الوسيط في تفسير القرآن المجيد — الرعد 13:1 – إبراهيم 14:39
المحتويات
- الرعد 13:1
- الرعد 13:2
- الرعد 13:3
- الرعد 13:4
- الرعد 13:5
- الرعد 13:6
- الرعد 13:7
- الرعد 13:8
- الرعد 13:9
- الرعد 13:10
- الرعد 13:11
- الرعد 13:12
- الرعد 13:13
- الرعد 13:14
- الرعد 13:15
- الرعد 13:16
- الرعد 13:17
- الرعد 13:18
- الرعد 13:19
- الرعد 13:20
- الرعد 13:21
- الرعد 13:22
- الرعد 13:23
- الرعد 13:24
- الرعد 13:25
- الرعد 13:26
- الرعد 13:27
- الرعد 13:28
- الرعد 13:29
- الرعد 13:30
- الرعد 13:31
- الرعد 13:32
- الرعد 13:33
- الرعد 13:34
- الرعد 13:35
- الرعد 13:36
- الرعد 13:37
- الرعد 13:38
- الرعد 13:39
- الرعد 13:40
- الرعد 13:41
- الرعد 13:42
- الرعد 13:43
- إبراهيم 14:1
- إبراهيم 14:2
- إبراهيم 14:3
- إبراهيم 14:4
- إبراهيم 14:5
- إبراهيم 14:6
- إبراهيم 14:7
- إبراهيم 14:8
- إبراهيم 14:9
- إبراهيم 14:10
- إبراهيم 14:11
- إبراهيم 14:12
- إبراهيم 14:13
- إبراهيم 14:14
- إبراهيم 14:15
- إبراهيم 14:16
- إبراهيم 14:17
- إبراهيم 14:18
- إبراهيم 14:19
- إبراهيم 14:20
- إبراهيم 14:21
- إبراهيم 14:22
- إبراهيم 14:23
- إبراهيم 14:24
- إبراهيم 14:25
- إبراهيم 14:26
- إبراهيم 14:27
- إبراهيم 14:28
- إبراهيم 14:29
- إبراهيم 14:30
- إبراهيم 14:31
- إبراهيم 14:32
- إبراهيم 14:33
- إبراهيم 14:34
- إبراهيم 14:35
- إبراهيم 14:36
- إبراهيم 14:37
- إبراهيم 14:38
- إبراهيم 14:39
الرعد 13:1
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الرعد
مدنية وآياتها ثلاث وأربعون.
٤٨٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْخَفَّافُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أَبُيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الرَّعْدِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ سَحَابٍ مَضَى، وَكُلِّ سَحَابٍ يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُوفِينَ بِعَهْدِ اللَّهِ»
المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ {١ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ٢ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ٣ وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٤ } [الرعد: ١-٤] بسم الله الرحمن الرحيم المر قال ابن عباس: أنا الله أعلم وأرى.
وقال في رواية عطاء: أنا الله الملك الرحمن.
تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ [الرعد: ١] يجوز أن يكون تلك إشارة إلى ما مضى من ذكر الأخبار والقصص التي أنزلت، ويجوز أن يكون تلك بمعنى هذه، ويراد بالكتاب القرآن، وقوله: وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ [الرعد: ١] قال الفراء: الذي رفع بالاستئناف، وخبره الحق، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [الرعد: ١] قال ابن عباس: يريد أهل مكة.
قال الزجاج: لما ذكر أنهم لا يؤمنون، عرف الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق.
فقال: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ [الرعد: ٢] وهي الأساطين، جمع عماد، ترونها كذلك مرفوعة بلا عمد، قال مقاتل: هي قائمات بغير عمد.
وقال الضحاك: يعني ليس من دونها دعامة، ولا فوقها علامة.
وهو قول قتادة، وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الرعد: ٢] ثم أقبل على خلق العرش بالاستيلاء والاقتدار ونفوذ السلطان، وأصل
الاستواء التدبير، كما أن أصل القيام الانتصاب، ثم يقال: قائم بالتدبير، والمعنى ثم استوى على العرش بالتدبير للأجسام التي خلقها، وثم تدل على حدوث التدبير، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [الرعد: ٢] ذللهما لما يراد منهما كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى [الرعد: ٢] إلى وقت معلوم، وهو فناء الدنيا، يدبر الأمر يصرفه بحكمته، يُفَصِّلُ الآيَاتِ [الرعد: ٢] يبين الآيات التي تدل على قدرته على البعث، لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ [الرعد: ٢] قال ابن عباس: لكي توقنوا بالبعث، وتتعلموا أنه لا إله غيري.
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ [الرعد: ٣] قال الفراء: بسطها طولا وعرضا.
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ [الرعد: ٣] جبالا ثوابت، قال ابن عباس: أوتدها بالجبال.
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [الرعد: ٣] لونين: حلوا، وحامضا.
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ [الرعد: ٣] ذكرناه في [الأعراف،] إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [سورة الرعد: ٣] أعلم الله أن ما ذكر من هذه الأشياء فيه برهان وعلامات لمن تفكر في قدرة الله، ثم زاد، فقال: وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ [الرعد: ٤] أي: متدانية متقاربة، وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ [الرعد: ٤] يعني بساتين فيها نخيل وكروم، ومن قرأ وزرع ونخيل بالضم حملها على قوله: وفي الأرض، ولم يحملها على الجنات، وقوله: صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ [الرعد: ٤] من صفة النخيل، قال أبو عبيدة: الصنوان جمع صنو، وهو أن يكون الأصل واحدا ثم يتفرع، فيصير نخيلا ثم يحملن.
وهذا قول جميع أهل اللغة والتفسير، قال ابن عباس: صنوان ما كان من نخلتين، أو ثلاث أو أكثر، أصلهن واحد، وغير صنوان: يريد المتفرق الذي لا يجمعه أصل واحد.
٤٨٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَطَرٍ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، أنا الْوَلِيدُ، وَالْحَوْضِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالُوا: ، نا شُعْبَةُ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ: الصِّنْوَانُ: النَّخْلَةُ يَكُونُ حَوْلَهَا النَّخْلاتِ، وَغَيْرُ صِنْوَانٍ: النَّخْلُ الْمُتَفَرِّقُ
وروى القواس، عن حفص صنوان بضم الصاد جعله مثل
ذوب وذوبان، وربما تعاقب فعلان وفعلان على البناء الواحد نحو حش وحُشَّان وحِشَّان.
وقوله: تسقى بماء واحد أي: تسقى هذه الأشياء الذي ذكرها من القطع المتجاورات، والجنات، والنخيل المختلفة، ومن قرأ يُسْقَى [الرعد: ٤] بالياء كان التقدير يسقى ما قصصناه وما ذكرناه.
قال ابن عباس: يريد البئر واحدة، والشرب واحد، والجنس واحد.
وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ [الرعد: ٤] يعني اختلاف الطعم الحلو والحامض، يخبر بعجائبه وقدرته في خلقه، قال ابن الأنباري: يعني أن القطع المتجاورة تنبت نباتا مختلفا، منه الحلو والحامض، وشربها واحد، ومكانها مجتمع، وفي هذا أوضح آية على نفاذ قدرة الله، والأكل الثمر الذي يؤكل.
وقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد: ٤] قال ابن عباس: يريد أهل الإيمان، وهم أهل العقل الذين لم يجعلوا لله ندا.
الرعد 13:2
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الرعد
مدنية وآياتها ثلاث وأربعون.
٤٨٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْخَفَّافُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أَبُيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الرَّعْدِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ سَحَابٍ مَضَى، وَكُلِّ سَحَابٍ يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُوفِينَ بِعَهْدِ اللَّهِ»
المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ {١ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ٢ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ٣ وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٤ } [الرعد: ١-٤] بسم الله الرحمن الرحيم المر قال ابن عباس: أنا الله أعلم وأرى.
وقال في رواية عطاء: أنا الله الملك الرحمن.
تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ [الرعد: ١] يجوز أن يكون تلك إشارة إلى ما مضى من ذكر الأخبار والقصص التي أنزلت، ويجوز أن يكون تلك بمعنى هذه، ويراد بالكتاب القرآن، وقوله: وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ [الرعد: ١] قال الفراء: الذي رفع بالاستئناف، وخبره الحق، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [الرعد: ١] قال ابن عباس: يريد أهل مكة.
قال الزجاج: لما ذكر أنهم لا يؤمنون، عرف الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق.
فقال: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ [الرعد: ٢] وهي الأساطين، جمع عماد، ترونها كذلك مرفوعة بلا عمد، قال مقاتل: هي قائمات بغير عمد.
وقال الضحاك: يعني ليس من دونها دعامة، ولا فوقها علامة.
وهو قول قتادة، وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الرعد: ٢] ثم أقبل على خلق العرش بالاستيلاء والاقتدار ونفوذ السلطان، وأصل
الاستواء التدبير، كما أن أصل القيام الانتصاب، ثم يقال: قائم بالتدبير، والمعنى ثم استوى على العرش بالتدبير للأجسام التي خلقها، وثم تدل على حدوث التدبير، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [الرعد: ٢] ذللهما لما يراد منهما كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى [الرعد: ٢] إلى وقت معلوم، وهو فناء الدنيا، يدبر الأمر يصرفه بحكمته، يُفَصِّلُ الآيَاتِ [الرعد: ٢] يبين الآيات التي تدل على قدرته على البعث، لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ [الرعد: ٢] قال ابن عباس: لكي توقنوا بالبعث، وتتعلموا أنه لا إله غيري.
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ [الرعد: ٣] قال الفراء: بسطها طولا وعرضا.
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ [الرعد: ٣] جبالا ثوابت، قال ابن عباس: أوتدها بالجبال.
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [الرعد: ٣] لونين: حلوا، وحامضا.
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ [الرعد: ٣] ذكرناه في [الأعراف،] إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [سورة الرعد: ٣] أعلم الله أن ما ذكر من هذه الأشياء فيه برهان وعلامات لمن تفكر في قدرة الله، ثم زاد، فقال: وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ [الرعد: ٤] أي: متدانية متقاربة، وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ [الرعد: ٤] يعني بساتين فيها نخيل وكروم، ومن قرأ وزرع ونخيل بالضم حملها على قوله: وفي الأرض، ولم يحملها على الجنات، وقوله: صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ [الرعد: ٤] من صفة النخيل، قال أبو عبيدة: الصنوان جمع صنو، وهو أن يكون الأصل واحدا ثم يتفرع، فيصير نخيلا ثم يحملن.
وهذا قول جميع أهل اللغة والتفسير، قال ابن عباس: صنوان ما كان من نخلتين، أو ثلاث أو أكثر، أصلهن واحد، وغير صنوان: يريد المتفرق الذي لا يجمعه أصل واحد.
٤٨٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَطَرٍ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، أنا الْوَلِيدُ، وَالْحَوْضِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالُوا: ، نا شُعْبَةُ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ: الصِّنْوَانُ: النَّخْلَةُ يَكُونُ حَوْلَهَا النَّخْلاتِ، وَغَيْرُ صِنْوَانٍ: النَّخْلُ الْمُتَفَرِّقُ
وروى القواس، عن حفص صنوان بضم الصاد جعله مثل
ذوب وذوبان، وربما تعاقب فعلان وفعلان على البناء الواحد نحو حش وحُشَّان وحِشَّان.
وقوله: تسقى بماء واحد أي: تسقى هذه الأشياء الذي ذكرها من القطع المتجاورات، والجنات، والنخيل المختلفة، ومن قرأ يُسْقَى [الرعد: ٤] بالياء كان التقدير يسقى ما قصصناه وما ذكرناه.
قال ابن عباس: يريد البئر واحدة، والشرب واحد، والجنس واحد.
وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ [الرعد: ٤] يعني اختلاف الطعم الحلو والحامض، يخبر بعجائبه وقدرته في خلقه، قال ابن الأنباري: يعني أن القطع المتجاورة تنبت نباتا مختلفا، منه الحلو والحامض، وشربها واحد، ومكانها مجتمع، وفي هذا أوضح آية على نفاذ قدرة الله، والأكل الثمر الذي يؤكل.
وقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد: ٤] قال ابن عباس: يريد أهل الإيمان، وهم أهل العقل الذين لم يجعلوا لله ندا.
الرعد 13:3
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الرعد
مدنية وآياتها ثلاث وأربعون.
٤٨٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْخَفَّافُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أَبُيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الرَّعْدِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ سَحَابٍ مَضَى، وَكُلِّ سَحَابٍ يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُوفِينَ بِعَهْدِ اللَّهِ»
المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ {١ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ٢ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ٣ وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٤ } [الرعد: ١-٤] بسم الله الرحمن الرحيم المر قال ابن عباس: أنا الله أعلم وأرى.
وقال في رواية عطاء: أنا الله الملك الرحمن.
تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ [الرعد: ١] يجوز أن يكون تلك إشارة إلى ما مضى من ذكر الأخبار والقصص التي أنزلت، ويجوز أن يكون تلك بمعنى هذه، ويراد بالكتاب القرآن، وقوله: وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ [الرعد: ١] قال الفراء: الذي رفع بالاستئناف، وخبره الحق، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [الرعد: ١] قال ابن عباس: يريد أهل مكة.
قال الزجاج: لما ذكر أنهم لا يؤمنون، عرف الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق.
فقال: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ [الرعد: ٢] وهي الأساطين، جمع عماد، ترونها كذلك مرفوعة بلا عمد، قال مقاتل: هي قائمات بغير عمد.
وقال الضحاك: يعني ليس من دونها دعامة، ولا فوقها علامة.
وهو قول قتادة، وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الرعد: ٢] ثم أقبل على خلق العرش بالاستيلاء والاقتدار ونفوذ السلطان، وأصل
الاستواء التدبير، كما أن أصل القيام الانتصاب، ثم يقال: قائم بالتدبير، والمعنى ثم استوى على العرش بالتدبير للأجسام التي خلقها، وثم تدل على حدوث التدبير، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [الرعد: ٢] ذللهما لما يراد منهما كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى [الرعد: ٢] إلى وقت معلوم، وهو فناء الدنيا، يدبر الأمر يصرفه بحكمته، يُفَصِّلُ الآيَاتِ [الرعد: ٢] يبين الآيات التي تدل على قدرته على البعث، لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ [الرعد: ٢] قال ابن عباس: لكي توقنوا بالبعث، وتتعلموا أنه لا إله غيري.
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ [الرعد: ٣] قال الفراء: بسطها طولا وعرضا.
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ [الرعد: ٣] جبالا ثوابت، قال ابن عباس: أوتدها بالجبال.
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [الرعد: ٣] لونين: حلوا، وحامضا.
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ [الرعد: ٣] ذكرناه في [الأعراف،] إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [سورة الرعد: ٣] أعلم الله أن ما ذكر من هذه الأشياء فيه برهان وعلامات لمن تفكر في قدرة الله، ثم زاد، فقال: وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ [الرعد: ٤] أي: متدانية متقاربة، وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ [الرعد: ٤] يعني بساتين فيها نخيل وكروم، ومن قرأ وزرع ونخيل بالضم حملها على قوله: وفي الأرض، ولم يحملها على الجنات، وقوله: صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ [الرعد: ٤] من صفة النخيل، قال أبو عبيدة: الصنوان جمع صنو، وهو أن يكون الأصل واحدا ثم يتفرع، فيصير نخيلا ثم يحملن.
وهذا قول جميع أهل اللغة والتفسير، قال ابن عباس: صنوان ما كان من نخلتين، أو ثلاث أو أكثر، أصلهن واحد، وغير صنوان: يريد المتفرق الذي لا يجمعه أصل واحد.
٤٨٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَطَرٍ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، أنا الْوَلِيدُ، وَالْحَوْضِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالُوا: ، نا شُعْبَةُ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ: الصِّنْوَانُ: النَّخْلَةُ يَكُونُ حَوْلَهَا النَّخْلاتِ، وَغَيْرُ صِنْوَانٍ: النَّخْلُ الْمُتَفَرِّقُ
وروى القواس، عن حفص صنوان بضم الصاد جعله مثل
ذوب وذوبان، وربما تعاقب فعلان وفعلان على البناء الواحد نحو حش وحُشَّان وحِشَّان.
وقوله: تسقى بماء واحد أي: تسقى هذه الأشياء الذي ذكرها من القطع المتجاورات، والجنات، والنخيل المختلفة، ومن قرأ يُسْقَى [الرعد: ٤] بالياء كان التقدير يسقى ما قصصناه وما ذكرناه.
قال ابن عباس: يريد البئر واحدة، والشرب واحد، والجنس واحد.
وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ [الرعد: ٤] يعني اختلاف الطعم الحلو والحامض، يخبر بعجائبه وقدرته في خلقه، قال ابن الأنباري: يعني أن القطع المتجاورة تنبت نباتا مختلفا، منه الحلو والحامض، وشربها واحد، ومكانها مجتمع، وفي هذا أوضح آية على نفاذ قدرة الله، والأكل الثمر الذي يؤكل.
وقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد: ٤] قال ابن عباس: يريد أهل الإيمان، وهم أهل العقل الذين لم يجعلوا لله ندا.
الرعد 13:4
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الرعد
مدنية وآياتها ثلاث وأربعون.
٤٨٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْخَفَّافُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أَبُيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الرَّعْدِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ سَحَابٍ مَضَى، وَكُلِّ سَحَابٍ يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُوفِينَ بِعَهْدِ اللَّهِ»
المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ {١ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ٢ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ٣ وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٤ } [الرعد: ١-٤] بسم الله الرحمن الرحيم المر قال ابن عباس: أنا الله أعلم وأرى.
وقال في رواية عطاء: أنا الله الملك الرحمن.
تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ [الرعد: ١] يجوز أن يكون تلك إشارة إلى ما مضى من ذكر الأخبار والقصص التي أنزلت، ويجوز أن يكون تلك بمعنى هذه، ويراد بالكتاب القرآن، وقوله: وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ [الرعد: ١] قال الفراء: الذي رفع بالاستئناف، وخبره الحق، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [الرعد: ١] قال ابن عباس: يريد أهل مكة.
قال الزجاج: لما ذكر أنهم لا يؤمنون، عرف الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق.
فقال: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ [الرعد: ٢] وهي الأساطين، جمع عماد، ترونها كذلك مرفوعة بلا عمد، قال مقاتل: هي قائمات بغير عمد.
وقال الضحاك: يعني ليس من دونها دعامة، ولا فوقها علامة.
وهو قول قتادة، وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الرعد: ٢] ثم أقبل على خلق العرش بالاستيلاء والاقتدار ونفوذ السلطان، وأصل
الاستواء التدبير، كما أن أصل القيام الانتصاب، ثم يقال: قائم بالتدبير، والمعنى ثم استوى على العرش بالتدبير للأجسام التي خلقها، وثم تدل على حدوث التدبير، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [الرعد: ٢] ذللهما لما يراد منهما كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى [الرعد: ٢] إلى وقت معلوم، وهو فناء الدنيا، يدبر الأمر يصرفه بحكمته، يُفَصِّلُ الآيَاتِ [الرعد: ٢] يبين الآيات التي تدل على قدرته على البعث، لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ [الرعد: ٢] قال ابن عباس: لكي توقنوا بالبعث، وتتعلموا أنه لا إله غيري.
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ [الرعد: ٣] قال الفراء: بسطها طولا وعرضا.
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ [الرعد: ٣] جبالا ثوابت، قال ابن عباس: أوتدها بالجبال.
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [الرعد: ٣] لونين: حلوا، وحامضا.
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ [الرعد: ٣] ذكرناه في [الأعراف،] إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [سورة الرعد: ٣] أعلم الله أن ما ذكر من هذه الأشياء فيه برهان وعلامات لمن تفكر في قدرة الله، ثم زاد، فقال: وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ [الرعد: ٤] أي: متدانية متقاربة، وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ [الرعد: ٤] يعني بساتين فيها نخيل وكروم، ومن قرأ وزرع ونخيل بالضم حملها على قوله: وفي الأرض، ولم يحملها على الجنات، وقوله: صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ [الرعد: ٤] من صفة النخيل، قال أبو عبيدة: الصنوان جمع صنو، وهو أن يكون الأصل واحدا ثم يتفرع، فيصير نخيلا ثم يحملن.
وهذا قول جميع أهل اللغة والتفسير، قال ابن عباس: صنوان ما كان من نخلتين، أو ثلاث أو أكثر، أصلهن واحد، وغير صنوان: يريد المتفرق الذي لا يجمعه أصل واحد.
٤٨٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَطَرٍ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، أنا الْوَلِيدُ، وَالْحَوْضِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالُوا: ، نا شُعْبَةُ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ: الصِّنْوَانُ: النَّخْلَةُ يَكُونُ حَوْلَهَا النَّخْلاتِ، وَغَيْرُ صِنْوَانٍ: النَّخْلُ الْمُتَفَرِّقُ
وروى القواس، عن حفص صنوان بضم الصاد جعله مثل
ذوب وذوبان، وربما تعاقب فعلان وفعلان على البناء الواحد نحو حش وحُشَّان وحِشَّان.
وقوله: تسقى بماء واحد أي: تسقى هذه الأشياء الذي ذكرها من القطع المتجاورات، والجنات، والنخيل المختلفة، ومن قرأ يُسْقَى [الرعد: ٤] بالياء كان التقدير يسقى ما قصصناه وما ذكرناه.
قال ابن عباس: يريد البئر واحدة، والشرب واحد، والجنس واحد.
وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ [الرعد: ٤] يعني اختلاف الطعم الحلو والحامض، يخبر بعجائبه وقدرته في خلقه، قال ابن الأنباري: يعني أن القطع المتجاورة تنبت نباتا مختلفا، منه الحلو والحامض، وشربها واحد، ومكانها مجتمع، وفي هذا أوضح آية على نفاذ قدرة الله، والأكل الثمر الذي يؤكل.
وقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد: ٤] قال ابن عباس: يريد أهل الإيمان، وهم أهل العقل الذين لم يجعلوا لله ندا.
الرعد 13:5
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {٥ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ٦ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ٧ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ٨ } [الرعد: ٥-٨] قوله: وإن تعجب أي: من عبادتهم ما لا يملك نفعا ولا ضرا، بعدما رأوا من قدرة الله تعالى في خلقه الأشياء التي ذكرها، فعجب قولهم الآية، قال الزجاج: إن هذا موضع عجب أيضا، أنهم أنكروا البعث، وقد بين لهم من خلق السموات والأرض ما يدل على أن البعث أسهل في القدرة.
ثم أخبر أن هؤلاء الذين أنكروا البعث بعد الموت كافرون، فقال: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ [الرعد: ٥] الأغلال جمل الغل، وهو طوق يقيد به اليد إلى العنق، يقال منه: غل الرجل فهو مغلول.
قوله {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ
بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} [الرعد: ٦] يعني مشركي مكة، سألوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يأتيهم بالعذاب استهزاء منهم بذلك، فالمراد بالسيئة ههنا العقوبة المهلكة، والحسنة هي العاقبة والرخاء، والله تعالى صرف عمن بعث إليهم محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عقوبة الاصطلام، وأخر تعذيب مكذبيه إلى يوم القيامة، فذلك التأخير هو الحسنة، وهؤلاء الكفار استعجلوا العذاب قبل إحسان الله معهم بالإنظار، وقوله: وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [الرعد: ٦] يقال للعقوبة: مثلة ومثلة.
قال ابن الأنباري: المثلة العقوبة التي تبقي في المعاقب شيئا بتغيير بعض خلقه، من قولهم: مثل فلان بفلان إذا شان خلقه بقطع أنفه وأذنه، أو سمل عينيه، أو بقر بطنه.
قال ابن عباس، وقتادة: المثلات العقوبات، وما مثل الله بالمكذبين قبلهم.
قال الأزهري: يقول: يستعجلونك بالعذاب الذي لم أعاجلهم به، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية، فلم يعتبروا بها، وكان ينبغي أن يردعهم ذلك عن الكفر خوفا أن ينزل بهم مثل الذي نزل بمن كفر قبلهم.
قوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ [الرعد: ٦] قال ابن عباس: لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا وصدقوا، وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ [الرعد: ٦] للمصرين على الشرك، وتلا مطرف يوما هذه الآية، فقال: لو يعلم الناس قدر رحمة الله ومغفرة الله وعفو الله وتجاوز الله لَقَرَّتْ أعينهم، ولو يعلم الناس قدر عذاب الله، وبأس الله ونكال الله ونقمة الله، ما رَقَأَ لهم دمع، ولا قَرَّتْ أعينهم بشيء.
٤٨٥ - أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ [الرعد: ٦] ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلا عَفْوُ اللَّهِ وَتَجَاوُزُهُ مَا هَنَأَ أَحَدًا الْعَيْشُ، وَلَوْلا وَعِيدُ اللَّهِ وَعِقَابُهُ لاتَّكَلَ كُلُّ أَحَدٍ»
قوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الرعد: ٧] قال ابن عباس: يريد مثل الناقة والعصا وما جاء به النبيون.
وقال الزجاج: طلبوا غير الآيات التي أتى بها فالتمسوا مثل آيات موسى وعيسى.
فقال الله: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ [الرعد: ٧] تنذرهم بالنار، وليس إليك من الآيات شيء، وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد: ٧] أي: نبي وداع إلى الله يدعوهم بما يعطى من الآيات، لا بما يريدون ويتحكمون، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
وقال سعيد بن جبير، وعطية، والضحاك: الهادي هو الله عز وجل.
والمعنى أنت منذر تنذر، والله هادي كل قوم يهدي من شاء.
قوله: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى [الرعد: ٨] يعلم ما في بطن كل حامل من علقة، أو مضغة، أو زائد، أو ناقص، على اختلاف في
جميع أحواله، وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد ذكر أم أنثى، واحد أم اثنين أم أكثر.
وقوله: وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ [الرعد: ٨] الغيض النقصان، ذكرنا ذلك عند قوله: وَغِيضَ الْمَاءُ [هود: ٤٤] قال أكثر المفسرين: يعلم الوقت الذي تنقصه الأرحام من المدة التي هي تسعة أشهر.
وما تزداد على ذلك، قال الضحاك: الغيض النقصان من الأجل، والزيادة ما يزداد على الأجل، وذلك أن النساء لا يلدن لأجل واحد.
وقوله: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [الرعد: ٨] قال ابن عباس: علم كل شيء فقدره تقديرا مما يكون قبل أن يكون، وكل ما هو كائن إلى يوم القيامة.
الرعد 13:6
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {٥ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ٦ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ٧ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ٨ } [الرعد: ٥-٨] قوله: وإن تعجب أي: من عبادتهم ما لا يملك نفعا ولا ضرا، بعدما رأوا من قدرة الله تعالى في خلقه الأشياء التي ذكرها، فعجب قولهم الآية، قال الزجاج: إن هذا موضع عجب أيضا، أنهم أنكروا البعث، وقد بين لهم من خلق السموات والأرض ما يدل على أن البعث أسهل في القدرة.
ثم أخبر أن هؤلاء الذين أنكروا البعث بعد الموت كافرون، فقال: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ [الرعد: ٥] الأغلال جمل الغل، وهو طوق يقيد به اليد إلى العنق، يقال منه: غل الرجل فهو مغلول.
قوله {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ
بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} [الرعد: ٦] يعني مشركي مكة، سألوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يأتيهم بالعذاب استهزاء منهم بذلك، فالمراد بالسيئة ههنا العقوبة المهلكة، والحسنة هي العاقبة والرخاء، والله تعالى صرف عمن بعث إليهم محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عقوبة الاصطلام، وأخر تعذيب مكذبيه إلى يوم القيامة، فذلك التأخير هو الحسنة، وهؤلاء الكفار استعجلوا العذاب قبل إحسان الله معهم بالإنظار، وقوله: وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [الرعد: ٦] يقال للعقوبة: مثلة ومثلة.
قال ابن الأنباري: المثلة العقوبة التي تبقي في المعاقب شيئا بتغيير بعض خلقه، من قولهم: مثل فلان بفلان إذا شان خلقه بقطع أنفه وأذنه، أو سمل عينيه، أو بقر بطنه.
قال ابن عباس، وقتادة: المثلات العقوبات، وما مثل الله بالمكذبين قبلهم.
قال الأزهري: يقول: يستعجلونك بالعذاب الذي لم أعاجلهم به، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية، فلم يعتبروا بها، وكان ينبغي أن يردعهم ذلك عن الكفر خوفا أن ينزل بهم مثل الذي نزل بمن كفر قبلهم.
قوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ [الرعد: ٦] قال ابن عباس: لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا وصدقوا، وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ [الرعد: ٦] للمصرين على الشرك، وتلا مطرف يوما هذه الآية، فقال: لو يعلم الناس قدر رحمة الله ومغفرة الله وعفو الله وتجاوز الله لَقَرَّتْ أعينهم، ولو يعلم الناس قدر عذاب الله، وبأس الله ونكال الله ونقمة الله، ما رَقَأَ لهم دمع، ولا قَرَّتْ أعينهم بشيء.
٤٨٥ - أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ [الرعد: ٦] ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلا عَفْوُ اللَّهِ وَتَجَاوُزُهُ مَا هَنَأَ أَحَدًا الْعَيْشُ، وَلَوْلا وَعِيدُ اللَّهِ وَعِقَابُهُ لاتَّكَلَ كُلُّ أَحَدٍ»
قوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الرعد: ٧] قال ابن عباس: يريد مثل الناقة والعصا وما جاء به النبيون.
وقال الزجاج: طلبوا غير الآيات التي أتى بها فالتمسوا مثل آيات موسى وعيسى.
فقال الله: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ [الرعد: ٧] تنذرهم بالنار، وليس إليك من الآيات شيء، وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد: ٧] أي: نبي وداع إلى الله يدعوهم بما يعطى من الآيات، لا بما يريدون ويتحكمون، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
وقال سعيد بن جبير، وعطية، والضحاك: الهادي هو الله عز وجل.
والمعنى أنت منذر تنذر، والله هادي كل قوم يهدي من شاء.
قوله: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى [الرعد: ٨] يعلم ما في بطن كل حامل من علقة، أو مضغة، أو زائد، أو ناقص، على اختلاف في
جميع أحواله، وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد ذكر أم أنثى، واحد أم اثنين أم أكثر.
وقوله: وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ [الرعد: ٨] الغيض النقصان، ذكرنا ذلك عند قوله: وَغِيضَ الْمَاءُ [هود: ٤٤] قال أكثر المفسرين: يعلم الوقت الذي تنقصه الأرحام من المدة التي هي تسعة أشهر.
وما تزداد على ذلك، قال الضحاك: الغيض النقصان من الأجل، والزيادة ما يزداد على الأجل، وذلك أن النساء لا يلدن لأجل واحد.
وقوله: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [الرعد: ٨] قال ابن عباس: علم كل شيء فقدره تقديرا مما يكون قبل أن يكون، وكل ما هو كائن إلى يوم القيامة.
الرعد 13:7
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {٥ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ٦ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ٧ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ٨ } [الرعد: ٥-٨] قوله: وإن تعجب أي: من عبادتهم ما لا يملك نفعا ولا ضرا، بعدما رأوا من قدرة الله تعالى في خلقه الأشياء التي ذكرها، فعجب قولهم الآية، قال الزجاج: إن هذا موضع عجب أيضا، أنهم أنكروا البعث، وقد بين لهم من خلق السموات والأرض ما يدل على أن البعث أسهل في القدرة.
ثم أخبر أن هؤلاء الذين أنكروا البعث بعد الموت كافرون، فقال: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ [الرعد: ٥] الأغلال جمل الغل، وهو طوق يقيد به اليد إلى العنق، يقال منه: غل الرجل فهو مغلول.
قوله {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ
بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} [الرعد: ٦] يعني مشركي مكة، سألوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يأتيهم بالعذاب استهزاء منهم بذلك، فالمراد بالسيئة ههنا العقوبة المهلكة، والحسنة هي العاقبة والرخاء، والله تعالى صرف عمن بعث إليهم محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عقوبة الاصطلام، وأخر تعذيب مكذبيه إلى يوم القيامة، فذلك التأخير هو الحسنة، وهؤلاء الكفار استعجلوا العذاب قبل إحسان الله معهم بالإنظار، وقوله: وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [الرعد: ٦] يقال للعقوبة: مثلة ومثلة.
قال ابن الأنباري: المثلة العقوبة التي تبقي في المعاقب شيئا بتغيير بعض خلقه، من قولهم: مثل فلان بفلان إذا شان خلقه بقطع أنفه وأذنه، أو سمل عينيه، أو بقر بطنه.
قال ابن عباس، وقتادة: المثلات العقوبات، وما مثل الله بالمكذبين قبلهم.
قال الأزهري: يقول: يستعجلونك بالعذاب الذي لم أعاجلهم به، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية، فلم يعتبروا بها، وكان ينبغي أن يردعهم ذلك عن الكفر خوفا أن ينزل بهم مثل الذي نزل بمن كفر قبلهم.
قوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ [الرعد: ٦] قال ابن عباس: لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا وصدقوا، وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ [الرعد: ٦] للمصرين على الشرك، وتلا مطرف يوما هذه الآية، فقال: لو يعلم الناس قدر رحمة الله ومغفرة الله وعفو الله وتجاوز الله لَقَرَّتْ أعينهم، ولو يعلم الناس قدر عذاب الله، وبأس الله ونكال الله ونقمة الله، ما رَقَأَ لهم دمع، ولا قَرَّتْ أعينهم بشيء.
٤٨٥ - أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ [الرعد: ٦] ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلا عَفْوُ اللَّهِ وَتَجَاوُزُهُ مَا هَنَأَ أَحَدًا الْعَيْشُ، وَلَوْلا وَعِيدُ اللَّهِ وَعِقَابُهُ لاتَّكَلَ كُلُّ أَحَدٍ»
قوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الرعد: ٧] قال ابن عباس: يريد مثل الناقة والعصا وما جاء به النبيون.
وقال الزجاج: طلبوا غير الآيات التي أتى بها فالتمسوا مثل آيات موسى وعيسى.
فقال الله: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ [الرعد: ٧] تنذرهم بالنار، وليس إليك من الآيات شيء، وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد: ٧] أي: نبي وداع إلى الله يدعوهم بما يعطى من الآيات، لا بما يريدون ويتحكمون، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
وقال سعيد بن جبير، وعطية، والضحاك: الهادي هو الله عز وجل.
والمعنى أنت منذر تنذر، والله هادي كل قوم يهدي من شاء.
قوله: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى [الرعد: ٨] يعلم ما في بطن كل حامل من علقة، أو مضغة، أو زائد، أو ناقص، على اختلاف في
جميع أحواله، وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد ذكر أم أنثى، واحد أم اثنين أم أكثر.
وقوله: وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ [الرعد: ٨] الغيض النقصان، ذكرنا ذلك عند قوله: وَغِيضَ الْمَاءُ [هود: ٤٤] قال أكثر المفسرين: يعلم الوقت الذي تنقصه الأرحام من المدة التي هي تسعة أشهر.
وما تزداد على ذلك، قال الضحاك: الغيض النقصان من الأجل، والزيادة ما يزداد على الأجل، وذلك أن النساء لا يلدن لأجل واحد.
وقوله: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [الرعد: ٨] قال ابن عباس: علم كل شيء فقدره تقديرا مما يكون قبل أن يكون، وكل ما هو كائن إلى يوم القيامة.
الرعد 13:8
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {٥ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ٦ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ٧ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ٨ } [الرعد: ٥-٨] قوله: وإن تعجب أي: من عبادتهم ما لا يملك نفعا ولا ضرا، بعدما رأوا من قدرة الله تعالى في خلقه الأشياء التي ذكرها، فعجب قولهم الآية، قال الزجاج: إن هذا موضع عجب أيضا، أنهم أنكروا البعث، وقد بين لهم من خلق السموات والأرض ما يدل على أن البعث أسهل في القدرة.
ثم أخبر أن هؤلاء الذين أنكروا البعث بعد الموت كافرون، فقال: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ [الرعد: ٥] الأغلال جمل الغل، وهو طوق يقيد به اليد إلى العنق، يقال منه: غل الرجل فهو مغلول.
قوله {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ
بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} [الرعد: ٦] يعني مشركي مكة، سألوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يأتيهم بالعذاب استهزاء منهم بذلك، فالمراد بالسيئة ههنا العقوبة المهلكة، والحسنة هي العاقبة والرخاء، والله تعالى صرف عمن بعث إليهم محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عقوبة الاصطلام، وأخر تعذيب مكذبيه إلى يوم القيامة، فذلك التأخير هو الحسنة، وهؤلاء الكفار استعجلوا العذاب قبل إحسان الله معهم بالإنظار، وقوله: وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [الرعد: ٦] يقال للعقوبة: مثلة ومثلة.
قال ابن الأنباري: المثلة العقوبة التي تبقي في المعاقب شيئا بتغيير بعض خلقه، من قولهم: مثل فلان بفلان إذا شان خلقه بقطع أنفه وأذنه، أو سمل عينيه، أو بقر بطنه.
قال ابن عباس، وقتادة: المثلات العقوبات، وما مثل الله بالمكذبين قبلهم.
قال الأزهري: يقول: يستعجلونك بالعذاب الذي لم أعاجلهم به، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية، فلم يعتبروا بها، وكان ينبغي أن يردعهم ذلك عن الكفر خوفا أن ينزل بهم مثل الذي نزل بمن كفر قبلهم.
قوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ [الرعد: ٦] قال ابن عباس: لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا وصدقوا، وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ [الرعد: ٦] للمصرين على الشرك، وتلا مطرف يوما هذه الآية، فقال: لو يعلم الناس قدر رحمة الله ومغفرة الله وعفو الله وتجاوز الله لَقَرَّتْ أعينهم، ولو يعلم الناس قدر عذاب الله، وبأس الله ونكال الله ونقمة الله، ما رَقَأَ لهم دمع، ولا قَرَّتْ أعينهم بشيء.
