الوسيط في تفسير القرآن المجيد — البقرة 2:277 – آل عمران 3:94
المحتويات
- البقرة 2:277
- البقرة 2:278
- البقرة 2:279
- البقرة 2:280
- البقرة 2:281
- البقرة 2:282
- البقرة 2:283
- البقرة 2:284
- البقرة 2:285
- البقرة 2:286
- آل عمران 3:1
- آل عمران 3:2
- آل عمران 3:3
- آل عمران 3:4
- آل عمران 3:5
- آل عمران 3:6
- آل عمران 3:7
- آل عمران 3:8
- آل عمران 3:9
- آل عمران 3:10
- آل عمران 3:11
- آل عمران 3:12
- آل عمران 3:13
- آل عمران 3:14
- آل عمران 3:15
- آل عمران 3:16
- آل عمران 3:17
- آل عمران 3:18
- آل عمران 3:19
- آل عمران 3:20
- آل عمران 3:21
- آل عمران 3:22
- آل عمران 3:23
- آل عمران 3:24
- آل عمران 3:25
- آل عمران 3:26
- آل عمران 3:27
- آل عمران 3:28
- آل عمران 3:29
- آل عمران 3:30
- آل عمران 3:31
- آل عمران 3:32
- آل عمران 3:33
- آل عمران 3:34
- آل عمران 3:35
- آل عمران 3:36
- آل عمران 3:37
- آل عمران 3:38
- آل عمران 3:39
- آل عمران 3:40
- آل عمران 3:41
- آل عمران 3:42
- آل عمران 3:43
- آل عمران 3:44
- آل عمران 3:45
- آل عمران 3:46
- آل عمران 3:47
- آل عمران 3:48
- آل عمران 3:49
- آل عمران 3:50
- آل عمران 3:51
- آل عمران 3:52
- آل عمران 3:53
- آل عمران 3:54
- آل عمران 3:55
- آل عمران 3:56
- آل عمران 3:57
- آل عمران 3:58
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:60
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:62
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:66
- آل عمران 3:67
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:74
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:76
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:80
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:82
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:84
- آل عمران 3:85
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:87
- آل عمران 3:88
- آل عمران 3:89
- آل عمران 3:90
- آل عمران 3:91
- آل عمران 3:92
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:94
البقرة 2:277
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {٢٧٥ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ٢٧٧ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ٢٧٩ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٨٠ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ٢٨١ } [البقرة: ٢٧٥-٢٨١] قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥] يريد: الذين يعاملون به، فنبه بالأكل على ما سواه، كما قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى [النساء: ١٠].
والربا في اللغة: الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو ربا، وأربى الرجل، إذا عامل في الربا.
ومنه الحديث: «من أجبى فقد أربى».
أي: عامل بالربا.
هذا معنى الربا في اللغة، وأما في الشرع: فهو اسم للزيادة على أصل المال من غير بيع.
وقوله: لا يقومون يعني: يوم القيامة من قبورهم، إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ [البقرة: ٢٧٥] التخبط معناه: الضرب على غير استواء، ويقال للذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه: يخبط خبط عشواء.
ومنه قول زهير:رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
وتخبطه الشيطان: إذا مسه بخبل أو جنون، يقال: به خبطة من جنون.
وقوله: من المس المس: الجنون، يقال: مس الرجل فهو ممسوس وبه مس وألس.
وأصله من المس باليد، كأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه، ثم سمي الجنون مسا، كما أن الشيطان يتخبطه برجله فيخبله، فسمي الجنون خبطة.
قال قتادة: إن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا، وذلك علم لأكله الربا يعرفهم به أهل الوقف.
وقوله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥] أي: ذلك الذي نزل بهم بقولهم هذا واستحلالهم إياه، وذلك أن المشركين قالوا: الزيادة على رأس المال بعد محل الدين كالزيادة بالربع في أول البيع.
وكان أحدهم إذا حل له مال على إنسان قال لغريمه: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل.
فكذبهم الله عز وجل فقال: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: ٢٧٥] أي: وعظ، قال السدي: يعني القرآن.
فانتهى عن أكل الربا، فَلَهُ مَا سَلَفَ [البقرة: ٢٧٥] أي: ما أكل من الربا، ليس عليه رده.
ومعنى سلف: تقدم ومضى، والسلوف: التقدم.
وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٧٥] أي: بعد النهي، إن شاء عصمه حتى يثبت على الانتهاء، وإن شاء خذله حتى يعود، ومن عاد إلى استحلال الربا، فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢٧٥] قال أبو إسحاق الزجاج: هؤلاء الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا.
ومن اعتقد هذا فهو كافر.
١٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا مَحْفُوظُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: " لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّبَا خَمْسًا: آكِلَهُ، وَمُوكِلَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَكَاتِبَهُ "
قوله: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٦] المحق: نقصان الشيء حالا بعد حال، ومنه المحاق في الهلاك، يقال: محقه الله فانمحق وامتحق.
قال المفسرون: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٦] أي: ينقصه ويذهب بركته، وإن كان كثيرا كما يمحق القمر، وقال ابن
عباس في رواية الضحاك: يعني: لا يقبل الله منه صدقة ولا جهدا ولا حجا، ولا صلاة.
ويربي الصدقات أي: يزيد فيها ويبارك عليها، قال عطاء، عن ابن عباس: ويربي الصدقات لصاحبها كما يربي أحدكم فصيله.
١٣٠ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ النَّاجِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ الصَّدَقَاتِ وَلا يَقْبَلُ مِنْهَا إِلا الطَّيِّبَ، وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ، أَوْ فَلُوَّهُ، حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ»
وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ [التوبة: ١٠٤] و يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة: ٢٧٦].
وقوله: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ [البقرة: ٢٧٦] أي: بتحريم الربا لا يصدق الله ورسوله في ذلك، أثيم أي: فاجر بأكله، ومعنى لا يحبه الله: لا يثني عليه، ولا يثيبه، ولا يرضى فعله.
قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة: ٢٧٧] تفسير هذه الآية قد تقدم فيما مضى.
قوله: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٨] :
١٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ صَالَحُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ لَهُمْ رِبَاهُمْ عَلَى النَّاسِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ رِبًا فَهُوَ مَوْضُوعٌ.
وَكَانَ بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ يَأْخُذُونَ الرِّبَا عَلَى بَنِي الْمُغِيرَةِ فَجَاءَ الإِسْلامُ، وَلَهُمْ عَلَيْهِمْ مَالٌ كَثِيرٌ، فَجَاءُوا يَطْلُبُونَ الرِّبَا مِنْ بَنِي الْمُغِيرَةِ فَرَفَعَ ذَلِكَ بَنُو الْمُغِيرَةِ، إِلَى عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَتَّابًا عَلَى مَكَّةَ، فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٨] إِلَى قَوْلِهِ: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٩]، فَكَتَبَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَتَّابٍ فَفَعَلُوا
ومعنى الآية: تحريم ما بقي دينا من الربا، وإيجاب أخذ المال دون الزيادة على جهة الربا.
وقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٧٨] معناه: أن من كان مؤمنا فهذا حكمه، كما تقول: إن كنت أخي فأكثر مني.
معناه: أن من كان أخا أكرم أخاه.
قال الزجاج: أعلم الله أن من كان مؤمنا قبل عن الله تعالى أمره، ومن أبى فهو حرب، أي: كافر.
وقال: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [البقرة: ٢٧٩] أي: فإن لم تذروا ما بقي من الربا، فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٩] يقال: أذن بالشيء، إذا علم به.
يأذن أذنا وأذانة، قال أبو عبيدة: يقال: آذنته بالشيء فأذن به.
أي: علم.
والمعنى: فإن لم تضعوا الربا الذي قد أمر الله بوضعه عن الناس فاعلموا بحرب من الله ورسوله، وهي القتل في الدنيا والنار في الآخرة، أي: فأيقنوا أنكم تستحقون القتل والعقوبة بمخالفة أمر الله ورسوله.
وقرأ حمزة وعاصم، في بعض الروايات فآذنوا ممدودا، أي: فاعلموا، من قوله: فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ [الأنبياء: ١٠٩]، والمعنى: فأعْلِمُوا مَن لم ينتهِ عن ذلك بحربٍ، وإذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم لا محالة.
قال سعيد بن جبير: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب.
وقوله وإن تبتم أي: عن الربا، فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ [البقرة: ٢٧٩] وإنما شرط التوبة لأنهم إن لم يتوبوا كفروا برد حكم الله، وصار مالهم فيئا للمسلمين، فلا يكون لهم رءوس أموالهم.
وقوله: لا تظلمون أي: بطلب الزيادة، ولا تظلمون بالنقصان عن رأس المال.
قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية قال الإخوة المربون، يعني ثقيفا: بل نتوب إلى الله عز وجل، فإنه لا يدان لنا بحرب الله ورسوله.
فرضوا برأس المال، وسلموا لأمر الله عز وجل، فشكا بنو المغيرة العسرة وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات.
فأبوا أن يؤخروا، فأنزل الله تعالى قوله: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ [البقرة: ٢٨٠] وكان ههنا بمعنى: وقع وحدث، أي: إن وقع غريم ذو عسرة، والعسرة: اسم من الإعسار، وهو تعذر الموجود من المال.
وقوله: فنظرة النظرة: اسم من الإنظار، وهو الإمهال، يقال: بعته بنظرة وبإنظار.
والمعنى: فالذي تعاملونه به نظرة، أي: تأخير، إلى ميسرة وهي مفعلة من اليسر الذي هو ضد العسر، وهو تيسر الموجود من المال، يقال: ميسرة وميسرة وميسور.
ومهما علم الإنسان أن غريمه معسر حرم عليه حبسه وملازمته ومطالبته بما له عليه، ووجب عليه الإنظار إلى وقت يساره.
١٣٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَ أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الزَّجَّاجُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنَا الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْيُسْرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ»
١٣٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا أُعْسِرَ الْمُعْسِرُ، قَالَ لِفَتَاهُ: تَجَاوَزْ عَنْهُ فَلَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ، وَعَنِ ابْنِ وَهْبٍ
وقوله: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٨٠] أعلم الله تعالى أن الصدقة برأس المال على المعسر خير وأفضل من انتظار يسره.
قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١] انتصب يوما على المفعول به، لا على الظرف، لأنه ليس المعنى: اتقوا في هذا اليوم، ولكن المعنى: تأهبوا للقاء هذا اليوم بما تقدمون من العمل الصالح، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ [البقرة: ٢٨١] أي: جزاء ما كسبت من الأعمال، قال ابن عباس: يريد ثواب عملها خيرا بخير وشرا بشر.
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٨١] يريد: وهم لا ينقصون لا أهل الثواب ولا أهل العقاب، قال: وهذه الآية لجميع الخلق البر والفاجر.
١٣٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَيَّانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١] قال ابن جريح: وعاش رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد نزول هذه الآية تسع ليال.
وقال سعيد بن جبير ومقاتل: سبع ليال.
قال ابن عباس: قال جبريل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ضعها على رأس ثمانين ومائتين من [البقرة.
البقرة 2:278
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {٢٧٥ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ٢٧٧ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ٢٧٩ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٨٠ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ٢٨١ } [البقرة: ٢٧٥-٢٨١] قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥] يريد: الذين يعاملون به، فنبه بالأكل على ما سواه، كما قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى [النساء: ١٠].
والربا في اللغة: الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو ربا، وأربى الرجل، إذا عامل في الربا.
ومنه الحديث: «من أجبى فقد أربى».
أي: عامل بالربا.
هذا معنى الربا في اللغة، وأما في الشرع: فهو اسم للزيادة على أصل المال من غير بيع.
وقوله: لا يقومون يعني: يوم القيامة من قبورهم، إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ [البقرة: ٢٧٥] التخبط معناه: الضرب على غير استواء، ويقال للذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه: يخبط خبط عشواء.
ومنه قول زهير:رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
وتخبطه الشيطان: إذا مسه بخبل أو جنون، يقال: به خبطة من جنون.
وقوله: من المس المس: الجنون، يقال: مس الرجل فهو ممسوس وبه مس وألس.
وأصله من المس باليد، كأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه، ثم سمي الجنون مسا، كما أن الشيطان يتخبطه برجله فيخبله، فسمي الجنون خبطة.
قال قتادة: إن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا، وذلك علم لأكله الربا يعرفهم به أهل الوقف.
وقوله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥] أي: ذلك الذي نزل بهم بقولهم هذا واستحلالهم إياه، وذلك أن المشركين قالوا: الزيادة على رأس المال بعد محل الدين كالزيادة بالربع في أول البيع.
وكان أحدهم إذا حل له مال على إنسان قال لغريمه: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل.
فكذبهم الله عز وجل فقال: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: ٢٧٥] أي: وعظ، قال السدي: يعني القرآن.
فانتهى عن أكل الربا، فَلَهُ مَا سَلَفَ [البقرة: ٢٧٥] أي: ما أكل من الربا، ليس عليه رده.
ومعنى سلف: تقدم ومضى، والسلوف: التقدم.
وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٧٥] أي: بعد النهي، إن شاء عصمه حتى يثبت على الانتهاء، وإن شاء خذله حتى يعود، ومن عاد إلى استحلال الربا، فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢٧٥] قال أبو إسحاق الزجاج: هؤلاء الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا.
ومن اعتقد هذا فهو كافر.
١٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا مَحْفُوظُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: " لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّبَا خَمْسًا: آكِلَهُ، وَمُوكِلَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَكَاتِبَهُ "
قوله: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٦] المحق: نقصان الشيء حالا بعد حال، ومنه المحاق في الهلاك، يقال: محقه الله فانمحق وامتحق.
قال المفسرون: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٦] أي: ينقصه ويذهب بركته، وإن كان كثيرا كما يمحق القمر، وقال ابن
عباس في رواية الضحاك: يعني: لا يقبل الله منه صدقة ولا جهدا ولا حجا، ولا صلاة.
ويربي الصدقات أي: يزيد فيها ويبارك عليها، قال عطاء، عن ابن عباس: ويربي الصدقات لصاحبها كما يربي أحدكم فصيله.
١٣٠ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ النَّاجِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ الصَّدَقَاتِ وَلا يَقْبَلُ مِنْهَا إِلا الطَّيِّبَ، وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ، أَوْ فَلُوَّهُ، حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ»
وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ [التوبة: ١٠٤] و يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة: ٢٧٦].
وقوله: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ [البقرة: ٢٧٦] أي: بتحريم الربا لا يصدق الله ورسوله في ذلك، أثيم أي: فاجر بأكله، ومعنى لا يحبه الله: لا يثني عليه، ولا يثيبه، ولا يرضى فعله.
قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة: ٢٧٧] تفسير هذه الآية قد تقدم فيما مضى.
قوله: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٨] :
١٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ صَالَحُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ لَهُمْ رِبَاهُمْ عَلَى النَّاسِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ رِبًا فَهُوَ مَوْضُوعٌ.
وَكَانَ بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ يَأْخُذُونَ الرِّبَا عَلَى بَنِي الْمُغِيرَةِ فَجَاءَ الإِسْلامُ، وَلَهُمْ عَلَيْهِمْ مَالٌ كَثِيرٌ، فَجَاءُوا يَطْلُبُونَ الرِّبَا مِنْ بَنِي الْمُغِيرَةِ فَرَفَعَ ذَلِكَ بَنُو الْمُغِيرَةِ، إِلَى عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَتَّابًا عَلَى مَكَّةَ، فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٨] إِلَى قَوْلِهِ: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٩]، فَكَتَبَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَتَّابٍ فَفَعَلُوا
ومعنى الآية: تحريم ما بقي دينا من الربا، وإيجاب أخذ المال دون الزيادة على جهة الربا.
وقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٧٨] معناه: أن من كان مؤمنا فهذا حكمه، كما تقول: إن كنت أخي فأكثر مني.
معناه: أن من كان أخا أكرم أخاه.
قال الزجاج: أعلم الله أن من كان مؤمنا قبل عن الله تعالى أمره، ومن أبى فهو حرب، أي: كافر.
وقال: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [البقرة: ٢٧٩] أي: فإن لم تذروا ما بقي من الربا، فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٩] يقال: أذن بالشيء، إذا علم به.
يأذن أذنا وأذانة، قال أبو عبيدة: يقال: آذنته بالشيء فأذن به.
أي: علم.
والمعنى: فإن لم تضعوا الربا الذي قد أمر الله بوضعه عن الناس فاعلموا بحرب من الله ورسوله، وهي القتل في الدنيا والنار في الآخرة، أي: فأيقنوا أنكم تستحقون القتل والعقوبة بمخالفة أمر الله ورسوله.
وقرأ حمزة وعاصم، في بعض الروايات فآذنوا ممدودا، أي: فاعلموا، من قوله: فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ [الأنبياء: ١٠٩]، والمعنى: فأعْلِمُوا مَن لم ينتهِ عن ذلك بحربٍ، وإذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم لا محالة.
قال سعيد بن جبير: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب.
وقوله وإن تبتم أي: عن الربا، فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ [البقرة: ٢٧٩] وإنما شرط التوبة لأنهم إن لم يتوبوا كفروا برد حكم الله، وصار مالهم فيئا للمسلمين، فلا يكون لهم رءوس أموالهم.
وقوله: لا تظلمون أي: بطلب الزيادة، ولا تظلمون بالنقصان عن رأس المال.
قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية قال الإخوة المربون، يعني ثقيفا: بل نتوب إلى الله عز وجل، فإنه لا يدان لنا بحرب الله ورسوله.
فرضوا برأس المال، وسلموا لأمر الله عز وجل، فشكا بنو المغيرة العسرة وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات.
فأبوا أن يؤخروا، فأنزل الله تعالى قوله: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ [البقرة: ٢٨٠] وكان ههنا بمعنى: وقع وحدث، أي: إن وقع غريم ذو عسرة، والعسرة: اسم من الإعسار، وهو تعذر الموجود من المال.
وقوله: فنظرة النظرة: اسم من الإنظار، وهو الإمهال، يقال: بعته بنظرة وبإنظار.
والمعنى: فالذي تعاملونه به نظرة، أي: تأخير، إلى ميسرة وهي مفعلة من اليسر الذي هو ضد العسر، وهو تيسر الموجود من المال، يقال: ميسرة وميسرة وميسور.
ومهما علم الإنسان أن غريمه معسر حرم عليه حبسه وملازمته ومطالبته بما له عليه، ووجب عليه الإنظار إلى وقت يساره.
١٣٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَ أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الزَّجَّاجُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنَا الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْيُسْرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ»
١٣٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا أُعْسِرَ الْمُعْسِرُ، قَالَ لِفَتَاهُ: تَجَاوَزْ عَنْهُ فَلَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ، وَعَنِ ابْنِ وَهْبٍ
وقوله: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٨٠] أعلم الله تعالى أن الصدقة برأس المال على المعسر خير وأفضل من انتظار يسره.
قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١] انتصب يوما على المفعول به، لا على الظرف، لأنه ليس المعنى: اتقوا في هذا اليوم، ولكن المعنى: تأهبوا للقاء هذا اليوم بما تقدمون من العمل الصالح، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ [البقرة: ٢٨١] أي: جزاء ما كسبت من الأعمال، قال ابن عباس: يريد ثواب عملها خيرا بخير وشرا بشر.
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٨١] يريد: وهم لا ينقصون لا أهل الثواب ولا أهل العقاب، قال: وهذه الآية لجميع الخلق البر والفاجر.
١٣٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَيَّانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١] قال ابن جريح: وعاش رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد نزول هذه الآية تسع ليال.
وقال سعيد بن جبير ومقاتل: سبع ليال.
قال ابن عباس: قال جبريل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ضعها على رأس ثمانين ومائتين من [البقرة.
البقرة 2:279
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {٢٧٥ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ٢٧٧ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ٢٧٩ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٨٠ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ٢٨١ } [البقرة: ٢٧٥-٢٨١] قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥] يريد: الذين يعاملون به، فنبه بالأكل على ما سواه، كما قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى [النساء: ١٠].
والربا في اللغة: الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو ربا، وأربى الرجل، إذا عامل في الربا.
ومنه الحديث: «من أجبى فقد أربى».
أي: عامل بالربا.
هذا معنى الربا في اللغة، وأما في الشرع: فهو اسم للزيادة على أصل المال من غير بيع.
وقوله: لا يقومون يعني: يوم القيامة من قبورهم، إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ [البقرة: ٢٧٥] التخبط معناه: الضرب على غير استواء، ويقال للذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه: يخبط خبط عشواء.
ومنه قول زهير:رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
وتخبطه الشيطان: إذا مسه بخبل أو جنون، يقال: به خبطة من جنون.
وقوله: من المس المس: الجنون، يقال: مس الرجل فهو ممسوس وبه مس وألس.
وأصله من المس باليد، كأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه، ثم سمي الجنون مسا، كما أن الشيطان يتخبطه برجله فيخبله، فسمي الجنون خبطة.
قال قتادة: إن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا، وذلك علم لأكله الربا يعرفهم به أهل الوقف.
وقوله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥] أي: ذلك الذي نزل بهم بقولهم هذا واستحلالهم إياه، وذلك أن المشركين قالوا: الزيادة على رأس المال بعد محل الدين كالزيادة بالربع في أول البيع.
وكان أحدهم إذا حل له مال على إنسان قال لغريمه: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل.
فكذبهم الله عز وجل فقال: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: ٢٧٥] أي: وعظ، قال السدي: يعني القرآن.
فانتهى عن أكل الربا، فَلَهُ مَا سَلَفَ [البقرة: ٢٧٥] أي: ما أكل من الربا، ليس عليه رده.
ومعنى سلف: تقدم ومضى، والسلوف: التقدم.
وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٧٥] أي: بعد النهي، إن شاء عصمه حتى يثبت على الانتهاء، وإن شاء خذله حتى يعود، ومن عاد إلى استحلال الربا، فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢٧٥] قال أبو إسحاق الزجاج: هؤلاء الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا.
ومن اعتقد هذا فهو كافر.
١٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا مَحْفُوظُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: " لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّبَا خَمْسًا: آكِلَهُ، وَمُوكِلَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَكَاتِبَهُ "
قوله: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٦] المحق: نقصان الشيء حالا بعد حال، ومنه المحاق في الهلاك، يقال: محقه الله فانمحق وامتحق.
قال المفسرون: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٦] أي: ينقصه ويذهب بركته، وإن كان كثيرا كما يمحق القمر، وقال ابن
عباس في رواية الضحاك: يعني: لا يقبل الله منه صدقة ولا جهدا ولا حجا، ولا صلاة.
ويربي الصدقات أي: يزيد فيها ويبارك عليها، قال عطاء، عن ابن عباس: ويربي الصدقات لصاحبها كما يربي أحدكم فصيله.
١٣٠ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ النَّاجِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ الصَّدَقَاتِ وَلا يَقْبَلُ مِنْهَا إِلا الطَّيِّبَ، وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ، أَوْ فَلُوَّهُ، حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ»
وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ [التوبة: ١٠٤] و يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة: ٢٧٦].
وقوله: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ [البقرة: ٢٧٦] أي: بتحريم الربا لا يصدق الله ورسوله في ذلك، أثيم أي: فاجر بأكله، ومعنى لا يحبه الله: لا يثني عليه، ولا يثيبه، ولا يرضى فعله.
قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة: ٢٧٧] تفسير هذه الآية قد تقدم فيما مضى.
قوله: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٨] :
١٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ صَالَحُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ لَهُمْ رِبَاهُمْ عَلَى النَّاسِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ رِبًا فَهُوَ مَوْضُوعٌ.
وَكَانَ بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ يَأْخُذُونَ الرِّبَا عَلَى بَنِي الْمُغِيرَةِ فَجَاءَ الإِسْلامُ، وَلَهُمْ عَلَيْهِمْ مَالٌ كَثِيرٌ، فَجَاءُوا يَطْلُبُونَ الرِّبَا مِنْ بَنِي الْمُغِيرَةِ فَرَفَعَ ذَلِكَ بَنُو الْمُغِيرَةِ، إِلَى عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَتَّابًا عَلَى مَكَّةَ، فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٨] إِلَى قَوْلِهِ: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٩]، فَكَتَبَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَتَّابٍ فَفَعَلُوا
ومعنى الآية: تحريم ما بقي دينا من الربا، وإيجاب أخذ المال دون الزيادة على جهة الربا.
وقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٧٨] معناه: أن من كان مؤمنا فهذا حكمه، كما تقول: إن كنت أخي فأكثر مني.
معناه: أن من كان أخا أكرم أخاه.
قال الزجاج: أعلم الله أن من كان مؤمنا قبل عن الله تعالى أمره، ومن أبى فهو حرب، أي: كافر.
وقال: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [البقرة: ٢٧٩] أي: فإن لم تذروا ما بقي من الربا، فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٩] يقال: أذن بالشيء، إذا علم به.
يأذن أذنا وأذانة، قال أبو عبيدة: يقال: آذنته بالشيء فأذن به.
أي: علم.
والمعنى: فإن لم تضعوا الربا الذي قد أمر الله بوضعه عن الناس فاعلموا بحرب من الله ورسوله، وهي القتل في الدنيا والنار في الآخرة، أي: فأيقنوا أنكم تستحقون القتل والعقوبة بمخالفة أمر الله ورسوله.
وقرأ حمزة وعاصم، في بعض الروايات فآذنوا ممدودا، أي: فاعلموا، من قوله: فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ [الأنبياء: ١٠٩]، والمعنى: فأعْلِمُوا مَن لم ينتهِ عن ذلك بحربٍ، وإذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم لا محالة.
قال سعيد بن جبير: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب.
وقوله وإن تبتم أي: عن الربا، فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ [البقرة: ٢٧٩] وإنما شرط التوبة لأنهم إن لم يتوبوا كفروا برد حكم الله، وصار مالهم فيئا للمسلمين، فلا يكون لهم رءوس أموالهم.
وقوله: لا تظلمون أي: بطلب الزيادة، ولا تظلمون بالنقصان عن رأس المال.
قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية قال الإخوة المربون، يعني ثقيفا: بل نتوب إلى الله عز وجل، فإنه لا يدان لنا بحرب الله ورسوله.
فرضوا برأس المال، وسلموا لأمر الله عز وجل، فشكا بنو المغيرة العسرة وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات.
فأبوا أن يؤخروا، فأنزل الله تعالى قوله: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ [البقرة: ٢٨٠] وكان ههنا بمعنى: وقع وحدث، أي: إن وقع غريم ذو عسرة، والعسرة: اسم من الإعسار، وهو تعذر الموجود من المال.
وقوله: فنظرة النظرة: اسم من الإنظار، وهو الإمهال، يقال: بعته بنظرة وبإنظار.
والمعنى: فالذي تعاملونه به نظرة، أي: تأخير، إلى ميسرة وهي مفعلة من اليسر الذي هو ضد العسر، وهو تيسر الموجود من المال، يقال: ميسرة وميسرة وميسور.
ومهما علم الإنسان أن غريمه معسر حرم عليه حبسه وملازمته ومطالبته بما له عليه، ووجب عليه الإنظار إلى وقت يساره.
١٣٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَ أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الزَّجَّاجُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنَا الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْيُسْرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ»
١٣٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا أُعْسِرَ الْمُعْسِرُ، قَالَ لِفَتَاهُ: تَجَاوَزْ عَنْهُ فَلَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ، وَعَنِ ابْنِ وَهْبٍ
وقوله: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٨٠] أعلم الله تعالى أن الصدقة برأس المال على المعسر خير وأفضل من انتظار يسره.
قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١] انتصب يوما على المفعول به، لا على الظرف، لأنه ليس المعنى: اتقوا في هذا اليوم، ولكن المعنى: تأهبوا للقاء هذا اليوم بما تقدمون من العمل الصالح، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ [البقرة: ٢٨١] أي: جزاء ما كسبت من الأعمال، قال ابن عباس: يريد ثواب عملها خيرا بخير وشرا بشر.
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٨١] يريد: وهم لا ينقصون لا أهل الثواب ولا أهل العقاب، قال: وهذه الآية لجميع الخلق البر والفاجر.
١٣٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَيَّانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١] قال ابن جريح: وعاش رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد نزول هذه الآية تسع ليال.
وقال سعيد بن جبير ومقاتل: سبع ليال.
قال ابن عباس: قال جبريل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ضعها على رأس ثمانين ومائتين من [البقرة.
البقرة 2:280
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {٢٧٥ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ٢٧٧ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ٢٧٩ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٨٠ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ٢٨١ } [البقرة: ٢٧٥-٢٨١] قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥] يريد: الذين يعاملون به، فنبه بالأكل على ما سواه، كما قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى [النساء: ١٠].
والربا في اللغة: الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو ربا، وأربى الرجل، إذا عامل في الربا.
ومنه الحديث: «من أجبى فقد أربى».
أي: عامل بالربا.
هذا معنى الربا في اللغة، وأما في الشرع: فهو اسم للزيادة على أصل المال من غير بيع.
وقوله: لا يقومون يعني: يوم القيامة من قبورهم، إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ [البقرة: ٢٧٥] التخبط معناه: الضرب على غير استواء، ويقال للذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه: يخبط خبط عشواء.
ومنه قول زهير:رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
وتخبطه الشيطان: إذا مسه بخبل أو جنون، يقال: به خبطة من جنون.
وقوله: من المس المس: الجنون، يقال: مس الرجل فهو ممسوس وبه مس وألس.
وأصله من المس باليد، كأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه، ثم سمي الجنون مسا، كما أن الشيطان يتخبطه برجله فيخبله، فسمي الجنون خبطة.
قال قتادة: إن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا، وذلك علم لأكله الربا يعرفهم به أهل الوقف.
وقوله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥] أي: ذلك الذي نزل بهم بقولهم هذا واستحلالهم إياه، وذلك أن المشركين قالوا: الزيادة على رأس المال بعد محل الدين كالزيادة بالربع في أول البيع.
وكان أحدهم إذا حل له مال على إنسان قال لغريمه: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل.
فكذبهم الله عز وجل فقال: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: ٢٧٥] أي: وعظ، قال السدي: يعني القرآن.
فانتهى عن أكل الربا، فَلَهُ مَا سَلَفَ [البقرة: ٢٧٥] أي: ما أكل من الربا، ليس عليه رده.
ومعنى سلف: تقدم ومضى، والسلوف: التقدم.
وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٧٥] أي: بعد النهي، إن شاء عصمه حتى يثبت على الانتهاء، وإن شاء خذله حتى يعود، ومن عاد إلى استحلال الربا، فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢٧٥] قال أبو إسحاق الزجاج: هؤلاء الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا.
ومن اعتقد هذا فهو كافر.
١٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا مَحْفُوظُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: " لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّبَا خَمْسًا: آكِلَهُ، وَمُوكِلَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَكَاتِبَهُ "
قوله: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٦] المحق: نقصان الشيء حالا بعد حال، ومنه المحاق في الهلاك، يقال: محقه الله فانمحق وامتحق.
قال المفسرون: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٦] أي: ينقصه ويذهب بركته، وإن كان كثيرا كما يمحق القمر، وقال ابن
عباس في رواية الضحاك: يعني: لا يقبل الله منه صدقة ولا جهدا ولا حجا، ولا صلاة.
ويربي الصدقات أي: يزيد فيها ويبارك عليها، قال عطاء، عن ابن عباس: ويربي الصدقات لصاحبها كما يربي أحدكم فصيله.
١٣٠ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ النَّاجِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ الصَّدَقَاتِ وَلا يَقْبَلُ مِنْهَا إِلا الطَّيِّبَ، وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ، أَوْ فَلُوَّهُ، حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ»
وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ [التوبة: ١٠٤] و يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة: ٢٧٦].
وقوله: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ [البقرة: ٢٧٦] أي: بتحريم الربا لا يصدق الله ورسوله في ذلك، أثيم أي: فاجر بأكله، ومعنى لا يحبه الله: لا يثني عليه، ولا يثيبه، ولا يرضى فعله.
قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة: ٢٧٧] تفسير هذه الآية قد تقدم فيما مضى.
قوله: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٨] :
١٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ صَالَحُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ لَهُمْ رِبَاهُمْ عَلَى النَّاسِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ رِبًا فَهُوَ مَوْضُوعٌ.
وَكَانَ بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ يَأْخُذُونَ الرِّبَا عَلَى بَنِي الْمُغِيرَةِ فَجَاءَ الإِسْلامُ، وَلَهُمْ عَلَيْهِمْ مَالٌ كَثِيرٌ، فَجَاءُوا يَطْلُبُونَ الرِّبَا مِنْ بَنِي الْمُغِيرَةِ فَرَفَعَ ذَلِكَ بَنُو الْمُغِيرَةِ، إِلَى عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَتَّابًا عَلَى مَكَّةَ، فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٨] إِلَى قَوْلِهِ: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٩]، فَكَتَبَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَتَّابٍ فَفَعَلُوا
ومعنى الآية: تحريم ما بقي دينا من الربا، وإيجاب أخذ المال دون الزيادة على جهة الربا.
وقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٧٨] معناه: أن من كان مؤمنا فهذا حكمه، كما تقول: إن كنت أخي فأكثر مني.
معناه: أن من كان أخا أكرم أخاه.
قال الزجاج: أعلم الله أن من كان مؤمنا قبل عن الله تعالى أمره، ومن أبى فهو حرب، أي: كافر.
وقال: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [البقرة: ٢٧٩] أي: فإن لم تذروا ما بقي من الربا، فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٩] يقال: أذن بالشيء، إذا علم به.
يأذن أذنا وأذانة، قال أبو عبيدة: يقال: آذنته بالشيء فأذن به.
أي: علم.
والمعنى: فإن لم تضعوا الربا الذي قد أمر الله بوضعه عن الناس فاعلموا بحرب من الله ورسوله، وهي القتل في الدنيا والنار في الآخرة، أي: فأيقنوا أنكم تستحقون القتل والعقوبة بمخالفة أمر الله ورسوله.
وقرأ حمزة وعاصم، في بعض الروايات فآذنوا ممدودا، أي: فاعلموا، من قوله: فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ [الأنبياء: ١٠٩]، والمعنى: فأعْلِمُوا مَن لم ينتهِ عن ذلك بحربٍ، وإذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم لا محالة.
قال سعيد بن جبير: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب.
وقوله وإن تبتم أي: عن الربا، فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ [البقرة: ٢٧٩] وإنما شرط التوبة لأنهم إن لم يتوبوا كفروا برد حكم الله، وصار مالهم فيئا للمسلمين، فلا يكون لهم رءوس أموالهم.
وقوله: لا تظلمون أي: بطلب الزيادة، ولا تظلمون بالنقصان عن رأس المال.
قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية قال الإخوة المربون، يعني ثقيفا: بل نتوب إلى الله عز وجل، فإنه لا يدان لنا بحرب الله ورسوله.
فرضوا برأس المال، وسلموا لأمر الله عز وجل، فشكا بنو المغيرة العسرة وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات.
فأبوا أن يؤخروا، فأنزل الله تعالى قوله: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ [البقرة: ٢٨٠] وكان ههنا بمعنى: وقع وحدث، أي: إن وقع غريم ذو عسرة، والعسرة: اسم من الإعسار، وهو تعذر الموجود من المال.
وقوله: فنظرة النظرة: اسم من الإنظار، وهو الإمهال، يقال: بعته بنظرة وبإنظار.
والمعنى: فالذي تعاملونه به نظرة، أي: تأخير، إلى ميسرة وهي مفعلة من اليسر الذي هو ضد العسر، وهو تيسر الموجود من المال، يقال: ميسرة وميسرة وميسور.
ومهما علم الإنسان أن غريمه معسر حرم عليه حبسه وملازمته ومطالبته بما له عليه، ووجب عليه الإنظار إلى وقت يساره.
١٣٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَ أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الزَّجَّاجُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنَا الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْيُسْرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ»
١٣٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا أُعْسِرَ الْمُعْسِرُ، قَالَ لِفَتَاهُ: تَجَاوَزْ عَنْهُ فَلَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ، وَعَنِ ابْنِ وَهْبٍ
وقوله: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٨٠] أعلم الله تعالى أن الصدقة برأس المال على المعسر خير وأفضل من انتظار يسره.
قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١] انتصب يوما على المفعول به، لا على الظرف، لأنه ليس المعنى: اتقوا في هذا اليوم، ولكن المعنى: تأهبوا للقاء هذا اليوم بما تقدمون من العمل الصالح، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ [البقرة: ٢٨١] أي: جزاء ما كسبت من الأعمال، قال ابن عباس: يريد ثواب عملها خيرا بخير وشرا بشر.
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٨١] يريد: وهم لا ينقصون لا أهل الثواب ولا أهل العقاب، قال: وهذه الآية لجميع الخلق البر والفاجر.
١٣٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَيَّانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١] قال ابن جريح: وعاش رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد نزول هذه الآية تسع ليال.
وقال سعيد بن جبير ومقاتل: سبع ليال.
قال ابن عباس: قال جبريل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ضعها على رأس ثمانين ومائتين من [البقرة.
البقرة 2:281
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {٢٧٥ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ٢٧٧ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ٢٧٩ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٨٠ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ٢٨١ } [البقرة: ٢٧٥-٢٨١] قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥] يريد: الذين يعاملون به، فنبه بالأكل على ما سواه، كما قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى [النساء: ١٠].
والربا في اللغة: الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو ربا، وأربى الرجل، إذا عامل في الربا.
ومنه الحديث: «من أجبى فقد أربى».
أي: عامل بالربا.
هذا معنى الربا في اللغة، وأما في الشرع: فهو اسم للزيادة على أصل المال من غير بيع.
وقوله: لا يقومون يعني: يوم القيامة من قبورهم، إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ [البقرة: ٢٧٥] التخبط معناه: الضرب على غير استواء، ويقال للذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه: يخبط خبط عشواء.
ومنه قول زهير:رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
وتخبطه الشيطان: إذا مسه بخبل أو جنون، يقال: به خبطة من جنون.
وقوله: من المس المس: الجنون، يقال: مس الرجل فهو ممسوس وبه مس وألس.
وأصله من المس باليد، كأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه، ثم سمي الجنون مسا، كما أن الشيطان يتخبطه برجله فيخبله، فسمي الجنون خبطة.
قال قتادة: إن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا، وذلك علم لأكله الربا يعرفهم به أهل الوقف.
وقوله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥] أي: ذلك الذي نزل بهم بقولهم هذا واستحلالهم إياه، وذلك أن المشركين قالوا: الزيادة على رأس المال بعد محل الدين كالزيادة بالربع في أول البيع.
وكان أحدهم إذا حل له مال على إنسان قال لغريمه: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل.
فكذبهم الله عز وجل فقال: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: ٢٧٥] أي: وعظ، قال السدي: يعني القرآن.
فانتهى عن أكل الربا، فَلَهُ مَا سَلَفَ [البقرة: ٢٧٥] أي: ما أكل من الربا، ليس عليه رده.
ومعنى سلف: تقدم ومضى، والسلوف: التقدم.
وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٧٥] أي: بعد النهي، إن شاء عصمه حتى يثبت على الانتهاء، وإن شاء خذله حتى يعود، ومن عاد إلى استحلال الربا، فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢٧٥] قال أبو إسحاق الزجاج: هؤلاء الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا.
ومن اعتقد هذا فهو كافر.
١٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا مَحْفُوظُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: " لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّبَا خَمْسًا: آكِلَهُ، وَمُوكِلَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَكَاتِبَهُ "
قوله: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٦] المحق: نقصان الشيء حالا بعد حال، ومنه المحاق في الهلاك، يقال: محقه الله فانمحق وامتحق.
قال المفسرون: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٦] أي: ينقصه ويذهب بركته، وإن كان كثيرا كما يمحق القمر، وقال ابن
عباس في رواية الضحاك: يعني: لا يقبل الله منه صدقة ولا جهدا ولا حجا، ولا صلاة.
ويربي الصدقات أي: يزيد فيها ويبارك عليها، قال عطاء، عن ابن عباس: ويربي الصدقات لصاحبها كما يربي أحدكم فصيله.
١٣٠ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ النَّاجِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ الصَّدَقَاتِ وَلا يَقْبَلُ مِنْهَا إِلا الطَّيِّبَ، وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ، أَوْ فَلُوَّهُ، حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ»
وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ [التوبة: ١٠٤] و يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة: ٢٧٦].
وقوله: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ [البقرة: ٢٧٦] أي: بتحريم الربا لا يصدق الله ورسوله في ذلك، أثيم أي: فاجر بأكله، ومعنى لا يحبه الله: لا يثني عليه، ولا يثيبه، ولا يرضى فعله.
قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة: ٢٧٧] تفسير هذه الآية قد تقدم فيما مضى.
قوله: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٨] :
١٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ صَالَحُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ لَهُمْ رِبَاهُمْ عَلَى النَّاسِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ رِبًا فَهُوَ مَوْضُوعٌ.
وَكَانَ بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ يَأْخُذُونَ الرِّبَا عَلَى بَنِي الْمُغِيرَةِ فَجَاءَ الإِسْلامُ، وَلَهُمْ عَلَيْهِمْ مَالٌ كَثِيرٌ، فَجَاءُوا يَطْلُبُونَ الرِّبَا مِنْ بَنِي الْمُغِيرَةِ فَرَفَعَ ذَلِكَ بَنُو الْمُغِيرَةِ، إِلَى عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَتَّابًا عَلَى مَكَّةَ، فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٨] إِلَى قَوْلِهِ: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٩]، فَكَتَبَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَتَّابٍ فَفَعَلُوا
ومعنى الآية: تحريم ما بقي دينا من الربا، وإيجاب أخذ المال دون الزيادة على جهة الربا.
وقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٧٨] معناه: أن من كان مؤمنا فهذا حكمه، كما تقول: إن كنت أخي فأكثر مني.
معناه: أن من كان أخا أكرم أخاه.
قال الزجاج: أعلم الله أن من كان مؤمنا قبل عن الله تعالى أمره، ومن أبى فهو حرب، أي: كافر.
وقال: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [البقرة: ٢٧٩] أي: فإن لم تذروا ما بقي من الربا، فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٩] يقال: أذن بالشيء، إذا علم به.
يأذن أذنا وأذانة، قال أبو عبيدة: يقال: آذنته بالشيء فأذن به.
أي: علم.
والمعنى: فإن لم تضعوا الربا الذي قد أمر الله بوضعه عن الناس فاعلموا بحرب من الله ورسوله، وهي القتل في الدنيا والنار في الآخرة، أي: فأيقنوا أنكم تستحقون القتل والعقوبة بمخالفة أمر الله ورسوله.
وقرأ حمزة وعاصم، في بعض الروايات فآذنوا ممدودا، أي: فاعلموا، من قوله: فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ [الأنبياء: ١٠٩]، والمعنى: فأعْلِمُوا مَن لم ينتهِ عن ذلك بحربٍ، وإذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم لا محالة.
قال سعيد بن جبير: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب.
وقوله وإن تبتم أي: عن الربا، فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ [البقرة: ٢٧٩] وإنما شرط التوبة لأنهم إن لم يتوبوا كفروا برد حكم الله، وصار مالهم فيئا للمسلمين، فلا يكون لهم رءوس أموالهم.
وقوله: لا تظلمون أي: بطلب الزيادة، ولا تظلمون بالنقصان عن رأس المال.
قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية قال الإخوة المربون، يعني ثقيفا: بل نتوب إلى الله عز وجل، فإنه لا يدان لنا بحرب الله ورسوله.
فرضوا برأس المال، وسلموا لأمر الله عز وجل، فشكا بنو المغيرة العسرة وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات.
فأبوا أن يؤخروا، فأنزل الله تعالى قوله: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ [البقرة: ٢٨٠] وكان ههنا بمعنى: وقع وحدث، أي: إن وقع غريم ذو عسرة، والعسرة: اسم من الإعسار، وهو تعذر الموجود من المال.
وقوله: فنظرة النظرة: اسم من الإنظار، وهو الإمهال، يقال: بعته بنظرة وبإنظار.
والمعنى: فالذي تعاملونه به نظرة، أي: تأخير، إلى ميسرة وهي مفعلة من اليسر الذي هو ضد العسر، وهو تيسر الموجود من المال، يقال: ميسرة وميسرة وميسور.
ومهما علم الإنسان أن غريمه معسر حرم عليه حبسه وملازمته ومطالبته بما له عليه، ووجب عليه الإنظار إلى وقت يساره.
١٣٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَ أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الزَّجَّاجُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنَا الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْيُسْرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ»
١٣٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا أُعْسِرَ الْمُعْسِرُ، قَالَ لِفَتَاهُ: تَجَاوَزْ عَنْهُ فَلَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ، وَعَنِ ابْنِ وَهْبٍ
وقوله: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٨٠] أعلم الله تعالى أن الصدقة برأس المال على المعسر خير وأفضل من انتظار يسره.
قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١] انتصب يوما على المفعول به، لا على الظرف، لأنه ليس المعنى: اتقوا في هذا اليوم، ولكن المعنى: تأهبوا للقاء هذا اليوم بما تقدمون من العمل الصالح، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ [البقرة: ٢٨١] أي: جزاء ما كسبت من الأعمال، قال ابن عباس: يريد ثواب عملها خيرا بخير وشرا بشر.
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٨١] يريد: وهم لا ينقصون لا أهل الثواب ولا أهل العقاب، قال: وهذه الآية لجميع الخلق البر والفاجر.
١٣٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَيَّانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١] قال ابن جريح: وعاش رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد نزول هذه الآية تسع ليال.
وقال سعيد بن جبير ومقاتل: سبع ليال.
قال ابن عباس: قال جبريل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ضعها على رأس ثمانين ومائتين من [البقرة.
البقرة 2:282
] يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {٢٨٢ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ
بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ٢٨٣ } [سورة البقرة: ٢٨٢-٢٨٣] قوله يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة: ٢٨٢] قال ابن عباس: لما حرم الله تعالى الربا أباح السلم بهذه الآية.
والتداين: تفاعل، من الدين، ومعناه: تبايعتم بدين، والأجل معناه: الوقت المضروب لانقضاء الأمر، وأصله من التأخير، يقال: أجل الشيء يأجل أجولا، إذا تأخر.
والآجل: نقيض العاجل.
قال ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه.
ثم قرأ إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة: ٢٨٢].
أمر الله تعالى في الحقوق المؤجلة بالكتابة والإشهاد، وهو قوله: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة: ٢٨٢] حفظا منه للأموال، وذلك أن الذي عليه الدين إذا كانت عليه الشهود والبينة قل تحدثه نفسه بالطمع في إذهابه، وهذا أمر ندب وإباحة، فإن كتب فحسن، وإن لم يكتب فلا بأس.
١٣٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوَب، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنَّهُ هَمٌّ بِاللَّيْلِ وَمَذَلَّةٌ بِالنَّهَارِ»
١٣٦ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَابَاذِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حبَّانَ بْنِ
الأَزْهَرِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الصُّبْحَ، فَقَالَ: «هَهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلانٍ إِنَّ صَاحِبَكُمْ مَحْبُوسٌ بِبَابِ الْجَنَّةِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ»
١٣٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ، أَخْبَرَنَا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى الأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، أَخْبَرَنَا عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى الدِّينِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي
قوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ [البقرة: ٢٨٢] أي: ليكتب كتاب الدين بين المستدين والمدين كاتب بالعدل،
أي: بالحق والإنصاف، لا يكتب لصاحب الدين فضلا على الذي عليه، ولا ينقصه من حقه، ولا يقدم الأجل ولا يؤخره، ولا يكتب شيئا يبطل به حقا لأحدهما هذا هو العدل.
