Lafzullah

التفسير المظهري — البقرة 2:187 – البقرة 2:280

المؤلف / المصدر: القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري (ت 1225هـ) — تحقيق: غلام نبي تونسي · مكتبة الرشدية - الباكستان · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-284)

المحتويات
  1. البقرة 2:187
  2. البقرة 2:188
  3. البقرة 2:189
  4. البقرة 2:190
  5. البقرة 2:192
  6. البقرة 2:194
  7. البقرة 2:195
  8. البقرة 2:196
  9. البقرة 2:197
  10. البقرة 2:198
  11. البقرة 2:199
  12. البقرة 2:201
  13. البقرة 2:203
  14. البقرة 2:204
  15. البقرة 2:206
  16. البقرة 2:208
  17. البقرة 2:209
  18. البقرة 2:211
  19. البقرة 2:212
  20. البقرة 2:213
  21. البقرة 2:214
  22. البقرة 2:215
  23. البقرة 2:217
  24. البقرة 2:218
  25. البقرة 2:220
  26. البقرة 2:221
  27. البقرة 2:222
  28. البقرة 2:223
  29. البقرة 2:224
  30. البقرة 2:225
  31. البقرة 2:226
  32. البقرة 2:227
  33. البقرة 2:228
  34. البقرة 2:229
  35. البقرة 2:230
  36. البقرة 2:231
  37. البقرة 2:232
  38. البقرة 2:233
  39. البقرة 2:234
  40. البقرة 2:235
  41. البقرة 2:236
  42. البقرة 2:237
  43. البقرة 2:238
  44. البقرة 2:239
  45. البقرة 2:240
  46. البقرة 2:241
  47. البقرة 2:242
  48. البقرة 2:244
  49. البقرة 2:246
  50. البقرة 2:247
  51. البقرة 2:248
  52. البقرة 2:249
  53. البقرة 2:250
  54. البقرة 2:253
  55. البقرة 2:254
  56. البقرة 2:255
  57. البقرة 2:256
  58. البقرة 2:257
  59. البقرة 2:258
  60. البقرة 2:259
  61. البقرة 2:260
  62. البقرة 2:261
  63. البقرة 2:263
  64. البقرة 2:265
  65. البقرة 2:266
  66. البقرة 2:267
  67. البقرة 2:268
  68. البقرة 2:270
  69. البقرة 2:271
  70. البقرة 2:272
  71. البقرة 2:273
  72. البقرة 2:274
  73. البقرة 2:275
  74. البقرة 2:276
  75. البقرة 2:278
  76. البقرة 2:279
  77. البقرة 2:280

البقرة 2:187

الطاعة ومعنى الاجابة الثواب فلا إيراد- وقيل معنى الآيتين خاص وان كان لفظهما عاما تقديرهما أجيب دعوة الداعي ان شئت نظيره قوله تعالى فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ فحينئذ المقصود من الاية رد قول الكفار الذين زعموا ان الله لا يسمع دعاءنا وانه غائب- او تقديرهما أجيب ان كانت الاجابة خيرا له- عن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال يستجيب الله لاحدكم ما لم يدع بإثم او قطيعة رحم او يستعجل- قالوا وما الاستعجال يا رسول الله قال يقول قد دعوتك يا رب قد دعوتك يا رب فلا أراك تستجيب لى فيخسر عن ذلك فيدع الدعاء- رواه مسلم او تقديره أجيبه ان لم يسئل محالا- وقيل هو عام لكن معنى قوله أجيب انى اسمع وليس في الاية اكثر من اجابة الدعوة فاما إعطاء المنية فليس بمذكور فيها- وقيل معنى الاية انه يجيب دعاءه فان قدر له ما سال أعطاه وان لم يقدر له ادخر ثوابه في الاخرة او كف عنه سوءا عن عبادة بن الصامت ان النبي ﷺ قال ما على الأرض رجل مسلم يدعوا الله بدعوة الا أتاه الله إياه او كف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم او قطيعة رحم- رواه البغوي- وروى احمد عن ابى هريرة عنه ﷺ ما من مسلم ينصب وجهه لله تعالى في مسئلة الا أعطاها إياه اما ان يعجلها له واما ان يدخرها له- وروى الترمذي عن جابر مرفوعا مثله بلفظ الا أتاه الله ما سال او كف من السوء مثله ما لم يدع بإثم او قطيعة رحم- وقيل ان الله يجيب دعوة المؤمن في الوقت ويؤخر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته ويعجل إعطاء من لا يحبه لانه يبغض صوته وقيل ان للدعاء آدابا وشرائط وهى اسباب الاجابة فمن استكملها كان من اهل الاجابة ومن اخلّ بها كان من اهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق الاجابة- وقد مر حديث ابى هريرة انه ﷺ ذكر الرجل يطيل السفر يمد يده الى السماء يا رب اشعث اغبر مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فانى يستجاب لذلك رواه مسلم والتحقيق في الباب عندى ان ما ذكرنا من الأقوال كلها صحيحة وانه ليس كل دعاء مستجاب ومدلول الاية ان مقتضى الدعاء الاجابة فانه تعالى جواد كريم قادر على كل شىء ومن كان هذا صفته لا يمنع مسئوله عقلا ونقلا روى الترمذي وابو داود عن سلمان قال قال رسول الله ﷺ ان ربكم حى كريم- يستحيى من عبده إذا رفع يديه ان يردهما صفرا- وانما يظهر تخلف الاستجابة عن الدعاء او تاخره عنه اما لحكمة او لمانع من الاستجابة او فقد شرط عقوبة للداعى والله اعلم-. أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ الرفث كناية عن الجماع- قال الزجاج الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجال من النساء- وعدى بالى لتضمنه معنى الإفضاء روى احمد- وابو داود- والحاكم من طريق عبد الرحمن بن ابى ليلى عن معاذ بن جبل قال كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فاذا ناموا امتنعوا ثم ان رجلا من الأنصار يقال له صرمة صلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فاصبح مجهودا وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام فاتى النبي ﷺ فذكر ذلك فانزل الله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الى قوله ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ- الحديث مشهور عن ابن ابى ليلى وهو لم يسمع من معاذ وله شواهد- اخرج البخاري عن البراء قال كان اصحاب رسول الله ﷺ إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل ان يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسى وان قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما فلما حضر الإفطار اتى امرأته فقال عندك طعام فقالت لا ولكن انطلق فاطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عينه وجاءت امرأته فلما رات قالت خيبة- فلما انتصف النهار غشى عليه فذكر ذلك للنبى ﷺ فنزلت هذه الاية- واخرج البخاري عن البراء قال لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله فكان رجال يخونون أنفسهم فانزل الله «١» عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ- واخرج احمد وابن جرير وابن ابى حاتم من طريق عبد الله بن كعب عن أبيه قال كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فامسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع عمر من عند النبي ﷺ وقد سمر عنده وأراد من امرأته فقالت انى قد نمت قال ما نمت ووقع عليها- وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر الى النبي ﷺ فاخبره فنزلت وقال البغوي كان في ابتداء الأمر إذا صلى العشاء او رقد قبلها حرم عليها الطعام والشراب والجماع الى القابلة وان عمر بن الخطاب واقع اهله بعد العشاء فاعتذر الى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ ما كنت جديرا بذلك يا عمر فقام رجال فاعترفوا بمثله فنزل هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ استيناف بيان لسبب التحليل وهو قلة الصبر عنهن وصعوبة اجتنابهن لكثرة المخالطة وشدة الملابسة- ولما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل منهما على صاحبه شبه باللباس- او لان اللباس كما يستر صاحبه كذلك يكون كل واحد منهما لصاحبه ستراعما لا يحل- قال رسول الله ﷺ من تزوج فقد احرز ثلثى دينه عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ (١) فى الأصل علم انكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ اى تخونونها وتظلمونها بالمجامعة بعد العشاء او بعد النوم بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب- والاختيان ابلغ من الخيانة فَتابَ عَلَيْكُمْ لما تبتم وَعَفا عَنْكُمْ محا ذنوبكم فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ جامعوهن حلالا كنى بالمباشرة عن الجماع وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ من الولد تدل الاية على انه ان جامع رجل امرأته ينبغى ان يريد به الولد دون قضاء الشهوة فحسب حيث قال رسول الله ﷺ تزوجوا الودود الولود فانى مكاثر بكم الأمم رواه ابو داود والنسائي عن معقل بن يسار- وعلى ان العزل مكروه وعلى ان اباحة الجماع مقتصر على محل الولد- قال البغوي قال معاذ بن جبل ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعنى ليلة القدر قلت وهذا بعيد من السياق وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ يعنى بياض النهار من سواد الليل- سميا خيطين لان كل واحد منهما إذا بدا في الابتداء امتد جنوبا وشمالا كالخيط- وقوله من الفجر حال من الخيط الأبيض بيان له- ولم يبين الخيط الأسود لظهوره بظهور الخيط الأبيض- ومن للبيان او للتبعيض اى كائنا الفجر او كائنا بعض الفجر- ولم يقل حتى يتبين لكم الفجر دلالة على حرمة الاكل عند ظهور خيطه يعنى أول جزء منه- ولم يقل حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر بلا ذكر الخيط الأسود ليدل على ان المراد بالفجر هو الفجر الصادق لانه خيط ابيض معترض جنوبا وشمالا يلاصقه خيط اسود معترض في الجانب الغربي هو طرف لسواد الليل بخلاف الفجر الكاذب فانه خيط ابيض مستطيل شرقا وغربا يحيط به السواد من الجوانب كلها ويحتمل ان يكون قوله من الفجر بيانا لمجموع الخيطين فان في الفجر سوادا وبياضا وهذا اولى حيث لا يلزم حينئذ الفصل بين الحال وصاحبه بالاجنبى والله اعلم- عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله ﷺ لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق- رواه الترمذي وعن ابن عمر ان رسول الله ﷺ قال ان بلالا ينادى بليل فكلوا واشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم وكان ابن أم مكتوم «١» رجلا أعمى لا ينادى حتى يقال له أصبحت أصبحت- فان قيل قد صح عن على رضى الله عنه انه صلى الصبح ثم قال الان يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود- رواه ابن المنذر بإسناد صحيح وكذا روى ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابى بكر الصديق انه قال لولا الشهوة لصليت الغداة ثم لتسحرت- وروى ابن المنذر وابن ابى شيبة من طريق عن ابى بكر انه امر بغلق الباب حتى لا يرى الفجر- فهذه الآثار تدل على جواز الاكل بعد انتشار الصبح فما وجه هذه الأقوال- قلت والله اعلم لعل وجه هذه الأقوال ان أبا بكر و «٢» عليّا رضى الله عنهما زعما ان من للسببية والخيط في معناه الحقيقي- لكن ثبت بالسنة ان من للبيان والمراد بالخيط الأبيض هو الصبح وعلى ذلك انعقد الإجماع عن عدى بن حاتم قال لما نزلت حَتَّى يَتَبَيَّنَ (١) فى اصل حتى ينادى ابن أم مكتوم رجلا أعمى (٢) فى الأصل وعلىّ-[.....] لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ عمدت الى عقال اسود والى عقال ابيض فجعلتهما تحت وسادتى فجعلت انظر في الليل فلا يستبين لى فغدوت الى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال انما ذلك سواد الليل وبياض النهار- متفق عليه وفي رواية- انك لعريض القفا انما ذلك بياض النهار وسواد الليل- وعن سهل بن سعد قال أنزلت كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ولم ينزل قوله من الفجر وكان الرجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل حتى يتبين له رويتهما فانزل الله تعالى بعد قوله من الفجر فعلموا انه يعنى بهما الليل والنهار متفق عليه- فان قيل حديث سهل بن سعد يدل على ان نزول قوله تعالى من الفجر كان متاخر او متراخيا عما سبق ويلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة وذلك غير جائز قلت استعمال الخيط الأبيض والأسود في سواد الليل وبياض النهار كان مشتهرا ظاهر الدلالة غير واجب البيان وان خفى على البعض لقلة تدبرهم فهو من باب المشكل الذي خفى مراده من جهة الصيغة باستعمال تجوز او غير ذلك بحيث يدرك المراد بالتأمل والطلب ونزول قوله تعالى من الفجر انما هو للاحتياط وحفظ القاصرين وإغناء السامعين عن الطلب والتأمل ولم يكن من باب المجمل الذي لا يتصور درك مرامه الا من جهة الشارع فلا محذور فى تراخى نزوله- ولو سلمنا انه من باب المجمل فلعل بيانه صدر من الشارع في الوحى الغير المتلو وثبت بالسنة كما يدل عليه حديث عدى بن حاتم ثم نزل قوله من الفجر لتأئيد ما ثبت بالسنة وتأكيده- وقال الطحاوي انه من باب النسخ وان الحكم كان على ظاهر المفهوم من الخيطين ويؤيد قول الطحاوي حديث حذيفة تسحرنا مع رسول الله ﷺ هو والله النهار غير ان الشمس لم تطلع رواه سعيد بن منصور وكذا عند الطحاوي- فلعل تسحر حذيفة مع رسول الله ﷺ كان قبل نزول قوله تعالى- من الفجر- فان قيل قوله من الفجر غير مستقل والناسخ انما يكون كلاما مستقلا فكيف يتصور كونه ناسخا- وعلى تقدير كونه متراخيا لا يتصور كونه من باب القصر لغير المستقل لان من ضروراته الاتصال فكيف التوجيه- قلت التوجيه عندى انه نزل اولا تمام الاية من غير تقييد بقوله من الفجر ثم بعد مدة نزل الاية مرة ثانية مع قوله تعالى من الفجر فنسخت الاية الاولى حكما وتلاوة والله اعلم (فائدة) حديث عدى بن حاتم انما كان بعد نزول قوله تعالى من الفجر- البتة لان إسلامه في السنة التاسع وكان نزول اية الصيام في السنة الثانية ونزول قوله تعالى من الفجر بعد ذلك بيسير بسنة او نحوه فما كان من عدى بن حاتم جعل الخيطين تحت وسادثه لم يكن الا زعما منه ان من للسببية والله اعلم (فائدة) وفي تجويز المباشرة الى الفجر دليل على جواز تأخير الغسل للمجنّب الى ما بعد الصبح وصح صوم من أصبح جنبا بالإجماع ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ بيان لاخر وقته عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله ﷺ إذا اقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم- رواه البخاري فبهذه الاية ظهر حقيقة الصوم انه الإمساك من المفطرات الثلث من الصبح المعترض الى غروب الشمس مع النية- ووجوب النية مستفاد من قوله تعالى ثم أتموا فان الإتمام فعل اختياري او لانه عبادة فلا بد له من النية لقوله تعالى وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ- وقوله ﷺ انما الأعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته الى الدنيا نصيبها او امراة ينكحها فهجرته الى ما هاجر اليه- أخرجه الجماعة كلهم غير مالك في المؤطا الا ان مالكا روى عنه البخاري والحديث متواتر بالمعنى ولفظه تواتر عن يحيى بن سعيد انفرد هو عن محمد بن ابراهيم وهو عن علقمة ابن وقاص وهو عن عمرو قد تلقته «١» الامة بالقبول واجمعوا على ان كل عبادة مقصودة لا يصح الا بالنية وكان القياس ان يشترط اقتران النية بتمام العبادة لكن سقط ذلك للزوم الحرج فاشترط في الصلاة اقترانها بجزئها الاول اعنى التحريمة حتى تعتبر باقيه حكما مع جميع اجزائها- ولم يشترط ذلك في الصوم اجماعا لان الجزء الاول من الصوم حين طلوع الفجر او ان غفلة غالبا فجوزوا الصوم بنية سبقت من شروعه وتعتبر باقية اجماعا ما لم يرفض- واختلفوا في انه هل يجوز الصوم بنية بعد طلوع الفجر أم لا- فقال ابو حنيفة يصح أداء صوم رمضان والنذر المعين والنفل بنية قبل نصف النهار الشرعي وقال الشافعي واحمد يصح النفل بنية قبل الزوال لا غير وقال مالك لا يصح شىء من الصيام بنية من النهار وهو القياس- ويؤيده حديث حفصة ان النبي ﷺ قال من لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له- رواه احمد وابو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة في صحيحه وابن ماجة والدارقطني والدارمي- وفي رواية فلا يصوم وفي رواية لا صيام لمن لم يفرضه من الليل وفي رواية من لم يثبت الصيام قبل الفجر فلا صيام له- فان قيل قال ابو داود لا يصح رفعه- وقال الترمذي الموقوف أصح- قلنا رفعه ابن جريح وعبد الله بن ابى بكر كلاهما عن الزهري عن سالم عن (١) فى الأصل تلقت أبيه عنها- وابن جريح وعبد الله بن ابى بكر من الثقات والرفع زيادة والزيادة من الثقة مقبولة ومن عادة المحدثين الوقوف عند الموقوف والمرسل- وكون الموقوف أصح لا ينافي صحة المرفوع- وقال الحاكم في المرفوع انه صحيح على شرط الشيخين- وقال في المستدرك صحيح على شرط البخاري- وقال البيهقي والدارقطني رواته كلهم ثقات- وفي الباب حديث عائشة من لم يثبت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له- رواه الدارقطني وقال رجاله ثقات- لكن فيه عبد الله بن عباد ذكره ابن حبان في الضعفاء وفيه يحيى بن أيوب ليس بالقوى- وحديث ميمونة بنت سعد مرفوعا من اجمع الصوم من الليل فليصم ومن أصبح فلم يجمعه فلا يصم- رواه الدارقطني وفيه الواقدي ليس بشىء- واحتجوا على جواز النقل بنية من النهار بحديث عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا دخل علىّ قال هل عندكم طعام فاذا قلنا الا قال انى صائم فدخل علىّ يوما فقلت يا رسول الله اهدى لنا حيس فقال ادنيه ولقد أصبحت صائما- وفي رواية لمسلم قال هل عندكم شىء قلت ما عندنا شىء قال فالى صائم فخرج رسول الله ﷺ فاهديت لنا هدية فلما رجع قالت أهديت لنا هدية قال ما هو قلت حبس قال هاتيه فجئت به فاكل ثم قال قد كنت أصبحت صائما- وأجيب بانه لا يدل هذا الحديث على ان النبي ﷺ نوى الصوم من النهار بعد ما لم يكن ناويا للصوم من الليل بل الظاهر انه كان يصبح صائما ناويا للصوم من الليل ثم يأتى اهله فقد يفطر الصوم النافلة- ويدل عليه قوله قد كنت أصبحت صائما- وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ- العكوف هو الاقامة على الشيء والاعتكاف في الشرع هو الاقامة في المسجد على عبادة الله تعالى مع النية- قال البغوي الاية نزلت في نفر من اصحاب رسول الله ﷺ كانوا يعتكفون في المسجد فاذا عرضت لرجل منهم الحاجة الى اهله خرج إليها فجامعها ثم اغتسل فرجع الى المسجد فنهوا عن ذلك ليلا ونهارا حتى يفرغوا من اعتكافهم فالجماع يفسد به الاعتكاف ويحرم فيه اجماعا غيران الشافعي يقول بالوطى ناسيا لا يفسد الاعتكاف قياسا على الصوم قلنا ان حالة الاعتكاف مذكرة بخلاف الصوم وعن الحسن البصري والزهري من باشر اهله معتكفا فعليه كفارة اليمين والإجماع على انه لا كفارة عليه- ولو قبّل او لمس بشهوة فانزل يبطل الاعتكاف بالإجماع وان لم ينزل يحرم اجماعا ولا يبطل الاعتكاف الا عند مالك- واما اللمس الذي لا يقصد به التلذذ فلا بأس به- عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف ادنى الىّ رأسه فارجّله- متفق عليه- وكان لا يدخل البيت الا لحاجة الإنسان- رواه مسلم- وقوله تعالى وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ يدل على ان الاعتكاف لا يكون الا في المسجد وهو مسجد الجماعة دون مسجد البيت- وإطلاقه يدل على انه يجوز الاعتكاف في كل مسجد ولا يختص بالمسجد الحرام او مسجد النبي صلى الله عليه وسلم- او المساجد الثلاثة يعنى المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد النبي ﷺ ولا بمسجد الجمعة- وروى عن حذيفة الاختصاص بالمساجد الثلاثة وعن عطاء بمسجد مكة وعن ابن المسيب بمسجد المدينة وعند مالك يختص بمسجد الجمعة وأوى اليه الشافعي في القديم- قال ابن عباس ابغض الأمور البدع وان من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور- أخرجه البيهقي- وعن على قال لا اعتكاف الا في مسجد جماعة- رواه ابن ابى شيبة وعبد الرزاق في مصنفهما- وعن حذيفة قال اما انا قد علمت انه لا اعتكاف الا في مسجد جماعة- رواه الطبراني- وروى ابن الجوزي عن حذيفة مرفوعا قال سمعت رسول الله ﷺ قال كل مسجد له مؤذن وامام فالاعتكاف فيه يصلح قال ابن الجوزي هذا في نهاية الضعف- وعن عائشة قالت السنة على المعتكف ان لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امراة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة الا ما لا بد منه ولا اعتكاف الا بصوم ولا اعتكاف الا في مسجد جامع رواه ابو داود وفي رواية لا اعتكاف الا في مسجد جماعة (مسئلة) الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان سنة مؤكدة لحديث عائشة ان النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى يتوفاه الله عز وجل ثم اعتكفه أزواجه من بعده- متفق عليه وحديث ابن عمر كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان- يتفق عليه وعن انس قال كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف عاما فلما كان العام المقبل اعتكف العشرين- رواه للترمذى ورواه ابو داود وابن ماجة عن ابى بن كعب- قلت لكن تركه اكثر الصحابة قال ابن نافع انه كان كالوصال وأراهم تركوه لشدته ولم يبلغنى عن أحد من السلف انه اعتكف الا عن ابى بكر بن عبد الرحمن- وقال الحافظ قد حكيناه عن غير واحد من الصحابة- قلت ومن أجل تركه من اكثر الصحابة قال بعض الحنفية انه سنة على الكفاية والله اعلم تِلْكَ الاحكام التي ذكرت من حرمة الاكل والشرب والجماع في الصوم وحرمة المباشرة

البقرة 2:188

فى الاعتكاف حُدُودُ اللَّهِ اى ما منع الله عنها واصل الحد المنع فَلا تَقْرَبُوها نهى عن اقترابها فضلا ان يتخطى عنها مبالغة في المنع وقد مرّ في أوائل السورة قوله ﷺ الحلال بين والحرام بين وبينهما امور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشتبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في المشتبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك ان يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله في ارضه محارمه- متفق عليه ولاجل حرمة الاقتراب بالمحرم الحق الائمة دواعى الجماع من اللمس بشهوة ونحوها بالجماع فقالوا بحرمتها في الصوم والاعتكاف وان انزل باللمس او القبلة فسد الصوم والاعتكاف والله اعلم- كَذلِكَ اى كما بينا تلك الاحكام يُبَيِّنُ اللَّهُ سائر آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) اى لكى يتقوا مخالفة الأوامر والنواهي- فيتقون من النار. وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ كالدعوى الزور والشهادة بالزور او الحلف بعد إنكار الحق او الغصب والنهب والسرقة والخيانة او القمار واجرة المغني ومهر البغي وحلوان الكاهن وعسب التيس والعقود الفاسدة او الرشوة وغير ذلك من الوجوه الّتى لا يبيحه الشرع- وبين منصوب على الظرف او الحال من الأموال والاية بنزلت في امر القيس بن عابس الكندي ادعى عليه ربيعة بن عبدان الحضرمي عند رسول الله ﷺ أرضا انه غلبنى عليها فقال رسول الله ﷺ للحضرمى ألك بينة قال لا قال فلك يمينه فانطلق يحلف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- اما ان حلف على ماله ليأكل ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض- كذا اخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ عطف على المنهي- او نصب بإضمار أن اى ولا تلقوا حكومتها الى الحكام- قال مجاهد يعنى لا تخاصم وأنت ظالم وقال ابن عباس هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه بينة فيجحد المال ويخاصم به الى الحاكم ليحلف كاذبا- وقال الكلبي هو ان يقيم الشهادة الزور- قلت واللفظ يعم ذلك كله لِتَأْكُلُوا بالتحاكم فَرِيقاً طائفة مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ اى بما يوجب الإثم كالشهادة الزور واليمين الكاذبة او متلبسين «١» بالإثم وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) انكم مبطلون بخلاف الحكام فانهم لا يعلمون بحقيقة الحال (١) فى الأصل متلبسين

البقرة 2:189

وانما يحكمون بالظاهر فالحاكم ان حكم على حسب الشرع من غير ميل الى أحدهما فهو مأجور وان كان المحكوم له اثما وبهذا يظهران قضاء القاضي لا يحل حراما عن أم سلمة ان رسول الله ﷺ قال انما انا بشر وأنتم تختصمون الىّ ولعل بعضكم ان يكون الحسن بحجته من بعض فاقضى له على نحو ما اسمع منه فمن قضيت له بشىء من حق أخيه فلا يأخذنه فانما اقطع له قطعة من النار- رواه الشافعي عن مالك وفي الصحيحين نحوه وقال ابو حنيفة رحمه الله فى حرمة المال على المبطل بنحو ما قالوا غير انه يقول- قضاء القاضي في العقود والفسوخ ينفذ ظاهرا وباطنا خلافا للجمهور احتج ابو حنيفة بما روى ان شاهدين شهدا عند على عليه السلام على امراة بالنكاح فقضى به فقالت المرأة انه لم يكن بيننا نكاح فان كان ولا بد فزوجنى منه فقال على عليه السلام- شاهداك زوجاك- والله اعلم. يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الانصاريين قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يمتلى نورا ثم يعود دقيقا كما بدا لا يكون على حال واحد- كذا ذكر البغوي- وأخرجه ابو نعيم وابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق السدى الصغير عن ابن عباس- واخرج ابن ابى حاتم من طريق العوفى عنه قال سال الناس عن الاهلة فنزلت- واخرج ابن ابى حاتم عن ابى العالية قال- بلغنا انهم قالوا يا رسول الله لم خلقت الاهلة فنزلت قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ- ان كان السؤال عن الحكمة في اختلاف حال القمر وتبدل امره فقد طابق الجواب السؤال حيث امر الله سبحانه بان يجيب بان الحكمة الظاهرة في ذلك ان يكون معالم للناس يوقتون بها أمورهم ومعالم للعبادات الموقتة كالحج والصوم وغير ذلك يعرف بها أوقاتها- وان كان السؤال عن علة تبدل احوال القمر وهو الظاهر فهو جواب على اسلوب الحكيم تنبيها بان اللائق بحال السائل ان يسئل بالفائدة دون العلة إذ لا فائدة في ذلك السّؤال إذ حينئذ يلزمه الاشتغال بما لا يعنيه وهذا يدل على ان الاشتغال بالعلوم الغريبة كالهيئة والنجوم وغير ذلك مما ليس فيه فائدة دينية معتدة بها لا يجوز والمواقيت جمع ميقات اسم فمعز الدولة من الوقت والمراد به ما يعرف به اوقات الحج والصوم وآجال الديون وانقضاء العدة وغير ذلك- وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ قرا ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي البيوت «١» والعيون والشيوخ وابن عامر وحمزة والكسائي جيوبهن وحمزة وابو بكر الغيوب بكسر اوائلهن لمكان الياء والباقون بالضم على الأصل مِنْ ظُهُورِها روى البخاري عن البراء قال كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيوت من ظهورها فانزل الله الاية- واخرج ابن ابى حاتم والحاكم وصححه عن جابر قال كانت قريش تدعى الحمس وكانوا يدخلون من الأبواب فى الإحرام وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام فبينما رسول الله ﷺ في بستان إذ خرج من بابه وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري فقالوا يا رسول الله ان قطبة رجل فاجر وانه خرج معك من الباب فقال ما حملك على ما فعلت. قال رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت فقال انى رجل احمسى قال فان دينى دينك فانزل الله- واخرج ابن جرير عن ابن عباس نحوه- واخرج عبد بن حميد عن قيس بن جبير نحوه ولكن فيه رفاعة بن نابوت مكان قطبة بن عامر- وذكر البغوي انه دخل رسول الله ﷺ ذات يوم بيتا لبعض الأنصار فدخل رفاعة على اثره من الباب الحديث- وقال الزهري كان ناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شىء وكان الرجل يخرج مهلّا بالعمرة فيبدو له الحاجة بعد ما يخرج من بيته فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب فيفتح الجدار من ورائه ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته حتى بلغ ان رسول الله ﷺ اهل زمن الحديبية بالعمرة فدخل حجرة فدخل رجل على اثره من الأنصار من بنى سلمة الحديث- ووجه العطف وعدم الفصل اما انهم سالوا الامرين معا في حادثة واحدة- او انه لما سالوه عما لا يعنونه ولا يتعلق بعلم النبوة وتركوا السؤال عما يعنونه ويختص بعلم النبوة عقب بذكره كانّه قال اللائق ان يسئلوا أمثال ذلك- ويمكن ان يقال السؤال عن حقائق الممكنات على وجه لا يفيد يشبه دخول البيت من ظهرها فان الخوض في العلوم بمنزلة الدخول في البيت فكما ان الموضوع (١) البيوت قراء قالون وابن كثير وابن عامر ابو بكر وحمزة والكسائي وخلف والعيون والشيوخ قراهما ابن كثير وابن ذكوان وابو بكر وحمزة والكسائي جيوبهن قراه ابن كثير وابن ذكوان وحمزة والكسائي الغيوب إلخ- ابو محمد عفا الله عنه

البقرة 2:190

لاجل الدخول في البيت انما هو الباب ليستمتع بمنافع البيت كذلك الموضوع للخوض والتفكر في الحقائق وجوه منافعها والاستدلال على صانعها دون افعال النفس فيما لا يجد به من مسائل الهيئة وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى قد مرّ وجه الحمل واختلاف القراء فيما سبق وَأْتُوا الْبُيُوتَ فى حالة الإحرام مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما حرم عليكم لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) لكى تفوزوا بالبر اخرج الواحدي عن ابى صالح عن ابن عباس لما صد النبي ﷺ عن البيت عام الحديبية ثم صالحه المشركون على ان يرجع عامه «١» ويأتى القابل- فلما كان العام القابل تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا ان لا يفىء قريش بذلك وان يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام فانزل الله تعالى. وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فى طاعة الله الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ يعنى الذين يتوقع منهم القتال وَلا تَعْتَدُوا بقتل النساء والصبيان والشيوخ الكبار والرهبان ومن القى إليكم السلم- عن بريدة رضى الله عنه قال كان النبي ﷺ إذا بعث جيشا قال اغزوا باسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا امراة ولا وليدا ولا شيخا كبيرا- رواه البغوي وروى مسلم في حديث طويل وفيه ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا- وعن عبد الله بن عمر قال نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان- متفق عليه وعن انس ان رسول الله ﷺ قال انطلقوا بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امراة ولا تغلوا وضموا غنائكم وأصلحوا وأحسنوا ان الله يحب المحسنين- رواه ابو داود فعلى هذا التأويل الاية محكمة غير منسوخة وهو قول ابن عباس ومجاهد- وقيل كان في ابتداء الإسلام امر الله تعالى رسوله ﷺ بالكف عن قتل المشركين ثم لمّا هاجر الى المدينة امره بقتال من قاتلهم منهم بهذه الاية قال الربيع هذه اوّل اية نزلت في القتال ثم امر بقتال المشركين كافة قاتلوا او لم يقاتلوا بقوله تعالى وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً- فحينئذ معنى قوله تعالى وَلا تَعْتَدُوا اى لا تبدوهم بالقتال إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) اى لا يريد بهم الخير. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ قال مقاتل بن حبان هذه الاية منسوخة (١) فى الأصل على الا يرجع عامة القابل ١٢

البقرة 2:192

بقوله تعالى وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ- قلت بل هى مخصصة لاجل اقترانهما مثل قوله تعالى أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا إذا الناسخ انما يكون متراخيا- الثقف الحذق بالشيء في إدراكه علما كان او عملا فهو يتضمن معنى الغلبة فالمعنى حيث تمكنتم على قتلهم وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ يعنى من مكة وقد فعل ذلك بمن لم يسلم يوم الفتح وَالْفِتْنَةُ يعنى شركهم بالله تعالى وصدهم إياكم عن المسجد الحرام أَشَدُّ أعظم وزرا عند الله مِنَ الْقَتْلِ اى قتلكم إياهم ومن ثم اباحه الله تعالى لكم كذا اخرج ابن جرير عن مجاهد والضحاك وقتادة والربيع وابن زيد وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعنى في الحرم حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فى الحرم فَاقْتُلُوهُمْ فيه- قرا حمزة والكسائي ولا تقتلوهم حتّى يقتلوكم فان قتلوكم بغير الف فيهن من القتل على معنى ولا تقتلوا بعضهم حتى يقتلوا بعضكم يقول العرب قتلنا بنوا فلان يعنى قتل بعضنا وقرا الباقون بالألف- قيل كان هذا في ابتداء الإسلام كان لا يحل بدايتهم بالقتال فى البلد الحرام ثم صار منسوخا بقوله تعالى وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ هذا قول قتادة وقال مقاتل نسخها اية السيف في براءة والحق عندى ان هذه الاية محكمة ولا يجوز ابتداء القتال في الحرم وبه قال مجاهد وجماعة- ويؤيده ما رواه الشيخان عن ابن عباس وابى هريرة قالا قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة ان هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله الى يوم القيامة وانه لن يحل القتال فيه لاحد قبلى ولم يحل لى الا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله الى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده الحديث- وعن جابر مرفوعا لا يحل لاحدكم ان يحمل بمكة السلاح رواه مسلم كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) يفعل بهم مثل ما فعلوه. فَإِنِ انْتَهَوْا عن القتال والكفر فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يغفر لهم ما قد سلف رَحِيمٌ (١٩٢) بالعباد. وَقاتِلُوهُمْ يعنى المشركين حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ اى شرك وفساد وَيَكُونَ الدِّينُ الطاعة والعبادة لِلَّهِ وحده ولا يعبد غيره عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا الله الا الله وان محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة

البقرة 2:194

ويؤتوا الزكوة فاذا فعلوا ذلك عصموا منى دماؤهم وأموالهم الا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى- متفق عليه ولا دليل في هذه الاية على ان الوثني لا يقبل منه الا الإسلام فان ابى قتل كما قال البغوي إذ لا فرق بين الوثني والمجوسي والكتابي فان الدين عند الله الإسلام والفتنة كما يكون بالوثنى يكون بالكتابي والمجوسي ايضا وينتهى منهما بالانقياد وقبول الجزية ولولا قوله تعالى حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ لما قبل من أحد منهم الجزية- ثم لما ثبت أخذ الجزية عن اهل الكتاب بهذه الاية مع كونهم على الدين الباطل ثبت أخذ الجزية عن المجوسي والوثني ايضا بالقياس عند ابى حنيفة رحمه الله خلافا لغيره وسنذكر مسئلة الجزية فى سورة التوبة ان شاء الله تعالى فَإِنِ انْتَهَوْا عن الشرك او الحرب بإعطاء الجزية فَلا عُدْوانَ الفاء الاول للتعقيب والثانية للجزاء اى لا سبيل الى القتل والاسر والنهب إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) اى على الذين بقوا على الشرك والحرب كذا قال ابن عباس في تأويل العدوان كما في قوله تعالى أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ او يقال سمى جزاء العدوان عدوانا للمشاكلة كما في قوله تعالى. فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ قلت ويحتمل ان يقال فى التأويل فان انتهوا فلا عدوان اى لا اثم العدوان الا على الظالمين فانكم ان تعرضتم للمنتهين صرتم ظالمين وينعكس الأمر- عن المقداد بن الأسود انه قال يا رسول الله ارايت ان لقيت رجلا من الكفار فاقتتلنا فضرب احدى يدى بالسيف فقطعها ثم لازمنى بشجرة فلما أهويت لا قتله قال لا الله الا اللهء أقتله بعد ان قالها- قال لا تقتله قال يا رسول الله انه قطع احدى يدى فقال رسول الله ﷺ لا تقتله فان قتلته فانه بمنزلتك قبل ان تقتله وأنت بمنزلته قبل ان يقول كلمة التي قال- متفق عليه واخرج ابن جرير عن قتادة ان النبي ﷺ وأصحابه خرجوا معتمرين ومعهم الهدى في ذى القعدة سنة ست فصده المشركون بالحديبية فصالح اهل مكة على ان ينصرف عامه ذلك ويأتى من قابل فرجع رسول الله ﷺ وقضى عمرته في ذى القعدة سنة سبع واقام بمكة ثلث ليال وكان المشركون قد فخروا عليه حين ردوه فانزل الله تعالى الشَّهْرُ الْحَرامُ يعنى ذى القعدة اللاتي دخلتم بمكة فيه وقضيتم عمرتكم بِالشَّهْرِ الْحَرامِ

البقرة 2:195

الذي صددتم فيه وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ والقصاص المساواة يعنى كل حرمة يجرى فيها القصاص والمساواة وقيل هذه الاية في محل التعليل لما سبق من قوله تعالى وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا- يعنى لما خرج رسول الله ﷺ لعمرة القضاء وخاف المسلمون ان لا يف المشركون بعهدهم ويصدوهم عن البيت كما فعلوا في العام الماضي ويقع القتال في الحرم والإحرام والشهر الحرام فامرهم الله تعالى بالقتال وقال الشهر الحرام بالشهر الحرام يعنى ان هتكوا حرمة الحرم والشهر ويقاتلوكم فقاتلوهم فيه فانه قصاص لما فعلوا وهذا التأويل أوفق بالسياق حيث قال الله تعالى فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ في الحرم والشهر الحرام وأنتم محرمون فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ سمى الجزاء باسم الابتداء للمشاكلة وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما لم يرخص لكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) فينصرهم ويصلح شأنهم-. وَأَنْفِقُوا أموالكم فِي سَبِيلِ اللَّهِ فى الجهاد وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ قيل الباء زائدة وعبر بالأيدي عن الأنفس وقيل فيه حذف اى لا تلقوا أنفسكم بايديكم يعنى باختياركم والإلقاء طرح الشيء وعدى بالى لتضمن معنى الانتهاء- والقى بيده لا يستعمل الا في الشر إِلَى التَّهْلُكَةِ اى الهلاك- قيل كل شىء يصير عاقبته الى الهلاك فهو التهلكة وقيل التهلكة ما يمكن الاحتراز عنه والهلاك ما لا يمكن الاحتراز عنه روى البخاري عن حذيفة قال نزلت هذه الاية في النفقة واخرج ابو داود والترمذي وصححه ابن حبّان والحاكم وغيرهم عن ابى أيوب الأنصاري رضى الله عنه قال نزلت هذه الاية فينا معشر الأنصاري لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرا ان أموالنا قد ضاعت وان الله تعالى قد أعز الإسلام فلو أقمنا في أموالنا فاصلحنا ما ضاع منها- فانزل الله تعالى يردّ علينا ما قلنا فكانت التهلكة الاقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو- قلت المعنى انكم لو تركتم الغزو يغلب عدوكم عليكم فتهلكون- قال البغوي فما زال ابو أيوب رضى الله عنه يجاهد في سبيل الله حتى كان اخر غزوة غزاها بقسطنطنية فاستشهد ودفن في اصل سور قسطنطنية وهم يستسقون به وروى عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من مات ولم يغز ولم يحدث

البقرة 2:196

نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق- وقال بعضهم نزلت الاية في البخل وترك الانفاق فى سبيل الله وهو قول حذيفة والحسن وقتادة وعكرمة وعطاء وبه قال ابن عبّاس اخرج الطبراني بسند صحيح عن ابى جبيرة بن الضحاك قال كانوا «١» يتصدقون ويعطون ما شاء الله فاصابتهم سنة فامسكوا فانزل الله تعالى هذه الاية- وقال محمد بن سيرين وعبيدة السلماني الإلقاء الى التهلكة القنوط من رحمة الله- كذا قال ابو قلابة اخرج الطبراني بسند صحيح عن النعمان بن بشير قال كان الرجل يذنب الذنب فيقول لا يغفر الله لى فانزل الله تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وله شواهد عن البراء أخرجه الحاكم وَأَحْسِنُوا أعمالكم وأخلاقكم وتفضلوا على المحاويج اعلم ان الإحسان يكون في العبادات ويكون في المعاملات اما الذي في العبادات فما في الصحيحين في حديث طويل عن عمر بن الخطاب قال قال يعنى جبرئيل أخبرني عن الإحسان قال عليه السلام ان تعبد الله كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك يعنى بالحضور والخشوع- واما الذي في المعاملات فقد قال رسول الله ﷺ تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك- رواه احمد عن معاذ وقال المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده رواه اصحاب السنن عن ابى هريرة ورواه احمد عن عمرو بن عنبسة في جواب اىّ الإسلام أفضل وقال ان من احبّكم الىّ أحسنكم أخلاقا- رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو وفي الصحيحين بلفظ من خياركم أحسنكم أخلاقا- وقال ان الله تعالى كتب الإحسان على كل شىء فاذا قتلتم فاحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته- رواه مسلم عن شداد بن أوس إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥). وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ هذه الاية حجة على وجوب الحج والعمرة ووجوب إتمامهما وعدم جواز فسخ الحج بالعمرة- اما وجوب الحج فقد انعقد الإجماع على انه فرض محكم على الأعيان وهو أحد اركان الإسلام قال الله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وقال رسول الله ﷺ بنى الإسلام على خمس شهادة ان لا الله الا الله وان محمدا رسول الله واقام الصلاة وإيتاء الزكوة والحج وصوم رمضان- متفق عليه وفي الباب أحاديث كثيرة- واما وجوب العمرة فهو مذهب احمد وبه قال الشافعي في أصح قوليه وهو مروى عن (١) فى الأصل كانت ١٢ ابى حنيفة رحمهم الله وقال مالك العمرة سنة وهو المشهور من مذهب ابى حنيفة وأحد قولى الشافعي وتأويل الاية عندهم انها تجب بالشروع كالحج بالإجماع- ويدل على ما قال به احمد قراءة علقمة وابراهيم النخعي واقيموا الحجّ والعمرة لله وهى قراءة على عليه السّلام أخرجه ابن جرير وابن ماجة وابن حبان ومن الأحاديث ما رواه ابن خزيمة والدارقطني وابن حبان والحاكم في كتابه المخرج على صحيح مسلم عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب حديث تعليم جبرئيل وفيه قال يا محمد أخبرني عن الإسلام قال ان تشهد ان لا الله الا الله وان محمدا رسول الله وان تقيم الصلاة وتؤتى الزكوة وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتم الوضوء وتصوم رمضان- وهذه الزيادة يعنى قوله وتعتمر وان لم يذكر في الصحاح لكن رواه الثقات وحكم الدارقطني عليه بالصحة وذكره ابو بكر الجوسعى فى كتابه المخرج على الصحيحين فهى مقبولة ومنها حديث عائشة قالت يا رسول الله على النساء جهاد قال عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة- رواه ابن ماجة ومنها أحاديث اخر ضعاف لم نذكرها- واثار الصحابة قال الضبي بن معبد لعمر رايت الحج والعمرة مكتوبتين علىّ فاهللت بهما فقال عمر هديت سنة نبيك- أخرجه ابو داود وقال ابن عمر ليس في خلق الله أحد الا عليه حج وعمرة واجبتان من استطاع اليه سبيلا- رواه ابن خزيمة والدارقطني والحاكم وسنده صحيح وعلقه البخاري- واثر ابن عباس رواه الشافعي وعلقه البخاري- واحتج القائلون بكونها سنة بأحاديث منها حديث جابر بن عبد الله اتى أعرابي فقال يا رسول الله أخبرني عن العمرة أواجبة هى فقال رسول الله ﷺ لا وان تعتم خير لك- رواه الترمذي واحمد والبيهقي من رواته الحجاج بن ارطاة وهو مدلس متروك تركه ابن مهدى والقطان ويحيى بن سعين واحمد بن حنبل وابن المبارك والنسائي لكن قال الذهبي صدوق وقال الترمذي الحديث حسن صحيح- ورواه البيهقي من طريق اخر وفيه يحيى بن أيوب قال احمد سيىء الحفظ وقال ابو حاتم لا يحتج به لكن قال ابن معين صالح وقال ابن عدى صدوق قلت وتعارض هذا الحديث ما روى عن جابر مرفوعا الحج والعمرة فريضتان أخرجه ابن عدى من طريق ابن لهيعة لكن ابن لهيعة ضعيف- ومنها حديث ابى امامة مرفوعا من مشى الى صلوة مكتوبة فاجره كحجة ومن مشى الى صلوة تطوع فاجره كعمرة- رواه الطبراني من طريق يحيى بن الحارث- ومنها حديث عبد الله بن قانع عن ابى هريرة مرفوعا الحج جهاد والعمرة تطوع- ورواه الشافعي عن ابى صالح الحنفي مرسلا وحديث طلحة بن عبد الله وابن عباس مرفوعا نحوه رواه البيهقي قال الدارقطني عبد الله بن قانع كان يخطئ وقال الترقانى ضعيف لكن قال الشيخ تقى الدين هو من كبار الحفاظ- وابو صالح الحنفي اسمه ماهان ضعفه ابن حزم لكن قال ابن همام تضعيفه ليس بصحيح وثقه ابن معين وروى عنه جماعة وفي حديث طلحة عمرو بن قيس فيكلم فيه قال الحافظ اسناده ضعيف وحديث ابن عباس في سنده مجاهيل وفي الباب اثار الصحابة قال ابن مسعود الحج فريضة والعمرة تطوع رواه ابن ابى شيبة قال ابن همام كفى بعبد الله قدوة- واثر ابى هريرة مثل مرفوعه قال الدارقطني في مرفوعه الصحيح انه موقوف واثر جابر مثل مرفوعه فالتحقيق ان الأحاديث في الباب متعارضة وكذا الآثار قال ابن همام إذا تعارضا لا يثبت الوجوب بالشك وقال صاحب الهداية لا تثبت الفرضية مع التعارض- وقول صاحب الهداية اولى فان الفريضة تبتنى على القطع فالاولى ان يقال بالوجوب دون الفريضة عند التعارض احتياطا كيلا يلزم تكرار النسخ- واما عدم جواز فسخ الحج بالعمرة فمذهب الجمهور محتجين بهذه الاية خلافا لاحمد وله قصة حجة الوداع- ان النبي ﷺ امر الصحابة وكانوا مهلين بالحج ان يفسخوا الحج ويجعلوها عمرة وقال اجعلوا اهلالكم بالحج عمرة الا من قلد الهدى- وشهد على هذا بضعة عشر حديثا صحيحا بحيث يزيل الشك ويوجب العلم منها حديث ابى موسى الأشعري قال بعثني النبي ﷺ الى قومى باليمن فجئت وهو بالبطحاء فقال بما أهللت- قال أهللت كاهلال النبي ﷺ قال هل معك من هدى قال لا فامرنى فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أحللت ثم أهللت بالحج يوم التروية- فقدم عمر (يعنى في خلافته) فقال ان نأخذ بكتاب الله فان الله امر بالإتمام قال الله تعالى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ- وان نأخذ بسنة النبي ﷺ فانه لم يحل حتى نحر الهدى- وعن جابر قال قد أهلوا بالحج مفردا فقال لهم رسول الله ﷺ أحلوا من إحرامكم بطواف البيت والصفا والمروة وقصروا ثم اقيموا حلالا الحديث- وحديث ابن عباس أمرهم ان يجعلوها عمرة- وحديث عائشة وحديث حفصة وفيه فما يمنعك يا رسول الله ان تحل معنا قال انى لبدت رأسى وقلدت هديى فلا أحل حتى انحر- وحديث ابن عمر وهذه الأحاديث الستة في الصحيحين- وحديث ابى سعيد الخدري عند مسلم- خرجنا نصرخ بالحج حتى إذا طفت بالبيت قال رسول الله ﷺ اجعلوها عمرة الا من كان معه هدى- وحديث انس مرفوعا عند البخاري لولا ان معنى الهدى لا حللت- وحديث البراء ورواه اصحاب السنن وحديث الربيع بن سبرة عن أبيه وغير ذلك سردناها في منار الاحكام- فان قيل أَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ قطعى وتخصيص القطعي ونسخه بأحاديث الآحاد لا يجوز- قلت هذه الأحاديث بلغت حد الشهرة بحيث لا ينكر ثبوت هذه «١» الوقعة على ان قوله تعالى وأتموا الحج عام خص منه البعض بقوله تعالى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ- ثم اخرج النّبى ﷺ من ذلك الحكم من فات حجه وأجاز له الخروج بافعال العمرة وعليه انعقد الإجماع فظهر ان الاية ظنى الدلالة جاز تخصيصه بخبر الآحاد قالوا فى جواب احتجاج احمد- ان ما احتججتم به كان مخصوصا بالصحابة دون غيرهم لحديث بلال بن حارث قال قلت يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة قال بل لنا خاصة- رواه ابو داؤد والنسائي قال ابن الجوزي لا يروى ذلك غير عبد العزيز بن محمد الدراوردي قال ابو حاتم لا يحتج به وقال احمد لا يصح حديث في ان الفسخ كان لهم خاصة- قلت ولولا ما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قوله- متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وانا احرمهما- يعنى اظهر حرمتهما التي ثبت عندى من رسول الله ﷺ وانا احرمهما- يعنى اظهر حرمتهما التي ثبت عندى من رسول الله ﷺ لم يندفع أحاديث فسخ الحج بحديث بلال المذكور فانه ضعيف في الظاهر لكن قول عمر يدل على صحة ذلك الحديث معنى وقد مر قول عمر في حديث ابى موسى الأشعري المتفق عليه انه قال في خلافته- ان نأخذ بكتاب الله الحديث وكذا اثر عثمان انه سئل عن متعة الحج قال كان لنا ليست لكم- رواه ابو داود بإسناد صحيح ولو لم يثبت عند عمر وعثمان اختصاص الفسخ بالصحابة لما خالفا امر رسول الله ﷺ ولما احتج عمر بالآية الظنى الدلالة في مقابلة ما سمعا من رسول الله ﷺ امره بالفسخ المفيد للقطع في حقهما والله اعلم- والمراد بالمتعة في قول عمر وعثمان انما هو فسخ الحج بالعمرة دون التمتع بالعمرة الى الحج الذي نطق به كتاب الله تعالى بحيث لا مرد له وانعقد عليه (١) فى الأصل هذا الوقعة الإجماع كيف وقد قال عمر للضبىّ بن معبد حين قال أهللت بهما هديت سنة نبيك «١» أخرجه ابو داود ويؤيد حديث بلال اثر ابى ذر انه كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة لم يكن ذلك الا للركب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ رواه ابو داود وفي رواية عنه انما كانت المتعة لنا خاصة- قال ابن الجوزي اثر ابى ذر يرويه رجل من اهل الكوفة لم يلق أبا ذر قلت فهو مرسل والمرسل عندنا حجة والله اعلم- فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ يعنى عن الحج او العمرة التي أمرتم بإتمامها كما يقتضيه السياق والاية نزلت في قصة الحديبية باتفاق اهل النقل- وقد صح انه ﷺ كان عام الحديبية محرما بالعمرة فاحصر فتحلل فهو حجة على مالك حيث يقول في رواية ان الإحصار خاص بالحج لا يجوز التحلل بالاحصار في العمرة- ومعنى أحصرتم اى منعتم من الوصول الى البيت الحرام والمضي على الإحرام بعد ومسلم او كافرا ومرض يمنعه من المضي او هلاك نفقة- او موت محرم للمرءة ونحو ذلك كذا فسر ابو حنيفة رحمه الله لان الإحصار والحصر في اللغة المنع باىّ سبب كان بل غالب استعمال الإحصار في الإحصار بالمرض ونحوه نقل عن الفراء والكسائي والأخفش وابى عبيدة وابن السكيت وغيرهم من اهل اللغة ان الإحصار بالمرض والحصر بالعدوّ وقال ابو جعفر النحاس على ذلك جميع اهل اللغة قلت المراد بقولهم الإحصار بالمرض والحصر بالعدو ان غالب الاستعمال هكذا- لا ان الإحصار خاص بالمرض حتى يرد عليهم ان الاية نزلت في قصة الحديبية ثبت ذلك في المتفق عليه من رواية جماعة من الصحابة- وقال الشافعي لا خلاف فى ذلك- وقال البغوي الحصر والإحصار بمعنى واحد يقول العرب حصرت الرجل عن حاجته فهو محصور واحصره العدوّ إذا منعه من السير فهو محصر- فالاية بعموم لفظه حجة لابى حنيفة على مالك والشافعي واحمد حيث قالوا لا حصر إلا حصر العدوّ- روى الشافعي هذا اللفظ بإسناد صحيح عن ابن عباس- وقالوا ان الاية نزلت فيه- قلنا العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص سبب النزول فان قيل سياق الاية يقتضى التخصيص حيث يقول الله تعالى فَإِذا أَمِنْتُمْ فان الامن يكون من الخوف (١) روى عن عمر انه قال- افصلوا بين حجكم وعمرتكم اجعلوا الحج في أشهر الحج واجعلوا العمرة في غير أشهر الحج أتم لحجك وعمرتك- قلت لعل هذا ما هو الأفضل عند عمر رضى الله عنه ١٢ منه رحمه الله قلنا هذا لا يدل على ان الإحصار لا يكون الا بالعدوّ بل يدل على ان الإحصار بالعدوّ ايضا إحصار كما في قوله تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ- وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ- فانه لا يدل على ان المراد بالمطلقات الرجعيات فقط بل يدل على ان الرجعيات ايضا داخلة في المطلقات- احتجوا على تخصيص الإحصار بالعدوّ بحديث عائشة قالت دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير فقال لها لعلك أردت الحج قالت والله ما أجدني الا وجعة فقال لها حجى واشترطى وقولى ان محلى حيث حبستنى متفق عليه- ولمسلم من حديث ابن عباس قصة ضباعة- ولابى داود والنسائي انها أتت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله انى أريد الحج فاشترط قال نعم قالت كيف أقول قال قولى لبيك اللهم لبيك محلى من الأرض حيث تحبسنى فان لك على ربك ما استثنيت- وصححه الترمذي وأعله بالإرسال قال العقيلي روى ابن عباس قصة ضباعة بأسانيد ثابتة جياد- وأخرجه ابن خزيمة من حديث ضباعة نفسها والبيهقي عن انس وجابر ولهذا قال احمد والشافعي لو اشترط جاز له التحلل بغير العدو- وصح القول بالاشتراط عن عمر وعثمان وعلى وعمار وابن مسعود وعائشة وأم سلمة وغيرهم من الصحابة- قال ابن الجوزي لو كان المرض يبيحها التحلل ما كان لاشتراطها معنى- قلنا حديث ضباعة من الآحاد لا يزاحم عموم الاية- وقيل الاشتراط منسوخ روى ذلك عن ابن عباس لكن فيه الحسن بن عمارة متروك- ووجه الجمع عندى ان حديث ضباعة محمول على الندب فمن خاف المرض او غير ذلك يستحب له ان يشترط عند الإحرام حتى لا يلزمه خلف الوعد وان كان ذلك جائزا بعذر- ويؤيد قول ابى حنيفة حديث عكرمة عن حجاج بن عمرو الأنصاري انه ﷺ قال من كسر او عرج فقد حل وعليه الحج من قابل رواه الترمذي وابو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي وزاد ابو داود في رواية اخرى عن عكرمة عن عبد الله بن رافع عن حجاج عن النبي ﷺ قال من عرج او كسر او مرض فذكر معناه قال الترمذي حديث حسن وذكر البغوي تضعيفه- قلت لا وجه للتضعيف الا انه قد اختلف فيه على يحيى بن كثير فاخرجه اصحاب السنن وابن خزيمة والدارقطني والحاكم من طرق- قال الحافظ الصواب عن يحيى عن عكرمة عن الحجاج وقال في آخره عن عكرمة فسالت أبا هريرة وابن عباس فقالا صدق- ووقع في رواية يحيى القطان وغيره في سياقه سمعت الحجاج وأخرجه ابو داود والترمذي من طريق معمر عن يحيى عن عكرمة عن عبد الله بن رافع عن الحجاج قال الترمذي وتابع معمرا على زيادة عبد الله بن رافع معاوية بن سلام وسمعت محمدا يعنى البخاري يقول رواية معمر ومعاوية أصح قلت وهذا لا ينافي صحة الحديث لانه ان كان عكرمة سمعه من الحجاج بن عمرو فذاك والا فالواسطة بينهما عبد الله بن رافع ثقة وان كان البخاري لم يخرج له كذا قال الحافظ- قلت ويمكن ان عكرمة سمعه من الحجاج بلا واسطة وايضا سمعه من عبد الله بن رافع عن حجاج والله اعلم ومذهبنا مروى عن ابن مسعود فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ اى فعليكم ما استيسر او الواجب ما استيسر أو اهدوا ما استيسر من الهدى من بدنة او بقرة او شاة والشاة أدناه- وهذه الاية حجة على مالك حيث قال لا يجب عليه الهدى ثم القائلون بوجوب الهدى اختلفوا فقال الشافعي في رواية إذا لم بجد الهدى يطعم بقيمة الشاة طعاما وان لم يجد ما ينفق يصوم عن كل مد من الطعام يوما قياسا على دم الجناية وقال ابو حنيفة وهو القول الثاني للشافعى انه لا يجوز الا الهدى لان نصب الابدال بالرأى لا يجوز ودم الإحصار ليس من باب دم الجناية- وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ- واختلفوا في تفسير محله فقال ابو حنيفة رحمه الله محله الحرم- قال الله تعالى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ- ولان الاراقة لم يعرف قربة الا في زمان او مكان فلا يقع قربة دونه فلا يقع به التحلل فالواجب عنده انّ المحصر يبعث الهدى الى الحرم لا يجوز له الا ذلك ويعين يوما يذبح فيه ويحل المحصر في ذلك اليوم ولا يختص عنده للذبح يوم النحر وقال ابو يوسف ومحمد في الحج يختص الذبح بيوم النحر فلا حاجة الى تعينه عندهما- وقال مالك والشافعي واحمد محله هو ذبحه بالموضع الذي أحصر فيه سواء كان في الحل او في الحرم لحديث المسور بن مخرمة في قصة الحديبية قال فلما فرغ من قصة الكتاب قال رسول الله ﷺ لاصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا فو الله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات فلمّا لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقى من الناس فقالت أم سلمة يا نبى الله أتحب ذلك اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم بكلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك- فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما راوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما- رواه البخاري وروى يعقوب بن سفيان من طريق مجمع بن يعقوب عن أبيه قال لما حبس رسول الله ﷺ وأصحابه نحروا بالحديبية وحلقوا وبعث الله ريحا فحملت شعورهم فالقاها في الحرم- وذكر مالك فى المؤطا بلغه ان رسول الله ﷺ حل هو وأصحابه بالحديبية فنحروا الهدى وحلقوا رءوسهم وحلوا من كل شىء- قال مالك والشافعي والحديبية خارج الحرم- وأجاب عنه الحنفية بوجهين- أحدهما ان النبي ﷺ بعث هديه الى الحرم مع ناجية بن جندب الأسلمي رواه الطحاوي بسنده عن ناجية- وكذا اخرج النسائي ثانيهما ان الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم روى الطحاوي بسنده عن المسور ان رسول الله ﷺ كان بالحديبية خباؤه في الحل ومصلاه في الحرم وإذا كان كذلك فالظاهر انهم نحروا في الحرم- قلت وحديث ناجية شاذ مخالف للمشهور ولو ثبت فلعل النبي ﷺ بعث بعض هداياه الى الحرم بعد ما نحر بعضها في الحل جمعا بين الروايتين- وايضا قوله تعالى هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ دليل واضح على ان الهدى لم يبلغ محله وهو الحرم وعلى ان محله هو الحرم لا غيره فالاحسن ما ذكر- البخاري تعليقا عن ابن عباس انه ينحر المحصر حيث أحصر ان كان لا يستطيع ان يبعث به الى الحرم وان استطاع يجب عليه ان يبعث فحينئذ معنى قوله تعالى وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ- ان استطعتم ذلك فهو عام خص منه البعض بفعل النبي ﷺ الثابت بالأحاديث المشهورة وبقوله تعالى وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً والله اعلم فان قيل روى ابو داود عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن ميمون قال سمعت أبا حاصر الحميرى يحدث أبا ميمون بن مهران قال خرجت معتمرا عاما «١» حاصر اهل الشام ابن الزبير بمكة وبعث معى رجال من قومى بهدى فلما انتهينا الى اهل الشام منعونا ان ندخل الحرم فنحرت الهدى مكانى ثم أحللت ثم رجعت فلما كان من العام القابل خرجت لاقضى عمرتى فاتيت ابن عباس فسالته فقال أبدل الهدى فان رسول الله ﷺ امر أصحابه ان يبدلوا الهدى الذي نحروا عام الحديبية- فان هذا الحديث يقتضى ان (١) فى الأصل عام حاصر النحر خارج الحرم لا يجوز ويقتضى الاعادة- قلت محمد بن إسحاق مختلف فيه وقد مرّ ذكره- والحديث ترك الامة كلهم العمل به ولم يقل به أحد- وهاهنا خلافيات منها ان الواجب على القارن عند ابى حنيفة رحمه الله دمان لاجل إحرامي الحج والعمرة وعند الجمهور دم واحد قالوا الإحرام واحد فيكفيه دم واحد وعموم قوله تعالى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ يؤيد قول الجمهور ومنها ان التحلل يحصل بنفس الإحصار او بالذبح بعد الإحصار بنية التحلل او بالحلق بعد الذبح مع نية التحلل الثالث قول الشافعي والجمهور لهم ان بالاحصار سقط مناسك الحج دون احكام الإحرام والحلق عرف محللا فلا يسقط وكونه موقتا بالحرم من حيث انه محلل ممنوع والحجة على وجوب الحلق او القصر واولوية الحلق قوله ﷺ يوم الحديبية يرحم الله المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال يرحم الله المحلقين قالوا والمقصرين فقال في المرة الثالثة والمقصرين رواه الطحاوي من حديث ابن عباس وابى سعيد- وقال ابو حنيفة ومحمد ان أحصر في الحرم يجب عليه الحلق وان أحصر في الحل فلا حلق لان الحلق لم يعرف عبادة الا في زمان او مكان كذا في الكافي- وفي الهداية ان الحلق عندهما ليس بواجب والتحلل انما يحصل بالذبح وعند ابى يوسف يجب الحلق لان النبي ﷺ امر بذلك عام الحديبية وان لم يفعل لا شىء عليه والتحلل يحصل بالذبح فقط وقال مالك التحلل يحصل بالاحصار والذبح ليس بواجب عليه والحجة عليه هذه الاية- احتج مالك بحديث جابر نحرنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية سبعين بدنة كل بدنة عن سبعة فقال رسول الله ﷺ ليشترك النفر في الهدى- رواه الدارقطني فان هذا الحديث مع ما رواه الشيخان عن جابر ان النبي ﷺ احرم بالعمرة سنة ست ومعه الف واربعمائة يدل على ان الهدى لا يجب على كل محصر والتحلل يحصل بمجرد النية دون الذبح لان سبعين بدنة لا يكفى الا لما دون خمسائة فبقى باقى الناس من لا هدى لهم قلت لعل باقى الناس ذبحوا غنما على ان هذا استدلال بحديث الآحاد في مقابلة القطعي من الكتاب فلا يقبل- والخلافية الثالثة ان المحرم بالعمرة او بالحج النافلة إذا أحصر وحل بالذبح هل يجب عليه القضاء فقال مالك والشافعي واحمد لا يجب عليه القضاء وقال ابو حنيفة يجب عليه ان حلّ من حج حج وعمرة- ومن عمرة عمرة ومن قران حج وعمرتان قضاء لما فات- قال البيضاوي- اقتصاره سبحانه تعالى في الاية على الهدى دليل على عدم القضاء- وقال ابن الجوزي ان النبي ﷺ احرم بالعمرة سنة ست ومعه الف واربعمائة كذا في الصحيحين ثم عاد في السنة الاخرى ومعه جمع يسير فلو وجب عليهم القضاء لنبههم على ذلك- وقد سبق الى ذلك القول الشافعىّ حيث قال قد علمنا في متواطى أحاديثهم إذا اعتمر عمرة القضاء تخلف بعضهم من غير ضرورة ولو لزمهم القضاء لامرهم- فان قيل لو لم يكن القضاء واجبا فلم سميت عمرة القضاء أجيب بانه انما سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضات التي وقعت بين النبي ﷺ وبين قريش- روى الواقدي عن ابن عمر قال لم يكن هذه العمرة قضاء ولكن كان على شرط قريش ان يعتمر المسلمون من قابل في الشهر الذي صدوا فيه- لنا ان الأداء واجب بعد الشروع بالإجماع لقوله تعالى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ولا حاجة في وجوب القضاء الى نص جديد وقوله تعالى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ لا يدل الا على رخصة التحلل بعذر الإحصار لا على سقوط القضاء فلا يسقط وما احتجوا به فجوابه من وجهين أحدهما انه لا نسلم انه عاد معه في السنة الاخرى جمع يسير- ولا نسلم انه لم يأمرهم بالقضاء- وقد روى الواقدي في المغازي عن جماعة من مشائخه قالوا لما دخل «١» ذو القعدة سنة سبع امر النبي ﷺ ان يعتمروا قضاء لعمرتهم التي صدوا عنها ولا يتخلف ممن شهد الحديبية فلم يتخلف الا من قتل بخيبر أو مات وخرج معه ناس ممن لم يشهد الحديبية وكان عدد من معه من المسلمين الفين - وخبر الواقدي في المغازي مقبول إذا لم يخالف الاخبار الصحيحة- ثانيهما ان جزم الشافعي بان جماعة تخلفوا بغير عذر انما هو مبنى على زعم الراوي وشهادته على نفى العذر غير مقبول فمن تخلف عن الخروج لعله كان له عذر وانهم قضوا عمرتهم بعد ذلك ولنا ايضا حديث حجاج بن عمر الأنصاري قال قال رسول الله ﷺ من عرج او كسر فقد حل وعليه الحج من قابل والله اعلم فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ ايها المحرمون مَرِيضاً بحيث يحوجه المرض الى الحلق أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ كجراحة او قمل فحلق فَفِدْيَةٌ اى فالواجب عليه فدية وكذلك الحكم على من تطيب او لبس المخيط بعذر قياسا على الحلق مِنْ صِيامٍ ثلثة ايام لانه ادنى الجمع ولا يشترط فيها التتابع لاطلاق النص (١) فى الأصل ذى القعدة أَوْ صَدَقَةٍ وهذا مجمل لحقه البيان من السنة روى البخاري عن كعب بن عجرة ان رسول الله ﷺ راه وقمله تسقط على وجهه فقال أيؤذيك هوامّك قال نعم فامره رسول الله ﷺ ان يحلق وهو بالحديبية لم يتبين لهم انهم يحلون بها وهم على طمع ان يدخلوا مكة فانزل الله الفدية فامره رسول الله ﷺ ان يطعم فرقا بين ستة مساكين او يهدى شاة او يصوم ثلثة ايام قلت والفرق ثلثة أصوع أَوْ نُسُكٍ جمع نسيكة اى ذبيحة أعلاها بدنة أوسطها بقرة أدناها شاة- وقوله من صيام بيان للفدية وكل هدى يلزم المحرم يذبح بمكة بالإجماع الا ما مر الخلاف في دم الإحصار فَإِذا أَمِنْتُمْ من الإحصار بان زال خوفكم من العدو او كنتم مرضى فبرئتم منه وأنتم ما أحللتم من إحرامكم او كنتم في سعة وأمن من الأصل فَمَنْ تَمَتَّعَ اى انتفع بالتقرب الى الله تعالى بِالْعُمْرَةِ فى أشهر الحج منضما إِلَى الْحَجِّ من تلك السنة فحينئذ يشتمل نظم القران التمتع والقران وقيل معناه من استمتع بعد التحلل من عمرته باستباحة محظورات الإحرام الى ان يحرم بالحج وحينئذ لا يشتمل القران وعلى هذا التأويل لا معنى للباء في قوله تعالى بالعمرة فان الاستمتاع حصل بالارتفاق بمحظورات الإحرام لا بالعمرة فالتأويل الاول اولى لفظا من أجل الباء ومعنى حيث يجب الهدى على القارن ايضا بالإجماع فَمَا اسْتَيْسَرَ يعنى فالواجب عليه شكر النعمة التمتع ما استيسر مِنَ الْهَدْيِ أدناه شاة هذا مذهب ابى حنيفة واحمد رحمهما الله فيجوز له أكله لانه دم شكر وقال الشافعي هو دم جبر لا يجوز للناسك الاكل منه- ولنا على جواز الاكل أحاديث منها حديث جابر الطويل قال فيه ثم امر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فاكلا يعنى النبي ﷺ وعلىّ من لحمها وشربا من مرقها وجه الاحتجاج انه ﷺ كان قارنا ولما امر ان يجعل من كل بدنة ببضعة فاكل منها ثبت الاكل من هدى القران والتطوع بل ثبت استحباب الاكل والا لما امر ببضعة كل منها واستدل ابن الجوزي في الباب بما روى عبد الرحمن بن ابى حاتم في سننة من حديث على قال أمرني رسول الله ﷺ يهدى التمتع ان أتصدق بلحومها سوى ما نأكل وهذا اصرح في الدلالة احتج الشافعي على حرمة الاكل من مطلق الهدايا الواجبة بحديث ناجية الخزاعي وكان صاحب بدن رسول الله ﷺ قال قلت يا رسول الله كيف اصنع بها عطب من البدن قال انحره واغمس نعله في دمه واضرب صفحه وخل بين الناس وبينه فليأكلوه- رواه مالك واحمد والترمذي وابن ماجة وقال الترمذي حديث صحيح وفي رواية الواقدي ولا نأكل أنت ولا أحد من رفقتك منه شيئا دخل بينه وبين الناس- وكذا حديث ابن عباس قال بعث رسول الله ﷺ ستة عشر بدنة مع رجل وامره «١» الحديث- وفيه ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك- رواه مسلم وكذا حديث ذويب مثله رواه مسلم قلت لا مساس لهذه الأحاديث بالقران والتمتع لانه ليس شىء منها في حجة الوداع بل هى اما قصة الحديبية او غير ذلك والنبي ﷺ لم يحج بعدا هجرة سوى حجة الوداع فكيف يكون ذلك هدى تمتع بل هى هدى تطوع البتة ونحن نقول انه لا يجوز الاكل من هدى التطوع إذا عطب وذبحت فى الطريق والله اعلم ولا يجوز تقديم ذبح هدى التمتع قبل يوم النحر عنه ابى حنيفة والشافعي واحمد بل يجب ان بذبح بعد الرمي- وقال بعض اهل العلم يجوز قبل يوم النحر- لنا حديث حفصة قالت ما يمنعك يا رسول الله ان تحل معنا قال انى أهديت ولبدت ولا أحل حتى أنحر هديى- وقوله ﷺ لولا انى سقت الهدى لا حللت- وقد مر الحديثان «٢» - ولو كان ذبح هدى القران جائزا قبل يوم النحر لما صح اعتذاره عن عدم التحلل لسوق الهدى- والله اعلم فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدى فَصِيامُ يعنى فالواجب عليه صيام ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ يعنى في إحرام الحج أخرها يوم عرفة ولو صام قبل ذلك في الإحرام جاز اجماعا ولا يجوز بعد ذلك لعدم الإحرام بعد ذلك على ان الصوم يوم النحر وايام التشريق حرام فلا يتادى به الواجب في الصحيحين عن عمر بن الخطاب قال هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم واليوم الاخر تأكلون فيه من نسككم- متفق عليه وكذا في المتفق عليه من حديث ابى سعيد وحديث ابى هريرة وغيرهم- وعن عمرو بن العاص انه قال لابنه في ايام التشريق انها الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صومهن وامر بفطرهن رواه ابو داود وابن المنذر وصححه ابن خزيمة والحاكم- وروى مسلم عن كعب بن مالك مرفوعا ايام منى ايام أكل وشرب- وكذا عند مسلم عن بنشة الهذلي وحديث بشر بن سحيم مثله رواه النسائي بسند صحيح وحديث عقبة بن عامر رواه اصحاب السنن والحاكم وابن حبان بسند صحيح- وعند البزار عن عبد الله بن عمر مرفوعا ايام التشريق ايام أكل وشرب وصلوة فلا يصومها أحد- وفي الباب أحاديث كثيرة غيرها وقال مالك والشافعي واحمد المتمتع ان لم يجد الهدى ولم يصم قبل يوم النحر جاز له ان يصوم في ايام التشريق واما في يوم النحر فلا (١) فى الأصل امراة (٢) فى الأصل الحديثين-

