السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — النساء 4:1 – المائدة 5:120
المحتويات
- النساء 4:1
- النساء 4:2
- النساء 4:3
- النساء 4:4
- النساء 4:5
- النساء 4:6
- النساء 4:7
- النساء 4:8
- النساء 4:9
- النساء 4:10
- النساء 4:11
- النساء 4:12
- النساء 4:13
- النساء 4:14
- النساء 4:15
- النساء 4:16
- النساء 4:17
- النساء 4:18
- النساء 4:19
- النساء 4:20
- النساء 4:21
- النساء 4:22
- النساء 4:23
- النساء 4:24
- النساء 4:25
- النساء 4:26
- النساء 4:27
- النساء 4:28
- النساء 4:29
- النساء 4:30
- النساء 4:31
- النساء 4:32
- النساء 4:33
- النساء 4:34
- النساء 4:35
- النساء 4:36
- النساء 4:37
- النساء 4:38
- النساء 4:39
- النساء 4:40
- النساء 4:41
- النساء 4:42
- النساء 4:43
- النساء 4:44
- النساء 4:45
- النساء 4:46
- النساء 4:47
- النساء 4:48
- النساء 4:49
- النساء 4:50
- النساء 4:51
- النساء 4:52
- النساء 4:53
- النساء 4:54
- النساء 4:55
- النساء 4:56
- النساء 4:57
- النساء 4:58
- النساء 4:59
- النساء 4:60
- النساء 4:61
- النساء 4:62
- النساء 4:63
- النساء 4:64
- النساء 4:65
- النساء 4:66
- النساء 4:67
- النساء 4:68
- النساء 4:69
- النساء 4:70
- النساء 4:71
- النساء 4:72
- النساء 4:73
- النساء 4:74
- النساء 4:75
- النساء 4:76
- النساء 4:77
- النساء 4:78
- النساء 4:79
- النساء 4:80
- النساء 4:81
- النساء 4:82
- النساء 4:83
- النساء 4:84
- النساء 4:85
- النساء 4:86
- النساء 4:87
- النساء 4:88
- النساء 4:89
- النساء 4:90
- النساء 4:91
- النساء 4:92
- النساء 4:93
- النساء 4:94
- النساء 4:95
- النساء 4:96
- النساء 4:97
- النساء 4:98
- النساء 4:99
- النساء 4:100
- النساء 4:101
- النساء 4:102
- النساء 4:103
- النساء 4:104
- النساء 4:105
- النساء 4:106
- النساء 4:107
- النساء 4:108
- النساء 4:109
- النساء 4:110
- النساء 4:111
- النساء 4:112
- النساء 4:113
- النساء 4:114
- النساء 4:115
- النساء 4:116
- النساء 4:117
- النساء 4:118
- النساء 4:119
- النساء 4:120
- النساء 4:121
- النساء 4:122
- النساء 4:123
- النساء 4:124
- النساء 4:125
- النساء 4:126
- النساء 4:127
- النساء 4:128
- النساء 4:129
- النساء 4:130
- النساء 4:131
- النساء 4:132
- النساء 4:133
- النساء 4:134
- النساء 4:135
- النساء 4:136
- النساء 4:137
- النساء 4:138
- النساء 4:139
- النساء 4:140
- النساء 4:141
- النساء 4:142
- النساء 4:143
- النساء 4:144
- النساء 4:145
- النساء 4:146
- النساء 4:147
- النساء 4:148
- النساء 4:149
- النساء 4:150
- النساء 4:151
- النساء 4:152
- النساء 4:153
- النساء 4:154
- النساء 4:155
- النساء 4:156
- النساء 4:157
- النساء 4:158
- النساء 4:159
- النساء 4:160
- النساء 4:161
- النساء 4:162
- النساء 4:163
- النساء 4:164
- النساء 4:165
- النساء 4:166
- النساء 4:167
- النساء 4:168
- النساء 4:169
- النساء 4:170
- النساء 4:171
- النساء 4:172
- النساء 4:173
- النساء 4:174
- النساء 4:175
- النساء 4:176
- المائدة 5:1
- المائدة 5:2
- المائدة 5:3
- المائدة 5:4
- المائدة 5:5
- المائدة 5:6
- المائدة 5:7
- المائدة 5:8
- المائدة 5:9
- المائدة 5:10
- المائدة 5:11
- المائدة 5:12
- المائدة 5:13
- المائدة 5:14
- المائدة 5:15
- المائدة 5:16
- المائدة 5:17
- المائدة 5:18
- المائدة 5:19
- المائدة 5:20
- المائدة 5:21
- المائدة 5:22
- المائدة 5:23
- المائدة 5:24
- المائدة 5:25
- المائدة 5:26
- المائدة 5:27
- المائدة 5:28
- المائدة 5:29
- المائدة 5:30
- المائدة 5:31
- المائدة 5:32
- المائدة 5:33
- المائدة 5:34
- المائدة 5:35
- المائدة 5:36
- المائدة 5:37
- المائدة 5:38
- المائدة 5:39
- المائدة 5:40
- المائدة 5:41
- المائدة 5:42
- المائدة 5:43
- المائدة 5:44
- المائدة 5:45
- المائدة 5:46
- المائدة 5:47
- المائدة 5:48
- المائدة 5:49
- المائدة 5:50
- المائدة 5:51
- المائدة 5:52
- المائدة 5:53
- المائدة 5:54
- المائدة 5:55
- المائدة 5:56
- المائدة 5:57
- المائدة 5:58
- المائدة 5:59
- المائدة 5:60
- المائدة 5:61
- المائدة 5:62
- المائدة 5:63
- المائدة 5:64
- المائدة 5:65
- المائدة 5:66
- المائدة 5:67
- المائدة 5:68
- المائدة 5:69
- المائدة 5:70
- المائدة 5:71
- المائدة 5:72
- المائدة 5:73
- المائدة 5:74
- المائدة 5:75
- المائدة 5:76
- المائدة 5:77
- المائدة 5:78
- المائدة 5:79
- المائدة 5:80
- المائدة 5:81
- المائدة 5:82
- المائدة 5:83
- المائدة 5:84
- المائدة 5:85
- المائدة 5:86
- المائدة 5:87
- المائدة 5:88
- المائدة 5:89
- المائدة 5:90
- المائدة 5:91
- المائدة 5:92
- المائدة 5:93
- المائدة 5:94
- المائدة 5:95
- المائدة 5:96
- المائدة 5:97
- المائدة 5:98
- المائدة 5:99
- المائدة 5:100
- المائدة 5:101
- المائدة 5:102
- المائدة 5:103
- المائدة 5:104
- المائدة 5:105
- المائدة 5:106
- المائدة 5:107
- المائدة 5:108
- المائدة 5:109
- المائدة 5:110
- المائدة 5:111
- المائدة 5:112
- المائدة 5:113
- المائدة 5:114
- المائدة 5:115
- المائدة 5:116
- المائدة 5:117
- المائدة 5:118
- المائدة 5:119
- المائدة 5:120
النساء 4:1
وقوله تعالى :
﴿يا أيها الناس﴾ خطاب يعم المكلفين من أولاد آدم من الذكور والإناث الموجودين منهم في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم من العرب وغيرهم، وقيل : يختص بالعرب منهم لقوله تعالى :﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ إذ المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم فيقولون : أنشدك بالله وبالرحم، وأجيب بأنّ خصوص آخر الآية لا يمنع عموم أوّلها ﴿اتقوا ربكم﴾ أي : عذابه بأن تطيعوه ﴿الذي خلقكم من نفس واحدة﴾ أي : فرّعكم من أصل واحد، وهو نفس آدم أبيكم.
وقوله تعالى :﴿وخلق منها زوجها﴾ معطوف على «خلقكم » أي : خلقكم من شخص واحد هو آدم، وخلق منها أمكم حوّاء بالمدّ من ضلع من أضلاعه اليسرى، أو معطوف على محذوف كأنه قيل : من نفس واحدة أنشأها وابتدأها وخلق منها زوجها، وإنما حذف لدلالة المعنى عليه، والمعنى : شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها وهي أنه أنشأها من تراب وخلق منها زوجها حوّاء، وهو تقرير لخلقكم من نفس واحدة، وقوله تعالى :﴿وبث منهما﴾ أي : من آدم وحوّاء ﴿رجالاً كثيراً ونساء﴾ أي : كثيراً بيان لكيفية تولدهم منهما.
والمعنى : وبث أي : نشر من تلك النفس والزوج المخلوقة منها بنين وبنات كثيرة، واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها إذ الحكمة تقتضي أن يكنّ أكثر إذ للرجل أن يزيد في عصمته على واحدة بخلاف المرأة، وذكر كثيراً حملاً على الجمع ولا تكرار في الآية ؛ لأن خلقكم من نفس واحدة مغاير لخلق حوّاء منها ؛ لأنها خلقت من ضلعه وهم من مائهما ولبث الرجال والنساء ؛ لأنه بين به أن خلقهم من نفس واحدة معناه من نفس آدم وحوّاء مع زيادة التصريح بالرجال والنساء ﴿واتقوا الله الذي تساءلون﴾ فيه إدغام التاء في الأصل في السين أي : تتساءلون ﴿به﴾ فيما بينكم حيث يقول بعضكم لبعض : أسألك بالله، وأنشدك بالله.
فإن قيل : الذي يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته أن يجاء عقب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها ويبعث عليها، فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذي ذكره موجباً للتقوى وداعياً إليها ؟ أجيب : بأنّ ذلك مما يدل على القدرة العظيمة، ومن قدر على ذلك كان قادراً على كل شيء، ومن المقدورات عقاب العصاة، فالنظر فيه يؤدّي إلى أن يتقي القادر عليه ويخشى عقابه ؛ ولأنه يدل على النعمة السابقة عليهم فحقهم أن يتقوه في كفرانها، والتفريط فيما يلزمهم من القيام بشكرها، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف السين والباقون بتشديدها ﴿و﴾ اتقوا ﴿الأرحام﴾ أي : بأن تصلوها ولا تقطعوها، وكانوا يتناشدون بالرحم، وقد نبه سبحانه وتعالى إذ قرن الأرحام باسمه على أن صلتها بمكان منه تعالى.
روى الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال :( الرحم معلقة بالعرش تقول : ألا من وصلني وصله الله تعالى ومن قطعني قطعه الله تعالى )، وقرأ غير حمزة بالنصب عطفاً على الله تعالى فالعامل فيه اتقوا كما قدرته أو معطوف على محل الجار والمجرور كقولك : مررت بزيد وعمراً، وأما حمزة فقرأه بالجر عطفاً على الضمير المجرور، وقول البيضاوي : وهو ضعيف أي : كما هو مذهب البصريين ممنوع، والحق أنه ليس بضعيف فقد جوّزه الكوفيون، وكيف يكون ضعيفاً والقراءة به متواترة ؟ فيجب أن يضعف كلام البصريين ويرجع إلى كلام رب العالمين، وتعليلهم عدم الجواز بكونه كبعض كلمة لا يقتضي إلحاقه به في عدم جواز العطف إذ حذف الشيء مع القرينة جائز ومنه :
رسم دار وقفت في طلله***
أي : ورب رسم دار وقول الشاعر :
اذهب فما بك والأيام من عجب***
﴿إنّ الله كان عليكم رقيباً﴾ أي : حافظاً لأعمالكم فيجازيكم بها أي : لم يزل متصفاً بذلك.
النساء 4:2
﴿وآتوا اليتامى﴾ أي : بعد البلوغ والرشد ﴿أموالهم﴾ وسموا اليتامى بعد البلوغ مع أنّ اليتيم في عرف الشرع صغير لا أب له على معنى أنهم كانوا يتامى، وإن كان اليُتْيم في اللغة الانفراد، ومنه الدرّة اليتيمة، وقيل : اليتيم في الإناس من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات وفي الطير من قبلهما، والخطاب للأولياء والأوصياء.
روي أنّ رجلاً كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ اليتيم طلب المال من عمه فمنعه فترافعا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العم قال : أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم :( ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحله داره ) أي : جنته، وسيأتي تفسير الحوب الكبير، فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم :( ثبت الأجر وبقي الوزر ) فقالوا : يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله ؟ فقال :( ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده ) أي : ولعله كان لا يخرج زكاته ﴿ولا تتبدلوا الخبيث﴾ أي : الحرام ﴿بالطيب﴾ أي : الحلال أي : لا تأخذوه بدله كما تفعلون في أخذ الجيد من مال اليتيم وجعل الرديء من مالكم مكانه.
قال الزمخشريّ : وهذا ليس بتبدل، وإنما هو تبديل، قال التفتازانيّ : لأن معنى تبدلت هذا بذاك أنك أخذت هذا وتركت ذاك وكذا استبدلت ؛ لأنّ معنى بدلت هذا بذاك أخذت ذاك وأعطيت هذا قال تعالى :﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان﴾ ( البقرة، ١٠٨ ).
فإذا أعطى الرديء وأخذ الجيد فقد أعطى الخبيث وأخذ الطيب كما لو أخذ الخبيث وترك الطيب ؛ ليكون تبدل الخبيث بالطيب، فالحاصل أنّ في التبدل ما دخلته الباء متروك، وما تعدى إليه الفعل بنفسه مأخوذ وفي التبديل بالعكس اه. وقد أوضحت ذلك في «شرح المنهاج » ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى﴾ أي : مع ﴿أموالكم﴾ كقوله تعالى :﴿من أنصاري إلى الله﴾ ( آل عمران، ٥٢ ).
أي : مع الله، أي : لا تنفقوهما معاً، ولا تسووا بينهما، فأكلكم أموالكم حلال لكم، وأكلكم أموالهم حرام عليكم، فلا يحل لكم من أموالهم ما زاد على قدر الأقل من أجرتكم ونفقتكم.
فإن قيل : قد حرم الله عليهم أكل مال اليتيم وحده ومع أموالهم فلم ورد النهي عن أكله معها ؟ أجيب : بأنهم كانوا يفعلون كذلك فأنكر عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم ؛ ولأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من مال حلال، وهم مع ذلك يطمعون فيها، كان القبح أبلغ والذم أحق ﴿إنه﴾ أي : أكلها ﴿كان حوباً﴾ أي : ذنباً ﴿كبيراً﴾ أي : عظيماً ولما نزلت هذه الآية في اليتامى، وما كان في أكل أموالهم من الحوب الكبير خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك العدل في حقوق اليتامى، وأخذوا يتحرّجون من ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج والثمان والست ولا يقوم بحقوقهنّ ولا يعدل بينهنّ نزل.
النساء 4:3
﴿وإن خفتم﴾ أي : خشيتم ﴿أن لا تقسطوا﴾ أي : تعدلوا ﴿في اليتامى﴾ فتحرّجتم من أمورهم فخافوا أيضاً ترك العدل بين النساء وقللوا عدد المنكوحات ﴿فانكحوا ما طاب﴾ أي : حلّ ﴿لكم من النساء﴾ ؛ لأنّ منهنّ ما حرم كاللاتي في آية التحريم ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ أي : تزوّجوا اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً ؛ لأنّ من تحرّج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فهو غير متحرّج ولا تائب ؛ لأنه إنما وجب أن يتحرّج من الذنب ويتاب عنه لقبحه، والقبح قائم في كل ذنب وإنما عبر عنهنّ بما ومن يعقل إنما يعبر عنه بمن ذاهباً إلى الصفة ؛ لأنه إنما يفرق بين من وما في الذوات لا في الصفات أو أجراهنّ مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهنّ، وقيل : كانوا لا يتحرّجون من الزنا وهم يتحرّجون من ولاية اليتامى فقيل : إن خفتم الحوب في حق اليتامى، فخافوا الزنا فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تجولوا حول المحرّمات، وقيل : كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال فيتزوّجها ضناً أي : بخلاً بها فربما يجتمع عنده منهنّ عدد ولا يقدر على القيام بحقوقهنّ.
فإن قيل : الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع حتى إنّ بعض الرافضة قال : للشخص أن يتزوّج بثمانية عشر ؟ أجيب : بأنّ الخطاب للجمع فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له كما تقول للجماعة : اقتسموا هذا المال، وهو ألف درهم، درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة ولو أفردت لم يكن له معنى.
فإن قيل : لم جاء العطف بالواو دون أو حتى قال بعض الرافضة : إنّ له أن يتزوج بتسعة ؟ أجيب : بأنه لو عطف بأو لذهب معنى تجويز أنواع الجمع بين أنواع القسمة التي دلت عليها الواو ﴿فإن خفتم أن لا تعدلوا﴾ بين هذه الأعداد أيضاً بالقسم والنفقة ﴿فواحدة﴾ أي : فانكحوا واحدة وذروا الجمع ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ أي : اقتصروا على ذلك سواء بين الواحدة من الأزواج والعدد من السراري ؛ لخفة مؤنتهنّ وعدم وجوب القسم بينهنّ.
تنبيه : هذا في حق الحر أما من فيه رق فلا يتزوّج أكثر من ثنتين بإجماع الصحابة وقد يعرض للحر عوارض لا يزاد فيها على واحدة كجنون أو سفه ﴿ذلك﴾ أي : نكاح الأربعة فقط أو الواحدة أو التسري ﴿أدنى﴾ أقرب إلى ﴿أن لا تعولوا﴾ أي : تجوروا، يقال : عال الحاكم في حكمه إذا جار.
وروي أن أعرابياً حكم عليه حاكم فقال له : أتعول علي وقد ورد عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أن لا تعولوا، أن لا تجوروا )، وحكي عن الشافعيّ رضي الله تعالى عنه أنه فسر «أن لا تعولوا » بأن لا تكثروا عيالكم قال البغويّ : وما قاله أحد إنما يقال : من كثرة العيال أعال يعيل إعالة إذا كثرت عياله، وقال الزمخشريّ : ووجهه أن يجعل من قولك عال الرجل عياله يعولهم كقولك : مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم ؛ لأنّ من كثر عياله لزمه أن يعولهم، ثم قال : وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين حقيق بالحمل على الصحة والسداد، وأن لا يظن به تحريف تعيلوا إلى تعولوا فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : لا تظننّ بكلمة خرجت من في أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً. وكان الشافعيّ رحمه الله تعالى أعلى كعباً وأطول باعاً في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا اه.
النساء 4:4
﴿وآتوا﴾ أي : أعطوا ﴿النساء صدقاتهنّ﴾ جمع صدقة أي : مهورهنّ ﴿نحلة﴾ أي : عطية يقال : نحله كذا نحلة أي : أعطاه إياه عن طيب نفس بلا توقع عوض، ونصبها على المصدر ؛ لأنّ النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، فكأنه قيل : وأنحلوا النساء صدقاتهنّ نحلة، قال الكلبيّ وجماعة : والخطاب للأولياء، وذلك أنّ وليّ المرأة كان إذا زوّجها، فإن كان معهم في العشيرة فلم يعطها من مهرها شيئاً، وإن زوجها غريباً حملوها إليه على بعير ولا يعطوها من مهرها غير ذلك، فنهاهم الله تعالى عن ذلك وأمرهم أن يدفعوا الحق إلى أهله ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه﴾ أي : الصداق وقوله تعالى :﴿نفساً﴾ محوّل عن الفاعل أي : إن طابت نفسهنّ لكم عن شيء من الصداق فوهبنه لكم ﴿فكلوه﴾ أي : فخذوه وأنفقوه ﴿هنيئاً﴾ أي : طيباً ﴿مريئاً﴾ أي : محمود العاقبة لا ضرر فيه عليكم في الآخرة.
روي أنّ ناساً كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء مما ساقه إلى امرأته، فقال الله تعالى : إن طابت نفس واحدة من غير إكراه ولا خديعة فكلوه هنيئاً مريئاً.
قال الزمخشريّ وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك، ووجوب الاحتياط حيث بني الشرط على طيب النفس فقيل :«فإن طبن »، ولم يقل : فإن وهبن أو سمحن إعلاماً بأنّ المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة، وعن الشعبي : إنّ رجلاً أتى مع امرأته شريحاً في عطية أعطتها إياه، وهي تطلب أن ترجع، فقال شريح : ردّ عليها، فقال الرجل : أليس الله تعالى قد قال :﴿فإن طبن لكم﴾ ؟ قال : لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه.
وحكي أنّ رجلاً من آل أبي معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقاً كان لها عليه، فلبث شهراً ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال الرجل : أعطتني طيبة بها نفسها فقال عبد الملك : فأين الآية التي بعدها ﴿ولا تأخذوا منه شيئاً﴾ أردد عليها. وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى قضاته : إنّ النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها.
النساء 4:5
﴿ولا تؤتوا﴾ أيها الأولياء ﴿السفهاء﴾ أي : المبذرين من الرجال والنساء ﴿أموالكم﴾ أي : أموالهم وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء ؛ لأنها في تصرفهم وتحت ولايتهم وقيل : نهي إلى كل أحد أن يعمد إلى ما خوّله الله من المال فيعطيه امرأته وأولاده، ثم ينظر إلى ما في أيديهم وإنما سماهم سفهاء استخفافاً بعقلهم واستهجاناً لجعلهم قوّاماً وهذا أوفق لقوله تعالى :﴿التي جعل الله لكم قياماً﴾ أي : تقوم بمصالحكم ومصالح أولادكم فيضعوها في غير وجهها، وعلى القول الأولّ يؤوّل بأنّ أموال السفهاء التي من جنس ما جعل الله لكم قياماً، وسمى الله ما به القيام قياماً للمبالغة.
وقرأ نافع وابن عامر «قيماً » بغير ألف بعد الياء والقيم جمع قيمة ما يقوّم به الأمتعة، والباقون بالألف مصدر قام و﴿وارزقوهم﴾ أي : أطعموهم ﴿فيها واكسوهم﴾ فيها، وإنما قال تعالى :«فيها » لجعله الأموال ظروفاً للرزق، فيكون الإنفاق من الربح لا من الأموال التي هي الظروف بأن يتجروا فيها ويحصلوا من ربحها ما يحتاجون إليه، ولو قيل : منها لكان الإنفاق من نفس الأموال ﴿وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ أي : عدوهم عدة جميلة بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا وكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنه عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل فهو معروف، وما أنكرته ونفرت منه لقبحه فهو منكر، وعن عطاء : إذا ربحت أعطيتك وإذا غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً، وقيل : إن لم يكن ممن وجبت عليك نفقته فقل له : عافانا الله وإياك بارك الله فيك. وقيل : لا يختص ذلك بالأولياء بل هو أمر لكل أحد أن لا يخرج ماله إلى أحد من السفهاء قريب أو أجنبيّ رجل أو امرأة يعلم أنه يضيعه فيما لا ينبغي ويفسده.
النساء 4:6
﴿وابتلوا﴾ أي : اختبروا ﴿اليتامى﴾ في دينهم وتصرفهم بأن تختبروا ولد التاجر بالبيع والشراء والمماكسة فيهما، وولد الزراع بالزراعة والنفقة على القوّام بها، والمرأة فيما يتعلق بالغزل والقطن وصون الأطعمة عن الهرّة ونحوها وحفظ متاع البيت، وولد الأمير ونحوه بالإنفاق مدّة في خبز وماء ولحم ونحوها، كل ذلك على العادة في مثله، ويشترط تكرار الاختبار مرّتين أو أكثر بحيث يفيد غلبة الظنّ برشده، ووقت الاختبار قبل البلوغ ولا يصح عقده بل يمتحن في المماكسة فإذا أراد العقد عقد الوليّ ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾ أي : صاروا أهلاً له إمّا بالسنّ وهو استكمال خمس عشرة سنة تحديدية لخبر ابن عمر رضي الله تعالى عنه :( عرضت على النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ولم يرني بلغت وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ورآني بلغت )، رواه ابن حبان وأصله في الصحيحين وابتداؤها من انفصال جميع الولد، قيل : عرض عليه صلى الله عليه وسلم سبعة عشر من الصحابة وهم أبناء أربع عشرة فلم يجزهم وعرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة فأجازهم.
وإما بخروج المنيّ في وقت إمكانه وأقله تسع سنين قمرية تحديدية سواء أخرج في نوم أم يقظة بجماع أو غيره وتزيد المرأة على هذين الأمرين الحيض لوقت إمكانه وأقله تسع سنين قمرية تقريبية فيغتفر فيها زمن لا يسع حيضاً وطهراً، والولادة لأنها يسبقها الإنزال ويحكم بالبلوغ قبلها بستة أشهر وشيء وإنبات شعر العانة الخشن دليل للبلوغ في حق الكفار لا في حق المسلمين ولا عبرة بإنبات شعر الإبط واللحية.
﴿فإن آنستم﴾ أي : أبصرتم ﴿منهم رشداً﴾ وهو صلاح الدين والمال، أما صلاح الدين فلا يرتكب محرّماً يسقط العدالة من كبيرة أو إصرار على صغيرة ويعتبر في رشد الكافر دينه، وأما صلاح المال فلا يضيعه بإلقائه في بحر أو يصرفه في محرم، أو باحتمال الغبن الفاحش في المعاملة ونحوها، وليس صرفه في الخير بتبذير ولا صرفه في الثياب والأطعمة النفيسة وشراء الجواري والاستمتاع بهنّ ؛ لأنّ المال يتخذ لينتفع به، نعم إن صرفه في ذلك بطريق الاقتراض له حرم عليه ﴿فادفعوا إليهم أموالهم﴾ من غير تأخير ﴿ولا تأكلوها﴾ أيها الأولياء وقوله تعالى :﴿إسرافاً﴾ أي : بغير حق ﴿وبداراً﴾ حالان أي : مسرفين ومبادرين إلى إنفاقها مخافة ﴿أن يكبروا﴾ رشداء فيلزمكم تسليمها إليهم ﴿ومن كان﴾ من الأولياء ﴿غنياً فليستعفف﴾ أي : يعف عن مال اليتيم ويمتنع من أكله ﴿ومن كان فقيراً فليأكل﴾ منه ﴿بالمعروف﴾ أي : بقدر الأقلّ من حاجته وأجرة سعيه كما مرّ، ولفظ الاستعفاف والأكل بالمعروف مشعر بأن الوليّ له حق في مال الصبي.
وروى النسائيّ وغيره أنّ رجلاً قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم : إنّ في حجري يتيماً أفآكل من ماله ؟ قال :«بالمعروف ).
تنبيه : إيراد هذا التقسيم بعد قوله :﴿ولا تأكلوها﴾ يدل على أنه نهي للأغنياء منهم أن لا يأخذوا لأنفسهم من أموال اليتامى شيئاً، وللفقراء منهم أن لا يأخذوا منها شيئاً بغير المعروف، كما أنّ قوله :﴿ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا﴾ يدل على أنه نهي للفريقين عن أكلها إسرافاً ومبادرة لكبرهم ﴿فإذا دفعتم إليهم﴾ أي : اليتامى ﴿أموالهم فأشهدوا﴾ ندباً ﴿عليهم﴾ بأنهم قبضوها، فإنّ الإشهاد أنفى للتهمة وأبعد من الخصومة فتحتاجون إلى البينة وهذا يدلّ على أنّ القيم لا يصدّق في دعواه الدفع ولو أبى إلا ببينة وهو مذهب الشافعيّ ومالك خلافاً لأبي حنيفة ﴿وكفى بالله حسيباً﴾ أي : حافظاً الأعمال خلقه ومحاسبتهم.
النساء 4:7
﴿للرجال﴾ أي : الذكور ﴿نصيب﴾ أي : حظ ﴿مما ترك الوالدان والأقربون﴾ أي : المتوفون ﴿وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه﴾ أي : المال ﴿أو كثر﴾ جعله الله ﴿نصيباً مفروضاً﴾ أي : مقطوعاً بتسليمه إليهم.
روي أن أوس بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه توفي وترك امرأته أم كحة بضمّ الكاف والحاء المشدّدة وثلاث بنات له منها فقام رجلان هما ابنا عمّ الميت ووصياه سويد وعرفجة فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئاً، وكان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء ولا الصغار وإن كان الصغير ذكراً إنما كانوا يورثون الرجال ويقولون : لا نعطي إلا من قاتل وحاز الغنيمة، فجاءت أمّ كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفضيخ وهو بالضاد والخاء المعجمتين، موضع بالمدينة، قيل : لعله المسجد الذي كان يسكنه أصحاب الصفة ؛ لأنهم كانوا يرضخون فيه النوى فشكت إليه فقالت : يا رسول الله إنّ أوس بن ثابت مات وترك علي ثلاث بنات، وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهنّ وقد ترك أبوهن مالاً حسناً وهو عند سويد وعرفجة لم يعطياني ولا بناته شيئاً، وهن في حجري لا يطعمن ولا يسقين، فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً ولا يحمل كلأ ولا ينكي عدوّاً، فنزلت هذه الآية، فأثبتت لهنّ الميراث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تقربا من مال أوس شيئاً فإنّ الله جعل لبناته نصيباً مما ترك ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل فيهنّ ) فأنزل الله تعالى ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ فأعطى صلى الله عليه وسلم أمّ كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي ابني العمّ ) وهذا دليل على جواز تأخير البيان عن الخطاب.
النساء 4:8
﴿وإذا حضر القسمة﴾ للميراث ﴿أولو القربى﴾ أي : ذوو القرابة ممن لا يرث ﴿واليتامى والمساكين فارزقوهم﴾ أي : أعطوهم ﴿منه﴾ أي : المقسوم شيئاً قبل القسمة تطييباً لقلوبهم وتصدّقاً عليهم، وهو أمر ندب للبلغ من الورثة، وقيل : أمر وجوب.
واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال قوم : هي منسوخة بآية المواريث كالوصية، وعن سعيد بن جبير : إنّ ناساً يقولون : نسخت والله ما نسخت ولكنها مما تهاون بها الناس ﴿وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ وهو أن يدعوا لهم ويستقلوا ما أعطوهم ولا يمنوا عليهم. وعن الحسن والنخعي : أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات والمساكين واليتامى من العين يعنيان الذهب والورق فإذا قسم الذهب والورق وصارت القسمة إلى الأقربين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولاً معروفاً كأن يقولون : بورك فيكم.
النساء 4:9
﴿وليخش﴾ أي : وليخف على اليتامى ﴿الذين لو تركوا﴾ أي : قاربوا أن يتركوا ﴿من خلفهم﴾ أي : بعد موتهم ﴿ذرّية ضعافاً﴾ أي : أولاداً صغاراً ﴿خافوا عليهم﴾ أي : الضياع ﴿فليتقوا الله﴾ في أمر اليتامى وغيرهم، وليأتوا إليهم ما يحبون أن يفعل بذريتهم من بعدهم ﴿وليقولوا﴾ أي : للمريض ﴿قولاً سديداً﴾ أي : عدلاً وصواباً بأن يأمروه أن يتصدّق بدون ثلثه، ويترك الباقي لورثته، ولا يتركهم عالة، وذلك أنه كان إذا حضر أحدهم الموت يقول له من بحضرته : انظر لنفسك فإنّ أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئاً قدّم لنفسك أعتق وتصدّق وأعط فلاناً كذا وفلاناً كذا حتى يأتي على عامة ماله، فنهاهم الله عز وجل وأمرهم أن يأمروه أن ينظر لولده، ولا يزيد في وصيته على الثلث، ولا يجحف بورثته.
النساء 4:10
﴿إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً﴾ أي : بغير حق ﴿إنما يأكلون في بطونهم ناراً﴾ أي : ملء بطونهم يقال : أكل فلان في بطنه، وفي بعض بطنه. قال الشاعر :
كلوا في بعض بطنكم تعفوا***
ومعنى يأكلون ناراً يأكلون ما يجرّ إلى النار، فكأنه نار في الحقيقة.
روي ( أنه يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا ).
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( رأيت ليلة أسري بي قوماً لهم مشافر كمشافر الإبل إحداهما. . . . على منخريه والأخرى على بطنه وخزنة النار يلقمونهم جمر جهنم وصخرها فقلت : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ). ﴿وسيصلون سعيراً﴾ أي : ناراً شديدة يحترقون فيها، وقرأ ابن عامر وشعبة بضم الياء والباقون بالفتح.
النساء 4:11
﴿يوصيكم الله﴾ أي : يأمركم ﴿في أولادكم﴾ أي : في شأن ميراثهم بما هو العدل والمصلحة، وهذا إجمال تفصيله ﴿للذكر﴾ منهم ﴿مثل حظ﴾ أي : نصيب ﴿الأنثيين﴾ إذا اجتمعتا معه فله نصف المال ولهما النصف، فإن كان معه واحدة فلها الثلث وله الثلثان وإنما فضل الذكر على الأنثى لاختصاصه بلزوم ما لا يلزم الأنثى من الجهاد وتحمل الدية وغيرهما، وله حاجتان : حاجة لنفسه وحاجة لزوجته، والأنثى حاجة واحدة لنفسها بل هي غالباً مستغنية بالتزويج عن الإنفاق من مالها، ولكن لما علم الله تعالى احتياجها إلى النفقة وأنّ الرغبة تقل فيها إذا لم يكن لها مال جعل لها حظاً من الإرث وأبطل حرمان الجاهلية لها.
فإن قيل : هلا قيل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر ؟ أجيب : بأنه إنما بدأ ببيان حظ الذكر لفضله كما ضوعف حظه لذلك ؛ ولأنّ قوله ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ قصد إلى بيان فضل الذكر وقولك : للأنثيين مثل حظ الذكر قصد إلى بيان نقص الأنثى وما كان قصداً إلى بيان فضله كان أدل على فضله من القصد إلى بيان نقص غيره عنه ؛ ولأنهم كانوا يورّثون الرجال دون النساء والصبيان، وكان في ابتداء الإسلام بالمحالفة قال تعالى :﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ ( النساء، ٣٣ ).
ثم صارت الوراثة بالهجرة قال الله تعالى :﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء﴾ ( الأنفال، ٧٢ ).
ثم نسخ ذلك كله بالآية الكريمة، واختلف في سبب نزولها، فعن جابر أنه قال :( جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصب عليّ من وضوئه فعقلت فقلت : يا رسول الله لمن الميراث إنما يرثني كلالة ) فنزلت، وقال مقاتل والكلبي : نزلت في أمّ كحة امرأة أوس بن ثابت وبناته. وقال عطاء : استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أحد، وترك امرأة وبنتين وأخاً، فأخذ الأخ المال، فأتت امرأة سعد إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بابنتي سعد فقالت : يا رسول الله إنّ هاتين ابنتا سعد وإن سعداً قتل يوم أحد شهيداً وإن عمهما أخذ مالهما، ولا ينكحان إلا ولهما مال فقال صلى الله عليه وسلم :( ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك ) فنزلت، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمهما وقال :( أعط ابنتي سعد الثلثين وأمّهما الثمن وما بقي فهو لك ) فهذا أوّل ميراث قسم في الإسلام، وكأنه قيل : كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث، ولا يضارون في حظهنّ حتى يحرمن مع إدلائهنّ مع القرابة مثل ما يدلون به.
فإن قيل : حظ الأنثيين الثلثان فكأنه قيل للذكر الثلثان ؟ أجيب : بأنّ المراد حالة الاجتماع كما مرّ أما في حالة الانفراد فالابن يأخذ المال كله، والبنتان يأخذان الثلثين والدليل على أنّ الغرض حكم الاجتماع أنه اتبعه حكم الانفراد بقوله تعالى :﴿فإن كنّ﴾ أي : إن كان الأولاد ﴿نساء﴾ خلصاً ليس معهنّ ذكر، وأنث الضمير باعتبار الخبر أو على تأويل المولودات وقوله تعالى :﴿فوق اثنتين﴾ خبر ثان أو صفة لنساء أي : نساء زائدات على اثنتين.
فإن قيل : قوله تعالى : للذكر مثل حظ الأنثيين كلام مسوق لبيان حظ الذكر من الأولاد لا لبيان حظ الأنثيين، فكيف صح أن يردف قوله :﴿فإن كن نساء﴾ وهو لبيان حظ الإناث ؟ أجيب : بأنه وإن كان مسوقاً لبيان حظ الذكر إلا أنه لما علم منه حظ الأنثيين مع أخيهما كان كأنه مسوق للأمرين جميعاً فلذلك صح أن يقال : فإن كنّ نساء ﴿فلهن ثلثا ما ترك﴾ أي : المتوفى منكم ويدل عليه المعنى ﴿وإن كانت﴾ أي : المولودة ﴿واحدة فلها النصف﴾ وقرأ نافع واحدة بالرفع على كان التامّة، والباقون بالنصب على كان الناقصة.
واختلف في ميراث الأنثيين فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه : حكمهما حكم الواحدة ؛ لأنه تعالى جعل الثلثين لما فوقهما، وقال الباقون : حكمهما حكم ما فوقهما ؛ لأنه تعالى لما بين أنّ حظ الذكر مثل حظ الأنثيين إذا كان معه أنثى، وهو الثلثان، اقتضى ذلك أنّ فرضهما الثلثان ثم لما أوهم ذلك أن يزاد النصيب بزيادة العدد ردّ ذلك بقوله تعالى :﴿فإن كنّ نساء فوق اثنتين﴾ ويؤيد ذلك أنّ البنت الواحدة لما استحقت الثلث مع أخيها فبالأولى والأحرى أن تستحقه مع أخت مثلها، ويؤيده أيضاً إنّ البنتين أمسّ رحماً من الأختين وقد فرض لهما الثلثين بقوله :﴿فلهما الثلثان مما ترك﴾ وقيل : فوق صلة وقيل : لدفع توهم زيادة النصيب بزيادة العدد لما أفهم استحقاق البنتين من جعل الثلث للواحدة مع الذكر ﴿ولأبويه﴾ أي : الميت وقوله تعالى :﴿لكل واحد منهما السدس مما ترك﴾ بدل بعض من كل فالسدس مبتدأ ولأبويه خبر وفائدة البدل دفع توهم أن يكون للأب ضعف ما للأم أخذاً من قوله تعالى :﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ وبهذا اندفع كما قال التفتازاني إنّ البدل ينبغي أن يكون بحيث لو أسقط استقام الكلام معنى، وهنا لو قيل : لأبويه السدس لم يستقم هذا ﴿إن كان له﴾ أي : الميت ﴿ولد﴾ ذكر أو غيره وألحق بالولد ولد الابن وبالأب الجدّ ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه﴾ أي : فقط بقرينة المقام ﴿فلأمه الثلث﴾ مما ترك وإنما لم يذكر حصة الأب ؛ لأنه لما فرض أنّ الوارث أبواه فقط، وعين نصيب الأمّ علم أنّ الباقي للأب، وكأنه قال : فلهما ما ترك أثلاثاً، ولو كان معهما أحد الزوجين كان لها ثلث ما بقي بعد فرضه كما قال الجمهور لا ثلث المال كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه، فإنه يفضي إلى تفضيل الأنثى على الذكر المساوي لها في الجهة والقرب، وهو كما قال البيضاوي خلاف وضع الشرع ﴿فإن كان له إخوة﴾ أي : اثنان فصاعداً ذكور أو إناث كما عليه الجمهور ﴿فلأمّه السدس﴾ والباقي للأب ولا شيء للإخوة.
وقال ابن عباس : لا يحجب الأمّ من الثلث إلى السدس إلا ثلاثة إخوة ذكور، أخذاً بظاهر اللفظ، وإطلاق اللفظ يدلّ على أنّ الإخوة يردّونها من الثلث إلى السدس وإن كانوا لا يرثون مع الأب شيئاً، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأمّ.
وقرأ حمزة والكسائي في الوصل فلأمّه بكسر الهمزة فراراً من ضمة إلى كسرة لثقله في الموضعين، والباقون بضمها، وقوله تعالى :﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ متعلق بما تقدّمه من قسمة المواريث كلها أي : هذه الأنصباء للورثة من بعد وصية أو وفاء دين، وإنما عبر بأو دون الواو للدلالة على أنهما متساويان في الوجوب مقدّمان على القسمة مجموعين ومفردين.
فإن قيل : لم قدّمت الوصية في الذكر على الدين مع أنها متأخرة في حكم الشرع عنه ؟ أجيب : بأنها لما كانت شاقة على الورثة لكونها مأخوذة بلا عوض وهي مستحبة لكل مكلف بخلاف الدين فإنه : لا يكون على كل مكلف فقدّمت لذلك، وقرأ ابن كثير وابن عامر وشعبة ( يوصى ) بفتح الصاد ووافقهم حفص على فتح الصاد في الحرف الثاني، والباقون بكسر الصاد فيهما، وقوله تعالى :﴿آباؤكم وأبناؤكم﴾ مبتدأ خبره ﴿لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً﴾ أي : لا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم فمنكم من يظنّ أن الأب أنفع له، فيكون الابن أنفع له، ومنكم من يظنّ أنّ الابن أنفع له فيكون الأب أنفع له، وإنما العالم بذلك هو الله تعالى، وقد دبر أمركم على ما فيه المصلحة فاتبعوه، وقال ابن عباس : أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة، والله يشفع المؤمنين بعضهم في بعض فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة رفع إليه ولده، وإن كان الولد أرفع درجة من الآخر في الجنة سأل الله أن يرفع إليه فيرفع بشفاعته ﴿فريضة﴾ أي : ما قدر من المواريث فرض فريضة ﴿من الله إنّ الله كان عليماً﴾ بأمور عباده ﴿حكيماً﴾ فيما قضى وقدّر أي : لم يزل متصفاً بذلك.
النساء 4:12
﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهنّ ولد﴾ ذكر أو غيره منكم أو من غيركم ﴿فإن كان لهنّ ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين﴾ وولد الابن في ذلك كالولد إجماعاً ﴿ولهنّ﴾ أي : الزوجات تعددن أو لا ﴿الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد﴾ منهنّ أو من غيرهنّ ﴿فلهنّ الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين﴾ وولد الابن كالولد في ذلك إجماعاً، فقد فرض للرجل بحق العقد الصحيح ضعف ما للمرأة كما في النسب وهكذا قياس كل رجل وامرأة وارثين اشتركا في الجهة والقرب من الميت ولا يستثنى من ذلك إلا أولاد الأم والمعتق والمعتقة ﴿وإن كان رجل﴾ أي : الميت ﴿يورث﴾ أي : منه من ورث، صفة رجل وخبر كان ﴿كلالة، ﴾ أو يورث خبر كان وكلالة حال من الضمير في يورث واختلفوا في الكلالة فذهب أكثر الصحابة إلى أنها من لا ولد له ولا والد، قال الشعبي : سئل أبو بكر رضي الله تعالى عنه عن الكلالة فقال : إني سأقول فيها برأيي فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان أراه ما خلا الوالد، والولد فلما استخلف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : إني لأستحي من الله أن أردّ شيئاً قاله أبو بكر.
وذهب طاوس أنّ الكلالة من لا ولد له وهي إحدى الروايتين عن ابن عباس وأحد القولين عن عبد الله بن عمر، وسأل رجل عقبة عن الكلالة فقال : ألا تعجبون من هذا ؟ سألني وما أعضل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ما أعضلت بهم الكلالة، وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : ثلاث لأن يكون النبيّ بينهنّ لنا أحب إلينا من الدنيا وما فيها الكلالة والخلافة وأبواب الربا. وقال سعيد بن أبي طلحة : خطب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال : إني لا أدع بعدي شيئاً أهم عندي من الكلالة ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ فيه حتى طعن بإصبعه في صدري وقال :( يا عمر ألا يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن ) وقوله :«ألا يكفيك آية الصيف » أراد أنّ الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أوّل سورة النساء، والأخرى في الصيف وهي التي في آخرها، وفيها من البيان ما ليس في آية الشتاء، فلذلك أحاله عليها.
وقوله تعالى :﴿أو امرأة﴾ عطف على رجل أي : أو امرأة تورث كلالة ﴿وله﴾ أي : الرجل ﴿أخ أو أخت﴾ واكتفى بحكم الرجل عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فيه، ويصح أن يعود الضمير على الموروث الكلالة فيشمل الرجل والمرأة ﴿فلكل واحد منهما السدس﴾ وقد أجمعوا على أنّ المراد به الأخ والأخت من الأم ﴿فإن كانوا﴾ أي : الأخت والأخوات من الأم ﴿أكثر من ذلك﴾ أي : من واحد ﴿فهم شركاء في الثلث﴾ يستوي فيه ذكورهم وإناثهم ؛ لأنّ الإدلاء بمحض الأنوثة ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ وقوله تعالى :﴿غير مضارّ﴾ حال من ضمير يوصي أي : غير مدخل الضرر على الورثة بأن يوصي بأكثر من الثلث، وعن قتادة : كره الله الضرار في الحياة وعند الممات ونهى عنه.
وعن الحسن المضارّة في الدين أن يوصي بدين ليس عليه، ومعناه الإقرار، وقوله تعالى :﴿وصية من الله﴾ مصدر مؤكد ليوصيكم أي : يوصيكم بذلك وصية كقوله :﴿فريضة من الله﴾ ( النساء، ١١ ).
﴿والله عليم﴾ بما دبره لخلقه من الفرائض ﴿حليم﴾ بتأخير العقوبة عمن خالفه.
تنبيه : خصت السنة توريث من ذكر بمن ليس فيه مانع من قتل أو اختلاف دين أو رق.
النساء 4:13
﴿تلك﴾ أي : الأحكام المذكورة في أمر اليتامى والوصايا والمواريث ﴿حدود الله﴾ أي : شرائعه التي حدّها لعباده ليعملوا بها ولا يتعدّوها ﴿ومن يطع الله ورسوله﴾ فيما حكما به ﴿يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ وقوله تعالى :﴿خالدين فيها﴾ حال مقدرة كقولك : مررت برجل معه صقر صائداً به غداً ﴿وذلك الفوز العظيم﴾.
النساء 4:14
﴿ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده﴾ أي : الله ﴿يدخله ناراً﴾ وقوله تعالى :﴿خالداً فيها﴾ حال كما مرّ، ولا يجوز أن يكون ( خالدين ) و( خالداً ) صفتين لجنات ونار ؛ لأنهما جريا على غير من هما له، فلا بدّ من الضمير وهو قولك : خالدين هم فيها وخالداً هو فيها هذا على مذهب البصريين، أما على مذهب الكوفيين فهو جائز عندهم عند أمن اللبس كما هنا، وهو الراجح كما جرى عليه ابن مالك وغيره ﴿وله عذاب مهين﴾ أي : ذو إهانة، وروعي في الضمائر في الآيتين لفظ من وفي خالدين معناها. وقرأ نافع وابن عامر ( ندخله جنات ) و( ندخله ناراً ) بالنون فيهما على الالتفات، والباقون بالياء.
النساء 4:15
﴿واللاتي يأتين الفاحشة﴾ أي : الزنا ﴿من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم﴾ أي : من رجال المسلمين، وهذا خطاب للحكام أي : فاطلبوا عليهنّ أربعة من الشهود، وفيه بيان أنّ الزنا لا يثبت إلا بأربعة من الشهود ﴿فإن شهدوا﴾ عليهنّ بها ﴿فأمسكوهنّ﴾ أي : احبسوهنّ ﴿في البيوت﴾ واجعلوها سجناً لهنّ وامنعوهنّ عن مخالطة الناس، وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص بضمّ الباء والباقون بكسرها ﴿حتى يتوفاهنّ الموت﴾ أي : ملائكته ﴿أو﴾ إلى أن ﴿يجعل الله لهنّ سبيلاً﴾ أي : طريقاً إلى الخروج منها أمروا بذلك أوّل الإسلام، ثم جعل لهنّ سبيلاً بجلد البكر مئة وتغريبها عاماً ورجم المحصنة، وفي الحديث، لما بين الحدّ قال :( خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهنّ سبيلاً ). رواه مسلم.
النساء 4:16
﴿واللذان﴾ أي : الزاني والزانية، وقرأ ابن كثير بتشديد النون والباقون بالتخفيف ﴿يأتيانها﴾ أي : فاحشة الزنا ﴿منكم﴾ أي : الرجال ﴿فآذوهما﴾ بالسب والضرب بالنعال ﴿فإن تابا﴾ أي : منها ﴿وأصلحا﴾ أي : العمل ﴿فأعرضوا عنهما﴾ ولا تؤذوهما ﴿إنّ الله كان توّاباً﴾ على من تاب ﴿رحيماً﴾ به، وهو علة الأمر بالإعراض وترك المذمة وهذا منسوخ بالحدّ.
روى ابن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أنهما أخبراه أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما : يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، فقال الآخر وكان أفقههما : أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم فقال : إنّ ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أنّ على ابني الرجم فافتديت منه بمئة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مئة وتغريب سنة وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فردّ عليك ) وجلد ابنه مئة وغرّبه عاماً. أي : لأنه كان غير محصن وأمر أنيساً الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها.
وروى ابن عباس عن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال : إنّ الله بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ورعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو الاعتراف. وجملة حد الزنا أنّ الزاني إذا كان محصناً وهو الذي اجتمع فيه أربعة أوصاف : العقل والبلوغ والحرّية والإصابة بالنكاح الصحيح، فحدّه الرجم مسلماً كان أو ذميّاً، وعند أبي حنيفة أنّ الإسلام من شرائط الإحصان فلا يرجم عنده الذميّ، ويردّه ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه رجم يهوديين زنيا وكانا قد أحصنا ) وإن كان الزاني غير محصن بأن لم تجتمع فيه هذه الأوصاف نظر إن كان غير بالغ أو مجنوناً فلا حد عليه وإن كان حرّاً عاقلاً بالغاً غير أنه لم يصب بنكاح صحيح فعليه جلد مئة وتغريب عام وإن كان رقيقاً فعليه جلد خمسين وتغريب نصف عام. ومثل الزنا اللواط عند الشافعيّ رضي الله تعالى عنه لكن المفعول به لا رجم عليه وإن كان محصناً بل يجلد ويغرّب، وقيل : نزلت آية ﴿واللاتي يأتين الفاحشة﴾ في المساحقات وآية ﴿واللذان يأتيانها منكم﴾ في اللواطين.
النساء 4:17
﴿إنما التوبة على الله﴾ أي : إن قبول التوبة كالمحتوم على الله تفضلاً منه بمقتضى وعد ؛ لأنه تعالى وعد بقبول التوبة فإذا وعد شيئاً لا بدّ أن ينجز وعده ؛ لأن الخلف في وعده سبحانه وتعالى محال ﴿للذين يعملون السوء﴾ أي : المعصية وقوله تعالى :﴿بجهالة﴾ في موضع الحال أي : يعملون السوء جاهلين أي : سفهاً فإن ارتكاب الذنب مما يدعو إليه السفه والشهوة لا ما تدعو إليه الحكمة والعقل، وعن مجاهد : من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع أي : يخرج من جهالته، وقال قتادة : أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عصي به الله فهو جهالة عمداً كان أو لم يكن، وكل من عصى الله تعالى فهو جاهل ﴿ثم يتوبون من﴾ زمن ﴿قريب﴾ أي : قبل أن يغرغروا لقوله تعالى :﴿حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم :( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ) رواه الترمذي وحسنه. وعن عطاء ولو قبل موته بفواق ناقة، وعن الحسن إن إبليس قال حين أهبط إلى الأرض : وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده فقال : وعزتي وجلالي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر. والغرغرة تردّد الروح في الحلق.
تنبيه : معنى ( من ) في قوله تعالى ﴿من قريب﴾ التبعيض أي : يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمناً قريباً ؛ لأن أمد الحياة قريب لقوله تعالى :﴿قل متاع الدنيا قليل﴾ ( النساء، ٧٧ ).
ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب وإلا فهو تائب من بعيد ﴿فأولئك يتوب الله عليهم﴾ أي : يقبل توبتهم.
فإن قيل : ما فائدة ذلك بعد قوله تعالى :﴿إنما التوبة على الله﴾ ؟ أجيب : بأنّ ذلك وعد بالوفاء بما وعد به وكتبه على نفسه كما يعد العبد الوفاء بما عليه ﴿وكان الله عليماً﴾ بخلقه ﴿حكيماً﴾ في صنعه بهم.
النساء 4:18
﴿وليست التوبة للذين يعملون السيآت﴾ أي : الذنوب ﴿حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾ أي : أخذ في النزع ﴿قال﴾ عند مشاهدة ما هو فيه ﴿إني تبت الآن﴾ حين لا يقبل من كافر إيمان ولا من عاص توبة قال تعالى :﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ ( غافر، ٨٥ ).
ولذلك لم ينفع إيمان فرعون حين أدركه الغرق ﴿ولا الذين يموتون وهم كفار﴾ أي : إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب لا ينفعهم ذلك، ولا تقبل توبتهم، فسوى سبحانه وتعالى بين الذين سوفوا توبتهم إلى حضور الموت وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم ؛ لأنّ حضور الموت أوّل أحوال الآخرة، فكما أن المصرين على الكفر قد فاتتهم التوبة على اليقين فكذلك المسوف إلى حضور الموت لمجاوزة كل منهما أوان التكليف والاختيار وقوله تعالى :﴿أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً﴾ أي : مؤلماً تأكيد لعدم قبول توبتهم وبيان أن العذاب أعده لهم لا يعجزه عذابهم متى شاء والاعتداد التهيئة من العتاد وهو العدة، وقيل : أصله أعددنا أبدلت الدال الأولى تاء.
النساء 4:19
﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء﴾ أي : ذواتهنّ ﴿كرهاً﴾ نزلت في أهل المدينة كانوا في الجاهلية، وفي أوّل الإسلام إذا مات الرجل وله امرأة وللرجل عصبة وألقى ثوبه على امرأة الميت أو على خبائها صار أحق بها من نفسها ومن غيره، ثم إن شاء تزوّجها بصداقها الأوّل وإن شاء زوّجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج يضارها لتفتدي منه بما ورثته من الميت أو تموت هي فيرثها، فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها عصبة الميت ثوبه فهي أحق بنفسها، وكانوا على هذا حتى توفي أبو القيس بن الأسلت الأنصاري وترك امرأته، فقام ابن له من غيرها فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارها لتفدي نفسها منه، فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أبا قيس توفي وورث نكاحي ابنه، فلا هو ينفق عليّ ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم :( اقعدي في بيتك حتى يأتي أمر الله ) فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقرأ حمزة والكسائي بضم الكاف، والباقون بفتحها قال الكسائي : وهما لغتان، وقال الفرّاء : الكره بالفتح ما أكره عليه، وبالضم المشقة، وقوله تعالى :﴿ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ﴾ عطف على ( أن ترثوا ) أي : لا تمنعوا أزواجكم عن نكاح غيركم بإمساكهنّ ولا رغبة لكم فيهنّ ضراراً لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ من المهر، وقيل : هذا خطاب لأولياء الميت، والصحيح كما قال البغوي : إنه خطاب للأزواج، قال ابن عباس : هذا في الرجل يكون له المرأة وهو كاره صحبتها ولها عليه مهر فيضارها لتفتدي وتردّ إليه ما ساق إليها من المهر فنهى الله تعالى عن ذلك.
قال الزمخشريّ : والعضل الحبس والضيق ومنه عضلت المرأة بولدها إذا اختنقت رحمها به فخرج بعضه وبقي بعضه ﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ كالزنا والنشوز وسوء العشرة، فحينئذٍ يحل لكم إضرارهنّ ليفتدين منكم قال عطاء : كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها فنسخ ذلك بالحدود، وقرأ ابن كثير وشعبة بفتح الياء المثناة تحت والباقون بالكسر وقوله تعالى :﴿وعاشروهنّ بالمعروف﴾ قال الحسن : رجع إلى أوّل الكلام يعني وآتوا النساء صدقاتهنّ نحلة وعاشروهنّ بالمعروف وهو النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في القول وقيل : هو أن يتصنع لها كما تتصنع له ﴿فإن كرهتموهنّ﴾ فاصبروا ولا تفارقوهنّ ﴿فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً﴾ أي : فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين وأحمد وأدنى إلى الخير وأحبت ما هو بضدّ ذلك وليكن نظركم ما هو أصلح للدين وأدنى إلى الخير فلعل أن يرزقكم الله تعالى منهنّ ولداً صالحاً أو يعطفكم الله عليهنّ وقد بينت الآية جواز إمساك المرأة مع الكراهة لها ونبهت على معنيين :
أحدهما : أنّ الإنسان لا يعلم وجوه الصلاح :
والثاني : أنّ الإنسان لا يكاد يجد محبوباً ليس فيه ما يكره فليصبر على ما يكره لما يحب وأنشدوا في هذا المعنى :
ومن لم يغمض عينه عن صديقه؍ وعن بعض ما فيه يمت وهو عائب؍
ومن يتتبع جاهداً كل عثرة؍ يجدها ولم يسلم له الدهر صاحب؍
ولما كان الرجل إذا طمحت عينه إلى استظراف امرأة بهت بالتي تحته ورماها بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى زوج غيرها نزل.
النساء 4:20
﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ أي : أخذها بدلها بأن طلّقتموها﴿و﴾ قد ﴿آتيتم إحداهنّ﴾ أي : الزوجات ﴿قنطاراً﴾ أي : مالاً كثيراً صداقاً ﴿فلا تأخذوا منه﴾ أي : القنطار ﴿شيئاً﴾ وقوله تعالى :﴿أتأخذونه بهتاناً﴾ أي : ظلماً ﴿وإثماً مبيناً﴾ أي : بيناً حال أي : أتأخذونه باهتين وآثمين، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قام خطيباً فقال : أيها الناس لا تغالوا بصداق النساء فلو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية فقامت إليه امرأة فقالت له : يا أمير المؤمنين لِمَ تمنعنا حقاً جعله الله لنا والله تعالى يقول :﴿وآتيتم إحداهنّ قنطاراً﴾ فقال عمر رضي الله تعالى عنه : كل أحد أعلم من عمر ثم قال لأصحابه : تسمعونني أقول مثل هذا القول ولا تنكرونه عليّ حتى تردّ عليّ امرأة ليست من أعلم النساء.
النساء 4:21
وقوله تعالى :
﴿وكيف تأخذونه﴾ استفهام توبيخ وإنكار أي : تأخذونه بأي وجه ﴿وقد أفضى﴾ أي : وصل ﴿بعضكم إلى بعض﴾ بالجماع المقرّر للمهر وكنى الله تعالى عن الجماع بالإفضاء وهو الوصول إلى الشيء من غير واسطة تعليماً لعباده ؛ لأنه مما يستحيا منه ﴿وأخذن منكم ميثاقاً﴾ أي : عهداً ﴿غليظاً﴾ أي : شديداً وهو ما أخذه الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم :( اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله ). وقد قيل : صحبة عشرين يوماً قرابة فكيف بما جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج. ولما توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار خطب ابنه قيس امرأة أبيه وكان أهل الجاهلية ينكحون أزواج آبائهم فقالت : إني أعدّك ولداً وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره فأتته وأخبرته بذلك فنزل.
النساء 4:22
﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ وإنما عبر بما دون من ؛ لأنه أريد به صفة ذات معينة وهي كونهنّ منكوحات الآباء، وقيل : ما مصدرية على إرادة المفعول من المصدر وقوله تعالى :﴿إلا ما قد سلف﴾ استثناء من المعنى اللازم للنهي فكأنه قيل : تستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف أو من اللفظ للمبالغة في التحريم، والمعنى : لا تنكحوا حلائل آبائكم إلا ما قد سلف إن أمكنكم أن تنكحوه ولا يمكن ذلك والغرض المبالغة في تحريمه وسدّ الطريق إلى إباحته كما يعلق بالمحال في التأبيد في نحو قوله تعالى :﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ ( الأعراف، ٤٠ ).
أو منقطع أي : لكن ما قد سلف من فعلكم ذلك فإنه معفو عنه وقوله تعالى :﴿إنه﴾ أي : نكاحهنّ ﴿كان فاحشة ومقتاً﴾ علة للنهي أي : إنه فاحشة فكان مزيدة أي : قبيحاً عند الله تعالى ما رخص فيه لأمّة من الأمم ممقوتاً عند ذوي المروءات من الجاهلية وغيرهم وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه : المقتى ويسمي به الرجل المذكور أيضاً قال في «القاموس » : نكاح المقت أن يتزوّج امرأة أبيه بعده فالمقتى ذلك المتزوّج أو ولده أي : ومن ثم قيل : ومقتاً كأنه قيل : هو فاحشة في دين الله بالغة في القبح قبيح ممقوت في المروءة ولا مزيد على ما يجمع القبحين ﴿وساء﴾ أي : بئس ﴿سبيلاً﴾ أي : طريقاً ذلك، روي عن البراء بن عازب أنه قال :( مرّ بي خالي ومعه لواء فقلت : أين تذهب ؟ فقال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوّج امرأة أبيه آتيه برأسه ).
النساء 4:23
واعلم أن أسباب التحريم المؤبد ثلاثة : قرابة ورضاع ومصاهرة وضابط المحرمات بالنسب والرضاع أن يقال : محرم نساء القرابة إلا من دخلت تحت ولد العمومة أو ولد الخؤولة وقد بدأ الله بالسبب الأوّل وهو القرابة فقال :
﴿حرّمت عليكم أمهاتكم﴾ أي : العقد عليهنّ وكذلك يقدّر في الباقي ؛ لأن تحريم نكاحهنّ هو الذي يفهم من تحريمهنّ كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله.
والأمّهات جمع أمّ وأصلها أمّهة، قاله الجوهريّ. وضابط الأمّ هي كل من ولدتك فهي أمّك حقيقة أو ولدت من ولدك ذكراً كان أو أنثى كأم الأب وإن علت وأمّ الأمّ كذلك فهي أمّك مجازاً، وإن شئت قلت : هي كل أنثى ينتهي إليها نسبك ﴿وبناتكم﴾ جمع بنت وضابطها هو كل من ولدتها فهي بنتك حقيقة أو ولدت من ولدها ذكراً كان أو أنثى كبنت ابن وإن نزل وبنت بنت وإن نزلت فبنتك مجازاً وإن شئت قلت : كل أنثى ينتهي إليك نسبها، وخرج بالبنت المخلوقة من ماء زنا الرجل فإنها تحل له ؛ لأنها أجنبية عنه بدليل منع الإرث بالإجماع فلا تتبعض الأحكام ويحرم على المرأة ولدها من زنا بالإجماع كما أجمعوا على أنه يرثها.
والفرق أن الابن كالعضو منها وانفصل منها إنساناً ولا كذلك النطفة التي خلقت منها البنت بالنسبة للأب ﴿وأخواتكم﴾ جمع أخت وضابطها هو كل من ولدها أبواك أو أحدهما فهي أختك ﴿وعماتكم﴾ جمع عمة، وضابطها : هو كل من هي أخت ذكر ولدك بلا واسطة فعمتك حقيقة أو بواسطة كعمة أبيك فعمتك مجازاً وقد تكون العمة من جهة الأمّ كأخت أبي الأمّ ﴿وخالاتكم﴾ جمع خالة وضابطها هو كل من هي أخت أنثى ولدتك بلا واسطة فخالتك حقيقة، أو بواسطة كخالة أمّك فخالتك مجازاً، وقد تكون الخالة من جهة الأب كأخت أمّ الأب ﴿وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ من جميع الجهات وبنات أولادهم وإن سفلن.
ثم ثنى بالسبب الثاني وهو الرضاع فقال :﴿وأمّهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ وضابط أمّك من الرضاع هو : كل من أرضعتك أو أرضعت من أرضعتك أو صاحب اللبن أو أرضعت من ولدك بواسطة أو غيرها أو ولدت مرضعتك بواسطة أو غيرها أو صاحب لبنها وهو الفحل بواسطة أو غيرها فأمّ رضاع ﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾ وضابط أخت الرضاع هو كل من أرضعتها أمّك أو ارتضعت بلبن أبيك أو ولدتها مرضعتك أو ولدها الفحل ويلحق بذلك بالسنة باقي السبع لخبر الصحيحين :( يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة )، وفي رواية :( حرموا من الرضاعة ما يحرم من الولادة )، وفي رواية :( حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب ).
وضابط بنت الرضاع هو كل أنثى ارتضعت لبنك أو لبن من ولدته بواسطة أو غيرها أو أرضعتها امرأة ولدتها بواسطة أو غيرها وكذا بناتها من نسب أو رضاع وإن سفلن، وضابط عمة الرضاع هو كل أخت للفحل أو أخت ذكر ولد الفحل بواسطة أو غيرها من نسب أو رضاع.
وضابط خالة الرضاع هو كل أخت للمرضعة أو أخت أنثى ولدت المرضعة بواسطة أو غيرها من نسب أو رضاع، وضابط بنات الإخوة وبنات الأخوات من الرضاع : كل أنثى من بنات أولاد المرضعة والفحل من الرضاع والنسب، وكذا كل أنثى أرضعتها أختك أو ارتضعت بلبن أخيك وبناتها وبنات أولادها من نسب أو رضاع، وإنما تثبت حرمة الرضاع بشرطين :
أحدهما : أن يكون قبل استكمال المولود حولين لقوله تعالى :﴿والوالدات يرضعن أولادهنّ حولين كاملين﴾ ( البقرة، ٢٣٣ ).
ولقوله صلى الله عليه وسلم :( لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء )، وعن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم :( لا رضاع إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم ) وإنما يكون هذا في حال الصغر، وعند أبي حنيفة مدّة الرضاع ثلاثون شهراً لقوله تعالى :﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ ( الأحقاف، ١٥ ).
وهي عند الأكثرين لأقل مدّة الحمل وأكثر مدّة الرضاع وأقل مدّة الحمل ستة أشهر وابتداء الحولين من تمام انفصاله. والشرط الثاني : أن توجد خمس رضعات متفرّقات، لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : فيما أنزل الله في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخت بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فيما يقرأ من القرآن أي : يقرؤهنّ من لم يبلغه نسخهنّ فقد نسخت تلاوتهنّ وبقي حكمهنّ، وهذا ما ذهب إليه الشافعي، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن قليل الرضاع وكثيره محرم، وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب، وإليه ذهب سفيان الثوري ومالك والأوزاعي وعبد الله بن المبارك وأبو حنيفة، ويقوي الأوّل قوله صلى الله عليه وسلم :( لا تحرم المصة من الرضاع والمصتان ).