قوله: وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ [البقرة: ٢٨٢] أي: لا يمتنع، يقال: أبى فلان الشيء يأباه، إذا امتنع عنه.
قال مجاهد والربيع: واجب على الكاتب أن يكتب إذا أمر، لأن الله تعالى أمره أن لا يأبى.
وقال الضحاك: كانت هذه عزيمة واجبة على الكاتب والشاهد فنسخها قوله: وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة: ٢٨٢].
وقوله: كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ [البقرة: ٢٨٢] أي: لا يأب أن يكتب كما أمره الله عز وجل من العدل.
وقوله: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ [البقرة: ٢٨٢] الإملال والإملاء: لغتان، قال الفراء: أمللت: لغة الحجاز وبني أسد، وأمليت: لغة بني تميم وقيس، نزل القرآن باللغتين، قال الله تعالى في اللغة الثانية: فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ [الفرقان: ٥].
ومعنى الآية: أن الذي عليه الدين يملي، لأنه المشهود عليه، فيقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه.
وقوله: وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا [البقرة: ٢٨٢] البخس: النقصان، يقال: بخسه حقه.
أي: نقصه، أمر من عليه الحق أن يقر بمبلغ المال الذي عليه ولا ينقص شيئا.
وقوله: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا [البقرة: ٢٨٢] قال مجاهد: جاهلا بالإملاء.
وقال الضحاك والسدي: طفلا صغيرا.
أو ضعيفا قال السدي وابن زيد: يعني: عاجزا أحمق.
أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ [البقرة: ٢٨٢] لخرس أو عي أو جهل بما له وعليه، فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ [البقرة: ٢٨٢] أي: ولي السفيه والعاجز والطفل، يعني: قيمه أو وارثه، أو من يقوم مقامه في حقه، بالعدل بالصدق والحق والإنصاف.
وقوله: واستشهدوا أي: أشهدوا، شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة: ٢٨٢] من أهل ملتكم من الأحرار البالغين دون الصبيان والعبيد، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة: ٢٨٢] قال الأخفش والفراء: فليكن رجل وامرأتان.
والإجماع: أن شهادة النساء جائزة في الأموال.
وقوله: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة: ٢٨٢] قال ابن عباس: يريد: من أهل الفضل والدين.
وقوله: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا [البقرة: ٢٨٢] أصل الضلالة في اللغة: الغيبوبة، يقال: ضل الماء في اللبن، إذا غاب.
ومعنى أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا [البقرة: ٢٨٢] : أي تغيب عن حفظها، أو يغيب حفظها عنها، يعني إحدى المرأتين، فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة: ٢٨٢] هذا من التذكير بعد النسيان، تقول لها: هل تذكرين يوم شهدنا في موضع كذا، وبحضرتنا فلان أو فلانة؟ حتى تذكر الشهادة.
والتقدير: فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة التي احتملتاها.
ومن قرأ فَتُذَكِّرَ [البقرة: ٢٨٢] من الإذكار، فهو بهذا المعنى أيضا، يقال: أذكره الشيء وذكره.
مثل: فرحه وأفرحه، وهو كثير.
وقرأ حمزة إن تضل بكسر الألف، فتذكر بالرفع، وجعل إن للجزاء وتضل في موضع جزم، وحركت بالفتح لالتقاء الساكنين كقوله: من يرتد، والفاء في قوله: فَتُذَكِّرَ [البقرة: ٢٨٢] جواب الجزاء، كقوله: وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ [المائدة: ٩٥].
قوله: وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا [البقرة: ٢٨٢] هذا في تحمل الشهادة، وكل من دعي ليتحمل الشهادة وجب عليه ترك الإباء في قول قتادة والربيع.
وقال الشعبي: هذا إذا لم يوجد غيره، فيتعين عليه الإجابة، فإن وجد غيره ممن يتحمل الشهادة فهو مخير.
وقال آخرون: هذا في إقامة الشهادة.
قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: إذا استودعته ثم احتجت إلى شهادته فلا ينبغي له أن يتخلف عنك حتى يأتي معك إلى الحاكم فيؤديها.
وهذا قول مجاهد والسدي وسعيد بن جبير وعكرمة.
وقوله: وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ [البقرة: ٢٨٢] السآمة: الملال والضجر، يقال: سئمت الشيء أسأمة سأما وسآمة.
يقول: لا يمنعكم الضجر والملالة أن تكتبوا ما شهدتم عليه من الحق، صغر أو كبر، قل أو كثر.
ذَلِكُمْ [البقرة: ٢٨٢] أي: الكتاب، أقسط أعدل، عند الله لأن الله أمر به، واتباع أمره أعدل من تركه، وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ [البقرة: ٢٨٢] أي: أبلغ في الاستقامة، لأن الكتاب يذكر الشهود، فتكون شهادتهم أقوم من لو شهدوا على ظن ومخيلة.
قوله: وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا [البقرة: ٢٨٢] أي: أقرب إلى أن لا تشكوا في مبلغ الحق والأجل.
وقوله: إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ [البقرة: ٢٨٢] أي: إلا أن تقع تجارة حاضرة، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا [البقرة: ٢٨٢] فلا جناح في ترك الإشهاد والكتابة فيه، لأن ما يخاف في النساء والتأجيل يؤمن في البيع يدا بيد.
وقرأ عاصم تِجَارَةً حَاضِرَةً [البقرة: ٢٨٢] بالنصب، على تقدير: إلا أن تكون التجارةُ تجارةً حاضرةً، فأضمر الاسم لدلالة الخبر عليه، ومثله ما أنشد الفراء:
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا
أي: إذا كان اليوم يوما.
وقوله وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة: ٢٨٢] ذكرنا أن هذا أمر ندب، وليس بواجب.
وقوله: وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة: ٢٨٢] نهى الله الكاتب والشهيد عن المضارة، وهو أن يزيد الكاتب، أو ينقص منه، أو يحرف، وأن يشهد الشاهد بما لا يستشهد عليه، أو يمتنع عن إقامة الشهادة، وهذا قول طاوس والحسن وقتادة وابن زيد، وعلى هذا أصله: يضارر.
قال ابن عباس: هو أن يمتنع الكاتب أن يكتب، والشاهد أن يشهد.
وقال عكرمة: هو أن يدعى الكاتب والشاهد وهما مشغولان.
وقيل: هو أن يدعى الكاتب ليكتب الباطل، ويدعى الشاهد ليشهد الزور.
فعلى هذه الأقوال أصله: لا يضارر.
وإن تفعلوا يعني ما ذكر الله من المضارة، فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ [البقرة: ٢٨٢] أخبر الله تعالى أن مضارة الكاتب والشاهد فسق، أي: خروج عما أمر الله تعالى به.
قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا [البقرة: ٢٨٣] أمر الله تعالى عند عدم الكاتب في حال السفر بأخذ الرهون، ليكون وثيقة بالأموال، وهو قوله: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة: ٢٨٣] أي: فالوثيقة رهان، وهو جمع رهن، مثل: كلب وكلاب، وكعب وكعاب.
وقرأ أبو عمرو فرهن مقبوضة وهو أيضا جمع رهن، مثل سقف وسقف، وأنشد أبو عمرو حجة لقراءته قول قعنب:بانت سعاد وأمسى دونها عدن وغلقت عندها من قبلك الرهن
والقبض شرط في صحة الرهن، حتى لو رهنه شيئا ولم يقبضه، لم يحكم بصحته.
قوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [البقرة: ٢٨٣] أي: لم يخف خيانته وجحوده الحق، فلم يشهد عليه، فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة: ٢٨٣] اؤتمن: افتعل، من الأمانة، يقال: أمنته وائتمنته فهو مأمون ومؤتمن.
أمر الله تعالى المؤتمن بأداء الأمانة وتقوى الله فيما أمن فيه من الحق، وهو قوله: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ [البقرة: ٢٨٣].
قوله: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ [البقرة: ٢٨٣] نهي لمن كانت عنده شهادة أن يكتمها ويمتنع من إقامتها، ثم أوعد على ذلك فقال: وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة: ٢٨٣] قال ابن عباس: يريد: قد أثم قلبه وفجر.
قال المفسرون: ذكر الله تعالى على كتمان الشهادة نوعا من الوعيد لم يذكره في سائر الكبائر، وهو إثم القلب.
ويقال: إثم القلب سبب مسخه، والله تعالى إذا مسخ قلبا جعله منافقا وطبع عليه، نعوذ بالله من ذلك.
البقرة 2:283
] يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {٢٨٢ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ
بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ٢٨٣ } [سورة البقرة: ٢٨٢-٢٨٣] قوله يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة: ٢٨٢] قال ابن عباس: لما حرم الله تعالى الربا أباح السلم بهذه الآية.
والتداين: تفاعل، من الدين، ومعناه: تبايعتم بدين، والأجل معناه: الوقت المضروب لانقضاء الأمر، وأصله من التأخير، يقال: أجل الشيء يأجل أجولا، إذا تأخر.
والآجل: نقيض العاجل.
قال ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه.
ثم قرأ إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة: ٢٨٢].
أمر الله تعالى في الحقوق المؤجلة بالكتابة والإشهاد، وهو قوله: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة: ٢٨٢] حفظا منه للأموال، وذلك أن الذي عليه الدين إذا كانت عليه الشهود والبينة قل تحدثه نفسه بالطمع في إذهابه، وهذا أمر ندب وإباحة، فإن كتب فحسن، وإن لم يكتب فلا بأس.
١٣٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوَب، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنَّهُ هَمٌّ بِاللَّيْلِ وَمَذَلَّةٌ بِالنَّهَارِ»
١٣٦ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَابَاذِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حبَّانَ بْنِ
الأَزْهَرِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الصُّبْحَ، فَقَالَ: «هَهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلانٍ إِنَّ صَاحِبَكُمْ مَحْبُوسٌ بِبَابِ الْجَنَّةِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ»
١٣٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ، أَخْبَرَنَا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى الأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، أَخْبَرَنَا عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى الدِّينِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي
قوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ [البقرة: ٢٨٢] أي: ليكتب كتاب الدين بين المستدين والمدين كاتب بالعدل،
أي: بالحق والإنصاف، لا يكتب لصاحب الدين فضلا على الذي عليه، ولا ينقصه من حقه، ولا يقدم الأجل ولا يؤخره، ولا يكتب شيئا يبطل به حقا لأحدهما هذا هو العدل.
قوله: وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ [البقرة: ٢٨٢] أي: لا يمتنع، يقال: أبى فلان الشيء يأباه، إذا امتنع عنه.
قال مجاهد والربيع: واجب على الكاتب أن يكتب إذا أمر، لأن الله تعالى أمره أن لا يأبى.
وقال الضحاك: كانت هذه عزيمة واجبة على الكاتب والشاهد فنسخها قوله: وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة: ٢٨٢].
وقوله: كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ [البقرة: ٢٨٢] أي: لا يأب أن يكتب كما أمره الله عز وجل من العدل.
وقوله: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ [البقرة: ٢٨٢] الإملال والإملاء: لغتان، قال الفراء: أمللت: لغة الحجاز وبني أسد، وأمليت: لغة بني تميم وقيس، نزل القرآن باللغتين، قال الله تعالى في اللغة الثانية: فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ [الفرقان: ٥].
ومعنى الآية: أن الذي عليه الدين يملي، لأنه المشهود عليه، فيقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه.
وقوله: وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا [البقرة: ٢٨٢] البخس: النقصان، يقال: بخسه حقه.
أي: نقصه، أمر من عليه الحق أن يقر بمبلغ المال الذي عليه ولا ينقص شيئا.
وقوله: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا [البقرة: ٢٨٢] قال مجاهد: جاهلا بالإملاء.
وقال الضحاك والسدي: طفلا صغيرا.
أو ضعيفا قال السدي وابن زيد: يعني: عاجزا أحمق.
أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ [البقرة: ٢٨٢] لخرس أو عي أو جهل بما له وعليه، فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ [البقرة: ٢٨٢] أي: ولي السفيه والعاجز والطفل، يعني: قيمه أو وارثه، أو من يقوم مقامه في حقه، بالعدل بالصدق والحق والإنصاف.
وقوله: واستشهدوا أي: أشهدوا، شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة: ٢٨٢] من أهل ملتكم من الأحرار البالغين دون الصبيان والعبيد، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة: ٢٨٢] قال الأخفش والفراء: فليكن رجل وامرأتان.
والإجماع: أن شهادة النساء جائزة في الأموال.
وقوله: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة: ٢٨٢] قال ابن عباس: يريد: من أهل الفضل والدين.
وقوله: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا [البقرة: ٢٨٢] أصل الضلالة في اللغة: الغيبوبة، يقال: ضل الماء في اللبن، إذا غاب.
ومعنى أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا [البقرة: ٢٨٢] : أي تغيب عن حفظها، أو يغيب حفظها عنها، يعني إحدى المرأتين، فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة: ٢٨٢] هذا من التذكير بعد النسيان، تقول لها: هل تذكرين يوم شهدنا في موضع كذا، وبحضرتنا فلان أو فلانة؟ حتى تذكر الشهادة.
والتقدير: فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة التي احتملتاها.
ومن قرأ فَتُذَكِّرَ [البقرة: ٢٨٢] من الإذكار، فهو بهذا المعنى أيضا، يقال: أذكره الشيء وذكره.
مثل: فرحه وأفرحه، وهو كثير.
وقرأ حمزة إن تضل بكسر الألف، فتذكر بالرفع، وجعل إن للجزاء وتضل في موضع جزم، وحركت بالفتح لالتقاء الساكنين كقوله: من يرتد، والفاء في قوله: فَتُذَكِّرَ [البقرة: ٢٨٢] جواب الجزاء، كقوله: وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ [المائدة: ٩٥].
قوله: وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا [البقرة: ٢٨٢] هذا في تحمل الشهادة، وكل من دعي ليتحمل الشهادة وجب عليه ترك الإباء في قول قتادة والربيع.
وقال الشعبي: هذا إذا لم يوجد غيره، فيتعين عليه الإجابة، فإن وجد غيره ممن يتحمل الشهادة فهو مخير.
وقال آخرون: هذا في إقامة الشهادة.
قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: إذا استودعته ثم احتجت إلى شهادته فلا ينبغي له أن يتخلف عنك حتى يأتي معك إلى الحاكم فيؤديها.
وهذا قول مجاهد والسدي وسعيد بن جبير وعكرمة.
وقوله: وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ [البقرة: ٢٨٢] السآمة: الملال والضجر، يقال: سئمت الشيء أسأمة سأما وسآمة.
يقول: لا يمنعكم الضجر والملالة أن تكتبوا ما شهدتم عليه من الحق، صغر أو كبر، قل أو كثر.
ذَلِكُمْ [البقرة: ٢٨٢] أي: الكتاب، أقسط أعدل، عند الله لأن الله أمر به، واتباع أمره أعدل من تركه، وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ [البقرة: ٢٨٢] أي: أبلغ في الاستقامة، لأن الكتاب يذكر الشهود، فتكون شهادتهم أقوم من لو شهدوا على ظن ومخيلة.
قوله: وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا [البقرة: ٢٨٢] أي: أقرب إلى أن لا تشكوا في مبلغ الحق والأجل.
وقوله: إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ [البقرة: ٢٨٢] أي: إلا أن تقع تجارة حاضرة، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا [البقرة: ٢٨٢] فلا جناح في ترك الإشهاد والكتابة فيه، لأن ما يخاف في النساء والتأجيل يؤمن في البيع يدا بيد.
وقرأ عاصم تِجَارَةً حَاضِرَةً [البقرة: ٢٨٢] بالنصب، على تقدير: إلا أن تكون التجارةُ تجارةً حاضرةً، فأضمر الاسم لدلالة الخبر عليه، ومثله ما أنشد الفراء:
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا
أي: إذا كان اليوم يوما.
وقوله وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة: ٢٨٢] ذكرنا أن هذا أمر ندب، وليس بواجب.
وقوله: وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة: ٢٨٢] نهى الله الكاتب والشهيد عن المضارة، وهو أن يزيد الكاتب، أو ينقص منه، أو يحرف، وأن يشهد الشاهد بما لا يستشهد عليه، أو يمتنع عن إقامة الشهادة، وهذا قول طاوس والحسن وقتادة وابن زيد، وعلى هذا أصله: يضارر.
قال ابن عباس: هو أن يمتنع الكاتب أن يكتب، والشاهد أن يشهد.
وقال عكرمة: هو أن يدعى الكاتب والشاهد وهما مشغولان.
وقيل: هو أن يدعى الكاتب ليكتب الباطل، ويدعى الشاهد ليشهد الزور.
فعلى هذه الأقوال أصله: لا يضارر.
وإن تفعلوا يعني ما ذكر الله من المضارة، فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ [البقرة: ٢٨٢] أخبر الله تعالى أن مضارة الكاتب والشاهد فسق، أي: خروج عما أمر الله تعالى به.
قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا [البقرة: ٢٨٣] أمر الله تعالى عند عدم الكاتب في حال السفر بأخذ الرهون، ليكون وثيقة بالأموال، وهو قوله: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة: ٢٨٣] أي: فالوثيقة رهان، وهو جمع رهن، مثل: كلب وكلاب، وكعب وكعاب.
وقرأ أبو عمرو فرهن مقبوضة وهو أيضا جمع رهن، مثل سقف وسقف، وأنشد أبو عمرو حجة لقراءته قول قعنب:بانت سعاد وأمسى دونها عدن وغلقت عندها من قبلك الرهن
والقبض شرط في صحة الرهن، حتى لو رهنه شيئا ولم يقبضه، لم يحكم بصحته.
قوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [البقرة: ٢٨٣] أي: لم يخف خيانته وجحوده الحق، فلم يشهد عليه، فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة: ٢٨٣] اؤتمن: افتعل، من الأمانة، يقال: أمنته وائتمنته فهو مأمون ومؤتمن.
أمر الله تعالى المؤتمن بأداء الأمانة وتقوى الله فيما أمن فيه من الحق، وهو قوله: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ [البقرة: ٢٨٣].
قوله: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ [البقرة: ٢٨٣] نهي لمن كانت عنده شهادة أن يكتمها ويمتنع من إقامتها، ثم أوعد على ذلك فقال: وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة: ٢٨٣] قال ابن عباس: يريد: قد أثم قلبه وفجر.
قال المفسرون: ذكر الله تعالى على كتمان الشهادة نوعا من الوعيد لم يذكره في سائر الكبائر، وهو إثم القلب.
ويقال: إثم القلب سبب مسخه، والله تعالى إذا مسخ قلبا جعله منافقا وطبع عليه، نعوذ بالله من ذلك.
البقرة 2:284
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٨٤] قوله عز وجل: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة: ٢٨٤] ملكا، وهو مالك أعيانه يملك تصريفه وتدبيره، {
وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة: ٢٨٤] قال ابن عباس، في رواية سعيد بن جبير وعطاء: هذه الآية منسوخة، وذلك أنها لما نزلت جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وناس إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقالوا: كلفنا من العمل ما لا نطيق، إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه، وأن له الدنيا.
فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فلعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا.
قولوا: سمعنا وأطعنا ".
فقالوا: سمعنا وأطعنا.
واشتد ذلك عليهم ومكثوا حولا، فأنزل الله تعالى الفرج والرحمة بقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦] فنسخت هذه الآية ما قبلها، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا به».
وهذا قول ابن مسعود وأبي هريرة والقرظي وابن سيرين والكلبي وقتادة.
وقوله: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٨٤] قرئ رفعا وجزما، فمن جزم فبالعطف على ما قبله، على معنى جواب الشرط، وهو قوله: يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٤] ومن رفع فتقديره: فهو يغفر لمن يشاء، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٨٤] أي: الأمر إليه في المغفرة والعذاب.
البقرة 2:285
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ {٢٨٥ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ
عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ٢٨٦ } [البقرة: ٢٨٥-٢٨٦] قوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ [البقرة: ٢٨٥] قال الزجاج: لما ذكر الله عز وجل في هذه ال [فرض الصلاة والزكاة والطلاق والإيلاء والجهاد، ختم السورة بذكر تصديق نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمؤمنين بجميع ذلك، وهو قوله:] كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [سورة البقرة: ٢٨٥] وقرأ حمزة وكتابه على التوحيد، أراد اسم الجنس، كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس، يراد به الجمع وإن أفرد.
وقوله: لا نفرق أي: يقولون: لا نفرق.
بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥] ومعناه: لا نفعل كما فعل أهل الكتاب، حيث آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، بل نجمع بين الرسل كلهم في الإيمان بهم.
وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [البقرة: ٢٨٥] أي: سمعنا قوله، وأطعنا أمره، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا [البقرة: ٢٨٥] أي: اغفر غفرانك، ويستغنى بالمصدر عن الفعل في الدعاء، نحو سقيا ورعيا، وإليك المصير هذا إقرار منهم بالبعث.
قوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦] الوسع: اسم لما يسع الإنسان ولا يضيق عنه، وهذه الآية نسخت قوله: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ [البقرة: ٢٨٤] الآية.
والمعنى: لا يكلفها إلا يسرها لا عسرها، لَهَا مَا كَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦] من العمل بالطاعة، وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦] من العمل بالإثم، والكسب والاكتساب بمعنى واحد، {
رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا} [البقرة: ٢٨٦] قال الحسن: معناه: قولوا ربنا.
على التعليم للدعاء.
ومعنى لا تُؤَاخِذْنَا [البقرة: ٢٨٦] لا تعاقبنا، إن نسينا أي: تركنا شيئا من اللازم لنا، أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦] قال أبو عبيدة: يقال: أخطأ وخطئ لغتان.
ومعنى أخطأنا ههنا: أثمنا وتعمدنا الإثم، رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا [البقرة: ٢٨٦] أي: عهدا وميثاقا لا نطيقه ولا نستطيع القيام به، كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة: ٢٨٦] أي: على اليهود، فلم يقوموا به، وهذا قول قتادة ومجاهد والسدي.
قوله: رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ [البقرة: ٢٨٦] أي: من العذاب، كأنهم سألوا الله أن لا يعذبهم بالنار، فإنه لا طاقة لأحد مع عذاب الله تعالى، وَاعْفُ عَنَّا [البقرة: ٢٨٦] أي: تجاوز عنا، واغفر لنا أي: استر ذنوبنا، وارحمنا أي: تلطف بنا، أنت مولانا أي: ناصرنا والذي يلي علينا أمورنا، فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٨٦] في إقامة الحجة عليهم وفي غلبتنا إياهم، حتى يظهر ديننا على الدين كله كما وعدتنا.
١٣٨ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَكُلَّمَا قَالَهَا جِبْرِيلُ قَالَهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " رَبَّ الْعَالَمِينَ: قَدْ فَعَلْتُ "
البقرة 2:286
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ {٢٨٥ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ
عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ٢٨٦ } [البقرة: ٢٨٥-٢٨٦] قوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ [البقرة: ٢٨٥] قال الزجاج: لما ذكر الله عز وجل في هذه ال [فرض الصلاة والزكاة والطلاق والإيلاء والجهاد، ختم السورة بذكر تصديق نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمؤمنين بجميع ذلك، وهو قوله:] كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [سورة البقرة: ٢٨٥] وقرأ حمزة وكتابه على التوحيد، أراد اسم الجنس، كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس، يراد به الجمع وإن أفرد.
وقوله: لا نفرق أي: يقولون: لا نفرق.
بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥] ومعناه: لا نفعل كما فعل أهل الكتاب، حيث آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، بل نجمع بين الرسل كلهم في الإيمان بهم.
وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [البقرة: ٢٨٥] أي: سمعنا قوله، وأطعنا أمره، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا [البقرة: ٢٨٥] أي: اغفر غفرانك، ويستغنى بالمصدر عن الفعل في الدعاء، نحو سقيا ورعيا، وإليك المصير هذا إقرار منهم بالبعث.
قوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦] الوسع: اسم لما يسع الإنسان ولا يضيق عنه، وهذه الآية نسخت قوله: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ [البقرة: ٢٨٤] الآية.
والمعنى: لا يكلفها إلا يسرها لا عسرها، لَهَا مَا كَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦] من العمل بالطاعة، وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦] من العمل بالإثم، والكسب والاكتساب بمعنى واحد، {
رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا} [البقرة: ٢٨٦] قال الحسن: معناه: قولوا ربنا.
على التعليم للدعاء.
ومعنى لا تُؤَاخِذْنَا [البقرة: ٢٨٦] لا تعاقبنا، إن نسينا أي: تركنا شيئا من اللازم لنا، أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦] قال أبو عبيدة: يقال: أخطأ وخطئ لغتان.
ومعنى أخطأنا ههنا: أثمنا وتعمدنا الإثم، رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا [البقرة: ٢٨٦] أي: عهدا وميثاقا لا نطيقه ولا نستطيع القيام به، كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة: ٢٨٦] أي: على اليهود، فلم يقوموا به، وهذا قول قتادة ومجاهد والسدي.
قوله: رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ [البقرة: ٢٨٦] أي: من العذاب، كأنهم سألوا الله أن لا يعذبهم بالنار، فإنه لا طاقة لأحد مع عذاب الله تعالى، وَاعْفُ عَنَّا [البقرة: ٢٨٦] أي: تجاوز عنا، واغفر لنا أي: استر ذنوبنا، وارحمنا أي: تلطف بنا، أنت مولانا أي: ناصرنا والذي يلي علينا أمورنا، فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٨٦] في إقامة الحجة عليهم وفي غلبتنا إياهم، حتى يظهر ديننا على الدين كله كما وعدتنا.
١٣٨ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَكُلَّمَا قَالَهَا جِبْرِيلُ قَالَهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " رَبَّ الْعَالَمِينَ: قَدْ فَعَلْتُ "
آل عمران 3:1
سورة آل عمران
مدنية وآياتها مائتان
١٣٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْخَفَّافُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ أُعْطِيَ بِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا أَمَانًا عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ»
١٤٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقُرَشِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَسُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ وَإِنَّهُمَا يُظِلانِ صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ غَيَابَتَانِ، أَوْ فِرْقَانِ، مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍّ»
الم {١ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ٢ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ٣ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ٤ إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ٥ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٦ } [آل عمران: ١-٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم وتفسير الم قد تقدم، وكذلك تفسير اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران: ٢].
وقوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران: ٣] يعني القرآن، وإنما قال: نزل.
ثم قال: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ [آل عمران: ٣] لأن التنزيل للتكثير، والقرآن نزل نجوما شيئا بعد شيء، والتوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة.
وقوله: بالحق أي: بالصدق في أخباره وجميع دلالاته، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران: ٣] موافقا لما تقدم الخبر به في سائر الكتب، وفي ذلك دليل على صحة نبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران: ٣] من مجاز الكلام، وذلك أن ما بين يديك فهو أمامك، فقيل لكل ما تقدم على الشيء: هو بين يديه.
وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ [آل عمران: ٣] وهي اسم لكتاب موسى، والإنجيل اسم لكتاب عيسى.
من قبل من قبل القرآن هدى للناس هاديين لمن آمن بهما إلى طريق الحق، وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران: ٤] يعني كتاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي فرق بين الحق والباطل.
قال السدي: في الآية تقديم وتأخير، لأن التقدير: وأنزل التوراة والإنجيل وأنزل الفرقان هدى للناس.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ [آل عمران: ٤] بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والقرآن، لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [آل عمران: ٤] في النار، وَاللَّهُ عَزِيزٌ [آل عمران: ٤] غالب قوي، ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران: ٤] ممن كفر به، يقال: انتقم منه انتقاما، إذا كافأه عقوبة بما صنع.
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ٥] لا يغيب عن علمه شيء فيهما.
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ [آل عمران: ٦] جمع رحم، وهي مستقر الولد في بطن الأم، كيف يشاء ذكرا أو
أنثى، قصيرا أو طويلا، أسود أو أبيض، سعيدا أو شقيا، لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ [آل عمران: ٦] في ملكه، الحكيم في خلقه.
آل عمران 3:2
سورة آل عمران
مدنية وآياتها مائتان
١٣٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْخَفَّافُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ أُعْطِيَ بِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا أَمَانًا عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ»
١٤٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقُرَشِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَسُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ وَإِنَّهُمَا يُظِلانِ صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ غَيَابَتَانِ، أَوْ فِرْقَانِ، مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍّ»
الم {١ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ٢ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ٣ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ٤ إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ٥ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٦ } [آل عمران: ١-٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم وتفسير الم قد تقدم، وكذلك تفسير اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران: ٢].
وقوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران: ٣] يعني القرآن، وإنما قال: نزل.
ثم قال: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ [آل عمران: ٣] لأن التنزيل للتكثير، والقرآن نزل نجوما شيئا بعد شيء، والتوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة.
وقوله: بالحق أي: بالصدق في أخباره وجميع دلالاته، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران: ٣] موافقا لما تقدم الخبر به في سائر الكتب، وفي ذلك دليل على صحة نبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران: ٣] من مجاز الكلام، وذلك أن ما بين يديك فهو أمامك، فقيل لكل ما تقدم على الشيء: هو بين يديه.
وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ [آل عمران: ٣] وهي اسم لكتاب موسى، والإنجيل اسم لكتاب عيسى.
من قبل من قبل القرآن هدى للناس هاديين لمن آمن بهما إلى طريق الحق، وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران: ٤] يعني كتاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي فرق بين الحق والباطل.
قال السدي: في الآية تقديم وتأخير، لأن التقدير: وأنزل التوراة والإنجيل وأنزل الفرقان هدى للناس.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ [آل عمران: ٤] بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والقرآن، لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [آل عمران: ٤] في النار، وَاللَّهُ عَزِيزٌ [آل عمران: ٤] غالب قوي، ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران: ٤] ممن كفر به، يقال: انتقم منه انتقاما، إذا كافأه عقوبة بما صنع.
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ٥] لا يغيب عن علمه شيء فيهما.
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ [آل عمران: ٦] جمع رحم، وهي مستقر الولد في بطن الأم، كيف يشاء ذكرا أو
أنثى، قصيرا أو طويلا، أسود أو أبيض، سعيدا أو شقيا، لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ [آل عمران: ٦] في ملكه، الحكيم في خلقه.
آل عمران 3:3
سورة آل عمران
مدنية وآياتها مائتان
١٣٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْخَفَّافُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ أُعْطِيَ بِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا أَمَانًا عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ»
١٤٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقُرَشِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَسُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ وَإِنَّهُمَا يُظِلانِ صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ غَيَابَتَانِ، أَوْ فِرْقَانِ، مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍّ»
الم {١ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ٢ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ٣ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ٤ إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ٥ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٦ } [آل عمران: ١-٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم وتفسير الم قد تقدم، وكذلك تفسير اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران: ٢].
وقوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران: ٣] يعني القرآن، وإنما قال: نزل.
ثم قال: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ [آل عمران: ٣] لأن التنزيل للتكثير، والقرآن نزل نجوما شيئا بعد شيء، والتوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة.
وقوله: بالحق أي: بالصدق في أخباره وجميع دلالاته، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران: ٣] موافقا لما تقدم الخبر به في سائر الكتب، وفي ذلك دليل على صحة نبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران: ٣] من مجاز الكلام، وذلك أن ما بين يديك فهو أمامك، فقيل لكل ما تقدم على الشيء: هو بين يديه.
وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ [آل عمران: ٣] وهي اسم لكتاب موسى، والإنجيل اسم لكتاب عيسى.
من قبل من قبل القرآن هدى للناس هاديين لمن آمن بهما إلى طريق الحق، وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران: ٤] يعني كتاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي فرق بين الحق والباطل.
قال السدي: في الآية تقديم وتأخير، لأن التقدير: وأنزل التوراة والإنجيل وأنزل الفرقان هدى للناس.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ [آل عمران: ٤] بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والقرآن، لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [آل عمران: ٤] في النار، وَاللَّهُ عَزِيزٌ [آل عمران: ٤] غالب قوي، ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران: ٤] ممن كفر به، يقال: انتقم منه انتقاما، إذا كافأه عقوبة بما صنع.
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ٥] لا يغيب عن علمه شيء فيهما.
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ [آل عمران: ٦] جمع رحم، وهي مستقر الولد في بطن الأم، كيف يشاء ذكرا أو
أنثى، قصيرا أو طويلا، أسود أو أبيض، سعيدا أو شقيا، لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ [آل عمران: ٦] في ملكه، الحكيم في خلقه.
آل عمران 3:4
سورة آل عمران
مدنية وآياتها مائتان
١٣٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْخَفَّافُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ أُعْطِيَ بِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا أَمَانًا عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ»
١٤٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقُرَشِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَسُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ وَإِنَّهُمَا يُظِلانِ صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ غَيَابَتَانِ، أَوْ فِرْقَانِ، مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍّ»
الم {١ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ٢ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ٣ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ٤ إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ٥ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٦ } [آل عمران: ١-٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم وتفسير الم قد تقدم، وكذلك تفسير اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران: ٢].
وقوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران: ٣] يعني القرآن، وإنما قال: نزل.
ثم قال: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ [آل عمران: ٣] لأن التنزيل للتكثير، والقرآن نزل نجوما شيئا بعد شيء، والتوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة.
وقوله: بالحق أي: بالصدق في أخباره وجميع دلالاته، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران: ٣] موافقا لما تقدم الخبر به في سائر الكتب، وفي ذلك دليل على صحة نبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران: ٣] من مجاز الكلام، وذلك أن ما بين يديك فهو أمامك، فقيل لكل ما تقدم على الشيء: هو بين يديه.
وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ [آل عمران: ٣] وهي اسم لكتاب موسى، والإنجيل اسم لكتاب عيسى.
من قبل من قبل القرآن هدى للناس هاديين لمن آمن بهما إلى طريق الحق، وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران: ٤] يعني كتاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي فرق بين الحق والباطل.
قال السدي: في الآية تقديم وتأخير، لأن التقدير: وأنزل التوراة والإنجيل وأنزل الفرقان هدى للناس.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ [آل عمران: ٤] بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والقرآن، لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [آل عمران: ٤] في النار، وَاللَّهُ عَزِيزٌ [آل عمران: ٤] غالب قوي، ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران: ٤] ممن كفر به، يقال: انتقم منه انتقاما، إذا كافأه عقوبة بما صنع.
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ٥] لا يغيب عن علمه شيء فيهما.
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ [آل عمران: ٦] جمع رحم، وهي مستقر الولد في بطن الأم، كيف يشاء ذكرا أو
أنثى، قصيرا أو طويلا، أسود أو أبيض، سعيدا أو شقيا، لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ [آل عمران: ٦] في ملكه، الحكيم في خلقه.
آل عمران 3:5
سورة آل عمران
مدنية وآياتها مائتان
١٣٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْخَفَّافُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ أُعْطِيَ بِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا أَمَانًا عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ»
١٤٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقُرَشِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَسُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ وَإِنَّهُمَا يُظِلانِ صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ غَيَابَتَانِ، أَوْ فِرْقَانِ، مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍّ»
الم {١ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ٢ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ٣ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ٤ إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ٥ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٦ } [آل عمران: ١-٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم وتفسير الم قد تقدم، وكذلك تفسير اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران: ٢].
وقوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران: ٣] يعني القرآن، وإنما قال: نزل.
ثم قال: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ [آل عمران: ٣] لأن التنزيل للتكثير، والقرآن نزل نجوما شيئا بعد شيء، والتوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة.
وقوله: بالحق أي: بالصدق في أخباره وجميع دلالاته، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران: ٣] موافقا لما تقدم الخبر به في سائر الكتب، وفي ذلك دليل على صحة نبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران: ٣] من مجاز الكلام، وذلك أن ما بين يديك فهو أمامك، فقيل لكل ما تقدم على الشيء: هو بين يديه.
وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ [آل عمران: ٣] وهي اسم لكتاب موسى، والإنجيل اسم لكتاب عيسى.
من قبل من قبل القرآن هدى للناس هاديين لمن آمن بهما إلى طريق الحق، وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران: ٤] يعني كتاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي فرق بين الحق والباطل.
قال السدي: في الآية تقديم وتأخير، لأن التقدير: وأنزل التوراة والإنجيل وأنزل الفرقان هدى للناس.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ [آل عمران: ٤] بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والقرآن، لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [آل عمران: ٤] في النار، وَاللَّهُ عَزِيزٌ [آل عمران: ٤] غالب قوي، ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران: ٤] ممن كفر به، يقال: انتقم منه انتقاما، إذا كافأه عقوبة بما صنع.
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ٥] لا يغيب عن علمه شيء فيهما.
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ [آل عمران: ٦] جمع رحم، وهي مستقر الولد في بطن الأم، كيف يشاء ذكرا أو
أنثى، قصيرا أو طويلا، أسود أو أبيض، سعيدا أو شقيا، لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ [آل عمران: ٦] في ملكه، الحكيم في خلقه.
آل عمران 3:6
سورة آل عمران
مدنية وآياتها مائتان
١٣٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْخَفَّافُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ أُعْطِيَ بِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا أَمَانًا عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ»
١٤٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقُرَشِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَسُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ وَإِنَّهُمَا يُظِلانِ صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ غَيَابَتَانِ، أَوْ فِرْقَانِ، مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍّ»
الم {١ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ٢ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ٣ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ٤ إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ٥ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٦ } [آل عمران: ١-٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم وتفسير الم قد تقدم، وكذلك تفسير اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران: ٢].
وقوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران: ٣] يعني القرآن، وإنما قال: نزل.
ثم قال: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ [آل عمران: ٣] لأن التنزيل للتكثير، والقرآن نزل نجوما شيئا بعد شيء، والتوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة.
وقوله: بالحق أي: بالصدق في أخباره وجميع دلالاته، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران: ٣] موافقا لما تقدم الخبر به في سائر الكتب، وفي ذلك دليل على صحة نبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران: ٣] من مجاز الكلام، وذلك أن ما بين يديك فهو أمامك، فقيل لكل ما تقدم على الشيء: هو بين يديه.
وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ [آل عمران: ٣] وهي اسم لكتاب موسى، والإنجيل اسم لكتاب عيسى.
من قبل من قبل القرآن هدى للناس هاديين لمن آمن بهما إلى طريق الحق، وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران: ٤] يعني كتاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي فرق بين الحق والباطل.
قال السدي: في الآية تقديم وتأخير، لأن التقدير: وأنزل التوراة والإنجيل وأنزل الفرقان هدى للناس.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ [آل عمران: ٤] بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والقرآن، لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [آل عمران: ٤] في النار، وَاللَّهُ عَزِيزٌ [آل عمران: ٤] غالب قوي، ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران: ٤] ممن كفر به، يقال: انتقم منه انتقاما، إذا كافأه عقوبة بما صنع.
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ٥] لا يغيب عن علمه شيء فيهما.
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ [آل عمران: ٦] جمع رحم، وهي مستقر الولد في بطن الأم، كيف يشاء ذكرا أو
أنثى، قصيرا أو طويلا، أسود أو أبيض، سعيدا أو شقيا، لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ [آل عمران: ٦] في ملكه، الحكيم في خلقه.
آل عمران 3:7
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ {٧ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ٨ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ٩ } [آل عمران: ٧-٩] قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [آل عمران: ٧] قال ابن عباس، في رواية عطاء المحكمات: هي الثلاث آيات في آخر [الأنعام] قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ [سورة الأنعام: ١٥١] إلى آخر الآيات الثلاث.
وهذه الآيات محكمات لأنها لا تحتمل من التأويل غير وجه واحد.
قال ابن الأنباري: الآية المحكمة: التي منعت كثرة التأويلات، لأنها لا تحتمل إلا تفسيرا واحدا.
هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧] أي: أصل الكتاب الذي يعمل عليه، والآيات الثلاث في الأنعام هن أم كل كتاب أنزله الله على النبي، فيهن كل ما أحل وفيهن كل ما حرم.
ووحد الأم بعد قوله: هن لأنهن بكمالهن أم، وليست كل واحدة منهن أم الكتاب على انفرادها.
وقوله: وأخر جمع أخرى، متشابهات يريد: التي تشابهت على اليهود، وهي حروف التهجي في أوائل السور، وذلك لأنهم أولوها على حساب الجمل، وطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة، فاختلط عليهم واشتبه.
والمتشابه من القرآن: ما احتمل من التأويل أوجها، وسمي متشابها لأن لفظه يشبه لفظ غيره، ومعناه يخالف معناه، قال الله تعالى في وصف ثمار الجنة: وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا [البقرة: ٢٥] أي: متفق المناظر مختلف الطعوم.
ثم يقال لكل ما غمض ودق: متشابه.
وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه بغيره، ألا ترى أنه قيل للحروف المقطعة في أوائل السور: متشابه.
وليس الشك فيها لمشاكلتها غيرها والتباسها به.
وقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران: ٧] أي: ميل عن الحق، وهم اليهود، طلبوا علم أجل هذه الأمة واستخراجه من الحروف المقطعة، وهو قوله: فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ [آل عمران: ٧] قال مجاهد: طلب اللبس ليضلوا به جهالهم.
وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران: ٧] التأويل: التفسير، ومعناه: ما يئول إليه الشيء، أي: يرجع، قال ابن عباس: وابتغاء تأويله: طلب مدة أجل أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال الله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ [آل عمران: ٧] يريد: ما يعلم انقضاء مدة ملك أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا الله، لأن انقضاء ملك هذه الأمة مع قيام الساعة، ولا يعلم ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل.
ثم ابتدأ وقال: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران: ٧] أي: الثابتون فيه، والرسوخ في اللغة: الثبوت في الشيء.
وعند أكثر المفسرين: المراد بالراسخين: علماء مؤمني أهل الكتاب، قال ابن عباس ومجاهد والسدي:
بقولهم آمنا به سماهم الله تعالى راسخين في العلم، فرسوخهم في العلم: قولهم: آمنا به أي: بالمتشابه، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧] المحكم والمتشابه وما علمناه وما لم نعلمه.
١٤١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْهِسِنْجَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: فَوَجْهٌ حَلالٌ وَحَرَامٌ لا يَسَعُ أَحَدًا جَهَالَتُهُمَا، وَوَجْهٌ عَرَبِيٌّ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ، وَوَجْهُ تَأْوِيلٍ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَوَجْهُ تَأْوِيلٍ لا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ فَمَنِ انْتَحَلَ فِيهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَبَ
وقوله: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ [آل عمران: ٧] أي: ما يتعظ بالقرآن إلا ذوو العقول.
قوله: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا [آل عمران: ٨] أي: ويقول الراسخون: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا [آل عمران: ٨].
لا تملها عن الهوى والقصد كما أزغت قلوب اليهود والنصارى والذين في قلوبهم زيغ، بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [آل عمران: ٨] للإيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك.
وروت أم سلمة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
ثم قرأ: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: ٨].
قوله: رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ [آل عمران: ٩] يعني: يوم القيامة يجمعهم الله للجزاء في ذلك اليوم، وهذا إقرار من المؤمنين بالبعث، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران: ٩] يعني: ميعاد الجمع والبعث.
آل عمران 3:8
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ {٧ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ٨ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ٩ } [آل عمران: ٧-٩] قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [آل عمران: ٧] قال ابن عباس، في رواية عطاء المحكمات: هي الثلاث آيات في آخر [الأنعام] قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ [سورة الأنعام: ١٥١] إلى آخر الآيات الثلاث.
وهذه الآيات محكمات لأنها لا تحتمل من التأويل غير وجه واحد.
قال ابن الأنباري: الآية المحكمة: التي منعت كثرة التأويلات، لأنها لا تحتمل إلا تفسيرا واحدا.
هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧] أي: أصل الكتاب الذي يعمل عليه، والآيات الثلاث في الأنعام هن أم كل كتاب أنزله الله على النبي، فيهن كل ما أحل وفيهن كل ما حرم.
ووحد الأم بعد قوله: هن لأنهن بكمالهن أم، وليست كل واحدة منهن أم الكتاب على انفرادها.
وقوله: وأخر جمع أخرى، متشابهات يريد: التي تشابهت على اليهود، وهي حروف التهجي في أوائل السور، وذلك لأنهم أولوها على حساب الجمل، وطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة، فاختلط عليهم واشتبه.
والمتشابه من القرآن: ما احتمل من التأويل أوجها، وسمي متشابها لأن لفظه يشبه لفظ غيره، ومعناه يخالف معناه، قال الله تعالى في وصف ثمار الجنة: وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا [البقرة: ٢٥] أي: متفق المناظر مختلف الطعوم.
ثم يقال لكل ما غمض ودق: متشابه.
وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه بغيره، ألا ترى أنه قيل للحروف المقطعة في أوائل السور: متشابه.
وليس الشك فيها لمشاكلتها غيرها والتباسها به.
وقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران: ٧] أي: ميل عن الحق، وهم اليهود، طلبوا علم أجل هذه الأمة واستخراجه من الحروف المقطعة، وهو قوله: فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ [آل عمران: ٧] قال مجاهد: طلب اللبس ليضلوا به جهالهم.
وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران: ٧] التأويل: التفسير، ومعناه: ما يئول إليه الشيء، أي: يرجع، قال ابن عباس: وابتغاء تأويله: طلب مدة أجل أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال الله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ [آل عمران: ٧] يريد: ما يعلم انقضاء مدة ملك أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا الله، لأن انقضاء ملك هذه الأمة مع قيام الساعة، ولا يعلم ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل.
ثم ابتدأ وقال: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران: ٧] أي: الثابتون فيه، والرسوخ في اللغة: الثبوت في الشيء.
وعند أكثر المفسرين: المراد بالراسخين: علماء مؤمني أهل الكتاب، قال ابن عباس ومجاهد والسدي:
بقولهم آمنا به سماهم الله تعالى راسخين في العلم، فرسوخهم في العلم: قولهم: آمنا به أي: بالمتشابه، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧] المحكم والمتشابه وما علمناه وما لم نعلمه.
١٤١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْهِسِنْجَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: فَوَجْهٌ حَلالٌ وَحَرَامٌ لا يَسَعُ أَحَدًا جَهَالَتُهُمَا، وَوَجْهٌ عَرَبِيٌّ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ، وَوَجْهُ تَأْوِيلٍ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَوَجْهُ تَأْوِيلٍ لا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ فَمَنِ انْتَحَلَ فِيهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَبَ
وقوله: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ [آل عمران: ٧] أي: ما يتعظ بالقرآن إلا ذوو العقول.
قوله: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا [آل عمران: ٨] أي: ويقول الراسخون: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا [آل عمران: ٨].
لا تملها عن الهوى والقصد كما أزغت قلوب اليهود والنصارى والذين في قلوبهم زيغ، بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [آل عمران: ٨] للإيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك.
وروت أم سلمة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
ثم قرأ: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: ٨].
قوله: رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ [آل عمران: ٩] يعني: يوم القيامة يجمعهم الله للجزاء في ذلك اليوم، وهذا إقرار من المؤمنين بالبعث، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران: ٩] يعني: ميعاد الجمع والبعث.
آل عمران 3:9
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ {٧ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ٨ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ٩ } [آل عمران: ٧-٩] قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [آل عمران: ٧] قال ابن عباس، في رواية عطاء المحكمات: هي الثلاث آيات في آخر [الأنعام] قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ [سورة الأنعام: ١٥١] إلى آخر الآيات الثلاث.