البقرة 2:197

يجوز اجماعا لحديث ابن عمر وعائشة قالا لم يرخص في ايام التشريق ان يصمن الا لمن لم يجد الهدى رواه البخاري- وروى البخاري عن ابن عمر رض قال الصيام لمن تمتع بالعمرة الى الحج الى يوم عرفة فان لم يجد هديا ولم يصم صام ايام منى- قالوا هذا في حكم المرفوع- قلنا لا نسلم انه في حكم المرفوع ولعل ابن عمر وعائشة افتيا يجوز الصوم في ايام التشريق استنباطا من قوله تعالى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ زعما منهما ان تلك الأيام ايضا من ايام الحج حيث يوجد بعض المناسك اعنى الرمي فيها- فان قيل ورد حديث ابن عمر عند الدارقطني بلفظ رخص رسول الله ﷺ للمتمتع إذا لم يجد الهدى ان يصوم ايام التشريق- وروى الطحاوي عن عائشة- وابن عمر نحوه قلنا في حديث ابن عمر يحيى بن سلام ليس بالقوى ضعفه الدارقطني والطحاوي- وايضا فيه ابن ابى ليلى طعن الطحاوي فيه بفساد الحفظ وحديث عائشة ايضا ضعيف فكيف يصادم أحاديث النهى قال الطحاوي قد توارت الآثار عن النبي ﷺ انه ﷺ نهى عن الصيام وهو مقيم بمنى والحاج مقيمون بها وفيهم المتمتعون- قلت بل كانوا كلهم متمتعين او قارنين فانه امر ﷺ بفسخ الحج الى العمرة في تلك السنة ثم بالإحرام يوم التروية فائدة وتأويل الاية على قول مالك والشافعي واحمد صيام ثلثة ايام في اركان الحج او ايام الحج قلت وهذا التأويل لا يصح فان اركان الحج لا يتصور ظرفا للصيام وايام الحج قد انتهت بعرفة كما سيجيئ ان المراد به بقوله تعالى. الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ شهران وتسعة ايام او عشرة ليال الى طلوع الصبح يوم النحر وايضا قوله تعالى فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ يستلزم ان لا يكون ايام التشريق فى الحج فانها ايام كل وشرب ورفث يعنى جماع ويجوز فيه الصيد وغير ذلك والله اعلم ومن قدر على الهدى في خلال الصوم او بعده قبل الحلق يجب عليه الذبح خلافا لمالك والشافعي واحمد لنا انه قدر على الأصل قبل تادى الحكم بالخلف فصار كمن وجد الماء وهو يصلى بالتيمم وان وجد المهدى بعد الحلق وقد صام ثلثة ايام لا يجب الهدى عليه اتفاقا كمن وجد الماء بعد الصلاة بالتيمم- وان فاتت صوم الثلاثة في الحج تعين الدم- وقال مالك والشافعي يقضى تلك الثلاثة بعد الحج بناء على انه قضاء بمثل معقول- وقلنا ان الصوم بدل من الهدى والابدال لا ينصب الا شرعا ولا يتصور الصوم ان يكون بدلا عن الهدى الا بخصوصيات منصوصة والله اعلم وَصيام سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ اى فرغتم من اعمال الحج عند ابى حنيفة رحمه الله واحمد رحمه الله- وقال مالك وهو قول للشافعى اى خرجتم من مكة قاصدين أوطانكم والمشهور من مذهب الشافعي وهو رواية عن احمد إذا رجعتم الى أهلكم اى وصلتم الى أوطانكم- قال الشافعي الرجوع هو الرجوع الى اهله فلا يجوز قبل ذلك وقال مالك إذا خرج من مكة الى اهله صدق انه رجع فجاز له الصيام قبل الوصول الى الأهل وقال ابو حنيفة الرجوع هو الفراغ من الحج الم تر انه من توطن بمكة بعد الحج او لم يكن له وطن جاز له الصيام بمكة اجماعا فكذا من كان له وطن غير مكة لئلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز والله اعلم تِلْكَ عَشَرَةٌ ذكره على سبيل التأكيد لئلا يتوهم ان الواو بمعنى او وان يعلم العدد جملة كما علم تفصيلا فان اكثر العرب لم يكونوا يحسنون الحساب كامِلَةٌ صفة مؤكدة- مفيد المبالغة في محافظة العدد ذلِكَ اى التمتع جائر لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فلا يجوز التمتع للمكى كذا قال ابو حنيفة رحمة الله وعند مالك والشافعي واحمد يجوز للمكى التمتع ايضا لكن لا يجب عليه الهدى قالوا المشار اليه بذلك الحكم بوجوب الهدى لنا ان اللام في قوله تعالى لِمَنْ لَمْ يَكُنْ وليل على تأويلنا لان اللام يستعمل فيما يجوز لنا ان نفعله ولذا قلنا في تقديره جاز ولو كان المشار اليه وجوب الهدى كان تقديره يجب فكان المناسب حينئذ كلمة على وما ذكرنا من التأويل مروى عن عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس رضى الله عنهم روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر انه سئل عن متعة الحج فقال ان الله أنزله في كتابه وسنة نبيه واباحه للناس غير اهل مكة قال الله تعالى ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ- وقال ابن همام صح عن عمر انه قال ليس لاهل مكة تمتع ولا قران- والمراد ب حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ عند ابى حنيفة رحمه الله ان يكون دون الميقات وبه قال عكرمة وقال الشافعي كل من كان وطنه من مكة على اقل من مسافة السفر- وقال طاؤس وطائفة هم اهل الحرم لان المسجد غير مراد اجماعا فالمراد به الحرم كما في قوله تعالى هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ وقوله تعالى الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ- وقال مالك المراد به اهل مكة بعينها- وبه قال نافع والأعرج واختاره الطحاوي من الحنفية والله اعلم فان تمتع المكي يجب عليه عند ابى حنيفة دم جبر لارتكابه المحظور وهذا لدم لا يقوم الصوم مقامه ولا يجوز المناسك الاكل منه وقال الشافعي وغيره لا يجب عليه شىء وَاتَّقُوا اللَّهَ فى أوامره ونواهيه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦) اعلم ان الله سبحانه ذكر في هذه الاية من المناسك الحجّ والعمرة وذكر أداء كل منهما مفردا وأوجب إتمامهما ثم ذكر أداءهما مجتمعا وهو التمتع- ثم ثبت بالسنة ان الجمع على وجهين- أحدهما ان يحرم بهما جميعا ويحل منهما جميعا وهو القران- ثانيهما ان يحرم بالعمر ولا ثم يحل بعد أداء العمرة ويسكن بمكة حلالا وذلك إذا لم يسق الهدى ثم يحرم يوم التروية للحج من مكة مفردا ويحل يوم النحر- ويسمى هذا عند الفقهاء تمتعا وكل ذلك جائز اجماعا لا خلاف فيه- انما الخلاف في انه ايها أفضل- وفي ان النبي ﷺ هل كان فارنا في حجة الوداع او متمتعا او مفردا- وفي ان القارن هل يكفيه طواف واحد وسعى واحد للحج والعمرة جميعا كما قال به الجمهور او لا بد له من طوافين «١» وسعيين كما قال به ابو حنيفة وهذه أبحاث طويلة ذكرناها في منار الاحكام والتحقيق انه ﷺ كان قارنا وان القران أفضل من التمتع ان ساق الهدى- والتمتع أفضل ان لم يسق الهدى وكل منهما أفضل من الافراد- وانه ﷺ لما قدم مكة طاف وسعى بين الصفا والمروة ثم لم يقرب الكعبة بطوافه بها حتى رجع من عرفة رواه البخاري قلت وذلك الطواف والسعى كان لعمرته وكفاه عن طواف القدوم لحجه- وكان ذلك الطواف والسعى ماشيا- كما هو مصرح في حديث حبيبة بنت ابى تجراه وابن عمر وجابر عند مسلم وغيره ثم انه ﷺ سعى بين الصفا والمروة ثانيا بعد طواف الزيارة كما يدل عليه حديث جابر قال طاف رسول الله ﷺ على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسئلوه رواه مسلم- وفي رواية طاف في حجة الوداع على راحلته يستلم الركن بمحجنه الحديث- هذا ما حصل لى بعد جمع الروايات المختلفة والله اعلم الْحَجُّ اى وقت الحج بل وقت إحرام الحج فان وقت اركان الحج انما هو يوم عرفة ويوم النحر لا غير أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ اخرج الطبراني عن ابى امامة قال قال رسول الله ﷺ شوال وذو القعدة وذو الحجة- قلت المراد شوال وذو القعدة (١) فى الأصل طوافين وتسع من ذى الحجة الى طلوع الفجر من يوم النحر- ويروى عن ابن عمر شوال وذو القعدة وعشر من ذى الحجة قال البغوي كل واحد من اللفظين صحيح والمال واحد غير مختلف فيه فمن قال عشر عبر عن الليالى ومن قال تسع عبر عن الأيام- وانما قال اشهد بلفظ الجمع لانها وقت والعرب تسمى الوقت تاما بقليله وكثيره- قال الله تعالى- سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا وانما اسرى في بعض الليل- وهذا هو محمل لما روى عن عمر انه قال شوال وذو القعدة وذو الحجة- وقال عروة بن الزبير وغيره أراد بالأشهر شوالا وذا القعدة وذا الحجة كملا لانه يبقى على الحاج امور بعد عرفة يجب عليه فعلها مثل الذبح والرمي والحلق وطواف الزيارة والمبيت بمنى ورمى الجمار في ايام التشريق فكانت في حكم الحج- قلت هذه الافعال كلها ينتهى الى ثالث عشر من ذى الحجة فكيف يعد ذو الحجة بهذا التوجيه كاملا- وقال البيضاوي وذو الحجة كله من أشهر الحج بناء على ان المراد بالوقت عنده ما لا يحسن فيه غيره من المناسك وقال فان مالكا يكره العمرة في بقية ذى الحجة- قلت وهذا غير مستقيم فان العمرة في أشهر الحج للافاقى غير مكروه اجماعا- وقد اعتمر رسول الله ﷺ اربع عمر كلها في ذى القعدة وكذا للمكى عند مالك والشافعي فان التمتع للمكى عندهما جائز كما ذكرنا- وهذه الاية حجة للشافعى حيث قال لا يجوز إحرام الحج قبل الأشهر وان احرم انعقد الإحرام للعمرة- وقال داود- من احرم للحج قبل الأشهر لغى ولا ينعقد أصلا- وقال ابو حنيفة ومالك واحمد ان احرم قبل الأشهر للحج انعقد لكنه يكره- وجه قول ابى حنيفة ومن معه ان الإحرام شرط للحج ليس بركن ومن ثم جاز الإحرام مبهما ثم صرفه الى ما شاء من حج او عمرة او قران يدل عليه حديث انس بن مالك قال قدم علىّ على النبي ﷺ من اليمن فقال بما أهللت فقال بما اهل به النبي صلى الله عليه وسلم- وحديث ابى موسى قال أهللت كاهلال النبي صلى الله عليه وسلم- والحديثان في الصحيحين- وإذا ثبت انه شرط جاز تقديمه على الوقت كالوضوء للصلوة لكن فيه شبه بالأركان فاذا أعتق العبد بعد ما احرم قبل يوم عرفة لا ينادى فرضه- ولذا قلنا بالكراهة وإذا سمعت ان وقت إحرام الحج أشهر معلومات لا وقت الأركان فان وقت أركانه يومان فحسب فحينئذ الظاهر قول الشافعي فان الإحرام وان كان شرطا للحج لا ركنا له والشرط وان جاز تقديمه على وقت المشروط لكن لا يجوز تقديمه على وقت نفسه- كما ان العشاء شرط لاداء الوتر فمن ادى العشاء قبل غروب الشفق لا يجوز وتره لا لانه ادى العشاء قبل وقت الوتر بل لانه ادلها قبل وقت نفسها والله اعلم فَمَنْ فَرَضَ اى أوجب على نفسه فِيهِنَّ الْحَجَّ يعنى احرم بالحج اختلفوا في ان الإحرام ما هو- فقال مالك والشافعي واحمد انما هو النية بانقلب كما في الصوم ولا يشترط فيه التلبية- الا ان مالكا قال التلبية عند الإحرام واجب يلزم بتركه دم وهى رواية عن احمد والشافعي والمشهور عنهما ان التلبية سنة- وقال ابو حنيفة الإحرام هو التلبية مع النية كالتكبير في الصلاة وهى رواية عن الشافعي- لنا ان القياس بالصلوة أشبه منه بالصوم- وروى عن ابن عباس في تأويل هذه الاية انه قال فرض الحج الإهلال- وقال ابن عمر التلبية- وروى ابن ابى شيبة قول ابن مسعود كقول ابن عمر- ولنا قوله ﷺ يهل اهل المدينة من ذى الحليفة الحديث- متفق عليه من حديث ابن عمر وقوله ﷺ في حديث عائشة من كان معه هدى فليهل بالحج مع العمرة امر بالإهلال وهو رفع الصوت بالتلبية والأمر للوجوب فهو حجة على من لم يقل بوجوبه- ثم انه ﷺ عبّر الإحرام بالإهلال فظهران الإحرام هو التلبية- لكن يقول ابو حنيفة- من قلد بدنة وتوجه معها يريد الحج فقد احرم وان لم يلب- جعل الفعل مكان القول فان الذكر كما يحصل بالقول يحصل بالفعل الا ترى انه من سمع الاذان للصلوة فمشى الى الصلاة على الفور كان هذا المشيء مكان جواب الاذان فان اجابة الداعي بالفعل أقوى منه بالقول- وليس معنى التلبية الا الألباب والقيام الى الطاعة والله اعلم- واستدل صاحب الهداية على ذلك بقوله ﷺ من قلد بدنة فقد احرم- وهذا الزبير قال ابن همام وقفه ابن ابى شيبة في مصنفه على ابن عباس وابن عمر قلت لا مساس لهذين الأثرين بالمدعى لانه كان مذهب ابن عباس وابن عمر انه من بعث الى مكة هديا وهو لا يريد الحج فهو إذا قلد هديا يحرم عليه ما يحرم على المحرم حتى ينحر هديه بمكة وهو المراد بقول ابن عباس وابن عمر من قلد هديا فقد احرم وكذا روى عن غيرهما من الصحابة ثم انعقد الإجماع على خلاف ذلك- روى البخاري في صحيحه ان زياد بن ابى سفيان كتب الى عائشة ان عبد الله بن عباس قال من اهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه- فقالت عائشة ليس كما قال ابن عباس انا قتلت قلائد هدى النبي ﷺ بيدي ثم فلذها رسول الله ﷺ ثم بعث بها مع ابى فلم يحرم على رسول الله ﷺ شىء أحل الله له- قال الحافظ كان ذلك سنة تسع فلا يظن ظان انه كان أول الإسلام ثم نسخ فَلا رَفَثَ تقى بمعنى النهى يعنى فلا ترفثوا والرفث هو الجماع- وقال الزجاج هى كلمة جامعة لكل ما يريد الرجال من النساء- وقيل الرفث الفحش والقول القبيح قلت وذلك حرام ابدا لا وجه لتعليقه بالإحرام وَلا فُسُوقَ قال ابن عمر هو ما نهى عنه المحرم يعنى لا تركبوا محرمات الإحرام وهى ستة أشياء اجماعا- منها الرفث يعنى الوطي ودواعيه أفرده الله تعالى بالذكر لشدة امره فان الجماع يفسد الحج والعمرة اجماعا بخلاف غيره من المحظورات حيث يلزم بها الدم لكن إذا كان الجماع بعد الوقوف بعرفة ففى إفساده الحج خلاف ولا خلاف في حرمته- ومنها قتل صيد البر والاشارة اليه والدلالة عليه قال الله تعالى لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ... - وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً- وسيجيئ البحث عنه في سورة المائدة ان شاء الله تعالى ومنها ازالة الشعر والظفر قال الله وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ- وقتل القمل المتولد من الوسخ ملحق بالشعر- ومنها استعمال الطيب في الثوب او البدن قال رسول الله ﷺ لا تلبسوا شيئا مسّه زعفران او ورس- متفق عليه عن ابن عمر- وهذه الأشياء عامة حرمتها للرجال «١» والنساء- ومنها ما اختص بالرجال وهو أمران لبس المخيط والخفين الا انه من لم يجد النعلين فيلبس الخفين ومن لم يجد الإزار فيلبس السراويل كذا في المتفق عليه من حديث ابن عباس وعن جابر نحوه وتغطية الرأس واما تغطية الوجه فيعم الرجال والنساء عند ابى حنيفة ومالك رحمهما الله وقال الشافعي واحمد بل يختص بالنساء لقول ابن عمر إحرام الرجل في راسه وإحرام المرأة في وجهها- رواه الدارقطني والبيهقي وقد روى مرفوعا ولا يصح ولحديث عثمان ابن عفان كان رسول الله ﷺ يخمر وجهه وهو محرم رواه الدارقطني وقال الدارقطني الصواب انه موقوف- فى المؤطا عن الفراقصة انه راى عثمان بالعرج يغطى وجهه وهو محرم- ولنا حديث ابن عباس في قصة رجل- وقصته راحلته وهو محرم قال عليه الصلاة والسلام لا تخمروا رأسه ولا وجهه فانه يبعث يوم القيمة ملبيا- رواه مسلم والنسائي وابن ماجة والسابع ما اختلفوا في حرمتها في الإحرام وهو عقد النكاح فقال مالك والشافعي (١) فى الأصل الرجال احمد لا يجوز للمحرم ان يعقد النكاح لنفسه او لغيره او يؤكل النكاح غيره- وان ارتكب لا ينعقد- لحديث عثمان بن عفان عن النبي ﷺ قال المحرم لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب- رواه مسلم وابو داود وغيرهما- وقال ابو حنيفة يجوز وينعقد لحديث ابن عباس قال تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم وبنى بها وهو حلال وماتت بسرف- متفق عليه وأجاب الجمهور بانه اختلف الرواية في نكاح ميمونة روى مسلم في صحيحه عن يزيد بن الأصم قال حدثتنى ميمونة بنت الحارث ان رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال قال وكانت خالتى وخالة ابن عباس- قالوا وحديث ميمونة نفسها أرجح فانها كانت اعرف بحالها عن ابن عباس ولو تعارضت الرواية في نكاح ميمونة بقي حديث عثمان سالما عن المعارضة- على ان حديث عثمان قولى وقصة ميمونة فعل منه عليه السلام يحتمل التخصيص به ﷺ وكان للنبى ﷺ في باب النكاح خصوصيات لم يكن لغيره- وقال ابن عباس الفسوق «١» هو المعاصي كلها والظاهر هو الاول فان ذلك لا يختص بالحج قرا ابن كثير وابو عمر وبالرفع والتنوين بابطال عمل لا بالتكرار في فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ والباقون بالنصب من غير تنوين ونظيره في جواز الامرين لا حول ولا قوة الا بالله وَلا جِدالَ قرا ابو جعفر بالرفع والتنوين والباقون بالنصب- كان اهل الجاهلية يقفون مواقف مختلفة كلهم يزعم ان موقفه موقف ابراهيم ويتجادلون فيه فبعضهم يقف بعرفة وبعضهم بالمزدلفة- وكان بعضهم يحج في ذى القعدة وبعضهم في ذى الحجة- وكل يقول ما فعلته هو الصواب فقال الله تعالى وَلا جِدالَ اى استقر امر الحج على ما فعله رسول الله ﷺ فلا اختلاف فيه يعنى لا تختلفوا فيه- وقال مجاهد معناه ولا شك في الحج انه في ذى الحجة فابطل النسيء قال رسول الله ﷺ الا ان الزمان استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض الحديث متفق عليه من حديث ابى بكرة فِي الْحَجِّ خبر لما قبله وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ فيجازيكم به حث على الخير بعد النهى عن الشر وَتَزَوَّدُوا روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال كان اهل اليمن يحجون فلا يتزودون ويقولون نحن متوكلون فاذا قدموا مكة سالوا الناس- وقال البغوي انما يفضى حالهم الى النهب والغضب فانزل الله تعالى وتزوّدوا يعنى تزودوا ما تبلغون به وتكففون وجوهكم فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى (١) اخرج الطبراني بسند لا بأس به عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ الرفث التعرض النساء بالجماع والفسوق بالمعاصي والجدال جدال الرجل صاحبه عنه رحمه الله [.....]

البقرة 2:198

اى ما يتقيكم عن السؤال والنهب ونحو ذلك وَاتَّقُونِ قرا ابو عمر وبإثبات الياء وصلا فقط والباقون بالحذف وصلا ووقفا يا أُولِي الْأَلْبابِ (٣١٧) فان اقتضاء اللب خشية الله القريب الغالب-. لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا تطلبوا فَضْلًا عطاء ورزقا مِنْ رَبِّكُمْ بالتجارة ونحو ذلك في سفر الحج روى البخاري عن ابن عباس قال ثلاث كانت اسواقا في الجاهلية عكّاظ- ومجنة- وذو المجاذ فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها فانزل الله تعالى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فى مواسم الحج قال البغوي كذا قرا ابن عباس واخرج احمد وابن ابى حاتم وابن جرير والحاكم وغيرهم من طرق عن ابى امامة التيمي قال قلت لابن عمر انا قوم نكرى في هذا الوجه يعنى الى مكة فيزعمون ان لا حج لنا فقال ألستم تحرمون كما يحرمون وتطوفون كما يطوفون وترمون كما يرمون قلت بلى قال أنت حاجّ جاء رجل الى النبي ﷺ فساله عن الذي سالتنى عنه فلم يجب بشىء حتى نزل جبرئيل بهذه الاية فَإِذا أَفَضْتُمْ دفعتم والافاضة دفع بكثرة مِنْ عَرَفاتٍ جمع عرفة جمعت بما حولها وسميت بها وهى بقعة واحدة- وانما سمى الموقف عرفات واليوم عرفة لانه نعت لابراهيم عليه السلام فلما أبصره عرفه أخرجه ابن جرير عن السدى- او لانه كان جبرئيل يدور به في المشاعر فلما أراه قال عرفت أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وعلى- وذكر البغوي قال عطاء وذكر البغوي ايضا انه قال الضحاك ان آدم عليه السلام لما اهبط الى الأرض وقع بالهند وحواء بجدة فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات يوم عرفة فتعارفا- وقال السدى لمّا اذّن ابراهيم في الناس بالحج وأجابوه بالتلبية وأتاه من أتاه امره الله ان يخرج الى عرفات ونعتها له فخرج فلما بلغ الشجرة عند العقبة استقبله الشيطان يرده فرماه بسبع حصياة يكبر مع كل حصاة فطار فوقع على الجمرة الثانية فرماه وكبر قطار فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبر فلما راى الشيطان انه لا يطيقه ذهب فانطلق ابراهيم حتى اتى ذا المجاز ثم انطلق حتى وقف بعرفات فعرفها بالنعت فسمى الوقت عرفة والموضع عرفات حتى إذا امسى ازدلف الى جمع فسمى المزدلفة- وروى عن ابى صالح عن ابن عباس ان ابراهيم راى ليلة التروية في منامه انه يؤمر بذبح ابنه فلما أصبح روّى يومه اجمع اى فكر أمن الله هذه الرؤيا أم من الشيطان فسمى اليوم يوم التروية ثم راى ذلك ليلة عرفة ثانيا

البقرة 2:199

فلما أصبح عرف ان ذلك من الله فسمى عرفة فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وهو ما بين جبلى المزدلفة من مازمى عرفة الى محسر وليس المازمان ولا المحسر من المشعر- سمى مشعرا من الشعار وهو العلامة لانه من معالم الحج- واصل الحرام من المنع وهو في الحرم فهو ممنوع من ان يفعل فيه ما لم يؤذن فيه- وسمى المزدلفة جمعا لانه يجمع فيه بين صلوتى العشاء. وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة- ومزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر بالإجماع لقوله صلى الله عليه وسلم- عرفة كلها موقف وارتفعوا من بطن عرفة والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا من بطن محسر- رواه الطبراني والطحاوي والحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا وقال صحيح على شرط مسلم- ورواه البيهقي موقوفا ومرفوعا وفي الباب عن جابر وجبير بن مطعم وابى هريرة وابى رافع وفي إسنادها مقال ورواه مالك في المؤطا بلاغا وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ كما علمكم او كما هديكم هداية حسنة الى المناسك وغيره يعنى اذكروه بالتوحيد لا كما كان الكفار يذكرونه بالشرك وما مصدرية او كافة وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ اى قبل الهدى لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) اى من المشركين او الجاهلين بالايمان والطاعة وان مخففة واللام هى الفارقة- وقيل ان نافية واللام بمعنى الا مثل إِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ-. ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ- اخرج ابن جرير عن ابن عباس قال كانت العرب تقف بعرفة- وكانت قريش تقف دون ذلك بالمزدلفة فانزل الله- ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ- واخرج ابن المنذر عن اسماء بنت ابى بكر قالت كانت قريش تقف بالمزدلفة وتقف النّاس بعرفة الا شيبة بن ربيعة فانزل الله هذه الاية- قال البغوي كانت قريش وهم الحمس وحلفاوهم يتعظمون ان يقفوا مع سائر العرب بعرفات ويقولون نحن اهل الله ووطان حرمه فلا نخلف الحرم ولا نخرج منه- وسائر الناس يقفون بعرفات فاذا أفاض الناس من عرفات أفاض الحمس من المزدلفة فامرهم الله تعالى ان يقفوا بعرفات ويفيضوا منها الى جمع مع سائر الناس وأخبرهم انه سنة ابراهيم وإسماعيل- فالمراد بالناس على هذه الروايات العرب كلهم غير الحمس- وقال الضحاك الناس هاهنا ابراهيم عليه السلام وحده كقوله تعالى أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ وأراد به محمدا ﷺ وحده وكذا في قوله تعالى قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ والمراد بالناس الاول نعيم بن مسعود الأشجعي- وقال الزهري الناس هاهنا آدم عليه السلام وحده دليله قراءة سعيد بن جبير ثمّ أفيضوا من حيث أفاض النّاسى بالياء وهو آدم عليه السلام نسى عهد الله- وقيل معنى الاية ثمّ يعنى بعد افاضتكم من عرفات أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ يعنى من المزدلفة الى منى والاول قول اكثر المفسرين لكن يشكل على الاول لفظ ثم لانه مقدم على الوقوف بالمشعر الحرام فقيل ثم هاهنا بمعنى الواو- والاوجه ان كلمة ثم هاهنا لتفاوت ما بين الافاضتين رتبة فان الافاضة من عرفات فريضة ركن للحج اجماعا يفوت الحج بفواته بخلاف الوقوف بالمزدلفة فانه ليس بركن للحج اجماعا الا ما روى عن ليث وعلقمة فانهما قالا بركنيته- ونظيرها في القران فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا- فان مقتضى هذه الاية ان الايمان أعظم درجة من سائر الحسنات والله اعلم. ثم بعد ما اجمعوا على ان الوقوف بمزدلفة ليس بركن اختلفوا في انه واجب يجب بفواته الدم او سنة فقال الشافعي رحمه الله سنة وقال الجمهور واجب ثم القائلون بالوجوب اختلفوا في القدر الواجب منه فقال ابو حنيفة الوقوف بمزدلفة بعد طلوع الفجر من يوم النحر واجب- وقال مالك المبيت بمزدلفة ليلة النحر ولو ساعة واجب- وقال احمد المبيت ما بعد نصف الليل واجب وهذه الاية حجة للقائلين بالوجوب على الشافعي فان قوله تعالى فَإِذا «١» أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ- يدل بعبارته على وجوب الوقوف بمزدلفة وبإشارته على وجوب الوقوف بعرفات فان سوق الكلام للامر بالذكر عند المشعر الحرام والافاضة من عرفات شرط له فهذا اولى بالوجوب فان قيل الذكر غير واجب اجماعا فالامر بالذكر انما هو للاستحباب فكيف يحتج به في الخلافية وهو وجوب الوقوف بمزدلفة قلنا الذكر عبارة عن طرد الغفلة وذلك كما يحصل بالقول باللسان يحصل بالعمل بالجوارح ايضا قال صاحب الحصين كل مطيع لله ذاكر فالوقوف بمزدلفة بنية العبادة ذكر لا محالة وهو المامور به فهو واجب- ثم التلبية والدعاء وصلوة العشاءين والفجر لازم للوقوف وكل ذلك ذكر فيمكن ان يطلق اللازم ويراد به الملزوم كما في قوله تعالى فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ يعنى صلوا ما تيسر- ويؤيد مذهبنا من السنة حديث عروة بن مضرس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- من شهد صلاتنا هذه يعنى الفجر يوم النحر بمزدلفة ووقف معنا حتى ندفع ووقف بعرفة قبل ذلك ليلا او نهارا فقدتم حجه- رواه اصحاب السنن الاربعة وابن حبان والحاكم وقال (١) فى الأصل إذا صحيح على شوط كافة اهل الحديث- علق رسول الله ﷺ تمام الحج به فهو دليل الوجوب- وروى النسائي الحديث المذكور بلفظ من أدرك جمعا مع الامام والناس حتى يفيضوا فقد أدرك الحج ومن لم يدرك مع الامام والناس فلم يدرك الحج- ولابى يعلى ومن لم يدرك جمعا فلا حج له- وهذا الحديث حجة لابى حنيفة في قوله الواجب الوقوف بعد الصبح- وايضا في هذه الاية احتجاج لابى حنيفة على وجوب الوقوف بعد الصبح لان الوقوف بمزدلفة مرتب على الوقوف بعرفات بمقتضى هذه الاية والإجماع انعقد على ان وقت الوقوف بعرفات الى اخر الليل فمن وقف بعرفة الى آخر ليلة النحر ولو ساعة فقد أدرك الحج فحينئذ لا بد ان يكون وقت الوقوف يجمع بعد الصبح- وحديث عبد الرحمن بن يعمر الديلمي قال رايت رسول الله ﷺ واقفا بعرفات فاقبل أناس من اهل نجد فسالوه عن الحج قال الحج يوم عرفة ومن أدرك جمعا قبل صلوة الصبح فقد أدرك الحج ايام منى ثلاثة ايام التشريق فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ- رواه الطحاوي وفي هذه الحديث حجة لمالك في وجوب المبيت بمزدلفة قبل الصبح لكن هذا الحديث رواه اصحاب السنن والحاكم والدارقطني والبيهقي بلفظ- الحج عرفة من جاء قبل صلوة الصبح من ليلة جمع فقد ثم حجه وهذا الفظ لا يدل على الوقوف بمزدلفة والحجة لاحمد على وجوب المبيت بمزدلفة انه ﷺ بات بمزدلفة ووقف بعد صلوة الصبح وقال- خذوا عنى مناسككم- فكان مقتضى هذا الاستدلال ان يكون المبيت والوقوف بعد الصبح كلاهما واجبين لكن لما رخص رسول الله ﷺ ضعفة اهله في الرواح من مزدلفة الى منى من اخر الليل ظهران الوقوف بعد الصبح غير واجب روى الشيخان في الصحيحين عن ابن عباس انا ممن قدم رسول الله ﷺ في ضعفة اهله- وفي الصحيحين عن اسماء بنت ابى بكر ان النبي ﷺ اذن للظعن يعنى في الرواح الى منى من الليل بعد غروب القمر- وفي الباب في الصحيحين عن ابن عمر وكذا في الصحيح عن أم حبيبة- قلنا الرخصة للضعفاء لا ينفى الوجوب عن الأقوياء- فان قيل مقتضى هذه الاية وجوب الوقوف بعرفة وكذا وجوب الوقوف بمزدلفة- وليس الوقوف بمزدلفة ركن فهم تقولون ان الوقوف بعرفة ركن قلنا بالإجماع على فوات الحج بفوات عرفة دون المزدلفة- وسند الإجماع قوله ﷺ والحج عرفة- وحديث الآحاد يصلح سند الإجماع ولعل اهل الإجماع أخذوا ركنية عرفات من رسول الله ﷺ والله اعلم واختلفوا في وقت الوقوف بعرفة فقال احمد وقته من طلوع الفجر الثاني يوم عرفة- وقال ابو حنيفة والشافعي بعد الزوال يوم عرفة- وقال مالك أول وقته من غروب الشمس ليلة النحر الى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر اجماعا- احتج مالك بما مر من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلمي قوله ﷺ من جاء قبل صلوة الصبح من ليلة جمع فقد تم حجه- ولاحمد حديث عروة بن مضرس وفيه واتى عرفات قبل ذلك ليلا او نهارا فقد تم حجه- ولابى حنيفة والشافعي حديث جابر عند مسلم وغيره انه ﷺ ركب الى منى يوم التروية فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلا حتى طلعت «١» الشمس فامر بقبة من شعر فضرب له بنمرة فسار رسول الله ﷺ حتى اتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل حتى إذا لاغت الشمس امر بالقصوى فرحلت له واتى بطن الوادي الحديث- ولو كان وقت الوقوف قبل الزوال لبادر اليه النبي ﷺ ولم ينزل فى قبته وأجيب بان ذلك يدل على الافضلية ولا يدل على انه من وقف قبل الزوال لا يجزيه- وكذا حديث سالم بن عبد الله ان عبد الله بن عمر جاء الى الحجاج يوم عرفة حين زالت الشمس وانا معه فقال الرواح ان كنت تريد السنة فقال هذه الساعة قال نعم- والله اعلم وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ على ما فعلتم في جاهليتكم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ اى فرغتم من اركان الحج ومناسكها وذلك يوم النحر بعد رمى جمرة العقبة والذبح والحلق والطواف والسعى اعلم ان اركان الحج الإحرام والوقوف بعرفة وطواف الزيادة بالإجماع وقال الشافعي السعى والحلق ايضا وقد مر بحث السعى وسنذكر بحث الحلق في سورة الحج ان شاء الله تعالى فَاذْكُرُوا اللَّهَ بالتكبير والتحميد والثناء عليه كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ وذلك ان العرب كانوا إذا فرغوا من الحج وقفوا عند البيت فذكروا مفاخر ابائهم فامرهم الله تعالى بذكره فان الله تعالى مولى النعم إليهم والى ابائهم وهو خالقهم دون ابائهم فهو اولى بالذكر قال الله تعالى أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ- قال ابن عباس وعطاء معناه فَاذْكُرُوا اللَّهَ كذكر الصبيان الصغار الآباء- قلت وعلى هذا كان ذكر الأمهات اولى من الآباء أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً يعنى بل أشد ذكرا- وأشد اما مجرور معطوف على الذكر يعنى واذكروا الله ذكرا كذكركم او كذكر أشد منه ذاكرية- او على ما أضيف اليه يعنى كذكر قوم أشد منكم ذاكرية- واما منصوب بالعطف على ابائكم فحينئذ (١) فى الأصل طلع الشمس

البقرة 2:201

ذكرا مصدر بمعنى المفعول يعنى- او كذكركم أشد مذكورية من ابائكم- او التقدير كونوا أشد ذكرا لله منكم لابائكم فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ يعنى من كان طمعه الدنيا فقط وهم المشركون المنكرون للبعث يقولون رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حذف المفعول الثاني ايماء على التعميم يعنى اتنا في الدنيا كل شىء او كل ما تعطيناه آتناه في الدنيا- كان المشركون لا يسئلون في الحج الا الدنيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠) من نصيب. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً التنكير للتعظيم يعنى حسنة عظيمة هو اخلاص العمل لله والعافية ويحتمل ان يراد به جنس الحسنة عموما والنكرة في الإثبات قد تعم بمصاعدة المقام والقرينة كما في قوله ﷺ تمرة خير من جرادة يعنى كل تمرة خير من كل جرادة- فاعطاء التمرة في جزاء قتل الجرادة يكفى للمحرم فهذه الاية نظير ما ورد في السنة اللهم انى أسئلك من الخير كله عاجله واجله ما علمت منه وما لم اعلم وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وهى رضوان الله تعالى او كل شىء من نعماء الاخرة وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١) بالعفو والمغفرة روى البغوي بسنده عن انس رضى الله عنه قال راى رسول الله ﷺ رجلا قد صار مثل الفرخ فقال هل كنت تدعو الله بشىء او تسئله إياه قال يا رسول الله كنت أقول اللهم ما كنت معاقبى به في الاخرة فعجله لى في الدنيا فقال سبحان الله لا تستطيعه او لا تطيقه هلا قلت رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ وعنه قال كان رسول الله ﷺ يكثر ان يقول رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ- متفق عليه وعن عبد الله بن السائب انه سمع النبي ﷺ يقول فيما بين ركن بنى جمح والركن الأسود رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ- رواه ابو داود والنسائي وابن حبان والحاكم وابن ابى شيبة- وروى ابو الحسن بن الضحاك عن انس رضى الله عنه قال كان رسول الله ﷺ لو دعا بمائة مرة يفتح بها ويختم بها رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ولو دعا بدعوتين لجعلها أحدهما- وروى تقى بن مخلد عنه قال- كان في أول دعاء رسول الله ﷺ وفي وسطه وفي آخره اللهم اتنا في الدّنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النّار. أُولئِكَ اشارة الى القريق الثاني وقيل إليهما لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا سمى الدعاء كسبا لانه من الأعمال

البقرة 2:203

وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢) قال الحسن اسرع من لمح البصر وقيل معناه إتيان القيامة قريب فاطلبوا الاخرة-. وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ وهى ايام التشريق سميت معدودات لقلتهن كذا روى عن ابن عباس وغيره ويدل على ذلك قوله تعالى فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ من ايام التشريق يعنى استعجل في النفر ونفر في ثانى ايام التشريق- اتفقوا على انه من لم ينفر ودخل عليه الثالث من ايام التشريق وجب عليه رمى ذلك اليوم واختلفوا في انه هل يعتبر دخول الليلة الثالثة من ليالى ايام التشريق او الثالث من أيامها فقال الجمهور المعتبر دخول الليل فمن اقام بمنى حتى دخلت الليلة الثالثة لا يحل له النفر حتى يرمى الجمار في اليوم الثالث- وقال ابو حنيفة لا يجب ذلك حتى يصبح بمنى وله ان ينفر من الليل وإذا طلع الفجر لزمه الرمي- قال ابو حنيفة وقت الرمي انما هو النهار فمن نفر من الليل كان كمن سافر قبل وقت الجمعة- وقال غيره الليل وان لم يكن وقت المرمى فهو وقت للمبيت والمبيت بمنى واجب فبعد دخول الليل وجب المبيت فلا يحل النفر- والله اعلم فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فانه أخذ بالرخصة وَمَنْ تَأَخَّرَ فى النفر حتى يرمى اليوم الثالث فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وهو اولى وأفضل وفيه رد على اهل الجاهلية كان منهم من اثم المتعجل ومنهم من اثم المتأخر لِمَنِ اتَّقى اى هذه الاحكام لمن اتقى فانه هو المنتفع به- وقيل لمن اتقى ان يصيب في حجه شيئا مما نهاه الله عنه رجع مغفورا لا ذنب عليه سواء تعجل في النفر او تأخر قال البغوي هذا قول على وابن مسعود رضى الله عنهما- ويؤيده من المرفوع قوله ﷺ من حج لله ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته امه- متفق عليه من حديث ابى هريرة وعنه في الصحيحين مرفوعا الحج المبرور ليس له جزاء الا الجنة- وعن ابن مسعود قال- قال رسول الله ﷺ الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب كما ينفى الكبير خبث الحديد رواه الشافعي والترمذي وعن عمر ونحوه رواه احمد اعلم ان المقام بمنى ايام التشريق والمبيت بها في لياليها وكذا الرمي ليس بركن اجماعا لقوله تعالى فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ فان الترتيب والتعقيب يدل على المغائرة- واختلفوا فى وجوبها فقال احمد المبيت والرمي كلاهما واجبان- وقال مالك المقام والمبيت واجب والرمي سنة مؤكدة- وقال ابو حنيفة بالعكس وهو رواية عن احمد- وللشافعى قولان أحدهما كاحمد والثاني كابى حنيفة- وقال بعضهم انما شرع الرمي حفظا للتكبير فان ترك وكبر أجزأه حكاه ابن جرير عن عائشة وغيرها وهذا المذهب يوافق ظاهر الاية لكنه خلاف ما استقر عليه الإجماع احتج احمد بهذه الاية وقال هذه الاية يحتمل إيجاب الامرين وفعل رسول الله ﷺ التحق بيانا لاجمالها وقد قال عليه السلام خذوا عنى مناسككم- وقال ابو حنيفة- المقصود بالمقام والمبيت هو الرمي بدليل ما رواه البخاري عن ابن مسعود انه رمى من بطن الوادي فقيل له ان نا ساير مونها من فوقها فقال والذي لا الله غيره هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة فان هذا القول اشارة الى ان هذه الاية في الرمي لا غير- وما رواه عاصم بن عدى قال- أرخص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة بمنى يرمون يوم النحر ثم- يرمون الغدو من بعد الغد ثم يرمون يوم النفر- رواه مالك وغيره وفي النسائي رخص للرعاء فى البيتوتة يرمون يوم النحر واليومين الذين بعده يجمعونهما في أحدهما- قال مالك تفسير الحديث انهم يرمون يوم النحر فاذا مضى اليوم الذي يلى يوم النحر رموا من الغد وذلك اليوم النفر الاول يرمون اليوم الذي مضى قضاء ثم يرمون ليومهم وجه الاحتجاج ان إيجاب قضاء الرمي دون المبيت دليل على وجوب الرمي مقصودا وعدم وجوب المبيت الا تبعا للرمى- قال احمد الترخيص في المبيت للرعاء للضرورة لا يدل على عدم الوجوب مطلقا بل يدل على الوجوب فان الرخصة لا يكون الا فيما هو واجب- والحجة لمالك انه قد روى عن عمر وابنه انهما كانا يكبران تلك الأيام خلف الصلوات وفي المجالس وعلى الفراش والفسطاط وفي الطريق ويكبر الناس بتكبيرهما ويتاولان هذه الاية- وجه الاحتجاج ان الذكر في ايام التشريق مطلقا سواء كان بمنى او غيره ليس بواجب اجماعا بل هو مقيد بمنى يدل عليه قوله تعالى فَمَنْ تَعَجَّلَ يعنى في النفر الاية ولا شك ان المقام هناك بنية التقرب ذكر وانضمام الذكر اللساني اولى وأفضل فمحمل الاية هو المقام بمنى دون الرمي قلنا هذا لا ينافى ان يكون محمل الاية كلا الامرين المقام والرمي كما لا يخفى والله اعلم واعلم انه ثبت بالسنة وهو بيان لا جمال الاية ان الرمي يوم النحر في جمرة العقبة بسبع حصيات ووقته من طلوع الفجر يوم النحر عند ابى حنيفة ومالك- ومما بعد نصف الليل من ليلة النحر عند احمد والشافعي- ومن طلوع الشمس يوم النحر عند مجاهد والحجة لمجاهد حديث ابن عباس ان رسول الله ﷺ قدّم ضعفة اهله وقال لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس- رواه الترمذي وقال هذا حديث صحيح- قلنا هذا محمول على الاستحباب ويدل على الجواز بعد الصبح قبل طلوع الشمس ما رواه الطحاوي بأسانيده عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ بعثه مع النقل وقال لا ترموا الجمرة حتى تصبحوا «١» - وهو حجة لنا على الشافعي واحمد في عدم جواز الرمي قبل الصبح- وما احتج به الشافعي واحمد من حديث عائشة قالت أرسل رسول الله ﷺ أم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فافاضت- رواه الدارقطني حديث ضعيف في سنده لا ضحاك بن عثمان لينه القطان ثم هو محمول على انها «٢» رمت قبل صلوة الفجر لا قبل طلوع الفجر فهو حجة لنا على مجاهد- واخر وقته عند ابى يوسف الى الزوال لانه ﷺ رمى الجمرة- يوم النحر ضحوة- وعند الجمهور الى الغروب لحديث ابن عباس قال كان النبي ﷺ يسئل يوم النحر بمنى فيقول لا حرج- فساله رجل فقال حلقت قبل ان اذبح قال اذبح ولا حرج- قال رميت بعد ما أمسيت فقال لا حرج- رواه البخاري وغيره ومعنى قوله بعد ما أمسيت اى بعد الزوال إذ المساء يطلق على بعد الزوال وليس المراد بعد الغروب لان يوم النحر يطلق قبل الغروب لا بعده وفي بعض طرق الحديث صريح ان السؤال كان وقت الظهر- واخر وقته المكروه الى طلوع الفجر من اليوم الحادي عشر لان النبي ﷺ رخص للرعاء ان يرموا ليلا رواه ابن ابى شيبة عن ابن عباس وهذا يدل على الجواز للمعذور وعلى الكراهة لغير المعذور والرمي فى ايام التشريق في ثلثة جمار الجمرة الدنيا والجمرة الوسطى والجمرة العقبة يرمى عند كل جمرة بسبع حصيات وأول وقتها في أول ايام التشريق يعنى يوم القرار «٣» وثانيها يعنى يوم النفر الاول بعد الزوال اجماعا لما في حديث جابر وغيره- ثم لم يرم النبي ﷺ حتى زالت الشمس واخر وقته في كل يوم بلا كراهة الى الغروب وللمعذورين الى طلوع الفجر من اليوم الثاني وذلك مع كراهة لغير المعذور لما مر انه ﷺ رخص للرعاء ان يرموا ليلا وكذا في اليوم الثالث من ايام التشريق يوم النفر الاخر عند الجمهور وبه قال ابو يوسف ومحمد غير انه لا يجوز الرمي بعد الغروب من ذلك اليوم اجماعا لان تلك الليلة ليست من ايام التشريق- وقال ابو حنيفة يجوز الرمي في ذلك اليوم قبل الزوال- ولم اطلع على دليل لهذا القول غير ما ذكر ابن همام عن ابن عباس انه قال إذا انتفخ النهار من يوم النفر فقد حل الرمي والصدر- رواه البيهقي قال والانتفاخ الارتفاع- وفي سنده طلحة بن عمرو ضعفه البيهقي وابن معين والدارقطني وقال احمد متروك الحديث- وهل يشترط الترتيب بين الجمار في ايام التشريق فعند الجمهور الترتيب واجب وعند ابى حنيفة سنة- وجه قول الجمهور- ان كل شىء لا يدرك بالرأى فرعاية جميع الخصوصيات الواردة فيه واجب ولم ينقل فوات الترتيب- وقال ابو حنيفة لو كان الرمي (١) فى الأصل حتى يسبحوا (٢) فى الأصل انه (٣) فى الأصل يوم القر

البقرة 2:204

فى الجمرات الثلاث نسكا واحدا كان مراعات خصوصياته واجبا لكن الرمي في كل جمرة نسك برأسه فلابد في كل واحد منها رعاية خصوصياته واما الترتيب بين المناسك العديدة فليس بشرط كما ان الترتيب بين الرمي والذبح والحلق ليس بشرط- قلت فكان القياس على قول ابى حنيفة ان ذلك الترتيب ان لم يكن شرطا لكن ليكن واجبا ينجبر بالدم كالترتيب بين الرمي والذبح والحلق ولم يظهر لى وجه الفرق بين المسألتين والله اعلم وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣) فيجازيكم على حسب أعمالكم وإخلاصكم والله اعلم قال البغوي قال الكلبي ومقاتل وعطاء كان الأخنس بن شريف الثقفي حليف بنى زهرة وسمى الأخنس لانه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بنى زهرة عن قتال رسول الله ﷺ وكان رجلا حلو الكلام حلو المنظر وكان يأتى رسول الله ﷺ فيجالسه ويظهر الإسلام ويقول انى لاحبك ويحلف بالله على ذلك- وكان منافقا وكان رسول الله ﷺ يدنى مجلسه فنزل. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ اى يعظم في قلبك وتستحسنه قَوْلُهُ يعنى الأخنس كذا اخرج ابن جرير عن السدى- واخرج ابن ابى حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس قال لما أصيب السرية التي يعينها عاصم ومرثد بالرجيع قال رجلان من المنافقين- يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا لا هم قعدوا في أهليهم ولا هم أدوا رسالة صاحبهم فانزل الله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قوله فِي الْحَياةِ الدُّنْيا متعلق بيعجبك يعنى يعجبك قوله في الحيوة الدنيا حلاوة وفصاحة ولا يعجبك في الاخرة لما يعتريه الفضيحة او متعلق بالقول اى قوله في معنى الدنيا من ادعاء المحبة واظهار الإسلام وَيُشْهِدُ اللَّهَ ذلك المنافق اى يحلف بالله ويستشهده عَلى ما فِي قَلْبِهِ يعنى على ان ما فى قلبه مطابق للسانه فيقول والله انى بك مومن ولك محب وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) اى أشد الخصومة والجدال للمسلمين والخصام مصدر خاصمه خصاما- وقال الزجاج هو جمع خصم مثل بحر وبحار- والجملة حال من فاعل يشهد- عن عائشة عن النبي ﷺ ان ابغض الرجال الى الله عز وجل الألد الخصم- قال قتادة هو شديد القسوة في المعصية جدل بالباطل يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة. وَإِذا تَوَلَّى اى أدبر سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ روى ان الأخنس كانت بينه وبين ثقيف خصومة فبيّنهم ليلا فاخرق زروعهم وأهلك مواشيهم- وقال مقاتل خرج الى الطائف مقتضيا مالا له على

البقرة 2:206

غريم فاحرق له كدسا وعقر له أتانا- والنسل نسل كل دابة والإنسان منهم وقال الضحاك معنى إذا تولى اى صار واليا ملكا سعى في الأرض بالفساد- وقال مجاهد في قوله تعالى إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ انه إذا ولى عمل بالعدوان والظلم فامسك الله المطر وأهلك الحرث والنسل وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥) لا يرتضيه فاحذروا غضبه عليه. وَإِذا قِيلَ لَهُ للاخنس اتَّقِ خف الله أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ حملته الانفة وحميّة الجاهلية والتكبر بِالْإِثْمِ اى على الإثم يقال أخذته بكذا اى حملته عليه وألزمته إياه- او الباء للسببية والمعنى أخذته العزة من أجل الإثم الذي في قلبه وهو الكفر فَحَسْبُهُ كفته جزاء- وعذابا جَهَنَّمُ علم لدار العقاب وهو في الأصل مرادف لنار وقيل معرّب وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) اى الفراش جواب قسم مقدر والمخصوص بالذم محذوف يعنى جهنم- قال البغوي قال ابن مسعود ان من اكبر الذنب عند الله ان يقال للعبد اتق الله فيقول عليك بنفسك- وروى انه قيل لعمر بن الخطاب رضى الله عنه اتق الله فوضع خده على الأرض تواضعا لله عز وجل. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي اى يبيع ويبذل في الجهاد او الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر نَفْسَهُ حتى يقتل نظيره قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ الاية عن ابى امامة ان رجلا قال يا رسول الله اىّ الجهاد أفضل- قال أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر- رواه احمد وابن ماجة والطبراني والبيهقي- وابن ماجة عن ابى سعيد ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ- طلبا لرضائه كانّ مرضات الله ثمن يطلبها ببذل نفسه وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧) حيث ارشدهم لمثل هذه التجارة الرابحة- اخرج الحارث بن ابى اسامة في مسنده وابن ابى حاتم عن سعيد بن السيب قال اقبل صهيب مهاجرا الى النبي ﷺ فاتبعه نفر من قريش فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته ثم قال يا معشر قريش لقد علمتم انى من ارماكم رجلا وايم الله لا تصلون الىّ حتى ارمى كل سهم معى في كنانتى ثم اضرب بسيفى ما بقي منه شىء ثم افعلوا ما شئتم وان شئتم وللتم على ما لى بمكة وخليتم سبيلى قالوا نعم- فلما قدم على النبي ﷺ المدينة قال ريح البيع أبا يحيى ريح البيع أبا يحيى ونزلت هذه الاية واخرج الحاكم في المستدرك نحوه من طريق ابن المسيب عن صهيب نفسه موصولا واخرج ايضا من طريق حماد بن سلمة عن انس وفيه التصريح بنزول الاية فيه وقال صحيح على شرط مسلم- واخرج ابن جرير عن عكرمة قال نزلت في صهيب بن سنان الرومي اخذه المشركون في رهط من المؤمنين فعذبوه فقال لهم صهيب انى شيخ كبير لا يضركم امنكم كنت أم من غيركم فهل لكم ان تأخذوا مالى وتذرونى ودينى ففعلوا- وسياق هذا الحديث- يخالف سياق ما سبق والاول هو الصحيح- وقيل نزلت الاية في سرية الرجيع ذكر ابن إسحاق ومحمد بن سعد وغيرهم ان بنى لحيان من هذيل بعد قتل سفيان بن نبيح الهذلي مشوا الى عضل والقارة وهما حيان وجعلوا لهم فرائض على ان يقدموا رسول الله ﷺ فيكلموه فيخرج إليهم نفر من أصحابه يدعونهم الى الإسلام ويعلمونهم الشرائع قالوا فنقتل من أردنا ونسير بهم الى قريش بمكة فنصيب بهم ثمنا فقدم سبعة نفر من عضل والقارة مقرين بالإسلام فقالوا يا رسول الله ان فينا الإسلام فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا فبعث رسول الله ﷺ خبيب بن عدى الأنصاري ومرثد بن ابى مرشد الغنوي وخالد بن بكير وعبد الله بن طارق وزيد بن الدثنة وامّر عليهم عاصم بن ثانت الأنصاري- وفي الصحيح البخاري عن ابى هريرة بعث رسول الله ﷺ عشرة عينا وامّر عليهم عاصم بن ثابت فغدروا بهم فاستصرخوا عليهم قريبا من مائة رام وفي رواية فنفروا لهم من مائتى رجل- قلت لعل الرامي منهم مائة- فلما احسن بهم عاصم وأصحابه لجاءوا الى فدقد وجاء القوم فاحاطوا بهم فقالوا لكم العهد والميثاق ان نزلتم ان لا نقتل منكم وانّا والله لا نريد قتلكم انما نريد نصيب شيئا من اهل مكة فقال عاصم اما انا فلا انزل في ذمة كافر اللهم انى احمى لك اليوم دينك فاحم لحمى اللهم اخبر عنا رسولك فاخبر رسول الله ﷺ خبرهم يوم أصيبوا فقاتلوهم فرموهم حتى قتلوا عاصما في سبعة وبقي خبيب وزيد وعبد الله بن طارق فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه فمنعه الدبر فسمى حمى الدبر فبعث الله سبحانه فسال الوادي فاحتمله فذهب به وكان عاصم قد اعطى الله العهد ان لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك فبرّا الله قسمه واما زيد بن الدثنة وابن طارق وخبيب فاسروهم ثم خرجوا الى مكة ليبيعوهم حتى انا كانوا بالظهر ان انتزع عبد الله بن طارق يده من القران ثم أخذ سيفه فرموه بالحجارة حتى قتلوه وقبره بالظهران وباعوا زيدا وخبيبا بمكة- قال ابن إسحاق وابن سعد اشترى زيدا صفوان بن امية (واسلم بعد ذلك) ليقتله بابيه امية بن خلف فبعثه مع نسطاس مولى له (واسلم بعد ذلك) الى التنعيم ليقتله واجتمع من جمع قريش فيهم ابو سفيان حتى قدم ليقتل فقال ابو سفيان أنشدك الله يا زيد أتحب ان محمدا عندنا بمكانك يضرب عنقه وانك في أهلك فقال والله ما أحب ان محمدا ﷺ الان في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وانا جالس في أهلي فقال ابو سفيان ما رايت من الناس أحدا يحب أحدا كحب اصحاب محمد ثم قتله نسطاس- واما خبيب فابتاعه بنو الحارث حيث قتل خبيب الحارث يوم بدر فلبث خبيث عندهم أسيرا حتى اجمعوا على قتله فاستعار من بعض بنات الحارث موسى لتستحد بها فاعارث فدرج بنى لها وهى غافلة فما راع المرأة إلا بخبيب قد اجلس الصبى على فخذه والموسى بيده فصاحت المرأة- فقال خبيب أتخشين ان اقتله ما كنت لأفعل ذلك ان الندر ليس من شأتنا- فقالت بعد- والله ما رايت أسيرا خيرا من خبيب والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده وهو الموثق بالحديد وما كان بمكة من ثمرة الا كان رزقا رزقه الله ثم انهم خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل وأرادوا ان يصلبوا فقال لهم دعونى أصلي ركعتين فتركوه فكانّ خبيبا هو سنّ لكل مسلم قتل صبرا الصلاة فركع ركعتين ثم قال لهم لولا ان تحسبوا ان مابى من جزع لزدتّ فقال اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا «١» ولا تبق منهم أحدا وإنشاء يقول (شعر) ولست أبالي حين اقتل مسلما على اى شق كان في الله مصرع وذلك في ذات الإله وان يشاء يبارك في او ضال شلو؟؟ ممزع- فصلبوه حيا رواه البخاري فقال خبيب اللهم بلغ سلامى رسولك. ويقال كان رجل من المشركين يقال له سلامان ابو ميسرة معه رمح فوضعه بين ثدى خبيب فقال له خبيب اتق الله فما زاده ذلك الا عتوا وطعنه فابعده- فذلك قوله تعالى وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ الاية- روى محمد بن عمرو بن مسلمة عن اسامة بن زيد سمعنا رسول الله ﷺ يقول عليه السلام ورحمة الله وبركاته هذا جبرئيل يقرؤنى من خبيب السلام- فلما بلغ النبي ﷺ الخبر قال لاصحابه أيكم يختزل «٢» خبيبا من خشبته وله الجنة- فقال الزبير انا وصاحبى المقداد بن الأسود- فخرجا يمشيان بالليل ويكتمان بالنهار حتى أتيا التنعيم ليلا وإذا حول الخشبة أربعون من المشركين فانزلا فاذا هو رطب يتثنى لم يتغير منه شىء بعد أربعين يوما ويده على جراحته ينض «٣» دما اللون لون الدم والريح ريح المسك (١) بددي بكسر الباء جمع بدة وهى الحصة والنصيب اى اقتلهم حصصا مقسّمة لكل واحد حصته ونصيب ويروى بالفتح اى متفرقين في القتل واحدا بعد واحد من التبديد- نهاية جزرى منه رحمة الله- (٢) يختزل اى يقتطع ويذهب به ويتفرد به- نهاية منه- رح (٣) ينض وما اى ينبع يقال نضّ الماء من العين اى نبع (منه رحمه الله).

البقرة 2:208

فحمله الزبير على فرسه وسارا فانتبه الكفار وقد فقدوا خبيبا فاخبروا قريشا فركب منهم سبعون فلما الحقوهما قذف الزبير خبيبا فابتلعه الأرض فسمى بليع الأرض وقد ما على رسول الله ﷺ وجبرئيل عنده فقال يا محمد ان الملائكة لتباهى بهذين من أصحابك- فنزل في الزبير والمقداد وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ حين شريا أنفسهما لانزال خبيب من خشبته والله اعلم اخرج ابن جرير عن عكرمة قال قال عبد الله بن سلام وثعلبة وابن يامين واسد وأسيدا بنى كعب- وسعيد بن عمرو وقيس بن زيد كلهم مؤمنى اليهود يا رسول الله يوم السبت يوم كنا نعظمه فدعنا فلنسبت فيه وان التوراة كتاب الله فدعنا فلتقم بها بالليل وكذا قال البغوي وقال وكانوا يكرهون لحوم الإبل وألبانها بعد ما اسلموا فنزلت. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً السلم بالكسر والفتح الاستسلام والطاعة لذلك يطلق على المصلح والإسلام والمراد هاهنا الإسلام قرا نافع وابن كثير والكسائي السّلم هاهنا بفتح السين والباقون بكسرها- وفي سورة الأنفال بالكسر ابو بكر والباقون بالفتح وفي سورة محمد ﷺ بالكسر حمزة وابو بكر والباقون بفتحها- وكآفّة اسم للجملة لانها تكف الاجزاء من التفرق حال من الضمير أو السلم لانها تؤنث كالحرب- والمعنى استسلموا لله وأطيعوه جملة ظاهرا وباطنا- قلت وذا لا يتصور الا عند الصوفية- او المعنى ادخلوا في الإسلام بكليتكم ولا تخلطوا به غيره- او في شعب الإسلام وأحكامه كلها ولا تخلّوا بشىء منها- قال حذيفة بن اليمان في هذه الاية ان الإسلام ثمانية أسهم فعدّ الصلاة والصوم والزكوة والحج والعمرة والجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قال وقد خاب من لا سهم له- قلت انما ذكر ما ذكر على سبيل التمثيل والا فالمراد بالآية الامتثال بكل ما امر الله به والانتهاء عن كل ما نهى عنه او يقال ان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يشتمل الجميع- فان الأمر بالمعروف يقتضى الإتيان به والنهى عن المنكر يقتضى الانتهاء عنه عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ الايمان بضع وسبعون شعبة فافضلها قول لا الله الا الله وأدناها اماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الايمان- رواه مسلم وابو داود والنسائي وابن ماجة وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ قد مر اختلاف القراءة فيه الشَّيْطانِ يعنى إنارة من تحريم السبت وتحريم الإبل وغير ذلك بعد ما نسخ إِنَّهُ لَكُمْ

البقرة 2:209

عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) ظاهر العداوة عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ حين أتاه عمر فقال انا نسمع أحاديث من يهود يعجبنا افترى ان نكتب بعضها- فقال «١» أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه الا اتباعى- رواه احمد والبيهقي في شعب الايمان. فَإِنْ زَلَلْتُمْ يعنى زلت أقدامكم فلم تستقيموا على الإسلام مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ الآيات والحجج الشاهدة على انه الحق فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه الانتقام حَكِيمٌ (٢٠٩) لا ينتقم الا بحق ولا يمهل الا لحكمة فيه دفع توهم الناشي من الامهال. هَلْ يَنْظُرُونَ النظر بمعنى الانتظار يعنى ما ينتظرون إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ جمع ظلة وهى كلما اظلك مِنَ الْغَمامِ قال البغوي هو السحاب الأبيض الرقيق سمى غماما لانه يغم اى يستر- وقال مجاهد هو غير السحاب ولم يكن الا لبنى إسرائيل في تيههم وقال مقاتل كهيئة الضباب ابيض- وقال الحسن في سترة من الغمام فلا ينظر اليه اهل الأرض وَالْمَلائِكَةُ قرا ابو جعفر بالجر عطفا على الغمام او يكون الجر للجوار والباقون بالرفع اى ويأتيهم الملائكة وَقُضِيَ الْأَمْرُ وجب العذاب للكفار والثواب للمؤمنين- وفزع من الحساب وذلك يوم القيامة والله اعلم- اجمع علماء اهل السنة من السلف والخلف ان الله سبحانه منزه عن صفات الأجسام وسمات الحدوث فلهم في هذه الاية سبيلان أحدهما الايمان به وتفويض علمه الى الله تعالى والتحاشى عن البحث فيه وهو مسلك السلف قال الكلبي هذا من المكتوم الذي لا يفسر وكان مكحول والزهري والأوزاعي ومالك وابن المبارك وسفيان الثوري والليث واحمد وإسحاق رحمهم الله تعالى يقولون فيه وفي أمثاله امرّوها كما جاءت بلا كيف قال سفيان بن عيينة كل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لاحدان يفسره الا الله ورسوله وبه قال ابو حنيفة رحمه الله حيث قال في المتشابهات ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ بالوقف عليه ثانيهما تأويله بما يليق به بناء على ما قيل ما يَعْلَمُ «٢» تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ بالعطف قال البيضاوي وغيره الا ان يأتيهم الله اى امره او بأسه بحذف المضاف فهو كقوله تعالى وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ - جاءَهُمْ بَأْسُنا- او المعنى- ان يأتيهم الله (١) التهوك الوقوع في الأمر بغير رويّة قبيل التحبير منه رحمه الله (٢) وفي القران وما يعلم إلخ يبأسه فحذف المأتى به للدلالة عليه بقوله أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قال وانما يأتى العذاب في الغمام لان الغمام مظنة الرحمة فاذا جاء منه العذاب جاء من حيث لا يحتسبه فكان أفظع- قلت وما ذكر البيضاوي من التأويل يأبى عنه ما جاء في تفسير هذه الاية وأمثاله من الأحاديث اخرج الحاكم وابن ابى حاتم وابن ابى الدنيا عن ابن عباس انه قرا يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ قال يجمع الله الخلق يوم القيامة في صعيد واحد الجن والانس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق فيشقق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم اكثر ممن فى الأرض من الجن والانس وجميع الخلق فيحيطون بالجن والانس وجميع الخلق فيقول اهل الأرض أفيكم ربنا فيقولون لاثم ينزل اهل السماء الثانية وهم اكثر من اهل السماء الدنيا ومن اهل الأرض فيقولون أفيكم ربنا فيقولون لا فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم وبالجن والانس وجميع الخلائق ثم ينزل اهل السماء الثالثة هكذا ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة وهم اكثر من اهل السموات واهل الأرض فيقولون أفيكم ربنا فيقولون لا ثم ينزل ربنا فى ظلل من الغمام وحوله الكروبيون وهم اكثر من اهل السموات السبع والأرضين- وحملة العرش لهم قرون ككعوب القناما بين أقدام أحدهم كذا وكذا- ومن اخمص قدمه الى كعبه مسيرة خمسمائة عام ومن كعبه الى ركبته خمسمائة عام ومن ركبته الى أرينه خمسمائة عام ومن ارينه الى ترقوته خمسمائة عام ومن ترقوته الى موضع القرط خمسمائة عام قلت وايضا لو كان معنى الاية كما قال البيضاوي بحذف المضاف ونحوه فهو نظير قوله تعالى «١» وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها يعنى واسئلوا اهل القرية- ولم يقل انه من المتشابهات أحد فحينئذ لم يكن اية في القران من المتشابهات وقد قال الله تعالى مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ- ولاصحاب القلوب في تلك الآيات سبيل اخر وهو ان لله سبحانه تجليات في بعض مخلوقاته وظهورات لا كيف لها كما ذكرنا في القلب المؤمن والكعبة الحسناء والعرش العظيم وعامتها تكون على الإنسان فانه خليفة الله وتلك التجليات قد تكون برقيا كالبرق الخاطف وقد تكون دائميا وتلك لا تستدعى حدوث امر في ذاته تعالى وكونه محلا للحوادث ومتنزلا عن مرتبة التنزيه بل هى مبنية على حدوث امر في الممكن كما ان المرأة المحاذية للشمس كلما صوقلت الجلت الشمس فيها ويظهر في المراءة اثارها من الاضاءة والإحراق- وهذه التجليات هى المصداق لقوله تعالى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ وقوله تعالى (١) وفي القران واسئل القرية الّتى إلخ

البقرة 2:211

يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ يعنى يتجلّى لهم يوم القيامة في الغمام- فاما من اكتسب قلبه في الدنيا بصيرة ينفذ بصره من وراء الغمام الى الله سبحانه كما ينفذ البصر من الاجرام الزجاجية الى الاجرام الفلكية ولا استحالة في الرؤية من وراء الغمام بعد ما اثبتوا لرؤية في الجنة من غير حجاب كما ترون القمر ليلة البدر- واما من لم يكتسب قلبه بصيرة وهو فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا فيكون له الغمام ساترا وحجابا- قال السيوطي في البدور السافرة رايت بخط الشيخ بدر الدين الزركشي ما نصه قال سلمة ابن القاسم في كتاب غرائب الأصول حديث تنزل الله يوم القيامة ومجيئه في ظلل محمول على ان الله تعالى يغير أبصار خلقه حتى يرونه كذلك وهو على عرشه غير متغير ولا منتقل- قلت يعنى يرونه كذلك من وراء الحجاب السجنجلى قال السيوطي وكذلك جاء معناه عن عبد العزيز الماجشون انه تعالى يغير أبصار خلقه فيرونه نازلا متجليا مناجى خلقه ومخاطبهم وهو غير متغير عن عظمته ولا منتقل وقد وجدنا ان جبرئيل كان يأتى النبي ﷺ تارة في صورته وتارة في صورة دحية وجبرئيل أجل من صورة دحية انتهى قلت وما ذكرنا من التأويل لا مساس له بأقوال الخلف لكنه هو المراد مما ذكرنا من اقوال السلف امّروها كما جاءت بلا كيف يعنى هذه الأمور كلها من الاستواء والنزول وغير ذلك ثابتة كما جاءت في النصوص لكن بلا كيف بحيث لا يزاحم مرتبة التنزيه- وهذا امر من لم يذقه لم يدر ومن ورى لا يمكنه التعبير عنه كما هو بل يختبط إفهام السامعين فيفهون غير مراده فعليكم بالسكوت عنه والايمان به وليس لاحدان يفسره الا الله ورسوله وعطف الرسول على الله يقتضى انه ﷺ كان عالما بتفسير المتشابهات قلت وكذا كمل اتباعه والله اعلم وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) قرا ابن عامر حمزة والكسائي ويعقوب ترجع الأمور حيث وقع بفتح التاء وكسر الجيم من الرجوع اللازم والباقون بضم التاء وفتح الجيم من الإرجاع المتعدى. سَلْ يا محمد بَنِي إِسْرائِيلَ يهود المرينة والمراد بهذا السؤال تقريعهم كَمْ آتَيْناهُمْ يعنى آباءهم وأسلافهم وكم استفهامية معلقة سل عن المفعول الثاني- او خبرية وهى ثانى مفعولى اتينا ومميزها مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ظاهرة ويحتمل ان يكون كم مبتدأ والعائد من الخبر محذوف يعنى كم من اية بينة آتيناهم ايالها فبدلوها بعد معرفتها وجملة كم آتيناهم على تقدير كونها استفهامية حال اى سل بنى إسرائيل قائلا كم

البقرة 2:212

آتيناهم وعلى تقدير كونها خبرية جواب عن سوال هل كانت لهم آيات متكثرة والمراد بالآيات اما المعجزات الواضحات الدالة على نبوة موسى عليه السلام والآيات المحكمات في التورية الدالة على نبوة محمد ﷺ والثاني اظهر وَمَنْ يُبَدِّلْ يغير نِعْمَةَ اللَّهِ اى ما أنعم الله عليه من الآيات لانها سبب الهداية او كتاب الله فترك العمل به مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ اى وصلت اليه وتمكن من معرفتها فيه تعريض بانهم بدلوها بعد ما عقلوها فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١) فيعاقبه أشد عقوبة حيث ارتكب أشد جريمة. زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا والمزين هو الله تعالى حيث خلق الأشياء الحسنة والمناظر العجيبة وخلق فيهم القوى الشهوانية- واشرب محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وقال الزجاج زين لهم الشيطان يعنى وسوس إليهم الخواطر الشهوانية- قلت والله سبحانه خالق افعال العباد ومنهم الشياطين فهو المزين نعم تجوّز الاسناد الى الشياطين من حيث كونها كاسبة للوسوسة والله اعلم قيل نزلت الاية في مشركى العرب ابى جهل وأصحابه وهم يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا اى يستهزءون فقراء المؤمنين- قال ابن عباس أراد بالذين أمنوا عبد الله بن مسعود وعمارا وصهيبا وبلالا وخبيبا وأمثالهم- وقال مقاتل- نزلت في المنافقين عبد الله بن ابى وأصحابه كانوا يتنعمون «١» فى الدنيا ويسخرون من ضعفاء المؤمنين ويقولون انظروا الى هؤلاء الذين يزعم محمد ﷺ انه يغلب بهم وقال عطاء نزلت في رؤساء اليهود كانوا يسخرون بفقراء المؤمنين فوعد الله المؤمنين ان يعطيهم اموال بنى قريظة والنضير بغير قتال وَالَّذِينَ اتَّقَوْا يعنى هؤلاء الفقراء الذين كنوا بالّذين أمنوا وضع المظهر موضع المضمر ليدل على انهم متقون وان استعلاء هم للتقوى وان العمل خارج من الايمان فَوْقَهُمْ فى المكان او الرتبة او الغلبة لان المتقين فى أعلى عليين وفي كرامة الله ويتطاولون على الكفار فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا والكفار في أسفل السافلين وفي مذلة يَوْمَ الْقِيامَةِ كما ان المؤمنين خير واشرف عند الله من الكفار في الدارين عن سهل بن سعد رضى الله عنه قال مرّ رجل على رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده جالس ما رأيك في هذا- فقال رجل من اشراف الناس هذا والله حرّى ان خطب ان ينكح وان شفع ان يشفع- قال فسكت رسول الله ﷺ ثم مر رجل فقال له رسول الله ﷺ ما رأيك في هذا فقال يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا (١) فى الأصل ينعمون-