ثم ثلث بالسبب الثالث وهو النكاح فقال تعالى :﴿وأمّهات نسائكم﴾ أي : بواسطة أو بغيرها من نسب أو رضاع سواء أدخل بزوجته أم لا لإطلاق الآية ﴿وربائبكم﴾ جمع ربيبة وهي بنت الزوجة من غيره وسميت ربيبة ؛ لأنه يربيها كما يربي ولده في غالب الأمر، ثم اتسع فيه وسميت بذلك وإن لم يربها وقوله تعالى :﴿اللاتي في حجوركم﴾ أي : تربونها صفة موافقة للغالب فلا مفهوم لها ﴿من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ﴾ أي : جامعتموهنّ سواء أكان ذلك بعقد صحيح أم فاسد لإطلاق الآية ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهنّ فلا جناح عليكم﴾ أي : في نكاح بناتهنّ إذا فارقتموهن.
فإن قيل : لم أعيد الوصف إلى الجملة الثانية ولم يعد إلى الجملة الأولى وهي ﴿وأمّهات نسائكم﴾ مع أنّ الصفات عقب الجمل تعود إلى الجميع ؟ أجيب : بأنّ نساءكم الثاني مجرور بحرف الجرّ، ونساءكم الأول مجرور بالإضافة، وإذا اختلف العامل لم يجز الإتباع وتعين القطع واعترض بأنّ المعمول الجرّ وهو واحد.
تنبيه : قضية كلام الشيخ أبي حامد وغيره أنه يعتبر في الدخول أن يقع في حياة الأمّ فلو ماتت قبل الدخول ووطئها بعد موتها لم تحرم بنتها ؛ لأنّ ذلك لا يسمى دخولاً وإن تردّد فيه الروياني.
فإن قيل : لِمَ لم يعتبر الدخول في تحريم أصول البنت واعتبر في تحريمها الدخول ؟ أجيب : بأنّ الرجل يبتلى عادة بمكالمة أمّها عقب العقد لترتيب أموره فحرمت بالعقد ليسهل ذلك عليه بخلاف بنتها واستدخال الماء المحترم يثبت المصاهرة كالوطء، وتحرم البنت المنفية باللعان وإن لم يدخل بأمّها ؛ لأنها لا تنتفي عنه قطعاً ﴿وحلائل﴾ أي : أزواج ﴿أبنائكم﴾ واحدتها حليلة والذكر حليل سميا بذلك ؛ لأن كل واحد منهما حلال لصاحبه، وقيل : سميا بذلك ؛ لأن كل واحد يحلّ إزار صاحبه من الحل وهو ضدّ العقد وقوله تعالى :﴿الذين من أصلابكم﴾ احتراز عن حليلة المتبنى فإنها لا تحرم على الرجل الذي تبناه، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم تزوّج امرأة زيد بن حارثة وكان تبناه صلى الله عليه وسلم لا عن حليلة ولده من الرضاع فإنها تحرم عليه، ولا عن حلائل أبناء الولد وإن سفلوا.
تنبيه : كل امرأة تحرم عليك بعقد النكاح تحرم بالوطء في ملك اليمين والوطء بشبهة النكاح، فإذا وطئ امرأة بشبهة أو جارية بملك اليمين حرم على الواطئ أمّها وبنتها، وتحرم الموطوءة على أبي الواطئ وابنه، ولو زنى بامرأة لم تحرم أمّها ولا بنتها على الزاني ولا تحرم الزانية على أبي الزاني وابنه كما قاله ابن عباس، وإليه ذهب مالك والشافعيّ، وذهب قوم إلى التحريم.
يروى ذلك عن عمران بن حصين وأبي هريرة وهو قول أصحاب الرأي. وهل المباشرة بشهوة كلمس وقبلة كالوطء في تحريم الربيبة ؟ فيه قولان :
أحدهما : وهو الأصح من مذهب الشافعيّ لا ؛ لأنّ ذلك لا يوجب العدّة، فكذا لا يوجب الحرمة.
والثاني : نعم ؛ لأنّ ذلك كالوطء بجامع التلذذ بالمرأة ؛ ولأنه استمتاع يوجب الفدية على المحرم فكان كالوطء وبهذا قال جمهور العلماء.
ثم ذكر سبحانه وتعالى تحريم الجمع بقوله تعالى :﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ أي : ولا يجوز للرجل أن يجمع بين أختين في نكاح سواء كانتا من نسب أم رضاع سواء أنكحهما معاً أم مترتباً، فإذا نكح امرأة، ثم طلقها بائناً جاز له نكاح أختها، وخرج بالجمع في النكاح الجمع بملك اليمين، فإنه جائز لكن لا يجوز أن يجمع بينهما في الوطء فإذا وطئ إحداهما لم يحل له وطء الأخرى حتى يحرّم الأولى على نفسه، ويلحق بالأختين بالسنة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها من نسب أو رضاع ولو بواسطة، قال صلى الله عليه وسلم :( لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها لا الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى )، رواه الترمذي وغيره وصححوه ؛ ولما فيه من قطيعة الرحم، وإن رضيت بذلك، فإن الطبع يتغير وإليه أشار صلى الله عليه وسلم في خبر النهي عن ذلك بقوله :( إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامهنّ ). كما رواه ابن حبان وغيره، وضابط تحريم الجمع ابتداء ودواماً هو كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع ولو فرضت إحداهما ذكراً حرم الجمع بينهما بنكاح أو وطء بملك اليمين، وقوله تعالى :﴿إلا ما قد سلف﴾ استثناء عن لازم المعنى وهو المؤاخذة، فكأنه قال تعالى : تؤاخذون بذلك إلا ما قد سلف قبل النهي فلا تؤاخذون به أو منقطع أي : لكن ما قد سلف من نكاح بعض ما ذكر فإنه مغفور لكم ويؤيد هذا قوله تعالى :﴿إنّ الله كان غفوراً﴾ لما سلف منكم قبل النهي ﴿رحيماً﴾ بكم في ذلك، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر من رواية ابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند السين والباقون بالإدغام.
النساء 4:24
﴿و﴾ حرمت ﴿المحصنات﴾ أي : ذوات الأزواج ﴿من النساء﴾ أن تنكحوهنّ قبل مفارقة أزواجهنّ سواء أكن حرائر أم لا، مسلمات أم لا، قال أبو سعيد الخدري : نزلت في نساء كنّ هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهنّ أزواج، فتزوّجهن بعض المسلمين، ثم قدم أزواجهن مهاجرين، فنهى الله المسلمين عن نكاحهنّ، ثم استثنى فقال :﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ أي : من الإماء بالسبي فلكم وطؤهنّ وإن كان لهنّ أزواج في دار الحرب بعد الاستبراء ؛ لأنّ بالسبي يرتفع النكاح بينها وبين زوجها، قال أبو سعيد الخدري : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين جيشاً إلى أوطاس، فأصابوا سبايا لهنّ أزواج من المشركين، فكرهوا غشيانهنّ وتحرجوا فأنزل الله هذه الآية.
فائدة : قرأ الكسائي جميع ما في القرآن من لفظ المحصنات ومحصنات بكسر الصاد إلا هذا الحرف فإنه فتح الصاد موافقة للجميع، ووجه تسميتهنّ بذلك ؛ لأنهنّ أحصن فروجهنّ بالتزويج فهنّ محصنات، ومحصنات بالكسرة في غير هذه الآية وقوله تعالى :﴿كتاب الله﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة التي قبله وهي حرمت عليكم الخ. . أي : كتب الله ﴿عليكم﴾ تحريم هؤلاء كتاباً وقوله تعالى :﴿وأحل لكم﴾ عطف على الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله إذا قرئ بالبناء للفاعل كما قرأه غير حفص وحمزة والكسائي، وأمّا هم فقرؤوه بالبناء للمفعول عطفاً على حرمت ﴿ما وراء ذلكم﴾ أي : سوى ما حرم عليكم من النساء وقوله تعالى :﴿أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ مفعول له والمعنى أحل لكم ما وراء ذلك إرادة أن تبتغوا أي : تطلبوا النساء بأموالكم التي جعل الله لكم قياماً في حال كونكم محصنين أي : متزوّجين غير مسافحين أي : زانين ؛ لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين.
والإحصان : العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام والمسافح الزاني من السفح وهو صبّ المني، وكان الفاجر يقول للفاجرة : سافحيني ماذيني من المذي. والأموال المهور وما يخرج في المناكح.
تنبيه : يجوز أن يكون مفعول تبتغوا مقدراً وهو النساء كما قدّرته لك، قال الزمخشري : والأجود أن لا يقدر وكأنه قيل : أن تخرجوا أموالكم ويجوز أن يكون أن تبتغوا بدلاً مما وراء ذلكم بدل اشتمال ؛ لأنّ المبدل منه ذات والمبدل معنى والذات مشتملة عليه ﴿فما﴾ أي : فمن ﴿استمتعتم﴾ أي : تمتعتم ﴿به منهنّ﴾ أي : ممن تزوجتم بالوطء ﴿فآتوهنّ أجورهنّ﴾ أي : مهورهنّ، فإنّ المهر في مقابلة الاستمتاع، وقوله تعالى :﴿فريضة﴾ حال من الأجور بمعنى مفروضة أو صفة مصدر محذوف أي : إيتاء مفروضاً أو مصدر مؤكد ﴿ولا جناح عليكم فيما تراضيتم﴾ أنتم وهنّ ﴿به من بعد الفريضة﴾ فيما يزاد على المسمى أو يحط عنه بالتراضي، أو فيما تراضيا به من نفقة أو مقام أو فراق.
وقيل : نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتح الله مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نسخت كان الرجل ينكح المرأة وقتاً معلوماً ليلة أو ليلتين أو أسبوعاً بثوب أو غير ذلك ويقضي منها وطره ثم يسرحها سميت متعة لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه أباحها ثم أصبح يقول :( يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء إلا أنّ الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة ). وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال :( لا أوتى برجل تزوّج بامرأة إلى أجل إلا رجمتهما بالحجارة ). وعن ابن عباس أنه قال : هي محكمة أي : تنسخ وكان يقرأ : فما استمتعتم به إلى أجل مسمى، ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال : اللهمّ إني أتوب إليك من قولي بالمتعة، وقيل : إنها أبيحت مرّتين وحرمت مرّتين ﴿إنّ الله كان عليماً﴾ بخلقه ﴿حكيماً﴾ فيما دبره لهم.
النساء 4:25
﴿ومن لم يستطع منكم طولاً﴾ أي : غنى وأصل الطول الفضل يقال : لفلان على فلان طول أي : زيادة فضل وقد طاله طولاً فهو طائل كما قال القائل :
لقد زادني حباً لنفسي أنني؍ بغيض إلى كل امرئ غير طائل؍
ومنه قولهم : هذا أمر ما تحته طائل أي : شيء يعتد به مما له فضل وخطر، ومنه الطول في الجسم ؛ لأنه زيادة فيه كما أنّ القصر قصور فيه ونقصان، والمعنى : ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة ﴿أن ينكح المحصنات﴾ أي : الحرائر وقوله تعالى :﴿المؤمنات﴾ جرى على الغالب، فلا مفهوم له فإن الحرائر الكتابيات كذلك ﴿فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ أي : إمائكم المؤمنات أي : ومن لم يقدر على مهر الحرّة المؤمنة أي : أو الكتابية كما مرّ فليتزوّج الأمة المؤمنة، وظاهر الآية حجة للشافعي رضي الله تعالى في تحريم نكاح الأمة على من ملك ما يجعله صداق حرّة ومنع نكاح الأمة الكتابية مطلقاً، وأوّل أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه طول المحصنات بأن يملك فراشهنّ على أنّ النكاح هو الوطء وحمل قوله :( من فتياتكم المؤمنات ) على الأفضل كما حمل عليه قوله :( المحصنات المؤمنات ).
ومن أصحابنا من حمله أيضاً على التقييد وجوّز نكاح الأمة لمن قدر على الحرّة والكتابية دون المؤمنة حذراً من مخالطة الكفار وموالاتهم، والمحذور في نكاح الأمة رق الولد ؛ ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة، وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح ومهانة، والعزة من صفات المؤمنين، وأمّا وطؤها بملك اليمين فجائز باتفاق.
فائدة : قوله تعالى :﴿فمن ما ملكت﴾ من مقطوعة عن ما ﴿والله أعلم بإيمانكم﴾ أي : بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم في الإيمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم، وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرّة، والمرأة أفضل في الإيمان من الرجل وحق المؤمنين أن لا يعتبروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب، وهذا تأنيس بنكاح الإماء وترك الاستنكاف منه فإنه العالم بالسرائر ﴿بعضكم من بعض﴾ أي : أنتم وإماؤكم سواء في النسب والدين نسبكم من آدم ودينكم الإسلام فلا تستنكفوا من نكاحهنّ ﴿فانكحوهنّ بإذن أهلهنّ﴾ أي : مواليهنّ ﴿وآتوهنّ أجورهنّ﴾ أي : أدوا إليهنّ مهورهنّ بإذن أهلهنّ فحذف بإذن لتقدّم ذكره، أو أدوا إلى مواليهنّ فحذف المضاف للعلم بأن المهر للسيد ؛ لأنه عوض حقه فيجب أن يؤدّى إليه، وقال مالك : المهر للأمة ذاهباً إلى ظاهر الآية ﴿بالمعروف﴾ أي : من غير مطل ولا ضرار وقوله تعالى :﴿محصنات﴾ أي : عفيفات حال من ضمير فانكحوهنّ وهو محمول على الندب بناء على المشهور من جواز نكاح الزواني ﴿غير مسافحات﴾ أي : زانيات جهراً ﴿ولا متخذات أخدان﴾ أي : أخلاء يزنون بها سراً جمع خدن وهو الصديق في السر، وقيل : المسافحات اللاتي يزنين مع أي رجل، وذوات الأخدان اللاتي يزنين مع معين وذلك بحسب ما كان في الجاهلية.
﴿فإذا أحصن﴾ قرأ شعبة وحمزة والكسائي أحصن بفتح الهمزة والصاد على البناء للفاعل أي : تزوّجن والباقون بضم الهمزة وكسر الصاد على البناء للمفعول أي : زوّجن، ﴿فإن أتين بفاحشة﴾ أي : زنا ﴿فعليهنّ نصف ما على المحصنات﴾ أي : الحرائر الأبكار إذا زنين ﴿من العذاب﴾ أي : الحدّ فيجلدن خمسين ويغربن نصف سنة، ويقاس عليهنّ العبد.
فإن قيل : ما فائدة وجوب تنصيف الحدّ عليهنّ بتقييده بتزوّجهنّ إذ تنصيف العذاب لازم للأمة الزانية تزوّجت أم لا ؟ أجيب : بأنّ فائدة ذلك بيان أن لا رجم عليهنّ أصلاً وبأنه إنما ذكر لبيان جواب سؤال إذ الصحابة رضي الله تعالى عنهم عرفوا مقدار حد الأمة قبل التزوّج دون مقداره بعده، فسألوا عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، وذهب بعضهم إلى أنه لا حد على من لم يتزوّج من المماليك إذا زنا أخذاً بظاهر الآية.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحدّ ولا يثربن عليها ثم إن عادت فليجلدها الحد ولا يثربن عليها، فإن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر ) ﴿ذلك﴾ أي : نكاح الإماء عند عدم الطول ﴿لمن خشي﴾ أي : خاف ﴿العنت﴾ أي : الزنا، وأصله المشقة سمي به الزنا ؛ لأنه سببها بالحدّ في الدنيا أو العقوبة في الأخرى ﴿منكم﴾ أيها الأحرار بخلاف من لم يخفه أمّا العبيد فيجوز لهم نكاح الإماء مطلقاً لكن إن كان العبد مسلماً فلا بد أن تكون الأمة مسلمة ﴿وإن تصبروا﴾ عن نكاح الإماء متعففين ﴿خير لكم﴾ لئلا يصير الولد رقيقاً، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم ( الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت ) ﴿والله غفور﴾ لمن لم يصبر ﴿رحيم﴾ بأن وسع له في ذلك.
النساء 4:26
﴿يريد الله ليبين لكم﴾ شرائع دينكم ومصالح أموركم ﴿ويهديكم﴾ أي : يرشدكم ﴿سنن﴾ أي : شرائع ﴿الذين من قبلكم﴾ من الأنبياء في التحريم والتحليل فتتبعوهم ﴿ويتوب عليكم﴾ أي : ويتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبين لكم ﴿والله عليم﴾ بكم ﴿حكيم﴾ فيما دبره لكم.
النساء 4:27
﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾ إن وقع منكم تقصير في دينه ﴿ويريد الذين يتبعون الشهوات﴾ قال السدي : هم اليهود والنصارى، وقال بعضهم : هم المجوس ؛ لأنهم يستحلون نكاح الأخوات وبنات الأخ والأخت فلما حرمهنّ الله قالوا : فإنكم تحلون بنات الخالة والعمة والخالة والعمة عليكم حرام فانكحوا بنات الأخ والأخت، فنزلت، وقال مجاهد : هم الزناة ﴿أن تميلوا﴾ أي : تعدلوا عن الحق ﴿ميلاً عظيماً﴾ بارتكاب ما حرم عليكم فتكونوا مثلهم.
النساء 4:28
﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾ أي : يسهل عليكم أحكام الشرع، وقد سهل كما قال تعالى :﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ ( الأعراف، ١٥٧ ).
وقال صلى الله عليه وسلم :( بعثت بالحنيفية السمحة ) أي : السهلة ﴿وخلق الإنسان ضعيفاً﴾ لا يصبر على الشهوات وعلى مشاق الطاعات، وعن سعيد بن المسيب : ما أيس الشيطان من أحد قط إلا أتاه من قبل النساء فقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشو بالأخرى وإن أخوف ما أخاف عليّ فتنة النساء. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ثمان آيات في سورة النساء خير لهذه الأمّة مما طلعت عليه الشمس وغربت، ( يريد الله ليبين لكم ) ( والله يريد أن يتوب عليكم ) ( يريد الله أن يخفف عنكم ) ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم ) ( إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ) ( إنّ الله لا يظلم مثقال ذرّة ) ( ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ) ( ما يفعل الله بعذابكم ).
النساء 4:29
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ أي : بما لم تبحه الشريعة من نحو السرقة والخيانة والغصب والقمار والربا، وقوله تعالى :﴿إلا أن تكون تجارة﴾ استثناء منقطع أي : لكن أن تقع تجارة على قراءة الرفع وهي قراءة غير عاصم وحمزة والكسائي وأمّا هؤلاء فقرؤوا بالنصب على كان الناقصة وإضمار الاسم أي : إلا أن تكون الأموال تجارة ﴿عن تراض منكم﴾ أي : فلكم أن تأكلوها ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ أي : بارتكاب ما يؤدّي إلى هلاكها في الدنيا والآخرة، وقال الحسن : يعني إخوانكم أي : لا يقتل بعضكم بعضاً أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة.
روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( من قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة ).
وروي أنّ الله تعالى يقول :( بادرني عبدي بنفسه فحرّمت عليه الجنة ).
وعن عمرو بن العاص أنه تأوّله في التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم ﴿إنّ الله كان بكم﴾ يا أمّة محمد ﴿رحيماً﴾ حيث أمر بني إسرائيل بقتل الأنفس ونهاكم عنه.
النساء 4:30
﴿ومن يفعل ذلك﴾ أي : ما نهى عنه من قتل النفس وغيره من المحرمات، وقوله تعالى :﴿عدواناً﴾ حال أي : متجاوزاً للحلال وقوله تعالى :﴿وظلماً﴾ تأكيد وقيل : أراد بالعدوان التعدّي على الغير وبالظلم ظلم الشخص نفسه بتعريضها للعقاب ﴿فسوف نصليه﴾ أي : ندخله ﴿ناراً﴾ يحترق فيها ﴿وكان ذلك على الله يسيراً﴾ أي : هيناً لا عسر عليه فيه.
النساء 4:31
﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ أي : كلاً منها وفسر جماعة الكبيرة بأنها ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة، وقال جماعة : هي المعصية الموجبة للحدّ، والأوّل أولى ؛ لأنهم عدوا الربا وأكل مال اليتيم وشهادة الزور ونحوها من الكبائر ولا حد فيها، وقال الإمام : هي كل جريمة تؤذن أي : تعلم بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، وقال سفيان الثوري : الكبائر ما كان بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وبين الله، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم :( ينادي مناد من بطنان العرش يوم القيامة : يا أمّة محمد إنّ الله قد عفا عنكم جميعاً المؤمنين والمؤمنات تواهبوا المظالم وادخلوا الجنة برحمتي ).
وهي أشياء كثيرة، قال ابن عباس : هي إلى السبعين أقرب، وقال سعيد بن جبير : هي إلى السبعمائة أقرب أي : باعتبار أصناف أنواعها ﴿نكفر عنكم سيآتكم﴾ أي : الصغائر وهي ما عدا الكبائر أي : نكفر بفعل الطاعات كالصلاة والصوم. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهنّ ما اجتنبت الكبائر ).
ولا بأس بذكر شيء من النوعين فمن الأوّل تقديم الصلاة أو تأخيرها عن وقتها بلا عذر، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة ونسيان القرآن، واليأس من رحمة الله وأمن مكره تعالى، والقتل عمداً أو شبه عمد، والكفر، والفرار من الزحف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والإفطار في رمضان من غير عذر، وعقوق الوالدين والزنا، واللواط، وشهادة الزور، وشرب الخمر وإن قل، والسرقة، والغصب وقيده جماعة بما يبلغ ربع مثقال كما يقطع به في السرقة، وكتمان الشهادة بلا عذر، وضرب المسلم بغير حق، وقطع الرحم، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسب الصحابة، وأخذ الرشوة، والنميمة، وأمّا الغيبة فإن كانت في أهل العلم أو حملة القرآن فهي من الكبائر، وإلا فهي صغيرة، ومن الصغائر النظر المحرم، وكذب لا حد فيه ولا ضرر، والإشراف على بيوت الناس، وهجر المسلم فوق ثلاث، وكثرة الخصومات إلا إن راعى حق الشرع فيها، والضحك في الصلاة والنياحة وشق الجيب في المصيبة، والتبختر في المشي، والجلوس بين الفساق إيناساً لهم، وإدخال مجانين وصبيان يغلب تنجيسهم ونجاسة المسجد، واستعمال نجاسة في بدن أو ثوب لغير حاجة.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، وقيل : الكبائر الشرك وما عداه من الصغائر قال الله تعالى :﴿إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ ( النساء، ٤٨ ١١٦ ).
﴿وندخلكم مدخلاً﴾ قرأ نافع بفتح الميم أي : موضعاً ﴿كريماً﴾ أي : حسناً وهو الجنة، وقرأ الباقون بضمها على المصدر بمعنى الإدخال مع الكرامة.
النساء 4:32
﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ من جهة الدنيا والدين ؛ لئلا يؤدّي إلى التحاسد والتباغض ؛ لأنّ ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد وبما يصلح للمقسوم له من بسط في الرزق وقبض ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض﴾ ( الشورى، ٢٧ ).
فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علماً بأنّ ما قسم له هو المصلحة ولو كان خلافه لكان مفسدة له ولا يحسد أخاه على حظه.
قال مجاهد : قالت أمّ سلمة : يا رسول الله إنّ الرجال يغزون ولا نغزو ولهم ضعف ما لنا من الميراث فلو كنا رجالاً غزونا وأخذنا من الميراث مثل ما أخذوا فنزلت هذه الآية، وقيل : لما جعل الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث قالت النساء : نحن أحوج إلى الزيادة من الرجال، فإنا ضعفاء وهم أقوياء وأقدر في طلب المعاش منا فنزلت.
وقال قتادة والسديّ : لما أنزل الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين قال الرجال : إنا لنرجو أن نفضل على النساء في الآخرة فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء كما فضلنا عليهنّ في الميراث فأنزل الله تعالى ﴿للرجال نصيب﴾ أي : ثواب ﴿مما اكتسبوا﴾ أي : بسبب ما عملوا من الجهاد ﴿وللنساء نصيب ما اكتسبن﴾ أي : من حفظ فروجهنّ وطاعة الله وطاعة أزواجهنّ، فالرجال والنساء في الأجر في الآخرة سواء، وذلك أنّ الحسنة تكون بعشر أمثالها يستوي في ذلك الرجال والنساء، وفضل الرجال على النساء إنما هو في الدنيا ﴿واسألوا الله من فضله﴾ أي : لا تتمنوا ما للناس واسألوا الله ما احتجتم إليه يعطكم من خزائنه التي لا تنفد، فنهى الله عن التمني لما فيه من دواعي الحسد والحسد، أن يتمنى الشخص زوال النعمة عن صاحبها سواء تمناها لنفسه أم لا، والغبطة أن يتمنى لنفسه مثل ما لصاحبه وهو جائز، قال صلى الله عليه وسلم :( لا حسد أي : لا غبطة إلا في اثنتين ) الحديث ﴿إنّ الله كان بكلّ شيء عليماً﴾ فهو يعلم ما يستحقه كل إنسان فيفضل عن علم وتبيان.
النساء 4:33
﴿ولكل﴾ من الرجال والنساء ﴿جعلنا موالي﴾ أي : عصبة يعطون ﴿مما ترك الوالدان والأقربون﴾ لهم من المال فالوالدان والأقربون هم المورثون، وقيل : معناه ولكل جعلنا موالي أي : ورثة مما ترك أي : من الذين تركهم فتكون ما بمعنى من، ثم فسر الموالي فقال : الوالدان والأقربون أي : هم الوالدان والأقربون، فعلى هذا القول الوالدان هم الوارثون ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ والمعاقدة المعاهدة والمحالفة، والأيمان جمع يمين بمعنى القسم أو اليد وذلك أنهم كانوا عند المحالفة يأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد، ومحالفتهم أنّ الرجل كان في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول : دمي دمك وثأري ثأرك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من مال الحليف وكان ذلك ثابتاً في ابتداء الإسلام، فذلك قوله تعالى :﴿فآتوهم نصيبهم﴾ ( النساء، ٣٣ ).
أي : أعطوهم حظهم من الميراث، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى :﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ ( الأنفال، ٧٥. وسورة الأحزاب، ٦ ).
وقال مجاهد : أراد فآتوهم نصيبهم من النصر والرفد ولا ميراث، وعلى هذا الآية غير منسوخة لقوله تعالى :﴿أوفوا بالعقود﴾ ( المائدة، ١ ).
وقوله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم فتح مكة :( لا تحدثوا حلفاً في الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به فإنه لم يزده الإسلام إلا شدّة ) قال الزمخشريّ : وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح عنده وورث بحق الموالاة خلافاً للشافعيّ رحمه الله تعالى اه.
وقرأ غير عاصم وحمزة والكسائي : عاقدت بألف بين العين والقاف، وأمّا هؤلاء الثلاثة فقرأوا :( عقدت ) بغير ألف بمعنى عقدت عهودهم أيمانكم فحذف العهود وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه، ثم حذف كما حذف في القراءة الأولى ﴿إنّ الله كان على كل شيء شهيداً﴾ أي : مطلعاً فخافوه.
النساء 4:34
﴿الرجال قوّامون على النساء﴾ أي : يقومون عليهنّ قيام الولاة على الرعية وعلل ذلك بأمرين : أحدهما وهبيّ والآخر كسبيّ، وقد ذكر الأوّل بقوله تعالى :﴿بما فضل الله بعضهم على بعض﴾ أي : بسبب تفضيله الرجال على النساء بكمال العقل وحسن التدبير ومزيد القوّة في الأعمال والطاعات، ولذلك خصوا بالنبوّة والأمانة والولاية، وإقامة الشعائر، والشهادة في مجامع القضايا، ووجوب الجهاد، والجمعة، والتعصيب وزيادة السهم في الميراث والاستبداد بالفراق والرجعة وعدد الأزواج وإليهم الانتساب وهم أصحاب اللحى والعمائم، ثم ذكر الثاني بقوله تعالى :﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ في نكاحهنّ كالمهر والنفقة.
روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها ).
وروي أنّ سعيد بن الربيع أحد نقباء الأنصار نشزت عليه زوجته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير فلطمها فانطلق بها أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أفرشته كريمتي فلطمها فقال :«لتقتص منه » فنزلت فقال :( أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير ) ورفع القصاص ﴿فالصالحات﴾ منهنّ ﴿قانتات﴾ أي : مطيعات لأزواجهنّ ﴿حافظات للغيب﴾ أي : لما يجب عليهنّ حفظه في حال غيبة أزواجهنّ من الفروج والبيوت والأموال، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرّتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها ) ﴿بما حفظ الله﴾ أي : بما حفظهنّ الله حين أوصى بهنّ الأزواج في كتابه، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :«استوصوا بالنساء خيراً » أو بما حفظهنّ الله وعصمهنّ ووفقهنّ لحفظ الغيب، أو بما حفظهنّ حين وعدهنّ الثواب العظيم على حفظ الغيب وأوعدهنّ بالعذاب الشديد على الخيانة ﴿واللاتي تخافون﴾ أي : تعلمون ﴿نشوزهنّ﴾ كما في قوله تعالى :﴿فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً﴾ ( البقرة، ١٨٢ ).
﴿فعظوهنّ﴾ أي : خوفوهنّ كأن يقول لزوجته : اتقي الله في الحق الواجب لي عليك واحذري العقوبة ويبيّن لها أنّ النشوز يسقط النفقة والقسم ﴿واهجروهنّ في المضاجع﴾ أي : اعتزلوهنّ في الفراش ﴿واضربوهنّ﴾ وإن لم يتكرّر النشوز إن أفاد الضرب وإلا فلا يضرب كما لا يضرب ضرباً مبرّحاً ولا وجهاً ولا مهالك ومع ذلك فالأولى له العفو، وخرج بالعلم بالنشوز ما إذا ظهرت أماراته فقط إما بقول كأن صارت تجيبه بكلام خشن بعد أن كان بلين، وإما بفعل كأن يجد منها إعراضاً وعبوساً بعد تلطف وطلاقة وجه، فإنه يعظها بلا هجر وبلا ضرب لعلها تبدي عذراً أو تتوب عما وقع منها بغير عذر، وخرج بالمضجع الهجر بالكلام، فلا يجوز الهجر فوق ثلاثة أيام ويجوز فيها للخبر الصحيح :( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ) إن قصد بهجرها ردّها لحظ نفسه فإن قصد به ردّها عن المعصية وإصلاح دينها فلا تحريم إذ النشوز حينئذ عذر شرعيّ، والهجر له في الكلام جائز مطلقاً، ومنه هجره صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وصاحبيه ونهيه الصحابة عن كلامهم ﴿فإن أطعنكم﴾ فيما يراد منهنّ ﴿فلا تبغوا﴾ أي : لا تطلبوا ﴿عليهنّ سبيلاً﴾ أي : طريقاً إلى ضربهنّ ظلماً واجعلوا ما كان بينهنّ كأن لم يكن، ( فإنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له )، رواه الطبرانيّ وابن ماجة وغيرهما ﴿إنّ الله كان علياً كبيراً﴾ فاحذروه أن يعاقبكم إن ظلمتموهنّ فإنه أقدر عليكم منكم على من تحت أيديكم.
النساء 4:35
﴿وإن خفتم﴾ أي : علمتم ﴿شقاق﴾ أي : خلاف ﴿بينهما﴾ أي : بين المرء وزوجه وذكرهما بضميرهما وإن لم يجر ذكرهما لجري ما يدلّ عليهما وهو الرجال والنساء، وإضافة الشقاق إلى الظرف إمّا لإجرائه مجرى المفعول به كقوله : يا سارق الليلة أهل الدار، أو الفاعل كقولهم نهارك صائم ﴿فابعثوا﴾ أي : أيها الحكام متى اشتبه عليكم حالهما إليهما لكن برضاهما ﴿حكماً من أهله﴾ أي : أقاربه ﴿وحكماً﴾ آخر ﴿من أهلها﴾ أي : أقاربها لينظرا في أمرهما بعد اختلاء حكمه به وحكمها بها ومعرفة ما عندهما في ذلك ويصلحا بينهما، أو يفرّقا إن عسر الإصلاح على ما يأتي، فإنّ الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح.
تنبيه : بعث الحكمين على سبيل الوجوب، وكونهما من الأقارب على سبيل الندب وهما وكيلان لهما فاشترط رضاهما لا حكمان من جهة الحاكم ؛ لأنّ الحال يؤدّي إلى الفراق، والبضع حق الزوج، والمال حق الزوجة، وهما رشيدان فلا يولي عليهما في حقهما، فيوكل هو حكمه بطلاق أو خلع، وتوكل هي حكمها ببذل عوض وقبول طلاق، ويشترط فيهما إسلام وحرية وعدالة واهتداء إلى المقصود من بعثهما، له وإنما اشترط فيهما ذلك مع أنهما وكيلان لتعلق وكالتهما بنظر الحاكم كما في أمينه، ويسنّ كونهما ذكرين ولا يكفي حكم واحد ﴿إن يريدا﴾ أي : الحكمان ﴿إصلاحاً يوفق الله بينهما﴾ أي : الزوجين أي : إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله تعالى بورك في وساطتهما وأوقع الله بطيب أنفسهما وحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والإلفة، وألقى في نفوسهما المودّة والرحمة، وقيل : الضمير الأوّل للزوجين، والثاني للحكمين أي : إن يرد الزوجان إصلاحاً يوفق الله بين الحكمين اختلافهما حتى يعملا بالصلاح، وقيل : الضميران للحكمين أي : إن قصدا الإصلاح يوفق الله بينهما لتتفق كلمتهما ويحصل مقصودهما، وقيل : للزوجين أي : إن أرادا الإصلاح وزوال الشقاق : أوقع الله بينهما الإلفة والوفاق، وفيه تنبيه على أنّ من أصلح نيته فيما يتحرّاه أصلح الله تعالى مبتغاه، وإن لم يرضيا ببعثهما ولم يتفقا على شيء أدب الحاكم الظالم واستوفى للمظلوم حقه ﴿إنّ الله كان عليماً﴾ بكل شيء ﴿خبيراً﴾ بالبواطن كالظواهر، فيعلم كيف يرفع الشقاق ويوقع الوفاق قال تعالى :﴿لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكنّ الله ألف بينهم﴾ ( الأنفال، ٦٣ ).
النساء 4:36
﴿واعبدوا الله﴾ أي : وحدوه وأطيعوه ﴿ولا تشركوا به شيئاً﴾ أي : شيئاً من الإشراك جلياً كان أو خفياً، وعن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أنه قال : كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس ؟ ) قال : قلت الله ورسوله أعلم، قال :( حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله تعالى إذا فعلوا ذلك ؟ ) قلت : الله ورسوله أعلم قال :( فإنّ حق الناس على الله أن لا يعذبهم ) قال قلت : يا رسول الله ألا أبشر الناس ؟ قال :( دعهم يعملون ) ﴿و﴾ أحسنوا ﴿بالوالدين إحساناً﴾ أي : برّاً ولين جانب ﴿وبذي القربى﴾ أي : صاحب القرابة ﴿واليتامى والمساكين﴾ ويدخل في المساكين الفقراء.
روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( أنا وكافل اليتيم في الجنة ) وفي رواية :( من مسح رأس يتيم ولم يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة تمرّ عليها يداه حسنات، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وقرن بين أصبعيه ) ﴿والجار ذي القربى﴾ أي : القريب منك في النسب أو الجوار ﴿والجار الجنب﴾ أي : البعيد عنك في النسب أو الجوار.
روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : يا رسول الله إنّ لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال :( إلى أقربهما منك باباً ).
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر :( لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق وإذا طبخت مرقة فأكثر ماءها واغرف لجيرانك منها ).
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه يورّثه ). ﴿والصاحب بالجنب﴾ أي : الرفيق في السفر كما قاله ابن عباس ومجاهد، أو المرأة تكون معه إلى جنبه كما قاله علي والنخعي، أو الذي يصحبك رجاء نفعك في تعلم علم أو حرفة أو نحو ذلك كما قاله ابن جريج وابن زيد ﴿وابن السبيل﴾ أي : المسافر ؛ لأنه يلازم السبيل، أو الضيف كما عليه الأكثر.
روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ). وفي رواية :( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة )، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة ولا يحلّ له أن يثوي عنده حتى يخرجه ﴿وما ملكت أيمانكم﴾ أي : من الأرقاء من عبيد وإماء.
روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل ما يغلبه فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه )، وفيه رواية أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في مرضه :«الصلاة وما ملكت أيمانكم » فجعل يتكلم وما يفيض بها لسانه ﴿إنّ الله لا يحبّ من كان مختالاً﴾ أي : متكبراً على الناس من أقاربه وأصحابه وجيرانه وغيرهم ولا يلتفت إليهم ﴿فخوراً﴾ أي : يتفاخر عليهم بما آتاه الله.
روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( بينما رجل يتبختر في بردين وقد أعجبته نفسه خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ). وفي رواية :( لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرّ ثوبه خيلاء ).
النساء 4:37
وقوله تعالى :﴿الذين﴾ مبتدأ ﴿يبخلون﴾ أي : بما يجب عليهم ﴿ويأمرون الناس بالبخل﴾ بذلك ﴿ويكتمون ما آتاهم الله من فضله﴾ من العلم والمال وهم اليهود بخلوا ببيان صفته صلى الله عليه وسلم وكتموها وكانوا يأتون رجالاً من الأنصار ويخالطونهم فيقولون : لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون. وخبر المبتدأ محذوف تقديره لهم وعيد شديد ويصح أن يكون ( الذين ) بدلاً من قوله : من كان، أو منصوباً على الذم أو مرفوعاً عليه أي : هم الذين، وقرأ حمزة والكسائي ( بالبخل ) بفتح الباء والخاء، والباقون بضمّ الباء وسكون الخاء ﴿وأعتدنا للكافرين﴾ بذلك وبغيره ﴿عذاباً مهيناً﴾ أي : ذا إهانة وضع الظاهر فيه موضع المضمر إظهاراً بأنّ من هذا شأنه فهو كافر بالله لكتمانه صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم وكافر بنعمة الله عليه.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إذا أنعم الله على عبد نعمة أحبّ أن ترى نعمته على عبده ). وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره فنم به عنده فقال الرجل : يا أمير المؤمنين إنّ الكريم يسره أن يرى أثر نعمته، فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك فأعجبه كلامه.
النساء 4:38
وقوله تعالى :
﴿والذين﴾ عطف على الذين قبله ﴿ينفقون أموالهم رئاء الناس﴾ أي : مرائين لهم ﴿ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ أي : كالمنافقين ومشركي مكة المنفقين أموالهم في عداوة النبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿ومن يكن الشيطان له قريناً﴾ أي : صاحباً يعمل بأمره كهؤلاء ﴿فساء﴾ أي : فبئس ﴿قريناً﴾ هو حيث حملهم على البخل والرياء وكل شر وزينه لهم كقوله تعالى :﴿إنّ المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾ ( الإسراء، ٢٧ ).
والمراد : إبليس وأعوانه الداخلة في باطن الإنسان والخارجة عنه، ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأنّ الشيطان يقرن بهم في النار.
النساء 4:39
﴿وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله﴾ أي : أيّ ضرر عليهم في ذلك والاستفهام للإنكار، ولو مصدرية أي : لا ضرر فيه، وإنما الضرر فيما هم عليه وقوله تعالى :﴿وكان الله بهم عليماً﴾ وعيد لهم فيجازيهم بما عملوا.
النساء 4:40
﴿إنّ الله لا يظلم﴾ أحداً ﴿مثقال﴾ أي : وزن ﴿ذرّة﴾ وهي أصغر نملة، ويقال : لكل جزء من أجزاء الهباء في الكوّة، أي : لا ينقص قدر ذلك من حسناته ولا يزيده في سيئاته كما قال تعالى :﴿إنّ الله لا يظلم الناس شيئاً﴾ ( يونس، ٤٤ )، وفي ذكر المثقال إيماء إلى أنه وإن صغر قدره عظم جزاؤه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه أدخل يده في التراب فرفعها ثم نفخ فيه فقال : كل واحدة من هؤلاء ذرة ﴿وإن تك حسنة﴾ أي : وإن يك المثقال حسنة ﴿يضاعفها﴾ أي : ثوابها من عشر إلى أكثر من سبعمائة، وعن أبي عثمان النهدي أنه قال لأبي هريرة : بلغني عنك أنك تقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إنّ الله يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة ) قال أبو هريرة : لا بل سمعته يقول ( إنّ الله يعطيه ألفي ألف حسنة ). ثم تلا هذه الآية.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( إنّ الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزيه بها في الآخرة ) قال : وأمّا الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيراً. وفي رواية :( إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار، قال : يقولون : ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجون معنا فأدخلتهم النار قال : فيقول اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم فيأتون فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من أخذته إلى ركبتيه فيخرجونهم فيقولون : ربنا قد أخرجنا من أمرتنا قال : ثم يقول : أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار حتى يقول من كان في قلبه مثقال ذرّة، قال أبو سعيد : فمن لم يصدّق فليقرأ هذه ﴿إنّ الله﴾ الخ. . قال :( فيقولون ربنا قد أخرجنا من أمرتنا فلم يبق أحد في النار فيه خير ثم يقول الله عز وجل : شفعت الملائكة وشفعت الأنبياء وشفعت المؤمنون وبقي أرحم الراحمين قال : فيقبض قبضة من النار أو قال قبضتين ناساً لم يعملوا خيراً حتى احترقوا حتى صاروا حمماً فيؤتى بهم إلى ماء يقال له : ماء الحياة فيصب عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل وهي بكسر الحاء المهملة وتجمع على حبب قال : فتخرج أجسادهم مثل اللؤلؤ في أعناقهم الخاتم عتقاء الله فيقال لهم : ادخلوا الجنة فما تمنيتم أو رأيتم من شيء فهو لكم قال : فيقولون : ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين قال : فيقول الله تعالى : فإنّ لكم عندي أفضل منه فيقولون : ربنا وما أفضل من ذلك ؟ فيقول : رضائي عنكم فلا أسخط عليكم أبداً ).
فإن قيل : لم أنث الضمير مع أنه راجع للمثقال وهو مذكر ؟ أجيب : بأنه أنثه لتأنيث الخبر أو لإضافة المثقال إلى مؤنث، وقيل : إنّ الضمير راجع إلى ذرّة وهي مؤنثة لا إلى مثقال وحذفت النون تشبيهاً بحروف العلة، وقرأ نافع وابن كثير : حسنة برفع التاء على كان التامّة والباقون بنصبها على كان الناقصة، وقرأ ابن كثير وابن عامر ( يضعفها ) بتشديد العين ولا ألف قبلها والباقون بتخفيف العين وألف قبلها ﴿ويؤت﴾ أي : يعط صاحب الحسنة ﴿من لدنه﴾ أي : من عند الله على سبيل التفضل زائداً على ما وعد في مقابلة العمل ﴿أجراً عظيماً﴾ أي : عطاء جزيلاً وإنما سماه أجراً ؛ لأنه تابع للأجر مزيد عليه لا يثبت إلا بثباته.
النساء 4:41
﴿فكيف﴾ حال الكفار ؟ ﴿إذا جئنا من كل أمّة بشهيد﴾ يشهد عليها بعملها وهو نبيها لقوله تعالى :﴿وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم﴾ ( المائدة، ١١٧ ).
﴿وجئنا بك﴾ يا محمد ﴿على هؤلاء﴾ الشهداء ﴿شهيداً﴾ أي : شاهداً تشهد على صدقهم لعلمك بعقائدهم واستجماع شرعك على مجامع قواعدهم، وقيل : هؤلاء إشارة إلى المؤمنين لقوله تعالى :﴿لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾ ( البقرة، ١٤٣ ).
وقيل : إلى الكافرين المستفهم عن حالهم.
وعن ابن مسعود أنه قرأ سورة النساء على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله :﴿وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :( حسبك ).
النساء 4:42
﴿يومئذٍ﴾ أي : المجيء وهو يوم القيامة ﴿يودّ﴾ أي : يتمنى ﴿الذين كفروا وعصوا الرسول لو﴾ أي : أن ﴿تسوّى بهم الأرض﴾ كالموتى أو لم يبعثوا أو لم يخلفوا وكانوا هم والأرض سواء، وقال الكلبيّ يقول الله عز وجلّ للبهائم والوحوش والطيور والسباع : كونوا تراباً فتسوّى بهنّ الأرض فعند ذلك يتمنى الكافر أنه لو كان تراباً كما قال تعالى :﴿ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً﴾ ( النبأ، ٤٠ ).
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم : تسوّى بضم التاء للبناء للمفعول، والباقون بالفتح بالبناء للفاعل مع حذف إحدى التاءين في الأصل، وشدّد السين نافع وابن عامر، وخففها الباقون.
﴿ولا يكتمون الله حديثاً﴾ أي : مما عملوه ؛ لأنّ جوارحهم تشهد عليهم، وقال الحسن : إنها مواطن ففي موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همساً، وفي موطن يتكلمون ويكذبون ويقولون : ما كنا مشركين وما كنا نعمل من سوء، وفي موطن يسألون الرجعة، وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم وهو قوله تعالى :﴿ولا يكتمون الله حديثاً﴾ وقال سعيد بن جبير : قال رجل لابن عباس : إني أجد في القرآن شيئاً يختلف عليّ فقال : هات ما اختلف عليك قال : قال الله تعالى :﴿فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون﴾ ( المؤمنون، ١٠١ ).
وقال تعالى :﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ ( الطور، ٢٥ ).
وقال تعالى :﴿ولا يكتمون الله حديثاً﴾ ( النساء، ٤٢ ) قال :﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ ( الأنعام، ٢٣ ).
فقد كتموا، وقال تعالى :﴿أم السماء بناها﴾ إلى قوله :﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ ( النازعات، ٣٠ ).
فذلك خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال :﴿أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين﴾ إلى ﴿طائعين﴾ ( فصلت، ١١ ).
فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء وقال تعالى :﴿وكان الله غفوراً رحيماً﴾ ( الفتح، ١٤ ).
وقال :﴿كان الله عزيزاً حكيماً﴾ ( الفتح، ١٩ ).
فكأنه كان ثم مضى، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون في النفخة الأولى قال :﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض﴾ ( الزمر، ٦٨ ) ﴿فلا أنساب﴾ ( المؤمنون : ١٠١ ) عند ذلك ﴿ولا يتساءلون﴾ ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون في النفخة الآخرة ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ ( الصافات، ١٠١ )
وأمّا قوله : والله ربنا ما كنا مشركين، ولا يكتمون الله حديثاً، فإنّ الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فقال المشركون : تعالوا نقل : لم نك مشركين، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم وأرجلهم فعند ذلك عرفوا أنّ الله لا يكتم حديثاً، وعنده يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض، وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهنّ في يومين آخرين، ثم دحا الأرض في يومين ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فقال : خلق الأرض في يومين فخلقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلقت السماوات في يومين، وكان الله غفوراً رحيماً أي : لم يزل كذلك، فلا يختلف عليك القرآن فإنّ كلاً من عند الله.
النساء 4:43
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة﴾ أي : لا تغشوها ولا تقوموا إليها واجتنبوها ﴿وأنتم سكارى﴾ من الشراب ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ بأن تصحوا منه كقوله تعالى :﴿ولا تقربوا الزنا﴾ ( الإسراء، ٣٢ )
﴿ولا تقربوا الفواحش﴾ ( الأنعام، ١٥١ ).
روي أنّ عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً وشراباً فدعا نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان الخمر مباحاً فأكلوا وشربوا فلما سكروا جاء وقت صلاة المغرب فقدّموا أحدهم يصلي بهم فقرأ : قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون بحذف لا هكذا إلى آخر السورة فنزلت، فكانوا لا يشربونها في أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون، ثم نزل تحريمها.
وقيل : أراد بالصلاة مواضعها وهي المساجد. وقيل : أراد بالسكر سكر النوم ونهى عن الصلاة عند غلبة النوم قال صلى الله عليه وسلم :( إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإنّ أحدكم إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه ).
وقوله تعالى :﴿ولا جنباً﴾ منصوب على الحال أي : ولا تقربوا الصلاة وأنتم جنب بإيلاج أو إنزال، يقال : رجل جنب وامرأة جنب ورجال ونساء جنب ؛ لأنه يجري مجرى المصدر لا أنه مصدر بل هو اسم مصدر ؛ لأنه لم يستوف حروف الفعل ؛ لأنّ فعله أجنب فمصدره إجناباً لا جنباً، وأصل الجنابة البعد وسمي جنباً ؛ لأنه يجتنب موضع الصلاة أو لمجانبته الناس وبعده منهم حتى يغتسل ﴿إلا عابري﴾ أي : مجتازي ﴿سبيل﴾ أي : طريق أو مسافرين ﴿حتى تغتسلوا﴾ أي : فلكم أن تصلوا، واستثناء المسافر له حكم آخر سيأتي.
وفي هذا دليل على أن التيمم لا يرفع الحدث ؛ لأنه غياه بقوله :( حتى تغتسلوا ) ومن فسر الصلاة بمواضعها فسر عابري سبيل بالمجتازين فيها وجوّز للجنب عبور المسجد، وبه قال الشافعيّ رضي الله تعالى عنه، وقال أبو حنيفة : لا يجوز له المرور إلا إذا كان فيه الماء أو الطريق إلى الماء ﴿وإن كنتم مرضى﴾ أي : مرضاً يخاف معه من استعمال الماء فإنّ الواجد كالفاقد ﴿أو على سفر﴾ أي مسافرين وأنتم جنب أو محدثون ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ أي : أحدثتم بخروج الخارج من أحد السبيلين، والغائط المكان المطمئن من الأرض تقضي فيه الحاجة سمي باسمه الخارج للمجاورة ﴿أو لامستم النساء﴾، قرأ حمزة والكسائيّ بغير ألف بين اللام والميم والباقون بألف، واختلف في معنى اللمس والملامسة فقال قوم : هما التقاء البشرتين سواء أكان بجماع أم بغيره، وهو قول ابن مسعود وابن عمر والشعبي والنخعي وبه استدلّ الشافعيّ رضي الله تعالى عنه أنّ اللمس ينقض الوضوء، وقال قوم : هما المجامعة وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة كني باللمس عن الجماع ؛ لأنّ باللمس يوصل إلى الجماع ﴿فلم تجدوا ماء﴾ تطهرون به للصلاة بعد الطلب ؛ لأنه لا يسمى غير واجد إلا بعد الطلب وهذا راجع إلى ما عدا المرض ﴿فتيمموا﴾ أي : بعد دخول الوقت ﴿صعيداً طيباً﴾ أي : تراباً طاهراً أي : طهوراً أمّا المرضى فيتيممون مع حضور الماء ؛ لأنّ وجوده بالنسبة إليهم كالعدم ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ مع المرفقين منه بضربتين كما ثبت في الحديث وقال الزجاج : الصعيد وجه الأرض تراباً كان أو غيره وإن كان صخراً لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح لكان ذلك طهوره، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى وأجاب عن قوله تعالى في آية المائدة :﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ ( المائدة، ٦ ) أي : بعضه وهو لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه بأنّ من لابتداء الغاية، قال الزمخشريّ : وقولهم : إنها لابتداء الغاية فيه تعسف ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل : مسحت برأسي من الدهن ومن الماء ومن التراب إلا معنى التبعيض، قال : والإذعان للحق أحق من المراء، والتيمم من خصائص هذه الأمّة.
روي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء ) وكان بدء التيمم ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس أبا بكر فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء ؟ فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام فقال : حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس على ماء وليس معهم ماء ؟ فعاتبني أبو بكر وقال : ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي ولا يمنعني من التحرّك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء : ما هي بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر، فقالت عائشة : فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته ).
وفي رواية أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً من أصحابه في طلبها فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه فنزلت، فقال أسيد بن حضير : جزاك الله خيراً فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجاً وجعل للمسلمين فيه بركة، وقوله تعالى :﴿إنّ الله كان عفوّاً غفوراً﴾ كناية عن الترخيص والتيسير ؛ لأنّ من كانت عادته أن يعفو عن الخطائين ويغفر لهم آثر ما كان ميسوراً غير معسر.
النساء 4:44
﴿ألم تر﴾ أي : تنظر ﴿إلى الذين أوتوا نصيباً﴾ أي : حظاً يسيراً ﴿من الكتاب﴾ أي : من علم التوراة وهم أحبار اليهود ﴿يشترون﴾ أي : يختارون ﴿الضلالة﴾ على الهدى ﴿ويريدون أن تضلوا﴾ أيها المؤمنون ﴿السبيل﴾ أي : تخطئون طريق الحق لتكونوا مثلهم.
النساء 4:45
﴿والله أعلم﴾ منكم ﴿بأعدائكم﴾ فيخبركم بهم لتجتنبوهم ولا تستصحبوهم فإنهم أعداؤكم ﴿وكفى بالله ولياً﴾ أي : حافظاً ﴿وكفى بالله نصيراً﴾ أي : مانعاً لكم من كيدهم.
النساء 4:46
وقوله تعالى :
﴿من الذين هادوا﴾ بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب ؛ لأنهم يهود ونصارى وقوله تعالى :﴿والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً﴾ جمل توسطت بين البيان والمبين على سبيل الاعتراض أو بيان لأعدائكم وما بينهما اعتراض أو صلة لنصيراً أي : ينصركم من الذين هادوا كقوله تعالى :﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ ( الأنبياء، ٧٧ ).
أو خبر مبتدأ محذوف صفته ﴿يحرّفون الكلم عن مواضعه﴾ أي : ومن الذين هادوا قوم يحرّفون أي : يغيرون الكلم الذي أنزل في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم عن مواضعه التي وضع عليها بإزالته عنها وإثبات غيره فيها، وفي المائدة ﴿من بعد مواضعه﴾ ( المائدة، ٤١ ).
والمعنيان متقاربان، قال ابن عباس : كانت اليهود يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسألونه عن الأمر فيخبرهم ويرى أنهم يأخذون بقوله، فإذا انصرفوا من عنده حرّفوا كلامه ﴿ويقولون﴾ للنبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم ﴿سمعنا﴾ قولك ﴿وعصينا﴾ أمرك ﴿واسمع غير مسمع﴾ بمعنى الدعاء أي : لا سمعت بصمم أو بموت، أو بمعنى اسمع منا ولا نسمع منك، أو بمعنى اسمع غير مسمع كلاماً ترضاه ﴿و﴾ يقولون له :﴿راعنا﴾ يريدون به النسبة إلى الرعونة وقد نهى عن خطابه صلى الله عليه وسلم بها وهي كلمة سب بلغتهم ﴿لياً﴾ أي : تحريفاً ﴿بألسنتهم﴾ أي : يحرفون ما يظهرون من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرونه من السب والتحقير نفاقاً ﴿وطعناً﴾ أي : قدحاً ﴿في الدين﴾ أي : الإسلام ﴿ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا﴾ بدل وعصينا ﴿واسمع﴾ أي : فقط ﴿وانظرنا﴾ أي : انظر إلينا بدل راعنا ﴿لكان خيراً لهم﴾ مما قالوه ﴿وأقوم﴾ أي : أعدل وأصوب ﴿ولكن لعنهم الله﴾ أي : أبعدهم عن رحمته ﴿بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً﴾ أي : إيماناً قليلاً لا يعبأ به وهو الإيمان ببعض الآيات والرسل ويجوز أن يراد بالقلة العدم أو إلا نفراً قليلاً منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.
النساء 4:47
﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب﴾ يخاطب اليهود ﴿آمنوا بما نزلنا﴾ أي : القرآن ﴿مصدّقاً لما معكم﴾ أي : التوراة وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كلم أحبار اليهود عبد الله بن صوريا وأصحابه وكعب بن أسد وقال :( يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق ) قالوا : ما نعرف ذلك وانصرفوا على الكفر فنزلت ﴿من قبل أن نطمس وجوهاً﴾ أي : نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم ﴿فنردّها على أدبارها﴾ أي : فنجعلها كالأقفاء مطموسة مثلها أو ننكسها إلى ورائها في الدنيا أو في الآخرة.
روي أنّ عبد الله بن سلام لما سمع هذه الآية جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله ويده على وجهه وأسلم وقال : يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحوّل وجهي في قفاي وكذلك كعب الأحبار لما سمع هذه الآية أسلم في زمن عمر رضي الله تعالى عنه فقال : يا رب آمنت يا رب أسلمت مخافة أن يصيبه وعيد هذه الآية.
فإن قيل : قد أوعدهم الله بالطمس إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا ولم يفعل بهم ذلك ؟ أجيب : بأنّ هذا الوعيد باق ويكون طمس ومسخ في اليهود قبل قيام الساعة، أو أنّ هذا كان وعيداً بشرط فلما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه رفع ذلك عن الباقين، وقيل : أراد به في القيامة، وقال مجاهد : أراد بقوله : نطمس وجوهاً أي : نتركهم في الضلالة، فيكون المراد طمس وجه القلب والردّ عن بصائر الهدى على أدبارها في الكفر والضلالة ﴿أو نلعنهم﴾ أي : نمسخهم قردة وخنازير ﴿كما لعنا﴾ أي : مسخنا ﴿أصحاب السبت﴾ منهم قردة وخنازير ﴿وكان أمر الله﴾ أي : قضاؤه ﴿مفعولاً﴾ أي : نافذاً وكائناً فيقع لا محالة ما أوعدتم به إن لم تؤمنوا.
النساء 4:48
﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ أي : لا يغفر الإشراك به، قال عمر رضي الله تعالى عنهما : لما نزل ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعاً﴾ ( الزمر، ٥٣ ).
قالوا : يا رسول الله والشرك فنزلت. ولما أخبر بعدله أخبر تعالى بفضله فقال :﴿ويغفر ما دون ذلك﴾ الأمر الكبير العظيم من كل معصية سواء أكانت صغيرة أم كبيرة سواء أتاب فاعلها أم لا، ورهب بقوله : إعلاماً بأنه مختار لا يجب عليه شيء { لمن يشاء ).
وقال الكلبيّ : نزلت هذه الآية في وحشي بن حرب وأصحابه وذلك أنه لما قتل حمزة وذهب إلى مكة ندم هو وأصحابه وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا قد ندمنا على ما صنعنا وإنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا سمعناك تقول وأنت بمكة :﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر﴾ ( الفرقان، ٦٨ ).
الآيات وقد دعونا مع الله إلهاً آخر وقتلنا النفس التي حرّم الله قتلها وزنينا فلولا هذه الآيات لاتبعناك فنزلت :﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً﴾ ( مريم، ٦٠ ).
الآيتين فبعث بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فلما قرؤوهما كتبوا إليه : إن هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملاً صالحاً فنزلت :﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فبعث بها إليهم فبعثوا إليه إنا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته فنزل :﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ ( الزمر، ٥٣ ).
الآية فبعث بها إليهم، فدخلوا في الإسلام ورجعوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقبل منهم ثم قال لوحشيّ «أخبرني كيف قتلت حمزة ؟ » فلما أخبره قال :«ويحك غيب وجهك عني » فلحق وحشيّ بالشأم فكان بها إلى أن مات ﴿ومن يشرك با فقد افترى﴾ أي : ارتكب ﴿إثماً عظيماً﴾ أي : كبيراً فالافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل وكذا الاختلاق.
روي أن رجلاً قال : يا رسول الله ما الموجبات ؟ قال :( من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار ).
وروى أبو ذر أنه صلى الله عليه وسلم قال :( ما من عبد قال : لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة ) قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال :( وإن زنى وإن سرق ) قلت : وإن زنى وإن سرق قال :«وإن زنى وإن سرق » قلت :«وإن زنى وإن سرق ؟ قال :( وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر ) وكان أبو ذر إذا حدّث بهذا قال : وإن رغم أنف أبي ذر.
النساء 4:49
﴿ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم﴾ قال الحسن وقتادة : نزلت في اليهود والنصارى قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه ﴿وقالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى﴾ ( البقرة، ١١١ )، وقال الكلبيّ : نزلت في رجال من اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطفالهم فقالوا : هل على هؤلاء ذنب ؟ قال :«لا » قالوا : والله ما نحن إلا كهيئتهم ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل وما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار.
ويدخل في الآية كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند الله إلا إذا كان لغرض صحيح وطابق الواقع كقول سيدنا يوسف صلى الله عليه وسلم :﴿اجعلني على خزائن الأرض، إني حفيظ عليم﴾ ( يوسف، ٥٥ )، وقوله صلى الله عليه وسلم :( إني أمين في السماء أمين في الأرض ) حين قال له المنافقون : اعدل في القسمة إكذاباً لهم إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه، ولكن شتان بين من شهد الله له بالتزكية ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم ﴿بل الله﴾ الذي له صفات الكمال ﴿يزكي من يشاء﴾ أي : بماله من العلم التامّ والقدرة الشاملة والحكمة البالغة، وأصل التزكية نفي ما يستقبح فعلاً أو قولاً ﴿ولا يظلمون﴾ أي : ينقصون من أعمالهم ﴿فتيلاً﴾ أي : قدر ما يكون في شق النواة قاله عكرمة عن ابن عباس، فهو اسم لما في شق النواة، والقطمير اسم للقشرة التي على النواة، والنقير اسم للنقطة التي تكون على ظهر النواة، وقيل : الفتيل من الفتل وهو ما يحصل بين الإصبعين من الوسخ عند الفتل.
النساء 4:50
ولما أخبر سبحانه وتعالى أنّ التزكية إنما هي إليه قال لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿انظر﴾ متعجباً ﴿كيف يفترون﴾ أي : يتعمدون ﴿على الله﴾ الذي لا يخفى عليه شيء ولا بعجزه شيء ﴿الكذب﴾ من غير خوف منهم لذلك عاقبة ذلك ﴿وكفى به﴾ أي : بهذا الكذب ﴿إثماً مبيناً﴾ أي : بيناً واضحاً.
النساء 4:51
﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ وهما صنمان بمكة لقريش وذلك أنّ كعب بن الأشرف خرج في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش فقال أهل مكة : إنكم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم، ففعلوا فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت ؛ لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس فيما فعلوا، ثم قال أبو سفيان لكعب : إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أمّيون لا نعلم فأينا أهدى طريقاً نحن أم محمد ؟ قال كعب : اعرضوا عليّ دينكم فقال أبو سفيان : نحن ولاة البيت نسقي الحجاج الماء، ونقري الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث، فقال كعب : أنتم والله أهدى سبيلاً مما عليه محمد فأنزل الله تعالى :﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً﴾ أي : حظاً من الكتاب وهم كعب بن الأشرف وأصحابه يؤمنون بالجبت والطاغوت إي الصنمين ﴿ويقولون للذين كفروا﴾ وهم أبو سفيان وأصحابه ﴿هؤلاء﴾ أي : أنتم ﴿أهدى من الذين آمنوا﴾ وهم محمد وأصحابه ﴿سبيلاً﴾ أي : أقوم ديناً وأرشد طريقاً.
تنبيه : في ﴿هؤلاء أهدى﴾ همزتان من كلمتين الأولى مكسورة والثانية مفتوحة، قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الثانية ياء خالصة، والباقون بالتحقيق.
النساء 4:52
﴿أولئك الذين لعنهم الله﴾ أي : طردهم وأبعدهم من رحمته ﴿ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً﴾ أي : مانعاً يمنع العذاب عنه بشفاعة أو غيرها.
النساء 4:53
﴿أم﴾ منقطعة أي : بل ﴿لهم نصيب﴾ أي : حظ ﴿من الملك﴾ ومعنى الهمزة إنكار أن يكون لهم شيء من الملك وجحد لما زعمت اليهود من أنّ الملك سيصير لهم ولو كان لهم نصيب منه ﴿فإذاً﴾ أي : فيتسبب عن ذلك أنهم ﴿لا يؤتون الناس﴾ أي : واحداً منهم ﴿نقيراً﴾ ومرّ أنه النقرة في ظهر النواة، وهو مثل في القلة كالفتيل والقطمير، والمراد بالملك إما ملك الدنيا وإما ملك الله كقوله تعالى :﴿قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق﴾ ( الإسراء، ١٠٠ ) وهذا مبالغة في شحهم فإنهم بخلوا بالنقير وهم ملوك فما ظنك بهم إذا كانوا أذلاء منقادين ويصح أن يكون معنى الهمزة في أم لإنكار أنهم قد أوتوا نصيباً من الملك وكانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة كما تكون أحوال الملوك وإنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً.
النساء 4:54
﴿أم﴾ أي : بل ﴿يحسدون الناس﴾ أي : محمداً صلى الله عليه وسلم الذي جمع فضائل الناس الأوّلين والآخرين ﴿على ما آتاهم الله من فضله﴾ أي : من النبوّة والكتاب والنصرة والإعزاز وكثرة النساء أي : يتمنون زواله عنه ويقولون : لو كان نبياً لاشتغل عن النساء ﴿فقد آتينا آل إبراهيم﴾ وهو جدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن آل إبراهيم موسى وداود وسليمان ﴿الكتاب﴾ أي : ما أنزل إليهم ﴿والحكمة﴾ أي : النبوّة ﴿وآتيناهم ملكاً عظيماً﴾ فلا يبعد أن يؤتيه الله تعالى مثل ما آتاهم فكان لداود تسع وتسعون امرأة وكان لسليمان ألف وثلاثمائة حرّة وسبعمائة سريّة.
وقيل : المراد بالناس الناس جميعاً، وقيل : العرب. وحسدوهم لأنّ النبيّ الموعود منهم وقيل : النبيّ وأصحابه لأنّ من حسد على النبوّة فكأنما حسد الناس كلهم على كمالهم ورشدهم.
النساء 4:55
﴿فمنهم﴾ أي : اليهود ﴿من آمن به﴾ أي : بمحمد صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه ﴿ومنهم من صدّ﴾ أي : أعرض ﴿عنه﴾ فلم يؤمن به ﴿وكفى بجهنم سعيراً﴾ أي : عذاباً لمن لم يؤمن.
النساء 4:56
وقوله تعالى :
﴿إنّ الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم﴾ أي : ندخلهم ﴿ناراً﴾ كالبيان والتقرير لذلك ﴿كلما نضجت﴾ أي : احترقت ﴿جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها﴾ بأن يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة أخرى.
روي أنّ هذه الآية قرئت عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال عمر للقارئ : أعدها فأعادها وكان عنده معاذ بن جبل فقال معاذ : عندي تفسيرها : يبدله الله تعالى في ساعة مائة مرّة قال عمر : هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الحسن : تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرّة كلما أكلتهم قيل لهم : عودوا فيعودون كما كانوا.