وهذه الآيات محكمات لأنها لا تحتمل من التأويل غير وجه واحد.
قال ابن الأنباري: الآية المحكمة: التي منعت كثرة التأويلات، لأنها لا تحتمل إلا تفسيرا واحدا.
هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧] أي: أصل الكتاب الذي يعمل عليه، والآيات الثلاث في الأنعام هن أم كل كتاب أنزله الله على النبي، فيهن كل ما أحل وفيهن كل ما حرم.
ووحد الأم بعد قوله: هن لأنهن بكمالهن أم، وليست كل واحدة منهن أم الكتاب على انفرادها.
وقوله: وأخر جمع أخرى، متشابهات يريد: التي تشابهت على اليهود، وهي حروف التهجي في أوائل السور، وذلك لأنهم أولوها على حساب الجمل، وطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة، فاختلط عليهم واشتبه.
والمتشابه من القرآن: ما احتمل من التأويل أوجها، وسمي متشابها لأن لفظه يشبه لفظ غيره، ومعناه يخالف معناه، قال الله تعالى في وصف ثمار الجنة: وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا [البقرة: ٢٥] أي: متفق المناظر مختلف الطعوم.
ثم يقال لكل ما غمض ودق: متشابه.
وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه بغيره، ألا ترى أنه قيل للحروف المقطعة في أوائل السور: متشابه.
وليس الشك فيها لمشاكلتها غيرها والتباسها به.
وقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران: ٧] أي: ميل عن الحق، وهم اليهود، طلبوا علم أجل هذه الأمة واستخراجه من الحروف المقطعة، وهو قوله: فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ [آل عمران: ٧] قال مجاهد: طلب اللبس ليضلوا به جهالهم.
وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران: ٧] التأويل: التفسير، ومعناه: ما يئول إليه الشيء، أي: يرجع، قال ابن عباس: وابتغاء تأويله: طلب مدة أجل أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال الله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ [آل عمران: ٧] يريد: ما يعلم انقضاء مدة ملك أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا الله، لأن انقضاء ملك هذه الأمة مع قيام الساعة، ولا يعلم ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل.
ثم ابتدأ وقال: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران: ٧] أي: الثابتون فيه، والرسوخ في اللغة: الثبوت في الشيء.
وعند أكثر المفسرين: المراد بالراسخين: علماء مؤمني أهل الكتاب، قال ابن عباس ومجاهد والسدي:
بقولهم آمنا به سماهم الله تعالى راسخين في العلم، فرسوخهم في العلم: قولهم: آمنا به أي: بالمتشابه، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧] المحكم والمتشابه وما علمناه وما لم نعلمه.
١٤١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْهِسِنْجَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: فَوَجْهٌ حَلالٌ وَحَرَامٌ لا يَسَعُ أَحَدًا جَهَالَتُهُمَا، وَوَجْهٌ عَرَبِيٌّ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ، وَوَجْهُ تَأْوِيلٍ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَوَجْهُ تَأْوِيلٍ لا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ فَمَنِ انْتَحَلَ فِيهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَبَ
وقوله: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ [آل عمران: ٧] أي: ما يتعظ بالقرآن إلا ذوو العقول.
قوله: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا [آل عمران: ٨] أي: ويقول الراسخون: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا [آل عمران: ٨].
لا تملها عن الهوى والقصد كما أزغت قلوب اليهود والنصارى والذين في قلوبهم زيغ، بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [آل عمران: ٨] للإيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك.
وروت أم سلمة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
ثم قرأ: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: ٨].
قوله: رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ [آل عمران: ٩] يعني: يوم القيامة يجمعهم الله للجزاء في ذلك اليوم، وهذا إقرار من المؤمنين بالبعث، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران: ٩] يعني: ميعاد الجمع والبعث.
آل عمران 3:10
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ {١٠ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ١١ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ١٢ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ ١٣ } [آل عمران: ١٠-١٣] قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ١٠] قال ابن عباس: يعني قريظة والنضير.
لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ [آل عمران: ١٠] لن تنفع ولن تدفع عنهم أموالهم، وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ١٠] قال الكلبي: من عذاب الله.
شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ [آل عمران: ١٠] أي: هم الذين توقد بهم النار.
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ [آل عمران: ١١] قال ابن عباس ومجاهد والسدي: كفعل آل فرعون وصنيعهم في الكفر والتكذيب، يريد: أن اليهود كفرت بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كعادة آل فرعون في تكذيب موسى بعدما عرفوا صدقه.
والمعنى: دأبهم في الكفر كدأب آل فرعون، والدأب معناه في اللغة: الأمر والشأن والعادة، وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [آل عمران: ١١] يعني كفار الأمم الخالية، كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [آل عمران: ١١].
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ١٢] قال ابن عباس: يعني يهود المدينة، وقال مقاتل: يعني مشركي مكة.
سَتُغْلَبُونَ [آل عمران: ١٢] ستصيرون مغلوبين بنصرة الله المؤمنين عليكم، وقد فعل ذلك، فاليهود غلبوا بوضع الجزية عليهم، والمشركون غلبوا بالسيف.
قوله: وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ [آل عمران: ١٢] وعيد لهم بالنار.
وقرئ بالتاء والياء، قال الفراء: يجوز في مثل هذا التاء والياء، لأنك تقول في الكلام: قل لعبد الله أنه قائم وأنك قائم.
وفي حرف عبد الله قل للذين كفروا إن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف قوله: وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران: ١٢] قال ابن عباس: بئس ما قد مهد لكم وبئس ما مهدتم لأنفسكم.
قوله: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ [آل عمران: ١٣] يخاطب الذين ذكرهم في قوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ١٢] وأراد بالآية: علامة تدل على صدق محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فِي فِئَتَيْنِ [آل عمران: ١٣] يعني: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه يوم بدر، ومشركي مكة حين خرجوا لقتاله، الْتَقَتَا [آل عمران: ١٣] اجتمعتا، فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [آل عمران: ١٣] وهم المؤمنون، وَأُخْرَى كَافِرَةٌ [آل عمران: ١٣] يعني المشركين، يَرَوْنَهُمْ [آل عمران: ١٣] ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة، مِثْلَيْهِمْ [آل عمران: ١٣] وهم كانوا ثلاثة أمثالهم.
ولكن الله أرى المسلمين أن المشركين لا يزيدون عن مثليهم، وذلك أن الله كان قد أعلم المسلمين أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار فأراهم المشركين على قدر ما أعلمهم أنهم يغلبونهم لتقوى قلوبهم.
ومن قرأ ترونهم بالتاء فلأن ما قبله خطاب لليهود، والمعنى: ترون أيها اليهود المشركين ضعفي المؤمنين، على ما ذكرنا من تقليل الله المشركين في الأعين.
وقوله: رَأْيَ الْعَيْنِ [آل عمران: ١٣] يجوز أن تكون مصدرا، يقال: رأيته رأيا ورؤية.
ويجوز أن تكون ظرفا للمكان، كما تقول: ترونهم أمامكم.
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ [آل عمران: ١٣] يقوي، بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ١٣] يعني: المؤمنين نصرهم يوم بدر على قلتهم، إِنَّ فِي ذَلِكَ [آل عمران: ١٣] أي:
فيما فعل من نصرة المؤمنين، لَعِبْرَةً [آل عمران: ١٣] العبرة: الاعتبار، وهي الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم، وأصله من العبور، وهو النفوذ من جانب إلى جانب، لأن المعتبر بالشيء تارك جهله وواصل إلى علمه بما رأى.
وقوله: لأُولِي الأَبْصَارِ [آل عمران: ١٣] أي: لأولي العقول، يقال: لفلان بصر بهذا الأمر.
أي: علم ومعرفة.
آل عمران 3:11
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ {١٠ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ١١ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ١٢ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ ١٣ } [آل عمران: ١٠-١٣] قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ١٠] قال ابن عباس: يعني قريظة والنضير.
لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ [آل عمران: ١٠] لن تنفع ولن تدفع عنهم أموالهم، وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ١٠] قال الكلبي: من عذاب الله.
شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ [آل عمران: ١٠] أي: هم الذين توقد بهم النار.
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ [آل عمران: ١١] قال ابن عباس ومجاهد والسدي: كفعل آل فرعون وصنيعهم في الكفر والتكذيب، يريد: أن اليهود كفرت بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كعادة آل فرعون في تكذيب موسى بعدما عرفوا صدقه.
والمعنى: دأبهم في الكفر كدأب آل فرعون، والدأب معناه في اللغة: الأمر والشأن والعادة، وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [آل عمران: ١١] يعني كفار الأمم الخالية، كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [آل عمران: ١١].
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ١٢] قال ابن عباس: يعني يهود المدينة، وقال مقاتل: يعني مشركي مكة.
سَتُغْلَبُونَ [آل عمران: ١٢] ستصيرون مغلوبين بنصرة الله المؤمنين عليكم، وقد فعل ذلك، فاليهود غلبوا بوضع الجزية عليهم، والمشركون غلبوا بالسيف.
قوله: وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ [آل عمران: ١٢] وعيد لهم بالنار.
وقرئ بالتاء والياء، قال الفراء: يجوز في مثل هذا التاء والياء، لأنك تقول في الكلام: قل لعبد الله أنه قائم وأنك قائم.
وفي حرف عبد الله قل للذين كفروا إن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف قوله: وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران: ١٢] قال ابن عباس: بئس ما قد مهد لكم وبئس ما مهدتم لأنفسكم.
قوله: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ [آل عمران: ١٣] يخاطب الذين ذكرهم في قوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ١٢] وأراد بالآية: علامة تدل على صدق محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فِي فِئَتَيْنِ [آل عمران: ١٣] يعني: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه يوم بدر، ومشركي مكة حين خرجوا لقتاله، الْتَقَتَا [آل عمران: ١٣] اجتمعتا، فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [آل عمران: ١٣] وهم المؤمنون، وَأُخْرَى كَافِرَةٌ [آل عمران: ١٣] يعني المشركين، يَرَوْنَهُمْ [آل عمران: ١٣] ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة، مِثْلَيْهِمْ [آل عمران: ١٣] وهم كانوا ثلاثة أمثالهم.
ولكن الله أرى المسلمين أن المشركين لا يزيدون عن مثليهم، وذلك أن الله كان قد أعلم المسلمين أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار فأراهم المشركين على قدر ما أعلمهم أنهم يغلبونهم لتقوى قلوبهم.
ومن قرأ ترونهم بالتاء فلأن ما قبله خطاب لليهود، والمعنى: ترون أيها اليهود المشركين ضعفي المؤمنين، على ما ذكرنا من تقليل الله المشركين في الأعين.
وقوله: رَأْيَ الْعَيْنِ [آل عمران: ١٣] يجوز أن تكون مصدرا، يقال: رأيته رأيا ورؤية.
ويجوز أن تكون ظرفا للمكان، كما تقول: ترونهم أمامكم.
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ [آل عمران: ١٣] يقوي، بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ١٣] يعني: المؤمنين نصرهم يوم بدر على قلتهم، إِنَّ فِي ذَلِكَ [آل عمران: ١٣] أي:
فيما فعل من نصرة المؤمنين، لَعِبْرَةً [آل عمران: ١٣] العبرة: الاعتبار، وهي الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم، وأصله من العبور، وهو النفوذ من جانب إلى جانب، لأن المعتبر بالشيء تارك جهله وواصل إلى علمه بما رأى.
وقوله: لأُولِي الأَبْصَارِ [آل عمران: ١٣] أي: لأولي العقول، يقال: لفلان بصر بهذا الأمر.
أي: علم ومعرفة.
آل عمران 3:12
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ {١٠ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ١١ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ١٢ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ ١٣ } [آل عمران: ١٠-١٣] قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ١٠] قال ابن عباس: يعني قريظة والنضير.
لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ [آل عمران: ١٠] لن تنفع ولن تدفع عنهم أموالهم، وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ١٠] قال الكلبي: من عذاب الله.
شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ [آل عمران: ١٠] أي: هم الذين توقد بهم النار.
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ [آل عمران: ١١] قال ابن عباس ومجاهد والسدي: كفعل آل فرعون وصنيعهم في الكفر والتكذيب، يريد: أن اليهود كفرت بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كعادة آل فرعون في تكذيب موسى بعدما عرفوا صدقه.
والمعنى: دأبهم في الكفر كدأب آل فرعون، والدأب معناه في اللغة: الأمر والشأن والعادة، وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [آل عمران: ١١] يعني كفار الأمم الخالية، كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [آل عمران: ١١].
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ١٢] قال ابن عباس: يعني يهود المدينة، وقال مقاتل: يعني مشركي مكة.
سَتُغْلَبُونَ [آل عمران: ١٢] ستصيرون مغلوبين بنصرة الله المؤمنين عليكم، وقد فعل ذلك، فاليهود غلبوا بوضع الجزية عليهم، والمشركون غلبوا بالسيف.
قوله: وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ [آل عمران: ١٢] وعيد لهم بالنار.
وقرئ بالتاء والياء، قال الفراء: يجوز في مثل هذا التاء والياء، لأنك تقول في الكلام: قل لعبد الله أنه قائم وأنك قائم.
وفي حرف عبد الله قل للذين كفروا إن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف قوله: وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران: ١٢] قال ابن عباس: بئس ما قد مهد لكم وبئس ما مهدتم لأنفسكم.
قوله: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ [آل عمران: ١٣] يخاطب الذين ذكرهم في قوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ١٢] وأراد بالآية: علامة تدل على صدق محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فِي فِئَتَيْنِ [آل عمران: ١٣] يعني: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه يوم بدر، ومشركي مكة حين خرجوا لقتاله، الْتَقَتَا [آل عمران: ١٣] اجتمعتا، فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [آل عمران: ١٣] وهم المؤمنون، وَأُخْرَى كَافِرَةٌ [آل عمران: ١٣] يعني المشركين، يَرَوْنَهُمْ [آل عمران: ١٣] ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة، مِثْلَيْهِمْ [آل عمران: ١٣] وهم كانوا ثلاثة أمثالهم.
ولكن الله أرى المسلمين أن المشركين لا يزيدون عن مثليهم، وذلك أن الله كان قد أعلم المسلمين أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار فأراهم المشركين على قدر ما أعلمهم أنهم يغلبونهم لتقوى قلوبهم.
ومن قرأ ترونهم بالتاء فلأن ما قبله خطاب لليهود، والمعنى: ترون أيها اليهود المشركين ضعفي المؤمنين، على ما ذكرنا من تقليل الله المشركين في الأعين.
وقوله: رَأْيَ الْعَيْنِ [آل عمران: ١٣] يجوز أن تكون مصدرا، يقال: رأيته رأيا ورؤية.
ويجوز أن تكون ظرفا للمكان، كما تقول: ترونهم أمامكم.
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ [آل عمران: ١٣] يقوي، بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ١٣] يعني: المؤمنين نصرهم يوم بدر على قلتهم، إِنَّ فِي ذَلِكَ [آل عمران: ١٣] أي:
فيما فعل من نصرة المؤمنين، لَعِبْرَةً [آل عمران: ١٣] العبرة: الاعتبار، وهي الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم، وأصله من العبور، وهو النفوذ من جانب إلى جانب، لأن المعتبر بالشيء تارك جهله وواصل إلى علمه بما رأى.
وقوله: لأُولِي الأَبْصَارِ [آل عمران: ١٣] أي: لأولي العقول، يقال: لفلان بصر بهذا الأمر.
أي: علم ومعرفة.
آل عمران 3:13
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ {١٠ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ١١ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ١٢ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ ١٣ } [آل عمران: ١٠-١٣] قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ١٠] قال ابن عباس: يعني قريظة والنضير.
لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ [آل عمران: ١٠] لن تنفع ولن تدفع عنهم أموالهم، وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ١٠] قال الكلبي: من عذاب الله.
شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ [آل عمران: ١٠] أي: هم الذين توقد بهم النار.
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ [آل عمران: ١١] قال ابن عباس ومجاهد والسدي: كفعل آل فرعون وصنيعهم في الكفر والتكذيب، يريد: أن اليهود كفرت بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كعادة آل فرعون في تكذيب موسى بعدما عرفوا صدقه.
والمعنى: دأبهم في الكفر كدأب آل فرعون، والدأب معناه في اللغة: الأمر والشأن والعادة، وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [آل عمران: ١١] يعني كفار الأمم الخالية، كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [آل عمران: ١١].
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ١٢] قال ابن عباس: يعني يهود المدينة، وقال مقاتل: يعني مشركي مكة.
سَتُغْلَبُونَ [آل عمران: ١٢] ستصيرون مغلوبين بنصرة الله المؤمنين عليكم، وقد فعل ذلك، فاليهود غلبوا بوضع الجزية عليهم، والمشركون غلبوا بالسيف.
قوله: وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ [آل عمران: ١٢] وعيد لهم بالنار.
وقرئ بالتاء والياء، قال الفراء: يجوز في مثل هذا التاء والياء، لأنك تقول في الكلام: قل لعبد الله أنه قائم وأنك قائم.
وفي حرف عبد الله قل للذين كفروا إن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف قوله: وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران: ١٢] قال ابن عباس: بئس ما قد مهد لكم وبئس ما مهدتم لأنفسكم.
قوله: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ [آل عمران: ١٣] يخاطب الذين ذكرهم في قوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ١٢] وأراد بالآية: علامة تدل على صدق محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فِي فِئَتَيْنِ [آل عمران: ١٣] يعني: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه يوم بدر، ومشركي مكة حين خرجوا لقتاله، الْتَقَتَا [آل عمران: ١٣] اجتمعتا، فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [آل عمران: ١٣] وهم المؤمنون، وَأُخْرَى كَافِرَةٌ [آل عمران: ١٣] يعني المشركين، يَرَوْنَهُمْ [آل عمران: ١٣] ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة، مِثْلَيْهِمْ [آل عمران: ١٣] وهم كانوا ثلاثة أمثالهم.
ولكن الله أرى المسلمين أن المشركين لا يزيدون عن مثليهم، وذلك أن الله كان قد أعلم المسلمين أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار فأراهم المشركين على قدر ما أعلمهم أنهم يغلبونهم لتقوى قلوبهم.
ومن قرأ ترونهم بالتاء فلأن ما قبله خطاب لليهود، والمعنى: ترون أيها اليهود المشركين ضعفي المؤمنين، على ما ذكرنا من تقليل الله المشركين في الأعين.
وقوله: رَأْيَ الْعَيْنِ [آل عمران: ١٣] يجوز أن تكون مصدرا، يقال: رأيته رأيا ورؤية.
ويجوز أن تكون ظرفا للمكان، كما تقول: ترونهم أمامكم.
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ [آل عمران: ١٣] يقوي، بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ١٣] يعني: المؤمنين نصرهم يوم بدر على قلتهم، إِنَّ فِي ذَلِكَ [آل عمران: ١٣] أي:
فيما فعل من نصرة المؤمنين، لَعِبْرَةً [آل عمران: ١٣] العبرة: الاعتبار، وهي الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم، وأصله من العبور، وهو النفوذ من جانب إلى جانب، لأن المعتبر بالشيء تارك جهله وواصل إلى علمه بما رأى.
وقوله: لأُولِي الأَبْصَارِ [آل عمران: ١٣] أي: لأولي العقول، يقال: لفلان بصر بهذا الأمر.
أي: علم ومعرفة.
آل عمران 3:14
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران: ١٤] قوله: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ [آل عمران: ١٤] أي: بما جعل في طباعهم من الميل إلى هذه الأشياء محنة كما قال عز وجل: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ [الكهف: ٧].
و الشَّهَوَاتِ [آل عمران: ١٤] : جمع شهوة، وهي توقان النفس إلى الشيء ميلا إليه.
وَالْقَنَاطِيرِ [آل عمران: ١٤] جمع قنطار، وهو المال الكثير، حكى أبو عبيدة عن العرب أنهم يقولون: هو وزن لا يحد.
قال مجاهد: هو سبعون ألف دينار.
وقال معاذ بن جبل: القنطار: ألف ومائتا أوقية.
وقال الضحاك: اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار.
وقال أبو نضرة: هو ملء مسك ثور ذهبا.
و الْمُقَنْطَرَةِ [آل عمران: ١٤] قال قتادة: المال الكثير بعضه على بعض.
وقوله: وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ [آل عمران: ١٤] الخيل: جمع لا واحد له من لفظه، كالقوم والنساء والرهط.
فأما المسومة فقال ابن عباس في رواية
عطاء: هي الراعية، يقال: أسمت الماشية وسومتها، إذا رعيتها.
فهي مسامة ومسومة، ومنه قوله تعالى: فِيهِ تُسِيمُونَ [النحل: ١٠].
وقال في رواية الوالبي: هي المعلمة من السيما التي هي العلامة.
ومعنى العلامة ههنا: الكي في قول المؤرج، والبلق في قول ابن كيسان، والشية في قول قتادة.
قوله: وَالأَنْعَامِ [آل عمران: ١٤] جمع نعم، والنعم من الإبل والبقر والغنم، وَالْحَرْثِ [آل عمران: ١٤] الأرض المهيأة للزراعة، قوله: ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [آل عمران: ١٤] يعني ما ذكر من هذه الأشياء، وهي مما يتمتع به في الدنيا، وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران: ١٤] أي: المرجع، يقال: آب الرجل ويئوب أوبة وأيبة وإيابا.
وفي هذا ترغيب فيما عند الله من الجنة والثواب، إذ ذكر أن عنده حسن المآب.
آل عمران 3:15
ثم أعلم أن خيرا من جميع ما في الدنيا ما أعده لأوليائه، فقال: قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ {١٥ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ١٦ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ١٧ } [آل عمران: ١٥-١٧] قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ [آل عمران: ١٥] قل لهم يا محمد: أأخبركم بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ [آل عمران: ١٥] الذي ذكرت؟ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [آل عمران: ١٥] قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار، أراد الله أن يعزيهم ويشوقهم إلى المعاد، ويدخل في هذا كل من آمن بالله واتقى الشرك.
وما بعد هذا قد تقدم تفسيره إلى قوله: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ١٥] وقرئ بضم الراء، وهي لغة قيس وتميم، قال الفراء: يقال: رضيت رضا ورضوانا ورضوانا ومرضاة.
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: ١٥] عالم بهم، وإذا كان عالما بهم جازاهم بما يستحقون.
ثم وصفهم فقال: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا [آل عمران: ١٦] الآية.
ثم زاد في وصفهم فقال: الصابرين قال ابن عباس: على دينهم وعلى ما أصابهم.
والصادقين قال قتادة: هم قوم صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم، فصدقوا في السر والعلانية.
والقانتين الطائعين لله، والمنفقين قال ابن عباس: الذين ينفقون الحلال في طاعة الله.
والمستغفرين بالأسحار قال مجاهد وقتادة: يعني: المصلين بالأسحار، جمع سحر، وهو الوقت قبيل طلوع الفجر.
قال الزجاج: وصف الله هؤلاء بما وصف، ثم بين أنهم مع ذلك لشدة خوفهم يستغفرون بالأسحار.
آل عمران 3:16
ثم أعلم أن خيرا من جميع ما في الدنيا ما أعده لأوليائه، فقال: قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ {١٥ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ١٦ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ١٧ } [آل عمران: ١٥-١٧] قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ [آل عمران: ١٥] قل لهم يا محمد: أأخبركم بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ [آل عمران: ١٥] الذي ذكرت؟ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [آل عمران: ١٥] قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار، أراد الله أن يعزيهم ويشوقهم إلى المعاد، ويدخل في هذا كل من آمن بالله واتقى الشرك.
وما بعد هذا قد تقدم تفسيره إلى قوله: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ١٥] وقرئ بضم الراء، وهي لغة قيس وتميم، قال الفراء: يقال: رضيت رضا ورضوانا ورضوانا ومرضاة.
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: ١٥] عالم بهم، وإذا كان عالما بهم جازاهم بما يستحقون.
ثم وصفهم فقال: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا [آل عمران: ١٦] الآية.
ثم زاد في وصفهم فقال: الصابرين قال ابن عباس: على دينهم وعلى ما أصابهم.
والصادقين قال قتادة: هم قوم صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم، فصدقوا في السر والعلانية.
والقانتين الطائعين لله، والمنفقين قال ابن عباس: الذين ينفقون الحلال في طاعة الله.
والمستغفرين بالأسحار قال مجاهد وقتادة: يعني: المصلين بالأسحار، جمع سحر، وهو الوقت قبيل طلوع الفجر.
قال الزجاج: وصف الله هؤلاء بما وصف، ثم بين أنهم مع ذلك لشدة خوفهم يستغفرون بالأسحار.
آل عمران 3:17
ثم أعلم أن خيرا من جميع ما في الدنيا ما أعده لأوليائه، فقال: قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ {١٥ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ١٦ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ١٧ } [آل عمران: ١٥-١٧] قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ [آل عمران: ١٥] قل لهم يا محمد: أأخبركم بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ [آل عمران: ١٥] الذي ذكرت؟ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [آل عمران: ١٥] قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار، أراد الله أن يعزيهم ويشوقهم إلى المعاد، ويدخل في هذا كل من آمن بالله واتقى الشرك.
وما بعد هذا قد تقدم تفسيره إلى قوله: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ١٥] وقرئ بضم الراء، وهي لغة قيس وتميم، قال الفراء: يقال: رضيت رضا ورضوانا ورضوانا ومرضاة.
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: ١٥] عالم بهم، وإذا كان عالما بهم جازاهم بما يستحقون.
ثم وصفهم فقال: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا [آل عمران: ١٦] الآية.
ثم زاد في وصفهم فقال: الصابرين قال ابن عباس: على دينهم وعلى ما أصابهم.
والصادقين قال قتادة: هم قوم صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم، فصدقوا في السر والعلانية.
والقانتين الطائعين لله، والمنفقين قال ابن عباس: الذين ينفقون الحلال في طاعة الله.
والمستغفرين بالأسحار قال مجاهد وقتادة: يعني: المصلين بالأسحار، جمع سحر، وهو الوقت قبيل طلوع الفجر.
قال الزجاج: وصف الله هؤلاء بما وصف، ثم بين أنهم مع ذلك لشدة خوفهم يستغفرون بالأسحار.
آل عمران 3:18
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {١٨ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ١٩ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ٢٠ } [آل عمران: ١٨-٢٠] قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ [آل عمران: ١٨] قال الزجاج: معنى شهد الله: بين وأظهر، لأن الشاهد هو العالم الذي يبين ما علمه، والله عز وجل قد دل على توحيده بجميع ما خلق، فبين أنه لا يقدر أحد أن ينشئ شيئا واحدا مما أنشأ.
وقوله: وأولو العلم أي: وشهد بتوحيده أولو العلم بما ثبت عندهم، قال مقاتل: هم مؤمنو أهل الكتاب.
وقال عطاء، عن ابن عباس: يعني المهاجرين والأنصار.
وقال السدي والكلبي: يعني علماء المؤمنين كلهم.
وقوله: قَائِمًا بِالْقِسْطِ [آل عمران: ١٨] أي: بالعدل، كما يقال: فلان قائم بهذا الأمر، أي: يجريه على الاستقامة في جميع الأمور، والله تعالى يجري التدبير على الاستقامة في جميع الأمور.
١٤٢ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَا، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ قَالَ: أَتَيْتُ الْكُوفَةَ فِي تِجَارَةٍ، فَنَزَلْتُ قَرِيبًا مِنَ الأَعْشَى، فَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةٌ أَرَدْتُ أَنْ أَنْحَدِرَ إِلَى الْبَصْرَةِ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، فَمَرَّ بِهَذِهِ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ١٨] ثُمَّ قَالَ الأَعْشَى: وَأَنَا أَشْهَدُ بِمَا شَهِدَ اللَّهُ بِهِ، وَأَسْتَوْدِعُ اللَّهَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَهِيَ لِي عِنْدَ اللَّهِ وَدِيعَةٌ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران: ١٩] قَالَهَا مِرَارًا.
قُلْتُ: لَقَدْ سَمِعَ فِيهَا شَيْئًا، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ وَوَدَّعْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: آيَةٌ سَمِعْتُكَ تُرَدِّدُهَا، قَالَ: أَوَمَا بَلَغَكَ مَا فِيهَا؟ قُلْتُ: أَنَا عِنْدَكَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ لَمْ تُحَدِّثْنِي.
قَالَ: وَاللَّهِ لا أُحَدِّثُكَ بِهَا سَنَةً، فَكَتَبْتُ عَلَى بَابِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَأَقَمْتُ سَنَةً، فَلَمَّا مَضَتِ السَّنَةُ قُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ قَدْ مَضَتِ السَّنَةُ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنَّ لِعَبْدِي هَذَا عَنِّي عَهْدًا، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِالْعَهْدِ أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ "
قوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران: ١٩] الأحسن كسر ألف إن لأن الكلام الذي قبله قد تم، ووجه قراءة من قرأ بالفتح: أن تكون الشهادة واقعة على أن، على أن يكون بدلا من الأولى، فكأن التقدير: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، ولا يقبل غيره ولا يجزي إلا به.
ومعنى الإسلام في اللغة: الدخول في السلم، أي: في الانقياد والمتابعة، ثم من الإسلام ما هو متابعة وانقياد باللسان دون القلب، وهو قوله: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات: ١٤]، ومنه ما هو متابعة وانقياد باللسان والقلب، وهو قوله: قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة: ١٣١] روى الحسن، عن أبي هريرة: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: " تعرض الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة فتقول: أي رب، إني الصلاة.
فيقول الله عز وجل: إنك على خير.
ثم تجيء الصدقة فتقول: أي رب، إني الصدقة.
فيقول: إنك على خير.
ويجيء الصيام، وتجيء الأعمال كذلك، ويجيء، أحسبه قال: الإسلام.
فيقول: أي رب، أنت السلام وأنا الإسلام.
فيقول الله: إنك على خير، بك آخذ اليوم وبك أعطي ".
ثم قال الحسن: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران: ١٩]، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥].
قوله: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [آل عمران: ١٩] قال ابن عباس: يعني قريظة والنضير وأتباعهم.
يقول: لم تختلف اليهود في صدق نبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما كانوا يجدونه في كتابهم من نعته.
إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ [آل عمران: ١٩] يعني النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وسمي علما لأنه كان معلوما عندهم.
والمعنى: أنهم كانوا يصدقونه بنعته وصفته قبل بعثه، فلما جاءهم اختلفوا، فآمن بعضهم وكفر آخرون، فقالوا: لست الذي وعدنا به، كقوله تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة: ٨٩].
وقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران: ١٩] هذا شرط وجواب يتضمن وعيدا لليهود الذين كفروا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وذكر معنى سريع الحساب في [البقرة.
قوله: فإن حاجوك أي: جادلوك، يعني اليهود والنصارى،] فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ [سورة آل عمران: ٢٠] قال الفراء: أخلصت عملي لله.
ومعنى الوجه ههنا: العمل، وتقدم الكلام في هذا عند قوله: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [البقرة: ١١٢].
وقوله: ومن اتبعن يريد: المهاجرين والأنصار، وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [آل عمران: ٢٠] يعني اليهود، والأميين يعني العرب أأسلمتم قال الفراء والزجاج: معناه الأمر، أي: أسلموا.
ومثله قول: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩١] أي: انتهوا، فإن أسلموا أي: انقادوا للقرآن، صدقوا بما جئت به، فقد اهتدوا صاروا مهتدين، وإن تولوا أعرضوا عنك، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ [آل عمران: ٢٠] فليس عليك إلا أن تبلغ الرسالة، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: ٢٠] قال ابن عباس: يريد: بمن آمن بك وصدقك، وبمن كفر بك وكذبك.
آل عمران 3:19
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {١٨ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ١٩ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ٢٠ } [آل عمران: ١٨-٢٠] قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ [آل عمران: ١٨] قال الزجاج: معنى شهد الله: بين وأظهر، لأن الشاهد هو العالم الذي يبين ما علمه، والله عز وجل قد دل على توحيده بجميع ما خلق، فبين أنه لا يقدر أحد أن ينشئ شيئا واحدا مما أنشأ.
وقوله: وأولو العلم أي: وشهد بتوحيده أولو العلم بما ثبت عندهم، قال مقاتل: هم مؤمنو أهل الكتاب.
وقال عطاء، عن ابن عباس: يعني المهاجرين والأنصار.
وقال السدي والكلبي: يعني علماء المؤمنين كلهم.
وقوله: قَائِمًا بِالْقِسْطِ [آل عمران: ١٨] أي: بالعدل، كما يقال: فلان قائم بهذا الأمر، أي: يجريه على الاستقامة في جميع الأمور، والله تعالى يجري التدبير على الاستقامة في جميع الأمور.
١٤٢ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَا، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ قَالَ: أَتَيْتُ الْكُوفَةَ فِي تِجَارَةٍ، فَنَزَلْتُ قَرِيبًا مِنَ الأَعْشَى، فَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةٌ أَرَدْتُ أَنْ أَنْحَدِرَ إِلَى الْبَصْرَةِ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، فَمَرَّ بِهَذِهِ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ١٨] ثُمَّ قَالَ الأَعْشَى: وَأَنَا أَشْهَدُ بِمَا شَهِدَ اللَّهُ بِهِ، وَأَسْتَوْدِعُ اللَّهَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَهِيَ لِي عِنْدَ اللَّهِ وَدِيعَةٌ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران: ١٩] قَالَهَا مِرَارًا.
قُلْتُ: لَقَدْ سَمِعَ فِيهَا شَيْئًا، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ وَوَدَّعْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: آيَةٌ سَمِعْتُكَ تُرَدِّدُهَا، قَالَ: أَوَمَا بَلَغَكَ مَا فِيهَا؟ قُلْتُ: أَنَا عِنْدَكَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ لَمْ تُحَدِّثْنِي.
قَالَ: وَاللَّهِ لا أُحَدِّثُكَ بِهَا سَنَةً، فَكَتَبْتُ عَلَى بَابِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَأَقَمْتُ سَنَةً، فَلَمَّا مَضَتِ السَّنَةُ قُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ قَدْ مَضَتِ السَّنَةُ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنَّ لِعَبْدِي هَذَا عَنِّي عَهْدًا، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِالْعَهْدِ أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ "
قوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران: ١٩] الأحسن كسر ألف إن لأن الكلام الذي قبله قد تم، ووجه قراءة من قرأ بالفتح: أن تكون الشهادة واقعة على أن، على أن يكون بدلا من الأولى، فكأن التقدير: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، ولا يقبل غيره ولا يجزي إلا به.
ومعنى الإسلام في اللغة: الدخول في السلم، أي: في الانقياد والمتابعة، ثم من الإسلام ما هو متابعة وانقياد باللسان دون القلب، وهو قوله: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات: ١٤]، ومنه ما هو متابعة وانقياد باللسان والقلب، وهو قوله: قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة: ١٣١] روى الحسن، عن أبي هريرة: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: " تعرض الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة فتقول: أي رب، إني الصلاة.
فيقول الله عز وجل: إنك على خير.
ثم تجيء الصدقة فتقول: أي رب، إني الصدقة.
فيقول: إنك على خير.
ويجيء الصيام، وتجيء الأعمال كذلك، ويجيء، أحسبه قال: الإسلام.
فيقول: أي رب، أنت السلام وأنا الإسلام.
فيقول الله: إنك على خير، بك آخذ اليوم وبك أعطي ".
ثم قال الحسن: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران: ١٩]، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥].
قوله: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [آل عمران: ١٩] قال ابن عباس: يعني قريظة والنضير وأتباعهم.
يقول: لم تختلف اليهود في صدق نبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما كانوا يجدونه في كتابهم من نعته.
إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ [آل عمران: ١٩] يعني النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وسمي علما لأنه كان معلوما عندهم.
والمعنى: أنهم كانوا يصدقونه بنعته وصفته قبل بعثه، فلما جاءهم اختلفوا، فآمن بعضهم وكفر آخرون، فقالوا: لست الذي وعدنا به، كقوله تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة: ٨٩].
وقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران: ١٩] هذا شرط وجواب يتضمن وعيدا لليهود الذين كفروا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وذكر معنى سريع الحساب في [البقرة.
قوله: فإن حاجوك أي: جادلوك، يعني اليهود والنصارى،] فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ [سورة آل عمران: ٢٠] قال الفراء: أخلصت عملي لله.
ومعنى الوجه ههنا: العمل، وتقدم الكلام في هذا عند قوله: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [البقرة: ١١٢].
وقوله: ومن اتبعن يريد: المهاجرين والأنصار، وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [آل عمران: ٢٠] يعني اليهود، والأميين يعني العرب أأسلمتم قال الفراء والزجاج: معناه الأمر، أي: أسلموا.
ومثله قول: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩١] أي: انتهوا، فإن أسلموا أي: انقادوا للقرآن، صدقوا بما جئت به، فقد اهتدوا صاروا مهتدين، وإن تولوا أعرضوا عنك، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ [آل عمران: ٢٠] فليس عليك إلا أن تبلغ الرسالة، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: ٢٠] قال ابن عباس: يريد: بمن آمن بك وصدقك، وبمن كفر بك وكذبك.
آل عمران 3:20
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {١٨ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ١٩ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ٢٠ } [آل عمران: ١٨-٢٠] قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ [آل عمران: ١٨] قال الزجاج: معنى شهد الله: بين وأظهر، لأن الشاهد هو العالم الذي يبين ما علمه، والله عز وجل قد دل على توحيده بجميع ما خلق، فبين أنه لا يقدر أحد أن ينشئ شيئا واحدا مما أنشأ.
وقوله: وأولو العلم أي: وشهد بتوحيده أولو العلم بما ثبت عندهم، قال مقاتل: هم مؤمنو أهل الكتاب.
وقال عطاء، عن ابن عباس: يعني المهاجرين والأنصار.
وقال السدي والكلبي: يعني علماء المؤمنين كلهم.
وقوله: قَائِمًا بِالْقِسْطِ [آل عمران: ١٨] أي: بالعدل، كما يقال: فلان قائم بهذا الأمر، أي: يجريه على الاستقامة في جميع الأمور، والله تعالى يجري التدبير على الاستقامة في جميع الأمور.
١٤٢ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَا، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ قَالَ: أَتَيْتُ الْكُوفَةَ فِي تِجَارَةٍ، فَنَزَلْتُ قَرِيبًا مِنَ الأَعْشَى، فَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةٌ أَرَدْتُ أَنْ أَنْحَدِرَ إِلَى الْبَصْرَةِ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، فَمَرَّ بِهَذِهِ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ١٨] ثُمَّ قَالَ الأَعْشَى: وَأَنَا أَشْهَدُ بِمَا شَهِدَ اللَّهُ بِهِ، وَأَسْتَوْدِعُ اللَّهَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَهِيَ لِي عِنْدَ اللَّهِ وَدِيعَةٌ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران: ١٩] قَالَهَا مِرَارًا.
قُلْتُ: لَقَدْ سَمِعَ فِيهَا شَيْئًا، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ وَوَدَّعْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: آيَةٌ سَمِعْتُكَ تُرَدِّدُهَا، قَالَ: أَوَمَا بَلَغَكَ مَا فِيهَا؟ قُلْتُ: أَنَا عِنْدَكَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ لَمْ تُحَدِّثْنِي.
قَالَ: وَاللَّهِ لا أُحَدِّثُكَ بِهَا سَنَةً، فَكَتَبْتُ عَلَى بَابِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَأَقَمْتُ سَنَةً، فَلَمَّا مَضَتِ السَّنَةُ قُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ قَدْ مَضَتِ السَّنَةُ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنَّ لِعَبْدِي هَذَا عَنِّي عَهْدًا، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِالْعَهْدِ أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ "
قوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران: ١٩] الأحسن كسر ألف إن لأن الكلام الذي قبله قد تم، ووجه قراءة من قرأ بالفتح: أن تكون الشهادة واقعة على أن، على أن يكون بدلا من الأولى، فكأن التقدير: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، ولا يقبل غيره ولا يجزي إلا به.
ومعنى الإسلام في اللغة: الدخول في السلم، أي: في الانقياد والمتابعة، ثم من الإسلام ما هو متابعة وانقياد باللسان دون القلب، وهو قوله: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات: ١٤]، ومنه ما هو متابعة وانقياد باللسان والقلب، وهو قوله: قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة: ١٣١] روى الحسن، عن أبي هريرة: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: " تعرض الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة فتقول: أي رب، إني الصلاة.
فيقول الله عز وجل: إنك على خير.
ثم تجيء الصدقة فتقول: أي رب، إني الصدقة.
فيقول: إنك على خير.
ويجيء الصيام، وتجيء الأعمال كذلك، ويجيء، أحسبه قال: الإسلام.
فيقول: أي رب، أنت السلام وأنا الإسلام.
فيقول الله: إنك على خير، بك آخذ اليوم وبك أعطي ".
ثم قال الحسن: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران: ١٩]، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥].
قوله: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [آل عمران: ١٩] قال ابن عباس: يعني قريظة والنضير وأتباعهم.
يقول: لم تختلف اليهود في صدق نبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما كانوا يجدونه في كتابهم من نعته.
إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ [آل عمران: ١٩] يعني النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وسمي علما لأنه كان معلوما عندهم.
والمعنى: أنهم كانوا يصدقونه بنعته وصفته قبل بعثه، فلما جاءهم اختلفوا، فآمن بعضهم وكفر آخرون، فقالوا: لست الذي وعدنا به، كقوله تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة: ٨٩].
وقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران: ١٩] هذا شرط وجواب يتضمن وعيدا لليهود الذين كفروا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وذكر معنى سريع الحساب في [البقرة.
قوله: فإن حاجوك أي: جادلوك، يعني اليهود والنصارى،] فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ [سورة آل عمران: ٢٠] قال الفراء: أخلصت عملي لله.
ومعنى الوجه ههنا: العمل، وتقدم الكلام في هذا عند قوله: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [البقرة: ١١٢].
وقوله: ومن اتبعن يريد: المهاجرين والأنصار، وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [آل عمران: ٢٠] يعني اليهود، والأميين يعني العرب أأسلمتم قال الفراء والزجاج: معناه الأمر، أي: أسلموا.
ومثله قول: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩١] أي: انتهوا، فإن أسلموا أي: انقادوا للقرآن، صدقوا بما جئت به، فقد اهتدوا صاروا مهتدين، وإن تولوا أعرضوا عنك، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ [آل عمران: ٢٠] فليس عليك إلا أن تبلغ الرسالة، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: ٢٠] قال ابن عباس: يريد: بمن آمن بك وصدقك، وبمن كفر بك وكذبك.
آل عمران 3:21
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ {٢١ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ٢٢ } [آل عمران: ٢١-٢٢] قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران: ٢١] تقدم تفسيره في { [البقرة.
وقوله:] وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} [سورة آل عمران: ٢١] روى أبو عبيدة بن الجراح: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار، فهم الذين ذكرهم الله في كتابه وأنزل الآية فيهم».
وأخبر ببطلان عملهم فقال: أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [آل عمران: ٢٢] يريد بأعمالهم: ما هم عليه من ادعائهم التمسك بالتوراة وإقامة شريعة موسى، وأراد ببطلانها في الدنيا: أنها لم تحقن دماءهم وأموالهم، وفي الآخرة: لم يستحقوا بها مثوبة، فصارت كأنها لم تكن.
آل عمران 3:22
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ {٢١ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ٢٢ } [آل عمران: ٢١-٢٢] قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران: ٢١] تقدم تفسيره في { [البقرة.
وقوله:] وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} [سورة آل عمران: ٢١] روى أبو عبيدة بن الجراح: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار، فهم الذين ذكرهم الله في كتابه وأنزل الآية فيهم».
وأخبر ببطلان عملهم فقال: أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [آل عمران: ٢٢] يريد بأعمالهم: ما هم عليه من ادعائهم التمسك بالتوراة وإقامة شريعة موسى، وأراد ببطلانها في الدنيا: أنها لم تحقن دماءهم وأموالهم، وفي الآخرة: لم يستحقوا بها مثوبة، فصارت كأنها لم تكن.
آل عمران 3:23
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ {٢٣ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ٢٤ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ٢٥ } [آل عمران: ٢٣-٢٥] قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٢٣] يعني علماء اليهود من قريظة والنضير، أعطوا حظا من التوراة لأنهم كانوا يعلمون بعضها، يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ [آل عمران: ٢٣] قال ابن عباس في رواية الضحاك: المراد ب كِتَابِ اللَّهِ [آل عمران: ٢٣] ههنا: القرآن.
وهو قول قتادة، قال: دعوا إلى القرآن بعد أن ثبت أنه كتاب الله، حيث لم يقدر بشر أن يعارضه.
وقوله: ليحكم بينهم جعل الله تعالى القرآن حكما بين اليهود وبين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فحكم القرآن عليهم بالضلالة فأعرضوا عنه، وهو قوله: ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ [آل عمران: ٢٣] يعني مَنْ أعرض عن حكم القرآن فلم يؤمن به من رؤساء اليهود.
وقوله: وَهُمْ مُعْرِضُونَ [آل عمران: ٢٣] قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون المعرضون الباقين من اليهود، ويجوز أن يكون
الفريق المتولي هم المعرضون.
ثم بين سبب إعراضهم فقال: ذَلِكَ أي: ذلك الإعراض عن حكمك يا محمد، بِأَنَّهُمْ [آل عمران: ٢٤] بسبب اغترارهم ومقالتهم، حيث قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [آل عمران: ٢٤] ومضى تفسير هذا.
وقوله: وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ [آل عمران: ٢٤] الغرور: الإطماع فيما لا يصح.
وقوله: مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [آل عمران: ٢٤] يعني قولهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [آل عمران: ٢٤].
قوله: فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ [آل عمران: ٢٥] كيف معناه: السؤال عن الحال، والتقدير: فكيف حالهم إذا جمعناهم؟ ليوم أي: لجزاء يوم، أو لحساب يوم، لا رَيْبَ فِيهِ [آل عمران: ٢٥] يعني: يوم القيامة، يجمع الخلق فيه للحساب والجزاء.
وتأويل الكلام: أي حالة تكون حال من اغتر بالدعاوى الباطلة إذا جمعوا ليوم الجزاء؟ قوله: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ [آل عمران: ٢٥] أي: وفرت وجوزيت، ما كسبت أي: جزاء ما كسبت من خير أو شر، يعني: أعطيت كل نفس جزاءها كاملا، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [آل عمران: ٢٥] لا ينقص من حسناتهم، ولا يزاد على سيئاتهم.
آل عمران 3:24
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ {٢٣ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ٢٤ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ٢٥ } [آل عمران: ٢٣-٢٥] قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٢٣] يعني علماء اليهود من قريظة والنضير، أعطوا حظا من التوراة لأنهم كانوا يعلمون بعضها، يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ [آل عمران: ٢٣] قال ابن عباس في رواية الضحاك: المراد ب كِتَابِ اللَّهِ [آل عمران: ٢٣] ههنا: القرآن.
وهو قول قتادة، قال: دعوا إلى القرآن بعد أن ثبت أنه كتاب الله، حيث لم يقدر بشر أن يعارضه.
وقوله: ليحكم بينهم جعل الله تعالى القرآن حكما بين اليهود وبين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فحكم القرآن عليهم بالضلالة فأعرضوا عنه، وهو قوله: ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ [آل عمران: ٢٣] يعني مَنْ أعرض عن حكم القرآن فلم يؤمن به من رؤساء اليهود.
وقوله: وَهُمْ مُعْرِضُونَ [آل عمران: ٢٣] قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون المعرضون الباقين من اليهود، ويجوز أن يكون
الفريق المتولي هم المعرضون.