البقرة 2:213

حرّى ان خطب ان لا ينكح وان شفع ان لا يشفع وان قال ان لا يسمع لقوله فقال رسول الله ﷺ هذا خير من ملا الأرض مثل هذا رواه البخاري وعن اسامة بن زيد قال قال رسول الله ﷺ وقفت على باب الجنة فرايت اكثر أهلها المساكين ووقفت على باب النار فرايت اكثر أهلها النساء وإذا اهل الجد محبوسون الا من كان منهم من اهل النار فقد امر به الى النار- رواه البغوي وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ فى الدارين بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٠٢) قال ابن عباس يعنى كثيرا لان كل ما دخل عليه الحساب فهو قليل- وقيل معناه بغير حساب عليه تعالى فيما يعطى ولا اعتراض فقد يعطى الكثير من لا يحتاج اليه وقد لا يعطى القليل من يحتاج وقيل معناه لا يخاف نفاد خزائنة فيحتاج الى حساب.. كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً اخرج البزار في مسنده وابن جرير وابن ابى حاتم وابن المنذر في تفاسيرهم والحاكم فى المستدرك وصححه عن ابن عباس قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا وكذا اخرج ابن ابى حاتم عن قتادة انهم كانوا عشرة قرون كلهم علماء يهتدون من الحق ثم اختلفوا فبعث الله نوحا وكان نوح أول رسول أرسله الله الى الأرض- وقال الحسن وعطاء كان الناس من وقت وفات آدم الى مبعث نوح عليه السلام امة واحدة على الكفر أمثال البهائم فبعث الله نوحا وغيره من النبيين- والجمع بين القولين انهم كانوا اولا كلهم مسلمين ثم اختلفوا حتى صاروا كلهم كفارا في زمن نوح غير أبوي نوح فانهما كانا مؤمنين بدليل قول نوح رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ الاية- وقيل المراد بالناس العرب قال الحافظ عماد الدين بن كثير كان العرب على دين ابراهيم الى ان ولى عمرو بن عامر الخزاعي مكة اخرج احمد في مسنده عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال أول من سيّب السوائب وعبد الأصنام ابو حزاعة عمرو بن عامر وانى رايت قصبه في النار- وفي الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ رايت عمرو بن عامر بن لحى ابن قمعة بن خندق يجر قصبه في النار انه أول من سيّب السوائب- واخرج ابن جرير في تفسيره عنه نحوه وفيه انه أول من غير دين ابراهيم- لكن يأبى تأويل الناس بالعرب صيغة النبيين بالجمع إذ لم يبعث في العرب غير محمد صلى الله عليه وسلم- لينذر قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ وروى عن ابى العالية عن ابى بن كعب قال كان الناس حين عرضوا على آدم و اخرجوا من ظهره وأقروا بالعبودية امة واحدة مسلمين كلهم ولم يكونوا امة واحدة قط غير ذلك اليوم- قلت ويمكن ان يقال كان الناس امة واحدة مستعدين لقبول الحق مولودين على القطرة فاخبطهم شياطين الانس والجن فاختلفوا عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ما من مولود الا يولد على الفطرة فابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء متفق عليه فَبَعَثَ اللَّهُ معطوف على كان النّاس امّة واحدة ان كان المراد اجتماعهم على الكفر ومعطوف على مقدر يعنى فاختلفوا فبعث الله ان كان المراد اجتماعهم على الحق- فان البعث ليس الا لدفع الكفر والفساد ويدل على هذا التقدير قوله تعالى فيما بعد فيما اختلفوا فيه النَّبِيِّينَ قال ابو ذر قلت يا رسول الله كم وفاء عدة الأنبياء قال- مائة الف واربعة وعشرون الفا المرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا- رواه احمد- وفي رواية عنه ثلاثمائة وبضعة عشر- قال البغوي والمرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر والمذكور في القران باسمه العلم ثمانية وعشرون نبيا- قلت بل المذكور في القران انما هم ستة وعشرون منهم ثمانية عشر في قوله تعالى وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ وثمانية غيرهم آدم وإدريس وهود وصالح وشعيب وذو الكفل وعزير ومحمد سيد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقيل يوسف الذي ذكر في سورة المؤمن غير يوسف بن يعقوب عليه السلام بل هو يوسف بن ابراهيم بن يوسف بن يعقوب فصاروا سبعة وعشرين- وقيل بنبوة مريم أم عيسى فكمل ثمانية وعشرون لكن قوله تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا... مِنْ أَهْلِ الْقُرى «١» يأبى نبوة مريم- ويحتمل ان يكون الثامن والعشرون لقمان والله اعلم مُبَشِّرِينَ بالثواب لمن أطاع وَمُنْذِرِينَ بالعقاب لمن عصى وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ يريد به الجنس بِالْحَقِّ حال من الكتاب اى متلبسا بالحق شاهدا به لِيَحْكُمَ الله او الكتاب او النبي المبعوث معه وقرا ابو جعفر ليحكم بضم الياء وفتح الكاف هاهنا (١) وفي القران الّا رجالا نوحى إليهم

البقرة 2:214

فى ال عمران وفي النور في الموضعين فحينئذ نائب الفاعل الظرف والمعنى ليحكم به يعنى بالكتاب بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ اى في الحق الذي اختلفوا فيه او فيما التبس عليهم وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ اى في الكتاب إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ الموصول للعهد والمراد به اليهود والنصارى مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ اى الآيات المحكمات في التورية الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر والمبشرة بمجىء محمد ﷺ الناعتة بصفاته الكريمة- قال السيوطي في التفسير قوله من بعد متعلق باختلف وهى وما بعده مقدم على الاستثناء في المعنى يعنى في الكلام تقديم وتأخير- قلت والاولى ان يقال انه متعلق بمحذوف اى اختلفوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ لان ما قبل الا لا تعمل فيما بعدها الا في المستثنى ولا يستثنى متعدد بحرف واحد فهو جواب سوال مقدر كانّه قيل متى اختلفوا فاجيب- ومعنى اختلافهم قولهم نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض وتحريفهم الكلم عن مواضعه وانكارهم صفات محمد ﷺ والقران بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يعنى امة محمد ﷺ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ للحق الذي اختلفوا فيه مِنَ الْحَقِّ بيان لما بِإِذْنِهِ بامره او بإرادته او بلطفه- قال ابن زيد اختلفوا فى القبلة فمنهم من يصلى الى المشرق ومنهم من يصلى الى المغرب ومنهم من يصلى الى البيت المقدس فهدانا الله للكعبة واختلفوا في الصيام فهدانا الله لشهر رمضان- واختلفوا في الأيام فاخذت النصارى الأحد واليهود السبت فهدانا الله للجمعة واختلفوا في ابراهيم قالت اليهود كان يهوديا والنصارى نصرانيا فهدانا الله للحق من ذلك واختلفوا في عيسى فجعله اليهود الفرية وجعله النصارى الها فهدانا الله للحق فيه وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) لا يضل سالكه. أَمْ حَسِبْتُمْ- أم منقطعة لان المتصلة يلزمه الهمزة وهى بمعنى بل والهمزة فبل للاضراب عن اختلاف اليهود والنصارى- والهمزة لانكار حسبان المؤمنين واستبعاده والغرض منه تشجيعهم على الصبر والثبات على البأساء والضراع وقال الفراء معناه احسبتم والميم زائدة وقال الزجاج بل حسبتم- نزلت الاية يوم الأحزاب حين أصاب النبي ﷺ وأصحابه بلاء وحضروا شدة الخوف والبرد وانواع الأذى قال الله تعالى وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً- وقيل

البقرة 2:215

نزلت في حرب أحد وقال عطاء لما دخل رسول الله ﷺ المدينة اشتد عليهم لانهم كانوا خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم ما يدى المشركين وأظهرت اليهود العداوة فانزل الله أم حسبتم أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ لمّا كلم في المعنى والعمل وفيه توقع لا في لم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا حالهم الذي هو مثل في الشدة مِنْ قَبْلِكُمْ من النبيين والمؤمنين مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ شدة الفقر والمرض وَزُلْزِلُوا حركوا بانواع البلا والشدائد حَتَّى يَقُولَ إذا كان بعد حتى مستقبلا بمعنى الماضي يجوز فيه النصب والرفع فقرا نافع بالرفع والباقون بالنصب الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ استبطؤا النصر فقيل لهم أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) قال رسول الله ﷺ حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات- رواه مسلم عن انس وابى هريرة واحمد عن ابى هريرة وابن مسعود والله اعلم- اخرج ابن المنذر عن ابى حيان ان عمر بن الجموح سأل النبي ﷺ ما ننفق من أموالنا واين نضعها- واخرج ابن جرير عن ابن جريح قال سال المؤمنون فنزلت. يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ بيّن المصرف بالعبارة وجواب السائل بالاشارة بتعميم ما أنفقتم من خير بناء على ان ملاحظة المصرف أهم فان اعتداد النفقة باعتباره وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ اىّ خير كان صدقة او غير ذلك فيه معنى الشرط وحوابه فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) يعلم به كنهه ونياتكم فيوفى ثوابه على حسب نياتكم قال اهل التفسير كان هذا قبل فرض الزكاة فنسخت بالزكاة- والحق انه لا ينافى فرضية الزكوة حتى ينسخ به فالاية محكمة. كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ قال عطاء الجهاد تطوع والمأمورون بالآيات اصحاب رسول الله ﷺ خاصة دون غيرهم واليه ذهب الثوري محتجا بقوله تعالى فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى قالا لو كان القاعد تاركا للفريضة لم يكن وعدا له بالحسنى- وقال سعيد بن المسيب انه فرض عين على كافة المسلمين الى قيام الساعة والحجة له هذه الاية وحديث ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من مات ولم يعز ولم يحدث نفسه بالغزو ومات على شعبة من النفاق- رواه مسلم والجمهور على ان الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقيين مثل صلوة الجنازة وعليه انعقد الإجماع- واتفقت الائمة على انه يجب على كل اهل بلد ان يقاتلوا من يليهم من الكفار فان عجزوا او جبنوا وجب على من يليهم الأقرب فالاقرب وعلى انه يجب الجهاد على الأعيان عند النفير العام وعند هجوم الكفار على بلاد الإسلام وعلى انه من لم يتعين عليه الجهاد لا يخرج الا بإذن أبويه ان كانا مسلمين ومن عليه الدين لا يخرج الا بإذن غريمه- والحجة للجمهور ما ذكرنا من ادلة الفريقين وقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ وسيجيئ في سورة التوبة ان شاء الله تعالى وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ان رجلا استأذن النبي ﷺ في الجهاد فقال أحى والداك قال نعم قال ففيهما فجاهد اذهب فبرّهما متفق عليه ولابى داود والنسائي وابن ماجة نحوه- وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ اى شاق عليكم قال اهل المعاني هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه لما فيه من مؤنة المال والنفس لا انهم كرهوا امر الله وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ومنه الجهاد فان فيه الظفر والغنيمة والاستيلاء في الدنيا والشهادة والثواب وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ كالقعود «١» عن الجهاد فان فيه المعصية والذلة والحرمان من الاجر والغنيمة- وانما ذكر كلمة عسى وهو للشك لان النفس إذا ارتاضت يكون هواه تبعا لما شرع فلا يكره الا ما كره الله ولا يحب الا ما أحب الله تعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ خيركم وشركم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦) ذلك فبادروا بما أمركم الله تعالى حتى تفوزوا بما هو خير لكم في الدارين (فصل) فى فضائل الجهاد عن ابن مسعود قلت يا رسول الله اىّ الأعمال أفضل قال الصلاة على ميقاتها قلت ثم اىّ قال بر الوالدين قلت ثم اىّ قال الجهاد في سبيل الله ولو استزدته لزادنى- رواه البخاري وعن ابى هريرة قال سئل رسول الله ﷺ اىّ العمل أفضل قال ايمان بالله ورسوله قيل ثم ماذا قال الجهاد في سبيل الله قيل ثم ماذا قال حج مبرور متفق عليه وهذه وان كان في الصورة معارضة فان الحديث الاول يدل على افضلية الصلاة على الجهاد والثاني بالعكس لكن الجمع بينهما بحمل كل على ما يليق بحال السائل- او يقال ان الصلاة والزكوة المفروضتين مرادة بلفظ الايمان في حديث ابى هريرة- فلا تعارض او يقال (١) فى الأصل كالعقود [.....] جعل الجهاد بعد الايمان في حديث ابى هريرة صادق وان كان الجهاد بعد الصلاة والزكوة- وعن عمران بن حصين ان رسول الله ﷺ قال مقام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل عند الله من عبادة ستين سنة- رواه الحاكم وقال صحيح على شرط البخاري- وعن ابى هريرة مرفوعا مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما- رواه الترمذي وعن ابى هريرة قيل يا رسول الله ما يعدل الجهاد في سبيل الله قال لا تستطيعونه فاعادوا عليه مرتين او ثلاثا كل ذلك يقول لا تستطيعونه ثم قال مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القائم القانت بايات الله لا يفتر عن صلاته ولا صيامه حتى يرجع المجاهد في سهيل الله- متفق عليه وعن ابى امامة قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في سرية قمر رجل بغار فيه شىء من ماء ويقل فحدث نفسه بان يقيم فيه ويتخلى من الدنيا فاستأذن رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ انى لم ابعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكنى بعثت بالحنفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة او روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة- رواه احمد قلت وهذه الأحاديث يدل على افضلية الجهاد على الصلاة والصيام والنوافل وذلك لان الجهاد فرض على الكفاية وكلما وقع عن أحد يقع فريضته ويستوعب الأوقات ويفضى الى الشهادة التي هى قرينة للنبوة بخلاف الصلاة والصوم فانهما ما عدا الفرائض لا يقع الا نافلة والنافلة لا تعدل الفريضة- فان قيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- ما عمل آدمي أنجى من عذاب الله من ذكر الله- قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله الا ان يضرب لسيفه حتى ينقطع قاله ثلث مرات رواه احمد والطبراني وابن ابى شيبة من حديث معاذ وهذا يعارض مامر من أحاديث وعمران وابى هريرة وابى امامة فما وجه التوفيق- قلنا المراد بالذكر في هذا الحديث الحضور الدائمى الذي لا فتور فيه لا الصلاة والصوم الذين هما حظ الزهاد- وهو المراد من الجهاد الأكبر فيما قال رسول الله ﷺ وقد رجع من الغزو رجعتا من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر فان قيل الم يكن رسول الله ﷺ إذا كان في الجهاد الأصغر مشتغلا بالجهاد الأكبر- قلنا نعم كان مشتغلا بذلك لكن الحال تتفاوت بمزيد الاهتمام والله اعلم عن ابى هريرة مرفوعا في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء

البقرة 2:217

والأرض فاذا سالتم الله فسئلوه الفردوس فانه اوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تنفجرا نهار الجنة- رواه البخاري- وعنه قال قال رسول الله ﷺ تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة وعبد الخميصة ان اعطى رضى وان لم يعط سخط طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله اشعث رأسه مغيرة قدماه وان كان في الحراسة في الحراسة وان كان فى الساقة كان في الساقة ان استأذن لم يؤذن له وان شفع لم يشفع «١» - رواه البخاري وسيأتى فضائل الرباط اخر سورة ال عمران ان شاء الله تعالى- وانما فضل الجهاد على سائر الحسنات وكونه ذروة سنام الإسلام لانه سبب الا شاعة الإسلام وهداية الخلق فمن اهتدى ببدل جهده كان حسناته داخلا في حسناته وأفضل من ذلك تعليم العلوم الظاهرة والباطنة فان فيه اشاعة حقيقة الإسلام والله اعلم. يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ بدل اشتمال يعنى يسئلونك عن قتال في الشهر- اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم والطبراني في الكبير وابن سعد والبيهقي في سننه عن جندب بن عبد الله ان رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن جحش وهو ابن عمة رسول الله ﷺ في جمادى الاخر سنة قبل قتال بدر بشهرين وبعث معه ثمانية نفر من المهاجرين سعد بن ابى وقاص الزهري- وعكاشة بن محصن الأسدي- وعتبة بن غزوان السلمى- وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة- وسهيل بن بيضاء وعامر بن ربيعة- وواقد بن عبد الله- وخالد بن بكير- وذكر بعضهم سهل بن بيضاء ولم يذكر سهيلا ولا خالدا ولا عكاشة وذكر بعضهم المقداد بن عمر- قال ابن سعد كانوا اثنى عشر كل اثنين يعتقبان بعيرا وكتب لاميرهم عبد الله بن جحش كتابا وقال سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين فاذا نزلت فافتح الكتاب واقراه على أصحابك ثم امض ما امرتك ولا تستكرهن أحدا من أصحابك على السير معك فسار وكان قبل مسيره قال يا رسول الله اىّ ناحية قال النجدية فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فاذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة فترصد بما عير قريش لعلك ان تأتينا منه بخير فلما نظر في الكتاب قال سمعا وطاعة- (١) وعن ابى بكر الصديق ان النبي ﷺ قال من اغبرت قدماه في سبيل الله حرم الله عليه النار- وكذا روى احمد والبخاري والترمذي والسنائي عن ابى عيص- وعن عثمان قال سمعت رسول الله ﷺ يقول خرس ليلة في سبيل الله أفضل من الف ليلة قيام ليلها وصيام نهاره وعن ابى بكر الصديق قال قال رسول الله ﷺ ما ترك قوم الجهاد الا عمهم الله تعالى بالعذاب منه رحمه الله ثم قال لاصحابه ذلك وقال انه نهانى ان استكره أحدا منكم فمن كان يريد الشهادة فلينطلق ومن كره فليرجع ثم مضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد حتى كان بمعدن فوق القرع بموضع من الحجاز يقال له بخران أضل سعد بن ابى وقاص وعتبة بن غزوان بغيرهما يعتقبانه فتخلفا في طلبه ومضى ببقية أصحابه حتى نزلوا بطن نخلة بين مكة والطائف- فبينماهم كذلك مرت عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة الطائف فيهم عمر والحضرمي والحكم بن كيسان مولى هشام بن مغيرة وعثمان بن عبد الله بن مغيرة واخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان- فلما راوا اصحاب رسول الله ﷺ هابوهم فقال عبد الله بن جحش ان القوم قد وعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم فحلقوا رأس عكاشة ثم اشرف عليهم فقالوا قوم عمار لا بأس عليكم فامنوهم وكان ذلك في يوم يرونه اخر يوم من جمادى الاخر وهو من رجب فتشاور القوم وقالوا لئن تركتموهم الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم ويدخل عليكم الشهر الحرام فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو الحضرمي بسهم فقتله وشد المسلمون عليهم فاسروا عثمان بن عبد الله بن مغيرة والحكم بن كيسان وهرب نوفل فاعجزهم واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم- وقيل عزل عبد الله بن جحش لرسول الله ﷺ خمس تلك الغنيمة وقسم سائرها بين أصحابه وكان أول خمس خمس في الإسلام وأول غنيمة وأول قتيل من المشركين عمر والحضرمي وأول أسير عثمان والحكم وكان ذلك قبل ان يفرض الخمس من المغانم ثم فرض الخمس على ما صنع عبد الله بن جحش في تلك الغير فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام فاوقف العير والأسيرين وابى ان يأخذ من ذلك شيئا- وقالت قريش لمن كان بمكة من المسلمين يا معشر الصبأة استحللتم الشهر الحرام وقاتلتم فيه- فعظم ذلك على اصحاب السرية وظنوا انهم قد هلكوا وسقط في أيديهم وقالوا يا رسول الله انا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا الى هلال رجب فلا ندرى أفي رجب أصبناه أم في الجمادى- فاكثر الناس في ذلك فانزل الله تعالى هذه الاية- فاخذ رسول الله ﷺ الخمس الذي عزله عبد الله بن جحش- او أخذ العير فعزل منها الخمس وقسّم الباقي بين اصحاب السرية- وقيل أوقف غنائم اهل نخلة حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم اهل بدر- وبعث اهل مكة في فداء اسيريهم فقال- بل نوقفهما «١» حتى يقدم سعد وعتبة فانا نخشاكم عليهما- وان لم يقدما قتلناهما بهما فقدم سعد وعتبة فافدى رسول الله ﷺ الأسيرين بأربعين اوقية كل أسير- فاما الحكم فاسلم واقام مع رسول الله ﷺ بالمدينة فقتل يوم بير معونة شهيدا واما عثمان بن عبد الله بن مغيرة فرجع الى مكة فمات بها كافرا واما نوفل فضرب بصن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا وقتله الله فطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله ﷺ خذوه فانه خبيث الجيفة خبيث الدية قُلْ يا محمد قِتالٍ فِيهِ اى في الأشهر الحرم كَبِيرٌ ذنب كبير قال اكثر العلماء انه منسوخ بقوله تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ قال ابن الهمام وهو بناء على التجوز بلفظ حيث في الزمان ولا شك انه كثير الاستعمال قلت لفظ حيث للمكان حقيقة ومجيئه للزمن تجوز لا دليل عليه- ولو فرضا انه مشترك في الزمان والمكان ففى شموله للازمنة شك ولا يجوز النسخ مع الشك- وقال البيضاوي هو نسخ الخاص بالعام- وفيه خلاف يعنى نسخ الخاص بالعام جائز عند ابى حنيفة حيث يقول العام ايضا قطعى الدلالة فيما يشتمله كالخاص- وغير جائز عند الشافعي وغيره حيث قالوا ان العام ظنى الدلالة بخلاف الخاص إذ ما من عام الا وقد خص منه البعض- والبحث عنه في اصول الفقه قال البيضاوي والاولى منع دلالة الاية على حرمة القتال في الأشهر الحرام مطلقا فان قتال فيه نكرة في حيز مثبت فلا تعم- قلت النكرة في الإثبات تعم عند قيام القرينة كما في قوله عليه السلام- تمرة خير من جرادة ولولا هاهنا النكرة للعموم لما استقام جواب السؤال واستدل ابن همام على نسخ الحرمة بالعمومات نحو قوله تعالى وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً «٢» - وقوله عليه السلام أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا الله الا الله- قلت وهذا ليس بسديد فان عموم تلك الآيات في المكلفين وأحوالهم دون الازمنة حتى يدخل فيها الأشهر الحرم فيلحقها الفسخ بل عموم الازمنة لو ثبت لثبت باقتضاء النص ولا عموم للمقتضى فلا يجرى فيه التخصيص والنسخ وكيف يدعى نسخ حرمة القتال في الأشهر الحرم مع ان قوله تعالى إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ يعنى بالقتال فيهن وَقاتِلُوا (١) فى الأصل نقفهما (٢) فى الأصل اقتلوا المشركين الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ- إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ يعنى القتال في الشهر الحرام زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ وهذه الاية اخر آيات القتال نزولا وهى اية السيف نزلت في اخر السنة التاسعة وفيه ذكر حرمة الأشهر فهو مخصص لوجوب القتال فيما عدا الأشهر والله اعلم وايضا يدل على حرمة القتال في الأشهر الحرم خطبته ﷺ يوم النحر في حجة الوداع قبل وفاته بشهرين حيث قال فيه الا ان الزمان استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر «١» شهرا منها اربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر وقال في اخر الحديث ان دماءكم وأموالكم واعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا- متفق عليه من حديث ابى بكرة- قال ابن همام حاصر رسول الله ﷺ الطائف لعشر يقين من ذى الحجة الى اخر المحرم او الى شهر يعنى بهذا منسوخية الاية وهذا القول غريب وانما كان حصار الطائف في شوال سنه- عن ابى سعيد الخدري خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الفتح من المدينة لليلتين خلتا من شهر رمضان رواه احمد بسند صحيح- وروى البيهقي عن الزهري بسند صحيح قال فتح رسول الله ﷺ لثلاث عشرة خلت من رمضان- قلت بهذا ظهر انه اقام في الطريق اثنى عشر يوما واقام رسول الله ﷺ بمكة تسعة عشر يوما- وفي لفظ سبعة عشر رواه البخاري وفي رواية ثمانى عشرة ثم بعد فتح مكة خرج رسول الله ﷺ الى حنين يوم السبت لست خلون من شوال- وقال ابن إسحاق لخمس وبه قال عروة واختاره ابن جرير وروى ابن مسعود فوصل الى حنين لعشر خلون من شوال فلما انهزم الهوازن وجمع رسول الله ﷺ غنائم حنين قدم فل ثقيف بالطائف وأغلقوا عليهم الأبواب وتهيئوا للقتال فلم يرجع رسول الله ﷺ الى مكة ولا عرج على شىء الا على غزو الطائف قبل ان يقسم غنائم حنين وترك السبي بالجعرانة وحاصر الطائف روى مسلم عن انس انه كان مدة حصاره أربعين ليلة- واستغربه في البداية- وذكر ابن إسحاق حاضر ثلاثين ليلة- وقال ابن إسحاق (١) فى الأصل اثنى عشر فى رواية حاصرهم بضعا وعشرين ليلة- وقيل عشرين يوما- وقيل بضع عشرة ليلة- رواه ابو داود- قال ابن حزم هو الصحيح بلا شك ثم ارتحل رسول الله ﷺ الى مكة وانتهى مسيره الى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذى القعدة- فاقام بالجعرانة ثلث عشرة ليلة واعتمر ثم انصرف الى المدينة ليلة الأربعاء لثنتى عشر ليلة بقيت من ذى القعدة ودخل المدينة يوم الجمعة لثلاث بقين من ذى القعدة- قال ابو عمر كان مدة غيبته ﷺ من حين خرج من المدينة الى مكة فافتتحها وواقع هوازن وحارب اهل الطائف الى ان رجع الى المدينة شهرين وستة عشر يوما- بل شهرين وستة وعشرين يوما- فكيف يتصور ما قال ابن همام حاصر الطائف لعشر بقين من ذى الحجة الى اخر المحرم- فلم يثبت منسوخية حرمة الأشهر والله اعلم لكن هذه الاية منسوخة بما مر من قوله تعالى لشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ لانها تدل على اباحة القتال في الأشهر الحرم ان كانت البداية في القتال من الكفار لان هذه الاية نزلت قبل غزوة بدر وتلك نزلت في عمرة القضاء سنة سبع كما ذكرنا فبقى البداية بالقتال في الأشهر محرما والله اعلم وَصَدٌّ اى صرف ومنع عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اى عن الإسلام والطاعات وَكُفْرٌ بِهِ اى بالله وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ بحذف المضاف يعنى وصد المسجد الحرام ولا يجوز عطفه على الضمير المجرور لوجوب إعادة الجار حينئذ- ولا على سبيل الله لان عطف قوله وكفر به مانع منه إذ لا يقدم العطف على الموصول على العطف على الصلة وَإِخْراجُ أَهْلِهِ اى اهل المسجد وهم النبي ﷺ وأصحابه مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مما فعله السرية فان كلما ذكر مما صدى عن كفار مكة صدر عمدا وتعنتا وما صدر من السرية انما صدر خطا وبناء على الظن وَالْفِتْنَةُ يعنى الشرك أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ اى قتل الحضرمي فكيف يعيرونهم كفار مكة على ما ارتكبوه خطا مع ارتكابهم ما هو أشد من ذلك عمدا وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ يعنى كفار قريش حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ اخبار عن دوام عداوتهم إِنِ اسْتَطاعُوا هو استبعاد لاستطاعتهم وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ استدل الشافعي بهذه الاية على ان المرتد لا يحبط عمله ما لم يمت على الكفر فان صلى

البقرة 2:218

رجل الظهر مثلا ثم ارتد نعوذ بالله منها ثم أمن والوقت باق لا يجب عليه إعادة الصلاة وكذا من حج ثم ارتد ثم اسلم لا يجب عليه الحج وهذا احتجاج بمفهوم الصفة وهو غير معتبر عند ابى حنيفة رحمه الله- وقال ابو حنيفة يجب عليه إعادة الصلاة ان اسلم والوقت باق وكذا يجب عليه الحج- لنا قوله تعالى وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهذا مطلق والمطلق لا يحمل على المقيد عندنا والله اعلم فِي الدُّنْيا فلا يترتب على إسلامه في الدنيا عصمة الدم والمال فيحل قتله ولا يجب استمهاله الى ثلثة ايام لكنه يستحب فهو حجة على الشافعي في قوله بوجوب الامهال وَالْآخِرَةِ بسقوط الثواب وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧) كسائر الكفار- فقال اصحاب السرية- يا رسول الله هل نؤجر على وجهنا هذا وهل يكون سفرنا هذا غزوا فانزل الله تعالى. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كروا الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد كانهما مستقلان فى تحقق الرجاء أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ اى ثوابه اثبت لهم الرجاء اشعارا «١» بان العمل غير موجب ولا قاطع في الدلالة لا سيما انما العبرة بالخواتيم وَاللَّهُ غَفُورٌ لما فعلوا خطأ رَحِيمٌ (٢١٠) بإعطاء الثواب. يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ اخرج احمد عن ابى هريرة قال قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر فسالوا رسول الله ﷺ منهما فانزل الله يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ فقال الناس ما حرم علينا انما قال اثم كبير وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم صلى رجل من المهاجرين امّ أصحابه في المغرب خلط فى قرأته فانزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى الاية ثم نزلت اغلظ من ذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الاية في المائدة الى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قالوا انتهينا ربنا الحديث- قال البغوي جملة القول ان الله تعالى انزل في الخمر اربع آيات نزلت بمكة وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً فكان المسلمون يشربونها وهى لهم حلال يومئذ ثم لما نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار لما أتوا رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فانهما مذهبتان «٢» للعقل مسلبتان «٣» للمال فانزل الله هذه الاية فتركها قوم لقوله تعالى إِثْمٌ كَبِيرٌ وشربها قوم لقوله منافع للنّاس الى ان صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعا ناسا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) فى الأصل اشعار (٢) فى الأصل مذهبة (٣) فى الأصل مسلبة وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا فحضرت صلوة المغرب فقدّموا بعضهم ليصلى بهم فقرا (قل يا ايّها الكافرون اعبد ما تعبدون) هكذا الى اخر السورة بحذف لا فانزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سكارى الاية فحرم السكر في اوقات الصلاة فتركها قوم وقالوا لا خير في شىء يحول بيننا وبين الصلاة وشربها قوم في غير اوقات الصلاة كان الرجل يشرب بعد صلوة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر او بعد صلوة الصبح فيصحوا الى وقت الظهر واتخذ عتبان بن مالك صيفا ودعا رجالا من المسلمين فيهم سعد بن ابى وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير فاكلوا منه وشربوا الخمر حتى سكروا منها ثم انهم افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الاشعار وانشد سعد قصيدة فيها هجاء الأنصار وفخر لقومه فاخذ رجل من الأنصار لحيى بعير فضرب به رأس سعد فشجّه موضحة فانطلق سعد الى رسول الله ﷺ وشكا اليه الأنصاري فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا- فنزلت ما في المائدة والله اعلم. اختلف العلماء في ان الخمر ما هو فقال ابو حنيفة رحمه الله هو التي من ماء العنب إذا صار مسكر او قذف بالزبد ولم يشترط صاحباه القذف بالزبد- وقال مالك والشافعي واحمد كل شراب أسكر كثيره فهو خمر- قالت الحنفية الخمر اسم خاص لما ذكرنا وهو المعروف عند اهل اللغة ولهذا اشتهر استعماله فيه واشتهر في غيرها مما ذكرنا من المسكرات اسم اخر كالمثلث- والطلا- والمنصف- والباذق- ونحو ذلك واللغة لا يجرى فيها القياس- وقال الجمهور اسم الخمر لغة لكل ما خامر العقل- والتحقيق عندى ان الخمر لفظ مشترك بين الخاص والعام اما حقيقة واما بعموم المجاز والمراد في الاية هو المعنى الأعم- قال صاحب القاموس الخمر ما أسكر من عصير العنب او عام والعموم أصح- وقال ابن عمر حرمت الخمر وما بالمدينة منها شىء رواه البخاري وحديث انس كنت ساقى القوم يوم حرمت الخمر وما شرابهم الا الفضيح البسر والتمر- متفق عليه وفي رواية- انى لقائم أسقي أبا طلحة فلانا فلانا وسمى في بعض الروايات أبا عبيدة بن الجراح وابى بن كعب وسهيلا «١» إذ جاء رجل فقال قد حرمت الخمر فقالوا أهرق هذا القلال يا انس قال فما سالوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل- وعنه قال لقد حرمت الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب الا قليلا وعامة خمرنا اليسر والتمر- فهذه الآثار تدل على ما ذكرت ان الخمر قد يستعمل فى المعنى الأخص لكن المراد بالآية هو المعنى الأعم ولو بالمجاز وان كان المراد بالخمر في الاية المعنى (١) فى الأصل سهيل الأخص لما طابق الجواب السؤال فان السؤال انما كان عن الشراب الذي كانوا يشربونه حين سالوا قال عمر ومعاذ- أفتنا يا رسول الله عن الخمر فانها مذهبة للعقل- وقال الله تعالى إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ وهذا غير مختص بماء العنب بل لم يكن ماء العنب مستعملا لهم والله اعلم وفي الباب حديث عمر بن الخطاب انه قال فى خطبته- نزل تحريم الخمر وهى من خمسة أشياء العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل والخمر ما خامر العقل- متفق عليه ورواه احمد في مسنده عن ابن عمر عن النبي ﷺ من الحنطة خمر ومن الشعير خمر ومن التمر خمر ومن الزبيب خمر ومن العسل خمر- وفي الباب عن النعمان بن بشير مرفوعا نحوه رواه الترمذي وابو داود وابن ماجة وروى احمد وفي آخره وانما انهى عن كل مسكر وعنه قال قال رسول الله ﷺ كل مسكر حرام وكل مسكر خمر- رواه مسلم وعن انس قال الخمر من العنب والتمر والعسل والذرة فما خمرت من ذلك فهو الخمر- رواه احمد وإذا ثبت ان اسم الخمر تعم الاشربة المسكرة فثبت بنص القران ان ما أسكر كثيره فقليله حرام ونجس فيحد شاربه من اىّ شىء كان ولا يجوز بيعها ولا يضمن متلفها غير انه لا يكفر مستحل ما سوى التي من ماء العنب لمكان الاختلاف وقال ابو حنيفة رحمه الله يحرم من الاشربة سوى الخمر ثلثة أحدها الطلا وهو عصير العنب إذا طبخ حتى يذهب اقل من ثلثه فان ذهب نصفه فهو المنصف او اقل منه وهو الباذق إذا غلا واشتد وقدف بالزبد ثانيها السكر وهو التي من ماء التمر إذا غلا واشتد وقذف بالزبلة ثالثها نقيع الزبيب وهو التي من الزبيب إذا اشتد وغلا وقذف بالزبد ولم يشترط ابو يوسف القذف بالزبد فهذه الاشربة نجسة نجاسة خفيفة فى رواية وغليظة في اخرى فيحرم القليل منه كما يحرم البول لما مر من قوله ﷺ الخمر من هاتين الشجرتين لكن لا يحد شاربه حتى يسكر لان حرمتها اجتهادية ظنية والحدود تندرئ بالشبهات ويجوز بيعها ويضمن متلفها عند ابى حنيفة خلافا لصاحبيه- والمثلث العنبي ونبيذ التمر والزبيب إذا طبخ ادنى طبخة وان اشتد إذا شرب منه ما يغلب على ظنه انه لا يسكر فكل ذلك عند ابى حنيفة وابى يوسف رحمهما الله حلال خلافا لمحمد رحمه الله هذا إذا قصد به التقوى واما إذا قصد به التلهي فلا يحل بالاتفاق- والقدر المسكر من هذه الثلاثة حرام بالاتفاق يحد شاربه- قال ابو حنيفة وابو يوسف انما يحرم من هذه الثلاثة إذا اسكرت القدح الأخير لانه هو المسكر حقيقة- وما سوى ذلك من الاشربة وهو ما يتخذ من الحنطة والشعير والذرة والعسل والفانبذ والبنج ولبن الرماك وغير ذلك فهو حلال عند ابى حنيفة وابى يوسف رحمهما الله وان أسكر ولا يحد شاربه ولا يقع طلاق السكران منه- وفي رواية عنهما انه ان أسكر فهو حرام ويحد شاربه قال في الهداية قالوا الأصح انه يحد وبه قال محمد رحمه الله انه حرام ويحد شاربه ويقع طلاقه إذا أسكر منه كما في سائر الاشربة لكن هذه الاشربة ليست بنجسة عند الثلاثة حيث لا يقولون بحرمة قليلها- وفي فتاوى النسفي ان البنج حرام وطلاق البنجى واقع ومن يعتقد حليته يقتل ويحد شاربه كما يحد شارب الخمر- ويدل على ان كل مسكر حرام وعلى ان ما أسكر كثيره فقليله حرام من الأحاديث حديث جابر ان رجلا قدم من اليمن سال النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له الموز فقال النبي ﷺ او مسكر هو قال نعم قال كل مسكر حرام- رواه مسلم- وعن سعد بن ابى وقاص انه ﷺ نهى عن قليل ما أسكر كثيره- رواه النسائي وابن حبان والبزار ورجاله رجال الصحيح وعن جابر ان رسول الله ﷺ قال ما أسكر كثيره فقليله حرام- رواه الترمذي وحسنه وابو داود وابن ماجة وحديث عائشة عنه ﷺ قال ما أسكر منه الفرق فملا الكف منه حرام- رواه احمد والترمذي وحسنه وابو داود وابن حبان في صحيحه وعن أم سلمة قالت نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر رواه ابو داود وعن ديلم الحميرى قال قلت لرسول الله ﷺ انا بأرض باردة ونعالج فيها عملا شديدا وانا نتخذ شرابا من هذا القمح نتقوى به على عملنا وعلى برد بلادنا قال هل يسكر قلت نعم قال فاجتنبوه قلت ان الناس غير تاركيه قال ان لم يتركوه قاتلوهم رواه ابو داود وعن ابى مالك الأشعري انه سمع رسول الله ﷺ يقول ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها- رواه ابو داود- وفي الباب عن على عند الدارقطني- وعن خوات بن جبير في المستدرك واحتجوا على اباحة النبيذ بأحاديث منها حديث ابن عباس ان النبي ﷺ كان ينبذله أول الليلة فيشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التي تجىء والغد والليلة الاخرى والغد الى العصر فان بقي شىء سقاه الخادم او امر به فصب- رواه مسلم قالوا لو كان حراما لما سقاه الخادم- والجواب انه ان لم يكن مسكرا ولكن ذهب حلاوته وخاف ان سيكون مسكرا اعطى الخادم وان غلب على ظنه كونه مسكرا امر به فصب فلا حجة فيه- واحتجوا على ان الحرام مما سوى الخمر القدح الأخير دون قليله بما أسند الى ابن مسعود كل مسكر حرام قال هى الشربة التي اسكرتك- أخرجه الدارقطني- قال ابن همام انه ضعيف فيه الحجاج بن ارطاة وعمار بن مطر وانما هو قول النخعي وأسند ابن المبارك انه ذكر له حديث ابن مسعود هذا فقال حديث باطل- واحتجوا بما روى عن ابن عباس حرمة الخمر بعينها والسكر من كل شراب- قال ابن همام انه لم يسلم وذكر ابن الجوزي انه روى ابو سعيد عن النبي ﷺ نحوه فقال هذا موقوف ولا يتصل الى ابى سعيد- قال ابن همام نعم هو متصل من طريق جيد عن ابن عباس بلفظ حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها والمسكر من كل شراب- وفي لفظ وما أسكر من كل شراب- قال ابن همام ولفظ أسكر تصحيف- قلت ومعنى اثر ابن عباس ان المسكر من كل شراب حرام قليلها وكثيرها واحتجوا ايضا بحديث ابى مسعود الأنصاري ان النبي ﷺ عطش وهو يطوف بالبيت فأتى بنبيذ من السقاية فعطب فقال رجل أحرام يا رسول الله قال لا علىّ بدلو من ماء زمزم فصبه عليه ثم شرب وهو يطوف بالبيت- وعن المطلب بن ابى وداعة السهمي نحوه وفي آخره إذا اشتد عليكم شرابكم فاصنعوا هكذا- وعن ابن عمر انه سئل عن النبيذ الشديد فقال جلس رسول الله ﷺ في مجلس فوجد ريح نبيذ فارسل فاتى به فوضع رأسه فيه فوجده شديدا فصب عليه الماء ثم شرب ثم قال إذا اغتلت أسقيتكم فاكسروها بالماء- وعن ابن عباس عن النبي ﷺ نحوه روى هذه الأحاديث كلها الدارقطني- وعن ابى مسعود سئل رسول الله ﷺ عن النبيذ إحلال أم حرام قال حلال- رواه ابن الجوزي- وعن سعيد بن ذى لقوة قال شرب أعرابي نبيذا من اداوة عمر فسكر فامر به فجلد فقال انما شربت نبيذا من إداوتك فقال عمر انما نجلدك على السكر- رواه ابن الجوزي- والجواب ان حديث ابى مسعود قال الدارقطني هو معروف بيحيى بن يمان قال احمد بن حنبل كان يحيى بن يمان مغلط وضعفه قيل له أرواه غيره قال لا الا من هو أضعف منه قال النسائي لا يحتج به وقال ابو حاتم مضطرب الحديث- وحديث المطلب بن وداعة في رواته محمد بن السائب الكلبي وهو كذاب ساقط كذا قال ليث وسليمان والسعدي وقال النسائي والدارقطني متروك وقال ابن حبان وضوح الكذب اظهر فيه- واما حديث ابن عمر فيه عبد الملك بن نافع وهو مجهول ضعيف والصحيح عن ابن عمر مرفوعا ما أسكر كثيره فقليله حرام- واما حديث ابن عباس فتفرد به القاسم بن بهرام قال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج به بحال- واما حديث ابى مسعود فيه عبد العزيز بن ابان قال احمد تركته وقال ابن نمير هو كذاب يضع الحديث- واما حديث سعيد بن لقوة فقال ابو حاتم هو شيخ دجال وروى ابن ابى شيبة عن عمرو نحوه وفيه انقطاع- ثم انه لا خلاف في النبيذ فانه ان غلا واشتد فهو حرام قليله وكثيره بالاتفاق وان كم يسكر فهو حلال بالاتفاق فلا مساس لهذه الأحاديث بالخلافية أصلا والله اعلم وَالْمَيْسِرِ مصدر كالموعد سمى به القمار لانه أخذ مال الغير بيسر او سلب يسار الغير- قال عطاء وطاوس ومجاهد كل شىء فيه قمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب- قال البغوي روى عن على رضى الله عنه في النرد والشطرنج انهما من الميسر- روى البيهقي في شعب الايمان عن على انه كان يقول الشطرنج هو ميسر الأعاجم- وقد ورد في النهى عن عن النرد والشطرنج ونحوهما عن بريدة ان النبي ﷺ قال- من لعب بالنردشير فكانما صبغ يده بلحم خنزير- وروى عبدان وابو موسى وابن حزم عن حبة بن مسلم مرسلا- ملعون من لعب بالشطرنج والناظر إليها كالاكل لحم الخنزير- وعن ابى موسى الأشعري ان رسول الله ﷺ قال من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله- رواه احمد وابو داود- وعنه انه قال لا يلعب بالشطرنج الا خاطئ وعنه انه سئل عن لعب الشطرنج فقال هى من الباطل ولا يحب الله الباطل رواه البيهقي في شعب الايمان وعن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم- نهى عن الخمر والميسر والكوبة- رواه ابو داود وعن ابن عباس مرفوعا نحوه قيل الكوبة الطبل رواه البيهقي في شعب الايمان وعن ابى هريرة- ان رسول الله ﷺ راى رجلا يتبع حمامة قال شيطان يتبع شيطانة رواه احمد وابو داود وابن ماجة والبيهقي في الشعب- والتحقيق ان اللعب بكل شىء حرام اجماعا وما روى عن الشافعي انه أباح اللعب بالشطرنج فقد صح انه رجع عن هذا القول- وان اضاعة المال والتبذير باى وجه كان كالرشوة والقمار والربوا وغير ذلك ايضا حرام اجماعا قال الله تعالى إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وفي الميسر اجتمع الأمران اللعب واضاعة المال فامره أشد وهو كبيرة من الكبائر اجماعا سواء كان المقامرة بما كان به عادة العرب او بغير ذلك من الشطرنج والغرد ونحوهما قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ فانهما يستلزمان الأوزار العظيمة من المخاصمة ما لمشاتمة ويوقعان العداوة والبغضاء ويصدان عن ذكر الله وعن الصلاة قرا حمزة والكسائي أتم كثير بالثاء من حيث تعدد اقسام الأوزار- وقال الباقون كبير بالباء بناء على عظم المعصية وكونهما من الكبائر عن معاذ قال قال رسول الله ﷺ لا تشربنّ خمرا فانه رأس كل فاحشة- رواه احمد وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين لسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن الحديث رواه البخاري وعن ابن عمر وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- الخمر أم الفواحش واكبر الكبائر ومن شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على امه وخالته وعمته- رواه الطبراني بسند صحيح- وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب من شرب الخمر لم يقبل الله لصلوة أربعين صباحا فان تاب تاب الله عليه فان عاد لم تهبل الله له صلوة أربعين صباحا فان تاب تاب الله عليه فان عاد لم يقبل الله له صلوة أربعين صباحا فان تاب تاب الله عليه فان عاد في الرابعة لم يقبل الله له صلوة أربعين صباحا فان تاب لم يتب الله عليه وسقاه من نهر الخيال رواه النسائي وابن ماجة والدارمي وعن عبد الله بن عمر وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- الخمر أم الخبائث فمن شربها لم يقبل صلاته أربعين يوما فان مات وهى في بطنه مات ميتة جاهلية- رواه الطبراني بسند حسن وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال لا يدخل الجنة عاق ولا قمار ولا منان ولا مدمن خمر رواه الدارمي وعن ابن عمر مرفوعا ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة مد من الخمر والعاق والديوث- رواه احمد والنسائي وعن ابى امامة قال قال رسول الله ﷺ ان الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للعالمين وأمرني ربى عز وجل بمحق المعازف والمزامير والأوثان والصليب وامر الجاهلية وحلف ربى عز وجل بعزتي لا يشرب عبد من عبيدى جرعة من خمر الا سقيته من الصديد مثلها ولا يتركها مخافتى إلا سقيته من حياض القدس- رواه احمد وعن ابى موسى الأشعري ان النبي ﷺ قال ثلاثة لا يدخل الجنة مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق السحر- رواه احمد وعن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ مدمن الخمر ان مات لقى الله كعابد وثن- رواه احمد- وروى ابن ماجة عن ابى هريرة والبيهقي- وعن ابى موسى انه كان يقول ما أبالي شربت الخمر او عبدت هذه السارية دون الله- رواه النسائي وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ فان في الخمر لذة عند شربها والفرح واستمراء الطعام وتشجيع الجبان وتوقير المروة وتقوية الطبيعة- ودفع بعض الأمراض وفي الميسر إصابة المال من غير كد ولا تعب (مسئلة) اجمعوا على انه لا يجوز الانتفاع بالخمر في حالة الاختيار واما في حالة الإكراه والاضطرار فيجوز لقوله تعالى إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ- وقوله تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ- فمن غص بلقمة ولم يجد غير الخمر جاز له ان يسقيها عند ابى حنيفة والشافعي واحمد وقال مالك في المشهور عنه لا يجوز- واختلفوا في انه هل يجوز التداوى بالخمر فقال ابو حنيفة ومالك واحمد لا يجوز وبه قال الشافعي في أصح قوليه وفي قول له انه يجوز القليل للتداوى قال في الهداية كره شرب ودردى الخمر والامتشاط به لان فيه اجزاء الخمر والانتفاع بالمحرم حرام- ولهذا لا يجوز ان يداوى به جرحا او دبرة دابة ولا ان يسقى ذميا ولا ان يسقى صبيا للتداوى والوبال على من سقاه- وكذا لا يسقيها الدّواب عن وائل بن حجر ان رجلا سال النبي ﷺ عن الخمر فنهاه عنها قال انما صنعتها للدواء فقال النبي ﷺ انها داء وليست بدواء- رواه مسلم وعن طارق بن سويد قال قلت يا رسول الله ان بأرضنا أعنابا نعصرها ونشربها قال لا فعاودته فقال لا فقلت انا نستسقى بها المريض قال ان ذاك ليس بشفاء لكنه داء- رواه احمد- وعن أم سلمة قالت نبذت نبيذا في كور فدخل النبي ﷺ وهو يغلى فقال ما هذا قلت اشتكت ابنة لى فصنعت لها هذا فقال ان الله لم يجعل شفاء كم فيما حرم عليكم- رواه البيهقي وابن حبان ولفظ ابن حبان ان الله لم يجعل شفاءكم فى حرام وذكره البخاري عن ابن مسعود تعليقا- قلت ليس معنى قوله ﷺ لم يجعل شفاءكم في حرام انه لم يخلق فيه شفاء فانه خلاف منطوق الاية وبالتحريم لا ينتفى المنافع الخلقية لا تبديل لخلق الله- بل المعنى انه لم يرخص لكم في تحصيل الشفاء بالحرام وقد يحتج على جواز التداوى بالحرام بحديث انس ان رهطا من عكل او قال عرينة قدموا المدينة فامولهم النبي ﷺ بلقاح وأمرهم ان يخرجوا فيشربوا من أبوالها وألبانها فشربوا حتى إذا برءوا قتلوا الراعي الحديث متفق عليه والجواب انه منسوخ فان قصة العرنيين كان قبل نزول سورة المائدة على ان الشافعي يستدل بهذا الحديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه فلا يجوز له الاحتجاج بهذا الحديث على جواز التداوى بالمحرم- واختلفوا في انه هل يجوز تخليل الخمر فقال ابو حنيفة يجوز ويطهر بالتخليل وقال مالك يكره لكن يطهر بالتخليل وقال الشافعي واحمد لا يجوز ولا يطهر- لابى حنيفة حديث أم سلمة انها كانت لها شاة يحلبها ففقدها النبي ﷺ فقال ما فعلت الشاة قالوا ماتت قال أفلا انتفعتم باهابها فقلنا انها ميتة فقال دباغتها تحل كما تحل خل الخمر- رواه الدارقطني قال الدارقطني تفرد به الفرج بن فضالة وهو ضعيف وقال ابن حبان بقلب الأسانيد يلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة لا يحل الاحتجاج به- وقد ذكروا أحاديث لا اصل لها منها خير خلكم خل خمركم ويطهر الدباغ الجلد كما يحل الخمر- وهذا لا يعرف والحجة للشافعى واحمد حديث انس ان أبا طلحة سال النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا قال اهرقها قال اولا نجعلها خلا- قال لا أخرجه مسلم ولهذا الحديث طرق اخر أخرجها الدارقطني وفي بعضها الى اشتريت لايتام في حجرى خمرا فقال النبي ﷺ أهرق الخمر واكسر الدنان فاعاد ذلك عليه ثلاث مرات- وحديث ابى سعيد قال قلنا الرسول الله ﷺ لما حرمت الخمر ان عندنا خمر ليتيم لنا فامرنا فاهرقناها وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما قال البغوي قال الضحاك إثمهما بعد التحريم اكبر من نفعهما قبل التحريم- وقيل إثمهما اكبر من نفعهما قبل التحريم- والظاهر عندى ان إثمهما بعد التحريم اكبر من نفعهما كذلك لان مضار الإثم راجعة الى الاخرة ومنافعها راجعة الى الدنيا ومتاع الدنيا قليل والساعة أدهى وامر والله اعلم اخرج ابن ابى حاتم من طريق سعيد وعكرمة عن ابن عباس ان نفرا من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل الله أتوا النبي ﷺ فقالوا انا لا ندرى ما هذه النفقة التي امرتنا بها في أموالنا فما ننفق منها- واخرج ايضا عن يحيى انه بلغه ان معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله ﷺ فقالا يا رسول الله ان لنا ارقاء وأهلين فما ننفق من أموالنا فانزل الله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ (٥) قُلِ الْعَفْوَ قرا ابو عمر وبالرفع يعنى الذي ينفقون هو العفو قال عطاء وقتادة والسدى هو ما فضل عن الحاجة وكان الصحابة يكتسبون المال فيمسكون قدر النفقة ويتصدقون بالفضل بحكم هذه الاية- عن ابى امامة ان رجلا من اهل الصفة نوفى وترك دينارا فقال رسول الله ﷺ كيّة قال ثم توفى اخر وترك دينارين فقال رسول الله ﷺ كيتان- رواه احمد والبيهقي في شعب الايمان وعن ابى هاشم بن عقبة قال عهد إلينا رسول الله ﷺ عهدا سمعته يقول انما يكفيك من جمع المال خادم ومركب- رواه احمد والترمذي والنسائي وابن ماجة ثم نسخ هذا الحكم باية الزكوة قلت وهذا ليس بسديد فان إنزال الحكم بالزكاة في صدر سورة البقرة ونزولها في السنة الاولى او الثانية من الهجرة فآية الزكوة مقدمة نزولا على هذه الاية- فاما ان يقال المراد بهذه الاية اشتراط ان يكون نصاب المال في الزكوة فاضلا عن الحاجة الاصلية من الدين وغير ذلك او يقال السؤال انما كانت عن الصدقة النافلة ومقتضى الاية ان الأفضل التصدق عن ظهر غنى قال مجاهد معناه التصدق عن ظهر غنى حتى لا يبقى كلا على الناس- وقال عمرو بن دينار العفو الوسط من غير إسراف ولا إقتار قال الله تعالى وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا- وقال طاؤس العفو ما يسر ومنه قوله تعالى خُذِ الْعَفْوَ اى الميسور من اخلاق الناس فينفق ما تيسر له بذله ولا يبلغ منه الجهد عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول- رواه البخاري وابو داود والنسائي- وعن حكيم بن حزام نحوه متفق عليه وروى البغوي عن ابى هريرة نحوه وزاد واليد العليا خير من اليد السفلى- وعن ابن عباس مثله بلفظ خير الصدقة ما أبقت غنى- رواه الطبراني وعن ابى هريرة قال جاء رجل الى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله عندى دينار فقال أنفقه على نفسك- قال عندى اخر قال أنفقه على ولدك قال عندى اخر قال أنفقه على أهلك قال عندى اخر قال أنفقه على خادمك قال عندى أنت اعلم- رواه ابو داود والنسائي- وعن جابر ان رجلا اتى النبي ﷺ ببيضة من ذهب أصابها فى بعض المغانم فقال خذها منى صدقة فاعرض عنه ثم كرر مرارا فقال هاتها مغضبا فاخذها فخذفها حذفا لو أصابه لشجه ثم قال يأتى أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس انما الصدقات عن ظهر غنى- رواه البزار وابو داود ابن حبان والحاكم عند البزار في بعض المغانم والباقيين في بعض المغازي فان قيل لهذا الحديث والاية يدلان على كراهة انفاق جميع المال وكراهة جهد المقل- فان العفو ضد الجهد وحديث ابى امامة يدل على وجوب انفاق جميع المال- وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم- انه سئل اىّ صدقة أفضل قال جهد المقل وابدأ بمن تقول- رواه ابو داود من حديث ابى هريرة- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لو كان لى مثل أحد ذهبا لسرنى ان لا يمر على ثلاث ليال وعندى منه شىء الا شىء ارصده لدين رواه البخاري وعن اسماء قالت قال رسول الله ﷺ انفقى ولا تحصى فيحصلى الله عليك ولا توعى فيوعى الله عليك ارضحى ما استطعت- متفق عليه قلت الحكم يختلف باختلاف الاشخاص والأحوال فمن كان بعد ما يتصدق كل ماله يتكفف الناس ولا يستطيع الصبر على الفقر لا يجوز له ذلك ومن يقدر على الصبر وليس عليه حق من حقوق الناس فالافضل

البقرة 2:220

فى حقه البذل في سبيل الله- وحقوق الناس من الديون ونفقة العيال والخادم مقدم على التصدق على الأجنبي لا محالة فان ذلك فريضة وهذه نافلة- ومن التزم على نفسه التزهد والمعاش على حسب عيش النبي ﷺ كاهل الصفة من الصحابة واهل الخانقاه من الصوفية فيكره له إمساك ما فضل عن الحاجة وعليه يحمل حديث ابى امامة ولعل النبي ﷺ عبر التحسر على فوات الأفضل من الأعمال بالكلية- فان قيل لو أنفق ما فضل عن الحاجة قبل بلوغ النصاب والحول فقط ادى نافلة ولو اتفق بعد ما بلغ المال نصابا وحال عليه الحول فقد ادى فريضة وأداء الفريضة يكون أفضل من النافلة فكيف يقال بالعكس- قلنا سبب وجوب الانفاق هو نفس تملك المال وبه يحصل القدرة الممكنة فان الشكر عبارة عن صرف النعمة في رضاء المنعم واشتراط النصاب والنماء والحول رخصة من الله تيسيرا وتفضلا وبه يحصل القدرة الميسرة فمن ترك الانفاق لفوات القدرة الميسرة فلا اثم عليه بناء على الرخصة- ولكن من أنفق مع فوات القدرة الميسرة بعد الممكنة فقد اتى بالعزيمة- والواجب في المال بعد النصاب وان كان ربع العشر مثلا لكن من أنفق كل المال في سبيل الله يقع كل ذلك عن الفريضة كما ان الواجب من القراءة في الصلاة يتادى بالفاتحة وثلاث آيات قصار لكن من قرا القران كله في ركعة يقع عن الواجب لان فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ- وأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ شامل لهما- وكون المال فاضلا عن الحاجة يكفى لصدق من التبعيضية في قمار رزقنكم كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ الكاف في موضع النصب صفة مصدر محذوف يعنى يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ تبيينا مثل ذلك التبيين فى امر النفقة وغيرها من الاحكام وانما وحدّ العلامة والمخاطب به جمع على تأويل القبيل والجمع او هو خطاب للنبى ﷺ وخطابه يشتمل على خطاب الامة كقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فى الدلائل والاحكام فتعلمون ان تلك الآيات لا يتصور الا من الله العليم بمصالح الأمور وعواقبها الحكيم المتقن فتبادروا بامتثال أوامره والانتهاء عن مناهيه فتفوزوا بمنافع الدارين. فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ الظرف متعلق بيبين تقدير الكلام يبين الله لكم الآيات ما يصلح لكم في امر الدنيا والاخرة لعلكم تتفكرون وقيل الظرف متعلق بتتفكرون والمعنى تتفكرون فيما يتعلق بالدنيا والاخرة فتأخذون بما هو أصلح لكم فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم المعاش في الدنيا وتنفقون الفاضل فيما ينفعكم في العقبى او المعنى لعلكم تتفكرون في الدارين فتؤثرون ابقاءهما وأكثرهما منافع- عن على رضى الله عنه قال ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الاخرة مقبلة ولكل واحد منهما بنون فكونوا من أبناء الاخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فان اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل- رواه البخاري في ترجمة باب ورواه البيهقي فى شعب الايمان عن جابر مرفوعا- وعن ابن مسعود ان رسول الله ﷺ نام على حصير وقام وقد اثر في جسده فقال ابن مسعود يا رسول الله لو امرتنا ان نبسط لك فقال ما لى وللدنيا ما انا والدينا الا كراكب استظل نحت شجرة ثم راح وتركها- رواه احمد والترمذي وابن ماجة- وعن ابى الدرداء مرفوعا ان إمامكم عقبة كؤدا لا يجوّزها المثقلون- رواه البيهقي في الشعب والله اعلم اخرج ابو داود والنسائي والحاكم وصححه من حديث ابن عباس انه لما نزلت قوله تعالى وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً الاية تحرج المسلمون تحرجا شديدا حتى عزلوا اموال اليتامى عن أموالهم فكان يصنع لليتيم طعام فيفضل منه شىء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد فاشتد ذلك عليهم وسالوا رسول الله ﷺ فانزل الله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ يعنى إصلاح اموال اليتامى وأمورهم خير فان رايتم الإصلاح في المجانبة فذاك وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ ورايتم إصلاحهم في المخالطة فَإِخْوانُكُمْ اى انهم إخوانكم فى الدين والنسب والاخوان يعين بعضهم بعضا ويصيب بعضهم من مال بعض على وجه الإصلاح وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ يعنى الذي يقصد بالمخالطة الخيانة وإفساد مال اليتيم وأكله بغير حق مِنَ الْمُصْلِحِ الذي يقصد به الإصلاح وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ اى لضيّق عليكم وما أباح لكم ذلك ولكنه خفف عنكم فاباح لكم مخالطتهم على قصد الإصلاح إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب يحكم ما يشاء سهّل على العبادا وشق عليهم حَكِيمٌ يحكم بفضله على ما يقتضيه الحكمة ويتسع له الطاقة والله اعلم قال البغوي بعث رسول الله ﷺ أبا مرثد الغنوي الى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين سرّا- فلما قدمها سمعت به امراة مشركة يقال لها عناق وكانت خليلة له في الجاهلية فاتته وقالت يا أبا مرثد

البقرة 2:221

الا تخلو فقال لها ويحك يا عناق ان الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك قالت فهل لك ان تتزوج بي قال نعم ولكن ارجعه الى رسول الله ﷺ فاستأمره فقالت ابى تبترم ثم استغاثت عليه فضربوه ضربا شديدا ثم خلوا سبيله فلما قضى حاجته بمكة وانصرف الى رسول الله ﷺ اعلمه بالذي كان من امره وامر عناق وقال يا رسول الله أتحل لى ان أتزوجها فانزل الله تعالى. وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وكذا اخرج ابن المنذر وابن ابى حاتم والواحدي عن مقاتل- وقال السيوطي ليس هو في نزول هذه الاية انما هو في نزول اية سورة النور الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً الاية كذا أخرجه ابو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن عمر وهذه الاية منسوخة في حق الكتابيات لقوله تعالى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وهن مشركات حيث يعبدون عزيرا او مسيحا وَلَأَمَةٌ اى امراة حرة كانت او امة فان الناس عباد الله واماؤه مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ يعني بمالها وجمالها وشمائلها- والواو للحال ولو بمعنى ان تعليل لما سبق من النهى- قال البغوي نزلت في خنساء وليدة كانت كحذيفة بن اليمان فاعتقها فتزوجها واخرج الواحدي من طريق الواقدي عن ابى مالك عن ابن عباس انه كانت امة سوداء لعبد الله بن رواحة وانه غضب عليها فلطمها ثم فزع فاتى النبي ﷺ فاخبره بذلك فقال له عليه السلام وما هى يا عبد الله فقال هى تشهدان لا الله الا الله وانك رسول الله وتصوم رمضان وتحسن الوضوء وتصلى- فقال هذه مؤمنة- قال عبد الله فو الذي بعثك بالحق لاعتقها ولا تزوجها ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا أتنكح امة وعرضوا عليه حرة مشركة فانزل الله هذه الاية- ويستفاذ من هذه الاية بالقياس ان امرأة تقية ذات اخلاق حسنة وان كانت فقيرة ذميمة اولى بالنكاح من امراة فاسقة سيئة الأخلاق وان كانت غنية جميلة- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ تنكح المرأة لاربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك- متفق عليه وعن عبد الله بن عمر ومرفوعا خير متاع الدنيا المرأة الصالحة- رواه مسلم وعن ابى سعيد الخدري مرفوعا اتقوا النساء فان أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء رواه مسلم-

البقرة 2:222

وَلا تَنْكِحُوا مسلمة حذف احدى المفعولين والخطاب الى الأولياء او الى الحكام يعنى امنعوهن عن نكاح المشركين الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا- هذه الاية محكمة لا يجوز نكاح المؤمنة بالمشرك كتابيا كان او غيره اجماعا وَلَعَبْدٌ اى رجل مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ بماله او جاهه او غير ذلك أُولئِكَ يعنى المشركات والمشركين يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ اى الى الكفر والمعاصي فان للصحبة والموالات تأثير في النفوس يصير المرء على دين خليله وجليسه وَاللَّهُ يَدْعُوا على لسان رسله- او المعنى واولياء الله حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه تفخيما لشأنهم إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ يعنى الى اعتقادات واعمال توجب الجنة والمغفرة فاولياء الله أحق بالمواصلة بِإِذْنِهِ بتوفيقه وتيسيره او لقضائه وإرادته وَيُبَيِّنُ آياتِهِ او امره ونواهيه لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) لكى يتذكروا او ليكونوا بحيث يرجى منهم التذكر والله اعلم روى البخاري ومسلم والترمذي عن انس ان اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت فسأل اصحاب النبي ﷺ عن ذلك- واخرج «١» عن ابن عباس ان السائل ثابت بن الدحداح- واخرج ابن جرير عن السدى نحوه فانزل الله تعالى. وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ- المحيض مصدر كالمجئ والمبيت- والمعنى يسئلونك عما يفعل بالنساء في المحيض- ذكر الله سبحانه يسئلونك بغير واو ثلثا ثم بالواو ثلثا لعله كانت السؤالات السابقة في اوقات متفرقة والثلاثة الاخيرة كانت في وقت واحد فلذلك ذكرها بلفظ الجمع. قُلْ يا محمد هُوَ يعنى المحيض أَذىً قذر مستقذر فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ والمراد باعتزال النساء ترك الوطي اجماعا- دون ترك المخالطة في الاكل والشرب والمضاجعة وغير ذلك- روى البخاري ومسلم في حديث انس المذكور انه حين نزل قال رسول الله ﷺ اصنعوا كل شىء الا النكاح وعن عائشة قالت كنت اغتسل انا والنبي ﷺ من اناء واحد وكلانا جنب وكان يأمرنى فاتزر فيباشرنى وانا حائض وكان يخرج رأسه الىّ وهو معتكف فاغسله وانا حائض متفق عليه وعنها قالت كنت اشرب وانا حائض ثم انا وله النبي ﷺ فيضع فاه موضع فيّ فيشرب واتعرق العرق وانا حائض ثم انا وله النبي ﷺ فيضع فاه موضع فيّ رواه مسلم وعنها قالت كان النبي ﷺ يتكى في حجرى وانا حائض ثم يقرأ القران متفق عليه وعنها قالت قال لى النبي ﷺ ناولنى الخمرة من المسجد فقلت (١) هكذا بياض في الأصل ١٢ انى حائض فقال ان حيضتك ليست في يدك- رواه مسلم عن ميمونة قالت كان رسول الله ﷺ يصلى في مرط بعيضه علىّ وبعضه عليه وانا حائض- متفق عليه وعن أم سلمة قالت حضت فاخذت ثياب حيضتى فلبستها فقال لى رسول الله ﷺ أنفست قلت نعم فادخلنى معه في الخميلة- رواه البخاري وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ تأكيد للحكم السابق وبيان للغاية قرا عاصم برواية ابى بكر وحمزة والكسائي بتشديد الطاء والهاء وقرا الآخرون بسكون الطاء وضم الهاء مخففا ومعنى القراءتين عند مالك والشافعي واحمد وأحد يعنى حتى يغتسلن فلا يجوز عندهم قربان الحائض بعد انقطاع دمها قبل الاغتسال أصلا- وقال ابو حنيفة معنى قراءة التخفيف حتى يطهرن من الحيض وتنقطع دمهن فيجوز على هذه القراءة القربان بغد الانقطاع قبل الغسل ومعنى قراءة التشديد الاغتسال فعلى هذه القراءة لا يجوز ذلك فيحمل ابو حنيفة قراءة التخفيف على ما إذا انقطع دمها بعد عشرة ايام وقراءة التشديد على ما دون العشرة- ويرد عليه ان قراءة التشديد ناطق بالمنع عن القربان قبل الاغتسال وقراءة التخفيف لا يدل على اباحة القربان قبل الاغتسال الا بالمفهوم والمفهوم لا يعارض المنطوق- وبعد ما اجمعوا على حرمة الوطي في الحيض اختلفوا في انه من ارتكب ذلك هل يجب عليه كفارة أم لا- فقال ابو حنيفة ومالك لا يجب عليه الكفارة بل الاستغفار فحسب- وهو الجديد من قول الشافعي- وقال احمد يتصدق بدينار فان لم يجد فنصف دينار- وقال الشافعي في القديم ان اتى حائضا فى اقبال الدم فعليه دينار وفي ادبار الدم فنصف دينار- لحديث ابن عباس عن النبي ﷺ فى الذي يأتى امرأته وهى حائض قال يتصدق بدينار او نصف دينار- رواه احمد عن يحيى عن شعبة عن الحكم عن عبد الحميد عن مقيم عنه ورواه اهل السنن والدارقطني ورواة هذا الحديث مخرج في الصحيحين الا مقيما انفرد بإخراجه البخاري وصححه ابن القطان والحاكم وابن دقيق العبد فلا يضر رواية من رواه موقوفا فان الرفع زيادة مقبولة من الثقة واحتجوا للقول القديم الشافعي بما روى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم- إذا كان دما اصفر فنصف دينار واحمر فدينار- ومدار هذا الحديث على عبد الكريم ابى امية وهو مجمع على تركه كان ابو أيوب السجستاني يرميه بالكذب وقال احمد ويحيى ليس بشىء واختلفوا في الاستمتاع بما تحت الإزار دون الجماع فقال احمد يجوز وقال الجمهور لا يجوز لاحمد ما مر من حديث انس اصنعوا كل شىء الا النكاح- وعن عكرمة عن بعض ازواج النبي ﷺ ان النبي ﷺ كان إذا أراد من الحائض شيئا القى على فرجها شيئا رواه ابن الجوزي- واحتج الجمهور بحديث معاذ بن جبل قال قلت يا رسول الله ما يحل لى من امراتى وهى حائض قال ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل- رواه رزين- قال محيى السنة اسناده ليس بالقوى- وعن عبد الله بن «١» نحوه رواه ابو داود- وعن زيد بن اسلم قال- ان رجلا سال رسول الله ﷺ فقال ما يحل لى من امراتى وهى حائض فقال له رسول الله ﷺ تشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها- رواه مالك والدارمي مرسلا- والتحقيق انه ان ملك اربته فلا بأس بالمساس تحت الإزار دون الفرج لان المراد بالآية هو النهى عن الجماع والجمع بين الحقيقة وو المجاز لا يجوز- والا فالترك واجب فانه من حال حول الحمى يوشك ان يقع فيه- واجمعوا على ان الحيض يمنع جواز الصلاة ووجوبها ويمنع جواز الصوم لا وجوبه- فلذا لا تقضى الصلاة وتقضى الصوم قالت عائشة- كنا نحيض عند رسول الله ﷺ فيأمرنا بقضاء الصيام ولا يأمرنا بقضاء الصلاة- رواه مسلم والترمذي- وهذا حديث مشهور روى معناه عن كثير من الصحابة صريحا ودلالة- وفي الصحيحين قوله عليه السلام أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم- وايضا قوله ﷺ إذا أقبلت الحيضة فاتركى الصلاة- ويمنع الحيض دخول المسجد والطواف ومس المصحف وقراءته اجماعا- قال الله تعالى لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- وجهوا هذه البيوت عن المسجد فانى لا أحل المسجد لحائض ولا جنب رواه ابو داود وقال رسول الله ﷺ لا تقرا الحائض ولا الجنب شيئا من القران- رواه الترمذي وابن ماجة والدارقطني- وله شاهد من حديث جابر- رواه الدارقطني مرفوعا وفي اسناد هذين الحديثين مقال والله اعلم فَإِذا تَطَهَّرْنَ اتفق القراء هاهنا على التشديد فظهر ان الاغتسال شرط لاباحة الوطي فَأْتُوهُنَّ فجامعوهن يعنى أبا حكم الله الجماع بعد التطهر مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ يعنى الفرج دون الدبر- (١) هكذا في الأصل