٤٨٥ - أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ [الرعد: ٦] ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلا عَفْوُ اللَّهِ وَتَجَاوُزُهُ مَا هَنَأَ أَحَدًا الْعَيْشُ، وَلَوْلا وَعِيدُ اللَّهِ وَعِقَابُهُ لاتَّكَلَ كُلُّ أَحَدٍ»
قوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الرعد: ٧] قال ابن عباس: يريد مثل الناقة والعصا وما جاء به النبيون.
وقال الزجاج: طلبوا غير الآيات التي أتى بها فالتمسوا مثل آيات موسى وعيسى.
فقال الله: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ [الرعد: ٧] تنذرهم بالنار، وليس إليك من الآيات شيء، وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد: ٧] أي: نبي وداع إلى الله يدعوهم بما يعطى من الآيات، لا بما يريدون ويتحكمون، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
وقال سعيد بن جبير، وعطية، والضحاك: الهادي هو الله عز وجل.
والمعنى أنت منذر تنذر، والله هادي كل قوم يهدي من شاء.
قوله: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى [الرعد: ٨] يعلم ما في بطن كل حامل من علقة، أو مضغة، أو زائد، أو ناقص، على اختلاف في
جميع أحواله، وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد ذكر أم أنثى، واحد أم اثنين أم أكثر.
وقوله: وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ [الرعد: ٨] الغيض النقصان، ذكرنا ذلك عند قوله: وَغِيضَ الْمَاءُ [هود: ٤٤] قال أكثر المفسرين: يعلم الوقت الذي تنقصه الأرحام من المدة التي هي تسعة أشهر.
وما تزداد على ذلك، قال الضحاك: الغيض النقصان من الأجل، والزيادة ما يزداد على الأجل، وذلك أن النساء لا يلدن لأجل واحد.
وقوله: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [الرعد: ٨] قال ابن عباس: علم كل شيء فقدره تقديرا مما يكون قبل أن يكون، وكل ما هو كائن إلى يوم القيامة.
الرعد 13:9
عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ {٩ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ١٠ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ١١ } [الرعد: ٩-١١] عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الرعد: ٩] علم ما غاب عن جميع خلقه، وما شهده خلقه وعلموه، الكبير بمعنى العظيم، ومعناه يعود إلى كبر قدره واستحقاقه صفات العلو، وهو أكبر من كل كبير، لأن كل كبير يصغر بالإضافة إليه، وقوله المتعال قال الحسن: المتعالي عما يقول المشركون.
وقوله: سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ [الرعد: ١٠] أي: أخفاه وكتمه، وَمَنْ جَهَرَ بِهِ [الرعد: ١٠] أعلنه وأظهره، قال مجاهد: السر والجهر عنده سواء.
وقوله: وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد: ١٠] الظاهر، يقال: سربت الإبل تسرب سروبا، أي: مضت في الأرض ظاهرة حيث شاءت.
قال الزجاج: معنى الآية الجاهر بنطقه، والمضمر في نفسه، والظاهر في الطرقات، والمستخفي في الظلمات عِلْمُ الله فيهم جميعا سواء.
قوله: له معقبات المعقبات: المتناوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه، ويكون بدلا منه، وهم الملائكة الحفظة في قول عامة المفسرين.
قال شمر: هي الكائنات يأتي بعضها بعد ذهاب بعض.
قال الزجاج: المعقبات الملائكة يأتي بعضهم بعقب بعض.
قال الفراء: المعقبات ذكر أن
جمع ملائكة معقبة، ثم جمعت معقبة معقبات، والذي يدل على التذكير قوله: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد: ١١].
قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، ومجاهد: المعقبات الملائكة الحفظة.
يدل على صحة هذا ما:
٤٨٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَلامٍ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ قَتَادَةُ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسَأْلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ، كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: «تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ»، وَمَعْنَى الآيَةِ: لِلَّهِ مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ تَتَعَاقَبُ فِي النُّزُولِ إِلَى الأَرْضِ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ الإِنْسَانِ وَمِنْ خَلْفِهِمْ
وقوله: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد: ١١] ذكر الفراء في هذا قولين، أحدهما: أنه على التقديم والتأخير، وتقديره: له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه.
والثاني: إن هذا على إضمار أن ذلك الحفظ من أمر الله، أي: مما أمر الله به، ونحو هذا قال الزجاج، قال: المعنى حفظهم إياه من أمر الله، أي: مما أمرهم الله به، لا أنهم يقدرون أن يدفعوا أمر الله.
وقال ابن الأنباري: وفي هذا قول آخر وهو: أن من بمعنى الباء، والتأويل: يحفظونه بأمر الله، وهذا قول مجاهد، وعطاء، والحسن، وقتادة، قالوا: يحفظونه بأمر الله.
وقال السدي: يحفظونه من أمر الله إلى أمر الله، مما لم يُقَدِّرِ اللهُ إلى ما قَدَّرَ اللهُ، وقال كعب: لولا أن الله وَكَّلَ بهم ملائكة يَذُبُّونَ عنكم، لتخطفتكم الجن.
٤٨٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا زِيَادٌ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنَامُ إلا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ وُكَلاءَ مِنَ الْمَلائِكَةِ يَحْفَظُونَهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْهَوَامِّ، فَإِذَا أَرَادُوهُ بِشَيْءٍ، قَالُوا: وَرَاءَكَ وَرَاءَكَ، إلا شَيْئًا قَدْ قَضَى لَهُ أَنْ يُصِيبَهُ.
٤٨٨ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أَخْبَرَهُمْ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، نا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي جُنْدُبٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ بِصِفِّينَ فَأَقْبَلَ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مُتَوَكِّئًا عَلَى عَنْزَةٍ لَهُ، بَعْدَ مَا اخْتَلَطَ الظَّلامُ، فَقَالَ سَعِيدٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا تَخَافُ أَنْ يَغْتَالَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَمَعَهُ مِنَ اللَّهِ حَفَظَةٌ مِنْ أَنْ يَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ، أَوْ يَخُرَّ مِنْ جَبَلٍ، أَوْ يُصِيبَهُ حَجَرٌ، أَوْ تُصِيبَهُ دَابَّةٌ، فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَدَرِ.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: ١١] أي: لا يسلب قوما نعمة حتى يعلموا معصية.
قال ابن عباس: يريد العذر فيما بينه وبين خلقه، ويعني بهذا أهل مكة.
وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا [الرعد: ١١] عذابا، فَلا مَرَدَّ لَهُ [الرعد: ١١] قال عطاء: يريد لا رادَّ لعذابي، ولا ناقض لحكمي.
وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد: ١١] يلي أمرهم ويمنع العذاب عنهم.
الرعد 13:10
عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ {٩ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ١٠ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ١١ } [الرعد: ٩-١١] عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الرعد: ٩] علم ما غاب عن جميع خلقه، وما شهده خلقه وعلموه، الكبير بمعنى العظيم، ومعناه يعود إلى كبر قدره واستحقاقه صفات العلو، وهو أكبر من كل كبير، لأن كل كبير يصغر بالإضافة إليه، وقوله المتعال قال الحسن: المتعالي عما يقول المشركون.
وقوله: سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ [الرعد: ١٠] أي: أخفاه وكتمه، وَمَنْ جَهَرَ بِهِ [الرعد: ١٠] أعلنه وأظهره، قال مجاهد: السر والجهر عنده سواء.
وقوله: وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد: ١٠] الظاهر، يقال: سربت الإبل تسرب سروبا، أي: مضت في الأرض ظاهرة حيث شاءت.
قال الزجاج: معنى الآية الجاهر بنطقه، والمضمر في نفسه، والظاهر في الطرقات، والمستخفي في الظلمات عِلْمُ الله فيهم جميعا سواء.
قوله: له معقبات المعقبات: المتناوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه، ويكون بدلا منه، وهم الملائكة الحفظة في قول عامة المفسرين.
قال شمر: هي الكائنات يأتي بعضها بعد ذهاب بعض.
قال الزجاج: المعقبات الملائكة يأتي بعضهم بعقب بعض.
قال الفراء: المعقبات ذكر أن
جمع ملائكة معقبة، ثم جمعت معقبة معقبات، والذي يدل على التذكير قوله: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد: ١١].
قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، ومجاهد: المعقبات الملائكة الحفظة.
يدل على صحة هذا ما:
٤٨٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَلامٍ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ قَتَادَةُ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسَأْلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ، كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: «تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ»، وَمَعْنَى الآيَةِ: لِلَّهِ مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ تَتَعَاقَبُ فِي النُّزُولِ إِلَى الأَرْضِ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ الإِنْسَانِ وَمِنْ خَلْفِهِمْ
وقوله: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد: ١١] ذكر الفراء في هذا قولين، أحدهما: أنه على التقديم والتأخير، وتقديره: له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه.
والثاني: إن هذا على إضمار أن ذلك الحفظ من أمر الله، أي: مما أمر الله به، ونحو هذا قال الزجاج، قال: المعنى حفظهم إياه من أمر الله، أي: مما أمرهم الله به، لا أنهم يقدرون أن يدفعوا أمر الله.
وقال ابن الأنباري: وفي هذا قول آخر وهو: أن من بمعنى الباء، والتأويل: يحفظونه بأمر الله، وهذا قول مجاهد، وعطاء، والحسن، وقتادة، قالوا: يحفظونه بأمر الله.
وقال السدي: يحفظونه من أمر الله إلى أمر الله، مما لم يُقَدِّرِ اللهُ إلى ما قَدَّرَ اللهُ، وقال كعب: لولا أن الله وَكَّلَ بهم ملائكة يَذُبُّونَ عنكم، لتخطفتكم الجن.
٤٨٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا زِيَادٌ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنَامُ إلا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ وُكَلاءَ مِنَ الْمَلائِكَةِ يَحْفَظُونَهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْهَوَامِّ، فَإِذَا أَرَادُوهُ بِشَيْءٍ، قَالُوا: وَرَاءَكَ وَرَاءَكَ، إلا شَيْئًا قَدْ قَضَى لَهُ أَنْ يُصِيبَهُ.
٤٨٨ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أَخْبَرَهُمْ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، نا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي جُنْدُبٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ بِصِفِّينَ فَأَقْبَلَ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مُتَوَكِّئًا عَلَى عَنْزَةٍ لَهُ، بَعْدَ مَا اخْتَلَطَ الظَّلامُ، فَقَالَ سَعِيدٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا تَخَافُ أَنْ يَغْتَالَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَمَعَهُ مِنَ اللَّهِ حَفَظَةٌ مِنْ أَنْ يَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ، أَوْ يَخُرَّ مِنْ جَبَلٍ، أَوْ يُصِيبَهُ حَجَرٌ، أَوْ تُصِيبَهُ دَابَّةٌ، فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَدَرِ.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: ١١] أي: لا يسلب قوما نعمة حتى يعلموا معصية.
قال ابن عباس: يريد العذر فيما بينه وبين خلقه، ويعني بهذا أهل مكة.
وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا [الرعد: ١١] عذابا، فَلا مَرَدَّ لَهُ [الرعد: ١١] قال عطاء: يريد لا رادَّ لعذابي، ولا ناقض لحكمي.
وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد: ١١] يلي أمرهم ويمنع العذاب عنهم.
الرعد 13:11
عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ {٩ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ١٠ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ١١ } [الرعد: ٩-١١] عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الرعد: ٩] علم ما غاب عن جميع خلقه، وما شهده خلقه وعلموه، الكبير بمعنى العظيم، ومعناه يعود إلى كبر قدره واستحقاقه صفات العلو، وهو أكبر من كل كبير، لأن كل كبير يصغر بالإضافة إليه، وقوله المتعال قال الحسن: المتعالي عما يقول المشركون.
وقوله: سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ [الرعد: ١٠] أي: أخفاه وكتمه، وَمَنْ جَهَرَ بِهِ [الرعد: ١٠] أعلنه وأظهره، قال مجاهد: السر والجهر عنده سواء.
وقوله: وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد: ١٠] الظاهر، يقال: سربت الإبل تسرب سروبا، أي: مضت في الأرض ظاهرة حيث شاءت.
قال الزجاج: معنى الآية الجاهر بنطقه، والمضمر في نفسه، والظاهر في الطرقات، والمستخفي في الظلمات عِلْمُ الله فيهم جميعا سواء.
قوله: له معقبات المعقبات: المتناوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه، ويكون بدلا منه، وهم الملائكة الحفظة في قول عامة المفسرين.
قال شمر: هي الكائنات يأتي بعضها بعد ذهاب بعض.
قال الزجاج: المعقبات الملائكة يأتي بعضهم بعقب بعض.
قال الفراء: المعقبات ذكر أن
جمع ملائكة معقبة، ثم جمعت معقبة معقبات، والذي يدل على التذكير قوله: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد: ١١].
قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، ومجاهد: المعقبات الملائكة الحفظة.
يدل على صحة هذا ما:
٤٨٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَلامٍ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ قَتَادَةُ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسَأْلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ، كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: «تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ»، وَمَعْنَى الآيَةِ: لِلَّهِ مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ تَتَعَاقَبُ فِي النُّزُولِ إِلَى الأَرْضِ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ الإِنْسَانِ وَمِنْ خَلْفِهِمْ
وقوله: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد: ١١] ذكر الفراء في هذا قولين، أحدهما: أنه على التقديم والتأخير، وتقديره: له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه.
والثاني: إن هذا على إضمار أن ذلك الحفظ من أمر الله، أي: مما أمر الله به، ونحو هذا قال الزجاج، قال: المعنى حفظهم إياه من أمر الله، أي: مما أمرهم الله به، لا أنهم يقدرون أن يدفعوا أمر الله.
وقال ابن الأنباري: وفي هذا قول آخر وهو: أن من بمعنى الباء، والتأويل: يحفظونه بأمر الله، وهذا قول مجاهد، وعطاء، والحسن، وقتادة، قالوا: يحفظونه بأمر الله.
وقال السدي: يحفظونه من أمر الله إلى أمر الله، مما لم يُقَدِّرِ اللهُ إلى ما قَدَّرَ اللهُ، وقال كعب: لولا أن الله وَكَّلَ بهم ملائكة يَذُبُّونَ عنكم، لتخطفتكم الجن.
٤٨٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا زِيَادٌ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنَامُ إلا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ وُكَلاءَ مِنَ الْمَلائِكَةِ يَحْفَظُونَهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْهَوَامِّ، فَإِذَا أَرَادُوهُ بِشَيْءٍ، قَالُوا: وَرَاءَكَ وَرَاءَكَ، إلا شَيْئًا قَدْ قَضَى لَهُ أَنْ يُصِيبَهُ.
٤٨٨ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أَخْبَرَهُمْ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، نا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي جُنْدُبٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ بِصِفِّينَ فَأَقْبَلَ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مُتَوَكِّئًا عَلَى عَنْزَةٍ لَهُ، بَعْدَ مَا اخْتَلَطَ الظَّلامُ، فَقَالَ سَعِيدٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا تَخَافُ أَنْ يَغْتَالَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَمَعَهُ مِنَ اللَّهِ حَفَظَةٌ مِنْ أَنْ يَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ، أَوْ يَخُرَّ مِنْ جَبَلٍ، أَوْ يُصِيبَهُ حَجَرٌ، أَوْ تُصِيبَهُ دَابَّةٌ، فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَدَرِ.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: ١١] أي: لا يسلب قوما نعمة حتى يعلموا معصية.
قال ابن عباس: يريد العذر فيما بينه وبين خلقه، ويعني بهذا أهل مكة.
وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا [الرعد: ١١] عذابا، فَلا مَرَدَّ لَهُ [الرعد: ١١] قال عطاء: يريد لا رادَّ لعذابي، ولا ناقض لحكمي.
وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد: ١١] يلي أمرهم ويمنع العذاب عنهم.
الرعد 13:12
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ {١٢ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ١٣ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ١٤ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ١٥ } [الرعد: ١٢-١٥] قوله: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا [الرعد: ١٢] قال قتادة: خوفا للمسافر، وطمعا للمقيم.
قال الزجاج: الخوف للمسافر لما يتأذى به من المطر، والطمع للحاضر لأنه إذا رأى البرق طمع في المطر الذي هو سبب الخصب.
وينشئ يخلق، السَّحَابَ الثِّقَالَ [الرعد: ١٢] بالماء.
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ [الرعد: ١٣] قال ابن عباس: سألت اليهود رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالوا: أخبرنا عن الرعد ما هو؟ فقال: «الرعد ملك من ملائكة الله عز وجل، موكل بالسحاب، معه مخاريق، يسوق بها السحاب حيث يشاء الله».
قالوا: فما الصوت الذي يسمع؟ قال: «زجره بالسحاب إذا زجر حتى ينتهي إلى حيث ما أمر».
وقال مجاهد: الرعد صوت ملك يسبح.
وكان عبد الله بن الزبير جالسا يحدث أصحابه، فسمع صوت الرعد، فترك الحديث، وقال: سبحان من سبحت له، وقال: إن هذا وعيد لأهل الأرض شديد.
وروى أبو هريرة، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: " إن ربكم تبارك وتعالى يقول: لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس
بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد ".
وقوله: وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ [الرعد: ١٣] يعني ويسبح الملائكة من خيفة الله وخشيته، قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله وليس كخوف ابن آدم، لا يعرف أحدهم من على يمينه ومن على يساره، لا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.
وقوله: وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ [الرعد: ١٣] قال المفسرون: نزلت في أربد، وعامر بن الطفيل، أتيا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخاصمانه ويريدان الفتك به، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهم اكفنيهما بما شئت».
فأرسل الله عز وجل صاعقة على أربد في يوم صائف صاح فأحرقته، وولى عامر هاربا.
وقوله: وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ [الرعد: ١٣] قال ابن عباس: يكذبون بعظمة الله.
وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ [الرعد: ١٣] قال مجاهد، والسدي: المحال القوة.
أي: شديد القوة.
وقال الزجاج: يقال: ماحلته محالا إذا قاويته حتى يتبين أيكما أشد، والمحل في اللغة الشدة.
قوله: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ [الرعد: ١٤] المراد بدعوة الحق ههنا كلمة التوحيد والإخلاص، والمعنى: لله من خلقه الدعوة الحق، وأضيفت الدعوة إلى الحق لاختلاف اللفظين.
٤٨٩ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُصَيْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ،
قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: اللَّهُ الْحَقُّ، فَمَنْ دَعَاهُ دَعَا الْحَقَّ
وقوله: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ [الرعد: ١٤] يعني الأصنام يدعونها المشركون من دون الله، لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ [الرعد: ١٤] قال الزجاج: إلا كما يستجاب للذي يبسط كفيه إلى الماء يدعو الماء إلى فيه، والماء لا يستجيب.
أعلم الله أن دعاءهم الأصنام كدعاء العطشان الماء إلى بلوغ فمه، وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ [الرعد: ١٤] وما الماء ببالغ فاه بدعوته إياه، قال الكلبي: كماد يده إلى الماء من مكان بعيد، فلا يبلغه، ولا يبلغ الماء فاه.
وقال عطاء: كالرجل العطشان الجالس على شفير البئر، يمد يده إلى البئر فلا يبلغ قعر البئر، والماء لا يرتفع إلى يده.
قوله: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ [الرعد: ١٤] قال ابن عباس: يريد عبادة الكافرين الأصنام.
إِلا فِي ضَلالٍ [الرعد: ١٤] بطلان وزوال.
قوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا [الرعد: ١٥] يعني الملائكة والمؤمنين، وكرها يعني من أُكْرِهَ على السجود من الكافرين والمنافقين، هذا قول المفسرين.
وقال أهل المعاني: سجود الكاره تذلّله وانقياده لما يريده الله منه من عاقبة ومرض، وغنى وفقر، وحياة وموت، فالكافر في حكم الساجد لله من هذا الوجه.
ومعنى السجود في اللغة التذلل والخضوع، وهذا كقوله: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران: ٨٣]، وقوله: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [الرعد: ١٥] قال المفسرون: كل شخص مؤمن أو كافر، فإن ظله يسجد لله تعالى.
قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعا وهو كاره.
وقال أهل المعاني: سجود الظلال تمايلها من جانب إلى جانب، وانقيادها للتسخير بالطول والقصر.
الرعد 13:13
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ {١٢ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ١٣ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ١٤ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ١٥ } [الرعد: ١٢-١٥] قوله: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا [الرعد: ١٢] قال قتادة: خوفا للمسافر، وطمعا للمقيم.
قال الزجاج: الخوف للمسافر لما يتأذى به من المطر، والطمع للحاضر لأنه إذا رأى البرق طمع في المطر الذي هو سبب الخصب.
وينشئ يخلق، السَّحَابَ الثِّقَالَ [الرعد: ١٢] بالماء.
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ [الرعد: ١٣] قال ابن عباس: سألت اليهود رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالوا: أخبرنا عن الرعد ما هو؟ فقال: «الرعد ملك من ملائكة الله عز وجل، موكل بالسحاب، معه مخاريق، يسوق بها السحاب حيث يشاء الله».
قالوا: فما الصوت الذي يسمع؟ قال: «زجره بالسحاب إذا زجر حتى ينتهي إلى حيث ما أمر».
وقال مجاهد: الرعد صوت ملك يسبح.
وكان عبد الله بن الزبير جالسا يحدث أصحابه، فسمع صوت الرعد، فترك الحديث، وقال: سبحان من سبحت له، وقال: إن هذا وعيد لأهل الأرض شديد.
وروى أبو هريرة، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: " إن ربكم تبارك وتعالى يقول: لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس
بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد ".
وقوله: وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ [الرعد: ١٣] يعني ويسبح الملائكة من خيفة الله وخشيته، قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله وليس كخوف ابن آدم، لا يعرف أحدهم من على يمينه ومن على يساره، لا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.
وقوله: وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ [الرعد: ١٣] قال المفسرون: نزلت في أربد، وعامر بن الطفيل، أتيا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخاصمانه ويريدان الفتك به، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهم اكفنيهما بما شئت».
فأرسل الله عز وجل صاعقة على أربد في يوم صائف صاح فأحرقته، وولى عامر هاربا.
وقوله: وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ [الرعد: ١٣] قال ابن عباس: يكذبون بعظمة الله.
وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ [الرعد: ١٣] قال مجاهد، والسدي: المحال القوة.
أي: شديد القوة.
وقال الزجاج: يقال: ماحلته محالا إذا قاويته حتى يتبين أيكما أشد، والمحل في اللغة الشدة.
قوله: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ [الرعد: ١٤] المراد بدعوة الحق ههنا كلمة التوحيد والإخلاص، والمعنى: لله من خلقه الدعوة الحق، وأضيفت الدعوة إلى الحق لاختلاف اللفظين.
٤٨٩ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُصَيْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ،
قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: اللَّهُ الْحَقُّ، فَمَنْ دَعَاهُ دَعَا الْحَقَّ
وقوله: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ [الرعد: ١٤] يعني الأصنام يدعونها المشركون من دون الله، لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ [الرعد: ١٤] قال الزجاج: إلا كما يستجاب للذي يبسط كفيه إلى الماء يدعو الماء إلى فيه، والماء لا يستجيب.
أعلم الله أن دعاءهم الأصنام كدعاء العطشان الماء إلى بلوغ فمه، وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ [الرعد: ١٤] وما الماء ببالغ فاه بدعوته إياه، قال الكلبي: كماد يده إلى الماء من مكان بعيد، فلا يبلغه، ولا يبلغ الماء فاه.
وقال عطاء: كالرجل العطشان الجالس على شفير البئر، يمد يده إلى البئر فلا يبلغ قعر البئر، والماء لا يرتفع إلى يده.
قوله: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ [الرعد: ١٤] قال ابن عباس: يريد عبادة الكافرين الأصنام.
إِلا فِي ضَلالٍ [الرعد: ١٤] بطلان وزوال.
قوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا [الرعد: ١٥] يعني الملائكة والمؤمنين، وكرها يعني من أُكْرِهَ على السجود من الكافرين والمنافقين، هذا قول المفسرين.
وقال أهل المعاني: سجود الكاره تذلّله وانقياده لما يريده الله منه من عاقبة ومرض، وغنى وفقر، وحياة وموت، فالكافر في حكم الساجد لله من هذا الوجه.
ومعنى السجود في اللغة التذلل والخضوع، وهذا كقوله: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران: ٨٣]، وقوله: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [الرعد: ١٥] قال المفسرون: كل شخص مؤمن أو كافر، فإن ظله يسجد لله تعالى.
قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعا وهو كاره.
وقال أهل المعاني: سجود الظلال تمايلها من جانب إلى جانب، وانقيادها للتسخير بالطول والقصر.
الرعد 13:14
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ {١٢ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ١٣ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ١٤ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ١٥ } [الرعد: ١٢-١٥] قوله: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا [الرعد: ١٢] قال قتادة: خوفا للمسافر، وطمعا للمقيم.
قال الزجاج: الخوف للمسافر لما يتأذى به من المطر، والطمع للحاضر لأنه إذا رأى البرق طمع في المطر الذي هو سبب الخصب.
وينشئ يخلق، السَّحَابَ الثِّقَالَ [الرعد: ١٢] بالماء.
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ [الرعد: ١٣] قال ابن عباس: سألت اليهود رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالوا: أخبرنا عن الرعد ما هو؟ فقال: «الرعد ملك من ملائكة الله عز وجل، موكل بالسحاب، معه مخاريق، يسوق بها السحاب حيث يشاء الله».
قالوا: فما الصوت الذي يسمع؟ قال: «زجره بالسحاب إذا زجر حتى ينتهي إلى حيث ما أمر».
وقال مجاهد: الرعد صوت ملك يسبح.
وكان عبد الله بن الزبير جالسا يحدث أصحابه، فسمع صوت الرعد، فترك الحديث، وقال: سبحان من سبحت له، وقال: إن هذا وعيد لأهل الأرض شديد.
وروى أبو هريرة، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: " إن ربكم تبارك وتعالى يقول: لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس
بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد ".
وقوله: وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ [الرعد: ١٣] يعني ويسبح الملائكة من خيفة الله وخشيته، قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله وليس كخوف ابن آدم، لا يعرف أحدهم من على يمينه ومن على يساره، لا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.
وقوله: وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ [الرعد: ١٣] قال المفسرون: نزلت في أربد، وعامر بن الطفيل، أتيا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخاصمانه ويريدان الفتك به، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهم اكفنيهما بما شئت».
فأرسل الله عز وجل صاعقة على أربد في يوم صائف صاح فأحرقته، وولى عامر هاربا.
وقوله: وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ [الرعد: ١٣] قال ابن عباس: يكذبون بعظمة الله.
وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ [الرعد: ١٣] قال مجاهد، والسدي: المحال القوة.
أي: شديد القوة.
وقال الزجاج: يقال: ماحلته محالا إذا قاويته حتى يتبين أيكما أشد، والمحل في اللغة الشدة.
قوله: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ [الرعد: ١٤] المراد بدعوة الحق ههنا كلمة التوحيد والإخلاص، والمعنى: لله من خلقه الدعوة الحق، وأضيفت الدعوة إلى الحق لاختلاف اللفظين.
٤٨٩ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُصَيْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ،
قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: اللَّهُ الْحَقُّ، فَمَنْ دَعَاهُ دَعَا الْحَقَّ
وقوله: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ [الرعد: ١٤] يعني الأصنام يدعونها المشركون من دون الله، لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ [الرعد: ١٤] قال الزجاج: إلا كما يستجاب للذي يبسط كفيه إلى الماء يدعو الماء إلى فيه، والماء لا يستجيب.
أعلم الله أن دعاءهم الأصنام كدعاء العطشان الماء إلى بلوغ فمه، وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ [الرعد: ١٤] وما الماء ببالغ فاه بدعوته إياه، قال الكلبي: كماد يده إلى الماء من مكان بعيد، فلا يبلغه، ولا يبلغ الماء فاه.
وقال عطاء: كالرجل العطشان الجالس على شفير البئر، يمد يده إلى البئر فلا يبلغ قعر البئر، والماء لا يرتفع إلى يده.
قوله: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ [الرعد: ١٤] قال ابن عباس: يريد عبادة الكافرين الأصنام.
إِلا فِي ضَلالٍ [الرعد: ١٤] بطلان وزوال.
قوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا [الرعد: ١٥] يعني الملائكة والمؤمنين، وكرها يعني من أُكْرِهَ على السجود من الكافرين والمنافقين، هذا قول المفسرين.
وقال أهل المعاني: سجود الكاره تذلّله وانقياده لما يريده الله منه من عاقبة ومرض، وغنى وفقر، وحياة وموت، فالكافر في حكم الساجد لله من هذا الوجه.
ومعنى السجود في اللغة التذلل والخضوع، وهذا كقوله: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران: ٨٣]، وقوله: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [الرعد: ١٥] قال المفسرون: كل شخص مؤمن أو كافر، فإن ظله يسجد لله تعالى.
قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعا وهو كاره.
وقال أهل المعاني: سجود الظلال تمايلها من جانب إلى جانب، وانقيادها للتسخير بالطول والقصر.
الرعد 13:15
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ {١٢ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ١٣ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ١٤ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ١٥ } [الرعد: ١٢-١٥] قوله: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا [الرعد: ١٢] قال قتادة: خوفا للمسافر، وطمعا للمقيم.
قال الزجاج: الخوف للمسافر لما يتأذى به من المطر، والطمع للحاضر لأنه إذا رأى البرق طمع في المطر الذي هو سبب الخصب.
وينشئ يخلق، السَّحَابَ الثِّقَالَ [الرعد: ١٢] بالماء.
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ [الرعد: ١٣] قال ابن عباس: سألت اليهود رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالوا: أخبرنا عن الرعد ما هو؟ فقال: «الرعد ملك من ملائكة الله عز وجل، موكل بالسحاب، معه مخاريق، يسوق بها السحاب حيث يشاء الله».
قالوا: فما الصوت الذي يسمع؟ قال: «زجره بالسحاب إذا زجر حتى ينتهي إلى حيث ما أمر».
وقال مجاهد: الرعد صوت ملك يسبح.
وكان عبد الله بن الزبير جالسا يحدث أصحابه، فسمع صوت الرعد، فترك الحديث، وقال: سبحان من سبحت له، وقال: إن هذا وعيد لأهل الأرض شديد.
وروى أبو هريرة، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: " إن ربكم تبارك وتعالى يقول: لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس
بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد ".
وقوله: وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ [الرعد: ١٣] يعني ويسبح الملائكة من خيفة الله وخشيته، قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله وليس كخوف ابن آدم، لا يعرف أحدهم من على يمينه ومن على يساره، لا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.
وقوله: وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ [الرعد: ١٣] قال المفسرون: نزلت في أربد، وعامر بن الطفيل، أتيا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخاصمانه ويريدان الفتك به، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهم اكفنيهما بما شئت».
فأرسل الله عز وجل صاعقة على أربد في يوم صائف صاح فأحرقته، وولى عامر هاربا.
وقوله: وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ [الرعد: ١٣] قال ابن عباس: يكذبون بعظمة الله.
وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ [الرعد: ١٣] قال مجاهد، والسدي: المحال القوة.
أي: شديد القوة.
وقال الزجاج: يقال: ماحلته محالا إذا قاويته حتى يتبين أيكما أشد، والمحل في اللغة الشدة.
قوله: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ [الرعد: ١٤] المراد بدعوة الحق ههنا كلمة التوحيد والإخلاص، والمعنى: لله من خلقه الدعوة الحق، وأضيفت الدعوة إلى الحق لاختلاف اللفظين.
٤٨٩ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُصَيْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ،
قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: اللَّهُ الْحَقُّ، فَمَنْ دَعَاهُ دَعَا الْحَقَّ
وقوله: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ [الرعد: ١٤] يعني الأصنام يدعونها المشركون من دون الله، لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ [الرعد: ١٤] قال الزجاج: إلا كما يستجاب للذي يبسط كفيه إلى الماء يدعو الماء إلى فيه، والماء لا يستجيب.
أعلم الله أن دعاءهم الأصنام كدعاء العطشان الماء إلى بلوغ فمه، وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ [الرعد: ١٤] وما الماء ببالغ فاه بدعوته إياه، قال الكلبي: كماد يده إلى الماء من مكان بعيد، فلا يبلغه، ولا يبلغ الماء فاه.
وقال عطاء: كالرجل العطشان الجالس على شفير البئر، يمد يده إلى البئر فلا يبلغ قعر البئر، والماء لا يرتفع إلى يده.
قوله: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ [الرعد: ١٤] قال ابن عباس: يريد عبادة الكافرين الأصنام.
إِلا فِي ضَلالٍ [الرعد: ١٤] بطلان وزوال.
قوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا [الرعد: ١٥] يعني الملائكة والمؤمنين، وكرها يعني من أُكْرِهَ على السجود من الكافرين والمنافقين، هذا قول المفسرين.
وقال أهل المعاني: سجود الكاره تذلّله وانقياده لما يريده الله منه من عاقبة ومرض، وغنى وفقر، وحياة وموت، فالكافر في حكم الساجد لله من هذا الوجه.
ومعنى السجود في اللغة التذلل والخضوع، وهذا كقوله: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران: ٨٣]، وقوله: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [الرعد: ١٥] قال المفسرون: كل شخص مؤمن أو كافر، فإن ظله يسجد لله تعالى.
قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعا وهو كاره.
وقال أهل المعاني: سجود الظلال تمايلها من جانب إلى جانب، وانقيادها للتسخير بالطول والقصر.
الرعد 13:16
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ {١٦ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ ١٧ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ١٨ } [الرعد: ١٦-١٨] قوله: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ [الرعد: ١٦] السؤال والجواب جاء من جهة واحدة، لأن المشركين لا ينكرون أن الله خالق السموات والأرض والمخلوقات كلها، كقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧] فإذا أجاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله:
الله، لم ينكروا، ويصيروا كأنهم قالوا ذلك، ثم ألزمهم الحجة، فقال: قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الرعد: ١٦] قال ابن عباس: توليتم غير رب السماء والأرض أصناما.
لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فكيف لغيرهم؟ ثم ضرب مثلا للذي يعبد الأصنام، وللذي يعبد الله، فقال: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ [الرعد: ١٦] يعني المشرك والمؤمن، أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ [الرعد: ١٦] يعني الشرك والإيمان، وقوله: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ [الرعد: ١٦] قال ابن الأنباري: معناه أجعلوا لله شركاء خلقوا مثل ما خلق الله فتشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم؟ وهذا استفهام إنكار، أي: ليس الأمر على هذا حتى يشتبه الأمر، بل إذا فكروا بعقولهم وجدوا الله هو المنفرد بالخلق، وسائر الشركاء لا يخلقون خلقا يتشابه بخلق الله، وقوله: قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد: ١٦] قال الزجاج: قل ذلك وبينه بما أخبرت به من الدلالة في هذه ال [مما يدل على أنه خالق كل شيء.
والمعنى: أنه خالق كل شيء مما يصح أن يكن مخلوقا، ألا ترى أنه هو شيء وهو غير مخلوق؟ قوله:] أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [سورة الرعد: ١٧] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد قرآنا، وهو مَثَلٌ ضربه الله تعالى.
فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا [الرعد: ١٧] أودية جمع واد، وهو كل منفرج بين جبلين، يجتمع إليه ماء المطر فيسيل، والقدر والقدر مبلغ الشيء.
والمعنى: بقدرها من الماء، فإن صغر الوادي قل الماء، وإن اتسع كثر، قال ابن الأنباري: شبه نزول القرآن الجامع للهدى والبيان بنزول المطر إذ نفع نزول القرآن يعم، كعموم نفع نزول المطر، وشبه الأودية بالقلوب، إذ الأودية يستكن فيها الماء كما يستكن الإيمان والقرآن في قلوب المؤمنين، وقوله فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا [الرعد: ١٧] طافيا عاليا فوق الماء، قال ابن عباس: هو الشك والكفر.
ثم ضرب مثلا آخر، فقال: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ [الرعد: ١٧] يعني: ما يذاب من الجواهر فيدخل النار ويوقد عليها، ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ [الرعد: ١٧] يعني: الذهب والفضة، أو متاع يعني: الحديد والصفر والنحاس والرصاص، تتخذ منها الأواني والأشياء التي ينتفع بها، وقوله: زبد مثله أي: زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل، كَذَلِكَ كما ذكر من هذه الأشياء، يضرب الله مثل، الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً [الرعد: ١٧] والجفاء ما جافاه الوادي، أي: رمى به، قال الفراء: الجفاء الرمي، يقال: جفا الوادي غثاء جفاء إذا رماه، والجفاء بمنزلة الغثاء.
وهذان مثلان ضربهما الله للحق والباطل، يقول: الباطل، وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلاه، فإن الله سيمحقه ويبطله، ويجعل العاقبة للحق وأهله، كالزبد الذي يعلو الماء فيلقيه الماء ويضمحل، وكخبث هذه الجواهر يقذفه الكير، وهذا مثل الباطل، وأما الماء الذي ينفع الناس وينبت المرعى فيمكث في الأرض، وكذلك الصفو من الجواهر يبقى خالصا لا شوب فيه، وهو مثل الحق.
قال الزجاج: فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان، كمثل هذا الماء المستنفع به من نبات الأرض وحياة كل شيء، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر،
لأنها كلها تبقى منتفعا بها، ومثل الكافر وكفره، كمثل هذا الزبد الذي يذهب جفاء، وكمثل خبث الحديد، وما يخرجه الناس من وسخ الفضة والذهب الذي لا ينتفع به.
قوله: لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ [الرعد: ١٨] أي: أجابوه إلى ما دعاهم إليه من توحيده وشريعته، الحسنى الجنة، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ [الرعد: ١٨] إلى قوله: لافْتَدَوْا بِهِ [الرعد: ١٨] أي: لجعلوه فداء أنفسهم من العذاب، وقوله: أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ [الرعد: ١٨] قال المفسرون: هو ألا يقبل منهم حسنة، ولا يتجاوز عن سيئة.
٤٩٠ - أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ، أنا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّوفِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يَا فَرْقَدُ، أَتَدْرِي مَا سُوءُ الْحِسَابِ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا.
قَالَ: هُوَ أَنْ يُحَاسَبَ الْرَجُلُ بِذَنْبِهِ كُلِّهِ، لا يُغْفَرُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ.