ثم بين سبب إعراضهم فقال: ذَلِكَ أي: ذلك الإعراض عن حكمك يا محمد، بِأَنَّهُمْ [آل عمران: ٢٤] بسبب اغترارهم ومقالتهم، حيث قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [آل عمران: ٢٤] ومضى تفسير هذا.
وقوله: وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ [آل عمران: ٢٤] الغرور: الإطماع فيما لا يصح.
وقوله: مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [آل عمران: ٢٤] يعني قولهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [آل عمران: ٢٤].
قوله: فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ [آل عمران: ٢٥] كيف معناه: السؤال عن الحال، والتقدير: فكيف حالهم إذا جمعناهم؟ ليوم أي: لجزاء يوم، أو لحساب يوم، لا رَيْبَ فِيهِ [آل عمران: ٢٥] يعني: يوم القيامة، يجمع الخلق فيه للحساب والجزاء.
وتأويل الكلام: أي حالة تكون حال من اغتر بالدعاوى الباطلة إذا جمعوا ليوم الجزاء؟ قوله: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ [آل عمران: ٢٥] أي: وفرت وجوزيت، ما كسبت أي: جزاء ما كسبت من خير أو شر، يعني: أعطيت كل نفس جزاءها كاملا، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [آل عمران: ٢٥] لا ينقص من حسناتهم، ولا يزاد على سيئاتهم.
آل عمران 3:25
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ {٢٣ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ٢٤ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ٢٥ } [آل عمران: ٢٣-٢٥] قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٢٣] يعني علماء اليهود من قريظة والنضير، أعطوا حظا من التوراة لأنهم كانوا يعلمون بعضها، يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ [آل عمران: ٢٣] قال ابن عباس في رواية الضحاك: المراد ب كِتَابِ اللَّهِ [آل عمران: ٢٣] ههنا: القرآن.
وهو قول قتادة، قال: دعوا إلى القرآن بعد أن ثبت أنه كتاب الله، حيث لم يقدر بشر أن يعارضه.
وقوله: ليحكم بينهم جعل الله تعالى القرآن حكما بين اليهود وبين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فحكم القرآن عليهم بالضلالة فأعرضوا عنه، وهو قوله: ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ [آل عمران: ٢٣] يعني مَنْ أعرض عن حكم القرآن فلم يؤمن به من رؤساء اليهود.
وقوله: وَهُمْ مُعْرِضُونَ [آل عمران: ٢٣] قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون المعرضون الباقين من اليهود، ويجوز أن يكون
الفريق المتولي هم المعرضون.
ثم بين سبب إعراضهم فقال: ذَلِكَ أي: ذلك الإعراض عن حكمك يا محمد، بِأَنَّهُمْ [آل عمران: ٢٤] بسبب اغترارهم ومقالتهم، حيث قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [آل عمران: ٢٤] ومضى تفسير هذا.
وقوله: وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ [آل عمران: ٢٤] الغرور: الإطماع فيما لا يصح.
وقوله: مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [آل عمران: ٢٤] يعني قولهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [آل عمران: ٢٤].
قوله: فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ [آل عمران: ٢٥] كيف معناه: السؤال عن الحال، والتقدير: فكيف حالهم إذا جمعناهم؟ ليوم أي: لجزاء يوم، أو لحساب يوم، لا رَيْبَ فِيهِ [آل عمران: ٢٥] يعني: يوم القيامة، يجمع الخلق فيه للحساب والجزاء.
وتأويل الكلام: أي حالة تكون حال من اغتر بالدعاوى الباطلة إذا جمعوا ليوم الجزاء؟ قوله: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ [آل عمران: ٢٥] أي: وفرت وجوزيت، ما كسبت أي: جزاء ما كسبت من خير أو شر، يعني: أعطيت كل نفس جزاءها كاملا، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [آل عمران: ٢٥] لا ينقص من حسناتهم، ولا يزاد على سيئاتهم.
آل عمران 3:26
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {٢٦ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ٢٧ } [آل عمران: ٢٦-٢٧] قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران: ٢٦] الآية، قال ابن عباس: لما فتح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة ووعد أمته ملك فارس والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات، فارس والروم أعز وأمنع من أن يُغْلَبَ على بلادهم.
فأنزل الله هذه الآية.
ومعنى اللهم: يا الله، مالك الملك مصرفه ومدبره كما يشاء، تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ [آل عمران: ٢٦] محمدا
وأصحابه، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ [آل عمران: ٢٦] الروم والعجم، وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ [آل عمران: ٢٦] قال ابن عباس: يريد: المهاجرين والأنصار، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ [آل عمران: ٢٦] يريد: الروم وفارس، بيدك الخير عز الدنيا والآخرة.
١٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّمْجَارِيُّ، أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُمُعَةَ بْنِ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ وَالآيَتَيْنِ مِنْ آلِ عِمْرَانَ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ [آل عمران: ١٨] و قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران: ٢٦] إِلَى قَوْلِهِ: وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٢٧] مُشَفَّعَاتٌ، مَا بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ، لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُنْزِلَهُنَّ تَعَلَّقْنَ بِالْعَرْشِ فَقُلْنَ: يَا رَبِّ: تُهْبِطُنَا إِلَى أَرْضِكَ وَإِلَى مَنْ يَعْصِيكَ، قَالَ اللَّهُ: بِي حَلَفْتُ لا يَقْرَأْكُنَّ أَحَدٌ مِنْ عِبَادِي دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ إِلا جَعَلْتُ الْجَنَّةَ مَأْوَاهُ عَلَى مَا كَانَ فِيهِ، وَإِلا أَسْكَنْتُهُ حَظِيرَةَ الْقُدْسِ، وَإِلا قَضَيْتُ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ حَاجَةً أَدْنَاهَا الْمَغْفِرَةُ "
قوله: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [آل عمران: ٢٧] قال جميع المفسرين: تجعل ما نقص من أحدهما زيادة في الآخر.
والإيلاج: الإدخال، يقال: أولجت الشيء في الشيء، إذا أدخلته فيه.
وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ [آل عمران: ٢٧] قال أكثر أهل التفسير: تخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.
وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٢٧] قال الزجاج: بغير تقتير وتضييق.
يقال: فلان ينفق بغير حساب، إذا كان يوسع في النفقة.
وكأنه لا يحسب ما ينفقه.
آل عمران 3:27
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {٢٦ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ٢٧ } [آل عمران: ٢٦-٢٧] قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران: ٢٦] الآية، قال ابن عباس: لما فتح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة ووعد أمته ملك فارس والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات، فارس والروم أعز وأمنع من أن يُغْلَبَ على بلادهم.
فأنزل الله هذه الآية.
ومعنى اللهم: يا الله، مالك الملك مصرفه ومدبره كما يشاء، تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ [آل عمران: ٢٦] محمدا
وأصحابه، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ [آل عمران: ٢٦] الروم والعجم، وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ [آل عمران: ٢٦] قال ابن عباس: يريد: المهاجرين والأنصار، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ [آل عمران: ٢٦] يريد: الروم وفارس، بيدك الخير عز الدنيا والآخرة.
١٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّمْجَارِيُّ، أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُمُعَةَ بْنِ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ وَالآيَتَيْنِ مِنْ آلِ عِمْرَانَ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ [آل عمران: ١٨] و قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران: ٢٦] إِلَى قَوْلِهِ: وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٢٧] مُشَفَّعَاتٌ، مَا بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ، لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُنْزِلَهُنَّ تَعَلَّقْنَ بِالْعَرْشِ فَقُلْنَ: يَا رَبِّ: تُهْبِطُنَا إِلَى أَرْضِكَ وَإِلَى مَنْ يَعْصِيكَ، قَالَ اللَّهُ: بِي حَلَفْتُ لا يَقْرَأْكُنَّ أَحَدٌ مِنْ عِبَادِي دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ إِلا جَعَلْتُ الْجَنَّةَ مَأْوَاهُ عَلَى مَا كَانَ فِيهِ، وَإِلا أَسْكَنْتُهُ حَظِيرَةَ الْقُدْسِ، وَإِلا قَضَيْتُ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ حَاجَةً أَدْنَاهَا الْمَغْفِرَةُ "
قوله: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [آل عمران: ٢٧] قال جميع المفسرين: تجعل ما نقص من أحدهما زيادة في الآخر.
والإيلاج: الإدخال، يقال: أولجت الشيء في الشيء، إذا أدخلته فيه.
وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ [آل عمران: ٢٧] قال أكثر أهل التفسير: تخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.
وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٢٧] قال الزجاج: بغير تقتير وتضييق.
يقال: فلان ينفق بغير حساب، إذا كان يوسع في النفقة.
وكأنه لا يحسب ما ينفقه.
آل عمران 3:28
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ {٢٨ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٢٩ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ٣٠ } [آل عمران: ٢٨-٣٠] قوله: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٢٨] نزلت الآية في قوم من المؤمنين كانوا يباطنون اليهود ويوالونهم، نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار ويوالونهم.
ثم أوعد على ذلك فقال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ [آل عمران: ٢٨] أي: اتخاذ الأولياء من الكفار، فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ [آل عمران: ٢٨] أي: من دين الله، والمعنى: أنه قد برئ منه وفارق دينه.
ثم استثنى فقال: إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً [آل عمران: ٢٨] يقال: تقيته تقاة وتقى وتقية.
وهذا في المؤمن إذا كان في قوم كفار ليس فيهم غيره، وخافهم على نفسه وماله، فله أن يداريهم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه.
قال ابن عباس: يعني: مداراة ظاهرة.
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٢٨] يخوفكم الله على موالاة الكفار عذاب نفسه، قال الزجاج: معنى نفسه: إياه، كأنه قال: وحذركم الله إياه.
وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [آل عمران: ٢٨] أي: إليه يرجع الخلق كلهم بعد الموت.
قوله: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ [آل عمران: ٢٩] يعني: من مودة الكفار وموالاتهم، أو تبدوه أي: تظهروه، يعلمه الله أي: يجازيكم على ذلك، لأنه عالم به، وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [آل عمران: ٢٩] إتمام التحذير، لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيء فكيف عليه الضمير؟ وقوله: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ٢٩] تحذير من عقاب من لا يعجزه شيء.
قوله: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا [آل عمران: ٣٠] يريد بيان ما عملت بما ترى من صحائف الحسنات، ويجوز أن يكون المعنى: جزاء ما عملت بما ترى من الثواب، وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا [آل عمران: ٣٠] قال مقاتل: كما بين المشرق والمغرب.
وقال الحسن: يسر أحد أن لا يلقى عمله أبدا.
والأمد: الغاية التي ينتهي إليها.
آل عمران 3:29
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ {٢٨ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٢٩ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ٣٠ } [آل عمران: ٢٨-٣٠] قوله: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٢٨] نزلت الآية في قوم من المؤمنين كانوا يباطنون اليهود ويوالونهم، نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار ويوالونهم.
ثم أوعد على ذلك فقال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ [آل عمران: ٢٨] أي: اتخاذ الأولياء من الكفار، فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ [آل عمران: ٢٨] أي: من دين الله، والمعنى: أنه قد برئ منه وفارق دينه.
ثم استثنى فقال: إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً [آل عمران: ٢٨] يقال: تقيته تقاة وتقى وتقية.
وهذا في المؤمن إذا كان في قوم كفار ليس فيهم غيره، وخافهم على نفسه وماله، فله أن يداريهم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه.
قال ابن عباس: يعني: مداراة ظاهرة.
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٢٨] يخوفكم الله على موالاة الكفار عذاب نفسه، قال الزجاج: معنى نفسه: إياه، كأنه قال: وحذركم الله إياه.
وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [آل عمران: ٢٨] أي: إليه يرجع الخلق كلهم بعد الموت.
قوله: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ [آل عمران: ٢٩] يعني: من مودة الكفار وموالاتهم، أو تبدوه أي: تظهروه، يعلمه الله أي: يجازيكم على ذلك، لأنه عالم به، وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [آل عمران: ٢٩] إتمام التحذير، لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيء فكيف عليه الضمير؟ وقوله: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ٢٩] تحذير من عقاب من لا يعجزه شيء.
قوله: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا [آل عمران: ٣٠] يريد بيان ما عملت بما ترى من صحائف الحسنات، ويجوز أن يكون المعنى: جزاء ما عملت بما ترى من الثواب، وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا [آل عمران: ٣٠] قال مقاتل: كما بين المشرق والمغرب.
وقال الحسن: يسر أحد أن لا يلقى عمله أبدا.
والأمد: الغاية التي ينتهي إليها.
آل عمران 3:30
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ {٢٨ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٢٩ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ٣٠ } [آل عمران: ٢٨-٣٠] قوله: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٢٨] نزلت الآية في قوم من المؤمنين كانوا يباطنون اليهود ويوالونهم، نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار ويوالونهم.
ثم أوعد على ذلك فقال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ [آل عمران: ٢٨] أي: اتخاذ الأولياء من الكفار، فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ [آل عمران: ٢٨] أي: من دين الله، والمعنى: أنه قد برئ منه وفارق دينه.
ثم استثنى فقال: إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً [آل عمران: ٢٨] يقال: تقيته تقاة وتقى وتقية.
وهذا في المؤمن إذا كان في قوم كفار ليس فيهم غيره، وخافهم على نفسه وماله، فله أن يداريهم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه.
قال ابن عباس: يعني: مداراة ظاهرة.
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٢٨] يخوفكم الله على موالاة الكفار عذاب نفسه، قال الزجاج: معنى نفسه: إياه، كأنه قال: وحذركم الله إياه.
وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [آل عمران: ٢٨] أي: إليه يرجع الخلق كلهم بعد الموت.
قوله: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ [آل عمران: ٢٩] يعني: من مودة الكفار وموالاتهم، أو تبدوه أي: تظهروه، يعلمه الله أي: يجازيكم على ذلك، لأنه عالم به، وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [آل عمران: ٢٩] إتمام التحذير، لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيء فكيف عليه الضمير؟ وقوله: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ٢٩] تحذير من عقاب من لا يعجزه شيء.
قوله: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا [آل عمران: ٣٠] يريد بيان ما عملت بما ترى من صحائف الحسنات، ويجوز أن يكون المعنى: جزاء ما عملت بما ترى من الثواب، وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا [آل عمران: ٣٠] قال مقاتل: كما بين المشرق والمغرب.
وقال الحسن: يسر أحد أن لا يلقى عمله أبدا.
والأمد: الغاية التي ينتهي إليها.
آل عمران 3:31
وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: ٣٠] قال الحسن: من رأفته بهم أن حذرهم نفسه ولم يهلكهم من غير تحذير.
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ {٣١ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ٣٢ } [آل عمران: ٣١-٣٢] قوله عز وجل: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ [آل عمران: ٣١] الآية، قال ابن عباس في رواية الضحاك: وقف النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قريش، وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام، فقال: «يا معشر قريش، والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم».
فقالت قريش: إنما نعبد هذه حبا لله، ليقربونا إلى الله.
فقال الله: قل يا محمد، إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ [آل عمران: ٣١] وتعبدون الأصنام بتقربكم إلى الله، فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١] فأنا رسوله إليكم، وحجته عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم.
ومعنى محبة العبد لله: إرادته طاعته، وإيثاره أمره، ورضاه بشرائعه.
ومعنى محبة الله للعبد: إرادته لثوابه، وعفوه عنه، وإنعامه عليه.
ومعنى الآية: إن كنتم تحبون طاعة الله وتريدون رضاه وثوابه فاتبعوني وأطيعوا أمري يثبكم الله، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٣١].
ثم بين أن طاعة الله معلقة بطاعة الرسول، فلا يتم لأحد طاعة الله مع عصيان الرسول، فقال: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [آل عمران: ٣٢] قال ابن عباس: يريد محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن طاعتكم له طاعة لي.
فإن تولوا أعرضوا عن طاعتك، فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ٣٢] لا يغفر لهم ولا يثني عليهم.
آل عمران 3:32
وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: ٣٠] قال الحسن: من رأفته بهم أن حذرهم نفسه ولم يهلكهم من غير تحذير.
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ {٣١ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ٣٢ } [آل عمران: ٣١-٣٢] قوله عز وجل: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ [آل عمران: ٣١] الآية، قال ابن عباس في رواية الضحاك: وقف النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قريش، وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام، فقال: «يا معشر قريش، والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم».
فقالت قريش: إنما نعبد هذه حبا لله، ليقربونا إلى الله.
فقال الله: قل يا محمد، إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ [آل عمران: ٣١] وتعبدون الأصنام بتقربكم إلى الله، فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١] فأنا رسوله إليكم، وحجته عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم.
ومعنى محبة العبد لله: إرادته طاعته، وإيثاره أمره، ورضاه بشرائعه.
ومعنى محبة الله للعبد: إرادته لثوابه، وعفوه عنه، وإنعامه عليه.
ومعنى الآية: إن كنتم تحبون طاعة الله وتريدون رضاه وثوابه فاتبعوني وأطيعوا أمري يثبكم الله، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٣١].
ثم بين أن طاعة الله معلقة بطاعة الرسول، فلا يتم لأحد طاعة الله مع عصيان الرسول، فقال: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [آل عمران: ٣٢] قال ابن عباس: يريد محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن طاعتكم له طاعة لي.
فإن تولوا أعرضوا عن طاعتك، فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ٣٢] لا يغفر لهم ولا يثني عليهم.
آل عمران 3:33
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ {٣٣ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٣٥ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ٣٦ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا
كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ٣٧ } [آل عمران: ٣٣-٣٧] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا [آل عمران: ٣٣] الآية، أي: جعلهم صفوة خلقة، واختارهم بالنبوة والرسالة.
وأراد بآل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وبآل عمران: موسى وهارون، وإنما خص هؤلاء بالذكر لأن الأنبياء بأسرهم من نسلهم.
وقوله: عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٣٣] يعني عالمي زمانهم.
ذُرِّيَّةً [آل عمران: ٣٤] نصب على البدل من الذين اصطفاهم، بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ [آل عمران: ٣٤] أي: من ولد بعض، لأن الجميع ذرية آدم ثم ذرية نوح، والله سميع لما تقوله الذرية المصطفاة، عليم بما تضمره، فلذلك فضلها على غيرها.
قوله تعالى: إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ [آل عمران: ٣٥] أي: اذكر يا محمد لقومك هذه القصة، وهي: إذ قالت امرأة عمران، يعني حنة أم مريم جدة عيسى عليه السلام، إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي [آل عمران: ٣٥] معنى نَذَرْتُ [آل عمران: ٣٥] : أوجبت، والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه.
وقوله: مُحَرَّرًا [آل عمران: ٣٥] أي: عتيقا خالصا لله، خادما للكنيسة، مفرغا للعبادة ولخدمة الكنيسة، وكل ما أخلص فهو محرر، يقال: حررت العبد، إذا أعتقته.
قال ابن عباس: ولم يكن يحرر في ذلك الوقت إلا الغلمان، فحررت ما في بطنها قبل أن تعلم ما هو، حتى وضعت.
فلما وضعتها إذا هي جارية ف قَالَتْ [آل عمران: ٣٦] عند ذلك: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى [آل عمران: ٣٦] اعتذرت إلى الله حين فعلت ما لا يجوز من تحرير الأنثى للكنيسة، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ [آل عمران: ٣٦] هذا من كلام الله، لا من كلام حنة، ولو كان من كلامها لكان: وأنت أعلم بما وضعتُ.
لأنها تخاطب الله تعالى.
ومن ضم التاء جعل هذا من كلام أم مريم، قالت: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ [آل عمران: ٣٦] بعد قولها: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى [آل عمران: ٣٦].
قوله: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى [آل عمران: ٣٦] أي: في خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها، لما يلحق الأنثى من الحيض والنفاس.
وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ [آل عمران: ٣٦] أي: أمنعها وأجيرها بك، وذريتها يعني عيسى، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران: ٣٦] المطرود المرمي بالشهب.
١٤٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَمِيرَوَيْهِ الْهَرَوِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلا يَسِمُهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَابْنِهَا عِيسَى».
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ «وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ [آل عمران: ٣٧] أي: رضيها، وكان المحرر الذي نذرته حنة، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك المعنى، وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا [آل عمران: ٣٧] قال ابن الأنباري والزجاج: وأنبتها فنبتت نباتا حسنا.
قال ابن عباس: يريد: في صلاح ومعرفة بالله وطاعة له وخدمة للمسجد.
وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا [آل عمران: ٣٧] أي: ضمنها إلى نفسه، وقام بأمرها، قال الزجاج: ضمن القيام بأمرها، يقال: كفل يكفل كفالة فهو كافل.
وهو الذي كفل إنسانا يعوله وينفق عليه.
وفي زكريا قرءاتان: القصر والمد، وهما لغتان، كقولهم: الهيجاء والهيجا.
وقرأ حمزة وكفلها مشددة، وزكريا على هذه القراءة منصوب لأنه المفعول الثاني للتكفيل، ومعناه: ضمنها الله زكريا فضمنها إليه.
وقوله: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ [آل عمران: ٣٧] لما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها محرابا في المسجد لا يرقى إليه إلا بسلم ولا يصعد إليها غيره.
قال الأصمعي: الْمِحْرَابَ [آل عمران: ٣٧] : الغرفة.
قال عمر بن أبي ربيعة:
ربة محراب إذ جئتها... لم أدن حتى أرتقي سلما
أي: ربة بيت.
قال ابن عباس: صارت عنده لها غرفة تصعد إليها تصلي فيها الليل والنهار.
وقوله: وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا [آل عمران: ٣٧] كان زكريا كلما دخل عليها غرفتها وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، تأتيها بها الملائكة من الجنة.
قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا [آل عمران: ٣٧] من أين لك هذا؟ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٣٧] فقال زكريا: إن الذي رزقك العنب في غير حينه قادر على أن يرزقني من العقيم الولدَ.
آل عمران 3:34
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ {٣٣ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٣٥ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ٣٦ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا
كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ٣٧ } [آل عمران: ٣٣-٣٧] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا [آل عمران: ٣٣] الآية، أي: جعلهم صفوة خلقة، واختارهم بالنبوة والرسالة.
وأراد بآل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وبآل عمران: موسى وهارون، وإنما خص هؤلاء بالذكر لأن الأنبياء بأسرهم من نسلهم.
وقوله: عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٣٣] يعني عالمي زمانهم.
ذُرِّيَّةً [آل عمران: ٣٤] نصب على البدل من الذين اصطفاهم، بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ [آل عمران: ٣٤] أي: من ولد بعض، لأن الجميع ذرية آدم ثم ذرية نوح، والله سميع لما تقوله الذرية المصطفاة، عليم بما تضمره، فلذلك فضلها على غيرها.
قوله تعالى: إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ [آل عمران: ٣٥] أي: اذكر يا محمد لقومك هذه القصة، وهي: إذ قالت امرأة عمران، يعني حنة أم مريم جدة عيسى عليه السلام، إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي [آل عمران: ٣٥] معنى نَذَرْتُ [آل عمران: ٣٥] : أوجبت، والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه.
وقوله: مُحَرَّرًا [آل عمران: ٣٥] أي: عتيقا خالصا لله، خادما للكنيسة، مفرغا للعبادة ولخدمة الكنيسة، وكل ما أخلص فهو محرر، يقال: حررت العبد، إذا أعتقته.
قال ابن عباس: ولم يكن يحرر في ذلك الوقت إلا الغلمان، فحررت ما في بطنها قبل أن تعلم ما هو، حتى وضعت.
فلما وضعتها إذا هي جارية ف قَالَتْ [آل عمران: ٣٦] عند ذلك: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى [آل عمران: ٣٦] اعتذرت إلى الله حين فعلت ما لا يجوز من تحرير الأنثى للكنيسة، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ [آل عمران: ٣٦] هذا من كلام الله، لا من كلام حنة، ولو كان من كلامها لكان: وأنت أعلم بما وضعتُ.
لأنها تخاطب الله تعالى.
ومن ضم التاء جعل هذا من كلام أم مريم، قالت: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ [آل عمران: ٣٦] بعد قولها: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى [آل عمران: ٣٦].
قوله: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى [آل عمران: ٣٦] أي: في خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها، لما يلحق الأنثى من الحيض والنفاس.
وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ [آل عمران: ٣٦] أي: أمنعها وأجيرها بك، وذريتها يعني عيسى، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران: ٣٦] المطرود المرمي بالشهب.
١٤٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَمِيرَوَيْهِ الْهَرَوِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلا يَسِمُهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَابْنِهَا عِيسَى».
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ «وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ [آل عمران: ٣٧] أي: رضيها، وكان المحرر الذي نذرته حنة، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك المعنى، وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا [آل عمران: ٣٧] قال ابن الأنباري والزجاج: وأنبتها فنبتت نباتا حسنا.
قال ابن عباس: يريد: في صلاح ومعرفة بالله وطاعة له وخدمة للمسجد.
وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا [آل عمران: ٣٧] أي: ضمنها إلى نفسه، وقام بأمرها، قال الزجاج: ضمن القيام بأمرها، يقال: كفل يكفل كفالة فهو كافل.
وهو الذي كفل إنسانا يعوله وينفق عليه.
وفي زكريا قرءاتان: القصر والمد، وهما لغتان، كقولهم: الهيجاء والهيجا.
وقرأ حمزة وكفلها مشددة، وزكريا على هذه القراءة منصوب لأنه المفعول الثاني للتكفيل، ومعناه: ضمنها الله زكريا فضمنها إليه.
وقوله: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ [آل عمران: ٣٧] لما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها محرابا في المسجد لا يرقى إليه إلا بسلم ولا يصعد إليها غيره.
قال الأصمعي: الْمِحْرَابَ [آل عمران: ٣٧] : الغرفة.
قال عمر بن أبي ربيعة:
ربة محراب إذ جئتها... لم أدن حتى أرتقي سلما
أي: ربة بيت.
قال ابن عباس: صارت عنده لها غرفة تصعد إليها تصلي فيها الليل والنهار.
وقوله: وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا [آل عمران: ٣٧] كان زكريا كلما دخل عليها غرفتها وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، تأتيها بها الملائكة من الجنة.
قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا [آل عمران: ٣٧] من أين لك هذا؟ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٣٧] فقال زكريا: إن الذي رزقك العنب في غير حينه قادر على أن يرزقني من العقيم الولدَ.
آل عمران 3:35
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ {٣٣ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٣٥ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ٣٦ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا
كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ٣٧ } [آل عمران: ٣٣-٣٧] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا [آل عمران: ٣٣] الآية، أي: جعلهم صفوة خلقة، واختارهم بالنبوة والرسالة.
وأراد بآل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وبآل عمران: موسى وهارون، وإنما خص هؤلاء بالذكر لأن الأنبياء بأسرهم من نسلهم.
وقوله: عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٣٣] يعني عالمي زمانهم.
ذُرِّيَّةً [آل عمران: ٣٤] نصب على البدل من الذين اصطفاهم، بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ [آل عمران: ٣٤] أي: من ولد بعض، لأن الجميع ذرية آدم ثم ذرية نوح، والله سميع لما تقوله الذرية المصطفاة، عليم بما تضمره، فلذلك فضلها على غيرها.
قوله تعالى: إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ [آل عمران: ٣٥] أي: اذكر يا محمد لقومك هذه القصة، وهي: إذ قالت امرأة عمران، يعني حنة أم مريم جدة عيسى عليه السلام، إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي [آل عمران: ٣٥] معنى نَذَرْتُ [آل عمران: ٣٥] : أوجبت، والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه.
وقوله: مُحَرَّرًا [آل عمران: ٣٥] أي: عتيقا خالصا لله، خادما للكنيسة، مفرغا للعبادة ولخدمة الكنيسة، وكل ما أخلص فهو محرر، يقال: حررت العبد، إذا أعتقته.
قال ابن عباس: ولم يكن يحرر في ذلك الوقت إلا الغلمان، فحررت ما في بطنها قبل أن تعلم ما هو، حتى وضعت.
فلما وضعتها إذا هي جارية ف قَالَتْ [آل عمران: ٣٦] عند ذلك: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى [آل عمران: ٣٦] اعتذرت إلى الله حين فعلت ما لا يجوز من تحرير الأنثى للكنيسة، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ [آل عمران: ٣٦] هذا من كلام الله، لا من كلام حنة، ولو كان من كلامها لكان: وأنت أعلم بما وضعتُ.
لأنها تخاطب الله تعالى.
ومن ضم التاء جعل هذا من كلام أم مريم، قالت: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ [آل عمران: ٣٦] بعد قولها: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى [آل عمران: ٣٦].
قوله: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى [آل عمران: ٣٦] أي: في خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها، لما يلحق الأنثى من الحيض والنفاس.
وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ [آل عمران: ٣٦] أي: أمنعها وأجيرها بك، وذريتها يعني عيسى، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران: ٣٦] المطرود المرمي بالشهب.
١٤٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَمِيرَوَيْهِ الْهَرَوِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلا يَسِمُهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَابْنِهَا عِيسَى».
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ «وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ [آل عمران: ٣٧] أي: رضيها، وكان المحرر الذي نذرته حنة، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك المعنى، وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا [آل عمران: ٣٧] قال ابن الأنباري والزجاج: وأنبتها فنبتت نباتا حسنا.
قال ابن عباس: يريد: في صلاح ومعرفة بالله وطاعة له وخدمة للمسجد.
وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا [آل عمران: ٣٧] أي: ضمنها إلى نفسه، وقام بأمرها، قال الزجاج: ضمن القيام بأمرها، يقال: كفل يكفل كفالة فهو كافل.
وهو الذي كفل إنسانا يعوله وينفق عليه.
وفي زكريا قرءاتان: القصر والمد، وهما لغتان، كقولهم: الهيجاء والهيجا.
وقرأ حمزة وكفلها مشددة، وزكريا على هذه القراءة منصوب لأنه المفعول الثاني للتكفيل، ومعناه: ضمنها الله زكريا فضمنها إليه.
وقوله: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ [آل عمران: ٣٧] لما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها محرابا في المسجد لا يرقى إليه إلا بسلم ولا يصعد إليها غيره.
قال الأصمعي: الْمِحْرَابَ [آل عمران: ٣٧] : الغرفة.
قال عمر بن أبي ربيعة:
ربة محراب إذ جئتها... لم أدن حتى أرتقي سلما
أي: ربة بيت.
قال ابن عباس: صارت عنده لها غرفة تصعد إليها تصلي فيها الليل والنهار.
وقوله: وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا [آل عمران: ٣٧] كان زكريا كلما دخل عليها غرفتها وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، تأتيها بها الملائكة من الجنة.
قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا [آل عمران: ٣٧] من أين لك هذا؟ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٣٧] فقال زكريا: إن الذي رزقك العنب في غير حينه قادر على أن يرزقني من العقيم الولدَ.
آل عمران 3:36
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ {٣٣ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٣٥ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ٣٦ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا
كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ٣٧ } [آل عمران: ٣٣-٣٧] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا [آل عمران: ٣٣] الآية، أي: جعلهم صفوة خلقة، واختارهم بالنبوة والرسالة.
وأراد بآل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وبآل عمران: موسى وهارون، وإنما خص هؤلاء بالذكر لأن الأنبياء بأسرهم من نسلهم.
وقوله: عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٣٣] يعني عالمي زمانهم.
ذُرِّيَّةً [آل عمران: ٣٤] نصب على البدل من الذين اصطفاهم، بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ [آل عمران: ٣٤] أي: من ولد بعض، لأن الجميع ذرية آدم ثم ذرية نوح، والله سميع لما تقوله الذرية المصطفاة، عليم بما تضمره، فلذلك فضلها على غيرها.
قوله تعالى: إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ [آل عمران: ٣٥] أي: اذكر يا محمد لقومك هذه القصة، وهي: إذ قالت امرأة عمران، يعني حنة أم مريم جدة عيسى عليه السلام، إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي [آل عمران: ٣٥] معنى نَذَرْتُ [آل عمران: ٣٥] : أوجبت، والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه.
وقوله: مُحَرَّرًا [آل عمران: ٣٥] أي: عتيقا خالصا لله، خادما للكنيسة، مفرغا للعبادة ولخدمة الكنيسة، وكل ما أخلص فهو محرر، يقال: حررت العبد، إذا أعتقته.
قال ابن عباس: ولم يكن يحرر في ذلك الوقت إلا الغلمان، فحررت ما في بطنها قبل أن تعلم ما هو، حتى وضعت.
فلما وضعتها إذا هي جارية ف قَالَتْ [آل عمران: ٣٦] عند ذلك: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى [آل عمران: ٣٦] اعتذرت إلى الله حين فعلت ما لا يجوز من تحرير الأنثى للكنيسة، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ [آل عمران: ٣٦] هذا من كلام الله، لا من كلام حنة، ولو كان من كلامها لكان: وأنت أعلم بما وضعتُ.
لأنها تخاطب الله تعالى.
ومن ضم التاء جعل هذا من كلام أم مريم، قالت: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ [آل عمران: ٣٦] بعد قولها: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى [آل عمران: ٣٦].
قوله: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى [آل عمران: ٣٦] أي: في خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها، لما يلحق الأنثى من الحيض والنفاس.
وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ [آل عمران: ٣٦] أي: أمنعها وأجيرها بك، وذريتها يعني عيسى، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران: ٣٦] المطرود المرمي بالشهب.
١٤٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَمِيرَوَيْهِ الْهَرَوِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلا يَسِمُهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَابْنِهَا عِيسَى».
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ «وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ [آل عمران: ٣٧] أي: رضيها، وكان المحرر الذي نذرته حنة، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك المعنى، وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا [آل عمران: ٣٧] قال ابن الأنباري والزجاج: وأنبتها فنبتت نباتا حسنا.
قال ابن عباس: يريد: في صلاح ومعرفة بالله وطاعة له وخدمة للمسجد.
وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا [آل عمران: ٣٧] أي: ضمنها إلى نفسه، وقام بأمرها، قال الزجاج: ضمن القيام بأمرها، يقال: كفل يكفل كفالة فهو كافل.
وهو الذي كفل إنسانا يعوله وينفق عليه.
وفي زكريا قرءاتان: القصر والمد، وهما لغتان، كقولهم: الهيجاء والهيجا.
وقرأ حمزة وكفلها مشددة، وزكريا على هذه القراءة منصوب لأنه المفعول الثاني للتكفيل، ومعناه: ضمنها الله زكريا فضمنها إليه.
وقوله: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ [آل عمران: ٣٧] لما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها محرابا في المسجد لا يرقى إليه إلا بسلم ولا يصعد إليها غيره.
قال الأصمعي: الْمِحْرَابَ [آل عمران: ٣٧] : الغرفة.
قال عمر بن أبي ربيعة:
ربة محراب إذ جئتها... لم أدن حتى أرتقي سلما
أي: ربة بيت.
قال ابن عباس: صارت عنده لها غرفة تصعد إليها تصلي فيها الليل والنهار.
وقوله: وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا [آل عمران: ٣٧] كان زكريا كلما دخل عليها غرفتها وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، تأتيها بها الملائكة من الجنة.
قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا [آل عمران: ٣٧] من أين لك هذا؟ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٣٧] فقال زكريا: إن الذي رزقك العنب في غير حينه قادر على أن يرزقني من العقيم الولدَ.
آل عمران 3:37
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ {٣٣ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٣٥ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ٣٦ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا
كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ٣٧ } [آل عمران: ٣٣-٣٧] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا [آل عمران: ٣٣] الآية، أي: جعلهم صفوة خلقة، واختارهم بالنبوة والرسالة.
وأراد بآل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وبآل عمران: موسى وهارون، وإنما خص هؤلاء بالذكر لأن الأنبياء بأسرهم من نسلهم.
وقوله: عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٣٣] يعني عالمي زمانهم.
ذُرِّيَّةً [آل عمران: ٣٤] نصب على البدل من الذين اصطفاهم، بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ [آل عمران: ٣٤] أي: من ولد بعض، لأن الجميع ذرية آدم ثم ذرية نوح، والله سميع لما تقوله الذرية المصطفاة، عليم بما تضمره، فلذلك فضلها على غيرها.
قوله تعالى: إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ [آل عمران: ٣٥] أي: اذكر يا محمد لقومك هذه القصة، وهي: إذ قالت امرأة عمران، يعني حنة أم مريم جدة عيسى عليه السلام، إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي [آل عمران: ٣٥] معنى نَذَرْتُ [آل عمران: ٣٥] : أوجبت، والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه.
وقوله: مُحَرَّرًا [آل عمران: ٣٥] أي: عتيقا خالصا لله، خادما للكنيسة، مفرغا للعبادة ولخدمة الكنيسة، وكل ما أخلص فهو محرر، يقال: حررت العبد، إذا أعتقته.
قال ابن عباس: ولم يكن يحرر في ذلك الوقت إلا الغلمان، فحررت ما في بطنها قبل أن تعلم ما هو، حتى وضعت.
فلما وضعتها إذا هي جارية ف قَالَتْ [آل عمران: ٣٦] عند ذلك: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى [آل عمران: ٣٦] اعتذرت إلى الله حين فعلت ما لا يجوز من تحرير الأنثى للكنيسة، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ [آل عمران: ٣٦] هذا من كلام الله، لا من كلام حنة، ولو كان من كلامها لكان: وأنت أعلم بما وضعتُ.
لأنها تخاطب الله تعالى.
ومن ضم التاء جعل هذا من كلام أم مريم، قالت: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ [آل عمران: ٣٦] بعد قولها: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى [آل عمران: ٣٦].
قوله: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى [آل عمران: ٣٦] أي: في خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها، لما يلحق الأنثى من الحيض والنفاس.
وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ [آل عمران: ٣٦] أي: أمنعها وأجيرها بك، وذريتها يعني عيسى، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران: ٣٦] المطرود المرمي بالشهب.
١٤٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَمِيرَوَيْهِ الْهَرَوِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلا يَسِمُهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَابْنِهَا عِيسَى».
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ «وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ [آل عمران: ٣٧] أي: رضيها، وكان المحرر الذي نذرته حنة، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك المعنى، وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا [آل عمران: ٣٧] قال ابن الأنباري والزجاج: وأنبتها فنبتت نباتا حسنا.
قال ابن عباس: يريد: في صلاح ومعرفة بالله وطاعة له وخدمة للمسجد.
وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا [آل عمران: ٣٧] أي: ضمنها إلى نفسه، وقام بأمرها، قال الزجاج: ضمن القيام بأمرها، يقال: كفل يكفل كفالة فهو كافل.
وهو الذي كفل إنسانا يعوله وينفق عليه.
وفي زكريا قرءاتان: القصر والمد، وهما لغتان، كقولهم: الهيجاء والهيجا.
وقرأ حمزة وكفلها مشددة، وزكريا على هذه القراءة منصوب لأنه المفعول الثاني للتكفيل، ومعناه: ضمنها الله زكريا فضمنها إليه.
وقوله: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ [آل عمران: ٣٧] لما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها محرابا في المسجد لا يرقى إليه إلا بسلم ولا يصعد إليها غيره.
قال الأصمعي: الْمِحْرَابَ [آل عمران: ٣٧] : الغرفة.
قال عمر بن أبي ربيعة:
ربة محراب إذ جئتها... لم أدن حتى أرتقي سلما
أي: ربة بيت.
قال ابن عباس: صارت عنده لها غرفة تصعد إليها تصلي فيها الليل والنهار.
وقوله: وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا [آل عمران: ٣٧] كان زكريا كلما دخل عليها غرفتها وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، تأتيها بها الملائكة من الجنة.
قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا [آل عمران: ٣٧] من أين لك هذا؟ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٣٧] فقال زكريا: إن الذي رزقك العنب في غير حينه قادر على أن يرزقني من العقيم الولدَ.
آل عمران 3:38
فدعا زكريا أن يهب الله له ولدا، فذلك قوله: {
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ٣٨ فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ٣٩ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ٤٠ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ٤١ } [آل عمران: ٣٨-٤١] هنالك أي: عند ذلك، دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ [آل عمران: ٣٨] أي: من عندك، ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران: ٣٨] نسلا مباركا تقيا، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [آل عمران: ٣٨] قال ابن عباس: يريد: لأوليائك وأهل طاعتك.
فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: ٣٩] وقرأ حمزة فناداه الملائكة بالتذكير.
قال الزجاج: الجماعة يلحقها التأنيث للفظ الجماعة، ويجوز أن يعبر عنها بلفظ التذكير، لأنه يقال: جمع الملائكة.
وهذا كقوله: وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ [يوسف: ٣٠].
وقوله: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى [آل عمران: ٣٩] قرئ بفتح إن وكسرها، فمن فتح كان المعنى: فنادته الملائكة بأن الله، ثم حذف الجار، ومن كسرَ أضمرَ القول كأنه يقول: نادته الملائكة فقالت: إن الله، وإضمار القول في القرآن كثير كقوله: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ {٢٣ سَلامٌ عَلَيْكُمْ} [الرعد: ٢٣-٢٤] أي: يقولون سلام عليكم.
وقرأ حمزة والكسائي يبشرك مخففا، من البشر بمعنى التبشير، يقال: بشره يبشره بشرا.
وقوله: مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ٣٩] قال ابن عباس: يريد: مصدقا بعيسى أنه روح الله وكلمته، وسمي عيسى:
كلمة الله، لأنه حدث عند قوله: كُنْ فوقع عليه اسم الكلمة، لأنه بها كان.
وكان يحيى أول من آمن بعيسى وصدقه.
قوله: وسيدا قال الضحاك والربيع: السيد: الحليم.
وقال أبو صالح وسعيد بن جبير: السيد: التقي.
وقال عكرمة: السيد: الذي لا يغلبه غضبه.
وقال الزجاج: السيد: الذي يفوق في الخير قومه.
وقوله: وحصورا وهو الذي لا يأتي النساء ولا يقربهن، قال ابن قتيبة: هو فعول بمعنى مفعول، كأنه محصور عنهن، أي: مأخوذ محبوس، ويجوز أن يكون بمعنى فاعل، كأنه حصر نفسه عن الشهوات.
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ [آل عمران: ٤٠] لما بشر زكريا بالولد على كبر سنه استخبر الله تعالى عند ذلك فقال: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ [آل عمران: ٤٠] أي: على أي حال يكون ذلك؟ أتردني إلى حال الشباب وامرأتي، أم مع حال الكبر؟ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ [آل عمران: ٤٠] وهو مصدر، كبر الرجل: إذا أسن.
قال ابن عباس: كان زكريا يوم بشر بالولد ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة.
قوله: وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ [آل عمران: ٤٠] أي: ذات عقر لا تلد، قيل له: كذلك أي: مثل ذلك من الأمر، وهو هبة الولد على
الكبر، اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٠] فسبحان من لا يعجزه شيء.
فسأل الله علامة يعرف بها وقت حمل امرأته ليزيد في العبادة شكرا على هبة الولد، وهو قوله: قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً [آل عمران: ٤١] قال المفسرون: إن زكريا لما بشر بالولد سأل الله علامة يعرف بها وقت حمل امرأته ليزيد في العبادة شكرا لله على هبة الولد ف قال الله تعالى: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا [آل عمران: ٤١] أي: علامة ذلك أن يمسك لسانك عن الكلام وأنت صحيح سوي، كما قال: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [مريم: ١٠].
قال الحسن وقتادة: أمسك لسانه ثلاثة أيام، فلم يقدر أن يكلم الناس إلا إيماء، وجعل ذلك علامة حمل امرأته.
والرمز: الإيماء بالشفتين والحاجبين والعينين، يقال: رمز يرمز ويرمز.
وإنما حبس لسانه عن التكلم بأمور الدنيا وما يدور بين الناس، ولم يحبس لسانه عن التسبيح وذكر الله، وهو قوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [آل عمران: ٤١].
والعشي: جمع عشية، وهي آخر النهار، والإبكار مصدر أبكر، إذا صار في وقت البكرة، ثم يسمى ما بين طلوع الفجر إلى الضحى: إبكارا، كما يسمى: إصباحا.
آل عمران 3:39
فدعا زكريا أن يهب الله له ولدا، فذلك قوله: {
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ٣٨ فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ٣٩ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ٤٠ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ٤١ } [آل عمران: ٣٨-٤١] هنالك أي: عند ذلك، دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ [آل عمران: ٣٨] أي: من عندك، ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران: ٣٨] نسلا مباركا تقيا، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [آل عمران: ٣٨] قال ابن عباس: يريد: لأوليائك وأهل طاعتك.
فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: ٣٩] وقرأ حمزة فناداه الملائكة بالتذكير.
قال الزجاج: الجماعة يلحقها التأنيث للفظ الجماعة، ويجوز أن يعبر عنها بلفظ التذكير، لأنه يقال: جمع الملائكة.
وهذا كقوله: وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ [يوسف: ٣٠].
وقوله: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى [آل عمران: ٣٩] قرئ بفتح إن وكسرها، فمن فتح كان المعنى: فنادته الملائكة بأن الله، ثم حذف الجار، ومن كسرَ أضمرَ القول كأنه يقول: نادته الملائكة فقالت: إن الله، وإضمار القول في القرآن كثير كقوله: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ {٢٣ سَلامٌ عَلَيْكُمْ} [الرعد: ٢٣-٢٤] أي: يقولون سلام عليكم.
وقرأ حمزة والكسائي يبشرك مخففا، من البشر بمعنى التبشير، يقال: بشره يبشره بشرا.
وقوله: مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ٣٩] قال ابن عباس: يريد: مصدقا بعيسى أنه روح الله وكلمته، وسمي عيسى:
كلمة الله، لأنه حدث عند قوله: كُنْ فوقع عليه اسم الكلمة، لأنه بها كان.
وكان يحيى أول من آمن بعيسى وصدقه.
قوله: وسيدا قال الضحاك والربيع: السيد: الحليم.
وقال أبو صالح وسعيد بن جبير: السيد: التقي.
وقال عكرمة: السيد: الذي لا يغلبه غضبه.
وقال الزجاج: السيد: الذي يفوق في الخير قومه.
وقوله: وحصورا وهو الذي لا يأتي النساء ولا يقربهن، قال ابن قتيبة: هو فعول بمعنى مفعول، كأنه محصور عنهن، أي: مأخوذ محبوس، ويجوز أن يكون بمعنى فاعل، كأنه حصر نفسه عن الشهوات.
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ [آل عمران: ٤٠] لما بشر زكريا بالولد على كبر سنه استخبر الله تعالى عند ذلك فقال: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ [آل عمران: ٤٠] أي: على أي حال يكون ذلك؟ أتردني إلى حال الشباب وامرأتي، أم مع حال الكبر؟ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ [آل عمران: ٤٠] وهو مصدر، كبر الرجل: إذا أسن.
قال ابن عباس: كان زكريا يوم بشر بالولد ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة.
قوله: وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ [آل عمران: ٤٠] أي: ذات عقر لا تلد، قيل له: كذلك أي: مثل ذلك من الأمر، وهو هبة الولد على
الكبر، اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٠] فسبحان من لا يعجزه شيء.
فسأل الله علامة يعرف بها وقت حمل امرأته ليزيد في العبادة شكرا على هبة الولد، وهو قوله: قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً [آل عمران: ٤١] قال المفسرون: إن زكريا لما بشر بالولد سأل الله علامة يعرف بها وقت حمل امرأته ليزيد في العبادة شكرا لله على هبة الولد ف قال الله تعالى: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا [آل عمران: ٤١] أي: علامة ذلك أن يمسك لسانك عن الكلام وأنت صحيح سوي، كما قال: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [مريم: ١٠].