فإن قيل : كيف تعذب جلود لم تكن في الدنيا ولم تعص ؟ أجيب : بأن المعاد إنما هو الجلد الأوّل وإنما قال : جلوداً غيرها لتبدل صفتها كما تقول : صنعت من خاتمي خاتماً غيره فالخاتم الثاني هو الأوّل لا أنّ الصناعة والصفة تبدلت.
روي أنّ ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع.
وروي أنّ ضرسه أو نابه مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث ﴿ليذوقوا العذاب﴾ أي : ليقاسوا شدّته، وقيل : يخلق مكان ذلك الجلد جلد آخر والمعذب في الحقيقة على كل حال هي النفس العاصية القائمة بالبدن ؛ لأنها المدركة دونه ﴿إنّ الله كان﴾ ولم يزل ﴿عزيزاً﴾ أي : لا يعجزه شيء ﴿حكيماً﴾ في خلقه يعاقب على وفق حكمته.
النساء 4:57
﴿والذين آمنوا﴾ أي : أقرّوا بالإيمان ﴿وعملوا الصالحات سندخلهم﴾ أي : بوعد لا خلف فيه، وربما أفهم التنفيس لهم بالسين دون سوف كما في الكافرين أنهم أقصر الأمم مدّة أو أنهم أقصرهم أعماراً راحة لهم من دار الكدر إلى محل الصفاء وأنهم يدخلون الجنة قبل جميع الفرق الناجية من أهل الموقف ﴿جنات﴾ أي : بساتين ووصفها بما يديم بهجتها ويعظم نضرتها وزهرتها فقال :﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أي : إنّ أرضها في غاية الري كل موضع صالح لأن يجري منه نهر.
ولما ذكر قيامها وما به دوامها أتبعه بما تهواه النفوس من استمرار الإقامة بها فقال ﴿خالدين فيها أبداً﴾ وإنما قدّم تعالى ذكر الكفار ووعيدهم ؛ على ذكر المؤمنين ووعدهم لأنّ الكلام فيهم وذكر المؤمنين بالعرض، ولما وصف تعالى حسن الدار ذكر حسن الجار فقال تعالى :﴿لهم فيها أزواج مطهرة﴾ أي : من الحيض والقذر.
فإن قيل : المطرد في وصف جمع القلة لمن يعقل أن يكون بالألف والتاء فيقال مطهرات، أجيب : بأنه عدل عن ذلك إلى الوحدة لإفهام أنهنّ لشدّة الموافقة في الطهر كذات واحدة ﴿وندخلهم﴾ أي : فيها ﴿ظلاً﴾ عظيماً وأكده تعالى بقوله :﴿ظليلاً﴾ أي : متصلاً لا فرج فيه منبسطاً لا ضيق معه دائماً لا تصيبه الشمس يوماً ما لا حرّ فيه ولا برد بل هو في غاية الاعتدال، وهو ظل الجنة، جعلنا الله تعالى ومن يحبنا ونحبه من أهلها السابقين مع النبيين والصدّيقين.
النساء 4:58
وقوله تعالى :
﴿إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ خطاب يعم المكلفين، والأمانات وإن نزلت يوم الفتح في عثمان بن طلحة بن عبد الدار لما أغلق باب الكعبة وصعد السطح فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح ليدخلها فأبى وقال : لو علمت أنه رسول لم أمنعه المفتاح فلوى عليّ رضي الله تعالى عنه يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت وصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له بين السقاية والسدانة، فأنزل الله هذه الآية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر ففعل ذلك وقال : هاك خالدة تالدة، فعجب من ذلك وقال عثمان : أكرهت وأذيت، ثم جئت ترفق ؟ فقال : قد أنزل الله في شأنك قرآناً، وقرأ عليه فقال عثمان : أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله فهبط جبريل وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السدانة تكون في أولاد عثمان أبداً فلما مات عثمان دفعه إلى أخيه شيبة، فالمفتاح والسدانة في أيديهم إلى اليوم وإلى يوم القيامة، فالآية، وإن وردت في سبب خاص فعمومها معتبر بقرينة الجمع ﴿وإذا حكمتم بين الناس﴾ أي : قضيتم بين من ينفذ عليه أمركم أو يرضى بحكمكم ﴿أن تحكموا بالعدل﴾ أي : بالسواء بأن تأمروا من وجب عليه حق بأدائه إلى من هو له فإنّ ذلك من أعظم الصالحات الموجبة لحسن المقيل في الظل الظليل، أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل )، الحديث.
وروي :( إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلساً إمام عادل وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدّهم عذاباً إمام جائر ). ولما أخبرهم بأمره زادهم رغبة بقوله :﴿إنّ الله نعما﴾ فيه إدغام ميم نعم في ما النكرة الموصوفة أي : نعم شيئاً ﴿يعظكم به﴾ وهو تأدية الأمانة والحكم بالعدل، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون، وكسرها الباقون، واختلس كسر العين قالون وأبو عمرو وشعبة ﴿إنّ الله كان﴾ أي : ولم يزل ولا يزال ﴿سميعاً﴾ لكل ما يقال ﴿بصيراً﴾ بكلّ ما يفعل.
النساء 4:59
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : أقروا بالإيمان، وبدأ بما هو العمدة في الحمل على ذلك فقال :﴿أطيعوا الله﴾ أي : فيما أمركم به ﴿وأطيعوا الرسول﴾ أي : فيما بينه لكم ﴿و﴾ أطيعوا ﴿أولي﴾ أي : أصحاب ﴿الأمر﴾ أي : الولاة ﴿منكم﴾ أي : إذا أمروكم بإطاعة الله ورسوله، وسواء كان ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بعده، ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة وأمراء السرية.
روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( السمع والطاعة على المرء فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ).
وروي أنه صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع فقال :( اتقوا الله وصلوا رحمكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدّوا زكاة أموالكم وأطيعوا إذا أمركم تدخلوا جنة ربكم ). وقيل :( المراد بأولي الأمر أبو بكر وعمر لقوله صلى الله عليه وسلم :( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ) وقال عطاء هم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان بدليل قوله تعالى :﴿والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان﴾ ( التوبة، ١٠٠ ).
روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( مثل أصحابي وأمّتي كالملح في الطعام ولا يصلح الطعام إلا بالملح )، قال الحسن : فقد ذهب ملحنا فكيف نصلح وقيل : المراد علماء الشرع لقوله تعالى :﴿ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ ( النساء، ٨٣ ).
﴿فإن تنازعتم﴾ أي : اختلفتم ﴿في شيء فردوه إلى الله﴾ أي : كتابه ﴿والرسول﴾ أي : مدّة حياته وبعد وفاته إلى سنته أي : اكشفوا عليه منهما والردّ إلى الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما، فإن لم يوجد فسبيله الاجتهاد. وقيل : الرد إلى الله والرسول أن يقول لما لا يعلم : الله ورسوله أعلم ﴿إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ أي : فإن الإيمان يوجب هذا ﴿ذلك﴾ أي : من الردّ إليهما ﴿خير﴾ لكم من التنازع والقول بالرأي ﴿وأحسن تأويلاً﴾ أي : تأويلكم بلا رد أو عاقبة.
النساء 4:60
﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا﴾ أي : أوجدوا هذه الحقيقة وأوقعوها في أنفسهم ﴿بما أنزل إليك﴾ أي : القرآن ﴿وما أنزل من قبلك﴾ أي : التوراة والإنجيل، قال الأصبهاني : ولا يستعمل أي : الزعم في الأكثر إلا في القول الذي لا يتحقق يقال : زعم فلان كذا إذا شك فيه فلا يعرف كذبه أو صدقه ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾ أي : الباطل المغرق في البطلان، وقيل : هو كعب بن الأشرف.
روي عن ابن عباس أنّ بشراً المنافق خاصم يهودياً فقال اليهودي : ننطلق إلى محمد صلى الله عليه وسلم وقال المنافق : بل إلى كعب بن الأشرف فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى المنافق ذلك أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودي فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال : انطلق بنا إلى عمر رضي الله تعالى عنه فأتيا عمر فقال اليهودي : اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك فقال عمر للمنافق : أكذلك ؟ فقال : نعم فقال لهما عمر : مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق، وقال : هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت هذه الآية، وقال جبريل عليه السلام : إنّ عمر فرق بين الحق والباطل فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم :( أنت الفاروق ).
والطاغوت على هذا هو كعب بن الأشرف سمي بذلك لفرط طغيانه أو لتشبيهه بالشيطان، أو لأن التحاكم إليه تحاكم إلى الشيطان من حيث إنه الحامل عليه ﴿وقد﴾ أي : والحال إنهم قد ﴿أمروا﴾ ممن له الأمر في كل ما أنزل إليك من كتاب ما قبله ﴿أن يكفروا به﴾ أي : بالشيطان فمتى تحاكموا إليه كانوا مؤمنين كافرين بالله وهو معنى قوله :﴿ويريد الشيطان﴾ أي : بإرادتهم ذلك التحاكم إليه ﴿أن يضلهم﴾ أي : المتحاكم إليه ﴿ضلالاً بعيداً﴾ أي : بحيث لا يمكنهم معه الرجوع إلى الهدى.
النساء 4:61
ولما ذكر ضلالهم بالإرادة ورغبتهم في التحاكم إلى الطاغوت ذكر فعلهم فيه في نفرتهم عن التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :
﴿وإذا قيل لهم﴾ أي : من أي قائل كان، وقرأ هشام والكسائي بضم القاف والباقون بالكسر وتقدّم ذكر الإدغام لأبي عمرو ﴿تعالوا﴾ أي : أقبلوا رافعين أنفسكم من وهاد الجهل إلى شرف العلم ﴿إلى ما أنزل الله﴾ أي : الذي عنده كل شيء ﴿وإلى الرسول﴾ أي : الذي تجب طاعته لأجل مرسله مع إنه أكمل الرسل الذين هم أكمل الخلق رسالة ﴿رأيت المنافقين يصدون﴾ أي : يعرضون ﴿عنك﴾ إلى غيرك وأكد ذلك بقوله :﴿صدوداً﴾ أي : هو أعلى طبقات الصدود.
النساء 4:62
﴿فكيف﴾ يكون حالهم ﴿إذا أصابتهم مصيبة﴾ أي : عقوبة كقتل عمر رضي الله تعالى عنه المنافق ﴿بما قدّمت أيديهم﴾ أي : من التحاكم إلى غيرك وعدم الرضا بحكمك من الكفر بغير ذلك أي : أيقدرون على الإعراض والفرار منها ؟ لا وتم الكلام ههنا، وقوله تعالى :﴿ثم جاؤوك﴾ أي : حين يصابون للاعتذار معطوف على يصدون وما بينهما اعتراض ﴿يحلفون بالله إن﴾ أي : ما ﴿أردنا﴾ أي : بالمحاكمة إلى غيرك ﴿إلا إحساناً﴾ أي : صلحاً ﴿وتوفيقاً﴾ أي : تأليفاً بين الخصمين ولم نرد مخالفتك، وقيل : جاء أصحاب القتيل طالبين بدمه وقالوا : ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا ويوفق بينه وبين خصمه بالتقريب في الحكم دون الحمل على مرّ الحق.
النساء 4:63
﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم﴾ أي : من النفاق والبغض للإسلام وأهله وإن اجتهدوا في إخفائه وكذبهم في حلفهم وعذرهم ﴿فأعرض عنهم﴾ أي : عن عتابهم بالصفح ؛ لأنهم أقل من أن يحسب لهم حساب ﴿و﴾ لكن ﴿عظهم﴾ أي : خوّفهم الله القادر على استئصالهم ﴿وقل لهم في أنفسهم﴾ أي : في شأنها أو خالياً بهم فإن النصح في السر أنجع ﴿قولاً بليغاً﴾ أي : مؤثراً فيهم أي : ازجرهم ليرجعوا عن كفرهم، وقيل : هذا منسوخ بآية القتال.
النساء 4:64
ولما أمر الله تعالى بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذم من حاكم إلى غيره وهدده وختم تهديده بأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنه والوعظ له، فكان التقدير فما أرسلناك وغيرك من الرسل إلا للرفق بالأمّة والصفح عنهم والدعاء لهم على غاية الجهد والنصيحة عطف عليه قوله :
﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع﴾ أي : فيما يأمر به ويحكم ؛ لأن منصبه الشريف يقتضي ذلك ﴿بإذن الله﴾ أي : بإرادته من أنه يطاع فلا يعصى ولا يخالف ﴿ولو أنهم إذ﴾ أي : حين ﴿ظلموا أنفسهم﴾ أي : بالتحاكم إلى الطاغوت أو غيره ﴿جاؤوك﴾ أي : تائبين ﴿فاستغفروا الله﴾ بالتوبة والإخلاص ﴿واستغفر﴾ أي : شفع ﴿لهم الرسول﴾ أي : اعتذروا إليه حتى انتصب لهم شفيعاً، وإنما عدل عن الخطاب تفخيماً لشأنه ﴿لوجدوا الله توّاباً﴾ عليهم ﴿رحيماً﴾ بهم، وقرأ أبو عمرو بإدغام الراء في اللام بخلاف عنه.
النساء 4:65
﴿فلا وربك﴾ أي : فوربك ولا مزيدة لتأكيد القسم ﴿لا يؤمنون﴾ أي : يوجدون هذا الوصف ويجدونه ﴿حتى يحكموك﴾ أي : يجعلوك حكماً ﴿فيما شجر﴾ أي : اختلف واختلط ﴿بينهم﴾ من كلام بعضهم لبعض للتنازع حتى كانوا كأغصان الشجرة في التداخل والتضايق ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً﴾ أي : نوعاً من الضيق ﴿مما قضيت﴾ به عليهم ﴿ويسلموا تسليماً﴾ أي : وينقادوا لك انقياداً بظواهرهم وبواطنهم، وفي الصحيح : إنّ الآية نزلت في الزبير وخصم له من الأنصار وقد شهد بدراً في شراج من الحرة كانا يستقيان بها النخل فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم للزبير :( اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك ) فغضب الأنصاري وقال : يا رسول الله : أن كان ابن عمتك ؟ فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال :( اسق يا زبير ثم احبس حتى يبلغ الجدر واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك ) وقيل : نزلت في بشر المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى عمر.
النساء 4:66
﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم﴾ كما أمرنا بني إسرائيل، أو تعرّضوا بها للقتل بالجهاد، وإن مصدرية أو مفسرة ؛ لأنّ ( كتبنا ) في معنى أمرنا، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بكسر النون في الوصل، والباقون بالضم ﴿أو اخرجوا من دياركم﴾ أي : التي هي لأشباحكم كأشباحكم لأرواحكم توبة لربكم ﴿ما فعلوه﴾ أي : المكتوب عليهم أي : إنا ما كتبنا عليهم إلا طاعة الله ورسوله والرضا بحكمه ولو كتبنا عليهم القتل والخروج من الديار ما كان يفعله ﴿إلا قليل منهم﴾ قال الحسن ومقاتل : لما نزلت هذه الآية، قال عمر وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهم القليل والله لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا فبلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك فقال :( إنّ من أمّتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي )، وقرأ ابن عامر قليلاً بالنصب على الاستثناء والباقون بالرفع على البدل ﴿ولو أنهم﴾ أي : هؤلاء المنافقين ﴿فعلوا ما يوعظون به﴾ من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿لكان خيراً لهم﴾ في عاجلهم وآجلهم مما اختاروه لأنفسهم ﴿وأشدّ تثبيتاً﴾ أي : تحقيقاً لإيمانهم ).
النساء 4:67
﴿وإذاً﴾ أي : لو ثبتوا ﴿لآتيناهم من لدنا﴾ أي : من عندنا ﴿أجراً عظيماً﴾ وهو الجنة.
النساء 4:68
﴿ولهديناهم صراطاً مستقيماً﴾ يصلون بسلوكه جنات القدس وتفتح لهم أبواب الغيب قال صلى الله عليه وسلم :( من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ) رواه أبو نعيم في حليته.
روي أنّ ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف الحزن في وجهه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ما غير لونك ؟ » فقال : يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف أن لا أراك ؛ لأنك ترفع مع النبيين وإني إن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبداً فأنزل الله تعالى.
النساء 4:69
﴿ومن يطع الله﴾ في امتثال أوامره والوقوف عند زواجره ﴿والرسول﴾ أي : في كل ما أراده فإن منصب الرسالة يقتضي ذلك لا سيما من بلغ نهايتها ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم﴾ أي : معدود من حزبهم، فهو بحيث إذا أراد زيارتهم أو رؤيتهم وصل إليهم بسهولة، وقوله تعالى :﴿من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين﴾ بيان للذين حال منه أو من ضميره، قسمهم أربعة أقسام بحسب منازلهم في العلم والعمل وحث كافة الناس على أن لا يتأخروا عنهم، وهم الأنبياء الفائزون بكمال العلم والعمل المتجاوزون حدّ الكمال إلى درجة التكميل، ثم الصدّيقون الذين صعدت نفوسهم تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات وأخرى بمعارج التصفية والرياضات إلى أوج العرفان حتى اطلعوا على الأشياء وأخبروا عنها على ما هي عليه، ثم الشهداء الذين أدّى بهم الحرص على الطاعة والجدّ في إظهار الحق حتى بذلوا مهجتهم في إعلاء كلمة الله تعالى، ثم الصالحون الذين صرفوا أعمارهم في طاعته وأموالهم في مرضاته ﴿وحسن﴾ أي : وما أحسن ﴿أولئك﴾ أي : العالون الأخلاق السابقون ﴿رفيقاً﴾ من الرفق وهو لين الجانب ولطافة الفعل، وهو مما يستوي واحده وجمعه أي : رفيقاً في الجنة بأن يستمتع فيها برؤيتهم ورؤيا ربهم والحضور معهم وإن كان مقرّهم في درجات عالية بالنسبة إلى غيرهم.
روي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رجلاً قال : يا رسول الله الرجل يحب قوماً ولم يلحق بهم قال النبيّ صلى الله عليه وسلم :( المرء مع من أحب ).
وروي أيضاً أن رجلاً قال : يا رسول الله متى الساعة ؟ قال :( وما أعددت لها ؟ ) فلم يذكر كثيراً إلا أنه يحب الله ورسوله قال :( فأنت مع من أحببت ).
النساء 4:70
وقوله تعالى :
﴿ذلك﴾ أي : كونهم مع من ذكر مبتدأ خبره ﴿الفضل من الله﴾ أي : تفضل به عليهم لا إنهم نالوه بطاعتهم ﴿وكفى بالله عليماً﴾ أي : بجزاء من أطاعه أو بمقادير الفضل واستحقاق أهله.
روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( قاربوا وسدّدوا واعلموا أنه لا ينجو أحد منكم بعمله ) قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال :( ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ).
النساء 4:71
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : أقرّوا بالإيمان ﴿خذوا حذركم﴾ من عدوّكم أي : احترزوا منه، وتيقظوا له والحذر الحذر كالأثر الأثر ﴿فانفروا﴾ أي : اخرجوا إلى قتاله مسرعين ﴿ثبات﴾ أي : جماعات متفرّقين سرية في أثر سرية جمع ثبة، وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة ﴿أو انفروا جميعاً﴾ أي : مجتمعين كوكبة واحدة، قال البيضاوي : والآية وإن نزلت في الحرب لكن يقتضي إطلاق لفظها وجوب المبادرة إلى الخيرات كلها كيفما أمكن قبل الفوات.
النساء 4:72
﴿وإنّ منكم﴾ الخطاب لعسكر النبيّ صلى الله عليه وسلم المؤمنين منهم والمنافقين ﴿لمن ليبطئن﴾ أي : ليتأخرن وليتثاقلن عن القتال وهم المنافقون كعبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه، وإنما قال منكم لاجتماعهم مع أهل الإيمان في الجنسية والنسب وإظهار الإسلام لا في حقيقة الإيمان ﴿فإن أصابتكم مصيبة﴾ كقتل وهزيمة ﴿قال﴾ هذا المتبطئ جهلاً منه وغلظة ﴿قد أنعم الله عليّ إذ﴾ أي : حين ﴿لم أكن معهم شهيداً﴾ أي : حاضراً فأصاب.
النساء 4:73
﴿ولئن﴾ لام قسم ﴿أصابكم فضل﴾ أي : فتح وظفر وغنيمة ﴿من الله﴾ الذي كل شيء بيده ﴿ليقولنّ﴾ نادماً على ما فاته من الأغراض الدنيوية، وأكده تنبيهاً على فرط تحسره وقوله تعالى :﴿كأن﴾ مخففة واسمها محذوف أي : كأنه ﴿لم تكن بينكم وبينه مودّة﴾ أي : معرفة وصداقة رجع إلى قوله :﴿قد أنعم الله عليّ﴾ اعتراض بين القول ومقوله وهو ﴿يا﴾ للتنبيه ﴿ليتني كنت معهم فأفوز﴾ أي : بمشاركتهم في ذلك ﴿فوزاً عظيماً﴾ أي : آخذ حظاً وافراً من الغنيمة، وقرأ ابن كثير وحفص بالتاء في تكن على التأنيث والباقون بالياء على التذكير.
النساء 4:74
ولما بين أن محط رحال القاعد عن الجهاد الدنيا علم أن قصد المجاهد الآخرة فقال تعالى :
﴿فليقاتل في سبيل الله﴾ أي : لإعلاء دينه ﴿الذين يشرون﴾ أي : يبيعون برغبة ﴿الحياة الدنيا بالآخرة﴾ وهم المؤمنون، والمعنى : إن تباطأ هؤلاء عن القتال فليقاتل المجاهدون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة ويشرون أي : يأخذون وهم المتباطئون فيختارونها على الآخرة، والمعنى : حثهم على ترك ما حكي عنهم، وفي هذا استعمال للمشترك في مدلوليه ﴿ومن يقاتل في سبيل الله﴾ لإعلاء دينه ﴿فيقتل﴾ أي : يستشهد ﴿أو يغلب﴾ أي : يظفر بعدوّه ﴿فسوف نؤتيه أجراً عظيماً﴾ أي : ثواباً جزيلاً، وإنما وعد له الأجر العظيم غلب أو غلب ترغيباً في القتال وتكذيباً لقول المتبطئ ﴿قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً﴾ وإنما قال : فيقتل أو يغلب تنبيهاً على أنّ المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة حتى يعدّ نفسه بالشهادة أو الدين بالظفر والغلبة وأن لا يكون قصده بالذات إلى القتل بل إلى إعلاء كلمة الحق وإظهار الدين.
روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة ).
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصائم الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجعه الله إلى أهله إنما يرجعه من غنيمة وأجر أو يتوفاه فيدخله الجنة ).
النساء 4:75
وقوله تعالى :
﴿وما لكم لا تقاتلون﴾ استفهام توبيخ أي : لا مانع لكم من القتال ﴿في سبيل الله﴾ لإعلاء دينه وقوله تعالى :﴿والمستضعفين﴾ عطف على اسم الله أي : وفي سبيل المستضعفين وهو تخليصهم من الأسر وصونهم عن العدوّ وقوله تعالى :﴿من الرجال والنساء والولدان﴾ بيان للمستضعفين وهم المسلمون الذين حبسهم الكفار عن الهجرة وآذوهم قال ابن عباس : كنت أنا وأمي منهم وإنما ذكر الوالدان مبالغة في الحث وتنبيهاً على تناهي المشركين بحيث بلغ أذاهم الولدان وإن دعوتهم أجيبت بسبب مشاركتهم في الدعاء حتى يشاركوا في استنزال الرحمة واستدفاع البلية. وقيل : المراد بهم العبيد والإماء وهم جمع وليد ﴿الذين يقولون﴾ أي : داعين يا ﴿ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها﴾ أي : بالكفر ﴿واجعل لنا من لدنك﴾ أي : من عندك ﴿ولياً﴾ يتولى أمرنا ﴿واجعل لنا من لدنك نصيراً﴾ يمنعنا منهم وقد استجاب الله تعالى دعاءهم فيسر لبعضهم الخروج إلى المدينة، وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة له صلى الله عليه وسلم فتولاهم ونصرهم، ثم استعمل عليهم عتاب بن أسيد بفتح الهمزة وكسر السين فحماهم ونصرهم حتى صاروا أعز أهلها، وكان حينئذ ابن ثمان عشرة سنة، والقرية مكة، والظالم صفتها، وتذكيره لتذكير ما أسند إليه، فإن اسم الفاعل أو المفعول إذا جرى على غير من هو له كان كالفعل يذكر ويؤنث على حسب ما عمل فيه.
النساء 4:76
﴿الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله﴾ أي : في طاعته الله ﴿والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت﴾ أي : في طاعة الشيطان ﴿فقاتلوا﴾ أيها المؤمنون ﴿أولياء الشيطان﴾ أي : حزبه وجنوده وهم الكفار ﴿إن كيد الشيطان﴾ أي : مكره بالمؤمنين ﴿كان ضعيفاً﴾ بالإضافة إلى كيد الله تعالى بالكافرين لا يعتدّ به، فلا تخافوا أولياءه فإن اعتمادهم على أضعف شيء أوهنه كما فعل الشيطان يوم بدر لما رأى الملائكة خاف أن تأخذه فهرب وخذلهم.
النساء 4:77
﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾ أي : عن قتال الكفار، وهم جماعة من الصحابة كانوا يلقون من المشركين أذى كثيراً قبل أن يهاجروا ويقولون : يا رسول الله ائذن لنا في قتالهم فإنهم قد آذونا، فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :( كفوا أيديكم فإني لم أؤمر بقتالهم ) ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾. فلما هاجروا إلى المدينة وأمرهم الله تعالى بقتال المشركين شق ذلك على بعضهم كما قال تعالى :﴿فلما كتب﴾ أي : فرض ﴿عليهم القتال﴾ قرأ أبو عمرو بكسر الهاء والميم في الوصل وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم في الوصل، وأمّا الوقف فالجميع يسكنون الميم، وحمزة بضم الهاء على أصله، وكسرها الباقون ﴿إذا فريق منهم يخشون﴾ أي : يخافون ﴿الناس كخشية الله﴾ أي : كخشيتهم من الله ﴿أو أشدّ خشية﴾ من خشيتهم له.
تنبيه : نصب أشدّ على الحال، وجواب لما دل عليه إذا وما بعدها أي : فاجاءتهم الخشية ﴿وقالوا﴾ جزعاً من الموت ﴿ربنا لم كتبت علينا القتال لولا﴾ أي : هلا ﴿أخرتنا إلى أجل قريب﴾ وهو الموت أي : هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا، واختلفوا في هؤلاء الذين قالوا ذلك فقيل : قاله قوم من المنافقين ؛ لأن قوله :﴿لم كتبت علينا القتال﴾ لا يليق بالمؤمنين ؟ وقيل : قاله جماعة من المؤمنين لم يكونوا راسخين في العلم قالوه خوفاً وجبناً لا اعتقاداً، ثم تابوا، وأهل الإيمان يتفاضلون فيه، وقيل : هم قوم كانوا مؤمنين فلما كتب عليهم القتال نافقوا من الجبن وتخلفوا عن الجهاد، وقرأ البزي في الوقف ( لمه ) بهاء بعد الميم بخلف عنه، والباقون بالميم بغير هاء والهاء ساقطة في الوصل للجميع ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿متاع الدنيا﴾ أي : ما يتمتع به فيها والاستمتاع بها ﴿قليل﴾ أي : آيل إلى الزوال ﴿والآخرة﴾ أي : ثوابها وهو الجنة والنظر إلى الله تعالى ﴿خير لمن اتقى﴾ عقاب الله بترك معاصيه.
روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع ) ﴿ولا تظلمون﴾ أي : تنقصون من أعمالكم ﴿فتيلاً﴾ أي : قدر ما يكون في شق النواة كما مرّ عن عكرمة. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب، ونزل في المنافقين الذين قالوا في قتلى أحد ﴿لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا﴾ ( آل عمران، ١٥٦ ).
النساء 4:78
﴿أينما تكونوا﴾ أيها الناس كلكم مطيعكم وعاصيكم ﴿يدرككم الموت﴾ أي : فإنه طالب لا يفوته هارب.
واختلف كتاب المصاحف في رسم أينما هنا فمنهم من كتب ما مقطوعة من أين ومنهم من وصلها ﴿ولو كنتم في بروج﴾ أي : حصون برج داخل برج أو كل واحد منكم داخل برج ﴿مشيدة﴾ أي : مرتفعة كل واحد منها شاهق في الهواء منيع فلا تخشوا القتال خوف الموت.
ونزل في اليهود لما قالوا حين قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة : ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه ﴿وإن تصبهم﴾ أي : اليهود ﴿حسنة﴾ أي : خصب ورخص في السعر ﴿يقولون هذه من عند الله﴾ لنا لا مدخل لك فيها ﴿وإن تصبهم سيئة﴾ أي : جدب وغلاء في الأسعار ﴿يقولون هذه من عندك﴾ أي : من شؤم محمد وأصحابه وقيل : المراد بالحسنة الظفر والغنيمة يوم بدر، والسيئة القتل والهزيمة يوم أحد، يقولون : هذه من عندك أي : أنت الذي حملتنا عليه يا محمد فعلى هذا يكون هذا قول المنافقين ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿كل﴾ أي : الحسنة والسيئة ﴿من عند الله﴾ ثم عيرهم بالجهل فقال :﴿فما لهؤلاء القوم﴾ أي : اليهود أو المنافقين ﴿لا يكادون يفقهون﴾ أي : لا يقاربون أن يفهموا ﴿حديثاً﴾ يوعظون به وهو القرآن ؛ لأنهم لو فهموه وتدبروا معانيه لعلموا أنّ الكل من عند الله، أو حديثاً ما يلقى إليهم كبهائم لا أفهام لهم، وما استفهام تعجب من فرط جهلهم ونفي مقاربة الفعل أشدّ من نفيه.
النساء 4:79
﴿ما أصابك﴾ أي : أيها الإنسان ﴿من حسنة﴾ أي : نعمة دنيوية أو أخروية ﴿فمن الله﴾ أتتك تفضلاً منه والإيمان أحسن المحسنات، قال الإمام : إنهم اتفقوا على أنّ قوله :﴿ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله﴾ ( فصلت، ٣٣ ).
المراد به كلمة الشهادة ﴿وما أصابك من سيئة﴾ أي : بلية وأمر تكرهه ﴿فمن نفسك﴾ أتتك حيث ارتكبت ما يستوجبها من الذنوب.
فإن قيل : كيف الجمع بين قوله تعالى :﴿قل كل من عند الله﴾ وبين قوله ﴿فمن نفسك﴾ ؟ أجيب : بأنّ قوله :﴿قل كل من عند الله﴾ أي : الخصب والجذب والنصر والهزيمة كلها من عند الله وقوله :﴿فمن نفسك﴾ أي : ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك كما قال تعالى :﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ ( الشورى، ٣٠ )، وقيل : إنّ هذه الآية متصلة بما قبلها، والقول فيه مضمر تقديره : فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً يقولون :﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك قل كل من عند الله﴾ ﴿وأرسلناك﴾ يا محمد ﴿للناس﴾ أي : كافة وقوله تعالى :﴿رسولاً﴾ حال قصد بها التأكيد ﴿وكفى با شهيداً﴾ على إرسالك بنصب المعجزات، ولما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم :( من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبني فقد أحب الله ) فقال بعض المنافقين : ما يريد هذا الرجل إلا أن تتخذوه رباً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم ) نزل.
النساء 4:80
﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ لأنه في الحقيقة مبلغ والآمر هو الله تعالى ﴿ومن تولى﴾ أي : أعرض عن طاعتك فلا يهمنك ﴿فما أرسلناك﴾ يا محمد ﴿عليهم حفيظاً﴾ أي : حافظاً لأعمالهم وتحاسبهم عليها إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب فنجازيهم، وهذا قبل الأمر بالقتال.
النساء 4:81
﴿ويقولون﴾ أي : المنافقون إذا أمرتهم بشيء من أمرنا وهم بحضرتك ﴿طاعة﴾ أي : أمرنا وشأننا طاعة أي : نطيعك فيما تأمرنا به ﴿فإذا برزوا﴾ أي : خرجوا ﴿من عندك بيت طائفة منهم﴾ أي : أضمرت ﴿غير الذي تقول﴾ لك في حضورك من الطاعة أي : عصتك، وقرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام التاء في الطاء فإنها عندهما ساكنة أي : التاء فإذا سكنت التاء قبل الطاء وجب إدغامها فيها، والباقون بالإظهار فإن التاء عندهم مفتوحة ﴿والله يكتب﴾ أي : يأمر بكتب ﴿ما يبيتون﴾ أي : ما يسرون من النفاق في صحائفهم ليجازوا عليها ﴿فأعرض عنهم﴾ أي : قلل المبالاة بهم ﴿وتوكل على الله﴾ أي : ثق به فإنه كافيك معرتهم وينتقم لك منهم ﴿وكفى بالله وكيلاً﴾ أي : مفوّضاً إليه.
النساء 4:82
﴿أفلا يتدبرون﴾ أي : يتأمّلون ﴿القرآن﴾ وما فيه من المعاني البديعة ﴿ولو كان من عند غير الله﴾ أي : ولو كان من كلام البشر كما زعم الكفار ﴿لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ أي : تناقضاً في معانيه وتبايناً في نظمه، فكان بعضه فصيحاً وبعضه ركيكاً وبعضه تصعب معارضته وبعضه تسهل وتخلفاً عن الصدق في الإخبار عن الغيب بما كان وما يكون، أفلا يتفكرون فيه ؟ فيعرفون عدم التناقض فيه وصدق ما يخبرهم به إنه كلام الله ولأن ما لا يكون من عند الله لا يخلو عن تناقض واختلاف، والمراد من التقييد بالكثير المبالغة في إثبات الملازمة أي : لو كان من عند غير الله للزم أن يكون فيه اختلاف كثير فضلاً عن القليل لكنه من عند الله فليس فيه اختلاف لا كثير ولا قليل.
النساء 4:83
﴿وإذا جاءهم﴾ أي : المنافقين ﴿أمر﴾ أي : خبر عن سرايا النبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿من الأمن﴾ أي : الغنيمة ﴿أو الخوف﴾ أي : القتل والهزيمة ﴿أذاعوا به﴾ أي : أفشوه وكانت إذاعتهم مفسدة، والباء مزيدة أو لتضمن الإذاعة معنى التحدّث، وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا فإذا غلبوا بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم فيفشونه ويتحدّثون به قبل أن يحدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضعفون به قلوب المؤمنين ويتأذى النبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿ولو ردّوه﴾ أي : ذلك الخبر ﴿إلى الرسول﴾ أي : لم يحدثوا به حتى يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدث به ﴿وإلى أولي الأمر منهم﴾ أي : ذوي الرأي من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم ﴿لعلمه﴾ على أي : وجه يذكر أي :﴿الذين يستنبطونه منهم﴾ أي : يستخرجون تدابيره بتجاربهم وأنظارهم هل ينبغي أن يكتم أو يفشى ﴿ولولا فضل الله عليكم﴾ بالإسلام ﴿ورحمته﴾ لكم بإرسال الرسل وإنزال القرآن ﴿لاتبعتم الشيطان﴾ فيما يأمركم به من الكفر والمعاصي ﴿إلا قليلاً﴾ أي : منكم فإنهم لا يتبعونه حفظاً من الله بما وهبهم الله من صحيح العقل، والعصمة تقال في حق غير الأنبياء أيضاً ؛ لأنها المنع من المعصية ولكن الشائع أن يقال في حق النبيّ معصوم، وفي حق غيره محفوظ.
النساء 4:84
﴿فقاتل﴾ يا محمد ﴿في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك﴾ فلا تهتم بتخلفهم عنك أي : قاتل ولو وحدك فإنك موعود بالنصر من الله وليس النصر إلا بيده وما كان ليأمرك بشيء إلا وأنت كفؤ، فأنت كفؤ لمقاتلة الكفار وإن كانوا أهل الأرض كلهم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد ودعا الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم فأنزل الله هذه الآية.
تنبيه : الفاء في قوله تعالى :﴿فقاتل في سبيل الله﴾ قال البغوي : جواب عن قوله تعالى :﴿ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً﴾ فتأمّل انتهى.
﴿وحرّض المؤمنين﴾ أي : حثهم على القتال ورغبهم فيه إذ ما عليك في شأنهم إلا التحريض ﴿عسى الله أن يكف بأس﴾ أي : حرب ﴿الذين كفروا﴾ وعسى في كلام الله وعد واجب الوقوع بخلافها في كلام المخلوق ﴿والله أشدّ بأساً﴾ أي : صولة منهم ﴿وأشدّ تنكيلاً﴾ أي : عقوبة منهم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم :( والذي نفسي بيده لأخرجنّ ولو وحدي ) فخرج بسبعين راكباً إلى بدر الصغرى فكف الله بأس الذين كفروا بإلقاء الرعب في قلوبهم ومنع أبا سفيان من الخروج كما تقدّم في سورة آل عمران.
النساء 4:85
﴿من يشفع شفاعة حسنة﴾ راعى بها حق مسلم بأن دفع عنه بها ضرراً أو جلب إليه نفعاً ابتغاء وجه الله، ومنها الدعاء للمسلم قال صلى الله عليه وسلم :( من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك : ولك مثله ) أي : مثل ذلك أي : ودعاء الملك لا يردّ ﴿يكن له نصيب﴾ أي : أجر ﴿منها﴾ أي : بسببها قال أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً إذ جاءه رجل يسأل أو يطلب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال : اشفعوا تؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء ) ﴿ومن يشفع شفاعة سيئة﴾ مخالفة للشرع ﴿يكن له كفل﴾ أي : نصيب من الوزر ﴿منها﴾ أي : بسببها ﴿وكان الله على كل شيء مقيتاً﴾ قال ابن عباس مقتدراً مجازياً قال الشاعر :
وذي ضغن ( أي : رب صاحب حقد ) كففت الضغن عنه
وكنت على إساءته ( أي : إساءتي لذي الضغن ) مقيتاً
أي : مقتدراً وقال مجاهد : شاهداً وقال قتادة : حفيظاً، وقيل : معناه على كل حيوان مقيتاً أي : يوصل القوت إليه، وجاء في الحديث :( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ).
النساء 4:86
﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها﴾ التحية هي دعاء الحياة، ولكن جمهور المفسرين على أن ذلك في السلام أي : إذا سلم عليكم مسلم فأجيبوه بأحسن مما سلم فإذا قال : السلام عليكم، فيزيد الرادّ : ورحمة الله، فإذا قال : ورحمة الله، فيزيد الرادّ : وبركاته ﴿أو ردّوها﴾ أي : بأن تردّ عليه بمثل ما سلم.
روي أنّ رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم السلام عليك فقال :«وعليك السلام ورحمة الله » وقال آخر : السلام عليك ورحمة الله فقال :«وعليك السلام ورحمة الله وبركاته » وقال آخر : السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال :«وعليك أي : السلام ورحمة الله وبركاته فقال الرجل : نقصتني أي : الفضل على سلامي، فأين ما قال الله أي : من الفضل ؟ وتلا الآية فقال :«لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله » لأنّ ذلك هو النهاية لاستجماعه أقسام المطالب وهي السلامة من المضار وحصول المنافع وثبوتها، وظاهر الآية إنه لو رد عليه بأقل مما سلم عليه به إنه لا يكفي، وظاهر كلام الفقهاء إنه يكفي، وتحمل الآية على أنه الأكمل وابتداء السلام على المسلم سنة عين من المنفرد وكفاية من الجماعة، وردّه فرض عين إذا كان المسلم عليه واحداً، وكفاية من الجماعة، ويشترط في الردّ الفور، والجوب مستفاد من الأمر، والفور من الفاء، وأمّا كونه كفاية فلخبر أبي داود ( يجزئ عن الجماعة إذا مرّوا أن يسلم أحدهم ويجزئ عن الجلوس أن يردّ أحدهم ) والراد منهم هو المختص بالثواب ويسقط الحرج عن الباقين، وإن أجابوا كلهم كانوا مؤدّين للفرض سواء أكانوا مجتمعين أم متفرّقين كصلاة الجنازة، ولا يسقط الفرض بردّ الصبيّ المميز.
فإن قيل : قد سقط به فرض الصلاة عن الجنازة، أجيب : بأن المقصود من الصلاة الدعاء والصبيّ أقرب إلى الإجابة والمقصود من السلام الأمان والصبيّ ليس من أهله، ولا يسقط أيضاً بردّ من لم يسمع، ولو سلم على امرأة إن كان يباح له النظر إليها كمحرمة وزوجته يسنّ له السلام عليها، ووجب عليها الردّ وإلا كره له ابتداء وردّاً وحرم عليها ابتداء وردّ هذا إذا كانت مشتهاة، فإن كانت عجوزاً أو جماعة نسوة لم يكره، ويجب الردّ لانتفاء خوف الفتنة، ولا يسنّ ابتداؤه على قاضي حاجة ولا على آكل ولا على من في حمام ولا على مصلّ ومؤذن وخطيب وملب ومستغرق القلب بالدعاء، ولا يجب الجواب عليهم، ويحرم ابتداؤه على الكافر، ويرد عليه إذا سلم بعليك فقط، وهذا باب طويل قد بينته السنة وقد أكثرت منه في شرح المنهاج ﴿إنّ الله كان﴾ أي : أزلاً وأبداً ﴿على كل شيء حسيباً﴾ أي : محاسباً فيجازي عليه، وقال مجاهد : حفيظاً، وقال أبو عبيدة : كافياً، يقال : حسبي هذا أي : كفاني.
النساء 4:87
وقوله تعالى :
﴿الله لا إله إلا هو﴾ مبتدأ وخبر وقوله تعالى :﴿ليجمعنكم﴾ اللام لام القسم أي : والله ليجمعنكم الله من قبوركم ﴿إلى﴾ في ﴿يوم القيامة﴾ وسميت بذلك ؛ لأنّ الناس يقومون من قبورهم قال تعالى :﴿يوم يخرجون من الأجداث سراعاً﴾ ( المعارج، ٤٣ ).
وقيل : لقيامهم إلى الحساب قال تعالى :﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ ( المطففين، ٦ ).
﴿لا ريب﴾ أي : لا شك ﴿فيه﴾ أي : في ذلك اليوم أو في الجمع ﴿ومن أصدق من الله حديثاً﴾ أي : قولاً.
فإن قيل : الصدق لا يتفاوت كالعلم إذ لا يقال : هذا الصدق أصدق من هذا الصدق كما لا يقال : هذا العلم أعلم من هذا المعلم، أجيب : بأنّ الصدق صفة للقائل لا صفة للحديث أي : لا أحد غير الله أصدق منه ؛ لأنّ غيره يتطرّق إلى خبره الكذب، وذلك مستحيل في حقه تعالى، والأنبياء مخبرون عن الله تعالى، وقرأ حمزة والكسائيّ بإشمام الصاد أي : بحرف متولد بين الصاد والزاي.
النساء 4:88
﴿فما لكم﴾ أي : فما شأنكم صرتم ﴿في المنافقين﴾ أي : في أمرهم ﴿فئتين﴾ أي : فرقتين ولم تتفقوا على كفرهم وذلك أن ناساً منهم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البدو لاجتواء المدينة فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا المشركين، فاختلف المسلمون في إسلامهم، وقال مجاهد : هم قوم خرجوا إلى المدينة وأسلموا، ثم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها فخرجوا وأقاموا بمكة، واختلف المسلمون فيهم فقائل يقول : هم منافقون، وقائل يقول : هم مؤمنون، وقال قوم : في الذين تخلفوا يوم أحد من المنافقين، فلما رجعوا قال بعض الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلهم فإنهم منافقون، وقال بعضهم : اعف عنهم فإنهم تكلموا بالإسلام.
﴿والله أركسهم﴾ أي : نكسهم بأن صيرهم إلى النار أو ردّهم إلى حكم الكفرة ﴿بما كسبوا﴾ من الكفر والمعاصي ﴿أتريدون أن تهدوا من أضلّ الله﴾ أي : أتعدّونهم من جملة المهتدين والاستفهام في الموضعين للإنكار ﴿ومن يضلل الله﴾ أي : ومن يضله الله ﴿فلن تجد له سبيلاً﴾ أي : طريقاً إلى الهدى.
النساء 4:89
﴿ودّوا﴾ أي : تمنوا ﴿لو تكفرون كما كفروا فتكونون﴾ أنتم وهم ﴿سواء﴾ في الكفر.
تنبيه : قوله تعالى :﴿فتكونون﴾ لم يرد به جواب التمني ؛ لأنّ جوابه بالفاء منصوب وإنما أراد النسق أي : ودّوا لو تكفرون وودّوا لو تكونون سواء مثل قوله :﴿ودّوا لو تدهن فيدهنون﴾ ( القلم، ٩ ).
أي : ودّوا لو تدهن وودّوا لو يدهنون ﴿فلا تتخذوا منهم أولياء﴾ أي : فلا توالوهم وإن أظهروا الإيمان ﴿حتى يهاجروا في سبيل الله﴾ معكم هجرة صحيحة تحقق إيمانهم، قال عكرمة : هي هجرة أخرى، والهجرة على ثلاثة أوجه : هجرة المؤمنين في أوّل الإسلام وهي قوله تعالى :﴿للفقراء المهاجرين﴾ وقوله تعالى :﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله﴾ ( النساء، ١٠٠ ).
ونحوهما من الآيات، وهجرة المنافقين وهي خروج الشخص مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صابراً محتسباً لا لأغراض الدنيا وهي المرادة ههنا، وهجرة عن جميع المعاصي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ).
﴿فإن تولوا﴾ أي : أعرضوا عن التوحيد والهجرة وأقاموا على ما هم عليه ﴿فخذوهم﴾ أي : بالأسر ﴿واقتلوهم حيث وجدتموهم﴾ أي : في حلّ أو في حرم كسائر الكفرة ﴿ولا تتخذوا منهم ولياً﴾ توالونه ﴿ولا نصيراً﴾ تنتصرون به على عدوّكم أي : بل جانبوهم مجانبة كلية.
النساء 4:90
وقوله تعالى :﴿إلا الذين يصلون﴾ استثناء من قوله :﴿فخذوهم واقتلوهم﴾ أي : إلا الذين يصلون أي : ينتهون ﴿إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ أي : عهد بالأمان لهم ولمن وصل إليهم كما عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم وقت خروجه إلى مكة هلال بن عمير الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن لجأ إليه فله من الجوار مثل ما له، وقوله تعالى :﴿أو جاؤوكم﴾ عطف على الصلة أي : أو الذين جاؤوكم.
وقوله تعالى :﴿حصرت﴾ أي : ضاقت حال بإضمار قد، أي : وقد ضاقت ﴿صدورهم أن يقاتلوكم﴾ أي : عن قتالكم مع قومهم ﴿أو يقاتلوا قومهم﴾ معكم أي : ممسكين عن قتالكم وقتالهم فلا تتعرّضوا لهم بأخذ ولا قتل، وهذا وما بعده منسوخ بآية القتال.
وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار تاء تأنيث حصرت عند الصاد وأدغمها الباقون ﴿ولو شاء الله﴾ تسليطهم عليكم ﴿لسلطهم عليكم﴾ بأن يقوّي قلوبهم ويبسط صدورهم ويزيل الرعب ﴿فلقاتلوكم﴾ ولكنه لم يشأه فألقى في قلوبهم الرعب ﴿فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم﴾ أي : بأن لم يتعرّضوا لكم ﴿وألقوا إليكم السلم﴾ أي : الاستسلام والانقياد ﴿فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً﴾ أي : طريقاً بالأخذ أو القتل.
النساء 4:91
﴿ستجدون﴾ أي : عن قريب بوعد لا شك فيه ﴿آخرين﴾ أي : من المنافقين. روي عن ابن عباس أنه قال : هم أسد وغطفان كانوا حاضري المدينة تكلموا بالإسلام رياء وهم غير مسلمين وكان الرجل منهم يقول له قومه : بماذا أسلمت ؟ فيقول : آمنت بهذا القرد وبهذا العقرب والخنفساء، وإذا لقوا أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم قالوا : إنا على دينكم يريدون بذلك الأمن من الفريقين كما قال تعالى :﴿يريدون أن يأمنوكم﴾ بإظهار الإيمان عندكم ﴿ويأمنوا قومهم﴾ بإظهار الكفر إذا رجعوا إليهم ﴿كلما ردّوا﴾ أي : دعوا ﴿إلى الفتنة﴾ أي : الكفر ﴿اركسوا﴾ أي : انقلبوا منكوسين ﴿فيها﴾ أي : الفتنة أقبح قلب ﴿فإن لم يعزلوكم﴾ أي : بترك قتالكم ﴿ويلقوا﴾ أي : ولم يلقوا ﴿إليكم السلم ويكفوا﴾ أي : ولم يكفوا ﴿أيديهم﴾ عن قتالكم ﴿فخذوهم﴾ أي : بالأسر ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ أي : وجدتموهم ﴿وأولئكم﴾ أي : أهل هذه الصفة ﴿جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً﴾ أي : حجة واضحة في التعرّض لهم بالقتل والسبي لظهور عداوتهم ووضوح كفرهم.
النساء 4:92
﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً﴾ أي : ما ينبغي أن يصدر منه قتل له بغير حق ﴿إلا خطأ﴾ أي : مخطئاً في قتله من غير قصد، نزلت في عياش بن ربيعة، وذلك إنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة وأسلم ثم خاف أن يظهر الإسلام لأهله فخرج هارباً إلى المدينة وتحصن في أطم من آطامها فجزعت أمّه لذلك جزعاً شديداً وقالت لابنيها الحارث وأبي جهل ابني هشام وهما أخواه لأمّه : والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى تأتيا به، فخرجا في طلبه وخرج معهما الحارث بن زيد حتى أتوا المدينة فأتوا عياشاً وهو في الأطم وقالوا له : انزل فإنّ أمّك لم يأوها سقف بيت بعدك وقد حلفت أن لا تأكل طعاماً ولا تشرب شراباً حتى ترجع إليها، ولك والله علينا عهد أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دينك، فلما ذكروا له ذلك أي : جزع أمّه وأوثقوه بالله نزل إليهم فأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه وجلده كل واحد منهم مئة جلدة ثم قدموا به إلى أمّه فلما أتاها قالت له : والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به، ثم تركوه موثوقاً مطروحاً في الشمس ما شاء الله فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحارث بن زيد فقال : يا عياش أهذا الذي أنت عليه ؟ فوالله لئن كان هدى لقد تركت الهدى ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها فغضب عياش من مقالته وقال : والله لا ألقاك خالياً أبداً إلا قتلتك، ثم إنّ عياشاً بعد ذلك أسلم وهاجر، ثم أسلم الحارث بن زيد بعده، وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عياش حاضراً يومئذٍ ولم يشعر بإسلامه فبينما عياش بظهر قباء إذ لقي الحارث، فقتله، فقال الناس : ويحك أي شيء صنعت إنه قد أسلم فرجع عياش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت الآية.
تنبيه : قوله تعالى :﴿إلا خطأ﴾ إمّا منصوب على الحال أي : وليس من شأن المؤمن أن يقتل مؤمناً في حالة من الأحوال إلا حال الخطأ، وإما مفعول لأجله أي : لا يقتله لعلة إلا للخطأ، وقيل : إلا بمعنى ولا، أي : ليس له قتله في حال من الأحوال ولا خطأ نظير قوله تعالى :﴿إني لا يخاف لديّ المرسلون ١٠ إلا من ظلم﴾ ( النمل، ١٠ ١١ ).
وقوله :﴿لئلا يكون للناس على الله حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾ ( النساء، ١٦٥ ).
﴿ومن قتل مؤمناً خطأً﴾ كأن قصد رمي غيره كصيد أو شجر فأصابه ﴿فتحرير رقبة﴾ أي : فعليه أي : فواجبه تحرير رقبة كاملة الرق فلا يجزئ مكاتب كتابة صحيحة ولا أم ولد والتحرير الإعتاق ويعبر عن النسمة بالرقبة كما يعبر عنها بالرأس ﴿مؤمنة﴾ أي : محكوم بإسلامها وإن كانت صغيرة ولو كان إسلامها بتبعية الدار أو السابي سليمة عما يخلّ بالعمل ﴿ودية مسلمة﴾ أي : مؤدّاة ﴿إلى أهله﴾ أي : ورثة المقتول يقتسمونها كسائر المواريث ﴿إلا أن يصدّقوا﴾ أي : يتصدّقوا بها عليه بأن يعفوا عنها، وسمي العفو عنها صدقة حثاً عليه وتنبيهاً على فضله، قال صلى الله عليه وسلم :( كل معروف صدقة ).
وبينت السنة أنّ ديّة الخطأ مئة من الإبل عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة، وإن عاقلة القاتل تتحملها عنه وهم عصبيته لا أصله وفرعه موزعة عليهم على ثلاث سنين على الغني منهم نصف دينار والمتوسط ربع دينار كل سنة فإن لم يفوا فمن بيت المال، فإن تعذر فعلى الجاني ﴿فإن كان﴾ أي : المقتول :﴿من قوم عدوّ لكم﴾ أي : محاربين ﴿وهو﴾ أي : والحال أنه ﴿مؤمن﴾ أي : ولم يعلم القاتل إيمانه ﴿فتحرير﴾ أي : فالواجب على القاتل تحرير ﴿رقبة مؤمنة﴾ ولا دية تسلم إلى أهله إذ لا وراثة بينه وبينهم ؛ لأنهم محاربون ﴿وإن كان﴾ أي : المقتول ﴿من قوم﴾ أي : كفرة أيضاً عدوّ لكم ﴿بينكم وبينهم ميثاق﴾ أي : عهد كأهل الذمّة وهو كافر مثلهم ﴿فدية﴾ أي : فالواجب فيه دية ﴿مسلمة﴾ أي : مؤدّاة ﴿إلى أهله﴾ وهي ثلث دية المؤمن إن كان نصرانياً أو يهودياً تحل مناكحته، وثلثا عشرها إن كان مجوسياً أو كتابياً لا تحلّ مناكحته ﴿وتحرير رقبة مؤمنة﴾ على قاتله ﴿فمن لم يجد﴾ أي : الرقبة بأن فقدها وما يحصلها به ﴿فصيام﴾ أي : فالواجب عليه صيام ﴿شهرين متتابعين﴾ حتى لو أفطر يوماً واحداً لغير حيض أو نفاس وجب الاستئناف، ولم يذكر تعالى الانتقال إلى الطعام كالظهار، وبه قال الشافعيّ رضي الله تعالى عنه في أصح قوليه وقوله تعالى :﴿توبة من الله﴾ نصب على المصدر أي : وتاب عليكم توبة، أو على المفعول له أي : وشرع لكم ذلك توبة مأخوذة من تاب الله عليه إذا قبل توبته ﴿وكان الله﴾ أي : ولم يزل ﴿عليماً﴾ أي : بأحوالكم وبما يصلحكم في الدنيا والآخرة ﴿حكيماً﴾ فيما دبره لكم من نصب الزواجر بالكفارات أو غيرها فالزموا أوامره وباعدوا زواجره لتفوزوا بالعلم والحكمة.
النساء 4:93
﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً﴾ بأن يقصد قتله بما يقتل غالباً عالماً بإيمانه ﴿فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه﴾ أي : أبعده من رحمته ﴿وأعدّ له عذاباً عظيماً﴾ في النار وهذا مخصوص بالمستحلّ له كما قاله عكرمة وغيره، ويؤيده أنّ الآية نزلت في نفيس بن ضبابة وجد أخاه هشاماً قتيلاً في بني النجار ولم يظهر قاتله فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفعوا إليه ديته فدفعوا إليه، ثم حمل على مسلم فقتله ورجع إلى مكة مرتدّاً والمراد من الآية التغليظ كقوله تعالى :﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإنّ الله غنيّ عن العالمين﴾ ( آل عمران، ٩٧ ).
تفسير من كفر بمن لم يحج، وكقوله صلى الله عليه وسلم للمقداد :( لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن تقول الكلمة التي قال ) أو إنّ هذا جزاؤه إن جوزي ولا بدع في خلف الوعيد لقوله تعالى :﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ ( النساء، ٤٨ ).
أو المراد بالخلود المكث الطويل فإنّ الدلائل متظاهرة على أنّ عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم ولهذا لم يذكر في الآية أبداً، وما روي عن ابن عباس أنه قال :«لا تقبل توبة قاتل المؤمن عمداً » كما رواه الشيخان أراد به التشديد كما قاله البيضاويّ إذ روي عنه خلافه رواه البيهقي في سننه، وبينت آية البقرة إن قاتل العمد يقتل به وإنّ عليه الدية إن عفي عنه وسبق قدرها وبينت السنة أنّ بين العمد والخطأ قتلاً يسمى شبه العمد وهو أن يقتله بما لا يقتله غالباً، فلا قصاص فيه بل فيه دية كالعمد في الصفة والخطأ في التأجيل والحمل وهو أي : العمد أولى بالكفارة من الخطأ.
النساء 4:94
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم﴾ أي : سافرتم للجهاد ﴿في سبيل الله فتبينوا﴾
روي أنّ سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم غزت أهل فدك فهربوا وبقي رجل يقال له : مرداس، لأنه كان على دين المسلمين فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من غير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل وصعد هو إلى الجبل فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون فلما سمع التكبير علم إنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر ونزل وهو يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم فتغشاه أسامة بن زيد فقتله واستاق غنمه فنزلت،
م رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجداً شديداً وقد كان سبقهم قبل ذلك الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قتلتموه إرادة ما معه » ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على أسامة بن زيد فقال : يا رسول الله استغفر لي فقال :«وكيف بلا إله إلا الله ؟ » قال أسامة : فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرّرها عليّ حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذٍ، ثم إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لي ثلاث مرّات وقال : أعتق رقبة، وقال عكرمة عن ابن عباس قال : مرّ رجل من بني سليم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه غنم له فسلم عليهم قالوا : ما سلم عليكم إلا ليعوذ منكم فقاموا فقتلوه وأخذوا غنمه وأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت.
وقرأ حمزة والكسائي بالثاء المثلثة مكان الباء الموحدة وبالباء الموحدة مكان الياء المثناة تحت وبالتاء المثناة فوق مكان النون فهو من التثبت والباقون من البيان ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام﴾ أي : لمن حياكم بتحية الإسلام، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة بغير ألف بعد اللام من السلام أي : الاستسلام والانقياد والباقون بالألف ﴿لست مؤمناً﴾ وإنما فعلت ذلك متعوّذاً ﴿تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾ أي : تطلبون ماله الذي هو حطام سريع النفاد ﴿فعند الله مغانم كثيرة﴾ تغنيكم عن قتل مثله لماله.
﴿كذلك كنتم من قبل﴾ أي : أوّل ما دخلتم في الإسلام تفوّهتم بكلمة الشهادة فحصنتم بها أموالكم ودماءكم من غير أن تعلم مواطأة قلوبكم ألسنتكم ﴿فمنّ الله عليكم﴾ أي : بالاشتهار بالإيمان والاستقامة في الدين ﴿فتبينوا﴾ أي : وافعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل الله بكم ولا تبادروا إلى قتلهم ظناً إنهم دخلوا اتقاءً وخوفاً، فإن بقاء ألف كافر أهون عند الله من قتل امرئ مسلم، وتكريره تأكيد لتعظيم الأمر بالتبيين وترتيب الحكم على ما ذكر من حالهم ﴿إنّ الله كان﴾ ولم يزل ﴿بما تعملون خبيراً﴾ أي : عالماً به وبالغرض منه فيجازيكم به فلا تتساهلوا في القتل واحتاطوا فيه.
النساء 4:95
﴿لا يستوي القاعدون﴾ أي : عن الجهاد حال كونهم ﴿من المؤمنين﴾ روي أن زيد بن ثابت أخبر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله، فجاءه ابن أمّ مكتوم وهو يمليها عليّ فقال : يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان رجلاً أعمى، فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي فثقلت عليّ حتى خفت أن ترض فخذي أي : تكسر ثم سرّي عنه أي : أزيل وكشف ما به من برحاء الوحي ﴿غير أولي الضرر﴾ أي : من زمانة أو عمى أو نحوه فقال : اكتب ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر )، وقرأ نافع وابن عامر والكسائيّ بنصب الراء على الحال من القاعدين أو الاستثناء، والباقون بالرفع صفة للقاعدين ؛ لأنه لم يقصد به قوم بأعيانهم بل أراد به الجنس كما في قوله :
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ولقد أمر على اللئيم يسبني***
فصح جعل غير صفة للقاعدين ﴿والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾ أي : لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة.
تنبيه : فائدة ذكر قوله تعالى :﴿لا يستوي القاعدون﴾ الخ.. تذكير ما بينهما من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعاً لرتبته واتقاء عن انحطاط منزلته.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة قال :( إنّ في المدينة لأقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه ) قالوا : يا رسول الله وهم بالمدينة قال :( نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر ) ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين﴾ لضرر ﴿درجة﴾ أي : فضيلة لاستوائهما في النية وزيادة المجاهد بالمباشرة ﴿وكلاً﴾ من القاعدين لضرر والمجاهدين ﴿وعد الله الحسنى﴾ أي : الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم وإنما التفاوت في زيادة العمل المقتضى لمزيد الثواب ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين﴾ لغير ضرر ﴿أجراً عظيماً﴾ ويبدل منه.
ولقد أمر على اللئيم يسبني***
فصح جعل غير صفة للقاعدين ﴿والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾ أي : لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة.
تنبيه : فائدة ذكر قوله تعالى :﴿لا يستوي القاعدون﴾ الخ.. تذكير ما بينهما من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعاً لرتبته واتقاء عن انحطاط منزلته.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة قال :( إنّ في المدينة لأقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه ) قالوا : يا رسول الله وهم بالمدينة قال :( نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر ) ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين﴾ لضرر ﴿درجة﴾ أي : فضيلة لاستوائهما في النية وزيادة المجاهد بالمباشرة ﴿وكلاً﴾ من القاعدين لضرر والمجاهدين ﴿وعد الله الحسنى﴾ أي : الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم وإنما التفاوت في زيادة العمل المقتضى لمزيد الثواب ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين﴾ لغير ضرر ﴿أجراً عظيماً﴾ ويبدل منه. ولقد أمر على اللئيم يسبني***
فصح جعل غير صفة للقاعدين ﴿والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾ أي : لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة.
تنبيه : فائدة ذكر قوله تعالى :﴿لا يستوي القاعدون﴾ الخ.. تذكير ما بينهما من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعاً لرتبته واتقاء عن انحطاط منزلته.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة قال :( إنّ في المدينة لأقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه ) قالوا : يا رسول الله وهم بالمدينة قال :( نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر ) ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين﴾ لضرر ﴿درجة﴾ أي : فضيلة لاستوائهما في النية وزيادة المجاهد بالمباشرة ﴿وكلاً﴾ من القاعدين لضرر والمجاهدين ﴿وعد الله الحسنى﴾ أي : الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم وإنما التفاوت في زيادة العمل المقتضى لمزيد الثواب ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين﴾ لغير ضرر ﴿أجراً عظيماً﴾ ويبدل منه.
النساء 4:96
﴿درجات منه﴾ أي : منازل بعضها فوق بعض من الكرامة، وقوله تعالى :﴿ومغفرة ورحمة﴾ منصوبان بفعلهما المقدر ﴿وكان الله﴾ أي : ولم يزل ﴿غفوراً﴾ لأوليائه ﴿رحيماً﴾ بأهل طاعته.
وروى أبو سعيد الخدري أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( يا أبا سعيد من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وجبت له الجنة ) قال : فعجب بها أبو سعيد فقال : أعدها يا رسول الله ففعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( وأخرى يرفع الله بها العبد مئة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ) فقال : وما هي يا رسول الله قال :«الجهاد في سبيل الله »
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان كان حقاً على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها ) قالوا : يا رسول الله أفلا ننذر الناس بذلك ؟ فقال :( إنّ في الجنة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيله ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتموه فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة ) وإنما يجب الجهاد على كل مسلم مكلف حرّ ذكر مستطيع له وهو فرض كفاية للآية المتقدّمة إذا كان الكفار ببلادهم ويجب على الإمام أن يغزوهم في كل عام مرّة بنفسه أو بنائبه أو بشحن الثغور بما يقاوم العدوّ، وأمّا إذا دخلوا بلادنا والعياذ بالله تعالى تعين على أهل البلدة وعلى من دون مسافة القصر حتى على فقير وولد ومدين ورقيق بلا إذن، ويجب على من هو في مسافة القصر بقدر الكفاية وإن أسروا مسلماً لزمنا النهوض لخلاصه إن رجى وإن لم يدخلوا بلادنا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ولقد أمر على اللئيم يسبني***
فصح جعل غير صفة للقاعدين ﴿والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾ أي : لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة.
تنبيه : فائدة ذكر قوله تعالى :﴿لا يستوي القاعدون﴾ الخ.. تذكير ما بينهما من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعاً لرتبته واتقاء عن انحطاط منزلته.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة قال :( إنّ في المدينة لأقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه ) قالوا : يا رسول الله وهم بالمدينة قال :( نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر ) ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين﴾ لضرر ﴿درجة﴾ أي : فضيلة لاستوائهما في النية وزيادة المجاهد بالمباشرة ﴿وكلاً﴾ من القاعدين لضرر والمجاهدين ﴿وعد الله الحسنى﴾ أي : الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم وإنما التفاوت في زيادة العمل المقتضى لمزيد الثواب ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين﴾ لغير ضرر ﴿أجراً عظيماً﴾ ويبدل منه.
ونزل في جماعة أسلموا ولم يهاجروا فلما خرجوا إلى بدر رجعوا معهم فقتلوا مع الكفار.