الرعد 13:17
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ {١٦ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ ١٧ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ١٨ } [الرعد: ١٦-١٨] قوله: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ [الرعد: ١٦] السؤال والجواب جاء من جهة واحدة، لأن المشركين لا ينكرون أن الله خالق السموات والأرض والمخلوقات كلها، كقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧] فإذا أجاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله:
الله، لم ينكروا، ويصيروا كأنهم قالوا ذلك، ثم ألزمهم الحجة، فقال: قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الرعد: ١٦] قال ابن عباس: توليتم غير رب السماء والأرض أصناما.
لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فكيف لغيرهم؟ ثم ضرب مثلا للذي يعبد الأصنام، وللذي يعبد الله، فقال: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ [الرعد: ١٦] يعني المشرك والمؤمن، أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ [الرعد: ١٦] يعني الشرك والإيمان، وقوله: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ [الرعد: ١٦] قال ابن الأنباري: معناه أجعلوا لله شركاء خلقوا مثل ما خلق الله فتشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم؟ وهذا استفهام إنكار، أي: ليس الأمر على هذا حتى يشتبه الأمر، بل إذا فكروا بعقولهم وجدوا الله هو المنفرد بالخلق، وسائر الشركاء لا يخلقون خلقا يتشابه بخلق الله، وقوله: قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد: ١٦] قال الزجاج: قل ذلك وبينه بما أخبرت به من الدلالة في هذه ال [مما يدل على أنه خالق كل شيء.
والمعنى: أنه خالق كل شيء مما يصح أن يكن مخلوقا، ألا ترى أنه هو شيء وهو غير مخلوق؟ قوله:] أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [سورة الرعد: ١٧] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد قرآنا، وهو مَثَلٌ ضربه الله تعالى.
فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا [الرعد: ١٧] أودية جمع واد، وهو كل منفرج بين جبلين، يجتمع إليه ماء المطر فيسيل، والقدر والقدر مبلغ الشيء.
والمعنى: بقدرها من الماء، فإن صغر الوادي قل الماء، وإن اتسع كثر، قال ابن الأنباري: شبه نزول القرآن الجامع للهدى والبيان بنزول المطر إذ نفع نزول القرآن يعم، كعموم نفع نزول المطر، وشبه الأودية بالقلوب، إذ الأودية يستكن فيها الماء كما يستكن الإيمان والقرآن في قلوب المؤمنين، وقوله فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا [الرعد: ١٧] طافيا عاليا فوق الماء، قال ابن عباس: هو الشك والكفر.
ثم ضرب مثلا آخر، فقال: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ [الرعد: ١٧] يعني: ما يذاب من الجواهر فيدخل النار ويوقد عليها، ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ [الرعد: ١٧] يعني: الذهب والفضة، أو متاع يعني: الحديد والصفر والنحاس والرصاص، تتخذ منها الأواني والأشياء التي ينتفع بها، وقوله: زبد مثله أي: زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل، كَذَلِكَ كما ذكر من هذه الأشياء، يضرب الله مثل، الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً [الرعد: ١٧] والجفاء ما جافاه الوادي، أي: رمى به، قال الفراء: الجفاء الرمي، يقال: جفا الوادي غثاء جفاء إذا رماه، والجفاء بمنزلة الغثاء.
وهذان مثلان ضربهما الله للحق والباطل، يقول: الباطل، وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلاه، فإن الله سيمحقه ويبطله، ويجعل العاقبة للحق وأهله، كالزبد الذي يعلو الماء فيلقيه الماء ويضمحل، وكخبث هذه الجواهر يقذفه الكير، وهذا مثل الباطل، وأما الماء الذي ينفع الناس وينبت المرعى فيمكث في الأرض، وكذلك الصفو من الجواهر يبقى خالصا لا شوب فيه، وهو مثل الحق.
قال الزجاج: فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان، كمثل هذا الماء المستنفع به من نبات الأرض وحياة كل شيء، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر،
لأنها كلها تبقى منتفعا بها، ومثل الكافر وكفره، كمثل هذا الزبد الذي يذهب جفاء، وكمثل خبث الحديد، وما يخرجه الناس من وسخ الفضة والذهب الذي لا ينتفع به.
قوله: لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ [الرعد: ١٨] أي: أجابوه إلى ما دعاهم إليه من توحيده وشريعته، الحسنى الجنة، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ [الرعد: ١٨] إلى قوله: لافْتَدَوْا بِهِ [الرعد: ١٨] أي: لجعلوه فداء أنفسهم من العذاب، وقوله: أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ [الرعد: ١٨] قال المفسرون: هو ألا يقبل منهم حسنة، ولا يتجاوز عن سيئة.
٤٩٠ - أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ، أنا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّوفِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يَا فَرْقَدُ، أَتَدْرِي مَا سُوءُ الْحِسَابِ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا.
قَالَ: هُوَ أَنْ يُحَاسَبَ الْرَجُلُ بِذَنْبِهِ كُلِّهِ، لا يُغْفَرُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ.
الرعد 13:18
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ {١٦ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ ١٧ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ١٨ } [الرعد: ١٦-١٨] قوله: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ [الرعد: ١٦] السؤال والجواب جاء من جهة واحدة، لأن المشركين لا ينكرون أن الله خالق السموات والأرض والمخلوقات كلها، كقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧] فإذا أجاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله:
الله، لم ينكروا، ويصيروا كأنهم قالوا ذلك، ثم ألزمهم الحجة، فقال: قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الرعد: ١٦] قال ابن عباس: توليتم غير رب السماء والأرض أصناما.
لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فكيف لغيرهم؟ ثم ضرب مثلا للذي يعبد الأصنام، وللذي يعبد الله، فقال: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ [الرعد: ١٦] يعني المشرك والمؤمن، أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ [الرعد: ١٦] يعني الشرك والإيمان، وقوله: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ [الرعد: ١٦] قال ابن الأنباري: معناه أجعلوا لله شركاء خلقوا مثل ما خلق الله فتشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم؟ وهذا استفهام إنكار، أي: ليس الأمر على هذا حتى يشتبه الأمر، بل إذا فكروا بعقولهم وجدوا الله هو المنفرد بالخلق، وسائر الشركاء لا يخلقون خلقا يتشابه بخلق الله، وقوله: قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد: ١٦] قال الزجاج: قل ذلك وبينه بما أخبرت به من الدلالة في هذه ال [مما يدل على أنه خالق كل شيء.
والمعنى: أنه خالق كل شيء مما يصح أن يكن مخلوقا، ألا ترى أنه هو شيء وهو غير مخلوق؟ قوله:] أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [سورة الرعد: ١٧] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد قرآنا، وهو مَثَلٌ ضربه الله تعالى.
فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا [الرعد: ١٧] أودية جمع واد، وهو كل منفرج بين جبلين، يجتمع إليه ماء المطر فيسيل، والقدر والقدر مبلغ الشيء.
والمعنى: بقدرها من الماء، فإن صغر الوادي قل الماء، وإن اتسع كثر، قال ابن الأنباري: شبه نزول القرآن الجامع للهدى والبيان بنزول المطر إذ نفع نزول القرآن يعم، كعموم نفع نزول المطر، وشبه الأودية بالقلوب، إذ الأودية يستكن فيها الماء كما يستكن الإيمان والقرآن في قلوب المؤمنين، وقوله فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا [الرعد: ١٧] طافيا عاليا فوق الماء، قال ابن عباس: هو الشك والكفر.
ثم ضرب مثلا آخر، فقال: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ [الرعد: ١٧] يعني: ما يذاب من الجواهر فيدخل النار ويوقد عليها، ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ [الرعد: ١٧] يعني: الذهب والفضة، أو متاع يعني: الحديد والصفر والنحاس والرصاص، تتخذ منها الأواني والأشياء التي ينتفع بها، وقوله: زبد مثله أي: زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل، كَذَلِكَ كما ذكر من هذه الأشياء، يضرب الله مثل، الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً [الرعد: ١٧] والجفاء ما جافاه الوادي، أي: رمى به، قال الفراء: الجفاء الرمي، يقال: جفا الوادي غثاء جفاء إذا رماه، والجفاء بمنزلة الغثاء.
وهذان مثلان ضربهما الله للحق والباطل، يقول: الباطل، وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلاه، فإن الله سيمحقه ويبطله، ويجعل العاقبة للحق وأهله، كالزبد الذي يعلو الماء فيلقيه الماء ويضمحل، وكخبث هذه الجواهر يقذفه الكير، وهذا مثل الباطل، وأما الماء الذي ينفع الناس وينبت المرعى فيمكث في الأرض، وكذلك الصفو من الجواهر يبقى خالصا لا شوب فيه، وهو مثل الحق.
قال الزجاج: فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان، كمثل هذا الماء المستنفع به من نبات الأرض وحياة كل شيء، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر،
لأنها كلها تبقى منتفعا بها، ومثل الكافر وكفره، كمثل هذا الزبد الذي يذهب جفاء، وكمثل خبث الحديد، وما يخرجه الناس من وسخ الفضة والذهب الذي لا ينتفع به.
قوله: لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ [الرعد: ١٨] أي: أجابوه إلى ما دعاهم إليه من توحيده وشريعته، الحسنى الجنة، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ [الرعد: ١٨] إلى قوله: لافْتَدَوْا بِهِ [الرعد: ١٨] أي: لجعلوه فداء أنفسهم من العذاب، وقوله: أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ [الرعد: ١٨] قال المفسرون: هو ألا يقبل منهم حسنة، ولا يتجاوز عن سيئة.
٤٩٠ - أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ، أنا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّوفِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يَا فَرْقَدُ، أَتَدْرِي مَا سُوءُ الْحِسَابِ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا.
قَالَ: هُوَ أَنْ يُحَاسَبَ الْرَجُلُ بِذَنْبِهِ كُلِّهِ، لا يُغْفَرُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ.
الرعد 13:19
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ {١٩ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ٢٠ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ٢١ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ٢٢ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ٢٣ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ٢٤ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ٢٥ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ ٢٦ } [الرعد: ١٩-٢٦] قوله: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [الرعد: ١٩] قال ابن عباس: نزلت في حمزة، وأبي جهل.
يعني: أن أبا جهل أعمى القلب، لا يهتدي إلى طريق الرشد، إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ [الرعد: ١٩] يتعظ ويتذكر ما رغب فيه من الجنة، أولو الألباب قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار.
ثم وصفهم، فقال: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ [الرعد: ٢٠] قال: يريد الذين عاهدهم عليه في صلب آدم.
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [الرعد: ٢١] يعني: الأرحام، وقال ابن عباس: يعني الإيمان بجميع الرسل.
وهو أن يصل بينهم بالإيمان بالجميع، كما أخبر عن المؤمنين في قولهم: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥].
وَالَّذِينَ صَبَرُوا [الرعد: ٢٢] أي: على دينهم، وما أمروا به من الطاعة، ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ [الرعد: ٢٢] طلب تعظيم الله، وقوله: وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد: ٢٢] قال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح الشر من العمل.
كما روي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال لمعاذ بن جبل: «إذا عملت سيئة فاعمل بجانبها حسنة تمحها».
وقال ابن كيسان: هو أنهم كلما أذنبوا تابوا، ليدفعوا بالتوبة معرة الذنب.
أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٢] قال ابن عباس: يريد عقابهم الجنة.
أي: تصير الجنة لهم آخر أمرهم، ثم بين ذلك، فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: ومن صدق بما صدقوا به.
وقال مجاهد: ومن آمن منهم، وذلك أن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله من إلحاقهم به في الجنة كرامة له كما قال: أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١].
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: بالتحية من الله، والتحفة، والهدايا.
ويقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد: ٢٤] أي: سلمكم الله من أهوال القيامة وشرها بصبركم في الدنيا على طاعته، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٤] ما أنتم فيه من الكرامة، أي: نعم عقبى الدار التي عملتم فيها ما أعقبكم هذه الكرامة.
قوله وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ [الرعد: ٢٥] مفسر إلى آخر الآية فيما سبق.
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد: ٢٦] يضيق ويقتر، كقوله: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق: ٧]، وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الرعد: ٢٦] قال ابن عباس: يريد مشركي مكة فرحوا بما نالوا من الدنيا، فطغوا وكذبوا الرسول.
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ [الرعد: ٢٦] أي: بالقياس إليها، إلا متاع أي: قليل ذاهب، كالشيء الذي يتمتع به ثم يفنى.
الرعد 13:20
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ {١٩ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ٢٠ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ٢١ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ٢٢ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ٢٣ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ٢٤ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ٢٥ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ ٢٦ } [الرعد: ١٩-٢٦] قوله: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [الرعد: ١٩] قال ابن عباس: نزلت في حمزة، وأبي جهل.
يعني: أن أبا جهل أعمى القلب، لا يهتدي إلى طريق الرشد، إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ [الرعد: ١٩] يتعظ ويتذكر ما رغب فيه من الجنة، أولو الألباب قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار.
ثم وصفهم، فقال: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ [الرعد: ٢٠] قال: يريد الذين عاهدهم عليه في صلب آدم.
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [الرعد: ٢١] يعني: الأرحام، وقال ابن عباس: يعني الإيمان بجميع الرسل.
وهو أن يصل بينهم بالإيمان بالجميع، كما أخبر عن المؤمنين في قولهم: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥].
وَالَّذِينَ صَبَرُوا [الرعد: ٢٢] أي: على دينهم، وما أمروا به من الطاعة، ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ [الرعد: ٢٢] طلب تعظيم الله، وقوله: وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد: ٢٢] قال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح الشر من العمل.
كما روي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال لمعاذ بن جبل: «إذا عملت سيئة فاعمل بجانبها حسنة تمحها».
وقال ابن كيسان: هو أنهم كلما أذنبوا تابوا، ليدفعوا بالتوبة معرة الذنب.
أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٢] قال ابن عباس: يريد عقابهم الجنة.
أي: تصير الجنة لهم آخر أمرهم، ثم بين ذلك، فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: ومن صدق بما صدقوا به.
وقال مجاهد: ومن آمن منهم، وذلك أن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله من إلحاقهم به في الجنة كرامة له كما قال: أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١].
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: بالتحية من الله، والتحفة، والهدايا.
ويقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد: ٢٤] أي: سلمكم الله من أهوال القيامة وشرها بصبركم في الدنيا على طاعته، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٤] ما أنتم فيه من الكرامة، أي: نعم عقبى الدار التي عملتم فيها ما أعقبكم هذه الكرامة.
قوله وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ [الرعد: ٢٥] مفسر إلى آخر الآية فيما سبق.
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد: ٢٦] يضيق ويقتر، كقوله: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق: ٧]، وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الرعد: ٢٦] قال ابن عباس: يريد مشركي مكة فرحوا بما نالوا من الدنيا، فطغوا وكذبوا الرسول.
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ [الرعد: ٢٦] أي: بالقياس إليها، إلا متاع أي: قليل ذاهب، كالشيء الذي يتمتع به ثم يفنى.
الرعد 13:21
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ {١٩ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ٢٠ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ٢١ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ٢٢ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ٢٣ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ٢٤ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ٢٥ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ ٢٦ } [الرعد: ١٩-٢٦] قوله: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [الرعد: ١٩] قال ابن عباس: نزلت في حمزة، وأبي جهل.
يعني: أن أبا جهل أعمى القلب، لا يهتدي إلى طريق الرشد، إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ [الرعد: ١٩] يتعظ ويتذكر ما رغب فيه من الجنة، أولو الألباب قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار.
ثم وصفهم، فقال: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ [الرعد: ٢٠] قال: يريد الذين عاهدهم عليه في صلب آدم.
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [الرعد: ٢١] يعني: الأرحام، وقال ابن عباس: يعني الإيمان بجميع الرسل.
وهو أن يصل بينهم بالإيمان بالجميع، كما أخبر عن المؤمنين في قولهم: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥].
وَالَّذِينَ صَبَرُوا [الرعد: ٢٢] أي: على دينهم، وما أمروا به من الطاعة، ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ [الرعد: ٢٢] طلب تعظيم الله، وقوله: وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد: ٢٢] قال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح الشر من العمل.
كما روي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال لمعاذ بن جبل: «إذا عملت سيئة فاعمل بجانبها حسنة تمحها».
وقال ابن كيسان: هو أنهم كلما أذنبوا تابوا، ليدفعوا بالتوبة معرة الذنب.
أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٢] قال ابن عباس: يريد عقابهم الجنة.
أي: تصير الجنة لهم آخر أمرهم، ثم بين ذلك، فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: ومن صدق بما صدقوا به.
وقال مجاهد: ومن آمن منهم، وذلك أن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله من إلحاقهم به في الجنة كرامة له كما قال: أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١].
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: بالتحية من الله، والتحفة، والهدايا.
ويقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد: ٢٤] أي: سلمكم الله من أهوال القيامة وشرها بصبركم في الدنيا على طاعته، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٤] ما أنتم فيه من الكرامة، أي: نعم عقبى الدار التي عملتم فيها ما أعقبكم هذه الكرامة.
قوله وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ [الرعد: ٢٥] مفسر إلى آخر الآية فيما سبق.
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد: ٢٦] يضيق ويقتر، كقوله: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق: ٧]، وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الرعد: ٢٦] قال ابن عباس: يريد مشركي مكة فرحوا بما نالوا من الدنيا، فطغوا وكذبوا الرسول.
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ [الرعد: ٢٦] أي: بالقياس إليها، إلا متاع أي: قليل ذاهب، كالشيء الذي يتمتع به ثم يفنى.
الرعد 13:22
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ {١٩ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ٢٠ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ٢١ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ٢٢ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ٢٣ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ٢٤ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ٢٥ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ ٢٦ } [الرعد: ١٩-٢٦] قوله: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [الرعد: ١٩] قال ابن عباس: نزلت في حمزة، وأبي جهل.
يعني: أن أبا جهل أعمى القلب، لا يهتدي إلى طريق الرشد، إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ [الرعد: ١٩] يتعظ ويتذكر ما رغب فيه من الجنة، أولو الألباب قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار.
ثم وصفهم، فقال: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ [الرعد: ٢٠] قال: يريد الذين عاهدهم عليه في صلب آدم.
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [الرعد: ٢١] يعني: الأرحام، وقال ابن عباس: يعني الإيمان بجميع الرسل.
وهو أن يصل بينهم بالإيمان بالجميع، كما أخبر عن المؤمنين في قولهم: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥].
وَالَّذِينَ صَبَرُوا [الرعد: ٢٢] أي: على دينهم، وما أمروا به من الطاعة، ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ [الرعد: ٢٢] طلب تعظيم الله، وقوله: وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد: ٢٢] قال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح الشر من العمل.
كما روي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال لمعاذ بن جبل: «إذا عملت سيئة فاعمل بجانبها حسنة تمحها».
وقال ابن كيسان: هو أنهم كلما أذنبوا تابوا، ليدفعوا بالتوبة معرة الذنب.
أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٢] قال ابن عباس: يريد عقابهم الجنة.
أي: تصير الجنة لهم آخر أمرهم، ثم بين ذلك، فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: ومن صدق بما صدقوا به.
وقال مجاهد: ومن آمن منهم، وذلك أن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله من إلحاقهم به في الجنة كرامة له كما قال: أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١].
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: بالتحية من الله، والتحفة، والهدايا.
ويقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد: ٢٤] أي: سلمكم الله من أهوال القيامة وشرها بصبركم في الدنيا على طاعته، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٤] ما أنتم فيه من الكرامة، أي: نعم عقبى الدار التي عملتم فيها ما أعقبكم هذه الكرامة.
قوله وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ [الرعد: ٢٥] مفسر إلى آخر الآية فيما سبق.
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد: ٢٦] يضيق ويقتر، كقوله: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق: ٧]، وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الرعد: ٢٦] قال ابن عباس: يريد مشركي مكة فرحوا بما نالوا من الدنيا، فطغوا وكذبوا الرسول.
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ [الرعد: ٢٦] أي: بالقياس إليها، إلا متاع أي: قليل ذاهب، كالشيء الذي يتمتع به ثم يفنى.
الرعد 13:23
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ {١٩ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ٢٠ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ٢١ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ٢٢ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ٢٣ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ٢٤ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ٢٥ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ ٢٦ } [الرعد: ١٩-٢٦] قوله: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [الرعد: ١٩] قال ابن عباس: نزلت في حمزة، وأبي جهل.
يعني: أن أبا جهل أعمى القلب، لا يهتدي إلى طريق الرشد، إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ [الرعد: ١٩] يتعظ ويتذكر ما رغب فيه من الجنة، أولو الألباب قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار.
ثم وصفهم، فقال: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ [الرعد: ٢٠] قال: يريد الذين عاهدهم عليه في صلب آدم.
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [الرعد: ٢١] يعني: الأرحام، وقال ابن عباس: يعني الإيمان بجميع الرسل.
وهو أن يصل بينهم بالإيمان بالجميع، كما أخبر عن المؤمنين في قولهم: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥].
وَالَّذِينَ صَبَرُوا [الرعد: ٢٢] أي: على دينهم، وما أمروا به من الطاعة، ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ [الرعد: ٢٢] طلب تعظيم الله، وقوله: وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد: ٢٢] قال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح الشر من العمل.
كما روي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال لمعاذ بن جبل: «إذا عملت سيئة فاعمل بجانبها حسنة تمحها».
وقال ابن كيسان: هو أنهم كلما أذنبوا تابوا، ليدفعوا بالتوبة معرة الذنب.
أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٢] قال ابن عباس: يريد عقابهم الجنة.
أي: تصير الجنة لهم آخر أمرهم، ثم بين ذلك، فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: ومن صدق بما صدقوا به.
وقال مجاهد: ومن آمن منهم، وذلك أن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله من إلحاقهم به في الجنة كرامة له كما قال: أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١].
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: بالتحية من الله، والتحفة، والهدايا.
ويقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد: ٢٤] أي: سلمكم الله من أهوال القيامة وشرها بصبركم في الدنيا على طاعته، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٤] ما أنتم فيه من الكرامة، أي: نعم عقبى الدار التي عملتم فيها ما أعقبكم هذه الكرامة.
قوله وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ [الرعد: ٢٥] مفسر إلى آخر الآية فيما سبق.
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد: ٢٦] يضيق ويقتر، كقوله: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق: ٧]، وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الرعد: ٢٦] قال ابن عباس: يريد مشركي مكة فرحوا بما نالوا من الدنيا، فطغوا وكذبوا الرسول.
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ [الرعد: ٢٦] أي: بالقياس إليها، إلا متاع أي: قليل ذاهب، كالشيء الذي يتمتع به ثم يفنى.
الرعد 13:24
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ {١٩ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ٢٠ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ٢١ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ٢٢ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ٢٣ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ٢٤ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ٢٥ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ ٢٦ } [الرعد: ١٩-٢٦] قوله: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [الرعد: ١٩] قال ابن عباس: نزلت في حمزة، وأبي جهل.
يعني: أن أبا جهل أعمى القلب، لا يهتدي إلى طريق الرشد، إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ [الرعد: ١٩] يتعظ ويتذكر ما رغب فيه من الجنة، أولو الألباب قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار.
ثم وصفهم، فقال: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ [الرعد: ٢٠] قال: يريد الذين عاهدهم عليه في صلب آدم.
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [الرعد: ٢١] يعني: الأرحام، وقال ابن عباس: يعني الإيمان بجميع الرسل.
وهو أن يصل بينهم بالإيمان بالجميع، كما أخبر عن المؤمنين في قولهم: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥].
وَالَّذِينَ صَبَرُوا [الرعد: ٢٢] أي: على دينهم، وما أمروا به من الطاعة، ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ [الرعد: ٢٢] طلب تعظيم الله، وقوله: وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد: ٢٢] قال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح الشر من العمل.
كما روي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال لمعاذ بن جبل: «إذا عملت سيئة فاعمل بجانبها حسنة تمحها».
وقال ابن كيسان: هو أنهم كلما أذنبوا تابوا، ليدفعوا بالتوبة معرة الذنب.
أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٢] قال ابن عباس: يريد عقابهم الجنة.
أي: تصير الجنة لهم آخر أمرهم، ثم بين ذلك، فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: ومن صدق بما صدقوا به.
وقال مجاهد: ومن آمن منهم، وذلك أن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله من إلحاقهم به في الجنة كرامة له كما قال: أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١].
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: بالتحية من الله، والتحفة، والهدايا.
ويقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد: ٢٤] أي: سلمكم الله من أهوال القيامة وشرها بصبركم في الدنيا على طاعته، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٤] ما أنتم فيه من الكرامة، أي: نعم عقبى الدار التي عملتم فيها ما أعقبكم هذه الكرامة.
قوله وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ [الرعد: ٢٥] مفسر إلى آخر الآية فيما سبق.
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد: ٢٦] يضيق ويقتر، كقوله: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق: ٧]، وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الرعد: ٢٦] قال ابن عباس: يريد مشركي مكة فرحوا بما نالوا من الدنيا، فطغوا وكذبوا الرسول.
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ [الرعد: ٢٦] أي: بالقياس إليها، إلا متاع أي: قليل ذاهب، كالشيء الذي يتمتع به ثم يفنى.
الرعد 13:25
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ {١٩ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ٢٠ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ٢١ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ٢٢ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ٢٣ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ٢٤ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ٢٥ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ ٢٦ } [الرعد: ١٩-٢٦] قوله: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [الرعد: ١٩] قال ابن عباس: نزلت في حمزة، وأبي جهل.
يعني: أن أبا جهل أعمى القلب، لا يهتدي إلى طريق الرشد، إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ [الرعد: ١٩] يتعظ ويتذكر ما رغب فيه من الجنة، أولو الألباب قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار.
ثم وصفهم، فقال: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ [الرعد: ٢٠] قال: يريد الذين عاهدهم عليه في صلب آدم.
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [الرعد: ٢١] يعني: الأرحام، وقال ابن عباس: يعني الإيمان بجميع الرسل.
وهو أن يصل بينهم بالإيمان بالجميع، كما أخبر عن المؤمنين في قولهم: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥].
وَالَّذِينَ صَبَرُوا [الرعد: ٢٢] أي: على دينهم، وما أمروا به من الطاعة، ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ [الرعد: ٢٢] طلب تعظيم الله، وقوله: وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد: ٢٢] قال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح الشر من العمل.
كما روي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال لمعاذ بن جبل: «إذا عملت سيئة فاعمل بجانبها حسنة تمحها».
وقال ابن كيسان: هو أنهم كلما أذنبوا تابوا، ليدفعوا بالتوبة معرة الذنب.
أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٢] قال ابن عباس: يريد عقابهم الجنة.
أي: تصير الجنة لهم آخر أمرهم، ثم بين ذلك، فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: ومن صدق بما صدقوا به.
وقال مجاهد: ومن آمن منهم، وذلك أن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله من إلحاقهم به في الجنة كرامة له كما قال: أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١].
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: بالتحية من الله، والتحفة، والهدايا.
ويقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد: ٢٤] أي: سلمكم الله من أهوال القيامة وشرها بصبركم في الدنيا على طاعته، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٤] ما أنتم فيه من الكرامة، أي: نعم عقبى الدار التي عملتم فيها ما أعقبكم هذه الكرامة.
قوله وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ [الرعد: ٢٥] مفسر إلى آخر الآية فيما سبق.
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد: ٢٦] يضيق ويقتر، كقوله: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق: ٧]، وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الرعد: ٢٦] قال ابن عباس: يريد مشركي مكة فرحوا بما نالوا من الدنيا، فطغوا وكذبوا الرسول.
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ [الرعد: ٢٦] أي: بالقياس إليها، إلا متاع أي: قليل ذاهب، كالشيء الذي يتمتع به ثم يفنى.
الرعد 13:26
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ {١٩ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ٢٠ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ٢١ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ٢٢ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ٢٣ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ٢٤ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ٢٥ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ ٢٦ } [الرعد: ١٩-٢٦] قوله: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [الرعد: ١٩] قال ابن عباس: نزلت في حمزة، وأبي جهل.
يعني: أن أبا جهل أعمى القلب، لا يهتدي إلى طريق الرشد، إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ [الرعد: ١٩] يتعظ ويتذكر ما رغب فيه من الجنة، أولو الألباب قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار.
ثم وصفهم، فقال: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ [الرعد: ٢٠] قال: يريد الذين عاهدهم عليه في صلب آدم.
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [الرعد: ٢١] يعني: الأرحام، وقال ابن عباس: يعني الإيمان بجميع الرسل.
وهو أن يصل بينهم بالإيمان بالجميع، كما أخبر عن المؤمنين في قولهم: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥].
وَالَّذِينَ صَبَرُوا [الرعد: ٢٢] أي: على دينهم، وما أمروا به من الطاعة، ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ [الرعد: ٢٢] طلب تعظيم الله، وقوله: وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد: ٢٢] قال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح الشر من العمل.
كما روي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال لمعاذ بن جبل: «إذا عملت سيئة فاعمل بجانبها حسنة تمحها».
وقال ابن كيسان: هو أنهم كلما أذنبوا تابوا، ليدفعوا بالتوبة معرة الذنب.
أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٢] قال ابن عباس: يريد عقابهم الجنة.
أي: تصير الجنة لهم آخر أمرهم، ثم بين ذلك، فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: ومن صدق بما صدقوا به.
وقال مجاهد: ومن آمن منهم، وذلك أن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله من إلحاقهم به في الجنة كرامة له كما قال: أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١].
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: بالتحية من الله، والتحفة، والهدايا.
ويقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد: ٢٤] أي: سلمكم الله من أهوال القيامة وشرها بصبركم في الدنيا على طاعته، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٤] ما أنتم فيه من الكرامة، أي: نعم عقبى الدار التي عملتم فيها ما أعقبكم هذه الكرامة.
قوله وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ [الرعد: ٢٥] مفسر إلى آخر الآية فيما سبق.
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد: ٢٦] يضيق ويقتر، كقوله: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق: ٧]، وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الرعد: ٢٦] قال ابن عباس: يريد مشركي مكة فرحوا بما نالوا من الدنيا، فطغوا وكذبوا الرسول.
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ [الرعد: ٢٦] أي: بالقياس إليها، إلا متاع أي: قليل ذاهب، كالشيء الذي يتمتع به ثم يفنى.
الرعد 13:27
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ {٢٧ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ٢٨ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ٢٩ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ٣٠ وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ٣١ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ
شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ٣٣ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ٣٤ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ٣٥ } [الرعد: ٢٧-٣٥] قوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الرعد: ٢٧] نزلت في أهل مكة حين طالبوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالآيات، قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ [الرعد: ٢٧] قال ابن عباس: يريد عن دينه.
يعني: كما أضلكم بعدما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ [الرعد: ٢٧] رجع إلى الحق، وإنما يرجع إلى الحق من يشاء الله، فكأنه قال: ويهدي إليه من يشاء.
كما قال في آيات: وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [يونس: ٢٥].
قوله: الَّذِينَ آمَنُوا [الرعد: ٢٨] بدل من قوله: من أناب المعنى: يهدي إليه الذين آمنوا، وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [الرعد: ٢٨] إذا سمعوا ذكر الله أحبوه، واستأنسوا به، وقال الزجاج: أي إذا ذكر الله وحده آمنوا به غير شاكين.
بخلاف من وُصِفَ بقوله: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [الزمر: ٤٥].
وقوله: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨] يعني: قلوب المؤمنين، لأن الكافر غير مطمئن القلب.
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ [الرعد: ٢٩] أكثر المفسرين على أن طوبى اسم شجرة في الجنة، وهو قول أبي هريرة، ومغيث بن سمي، وشهر بن حوشب، ومجاهد، ومقاتل، وابن عباس في رواية الكلبي وعطاء.
وروي ذلك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٤٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَصْفَهَانِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عُمَارَةَ، نا جَعْفَرُ بْنُ عَنْبَسَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْبَسَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ السَّكُونِيِّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ [الرعد: ٢٩] فَقَالَ: " أَمَّا طُوبَى، فَشَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَيْسَتْ دَارٌ مِنْ دُورِ الْجَنَّةِ إِلا وَفِيهَا غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا، لَوْ أَنَّ طَائِرًا طَارَ فِي غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا لَقَتَلَهُ الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ فَرْعَهُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلا عَمَّرَ أَعْمَارَ الأَوَّلِينَ رَكِبَ حِقَّةً، أَوْ جَذَعَةً، ثُمَّ طَافَ بِسَاقِهَا،
لَقَتَلُه الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَوْضِعَ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ، لَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا تُظِلُّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وَلَيْسَتْ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا عَلَيْهَا مَلَكٌ يَذْكُرُ اللَّهَ وَيُسَبِّحُهُ، وَلَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ لَوْ جُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إِلا طَمَسَتْ ضَوْءَهُمَا، مِنْهَا كِسْوَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَحُلِيُّهُمْ، وَرَقُهَا حُلَلٌ، وَأَغْصَانُهَا حُلِيٌّ، وَوَحْلُهَا الْمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ، وَتُرَابُهَا الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ، وَحَصْبَاؤُهَا الدُّرُّ وَالْيَاقُوتَ، وَهِيَ مَجْلِسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمُتَحَدَّثُهُمْ.
٤٩٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، يَقُولُ اللَّهُ لَهَا: تَفَتَّقِي لِعَبْدِي عَمَّا يَشَاءُ، فَتَفَتَّقُ لَهُ عَنِ: الْخَيْلِ بِسُرُوجِهَا وَلُجُمِهَا، وَعَنِ الإِبِلِ بِرِحَالِهَا وَأَزِمَّتِهَا، وَعَمَّا شَاءَ مِنَ الْكِسْوَةِ ".
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: طوبى اسم الجنة بالحبشة.
هو قول مجاهد في رواية شبل، قال: طوبى اسم الجنة.
وقال أبو عبيدة، والزجاج، وأهل اللغة: طوبى فعلى من الطيب.
قال ابن الأنباري: تأويلها الحال المستطابة لهم.
وقوله: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ [الرعد: ٣٠] أي: أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك، فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ [الرعد: ٣٠] قال ابن عباس: في قرون قد مضت من قبلها قرون.
لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الرعد: ٣٠] يعني القرآن، وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: ٣٠] وذلك أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في الحجر يدعو، وأبو جهل يستمع إليه وهو يقول: «يا رحمن».
فلما سمعه يذكر الرحمن وَلَّى مدبرا إلى المشركين، وقال لهم: إن محمدا كان ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، يدعو الله ويدعو إلها آخر يقال له الرحمن.
فأنزل الله هذه الآية.
وقوله: قُلْ هُوَ رَبِّي [الرعد: ٣٠] أي: قل لهم: إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته هو إلهي وسيدي، لا إِلَهَ إِلا هُوَ [الرعد: ٣٠].
قوله: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا [الرعد: ٣١] الآية، قالت قريش للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن كنت كما تقول فادع الله يسير عنا هذه الجبال، فإن أرضنا ضيقة، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا حتى نغرس ونزرع، وابعث لنا آباءنا من الموتى حتى يكلمونا ويخبرونا أنك نبي.
فأنزل الله: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ [الرعد: ٣١] أي: جعلت تسير، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ [الرعد: ٣١] أي: شققت فجعلت أنهارا وعيونا، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى [الرعد: ٣١] أي: أحيوا حتى كلموا، وجواب لو محذوف، قال الفراء: تقديره لكان هذا القرآن، والمعنى: لو أن قرآنا فعل به ما التمسوا لكان هذا القرآن.
وقال الزجاج: جوابه لما آمنوا.
وهو قول ابن عباس، قال: يريد لو قضيت ألا يقرأ القرآن على الجبال إلا سارت، ولا على الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا أحيوا
وتكلموا، ما آمنوا لما سبق عليهم في علمي.
ونظير هذه الآية قوله: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ [الأنعام: ١١١] إلى قوله مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا [الأنعام: ١١١]، بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] يقول: دع ذاك الذي قالوا من تسيير الجبال وغيره، فالأمر لله جميعا، ولو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذا لم يشأ لا ينفع تسيير الجبال وما اقترحوا من الآيات، ثم أكد هذا المعنى بقوله: أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] قال ابن عباس: أفلم يعلم.
وقال الكلبي: ييأس يعلم في لغة النخع.
وهذا قول مجاهد، والحسن، وقتادة.
وقوله: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ [الرعد: ٣١] أي: بما صنعوا من كفرهم وأعمالهم الخبيثة داهية تقرعهم، ومصيبة شديدة من الأسر والقتل والحرب والجدب.
وقال مجاهد، وأبو سعيد الخدري: هي السرايا التي كان يبعثها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم.
أو تحل تنزل أنت يا محمد قريبا من دارهم، حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ [الرعد: ٣١] يعني فتح مكة، وعده الله أن يفتحها له، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [الرعد: ٣١] ثم عزى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الرعد: ٣٢] أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة، ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد: ٣٢] قال ابن عباس: يريد كيف رأيت ما صنعت بهم، كذلك أصنع بمشركي قومك.
قوله: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: كذلك أمتنع، يريد نفسه تبارك وتعالى.
ومعنى القيام ههنا التولي لأمور خلقه، والتدبير للأرزاق والآجال، وإحصاء الأعمال للجزاء، كقوله: قائما بالقسط أي: واليا لذلك، والمعنى ههنا: أفمن هو قائم بالتدبير على كل نفس بجزاء ما كسبت، وتلخيصه: أفمن هو مجاز كل نفس بما كسبت، كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ [الرعد: ٣٣] قال الفراء:
كأنه في المعنى، قال: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم الذين اتخذوهم.
قل سموهم بما يسحقون من الصفات وإضافة الأفعال إليهم إن كانوا شركاء لله، كما يوصف الله بالخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، والمعنى يعود إلى أن الصنم لو كان إلها لتصور منه أن يخلق ويرزق، ولحسن حينئذ أن يسمى بالخالق والرزاق.