قال الحسن وقتادة: أمسك لسانه ثلاثة أيام، فلم يقدر أن يكلم الناس إلا إيماء، وجعل ذلك علامة حمل امرأته.
والرمز: الإيماء بالشفتين والحاجبين والعينين، يقال: رمز يرمز ويرمز.
وإنما حبس لسانه عن التكلم بأمور الدنيا وما يدور بين الناس، ولم يحبس لسانه عن التسبيح وذكر الله، وهو قوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [آل عمران: ٤١].
والعشي: جمع عشية، وهي آخر النهار، والإبكار مصدر أبكر، إذا صار في وقت البكرة، ثم يسمى ما بين طلوع الفجر إلى الضحى: إبكارا، كما يسمى: إصباحا.
آل عمران 3:40
فدعا زكريا أن يهب الله له ولدا، فذلك قوله: {
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ٣٨ فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ٣٩ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ٤٠ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ٤١ } [آل عمران: ٣٨-٤١] هنالك أي: عند ذلك، دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ [آل عمران: ٣٨] أي: من عندك، ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران: ٣٨] نسلا مباركا تقيا، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [آل عمران: ٣٨] قال ابن عباس: يريد: لأوليائك وأهل طاعتك.
فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: ٣٩] وقرأ حمزة فناداه الملائكة بالتذكير.
قال الزجاج: الجماعة يلحقها التأنيث للفظ الجماعة، ويجوز أن يعبر عنها بلفظ التذكير، لأنه يقال: جمع الملائكة.
وهذا كقوله: وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ [يوسف: ٣٠].
وقوله: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى [آل عمران: ٣٩] قرئ بفتح إن وكسرها، فمن فتح كان المعنى: فنادته الملائكة بأن الله، ثم حذف الجار، ومن كسرَ أضمرَ القول كأنه يقول: نادته الملائكة فقالت: إن الله، وإضمار القول في القرآن كثير كقوله: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ {٢٣ سَلامٌ عَلَيْكُمْ} [الرعد: ٢٣-٢٤] أي: يقولون سلام عليكم.
وقرأ حمزة والكسائي يبشرك مخففا، من البشر بمعنى التبشير، يقال: بشره يبشره بشرا.
وقوله: مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ٣٩] قال ابن عباس: يريد: مصدقا بعيسى أنه روح الله وكلمته، وسمي عيسى:
كلمة الله، لأنه حدث عند قوله: كُنْ فوقع عليه اسم الكلمة، لأنه بها كان.
وكان يحيى أول من آمن بعيسى وصدقه.
قوله: وسيدا قال الضحاك والربيع: السيد: الحليم.
وقال أبو صالح وسعيد بن جبير: السيد: التقي.
وقال عكرمة: السيد: الذي لا يغلبه غضبه.
وقال الزجاج: السيد: الذي يفوق في الخير قومه.
وقوله: وحصورا وهو الذي لا يأتي النساء ولا يقربهن، قال ابن قتيبة: هو فعول بمعنى مفعول، كأنه محصور عنهن، أي: مأخوذ محبوس، ويجوز أن يكون بمعنى فاعل، كأنه حصر نفسه عن الشهوات.
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ [آل عمران: ٤٠] لما بشر زكريا بالولد على كبر سنه استخبر الله تعالى عند ذلك فقال: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ [آل عمران: ٤٠] أي: على أي حال يكون ذلك؟ أتردني إلى حال الشباب وامرأتي، أم مع حال الكبر؟ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ [آل عمران: ٤٠] وهو مصدر، كبر الرجل: إذا أسن.
قال ابن عباس: كان زكريا يوم بشر بالولد ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة.
قوله: وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ [آل عمران: ٤٠] أي: ذات عقر لا تلد، قيل له: كذلك أي: مثل ذلك من الأمر، وهو هبة الولد على
الكبر، اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٠] فسبحان من لا يعجزه شيء.
فسأل الله علامة يعرف بها وقت حمل امرأته ليزيد في العبادة شكرا على هبة الولد، وهو قوله: قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً [آل عمران: ٤١] قال المفسرون: إن زكريا لما بشر بالولد سأل الله علامة يعرف بها وقت حمل امرأته ليزيد في العبادة شكرا لله على هبة الولد ف قال الله تعالى: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا [آل عمران: ٤١] أي: علامة ذلك أن يمسك لسانك عن الكلام وأنت صحيح سوي، كما قال: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [مريم: ١٠].
قال الحسن وقتادة: أمسك لسانه ثلاثة أيام، فلم يقدر أن يكلم الناس إلا إيماء، وجعل ذلك علامة حمل امرأته.
والرمز: الإيماء بالشفتين والحاجبين والعينين، يقال: رمز يرمز ويرمز.
وإنما حبس لسانه عن التكلم بأمور الدنيا وما يدور بين الناس، ولم يحبس لسانه عن التسبيح وذكر الله، وهو قوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [آل عمران: ٤١].
والعشي: جمع عشية، وهي آخر النهار، والإبكار مصدر أبكر، إذا صار في وقت البكرة، ثم يسمى ما بين طلوع الفجر إلى الضحى: إبكارا، كما يسمى: إصباحا.
آل عمران 3:41
فدعا زكريا أن يهب الله له ولدا، فذلك قوله: {
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ٣٨ فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ٣٩ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ٤٠ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ٤١ } [آل عمران: ٣٨-٤١] هنالك أي: عند ذلك، دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ [آل عمران: ٣٨] أي: من عندك، ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران: ٣٨] نسلا مباركا تقيا، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [آل عمران: ٣٨] قال ابن عباس: يريد: لأوليائك وأهل طاعتك.
فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: ٣٩] وقرأ حمزة فناداه الملائكة بالتذكير.
قال الزجاج: الجماعة يلحقها التأنيث للفظ الجماعة، ويجوز أن يعبر عنها بلفظ التذكير، لأنه يقال: جمع الملائكة.
وهذا كقوله: وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ [يوسف: ٣٠].
وقوله: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى [آل عمران: ٣٩] قرئ بفتح إن وكسرها، فمن فتح كان المعنى: فنادته الملائكة بأن الله، ثم حذف الجار، ومن كسرَ أضمرَ القول كأنه يقول: نادته الملائكة فقالت: إن الله، وإضمار القول في القرآن كثير كقوله: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ {٢٣ سَلامٌ عَلَيْكُمْ} [الرعد: ٢٣-٢٤] أي: يقولون سلام عليكم.
وقرأ حمزة والكسائي يبشرك مخففا، من البشر بمعنى التبشير، يقال: بشره يبشره بشرا.
وقوله: مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ٣٩] قال ابن عباس: يريد: مصدقا بعيسى أنه روح الله وكلمته، وسمي عيسى:
كلمة الله، لأنه حدث عند قوله: كُنْ فوقع عليه اسم الكلمة، لأنه بها كان.
وكان يحيى أول من آمن بعيسى وصدقه.
قوله: وسيدا قال الضحاك والربيع: السيد: الحليم.
وقال أبو صالح وسعيد بن جبير: السيد: التقي.
وقال عكرمة: السيد: الذي لا يغلبه غضبه.
وقال الزجاج: السيد: الذي يفوق في الخير قومه.
وقوله: وحصورا وهو الذي لا يأتي النساء ولا يقربهن، قال ابن قتيبة: هو فعول بمعنى مفعول، كأنه محصور عنهن، أي: مأخوذ محبوس، ويجوز أن يكون بمعنى فاعل، كأنه حصر نفسه عن الشهوات.
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ [آل عمران: ٤٠] لما بشر زكريا بالولد على كبر سنه استخبر الله تعالى عند ذلك فقال: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ [آل عمران: ٤٠] أي: على أي حال يكون ذلك؟ أتردني إلى حال الشباب وامرأتي، أم مع حال الكبر؟ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ [آل عمران: ٤٠] وهو مصدر، كبر الرجل: إذا أسن.
قال ابن عباس: كان زكريا يوم بشر بالولد ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة.
قوله: وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ [آل عمران: ٤٠] أي: ذات عقر لا تلد، قيل له: كذلك أي: مثل ذلك من الأمر، وهو هبة الولد على
الكبر، اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٠] فسبحان من لا يعجزه شيء.
فسأل الله علامة يعرف بها وقت حمل امرأته ليزيد في العبادة شكرا على هبة الولد، وهو قوله: قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً [آل عمران: ٤١] قال المفسرون: إن زكريا لما بشر بالولد سأل الله علامة يعرف بها وقت حمل امرأته ليزيد في العبادة شكرا لله على هبة الولد ف قال الله تعالى: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا [آل عمران: ٤١] أي: علامة ذلك أن يمسك لسانك عن الكلام وأنت صحيح سوي، كما قال: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [مريم: ١٠].
قال الحسن وقتادة: أمسك لسانه ثلاثة أيام، فلم يقدر أن يكلم الناس إلا إيماء، وجعل ذلك علامة حمل امرأته.
والرمز: الإيماء بالشفتين والحاجبين والعينين، يقال: رمز يرمز ويرمز.
وإنما حبس لسانه عن التكلم بأمور الدنيا وما يدور بين الناس، ولم يحبس لسانه عن التسبيح وذكر الله، وهو قوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [آل عمران: ٤١].
والعشي: جمع عشية، وهي آخر النهار، والإبكار مصدر أبكر، إذا صار في وقت البكرة، ثم يسمى ما بين طلوع الفجر إلى الضحى: إبكارا، كما يسمى: إصباحا.
آل عمران 3:42
وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ {٤٢ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ٤٣ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ٤٤ } [آل عمران: ٤٢-٤٤] وقوله: وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ [آل عمران: ٤٢] قال ابن عباس: من ملامسة الرجال.
وقيل: من الحيض والنفاس.
وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٤٢] قال الأكثرون: معناه: على عالمي زمانها فضلت عليهن.
قال الزجاج: وجائز أن تكون على نساء العالمين كلهن، لأنه ليس في النساء امرأة ولدت من غير أب غير مريم، ولأنها قبلت في التحرير للمسجد، ولم يكن التحرير في الإناث، فهي مختارة على النسوان كلهن بما لها من الخصائص.
يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ [آل عمران: ٤٣] قال ابن عباس: قومي للصلاة بين يدي ربك.
وقال مجاهد: اطلبي القيام في الصلاة.
وقال قتادة: أطيعي ربك.
وَاسْجُدِي وَارْكَعِي [آل عمران: ٤٣] قدم السجود لفظا وهو مؤخر في المعنى، والواو لا توجب ترتيبا عند النحويين، وقوله: مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران: ٤٣] ولم يقل: مع الراكعات.
لأن الراكعين أعم، لوقوعه على الرجال والنساء إذا اجتمعوا.
قال المفسرون: كلمت الملائكة مريم بهذا شفاهًا، فقامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسالت دما وقيحا.
قوله: ذلك يعني ما قص من حديث مريم وزكريا ويحيى، مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ [آل عمران: ٤٤] أخبار ما غاب عنك وعن قومك، نوحيه إليك نلقيه إليك بإرسال جبريل بها، وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران: ٤٤] فيه إضمار، والمعنى: أيهم أرفق بكفالتها.
قال ابن عباس في رواية عطاء: هؤلاء جماعة كانوا من الأنبياء اختصموا في مريم، كل واحد يقول: أنا أولى بها.
فقال زكريا: هي بنت عمي، وخالتها عندي.
قالوا: فتعالوا حتى نستهم.
فجمعوا سهامهم ثم أتوا بها إلى الماء
وقالوا: اللهم من كان أولى بها فليقم سهمه وليغرق البقية.
وألقوا سهامهم فارتز قلم زكريا وانحدرت أقلام الباقين، فقرعهم زكريا.
قال قتادة: كانت مريم بنت إمامهم وسيدهم عمران بن ماثان، كانوا أهل بيت صالح من الله بمكان، فتشاح عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا بسهامهم أيهم يكفلها، فقرعهم زكريا، فكفلها زكريا.
آل عمران 3:43
وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ {٤٢ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ٤٣ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ٤٤ } [آل عمران: ٤٢-٤٤] وقوله: وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ [آل عمران: ٤٢] قال ابن عباس: من ملامسة الرجال.
وقيل: من الحيض والنفاس.
وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٤٢] قال الأكثرون: معناه: على عالمي زمانها فضلت عليهن.
قال الزجاج: وجائز أن تكون على نساء العالمين كلهن، لأنه ليس في النساء امرأة ولدت من غير أب غير مريم، ولأنها قبلت في التحرير للمسجد، ولم يكن التحرير في الإناث، فهي مختارة على النسوان كلهن بما لها من الخصائص.
يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ [آل عمران: ٤٣] قال ابن عباس: قومي للصلاة بين يدي ربك.
وقال مجاهد: اطلبي القيام في الصلاة.
وقال قتادة: أطيعي ربك.
وَاسْجُدِي وَارْكَعِي [آل عمران: ٤٣] قدم السجود لفظا وهو مؤخر في المعنى، والواو لا توجب ترتيبا عند النحويين، وقوله: مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران: ٤٣] ولم يقل: مع الراكعات.
لأن الراكعين أعم، لوقوعه على الرجال والنساء إذا اجتمعوا.
قال المفسرون: كلمت الملائكة مريم بهذا شفاهًا، فقامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسالت دما وقيحا.
قوله: ذلك يعني ما قص من حديث مريم وزكريا ويحيى، مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ [آل عمران: ٤٤] أخبار ما غاب عنك وعن قومك، نوحيه إليك نلقيه إليك بإرسال جبريل بها، وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران: ٤٤] فيه إضمار، والمعنى: أيهم أرفق بكفالتها.
قال ابن عباس في رواية عطاء: هؤلاء جماعة كانوا من الأنبياء اختصموا في مريم، كل واحد يقول: أنا أولى بها.
فقال زكريا: هي بنت عمي، وخالتها عندي.
قالوا: فتعالوا حتى نستهم.
فجمعوا سهامهم ثم أتوا بها إلى الماء
وقالوا: اللهم من كان أولى بها فليقم سهمه وليغرق البقية.
وألقوا سهامهم فارتز قلم زكريا وانحدرت أقلام الباقين، فقرعهم زكريا.
قال قتادة: كانت مريم بنت إمامهم وسيدهم عمران بن ماثان، كانوا أهل بيت صالح من الله بمكان، فتشاح عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا بسهامهم أيهم يكفلها، فقرعهم زكريا، فكفلها زكريا.
آل عمران 3:44
وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ {٤٢ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ٤٣ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ٤٤ } [آل عمران: ٤٢-٤٤] وقوله: وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ [آل عمران: ٤٢] قال ابن عباس: من ملامسة الرجال.
وقيل: من الحيض والنفاس.
وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٤٢] قال الأكثرون: معناه: على عالمي زمانها فضلت عليهن.
قال الزجاج: وجائز أن تكون على نساء العالمين كلهن، لأنه ليس في النساء امرأة ولدت من غير أب غير مريم، ولأنها قبلت في التحرير للمسجد، ولم يكن التحرير في الإناث، فهي مختارة على النسوان كلهن بما لها من الخصائص.
يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ [آل عمران: ٤٣] قال ابن عباس: قومي للصلاة بين يدي ربك.
وقال مجاهد: اطلبي القيام في الصلاة.
وقال قتادة: أطيعي ربك.
وَاسْجُدِي وَارْكَعِي [آل عمران: ٤٣] قدم السجود لفظا وهو مؤخر في المعنى، والواو لا توجب ترتيبا عند النحويين، وقوله: مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران: ٤٣] ولم يقل: مع الراكعات.
لأن الراكعين أعم، لوقوعه على الرجال والنساء إذا اجتمعوا.
قال المفسرون: كلمت الملائكة مريم بهذا شفاهًا، فقامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسالت دما وقيحا.
قوله: ذلك يعني ما قص من حديث مريم وزكريا ويحيى، مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ [آل عمران: ٤٤] أخبار ما غاب عنك وعن قومك، نوحيه إليك نلقيه إليك بإرسال جبريل بها، وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران: ٤٤] فيه إضمار، والمعنى: أيهم أرفق بكفالتها.
قال ابن عباس في رواية عطاء: هؤلاء جماعة كانوا من الأنبياء اختصموا في مريم، كل واحد يقول: أنا أولى بها.
فقال زكريا: هي بنت عمي، وخالتها عندي.
قالوا: فتعالوا حتى نستهم.
فجمعوا سهامهم ثم أتوا بها إلى الماء
وقالوا: اللهم من كان أولى بها فليقم سهمه وليغرق البقية.
وألقوا سهامهم فارتز قلم زكريا وانحدرت أقلام الباقين، فقرعهم زكريا.
قال قتادة: كانت مريم بنت إمامهم وسيدهم عمران بن ماثان، كانوا أهل بيت صالح من الله بمكان، فتشاح عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا بسهامهم أيهم يكفلها، فقرعهم زكريا، فكفلها زكريا.
آل عمران 3:45
إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ {٤٥ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ٤٦ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٤٧ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ٤٨ وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٤٩ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ٥١ } [آل عمران: ٤٥-٥١] قوله تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: ٤٥] قال ابن عباس: يريد جبريل.
يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [آل عمران: ٤٥] يعني عيسى عليه السلام، قال الحسن وقتادة: إنما قيل لعيسى: كلمة الله.
لأنه كان بكلمة الله، وهي كن.
والمعنى: أنه كان أوجده بالكلمة، وكوَّنه بها من غير توليد من فحل.
وقوله اسمه المسيح قال ابن عباس في رواية عطاء والضحاك: إنما سمي عيسى مسيحا لأنه كان لا يمسح
بيده ذا عاهة إلا برئ.
وقال إبراهيم النخعي: المسيح: الصديق.
وقال أبو عبيدة: هو بالسريانية: مشيحا، فعربته العرب.
وقوله: وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [آل عمران: ٤٥] يعني الوجيه: ذو الجاه والشرف والقدر، يقال: وجه الرجل يوجه فهو وجيه إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس.
وقوله: ومن المقربين إلى ثواب الله وكرامته.
وقوله: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ [آل عمران: ٤٦] يعني: صغيرا، والمهد: الموضع الذي مهد لنوم الصبي.
ويعني بكلامه في المهد: تبرئته أمه مما قرفت به، حين قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ [مريم: ٣٠] الآية، وقوله: وكهلا الكهل: الذي اجتمع قوته وتم شبابه.
وقال ابن عباس: يريد أنه يتكلم بكلام النبوة كهلا.
ومن الصالحين قال: يريد: مثل موسى وإسرائيل وإسحاق وإبراهيم.
قوله: قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [آل عمران: ٤٧] تعجبت حين بشرت بولد من غير أب، لخروج ذلك عن العادة، والبشر: الخلق، واحده وجمعه سواء.
قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٧] أي: يخلق الله ما يشاء مثل ذلك من الأمر، وهو خلق الولد من غير مسيس.
وقوله: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ [آل عمران: ٤٨] يعني الكتابة، والحكمة العلم، وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ [آل عمران: ٤٨].
وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ [آل عمران: ٤٩] قال الزجاج: وتجعله رسولا.
أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ٤٩] ثم ذكر
تلك الآية فقال: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ [آل عمران: ٤٩] أي: أقدر وأصور، والخلق معناه: التقدير في اللغة.
كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [آل عمران: ٤٩] الهيئة: الصورة المهيأة، من قولهم: هيأت الشيء، إذا قدرته.
فأنفخ فيه أي: في الطين، فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ٤٩] وقرأ نافع طائرا على معنى: يكون ما أنفخ فيه طائرا.
قال ابن عباس: أخذ طينا فجعل منه خفاشا، ثم نفخ فيه، فإذا هو يطير.
وأبرئ الأكمه أي: أجعله بصيرا بعد الكمه، وهو الذي يولد أعمى.
والأبرص وهو الذي به وضح، وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ٤٩] أحيا عازر وكان صديقا له، ودعا سام بن نوح من قبره، فخرج حيا، ومر عليه بابن عجوز على سرير ميتا فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حيا، ورجع إلى أهله، وبقي، وولد له.
وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [آل عمران: ٤٩] قال مجاهد: بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه، وقال قتادة: بما تأكلون من المائدة، وما تدخرون منها.
وقوله: ومصدقا أي: وجئتكم مصدقا، لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ [آل عمران: ٥٠] أي: الكتاب الذي أنزل من قبله، {وَلأُحِلَّ
لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: ٥٠] قال المفسرون: أحل لهم على لسان المسيح: لحوم الإبل والثروب، وأشياء من الطير والحيتان مما كان محرما في شريعة موسى.
قوله: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ٥٠] قال الزجاج: أي: لم أحل لكم شيئا بغير برهان، فهو حقيق عليكم اتباعي.
وإنما وحد الآية وكان قد أتاهم بآيات، لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على الرسالة.
وقوله: هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [آل عمران: ٥١] أي: طريق من طرق الدين مستو.
آل عمران 3:46
إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ {٤٥ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ٤٦ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٤٧ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ٤٨ وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٤٩ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ٥١ } [آل عمران: ٤٥-٥١] قوله تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: ٤٥] قال ابن عباس: يريد جبريل.
يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [آل عمران: ٤٥] يعني عيسى عليه السلام، قال الحسن وقتادة: إنما قيل لعيسى: كلمة الله.
لأنه كان بكلمة الله، وهي كن.
والمعنى: أنه كان أوجده بالكلمة، وكوَّنه بها من غير توليد من فحل.
وقوله اسمه المسيح قال ابن عباس في رواية عطاء والضحاك: إنما سمي عيسى مسيحا لأنه كان لا يمسح
بيده ذا عاهة إلا برئ.
وقال إبراهيم النخعي: المسيح: الصديق.
وقال أبو عبيدة: هو بالسريانية: مشيحا، فعربته العرب.
وقوله: وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [آل عمران: ٤٥] يعني الوجيه: ذو الجاه والشرف والقدر، يقال: وجه الرجل يوجه فهو وجيه إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس.
وقوله: ومن المقربين إلى ثواب الله وكرامته.
وقوله: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ [آل عمران: ٤٦] يعني: صغيرا، والمهد: الموضع الذي مهد لنوم الصبي.
ويعني بكلامه في المهد: تبرئته أمه مما قرفت به، حين قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ [مريم: ٣٠] الآية، وقوله: وكهلا الكهل: الذي اجتمع قوته وتم شبابه.
وقال ابن عباس: يريد أنه يتكلم بكلام النبوة كهلا.
ومن الصالحين قال: يريد: مثل موسى وإسرائيل وإسحاق وإبراهيم.
قوله: قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [آل عمران: ٤٧] تعجبت حين بشرت بولد من غير أب، لخروج ذلك عن العادة، والبشر: الخلق، واحده وجمعه سواء.
قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٧] أي: يخلق الله ما يشاء مثل ذلك من الأمر، وهو خلق الولد من غير مسيس.
وقوله: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ [آل عمران: ٤٨] يعني الكتابة، والحكمة العلم، وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ [آل عمران: ٤٨].
وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ [آل عمران: ٤٩] قال الزجاج: وتجعله رسولا.
أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ٤٩] ثم ذكر
تلك الآية فقال: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ [آل عمران: ٤٩] أي: أقدر وأصور، والخلق معناه: التقدير في اللغة.
كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [آل عمران: ٤٩] الهيئة: الصورة المهيأة، من قولهم: هيأت الشيء، إذا قدرته.
فأنفخ فيه أي: في الطين، فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ٤٩] وقرأ نافع طائرا على معنى: يكون ما أنفخ فيه طائرا.
قال ابن عباس: أخذ طينا فجعل منه خفاشا، ثم نفخ فيه، فإذا هو يطير.
وأبرئ الأكمه أي: أجعله بصيرا بعد الكمه، وهو الذي يولد أعمى.
والأبرص وهو الذي به وضح، وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ٤٩] أحيا عازر وكان صديقا له، ودعا سام بن نوح من قبره، فخرج حيا، ومر عليه بابن عجوز على سرير ميتا فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حيا، ورجع إلى أهله، وبقي، وولد له.
وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [آل عمران: ٤٩] قال مجاهد: بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه، وقال قتادة: بما تأكلون من المائدة، وما تدخرون منها.
وقوله: ومصدقا أي: وجئتكم مصدقا، لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ [آل عمران: ٥٠] أي: الكتاب الذي أنزل من قبله، {وَلأُحِلَّ
لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: ٥٠] قال المفسرون: أحل لهم على لسان المسيح: لحوم الإبل والثروب، وأشياء من الطير والحيتان مما كان محرما في شريعة موسى.
قوله: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ٥٠] قال الزجاج: أي: لم أحل لكم شيئا بغير برهان، فهو حقيق عليكم اتباعي.
وإنما وحد الآية وكان قد أتاهم بآيات، لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على الرسالة.
وقوله: هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [آل عمران: ٥١] أي: طريق من طرق الدين مستو.
آل عمران 3:47
إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ {٤٥ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ٤٦ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٤٧ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ٤٨ وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٤٩ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ٥١ } [آل عمران: ٤٥-٥١] قوله تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: ٤٥] قال ابن عباس: يريد جبريل.
يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [آل عمران: ٤٥] يعني عيسى عليه السلام، قال الحسن وقتادة: إنما قيل لعيسى: كلمة الله.
لأنه كان بكلمة الله، وهي كن.
والمعنى: أنه كان أوجده بالكلمة، وكوَّنه بها من غير توليد من فحل.
وقوله اسمه المسيح قال ابن عباس في رواية عطاء والضحاك: إنما سمي عيسى مسيحا لأنه كان لا يمسح
بيده ذا عاهة إلا برئ.
وقال إبراهيم النخعي: المسيح: الصديق.
وقال أبو عبيدة: هو بالسريانية: مشيحا، فعربته العرب.
وقوله: وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [آل عمران: ٤٥] يعني الوجيه: ذو الجاه والشرف والقدر، يقال: وجه الرجل يوجه فهو وجيه إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس.
وقوله: ومن المقربين إلى ثواب الله وكرامته.
وقوله: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ [آل عمران: ٤٦] يعني: صغيرا، والمهد: الموضع الذي مهد لنوم الصبي.
ويعني بكلامه في المهد: تبرئته أمه مما قرفت به، حين قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ [مريم: ٣٠] الآية، وقوله: وكهلا الكهل: الذي اجتمع قوته وتم شبابه.
وقال ابن عباس: يريد أنه يتكلم بكلام النبوة كهلا.
ومن الصالحين قال: يريد: مثل موسى وإسرائيل وإسحاق وإبراهيم.
قوله: قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [آل عمران: ٤٧] تعجبت حين بشرت بولد من غير أب، لخروج ذلك عن العادة، والبشر: الخلق، واحده وجمعه سواء.
قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٧] أي: يخلق الله ما يشاء مثل ذلك من الأمر، وهو خلق الولد من غير مسيس.
وقوله: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ [آل عمران: ٤٨] يعني الكتابة، والحكمة العلم، وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ [آل عمران: ٤٨].
وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ [آل عمران: ٤٩] قال الزجاج: وتجعله رسولا.
أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ٤٩] ثم ذكر
تلك الآية فقال: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ [آل عمران: ٤٩] أي: أقدر وأصور، والخلق معناه: التقدير في اللغة.
كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [آل عمران: ٤٩] الهيئة: الصورة المهيأة، من قولهم: هيأت الشيء، إذا قدرته.
فأنفخ فيه أي: في الطين، فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ٤٩] وقرأ نافع طائرا على معنى: يكون ما أنفخ فيه طائرا.
قال ابن عباس: أخذ طينا فجعل منه خفاشا، ثم نفخ فيه، فإذا هو يطير.
وأبرئ الأكمه أي: أجعله بصيرا بعد الكمه، وهو الذي يولد أعمى.
والأبرص وهو الذي به وضح، وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ٤٩] أحيا عازر وكان صديقا له، ودعا سام بن نوح من قبره، فخرج حيا، ومر عليه بابن عجوز على سرير ميتا فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حيا، ورجع إلى أهله، وبقي، وولد له.
وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [آل عمران: ٤٩] قال مجاهد: بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه، وقال قتادة: بما تأكلون من المائدة، وما تدخرون منها.
وقوله: ومصدقا أي: وجئتكم مصدقا، لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ [آل عمران: ٥٠] أي: الكتاب الذي أنزل من قبله، {وَلأُحِلَّ
لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: ٥٠] قال المفسرون: أحل لهم على لسان المسيح: لحوم الإبل والثروب، وأشياء من الطير والحيتان مما كان محرما في شريعة موسى.
قوله: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ٥٠] قال الزجاج: أي: لم أحل لكم شيئا بغير برهان، فهو حقيق عليكم اتباعي.
وإنما وحد الآية وكان قد أتاهم بآيات، لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على الرسالة.
وقوله: هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [آل عمران: ٥١] أي: طريق من طرق الدين مستو.
آل عمران 3:48
إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ {٤٥ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ٤٦ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٤٧ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ٤٨ وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٤٩ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ٥١ } [آل عمران: ٤٥-٥١] قوله تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: ٤٥] قال ابن عباس: يريد جبريل.
يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [آل عمران: ٤٥] يعني عيسى عليه السلام، قال الحسن وقتادة: إنما قيل لعيسى: كلمة الله.
لأنه كان بكلمة الله، وهي كن.
والمعنى: أنه كان أوجده بالكلمة، وكوَّنه بها من غير توليد من فحل.
وقوله اسمه المسيح قال ابن عباس في رواية عطاء والضحاك: إنما سمي عيسى مسيحا لأنه كان لا يمسح
بيده ذا عاهة إلا برئ.
وقال إبراهيم النخعي: المسيح: الصديق.
وقال أبو عبيدة: هو بالسريانية: مشيحا، فعربته العرب.
وقوله: وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [آل عمران: ٤٥] يعني الوجيه: ذو الجاه والشرف والقدر، يقال: وجه الرجل يوجه فهو وجيه إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس.
وقوله: ومن المقربين إلى ثواب الله وكرامته.
وقوله: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ [آل عمران: ٤٦] يعني: صغيرا، والمهد: الموضع الذي مهد لنوم الصبي.
ويعني بكلامه في المهد: تبرئته أمه مما قرفت به، حين قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ [مريم: ٣٠] الآية، وقوله: وكهلا الكهل: الذي اجتمع قوته وتم شبابه.
وقال ابن عباس: يريد أنه يتكلم بكلام النبوة كهلا.
ومن الصالحين قال: يريد: مثل موسى وإسرائيل وإسحاق وإبراهيم.
قوله: قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [آل عمران: ٤٧] تعجبت حين بشرت بولد من غير أب، لخروج ذلك عن العادة، والبشر: الخلق، واحده وجمعه سواء.
قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٧] أي: يخلق الله ما يشاء مثل ذلك من الأمر، وهو خلق الولد من غير مسيس.
وقوله: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ [آل عمران: ٤٨] يعني الكتابة، والحكمة العلم، وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ [آل عمران: ٤٨].
وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ [آل عمران: ٤٩] قال الزجاج: وتجعله رسولا.
أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ٤٩] ثم ذكر
تلك الآية فقال: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ [آل عمران: ٤٩] أي: أقدر وأصور، والخلق معناه: التقدير في اللغة.
كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [آل عمران: ٤٩] الهيئة: الصورة المهيأة، من قولهم: هيأت الشيء، إذا قدرته.
فأنفخ فيه أي: في الطين، فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ٤٩] وقرأ نافع طائرا على معنى: يكون ما أنفخ فيه طائرا.
قال ابن عباس: أخذ طينا فجعل منه خفاشا، ثم نفخ فيه، فإذا هو يطير.
وأبرئ الأكمه أي: أجعله بصيرا بعد الكمه، وهو الذي يولد أعمى.
والأبرص وهو الذي به وضح، وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ٤٩] أحيا عازر وكان صديقا له، ودعا سام بن نوح من قبره، فخرج حيا، ومر عليه بابن عجوز على سرير ميتا فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حيا، ورجع إلى أهله، وبقي، وولد له.
وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [آل عمران: ٤٩] قال مجاهد: بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه، وقال قتادة: بما تأكلون من المائدة، وما تدخرون منها.
وقوله: ومصدقا أي: وجئتكم مصدقا، لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ [آل عمران: ٥٠] أي: الكتاب الذي أنزل من قبله، {وَلأُحِلَّ
لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: ٥٠] قال المفسرون: أحل لهم على لسان المسيح: لحوم الإبل والثروب، وأشياء من الطير والحيتان مما كان محرما في شريعة موسى.
قوله: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ٥٠] قال الزجاج: أي: لم أحل لكم شيئا بغير برهان، فهو حقيق عليكم اتباعي.
وإنما وحد الآية وكان قد أتاهم بآيات، لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على الرسالة.
وقوله: هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [آل عمران: ٥١] أي: طريق من طرق الدين مستو.
آل عمران 3:49
إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ {٤٥ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ٤٦ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٤٧ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ٤٨ وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٤٩ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ٥١ } [آل عمران: ٤٥-٥١] قوله تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: ٤٥] قال ابن عباس: يريد جبريل.
يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [آل عمران: ٤٥] يعني عيسى عليه السلام، قال الحسن وقتادة: إنما قيل لعيسى: كلمة الله.
لأنه كان بكلمة الله، وهي كن.
والمعنى: أنه كان أوجده بالكلمة، وكوَّنه بها من غير توليد من فحل.
وقوله اسمه المسيح قال ابن عباس في رواية عطاء والضحاك: إنما سمي عيسى مسيحا لأنه كان لا يمسح
بيده ذا عاهة إلا برئ.
وقال إبراهيم النخعي: المسيح: الصديق.
وقال أبو عبيدة: هو بالسريانية: مشيحا، فعربته العرب.
وقوله: وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [آل عمران: ٤٥] يعني الوجيه: ذو الجاه والشرف والقدر، يقال: وجه الرجل يوجه فهو وجيه إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس.
وقوله: ومن المقربين إلى ثواب الله وكرامته.
وقوله: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ [آل عمران: ٤٦] يعني: صغيرا، والمهد: الموضع الذي مهد لنوم الصبي.
ويعني بكلامه في المهد: تبرئته أمه مما قرفت به، حين قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ [مريم: ٣٠] الآية، وقوله: وكهلا الكهل: الذي اجتمع قوته وتم شبابه.
وقال ابن عباس: يريد أنه يتكلم بكلام النبوة كهلا.
ومن الصالحين قال: يريد: مثل موسى وإسرائيل وإسحاق وإبراهيم.
قوله: قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [آل عمران: ٤٧] تعجبت حين بشرت بولد من غير أب، لخروج ذلك عن العادة، والبشر: الخلق، واحده وجمعه سواء.
قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٧] أي: يخلق الله ما يشاء مثل ذلك من الأمر، وهو خلق الولد من غير مسيس.
وقوله: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ [آل عمران: ٤٨] يعني الكتابة، والحكمة العلم، وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ [آل عمران: ٤٨].
وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ [آل عمران: ٤٩] قال الزجاج: وتجعله رسولا.
أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ٤٩] ثم ذكر
تلك الآية فقال: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ [آل عمران: ٤٩] أي: أقدر وأصور، والخلق معناه: التقدير في اللغة.
كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [آل عمران: ٤٩] الهيئة: الصورة المهيأة، من قولهم: هيأت الشيء، إذا قدرته.
فأنفخ فيه أي: في الطين، فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ٤٩] وقرأ نافع طائرا على معنى: يكون ما أنفخ فيه طائرا.
قال ابن عباس: أخذ طينا فجعل منه خفاشا، ثم نفخ فيه، فإذا هو يطير.
وأبرئ الأكمه أي: أجعله بصيرا بعد الكمه، وهو الذي يولد أعمى.
والأبرص وهو الذي به وضح، وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ٤٩] أحيا عازر وكان صديقا له، ودعا سام بن نوح من قبره، فخرج حيا، ومر عليه بابن عجوز على سرير ميتا فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حيا، ورجع إلى أهله، وبقي، وولد له.
وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [آل عمران: ٤٩] قال مجاهد: بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه، وقال قتادة: بما تأكلون من المائدة، وما تدخرون منها.
وقوله: ومصدقا أي: وجئتكم مصدقا، لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ [آل عمران: ٥٠] أي: الكتاب الذي أنزل من قبله، {وَلأُحِلَّ
لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: ٥٠] قال المفسرون: أحل لهم على لسان المسيح: لحوم الإبل والثروب، وأشياء من الطير والحيتان مما كان محرما في شريعة موسى.
قوله: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ٥٠] قال الزجاج: أي: لم أحل لكم شيئا بغير برهان، فهو حقيق عليكم اتباعي.
وإنما وحد الآية وكان قد أتاهم بآيات، لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على الرسالة.
وقوله: هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [آل عمران: ٥١] أي: طريق من طرق الدين مستو.
آل عمران 3:50
إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ {٤٥ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ٤٦ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٤٧ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ٤٨ وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٤٩ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ٥١ } [آل عمران: ٤٥-٥١] قوله تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: ٤٥] قال ابن عباس: يريد جبريل.
يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [آل عمران: ٤٥] يعني عيسى عليه السلام، قال الحسن وقتادة: إنما قيل لعيسى: كلمة الله.
لأنه كان بكلمة الله، وهي كن.
والمعنى: أنه كان أوجده بالكلمة، وكوَّنه بها من غير توليد من فحل.
وقوله اسمه المسيح قال ابن عباس في رواية عطاء والضحاك: إنما سمي عيسى مسيحا لأنه كان لا يمسح
بيده ذا عاهة إلا برئ.
وقال إبراهيم النخعي: المسيح: الصديق.
وقال أبو عبيدة: هو بالسريانية: مشيحا، فعربته العرب.
وقوله: وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [آل عمران: ٤٥] يعني الوجيه: ذو الجاه والشرف والقدر، يقال: وجه الرجل يوجه فهو وجيه إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس.
وقوله: ومن المقربين إلى ثواب الله وكرامته.
وقوله: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ [آل عمران: ٤٦] يعني: صغيرا، والمهد: الموضع الذي مهد لنوم الصبي.
ويعني بكلامه في المهد: تبرئته أمه مما قرفت به، حين قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ [مريم: ٣٠] الآية، وقوله: وكهلا الكهل: الذي اجتمع قوته وتم شبابه.
وقال ابن عباس: يريد أنه يتكلم بكلام النبوة كهلا.
ومن الصالحين قال: يريد: مثل موسى وإسرائيل وإسحاق وإبراهيم.
قوله: قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [آل عمران: ٤٧] تعجبت حين بشرت بولد من غير أب، لخروج ذلك عن العادة، والبشر: الخلق، واحده وجمعه سواء.
قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٧] أي: يخلق الله ما يشاء مثل ذلك من الأمر، وهو خلق الولد من غير مسيس.
وقوله: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ [آل عمران: ٤٨] يعني الكتابة، والحكمة العلم، وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ [آل عمران: ٤٨].
وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ [آل عمران: ٤٩] قال الزجاج: وتجعله رسولا.
أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ٤٩] ثم ذكر
تلك الآية فقال: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ [آل عمران: ٤٩] أي: أقدر وأصور، والخلق معناه: التقدير في اللغة.
كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [آل عمران: ٤٩] الهيئة: الصورة المهيأة، من قولهم: هيأت الشيء، إذا قدرته.
فأنفخ فيه أي: في الطين، فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ٤٩] وقرأ نافع طائرا على معنى: يكون ما أنفخ فيه طائرا.
قال ابن عباس: أخذ طينا فجعل منه خفاشا، ثم نفخ فيه، فإذا هو يطير.
وأبرئ الأكمه أي: أجعله بصيرا بعد الكمه، وهو الذي يولد أعمى.
والأبرص وهو الذي به وضح، وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ٤٩] أحيا عازر وكان صديقا له، ودعا سام بن نوح من قبره، فخرج حيا، ومر عليه بابن عجوز على سرير ميتا فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حيا، ورجع إلى أهله، وبقي، وولد له.
وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [آل عمران: ٤٩] قال مجاهد: بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه، وقال قتادة: بما تأكلون من المائدة، وما تدخرون منها.
وقوله: ومصدقا أي: وجئتكم مصدقا، لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ [آل عمران: ٥٠] أي: الكتاب الذي أنزل من قبله، {وَلأُحِلَّ
لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: ٥٠] قال المفسرون: أحل لهم على لسان المسيح: لحوم الإبل والثروب، وأشياء من الطير والحيتان مما كان محرما في شريعة موسى.
قوله: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ٥٠] قال الزجاج: أي: لم أحل لكم شيئا بغير برهان، فهو حقيق عليكم اتباعي.
وإنما وحد الآية وكان قد أتاهم بآيات، لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على الرسالة.
وقوله: هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [آل عمران: ٥١] أي: طريق من طرق الدين مستو.
آل عمران 3:51
إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ {٤٥ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ٤٦ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٤٧ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ٤٨ وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٤٩ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ٥١ } [آل عمران: ٤٥-٥١] قوله تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: ٤٥] قال ابن عباس: يريد جبريل.
يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [آل عمران: ٤٥] يعني عيسى عليه السلام، قال الحسن وقتادة: إنما قيل لعيسى: كلمة الله.
لأنه كان بكلمة الله، وهي كن.
والمعنى: أنه كان أوجده بالكلمة، وكوَّنه بها من غير توليد من فحل.
وقوله اسمه المسيح قال ابن عباس في رواية عطاء والضحاك: إنما سمي عيسى مسيحا لأنه كان لا يمسح
بيده ذا عاهة إلا برئ.
وقال إبراهيم النخعي: المسيح: الصديق.
وقال أبو عبيدة: هو بالسريانية: مشيحا، فعربته العرب.
وقوله: وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [آل عمران: ٤٥] يعني الوجيه: ذو الجاه والشرف والقدر، يقال: وجه الرجل يوجه فهو وجيه إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس.
وقوله: ومن المقربين إلى ثواب الله وكرامته.
وقوله: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ [آل عمران: ٤٦] يعني: صغيرا، والمهد: الموضع الذي مهد لنوم الصبي.
ويعني بكلامه في المهد: تبرئته أمه مما قرفت به، حين قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ [مريم: ٣٠] الآية، وقوله: وكهلا الكهل: الذي اجتمع قوته وتم شبابه.
وقال ابن عباس: يريد أنه يتكلم بكلام النبوة كهلا.
ومن الصالحين قال: يريد: مثل موسى وإسرائيل وإسحاق وإبراهيم.
قوله: قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [آل عمران: ٤٧] تعجبت حين بشرت بولد من غير أب، لخروج ذلك عن العادة، والبشر: الخلق، واحده وجمعه سواء.
قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٧] أي: يخلق الله ما يشاء مثل ذلك من الأمر، وهو خلق الولد من غير مسيس.
وقوله: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ [آل عمران: ٤٨] يعني الكتابة، والحكمة العلم، وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ [آل عمران: ٤٨].
وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ [آل عمران: ٤٩] قال الزجاج: وتجعله رسولا.
أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ٤٩] ثم ذكر
تلك الآية فقال: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ [آل عمران: ٤٩] أي: أقدر وأصور، والخلق معناه: التقدير في اللغة.
كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [آل عمران: ٤٩] الهيئة: الصورة المهيأة، من قولهم: هيأت الشيء، إذا قدرته.
فأنفخ فيه أي: في الطين، فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ٤٩] وقرأ نافع طائرا على معنى: يكون ما أنفخ فيه طائرا.
قال ابن عباس: أخذ طينا فجعل منه خفاشا، ثم نفخ فيه، فإذا هو يطير.
وأبرئ الأكمه أي: أجعله بصيرا بعد الكمه، وهو الذي يولد أعمى.
والأبرص وهو الذي به وضح، وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ٤٩] أحيا عازر وكان صديقا له، ودعا سام بن نوح من قبره، فخرج حيا، ومر عليه بابن عجوز على سرير ميتا فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حيا، ورجع إلى أهله، وبقي، وولد له.
وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [آل عمران: ٤٩] قال مجاهد: بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه، وقال قتادة: بما تأكلون من المائدة، وما تدخرون منها.
وقوله: ومصدقا أي: وجئتكم مصدقا، لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ [آل عمران: ٥٠] أي: الكتاب الذي أنزل من قبله، {وَلأُحِلَّ
لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: ٥٠] قال المفسرون: أحل لهم على لسان المسيح: لحوم الإبل والثروب، وأشياء من الطير والحيتان مما كان محرما في شريعة موسى.
قوله: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ٥٠] قال الزجاج: أي: لم أحل لكم شيئا بغير برهان، فهو حقيق عليكم اتباعي.
وإنما وحد الآية وكان قد أتاهم بآيات، لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على الرسالة.
وقوله: هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [آل عمران: ٥١] أي: طريق من طرق الدين مستو.
آل عمران 3:52
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {٥٢ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ٥٣ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ٥٤ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٥٥ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ٥٦ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ٥٧ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ٥٨ } [آل عمران: ٥٢-٥٨] قوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى [آل عمران: ٥٢] قال ابن عباس: أحس: علم.
وقال مقاتل: رأى.
وقال الزجاج: أحس في اللغة: علم ووجد ورأى.
وقوله منهم الكفر يريد: القتل، وذلك أنهم أرادوا قتله حين دعاهم إلى الله فاستنصر عليهم، و قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] والأنصار: جمع نصير، مثل شريف وأشراف.
ومعنى قوله: إلى الله أي: مع الله.
وقوله: قال الحواريون قال ابن عباس، في رواية سعيد بن جبير: كانوا صيادين سموا حواريين لبياض ثيابهم.
وقال في رواية عطاء: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها، اتبعوا عيسى وصدقوه.
وقال قتادة والكلبي: الحواريون: خواص عيسى وأصفياؤه.
وقال الزجاج: الحذاق باللغة يقولون: الحواريون: صفوة الأنبياء الذين خلصوا في التصديق بهم ونصرتهم، ومنه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «... وحواري الزبير بن العوام».
وقوله: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] أي: أنصار دين الله، آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ [آل عمران: ٥٢] يا عيسى، بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٥٢].
قوله: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ [آل عمران: ٥٣] يعني: ما أنزل الله على عيسى وهو الإنجيل، واتبعنا الرسول عيسى عليه السلام، فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٥٣] مع الذين شهدوا للأنبياء بالصدق، أي: اثبت أسماءنا مع أسمائهم لنفوز بمثل ما فازوا به من الدرجة والكرامة.
قوله: ومكروا قال ابن عباس: إن عامة بني إسرائيل كفروا بعيسى وهموا بقتله، فذلك مكرهم به، حيث أرادوا أن يقتلوه اغتيالا.
وقوله: ومكر الله قال المفسرون: مكر الله بهم بإلقاء شبه عيسى على من دل عليه، فجعله الله في صورة عيسى فأخذ وصلب.
وقوله: وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران: ٥٤] أي: أفضل المجازين بالسيئة العقوبة.
قوله: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [آل عمران: ٥٥] أي: قابضك من الأرض وافيا تاما من غير أن تنال اليهود منك شيئا، وهذا قول الحسن والكلبي وابن جريج.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: هذا مقدم ومؤخر، يريد: إني رافعك إلي ومتوفيك بعد أن أهبطك إلى الأرض حتى تكون فيها وتتزوج ويولد لك حتى تموت.
وهذا اختيار الفراء، قال: يقال: إن هذا مقدم ومؤخر، والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا.
وقوله: ورافعك إلي أي: إلى سمائي ومحل كرامتي، فجعل ذلك رفعا إليه للتفخيم والتعظيم.
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ٥٥] أي: مخرجك من بينهم، لأن كونه في جملتهم التنجيس له بهم.
وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [آل عمران: ٥٥] قال قتادة والربيع والكلبي ومقاتل: هم أهل الإسلام من أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اتبعوا دين المسيح وصدقوه بأنه رسول الله وكلمته، ألقاها إلى مريم وروح منه، فوالله ما اتبعه من دعاه ربا.