البقرة 2:223

وانما ذكرنا الإباحة لان الأمر بالجماع للاباحة دون الوجوب- قال مجاهد وقتادة وعكرمة اى من حيث أمركم ان تعتزلوهن منه وهو الفرج- وكذا قال ابن عباس قيل من هاهنا بمعنى في يعنى فى حيث أمركم الله وهو الفرج كقوله تعالى إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ اى في يوم الجمعة- وقال ابن الحنفية من قبل الحلال دون الفجور إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ من الكفر والمعاصي وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) من الاقذار كمجامعة الحائض والإتيان في الدبر ومن الأحداث والاخباث فحرمة إتيان النساء في أدبارهن ثبت بهذه الاية بالاشارة او بالقياس على حرمة وطى الحائض فانه مستقذر كالوطى في الحيض- بل الوطي مطلقا مستقذر سواء كان في القبل او في دبر الرجل او الامرأة ومن ثم يجب الغسل به لكن أبيح الوطي في القبل لضرورة ابقاء النسل وجعل للاباحة شرائط من النكاح وعدم المحرمية وبراءة الرحم والطهارة من الحيض وغير ذلك- ولا ضرورة في الوطي في الدبر سواء كان المفعول به رجلا او امراة فبقى على حرمته لعلة الاستقدار- وقد ثبت حرمة إتيان الرجل الرجل في دبره بالنصوص القطعية والإجماع وهلك في ذلك قوم لوط عليه السلام فكذا إتيان المرأة في دبرها- ومن ثم قيد الله سبحانه قوله فَأْتُوهُنَّ بقوله مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ- ولدفع توهم حرمة الجماع بعلة الأذى وبيان وجه ضرورة الإباحة عقب الله تعالى تلك الاية بقوله-. نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ- يعنى مواضع حرث لكم شبههن بها تشبيها لما يلقى في أرحامهن من النطف بالبذور يعنى أبيح لكم إتيانهن ضرورة ابقاء النسل فَأْتُوا حَرْثَكُمْ يعنى فروجهن فهو كالبيان لقوله فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنَّى شِئْتُمْ يعنى كيف شئتم فان كلمة انى مشتركة في معنى كيف واين ولا يتصور هاهنا معنى اين فانه تدل على عموم المحل ومحل الحرث ليس؟؟ فتعين معنى كيف ويقتضيه ما سنذكر من التحقيق في سبب نزول الاية والله اعلم وبما قلنا من حرمة إتيان النساء فى أدبارهن قال ابو حنيفة واحمد وجمهور اهل السنة- ويحكى عن مالك جواز إتيان المرأة في دبرها واكثر أصحابه ينكرون ان يكون ذلك مذهبا له والصحيح انه كان مذهبا له ثم رجع عنه هو او رجع عنه أصحابه- والشافعي فيه قولان القول القديم عنه ما حكى عن ابن عبد الحكم عن الشافعي انه قال لم يصح عن رسول الله ﷺ في تحريمه ولا في تحليله شىء والقياس انه حلال فكانه قاس على من عالج امرأته بذكره في فخذها او يدها- روى الحاكم بسنده عن ابن عبد الحكم انه كلم الشافعي فى مسئلة إتيان المرأة في دبرها فقال سالنى محمد بن الحسن فقلت له ان كنت تريد المكابرة وتصحيح الروايات وان لم تصح فانت اعلم وان تكلمت بالمناصفة كلمتك قال على المناصفة قلت فباىّ شىء حرمته قال لقوله عز وجل فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ- فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ والحرث لا يكون الا في الفرج قلت أفيكون ذلك محرما لما سواه قال نعم قلت فما تقول لو وطيها بين ساقيها او تحت بطنها او أخذت ذكره بيدها أفي ذلك حرث قال لا قلت أفتحرم ذلك قال لا قلت فلم تحتج بما لا حجة فيه قال فان الله قال وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ الاية قال فقلت له ان هذا ما يحتجون به للجواز ان الله اثنى على من حفظ فرجه من غير زوجته وما ملكت يمينه فقلت أنت تقول للحفظ من زوجته وما ملكت يمينه- قلت ولما ذكرنا من ان سبب حرمة إتيان النساء في الأدبار الاستقذار وذلك منتف فيمن وطيها بين ساقيها ونحو ذلك فظهروهن قياس الشافعي ومن ثم رجع الشافعي عن قوله ذلك- قال الحاكم لعل الشافعي كان يقول ذلك في القول القديم فاما في الجديد المشهور انه حرمه- وقال الربيع كذب ابن عبد الحكم والله الذي لا الله الا هو قد نص الشافعي على تحريمه في سننه وحكاه عنه جماعة منهم الماوردي في الحاوي وابو نصر بن الصباح في الشامل وغيرهم- وقال الشيخ ابن حجر العسقلاني بتكذيب الربيع لابن عبد الحكم لا معنى له لانه لم يتفرد به فقد تابعه اخوه عبد الرحمن- والتحقيق ان للشافعى فيه قولان والجديد المرجوع اليه انه وأفق الجمهور في التحريم- وقد ورد في حرمة الإتيان في الدبر أحاديث قال ابن الجوزي روى ذلك عن جماعة من الصحابة عن رسول الله ﷺ منهم عمر بن الخطاب وعلى بن ابى طالب وخزيمة بن ثابت وابى هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن مسعود وعقبة بن عامر والبراء بن عازب وطلق بن على وأبو ذر وجابر بن عبد الله- قلت اما حديث عمر فقد أخرجه النسائي والبزار من طريق زمعة بن صالح عن ابن طاءوس عن أبيه عن الهاد عن عمر وزمعة ضعيف ضعفه احمد وابو حاتم وقال الذهبي صالح الحديث وقد اختلف عليه في رفعه ووقفه- واما حديث على فقد أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة بلفظ ان الله لا يستحيى من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن- واما حديث خزيمة بن ثابت ان رجلا سال النبي ﷺ عن إتيان النساء في أدبارهن فقال- حلال- فلما ولى الرجل دعا فقال كيف قلت فى اى الحزبتين أمن دبرها في قبلها فنعم او من دبرها في دبرها فلا ان الله لا يستحى من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن- رواه الشافعي واحمد والترمذي وابن ماجة والدارمي وفيه عمرو بن اجنحة مجهول الحال ورواه النسائي من طريق وهب بن سويد بن هلال عن أبيه عن على بن السائب عن حصين بن محصين عن هرمى بن عبد الله عن خزيمة- ومن طريق هرمى ايضا أخرجه احمد والنسائي وابن حبان وهو لا يعرف حاله ايضا- وقال البزار لا اعلم في هذا الباب حديثا صحيحا وكلما روى عن خزيمة بن ثابت فغير صحيح وكذا روى الحاكم عن الحافظ ابى على النيشابوري ومثله عن النسائي وقال قبلهما البخاري- واما حديث ابى هريرة ان النبي ﷺ قال ملعون من اتى امراة في دبرها وفي لفظ لا ينظر الله يوم القيمة الى رجل اتى امراة في دبرها- رواه احمد وابو داود وبقية اصحاب السنن من طريق سهيل بن ابى صالح عن الحارث بن مخلد عن ابى هريرة- وأخرجه البزار وقال- الحارث بن مخلد ليس بمشهور- وقال ابن القطان لا يعرف حاله- وقد اختلف فيه على سهيل فرواه إسماعيل بن عيّاش عنه عن محمد بن المنكدر عن جابر أخرجه الدارقطني وابن شاهين- ورواه عمر مولى عفرة عن سهيل عن أبيه عن جابر أخرجه ابن عدى واسناده ضعيف- ولحديث ابى هريرة طريق اخر أخرجها احمد والترمذي من طريق حماد بن سلمة عن حكيم الأثرم عن ابى تميمة عنه بلفظ من اتى حائضا او امرأة في دبرها او كاهنا فصدقه ما يقول فقد كفر بما انزل على محمد قال الترمذي غريب لا نعرفه الا من حديث حكيم وقال البخاري لا يعرف لابى تميمة سماعا عن ابى هريرة- وقال البزار هذا حديث منكر وحكيم لا يحتج به وما تفرد به فليس بشىء- وله طريق ثالث أخرجها النسائي من رواية الزهري عن ابى سلمة عنه- قال حمزة الكتاني هذا حديث منكر وعبد الملك راويه قد تكلم فيه دحيم وابو حاتم وغيرهما- والمحفوظ الموقوف وله طريق رابع أخرجها النسائي من طريق بكر بن خنيس عن ليث عن مجاهد عن ابى هريرة بلفظ- من اتى شيئا من الرجال او النساء في الأدبار فقد كفر وبكر وليث ضعيفان- وله طريق خامس رواه عبد الله بن عمر بن حبان عن مسلم بن خالد الزنجي عن العلاء عن أبيه عن ابى هريرة بلفظ ملعون من اتى النساء في أدبارهن- رواه احمد والنسائي ومسلم ضعفه النسائي وغيره وقال الذهبي صدوق وثقة يحيى بن معين وغيره- واما حديث ابن عباس أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان واحمد والبزار من طريق كثير بن عباس قال البزار لا نعلمه يروى عن ابن عباس بإسناد احسن من وهب- انفرد به ابو خالد الأحمر عن الضحاك بن عثمان عن محمد بن سلميان عن كريب- وكذا قال ابن عدى ورواه النسائي عن هناد عن وكيع عن الضحاك موقوفا وهو أصح عندهم من المرفوع وعن ابن عباس من طريق اخر موقوفا رواه عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاؤس عن أبيه ان رجلا سأل عن ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها فقال تسئلنى عن الكفر وأخرجه النسائي من رواية ابن المبارك عن معمر واسناده قوى- واما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فقد أخرجه احمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يأتى المرأة في دبرها فقال هى اللواطة الصغرى- وأخرجه النسائي وأعله والمحفوظ عن عبد الله بن عمرو من قوله كذا أخرجه عبد الرزاق وغيره- وفي الباب عن انس أخرجه الإسماعيلي في معجمه وفيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف وعن ابى بن كعب في خبر الحسن بن عرفة بإسناد ضعيف جدا وعن ابن مسعود عند ابن عدى بإسناد واه وعن عقبة بن عامر عند احمد فيه ابن لهيعة- وهذا الأحاديث كلها وان كانت ضعيفة كما سمعت لكن باعتضاد بعضها ببعض يحصل العلم قطعا بورود النهى عن النبي ﷺ بحيث لا مرد له فوجب القول به والله اعلم- واحتج القائلون بإباحته بما صح عن ابن عمر بطرق كثيرة انه قال نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ نزلت في إتيان النساء في أدبارهن- رواه البخاري- وكذا روى الطبراني بسند جيد عنه انه قال- انما نزلت رخصة في الإتيان الدبر- واخرج ايضا عنه- ان رجلا أصاب امراة فى دبرها في زمن النبي ﷺ فانكر ذلك الناس فانزل الله تعالى- وكذا اخرج ابن جرير وابو يعلى وابن مردوية من طريق عبد الله بن نافع عن هشام بن سعد عن زيد بن اسلم عن عطاء بن يسار عن ابى سعيد الخدري ان رجلا أصاب امراة في دبرها فانكر الناس عليه ذلك فانزل الله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ- قلت هذا وهم من ابن عمر وابى سعيد اخطئا في تاويل الاية- ولو كان هذا سبب نزول هذه الاية لما طابق الحكم الوقعة فان قوله تعالى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ حكم بإتيان الحرث لا بإتيان الدبر فانه ليس بمحل الحرث فلا ينتهض حجة لاباحة الدبر- وقيل هذا وهم من نافع لما روى عن عبد الله بن الحسن انه لقى سالم بن عبد الله فقال له يا أبا عمر ما حديث يحدث نافع عن ابن عمر انه لم يكن يرى بأسا بإتيان النساء في أدبارهن قال كذب العبد واخطأ انما قال عبد الله يؤتون في فروجهن من أدبارهن- قلت وقول سالم هذا ليس بسديد فانه لم ينفرد به نافع عن ابن عمر بل رواه زيد بن اسلم وعبيد الله بن عبد الله بن عمر وسعيد بن يسار وغيرهم عنه كذا ذكر الشيخ ابن حجر فالصحيح ان الوهم انما هو من ابن عمر وقد حكم بكونه وهما من ابن عمر رأس المفسرين ابن عباس- اخرج ابو داود والحاكم عن ابن عباس قال ان ابن عمر والله يغفر له أوهم- انما كان اهل هذا الحي من الأنصار وهم اهل وثن مع هذا الحي من اليهود وهم اهل كتاب كانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم وكان من امر اهل الكتاب لا يأتون النساء الا على حرف وذلك استر ما تكون المرأة فكان هذا الحي من الأنصار أخذوا بذلك وكان هذا الحي من قريش يسرحون النساء سرحا ويتلذ ذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امراة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فانكرته عليه وقالت انما كنا نؤتى على حرف فسرى أمرهما فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فانزل الله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ- اى مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعنى بذلك موضع الولد وهكذا في سبب نزول هذه الاية روى البخاري وابو داود والترمذي عن جابر قال كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فاكذبهم الله تعالى وقال نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ اى كيف شئتم في الفرج يريد بذلك موضع الولد للحرث- وكذا روى احمد عن عبد الرحمن بن سابط قال دخلت على حفصة بنت عبد الرحمن فقلت انى سائلك عن أمر وأنا استحيى ان أسئلك- قالت لا تستحيى يا ابن أخي قلت عن إتيان النساء في أدبارهن قالت كانت اليهود تقول من حبا امرأته كان ولده أحول فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار فحبوهن فابت امراة ان تطيع زوجها قالت لن نفعل ذلك حتى اتى رسول الله ﷺ فدخلت على أم سلمة- فذكرت لها ذلك فقالت اجلسي حتى يأتى رسول الله ﷺ فلما جاء رسول الله ﷺ استحيت الانصارية ان تسئله فخرجت فحدثت أم سلمة فقال ادعى الانصارية فدعيت فتلا عليها هذه الاية نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ صماما واحدا- واخرج احمد والترمذي عن ابن عباس قال جاء عمر الى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله هلكت قال وما أهلكك- قال حولت رجلى الليلة- فلم يرد عليه فانزل الله تعالى هذه الاية فقال عليه السلام اقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة- وبهذا ظهر انه ﷺ فسر هذه الاية بقوله اقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة كما فسر قوله تعالى فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ بقوله اصنعوا كل شىء الا النكاح وان كان ظاهر تلك الاية لا تدل على جواز مخالطة النساء في المأكل والمشارب فظهر اندفاع ما ذكر ابن عبد الحكم عن الشافعي- ان هذه الاية ليست محرمة للدبر كما انها ليست محرمة للموطى في الساق وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ- يعنى لا تقصدوا بالنكاح الحظوظ العاجلة فقط بل اقصدوا المنافع الراجعة الى الدين من تحصين الفرج والولد الصالح يدعو له ويستغفر ولا افراط فان الأمور المباحة باقتران النية الصحيحة الصالحة تصير عبادة- قال رسول الله ﷺ وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها اجر قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيه وزر فكذلك إذا وضعها في حلال كان له اجر- رواه مسلم في حديث ابى ذر وعن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلثة صدقة جارية او علم ينتفع به او ولد صالح يدعو له- رواه مسلم وعنه ان رسول الله ﷺ قال لا يموت لاحد من المسلمين ثلثة من الولد فتمسه النار الا تحله القسم- متفق عليه وعنه قال قال رسول الله ﷺ لنسوة من الأنصار لا يموت لاحداكن ثلثة من الولد فتحتسبه الا دخلت الجنة فقالت امراة منهن او اثنان يا رسول الله قال واثنان- رواه مسلم وعن ابن عباس مرفوعا من كان له فرطان من أمتي ادخله الله بهما الجنة- فقالت عائشة فمن كان له فرط من أمتك قال ومن كان له فرط الحديث- رواه الترمذي ويمكن ان يقال قوله تعالى وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ عطف تفسيرى لقوله فَأْتُوا حَرْثَكُمْ- ومعناه ان في إتيانكم حرثكم تقديم منكم لانفسكم من الافراط والدعوات والاستغفارات من صالحى الأولاد وبه يظهر فائدة النكاح وان لم تكن له نية صالحة- وقال عطاء ومجاهد المراد به التسمية والدعاء عند الجماع- روى البخاري عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال- لو ان أحدكم إذا أراد ان يأتى اهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا- فانه ان يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان ابدا وَاتَّقُوا اللَّهَ بالاجتناب عن معاصيه وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ فيجزيكم بأعمالكم ان خيرا فخيرا وان شرا فشرا وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٣٣) عن صهيب قال قال رسول الله

البقرة 2:224

صلى الله عليه وسلم عجبا لامر المؤمن ان أصابته سراء شكر فكان خير انه وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له- رواه مسلم ذكر البغوي انه كان بين عبد الله بن رواحة وبين ختنه على أخته بشير بن النعمان الأنصاري شىء فحلف عبد الله ان لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين خصمه وإذا قيل له قال حلفت بالله ان لا افعل فلا يحل لى الا ان تبر يمينى فانزل الله تعالى. وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ اى الحلف بالله او يمين الله على حذف المضاف عُرْضَةً فعلة بمعنى المفعول كالقبضة يطلق لما يعرض دون الشيء فيكون حاجزا عنه يعنى لا تجعلوا الحلف بالله مانعا عن الحسنات لِأَيْمانِكُمْ اللام صلة لعرضة لما فيها من الاعتراض- والمراد- بالايمان الأمور التي يحلف عليها أَنْ تَبَرُّوا مع ما عطف عليه عطف بيان لايمانكم- ويحتمل ان يكون اللام في لايمانكم للتعليل ويتعلق ان بالفعل او بعرضة اى لا تجعلوا الله عرضة لاجل ايمانكم لان تبرّوا- وقد يطلق عرضة للمعرض للامور لا يزال يقع عليه يقال جعلته عرضة لكذا اى نصبته له وفي القاموس العرضة الاعتراض في الخير والشر يعنى لا تقعوا على الحلف بالله في كل امر ولا تجعلوه كالهدف المنصوب للزمى- ولا تعرضوا باليمين في كل ساعة فحينئذ أَنْ تَبَرُّوا اما علة للنهى اى أنهاكم عن الحلف لان تبروا وعلة للمنهى بتقدير لا اى لا تكثر والحلف لان لا تبروا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وبهذه الاية تبت ان الإكثار بالحلف مكروه وان الحلّاف مجترئ على الله لا يكون برا متقيا ولا موثوقا به في إصلاح ذات البين قال رسول الله ﷺ الحلف حنث او ندم- رواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عمر ورواه البخاري في تاريخه- وانه من حلف على ترك عمل من اعمال البر يجب عليه ان لا يجعل يمينه مانعا من البر بل يحنث ويكفر- عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال من حلف بيمين فراى غيرها خيل منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير- رواه مسلم وفي الصحيحين عن عبد الرحمن بن سمرة نحوه وعن ابى موسى قال قال رسول الله ﷺ انى والله ان شاء الله لا احلف على يمين فارى غيرها خيرا منها الا كفرت عن يمينى وأتيت الذي هو خير- متفق عليه وقيل هذه الاية نزلت في الصديق رضى الله عنه لما حلف ان لا ينفق على مسطح لافترائه على عائشة أخرجه ابن جرير عن ابن جريج وَاللَّهُ سَمِيعٌ لايمانكم عَلِيمٌ (٢٢٤) لنياتكم-.

البقرة 2:225

لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بالعقاب في الاخرة وهو المراد بالمؤاخذة هاهنا في كلا الكلمتين وكذا في المائدة لا كما قيل ان المراد فى المائدة والمؤاخذة الدنيوية بالكفارة او أعم منهما- لان الكفارة كالزكوة خالص حق الله تعالى لا مؤاخذة به في الدنيا ولهذا من مات وعليه الزكوة او الكفارة ولم يوص لا يمنعان من تعلق حق الورثة بخلاف ديون العباد والعشر والخراج وايضا لا يجب الكفارة بنفس اليمين بل بالحنث بعد اليمين فلا يتصور تعليق المؤاخذة بالكفارة بعقد اليمين- فالمراد بالمؤاخذة هو العقاب والكفارة شرعت لرفع ذلك المؤاخذة بِاللَّغْوِ الكائن فِي أَيْمانِكُمْ واللغو في اللغة الساقط الذي لا يعتد به من الكلام او من غيره كذا في القاموس والمراد هاهنا ماجرى من اليمين على اللسان من غير عقد وقصد سواء كان في الإنشاء او الخير الماضي او المستقبل- وهذا التفسير مروى عن عائشة روى الشافعي انها قالت لغواليمين قول الإنسان لا والله وبلى والله- وأخرجه ابو داود عن عائشة مرفوعا- والى هذا ذهب الشعبي وعكرمة وبه قال الشافعي- وهذا هو المناسب للمعنى اللغوي المذكور فانه إذا كان من غير قصد فهو ساقط عن الاعتبار غير معتد به ولا يترتب عليه الإثم اجماعا ان كان في الاخبار- وكذا لا ينعقد عند الشافعي إذا كان هذا القسم من اليمين فى الإنشاء- فلا يجب عليه الكفارة ان حنث والحجة له هذه الاية بهذه لتفسير وقال ابو حنيفة رحمه الله ينعقد اليمين ويجب الكفارة ان حنث لقوله ﷺ ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق واليمين كذا قال صاحب الهداية- وهذا الحديث لم نجده في كتب الحديث لكن وجدنا حديث ابى هريرة من طريق عبد الرحمن بن حبيب عن عطاء عن يوسف بن ماهك عنه مرفوعا ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة- أخرجه احمد وابو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم والدارقطني قال الترمذي حسن وقال الحاكم صحيح وقال ابن الجوزي عطاء هو ابن عجلان متروك الحديث وقال الحافظ ابن حجر وهم ابن الجوزي انما هو عطاء بن ابى رباح- وعبد الرحمن بن حبيب مختلف فيه قال النسائي- منكر الحديث ووثقه غيره فالحديث حسن وأخرجه ابن عدى في الكامل بلفظ ثلاث ليس فيها لعب من تكلم بشىء منها لاعبا فقد وجب عليه الطلاق والعتاق والنكاح وفيه ابن لهيعة ضعيف واخرج عبد الرزاق عن على وعمر موقوفا انهما قالا- ثلاث لا لعب فيهن النكاح والطلاق والعتاق- وفي رواية عنها اربع وزاد النذر- قال ابن همام ولا شك ان اليمين في معنى النذر فيقاس عليه- قلت ما ذكره الشافعي حديث مرفوع التحق بيانا وتفسيرا للاية والقياس في مقابلة النص لا يعتد به مع ان المقيس عليه وقع في اثر موقوف ليس بمرفوع وقال ابن همام ولو ثبت حديث اليمين لم يكن فيه دليل لان المذكور فيه جعل الهزل باليمين جدا والهازل قاصد لليمين غير راض لحكمه فلا يعتبر عدم رضاه به بعد مباشرته السبب مختارا- والناسي لم يقصد شيئا أصلا ولم يدر ما صنع وكذا المخطى لم يقصد التلفظ به بل بشىء اخر فليس هو في معنى الهازل فلا نص فيه ولا قياس على ان أبا حنيفة قال في تفسير اللغو في اليمين ان يحلف على شىء يرى انه صادق فيه ثم يتبين له خلاف ذلك وهو قول الزهري والحسن وابراهيم النخعي وقتادة ومكحول قالوا لا كفارة فيه ولا؟؟ اثم مع ان الحالف يقصد فيه اليمين مع ظن البر فما لم يقصد لا أصلا بل هو كالنائم يجرى على لسانه اولى ان لا يعتد بيمينه وقال الشافعي اليمين الذي تعلق به القصد وان كان على ظن الصدق ان كان على خلاف نفس الأمر يجب فيه الكفارة لانه ليس من اللغو على تفسيره بل هو من كسب القلب كالغموس غير انه معذور بناء على ظنه فلا اثم فيه- قلت وان لم يكن هو من اللغو لكن لا كفارة فيه ولا اثم اما عدم الإثم فلقوله تعالى وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ واما عدم الكفارة فلان الكفارة مبنى على الإثم فانها لازالة الإثم وليس فليس ولانها غير داخلة فيما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ والكفارة راجعة إليها- فان قيل لو كانت الكفارة مبينة على الإثم والإثم مرفوع عن الخطاء والنسيان بالإجماع والحديث فلم تجب الكفارة على القتل خطأ قلنا امر القتل أشد فجعل الله تعالى إثمين اثم القتل نفسه وهو كبيرة وذلك في القتل عمدا ولا يرتفع بالكفارة فلهذا لم نقل بوجوب الكفارة فيه وقد ارتفع ذلك الإثم بالخطأ واثم ترك الاحتياط وانما وجبت الكفارة في الخطأ لذلك الإثم- وقال سعيد بن جبير اللغو في اليمين هو اليمين على المعصية لا يؤاخذه الله بالحنث فيها بل يحنث ويكفر- وعلى هذا القول يتحدا للغو مع المنعقدة فى مادة والاية تدل على القسمة وهى ثنا في الشركة- وايضا القول بوجوب الكفارة تنافي القول بعد ما لمؤاخذة إذا الكفارة تبتنى على الإثم- وقال مسروق ليس عليه كفارة في اليمين على المعصية اتكفر خطوات الشيطان- وقال الشعبي في الرجل حلف على المعصية كفارته ان يتوب منها- قلت اليمين على المعصية يشتمله عموم قوله تعالى وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فان فيه عقدا على الإيفاء فهو من المنعقدة دون اللغو فهو يوجب الكفارة وكونه على المعصية يوجب الرفض وهذا بعينه مقتضى قوله عليه السلام فليكفر وليأت بما هو خير والله اعلم وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ اى عزمتم وقصدتم الى اليمين الكاذبة وارتكبتم العصيان بقصدكم ارادتكم وانما قلنا ذلك بقرينة المؤاخذة فان المؤاخذة لا يكون الا على العصيان- فخرج بهذا القيد الايمان الصادقة كلها وما كان بظن الصدق وكذا اخرج به اليمين المنعقدة لانه لا معصية فيه بل في الحنث بعد اليمين- فان قيل ورد في المائدة وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ وذلك يدل على ثبوت المعصية والمؤاخذة عليها فكيف تقول انه خرج به اليمين المنعقدة الى آخره- قلت تقدير الكلام هناك وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ان حنثتم وليس ذلك التقدير هاهنا لان التقدير نوع من المجاز- والحقيقة والمجاز لا يجتمعان والمؤاخذة على الغموس بمجرد اليمين- فالمراد بهذه الاية اليمين الغموس بأقسامها فقط وليس هاهنا ذلك التقدير- والمراد بما في المائدة المنعقدة فقط وفيها التقدير والله اعلم- وقال الشافعي المراد بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وبِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ واحد وهو ضد للغو؟؟ فقالوا كسب القلب هو العقد والنية فقوله بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وقوله بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ كلاهما يشتملان الغموس والمنعقدة والمظنونة ايضا فيجب الكفارة في جميع ذلك- قلنا ليس كذلك بل عقد اليمين الزام شىء على نفسه باليمين بحيث يجب ايفاؤه بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ولا معصية فيه ولا مؤاخذة الا بعد الحنث- وكسب القلب ضد لغو اليمين على تفسير عائشة فكان أعم منه مطلقا لكنا حملناه على كسب المعصية بمجرد اليمين بقرينة المؤاخذة من غير تقدير في الاية فهو الغموس فقط فلا كفارة في الغموس- لان الضمير في قوله تعالى فَكَفَّارَتُهُ راجع الى ما عقّدتّم الايمان فقط ولان الغموس كبيرة محضة فلو وجبت عليها كفارة فاما ان تكون سائرة ومزيلة لمعصية الغموس اولا وعلى الثاني لا تكون الكفارة كفارة- وعلى الاول يسع لكل امرئ ان يقتطع مال امرئ مسلم باليمين الفاجرة ثم يكفر عنها ولم يقل به أحد وقد قال الله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وقال إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ- وقال عليه الصلاة والسلام- الصلوات الخمس والجمعة الى الجمعة ورمضان الى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنب الكبائر- فظهران الطاعات لا تكون مكفرات الا للصغائر دون الكبائر- واما الكبائر فلا محيص عنها الا بالاستغفار الا ان يتغمّده الله برحمته ويغفر له ولعل الله سبحانه أشار الى ذلك بقوله وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) يغفر الكبائر ان شاء بتوبة او بغير توبة والظاهران الوعد بالمغفرة والحلم راجع الى قوله لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ فان سوق الكلام كان في يمين اللغو واليمين الغموس ذكر تبعا واستطرادا يدل عليه ما رواه البخاري عن عائشة انها قالت أنزلت هذه الاية لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ فى قول الرجل لا والله وبلى والله- والله اعلم- اعلم ان اليمين في الأصل القوة قال الله تعالى لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ويقال للجارحة ضد اليسار يمين لقوته ويقال للقسم فان فيه تقوية الكلام بذكر اسم الله تعالى وهو على نوعين الاول ان يجرى على اللسان من غير قصد سواء وقع في الخير الماضي او المستقبل صادقا كان او كاذبا او في الإنشاء وهو اللغو من اليمين وهو غير معتد به ولا يتعلق به حكم الا ما ذكرنا خلاف ابى حنيفة في الإنشاء- والثاني ما يتعلق به القصد وهو على نوعين اما في الخبر واما في الإنشاء فان كان في الخبر فالخبر ان كان صادقا في الواقع وفي زعم المتكلم ايضا كقولك والله ان محمدا رسول الله وان الساعة لاتية لا ريب فيها وانه لقد طلعت الشمس فلا كلام فيه انه عبادة ومن ثم لا يجوز الحلف بغير الله تعالى عن ابن عمر ان رسول الله ﷺ قال- ان الله ينهاكم ان تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله او ليصمت- متفق عليه- وعنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول- من حلف بغير الله فقد أشرك- رواه الترمذي- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لا تحلفوا بآبائكم ولا بامهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا بالله الا وأنتم صادقون- رواه ابو داود والنسائي- وان كان كاذبا في الواقع صادقا في زعم المتكلم فان كان زعمه مبنيا على دليل ظنى كحديث الآحاد وقد كذب فيه الراوي او أخطأ هو في تأويله او اثر من السلف الصالح او غلط في الحس او استصحاب الحال او نحو ذلك ولم يكن هناك دليل قاطع على كذبه فهو اليمين المظنون واللغو على تفسير ابى حنيفة وقد ذكرنا حكمه- وان لم يكن زعمه مبنيا على

البقرة 2:226

دليل كقوله زيد قائم او سيقوم من غير علم ولا روية ولا اخبار من أحد فهو من الغموس المنهي عنه قال الله تعالى وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ- وما قام على كذبه دليل فهو من الغموس بالطريق الاولى كقول الكفار الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ- وانّ الله لا يبعث من في القبور- وان كان صادقا في الواقع كاذبا في زعم المتكلم كقول المنافقين لرسول الله ﷺ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ- او كاذبا في الواقع وكذا في زعم المتكلم كقول اليهود ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ وقولهم لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ وقول المديون ليس لك علىّ شىء فهو اليمين الغموس لا يحل اقترابه وهو كبيرة من الكبائر عن عبد الله ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس- رواه البخاري- وعن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله يوم القيامة وهو عليه غضبان فانزل الله تعالى تصديق ذلك إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا الاية- متفق عليه وعن ابى امامة قال قال رسول الله ﷺ من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة- رواه مسلم وعن عبد الله بن أنيس قال قال رسول الله ﷺ ان من اكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس- رواه الترمذي وعن حزيم ابن فاتك مرفوعا قال عدلت شهادة الزور بالاشراك بالله ثلث مرات ثم قرأ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ- رواه ابو داود وابن ماجة وان كان في الإنشاء بان يلزم على نفسه شيئا او كف النفس عن شىء كان اليمين منعقدة وهو المراد بقوله تعالى وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ- فى المائدة وسنذكر حكمها هناك ان شاء الله تعالى-. لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ اى يحلفون ان لا يجامعوهن- والالية اليمين وتعديته بعلى لكن لما ضمن معنى البعد عدى بمن قال قتادة كان الإيلاء طلاقا لاهل الجاهلية- وقال سعيد بن المسيب كان ذلك ضرارا من اهل الجاهلية كان الرجل لا يحب امرأته ولا يريد ان يتزوجها غيره فيحلف ان لا يقرابها ابدا فيتركها لا ايمان ولا ذات بعل وكانوا عليه في ابتداء الإسلام فضرب له أجل في الإسلام تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مبتدأ خبره ما قبله او فاعل للظرف- والتربص الانتظار والتوقف أضيف الى الظرف على الاتساع- اى للمولى حق التلبث في هذه المدة لا يقع

البقرة 2:227

فيه الطلاق او لا يطالب فيه بطلاق على خلاف يأتي فَإِنْ فاؤُ اى رجعوا عن اليمين الى النساء بالوطى بعد الأشهر الاربعة على قول الشافعي ومالك واحمد بتاء على ظاهر الاية فان الفاء للتعقيب وبناء على ذلك قالوا الرجل لا يكون موليا لو حلف على اربعة أشهر كما لا يكون موليا فيما دون ذلك بل إذا حلف على اكثر منها فان الفيء لا بد ان يكون فى مدة الإيلاء وان الطلاق لا يقع بمضى أربعة أشهر- وقرا ابن مسعود فان فاؤا فيهنّ يعنى فى أربعة أشهر وبناء على هذه القراءة قال ابو حنيفة انه لو حلف على اربعة أشهر يكون موليا وانه لا يصح الفيء الا فى اربعة أشهر فالخلاف مبنى على ان القراءة الشاذة هل يجوز العمل بها أم لا- قالوا لا يجوز فانه ليس بحديث ولا قران ولو كان قرانا لتواتر- وقال ابو حنيفة يجب العمل بها فانها لا تخلوا اما ان تكون قرانا او خبرا من رسول الله ﷺ تفسيرا للقران وكل منهما حجة- فان قيل سلمنا كونه حجة لكنه لما وقع التعارض بينها وبين القراءة المتواترة وجب سقوطها- قلنا انما يجب سقوطها إذا لم يمكن الجمع بينهما وهاهنا الجمع ممكن فان الفاء كما يجىء للتعقيب فى الزمان قد يكون لتفصيل مجمل قبلها وغير ذلك كما فى قوله تعالى وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وقوله تعالى يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً وهاهنا لما ذكر ان لهم تربص اربعة أشهر من غير وطى كان موضعا يقتضى لتفصيل الحال فقال فَإِنْ فاؤُ الى قوله سَمِيعٌ عَلِيمٌ- وايضا على تقدير كون الفاء للتعقيب فى الزمان يحتمل ان يكون التعقيب بالنسبة الى الإيلاء يعنى فان فاءو بعد الإيلاء- والقراءة المتواترة يدل على جواز الفيء مطلقا سواء كان فى اربعة أشهرا وبعدها والشاذة مقيدة بكون الفى عليهم فيحمل المطلق على المقيد- قال ابو حنيفة قراءة ابن مسعود مشهورة يجوز به تخصيص الكتاب وحمل مطلقه على المقيد فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) قال الحسن وابراهيم وقتادة إذا فاء المولى لا كفارة عليه لان الله تعالى وعد المغفرة والرحمة- وعند الجمهور يجب عليه الكفارة فان وعد المغفرة لا ينفى الكفارة الثابتة بالآية فى سورة المائدة وقوله عليه السلام من حلف على يمين فراى غيرها خيرا منها فليكفر وليأت بما هو خير-. وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ قال مالك والشافعي واحمد معناه ان لم يفيؤا بعد الأشهر الاربعة وعزموا الطلاق وطلقوا فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لقولهم بالتطليق عَلِيمٌ (٢٢٧) لنياتهم- وبناء على هذا التأويل قالوا لا يقع الطلاق بمجرد مضى الأشهر الاربعة بل يتوقف على تطليقة إذ لو لم يتوقف على تطليقة ويقع الطلاق بمجرد انقضاء الأشهر لا تكون لعزمه على الطلاق معنى ولا يناسبه التذييل بقوله تعالى فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ وعلى هذا التأويل ليس الترديد دائرا بين النفي والإثبات وبقي شق ثالث وهو ان لا يفىء ولا يعزم على الطلاق وحكم هذا الشق مسكوت عنه فاختلف فيه قول القائلين بهذا التأويل- فقال أكثرهم يطلّق الحاكم عليه لانه لما امتنع عن الإمساك بالمعروف ينوب الحاكم عنه فى التسريح بالإحسان كما فى العنين- وفى رواية عن الشافعي واحمد انه يضيق الحاكم عليه حتى يطلق- وقال ابو حنيفة تأويله ان عزموا وقوع الطلاق باستمراره على ترك الفيء حتى انقضى المدة وقع الطلاق به «١» - قالوا لو لم يقع الطلاق به لجاز له الفيء بعد الأشهر فلا يكون لتقييد الفيء بقوله فيهن على قراءة ابن مسعود معنى- ولو قلنا بانه لا يجوز له الفيء بعد الأشهر وعليه التطليق حتما يلزم خرق الإجماع المركب إذ لم يقل به أحد على ان الترديد الواقع فى الاية يأبى عنه وعلى هذا التأويل معنى قوله تعالى فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لما يقارن ترك الفيء من المقاولة والمجادلة وحديث النفس به كما يسمع وسوسة الشيطان- او انه سميع للايلاء الذي هو طلاق موقوف على مضى الأشهر الاربعة من غير وطى عليم بما استمروا عليه من الظلم وفيه معنى الوعيد على ذلك واثار الصحابة فى الباب متعارضة فقد روى عن عمر وعثمان وعلى وزيد بن ثابت وابن مسعود وابن عباس وابن عمر مثل ما قال ابو حنيفة غير ان ما روى عن عمر يدل على الطلقة الرجعية- اخرج الدارقطني عن إسحاق حدثنى مسلم بن شهاب عن سعيد بن المسيب وابى بكر بن عبد الرحمن ان عمر بن الخطاب كان يقول إذا مضت اربعة أشهر فهى تطليقة وهو املك بردها ما دامت فى عدتها- واخرج عبد الرزاق حدثنا معمر عن عطاء الخراسانى عن ابى سلمة بن عبد الرحمن ان عثمان بن عفان وزيد بن ثابت كانا يقولان فى الإيلاء إذا مضت أربعة أشهر فهو تطليقة واحدة وهى أحق بنفسها وتعتد عدة المطلقة وأخرج عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة أن عليا وابن مسعود قالا إذا مضت أربعة أشهر فهى تطليقة- وهى أحق بنفسها وتعتد عدة المطلقة- واخرج عبد الرزاق حدثنا معمر وابن عيينة عن ابى قلابة قال الى النعمان من امرأته وكان جالسا عند ابن مسعود فضرب فخذه وقال إذا مضت اربعة أشهر فاعترف بتطليقة- واخرج ابن ابى شيبة حدثنا ابو معاوية عن الأعمش عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وابن عمر (١) فى الأصل ووقع الطلاق به قالا- إذا الى فلم يفى حتى مضت اربعة أشهر فهى تطليقة بائنة- وقد يروى عن عثمان وعلى وابن عمر ايضا ما يخالف ذلك ويوافق مذهب الشافعي- وكذا روى عن غيرهم من الصحابة روى الدارقطني قال حدثنا ابو بكر الميموني قال ذكرت لاحمد بن حنبل حديث عطاء الخراسانى عن عثمان قال لا أدرى ما هو قد روى عن عثمان خلافه قيل له من رواه قال حبيب بن ثابت عن طاؤس عن عثمان- وروى مالك فى المؤطا عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على بن ابى طالب انه كان يقول إذا الى الرجل من امرأته لم يقع عليه الطلاق فان مضت الاربعة الأشهر يوقف حتى يطلق او يفىء- وروى البخاري عن ابن عمر بسنده انه كان يقول فى الإيلاء الذي سمى الله تعالى لا تحل بعد ذلك الاجل الا ان يمسك بالمعروف او يعزم بالطلاق كما امر الله تعالى- وقال البخاري قال لى إسماعيل بن اويس حدثنى مالك عن نافع عن ابن عمر قال إذا مضت اربعة أشهر يوقف حتى يطلق- وقال الشافعي حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال أدركت بضع عشر رجلا من الصحابة كلهم يقولون يوقف المولى- قلت وذكر البغوي فيمن ذهب الى الوقف من الصحابة عمر وأبا الدرداء «١» ايضا قال ابن همام ما روينا عن عثمان وزيد بن ثابت اولى مما روى احمد عن عثمان لان سندنا جيد موصول بخلاف ما رواه احمد فان حال رجاله لا يعرف الى حبيب وهو اعضله ولا يعلم ان طاءوسا أخذ عن عثمان- ورواية محمد بن على عن على بن ابى طالب مرسل مثل رواية قتادة عنه وهما متعاصران- وما روينا عن ابن عمر وابن عباس رجاله كلهم اخرج لهم الشيخان فى الصحيحين فلا مزية لما فى صحيح البخاري عن ابن عمر عليه- قال البغوي والى الوقف ذهب من التابعين سعيد بن جبير وسليمان بن يسار ومجاهد والى خلاقه ذهب سفيان الثوري وسعيد بن المسيب والزهري لكن قالا يقع تطليقة رجعية- واخرج عبد الرزاق نحو مذهب ابى حنيفة من التابعين عن عطاء وجابر بن يزيد وعكرمة وسعيد بن المسيب وابى بكر «٢» ابن عبد الرحمن ومكحول- واخرج الدارقطني نحوه عن ابن الحنفية والشعبي والنخعي ومسروق والحسن وابن سيرين وقبيصة وسالم وابى سلمة- وقيل فى الترجيح انه لا شك ان الظاهر من القراءة المتواترة يفيد مذهب الشافعي وغيره واما مذهب ابى حنيفة فلا يستفاد منه الا بتكلف لا يجوز المصير اليه الا بالسماع فمن قال من الصحابة على ظاهر الاية يعلم انه قال بالرأى ومن قال منهم بما (١) فى الأصل وابى الدرداء (٢) فى الأصل وأبا بكر

البقرة 2:228

قال ابو حنيفة يحمل قوله على السماع قال ابن همام وهذا ترجيح عام- والله اعلم وهاهنا خلافيات اخر أحدها انه إذا اتى بغير يمين الله كالطلاق والعتاق والصدقة وإيجاب العبادات هل يكون موليا أم لا فقال ابو حنيفة يكون موليا سواء يقصد به الإضرار بها- او المصلحة لها بان كانت مريضة مثلا او المصلحة لنفسه بان كان مريضا مثلا- وقال مالك لا يكون موليا الا ان يحلف حال الغضب او لقصد الإضرار بها- وقال احمد الا ان يقصد الإضرار- وعن الشافعي قولان أصحهما كقول ابى حنيفة- وثانيهما انه من ترك وطى زوجته للاضرار بها من غير يمين اكثر من اربعة أشهر هل يكون موليا- فقال مالك وأحمد فى احدى روايتيه نعم وقال الجمهور لا ثالثها ان مدة إيلاء الرقيق كالحر اربعة أشهر عند الشافعي واحمد لعموم الاية قالا انها ضربت لامر يرجع الى الطبع وهو قلة صبر المرأة عن الزوج فى تلك المدة فيستوى فيه الحر والعبد كمدة الغيبة- وعند ابى حنيفة ومالك ينتصف المدة بالرق لكن عند ابى حنيفة برق المرأة وعند مالك برق الزوج بناء على اختلافهما فى الطلاق رابعها انه إذا تعذر الوطي فالفىء عند ابى حنيفة بقوله فئت ثم ان قدر على الوطي قبل مضى المدة يجب عليه الوطي وعند الشافعي لا فىء الا بالوطى إذ لا حنث الا به-. وَالْمُطَلَّقاتُ هذا اللفظ عام يشتمل الرجعيات والبائنات الحاملات والحائلات والمدخول بهن وغيرهن والحرائر والإماء- خص الإماء عنها بالسنة والإجماع قال رسول الله ﷺ طلاق الامة طلقتان وعدتها حيضتان- رواه الترمذي وابو داود وابن ماجة والدارمي من حديث عائشة وسنذكر البحث فى هذا الحديث وما فى هذه المسألة من تخصيص العام من الكتاب بخبر الآحاد فى تفسير قوله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتانِ ان شاء الله تعالى- ونسخ حكم هذه الاية فى الحوامل بقوله تعالى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وفى غير المدخول بها بقوله تعالى فى الأحزاب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ يَتَرَبَّصْنَ خبر بمعنى الأمر للتأكيد بِأَنْفُسِهِنَّ فيه بعث للنساء على التربص اى يحبسن انفسهن ويغلبنّها وان كان على خلاف هواها ثَلاثَةَ قُرُوءٍ فلا يتزوجن فيها- والقرء لفظ مشترك من الاضداد يطلق على الحيض والطهر كليهما بإجماع اهل اللغة فقال الشافعي ومالك وهو المروي عن عائشة وابن عمرو زيد بن ثابت ان المراد هاهنا الطهر لحديث ابن عمر انه طلق امرأته وهى حائض فذكر عمر لرسول الله ﷺ فتغيظ فيه رسول الله ﷺ ثم قال ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فان بدا له ان يطلقها فليطلقها طاهرا قبل ان يمسها فتلك العدة التي امر الله ان يطلق بها النساء- متفق عليه وجه الاحتجاج ان الله سبحانه قال يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قالوا اللام فى لعدتهن للوقت اى وقت عدتهن والمشار اليه فى الحديث بتلك العدة الطهر الذي لا مسيس فيه فظهر ان المراد بالقروء الاطهار قلنا اللامر للوقت بمعنى فى غير معهود فى الاستعمال ويستلزم ذلك تقدم العدة على الطلاق او مقارنة له لاقتضائه وقوعه فى وقت العدة- بل اللام هناك لافادة معنى استقبال عدتهن يقال فى التاريخ بإجماع اهل العربية خرج لثلاث بقين من رمضان- ويؤيد ما قلنا ان ابن عباس وابن عمر كانا يقران يا ايّها النّبىّ إذا طلّقتم النّساء فطلّقوهنّ فى قبل عدّتهنّ- وفى هذا الحديث فى رواية لمسلم انه ﷺ تلا وإذا طلّقتم النّساء فطلّقوهنّ لقبل عدّتهنّ- او نقول المراد بالعدة فى قوله ﷺ فتلك العدة التي امر الله بها الوقت للطلاق اى تلك الوقت الذي امر الله ان يطلق بها النساء لا العدة التي يجب بعد الطلاق- وقد يحتج للشافعى بان التاء فى ثلثة يدل على تذكير المميز والقرء بمعنى الحيض مؤنث وبمعنى الطهر مذكر فهى المراد- وهذا ليس بشىء فان الشيء إذا كان له اسمان مذكر كالبر ومؤنث كالحنطة وليس هناك تأنيث حقيقى فالعبرة للمذكر منهما وهاهنا كذلك فان الحيض مؤنث والقرء مذكر وإذا كان التأنيث حقيقيا واللفظ مذكر كالشخص يعبر به عن المرأة ففيه وجهان جائزان- وقال ابو حنيفة واحمد المراد به الحيض ويحتج له بوجوه أحدها ما مر فى احتجاج الشافعي من حديث ابن عمر برواية مسلم وقراءة ابن عباس وابن عمر- ثانيها ان لفظ ثلاثة عدد خاص لا يدل على اقل منه ولا على أزيد منه والطلاق على وجه السنة لا يكون الا فى الطهر اجماعا ولما مر من حديث ابن عمر فثلاثة قروء لا يتصور الا فى الحيض دون الاطهار إذ لا يخلوا اما ان لا يعد هذا الطهر الذي وقع فيه الطلاق من العدة وهو خلاف الإجماع ولم يقل به أحد وايضا يلزم حينئذ الزيادة على الثلاث- او يعد فتكون العدة طهرين «١» وبعض طهر وذلك ليست بثلاثة- ولو جاز اطلاق الثلاثة على طهرين وبعض طهر لجاز اطلاق ثلاثة أشهر فى قوله تعالى فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ- على شهرين (١) فى الأصل طهران [.....] وبعض شهر ولم يقل به أحد- فان قيل أليس فى قوله تعالى الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ اطلاق الأشهر على شهرين وبعض شهر قلنا هناك لم يقل الحج ثلاثة أشهر بل قال أشهر- وهاهنا لم يقل قروء بل قال ثلاثة قروء فهذا ادل واصرح فلا يجوز حملها على ما دون ثلاثة تجوزا فان كلمة ثلاثة يمنع عن التجوز ومما يدل على ان المعتبر الأقراء التامات دون بعض القرء ما احتج به الشافعي من حديث ابن عمر فانه ﷺ لم يجوز الطلاق فى الطهر الذي يلى الحيضة التي أوقع فيه الطلاق او لا كيلا يجتمع الطلقتان بلا فصل قرء تام- ثالثها قوله ﷺ طلاق الامة تطليقتان وعدتهما «١» حيضتان- مع الإجماع على انه لا يخالف الامة الحرة فيما به الاعتداد بل فى الكمية فظهر ان المراد بالقروء الحيض- رابعها ان العدة شرعت لتعرف براءة الرحم وذلك بالحيض دون الطهر ومن ثم وجب الاستبراء فى الامة بالحيض دون الطهر- خامسها انه لو كان القرء بمعنى الطهر تنقضى العدة بدخول الحيض الثالثة ولو كان بمعنى الحيض لم ينقض ما لم تطهر من الحيضة الثالثة فلا تنقضى العدة بالشك- ومذهبنا مأثور من الخلفاء الراشدين والعبادلة وابى بن كعب ومعاذ بن جبل وأبى الدرداء وعبادة بن الصامت وزيد بن ثابت وابى موسى الأشعري- وزاد ابو داود والنسائي ومعبد الجهني وبه قال من التابعين سعيد بن المسيب وابن جبير وعطاء وطاءوس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن البصري ومقاتل وشريك القاضي والثوري والأوزاعي وابن شبرمة وربيعة والسدى وابو عبيدة وإسحاق واليه رجع احمد بن حنبل قال محمد بن الحسن فى المؤطا حدثنا عيسى بن ابى عيسى الخياط عن الشعبي عن ثلاثة عشر من اصحاب النبي ﷺ كلهم قالوا الرجل أحق بامراته حتى تغتسل من الحيضة الثالثة- والله اعلم وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ من الحمل والحيض استعجالا فى العدة وابطالا لحق الزوج فى الرجعة- وفيه دليل على ان قولها مقبول فى ذلك إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ والجزاء محذوف يعنى إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ لا يكتمن فان من شأن المؤمن ان لا يرتكب المحرم- والغرض منه التأكيد والتوبيخ والله اعلم وَبُعُولَتُهُنَّ جمع يعل والتاء لتانيث الجمع كالعمومة- واصل البعل المالك والسيد سمى الزوج بعلا لقيامه بأمر زوجته- والضمير راجع الى الرجعيات منهن ولا امتناع فيه كما كرر الظاهر وخصصه ثانيا- (١) فى الأصل وعدته او البعولة مصدر أقيم مقام المضاف المحذوف اى اهل بعولتهن أَحَقُّ افعل هاهنا بمعنى الفاعل اى حقيق بِرَدِّهِنَّ الى النكاح بالرجعة سواء رضيت المرأة اولا فِي ذلِكَ اى فى زمان التربص إِنْ أَرادُوا بالرجعة إِصْلاحاً لا ضرارا بالمرأة كما كانوا يفعلونه فى الجاهلية كان الرجل يطلق امرأته فاذا اقترب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها- وليس المراد منه شريطة قصد الإصلاح للرجعة حتى لو راجعها بقصد الإضرار كان رجعة بل هو للمنع عن قصد الإضرار والتحريض على الإصلاح او يكون التقدير ان أرادوا إصلاحا فلا جناح عليه فى الرجعة- اجمعوا على جواز الرجعة من الطلاق الرجعى واختلفوا فى انه هل يجوز وطيها فى العدة أم لا- فقال ابو حنيفة واحمد فى اظهر روايتيه يجوز وفى اخرى له كقول الشافعي لا يجوز قال الشافعي الزوجية زائلة لوجود القاطع وهو الطلاق- قلنا تأخر عمل الطلاق الى انقضاء العدة اجماعا لجريان التوارث بينهما وجواز الرجعة بغير رضاها ووجوب النفقة فظهر ان النكاح قائم ويدل عليه قوله تعالى بُعُولَتُهُنَّ قالوا اطلاق البعل تجوز بناء على ما كان ولفظ الرد يدل على زوال النكاح- قلنا القول بالتجوز فى لفظ البعل ليس اولى من القول به فى الرد فانه يقال رد البيع فى بيع كان الخيار للبائع- ثم إذا تعارض احتمالا «١» المجاز فى لفظ البعل ولفظ الرد فى تلك الاية تساقط اعتبارهما وبقي قوله تعالى فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ وقوله فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ سالما فان الإمساك يدل على البقاء- ويمكن حمل الرد على الرد الى الحالة الاولى وهى كونها بحيث لا يحرم بعد مضى العدة فلا إشكال حينئذ أصلا- واختلفوا فى انه هل يشترط للرجعة القول- فقال الشافعي لا يحصل الرجعة الا بالقول بناء على ما قال ان الرجعة بمنزلة ابتداء النكاح وقال ابو حنيفة وأحمد إذا وطيها او قبلها أو لمسها بشهوة او نظر الى فرجها بشهوة يصير مراجعا ايضا كما يصير مراجعا بالقول بناء على ما ذكرنا ان الرجعة عندهما ليست بمنزلة ابتداء النكاح بل هو ابقاء لها فيكفى فيها الفعل الدال على الاستدامة كما فى إسقاط الخيار- وقال مالك فى المشهور عنه انّ بالوطى ان نوى الرجعة حصلت والا فلا- واختلفوا فى انه هل يشترط الاشهاد للرجعة- فقال احمد وهو قول الشافعي يشترط عملا بقوله تعالى وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فى سورة الطلاق- وقال ابو حنيفة ومالك والشافعي فى أصح قوليه واحمد فى احدى «٢» روايتيه- انه لا يشترط ذلك والأمر فى الاية محمول على الاستحباب إذ لو كان الاشهاد واجبا لكان الاشهاد على الفرقة (١) فى الأصل احتمالي المجاز (٢) فى الأصل أحد- ايضا واجبا لاقترابه بقوله تعالى أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ولم يقل به أحد ولو كان واجبا لكان واجبا بالاستقلال ولم يكن شرطا للرجعة لعموم قوله تعالى فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَهُنَّ اى للنساء على الأزواج حقوق مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ للازواج فى الوجوب واستحقاق المطالبة لا فى الجنس بِالْمَعْرُوفِ بكل ما يعرف فى الشرع من أداء حقوق النكاح وحسن الصحبة فلا يجوز لاحد ان يقصد ضرار الاخر بل ينبغى ان يريدوا إصلاحا قال ابن عباس انى أحب ان اتزيّن لامراتى كما تحب امراتى ان تتزين لى لان الله تعالى قال وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ- عن معاوية القشيري قال قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه قال ان تطعمها إذا طعمت وان تكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر الا فى البيت- رواه احمد وابو داود وابن ماجة وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر فى قصة حجة الوداع قال رسول الله ﷺ فى خطبته يوم عرفة فاتقوا الله فى النساء فانكم أخذتموهن بامان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ان لا يؤطين فرشكم أحدا تكرهونه فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرج ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف- رواه مسلم وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان أكمل المؤمنين ايمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم- رواه الترمذي وقال حسن صحيح ورواه ابو داود الى قوله خلقا- وروى الترمذي نحوه عن عائشة وعن عبد الله بن زمعة قال قال رسول الله ﷺ لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد الحديث- متفق عليه وعن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ خيركم خيركم لاهله وانا خيركم لاهلى- رواه الترمذي والدارمي ورواه ابن ماجة عن ابن عباس وعن ابى هريرة قالا قال رسول الله ﷺ استوصوا بالنساء خيرا فانهن خلقن من ضلع وانّ اعوج شىء فى الضلع أعلاه فان ذهبت تقيمه كسرته وان تركته لم يزل اعواج فاستوصوا بالنساء- متفق عليه وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ زيادة فى الحق وفضلا قال النبي ﷺ لو كنت امر أحدا «١» ان يسجد لاحد لامرت المرأة ان تسجد لزوجها لما جعل الله لهم عليهن من حق- رواه ابو داود عن قيس بن سعد- واحمد عن معاذ بن جبل والترمذي عن ابى هريرة نحوه والبغوي عن ابى ظبيان وعن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) فى الأصل امر أحدا

البقرة 2:229

أيما امراة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة- رواه الترمذي وعن طلق بن على قال قال رسول الله ﷺ إذا الرجل دعا زوجته فلتأته وان كانت على التنور- رواه الترمذي وَاللَّهُ عَزِيزٌ يقدر على الانتقام ممن ظلم على الاخر حَكِيمٌ (٢٢٨) يشرع الاحكام لحكم ومصالح. الطَّلاقُ الذي يعقب الرجعة بدليل ما سيأتى من ذكر الثالثة وذكر الإمساك بعد المرتين «١» مَرَّتانِ روى انه ﷺ سئل اين الثالثة فقال عليه السلام او تشريح بإحسان- أخرجه ابو داود فى ناسخه وسعيد بن منصور فى سننه وابن مردوية من حديث ابن رزين الأسدي وأخرجه الدارقطني وابن مردوية من حديث انس قال البغوي روى عروة بن الزبير قال كان الناس فى ابتداء الإسلام يطلقون من غير حصر ولا عدد كان الرجل يطلق امرأته فاذا قاربت انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها كذلك ثم راجعها بقصد مضارتها فنزل الطّلاق مرّتن فاذا طلق ثالثا لم تحل له الا بعد نكاح زوج اخر- وفيما قال مرتان دون ثنتان دلالة على كراهة الطلقتين دفعة واحدة فان كلمة مرتان تدل بالعبارة على التفرق وبالاشارة على العدد واللام للجنس وليس وراء الجنس شىء فكان القياس ان لا يكون الطلقتين المجتمعتين معتبرة شرعا- وإذا لم يكن الطلقتين معتبرة لم يكن الثلاث مجتمعة معتبرة بالطريق الاولى لوجودهما فيها مع زيادة- وقيل المراد بالطلاق التطليق والمعنى ان التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق فى الاطهار دون الجمع وحينئذ لم يرد بالمرتين التثنية بل التكرير كما فى قوله تعالى ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يعنى كرة بعد كرة لكن يشكل حينئذ عطف قوله تعالى فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ وقوله تعالى فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ له من بعد لان قوله تعالى الطلاق على هذا التأويل يشتمل الطلقات الثلاث أيضا وعلى كلا التأويلين يظهران جمع الطلقتين او ثلاث تطليقات بلفظ واحد أو بألفاظ مختلفة فى طهر واحد «٢» حرام بدعة مؤثم خلافا للشافعى فانه يقول لا بأس به- لكنهم أجمعوا على انه من قال لامراته أنت طالق ثلاثا يقع ثلاثا بالإجماع وقالت الامامية ان طلق ثلاثا دفعة واحدة لا يقع أصلا لهذه الاية- وقال بعض الحنابلة- يقع طلقة واحدة لما روى فى الصحيحين ان أبا الصهباء قال لابن عباس- الم تعلم ان الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ وابى بكر وستين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال ان الناس قد استعجلوا فى امر كان لهم اناءة فلو أمضيناه عليهم فامضاه عليهم- واى تاخرا منه رح (١) فى الأصل المرتبتين- (٢) فى الأصل واحدة روى ابن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال طلق ركانة بن عبد زوجته ثا؟؟ فى مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا فساله رسول الله ﷺ كيف طلقها قال طلقتها ثلاثا فى مجلس واحد قال انما تلك طلقة واحدة فارتجعها- ونقل عن طاؤس وعكرمة انهم قالوا من طلق ثلاثا فقد خالف السنة فيردّ الى السنة وبه قال ابن إسحاق ومن الناس من قال ان فى قوله أنت طالق ثلاثا يقع فى المدخول بها ثلثا وفى غير المدخول بها واحدة لما روى مسلم وابو داود والنسائي ان أبا الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس فقال اما علمت ان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا جعلوها واحدة قال ابن عباس- بل كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل ان يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ وابى بكر وصدرا من خلافة عمر فلما راى الناس قد تتابعوا فيها قال اجتزوهن عليهم- والحجة للشافعى على جواز الطلقات بكلمة واحدة ووقوعهن من غير اثم ما فى الصحيحين من حديث سهل بن اسعد ان عويمر العجلى لا عن امرأته فلما فرغا قال عويمر كذبت عليها يا رسول الله ان أمسكتها فطلقها ثلاثا- وفى لفظ فهى طالق ثلاثا ولم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم- وفى بعض روايات فاطمة بنت قيس طلقنى زوجى ثلاثا قلم يجعل لى النبي ﷺ نفقة ولا سكنى- وطلق عبد الرحمن بن عوف تماظر فى مرضه وطلق الحسن بن على امرأته شهباء ثلاثا لما هنّته بالخلافة بعد موت على عليهما السلام فههنا مقامان أحدهما ان فى صورة الإيقاع ثلاثا تقع ثلاثا- وثانيهما انه يأثم به- والحجة لنا السنة والإجماع- اما السنة فحديث ابن عمر انه طلق امرأته وهى حائض ثم أراد ان يتبعها بطلقتين أخريين عند القرائن فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله قد اخطأت السنة السنة ان تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء فامرنى فراجعتها فقال إذا هى طهرت فطلق عند ذلك او امسك فقلت يا رسول الله ارايت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لى ان أراجعها قال لا كانت تبين منك وكانت معصية- رواه الدارقطني وابن ابى شيبة فى مصنفه عن الحسن قال حدثنا ابن عمر قد صرح بسماعه عنه- وأعله البيهقي بعطاء الخراسانى قال اتى بزيادات لم يتابع عليها وهو ضعيف لا يقبل ما تفرد به- قال ابن همام تعليل البيهقي مردود حيث تابعه شعيب بن رزيق سندا ومتنا- رواه الطبراني- وما ذكر من حديث ابن عباس فيه دلالة على ان الحديث منسوخ فان إمضاء عمر الثلاث بمحضر من الصحابة وتقرر الأمر على ذلك يدل على ثبوت الناسخ عندهم وان كان قد خفى ذلك قبله فى خلافة ابى بكر- وقد صح فتوى ابن عباس على خلاف ما رواه روى ابو داود عن مجاهد قال كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال انه طلق امرأته ثلاثا فسكت حتى ظننت انه رادها اليه ثم قال يطلق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول يا ابن عباس- وان الله عز وجل قال وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً عصيت ربك وبانت منك امرأتك وروى الطحاوي بلفظ ان رجلا طلق امرأته مائة قال ابن عباس عصيت ربك وبانت منك امرأتك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا الحديث- وفى مؤطا مالك بلغه ان رجلا قال لابن عباس انى طلقت امراتى مائة تطليقة فماذا ترى فقال ابن عباس طلقت منك ثلاثا وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوا- وعلى وقوع الطلقات الثلاث انعقد الإجماع وروى عن فقهاء الصحابة فى المؤطا بلغه ان رجلا جاء الى ابن مسعود فقال انى طلقت امراتى ثمانى تطليقات فقال ما قيل لك فقال قيل لى بانت منك قال صدقوا هو مثل ما يقولون- وظاهره الإجماع على هذا الجواب وأسند عبد الرزاق عن علقمة قال جاء رجل الى ابن مسعود فقال انى طلقت امراتى تسعا وتسعين فقال له ابن مسعود ثلاث تبينها وسائرهن عدوان- وفى سنن ابى داود وموطا مالك عن محمد بن إياس بن البكير قال طلق رجل امرأته ثلاثا قبل ان يدخل بها ثم بدا له ان ينكحها فجاء يستفتى فذهبت معه فسال ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك معا فقالا لا نرى ان تنكحها حتى تنكح زوجا غيرك قال فانما طلاقى إياها واحدة فقال ابن عباس انك أرسلت بين يديك ما كان لك من فضل- وفى مؤطا مالك مثله عن ابن عمرو روى وكيع عن الأعمش عن حبيب بن ثابت قال جاء رجل الى على بن ابى طالب فقال انى طلقت امراتى الفا فقال بانت منك بثلث واقسم سائرهن على نسائك- وروى وكيع عن معاوية بن ابى يحيى قال جاء رجل الى عثمان بن عفان فقال طلقت امراتى الفا فقال بانت منك بثلاث وأسند عبد الرزاق عن عبادة بن الصامت ان أباه طلق امراة له الف تطليقة فانطلق عبادة فسال رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ بانت بثلاث فى معصية الله وبقي تسعمائة وسبع وتسعون عدوان وظلم ان شاء عذبه وان شاء غفر له- وروى الطحاوي عن انس قال لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره- وكان عمر بن الخطاب إذا اتى برجل طلق امرأته ثلاثا أوجع ظهره- وروى ايضا