قوله: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ [الرعد: ٣٣] هذا استفهام منقطع مما قبله، وتأويل الآية: فإن سموهم بصفات الله، قل: أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض، أتخبرون الله بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه؟ على معنى: أنه ليس، ولو كان لعلم، أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ [الرعد: ٣٣] يعني: أم يقولون مجازا من القول وباطلا لا حقيقة له، أي: إنه كلام ظاهر، وليس له في الحقيقة باطن ومعنى، فهو كلام باللسان، بل دع ذكر ما كنا فيه، زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: زين الشيطان لهم الكفر، وذلك أن مكرهم بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفر منهم، وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: وصدهم الله عن سبيل الهدى.
وضم الصاد قراءة أهل الكوفة، ومن قرأ بفتح الصاد فالمعنى: أنهم صدوا غيرهم عن الإيمان.
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الرعد: ٣٣] يهديه إلى الخير والإيمان، لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الرعد: ٣٤] يعني الأسقام والقتل والأسر، هي لهم في الدنيا عذاب، وللمؤمن كفارة، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ [الرعد: ٣٤] أشد وأغلظ، وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ [الرعد: ٣٤] من عذاب الله، من واق مانع يمنعهم.
قوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد: ٣٥] أي: صفتها، قال ابن قتيبة: المثل الشبه في أصل اللغة، ثم قد يصير المعنى صورة الشيء وصفته، يقال: مثلت لك كذا، أي: صورته ووصفه.
أراد الله بقوله: مثل الجنة أي: صورتها وصفتها، ثم ذكرها، فقال: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ [الرعد: ٣٥] قال الحسن: يريد أن ثمارها لا تنقطع كثمار الدنيا، وظلها لأنه لا يزول، ولا تنسخه الشمس، تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا [الرعد: ٣٥] أي: عاقبة أمرهم المصير إليها، وعاقبة الكافرين المصير إلى النار.
الرعد 13:28
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ {٢٧ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ٢٨ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ٢٩ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ٣٠ وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ٣١ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ
شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ٣٣ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ٣٤ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ٣٥ } [الرعد: ٢٧-٣٥] قوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الرعد: ٢٧] نزلت في أهل مكة حين طالبوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالآيات، قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ [الرعد: ٢٧] قال ابن عباس: يريد عن دينه.
يعني: كما أضلكم بعدما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ [الرعد: ٢٧] رجع إلى الحق، وإنما يرجع إلى الحق من يشاء الله، فكأنه قال: ويهدي إليه من يشاء.
كما قال في آيات: وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [يونس: ٢٥].
قوله: الَّذِينَ آمَنُوا [الرعد: ٢٨] بدل من قوله: من أناب المعنى: يهدي إليه الذين آمنوا، وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [الرعد: ٢٨] إذا سمعوا ذكر الله أحبوه، واستأنسوا به، وقال الزجاج: أي إذا ذكر الله وحده آمنوا به غير شاكين.
بخلاف من وُصِفَ بقوله: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [الزمر: ٤٥].
وقوله: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨] يعني: قلوب المؤمنين، لأن الكافر غير مطمئن القلب.
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ [الرعد: ٢٩] أكثر المفسرين على أن طوبى اسم شجرة في الجنة، وهو قول أبي هريرة، ومغيث بن سمي، وشهر بن حوشب، ومجاهد، ومقاتل، وابن عباس في رواية الكلبي وعطاء.
وروي ذلك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٤٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَصْفَهَانِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عُمَارَةَ، نا جَعْفَرُ بْنُ عَنْبَسَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْبَسَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ السَّكُونِيِّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ [الرعد: ٢٩] فَقَالَ: " أَمَّا طُوبَى، فَشَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَيْسَتْ دَارٌ مِنْ دُورِ الْجَنَّةِ إِلا وَفِيهَا غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا، لَوْ أَنَّ طَائِرًا طَارَ فِي غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا لَقَتَلَهُ الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ فَرْعَهُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلا عَمَّرَ أَعْمَارَ الأَوَّلِينَ رَكِبَ حِقَّةً، أَوْ جَذَعَةً، ثُمَّ طَافَ بِسَاقِهَا،
لَقَتَلُه الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَوْضِعَ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ، لَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا تُظِلُّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وَلَيْسَتْ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا عَلَيْهَا مَلَكٌ يَذْكُرُ اللَّهَ وَيُسَبِّحُهُ، وَلَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ لَوْ جُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إِلا طَمَسَتْ ضَوْءَهُمَا، مِنْهَا كِسْوَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَحُلِيُّهُمْ، وَرَقُهَا حُلَلٌ، وَأَغْصَانُهَا حُلِيٌّ، وَوَحْلُهَا الْمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ، وَتُرَابُهَا الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ، وَحَصْبَاؤُهَا الدُّرُّ وَالْيَاقُوتَ، وَهِيَ مَجْلِسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمُتَحَدَّثُهُمْ.
٤٩٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، يَقُولُ اللَّهُ لَهَا: تَفَتَّقِي لِعَبْدِي عَمَّا يَشَاءُ، فَتَفَتَّقُ لَهُ عَنِ: الْخَيْلِ بِسُرُوجِهَا وَلُجُمِهَا، وَعَنِ الإِبِلِ بِرِحَالِهَا وَأَزِمَّتِهَا، وَعَمَّا شَاءَ مِنَ الْكِسْوَةِ ".
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: طوبى اسم الجنة بالحبشة.
هو قول مجاهد في رواية شبل، قال: طوبى اسم الجنة.
وقال أبو عبيدة، والزجاج، وأهل اللغة: طوبى فعلى من الطيب.
قال ابن الأنباري: تأويلها الحال المستطابة لهم.
وقوله: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ [الرعد: ٣٠] أي: أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك، فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ [الرعد: ٣٠] قال ابن عباس: في قرون قد مضت من قبلها قرون.
لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الرعد: ٣٠] يعني القرآن، وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: ٣٠] وذلك أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في الحجر يدعو، وأبو جهل يستمع إليه وهو يقول: «يا رحمن».
فلما سمعه يذكر الرحمن وَلَّى مدبرا إلى المشركين، وقال لهم: إن محمدا كان ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، يدعو الله ويدعو إلها آخر يقال له الرحمن.
فأنزل الله هذه الآية.
وقوله: قُلْ هُوَ رَبِّي [الرعد: ٣٠] أي: قل لهم: إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته هو إلهي وسيدي، لا إِلَهَ إِلا هُوَ [الرعد: ٣٠].
قوله: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا [الرعد: ٣١] الآية، قالت قريش للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن كنت كما تقول فادع الله يسير عنا هذه الجبال، فإن أرضنا ضيقة، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا حتى نغرس ونزرع، وابعث لنا آباءنا من الموتى حتى يكلمونا ويخبرونا أنك نبي.
فأنزل الله: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ [الرعد: ٣١] أي: جعلت تسير، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ [الرعد: ٣١] أي: شققت فجعلت أنهارا وعيونا، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى [الرعد: ٣١] أي: أحيوا حتى كلموا، وجواب لو محذوف، قال الفراء: تقديره لكان هذا القرآن، والمعنى: لو أن قرآنا فعل به ما التمسوا لكان هذا القرآن.
وقال الزجاج: جوابه لما آمنوا.
وهو قول ابن عباس، قال: يريد لو قضيت ألا يقرأ القرآن على الجبال إلا سارت، ولا على الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا أحيوا
وتكلموا، ما آمنوا لما سبق عليهم في علمي.
ونظير هذه الآية قوله: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ [الأنعام: ١١١] إلى قوله مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا [الأنعام: ١١١]، بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] يقول: دع ذاك الذي قالوا من تسيير الجبال وغيره، فالأمر لله جميعا، ولو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذا لم يشأ لا ينفع تسيير الجبال وما اقترحوا من الآيات، ثم أكد هذا المعنى بقوله: أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] قال ابن عباس: أفلم يعلم.
وقال الكلبي: ييأس يعلم في لغة النخع.
وهذا قول مجاهد، والحسن، وقتادة.
وقوله: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ [الرعد: ٣١] أي: بما صنعوا من كفرهم وأعمالهم الخبيثة داهية تقرعهم، ومصيبة شديدة من الأسر والقتل والحرب والجدب.
وقال مجاهد، وأبو سعيد الخدري: هي السرايا التي كان يبعثها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم.
أو تحل تنزل أنت يا محمد قريبا من دارهم، حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ [الرعد: ٣١] يعني فتح مكة، وعده الله أن يفتحها له، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [الرعد: ٣١] ثم عزى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الرعد: ٣٢] أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة، ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد: ٣٢] قال ابن عباس: يريد كيف رأيت ما صنعت بهم، كذلك أصنع بمشركي قومك.
قوله: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: كذلك أمتنع، يريد نفسه تبارك وتعالى.
ومعنى القيام ههنا التولي لأمور خلقه، والتدبير للأرزاق والآجال، وإحصاء الأعمال للجزاء، كقوله: قائما بالقسط أي: واليا لذلك، والمعنى ههنا: أفمن هو قائم بالتدبير على كل نفس بجزاء ما كسبت، وتلخيصه: أفمن هو مجاز كل نفس بما كسبت، كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ [الرعد: ٣٣] قال الفراء:
كأنه في المعنى، قال: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم الذين اتخذوهم.
قل سموهم بما يسحقون من الصفات وإضافة الأفعال إليهم إن كانوا شركاء لله، كما يوصف الله بالخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، والمعنى يعود إلى أن الصنم لو كان إلها لتصور منه أن يخلق ويرزق، ولحسن حينئذ أن يسمى بالخالق والرزاق.
قوله: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ [الرعد: ٣٣] هذا استفهام منقطع مما قبله، وتأويل الآية: فإن سموهم بصفات الله، قل: أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض، أتخبرون الله بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه؟ على معنى: أنه ليس، ولو كان لعلم، أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ [الرعد: ٣٣] يعني: أم يقولون مجازا من القول وباطلا لا حقيقة له، أي: إنه كلام ظاهر، وليس له في الحقيقة باطن ومعنى، فهو كلام باللسان، بل دع ذكر ما كنا فيه، زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: زين الشيطان لهم الكفر، وذلك أن مكرهم بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفر منهم، وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: وصدهم الله عن سبيل الهدى.
وضم الصاد قراءة أهل الكوفة، ومن قرأ بفتح الصاد فالمعنى: أنهم صدوا غيرهم عن الإيمان.
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الرعد: ٣٣] يهديه إلى الخير والإيمان، لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الرعد: ٣٤] يعني الأسقام والقتل والأسر، هي لهم في الدنيا عذاب، وللمؤمن كفارة، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ [الرعد: ٣٤] أشد وأغلظ، وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ [الرعد: ٣٤] من عذاب الله، من واق مانع يمنعهم.
قوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد: ٣٥] أي: صفتها، قال ابن قتيبة: المثل الشبه في أصل اللغة، ثم قد يصير المعنى صورة الشيء وصفته، يقال: مثلت لك كذا، أي: صورته ووصفه.
أراد الله بقوله: مثل الجنة أي: صورتها وصفتها، ثم ذكرها، فقال: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ [الرعد: ٣٥] قال الحسن: يريد أن ثمارها لا تنقطع كثمار الدنيا، وظلها لأنه لا يزول، ولا تنسخه الشمس، تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا [الرعد: ٣٥] أي: عاقبة أمرهم المصير إليها، وعاقبة الكافرين المصير إلى النار.
الرعد 13:29
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ {٢٧ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ٢٨ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ٢٩ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ٣٠ وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ٣١ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ
شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ٣٣ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ٣٤ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ٣٥ } [الرعد: ٢٧-٣٥] قوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الرعد: ٢٧] نزلت في أهل مكة حين طالبوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالآيات، قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ [الرعد: ٢٧] قال ابن عباس: يريد عن دينه.
يعني: كما أضلكم بعدما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ [الرعد: ٢٧] رجع إلى الحق، وإنما يرجع إلى الحق من يشاء الله، فكأنه قال: ويهدي إليه من يشاء.
كما قال في آيات: وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [يونس: ٢٥].
قوله: الَّذِينَ آمَنُوا [الرعد: ٢٨] بدل من قوله: من أناب المعنى: يهدي إليه الذين آمنوا، وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [الرعد: ٢٨] إذا سمعوا ذكر الله أحبوه، واستأنسوا به، وقال الزجاج: أي إذا ذكر الله وحده آمنوا به غير شاكين.
بخلاف من وُصِفَ بقوله: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [الزمر: ٤٥].
وقوله: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨] يعني: قلوب المؤمنين، لأن الكافر غير مطمئن القلب.
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ [الرعد: ٢٩] أكثر المفسرين على أن طوبى اسم شجرة في الجنة، وهو قول أبي هريرة، ومغيث بن سمي، وشهر بن حوشب، ومجاهد، ومقاتل، وابن عباس في رواية الكلبي وعطاء.
وروي ذلك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٤٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَصْفَهَانِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عُمَارَةَ، نا جَعْفَرُ بْنُ عَنْبَسَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْبَسَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ السَّكُونِيِّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ [الرعد: ٢٩] فَقَالَ: " أَمَّا طُوبَى، فَشَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَيْسَتْ دَارٌ مِنْ دُورِ الْجَنَّةِ إِلا وَفِيهَا غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا، لَوْ أَنَّ طَائِرًا طَارَ فِي غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا لَقَتَلَهُ الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ فَرْعَهُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلا عَمَّرَ أَعْمَارَ الأَوَّلِينَ رَكِبَ حِقَّةً، أَوْ جَذَعَةً، ثُمَّ طَافَ بِسَاقِهَا،
لَقَتَلُه الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَوْضِعَ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ، لَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا تُظِلُّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وَلَيْسَتْ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا عَلَيْهَا مَلَكٌ يَذْكُرُ اللَّهَ وَيُسَبِّحُهُ، وَلَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ لَوْ جُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إِلا طَمَسَتْ ضَوْءَهُمَا، مِنْهَا كِسْوَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَحُلِيُّهُمْ، وَرَقُهَا حُلَلٌ، وَأَغْصَانُهَا حُلِيٌّ، وَوَحْلُهَا الْمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ، وَتُرَابُهَا الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ، وَحَصْبَاؤُهَا الدُّرُّ وَالْيَاقُوتَ، وَهِيَ مَجْلِسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمُتَحَدَّثُهُمْ.
٤٩٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، يَقُولُ اللَّهُ لَهَا: تَفَتَّقِي لِعَبْدِي عَمَّا يَشَاءُ، فَتَفَتَّقُ لَهُ عَنِ: الْخَيْلِ بِسُرُوجِهَا وَلُجُمِهَا، وَعَنِ الإِبِلِ بِرِحَالِهَا وَأَزِمَّتِهَا، وَعَمَّا شَاءَ مِنَ الْكِسْوَةِ ".
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: طوبى اسم الجنة بالحبشة.
هو قول مجاهد في رواية شبل، قال: طوبى اسم الجنة.
وقال أبو عبيدة، والزجاج، وأهل اللغة: طوبى فعلى من الطيب.
قال ابن الأنباري: تأويلها الحال المستطابة لهم.
وقوله: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ [الرعد: ٣٠] أي: أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك، فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ [الرعد: ٣٠] قال ابن عباس: في قرون قد مضت من قبلها قرون.
لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الرعد: ٣٠] يعني القرآن، وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: ٣٠] وذلك أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في الحجر يدعو، وأبو جهل يستمع إليه وهو يقول: «يا رحمن».
فلما سمعه يذكر الرحمن وَلَّى مدبرا إلى المشركين، وقال لهم: إن محمدا كان ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، يدعو الله ويدعو إلها آخر يقال له الرحمن.
فأنزل الله هذه الآية.
وقوله: قُلْ هُوَ رَبِّي [الرعد: ٣٠] أي: قل لهم: إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته هو إلهي وسيدي، لا إِلَهَ إِلا هُوَ [الرعد: ٣٠].
قوله: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا [الرعد: ٣١] الآية، قالت قريش للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن كنت كما تقول فادع الله يسير عنا هذه الجبال، فإن أرضنا ضيقة، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا حتى نغرس ونزرع، وابعث لنا آباءنا من الموتى حتى يكلمونا ويخبرونا أنك نبي.
فأنزل الله: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ [الرعد: ٣١] أي: جعلت تسير، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ [الرعد: ٣١] أي: شققت فجعلت أنهارا وعيونا، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى [الرعد: ٣١] أي: أحيوا حتى كلموا، وجواب لو محذوف، قال الفراء: تقديره لكان هذا القرآن، والمعنى: لو أن قرآنا فعل به ما التمسوا لكان هذا القرآن.
وقال الزجاج: جوابه لما آمنوا.
وهو قول ابن عباس، قال: يريد لو قضيت ألا يقرأ القرآن على الجبال إلا سارت، ولا على الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا أحيوا
وتكلموا، ما آمنوا لما سبق عليهم في علمي.
ونظير هذه الآية قوله: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ [الأنعام: ١١١] إلى قوله مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا [الأنعام: ١١١]، بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] يقول: دع ذاك الذي قالوا من تسيير الجبال وغيره، فالأمر لله جميعا، ولو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذا لم يشأ لا ينفع تسيير الجبال وما اقترحوا من الآيات، ثم أكد هذا المعنى بقوله: أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] قال ابن عباس: أفلم يعلم.
وقال الكلبي: ييأس يعلم في لغة النخع.
وهذا قول مجاهد، والحسن، وقتادة.
وقوله: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ [الرعد: ٣١] أي: بما صنعوا من كفرهم وأعمالهم الخبيثة داهية تقرعهم، ومصيبة شديدة من الأسر والقتل والحرب والجدب.
وقال مجاهد، وأبو سعيد الخدري: هي السرايا التي كان يبعثها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم.
أو تحل تنزل أنت يا محمد قريبا من دارهم، حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ [الرعد: ٣١] يعني فتح مكة، وعده الله أن يفتحها له، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [الرعد: ٣١] ثم عزى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الرعد: ٣٢] أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة، ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد: ٣٢] قال ابن عباس: يريد كيف رأيت ما صنعت بهم، كذلك أصنع بمشركي قومك.
قوله: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: كذلك أمتنع، يريد نفسه تبارك وتعالى.
ومعنى القيام ههنا التولي لأمور خلقه، والتدبير للأرزاق والآجال، وإحصاء الأعمال للجزاء، كقوله: قائما بالقسط أي: واليا لذلك، والمعنى ههنا: أفمن هو قائم بالتدبير على كل نفس بجزاء ما كسبت، وتلخيصه: أفمن هو مجاز كل نفس بما كسبت، كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ [الرعد: ٣٣] قال الفراء:
كأنه في المعنى، قال: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم الذين اتخذوهم.
قل سموهم بما يسحقون من الصفات وإضافة الأفعال إليهم إن كانوا شركاء لله، كما يوصف الله بالخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، والمعنى يعود إلى أن الصنم لو كان إلها لتصور منه أن يخلق ويرزق، ولحسن حينئذ أن يسمى بالخالق والرزاق.
قوله: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ [الرعد: ٣٣] هذا استفهام منقطع مما قبله، وتأويل الآية: فإن سموهم بصفات الله، قل: أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض، أتخبرون الله بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه؟ على معنى: أنه ليس، ولو كان لعلم، أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ [الرعد: ٣٣] يعني: أم يقولون مجازا من القول وباطلا لا حقيقة له، أي: إنه كلام ظاهر، وليس له في الحقيقة باطن ومعنى، فهو كلام باللسان، بل دع ذكر ما كنا فيه، زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: زين الشيطان لهم الكفر، وذلك أن مكرهم بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفر منهم، وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: وصدهم الله عن سبيل الهدى.
وضم الصاد قراءة أهل الكوفة، ومن قرأ بفتح الصاد فالمعنى: أنهم صدوا غيرهم عن الإيمان.
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الرعد: ٣٣] يهديه إلى الخير والإيمان، لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الرعد: ٣٤] يعني الأسقام والقتل والأسر، هي لهم في الدنيا عذاب، وللمؤمن كفارة، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ [الرعد: ٣٤] أشد وأغلظ، وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ [الرعد: ٣٤] من عذاب الله، من واق مانع يمنعهم.
قوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد: ٣٥] أي: صفتها، قال ابن قتيبة: المثل الشبه في أصل اللغة، ثم قد يصير المعنى صورة الشيء وصفته، يقال: مثلت لك كذا، أي: صورته ووصفه.
أراد الله بقوله: مثل الجنة أي: صورتها وصفتها، ثم ذكرها، فقال: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ [الرعد: ٣٥] قال الحسن: يريد أن ثمارها لا تنقطع كثمار الدنيا، وظلها لأنه لا يزول، ولا تنسخه الشمس، تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا [الرعد: ٣٥] أي: عاقبة أمرهم المصير إليها، وعاقبة الكافرين المصير إلى النار.
الرعد 13:30
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ {٢٧ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ٢٨ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ٢٩ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ٣٠ وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ٣١ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ
شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ٣٣ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ٣٤ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ٣٥ } [الرعد: ٢٧-٣٥] قوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الرعد: ٢٧] نزلت في أهل مكة حين طالبوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالآيات، قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ [الرعد: ٢٧] قال ابن عباس: يريد عن دينه.
يعني: كما أضلكم بعدما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ [الرعد: ٢٧] رجع إلى الحق، وإنما يرجع إلى الحق من يشاء الله، فكأنه قال: ويهدي إليه من يشاء.
كما قال في آيات: وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [يونس: ٢٥].
قوله: الَّذِينَ آمَنُوا [الرعد: ٢٨] بدل من قوله: من أناب المعنى: يهدي إليه الذين آمنوا، وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [الرعد: ٢٨] إذا سمعوا ذكر الله أحبوه، واستأنسوا به، وقال الزجاج: أي إذا ذكر الله وحده آمنوا به غير شاكين.
بخلاف من وُصِفَ بقوله: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [الزمر: ٤٥].
وقوله: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨] يعني: قلوب المؤمنين، لأن الكافر غير مطمئن القلب.
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ [الرعد: ٢٩] أكثر المفسرين على أن طوبى اسم شجرة في الجنة، وهو قول أبي هريرة، ومغيث بن سمي، وشهر بن حوشب، ومجاهد، ومقاتل، وابن عباس في رواية الكلبي وعطاء.
وروي ذلك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٤٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَصْفَهَانِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عُمَارَةَ، نا جَعْفَرُ بْنُ عَنْبَسَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْبَسَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ السَّكُونِيِّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ [الرعد: ٢٩] فَقَالَ: " أَمَّا طُوبَى، فَشَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَيْسَتْ دَارٌ مِنْ دُورِ الْجَنَّةِ إِلا وَفِيهَا غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا، لَوْ أَنَّ طَائِرًا طَارَ فِي غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا لَقَتَلَهُ الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ فَرْعَهُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلا عَمَّرَ أَعْمَارَ الأَوَّلِينَ رَكِبَ حِقَّةً، أَوْ جَذَعَةً، ثُمَّ طَافَ بِسَاقِهَا،
لَقَتَلُه الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَوْضِعَ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ، لَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا تُظِلُّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وَلَيْسَتْ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا عَلَيْهَا مَلَكٌ يَذْكُرُ اللَّهَ وَيُسَبِّحُهُ، وَلَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ لَوْ جُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إِلا طَمَسَتْ ضَوْءَهُمَا، مِنْهَا كِسْوَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَحُلِيُّهُمْ، وَرَقُهَا حُلَلٌ، وَأَغْصَانُهَا حُلِيٌّ، وَوَحْلُهَا الْمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ، وَتُرَابُهَا الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ، وَحَصْبَاؤُهَا الدُّرُّ وَالْيَاقُوتَ، وَهِيَ مَجْلِسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمُتَحَدَّثُهُمْ.
٤٩٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، يَقُولُ اللَّهُ لَهَا: تَفَتَّقِي لِعَبْدِي عَمَّا يَشَاءُ، فَتَفَتَّقُ لَهُ عَنِ: الْخَيْلِ بِسُرُوجِهَا وَلُجُمِهَا، وَعَنِ الإِبِلِ بِرِحَالِهَا وَأَزِمَّتِهَا، وَعَمَّا شَاءَ مِنَ الْكِسْوَةِ ".
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: طوبى اسم الجنة بالحبشة.
هو قول مجاهد في رواية شبل، قال: طوبى اسم الجنة.
وقال أبو عبيدة، والزجاج، وأهل اللغة: طوبى فعلى من الطيب.
قال ابن الأنباري: تأويلها الحال المستطابة لهم.
وقوله: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ [الرعد: ٣٠] أي: أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك، فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ [الرعد: ٣٠] قال ابن عباس: في قرون قد مضت من قبلها قرون.
لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الرعد: ٣٠] يعني القرآن، وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: ٣٠] وذلك أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في الحجر يدعو، وأبو جهل يستمع إليه وهو يقول: «يا رحمن».
فلما سمعه يذكر الرحمن وَلَّى مدبرا إلى المشركين، وقال لهم: إن محمدا كان ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، يدعو الله ويدعو إلها آخر يقال له الرحمن.
فأنزل الله هذه الآية.
وقوله: قُلْ هُوَ رَبِّي [الرعد: ٣٠] أي: قل لهم: إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته هو إلهي وسيدي، لا إِلَهَ إِلا هُوَ [الرعد: ٣٠].
قوله: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا [الرعد: ٣١] الآية، قالت قريش للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن كنت كما تقول فادع الله يسير عنا هذه الجبال، فإن أرضنا ضيقة، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا حتى نغرس ونزرع، وابعث لنا آباءنا من الموتى حتى يكلمونا ويخبرونا أنك نبي.
فأنزل الله: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ [الرعد: ٣١] أي: جعلت تسير، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ [الرعد: ٣١] أي: شققت فجعلت أنهارا وعيونا، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى [الرعد: ٣١] أي: أحيوا حتى كلموا، وجواب لو محذوف، قال الفراء: تقديره لكان هذا القرآن، والمعنى: لو أن قرآنا فعل به ما التمسوا لكان هذا القرآن.
وقال الزجاج: جوابه لما آمنوا.
وهو قول ابن عباس، قال: يريد لو قضيت ألا يقرأ القرآن على الجبال إلا سارت، ولا على الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا أحيوا
وتكلموا، ما آمنوا لما سبق عليهم في علمي.
ونظير هذه الآية قوله: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ [الأنعام: ١١١] إلى قوله مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا [الأنعام: ١١١]، بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] يقول: دع ذاك الذي قالوا من تسيير الجبال وغيره، فالأمر لله جميعا، ولو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذا لم يشأ لا ينفع تسيير الجبال وما اقترحوا من الآيات، ثم أكد هذا المعنى بقوله: أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] قال ابن عباس: أفلم يعلم.
وقال الكلبي: ييأس يعلم في لغة النخع.
وهذا قول مجاهد، والحسن، وقتادة.
وقوله: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ [الرعد: ٣١] أي: بما صنعوا من كفرهم وأعمالهم الخبيثة داهية تقرعهم، ومصيبة شديدة من الأسر والقتل والحرب والجدب.
وقال مجاهد، وأبو سعيد الخدري: هي السرايا التي كان يبعثها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم.
أو تحل تنزل أنت يا محمد قريبا من دارهم، حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ [الرعد: ٣١] يعني فتح مكة، وعده الله أن يفتحها له، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [الرعد: ٣١] ثم عزى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الرعد: ٣٢] أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة، ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد: ٣٢] قال ابن عباس: يريد كيف رأيت ما صنعت بهم، كذلك أصنع بمشركي قومك.
قوله: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: كذلك أمتنع، يريد نفسه تبارك وتعالى.
ومعنى القيام ههنا التولي لأمور خلقه، والتدبير للأرزاق والآجال، وإحصاء الأعمال للجزاء، كقوله: قائما بالقسط أي: واليا لذلك، والمعنى ههنا: أفمن هو قائم بالتدبير على كل نفس بجزاء ما كسبت، وتلخيصه: أفمن هو مجاز كل نفس بما كسبت، كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ [الرعد: ٣٣] قال الفراء:
كأنه في المعنى، قال: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم الذين اتخذوهم.
قل سموهم بما يسحقون من الصفات وإضافة الأفعال إليهم إن كانوا شركاء لله، كما يوصف الله بالخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، والمعنى يعود إلى أن الصنم لو كان إلها لتصور منه أن يخلق ويرزق، ولحسن حينئذ أن يسمى بالخالق والرزاق.
قوله: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ [الرعد: ٣٣] هذا استفهام منقطع مما قبله، وتأويل الآية: فإن سموهم بصفات الله، قل: أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض، أتخبرون الله بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه؟ على معنى: أنه ليس، ولو كان لعلم، أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ [الرعد: ٣٣] يعني: أم يقولون مجازا من القول وباطلا لا حقيقة له، أي: إنه كلام ظاهر، وليس له في الحقيقة باطن ومعنى، فهو كلام باللسان، بل دع ذكر ما كنا فيه، زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: زين الشيطان لهم الكفر، وذلك أن مكرهم بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفر منهم، وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: وصدهم الله عن سبيل الهدى.
وضم الصاد قراءة أهل الكوفة، ومن قرأ بفتح الصاد فالمعنى: أنهم صدوا غيرهم عن الإيمان.
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الرعد: ٣٣] يهديه إلى الخير والإيمان، لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الرعد: ٣٤] يعني الأسقام والقتل والأسر، هي لهم في الدنيا عذاب، وللمؤمن كفارة، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ [الرعد: ٣٤] أشد وأغلظ، وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ [الرعد: ٣٤] من عذاب الله، من واق مانع يمنعهم.
قوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد: ٣٥] أي: صفتها، قال ابن قتيبة: المثل الشبه في أصل اللغة، ثم قد يصير المعنى صورة الشيء وصفته، يقال: مثلت لك كذا، أي: صورته ووصفه.
أراد الله بقوله: مثل الجنة أي: صورتها وصفتها، ثم ذكرها، فقال: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ [الرعد: ٣٥] قال الحسن: يريد أن ثمارها لا تنقطع كثمار الدنيا، وظلها لأنه لا يزول، ولا تنسخه الشمس، تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا [الرعد: ٣٥] أي: عاقبة أمرهم المصير إليها، وعاقبة الكافرين المصير إلى النار.
الرعد 13:31
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ {٢٧ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ٢٨ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ٢٩ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ٣٠ وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ٣١ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ
شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ٣٣ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ٣٤ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ٣٥ } [الرعد: ٢٧-٣٥] قوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الرعد: ٢٧] نزلت في أهل مكة حين طالبوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالآيات، قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ [الرعد: ٢٧] قال ابن عباس: يريد عن دينه.
يعني: كما أضلكم بعدما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ [الرعد: ٢٧] رجع إلى الحق، وإنما يرجع إلى الحق من يشاء الله، فكأنه قال: ويهدي إليه من يشاء.
كما قال في آيات: وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [يونس: ٢٥].
قوله: الَّذِينَ آمَنُوا [الرعد: ٢٨] بدل من قوله: من أناب المعنى: يهدي إليه الذين آمنوا، وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [الرعد: ٢٨] إذا سمعوا ذكر الله أحبوه، واستأنسوا به، وقال الزجاج: أي إذا ذكر الله وحده آمنوا به غير شاكين.
بخلاف من وُصِفَ بقوله: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [الزمر: ٤٥].
وقوله: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨] يعني: قلوب المؤمنين، لأن الكافر غير مطمئن القلب.
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ [الرعد: ٢٩] أكثر المفسرين على أن طوبى اسم شجرة في الجنة، وهو قول أبي هريرة، ومغيث بن سمي، وشهر بن حوشب، ومجاهد، ومقاتل، وابن عباس في رواية الكلبي وعطاء.
وروي ذلك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٤٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَصْفَهَانِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عُمَارَةَ، نا جَعْفَرُ بْنُ عَنْبَسَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْبَسَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ السَّكُونِيِّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ [الرعد: ٢٩] فَقَالَ: " أَمَّا طُوبَى، فَشَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَيْسَتْ دَارٌ مِنْ دُورِ الْجَنَّةِ إِلا وَفِيهَا غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا، لَوْ أَنَّ طَائِرًا طَارَ فِي غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا لَقَتَلَهُ الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ فَرْعَهُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلا عَمَّرَ أَعْمَارَ الأَوَّلِينَ رَكِبَ حِقَّةً، أَوْ جَذَعَةً، ثُمَّ طَافَ بِسَاقِهَا،
لَقَتَلُه الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَوْضِعَ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ، لَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا تُظِلُّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وَلَيْسَتْ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا عَلَيْهَا مَلَكٌ يَذْكُرُ اللَّهَ وَيُسَبِّحُهُ، وَلَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ لَوْ جُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إِلا طَمَسَتْ ضَوْءَهُمَا، مِنْهَا كِسْوَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَحُلِيُّهُمْ، وَرَقُهَا حُلَلٌ، وَأَغْصَانُهَا حُلِيٌّ، وَوَحْلُهَا الْمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ، وَتُرَابُهَا الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ، وَحَصْبَاؤُهَا الدُّرُّ وَالْيَاقُوتَ، وَهِيَ مَجْلِسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمُتَحَدَّثُهُمْ.
٤٩٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، يَقُولُ اللَّهُ لَهَا: تَفَتَّقِي لِعَبْدِي عَمَّا يَشَاءُ، فَتَفَتَّقُ لَهُ عَنِ: الْخَيْلِ بِسُرُوجِهَا وَلُجُمِهَا، وَعَنِ الإِبِلِ بِرِحَالِهَا وَأَزِمَّتِهَا، وَعَمَّا شَاءَ مِنَ الْكِسْوَةِ ".
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: طوبى اسم الجنة بالحبشة.
هو قول مجاهد في رواية شبل، قال: طوبى اسم الجنة.
وقال أبو عبيدة، والزجاج، وأهل اللغة: طوبى فعلى من الطيب.
قال ابن الأنباري: تأويلها الحال المستطابة لهم.
وقوله: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ [الرعد: ٣٠] أي: أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك، فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ [الرعد: ٣٠] قال ابن عباس: في قرون قد مضت من قبلها قرون.
لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الرعد: ٣٠] يعني القرآن، وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: ٣٠] وذلك أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في الحجر يدعو، وأبو جهل يستمع إليه وهو يقول: «يا رحمن».
فلما سمعه يذكر الرحمن وَلَّى مدبرا إلى المشركين، وقال لهم: إن محمدا كان ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، يدعو الله ويدعو إلها آخر يقال له الرحمن.
فأنزل الله هذه الآية.
وقوله: قُلْ هُوَ رَبِّي [الرعد: ٣٠] أي: قل لهم: إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته هو إلهي وسيدي، لا إِلَهَ إِلا هُوَ [الرعد: ٣٠].
قوله: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا [الرعد: ٣١] الآية، قالت قريش للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن كنت كما تقول فادع الله يسير عنا هذه الجبال، فإن أرضنا ضيقة، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا حتى نغرس ونزرع، وابعث لنا آباءنا من الموتى حتى يكلمونا ويخبرونا أنك نبي.
فأنزل الله: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ [الرعد: ٣١] أي: جعلت تسير، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ [الرعد: ٣١] أي: شققت فجعلت أنهارا وعيونا، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى [الرعد: ٣١] أي: أحيوا حتى كلموا، وجواب لو محذوف، قال الفراء: تقديره لكان هذا القرآن، والمعنى: لو أن قرآنا فعل به ما التمسوا لكان هذا القرآن.
وقال الزجاج: جوابه لما آمنوا.
وهو قول ابن عباس، قال: يريد لو قضيت ألا يقرأ القرآن على الجبال إلا سارت، ولا على الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا أحيوا
وتكلموا، ما آمنوا لما سبق عليهم في علمي.
ونظير هذه الآية قوله: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ [الأنعام: ١١١] إلى قوله مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا [الأنعام: ١١١]، بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] يقول: دع ذاك الذي قالوا من تسيير الجبال وغيره، فالأمر لله جميعا، ولو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذا لم يشأ لا ينفع تسيير الجبال وما اقترحوا من الآيات، ثم أكد هذا المعنى بقوله: أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] قال ابن عباس: أفلم يعلم.
وقال الكلبي: ييأس يعلم في لغة النخع.
وهذا قول مجاهد، والحسن، وقتادة.
وقوله: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ [الرعد: ٣١] أي: بما صنعوا من كفرهم وأعمالهم الخبيثة داهية تقرعهم، ومصيبة شديدة من الأسر والقتل والحرب والجدب.
وقال مجاهد، وأبو سعيد الخدري: هي السرايا التي كان يبعثها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم.
أو تحل تنزل أنت يا محمد قريبا من دارهم، حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ [الرعد: ٣١] يعني فتح مكة، وعده الله أن يفتحها له، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [الرعد: ٣١] ثم عزى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الرعد: ٣٢] أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة، ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد: ٣٢] قال ابن عباس: يريد كيف رأيت ما صنعت بهم، كذلك أصنع بمشركي قومك.
قوله: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: كذلك أمتنع، يريد نفسه تبارك وتعالى.
ومعنى القيام ههنا التولي لأمور خلقه، والتدبير للأرزاق والآجال، وإحصاء الأعمال للجزاء، كقوله: قائما بالقسط أي: واليا لذلك، والمعنى ههنا: أفمن هو قائم بالتدبير على كل نفس بجزاء ما كسبت، وتلخيصه: أفمن هو مجاز كل نفس بما كسبت، كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ [الرعد: ٣٣] قال الفراء:
كأنه في المعنى، قال: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم الذين اتخذوهم.
قل سموهم بما يسحقون من الصفات وإضافة الأفعال إليهم إن كانوا شركاء لله، كما يوصف الله بالخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، والمعنى يعود إلى أن الصنم لو كان إلها لتصور منه أن يخلق ويرزق، ولحسن حينئذ أن يسمى بالخالق والرزاق.