ومعنى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ٥٥] بالبرهان والحجة، ومحتمل بالعز والغلبة.
ثم رجع عن الغيبة إلى الخطاب فقال: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [آل عمران: ٥٥] من الدين وأمر عيسى.
ثم بين ذلك الحكم فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا [آل عمران: ٥٦] يعني: بالقتل وسبي الذراري وأخذ الجزية، والآخرة وفي الآخرة بالنار، وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران: ٥٦] ما لهم من يمنعهم من عذاب الله.
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ٥٧] بمحمد وعيسى، فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ [آل عمران: ٥٧] يتم لهم جزاءهم من الثواب، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: ٥٧] لا يرحمهم، ولا يثني عليهم، وهم الذين لا يطيعون الله فيما أمرهم به من الإيمان بالرسل والكتب.
وقوله: ذلك إشارة إلى ما تقدم من الخبر عن عيسى ومريم والحواريين، نتلوه عليك قال ابن عباس: نخبرك به بتلاوة جبريل عليك، وتلاوته بأمر الله، ومثله قوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ [يوسف: ٣].
وقوله: من الآيات أي: العلامات الدالة على نبوتك، لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارئ كتاب، أو من يوحى إليه، وأنت أمي لا تقرأ.
آل عمران 3:53
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {٥٢ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ٥٣ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ٥٤ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٥٥ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ٥٦ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ٥٧ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ٥٨ } [آل عمران: ٥٢-٥٨] قوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى [آل عمران: ٥٢] قال ابن عباس: أحس: علم.
وقال مقاتل: رأى.
وقال الزجاج: أحس في اللغة: علم ووجد ورأى.
وقوله منهم الكفر يريد: القتل، وذلك أنهم أرادوا قتله حين دعاهم إلى الله فاستنصر عليهم، و قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] والأنصار: جمع نصير، مثل شريف وأشراف.
ومعنى قوله: إلى الله أي: مع الله.
وقوله: قال الحواريون قال ابن عباس، في رواية سعيد بن جبير: كانوا صيادين سموا حواريين لبياض ثيابهم.
وقال في رواية عطاء: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها، اتبعوا عيسى وصدقوه.
وقال قتادة والكلبي: الحواريون: خواص عيسى وأصفياؤه.
وقال الزجاج: الحذاق باللغة يقولون: الحواريون: صفوة الأنبياء الذين خلصوا في التصديق بهم ونصرتهم، ومنه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «... وحواري الزبير بن العوام».
وقوله: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] أي: أنصار دين الله، آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ [آل عمران: ٥٢] يا عيسى، بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٥٢].
قوله: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ [آل عمران: ٥٣] يعني: ما أنزل الله على عيسى وهو الإنجيل، واتبعنا الرسول عيسى عليه السلام، فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٥٣] مع الذين شهدوا للأنبياء بالصدق، أي: اثبت أسماءنا مع أسمائهم لنفوز بمثل ما فازوا به من الدرجة والكرامة.
قوله: ومكروا قال ابن عباس: إن عامة بني إسرائيل كفروا بعيسى وهموا بقتله، فذلك مكرهم به، حيث أرادوا أن يقتلوه اغتيالا.
وقوله: ومكر الله قال المفسرون: مكر الله بهم بإلقاء شبه عيسى على من دل عليه، فجعله الله في صورة عيسى فأخذ وصلب.
وقوله: وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران: ٥٤] أي: أفضل المجازين بالسيئة العقوبة.
قوله: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [آل عمران: ٥٥] أي: قابضك من الأرض وافيا تاما من غير أن تنال اليهود منك شيئا، وهذا قول الحسن والكلبي وابن جريج.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: هذا مقدم ومؤخر، يريد: إني رافعك إلي ومتوفيك بعد أن أهبطك إلى الأرض حتى تكون فيها وتتزوج ويولد لك حتى تموت.
وهذا اختيار الفراء، قال: يقال: إن هذا مقدم ومؤخر، والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا.
وقوله: ورافعك إلي أي: إلى سمائي ومحل كرامتي، فجعل ذلك رفعا إليه للتفخيم والتعظيم.
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ٥٥] أي: مخرجك من بينهم، لأن كونه في جملتهم التنجيس له بهم.
وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [آل عمران: ٥٥] قال قتادة والربيع والكلبي ومقاتل: هم أهل الإسلام من أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اتبعوا دين المسيح وصدقوه بأنه رسول الله وكلمته، ألقاها إلى مريم وروح منه، فوالله ما اتبعه من دعاه ربا.
ومعنى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ٥٥] بالبرهان والحجة، ومحتمل بالعز والغلبة.
ثم رجع عن الغيبة إلى الخطاب فقال: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [آل عمران: ٥٥] من الدين وأمر عيسى.
ثم بين ذلك الحكم فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا [آل عمران: ٥٦] يعني: بالقتل وسبي الذراري وأخذ الجزية، والآخرة وفي الآخرة بالنار، وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران: ٥٦] ما لهم من يمنعهم من عذاب الله.
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ٥٧] بمحمد وعيسى، فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ [آل عمران: ٥٧] يتم لهم جزاءهم من الثواب، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: ٥٧] لا يرحمهم، ولا يثني عليهم، وهم الذين لا يطيعون الله فيما أمرهم به من الإيمان بالرسل والكتب.
وقوله: ذلك إشارة إلى ما تقدم من الخبر عن عيسى ومريم والحواريين، نتلوه عليك قال ابن عباس: نخبرك به بتلاوة جبريل عليك، وتلاوته بأمر الله، ومثله قوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ [يوسف: ٣].
وقوله: من الآيات أي: العلامات الدالة على نبوتك، لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارئ كتاب، أو من يوحى إليه، وأنت أمي لا تقرأ.
آل عمران 3:54
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {٥٢ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ٥٣ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ٥٤ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٥٥ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ٥٦ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ٥٧ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ٥٨ } [آل عمران: ٥٢-٥٨] قوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى [آل عمران: ٥٢] قال ابن عباس: أحس: علم.
وقال مقاتل: رأى.
وقال الزجاج: أحس في اللغة: علم ووجد ورأى.
وقوله منهم الكفر يريد: القتل، وذلك أنهم أرادوا قتله حين دعاهم إلى الله فاستنصر عليهم، و قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] والأنصار: جمع نصير، مثل شريف وأشراف.
ومعنى قوله: إلى الله أي: مع الله.
وقوله: قال الحواريون قال ابن عباس، في رواية سعيد بن جبير: كانوا صيادين سموا حواريين لبياض ثيابهم.
وقال في رواية عطاء: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها، اتبعوا عيسى وصدقوه.
وقال قتادة والكلبي: الحواريون: خواص عيسى وأصفياؤه.
وقال الزجاج: الحذاق باللغة يقولون: الحواريون: صفوة الأنبياء الذين خلصوا في التصديق بهم ونصرتهم، ومنه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «... وحواري الزبير بن العوام».
وقوله: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] أي: أنصار دين الله، آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ [آل عمران: ٥٢] يا عيسى، بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٥٢].
قوله: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ [آل عمران: ٥٣] يعني: ما أنزل الله على عيسى وهو الإنجيل، واتبعنا الرسول عيسى عليه السلام، فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٥٣] مع الذين شهدوا للأنبياء بالصدق، أي: اثبت أسماءنا مع أسمائهم لنفوز بمثل ما فازوا به من الدرجة والكرامة.
قوله: ومكروا قال ابن عباس: إن عامة بني إسرائيل كفروا بعيسى وهموا بقتله، فذلك مكرهم به، حيث أرادوا أن يقتلوه اغتيالا.
وقوله: ومكر الله قال المفسرون: مكر الله بهم بإلقاء شبه عيسى على من دل عليه، فجعله الله في صورة عيسى فأخذ وصلب.
وقوله: وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران: ٥٤] أي: أفضل المجازين بالسيئة العقوبة.
قوله: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [آل عمران: ٥٥] أي: قابضك من الأرض وافيا تاما من غير أن تنال اليهود منك شيئا، وهذا قول الحسن والكلبي وابن جريج.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: هذا مقدم ومؤخر، يريد: إني رافعك إلي ومتوفيك بعد أن أهبطك إلى الأرض حتى تكون فيها وتتزوج ويولد لك حتى تموت.
وهذا اختيار الفراء، قال: يقال: إن هذا مقدم ومؤخر، والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا.
وقوله: ورافعك إلي أي: إلى سمائي ومحل كرامتي، فجعل ذلك رفعا إليه للتفخيم والتعظيم.
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ٥٥] أي: مخرجك من بينهم، لأن كونه في جملتهم التنجيس له بهم.
وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [آل عمران: ٥٥] قال قتادة والربيع والكلبي ومقاتل: هم أهل الإسلام من أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اتبعوا دين المسيح وصدقوه بأنه رسول الله وكلمته، ألقاها إلى مريم وروح منه، فوالله ما اتبعه من دعاه ربا.
ومعنى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ٥٥] بالبرهان والحجة، ومحتمل بالعز والغلبة.
ثم رجع عن الغيبة إلى الخطاب فقال: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [آل عمران: ٥٥] من الدين وأمر عيسى.
ثم بين ذلك الحكم فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا [آل عمران: ٥٦] يعني: بالقتل وسبي الذراري وأخذ الجزية، والآخرة وفي الآخرة بالنار، وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران: ٥٦] ما لهم من يمنعهم من عذاب الله.
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ٥٧] بمحمد وعيسى، فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ [آل عمران: ٥٧] يتم لهم جزاءهم من الثواب، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: ٥٧] لا يرحمهم، ولا يثني عليهم، وهم الذين لا يطيعون الله فيما أمرهم به من الإيمان بالرسل والكتب.
وقوله: ذلك إشارة إلى ما تقدم من الخبر عن عيسى ومريم والحواريين، نتلوه عليك قال ابن عباس: نخبرك به بتلاوة جبريل عليك، وتلاوته بأمر الله، ومثله قوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ [يوسف: ٣].
وقوله: من الآيات أي: العلامات الدالة على نبوتك، لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارئ كتاب، أو من يوحى إليه، وأنت أمي لا تقرأ.
آل عمران 3:55
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {٥٢ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ٥٣ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ٥٤ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٥٥ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ٥٦ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ٥٧ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ٥٨ } [آل عمران: ٥٢-٥٨] قوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى [آل عمران: ٥٢] قال ابن عباس: أحس: علم.
وقال مقاتل: رأى.
وقال الزجاج: أحس في اللغة: علم ووجد ورأى.
وقوله منهم الكفر يريد: القتل، وذلك أنهم أرادوا قتله حين دعاهم إلى الله فاستنصر عليهم، و قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] والأنصار: جمع نصير، مثل شريف وأشراف.
ومعنى قوله: إلى الله أي: مع الله.
وقوله: قال الحواريون قال ابن عباس، في رواية سعيد بن جبير: كانوا صيادين سموا حواريين لبياض ثيابهم.
وقال في رواية عطاء: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها، اتبعوا عيسى وصدقوه.
وقال قتادة والكلبي: الحواريون: خواص عيسى وأصفياؤه.
وقال الزجاج: الحذاق باللغة يقولون: الحواريون: صفوة الأنبياء الذين خلصوا في التصديق بهم ونصرتهم، ومنه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «... وحواري الزبير بن العوام».
وقوله: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] أي: أنصار دين الله، آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ [آل عمران: ٥٢] يا عيسى، بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٥٢].
قوله: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ [آل عمران: ٥٣] يعني: ما أنزل الله على عيسى وهو الإنجيل، واتبعنا الرسول عيسى عليه السلام، فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٥٣] مع الذين شهدوا للأنبياء بالصدق، أي: اثبت أسماءنا مع أسمائهم لنفوز بمثل ما فازوا به من الدرجة والكرامة.
قوله: ومكروا قال ابن عباس: إن عامة بني إسرائيل كفروا بعيسى وهموا بقتله، فذلك مكرهم به، حيث أرادوا أن يقتلوه اغتيالا.
وقوله: ومكر الله قال المفسرون: مكر الله بهم بإلقاء شبه عيسى على من دل عليه، فجعله الله في صورة عيسى فأخذ وصلب.
وقوله: وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران: ٥٤] أي: أفضل المجازين بالسيئة العقوبة.
قوله: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [آل عمران: ٥٥] أي: قابضك من الأرض وافيا تاما من غير أن تنال اليهود منك شيئا، وهذا قول الحسن والكلبي وابن جريج.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: هذا مقدم ومؤخر، يريد: إني رافعك إلي ومتوفيك بعد أن أهبطك إلى الأرض حتى تكون فيها وتتزوج ويولد لك حتى تموت.
وهذا اختيار الفراء، قال: يقال: إن هذا مقدم ومؤخر، والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا.
وقوله: ورافعك إلي أي: إلى سمائي ومحل كرامتي، فجعل ذلك رفعا إليه للتفخيم والتعظيم.
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ٥٥] أي: مخرجك من بينهم، لأن كونه في جملتهم التنجيس له بهم.
وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [آل عمران: ٥٥] قال قتادة والربيع والكلبي ومقاتل: هم أهل الإسلام من أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اتبعوا دين المسيح وصدقوه بأنه رسول الله وكلمته، ألقاها إلى مريم وروح منه، فوالله ما اتبعه من دعاه ربا.
ومعنى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ٥٥] بالبرهان والحجة، ومحتمل بالعز والغلبة.
ثم رجع عن الغيبة إلى الخطاب فقال: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [آل عمران: ٥٥] من الدين وأمر عيسى.
ثم بين ذلك الحكم فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا [آل عمران: ٥٦] يعني: بالقتل وسبي الذراري وأخذ الجزية، والآخرة وفي الآخرة بالنار، وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران: ٥٦] ما لهم من يمنعهم من عذاب الله.
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ٥٧] بمحمد وعيسى، فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ [آل عمران: ٥٧] يتم لهم جزاءهم من الثواب، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: ٥٧] لا يرحمهم، ولا يثني عليهم، وهم الذين لا يطيعون الله فيما أمرهم به من الإيمان بالرسل والكتب.
وقوله: ذلك إشارة إلى ما تقدم من الخبر عن عيسى ومريم والحواريين، نتلوه عليك قال ابن عباس: نخبرك به بتلاوة جبريل عليك، وتلاوته بأمر الله، ومثله قوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ [يوسف: ٣].
وقوله: من الآيات أي: العلامات الدالة على نبوتك، لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارئ كتاب، أو من يوحى إليه، وأنت أمي لا تقرأ.
آل عمران 3:56
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {٥٢ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ٥٣ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ٥٤ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٥٥ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ٥٦ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ٥٧ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ٥٨ } [آل عمران: ٥٢-٥٨] قوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى [آل عمران: ٥٢] قال ابن عباس: أحس: علم.
وقال مقاتل: رأى.
وقال الزجاج: أحس في اللغة: علم ووجد ورأى.
وقوله منهم الكفر يريد: القتل، وذلك أنهم أرادوا قتله حين دعاهم إلى الله فاستنصر عليهم، و قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] والأنصار: جمع نصير، مثل شريف وأشراف.
ومعنى قوله: إلى الله أي: مع الله.
وقوله: قال الحواريون قال ابن عباس، في رواية سعيد بن جبير: كانوا صيادين سموا حواريين لبياض ثيابهم.
وقال في رواية عطاء: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها، اتبعوا عيسى وصدقوه.
وقال قتادة والكلبي: الحواريون: خواص عيسى وأصفياؤه.
وقال الزجاج: الحذاق باللغة يقولون: الحواريون: صفوة الأنبياء الذين خلصوا في التصديق بهم ونصرتهم، ومنه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «... وحواري الزبير بن العوام».
وقوله: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] أي: أنصار دين الله، آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ [آل عمران: ٥٢] يا عيسى، بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٥٢].
قوله: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ [آل عمران: ٥٣] يعني: ما أنزل الله على عيسى وهو الإنجيل، واتبعنا الرسول عيسى عليه السلام، فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٥٣] مع الذين شهدوا للأنبياء بالصدق، أي: اثبت أسماءنا مع أسمائهم لنفوز بمثل ما فازوا به من الدرجة والكرامة.
قوله: ومكروا قال ابن عباس: إن عامة بني إسرائيل كفروا بعيسى وهموا بقتله، فذلك مكرهم به، حيث أرادوا أن يقتلوه اغتيالا.
وقوله: ومكر الله قال المفسرون: مكر الله بهم بإلقاء شبه عيسى على من دل عليه، فجعله الله في صورة عيسى فأخذ وصلب.
وقوله: وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران: ٥٤] أي: أفضل المجازين بالسيئة العقوبة.
قوله: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [آل عمران: ٥٥] أي: قابضك من الأرض وافيا تاما من غير أن تنال اليهود منك شيئا، وهذا قول الحسن والكلبي وابن جريج.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: هذا مقدم ومؤخر، يريد: إني رافعك إلي ومتوفيك بعد أن أهبطك إلى الأرض حتى تكون فيها وتتزوج ويولد لك حتى تموت.
وهذا اختيار الفراء، قال: يقال: إن هذا مقدم ومؤخر، والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا.
وقوله: ورافعك إلي أي: إلى سمائي ومحل كرامتي، فجعل ذلك رفعا إليه للتفخيم والتعظيم.
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ٥٥] أي: مخرجك من بينهم، لأن كونه في جملتهم التنجيس له بهم.
وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [آل عمران: ٥٥] قال قتادة والربيع والكلبي ومقاتل: هم أهل الإسلام من أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اتبعوا دين المسيح وصدقوه بأنه رسول الله وكلمته، ألقاها إلى مريم وروح منه، فوالله ما اتبعه من دعاه ربا.
ومعنى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ٥٥] بالبرهان والحجة، ومحتمل بالعز والغلبة.
ثم رجع عن الغيبة إلى الخطاب فقال: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [آل عمران: ٥٥] من الدين وأمر عيسى.
ثم بين ذلك الحكم فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا [آل عمران: ٥٦] يعني: بالقتل وسبي الذراري وأخذ الجزية، والآخرة وفي الآخرة بالنار، وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران: ٥٦] ما لهم من يمنعهم من عذاب الله.
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ٥٧] بمحمد وعيسى، فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ [آل عمران: ٥٧] يتم لهم جزاءهم من الثواب، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: ٥٧] لا يرحمهم، ولا يثني عليهم، وهم الذين لا يطيعون الله فيما أمرهم به من الإيمان بالرسل والكتب.
وقوله: ذلك إشارة إلى ما تقدم من الخبر عن عيسى ومريم والحواريين، نتلوه عليك قال ابن عباس: نخبرك به بتلاوة جبريل عليك، وتلاوته بأمر الله، ومثله قوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ [يوسف: ٣].
وقوله: من الآيات أي: العلامات الدالة على نبوتك، لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارئ كتاب، أو من يوحى إليه، وأنت أمي لا تقرأ.
آل عمران 3:57
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {٥٢ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ٥٣ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ٥٤ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٥٥ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ٥٦ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ٥٧ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ٥٨ } [آل عمران: ٥٢-٥٨] قوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى [آل عمران: ٥٢] قال ابن عباس: أحس: علم.
وقال مقاتل: رأى.
وقال الزجاج: أحس في اللغة: علم ووجد ورأى.
وقوله منهم الكفر يريد: القتل، وذلك أنهم أرادوا قتله حين دعاهم إلى الله فاستنصر عليهم، و قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] والأنصار: جمع نصير، مثل شريف وأشراف.
ومعنى قوله: إلى الله أي: مع الله.
وقوله: قال الحواريون قال ابن عباس، في رواية سعيد بن جبير: كانوا صيادين سموا حواريين لبياض ثيابهم.
وقال في رواية عطاء: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها، اتبعوا عيسى وصدقوه.
وقال قتادة والكلبي: الحواريون: خواص عيسى وأصفياؤه.
وقال الزجاج: الحذاق باللغة يقولون: الحواريون: صفوة الأنبياء الذين خلصوا في التصديق بهم ونصرتهم، ومنه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «... وحواري الزبير بن العوام».
وقوله: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] أي: أنصار دين الله، آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ [آل عمران: ٥٢] يا عيسى، بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٥٢].
قوله: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ [آل عمران: ٥٣] يعني: ما أنزل الله على عيسى وهو الإنجيل، واتبعنا الرسول عيسى عليه السلام، فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٥٣] مع الذين شهدوا للأنبياء بالصدق، أي: اثبت أسماءنا مع أسمائهم لنفوز بمثل ما فازوا به من الدرجة والكرامة.
قوله: ومكروا قال ابن عباس: إن عامة بني إسرائيل كفروا بعيسى وهموا بقتله، فذلك مكرهم به، حيث أرادوا أن يقتلوه اغتيالا.
وقوله: ومكر الله قال المفسرون: مكر الله بهم بإلقاء شبه عيسى على من دل عليه، فجعله الله في صورة عيسى فأخذ وصلب.
وقوله: وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران: ٥٤] أي: أفضل المجازين بالسيئة العقوبة.
قوله: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [آل عمران: ٥٥] أي: قابضك من الأرض وافيا تاما من غير أن تنال اليهود منك شيئا، وهذا قول الحسن والكلبي وابن جريج.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: هذا مقدم ومؤخر، يريد: إني رافعك إلي ومتوفيك بعد أن أهبطك إلى الأرض حتى تكون فيها وتتزوج ويولد لك حتى تموت.
وهذا اختيار الفراء، قال: يقال: إن هذا مقدم ومؤخر، والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا.
وقوله: ورافعك إلي أي: إلى سمائي ومحل كرامتي، فجعل ذلك رفعا إليه للتفخيم والتعظيم.
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ٥٥] أي: مخرجك من بينهم، لأن كونه في جملتهم التنجيس له بهم.
وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [آل عمران: ٥٥] قال قتادة والربيع والكلبي ومقاتل: هم أهل الإسلام من أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اتبعوا دين المسيح وصدقوه بأنه رسول الله وكلمته، ألقاها إلى مريم وروح منه، فوالله ما اتبعه من دعاه ربا.
ومعنى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ٥٥] بالبرهان والحجة، ومحتمل بالعز والغلبة.
ثم رجع عن الغيبة إلى الخطاب فقال: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [آل عمران: ٥٥] من الدين وأمر عيسى.
ثم بين ذلك الحكم فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا [آل عمران: ٥٦] يعني: بالقتل وسبي الذراري وأخذ الجزية، والآخرة وفي الآخرة بالنار، وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران: ٥٦] ما لهم من يمنعهم من عذاب الله.
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ٥٧] بمحمد وعيسى، فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ [آل عمران: ٥٧] يتم لهم جزاءهم من الثواب، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: ٥٧] لا يرحمهم، ولا يثني عليهم، وهم الذين لا يطيعون الله فيما أمرهم به من الإيمان بالرسل والكتب.
وقوله: ذلك إشارة إلى ما تقدم من الخبر عن عيسى ومريم والحواريين، نتلوه عليك قال ابن عباس: نخبرك به بتلاوة جبريل عليك، وتلاوته بأمر الله، ومثله قوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ [يوسف: ٣].
وقوله: من الآيات أي: العلامات الدالة على نبوتك، لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارئ كتاب، أو من يوحى إليه، وأنت أمي لا تقرأ.
آل عمران 3:58
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {٥٢ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ٥٣ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ٥٤ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٥٥ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ٥٦ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ٥٧ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ٥٨ } [آل عمران: ٥٢-٥٨] قوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى [آل عمران: ٥٢] قال ابن عباس: أحس: علم.
وقال مقاتل: رأى.
وقال الزجاج: أحس في اللغة: علم ووجد ورأى.
وقوله منهم الكفر يريد: القتل، وذلك أنهم أرادوا قتله حين دعاهم إلى الله فاستنصر عليهم، و قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] والأنصار: جمع نصير، مثل شريف وأشراف.
ومعنى قوله: إلى الله أي: مع الله.
وقوله: قال الحواريون قال ابن عباس، في رواية سعيد بن جبير: كانوا صيادين سموا حواريين لبياض ثيابهم.
وقال في رواية عطاء: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها، اتبعوا عيسى وصدقوه.
وقال قتادة والكلبي: الحواريون: خواص عيسى وأصفياؤه.
وقال الزجاج: الحذاق باللغة يقولون: الحواريون: صفوة الأنبياء الذين خلصوا في التصديق بهم ونصرتهم، ومنه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «... وحواري الزبير بن العوام».
وقوله: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] أي: أنصار دين الله، آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ [آل عمران: ٥٢] يا عيسى، بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٥٢].
قوله: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ [آل عمران: ٥٣] يعني: ما أنزل الله على عيسى وهو الإنجيل، واتبعنا الرسول عيسى عليه السلام، فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٥٣] مع الذين شهدوا للأنبياء بالصدق، أي: اثبت أسماءنا مع أسمائهم لنفوز بمثل ما فازوا به من الدرجة والكرامة.
قوله: ومكروا قال ابن عباس: إن عامة بني إسرائيل كفروا بعيسى وهموا بقتله، فذلك مكرهم به، حيث أرادوا أن يقتلوه اغتيالا.
وقوله: ومكر الله قال المفسرون: مكر الله بهم بإلقاء شبه عيسى على من دل عليه، فجعله الله في صورة عيسى فأخذ وصلب.
وقوله: وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران: ٥٤] أي: أفضل المجازين بالسيئة العقوبة.
قوله: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [آل عمران: ٥٥] أي: قابضك من الأرض وافيا تاما من غير أن تنال اليهود منك شيئا، وهذا قول الحسن والكلبي وابن جريج.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: هذا مقدم ومؤخر، يريد: إني رافعك إلي ومتوفيك بعد أن أهبطك إلى الأرض حتى تكون فيها وتتزوج ويولد لك حتى تموت.
وهذا اختيار الفراء، قال: يقال: إن هذا مقدم ومؤخر، والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا.
وقوله: ورافعك إلي أي: إلى سمائي ومحل كرامتي، فجعل ذلك رفعا إليه للتفخيم والتعظيم.
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ٥٥] أي: مخرجك من بينهم، لأن كونه في جملتهم التنجيس له بهم.
وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [آل عمران: ٥٥] قال قتادة والربيع والكلبي ومقاتل: هم أهل الإسلام من أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اتبعوا دين المسيح وصدقوه بأنه رسول الله وكلمته، ألقاها إلى مريم وروح منه، فوالله ما اتبعه من دعاه ربا.
ومعنى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ٥٥] بالبرهان والحجة، ومحتمل بالعز والغلبة.
ثم رجع عن الغيبة إلى الخطاب فقال: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [آل عمران: ٥٥] من الدين وأمر عيسى.
ثم بين ذلك الحكم فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا [آل عمران: ٥٦] يعني: بالقتل وسبي الذراري وأخذ الجزية، والآخرة وفي الآخرة بالنار، وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران: ٥٦] ما لهم من يمنعهم من عذاب الله.
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ٥٧] بمحمد وعيسى، فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ [آل عمران: ٥٧] يتم لهم جزاءهم من الثواب، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: ٥٧] لا يرحمهم، ولا يثني عليهم، وهم الذين لا يطيعون الله فيما أمرهم به من الإيمان بالرسل والكتب.
وقوله: ذلك إشارة إلى ما تقدم من الخبر عن عيسى ومريم والحواريين، نتلوه عليك قال ابن عباس: نخبرك به بتلاوة جبريل عليك، وتلاوته بأمر الله، ومثله قوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ [يوسف: ٣].
وقوله: من الآيات أي: العلامات الدالة على نبوتك، لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارئ كتاب، أو من يوحى إليه، وأنت أمي لا تقرأ.
آل عمران 3:59
وقوله: وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمران: ٥٨] يعني: القرآن الحكيم، أي: المانع من الفساد وكل ما يقبح، ويجوز أن يكون بمعنى المحكم، أي: الممنوع من الباطل.
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ {٥٩ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ٦٠ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ٦١ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٦٢ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ٦٣ } [آل عمران: ٥٩-٦٣] قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران: ٥٩] الآية:
١٤٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَاهِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمَا الإِسْلامَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّا قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ، فَقَالَ: كَذَبْتُمَا، إِنَّهُ يَمْنَعُكُمْ مِنَ الإِسْلامِ ثَلاثَةٌ: عِبَادَتُكُمُ الصَّلِيبِ، وَأَكْلُكُمُ الْخِنْزِيرِ، وَقَوْلُكُمْ: للَّهِ وَلَدٌ، قَالا: مَنْ أَبُو عِيسَى؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران: ٥٩] الآيَةَ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ قِيَاسَ خَلْقِ عِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ كَقِيَاسِ خَلْقِ آدَمَ.
وَمَعْنَى عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران: ٥٩] : أَيْ: فِي الْخَلْقِ وَالإِنْشَاءِ
ثم ذكر خلق آدم فقال: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: ٥٩] يعني: قالبا من تراب لا روح فيه، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ [آل عمران: ٥٩] بشرا، فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩] بمعنى: فكان، وهذا مما أريد بمثال المستقبل فيه الماضي، كقوله: تَتْلُو الشَّيَاطِينُ [البقرة: ١٠٢].
وقوله: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [آل عمران: ٦٠] قال الفراء والزجاج: الحق: مرفوع بخبر ابتداء محذوف، على تقدير: الذي أنبأتك به من قصة عيسى الحق، فحذف لتقدم ذكره.
وقال أبو عبيدة: هو ابتداء وخبره من ربك كما تقول: الحق من ربك والباطل من الشيطان.
وقوله: فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [آل عمران: ٦٠] الخطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والمراد به: نهي غيره عن الشك، كما قال: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق: ١]،
والامتراء: الشك، والممتري: الشاك، يقال للشك: المرية.
وقوله: فمن حاجك أي: جادلك وخاصمك، فيه في عيسى، فقل تعالوا أي: ائتوا وهلموا، نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ [آل عمران: ٦١] قال المفسرون: لما احتج الله تعالى على النصارى من طريق القياس بقوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى [آل عمران: ٥٩] الآية، أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحتج عليهم من طريق الإعجاز، وهو المباهلة.
ومعنى المباهلة: الدعاء على الظالم من الفريقين.
فلما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفد نجران إلى المباهلة، وخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محتضنا الحسين، آخذا بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها، وهو يقول: «إذا دعوت فأمنوا».
فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن ينزل جبلا من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.
ثم قبلوا الجزية وانصرفوا، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران، ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم نارا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصارى حتى هلكوا».
١٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ
الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ [آل عمران: ٦١] دعا رسول اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا، وَقَالَ: «هَؤُلاءِ أَهْلِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ قُتَيْبَةَ
وأراد بالأنفس: بني العم، والعرب تخبر عن ابن العم بأنه نفس، وقد تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: ١١] أراد: إخوانكم من المؤمنين.
وقيل: ثم نبتهل الابتهال في اللغة على معنيين، أحدهما: التضرع إلى الله، والثاني: الالتعان والدعاء بالبهلة وهي اللعنة، يقال: عليه بهلة الله.
أي: لعنته.
وكلا القولين مروي عن ابن عباس، قال، في رواية الكلبي، في قوله: نبتهل: أي: نجتهد في الدعاء.
وقال في رواية عطاء: ندع الله باللعنة على الكاذبين.
وقوله: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران: ٦٢] أي: هذا الذي أوحيناه إليك من الآيات والحجج، والقصص: مصدر، من قولك: قص فلان الحديث يقصه قصا وقصصا.
الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران: ٦٢] القرآن الصادق فيما أخبر به، وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ [آل عمران: ٦٢] نفي لجميع ما ادعى المشركون أنهم آلهة، أي أن عيسى ليس بإله كما زعموا.
قوله: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ٦٢] أي: لا أحد يستحق إطلاق هذه الصفة إلا هو.
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [آل عمران: ٦٣] أي: فإن أعرضوا عما أتيت به من البيان فإن الله يعلم من يفسد خلقه، فيجازيه على ذلك.
آل عمران 3:60
وقوله: وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمران: ٥٨] يعني: القرآن الحكيم، أي: المانع من الفساد وكل ما يقبح، ويجوز أن يكون بمعنى المحكم، أي: الممنوع من الباطل.
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ {٥٩ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ٦٠ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ٦١ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٦٢ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ٦٣ } [آل عمران: ٥٩-٦٣] قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران: ٥٩] الآية:
١٤٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَاهِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمَا الإِسْلامَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّا قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ، فَقَالَ: كَذَبْتُمَا، إِنَّهُ يَمْنَعُكُمْ مِنَ الإِسْلامِ ثَلاثَةٌ: عِبَادَتُكُمُ الصَّلِيبِ، وَأَكْلُكُمُ الْخِنْزِيرِ، وَقَوْلُكُمْ: للَّهِ وَلَدٌ، قَالا: مَنْ أَبُو عِيسَى؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران: ٥٩] الآيَةَ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ قِيَاسَ خَلْقِ عِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ كَقِيَاسِ خَلْقِ آدَمَ.
وَمَعْنَى عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران: ٥٩] : أَيْ: فِي الْخَلْقِ وَالإِنْشَاءِ
ثم ذكر خلق آدم فقال: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: ٥٩] يعني: قالبا من تراب لا روح فيه، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ [آل عمران: ٥٩] بشرا، فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩] بمعنى: فكان، وهذا مما أريد بمثال المستقبل فيه الماضي، كقوله: تَتْلُو الشَّيَاطِينُ [البقرة: ١٠٢].
وقوله: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [آل عمران: ٦٠] قال الفراء والزجاج: الحق: مرفوع بخبر ابتداء محذوف، على تقدير: الذي أنبأتك به من قصة عيسى الحق، فحذف لتقدم ذكره.
وقال أبو عبيدة: هو ابتداء وخبره من ربك كما تقول: الحق من ربك والباطل من الشيطان.
وقوله: فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [آل عمران: ٦٠] الخطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والمراد به: نهي غيره عن الشك، كما قال: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق: ١]،
والامتراء: الشك، والممتري: الشاك، يقال للشك: المرية.
وقوله: فمن حاجك أي: جادلك وخاصمك، فيه في عيسى، فقل تعالوا أي: ائتوا وهلموا، نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ [آل عمران: ٦١] قال المفسرون: لما احتج الله تعالى على النصارى من طريق القياس بقوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى [آل عمران: ٥٩] الآية، أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحتج عليهم من طريق الإعجاز، وهو المباهلة.
ومعنى المباهلة: الدعاء على الظالم من الفريقين.
فلما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفد نجران إلى المباهلة، وخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محتضنا الحسين، آخذا بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها، وهو يقول: «إذا دعوت فأمنوا».
فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن ينزل جبلا من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.
ثم قبلوا الجزية وانصرفوا، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران، ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم نارا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصارى حتى هلكوا».
١٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ
الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ [آل عمران: ٦١] دعا رسول اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا، وَقَالَ: «هَؤُلاءِ أَهْلِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ قُتَيْبَةَ
وأراد بالأنفس: بني العم، والعرب تخبر عن ابن العم بأنه نفس، وقد تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: ١١] أراد: إخوانكم من المؤمنين.
وقيل: ثم نبتهل الابتهال في اللغة على معنيين، أحدهما: التضرع إلى الله، والثاني: الالتعان والدعاء بالبهلة وهي اللعنة، يقال: عليه بهلة الله.
أي: لعنته.
وكلا القولين مروي عن ابن عباس، قال، في رواية الكلبي، في قوله: نبتهل: أي: نجتهد في الدعاء.
وقال في رواية عطاء: ندع الله باللعنة على الكاذبين.
وقوله: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران: ٦٢] أي: هذا الذي أوحيناه إليك من الآيات والحجج، والقصص: مصدر، من قولك: قص فلان الحديث يقصه قصا وقصصا.
الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران: ٦٢] القرآن الصادق فيما أخبر به، وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ [آل عمران: ٦٢] نفي لجميع ما ادعى المشركون أنهم آلهة، أي أن عيسى ليس بإله كما زعموا.
قوله: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ٦٢] أي: لا أحد يستحق إطلاق هذه الصفة إلا هو.
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [آل عمران: ٦٣] أي: فإن أعرضوا عما أتيت به من البيان فإن الله يعلم من يفسد خلقه، فيجازيه على ذلك.
آل عمران 3:61
وقوله: وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمران: ٥٨] يعني: القرآن الحكيم، أي: المانع من الفساد وكل ما يقبح، ويجوز أن يكون بمعنى المحكم، أي: الممنوع من الباطل.
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ {٥٩ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ٦٠ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ٦١ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٦٢ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ٦٣ } [آل عمران: ٥٩-٦٣] قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران: ٥٩] الآية:
١٤٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَاهِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمَا الإِسْلامَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّا قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ، فَقَالَ: كَذَبْتُمَا، إِنَّهُ يَمْنَعُكُمْ مِنَ الإِسْلامِ ثَلاثَةٌ: عِبَادَتُكُمُ الصَّلِيبِ، وَأَكْلُكُمُ الْخِنْزِيرِ، وَقَوْلُكُمْ: للَّهِ وَلَدٌ، قَالا: مَنْ أَبُو عِيسَى؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران: ٥٩] الآيَةَ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ قِيَاسَ خَلْقِ عِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ كَقِيَاسِ خَلْقِ آدَمَ.
وَمَعْنَى عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران: ٥٩] : أَيْ: فِي الْخَلْقِ وَالإِنْشَاءِ
ثم ذكر خلق آدم فقال: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: ٥٩] يعني: قالبا من تراب لا روح فيه، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ [آل عمران: ٥٩] بشرا، فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩] بمعنى: فكان، وهذا مما أريد بمثال المستقبل فيه الماضي، كقوله: تَتْلُو الشَّيَاطِينُ [البقرة: ١٠٢].
وقوله: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [آل عمران: ٦٠] قال الفراء والزجاج: الحق: مرفوع بخبر ابتداء محذوف، على تقدير: الذي أنبأتك به من قصة عيسى الحق، فحذف لتقدم ذكره.
وقال أبو عبيدة: هو ابتداء وخبره من ربك كما تقول: الحق من ربك والباطل من الشيطان.
وقوله: فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [آل عمران: ٦٠] الخطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والمراد به: نهي غيره عن الشك، كما قال: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق: ١]،
والامتراء: الشك، والممتري: الشاك، يقال للشك: المرية.
وقوله: فمن حاجك أي: جادلك وخاصمك، فيه في عيسى، فقل تعالوا أي: ائتوا وهلموا، نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ [آل عمران: ٦١] قال المفسرون: لما احتج الله تعالى على النصارى من طريق القياس بقوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى [آل عمران: ٥٩] الآية، أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحتج عليهم من طريق الإعجاز، وهو المباهلة.
ومعنى المباهلة: الدعاء على الظالم من الفريقين.
فلما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفد نجران إلى المباهلة، وخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محتضنا الحسين، آخذا بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها، وهو يقول: «إذا دعوت فأمنوا».
فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن ينزل جبلا من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.
ثم قبلوا الجزية وانصرفوا، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران، ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم نارا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصارى حتى هلكوا».
١٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ
الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ [آل عمران: ٦١] دعا رسول اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا، وَقَالَ: «هَؤُلاءِ أَهْلِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ قُتَيْبَةَ
وأراد بالأنفس: بني العم، والعرب تخبر عن ابن العم بأنه نفس، وقد تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: ١١] أراد: إخوانكم من المؤمنين.
وقيل: ثم نبتهل الابتهال في اللغة على معنيين، أحدهما: التضرع إلى الله، والثاني: الالتعان والدعاء بالبهلة وهي اللعنة، يقال: عليه بهلة الله.
أي: لعنته.
وكلا القولين مروي عن ابن عباس، قال، في رواية الكلبي، في قوله: نبتهل: أي: نجتهد في الدعاء.
وقال في رواية عطاء: ندع الله باللعنة على الكاذبين.
وقوله: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران: ٦٢] أي: هذا الذي أوحيناه إليك من الآيات والحجج، والقصص: مصدر، من قولك: قص فلان الحديث يقصه قصا وقصصا.
الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران: ٦٢] القرآن الصادق فيما أخبر به، وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ [آل عمران: ٦٢] نفي لجميع ما ادعى المشركون أنهم آلهة، أي أن عيسى ليس بإله كما زعموا.
قوله: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ٦٢] أي: لا أحد يستحق إطلاق هذه الصفة إلا هو.
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [آل عمران: ٦٣] أي: فإن أعرضوا عما أتيت به من البيان فإن الله يعلم من يفسد خلقه، فيجازيه على ذلك.
آل عمران 3:62
وقوله: وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمران: ٥٨] يعني: القرآن الحكيم، أي: المانع من الفساد وكل ما يقبح، ويجوز أن يكون بمعنى المحكم، أي: الممنوع من الباطل.
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ {٥٩ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ٦٠ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ٦١ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٦٢ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ٦٣ } [آل عمران: ٥٩-٦٣] قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران: ٥٩] الآية:
١٤٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَاهِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمَا الإِسْلامَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّا قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ، فَقَالَ: كَذَبْتُمَا، إِنَّهُ يَمْنَعُكُمْ مِنَ الإِسْلامِ ثَلاثَةٌ: عِبَادَتُكُمُ الصَّلِيبِ، وَأَكْلُكُمُ الْخِنْزِيرِ، وَقَوْلُكُمْ: للَّهِ وَلَدٌ، قَالا: مَنْ أَبُو عِيسَى؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران: ٥٩] الآيَةَ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ قِيَاسَ خَلْقِ عِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ كَقِيَاسِ خَلْقِ آدَمَ.
وَمَعْنَى عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران: ٥٩] : أَيْ: فِي الْخَلْقِ وَالإِنْشَاءِ
ثم ذكر خلق آدم فقال: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: ٥٩] يعني: قالبا من تراب لا روح فيه، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ [آل عمران: ٥٩] بشرا، فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩] بمعنى: فكان، وهذا مما أريد بمثال المستقبل فيه الماضي، كقوله: تَتْلُو الشَّيَاطِينُ [البقرة: ١٠٢].
وقوله: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [آل عمران: ٦٠] قال الفراء والزجاج: الحق: مرفوع بخبر ابتداء محذوف، على تقدير: الذي أنبأتك به من قصة عيسى الحق، فحذف لتقدم ذكره.
وقال أبو عبيدة: هو ابتداء وخبره من ربك كما تقول: الحق من ربك والباطل من الشيطان.
وقوله: فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [آل عمران: ٦٠] الخطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والمراد به: نهي غيره عن الشك، كما قال: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق: ١]،
والامتراء: الشك، والممتري: الشاك، يقال للشك: المرية.
وقوله: فمن حاجك أي: جادلك وخاصمك، فيه في عيسى، فقل تعالوا أي: ائتوا وهلموا، نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ [آل عمران: ٦١] قال المفسرون: لما احتج الله تعالى على النصارى من طريق القياس بقوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى [آل عمران: ٥٩] الآية، أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحتج عليهم من طريق الإعجاز، وهو المباهلة.
ومعنى المباهلة: الدعاء على الظالم من الفريقين.
فلما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفد نجران إلى المباهلة، وخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محتضنا الحسين، آخذا بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها، وهو يقول: «إذا دعوت فأمنوا».
فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن ينزل جبلا من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.
ثم قبلوا الجزية وانصرفوا، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران، ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم نارا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصارى حتى هلكوا».
١٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ
الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ [آل عمران: ٦١] دعا رسول اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا، وَقَالَ: «هَؤُلاءِ أَهْلِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ قُتَيْبَةَ
وأراد بالأنفس: بني العم، والعرب تخبر عن ابن العم بأنه نفس، وقد تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: ١١] أراد: إخوانكم من المؤمنين.
وقيل: ثم نبتهل الابتهال في اللغة على معنيين، أحدهما: التضرع إلى الله، والثاني: الالتعان والدعاء بالبهلة وهي اللعنة، يقال: عليه بهلة الله.
أي: لعنته.
وكلا القولين مروي عن ابن عباس، قال، في رواية الكلبي، في قوله: نبتهل: أي: نجتهد في الدعاء.
وقال في رواية عطاء: ندع الله باللعنة على الكاذبين.
وقوله: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران: ٦٢] أي: هذا الذي أوحيناه إليك من الآيات والحجج، والقصص: مصدر، من قولك: قص فلان الحديث يقصه قصا وقصصا.
الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران: ٦٢] القرآن الصادق فيما أخبر به، وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ [آل عمران: ٦٢] نفي لجميع ما ادعى المشركون أنهم آلهة، أي أن عيسى ليس بإله كما زعموا.
قوله: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ٦٢] أي: لا أحد يستحق إطلاق هذه الصفة إلا هو.
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [آل عمران: ٦٣] أي: فإن أعرضوا عما أتيت به من البيان فإن الله يعلم من يفسد خلقه، فيجازيه على ذلك.
آل عمران 3:63
وقوله: وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمران: ٥٨] يعني: القرآن الحكيم، أي: المانع من الفساد وكل ما يقبح، ويجوز أن يكون بمعنى المحكم، أي: الممنوع من الباطل.
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ {٥٩ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ٦٠ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ٦١ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٦٢ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ٦٣ } [آل عمران: ٥٩-٦٣] قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران: ٥٩] الآية:
١٤٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَاهِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمَا الإِسْلامَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّا قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ، فَقَالَ: كَذَبْتُمَا، إِنَّهُ يَمْنَعُكُمْ مِنَ الإِسْلامِ ثَلاثَةٌ: عِبَادَتُكُمُ الصَّلِيبِ، وَأَكْلُكُمُ الْخِنْزِيرِ، وَقَوْلُكُمْ: للَّهِ وَلَدٌ، قَالا: مَنْ أَبُو عِيسَى؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران: ٥٩] الآيَةَ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ قِيَاسَ خَلْقِ عِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ كَقِيَاسِ خَلْقِ آدَمَ.
وَمَعْنَى عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران: ٥٩] : أَيْ: فِي الْخَلْقِ وَالإِنْشَاءِ
ثم ذكر خلق آدم فقال: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: ٥٩] يعني: قالبا من تراب لا روح فيه، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ [آل عمران: ٥٩] بشرا، فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩] بمعنى: فكان، وهذا مما أريد بمثال المستقبل فيه الماضي، كقوله: تَتْلُو الشَّيَاطِينُ [البقرة: ١٠٢].
وقوله: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [آل عمران: ٦٠] قال الفراء والزجاج: الحق: مرفوع بخبر ابتداء محذوف، على تقدير: الذي أنبأتك به من قصة عيسى الحق، فحذف لتقدم ذكره.
وقال أبو عبيدة: هو ابتداء وخبره من ربك كما تقول: الحق من ربك والباطل من الشيطان.
وقوله: فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [آل عمران: ٦٠] الخطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والمراد به: نهي غيره عن الشك، كما قال: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق: ١]،
والامتراء: الشك، والممتري: الشاك، يقال للشك: المرية.
وقوله: فمن حاجك أي: جادلك وخاصمك، فيه في عيسى، فقل تعالوا أي: ائتوا وهلموا، نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ [آل عمران: ٦١] قال المفسرون: لما احتج الله تعالى على النصارى من طريق القياس بقوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى [آل عمران: ٥٩] الآية، أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحتج عليهم من طريق الإعجاز، وهو المباهلة.
ومعنى المباهلة: الدعاء على الظالم من الفريقين.
فلما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفد نجران إلى المباهلة، وخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محتضنا الحسين، آخذا بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها، وهو يقول: «إذا دعوت فأمنوا».
فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن ينزل جبلا من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.
ثم قبلوا الجزية وانصرفوا، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران، ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم نارا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصارى حتى هلكوا».
١٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ
الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ [آل عمران: ٦١] دعا رسول اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا، وَقَالَ: «هَؤُلاءِ أَهْلِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ قُتَيْبَةَ
وأراد بالأنفس: بني العم، والعرب تخبر عن ابن العم بأنه نفس، وقد تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: ١١] أراد: إخوانكم من المؤمنين.