النساء 4:97
﴿إنّ الذين توفّاهم الملائكة﴾ أي : ملك الموت وأعوانه أو ملك الموت وحده كما قال تعالى :﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾ ( السجدة، ١١ )
والعرب قد تخاطب الواحد بلفظ الجمع ﴿ظالمي أنفسهم﴾ أي : في حال ظلمهم أنفسهم بترك الهجرة وموافقة الكفرة بالمقام في دار الشرك فإنّ الهجرة كانت واجبة قبل فتح مكة ثم نسخ الوجوب بعد فتحها فقال صلى الله عليه وسلم :«لا هجرة بعد الفتح » وقرأ البزيّ بتشديد التاء المثناة فوق من توفاهم في الوصل، والباقون بالتخفيف، وأدغم أبو عمرو التاء في الظاء بخلاف عنه، والباقون بغير إدغام ﴿قالوا﴾ أي : الملائكة لهم ﴿فيم كنتم﴾ أي : في أي شيء كنتم من أمر دينكم، وقرأ البزيّ ( فيمه ) بالهاء بعد الميم في الوقف بخلاف عنه ﴿قالوا﴾ معتذرين مما وبخوا به ﴿كنا مستضعفين﴾ أي : عاجزين عن إظهار الدين وإعلاء كلمته ﴿في الأرض﴾ أي : في أرض مكة ﴿قالوا﴾ أي : الملائكة تكذيباً لهم وتوبيخاً ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ من أرض الكفر إلى بلد أخرى كما فعل غيركم من المهاجرين إلى المدينة والحبشة، قال تعالى :﴿فأولئك مأواهم جهنم﴾ أي : لتركهم الواجب ومساعدتهم الكفار ﴿وساءت مصيراً﴾ أي : جهنم، وفي الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة دينه، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم :( من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان ما بينهما شبراً استوجبت ) أي : وجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
النساء 4:98
ثم استثنى أهل العذر منهم فقال :
﴿إلا المستضعفين﴾ أي : الذين وجد ضعفهم في نفس الأمر وعدّوا ضعفاء وتقوّى عليهم غيرهم ﴿من الرجال والنساء والولدان﴾ ثم بين ضعفهم بقوله :﴿لا يستطيعون حيلة﴾ أي : لا قوّة لهم على الهجرة ولا نفقة لهم ﴿ولا يهتدون سبيلاً﴾ أي : طريقاً إلى أرض الهجرة.
النساء 4:99
﴿فأولئك عسى الله أن يعفو﴾ أي : يتجاوز ﴿عنهم﴾ وعسى من الله واجب للإطماع والله تعالى إذا أطمع عبده بشيء أوصله إليه ولكن في ذكر الإطماع والعفو إيذان بأن أمر الهجرة مضيق لا توسعة فيه حتى أنّ المضطرّ البين الاضطرار من حقه أن يقول : عسى الله أن يعفو عني فكيف بغيره ﴿وكان الله عفوّاً غفوراً﴾ قال ابن عباس : كنت أنا وأمي ممن عذر الله أي : من المستضعفين وكان صلى الله عليه وسلم يدعو لهؤلاء المستضعفين في كل صلاة، قال أبو هريرة : كان إذا قال : سمع الله لمن حمده في الركعة الأخيرة من صلاة العشاء قنت يقول :( اللهمّ أنج عياش بن ربيعة اللهمّ أنج الوليد بن الوليد اللهمّ أنج سلمة بن هشام اللهمّ أنج المستضعفين من المسلمين، اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، اللهمّ اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ).
النساء 4:100
﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً﴾ أي : متحوّلاً يتحوّل إليه، وقيل : طريقاً يراغم بسلوكه قومه أي : يفارقهم على رغم أنوفهم مأخوذ من الرغام، والرغم الذل والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب يقال : راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك ﴿و﴾ يجد ﴿سعة﴾ في الرزق كما قال صلى الله عليه وسلم :( صوموا تصحوا وسافروا تغنموا ) أخرجه الطبرانيّ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ولفظه ( واغزوا تغنموا وهاجروا تفلحوا ) ولما سمع هذه الآية رجل من بني قيس يقال له : جندب بن ضمرة قال : ما أنا ممن استثنى الله عز وجل وإني لأجد حيلة ولي من المال ما يبلغني المدينة وأبعد منها والله لا أبيت الليلة بمكة اخرجوني فخرجوا به يحملونه على سرير حتى أتوا به التنعيم فأدركه الموت فصفق بيمينه على شماله ثم قال : اللهمّ هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما يبايعك عليه رسول فمات، قال التفتازانيّ : الظاهر أنّ هذه إشارة إلى اليمين وهذه إلى الشمال لا قصد إسناد الجارحة إلى الله تعالى بل على سبيل التصوير وتمثيل مبايعة الله تعالى على الإيمان والطاعة بمبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه، وقيل : إشارة إلى البيعة والصفقة، والمعنى : أن بيعته كبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بيعة كبيعة الناس فبلغ خبره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : لو وافى المدينة كان أتمّ وأوفى أجراً وضحك المشركون وقالوا : ما أدرك هذا ما طلب فنزل ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت﴾ أي : في الطريق قبل مقصده ﴿فقد وقع أجره على الله﴾ أي : ثبت أجره عنده تعالى ثبوت الأجر الواجب تفضلاً منه ورحمة ﴿وكان الله غفوراً﴾ لتقصيره إن كان ﴿رحيماً﴾ يكرم بعد المغفرة بأنواع الكرامات.
النساء 4:101
ولما أوجب الله السفر للجهاد والهجرة وكان مطلق السفر مظنة المشقة فكيف بسفرهما مع ما ينضم إلى المشقة فيهما من خوف الأعداء ذكر تخفيف الصلاة بالقصر بقوله تعالى :
﴿وإذا ضربتم﴾ أي : سافرتم ﴿في الأرض﴾ سفراً طويلاً لغير معصية، والطويل عند الشافعيّ رحمه الله تعالى أربعة برد وهي مرحلتان كما ثبت ذلك بالنسبة، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ثلاثة أيام ولياليهنّ بسير الإبل ومشي الأقدام على القصد، وقوله تعالى :﴿فليس عليكم جناح﴾ أي : إثم وميل في ﴿أن تقصروا من الصلاة﴾ أي : من أربع إلى ركعتين، وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء يدل على جواز القصر دون وجوبه، ويؤيده أنه عليه الصلاة والسلام أتم في السفر كما رواه الشافعيّ وغيره.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها : اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قلت : يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وصمت وأفطرت فقال :( أحسنت يا عائشة وما عاب عليّ ) رواه الدارقطني وحسنه البيهقيّ وصححه، وكان عثمان رضي الله تعالى عنه : يتم ويقصر، وأوجب القصر أبو حنيفة لقول عمر رضي الله تعالى عنه : صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم، رواه النسائيّ وابن ماجه، ولقول عائشة رضي الله تعالى عنها :( أوّل ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين فأقرّت في السفر وزيدت في الحضر ) رواه الشيخان.
فإن قيل : ظاهرهما يخالف الآية ؟ أجيب : بأنّ الأوّل مؤوّل بأنّ القصر كالتمام في الصحة والإجزاء، ومعنى الثاني لمن أراد الاقتصار عليهما جمعاً بين الأدلة، وقوله تعالى :﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ أي : ينالوكم بمكروه بيان باعتبار الغالب في ذلك الوقت فلا مفهوم له، قال يعلى بن أمية : قلت لعمر : إنما قال الله تعالى :﴿إن خفتم﴾ وقد أمن الناس قال : قد عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ) رواه مسلم ﴿إنّ الكافرين كانوا﴾ أي : جبلة وطبعاً ﴿لكم عدوّاً مبيناً﴾ أي : بين العداوة وقوله تعالى :
النساء 4:102
﴿وإذا كنت﴾ أي : يا محمد حاضراً ﴿فيهم﴾ أي : وأنتم تخافون العدوّ ﴿فأقمت لهم الصلاة﴾ تمسك بمفهومه من خص صلاة الخوف بحضرة النبيّ صلى الله عليه وسلم وعامّة الفقهاء على أنه تعالى علم نبيه صلى الله عليه وسلم كيفيتها ليقتدي به الأئمة بعده فإنهم نوّاب عنه فيكون حضورهم كحضوره.
روي أنّ المشركين لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى الظهر يصلون جميعاً ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقال بعضهم لبعض : دعوهم فإنّ لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وهي صلاة العصر فإذا قاموا فيها فشدّوا عليهم فاقتلوهم فنزل جبريل فقال : يا محمد إنها صلاة الخوف وإنّ الله يقول :﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ فعلمه صلاة الخوف وهي أنواع :
الأوّل : إذا كان العدو في جهة القبلة وسائر والمسلمون كثيرون فيصلي بهم الإمام ثم يسجد بصف أوّل ويحرس صف ثانٍ، فإذا قاموا سجد من حرس ولحقه وسجد معه بعد تقدّمه وتأخر الأوّل بلا كثرة أفعال في الركعة الثانية، وحرس الآخرون فإذا جلس للتشهد جلس الآخرون وتشهد وسلم بالجميع، روى هذا النوع مسلم، وقد صلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، وهي قرية على مرحلتين من مكة بقرب خليص سميت بذلك لعسف السيول فيها وجاز عكس هذه الكيفية.
والنوع الثاني : إذا كان العدو في غير جهة القبلة أو فيها، وثم ساتر، فيصلي الإمام بهم ركعتين مرّتين كلّ مرة بفرقة كما قال تعالى :﴿فلتقم طائفة منهم معك﴾ أي : وتتأخر طائفة ﴿وليأخذوا﴾ أي : الطائفة التي قامت معك ﴿أسلحتهم﴾ معهم ﴿فإذا سجدوا﴾ أي : صلوا ﴿فليكونوا﴾ أي : هذه الطائفة الأخرى ﴿من ورائكم﴾ يحرسون إلى أن تقضوا الصلاة وتذهب هذه الطائفة الأخرى تحرس ﴿ولتأت طائفة أخرى﴾ تحرس ﴿لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾ معهم إلى أن يقضوا الصلاة «وقد فعل صلى الله عليه وسلم ذلك ببطن نخل »، رواه الشيخان وهذه الصلاة وإن جازت في غير الخوف سنت فيه عند كثرة المسلمين، وقلة عدوّهم، وخوف هجومهم عليهم في الصلاة.
فإن قيل : أخذ الحذر وهو الخوف مع التحفظ مجاز، وأخذ الأسلحة حقيقة، فلا يجمع بينهما أجيب : بأنّ أخذ الحذر حقيقة أيضاً تنزيلاً له منزلة الآلة على سبيل الاستعارة بالكناية، فالجمع إنما هو بين حقيقتين على أنّ الجمع بين الحقيقتين على أنّ الجمع بين الحقيقة، والمجاز جائز كما عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه.
فإن قيل : لم ذكر أخذ الحذر في الثانية دون الأولى ؟ أجيب : بأنّ الكفار يتنبهون للثانية ما لا يتنبهون للأولى.
والنوع الثالث : صلاة ذات الرقاع رواها الشيخان أيضاً، وهي والعدوّ في غير جهة القبلة أو فيها، وثم ساتر أن تقف فرقة في وجه العدوّ، ويصلي الإمام بفرقة ركعة، ثم عند قيامه للثانية تفارقه وتتم بقية صلاتها، وتقف في وجه العدوّ، وتجيء تلك والإمام ينتظر لها فيصلي بها ثانية، فإذا جلس للتشهد قامت وأتت بركعة وتلحقه، ويسلم بها ويصلي الثلاثية بفرقة ركعتين وبالثانية ركعة، وهو أفضل من عكسه ويصلي الرباعية بكل فرقة ركعتين.
وبقي نوع رابع : تقدّم عند قوله تعالى :﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ ( البقرة، ٢٣٩ ).
﴿ود﴾ أي : تمنى ﴿الذين كفروا لو تغفلون﴾ إذا قمتم إلى الصلاة ﴿عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة﴾ بأن يحملوا عليكم فيأخذوكم وهذه علة الأمر بأخذ السلاح.
ولما كان الله تعالى قد تفضل على هذه الأمة ورفع عنها الحرج وكان المطر والمرض يشقان قال :﴿ولا جناح﴾ أي : حرج ﴿عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم﴾ ؛ لأنّ حمل السلاح في المطر يكون سبباً لبله، وفي المرض يزيد حملها المريض وهناً، وهذا يفيد إيجاب حملها عند عدم العذر وهو أحد قولي الشافعي، والثاني : أنه سنة ورجح بشرط أن لا يؤذي ولا يحصل بترك حمله خطر ولا يمنع صحة الصلاة، فإن أذى كرمح وسط الصف كره حمله بل إن غلب على ظنه ذلك حرم، وإن حصل بتركه خطر وجب حمله ويمكن حمل الآية على هذه الحالة وكحمله وضعه بين يديه إن سهل مدّ يده إليه بل يتعين إن منع حمله الصحة من نجس أو غيره ﴿وخذوا حذركم﴾ من العدوّ أي : احترزوا منه ما استطعتم كيلا يهجم عليكم.
فإن قيل : كيف طابق الأمر بالحذر قوله تعالى :﴿إنّ الله أعدّ للكافرين عذاباً﴾ أي : قتلاً وأسراً ونهباً في الدنيا ﴿مهيناً﴾ أي : ذا إهانة ؟ أجيب : بأنّ الأمر بالحذر من العدوّ يوهم توقع غلبته واغتراره فنفى عنهم ذلك الإيهام بإخبارهم أن الله تعالى يهين عدوّهم ويخذله وينصرهم عليه لتقوى قلوبهم ويعلموا أنّ الأمر بالحذر ليس لذلك وإنما هو تعبد من الله تعالى كما قال تعالى :﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ ( البقرة، ١٩٥ ).
ولما أعلمهم بما يفعلون في الصلاة حال الخوف اتبع ذلك ما يفعلون بعدها لئلا يظن أنها تغني عن مجرّد الذكر فقال مشيراً إلى تعقيبه.
النساء 4:103
﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ أي : فرغتم من فعلها وأدّيتموها على حالة الخوف أو غيرها ﴿فاذكروا الله﴾ أي : بالتهليل والتسبيح والتحميد والتمجيد ﴿قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم﴾ أي : مضطجعين أي : اذكروه في كل حال، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه ) وقيل : صلوا قياماً في حال الصحة وقعوداً في حال المرض وعلى جنوبكم عند الحرج والزمانة ﴿فإذا اطمأننتم﴾ أي : أمنتم بما كنتم فيه من الخوف ﴿فأقيموا الصلاة﴾ أي : أدّوها بحقوقها على الحالة التي كنتم تفعلونها قبل الخوف ﴿إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً﴾ أي : مكتوباً أي : مفروضاً ﴿موقوتاً﴾ أي : مقدّراً وقتها لا تؤخر عنه ولا تقدّم عليه، قال صلى الله عليه وسلم :( أمني جبريل عند البيت مرّتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، والعصر حين كان ظله أي الشيء مثله، والمغرب حين أفطر الصائم أي : دخل وقت إفطاره، والعشاء حين غاب الشفق الأحمر، والفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله والعصر حين كان ظله مثله، والمغرب حين أفطر الصائم والعشاء إلى ثلث الليل، والفجر فأسفر وقال : هذا وقت الأنبياء من قبلك )، رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم وغيره، وقوله صلى الله عليه وسلم «فصلى الظهر حين صار ظله مثله » أي : فرغ منها حينئذٍ كما شرع في العصر في اليوم الأوّل حينئذٍ قاله الشافعيّ رضي الله تعالى عنه نافياً به إشتراكهما في وقت ويدل له خبر مسلم وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم يحضر العصر.
النساء 4:104
ونزل لما بعث صلى الله عليه وسلم طائفة في طلب أبي سفيان وأصحابه لما رجعوا من أحد فشكوا الجراحات :
﴿ولا تهنوا﴾ أي : تضعفوا ﴿في ابتغاء القوم﴾ أي : في طلب أبي سفيان وأصحابه ﴿إن تكونوا تألمون﴾ أي : تتوجعون من ألم الجراح ﴿فإنهم يألمون﴾ أي : يتوجعون من الجراح ﴿كما تألمون﴾ ولم يجبنوا عن قتالكم فلا تجبنوا عن قتالهم ﴿وترجون﴾ أنتم ﴿من الله﴾ من النصر والثواب على جهادكم ﴿ما لا يرجون﴾ هم فأنتم تزيدون عليهم بذلك فيجب أن تكونوا أرغب منهم في الحرب وأصبر عليها ﴿وكان الله عليماً﴾ بأعمالكم وضمائركم ﴿حكيماً﴾ أي : فيما يأمر وينهى.
النساء 4:105
﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب﴾ أي : القرآن وقوله تعالى :﴿بالحق﴾ متعلق بأنزل ﴿لتحكم بين الناس بما أراك﴾ الله أي : عرفك وأوحى به إليك وليس أرى من الرؤية بمعنى العلم وإلا لاستدعى ثلاثة مفاعيل، وعن عمر رضي الله تعالى عنه لا يقولنّ أحدكم قضيت بما أراني الله فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه ولكن ليجتهد رأيه ؛ لأن الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مصيباً ؛ لأن الله تعالى كان يريه إياه وهو منا الظن والتكليف.
وروى الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يقال له طعمة بكسر الطاء وفتحها، والأوّل أفصح ابن أبيرق من بني ظفر بن الحارث سرق درعاً من جار له يقال له : قتادة بن النعمان وكانت الدرع في جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه حتى انتهى إلى الدار، ثم أخبأها عند رجل من اليهود يقال له : زيد بن السمين فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها وماله بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال : دفعها إليّ طعمة وشهد له ناس من اليهود فقالت بنو ظفر : انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واسألوه أن يجادل عن صاحبهم فقالوا : إن لم تفعل افتضح صاحبنا فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ؛ لأنه بريء بحلفه وأن يعاقب اليهودي لثبوت المال عنده، وقيل : همّ أن يقطع يده فقال تعالى :﴿ولا تكن للخائنين﴾ كطعمة ﴿خصيماً﴾ أي : مخاصماً مدافعاً عنهم.
النساء 4:106
﴿واستغفر الله﴾ أي : مما هممت به أي : من الذب عنه وهذا الاستغفار لا عن ذنب إذ هو منزه عن ذلك معصوم، ولكن عن مقام عال سام للارتقاء إلى أعلى منه وأتم ﴿إنّ الله كان غفوراً رحيماً﴾ لمن يستغفره.
النساء 4:107
﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾ أي : يخونونها بالمعاصي ؛ لأنّ وبال خيانتهم عليهم.
فإن قيل : لم قال ﴿للخائنين﴾ و﴿يختانون﴾ أنفسهم والخائن واحد فقط ؟ أجيب : بأنه جمع ليتناول طعمة وكل من خان خيانته أو ليتناوله وقومه فإنهم شاركوه في الإثم حين شهدوا على براءته وخاصموا عنه، وقيل : إنّ هذا خطاب مع صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره كقوله تعالى :﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾ ( يونس، ٩٤ ).
والاستغفار في حق الأنبياء بعد النبوّة على أحد وجوه ثلاثة : إمّا الذنب تقدّم على النبوّة، أو لذنوب أمّته، أو لمباح جاء الشرع بتحريمه، فيتركه بالاستغفار، فالاستغفار يكون معناه السمع والطاعة لحكم الشرع ﴿إنّ الله لا يحب﴾ أي : يعاقب ﴿من كان خوّاناً﴾ أي : كثير الخيانة ﴿أثيماً﴾ أي : منهمكاً فيه.
روي أنّ طعمة هرب إلى مكة وارتدّ وثقب حائطاً ليسرق متاع أهله فسقط الحائط عليه فقتله.
فإن قيل : لم قال خوّاناً أثيماً على المبالغة ؟ أجيب : بأنّ الله تعالى كان عالماً من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المأثم، ومن كانت تلك خلقة أمره لم يشك في حاله، وقيل : إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أنّ لها أخوات، وعن عمر رضي الله تعالى عنه إنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمّه تبكي وتقول : هذه أوّل سرقة سرقها فاعف عنه فقال : كذبت إنّ الله لا يؤاخذ عبده في أوّل مرّة.
النساء 4:108
﴿يستخفون﴾ أي : طعمة وقومه يستترون ويستحيون ويخافون ﴿من الناس ولا يستخفون﴾ أي : ولا يستحيون ولا يخافون ﴿من الله﴾ وهو أحق أن يستحيا ويخاف منه ﴿وهو معهم﴾ بعلمه لا يخفى عليه سرهم ﴿إذ يبيتون﴾ أي : يدبرون ليلاً على طريق الإمعان في الكفر والإتقان للرأي ﴿ما لا يرضى من القول﴾ أي : من رمي اليهودي بالسرقة وشهادة الزور عليه والحلف الكاذب على نفيها.
فإن قيل : لم سمى التدبير قولاً، وإنما هو معنى في النفس ؟ أجيب : بأنه لما حدث بذلك نفسه سمي قولاً مجازاً. قال في الكشاف : ويجوز أن يراد بالقول الحلف الكاذب الذي حلف به بعد أن بيّنه ﴿وكان الله بما يعملون محيطاً﴾ أي : علماً وقدرة لا يفوت عنه شيء.
النساء 4:109
وقوله تعالى :
﴿ها أنتم هؤلاء﴾ خطاب لقوم طعمة أي : يا هؤلاء ﴿جادلتم﴾ أي : خاصمتم ﴿عنهم﴾ أي : عن طعمة وذويه ﴿في الحياة الدنيا﴾ أي : بما جعل لكم من الأسباب ﴿فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة﴾ إذا عذبهم ﴿أم من يكون عليهم وكيلاً﴾ يتولى أمرهم ويذب عنهم أي : لا أحد يفعل ذلك.
فائدة : اتفق كتاب المصاحف على قطع ( أم ) عن ( من ).
النساء 4:110
﴿ومن يعمل سوءاً﴾ أي : ذنباً يسوء به غيره كرمي طعمة اليهودي ﴿أو يظلم نفسه﴾ أي : يعمل ذنباً يختص به لا يتعدّاه، وقيل : المراد بالأوّل الصغيرة والثاني الكبيرة ﴿ثم يستغفر الله﴾ أي : يطلب من الله تعالى غفرانه بالتوبة بشروطها ﴿يجد الله غفوراً﴾ أي : محاء للزلات ﴿رحيماً﴾ أي : مبالغاً في إكرام من يقبل إليه كما في الحديث عن الله :( من تقرّب مني شبراً تقرّبت منه ذراعاً ومن تقرّب مني ذراعاً تقرّبت منه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة )، وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه إنّ هذه الآية نسخت من ﴿يعمل سوأً يجز به﴾ ( النساء، ١٢٣ ).
النساء 4:111
﴿ومن يكسب إثماً﴾ أي : ذنباً ﴿فإنما يكسبه على نفسه﴾ أي : لأنّ وباله راجع عليه إذ الله له بالمرصاد فهو مجازية عليه فلا يتعدّاه وباله قال تعالى :﴿وإن أسأتم فلها﴾ ( الإسراء، ٧ ).
﴿وكان الله عليماً﴾ بالغ العلم بدقيق ذلك وجليله فلا يترك شيئاً منه ﴿حكيماً﴾ في صنعه فلا يجازيه إلا بمقدار ذنبه.
النساء 4:112
﴿ومن يكسب خطيئة﴾ أي : ذنباً صغيراً أو ما لا عمد فيه ﴿أو إثماً﴾ أي : كبيرة أو ما كان عن عمد ﴿ثم يرم به بريئاً﴾ أي : ينسبه إلى من لم يعمله كما فعل طعمة باليهودي ﴿فقد احتمل﴾ أي : تحمل ﴿بهتاناً﴾ أي : خطر كذب ببهت المرمي به ﴿وإثماً﴾ أي : ذنباً كبيراً ﴿مبيناً﴾ أي : بيناً يكسبه بسبب رمي البريء.
النساء 4:113
﴿ولولا فضل الله عليك﴾ يا محمد ﴿ورحمته﴾ بالعصمة ﴿لهمت طائفة منهم﴾ أي : من قوم طعمة أي : هماً مؤثراً عندك ﴿أن يضلوك﴾ أي : عن القضاء بالحق مع علمهم بالحال بتلبيسهم عليك فلا ينافي ذلك أنهم قد هموا بذلك ؛ لأنّ الهم المؤثر لم يوجد ﴿وما يضلون إلا أنفسهم﴾ إذ وبال ذلك عليهم ﴿وما يضرونك من شيء﴾ فإنّ الله عصمك وما خطر ببالك كان اعتماداً منك على ظاهر الأمر لا ميلاً في الحكم.
تنبيه :( من شيء ) في موضع نصب على المصدر أي : شيئاً من الضر فمن مزيدة ﴿وأنزل الله عليك الكتاب﴾ أي : القرآن ﴿والحكمة﴾ أي : السنة فإنها ليست قرآناً يتلى وفسرت أيضاً بأنها علم الشرائع وكل كلام وافق الحق ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ أي : من المشكلات وغيرها غيباً وشهادة من أحوال الدين والدنيا ﴿وكان فضل الله عليك عظيماً﴾ أي : بهذا وبغيره من أمور لا تدخل تحت الحصر، وفي هذا دليل على أن العلم من أشرف الفضائل.
النساء 4:114
﴿لا خير في كثير من نجواهم﴾ أي : الناس قوم طعمة فإنهم ناجوا النبيّ صلى الله عليه وسلم في الدفع عنه وكذا غيرهم ﴿إلا﴾ نجوى ﴿من أمر بصدقة﴾ واجبة أو مندوبة ﴿أو معروف﴾ أي : عمل بر، وقيل : المراد بالصدقة الواجبة، وبالمعروف صدقة التطوّع ﴿أو إصلاح بين الناس﴾ وسواء إصلاح ذات البين وغيرهم قال صلى الله عليه وسلم ( كلام ابن آدم كله عليه لا لهُ إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله )، وسمع سفيان رجلاً يقول : ما أشدّ هذا الحديث فقال : ألم تسمع الله يقول :﴿لا خير في كثير من نجواهم﴾ فهو هذا بعينه أو ما سمعته يقول :﴿والعصر ١ إن الإنسان لفي خسر﴾ ( العصر، ١- ٢ ) فهو هذا بعينه.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة ؟ ) قلنا : بلى يا رسول الله قال :( إصلاح ذات البين، وإفساد ذات البين هي الحالقة ).
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال ( ليس بالكذاب من أصلح بين الناس فقال : خيراً أو أثنى خيراً ) ﴿ومن يفعل ذلك﴾ أي : هذا المذكور ﴿ابتغاء﴾ أي : طلب ﴿مرضاة الله﴾ أي : لا غيره من أمور الدنيا ؛ لأنّ الأعمال بالنيات ﴿فسوف يؤتيه﴾ أي : الله في الآخرة بوعد لا خلف فيه ﴿أجراً عظيماً﴾ هو الجنة والنظر إلى وجهه الكريم، وفي هذه الآية دلالة على أنّ المطلوب من أعمال الظاهر رعاية أحوال الباطن في إخلاص النية وتصفية القلب من الالتفات إلى غرض دنيوي، وقرأ أبو عمرو وحمزة ( يؤتيه ) بالياء، والباقون بالنون.
النساء 4:115
﴿ومن يشاقق الرسول﴾ أي : يخالفه فيما جاء به مأخوذ من الشق، فإنّ كلاً من المتخالفين في شق غير شق الآخر ﴿من بعدما تبين﴾ أي : ظهر ﴿له الهدى﴾ أي : الدليل الذي هو سببه ﴿ويتبع﴾ طريقاً ﴿غير سبيل المؤمنين﴾ أي : طريقهم الذي هم عليه من الدين بأن يتبع غير دين الإسلام ﴿نوله ما تولى﴾ أي : نجعله والياً لما تولاه بأن نخلي بينه وبينه في الدنيا ﴿ونصله﴾ أي : ندخله في الآخرة ﴿جهنم﴾ يحترق فيها ﴿وساءت مصيراً﴾ أي : مرجعاً هي، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة ( نوله ) و( نصله ) بسكون الهاء، واختلس كسرة الهاء قالون ولهشام وجهان : الإختلاس كقالون، وإشباع الحركة كباقي القرّاء.
فإن قيل : ما الحكمة في فك الإدغام في قوله تعالى :﴿ومن يشاقق الرسول﴾ والإدغام في سورة الحشر في قوله :﴿ومن يشاق الله﴾ ( الحشر، ٤ ) ؟ أجيب : بأن أل في لفظ الجلالة لازم بخلافه في الرسول واللزوم يقتضي الثقل، فخفف بالإدغام فيما صحبته الجلالة بخلاف ما صحبه لفظ الرسول.
فإن قيل : يرد هذا قوله تعالى في سورة الأنفال :﴿ومن يشاقق الله ورسوله﴾ ( الأنفال، ١٣ ) أجيب : أنه لما انضم الرسول إلى الله صار المعطوف والمعطوف عليه كالشيء الواحد.
النساء 4:116
﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ أي : وقوع الشرك به من أيّ شخص كان وبأي شيء كان ﴿ويغفر ما﴾ أي : كل شيء هو ﴿دون ذلك﴾ أي : من سائر المعاصي لكن ﴿لمن يشاء﴾ لأنّ جميع الأمور بمشيئته.
روي ( أنّ شيخاً جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني شيخ منهمك في الذنوب إلا أني لم أشرك بالله شيئاً منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه ولياً ولم أوقع المعاصي جراءة وما توهمت طرفة عين إني أعجز الله هرباً وإني لنادم تائب مستغفر فما ترى حالي عند الله فنزلت ﴿ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً﴾ ) عن الحق فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة، وإنما ذكر في الآية الأولى ( فقد افترى ) ؛ لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب، ومنشأ شركهم نوع افتراء، وهو دعوى التبني على الله.
النساء 4:117
﴿إن﴾ أي : ما ﴿يدعون﴾ أي : يعبد المشركون ﴿من دونه﴾ أي غير الله ﴿إلا إناثاً﴾ وهي اللات والعزى ومناة، وعن الحسن لم يكن حيّ من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان، وقيل : كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات الله، وقيل : المراد الملائكة لقولهم : الملائكة بنات الله ﴿وإن﴾ أي ما ﴿يدعون﴾ أي يعبدون بعبادتها ﴿إلا شيطاناً مريداً﴾ أي : خارجاً عن الطاعة وهو إبليس ؛ لأنه الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم عليها، فكانت طاعته في ذلك عبادة له.
النساء 4:118
﴿لعنه الله﴾ أي أبعده عن رحمته ﴿وقال﴾ الشيطان المذكور ﴿لأتخذنّ من عبادك نصيباً﴾ أي : حظاً ﴿مفروضاً﴾ أي : مقطوعاً أدعوهم فيه إلى طاعتي قال الحسن : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار.
النساء 4:119
﴿ولأضلنهم﴾ أي عن طريقك السوي بما سلطتني به من الوسواس وتزيين الأباطيل ﴿ولأمنينهم﴾ أي بكل ما أقدر عليه من الباطل من عدم البعث والحساب ولا جنة ولا نار وغيره، وألقي في قلوبهم طول الأعمار وبلوغ الآمال من الدنيا والآخرة بالرحمة والحنو والإحسان ونحوه مما هو سبب للتسويف بالتوبة ﴿ولآمرنهم فليبتكن﴾ أي : يقطعن ﴿آذان الأنعام﴾ كما كانت العرب تفعله بالبحائر والسوائب التي حرّموها على أنفسهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن، وجاء الخامس ذكراً حرموا على أنفسهم الانتفاع بها ﴿ولآمرنهم فليغيرنّ خلق الله﴾ أي : فطرة الله التي هي دين الإسلام بالكفر وإحلال ما حرّم الله، وتحريم ما أحل الله، ويدخل في ذلك اللواط والسحر والوشم، وهو أن يغرز الجلد بإبرة ويحشى بنحو نيلة، والوشر وهو أن تحدّ المرأة أسنانها وترققها ونحو ذلك، وكالخصاء وهو حرام في بني آدم، قال الزمخشري : وعند أبي حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم ؛ لأن الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم، وأمّا في البهائم فيجوز في المأكول الصغير ويحرم في غيره.
وقيل للحسن رحمه الله تعالى : إنّ عكرمة يقول : المراد هنا هو الخصاء فقال : كذب عكرمة هو دين الله وعن ابن مسعود هو الوشم ﴿ومن يتخذ الشيطان ولياً﴾ أي : يتولاه ويطيعه ﴿من دون الله﴾ أي : غيره ﴿فقد خسر خسراناً مبيناً﴾ بيناً لمصيره إلى النار المؤبدة عليه.
النساء 4:120
﴿يعدهم﴾ ما لا ينجزه بأن يخيل إليهم بما يصل إلى قلوبهم بالوسوسة في شيء من الأباطيل، إنه قريب الحصول فيسعون في تحصيله فيضيع عليهم في ذلك الزمان ويرتكبوا ما لا يحل من الأهوال والهوان ﴿ويمنيهم﴾ نيل الآمال في الدنيا ولا بعث ولا جزاء ﴿وما﴾ أي : والحال إنه ما ﴿يعدهم الشيطان﴾ بذلك ﴿إلا غروراً﴾ أي : باطلاً، وهو إظهار النفع فيما فيه الضر وهذا الوعد إمّا بالخواطر أو بلسان أوليائه.
النساء 4:121
﴿أولئك﴾ أي : الشيطان وأولياؤه ﴿مأواهم﴾ أي : مقرّهم ﴿جهنّم﴾ يحترقون فيها ﴿ولا يجدون عنها محيصاً﴾ أي : معدلاً ومهرباً.
النساء 4:122
ولما ذكر ما للكافر ترهيباً اتبعه ما لغيرهم ترغيباً فقال :
﴿والذين آمنوا﴾ أي : أقرّوا بالإيمان ﴿وعملوا الصالحات﴾ أي : الطاعات تصديقاً لإقرارهم ﴿سندخلهم﴾ بوعد لا خلف فيه ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ أي : لريّ أرضها فحيثما أجرى منها نهر جرى ﴿خالدين فيها﴾ ولما كان الخلود يطلق على المكث الطويل دفع ذلك بقوله تعالى :﴿أبداً﴾ أي : لا إلى آخر ﴿وعد الله حقاً﴾ أي : وعدهم الله ذلك وهو قوله تعالى : سندخلهم وحقه حقاً ﴿ومن﴾ أي : لا أحد ﴿أصدق من الله قيلاً﴾ أي : قولاً، وأكثر سبحانه وتعالى من التأكيد هنا ؛ لأنه في مقابلة وعد الشيطان، ووعد الشيطان موافق للهوى الذي طبعت عليه النفوس، فلا تنصرف عنه إلا بعسر شديد.
ونزل لما افتخر المسلمون وأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فقال أهل الكتاب : نبيِّنا قبل نبيِّكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون : نبيِّنا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب وقد آمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا فنحن أولى.
النساء 4:123
﴿ليس﴾ أي : الأمر منوطاً ﴿بأمانيكم﴾ أيها المسلمون ﴿ولا أمانيّ أهل الكتاب﴾ بل بالإيمان والعمل الصالح ﴿من يعمل سوأً يجز به﴾ قال ابن عباس لما نزلت هذه شقت على المسلمين وقالوا : يا رسول الله أينا لم يعمل سوأً غيرك فكيف الجزاء ؟ قال : منه ما يكون في الدنيا أي : بالبلاء والمحن كما ورد في الحديث :( فمن يعمل حسنة فله عشر أمثالها ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقي له تسع حسنات، فويل لمن غلبت آحاده أعشاره ) وأمّا ما كان جزاء في الآخرة فيقابل بين حسناته وسيئاته فيلقى مكان كل سيئة حسنة وينظر في الفضل فيعطي الجزاء في الجنة فيؤتي كل ذي فضل فضله، وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه ﴿من يعمل سوأً يجز به﴾ ﴿ولا يجد له من دون الله﴾ أي : غيره ﴿ولياً﴾ أي : يحفظه ﴿ولا نصيراً﴾ أي : يمنعه منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت عليّ ؟ ) قلت : بلى يا رسول الله قال : فأقرأنيها قال : ولا أعلم أني قد وجدت انفصاماً في ظهري حتى تمطيت لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك يا أبا بكر فقلت : يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءاً وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أمّا أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا ) أي : بالبلاء والمحن كما مرّ حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب، ( وأمّا الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا يوم القيامة ).
النساء 4:124
﴿ومن يعمل﴾ شيئاً ﴿من الصالحات﴾ فإن كل أحد لا يتمكن من كلها وليس مكلفاً بها وقوله تعالى :﴿من ذكر أو أنثى﴾ في موضع الحال من المستكن في يعمل ومن للبيان أو من الصالحات أي : كائنة من ذكر أو أنثى ومن للابتداء وقوله تعالى :﴿وهو مؤمن﴾ حال شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور تنبيهاً على أنه لا اعتداد بالعمل الصالح دون اقتران بها ﴿فأولئك﴾ أي : العالو الرتبة ﴿يدخلون﴾ أي : ندخلهم ﴿الجنة﴾ أي : الموصوفة ﴿ولا يظلمون نقيراً﴾ قدر نقرة النواة من ثواب أعمالهم وإن لم ينقص ثواب المطيع فبالحري أن لا يزاد عقاب العاصي ؛ لأنّ المجازي هو أرحم الراحمين، ولذلك اقتصر على ذكره عقب الثواب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة بضم الياء وفتح الخاء، والباقون بفتح الياء وضم الخاء.
النساء 4:125
﴿ومن﴾ أي : لا أحد ﴿أحسن ديناً ممن أسلم وجهه﴾ أي : انقاد وأخلص عمله ﴿لله﴾ فلا حركة ولا سكون إلا فيما يرضاه، وفي هذا الاستفهام تنبيه على أنّ ذلك منتهى ما تبلغه القوّة البشرية ﴿وهو﴾ أي : والحال أنه ﴿محسن﴾ أي : مؤمن مراقب آت بالحسنات تارك للسيآت، لأنه يعبد الله كأنه يراه، وقد اشتملت هذه الكلمات العشر على الدين كله أصلاً وفرعاً مع الترغيب بالمدح الكامل لمتبعه وإفهام الذمّ الكامل لغيره ﴿واتبع ملة إبراهيم﴾ أي : الموافقة لملة الإسلام وقوله تعالى :﴿حنيفاً﴾ حال أي : مائلاً عن الأديان كلها إلى الدين القيّم ﴿واتخذ إبراهيم خليلاً﴾ أي : صفياً خالص المحبة له، وإنما أعاد ذكره، ولم يضمره تفخيماً له، وتنصيصاً على أنه الممدوح، والخلة من الخلال فإنه ودّ تخلل النفس وخالطها، قال الزجاج : الخليل الذي ليس في محبته خلل، والخلة الصداقة فسمي خليلاً ؛ لأن الله تعالى أحبه واصطفاه.
روي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يسمى أبا الضيفان وكان منزله على ظهر الطريق يضيف من مر به من الناس فأصاب الناس سنة فحشروا إلى باب إبراهيم يطلبون الطعام وكانت الميرة له كل سنة من صديق له بمصر فبعث غلمانه بالإبل إلى الخليل الذي بمصر فقال خليله لغلمانه : لو كان إبراهيم يريده لنفسه لفعلت ولكن يريده للأضياف وقد أصابنا ما أصاب الناس من الشدّة، فرجع غلمانه فمرّوا ببطحاء أي : بأرض ذات حصى فقالوا : لو أنا حملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة فإنا نستحيي أن نمرّ بهم وإبلنا فارغة فملؤوا تلك الغرائر ثم أتوا إبراهيم فلما أخبروه بذلك وسارة نائمة ساءه الخبر فغلبته عيناه فنام واستيقظت سارة وقد ارتفع النهار فقالت : سبحان الله ما جاء الغلمان قالوا : بلى فقامت إلى الغرائر ففتحتها فإذا هو أجود حوّاري أي : وهو بضم الحاء المهملة وتشديد الواو وفتح الراء، الدقيق الذي نخل مرّة بعد أخرى، فأمرت الخبازين فخبزوا وأطعموا الناس، فاستيقظ إبراهيم فوجد رائحة الخبز فقال : من أين هذا لكم ؟ فقالت : من خليلك المصري فقال : بل من عند خليلي الله عز وجل، فسماه الله خليلاً.
النساء 4:126
﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض﴾ خلقاً وملكاً يفعل فيهما ما يشاء ﴿وكان الله بكل شيء محيطاً﴾ علماً وقدرة أي : ولم يزل متصفاً بذلك فمهما أراد كان في وعد وعيد للمطيع والعاصي لا يخفى عليه أحد منهم ولا يعجزه شيء.
النساء 4:127
﴿ويستفتونك﴾ أي : يطلبون منك الفتوى ﴿في﴾ شأن ﴿النساء﴾ أي : في شأن اليتامى ﴿قل الله يفتيكم﴾ أي : يبين لكم حكمه ﴿فيهن﴾ والإفتاء تبيين المبهم ﴿و﴾ يفتيكم أيضاً في ﴿ما يتلى عليكم في الكتاب﴾ أي : القرآن من آية الميراث ﴿في يتامى النساء﴾ أي : في شأن اليتامى ﴿اللاتي لاتؤتونهن ما كتب﴾ أي : فرض ﴿لهن﴾ أي : من الميراث ﴿وترغبون﴾ أيها الأولياء ﴿أن﴾ أي : في أن أو عن أن ﴿تنكحوهن﴾ لجمالهن أو دمامتهن، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : هي اليتيمة تكون في حجر الرجل وهو وليها فيرغب في نكاحها إذا كانت ذات جمال ومال بأقل من سنة صداقها وإن كانت مرغوباً عنها في قلة المال والجمال تركها.
وفي رواية : هي اليتيمة تكون في حجر الرجل قد شركته في ماله فيرغب عنها أن يتزوّجها لدمامتها، ويكره أن يزوّجها غيره فيدخل عليه في ماله فيحبسها حتى تموت فيرثها، فنهاهم الله تعالى عن ذلك ﴿و﴾ يفتيكم في ﴿المستضعفين﴾ أي : الصغار ﴿من الولدان﴾ أي : أن تعطوهم حقوقهم ؛ لأن العرب كانوا لا يورثونهم كما لا يورثون النساء وقوله تعالى :﴿وأن تقوموا﴾ في محل نصب بإضمار فعل أي : ويأمركم أن تقوموا ﴿لليتامى﴾ بالقسط أي : العدل من الميراث وغيره، والخطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقهم أو للقوّام بالنصفة في شأنهم ﴿وما تفعلوا من خير﴾ أي : في ذلك أو غيره ﴿فإن الله كان به عليماً﴾ أي : فيجازيكم عليه فإنه أكرم الأكرمين فطيبوا نفساً وقرّوا عيناً، قال سعيد بن جبير : كان رجل له امرأة قد كبرت وله منها أولاد فأراد أن يطلقها ويتزوّج غيرها فقالت له : لا تطلقني ودعني على ولدي واقسم لي من كل شهرين إن شئت وإن شئت فلا تقسم لي فقال : إن كان يصلح ذلك فهو أحب إليّ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى.
النساء 4:128
﴿وإن امرأة﴾ مرفوع بفعل يفسره ﴿خافت﴾ أي : توقعت ﴿من بعلها﴾ أي : زوجها ﴿نشوزاً﴾ أي : تجافياً عنها وترفعاً عن صحبتها كراهة لها ومنعاً لحقوقها ﴿أو إعراضاً﴾ بأن يقل محادثتها ومجالستها ﴿فلا جناح عليهما﴾ أي : الزوج والزوجة ﴿أن يصلحا بينهما صلحاً﴾ أي : في القسم والنفقة وهو أن يقول الزوج لها : إنك قد دخلت في السن وإني أريد أن أتزوّج امرأة شابة جميلة أوثرها عليك في القسم ليلاً ونهاراً فإن رضيتي بهذا فأقيمي وإن كرهت خليت سبيلك، فإن رضيت كانت هي المحسنة، ولا تجبر على ذلك وإن لم ترض بدون حقها كان على الزوج أن يوفيها حقها من القسم والنفقة، أو يسرحها بإحسان، فإن أمسكها ووفاها حقها مع كراهته فهو المحسن، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بضم الياء وسكون الصاد ولا ألف من أصلح بين المتنازعين، والباقون بفتح الياء وفتح الصاد مع التشديد وألف بعدها وفتح اللام وفيه إدغام التاء في الأصل في الصاد، وغلظ ورش اللام من يصالحا بخلاف عنه ﴿والصلح﴾ بأن يترك كل منهما حقه أو بعض حقه ﴿خير﴾ من الفرقة والنشوز والإعراض.
كما ( يروى أن سودة كانت امرأة كبيرة أراد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يفارقها فقالت : لا تطلقني وإنما بي أن أبعث في نسائك وقد جعلت نوبتي لعائشة فأمسكها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقسم لعائشة يومها ويوم سودة ) ثم بين سبحانه وتعالى ما جبل عليه الإنسان بقوله :﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ أي : جبلت عليه فكأنها حاضرة لا تغيب عنه، فلا تكاد المرأة تسمح بالإعراض عنها والتقصير في حقها ولا بنفسه بأن يمسكها ويقوم بحقها على ما ينبغي إذ الزوج لا يكاد يسمح بنفسه إذا كرهها وخصوصاً إذا أحب غيرها، والشح أقبح البخل وحقيقته الحرص على منع الخير ﴿وإن تحسنوا﴾ أي : في عشرة النساء وإن كنتم كارهين ﴿وتتقوا﴾ أي : النشوز والإعراض ونقص الحق ﴿فإنّ الله كان﴾ أزلاً وأبداً ﴿بما تعملون﴾ أي : من الإحسان والخصومة ﴿خبيراً﴾ أي : عليماً به وبالغرض منه فيجازيكم عليه.
النساء 4:129
﴿ولن تستطيعوا﴾ أي : توجدوا من أنفسكم طواعية بالغة دائمة ﴿إن تعدلوا﴾ أي : تسووا بين ﴿النساء﴾ أي : في المحبة ؛ لأنّ العدل أن لا يقع ميل البتة وهو متعذر، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول :( هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك ) رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم ﴿ولو حرصتم﴾ على تحرّي ذلك وبالغتم فيه ﴿فلا تميلوا﴾ أي : إلى التي تحبونها ﴿كل الميل﴾ في القسم والنفقة فإنّ ما لا يدرك كله لا يترك كله ﴿فتذروها﴾ أي : تتركوا المرأة الممال عنها ﴿كالمعلقة﴾ أي : التي لا هي أيم ولا ذات بعل.
وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم :( من كان له امرأتان يميل إلى إحداهما جاء يوم القيامة وإحدى شقيه مائل ) رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم.
وروي أنّ عمر رضي الله تعالى عنه بعث إلى أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم بمال فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها : إلى كل أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث عمر مثل هذا قالوا : لا بعث إلى القرشيات بمثل هذا وإلى غيرهنّ بغيره فقالت : ارفع رأسك فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا في القسمة بماله ونفسه فرجع الرسول فأخبره فأتم لهنّ جميعاً، وكان لمعاذ رضي الله تعالى عنه امرأتان فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبر واحد ﴿وإن تصلحوا﴾ أي : ما كنتم تفسدون من أمورهنّ ﴿وتتقوا﴾ فيما يستقبل ﴿فإنّ الله كان غفوراً﴾ أي : لما في قلوبكم من الميل ﴿رحيماً﴾ بكم في ذلك وغيره فإنه أرحم الراحمين.
النساء 4:130
﴿وإن يتفرّقا﴾ أي : يفترق كل من الزوجين من صاحبه بالطلاق ﴿يغن الله كلاً﴾ منهما عن الآخر ببدل بأن يرزقها زوجاً ويرزقه غيرها أو سلواً ﴿من سعته﴾ أي : من فضله وكرمه ﴿وكان الله واسعاً﴾ أي : واسع الفضل والرحمة بخلقه ﴿حكيماً﴾ أي : فيما دبره لهم.
النساء 4:131
وفي قوله تعالى :
﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض﴾ أي : ملكاً وعبيداً تنبيه على كمال سعته وقدرته ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب﴾ أي : جنس الكتب ﴿من قبلكم﴾ أي : اليهود والنصارى ومن قبلهم وقوله تعالى :﴿وإياكم﴾ عطف على الذين وهو خطاب لأهل القرآن ﴿أن اتقوا الله﴾ أي : بأن اتقوا الله أي : خافوا عقابه بأن تطيعوه، وقوله تعالى :﴿وإن تكفروا﴾ أي : بما وصيتم به ﴿فإنّ ما في السماوات وما في الأرض﴾ على إرادة القول. قال التفتازاني : لأنّ الجملة الشرطية لا تصح أن تقع بعد أن المصدرية فلا يصح عطفها على الواقع بعدها أي : وقلنا لهم ولكم إن تكفروا فإنّ الله مالك الملك كله لا يتضرر بكفركم ومعاصيكم كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم وإنما يوصيكم لرحمته لا لحاجته. ثم قرّر ذلك بقوله تعالى :﴿وكان الله غنياً﴾ عن الخلق وعبادتهم ﴿حميداً﴾ في ذاته حمد أو لم يحمد.
النساء 4:132
﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً﴾ أي : شهيداً بأنّ ما فيهما له.
فإن قيل : ما فائدة تكرير لله ما في السماوات وما في الأرض ؟ أجيب : بأنّ لكل واحدة منها وجهاً أمّا الأوّل : فمعناه لله ما في السماوات وما في الأرض وهو يوصيكم بالتقوى فاقبلوا وصيته، وأمّا الثاني : فمعناه لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنياً حميداً أي : هو الغنيّ المطلق فاطلبوا منه ما تطلبون فإنه لا ينفد ما عنده، وأمّا الثالث : فمعناه لله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً ولا تتوكلوا على غيره فذكرت كل مرّة دليلاً على شيء غير الذي قبله، وكررت ؛ لأنّ الدليل الواحد إذا كان دالاً على مدلولات يحسن أن يستدل به على كل واحد منها وإعادته مع كل واحد أولى من الاكتفاء بذكره مرّة واحدة ؛ لأنّ إعادته تحضر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول فيكون العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجل، وفي ختم كل جملة بصفة من الصفات الحسنى تنبيه الذهن بها إلى أنّ هذا الدليل محتوٍ على أسرار شريفة ومطالب جليلة لا تنحصر، فيجتهد السامع في التفكّر لإظهار الأسرار والاستدلال على صفات الكمال ؛ لأنّ الغرض الكلي من هذا الكتاب صرف العقول والأفهام عن الاشتغال بغير الله إلى الاستغراق في معرفته سبحانه وتعالى، وهذا التكرير مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده.
النساء 4:133
﴿إن يشأ يذهبكم﴾ أي : يفنكم ﴿أيها الناس﴾ كما أوجدكم ﴿ويأت بآخرين﴾ أي : ويوجد قوماً آخرين مكانكم أو خلقاً آخرين مكان الإنس ﴿وكان الله على ذلك﴾ أي : الإعدام والإيجاد ﴿قديراً﴾ أي : بليغ القدرة لا يمتنع عليه شيء أراده. وقيل : هذا خطاب لمن كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب إن يشأ يمتكم ويأت بناس آخرين يوالونه.
وروي أنه لما نزلت ﴿إن يشأ يذهبكم﴾ الآية ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ظهر سلمان وقال :«إنهم قوم هذا » أي : سلمان وهم بنو فارس.
النساء 4:134
﴿من كان يريد ثواب الدنيا﴾ الخسيسة الفانية كالمجاهد يجاهد للغنيمة لقصور نظره على الخسيس الحاضر مع خسته كالبهائم ﴿فعند الله ثواب الدنيا﴾ الخسيسة الفانية ﴿والآخرة﴾ النفيسة الباقية لا عند غيره فما له يطلب الخسيس فليطلبهما منه كمن يقول : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، أو ليطلب الأشرف منهما فإنّ من غلب همته فأقبل بقلبه إليه وقصر همه عليه جمع له سبحانه وتعالى بينهما كمن يجاهد لله خالصاً يجمع له بين الآخرة والمغنم ﴿وكان الله سميعاً﴾ أي : بالغ السمع لكل قول وإن خفي ﴿بصيراً﴾ أي : بالغ البصر لكل ما يبصر وإن خفي.
النساء 4:135
﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين﴾ أي : قائمين قياماً بليغاً مواظباً عليه مجتهداً فيه ﴿بالقسط﴾ أي : بالعدل ﴿شهداء لله﴾ بالحق أي : تقيمون شهادتكم لوجه الله ﴿ولو﴾ كانت الشهادة ﴿على أنفسكم﴾ فاشهدوا عليها بأن تقرّوا بالحق ولا تكتموه ﴿أو الوالدين والأقربين﴾ أي : ولو كانت الشهادة على والديكم وأقاربكم ﴿إن يكن﴾ أي : المشهود عليه ﴿غنياً﴾ فلا تمنع الشهادة عليه لغناه طلباً لرضاه ﴿أو فقيراً﴾ فلا تمنع ترحماً عليه ﴿فالله أولى بهما﴾ أي : الغني والفقير وبالنظر لهما فلو لم تكن الشهادة لهما أو عليهما صلاحاً لما شرعها.
تنبيه : الضمير في ( بهما ) راجع إلى ما دلّ عليه المذكور وهو جنس الغني والفقير لا إليهما وإلا لوحد الضمير لكون العطف بأو، فكأنه قال : فالله أولى بجنس الغني والفقير أي : بالأغنياء والفقراء ﴿فلا تتبعوا الهوى﴾ أي : في شهادتكم بأن تحابوا الغني لرضاه أو الفقير رحمة له ﴿أن تعدلوا﴾ أي : إرادة أن تعدلوا فقد بان لكم أن لا عدل في ذلك، أو لئلا تعدلوا أي : تميلوا عن الحق ﴿وإن تلووا﴾ أي : ألسنتكم لتحرفوا الشهادة ﴿أو تعرضوا﴾ أي : عن أدائها ﴿فإنّ الله كان بما تعملون خبيراً﴾ فيجازيكم به. وقرأ ابن عامر وحمزة بضم اللام وحذف الواو الأولى، والباقون بسكون اللام وواوين الأولى مضمومة.
النساء 4:136
﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا﴾ أي : داوموا على الإيمان ﴿بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله﴾ محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن ﴿والكتاب الذي أنزل من قبل﴾ على الرسل بمعنى الكتب أي : آمنوا بجميع كتب الله المنزلة وقيل : إنّ الخطاب في ذلك لأهل الكتاب.
روي أنّ ابن سلام وأصحابه قالوا : يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه، فقال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم :( بل آمنوا بالله ورسوله محمد والقرآن وبكل كتاب كان قبله ) فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم النون من ( نزل )، وضم الهمزة من ( أنزل ) وكسر الزاي فيهما، والباقون بفتح النون والهمزة وفتح الزاي فيهما ﴿ومن يكفر با وملائكته وكتبه﴾ التي أنزل على أنبيائه ﴿ورسله﴾ أي : من الملائكة والبشر ﴿واليوم الآخر﴾ أي : الذي أخبرت به رسله وهو يوم القيامة أي : ومن يكفر بشيء من ذلك ﴿فقد ضل ضلالاً بعيداً﴾ عن الحق بحيث لا يكاد يعود إليه، وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار دال قد عند الضاد والباقون بالإدغام.
النساء 4:137
﴿إن الذين آمنوا﴾ أي : بموسى وهم اليهود ﴿ثم كفروا﴾ حين عبدوا العجل ﴿ثم آمنوا﴾ بعد عود موسى إليهم ﴿ثم كفروا﴾ بعيسى ﴿ثم ازدادوا كفراً﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾ أي : ما داموا على هذه الحالة ؛ لأنه لا يغفر أن يشرك به ﴿ولا ليهديهم سبيلاً﴾ أي : طريقاً إلى الحق
النساء 4:138
﴿بشر المنافقين﴾ يا محمد ﴿بأنّ لهم عذاباً أليماً﴾ أي : مؤلماً هو النار.
تنبيه : وضع بشر مكان أنذر تهكماً بهم.
النساء 4:139
وقوله تعالى :
﴿الذين﴾ بدل أو نعت للمنافقين ﴿يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾ لما يتوهمون فيهم من القوّة وقوله تعالى :﴿أيبتغون﴾ أي : أيطلبون ﴿عندهم العزة﴾ استفهام إنكاري أي : لا يجدونها عندهم ﴿فإن العزة لله جميعاً﴾ في الدنيا والآخرة ولا ينالهما إلا أولياؤه قال الله تعالى :﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ ( المنافقون، ٨ ).
النساء 4:140
﴿وقد﴾ أي : تتخذونهم والحال أنه قد ﴿نزل عليكم﴾ أي : أيتها الأمّة الصادقين منكم والمنافقين ﴿في الكتاب﴾ أي : القرآن في سورة الأنعام النازلة بمكة المشرفة النهي عن مجالستهم فضلاً عن ولايتهم ﴿أن﴾ أي : إنه فهي مخففة واسمها محذوف ﴿إذا سمعتم آيات الله﴾ أي : القرآن ﴿يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم﴾ أي : الكافرين والمستهزئين ﴿حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ أي : حتى يأخذوا في حديث غير ذلك، قال الضحاك عن ابن عباس : دخل في هذه الآية كل محدث في الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة، وقرأ عاصم :( نزل ) بفتح النون والزاي، والباقون بضمّ النون وكسر الزاي ﴿إنكم إذاً﴾ أي : إن قعدتم معهم ﴿مثلهم﴾ أي : في الإثم ؛ لأنكم قادرون على الإعراض عنهم والإنكار عليهم أو الكفر إن رضيتم به، وقيل : كان الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون فقيل لهم : إنكم إذاً مثل الأحبار في الكفر، ويدل عليه قوله تعالى :﴿إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً﴾ أي : القاعدين والمقعود معهم كما اجتمعوا في الدنيا على الكفر والاستهزاء.
النساء 4:141
وقوله تعالى :
﴿الذين﴾ إمّا بدل من الذين قبله، وإمّا صفة للمنافقين، وإمّا نصب على الذم منهم ﴿يتربصون﴾ أي : ينتظرون وقوع أمر ﴿بكم فإن كان لكم فتح من الله﴾ أي : ظفر وغنيمة ﴿قالوا﴾ لكم ﴿ألم نكن معكم﴾ أي : في الدين والجهاد فاجعلوا لنا نصيباً من الغنيمة ﴿وإن كان للكافرين نصيب﴾ أي : من الظفر، فإنّ الحرب سجال، وعبر بنصيب تحقيراً لظفرهم بالنسبة لما حصل للمسلمين من الفتح ﴿قالوا﴾ لهم ﴿ألم تستحوذ﴾ أي : نستول ﴿عليكم﴾ ونقدر على أخذكم وقتلكم فأبقينا عليكم ﴿ونمنعكم من المؤمنين﴾ أي : من تسلطهم عليكم بما كنا نخادعهم به ونشيع فيهم من الإرجافات والأمور المرعبات الصارفة لهم عن كثير من المقاصد لتصديقهم لنا لإظهارنا الإيمان، ومراد المنافقين بذلك إظهار المنة على الكافرين ﴿فا يحكم بينكم﴾ وبينهم ﴿يوم القيامة﴾ بأن يدخلكم الجنة ويدخلهم النار ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ أي : طريقاً بالاستئصال، واحتج أصحابنا بهذه الآية عدلى فساد شراء الكافر العبد المسلم.
النساء 4:142
﴿إن المنافقين يخادعون الله﴾ أي : بإظهارهم خلاف ما يبطنونه من الكفر ليدفعوا عنهم أحكامهم الدنيوية ﴿وهو خادعهم﴾ أي : مجازيهم على خداعهم فيفضحهم في الدنيا باطلاع نبيه على ما أبطنوه ويعاقبهم في الآخرة ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة﴾ مع المؤمنين ﴿قاموا كسالى﴾ أي : متثاقلين كالمكرهين على الفعل ﴿يراؤن الناس﴾ بصلاتهم ليظنوهم مؤمنين ﴿ولا يذكرون الله﴾ أي : ولا يصلون ﴿إلا قليلاً﴾ أي : حين يتعين ذلك طريقاً لمخادعتهم ولا يصلون غائبين قط عن عيون الناس وما يجهرون به أيضاً إلا قليلاً ؛ لأنهم ما وجدوا مندوحة عن تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه ويجوز أن يراد بالقلة العدم.
فإن قيل : أما معنى المراآة وهي مفاعلة من الرؤية ؟ أجيب : بأنّ المرائي يريهم عمله وهم يرون استحسانه.
النساء 4:143
وقوله تعالى :
﴿مذبذبين﴾ حال من واو يراؤون أي : مترددين ﴿بين ذلك﴾ أي : الكفر والإيمان ﴿لا﴾ منسوبين ﴿إلى هؤلاء﴾ أي : الكفار ﴿ولا إلى هؤلاء﴾ أي : المؤمنين ﴿ومن يضلل الله﴾ أي : يضله ﴿فلن تجد له سبيلاً﴾ أي : طريقاً إلى الهدى ونظيره قوله تعالى :﴿ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور﴾ ( النور، ٤٠ ).
النساء 4:144
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين﴾ أي : المجاهرين بالكفر ﴿أولياء من دون المؤمنين﴾ فإنه صنيع المنافقين وديدنهم فلا تتشبهوا بهم ﴿أتريدون أن تجعلوا عليكم﴾ أي : بموالاتهم ﴿سلطاناً﴾ أي : دليلاً على كفركم باتباعهم غير سبيل المؤمنين ﴿مبيناً﴾ أي : واضحاً على نفاقكم.
النساء 4:145
﴿إنّ المنافقين في الدرك﴾ أي : البطن ﴿الأسفل من النار﴾ أي : لأنّ ذلك أخفى ما في النار وأستره وأخبثه كما أنّ كفرهم أخفى الكفر وأخبثه وأستره وسميت طبقات النار دركات ؛ لأنها متداركة متتابعة إلى أسفل كما إنّ الدرج متراقية إلى فوق.
فإن قيل : لم كان المنافق أشدّ عذاباً من الكافر ؟ أجيب : بأنِه مثله في الكفر وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بسكون الراء والباقون بفتحها ﴿ولن تجد لهم نصيراً﴾ أي : مانعاً يمنعهم من عذاب الله تعالى فيخرجهم.
النساء 4:146
﴿إلا الذين تابوا﴾ أي : رجعوا عما كانوا عليه من النفاق ﴿وأصلحوا﴾ أي : أعمالهم ﴿واعتصموا﴾ أي : وثقوا ﴿با وأخلصوا دينهم﴾ من الرياء فلا يريدون بطاعتهم إلا وجهه تعالى ﴿فأولئك مع المؤمنين﴾ في الجنة ﴿وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً﴾ فيشاركونهم ويساهمونهم.
فإن قيل : من المنافق ؟ أجيب : بأنه في الشريعة من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، وأمّا تسمية من ارتكب ما يفسق به منافقاً فللتغليظ كقوله صلى الله عليه وسلم :( من ترك الصلاة متعمّداً فهو كافر ) ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :( ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم : من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ) وقيل لحذيفة رضي الله تعالى عنه : من المنافق ؟ قال : الذي يصف الإسلام ولا يعمل به، وقيل لابن عمر رضي الله تعالى عنهما : ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه فقال : كنا نعده من النفاق.
فائدة : اتفق كتاب المصاحف على حذف الياء من ﴿يؤت الله﴾ ولا سبب لحذفها.
النساء 4:147
﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم﴾ نعماءه ﴿وآمنتم به﴾ أي : لينفي به غيظاً أو يدفع ضراً أو يستجلب به نفعاً، وهو الغنيّ المطلق المتعالي عن النفع والضرّ، والاستفهام بمعنى النفي أي : لا يعذبكم.
فإن قيل : لم قدم الشكر على الإيمان مع أنه لا ينفع مع عدم الإيمان ؟ أجيب : بأنّ الناظر يدرك النعمة أوّلاً فيشكر شكراً مبهماً فإذا انتهى إلى معرفة المنعم آمن به، ثم شكر شكراً مفصلاً، فكان الشكر متقدّماً على الإيمان، وكأنه أصل التكليف ومداره فيؤمن به، والشكر ضدّ الكفر، فالكفر ستر النعمة، والشكر إظهارها ﴿وكان الله شاكراً﴾ لأعمال المؤمنين بالإثابة يقبل اليسير ويعطي الجزيل ﴿عليماً﴾ بخلقه.
النساء 4:148
﴿لا يحب الله الجهر بالسوء﴾ أي : القبيح ﴿من القول﴾ من أحد أي : يعاقب عليه ﴿إلا من﴾ أي : جهر من ﴿ظلم﴾ وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما هو فيه من السوء فلا يؤاخذ به قال الله تعالى :﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ ( الشورى، ٤١ ).
قال الحسن البصري : دعاؤه عليه أن يقول : اللهمّ أعني عليه اللهمّ استخرج حقي منه، وقيل : إن شئتم أجاز له أن يشتم بمثله لا يزيد عليه، وقال مجاهد : هذا في الضيف إذا نزل بقوم فلم يقروه ولم يحسنوا ضيافته فله أن يشكو ويذكر ما صنع به.
روي أنّ رجلاً أضاف قوماً أي : نزل بهم ضيفاً فلم يطعموه فأصبح شاكياً فعوتب على الشكاية فنزلت، وعن عقبة بن عامر قال : قلنا يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا فما ترى ؟ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم ) ﴿وكان الله سميعاً﴾ لكل ما يقال ومنه دعاء المظلوم ﴿عليماً﴾ بكل ما يفعل ومنه فعل الظالم.
النساء 4:149
﴿إن تبدوا﴾ أي : تظهروا ﴿خيراً﴾ من أعمال البرّ ﴿أو تخفوه﴾ أي : تعملوه سراً ﴿أو تعفوا عن سوء﴾ أي : عن مظلمة ﴿فإن الله كان﴾ أي : دائماً أزلاً وأبداً ﴿عفوّاً قديراً﴾ أي : يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام فأنتم أولى بذلك وهو حث للمظلوم على تمهيد العفو بعدما رخص له في الانتصار حملاً على مكارم الأخلاق.
النساء 4:150
وقوله تعالى :
﴿إنّ الذين يكفرون بالله ورسله﴾ نزل في اليهود وذلك أنهم آمنوا بموسى والتوراة وعزير وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ﴿ويريدون أن يفرّقوا بين الله ورسله﴾ بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله ﴿ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض﴾ أي : نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعضهم ﴿ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً﴾ أي : طريقاً وسطاً بين اليهودية والإسلام، ولا واسطة إذ الحق لا يختلف، فإنّ الإيمان بالله إنما يتم بالإيمان برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه تفصيلاً وإجمالاً، والكفر ببعض ذلك كالكافر بالكل في الضلال قال تعالى :﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ ( يونس، ٣٢ ).
النساء 4:151
﴿أولئك هم الكافرون﴾ أي : الكاملون في الكفر وقوله تعالى :﴿حقاً﴾ مصدر مؤكداً لمضمون الجملة قبله ﴿وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً﴾ أي : ذا إهانة وهو عذاب النار.