قوله: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ [الرعد: ٣٣] هذا استفهام منقطع مما قبله، وتأويل الآية: فإن سموهم بصفات الله، قل: أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض، أتخبرون الله بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه؟ على معنى: أنه ليس، ولو كان لعلم، أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ [الرعد: ٣٣] يعني: أم يقولون مجازا من القول وباطلا لا حقيقة له، أي: إنه كلام ظاهر، وليس له في الحقيقة باطن ومعنى، فهو كلام باللسان، بل دع ذكر ما كنا فيه، زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: زين الشيطان لهم الكفر، وذلك أن مكرهم بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفر منهم، وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: وصدهم الله عن سبيل الهدى.
وضم الصاد قراءة أهل الكوفة، ومن قرأ بفتح الصاد فالمعنى: أنهم صدوا غيرهم عن الإيمان.
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الرعد: ٣٣] يهديه إلى الخير والإيمان، لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الرعد: ٣٤] يعني الأسقام والقتل والأسر، هي لهم في الدنيا عذاب، وللمؤمن كفارة، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ [الرعد: ٣٤] أشد وأغلظ، وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ [الرعد: ٣٤] من عذاب الله، من واق مانع يمنعهم.
قوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد: ٣٥] أي: صفتها، قال ابن قتيبة: المثل الشبه في أصل اللغة، ثم قد يصير المعنى صورة الشيء وصفته، يقال: مثلت لك كذا، أي: صورته ووصفه.
أراد الله بقوله: مثل الجنة أي: صورتها وصفتها، ثم ذكرها، فقال: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ [الرعد: ٣٥] قال الحسن: يريد أن ثمارها لا تنقطع كثمار الدنيا، وظلها لأنه لا يزول، ولا تنسخه الشمس، تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا [الرعد: ٣٥] أي: عاقبة أمرهم المصير إليها، وعاقبة الكافرين المصير إلى النار.
الرعد 13:32
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ {٢٧ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ٢٨ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ٢٩ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ٣٠ وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ٣١ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ
شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ٣٣ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ٣٤ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ٣٥ } [الرعد: ٢٧-٣٥] قوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الرعد: ٢٧] نزلت في أهل مكة حين طالبوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالآيات، قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ [الرعد: ٢٧] قال ابن عباس: يريد عن دينه.
يعني: كما أضلكم بعدما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ [الرعد: ٢٧] رجع إلى الحق، وإنما يرجع إلى الحق من يشاء الله، فكأنه قال: ويهدي إليه من يشاء.
كما قال في آيات: وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [يونس: ٢٥].
قوله: الَّذِينَ آمَنُوا [الرعد: ٢٨] بدل من قوله: من أناب المعنى: يهدي إليه الذين آمنوا، وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [الرعد: ٢٨] إذا سمعوا ذكر الله أحبوه، واستأنسوا به، وقال الزجاج: أي إذا ذكر الله وحده آمنوا به غير شاكين.
بخلاف من وُصِفَ بقوله: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [الزمر: ٤٥].
وقوله: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨] يعني: قلوب المؤمنين، لأن الكافر غير مطمئن القلب.
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ [الرعد: ٢٩] أكثر المفسرين على أن طوبى اسم شجرة في الجنة، وهو قول أبي هريرة، ومغيث بن سمي، وشهر بن حوشب، ومجاهد، ومقاتل، وابن عباس في رواية الكلبي وعطاء.
وروي ذلك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٤٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَصْفَهَانِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عُمَارَةَ، نا جَعْفَرُ بْنُ عَنْبَسَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْبَسَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ السَّكُونِيِّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ [الرعد: ٢٩] فَقَالَ: " أَمَّا طُوبَى، فَشَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَيْسَتْ دَارٌ مِنْ دُورِ الْجَنَّةِ إِلا وَفِيهَا غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا، لَوْ أَنَّ طَائِرًا طَارَ فِي غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا لَقَتَلَهُ الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ فَرْعَهُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلا عَمَّرَ أَعْمَارَ الأَوَّلِينَ رَكِبَ حِقَّةً، أَوْ جَذَعَةً، ثُمَّ طَافَ بِسَاقِهَا،
لَقَتَلُه الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَوْضِعَ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ، لَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا تُظِلُّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وَلَيْسَتْ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا عَلَيْهَا مَلَكٌ يَذْكُرُ اللَّهَ وَيُسَبِّحُهُ، وَلَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ لَوْ جُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إِلا طَمَسَتْ ضَوْءَهُمَا، مِنْهَا كِسْوَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَحُلِيُّهُمْ، وَرَقُهَا حُلَلٌ، وَأَغْصَانُهَا حُلِيٌّ، وَوَحْلُهَا الْمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ، وَتُرَابُهَا الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ، وَحَصْبَاؤُهَا الدُّرُّ وَالْيَاقُوتَ، وَهِيَ مَجْلِسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمُتَحَدَّثُهُمْ.
٤٩٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، يَقُولُ اللَّهُ لَهَا: تَفَتَّقِي لِعَبْدِي عَمَّا يَشَاءُ، فَتَفَتَّقُ لَهُ عَنِ: الْخَيْلِ بِسُرُوجِهَا وَلُجُمِهَا، وَعَنِ الإِبِلِ بِرِحَالِهَا وَأَزِمَّتِهَا، وَعَمَّا شَاءَ مِنَ الْكِسْوَةِ ".
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: طوبى اسم الجنة بالحبشة.
هو قول مجاهد في رواية شبل، قال: طوبى اسم الجنة.
وقال أبو عبيدة، والزجاج، وأهل اللغة: طوبى فعلى من الطيب.
قال ابن الأنباري: تأويلها الحال المستطابة لهم.
وقوله: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ [الرعد: ٣٠] أي: أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك، فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ [الرعد: ٣٠] قال ابن عباس: في قرون قد مضت من قبلها قرون.
لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الرعد: ٣٠] يعني القرآن، وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: ٣٠] وذلك أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في الحجر يدعو، وأبو جهل يستمع إليه وهو يقول: «يا رحمن».
فلما سمعه يذكر الرحمن وَلَّى مدبرا إلى المشركين، وقال لهم: إن محمدا كان ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، يدعو الله ويدعو إلها آخر يقال له الرحمن.
فأنزل الله هذه الآية.
وقوله: قُلْ هُوَ رَبِّي [الرعد: ٣٠] أي: قل لهم: إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته هو إلهي وسيدي، لا إِلَهَ إِلا هُوَ [الرعد: ٣٠].
قوله: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا [الرعد: ٣١] الآية، قالت قريش للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن كنت كما تقول فادع الله يسير عنا هذه الجبال، فإن أرضنا ضيقة، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا حتى نغرس ونزرع، وابعث لنا آباءنا من الموتى حتى يكلمونا ويخبرونا أنك نبي.
فأنزل الله: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ [الرعد: ٣١] أي: جعلت تسير، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ [الرعد: ٣١] أي: شققت فجعلت أنهارا وعيونا، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى [الرعد: ٣١] أي: أحيوا حتى كلموا، وجواب لو محذوف، قال الفراء: تقديره لكان هذا القرآن، والمعنى: لو أن قرآنا فعل به ما التمسوا لكان هذا القرآن.
وقال الزجاج: جوابه لما آمنوا.
وهو قول ابن عباس، قال: يريد لو قضيت ألا يقرأ القرآن على الجبال إلا سارت، ولا على الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا أحيوا
وتكلموا، ما آمنوا لما سبق عليهم في علمي.
ونظير هذه الآية قوله: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ [الأنعام: ١١١] إلى قوله مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا [الأنعام: ١١١]، بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] يقول: دع ذاك الذي قالوا من تسيير الجبال وغيره، فالأمر لله جميعا، ولو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذا لم يشأ لا ينفع تسيير الجبال وما اقترحوا من الآيات، ثم أكد هذا المعنى بقوله: أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] قال ابن عباس: أفلم يعلم.
وقال الكلبي: ييأس يعلم في لغة النخع.
وهذا قول مجاهد، والحسن، وقتادة.
وقوله: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ [الرعد: ٣١] أي: بما صنعوا من كفرهم وأعمالهم الخبيثة داهية تقرعهم، ومصيبة شديدة من الأسر والقتل والحرب والجدب.
وقال مجاهد، وأبو سعيد الخدري: هي السرايا التي كان يبعثها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم.
أو تحل تنزل أنت يا محمد قريبا من دارهم، حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ [الرعد: ٣١] يعني فتح مكة، وعده الله أن يفتحها له، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [الرعد: ٣١] ثم عزى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الرعد: ٣٢] أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة، ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد: ٣٢] قال ابن عباس: يريد كيف رأيت ما صنعت بهم، كذلك أصنع بمشركي قومك.
قوله: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: كذلك أمتنع، يريد نفسه تبارك وتعالى.
ومعنى القيام ههنا التولي لأمور خلقه، والتدبير للأرزاق والآجال، وإحصاء الأعمال للجزاء، كقوله: قائما بالقسط أي: واليا لذلك، والمعنى ههنا: أفمن هو قائم بالتدبير على كل نفس بجزاء ما كسبت، وتلخيصه: أفمن هو مجاز كل نفس بما كسبت، كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ [الرعد: ٣٣] قال الفراء:
كأنه في المعنى، قال: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم الذين اتخذوهم.
قل سموهم بما يسحقون من الصفات وإضافة الأفعال إليهم إن كانوا شركاء لله، كما يوصف الله بالخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، والمعنى يعود إلى أن الصنم لو كان إلها لتصور منه أن يخلق ويرزق، ولحسن حينئذ أن يسمى بالخالق والرزاق.
قوله: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ [الرعد: ٣٣] هذا استفهام منقطع مما قبله، وتأويل الآية: فإن سموهم بصفات الله، قل: أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض، أتخبرون الله بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه؟ على معنى: أنه ليس، ولو كان لعلم، أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ [الرعد: ٣٣] يعني: أم يقولون مجازا من القول وباطلا لا حقيقة له، أي: إنه كلام ظاهر، وليس له في الحقيقة باطن ومعنى، فهو كلام باللسان، بل دع ذكر ما كنا فيه، زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: زين الشيطان لهم الكفر، وذلك أن مكرهم بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفر منهم، وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: وصدهم الله عن سبيل الهدى.
وضم الصاد قراءة أهل الكوفة، ومن قرأ بفتح الصاد فالمعنى: أنهم صدوا غيرهم عن الإيمان.
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الرعد: ٣٣] يهديه إلى الخير والإيمان، لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الرعد: ٣٤] يعني الأسقام والقتل والأسر، هي لهم في الدنيا عذاب، وللمؤمن كفارة، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ [الرعد: ٣٤] أشد وأغلظ، وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ [الرعد: ٣٤] من عذاب الله، من واق مانع يمنعهم.
قوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد: ٣٥] أي: صفتها، قال ابن قتيبة: المثل الشبه في أصل اللغة، ثم قد يصير المعنى صورة الشيء وصفته، يقال: مثلت لك كذا، أي: صورته ووصفه.
أراد الله بقوله: مثل الجنة أي: صورتها وصفتها، ثم ذكرها، فقال: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ [الرعد: ٣٥] قال الحسن: يريد أن ثمارها لا تنقطع كثمار الدنيا، وظلها لأنه لا يزول، ولا تنسخه الشمس، تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا [الرعد: ٣٥] أي: عاقبة أمرهم المصير إليها، وعاقبة الكافرين المصير إلى النار.
الرعد 13:33
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ {٢٧ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ٢٨ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ٢٩ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ٣٠ وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ٣١ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ
شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ٣٣ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ٣٤ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ٣٥ } [الرعد: ٢٧-٣٥] قوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الرعد: ٢٧] نزلت في أهل مكة حين طالبوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالآيات، قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ [الرعد: ٢٧] قال ابن عباس: يريد عن دينه.
يعني: كما أضلكم بعدما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ [الرعد: ٢٧] رجع إلى الحق، وإنما يرجع إلى الحق من يشاء الله، فكأنه قال: ويهدي إليه من يشاء.
كما قال في آيات: وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [يونس: ٢٥].
قوله: الَّذِينَ آمَنُوا [الرعد: ٢٨] بدل من قوله: من أناب المعنى: يهدي إليه الذين آمنوا، وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [الرعد: ٢٨] إذا سمعوا ذكر الله أحبوه، واستأنسوا به، وقال الزجاج: أي إذا ذكر الله وحده آمنوا به غير شاكين.
بخلاف من وُصِفَ بقوله: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [الزمر: ٤٥].
وقوله: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨] يعني: قلوب المؤمنين، لأن الكافر غير مطمئن القلب.
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ [الرعد: ٢٩] أكثر المفسرين على أن طوبى اسم شجرة في الجنة، وهو قول أبي هريرة، ومغيث بن سمي، وشهر بن حوشب، ومجاهد، ومقاتل، وابن عباس في رواية الكلبي وعطاء.
وروي ذلك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٤٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَصْفَهَانِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عُمَارَةَ، نا جَعْفَرُ بْنُ عَنْبَسَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْبَسَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ السَّكُونِيِّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ [الرعد: ٢٩] فَقَالَ: " أَمَّا طُوبَى، فَشَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَيْسَتْ دَارٌ مِنْ دُورِ الْجَنَّةِ إِلا وَفِيهَا غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا، لَوْ أَنَّ طَائِرًا طَارَ فِي غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا لَقَتَلَهُ الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ فَرْعَهُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلا عَمَّرَ أَعْمَارَ الأَوَّلِينَ رَكِبَ حِقَّةً، أَوْ جَذَعَةً، ثُمَّ طَافَ بِسَاقِهَا،
لَقَتَلُه الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَوْضِعَ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ، لَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا تُظِلُّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وَلَيْسَتْ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا عَلَيْهَا مَلَكٌ يَذْكُرُ اللَّهَ وَيُسَبِّحُهُ، وَلَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ لَوْ جُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إِلا طَمَسَتْ ضَوْءَهُمَا، مِنْهَا كِسْوَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَحُلِيُّهُمْ، وَرَقُهَا حُلَلٌ، وَأَغْصَانُهَا حُلِيٌّ، وَوَحْلُهَا الْمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ، وَتُرَابُهَا الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ، وَحَصْبَاؤُهَا الدُّرُّ وَالْيَاقُوتَ، وَهِيَ مَجْلِسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمُتَحَدَّثُهُمْ.
٤٩٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، يَقُولُ اللَّهُ لَهَا: تَفَتَّقِي لِعَبْدِي عَمَّا يَشَاءُ، فَتَفَتَّقُ لَهُ عَنِ: الْخَيْلِ بِسُرُوجِهَا وَلُجُمِهَا، وَعَنِ الإِبِلِ بِرِحَالِهَا وَأَزِمَّتِهَا، وَعَمَّا شَاءَ مِنَ الْكِسْوَةِ ".
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: طوبى اسم الجنة بالحبشة.
هو قول مجاهد في رواية شبل، قال: طوبى اسم الجنة.
وقال أبو عبيدة، والزجاج، وأهل اللغة: طوبى فعلى من الطيب.
قال ابن الأنباري: تأويلها الحال المستطابة لهم.
وقوله: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ [الرعد: ٣٠] أي: أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك، فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ [الرعد: ٣٠] قال ابن عباس: في قرون قد مضت من قبلها قرون.
لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الرعد: ٣٠] يعني القرآن، وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: ٣٠] وذلك أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في الحجر يدعو، وأبو جهل يستمع إليه وهو يقول: «يا رحمن».
فلما سمعه يذكر الرحمن وَلَّى مدبرا إلى المشركين، وقال لهم: إن محمدا كان ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، يدعو الله ويدعو إلها آخر يقال له الرحمن.
فأنزل الله هذه الآية.
وقوله: قُلْ هُوَ رَبِّي [الرعد: ٣٠] أي: قل لهم: إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته هو إلهي وسيدي، لا إِلَهَ إِلا هُوَ [الرعد: ٣٠].
قوله: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا [الرعد: ٣١] الآية، قالت قريش للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن كنت كما تقول فادع الله يسير عنا هذه الجبال، فإن أرضنا ضيقة، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا حتى نغرس ونزرع، وابعث لنا آباءنا من الموتى حتى يكلمونا ويخبرونا أنك نبي.
فأنزل الله: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ [الرعد: ٣١] أي: جعلت تسير، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ [الرعد: ٣١] أي: شققت فجعلت أنهارا وعيونا، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى [الرعد: ٣١] أي: أحيوا حتى كلموا، وجواب لو محذوف، قال الفراء: تقديره لكان هذا القرآن، والمعنى: لو أن قرآنا فعل به ما التمسوا لكان هذا القرآن.
وقال الزجاج: جوابه لما آمنوا.
وهو قول ابن عباس، قال: يريد لو قضيت ألا يقرأ القرآن على الجبال إلا سارت، ولا على الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا أحيوا
وتكلموا، ما آمنوا لما سبق عليهم في علمي.
ونظير هذه الآية قوله: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ [الأنعام: ١١١] إلى قوله مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا [الأنعام: ١١١]، بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] يقول: دع ذاك الذي قالوا من تسيير الجبال وغيره، فالأمر لله جميعا، ولو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذا لم يشأ لا ينفع تسيير الجبال وما اقترحوا من الآيات، ثم أكد هذا المعنى بقوله: أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] قال ابن عباس: أفلم يعلم.
وقال الكلبي: ييأس يعلم في لغة النخع.
وهذا قول مجاهد، والحسن، وقتادة.
وقوله: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ [الرعد: ٣١] أي: بما صنعوا من كفرهم وأعمالهم الخبيثة داهية تقرعهم، ومصيبة شديدة من الأسر والقتل والحرب والجدب.
وقال مجاهد، وأبو سعيد الخدري: هي السرايا التي كان يبعثها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم.
أو تحل تنزل أنت يا محمد قريبا من دارهم، حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ [الرعد: ٣١] يعني فتح مكة، وعده الله أن يفتحها له، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [الرعد: ٣١] ثم عزى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الرعد: ٣٢] أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة، ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد: ٣٢] قال ابن عباس: يريد كيف رأيت ما صنعت بهم، كذلك أصنع بمشركي قومك.
قوله: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: كذلك أمتنع، يريد نفسه تبارك وتعالى.
ومعنى القيام ههنا التولي لأمور خلقه، والتدبير للأرزاق والآجال، وإحصاء الأعمال للجزاء، كقوله: قائما بالقسط أي: واليا لذلك، والمعنى ههنا: أفمن هو قائم بالتدبير على كل نفس بجزاء ما كسبت، وتلخيصه: أفمن هو مجاز كل نفس بما كسبت، كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ [الرعد: ٣٣] قال الفراء:
كأنه في المعنى، قال: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم الذين اتخذوهم.
قل سموهم بما يسحقون من الصفات وإضافة الأفعال إليهم إن كانوا شركاء لله، كما يوصف الله بالخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، والمعنى يعود إلى أن الصنم لو كان إلها لتصور منه أن يخلق ويرزق، ولحسن حينئذ أن يسمى بالخالق والرزاق.
قوله: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ [الرعد: ٣٣] هذا استفهام منقطع مما قبله، وتأويل الآية: فإن سموهم بصفات الله، قل: أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض، أتخبرون الله بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه؟ على معنى: أنه ليس، ولو كان لعلم، أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ [الرعد: ٣٣] يعني: أم يقولون مجازا من القول وباطلا لا حقيقة له، أي: إنه كلام ظاهر، وليس له في الحقيقة باطن ومعنى، فهو كلام باللسان، بل دع ذكر ما كنا فيه، زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: زين الشيطان لهم الكفر، وذلك أن مكرهم بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفر منهم، وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: وصدهم الله عن سبيل الهدى.
وضم الصاد قراءة أهل الكوفة، ومن قرأ بفتح الصاد فالمعنى: أنهم صدوا غيرهم عن الإيمان.
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الرعد: ٣٣] يهديه إلى الخير والإيمان، لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الرعد: ٣٤] يعني الأسقام والقتل والأسر، هي لهم في الدنيا عذاب، وللمؤمن كفارة، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ [الرعد: ٣٤] أشد وأغلظ، وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ [الرعد: ٣٤] من عذاب الله، من واق مانع يمنعهم.
قوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد: ٣٥] أي: صفتها، قال ابن قتيبة: المثل الشبه في أصل اللغة، ثم قد يصير المعنى صورة الشيء وصفته، يقال: مثلت لك كذا، أي: صورته ووصفه.
أراد الله بقوله: مثل الجنة أي: صورتها وصفتها، ثم ذكرها، فقال: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ [الرعد: ٣٥] قال الحسن: يريد أن ثمارها لا تنقطع كثمار الدنيا، وظلها لأنه لا يزول، ولا تنسخه الشمس، تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا [الرعد: ٣٥] أي: عاقبة أمرهم المصير إليها، وعاقبة الكافرين المصير إلى النار.
الرعد 13:34
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ {٢٧ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ٢٨ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ٢٩ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ٣٠ وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ٣١ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ
شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ٣٣ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ٣٤ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ٣٥ } [الرعد: ٢٧-٣٥] قوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الرعد: ٢٧] نزلت في أهل مكة حين طالبوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالآيات، قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ [الرعد: ٢٧] قال ابن عباس: يريد عن دينه.
يعني: كما أضلكم بعدما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ [الرعد: ٢٧] رجع إلى الحق، وإنما يرجع إلى الحق من يشاء الله، فكأنه قال: ويهدي إليه من يشاء.
كما قال في آيات: وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [يونس: ٢٥].
قوله: الَّذِينَ آمَنُوا [الرعد: ٢٨] بدل من قوله: من أناب المعنى: يهدي إليه الذين آمنوا، وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [الرعد: ٢٨] إذا سمعوا ذكر الله أحبوه، واستأنسوا به، وقال الزجاج: أي إذا ذكر الله وحده آمنوا به غير شاكين.
بخلاف من وُصِفَ بقوله: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [الزمر: ٤٥].
وقوله: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨] يعني: قلوب المؤمنين، لأن الكافر غير مطمئن القلب.
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ [الرعد: ٢٩] أكثر المفسرين على أن طوبى اسم شجرة في الجنة، وهو قول أبي هريرة، ومغيث بن سمي، وشهر بن حوشب، ومجاهد، ومقاتل، وابن عباس في رواية الكلبي وعطاء.
وروي ذلك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٤٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَصْفَهَانِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عُمَارَةَ، نا جَعْفَرُ بْنُ عَنْبَسَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْبَسَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ السَّكُونِيِّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ [الرعد: ٢٩] فَقَالَ: " أَمَّا طُوبَى، فَشَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَيْسَتْ دَارٌ مِنْ دُورِ الْجَنَّةِ إِلا وَفِيهَا غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا، لَوْ أَنَّ طَائِرًا طَارَ فِي غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا لَقَتَلَهُ الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ فَرْعَهُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلا عَمَّرَ أَعْمَارَ الأَوَّلِينَ رَكِبَ حِقَّةً، أَوْ جَذَعَةً، ثُمَّ طَافَ بِسَاقِهَا،
لَقَتَلُه الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَوْضِعَ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ، لَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا تُظِلُّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وَلَيْسَتْ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا عَلَيْهَا مَلَكٌ يَذْكُرُ اللَّهَ وَيُسَبِّحُهُ، وَلَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ لَوْ جُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إِلا طَمَسَتْ ضَوْءَهُمَا، مِنْهَا كِسْوَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَحُلِيُّهُمْ، وَرَقُهَا حُلَلٌ، وَأَغْصَانُهَا حُلِيٌّ، وَوَحْلُهَا الْمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ، وَتُرَابُهَا الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ، وَحَصْبَاؤُهَا الدُّرُّ وَالْيَاقُوتَ، وَهِيَ مَجْلِسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمُتَحَدَّثُهُمْ.
٤٩٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، يَقُولُ اللَّهُ لَهَا: تَفَتَّقِي لِعَبْدِي عَمَّا يَشَاءُ، فَتَفَتَّقُ لَهُ عَنِ: الْخَيْلِ بِسُرُوجِهَا وَلُجُمِهَا، وَعَنِ الإِبِلِ بِرِحَالِهَا وَأَزِمَّتِهَا، وَعَمَّا شَاءَ مِنَ الْكِسْوَةِ ".
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: طوبى اسم الجنة بالحبشة.
هو قول مجاهد في رواية شبل، قال: طوبى اسم الجنة.
وقال أبو عبيدة، والزجاج، وأهل اللغة: طوبى فعلى من الطيب.
قال ابن الأنباري: تأويلها الحال المستطابة لهم.
وقوله: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ [الرعد: ٣٠] أي: أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك، فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ [الرعد: ٣٠] قال ابن عباس: في قرون قد مضت من قبلها قرون.
لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الرعد: ٣٠] يعني القرآن، وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: ٣٠] وذلك أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في الحجر يدعو، وأبو جهل يستمع إليه وهو يقول: «يا رحمن».
فلما سمعه يذكر الرحمن وَلَّى مدبرا إلى المشركين، وقال لهم: إن محمدا كان ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، يدعو الله ويدعو إلها آخر يقال له الرحمن.
فأنزل الله هذه الآية.
وقوله: قُلْ هُوَ رَبِّي [الرعد: ٣٠] أي: قل لهم: إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته هو إلهي وسيدي، لا إِلَهَ إِلا هُوَ [الرعد: ٣٠].
قوله: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا [الرعد: ٣١] الآية، قالت قريش للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن كنت كما تقول فادع الله يسير عنا هذه الجبال، فإن أرضنا ضيقة، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا حتى نغرس ونزرع، وابعث لنا آباءنا من الموتى حتى يكلمونا ويخبرونا أنك نبي.
فأنزل الله: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ [الرعد: ٣١] أي: جعلت تسير، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ [الرعد: ٣١] أي: شققت فجعلت أنهارا وعيونا، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى [الرعد: ٣١] أي: أحيوا حتى كلموا، وجواب لو محذوف، قال الفراء: تقديره لكان هذا القرآن، والمعنى: لو أن قرآنا فعل به ما التمسوا لكان هذا القرآن.
وقال الزجاج: جوابه لما آمنوا.
وهو قول ابن عباس، قال: يريد لو قضيت ألا يقرأ القرآن على الجبال إلا سارت، ولا على الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا أحيوا
وتكلموا، ما آمنوا لما سبق عليهم في علمي.
ونظير هذه الآية قوله: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ [الأنعام: ١١١] إلى قوله مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا [الأنعام: ١١١]، بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] يقول: دع ذاك الذي قالوا من تسيير الجبال وغيره، فالأمر لله جميعا، ولو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذا لم يشأ لا ينفع تسيير الجبال وما اقترحوا من الآيات، ثم أكد هذا المعنى بقوله: أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] قال ابن عباس: أفلم يعلم.
وقال الكلبي: ييأس يعلم في لغة النخع.
وهذا قول مجاهد، والحسن، وقتادة.
وقوله: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ [الرعد: ٣١] أي: بما صنعوا من كفرهم وأعمالهم الخبيثة داهية تقرعهم، ومصيبة شديدة من الأسر والقتل والحرب والجدب.
وقال مجاهد، وأبو سعيد الخدري: هي السرايا التي كان يبعثها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم.
أو تحل تنزل أنت يا محمد قريبا من دارهم، حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ [الرعد: ٣١] يعني فتح مكة، وعده الله أن يفتحها له، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [الرعد: ٣١] ثم عزى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الرعد: ٣٢] أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة، ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد: ٣٢] قال ابن عباس: يريد كيف رأيت ما صنعت بهم، كذلك أصنع بمشركي قومك.
قوله: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: كذلك أمتنع، يريد نفسه تبارك وتعالى.
ومعنى القيام ههنا التولي لأمور خلقه، والتدبير للأرزاق والآجال، وإحصاء الأعمال للجزاء، كقوله: قائما بالقسط أي: واليا لذلك، والمعنى ههنا: أفمن هو قائم بالتدبير على كل نفس بجزاء ما كسبت، وتلخيصه: أفمن هو مجاز كل نفس بما كسبت، كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ [الرعد: ٣٣] قال الفراء:
كأنه في المعنى، قال: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم الذين اتخذوهم.
قل سموهم بما يسحقون من الصفات وإضافة الأفعال إليهم إن كانوا شركاء لله، كما يوصف الله بالخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، والمعنى يعود إلى أن الصنم لو كان إلها لتصور منه أن يخلق ويرزق، ولحسن حينئذ أن يسمى بالخالق والرزاق.
قوله: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ [الرعد: ٣٣] هذا استفهام منقطع مما قبله، وتأويل الآية: فإن سموهم بصفات الله، قل: أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض، أتخبرون الله بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه؟ على معنى: أنه ليس، ولو كان لعلم، أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ [الرعد: ٣٣] يعني: أم يقولون مجازا من القول وباطلا لا حقيقة له، أي: إنه كلام ظاهر، وليس له في الحقيقة باطن ومعنى، فهو كلام باللسان، بل دع ذكر ما كنا فيه، زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: زين الشيطان لهم الكفر، وذلك أن مكرهم بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفر منهم، وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: وصدهم الله عن سبيل الهدى.
وضم الصاد قراءة أهل الكوفة، ومن قرأ بفتح الصاد فالمعنى: أنهم صدوا غيرهم عن الإيمان.
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الرعد: ٣٣] يهديه إلى الخير والإيمان، لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الرعد: ٣٤] يعني الأسقام والقتل والأسر، هي لهم في الدنيا عذاب، وللمؤمن كفارة، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ [الرعد: ٣٤] أشد وأغلظ، وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ [الرعد: ٣٤] من عذاب الله، من واق مانع يمنعهم.
قوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد: ٣٥] أي: صفتها، قال ابن قتيبة: المثل الشبه في أصل اللغة، ثم قد يصير المعنى صورة الشيء وصفته، يقال: مثلت لك كذا، أي: صورته ووصفه.
أراد الله بقوله: مثل الجنة أي: صورتها وصفتها، ثم ذكرها، فقال: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ [الرعد: ٣٥] قال الحسن: يريد أن ثمارها لا تنقطع كثمار الدنيا، وظلها لأنه لا يزول، ولا تنسخه الشمس، تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا [الرعد: ٣٥] أي: عاقبة أمرهم المصير إليها، وعاقبة الكافرين المصير إلى النار.
الرعد 13:35
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ {٢٧ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ٢٨ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ٢٩ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ٣٠ وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ٣١ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ
شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ٣٣ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ٣٤ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ٣٥ } [الرعد: ٢٧-٣٥] قوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الرعد: ٢٧] نزلت في أهل مكة حين طالبوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالآيات، قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ [الرعد: ٢٧] قال ابن عباس: يريد عن دينه.
يعني: كما أضلكم بعدما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ [الرعد: ٢٧] رجع إلى الحق، وإنما يرجع إلى الحق من يشاء الله، فكأنه قال: ويهدي إليه من يشاء.
كما قال في آيات: وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [يونس: ٢٥].
قوله: الَّذِينَ آمَنُوا [الرعد: ٢٨] بدل من قوله: من أناب المعنى: يهدي إليه الذين آمنوا، وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [الرعد: ٢٨] إذا سمعوا ذكر الله أحبوه، واستأنسوا به، وقال الزجاج: أي إذا ذكر الله وحده آمنوا به غير شاكين.
بخلاف من وُصِفَ بقوله: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [الزمر: ٤٥].
وقوله: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨] يعني: قلوب المؤمنين، لأن الكافر غير مطمئن القلب.
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ [الرعد: ٢٩] أكثر المفسرين على أن طوبى اسم شجرة في الجنة، وهو قول أبي هريرة، ومغيث بن سمي، وشهر بن حوشب، ومجاهد، ومقاتل، وابن عباس في رواية الكلبي وعطاء.
وروي ذلك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٤٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَصْفَهَانِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عُمَارَةَ، نا جَعْفَرُ بْنُ عَنْبَسَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْبَسَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ السَّكُونِيِّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ [الرعد: ٢٩] فَقَالَ: " أَمَّا طُوبَى، فَشَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَيْسَتْ دَارٌ مِنْ دُورِ الْجَنَّةِ إِلا وَفِيهَا غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا، لَوْ أَنَّ طَائِرًا طَارَ فِي غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا لَقَتَلَهُ الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ فَرْعَهُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلا عَمَّرَ أَعْمَارَ الأَوَّلِينَ رَكِبَ حِقَّةً، أَوْ جَذَعَةً، ثُمَّ طَافَ بِسَاقِهَا،
لَقَتَلُه الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَوْضِعَ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ، لَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا تُظِلُّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وَلَيْسَتْ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا عَلَيْهَا مَلَكٌ يَذْكُرُ اللَّهَ وَيُسَبِّحُهُ، وَلَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ لَوْ جُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إِلا طَمَسَتْ ضَوْءَهُمَا، مِنْهَا كِسْوَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَحُلِيُّهُمْ، وَرَقُهَا حُلَلٌ، وَأَغْصَانُهَا حُلِيٌّ، وَوَحْلُهَا الْمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ، وَتُرَابُهَا الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ، وَحَصْبَاؤُهَا الدُّرُّ وَالْيَاقُوتَ، وَهِيَ مَجْلِسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمُتَحَدَّثُهُمْ.
٤٩٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، يَقُولُ اللَّهُ لَهَا: تَفَتَّقِي لِعَبْدِي عَمَّا يَشَاءُ، فَتَفَتَّقُ لَهُ عَنِ: الْخَيْلِ بِسُرُوجِهَا وَلُجُمِهَا، وَعَنِ الإِبِلِ بِرِحَالِهَا وَأَزِمَّتِهَا، وَعَمَّا شَاءَ مِنَ الْكِسْوَةِ ".
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: طوبى اسم الجنة بالحبشة.
هو قول مجاهد في رواية شبل، قال: طوبى اسم الجنة.
وقال أبو عبيدة، والزجاج، وأهل اللغة: طوبى فعلى من الطيب.
قال ابن الأنباري: تأويلها الحال المستطابة لهم.
وقوله: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ [الرعد: ٣٠] أي: أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك، فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ [الرعد: ٣٠] قال ابن عباس: في قرون قد مضت من قبلها قرون.
لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الرعد: ٣٠] يعني القرآن، وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: ٣٠] وذلك أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في الحجر يدعو، وأبو جهل يستمع إليه وهو يقول: «يا رحمن».
فلما سمعه يذكر الرحمن وَلَّى مدبرا إلى المشركين، وقال لهم: إن محمدا كان ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، يدعو الله ويدعو إلها آخر يقال له الرحمن.
فأنزل الله هذه الآية.
وقوله: قُلْ هُوَ رَبِّي [الرعد: ٣٠] أي: قل لهم: إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته هو إلهي وسيدي، لا إِلَهَ إِلا هُوَ [الرعد: ٣٠].
قوله: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا [الرعد: ٣١] الآية، قالت قريش للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن كنت كما تقول فادع الله يسير عنا هذه الجبال، فإن أرضنا ضيقة، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا حتى نغرس ونزرع، وابعث لنا آباءنا من الموتى حتى يكلمونا ويخبرونا أنك نبي.
فأنزل الله: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ [الرعد: ٣١] أي: جعلت تسير، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ [الرعد: ٣١] أي: شققت فجعلت أنهارا وعيونا، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى [الرعد: ٣١] أي: أحيوا حتى كلموا، وجواب لو محذوف، قال الفراء: تقديره لكان هذا القرآن، والمعنى: لو أن قرآنا فعل به ما التمسوا لكان هذا القرآن.
وقال الزجاج: جوابه لما آمنوا.
وهو قول ابن عباس، قال: يريد لو قضيت ألا يقرأ القرآن على الجبال إلا سارت، ولا على الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا أحيوا
وتكلموا، ما آمنوا لما سبق عليهم في علمي.
ونظير هذه الآية قوله: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ [الأنعام: ١١١] إلى قوله مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا [الأنعام: ١١١]، بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] يقول: دع ذاك الذي قالوا من تسيير الجبال وغيره، فالأمر لله جميعا، ولو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذا لم يشأ لا ينفع تسيير الجبال وما اقترحوا من الآيات، ثم أكد هذا المعنى بقوله: أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] قال ابن عباس: أفلم يعلم.
وقال الكلبي: ييأس يعلم في لغة النخع.
وهذا قول مجاهد، والحسن، وقتادة.
وقوله: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ [الرعد: ٣١] أي: بما صنعوا من كفرهم وأعمالهم الخبيثة داهية تقرعهم، ومصيبة شديدة من الأسر والقتل والحرب والجدب.
وقال مجاهد، وأبو سعيد الخدري: هي السرايا التي كان يبعثها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم.
أو تحل تنزل أنت يا محمد قريبا من دارهم، حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ [الرعد: ٣١] يعني فتح مكة، وعده الله أن يفتحها له، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [الرعد: ٣١] ثم عزى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الرعد: ٣٢] أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة، ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد: ٣٢] قال ابن عباس: يريد كيف رأيت ما صنعت بهم، كذلك أصنع بمشركي قومك.
قوله: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: كذلك أمتنع، يريد نفسه تبارك وتعالى.
ومعنى القيام ههنا التولي لأمور خلقه، والتدبير للأرزاق والآجال، وإحصاء الأعمال للجزاء، كقوله: قائما بالقسط أي: واليا لذلك، والمعنى ههنا: أفمن هو قائم بالتدبير على كل نفس بجزاء ما كسبت، وتلخيصه: أفمن هو مجاز كل نفس بما كسبت، كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ [الرعد: ٣٣] قال الفراء:
كأنه في المعنى، قال: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم الذين اتخذوهم.
قل سموهم بما يسحقون من الصفات وإضافة الأفعال إليهم إن كانوا شركاء لله، كما يوصف الله بالخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، والمعنى يعود إلى أن الصنم لو كان إلها لتصور منه أن يخلق ويرزق، ولحسن حينئذ أن يسمى بالخالق والرزاق.