وقيل: ثم نبتهل الابتهال في اللغة على معنيين، أحدهما: التضرع إلى الله، والثاني: الالتعان والدعاء بالبهلة وهي اللعنة، يقال: عليه بهلة الله.
أي: لعنته.
وكلا القولين مروي عن ابن عباس، قال، في رواية الكلبي، في قوله: نبتهل: أي: نجتهد في الدعاء.
وقال في رواية عطاء: ندع الله باللعنة على الكاذبين.
وقوله: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران: ٦٢] أي: هذا الذي أوحيناه إليك من الآيات والحجج، والقصص: مصدر، من قولك: قص فلان الحديث يقصه قصا وقصصا.
الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران: ٦٢] القرآن الصادق فيما أخبر به، وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ [آل عمران: ٦٢] نفي لجميع ما ادعى المشركون أنهم آلهة، أي أن عيسى ليس بإله كما زعموا.
قوله: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ٦٢] أي: لا أحد يستحق إطلاق هذه الصفة إلا هو.
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [آل عمران: ٦٣] أي: فإن أعرضوا عما أتيت به من البيان فإن الله يعلم من يفسد خلقه، فيجازيه على ذلك.
آل عمران 3:64
قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {٦٤ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ٦٥ هَأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ٦٦ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٦٧ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ٦٨ } [آل عمران: ٦٤-٦٨] قوله تعالى: قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٦٤] يعني اليهود والنصارى، تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران: ٦٤] يريد بالسواء: العدل، وكذلك في قراءة عبد الله إلى كلمة عدل، والمعنى: إلى كلمة عادلة مستقيمة مستوية، إذا أتيناها نحن وأنتم كنا على السواء والاستقامة.
ثم فسر الكلمة فقال: أَلَّا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا [آل عمران: ٦٤] لا نعبد معه غيره، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران: ٦٤] قال ابن عباس: يريد: كما اتخذت النصارى عيسى ربا، واتخذت بنو إسرائيل عزيرا.
وقال الزجاج: أي: نرجع إلى أن معبودنا الله عز وجل وأن عيسى بشر كما أننا بشر، فلا نتخذه ربا.
فإن تولوا أعرضوا عن الإجابة، فخالفوهم أنتم إنكارا عليهم، فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤] أي: مقرون بالتوحيد، منقادون لما أتتنا به الأنبياء.
قوله تعالى: يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٦٥] قال ابن عباس والسدي وقتادة: اجتمعت اليهود ونصارى نجران عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتنازعوا في إبراهيم، فقالت اليهود: ما كان إلا يهوديا.
وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا.
فنزلت هذه الآية.
وقوله: وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ [آل عمران: ٦٥] يريد: أن اليهودية حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وإنما أنزل الكتابان بعد مهلك إبراهيم بزمن طويل، وليس فيهما اسمه بواحد من دين اليهود والنصارى.
واختلفوا في اشتقاق التوراة ووزنها من الفعل، فقال الفراء: هي في الأصل تورية، على وزن تفعلة، فصارت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وقال الخليل: وزنها فوعلة، وأصلها: وورية، ولكن الواو الأولى قلبت تاء كما قالوا: تولج، وهو فوعل ولجت، وقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت تورية، وكتبت بالياء على أصل الكلمة.
وأما اشتقاقها: فحكى ابن الأنباري عن الفراء، قال: التوراة معناها: الضياء والنور، من قول العرب: وري الزند يرى ويورى، إذا أظهر النار.
فالتوراة سميت لظهور الحق بها.
وقال المؤرج: هو من التورية وهو التعريض بالشيء، وكان أكثر التوراة معاريض وتلويحا من غير إيضاح وتصريح.
وأما الإنجيل فقال الزجاج: هو إفعيل من النجل وهو الأصل.
وقال ابن الأنباري: إنجيل: أصل للقوم الذين نزل عليهم، لأنهم يعملون بما فيه.
وقال قوم: الإنجيل مأخوذ من قول العرب: نجلت الشيء، إذا استخرجته وأظهرته.
يقال للماء الذي يخرج من النز: نجل واستنجل الوادي، إذا أخرج الماء.
فسمي كتاب عيسى إنجيلا لأن الله تعالى أظهره للناس بعد طموس الحق ودروسه.
وقال جماعة: التوراة والإنجيل والزبور: أسماء عربت من السريانية والعبرية، وليس يطرد فيها قياس الأسماء العربية، ألا تراهم يقولون لها بالسريانية: توري إنكليون زفوتا؟ وقوله: أفلا تعقلون أي: فساد هذه الدعوى، إذ العقل يزجر عن الإقامة على دعوى بغير حجة.
قوله: هأنتم ها: حرف للتنبيه، كأنه قيل: انتبهوا عن غفلتكم.
هؤلاء أي: يا هؤلاء، جادلتم وخاصمتم، فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [آل عمران: ٦٦] وهو ما وجدوه في كتابهم وأنزل عليهم بيانه وقصته، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [آل عمران: ٦٦] أي: لم تجادلون في شأن إبراهيم، وليس في كتابكم أنه كان يهوديا أو نصرانيا؟ والله يعلم شأن إبراهيم، وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [آل عمران: ٦٦].
ثم بين حال إبراهيم فقال: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا [آل عمران: ٦٧] برأه الله تعالى ونزهه عن الدينين، ووصفه بدين الإسلام فقال: وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا [آل عمران: ٦٧] الآية، وذكرنا معنى الحنيف فيما تقدم.
قوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٦٨] أي: أقرب الناس إليه وأحقهم به، للذين اتبعوه على دينه وملته، وهذا النبي يعني محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والذين آمنوا يعني المهاجرين والأنصار والتابعين ممن آمن بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال الزجاج: أي: فهم الذين ينبغي أن يقولوا: إنا على دين إبراهيم.
وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٦٨] أي: ناصرهم ومعينهم.
آل عمران 3:65
قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {٦٤ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ٦٥ هَأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ٦٦ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٦٧ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ٦٨ } [آل عمران: ٦٤-٦٨] قوله تعالى: قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٦٤] يعني اليهود والنصارى، تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران: ٦٤] يريد بالسواء: العدل، وكذلك في قراءة عبد الله إلى كلمة عدل، والمعنى: إلى كلمة عادلة مستقيمة مستوية، إذا أتيناها نحن وأنتم كنا على السواء والاستقامة.
ثم فسر الكلمة فقال: أَلَّا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا [آل عمران: ٦٤] لا نعبد معه غيره، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران: ٦٤] قال ابن عباس: يريد: كما اتخذت النصارى عيسى ربا، واتخذت بنو إسرائيل عزيرا.
وقال الزجاج: أي: نرجع إلى أن معبودنا الله عز وجل وأن عيسى بشر كما أننا بشر، فلا نتخذه ربا.
فإن تولوا أعرضوا عن الإجابة، فخالفوهم أنتم إنكارا عليهم، فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤] أي: مقرون بالتوحيد، منقادون لما أتتنا به الأنبياء.
قوله تعالى: يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٦٥] قال ابن عباس والسدي وقتادة: اجتمعت اليهود ونصارى نجران عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتنازعوا في إبراهيم، فقالت اليهود: ما كان إلا يهوديا.
وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا.
فنزلت هذه الآية.
وقوله: وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ [آل عمران: ٦٥] يريد: أن اليهودية حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وإنما أنزل الكتابان بعد مهلك إبراهيم بزمن طويل، وليس فيهما اسمه بواحد من دين اليهود والنصارى.
واختلفوا في اشتقاق التوراة ووزنها من الفعل، فقال الفراء: هي في الأصل تورية، على وزن تفعلة، فصارت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وقال الخليل: وزنها فوعلة، وأصلها: وورية، ولكن الواو الأولى قلبت تاء كما قالوا: تولج، وهو فوعل ولجت، وقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت تورية، وكتبت بالياء على أصل الكلمة.
وأما اشتقاقها: فحكى ابن الأنباري عن الفراء، قال: التوراة معناها: الضياء والنور، من قول العرب: وري الزند يرى ويورى، إذا أظهر النار.
فالتوراة سميت لظهور الحق بها.
وقال المؤرج: هو من التورية وهو التعريض بالشيء، وكان أكثر التوراة معاريض وتلويحا من غير إيضاح وتصريح.
وأما الإنجيل فقال الزجاج: هو إفعيل من النجل وهو الأصل.
وقال ابن الأنباري: إنجيل: أصل للقوم الذين نزل عليهم، لأنهم يعملون بما فيه.
وقال قوم: الإنجيل مأخوذ من قول العرب: نجلت الشيء، إذا استخرجته وأظهرته.
يقال للماء الذي يخرج من النز: نجل واستنجل الوادي، إذا أخرج الماء.
فسمي كتاب عيسى إنجيلا لأن الله تعالى أظهره للناس بعد طموس الحق ودروسه.
وقال جماعة: التوراة والإنجيل والزبور: أسماء عربت من السريانية والعبرية، وليس يطرد فيها قياس الأسماء العربية، ألا تراهم يقولون لها بالسريانية: توري إنكليون زفوتا؟ وقوله: أفلا تعقلون أي: فساد هذه الدعوى، إذ العقل يزجر عن الإقامة على دعوى بغير حجة.
قوله: هأنتم ها: حرف للتنبيه، كأنه قيل: انتبهوا عن غفلتكم.
هؤلاء أي: يا هؤلاء، جادلتم وخاصمتم، فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [آل عمران: ٦٦] وهو ما وجدوه في كتابهم وأنزل عليهم بيانه وقصته، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [آل عمران: ٦٦] أي: لم تجادلون في شأن إبراهيم، وليس في كتابكم أنه كان يهوديا أو نصرانيا؟ والله يعلم شأن إبراهيم، وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [آل عمران: ٦٦].
ثم بين حال إبراهيم فقال: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا [آل عمران: ٦٧] برأه الله تعالى ونزهه عن الدينين، ووصفه بدين الإسلام فقال: وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا [آل عمران: ٦٧] الآية، وذكرنا معنى الحنيف فيما تقدم.
قوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٦٨] أي: أقرب الناس إليه وأحقهم به، للذين اتبعوه على دينه وملته، وهذا النبي يعني محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والذين آمنوا يعني المهاجرين والأنصار والتابعين ممن آمن بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال الزجاج: أي: فهم الذين ينبغي أن يقولوا: إنا على دين إبراهيم.
وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٦٨] أي: ناصرهم ومعينهم.
آل عمران 3:66
قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {٦٤ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ٦٥ هَأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ٦٦ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٦٧ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ٦٨ } [آل عمران: ٦٤-٦٨] قوله تعالى: قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٦٤] يعني اليهود والنصارى، تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران: ٦٤] يريد بالسواء: العدل، وكذلك في قراءة عبد الله إلى كلمة عدل، والمعنى: إلى كلمة عادلة مستقيمة مستوية، إذا أتيناها نحن وأنتم كنا على السواء والاستقامة.
ثم فسر الكلمة فقال: أَلَّا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا [آل عمران: ٦٤] لا نعبد معه غيره، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران: ٦٤] قال ابن عباس: يريد: كما اتخذت النصارى عيسى ربا، واتخذت بنو إسرائيل عزيرا.
وقال الزجاج: أي: نرجع إلى أن معبودنا الله عز وجل وأن عيسى بشر كما أننا بشر، فلا نتخذه ربا.
فإن تولوا أعرضوا عن الإجابة، فخالفوهم أنتم إنكارا عليهم، فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤] أي: مقرون بالتوحيد، منقادون لما أتتنا به الأنبياء.
قوله تعالى: يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٦٥] قال ابن عباس والسدي وقتادة: اجتمعت اليهود ونصارى نجران عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتنازعوا في إبراهيم، فقالت اليهود: ما كان إلا يهوديا.
وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا.
فنزلت هذه الآية.
وقوله: وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ [آل عمران: ٦٥] يريد: أن اليهودية حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وإنما أنزل الكتابان بعد مهلك إبراهيم بزمن طويل، وليس فيهما اسمه بواحد من دين اليهود والنصارى.
واختلفوا في اشتقاق التوراة ووزنها من الفعل، فقال الفراء: هي في الأصل تورية، على وزن تفعلة، فصارت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وقال الخليل: وزنها فوعلة، وأصلها: وورية، ولكن الواو الأولى قلبت تاء كما قالوا: تولج، وهو فوعل ولجت، وقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت تورية، وكتبت بالياء على أصل الكلمة.
وأما اشتقاقها: فحكى ابن الأنباري عن الفراء، قال: التوراة معناها: الضياء والنور، من قول العرب: وري الزند يرى ويورى، إذا أظهر النار.
فالتوراة سميت لظهور الحق بها.
وقال المؤرج: هو من التورية وهو التعريض بالشيء، وكان أكثر التوراة معاريض وتلويحا من غير إيضاح وتصريح.
وأما الإنجيل فقال الزجاج: هو إفعيل من النجل وهو الأصل.
وقال ابن الأنباري: إنجيل: أصل للقوم الذين نزل عليهم، لأنهم يعملون بما فيه.
وقال قوم: الإنجيل مأخوذ من قول العرب: نجلت الشيء، إذا استخرجته وأظهرته.
يقال للماء الذي يخرج من النز: نجل واستنجل الوادي، إذا أخرج الماء.
فسمي كتاب عيسى إنجيلا لأن الله تعالى أظهره للناس بعد طموس الحق ودروسه.
وقال جماعة: التوراة والإنجيل والزبور: أسماء عربت من السريانية والعبرية، وليس يطرد فيها قياس الأسماء العربية، ألا تراهم يقولون لها بالسريانية: توري إنكليون زفوتا؟ وقوله: أفلا تعقلون أي: فساد هذه الدعوى، إذ العقل يزجر عن الإقامة على دعوى بغير حجة.
قوله: هأنتم ها: حرف للتنبيه، كأنه قيل: انتبهوا عن غفلتكم.
هؤلاء أي: يا هؤلاء، جادلتم وخاصمتم، فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [آل عمران: ٦٦] وهو ما وجدوه في كتابهم وأنزل عليهم بيانه وقصته، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [آل عمران: ٦٦] أي: لم تجادلون في شأن إبراهيم، وليس في كتابكم أنه كان يهوديا أو نصرانيا؟ والله يعلم شأن إبراهيم، وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [آل عمران: ٦٦].
ثم بين حال إبراهيم فقال: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا [آل عمران: ٦٧] برأه الله تعالى ونزهه عن الدينين، ووصفه بدين الإسلام فقال: وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا [آل عمران: ٦٧] الآية، وذكرنا معنى الحنيف فيما تقدم.
قوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٦٨] أي: أقرب الناس إليه وأحقهم به، للذين اتبعوه على دينه وملته، وهذا النبي يعني محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والذين آمنوا يعني المهاجرين والأنصار والتابعين ممن آمن بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال الزجاج: أي: فهم الذين ينبغي أن يقولوا: إنا على دين إبراهيم.
وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٦٨] أي: ناصرهم ومعينهم.
آل عمران 3:67
قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {٦٤ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ٦٥ هَأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ٦٦ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٦٧ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ٦٨ } [آل عمران: ٦٤-٦٨] قوله تعالى: قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٦٤] يعني اليهود والنصارى، تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران: ٦٤] يريد بالسواء: العدل، وكذلك في قراءة عبد الله إلى كلمة عدل، والمعنى: إلى كلمة عادلة مستقيمة مستوية، إذا أتيناها نحن وأنتم كنا على السواء والاستقامة.
ثم فسر الكلمة فقال: أَلَّا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا [آل عمران: ٦٤] لا نعبد معه غيره، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران: ٦٤] قال ابن عباس: يريد: كما اتخذت النصارى عيسى ربا، واتخذت بنو إسرائيل عزيرا.
وقال الزجاج: أي: نرجع إلى أن معبودنا الله عز وجل وأن عيسى بشر كما أننا بشر، فلا نتخذه ربا.
فإن تولوا أعرضوا عن الإجابة، فخالفوهم أنتم إنكارا عليهم، فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤] أي: مقرون بالتوحيد، منقادون لما أتتنا به الأنبياء.
قوله تعالى: يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٦٥] قال ابن عباس والسدي وقتادة: اجتمعت اليهود ونصارى نجران عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتنازعوا في إبراهيم، فقالت اليهود: ما كان إلا يهوديا.
وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا.
فنزلت هذه الآية.
وقوله: وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ [آل عمران: ٦٥] يريد: أن اليهودية حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وإنما أنزل الكتابان بعد مهلك إبراهيم بزمن طويل، وليس فيهما اسمه بواحد من دين اليهود والنصارى.
واختلفوا في اشتقاق التوراة ووزنها من الفعل، فقال الفراء: هي في الأصل تورية، على وزن تفعلة، فصارت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وقال الخليل: وزنها فوعلة، وأصلها: وورية، ولكن الواو الأولى قلبت تاء كما قالوا: تولج، وهو فوعل ولجت، وقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت تورية، وكتبت بالياء على أصل الكلمة.
وأما اشتقاقها: فحكى ابن الأنباري عن الفراء، قال: التوراة معناها: الضياء والنور، من قول العرب: وري الزند يرى ويورى، إذا أظهر النار.
فالتوراة سميت لظهور الحق بها.
وقال المؤرج: هو من التورية وهو التعريض بالشيء، وكان أكثر التوراة معاريض وتلويحا من غير إيضاح وتصريح.
وأما الإنجيل فقال الزجاج: هو إفعيل من النجل وهو الأصل.
وقال ابن الأنباري: إنجيل: أصل للقوم الذين نزل عليهم، لأنهم يعملون بما فيه.
وقال قوم: الإنجيل مأخوذ من قول العرب: نجلت الشيء، إذا استخرجته وأظهرته.
يقال للماء الذي يخرج من النز: نجل واستنجل الوادي، إذا أخرج الماء.
فسمي كتاب عيسى إنجيلا لأن الله تعالى أظهره للناس بعد طموس الحق ودروسه.
وقال جماعة: التوراة والإنجيل والزبور: أسماء عربت من السريانية والعبرية، وليس يطرد فيها قياس الأسماء العربية، ألا تراهم يقولون لها بالسريانية: توري إنكليون زفوتا؟ وقوله: أفلا تعقلون أي: فساد هذه الدعوى، إذ العقل يزجر عن الإقامة على دعوى بغير حجة.
قوله: هأنتم ها: حرف للتنبيه، كأنه قيل: انتبهوا عن غفلتكم.
هؤلاء أي: يا هؤلاء، جادلتم وخاصمتم، فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [آل عمران: ٦٦] وهو ما وجدوه في كتابهم وأنزل عليهم بيانه وقصته، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [آل عمران: ٦٦] أي: لم تجادلون في شأن إبراهيم، وليس في كتابكم أنه كان يهوديا أو نصرانيا؟ والله يعلم شأن إبراهيم، وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [آل عمران: ٦٦].
ثم بين حال إبراهيم فقال: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا [آل عمران: ٦٧] برأه الله تعالى ونزهه عن الدينين، ووصفه بدين الإسلام فقال: وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا [آل عمران: ٦٧] الآية، وذكرنا معنى الحنيف فيما تقدم.
قوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٦٨] أي: أقرب الناس إليه وأحقهم به، للذين اتبعوه على دينه وملته، وهذا النبي يعني محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والذين آمنوا يعني المهاجرين والأنصار والتابعين ممن آمن بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال الزجاج: أي: فهم الذين ينبغي أن يقولوا: إنا على دين إبراهيم.
وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٦٨] أي: ناصرهم ومعينهم.
آل عمران 3:68
قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {٦٤ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ٦٥ هَأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ٦٦ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٦٧ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ٦٨ } [آل عمران: ٦٤-٦٨] قوله تعالى: قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٦٤] يعني اليهود والنصارى، تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران: ٦٤] يريد بالسواء: العدل، وكذلك في قراءة عبد الله إلى كلمة عدل، والمعنى: إلى كلمة عادلة مستقيمة مستوية، إذا أتيناها نحن وأنتم كنا على السواء والاستقامة.
ثم فسر الكلمة فقال: أَلَّا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا [آل عمران: ٦٤] لا نعبد معه غيره، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران: ٦٤] قال ابن عباس: يريد: كما اتخذت النصارى عيسى ربا، واتخذت بنو إسرائيل عزيرا.
وقال الزجاج: أي: نرجع إلى أن معبودنا الله عز وجل وأن عيسى بشر كما أننا بشر، فلا نتخذه ربا.
فإن تولوا أعرضوا عن الإجابة، فخالفوهم أنتم إنكارا عليهم، فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤] أي: مقرون بالتوحيد، منقادون لما أتتنا به الأنبياء.
قوله تعالى: يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٦٥] قال ابن عباس والسدي وقتادة: اجتمعت اليهود ونصارى نجران عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتنازعوا في إبراهيم، فقالت اليهود: ما كان إلا يهوديا.
وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا.
فنزلت هذه الآية.
وقوله: وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ [آل عمران: ٦٥] يريد: أن اليهودية حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وإنما أنزل الكتابان بعد مهلك إبراهيم بزمن طويل، وليس فيهما اسمه بواحد من دين اليهود والنصارى.
واختلفوا في اشتقاق التوراة ووزنها من الفعل، فقال الفراء: هي في الأصل تورية، على وزن تفعلة، فصارت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وقال الخليل: وزنها فوعلة، وأصلها: وورية، ولكن الواو الأولى قلبت تاء كما قالوا: تولج، وهو فوعل ولجت، وقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت تورية، وكتبت بالياء على أصل الكلمة.
وأما اشتقاقها: فحكى ابن الأنباري عن الفراء، قال: التوراة معناها: الضياء والنور، من قول العرب: وري الزند يرى ويورى، إذا أظهر النار.
فالتوراة سميت لظهور الحق بها.
وقال المؤرج: هو من التورية وهو التعريض بالشيء، وكان أكثر التوراة معاريض وتلويحا من غير إيضاح وتصريح.
وأما الإنجيل فقال الزجاج: هو إفعيل من النجل وهو الأصل.
وقال ابن الأنباري: إنجيل: أصل للقوم الذين نزل عليهم، لأنهم يعملون بما فيه.
وقال قوم: الإنجيل مأخوذ من قول العرب: نجلت الشيء، إذا استخرجته وأظهرته.
يقال للماء الذي يخرج من النز: نجل واستنجل الوادي، إذا أخرج الماء.
فسمي كتاب عيسى إنجيلا لأن الله تعالى أظهره للناس بعد طموس الحق ودروسه.
وقال جماعة: التوراة والإنجيل والزبور: أسماء عربت من السريانية والعبرية، وليس يطرد فيها قياس الأسماء العربية، ألا تراهم يقولون لها بالسريانية: توري إنكليون زفوتا؟ وقوله: أفلا تعقلون أي: فساد هذه الدعوى، إذ العقل يزجر عن الإقامة على دعوى بغير حجة.
قوله: هأنتم ها: حرف للتنبيه، كأنه قيل: انتبهوا عن غفلتكم.
هؤلاء أي: يا هؤلاء، جادلتم وخاصمتم، فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [آل عمران: ٦٦] وهو ما وجدوه في كتابهم وأنزل عليهم بيانه وقصته، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [آل عمران: ٦٦] أي: لم تجادلون في شأن إبراهيم، وليس في كتابكم أنه كان يهوديا أو نصرانيا؟ والله يعلم شأن إبراهيم، وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [آل عمران: ٦٦].
ثم بين حال إبراهيم فقال: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا [آل عمران: ٦٧] برأه الله تعالى ونزهه عن الدينين، ووصفه بدين الإسلام فقال: وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا [آل عمران: ٦٧] الآية، وذكرنا معنى الحنيف فيما تقدم.
قوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٦٨] أي: أقرب الناس إليه وأحقهم به، للذين اتبعوه على دينه وملته، وهذا النبي يعني محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والذين آمنوا يعني المهاجرين والأنصار والتابعين ممن آمن بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال الزجاج: أي: فهم الذين ينبغي أن يقولوا: إنا على دين إبراهيم.
وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٦٨] أي: ناصرهم ومعينهم.
آل عمران 3:69
وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ {٦٩ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ٧٠ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٧١ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٧٢ وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ٧٣ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ٧٤ } [آل عمران: ٦٩-٧٤] قوله: وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [آل عمران: ٦٩] أي: تمنت جماعة من اليهود والنصارى، قال ابن عباس: هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، أرادوا أن يستزلوا المسلمين عن دينهم ويردوهم إلى الكفر، وهو قوله: لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ [آل عمران: ٦٩] لأن المؤمنين لا يقبلون قولهم وما يدعونهم إليه، فيحصل عليهم الإثم بتمنيهم إضلال المؤمنين، وما يشعرون وما يعلمون أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين.
قوله: يَأَهْلَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٠] يعني اليهود، لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٠] بالقرآن، وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [آل عمران: ٧٠] بما يدل على صحة القرآن من كتابكم، لأن فيه نعت محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذكره.
قوله يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [آل عمران: ٧١] تقدم تفسيره عند قوله: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [البقرة: ٤٢].
قوله: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٢] الآية، إن أحبار اليهود قالوا لمن دونهم: ائتوا محمدا وأصحابه أول النهار فقولوا: إنا على دينكم.
فإذا كان آخر النهار فقولوا: إنا كفرنا بدينكم، ونحن على ديننا الأول.
فإنه أحرى أن ينقلب أصحابه عن دينهم ويشكوا فيه إذا قلتم: نظرنا في كتبنا فوجدنا محمدا ليس بذلك الذي وعدنا به.
وهو قوله: آمنوا أي: أظهروا الإيمان، بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ٧٢] يعني: القرآن المنزل على المؤمنين، وجه النهار أول النهار، وَاكْفُرُوا آخِرَهُ [آل عمران: ٧٢] أي: اكفروا به آخر النهار، لعلهم يرجعون عن دينهم إلى دينكم.
وقوله: وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران: ٧٣] هذا من كلام اليهود بعضهم لبعض، والمعنى: لا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم اليهودية وقام بشرائعكم.
وقوله: قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ [آل عمران: ٧٣] كلام معترض بين المفعول وفعله، وهو من كلام الله لا من كلام اليهود، ومعناه: إن الدين دين الله، كقوله: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [البقرة: ١٢٠].
أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ [آل عمران: ٧٣] من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمن والسلوى والفضائل والكرامات.
أي: لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران: ٧٣] قوله: أو يحاجوكم عطف على قوله: أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ [آل عمران: ٧٣]، المعنى: ولا تؤمنوا بأن يحاجوكم، عند ربكم لأنكم أصح دينا منهم، فلا يكون لهم عليكم الحجة عند الله، وقوله: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٣] قال ابن عباس: يريد: ما تفضل به عليك وعلى أمتك، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ٧٣] يعني: هذه الأمة.
وقوله: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ٧٤] قال الحسن ومجاهد والربيع: بنبوته.
وقال ابن عباس: بدينه.
وقال ابن جريج: بالقرآن والإسلام.
قال عطاء: يريد: اختصك وتفضل عليك وعلى أمتك بدينه ورحمته.
آل عمران 3:70
وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ {٦٩ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ٧٠ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٧١ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٧٢ وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ٧٣ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ٧٤ } [آل عمران: ٦٩-٧٤] قوله: وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [آل عمران: ٦٩] أي: تمنت جماعة من اليهود والنصارى، قال ابن عباس: هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، أرادوا أن يستزلوا المسلمين عن دينهم ويردوهم إلى الكفر، وهو قوله: لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ [آل عمران: ٦٩] لأن المؤمنين لا يقبلون قولهم وما يدعونهم إليه، فيحصل عليهم الإثم بتمنيهم إضلال المؤمنين، وما يشعرون وما يعلمون أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين.
قوله: يَأَهْلَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٠] يعني اليهود، لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٠] بالقرآن، وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [آل عمران: ٧٠] بما يدل على صحة القرآن من كتابكم، لأن فيه نعت محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذكره.
قوله يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [آل عمران: ٧١] تقدم تفسيره عند قوله: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [البقرة: ٤٢].
قوله: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٢] الآية، إن أحبار اليهود قالوا لمن دونهم: ائتوا محمدا وأصحابه أول النهار فقولوا: إنا على دينكم.
فإذا كان آخر النهار فقولوا: إنا كفرنا بدينكم، ونحن على ديننا الأول.
فإنه أحرى أن ينقلب أصحابه عن دينهم ويشكوا فيه إذا قلتم: نظرنا في كتبنا فوجدنا محمدا ليس بذلك الذي وعدنا به.
وهو قوله: آمنوا أي: أظهروا الإيمان، بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ٧٢] يعني: القرآن المنزل على المؤمنين، وجه النهار أول النهار، وَاكْفُرُوا آخِرَهُ [آل عمران: ٧٢] أي: اكفروا به آخر النهار، لعلهم يرجعون عن دينهم إلى دينكم.
وقوله: وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران: ٧٣] هذا من كلام اليهود بعضهم لبعض، والمعنى: لا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم اليهودية وقام بشرائعكم.
وقوله: قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ [آل عمران: ٧٣] كلام معترض بين المفعول وفعله، وهو من كلام الله لا من كلام اليهود، ومعناه: إن الدين دين الله، كقوله: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [البقرة: ١٢٠].
أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ [آل عمران: ٧٣] من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمن والسلوى والفضائل والكرامات.
أي: لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران: ٧٣] قوله: أو يحاجوكم عطف على قوله: أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ [آل عمران: ٧٣]، المعنى: ولا تؤمنوا بأن يحاجوكم، عند ربكم لأنكم أصح دينا منهم، فلا يكون لهم عليكم الحجة عند الله، وقوله: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٣] قال ابن عباس: يريد: ما تفضل به عليك وعلى أمتك، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ٧٣] يعني: هذه الأمة.
وقوله: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ٧٤] قال الحسن ومجاهد والربيع: بنبوته.
وقال ابن عباس: بدينه.
وقال ابن جريج: بالقرآن والإسلام.
قال عطاء: يريد: اختصك وتفضل عليك وعلى أمتك بدينه ورحمته.
آل عمران 3:71
وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ {٦٩ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ٧٠ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٧١ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٧٢ وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ٧٣ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ٧٤ } [آل عمران: ٦٩-٧٤] قوله: وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [آل عمران: ٦٩] أي: تمنت جماعة من اليهود والنصارى، قال ابن عباس: هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، أرادوا أن يستزلوا المسلمين عن دينهم ويردوهم إلى الكفر، وهو قوله: لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ [آل عمران: ٦٩] لأن المؤمنين لا يقبلون قولهم وما يدعونهم إليه، فيحصل عليهم الإثم بتمنيهم إضلال المؤمنين، وما يشعرون وما يعلمون أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين.
قوله: يَأَهْلَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٠] يعني اليهود، لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٠] بالقرآن، وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [آل عمران: ٧٠] بما يدل على صحة القرآن من كتابكم، لأن فيه نعت محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذكره.
قوله يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [آل عمران: ٧١] تقدم تفسيره عند قوله: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [البقرة: ٤٢].
قوله: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٢] الآية، إن أحبار اليهود قالوا لمن دونهم: ائتوا محمدا وأصحابه أول النهار فقولوا: إنا على دينكم.
فإذا كان آخر النهار فقولوا: إنا كفرنا بدينكم، ونحن على ديننا الأول.
فإنه أحرى أن ينقلب أصحابه عن دينهم ويشكوا فيه إذا قلتم: نظرنا في كتبنا فوجدنا محمدا ليس بذلك الذي وعدنا به.
وهو قوله: آمنوا أي: أظهروا الإيمان، بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ٧٢] يعني: القرآن المنزل على المؤمنين، وجه النهار أول النهار، وَاكْفُرُوا آخِرَهُ [آل عمران: ٧٢] أي: اكفروا به آخر النهار، لعلهم يرجعون عن دينهم إلى دينكم.
وقوله: وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران: ٧٣] هذا من كلام اليهود بعضهم لبعض، والمعنى: لا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم اليهودية وقام بشرائعكم.
وقوله: قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ [آل عمران: ٧٣] كلام معترض بين المفعول وفعله، وهو من كلام الله لا من كلام اليهود، ومعناه: إن الدين دين الله، كقوله: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [البقرة: ١٢٠].
أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ [آل عمران: ٧٣] من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمن والسلوى والفضائل والكرامات.
أي: لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران: ٧٣] قوله: أو يحاجوكم عطف على قوله: أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ [آل عمران: ٧٣]، المعنى: ولا تؤمنوا بأن يحاجوكم، عند ربكم لأنكم أصح دينا منهم، فلا يكون لهم عليكم الحجة عند الله، وقوله: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٣] قال ابن عباس: يريد: ما تفضل به عليك وعلى أمتك، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ٧٣] يعني: هذه الأمة.
وقوله: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ٧٤] قال الحسن ومجاهد والربيع: بنبوته.
وقال ابن عباس: بدينه.
وقال ابن جريج: بالقرآن والإسلام.
قال عطاء: يريد: اختصك وتفضل عليك وعلى أمتك بدينه ورحمته.
آل عمران 3:72
وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ {٦٩ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ٧٠ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٧١ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٧٢ وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ٧٣ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ٧٤ } [آل عمران: ٦٩-٧٤] قوله: وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [آل عمران: ٦٩] أي: تمنت جماعة من اليهود والنصارى، قال ابن عباس: هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، أرادوا أن يستزلوا المسلمين عن دينهم ويردوهم إلى الكفر، وهو قوله: لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ [آل عمران: ٦٩] لأن المؤمنين لا يقبلون قولهم وما يدعونهم إليه، فيحصل عليهم الإثم بتمنيهم إضلال المؤمنين، وما يشعرون وما يعلمون أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين.
قوله: يَأَهْلَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٠] يعني اليهود، لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٠] بالقرآن، وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [آل عمران: ٧٠] بما يدل على صحة القرآن من كتابكم، لأن فيه نعت محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذكره.
قوله يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [آل عمران: ٧١] تقدم تفسيره عند قوله: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [البقرة: ٤٢].
قوله: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٢] الآية، إن أحبار اليهود قالوا لمن دونهم: ائتوا محمدا وأصحابه أول النهار فقولوا: إنا على دينكم.
فإذا كان آخر النهار فقولوا: إنا كفرنا بدينكم، ونحن على ديننا الأول.
فإنه أحرى أن ينقلب أصحابه عن دينهم ويشكوا فيه إذا قلتم: نظرنا في كتبنا فوجدنا محمدا ليس بذلك الذي وعدنا به.
وهو قوله: آمنوا أي: أظهروا الإيمان، بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ٧٢] يعني: القرآن المنزل على المؤمنين، وجه النهار أول النهار، وَاكْفُرُوا آخِرَهُ [آل عمران: ٧٢] أي: اكفروا به آخر النهار، لعلهم يرجعون عن دينهم إلى دينكم.
وقوله: وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران: ٧٣] هذا من كلام اليهود بعضهم لبعض، والمعنى: لا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم اليهودية وقام بشرائعكم.
وقوله: قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ [آل عمران: ٧٣] كلام معترض بين المفعول وفعله، وهو من كلام الله لا من كلام اليهود، ومعناه: إن الدين دين الله، كقوله: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [البقرة: ١٢٠].
أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ [آل عمران: ٧٣] من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمن والسلوى والفضائل والكرامات.
أي: لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران: ٧٣] قوله: أو يحاجوكم عطف على قوله: أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ [آل عمران: ٧٣]، المعنى: ولا تؤمنوا بأن يحاجوكم، عند ربكم لأنكم أصح دينا منهم، فلا يكون لهم عليكم الحجة عند الله، وقوله: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٣] قال ابن عباس: يريد: ما تفضل به عليك وعلى أمتك، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ٧٣] يعني: هذه الأمة.
وقوله: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ٧٤] قال الحسن ومجاهد والربيع: بنبوته.
وقال ابن عباس: بدينه.
وقال ابن جريج: بالقرآن والإسلام.
قال عطاء: يريد: اختصك وتفضل عليك وعلى أمتك بدينه ورحمته.
آل عمران 3:73
وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ {٦٩ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ٧٠ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٧١ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٧٢ وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ٧٣ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ٧٤ } [آل عمران: ٦٩-٧٤] قوله: وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [آل عمران: ٦٩] أي: تمنت جماعة من اليهود والنصارى، قال ابن عباس: هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، أرادوا أن يستزلوا المسلمين عن دينهم ويردوهم إلى الكفر، وهو قوله: لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ [آل عمران: ٦٩] لأن المؤمنين لا يقبلون قولهم وما يدعونهم إليه، فيحصل عليهم الإثم بتمنيهم إضلال المؤمنين، وما يشعرون وما يعلمون أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين.
قوله: يَأَهْلَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٠] يعني اليهود، لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٠] بالقرآن، وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [آل عمران: ٧٠] بما يدل على صحة القرآن من كتابكم، لأن فيه نعت محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذكره.
قوله يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [آل عمران: ٧١] تقدم تفسيره عند قوله: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [البقرة: ٤٢].
قوله: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٢] الآية، إن أحبار اليهود قالوا لمن دونهم: ائتوا محمدا وأصحابه أول النهار فقولوا: إنا على دينكم.
فإذا كان آخر النهار فقولوا: إنا كفرنا بدينكم، ونحن على ديننا الأول.
فإنه أحرى أن ينقلب أصحابه عن دينهم ويشكوا فيه إذا قلتم: نظرنا في كتبنا فوجدنا محمدا ليس بذلك الذي وعدنا به.
وهو قوله: آمنوا أي: أظهروا الإيمان، بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ٧٢] يعني: القرآن المنزل على المؤمنين، وجه النهار أول النهار، وَاكْفُرُوا آخِرَهُ [آل عمران: ٧٢] أي: اكفروا به آخر النهار، لعلهم يرجعون عن دينهم إلى دينكم.
وقوله: وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران: ٧٣] هذا من كلام اليهود بعضهم لبعض، والمعنى: لا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم اليهودية وقام بشرائعكم.
وقوله: قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ [آل عمران: ٧٣] كلام معترض بين المفعول وفعله، وهو من كلام الله لا من كلام اليهود، ومعناه: إن الدين دين الله، كقوله: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [البقرة: ١٢٠].
أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ [آل عمران: ٧٣] من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمن والسلوى والفضائل والكرامات.
أي: لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران: ٧٣] قوله: أو يحاجوكم عطف على قوله: أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ [آل عمران: ٧٣]، المعنى: ولا تؤمنوا بأن يحاجوكم، عند ربكم لأنكم أصح دينا منهم، فلا يكون لهم عليكم الحجة عند الله، وقوله: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٣] قال ابن عباس: يريد: ما تفضل به عليك وعلى أمتك، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ٧٣] يعني: هذه الأمة.
وقوله: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ٧٤] قال الحسن ومجاهد والربيع: بنبوته.
وقال ابن عباس: بدينه.
وقال ابن جريج: بالقرآن والإسلام.
قال عطاء: يريد: اختصك وتفضل عليك وعلى أمتك بدينه ورحمته.
آل عمران 3:74
وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ {٦٩ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ٧٠ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٧١ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٧٢ وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ٧٣ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ٧٤ } [آل عمران: ٦٩-٧٤] قوله: وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [آل عمران: ٦٩] أي: تمنت جماعة من اليهود والنصارى، قال ابن عباس: هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، أرادوا أن يستزلوا المسلمين عن دينهم ويردوهم إلى الكفر، وهو قوله: لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ [آل عمران: ٦٩] لأن المؤمنين لا يقبلون قولهم وما يدعونهم إليه، فيحصل عليهم الإثم بتمنيهم إضلال المؤمنين، وما يشعرون وما يعلمون أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين.
قوله: يَأَهْلَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٠] يعني اليهود، لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٠] بالقرآن، وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [آل عمران: ٧٠] بما يدل على صحة القرآن من كتابكم، لأن فيه نعت محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذكره.
قوله يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [آل عمران: ٧١] تقدم تفسيره عند قوله: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [البقرة: ٤٢].
قوله: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٢] الآية، إن أحبار اليهود قالوا لمن دونهم: ائتوا محمدا وأصحابه أول النهار فقولوا: إنا على دينكم.
فإذا كان آخر النهار فقولوا: إنا كفرنا بدينكم، ونحن على ديننا الأول.
فإنه أحرى أن ينقلب أصحابه عن دينهم ويشكوا فيه إذا قلتم: نظرنا في كتبنا فوجدنا محمدا ليس بذلك الذي وعدنا به.
وهو قوله: آمنوا أي: أظهروا الإيمان، بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ٧٢] يعني: القرآن المنزل على المؤمنين، وجه النهار أول النهار، وَاكْفُرُوا آخِرَهُ [آل عمران: ٧٢] أي: اكفروا به آخر النهار، لعلهم يرجعون عن دينهم إلى دينكم.
وقوله: وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران: ٧٣] هذا من كلام اليهود بعضهم لبعض، والمعنى: لا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم اليهودية وقام بشرائعكم.
وقوله: قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ [آل عمران: ٧٣] كلام معترض بين المفعول وفعله، وهو من كلام الله لا من كلام اليهود، ومعناه: إن الدين دين الله، كقوله: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [البقرة: ١٢٠].
أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ [آل عمران: ٧٣] من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمن والسلوى والفضائل والكرامات.
أي: لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران: ٧٣] قوله: أو يحاجوكم عطف على قوله: أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ [آل عمران: ٧٣]، المعنى: ولا تؤمنوا بأن يحاجوكم، عند ربكم لأنكم أصح دينا منهم، فلا يكون لهم عليكم الحجة عند الله، وقوله: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٣] قال ابن عباس: يريد: ما تفضل به عليك وعلى أمتك، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ٧٣] يعني: هذه الأمة.
وقوله: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ٧٤] قال الحسن ومجاهد والربيع: بنبوته.
وقال ابن عباس: بدينه.
وقال ابن جريج: بالقرآن والإسلام.
قال عطاء: يريد: اختصك وتفضل عليك وعلى أمتك بدينه ورحمته.
آل عمران 3:75
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ [آل عمران: ٧٤] على أوليائه وأهل طاعته، العظيم لأنه لا شيء أعظم عند الله من الإسلام.
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {٧٥ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ٧٦ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٧ } [آل عمران: ٧٥-٧٧] قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ [آل عمران: ٧٥] الآية، قال المفسرون: أخبرنا الله تعالى في هذه الآية عن اختلاف أحوال أهل الكتاب في الأمانة والخيانة، ليكون المؤمنون على بصيرة في ترك الركون إليهم، لاستحلالهم أموال المسلمين.
وقال ابن عباس في رواية الضحاك: أودع رجل عند عبد الله بن سلام ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأداه إليه، فمدحه الله تعالى، وأودع رجل فنحاص بن عازوراء دينارا فخانه، وذلك قوله: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: ٧٥] يعني عبد الله بن سلام، وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: ٧٥] يعني فنحاص.
وقوله: إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا [آل عمران: ٧٥] أي: بالإلحاح والخصومة في التقاضي والمطالبة، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد.
قال القتيبي: وأصله أن المطالب بالشيء يقوم فيه ويتصرف، والتارك له يقعد عنه، ثم قيل لكل من واظب على مطالبة أمر: قام به.
وإن لم يكنْ ثَمَّ قيامٌ.
وقال السدي: يعني: إلا ما دمت قائما على رأسه بالاجتماع معه والملازمة والمطالبة له، فإن أنظرته وأخرته أنكر وذهب به.
وقوله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [آل عمران: ٧٥] أي: ذلك الاستحلال والخيانة بأنهم يقولون: ليس عندنا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل.
لأنهم مشركون.
والمراد ب الأميين ههنا: العرب.
ثم كذبهم الله تعالى فيما قالوا، فقال الله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [آل عمران: ٧٥] لأنه ليس في كتابهم استحلال الأمانة، وهم يعلمون أنهم كاذبون، يعني: لم يقولوا ذلك عن جهالة فيعذروا.
قوله: بلى رد لقولهم: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [آل عمران: ٧٥] أي: بلى يكون عليهم سبيل في ذلك.
وقوله: مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ [آل عمران: ٧٦] أي: بما عاهد الله إليه في التوراة، وآمن الإيمان بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والقرآن وأداء الأمانة، واتقى الكفر والخيانة ونقض العهد، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران: ٧٦] يعني: من كانت هذه صفته.
قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٧] الآية، نزلت في رجلين اختصما إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ضيعة، فهمَّ المدعى عليه أن يحلف فنزلت الآية، فنكل المدعى عليه عن اليمين، وآثر للمدعي حقه.
١٤٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الأبِيوَرْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»
فقال الأشعث: في والله ذاك، وكان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدمته إِلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال رسول اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ألك بينة؟» قلت: لا، فقال لليهودي: احلف، فقلت يا رسول اللَّه: إذن يحلف فيذهب
بمالي، فأنزل اللَّه تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا [آل عمران: ٧٧] الآية رواه البخاري عن عبدان عن أَبِي حمزة، ورواه مسلم عن ابن نمير أَبِي معاوية، كلاهما عن الأعمش.
ومعنى يشترون: يستبدلون ويأخذون، بعهد الله أي: بما عهد الله إليهم من أداء الأمانة، وأيمانهم الكاذبة، ثمنا قليلا عرضا يسيرا من الدنيا وهو ما يحلفون عليه كاذبين، أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ [آل عمران: ٧٧] لا نصيب لهم من الخير، فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٧٧] أي: بكلام يسرهم، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ [آل عمران: ٧٧] نظرا يسرهم، يعني نظر الرحمة، وَلا يُزَكِّيهِمْ [آل عمران: ٧٧] لا يزيدهم خيرا، ولا يثني عليهم.
١٤٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرُوَيْهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» قَالَ
عَبْدُ اللَّهِ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ
١٤٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْبَصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ السَّامِيُّ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا؟ قَالَ: «وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ»، قَالَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ: مَا أَشَدَّ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا [آل عمران: ٧٧] رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلاءِ
١٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ النَّضْرُوِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنِ ابْنِ زُرْعَةَ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ
آل عمران 3:76
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ [آل عمران: ٧٤] على أوليائه وأهل طاعته، العظيم لأنه لا شيء أعظم عند الله من الإسلام.
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {٧٥ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ٧٦ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٧ } [آل عمران: ٧٥-٧٧] قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ [آل عمران: ٧٥] الآية، قال المفسرون: أخبرنا الله تعالى في هذه الآية عن اختلاف أحوال أهل الكتاب في الأمانة والخيانة، ليكون المؤمنون على بصيرة في ترك الركون إليهم، لاستحلالهم أموال المسلمين.
وقال ابن عباس في رواية الضحاك: أودع رجل عند عبد الله بن سلام ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأداه إليه، فمدحه الله تعالى، وأودع رجل فنحاص بن عازوراء دينارا فخانه، وذلك قوله: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: ٧٥] يعني عبد الله بن سلام، وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: ٧٥] يعني فنحاص.
وقوله: إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا [آل عمران: ٧٥] أي: بالإلحاح والخصومة في التقاضي والمطالبة، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد.
قال القتيبي: وأصله أن المطالب بالشيء يقوم فيه ويتصرف، والتارك له يقعد عنه، ثم قيل لكل من واظب على مطالبة أمر: قام به.
وإن لم يكنْ ثَمَّ قيامٌ.
وقال السدي: يعني: إلا ما دمت قائما على رأسه بالاجتماع معه والملازمة والمطالبة له، فإن أنظرته وأخرته أنكر وذهب به.
وقوله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [آل عمران: ٧٥] أي: ذلك الاستحلال والخيانة بأنهم يقولون: ليس عندنا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل.
لأنهم مشركون.
والمراد ب الأميين ههنا: العرب.