البقرة 2:230

عن انس عن عمر فيمن طلق البكر ثلاثا انه لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره- وما ذكر الخصم من حديث ابن عباس يمكن تأويله بان قول الرجل أنت طالق أنت طالق أنت طالق كان واحدة فى الزمن الاول لقصدهم التأكيد فى ذلك الزمان- ثم صاروا يقصدون التجديد فالزمهم ثلثا لما علم قصدهم او للاحتياط- واما حديث ركانة فمنكر والأصح ما رواه ابو داود والترمذي وابن ماجة ان ركانة طلق زوجته البتة فجعله رسول الله ﷺ انه ما أراد الا واحدة فردها اليه فطلقها الثانية فى زمن عمر والثالثة فى زمن عثمان- قال ابو داود- هذا أصح وبما ذكرنا من الأحاديث والآثار كما يثبت وقوع الطلقات الثلاث دفعة واحدة يثبت انه بدعة معصية وما ذكره الشافعي من تطليق عويمر ثلثا بعد التلاعن فهو استدلال بعدم إنكاره ﷺ فهو شهادة على النفي لا عبرة بعد ما ثبت عنه ﷺ الإنكار فى قصة اخرى ولعله ﷺ أنكر ولم يذكره الراوي- او لم ينكر لانها بعد التلاعن لم تبق محلا لطلاق- ورواية حديث فاطمة بنت قيس بلفظ الثلاث غير صحيح والصحيح انه طلقها البتة وايضا حين طلقها كان زوجها غائبا عنها فى سرية ولم يكن بمحضر من رسول الله ﷺ حتى يظهر تقريره وانما ثبت تقريره فى وقوع الثلاث- وايضا حديث فاطمة بنت قيس رده عمر وقال- لا ندرى صدقت أم كذبت حفظت أم نسيت- واثر عبد الرحمن بن عوف وحسن رضى الله عنهما ليس بحجة فى مقابلة المرفوع (مسئلة) - الطلاق ثلاثا مجتمعا بدعي حرام وبالتفريق على الإظهار مباح جائز بهذه الاية الى قوله تعالى. فَإِنْ طَلَّقَها الاية والأحسن من ذلك كله إذا اضطر الرجل الى طلاق امرأته ان يطلقها واحدة ثم ان لم يرد المراجعة يتركها حتى تنقضى عدتها- لان الطلاق ابغض المباحات عند الله والحاجة اندفعت بالواحدة قال الله تعالى فى ذم السحر فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ- وعن جابر قال قال رسول الله ﷺ ان إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه يفتنون الناس فادناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجىء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا ثم يجىء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته فيدنيه ويقول نعم أنت- قال الأعمش أراه قال فيلتزمه- رواه مسلم وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال ابغض الحلال الى الله الطلاق- رواه ابو داود- (مسئلة) - الطلاق فى الحيض يقع طلاقا اجماعا خلافا للامامية قالوا لا يقع أصلا- وعندنا يقع لكنه حرام اجماعا يجب الرجعة بعده وما مر من حديث ابن عمر يدل على الوقوع والحرمة ووجوب الرجعة- واختلفوا فى انه ان أراد طلاقها ثانيا بعد الرجعة على وجه السنة متى يفعل- فقال ابو حنيفة إذا طهرت من تلك الحيضة ثم حاضت ثم طهرت فحينئذ يطلقها- كذا ذكر محمد فى المبسوط ولم يذكر خلافا عنه ولا عن صاحبيه وبه قال مالك واحمد وهو المشهور من مذهب الشافعي وهو المستفاد من حديث ابن عمر المذكور الذي فى الصحيحين حيث قال مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فان بدا له ان يطلقها فليطلقها قبل ان يمسها فتلك العدة كما امر الله عز وجل- وفى رواية حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيه- وذكر الطحاوي قول ابى حنيفة انه يطلقها فى الطهر الذي يلى الحيضة التي طلقها اولا فيها وهو أحد قولى الشافعي وقال الطحاوي الاول قول ابى يوسف- والحجة للقول الثاني رواية سالم فى حديث ابن عمر المذكور- مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا او حاملا- رواه مسلم واصحاب السنن- والاولى اولى لانها أقوى صحة واكثر تفسيرا وفيها زيادة والاخذ بالزيادة اولى- قال ابن همام قوله عليه السلام يمسكها حتى تطهر يدل على ان استحباب الرجعة او وجوبها مقيد بتلك الحيضة التي طلقها فيها فان لم يراجع فيها حتى طهرت تقررت المعصية- فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ- بالمراجعة وحسن المعاشرة- هذا يعنى الإمساك بعد الطلقتين ثابت اجماعا إذا كان الزوجان حرين- واما إذا كانا رقيقين فلا رجعة بعد الثنتين اجماعا- وان كانت امة تحت حرا وحرة تحت عبد فاختلفوا فيه- فقال مالك والشافعي واحمد ان كان الزوج حرا فطلاقه ثلاث وان كانت تحته امة- وان كان عبدا فثنتان وان كانت الزوجة حرة- وهو قول عمر وعثمان وزيد بن ثابت- وقال ابو حنيفة بعكس ذلك يعتبر الطلاق بالنساء وهو قول على وابن مسعود- قال ابن الجوزي قد رويت الأحاديث فى الطرفين وكلها ضعاف- روى ابن الجوزي عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ طلاق العبد ثنتان وقرء الامة حيضتان- وروى ابو داود والترمذي وابن ماجة والدارمي والدارقطني عنها قالت قال رسول الله ﷺ طلاق الامة تطليقتان وعدتها حيضتان- قال ابن الجوزي فى سند كلا الحديثين مظاهر بن اسلم قال يحيى بن سعيد مظاهر ليس بشىء وقال ابو حاتم هو منكر الحديث وقال ابن همام وثقه ابن حبان وقال الحاكم مظاهر شيخ من اهل البصرة لم يذكر أحد من متقدمى مشائخنا فيه بجرح- وقال ابن الجوزي- قد روى بعض من قال الطلاق بالرجال عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ انه قال الطلاق بالرجال والعدة بالنساء وانما هو من كلام ابن عباس- وروى ابن الجوزي من طريق الدارقطني عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ طلاق الامة ثنتان وعدتها حيضتان- قال ابن الجوزي هذان حديثان لا يثبتان اما الاول ففيه سليم بن سالم كان ابن المبارك يكذبه وقال يحيى ليس حديثه بشىء وقال السعدي ليس بثقة- واما الثاني فقال الدارقطني تفرد به عمرو بن شبيب مرفوعا وكان ضعيفا قال يحيى بن معين عمرو بن شبيب ليس بشىء وقال ابو زرعة واهي الحديث- والصحيح انه من قول ابن عمر ويمكن ترجيح مذهب ابى حنيفة بانا قد أثبتنا من قبل ان الطلاق لا بد فيه من التفريق على الاطهار فعدد الطلقات لا يتصور الا على عدد الاطهار وقد اجمعوا ان عدة الامة حيضتان فثبت ان طلاق الامة ايضا طلقتان والله اعلم وهاهنا إشكال على مذهب ابى حنيفة ان العام على اصل ابى حنيفة قطعى الشمول لافراده لا يجوز تخصيص العام من الكتاب بخبر الآحاد او القياس كما لا يجوز نسخه بهما وقوله تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ- وقوله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتانِ كل منهما عام يشتمل الحرائر والإماء فتخصيصهما بقوله عليه السلام- طلاق الامة ثنتان وعدتها حيضتان وهو من حديث الآحاد لا يصح لا يقال العام القطعي إذا خص منه اولا بقطعى يصير فى الباقي ظنيا فحينئذ يجوز تخصيصه بخبر الآحاد والقياس وقوله تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ خص اولا بالآيات من قوله تعالى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ الاية وقوله تعالى وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ الاية فجاز تخصيصه بحديث الآحاد لانا نقول المخصص لا يكون الا متصلا وما كان متراخيا فهو ناسخ وليس بمخصص وما تلوتم من الآيات ليس شيئا منها متصلا بهذه الاية بل متراخ فهو ناسخ ونسخ الحكم عن بعض افراد العام لا يجعل العام فى الباقي ظنيا بل هو قطعى فى الباقي كما كان من قبل- والتفصى عن هذا الاشكال بان يقال لما ثبت اجماع الامة على ان اية العدة واية الطلاق مخصوصتان بالاحرار يظهر بذلك ان الأوائل من اهل الإجماع وهم الصحابة قد سمعوا قولا من رسول الله ﷺ قاطعا فى حقهم خصوا بذلك القول تلك الآيات وان لم يصل ذلك القول إلينا بالتواتر ولو لم يسمعوا فى ذلك من رسول الله ﷺ لم يجترؤا على تخصيص الاية القطعية والا يلزم اجتماعهم على الضلالة ثم الاتباع سلكوا مسلكهم للمنع عن ابتغاء سبيل غير سبيلهم- فان قيل ليس الإجماع على ان الطلاق معتبر بالرجال او النساء فكيف يجرى هذا الجواب هناك قلنا ثبت بالإجماع ان قوله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتانِ ليس على عمومه وذلك الخلاف لا يضر والله اعلم أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ قيل المراد به الطلقة الثالثة قلت وذلك غير سديد لانه معطوف على قوله فامساك بمعروف يعنى فالواجب أحد الامرين إمساك بمعروف او طلقه ثالثة وليس كذلك بل يجوز له ان لا يمسك ولا يطلق ويترك حتى تنقضى عدتها- وقيل التسريح بإحسان هو ان لا يراجعها حتى تبين بالعدة ويرد على هذا القول مثل ما يرد على الاول- ذكر القولين البغوي وغيره- والاولى ان يفسر قوله او تسريح بإحسان بان يبينها مطلقا اما بطلاق ثالث او بانقضاء العدة والمعنى فالواجب ان يمسكها بمعروف او يبينها بإحسان سواء طلق ثالثا اولا والغرض منه تحريم الإمساك بالإضرار بغير معروف وعلى هذا فقوله تعالى فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ تفصيل لاحد احتماليه- ولو كان المراد بالتسريح الطلقة الاخرى لكان ذلك طلقة رابعة- فان قيل روى انه ﷺ سئل عن قوله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتانِ فاين الثالثة يا رسول الله قال او تسريح بإحسان- رواه ابو داود فى ناسخه وسعيد بن منصور فى سننه وابن مردويه من حديث ابى رزين الأسدي مرسلا وأخرجه الدارقطني من حماد بن سلمة عن قتادة عن انس متصلا وصححه ابن القطان وقال البيهقي ليس بشىء- ورواه ايضا الدارقطني والبيهقي من حديث عبد الواحد بن زياد عن إسماعيل عن انس وقالا جميعا الصواب عن إسماعيل عن ابى رزين عن النبي ﷺ مرسلا- قال البيهقي كذا رواه الجماعة عن الثقات وقال ابن القطان المسند ايضا صحيح قلنا قوله عليه السلام فى جواب اين الثالثة او تسريح بإحسان- معناه انه أحد احتماليه والله اعلم روى ابو داود فى الناسخ والمنسوخ عن ابن عباس قال كان الرجل يأكل من مال امرأته الذي نحلها وغيره لا يرى عليه جناحا فانزل الله تعالى وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً اى من المهر خطاب مع الأزواج وقيل خطاب مع الحكام واسناد الاخذ والإيتاء إليهم لانهم آمرون بهما عند الترافع وهذا بعيد إِلَّا أَنْ يَخافا قرا الستة من القراء على البناء للفاعل اى يعلم الزوجان من أنفسهما أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ تخاف «١» المرأة ان تعص الله فى امر زوجها- ويخاف الزوج اضاعة حقوقها او انه إذا لم يطلق امرأته ان تعتدى عليه- وفى الكلام التفات من الخطاب (١) فى الأصل يخاف الى الغيبة وقرا ابو جعفر وحمزة ويعقوب يخافا على البناء للمفعول اى يخاف الحكام الزوجين وحينئذ ان مع صلته بدل اشتمال من ضمير يخافا فَإِنْ خِفْتُمْ ايها الحكام أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ اى افتدت المرأة نفسها به- قال الفراء أراد بقوله عليهما الزوج فقط دون الزوجة وانما ذكرهما جميعا لاقترانهما كقوله تعالى نَسِيا حُوتَهُما وانما الناسي فتى موسى دون موسى- قلت والظاهر انه كما كان الجناح على الزوج فى أخذ المال بدليل قوله تعالى- لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً- الاية وقوله تعالى وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً كذلك كان الجناح على الزوجة فى اعطائها المال على طلب الطلاق فان طلب الطلاق معصية لقوله ﷺ أيما امراة سالت زوجها الطلاق فى غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة- رواه احمد والترمذي وابو داود وابن ماجة والدارمي من حديث ثوبان وإعطاء المال على المعصية حرام بل الإنسان ممنوع من إتلاف المال بغير حق يعنى بغير فائدة دينية او دنيوية وهذا هو المحمل لقوله عليه السلام المختلعات هن المنافقات- رواه الترمذي فاذا خيف منهما عدم اقامة حدود الله وارتكاب المعصية جاز لهما الاخذ والإعطاء هذا على تقدير خوف النشوز من الجانبين- اما إذا كان النشوز من جانب الزوج فقط فلا يحل له الاخذ قال صاحب الهداية يكره يعنى تحريما والحق انه يحرم لما تلونا ولعدم دليل الإباحة ولانه أخذ مال المسلم بغير حق وإمساكها لا لرغبة إضرار او تضيقا ليقتطع مالها- وان كان النشوز من جانبها يحرم عليها وعصت هى لا هو لما ذكرنا- وان لم يكن النشوز من جانب ولا يخافان ان لا يقيما حدود الله فلا يحل أخذ المال للزوج ولا طلب الطلاق وبذل المال للزوجة لكن يقع الخلع ويجب المال للزوج على الزوجة فى جميع الصور قضاء اجماعا خلافا للظاهرية لنا ان الخلع سواء كان طلاقا او فسخا فهو امر شرعى والناهي عن الأمور الشرعية يدل على الانعقاد والنفاذ حتى يتصور الابتلاء- وذهب المزني الى ان الخلع غير مشروع أصلا وهذه الاية منسوخة بقوله تعالى وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ لاية والجواب انه ليس فى تلك الاية ذكر الاخذ والإعطاء بمعاوضة ملك النكاح برضاء الزوجين فلا تعارض ولا نسخ بدون التعارض والله اعلم واختلفوا فى ان الخلع هل هو طلاق او فسخ- فقال ابو حنيفة ومالك وهو المشهور من قولى الشافعي انه طلاق وهو رواية عن احمد- وقال احمد وهو رواية عن الشافعي انه فسخ وليس بطلاق فمن قال انه فسخ لا ينقص عنده منه عدد الطلاق ولا يلحقه طلاق اخر ولا يرث أحدهما من الاخر فى العدة وبهذه الاية استدل كلا الفريقين وجه استدلال القائلين بانه فسخ ان الله سبحانه ذكر الطلقتين فى أول الاية ثم ذكر الخلع ثم ذكر الطلاق الثالث بقوله فان طلّقها فلا تحلّ له فلو كان الخلع طلاقا لزم كون عدد الطلاق أربعا وهذا الاستدلال مروى عن ابن عباس روى ابن الجوزي بسنده عن طاؤس قال سمعت ابراهيم بن سعيد يسئل ابن عباس عن رجل طلّق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه فقال ينكحها ان شاء انما ذكر الطلاق فى أول الاية وآخرها والخلع فيما بين ذلك- ورواه عبد الرزاق وروى الدارقطني عن ابن عباس الخلع فرقة وقالوا روى نافع مولى ابن عمر انه سمع ربيع بنت معوذ بن عفراء تخبر ابن عمر انها اختلعت من زوجها على عهد عثمان بن عفان فجاء عمها الى عثمان فقال ان ابنة معوذ اختلعت من زوجها اليوم أفتنتقل فقال عثمان لتنتقل ولا ميراث بينهما ولا عدة عليها الا انها لا تنكح حتى تحيض حيضة خشية ان يكون بها حبل- فقال ابن عمر عثمان خيرنا وأعلمنا- ووجه استدلالنا ان الله تعالى ذكر الطلاق المعقب للرجعة مرتين ثم ذكر افتداء المرأة وفى تخصيص اسناد الافتداء الى المرأة مع اقتضاء سوق الكلام الى اسناد الفعل إليهما وعدم وقوع الفرقة الا بفعل من الزوج دليل واضح على تقرير فعل الزوج على ما سبق وهو الطلاق فقد بين الطلاق بنوعيه بغير مال وبمال ثم قال فان طلّقها فلا تحلّ له- والفاء لفظ خاص للتعقيب وقد عقب الطلاق الافتداء فان لم يقع الطلاق بعد الخلع تبطل موجب الفاء والقول بانه متصل باول الكلام وقوله تعالى وَلا يَحِلُّ لَكُمْ الى قوله الظَّالِمُونَ معترض تحكّم وإخلال بنظم الكلام بلا دليل- وما قال الشافعي ان الله سبحانه ذكر الطلاق فى أول الاية وآخرها وذكر الخلع فيما بين ذلك ليس بشىء فانه لم يذكر الخلع والفسخ فى الكلام أصلا انما ذكر افتداء المرأة وسكت عن فعل الزوج فليس فعله الا ما ذكر من الطلاق فظهر ان الطلاق المذكور سابقا ان لم يكن بمال فهو رجعى وان كان بمال فهو بائن حتى يتحقق الافتداء ولا يجتمع البدل والمبدل منه فى ملك الزوج سواء كان ذلك بلفظ الطلاق او بلفظ الخلع او غيرهما مما يؤدى معناه وتسميته خلعا اصطلاح لم يثبت من القران والله اعلم- ويدل على كون الخلع طلاقا سبب نزول هذه الاية وهو ان جميلة بنت عبد الله بن أبيّ امراة ثابت بن قيس (واخرج الدارقطني ان اسمها زينب قال ابن حجر لعل لها اسمين ووقع فى حديث آخر أن اسمها حبيبة بنت سهل قال ابن حجر والذي ظهر انهما قضيتين وقعتا له فى امرأتين لشهرة الحديثين وصحة الطريقين واختلاف السياقين) أتت رسول الله ﷺ فشكت اليه زوجها وارته اثارا من ضربه وقالت يا رسول الله لا انا ولا هو فارسل رسول الله ﷺ الى ثابت فقال مالك ولا هلك فقال والذي بعثك بالحق ما على وجه الأرض أحب الىّ منها غيرك قال لها ما تقولين فقالت يا رسول الله ما كنت أحدثك حديثا ينزل عليك خلافه هو من أكرم الناس حنة لزوجته ولكن أبغضه فلا انا ولا هو- وروى البخاري فى صحيحه عن ابن عباس ان امراة ثابت بن قيس أتت رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله ثابت بن قيس ما اعيب عليه فى خلق ولا دين ولكنى اكره الكفر فى الإسلام قال رسول الله ﷺ أتردين حديقته قالت نعم قال رسول الله ﷺ اقبل الحديقة وطلقها تطليقة- واخرج البيهقي من وجه اخر عن ابن عباس- ان جميلة أتت النبي ﷺ تريد الخلع فقال لها ما أصدقك قالت حديقة قال روى عليه حديقته- واخرج ابن جرير عن ابن عباس قال- أول خلع كان فى الإسلام- امراة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله لا يجتمع رأسى ورأس ثابت انى رفعت الخباء فرايته اقبل فى عدة فاذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها- فقال أتردين حديقته قالت «١» نعم وان شاء زدته ففرق بينهما واخرج ابو داود وابن حبان والبيهقي عن حبيبة بنت سهل انها كانت عند ثابت بن قيس فاتت النبي ﷺ فقالت لا انا ولا ثابت الحديث- واخرج ابن جرير عن ابن جريح قال- نزلت هذه الاية فى ثابت بن قيس وفى حبيبة وكانت اشتكت الى رسول الله ﷺ فقال تردين عليه حديقته قالت نعم فدعاه يذكر ذلك قال ويطيب لى قال نعم قال قد فعلت فنزلت هذه الاية- فهذه القصة تدل على ان الخلع طلاق كما فى الصحيح انه ﷺ قال اقبل الحديقة وطلقها تطليقة- فان قيل عمل الراوي على خلاف مروية ينزل على اصل ابى حنيفة منزلة الناسخ وما فى البخاري هو من رواية ابن عباس وقد (١) فى الأصل قال- ذكر قول ابن عباس فيما سبق ان الخلع فرقة قلنا لعل ابن عباس زعم ان ثابتا طلق امرأته امتثالا لامر النبي ﷺ وصار هذا طلاقا على مال وليس بخلع ثم افتى بتأويل الاية ان الخلع فسخ فليس عمله على خلاف روايته على زعمه وحين قال ابن عباس كان هذا أول خلع فى الإسلام يحمل قوله على المجاز ولا يلزم علينا اتباع زعم ابن عباس- ومما يدل على كون الخلع طلاقا ما روى عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب ان النبي ﷺ جعل الخلع تطليقة وهذا مرسل صحيح والمرسل عندنا حجة وقد حكم الشافعي بان مراسيل سعيد بن المسيب لها حكم الوصل قال فانى وجدتها مسانيد- وقد روى كون الخلع طلاقا عن ابن مسعود قال لا يكون طلقة بائنة الا فى فدية او إيلاء- رواه ابن ابى شيبة وكذا روى عن على ايضا- وروى عن أم بكرة انها اختلعت من زوجها فارتفعها الى عثمان فى ذلك فقال هى طلقة بائنة الا ان يكونا سميا شيئا فهو على ما سميت- رواه مالك وما قيل ان من رواة هذا الأثر جمها؟؟ ن لا يعرف قال ابن همام هو ابو العلى مولى الأسلميين ويقال مولى يعقوب القبطي تابعي روى عن سعد بن ابى وقاص وعثمان بن عفان وابى هريرة وأم بكرة وروى عنه عروة بن الزبير وموسى بن عبيدة الزبيدي وغيرهما ذكره ابن حبان فى الثقات- (مسئلة) اجمعوا على ان الخلع على الأكثر من الصداق صحيح بناء على عموم الاية لكن يكره عند ابى حنيفة واحمد وقال أكثرهم لا يكره وهو رواية جامع الصغير عن ابى حنيفة- وقد سبق الخلاف فى هذه المسألة بين الصحابة وجه الكراهة ما رواه ابو داود فى مراسيله وابن ابى شيبة وعبد الرزاق فى قصة امراة ثابت بن قيس ان رسول الله ﷺ قال لها أتردين عليه حديقته التي أصدقك قالت نعم وزيادة قال اما الزيادة فلا وأخرجه الدارقطني كذلك وقال قد أسنده الوليد عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس والمرسل أصح واخرج ابن الجوزي من طريق الدارقطني عن ابى الزبير ان ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبيّ ابن «١» سلول وكان أصدقها حديقة فكرهته فقال النبي ﷺ أتردين عليه حديقته التي اعطاك قالت نعم وزيادة فقال النبي ﷺ اما الزيادة فلا ولكن حديقته قالت نعم فاخذها له فخلى سبيلها فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال قد قبلت قضاء رسول الله صلى الله (١) فى الأصل بنت عبد الله ابن ابى سلول عليه وسلم- قال ابن الجوزي اسناده صحيح وقال الدارقطني سمعه ابو الزبير من غير واحد واخرج الدارقطني بسنده عن عطاء ان النبي ﷺ قال لا يأخذ الرجل من المختلعة اكثر مما أعطاها- وروى ابن ماجة عن ابن عباس ان جميلة بنت سلول أتت النبي ﷺ الحديث وفيه فامره ان يأخذ حديقته ولا يزداد- فلا شك فى ثبوت هذه الزيادة بمرسل صحيح اعتضد بمسند ومرسل- وفى الباب اثر على لا يأخذ منها فوق ما أعطاها- رواه عبد الرزاق ووكيع نحوه- وما روى عبد الرزاق عن الربيع بنت معوذ انها اختلعت من زوجها بكل شىء تملكه فخوصم فى ذلك الى عثمان فاجازه وامره ان يأخذ عقاص رأسها فما دونها- وما روى عن نافع ان عمر جاءته مولاة لامراته اختلعت من كل شىء لها وكل ثوب حتى نقبتها فلا ينافى هذان الاثران القول بالكراهة لانهما يدلان على النفاذ قضاء ولم ينكره أحد- ووجه عدم الكراهة هذه الاية حيث قال الله تعالى فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ فان كلمة ما عام يشتمل القليل والكثير وشرط قبول الأحاديث من الآحاد أن لا يعارض الكتاب القطعي وقد عارضت- قلت وهذا مبنى على اصل ابى حنيفة ان العام قطعى الدلالة فى الشمول لا يجوز تخصيصه بخبر الآحاد ولو قلنا بجواز التخصيص بخبر الآحاد لقلنا ان حكم الاية مخصوص بمقدار الصداق وما دون ذلك بتلك الأحاديث والله اعلم- وقد روى ما يدل على عدم الكراهة حديث ابى سعيد الخدري قال كانت أختي تحت رجل من الأنصار تزوجها على حديقة الحديث وفيه قال عليه السلام تردين عليه حديقته ويطلقك قالت نعم وأزيده قال روى عليه حديقته وزيديه رواه ابن الجوزي لكن هذا الحديث لا يصح فيه عطية العوفى قال ابن حبان لا يحل كتب حديثه- وفيه الحسن بن عمارة قال شعبة هو كذاب تِلْكَ اشارة الى او امر الله ونواهيه حُدُودَ اللَّهِ يعنى ما منع عن المجاوزة عنه فَلا تَعْتَدُوها فلا تجاوزوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. (٢٢٨) فَإِنْ طَلَّقَها بعد الثنتين وهو أحد محتملى قوله تعالى أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ خص الله سبحانه ذلك الاحتمال بحكم فقال فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ذلك وبقي الاحتمال الثاني وهو الترك من غير تطليق الى انقضاء العدة على الأصل وهو حل النكاح مع الزوج الاول حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ يعنى تتزوج نكاحا صحيحا وانما قيدنا بالصحيح لان المطلق ينصرف الى الكامل والتزوج والنكاح يجوز اسناده الى كل من الزوجين لانه ينعقد بالإيجاب والقبول وذا يصدر منهما- وبناء على ظاهر هذه الاية قال سعيد بن المسيب وداود ان عقد النكاح من غير جماع من الزوج الثاني يحل للزوج الاول- والإجماع انعقد على ان الوطي من الزوج الثاني شرط للحمل «١» ومن ثم قيل المراد بالنكاح فى الاية الجماع فانه فى اللغة بمعنى الجماع فان قيل هذا لا يستقيم فان الوطي فعل الزوج والمرأة محله فاسناده الى المرأة لا يجوز قلنا يجوز تجوزا والاية لا تخلوا عن التجوز فان كان النكاح بمعنى العقد فالتجوز فى لفظ الزوج بناء على ما يؤل اليه وان كان بمعنى الوطي فالتجوز فى الاسناد ويمكن ان يقال المراد بالنكاح تمكينها من الوطي مجازا- والباعث على هذا الإجماع وتأويل الاية بهذه التأويلات البعيدة حديث عائشة قالت دخلت امراة رفاعة القرظي وانا وابو بكر عند النبي ﷺ فقالت ان رفاعة طلقنى البتة وان عبد الرحمن بن الزبير تزوجنى وانما عنده مثل الهدبة وأخذت هدبة من جلبابها فتبسم رسول الله ﷺ وقال كانك تريدين الرجوع الى رفاعة لا حتى تذوقين عسيلته ويذوق عسيلتك رواه الجماعة وفى لفظ فى الصحيحين انها كانت تحت رفاعة فطلقها اخر ثلاث طلقات- وفى المؤطا انا مالك عن المسور ابن رفاعة القرظي عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير- ان رفاعة بن سموال طلق امرأته تميمة بنت وهب ثلاثا فى عهد رسول الله ﷺ فنكحها عبد الرحمن بن الزبير فلم يستطع ان يمسها ففارقها فاراد رفاعة ان ينكحها فنهاه رسول الله ﷺ فقال لا يحل لك حتى تذوق العسيلة- وروى الجماعة من حديث عائشة انه ﷺ سئل عن رجل طلق زوجته ثلاثا فتزوجت زوجا غيره فدخل بها ثم طلقها قبل ان يواقعها أتحل لزوجه الاول قال لا حتى ذاق الاخر من عسيلتها ما ذاق الاول- واخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حبان قال نزلت هذه الاية فى عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك وانها كانت عند رفاعة بن وهب بن عتيك وهو ابن عمها فطلقها طلاقا بائنا فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي فطلقها فاتت النبي ﷺ فقالت انه طلقنى قبل ان يمسنى أفأرجع الى الاول قال لا حتى تمس ونزل (١) يعنى لا يحل له أصلا لا بملك اليمين ولا بملك النكاح فلو طلقها ثلاثا فارتدت المرأة ولحقت بدار الحرب ثم ظهر على الدار واسترقت وملكها الزوج الاول لا يحل له وطيها يملك اليمين حتى يزوجها بزوج غيره ويطاها الزوج الثاني ويطلقها- منه نور الله مرقده فيها فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها بعد ما جامعها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا- ذكر البغوي انه روى انها لبثت ما شاء الله ثم رجعت الى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله ان زوجى مسنى فقال لها رسول الله ﷺ كذبت بقولك الاول فلن نصدقك فى الاخر فلبثت ما شاء الله حتى قبض النبي ﷺ فاتت أبا بكر وقالت ان زوجى مسنى وطلقنى فقال لها ابو بكر قد شهدت رسول الله ﷺ حين أتيته وقال لك ما قال فلا ترجعى فلما قبض ابو بكر أتت عمرو قالت له مثل ذلك فقال عمر لان رجعت لارجمنك- وعلى تقدير تأويل النكاح بالتزويج يكون بهذا الحديث زيادة على الكتاب والزيادة على الكتاب بخبر الآحاد جائز عند الشافعي وغيره لكن يشكل ذلك على اصل ابى حنيفة فان عنده لا يجوز ذلك- فقيل فى توجيه مذهب ابى حنيفة ان الحديث المشهور يجوز به الزيادة على الكتاب وليس كذلك فان الحديث من الآحاد لكن يمكن ان يقال انه لما انعقد الإجماع على وفق هذا الحديث وتلقته جمهور الامة بالقبول التحق الحديث بالمشهور فيجوز به الزيادة على الكتاب فَإِنْ طَلَّقَها الزوج الثاني بعد الوطي فَلا جُناحَ عَلَيْهِما اى على المرأة والزوج الاول أَنْ يَتَراجَعا بنكاح جديد يدل على ذلك اسناد الفعل إليهما بخلاف ما مر من قوله تعالى وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ حيث أسند الفعل هناك الى البعولة بانفرادهم إِنْ ظَنَّا رجعا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ولا يمكن هاهنا تفسير الظن بالعلم لعدم إمكان العلم بالغيب ولان ان الناصبة للتوقع وهو ينافى العلم- (مسئلة) اجمعوا على ان الوطي من الزوج الثاني يهدم الطلقات الثلاث من الزوج الاول- فان عادت اليه يملك الزوج الاول الطلقات الثلاث اجماعا- واختلفوا فى انه هل يهدم ما دون الثلاث ايضا أم لا- اعنى ان طلق الزوج الاول طلقة او طلقتين وانقضت عدتها وتزوجت بزوج اخر بنكاح صحيح ثم طلقها الثاني بعد الوطي وانقضت العدة ثم رجعت الى الزوج الاول هل يملك الزوج الاول الطلقات الثلاث او يملك ما بقي بعد الطلقة او الطلقتين- فقال ابو حنيفة وأبو يوسف يهدم مادون الثلاث ايضا ويملك الزوج الاول ثانيا الطلقات الثلاث بتمامها وقال محمد لا يهدم ما دون الثلاث لان الله سبحانه جعل الوطي من الزوج الثاني غاية الحرمة المغلظة الحاصلة

البقرة 2:231

بالطلقات الثلاث فى قوله فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ فكان منهيا لها ولا إنهاء قبل الثبوت- ولنا ان فى هذه الاية جعل الله سبحانه الطلاق من الزوج الثاني بعد الوطي موجبا للحل للزوج الاول حيث قال فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا وكذا قوله ﷺ لعن الله المحلّل والمحلّل له جعل الزوج الثاني محللا للزوج الاول والأصل فى الحل الحل كله فيملك ثلاث تطليقات- وايضا إذا كان الوطي من الزوج الثاني هادما للحرمة الغليظة كان هادما للحرمة الخفيفة بالطريق الاولى والله اعلم (مسئلة) اختلفوا فى انه بعد ما طلق الزوج الاول ثلاثا لو نكح المرأة زوجا اخر واشترطت منه ان يطلقها فطلقها بعد الوطي وانقضت عدتها فقال ابو حنيفة حلت للاول لوجود الدخول فى نكاح صحيح والنكاح لا يبطل بالشروط وعن محمد انه يصح النكاح لما بيّنّا ولا يحلها على الاول لانه استعجل ما آخره الشرع فيجازى بمنع مقصوده كما فى قتل المورث- وقال احمد ومالك وابو يوسف لا يصح النكاح وللشافعى قولان أصحهما انه لا يصح النكاح لانه فى معنى الموقت وإذا لم يصح النكاح لا يحل للزوج الاول لفقدان الشرط وهو النكاح الصحيح احتجوا على عدم الصحة بحديث ابن مسعود قال لعن رسول الله ﷺ المحلّل والمحلّل له- رواه الدارمي وقال الترمذي صحيح ورواه ابن ماجة عن على وابن عباس وعقبة بن عامر- قلنا هذا حجة لنا لا علينا فانه عليه السلام جعله محللا فيدل على ثبوت الحل وذلك يقتضى صحة النكاح غير انه يدل على كون الزوج مرتكبا لامر محرم ونحن نقول به فان تزوجها ولم يشترط ذلك الا انه كان فى عزمه صح النكاح عند ابى حنيفة وصاحبيه والشافعي وقال مالك واحمد لا يصح ولا خلاف فى كراهته قال البغوي قال نافع اتى رجل ابن عمر فقال ان رجلا طلق امرأته ثلاثا فانطلق أخ له من غير موامرة فتزوجها ليحلها للاول فقال- لا الا نكاح رغبة كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله ﷺ لعن الله المحلّل والمحلّل له وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ اى الاحكام المذكورة يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) يفهمون ويعملون بمقتضى العلم. وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ اى عدتهن الاجل يطلق على المدة وعلى منتهاها فيقال لعمر الإنسان وللموت الذي به ينتهى عمره والمراد هاهنا منتهاه لان شروع العدة عقيب الطلاق والبلوغ هو الوصول الى الشيء وقد يقال للدنو منه على المجاز وهو المراد فى الاية ليصح ان يترتب عليه فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ إذ لا إمساك بعد انقضاء الاجل والمعنى فراجعوهن من غير ضرار او اتركوهن حتى تنقضى عدتهن- وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً اى لا تراجعوهن بارادة الإضرار بهن- ونصب ضرارا على العلة او الحال بمعنى مضارين لِتَعْتَدُوا اى لتظلموهن بالتطويل والإلجاء الى الاقتداء- واللام متعلق بلا تمسكوهنّ فهو ايضا مفعول له كانه بيان للضرار- او هو متعلق بالضرار وعلى هذا التقدير ايضا بيان للضرار- وليس بتقييد فان الضرار مطلقا ظلم واعتداء ومنهى عنه امر الله سبحانه اولا بالإمساك بالمعروف ثم نهى عن ضده وهو الإمساك بالضرار ثم صرح بكونه اعتداء وظلما ثم عقب ذلك بقوله وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ يعني بتعريضها للعقاب للمبالغة والاهتمام- اخرج ابن جرير من طريق العوفى عن ابن عباس قال كان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها ثم يطلقها يفعل ذلك ليضارها ويعضلها فانزل الله تعالى هذه الاية وذكر البغوي وكذا اخرج ابن جرير عن السدّى قال نزلت فى رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها مضارة فأنزل الله تعالى وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا الاية وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً بالاعراض عنها والتهاون فى العمل بما فيها- قال الكلبي يعنى قوله فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وكل من خالف الشرع فهو متخذ آيات الله هزوا واخرج ابن ابى عمرو فى مسنده وابن مردوية عن ابى الدرداء قال كان الرجل يطلق ثم يقول لعبت- ويعتق ثم يقول لعبت وذكر البغوي قول ابى الدرداء وذكر فيه وينكح ويقول مثل ذلك فانزل الله وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً واخرج ابن مردوية نحوه عن ابن عباس- واخرج ابن جرير نحوه عن الحسن مرسلا- واخرج ابن المنذر عن عبادة بن الصامت نحوه بلفظ ثلاث من قالهن لاعبا او غير لاعب فهن جائزات عليه الطلاق والعتاق والنكاح وقد مرّ فى ما سبق حديث ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ومن جملتها الهداية وإنزال آيات القران على محمد ﷺ بالشكر والقيام بحقوقها وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ يعنى القران وَالْحِكْمَةِ يعنى الوحى الغير المتلو على محمد ﷺ يَعِظُكُمْ بِهِ بما انزل عليكم وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) تأكيد وتهديد-.

البقرة 2:232

وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ اى انقضت عدتهن عن الشافعي انه دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين فَلا تَعْضُلُوهُنَّ اى لا تمنعوهن والعضل المنع وأصله الضيق والشدة يقال الداء العضال ما لا يطاق علاجه أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ- المخاطب به الأولياء نزلت الاية فى جملاء بنت يسار اخت معقل بن يسار طلقها بداح بن عاصم بن عدى بن عجلان- روى البخاري وابو داود والترمذي وغيرهم عن معقل بن يسار قال زوجت أختا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له زوجتك وفرشتك واكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها لا والله لا تعود إليك ابدا وكان الرجل لا بأس به وكانت المرأة تريدان ترجع اليه فانزل الله تعالى فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ فقلت الان افعل يا رسول الله قال فزوجها إياه وأخرجه ابن جرير من طرق كثيرة ثم اخرج عن السدى قال نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري كانت له ابنت عمر فطلقها زوجها فانقضت عدتها ثم رجع يريد نكاحها فابى جابر والاول أصح لاقوى ولعلها نزلت فى القصتين معا- وسياق الاية يقتضى ان الخطاب مع الأزواج الذين خوطبوا بقوله وإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ الذين يعضلون نساءهم بعد مضى العدة ان ينكحن أزواجا غيرهم عدوانا وقسرا وما ذكرنا من رواية البخاري وغيره فى شأن النزول يقتضى ان الخطاب مع الأولياء حيث كان العضل من معقل بن يسار أخو جملاء- فالصواب عندى ان الخطاب مع الناس كلهم فانه يضاف الفعل الى الجماعة حين يصدر عن واحد منهم كما فى قوله تعالى لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ يعنى لا يأكل بعضكم اموال بعض وقوله تعالى لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ يعنى لا يخرج بعضكم نفس بعضكم من ديارهم- وحينئذ لا مزاحمة بين سياق الاية وسبب نزولها والمعنى حينئذ إذا طلق رجال منكم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن ايها الأولياء والأزواج السابقين وغيرهم ان ينكحن أزواجهن- وفى لفظ الأزواج تجوز على جميع التقادير فانه اطلاق بناء على ما كان او على ما يؤل اليه والله اعلم والشافعية بعد ما حملوا الخطاب فى الاية على انه مع الأولياء قالوا فيه دليل على ان المرأة لا تزوج نفسها إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الولىّ معنى وحملوا اسناد النكاح الى المرأة على التجوز وقالوا اسناد النكاح إليهن بسبب توقفه على اذنهن- وهذا الاستدلال ضعيف فانه يمكن المنع من الولي على تقدير كون النكاح فعلا اختياريا للمرءة الا ترى انه صلى الله عليه وسلم قال لا تمنعوا إماء الله عن مساجد الله مع ان إتيان المساجد فعل اختياري للمرءة بل المنع والحث انما يتصوران فى الفعل الاختياري فالاولى لهم فى هذه المسألة الاستدلال بقوله تعالى وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا فان الأصل فى الاسناد الحقيقة. ((مسئلة)) هل يجوز نكاح الحرة العاقلة البالغة من غير ولى- فقال ابو حنيفة وابو يوسف يجوز لها نكاحها نفسها بعبارتها وعبارة وكيلها برضاها وان لم يعقد عليها ولى سواء كان الزوج كفوالها اولا الا انه فى غير الكفو للولى الاعتراض وفى رواية عنهما لا ينعقد فى غير الكفو وعند محمد ينعقد فى الكفو وغيره موقوفا على اجازة الولي- وقال مالك ان كانت ذات شرف وجمال او مال يرغب فى مثلها لا يصح نكاحها الا بولي وان كانت بخلاف ذلك جاز ان يتولى نكاحها اجنبى برضاها ولا يجوز النكاح بعبارتها وقال الشافعي واحمد لا نكاح الا بولي وهى رواية عن ابى يوسف احتجوا بهذه الاية وقد سمعت ما عليه وبأحاديث منها حديث عائشة ان رسول الله ﷺ قال أيما امراة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فان دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها فان اشتجر فالسلطان ولى من لا ولى له- رواه اصحاب السنن من حديث ابن جريح عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة وحسنه الترمذي- قال الطحاوي حدثنا ابن ابى عمران قال أخبرنا يحيى بن معين عن ابن علية عن ابن جريح انه قال لقيت الزهري فأخبرته عن هذا الحديث فانكره- وأجاب عنه ابن الجوزي بان الزهري اثنى على سليمان بن موسى فكان الإنكار عن نسيان من الزهري- وحديث عائشة قالت قال رسول الله ﷺ لا نكاح الا بولي والسلطان ولى من لاولى له رواه الترمذي وابو داود وابن ماجة وفيه الحجاج بن ارطاة ضعيف- وعنها قالت قال رسول الله ﷺ لا نكاح الا بولي وشاهدى عدل رواه الدارقطني وفيه يزيد بن سنان وأبوه قال الدارقطني هو وأبوه ضعيفان وقال النسائي هو متروك الحديث وضعفه احمد وغيره وعنها قالت قال رسول الله ﷺ لا بد للنكاح من أربعة الولي والزوج وشاهدين رواه الدارقطني وفيه نافع بن ميسر ابو خطيب مجهول- وحديث ابى بردة عن أبيه ابى موسى عن النبي ﷺ لا نكاح الا بولي رواه احمد وحديث ابن عباس مرفوعا لا نكاح الا بولي والسلطان ولى من لاولى له رواه احمد من طريق الحجاج بن ارطاة وهو ضعيف ومن طريق أخر فيه عدى بن الفضل وعبد الله بن عثمان ضعيفان- وعنه قال قال رسول الله ﷺ البغايا اللتي ينكحن انفسهن لا يجوز النكاح الا بولي وشاهدين ومهر قل وكثر رواه ابن الجوزي وفيه النهاس قال يحيى ضعيف وقال ابن عدى لا يساوى شيئا- وحديث ابن مسعود وابن عمر قالا قال رسول الله ﷺ لا نكاح الا بولي وشاهدى عدل فى حديث ابن مسعود بكير بن بكار قال يحيى ليس بشىء وفيه عبد الله بن محرز قال الدارقطني متروك وفى حديث ابن عمر ثابت بن زهير منكر الحديث كذا قال ابو حاتم وقال ابن حبان لا يحتج به- وحديث ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لا يزوج المرأة المرأة ولا يزوج المرأة نفسها فان الزانية هى التي يزوج نفسها رواه الدارقطني من طريقين فى أحدهما جميل بن الحسن وفى الثاني مسلم بن ابى مسلم لا يعرفان- وحديث جابر مرفوعا لا نكاح الا بولي مرشد وشاهدى عدل رواه ابن الجوزي وفيه محمد بن عبيد الله العزرمي قال النسائي ويحيى متروك لا يكتب حديثه وفيه قطن بن يسير ضعيف- وحديث معاذ بن جبل عن رسول الله ﷺ قال أيما امراة زوجت نفسها من غير ولى فهى زانية رواه الدارقطني وفيه ابو عصمة اسم ابن ابى مريم قال يحيى ليس بشىء وقال الدارقطني هو متروك واحتج الحنفية بقوله تعالى حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ وقوله أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ لان الأصل فى الاسناد حقيقة ان تباشر المرأة- وبحديث ابن عباس مرفوعا الايم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن فى نفسها واذنها صماتها رواه مسلم ومالك وابو داود والترمذي والنسائي وجه الاستدلال ان للاولياء ليس الا حق المباشرة والايم أحق منه بنفسها فهى اولى بالمباشرة وبحديث ابى سلمة بن عبد الرحمن قال جاءت امراة الى رسول الله ﷺ فقالت ان ابى انكحنى رجلا وانا كارهة فقال رسول الله ﷺ لابيها لا نكاح لك اذهبي انكحى من شئت رواه ابن الجوزي قالوا هذا مرسل والمرسل ليس بحجة قلنا المرسل حجة- وبحديث عائشة ان فتاة دخلت عليها فقالت ان ابى زوجنى ابن أخيه ليرفع خسيسته وانا كارهة- قالت اجلسي فجاء رسول الله ﷺ فاخبرته فأرسل الى أبيها فجعل الأمر إليها فقالت يا رسول الله قد أجزت ما صنع ابى وانما أردت ان أعلّم النساء ان ليس الى الآباء من الأمر شىء رواه النسائي وجه الاستدلال ان فى هذا الحديث تقريره ﷺ قولها ان ليس الى الآباء من الأمر شىء يعارض حديث عائشة المذكورة وحديث لا نكاح الا بولي قالت الحنفية إذا تعارضت النصوص فيجب سلوك طريق الترجيح او الجمع بضرب من التأويل- فعلى طريقة الترجيح ما رواه مسلم أصح وأقوى سندا بخلاف ما رووه من الأحاديث فانها لم تخل من ضعف او اضطراب- وعلى طريقة الجمع فنقول معنى قوله عليه الصلاة والسلام لا نكاح الا بولي يعنى لا نكاح على الوجه المسنون او نقول لا نكاح الا بمن له ولاية لينفى نكاح الكافر المسلمة والنكاح مع المحرمية والنكاح فى عدة زوج قبله وغير ذلك من الانكحة الفاسدة ويحمل حديث عائشة على امراة نكحت نفسها من غير كفو- والمراد بالباطل حقيقة على قول من لم يصحح ما باشرته من غير كفو وحكما على قول من يصححه ويثبت للولى حق الخصومة فى فسخه وكل ذلك شائع فى إطلاقات النصوص ويجب ارتكابه لدفع التعارض او نقول حديث عائشة يدل على ان المرأة إذا نكحت نفسها بإذن وليها فذلك النكاح جائز اما على اصل الشافعي فانه يقول بالمفهوم- واما على اصل ابى حنيفة فانه غير داخل فى حكم البطلان والأصل الجواز فثبت بهذا ان مباشرة المرأة غير قادحة فى النكاح انما القادح حق الولي المستفاد من قوله ﷺ الايم أحق بنفسها من وليها وحق الولي الاعتراض فى غير الكفو دفعا للعار- إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ اى الخطّاب والنساء- وهو ظرف لان ينكحن- وبناء على اشتراط التراضي اجمعوا على انه لا يجوز إجبار المرأة البالغة إذا كانت ثيبة واختلفوا فى البكر البالغة فقال الشافعي يجوز للاب والجد انكاحها بغير رضاها وبه قال مالك فى الأب وهو أشهر الروايتين عن احمد لان الاية فى الثيبات واحتج ابن الجوزي بمفهوم ما رواه ابن عباس مرفوعا بلفظ الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يستأمرها أبوها فى نفسها- قلنا هذا استدلال بالمفهوم المخالف من الحديث او الاية والمفهوم ليس بحجة عندنا على ان هذا الحديث وهذه الاية حجة لنا لا علينا فان الحديث منطوقه يدل على وجوب استيمار البكر والاستيمار ينافى الإجبار وفى الاية قوله تعالى ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ الاية يدل على ان تحريم العضل واشتراط الرضاء مبنى على المفاسد فى العضل والإجبار كما سنذكر والمفاسد فى إجبار البكر والثيب سواء- فان قيل لو كان البكر والثيب فى اثبات الاختيار لهما سيّان فما وجه الفرق فى قوله عليه الصلاة والسلام الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر وكذا ما وجه ذكر البكر بعد قوله الايم أحق على رواية مسلم- قلنا وجه الفرق بيان كيفية اذنها بقوله اذنها صماتها بخلاف الثيب فان صماتها لم تعتبر اذنا بل لا بد لها من توكيل سابق او اذن لا حق صريحا- وايضا البكر لا تباشر العقد غالبا ولهذا خصها بعد التعميم كيلا يتساهلون فى الاستيمار- واحتج ابن الجوزي ايضا بما روى عن الحسن مرسلا قال قال رسول الله ﷺ ليستأمر الابكار فى انفسهن فان أبين اجبرن وهذا الحديث ساقط متنا وسندا اما متنا فللتناقض بين الاستيمار والإجبار إذ لا فائدة حينئذ فى الاستيمار واما سندا فلان فى سنده عبد الكريم قال ابن الجوزي قد اجمعوا على الطعن فيه ولنا أحاديث منها ما ذكرنا ومنها حديث ابن عباس ان جارية بكرا أتت النبي ﷺ فذكرت ان أباها زوجها وهى كارهة فخيرها النبي ﷺ رواه احمد وابو داود والنسائي وابن ماجة بسند متصل ورجال صحيح وقول البيهقي انه مرسل لا يضر فانه مرسل من بعض الطرق والمرسل حجة ومتصل من طرق اخر صحيحة قال ابن القطان حديث ابن عباس هذا صحيح وليست هذه خنساء بنت خدام التي زوجها أبوها وهى ثيب فكرهت فرد النبي ﷺ نكاحها رواه البخاري وقال ابن همام روى ان خنساء ايضا كانت بكرا اخرج النسائي حديثها وفيه انها كانت بكرا لكن رواية البخاري يترجح وروى الدارقطني حديث ابن عباس ان رسول الله ﷺ رد نكاح بكر وثيب انكحهما أبو هما وهما كارهتان وروى الدارقطني عن ابن عمران رجلا زوج ابنته بكرا فكرهت ذلك فرد النبي ﷺ نكاحها وفى رواية اخرى عن ابن عمر قال كان النبي ﷺ ينتزع النساء من أزواجهن ثيبات وأبكار ابعد ان يزوجهن الآباء إذا كرهن ذلك وروى الدارقطني عن جابران رجلا زوج ابنته وهى بكر من غير أمرها فاتت النبي النبي ﷺ ففرق بينهما وحديث عائشة قالت جاءت فتاة الى النبي ﷺ فقالت ان ابى نعم الأب هو زوجنى ابن أخيه ليرفع من خسيسته «١» قالت «٢» فجعل الأمر (١) الخسيس الدنى والخسيسة والخساسة الحالة التي يكون عليها الخسيس يقال رفعت خسيسته ومن خسيسة إذا فعلت فعلا يكون فيه رفعته- منه رحمه الله (٢) فى الأصل قال إليها فقالت انى قد أجزت ما صنع ابى ولكنى أردت ان «١» تعلم النساء ان ليس الى الآباء قال الدارقطني حديث ابن عباس وجابر وعائشة مراسيل وابن بريدة لم يسمع من عائشة وقد أنكر احمد حديث جابر وقال الدارقطني الصحيح انه مرسل عن عطاء ان رجلا- ووهم شعيب في رفعه وقال ابن الجوزي حديث ابن عمر لا يثبت فان ابن ابى ذئب لم يسمعه عن نافع انما سمعه من عمر بن حسين وقد سئل عن هذا الحديث احمد فقال باطل قلنا المراسيل حجة لا سيما للاستشهاد والتقوية- وقول ابن الجوزي ان هذه الأحاديث محمول على ما أنكحت البكر البالغة من غير كفو حمل على خلاف الظاهر من غير سبب على ان في حديث عائشة زوجنى ابى ابن أخيه صريح على ابطال ذلك الحمل فان ابن العم يكون كفوا والقول بان ابن الأخ كان من قبل أم ايضا احتمال بعيد بلا دليل والله اعلم ((مسئلة)) اجمعوا على ان للاب ولاية الكاح الصغيرة البكر واختلفوا في الثيب الصغيرة فقال مالك والشافعي واحمد لا يجوز نكاح الثيب الصغيرة أصلا لان اذنها لا يصح قبل البلوغ لابتنائه على العقل ولا معتبر بالعقل قبل البلوغ فنكاحها لا يكون الا بغير اذنها ونكاح الثيب بغير اذنها لا يجوز فنكاحها لا يجوز اما الصغرى فبديهى بعد الإجماع واما الكبرى فلقوله عليه الصلاة والسلام الثيب أحق بنفسها وقد مر وحديث ابى هريرة لا ينكح الثيب حتى تستامر- رواه الترمذي وقال هذا حديث صحيح وحديث خنساء ان أباها زوجها وهى كارهة وكانت ثيبا فرد النبي ﷺ نكاحها- رواه البخاري وحديث ابن عباس ليس للولى مع الثيب امر رواه الدارقطني وهذا حديث ضعيف أعله الدارقطني- والجواب ان خنساء كانت بالغة للاجماع على ان الثيب الصغيرة لا تستأمر ولا يصح اذنها وعلى انه لا يجوز لها مباشرة النكاح- وقال ابو حنيفة يجوز للاب انكاحها وان لم ترض لان سبب الولاية في البكر الصغيرة اما الصغر او البكارة لا غير والبكارة غير معتبر في البالغة لما قررنا فكذا في الصغيرة فلم يبق الا الصغر وهو موجود فيها- بِالْمَعْرُوفِ اى بما يعرفه الشرع ويستحسنه المروّة- حال من الضمير المرفوع او صفة مصدر محذوف اى تراضيا كائنا بالمعروف- وفيه دلالة على ان العضل عن التزويج من غير كفو والتزويج الذي لا يجوز في الشرع كالنكاح في العدة وغير ذلك من الموانع جائز غير منهى عنه ذلِكَ اشارة الى ما مضى من الاجتناب عن العضل ورعاية التراضي والخطاب الى الجميع على تأويل كل واحد (١) فى الأصل يعلم

البقرة 2:233

او يكون الكاف لمجرد الخطاب دون تعيين المخاطبين- او يقال الكاف ليس لها محل من الاعراب فيتوهم ان الكاف من نفس الكلمة وليست بكاف خطاب وعلى هذا يقول العرب موحدا منصوبة في الواحد والتثنية والجمع والمذكر والمؤنث- او يقال انه خطاب للرسول ﷺ على طريقة قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ هذا يدل على ان الكفار غير مخاطبين بالشرائع- او يقال خصهم بالذكر لانهم هم المتعظون المنتفعون بها ذلِكُمْ خطاب الى الناس أجمعين أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ من دنس الآثام فان العضل ان كان عن مطلق النكاح يلزم غالبا وقوعهن في العنت وان كان عن النكاح ممن يرضين مع الإجبار على النكاح ممن لا يرضين يخاف ان لا يقيما حدود الله ويقع الخلع او الطلاق وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فيه النفع والصلاح وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢) لقصور عقلكم وجهلكم بعواقب الأمور. وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ أضاف الأولاد إليهن لتكون باعثا على العطف والأوضاع وهذا امر عبر عنه بالخير للمبالغة وهو للوجوب لكنه نسخ ذلك فيما إذا تعاسرت الامّ من الإرضاع اى لم تقدر ويقدر الأب على الاستيجار ويرتضع الصبى من غيرها بقوله تعالى وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى - او مخصوص بقوله تعالى لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وبقي الحكم فيما سوى ذلك على أصله- ومن ثم قال ابو حنيفه رحمه الله ان استأجر رجل زوجته او متعته لترضع ولدها لم يجز وقال الشافعي يجوز استيجارها- لنا ان الإرضاع مستحق عليها ديانة الا انه عذرت قضاء لظن عجزها حين امتنعت عن الرضاع مع وفور شفقتها فاذا أقدمت عليه بالأجر ظهرت قدرتها وكان الفعل واجبا عليها فلا يجوز أخذ الاجر عليه فان قيل هذا الدليل يقتضى ان لا يجوز استيجار المطلقة بعد انقضاء عدتها لترضع ولدها مع انه جائز اتفاقا- قلنا جواز استيجارها بعد انقضاء العدة ثبت بقوله تعالى فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ الاية فظهر بهذا ان إيجاب الإرضاع على الام مقيد بايجاب رزقها على الأب بقوله تعالى وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ففى حالة الزوجية والعدة هو قائم برزقها وفيما بعد العدة ليس عليه رزق فيقوم الاجرة مقامه حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ أكده بصفة الكمال لانه يتسامح فيه وكان مقتضى هذا القيد وجوب الإرضاع الى كمال الحولين لكن لما عقب الله سبحانه بقوله فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ظهر ان التقييد لنفى جواز الإرضاع بعد الحولين- وايضا نفى جواز الإرضاع بعد الحولين مبنى على أصله فان الأصل ان الانتفاع بأجزاء الآدمي غير جائز لكرامته- وايضا يظهر نفى جواز الإرضاع بعد الحولين بقوله تعالى لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ إذ لا شىء بعد تمامه- وهو بيان لمن يتوجه اليه الحكم بالوجوب يعنى ذلك الإرضاع الى حولين لمن أراد إتمام الرضاعة او هو متعلق بيرضعن فان الأب يجب عليه الإرضاع كالنفقة والام يجب عليها الرضاع ان لم يعسر عليها وقال قتادة فرض الله تعالى على الوالدات الإرضاع حولين كاملين ثم انزل التخفيف بقوله لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ فبهذه الاية ثبت ان مدة الإرضاع حولين لا يجوز بعدها ولا يثبت المحرمية بالإرضاع بعدها وبه قال ابو يوسف ومحمد والشافعي واحمد وهو مروى عن ابن عباس وعمر رواهما الدارقطني وعن ابن مسعود وعلى أخرجهما ابن ابى شيبة وقال مالك خولان وشىء ولم يحده وقال ابو حنيفة ثلاثون شهرا وقال زفر ثلاثة سنين واستفادوا الزيادة على الحولين بقوله كاملين لان الكمال يقتضى ان لا يطعم في الحولين فحينئذ لا بد من مدة يعتاد فيها الصبى بالطعام ويغتذى باللبن وقدّر كل الزيادة برأيه ولم يقدر مالك قلنا اقتضاء الكمال ان لا يطعم فيها ممنوع بل ذكر الكمال لئلا يحمل الحولان على ما دونهما تسامحا ويدل على قولنا من السنة حديث ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ لارضاع الا ما كان في حولين ورواه ابن الجوزي والدارقطني قال الدارقطني عن ابن عيينة رجاله «١» صحيح الا الهيثم بن جميل وهو ثقة حافظ وكذا وثقه احمد والعجلى وابن حبان وغير واحد وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ يعنى الأب فان الولد يولد له وينسب اليه وتغيير العبارة للاشارة الى المعنى المقتضى لوجوب الإرضاع ومؤن المرضعة عليه- واللام للاختصاص ومن ثم قال ابو حنيفة في ظاهر الرواية ان نفقة الابنة البالغة والابن الزمن البالغ على الأب خاصة دون الام كالولد الصغير وفي رواية الخصاف والحسن عنه انها على أبويه أثلاثا على حسب الميراث رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وذلك الرزق والكسوة ان كانت الام زوجة له او معتدة فهو جار عليهما بحكم الزوجية وان كانت اجنبيه بانقضاء عدتها يجب ذلك بناء على الاجرة كما يدل عليه قوله تعالى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وقدر النفقة على قدر وسعه لقوله تعالى لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها فيه دليل على ان التكليف بما (١) لعله رجاله رجال صحيح. [.....] لا يطاق وان كان جائزا عقلا لكنه منتف شرعا فضلا من الله تعالى ومنه لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ قرا ابن كثير ويعقوب وابو عمر- ابو محمد لا تضارّ بالرفع بدلا عن قوله لا تكلّف فهو خبر بمعنى الناهي وقرا الآخرون بالنصب على صيغة النهى- وعلى التقديرين الصيغة يحتمل ان يكون مبنيا للفاعل وان يكون مبنيا للمفعول والباء للسببية والمعنى لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها فتعنف به وتطلب منه زيادة في النفقة او الاجرة وان تشتغل قلبه بالتفريط فى شأن الولد وان تقول بعد ما الفها الصبى اطلب لها ظيرا وما أشبه ذلك- ولا يضار الأب امرأته بسبب ولده بان يأخذ منها الولد وهى تريد ارضاعه بمثل اجر الاجنبية او ينقص من أجرها او يكرهها على ارضاعه مع إمكان ظير اخرى وهى لا تقدر على ارضاعه وما أشبه ذلك هذا على انه مبنى للفاعل- وان كان مبنيا للمفعول فالمعنى كذلك مع عكس الترتيب ويحتمل ان يكون معنى لا تضار لا تضر والباء زائدة يعنى لا يضر الوالدة ولدها او الأب ولده بان يفرط في شأنه وتعهده وارضاعه وبذل النفقة عليه ولا يدفعه الام الى الأب- أو يأخذه الأب بعد ما الفها وذكر الولد باضافة كل منهما استعطافا لهما وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ عطف على قوله وعلى المولود له وما بينهما تفسير للمعروف معترض بين المعطوف والمعطوف عليه واختلفوا في تفسير الوارث فقال مالك والشافعي المراد بالوارث هو الصبى نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى يكون اجر رضاعه ونفقته من ماله فان لم يكن له مال فعلى الام ولا يجبر على نفقة الصبى الا الوالدان وقيل المراد به الباقي من والدي المولود بعد وفات الاخر عليه مثل ما كان على الأب من اجرة الرضاع والنفقة والكسوة وهذا القول ايضا يوافق مذهب الشافعي ومالك- ويرد على القول الاول ان انفاق الصبى من ماله مقدم على إيجاب نفقته على غيره أبا كان او غيره ولا يجب على الأب الا إذا فرض انه ليس للصبى مال فلا يحسن ان يقال على الصبى نفقته مثل ما كان له على أبيه بل الأمر بالعكس وكيف يقال ذلك بعد ما فرض انه ليس له مال- وعلى القول الثاني انه ان كان الباقي الأب فقط او الأبوين جميعا فالحكم قد سبق انه عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ فلا حاجة الى التكرار بل هذه الاية تقتضى في صورة بقائهما ان يكون النفقة عليهما وهو ينافى ما سبق وان كان الباقي الام فقط فالمعنى على الام رزق الام وحينئذ يلزم ان تكون هى مستحقة ومستحقة عليها- وقال أحمد وإسحاق وقتادة وابن ابى ليلى المراد بالوارث وارث الصبى من الرجال والنساء يجبر على نفقته كل وارث على قدر ميراثه عصبة كان او غيره سواء كان الصبى وارثا منه اولا كما إذا كانت صبية أنثى يرث منها ابن عمها وابن أخيها دون هى منه وفي رواية عن احمد لا يجبر الا من كان ممن يجرى التوارث بينهما وبالرواية الاولى لاحمد قال ابو حنيفة وهو الظاهر المتبادر من الاية لا غبار عليه غير ان أبا حنيفة قيد الوارث بذي رحم محرم فخرج بهذا القيد المعتق وابن العم ونحو ذلك ووجه التقييد قراءة ابن مسعود وعلى الوارث ذى الرّحم المحرم مثل ذلك فقد ذهب ابو حنيفة على اصل ان قراءة ابن مسعود يجوز به تخصيص الكتاب والزيادة عليه- وقيل المراد بالوارث العصبة فيجبر عصبات الصبى مثل الجد والأخ وابنه والعم وابنه- قال البغوي وهو قول عمر بن الخطاب وبه قال ابراهيم والحسن ومجاهد وعطاء وسفيان وقيل ليس المراد النفقة بل معناه وعلى الوارث ترك المضارة قال البغوي به قال الزهري والشعبي قلت هذا ليس بسديد لان وجوب ترك المضارة غير مختص بالوارث وانما ذكر في الوالدين لدفع توهم المضارة الناشي مما سبق وايضا كلمة ذلك بحسب الوضع للبعيد وهو وجوب النفقة دون القريب اعنى المضارة والله اعلم وبهذه الاية قال أبو حنيفة يجب النفقة على الغنى لكل ذى رحم محرم إذا كان صغيرا فقيرا او كانت امراة بالغة فقيرة او كان ذكرا زمنا او أعمى فقيرا وانما قيد بهذه الأمور لان مورد النص الصغير والصغر من اسباب الاحتياج فيلتحق كل واحد منهم بالصغير بجامع الاحتياج بخلاف الفقير المكتسب فانه غنى بكسبه فلا يلتحق بالصغير ولا يجب نفقته على غيره- ويعتبر قدر الميراث لان اضافة الحكم الى المشتق يدل على علية مأخذ الاشتقاق فيكون النفقة على الام والجد أثلاثا- ونفقة الأخ الزمن المعسر على الأخوات المتفرقات الموسرات أخماسا على قذر الميراث وقال العلماء المعتبر اهلية الإرث لا إحرازه إذ هو لا يعلم الا بعد الموت فالمعسر إذا كان له خال وابن عم يكون نفقته على خاله دون ابن عمه ولا يجب النفقة لهم مع اختلاف الدين لبطلان اهلية الإرث وهو العلة للوجوب- ولا يجب النفقة على الفقير لانها يجب صلة وهو يستحقها على غيره فكيف يستحق عليه وأما ما قال ابو حنيفة انه يجب على الرجل ان ينفق على أبويه وأجداده وجداته إذا كانوا فقراء وان كانوا كفارا وان نفقتهم على الولد فقط لا يشارك الولد في نفقة أبويه أحد وان نفقتهم على الذكور والإناث على السوية في ظاهر الرواية لا على طريقة الإرث خلافا لاحمد فانه يقول على الذكر والأنثى أثلاثا وهو رواية عن ابى حنيفة فمبنى قول ابى حنيفة هذا ليست هذه الاية بل قالوا ان نفقتهم لاجل الجزئية دون الإرث قال الله تعالى في الأبوين الكافرين وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً- وليس من المعروف ان يموتا جوعا وهو غنى وقال عليه الصلاة والسلام أنت ومالك لابيك رواه عن النبي ﷺ جماعة من الصحابة وروى اصحاب السنن الاربعة عن عائشة قال رسول الله ﷺ ان أطيب ما أكل الرجل من كسب ولده وان ولده من كسبه وحسنه الترمذي وروى ابو داود وابن ماجة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رجلا قال ان لى مالا وان والدي يحتاج الى مالى- قال عليه الصلاة والسلام أنت ومالك لوالدك ان أولادكم من أطيب كسبكم كلوا من كسب أولادكم وكان مقتضى هذه الأحاديث ثبوت الملك للاب في مال الابن لكنه مصروف عن الظاهر بالإجماع وبدلالة اية الميراث ونحو ذلك فمعناه يجوز الوالد التملك عند الحاجة فيجب نفقتهما على الولد لا يشاركهما غيره من الورثة وإذا لم يثبت النفقة بناء على الإرث لا يعتبر فيه طريقة الإرث واما الجد والجدة فلهما حكم الأب والام قياسا ولهذا يحرزان ميراث الأب والام ويتولى في النكاح- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رجلا اتى النبي ﷺ فقال انى فقير ليس لى شىء ولى يتيم قال كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متاثل رواه ابو داود والنسائي وابن ماجة- ولمّا فسر الشافعي ومالك الوارث فبما ذكرنا قال مالك لا يجب الا للابوين الادنيين والأولاد الصلبية دون الأجداد والجدات وأولاد الابن والبنت وقال الشافعي يجب النفقة للاصول والفروع مطلقا ولا يتعدى عمودى النسب وقال الشافعي النفقة على الذكور خاصة الجد والابن وابن الابن دون الإناث وقال مالك النفقة على أولاد الصلب الذكر والأنثى بينهما سواء إذا كانا غنيين فان كان أحدهما غنيا والاخر فقيرا فالنفقة على الغنى- والله اعلم فَإِنْ أَرادا يعنى الوالدين فِصالًا قبل الحولين لان الفصال بعد الحولين واجب لما مر ان غاية الإرضاع الى الحولين لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ- فان قيل الفاء يقتضى ان يقدر الفصال بعد الحولين قلنا الفاء للتعقيب عن مطلق الرّضاع لا عن الحولين وفي المدارك اطلق الحكم وقال زادا على الحولين او نقصا وقال هذا توسعة بعد التحديد وانما قال ذلك ليوافق مذهب ابى حنيفة انه يجوز الإرضاع بعد الحولين الى نصف السنة قلت ولو كان هذا ناسخا للتحديد ويكون الحكم مطلقا او مقيدا ببعد الحولين لزم جواز الإرضاع بعد ثلاث سنين ايضا وهو خلاف الإجماع لم يقل به أحد فلا وجه للتحديد بالحولين ونصف ونحو ذلك وما قالوا ان الحولين ونصف يثبت بقوله تعالى وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً- فليس بشىء وسنذكر ذلك في موضعه في سورة النساء في تفسير قوله تعالى وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ان شاء الله تعالى- فان قيل على تقدير حمل الفصال على ما قبل الحولين ايضا يلزم نسخ التحديد بالحولين قلنا وجوب الإرضاع الى تمام الحولين مقيد بقوله لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ- وهذه الاية تدل على اباحة الفصال عند ارادتهما بالتراضي والتشاور فلا منافاة ولا نسخ- والله اعلم عَنْ تَراضٍ اى صادرا عن تراض مِنْهُما من الأبوين وَتَشاوُرٍ اى تشاور من اهل العلم به فيجيزوا ان الفطام في ذلك الوقت لا يضر بالولد والمشاورة استخراج الرأى فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فى ذلك وانما اعتبر تراضيهما لئلا يقدم أحدهما على ما يتضرر به الطفل لغرض او غيره وهذا يدل على انه لا يجوز لاحد هما قبل الحولين الفصال من غير تراض بينهما وتشاور مع اهل الرأى وَإِنْ أَرَدْتُمْ ايها الآباء أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ مراضع غير أمهاتهم ان أبت أمهاتهم ان يرضعنهم لعلة بهن او انقطاع لبن او أردن نكاحا او طلبن اجرا زائدا على غيرهن وانما قيدنا بهذه القيود لما سبق من دفع الضرار عن الوالدين وحذف المفعول الاول للاستغناء عنه فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ الى أمهاتهم اى مرضعاتهم ما آتَيْتُمْ يعنى أعطيتم اى ما أردتم ايتاءه كقوله تعالى إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ- او المراد بما أتيتم ما سميتم لهن من اجرة الرضاع بقدر ما أرضعن- او المعنى إذا سلمتم أجور المراضع إليهن والتسليم ندب لا شرط للجواز اجماعا- قرا ابن كثير ما أتيتم هاهنا وفي الروم وما أتيتم من ربا بقصر الالف ومعناه ما فعلتم والتسليم حينئذ بمعنى الاطاعة وعدم الاعتراض يعنى إذا أطاع أحد الأبوين ما فعله الاخر

البقرة 2:234

من الاسترضاع بِالْمَعْرُوفِ بالوجه المتعارف المستحسن شرعا متعلق بسلمتم وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله وَاتَّقُوا اللَّهَ مبالغة في المحافظة على ما شرع في الأطفال والمراضع وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) حث وتهديد-. وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ اى يموتون والتوفى أخذ الشيء وافيا بتمامه يعنى يتوفون اجالهم حال كونهم مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ اى ينتظرن الضمير عائد الى الأزواج يعنى تتربص أزواجهم او المضاف محذوف في المبتدأ يعنى ازواج الذين يتوفون يتربصن بعدهم بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً انث العشر باعتبار الليالى لانها غرر الشهور والأيام- والعرب إذا أبهمت العدد بين الليالى والأيام غلبت عليها الليالى ولا يستعمل التذكير فى مثله قط حتى انهم يقولون صمت عشرا وقال الله تعالى إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً ثم قال إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً والاية تشتمل الحوامل وغيرهن ثم نسخ حكمها في الحوامل بقوله تعالى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ قال ابن مسعود من شاء باهلته ان سورة النساء القصرى يعنى سورة الطلاق نزلت بعد سورة النساء الطولى يعنى سورة البقرة وعليه انعقد الإجماع- عن المسور بن مخرمة ان سبيعة الاسلمية نفست بضم الفاء اى ولدت بعد زوجها بليال فجاءت النبي ﷺ فاستأذنته ان تنكح فاذن لها فنكحت- رواه البخاري وكذا في الصحيحين من حديث سبيعة- ومن حديث أم سلمة- ورواه النسائي انها ولدت بعد وفات زوجها لنصف شهر وفي رواية البخاري بأربعين ليلة وفي رواية قريبا من عشر ليال- ورواه احمد من حديث ابن مسعود فقال بعده بخمس عشرة وروى عن على وابن عباس انها تعتد الى ابعد الأجلين أخرجه ابو داود في ناسخه عن ابن عباس وروى عن عمرانه قال لو وضعت وزوجها على السرير حلت- رواه مالك والشافعي وابن ابى شيبة ((مسئلة)) وعدة الامة المتوفى عنها زوجها شهران وخمسة ايام اجماعا ((فصل)) يجب الإحداد في عدة الوفاة بالإجماع الا ما حكى عن الحسن والشعبي انه لا يجب- وفي عدة الطلاق الرجعى لا أحد أدبا بالإجماع- واختلفوا في المعتدة للبائن فقال ابو حنيفة يجب وقال مالك لا يجب وعن الشافعي واحمد كالمذهبين- ولا احداد عندنا على الصغيرة فانها غير مكلفة- ولا على الذمية فانها غير مخاطبة بالشرائع- وعند مالك والشافعي واحمد يجب عليهما والإحداد ترك الطيب والزينة من الكحل والحنا ولبس ما صبغ لاجل الزينة كالمعصفر والمزعفر ونحوهما والحرير والديباج والخضاب وتدهين الرأس والجسد بالدهن المطيب وغير المطيب- وقال الشافعي لا بأس بتدهين غير الرأس من البدن بدهن لا طيب فيه فان اضطرت الى كحل فقد رخص فيه كثير من العلماء وقال الشافعي يكتحل ليلا ويمسحه بالنهار وكذا لا بأس في الخضاب ونحوه ان كان بعذر- ولا يجوز للمطلقة الرجعية والبائنة الخروج من بيتها ليلا ولا نهارا لقوله تعالى «١» لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ والمتوفى عنها زوجها يخرج نهارا او بعض الليل ولا تبيت في غير منزلها- وقال الشافعي يجوز للمتوفى عنها زوجها الخروج مطلقا- وللبائنة الخروج نهارا قال عطاء اية الميراث نسخت السكنى فتعتد حيث شاءت ووجوب الإحداد ثبت بحديث أم حبيبة وزينب بنت جحش عن رسول الله ﷺ قال لا يحل لامراة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث نيال الا على «٢» زوج اربعة أشهر وعشر متفق عليه عن أم عطية ان رسول الله ﷺ قال لاتحد امراة على ميت فوق ثلاث الا على زوج اربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيبا الا إذا طهرت نبذة من قسط او اظفار متفق عليه وزاد ابو داود ولا تختضب ما صبغ عزله قبل النسخ منه؟؟ رح وعن أم سلمة قالت جاءت امراة الى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله ان ابنتي توفى عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها فقال رسول الله ﷺ لامرتين او ثلثا كل ذلك يقول لاثم قال انما هى اربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن ترمى بالبعرة على رأس الحول متفق عليه وعن أم سلمة قالت دخل علىّ رسول الله ﷺ حين توفى ابو سلمة وقد جعلت علىّ صبرا فقال ما هذا يا أم سلمة قلت انما هو صبر ليس فيه طيب فقال انه يشب الوجه فلا تجعليه الا بالليل وتنزعيه بالنهار ولا تمتشطى بالطيب ولا بالحناء فانه خضاب قلت باى شىء امتشط يا رسول الله قال بالسدر تغفلين به رأسك رواه ابو داود والنسائي وعنها عن النبي ﷺ قال المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل رواه ابو داود والنسائي وعن زينب بنت كعب ان الفريعة بنت مالك بن سنان وهى اخت ابى سعيد الخدري (١) فى الأصل ولا تخرجوهنّ (٢) فى الأصل الا زوج

البقرة 2:235

أخبرتها انها جاءت الى رسول الله ﷺ تسئله ان «١» ترجع الى أهلها في بنى خدرة فان زوجها خرج في طلب اعبد له فقتلوه قالت فسالت رسول الله ﷺ ان ارجع الى أهلي فان زوجى لم يتركنى في منزل يملكه ولا نفقة فقالت قال رسول الله ﷺ تعم فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة او في المسجد دعانى فقال امكثى في بيتك حتى يبلغ الكتاب اجله قالت فاعتدت فيه اربعة أشهر وعشرا رواه مالك وابن حبان في صحيحه والترمذي وابو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي ورواه الحاكم من وجهين وقال صحيح الاسناد من الوجهين جميعا ولم يخرجاه وقال الترمذي حديث صحيح وقال ابن عبد البر انه حديث مشهور واحتجوا بما رواه الدارقطني انه عليه السلام امر المتوفى عنها زوجها ان تعتد حيث شاءت فقال فيه لم يسنده غير ابى مالك الا شجعى وهو ضعيف وقال ابن القطان ومحبوب بن محرر ايضا ضعيف وعطاء بن السائب مختلط وابو بكر بن مالك أضعفهم ولذلك أعله الدارقطني- قال ابو حنيفة فان كان نصيبها من دار الميت لا يكفيها وأخرجها «٢» الورثة من نصيبهم انتقلت لان هذا انتقال بعذر والعبادات تؤثر فيها الاعذار فصار كما إذا خافت سقوط المنزل او كانت فيها بأجر ولا تجد ما يؤديه ولا يخرج عما انتقلت اليه فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ اى انقضت عدتهن فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ايها الائمة والمسلمون فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من الزينة والتزويج والخروج بِالْمَعْرُوفِ بالوجه الذي لا ينكره الشرع ومفهومه انهن لو فعلن ما ينكر الشرع فعليهم ان يمنعوهن فان النهى عن المنكر واجب فان قصروا فيه فعليهم الجناح وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٢) فيجازيكم على حسب أعمالكم. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ايها الخطاب فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ الخطبة الاستنكاح والتعريض من الكلام ما يفهم به السامع مراد المتكلم من غير ان يكون اللفظ موضوعا لمراده حقيقة ولا مجازا- والكناية هى الدلالة على الشيء- بذكر لوازمه كقولك طويل النجاد لطول القامة وكثير الرماد للضايف ومن التعريض ما روى ان سكينة بنت حنظلة تايّمت من زوجها فدخل عليها ابو جعفر محمد بن على الباقر عليهم السلام في عدتها وقال يا بنت حنظلة انا من قد علمت قرابتى من رسول الله صلى الله (١) فى الأصل وان ترجع (٢) فى الأصل أخرجه عليه وسلم وحق جدى على وقدمه في الإسلام فقالت سكينة أتخطبني وانا في العدة وأنت تؤخذ عنك فقال انما أخبرتك بقرابتي من رسول الله ﷺ وقد دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة وهى في عدة زوجها ابى سلمة فذكر لها منزلته من الله عز وجل وهو متحامل على يده حصيرا حتى اثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ اى أضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه صريحا او تعريضا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ بالقلوب ولا تصبرون على السكوت عنهن فاباح لكم التعريض ولا مؤاخذة على الإضمار- فيه نوع توبيخ على الخطبة وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا- استدراك عن محذوف دل عليه ستذكرونهن فاذكروهن في القلوب وعرضوا بالخطبة ولكن لا تواعدوهنّ سرّا نكاحا صريحا او جماعا يعبر بالسر عن الوطي لانه يسر ثم عن العقد لانه سبب فيه إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً (٥) وهو ان يعرضوا ولا يصرحوا والمستثنى منه محذوف اى لا تواعدوهن مواعدة الا مواعدة معروفة او الا مواعدة بقول معروف- اعلم ان المعتدة من فرقة الرضاع ونحوه والمباينة باللعان والمطلقة ثلاثا ممن لا يحل لزوجها الاول تزويجها فيجوز ايضا تعريضها للاجنبى بالخطبة وان كانت بائنة فمن يحل لزوجها الاول تزويجها يجوز لزوجها خطبتها تعريضا وتصريحا- وهل يجوز للغير تعريضا أم لا قيل يجوز كالمطلقة ثلاثا لانقطاع حق زوجها الاول وقيل لا يجوز لان المعاودة جائزة له واثر النكاح باق والاول اظهر وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ كناية عن النهى عن عقد النكاح في العدة فان العزم لازم للعقد وهذا ابلغ في النهى من قوله لا تعقدوا للنكاح- وليس فيه دلالة على حرمة العزم فانه لا مؤاخذة على عزم القلب اجماعا وقد سبق اباحته بقوله تعالى- عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ الاية وهذا كمن قال زيد طويل النجاد وكثير الرماد فانه غير كاذب ان كان زيد طويلا مضيفا وان لم يكن له نجاد ورماد أصلا ويمكن ان يكون على الحقيقة ويكون نهيا عن العزم على عقد النكاح في العدة وحينئذ يكون النهى للتنزيه نهى عن العزم بناء على انه من يحوم حول الحمى يوشك ان يقع فيه حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ العدة سماها كتابا لكونها فرضا كقوله تعالى كتب عليكم اى فرض عليكم أَجَلَهُ منتهاه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ من العزم هذا يدل على كراهة العزم فَاحْذَرُوهُ فخافوه