قوله: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ [الرعد: ٣٣] هذا استفهام منقطع مما قبله، وتأويل الآية: فإن سموهم بصفات الله، قل: أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض، أتخبرون الله بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه؟ على معنى: أنه ليس، ولو كان لعلم، أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ [الرعد: ٣٣] يعني: أم يقولون مجازا من القول وباطلا لا حقيقة له، أي: إنه كلام ظاهر، وليس له في الحقيقة باطن ومعنى، فهو كلام باللسان، بل دع ذكر ما كنا فيه، زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: زين الشيطان لهم الكفر، وذلك أن مكرهم بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفر منهم، وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: وصدهم الله عن سبيل الهدى.
وضم الصاد قراءة أهل الكوفة، ومن قرأ بفتح الصاد فالمعنى: أنهم صدوا غيرهم عن الإيمان.
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الرعد: ٣٣] يهديه إلى الخير والإيمان، لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الرعد: ٣٤] يعني الأسقام والقتل والأسر، هي لهم في الدنيا عذاب، وللمؤمن كفارة، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ [الرعد: ٣٤] أشد وأغلظ، وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ [الرعد: ٣٤] من عذاب الله، من واق مانع يمنعهم.
قوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد: ٣٥] أي: صفتها، قال ابن قتيبة: المثل الشبه في أصل اللغة، ثم قد يصير المعنى صورة الشيء وصفته، يقال: مثلت لك كذا، أي: صورته ووصفه.
أراد الله بقوله: مثل الجنة أي: صورتها وصفتها، ثم ذكرها، فقال: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ [الرعد: ٣٥] قال الحسن: يريد أن ثمارها لا تنقطع كثمار الدنيا، وظلها لأنه لا يزول، ولا تنسخه الشمس، تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا [الرعد: ٣٥] أي: عاقبة أمرهم المصير إليها، وعاقبة الكافرين المصير إلى النار.
الرعد 13:36
قوله: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ {٣٦ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ ٣٧ } [الرعد: ٣٦-٣٧].
وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الرعد: ٣٦] قال المفسرون: إن عبد الله بن سلام والذين آمنوا معه من أهل الكتاب، ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن، مع كثرة ذكره في التوراة، فأنزل الله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ [الإسراء: ١١٠] ففرح بذلك مؤمنو أهل الكتاب، وكفر المشركون بالرحمن، وقالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقوله: وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ [الرعد: ٣٦] يعني الكفار الذين تحزبوا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمعاداة، مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ [الرعد: ٣٦] يعني ذكر الرحمن، وهذا
كقوله: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: ٣٠] إلى آخره.
قوله وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ [الرعد: ٣٧] أي: وكما أنزلنا الكتب على الأنبياء الذين تقدموا، أنزلنا إليك القرآن، حُكْمًا عَرَبِيًّا [الرعد: ٣٧] قال ابن عباس: يريد ما حكم من الفرائض في القرآن، وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ [الرعد: ٣٧] بوحدانية الله تعالى، وذلك أن المشركين دعوه إلى ملة آبائه، فتوعده الله على اتباع أهواءهم بقوله: مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ [الرعد: ٣٧] أي: ما لك من عذاب الله مانع يمنعك.
الرعد 13:37
قوله: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ {٣٦ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ ٣٧ } [الرعد: ٣٦-٣٧].
وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الرعد: ٣٦] قال المفسرون: إن عبد الله بن سلام والذين آمنوا معه من أهل الكتاب، ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن، مع كثرة ذكره في التوراة، فأنزل الله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ [الإسراء: ١١٠] ففرح بذلك مؤمنو أهل الكتاب، وكفر المشركون بالرحمن، وقالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقوله: وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ [الرعد: ٣٦] يعني الكفار الذين تحزبوا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمعاداة، مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ [الرعد: ٣٦] يعني ذكر الرحمن، وهذا
كقوله: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: ٣٠] إلى آخره.
قوله وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ [الرعد: ٣٧] أي: وكما أنزلنا الكتب على الأنبياء الذين تقدموا، أنزلنا إليك القرآن، حُكْمًا عَرَبِيًّا [الرعد: ٣٧] قال ابن عباس: يريد ما حكم من الفرائض في القرآن، وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ [الرعد: ٣٧] بوحدانية الله تعالى، وذلك أن المشركين دعوه إلى ملة آبائه، فتوعده الله على اتباع أهواءهم بقوله: مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ [الرعد: ٣٧] أي: ما لك من عذاب الله مانع يمنعك.
الرعد 13:38
قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ {٣٨ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ٣٩ وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ٤٠ } [الرعد: ٣٨-٤٠] وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ [الرعد: ٣٨] قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقالت: ما نرى للرجل همة إلا النساء والنكاح، ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء.
فأنزل الله هذه الآية، يقول: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ [الرعد: ٣٨] وجعلناهم بشرا لهم أزواج فنكحوهن، وأولاد أنسلوهم، وذلك قوله: وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً [الرعد: ٣٨].
٤٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْوَاعِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، نا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نا حُسَيْنُ بْنُ رَافِعٍ الْعَنْبَرِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ، قَالَتْ: فَلا تَفْعَلْ، أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً [الرعد: ٣٨] فَلا تَتَبَتَّلْ.
وقوله: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ [الرعد: ٣٨] هذا جواب للذين تحكموا عليه في طلب الآيات، والمعنى: أن حال محمد كحال الرسل الذين تقدموا في أنهم كانوا لا يأتون بآية إلا بإذن ربهم، لا على تحكم العباد بأهوائهم، لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد: ٣٨] لكل أجل قدره الله، ولكل أمر قضاه كتاب أثبت فيه، فلا تكون آية إلا بأجل قد قضاه الله في كتاب، وكذلك كل أمر.
قوله: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد: ٣٩] ذهب قوم إلى أن هذا عام في كل شيء، كما يقتضيه ظاهر اللفظ، وقالوا: إن الله يمحو من الرزق ويزيد فيه، ومن الأجل، ويمحو السعادة والشقاوة، وهو مذهب عمر، وابن مسعود، وأبي وائل، وقتادة، والضحاك، وابن جريج، قالوا: أم الكتاب عند الله يمحو الله ما يشاء منه ويثبت.
ونحو هذا روى أبو الدرداء، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «إن الله سبحانه في ثلاث ساعات يبقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر
فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء».
ومعنى أم الكتاب: أصل الكتاب الذي أثبت فيه الكائنات والحادثات.
وروى عكرمة، عن ابن عباس، قال: هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب، يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب الذي لا يغير منه شيء.
وهذه رواية عمران بن حصين، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقال قوم: إن الله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة، والموت والحياة والرزق والأجل.
ويدل على صحة هذا ما:
٤٩٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو، نا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الطُّفَيْلِ، يَقُولُ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " إِذَا مَضَتْ عَلَى النُّطْفَةِ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، يَقُولُ الْمَلَكُ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ فَيَقُولُ: أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، فَيَقُولُ: عَمَلُهُ وَأَجَلُهُ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ تُطْوَى الصَّحِيفَةُ فَلا يُزَادُ فِيهَا وَلا يُنْقَصُ مِنْهَا "، رَوَاهُ مُسْلِم، عَنِ ابْنِ نُصَيْرٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ
وقال سعيد بن جبير، وقتادة: يمحو الله ما يشاء من الشرائع فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه.
وهذا القول اختيار أبي علي الفارسي، قال: هذا والله أعلم فيما يحتمل النسخ والتبديل من الشرائع الموقوفة على المصالح على حسب الأوقات، فأما ما كان من غير ذلك فلا يمحى ولا يبدل.
وقال الكلبي، والضحاك: إن الذي يمحوه الله ويثبته ما تصعد به الحفظة مكتوبا على بني آدم، فيأمر الله أن يثبت ما فيه ثواب وعقاب، ويمحي عنه ما لا ثواب فيه ولا عقاب.
وقوله: وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [الرعد: ٤٠] من العذاب، أي نعدهم وأنت حي، أو نتوفينك قبل أن نريك ذلك، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ [الرعد: ٤٠] أي: فليس عليك إلا أن تبلغ، كفروا أو آمنوا، وعلينا الحساب وعلينا أن نجازيهم.
الرعد 13:39
قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ {٣٨ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ٣٩ وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ٤٠ } [الرعد: ٣٨-٤٠] وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ [الرعد: ٣٨] قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقالت: ما نرى للرجل همة إلا النساء والنكاح، ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء.
فأنزل الله هذه الآية، يقول: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ [الرعد: ٣٨] وجعلناهم بشرا لهم أزواج فنكحوهن، وأولاد أنسلوهم، وذلك قوله: وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً [الرعد: ٣٨].
٤٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْوَاعِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، نا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نا حُسَيْنُ بْنُ رَافِعٍ الْعَنْبَرِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ، قَالَتْ: فَلا تَفْعَلْ، أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً [الرعد: ٣٨] فَلا تَتَبَتَّلْ.
وقوله: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ [الرعد: ٣٨] هذا جواب للذين تحكموا عليه في طلب الآيات، والمعنى: أن حال محمد كحال الرسل الذين تقدموا في أنهم كانوا لا يأتون بآية إلا بإذن ربهم، لا على تحكم العباد بأهوائهم، لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد: ٣٨] لكل أجل قدره الله، ولكل أمر قضاه كتاب أثبت فيه، فلا تكون آية إلا بأجل قد قضاه الله في كتاب، وكذلك كل أمر.
قوله: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد: ٣٩] ذهب قوم إلى أن هذا عام في كل شيء، كما يقتضيه ظاهر اللفظ، وقالوا: إن الله يمحو من الرزق ويزيد فيه، ومن الأجل، ويمحو السعادة والشقاوة، وهو مذهب عمر، وابن مسعود، وأبي وائل، وقتادة، والضحاك، وابن جريج، قالوا: أم الكتاب عند الله يمحو الله ما يشاء منه ويثبت.
ونحو هذا روى أبو الدرداء، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «إن الله سبحانه في ثلاث ساعات يبقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر
فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء».
ومعنى أم الكتاب: أصل الكتاب الذي أثبت فيه الكائنات والحادثات.
وروى عكرمة، عن ابن عباس، قال: هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب، يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب الذي لا يغير منه شيء.
وهذه رواية عمران بن حصين، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقال قوم: إن الله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة، والموت والحياة والرزق والأجل.
ويدل على صحة هذا ما:
٤٩٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو، نا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الطُّفَيْلِ، يَقُولُ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " إِذَا مَضَتْ عَلَى النُّطْفَةِ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، يَقُولُ الْمَلَكُ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ فَيَقُولُ: أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، فَيَقُولُ: عَمَلُهُ وَأَجَلُهُ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ تُطْوَى الصَّحِيفَةُ فَلا يُزَادُ فِيهَا وَلا يُنْقَصُ مِنْهَا "، رَوَاهُ مُسْلِم، عَنِ ابْنِ نُصَيْرٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ
وقال سعيد بن جبير، وقتادة: يمحو الله ما يشاء من الشرائع فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه.
وهذا القول اختيار أبي علي الفارسي، قال: هذا والله أعلم فيما يحتمل النسخ والتبديل من الشرائع الموقوفة على المصالح على حسب الأوقات، فأما ما كان من غير ذلك فلا يمحى ولا يبدل.
وقال الكلبي، والضحاك: إن الذي يمحوه الله ويثبته ما تصعد به الحفظة مكتوبا على بني آدم، فيأمر الله أن يثبت ما فيه ثواب وعقاب، ويمحي عنه ما لا ثواب فيه ولا عقاب.
وقوله: وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [الرعد: ٤٠] من العذاب، أي نعدهم وأنت حي، أو نتوفينك قبل أن نريك ذلك، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ [الرعد: ٤٠] أي: فليس عليك إلا أن تبلغ، كفروا أو آمنوا، وعلينا الحساب وعلينا أن نجازيهم.
الرعد 13:40
قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ {٣٨ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ٣٩ وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ٤٠ } [الرعد: ٣٨-٤٠] وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ [الرعد: ٣٨] قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقالت: ما نرى للرجل همة إلا النساء والنكاح، ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء.
فأنزل الله هذه الآية، يقول: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ [الرعد: ٣٨] وجعلناهم بشرا لهم أزواج فنكحوهن، وأولاد أنسلوهم، وذلك قوله: وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً [الرعد: ٣٨].
٤٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْوَاعِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، نا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نا حُسَيْنُ بْنُ رَافِعٍ الْعَنْبَرِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ، قَالَتْ: فَلا تَفْعَلْ، أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً [الرعد: ٣٨] فَلا تَتَبَتَّلْ.
وقوله: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ [الرعد: ٣٨] هذا جواب للذين تحكموا عليه في طلب الآيات، والمعنى: أن حال محمد كحال الرسل الذين تقدموا في أنهم كانوا لا يأتون بآية إلا بإذن ربهم، لا على تحكم العباد بأهوائهم، لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد: ٣٨] لكل أجل قدره الله، ولكل أمر قضاه كتاب أثبت فيه، فلا تكون آية إلا بأجل قد قضاه الله في كتاب، وكذلك كل أمر.
قوله: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد: ٣٩] ذهب قوم إلى أن هذا عام في كل شيء، كما يقتضيه ظاهر اللفظ، وقالوا: إن الله يمحو من الرزق ويزيد فيه، ومن الأجل، ويمحو السعادة والشقاوة، وهو مذهب عمر، وابن مسعود، وأبي وائل، وقتادة، والضحاك، وابن جريج، قالوا: أم الكتاب عند الله يمحو الله ما يشاء منه ويثبت.
ونحو هذا روى أبو الدرداء، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «إن الله سبحانه في ثلاث ساعات يبقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر
فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء».
ومعنى أم الكتاب: أصل الكتاب الذي أثبت فيه الكائنات والحادثات.
وروى عكرمة، عن ابن عباس، قال: هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب، يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب الذي لا يغير منه شيء.
وهذه رواية عمران بن حصين، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقال قوم: إن الله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة، والموت والحياة والرزق والأجل.
ويدل على صحة هذا ما:
٤٩٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو، نا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الطُّفَيْلِ، يَقُولُ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " إِذَا مَضَتْ عَلَى النُّطْفَةِ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، يَقُولُ الْمَلَكُ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ فَيَقُولُ: أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، فَيَقُولُ: عَمَلُهُ وَأَجَلُهُ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ تُطْوَى الصَّحِيفَةُ فَلا يُزَادُ فِيهَا وَلا يُنْقَصُ مِنْهَا "، رَوَاهُ مُسْلِم، عَنِ ابْنِ نُصَيْرٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ
وقال سعيد بن جبير، وقتادة: يمحو الله ما يشاء من الشرائع فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه.
وهذا القول اختيار أبي علي الفارسي، قال: هذا والله أعلم فيما يحتمل النسخ والتبديل من الشرائع الموقوفة على المصالح على حسب الأوقات، فأما ما كان من غير ذلك فلا يمحى ولا يبدل.
وقال الكلبي، والضحاك: إن الذي يمحوه الله ويثبته ما تصعد به الحفظة مكتوبا على بني آدم، فيأمر الله أن يثبت ما فيه ثواب وعقاب، ويمحي عنه ما لا ثواب فيه ولا عقاب.
وقوله: وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [الرعد: ٤٠] من العذاب، أي نعدهم وأنت حي، أو نتوفينك قبل أن نريك ذلك، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ [الرعد: ٤٠] أي: فليس عليك إلا أن تبلغ، كفروا أو آمنوا، وعلينا الحساب وعلينا أن نجازيهم.
الرعد 13:41
قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ {٤١ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ٤٢ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ٤٣ } [الرعد: ٤١-٤٣] أولم يروا يعني كفار مكة، أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ [الرعد: ٤١] نقصد أرض مكة، نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [الرعد: ٤١] بالفتوح على المسلمين منها، يريد ما دخل في الإسلام من بلاد الشرك، قال الضحاك: أو لم ير أهل مكة أنا نفتح لمحمد ما حوله من
القرى.
وقال مقاتل: الأرض مكة، ونقصها من أطرافها غلبة المؤمنين عليها.
وهذا قول الحسن.
وقال الزجاج: أعلم الله أن بيان ما وعد المشركون من قهرهم قد ظهر، يقول: ولم يروا أنا فتحنا على المسلمين من الأرض ما قد تبين لهم، فكيف لا يعتبرون؟ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد: ٤١] قال ابن عباس: لا ناقض لحكمه.
وقال الفراء: لا راد لحكمه.
والمعقب الذي يتبع الشيء فيستدركه، ولا يستدرك أحد على حكم الله، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد: ٤١] أي: المجازاة بالخير والشر.
قوله: وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الرعد: ٤٢] يعني كفار الأمم الخالية، مكروا بأنبيائهم، فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا [الرعد: ٤٢] يعني أن مكر الماكرين مخلوق له، فلا يضر إلا بإرادته، وفي هذا تسلية للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأمان له من مكرهم كأن قيل: قد فعل من قبلهم من الكفار مثل فعلهم، فلا ضرر عليك من مكرهم.
يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ [الرعد: ٤٢] يريد أن جميع الاكتساب معلوم له، فلا يقع ضرر إلا بإذنه، وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ [الرعد: ٤٢] قال ابن عباس: يريد أبا جهل.
وقال الزجاج: الكافر ههنا اسم الجنس كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس.
ومن قرأ الكفار أراد جميع الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٤٢] لمن الجنة آخر الأمر وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الرعد: ٤٣] يعني مشركي مكة، لست مرسلا إلينا بالنبوة، قل لهم، كفى بالله كفى الله، والباء أدخلت للتأكيد، شهيدا شاهدا، بيني وبينكم أي: بما أظهر من الآيات، وأبان من الأدلة على نبوتي، وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [الرعد: ٤٣] قال الحسن، ومجاهد: هو الله عز وجل.
وأختاره الزجاج، فقال: لأن الأشبه أن الله لا يستشهد على خلقه بغيره.
وقال عكرمة، وقتادة: يعني علماء أهل الكتاب، منهم عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الداري.
قال ابن الأنباري: جعل قول هؤلاء وشهادتهم قاطعة لقول الخصوم، لأنهم العالمون بالكتب القديمة، فقيل: كفى بهؤلاء شهودا عليكم، وهم شاهدون لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنبوة والصدق.
والله أعلم.
الرعد 13:42
قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ {٤١ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ٤٢ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ٤٣ } [الرعد: ٤١-٤٣] أولم يروا يعني كفار مكة، أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ [الرعد: ٤١] نقصد أرض مكة، نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [الرعد: ٤١] بالفتوح على المسلمين منها، يريد ما دخل في الإسلام من بلاد الشرك، قال الضحاك: أو لم ير أهل مكة أنا نفتح لمحمد ما حوله من
القرى.
وقال مقاتل: الأرض مكة، ونقصها من أطرافها غلبة المؤمنين عليها.
وهذا قول الحسن.
وقال الزجاج: أعلم الله أن بيان ما وعد المشركون من قهرهم قد ظهر، يقول: ولم يروا أنا فتحنا على المسلمين من الأرض ما قد تبين لهم، فكيف لا يعتبرون؟ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد: ٤١] قال ابن عباس: لا ناقض لحكمه.
وقال الفراء: لا راد لحكمه.
والمعقب الذي يتبع الشيء فيستدركه، ولا يستدرك أحد على حكم الله، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد: ٤١] أي: المجازاة بالخير والشر.
قوله: وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الرعد: ٤٢] يعني كفار الأمم الخالية، مكروا بأنبيائهم، فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا [الرعد: ٤٢] يعني أن مكر الماكرين مخلوق له، فلا يضر إلا بإرادته، وفي هذا تسلية للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأمان له من مكرهم كأن قيل: قد فعل من قبلهم من الكفار مثل فعلهم، فلا ضرر عليك من مكرهم.
يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ [الرعد: ٤٢] يريد أن جميع الاكتساب معلوم له، فلا يقع ضرر إلا بإذنه، وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ [الرعد: ٤٢] قال ابن عباس: يريد أبا جهل.
وقال الزجاج: الكافر ههنا اسم الجنس كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس.
ومن قرأ الكفار أراد جميع الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٤٢] لمن الجنة آخر الأمر وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الرعد: ٤٣] يعني مشركي مكة، لست مرسلا إلينا بالنبوة، قل لهم، كفى بالله كفى الله، والباء أدخلت للتأكيد، شهيدا شاهدا، بيني وبينكم أي: بما أظهر من الآيات، وأبان من الأدلة على نبوتي، وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [الرعد: ٤٣] قال الحسن، ومجاهد: هو الله عز وجل.
وأختاره الزجاج، فقال: لأن الأشبه أن الله لا يستشهد على خلقه بغيره.
وقال عكرمة، وقتادة: يعني علماء أهل الكتاب، منهم عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الداري.
قال ابن الأنباري: جعل قول هؤلاء وشهادتهم قاطعة لقول الخصوم، لأنهم العالمون بالكتب القديمة، فقيل: كفى بهؤلاء شهودا عليكم، وهم شاهدون لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنبوة والصدق.
والله أعلم.
الرعد 13:43
قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ {٤١ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ٤٢ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ٤٣ } [الرعد: ٤١-٤٣] أولم يروا يعني كفار مكة، أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ [الرعد: ٤١] نقصد أرض مكة، نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [الرعد: ٤١] بالفتوح على المسلمين منها، يريد ما دخل في الإسلام من بلاد الشرك، قال الضحاك: أو لم ير أهل مكة أنا نفتح لمحمد ما حوله من
القرى.
وقال مقاتل: الأرض مكة، ونقصها من أطرافها غلبة المؤمنين عليها.
وهذا قول الحسن.
وقال الزجاج: أعلم الله أن بيان ما وعد المشركون من قهرهم قد ظهر، يقول: ولم يروا أنا فتحنا على المسلمين من الأرض ما قد تبين لهم، فكيف لا يعتبرون؟ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد: ٤١] قال ابن عباس: لا ناقض لحكمه.
وقال الفراء: لا راد لحكمه.
والمعقب الذي يتبع الشيء فيستدركه، ولا يستدرك أحد على حكم الله، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد: ٤١] أي: المجازاة بالخير والشر.
قوله: وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الرعد: ٤٢] يعني كفار الأمم الخالية، مكروا بأنبيائهم، فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا [الرعد: ٤٢] يعني أن مكر الماكرين مخلوق له، فلا يضر إلا بإرادته، وفي هذا تسلية للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأمان له من مكرهم كأن قيل: قد فعل من قبلهم من الكفار مثل فعلهم، فلا ضرر عليك من مكرهم.
يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ [الرعد: ٤٢] يريد أن جميع الاكتساب معلوم له، فلا يقع ضرر إلا بإذنه، وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ [الرعد: ٤٢] قال ابن عباس: يريد أبا جهل.
وقال الزجاج: الكافر ههنا اسم الجنس كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس.
ومن قرأ الكفار أراد جميع الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٤٢] لمن الجنة آخر الأمر وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الرعد: ٤٣] يعني مشركي مكة، لست مرسلا إلينا بالنبوة، قل لهم، كفى بالله كفى الله، والباء أدخلت للتأكيد، شهيدا شاهدا، بيني وبينكم أي: بما أظهر من الآيات، وأبان من الأدلة على نبوتي، وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [الرعد: ٤٣] قال الحسن، ومجاهد: هو الله عز وجل.
وأختاره الزجاج، فقال: لأن الأشبه أن الله لا يستشهد على خلقه بغيره.
وقال عكرمة، وقتادة: يعني علماء أهل الكتاب، منهم عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الداري.
قال ابن الأنباري: جعل قول هؤلاء وشهادتهم قاطعة لقول الخصوم، لأنهم العالمون بالكتب القديمة، فقيل: كفى بهؤلاء شهودا عليكم، وهم شاهدون لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنبوة والصدق.
والله أعلم.
إبراهيم 14:1
سورة إبراهيم
مكية وآياتها اثنتان وخمسون.
٤٩٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ الْحِيرِيُّ بِهَا، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الشُّرُوطِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ الأَسَدِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْمَدَنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ إِبْرَاهِيمَ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ عَبَدَ الأَصْنَامَ، وَبِعَدَدِ مَنْ لَمْ يَعْبُدْهَا».
الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {١ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ٢ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ٣ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٤ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ٥ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ٦ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ٧ وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ٨ } [إبراهيم: ١-٨] بسم الله الرحمن الرحيم الر قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أنا الله أرى.
وقال في رواية عطاء: أنا الله الرحمن.
كتاب أي: هذا كتاب يعني القرآن، أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم: ١] قال ابن عباس: من الشرك إلى الإيمان.
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [إبراهيم: ١] قال الزجاج: بما أذن الله لك في تعليمهم، ودعائهم إلى الإيمان.
ثم بين ما ذلك النور، فقال: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم: ١] وهو دين الإسلام الذي من سلكه أدَّاه إلى الجنة.
اللَّهِ الَّذِي [إبراهيم: ٢]
من رفعه قطعه مما قبله وابتدأ به، وخبره الذي، ومن خفضه جعله بدلا من الحميد، وتفسير الآية ظاهر، قوله: الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ [إبراهيم: ٣] أي: يؤثرونها ويختارونها، قال ابن عباس: ما تجعل لهم من الدنيا يأخذونه تهاونا بأمر الآخرة واستبعادا لها.
كقوله تعالى: إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ [الإنسان: ٢٧].
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [إبراهيم: ٣] يمنعون الناس عن دين الله تعالى وطاعته، وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا [إبراهيم: ٣] ذكرنا تفسيره، أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [إبراهيم: ٣] قال الكلبي: في خطأ بعيد عن الحق.
قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] بلغتهم ليفهموا عنه ويعقلوا، وهو قوله: لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم: ٤] قال ابن عباس: جعل المشيئة إليه وحده لا شريك له.
قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا [إبراهيم: ٥] أي: بالبراهين التي دلت على صحة نبوته مثل العصا واليد وغيرهما، أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥] الأيام يعبر بها عن النعم والنقم، لأنها كلها تقع فيها، قال ابن السكيت: العرب تقول: الأيام في معنى الوقائع يقال: فلان عالم بأيام العرب أي: بوقائعها.
قال ابن عباس: يريد بنعم الله.
وهو قول مجاهد، وقتادة.
وأبي بن كعب رواه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الآية.
٤٩٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ السَّرَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضرِيُّ، نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صَالِحٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥]، قَالَ: أَيَّامُهُ: نُعَمُهُ
وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة.
قال الزجاج: أي: ذكرهم بنعم الله عليهم، وبنقم أيام الله التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود.
والمعنى: عظهم بالترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، إِنَّ فِي ذَلِكَ التذكير، لآيَاتٍ لدلالات على قدرة الله تعالى، لكل صبار على طاعة الله وعن معاصيه، شكور لأنعم الله، وما بعدها مفسر في [البقرة إلى قوله:] وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ [سورة إبراهيم: ٧] وهذا عطف على قوله: إِذْ أَنْجَاكُمْ [إبراهيم: ٦] كأنه قال: اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم، وإذ تأذن ربكم، وهو إخبار عما قال
موسى لقومه، ومعنى تأذن: أعلم، قال الفراء: تأذن وآذن بمعنى واحد.
وذكرنا هذا في [الأعراف.
وقوله] لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [سورة إبراهيم: ٧] أي: مما يجب الشكر عليه، وهو النعمة، قال ابن عباس: لئن وحدتموني، وأطعتموني لأزيدنكم طاعتي التي تقود إلى جنتي.
وقال قتادة في هذه الآية: حق على الله أن يعطي من سأله، ويزيد من شكره، والله منعم بحب الشاكرين فاشكروا الله على نعمه.
ومعنى شكر النعمة: الاعتراف بحق المنعم، والاعتراف بحق الله تعالى هو التوحيد والطاعة، ولئن كفرتم جحدتم حقي، وحق نعمتي، إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: ٧] تهديد على كفران النعمة.
وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ [إبراهيم: ٨] عن خلقه، لا يزيده طاعتكم ملكا، ولا ينقص كفركم ملكوت الله شيئا، حميد في أفعاله، لأنه إما متفضل بفعله، أو عادل.
إبراهيم 14:2
سورة إبراهيم
مكية وآياتها اثنتان وخمسون.
٤٩٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ الْحِيرِيُّ بِهَا، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الشُّرُوطِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ الأَسَدِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْمَدَنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ إِبْرَاهِيمَ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ عَبَدَ الأَصْنَامَ، وَبِعَدَدِ مَنْ لَمْ يَعْبُدْهَا».
الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {١ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ٢ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ٣ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٤ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ٥ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ٦ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ٧ وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ٨ } [إبراهيم: ١-٨] بسم الله الرحمن الرحيم الر قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أنا الله أرى.
وقال في رواية عطاء: أنا الله الرحمن.
كتاب أي: هذا كتاب يعني القرآن، أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم: ١] قال ابن عباس: من الشرك إلى الإيمان.
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [إبراهيم: ١] قال الزجاج: بما أذن الله لك في تعليمهم، ودعائهم إلى الإيمان.
ثم بين ما ذلك النور، فقال: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم: ١] وهو دين الإسلام الذي من سلكه أدَّاه إلى الجنة.
اللَّهِ الَّذِي [إبراهيم: ٢]
من رفعه قطعه مما قبله وابتدأ به، وخبره الذي، ومن خفضه جعله بدلا من الحميد، وتفسير الآية ظاهر، قوله: الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ [إبراهيم: ٣] أي: يؤثرونها ويختارونها، قال ابن عباس: ما تجعل لهم من الدنيا يأخذونه تهاونا بأمر الآخرة واستبعادا لها.
كقوله تعالى: إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ [الإنسان: ٢٧].
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [إبراهيم: ٣] يمنعون الناس عن دين الله تعالى وطاعته، وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا [إبراهيم: ٣] ذكرنا تفسيره، أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [إبراهيم: ٣] قال الكلبي: في خطأ بعيد عن الحق.
قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] بلغتهم ليفهموا عنه ويعقلوا، وهو قوله: لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم: ٤] قال ابن عباس: جعل المشيئة إليه وحده لا شريك له.
قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا [إبراهيم: ٥] أي: بالبراهين التي دلت على صحة نبوته مثل العصا واليد وغيرهما، أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥] الأيام يعبر بها عن النعم والنقم، لأنها كلها تقع فيها، قال ابن السكيت: العرب تقول: الأيام في معنى الوقائع يقال: فلان عالم بأيام العرب أي: بوقائعها.
قال ابن عباس: يريد بنعم الله.
وهو قول مجاهد، وقتادة.
وأبي بن كعب رواه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الآية.
٤٩٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ السَّرَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضرِيُّ، نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صَالِحٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥]، قَالَ: أَيَّامُهُ: نُعَمُهُ
وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة.
قال الزجاج: أي: ذكرهم بنعم الله عليهم، وبنقم أيام الله التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود.
والمعنى: عظهم بالترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، إِنَّ فِي ذَلِكَ التذكير، لآيَاتٍ لدلالات على قدرة الله تعالى، لكل صبار على طاعة الله وعن معاصيه، شكور لأنعم الله، وما بعدها مفسر في [البقرة إلى قوله:] وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ [سورة إبراهيم: ٧] وهذا عطف على قوله: إِذْ أَنْجَاكُمْ [إبراهيم: ٦] كأنه قال: اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم، وإذ تأذن ربكم، وهو إخبار عما قال
موسى لقومه، ومعنى تأذن: أعلم، قال الفراء: تأذن وآذن بمعنى واحد.
وذكرنا هذا في [الأعراف.
وقوله] لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [سورة إبراهيم: ٧] أي: مما يجب الشكر عليه، وهو النعمة، قال ابن عباس: لئن وحدتموني، وأطعتموني لأزيدنكم طاعتي التي تقود إلى جنتي.
وقال قتادة في هذه الآية: حق على الله أن يعطي من سأله، ويزيد من شكره، والله منعم بحب الشاكرين فاشكروا الله على نعمه.
ومعنى شكر النعمة: الاعتراف بحق المنعم، والاعتراف بحق الله تعالى هو التوحيد والطاعة، ولئن كفرتم جحدتم حقي، وحق نعمتي، إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: ٧] تهديد على كفران النعمة.
وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ [إبراهيم: ٨] عن خلقه، لا يزيده طاعتكم ملكا، ولا ينقص كفركم ملكوت الله شيئا، حميد في أفعاله، لأنه إما متفضل بفعله، أو عادل.
إبراهيم 14:3
سورة إبراهيم
مكية وآياتها اثنتان وخمسون.
٤٩٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ الْحِيرِيُّ بِهَا، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الشُّرُوطِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ الأَسَدِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْمَدَنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ إِبْرَاهِيمَ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ عَبَدَ الأَصْنَامَ، وَبِعَدَدِ مَنْ لَمْ يَعْبُدْهَا».
الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {١ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ٢ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ٣ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٤ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ٥ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ٦ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ٧ وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ٨ } [إبراهيم: ١-٨] بسم الله الرحمن الرحيم الر قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أنا الله أرى.
وقال في رواية عطاء: أنا الله الرحمن.
كتاب أي: هذا كتاب يعني القرآن، أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم: ١] قال ابن عباس: من الشرك إلى الإيمان.
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [إبراهيم: ١] قال الزجاج: بما أذن الله لك في تعليمهم، ودعائهم إلى الإيمان.
ثم بين ما ذلك النور، فقال: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم: ١] وهو دين الإسلام الذي من سلكه أدَّاه إلى الجنة.
اللَّهِ الَّذِي [إبراهيم: ٢]
من رفعه قطعه مما قبله وابتدأ به، وخبره الذي، ومن خفضه جعله بدلا من الحميد، وتفسير الآية ظاهر، قوله: الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ [إبراهيم: ٣] أي: يؤثرونها ويختارونها، قال ابن عباس: ما تجعل لهم من الدنيا يأخذونه تهاونا بأمر الآخرة واستبعادا لها.
كقوله تعالى: إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ [الإنسان: ٢٧].
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [إبراهيم: ٣] يمنعون الناس عن دين الله تعالى وطاعته، وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا [إبراهيم: ٣] ذكرنا تفسيره، أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [إبراهيم: ٣] قال الكلبي: في خطأ بعيد عن الحق.
قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] بلغتهم ليفهموا عنه ويعقلوا، وهو قوله: لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم: ٤] قال ابن عباس: جعل المشيئة إليه وحده لا شريك له.
قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا [إبراهيم: ٥] أي: بالبراهين التي دلت على صحة نبوته مثل العصا واليد وغيرهما، أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥] الأيام يعبر بها عن النعم والنقم، لأنها كلها تقع فيها، قال ابن السكيت: العرب تقول: الأيام في معنى الوقائع يقال: فلان عالم بأيام العرب أي: بوقائعها.
قال ابن عباس: يريد بنعم الله.
وهو قول مجاهد، وقتادة.
وأبي بن كعب رواه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الآية.
٤٩٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ السَّرَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضرِيُّ، نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صَالِحٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥]، قَالَ: أَيَّامُهُ: نُعَمُهُ
وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة.
قال الزجاج: أي: ذكرهم بنعم الله عليهم، وبنقم أيام الله التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود.
والمعنى: عظهم بالترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، إِنَّ فِي ذَلِكَ التذكير، لآيَاتٍ لدلالات على قدرة الله تعالى، لكل صبار على طاعة الله وعن معاصيه، شكور لأنعم الله، وما بعدها مفسر في [البقرة إلى قوله:] وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ [سورة إبراهيم: ٧] وهذا عطف على قوله: إِذْ أَنْجَاكُمْ [إبراهيم: ٦] كأنه قال: اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم، وإذ تأذن ربكم، وهو إخبار عما قال
موسى لقومه، ومعنى تأذن: أعلم، قال الفراء: تأذن وآذن بمعنى واحد.
وذكرنا هذا في [الأعراف.
وقوله] لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [سورة إبراهيم: ٧] أي: مما يجب الشكر عليه، وهو النعمة، قال ابن عباس: لئن وحدتموني، وأطعتموني لأزيدنكم طاعتي التي تقود إلى جنتي.
وقال قتادة في هذه الآية: حق على الله أن يعطي من سأله، ويزيد من شكره، والله منعم بحب الشاكرين فاشكروا الله على نعمه.
ومعنى شكر النعمة: الاعتراف بحق المنعم، والاعتراف بحق الله تعالى هو التوحيد والطاعة، ولئن كفرتم جحدتم حقي، وحق نعمتي، إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: ٧] تهديد على كفران النعمة.
وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ [إبراهيم: ٨] عن خلقه، لا يزيده طاعتكم ملكا، ولا ينقص كفركم ملكوت الله شيئا، حميد في أفعاله، لأنه إما متفضل بفعله، أو عادل.
إبراهيم 14:4
سورة إبراهيم
مكية وآياتها اثنتان وخمسون.
٤٩٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ الْحِيرِيُّ بِهَا، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الشُّرُوطِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ الأَسَدِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْمَدَنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ إِبْرَاهِيمَ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ عَبَدَ الأَصْنَامَ، وَبِعَدَدِ مَنْ لَمْ يَعْبُدْهَا».
الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {١ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ٢ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ٣ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٤ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ٥ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ٦ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ٧ وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ٨ } [إبراهيم: ١-٨] بسم الله الرحمن الرحيم الر قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أنا الله أرى.
وقال في رواية عطاء: أنا الله الرحمن.
كتاب أي: هذا كتاب يعني القرآن، أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم: ١] قال ابن عباس: من الشرك إلى الإيمان.
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [إبراهيم: ١] قال الزجاج: بما أذن الله لك في تعليمهم، ودعائهم إلى الإيمان.
ثم بين ما ذلك النور، فقال: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم: ١] وهو دين الإسلام الذي من سلكه أدَّاه إلى الجنة.
اللَّهِ الَّذِي [إبراهيم: ٢]
من رفعه قطعه مما قبله وابتدأ به، وخبره الذي، ومن خفضه جعله بدلا من الحميد، وتفسير الآية ظاهر، قوله: الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ [إبراهيم: ٣] أي: يؤثرونها ويختارونها، قال ابن عباس: ما تجعل لهم من الدنيا يأخذونه تهاونا بأمر الآخرة واستبعادا لها.
كقوله تعالى: إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ [الإنسان: ٢٧].
