكشف فيها السرائر، ويفضح فيها الموعود. عالم الغيب، أي: يعلم ما غاب عن الحس من أسرار ذاته وأنوار ملكوته، أي: يعلم أسرار المعاني القائمة بالأواني، فلا يظهر على غيبه أحدا، أي: لا يكشف عن اسرار ذاته في دار الدنيا إلا لمن ارتضى من رسول، أو نائبه، وهو العارف الحقيقي، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، أي: يحفظه من جميع القواطع، من كل جهاته، حتى يوصله إلى حضرة أسرار ذاته، ليظهر أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ودعوا الناس إلى معرفة ذاته، وقد أحاط تعالى بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الجن 72:28

{ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به أحدا قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته... } يقول الحق جل جلاله: { وأن المساجد لله } أي: ومن جملة ما أوحي إلي: أن المساجد، أي: البيوت المبنية للصلاة فيها هي لله، وقيل: معناه: ولأن المساجد لله { فلا تدعوا } ، على أن اللام متعلقة ب " تدعوا " ، أي: فلا تدعوا { مع الله أحدا } في المساجد لأنها خالصة لله ولعبادته، فلا تعبدوا فيها غيره تعالى، ولا تفعلوا فيها إلا ما هو عبادة. وقيل: المراد: المسجد الحرام، والجمع لأن كل ناحية منه مسجد له قبلة مخصوصة، أو لأنه قبلة المساجد، وقيل: الأرض كلها لأن جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجدا وطهورا، وقيل: أعضاء السجود السبعة التي يسجد عليها العبد، وهي: القدمان، والركبتان، واليدان، والوجه، يقول: هذه الأعضاء أنعم الله بها عليك، فلا تسجد عليها لغيره، فتجحد نعمه، ولا تذلها لغير خالقها. فإن جعلت المساجد المواضع، فواحدها مسجد بكسر الجيم، وإن جعلت الأعضاء، فبفتح الجيم. { وأنه } أي: ومما أوحي إلي أن الشأن { لما قام عبد الله } ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم { يدعوه } يعبده في الصلاة، ويقرأ القرآن في صلاة الفجر، كما تقدم في الأحقاف، ولم يقل: نبي الله، أو رسول الله لأن العبودية من أشرف الخصال، أو: لأنه لما كان واقعا في كلامه صلى الله عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع، أو: لأن عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد حتى يجتمعوا عليه، كما قال: { كادوا } أي: كاد الجن { يكونون عليه لبدا } جماعات متراكبين من ازدحامهم عليه، تعجبا مما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به، أو إعجابا مما تلي من القرآن لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا ما لم يسمعوا بنظيره. وقيل: معناه: لما قام عليه السلام يعبد الله وحده مخالفا للمشركين، كادوا يزدحمون عليه متراكبين. واللبد: جمع لبدة، وهي ما تلبد بعضه على بعض. وعن قتادة: تلبدت الإنس والجن على أن يطفئوا نوره، فأبى الله إلا أن يظهره على من ناوأه. قال ابن عطية: قوله تعالى: وأنه... الخ، يحتمل أن يكون خطابا من الله تعالى، وأن يكون إخبارا عن الجن. { قال إنما أدعو } أي أعبد { ربي ولا أشرك به } في عبادتي { أحدا } ، فليس ذلك ببدع ولا بمستنكر يوجب التعجب أو الإطباق على عداوتي، وقرأ عاصم وحمزه " قل " بالأمر، ثم تبرأ من ملك الضر والنفع لأحد ولا لنفسه، وأن ذلك لله وحده، فلا يعبد إلا إياه، فقال: { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } والأصل: لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، ولا غيا ولا رشدا فترك من كلا المتقابلين ما ذكر في الآخر، أو أراد بالضر: الغي، أي: لا أستطيع أن أضركم ولا أنفعكم إذ ليس من وظيفتي إلا الإنذار. { قل إني لن يجيرني من الله أحد } أي: لن يدفع عني عذابه إن عصيته، كقول صالح عليه السلام: فمن ينصرني من الله إن عصيته [هود:63]، { ولن أجد من دونه ملتحدا } ملتجئا { إلا بلاغا من الله } ، استثناء من { لا أملك } أي: لا أملك لكم شيئا إلا تبليغ الرسالة، و { قل إني لن يجيرني }: اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه، وبيان عجزه، وقيل: { بلاغا }: بدل من { ملتحدا } ، أي: لن أجد من دونه ملجا إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به، أي: لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به فإنه ينجيني، وقوله: { ورسالاته }: عطف على " بلاغا " ، كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات، أي: إلا أن أبلغ عن الله، فأقول قال الله كذا، ناسبا قوله إليه، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها، بلا زيادة ولا نقصان ومن ليست صلة للتبليغ، إنما هي بمنزلة من في قوله: برآءة من الله [التوبة:1] أي: بلاغا كائنا من الله وتبليغ رسالاته قاله النسفي. والله تعالى أعلم. الإشارة: وأن مساجد الحضرة لله، والحضرة: شهود الذات الأقدس وحدها، فلا تدعوا مع الله أحدا، أي: لا تروا معه غيره، فتخرجوا من حضرته، وأنه لما قام عبد الله، وهو الداعي إلى الله في كل زمان يدعوه، ويدعو إليه، كادوا يكونون عليه لبدا، إما متعجبين منه، أو مقتبسين من أنواره، قال: إنما أدعو ربي ولا أشرك به شيئا قل يا أيها الداعي لتلك اللبد، لا أملك لكم من الله غيا ولا رشدا، إلا بلاغا، أي إنذارا وتبليغ ما كلفت به، فإنما أنا أدعو، والله يهدي على يدي من يشاء إلى صراط مستقيم، قل يا أيها الداعي: إني لن يجيرني من الله أحد إن قصرت في الدعوة أو أسأت الأدب، ولن أجد من دونه ملتجأ. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال من رد الرسالة، فقال: {...ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا }. يقول الحق جل جلاله: { ومن يعص الله ورسوله } في رد رسالته، وعدم قبول ما جاء به الرسول، { فإن له نار جهنم } ، وقرىء بفتح الهمزة، أي: فحقه، أو فجزاؤه أن له نار جهنم، { خالدين فيها } أي: في النار { أبدا } ، وحد في قوله " له " وجمع في " خالدين " للفظ من ومعناه. { حتى إذا رأوا ما يوعدون } ، متعلق بمحذوف، يدل عليه الحال من استضعاف الكفار لأمره صلى الله عليه وسلم، واستقلالهم لعدده، كأنه قيل: لا يزالون على ما هم عليه، { حتى إذا رأوا ما يوعدون } من فنون العذاب في الآخرة { فسيعلمون } عند حلول العذاب بهم { من أضعف ناصرا وأقل عددا } أهم أم المؤمنون؟ بل الكفار لا ناصر لهم يؤمئذ، والمؤمنون ينصرهم الله ويعزهم. وحمل { ما يوعدون } على ما رأوه يوم بدر، ويبعده قوله تعالى: { قل إن أدري أقريب ما توعدون } من العذاب، { أم يجعل له ربي أمدا } غاية بعيدة يعني: أنكم معذبون قطعا، ولكن لا أدري أهو حال أم مؤجل؟ { عالم الغيب } أي: هو عالم الغيب، { فلا يظهر } فلا يطلع { على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } أي: إلا رسولا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب ليكون إخباره عن الغيب معجزة له، والولي إذا أخبر بشيء فظهر فهو غير جازم به، وإنما أخبر به بناء على رؤيا، أو بالفراسة، أو بتجل قلبي، على أن كل كرامة لولي فهي معجزة لنبيه. قال بعضهم: وفي هذه الآية دلالة على تكذيب المنجمة، وليس كذلك، فإن فيهم من يصدق خبره، وكذلك المتطببة، فإنهم يعرفون طبائع النبات، وذا لا يعرف بالتأمل، فعلم بأنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق. قاله النسفي. فتحصل: أن إطلاع النبي على الغيب قطعي، وغيره ظني. وقال أبو السعود: وليس في الآية ما يدل على نفي كرامات الأولياء المتعلقة بالكشف، فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل لا يستلزم عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم أصلان ولا يدعي أحد لأحد من الأولياء ما في رتبة الرسل عليهم السلام من الكشف الكامل الحاصل بالوحي الصريح. ه. وفيه تعريض بالزمخشري، فإنه استدل بالآية على نفي كرامات الأولياء، قال: لأن الله خص الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم. قال بعض العلماء: ولا غرابة في إنكار معظم المعتزلة لكرامات الأولياء إذ هم لم يشاهدوا في جماعتهم الضالة المضلة وليا لله تعالى قط، فكيف يعرفون الكرامة؟!!. ه. { فإنه يسلك } يدخل { من بين يديه } أي: الرسول، { ومن خلفه } عند إظهاره على غيبه، { رصدا } حفظة وحرسا من الملائكة يحفظونه من تعرض الشيطان، لما أظهره عليه من الغيوب، ويعصمونه من وساوسهم، وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي، { ليعلم } الله علم شهادة { أن قد أبلغوا } أي: الرسل { رسالات ربهم } كاملة، بلا زيادة ولا نقصان، إلى المرسل إليهم، أي: ليعلم ذلك على ظهور، وقد كان يعلم ذلك قبل وجوده. ووحد الضمير في " يديه وخلفه " مراعاة للفظ من، وجمع في أبلغوا لمعناه، و " أن " مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، والجملة خبرها، { وأحاط } الله تعالى { بما لديهم } أي: بما عند الرسل من العلم { وأحصى كل شيء عددا } ، من القطر، والرمل، وورق الأشجار، وزبد البحر، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟! و " عددا ": حال، أي: علم كل شيء معدودا محصورا، أو مصدر، أي: أحصاه إحصاء. الإشارة: ومن يعص الله ورسوله، أو خليفته الداعي إلى الله بطريق التربية النبوية، فإن له نار القطيعة، خالدين فيها أبدا، وقد كانوا في حال حياتهم يستظهرون عليه بالدعاوى الفارغة، وكثرة الأتباع، حتى إذا رأوا ما يوعدون من أمارات الموت، فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا، قل: إن أدري أقريب ما توعدون من الموت، أم يجعل له ربي أمدا، ولا بد أن ينتهي، ويقع الرحيل إلى دار تنكشف فيها السرائر، ويفضح فيها الموعود. عالم الغيب، أي: يعلم ما غاب عن الحس من أسرار ذاته وأنوار ملكوته، أي: يعلم أسرار المعاني القائمة بالأواني، فلا يظهر على غيبه أحدا، أي: لا يكشف عن اسرار ذاته في دار الدنيا إلا لمن ارتضى من رسول، أو نائبه، وهو العارف الحقيقي، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، أي: يحفظه من جميع القواطع، من كل جهاته، حتى يوصله إلى حضرة أسرار ذاته، ليظهر أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ودعوا الناس إلى معرفة ذاته، وقد أحاط تعالى بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.