البقرة 2:236

ولا تعزموا وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن عزم ولم يفعل خشية من الله حَلِيمٌ (٢٣٥) ولما كان الطلاق ابغض المباحات ذكر هاهنا بلفظ. لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ وقرا حمزة والكسائي «١» لا تمسّوهنّ بالألف هاهنا وفي الأحزاب على المفاعلة والمعنى واحد اى لم تجامعوهن أَوْ تَفْرِضُوا يعنى الا ان تفرضوا او حتى تفرضوا او وتفرضوا اى تسموا لَهُنَّ فَرِيضَةً فعلية بمعنى المفعول والتاء لنقل اللفظ من الوصفية الى الاسمية فهو منصوب على المفعولية ويحتمل ان يكون منصوبا على المصدرية- والمعنى انه لا يجب عليكم المهر إن طلقتم قبل المسيس الا ان تفرضوا فحينئذ يجب نصف المفروض كما سيجيئ حكمه فيما بعد واما إذا كان الطلاق بعد المسيس فيجب المفروض كله بقوله تعالى آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وان لم يفرض يجب مهر المثل اجماعا وَمَتِّعُوهُنَّ عطف على مقدر فطلقوهن ومتعوهن اى أعطوهن من مالكم ما يتمتعن به وهذه المتعة واجبة عند ابى حنيفة والشافعي واحمد يعنى إذا طلق قبل المسيس ولم يفرض لها مهر وقال مالك- لا يجب بل هى مستحبة والأمر للندب قلنا كلمته حقا وكلمة على في قوله تعالى حقّا على المحسنين ينفى الاستحباب والأصل فى الأمر الوجوب- واختلفوا في مقدار الواجب فقال ابو حنيفة ثلاثة أثواب درع وخمار وملحفة من كسوة مثلها يعتبر بحالها لقيامها مقام مهر المثل لا يجاوز نصف مهر المثل ولا ينقص من خمسة دراهم وهو قول الكرخي والصحيح انه يعتبر حاله لقوله تعالى عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ قال ابن همام وهذا التقدير مروى عن عائشة وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء والشعبي وقال البغوي روى عن ابن عباس أعلاها خادم وأوسطها ثلاثة أثواب درع وخمار وإزار ودون ذلك وقاية او شىء من الورق وقال الشافعي فى أصح قوليه واحمد في رواية انه مفوض الى اجتهاد الحاكم وعن الشافعي انه مقدر بما يقع عليه اسم المال قل أو جل والمستحب عنده ان لا ينقص عن ثلاثين درهما- وفي رواية عن احمد انها مقدرة بكسوة يجوز فيها صلاتها وذلك ثوبان درع وخمار قال البغوي- طلق عبد الرحمن بن عوف امراة ومتعها جارية سوداء ومتع الحسن بن على امراة بعشرة آلاف درهم مَتاعاً نصب على المصدر بِالْمَعْرُوفِ بالوجه الذي يستحسنه الشرع لا بإكراه (١) فهو سبق قلم الصحيح لم تمسّوهنّ- ابو محمد عفا الله عنه

البقرة 2:237

من الحاكم حَقًّا اى حق حقا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦). وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ اى الواجب نصف ما فرضتم لهن ولا يجب المتعة زائدا على نصف المهر في هذه الصورة عند الجمهور الا ما روى عن الحسن وسعيد بن جبير ان لكل مطلقة متعة سواء كان قبل الفرض والمسيس او بعد الفرض قبل المسيس لقوله تعالى وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ ولقوله تعالى في سورة الأحزاب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا وهن يشتملن المفوضات وغير «١» المفروضات- وللجمهور ان يقولوا المتعة في هذه الصورة هو نصف المهر فان المهر في مقابلة البضع والبضع عادت إليها سالما فلم يجب نصف المهر الا على سبيل المتعة إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ اى المطلقات اى يتركن النصف فيعود جميع الصداق الى الزوج أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ اى الزوج المالك لعقده وحله بترك ما يعود اليه بالتشطير فيسوق المهر إليها «٢» كاملا- والتفسير للّذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ بالزوج أخرجه الطبراني في الأوسط عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا وأخرجه البيهقي في سننه عن على وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والشعبي وشريح ومجاهد وقتادة وهو مذهب ابى حنيفة والجديد الراجح من مذهب الشافعي وتسميتها عفوا اما على المشاكلة واما لانهم كانوا يسوقون المهر الى النساء عند التزوج فمن طلق قبل المسيس استحق استرداد النصف فاذا لم يستردها فقد عفا عنها «٣» - وعن جبير بن مطعم انه تزوج امراة وطلقها قبل الدخول فاكمل لها الصداق وقال انا أحق بالعفو أخرجه البيهقي في سننه- وقيل المراد بالّذى بيده عقدة النّكاح هو الولي أخرجه البيهقي عن ابن عباس وهو مذهب مالك والقول القديم للشافعى وعن احمد روايتان كالقولين فمعنى الاية عندهم الا ان تعفو المرأة بترك نصف المهر الى الزوج ان كانت ثيبا من اهل العفو او يعفو وليها ان كانت المرأة بكرا او غير جائزة الأمر فيجوز عفو وليها وهو قوله علقمة وعطاء والحسن والزهري وربيعة- لنا ان المهر خالص حقها فلا يجوز لغيرها (١) في الأصل المفوضات وغير المفوضات (٢) فى الأصل اليه (٣) فى الأصل عنه

البقرة 2:238

التصرف فيها ومن ثم لا يجوز للولى ان يهب شيئا من مال الصغير ولا يجوز له هبة مهرها قبل الطلاق اجماعا فلا يجوز تأويل الاية الا على ما قلنا وَأَنْ تَعْفُوا موضع رفع بالابتداء يعنى عفو بعضكم عن بعض أَقْرَبُ لِلتَّقْوى اى الى التقوى والخطاب للرجال والنساء جميعا لان المذكر يغلب على المؤنث وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ اى لا تنسوا ان يتفضل بعضكم على بعض فان المعطى أفضل من المعطى له إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧). لما طال الكلام في احكام الأزواج والأولاد نبّه الله سبحانه على ان الاشتغال بشأنهم لا يلهيهم عن ذكر الله وعن الصلاة التي هى عماد الدين ومكفرة الذنوب وصداء القلوب فقال. حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ بالأداء لاوقاتها والمداومة عليها وإتمام أركانها وصفاتها- اجمع الامة على انها فريضة قطعية يكفر جاحدها- واما تارك الصلاة عمدا فقال احمد يكفر وقال مالك والشافعي وهو رواية عن احمد انه لا يكفر لكن يستتاب فان تاب والا قتل وقال ابو حنيفة لا يقتل لكن يحبس ابدا حتى يموت او يتوب وجه رواية احمد حديث جابر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة رواه مسلم وحديث بريدة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم العهد الذي بيننا وبينهم ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر رواه احمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وحديث عبد الله بن عمر وعن النبي صلّى الله عليه وسلم انه ذكر الصلاة يوما فقال من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نورا ولا برهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبيّ بن خلف رواه احمد- والجمهور يؤولون هذه الأحاديث بناء على عطف اقامة الصلاة على الايمان- وحاصل هذه الأحاديث ان امر الصلاة أشد من سائر الاحكام والعبادات فمن تركها فكانه كفر او المعنى انه من تركها استخفافا فقد كفر والله اعلم وفي فضائل الصلاة أحاديث كثيرة جدا عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ارايتم لو ان نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا هل يبقى من درنه شىء قالوا لا يبقى من درنه شىء قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا متفق عليه- وعن عبادة ابن الصامت قال قال رسول الله ﷺ خمس صلوات افترضهن الله تعالى من احسن وضوئهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهدا ان يغفر له ومن لم يفعل فليس على الله عهد ان شاء غفر له وان شاء عذبه رواه احمد وابو داود وروى مالك والنسائي نحوه وهذا الحديث حجة للجمهور على ان تارك الصلاة لا يكفر والله اعلم وَالصَّلاةِ الْوُسْطى عطف الخاص على العام لمزيد الاهتمام- والوسطى تأنيث الأوسط- قال البغوي اختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم في الصلاة الوسطى- فقال قوم هى صلوة الفجر وهو قول عمر وابن عمرو ابن عباس ومعاذ بن جبل رضى الله عنهم- وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد واليه ذهب مالك والشافعي- وذهب قوم الى انها صلوة الظهر وهو قول زيد بن ثابت وابى سعيد الخدري وأسامة لانها في وسط النهار وهى اوسط صلوات النهار والحجة لهم ما رواه البخاري في تاريخه واحمد وابو داود والبيهقي وابن جرير عن زيد بن ثابت ان النبي ﷺ كان يصلى الظهر بالهاجرة وكانت أثقل الصلاة على أصحابه فنزلت حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى واخرج احمد من وجه اخر عن زيد ان رسول الله ﷺ كان يصلى الظهر بالهاجرة فلا يكون وراءه الا الصف والصفان والناس في قائلتهم وتجارتهم فانزل الله تعالى حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ الاية فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لينتهينّ رجال او لاحرقن بيوتهم قلنا هذين الحديثين لا يدلان ان صلوة الوسطى صلوة الظهر فان حافظوا على الصّلوت يشتمل الظهر- وقال الأكثرون وهو أرجح الأقوال انها صلوة العصر رواه جماعة عن رسول الله ﷺ وهو قول على وابن مسعود وابى أيوب وابى هريرة وعائشة رضى الله عنهم وبه قال ابراهيم النخعي وقتادة والحسن وهو مذهب ابى حنيفة واحمد لحديث على ان النبي ﷺ قال يوم الأحزاب ملا الله بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس متفق عليه وفي رواية لمسلم شغلونا عن الصلاة الوسطى صلوة العصر ملا الله قلوبهم وبيوتهم نارا وحديث ابن مسعود قال حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلوة العصر حتى اصفارت الشمس او احمارت الشمس فقال شغلونا عن الصلاة الوسطى ملا الله أجوافهم وقبورهم نارا رواه مسلم وحديث ابى يونس مولى عائشة قال أمرتني عائشة ان اكتب لها مصحفا ثم قالت إذا بلغت هذه الاية فاذنّى فلما بلغتها أذنت فاملات حافظوا على الصّلوت والصّلوة الوسطى وصلوة العصر وقالت سمعتها من رسول الله صلّى الله عليه وسلم رواه مسلم وحديث البراء بن عازب قال نزلت هذه الاية حافظوا على الصّلوات والصلاة العصر فقراناها ما شاء الله عز وجل ثم نسخها فنزلت حافظوا على الصّلوت والصّلوة الوسطى رواه مسلم واخرج مالك وغيره عن عمرو بن رافع قال كنت اكتب مصحفا لحفصة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم فاملات علىّ- حافظوا على الصّلوت والصّلوة الوسطى وصلوة العصر واخرج ابو داود عن عبد بن رافع قال كتبت مصحفا لام سلمة فقالت اكتب حافظوا على الصّلوة والصّلوة الوسطى وصلوة العصر واخرج ابو داود عن ابن عباس انه قرا كذلك واخرج ابو داود عن ابى رافع مولى حفصة قال كتبت مصحفا فقالت اكتب حافظوا على الصّلوت والصّلوة الوسطى وصلوة العصر فلقيت أبيّ بن كعب فاخبرته فقال هو كما قالت او ليس اشغل ما يكون عند صلوة الظهر في غنمنا ونواضحنا واصحاب الشافعي جعلوا أحاديث عائشة وحفصة وغيرهما حجة لهم قالوا عطف صلوة العصر على صلوة الوسطى دليل على المغائرة قلنا بل هو عطف تفسيرى- وروى البغوي في تفسيره حديث عائشة بلفظ حافظوا على الصّلوت والصلاة الوسطى صلوة العصر- بغير الواو والله اعلم وقال اقبيصة ابن ذويب هى صلوة المغرب لانها وسط ليست بأقلها يعنى ثنائيا ولا باكثرها يعنى رباعيا ولم ينقل عن أحد من السلف انها صلوة العشاء وذكر بعض المتأخرين انها صلوة العشاء لانها بين صلوتين لا تقصران- وقال بعضهم هى احدى الصلوات الخمس لا بعينها ابهمها الله تحريضا للعباد على المحافظة على أداء جميعها كما أخفى ليلة القدر وساعة الجمعة والاسم الأعظم والظاهر من كلام الأكثر ان تخصيص صلوة الوسطى بعد التعميم لمزية لها على غيرها من الصلوات- وعندى ليس كذلك بل زيادة التأكيد والاهتمام فيها لاجل ان وقت صلوة العصر وقت المشاغل بالسوق فروعى فيها زيادة التأكيد والاهتمام كيلا يفوت تلك الصلاة او يتادى على وجه الكراهة بلا جماعة او في وقت مكروه فعلى هذا اىّ صلوة من الصلوات يكون فيها مانع عن إتيانها على وجه السنة لا بد فيها زيادة التعاهد والاهتمام كصلوة الصبح والعشاء في الشتاء والظهر في الصيف والعصر لاهل السوق ان كان رواج سوقهم فى ذلك الوقت والمغرب لاهل المواشي ونحو ذلك والله اعلم- وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) المراد بالقنوت السكوت عن كلام الناس لحديث زيد بن أرقم قال كنا نتكلم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة ويكلم الرجل منا صاحبه الى جنبه حتى نزلت وقوموا لله قنتين فامرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام رواه الائمة الخمسة وغيرهم واخرج ابن جرير عن مجاهد قال كانوا يتكلمون في الصلاة وكان الرجل يأمر أخاه بالحاجة فانزل الله تعالى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ وقال مجاهد المراد بالقنوت الخشوع قال ومن القنوت طول الركوع وغض البصر والركود وحفض الجناح كان العلماء إذا قام أحدهم يصلى يهاب الرحمن ان يلتفت او يقلب الحصا او يعبث بشىء اى السكون منه ٢٧ او يحدث نفسه بشىء من امر الدنيا الا ناسيا وقيل المراد بالقنوت طول القيام لما رواه الترمذي عن جابر قال قيل للنبى ﷺ اىّ الصلاة أفضل قال طول القنوت وهذا القول ضعيف لان الأصل في الأمر الوجوب وطول القيام ليس بواجب وقال اصحاب الشافعي المراد بالقنوت دعاء القنوت لما روى عن ابن عباس قال قنت رسول الله صلّى الله عليه وسلم شهرا متتابعا يدعوا على احياء من سليم ورعل وذكوان وعصية وهذا القول ضعيف ايضا فان سياق الاية يدل على عموم القنوت في الصلوات كلها لا يختص بشهر دون شهر ولا بصلوة دون صلوة- وقد صح ان قنوت الفجر بدعة عن ابى مالك الأشجعي قال قلت لابى يا أبت قد صليت خلف النبي صلّى الله عليه وسلم وخلف ابى بكر وخلف عمر وعثمان وعلىّ هاهنا بالكوفة قريبا من خمس سنين أكانوا يقنتون فقال اى بنى بدعة رواه احمد- وفى لفظ صليت خلف النبي صلّى الله عليه وسلم فلم يقنت وصليت خلف ابى بكر فلم يقنت وصليت خلف عمر فلم يقنت وصليت خلف عثمان فلم يقنت وصليت خلف على فلم يقنت ثم قال اى بنى بدعة واسم ابى مالك سعد بن طارق بن الأسلم قال البخاري طارق بن الأسلم له صحبة واسناد هذا الحديث صحيح وفي نفى قنوت الفجر تسعة أحاديث- وما رووه في قنوت الفجر اما ضعيف واما محمول على قنوت النوازل والكلام طويل لا يسعه المقام- وقال الشعبي وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وطاءوس القنوت الطاعة قال الله تعالى امّة قانتا اى مطيعا قال الكلبي ومقاتل لكل اهل دين صلوة يقومون فيها عاصين فقوموا أنتم فى صلاتكم قانتين اى مطيعين- وقيل معناه مصلين كقوله تعالى أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ اى

البقرة 2:239

مصل- وقيل القنوت الذكر اى ذاكرين له تعالى في القيام- والأظهر هو المعنى الاول فان حديث زيد بن أرقم اصرح في المراد وأصح بخلاف غير ذلك فانها احتمالات لا يصادم المسموع. فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً رجالا جمع راجل مثل صاحب وصحاب وقائم وقيام ونائم ونيام وركبان جمع راكب واستدل الشافعي واحمد بهذه الاية على جواز الصلاة حال المسابقة واحتج ابن الجوزي بما رواه البخاري عن نافع ان ابن عمر كان إذا سئل عن صلوة الخوف وصفها ثم قال وان كان الخوف أشد من ذلك صلوا رجالا وقياما على أقدامهم او ركبانا مستقبلى القبلة او غير مستقبليها قال نافع لا ارى ابن عمر ذكر ذلك الا عن رسول الله ﷺ وقال ابو حنيفة لا يجوز الصلاة حال المشي والمسابقة وليس في الاية دليل على جواز الصلاة حال المسابقة فانه ليس معنى الراجل الماشي بل الراجل القائم على الرجلين وكذا في الحديث رجالا وقياما عطف تفسيرى لا يدل على جواز الصلاة ماشيا على ان كونه مرفوعا زعم من نافع ليس في صريح الرفع- فان قيل قد جوز في صلوة الخوف الذهاب والمجيء اجماعا كما سنذكر في سورة النساء ان شاء الله تعالى فليجز الصلاة حالة المشيء ايضا- قلنا ما ثبت شرعا مما لا مدخل للرأى فيها لا يتعداه على ان المشي في أثناء الصلاة كالمشى لاجل الوضوء للذى أحدث في الصلاة أهون من الصلاة ماشيا فلا يلحق الا على بالأدنى (مسئلة) بناء على هذه الاية اجمعوا على انه ان اشتد الخوف صلوا ركبانا يؤمون بالركوع والسجود الى اى جهة كان إذا لم يقدروا على التوجه الى القبلة لكن قال ابو حنيفة لا يجوز الافرادى وعن محمد انهم يصلون بجماعة قال في الهداية وليس بصحيح لانعدام الاتحاد في المكان (مسئلة) لا ينتقص عدد الركعات بالخوف عند الائمة الاربعة والجمهور وروى مسلم عن مجاهد عن ابن عباس قال فرض الله تعالى الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة وهو قول عطاء وطاووس والحسن ومجاهد وقتادة وسنذكر مسائل صلوة الخوف في سورة النساء ان شاء الله تعالى فَإِذا أَمِنْتُمْ وزال خوفكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ صلوا الصلاة تامة بشرائطها وأركانها وآدابها كَما ذكرا مثل ما عَلَّمَكُمْ على لسان نبيه صلّى الله عليه وسلم وما مصدرية او موصولة ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) مفعول ثان لعلّم-.

البقرة 2:240

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ يا معشر الرجال وَيَذَرُونَ يتركون أَزْواجاً اى زوجات وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ قرا ابو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص وصيّة بالنصب على معنى فليوصوا وصية وقرا الباقون بالرفع اى كتب عليكم وصية ويؤيده قراءة كتب عليكم وصيّة لازواجكم او المعنى حكمهم وصية مَتاعاً نصب على المصدر اى متعوهن متاعا او هو مفعول لمضمر اى ليوصوا متاعا- او لوصية اى ليوصوا وصية متاعا يعنى ما يتمتعن به من النفقة والكسوة من موتهم إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ بدل منه او مصدر مؤكد كقولك هذا القول غير ما تقول او حال من أزواجهم اى غير مخرجات او منصوب بنزع الخافض اى من غير إخراج- والمعنى انه يجب على المحتضرين ان يوصوا لازواجهم بان يتمتعن من أموالهم بالنفقة والكسوة الى تمام الحول فكان ذلك الوصية للزوجات واجبا على الأزواج بهذه الاية كما كانت الوصية للوالدين والأقربين واجبا بقوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ثم نسخ هذا الحكم كما نسخ ذلك والناسخ لهذا ما هو ناسخ لذلك اعنى اية الميراث وقوله صلّى الله عليه وسلم لا وصية لوارث اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس انه سقطت النفقة بتوريثها الربع والثمن- وما ذكرنا من البحث والتحقيق في تفسير قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ الاية جار هاهنا ايضا فلم نعده- وكانت النساء يحدون في الجاهلية وكذا في بدء الإسلام بعد الوفاة حولا كاملا كما يدل عليه قوله صلّى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة قد كانت إحداكن ترمى بالبعرة على رأس الحول متفق عليه قيل ثم نسخت المدة بقوله تعالى أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فذلك الاية وان كانت مقدما على هذه الاية في التلاوة لكنها متاخرة عنها في النزول- اخرج الشيخان عن عثمان بن عفان انه نسخت المدة بقوله تعالى أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً- قال البغوي نزلت الاية في رجل من الطائف يقال له حكيم بن الحارث هاجر الى المدينة وله أولاد ومعه أبواه وامرأته ومات فانزل الله تعالى هذه الاية فاعطى النبىّ صلّى الله عليه وسلم والديه وأولاده من ميراثه ولم يعط امرأته شيئا وأمرهم ان ينفقوا عليها من تركة زوجها حولا وكذا اخرج إسحاق بن راهويه في تفسيره عن مقاتل بن حبان ان رجلا من اهل الطائف قدم المدينة الحديث قلت لكن سياق الاية ينافى

البقرة 2:241

هذا الحديث لان الاية تقتضى وجوب الوصية والحديث يقتضى وجوب نفقتها من تركة زوجها من غير وصية ولعله مات بعد نزول الاية واوصى بالإنفاق حولا على حسب تلك الاية فعمل النبي ﷺ كذلك- وايضا هذا الحديث يقتضى نزول هذه الاية بعد قوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ وقبل قوله تعالى وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ الاية والله اعلم فَإِنْ خَرَجْنَ يعنى الأزواج قبل الحول من غير إخراج الورثة فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ايها الائمة فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من ترك الحداد والتزيين والتزويج مِنْ مَعْرُوفٍ مما لم ينكره الشرع فليس عليكم منعهن قال البغوي الخطاب الى اولياء الميت ولدفع الجناح وجهان أحدهما ما ذكرت وثانيهما لا جناح عليكم في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول قلت هذا التأويل لا يصاعده عبارة النص لانه لو كان كذلك كان ينبغى ان يقال فيما فعلتم يعنى من ترك النفقة ولم يتبع فيما فعلن والله اعلم- وهذه الاية تدل على ان الاعتداد والإحداد الى تمام الحول لم يكن واجبا عليهن وانما يفعلن ذلك على رسم الجاهلية تأسفا على فراق الميت- فاوجب الله تعالى الوصية لهن بالنفقات على سبيل المروة ماد من يتاسفن على فراقه ولم يخرجن من منزله فما انزل الله تعالى في عدة الوفاة اربعة أشهر وعشرا حكم جديد ليس بناسخ لحكم اخر سابق عليه والله اعلم وَاللَّهُ عَزِيزٌ ينتقم من خالف حكمه حَكِيمٌ (٢٤٠) يحكم على حسب المروة ورعاية المصالح. وَيجب لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ يعنى على الموسع قدره وعلى المقتر قدره حق ذلك حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) عن الشرك- قيل المراد بمتاع في هذه الاية نفقة ايام العدة كما هو المراد فيما سبق من قوله تعالى وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ- بجامع ان المرأة في كلا الصورتين الموت والطلاق محبوسة لحقوق الزوج فيجب الانفاق في ماله وهذا الحكم وهو وجوب الانفاق في عدة الطلاق مجمع عليه ان كان الطلاق رجعيا- واما إذا كان الطلاق بائنا فكذلك الحكم عند ابى حنيفة رحمه الله تعالى لعموم اللفظ في هذه الاية ولقوله تعالى أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ- فانه في قراءة ابن مسعود بلفظ اسكنوهنّ من حيث سكنتم وأنفقوا عليهنّ من وجدكم ولحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المطلقة ثلاثا لها السكنى والنفقة رواه الدارقطني فان قيل قال ابن الجوزي فيه الحرث بن ابى العالية قال يحيى بن معين هو ضعيف قلنا قال الذهبي حرث بن ابى العالية ابو معاذ شيخ لعبد الله القواريري ضعف بلا حجة ولجامع معنى الاحتباس لحقوق الزوج وهو ظهور براءة الرحم او المروة في معاملة الإحداد والتأسف على فراقه ولم ينسخ الانفاق على المتوفى عنها زوجها بالكلية بل وجب لها الميراث عوضا عن الانفاق فكانه لم ينسخ- وقال مالك والشافعي لا يجب لها النفقة لكن يجب لها السكنى وهو رواية عن احمد- وعند احمد لا سكنى لها ولا نفقة احتجوا بحديث فاطمة بنت قيس ان أبا عمر وبن حفص طلقها البتة وهو غائب فارسل إليها وكيله الشعير فسخطته فقال والله مالك علينا من شىء فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال ليس لك نفقة فامرها ان تعتد في بيت أم شريك ثم قال تلك امراة يغشاها أصحابي اعتدى عند ابن أم مكتوم رواه مسلم وفي رواية ان زوجها طلقها ثلاثا فاتت النبي ﷺ فقال لا نفقة لك الا ان تكونى حاملا وروى احمد عن ابن عباس قال حدثتنى فاطمة بنت قيس ان رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة وفي سند هذا الحديث حجاج بن ارطاة- وروى احمد عنها انها قالت قال رسول الله ﷺ انما النفقة والسكنى للمرءة ما كانت له عليها رجعة فاذا لم تكن عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى فبهذا الحديث قال احمد لا سكنى لها- واما الشافعي ومن معه فاوجبوا السكنى بقوله تعالى «١» أَسْكِنُوهُنَّ فكانهم تركوا العمل بهذا الحديث من وجه ولنا في الجواب ان حديث فاطمة بنت قيس مخالف للكتاب فهو متروك وقد ترك العمل به عمر بن الخطاب بمحضر من الصحابة روى الترمذي بسنده عن مغيرة عن الشعبي قال قالت فاطمة بنت قيس طلقنى زوجى ثلاثا على عهد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ لا سكنى لك ولا نفقة قال مغيرة فذكرته لابراهيم فقال قال عمر لا ندع كتاب الله وسنة تبينا ﷺ بقول امراة لا ندرى احفظت أم نسيت وكان عمر يجعل لها السكنى قال ابن الجوزي ان ابراهيم لم يدرك عمر وقد رواه جماعة ان عمر قال لا نذر كتاب الله ولم يقل سنة نبيه وهو أصح ثم لا يقبل قول الصحابي إذا صح عن رسول الله ﷺ ضده- قلنا ان لم يدرك ابراهيم عمر فهو مرسل والمرسل عندنا (١) فى الأصل وأسكنوهن

البقرة 2:242

حجة- وإذا ثبت قول عمر سنة نبينا فهو رواية رقعه- ولو سلمنا فما اعترف به ابن الجوزي من صحة قول عمر لا تذر كتاب الله يكفينا للمدعى فان قول عمر هذا يدل على صحة قراءة ابن مسعود أنفقوا عليهنّ «١» من وجدكم فثبت به المدعى- وقيل في تأويل الآية المراد بمتاع بالمعروف هو المتعة غير النفقة وهى ثلاثة أثواب كما في المطلقة غير الممسوسة- وعلى هذا التأويل اللام في للمطلقات للعهد الخارجي عند ابى حنيفة رحمه الله يدل عليه ما أخرجه ابن جرير عن ابن زيد قال لما نزلت ومتّعوهنّ على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقّا على المحسنين قال رجل ان أحسنت فعلت وان لم ار ذلك لم افعل فانزل الله وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ- فعلى هذا انما يثبت المتعة الا للمطلقة قبل المسيس وبه قال ابو حنيفة رحمه الله فان قيل لو كان التأويل هكذا فما وجه قول ابى حنيفة بان المتعة يستحب إعطاؤها للمطلقة بعد المسيس فرض المهر اولا- قلنا استحباب المتعة للمطلقة بعد المسيس لا يثبت بهذه الاية بل بقوله تعالى في سورة الأحزاب فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا والله اعلم- وقال الشافعي اللام للاستغراق ومن ثم يجب المتعة عنده لكل مطلقة الا التي طلقت قبل المسيس بعد فرض المهر- قلت لو كان التأويل هكذا فلا وجه لاستثناء المطلقة التي طلقت قبل المسيس الا ان يقال وجهه الاستثناء ان يقال ان المتعة في هذه الصورة هو نصف المهر كما ذكرنا من قبل وحينئذ نقول ان ما ذكر الشافعي من التأويل هو أحد الاحتمالات المذكورة كما سمعت فوقع الشك فى وجوب المتعة لكل مطلقة ولا يثبت الوجوب بالشك فقلنا بالاستحباب عملا على أحد الاحتمالات والله اعلم. كَذلِكَ اشارة الى ما سبق من احكام الطلاق والعدة يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وعد بانه سيبين لعباده من الدلائل والاحكام ما يحتاجون اليه معاشا ومعادا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢) اى تفهمون وتستعملون العقل فيها-. أَلَمْ تَرَ تعجيب وتشويق لاستماع ما بعده فصار مثلا في التعجيب ويخاطب به من لم ير ولم يسمع قبل- او هو تقرير لمن سمع قصتهم من اهل الكتاب وارباب التواريخ او المعنى الم تعلم باعلامى إياك وفيه ايضا تعجيب وهكذا التأويل في كل ما ورد في القران لفظ الم تر ولم يره النبي ﷺ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ قال عطاء (١) فى الأصل هاهنا اتفقوا هن من وجد كم- ابو محمد عفا الله عنه الخراسانى ثلاثة آلاف وقال وهب اربعة آلاف كذا أخرجه الحاكم وصححه من ابن عباس وقيل ثمانية آلاف وقال السدىّ بضعة وثلاثين الفا وقال ابن جريح أربعين الفا- واخرج ابن جرير من طريق منقطع عن ابن عباس أربعون الفا وثمانية آلاف وقال عطاء «١» بن رباح سبعين الفا- وقيل المراد به وهم مؤتلفة قلوبهم من الالفة حَذَرَ الْمَوْتِ مفعول له قال البغوي ان اهل داوردان قرية قبل واسط وقع بها طاعون فخرجت طائفة منها وبقيت طائفة فهلك اكثر من بقي في القرية وسلم الذين خرجوا- فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين فقال الذين بقوا أصحابنا كانوا احزم منالو صنعنا كما صنعوا لبقينا ولئن وقع الطاعون ثانيا لنخرجن الى ارض لا وباء بها فوقع الطاعون من قابل فهرب عامة أهلها وخرجوا حتى نزلوا واديا افيح فلما نزلوا المكان الذي يبتغون فيها النجاة ناداهم ملك من أسفل الوادي واخر من أعلاه ان موتوا فماتوا جميعا كذا اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس وروى احمد والبخاري ومسلم والنسائي عن اسامة بن زيد عن النبي ﷺ قال إذا سمعتم بالطاعون في ارض فلا تدخلوا عليه وإذا وقع بأرض فلا تخرجوا منها وأنتم فرار منه وروى البغوي بسنده ان عمر بن الخطاب رضى الله عنه خرج الى الشام فلما جاء سرغ بلغه ان الوباء قد بلغ بالشام فاخبره عبد الرحمن بن عوف ان رسول الله ﷺ قال إذا سمعتم بأرض الحديث فرجع عمر من سرغ وقال الكلبي ومقاتل والضحاك انما فروا من الجهاد وذلك ان ملكا من ملوك بنى إسرائيل أمرهم ان يخرجوا الى قتال عدوهم فعسكروا ثم جبنوا وكرهوا الموت واعتلوا وقالوا لملكهم ان الأرض التي تأتيها بها الوباء فلا نأتيها حتى ينقطع منه الوباء فارسل الله عليهم الموت فخرجوا من ديارهم فرارا من الموت فلما راى الملك ذلك قال اللهم رب يعقوب والله موسى قد ترى معصية عبادك فارهم اية من أنفسهم حتى يعلموا انهم لا يستطيعون الفرار منك فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ عقوبة لهم مُوتُوا امر تحويل فماتوا جميعا وماتت دوابهم كموت رجل واحد فخرج إليهم الناس فعجزوا عن دفنهم فحظروا عليهم حظيرة دون السباع وتركهم فيها فاتت على ذلك مدة قيل ثمانية ايام وقيل حتى بليت أجسادهم وعريت عظامهم ثُمَّ أَحْياهُمْ الله تعالى عطف على محذوف يدل عليه قوله موتوا يعنى فماتوا اخرج ابن جرير من طريق السدىّ عن ابى مالك انه مر حزقيل عليه السلام على اهل داوردان (١) عطاء بن ابى رباح- ابو محمد عفا الله عنه

البقرة 2:244

وقد عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم فتعجب من ذلك- فاوحى الله اليه ناد فيهم ان قوموا بإذن الله فنادى فقاموا وحزقيل بن يوزى كان ثالث خلفاء بنى إسرائيل بعد موسى عليه السلام قال الحسن ومقاتل هو ذو الكفل سمى به لانه تكفل بسبعين نبيا وأنجاهم من القتل وقال مقاتل والكلبي هم كانوا قوم حزقيل «١» فلما أصابهم ذلك خرج حزقيل في طلبهم فوجدهم موتى فبكى وقال يا رب كنت في قوم يحمدونك ويسبحونك ويقدسونك ويكبرونك ويهللونك فبقيت وحيد الا قوم لى فاوحى الله اليه انى جعلت حياتهم إليك فقال أحيوا بإذن الله فعاشوا- قال مجاهد انهم قالوا حين أحيوا سبحانك «٢» ربنا ونحمدك لآله الّا أنت- فرجعوا الى قومهم وعاشوا دهرا؟؟ الموت على وجوههم لا يلبسون ثوبا الا عاد وسما مثل الكفن حتى ماتوا لاجالهم التي كتبت لهم- قال ابن عباس فانها ليوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح قال قتادة مقتهم الله على فرارهم من الموت فاماتهم عقوبة ثم بعثهم ليستوفوا اجالهم ولو جاءت اجالهم ما بعثوا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ حيث أحياهم ليعتبروا ويفوزوا وقص عليكم حالهم لتستبصروا- والمراد به فضل الله على الناس كافة يعنى في الدنيا بقرينة قوله تعالى وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يعنى الكفار لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) ذكر الله تعالى هذه القصة حثا للمؤمنين على التوكل والاستسلام للقضاء وتشجيعا على الجهاد فكانه تمهيد لقوله تعالى. وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إذ الفرار عن الموت لا يفيد والمقدر واقع لا محالة فالاولى القتال في سبيل الله إذ لو جاء أجلهم ففى سبيل الله والا فالنصر والثواب وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لما يقوله المتخلف والسابق عَلِيمٌ (٢٤٤) بما يضمر انه والله اعلم روى البخاري في صحيحه وابن ابى حاتم وابن مردوية عن ابن عمر انه قال لما نزلت قوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ الاية- قال رسول الله ﷺ رب زدامتى فانزل الله تعالى. مَنْ ذَا الَّذِي من استفهامية مرفوعة (١) عن اشعث بن اسلم البصري قال بينما عمر يصلى ويهوديان خلفه قال أحدهما لصاحبه هو هو قالا انا نجده فى كتابنا قرنا من حديد يعطى ما يعطى حزقيل الذي أحيا الموتى بإذن الله- فقال عمر ما نجد في كتاب الله حزقيل ولا أحيا الموتى بإذن الله الا عيسى قالا اما تجد في كتاب الله رسلا لم نقصصهم فقال عمر بلى قالا اما احياء الموتى فنحدثك ان بنى إسرائيل وقع عليهم الوباء فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا على ميل أماتهم الله فبنوا عليهم حائطا حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل فقام عليهم فقال ما شاء الله فبعثهم الله فانزل الله في ذلك أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ- منه رحمه الله (٢) فى الأصل سبحان ربنا المحل بالابتداء وذا خبره والذي صفة ذا او بدله يُقْرِضُ اللَّهَ القرض في اللغة القطع سمى به ما يعطى من ماله شيئا لاخر ليرجع اليه مثله لان فيه قطع من ماله- والمراد هاهنا بالقرض اما حقيقته فيكون فى الكلام تجوز بتقدير المضاف اى يقرض عباد الله كما جاء في الحديث عن ابى هريرة مرفوعا ان الله يقول يوم القيامة يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمنى قال يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين قال استطعمك عبدى فلان فلم تطعمه اما علمت انك لو أطعمته لوجدتّ ذلك عندى الحديث رواه مسلم وفي فضيلة القرض أحاديث منها حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال كل قرض صدقة رواه الطبراني بسند حسن- والبيهقي وعنه ان النبي ﷺ قال ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرة الا كان كصدقته مرتين رواه ابن ماجة وصححه ابن حبان وأخرجه البيهقي مرفوعا وموقوفا- واما مجازه وهو تقديم عمل صالح يطلب به ثوابه ويدل عليه ما ذكرنا من حديث البخاري في سبب النزول قَرْضاً حَسَناً منصوب على المفعولية اى مقرضا حلالا طيبا- او على المصدرية اى قرضا مقرونا بالإخلاص وطيب النفس واخرج ابن ابى حاتم عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه قال القرض الحسن المجاهدة والانفاق في سبيل الله فَيُضاعِفَهُ لَهُ يعنى يضاعف الله جزاءه قرا ابن كثير وابو جعفر وابن عامر ويعقوب فيضعّفه وبابه بالتشديد حيث وقع ووافقهم ابو عمرو في سورة الأحزاب- والتشديد للتكثير وقرا الباقون بالألف على المفاعلة للمبالغة- وقرا ابن عامر وعاصم ويعقوب بالنصب وكذلك في سورة الحديد على جواب الاستفهام بإضمار أن والباقون بالرفع عطفا على يقرض- فههنا اربع قراءات قرا ابن كثير وابو جعفر فيضعّفه بالرفع وابن عامر ويعقوب بالنصب وعاصم فيضعفه بالنصب والباقون بالرفع أَضْعافاً جمع ضعف ونصبه على الحال من الضمير المنصوب او على المفعول الثاني لتضمن المضاعفة معنى التصيير او على المصدر على ان الضعف اسم المصدر وجمعه للتنويع كَثِيرَةً قال السدىّ هذا التضعيف لا يعلمه الا الله وقيل الواحد بسبع مائة والاول أصح لما ذكرنا من حديث البخاري في سبب النزول وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ قرا ابو عمرو وقنبل وحفص وهشام وحمزة بخلاف عن خلاد ويبسط هاهنا وبسطة في الأعراف بالسين والباقون بالصاد- اى يقبض الرزق لمن يشاء ويبصط لمن يشاء فلا تبخلوا في التصدق كيلا يبدل حالكم عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

البقرة 2:246

ما من يوم يصبح العباد فيه الا ملكان ينزلان من السماء فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الاخر اللهم أعط ممسكا تلفا متفق عليه وقيل هذا في القلوب لما أمرهم الله بالصدقة أخبرهم بانهم لا يمكنهم ذلك الا بتوفيقه يعنى يقبض بعض القلوب فلا ينشط للخير ويبسط بعضها فيقدم لنفسه خيرا عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما الى ثديهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها متفق عليه وقال رسول الله ﷺ القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وقيل يقبض الصدقات ويبسط في الجزاء والثواب عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب (ولا يقبل الله الا الطيب فان الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربى أحدكم فلوه حتى يكون مثل الجبل متفق عليه وقيل الله يقبض الأرواح والأنفس حين موتها والتّي لم تمت في منامها فيمسك الّتى قضى عليها الموت ويبسط «١» الاخرى الى أجل مسمّى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) بعد الموت فيجازيكم على ما قدمتم من أعمالكم- قال قتادة الهاء راجعة الى التراب كناية عن غير مذكور اى الى التراب ترجعون-. أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ هى الجماعة من وجوه الناس واشرافهم يجتمعون للتشاور لا واحد له من لفظه كالقوم وجمعه إملاء مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ موت مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ قال قتادة هو يوشع بن نون وقال السدى شمعون والأكثر انه اشموئيل قال وهب وابن ابى إسحاق والكلبي وغيرهم انه لما مات موسى خلف في بنى إسرائيل يوشع فمات فخلف فيهم كالب فمات فخلف حزقيل فلما مات وعظمت فى بنى إسرائيل الأحداث ونسوا عهد الله حتى عبدوا الأوثان بعث الله تعالى الياس بتجديد ما نسوا من التورية ثم خلقه اليسع فمات وخلفت فيهم خلوف وعظمت الخطايا وظهر عليهم عدوهم العمالقة فوم جالوت ساكنوا ساحل البحر بين مصر وفلسطين غلبوا على ارضهم وسبوا ذراريهم وأسروا من أبناء ملوكهم اربعمائة وأربعين غلاما وضربوا عليهم الجزية (١) وفي القران ويرسل الاخرى [.....]

البقرة 2:247

وأخذوا توراتهم ولقى بنوا إسرائيل منهم شدة ولم يكن نبى يدبر أمرهم وكان سبط النبوة لم يبق منهم الا امراة حبلى فولدت غلاما فسمته اشموئيل فاسلمته لتعلم التورية في بيت المقدس وكفله شيخ من علمائهم فلما بلغ الغلام أتاه جبرئيل وهو نائم عند الشيخ فدعاه جبرئيل بلحن الشيخ يا اشموئيل فقام الغلام فزعا الى الشيخ فقال يا أبتاه دعوتنى فكره الشيخ ان يقول لا فيفزع الغلام فقال يا بنى ارجع فنم فنام ثم دعاه الثانية فقال الغلام دعوتنى قال ان دعوتك ثالثا فلا تجبنى فلما كانت الثالثة ظهر له جبرئيل وقال اذهب الى قومك فبلغهم رسالة ربك فان الله قد بعثك نبيا فكذبوه وقالوا ان كنت صادقا ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جزم على جواب الأمر وكان قوام أمرهم بالملوك وهم كانوا يطيعون الأنبياء قالَ لهم اشموئيل هَلْ عَسَيْتُمْ قرا نافع هاهنا وفي سورة القتال عسيتم بكسر السين في كل القران والباقون بالفتح ادخل هل على فعل التوقع مستفهما عما هو متوقع عنده تقريرا وتثبيتا إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ شرط وقع بين الجملة الجزائية أَلَّا تُقاتِلُوا خبر عسى والمعنى ان كتب عليكم القتال أتوقع ان لا تقاتلوا مع ذلك الملك قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال الأخفش ان هاهنا زائدة ومعناه ومالنا لا تقاتل وقال الكسائي معناه ما يمنعنا ان نقاتل والصحيح ان مالك لا تفعل ومالك ان لا تفعل لغتان صحيحتان وَقَدْ أُخْرِجْنا يعنى قد اخرج من اسرمنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وهم الذين جاوزوا النهر كما سيجيئ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وعيد على ترك الجهاد فسال اشموئيل ربه ان يبعث لهم ملكا فاتى بعصا وقرن فيه دهن القدس فمن كان طوله طول هذا العصا و؟؟ نش الدّهن الذي في القرن إذا دخل فدهّن به رأسه وملّكه على بنى إسرائيل فبينا طالوت إذا ضل حمره وخرج في طلبه وكان دبّاغا او سقاء دخل بيت اشموئيل ليسئله عن الحمر إذ نش الدهن فقام اشموئيل فقاس طالوت بالعصا فكان على طولها فدهّن رأسه وملّكه. وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً ولما كان من بنى إسرائيل سبط النبوة سبط لاوى بن يعقوب وسبط المملكة سبط يهودا وكان طالوت من سبط بنيامين وكان رجلا فقيرا قالُوا أَنَّى من اين يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا

البقرة 2:248

وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ فانّا من سبط المملكة والواو للحال وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ ونحن اغنياء قالَ نبيهم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ قال الكلبي كان اعلم الناس بالحرب وَالْجِسْمِ وكان طالوت أجمل في بنى إسرائيل وأطولهم يمد رجل يده حتى يبلغ رأسه- وقيل أتاه الوحى حين اوتى الملك- قلت ولمّا احسن الله الثناء على طالوت بالاصطفاء وبسطة العلم والظاهر ان المراد بالعلم علم الشرائع فان به يصلح امور الدين والدنيا ظهر ان ما يذكرون في قصة طالوت انه حسد داود عليه السلام في اخر الأمر وأراد قتله فهرب داود وطعن علماء بنى إسرائيل طالوت فقتل طالوت كل عالم منهم الى اخر القصة باطل لا اصل له ولذا لم اذكره وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ اى واسع الفضل يوسع على الفقير ويغنيه عَلِيمٌ (٢٤٧) بمن يليق بالملك- رد الله تعالى استبعادهم ملكه اولا بان السبب الحقيقي للتملك إيتاء الله واصطفاؤه وذالا يتوقف على سبق قابلية من جهة النسب او الحسب او غير ذلك- وثانيا بان السبب الظاهري لصلاحية التملك وإصلاح امور الناس العلم والقدرة على العمل على وفق العلم بالقوة والجسامة فى البدن دون كثرة المال فان المال غاد ورايح لا عبرة لوجوده وفقده- وثالثا بانه لا يجوز الاستبعاد بعد ما قضى الله ورسوله فانه تعالى اعلم بالمصالح منكم. وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ لما طلبوا منه اية على اصطفائه إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فعلوت من التوب اى الرجوع فانه لا يزال يرجع اليه ما يخرج منه- قيل أريد به الصندوق كان من خشب الشمشاد مموها بالذهب نحوا من ثلاثة اذرع في ذراعين أخرجه ابن المنذر عن وهب ابن منبه فقيل ان الله تعالى انزل تابوتا على آدم فيه صور الأنبياء فكان عند آدم ثم كان عند شيث وتوارثه الأنبياء حتى وصل الى موسى فكان موسى يضع فيه التورية وشيئا من متاعه فاذا مات موسى تداولته أنبياء بنى إسرائيل- وقيل كان صندوقا للتورية فكانوا إذا حضر القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم فاذا سار التابوت ساروا وإذا وقف وقفوا فِيهِ اى في إتيانه سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعنى تسكن به قلوبكم فلا تشكوا في ملك طالوت او الضمير راجع الى التابوت يعنى مودع فيه ما تسكتون اليه وهو التورية- او المعنى ان فيه خاصية ان تسكن قلوبكم بحضوره اخرج ابن إسحاق وابن جرير عن وهب بن منبه انه كان موسى عليه السلام إذا قاتل قدمه فتسكن نفوس بنى إسرائيل ولا يفرون قلت ولا شك ان يذكر الله تعالى وروية اثار الصالحين من الأنبياء واتباعهم تطمئن القلوب وتذهب عنها وساوس الشيطان- واخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس ان السكينة هى صورة كانت في التابوت من زبرجد او ياقوت لها رأس وذنب كرأس الهرة وذنبه وله جناحان فتانّ فيزف التابوت نحو العدو وهم يتبعونه وإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر كذا ذكر البغوي عن مجاهد- وعن على عليه السلام انه ريح خجوج هفافة لها رأسان ووجهه كوجه الإنسان واخرج الطبراني عن على عن رسول الله ﷺ قال السكينة ريح خجوج والله اعلم وعن ابن عباس هى طشت من ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ يعنى أنفسهما ولفظ الال مقحم لتفخيم شأنهما او المراد من ال هما أنبياء بنى إسرائيل لانهم أبناء عمهما- قيل كان فيه لوحان من التورية ورصاص الألواح التي تكسرت وعصاء موسى ونعلاه وعمامة هارون وعصاه وقفيز من «١» المنّ الذي كان ينزل على بنى إسرائيل وكان ذلك التابوت قد فقده بنوا إسرائيل حين عصوا الله وأحدثوا في القربان وخبثوا في القدس فقيل رفعه الله الى السماء وقيل غلب عليه العدو وذلك انه كان مشوطا لقربان الذي كانوا يشوطونه به كلابين فماجاءه كان للكاهن الذي يشوطه فلما صار عيلى الذي ربّى اشموئيل صاحب قربانهم جعل ابناه كلاليب- وكان النساء يصلين في القدس فكانا يتشبثان بهن- فقال الله تعالى لعيلى على لسان اشموئيل منعك حب الولد من ان تزجر ابنيك ان يحدثا في قرباتى وقدسى لانزعن منك الكهانة ومن ولدك ولاهلكنّكم فسار إليهم عدو فخرج ابناؤه واخرج معهما التابوت فقتلا وذهب العدو بالتابوت فلما سمع عيلى شهق فمات- فلما بعث الله طالوت ملكا انزل الله التابوت من السماء تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ هذا على القول الاول- واما على قول الثاني فلما ذهب العمالقة بالتابوت وضعوه في بيت الأصنام تحت صنم لهم أعظم فاصبح الصنم ملقى تحت التابوت وأصبحت الأصنام منكسرة فوضعوه في ناحية فهلك اكثر اهل الناحية فاخرجوه الى قرية اخرى فبعث الله على اهل تلك القرية فادّا يبيت الرجل فيصبح وقد أكل الفارة ما في جوفه- فقالت امراة من سبى بنى إسرائيل لا تزالون ترون ما تكرهون مادام (١) فى الأصل وقفيز منّ الذي-

البقرة 2:249

هذا التابوت فيكم فاخرجوه عنكم فاتوا بعجله وحملوه عليه ثم علقوها على ثورين وضربوا جنوبهما فوكل الله اربعة من الملائكة يسوقونها فجاءوا به الى بنى إسرائيل- وقيل كان التابوت في التيه خلفه موسى عند يوشع بن نون فبقى هناك الى زمن طالوت فجاءت به تحمله الملائكة حتى وضعته فى دار طالوت إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) يحتمل ان يكون تمام كلام النبي اشموئيل ويحتمل ان يكون ابتداء خطاب من الله تعالى- قال ابن عباس ان تابوت وعصاء موسى في البحيرة الطبرية وانهما يخرجان قبل يوم القيامة-. فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ اى خرج والفصل في الأصل القطع وهو فعل متعد يعنى فصل نفسه عن بلده فلما كثر استعماله حذف مفعوله فصار كاللازم بمعنى انفصل عن بلده شاخصا الى العدو بِالْجُنُودِ هو في موضع الحال من فاعل فصل اى مختلطا بالجنود وذلك انهم لما راوا التابوت واستيقنوا النصر تسارعوا الى الجهاد كلهم فقال طالوت لا يخرج معى إلا شاب نشيط فارغ فخرج على هذا سبعون الفا على قول مقاتل وقيل ثمانون الفا وكانوا فى حر شديد فسالوا ان يجرى الله لهم نهرا قالَ طالوت اما بوحي الله ان كان نبيا واما بإرشاد نبيهم إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ قال ابن عباس والسدىّ هو نهر فلسطين وقال قتادة نهر بين الأردن وفلسطين- والابتلاء الاختبار- يعنى يعاملكم معاملة المختبر ليظهر المطيع من العاصي فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي اى من اتباعى او ليس بمتحد معى وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ اى لم يذقه من طعم لشىء إذا اذاقه ماكولا او مشروبا فَإِنَّهُ مِنِّي قرا نافع وابو عمرو بفتح الياء والباقون بالإسكان إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ استثناء من قوله فمن شرب وانما قدمت الجملة الثانية للعناية بها والمعنى الرخصة في القليل دون الكثير- ولعل الحكمة في ذلك ان شرب الماء الكثير في شدة الحر والعطش يضربا لناس يهلك او يضعف عن القتال- ويحتمل ان يكون ذلك التحريم عقابا لهم لما اقترحوا بجريان النهر- قرا اهل الحجاز والبصرة غرفة بفتح الغين والباقون بالضم قال الكسائي بالضم ما يحصل في الكف من الماء عند الاغتراف وبالفتح الاغتراف فهو منصوب على المفعولية او المصدرية على اختلاف القراءتين فَشَرِبُوا مِنْهُ اى كرعوا فيه إذ المعنى الحقيقي لمن الابتدائية ان

البقرة 2:250

لا يكون بوسط واما الاول فعلى عموم المجاز بقرينة الاستثناء- او المعنى افرطوا في الشرب إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ منصوب على الاستثناء قال السدىّ كانوا اربعة آلاف والصحيح ما رواه البخاري عن البراء بن عازب قال كنا اصحاب محمد ﷺ نتحدث ان عدة اصحاب يدر على عدة اصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه الا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة- ويروى ثلاثمائة وثلاثة عشر- فكان من اغترف غرفة قوى قلبه وذهب عطشه- ومن شرب وخالف امر الله تعالى جبنوا ولم يرووا واسودت شفاههم وبقوا على شط النهر فلم تجاوزوا النهر مع طالوت وقيل جاوزوا النهر كلهم والظاهر انهم لم يجاوزوا حيث قال الله تعالى فَلَمَّا جاوَزَهُ اى طالوت النهر هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ اى أطاعوه في الشرب قالُوا يعنى من وراء النهر الذين جبنوا وبقوا عليه للذين جاوزوا اعتذارا للتخلف وتحذيرا لهم لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ لغلبة العطش والضعف او لقلة العدد بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ لكثرتهم وقوتهم قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ اى يستيقنون أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ وتوقعوا ثوابه وهم الذين اكتفوا على الغرفة وجاوزوا النهر- ويحتمل ان يكون ضمير قالوا راجعا الى الذين جاوزوا النهر والمعنى انه قال بعضهم لبعض اولا لا طاقة لنا ثم قال خلصهم كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ كم خبرية موضعها الرفع بالابتداء- او استفهامية استفهام تقرير ومن زائدة- والفئة الفرقة من الناس من فاوتّ رأسه إذا شققته او من فاء إذا رجع على وزن فعة او فلة- وقيل هى جمع لا واحد له بمعنى الجماعة غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ بقضائه وإرادته وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) بالنّصر والاثابة- وقالت الصوفية بالمعية التي لا كيف لها-. وَلَمَّا بَرَزُوا طالوت وجنوده لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ اى تراء الفئتان والتقيا قالُوا يعنى طالوت ومن معه رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) هذا سنة الأنبياء والصالحين انهم إذا استصعبوا امرا التجئوا الى الله تعالى بالدعاء. فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ اى بنصره او مصاحبين بنصره- وكان داود عليه السلام مع أبيه في ثلاث عشر ابنا له في جند طالوت وعبر معه النهر وكان أصغر اخوته يرعى الغنم فاوحى الله تعالى الى نبيهم انه يقتل جالوت وقد كلمه في الطريق ثلاثة أحجار وقالت انك بنا تقتل جالوت فحملها في مخلاته وأعطاه طالوت فرسا ودرعا وسلاحا فقال ان لم ينصرنى الله لم يغن عنى هذا السلاح شيئا- فلزك داود كل ذلك وأخذ مخلاته ومضى نحو العدو وكان داود رجلا قصيرا مسقاما مصغارا فلما راه جالوت وكان رجلا من أشد الناس وأقواهم يهزم الجيوش وحده القى الله في قلبه من داود رعبا فقال أتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب قال نعم أنت شر من الكلب فوضع داود الأحجار الثلاثة في مقلاعه وقال باسم اله ابراهيم وإسحاق ويعقوب ورمى به فاصاب دماغه وخرج من قفاه وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وزوجه طالوت ابنته وَآتاهُ يعنى داود اللَّهُ الْمُلْكَ بعد ما مات طالوت وقيل لم يجتمع بنو إسرائيل قبل داود على ملك وَالْحِكْمَةَ النبوة جمع الله تعالى له الامرين ولم يجتمعا قبل ذلك بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ أتاه الله الزبور وعلمه صنعة الدروع وألان له الحديد فكان لا يأكل الا من عمل يده عن المقدام بن معديكرب قال قال رسول الله ﷺ ما أكل أحد طعاما خيرا من ان يأكل من عمل؟؟؟ ان نبى الله داود كان يأكل من عمل يديه رواه البخاري وعلمه منطق الطير وكلام النمل وغيرها وأعطاه صوتا حسنا قيل كان إذا قرا الزبور يدنو منه الوحوش حتى تؤخذ بأعناقها وتظله الطير ويركد الماء الجاري وتسكن الريح- قال رسول الله ﷺ لابى موسى الأشعري يا أبا موسى لقد أعطيت مزمارا من مزامير ال داود متفق عليه وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ قرا نافع ويعقوب دفع الله بالألف وكسر الدال هاهنا وفي الحج وفيه مبالغة وقرا الباقون بفتح الدال وسكون الفاء بلا الف النَّاسَ بَعْضَهُمْ يعنى الكفار بدل بعض من الناس بِبَعْضٍ يعنى بالمؤمنين لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ يعنى لغلب المشركون الأرض- فافسدوا فيها فخربوا البلاد وقتلوا العباد وظلموهم وهدمت صوامع وبيع «١» ومسجد يذكر فيها اسم الله كثيرا وصدوا الناس عن الايمان بالله وعبادته كذا قال ابن عباس ومجاهد فيه دليل على ان العلة لافتراض الجهاد دفع الفساد كما سنذكر في قوله تعالى لا اكراه في الدّين وقال بعض المفسرين لولا دفع بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار العذاب لهلكت الأرض بمن (١) وفي القران صوامع وبيع وصلوات ومسجد إلخ

البقرة 2:253

فيها روى البغوي بسنده من طريق عبد الله بن احمد عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ ان الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة اهل بيت من جيرانه البلاء ثم قرا وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ الاية. وايضا في الحديث ولولا رجال ركع وصبيان رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ مبتدأ خبره ما بعده اشارة الى ما ذكر من قصة ألوف وتمليك طالوت او إتيان تابوت وانهزاما لجبائرة وقتل داود جالوت وايتائه الملك والحكمة وتعليمه ممّا يشاء آياتُ اللَّهِ دلائل على قدرته وعلى نبوتك نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ بالوجه المطابق للواقع الذي لا؟؟ فيه اهل الكتاب وإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) وتلك الآيات اعجاز لك شواهد على رسالتك حيث لم يكن بها علم لمن لم يقرا الكتاب أكد بأنّ وغيرها ردا لقول الكفار لست مرسلا-. تِلْكَ الرُّسُلُ اشارة الى جماعة المرسلين التي علمت بقوله وانّك لمن المرسلين واللام للاستغراق والموصوف مع الصفة مبتدأ خبره فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ الفضل هو زيادة أحد الشيئين على اخر في وصف مشترك بينهما وفي العرف والاصطلاح يختص ذلك بوصف الكمال وهو ما يقتضى مدحا في الدنيا وثوابا في الاخرة- فان كان أحدهما مختصا بوصف كمال والاخر بوصف كمال اخر فلكل واحد منهما فضل جزئى على الاخر في مطلق الكمال اعنى في استحقاق المدح والثواب والفضل الكلى لمن له زيادة الثواب ومزية القرب عند الله تعالى فالرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام شركاء في درجة الرسالة او النبوة وموجبات الاجر والثواب وفيما بينهم تفاضل عند الله تعالى بناء على كثرة الثواب ومزيد القرب لا يعلمه كما هو الا الله تعالى وقد يدرك بعض ذلك بتعليمه تعالى كقوله مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ قال اهل التفسير هو موسى عليه السلام لقوله تعالى وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، وهذه الاية لا يقتضى تخصيصه عليه السلام بذلك الفضيلة فقيل انه موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام كلم الله موسى على الطور ومحمدا ليلة المعراج حين كان قاب قوسين او ادنى فاوحى الى عبده ما اوحى وشتان ما بينهما وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ على بعضهم او على كلهم- اما رفع درجات بعضهم على بعضهم ففى كثير من الأنبياء والرسل حيث فضل الرسل على الأنبياء واولى العزم من الرسل على غيرهم ونحو ذلك واما رفع درجات بعضهم على كلهم فذلك مختص بنبينا محمد ﷺ ثابت ذلك بوحي غير متلو وانعقد عليه الإجماع عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ انا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من بنى آدم فمن سواه الا تحت لواثى وانا أول من تنشق الأرض ولا فخر وانا أول شافع وأول مشفع ولا فخر رواه احمد والترمذي وابن ماجة وعن ابن عباس قال جلس ناس من اصحاب رسول الله ﷺ فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون قال بعضهم ان الله اتخذ ابراهيم خليلا وقال اخر موسى كلمه الله تكليما وقال اخر عيسى كلمة الله وروحه وقال اخر آدم اصطفاه الله فخرج عليهم رسول الله ﷺ وقال قد سمعت كلامكم وعجبكم ان ابراهيم خليل الله وهو كذلك وموسى نجى الله وهو كذلك وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك وآدم اصطفاه الله وهو كذلك الا وانا حبيب الله ولا فخر وانا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه ولا فخر وانا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر وانا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لى فيدخلنى ومعى فقراء المؤمنين ولا فخروانا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر رواه الترمذي والدارمي وعن جابر قال قال رسول الله ﷺ انا قائد المرسلين ولا فخر وانا خاتم النبيّين ولا فخر وانا أول شافع ومشفع ولا فخر رواه الدارمي- وعن أبيّ بن كعب قال النبي ﷺ إذا كان يوم القيامة كنت امام النبيّين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر رواه الترمذي- وعن ابى هريرة عن النبي ﷺ انا أول من ينشق عنه الأرض فاكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيرى رواه الترمذي- وعنه عن النبي ﷺ قال سلوا الله الوسيلة قالوا يا رسول الله ما الوسيلة قال أعلى درجة الجنة لا ينالها الا رجل واحد أرجو أن أكون انا هو رواه الترمذي وهذه الأحاديث وان كانت من الآحاد لكنها متواترة من حيث المعنى وتلقته الامة بالقبول- قال الامام محى السنة البغوي رضى الله عنه ما اوتى نبى اية الا اوتى نبينا ﷺ مثل تلك الاية وفضل على غيره بايات مثل انشقاق القمر بإشارته- وحنين الجذع على مفارقته- وتسليم الحجر والشجر عليه- وكلام البهائم والشهادة برسالته- ونبع الماء من بين أصابعه وغير ذلك من المعجزات والآيات التي لا تحصى وأظهرها القران الذي عجز اهل السماء والأرض عن الإتيان بمثله ثم روى بسنده عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال ما من نبى الا وقد اعطى من الآيات ما أمن على مثله البشر وانما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله الى فارجوان أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة متفق عليه وبسنده عن جابران النبي ﷺ قال أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا فايما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل- وأحلت لى الغنائم ولم يحل لاحد قبلى- وأعطيت الشفاعة- وكان النبي يبعث الى قومه خاصة وبعثت الى الناس عامة متفق عليه وبسنده عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال فضلت على الأنبياء بست أوتيت بجوامع الكلم- ونصرت بالرعب- وأحلت لى الغنائم- وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا- وأرسلت الى الخلق كافة- وختم بي النبيون- رواه مسلم- وهذا الباب طويل جدا لا يسعه المقام وقد صنف فيه مجلدات وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ تكلم الناس في المهد وكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحى الموتى وانزل عليه مائدة من السماء وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وقد مر تفسيره فيما قبل خص الله سبحانه عيسى بالتعيين لافراط اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه وَلَوْ شاءَ اللَّهُ هداية الناس جميعا مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ اى من بعد الرسل مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ المعجزات الواضحات وَلكِنِ اخْتَلَفُوا بارادة الله سبحانه اظهار صفاته الجلالية والجمالية وأسمائه من الهادي والمضل والغفار والقهار والمنتقم والعفو وغيرها فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ تفضلا بهدايته وتوفيقه التزام دين الأنبياء وهم الذين كان دينهم صفة الهداية وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بخذلانه عدلا وهم الذين كان دينهم صفة الإضلال- عن ابى موسى قال سمعت رسول الله ﷺ بقول ان الله خلق خلقه في ظلمة فالقى عليهم نوره فمن أصاب ذلك النور اهتدى ومن أخطأ ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله رواه احمد والترمذي وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا كرره للتأكيد وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣) لا يجوز عليه الاعتراض ولا يبلغ الى كنه حكمته غيره قال البغوي سال رجل على بن ابى طالب فقال يا امير المؤمنين أخبرني عن القدر قال طريق مظلم فلا تسلكه فاعاد السؤال فقال بحر عميق فلا تلجه فاعاد فقال سر خفى فلا تفشه- يعنى هو امر لا يمكن دركه

البقرة 2:254

بالعقل وتفتيشه يوجب الهلاك كما يوجب الهلاك الولوج في البحر العميق والسلوك في الطريق المظلم- عن عائشة قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول من تكلم في شىء من القدر سئل عنه يوم القيامة ومن لم يتكلم فيه لم يسئل عنه رواه ابن ماجة وقال ابى بن كعب لو ان الله عذب اهل سمواته وارضه عذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كان رحمته خير الهم من أعمالهم ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم ان ما أصابك لم يكن ليخطيك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا لدخلت النار وقال ابن مسعود وحذيفة بن اليمان مثل ذلك- وحدث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ مثل ذلك رواه احمد وابو داود وابن ماجة- فان قيل هذه الاية تدل على كون بعض الرسل أفضل من بعض فما معنى قوله ﷺ لا تفضلوا بين أنبياء الله وفي رواية لا تخيروا بين الأنبياء متفق عليه من حديث ابى سعيد وابى هريرة وقوله ﷺ لا تخيرونى على موسى وقوله ﷺ لا أقول ان أحدا أفضل من يونس بن متى متفق عليه من حديث ابى هريرة- قلنا معناه انه لا يجوز الحكم بتفضيل بعضهم على بعض بالرأى من غير دليل وتوقيف من الله سبحانه لان الفضل عبارة عن كثرة الثواب وزيادة القرب الى الله تعالى وذا لا يدرك بالرأى فاما إذا ثبت بالكتاب او السنة فان كان الدليل ظنى المتن او السند فلا بأس بالقول به مع تجويز نقيضه وان كان قطعيا يجب الاعتقاد به وكذا الحال في تفضيل غير الأنبياء بعضهم على بعض- واما قوله عليه السلام لا تخيرونى على موسى ولا أقول ان أحدا أفضل من يونس بن متى فمحمول على انه كان قبل علمه بافضليته ﷺ على جميع الأنبياء والله اعلم ((مسئلة)) وهذه الاية حجة لاهل السنة على المعتزلة في ان الحوادث كلها بيد الله تعالى تابعة لمشيته خيرا كان او شرا إيمانا كان او كفرا- وليس الأصلح ولا شىء من الأشياء واجبا عليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ ان قلوب بنى آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ثم قال رسول الله ﷺ اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك رواه مسلم وروى عنه احمد والترمذي نحوه والترمذي وابن ماجة عن انس واحمد عن ابى موسى نحوه. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا ما أوجبت عليكم إنفاقه مِمَّا رَزَقْناكُمْ