ثم كذبهم الله تعالى فيما قالوا، فقال الله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [آل عمران: ٧٥] لأنه ليس في كتابهم استحلال الأمانة، وهم يعلمون أنهم كاذبون، يعني: لم يقولوا ذلك عن جهالة فيعذروا.
قوله: بلى رد لقولهم: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [آل عمران: ٧٥] أي: بلى يكون عليهم سبيل في ذلك.
وقوله: مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ [آل عمران: ٧٦] أي: بما عاهد الله إليه في التوراة، وآمن الإيمان بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والقرآن وأداء الأمانة، واتقى الكفر والخيانة ونقض العهد، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران: ٧٦] يعني: من كانت هذه صفته.
قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٧] الآية، نزلت في رجلين اختصما إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ضيعة، فهمَّ المدعى عليه أن يحلف فنزلت الآية، فنكل المدعى عليه عن اليمين، وآثر للمدعي حقه.
١٤٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الأبِيوَرْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»
فقال الأشعث: في والله ذاك، وكان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدمته إِلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال رسول اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ألك بينة؟» قلت: لا، فقال لليهودي: احلف، فقلت يا رسول اللَّه: إذن يحلف فيذهب
بمالي، فأنزل اللَّه تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا [آل عمران: ٧٧] الآية رواه البخاري عن عبدان عن أَبِي حمزة، ورواه مسلم عن ابن نمير أَبِي معاوية، كلاهما عن الأعمش.
ومعنى يشترون: يستبدلون ويأخذون، بعهد الله أي: بما عهد الله إليهم من أداء الأمانة، وأيمانهم الكاذبة، ثمنا قليلا عرضا يسيرا من الدنيا وهو ما يحلفون عليه كاذبين، أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ [آل عمران: ٧٧] لا نصيب لهم من الخير، فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٧٧] أي: بكلام يسرهم، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ [آل عمران: ٧٧] نظرا يسرهم، يعني نظر الرحمة، وَلا يُزَكِّيهِمْ [آل عمران: ٧٧] لا يزيدهم خيرا، ولا يثني عليهم.
١٤٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرُوَيْهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» قَالَ
عَبْدُ اللَّهِ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ
١٤٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْبَصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ السَّامِيُّ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا؟ قَالَ: «وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ»، قَالَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ: مَا أَشَدَّ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا [آل عمران: ٧٧] رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلاءِ
١٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ النَّضْرُوِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنِ ابْنِ زُرْعَةَ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ
آل عمران 3:77
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ [آل عمران: ٧٤] على أوليائه وأهل طاعته، العظيم لأنه لا شيء أعظم عند الله من الإسلام.
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {٧٥ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ٧٦ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٧ } [آل عمران: ٧٥-٧٧] قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ [آل عمران: ٧٥] الآية، قال المفسرون: أخبرنا الله تعالى في هذه الآية عن اختلاف أحوال أهل الكتاب في الأمانة والخيانة، ليكون المؤمنون على بصيرة في ترك الركون إليهم، لاستحلالهم أموال المسلمين.
وقال ابن عباس في رواية الضحاك: أودع رجل عند عبد الله بن سلام ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأداه إليه، فمدحه الله تعالى، وأودع رجل فنحاص بن عازوراء دينارا فخانه، وذلك قوله: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: ٧٥] يعني عبد الله بن سلام، وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: ٧٥] يعني فنحاص.
وقوله: إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا [آل عمران: ٧٥] أي: بالإلحاح والخصومة في التقاضي والمطالبة، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد.
قال القتيبي: وأصله أن المطالب بالشيء يقوم فيه ويتصرف، والتارك له يقعد عنه، ثم قيل لكل من واظب على مطالبة أمر: قام به.
وإن لم يكنْ ثَمَّ قيامٌ.
وقال السدي: يعني: إلا ما دمت قائما على رأسه بالاجتماع معه والملازمة والمطالبة له، فإن أنظرته وأخرته أنكر وذهب به.
وقوله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [آل عمران: ٧٥] أي: ذلك الاستحلال والخيانة بأنهم يقولون: ليس عندنا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل.
لأنهم مشركون.
والمراد ب الأميين ههنا: العرب.
ثم كذبهم الله تعالى فيما قالوا، فقال الله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [آل عمران: ٧٥] لأنه ليس في كتابهم استحلال الأمانة، وهم يعلمون أنهم كاذبون، يعني: لم يقولوا ذلك عن جهالة فيعذروا.
قوله: بلى رد لقولهم: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [آل عمران: ٧٥] أي: بلى يكون عليهم سبيل في ذلك.
وقوله: مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ [آل عمران: ٧٦] أي: بما عاهد الله إليه في التوراة، وآمن الإيمان بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والقرآن وأداء الأمانة، واتقى الكفر والخيانة ونقض العهد، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران: ٧٦] يعني: من كانت هذه صفته.
قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٧] الآية، نزلت في رجلين اختصما إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ضيعة، فهمَّ المدعى عليه أن يحلف فنزلت الآية، فنكل المدعى عليه عن اليمين، وآثر للمدعي حقه.
١٤٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الأبِيوَرْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»
فقال الأشعث: في والله ذاك، وكان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدمته إِلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال رسول اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ألك بينة؟» قلت: لا، فقال لليهودي: احلف، فقلت يا رسول اللَّه: إذن يحلف فيذهب
بمالي، فأنزل اللَّه تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا [آل عمران: ٧٧] الآية رواه البخاري عن عبدان عن أَبِي حمزة، ورواه مسلم عن ابن نمير أَبِي معاوية، كلاهما عن الأعمش.
ومعنى يشترون: يستبدلون ويأخذون، بعهد الله أي: بما عهد الله إليهم من أداء الأمانة، وأيمانهم الكاذبة، ثمنا قليلا عرضا يسيرا من الدنيا وهو ما يحلفون عليه كاذبين، أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ [آل عمران: ٧٧] لا نصيب لهم من الخير، فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٧٧] أي: بكلام يسرهم، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ [آل عمران: ٧٧] نظرا يسرهم، يعني نظر الرحمة، وَلا يُزَكِّيهِمْ [آل عمران: ٧٧] لا يزيدهم خيرا، ولا يثني عليهم.
١٤٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرُوَيْهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» قَالَ
عَبْدُ اللَّهِ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ
١٤٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْبَصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ السَّامِيُّ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا؟ قَالَ: «وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ»، قَالَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ: مَا أَشَدَّ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا [آل عمران: ٧٧] رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلاءِ
١٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ النَّضْرُوِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنِ ابْنِ زُرْعَةَ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ
آل عمران 3:78
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: ٧٨] قوله: وإن منهم يعني: من اليهود، لفريقا جماعة، يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ [آل عمران: ٧٨] قال مجاهد والربيع وقتادة: يحرفونه بالتغيير والتبديل، وذلك أنهم يلوون ألسنتهم عن سنن الصواب بما يأتون به من عند أنفسهم.
آل عمران 3:79
وقوله: لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٨] أي: لتحسبوا ما لووا ألسنتهم به مما حرفوه وبدلوه من الكتاب، قال الله تعالى: وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٨].
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ {٧٩ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنِّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ٨٠ } [آل عمران: ٧٩-٨٠] قوله: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ [آل عمران: ٧٩] الآية، قال ابن عباس في رواية الكلبي: إن اليهود والنصارى احتجوا بأنهم أولى بإبراهيم وبدينه، فذكروا ذلك للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كلا الفريقين منه ومن دينه بريء».
فغضبوا وقالوا: يا محمد، والله ما تريد إلا أن نتخذك ربا.
فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
قال قتادة: يقول: ما ينبغي لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم، يعني الفقه والعلم، والنبوة ثم يأمر عباد الله أن يتخذوه ربا من دون الله.
والمعنى: ما كان لبشر أن يجمع بين هذين، بين النبوة وبين دعاء الخلق إلى عبادة غير الله، وهو قوله: ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٩].
ولكن كونوا أي: ولكن يقول: كونوا ربانيين قال ابن عباس: معلمين.
وقال قتادة وسعيد بن جبير: فقهاء علماء حكماء.
قال سيبويه: زادوا ألفا ونونا في الرباني، إذا أرادوا تخصيصا بعلم الرب كما قالوا: شعراني ولحياني.
فالرباني على هذا القول: منسوب إلى الرب، على معنى التخصيص بعلم الرب، أي: يعلم الشريعة وصفات الرب.
وقال المبرد: الرباني: الذي يرب العلم ويرب الناس، أي: يعلمهم ويصلحهم.
وعلى هذا القول: الرباني: من الرب الذي هو بمعنى التربية.
وقوله: بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ [آل عمران: ٧٩] أي: بكونكم عالمين بالكتاب، وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران: ٧٩] وبما كنتم دارسين للكتاب.
قال الزجاج: كونوا معلمي الناس بعلمكم ودرسكم، علموا الناس وبينوا لهم.
ومن قرأ تعلمون بالتشديد فالمعنى: بكونكم معلمين، أي: علموا الناس الكتاب وبينوا لهم صفة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما فيه من الحق والصواب، حتى تستحقوا هذه الصفة وتكونوا معلمين.
ومعنى تدرسون: تقرءون، ومنه قوله: وَدَرَسُوا مَا فِيهِ [الأعراف: ١٦٩].
وقوله: وَلا يَأْمُرَكُمْ [آل عمران: ٨٠] من قرأ بالرفع قطعه مما قبله.
قال ابن جريج: ولا يأمركم محمد.
ومن نصب كان المعنى: ما كان لبشر أن يأمركم، فيكون نصبا بالنسق على قوله: أن يؤتيه قال الزجاج: معنى الآية: ولا يأمركم أن تعبدوا الملائكة والنبيين، لأن الذين قالوا: إن عيسى إله.
عبدوه واتخذوه ربا، وقال قوم من الكفار: إن الملائكة أربابنا.
يقال لهم: الصابئون.
وقوله: أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ [آل عمران: ٨٠] استفهام معناه الإنكار، أي: لا يفعل ذلك، بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٨٠] أي: بعد إسلامكم.
آل عمران 3:80
وقوله: لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٨] أي: لتحسبوا ما لووا ألسنتهم به مما حرفوه وبدلوه من الكتاب، قال الله تعالى: وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٨].
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ {٧٩ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنِّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ٨٠ } [آل عمران: ٧٩-٨٠] قوله: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ [آل عمران: ٧٩] الآية، قال ابن عباس في رواية الكلبي: إن اليهود والنصارى احتجوا بأنهم أولى بإبراهيم وبدينه، فذكروا ذلك للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كلا الفريقين منه ومن دينه بريء».
فغضبوا وقالوا: يا محمد، والله ما تريد إلا أن نتخذك ربا.
فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
قال قتادة: يقول: ما ينبغي لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم، يعني الفقه والعلم، والنبوة ثم يأمر عباد الله أن يتخذوه ربا من دون الله.
والمعنى: ما كان لبشر أن يجمع بين هذين، بين النبوة وبين دعاء الخلق إلى عبادة غير الله، وهو قوله: ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٩].
ولكن كونوا أي: ولكن يقول: كونوا ربانيين قال ابن عباس: معلمين.
وقال قتادة وسعيد بن جبير: فقهاء علماء حكماء.
قال سيبويه: زادوا ألفا ونونا في الرباني، إذا أرادوا تخصيصا بعلم الرب كما قالوا: شعراني ولحياني.
فالرباني على هذا القول: منسوب إلى الرب، على معنى التخصيص بعلم الرب، أي: يعلم الشريعة وصفات الرب.
وقال المبرد: الرباني: الذي يرب العلم ويرب الناس، أي: يعلمهم ويصلحهم.
وعلى هذا القول: الرباني: من الرب الذي هو بمعنى التربية.
وقوله: بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ [آل عمران: ٧٩] أي: بكونكم عالمين بالكتاب، وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران: ٧٩] وبما كنتم دارسين للكتاب.
قال الزجاج: كونوا معلمي الناس بعلمكم ودرسكم، علموا الناس وبينوا لهم.
ومن قرأ تعلمون بالتشديد فالمعنى: بكونكم معلمين، أي: علموا الناس الكتاب وبينوا لهم صفة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما فيه من الحق والصواب، حتى تستحقوا هذه الصفة وتكونوا معلمين.
ومعنى تدرسون: تقرءون، ومنه قوله: وَدَرَسُوا مَا فِيهِ [الأعراف: ١٦٩].
وقوله: وَلا يَأْمُرَكُمْ [آل عمران: ٨٠] من قرأ بالرفع قطعه مما قبله.
قال ابن جريج: ولا يأمركم محمد.
ومن نصب كان المعنى: ما كان لبشر أن يأمركم، فيكون نصبا بالنسق على قوله: أن يؤتيه قال الزجاج: معنى الآية: ولا يأمركم أن تعبدوا الملائكة والنبيين، لأن الذين قالوا: إن عيسى إله.
عبدوه واتخذوه ربا، وقال قوم من الكفار: إن الملائكة أربابنا.
يقال لهم: الصابئون.
وقوله: أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ [آل عمران: ٨٠] استفهام معناه الإنكار، أي: لا يفعل ذلك، بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٨٠] أي: بعد إسلامكم.
آل عمران 3:81
{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ
الشَّاهِدِينَ ٨١ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ٨٢ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ٨٣ } [آل عمران: ٨١-٨٣] قوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ [آل عمران: ٨١] الآية، قال قتادة: هذا ميثاق قد أخذه الله من النبيين أن يصدق بعضهم بعضا، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى عباده، فبلغت الأنبياء وأخذوا مواثيق أهل الكتاب في كتابهم أن يؤمنوا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويصدقوه وينصروه، وذلك قوله: لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ [آل عمران: ٨١] ما ههنا: بمعنى الشرط والجزاء، والمعنى: لئن آتيتكم ومهما آتيتكم من كتاب وحكمة.
وقرأ حمزة لما بكسر اللام، وهي متعلقة بالأخذ، لأن المعنى: أخذ الله ميثاقهم لما أوتوا من الكتاب والحكمة، أي: لأنهم الأفاضل وأصحاب الكتب والشرائع.
وقرأ نافع آتيناكم بالمد، وحجته: وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [النساء: ١٦٣]، وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم: ١٢]، وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ [الصافات: ١١٧].
وقوله: ثم جاءكم يعني: ثم جاء أممكم وأتباعكم، وخرج الكلام على النبيين لأن ما لزمهم لزم أممهم.
وقوله: رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ [آل عمران: ٨١] يعني محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جاء بالقرآن بصدق التوراة في الأخبار والأقاصيص.
قوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران: ٨١] يريد: إن أدركتموه، قال أأقررتم أي: قال الله للنبيين: أأقررتم بالإيمان والنصرة له؟ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران: ٨١] أي: قبلتم، قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا [آل عمران: ٨١] أي: قال الله للنبيين: اشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم.
وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١] عليكم وعليهم.
قوله: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ [آل عمران: ٨٢] قال ابن عباس: فمن أعرض عما جئت به، وأنكر ما عاهد الله عليه.
وقال الزجاج: فمن أعرض عن الإيمان بعد أخذ الميثاق وظهور آيات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران: ٨٢] أي: الخارجون عن العهد والإيمان.
قوله: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ [آل عمران: ٨٣] أي: أبعد أخذ الميثاق عليهم بالإيمان بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يطلبون دينا غير دين الله وهو ما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ ! ومن قرأ بالتاء فلأن ما قبله خطاب، كقوله: أأقررتم وأخذتم والياء: على الأخبار عنهم، وقوله: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران: ٨٣] قال ابن عباس في رواية مجاهد: يعني: عند أخذ الميثاق وهو قوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: ١٧٢] وقال قتادة: أما المؤمن فأسلم طوعا فنفعه، وأما الكافر فأسلم كارها في وقت اليأس فلم ينفعه ذلك.
وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد بأهل السموات والأرض: الملائكة، والمهاجرين والأنصار، وعبد القيس طوعا، وسائر الناس أسلموا كرها، خوفا من السيف.
آل عمران 3:82
{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ
الشَّاهِدِينَ ٨١ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ٨٢ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ٨٣ } [آل عمران: ٨١-٨٣] قوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ [آل عمران: ٨١] الآية، قال قتادة: هذا ميثاق قد أخذه الله من النبيين أن يصدق بعضهم بعضا، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى عباده، فبلغت الأنبياء وأخذوا مواثيق أهل الكتاب في كتابهم أن يؤمنوا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويصدقوه وينصروه، وذلك قوله: لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ [آل عمران: ٨١] ما ههنا: بمعنى الشرط والجزاء، والمعنى: لئن آتيتكم ومهما آتيتكم من كتاب وحكمة.
وقرأ حمزة لما بكسر اللام، وهي متعلقة بالأخذ، لأن المعنى: أخذ الله ميثاقهم لما أوتوا من الكتاب والحكمة، أي: لأنهم الأفاضل وأصحاب الكتب والشرائع.
وقرأ نافع آتيناكم بالمد، وحجته: وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [النساء: ١٦٣]، وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم: ١٢]، وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ [الصافات: ١١٧].
وقوله: ثم جاءكم يعني: ثم جاء أممكم وأتباعكم، وخرج الكلام على النبيين لأن ما لزمهم لزم أممهم.
وقوله: رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ [آل عمران: ٨١] يعني محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جاء بالقرآن بصدق التوراة في الأخبار والأقاصيص.
قوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران: ٨١] يريد: إن أدركتموه، قال أأقررتم أي: قال الله للنبيين: أأقررتم بالإيمان والنصرة له؟ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران: ٨١] أي: قبلتم، قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا [آل عمران: ٨١] أي: قال الله للنبيين: اشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم.
وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١] عليكم وعليهم.
قوله: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ [آل عمران: ٨٢] قال ابن عباس: فمن أعرض عما جئت به، وأنكر ما عاهد الله عليه.
وقال الزجاج: فمن أعرض عن الإيمان بعد أخذ الميثاق وظهور آيات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران: ٨٢] أي: الخارجون عن العهد والإيمان.
قوله: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ [آل عمران: ٨٣] أي: أبعد أخذ الميثاق عليهم بالإيمان بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يطلبون دينا غير دين الله وهو ما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ ! ومن قرأ بالتاء فلأن ما قبله خطاب، كقوله: أأقررتم وأخذتم والياء: على الأخبار عنهم، وقوله: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران: ٨٣] قال ابن عباس في رواية مجاهد: يعني: عند أخذ الميثاق وهو قوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: ١٧٢] وقال قتادة: أما المؤمن فأسلم طوعا فنفعه، وأما الكافر فأسلم كارها في وقت اليأس فلم ينفعه ذلك.
وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد بأهل السموات والأرض: الملائكة، والمهاجرين والأنصار، وعبد القيس طوعا، وسائر الناس أسلموا كرها، خوفا من السيف.
آل عمران 3:83
{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ
الشَّاهِدِينَ ٨١ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ٨٢ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ٨٣ } [آل عمران: ٨١-٨٣] قوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ [آل عمران: ٨١] الآية، قال قتادة: هذا ميثاق قد أخذه الله من النبيين أن يصدق بعضهم بعضا، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى عباده، فبلغت الأنبياء وأخذوا مواثيق أهل الكتاب في كتابهم أن يؤمنوا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويصدقوه وينصروه، وذلك قوله: لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ [آل عمران: ٨١] ما ههنا: بمعنى الشرط والجزاء، والمعنى: لئن آتيتكم ومهما آتيتكم من كتاب وحكمة.
وقرأ حمزة لما بكسر اللام، وهي متعلقة بالأخذ، لأن المعنى: أخذ الله ميثاقهم لما أوتوا من الكتاب والحكمة، أي: لأنهم الأفاضل وأصحاب الكتب والشرائع.
وقرأ نافع آتيناكم بالمد، وحجته: وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [النساء: ١٦٣]، وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم: ١٢]، وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ [الصافات: ١١٧].
وقوله: ثم جاءكم يعني: ثم جاء أممكم وأتباعكم، وخرج الكلام على النبيين لأن ما لزمهم لزم أممهم.
وقوله: رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ [آل عمران: ٨١] يعني محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جاء بالقرآن بصدق التوراة في الأخبار والأقاصيص.
قوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران: ٨١] يريد: إن أدركتموه، قال أأقررتم أي: قال الله للنبيين: أأقررتم بالإيمان والنصرة له؟ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران: ٨١] أي: قبلتم، قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا [آل عمران: ٨١] أي: قال الله للنبيين: اشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم.
وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١] عليكم وعليهم.
قوله: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ [آل عمران: ٨٢] قال ابن عباس: فمن أعرض عما جئت به، وأنكر ما عاهد الله عليه.
وقال الزجاج: فمن أعرض عن الإيمان بعد أخذ الميثاق وظهور آيات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران: ٨٢] أي: الخارجون عن العهد والإيمان.
قوله: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ [آل عمران: ٨٣] أي: أبعد أخذ الميثاق عليهم بالإيمان بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يطلبون دينا غير دين الله وهو ما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ ! ومن قرأ بالتاء فلأن ما قبله خطاب، كقوله: أأقررتم وأخذتم والياء: على الأخبار عنهم، وقوله: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران: ٨٣] قال ابن عباس في رواية مجاهد: يعني: عند أخذ الميثاق وهو قوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: ١٧٢] وقال قتادة: أما المؤمن فأسلم طوعا فنفعه، وأما الكافر فأسلم كارها في وقت اليأس فلم ينفعه ذلك.
وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد بأهل السموات والأرض: الملائكة، والمهاجرين والأنصار، وعبد القيس طوعا، وسائر الناس أسلموا كرها، خوفا من السيف.
آل عمران 3:84
وقوله: وإليه ترجعون وعيد لمن أعرض عن دين الله، والمعنى: أيبغون غير دين الله مع أن مرجعهم إليه فيجازيهم على تركهم دينه؟ ! قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ {٨٤ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٨٥ } [آل عمران: ٨٤-٨٥] قوله: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ [آل عمران: ٨٤] الآية، في هذه الآية إنكار على الكفار من اليهود والنصارى فيما ذهبوا إليه من الإيمان ببعض النبيين دون بعض، وأمر للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمته أن يقولوا: آمنا بالله وبجميع الرسل وما أنزل عليهم، لا نفرق بين جميعهم في الإيمان بهم كما فعلت اليهود والنصارى.
قوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا [آل عمران: ٨٥] إلى قوله: مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥] قال ابن عباس: يريد: خسر ثواب الله
وصار إلى عذابه، وخسر الحور العين.
وقال الزجاج: يعني: خسر عمله، حيث لم يجاز به الجنة والثواب.
آل عمران 3:85
وقوله: وإليه ترجعون وعيد لمن أعرض عن دين الله، والمعنى: أيبغون غير دين الله مع أن مرجعهم إليه فيجازيهم على تركهم دينه؟ ! قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ {٨٤ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٨٥ } [آل عمران: ٨٤-٨٥] قوله: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ [آل عمران: ٨٤] الآية، في هذه الآية إنكار على الكفار من اليهود والنصارى فيما ذهبوا إليه من الإيمان ببعض النبيين دون بعض، وأمر للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمته أن يقولوا: آمنا بالله وبجميع الرسل وما أنزل عليهم، لا نفرق بين جميعهم في الإيمان بهم كما فعلت اليهود والنصارى.
قوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا [آل عمران: ٨٥] إلى قوله: مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥] قال ابن عباس: يريد: خسر ثواب الله
وصار إلى عذابه، وخسر الحور العين.
وقال الزجاج: يعني: خسر عمله، حيث لم يجاز به الجنة والثواب.
آل عمران 3:86
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {٨٦ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ٨٧ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ٨٨ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٨٩ } [آل عمران: ٨٦-٨٩] قوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ [آل عمران: ٨٦] قال ابن عباس: يعني اليهود وقريظة والنضير ومن دان بدينهم، كفروا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن كانوا قبل مبعثه مؤمنين به، وكانوا يشهدون له بالنبوة، فلما بعث وجاءهم بالآيات والمعجزات كفروا بغيا وحسدا.
ومعنى كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ [آل عمران: ٨٦] أي: لا يهديهم الله، كما قال ابن الرقيات:كيف نومي على الفراش ولما تشمل الشام غارة شعواء
أي: لا نوم لي ولا أنام، ومثله قوله: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ [التوبة: ٧] أي: لا يكون لهم عهد.
قال الزجاج: أعلم الله تعالى أنه لا جهة لهدايتهم، لأنهم قد استحقوا أن يضلوا بكفرهم، لأنهم قد كفروا بعد البينات.
وقوله: وجاءهم البينات يجوز أن يريد ما بين لهم في التوراة والإنجيل، وهو قول ابن عباس.
ويجوز أن يريد: ما أتى به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الكتاب والآيات والمعجزات.
وقوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [آل عمران: ٨٦] قال ابن عباس: لا يرشد من نقض عهود الله وظلم نفسه.
وقوله: إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [آل عمران: ٨٩] قال ابن عباس: راجعوا الإيمان بالله والتصديق بنبيه.
وأصلحوا أعمالهم، وقال الزجاج: معنى أصلحوا: أظهروا للناس أنهم كانوا على ضلال، وأصلحوا ما كانوا أفسدوه ومن تغريرهم من تبعهم ممن لا علم عنده.
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٨٩] أعلم الله تعالى أن من سعة رحمته وتفضله أن يغفر لمن اجترأ عليه هذا الاجتراء، وذلك أن الذي فعلوا لا غاية وراءه في الكفر، وهو أنهم كفروا بعد تبين الحق لهم.
آل عمران 3:87
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {٨٦ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ٨٧ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ٨٨ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٨٩ } [آل عمران: ٨٦-٨٩] قوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ [آل عمران: ٨٦] قال ابن عباس: يعني اليهود وقريظة والنضير ومن دان بدينهم، كفروا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن كانوا قبل مبعثه مؤمنين به، وكانوا يشهدون له بالنبوة، فلما بعث وجاءهم بالآيات والمعجزات كفروا بغيا وحسدا.
ومعنى كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ [آل عمران: ٨٦] أي: لا يهديهم الله، كما قال ابن الرقيات:كيف نومي على الفراش ولما تشمل الشام غارة شعواء
أي: لا نوم لي ولا أنام، ومثله قوله: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ [التوبة: ٧] أي: لا يكون لهم عهد.
قال الزجاج: أعلم الله تعالى أنه لا جهة لهدايتهم، لأنهم قد استحقوا أن يضلوا بكفرهم، لأنهم قد كفروا بعد البينات.
وقوله: وجاءهم البينات يجوز أن يريد ما بين لهم في التوراة والإنجيل، وهو قول ابن عباس.
ويجوز أن يريد: ما أتى به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الكتاب والآيات والمعجزات.
وقوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [آل عمران: ٨٦] قال ابن عباس: لا يرشد من نقض عهود الله وظلم نفسه.
وقوله: إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [آل عمران: ٨٩] قال ابن عباس: راجعوا الإيمان بالله والتصديق بنبيه.
وأصلحوا أعمالهم، وقال الزجاج: معنى أصلحوا: أظهروا للناس أنهم كانوا على ضلال، وأصلحوا ما كانوا أفسدوه ومن تغريرهم من تبعهم ممن لا علم عنده.
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٨٩] أعلم الله تعالى أن من سعة رحمته وتفضله أن يغفر لمن اجترأ عليه هذا الاجتراء، وذلك أن الذي فعلوا لا غاية وراءه في الكفر، وهو أنهم كفروا بعد تبين الحق لهم.
آل عمران 3:88
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {٨٦ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ٨٧ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ٨٨ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٨٩ } [آل عمران: ٨٦-٨٩] قوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ [آل عمران: ٨٦] قال ابن عباس: يعني اليهود وقريظة والنضير ومن دان بدينهم، كفروا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن كانوا قبل مبعثه مؤمنين به، وكانوا يشهدون له بالنبوة، فلما بعث وجاءهم بالآيات والمعجزات كفروا بغيا وحسدا.
ومعنى كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ [آل عمران: ٨٦] أي: لا يهديهم الله، كما قال ابن الرقيات:كيف نومي على الفراش ولما تشمل الشام غارة شعواء
أي: لا نوم لي ولا أنام، ومثله قوله: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ [التوبة: ٧] أي: لا يكون لهم عهد.
قال الزجاج: أعلم الله تعالى أنه لا جهة لهدايتهم، لأنهم قد استحقوا أن يضلوا بكفرهم، لأنهم قد كفروا بعد البينات.
وقوله: وجاءهم البينات يجوز أن يريد ما بين لهم في التوراة والإنجيل، وهو قول ابن عباس.
ويجوز أن يريد: ما أتى به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الكتاب والآيات والمعجزات.
وقوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [آل عمران: ٨٦] قال ابن عباس: لا يرشد من نقض عهود الله وظلم نفسه.
وقوله: إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [آل عمران: ٨٩] قال ابن عباس: راجعوا الإيمان بالله والتصديق بنبيه.
وأصلحوا أعمالهم، وقال الزجاج: معنى أصلحوا: أظهروا للناس أنهم كانوا على ضلال، وأصلحوا ما كانوا أفسدوه ومن تغريرهم من تبعهم ممن لا علم عنده.
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٨٩] أعلم الله تعالى أن من سعة رحمته وتفضله أن يغفر لمن اجترأ عليه هذا الاجتراء، وذلك أن الذي فعلوا لا غاية وراءه في الكفر، وهو أنهم كفروا بعد تبين الحق لهم.
آل عمران 3:89
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {٨٦ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ٨٧ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ٨٨ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٨٩ } [آل عمران: ٨٦-٨٩] قوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ [آل عمران: ٨٦] قال ابن عباس: يعني اليهود وقريظة والنضير ومن دان بدينهم، كفروا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن كانوا قبل مبعثه مؤمنين به، وكانوا يشهدون له بالنبوة، فلما بعث وجاءهم بالآيات والمعجزات كفروا بغيا وحسدا.
ومعنى كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ [آل عمران: ٨٦] أي: لا يهديهم الله، كما قال ابن الرقيات:كيف نومي على الفراش ولما تشمل الشام غارة شعواء
أي: لا نوم لي ولا أنام، ومثله قوله: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ [التوبة: ٧] أي: لا يكون لهم عهد.
قال الزجاج: أعلم الله تعالى أنه لا جهة لهدايتهم، لأنهم قد استحقوا أن يضلوا بكفرهم، لأنهم قد كفروا بعد البينات.
وقوله: وجاءهم البينات يجوز أن يريد ما بين لهم في التوراة والإنجيل، وهو قول ابن عباس.
ويجوز أن يريد: ما أتى به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الكتاب والآيات والمعجزات.
وقوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [آل عمران: ٨٦] قال ابن عباس: لا يرشد من نقض عهود الله وظلم نفسه.
وقوله: إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [آل عمران: ٨٩] قال ابن عباس: راجعوا الإيمان بالله والتصديق بنبيه.
وأصلحوا أعمالهم، وقال الزجاج: معنى أصلحوا: أظهروا للناس أنهم كانوا على ضلال، وأصلحوا ما كانوا أفسدوه ومن تغريرهم من تبعهم ممن لا علم عنده.
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٨٩] أعلم الله تعالى أن من سعة رحمته وتفضله أن يغفر لمن اجترأ عليه هذا الاجتراء، وذلك أن الذي فعلوا لا غاية وراءه في الكفر، وهو أنهم كفروا بعد تبين الحق لهم.
آل عمران 3:90
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ {٩٠ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ٩١ } [آل عمران: ٩٠-٩١] قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ [آل عمران: ٩٠] قال ابن عباس: نزلت في اليهود، كفروا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل بعثه.
ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا [آل عمران: ٩٠] بالإقامة على كفرهم حتى هلكوا عليه.
وقال قتادة: إن اليهود كفروا بعيسى والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا [آل عمران: ٩٠] بكفرهم بمحمد والقرآن.
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ [آل عمران: ٩٠] لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ [آل عمران: ٩٠].
وقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا [آل عمران: ٩١] ملء الشيء: قدر ما يملأه، يقال: ملء القدح.
وانتصب ذهبا على التفسير.
قال الزجاج: المعنى: لو قدم ملء الأرض ذهبا يتقرب به إلى الله ما ينفعه ذلك مع كفره، ولو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهبا لم يقبل منه.
١٥١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَجَاءٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الطَّيِّبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ جَعْفَرٍ
الْكَوْكَبِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالا: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُقَالُ لِلْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ تَفْعَلْ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْقَوَارِيرِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ
آل عمران 3:91
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ {٩٠ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ٩١ } [آل عمران: ٩٠-٩١] قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ [آل عمران: ٩٠] قال ابن عباس: نزلت في اليهود، كفروا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل بعثه.
ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا [آل عمران: ٩٠] بالإقامة على كفرهم حتى هلكوا عليه.
وقال قتادة: إن اليهود كفروا بعيسى والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا [آل عمران: ٩٠] بكفرهم بمحمد والقرآن.
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ [آل عمران: ٩٠] لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ [آل عمران: ٩٠].
وقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا [آل عمران: ٩١] ملء الشيء: قدر ما يملأه، يقال: ملء القدح.
وانتصب ذهبا على التفسير.
قال الزجاج: المعنى: لو قدم ملء الأرض ذهبا يتقرب به إلى الله ما ينفعه ذلك مع كفره، ولو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهبا لم يقبل منه.
١٥١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَجَاءٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الطَّيِّبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ جَعْفَرٍ
الْكَوْكَبِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالا: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُقَالُ لِلْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ تَفْعَلْ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْقَوَارِيرِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ
آل عمران 3:92
لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [آل عمران: ٩٢] قوله عز وجل: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ [آل عمران: ٩٢] قال عطاء ومقاتل: البر: التقوى في هذه الآية، وقال أبو
روق: الخير.
وقال مسروق وعمرو بن ميمون: الْبِرَّ [آل عمران: ٩٢] : الجنة.
وقوله: حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢] قال الضحاك: يعني الزكاة، يقول: حتى تخرجوا زكاة أموالكم.
وقال الحسن: كل شيء أنفقه المسلم من ماله ويبتغي به وجه الله فإنه من الذي عنى الله سبحانه بقوله: حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢] حتى الثمرة.
١٥٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢] قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَى رَبَّنَا يَسْأَلُنَا مِنْ أَمْوَالِنَا وَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِي بَيْرَحَا للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجْعَلْهَا فِي قَرَابَتِكَ»، فَجَعَلَهَا بَيْنَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ بَهْزٍ، عَنْ حَمَّادٍ
١٥٣ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢]
قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ جَارِيَةً مِنْ سَبْيِ جَلُولا، وَيَوْمَ جَلُولا فُتِحَتْ مَدَائِنُ كِسْرَى فِي قِتَالِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَدَعَا بِهَا عُمَرُ فَأَعْتَقَهَا، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢]
آل عمران 3:93
كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ {٩٣ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ٩٤ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٩٥ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ٩٦ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ٩٧ } [آل عمران: ٩٣-٩٧] قوله تعالى: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [آل عمران: ٩٣] الآية، قال المفسرون: لما ادعى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه على ملة إبراهيم عليه السلام قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟ ! فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحله».
فقالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه فإنه كان محرما على إبراهيم ونوح.
فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ [آل عمران: ٩٣] وهو يعقوب، وذلك أنه مرض مرضا، فنذر لئن عافاه الله ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحبَّها إليه لُحْمَانُ الإبل وألبانُها، فحرمها الله على ولده، وكان هذا قبل نزول التوراة، وذلك قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا [آل عمران: ٩٣] لتعرفوا أن هذا التحريم إنما كان من جهة يعقوب، ولم يكن في زمن إبراهيم ولا نوح، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران: ٩٣] فيما تدعون.
فلما ثبتت عليهم الحجة بكتابهم قال الله تعالى: فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [آل عمران: ٩٤] من بعد ظهور الحجة بأن التحريم كان من جهة يعقوب ولم يكن محرما قبله، فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [آل عمران: ٩٤] أنفسهم.
قوله: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ [آل عمران: ٩٥] فيما أخبر، فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [آل عمران: ٩٥] وملة محمد عليه السلام داخلة في ملته، فمن اتبع ملة إبراهيم فقد اتبع ملة محمد عليه السلام.
قوله عز وجل: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ [آل عمران: ٩٦] الآية، روى عطاء، عن ابن عباس، عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «إن أول لمعة وضعت على الأرض موضع البيت ثم مدت منها الأرض، وإن أول جبل وضعه الله على هذه الأرض أبو قبيس ثم مدت منه الجبال».
وهذا قول مجاهد، قال: خلق الله هذا البيت قبل أن يُخلق شيء من الأرض بألفي سنة.
وقال ابن عباس: هو أول بيت بناه آدم في الأرض.
وقال علي رضي الله عنه: هو أول بيت مبارك وهدى وضع للناس.
١٥٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْفَسَوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ:
قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ عَلَى الأَرْضِ أَوَّلا؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الأَقْصَى، قَالَ: قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ الأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ، فَصَلِّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ
١٥٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: حَدِّثْنِي عَنْ هَذَا الْبَيْتِ، أَهُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ فِي الأَرْضِ؟ فَقَالَ: لا، وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَتْ فِيهِ الْبَرَكَةُ وَالْهُدَى وَمَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا
وقوله: للذي ببكة بكة: هي مكة، فأبدلت الميم باء كقولهم: سمد رأسه وسبده، وضربة لازم ولازب.
وقال أبو مالك وإبراهيم: بكة: موضع البيت، ومكة: القرية.
وقوله: مباركا أي: كثير الخير، بأن جعل فيه وعنده البركة، وهدى قال الزجاج: المعنى: وذا هدى.
قال: ويجوز أن يكون على معنى: وهو هدى.
ومعنى كونه هدى للعالمين: أنه قبلة صلاتهم.
وقوله: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٩٧] قال مجاهد: أثر قدميه في المقام آية بينة.
وقال المفسرون: الآيات التي فيها: أمن الخائف، وامتناع الطير من العلو عليه، واستشفاء المريض به، وتعجيل العقوبة لمن انتهك فيه حرمه، وإهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا إخراجه.
وقال زيد بن أسلم: الآيات البينات: مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا.
وهذا اختيار الزجاج، لأنه قال: ومن الآيات أيضا: أمن من دخله.
وقال: معنى أمن من دخله: أن إبراهيم سأل الله عز وجل أن يؤمن سكان مكة وقال: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا [إبراهيم: ٣٥]، فجعل الله عز وجل أمن مكة آية لإبراهيم، فلم يطمع في أهلها جبار، وكان فيما عطف الله تعالى من قلوب العرب في الجاهلية على من لاذ بالحرم حتى يؤمنوه آية بينة.
يدل على هذا قول قتادة في قوله: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران: ٩٧] قال: كان ذلك في الجاهلية، فأما اليوم إن سرق فيه أحد قطع، ولو قتل فيه قتل.
وقوله: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران: ٩٧] وقرئ حج البيت بالكسر، والمفتوح مصدر، وهو لغة أهل الحجاز، والمكسور: اسم للعمل، قال سيبويه: ويجوز أن يكون مصدرا كالعلم والذكر.
قوله: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا [آل عمران: ٩٧] قال الزجاج: موضع من خفض على البدل من الناس، والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت.
وجمهور أهل العلم على أن معنى الاستطاعة الموجبة للحج: القوة، فمن قوي في نفسه بالكون على الراحلة وجب عليه الحج إذا ملك الزاد والراحلة.
وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد، ومذهب الشافعي وأحمد وإسحاق.
١٥٦ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدَانُ الأَهْوَازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ، عَلَى أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَتَكْفُرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ».
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ
١٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبُ الْمَعْقِلِيُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: قَعَدْنَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ: مَا الْحَاجُّ؟ قَالَ: الشَّعِثُ التَّفِلُ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ، فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ "
١٥٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَانُ الْجَوَالِيقِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: إِنَّ عَبْدًا أَصْحَحْتُ لَهُ جِسْمَهُ، وَأَوْسَعْتُ عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ، لَمْ يَفِدْ إِلَيَّ فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ عَامًا لَمَحْرُومٌ "
١٥٩ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ الْفَرَجِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ:
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَحُجَّ، وَلَمْ يُوصِ بِحَجٍّ، وَلَمْ يُحَجَّ عَنْهُ لَمْ يُقْبَلْ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَلٌ»
أخبرنا أبو حسان المزكي، أخبرنا هارون بن محمد الاستراباذي، أخبرنا إسحاق بن أحمد الخزاعي، أخبرنا أبو الوليد الأزرقي، أخبرنا جدي أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، أخبرني ابن جريج، قال: بلغنا أن اليهود قالت: بيت المقدس أعظم من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء ولأنه في الأرض المقدسة.
وقال المسلمون: الكعبة أعظم.
فبلغ ذلك للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فنزل إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ [آل عمران: ٩٦] حتى بلغ: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٩٧] وليس ذلك في بيت المقدس، وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران: ٩٧] وليس ذلك في بيت المقدس، وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران: ٩٧] وليس ذلك في بيت المقدس.
وقوله: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٧] قال ابن عباس والحسن وعطاء: جحد فرض الحج، وزعم أنه ليس بواجب عليه.
وهذا قول جماعة من المفسرين.
قال الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال: «إن الله كتب عليكم الحج فحجوا».
آل عمران 3:94
كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ {٩٣ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ٩٤ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٩٥ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ٩٦ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ٩٧ } [آل عمران: ٩٣-٩٧] قوله تعالى: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [آل عمران: ٩٣] الآية، قال المفسرون: لما ادعى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه على ملة إبراهيم عليه السلام قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟ ! فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحله».
فقالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه فإنه كان محرما على إبراهيم ونوح.
فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ [آل عمران: ٩٣] وهو يعقوب، وذلك أنه مرض مرضا، فنذر لئن عافاه الله ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحبَّها إليه لُحْمَانُ الإبل وألبانُها، فحرمها الله على ولده، وكان هذا قبل نزول التوراة، وذلك قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا [آل عمران: ٩٣] لتعرفوا أن هذا التحريم إنما كان من جهة يعقوب، ولم يكن في زمن إبراهيم ولا نوح، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران: ٩٣] فيما تدعون.
فلما ثبتت عليهم الحجة بكتابهم قال الله تعالى: فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [آل عمران: ٩٤] من بعد ظهور الحجة بأن التحريم كان من جهة يعقوب ولم يكن محرما قبله، فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [آل عمران: ٩٤] أنفسهم.
قوله: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ [آل عمران: ٩٥] فيما أخبر، فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [آل عمران: ٩٥] وملة محمد عليه السلام داخلة في ملته، فمن اتبع ملة إبراهيم فقد اتبع ملة محمد عليه السلام.
قوله عز وجل: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ [آل عمران: ٩٦] الآية، روى عطاء، عن ابن عباس، عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «إن أول لمعة وضعت على الأرض موضع البيت ثم مدت منها الأرض، وإن أول جبل وضعه الله على هذه الأرض أبو قبيس ثم مدت منه الجبال».
وهذا قول مجاهد، قال: خلق الله هذا البيت قبل أن يُخلق شيء من الأرض بألفي سنة.
وقال ابن عباس: هو أول بيت بناه آدم في الأرض.
وقال علي رضي الله عنه: هو أول بيت مبارك وهدى وضع للناس.
١٥٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْفَسَوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ:
قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ عَلَى الأَرْضِ أَوَّلا؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الأَقْصَى، قَالَ: قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ الأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ، فَصَلِّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ
١٥٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: حَدِّثْنِي عَنْ هَذَا الْبَيْتِ، أَهُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ فِي الأَرْضِ؟ فَقَالَ: لا، وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَتْ فِيهِ الْبَرَكَةُ وَالْهُدَى وَمَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا
وقوله: للذي ببكة بكة: هي مكة، فأبدلت الميم باء كقولهم: سمد رأسه وسبده، وضربة لازم ولازب.
وقال أبو مالك وإبراهيم: بكة: موضع البيت، ومكة: القرية.
وقوله: مباركا أي: كثير الخير، بأن جعل فيه وعنده البركة، وهدى قال الزجاج: المعنى: وذا هدى.
قال: ويجوز أن يكون على معنى: وهو هدى.
ومعنى كونه هدى للعالمين: أنه قبلة صلاتهم.
وقوله: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٩٧] قال مجاهد: أثر قدميه في المقام آية بينة.
وقال المفسرون: الآيات التي فيها: أمن الخائف، وامتناع الطير من العلو عليه، واستشفاء المريض به، وتعجيل العقوبة لمن انتهك فيه حرمه، وإهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا إخراجه.
وقال زيد بن أسلم: الآيات البينات: مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا.
وهذا اختيار الزجاج، لأنه قال: ومن الآيات أيضا: أمن من دخله.
وقال: معنى أمن من دخله: أن إبراهيم سأل الله عز وجل أن يؤمن سكان مكة وقال: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا [إبراهيم: ٣٥]، فجعل الله عز وجل أمن مكة آية لإبراهيم، فلم يطمع في أهلها جبار، وكان فيما عطف الله تعالى من قلوب العرب في الجاهلية على من لاذ بالحرم حتى يؤمنوه آية بينة.
يدل على هذا قول قتادة في قوله: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران: ٩٧] قال: كان ذلك في الجاهلية، فأما اليوم إن سرق فيه أحد قطع، ولو قتل فيه قتل.
وقوله: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران: ٩٧] وقرئ حج البيت بالكسر، والمفتوح مصدر، وهو لغة أهل الحجاز، والمكسور: اسم للعمل، قال سيبويه: ويجوز أن يكون مصدرا كالعلم والذكر.
قوله: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا [آل عمران: ٩٧] قال الزجاج: موضع من خفض على البدل من الناس، والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت.
وجمهور أهل العلم على أن معنى الاستطاعة الموجبة للحج: القوة، فمن قوي في نفسه بالكون على الراحلة وجب عليه الحج إذا ملك الزاد والراحلة.
وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد، ومذهب الشافعي وأحمد وإسحاق.
١٥٦ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدَانُ الأَهْوَازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ، عَلَى أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَتَكْفُرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ».
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ
١٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبُ الْمَعْقِلِيُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: قَعَدْنَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ: مَا الْحَاجُّ؟ قَالَ: الشَّعِثُ التَّفِلُ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ، فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ "
١٥٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَانُ الْجَوَالِيقِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: إِنَّ عَبْدًا أَصْحَحْتُ لَهُ جِسْمَهُ، وَأَوْسَعْتُ عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ، لَمْ يَفِدْ إِلَيَّ فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ عَامًا لَمَحْرُومٌ "
١٥٩ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ الْفَرَجِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ:
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَحُجَّ، وَلَمْ يُوصِ بِحَجٍّ، وَلَمْ يُحَجَّ عَنْهُ لَمْ يُقْبَلْ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَلٌ»
أخبرنا أبو حسان المزكي، أخبرنا هارون بن محمد الاستراباذي، أخبرنا إسحاق بن أحمد الخزاعي، أخبرنا أبو الوليد الأزرقي، أخبرنا جدي أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، أخبرني ابن جريج، قال: بلغنا أن اليهود قالت: بيت المقدس أعظم من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء ولأنه في الأرض المقدسة.
وقال المسلمون: الكعبة أعظم.
فبلغ ذلك للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فنزل إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ [آل عمران: ٩٦] حتى بلغ: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٩٧] وليس ذلك في بيت المقدس، وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران: ٩٧] وليس ذلك في بيت المقدس، وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران: ٩٧] وليس ذلك في بيت المقدس.
وقوله: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٧] قال ابن عباس والحسن وعطاء: جحد فرض الحج، وزعم أنه ليس بواجب عليه.
وهذا قول جماعة من المفسرين.
قال الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال: «إن الله كتب عليكم الحج فحجوا».