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [إبراهيم: ٣] يمنعون الناس عن دين الله تعالى وطاعته، وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا [إبراهيم: ٣] ذكرنا تفسيره، أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [إبراهيم: ٣] قال الكلبي: في خطأ بعيد عن الحق.
قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] بلغتهم ليفهموا عنه ويعقلوا، وهو قوله: لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم: ٤] قال ابن عباس: جعل المشيئة إليه وحده لا شريك له.
قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا [إبراهيم: ٥] أي: بالبراهين التي دلت على صحة نبوته مثل العصا واليد وغيرهما، أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥] الأيام يعبر بها عن النعم والنقم، لأنها كلها تقع فيها، قال ابن السكيت: العرب تقول: الأيام في معنى الوقائع يقال: فلان عالم بأيام العرب أي: بوقائعها.
قال ابن عباس: يريد بنعم الله.
وهو قول مجاهد، وقتادة.
وأبي بن كعب رواه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الآية.
٤٩٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ السَّرَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضرِيُّ، نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صَالِحٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥]، قَالَ: أَيَّامُهُ: نُعَمُهُ
وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة.
قال الزجاج: أي: ذكرهم بنعم الله عليهم، وبنقم أيام الله التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود.
والمعنى: عظهم بالترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، إِنَّ فِي ذَلِكَ التذكير، لآيَاتٍ لدلالات على قدرة الله تعالى، لكل صبار على طاعة الله وعن معاصيه، شكور لأنعم الله، وما بعدها مفسر في [البقرة إلى قوله:] وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ [سورة إبراهيم: ٧] وهذا عطف على قوله: إِذْ أَنْجَاكُمْ [إبراهيم: ٦] كأنه قال: اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم، وإذ تأذن ربكم، وهو إخبار عما قال
موسى لقومه، ومعنى تأذن: أعلم، قال الفراء: تأذن وآذن بمعنى واحد.
وذكرنا هذا في [الأعراف.
وقوله] لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [سورة إبراهيم: ٧] أي: مما يجب الشكر عليه، وهو النعمة، قال ابن عباس: لئن وحدتموني، وأطعتموني لأزيدنكم طاعتي التي تقود إلى جنتي.
وقال قتادة في هذه الآية: حق على الله أن يعطي من سأله، ويزيد من شكره، والله منعم بحب الشاكرين فاشكروا الله على نعمه.
ومعنى شكر النعمة: الاعتراف بحق المنعم، والاعتراف بحق الله تعالى هو التوحيد والطاعة، ولئن كفرتم جحدتم حقي، وحق نعمتي، إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: ٧] تهديد على كفران النعمة.
وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ [إبراهيم: ٨] عن خلقه، لا يزيده طاعتكم ملكا، ولا ينقص كفركم ملكوت الله شيئا، حميد في أفعاله، لأنه إما متفضل بفعله، أو عادل.
إبراهيم 14:5
سورة إبراهيم
مكية وآياتها اثنتان وخمسون.
٤٩٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ الْحِيرِيُّ بِهَا، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الشُّرُوطِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ الأَسَدِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْمَدَنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ إِبْرَاهِيمَ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ عَبَدَ الأَصْنَامَ، وَبِعَدَدِ مَنْ لَمْ يَعْبُدْهَا».
الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {١ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ٢ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ٣ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٤ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ٥ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ٦ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ٧ وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ٨ } [إبراهيم: ١-٨] بسم الله الرحمن الرحيم الر قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أنا الله أرى.
وقال في رواية عطاء: أنا الله الرحمن.
كتاب أي: هذا كتاب يعني القرآن، أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم: ١] قال ابن عباس: من الشرك إلى الإيمان.
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [إبراهيم: ١] قال الزجاج: بما أذن الله لك في تعليمهم، ودعائهم إلى الإيمان.
ثم بين ما ذلك النور، فقال: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم: ١] وهو دين الإسلام الذي من سلكه أدَّاه إلى الجنة.
اللَّهِ الَّذِي [إبراهيم: ٢]
من رفعه قطعه مما قبله وابتدأ به، وخبره الذي، ومن خفضه جعله بدلا من الحميد، وتفسير الآية ظاهر، قوله: الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ [إبراهيم: ٣] أي: يؤثرونها ويختارونها، قال ابن عباس: ما تجعل لهم من الدنيا يأخذونه تهاونا بأمر الآخرة واستبعادا لها.
كقوله تعالى: إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ [الإنسان: ٢٧].
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [إبراهيم: ٣] يمنعون الناس عن دين الله تعالى وطاعته، وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا [إبراهيم: ٣] ذكرنا تفسيره، أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [إبراهيم: ٣] قال الكلبي: في خطأ بعيد عن الحق.
قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] بلغتهم ليفهموا عنه ويعقلوا، وهو قوله: لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم: ٤] قال ابن عباس: جعل المشيئة إليه وحده لا شريك له.
قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا [إبراهيم: ٥] أي: بالبراهين التي دلت على صحة نبوته مثل العصا واليد وغيرهما، أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥] الأيام يعبر بها عن النعم والنقم، لأنها كلها تقع فيها، قال ابن السكيت: العرب تقول: الأيام في معنى الوقائع يقال: فلان عالم بأيام العرب أي: بوقائعها.
قال ابن عباس: يريد بنعم الله.
وهو قول مجاهد، وقتادة.
وأبي بن كعب رواه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الآية.
٤٩٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ السَّرَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضرِيُّ، نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صَالِحٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥]، قَالَ: أَيَّامُهُ: نُعَمُهُ
وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة.
قال الزجاج: أي: ذكرهم بنعم الله عليهم، وبنقم أيام الله التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود.
والمعنى: عظهم بالترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، إِنَّ فِي ذَلِكَ التذكير، لآيَاتٍ لدلالات على قدرة الله تعالى، لكل صبار على طاعة الله وعن معاصيه، شكور لأنعم الله، وما بعدها مفسر في [البقرة إلى قوله:] وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ [سورة إبراهيم: ٧] وهذا عطف على قوله: إِذْ أَنْجَاكُمْ [إبراهيم: ٦] كأنه قال: اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم، وإذ تأذن ربكم، وهو إخبار عما قال
موسى لقومه، ومعنى تأذن: أعلم، قال الفراء: تأذن وآذن بمعنى واحد.
وذكرنا هذا في [الأعراف.
وقوله] لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [سورة إبراهيم: ٧] أي: مما يجب الشكر عليه، وهو النعمة، قال ابن عباس: لئن وحدتموني، وأطعتموني لأزيدنكم طاعتي التي تقود إلى جنتي.
وقال قتادة في هذه الآية: حق على الله أن يعطي من سأله، ويزيد من شكره، والله منعم بحب الشاكرين فاشكروا الله على نعمه.
ومعنى شكر النعمة: الاعتراف بحق المنعم، والاعتراف بحق الله تعالى هو التوحيد والطاعة، ولئن كفرتم جحدتم حقي، وحق نعمتي، إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: ٧] تهديد على كفران النعمة.
وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ [إبراهيم: ٨] عن خلقه، لا يزيده طاعتكم ملكا، ولا ينقص كفركم ملكوت الله شيئا، حميد في أفعاله، لأنه إما متفضل بفعله، أو عادل.
إبراهيم 14:6
سورة إبراهيم
مكية وآياتها اثنتان وخمسون.
٤٩٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ الْحِيرِيُّ بِهَا، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الشُّرُوطِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ الأَسَدِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْمَدَنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ إِبْرَاهِيمَ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ عَبَدَ الأَصْنَامَ، وَبِعَدَدِ مَنْ لَمْ يَعْبُدْهَا».
الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {١ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ٢ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ٣ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٤ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ٥ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ٦ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ٧ وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ٨ } [إبراهيم: ١-٨] بسم الله الرحمن الرحيم الر قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أنا الله أرى.
وقال في رواية عطاء: أنا الله الرحمن.
كتاب أي: هذا كتاب يعني القرآن، أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم: ١] قال ابن عباس: من الشرك إلى الإيمان.
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [إبراهيم: ١] قال الزجاج: بما أذن الله لك في تعليمهم، ودعائهم إلى الإيمان.
ثم بين ما ذلك النور، فقال: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم: ١] وهو دين الإسلام الذي من سلكه أدَّاه إلى الجنة.
اللَّهِ الَّذِي [إبراهيم: ٢]
من رفعه قطعه مما قبله وابتدأ به، وخبره الذي، ومن خفضه جعله بدلا من الحميد، وتفسير الآية ظاهر، قوله: الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ [إبراهيم: ٣] أي: يؤثرونها ويختارونها، قال ابن عباس: ما تجعل لهم من الدنيا يأخذونه تهاونا بأمر الآخرة واستبعادا لها.
كقوله تعالى: إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ [الإنسان: ٢٧].
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [إبراهيم: ٣] يمنعون الناس عن دين الله تعالى وطاعته، وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا [إبراهيم: ٣] ذكرنا تفسيره، أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [إبراهيم: ٣] قال الكلبي: في خطأ بعيد عن الحق.
قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] بلغتهم ليفهموا عنه ويعقلوا، وهو قوله: لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم: ٤] قال ابن عباس: جعل المشيئة إليه وحده لا شريك له.
قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا [إبراهيم: ٥] أي: بالبراهين التي دلت على صحة نبوته مثل العصا واليد وغيرهما، أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥] الأيام يعبر بها عن النعم والنقم، لأنها كلها تقع فيها، قال ابن السكيت: العرب تقول: الأيام في معنى الوقائع يقال: فلان عالم بأيام العرب أي: بوقائعها.
قال ابن عباس: يريد بنعم الله.
وهو قول مجاهد، وقتادة.
وأبي بن كعب رواه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الآية.
٤٩٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ السَّرَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضرِيُّ، نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صَالِحٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥]، قَالَ: أَيَّامُهُ: نُعَمُهُ
وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة.
قال الزجاج: أي: ذكرهم بنعم الله عليهم، وبنقم أيام الله التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود.
والمعنى: عظهم بالترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، إِنَّ فِي ذَلِكَ التذكير، لآيَاتٍ لدلالات على قدرة الله تعالى، لكل صبار على طاعة الله وعن معاصيه، شكور لأنعم الله، وما بعدها مفسر في [البقرة إلى قوله:] وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ [سورة إبراهيم: ٧] وهذا عطف على قوله: إِذْ أَنْجَاكُمْ [إبراهيم: ٦] كأنه قال: اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم، وإذ تأذن ربكم، وهو إخبار عما قال
موسى لقومه، ومعنى تأذن: أعلم، قال الفراء: تأذن وآذن بمعنى واحد.
وذكرنا هذا في [الأعراف.
وقوله] لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [سورة إبراهيم: ٧] أي: مما يجب الشكر عليه، وهو النعمة، قال ابن عباس: لئن وحدتموني، وأطعتموني لأزيدنكم طاعتي التي تقود إلى جنتي.
وقال قتادة في هذه الآية: حق على الله أن يعطي من سأله، ويزيد من شكره، والله منعم بحب الشاكرين فاشكروا الله على نعمه.
ومعنى شكر النعمة: الاعتراف بحق المنعم، والاعتراف بحق الله تعالى هو التوحيد والطاعة، ولئن كفرتم جحدتم حقي، وحق نعمتي، إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: ٧] تهديد على كفران النعمة.
وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ [إبراهيم: ٨] عن خلقه، لا يزيده طاعتكم ملكا، ولا ينقص كفركم ملكوت الله شيئا، حميد في أفعاله، لأنه إما متفضل بفعله، أو عادل.
إبراهيم 14:7
سورة إبراهيم
مكية وآياتها اثنتان وخمسون.
٤٩٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ الْحِيرِيُّ بِهَا، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الشُّرُوطِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ الأَسَدِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْمَدَنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ إِبْرَاهِيمَ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ عَبَدَ الأَصْنَامَ، وَبِعَدَدِ مَنْ لَمْ يَعْبُدْهَا».
الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {١ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ٢ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ٣ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٤ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ٥ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ٦ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ٧ وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ٨ } [إبراهيم: ١-٨] بسم الله الرحمن الرحيم الر قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أنا الله أرى.
وقال في رواية عطاء: أنا الله الرحمن.
كتاب أي: هذا كتاب يعني القرآن، أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم: ١] قال ابن عباس: من الشرك إلى الإيمان.
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [إبراهيم: ١] قال الزجاج: بما أذن الله لك في تعليمهم، ودعائهم إلى الإيمان.
ثم بين ما ذلك النور، فقال: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم: ١] وهو دين الإسلام الذي من سلكه أدَّاه إلى الجنة.
اللَّهِ الَّذِي [إبراهيم: ٢]
من رفعه قطعه مما قبله وابتدأ به، وخبره الذي، ومن خفضه جعله بدلا من الحميد، وتفسير الآية ظاهر، قوله: الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ [إبراهيم: ٣] أي: يؤثرونها ويختارونها، قال ابن عباس: ما تجعل لهم من الدنيا يأخذونه تهاونا بأمر الآخرة واستبعادا لها.
كقوله تعالى: إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ [الإنسان: ٢٧].
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [إبراهيم: ٣] يمنعون الناس عن دين الله تعالى وطاعته، وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا [إبراهيم: ٣] ذكرنا تفسيره، أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [إبراهيم: ٣] قال الكلبي: في خطأ بعيد عن الحق.
قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] بلغتهم ليفهموا عنه ويعقلوا، وهو قوله: لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم: ٤] قال ابن عباس: جعل المشيئة إليه وحده لا شريك له.
قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا [إبراهيم: ٥] أي: بالبراهين التي دلت على صحة نبوته مثل العصا واليد وغيرهما، أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥] الأيام يعبر بها عن النعم والنقم، لأنها كلها تقع فيها، قال ابن السكيت: العرب تقول: الأيام في معنى الوقائع يقال: فلان عالم بأيام العرب أي: بوقائعها.
قال ابن عباس: يريد بنعم الله.
وهو قول مجاهد، وقتادة.
وأبي بن كعب رواه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الآية.
٤٩٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ السَّرَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضرِيُّ، نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صَالِحٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥]، قَالَ: أَيَّامُهُ: نُعَمُهُ
وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة.
قال الزجاج: أي: ذكرهم بنعم الله عليهم، وبنقم أيام الله التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود.
والمعنى: عظهم بالترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، إِنَّ فِي ذَلِكَ التذكير، لآيَاتٍ لدلالات على قدرة الله تعالى، لكل صبار على طاعة الله وعن معاصيه، شكور لأنعم الله، وما بعدها مفسر في [البقرة إلى قوله:] وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ [سورة إبراهيم: ٧] وهذا عطف على قوله: إِذْ أَنْجَاكُمْ [إبراهيم: ٦] كأنه قال: اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم، وإذ تأذن ربكم، وهو إخبار عما قال
موسى لقومه، ومعنى تأذن: أعلم، قال الفراء: تأذن وآذن بمعنى واحد.
وذكرنا هذا في [الأعراف.
وقوله] لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [سورة إبراهيم: ٧] أي: مما يجب الشكر عليه، وهو النعمة، قال ابن عباس: لئن وحدتموني، وأطعتموني لأزيدنكم طاعتي التي تقود إلى جنتي.
وقال قتادة في هذه الآية: حق على الله أن يعطي من سأله، ويزيد من شكره، والله منعم بحب الشاكرين فاشكروا الله على نعمه.
ومعنى شكر النعمة: الاعتراف بحق المنعم، والاعتراف بحق الله تعالى هو التوحيد والطاعة، ولئن كفرتم جحدتم حقي، وحق نعمتي، إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: ٧] تهديد على كفران النعمة.
وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ [إبراهيم: ٨] عن خلقه، لا يزيده طاعتكم ملكا، ولا ينقص كفركم ملكوت الله شيئا، حميد في أفعاله، لأنه إما متفضل بفعله، أو عادل.
إبراهيم 14:8
سورة إبراهيم
مكية وآياتها اثنتان وخمسون.
٤٩٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ الْحِيرِيُّ بِهَا، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الشُّرُوطِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ الأَسَدِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْمَدَنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ إِبْرَاهِيمَ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ عَبَدَ الأَصْنَامَ، وَبِعَدَدِ مَنْ لَمْ يَعْبُدْهَا».
الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {١ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ٢ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ٣ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٤ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ٥ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ٦ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ٧ وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ٨ } [إبراهيم: ١-٨] بسم الله الرحمن الرحيم الر قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أنا الله أرى.
وقال في رواية عطاء: أنا الله الرحمن.
كتاب أي: هذا كتاب يعني القرآن، أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم: ١] قال ابن عباس: من الشرك إلى الإيمان.
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [إبراهيم: ١] قال الزجاج: بما أذن الله لك في تعليمهم، ودعائهم إلى الإيمان.
ثم بين ما ذلك النور، فقال: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم: ١] وهو دين الإسلام الذي من سلكه أدَّاه إلى الجنة.
اللَّهِ الَّذِي [إبراهيم: ٢]
من رفعه قطعه مما قبله وابتدأ به، وخبره الذي، ومن خفضه جعله بدلا من الحميد، وتفسير الآية ظاهر، قوله: الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ [إبراهيم: ٣] أي: يؤثرونها ويختارونها، قال ابن عباس: ما تجعل لهم من الدنيا يأخذونه تهاونا بأمر الآخرة واستبعادا لها.
كقوله تعالى: إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ [الإنسان: ٢٧].
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [إبراهيم: ٣] يمنعون الناس عن دين الله تعالى وطاعته، وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا [إبراهيم: ٣] ذكرنا تفسيره، أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [إبراهيم: ٣] قال الكلبي: في خطأ بعيد عن الحق.
قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] بلغتهم ليفهموا عنه ويعقلوا، وهو قوله: لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم: ٤] قال ابن عباس: جعل المشيئة إليه وحده لا شريك له.
قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا [إبراهيم: ٥] أي: بالبراهين التي دلت على صحة نبوته مثل العصا واليد وغيرهما، أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥] الأيام يعبر بها عن النعم والنقم، لأنها كلها تقع فيها، قال ابن السكيت: العرب تقول: الأيام في معنى الوقائع يقال: فلان عالم بأيام العرب أي: بوقائعها.
قال ابن عباس: يريد بنعم الله.
وهو قول مجاهد، وقتادة.
وأبي بن كعب رواه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الآية.
٤٩٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ السَّرَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضرِيُّ، نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صَالِحٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥]، قَالَ: أَيَّامُهُ: نُعَمُهُ
وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة.
قال الزجاج: أي: ذكرهم بنعم الله عليهم، وبنقم أيام الله التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود.
والمعنى: عظهم بالترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، إِنَّ فِي ذَلِكَ التذكير، لآيَاتٍ لدلالات على قدرة الله تعالى، لكل صبار على طاعة الله وعن معاصيه، شكور لأنعم الله، وما بعدها مفسر في [البقرة إلى قوله:] وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ [سورة إبراهيم: ٧] وهذا عطف على قوله: إِذْ أَنْجَاكُمْ [إبراهيم: ٦] كأنه قال: اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم، وإذ تأذن ربكم، وهو إخبار عما قال
موسى لقومه، ومعنى تأذن: أعلم، قال الفراء: تأذن وآذن بمعنى واحد.
وذكرنا هذا في [الأعراف.
وقوله] لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [سورة إبراهيم: ٧] أي: مما يجب الشكر عليه، وهو النعمة، قال ابن عباس: لئن وحدتموني، وأطعتموني لأزيدنكم طاعتي التي تقود إلى جنتي.
وقال قتادة في هذه الآية: حق على الله أن يعطي من سأله، ويزيد من شكره، والله منعم بحب الشاكرين فاشكروا الله على نعمه.
ومعنى شكر النعمة: الاعتراف بحق المنعم، والاعتراف بحق الله تعالى هو التوحيد والطاعة، ولئن كفرتم جحدتم حقي، وحق نعمتي، إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: ٧] تهديد على كفران النعمة.
وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ [إبراهيم: ٨] عن خلقه، لا يزيده طاعتكم ملكا، ولا ينقص كفركم ملكوت الله شيئا، حميد في أفعاله، لأنه إما متفضل بفعله، أو عادل.
إبراهيم 14:9
ثم أخبرهم، عن القرون الماضية، وعما قالت لهم الرسل، وما ردوا عليهم، فقال: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ {٩ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ١٠ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ١١ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ١٢ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ١٣ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ١٤ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ١٥ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ١٦ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ١٧ } [إبراهيم: ٩-١٧] أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [إبراهيم: ٩] إلى قوله: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ٩] أي: من بعد هؤلاء الذين ذكرهم، لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ [إبراهيم: ٩] لا يحصي عددهم إلا الله، قال ابن عباس: لا يعلمهم إلا الله لكثرتهم.
قال ابن الأنباري: إن الله تعالى أهلك أمما من العرب وغيرها، فانقطعت أخبارهم، وعفت آثارهم: فليس يعرفهم أحد
إلا الله، جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ [إبراهيم: ٩] قال ابن مسعود: عضوا عليها غيظا.
والمعنى أنهم ثقل عليهم مكان الرسل، فعضوا على أصابعهم من شدة الغيظ، وقال الكلبي: وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة إلى الرسل أن اسكتوا.
وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ [إبراهيم: ٩] أي: على زعمكم بالإرسال لا أنهم أقروا أنهم أرسلوا.
قالت لهم، رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ [إبراهيم: ١٠] وهذا استفهام إنكار، أي: لا شك في الله، والمعنى: في توحيد الله، ثم ذكر ما يدل على وحدانيته، فقال: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ [إبراهيم: ١٠] بالرسل والكتب، لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [إبراهيم: ١٠] قال أبو عبيدة: من زائدة.
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [إبراهيم: ١٠] لا يعالجكم بالعذاب، بل يؤخركم ويمتعكم في الدنيا إلى الأجل المسمى لكم، وهو الموت، قالوا للرسل، إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا [إبراهيم: ١٠] ما أنتم إلا مخلوقون مثلنا، ليس لكم علينا فضل، تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا [إبراهيم: ١٠] على ما تقولون، بسلطان مبين بحجة ظاهرة.
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [إبراهيم: ١١] اعترفوا لهم بأنهم آدميون مخلوقون مثلهم، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم: ١١] يعنون بالنبوة والرسالة، وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ [إبراهيم: ١١] ليس لنا أن نأتيكم ببرهان وحجة ومعجزة إلا أن يشاء الله ذلك، أي: ليس لنا ذلك من قبل أنفسنا، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم: ١١] وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم.
وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ١٢] أي: أيُّ شيء لنا إذا لم نتوكل على الله ولم نفوض إليه أمورنا، يعني أن العبد، وإن لم يتوكل، لم يدرك بجهده شيئا لم يقضه الله، وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا [إبراهيم: ١٢] عرفنا طرق التوكل، وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: ١٢] وإنما قص هذا وأمثاله في القرآن على نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليقتدي بمن قبله من النبيين، ويعلم أنهم أوذوا في سبيل الله، فصبروا وتوكلوا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا الْجَوْزَقِيُّ، أنا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا دَاوُدُ، نا ابْنُ الْحَسَنِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْخُوَارِزْمِيُّ، نا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جُمَيْعٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذَاكَ الْبَرَاغِيثُ فَخُذْ قَدَحًا مِنْ مَاءٍ، فَاقْرَأْ عَلَيْهِ: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ١٢] الآيَةَ، وَتَقُولُ: فَإِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ؛ فَكُفُّوا شَرَّكُمْ وَأَذَاكُمْ عَنَّا، ثُمَّ تَرُشُّ الْمَاءَ حَوْلَ فِرَاشِكَ، فَإِنَّكَ تَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ آمِنًا مِنْ شَرِّهَا "
قوله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا [إبراهيم: ١٣] أي: ولا نساكنكم على مخالفتكم ديننا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [إبراهيم: ١٣] ذكرنا معناه في قصة شعيب في [الأعراف،] فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ [سورة إبراهيم: ١٣] يعني الذين كفروا بالرسل، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ١٤] لنعطينكم سكناها بعد هلاكهم، ذَلِكَ الإسكان، لِمَنْ خَافَ مَقَامِي [إبراهيم: ١٤].
قال ابن عباس: خاف مقامه بين يدي.
وقال الكلبي: مقامه بين يدي رب العالمين.
وهذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول، كما تقول: ندمت على ضربك، وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم: ١٤] قال ابن عباس: خاف مما أوعدت من العذاب.
يعني أن العاقبة بالنصر تكون لمن خاف الله.
واستفتحوا يعني: الرسل، استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما يئسوا من إيمانهم، وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ [إبراهيم: ١٥] متكبر عن طاعة الله، عنيد قال قتادة: العنيد المعرض عن طاعة الله.
وقال مجاهد: هو المجانب للحق.
وقال الزجاج: الذي يعدل عن القصد، والمعنى: فاز الرسل بالنصرة، وخاب كل من كفر.
مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦] قال ابن عباس، والمفسرون: يريد أمامه جهنم، فهي بين يديه.
يعني: أنه يردها ويدخلها، ووراء، يكون لخلف وقدام، ومنه قوله: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم.
وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم: ١٦] الصديد: ماء الجرح المختلط بالدم والقيح.
قال المفسرون: يريد صديد القيح والدم الذي يخرج من فروج الزناة.
٤٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَلِيمٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدَانُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ {١٦ يَتَجَرَّعُهُ} [إبراهيم: ١٦-١٧] قَالَ: يُقَرَّبُ إِلَيْهِ، فَيَتَكَرَّهُهُ فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ هَوَى وَجْهُهُ، وَوَقَعَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإِذَا شَرِبَ؛ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ، يَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: ١٥]، وَيَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ [الكهف: ٢٩].
قَوْلُهُ: يَتَجَرَّعُهُ [إبراهيم: ١٧] التَّجَرُّعُ: تَنَاوُلُ الشَّرَابِ جَرْعَةً جَرْعَةً
قال ابن عباس: يريد بالكره.
وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم: ١٧] يقال: ساغ الشراب في الحلق سوغا وأساغه الله، قال المفسرون: يتحساه ويشربه بالجرع، لا بمرة واحدة، لمرارته، ولا يسيغه إلا بعد إبطاء، لكراهته للذلك الشراب.
وقوله: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ [إبراهيم: ١٧] أي: همُّ الموت، وألمه، وكربه، مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [إبراهيم: ١٧] قال ابن عباس: من كل شعرة في جسده.
وقال الثوري: من كل عرق في جسده.
وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم: ١٧] موتا تنقطع معه الحياة، ومن ورائه ومن بعد هذا العذاب، وقال الكلبي: ومن بعد هذا الصديد.
عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] متصل الآلام، وقال إبراهيم التيمي: يعني الخلود في النار.
إبراهيم 14:10
ثم أخبرهم، عن القرون الماضية، وعما قالت لهم الرسل، وما ردوا عليهم، فقال: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ {٩ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ١٠ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ١١ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ١٢ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ١٣ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ١٤ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ١٥ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ١٦ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ١٧ } [إبراهيم: ٩-١٧] أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [إبراهيم: ٩] إلى قوله: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ٩] أي: من بعد هؤلاء الذين ذكرهم، لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ [إبراهيم: ٩] لا يحصي عددهم إلا الله، قال ابن عباس: لا يعلمهم إلا الله لكثرتهم.
قال ابن الأنباري: إن الله تعالى أهلك أمما من العرب وغيرها، فانقطعت أخبارهم، وعفت آثارهم: فليس يعرفهم أحد
إلا الله، جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ [إبراهيم: ٩] قال ابن مسعود: عضوا عليها غيظا.
والمعنى أنهم ثقل عليهم مكان الرسل، فعضوا على أصابعهم من شدة الغيظ، وقال الكلبي: وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة إلى الرسل أن اسكتوا.
وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ [إبراهيم: ٩] أي: على زعمكم بالإرسال لا أنهم أقروا أنهم أرسلوا.
قالت لهم، رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ [إبراهيم: ١٠] وهذا استفهام إنكار، أي: لا شك في الله، والمعنى: في توحيد الله، ثم ذكر ما يدل على وحدانيته، فقال: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ [إبراهيم: ١٠] بالرسل والكتب، لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [إبراهيم: ١٠] قال أبو عبيدة: من زائدة.
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [إبراهيم: ١٠] لا يعالجكم بالعذاب، بل يؤخركم ويمتعكم في الدنيا إلى الأجل المسمى لكم، وهو الموت، قالوا للرسل، إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا [إبراهيم: ١٠] ما أنتم إلا مخلوقون مثلنا، ليس لكم علينا فضل، تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا [إبراهيم: ١٠] على ما تقولون، بسلطان مبين بحجة ظاهرة.
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [إبراهيم: ١١] اعترفوا لهم بأنهم آدميون مخلوقون مثلهم، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم: ١١] يعنون بالنبوة والرسالة، وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ [إبراهيم: ١١] ليس لنا أن نأتيكم ببرهان وحجة ومعجزة إلا أن يشاء الله ذلك، أي: ليس لنا ذلك من قبل أنفسنا، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم: ١١] وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم.
وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ١٢] أي: أيُّ شيء لنا إذا لم نتوكل على الله ولم نفوض إليه أمورنا، يعني أن العبد، وإن لم يتوكل، لم يدرك بجهده شيئا لم يقضه الله، وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا [إبراهيم: ١٢] عرفنا طرق التوكل، وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: ١٢] وإنما قص هذا وأمثاله في القرآن على نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليقتدي بمن قبله من النبيين، ويعلم أنهم أوذوا في سبيل الله، فصبروا وتوكلوا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا الْجَوْزَقِيُّ، أنا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا دَاوُدُ، نا ابْنُ الْحَسَنِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْخُوَارِزْمِيُّ، نا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جُمَيْعٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذَاكَ الْبَرَاغِيثُ فَخُذْ قَدَحًا مِنْ مَاءٍ، فَاقْرَأْ عَلَيْهِ: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ١٢] الآيَةَ، وَتَقُولُ: فَإِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ؛ فَكُفُّوا شَرَّكُمْ وَأَذَاكُمْ عَنَّا، ثُمَّ تَرُشُّ الْمَاءَ حَوْلَ فِرَاشِكَ، فَإِنَّكَ تَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ آمِنًا مِنْ شَرِّهَا "
قوله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا [إبراهيم: ١٣] أي: ولا نساكنكم على مخالفتكم ديننا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [إبراهيم: ١٣] ذكرنا معناه في قصة شعيب في [الأعراف،] فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ [سورة إبراهيم: ١٣] يعني الذين كفروا بالرسل، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ١٤] لنعطينكم سكناها بعد هلاكهم، ذَلِكَ الإسكان، لِمَنْ خَافَ مَقَامِي [إبراهيم: ١٤].
قال ابن عباس: خاف مقامه بين يدي.
وقال الكلبي: مقامه بين يدي رب العالمين.
وهذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول، كما تقول: ندمت على ضربك، وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم: ١٤] قال ابن عباس: خاف مما أوعدت من العذاب.
يعني أن العاقبة بالنصر تكون لمن خاف الله.
واستفتحوا يعني: الرسل، استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما يئسوا من إيمانهم، وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ [إبراهيم: ١٥] متكبر عن طاعة الله، عنيد قال قتادة: العنيد المعرض عن طاعة الله.
وقال مجاهد: هو المجانب للحق.
وقال الزجاج: الذي يعدل عن القصد، والمعنى: فاز الرسل بالنصرة، وخاب كل من كفر.
مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦] قال ابن عباس، والمفسرون: يريد أمامه جهنم، فهي بين يديه.
يعني: أنه يردها ويدخلها، ووراء، يكون لخلف وقدام، ومنه قوله: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم.
وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم: ١٦] الصديد: ماء الجرح المختلط بالدم والقيح.
قال المفسرون: يريد صديد القيح والدم الذي يخرج من فروج الزناة.
٤٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَلِيمٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدَانُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ {١٦ يَتَجَرَّعُهُ} [إبراهيم: ١٦-١٧] قَالَ: يُقَرَّبُ إِلَيْهِ، فَيَتَكَرَّهُهُ فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ هَوَى وَجْهُهُ، وَوَقَعَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإِذَا شَرِبَ؛ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ، يَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: ١٥]، وَيَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ [الكهف: ٢٩].
قَوْلُهُ: يَتَجَرَّعُهُ [إبراهيم: ١٧] التَّجَرُّعُ: تَنَاوُلُ الشَّرَابِ جَرْعَةً جَرْعَةً
قال ابن عباس: يريد بالكره.
وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم: ١٧] يقال: ساغ الشراب في الحلق سوغا وأساغه الله، قال المفسرون: يتحساه ويشربه بالجرع، لا بمرة واحدة، لمرارته، ولا يسيغه إلا بعد إبطاء، لكراهته للذلك الشراب.
وقوله: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ [إبراهيم: ١٧] أي: همُّ الموت، وألمه، وكربه، مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [إبراهيم: ١٧] قال ابن عباس: من كل شعرة في جسده.
وقال الثوري: من كل عرق في جسده.
وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم: ١٧] موتا تنقطع معه الحياة، ومن ورائه ومن بعد هذا العذاب، وقال الكلبي: ومن بعد هذا الصديد.
عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] متصل الآلام، وقال إبراهيم التيمي: يعني الخلود في النار.
إبراهيم 14:11
ثم أخبرهم، عن القرون الماضية، وعما قالت لهم الرسل، وما ردوا عليهم، فقال: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ {٩ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ١٠ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ١١ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ١٢ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ١٣ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ١٤ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ١٥ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ١٦ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ١٧ } [إبراهيم: ٩-١٧] أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [إبراهيم: ٩] إلى قوله: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ٩] أي: من بعد هؤلاء الذين ذكرهم، لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ [إبراهيم: ٩] لا يحصي عددهم إلا الله، قال ابن عباس: لا يعلمهم إلا الله لكثرتهم.
قال ابن الأنباري: إن الله تعالى أهلك أمما من العرب وغيرها، فانقطعت أخبارهم، وعفت آثارهم: فليس يعرفهم أحد
إلا الله، جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ [إبراهيم: ٩] قال ابن مسعود: عضوا عليها غيظا.
والمعنى أنهم ثقل عليهم مكان الرسل، فعضوا على أصابعهم من شدة الغيظ، وقال الكلبي: وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة إلى الرسل أن اسكتوا.
وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ [إبراهيم: ٩] أي: على زعمكم بالإرسال لا أنهم أقروا أنهم أرسلوا.
قالت لهم، رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ [إبراهيم: ١٠] وهذا استفهام إنكار، أي: لا شك في الله، والمعنى: في توحيد الله، ثم ذكر ما يدل على وحدانيته، فقال: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ [إبراهيم: ١٠] بالرسل والكتب، لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [إبراهيم: ١٠] قال أبو عبيدة: من زائدة.
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [إبراهيم: ١٠] لا يعالجكم بالعذاب، بل يؤخركم ويمتعكم في الدنيا إلى الأجل المسمى لكم، وهو الموت، قالوا للرسل، إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا [إبراهيم: ١٠] ما أنتم إلا مخلوقون مثلنا، ليس لكم علينا فضل، تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا [إبراهيم: ١٠] على ما تقولون، بسلطان مبين بحجة ظاهرة.
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [إبراهيم: ١١] اعترفوا لهم بأنهم آدميون مخلوقون مثلهم، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم: ١١] يعنون بالنبوة والرسالة، وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ [إبراهيم: ١١] ليس لنا أن نأتيكم ببرهان وحجة ومعجزة إلا أن يشاء الله ذلك، أي: ليس لنا ذلك من قبل أنفسنا، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم: ١١] وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم.
وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ١٢] أي: أيُّ شيء لنا إذا لم نتوكل على الله ولم نفوض إليه أمورنا، يعني أن العبد، وإن لم يتوكل، لم يدرك بجهده شيئا لم يقضه الله، وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا [إبراهيم: ١٢] عرفنا طرق التوكل، وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: ١٢] وإنما قص هذا وأمثاله في القرآن على نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليقتدي بمن قبله من النبيين، ويعلم أنهم أوذوا في سبيل الله، فصبروا وتوكلوا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا الْجَوْزَقِيُّ، أنا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا دَاوُدُ، نا ابْنُ الْحَسَنِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْخُوَارِزْمِيُّ، نا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جُمَيْعٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذَاكَ الْبَرَاغِيثُ فَخُذْ قَدَحًا مِنْ مَاءٍ، فَاقْرَأْ عَلَيْهِ: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ١٢] الآيَةَ، وَتَقُولُ: فَإِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ؛ فَكُفُّوا شَرَّكُمْ وَأَذَاكُمْ عَنَّا، ثُمَّ تَرُشُّ الْمَاءَ حَوْلَ فِرَاشِكَ، فَإِنَّكَ تَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ آمِنًا مِنْ شَرِّهَا "
قوله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا [إبراهيم: ١٣] أي: ولا نساكنكم على مخالفتكم ديننا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [إبراهيم: ١٣] ذكرنا معناه في قصة شعيب في [الأعراف،] فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ [سورة إبراهيم: ١٣] يعني الذين كفروا بالرسل، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ١٤] لنعطينكم سكناها بعد هلاكهم، ذَلِكَ الإسكان، لِمَنْ خَافَ مَقَامِي [إبراهيم: ١٤].
قال ابن عباس: خاف مقامه بين يدي.
وقال الكلبي: مقامه بين يدي رب العالمين.
وهذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول، كما تقول: ندمت على ضربك، وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم: ١٤] قال ابن عباس: خاف مما أوعدت من العذاب.
يعني أن العاقبة بالنصر تكون لمن خاف الله.
واستفتحوا يعني: الرسل، استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما يئسوا من إيمانهم، وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ [إبراهيم: ١٥] متكبر عن طاعة الله، عنيد قال قتادة: العنيد المعرض عن طاعة الله.
وقال مجاهد: هو المجانب للحق.
وقال الزجاج: الذي يعدل عن القصد، والمعنى: فاز الرسل بالنصرة، وخاب كل من كفر.
مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦] قال ابن عباس، والمفسرون: يريد أمامه جهنم، فهي بين يديه.