النساء 4:152
ولما بين سبحانه وتعالى ما أعده للكافرين بين ما أعده للمؤمنين بقوله تعالى :
﴿والذين آمنوا بالله ورسله﴾ كلهم ﴿ولم يفرّقوا بين أحد منهم﴾ بأن كفروا ببعض وآمنوا ببعض كما فعل الأشقياء منهم وإنما أدخل بين على أحد وهو يقتضي متعدّداً لعمومه من حيث إنه وقع في سياق النفي ﴿أولئك﴾ أي : العالو الرتبة في رتب السعادة ﴿سوف نؤتيهم﴾ بوعد لا خلف فيه وإن تأخر ﴿أجورهم﴾ الموعودة لهم بإيمانهم بالله وكتبه ورسله، وقرأ حفص بالياء على الغيبة، والباقون بالنون ﴿وكان الله غفوراً﴾ لما يريد من الزلات ﴿رحيماً﴾ أي : لمن يريد إسعاده بالجنات.
ونزل لما قال أحبار اليهود للنبيّ صلى الله عليه وسلم إن كنت نبياً فأتنا بكتاب جملة من السماء كما أتى به موسى.
النساء 4:153
﴿يسألك﴾ يا محمد ﴿أهل الكتاب﴾ أي : أحبار اليهود ﴿أن تنزل عليهم كتاباً من السماء﴾ جملة كما أنزل على موسى وقيل : كتاباً محرزاً أي : مجلداً مصوناً بخط سماوي على ألواح كما كانت التوراة، وقيل : كتاباً نعاينه حين ينزل أو كتاباً إلينا بأعياننا بأنك رسول الله قالوا ذلك تعنتاً، قال الحسن : لو سألوا لكي يتبينوا الحق لأعطاهم وفيما آتاهم كفاية. وقوله تعالى :﴿فقد سألوا﴾ أي : آباؤهم ﴿موسى﴾ جواب شرط مقدّر معناه : إنك إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى ﴿أكبر﴾ أي : أعظم ﴿من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة﴾ أي : عياناً وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى عليه الصلاة والسلام وهم النقباء السبعون ؛ لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومضاهين لهم في التعنت ﴿فأخذتهم الصاعقة﴾ أي : عقب هذا السؤال، وهي نار جاءت من السماء فأهلكتهم ﴿بظلمهم﴾ أي : بسببه وهو تعنتهم وسؤالهم لما يستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقاً ﴿ثم﴾ بعد العفو عنهم وإحيائهم من إماتة هذه الصاعقة ﴿اتخذوا العجل﴾ أي : تكلفوا أخذه وجعلوه إلهاً ﴿من بعدما جاءتهم البينات﴾ المعجزات على وحدانية الله تعالى، وليس المراد التوراة ؛ لأنها لم تأتهم فيما مضى بل أتتهم بعد ﴿فعفونا عن ذلك﴾ أي : الذنب العظيم بتوبتنا عليهم من غير استئصالهم ﴿وآتينا موسى سلطاناً﴾ تسليطاً واستيلاءً ﴿مبيناً﴾ أي : ظاهراً، فإنه أمرهم بقتل أنفسهم توبة من عبادة العجل فبادروا إلى الامتثال.
النساء 4:154
﴿ورفعنا فوقهم الطور﴾ أي : الجبل العظيم ﴿بميثاقهم﴾ أي : بسبب أخذ الميثاق عليهم ليخافوا فيقبلوه ﴿وقلنا لهم﴾ على لسان موسى صلى الله عليه وسلم والطور مظلل عليهم ﴿ادخلوا الباب﴾ أي : الذي لبيت المقدس ﴿سجداً﴾ أي : سجود انحناء ﴿وقلنا لهم﴾ أي : على لسان داود ﴿لا تعدوا﴾ أي : لا تتجاوزوا ما حددناه لكم ﴿في السبت﴾ أي : لا تعملوا فيه عملاً من الأعمال تسمية للشيء باسم سببه سمي عدواً ؛ لأنّ العامل للشيء يكون لشدّة إقباله عليه كأنه يعدو، ويحتمل أن يكون ذلك على لسان موسى حين ظلل عليهم الجبل، فإنه شرع السبت أي : ترك العمل فيه ولكن كان الاعتداء في السبت، والمسخ به في زمن داود. وقرأ ورش بفتح العين مع تشديد الدال وقرأ قالون باختلاس حركة العين مع تشديد الدال، والباقون بسكون العين وتخفيف الدال، ﴿وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً﴾ على ذلك وهو قولهم سمعناه وأطعنا، ومعاهدتهم على أن يقيموا عليه.
النساء 4:155
نقضوه بعد، كما قال تعالى :
﴿فيما نقضهم﴾ أي : فبنقضهم وما مزيدة للتوكيد، والباء للسببية متعلقة بمحذوف أي : لعناهم بسبب نقضهم ﴿ميثاقهم وكفرهم بآيات الله﴾ أي : القرآن أو بما في كتابهم ﴿وقتلهم الأنبياء بغير حق﴾ فإنهم معصومون من كل نقيصة ومبرؤون من كل ريبة لا يتوجه عليهم حق ﴿وقولهم قلوبنا غلف﴾ أي : أوعية للعلوم أو في أكنة مما تدعونا إليه فلا نعي كلامك ﴿بل طبع الله﴾ أي : ختم ﴿عليها بكفرهم﴾ فلا تعي وعظاً ﴿فلا يؤمنون إلا قليلاً﴾ منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه أو إيماناً قليلاً لا عبرة به بأن يؤمنوا وقتاً يسيراً كوجه النهار ويكفروا في غيره، ويؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض.
النساء 4:156
وقوله تعالى :
﴿وبكفرهم﴾ معطوف على ( فبما نقضهم ) ويجوز عطفه على ( بكفرهم ) وقد تكرر منهم الكفر ؛ لأنهم كفروا بموسى، ثم بعيسى، ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم فعطف بعض كفرهم على بعض وكرر الباء للفصل بينه وبين ما عطف عليه ﴿وقولهم على مريم﴾ أي : بعدما ظهر على يديها من الكرامات الدالة على براءتها وإنها ملازمة للعبادة بأنواع الطاعات ﴿بهتاناً عظيماً﴾ وهو نسبتها إلى الزنا.
فإن قيل : كان مقتضى الظاهر أن يقول : في مريم. أجيب : بأنه ضمن القول معنى الافتراء وهو يتعدّى بعلى.
النساء 4:157
﴿وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله﴾ أي : بمجموع ذلك عذبناهم.
فإن قيل : كانوا كافرين بعيسى أعداء له عامدين لقتله يسمونه الساحر بن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فكيف قالوا : إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله ؟ أجيب : بأنهم قالوه بزعم عيسى عندهم أو إنهم قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون :﴿إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ ( الشعراء، ٢٧ ).
قال الزمخشري : ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى عليه الصلاة والسلام عما كانوا يذكرونه به اه.
قال الله تعالى تكذيباً لهم في قتله ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ أي : المقتول والمصلوب.
روى النسائي عن ابن عباس :( أنّ رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمّه فدعا عليهم فمسخهم الله قردة وخنازير فاجتمعت اليهود على قتله فأخبره الله تعالى بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود فقال لأصحابه : أيكم يرضى أن يلقى الله عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة ؟ فقال رجل منهم : أنا فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب ). وقيل : كان رجلاً ينافق عيسى أي : يظهر له الإسلام ويخفي الكفر فلما أرادوا قتله قال : أنا أدلكم عليه فدخل في بيت عيسى فرفع عيسى عليه الصلاة والسلام، وألقى الله شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى.
وقيل : إنهم حبسوا عيسى عليه الصلاة والسلام في بيت وجعلوا عليه رقيباً فألقى الله شبه عيسى على الرقيب فقتلوه، ﴿وإنّ الذين اختلفوا فيه﴾ أي : في شأن عيسى، فإنه لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس، فقال بعض اليهود : إنه كان كاذباً فقتلناه حقاً، وتردد آخرون، وقال بعضهم : إن كان هذا عيسى، فأين صاحبنا ؟ وقال بعضهم : الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا، وكان الله ألقى شبه وجه عيسى عليه ولم يلق على جسده، وقال : من سمع من عيسى إنّ الله يرفعني إلى السماء إنه رفعه إلى السماء : وقال قوم : صلب الناسوت أي : الإنسانية وصعد اللاهوت أي : الألوهية ﴿لفي شك منه﴾ أي : من قتله ﴿ما لهم به﴾ أي : بقتله ﴿من علم﴾ وقوله تعالى :﴿إلا إتباع الظن﴾ استثناء منقطع أي : لكن يتبعون فيه الظنّ الذي تخيلوه.
فإن قيل : قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين ثم وصفوا بالظنّ والظنّ أن يترجح أحدهما، فكيف يكونون شاكين ظانين ؟ أجيب : بأنّ الشك كما يطلق على ما لا يترجح أحد طرفيه يطلق على مطلق التردّد وعلى ما يقابل العلم فيشمل الاعتقاد ﴿وما قتلوه﴾ أي : انتفى قتلهم له انتفاء ﴿يقيناً﴾ أي : انتفاؤه على سبيل القطع ويجوز أن يكون حالاً من واو قتلوه أي : ما فعلوا القتل متيقنين أنه عيسى عليه الصلاة والسلام بل فعلوه شاكين، فيه والحق إنهم لم يقتلوا إلا الرجل الذي ألقى عليه شبهه.
م*
قال البقاعي : والوجه الأوّل أولى لقوله تعالى :
﴿بل رفعه الله إليه﴾ أي : إلى مكان لا يصل إليه حكم آدمي، م*
قال البقاعي : والوجه الأوّل أولى لقوله تعالى :
﴿بل رفعه الله إليه﴾ أي : إلى مكان لا يصل إليه حكم آدمي،
النساء 4:158
وعن وهب : إنه أوحي إليه وهو ابن ثلاثين سنة ورفع وهو ابن ثلاث وثلاثين، فكانت رسالته ثلاث سنين ﴿وكان الله عزيزاً﴾ أي : في ملكه لا يغلب عما يريد ﴿حكيماً﴾ في صنعه لا يطمع أحد في نقص شيء منه.
النساء 4:159
﴿وإن من أهل الكتاب﴾ أي : وما من أهل الكتاب أحد ﴿إلا ليؤمنن به﴾ أي : بعيسى عليه الصلاة والسلام هذا قول أكثر المفسرين وأهل العلم ﴿قبل موته﴾ اختلف في عود هذا الضمير، فقال عكرمة ومجاهد والضحاك : يعود للكتابي أي : إنّ الكتابي يؤمن بعيسى حين يعاين ملائكة الموت فلا ينفعه إيمانه سواء احترق أو غرق أو تردى أو سقط عليه جدار أو أكله سبع أو مات فجأة، فقيل لابن عباس : أرأيت من خرّ من فوق بيت ؟ فقال : يتكلم به في الهوي، فقيل : أرأيت إن ضرب عنق أحدهم ؟ قال : يتلجلج بها لسانه، وذهب قوم إلى عود الضمير إلى عيسى أي : وما من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحد إلا آمن به حتى تكون الملة واحدة ملة الإسلام.
روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يوشك أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكماً عدلاً يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، ويهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويقتل الدجال فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون ).
قال أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم ﴿وإن من أهل الكتاب﴾ الآية ثم أعادها أبو هريرة ثلاث مرّات ولا يعارض هذا ما في مسلم في قصة الدجال إنّ الله يبعث عيسى بن مريم فيطلبه فيهلكه، ثم يلبث الناس بعده سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ؛ لأنّ قوله : ثم يلبث الناس بعده أي : بعد موته فلا معارضة، أو لأنّ السبع محمول على مدّة إقامته بعد نزوله ويكون ذلك مضافاً إلى مكثه فيها قبل رفعه إلى السماء وكان عمره إذ ذاك ثلاثاً وثلاثين سنة على المشهور.
وروى عكرمة : إن الهاء في قوله تعالى :﴿ليؤمنن به﴾ كناية عن محمد صلى الله عليه وسلم يقول : لا يموت كتابي حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل : الهاء راجعة إلى الله عز وجل يقول : وإنّ من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالله عز وجل قبل موته عند المعاينة حين لا ينفعه إيمانه ﴿ويوم القيامة يكون﴾ أي : عيسى على القول الأوّل ﴿عليهم شهيداً﴾ إنه قد بلغهم رسالة ربه وأقرّ بالعبودية على نفسه كما قال تعالى مخبراً عنه :﴿وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم﴾ ( المائدة، ١١٧ ). وكل نبيّ شاهد على أمّته قال تعالى :﴿فكيف إذا جئنا من كل أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ ( النساء، ٤١ ).
النساء 4:160
﴿فيظلم من الذين هادوا﴾ وهو ما تقدّم ذكره من نقضهم الميثاق وبكفرهم بآيات الله وبهتانهم على مريم، وقولهم :﴿إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم﴾ ( النساء، ١٥٧ ).
﴿حرّمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ أي : كان وقع إحلالها لهم في التوراة، ثم حرّمت عليهم وهي التي في قوله تعالى في سورة الأنعام :﴿وعلى الذين هادوا حرّمنا كل ذي ظفر﴾ ( الأنعام، ١٤٦ ).
الآية ﴿وبصدّهم﴾ أي : الناس ﴿عن سبيل الله﴾ أي : دينه، وقوله تعالى :﴿كثيراً﴾ صفة مصدر محذوف أي : صدّاً كثيراً بالإضلال عن الطريق، فمنعوا مستلذات تلك المآكل بما منعوا أنفسهم وغيرهم من لذاذة الإيمان.
النساء 4:161
﴿وأخذهم الربا وقد﴾ أي : والحال إنهم قد ﴿نهوا عنه﴾ في التوراة، فكان محرماً عليهم كما هو محرّم علينا ؛ لأنه قبيح في نفسه مزر بصاحبه، وفي الآية دليل على أنّ النهي للتحريم ﴿وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾ أي : من الرشا في الحكم والمآكل أي : التي كانوا يصيبونها من عوامهم عاقبناهم بأن حرمنا عليهم طيبات، فكانوا كلما ارتكبوا كبيرة حرّم عليهم شيء من الطيبات التي كانت حلالاً لهم قال تعالى :﴿ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون﴾ ( الأنعام، ١٤٦ ).
﴿وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً﴾ أي : مؤلماً دون من تاب وآمن.
النساء 4:162
ولما بين سبحانه وتعالى ما للمطبوع على قلوبهم الغريقين في الكفر من العقاب بين ما لنيري البصائر بالرسوخ في العلم والإيمان من الثواب فقال :
﴿لكن الراسخون﴾ أي : الثابتون المتمكنون ﴿في العلم منهم﴾ أي : من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه ﴿والمؤمنون﴾ أي : من المهاجرين والأنصار ﴿يؤمنون بما أنزل إليك﴾ أي : القرآن ﴿وما أنزل من قبلك﴾ أي : من سائر الكتب المنزلة وقوله تعالى :﴿والمقيمين الصلاة﴾ نصب على المدح ؛ لأنّ الصلاة لما كانت أعظم دعائم الدين ولذلك كانت ناهية عن الفحشاء والمنكر نصبت على المدح من بين هذه المرفوعات إظهاراً لفضلها.
وحكي عن عائشة رضي الله تعالى عنها وأبان بن عثمان أنّ ذلك غلط من الكاتب ينبغي أن يكتب والمقيمون الصلاة، وكذلك قوله في سورة المائدة :﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ وقوله تعالى :﴿إنّ هذان لساحران﴾ ( طه، ٦٣ ).
قالا : ذلك خطأ من الكاتب، وقال عثمان : إنّ في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، فقيل له : ألا تغيره فقال : دعوه فإنه لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً وعامّة الصحابة وأهل العلم على إنه صحيح كما قدّمناه، وقيل : نصب بإضمار فعل تقديره : أعني المقيمين الصلاة، وقوله تعالى :﴿والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ رجوع إلى النسق الأوّل ﴿أولئك سنؤتيهم﴾ بوعد لا خلف فيه على جمعهم بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح ﴿أجراً عظيماً﴾ وهو الجنة والنظر إلى وجهه الكريم.
النساء 4:163
وقوله تعالى :
﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، واحتجاج عليهم بأنّ شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا، وبدأ بذكر نوح عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه كان أبا البشر مثل آدم عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى :﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ ( الصافات، ٧٧ ) ؛ ولأنه أوّل نبيّ من أنبياء الشريعة وأول نذير على الشرك وأوّل من عذبت أمته لردهم دعوته، وأهلك أهل الأرض بدعائه، وكان أطول الأنبياء عمراً، وجعلت معجزته في نفسه ؛ لأنه عمر ألف سنة فلم ينقص له سن ولم يشب له شعرة ولم تنقص له قوّة ولم يصبر أحد على أذى قومه ما صبر هو على طول عمره ﴿و﴾ كما ﴿أوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق﴾ بني إبراهيم ﴿ويعقوب﴾ بن إسحق ﴿والأسباط﴾ أولاد يعقوب وظاهر هذا أنهم كلهم أنبياء وهو أحد قوليه، والقول الآخر : أن يوسف هو النبي فقط وعلى هذا فالمراد المجموع ﴿وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسليمان وآتينا﴾ أباه ﴿داود زبوراً﴾ قرأ حمزة بضم الزاي مصدر بمعنى مزبوراً أي : مكتوباً، والباقون بالنصب على إنه اسم للكتاب المؤتى، وكان فيه التحميد والتمجيد والثناء على الله عز وجلّ.
كان داود يبرز إلى البرية فيقوم ويقرأ الزبور ويقوم معه علماء بني إسرائيل، فيقومون خلفه، ويقوم الناس خلف العلماء، ويقوم الجن خلف الناس الأعظم فالأعظم، والشياطين خلف الجن، وتجيء الدواب التي في الجبال فيقمن بين يديه تعجباً لما يسمعن منه، والطير ترفرف على رؤوسهم، فلما قارف الذنب لم ير ذلك فقيل له : ذاك أنس الطاعة وهذا وحشة المعصية، قال السيوطي في شرح التنبيه : إنّ الزبور مئة وخمسون سورة ما بين قصار وطوال، والطويلة منها قدر ربع حزب، والقصيرة قدر سورة النصر اه.
وعن أبي موسى قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لو رأيتني البارحة وأنا أسمع لقراءتك لقد أعطيت مزماراً من مزامير داود ). وكان عمر إذا رآه قال : ذكرنا يا أبا موسى فيقرأ عنده، وإنما خص هؤلاء بالذكر مع اشتمال النبيين عليهم تعظيماً لهم.
النساء 4:164
وقوله تعالى :﴿ورسلاً﴾ أي : غير هؤلاء نصب بمضمر دل عليه أوحينا إليك مثل أرسلنا ﴿قد قصصناهم﴾ أي : تلونا ذكرهم ﴿عليك من قبل﴾ أي : قبل إنزال هذه السورة أو هذه الآية ﴿ورسلاً لم نقصصهم عليك﴾ أي : إلى الآن.
روي أنه سبحانه وتعالى بعث ثمانية آلاف نبيّ : أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من سائر الناس، قاله الجلال المحلي في سورة غافر، وقوله تعالى :﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ هو منتهى مراتب الوحي أي : كلمه على التدريج شيئاً فشيئاً بحسب المصالح بغير واسطة ملك، فلا فرق في الوحي بين ما كان بواسطة وبين ما كان بلا واسطة وخص به موسى من بين سائر الأنبياء غير نبينا، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فقد فضله الله بأن أعطاه مثل ما أعطى كل واحد منهم.
النساء 4:165
وقوله تعالى :
﴿رسلاً﴾ بدل من رسلاً قبله ﴿مبشرين﴾ أي : بالثواب من آمن ﴿ومنذرين﴾ أي : مخوّفين بالعذاب من كفر وقوله تعالى :﴿لئلا يكون للناس على الله حجة﴾ متعلق بأرسلنا أو بمبشرين ومنذرين أي : حجة فقال :﴿بعد﴾ إرسال ﴿الرسل﴾ فيقولوا : ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين، فبعثناهم لقطع عذرهم.
فإن قيل : كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل وهم محجوجون بما نصبه الله تعالى من الأدلة التي النظر فيها يوصل إلى المعرفة ؟ أجيب : بأنّ الرسل ينبهون عن الغفلة وباعثون على النظر في الأدلة فإرسالهم ضروري ﴿وكان الله عزيزاً﴾ في ملكه لا يغلب فيما يريده ﴿حكيماً﴾ في صنعه.
روي أن سعد بن عبادة قال : لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( أتعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحبّ إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين ولا أحد أحبّ إليه المدحة من الله ومن أجل ذلك وعد بالجنة ).
النساء 4:166
قال ابن عباس : إن رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد إنا سألنا عنك اليهود وعن صفتك في كتابهم، فزعموا أنهم لا يعرفونك، ودخل عليهم جماعة من اليهود فقال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم :( والله إنكم لتعلمون أني رسول الله ) فقالوا : والله ما نعلم ذلك أنزل الله عز وجل :
﴿لكن الله يشهد﴾ أي : يبيّن نبوّتك ﴿بما أنزل إليك﴾ أي : من القرآن المعجز الدال على نبوّتك إن جحدوك وكذبوك ﴿أنزله﴾ متلبساً ﴿بعلمه﴾ الخاص به وهو العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كل بليغ.
وروي أنه لما نزل ﴿إنا أوحينا إليك﴾ قالوا : ما نشهد لك فنزلت ﴿والملائكة يشهدون﴾ لك أيضاً ﴿وكفى بالله شهيداً﴾ على ذلك بما قام من الحجج على صحة نبوّتك عن الاستشهاد بغيره.
النساء 4:167
﴿إنّ الذين كفروا وصدوا﴾ الناس ﴿عن سبيل الله﴾ أي : دين الإسلام بكتمهم دين محمد صلى الله عليه وسلم وهم اليهود ﴿قد ضلوا ضلالاً بعيداً﴾ عن الحق ؛ لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال، ولأنّ المضل يكون أعرق في الضلال وأبعد من الانقلاع عنه.
النساء 4:168
﴿إنّ الذين كفروا﴾ بالله ﴿وظلموا﴾ نبيه بكتمان نعته ﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾ لكفرهم وظلمهم ﴿ولا ليهديهم طريقاً﴾ من الطرق.
النساء 4:169
﴿إلا طريق جهنم﴾ أي : الطريق المؤدي إليها ﴿خالدين﴾ أي : مقدرين الخلود ﴿فيها﴾ إذا دخلوها وأكد ذلك بقوله :﴿أبداً﴾ لأنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴿وكان ذلك على الله يسيراً﴾ أي : هيّناً لا يصعب عليه ولا يستعظمه.
النساء 4:170
﴿يا أيها الناس قد جاءكم الرسول﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ﴿بالحق من ربكم﴾ لما قرّر من أمر النبوّة وبين الطريق الموصل إلى العلم بها ووعيد من أنكرها خاطب الناس عامة بالدعوة وإلزام الحجة والوعد بالإجابة والوعيد على الرد ﴿فآمنوا﴾ بالله وقوله تعالى :﴿خيراً لكم﴾ وكذلك قوله تعالى فيما يأتي ﴿انتهوا خيراً لكم﴾ ( النساء، ١٧١ ).
منصوب بمضمر وذلك إنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر فقال خيراً لكم أي : اقصدوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث، وهو الإيمان والتوحيد، وقيل : تقديره يكن الإيمان خيراً لكم. قال البيضاوي : ومنعه البصريون ؛ لأنّ كان لا يحذف مع اسمه إلا فيما لا بدّ منه، ولأنه يؤدي إلى حذف الشرط وجوابه اه.
﴿وإن تكفروا﴾ بالله ﴿فإنّ ما في السماوات والأرض﴾ ملكاً وخلقاً، فهو غني عنكم فلا يضره كفركم كما لا ينفعه إيمانكم، ونبّه على غناه بقوله تعالى :﴿ما في السماوات والأرض﴾ وهو يعم ما اشتملتا عليه وما تركبتا منه ﴿وكان الله عليماً﴾ بأحوالكم ﴿حكيماً﴾ أي : فيما دبره لهم.
النساء 4:171
﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا﴾ أي : تجاوزوا الحد ﴿في دينكم﴾ الخطاب للفريقين غلت اليهود في حط عيسى حتى رموه بالزنا، والنصارى في رفعه حتى اتخذوه إلهاً، وقيل : للنصارى خاصة، والمراد بالكتاب الإنجيل، فإنه أوفق لقوله تعالى :﴿ولا تقولوا على الله إلا﴾ القول ﴿الحق﴾ أي : من تنزيهه عن الشريك والولد ﴿إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها﴾ أي : أوصلها ﴿إلى مريم﴾ وجعلها فيها ﴿وروح﴾ أي : ذو روح ﴿منه﴾ لا بتوسط ما يجري مجرى الأصل والمادّة له، وسمى عيسى كلمة الله وكلمة منه ؛ لأنه وجد بكلمته وأمره لا غير من غير واسطة أب ولا نطفة، وقيل له : روح الله وروح منه ؛ لأنه ذو روح وجسد من غير جزء من ذي روح كالنطفة المنفصلة من الأب الحيّ، وإنما اخترع اختراعاً من عند الله وقدرته بأن أمر جبريل، فنفخ في جيب درعها، فحملت به فأضيف إلى الله تعالى تشريفاً له، وليس كما زعمتم أنه ابن الله، أو إله معه، أو ثالث ثلاثة ؛ لأنّ الروح مركب، والإله منزه عن التركيب وعن نسبة المركب إليه.
روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّ عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ) ﴿فآمنوا بالله ورسله﴾ أي : عيسى وغيره ولا تؤمنوا ببعض وتكفروا ببعض ﴿ولا تقولوا﴾ كما قالت النصارى : الآلهة ﴿ثلاثة﴾ الله وعيسى وأمه، قال تعالى :﴿انتهوا﴾ عن ذلك وائتوا ﴿خيراً لكم﴾ من ذلك وهو التوحيد ﴿إنما الله إله واحد﴾ أي : لا تعدّد فيه بوجه مّا ﴿سبحانه﴾ تنزيهاً له ﴿أن﴾ أي : عن أن ﴿يكون له ولد﴾ أي : كما قلتم أيها النصارى، فإنّ ذلك يقتضي الحاجة ويقتضي التركيب والمجانسة، ثم علل ذلك بقوله :﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾ خلقاً وملكاً، فلا يتصوّر أن يحتاج إلى شيء منهما، ولا إلى شيء متحيّز فيهما، ولا يصح بوجه أن يكون بعض ما يملكه المالك جزءاً منه وولداً له ؛ لأنّ الملكية تنافي البنوة، وعيسى وأمه كل منهما محتاج إلى ما في الوجود ﴿وكفى با وكيلاً﴾ أي : يحتاج إليه كل شيء ولا يحتاج هو إلى شيء، فهو غني عن الولد، فإنّ الحاجة إليه ليكون وكيلاً لأبيه، والله سبحانه وتعالى قائم بحفظ الأشياء كافٍ في ذلك مستغن عمن يخلفه أو يعينه.
النساء 4:172
روي أنّ وفد نجران قالوا : يا رسول الله لم تعيب صاحبنا ؟ قال :( «ومن صاحبكم ؟ » قالوا : عيسى قال :«وأيّ شيء أقول ؟ » قالوا : تقول إنه عبد الله قال :«إنه ليس بعار أن يكون عبداً لله » قالوا : بلى، فنزل قوله تعالى :
﴿لن يستنكف﴾ ) أي : يتكبر ويأنف ﴿المسيح﴾ أي : الذي زعمتم إنه إله ﴿أن﴾ أي : عن أن ﴿يكون عبد الله﴾ فإنّ عبوديته له شرف يتباهى به وإنما المذلة والاستنكاف في عبودية غيره وقوله تعالى :﴿ولا الملائكة المقرّبون﴾ أي : عند الله عطف على المسيح أي : ولا تستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيداً لله، وهذا من أحسن الاستطراد ذكر للرد على من زعم إنها آلهة أو بنات الله كما ردّ بما قبله على النصارى الزاعمين ذلك المقصود خطابهم، فلا حجة فيه على أن الملائكة أفضل من الأنبياء كما زعمه بعض المعتزلة قائلاً بأنّ المعطوف أعلى درجة من المعطوف عليه.
قال الطيبي : وإنما تنهض الحجة على النصارى إذا سلموا أن الملائكة أفضل من عيسى ودونه خرط القتاد، فكيف والنصارى رفعوا درجة عيسى إلى الإلهية، فظهر أن ذكر الملائكة للاستطراد كما ردّ على النصارى وأنه من باب التتميم لا من باب الترقي اه. أو من باب الترقي في الخلق لا في المخلوق كما قاله البقاعي، قال : لأن الملائكة أعجب خلقاً من عيسى في كونهم ليسوا من ذكر ولا أنثى، ولا ما يجانس عضو البشر فكانوا لذلك أعجب خلقاً من آدم عليه الصلاة والسلام أيضاً أو في القوّة ؛ لأنهم أقوى من عيسى ؛ لأنهم يقتلعون الجبال ويأتون بالمياه العظيمة والعبادات الدائمة المستمرّة ﴿ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر﴾ أي : يطلب الكبر عن ذلك قال الراغب : الاستنكاف تكبر في أنفة والاستكبار بخلافه ﴿فسيحشرهم﴾ أي : المستكبرين وغيرهم ﴿إليه جميعاً﴾ في الآخرة بوعد لا يخلف فيجازيهم.
النساء 4:173
﴿فأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ تصديقاً لإقرارهم بالإيمان ﴿فيوفيهم أجورهم﴾ أي : ثواب أعمالهم ﴿ويزيدهم من فضله﴾ أي : ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ﴿وأما الذين استنكفوا واستكبروا﴾ عن عبادته ﴿فيعذبهم عذاباً أليماً﴾ أي : مؤلماً هو عذاب النار بما وجدوا من لذاذة الترفع والتكبر ﴿ولا يجدون لهم﴾ أي : حالاً ولا مآلاً ﴿من دون الله﴾ أي : غيره ﴿ولياً﴾ يدفعه عنهم ﴿ولا نصيراً﴾ يمنعهم منه.
النساء 4:174
﴿يا أيها الناس﴾ أي : كافة أهل الكتاب وغيرهم ﴿قد جاءكم برهان من ربكم﴾ أي : حجة نيرة واضحة مفيدة لليقين التام وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأدلة القاطعة من المعجزات وغيرها ﴿وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً﴾ أي : واضحاً في نفسه موضحاً لغيره وهو القرآن الجامع بإعجازه وحسن بيانه، فلم يبق لكم عذر ولا علة، وقيل : المراد بالبرهان المعجزات وبالنور القرآن.
النساء 4:175
﴿فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم﴾ أي : بوعد لا خلف فيه ﴿في رحمة منه﴾ أي : ثواب عظيم هو رحمته لهم لا بشيء استوجبوه ﴿وفضل﴾ أي : إحسان زائد عليه ﴿ويهديهم﴾ أي : في الدنيا والآخرة ﴿إليه صراطاً مستقيماً﴾ أي : طريقاً مستقيماً وهو الإسلام والطاعة في الدنيا والجنة في الآخرة.
النساء 4:176
﴿يستفتونك﴾ أي : في الكلالة حذف لدلالة الجواب عليه.
روي أن جابر بن عبد الله قال :( عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصب عليّ من وضوئه فعقلت وقلت : يا رسول الله لمن الميراث وإنما يرثني كلالة ) فنزل :﴿يستفتونك﴾ ﴿قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ وقد تقدّم معنى الكلالة وحكم الآية في أوّل السورة وفي هذه الآية بيان حكم ميراث الأخوة للأب والأم أو للأب، وقوله تعالى :﴿إنّ امرؤ﴾ هو مرفوع بفعل يفسره ﴿هلك﴾ أي : مات ﴿ليس له ولد﴾ أي : ولا والد وهو الكلالة، قال الأصبهاني عن الشعبي : اختلف أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في الكلالة فقال أبو بكر : هو ما عدا الوالد، وقال عمر : ما عدا الوالد والولد ثم قال عمر : إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر وقوله تعالى :﴿وله أخت﴾ يحتمل الحال والعطف والمراد بالأخت الأخت من الأبوين أو الأب لأنه جعل أخوها عصبة والذي لأم لا يكون عصبة والولد يشمل الذكر والأنثى فإنّ الأخت وإن ورثت مع البنت قد لا ترث النصف وذلك عند تعدد البنت ﴿فلها نصف ما ترك وهو﴾ أي : هذا الأخ للميت ﴿يرثها﴾ أي : إن ماتت هي وبقي هو جميع مالها ﴿إن لم يكن لها ولد﴾ فإن كان لها ولد ذكر فلا شيء له أو أنثى فله ما فضل عن نصيبها ولو كانت الأخت أو الأخ من الأم ففرضه السدس كما مرّ أوّل السورة ﴿فإن كانتا﴾ أي : الأختان ﴿اثنتين﴾ أي : فصاعداً لأنها نزلت في جابر وقد مات عن أخوات ﴿فلهما الثلثان مما ترك﴾ أي : الأخ ﴿وإن كانوا﴾ أي : الورثة ﴿إخوة رجالاً ونساءً فللذكر﴾ منهم ﴿مثل حظ الأنثيين يبيّن الله لكم﴾ أي : ولم يكلكم في بيانه إلى بيان غيره، وقال مرغباً مرهباً ﴿أن﴾ أي : كراهة أن ﴿تضلوا﴾ وقيل : لئلا تضلوا فحذف لا وهو قول الكوفيين، وقيل : يبيّن الله لكم ضلالكم أي : الذي من شأنكم أي : إذا خليتم وطباعكم لتحترزوا عنه وتتحروا خلافه ﴿والله بكل شيء عليم﴾ فهو عالم بمصالح العباد في المحيا والممات ومنه الميراث.
روي عن البراء رضي الله تعالى عنه أنه قال : آخر سورة نزلت كاملة براءة، وآخر آية نزلت قال السيوطي أي : من الفرائض خاتمة سورة النساء يستفتونك الآية.
وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن آخر آية نزلت آية الربا، وآخر سورة نزلت :﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ ( النصر، ١ ).
وروي عنه آن آخر آية نزلت قوله تعالى :﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾ ( البقرة ٢٨١ ).
وروي بعدما نزلت سورة النصر عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها عاما، فنزلت بعدها سورة براءة وهي آخر سورة نزلت كاملة فعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها ستة أشهر ثم نزل في طريق حجة الوداع ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ فسميت آية الصيف ثم نزل هو واقف بعرفة :﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ فعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها إحدى وثمانين يوما، ثم نزلت آية الربا، ثم نزلت :﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾ ( البقرة، ٢٨١ ) فعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها أحدا وعشرين يوما، وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم :( من قرأ سورة فكأنما تصدق على كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ورث ميراثا، وأعطي من الأجر كمن اشترى محررا أي : رقيقا وحرره، وبرئ من الشرك، وكان في مشيئة الله تعالى من الذين يتجاوز عنهم )، حديث موضوع.
المائدة 5:1
﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ أي : التي عقدها الله تعالى على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف وما يعقدون بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به أو يحسن إن حملنا الأمر على المشترك بين الوجوب والندب والعقد العهد الموثق شبه بعقد الحبل ونحوه قول الحطيئة :
قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم؍ شدّوا العِناجَ وشدوا فوقه الكرَبَا؍
والعناج حبل يشدّ في أسفل الدلو ثم يشدّ إلى العراقي ليكون عوناً له، والكرب الحبل الذي يشدّ في وسط العراقي والعرقوتان الخشبتان المعترضتان على الدلو كالصليب وقوله تعالى :﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ تفصيل للعقود لأنّ العقود مجملة فهو شامل لجميع العقود لأنّ ذلك أمهات التكاليف وجميع ما في هذه السورة من الأحكام تفصيل لذلك.
فائدة : روي عن ابن مسعود قال : أنزل الله تعالى في هذه السورة ثمانية عشر حكماً لم ينزلها في غيرها قوله تعالى :﴿والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام﴾ ﴿وما عملتم من الجوارح مكلبين﴾ ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ وتمام الطهر في قوله تعالى :﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ ﴿والسارق والسارقة﴾ ﴿ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ الآية ﴿وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ ( المائدة، ١٠٣ ) وقوله تعالى :﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ وزيد عليها تاسع عشر وهو قوله تعالى :﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة﴾ ليس للآذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة وأما في سورة الجمعة فهو مخصوص بالجمعة وهو في هذه السورة عام في جميع الصلوات والبهيمة كل حيّ لا يميز أي : من شأنه أنه لا يميز فلا يدخل في ذلك المجنون ونحوه، والأنعام : الإبل والبقر والغنم وهي الأزواج الثمانية وألحق بها الظباء وبقر الوحش.
تنبيه : إضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان كقولك : ثوب خز ومعناه البهيمة من الأنعام.
فإن قيل : لم أفرد البهيمة وجمع الأنعام ؟ أجيب : بإرادة الجنس وقوله تعالى :﴿إلا ما يتلى عليكم﴾ أي : تحريمه في قوله تعالى :﴿حرّمت عليكم الميتة﴾ الآية استثناء منقطع ويجوز أن يكون متصلاً والتحريم عرض من الموت ونحوه وقوله تعالى :﴿غير محلي الصيد﴾ حال من ضمير لكم وقوله تعالى :﴿وأنتم حرم﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من الضمير في محل جمع حرام وهو المحرم ﴿إنّ الله يحكم ما يريد﴾ من تحليل وتحريم وغيرهما على سبيل الإطلاق لا يجب عليه مراعاة مصلحة ولا حكمة كما تقوله المعتزلة، فلا يسأل عن تخصيص ولا تفصيل فما فهمتم حكمته فذاك ومالا فكلوه إليه وارغبوا في أن يلهمكم حكمته.
المائدة 5:2
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله﴾ جمع شعيرة : وهي اسم ما أشعر أي : جعل شعاراً وعلماً للنسك من مواقف الحج ومرامي الجمار والمطاف والمسعى والأفعال التي هي علامات الحاج، يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر، وقيل : معالم دينه، وقيل : فرائضه التي حدّها لعباده ﴿ولا﴾ تحلوا ﴿الشهر الحرام﴾ أي : بالقتال فيه قال تعالى :﴿إنّ عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم﴾ ( التوبة، ٣٦ ) وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، فيجوز أن يكون ذلك إشارة إلى جميع هذه الأشهر كما يطلق اسم الواحد على الجنس لأنّ الأشهر كلها في الحرمة سواء، ولكن قال الزمخشريّ : والشهر الحرام شهر الحج ﴿ولا﴾ تحلوا ﴿الهدى﴾ أي : بالتعرّض له وهو ما أهدى إلى الحرم من النعم ﴿ولا﴾ تحلوا ﴿القلائد﴾ أي : صاحب القلائد من الهدى، وعبر بها مبالغة في تحريمها أو القلائد أنفسها، والنهي عن إحلالها مبالغة في النهي عن التعرّض للهدى، والقلائد جمع قلادة وهي ما قلّد به الهدى من نعل أو غيره ليعلم به أنه هدى فلا يتعرّض له ﴿ولا﴾ تحلوا ﴿آمّين﴾ أي : قاصدين ﴿البيت الحرام﴾ لزيارته أي : بأن تقاتلوهم.
﴿يبتغون فضلاً من ربهم﴾ وهو الثواب ﴿ورضواناً﴾ أي : وأن يرضى عنهم والجملة في موضع الحال من المستكن في آمين، أي : لا تتعرضوا لقومٍ هذه صفتهم تعظيماً لهم واستنكاراً أن يتعرّض لمثلهم، وقيل : معناه يبتغون من الله رزقاً بالتجارة ورضواناً بزعمهم لأنهم كانوا يظنون ذلك فوصفوا به بناء على ظنهم ولأنّ الكافر لا نصيب له في الرضوان كقوله تعالى :﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ ( الدخان، ٤٩ ) قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : كان المسلمون والمشركون يحجون جميعاً فنهى الله تعالى المسلمين أن يمنعوا أحداً عن حج البيت بقوله تعالى :
﴿لا تحلوا شعائر الله﴾ فعلى الأوّل الآية محكمة قال الحسن : ليس في المائدة منسوخ، وعلى الثاني قال البيضاوي : فالآية منسوخة أي : لما فيها من حرمة القتال في الشهر الحرام، ومن حرمة منع المشركين عن المسجد الحرام والأوّل منسوخ بقوله تعالى :﴿اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ ( التوبة، ٥ ) والثاني بقوله تعالى :﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ( التوبة، ٢٨ ) فقوله : منسوخ منزل على هذا، لكن إذا قلنا بشمول آمين للمسلمين والمشركين إنما يكون النسخ في حق المشركين خاصة وهو في الحقيقة تخصيص لا نسخ ففي تسميته نسخاً تسمح، وقرأ شعبة بضم الراء والباقون بالكسر.
﴿وإذا حللتم﴾ أي : من الإحرام وقوله تعالى :﴿فاصطادوا﴾ أمر إباحة أباح لهم الاصطياد بعد حظره عليهم كأنه قيل : وإذا حللتم فلا جناح عليكم أن تصطادوا كما في قوله تعالى :﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ ( الجمعة، ١٠ ) ﴿ولا يجرمنكم﴾ أي : يحملنَّكم أو يكسبنَّكم ﴿شنآن قوم﴾ أي : شدّة بغضهم، وقرأ ابن عامر وشعبة بسكون النون بعد الشين والباقون بنصبها وقوله تعالى :﴿أن صدّوكم﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الهمزة على أن الشرطية والباقون بفتحها أي : لأجل أن صدوكم في عام الحديبية أو غيره ﴿عن المسجد الحرام﴾ وقوله تعالى :﴿أن تعتدوا﴾ أي : يشتد عدْوُكم عليهم بأن تنتقموا منهم بالقتل وغيره، ثاني مفعولي يجرمنكم فإنه يتعدّى إلى واحد وإلى اثنين ككسب ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ أي : بفعل ما أمرتم به ﴿ولا تعاونوا﴾ فيه حذف إحدى التاءين في الأصل ﴿على الإثم﴾ أي : المعاصي للتشفي ﴿والعدوان﴾ أي : التعدي في حدود الله للانتقام ﴿واتقوا الله﴾ أي : خافوا عقابه بأن تطيعوه ﴿إنّ الله شديد العقاب﴾ لمن خالفه فانتقامه أشد.
المائدة 5:3
وقوله تعالى :
﴿حرمت عليكم الميتة﴾ أي : أكلها بيان ما يتلى عليكم والميتة ما فارقته الروح من غير ذكاة شرعية ﴿والدم﴾ أي : المسفوح قال تعالى :﴿أو دماً مسفوحاً﴾ وكان أهل الجاهلية يصبونه في الأمعاء ويشوونها ﴿ولحم الخنزير﴾ قال العلماء : الغذاء يصير جزءاً من جوهر المتغذي ولا بد أن يحصل للمتغذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلاً في الغذاء، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في المنهيات فحرّم أكله على الإنسان لئلا يتكيّف بتلك الكيفية، ولذلك إن الفرنج لما واظبوا على أكل لحم الخنزير أورثهم الحرص العظيم والرغبة الشديدة في المنهيات، وأورثهم عدم الغيرة فإنّ الخنزير يرى الذكر من الخنازير ينزو على الأنثى التي له ولا يتعرّض له لعدم الغيرة.
﴿وما أهل لغير الله به﴾ أي : رفع الصوت به لغير الله بأن ذبح على اسم غيره، والإهلال : رفع الصوت ومنه يقال : فلان أهل بالحج إذا لبى وكانوا يقولون عند الذبح : باسم اللات والعزى، قال ابن عادل : وقدم هنا لفظ الجلالة في قوله لغير الله به وأخرت في البقرة لأنها هناك فاصلة أو تشبه الفاصلة بخلافها هنا لأنّ بعدها معطوفات ﴿والمنخنقة﴾ وهي التي ماتت بالخنق سواء أفعل بها ذلك آدميّ أم اتفق لها ذلك ﴿والموقوذة﴾ وهي التي وقذت أي : ضربت حتى ماتت ويدخل في الموقوذة ما رمي بالبندق فمات ﴿والمتردّية﴾ أي : الساقطة من علو بان سقطت من جبل أو مشرف أو في بئر فماتت، ولو رمى صيداً في الهواء بسهم فأصابه فسقط على الأرض ومات حلّ لأنّ الوقوع على الأرض من ضرورته وإن سقط على جبل أو شجر ثم تردى منه فمات لم يحل لأنه من المتردية إلا أن يكون السهم ذبحه في الهواء فيحل كيفما وقع لأنّ الذبح قد حصل قبل التردية.
تنبيه : دخلت الهاء في هذه الكلمات لأنّ المنخنقة هي الشاة المنخنقة كأنه قيل : حرّمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة والمتردية وخصَّت الشاة لأنها من أعمّ ما يأكل الناس والكلام يُخرّج على الأعمّ ويكون المراد الكل وأما الهاء في قوله تعالى :﴿والنطيحة﴾ وهي التي تنطحها أخرى فتموت فِللْنَّقل من الوصفية إلى الاسمية وإلا فكان من حقها أن لا تدخلها تاء التأنيث كقتيل وجريح، وما في قوله تعالى :﴿وما أكل السبع﴾ بمعنى الذي وعائده محذوف أي : وما أكله السبع ولا بد من حذف، ولهذا قال الزمخشريّ : وما أكل بعضه السبع وهذا يدل على أنّ جوارح الصيد إذا أكلت ما اصطادته لم يحل أكله.
وقوله تعالى :﴿إلا ما ذكيتم﴾ استثناء متصل أي : إلا ما أدركتم ذكاته وصار فيه حياة مستقرة من ذلك فهو حلال، وقيل : الاستثناء مخصوص بما أكل السبع وقيل : الاستثناء منقطع أي : ولكن ما ذكيتم من غيرها فحلال أو فكلوه، وكأنّ هذا القائل رأى أنها وصلت بهذه الأسباب إلى الموت أو إلى حالة قريبة منه فلم تفد تذكيتها عنده شيئاً، وقيل : الاستثناء من التحريم لا من المحرّمات أي : حرّم عليكم ما مضى إلا ما ذكيتم فإنه لكم حلال فيكون الاستثناء منقطعاً أيضاً، وأقلّ الذكاة في الحيوان المقدور عليه قطع الحلقوم والمريء وكمالها أن يقطع الودجين معهما، وهما عرقان في صفحتي العنق ويجوز بكل محدد يجرح من حديد أو قصب أو زجاج أو غيره إلا السن والظفر لقوله صلى الله عليه وسلم :( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ليس السن والظفر ).
وقوله تعالى :﴿وما ذبح على النصب﴾ في محل رفع عطفاً على الميتة أي : وحرم عليكم ذلك والنصب واحد الأنصاب، وهي حجارة، كانت حول الكعبة يذبح عليها تقرباً إليها وتعظيماً لها، وقيل : هي الأصنام لأنها تنصب لتعبد، وعلى : بمعنى اللام أو على أصلها بتقدير وما ذبح مسمى على الأنصاب، وقيل : هو جمع والواحد نصاب ويدل للأوّل قول الأعشى :
وذا النصب المنصوب لا تعبدنه؍ ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا؍
وقوله تعالى :﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ في محل رفع أيضاً فكان عطفاً على الميتة أي : وحرم عليكم ذلك والأزلام جمع زُلَم بفتح الزاي وضمها مع فتح اللام قِدح بكسر القاف صغير وهو سهم لا ريش له ولا نصل، وذلك إنهم كانوا إذا قصدوا فعلاً ضربوا ثلاثة أقداح مكتوب على أحدها أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، والثالث غفل أي : لا سمة عليه فإن خرج الأمر مضوا على ذلك وإن خرج الناهي تجنبوا عنه وإن خرج الغفل أداروها ثانياً، فمعنى الاستقسام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم بالأزلام، وقيل : هو قسمة الجزور بالأقداح على الأنصباء المعلومة.
وقوله تعالى :﴿ذلكم فسق﴾ إشارة إلى ما ذكر تحريمه أي : خروج عن الطاعة، وقيل : إشارة إلى الاستقسام وكونه فسقاً ؛ لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر بعلمه علام الغيوب، وقد قال تعالى :﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ ( النمل، ٦٥ ) وضلال باعتقاد أنّ ذلك طريق إليه وقوله : أمرني ربي ونهاني ربي افتراء على الله عز وجل إن كان أراد بربي الله وما يدريه إنّ الله أمره أو نهاه، فالكهنة والمنجمون بهذه المثابة، وجهالة وشرك إن أراد به الصنم.
وقوله تعالى :﴿اليوم﴾ لم يرد به يوماً بعينه وإنما أراد الحاضر وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية، وقيل : الألف واللام للعهد، قيل : أراد يوم نزولها، وقيل : نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع، وقيل : هو يوم دخوله صلى الله عليه وسلم مكة سنة تسع، وقيل : ثمان، وقوله تعالى :﴿يئس الذين كفروا من دينكم﴾ فيه قولان أحدهما : يئسوا من أن يحلوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله تعالى محرمة، والثاني : يئسوا من أن يغلبوكم على دينكم فترتدّوا عنه بعد طمعهم في ذلك، لما رأوا من قوته ؛ لأنه تعالى كان وعد بإعلاء هذا الدين على كل الأديان بقوله تعالى :﴿ليظهره على الدين كله﴾ ( التوبة، ٣٣ ) فحقق ذلك النصر وأزلل الخوف ﴿فلا تخشوهم﴾ أن يظهروا عليكم ﴿واخشون﴾ أجمع القرّاء السبعة على حذف الياء بعد النون لحذفها في الرسم أي : واخلصوا الخشية لي وحدي فإنّ دينكم قد اكتمل بدره وجل عن انمحاق محله وقدره ورضي به الآمر ومكّنه على رغم أنوف الأعداء وهو قادر وذلك قوله تعالى مسوقاً مساق التعليل :
﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ أي : الذي أرسلت به أكمل خلقي محمداً صلى الله عليه وسلم نزلت هذه الآية يوم الجمعة يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع والنبيّ صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء فكادت عضد الناقة تندق من ثقلها فبركت، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنّ رجلاً من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين آية من كتابكم تقرأونها لو علينا معاشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً قال : أي أية ؟ قال :﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ قال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي أنزلت فيه على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة، أشار عمر إلى أنّ ذلك اليوم كان عيداً، قال ابن عباس : كان ذلك اليوم خمسة أعياد جمعة وعرفة وعيد اليهود وعيد النصارى والمجوس، ولم يجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده.
وروي أنها لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله تعالى عنه فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم :«ما يبكيك يا عمر ؟ » قال : أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا فإذا كمل فلم يكمل شيء إلا نقص قال :«صدقت »، فكانت هذه الآية نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش بعدها أحداً وثمانين يوماً ومات يوم الإثنين بعدما زاغت الشمس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة من الهجرة. وقيل : توفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأوّل وكانت هجرته في الثاني عشر منه، فقوله تعالى :﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ أي : الفرائض والسنن والحدود والجهاد والحلال والحرام فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض وهذا معنى قول ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وقتادة : اليوم أكملت لكم دينكم فلم يحج معكم مشرك، وقيل : أظهرت دينكم وأمتكم من عدوّكم.
فإن قيل : قوله تعالى :﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ يقتضي أنّ الدّين كان ناقصاً قبل ذلك وذلك يوجب أنّ الدين الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم أكثر عمره كان ناقصاً، وإنما وجد الدّين الكامل في آخر عمره مدّة قليلة. أجيب : بأنّ الدين لم يكن ناقصاً بل كان أبداً كاملاً وكانت الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت كافية في ذلك الوقت، إلا أنه تعالى كان عالماً في أوّل وقت المبعث بأنّ ما هو بعد العدم وأمّا في آخر زمان المبعث فأنزل شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة فالشرع أبداً كان كاملاً إلا أنّ الأوّل كمال إلى زمان مخصوص، والثاني كمال إلى يوم القيامة فلهذا قال : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي بإكماله، وقيل : بدخول مكة آمنين ورضيت أي : اخترت لكم الإسلام ديناً من بين الأديان، وهو الذي عند الله لا غير قال الله تعالى :﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه﴾ ( آل عمران، ٨٥ ). وقوله تعالى :﴿فمن اضطرّ﴾ متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض بما يوجب التجنب عنها وهو إن تناولها فسوق وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة التامّة والإسلام المرضي، والمعنى : فمن اضطرّ إلى تناول شيء من هذه المحرمات ﴿في مخمصة﴾ أي : مجاعة ﴿غير متجانف﴾ أي : مائل ﴿لإثم﴾ أي : معصية بأن يأكل ذلك تلذّذاً ومجاوزاً حدّ الرخصة كقوله تعالى :﴿غير باغ ولا عاد﴾ ( البقرة، ١٧٣ ) ﴿فإنّ الله غفور﴾ له ما أكل ﴿رحيم﴾ به في إباحته فلا يؤاخذه ومن المائل إلى الإثم قاطع الطريق ونحوه فلا يحل له الأكل مما ذكر قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر نون فمن اضطرّ في الوصل والباقون بالضم.
المائدة 5:4
﴿يسألونك﴾ يا محمد ﴿ماذا أحل لهم﴾ من الطعام وإنما أتى بقوله لهم بلفظ الغيبة لتقديم ضمير الغيبة في قوله تعالى :﴿يسألونك﴾ ولو قيل في الكلام : ماذا أحلّ لنا لكان جائزاً على حكاية الجملة كقولك : أقسم زيد ليضربن ولأضربن بلفظ الغيبة والتكلم، إلا أنّ ضمير المتكلم يقتضي حكاية ما قالوه كما أن لأضربن يقتضي حكاية الجملة المقسم عليها وماذا مبتدأ وأحلّ لهم خبره كقولك : أي شيء أحلّ لكم منها ؟ فقال تعالى :﴿قل﴾ لهم ﴿أحلّ لكم الطيبات﴾ أي : ما ليس بخبيث منها وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد ولا مستقذر من ذي الطباع السليمة، وهذا يشمل كل ما ذبح وهو مأذون في ذبحه مما كانوا يحرّمونه على أنفسهم من السائبة وما معها وكل ما أذن فيه من غير ذبح كحيوان البحر وما أذن فيه من غير المطاعم.
وقوله تعالى :﴿وما علمتم من الجوارح﴾ معطوف على الطيبات أي : أحلّ لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف للعلم به والجوارح جمع جارحة من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والباز والشاهين، والهاء للمبالغة سميت ؛ بذلك ؛ لأنّ الجرح الكسب لأنها تكسب الصيد، ومنه قوله تعالى :﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ ( الأنعام، ٦٠ ) أي : كسبتم أو لأنها تجرح الصيد غالباً، وقوله تعالى :﴿مكلبين﴾ حال من ضمير علمتم أي : حال كونكم معلّمين هذه الكواسب الصيد والمكلب المؤدّب الجوارح ومغريها مأخوذ من الكلب بسكون اللام وهو الحيوان النابح ؛ لأنّ التأديب أكثر ما يكون في الكلاب فأخذ من لفظه لكثرته في جنسه أو لأنّ السبع يسمى كلباً ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في عتبة بن أبي لهب حين أراد سفر الشام فغاظ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال النبيّ :( اللهمّ سلّط عليه كلباً من كلابك ) فأكله الأسد، وقوله تعالى :﴿تعلمونهنّ﴾ حال ثانية من ضمير علمتم أو استئناف.
فإن قيل : ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم ؟ أجيب : بأنّ فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح فقيهاً عالماً بالشرائط المعتبرة في الشرع لحل الصيد، وفي هذا فائدة جليلة وهي أنّ على كل طالب لشيء أن لا يأخذه إلا من أجلّ العلماء به وأشدّهم دراية له وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج في ذلك إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل فكم من أخذ من غير متقن قد ضيّع أيامه وعض عند لقاء التحارير أنامله ﴿مما علمكم الله﴾ أي : من علم التكليب لأنه إلهام من الله تعالى أو مكتسب بالعقل الذي هو منحة منه أو مما علمكم الله أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وانزجاره بزجره وانصرافه بدعائه وإمساك الصيد عليه وأن لا يأكل منه. ﴿فكلوا مما أمسكن﴾ أي : الجوارح مستقرّاً إمساكها ﴿عليكم﴾ أي : على تعليمكم وإن قتلته بأن لم تأكل منه بخلاف غير المعلّمة فلا يحل صيدها وشروط التعليم فيها ثلاثة أشياء : إذا أرسلت استرسلت، وإذا زجرت انزجرت، وإذا أخذت الصيد أمسكته ولم تأكل منه، وأقل ما يعرف به ذلك ثلاث مرات فإن أكلت منه فليس مما أمسكن على صاحبها فلا يحل أكله كما في حديث الصحيحين، وإن أكل منه فلا تأكل، منه إنما أمسك على نفسه. وعن علي رضي الله تعالى عنه : إذا أكل البازي فلا تأكل وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء وبعضهم لا يشترط ذلك في سباع الطير ؛ لأن تأدبها إلى هذا الحدّ متعذر وقال آخرون : لا يشترط مطلقاً وفي هذا الحديث إنّ صيد السهم إذا أرسل وذكر اسم الله عليه كصيد المعلم من الجوارح.
﴿واذكروا اسم الله عليه﴾ في هذه الكناية ثلاثة أوجه أحدها : أنها تعود إلى المصدر المفهوم من الفعل وهو الأكل كأنه قيل : واذكروا اسم الله عليه على الأكل ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم :( سمّ الله وكل مما يليك ) الثاني : إنها تعود إلى ما علمتم أي : اذكروا اسم الله على الجوارح عند إرسالها على الصيد ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم :( إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه ) الثالث : إنها تعود إلى ما أمسكن أي : اذكروا اسم الله تعالى على ما أدركتم ذكاته مما أمسكت عليكم الجوارح ﴿واتقوا الله﴾ أي : في محرماته ﴿إنّ الله سريع الحساب﴾ فيؤاخذكم بما جل ودق.
المائدة 5:5
وقوله تعالى :
﴿اليوم﴾ الكلام فيه كالكلام فيما قبله ﴿أحلّ لكم الطيبات﴾ أي : المستلذات ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾ أي : ذبائح اليهود والنصارى، ومن دخل في دينهم قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ﴿حل﴾ أي : حلال ﴿لكم﴾ فأمّا من دخل في دينهم بعد المبعث فلا تحل ذبيحتهم، ولو ذبح يهوديّ أو نصرانيّ على اسم غير الله تعالى كالنصراني يذبح على اسم المسيح لم تحل ذبيحته، وأما المجوس فقد سنّ بهم سنة أهل الكتاب في تقريرهم بالجزية دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، قال صلى الله عليه وسلم :( سنّوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم ) رواه الإمام مالك ﴿وطعامكم﴾ إياهم ﴿حل لهم﴾ فلا عليكم أن تطعموهم ولا تبيعوه منهم ولو حرم عليهم لم يجز ذلك.
﴿والمحصنات من المؤمنات﴾ أي : الحرائر ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ وهم اليهود والنصارى أي : حل لكم أن تنكحوهنّ وإن كنّ حربيات. وقال ابن عباس : لا تحل الحربيات وأما الإماء المسلمات فيحل نكاحهنّ في الجملة بخلاف الإماء الكتابيات فلا يحل نكاحهنّ عندنا ويحل عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
﴿إذا آتيتموهنّ أجورهنّ﴾ أي : مهورهنّ فتقييد الحلّ بإتيانها لتأكيد وجوبها والحث على الأولى وإنّ من تزوّج امرأة وعزم أن لا يعطي صداقها كان في صورة الزاني، وورد فيه حديث وتسميته بالأجر يدل على أنه لا حدّ لأقلّه كما إن أقل الأجر في الإجارة لا يتقدّر ﴿محصنين﴾ أي : قاصدين الإعفاف والعقاب. وقيل : متزوّجين ﴿غير مسافحين﴾ أي : معلنين بالزنا بهنّ ﴿ولا متخذي أخدان﴾ أي : مسرّين بالزنا منهنّ، والخدن الصديق يقع على الذكر والأنثى قال الشعبي : الزنا ضربان : السفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان واتخاذ الخدن وهو الزنا سراً والله تعالى حرمهما في هذه الآية وأباح التمتع بالمرأة على جهة الإحصان وهذه الآية مخصصة لقوله تعالى :﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ﴾ ( البقرة، ٢٢١ ) فبقي على التحريم ما تضمنته تلك ما عدا الكتابيات من الوثنيات وغيرهنّ من جميع المشركات، حتى المنتقلة من الكتابيات من دينها إلى غير دين الإسلام، وقرأ الكسائي بكسر صاد المحصنات والباقون بنصبها.
وقوله تعالى :﴿ومن يكفر بالإيمان﴾ اختلف المفسرون في معناه فقال ابن عباس ومجاهد : ومن يكفر بالإيمان أي : بالله الذي يجب الإيمان به وإنما حسن هذا المجاز ؛ لأنه يقال : رب الإيمان ورب الشيء على سبيل المجاز، وقال الكلبي : ومن يكفر بالإيمان أي : بكلمة التوحيد وهي شهادة أن لا إله إلا الله لأنّ الإيمان من لوازمها وإطلاق الشيء على لازمه مجاز مشهور، وقال قتادة : إنّ ناساً من المسلمين قالوا : كيف نتزوّج نساءهم مع كونهم على غير ديننا ؟ فأنزل الله هذه الآية :﴿ومن يكفر﴾ بما أنزل الله في القرآن فهو كذا وكذا فسمي القرآن إيماناً ؛ لأنه مشتمل على بيان كل ما لا بد منه في الإيمان، والمراد من ذلك أن يأتي بشيء يصير به مرتداً ﴿فقد حبط﴾ أي : فسد ﴿عمله﴾ الصالح قبل ذلك إن اتصل ذلك بالموت بدليل قوله تعالى :﴿وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ وقوله تعالى في آية أخرى :﴿فيمت وهو كافر﴾ ( البقرة، ٢١٧ ) أمّا من أسلم قبل الموت فإنّ ثوابه يفسد دون عمله فلا يجب عليه إعادة حج قد فعله ولا صلاة قد صلاها قبل الردّة.
المائدة 5:6
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ أي : أردتم القيام إليها كقوله تعالى :﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ ( النحل، ٩٨ ) عبرّ عن إرادة الفعل بالفعل المسبب عنها للإيجاز والتنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة، وظاهر الآية الكريمة يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثاً، لكن صدّ عنه الإجماع لما روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى الخمس بوضوء واحد يوم الفتح فقال له عمر : صنعت شيئاً لم تكن تصنعه فقال :«عمداً فعلته »، فقيل : هو مطلق أريد به التقييد والمعنى : إذا قمتم إلى الصلاة محدثين وقيل : الأمر فيه للندب وقيل : كان ذلك أوّل الأمر ثم نسخ قال البيضاوي : وهو ضعيف لقوله صلى الله عليه وسلم ( المائدة من آخر القرآن نزولاً فأحلوا حلالها وحرموا حرامها ) ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ أي : أمروا الماء عليها، ولا يجب الدّلك خلافاً لمالك رضي الله تعالى عنه ﴿و﴾ اغسلوا ﴿أيديكم إلى المرافق﴾ أي : معها إن وجدت وقدرها إن فقدت، لما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ) الخ. . وللإجماع أو أن إلى في الآية بمعنى مع كما في قوله تعالى :﴿من أنصاري إلى الله﴾ ( آل عمران، ٥٢ ) ويزدكم قوّة إلى قوّتكم أو يجعل اليد التي هي حقيقة إلى المنكب مجازاً إلى المرفق مع جعل إلى غاية للغسل الداخلة هنا في المغيّا بقرينة الإجماع والاحتياط للعبادة، والمعنى اغسلوا أيديكم من رؤوس الأصابع إلى المرافق، أو تجعل باقية على حقيقتها إلى المنكب مع جعل إلى غاية للترك المقدّر فتخرج الغاية والمعنى اغسلوا أيديكم واتركوا منها إلى المرافق، والمرافق جمع مرفق بفتح الميم وكسر الفاء على الفصيح من اللغة وهو مفصل ما بين العضد والمعصم ولو قطع بعض ما يجب غسله وجب غسل الباقي ؛ لأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، وإن قطع من المرفق فإن سلّ عظم الذراع وبقي العظمان المسميان برأس العضد وجب غسل رأس عظم العضد ؛ لأنه من المرفق وهو مجموع العظمين والإبرة الداخلة بينهما وإن قطع من فوق المرفق ندب غسل باقي عضده.
﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ أي : ببعضها. لما روى مسلم :( إنه صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعلى عمامته ) واكتفى بمسح البعض لأنه المفهوم من المسح عند إطلاقه ولم يقل أحد بوجوب خصوص الناصية وهي الشعر الذي بين النزعتين والاكتفاء بها يمنع وجوب الاستيعاب ويمنع وجوب التقدير بالربع أو أكثر لأنها دونه والباء إذا دخلت على متعدّد كما في الآية تكون للتبعيض أو على غيره كما في قوله تعالى :﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ ( الحج، ٢٩ ) تكون للإلصاق.
فإن قيل : صيغة الأمر بمسح الرأس والوجه في التيمم واحدة فهلا أوجبتم التعميم أيضاً ؟ أجيب : بأن المسح ثم بدل للضرورة فاعتبر ببدله ومسح الرأس أصل فاعتبر لفظه.
فإن قيل : المسح على الخف بدل فهلا وجب تعميمه كمُبْدَله ؟ أجيب : بقيام الإجماع على عدم وجوبه، ولا فرق بين أن يمسح على بشرة الرأس أو شعرها ولو شعرة واحدة في حدّ الرأس ؛ لأنّ ذلك يصدق عليها مسمى الرأس عرفاً إذ الرأس اسم لما رأس وعلا وقوله تعالى :﴿وأرجلكم﴾ قرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي بنصب اللام عطفاً على وجوهكم. وقيل : على أيديكم والباقون بالكسر على الجوار ومنهم من عطف على المجرور على قراءة الجرّ والممسوح ليفيد مسح الخف، وعطف على المنصوب على قراءة النصف على المغسول ليفيد غسل الرجل المتجرّدة منه فيفيد كل من القراءتين غير ما أفادته الأخرى وقوله تعالى :﴿إلى الكعبين﴾ وهم العظمان الناتئان في كل رجل من جانبين عند مفصل الساق والقدم دل على دخولهما في الغسل ما دل على دخول المرفقين فيه وقد مرّ.