البقرة 2:255

مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا تقدرون فيه على تدارك ما فرطتم والخلاص من عذاب الله إذ لا بَيْعٌ فِيهِ فتحصلون الأموال وتنفقونها في سبيل الله او تفتدون بها من العذاب فتشترون به أنفسكم وَلا خُلَّةٌ حتى يعينكم عليه اخلاءكم او يسامحونكم به وَلا شَفاعَةٌ الا بإذن الله قرا ابن كثير وابو عمر وكلها مبنيا على الفتح من غير تنوين على الأصل وكذلك في سورة ابراهيم لا بيع فيه ولا خلل وفي سورة الطور لا لغو فيها ولا تأثيم وقرا الآخرون كلها بالرفع لانها فى تقدير جواب هل فيه بيع او خلة او شفاعة وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) حيث يضعون العبادة في غير موضعها ويضعون الأموال في غير موضعها ويصرفونها على غير وجهها- وايضا هم يظلمون أنفسهم بترك ما أمرهم الله وتعريض أنفسهم للعذاب فلا تكونوا ايها الذين أمنوا على هيئتهم- او المعنى والكافرون الذين ينكرون فريضة الزكوة هم الظالمون- وقال البيضاوي أراد بالكافرين التاركين للزكوة وضع الكافرون موضعه تغليظا كقوله من كفر مكان من لم يحج وكقوله تعالى ويل للمشركين الّذين لا يؤتون الزّكوة إيذانا بان ترك الزكوة من صفات الكفار عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه- قال لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب وقالوا لا نؤدى زكوة فقال ابو بكر لو منعونى عقالا لجاهدتهم عليه فقلت يا خليفة رسول الله تالف الناس وارفق بهم فقال لى أجبّار في الجاهلية وخوّار في الإسلام انه قد انقطع الوحى وتم الدين أينقص وانا حى رواه رزين-. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ مبتدأ وخبر والمعنى انه تعالى هو المستحق للعبادة لا غير الْحَيُّ هو الذي يصح ان يعلم ويسمع ويبصر ويقدر ويريد وكل ما يصح له فهو واجب له ما زال ولا يزال ثابت له ازلا وابدا لامتناعه عن القوة والإمكان فالحيوة صفة لله تعالى سبد الجميع صفات الكمال الْقَيُّومُ ٥ قرا عمرو ابن مسعود القيّام وقرا علقمة القيّم- قال البغوي كلها لغات بمعنى واحد قال ابن مجاهد القيوم القائم على كل شىء قال الكلبي القائم على كل نفس بما كسبت وقيل هو القائم بالأمور وقال ابو عبيدة الذي لا يزول وقال البيضاوي الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه فيقول من قام بالأمر إذا حفظه وقال السيوطي الدائم البقاء قلت مرجع الأقوال انه دائم الوجود القائم بنفسه وقيم الأشياء كلها لا يتصور قيام شىء وبقاؤه إلا به فمقتضى هذا الاسم ان ما سواه يحتاج اليه في بقائه كما يحتاج اليه في وجوده كالظل بالنسبة الى الأصل بل أشد منه احتياجا ولله المثل الأعلى لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ السنة فتور يتقدم النوم في الوجود ولذا قدم ذكره مع ان قياس المبالغة يقتضى العكس- والنوم حالة تعرض الحيوان من استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبات الابخرة المتصاعدة بحيث يعطل الحواس الظاهرة عن الاحساس رأسا- وهذه الجملة صفة سلبية ينفى التشبيه فهى تأكيد لكونه حيا قيوما فانه من اخذه نعاس او نوم كان ما دون الحيوة فان النوم أخ الموت قاصرا في حفظ الأشياء وقيوميتها ولذاك ترك العاطف عن ابى موسى رضى الله عنه قال قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال ان الله لا ينام ولا ينبغى له ان ينام- يخفض «١» القسط ويرفعه- يرفع اليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل- «٢» حجابه النور لو كشفت لا حرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه رواه مسلم لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تقرير لقيوميته واحتجاج على تفرده في الالوهية والمراد بما فيهما ما وجد فيهما داخلا في حقيقتهما او خارجا عنهما متمكنا فيهما فهو ابلغ من قولنا له السموات والأرض وما فيهن مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ بيان لكبرياء شأنه وانه لا أحد يساويه او يدانيه يستقل بان يدفع ما يريده شفاعة فضلا من ان يعاوقه مناصبة يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ اى ما قبلهم وما بعدهم- او ما يدركونه وما لا يدركونه- او ما يأخذونه وما يتركونه- فان ما تركوه كانهم نبذوه خلف ظهورهم- والضمير لما في السموات والأرض تغليبا للعقلاء على غيرهم او لمدلول ذا من الملائكة والأنبياء وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ اى من معلوماته انما قيد بقوله من علمه مع ان كل شىء معلومه تنبيها على ان المراد بالاحاطة الإحاطة العلمية- ولم يقل ولا يعلمون شيئا تنبيها على ان العلم التام المحيط بكنه الأشياء كلها مختص به تعالى ولا يوجد احاطة علم غيره بكنه شىء الا نادرا- او المراد بعلمه العلم المختص به وهو علم الغيب فهم لا يحيطون بشىء من علم الغيب إِلَّا بِما شاءَ احاطته وذلك قليل قال الله تعالى وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا والواو في ولا يحيطون اما للحال من فاعل يعلم ما بين أيديهم او للعطف وانما ذكر بالعطف لان مجموع الجملتين يدل على تفرده بالعلم الذاتي التام المحيط بأحوال خلقه (١) قال البغوي ولكنه يخفض القسط ويرفعه اليه عمل الليل ١٢ منه (٢) قال البغوي ورواه المسعودي عن عمرو بن مرة وقال حجاب الدار ١٢ منه الدال على وحدانيته وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قال البيضاوي تصوير لعظمته وتمثيل مجرد ولا كرسى في الحقيقة ولا قاعد وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أراد بالكرسي علمه وهو قول مجاهد ومنه قيل لصحيفة العلم كراسة وقيل كرسيه ملكه وسلطانه والعرب تسمى الملك القديم كرسا- قلت ولو كان الكرسي بمعنى العلم او الملك كان هذه الجملة بعد قوله له ما في السّموت وما في الأرض يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم مستدركا والمشهور عند المحدثين ان الكرسي جسم قال البغوي اختلفوا في الكرسي قال الحسن هو العرش نفسه وقال ابو هريرة الكرسي موضوع امام العرش ومعنى قوله وسع كرسيّه السّموت والأرض اى سعته مثل سعة السموات والأرض- وروى ابن مردوية من حديث ابى ذر عن رسول الله ﷺ ما السموات السبع والأرضون السبع مع الكرسي الا كحلقة في فلاة- وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ويروى عن ابن عباس ان السموات السبع في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس وقال على ومقاتل كل قائمة من الكرسي طولها مثل السموات السبع والأرضين السبع وهو بين يدى العرش ويحمد الكرسي اربعة املاك لكل ملك اربعة وجوه وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى مسيرة خمسمائة عام ملك على صورة سيد البشر آدم عليه السلام وهو يسئل للادميين الرزق من السّنة الى السّنة وملك على صورة سيد الانعام وهو الثور وهو يسئل للانعام الرزق من السنة الى السنة وعلى وجهه عضاضة منذ عبد العجل وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد يسئل للسباع الرزق من السنة الى السنة وملك على صورة سيد الطير وهو النسر يسئل للطير الرزق من السنة الى السنة وفي بعض الاخبار ان بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعين حجابا من ظلمة وسبعين حجابا من نور غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة سنة لولا ذلك لاحترقت حملة الكرسي من نور حملة العرش والكرسي في الأصل اسم لما يقعد عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد كانه منسوب الى الكرسي وهو «١» ضم الشيء بعضه الى بعض- ونسبة الكرسي الى الله تعالى كنسبة العرش اليه وكذا نسبت بيت الله اليه لنوع من التجلي مختص به وقد ذكرنا فى تفسير قوله تعالى فسوهنّ سبع سموات ان المستنبط من الحديث ان العرش كروى محيط بالسماوات وما ذكرنا هاهنا من حديث ابى ذر يستفاد منه ان الكرسي محيط بالسماوات والعرش (١) فى الأصل وهم- محيط به واحاطة بعضها بعضا يقتضى كون كل منها كرويا ومن هاهنا قال من قال ان الكرسي هو الفلك الثامن والعرش الفلك التاسع- ولعل العرش والكرسي متبائتان من السموات في الماهية وممتازان بانواع التجليات ومن ثم لم يعد «الله من السموات ولم يزد عدد السموات على سبع والله اعلم وَلا يَؤُدُهُ اى لا يثقله مأخوذ من الأود وهو الاعوجاج حِفْظُهُما اى السموات والأرض او الكرسي وما وسعه فهذه الجملة مع ما عطف عليه بيان لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها او لجلاله وعظمة قدره وعموم قيوميته للاشياء فهاتين الجملتين كان كحكم جملة واحدة ولمّا كان كل جملة منها تأكيدا وبيانا لما سبق لم يذكر العاطف بين تلك الجمل وَهُوَ الْعَلِيُّ المتعالي عن الانداد والأشباه ليس كمثله شىء في الذات ولا في شىء من الصفات بوجه من الوجوه فهو متعال من ان يحمده الحامدون ويصفه الواصفون كما يليق به الْعَظِيمُ (٢٥٥) المستحقى بالاضافة اليه كل ما سواه- ولما كانت هذه الاية خالصة في مباحث الذات والصفات دالة على كونه تعالى هو المتوحد بالوجود المتأصل المتصف بصفات الكمال من الحيوة وما يستتبعه من العلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام المفيض للوجود والتقوم لكل ما سواه بحيث يكون قيام كل ما سواه به تعالى لا كقيام العرض بالعين كما يتوهم من كلام بعض الأكابر حيث قال العالم اعراض مجتمعة في عين واحد بل على نحو لا يسعه مجال الخيال واقرب العبارات التي يعبر بها ذلك القيام انه تعالى اقرب إلينا من حبل الوريد المنزه عن التحيز والحلول والمبرا عن التغير والفتور مالك الملك والملكوت ذو البطش الشديد الذي لا يطاق انتقامه الا بشفاعة من اذن له عالم بالأشياء علما محيطا بالاحاطة التامة بكنه كل جلى وخفى متوحدا بعلومه لا يعلم أحد شيئا منها الا بتعليمه واسع الملك والقدرة يتجلى على بعض مخلوقاته تجليا لا ينافى علو تنزيهه لا يؤده شاق ولا يغنيه شأن عن شأن متعال عما لا يليق به بل متعال من ان يصفه الواصفون عجز عن حمده من بيده لواء الحمد يوم القيامة حيث قال أنت كما أثنيت على نفسك عظيم يستحقر بإضافته كل شىء ولا يحيط به علم عالم ولا تناسب عظمته عبادة عابد معترف بالقصور في عبادته اسبق السابقين حيث قال ما عبدناك حق عبادتك فلذلك لما قيل يا رسول الله اىّ اية أعظم قال اية الكرسي اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ- ولما قيل اى سورة أعظم قال قل هو الله أحد رواه الدارمي من حديث اسقع بن عبد الكلاعى- واخرج الحارث بن اسامة عن الحسن مرسلا أعظم اية اية الكرسي واخرج مسلم من حديث ابى بن كعب قال قال رسول الله ﷺ «١» يا أبا المنذر اى اية من كتاب الله أعظم قلت الله لا الله الّا هو الحىّ القيّوم قال فضرب في صدرى وقال ليهنئك العلم ثم قال والذي نفسى بيده ان لهذه الاية لسانا وشفتين يقدس الملك عند ساق العرش قلت لعل معنى هذا الحديث ان حملة العرش يقدسون الله بهذه الاية- والظاهر ان يقال لكل شىء صورة في المثال حتى القران وآياته ورمضان وغير ذلك واخرج ابن مردوية من حديث ابن مسعود- وابن راهويه في مسنده من حديث عوف بن مالك- وأحمد ومالك من حديث ابى ذر نحوه واخرج الترمذي والحاكم من حديث ابى هريرة مرفوعا سيد اى القران اية الكرسي اخرج احمد من حديث انس اية الكرسي ربع القران وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من قرا حين يصبح اية الكرسي وايتين من حم تنزيل الكتب من الله العزيز العليم حفظ من يومه ذلك حتى يمسى فان قراها حين يمسى حفظ من ليلته تلك حتى يصبح رواه الترمذي والدارمي وقال الترمذي هذا حديث غريب وعن ابى هريرة قال وكلنى رسول الله ﷺ بحفظ زكوة رمضان فاتى ات فجعل بحثوا من الطعام فاخذته وقلت لا رفعنك الى رسول الله ﷺ فقال انى محتاج وعلىّ عيال ولى حاجة شديدة فخليت عنه فاصبحت فقال النبي ﷺ يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال اما انه قد كذبك وسيعود فعرفت انه سيعود لقول رسول الله ﷺ انه سيعود فرصدته فجاء يحثوا من الطعام فاخذته فقلت لا رفعنك الى رسول الله ﷺ قال دعنى إلخ كما قال اولا وقال رسول الله ﷺ كما قال اولا ثم قال ابو هريرة في المرة الثالثة هذا اخر ثلاث مرات انك تزعم لا تعود ثم تعود قال دعنى أعلمك كلمات ينفعك الله بها إذا أويت الى فراشك فاقرأ اية الكرسي اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الاية فانك لن تزال عليك من الله حافظا ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله- فاصبحت فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) فى الأصل بغير النداء

البقرة 2:256

ما فعل أسيرك البارحة قلت زعم انه يعلمنى كلمات ينفعنى الله بها قال اما انه صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال قلت لا قال ذاك شيطان رواه البخاري- واخرج النسائي وابن حبان والدارقطني من حديث ابى امامة والبيهقي في شعب الايمان من حديث الصلصال الديهمى ومن حديث على بن ابى طالب عليه السلام عن النبي ﷺ قال من قرأ اية الكرسي دبر كل صلوة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة الا الموت وفي رواية من قراها حين يأخذ مضجعه امنه الله على داره ودار جارّه واهل دويرات حوله واخرج البيهقي في شعب الايمان من حديث انس مرفوعا من قرا اية الكرسي في دبر كل صلوة مكتوبة حفظه الله الى الصلاة الاخرى ولا يحافظ الا نبى او صديق او شهيد والله اعلم «١» - روى ابو داود والنسائي وابن حبان عن ابن عباس قال كانت المرأة تكون مقلّاة فتجعل في نفسها ان عاش لها ولدان تهوده فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا لا ندع أبناءنا فانزل الله تعالى. لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ فقال رسول الله ﷺ قد خير أصحابكم فان اختاروكم فمنكم وان اختاروهم فاجلوهم معهم- وقال مجاهد كان ناس مسترضعين في اليهود من الأوس فقال «٢» الذين كانوا المسترضعين فيهم لنذهبن معهم او ليدينن بدينهم فمنعهم أهلهم فنزلت- واخرج ابن جرير من طريق سعيد او عكرمة عن ابن عباس قال نزلت في رجل من الأنصار من بنى سالم بن عوف يقال له الحصين كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلما فقال للنبى ﷺ الا استكرههما فانهما قد أبيا الا النصرانية فانزل الله تعالى لا اكراه في الدّين يعنى لا يتصور الإكراه في ان يؤمن أحد إذ الإكراه الزام الغير فعلا لا يرضى به الفاعل وذالا يتصور الا فى افعال الجوارح واما الايمان فهو عقد القلب وانقياده لا يوجد بالإكراه- او المعنى لا تكرهوا في الدين فهو اخبار بمعنى النهى- ووجه المنع اما ما ذكرنا انه لا يوجد الايمان بالإكراه فلا فائدة فيه (١) واخرج الدينوري في المجالس عن الحسن ان النبي ﷺ قال ان جبرئيل أتاني فقال ان عفر يتامن الجن يكيدك فاذا أويت الى فراشك فاقرأ اية الكرسي وفي الفردوس من حديث ابى قتادة من قرأ اية الكرسي عند الكرب أعانه الله عن ابن عمران عمر بن الخطاب خرج ذات يوم الى الناس فقال أيكم يخبر لى بأعظم اية في القران- وأعدلها- واخوفها- وارجاعا فسكت القوم فقال ابن مسعود سمعت رسول الله ﷺ يقول أعظم اية في القران الله لا الله الّا هو الحىّ القيّوم- واعدل اية في القران انّ الله يأمر بالعدل والإحسان الاية- وأخوف اية فى القران فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره وارجا اية في القران قل يعبادى الّذين أسرفوا على أنفسهم الاية- منه برد الله مضجعه (٢) فى الأصل فقال المسترضعين- واما لان إيجاب الايمان وسائر العبادات انما هو للابتلاء قال الله تعالى ليبلوكم ايّكم احسن عملا والمعتبر فيها الإخلاص قال الله تعالى واعبدوا الله مخلصين له الدّين والإكراه ينافى الابتلاء والإخلاص- فقيل هذا الحكم بعدم الإكراه خاص باهل الكتاب لنزوله فيما ذكرنا من شأن الأنصار كان أبناؤهم هودا او نصارى- قلت خصوص المورد لا يقتضى تخصيص النص وهو عام- وقيل هذا الحكم منسوخ بقوله تعالى قاتلوا المشركين كافّة- وجاهد الكفّار والمنفقين قال البغوي هو قول ابن مسعود قلت لا يتصور النسخ الا بعد التعارض ولا تعارض فان الأمر بالقتال والجهاد ليس لاجل الإكراه على الدين بل لدفع الفساد من الأرض فان الكفار يفسدون في الأرض ويصدون عباد الله عن الهدى والعبادة فكان قتلهم كقتل الحية والعقرب والكلب العقور بل أهم من ذلك ومن ثم جعل الله تعالى غاية قتلهم إعطاء الجزية حيث قال حتّى يعطوا الجزية عن يدوّهم صغرون- ولاجل هذا نهى النبي ﷺ عن قتل الولدان والنساء والمشائخ والرهبان والعميان والزمنا الذين لا يتصور منهم الفساد في الأرض وكيف يقال بالنسخ مع ان الإكراه في الدين لا يتصور ولا يفيد كما ذكرنا قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ يعنى وضح الأمر ودلت الدلائل العقلية والمعجزات النبوية على ان الايمان رشد يوصل الى السعادة الابديّة والكفر غىّ يؤدى الى الشقاوة السرمدية فتم حجة الله على الخلق وزال عذرهم وصح ابتلاؤهم ولا حاجة الى إكراههم- وقال البيضاوي في تفسير الاية ان الإكراه الزام الغير فعلا لا يرى فيه خيرا فلا اكراه في الدين- إذ قد تبيّن الرّشد من الغىّ والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه الى الايمان طلبا للفوز بالنجاة والسعادة ولم يحتج الى الإكراه والإلجاء وهذا التقدير لو تم لزم ان يكون كل عاقل مؤمنا طوعا ولو أريد بالعاقل من له عقل سليم وتم معرفته فذا لا ينفى الإكراه من الكفار فان عقلهم غير سليم ولذلك لم يبادروا فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ فعلوت من الطغيان قلب عينه ولامه او فاعول منه حذف لامه وزيدت التاء بدلا من اللام والمراد به كل ما عبد من دون الله او ما صد عن عبادة الله من شياطين الجن والانس وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ كما ارشد به الرسول فان الايمان بالله تعالى كما ينبغى لا يتاتى الا بعد تصديق الرسول والاهتداء به فَقَدِ اسْتَمْسَكَ اى طلب الإمساك من نفسه بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى من الحبل الوثيق وهى مستعارة لمتمسك الحق لَا انْفِصامَ

البقرة 2:257

لَها اى لا «١» انقطاع وَاللَّهُ سَمِيعٌ لدعائك إياهم ولا قوالك وأقوالهم عَلِيمٌ (٢٥٦) بحرصك إياهم وبنيات كل حثّ على تصحيح الأعمال والنيات وتهديد على الكفر والنفاق. اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا محبهم ومتولى أمرهم والمراد به من أراد إيمانه يُخْرِجُهُمْ بهدايته وتوفيقه مِنَ الظُّلُماتِ ظلمات الجهل واتباع الهوى وقبول الوساوس والشبه المؤدية الى الكفر إِلَى النُّورِ ٥ الى الهدى الموصل الى الايمان- قال الواقدي كل ما في القران من الظلمة والنور فالمراد به الكفر والايمان غير ما في الانعام جعل الظّلمت والنّور فانه الليل والنهار- وهذه الاية تدل على ان الايمان امر وهبى والجملة خبر بعد خبرا وحال من المستكن في الخبر او من الموصول او منهما او استيناف مبيّن او مقرد للولاية وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يعنى شياطين الجن والانس منهم كعب بن الأشرف وحيى بن اخطب وغيرهما- او المضلات من الهوى والشياطين وغيرهم فهؤلاء متولى أمورهم ومحبيهم فى زعمهم وإلا ففي الحقيقة هم أعداؤهم يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ الذي هو في اصل الفطرة كما في حديث ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ما من مولود الا يولد على الفطرة فابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه متفق عليه واخرج ابن جرير عن عبدة بن ابى لبابة قال هم الذين كانوا أمنوا بعيسى فلما جاءهم محمد ﷺ كفروا به إِلَى الظُّلُماتِ اى الشكوك والشبهات والانهماك في الشهوات وفساد الاستعداد الموجب الى الكفر- واسناد الإخراج الى الطاغوت باعتبار السبب والكسب لا يأبى تعلق قدرته تعالى وإرادته به- والطاغوت يكون مذكرا ومؤنثا وواحدا وجمعا قال الله تعالى يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ- وقال والّذين اجتنبوا الطاغوت ان يعبدوها- اخرج ابن جرير عن مجاهد قال كان قوم آمنوا بعيسى وقوم كفروا به فلما بعث الله محمدا ﷺ أمن به الذين كفروا بعيسى وكفر به الذين آمنوا بعيسى فانزل الله تعالى هذه الاية واخرج ابن المنذر والطبراني في الكبير عن ابن عباس انها نزلت في قوم آمنوا بعيسى فلما بعث محمد كفروا به والله اعلم (١) عن ابى الدرداء قال قال رسول الله ﷺ اقتدوا بالذين من بعدي ابى بكر وعمر فانهما حبل الله الممدود فمن تمسك بهما فقد تمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها- منه رحمه الله.

البقرة 2:258

أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧) وعيد وتحذير- قيل عدم مقابلته بوعد المؤمنين لتعظيم شأنهم- والاولى ان يقال ان قوله تعالى الله ولىّ الّذين أمنوا تضمن كل ما يتصور من الوعد-. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ تعجيب من محاجة نمرود وحماقته قال البغوي هو أول من وضع التاج على رأسه وتجبر في الأرض وادّعى الربوبية أَنْ اى لان آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ فطغى اى كان محاجته لاجل بطر الملك وطغيانه- او أسند المحاجة الى إيتاء الملك على طريقة العكس يعنى كان الواجب عليه الشكر فعكس كما يقال عاديتنى لانى أحسنت إليك- او المعنى وقت ان أتى الله الملك وهو حجة على منع إيتاء الملك الكافر من المعتزلة قال البغوي ملك الأرض اربعة مؤمنان وكافران سليمان وذو القرنين ونمرود وبخت نصر قيل لما كسر ابراهيم الأصنام سجنه نمرود ثم أخرجه ليحرقه فقال من ربك الذي تدعونا اليه- وقيل كان هذا بعد القائه في النار قحط الناس فكانوا يمتارون من عند نمرود فكان نمرود إذا أتاه رجل ساله من ربك فان قال أنت باع منه الطعام فاتاه ابراهيم فقال من ربك قال ربّى الّذى يحيى ويميت فحاجه ولم يعطه شيئا فرجع ابراهيم فمر على كثيب من رمل فاخذ منه تطيبا لقلوب اهله فلما اتى اهله ووضع متاعه نام- فقامت امرأته الى متاعه ففتحته فاذا هو أجود طعام فصنعت له منه فقرّبت اليه فقال من اين هذا؟ قالت «١» من الطعام الذي جئت به فحمد الله تعالى إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ ظرف لقال انا احيى وأميت- وهو بيان لحاج- او هو استيناف في جواب سوال مقدر كانه قيل كيف حاج او الظرف متعلق لحاجّ وقال بيان له او استيناف- او الظرف بدل من ان آتاه الله الملك ان كان المصدر مقدرا بالوقت رَبِّيَ قرا حمزة بإسكان الياء وصلا ووقفا وكذا في رَبِّيَ الْفَواحِشَ- وعَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ- وقُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ وآتانِيَ الْكِتابَ- ومَسَّنِيَ الضُّرُّ- وعِبادِيَ الصَّالِحُونَ- وعِبادِيَ الشَّكُورُ- ومَسَّنِيَ الشَّيْطانُ- وإِنْ أَرادَنِيَ «٢» اللَّهُ وإِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ- ووافقه ابن عامر والكسائي في لعبادى الّذين أمنوا- وابن عامر في آياتي الّذين وو فتح الآخرون كلها الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ جواب لقول نمرود من ربك الذي تدعونا اليه استدل ابراهيم عليه السلام على وجود الصانع الواجب الوجود بالآثار الدالة عليه من الاحياء (١) فى الأصل قال- ٢ ابو محمد (٢) فى الأصل إرادتي-

البقرة 2:259

والاماتة المشهودتين في عالم الإمكان- ونمرود لعله كان دهريا غبيا يزعم الحوادث بالاتفاق كما يزعمه الدهريون- ويزعم ان ذوى العقول من الممكنات خالقة لافعالها كما يزعمه المعتزلة والروافض- فدعا برجلين فقتل أحدهما واستحيى الاخر وقالَ نمرود أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قرا اهل المدينة انا بإثبات الالف والمد في الوصل إذا تلقتها همزة متحركة- والباقون بحذف الالف ووقفوا جميعا بالألف فلما راى ابراهيم غباوته عن الاستدلال بالحوادث المعتادة قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ يعنى وهو قادر على ان يأتيها من المغرب او كيف يشاء فَأْتِ بِها أنت مِنَ الْمَغْرِبِ ان كنت تزعم انك قادر على ما تفعل وتنكر الواجب فان الممكنات كلها سواء في الخلق فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ اى تحير ودهش وانقطعت حجته- لما راى انه لو سال ابراهيم ربه فربه يأتى بالشمس من المغرب كما جعل النار عليه بردا وسلاما وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) وان يروا كلّ اية حتّى يروا العذاب الأليم. أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ يعنى بيت المقدس او دير هرقل كما سنذكر القصة والكاف زائدة والموصول معطوف على الذي حاج- والذي مر هو آدميا وهو الخضر عليه السلام على ما رواه محمد بن إسحاق- واخرج الحاكم عن علىّ وإسحاق بن بشير عن عبد الله بن سلام وابن عباس انه عزيز- وقال مجاهد هو كافر شك في البعث نظرا الى نظمه مع نمرود وهذا ليس بشىء فان الكافر لا يستحق تلك الكرامة ولو قيل انه أمن حين راى الاحياء بعد الاماتة قلنا هذا ليس إيمانا بالغيب فلا يعتد به ونظم القصتين معا انما هو لاشتراكهما في التعجيب بلا دعاء الربوبية فمن يرى عجزه في كل حين وزمان اعجب من الحيوة بعد الممات بإذن الله تعالى فان ذلك شائع كما ترى تصير النطفة رجلا والبذر شجرا ونحو ذلك وَهِيَ خاوِيَةٌ خالية ساقطة حيطانها عَلى عُرُوشِها يعنى سقطت سقوفها ثم وقعت حيطانها عليها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ القرية اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها قال ذلك على الطلب والتمني في إحيائها مع استبعادها عادة وهضما لنفسه عن مرتبة الاستجابة- وكان القصة على ما روى محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه ان الله تعالى بعث ارميا الى ناشية بن اموص ملك بنى إسرائيل ليسدد امره وكان ملكا صالحا يأتيه ارميا باحكام الله تعالى فعظمت المعاصي في بنى إسرائيل فاوحى الله تعالى الى ارميا لا قبضن عليهم فتنة ولا سلطنّ عليهم جبارا ولاهلكن أكثرهم فصاح ارميا وبكى فاوحى الله تعالى اليه ان لا اهلكنهم ما لم تأذن فاستبشر فلبثوا ثلاث سنين وما زادوا لا معصية وطغيانا فلما بلغ الاجل وقلّ الوحى دعاهم الملك الى التوبة فلم يفعلوا فسار بخت نصر من بابل الى بيت المقدس في جنود لا قبل لها ففزع ملك بنى إسرائيل فقال ارميا انى واثق بما وعدني الله فبعث الله تعالى الى ارميا ملكا في صورة رجل من بنى إسرائيل فقال يا نبى الله استفتيك في أهلي لم ات إليهم الا حسنا ولا يزيدون بي الا اسخاطا قال احسن وصلهم والبشر بخير ثم بعد ايام جاء اليه الملك في صورة ذلك الرجل فقال مثل مقاله وأجيب مثل ما أجيب اولا ثم بعد زمان لما حاصر بخت نصر بيت المقدس وارميا قاعد على جداره وملك بنى إسرائيل يقول اين ما وعدك الله وارميا واثق مستبشر بالوعد إذ جاءه الملك في صورة ذلك الرجل وشكى اهله اليه فقال ارميا الم يأن ان ينزجروا من الذي هم فيه فقال له الملك يا نبى الله كل شىء كان يصيبنى قبل ذلك اليوم صبرت عليه وهم اليوم على عمل عظيم من سخط الله فغضبت لله وأسئلك بالله الذي بعثك بالحق ان تدعو الله عليهم ليهلكنهم فقال ارميا يا ملك السموات والأرض ان كانوا على عمل لا ترضاه فاهلكهم فارسل الله صاعقة فالتهب مكان القربان وخسف سبعة أبواب فقال ارميا يا رب اين ميعادك فنودى انه ما أصابهم الا بدعائك فعلم ان ذلك السائل كان رسول ربه فلحق ارميا بالوحوش وخرب بخت نصر بيت المقدس ووطى الشام وقتل بنى إسرائيل وسباهم- فكانت هذه الوقعة الاولى التي أنزلها الله ببني اسراءيل بظلمهم فلما ولى بخت نصر عنهم راجعا الى بابل اقبل ارميا على حمار له معه عصير عنب في ركود وسلة تين حتى جاء ايليا فلما وقف عليها وراى خرابها قال انّى يحى هذه الله بعد موتها وانى في موضع النصب على الظرف بمعنى متى- او على الحال بمعنى كيف- ثم ربط ارميا حماره بحبل والقى الله عليه النوم فَأَماتَهُ اللَّهُ ضحى أخرجه سعيد بن منصور عن الحسن وابن ابى حاتم عن قتادة فلبث ميتا مِائَةَ عامٍ وحماره ومصيره وتينه عنده وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد فلما مضى من موته سبعين سنة أرسل الله ملكا الى ملك من ملوك فارس يقال له نوشك فقال ان الله يأمرك ان تعمر بيت المقدس وايليا حتى يعودا عمر ما كان فجعل يعمرها- وأهلك الله بخت نصر ببعوضة دخل دماغه ونجى الله من بقي من بنى إسرائيل ولم يمت ببابل وردهم جميعا الى بيت المقدس ونواحيه وعمروها ثلاثين سنة حتى عادوا على احسن ما كانوا عليه فاحيا الله ارميا ثُمَّ بَعَثَهُ وكان بعثه قبل غيبوبة الشمس فبعث الله اليه ملكا قالَ الملك لا رميا كَمْ لَبِثْتَ فلما زعم ارميا ان الشمس غربت من ذلك اليوم الذي نام فيه قالَ لَبِثْتُ يَوْماً ثم التفت فراى بقية من الشمس فقال أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ له الملك بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ يعنى التين وَشَرابِكَ يعنى العصير لَمْ يَتَسَنَّهْ اى لم يتغير فكان التين كانّه قطف من ساعته والعصير كانّه عصر من ساعته قال الكسائي كانّه لم يأت عليه السنون قرا حمزة والكسائي ويعقوب لم يتسنّ بحذف الهاء في الوصل وإثباته في الوقف وكذلك فبهديهم اقتد وقر الآخرون بالهاء وصلا ووقفا فمن أسقط الهاء في الوصل جعلها صلة زائدة ومن أثبتها جعلها اصلية «١» قالوا اشتقاقه من السنة والهاء اصلية ان قدر لام السنة هاء أصله سنهة بدليل سنيهة والفعل منه مسانهة- وهاء سكت ان قدر لامه واوا فابدلت الفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فحذف الالف للجزم وزيدت الهاء في الوقف- وقيل أصله لم يتسنّن من الحماء المسنون فابدلت النون الثالثة حرف علة كما فى قوله تعالى دسّها- وأفرد الضمير لان الطعام والشراب كالجنس الواحد وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ فنظر قيل فراه قائما واقفا كهيئته يوم ربطه حيا لم يطعم ولم يشرب مائة عام ونظر الى حبله في عنقه جديدة لم يتغير- وقيل راى حماره قد هلك وبليت عظامه فبعث الله ريحا فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ذهبت بها الطيور والسباع فاجتمعت- قلت والظاهر هو القول الثاني يدل عليه تكرار كلمة انظر ولو كان الحمار باقيا على حاله كالطعام والشراب لكان المناسب ان يقال فانظر الى طعامك وشرابك وحمارك وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ على البعث بعد الموت قيل الواو مقحمة وقال الفراء دخلت الواو فيه دلالة على انها متعلق بفعل مقدر اى وفعلنا ذلك لنجعلك اية وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ اى عظام الحمار على تقدير كونه هالكا وبه قال اكثر المفسرين- وقال قوم أراد به عظام نفسه أحيا الله عينه ورأسه وسائر جسده ميت صار عظاما بيضاء متفرقا ويردّ (١) اما عند القراء فهى زائدة اجماعا زيدت لاظهار فتحة النون- ابو محمد عفا الله عنه هذا القول قوله ﷺ ان الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء كَيْفَ نُنْشِزُها قرا اهل الحجاز والبصرة ننشرها بالراء المهملة معناه نحييها قال الله تعالى ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ- واليه النّشور- وقرا الآخرون بالزاء المعجمة اى نرفعها من الأرض ونركب بعضها على بعض- وكيف منصوب بنشز والجملة حال من العظام ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فلما كسى العظام لحما ودما فصار الرجل حيا او صار الحمار حمارا لا روح فيه فنفخ فيه الملك فقام الحمار ونهق بإذن الله تعالى- وفي الاية تقديم وتأخير وتقديره قال بل لبثت مائة عام امتناك ثم أحيينا فانظر الى طعامك وشرابك لم يتسنّه وانظر الى حمارك وانظر الى العظام كيف ننشزها ثمّ نكسوها لحما وفعلنا ذلك لنجعلك اية للنّاس فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ما فعل به قالَ الرجل أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) قرا الجمهور على صيغة المضارع للمتكلم وقرا حمزة والكسائي على صيغة الأمر وحينئذ يكون القائل الملك او الله سبحانه او الرجل خاطب به نفسه وقيل ان بخت نصر لمّا خرّب بيت المقدس وقدم بابل بسبى بنى إسرائيل كان فيهم عزيز ودانيال وجماعة من ال داود فلما نجا عزيز من بابل ارتحل على حمار له حتى نزل دير هرقل على شط دجلة فطاف في القرية فلم ير أحدا وعامة شجرها حامل فاكل من الفاكهة واعتصر من العنب فشرب منه وجعل فضل الفاكهة في سلّة وفضل العصير في زق فلما راى خراب القرية وهلاك أهلها قال انّى يحى هذه الله بعد موتها الى اخر الحديث قال قتادة عن كعب والضحاك عن ابن عباس والسدّى عن مجاهد عن ابن عباس وابن عساكر عنه لما أحيا الله عزيرا بعد ما أماته مائة عام ركب حماره واتى محلته فانكر الناس ومنازلهم وأنكره الناس فاتى منزله على وهم فاذا بعجوز عمياء مقعدة أتت عليها مائة وعشرون سنة كانت امة لعزيز خرج عزير عنهم وهى بنت عشرين سنة فقال لها عزيز هذا منزل عزيز قالت نعم وقالت ما رايت أحدا منذ كذا يذكر عزيرا قال فانى عزيز أماتني الله مائة عام ثم بعثني قالت فان عزيزا كان رجلا مستجابا فان كنت عزيزا فادع الله ان يردّ عليّ بصرى فدعا ربه ومسح يده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها فقال قومى بإذن الله فقامت صحيحة فنظرته فعرفته فقالت اشهد انك عزيز فانطلقت الى بنى إسرائيل وهم في مجالسهم وابن لعزيز شيخ ابن مائة سنة وأولاد بنيه شيوخ وعجائز وهو اسود الرأس واللحية فنادت هذا عزير

البقرة 2:260

فكذبوها فقالت انا فلانة مولاتكم دعالى ربه فردّ على بصرى واطلق رجلى وزعم ان الله أماته مائة عام ثم بعثه فنهض الناس فقال ابنه كان لابى شأمة سوداء مثل الهلال بين كتفيه فكشف عن كتفيه فاذا هو عزيز وقال السدى والكلبي لما رجع عزيز الى قومه وقد احرق بخت نصر التورية بكى عزيز على التورية فاتاه ملك باناء فيه ماء فسقاه فمثلت التورية في صدره فرجع الى بنى إسرائيل وقد علمه الله التورية وبعثه نبيا فقال انا عزيز فلم يصدقوه فاملا عليهم التورية من ظهر قلبه قالوا ما جعل الله التورية فى قلب رجل بعد ما ذهبت الا انه ابنه فقالوا عزيز ابن الله وسيأتى القصة في سورة التوبة ان شاء الله تعالى. وَاذكر إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قال الحسن وقتادة وعطاء الخراسانى وابن جريح كان سبب هذا السؤال انه كانت جيفة حمار بالساحل فكان إذا مدّ البحر أكلت منها دواب البحر وإذا جزر أكلت السباع والطيور فراها ابراهيم وتعجب وقال يا رب قد علمت انك تجمعها من البحر والبر فارنى كيف تحييها لاعاين فازداد يقينا- وقيل لما قال نمرود انا أحيي وأميت وقتل أحد الرجلين واطلق الاخر قال ابراهيم ان الله يحيى بعد ما يميت فقال له نمرود أنت عاينته فلم يقدر ان يقول نعم فحينئذ سال ربه ان يريد احياء الموتى حتى إذا قيل له بعد ذلك أنت عاينته يقول نعم وقال سعيد بن جبير لما اتخذ الله ابراهيم خليلا جاء ملك الموت بإذن الله الى ابراهيم ليبشره بذلك فبشره فقال ابراهيم ما علامة ذلك قال ان الله يجيب دعاءك ويحيى الموتى بسوالك فحينئذ سال ابراهيم ذلك قالَ الله تعالى أَوَلَمْ تُؤْمِنْ بانى قادر على الاحياء باعادة التركيب بعد الاماتة وانما قال ذلك وقد علم انه أقوى الناس في الايمان ليجيب بما أجاب فيعلم السامعون قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ويزيد بصيرتى وسكون قلبى بضم العيان الى الوحى والاستدلال او ليطمئن قلبى انك اتخذتني خليلا وتجيبنى إذا دعوتك عن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ نحن أحق بالشك من ابراهيم إذ قال رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى الاية ورحم الله لوطا لقد كان يأوي الى ركن شديد ولو لبثت السجن طول ما لبث يوسف لاجبت الداعي متفق عليه وللعلماء في هذا المقام مقال فقال إسماعيل بن يحيى المزني لم يشك النبي ﷺ ولا ابراهيم في ان الله يحيى الموتى وانما شكافى انه هل يجيبهما الله تعالى الى ما سالاه وهذا القول لا يصاعده قوله تعالى أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي - وقال الامام ابو سليمان الخطانى ليس في الحديث اعتراف بالشك على نفسه ولا على ابراهيم بل فيه نفى الشك عنهما يعنى إذا لم أشك انا فابراهيم اولى بان لا يشك وانما قال النبي ﷺ ذلك تواضعا وهضما لنفسه وكذلك قوله لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لاجبت الداعي وفيه اعلام بان المسألة من ابراهيم لم تعرض من جهة الشك لكن لاجل طلب زيادة العلم بالعيان فان العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال قال رسول الله ﷺ ليس الخبر كالمعائنة ان الله اخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا القى الألواح فانكسرت رواه احمد والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس وروى الطبراني عن انس والخطيب عن ابى هريرة بسند حسن وليس فيه ذكر موسى- وقيل لما نزلت هذه الاية قال قوم شك ابراهيم ولم يشك نبينا ﷺ فقال رسول الله ﷺ تواضعا وتقديما لابراهيم على نفسه- قلت هذا القول وهذا التأويل في الحديث ضعيف لان نفى الشك عن ابراهيم ثبت بنفس كلام الله تعالى حيث قال بلى ولكن ليطمئن قلبى فكيف يقال شك ابراهيم وايّ حاجة الى دفع ذلك التوهم- والتحقيق عندى ما قالت الصوفية العلية ان لاهل الله تعالى في السلوك مقامان الاول مقام العروج وهو الانخلاع عن الصفات البشرية والتلبس بالصفات الملكية والصفات القدسية ويحكى عن هذا المقام قوله ﷺ حين نهى عن صوم الوصال لست كهيئتكم أبيت عند ربى يطعمنى ويسقينى ويقال فى اصطلاحهم بهذا السير السير الى الله والسير في الله- والثاني مقام النزول وهو التلبس بالصفات البشرية ثانيا بعد الانخلاع التام وهذا المقام مقام التكميل ودعوة الخلق الى الله تعالى ويقال لهذا السير السير من الله بالله والحكمة في النزول انه لا بد بين المفيض والمستفيض من المناسبة حتى يتيسر به الاستفاضة على طريقة الصبغ والانصباغ ولاجل هذا أرسل الرسل من البشر لدعوة البشر ولم يتصور للعوام أخذ الفيض من الله تعالى لفقد المناسبة وهو تعالى غنى عن العالمين ولا من الملائكة قال الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا وقال وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ وكلّما كان لرجل نزوله أتم كان دعوته أشمل وأكمل كما ان الرامي إذا كان في أعلى مكان من المرمى اليه ما أصاب رميته غالبا قال الشيخ الأكبر محى الدين ابن العربي قدس سره أنكروا دعوة نوح لما كان من الفرقان وأجابوا دعوة محمد ﷺ لما كان من القران يعنى لما كانت استعدادات العوام في غاية الانخفاض ونوح عليه السلام كان في مقام العروج لم يتأثر العوام منه لاجل الفراق بينهما ولما نزل محمد ﷺ غاية النزول أجابوا دعوته لحصول مقارنة- إذ سمعت هذا فاعلم ان العارف تام المعرفة قد يظهر عليه اثار النزول فحينئذ يكون على هيئة العوام متشبثا بالأسباب- ويحكى عن هذا المقام انه ﷺ لبس في الحرب درعا من حديد فوق درع وحفر الخندق حول المدينة وفي هذا المقام يتشبث العارف لطلب زيادة اليقين واطمينان القلب بتحتم الاستدلال ونحو ذلك وعن هذا المقام قصة ابراهيم عليه السلام هذه وقصة لوط حين قال لو انّ لى قوّة «١» او أوى الى ركن شديد- وعبر رسول الله ﷺ طلب زيادة اليقين بالشك مجازا للمشابهة الصورية واخبر عن مقام نزوله بقوله نحن أحق بالشك من ابراهيم بمعنى ان نزولنا أتم من نزول ابراهيم فنحن اولى بطلب زيادة اليقين منه ولا شك ان نزوله عليه السلام كان أتم من نزول ابراهيم يدل عليه كونه مبعوثا الى كافة الأنام كما ان عروجه ﷺ كان فوق كل عروج فكان قاب قوسين او ادنى فهو المحدد لجهات الكمال عليه وعلى الله الصلاة والسلام ومعنى قوله ﷺ رحم الله لوطا لقد كان يأوى الى ركن شديد انه كان في مقام النزول فهذا مدح له عليه السلام وقوله ﷺ لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لا جبت الداعي ايضا يدل على ان نزول محمد ﷺ كان أتم من نزول يوسف عليه السلام ولو كان نزول يوسف مثل نزوله عليه السلام لاجاب الداعي والله اعلم- قالَ الله تعالى فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ الطير مصدر اسمى به او جمع طائر كصحب وصاحب قال مجاهد وعطاء بن «٢» رباح وابن جريح أخذ طاء وساوديكا وحمامة وغرابا وحكى عن ابن عباس تسر بدل الحمامة وقال عطاء الخراسانى اوحى الله اليه انّ خذ بطة خضراء وغرابا اسود وحمامة بيضاء وديكا احمر قلت لعله امر بأخذ اربعة من الطير لان الإنسان وكذا سائر الحيوانات مركب من الاخلاط الاربعة المتولدة من العناصر الاربعة فالديك الأحمر يحكى عن الدم والحمامة البيضاء عن البلغم والغراب الأسود عن السوداء والبط الخضراء عن الصفراء- (١) فى القران بكم قوّة- ابو محمد عفا الله عنه (٢) الصحيح ابن ابى رباح- ابو محمد عفا الله عنه [.....] فاحياؤها بعد الاماتة دليل على احياء اجزاء الإنسان بعد الاماتة- قال البيضاوي فيه ايماء الى ان احياء النفس بالحياة الابدية انما يتاتى باماتة حب الشهوات والزخارف الذي هو صفة الطاووس والصولة المشهور بها الديك وخسة النفس وبعد الأمل المتصف بها الغراب والترفع والمسارعة الى الهوى الموسوم بها الحمام- قلت لما كان ابراهيم عليه السلام في مقام النزول والدعوة علمه الله تعالى طريق الإرشاد من إعطاء المريد الفناء والبقاء فاخذها وقطعها ينبىء عن السلوك والفناء ودعاؤها بإذن الله تعالى ينبىء عن الجذب الى الله والبقاء وهذه كلمات من اهل الاعتبار لا مدخل لها في التفسير والله اعلم فَصُرْهُنَّ قرا ابو جعفر وحمزة بكسر الصاد اى قطعهن ومزقهن من صار يصير صيرا إذا قطع قال الفراء هو مقلوب من صرى يصرى صريا وقرا الآخرون بضم الصاد ومعناه املهن يقال صرت اصتورا إذا أملته وقال عطاء معناه اجمعهن يقال صار يصور إذا جمع إِلَيْكَ متعلق بصرهنّ على قراءة الجمهور ومتعلق بمحذوف حال من المفعول على قراءة حمزة اى منضما إليك ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً قرا عاصم برواية ابى بكر بضم الزاء والهمز حيث وقع وقرا ابو جعفر بتشديد الزاء بلا همز والآخرون بإسكان الزاء والهمزة- اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس امر الله تعالى ابراهيم ان يذبح تلك الطيور وينتف ريشها ويخلطها ودماءها ولحومها بعضها ببعض ثم امره ان يجعل اجزاءها على الجبال فجزاها سبعة اجزاء على سبعة اجبل وامسك رءوسهن عنده وكذا اخرج ابن جريح والسدى وروى ابن جرير من طريق ابن إسحاق عن ابن عباس وقتادة انه جعل كل طائر اربعة اجزاء على كل جبل ربعا من كل طائر ثُمَّ ادْعُهُنَّ قل لهم تعالين بإذن الله يَأْتِينَكَ سَعْياً ساعيات مسرعات طيرانا او مشيا فدعاهن فجعل كل قطرة من دم طائر يصير الى قطرة اخرى وكل ريشة يصير الى الريشة الاخرى وكل عظم وبضعة الى اخرى وابراهيم ينظر حتى تمت كل جثة بغير رأس ثم اقبلن الى رءوسهن فصرن كما كن بإذن الله تعالى وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شيء عما يريد حَكِيمٌ (٢٦٠) ذو حكمة بالغة في كل ما يفعل ويذر- ذكر الله سبحانه في القصة السابقة أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وذكره هاهنا اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يدل على انه قوله أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها كان على سبيل التعجب والاستبعاد

البقرة 2:261

من حيث كونه على خلاف العادة وقول ابراهيم ربّ أرني كيف تحي الموتى كان مبنيا على حال لطيف يقتضيه الحكمة والله اعلم- قال البيضاوي كفى لك شاهدا على فضل ابراهيم ويمن الضراعة في الدعاء وحسن الأدب في السؤال انه تعالى أراه ما أراد في الحال على أيسر الوجوه وارى عزيزا بعد ما أماته مائة عام. مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الجهاد او غير ذلك من أبواب الخير كَمَثَلِ حَبَّةٍ فيه تقدير المضاف اما في المبتدأ او في الخبر يعنى مثل نفقة الّذين ينفقون كمثل حبّة او مثلهم كمثل باذر حبّة أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ أسند الإنبات الى الحبة مجازا لما كانت من الأسباب عادة فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ كما يكون في الدخن وغير ذلك وَاللَّهُ يُضاعِفُ ما يشاء من الأضعاف لِمَنْ يَشاءُ من عباده في الدنيا والاخرة وَاللَّهُ واسِعٌ لا يضيق عليه ما يتفضل به من الزيادة عَلِيمٌ (٢٦١) بنيات المنفقين يجزى على حسب نياتهم الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال البغوي قال الكلبي جاء عبد الرحمن بن عوف باربعة آلاف درهم صدقة الى رسول الله ﷺ فقال كانت عندى ثمانية آلاف فامسكت منها لنفسى وعيالى اربعة آلاف واربعة آلاف اقرضتها ربى فقال له رسول الله ﷺ بارك الله فيما أمسكت وفيما أعطيت- وعثمان جهّز المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحلاسها فنزلت هذه الاية وقال قال عبد الرحمن ابن سمرة جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبّها في حجر النبي ﷺ فرايت النبي ﷺ يدخل فيها يده ويقلبها ويقول ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم فانزل الله تعالى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وروى احمد عن عبد الرحمن بن سمرة وليس فيه ذكر نزول الاية ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً ذكر كلمة ثم للتفاوت بين الانفاق وترك المن والأذى- والمن ان يعتد بإحسانه على من احسن اليه والأذى ان يتطاول عليه او يقول الى كم تسئل وكم تؤذيني او يذكر إنفاقه عليه عند من لا يجب وقوفه قال البغوي قال عبد الرحمن بن زيد بن اسلم كان ابى يقول إذا أعطيت رجلا شيئا ورايت أن سلامك يثقل عليه فكف سلامك عنه لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ

البقرة 2:263

وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) لعله لم يدخل الفاء فيه وقد تضمين المبتدأ معنى الشرط إيهاما بانهم اهل لذلك وان لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا. قَوْلٌ مَعْرُوفٌ كلام حسن ورد جميل على السائل قال الكلبي دعاء صالح يدعو لأخيه بظهر الغيب وقال الضحاك نزل في إصلاح ذات البين وَمَغْفِرَةٌ اى تجاوز عن السائل الملح بالرد الجميل وقال البغوي اى يستر على السائل خلته ولا يهتك عنه ستره وقيل المراد به نيل مغفرة من الله بالرد الجميل- وقيل المراد مغفرة السائل المسئول عنه بان يعذره ويغتفر رده وقال الكلبي والضحاك والمراد بالمغفرة التجاوز عن من ظلمه خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً خبر عنهما وانما صح الابتداء بالنكرة لاختصاصها بالصفة وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن انفاق بمن وإيذاء حَلِيمٌ (٢٦٣) عن معاجلة من يمن ويؤذى بالعقوبة-. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا أجور صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ على السائل وقال ابن عباس بالمن على الله وَالْأَذى اى بكل واحد منهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ﷺ لا يدخل الجنة منان ولا عاق- رواه النسائي والدارمي كَالَّذِي الكاف في محل النصب على المصدر او الحال اى ابطالا كابطال الذي او مماثلين الذي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ منصوب على السببية او الحال او المصدرية اى لان يرى الناس او مرائيا او إنفاقا رياء وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ليس هذا قيدا لابطال الصدقة فان الصدقة يبطل بالرياء وان كان المنفق مؤمنا بالله واليوم الاخر لكن ذكر هذا تنبيها على ان الانفاق رياء ليس من شأن المؤمن بل هو من سيرة المنافق فَمَثَلُهُ اى المرائى كَمَثَلِ صَفْوانٍ حجرا ملس قيل هو واحد جمعه صفى وصفى وقيل جمع واحده صفواته عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ مطر عظيم القطر فَتَرَكَهُ صَلْداً أملس نقيّا من التراب لا يَقْدِرُونَ الضمير راجع الى الموصول باعتبار المعنى فان المراد به الجنس او الجمع عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا اى لا يقدرون في الاخرة على الانتفاع بشيء ممّا كسبوا في الدنيا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤) فيه تعريض بان الرياء والمن والأذى من صفات الكفار لا ينبغى لمؤمن ارتكابه او المعنى انه من فعل من هذه الأمور شيئا فهو كافر لنعمة المنعم الحقيقي غير شاكر- عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى انا اغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه- وفي رواية فانا منه بريء هو للذى عمله رواه مسلم- وعن جندب قال قال رسول الله ﷺ من سمع سمع الله به ومن يرائى يرائى الله به متفق عليه- وعن ابى سعيد بن ابى فضالة عن رسول الله ﷺ قال إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فان الله اغنى الشركاء عن الشرك رواه احمد- وعن معاذ بن جبل قال سمعت من رسول الله ﷺ يقول ان يسار الرياء شرك الحديث رواه ابن ماجة- وعن شداد بن أوس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من صلى يرائى فقد أشرك ومن صام يرائى فقد أشرك ومن تصدق يرائى فقد أشرك رواه احمد- وعن محمود بن لبيد ان النبي ﷺ قال انّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا يا رسول الله وما الشرك الأصغر قال الرياء رواه احمد وزاد البيهقي في شعب الايمان يقول الله لهم يوم يجازى العباد بأعمالهم اذهبوا الى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء او خيرا وعن شداد بن أوس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول اتخوّف على أمتي الشرك والشهوة الخفية- قال قلت أتشرك أمتك من بعدك قال نعم اما انهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا ولكن يراءون بأعمالهم والشهوة الخفية ان يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه رواه احمد والبيهقي وعن ابى هريرة ان أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد- فاتى به فعرّفه نعمته فعرفها فقال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لان يقال جرىء فقد قيل ثم امر به فسحب على وجهه حتى القى في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرا القران فاتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرات فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال انك عالم وقرات القران ليقال هو قارئ فقد قيل ثم امر به فسحب على وجهه حتى القى في النار ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من اصناف المال كله فاتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب ان ينفق في سبيل الله الا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت

البقرة 2:265

ليقال هو جواد فقد قيل به ثم امر به فسحب على وجهه ثم القى في النار رواه مسلم وروى البغوي نحوه وفي آخره ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبتى فقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تعالى تسعر بهم النار يوم القيامة-. وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ اى لطلب رضائه وَتَثْبِيتاً للاسلام وتصديقا بما وعده الله من الجزاء واحتسابا- ويحتمل ان يكون معناه تثبيتا للمال فان الباقي من المال ما ينفعه في الاخرة وما سوى ذلك هالك عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ ايّكم مال وارثه أحب اليه من ماله- قالوا يا رسول الله ما منا أحد الا ماله أحب اليه من مال وارثه قال فان ماله ما قدم ومال وارثه ما اخر- رواه البخاري وعن عائشة قالت انهم ذبحوا شاة فقال النبي ﷺ ما بقي منها قالت ما بقي منها الا كتفها قال رسول الله ﷺ بقي كلها غير كتفها رواه الترمذي وصححه مِنْ أَنْفُسِهِمْ من للابتداء متعلق بالتثبيت يعنى تثبيت الايمان والتصديق او المال يبتدى من نفسه- او للتبعيض ويكون ظرفا مستقرا صفة لمفعول محذوف اى تثبيتا شيئا من أنفسهم على الايمان فان للنفس قوى بعضها مبدأ لبذل المال وبعضها مبدأ لبذل الروح والمال شقيق الروح فمن بذل المال لوجه الله فقد ثبّت بعض نفسه على الايمان ومن بذل المال والروح جميعا فقد ثبت كل نفسه عليه قال البيضاوي فيه تنبيه على ان حكمة الانفاق للمنفق تزكية النفس عن البخل وحب المال قلت ومن ثم قال ابو حنيفة لا يجب الزكوة في مال الصبى حتى يؤديها الولي لان الحكمة فيها ابتلاء المكلف ببذل ما هو شقيق الروح ابتغاء مرضات الله تعالى وذا لا يحصل بأداء الولي كَمَثَلِ جَنَّةٍ اى بستان بِرَبْوَةٍ قرا ابن عامر وعاصم هاهنا والى ربوة في سورة المؤمنين بفتح الراء والباقون بالضم وهما لغتان وهى المكان المرتفع المستوي الذي تجرى فيه الأنهار فلا يعلوه الماء ولا يعلوا عن الماء وانما قيد الجنة بهذه لان شجرها يكون احسن وازكى أَصابَها وابِلٌ مطر عظيم القطر فَآتَتْ اعطت أُكُلَها قرا نافع وابن كثير وابو عمرو بإسكان الكاف للتخفيف والباقون بالضم يعنى ثمرتها ضِعْفَيْنِ نصبه على الحال اى مضاعفا ومثلى ما كانت تثمر بلا وابل فالمراد بالضعف المثل كما أريد بالزوج

البقرة 2:266

فى قوله تعالى زوجين اثنين وقيل اربعة أمثاله اى مضاعفا بتضعيفين فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ أصابها او فاصابها طل أتت أكلها على قدر وعلى كلا التقديرين إصابة الوابل وعدمه لا تضيع تلك الجنة او المعنى فطل يكفيها لكرم منبتها وبرودة هوائها- والطل هو المطر صغير القطر- ومعنى الاية اما بتقدير المضاف يعنى مثل نفقات الذين ينفقون كمثل جنة فكما ان تلك الجنة لا يضيع كذلك نفقات المؤمن لا يبطل بل اما ان ينضم اليه امور توجب تضاعف الاجر فحينئذ تضاعفت الأجود الى ما شاء الله تعالى او لا فحينئذ لا يبطل اصل العمل ويوجب الاجر- واما بغير تقدير يعنى مثل المؤمن الذي ينفق كمثل جنة يعنى كما ان الجنة تثمر على حسب الوابل كذلك المؤمن المنفق يؤجر على حسب النفقة قل او كثر لا يضيع منها شيء وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) هذه الجملة يتعلق بكلا الفريقين الذين يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى او ينفقون أموالهم رئاء الناس والذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله ففيه تحذير وترغيب. أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ الهمزة للانكار وهذه الاية مرتبطة بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جعل النخيل والأعناب بيانا للجنة مع ما فيها من سائر الأشجار تغليبا لهما لشرفهما وكثرة منافعهما ثم ذكر ان فيها من كل الثمرات ليدل على عدم اقتصار الجنة عليهما وَأَصابَهُ الْكِبَرُ بحيث لا يقدر على الكسب والواو للحال بمعنى وقد أصابه الكبر او للعطف حملا على المعنى بمعنى أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ صغار او نساء لا يقدرون على الكسب والواو للعطف على أصابه او للحال من ضمير المفعول لاصابه فَأَصابَها إِعْصارٌ ريح عاصفة ترتفع الى السماء كانها عمود عطف على أصابه او على تكون باعتبار المعنى فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ والمعنى انه لا يود أحدكم ان يكون له مال جيد كما ذكر فيحترق في حال كمال حاجته الى ذلك المال فيخيب ويتحسر ما دام حيّا في عالم الفناء فكيف يود أحدكم ان يبطل حسناته يوم القيامة في حال كمال حاجته إليها فيخيب ويتحسر ابدا في عالم البقاء قال عبيد بن عمير قال عمر رضى الله عنه لاصحاب النبي ﷺ فيم ترون هذه الاية نزلت أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ الاية قالوا الله اعلم فغضب عمر وقال قولوا نعلم اولا نعلم فقال ابن عباس في نفسى منها شيء قال عمر يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك

البقرة 2:267

قال ابن عباس ضربت مثلا لعمل قال عمر لرجل يعمل بطاعة الله بعث الله له شيطانا فعمل بالمعاصي حتى أغرق اعماله كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) فيها فتعتبرون بها-. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ جياد وقال ابن مسعود ومجاهد من حلالات ما كَسَبْتُمْ عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ لا يكسب عبد مال حرام فيتصدق منه فيقبل منه ولا ينفق منه فيبارك له فيه ولا يترك خلف ظهره الا كان زاده الى النار لا يمحو السّيء بالسّيئ لكن يمحو السّيّء بالحسن ان الخبيث لا يمحو الخبيث رواه احمد- وهذه الاية سند للاجماع وحجة للجمهور على داود حيث قال لا يجب الزكوة الا فى الانعام او النقود وعند الجمهور يجب في العروض والعقار ايضا إذا كان للتجارة وانما شرطوا بنية التجارة لان النمو شرط لوجوب الزكوة بالإجماع ولا نمو في العروض الا بنية التجارة- عن ابن عمر ليس في العروض زكوة الا ما كان للتجارة رواه الدارقطني وعن سمرة بن جندب كان يأمرنا رسول الله ﷺ ان نخرج الزكوة مما نعد للبيع رواه ابو داود والدارقطني والبزار- وعن سليمان بن سمرة عن أبيه عند البزار وفي اسناده جهالة- ومما يدل على وجوب الزكوة في العروض ما روى عن حماس قال مررت على عمر بن الخطاب وعلى عنقى ادمة احملها فقال الا تودى زكاتك يا حماس فقال مالى غير هذا اوهب في القرط قال تلك مال ضعها فوضعها بين يديه فحسبها فوجدها قد وجبت الزكوة فيها فاخذ منها الزكوة رواه الشافعي واحمد وان ابى شيبة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور والدارقطني- وعن ابى ذر ان رسول الله ﷺ قال في الإبل صدقتها وفي البقر صدقتها وفي البز صدقته قالها بالزاء المعجمة رواه الدارقطني بثلاثة طرق ضعاف مدار الطريقين على موسى بن عبيدة الزيدي قال احمد لا يحل الرواية عنه وفي الطريق الثالث عبد الله بن معاوية بن عاصم ضعفه النسائي وأنكره البخاري وفيه ابن جريح عن عمر ان ابن أنيس قال البخاري لم يسمع ابن جريح عنه وله طريق رابع رواه الدارقطني والحاكم فى الإبل صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البقر صدقتها وفي البز صدقته ومن رفع دراهم او دنانير لا يعدها لغريم ولا ينفقها في سبيل الله فهو كنز يكون به يوم القيامة وهذا اسناد لا بأس به قال ابن دقيق الذي رايته في نسخة المستدرك البر بضم الباء الموحدة والراء المهملة ثم اختلف العلماء فيما إذا لم يبع عروض التجارة سنين- فقال مالك لا يجب عليه شيء وان طال زمانه فاذا باعه فليس عليه الا زكوة واحدة- وقال الائمة الثلاثة يجب عليه زكوة في كل سنة وان لم يبع لعموم قوله عليه الصلاة والسلام يخرج الزكوة مما يعد للبيع يعنى سواء بيع او لا وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ قيل هذه الاية في صدقات التطوع عن انس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ ما من مسلم يغرس غرسا او يزرع زرعا فيأكل منه انسان او طير او بهيمة الا كانت له به صدقة رواه احمد والشيخان والترمذي- قلت هذا الحديث يدل على استحباب الزرع- وحديث ابى امامة قال سمعت النبي ﷺ يقول لا يدخل هذا يعنى شيئا من فمعز الدولة الحرث بيت قوم الا ادخله الذل رواه البخاري يدل على شومه والله اعلم والصحيح ان الاية في الزكوة لان الأمر للوجوب ولا وجه لحملها على التطوع فهذا امر بإخراج العشور من خارج الأرض (مسئلة) اجمع العلماء على وجوب العشر في النخيل والكروم وفيما يقتات من الحبوب ان كان مسقيا بماء السماء او العيون او الاودية والأنهار التي لا مؤنة فيها ونصف العشر ان كان مسقيا بغرب او دالية- وعلى انه لا صدقة في كلاء وحطب مما لا يراد به اشتغلال الأرض- واختلفوا فيما سوا ذلك من الأصناف- فقال ابو حنيفة يجب في جميع اصناف الخارج من الحبوب والثمار والخضروات محتجا بعموم هذه الاية وعموم قوله ﷺ فيما سقت السماء والعيون او كان عشريا العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر رواه البخاري وابو داود والنسائي وابن حبان وابن جار ودمن حديث ابن عمر ورواه مسلم من حديث جابر ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث ابى هريرة ورواه النسائي وابن ماجة من حديث معاذ ورواه ابو داود وغيره من حديث على- وقال مالك والشافعي لا زكوة الا فيما يقتات به كالرطب والعنب والحنطة والشعير والحمص والارز ونحوها لا غير- وقال ابو يوسف ومحمد واحمد يجب فيما يبقى في أيدي الناس مما يكال او يوزن فيجب عندهم في مثل السمسم والشهرانج واللوز والبندق والفستق والزعفران والكمون والقرطم ايضا- احتجوا على نفى الصدقة في الخضروات بحديث معاذ قال فيما سقت السماء والسيل العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر يكون ذلك من التمر والحنطة والحبوب واما القثاء والبطيخ والرمان والقصب والخضروات فعفو عفا عنه رسول الله ﷺ رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي وفيه ضعف وانقطاع إسحاق وابن نافع من رواته ضعيفان قال يحيى بن معين إسحاق ليس بشيء لا يكتب حديثه وقال احمد والنسائي متروك- ورواه الترمذي بلفظ انه كتب الى النبي ﷺ يسئله عن الخضروات وعن البقول قال ليس فيها صدقة وهو ضعيف ايضا قال الترمذي اسناد هذا الحديث ليس بصحيح ولا يصح عن رسول الله ﷺ في هذا الباب شيء وانما يروى هذا عن موسى بن طلحة عن النبي ﷺ مرسلا- وذكر الدارقطني في العلل وقال الصواب مرسل وروى البيهقي من حديث موسى بن طلحة وقال عندنا كتاب معاذ ورواه الحاكم وقال موسى تابعي كبير لا ينكر انه لقى معاذا وقال ابن عبد البر لم يلق معاذا ولا أدركه ورواه الدارقطني بطرق عن موسى بن طلحة عن أبيه مرفوعا ليس في الخضروات صدقة- وفي أحد طرقه الحراث بن بنهان حكى تضعيفه عن جماعة وفي طريقه الثاني نصر بن حماد قال يحيى كذاب وقال يعقوب بن ابى شيبة ليس بشيء وقال مسلم واهي الحديث وفي طريقه الثالث محمد بن جابر ليس بشيء قال احمد لا يحدث عنه إلا شر منه- وروى الدارقطني من طريق مروان بن محمد السخاوي عن موسى بن طلحة عن انس ومروان بن محمد لا يحل الاحتجاج به وروى ابو يوسف في كتاب الخراج عن موسى بن طلحة انه كان لا يرى صدقة الا في الحنطة والشعير والنخل والكرم والزبيب وقال عندنا كتاب كتبه النبي ﷺ عن معاذ والتحقيق ان المرسل عن موسى بن طلحة يصح كذا قال الترمذي وغيره والمرسل حجة لا سيما باعتضاد ما ذكرنا من المسانيد ويؤيده حديث عليّ مرفوعا رواه الدارقطني وفيه صقر بن حبيب ضعيف جدا ورواه ابو يوسف موقوفا وفيه قيس ابن الربيع صدوق سيّء الحفظ ليس بالقوى- وحديث عائشة مرفوعا ليس فيما أنبتت الأرض من الخضرة زكوة رواه الدارقطني وفيه صالح بن موسى قال البخاري منكر الحديث وقال النسائي متروك وحديث محمد بن حجش ان رسول الله ﷺ امر معاذا حين بعثه الى اليمن ان يأخذ من كل أربعين دينارا دينارا وليس في الخضروات صدقة- رواه الدارقطني وفيه صالح بن موسى قال البخاري والنسائي متروك منكر الحديث- وهاهنا أحاديث اخر تدل على نفى الزكوة في غير اربعة أشياء التمر والزبيب والحنطة والشعير روى الحاكم والبيهقي من حديث ابى بردة عن ابى موسى ومعاذ حين بعثهما النبي ﷺ الى اليمن يعلمان الناس امر دينهم لا تأخذوا الصدقة الا من هذه الاربعة الشعير والحنطة والزبيب والتمر قال البيهقي رواته ثقات وهو متصل- ورواه الطبراني من حديث موسى بن طلحة عن عمر انما سنّ رسول الله ﷺ الزكوة في هذه الاربعة فذكرها وكذا روى الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده- وروى ابو يوسف عن موسى بن طلحة عن عمر عن النبي ﷺ قال لا زكوة الا في اربعة التمر والزبيب والحنطة والشعير- وروى البيهقي عن الشعبي... كتب رسول الله ﷺ الى اهل اليمن انما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب وقد روى الزكوة في خمسة الاربعة المذكورة والذرة لكنه ضعيف واه- قلت ولما اجمع العلماء على عدم حصر الزكوة في هذه الاربعة وجب تأويله بحذف المضاف يعنى لا زكوة الا في مثل هذه الاربعة فاعتبر مالك والشافعي المماثلة في الاقتيات في حالة الاختيار والاولى ان يعتبر المماثلة في الكيل او الوزن والادخار لان المقصود في باب الزكوة الغناء الحاصل بالمال لا الاقتيات وكل ما يكال ويؤزن ويدخر يحصل به الغناء فيجب فيه الزكوة- ولا يشترط في زكوة الزرع حولان الحول اجماعا لان اشتراطها للتفمية وهذا انماء كله- ولا يشترط العقل والبلوغ لوجوب العشر عند ابى حنيفة ايضا كما لا يشترطان عند غيره في جميع الأموال وجه الفرق لابى حنيفة ان زكوة الأموال عبادة محضة لا بد فيه من النية واما العشر فهو عبادة فيه معنى المئونة فمن حيث كونه عبادة يشترط فيه الإسلام فيجب على الكافر الخراج دون العشر وكذا إذا اشترى الكافر أرضا عشرية عند الجمهور خلافا لمحمد- ومن حيث كونه مؤنة يجب على الصغير والمجنون ايضا كما يجب عليه نفقة الزوجة ونحوها- واختلفوا في اشتراط النصاب فقال ابو حنيفة لا يشترط فيه النصاب وتجب الصدقة في الخارج وان قل للعمومات المذكورة في الخلافية الاولى وهو المروي عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد وابراهيم النخعي اخرج عبد الرزاق وابن ابى شيبة عن الثلاثة فيما أنبتت من قليل او كثير العشر وزاد في حديث النخعي حتى في عشر وستجات بقل وستجة واخرج ابو يوسف عن ابى حنيفة عن حماد عن ابراهيم نحوه- وقال مالك والشافعي واحمد وابو يوسف ومحمد يشترط فيه النصاب وذلك خمسة اوسق كل وسق ستون صاعا مما يكال بالاوسق ومما لا يكال بالاوسق يعتبر حمسة اعداد من أعلى ما يقدر به ذلك الجنس عند محمد ففى القطن خمسة أحمال كل حمل ثلاثمائة من وفي الزعفران خمسة أمناء ويعتبر بقيمة خمسة اوسق من ادنى ما يدخل تحت الوسق عند ابى يوسف والحجة للجمهور على اشتراط النصاب قوله ﷺ ليس فيما دون خمسة اوسق صدقة متفق عليه من حديث ابى سعيد الخدري ورواه مسلم من حديث جابر ورواه احمد والدارقطني من حديث ابى هريرة والبيهقي من حديث عمرو بن حزم والدارقطني من حديث عائشة والله اعلم (مسئلة) هذه الاية تدل على ان العشر واجب في خارج كل ارض للاطلاق وعدم تقييده بأرض دون ارض فان ملك المسلم ارض خراج وزرع فيه فاما ان يسقط عنه الخراج فيجب عليه العشر فقط او يجتمع هناك عشر في الزرع وإخراج في الأرض وذلك عند الجمهور فان الخراج وظيفة الأرض والعشر زكوة الزرع لا زكوة الأرض ومن ثم يشترط النصاب في الخارج وقال ابو حنيفة لا يسقط الخراج عن ارض خراجية قط ولا يجتمع في ارض عشر وخراج فان العشر عنده زكوة الأرض دون الزرع ومن ثم لا يشترط النصاب عنده في الخارج- ومسئلة سقوط الخراج وعدمه لا مقام لها هاهنا ولم يثبت منع الجمع بين العشر والخراج بدليل شرعى وما رواه ابن الجوزي وذكره ابن عدى في الكامل عن يحيى بن عنبسة حدثنا ابو حنيفة عن حماد عن ابراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ لا يجتمع على مسلم عشر وخراج باطل قال ابو حاتم ليس هذا من كلام رسول الله ﷺ ويحيى بن عنبسة دجال يضع الحديث كذب على ابى حنيفة ومن بعده الى رسول الله صلى الله عليه وسلم- وقال ابن عدى لا يروى هذا الحديث غير يحيى بن عنبسة بهذا الاسناد وانما يروى هذا من قول ابراهيم وقول ابراهيم ليس بحجة وكذا قول الشعبي وعكرمة لا يجتمع عشر وخراج في ارض او في مال روى الأثرين ابى شيبة واحتج صاحب الهداية بالإجماع فقال أحد من ائمة الجور والعدل لم يجمع بينهما وكفى بإجماعهم حجة- ودعوى الإجماع ممنوع فانه نقل ابن المنذر الجمع في الاخذ عن عمر بن عبد العزيز وهو كان مقتفيا لاثار عمر بن الخطاب ولو كانت المسألة مجمعا عليها لم يختف على ابن عبد العزيز- (مسئلة) قوله تعالى وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ شامل لما يخرج من المعدن من الذهب والفضة عند مالك وعند الشافعي في المشهور عنه فيؤخذ عندهما منه ربع العشر إذا بلغ نصابا ويصرف مصرف الزكوة عند الشافعي ومصرف الفيء عند مالك وهى رواية عن احمد- وعند ابى حنيفة واحمد هذه الاية غير شامل لما يخرج من المعدن بل الواجب فيه الخمس لقوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الاية لانه من اجزاء الأرض كان في أيدي الكفار وصل إلينا فصار كسائر أموالهم وهو رواية عن الشّافعى- ووجه قولنا ان قوله تعالى مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ غير شامل لما يخرج من المعدن ان الإخراج معناه الحقيقي نقل شيء موجود فى باطن شيء منه الى الظاهر وهذا المعنى غير موجود في الزرع والثمار فارادة الحبوب والثمار من قوله مما أخرجنا لكم من الأرض ليس الا مجازا فالمعنى المجازى هاهنا مراد اجماعا فلا يجوز ارادة المعنى الحقيقي لامتناع الجمع بين الحقيقة والمجاز كما حقق في الأصول وعند الشافعي يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز ونظير هذه الاية قوله تعالى أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ أريد به الجماع اجماعا مجازا فلا يجوز ان يراد به مس المرأة ناقضا للوضوء عند ابى حنيفة خلافا للشافعى فالخلافية مبنية على الخلافية فى الأصول ثم عند احمد يجب الخمس في كل معدن سواء كان جامدا لا يذوب كالجص والنورة او كان غير جامد كالقير والنفط او كان جامدا يذوب وينطبع كالذهب والفضة والحديد ونحوها لان كل ذلك صالح لكونه غنيمة وقال ابو حنيفة لا يجب الا في القسم الثالث لان اسم الركاز يطلق على القسم الثالث وما لا يذوب وهو جنس الأرض يجوز به التيمم فليس بركاز وقد قال عليه السلام فى الركاز الخمس- وقال مالك والشافعي الواجب انما هو الزكوة وهى في النقدين فقط لا في غيرهما من الأموال فيختص الواجب بمعدن الذهب والفضة ولا يجب في معدن الحديد ونحو ذلك قلت اشتراط الثمنية في الزكوة انما هو للتنمية والخارج من الأرض نمو كله ولذلك لا يشترط فيه الحول اجماعا ومن ثم يجب الزكوة في الحبوب والثمار مع انها ليست من النقود فما وجه تخصيص الزكوة بالنقود في المعادن والله اعلم والحجة للشافعى على انه يجب في المعدن الزكوة ما رواه مالك في المؤطا عن ربيعة بن عبد الرحمن- عن غير واحد ان رسول الله ﷺ قطع لبلال بن حارث المزني المعاون القبلية وهى من ناحية الفرغ فتلك المعادن لا يؤخذ منه الى اليوم الا الزكوة- قال ابن عبد البر هذا منقطع في المؤطا وقال ابن الجوزي ربيعة قد لقى الصحابة والجهل بالصحابي لا يضر ولا يقال هذا مرسل- قال ابو عبيد في كتاب الأموال حديث منقطع ومع انقطاعه ليس فيه ان النبي ﷺ امر بذلك وانما قال تؤخذ منه الى اليوم فيجوز ان يكون من اهل الحكومات اجتهادا منهم- وقال الشافعي بعد ان روى حديث مالك ليس هذا مما يثبته اهل الحديث ولم يكتبوه ولم يكن فيه رواية عن النبي ﷺ الا اقطاعه واما الزكوة في المعادن فليست مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم- واخرج الحاكم في المستدرك عن الدراوردي عن ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني عن أبيه عن النبي ﷺ وذكر ابن الجوزي رواية الدراوردي ان رسول الله ﷺ أخذ منه زكوة المعادن القبلية واحتج ابو حنيفة بقوله ﷺ وفي الركاز الخمس أخرجه اصحاب الكتب الستة من حديث ابى هريرة وجه الاستدلال ان الركاز يعم المعدن والكنز قال في القاموس الركاز ما ركزه الله تعالى فى المعادن اى أحدثه ودفين الجاهلية وقطع الذهب والفضة من المعدن- وفي النهاية الركاز عند اهل الحجاز كنوز الجاهلية وعند اهل العراق المعادن والقولان يحتملهما اللغة- قلت وحينئذ فاذا اطلق لفظ الركاز وحلى بلام الاستغراق وجب الحكم على جميع افرادها ووجب القول بوجوب الخمس فى المعادن وليس هذا من قبيل الاشتراك كما زعمه البخاري بل هو من قبيل المواطاة لاشتراك معنى الارتكاز فيهما- ويؤيد مذهب ابى حنيفة ما رواه البيهقي من حديث ابى هريرة مرفوعا قال في الركان الخمس قيل يا رسول الله ما الركاز قال الذهب والفضة التي خلقت في الأرض يوم خلق الله السموات والأرض لكن الحديث ضعيف- والجواب عن حجة الشافعي ان يقال المراد بالزكاة فيما قال الراوي أخذ رسول الله ﷺ الزكوة من المعدن القبلية هو الخمس مجازا الا ترى ان الكنز مع ان الواجب فيه الخمس اجماعا يصرف عند الشافعي مصرف الزكوة ويطلق عليه لفظ الزكوة- قال في المنهاج فقه الشافعي انما يملك الكنز الواجد ويلزمه الزكوة والله اعلم وعلى تقدير التعارض حديث في الركان الخمس أصح وأقوى والله اعلم- وَلا تَيَمَّمُوا اى لا تقصدوا- كان في الأصل تا ان أسقطت إحداهما فقرا ابن كثير برواية البترى بتشديد التاء في الوصل في احدى وثلاثين موضعا في القران برد الساقطة أحدها هذه وفي ال عمران وَلا تَفَرَّقُوا وفي النساء إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ وفي المائدة وَلا تَعاوَنُوا وفي الانعام فَتَفَرَّقَ بِكُمْ وفي الأعراف فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ وكذا في طه وكذا في الشعراء وفي الأنفال وَلا تَوَلَّوْا ولا تَنازَعُوا وفي التوبة قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ- وفي هود وَإِنْ تَوَلَّوْا... فَإِنْ تَوَلَّوْا ولا تَكَلَّمُ نَفْسٌ وفي الحجر ما نُنَزِّلُ وفي النور إِذْ تَلَقَّوْنَهُ... فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما وفي الشعراء عَلى مَنْ تَنَزَّلُ- الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ وفي الأحزاب وَلا تَبَرَّجْنَ- ولا أَنْ تَبَدَّلَ وفي الصّافات لا تَناصَرُونَ وفي الحجرات وَلا تَنابَزُوا- ولا تَجَسَّسُوا- ولِتَعارَفُوا- وفي الممتحنة أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وفي الملك تَكادُ تَمَيَّزُ وفي ن والقلم لَما تَخَيَّرُونَ وفي عبس عَنْهُ تَلَهَّى وفي والليل ناراً تَلَظَّى وفي القدر تَنَزَّلُ- وزاد بعضهم عن البزي موضعين أحد هما في آل عمران وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ وفي الواقعة فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ فان ابتدا بهذه التاءات خففن لا غير- وان كان قبلهن حرف مد كما في هذه الاية زيد في تمكينه والباقون بتخفيف في التاءات كلهن في الحالين الْخَبِيثَ مِنْهُ يعنى الردى تُنْفِقُونَ حال مقدرة من فاعل تيمّموا ويجوز ان يتعلق به منه ويكون الضمير للخبيث والجملة حالا منه- روى الحاكم والترمذي وابن ماجة وغيرهم عن البراء قال نزلت هذه الاية فينا معشر الأنصار كنا اصحب نخل فكان الرجل يأتى في نخله على قدر كثرته وقلته وكان من لا يرغب في الخير يأتى بالقنو فيه الشيص «١» والحشف «٢» والقنو قد انكسر فتعلفه فنزلت- وروى ابو داود والنسائي والحاكم عن سهيل بن حنيف قال كان الناس يتممون ش؟؟ مارهم يخوجونها في الصدقة فنزلت- وروى الحاكم عن جابر قال امر النبي ﷺ بزكوة الفطر بصاع من نمر فجاء بتمر روى فانزل الله تعالى هذه الاية- وروى ابن ابى حاتم عن ابن عباس قال كان اصحاب رسول الله ﷺ يشترون الطعام الرخيص ويتصدقون فانزل الله تعالى هذه الاية وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ اى وحالكم انكم لا تأخذون الخبيث الردى في حقوقكم لرداءته إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ الإغماض غضّ البصر المراد هاهنا المسامحة مجازا- يعنى لو كان لاحدكم على رجل حق فجاءه بهذا لم يأخذه الا وهو يرى انه قد ترك حقه- قال الحسن وقتادة لو وجدتموه يباع فى السوق ما أخذتموه بسعر الجيد- وروى عن البراء انه قال لو كان اهدى ذلك لكم ما أخذتموه (١) التمر الذي لا يشتد نواه وتقوى وقد لا يكون له نوى أصلا نهايه منه رح (٢) اليابس الفاسد من التمر وقيل الضعيف الذي لا قوى له أصلا نهايه منه نور الله مرقده