تنبيه : الفصل بين الأيدي والأرجل المغسولة بالرأس الممسوح فيه دليل على وجوب الترتيب في طهارة هذه الأعضاء وعليه الشافعيّ رضي الله تعالى عنه ولو قطع بعض القدم وجب غسل الباقي وإن قطع فوق الكعب فلا فرض عليه، وندب غسل الباقي كما مرّ في اليد ويؤخذ من السنة وجوب النية فيه كغيره من العبادات.
﴿وإن كنتم جنباً﴾ من جماع وغيره ﴿فاطهروا﴾ أي : بالغسل لجميع البدن ؛ لأنه أطلق ولم يخص الأعضاء كما في الوضوء ﴿وإن كنتم مرضى﴾ أي : مرضاً يضره الماء ﴿أو على سفر﴾ أي : مسافرين سفراً مباحاً طويلاً أو قصيراً ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ أي : الموضع المطمئن من الأرض الذي يقضي فيه حاجته الإنسان التي لا بد منها سمي باسمه الخارج للمجاورة. قيل : وفي ذلك حكمة وهي شدة عجز الإنسان ليكف عن إعجابه وكبره وترفعه وفخره كما حكي أنّ بعض الأمراء لقي بعض البله فلم يفسح له فغضب وقال : كأنك لم تعرفني فقال : بلى والله إني لأعرفك أوّلك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة، وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المدّ والقصر وسهل ورش وقنبل الهمزة الثانية وحقق الباقون الهمزتين معاً.
﴿أو لامستم النساء﴾ بالذكر أو غيره أمنيتم أم لا وقرأ حمزة والكسائي بغير ألف بين اللام والميم والباقون بالألف ﴿فلم تجدوا ماء﴾ بعد طلبه لفقده حساً أو معنى بالعجز عن استعماله للمرض بجرح أو غيره ﴿فتيمّموا﴾ أي : اقصدوا ﴿صعيداً﴾ أي : تراباً ﴿طيباً﴾ أي : طهوراً خالصاً ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ مع المرفقين ﴿منه﴾ بضربتين والباء للإلصاق وبينت السنة أنّ المراد استيعاب العضوين بالمسح وتقدّم مثل هذه الآية في النساء في البيضاوي، ولعل تكريره ليتصل الكلام في بيان أنواع الطهارة.
﴿ما يريد الله ليجعل عليكم﴾ في الدين ﴿من حرج﴾ أي : ضيق بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم ﴿ولكن يريد ليطهركم﴾ من الأحداث والذنوب فإنّ الوضوء يكفر الذنوب ﴿وليُتِمّ نعمته عليكم﴾ ببيان شرائع الدين ﴿لعلكم تشكرون﴾ نعمه فيثيبكم، قال البيضاوي : والآية مشتملة على سبعة أمور كلها مثنى طهارتان أصل وبدل والأصل اثنان مستوعب وغير مستوعب وغير المستوعب باعتبار الفعل غسل ومسح وباعتبار المحل محدود وغير محدود وإنّ آلتيهما مائع وجامد وموجبهما حدث أصغر أو أكبر، وإنّ المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر، وإنّ الموعود عليه تطهير الذنوب وإتمام النعمة.
المائدة 5:7
﴿واذكروا نعمة الله عليكم﴾ أي : في هدايته لكم إلى الإسلام بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، وفي غير ذلك من جميع النعم ليذكركم المنعم ويرغبكم في شكره، لأنّ كثرة النعم توجب على المنعم عليه الاشتغال بخدمة المنعم والانقياد لأوامره ونواهيه وقال تعالى :﴿نعمة الله﴾ ولم يقل نعم الله ؛ لأنّ هذا الجنس لا يقدر عليه إلا الله لأنّ نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون من الآفات وإيصال الخيرات في الدنيا والآخرة لا يعلمه إلا الله تعالى وإن المراد التأمل في هذا النوع من حيث إنه ممتاز عن نعمة غيره.
فإن قيل : قوله تعالى :﴿واذكروا نعمة الله﴾ يشعر بسبق النسيان وكيف يعقل نسيانها مع أنها متواترة متوالية علينا في جميع الساعات والأوقات ؟ أجيب : بأنها لكثرتها وتعاقبها صارت كالأمر المعتاد فصار غاية ظهورها وكثرتها سبباً لوقوعها في محل النسيان ﴿و﴾ اذكروا ﴿ميثاقه﴾ أي : عقده الوثيق ﴿الذي واثقكم به﴾ أي : بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بايعكم ليلة العقبة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره والمنشط مفعل من النشاط وهو الأمر الذي ينشط له والمكره مفعل من الكره وهو الأمر الذي تكرهه النفس وأضاف الميثاق الصادر من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفسه كقوله :﴿إنّ الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾ ( الفتح، ١٠ ) وأكد ذلك بأنكم التزمتموه ﴿إذا﴾ أي : حين ﴿قلتم سمعنا وأطعنا﴾ وفي ذلك تذكير بما أوجب الله له صلى الله عليه وسلم عليكم من الشكر بهدايته لكم إلى الإسلام ثم حذركم عن نقض تلك العهود بقوله :﴿واتقوا الله﴾ أي : في ميثاقه أن تنقضوه ﴿إنّ الله﴾ الذي له صفات الكمال ﴿عليم﴾ أي : بالغ العلم ﴿بذات الصدور﴾ أي : بما في القلوب فبغيره أولى فيجازيكم عليها فضلاً عن جليات أعمالكم، وقيل : المراد بالميثاق هو الذي أخذه الله منهم حين أخرجهم من ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا : بلى قاله مجاهد وقيل : المراد به الدلائل العقلية والشرعية التي نصبها الله على التوحيد والشرائع قاله السدي، وأدغم أبو عمرو القاف في واثقكم في الكاف بخلاف عنه.
المائدة 5:8
﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين﴾ أي : مجتهدين في القيام بحقوقه تعالى ﴿شهداء﴾ أي : متيقظين محضرين أفهامكم غاية الإحضار بحيث لا يشذّ عنها شيء مما تريدون الشهادة به ﴿بالقسط﴾ أي : العدل ﴿ولا يجرمنكم﴾ أي : ولا يحملنكم ﴿شنآن﴾ أي : شدّة بغض ﴿قوم﴾ أي : الكفار ﴿على أن لا تعدلوا﴾ فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفياً مما في قلوبكم ﴿اعدلوا﴾ أي : تحروا العدل واقصدوه في كل شيء ﴿هو﴾ أي : العدل ﴿أقرب﴾ من تركه ﴿للتقوى﴾ لكونه لطفاً فيه وفيه تنبيه عظيم على أنّ وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله إذا كان بهذه الصفة فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه.
تنبيه : يؤخذ من هذا أن التكاليف مع كثرتها محصورة في نوعين : التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فقوله تعالى :﴿كونوا قوّامين﴾ إشارة إلى التعظيم لأمر الله ومعنى القيام هو أن تقوم لله بالحق في كل ما يلزمك وقوله تعالى :﴿شهداء بالقسط﴾ إشارة إلى الشفقة على خلق الله وفيه قولان، الأوّل : قال عطاء : لا تخاف في شهادتك أهل ودك وقرابتك ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك. الثاني : أمرهم بالصدق في أفعالهم وأقوالهم، وتقدّم نظير هذه الآية في النساء، إلا أنّ هناك قدم لفظة القسط وهنا أخرّها، قال ابن عادل : فكان الغرض من ذلك والله أعلم إنّ آية النساء جيء بها في معرض الإقرار على نفسه ووالديه وأقاربه فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة والتي هنا : جيء بها في معرض ترك العداوة فبدأ بالأمر بالقيام ؛ به لأنه أردع للمؤمنين ثم ثني بالشهادة بالعدل فجيء في كل معرض بما يناسبه. وقال البيضاوي : وتكرير هذا الحكم إمّا لاختلاف السبب كما قيل : إنّ الأولى نزلت في المشركين وهذه في اليهود ولمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء ثائرة الغيظ ﴿واتقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون﴾ فيجازيكم به.
المائدة 5:9
﴿وعد الله الذين آمنوا﴾ أي : أقروا بالإيمان بألسنتهم ﴿وعملوا﴾ تصديقاً لهذا الإقرار ﴿الصالحات﴾ وحذف ثاني مفعولي وعد استغناء بقوله :﴿لهم مغفرة وأجر عظيم﴾ فإنه استئناف يبينه. وقيل : الجملة في موضع المفعول فإنّ الوعد ضرب من القول ؛ لأنه لا ينعقد إلا به فكأنه قال : وعدهم هذا القول والأجر العظيم : هو الجنة.
المائدة 5:10
﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾ أي : النار التي اشتدّ توقدها فاشتدّ احمرارها فلا يراها أحد إلا أحجم عنها فيلقون فيها ثم يلازمونها فلا ينفكون عنها كما هو شأن الصاحب وهذا من عادة الله سبحانه وتعالى أنه يتبع حال أحد الفريقين حال الفريق الآخر وفاء بحق الدعوة وفيه مزيد وعد للمؤمنين وتطييب لقلوبهم.
المائدة 5:11
﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم﴾ رسمت نعمت هنا بالتاء فوق فوقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي والهاء والباقون بالتاء وفي الوصل الجميع بالتاء.
روي أنّ المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر يصلون معاً وذلك بعسفان وهو وادٍ بينه وبين مكة مرحلتان في غزوة ذي أنمار فلما صلّوا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقالوا : إن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم يعنون صلاة العصر وهموا بأن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها فنزل جبريل عليه السلام بصلاة الخوف، رواه مسلم وغيره والآية إشارة إلى ذلك.
وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني قريظة ومعه الخلفاء الأربعة يستقرضهم أي : يطلب منهم مالاً قرضاً لدية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ يحسبهما مشركين، لكن في رواية البيهقي أنّ المقتولين كانا معاهدين لا مسلمين وأن الخروج كان لبني النضير لا إلى قريظة فقالوا : نعم يا أبا القاسم وكانوا قد عاهدوا النبيّ صلى الله عليه وسلم على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات فقالوا : قد آن لك أن تأتينا أو تسألنا حاجة اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخلا بعضهم ببعض وقالوا : إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه ؟ فقال عمرو بن جحش : أنا، فجاء إلى رحا عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله تعالى يده فنزل جبريل عليه السلام فأخبره فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً إلى المدينة ثم دعا علياً وقال :( لا تبرح مقامك فمن خرج عليك من أصحابي فسأل عني فقل : توجه إلى المدينة ) ففعل ذلك حتى تناهوا إليه ثم تبعوه، وقيل : نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلاً وتفرق الناس في العضاه يستظلون بها فعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة فجاء أعرابي فسل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل عليه فقال : من يمنعك مني ؟ قال :«الله » فأسقطه جبريل من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :«من منعك مني ؟ » فقال : لا أحد أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله فنزلت.
﴿إذ همّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾ ليفتكوا بكم يقال : بسط إليه لسانه إذا شتمه وبسط إليه يده إذا بطش به قال تعالى :﴿ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء﴾ ( الممتحنة، ٢ ) ومعنى بسط اليد مدّها إلى المبطوش به، ألا ترى إلى قولهم : فلان بسيط الباع ومديد الباع بمعنى ﴿فكف أيديهم عنكم﴾ أي : منعها أن تمد إليكم ورد مضرتها عنكم ﴿واتقوا الله﴾ في جميع أموركم ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ فإنه الكافي لإيصال الخير ودفع الشر.
المائدة 5:12
﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل﴾ أي : العهد الموثق بما أخذ عليكم من السمع والطاعة ﴿وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً﴾ أي : شاهداً على كل سبط نقيب يكفلهم بالوفاء بما عليهم الوفاء به كما بعثنا منكم ليلة العقبة اثني عشر نقيباً وأخذنا منكم الميثاق على ما به كمال الإسلام والنقيب الذي ينقب عن أحوال القوم كما قيل له : عريف لأنه يتعرّفها ومن ذلك المناقب وهي الفضائل لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها.
روي أنّ بني إسرائيل لما استقروا بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله تعالى بالمسير إلى أريحاء بالمدّ أرض الشام وكان سكنها الكنعانيون الجبابرة وقال : إني كتبتها لكم داراً وقراراً فاخرجوا إليها وجاهدوا فيها، وإني ناصركم وأمر موسى صلوات الله وسلامه عليه أن يأخذ من كل سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أمروا به يوثقه عليهم واختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل وتكفل له بهم النقباء وسار بهم، فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون فرأوا إجراماً عظيماً وقوّة وشوكة فهابوا ورجعوا وحدّثوا قومهم، وقد نهاهم موسى عليه السلام أن يحدّثوهم فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوفنا من سبط يهودا ويوشع بن نون من سبط افراثيم بن يوسف وكانا من النقباء ﴿وقال﴾ لهم ﴿الله إني معكم﴾ أي : بالعون والنصرة ﴿لإن﴾ لام قسم ﴿أقمتم الصلاة﴾ التي هي وصلة العبد والخالق بجميع شروطها وأركانها وآتيتم الزكاة التي تقرّب العبد إلى الله عز وجلّ ﴿وآمنتم برسلي﴾ أي : بجميع الرسل ﴿وعزرتموهم﴾ أي : نصرتموهم وقيل : التعزير التعظيم وقيل : هو الثناء بخير قاله يونس وهو قريب من الثاني.
فإن قيل : لم أخرّ الإيمان بالرسل عن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدّم عليهما ؟ أجيب : بأنّ اليهود كانوا مقرّين بأنه لا بدّ في حصول النجاة من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلا أنهم كانوا مصرّين على تكذيب بعض الرسل فذكر أنّ بعد إقام الصلاة وإيتاء الزكاة لا بدّ من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود وإلا لم يكن لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل.
فإن قيل : قوله تعالى :﴿وأقرضتم الله قرضاً حسناً﴾ داخل تحت إيتاء الزكاة فما فائدة إعادته ؟ أجيب : بأنّ المراد بالزكاة الواجبة وبالقرض الصدقة المندوبة وخصها تنبيهاً على شرفها وقرضاً يحتمل المصدر والمفعول به، ولما كان الإنسان محل النقصان فهو لا ينفك عن زلل أو تقصير وإن اجتهد في صلاح العمل قال : سدّ الجواب القسم المدلول عليه باللام في لئن مسد جواب الشرط ﴿لأكفرنّ﴾ أي : لأسترنّ ﴿عنكم سيآتكم﴾ أي : فعلكم الذي من شأنه أن يسوء ﴿ولأدخلنكم﴾ فضلاً ورحمة مني ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ أي : من شدّة الريّ ﴿فمن كفر بعد ذلك﴾ الميثاق ﴿منكم فقد ضلّ﴾ أي : ترك وضيع ﴿سواء السبيل﴾ أي : أخطأ طريق الحق والسواء في الأصل الوسط.
فإن قيل : من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضلّ سواء السبيل، أجيب : بأنّ الضلال بعد أظهر وأعظم لأنه الكفر بعد البيان العظيم فهو أعظم من غيره لأنه قد يكون له قبل ذلك شبهة يتوهم له معذرة، وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار دال قد عند الضاد والباقون بالإدغام وقد تقدّم ولما نقضوا الميثاق مرّة بعد مرّة بتكذيب الرسل وقتل الأنبياء وكتمهم صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم كما تقدّم في سورة البقرة.
المائدة 5:13
قال تعالى :﴿فبما﴾ ما مزيدة للتأكيد ﴿نقضهم ميثاقهم لعنّاهم﴾ قال عطاء : أبعدناهم من رحمتنا، وقال الحسن ومقاتل : مسخناهم قردة وخنازير وقال ابن عباس : ضربنا الجزية عليهم ﴿وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ أي : لا تلين لقبول الإيمان وقرأ حمزة والكسائي بغير ألف بعد القاف وتشديد الياء بمعنى رديئة من قولهم درهم قسي إذا كان مغشوشاً وهو أيضاً من القسوة فإنّ المغشوش فيه يبس وصلابة والباقون بألف بعد القاف وتخفيف الياء وقوله تعالى :﴿يحرّفون الكلم عن مواضعه﴾ استئناف لبيان قسوة قلوبهم فإنه لا قسوة أشد من تغيير كلام الله تعالى والافتراء عليه ﴿ونسوا حظاً﴾ أي : نصيباً نافعاً ﴿مما ذكروا به﴾ أي : من التوراة على أنبيائهم عيسى ومن قبله عليهم الصلاة والسلام تركوه ترك الناسي للشيء لقلة مبالاتهم به بحيث لم يكن لهم رجوع إليه وقيل معناه : إنهم حرّفوها فزلّت لشؤمهم أشياء منها عن حفظهم وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال : ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية وقيل : تركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته ﴿ولا تزال﴾ أي : بما نطلعك عليه يا أكرم الخلق فهو خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿تطلع﴾ أي : تظهر ﴿على خائنة﴾ أي : خيانة ﴿منهم﴾ بنقض العهد وغيره لأنّ ذلك من عادتهم وعادة أسلافهم لا تزال ترى ذلك منهم ﴿إلا قليلاً منهم﴾ لم يخونوا وهم الذين آمنوا منهم ﴿فاعف عنهم﴾ أي : امح ذنبهم ذلك ﴿واصفح﴾ أي : أعرض عن ذلك أصلاً ورأساً إن تابوا وآمنوا وعاهدوا والتزموا الجزية وقيل : مطلق ونسخ بآية السيف وقوله تعالى :﴿إنّ الله يحب المحسنين﴾ تعليل للأمر بالصفح وحث عليه وتنبيه على أنّ العفو عن الكافر الخائن إحسان فضلاً عن العفو عن غيره.
روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سحره رجل من اليهود يقال له لبيد بن الأعصم.
وفي رواية البخاري أنه رجل من بني زريق حليف لليهود وكان منافقاً حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهنّ وذلك أشدّ السحر، ثم إنّ الله تعالى شفاه وأعلمه أنّ السحر في بئر ذروان فقالت له عائشة رضي الله تعالى عنها : أفلا أخرجته ؟ فقال :( لا أمّا أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شرّاً فأمرت به فدفنته ) وهو في معجم الطبرانيّ الكبير وهذا لفظه، وعن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال :( كان رجل يدخل على النبيّ صلى الله عليه وسلم فعقد له عقداً فجعله في بئر رجل من الأنصار فأتاه ملكان يعوذانه فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال أحدهما : أتدري ما وجعه ؟ قال فلان الذي يدخل عليه عقد له عقداً فألقاه في بئر فلان الأنصاري فلو أرسل رجلاً لوجد الماء أصفر فبعث رجلاً فأخذ العقد فحلها فبرئ، فكان الرجل بعد ذلك يدخل على النبيّ صلى الله عليه وسلم فلم يذكر له شيئاً منه ولم يعاتبه )، وعن أنس رضي الله تعالى عنه أنّ امرأة يهودية سمّت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت : أردت لأقتلك فقال :( ما كان الله ليسلطك على ذلك أو قال عليّ ) قالوا : أفلا نقتلها ؟ قال :«لا » قال أنس : فما زلت أعرفها في لهوات النبيّ صلى الله عليه وسلم فانظر إلى عفوه صلى الله عليه وسلم واقتد به )، وفي ذلك غاية العفو والإحسان امتثالاً لأمر ربه تعالى، وقيل : فاعف عن مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم.
المائدة 5:14
﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم﴾ أي : وأخذنا من النصارى ميثاقهم كما أخذنا ممن قبلهم.
فإن قيل : هلا قال من النصارى ؟ أجيب : بأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادّعاء لنصرة الله تعالى لقولهم لعيسى :﴿نحن أنصار الله﴾ ( آل عمران، ٥٢ ) وليسوا موصوفين به قال الحسن : فيه دليل على أنهم نصارى بتسميتهم لا بتسمية الله تعالى ﴿فنسوا﴾ أي : تركوا ترك الناسي ﴿حظاً﴾ أي : نصيباً عظيماً يتنافس في مثله ﴿مما ذكّروا به﴾ أي : في الإنجيل من الإيمان ومن أوصاف محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك ونقضوا الميثاق ﴿فأغرينا﴾ أي : أوقعنا ﴿بينهم﴾ أي : النصارى بعد أن جعلناهم فرقاً متباينين وهم نسطورية ويعقوبية وملكانية وكذا بينهم وبين اليهود ﴿العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ أي : بتفرّقهم واختلاف أهوائهم فكل فرقة تكفر الأخرى وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية والباقون بتحقيقهما ﴿وسوف ينبئهم الله﴾ أي : يجزيهم في الآخرة ﴿بما كانوا يصنعون﴾ فيجازيهم عليه.
المائدة 5:15
وقوله تعالى :﴿يا أهل الكتاب﴾ خطاب لليهود والنصارى ووحد الكتاب لأنه للجنس ﴿قد جاءكم رسولنا﴾ وهو أفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ﴿يبين لكم﴾ أي : يوضح إيضاحاً شافياً ﴿كثيراً مما كنتم تخفون﴾ أي : تكتمون ﴿من الكتاب﴾ أي : التوراة والإنجيل كنعت محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم في التوراة وبشارة عيسى وأحمد في الإنجيل ﴿ويعفو عن كثير﴾ أن مما تخفونه فلا يبينه إذا لم يكن فيه مصلحة في أمر ديني أو عن كثير منكم فلا يؤاخذه بجرمه ﴿قد جاءكم من الله نور﴾ هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي جلا ظلمات الشك والشرك ﴿وكتاب﴾ هو القرآن العظيم ﴿مبين﴾ أي : بين في نفسه مبين لما كان خافياً على الناس من الحق.
المائدة 5:16
﴿يهدي به الله﴾ أي : بالكتاب وقيل : بهما ووحد الضمير لأنّ المراد بهما واحد لأنهما كواحد في الحكم ﴿من اتبع رضوانه﴾ أي : رضاه بأن آمن ﴿سبل﴾ أي : طرق ﴿السلام﴾ أي : السلامة من العذاب أو الله باتباع شرائع دينه ﴿ويخرجهم من الظلمات﴾ أي : أنواع الكفر والوساوس الشيطانية ﴿إلى النور﴾ أي : الإسلام ﴿بإذنه﴾ أي : بإرادته أو بتوفيقه ﴿ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾ أي : طريق هي أقرب الطرق إلى الله تعالى ومؤدّ إليه لا محالة وهو الدين الحق.
المائدة 5:17
﴿لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح بن مريم﴾ وذلك حيث جعلوه إلهاً وهم اليعقوبية فرقة من النصارى، وقيل : ما صرحوا به ولكن مذهبهم يؤدي إليه حيث اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت ويدبر أمر العالم ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿فمن يملك﴾ أي : يدفع ﴿من﴾ عذاب ﴿الله شيئاً﴾ أي : من الأشياء التي يتوهم أنها قد تمنعه مما يريد ﴿إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمّه ومن في الأرض جميعاً﴾ أي : لا أحد يملك ذلك ولو كان المسيح إلهاً لقدر عليه فدل ذلك على أنه بمعزل من الألوهية وأنه مقدور مقهور قابل للفناء كسائر الممكنات، وأراد بعطف من في الأرض على المسيح وأمّه إنهما من جنسهم لا تفاوت بينهم وبينهما في البشرية ﴿و ملك السماوات والأرض وما بينهما﴾ أي : بين النوعين وبين أفرادهما مما به تمام أمرهما ﴿يخلق ما يشاء﴾ أي : على أيّ كيف أراد ﴿والله على كل شيء قدير﴾ أي : قادر على الإطلاق يخلق من غير أصل كما خلق السماوات والأرض ومن أصل كما خلق ما بينهما وينشئ من أصل ليس من جنسه كآدم وكثير من الحيوانات ومن أصل يجانسه أمّا من ذكر وحده كما خلق حوّاء من آدم أو من أنثى وحدها كعيسى بن مريم أو منهما كسائر الناس.
المائدة 5:18
﴿وقالت اليهود والنصارى﴾ أي : كل طائفة قالت على حِدَتِها ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ اختلف المفسرون في معنى ذلك على أربعة أوجه، أحدها : أنّ هذا من باب حذف المضاف أي : نحن أبناء رسل الله كقوله تعالى :﴿إنّ الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾ ( البقرة، ١٠ ) الثاني : إن لفظ الابن كما يطلق على ابن الصلب قد يطلق أيضاً على من اتخذ ابناً بمعنى تخصيصه بمزيد الشفقة والمحبة، فالقوم لما ادعوا عناية الله بهم ادعوا أنهم أبناء الله. الثالث : إنّ اليهود زعموا أنّ العزير ابن الله، والنصارى زعموا أنّ المسيح ابن الله ثم زعموا أنّ العزير والمسيح كانا منهم فصار كأنهم قالوا : نحن أبناء الله ألا ترى أنّ أقارب الملك إذا فاخروا أحداً يقولون : نحن ملوك الدنيا والمراد كونهم مختصين بالشخص الذي هو الملك فكذا هنا، الرابع : قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوّفهم من عقاب الله فقالوا : كيف تخوّفنا بعذاب الله ونحن أبناء الله تعالى وأحباؤه فهذه الرواية إنما وقعت عن تلك الطائفة، وأمّا النصارى فإنهم يتلون في الإنجيل أنّ المسيح قال لهم : إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، وقيل : أرادوا أنّ الله كالأب لنا في الحنو والعطف ونحن كالأبناء له في القرب والمنزلة، وقال إبراهيم النخعي : إنّ اليهود وجدوا في التوراة يا أبناء أحباري فبدلوه بيا أبناء أبكاري فمن ذلك قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه.
وجملة الكلام : إنّ اليهود والنصارى كانوا يرون لأنفسهم فضلاً على سائر الخلق بسبب أسلافهم من الأنبياء إلى أن ادعوا ذلك.
﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿فلم يعذبكم بذنوبكم﴾ أي : فإن صحّ ما زعمتم فلم يعذبكم بذنوبكم ولا يعذب الأب ولده ولا الحبيب حبيبه وقد عذّبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ واعترفتم بأنه سيعذبكم بالنار أياماً معدودة، وقرأ البزّي في الوقف فَلِمَهْ بخلاف عنه ﴿بل أنتم بشر من﴾ جملة ﴿من خلق﴾ه الله تعالى من البشر لكم ما لهم وعليكم ما عليهم ﴿يغفر لمن يشاء﴾ أي : ممن خلقه منكم ومن غيركم تفضلاً منه تعالى ﴿ويعذب من يشاء﴾ كذلك كما تشاهدونه يكرم ناساً منكم في هذه الدار ويهين آخرين لا اعتراض عليه، وقرأ أبو عمرو بإدغام الراء في اللام من يغفر والياء في الميم من يعذب بخلاف عنه ورقق ورش الراء على أصله ﴿ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما﴾ أي : وأنتم مما بينهما فمن كان هكذا وقدرته هكذا كيف يستحق عليه البشر الضعيف حقاً واجباً وكيف يملك عليه الجاهل بعبادته الناقصة ديناً لازماً ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾ ( الكهف، ٥ ) ثم قال :﴿وإليه المصير﴾ أي : المرجع فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
المائدة 5:19
﴿يا أهل الكتاب﴾ أي : من الفريقين ﴿قد جاءكم رسولنا﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ﴿يبيّن لكم﴾ أي : ما كتمتم وحذف لتقدّم ذكره أو الدين وحذف لظهوره ويجوز أن لا يقدر مفعول على معنى ويبذل لكم البيان وجملة يبيّن لكم في موضع الحال أي : جاءكم رسولنا مبيناً لكم وقوله تعالى :﴿على فترة من الرسل﴾ متعلق بجاءكم أي : جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي، قال ابن عباس : يريد على انقطاع من الأنبياء فشبّه فقدهم وبعد العهد بهم ونسيان أخبارهم وبلاء رسومهم وآثارهم وانطماس معالمهم وأنوارهم بشيء كان يغلي ففتر ولم يبق من وصفه المقصود منه إلا أثرٌ خافٍ ورسْمٌ دارسٌ.
يقال : فتر الشيء يفتر فتوراً إذا سكنت حركته وصار أقلّ مما كان عليه وسميت المدّة بين الأنبياء فترة لفتور الدواعي في العمل بترك الشرائع واختلفوا في مدّة الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم فقال أبو عثمان النهدي : ستمائة سنة، وقال قتادة : خمسمائة وستون سنة وقال معمر والكلبيّ : خمسمائة وستة وأربعون سنة وعن الكلبيّ : بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبيّ، وبين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم أربعة من الأنبياء ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب وهو خالد بن سنان العبسيّ، وفي الآية امتنان عليهم بأن بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وكانوا أحوج ما يكون إليه قال البقاعي : ولعله عبّر بالمضارع في يبيّن إشارة إلى أنّ دينه وبيانه لا ينقطع أصلاً بحفظ كتابه فكلما درست سنة منح الله تعالى بعالم يردّ الناس إليها بالكتاب العزيز المعجز القائم أبداً فلذلك لا يحتاج الأمر إلى نبيّ مجدّد إلا عند الفتنة التي لا تطيقها العلماء وهي فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج.
ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿أن﴾ أي : كراهة أن ﴿تقولوا﴾ أي : إذا حشرتم وسئلتم عن إهمالكم ﴿ما جاءنا من بشير﴾ أيّ بشير فمن زائدة لتأكد النفي أي : يبشرنا لنرغب فنعمل بما يسعدنا فنفوز ﴿ولا نذير﴾ أي : يحذرنا لنرهب فنترك ما يشقينا فنسلم وقوله تعالى :﴿فقد جاءكم بشير ونذير﴾ متعلق بمحذوف أي : لا تعتذروا بما جاءنا من بشير ولا نذير فلا جاءكم بشير ونذير ﴿والله على كل شيء قدير﴾ أي : فيقدر على الإرسال تَتْراً واحداً بعد واحد على التعاقب كما فعل بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام وعلى الإرسال على فترة كما فعل بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
المائدة 5:20
﴿وإذ قال موسى لقومه﴾ أي : من اليهود ﴿يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم﴾ أي : إنعامه فذكرهم بثلاثة أمور، أولها : قوله تعالى :﴿إذ﴾ أي : حين ﴿جعل فيكم﴾ أي : منكم ﴿أنبياء﴾ فأرشدكم وشرفكم بهم ولم يبعث في أمّة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم وحمزة والكسائي بإظهار ذال «إذ » عند الجيم وأدغمها أبو عمرو وهشام، وثانيها : قوله تعالى :﴿وجعلكم ملوكاً﴾ أي : وجعل منكم أو فيكم فقد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء بعد فرعون حتى قتلوا يحيى وهمّوا بقتل عيسى وقال ابن عباس : وأصحاب خدم وحشم، قال قتادة : كانوا أوّل من ملك الخدم ولم يكن قبلهم خدم.
وعن أبي سعيد الخدري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنه قال :( كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكاً ) وقال أبو عبد الرحمن الجيلي : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المسلمين المهاجرين ؟ فقال عبد الله له : يا هذا ألك امرأة تأوي إليها ؟ قال : نعم قال : ألك مسكن تسكنه ؟ قال : نعم قال : فأنت غنيّ من الأغنياء قال : ألك خادم ؟ قال : نعم قال : أنت من الملوك. وقال السديّ : وجعلكم أحراراً تملكون أمر أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القبط يستعبدونكم، وقال الضحاك : كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية فمن كان مسكنه واسعاً وفيه نهر جارٍ فهو ملك.
وثالثها : قوله تعالى :﴿وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين﴾ وذلك، لأنه تعالى خصهم بأنواع عظيمة من الإكرام كفلق البحر لهم وأهلك عدوّهم وأورثهم أموالهم وأنزل عليهم المنّ والسلوى وأخرج لهم المياه الغزيرة من الحجر وأظلّ فوقهم الغمام، ولم يجتمع الملك والنبوّة لقوم كما اجتمعا لهم، وكانوا في تلك الأيام هم العلماء بالله تعالى وهم أحباب الله وأنصار دينه، وقيل : المراد بالعالمين عالمو زمانهم. وقال الكلبيّ : إن جعلت العالمين عامّاً وجب تخصيص «ما » لئلا يلزم أنهم أوتوا ما لم تؤت هذه الأمّة من الكرامة والفضل وغير ذلك وإن خصصته بعالمي زمانهم ف«ما » باقية على عمومها إذ لا محذور.
المائدة 5:21
ولما ذكرهم هذه النعم وشرحها لهم أمرهم بعد ذلك بجهاد العدوّ فقال :
﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة﴾ أي : المطهرة وهي أرض بيت المقدس سمّيت بذلك لأنها كانت مسكن الأنبياء والمؤمنين وقال مجاهد : هي الطور وما حوله. وقال الكلبيّ : هي دمشق وفلسطين وبعض الأردُنّ وهو بضم الدال وتشديد النون اسم نهر أو كورة بالشأم قاله الجوهريّ، وقال قتادة : هي الشأم كلها ﴿التي كتب الله لكم﴾ أي : في اللوح المحفوظ إنها لكم مساكن وقال السديّ : أمركم بدخولها.
فإن قيل : على القول الأوّل : كيف كتبها لهم بعد قوله تعالى بعد ﴿فإنها محرمة عليهم﴾ ؟ أجيب : بأجوبة أوّلها : قال ابن عباس : إنها كانت هبة ثم حرّمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم، ثانيها : اللفظ وإن كان عاماً لكم المراد به الخصوص فكأنها كتبت لبعضهم وحرّمت على بعضهم، ثالثها : إنّ الوعد بقوله تعالى :﴿كتب الله لكم﴾ مشروط بقيد الطاعة فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط، رابعها : إنها محرّمة عليهم أربعين سنة فلما مضت الأربعون حصل ما كتب ﴿ولا ترتدّوا على أدباركم﴾ أي : ولا ترجعوا مدبرين خوفاً من العدوّ ﴿فتنقلبوا خاسرين﴾ أي : في سعيكم، وذلك أنّ قوم موسى لما أخرجوا من مصر وعدهم الله تعالى إسكان أرض الشأم.
قال الكلبيّ : صعد إبراهيم عليه السلام جبل لبنان فقيل له : انظر ما أدرك بصرك فهو مقدّس وهو ميراث لذريّتك، وكان بنو إسرائيل يسمّون أرض الشأم أرض الموعد، ثم بعث موسى عليه السلام اثني عشر نقيباً ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك الأرض فلما دخلوا تلك الأماكن رأوا أجساماً عظيمة، قال ابن عادل : قال المفسرون فأخذهم أحد أولئك الجبارين وجعلهم في كمّه مع فاكهة قد حملها، من بساتينه، وأتى بهم للملك ونثرهم بين يديه وقال تعجيباً للملك : هؤلاء يريدون قتالنا فقال الملك : ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه بما شاهدتم، ثم انصرف هؤلاء النقباء إلى موسى عليه السلام فأخبروه بالواقعة فأمرهم أن يكتموا ما شاهدوه فلم يقبلوا قوله إلا رجلين منهم وهما يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف فتى موسى وكالب بن يوفنا فتى موسى وكان من سبط يهوذا فإنهما سهّلا الأمر وقالا : هي بلاد طيبة كثيرة النعم والأقوام وإن كانت أجسامهم عظيمة إلا أنّ قلوبهم ضعيفة، وأمّا العشرة الباقية من النقباء فإنهم أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا : يا ليتنا متنا في أرض مصر أو ليتنا نموت في هذه البرية ولا يدخلنا الله أرضهم فتكون نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم، ويقولون لأصحابهم : قالوا : نجعل علينا رؤساء وننصرف إلى مصر.
فذلك قوله تعالى :﴿قالوا يا موسى إنّ فيها قوماً جبارين﴾
المائدة 5:22
﴿قالوا يا موسى إنّ فيها قوماً جبارين﴾ أي : عتاة قاهرين لغيرهم مكرهين لغيرهم على ما يريدون ﴿وإنّا لن ندخلها﴾ خوفاً منهم ﴿حتى يخرجوا منها﴾ أي : بأيّ وجه كان ﴿فإن يخرجوا منها فإنا داخلون﴾ لها وأصل الجبّار المتعظم الممتنع عن القهر يقال : نخلة جبارة إذا كانت طويلة ممتنعة عن وصول الأيدي إليها وسمّي هؤلاء القوم جبارين لامتناعهم بطولهم وقوّة أجسادهم، وكانوا من العمالقة وبقية قوم عاد.
المائدة 5:23
فلما قال بنو إسرائيل ما قالوا وهموا بالانصراف إلى مصر خرّ موسى وهارون عليهما السلام ساجدين وخرق يوشع وكالب ثيابهما وهما اللذان أخبر الله تعالى عنهما في قوله :
﴿قال رجلان من الذين يخافون﴾ أي : مخالفة أمر الله تعالى ﴿أنعم الله عليهما﴾ أي : بالتوفيق والعصمة ﴿ادخلوا عليهم الباب﴾ أي : باب قرية الجبّارين ولا تخشوهم فإنا رأيناهم وأجسادهم عظيمة بلا قلوب ﴿فإذا دخلتموه فإنكم غالبون﴾ أي : لأنّ الله تعالى منجز وعده ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ به ومصدّقين بوعده فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصوا أمرهما.
المائدة 5:24
ثمّ ﴿قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً﴾ نفوا دخولهم على التأييد والتأبيد وقوله تعالى :﴿ما داموا فيها﴾ بدل من أبداً بدل البعض ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا﴾ هم ﴿إنا ههنا قاعدون﴾ عن القتال لا القعود الذي هو ضدّ القيام قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما وقيل : وربك أي : هارون لأنه أكبر منه وقيل : تقديره اذهب أنت وربك يعينك فلما سمع من قومه ذلك.
المائدة 5:25
﴿قال ربّ إني لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ أي : لا أملك التصرّف ولا ينفذ أمري إلا في نفسي وأخي ؛ لأنّ الإنسان لا يملك نفسه في الحقيقة إنما المراد به التصرف وإني أفعل ما أمرتني به وأخي هارون قاله لشكوى بثّه وحزنه إلى الله عز وجل لما خالفه قومه وأيس منهم ولم يبق معه موافق يثق به غير هارون عليه السلام والرجلان المذكوران وإن كانا يوافقانه لم يثق بهما مما كابد من تلوّن قومه أو إنّ المراد بأخي من يواخيني في الدين فيدخلان فيه وأظهر وجوه الإعراب في ( أخي ) أنه منصوب عطفاً على نفسي والمعنى : ولا أملك إلا أخي مع ملكي نفسي دون غيرنا ﴿فافرق﴾ أي : فافصل ﴿بيننا وبين القوم الفاسقين﴾ بأن تحكم لنا بما نستحقه وتحكم عليهم بما يستحقونه أو بالتبعيد بيننا وبينهم.
المائدة 5:26
﴿قال﴾ تعالى :﴿فإنها﴾ أي : الأرض المقدّسة ﴿محرّمة عليهم﴾ أن يدخلوها وقوله تعالى :﴿أربعين سنة يتيهون﴾ أي : يتحيرون ﴿في الأرض﴾ اختلف في العامل في أربعين فقيل : محرمة فيكون التحريم مؤقتاً غير مؤبد فلا يخالف ظاهر قوله تعالى :﴿التي كتب الله لكم﴾ ( المائدة، ٢١ ) وقيل : هو يتيهون أي : يسيرون فيها متحيرين، قال الزجاج : والأوّل خطأ لأنه جاء في التفسير أنها محرمة عليهم أبداً فنصبها بيتيهون أي : فيكون التحريم مطلقاً قال البغويّ : لم يرد به تحريم تعبد وإنما أراد تحريم منع وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه الصلاة والسلام : بي حلفت لأحرّمنّ عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع وكالب ولأتيهنهم في هذه البريّة أربعين سنة مكان كل يوم من الأيام التي تجسسوا فيها سنة، ولألقين جيفهم في هذه القفار وأما بنوهم الذين لم يعملوا الشر فيدخلونها فلبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ، وقيل : تسعة فراسخ قال ابن عباس : وهم ستمائة ألف مقاتل وكانوا يسيرون كلّ يوم جادّين فإذا أمسوا كانوا في الموضع الذي ارتحلوا عنه وكان الغمام يظلّهم من الشمس وعمود نور يطلع بالليل فيضيء لهم وكان طعامهم المنّ والسلوى وماؤهم من الحجر الذي يحملون فإذا ولد لأحدهم مولود كان عليه ثوب مثل الظفر في رأي العين يطول بطوله ويتسع بقدرة الله والله أعلم بما يحكى من ذلك.
فإن قيل : كيف ينزل المنّ والسلوى في حال العقوبة ؟ أجيب : بأنه سبب البقاء وهو أبقى للعقوبة فهو كإقامة الحدود مع بقاء الخطاب، واختلفوا هل كان موسى وهارون عليهما السلام فيهم أو لا ؟ قال البغويّ : الأصحّ أنهما كانا فيهم إلا أنه كان ذلك راحة لهما وزيادة في درجتهما وعقوبة لهم، وهو أبلغ في الإجابة أن يشاهدوهما في حال العقوبة فلا يصيبهما ما أصابهم ولم يدخل الأرض المقدّسة أحد ممن قال لن ندخلها بل هلكوا في التيه، وإنما قاتل الجبابرة أولادهم واختلفوا هل مات موسى وهارون في التيه أم لا ؟ قال البيضاويّ : الأكثرون إنهما كانا معهم في التيه وإنهما ماتا فيه، مات هارون قبل موسى وموسى بعده بسنة، قال عمرو بن ميمون : مات هارون قبل موسى وكانا خرجا إلى بعض الكهوف فمات هارون فدفنه موسى وانصرف إلى بني إسرائيل فقالوا : قتله لحبّنا إياه وكان محببّاً في بني إسرائيل فتضرّع موسى إلى ربه فأوحى الله تعالى إليه أن انطلق بهم إلى هارون فإني باعثه فانطلق بهم إلى قبره فناداه يا هارون فخرج من قبره ينفض رأسه فقال : أنا قتلتك ؟ قال : لا ولكن مت قال : فعد إلى مضجعك وانصرفوا وعاش موسى صلى الله عليه وسلم بعده سنة.
روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( جاء ملك الموت إلى موسى فقال له : أجب أمر ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها فقال ملك الموت : يا رب إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت وقد فقأ عيني قال : فردّ الله عينه وقال : ارجع إلى عبدي وقل له : الحياة تريد ؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة قال : ثم مه قال : ثم تموت قال : الآن من قريب ؟ قال : رب أدنني من الأرض المقدّسة رمية حجر ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر ) قال وهب : خرج موسى ليقضي حاجة فمرّ برهط من الملائكة يحفرون قبراً لم ير شيئاً أحسن منه ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة فقال لهم : يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر فقالوا : لعبد كريم على ربه فقال : إنّ هذا العبد لمن الله بمنزلة ما رأيت كاليوم أحسن منه مضجعاً فقالت الملائكة : يا صفيّ الله تحب أن يكون لك ؟ قال : وددت قالوا : فانزل فاضطجع فيه وتوجه إلى ربك قال : فاضطجع فيه وتوجه إلى ربه ثم تنفس أسهل نفس فقبض الله تعالى روحه ثم سوّت عليه الملائكة التراب وقيل : إنّ ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقبض الله روحه وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة، فلما مات موسى عليه السلام وانقضت الأربعون سنة بعث الله تعالى يوشع عليه السلام نبياً فأخبرهم أنّ الله تعالى قد أمرهم بقتال الجبابرة فصدّقوه وبايعوه فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحاء ومعه تابوت الميثاق وأحاط بمدينة أريحاء ستة أشهر وفتحوها في الشهر السابع ودخلوها فقاتلوا الجبارين وهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم وكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها وكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت فقال : اللهمّ اردد الشمس عليّ وقال للشمس : إنك في طاعة الله وأنا في طاعة الله فسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقيم حتى ينتقم من أعداء الله قبل دخول السبت فردّت عليه الشمس وزيد في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين.
وروى الإمام أحمد في مسنده حديثاً :( إنّ الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس ) ثم تتبّع ملوك الشأم فاستباح منهم أحداً وثلاثين ملكاً حتى غلب على جميع أرض الشأم وصارت الشأم كلها لبني إسرائيل وفرق عمّاله في نواحيها وجمع الغنائم فلم تنزل النار فأوحى الله تعالى إلى يوشع إنّ فيها غلولاً فمرهم فليبايعوك فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال : هلمّ ما عندك فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل باليواقيت والجواهر، وكان قد غلّه فجعله في القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان ثم مات يوشع ودفن في جبل إبراهيم وكان عمره مائة وستاً وعشرين سنة وتدبر أمر بني إسرائيل بعد موسى سبعاً وعشرين سنة فسبحان الباقي بعد فناء خلقه.
ولما ندم موسى عليه السلام على الدعاء عليهم قال تعالى :﴿فلا تأس على القوم الفاسقين﴾ فبين تعالى أنهم أحقاء بذلك لفسقهم.
المائدة 5:27
﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم﴾ وهما هابيل وقابيل وقوله تعالى :﴿بالحق﴾ صفة مصدر محذوف أي : تلاوة متلبسة بالحق. وقصتهما : أنّ الله تعالى أوحى إلى آدم أن يزوّج كل واحد منهما توأم الآخر وكانت حواء تلد لآدم كل بطن غلاماً وجارية وظاهر كلام المؤرّخين أنّ آدم لا يحل له أن يتزوّج بواحدة من بناته ولا من بنات أولاده، ولهذا ألغز بعضهم بقوله : ماتت زوجة رجل فحرم عليه نساء الدنيا وكان جميع ما ولدته أربعين ولداً في عشرين بطناً أولهم قابيل وتوأمته اقليما وثانيهم هابيل وتأومته يلودا وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أمّ المغيث، ثم بارك الله تعالى في نسل آدم عليه السلام، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفاً فأراد آدم أن ينكح قابيل يلودا أخت هابيل وينكح هابيل اقليما وكانت أخت قابيل أحسن من أخت هابيل فذكر ذلك لولده فرضي هابيل وسخط قابيل وقال : هي أختي وأنا أحق بها فقال له أبوه : إنها لا تحل لك فأبى أن يقبل ذلك وقال : إنّ الله لم يأمر بهذا وإنما هو من رأيك فقال لهما آدم : قربا قرباناً فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت من السماء نار بيضاء فأكلتها وإذا لم تكن مقبولة لم تنزل النار وأكله الطير والسباع فخرجا ليقربا وكان قابيل صاحب زرع فقرب صبرة من طعام من أردأ زرعه وأضمر في نفسه ما أبالي تقبل مني أم لا لا يتزوّج أختي أبداً وكان هابيل صاحب غنم فعمد إلى أحسن كبش في غنمه فقرّبه، وأضمر في نفسه رضا الله عز وجل فوضعا قربانهما على الجبل ثم دعا آدم فنزلت نار من السماء فأكلت قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل كما قال تعالى :﴿إذ قرّبا قرباناً فتقبل من أحدهما﴾ وهو هابيل ﴿ولم يتقبل من الآخر﴾ وهو قابيل لأنه سخط حكم الله ولم يخلص النية في قربانه وقصد إلى أخس ما عنده فغضب قابيل لردّ قربانه وأضمر الحسد في نفسه إلى أن أتى آدم مكة لزيارة البيت الحرام فلما غاب آدم أتى قابيل لهابيل وهو في غنمه ﴿قال لأقتلنك﴾ قال : ولم ؟ قال : لأنّ الله تعالى قبل قربانك وردّ قرباني وتنكح أختي الحسناء وأنكح أختك الدميمة فيتحدّث الناس أنك خير مني ويفتخر ولدك على ولدي ﴿قال﴾ هابيل وما ذنبي ؟ ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾.
فإن قيل : كيف كان قول هابيل إنما يتقبل الله من المتقين جواباً لقوله لأقتلنك ؟ أجيب : بأنه لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له : إنما أوتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى لا من قبلي فلم تقتلني ومالك لا تعاقب نفسك ولا تحملها على تقوى الله تعالى التي هي السبب في القبول فأجابه بكلام حليم مختصر جامع لمعانٍ وفيه إشارة إلى أنّ الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره ويجتهد في تحصيل ما صار به المحسود محظوظاً لا في إزالة حظ المحسود فإنّ ذلك مما يضرّه ولا ينفعه وأنّ الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متَّقٍ، وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له : ما يبكيك وقد كنت وكنت فقال : إني أسمع الله يقول :﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾.
المائدة 5:28
﴿لئن﴾ لام قسم ﴿بسطت﴾ أي : مددت ﴿إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله ربّ العالمين﴾ قال عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما : وايم الله إن كان المقتول لأشدّ الرجلين ولكن منعه التحرّج أن يبسط إلى أخيه يده خوفاً من الله عز وجل لأن الدفع لم يبح بعد أو تحرّياً لما هو الأفضل، قال عليه الصلاة والسلام :( كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل ) وإنما قال : ما أنا بباسط في جواب لئن بسطت للتبري عن هذا الفعل الشنيع رأساً والتحرّز من أن يوصف به ويطلق عليه ولذلك أكد النفي بالباء. وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص بفتح الياء من يدي والباقون بالسكون، واتفق القراء السبعة على بقاء صفة الطاء في بسطت وإدغام الطاء في التاء لأنّ مخرج الطاء والتاء واحد ولكن الصفة مختلفه فالطاء منطبقة والتاء منفتحة والطاء مستعلية والتاء مستقلة والطاء مجهورة والتاء مهموسة ويقال في ذلك : إدغام الحرف وإبقاء الصفة.
المائدة 5:29
﴿إني أريد أن تبوء﴾ أي : ترجع ﴿بإثمي﴾ أي : بإثم قتلي ﴿وإثمك﴾ الذي ارتكبته من قبل ﴿فتكون من أصحاب النار﴾ ولا أريد أن أبوء بإثمك إذا قتلتك فأكون منهم.
فإن قيل : كيف قال : أريد أن تبوء بإثمي وإثمك وإرادة القتل والمعصية لا تجوز ؟ أجيب : بأنّ ذلك ليس بحقيقةِ إرادة، لكنه لما علم أنه يقتله لا محالة ووطن نفسه على الاستسلام طلباً للثواب فكأنه صار مريداً لقتله مجازاً وإن لم يكن مريداً حقيقة ﴿وذلك جزاء الظالمين﴾ أي : الراسخين في وصف الظلم وأكون أنا من أصحاب الجنة جزاء لي بإحساني في إيثاري حياتك على حياتي وذلك جزاء المحسنين.
المائدة 5:30
﴿فطوّعت﴾ قال قتادة : فزينت ﴿له نفسه قتل أخيه فقتله﴾ قال ابن جريج : تمثل له إبليس وأخذ له طائراً ووضع رأسه على حجر وشدخ رأسه بحجر آخر وقابيل ينظر إليه فعلمه القتل فرضخ قابيل رأس هابيل بين حجرين وقتله وهو مستسلم وقيل : اغتاله في النوم وهو نائم فشدخ رأسه فقتله ﴿فأصبح﴾ أي : فصار ﴿من الخاسرين﴾ بقتله.
المائدة 5:31
ولم يدر ما يصنع به لأنه أوّل ميت على وجه الأرض من بني آدم وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة فحمله بعد قتله في جراب أربعين يوماً وقال ابن عباس : سنة حتى أروح وعكف عليه الطير والسباع تنظر متى يرمي فتأكله فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره ورجليه حتى مكنّه ثم ألقاه في الحفرة وواراه وقابيل ينظر إليه. فذلك قوله تعالى :﴿فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه﴾ أي : الله أو ليريه الغراب أي : ليعلمه ؛ لأنه لما كان سبب تعليمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز ﴿كيف يواري﴾ أي : يستر ﴿سوأة﴾ أي : جيفة ﴿أخيه﴾ وقيل : عورته لأنه كان سلبه ثيابه فلما رأى قابيل ذلك ﴿قال يا ويلتي﴾ كلمة جزع وتحسر والألف فيها بدل من ياء المتكلم والمعنى : يا ويلتي احضري فهذا أوانك والويل والويلة الهلكة ﴿أعجزت﴾ أي : مع ما جعل الله لي من القوّة الناطقة ﴿أن﴾ أي : عن أن ﴿أكون﴾ مع مالي من الجوارح الصالحة لأعظم من ذلك ﴿مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي﴾ أي : لأهتدي إلى ما اهتدى إليه وقوله تعالى :﴿فأواري﴾ عطف على أكون وليس جواب الاستفهام إذ ليس المعنى لو عجزت لواريت ﴿فأصبح﴾ أي : بسبب قتله ﴿من النادمين﴾ أي : على ما فعل لأنه فقد أخاه وأغضب ربه وأباه وما انتفع من قتله بشيء، قال المطلب بن عبد الله بن حنطب : لما قتل ابن آدم أخاه رجّت الأرض بما فيها سبعة أيام وعن ابن عباس لما قتله، وكان آدم عليه السلام بمكة اشتاك الشجر وتغيرت الأطعمة وحمضت وأمرّ الماء واغبرّت الأرض فقال آدم عليه السلام : قد حدث في الأرض حدث.
وروي أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض وشربت الأرض الدم فسأله آدم عليه السلام بعد مجيئه من مكة عن أخيه فقال : ما كنت عليه وكيلاً فقال : بل قتلته ولذلك اسودّ جسدك قال : فأين دمه إن كنت قتلته فحرّم الله عز وجل على الأرض من يومئذٍ أن تشرب دماً بعده أبداً، وعن الواقدي : أنّ السودان كلهم من ولده وعن محمد بن إسحاق : كان نوح نائماً فرآه ابنه حام عرياناً فلم يستره فاسودّ في الوقت فالسودان من ولده ورآه ابنه سام فستره.
وروي أنّ آدم صلوات الله وسلامه عليه مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك وأنه لما أتى من مكة إلى الهند رثاه بشعر وهو :
تغيرت البلاد ومن عليها؍ فوجه الأرض مغبرّ قبيح؍
تغير كل ذي طعم ولون؍ وقل بشاشة الوجه المليح؍
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : من قال إنّ آدم قال شعراً فقد كذب إنّ محمداً والأنبياء كلهم عليهم الصلاة والسلام في النهي عن الشعر سواء.
وروي أنه رثاه فلم يزل ينتقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان وكان يقول الشعر فنظر إلى المرثية فإذا هي سجع فقال : إنّ هذا يقوم منه شعر فرد المقدّم إلى المؤخر والمؤخر إلى المقدّم فوزنه شعراً وزيد فيه أبيات منها :
أرى طول الحياة عليّ غماً؍ فهل أنا من حياتي مستريح؍
ومالي لا أجود بسكب دمع؍ وهابيل تضمنه الضريح؍
فلما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمسين سنة ولدت له حواء شيئاً وتفسيره هبة الله أي : إنه خلف الله من هابيل علّمه الله ساعات الليل والنهار وأعلمه الله عبادة الخلق في كل ساعة منها وأنزل عليه خمسين صحيفة وصار وصي آدم وولي عهده. وأمّا قابيل فقيل له : اذهب طريداً شريداً فزعاً مرعوباً لا يأمن من يراه، فأخذ بيد أخته أقليماً وهرب بها إلى عدن من أرض اليمن فأتاه إبليس لعنه الله تعالى وقال له : إنما أكلت النار قربان أخيك لأنه كان يعبد النار فانصب أنت ناراً تكون لك ولعقبك فبنى بيت النار فهو أوّل من عبد النار، قال مجاهد : واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع والطبول والمزامير والعيدان والطنابير وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والزنا والفواحش حتى أغرقهم الله تعالى بالطوفان أيام نوح عليه السلام، وبقي نسل شيث عليه السلام، قال البقاعي في تفسيره : والله أعلم بما يروى من ذلك ولا يعتمد على مثل هذه الأحاديث، وقد أحسن الطبري بقوله : أخبر الله تعالى بقتله ولا خبر يقطع العذر بصفة قتله على ما ذكرنا منه في مثله ولا فائدة في طلب الصحيح منه في الدين اه.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها لأنه أوّل من سنّ القتل ).
المائدة 5:32
﴿من أجل ذلك﴾ أي : الذي فعله قابيل ﴿كتبنا﴾ أي : قضينا ﴿على بني إسرائيل﴾ في التوراة لأنهم كانوا أشدّ الناس جراءة على القتل ولذلك كانوا يقتلون الأنبياء ﴿إنه﴾ أي : الشأن ﴿من قتل نفساً﴾ أي : من بني آدم ﴿بغير نفس﴾ أي : بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص ﴿أو﴾ قتلها بغير ﴿فساد﴾ أتاه ﴿في الأرض﴾ كالشرك والزنا بعد الإحصان وقطع الطريق وكل ما يبيح إراقة الدم ﴿فكأنما قتل الناس جميعاً﴾ أي : من حيث هتك حرمة الدماء وسنّ القتل وجراءة الناس عليه أو من حيث أن قتل الواحد وقتل الجميع سواء في استحلال غضب الله والعذاب العظيم.
﴿ومن أحياها﴾ أي : بسبب من الأسباب كإنقاذ من هلكة أو غرق أو دفع من يريد أن يقتلها ظلماً ﴿فكأنما أحيا الناس جميعاً﴾ قال ابن عباس : من حيث عدم انتهاك حرمتها وصونها قال سليمان بن علي : قلت للحسن يا أبا سعيد أهي لنا أي : هذه الآية كما كانت لبني إسرائيل ؟ قال : إي، والذي لا إله غيره ما كانت دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا اه. ومما يحسن إيراده هنا ما ينسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقيل : إنه للشافعيّ رحمه الله تعالى :
الناس من جهة التمثيل أكفاء؍ أبوهم آدم والأمّ حوّاء؍
نفس كنفس وأرواح مشاكلة؍ وأعظم خلقت فيهم وأعضاء؍
فإن يكن لهم في أصلهم حسب؍ يفاخرون به فالطين والماء؍
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم؍ على الهدى لمن استهدى أدلاء؍
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه؍ وللرجال على الأفعال أسماء؍
وضدّ كل امرئ ما كان يجهله؍ والجاهلون لأهل العلم أعداء؍
ففز بعلم تعش حياً به أبداً؍ فالناس موتى وأهل العلم أحياء؍
﴿ولقد جاءتهم﴾ أي : بني إسرائيل ﴿رسلنا بالبينات﴾ أي : المعجزات وقرأ أبو عمرو بسكون السين والباقون بضمها ﴿ثم إنّ كثيراً منهم بعد ذلك﴾ أي : بعدما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحة تأكيداً للأمر وتجديداً للعهد ﴿في الأرض لمسرفون﴾ أي : مجاوزون الحدّ بالكفر والقتل وغير ذلك ولا يبالون به وبهذا اتصلت القصة بما قبلها.
ونزل في العرنيين ( لما قدموا المدينة وهم مرضى أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام وهم كذبة فبعثهم النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة ليشربوا من ألبانها وأبوالها فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الإبل ).
المائدة 5:33
﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ أي : يحاربون أولياءهما وهم المسلمون جعل محاربتهم محاربتهما تعظيماً ﴿ويسعون في الأرض فساداً﴾ أي : بقطع الطريق ﴿أن يقتلوا﴾ أي : إن قتلوا ﴿أو يصلبوا﴾ أي : مع ذلك إن قتلوا وأخذوا المال أي : والصلب ثلاثاً بعد القتل ﴿أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف﴾ أي : أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى إن اقتصروا على أخذ المال ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ أي : إن أرعبوا ولم يأخذوا شيئاً أي : ينفوا من بلد إلى بلد إن رأى الإمام ذلك وإن رأى حبسهم فله ذلك ولو في بلدهم، هكذا فسر الآية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فحمل كلمة أو على التنويع لا التخيير كما في قوله تعالى :﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى﴾ ( البقرة، ١٣٥ ) أي : قالت اليهود : كونوا هوداً وقالت النصارى : كونوا نصارى إذ لم يخيّر أحد منهم بين اليهودية والنصرانية ﴿ذلك﴾ أي : الجزاء العظيم ﴿لهم خزي﴾ أي : ذل وإهانة ﴿في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ هو عذاب النار واحتج أكثر أهل العلم على أنّ هذه الآية نزلت في قطاع الطريق بقوله تعالى :
﴿إلا الذين تابوا﴾
المائدة 5:34
﴿إلا الذين تابوا﴾ أي : رجعوا عما كانوا عليه من المحاربة خوفاً من الله تعالى ﴿من قبل أن تقدروا عليهم﴾ أي : فإنّ حقوقه تعالى تسقط عنهم كالقطع والصلب وتحتم القتل ويبقى القصاص والمال لأنه حق آدمي لا يسقط بالتوبة ﴿فاعلموا أنّ الله غفور﴾ لهم ما أتوه ﴿رحيم﴾ بهم، ولو كانت نزلت في الكفار لكانت توبتهم بالإسلام وهو رافع للعقوبة قبل القدرة وبعدها.
المائدة 5:35
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾ أي : خافوا عقابه بأن تطيعوه ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾ أي : اطلبوا ما تتوسلون به إلى ثوابه، والزلفى منه من فعل الطاعات وترك المعاصي من وسل إلى كذا إذا تقرّب إليه قال لبيد :
أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم؍ ألا كلّ ذي لب إلى الله وَاسِلَ؍
وفي الحديث «الوسيلة منزلة في الجنة » ﴿وجاهدوا في سبيله﴾ بمحاربه أعدائه لتكون كلمة الله هي العليا ﴿لعلكم تفلحون﴾ بالوصول إلى الله عز وجل والفوز بكرامته.
المائدة 5:36
﴿إنّ الذين كفروا لو﴾ ثبت ﴿أنّ لهم ما في الأرض﴾ من صنوف الأموال وأكده بقوله :﴿جميعاً ومثله معه ليفتدوا به﴾ أي : ليجعلوه فدية لأنفسهم ﴿من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم﴾ أي : لأنّ المدفوع إليه ذلك تامّ القدرة وله الغنى المطلق ﴿ولهم﴾ بعد ذلك ﴿عذاب أليم﴾ أي : مؤلم.
المائدة 5:37
﴿يريدون أن يخرجوا﴾ أي : أن يكون لهم الخروج في وقت مّا إذا رفعهم اللهب إلى أن يكاد أن يلقيهم خارجاً ﴿من النار﴾ ثم نفى خروجهم على وجه التأكيد فقال :﴿وما هم بخارجين منها﴾ أي : ما يثبت لهم خروج أصلاً ﴿ولهم﴾ خاصة دون عصاة المؤمنين ﴿عذاب مقيم﴾ أي : دائم تارة بالبرد وتارة بالحرّ وتارة بغيرهما.
فإن قيل : قال تعالى :﴿لا يذوقون فيها برداً﴾ ( النبأ، ٢٤ ) فهو ينافي ما ذكر أجيب : بأن المراد بالبرد في الآية النوم فلا منافاة.
المائدة 5:38
وأل في قوله تعالى :
﴿والسارق والسارقة﴾ موصولة مبتدأ أي : والذي سرق والتي سرقت ولشبهه بالشرط دخلت الفاء في خبره وهو ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ أي : يمين كلّ واحد منهما من الكوع كما بيّنته السنة كما بيّنت أنه لا بدّ أن يكون المسروق ربع دينار فصاعداً من حرز مثله من غير شبهة له فيه، وأنه إذا عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم ثم اليد اليسرى ثم الرجل اليمنى ثم بعد ذلك يعزر.
ثم علّل تعالى ذلك بقوله :﴿جزاء بما كسبا﴾ أي : فعلا من ذلك ثم علّل تعالى هذا الجزاء بقوله :﴿نكالاً﴾ أي : عقوبة لهما ﴿من الله﴾ وأعاد الاسم الأعظم تعظيماً للأمر فقال :﴿والله عزيز﴾ أي : غالب على أمره ﴿حكيم﴾ أي : بالغ الحكم والحكمة في خلقه.
المائدة 5:39
﴿فمن تاب﴾ أي : من السراق ﴿من بعد ظلمه﴾ أي : سرقته ﴿وأصلح﴾ أمره بالتخلص من التبعات والعزم على أن لا يعود إليها ﴿فإنّ الله يتوب عليه﴾ أي : يقبل توبته تفضلاً منه تعالى ﴿إنّ الله غفور رحيم﴾ فلا يعذبه في الآخرة، وأمّا القطع فلا يسقط عنه بالتوبة عند الأكثرين وإذا قطع السارق يجب عليه غرم ما سرق من المال عند أكثر أهل العلم، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي : لا غرم عليه وبالاتفاق إن كان المسروق قائماً عنده يسترد وتقطع يده لأنّ القطع حق الله عز وجل والغرم حق العبد ولا يمنع أحدهما الآخر.
المائدة 5:40
وقوله تعالى :
﴿ألم تعلم﴾ الاستفهام للتقرير والخطاب مع النبيّ صلى الله عليه وسلم وقيل : معناه ألم تعلم أيها الإنسان فيكون خطاباً لكل أحد من الناس ﴿أنّ الله له ملك السماوات والأرض﴾ أي : أنّ الملك خالص له عن جميع الشوائب ﴿يعذب من يشاء﴾ تعذيبه ﴿ويغفر لمن يشاء﴾ المغفرة له ﴿والله على كلّ شيء قدير﴾ أي : ومنه التعذيب والمغفرة فليس هو كغيره من الملوك الذين قد يعجز أحدهم عن تقريب ابنه وتبعيد أعدى عدوّه.
المائدة 5:41
﴿يا أيها الرسول﴾ أي : المبلغ لما أرسل به وقوله تعالى :﴿لا يحزنك﴾ قرأ نافع بضمّ الياء وكسر الزاي والباقون بفتح الياء وضم الزاي ﴿الذين يسارعون في الكفر﴾ أي : يقعون فيه بسرعة بأن يظهروه إذا وجدوا منه فرصة وقوله تعالى :﴿من الذين قالوا آمنا﴾ للبيان وقوله تعالى :﴿بأفواههم﴾ أي : بألسنتهم متعلق بقالوا ﴿ولم تؤمن قلوبهم﴾ وهم المنافقون وقوله تعالى :﴿ومن الذين هادوا﴾ عطف على من الذين قالوا وقوله تعالى :﴿سماعون للكذب﴾ خبر مبتدأ محذوف أي : هم سماعون والضمير في سماعون للفريقين أو للذين يسارعون ويجوز أن يكون مبتدأ ومن الذين خبره أي : ومن اليهود قوم سماعون للكذب الذي افترته أحبارهم سماع قبول ﴿سماعون﴾ منك ﴿لقوم﴾ أي : لأجل قوم ﴿آخرين﴾ من اليهود ﴿لم يأتوك﴾ أي : لم يحضروا مجلسك وتجافوا عنك تكبراً وإفراطاً في البغضاء ﴿يحرّفون الكلم﴾ أي : الذي في التوراة كآية الرجم ﴿من بعد مواضعه﴾ أي : التي وضعها الله عليها أي : يبدلونه ﴿يقولون﴾ أي : الذين يحرّفونه لمن يرسلونهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿إن أوتيتم هذا﴾ أي : المحرّف أي : أفتاكم به محمد صلى الله عليه وسلم ﴿فخذوه﴾ أي : فاقبلوه منه واعلموا أنه الحق واعملوا به ﴿وإن لم تؤتوه﴾ أي : بأنّ أفتاكم بخلافه ﴿فاحذروا﴾ أن تقبلوه منه فإنه الباطل والضلال.