البقرة 2:268

الا استحياء من صاحبه وغيظا فكيف ترضون لله ما لا ترضون لانفسكم- هذا إذا كان المال كله جيدا فليس له إعطاء الردى- وان كان كل ماله رديا فلا بأس بإعطاء الردى ولو كان بعضه جيدا وبعضه رديا فليعط من كل جنس بحصته وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عن صدقاتكم انما يعود منفعتها إليكم حَمِيدٌ (٢٦٧) محمود في أفعاله. الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ والوعد يستعمل في الخير والشر لكن إذا لم يكن هناك قرينة يقال في الخير وعدته وفي الشر أوعدته- والفقر سوء الحال وقلة ذات اليد أصله من كسر الفقار- يعنى الشيطان يخوفكم بالفقر إذا تصدقتم وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ اى المعصية وهى منع الزكوة او ما يعم ذلك قال الكلبي كل فحشاء في القران فهو الزنى الا هذا وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ فى الانفاق مَغْفِرَةً مِنْهُ لذنوبكم وَفَضْلًا خلفا أفضل مما أنفقتم في الدارين او في الاخرة وَاللَّهُ واسِعٌ الفضل لمن أنفق عَلِيمٌ (٢٦٨) عن ابى هريرة مرفوعا ما من يوم يصبح العباد فيه الا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الاخر اللهم أعط ممسكا تلفا- متفق عليه وعن اسماء قالت قال رسول الله ﷺ انفقى ولا تحصى فيحصى الله عليك ولا توعى فيوعى الله عليك ارضحى ما استطعت- متفق عليه- وعن ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ هم الأخسرون ورب الكعبة قلت ومن هم قال هم الأكثرون أموالا الا من قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم- متفق عليه- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار وجاهل سخى أحب الى الله من عابد بخيل- رواه الترمذي- وعنه قال قال رسول الله ﷺ السخا شجرة في الجنة فمن كان سخيا أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله الجنة والشح شجرة في النار فمن كان شحيحا أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله النار... رواه البيهقي وعن عليّ مرفوعا بادروا بالصدقة فان البلاء لا يتخطاها- رواه رزين. يُؤْتِي الْحِكْمَةَ اى العلم النافع على ما هو في نفس الأمر الموصل الى رضاء الله تعالى

البقرة 2:270

والعمل به وذلك لا يتصور الا بالوحى فهو للانبياء أصالة ولغيرهم وراثة- اخرج ابن مردوية من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا قال الحكمة القران قال ابن عباس يعنى تفسيره فانه قد قراه البر والفاجر مَنْ يَشاءُ مفعول أول اخّر للاهتمام بالمفعول الثاني ولذلك بنى الفعل للمفعول لانه هو المقصود في قوله تعالى وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فى قراءة الجمهور وقرا يعقوب بالكسر اى من يؤتيه الله الحكمة فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً التنكير للتعظيم اى خيرا كثيرا يجمع خير الدارين- عن معاوية قال قال رسول الله ﷺ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وانما انا قاسم والله يعطى- متفق عليه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلاثة صدقة جارية- او علم ينتفع به- او ولد صالح يدعوله- رواه مسلم وعن ابى مسعود الأنصاري قال قال رسول الله ﷺ من دل على خير فله اجر مثل اجر فاعله- رواه مسلم وعن ابى الدرداء قال سمعت رسول الله ﷺ يقول فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وان العلماء ورثة الأنبياء وان الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وانما ورثوا العلم فمن اخذه أخذ بحظ وافر رواه احمد والترمذي وابو داود وابن ماجة والدارمي- وعن ابى امامة الباهلي قال ذكر رسول الله ﷺ رجلان أحدهما عابد والاخر عالم فقال رسول الله ﷺ فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم- ثم قال رسول الله ﷺ ان الله وملائكته واهل السموات والأرض حتى النملة في حجرها وحتى الحوت في الماء ليصلّون على معلم النّاس الخير- رواه الترمذي وَما يَذَّكَّرُ اى يتعظ بما قص الله عليه من الآيات في الانفاق وغيره ويتفكر فيما أودع الله تعالى في قلبه من العلوم بالفعل او بالقوة إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) اى ذووا العقول السليمة عن معارضة الوهم وخطرات الشيطان- قلت وذلك بعد الفناء الأتم للنفس-. وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ قليلة او كثيرة في سر او علانية في حق او باطل أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ اى ما أوجبتم لله تعالى على أنفسكم من الطاعات بشرط او غير شرط فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ فيجازيكم عليه- الضمير عائد الى ما وَما لِلظَّالِمِينَ الذين

البقرة 2:271

لا ينفقون في سبيل الله ولا يوفون بالنذور أو ينفقون رياء او في معصية مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) ينصرونهم ويدفعون عذاب الله عنهم. إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ اى تظهروها «١» لا على قصد الرياء فَنِعِمَّا هِيَ اى فنعم شيئا ابداؤها- قرا ابن كثير وورش وحفص هنا وفي النساء بكسر النون والعين- وقالون وابو بكر وابو عمرو بكسر النون وإخفاء حركة العين ويجوز إسكانها والباقون بفتح النون وكسر العين وكلها لغات صحيحة وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ مع الإخفاء فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وأفضل من الصدقة العلانية عن ابى امامة قال قال رسول الله ﷺ صدقة السّر تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد في العمر- رواه الطبراني بسند حسن- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله امام عادل- وشاب نشأ في عبادة الله- ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود اليه- ورجلان تحابا في الله عز وجل اجتمعا على ذلك وتفرقا- ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه- ورجل دعته امراة ذات حسب وجمال فقال انى أخاف الله تعالى- ورجل تصدق بصدقة فاخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه- متفق عليه وعن ابن مسعود يرفعه قال ثلاثة يحبهم الله رجل قام من الليل يتلو كتاب الله- ورجل تصدق بصدقة بيمينه يخفيها (أراه قال) من شماله ورجل كان في سرية فانهزم أصحابه فاستقبل العدو- رواه الترمذي- وعن ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم «٢» الله فاما الذين يحبهم الله فرجل اتى قوما فسالهم بالله لم يسئلهم لقرابة بينه وبينهم فمنعوه فتخلف رجل بأعيانهم فاعطاه سرا لا يعلم عطيته الا الله والذي أعطاه وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤسهم فقام يتملقنى ويتلوا آياتي ورجل كان في سرية فلقى العدو فهزموا فاقبل بصدر حتى يقتل او يفتح له- والثلاثة الذي يبغضهم الشيخ الزاني والفقير المختال والغنى الظلوم- رواه الترمذي والنسائي وَيُكَفِّرُ قرا ابن كثير وابو عمرو وابو بكر بالنون على صيغة المتكلم المعلوم والرفع وقرا حفص وابن عامر بالياء على صيغة الغائب والرفع على انه جملة فعلية مبتدئة او اسمية معطوفة (١) عن الشعبي قال نزلت هذه الاية ان تبدوا الصّدقت فنعمّا هى الاية في ابى بكر الصديق وعمر جاء عمر بنصف ماله يحمله الى رسول الله ﷺ على رءوس الناس وجاء ابو بكر بماله اجمع يكاد ان يخفيه من نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- ما تركت لاهلك- قال عدة الله وعدة رسوله فقال عمر لابى بكر ما استبقنا الى باب خير قط الا سبقتنا اليه منه رحمه الله (٢) فى الأصل يبغضهم

البقرة 2:272

على ما بعد الفاء اى ونحن نكفر او الله يكفر او يكفر الله- وقرا نافع وحمزة والكسائي بالنون والجزم على انه معطوف على محل الفاء لان موضعها موضع الجزم بالجزاء عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ قيل من زائدة وقيل هو للتبعيض اى يكفر الصغائر من الذنوب قال رسول الله ﷺ صدقة السر تطفى الذنب- رواه الطبراني في الصغير من حديث ابى سعيد وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) ترغيب في الاسرار روى النسائي والطبراني والبزار والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال كانوا يكرهون ان يرضحوا لانسابهم من المشركين فسالوا فرخص لهم فنزلت ليس عليك هدهم- وكذا روى ابن ابى شيبة عن محمد بن حنفية مرسلا واخرج ابن ابى حاتم عنه ان النبي ﷺ كان يأمر ان لا يتصدق الا على اهل الإسلام فنزلت-. لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ فامر بالصدقة على كل انسان من كل دين- وكذا ذكر البغوي قول سعيد بن جبير وروى ابن ابى شيبة مرسلا عن سعيد بن جبير قال قال رسول الله ﷺ لا تصدقوا الأعلى اهل دينكم فانزل الله تعالى لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ الاية فقال عليه الصلاة والسلام تصدقوا على اهل الأديان كلها- يعنى لا يجب عليك ان تجعل الناس مهديين حيث تمنعهم من الصدقة ليدخلوا في الإسلام لحاجة منهم إليهم- وذكر البغوي قول الكلبي في سبب نزوله ان ناسا من المسلمين كانت لهم قرابة واصهار في اليهود وكانوا ينفقونهم قبل ان يسلموا فلما اسلموا كرهوا ان ينفقوهم وارادوهم على ان يسلموا وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي اى يجعل مهديا مَنْ يَشاءُ فان الهداية من الله تعالى وبمشيته وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ من نفقة معروفة او المراد بالخير المال فَلِأَنْفُسِكُمْ يعنى يعود نفعها الى أنفسكم فلا تمنوا به على الفقير ولا تنفقوا الخبيث وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ الواو للحال من فاعل تنفقوا يعنى ما تنفقوا من خير غير منفقين الا ابتغاء وجه الله فهو لا نفسكم- او هو عطف على ما قبله يعنى ليس نفقتكم ايها المؤمنون الا ابتغاء وجه الله فما لكم تمتون بها على الفقير او تنفقون الخبيث فهو اخبار عن حال للمؤمنين يقتضى ذلك الحال ترك المن ونحو ذلك او هو نفى لفظا ونهى معنى يعنى لا تنفقوا الا ابتغاء وجه الله- وهذا يقتضى تحريم الانفاق إذا لم يكن فيه ابتغاء وجه الله فانه

البقرة 2:273

اضافة المال وذلك حرام وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ يوفر لكم ثواب أضعافا مضاعفة ولما كان فيه معنى الأداء عدى بالى- او المعنى ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ خلفه استجابة لقول الملك اللهم أعط منفقا خلفا كما مر- ذكر بين الجمل الثلاث حرف العطف مع ان الظاهر ان هذه الشرطية تأكيد للشرطية السابقة فينبغى ان لا يعطف- لانه ليس المقصود به التأكيد فقط بل أريد به إيراد دليل بعد دليل على قبح المن والأذى فان الجملة الاولى تدل على ان المنة على الغير بما فيه منفعة لكم قبيح- والثانية على ان المنة على الفقير بالذي يبتغون به وجه الله طلب عوض من غير من هو له والثالثة بانه منة على الغير بما تأخذون العوض منه أضعافا مضاعفا ولا مفة فيما يؤخذ منه العوض مرة كالبيع وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) اى لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا- وهذا في صدقة التطوع يجوز ان يعطى الذمي منها- واما الصدقة المفروضة فلا يجوز وضعها الا في المسلمين- واختلفوا في صدقة الفطر والكفارات والنذور فقال ابو حنيفة يجوز دفعها الى الذمي لعموم قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وانما لم يجز دفع الزكوة اليه لحديث بعث معاذ الى اليمن وفيه قد فرض الله عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم- متفق عليه من حديث ابن عباس قال صاحب الهداية هو حديث مشهور جازبه الزيادة على اطلاق الكتاب وقال ابن همام الاية عام خص منه الحربي بالإجماع مستندين الى قوله تعالى إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ- الاية فجاز تخصيصه بعد بخبر الواحد. لِلْفُقَراءِ الظرف اما لغو متعلق بقوله ما تُنْفِقُوا يعنى ما تنفقوا من خير للفقراء فهو لانفسكم يؤف إليكم او هو متعلق بفعل محذوف دل عليه ما سبق يعنى اعمدوا للفقراء او اجعلوا ما تنفقونه للفقراء- او هو ظرف مستقر خبر مبتدأ مقدر قبله يعنى صدقاتكم للفقراء او مقدر بعده يعنى للفقراء الذين أحصروا حق عليكم الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فى تحصيل العلوم الظاهرة والباطنة والجهاد لا يَسْتَطِيعُونَ لاشتغالهم بالعلم والجهاد ضَرْباً ذهابا فِي الْأَرْضِ للكسب والتجارة يَحْسَبُهُمُ قرا ابو جعفر وابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين في المضارع على وزن يسمع وقرا الآخرون بالكسر وهو شاذ في غير المثال الْجاهِلُ بحالهم أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ اى من أجل تعففهم من السؤال- والتعفف تفعل من العفة وهو ترك السؤال تكلفا لقناعتهم تَعْرِفُهُمْ يعنى تعرف ايها النبي حاجتهم وفقرهم بِسِيماهُمْ لا بقولهم والسيماء العلامة التي يعرف بها الشيء- يعنى بصفرة ألوانهم من الجوع والضرّ ورثاثة ثيابهم لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً إلحاحا وهو ان يلازم المسئول منه حتى يعطيه- والمعنى انهم لا يسئلون غالبا ولاجل هذا يحسبهم الجاهل بحالهم اغنياء وتعرف حاجتهم بسيماهم وان سالوا عن ضرورة أحيانا لم يلحفوا وقيل هو نفى لمطلق السؤال يعنى لا يسئلون أصلا «١» فيقع فيه الالحاف- منصوب على المصدر فانه كنوع من السؤال- او على الحال اى ملحفين- اخرج ابن المنذر عن ابن عباس هم اهل الصّفة كانوا نحوا من اربعمائة رجل من فقراء المهاجرين لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر يسكنون صفة المسجد يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والعبادة وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم- فحث الله تعالى عليهم الناس فكان من عنده فضل أتاهم به إذا امسى- عن عطاء بن يسهار عن رجل من بنى اسد قال قال رسول الله ﷺ من سال منكم وله وقية او عدلها فقد سال إلحافا- رواه مالك وابو داود والنسائي وعن الزبير بن العوام قال قال رسول الله ﷺ لان يأخذ أحدكم حبله فيأتى بحزمة حطب على ظهره فيكف الله بها وجهه خير له من ان يسئل الناس أعطوه او منعوه- رواه البخاري- وعن ابن عمر ان رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة اليد العليا خير من اليد السفلى- متفق عليه وعن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ من سال الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسئلته في وجهه خموش «٢» او خدوش او كدوح- قيل يا رسول الله وما يغنيه قال خمسون درهما او قيمتها من الذهب- رواه ابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وعن سهل بن حنظلة قال قال رسول الله ﷺ من سال وعنده (١) اخرج احمد عن ابن ابى مليكة قال- ربما سقط الحطام من يد ابى بكر الصديق فضرب بذراع ناقته فينحها فيأخذه فقالوا له فلا امرتنا نتناولكه فقال ان حبيبى ﷺ امرني ان لا اسئل الناس شيئا- منه رحمه الله تعالى (٢) خموش الخدوش نهاية خدوش جمع خدش وخدش الجلد قشره بعود او نحوه نهاية الكدوح الخدش وكل اثر من خدش او عض فهو كدح- نهاية منه رحمه الله

البقرة 2:274

ما يغنيه فانما يستكثر من النار «١» - قال النفيلى وهو أحد رواته وما الغنى الذي لا ينبغى معه المسألة قال قدر ما يغديه ويغشيه وقال في موضع اخر ان يكون له شبع يوم او ليلة ويوم- رواه ابو داود قلت والجمع بين هذه الأحاديث الواردة في نصاب حرمة السؤال الحمل على اختلاف احوال الرجال فمن كان عنده شبع يوم وليلة وكان يرجو تيسر شبع الغد في الغد لا يحل له المسألة ومن كان لا يرجو ذلك يجوز له السؤال حتى يحصل عنده ما يكفى لمدة يتيسر له ما يحتاج اليه غالبا ومن كان له شبع ولا يكون عنده ما يستر به عورته او ما يسد به خلته يجوز له سوال ما يحتاج اليه وأربعون درهما نصاب لحرمة السؤال مطلقا والله اعلم وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) وعليه مجاز ترغيب في الانفاق خصوصا على مثل هؤلاء. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً يعنى في جميع الأوقات والأحوال كلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا في قضائها ولم يؤخروه ولم يعللوا بوقت ولا حال- اخرج ابن المنذر عن ابن المسيب انها نزلت في عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان في نفقتهم في جيش العسرة- واخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن ابى حاتم والطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس قال نزلت في على بن ابى طالب كانت معه اربعة دراهم فانفق باليل درهما وبالنهار درهما وسرا درهما وعلانية درهما- وذكر البغوي عن الضحاك عن ابن عباس قال لما نزلت لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا الاية بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير كثيرة الى اصحاب الصفة وبعث على بن ابى طالب في جوف الليل بوسق من تمر فانزل الله تعالى فيهما عنى بالنهار علانية صدقة عبد الرحمن وبالليل سرا صدقة على- وذكر البغوي انه قال ابو امامة وابو الدرداء ومكحول والأوزاعي انها نزلت في الذين يرتبطون الخيل للجهاد فانها تعتلف ليلا ونهارا سرا وعلانية وكذا اخرج الطبراني وابن ابى حاتم عن يزيد بن عبد الله بن غريب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ ويزيد وأبوه مجهولان- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله (١) اخرج احمد وابو يعلى عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ اما والله ان أحدكم ليخرج بمسئلته من عندى تبا بطنها نارا قال عمر يا رسول الله لم تعطها إياهم قال فما اصنع يأبون الا مسئلتى ويأبى الله لى البخل وفي الصحيحين عن ابن عمر ان عمر قال كان رسول الله ﷺ يعطنى العطاء فاقول أعطه من هو أفقر اليه منى فقال خذه إذ جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتقبله ان شئت كله وان شئت تصدق به وما لا فلا تتبعه نفسك قال سالم بن عبد الله فلا جل ذلك كان عبد الله لا يسئل أحدا شيئا ولا يرد شيئا أعطيه- منه

البقرة 2:275

صلى الله عليه وسلم من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده فان شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة- رواه البخاري فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ خبر لقوله تعالى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ وحينئذ الفاء للسببية وقيل قوله تعالى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ الى آخره مبتدأ خبره محذوف اى منهم الّذين ينفقون وحينئذ الفاء لعطف الجملة على الجملة وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤). الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة وزيدت الالف بعدها تشبيها بواو الجمع لا يَقُومُونَ من قبورهم كذا اخرج عبد الرزاق في تفسيره عن عبد الله بن سلام إِلَّا كَما يَقُومُ اى قياما كقيام الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ يعنى الجن والخبط الضرب الشديد والإفساد- فى القاموس خبط الشيطان فلانا مسّه بأذى كتخبطه او يتخبطه يفسده مِنَ الْمَسِّ اى الجنون او اللمس متعلق بيقوم او بيتخبط اى لا يقومون الا كما يقوم من الجنون الذي مسّه الشيطان بأذى وأفسد عقله او الا كقيام الذي يفسده الشيطان من اللمس يعنى عرضه الجنون وفساد العقل بمس الشيطان وخبطه والمرض والصرع والجنون قد يحصل بمس الشيطان فلا يحتاج ذلك الى ما قيل انه وارد على ما يزعمون ان الشيطان يخبط الإنسان فان حدوث المرض بمس الشيطان ثابت بالكتاب والسنة قال الله تعالى في قصة أيوب عليه السلام ربّ انّى مسّنى الشّيطن بنصب وعذاب وقال رسول الله ﷺ في المستحاضة ركضة من ركضات الشيطان وقيام أكلة الربوا هكذا لاجل ان الله تعالى يربى ما في بطونهم ما أكلوه من الربوا فيكون بطونهم كالبيوت فيها حيات فاثقلهم- عن ابى سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ في قصة الاسراء قال فانطلق بي جبرئيل الى رجال كثيرة كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم متصدين على ساهلة ال فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا قال فيقبلون مثل الإبل المنهومة يخبطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فاذا أحس بهم اصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون ثم يقوم أحدهم فتميل به بطنه فيصرع فلا يستطيعون ان يبرحوا حتى يغشاهم الى فرعون فيترددونهم مقبلين ومدبرين فذالك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والاخرة قال وال فرعون يقولون اللهم لا تقم الساعة ابدا قال ويوم القيامة يقول ادخلوا ال فرعون أشدّ العذاب- قلت يا جبرئيل من هؤلاء قال هؤلاء الّذين يأكلون الرّبوا لا يقومون الّا كما يقوم الّذى يتخبّطه الشّيطن من المسّ- رواه البغوي وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ أتيت ليلة اسرى بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم فقلت من هؤلاء يا جبرئيل قال هؤلاء أكلة الربوا- رواه احمد وابن ماجة- واخرج ابو يعلى عن ابن عباس في هذه الاية قال يعرفون يوم القيامة بذلك لا يستطيعون القيام الا كما يقوم المتخبط المخفق- واخرج ابن ابى حاتم بسند صحيح عنه قال أكل الربوا يبعث يوم القيامة مجنونا يخفق- والطبراني عن عوف بن مالك عنه ﷺ نحوه- بلفظ مجنونا يتخبط- ويحتمل ان يقال في تأويل الاية انهم لا يقومون من مجلس يأكلون فيه مال الربوا الا كما يقوم المجنون بمعنى ان أكل الربوا يسود به قلبه بمجرد الاكل فلا يميز بعد ذلك بين الحق والباطل والحلال والحرام كما لا يميز المجنون بين الخير والشر فان لقمة الحرام يصير جزء من بدنه فيتغير به حقيقته بخلاف غير ذلك من المعاصي فانها كالاعراض الزائدة على الحقيقة ومن ثم لعن رسول الله ﷺ أكل الربوا وجعله أشد من الزنى عن جابر وابن مسعود عند مسلم- وعن ابى جحيفة عند البخاري قال- لعن رسول الله ﷺ أكل الربوا ومؤكله- وزاد ابو داود والترمذي عن ابن مسعود ومسلم عن جابر- وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء- وعن عليّ نحوه رواه النسائي وفيه مانع الصدقة مكان شاهديه- وعن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال قال رسول الله ﷺ درهم ربوا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية- رواه احمد والدارقطني وعن انس نحوه رواه ابن ابى الدنيا- وعن ابن عباس نحوه وزاد من نبت لحمه بالسحت فالنار اولى به- رواه البيهقي وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ الربوا سبعون حوبا أيسرها ان ينكح الرجل امه- رواه ابن ماجة والبيهقي والحوب الإثم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا اى ذلك العقاب بسبب كفرهم واستحلالهم الحرام وهذا يدل على ان هذا العقاب مخصوص بالكفار دون من ارتكبه من المؤمنين معترفا بتقصيره- او يكون ذلك اشارة الى تأبيد هذا العذاب المستفاد من قوله تعالى لا يَقُومُونَ إِلَّا كذلك فانه نفى داخل على مصدر منكر في زمان منكر من الازمنة المستقبلة والنكرة في حيز النفي تفيد العموم- فمعناه ان تأبيد هذا العذاب مخصوص بالكفار واما من ارتكبه من المؤمنين فقد يلحقه ذلك العذاب الى ان يتداركه شفاعة من نبيه او رحمة من ربه وكلمة لا الله الا الله محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكان الأصل- انما الربوا مثل البيع لكن عكس للمبالغة في نفى تحريم الربوا كانهم جعلوا أصلا في الحل وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ قال فخر الإسلام البيع لغة مبادلة المال بالمال وكذا في الشرع لكن زيد فيه قيد التراضي- والصحيح ان التراضي مأخوذ في المعنى اللغوي ايضا فانه ما لا يكون بالتراضي يطلق عليه في اللغة اسم الغصب دون البيع- والمبادلة بالاختيار والتراضي لا بد فيه من التميز ومن ثم انعقد الإجماع على انه لا يصح بيع المجنون والصبى الذي لا يعقل- واختلفوا في بيع الصبى العاقل فقال مالك والشافعي لا يصح لقصور عقله- وقال ابو حنيفة واحمد يصح لكن يشترط انضمام رأى الولي لدفع ضرر عنه متوقع من قصور عقله وهذا الاشتراط ثابت بالشرع قال الله تعالى فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وقال الله تعالى وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ- وذلك المبادلة إنشاء امر يحصل بالإيجاب والقبول بلفظي ماض نحو بعت واشتريت فان الشرع وضع تلك الألفاظ لذلك الإنشاء- ويقوم المعاطاة مقام الإيجاب والقبول عند ابى حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى وهو رواية عن الشافعي واحمد- وقال الكرخي انما ينعقد بالتعاطى في الخسيس دون النفيس وبه قال احمد والراجح من مذهب الشافعي انه لا ينعقد بالتعاطى- قلنا التعاطي يدل على التراضي كالقول وهو المقصود قال الله تعالى إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ- ويشترط في المباشر من ولاية شرعية كائنة من ملك او وكالة او وصية او قرابة او غير ذلك (مسئلة) واختلفوا في بيع الفضولي فقال ابو حنيفة ومالك الاجازة اللاحقة كالوكالة السابقة فيصح بيعه ويتوقف على اجازة المالك- وكذلك شراء الفضولي عندهما يتوقف على اجازة المشترى له إذا أضاف الفضولي العقد الى المشترى له بان قال بع عبدك لزيد فقال بعت فقال الفضولي اشتريت لزيد- واما إذا لم يضف ينفذ على العاقد وبه قال الشافعي فى القديم والراجح من مذهب الشافعي انه لا يصح- وعن احمد كالروايتين- احتج الشافعي بقوله ﷺ لحكيم بن حزام لا تبع ما ليس عندك وما رواه ابن الجوزي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ لا يحل بيع ما ليس عندك ولا ربح ما لم يضمن- قلنا المراد به البيع الذي تجرى فيه المطالبة من الجانبين وهو النافذ فالمنهى عنه بيع شيء معدوم عنده وقت البيع ثم يشتريه فيسلمه المشترى- يفيد هذا المراد سياق قصة حديث حكيم حيث قال حكيم يا رسول الله ان الرجل يأتينى فيطلب منى سعة ليست عندى فابيعها منه ثم ادخل السوق فاشتريها فاسلمها قال عليه السلام- لا تبع ما ليس عندك- رواه احمد واصحاب السنن وابن حبان فى صحيحه من حديث يوسف بن ماهك عن حكيم ووقع التصريح عن يوسف انه حدثه حكيم وادخل فى بعض الطرق عبد الله بن عصمة بين يوسف وحكيم وزعم عبد الحق ان عبد الله ضعيف جدا ونقل عن ابن حزم انه مجهول- قال ابن حجر هذا جرح مردود وقد روى عنه الثلاثة واحتج به النسائي- وقال الترمذي حسن صحيح ولنا حديث عروة البارقي ان النبي ﷺ دفع دينار اليه ليشترى به شاة فاشترى شاتين وباع أحدهما بدينار وجاء بشاة ودينار فقال بارك الله لك في صفقة يمينك فكان لو اشترى ترابا ربح فيه- رواه ابو داود والترمذي وابن ماجة والدارقطني وفي اسناده سعيد بن زيد ضعفه القطان والدارقطني ووثقه ابن معين- واخرج عنه مسلم في صحيحه وفيه ابو لبيد لمازة بن زياد قيل انه مجهول لكن وثقه ابن سعد واثنى عليه احمد وقال المنذرى والنووي اسناده حسن صحيح ورواه الشافعي والكرخي بسند اخر عن ابن عيينة عن شبيب بن عرفدة سمعه من قومه عن عروة البارقي- وقال الشافعي ان صح قلت به قال البيهقي انما ضعفه الشافعي لان قومه غير معروف فهو مرسل كذا قال الخطابي- وروى الكرخي بسند اخر عن شبيب بن عرفدة أخبرنا الحسن عن عروة البارقي فذهب الإرسال واتصل وايضا المرسل عندنا حجة وقد اعتضد بمسند ذكرنا قبله عن ابى لبيد عن عروة- وروى الترمذي من طريق حبيب بن ابى ثابت عن حكيم ابن حزام ان النبي ﷺ دفع اليه دينارا ليشتري أضحية فاشترى شاة ثم باعها بدينارين ثم اشترى شاة بدينار فجاء بالشاة والدينار الى النبي ﷺ فاخبره بذلك فقال النبي ﷺ بارك الله في صفقتك فاما الشاة فضحى بها واما الدينار فتصدق- قال الترمذي لا يعرف هذا الحديث الا من هذا الوجه وحبيب لم يسمع عندى من حكيم وروى ابو داود من طريق شيخ من اهل المدينة عن حكيم قال البيهقي ضعيف من أجل هذا الشيخ والله اعلم وإذا ظهر لك ان البيع هو مبادلة مال بمال والمال ينقسم الى قسمين ما هو مقصود بذاته فيقصد به صورته وماليته وهو العين- وما هو غير مقصود بذاته بل هو وسيلة لتحصيل غيره خلقه وهو النقدين- فالبيع ينقسم الى اربعة اقسام بيع العين بالنقد وهو البيع المطلق حيث ينصرف الذهن عند الإطلاق اليه فالعين هو المبيع والنقد هو الثمن ويشترط فيه وجود المبيع وتعيينه عند العقد اجماعا لانه هو المقصود بذاته ويقصد صورته وماليته ويدل على اشتراط كونه موجودا «١» حديث حكيم بن حزام وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المذكورين وحديث ابن عمر ان النبي ﷺ تهى عن بيع الكالى بالكالئ- رواه الدارقطني- ولا يشترط فيه وجود الثمن ولا تعيينه بل يثبت في الذمة لانه غير مقصود بذاته ولا يقصد صورته- وكان القياس ان يشترط وجوده لان المعدوم ليس بمال لكن الشرع أبطل هذا الشرط دفعا للحرج واعتبر وجوده في الذمة لكن يشترط ان يكون الثمن معروفة الجنس والقدر والصفة والاجل ان كان مؤجلا كيلا يفضى الى المنازعة وهى يمنع الجواز- عن عائشة رضى الله عنها قالت اشترى رسول الله ﷺ من يهودى طعاما الى أجل ورهنه درعا له من حديد- متفق عليه وعنها قالت توفى رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودى بثلاثين صاعا من شعير- رواه البخاري وكذا روى احمد والترمذي عن ابن عباس وقال الترمذي هذا حديث صحيح وانعقد الإجماع على اشتراط تعيين المبيع دون الثمن وكون الثمن معروفا- والقسم الثاني بيع العين بالعين ويسمى مقائضة فكل واحد من البدلين هاهنا مبيع يشترط فيه ما يشترط في المبيع اجماعا ان كان البدلان «٢» من ذوات القيم وان كان أحدهما من ذوات الأمثال والاخر من ذوات القيم تعين هذا المبيع وذلك للثمن لان الثمن لا يشترط وجوده فيكون في الذمة ولا يتصور الوجود في الذمة الا ما يحيط الذهن بقدره ووصفه- وان كانا من ذوات الأمثال فعلى قول علماء الحنفية يجب وجود أحدهما وتعيينه فيكون ذلك مبيعا وما كان (١) فى الأصل موجود (٢) فى الأصل البدلين فى الذمة يكون ثمنا- وعلى ما ارى يجب وجودهما وتعيينهما معا لعدم ترجيح أحدهما على الاخر فى كونه مبيعا ولقوله عليه السلام إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد- وفي رواية عينا بعين- وعليه يحمل رواية يدا بيد- والقسم الثالث بيع النقد بالنقد ويسمى صرفا- ولما انتفى فيه المبيع ولا وجه لجعل أحدهما مبيعا والاخر ثمنا اعطى هاهنا ايضا كلا البدلين حكم المبيع ويجب وجودهما وتعيينهما في المجلس بل يجب قبضهما ايضا في المجلس لان النقدين لا يتعينان بالتعيين بل بالقبض- والقسم الرابع السلم وهو ضد البيع المطلق وهو ان يكون المبيع معدوما والثمن موجودا- وكان القياس ان لا يجوز هذا العقد لما ذكرنا لكن الشرع اباحه لدفع حاجة المساكين واعطى للثمن حكم المبيع واشترط في جانب المبيع شرائط وسنذكر هذه المسألة في تفسير اية المداينة ان شاء الله تعالى- وإذا تقرر ان البيع لا يكون الا مبادلة مال بمال ظهر ان بيع الميتة والدم والخمر والخنزير وكذا أكل ما ليس بمال او أبطل الشرع ماليته باطل لفقد ان معنى البيع- وكذا بيع ثوب ونحوه بتلك الأشياء خلافا لابى حنيفة فى بيع الثوب بالخمر والخنزير فانه قال فاسد حيث يملك المشترى عنده الثوب بالقبض ويجب عليه القيمة ولكل واحد منهما حق الفسخ دفعا للاثم وَحَرَّمَ الرِّبا الربوا في اللغة الزيادة قال الله تعالى ويربى الصّدقت والمعنى ان الله تعالى حرم الزيادة في القرض على القدر المدفوع والزيادة في البيع لاحد البدلين على الاخر- قال جمهور العلماء هذا مجمل طلب الزيادة بطريق التجارة غير محرم في الجملة قال الله تعالى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فالمحرم انما هو زيادة على صفة مخصوصة لا تدرك الا من قبل الشارع فهو مجمل وما قال رسول الله ﷺ بحرمة الربوا في الأشياء الستة التحقه بيانا عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله ﷺ الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فاذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد- رواه مسلم وفي رواية لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق الى اخر الستة الأسواء بسواء عينا بعين يدا بيد لكن تبيعوا الذهب بالورق والورق بالذهب والبر بالشعير والشعير بالبر والتمر بالملح والملح بالتمر يدا بيد كيف شئتم نقص أحدهما الملح او التمر او زاد أحدهما من زاد او ازداد فقد اربى- رواه الشافعي- وروى مسلم عن ابى سعيد الخدري كما روى عن عبادة وزاد في آخره فمن زاد او استزاد فقد اربى الاخذ والمعطى فيه سواء- وفي رواية عنه- لا تبيعوا الذهب بالذهب الا مثلا بمثل ولا تشفّوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق الا مثلا بمثل ولا تشفّوا بعضها على بعض ولا تبيعوا غائبا منها بناجز- متفق عليه- وفي رواية- لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق الا وزنا بوزن- وفي الباب عن عمر في الستة وعن على في المستدرك وعن ابى هريرة في مسلم- وعن انس في الدارقطني وعن ابى بكر في الصحيحين وعن بلال في البزار وعن ابن عمر في البيهقي فقال اصحاب الظواهر وابن عقيل من الحنابلة ان حرمة الربوا مقتصرة في هذه الأشياء الستة وهو المروي عن قتادة وطاءوس وعند الجمهور حكم الحرمة معلول وصف في هذه الأشياء يتعدى منها الى غيرها فذهب قوم الى ان العلة في الجميع امر واحد وهو المالية فاثبتوا الربوا في جميع الأموال- وذهب الأكثرون الى ان الربوا نثبت في النقدين بوصف وفي الاربعة بوصف اخر- اما النقدين فقال الشافعي ومالك العلة فيهما الثمنية فلا يتعدى الحكم عنهما الى غيرهما- وقال ابو حنيفة واحمد العلة فيهما الوزن فيتعدى منهما الى الحديد والرصاص والزعفران وكل موزون واما الاربعة فقال ابو حنيفة العلة فيها الكيل مع الجنس فيثبت الربوا في كل مكيل يباع بجنسه مطعوم وغير مطعوم- وبه قال احمد وفي رواية عنه الطعم مع الجنس وقال مالك- الاقتيات مع الجنس- وقال الشافعي في القديم الطعم مع الكيل او الوزن فكل مطعوم مكيل او موزون يثبت فيه لا فيما ليس بمكيل ولا موزون كالبيض وفي الجديد علة الربوا عنده الطعم مع الجنس فيثبت الربوا في جميع المطعومات من الثمار والفواكه والبقول والادوية- وجه قول مالك والشافعي في كون العلة هو الثمنية والطعم او الاقتيات ان اشتراط التقابض والتماثل في هذه الأموال يشعر بالعزة والخطر كاشتراط الشهادة فى النكاح لاظهار خطر البضع فوجب تعليلها بعلة يوجب العزو في الطعم بل في الاقتيات ذلك لتعلق بقاء النفوس به وفي الثمنية التي بها يتوصل الى جميع المقاصد اولى ان يعتبر العز والخطر ولا اثر للجنسية والكيل والوزن في ذلك فجعلناه شرطا والحكم قد يدور مع الشرط كالرجم مع الإحصان وايضا يدل على كون الطعم علة حديث معمر بن عبد الله مرفوعا الطعام بالطعام مثلا بمثل- رواه مسلم فان ترتب الحكم على المشتق يدل على علية ماخذ الاشتقاق- والجواب انه لا بد في التعليل من كون العلة مناسبا- والترتيب على المشتق ايضا انما يدل على علية المأخذ بشرط المناسبة- والمناسبة هاهنا مفقودة لان ما به بقاء النفوس يشتد به الحاجة وما يشتد به «١» الحاجة يجرى فيه من الله تعالى التوسعة كالماء والكلاء ولا يناسب به التضيق- وايضا كون الطعام اسما مشتقا ممنوع بل هو اسم لبعض الأعيان كالبر والشعير لا يعرف به المخاطبون غيره من المطعومات كالقمر مع انه غالب مأكولاتهم ووجه قول ابى حنيفة في كون العلة الكيل او الوزن ان الحكمة في تحريم الربوا صيانة اموال الناس عن التوى ولاجل ذلك الصيانة وضع الكيل والوزن وامر الله تعالى بالعدل فيهما وقال وزنوا بالقسطاس المستقيم وقال وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ وقد حرم رسول الله ﷺ الزيادة وأوجب المماثلة والزيادة والمماثلة لا يعرف الا بالكيل او الوزن فالمناسب ان يجعل ذلك علة وقد اعتبره رسول الله ﷺ حيث قال ما وزن مثلا بمثل إذا كان نوعا واحدا وماكيل فمثل ذلك وإذا اختلف النوعان فلا بأس به- رواه الدارقطني من حديث عبادة وانس وفي حديث ابى سعيد وابى هريرة ان رسول الله ﷺ بعث سواد بن عرية وامّره على خيبر فقدم عليه بتمر جنيب يعنى طيب فقال رسول الله ﷺ أكل تمر خيبر هكذا قال لا والله يا رسول الله انا نشترى الصاع بالصاعين والصاعين بثلاثة اصع من الجمع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- لا تفعل ولكن بع هذا بثمنه واشتر بثمنه من هذا وكذلك الميزان- يعنى ما يدخل في الميزان- رواه الدارقطني- قال العبد الضعيف عفا الله تعالى عنه والذي سخ لى ان اية الربوا ليست بمجلة فان المجمل ما لا يدرك معناه بالطلب والتأمل بل من جهة الشرع فقط وهاهنا ليس كذلك لكن فيه نوع إشكال يظهر بالتأمل وبيانه ان الربوا في اللغة الزيادة والزيادة عبارة عن فضل يعلو على المماثلة والمساوات وهى ضد الجنس والتنقيص فهذه الاية نظير قوله تعالى فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ فالله سبحانه كما أوجب ضمان العدوان بالمثل والمساوى كذلك أوجب في المبايعة والمقارضة (١) وفي الأصل وما به يشتد الحاجة- المماثلة والمساوات والواجب في ضمان العدوان في ذوات الأمثال اعنى المكيلات والموزونات المثل صورتا ومعنى برعاية اتحاد الجنس والقدر وفي ذوات القيم حيث لا يتصور المماثلة صورة ومعنى يكتفى بالمماثلة معنى ويقال الواجب هناك القيمة عملا بقدر الإمكان والقيمة عبارة عما يعتبره اهل البصارة مثلا له في المالية وذلك يختلف باختلاف الازمنة بكثرة الراغبين وقلتهم هذا في ضمان العدوان واما في المبادلات فالمعتبر في المماثلة المماثلة بالاجزاء كيلا او وزنا ان اتحد جنس البدلين وكانا من ذوات الأمثال كما في ضمان العدوان وان اختلف جنسهما سواء كانا من ذوات الأمثال او لم يكن أحدهما او كلاهما من ذوات الأمثال فحينئذ لا يتصور المماثلة صورة ومعنى لاختلافهما في الصورة فيكتفى حينئذ على المماثلة المعنوية في القيمة لما ذكرنا في ضمان العدوان- غير انه فى ضمان العدوان لم يسبق من المالك جعل شيء مثلا لماله فاعتبر هناك تحكيم اهل البصارة وفي المبادلات لما رضى مالكا البدلين بالمبادلة فقد حكم كل واحد منهما بالمماثلة بين البدلين فحكهما على أنفسهما اولى من حكم غيرهما عليهما- فصار مجموع كل من البدلين مثلا لمجموع البدل الاخر باصطلاحهما ولم يظهر الفضل ولذا قال رسول الله ﷺ إذ اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم- وإذا تقرر هذا ثبت ان المكيلات والموزونات إذا بيع شيء منها بجنسه يحرم التفاضل بالاجزاء قطعا لقوله تعالى وَحَرَّمَ الرِّبا ويحرم النساء ايضا لان للنقد مزية على النسية فبعد تحقق المساوات في الكيل او الوزن يبقى ذلك المزية زيادة ربوا ولا جائز ان يجعل بعض الاجزاء مقابلا للاجل كما إذا بيع عشرة دراهم حالا بأحد عشر نسية لان الدرهم ذات والاجل وصف لا يعقل بينهما المساوات عقلا ولم يثبت شرعا بل الشرع أبطله ونهى عنه- فبقى بيع عشرة بأحد عشر وهو ربوا وكما لا يجوز ان يجعل بعض الاجزاء مقابلا لاجل كذلك لا يجوز ان يجعل بعض الاجزاء مقابلا لوصف الجودة لان الجودة ايضا وصف لا يعقل المساوات بينه وبين الذات عقلا ولا شرعا بل ثبت عن الشرع نفيه والنهى عنه كما ذكرنا حديث ابى سعيد وابى هريرة في قصة سواد بن عرية والله اعلم- وهل يحرم التفاضل بوصف الجودة مع المساوات في الكيل او الوزن فالجمهور على انه لا يحرم ذلك بل الوصف ملغاة شرعا قال صاحب الهداية لقوله ﷺ جيدها ورديئها سواء فان صح هذا الحديث فهو حجة والا فنقول الأوصاف لا يمكن ضبطها واعتبارها قال ابن همام فينسد باب البيعات قلت باب البيعات لا ينسد إذ يمكن ان يبيع الردى بالثمن ثم يشترى به الجيد كما امر رسول الله ﷺ ولكن ينسد باب القرض وقد قال الله تعالى وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ يعنى لستم بآخذى الردى في مقابلة الجيد ان كان لاحدكم على اخر حق من قرض او غير ذلك الا ان تغمضوا فيه فالاستثناء يدل على ان مراعاة الوصف في القرض ليس بلازم لكن يدل على ان صاحب الحق لو لم يأخذ الردى مكان الجيد كان له ذلك والله اعلم (مسئلة) وإذا بيع الرطب بالتمر او الذبيب بالعنب فالظاهر انه لا يجوز ذلك أصلا لا متساويا فى الكيل ولا متفاضلا وبه قال الجمهور وكذا الحال في الحنطة الرطبة واليابسة والمقلية- وقال ابو حنيفة يجوز بيع الرطب بالتمر وفي الذبيب والعنب عنه روايتان- لنا حديث سعد بن ابى وقاص قال سمعت النبي ﷺ يسئل عن الرطب بالتمر فقال أينقص إذا يبس قالوا نعم قال فلا اذن وفي رواية- فنهى عن ذلك- رواه مالك والشافعي واحمد واصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبزار والبيهقي كلهم من حديث زيد ابى عياش قال في الهداية ضعفه اصحاب النقل قلت لم يثبت تضعيفه عن أحد- وقال ابن الجوزي قال ابو حنيفة زيد ابو عياش مجهول فان كان لا يعرفه ابو حنيفة فقد عرفه اهل النقل انتهى وقال ابن حجر وذكر روايته الترمذي وصححها وذكره مسلم في كتاب الكنى وقال سمع من سعد وروى عن عبد الله بن يزيد وذكره ابن خزيمة في رواية العدول عن العدول وقال الدارقطني هو ثقة قلت فصح الحديث وهذا الحديث يدل على ان الرطوبة ليست من اجزاء الاصلية الرطب والمعتبر المساوات في الاجزاء وذا لا يدرك فلا يجوز بيعه متفاضلا ولا متساويا- وقال الحنفية الرطب ان كان من جنس التمر جاز البيع لقوله ﷺ بيعوا مثلا بمثل- وان كان من غير جنسه جاز لقوله ﷺ فبيعوا كيف شئتم- قلنا انه من جنسه لكن لاجل رطوبته وتخلخل اجزائه لا يدرك المماثلة بالكيل فصار كالمجاز؟؟ فة- والعددى المتقارب كالجوز والبيض ايضا من المثليات فالظاهر ان لا يجوز بيع الجوز بالجوز وكذا البيض بالبيض إذا كانا من حيوان واحد لاحتمال التفاضل في الاجزاء الا بالوزن فان الوزن معتبر للتسوية شرعا ويحصل في هذا النوع به التسوية وان لم يعهد وان كان البيض من حيوانين فحكمهما حكم مختلف الجنسين (مسئلة) وإذا بيع البر مثلا بالشعير فجميع ما قوبل من كل من البدلين صار مثلا لجميع الاخر باصطلاحهما فجاز الفضل بينهما ولم يجز النسية لان نقدية أحد البدلين زائد على المثل المصطلح فكان ربوا ولا يجوز جعلها مقابلا لبعض الاجزاء لما ذكرنا في المثلين الحقيقيين- (مسئلة) وإذا بيع البر بالحديد مثلا فقياس قولنا هذا يقتضى ان لا يجوز هناك النسية ايضا ويجوز التفاضل وبه يحكم لعموم قوله ﷺ إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد (مسئلة) وإذا بيع الحيوان بالبر او نحوه او بالحديد او نحوه فحينئذ كان الحيوان مبيعا والمكيل او الموزون ثمنا ولا يشترط وجود الثمن بل يصح البيع بالثمن المؤجل اجماعا وكان القياس عدم جواز هذا البيع لكن ترك القياس بالنصوص والإجماع (مسئلة) وإذا بيع الحيوان بالحيوان من جنس واحد او من جنسين جاز التفاضل اجماعا وهل يجوز فيه النسية فقال ابو حنيفة لا يجوز مطلقا وقال الشافعي واحمد يجوز مطلقا وقال مالك ان كان من جنس واحد لا يجوز النسية مع التفاضل ويجوز من غير التفاضل وان كانا من جنسين يجوز مطلقا- احتج القائلون بالجواز مطلقا بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ان رسول الله ﷺ جهر جيشا فقال عبد الله بن عمرو ليس عندى ظهر قال فامره رسول الله ﷺ ان يبتاع ظهرا الى خروج المصدق فابتاع عبد الله بن عمرو البعير بالبعيرين الى أجل وسنذكر هذا الحديث في مسئلة السلم في اية المداينة ان شاء الله تعالى- وجه قول ابى حنيفة ان الحيوان لا يكون ثمنا في الذمة لكونه غير معلوم قدرا ووصفا ولا ينضبط بذكر الجنس والنوع والوصف ولذلك لا يجوز السلم فيه لعدم انضباطه ومن المنقول ما رواه احمد والترمذي والنسائي والدارمي وابن ماجة وابو داود عن سمرة ابن جندب ان النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسية وروى الدارقطني عن ابن عباس نحوه- وروى الترمذي واحمد عن الحجاج بن ارطاة عن ابى الزبير عن جابر قال قال رسول الله ﷺ الحيوان اثنين بواحد لا يصح نساء ولا بأس به يدا بيد قال الترمذي حديث حسن واخرج الطبراني عن ابن عمر نحوه وروى ابن الجوزي حديث سمرة وابن عباس وجابر ولم يذكر الطعن- وإذا تعارض هذه الأحاديث بحديث عبد الله بن عمرو في بيع البعير بالبعيرين الى أجل يترجح هذه الأحاديث بوجهين- أحدهما ان الاخذ بالمحرم اولى من المبيح احتياطا ولئلا يلزم تكرار النسخ- ثانيهما ان هذه الأحاديث موافق للقياس دون ذلك- (مسئلة) والشروط التي لا يقتضيها العقد في البيع وفيه منفعة لاحد العاقدين فهو من باب الربوا يفسد به البيع عند ابى حنيفة والشافعي وقال ابن ابى ليلى والنخعي والحسن البيع جائز والشرط فاسد- وقال ابن شبرمة واحمد البيع والشرط جائزان وقال مالك الشرط بمنفعة يسيرة للبائع من المبيع يصح والباقي لا يصح- لنا ان قوله تعالى وَحَرَّمَ الرِّبا يشتمله لانه زيادة فى أحد البدلين بعد التماثل بالاجزاء في متحد الجنس من المثليات وبالقيمة المصطلحة من العاقدين في غير ذلك ولا يمكن جعل الشرط مقابلا لبعض الاجزاء كالاجل والجودة- وكذا قول ابى حنيفة في كل شرط لا يقتضيه العقد وفيه نفع للمبيع وهو من اهل النفع كما إذا باع عبدا او امة على ان يعتقه او يكاتبه او يستولدها- روى ابن حزم في المحلى والطبراني في الأوسط والحاكم في علوم الحديث والخطابي من طريق محمد بن سليمان الذهلي عن عبد الوارث ابن سعيد قال قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن ابى ليلى وابن شبرمة فسالت أبا حنيفة عن رجل باع بيعا وشرط شرطا قال البيع باطل والشرط باطل- ثم أتيت ابن ابى ليلى فسالته فقال- البيع جائز والشرط باطل- ثم أتيته ابن شبرمة فسالته فقال- البيع جائز والشرط جائز- فقلت سبحان الله ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسئلة واحدة فاتيت أبا حنيفة فاخبرته فقال ما أدرى ما قالا حدثنى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ انه نهى عن بيع وشرط البيع باطل والشرط باطل- ثم أتيت ابن ابى ليلى فاخبرته فقال ما أدرى ما قالا حدثنى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أمرني النبي ﷺ ان اشترى بريرة فاعتقها البيع جائز والشرط باطل- ثم أتيت ابن شبرمة فاخبرته فقال ما أدرى ما قالا حدثنى مسعر عن محارب بن دثار عن جابر قال بعت من النبي ﷺ ناقة وشرط لى حملانها الى المدينة البيع جائز والشرط جائز انتهى فان قيل حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرسل عند كثير من اهل العلم- أجيب بان هذا إذا لم يصرح بمرجع الضمير من جده وقد ورد هاهنا التصريح فيما أخرجه ابو داود والترمذي والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ﷺ لا يحل سلف ولا بيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك- قال الترمذي حديث حسن صحيح- ويؤيده حديث حكيم بن حزام في مؤطا مالك بلاغا- وأخرجه الطبراني من حديث محمد بن سيرين عن حكيم قال نهانى رسول الله ﷺ عن اربع خصال فى البيع عن سلف وبيع وشرطين في بيع وبيع ما ليس عندك وربح ما لم يضمن- ومعنى السلف فى البيع البيع بشرط ان يقرضه دراهم وهو فرد من البيع الذي شرط فيه منفعة لاحد المتعاقدين هذا تحقيق ما احتج به ابو حنيفة من حديث عمرو بن شعيب- واما ما احتج به ابن ابى ليلى من حديث عائشة فقد رواه الشيخان في الصحيحين من حديثها انها قالت جاءت بريرة فقالت انى كاتبت على تسع أواق في كل عام وقية فاعينينى فقالت عائشة ان أحب أهلك ان أعدها لهم عدة واحدة واعتقك فعلت ويكون ولائك لى فذهبت الى أهلها فابوا الا ان الولاء لهم فقال رسول الله ﷺ خذيها فاعتقيها ثم قام رسول الله ﷺ في الناس فحمد الله واثنى عليه ثم قال اما بعد فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط فقضاء الله أحق وشرط الله أوثق انما الولاء لمن أعتق- وفي رواية ان عائشة أخبرت النبي ﷺ ان مواليها لا يبيعونها الا بشرط ان يكون لهم الولاء فقال لها اشترى واشترطى لهم الولاء انما الولاء لمن أعتق- متفق عليه ايضا بهذا اللفظ قال الرافعي قالوا ان هشاما تفرد بقوله اشترطى لهم الولاء ولم يتابعه سائر الروات- قال ابن حجر وقد قيل ان عبد الرحمن بن ايمن تابع هشاما على هذا فرواه عن الزهري عن عروة نحوه- واما حديث جابر فقد رواه الشيخان عنه قال غزوت ومع رسول الله ﷺ وانا على ناضح قد أعيى فلا يكاد يسير فتلا حق بي النبي ﷺ فقال ما لبعيرك قلت قد أعيى فتخلف رسول الله ﷺ فزجره فدعاله فما زال بين يدى الإبل قدامها تسير فقال لى كيف ترى بعيرك قلت بخير قد أصابته بركتك قال افتبيعنيه بوقية- فبعته على ان لى فقار ظهره الى المدينة فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة غدوت عليه بالبعير فاعطانى ثمنه وردده علىّ- وفي رواية قال بعنيه بوقية- قال فبعته واستثنيت حملانه الى أهلي- متفق عليه وفي رواية للبخارى قال للبلال اقضه دينه وزده وزاد قيراطا- واحتج ابن الجوزي على جواز البيع والشرط بحديث جابر هذا- وبما روى بسنده عن عائشة عن رسول الله ﷺ قال المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق- وعن انس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ المسلمون على شروطهم ما وافق الحق من ذلك- فلا بد هاهنا من البحث والتأمل حتى يندفع تعارض الأحاديث ويظهر المراد فنقول قوله عليه الصلاة والسلام ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط- لا يعارض قوله ﷺ المسلمون على شروطهم ما وافق الحق من ذلك فان كلا الحديثين يدلان على ان من الشروط ما هو باطل ومنها ما هو صحيح وعليه انعقد الإجماع حيث يجوز في البيع شرط الخيار اجماعا ويبطل شرط ان يكون الولاء للبائع اجماعا فظهر ان حديث سمرة نهى رسول الله ﷺ عن بيع وشرط ليس على عمومه بل المراد منه بعض انواع الشرط فحينئذ لا بد ان يبحث عن الشروط ايها يبطل في نفسها ولا يفسد به البيع ويكون ذلك محملا لقصة بريرة- وايها يبطل بحيث يفسد به البيع فيكون موردا للنهى في حديث سمرة- وايها لا يبطل فيكون محملا لحديث انس وعائشة فنقول اما الذي يبطل في نفسه ولا يفسد به البيع فمنها شرط لا يمكن للمشروط عليه إتيانه مثل شرط ان لا يقع العتق بإعتاق المشترى او ان يكون الولاء للبايع فمثل هذا الشرط باطل لغو وان كان مائة شرط ويعتبر كانه لم يكن فلا يفسد البيع وقصة بريرة من هذا الباب قال الشيخ ابن حجر ليس فيه التصريح بانهم اشترطوا العتق بل انما اشترطوا الولاء لهم- ومنها شرط ليس على مقتضى العقد حتى يصح وليس فيه منفعة لاحد حتى يكون في معنى الربوا كبيع ثوب على ان يلبسه المشترى في الأعياد او دابة على ان يكثر لها العلف فهو لغو لا يفسد البيع به- واما الذي لا يبطل من الشروط ويجب الإتيان بها ويكون محملا لحديث انس وعائشة فمنها ما كان على مقتضى العقد كشرط ان يحبس البائع المبيع الى ان يقبض الثمن فيجوز لانه مؤكد لموجب العقد- ومنها ما ثبت تصحيحه شرعا بما لا مرد له كشرط الاجل في الثمن في البيع المطلق- وفي المثمن في السلم فيجوز ايضا للنص وان كان على خلاف القياس والحق ابو حنيفة بهذا ما كان متعارفا في الصدر الاول كشراء نعل على ان يحذوها البائع او يشركها- ومنها ما يتضمن التوثق بالثمن كالبيع بشرط الكفيل او الرهن فيجوز ايضا لانه مقرر لمقتضى العقد وهو تسليم الثمن- فان كان الكفيل حاضرا وقت البيع وقبل الكفالة وكان المرهون معلوما وقبضه البائع بإذن المشترى تم البيع والكفالة والرهن- والا فان اتى المشترى بما شرط عليه فبها والا يؤمر بدفع الثمن فان لم يدفع الثمن خير البائع في الفسخ- واما الذي يبطل العقد فشرط ليس مما ذكرنا وفيه منفعة لاحد العاقدين او للاجنبى او للمبيع وهو من اهل الاستحقاق كبيع الحنطة بشرط ان يطحنها البائع او يتركها في داره شهرا او يوما- او ثوب على ان يخيطه البائع او جمل على ان يركبه البائع الى مراحل او على ان يبيعه المشترى من فلان- فهذه الشروط يفسد العقد لانه زيادة عارية عن العوض فهو ربوا- ومن هذا الكلام اندفع التعارض وثبت العمل باية الربوا وبالأحاديث كلها غير حديث جابر انه شرط الركوب الى المدينة- فقيل الشرط في حديث جابر وهو استثناء حملانه لم يقع في صلب العقد قال ابن همام كذا قال الشافعي- قلت ولفظ الصحيحين يأبى عن ذلك وقال مالك لا بأس بشرط يكون فيه منفعة يسيرة لاحد المتعاقدين عملا بهذا الحديث قلت العمل بهذا الحديث ليس اولى من العمل باية الربوا فالاولى ان يقال حديث جابر منسوخ لان اية الربوا من اخر آيات القران نزولا قال الشعبي عن ابن عباس اخر اية نزلت على رسول الله ﷺ اية الربوا وايضا تقرر في الأصول ان المحرم والمبيح إذا تعارضا قدم المحرم على المبيح احتياطا وكيلا يلزم تكرار النسخ وامر الربوا أشد واغلظ فيحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره قد ذكر الله تعالى الوعيد على الربوا بخمسة أوجه اولا بالتخبط حيث قال لا يقومون الّا كما يقوم الّذى يتخبّطه الشّيطن وثانيا بالخلود في النار حيث قال ومن عاد فاولئك اصحاب النّار هم فيها خلدون وثالثا بالحق حيث قال يمحق الله الرّبوا ورابعا بالكفر حيث قال وذروا ما بقي من الرّبوا ان كنتم مؤمنين وخامسا بالحرب حيث قال فان لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله- وعن عمر بن الخطاب ان اخر ما نزلت اية الربوا وان رسول الله ﷺ قبض ولم يفسره لنا فدعوا الربوا والريبة- فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعنى بلغه بتبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم

البقرة 2:276

حرمة الربوا ونهيه عنه فَانْتَهى اى اتبع النهى فَلَهُ ما سَلَفَ اى ما تقدم اخذه قبل التحريم لا يسترد منه وما مضى من أخذ الربوا غفر له- وما في موضع الرفع بالظرف ان جعل من موصولة وبالابتداء ان جعلت شرطية على رأى سيبويه إذا الظرف غير معتمد على ما قبله وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ فيما يستقبل من المعاصي ان شاء عذبه عليها وان شاء غفر له- وقيل معناه ان الله يجازيه ان كان قد انتهى بصدق النية- وقيل معناه وامره بعد النهى الى الله ان شاء عصمه حتى يثبت على الانتهاء وان شاء خذله حتى يعود فيه وَمَنْ عادَ الى أكل الربوا او الى القول بانما البيع مثل الربوا فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) على التأويل الثاني ظاهر فان استحلال الحرام كفر موجب للخلود في النار واما على التأويل الاول فالخلود مجاز عن المكث البعيد كما في قوله تعالى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها-. يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا اى يذهب بركته ويهلك المال الذي يدخل فيه- عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال ما أحد اكثر من الربوا الا كان عاقبة امره الى قلة رواه ابن ماجة وصححه الحاكم وفي رواية له الربوا وان كثر فان عاقبته الى قل وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ اى يضاعف ثوابها ويبارك فيما أخرجت منه- قد مر حديث ابى هريرة مرفوعا ان الله يقبل الصدقة فيربيها كما يربى أحدكم فلوه الحديث- متفق عليه وعنه ان رسول الله ﷺ قال ما نقصت صدقة من مال ومازاد الله بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله الا رفعه- رواه مسلم والترمذي وروى احمد من حديث عبد الرحمن بن عوف بلفظ- ما نقص مال من صدقة- وقد تقدم حديث الملكين النازلين كل يوم يقول أحدهما- اللهم أعط منفقا خلفا الحديث وَاللَّهُ لا يُحِبُّ اى يبغض فان مقتضى القيومية المحبة ولا ينتفى المحبة الا بعارض يوجب البغض وهو الكفر ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- الخلق عيال الله فاحب الخلق الى الله من احسن الى عياله- رواه البيهقي في الشعب عن عبد الله كُلَّ كَفَّارٍ مصر على تحليل المحرمات أَثِيمٍ (٢٧٦) منهمك في الآثام. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسله وبما جاءوا به منه وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ- أتوا بما أمرهم الله على لسان رسله وانتهوا عما نهى عنه ومنه الربوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ خصهما بعد التعميم لاظهار شرفهما

البقرة 2:278

فانهما رأس العبادات البدنية والمالية لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من ات وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) على ما فات عنهم بعد ما أدركوا أعظم نعم الله تعالى وهو الايمان مع الأعمال الصالحة- اخرج ابو يعلى في مسنده وابن مندة من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس قال بلغنا ان بنى عمرو بن عوف الثقفي كانوا يداينون بنى المغيرة بن عبد الله بن عمير بن مخزوم وكانوا يربون فلما اظهر الله تعالى رسوله ﷺ على مكة ووضع يومئذ الربوا كله فاتوا بنو عمر وبنو المغيرة الى عتاب بن أسيد وهو على مكة فقال بنو المغيرة ما جعلنا الله أشقى الناس بالربا ووضع عن الناس غيرنا فقال بنوا عمرو وصولحنا على ان لنا ربوانا فكتب عتاب في ذلك الى رسول الله ﷺ فنزلت الآيتين. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا اى اتركوا بقايا ما شرطتم على الناس من الربوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) بقلوبكم فامتثلوا بما أمركم الله به فان امتثال الا وامر والنواهي دليل صدق الايمان- واخرج ابن جرير عن عكرمة انها نزلت في ثقيف اربعة اخوة منهم مسعود وعبدياليل وحبيب وربيعة بنوا عمرو بن عمير كذا قال مقاتل وقال البغوي قال السدى نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربوا الى بنى عمرو بن عمير ناس في ثقيف فجاء الإسلام ولهما اموال عظيم في الربوا فانزل الله هذه الاية فقال النبي ﷺ في حجة الوداع في خطبته يوم عرفة- الا كل شيء من امر الجاهلية تحت قدمى موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وان أول دم أضعه من دمائنا دم ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بنى سعد فقتله هزيل وربوا الجاهلية موضوعة وأول ربوا أضعها ربوا عباس بن عبد المطلب فانها موضوعة كلها وروى مسلم في حديث جابر في قصة حجة الوداع في خطبة يوم عرفة هذه العبارة ولم يذكر ذكر نزول الاية فيه- وقال البغوي قال عطاء وعكرمة ان العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان رضى الله عنهما اسلفا في التمر فلما حضر الجذاذ قال لهما صاحب التمر ان أنتما أخذتما حقكما لا يبقى لى ما يكفى عيالى فهل لكما ان تأخذ النصف وتؤخر النصف وأضعف لكما ففعلا فلما حل الاجل طلبا الزيادة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله

البقرة 2:279

عليه وسلم فنهاهما وانزل الله تعالى هذه الاية فسمعا وأطاعا وأخذا رءوس أموالهما. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا اى لم تذروا ما بقي من الربوا فَأْذَنُوا قرا حمزة وابو بكر فاذنوا بالمد على وزن أمنوا وكسر الذال اى فاعلموا غيركم انكم حرب الله ورسوله- واصله من الاذن اى أوقعوا في الاذان وقرا الآخرون فاذنوا بهمزة ساكنة على وزن المجرد بفتح الذال اى اعلموا أنتم وأيقنوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ تنكير الحرب للتعظيم- قال سعيد بن جبير عن ابن عباس يقال لا كل الربوا يوم القيامة خذ سلاحك للحرب وعن ابن عباس قال- نهى رسول الله ﷺ ان يشترى التمرة حتى يطعم وقال إذا ظهر الربوا في قرية فقد أحلوا بانفسهم عذاب الله رواه الحاكم وقال صحيح الاسناد وعن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من قوم يظهر فيهم الربوا الا أخذوا بالسّنة وما من قوم يظهر فيهم الرشا الا أخذوا بالرّعب رواه احمد وَرَسُولِهِ قال اهل المعاني حرب الله النار وحرب الرسول السيف- ومن ثم قال البيضاوي ذلك يقتضى ان يقاتل المربى بعد الاستتابة حتى يفىء الى امر الله كالباغى- قلت والظاهر انه ان لم يكن له منعه يجب على الامام ان يحبسه حتى يتوب وان كان له منعه لا يقدر الامام على حبسه فهو الباغي يقاتل معه حتى يفىء الى امر الله وهذا هو الحكم فيمن ترك فريضة من الفرائض كالصلوة والزكوة ونحوهما او ارتكب كبيرة من الكبائر وأصر عليها بالإعلان روى رزين عن عمر بن الخطاب في مناقب ابى بكر- انه لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب وقالوا لا نؤدى زكوة فقال ابو بكر لو منعونى عقالا لجاهدتهم عليه فقلت يا خليفة رسول الله تالف الناس وارفق بهم فقال لى أجبّار في الجاهلية وخوار في الإسلام انه قد انقطع الوحى وتم الدين أينقص وأنا حي- وفي الصحيحين من حديث ابى هريرة قال ابو بكر- والله لا قاتلن من فرق بين الصلاة والزكوة فان الزكوة حق المال والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها الى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها قال فعرفت انه الحق وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ بأخذ الزيادة عليها وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) بالمطل والنقصان عن رأس المال- عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال مطلق الغنى ظلم وإذا اتبع على ملئى فليتبع- متفق عليه قال البيضاوي يفهم منه انهم ان لم يتوبوا

البقرة 2:280

فليس لهم ما لهم إذا المصر على التحليل مرتد وماله فيء وهو سديد على ما قلنا يعنى على قول الشافعي فان مال المرتد كله فيء عنده- واما عند ابى حنيفة رحمه الله فما اكتسبه في حال الإسلام ينتقل بعد قتله او لحوقه بدار الحرب الى ورثته المسلمين وما اكتسبه في حالة الردة كان فيا والمفهوم ليس بحجة عند ابى حنيفة على انه إذا كان لورثته لم يكن له والله اعلم قال البغوي لما نزلت هذه الاية قالت بنو عمر والمربون بل نتوب الى الله تعالى لا يدلنا بحرب الله ورسوله- فرضوا برأس المال- هذا تتمة حديث ذكره ابو يعلى قال البغوي فشكا بنوا مغيرة العسرة وقالوا أخرونا الى ان تدرك الغلات فابوا ان يؤخروا فانزل الله تعالى. وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ كان هاهنا تامة لا يقتضى الخبر يعنى ان وقع غريم ذو عسرة- وقال البغوي لم يأت لها بخبر وذلك جائز في النكرة يقول ان كان رجل صالح فاكرمه- قلت يعنى ان كان ذو عسرة غريما- قرا ابو جعفر عسرة بضم السين والباقون بالإسكان فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ اى فالحكم نظرة او فعليكم نظرة- او فليكن نظرة وهى الامهال قرا نافع بضم السين والباقون بفتحها عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من يسر على معسر «١» يسر الله عليه في الدنيا والاخرة- رواه مسلم في حديث وابن حبان هكذا مختصرا وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ اكثر ثوابا من الانظار- ويحتمل ان يراد بالتصدق هو الانظار لحديث عمران ابن حصين مرفوعا لا يحل دين امر مسلم فيؤخره الا كان له بكل يوم صدقة- رواه احمد يعنى الانظار خير لكم مما تأخذون- والظاهر ان المراد بالتصدق الإبراء وهو خير واكثر ثوابا من الانظار عن ابى هريرة قال اشهد على رسول الله ﷺ لسمعته يقول ان أول الناس يستنظل في ظل الله يوم القيامة لرجل انظر معسرا حتى يجد شيئا او تصدق عليه مما يطلبه يقول مالى عليك صدقة ابتغاء وجه الله ويحرق صحيفته- رواه الطبراني وروى البغوي في شرح السنة بلفظ من نفّس عن غريم او محى عنه كان في ظل العرش يوم القيامة- وعن عثمان بن عفان نحوه- وروى البغوي عن ابى اليسر نحوه وروى الطبراني في الكبير من حديث اسعد بن (١) عن ابى بكر الصديق رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من أحب ان يسمع الله دعوته ويفرج كربته في الدنيا والاخرة فلينظر معسرا وليدع له ومن سره ان يظله الله من قعر جهنم يوم القيامة ويجعله فى ظله فلا يكونن على المؤمنين غليظا وليكن بهم رحيما منه رحمه الله