روي أنّ شريفاً في خيبر زنا بشريفة وكانا محصنين وحدّهما الرجم في التوراة فكرهوا رجمهما لشرفهما وقالوا : إنّ هذا الرجل الذي بيثرب ليس في كتابه الرجم ولكن الضرب فأرسلوهما مع رهط منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وقالوا : إن أمركم بالجلد والتحميم أي : تسويد الوجه من الحُمّة بالضم والتشديد وهي السواد فاقبلوا وإن أمركم بالرجم فلا تأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدّهما في كتابك ؟ فقال :( هل ترضون بقضائي ؟ ) فقالوا : نعم، فنزل جبريل عليه السلام بالرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :( هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا ؟ ) قالوا : نعم فقال : هو أي رجل فيكم ؟ فقالوا : هو أعلم يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى بن عمران في التوراة، قال :«فأرسلوا إليه » ففعلوا فأتاهم فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم «أنت ابن صوريا ؟ » قال : نعم قال :«أعلم اليهود » قال : كذلك يزعمون قال :«تجعلونه بيني وبينكم ؟ » قالوا : نعم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن ؟ ) قال : نعم فوثب عليه سفلة اليهود فقال : خفت إن كذبت أن ينزل علينا العذاب، ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله النبيّ الأميّ العربيّ الذي بشر به المرسلون فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب مسجده وقال :( اللهمّ إني أول من أحيا أمرك إذا ما أتوه فأنزل الله عز وجل ﴿يا أيها الرسول﴾ الآية.
وروي أنّ اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أنّ رجلاً منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ ) قالوا : نفضحهم ويجلدون قال عبد الله بن سلام : كذبتم إنّ فيها آية الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهما يده على آية الرجم وقرأ ما بعدها فقال له عبد الله : ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرّجم قالوا : صدقت يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما : فرأيت الرجل يقي بيده عن المرأة الحجارة ).
فائدة : كانت آية الرجم في القرآن فنسخت تلاوتها وبقي حكمها، روى البيهقي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال في خطبته : إن الله بعث محمداً وأنزل عليه كتاباً وكان فيما أنزل عليه آية الرجم فتلوناها ووعيناها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم وسيأتي الكلام في سورة الأحزاب أنّ هذه الآية كانت فيها.
﴿ومن يرد الله فتنته﴾ أي : إضلاله أو فضيحته ﴿فلن تملك﴾ أي : لن تستطيع ﴿له من الله شيئاً﴾ في دفعها إذا لم تملك أنت، وأنت أقرب الخلق إلى الله تعالى فمن يملك ﴿أولئك﴾ أي : البعداء من الهدى ﴿الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم﴾ أي : من الكفر ولو أراده لكان وهذا كما ترى نصّ على فساد قول المعتزلة بأنه أراد ذلك ﴿لهم في الدنيا خزي﴾ أي : ذلٌّ بالفضيحة والجزية والخوف من المؤمنين ﴿ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ وهو الخلود في النار والضمير للذين هادوا إن استأنفت بقوله تعالى :﴿ومن الذين﴾ وإلا فللفريقين.
المائدة 5:42
وقوله تعالى :
﴿سماعون للكذب﴾ كرره للتأكيد ﴿أكَّالون للسحت﴾ وهو كل ما لا يحل كسبه وهو من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة كما قال الله تعالى :﴿يمحق الله الربا﴾ ( البقرة، ٢٧٦ ) والربا باب منه وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام، وعن الحسن رحمه الله تعالى : كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه أحدهم برشوة جعلها في كمه فأراه إياها وتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه فيأكل الرشوة ويسمع الكذب وعنه صلى الله عليه وسلم :( كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به ) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بضم الحاء والباقون بالسكون.
﴿فإن جاؤوك﴾ أي : لتحكم فيهم ﴿فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ هذا تخيير لرسول الله صلى الله عليه وسلم واختلفوا هل نسخ هذا التخيير أم لا ؟ فقال أكثر أهل العلم : هو محكم ثابت وليس في سورة المائدة منسوخ، وحكّام المسلمين بالخيار في الحكم بين أهل الكتاب إن شاؤوا حكموا وإن شاءوا لم يحكموا بحكم الإسلام وهو قول النخعيّ والشعبيّ وعطاء وقتادة وقال قوم : يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بينهم والآية منسوخة نسخها قوله تعالى :﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ ( المائدة، ٤٩ ) وهو قول مجاهد وعكرمة ومرويّ ذلك أيضاً عن ابن عباس وقال : لم ينسخ من المائدة إلا آيتان قوله تعالى :﴿لا تحلوا شعائر الله﴾ ( المائدة، ٢ ) نسخها قوله تعالى :﴿فاقتلوا المشركين﴾ ( التوبة، ٥ ) وقوله تعالى :﴿فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ ( المائدة، ٤٢ ) نسخها قوله تعالى :﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ ( المائدة، ٤٩ ) ومذهب الشافعيّ رضي الله تعالى عنه أنّ الذمّيين وإن اختلفت ملتهما كيهوديّ ونصرانيّ يجب الحكم بينهما عند الترافع، وكذا الذمي مع المعاهد بخلاف المعاهدين فإنّ الحكم لا يجب بينهما ؛ لأنهم لم يلتزموا بأحكامنا ولا التزمنا دفع بعضهم عن بعض فيحمل التخيير على هذا، والآية الأخرى على أهل الذمّة ويعلم من ذلك أنّ الحكم بين الحربيين لا يجب بطريق الأولى ولو ترافع إلينا ذميان في شرب خمر لم نحدّهما وإن رضيا بحكمنا لأنهما لا يعتقدان تحريمه ولو ترافع إلينا مسلم وذمي وجب الحكم بينهما إجماعاً ﴿وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً﴾ بأن يعادوك لإعراضك عنهم فإنّ الله تعالى يعصمك من الناس ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ أي : بالعدل الذي أمر الله تعالى به ﴿إنّ الله يحب﴾ أي : يثيب ﴿المقسطين﴾ أي : العادلين في الحكم.
المائدة 5:43
وقوله تعالى :
﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله﴾ استفهام تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به والحال أنّ الحكم منصوص عليه في كتابهم الذي هو عندهم، وتنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع وإنما طلبوا منه ما يكون أهون عليهم وإن لم يكن حكم الله تعالى في زعمهم ﴿ثم يتولون﴾ أي : يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم ﴿من بعد ذلك﴾ التحكيم وهذا داخل في حكم التعجب فإنه معطوف على يحكمونك ﴿وما أولئك﴾ أي : السعداء من الله ﴿بالمؤمنين﴾ أي : بكتابهم لإعراضهم عنه أوّلاً أو بك وبه.
المائدة 5:44
﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى﴾ يهدي من الضلالة إلى الحق ﴿ونور﴾ يكشف ما اشتبه عليهم من الأحكام ﴿يحكم بها النبيون﴾ أي : من بني إسرائيل وقوله تعالى :﴿الذين أسلموا﴾ ذكر على وجه الصفة للأنبياء للتنويه بشأن الصفة دون التخصيص والتمييز ؛ لأنهم كلهم بهذه الصفة منقادون لله تعالى وللتنبيه على عظم قدرها حيث وصف بها عظيم كما وصف الأنبياء بالصلاح والملائكة بالإيمان فإنّ أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف وقوله تعالى :﴿للذين هادوا﴾ متعلق بأنزل أو بيحكم أي : يحكمون بها في تحاكمهم وهو يدلّ على أنّ النبيين أنبياؤهم وقوله تعالى :﴿والربَّانيون﴾ أي : الزهّاد الذين انسلخوا من الدنيا وبالغوا فيما يوجب النسبة إلى الرّب ﴿والأحبار﴾ أي : العلماء السالكون طريقة أنبيائهم عطف على النبيون ﴿بما﴾ أي : بسبب الذي ﴿استحفظوا﴾ أي : استودعوه ﴿من كتاب الله﴾ أي : استحفظهم الله تعالى إياه بأن يحفظوه من التضييع والتحريف أو بأن يحفظ فلا ينسى وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتاب الله من هذين الوجهين معاً : أحدهما : أن يحفظ في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم والثاني : أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه والراجع إلى ما محذوف، ومن للتبيين والضمير في استحفظوا للأنبياء والربانيين والأحبار جميعاً وكذلك الضمير في قوله تعالى :﴿وكانوا عليه شهداء﴾ أي : رقباء حاضرين لا يغيبون عنه ولا يتركون مراعاته أصلاً وقوله تعالى :﴿فلا تخشوا الناس واخشونِ﴾ نهي للحكام أن يخشوا غير الله تعالى في حكوماتهم خوفاً من سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد من الأقرباء والأصدقاء، وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء في الوصل دون الوقف والباقون بحذفها وصلاً ووقفاً ﴿ولا تشتروا﴾ أي : تستبدلوا ﴿بآياتي﴾ أي : بأحكامي التي أنزلتها ﴿ثمناً قليلاً﴾ أي : من الرشا وغيرها لتكتموا أو تبدلوها كما فعل أهل الكتاب وقوله تعالى :﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ قال عكرمة : معناه ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً له فقد كفر ومن أقرّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق فحمل الآيات على هذا وهو ظاهر، وقال الضحاك وقتادة : نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود دون من أساء من هذه الأمة وقيل : أولئك هم الكافرون في المسلمين لاتصالها بخطابهم والظالمون في اليهود والفاسقون في النصارى.
المائدة 5:45
﴿وكتبنا﴾ أي : فرضنا ﴿عليهم﴾ أي : اليهود ﴿فيها﴾ أي : التوراة ﴿أن النفس﴾ تقتل ﴿بالنفس﴾ إذا قتلتها ﴿والعين﴾ تفقأ ﴿بالعين﴾ أي : بعين من فقأها ﴿والأنف﴾ تجدع ﴿بالأنف﴾ أي : بأنف من جدعه ﴿والأذن﴾ تقطع ﴿بالأذن﴾ أي : بأذن من قطعها ﴿والسنّ﴾ تقلع ﴿بالسنّ﴾ أي : بسنّ من قلعها ﴿والجروح قصاص﴾ أي : يقتص فيها إذا أمكن كاليد والرجل والذكر ونحو ذلك وما لا يمكن فيه القصاص فيه الحكومة وهذا الحكم وإن كتب عليهم فهو مفروض في شرعنا.
وقرأ الكسائي هذه الألفاظ الخمسة وهي : العين بالعين إلى آخرها بالرفع على أنها جمل معطوفة على «أنّ » وما في حيزها باعتبار المعنى، وكأنه قيل : كتبنا عليهم النفس بالنفس والعين بالعين فإنّ الكتابة والقراءة يقعان على الجمل كالقول أو مستأنفة ووافق الكسائي ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر في الجروح فقط والباقون بالنصب في الجميع وسكن نافع الذال من الأذن وقرأ الباقون برفعها.
﴿فمن تصدّق به﴾ أي : القصاص بأن مكن من نفسه ﴿فهو﴾ أي : التصدّق بالقصاص ﴿كفارة له﴾ أي : لما أتاه فلا يعاقب ثانياً في الآخرة وقيل : فمن تصدّق به من أصحاب الحق فالتصدُق به كفارة للمتصدِق يكفر الله تعالى به من سيآته ما تقتضيه الموازنة كسائر طاعاته، وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما : تهدم عنه ذنوبه بقدر ما تصدق به. وقيل : فهو كفارة للجاني إذا تجاوز عنه صاحب الحق سقط عنه ما لزمه ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله﴾ أي : في القصاص وغيره ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ أي : الذين تركوا العدل فضلّوا فصاروا كمن يمشي في الظلام فإن كان تديُّناً بالترك كان نهاية للظلم وهو الكفر وإلا كان عصياناً لأنّ الله تعالى أحق أن يخشى ويرجى.
المائدة 5:46
﴿وقفينا﴾ أي : أتبعنا ﴿على آثارهم﴾ أي : النبيّين الذين يحكمون بالتوراة ﴿بعيسى بن مريم﴾ صلى الله عليه وسلم ونسبه تعالى إلى أمّه إشارة إلى أنّه لا والد له تكذيباً لليهود وإلى أنه عبد مربوب تكذيباً للنصارى ﴿مصدّقاً لما بين يديه﴾ أي : قبله مما أتى به موسى عليه السلام ﴿من التوراة﴾ وأشار تعالى بقوله :﴿وآتيناه الإنجيل﴾ أي : أنزلناه عليه كما أنزلنا التوراة على موسى عليهما الصلاة والسلام إلى أنه ناسخ لكثير من أحكامها ﴿فيه هدى﴾ من الضلالة ﴿ونور﴾ أي : بيان للأحكام وقوله تعالى :﴿ومصدّقاً﴾ أي : الإنجيل حال ﴿لما بين يديه﴾ أي : قبله.
ولما كان الذي نزل قبله كثيراً بين المراد بقوله :﴿من التوراة﴾ أي : لما فيها من الأحكام فالأول : صفة لعيسى عليه الصلاة والسلام والثاني : صفة لكتابه أي : فهو والتوراة والإنجيل يتصادقون فكل من الكتابين يصدق الآخر وهو يصدقهما لم يتخالفوا في شيء بل هو متخلق بجميع ما أتى به ﴿وهدى وموعظة للمتقين﴾ أي : كل ما فيه يهتدون به ويتعظون فترق قلوبهم ويعتبرون به.
المائدة 5:47
﴿وليحكم أهل الإنجيل﴾ وهم اتباع عيسى عليه الصلاة والسلام ﴿بما أنزل الله فيه﴾ أي : من الأحكام، وقرأ حمزة بكسر اللام ونصب الميم عطفاً على معمول آتيناه والباقون بكسر اللام وسكون الميم على الأمر أي : فلينته أهل التوراة عما نسخ منها وليحكم أهل الإنجيل الخ. . ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ أي : المختصّون بكمال الفسق فإن كان تديّناً كان كفراً وإن كان لاتّباع الشهوات كان مجرد معصية لأنّ الحظوظ والشهوات تحمل على الخروج من دائرة الشّرع مرّة بعد أخرى.
المائدة 5:48
﴿وأنزلنا إليك﴾ يا محمد خاصة ﴿الكتاب﴾ أي : الكامل في جمعه لكل ما يطلب منه وهو القرآن وقوله تعالى :﴿بالحق﴾ متعلق بأنزلنا ﴿مصدّقاً لما بين يديه﴾ أي : قبله.
لما كانت الكتب السماوية من شدّة تصادقها كالشيء الواحد عبّر تعالى بالمفرد فقال :﴿من الكتاب﴾ أي : الكتب المنزّلة التي جاء بها الأنبياء من قبل، فاللام الأولى في الكتاب للعهد ؛ لأنه عني به القرآن والثانية للجنس لأنه عني به جنس الكتب المنزلة ﴿ومهيمناً عليه﴾ أي : رقيباً على سائر الكتب أي : يحفظها من التغيير والتبديل ويشهد لها بالصحة والثبات ﴿فاحكم بينهم﴾ أي : بين جميع أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك ﴿بما أنزل الله﴾ إليك في هذا الكتاب الناسخ لكتبهم المهيمن عليها في إثبات ما أسقطوه منها من أمرهم باتباعك ونحو ذلك من أوصافك ﴿ولا تتبع أهواءهم﴾ فيما خالفه عادلاً ﴿عما جاءك من الحق﴾ بالانحراف عنه إلى ما يشتهونه.
﴿لكل جعلنا منكم﴾ أيّها الأمم ﴿شرعة﴾ أي : ديناً موصلاً إلى الحياة الأبدية والشرعة هي الطريقة إلى الماء، شبّه بها الدّين لأنها موصلة إلى الماء الذي به الحياة الدنيوية ﴿ومنهاجاً﴾ أي : طريقاً واضحاً في الدين ناسخاً لما قبله، وقد جعلنا شرعتك ناسخة لجميع الشرائع وأمثاله مما يدل على أنا لسنا متعبدين بالشرائع المتقدّمة وأنّ كل رسول غير متعبد بشرع من قبله وهو محمول على الفروع وما دلّ على الاجتماع كآية شرع لكم من الدين محمول على الأصول.
﴿ولو شاء الله لجعلكم أمّة﴾ أي : جماعة ﴿واحدة﴾ أي : متفقة على دين واحد في جميع الأعصار من غير نسخ وتحويل ﴿ولكن﴾ لم يشأ ذلك بل شاء أن تكونوا على شرائع مختلفة ﴿ليبلوكم﴾ أي : ليختبركم ﴿فيما آتاكم﴾ من الشرائع المختلفة ليبرز إلى الوجود المطيع منكم والعاصي ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ أي : ابتدروها انتهازاً للفرصة بغاية الجهد فقل : من يسابق شخصاً يخشى العار بسبقه، وقوله تعالى :﴿إلى الله مرجعكم جميعاً﴾ أي : بالبعث استئناف فيه تعليل للأمر بالاستباق، ووعد للمبادرين ووعيد للمقصرين ﴿فينبئكم﴾ أي : يخبركم ﴿بما كنتم فيه تختلفون﴾ أي : من أمر الدين ويجزي كلاً منكم بعمله.
المائدة 5:49
وقوله تعالى :
﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ عطف على الكتاب أي : أنزلنا إليك الكتاب والحكم أو على الحق أي : أنزلناه بالحق وبأن أحكم، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر نون وأن احكم والباقون بضمها ﴿ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن﴾ أي : لئلا يفتنوك أي : يضلوك ويصرفوك ﴿عن بعض ما أنزل الله إليك﴾.
روي أنّ أحبار اليهود قالوا : اذهبوا بنا إلى محمد لعلّنا نفتنه عن دينه فقالوا : يا محمد قد عرفت أنّا أحبار اليهود وأنّا إن اتبعناك اتبعنا اليهود كلهم وأنّ بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ﴿فإن تولوا﴾ أي : عن الحكم المنزل وأرادوا غيره ﴿فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم﴾ أي : بالعقوبة في الدنيا ﴿ببعض ذنوبهم﴾ أي : التي أتوها ومنها التولي ويجازيهم على جميعها في الآخرة ﴿وإنّ كثيراً من الناس﴾ أي : هم وغيرهم ﴿لفاسقون﴾ أي : خارجون عن دائرة الطاعات ومعادن السعادات.
المائدة 5:50
﴿أفحكم الجاهلية﴾ أي : خاصة مع إنّ أحكامها لا يرضى بها عاقل لكونها لم يدع إليها كتاب بل هي مجرّد أهواء وهم أهل الكتاب ﴿يبغون﴾ أي : يريدون بإعراضهم عن حكمك مع ما دعا إليه كتابهم من اتباعك وشهد كتابك المعجز عن معارضته من وجوب رسالتك إلى جميع الخلائق وهذا استفهام إنكاري، وقرأ ابن عامر بالتاء على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وهو أدلّ على الغضب، والباقون بالياء على الغيبة. وقيل : نزلت في بني قريظة والنضير طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بما كان يحكم به الجاهلية من التفاضل بين القتلى أي : بين ديّات بعضهم على بعض ﴿ومن﴾ أي : لا أحد ﴿أحسن من الله حكماً لقوم﴾ أي : عند قوم ﴿يوقنون﴾ به خصّوا بالذكر ؛ لأنهم الذين يتدبرون الأمور ويتخيلون الأشياء بأنظارهم فيعلمون أن لا أحسن حكماً من الله جلا وعلا.
المائدة 5:51
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾ أي : توالونهم وتوادّونهم وتعاشرونهم معاشرة الأحباب وقوله تعالى :﴿بعضهم أولياء بعض﴾ فيه إيماء إلى علة النهي أي : فإنهم متفقون على خلافكم يوالي بعضهم بعضاً لاتحادهم في الدين وإجماعهم على مضارتكم ﴿ومن يتولهم منكم﴾ أي : ومن والاهم منكم ﴿فإنه منهم﴾ أي : من جملتهم وهذا تشديد في وجوب مجانبتهم أو لأنّ الموالين كانوا منافقين ﴿إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ أي : الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار، ومن لم يرد الله هدايته لم يقدر أحد أن يهديه.
تنبيه : اختلف في سبب نزول هذه الآية فقال قوم : نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق وذلك أنهما اختصما فقال عبادة : إنّ لي أولياء من اليهود كثيراً عددهم شديدة شوكتهم وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من موالاتهم ولا مولى لي إلا الله ورسوله فقال عبد الله : لكني لا أبرأ من ولاية اليهود لأني أخاف الدوائر ولا بد لي منهم فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال السدي : لما كانت وقعة أحد اشتدّت على طائفة من الناس وتخوّفوا أن تدال عليهم الكفار فقال رجل من المسلمين : أنا ألحق بفلان اليهودي آخذ منه أماناً إني أخاف أن تدال علينا اليهود وقال الآخر : أمّا أنا فألحق بفلان النصراني من أهل الشأم وآخذ منه أماناً فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال عكرمة : نزلت في أبي لبابة بن المنذر بعثه النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة حين حاصرهم فاستشاروه في النزول وقالوا : ماذا يصنع بنا إذا نزلنا فجعل إصبعه على حلقه يعني أنه الذبح أي : يقتلكم فنزلت.
المائدة 5:52
﴿فترى الذين في قلوبهم مرض﴾ أي : ضعف اعتقاد كعبد الله بن أبيّ ﴿يسارعون فيهم﴾ أي : في مولاتهم ﴿يقولون﴾ معتذرين عنها ﴿نخشى﴾ أي : نخاف خوفاً بالغاً ﴿أن تصيبنا دائرة﴾ أي : مصيبة تحيط بنا ويدور بها الدهر علينا من جدب أو غلبة ولا يتم أمر محمد فلا يميرونا ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح﴾ أي : بإظهار الدّين على الأعداء ﴿أو أمر من عنده﴾ أي : بهتك ستر المنافقين وافتضاحهم ﴿فيصبحوا﴾ أي : هؤلاء المنافقون ﴿على ما أسرّوا في أنفسهم﴾ أي : على ما استبطنوه من الكفر والشك في أمر الرسول فضلاً عما أظهروه مما أشعر به نفاقهم ﴿نادمين﴾ أي : ثابت لهم غاية الندم في الصباح وغيره.
المائدة 5:53
وقوله تعالى :
﴿ويقول الذين آمنوا﴾ قرأه عاصم وحمزة والكسائي بالرفع على أنه كلام مبتدأ ويؤيده قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر مرفوعاً بغير واو على أنه جواب قائل يقول : فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ وقرأ بالنصب أبو عمرو عطفاً على يأتي باعتبار المعنى وكأنه قال : عسى الله أن يأتي بالفتح، ويقول الذين آمنوا ﴿أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ أي : غاية اجتهادهم فيها ﴿إنهم لمعكم﴾ في الدين أي : يقوله المؤمنون بعضهم لبعض تعجباً من حال المنافقين وتبجعاً بما منّ الله تعالى عليهم من الإخلاص، أو يقولون لليهود : فإنّ المنافقين حلفوا لهم بالمعاضدة كما حكى الله تعالى عنهم بقوله :﴿وإن قوتلتم لننصرنكم﴾ ( الحشر آية : ١١ ) ﴿حبطت﴾ أي : بطلت ﴿أعمالهم﴾ أي : الصالحة ﴿فأصبحوا﴾ أي : فصاروا ﴿خاسرين﴾ الدنيا بالفضيحة والآخرة بالعقاب.
المائدة 5:54
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : أقروا بالإيمان ﴿من يرتدد﴾ أي : يرجع ﴿منكم عن دينه﴾ إلى الكفر وهذا من الكائنات التي أخبر الله تعالى عنها في القرآن قبل وقوعها وكان أهل الردّة إحدى عشرة فرقة ثلاثة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأولى : بنو مدلج وكان رئيسهم ذو الحمار بالحاء المهملة، قال التفتازاني : كان له حمار يقول له : قف فيقف وسر فيسير وكانت النساء أي : نساء أصحابه يتعطرون بروث حماره، وقيل : يعقدون روثه بخمرهنّ فسمي ذو الخمار أيضاً بالخاء المعجمة، وذو هنا وفيما قبله بالواو وعلى الحكاية وهو العنسي بفتح العين وسكون النون منسوب إلى عنس وهو يزيد بن مذحج بن أدد بن كعب العنسي ويلقب بالأسود كان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلادها وأخرج عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه وإلى سادات اليمن وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسك بدينهم والنهوض إلى حرب الأسود، فقتله فيروز الديلمي على فراشه قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : وأتى الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التي قتل فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( قتل الأسود البارحة قتله رجل مبارك ) قيل : ومن هو ؟ قال :«فيروز » فَسُرّ المسلمون فبشر النبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه بهلاك الأسود وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد وأتى خبر مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ربيع الأول وكان ذلك أوّل فتح جاء إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
والفرقة الثانية : بنو حنيفة باليمامة ورئيسهم مسيلمة الكذاب وكان تنبأ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سنة عشر وزعم أنه اشترك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في النبوّة وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله : أمّا بعد فإنّ الأرض نصفها لي ونصفها لك، وبعثه إليه مع رجلين من أصحابه فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لولا أنّ الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما ) ثم أجاب من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب :( أمّا بعد فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ) ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي فبعث أبو بكر رضي الله تعالى عنه خالد بن الوليد في جيش كبير حتى أهلكه الله تعالى على يد وحشيّ غلام مطعم بن عدي الذي قتل حمزة بن عبد المطلب عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حرب شديد، وكان وحشيّ يقول : قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام أراد في جاهليتي وإسلامي.
الفرقة الثالثة : بنو أسد ورئيسهم طليحة بن خويلد وكان طليحة أحد من ارتد وادّعى النبوّة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوّل من قوتل بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم من أهل الردّة فبعث أبو بكر رضي الله تعالى عنه خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه إليه فهزمهم خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه بعد قتال شديد وأفلت طليحة فمرّ على وجهه هارباً نحو الشأم، ثم إنه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه.
وسبع في عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، الأولى : فزارة قوم عيينة بن حصن، والثانية : غطفان قوم قرّة بن سلمة، والثالثة : بنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، والرابعة : بنو يربوع قوم مالك بن نويرة، والخامسة : بعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة التي زوّجت نفسها لمسيلمة الكذاب وفيها يقول أبو العلاء المعري :
أمت سجاح ووالاها مسيلمة؍ كذابة في بني الدنيا وكذاب؍
والسادسة : كندة قوم الأشعث بن قيس والسابعة بنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد وكفى الله تعالى أمرهم على يد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وفرقة واحدة في عهد عمر رضي الله تعالى عنه وهي غسان قوم جبلة بن الأيهم تنصر وسار إلى الشأم، والجمهور أنه مات على ردّته وذكرت طائفة أنه عاد إلى الإسلام. وقرأ نافع وابن عامر يرتدد بدالين الأولى مكسورة مخففة والثانية ساكنة والباقون بدال مفتوحة مشدّدة.
واختلف في ( القوم ) في قوله تعالى :﴿فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ قال قتادة بن غنم الأزدي : لما نزلت الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«قوم هذا » وأشار إلى أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وكانوا من اليمن، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( الإيمان يمان والحكمة يمانية ) وقال الكلبي : هم أحياء من اليمن ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة وثلاثة آلاف من أفناء أي : لم يعلم ممن هم قاله الجوهري : فجاهدوا في سبيل الله يوم القادسية. وقيل : هم الأنصار وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فضرب على عاتق سلمان رضي الله تعالى عنه فقال :«هذا وذووه »، ثم قال :«لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس » والراجع إلى من محذوف تقديره : فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم أو ما أشبه ذلك ومحبة الله تعالى لعباده أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويعظّمهم ويثني عليهم ويرضى عنهم ومحبة العباد لربهم طاعته وابتغاء مرضاته وأن لا يفعلوا ما يوجب سخطه وعقابه ﴿أذلة على المؤمنين﴾ أي : عاطفين عليهم متذللين لهم جمع ذليل، وأمّا ذلول فجمعه ذلل ومن زعم أنه من الذل الذي هو نقيض الصعوبة فقد غبي عنه لأنه ذلولاً لا يجمع على أذلة.
فإن قيل : هلا قال أذلة للمؤمنين ؟ أجيب : بأنه تضمن معنى الحنو والعطف كأنه قال : عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع وأنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم أو للمقابلة في قوله تعالى :﴿أعزة على الكافرين﴾ أي : شداد متغلبين عليهم من عزّه إذا غلبه، وقوله تعالى :﴿يجاهدون في سبيل الله﴾ حال من الضمير في أعزة أو صفة أخرى لقوم، وقوله تعالى :﴿ولا يخافون لومة لائم﴾ يحتمل أن تكون الواو للحال على أنهم يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين فإنهم كانوا موالين لليهود فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود فلا يعملون شيئاً مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم، وأمّا المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون لومة لائم قط، وإن يكون للعطف على يجاهدون بمعنى : إنهم الجامعون بين المجاهدة في سبيل الله والتصلّب في دينه واللومة المرّة من اللوم وفيها وفي تنكير لائم مبالغتان ﴿ذلك﴾ إشارة إلى الأوصاف المذكورة وقوله تعالى :﴿فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ أي : يمنحه ويوفق له فيبذل الإنسان جهده في طاعته لينظر إليه هذا النظر برحمته ﴿والله واسع﴾ أي : كثير الفضل ﴿عليم﴾ أي : بمن هو أهله.
ونزل لما قال ابن سلام رضي الله تعالى عنه : يا رسول الله إنّ قومنا هجرونا.
المائدة 5:55
﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ وإنما قال : وليكم ولم يقل : أولياؤكم للتنبيه على أنّ الولاية لله على الأصالة، ولرسوله وللمؤمنين على التبع إذ التقدير : إنما وليكم الله وكذا رسوله والمؤمنون. ولو قيل : إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع ثم وصف المؤمنين بقوله تعالى :﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ أي : متخشعون في صلاتهم وزكاتهم وقيل : يصلون صلاة التطوع.
المائدة 5:56
﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا﴾ أي : ومن يتخذهم أولياء وقيل : من يعنهم وينصرهم ﴿فإنّ حزب الله هم الغالبون﴾ أي : فإنهم هم الغالبون ولكن وضع الظاهر موضع المضمر إظهاراً لما شرفهم به ترغيباً لهم في ولايته وتشريفاً لهم بهذا الاسم فكأنه قيل : ومن يتول هؤلاء فإنهم حزب الله وحزب الله هم الغالبون وتعريضاً بمن يوالي هؤلاء بأنه حزب الشيطان وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حزبهم.
ونزل في رفاعة بن زيد وسويد بن حارث اللذين أظهرا الإسلام ثم نافقا وكان رجال من المسلمين يوادّونهما.
المائدة 5:57
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم﴾ أي : شرفكم الله به ﴿هزواً﴾ أي : مهزواً به ﴿ولعباً﴾ ثم بين المنهي عن موالاتهم بقوله تعالى :﴿من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ أي : اليهود. ولما خصص عمم بقوله :﴿والكفار﴾ أي : من عبدة الأوثان وغيرهم ﴿أولياء﴾ أي : فإنّ الفريقين اجتمعوا على حسدكم وازدرائكم فلا تصح لكم مولاتهم، وقرأ أبو عمرو والكسائي بخفض الراء والباقون بالنصب عطفاً على الذين اتخذوا على أنّ النهي عن موالاة من ليس على الحق رأساً سواء من كان ذا دين تبع فيه الهوى وحرفه عن الصواب كأهل الكتاب ومن لم يكن كالمشركين ﴿واتقوا الله﴾ أي : بترك المناهي ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي : صادقين في إيمانكم فإنّ الإيمان حقاً يقتضي ذلك.
المائدة 5:58
وقوله تعالى :
﴿وإذا ناديتم﴾ معطوف على الذين قبله أي : ولا تتخذوا الذين إذا ناديتم أي : دعوتم ﴿إلى الصلاة﴾ بالأذان ﴿اتخذوها﴾ أي : الصلاة ﴿هزواً ولعباً﴾ بأن يستهزؤوا بها ويتضاحكوا ويقولوا : صاحوا كصياح العير، وفي هذا دليل على أنّ الأذان مشروع للصلوات المكتوبات.
روى الطبراني أنّ نصرانياً بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول : أشهد أنّ محمداً رسول الله قال : أحرق الله الكاذب فدخل خادمه ذات ليلة بنار وأهله نيام فتطاير شرره في البيت فأحرقه وأهله ﴿ذلك﴾ أي : الاتخاذ ﴿بأنهم﴾ أي : بسبب إنهم ﴿قوم لا يعقلون﴾ أي : فإنّ السفه يؤدّي إلى الجهل بالحق والهزء به والعقل يمنع منه ونزل لما سأل نفر من اليهود النبيّ صلى الله عليه وسلم عمن يؤمن به من الرسل فقال : أومن بالله وما أنزل إلينا الآية، فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم ولا ديناً شراً من دينكم.
المائدة 5:59
﴿قل يا أهل الكتاب هل تنقمون﴾ أي : تنكرون ﴿منا﴾ وتعيبون يقال : نقم منه كذا أنكره وانتقم إذا كافأه ﴿إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل﴾ أي : إلى الأنبياء وقوله تعالى :﴿وأنّ أكثركم فاسقون﴾ عطف على أن آمنا والمعنى ما تنكرون منا إلا إيماننا ومخالفتكم في عدم قبول الإيمان المعبّر عن عدم قبوله بالفسق اللازم عن عدم القبول وليس هذا مما ينكر.
المائدة 5:60
﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿هل أنبئكم﴾ أي : أخبركم ﴿بشرّ من ذلك﴾ أي : الذي تنتقمونه ﴿مثوبه عند الله﴾ نصب مثوبة على التمييز أي : ثواباً بمعنى جزاءً.
فإن قيل : المثوبة مختصة بالإحسان كما أنّ العقوبة مختصة بالشر أجيب : بأنّ ذلك على سبيل التهكم كما في قوله تعالى :﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ ( آل عمران، ٢١ ) وقوله تعالى :﴿من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير﴾ ( المائدة، ٦٠ ) بدل من بشر على حذف مضاف قبل لفظ ذلك أو قبل لفظ من لعنه وتقديره : بشر من أهل ذلك من لعنه الله أو بشر من ذلك دين من لعنه الله لأنّ الدّين المشار إليه غير مطابق لقوله :( من لعنه الله ) في معنى يشترك فيه لفظ شر فيقدر أهل قبل ( ذلك ) أو دين قبل ( من ) ليطابق.
فإن قيل : هذا يقتضي كون الموصوفين بذلك الدين محكوماً عليهم بالشرّ ومعلوم إنه ليس كذلك أجيب : بأنه إنما خرج الكلام على حسب قولهم واعتقادهم، فإنهم حكموا بأنّ اعتقاد ذلك الدين شر فقيل لهم : هب أنّ الأمر كذلك لكن لعنة الله وغضبه ومسخ الصور شرّ من ذلك والذين لعنهم الله في هذه الآية هم اليهود أبعدهم الله من رحمته وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم في المعاصي بعد وضوح الآيات ومسخ بعضهم قردة وهم أصحاب السبت وبعضهم خنازير وهم كفار أهل مائدة عيسى، وقيل : كلا المسخين في أصحاب السبت مسخت شبانهم قردة ومشايخهم خنازير.
روي أنها لما نزلت كان المسلمون يعيرون اليهود ويقولون : يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رؤوسهم وقوله تعالى :﴿وعبد الطاغوت﴾ عطف على صلة من كأنه قيل : ومن عبد الطاغوت وقرأ حمزة بضم باء عبد وكسر تاء الطاغوت على أنه اسم جمع لعبد عطف على من والباقون بنصب الباء من ( عبد ) والتاء من ( الطاغوت ) والطاغوت الشيطان أو العجل لأنه معبود من دون الله ولأنّ عبادتهم للعجل مما زينه لهم الشيطان فكانت عبادتهم له عبادة للشيطان وهو الطاغوت، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : الطاغوت الكهنة وكل من أطاعوه في معصية الله تعالى.
تنبيه : روعي في ( منهم ) معنى ( من ) وفيما قبلها لفظها وهم اليهود ﴿أولئك﴾ أي : الملعونون الممسوخون ﴿شرّ مكاناً﴾ لأنّ مأواهم النار وجعلت الشرارة للمكان وهي لأهله وفيه مبالغة ليست في قولك أولئك شر و( مكاناً ) تمييز ﴿وأضل عن سواء السبيل﴾ أي : طريق الحق وأصل السواء الوسط.
فإن قيل : ذكر ( شر ) و( أضلّ ) يقتضي مشاركة المؤمنين والكفار في الشرّ والضلال وإنّ الكفار أشرّ وأضل مع أنّ المؤمنين لم يشاركوا الكفار في شيء من ذلك أجيب : بأنّ مكان هؤلاء في الآخرة شر وأضل من مكان المؤمنين في الدنيا لما يلحقهم فيها من الشرّ والضلال الحاصل لهم بالهموم الدنيوية كسماع الأذى وغيره، أو إنّ ذلك على سبيل التنزل والتسليم للخصم على زعمه إلزاماً بالحجة وهذا أولى.
المائدة 5:61
ونزل في يهود نافقوا النبيّ صلى الله عليه وسلم :
﴿وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد﴾ أي : قالوا ذلك والحال إنهم قد ﴿دخلوا﴾ إليكم متلبسين ﴿بالكفر وهم قد خرجوا﴾ من عندكم متلبسين ﴿به﴾ أي : الكفر كما دخلوا لم يتعلق بهم شيء مما سمعوا به من تذكيرك بآيات الله ومواعظك ﴿والله أعلم بما كانوا يكتمون﴾ من الكفر وغيره في جميع أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم وفي هذا وعيد لهم.
المائدة 5:62
﴿وترى كثيراً منهم﴾ أي : اليهود أو المنافقين ﴿يسارعون﴾ أي : يقعون سريعاً ﴿في الإثم﴾ أي : الكذب بدليل قوله تعالى عن قولهم الإثم ﴿والعدوان﴾ أي : الظلم وقيل : الإثم ما يختص بهم والعدوان ما يتعدّى إلى غيرهم ﴿وأكلهم السحت﴾ أي : الحرام كالرشا ﴿لبئس ما كانوا يعملون﴾ عملهم هذا.
المائدة 5:63
﴿لولا﴾ هلا ﴿ينهاهم﴾ أي : يجدّد لهم النهي ﴿الربانيون﴾ أي : المدّعون للتخلي من الدنيا إلى سبيل الرب ﴿والأحبار﴾ أي : العلماء ﴿عن قولهم الإثم﴾ أي : الكذب ﴿وأكلهم السحت﴾ أي : الحرام هذا تحضيض لعلمائهم على النهي عن ذلك فإن ( لولا ) إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ وإذا دخل على المضارع المستقبل أفاد التحضيض ﴿لبئس ما كانوا يصنعون﴾ ترك نهيهم.
فإن قيل : لم عبّر في الأوّل بيعملون وفي الثاني بيصنعون ؟ أجيب : بأنّ كل عامل لا يسمّى صانعاً ولا كل عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرب ولذلك ذم بهذا خواصهم ولأنّ ترك الإنكار على المعصية أقبح من مواقعة المعصية لأنّ النفس تلتذ بها وتميل إليها، ولا كذلك ترك الإنكار عليها فكان جديراً بأبلغ الذمّ فيدخل في الذمّ كل من كان قادراً على النهي عن المنكر من العلماء أو غيرهم وتركه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هي أشد آية نزلت في القرآن، وعن الضحاك ما في القرآن آية أخوف عندي منها.
المائدة 5:64
﴿وقالت اليهود﴾ مما ضيّق عليهم بتكذيبهم النبيّ صلى الله عليه وسلم وكانوا أكثر الناس مالاً وأخصبهم ناحية ﴿يد الله مغلولة﴾ أي : هو ممسك يقتر بالرزق، وغلّ اليد وبسطّها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى :﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾ ( الإسراء، ٢٩ ) ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط، ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلاً لقالوا ما أبسط يده بالنوال ؛ لأن بسط اليد وقبضها عبارتان وقعتا متعاقبتين للبخل والجود وقد استعملوها حيث لا تصح اليد كقولهم بسط اليأس كفيه في صدري فجعلت لليأس الذي هو معنى من المعاني لا من الأعيان كفان.
فإن قيل : قد تقدّم أنّ قوله :﴿يد الله مغلولة﴾ عبارة عن البخل فما تفعل في قوله تعالى :﴿غلت أيديهم﴾ ومن حقه أن يطابق ما تقدّمه ؟ أجيب : بأنه يجوز أن يكون معناه الدعاء عليهم بالبخل والنكد، ومن ثم كانوا أبخل خلق الله تعالى وأنكدهم والمطابقة على هذا ظاهرة ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغلّ الأيدي حقيقة يغلون في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم كما قال تعالى :﴿إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل﴾ ( غافر، ٧١ ) وعلى هذا تكون المطابقة حاصلة من حيث لفظ ( مغلولة ) و( غلت ) من حيث ملاحظة أنّ الأصل في القول الشنيع أن يقابل بالدعاء على قائله ﴿ولعنوا﴾ أي : أبعدوا مطرودين عن الجناب الكريم ﴿بما قالوا﴾ فمن لعنهم أنهم مسخوا قردة وخنازير ثم ردّ الله تعالى عليهم بقوله :﴿بل يداه مبسوطتان﴾ مشيراً بالتثنية إلى غاية الجود وإنّ غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطي بيديه جميعاً ﴿ينفق كيف يشاء﴾ أي : هو مختار في إنفاقه يضيق تارة ويوسع أخرى على حسب مشيئته ومقتضى حكمته لا اعتراض عليه وقيل : القائل هذه المقالة فنحاص بن عازوراء فلما لم ينهه الآخرون ورضوا بقوله : أشركهم الله تعالى فيها.
﴿وليزيدنّ كثيراً منهم﴾ أي : ممن أراد الله فتنته ثم ذكر فاعل الزيادة فقال :﴿ما أنزل إليك من ربك﴾ من القرآن ﴿طغياناً﴾ أي : تمادياً في الجحود ﴿وكفراً﴾ بآيات الله فيزدادون على كفرهم وطغيانهم طغياناً وكفراً مما يسمعون من القرآن كما يزداد المريض مرضاً من تناول الغذاء الصالح للأصحاء ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ فكل فرقة منهم تخالف الأخرى فلا تتوافق قلوبهم ولا تتطابق أقوالهم.
﴿كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله﴾ أي : كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا وقهروا لم يقم لهم نصر من الله تعالى على أحد وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس، وقيل : خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بختنصر ثم أفسدوا فسلط الله عليهم فطرس بالفاء الرومي ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المسلمين وقيل : كلما حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نصر عليهم، وعن قتادة : لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذلّ الناس ﴿ويسعون في الأرض فساداً﴾ أي : ويجتهدون في الكيد للإسلام ومحو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتبهم وإثارة الحرب والفتن وهتك المحارم ﴿والله لا يحبّ المفسدين﴾ أي : فلا يجازيهم إلا شراً.
المائدة 5:65
﴿ولو أنّ أهل الكتاب آمنوا﴾ أي : بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ﴿واتقوا﴾ أي : الكفر ﴿لكفّرنا عنهم سيآتهم﴾ أي : التي فعلوها ولم نؤاخذهم بها ﴿ولأدخلناهم جنات النعيم﴾ مع المسلمين، وفي هذا إعلام بعظم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيآتهم ودلالة على سعة رحمة الله تعالى وفتحه باب التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيآت اليهود والنصارى وإنّ الإسلام يجبّ ما قبله وإن جلّ، وإن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم.
المائدة 5:66
﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل﴾ أي : أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت محمد صلى الله عليه وسلم ﴿وما أنزل إليهم﴾ أي : من الكتب المنزلة ﴿من ربهم﴾ لأنهم مكلّفون بالإيمان بجميعها فكأنها أنزلت إليهم وقيل : هو القرآن وقوله تعالى :﴿لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ عبارة عن التوسعة أي : لوسّع عليهم أرزاقهم بأن يفيض عليهم من بركات السماء والأرض أو أن تكثر الأشجار المثمرة والزروع المغلّة أو أن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار فيجنونها من رأس الثمر والشجر ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم بين سبحانه وتعالى بذلك أن ما كف عنهم بشؤم كفرهم ومعاصيهم لا بقصور الفيض ولو أنهم آمنوا وأقاموا ما أمروا به لوسع عليهم وجعل لهم خير الدارين ﴿منهم أمّة﴾ أي : جماعة ﴿مقتصدة﴾ أي : عادلة غير غالية ولا مقصّرة وهم عبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون من النصارى آمنوا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وقيل : متوسطة في عداوته ﴿وكثير منهم ساء﴾ أي : بئس ﴿ما﴾ أي : شيئاً ﴿يعملون﴾ فيه معنى التعجب كأنه قيل : وكثير منهم ما أسوأ عملهم وقيل : هو كعب بن الأشرف وأصحابه والروم.
المائدة 5:67
روى مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : من حدثك أنّ محمداً كتم شيئاً مما أنزل الله فقد كذب وهو يقول :
﴿يا أيها الرسول بلغ﴾ جميع ﴿ما أنزل إليك من ربك﴾ أي : لا تكتم شيئاً منه خوفاً أن تنال بمكروه ﴿وإن لم تفعل﴾ أي : وإن لم تبلغ جميع ما أنزل إليك ﴿فما بلغت رسالته﴾ أي : لأنّ كتمان بعضها ككتمان كلها أي : ولأنّ بعضها ليس بالأولى بالأداء من بعض فإذا لم تؤدّ بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعاً، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إن كتمت آية لم تبلغ رسالتي واختلف في سبب نزول هذه الآية فقيل : نزلت في عتب اليهود وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام فقالوا : أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزؤون به ويقولون : تريد أن نتخذك حناناً كما اتخذت النصارى عيسى حناناً فلما رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك نزلت هذه الآية وقيل : نزلت في الجهاد وذلك أنّ المنافقين كانوا يكرهونه فكان يمسك أحياناً من حثهم على الجهاد وقيل : لما نزلت آية التخيير وهي قوله تعالى :﴿يا أيها النبيّ قل لأزواجك﴾ ( الأحزاب، ٢٨ ) فلم يعرضها عليهنّ خوفاً من اختيارهنّ الدنيا فنزلت وقيل غير ذلك وقرأ نافع وابن عامر وشعبة بألف بعد اللام وكسر التاء والباقون بغير ألف ونصب التاء ﴿والله يعصمك من الناس﴾ أي : يحفظك ويمنعك منهم.
فإن قيل : أليس قد شج وجهه وكسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم وأوذي بضروب من الأذى ؟ أجيب : بأنّ معناه يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك، وفي هذا تنبيه على أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلايا فما أشدّ تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقيل : نزلت هذه الآية بعدما شج رأسه لأنّ سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن.
وروى إسحاق بن راهويه في مسنده عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :( بعثني الله برسالاته فضقت بها ذرعاً فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت ) وعن أنس رضي الله تعالى عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت فأخرج رأسه من قبة أدم فقال :( انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس ) قال البيضاويّ وظاهر الآية يوجب تبليغ كل ما أنزل ولعل المراد بالتبليغ ما يتعلق به مصالح العباد وقصد بإنزاله اطلاعهم عليه فإن من الأسرار الإلهية ما يحرم إفشاؤه اه.
قال بعض العارفين : ولهذا قال تعالى :﴿بلغ ما أنزل إليك﴾ ولم يقل ما تعرّفنا به إليك، واعلم أنّ المراد من الناس ههنا الكفار بدليل قوله تعالى :﴿إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين﴾ أي : لا يمكنهم مما يريدون.
وروي ( أنه عليه الصلاة والسلام نزل تحت شجرة في بعض أسفاره وعلق سيفه عليها فأتاه أعرابيّ وهو نائم وأخذ سيفه واخترطه وقال : من يمنعك مني يا محمد ؟ قال :«الله تعالى » فرعدت يد الأعرابيّ وسقط من يده وضرب رأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ).
المائدة 5:68
﴿قل يا أهل الكتاب لستم على شيء﴾ أي : دين يعتد به حتى يسمى شيئاً لفساده وبطلانه كما تقول هذا ليس بشيء تريد تحقيره وتصغير شأنه، وفي أمثالهم أقل من لا شيء ﴿حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم﴾ أي : بأن تعملوا بما فيها ومن إقامتهما الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والإذعان لحكمه فإن الكتب الإلهية بأسرها آمرة بالإيمان بمن صدقته المعجزة ناطقة بوجوب الطاعة له والمراد إقامة أصولها وما ينسخ من فروعها ﴿وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك﴾ أي : من القرآن ﴿طغياناً وكفراً﴾ لكفرهم به ﴿فلا تأس﴾ أي : تحزن ﴿على القوم الكافرين﴾ إن لم يؤمنوا بك أي : لا تهتم بهم فإن ضرر ذلك لا حق بهم لا يتخطاهم وفي المؤمنين مندوحة عنهم لك.
المائدة 5:69
﴿إنّ الذين آمنوا والذين هادوا﴾ هم اليهود ﴿والصابئون﴾ فرقة منهم ﴿والنصارى﴾ وقد سبق تفسير هذه الآية في سورة البقرة.
فإن قيل : بم رفع ( الصابئون ) وكان حقه والصابئين ؟ أجيب : بأنه رفع على الابتداء وخبره محذوف والنية به التأخير عما في خبر إنّ مع اسمها وخبرها كأنه قيل : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك وأنشد سيبويه شاهداً له :
وإلا فاعلموا أنا وأنتم؍ بغاة ما بقينا في شقاق؍
والشاهد في أنتم فإنه مبتدأ حذف خبره والتقدير وإلا فإنا بغاة وأنتم كذلك.
فإن قيل : ما فائدة هذا التقديم والتأخير ؟ أجيب : بأنّ الصابئين أشدّ العرب المذكورين في هذه الآية ضلالاً وما سموا صابئين إلا لأنهم صبؤوا عن الأديان كلها أي : خرجوا فكأنه قال : هؤلاء الفرق الذين آمنوا وأتوا بالعمل الصالح قبل الله توبتهم حتى الصابئون فإنهم إن آمنوا كانوا أيضاً كذلك، وقيل : منصوب بالفتحة فكما جوّز بالفتحة مع الياء في بنين وسنين جوّز مع الواو كما هنا وقوله تعالى :﴿من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً﴾ في محل رفع بالابتداء وخبره ﴿فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ في الآخرة والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط والجملة خبر إن.
فإن قيل : كيف قيل : الذين آمنوا من آمن ؟ أجيب : بأنّ المراد بالذين آمنوا الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون أو أنّ المراد مِنْ مَنْ ثبت على الإيمان واستقام ولم تخالجه ريبة فيه.
المائدة 5:70
﴿لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل﴾ أي : على الإيمان بالله ورسوله ﴿وأرسلنا إليهم رسلاً﴾ أي : ولم نكتف بهذا العهد بل أرسلنا رسلاً ليذكروهم وليبينوا لهم أمر دينهم ﴿كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم﴾ أي : بما يخالف هواهم من الشرائع ومشاقّ التكاليف ﴿فريقاً﴾ أي : من الرسل ﴿كذبوا﴾ أي : كذبهم بنو إسرائيل من غير قتل كعيسى ﴿وفريقاً﴾ منهم ﴿يقتلون﴾ كزكريا ويحيى وإنما جيء بيقتلون موضع قتلوا على حكاية الحال الماضية استحضاراً لتلك الحالة الشنيعة للتعجب منها وتنبيهاً على أنّ ذلك دينهم ماضياً ومستقبلاً ومحافظة على رؤوس الآي.
المائدة 5:71
﴿وحسبوا﴾ أي : ظنّ بنو إسرائيل ﴿أن لا تكون﴾ أي : توجد ﴿فتنة﴾ أي : لا يصيبهم بها عذاب في الدنيا ولا في الآخرة بل استخفوا بأمرها فلا تعجب أنت من جرأتهم في ادعائهم إنهم أبناء الله وأحباؤه، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي برفع النون تنزيلاً للحساب منزلة العلم فتكون مخففة من الثقيلة وأصله أنه لا تكون فتنة والباقون بالنصب على أنّ الحساب على بابه ﴿فعموا﴾ أي : عن الحق فلم يبصروه وهذا العمى هو الذي لا عمى في الحقيقة سواه وهو انطماس البصائر ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ ( الحج، ٤٦ ) ﴿وصموا﴾ عنه فلم يسمعوه أي : عَموا وصموا بعد موسى ويوشع عليهما السلام، والصمم أضر من العمى فصاروا كمن لا يهتدي إلى سبيل أصلاً ؛ لأنه لا بصر له بعين ولا قلب ولا سمع ﴿ثم تاب الله عليهم﴾ ببعث عيسى بن مريم فرفعوه إلى الحق ﴿ثم عموا وصموا﴾ كرّة أخرى بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى :﴿كثير منهم﴾ بدل من الضمير ﴿والله بصير بما يعملون﴾ أي : وإن دقّ فيجازيهم به وفق أعمالهم.
المائدة 5:72
﴿لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح بن مريم﴾ وهم اليعقوبية منهم القائلون بالاتحاد ﴿وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم﴾ أي : إني عبد مربوب مثلكم فاعبدوا خالقي وخالقكم ﴿إنه من يشرك بالله﴾ أي : يشرك في العبادة غيره ﴿فقد حرّم الله عليه الجنة﴾ أي : منعه من دخولها منعاً متحتماً فإنها دار الموحدين ﴿ومأواه النار﴾ أي : محل سكناه فإنها المعدة للمشركين ﴿وما للظالمين من أنصار﴾ أي : وما لهم أحد ينصرهم من النار لا بفداء ولا بشفاعة ولا بغيرهما فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً على أنهم ظلموا بالإشراك وعدلوا عن طريق الحق وهو يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، نبه على أنهم عدلوا عن سبيل الحق فيما تقوّلوا على عيسى عليه السلام فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم، ورده وأنكره وإن كانوا معظمين له بذلك ورافعين من مقداره، وأن يكون من كلام عيسى عليه السلام على معنى ولا ينصركم أحد مني فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن العقول أو لا ينصركم ناصر في الآخرة من عذاب الله.
المائدة 5:73
﴿لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة﴾ أي : أحد ثلاثة وهو حكاية عما قاله النسطورية والملكانية وفيه إضمار : معناه ثالث ثلاثة الآلهة لأنهم يقولون : الإلهية مشتركة بين الله ومريم وعيسى ولك واحد من هؤلاء إله فهم ثلاثة آلهة، بين هذا قوله تعالى للمسيح :﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ ( المائدة، ١١٦ ) ومن قال إنّ الله تعالى ثالث ثلاثة بالعلم ولم يرد به الآلهة لم يكفر فإنّ الله يقول :﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي بكر :( ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) ثم قال الله تعالى رداً عليهم :﴿وما من إله إلا إله واحد﴾ أي : وما في الموجودات واجب مستحق للعبادة من حيث إنه مبدأ جميع الموجودات إلا إله واحد موصوف بالوحدانية متعال عن الشركة ومن مزيدة للاستغراق ﴿وإن لم ينتهوا﴾ أي : الكفرة بجميع أصنافهم ﴿عما يقولون﴾ أي : من هاتين المقالتين وما داناهما ﴿ليمسنّ﴾ أي : مباشرة من غير حائل ﴿الذين كفروا﴾ أي : داوموا على الكفر ﴿منهم عذاب أليم﴾ أي : مؤلم لم ينقطع عنهم لعدم توبتهم.
المائدة 5:74
ولذلك عقبه بقوله تعالى :
﴿أفلا يتوبون﴾ أي : يرجعون بعد هذا الكفر الذي لا أوضح من بطلانه ولا أبين من فساده ﴿إلى الله ويستغفرونه﴾ أي : يطلبون منه غفران ما أقدموا عليه من تلك العقائد والأقوال الزائغة ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عن الاتحاد والحلول بعد هذا التقريع والتهديد ﴿والله غفور﴾ أي : بالغ المغفرة يمحو الذنوب فلا يعاقب عليها ولا يعاتب ﴿رحيم﴾ أي : بالغ الإكرام لمن أقبل عليه فيغفر لهم ويمنحهم من فضله إن تابوا وفي هذا الاستفهام تعجيب من إصرارهم.
المائدة 5:75
﴿ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت﴾ أي : مضت ﴿من قبله الرسل﴾ أي : ليس هو بإله كالرسل الذين مضوا لم يكونوا آلهة وما من خارقة له إلا وقد كان مثلها أو أعجب منها لمن كان قبله فإن كان قد أحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى وهو أعجب وإن كان قد خلقه من غير أب فقد خلق آدم من غير أب وأمّ وهو أغرب ﴿وأمه صدّيقة﴾ أي : بليغة الصدق في نفسها كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق أو يصدّقن الأنبياء كما قال تعالى في وصفها ﴿وصدّقت بكلمات ربها﴾ ( التحريم، ١٢ ) وهذه الآية من أدلة من قال إنّ مريم عليها السلام لم تكن نبية فإنه تعالى ذكر أشرف صفاتها في معرض الردّ على من قال بإلهيتها إشارة إلى ما هو الحق في اعتقاد ما لهما من أعلى الصفات فإنّ أعظم صفات عيسى عليه السلام الرسالة وأكمل صفات أمه عليها السلام الصديقية.
فائدة : مريم من أزواج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة. ولما بين سبحانه وتعالى أقصى ما لهما من الكمالات بين أنّ ذلك لا يوجب لهما الألوهية بقوله :﴿كانا يأكلان الطعام﴾ لأنّ من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم لم يكن إلا جسماً مركباً من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وغير ذلك، مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام فكيف يكون إلهاً، وخص الأكل بالذكر لأنه أصل الحاجات والإله لا يكون محتاجاً وقيل : هذا كناية عن الحدث لأنّ من أكل وشرب لا بد له من البول والغائط ومن كانت هذه صفته كيف يكون إلهاً ؟ ثم لما أوضح الله تعالى لهم الأدلة في أمرهما حتى ظهر كالشمس بعدهما عما ادّعوا فيهما اتبعه التعجب بقوله :﴿انظر﴾ متعجباً ﴿كيف نبين لهم الآيات﴾ على وحدانيتنا ﴿ثم انظر أنى﴾ أي : كيف ﴿يؤفكون﴾ أي : يصرفون عن الحق مع قيام البرهان.
فإن قيل : ما معنى التراخي في قوله تعالى :﴿ثم انظر﴾ ؟ أجيب : بأنّ معناه التفاوت بين العجبين أي : أنّ بياننا للآيات عجب وإعراضهم عنها أعجب.
المائدة 5:76
﴿قل أتعبدون من دون الله﴾ أي : غيره يعني عليه السلام ﴿ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً﴾ أي : لا يستطيع أن يضرّكم بمثل ما يضرّ الله تعالى به من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم الله به من صحة الأبدان والسعة والخصب وكل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع فبإقدار الله تعالى وتمكينه وكأنه لا يملك شيئاً وهذا دليل قاطع على أن أمر عيسى منافٍ للربوبية حيث جعله لا يستطيع ضراً ولا نفعاً وصفة الرب تعالى أن يكون قادراً على كل شيء لا يخرج مقدور عن قدرته تعالى.
فإن قيل : إذا كان المراد السيد عيسى فلِمَ عبّر بما دون ( من ) مع أنّ المراد من يعقل ؟ أجيب : بأنه أتى ب( ما ) نظراً إلى ما هو عليه في ذاته توطئة لنفي القدرة عنه رأساً وتنبيهاً على أنه من هذا الجنس ومن كان له حقيقة تقبل المجانسة والمشاركة فبمعزل عن الألوهية أو أن المراد كل ما عبد من دون الله تعالى سواء كان ممن يعقل أم لا ﴿والله هو السميع﴾ لأقوالكم ﴿العليم﴾ بأحوالكم فيجازي عليها إن خيراً فخير وإن شراً فشر والاستفهام للإنكار.
المائدة 5:77
﴿قل يا أهل الكتاب﴾ أي : عامّة ﴿لا تغلوا﴾ أي : تجاوزوا الحد ﴿في دينكم﴾ وقوله تعالى :﴿غير الحق﴾ صفة للمصدر أي : لا تغلوا في دينكم غلوّاً غير الحق أي : غلواً باطلاً ؛ لأنّ الغلو في الدين غلوان : حق وهو أن يجتهد في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون، وغلو باطل وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة فيرفعوا عيسى عليه السلام إلى أن يدّعوا له الإلهية أو يضعوه ويرتابوا فيه، وقيل : الخطاب للنصارى خاصة.
﴿ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل﴾ في غلوهم وهم أسلافهما الذين قد ضلّوا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في شريعتهم ﴿وأضلوا كثيراً﴾ أي : من الناس بتماديهم في الباطل من التثليث وغيره حتى ظنّ حقاً ﴿وضلوا﴾ أي : بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿عن سواء السبيل﴾ أي : طريق الحق وهو الإسلام والسواء في الأصل الوسط والأهواء ههنا المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة، قال أبو عبيدة : لم يذكر الهوى إلا في موضع الشر لا يقال : فلان يهوى الخير إنما يقال : يريد الخير ويحبه وقيل : سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار وقال رجل لابن عباس : الحمد لله الذي جعل هواي على هواك فقال : كل هوى ضلالة.
المائدة 5:78
﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود﴾ أي : لعنهم الله في الزبور على لسان داود وإنّ أهل أيلة لمّا اعتدوا في السبت قال داود عليه السلام : اللهمّ العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة وخنازير وقوله تعالى ﴿وعيسى بن مريم﴾ عطف على داود أي : لعنهم الله في الإنجيل على لسان عيسى بن مريم وهم أصحاب المائدة ما لم يؤمنوا قال عيسى عليه السلام : اللهمّ العنهم واجعلهم آية فمسخوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبيّ، قال بعض العلماء : إنّ اليهود كانوا يفتخرون بأناس من أولاد الأنبياء فذكر الله تعالى هذه الآية ليدل على أنهم ملعونون على ألسنة الأنبياء ﴿ذلك﴾ أي : اللعن المذكور ﴿بما﴾ أي : بسبب ما ﴿عصوا وكانوا يعتدون﴾.
المائدة 5:79
فسر المعصية والاعتداء بقوله تعالى :
﴿كانوا لا يتناهون﴾ أي : لا ينهى بعضهم بعضاً ﴿عن منكر﴾ أي : معاودة منكر ﴿فعلوه﴾ أو عن مثل منكر أو عن منكر أرادوا فعله وتهيؤوا له وإنما قدر ما ذكر لأنّ التناهي عن منكر قد مضى محال ﴿لبئس ما كانوا يفعلون﴾ أي : يفعلونه والمخصوص بالذم محذوف أي : فعلهم هذا قال بعض المفسرين : فيا حسرتا على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير وقلة عبثهم به كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب.
المائدة 5:80
﴿ترى كثيراً منهم﴾ أي : من أهل الكتاب ﴿يتولون الذين كفروا﴾ أي : يوالون المشركين بغضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ﴿لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم﴾ من العمل لمعادهم ﴿أن سخط الله عليهم﴾ أي : غضب عليهم ﴿وفي العذاب هم خالدون﴾ أي : دائماً.
المائدة 5:81
﴿ولو كانوا يؤمنون بالله والنبيّ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ﴿وما أنزل إليه﴾ من عند الله تعالى أعم من القرآن وغيره إيماناً خالصاً من غير نفاق ﴿ما اتخذوهم﴾ أي : المشركين ﴿أولياء﴾ إذ الإيمان يمنع ذلك ﴿ولكنّ كثيراً منهم فاسقون﴾ أي : خارجون عن الإيمان، وقيل معناه : ولو كانوا يؤمنون بالله وموسى كما يدعون ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يولهم المسلمون.
المائدة 5:82
﴿لتجدنّ﴾ يا محمد ﴿أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا﴾ من أهل مكة لتضاعف كفرهم وجهلهم وانهماكهم في اتباع الهوى وفي جعل اليهود قرناء المشركين في شدّة العداوة للمؤمنين دلالة على شدة عداوتهم لهم، بل نبه على تقدّم قدمهم فيها على الذين أشركوا، وكذلك فعل في قوله تعالى :﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا﴾ ( البقرة، ٩٦ ) وعنه صلى الله عليه وسلم :( ما خلا يهوديان بمسلم إلا هَمَّا بقتله ) ﴿ولتجدنّ أقربهم﴾ أي : الناس ﴿مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾ إنما أسند تسميتهم نصارى إليهم دون تسمية اليهود لأنهم الذين سموا أنفسهم نصارى حين قال لهم عيسى عليه السلام :﴿من أنصاري إلى الله﴾ ( آل عمران، ٥٢ ) الآية، أو لأنهم كانوا يسكنون قرية يقال لها : ناصرة وكلهم لم يكونوا ساكنين فيها، وعلى التقديرين فتسميتهم نصارى ليست حقيقة بخلاف تسمية اليهود يهوداً فإنها حقيقة سواء سموا بذلك لكونهم أولاد يهودا بن يعقوب أو لكونهم تابوا عن عبادة العجل بقولهم : إنا هُدْنا إليك أو لتحرّكهم في دراستهم.
ثم علل سبحانه وتعالى سهولة مأخذ النصارى وقرب مودّتهم للمؤمنين بقوله تعالى :﴿ذلك بأن منهم قسيسين﴾ أي : علماء ﴿ورهباناً﴾ أي : عباداً ﴿وأنهم لا يستكبرون﴾ عن اتباع الحق كما استكبر اليهود والمشركون من أهل مكة، نزلت في وفد النجاشي القادمين من الحبشة لا في كل النصارى لأنهم في عداوتهم للمسلمين كاليهود في قتلهم المسلمين وأسرهم وتخريب ديارهم وهدم مساجدهم وحرق مصاحفهم، قال أهل التفسير : ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم فافتتن من افتتن وعصم الله تعالى منهم من شاء ومنع الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة وقال :( إنّ ملكاً صالحاً لا يظلم ولا يظلم عنده أحداً فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجاً ) وأراد به النجاشي واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية وإنما النجاشي اسم الملك كقولهم : قيصر وكسرى فخرج إليه سراً أحد عشر رجلاً وأربع نسوة من جملتهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار وذلك في شهر رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الهجرة الأولى ثم خرج جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب وتتابع المسلمون إليهما فكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلاً سوى النساء والصبيان فلما علمت قريش بذلك أرسلوا إلى النجاشي بالهدايا ليردّهم إليهم فعصهم الله تعالى وانصرفوا خائبين، وأقام المسلمون هناك بحسن دار وخير جوار إلى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلا دينه في سنة ست من الهجرة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري ليزوّجه أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قد هاجرت إليه مع زوجها فمات زوجها فأرسل النجاشي إلى أمّ حبيبة جارية تخبرها بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستسرت بذلك وأذنت لخالد بن سعيد أن يزوّجها وكان الخاطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي فأنفذ إليها أربعمائة دينار، قالت أمّ حبيبة : فخرجنا إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فخرج من خرج إليه وأقمت بالمدينة حتى قدم ووافى جعفر بن أبي طالب وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلاً عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشأم فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكوا وأسلموا وقالوا : ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى.
المائدة 5:83
قال تعالى :
﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول﴾ من القرآن ﴿ترى أعينهم تفيض من الدمع﴾ أي : جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها ﴿مما عرفوا من الحق﴾ ( من ) الأولى للابتداء والثانية لتبيين ما عرفوا من الحق أو التبعيض فإنه بعض الحق والمعنى : إنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله، وقال ابن عباس : يريد النجاشي وأصحابه رضي الله تعالى عنهم بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه فقرئ عليهم ثم دعا بجعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه وأحضر الرهبان والقسيسين وأمر جعفراً أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ عليهم كهيعص فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة قالوا : آمنا كما قال تعالى :﴿يقولون ربنا آمنا﴾ أي : صدقنا نبيك وكتابك ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ أي : أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة دليله قوله تعالى :﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ ( البقرة، ١٤٣ ) وإذا نظرت مكاتبات النبيّ صلى الله عليه وسلم ازددت بصيرة في صدق هذه الآية فإنه ما كاتب نصرانياً إلا آمن أو كان ليناً ولو لم يسلم كهرقل والمقوقس وهوذة بن علي وغيرهم وغايتهم أنهم ضنوا بملكهم وأما غير النصارى فإنهم كانوا على غاية في الفظاظة ككسرى فإنه مزق كتابه صلى الله عليه وسلم ولم يجز رسوله بشيء قال البقاعي : السرّ في ذلك أنه لما كان عيسى عليه الصلاة والسلام أقرب الأنبياء زمناً من زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان المنتمون إليه -ولو كانوا كفرة- أقرب الأمم مودّة لاتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وقالوا في جواب من عيّرهم بالإسلام من اليهود.
المائدة 5:84
﴿وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق﴾ وهو القرآن لا مانع لنا من الإيمان مع وجود مقتضيه وقوله تعالى :﴿ونطمع﴾ معطوف على نؤمن ﴿أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين﴾ أي : المؤمنين الجنة.
المائدة 5:85
﴿فأثابهم الله بما قالوا﴾ أي : جعل ثوابهم على هذا القول المسند إلى خلوص النية الناشئ عن حسن الطوية ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك﴾ أي : الجزاء العظيم ﴿جزاء المحسنين﴾ أي : بالإيمان.
المائدة 5:86
﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾ أي : الذين لا ينفكون عنها لا غيرهم من عصاة المؤمنين وإن كثرت كبائرهم وعطف التكذيب بآيات الله على الكفر وهو ضرب منه لأنّ القصد إلى بيان حال المكذبين وذكرهم في معرض المصدّقين بها جمعاً بين الترغيب والترهيب.
المائدة 5:87
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا﴾ أي : لا تمنعوا أنفسكم بنذر أو يمين أو غير ذلك ﴿طيبات﴾ أي : مستلذات ﴿ما أحلّ الله لكم﴾ كمنع التحريم أي : لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهداً منكم وتقشفاً ﴿ولا تعتدوا﴾ حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرّم عليكم ﴿إنّ الله لا يحب المعتدين﴾ أي : لا يفعل فعل المحب من الإكرام للمفرطين في الورع بحيث يحرمون ما أحللت ولا للمفرّطين فيه الذين يحللون ما حرمت أن يفعلوا فعل المحرّم من المنع وفعل المحلل من التناول فالآية ناهية عن تحريم ما أحل وتحليل ما حرّم داعية إلى القصد بينهما.
روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف يوم القيامة لأصحابه فبالغ وأشبع في الكلام في الإنذار فرق الناس وبكوا واجتمع عشرة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في بيت عثمان بن مظعون وهم : أبو بكر الصديق وعليّ بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن وعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنهم وتشاوروا واتفقوا على أن يترهبوا ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويجبوا مذاكيرهم ويصوموا الدهر ويقوموا الليل ولا يناموا على الفراش ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب ويسيحوا في الأرض فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا ؟ ) قالوا : بلى يا رسول الله ما أردنا إلا الخير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إني لم أومر بذلك » ثم قال :«إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ثم جمع الناس وخطبهم وقال :( ما بال أقوام يحرّمون النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم ولا النساء ولا اتخاذ الصوامع وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة صوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد شدّدوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع ) فأنزل الله تعالى هذه الآية فقالوا : يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا فأنزل الله تعالى ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ ( البقرة، ٢٢٥ ) الآية.
وروي ( أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الدجاج والفالوز وكان يعجبه الحلواء والعسل ) وقال :«المؤمن حلو يحب الحلاوة » وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنّ رجلاً قال له : إني حرمت الفراش فتلا هذه الآية وقال : نم على فراشك وكفر عن يمينك » وعن الحسن : أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السبخي وأصحابه فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج والفالوز وغير ذلك فاعتزل فرقد ناحية فسأل الحسن أهو صائم فقالوا : لا ولكنه يكره هذه الألوان فقال : يا فريقد أترى لعاب النحل بلباب البر بخالص السمن يعيبه مسلم، وعنه أنه قيل له : فلان لا يأكل الفالوز يقول : لا أؤدي شكره قال : أفيشرب الماء البارد ؟ قال : نعم قال : إنه جاهل إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوز، وعنه أنّ الله تعالى أدب عباده فأحسن أدبهم قال تعالى :﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ ( الطلاق، ٧ ) ما عاب الله قوماً وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوه ولا عذر قوماً ذواهاً عنهم فعصوه.
وروي أنّ عثمان بن مظعون أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : ائذن لي في الاختصاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ليس منا من خصى ولا من اختصى إن خصاء أمتي الصيام ) فقال : يا رسول الله ائذن لي بالسياحة فقال :( إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ) قال : يا رسول الله ائذن لي في الترهب قال :( إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة ).
وروي أنّ رجلاً قال : يا رسول الله إني أصبت من اللحم فانتشرت فأخذتني شهوة فحرّمت اللحم فأنزل الله تعالى هذه الآية، ولا تعارض بين الخبرين لأنّ الشيء الواحد قد يكون له أسباب جمة بعضها أقرب من بعض.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل نهياً شديداً وقال :( تزوّجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ).
المائدة 5:88
﴿وكلوا مما رزقكم الله﴾ ولما كان الرزق يقع على الحرام قيده بعد القيد بالتبعيض بقوله :﴿حلالاً طيباً﴾ وهو مفعول ( كلوا ) و( مما ) حال منه تقدّمت عليه لأنه نكرة وقوله تعالى :﴿واتقوا الله﴾ تأكيد للتوصية بما أمر الله به وزاده تأكيداً بقوله :﴿الذي أنتم به مؤمنون﴾ لأنّ الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر به وعمّا نهى عنه.
المائدة 5:89
﴿لا يؤاخذكم الله باللغو﴾ الكائن ﴿في أيمانكم﴾ هو ما يبدو من المرء بلا قصد كقول الإنسان : لا والله وبلى والله وإليه ذهب الشافعيّ رحمه الله تعالى، وقيل : هو الحلف على ما يظنّ أنه كذلك ولم يكن وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم﴾ أي : وثقتم ﴿الأيمان﴾ عليه بأن حلفتم عن قصد.
روي أنّ الحسن سئل عن لغو اليمين وكان عنده الفرزدق فقال : يا أبا سعيد دعني أجب عنك فقال :
ولست بمأخوذ بلغو تقوله؍ إذا لم تعمد عاقدات العزائم؍
والمعنى : ولكن يؤاخذكم الله بما عقدتم إذا حنثتم أو بنكث ما عقدتم فحذف التقدير بأحد الأمرين للعلم به، وقرأ ورش يؤاخذكم بإبدال الهمزة واواً مفتوحة، وقرأ ابن ذكوان عاقدتم بألف بعد العين وتخفيف القاف والباقون بغير ألف مع تشديد القاف ﴿فكفارته﴾ أي : اليمين إذا حنثتم فيه التي تذهب إثمه وتزيل أثره بحيث تصيرون كأنكم ما حلفتم.
﴿إطعام عشرة مساكين﴾ أي : لكل مسكين مدّ عندنا ونصف صاع عند أبي حنيفة رحمه الله ﴿من أوسط﴾ أي : أعدل ﴿ما تطعمون أهليكم﴾ من برّ أو غيره لا من أعلاه ولا من أدناه ﴿أو كسوتهم﴾ بما يسمى كسوة كقميص وعمامة وإزار وسراويل ومقنعة من صوف وقطن وكتان وحرير ولو لرجل وإن لم يجز له لبسه لوقوع اسم الكسوة عليه رديئاً كان أو جيداً ويجزئ لبد أو فروة اعتبر في البلد لبسهما ولا يكفي دفع ما ذكر لمسكين واحد وعليه الشافعيّ ولا يكفي المكعب والنعل والخف والقلنسوة والتبان وهو سراويل قصيرة لا تبلغ الركبة ونحو ذلك مما لا يسمى كسوة ﴿أو تحرير رقبة﴾ أي : مؤمنة كما في كفارتي القتل والظهار حملاً للمطلق على المقيد وجوّز أبو حنيفة عتق الكافرة في كل كفارة إلا القتل، وخرج بالتخيير بين هذه الثلاثة أنه لا يجزئ أن يطعم خمسة ويكسو خمسة كما لا يجزئ إعتاق نصف رقبة وإطعام خمسة ﴿فمن لم يجد﴾ أي : بأن عجز عن أحد ما ذكر ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ أي : فكفارته صيام ثلاثة أيام ولا يجب تتابعها.
فإن قيل : قرئ شاذاً متتابعات والقراءة الشاذة كخبر الواحد في وجوب العلم كما أوجبنا قطع يد السارق اليمنى بالقراءة الشاذة في قوله تعالى :﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما﴾ ( المائدة، ٣٨ ) ولأنّ من عادة الشافعي رحمه الله تعالى حمل المطلق على المقيد من جنسه وهو الظهار والقتل أجيب : بأنّ اليمين نسخ فيها متتابعات تلاوة وحكماً فلا يستدل بها بخلاف آية السرقة فإنها نسخت تلاوة لا حكماً وبأنّ المطلق ههنا متردّد بين أصلين يجب التتابع في أحدهما وهو كفارة الظهار والقتل ولا يجب في الآخر وهو قضاء رمضان فلم يكن أحد الأصلين في التتابع بأولى من الآخر ويسنّ تتابعها خروجاً من خلاف أبي حنيفة فإنه شرط تتابعها.
تنبيه : المراد بالعجز أن لا يقدر على المال الذي يصرفه في الكفارة كمن يجد كفايته وكفاية من تلزمه مؤنته فقط ولا يجد ما يفضل عن ذلك وضابط ذلك : أنّ من جاز له أن يأخذ سهم الفقراء والمساكين من الزكاة والكفارات جاز له أن يكفر بالصوم لأنه فقير في الأخذ فكذا في الإعطاء ﴿ذلك﴾ أي : المذكور ﴿كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ أي : وحنثتم ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ أي : من أن تنكثوها ما لم تكن من فعل برّ أو إصلاح بين الناس كما مرّ في سورة البقرة ﴿كذلك﴾ أي : مثل ما بين لكم ما ذكر ﴿يبين الله لكم آياته﴾ أي : أعلام شريعته ﴿لعلكم تشكرون﴾ أي : يحصل منكم شكر بحفظ جميع الحدود الآمرة والناهية.
المائدة 5:90
﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر﴾ أي : المسكر الذي خامر العقل سواء فيه كثيره وقليله ﴿والميسر﴾ أي : القمار ﴿والأنصاب﴾ أي : الأصنام ﴿والأزلام﴾ أي : قداح الاستقسام ﴿رجس﴾ أي : خبيث مستقذر وإنما وحد الخبر للنص على الخمر والإعلام بأنّ أخبار الثلاثة حذفت وقدرت لأنها أهل لأن يقال في كل واحدة منها على حدتها كذلك ولا يكفي عنها خبر واحد على سبيل الجمع ثم زاد في التنفير عنها تأكيداً لرجسيتها بقوله تعالى :﴿من عمل الشيطان﴾ الذي يزينه ﴿فاجتنبوه﴾ أي : الرجس المعبر به عن هذه الأشياء أن تفعلوه ﴿لعلكم تفلحون﴾ أي : تظفرون بجميع مطالبكم.
واعلم أنه سبحانه وتعالى أكد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية بأن صدّر الجملة بإنما وقرنهما بالأصنام والأزلام وسماهما رجساً وجعلهما من عمل الشيطان تنبيهاً على أن الاشتغال بهما شر خالص أو غالب وأمر بالاجتناب عن عينهما وجعل الاجتناب سبباً يرجى منه الفلاح.
المائدة 5:91
ثم قرّر ذلك بأن بين ما فيهما من المفاسد الدينية والدنيوية المقتضية للتحريم بقوله تعالى :
﴿إنما يريد الشيطان﴾ أي : بتزيين الشرب والقمار لكم ﴿أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر﴾ أي : إذا أتيتموهما لما يحصل فيهما من الشرّ والفتن، أمّا العداوة في الخمر فإنّ الشارب إذا سكر عربد كما فعل الأنصاري الذي شج رأس سعد بن أبي وقاص بلحى الجمل، وأمّا العداوة في الميسر فقال قتادة : كان الرجل يقامر على الأهل والمال ثم يبقى حزيناً مسلوب الأهل والمال مغتاظاً على حرفائه ﴿ويصدّكم﴾ بالاشتغال بهما ﴿عن ذكر الله وعن الصلاة﴾ وذلك لأنّ من اشتغل بشرب الخمر والقمار ألهاه ذلك عن ذكر الله وشوش عليه صلاته كما فعل بأضياف عبد الرحمن بن عوف، تقدّم رجل منهم يصلي بهم صلاة المغرب بعدما ما شربوا فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد بحذف لا، وإنما خصهما بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال تنبيهاً على أنهما المقصودان بالبيان وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة والشرارة لقوله صلى الله عليه وسلم :( شارب الخمر كعابد الوثن ) رواه البزار ورواه ابن حبان بلفظ ( مدمن الخمر كعابد الوثن ) قال : ويشبه أن يكون فيمن يستحلها وهو كذلك وخص الصلاة بالذكر للإفراد بالتعظيم والإشعار بأنّ الصادّ عنها كالصادّ عن الإيمان من حيث إنها عماده، والفارق بينه وبين الكفر ثم أعاد الحثّ على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتباً على ما تقدّم من أنواع الصوارف بقوله تعالى :﴿فهل أنتم منتهون﴾ إيذاناً بأنّ الأمر في المنع والتحذير بلغ الغاية وأنّ الأعذار قد انقطعت فلفظه الاستفهام ومعناه أمر كقوله تعالى :﴿فهل أنتم شاكرون﴾ ( الأنبياء، ٨٠ ).
المائدة 5:92
﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ فيما أمراكم به من اجتناب ذلك ﴿واحذروا﴾ مخالفتهما فيما ينهياكم عنه ﴿فإن توليتم﴾ أي : عن الطاعة ﴿فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ أي : فلا يضرّه توليكم فإنما عليه الإبلاغ البيّن، وقد أدّى وإنما ضررتم أنفسكم.
ولما نزل تحريم الخمر قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم : يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر نزل.
المائدة 5:93
﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ تصديقاً لإيمانهم ﴿جناح﴾ أي : حرج ﴿فيما طعموا﴾ أي : من مال الميسر وشربوا من الخمر قبل التحريم ﴿إذا ما اتقوا﴾ أي : المحرّمات ﴿وآمنوا وعملوا الصالحات﴾ أي : ثبتوا على الإيمان والأعمال الصالحة ﴿ثم اتقوا﴾ ما حرّم عليهم بعد الخمر ﴿وآمنوا﴾ بتحريمه ﴿ثم اتقوا﴾ أي : استمرّوا وثبتوا على اتقاء المعاصي ﴿وأحسنوا﴾ أي : وتحرّوا الأعمال الجميلة واشتغلوا بها أو أن التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة الماضي والحال والاستقبال التي تقع فيها الأفعال المذكورة وباعتبار الحالات الثلاث استعمال الإنسان التقوى والإيمان بينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس، وبينه وبين الله عز وجل ولأجل استعمال الإنسان التقوى بينه وبين الله أبدل الإيمان بالإحسان في الكرة الثالثة إشارة إلى ما قاله عليه الصلاة والسلام في تفسير الإحسان من قوله :( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) أو باعتبار المراتب الثلاثة : المبدأ والوسط والمنتهى أو باعتبار ما يتقي به فإنه ينبغي أن يترك المحرّمات توقياً من العقاب والشبهات تحزراً للنفس عن الوقوع في الحرام وبعض المباحات صوناً لها عن الخسة وتهذيباً لها عن دنس الطبيعة ﴿والله يحب المحسنين﴾ أي : يثيبهم.
ونزل عام الحديبية وكانوا محرمين ابتلاهم الله بالصيد فكانت الوحوش تغشى رحالهم فهموا بأخذها.
المائدة 5:94
﴿يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله﴾ أي : ليختبرنكم ﴿بشيء﴾ يرسله لكم ﴿من الصيد﴾ وإنما بعض لأنه ابتلاهم بصيد البر خاصة وفائدة الابتلاء إظهار المطيع من العاصي وإلا فلا حاجة به إلى البلوى ﴿تناله أيديكم﴾ أي : ما لا يقدر أن يفرّ من الصيد لصغر أو غيره ﴿ورماحكم﴾ أي : ما يقدر على الفرار لكبر أو غيره ﴿ليعلم الله﴾ أي : علم ظهور فإنه تعالى يعلم ما تخفى الصدور ﴿من يخافه بالغيب﴾ أي : ليتميز من يخاف عقاب الله وهو غائب منتظر في الآخرة فيجتنب الصيد، والمعنى : أنه سبحانه وتعالى يخرج بالامتحان ما كان من أفعال العباد في عالم الغيب إلى عالم الشهادة فيصير تعلق العلم به تعلقاً شهودياً كما كان تعلقاً غيبياً ليقوم بذلك على الفاعل الحجة في مجاري عاداتكم ﴿فمن اعتدى﴾ أي : فاصطاد ﴿بعد ذلك﴾ أي : الابتلاء بالصيد ﴿فله عذاب أليم﴾ أي : مؤلم وإنّ من لا يملك نفسه في مثل ذلك ولا يراعي حكم الله فيه فكيف به فيما تكون فيه النفس أميَل إليه وأحرص عليه.
المائدة 5:95
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ أي : محرمون بنسك أو في الحرم والنهي عما يؤكل لحمه لأنه الغالب فيه عرفاً وأمّا غير المأكول فيحل قتله فإنه لا حظ للنفس في قتله إلا الإراحة من أذاه ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم :( خمس يقتلن في الحل والحرم : الحداء والغراب والعقرب والفأرة والكلب ) وفي رواية أخرى الحية بدل العقرب مع ما فيه من التنبيه على جواز قتل كل مؤذ وإنما ذكر القتل دون الذبح والذكاة للتعميم فإنّ مذبوح المحرم ميتة ﴿ومن قتله منكم متعمداً﴾ أي : قاصداً للصيد ذاكراً للأحرام إن كان محرماً والحرم إن كان فيه عالماً بالتحريم وذكر العمد ليس لتقييد وجوب الجزاء فإنّ إتلاف العامد والمخطئ واحد في إيجاب الضمان بل لقوله تعالى :﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ ولأنّ الآية نزلت فيمن تعمد إذ روي أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فطعنه أبو قتادة برمحه فقتله فنزلت، وعن الزهريّ نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ، وعن سعيد بن جبير : لا أرى في الخطأ شيئاً باشتراط العمد في الآية، وعن الحسن روايتان وقوله تعالى :﴿فجزاء﴾ منوّن في قراءة عاصم وحمزة والكسائيّ وما بعده مرفوع أي : فعليه جزاء هو ﴿مثل ما قتل من النعم﴾ أي : شبهه في الخلقة لا التساوي في القيمة، وقرأ الباقون بغير تنوين في جزاء وخفض لام مثل ﴿يحكم به﴾ أي : المثل رجلان ﴿ذوا عدل منكم﴾ أي : لهما فطنة يميزان بها أشبه الأشياء به فيحكمان به وقد ذهب إلى إيجاب المثل جماعة من الصحابة حكموا في بلدان مختلفة بالمثل من النعم فحكم ابن عباس وعمر وعليّ في النعامة ببدنة وهي لا تساوي بدنة وعمر في الضبع بكبش وهو لا يساوي كبشاً وابن عباس وأبو عبيدة في بقر الوحش وحماره ببقرة، ابن عمر وابن عوف في الظبي بشاة وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرهما في الحمام لأنه يشبهها في العب، والحمام كل ما عبّ وهدر من الطير كالفواخت والقمري والدبسيّ فدلّ ذلك على أنهم ينظرون إلى ما يقرب من الصيد شبهاً من حيث الخلقة لا من حيث القيمة.
وقوله :﴿هدياً﴾ حال من ( جزاء ) وقوله تعالى :﴿بالغ الكعبة﴾ أي : يبلغ به الحرم فيذبح فيه ويتصدّق به على مساكينه ولا يجوز أن يذبح حيث كان وهو نعت لما قبله وإن أضيف إلى معرفة لأنّ إضافته لفظية لا تفيد تعريفاً فإن لم يكن للصيد مثل من النعم كالعصفور والجراد فعليه قيمته ﴿أو﴾ عليه ﴿كفارة طعام مساكين﴾ في الحرم من غالب قوت البلد مما يساوي قيمة الجزاء لكل مسكين مدّ، وقرأ نافع وابن عامر كفارة بغير تنوين وخفض ميم طعام والباقون بالتنوين ورفع ميم طعام أي : هي طعام ﴿أو﴾ عليه ﴿عدل﴾ أي : مثل ﴿ذلك﴾ أي : الطعام ﴿صياماً﴾ يصومه في كل موضع يتيسر له عن كلّ مدّ يوماً، ف( أو ) للتخيير لأنه الأصل فيها، قال البقاعي : والقول بأنها للترتيب يحتاج إلى دليل.
وقوله تعالى :﴿ليذوق وبال أمره﴾ متعلق بمحذوف أي : فعليه الجزاء أو الطعام أو الصوم ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام والوبال المكروه والضرر الذي يناله في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه من قوله تعالى :﴿فأخذناه أخذاً وبيلاً﴾ ( المزمل، ١٦ ) أي : ثقيلاً والطعام الوبيل الذي يثقل على المعدة ولا يستمر ﴿عفا الله عما سلف﴾ أي : من قتل الصيد قبل تحريمه فلا يؤاخذكم به ﴿ومن عاد﴾ إلى تعمد شيء من ذلك بعد النهي وقوله تعالى :﴿فينتقم الله منه﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو ينتقم الله منه ولذلك دخلت الفاء ونحو ذلك قوله تعالى :﴿فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً﴾ ( الجن، ١٣ ) أي : ينتقم الله تعالى منه في الآخرة وإذا تكرّر من المحرم قتل الصيد تعدّدت عليه الكفارة عند عامّة العلماء.
وعن ابن عباس وشريح : لا كفارة عليه تعلقاً بظاهر الآية فإنه لم يذكر الكفارة قالا : لأنّ الانتقام من العائد يمنع وجوب الكفارة ﴿والله﴾ الذي له صفات الكمال ﴿عزيز﴾ أي : غالب على أمره ﴿ذو انتقام﴾ أي : ممن أصبر على عصيانه.
المائدة 5:96
ولما كان هذا عاماً في كل صيد بيّن الله تعالى أنه خاص بصيد البرّ فقال :
﴿أحلّ لكم﴾ أيها الناس حلالاً كنتم أو محرمين ﴿صيد البحر﴾ أي : ما صيد منه وهو ما لا يعيش إلا في الماء كالسمك بخلاف ما يعيش فيه وفي البرّ عند الشافعيّ رحمه الله تعالى وذهب قوم إلى أنّ جميع ما في البحر حلال وظاهر الآية حجة له. وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى : لا يحلّ منه إلا السمك، وقوله تعالى :﴿وطعامه﴾ عطف على صيد البحر أي : وأحلّ لكم طعام البحر وهو ما يقذفه من السمك ميتاً قال صلى الله عليه وسلم : في البحر :( هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته ) رواه أبو داود والترمذيّ وغيرهما وصححوه وقال قتادة : صيده طريه وطعامه مالحه، وقيل : الضمير للصيد وطعامه أكله وعلى هذا فالصيد بمعنى الاصطياد والمعنى : أحلّ لكم اصطياد الصيد وأكل المصيد من الأنهار والبرك وغيرهما من جميع المياه كالبحر.
وقوله تعالى :﴿متاعاً﴾ مفعول أي : أحلّ ﴿لكم﴾ تمتيعاً لكم تأكلونه طرياً ﴿وللسيارة﴾ أي : المسافرين منكم يتزوّدونه قديداً كما تزوّد موسى صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى الخضر الحوت ﴿وحرّم عليكم صيد البرّ﴾ أي : اصطياده وأكل ما صيد منه لكم وهو ما لا يعيش إلا فيه وما يعيش فيه وفي البحر فإن صيد الحلال حل للمحرم أكله لقوله صلى الله عليه وسلم :( لحم الصيد حلال لكم ما لم تصطادون أو يصد لكم ) ﴿ما دمتم حرماً﴾ أي : محرمين وقد ذكر تعالى تحريم الصيد على المحرم في ثلاث مواضع من هذه السورة قوله تعالى :﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾ ( المائدة، ١ ) إلى قوله تعالى :﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ ( المائدة، ٢ ) وقوله تعالى :﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ ( المائدة، ٩٥ ) وقوله تعالى :﴿وحرم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً﴾ ( المائدة، ٩٦ ) تشديداً على المحرم أنه لا يتعاطى ذلك وأكد ذلك بقوله تعالى :﴿واتقوا الله﴾ أي : في ذلك الاصطياد وغيره ﴿الذي إليه تحشرون﴾ فإنه مجازيكم بأعمالكم.
المائدة 5:97
﴿جعل الله الكعبة﴾ أي : صيرها وسمى البيت كعبة لتكعبه أي : تربعه وقال مجاهد : سميت كعبة لترفعها والعرب تسمي كل بيت مرتفع كعبة وقال مقاتل : سميت كعبة لانفرادها من البناء وقوله تعالى :﴿البيت الحرام﴾ أي : المحترم عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح كما تجيء الصفة كذلك ﴿قياماً للناس﴾ أي : يقوم به أمر دينهم بالحج أو العمرة إليه ودنياهم بأمن داخله وعدم التعرّض له وجبي ثمرات كل شيء إليه قال الرازي : والمراد بعض الناس وهم العرب وإنما حسن هذا المجاز ؛ لأنّ أهل كل بلد إذا قالوا : الناس فعلوا كذا وصنعوا كذا فهم لا يريدون إلا أهل بلدتهم فلهذا السبب خوطبوا بهذا الخطاب على وفق عادتهم. وقرأ ابن عامر قيماً بغير ألف مصدر قام غير معل والباقون بالألف.
﴿والشهر الحرام﴾ أي : الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب أي : صير الأشهر الحرم قياماً للناس يأمنون فيها من القتال ﴿والهدي﴾ أي : الذي لم يقلد ﴿والقلائد﴾ أي : الهدى الذي يقلد فيذبح ويقسم على الفقراء ومرّ الكلام عليه في أوّل السورة ﴿ذلك﴾ أي : الجعل المذكور وهو الأربعة الأشياء التي جعلها الله قياماً للناس ﴿لتعلموا أنّ الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض﴾ فإن شرع الأحكام لدفع المضار قبل وقوعها وجلب المنافع المترتبة عليها دليل على علمه بما في الوجود وما هو كائن وقوله تعالى :﴿وإنّ الله بكل شيء عليم﴾ تعميم بعد تخصيص ومبالغة بعد إطلاق.
المائدة 5:98
وقوله تعالى :
﴿اعلموا أنّ الله شديد العقاب﴾ فيه وعيد لأعدائه ممن انتهك محارمه وقوله تعالى :﴿وإنّ الله غفور﴾ فيه وعد لأوليائه ممن حافظ عليها ﴿رحيم﴾ بهم.
المائدة 5:99
وقوله تعالى :
﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾ فيه تشديد على إيجاب القيام بما أمر به وأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم في التفريط ﴿والله يعلم ما تبدون﴾ أي : تظهرون من العمل ﴿وما تكتمون﴾ أي : تخفون منه فيجازيكم به.
المائدة 5:100
وقوله تعالى :
﴿قل لا يستوي الخبيث والطيب﴾ حكم عام في نفي المساواة عند الله تعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال وجيدها رغب به في صالح العمل وحلال المال ﴿ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾ إذ لا عبرة بالقلة والكثرة بل بالجودة والرداءة فإنّ المحمود القليل خير من المذموم الكثير، والخطاب لكل معتبر ولذلك قال تعالى :﴿فاتقوا الله﴾ أي : في ترك الخبيث وإن كثر في الحس لنقصه في المعنى وآثِروا الطيب وإن قلّ في الحس لكثرته في المعنى ﴿يا أولي الألباب﴾ أي : أصحاب العقول السليمة ﴿لعلكم تفلحون﴾ أي : لتكونوا على رجاء من أن تفوزوا بجميع المطالب.
المائدة 5:101
ونزل لما أكثروا سؤاله صلى الله عليه وسلم :
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد﴾ أي : تظهر ﴿لكم تسؤكم﴾ أي : لما فيها من المشقة فقيل : سبب نزولها ما في الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه إنهم لما سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه المسألة أي : بالغوا في السؤال فغضب وصعد المنبر وقال :( لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم ) وشرع يكرّر ذلك وإذا رجل كان إذا لاحى الرجال يدعى لغير أبيه فقال : يا رسول الله من أبي ؟ فقال :«حذافة » فقال عمر رضي الله تعالى عنه : رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً نعوذ بالله من الفتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط إنه قد صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط في آخره ) فنزلت هذه الآية.
وروي أنّ عمر رضي الله تعالى عنه قال : يا رسول الله أنا حديث عهد بجاهلية اعف عنا يعف الله عنك فسكن غضبه، وللبخاريّ في التفسير عن أنس أيضاً قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط قال :( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ) فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم خنين فقال رجل : من أبي ؟ قال : فلان فنزلت هذه الآية. وللبخاري أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل : من أبي ؟ يقول الرجل تضلّ ناقته أين ناقتي ؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب ذات يوم وهو غضبان من كثرة ما يسألون عنه مما لا يعنيهم فقال صلى الله عليه وسلم :( لا أسأل عن شيء إلا وأجيب ) فقال رجل : أين أنا ؟ قال :( في النار ) وقال آخر : من أبي ؟ قال :«حذافة » وكان يدعى لغيره فنزلت هذه الآية. وقيل غير ذلك ولا تعارض بين هذه الأخبار ولو تعذر ردّها إلى شيء واحد لما مرّ عند قوله تعالى :﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ ( المائدة، ٨٧ ) من أنّ الأمر الواحد قد تتعدّد أسبابه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية مع تحقيق الأولى والباقون بتحقيقهما. ولما كان ربما وقع في وهم متعنت أنّ هذا الزجر إنما هو لقصد راحة المسؤول عن السؤال خوفاً من عواقبه قال تعالى :﴿وإن تسألوا عنها﴾ أي : تلك الأشياء التي تتوقع مساءتكم عند إبدائها ﴿حين ينزل القرآن تبد لكم﴾ المعنى : إذا سألتم عن أشياء في زمنه صلى الله عليه وسلم ينزل القرآن بإبدائها ومتى أبداها ساءتكم فلا تسألوا.
روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :( إنّ الله تعالى قد فرض فرائض فلا تضيعوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها ثم عفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها )، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي وقوله تعالى :﴿عفا الله عنها﴾ استئناف أي : عفا الله عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى مسألتها أو صفة أخرى أي : عن أشياء عفا الله عنها ولا يكلف بها.
روي أنه لما نزل ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ ( آل عمران، ٩٧ ) قال سراقة بن مالك : ألكل عام فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم حتى أعاد ثلاثاً فقال :( لا ولو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم فاتركوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ).
﴿والله غفور﴾ يمحو الزلات عيناً وأثراً ويعقبها بالإكرام ﴿حليم﴾ لا يعجل على العاصي بالعقوبة.
المائدة 5:102
وقوله تعالى :
﴿قد سألها قوم﴾ الضمير فيه للمسألة التي دلّ عليها تسألوا ولذلك لم يعدّ بعن أو الأشياء بحذف الجار وقوله تعالى :﴿من قبلكم﴾ قال البيضاويّ : متعلق بسألها وليس صفة لقوم فإن ظرف الزمان لا يكون صفة لجثة ولا حالاً منها ولا خبراً عنها اه. قال أبو حيان : هذا محله في ظرف الزمان المجرّد من الوصف أمّا إذا لم يتجرّد عنه فيصح أن يكون صفة للجثة أو حالاً منها أو خبراً عنها، وقبل وبعد وصفان في الأصل فإذا قلت : جاء زيد قبل عمرو فالمعنى جاء في زمان قبل زمان مجيئه أي : تقدّم عليه ولذا صح وقوعه صلة للموصول ولو لم يلحظ فيه الوصف ولو كان ظرف زمان مجرّداً لم يجز أن يقع صلة قال تعالى :﴿والذين من قبلكم﴾ ( البقرة، ٢١ ) ولا يجوز والذين اليوم وممن سألها قبلهم ثمود سألوا صالحاً الناقة وسأل قوم عيسى المائدة ﴿ثم أصبحوا﴾ أي : صاروا ﴿بها﴾ أي : بسببها ﴿كافرين﴾ حيث لم يأتمروا بما سألوا جحوداً.
المائدة 5:103
وقوله تعالى :
﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ ردّ وإنكار لما ابتدعته أهل الجاهلية.
روي أنّ أهل الجاهلية كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر يجزوا أذنها أي : شقوها وتركوا الحمل عليها وركوبها ولم يجزوا وبرها ولم يمنعوها الماء والكلأ وقيل : إنهم كانوا ينظرون إلى خامس ولدها فإن كان ذكراً نحروه فأكله الرجال والنساء وإن كان أنثى يجزوا أذنها أي : شقوها وتركوها، وحرم على النساء لبنها ومنافعها وكانت منافعها خاصة للرجال وإذا ماتت حلت للرجال والنساء.
وأما السائبة فكان الرجل منهم يقول : إن شفيت أو ردّ غائبي فناقتي سائبة ثم يسيبها فلا تحبس عن مرعى ولا ماء ولا تركب ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها وقيل : كانت الناقة إذا تابعت ثنتي عشرة سنة إناثاً سيبت فلم يركب ظهرها ولم يجزّ وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف فإن نتجت بعد ذلك أنثى شق أذنها ثم يخلى سبيلها مع أمّها في الإبل فلم تركب ولم يجزّ وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمّها فهي البحيرة بنت السائبة.
وأمّا الوصيلة فمن الغنم كانت إذا ولدت سبعة أبطن نظر فإن كان السابع ذكراً ذبحوه فأكل منه الرجال والنساء وإن كانت أنثى تركوها في الغنم وقيل : إذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم فإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا : وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم وكان ابن الأنثى حراماً على النساء فإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعاً.
وأمّا الحام فهو الفحل إذا ركب ولد ولده ويقال : إذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا : قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى. وإذا مات أكله الرجال والنساء.
وروي ( أنه صلى الله عليه وسلم قال لأكثم الخزاعي : يا أكثم رأيت عمرو بن لحى يجرّ قصبه في النار فما رأيت من رجل أشبه برجل منك به ولا به منك وذلك أنه أوّل من غير دين إسماعيل ونصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي ولقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه ) فقال أكثم : أيضرني شبهه يا رسول الله ؟ قال :( لا إنك مؤمن وهو كافر ) ومعنى ﴿ما جعل الله﴾ أي : ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير ولا التسيب ولا غير ذلك ﴿ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب﴾ في قولهم : إنّ الله أمرنا بها ﴿وأكثرهم لا يعقلون﴾ أنّ ذلك افتراء لأنهم قلدوا فيه آباءهم.
المائدة 5:104
قال تعالى :
﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا﴾ أي : كافينا ﴿ما وجدنا عليه آباءنا﴾ إذ لا مستند لهم سوى ذلك قال الله تعالى :﴿أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون﴾ أي : إلى الحق والاستفهام للإنكار أي : أحسبهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كانوا جهلة ضالين. وقرأ هشام والكسائيّ قيل بضم القاف قبل الياء والباقون بالكسر.
المائدة 5:105
﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ أي : احفظوها والزموا إصلاحها ﴿لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ أي : لا يضركم الضالّ إذا كنتم مهتدين ومن الاهتداء أن ينكر المنكر حسب طاقته كما قال عليه الصلاة والسلام :( من رأى منكراً واستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ).
وروي عن أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه أنه قال : يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ الآية وتضعونها غير موضعها ولا تدرون ما هي وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إنّ الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعذابه ). وفي رواية ( لتأمرن بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر أو ليستعملنّ الله عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب ثم ليدعون الله خياركم فلا يستجاب لهم ).
قال أبو عبيدة : خاف الصدّيق رضي الله تعالى عنه أنه يتأوّل الناس الآية غير متأوّلها فيدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف فأعلمهم أنها ليست كذلك، قال أبو ثعلبة الخشني : سألت عن هذه الآية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحّاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت الأمر لا بدّ لك منه فعليك نفسك ودع أمر العامة وإن وراءكم أيام الصبر فمن صبر فيهنّ قبض على الجمر وإنّ وراءكم أياماً للعامل فيهنّ مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله ) قال ابن المبارك وزادني غيره قال يا رسول الله :( أجر خمسين منهم ؟ قال :( أجر خمسين منكم ).
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ هذه الآية قرئت عنده فقال : إنّ هذا ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يقبل منكم فحينئذٍ عليكم أنفسكم فهي على هذا تسلية لمن يأمر وينهى فلا يقبل منه وبسط لعذره وعنه ليس هذا زمان تأويلها قيل : فمتى ؟ قال : إذا حال دونها السيف والسوط والحبس.
وروي :( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا فإن لو تفتح عمل الشيطان ولكن قل قدّر الله وما شاء فعل ). وقيل : كان الرجل إذا أسلم قالوا له : سفهت آباءك ولاموه فنزلت : عليكم أنفسكم وعليكم من أسماء الفعل بمعنى الزموا أنفسكم ولذلك نصب أنفسكم ﴿إلى الله مرجعكم جميعاً﴾ الضال والمهتدي ﴿فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ فيجازيكم به، وفي ذلك وعد ووعيد للفريقين وتنبيه على أنّ أحداً لا يؤاخذ بذنب أحد غيره.
المائدة 5:106
﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ أي : فيما أمرتم شهادة بينكم فشهادة مبتدأ خبره محذوف، قيل : هذه الآية وما بعدها من أشكل آي القرآن حكماً وإعراباً وتفسيراً والمراد بالشهادة الإشهاد بالوصية.
وقيل : المراد بها اليمين بمعنى يمين ما بينكم أن يحلف اثنان، قال القرطبي :
ورد لفظ الشهادة في القرآن على أنواع مختلفة بمعنى الحضور قال تعالى :﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ( البقرة، ١٨٥ ) وبمعنى قضى قال تعالى :﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ ( آل عمران، ١٨ ) وبمعنى أقرّ قال تعالى :﴿والملائكة يشهدون﴾ ( النساء، ١٦٦ ) وبمعنى حكم قال تعالى :﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ ( يوسف، ٢٦ ) وبمعنى حلف قال تعالى :﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات﴾ ( النور، ٦ ) وبمعنى وصى قال تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ أي : أسبابه ﴿حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم﴾ وهذا خبر بمعنى الأمر أي : ليشهد وإضافة شهادة ل«بين » على الاتساع و( حين ) بدل من إذا أو ظرف لحضر واثنان فاعل شهادة أو خبر مبتدأ محذوف أي : الشاهد اثنان ومن فسر الغير بأهل الذمّة جعله منسوخاً فإنّ شهادته على المسلم لا تسمع إجماعاً، وقد اتفق الأكثرون على أنه لا نسخ في سورة المائدة، وعن مكحول نسخها قوله تعالى :﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ ( الطلاق، ٢ ) وإنما جازت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذر وجودهم في حال السفر.
﴿إن أنتم ضربتم﴾ أي : سافرتم ﴿في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾ أي : قاربتم الأجل وقوله تعالى :﴿تحبسونهما﴾ أي : توقفونهما وتصبرونهما صفة لآخران ﴿من بعد الصلاة﴾ أي : صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس وتصادم ملائكة الليل وملائكة النهار. وقيل : أيّ صلاة كانت ﴿فيقسمان﴾ أي : يحلفان ﴿بالله﴾ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ اليمين إنما تكون إذا كانا من غيرنا فإن كانا مسلمين فلا يمين، وعن غيره : إن كان الشاهدان على حقيقتهما فقد نسخ تحليفهما، وإن كانا الوصيين فلا إثم شرط لهذا الحلف شرطاً فقال اعتراضاً بين القسم والمقسم عليه ﴿إن ارتبتم﴾ أي : شككتم فيما أخبرا به عن الواقعة ثم ذكر المقسم عليه بقوله :﴿لا نشتري به ثمناً﴾ أي : بهذا الذي ذكرناه ثمناً أي : لم نذكره ليحصل لنا به غرض دنيوي وإن كان في نهاية الجلالة وليس قصدنا به إلا إقامة الحق ﴿ولو كان﴾ أي : القسم له ﴿ذا قربى﴾ أي : لنا ﴿ولا نكتم شهادة الله﴾ أي : التي أمرنا بإقامتها ﴿إنا إذا﴾ أي : إذا كتمناها ﴿لمن الآثمين﴾.
المائدة 5:107
﴿فإن عثر﴾ أي : اطلع بعد حلفهما ﴿على أنهما استحقا إثماً﴾ أي : فعلاً ما يوجبه من خيانة أو كذب في الشهادة بأن وجد عندها مثلاً ما اتهما به وادعيا أنهما ابتاعاه من الميت أو وصى لهما به ﴿فآخران﴾ أي : فشاهدان آخران ﴿يقومان مقامهما﴾ أي : في توجيه اليمين عليهما ﴿من الذين استحق عليهم﴾ الوصية وهم الورثة على قراءة غير حفص بضم التاء وكسر الحاء على البناء للمفعول وعلى البناء للفاعل فهو الأوليان ويبدل من آخران ﴿الأوليان﴾ بالميت أي : الأقربان إليه، وقرأ حمزة وشعبة بتشديد الواو وكسر اللام وبسكون الياء وفتح النون على الجمع على أنه صفة للذين أو بدل منه أي : من الأوّلين الذين استحق عليهم والباقون بسكون الواو وفتح اللام والياء وألف بعد الياء وكسر النون على التثنية على أنه بدل من آخران كما مرّ أو خبر محذوف أي : هما الأوليان ﴿فيقسمان﴾ أي : هذان الآخران ﴿بالله﴾ ويقولان ﴿لشهادتنا﴾ أي : يميننا ﴿أحق﴾ أي : أصدق ﴿من شهادتهما﴾ أي : يمينهما ﴿وما اعتدينا﴾ أي : تجاوزنا الحق في اليمين ﴿إنا إذا﴾ أي : إذا وقع منا اعتداء ﴿لمن الظالمين﴾ أي : الواضعين الشيء في غير موضعه.
ومعنى الآيتين : أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي نسبه أو دينه على وصيته أو يوصي إليهما احتياطاً فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم ثم إن وقع نزاع وارتياب أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت، فإن اطلع على أنهما كذبا بأمارة أو مظنة حلف آخران من أولياء الميت والحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين فإن الشاهد لا يحلف ولا تعارض يمينه بيمين الوارث، وثابت إن كانا وصيين وردّ اليمين إلى الورثة إمّا لظهور خيانة الوصيين فإنّ تصديق الوصي باليمين لأمانته أو لتغيير الدعوى وتخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها، وهي ما روي أنّ رجلاً من بني سهم خرج مع تميم الداري وعدي بن زيد إلى الشام للتجارة وكانا حينئذٍ نصرانيين ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلماً فلما قدموا الشام مرض بديل فدوّن ما معه في صحيفة وطرحها في متاعه ولم يخبرهما بها وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله ومات ففتشاه وأخذا منه إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ثم قضيا حاجتهما وانصرفا إلى المدينة ودفعا المتاع إلى أهل الميت ففتشوا فأصابوا الصحيفة فيها تسمية ما كان معه فجاؤوا تميماً وعدياً فقالوا : هل باع صاحبنا شيئاً ؟ قالا : لا قالوا : هل اتجر تجارة قالا : لا قالوا : فهل طال مرضه فأنفق على نفسه ؟ قالا لا قالوا : فإنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما معه وإنا فقدنا منها إناء من فضة مموّهاً بالذهب ثلثمائة مثقال من فضة قالا : ما ندري إنما أوصى لنا بشيء وأمرنا أن ندفعه لكم فدفعناه وما لنا علم بالإناء فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجترآ على الإنكار وحلفا فأنزل تعالى الله :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ الآية فلما نزلت هذه الآية صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا تميماً وعدياً فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يختانا شيئاً مما دفع إليهما فحلفا على ذلك وخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما، ثم وجد الإناء في أيديهما، فبلغ ذلك بني سهم فأتوهما في ذلك فقالا : إنا كنا قد اشتريناه منه فقالوا : ألم تزعما أنّ صاحبنا لم يبع شيئاً من متاعه ؟ قالا : لم يكن عندنا بينة وكرهنا أن نقر لكم فكتمنا لذلك فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فإن عثر فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي رفاعة السهميان وحلفا وتقدّم أنّ تخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها.
المائدة 5:108
﴿ذلك﴾ أي : الحكم المذكور من ردّ اليمين على الورثة ﴿أدنى﴾ أي : أقرب ﴿أن﴾ أي : إلى أن ﴿يأتوا﴾ أي : الذين شهدوا أوّلاً ﴿بالشهادة﴾ أي : الواقعة في نفس الأمر ﴿على وجهها﴾ أي : الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة ﴿أو﴾ أقرب إلى أن ﴿يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم﴾ أي : على الورثة المدعين فيحلفون على خيانتهم وكذبهم فيفتضحون ويغرمون فلا يكذبوا وإنما جمع الضمير ؛ لأنه حكم يعم الشهود كلهم ﴿واتقوا الله﴾ بترك الخيانة والكذب ﴿واسمعوا﴾ ما تؤمرون به سماع قبول ﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ أي : الخارجين عن طاعته لا يهديهم إلى حجة أو إلى طريق الجنة.
المائدة 5:109
وقوله تعالى :
﴿يوم يجمع الله الرسل﴾ أي : يوم القيامة منصوب بإضمار اذكر. وقيل : بدل من مفعول واتقوا بدل اشتمال ﴿فيقول﴾ لهم توبيخاً لقومهم كما أنّ سؤال الموءودة لتوبيخ الوائد ﴿ماذا﴾ أي : الذي ﴿أجبتم﴾ به حين دعوتم إلى التوحيد ﴿قالوا لا علم لنا﴾ أي : لا علم لنا بما أنت تعلمه ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾ فتعلم ما أجابونا وأظهروا لنا وما لم نعلم مما أضمروا في قلوبهم.
المائدة 5:110
وقوله تعالى :
﴿إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك﴾ أي : اشكرها منصوب بإضمار اذكر، وقيل : بدل من يوم يجمع وهو على طريقة : ونادى أصحاب الجنة، والمعنى أنه تعالى يوبخ الكفرة يومئذٍ بسؤال الرسل عن إجابتهم وتعديد ما أظهروا عليهم من الآيات فكذبتهم طائفة وسموهم سحرة وغلا آخرون فاتخذوهم آلهة وقوله تعالى :﴿إذ أيدتك﴾ أي : قوّيتك ظرف ل( نعمتي ) أو حال منه ﴿بروح القدس﴾ أي : جبريل عليه السلام فكان له في الصغر حفظ لم يكن لغيره وقوله تعالى :
﴿تكلم الناس﴾ حال من الكاف في أيدتك ﴿في المهد﴾ أي : طفلاً ﴿وكهلاً﴾ أي : تكلمهم في الطفولية والكهولة على السواء والمعنى : إلحاق حاله في الطفولية بحال الكهول في كمال العقل والتكلم به، وبه استدل على أنه ينزل قبل الساعة ؛ لأنه رفع قبل الكهولة كما سبق في آل عمران ﴿وإذ علمتك الكتاب﴾ أي : الخط الذي هو مبدأ العلم ﴿والحكمة﴾ أي : الفهم لحقائق الأشياء والعمل بما يدعو إليه العلم ﴿والتوراة﴾ أي : المنزلة على موسى صلى الله عليه وسلم ﴿والإنجيل﴾ أي : المنزل عليك ﴿وإذ تخلق من الطين﴾ أي : هذا الجنس ﴿كهيئة﴾ أي : كصورة ﴿الطير﴾ والكاف اسم بمعنى مثل مفعول ﴿بإذني﴾ أي : بأمري ﴿فتنفخ فيها﴾ أي : في الصورة المهيأة ﴿فتكون﴾ تلك الصورة التي هيأتها ﴿طيراً بإذني﴾ أي : بإرادتي، وقرأ نافع بالمدّ بعد الطاء وبعد الألف همزة مكسورة وورش يرقق الراء على أصله والباقون بياء ساكنة بعد الطاء ﴿وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني﴾ وسبق تفسيرهما في سورة آل عمران ﴿وإذ تخرج الموتى﴾ أي : من قبورهم أحياء ﴿بإذني وإذ كففت بني إسرائيل﴾ أي : اليهود ﴿عنك﴾ أي : حين هموا بقتلك وقوله تعالى :﴿إذ جئتهم﴾ ظرف ل( كففت ) ﴿بالبينات﴾ أي : المعجزات ﴿فقال الذين كفروا منهم إن﴾ أي : ما ﴿هذا﴾ الذي جئت به ﴿إلا سحر مبين﴾ أي : بيّن ظاهر، وقرأ حمزة والكسائي بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء إشارة إلى عيسى عليه السلام، والباقون بكسر السين وسكون الحاء ولا ألف بعدها إشارة إلى ما جاء به.
المائدة 5:111
﴿وإذا أوحيت﴾ أي : بالإلهام باطناً وبإيصال الأوامر على لسانك ظاهراً ﴿إلى الحواريين﴾ أي : الأنصار ﴿أن﴾ أي : بأن ﴿آمنوا بي وبرسولي﴾ عيسى صلى الله عليه وسلم ﴿قالوا آمنا﴾ بهما ﴿واشهد بأننا مسلمون﴾ أي : منقادون أتم انقياد.
المائدة 5:112
وقوله تعالى :
﴿إذ قال الحواريون﴾ منصوب ب( اذكر ). وقيل : ظرف ل( قالوا ) فيكون تنبيهاً على أنّ ادعاءهم الإخلاص مع قولهم :﴿يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك﴾ قرأ الكسائي بالتاء على الخطاب وإدغام لام هل فيها على أصله، وفتح الباء الموحدة من ربك أي : هل تستطيع ربك أي : سؤال ربك والمعنى : هل تسأل ذلك من غير صارف ؟ وقرأ الباقون بالياء على الغيبة ورفع الباء أي : يجيبك ربك إذا سألته ﴿أن ينزل علينا مائدة﴾ وهي الطعام ويقال أيضاً للخوان إذا كان عليه الطعام، والخوان : شيء يوضع عليه الطعام للأكل هو في العموم بمنزلة السفرة لما يوضع فيه طعام المسافر بالخصوص، وقال أهل الكوفة : سميت مائدة لأنها تميد بالآكلين أي : تميل، وقال أهل البصرة فاعلة بمعنى مفعولة أي : تميد أيدي الآكلين إليها كقولهم : عيشة راضية أي : مرضية، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي وقولهم :﴿من السماء﴾ أي : لا صنع للآدميين فيها لنختص بها عمن تقدّمنا من الأمم لم يكن بعد عن تحقيق واستحكام معرفة ﴿قال﴾ عيسى عليه الصلاة والسلام مجيباً لهم ﴿اتقوا الله﴾ أن تسألوه شيئاً لم تسأله الأمم من قبلكم ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ بكمال قدرته تعالى وصحة نبوّتي أو صدقتكم في ادعائكم الإيمان فنهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان.
المائدة 5:113
﴿قالوا نريد﴾ أي : بسؤالنا من أجل ﴿أن نأكل منها﴾ تبرّكاً لا أكل حاجة وقولهم :﴿وتطمئن﴾ أي : تسكن ﴿قلوبنا﴾ بانضمام علم المشاهدة إلى علم الاستدلال بكمال قدرته بيان لمّا دعاهم إلى السؤال وتمهيد عذرهم وقولهم :﴿ونعلم﴾ أي : نزداد علماً ﴿أن﴾ مخففة أي : إنك ﴿قد صدقتنا﴾ في ادعاء النبوّة وإنّ الله يجيب دعوتنا، وقيل : إنّ عيسى عليه السلام أمرهم أن يصوموا ثلاثين يوماً فإذا أفطروا لا يسألون الله شيئاً إلا أعطاهم ففعلوا وسألوا المائدة وقالوا :( ونعلم أن قد صدقتنا ) في قولك إنا إذا صمنا ثلاثين يوماً لا نسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطانا ﴿ونكون عليها من الشاهدين﴾ إذا استشهدتنا أو من الشاهدين للعين دون السامعين للخبر.
المائدة 5:114
﴿قال عيسى بن مريم﴾ لما رأى أنّ لهم غرضاً صحيحاً في ذلك وأنهم لا يقلعون عنه فأراد إلزامهم الحجة بكمالها ﴿اللهمّ ربنا أنزل علينا مائدة﴾ وحقّق موضع الإنزال بقوله :﴿من السماء تكون﴾ هي أو يوم نزولها ﴿لنا عيداً﴾ نعظمه ونشرفه وقال سفيان : نصلي فيه.
وروي أنها نزلت يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً، وقيل : إنّ عيسى عليه السلام اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين وطأطأ رأسه وغض بصره وبكى ثم قال : اللهمّ ربنا الخ. . وقيل : العيد السرور العائد ولذلك سمي يوم العيد عيداً وقوله :﴿لأوّلنا وآخرنا﴾ بدل من لنا بإعادة العامل أي : عيداً لأهل زماننا ولمن جاء بعدنا وقال ابن عباس : يأكل منها آخر الناس كما أكل أوّلهم وقوله :﴿وآية﴾ عطف على عيداً وقوله :﴿منك﴾ صفة لها أي آية كائنة منك دالّة على كمال قدرتك وصحة نبوّتي ﴿وارزقنا﴾ المائدة والشكر عليها ﴿وأنت خير الرازقين﴾ أي : من يرزق ؛ لأنه تعالى خالق الرزق ومعطيه بلا غرض.
المائدة 5:115
﴿قال الله﴾ تبارك وتعالى مجيباً لعيسى عليه السلام ﴿إني منزلها عليكم﴾ أي : المائدة. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح النون وتشديد الزاي والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي ﴿فمن يكفر بعد﴾ أي : بعد نزولها ﴿منكم فإني أعذبه عذاباً﴾ أي : تعذيباً أو مفعولاً به على السعة والضمير في ﴿لا أعذبه﴾ للمصدر ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء ﴿أحداً من العالمين﴾ أي : عالمي زمانهم أو العالمين مطلقاً فإنهم مسخوا قردة وخنازير ولم يُعذّب بمثل ذلك غيرهم، قال عبد الله بن عمران : أشد الناس عذاباً يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وقوم فرعون.
واختلف العلماء هل نزلت المائدة أو لا ؟ فقال مجاهد والحسن : لم تنزل فإنّ الله تعالى لما أوعدهم على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا أن يكفر بعضهم فاستغفروا وقالوا : لا نريدها فلم تنزل، وقوله تعالى :﴿إني منزلها عليكم﴾ أي : إن سألتم والصحيح الذي عليه الأكثرون أنها نزلت لقوله تعالى :﴿إني منزلها عليكم﴾ ولتواتر الأخبار في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلفوا في صفتها فقال عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسيّ : لما سأل الحواريون المائدة لبس عيسى عليه السلام مسحاً وبكى وقال :﴿اللهمّ ربنا أنزل علينا مائدة﴾ الآية فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها وهي منقضة حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى عليه السلام وقال : اللهمّ اجعلني من الشاكرين اللهمّ اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة، فقام فتوضأ وصلى وكشف المنديل وقال : بسم الله خير الرازقين فإذا سمكة مشوية بلا فلوس أي : بلا قشر كالفلوس ولا شوك تسيل دهناً وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكرّاث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد، فقال شمعون الصفار وهو رأس الحواريين : يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة ؟ فقال : ليس شيئاً مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة ولكنه شيء اخترعه الله تعالى بقدرته، كلوا مما سألتم واشكروا يمددكم ويزدكم من فضله فقال : يا روح الله كن أوّل من يأكل منها فقال : معاذ الله أن آكل منها ولكن يأكل منها، من سألها فخافوا أن يأكلوا منها فدعا أهل الفاقة والمرض وأهل البرص والجذام والمقعدين وقال : كلوا من رزق الله لكم الهناء ولغيركم البلاء، فأكلوا وصدروا عنها وهم ألف وثلثمائة رجل وامرأة من فقير وزمن ومريض ومبتلى كلهم شبعان والسمكة كهيئتها حين نزلت، ثم طارت المائدة صعوداً وهم ينظرون إليها حتى توارت فلم يأكل منها زمن ولا مريض ولا مبتلى إلا عوفي ولا فقير إلا استغنى، وندم من لم يأكل فلبثت أربعين صباحاً تنزل ضحاً فإذا نزلت اجتمعت الأغنياء والفقراء والصغار والكبار والرجال والنساء ولا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء أي : زالت الشمس طارت وهم ينظرون في ظلها حتى توارت عنهم، وكانت تنزل غِبَّاً تنزل يوماً ولا تنزل يوماً كناقة ثمود، وقال قتادة : كانت تنزل عليهم بكرة وعشياً حيث كانوا كالمنّ والسلوى لبني إسرائيل، وقال وهب بن منبه : أنزل الله تعالى أقراصاً من شعير وحيتاناً فكان قوم يأكلون ثم يخرجون ويجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوا جميعهم، وقال عطية العوفي : نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء، وقال الكلبي : كان عليها خبز أرز وبقل، وقال قتادة : كان عليها ثمر من ثمار الجنة، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم، وقال كعب الأحبار : نزلت منكسة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كلّ الطعام ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأنها كانت تنزل تارة كذا وتارة كذا.
قيل : لما نزلت قالوا : يا رسول الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال : يا سمكة احيي بإذن الله تعالى فاضطربت ثم قال لها عودي كما كنت فعادت مشوية، ثم طارت المائدة ثم عصوا بعدها فمسخوا فمسخ منهم ثلثمائة وثلاثون رجلاً من ليلتهم على فراشهم مع نسائهم فأصبحوا خنازير يسعون، في الطرفات والكناسات يأكلون العذرة في الحشوش، فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى وبكوا فلما أبصرت الخنازير عيسى عليه السلام بكت وجعلت تطوف بعيسى وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برؤوسهم ويبكون ولا يقدرون على الكلام فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا.
وفي حديث :( أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً فأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد فخانوا وادّخروا فمسخوا قردة وخنازير ).
المائدة 5:116
﴿و﴾ اذكر ﴿إذ قال الله﴾ أي : يقول لعيسى في القيامة توبيخاً لقومه وإنما عبر بالماضي لتحقق وقوعه كقوله تعالى :﴿أتى أمر الله﴾ ( النحل، ١ ) ﴿يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ أي : غيره، وقال السدّي : قال الله هذا القول لعيسى حين رفعه إلى السماء ؛ لأن حرف إذ يكون للماضي وسائر المفسرين على الأوّل، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية وأدخل ألفاً بينهما قالون وأبو عمرو وورش وابن كثير لم يدخلا ألفاً بينهما والباقون بتحقيق الهمزتين ولا ألف بينهما وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص أمي بفتح الباء والباقون بالسكون.
فإن قيل : ما وجه هذا السؤال مع علم الله عز وجل أن عيسى عليه السلام لم يقله ؟ أجيب : بأنه ذكر لتوبيخ قومه كما مرّ، ولتعظيم أمر هذه المقالة كما يقول القائل لآخر : أفعلت كذا وكذا فيما يعلم أنه لم يفعله إعلاماً واستعظاماً لا استخباراً واستفهاماً، وأيضاً أراد الله عز وجل أن يقرّ عيسى على نفسه بالعبودية فيسمع قومه ويظهر كذبهم عليه أنه أمرهم بذلك. قال أبو روق إذا سمع عيسى عليه السلام هذا الخطاب ارتعدت فرائصه ومفاصله وانفجرت من أصل كل شعرة من جسده عين من دم ثم ﴿قال﴾ وهو يرعد مجيباً لله ﴿سبحانك﴾ أي : أنزهك عن أن يكون لك شريك ﴿ما يكون﴾ أي : ما ينبغي ﴿لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾ خبر ليس «ولي » للتبيين، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ( لي ) الأولى بفتح الياء والباقون بالسكون ﴿إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما﴾ أخفيه ﴿في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ أي : ما أخفيته عني من الأشياء وقوله : في نفسك للمشاكلة. وقيل : المراد بالنفس الذات وقوله :﴿إنك أنت علام الغيوب﴾ تقرير لجملتي ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ باعتبار منطوق ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾ ومفهومه لأنه يدل بمنطوقه على أنه تعالى لا يعلم الغيب غيره فيكون تقريراً لقوله تعالى :﴿ولا أعلم ما في نفسك﴾ وقرأ حمزة وشعبة بكسر الغين والباقون بالضم.
المائدة 5:117
﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به﴾ وهو ﴿أن اعبدوا الله ربي وربكم﴾ أي : فأنا وإياهم في العبودية سواء ﴿وكنت عليهم شهيداً﴾ أي : رقيباً أمنعهم مما يقولون ﴿ما دمت فيهم فلما توفيتني﴾ بالرفع إلى السماء لقوله تعالى :﴿إني متوفيك ورافعك إليّ﴾ ( آل عمران، ٥٥ ) والتوفّي أخذ الشيء وافياً والموت نوع منه قال الله تعالى :﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾ ( الزمر، ٤٢ ) ﴿كنت أنت الرقيب﴾ أي : الحفيظ ﴿عليهم﴾ أي : لأعمالهم ﴿وأنت على كل شيء﴾ من قولي وقولهم وغير ذلك ﴿شهيد﴾ أي : مطلع عالم به.
المائدة 5:118
﴿إن تعذبهم﴾ أي : من أقام على الكفر منهم ﴿فإنهم عبادك﴾ وأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك ﴿وإن تغفر لهم﴾ أي : لمن آمن منهم ﴿فإنك أنت العزيز﴾ أي : الغالب على أمره ﴿الحكيم﴾ في صنعه فإن عذبت فعدل، وإن عفوت ففضل.
المائدة 5:119
﴿قال الله﴾ تعالى ﴿هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾ أي : في الدنيا كعيسى فإنّ النافع ما كان حال التكليف لا صدقهم في الآخرة، وقرأ نافع بنصب الميم على أنه ظرف لقال وخبر هذا محذوف، والمعنى : هذا الذي من كلام عيسى عليه السلام واقع يوم ينفع، والباقون بالرفع على الخبر، وقيل : أراد بالصادقين النبيين، وقال الكلبي : ينفع المؤمنين إيمانهم، وقال قتادة : متكلّمان يخطبان يوم القيامة عيسى عليه الصلاة والسلام وهو ما قصّ الله تعالى وعدوّ الله إبليس، وهو قوله تعالى :﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر﴾ ( إبراهيم، ٢٢ ) فصدق عدوّ الله يومئذٍ، وكان كاذباً فلم ينفعه صدقه.
قال : ولما كان عيسى صادقاً في الدنيا والآخرة نفعه صدقه. ثم بيّن تعالى ثوابهم فقال :﴿لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾ وأكد معنى ذلك بقوله تعالى :﴿أبداً﴾ ولما كان ذلك لا يتمّ إلا برضا الله تعالى قال :﴿رضي الله عنهم﴾ بطاعته ﴿ورضوا عنه﴾ بثوابه ﴿ذلك﴾ أي : هذا الأمر العليّ لا غيره ﴿الفوز العظيم﴾ وأمّا الكاذبون في الدنيا فلا ينفعهم صدقهم في ذلك اليوم كالكفار لما يؤمنون عند رؤية العذاب.
المائدة 5:120
﴿لله ملك السماوات والأرض﴾ أي : خزائن المطر والنبات والرزق وغيرها ﴿وما فيهنّ﴾ من إنس وجنّ وملك وغيرهم ملكاً وخلقاً، وأتى بما دون من تغليباً لغير العاقل ﴿وهو على كل شيء قدير﴾ ومنه إثابة الصادق وتعذيب الكاذب، قال السيوطي : وخصّ العقل ذاته فليس عليها بقادر، وقوله البيضاوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم :( من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا ) حديث موضوع.