يعني: أنه يردها ويدخلها، ووراء، يكون لخلف وقدام، ومنه قوله: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم.
وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم: ١٦] الصديد: ماء الجرح المختلط بالدم والقيح.
قال المفسرون: يريد صديد القيح والدم الذي يخرج من فروج الزناة.
٤٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَلِيمٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدَانُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ {١٦ يَتَجَرَّعُهُ} [إبراهيم: ١٦-١٧] قَالَ: يُقَرَّبُ إِلَيْهِ، فَيَتَكَرَّهُهُ فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ هَوَى وَجْهُهُ، وَوَقَعَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإِذَا شَرِبَ؛ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ، يَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: ١٥]، وَيَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ [الكهف: ٢٩].
قَوْلُهُ: يَتَجَرَّعُهُ [إبراهيم: ١٧] التَّجَرُّعُ: تَنَاوُلُ الشَّرَابِ جَرْعَةً جَرْعَةً
قال ابن عباس: يريد بالكره.
وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم: ١٧] يقال: ساغ الشراب في الحلق سوغا وأساغه الله، قال المفسرون: يتحساه ويشربه بالجرع، لا بمرة واحدة، لمرارته، ولا يسيغه إلا بعد إبطاء، لكراهته للذلك الشراب.
وقوله: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ [إبراهيم: ١٧] أي: همُّ الموت، وألمه، وكربه، مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [إبراهيم: ١٧] قال ابن عباس: من كل شعرة في جسده.
وقال الثوري: من كل عرق في جسده.
وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم: ١٧] موتا تنقطع معه الحياة، ومن ورائه ومن بعد هذا العذاب، وقال الكلبي: ومن بعد هذا الصديد.
عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] متصل الآلام، وقال إبراهيم التيمي: يعني الخلود في النار.
إبراهيم 14:12
ثم أخبرهم، عن القرون الماضية، وعما قالت لهم الرسل، وما ردوا عليهم، فقال: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ {٩ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ١٠ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ١١ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ١٢ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ١٣ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ١٤ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ١٥ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ١٦ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ١٧ } [إبراهيم: ٩-١٧] أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [إبراهيم: ٩] إلى قوله: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ٩] أي: من بعد هؤلاء الذين ذكرهم، لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ [إبراهيم: ٩] لا يحصي عددهم إلا الله، قال ابن عباس: لا يعلمهم إلا الله لكثرتهم.
قال ابن الأنباري: إن الله تعالى أهلك أمما من العرب وغيرها، فانقطعت أخبارهم، وعفت آثارهم: فليس يعرفهم أحد
إلا الله، جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ [إبراهيم: ٩] قال ابن مسعود: عضوا عليها غيظا.
والمعنى أنهم ثقل عليهم مكان الرسل، فعضوا على أصابعهم من شدة الغيظ، وقال الكلبي: وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة إلى الرسل أن اسكتوا.
وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ [إبراهيم: ٩] أي: على زعمكم بالإرسال لا أنهم أقروا أنهم أرسلوا.
قالت لهم، رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ [إبراهيم: ١٠] وهذا استفهام إنكار، أي: لا شك في الله، والمعنى: في توحيد الله، ثم ذكر ما يدل على وحدانيته، فقال: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ [إبراهيم: ١٠] بالرسل والكتب، لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [إبراهيم: ١٠] قال أبو عبيدة: من زائدة.
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [إبراهيم: ١٠] لا يعالجكم بالعذاب، بل يؤخركم ويمتعكم في الدنيا إلى الأجل المسمى لكم، وهو الموت، قالوا للرسل، إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا [إبراهيم: ١٠] ما أنتم إلا مخلوقون مثلنا، ليس لكم علينا فضل، تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا [إبراهيم: ١٠] على ما تقولون، بسلطان مبين بحجة ظاهرة.
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [إبراهيم: ١١] اعترفوا لهم بأنهم آدميون مخلوقون مثلهم، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم: ١١] يعنون بالنبوة والرسالة، وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ [إبراهيم: ١١] ليس لنا أن نأتيكم ببرهان وحجة ومعجزة إلا أن يشاء الله ذلك، أي: ليس لنا ذلك من قبل أنفسنا، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم: ١١] وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم.
وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ١٢] أي: أيُّ شيء لنا إذا لم نتوكل على الله ولم نفوض إليه أمورنا، يعني أن العبد، وإن لم يتوكل، لم يدرك بجهده شيئا لم يقضه الله، وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا [إبراهيم: ١٢] عرفنا طرق التوكل، وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: ١٢] وإنما قص هذا وأمثاله في القرآن على نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليقتدي بمن قبله من النبيين، ويعلم أنهم أوذوا في سبيل الله، فصبروا وتوكلوا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا الْجَوْزَقِيُّ، أنا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا دَاوُدُ، نا ابْنُ الْحَسَنِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْخُوَارِزْمِيُّ، نا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جُمَيْعٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذَاكَ الْبَرَاغِيثُ فَخُذْ قَدَحًا مِنْ مَاءٍ، فَاقْرَأْ عَلَيْهِ: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ١٢] الآيَةَ، وَتَقُولُ: فَإِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ؛ فَكُفُّوا شَرَّكُمْ وَأَذَاكُمْ عَنَّا، ثُمَّ تَرُشُّ الْمَاءَ حَوْلَ فِرَاشِكَ، فَإِنَّكَ تَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ آمِنًا مِنْ شَرِّهَا "
قوله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا [إبراهيم: ١٣] أي: ولا نساكنكم على مخالفتكم ديننا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [إبراهيم: ١٣] ذكرنا معناه في قصة شعيب في [الأعراف،] فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ [سورة إبراهيم: ١٣] يعني الذين كفروا بالرسل، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ١٤] لنعطينكم سكناها بعد هلاكهم، ذَلِكَ الإسكان، لِمَنْ خَافَ مَقَامِي [إبراهيم: ١٤].
قال ابن عباس: خاف مقامه بين يدي.
وقال الكلبي: مقامه بين يدي رب العالمين.
وهذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول، كما تقول: ندمت على ضربك، وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم: ١٤] قال ابن عباس: خاف مما أوعدت من العذاب.
يعني أن العاقبة بالنصر تكون لمن خاف الله.
واستفتحوا يعني: الرسل، استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما يئسوا من إيمانهم، وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ [إبراهيم: ١٥] متكبر عن طاعة الله، عنيد قال قتادة: العنيد المعرض عن طاعة الله.
وقال مجاهد: هو المجانب للحق.
وقال الزجاج: الذي يعدل عن القصد، والمعنى: فاز الرسل بالنصرة، وخاب كل من كفر.
مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦] قال ابن عباس، والمفسرون: يريد أمامه جهنم، فهي بين يديه.
يعني: أنه يردها ويدخلها، ووراء، يكون لخلف وقدام، ومنه قوله: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم.
وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم: ١٦] الصديد: ماء الجرح المختلط بالدم والقيح.
قال المفسرون: يريد صديد القيح والدم الذي يخرج من فروج الزناة.
٤٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَلِيمٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدَانُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ {١٦ يَتَجَرَّعُهُ} [إبراهيم: ١٦-١٧] قَالَ: يُقَرَّبُ إِلَيْهِ، فَيَتَكَرَّهُهُ فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ هَوَى وَجْهُهُ، وَوَقَعَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإِذَا شَرِبَ؛ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ، يَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: ١٥]، وَيَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ [الكهف: ٢٩].
قَوْلُهُ: يَتَجَرَّعُهُ [إبراهيم: ١٧] التَّجَرُّعُ: تَنَاوُلُ الشَّرَابِ جَرْعَةً جَرْعَةً
قال ابن عباس: يريد بالكره.
وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم: ١٧] يقال: ساغ الشراب في الحلق سوغا وأساغه الله، قال المفسرون: يتحساه ويشربه بالجرع، لا بمرة واحدة، لمرارته، ولا يسيغه إلا بعد إبطاء، لكراهته للذلك الشراب.
وقوله: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ [إبراهيم: ١٧] أي: همُّ الموت، وألمه، وكربه، مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [إبراهيم: ١٧] قال ابن عباس: من كل شعرة في جسده.
وقال الثوري: من كل عرق في جسده.
وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم: ١٧] موتا تنقطع معه الحياة، ومن ورائه ومن بعد هذا العذاب، وقال الكلبي: ومن بعد هذا الصديد.
عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] متصل الآلام، وقال إبراهيم التيمي: يعني الخلود في النار.
إبراهيم 14:13
ثم أخبرهم، عن القرون الماضية، وعما قالت لهم الرسل، وما ردوا عليهم، فقال: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ {٩ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ١٠ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ١١ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ١٢ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ١٣ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ١٤ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ١٥ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ١٦ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ١٧ } [إبراهيم: ٩-١٧] أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [إبراهيم: ٩] إلى قوله: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ٩] أي: من بعد هؤلاء الذين ذكرهم، لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ [إبراهيم: ٩] لا يحصي عددهم إلا الله، قال ابن عباس: لا يعلمهم إلا الله لكثرتهم.
قال ابن الأنباري: إن الله تعالى أهلك أمما من العرب وغيرها، فانقطعت أخبارهم، وعفت آثارهم: فليس يعرفهم أحد
إلا الله، جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ [إبراهيم: ٩] قال ابن مسعود: عضوا عليها غيظا.
والمعنى أنهم ثقل عليهم مكان الرسل، فعضوا على أصابعهم من شدة الغيظ، وقال الكلبي: وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة إلى الرسل أن اسكتوا.
وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ [إبراهيم: ٩] أي: على زعمكم بالإرسال لا أنهم أقروا أنهم أرسلوا.
قالت لهم، رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ [إبراهيم: ١٠] وهذا استفهام إنكار، أي: لا شك في الله، والمعنى: في توحيد الله، ثم ذكر ما يدل على وحدانيته، فقال: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ [إبراهيم: ١٠] بالرسل والكتب، لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [إبراهيم: ١٠] قال أبو عبيدة: من زائدة.
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [إبراهيم: ١٠] لا يعالجكم بالعذاب، بل يؤخركم ويمتعكم في الدنيا إلى الأجل المسمى لكم، وهو الموت، قالوا للرسل، إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا [إبراهيم: ١٠] ما أنتم إلا مخلوقون مثلنا، ليس لكم علينا فضل، تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا [إبراهيم: ١٠] على ما تقولون، بسلطان مبين بحجة ظاهرة.
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [إبراهيم: ١١] اعترفوا لهم بأنهم آدميون مخلوقون مثلهم، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم: ١١] يعنون بالنبوة والرسالة، وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ [إبراهيم: ١١] ليس لنا أن نأتيكم ببرهان وحجة ومعجزة إلا أن يشاء الله ذلك، أي: ليس لنا ذلك من قبل أنفسنا، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم: ١١] وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم.
وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ١٢] أي: أيُّ شيء لنا إذا لم نتوكل على الله ولم نفوض إليه أمورنا، يعني أن العبد، وإن لم يتوكل، لم يدرك بجهده شيئا لم يقضه الله، وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا [إبراهيم: ١٢] عرفنا طرق التوكل، وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: ١٢] وإنما قص هذا وأمثاله في القرآن على نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليقتدي بمن قبله من النبيين، ويعلم أنهم أوذوا في سبيل الله، فصبروا وتوكلوا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا الْجَوْزَقِيُّ، أنا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا دَاوُدُ، نا ابْنُ الْحَسَنِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْخُوَارِزْمِيُّ، نا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جُمَيْعٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذَاكَ الْبَرَاغِيثُ فَخُذْ قَدَحًا مِنْ مَاءٍ، فَاقْرَأْ عَلَيْهِ: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ١٢] الآيَةَ، وَتَقُولُ: فَإِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ؛ فَكُفُّوا شَرَّكُمْ وَأَذَاكُمْ عَنَّا، ثُمَّ تَرُشُّ الْمَاءَ حَوْلَ فِرَاشِكَ، فَإِنَّكَ تَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ آمِنًا مِنْ شَرِّهَا "
قوله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا [إبراهيم: ١٣] أي: ولا نساكنكم على مخالفتكم ديننا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [إبراهيم: ١٣] ذكرنا معناه في قصة شعيب في [الأعراف،] فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ [سورة إبراهيم: ١٣] يعني الذين كفروا بالرسل، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ١٤] لنعطينكم سكناها بعد هلاكهم، ذَلِكَ الإسكان، لِمَنْ خَافَ مَقَامِي [إبراهيم: ١٤].
قال ابن عباس: خاف مقامه بين يدي.
وقال الكلبي: مقامه بين يدي رب العالمين.
وهذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول، كما تقول: ندمت على ضربك، وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم: ١٤] قال ابن عباس: خاف مما أوعدت من العذاب.
يعني أن العاقبة بالنصر تكون لمن خاف الله.
واستفتحوا يعني: الرسل، استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما يئسوا من إيمانهم، وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ [إبراهيم: ١٥] متكبر عن طاعة الله، عنيد قال قتادة: العنيد المعرض عن طاعة الله.
وقال مجاهد: هو المجانب للحق.
وقال الزجاج: الذي يعدل عن القصد، والمعنى: فاز الرسل بالنصرة، وخاب كل من كفر.
مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦] قال ابن عباس، والمفسرون: يريد أمامه جهنم، فهي بين يديه.
يعني: أنه يردها ويدخلها، ووراء، يكون لخلف وقدام، ومنه قوله: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم.
وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم: ١٦] الصديد: ماء الجرح المختلط بالدم والقيح.
قال المفسرون: يريد صديد القيح والدم الذي يخرج من فروج الزناة.
٤٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَلِيمٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدَانُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ {١٦ يَتَجَرَّعُهُ} [إبراهيم: ١٦-١٧] قَالَ: يُقَرَّبُ إِلَيْهِ، فَيَتَكَرَّهُهُ فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ هَوَى وَجْهُهُ، وَوَقَعَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإِذَا شَرِبَ؛ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ، يَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: ١٥]، وَيَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ [الكهف: ٢٩].
قَوْلُهُ: يَتَجَرَّعُهُ [إبراهيم: ١٧] التَّجَرُّعُ: تَنَاوُلُ الشَّرَابِ جَرْعَةً جَرْعَةً
قال ابن عباس: يريد بالكره.
وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم: ١٧] يقال: ساغ الشراب في الحلق سوغا وأساغه الله، قال المفسرون: يتحساه ويشربه بالجرع، لا بمرة واحدة، لمرارته، ولا يسيغه إلا بعد إبطاء، لكراهته للذلك الشراب.
وقوله: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ [إبراهيم: ١٧] أي: همُّ الموت، وألمه، وكربه، مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [إبراهيم: ١٧] قال ابن عباس: من كل شعرة في جسده.
وقال الثوري: من كل عرق في جسده.
وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم: ١٧] موتا تنقطع معه الحياة، ومن ورائه ومن بعد هذا العذاب، وقال الكلبي: ومن بعد هذا الصديد.
عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] متصل الآلام، وقال إبراهيم التيمي: يعني الخلود في النار.
إبراهيم 14:14
ثم أخبرهم، عن القرون الماضية، وعما قالت لهم الرسل، وما ردوا عليهم، فقال: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ {٩ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ١٠ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ١١ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ١٢ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ١٣ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ١٤ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ١٥ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ١٦ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ١٧ } [إبراهيم: ٩-١٧] أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [إبراهيم: ٩] إلى قوله: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ٩] أي: من بعد هؤلاء الذين ذكرهم، لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ [إبراهيم: ٩] لا يحصي عددهم إلا الله، قال ابن عباس: لا يعلمهم إلا الله لكثرتهم.
قال ابن الأنباري: إن الله تعالى أهلك أمما من العرب وغيرها، فانقطعت أخبارهم، وعفت آثارهم: فليس يعرفهم أحد
إلا الله، جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ [إبراهيم: ٩] قال ابن مسعود: عضوا عليها غيظا.
والمعنى أنهم ثقل عليهم مكان الرسل، فعضوا على أصابعهم من شدة الغيظ، وقال الكلبي: وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة إلى الرسل أن اسكتوا.
وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ [إبراهيم: ٩] أي: على زعمكم بالإرسال لا أنهم أقروا أنهم أرسلوا.
قالت لهم، رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ [إبراهيم: ١٠] وهذا استفهام إنكار، أي: لا شك في الله، والمعنى: في توحيد الله، ثم ذكر ما يدل على وحدانيته، فقال: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ [إبراهيم: ١٠] بالرسل والكتب، لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [إبراهيم: ١٠] قال أبو عبيدة: من زائدة.
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [إبراهيم: ١٠] لا يعالجكم بالعذاب، بل يؤخركم ويمتعكم في الدنيا إلى الأجل المسمى لكم، وهو الموت، قالوا للرسل، إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا [إبراهيم: ١٠] ما أنتم إلا مخلوقون مثلنا، ليس لكم علينا فضل، تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا [إبراهيم: ١٠] على ما تقولون، بسلطان مبين بحجة ظاهرة.
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [إبراهيم: ١١] اعترفوا لهم بأنهم آدميون مخلوقون مثلهم، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم: ١١] يعنون بالنبوة والرسالة، وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ [إبراهيم: ١١] ليس لنا أن نأتيكم ببرهان وحجة ومعجزة إلا أن يشاء الله ذلك، أي: ليس لنا ذلك من قبل أنفسنا، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم: ١١] وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم.
وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ١٢] أي: أيُّ شيء لنا إذا لم نتوكل على الله ولم نفوض إليه أمورنا، يعني أن العبد، وإن لم يتوكل، لم يدرك بجهده شيئا لم يقضه الله، وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا [إبراهيم: ١٢] عرفنا طرق التوكل، وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: ١٢] وإنما قص هذا وأمثاله في القرآن على نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليقتدي بمن قبله من النبيين، ويعلم أنهم أوذوا في سبيل الله، فصبروا وتوكلوا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا الْجَوْزَقِيُّ، أنا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا دَاوُدُ، نا ابْنُ الْحَسَنِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْخُوَارِزْمِيُّ، نا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جُمَيْعٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذَاكَ الْبَرَاغِيثُ فَخُذْ قَدَحًا مِنْ مَاءٍ، فَاقْرَأْ عَلَيْهِ: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ١٢] الآيَةَ، وَتَقُولُ: فَإِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ؛ فَكُفُّوا شَرَّكُمْ وَأَذَاكُمْ عَنَّا، ثُمَّ تَرُشُّ الْمَاءَ حَوْلَ فِرَاشِكَ، فَإِنَّكَ تَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ آمِنًا مِنْ شَرِّهَا "
قوله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا [إبراهيم: ١٣] أي: ولا نساكنكم على مخالفتكم ديننا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [إبراهيم: ١٣] ذكرنا معناه في قصة شعيب في [الأعراف،] فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ [سورة إبراهيم: ١٣] يعني الذين كفروا بالرسل، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ١٤] لنعطينكم سكناها بعد هلاكهم، ذَلِكَ الإسكان، لِمَنْ خَافَ مَقَامِي [إبراهيم: ١٤].
قال ابن عباس: خاف مقامه بين يدي.
وقال الكلبي: مقامه بين يدي رب العالمين.
وهذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول، كما تقول: ندمت على ضربك، وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم: ١٤] قال ابن عباس: خاف مما أوعدت من العذاب.
يعني أن العاقبة بالنصر تكون لمن خاف الله.
واستفتحوا يعني: الرسل، استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما يئسوا من إيمانهم، وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ [إبراهيم: ١٥] متكبر عن طاعة الله، عنيد قال قتادة: العنيد المعرض عن طاعة الله.
وقال مجاهد: هو المجانب للحق.
وقال الزجاج: الذي يعدل عن القصد، والمعنى: فاز الرسل بالنصرة، وخاب كل من كفر.
مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦] قال ابن عباس، والمفسرون: يريد أمامه جهنم، فهي بين يديه.
يعني: أنه يردها ويدخلها، ووراء، يكون لخلف وقدام، ومنه قوله: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم.
وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم: ١٦] الصديد: ماء الجرح المختلط بالدم والقيح.
قال المفسرون: يريد صديد القيح والدم الذي يخرج من فروج الزناة.
٤٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَلِيمٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدَانُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ {١٦ يَتَجَرَّعُهُ} [إبراهيم: ١٦-١٧] قَالَ: يُقَرَّبُ إِلَيْهِ، فَيَتَكَرَّهُهُ فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ هَوَى وَجْهُهُ، وَوَقَعَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإِذَا شَرِبَ؛ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ، يَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: ١٥]، وَيَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ [الكهف: ٢٩].
قَوْلُهُ: يَتَجَرَّعُهُ [إبراهيم: ١٧] التَّجَرُّعُ: تَنَاوُلُ الشَّرَابِ جَرْعَةً جَرْعَةً
قال ابن عباس: يريد بالكره.
وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم: ١٧] يقال: ساغ الشراب في الحلق سوغا وأساغه الله، قال المفسرون: يتحساه ويشربه بالجرع، لا بمرة واحدة، لمرارته، ولا يسيغه إلا بعد إبطاء، لكراهته للذلك الشراب.
وقوله: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ [إبراهيم: ١٧] أي: همُّ الموت، وألمه، وكربه، مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [إبراهيم: ١٧] قال ابن عباس: من كل شعرة في جسده.
وقال الثوري: من كل عرق في جسده.
وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم: ١٧] موتا تنقطع معه الحياة، ومن ورائه ومن بعد هذا العذاب، وقال الكلبي: ومن بعد هذا الصديد.
عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] متصل الآلام، وقال إبراهيم التيمي: يعني الخلود في النار.
إبراهيم 14:15
ثم أخبرهم، عن القرون الماضية، وعما قالت لهم الرسل، وما ردوا عليهم، فقال: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ {٩ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ١٠ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ١١ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ١٢ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ١٣ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ١٤ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ١٥ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ١٦ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ١٧ } [إبراهيم: ٩-١٧] أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [إبراهيم: ٩] إلى قوله: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ٩] أي: من بعد هؤلاء الذين ذكرهم، لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ [إبراهيم: ٩] لا يحصي عددهم إلا الله، قال ابن عباس: لا يعلمهم إلا الله لكثرتهم.
قال ابن الأنباري: إن الله تعالى أهلك أمما من العرب وغيرها، فانقطعت أخبارهم، وعفت آثارهم: فليس يعرفهم أحد
إلا الله، جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ [إبراهيم: ٩] قال ابن مسعود: عضوا عليها غيظا.
والمعنى أنهم ثقل عليهم مكان الرسل، فعضوا على أصابعهم من شدة الغيظ، وقال الكلبي: وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة إلى الرسل أن اسكتوا.
وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ [إبراهيم: ٩] أي: على زعمكم بالإرسال لا أنهم أقروا أنهم أرسلوا.
قالت لهم، رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ [إبراهيم: ١٠] وهذا استفهام إنكار، أي: لا شك في الله، والمعنى: في توحيد الله، ثم ذكر ما يدل على وحدانيته، فقال: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ [إبراهيم: ١٠] بالرسل والكتب، لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [إبراهيم: ١٠] قال أبو عبيدة: من زائدة.
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [إبراهيم: ١٠] لا يعالجكم بالعذاب، بل يؤخركم ويمتعكم في الدنيا إلى الأجل المسمى لكم، وهو الموت، قالوا للرسل، إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا [إبراهيم: ١٠] ما أنتم إلا مخلوقون مثلنا، ليس لكم علينا فضل، تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا [إبراهيم: ١٠] على ما تقولون، بسلطان مبين بحجة ظاهرة.
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [إبراهيم: ١١] اعترفوا لهم بأنهم آدميون مخلوقون مثلهم، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم: ١١] يعنون بالنبوة والرسالة، وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ [إبراهيم: ١١] ليس لنا أن نأتيكم ببرهان وحجة ومعجزة إلا أن يشاء الله ذلك، أي: ليس لنا ذلك من قبل أنفسنا، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم: ١١] وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم.
وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ١٢] أي: أيُّ شيء لنا إذا لم نتوكل على الله ولم نفوض إليه أمورنا، يعني أن العبد، وإن لم يتوكل، لم يدرك بجهده شيئا لم يقضه الله، وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا [إبراهيم: ١٢] عرفنا طرق التوكل، وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: ١٢] وإنما قص هذا وأمثاله في القرآن على نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليقتدي بمن قبله من النبيين، ويعلم أنهم أوذوا في سبيل الله، فصبروا وتوكلوا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا الْجَوْزَقِيُّ، أنا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا دَاوُدُ، نا ابْنُ الْحَسَنِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْخُوَارِزْمِيُّ، نا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جُمَيْعٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذَاكَ الْبَرَاغِيثُ فَخُذْ قَدَحًا مِنْ مَاءٍ، فَاقْرَأْ عَلَيْهِ: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ١٢] الآيَةَ، وَتَقُولُ: فَإِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ؛ فَكُفُّوا شَرَّكُمْ وَأَذَاكُمْ عَنَّا، ثُمَّ تَرُشُّ الْمَاءَ حَوْلَ فِرَاشِكَ، فَإِنَّكَ تَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ آمِنًا مِنْ شَرِّهَا "
قوله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا [إبراهيم: ١٣] أي: ولا نساكنكم على مخالفتكم ديننا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [إبراهيم: ١٣] ذكرنا معناه في قصة شعيب في [الأعراف،] فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ [سورة إبراهيم: ١٣] يعني الذين كفروا بالرسل، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ١٤] لنعطينكم سكناها بعد هلاكهم، ذَلِكَ الإسكان، لِمَنْ خَافَ مَقَامِي [إبراهيم: ١٤].
قال ابن عباس: خاف مقامه بين يدي.
وقال الكلبي: مقامه بين يدي رب العالمين.
وهذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول، كما تقول: ندمت على ضربك، وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم: ١٤] قال ابن عباس: خاف مما أوعدت من العذاب.
يعني أن العاقبة بالنصر تكون لمن خاف الله.
واستفتحوا يعني: الرسل، استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما يئسوا من إيمانهم، وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ [إبراهيم: ١٥] متكبر عن طاعة الله، عنيد قال قتادة: العنيد المعرض عن طاعة الله.
وقال مجاهد: هو المجانب للحق.
وقال الزجاج: الذي يعدل عن القصد، والمعنى: فاز الرسل بالنصرة، وخاب كل من كفر.
مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦] قال ابن عباس، والمفسرون: يريد أمامه جهنم، فهي بين يديه.
يعني: أنه يردها ويدخلها، ووراء، يكون لخلف وقدام، ومنه قوله: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم.
وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم: ١٦] الصديد: ماء الجرح المختلط بالدم والقيح.
قال المفسرون: يريد صديد القيح والدم الذي يخرج من فروج الزناة.
٤٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَلِيمٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدَانُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ {١٦ يَتَجَرَّعُهُ} [إبراهيم: ١٦-١٧] قَالَ: يُقَرَّبُ إِلَيْهِ، فَيَتَكَرَّهُهُ فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ هَوَى وَجْهُهُ، وَوَقَعَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإِذَا شَرِبَ؛ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ، يَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: ١٥]، وَيَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ [الكهف: ٢٩].
قَوْلُهُ: يَتَجَرَّعُهُ [إبراهيم: ١٧] التَّجَرُّعُ: تَنَاوُلُ الشَّرَابِ جَرْعَةً جَرْعَةً
قال ابن عباس: يريد بالكره.
وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم: ١٧] يقال: ساغ الشراب في الحلق سوغا وأساغه الله، قال المفسرون: يتحساه ويشربه بالجرع، لا بمرة واحدة، لمرارته، ولا يسيغه إلا بعد إبطاء، لكراهته للذلك الشراب.
وقوله: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ [إبراهيم: ١٧] أي: همُّ الموت، وألمه، وكربه، مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [إبراهيم: ١٧] قال ابن عباس: من كل شعرة في جسده.
وقال الثوري: من كل عرق في جسده.
وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم: ١٧] موتا تنقطع معه الحياة، ومن ورائه ومن بعد هذا العذاب، وقال الكلبي: ومن بعد هذا الصديد.
عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] متصل الآلام، وقال إبراهيم التيمي: يعني الخلود في النار.
إبراهيم 14:16
ثم أخبرهم، عن القرون الماضية، وعما قالت لهم الرسل، وما ردوا عليهم، فقال: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ {٩ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ١٠ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ١١ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ١٢ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ١٣ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ١٤ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ١٥ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ١٦ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ١٧ } [إبراهيم: ٩-١٧] أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [إبراهيم: ٩] إلى قوله: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ٩] أي: من بعد هؤلاء الذين ذكرهم، لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ [إبراهيم: ٩] لا يحصي عددهم إلا الله، قال ابن عباس: لا يعلمهم إلا الله لكثرتهم.
قال ابن الأنباري: إن الله تعالى أهلك أمما من العرب وغيرها، فانقطعت أخبارهم، وعفت آثارهم: فليس يعرفهم أحد
إلا الله، جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ [إبراهيم: ٩] قال ابن مسعود: عضوا عليها غيظا.
والمعنى أنهم ثقل عليهم مكان الرسل، فعضوا على أصابعهم من شدة الغيظ، وقال الكلبي: وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة إلى الرسل أن اسكتوا.
وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ [إبراهيم: ٩] أي: على زعمكم بالإرسال لا أنهم أقروا أنهم أرسلوا.
قالت لهم، رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ [إبراهيم: ١٠] وهذا استفهام إنكار، أي: لا شك في الله، والمعنى: في توحيد الله، ثم ذكر ما يدل على وحدانيته، فقال: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ [إبراهيم: ١٠] بالرسل والكتب، لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [إبراهيم: ١٠] قال أبو عبيدة: من زائدة.
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [إبراهيم: ١٠] لا يعالجكم بالعذاب، بل يؤخركم ويمتعكم في الدنيا إلى الأجل المسمى لكم، وهو الموت، قالوا للرسل، إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا [إبراهيم: ١٠] ما أنتم إلا مخلوقون مثلنا، ليس لكم علينا فضل، تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا [إبراهيم: ١٠] على ما تقولون، بسلطان مبين بحجة ظاهرة.
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [إبراهيم: ١١] اعترفوا لهم بأنهم آدميون مخلوقون مثلهم، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم: ١١] يعنون بالنبوة والرسالة، وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ [إبراهيم: ١١] ليس لنا أن نأتيكم ببرهان وحجة ومعجزة إلا أن يشاء الله ذلك، أي: ليس لنا ذلك من قبل أنفسنا، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم: ١١] وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم.
وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ١٢] أي: أيُّ شيء لنا إذا لم نتوكل على الله ولم نفوض إليه أمورنا، يعني أن العبد، وإن لم يتوكل، لم يدرك بجهده شيئا لم يقضه الله، وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا [إبراهيم: ١٢] عرفنا طرق التوكل، وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: ١٢] وإنما قص هذا وأمثاله في القرآن على نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليقتدي بمن قبله من النبيين، ويعلم أنهم أوذوا في سبيل الله، فصبروا وتوكلوا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا الْجَوْزَقِيُّ، أنا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا دَاوُدُ، نا ابْنُ الْحَسَنِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْخُوَارِزْمِيُّ، نا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جُمَيْعٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذَاكَ الْبَرَاغِيثُ فَخُذْ قَدَحًا مِنْ مَاءٍ، فَاقْرَأْ عَلَيْهِ: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ١٢] الآيَةَ، وَتَقُولُ: فَإِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ؛ فَكُفُّوا شَرَّكُمْ وَأَذَاكُمْ عَنَّا، ثُمَّ تَرُشُّ الْمَاءَ حَوْلَ فِرَاشِكَ، فَإِنَّكَ تَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ آمِنًا مِنْ شَرِّهَا "
قوله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا [إبراهيم: ١٣] أي: ولا نساكنكم على مخالفتكم ديننا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [إبراهيم: ١٣] ذكرنا معناه في قصة شعيب في [الأعراف،] فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ [سورة إبراهيم: ١٣] يعني الذين كفروا بالرسل، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ١٤] لنعطينكم سكناها بعد هلاكهم، ذَلِكَ الإسكان، لِمَنْ خَافَ مَقَامِي [إبراهيم: ١٤].
قال ابن عباس: خاف مقامه بين يدي.
وقال الكلبي: مقامه بين يدي رب العالمين.
وهذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول، كما تقول: ندمت على ضربك، وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم: ١٤] قال ابن عباس: خاف مما أوعدت من العذاب.
يعني أن العاقبة بالنصر تكون لمن خاف الله.
واستفتحوا يعني: الرسل، استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما يئسوا من إيمانهم، وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ [إبراهيم: ١٥] متكبر عن طاعة الله، عنيد قال قتادة: العنيد المعرض عن طاعة الله.
وقال مجاهد: هو المجانب للحق.
وقال الزجاج: الذي يعدل عن القصد، والمعنى: فاز الرسل بالنصرة، وخاب كل من كفر.
مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦] قال ابن عباس، والمفسرون: يريد أمامه جهنم، فهي بين يديه.
يعني: أنه يردها ويدخلها، ووراء، يكون لخلف وقدام، ومنه قوله: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم.
وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم: ١٦] الصديد: ماء الجرح المختلط بالدم والقيح.
قال المفسرون: يريد صديد القيح والدم الذي يخرج من فروج الزناة.
٤٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَلِيمٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدَانُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ {١٦ يَتَجَرَّعُهُ} [إبراهيم: ١٦-١٧] قَالَ: يُقَرَّبُ إِلَيْهِ، فَيَتَكَرَّهُهُ فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ هَوَى وَجْهُهُ، وَوَقَعَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإِذَا شَرِبَ؛ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ، يَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: ١٥]، وَيَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ [الكهف: ٢٩].
قَوْلُهُ: يَتَجَرَّعُهُ [إبراهيم: ١٧] التَّجَرُّعُ: تَنَاوُلُ الشَّرَابِ جَرْعَةً جَرْعَةً
قال ابن عباس: يريد بالكره.
وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم: ١٧] يقال: ساغ الشراب في الحلق سوغا وأساغه الله، قال المفسرون: يتحساه ويشربه بالجرع، لا بمرة واحدة، لمرارته، ولا يسيغه إلا بعد إبطاء، لكراهته للذلك الشراب.
وقوله: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ [إبراهيم: ١٧] أي: همُّ الموت، وألمه، وكربه، مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [إبراهيم: ١٧] قال ابن عباس: من كل شعرة في جسده.
وقال الثوري: من كل عرق في جسده.
وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم: ١٧] موتا تنقطع معه الحياة، ومن ورائه ومن بعد هذا العذاب، وقال الكلبي: ومن بعد هذا الصديد.
عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] متصل الآلام، وقال إبراهيم التيمي: يعني الخلود في النار.
إبراهيم 14:17
ثم أخبرهم، عن القرون الماضية، وعما قالت لهم الرسل، وما ردوا عليهم، فقال: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ {٩ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ١٠ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ١١ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ١٢ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ١٣ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ١٤ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ١٥ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ١٦ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ١٧ } [إبراهيم: ٩-١٧] أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [إبراهيم: ٩] إلى قوله: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ٩] أي: من بعد هؤلاء الذين ذكرهم، لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ [إبراهيم: ٩] لا يحصي عددهم إلا الله، قال ابن عباس: لا يعلمهم إلا الله لكثرتهم.
قال ابن الأنباري: إن الله تعالى أهلك أمما من العرب وغيرها، فانقطعت أخبارهم، وعفت آثارهم: فليس يعرفهم أحد
إلا الله، جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ [إبراهيم: ٩] قال ابن مسعود: عضوا عليها غيظا.
والمعنى أنهم ثقل عليهم مكان الرسل، فعضوا على أصابعهم من شدة الغيظ، وقال الكلبي: وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة إلى الرسل أن اسكتوا.
وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ [إبراهيم: ٩] أي: على زعمكم بالإرسال لا أنهم أقروا أنهم أرسلوا.
قالت لهم، رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ [إبراهيم: ١٠] وهذا استفهام إنكار، أي: لا شك في الله، والمعنى: في توحيد الله، ثم ذكر ما يدل على وحدانيته، فقال: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ [إبراهيم: ١٠] بالرسل والكتب، لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [إبراهيم: ١٠] قال أبو عبيدة: من زائدة.
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [إبراهيم: ١٠] لا يعالجكم بالعذاب، بل يؤخركم ويمتعكم في الدنيا إلى الأجل المسمى لكم، وهو الموت، قالوا للرسل، إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا [إبراهيم: ١٠] ما أنتم إلا مخلوقون مثلنا، ليس لكم علينا فضل، تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا [إبراهيم: ١٠] على ما تقولون، بسلطان مبين بحجة ظاهرة.
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [إبراهيم: ١١] اعترفوا لهم بأنهم آدميون مخلوقون مثلهم، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم: ١١] يعنون بالنبوة والرسالة، وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ [إبراهيم: ١١] ليس لنا أن نأتيكم ببرهان وحجة ومعجزة إلا أن يشاء الله ذلك، أي: ليس لنا ذلك من قبل أنفسنا، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم: ١١] وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم.
وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ١٢] أي: أيُّ شيء لنا إذا لم نتوكل على الله ولم نفوض إليه أمورنا، يعني أن العبد، وإن لم يتوكل، لم يدرك بجهده شيئا لم يقضه الله، وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا [إبراهيم: ١٢] عرفنا طرق التوكل، وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: ١٢] وإنما قص هذا وأمثاله في القرآن على نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليقتدي بمن قبله من النبيين، ويعلم أنهم أوذوا في سبيل الله، فصبروا وتوكلوا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا الْجَوْزَقِيُّ، أنا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا دَاوُدُ، نا ابْنُ الْحَسَنِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْخُوَارِزْمِيُّ، نا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جُمَيْعٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذَاكَ الْبَرَاغِيثُ فَخُذْ قَدَحًا مِنْ مَاءٍ، فَاقْرَأْ عَلَيْهِ: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ [إبراهيم: ١٢] الآيَةَ، وَتَقُولُ: فَإِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ؛ فَكُفُّوا شَرَّكُمْ وَأَذَاكُمْ عَنَّا، ثُمَّ تَرُشُّ الْمَاءَ حَوْلَ فِرَاشِكَ، فَإِنَّكَ تَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ آمِنًا مِنْ شَرِّهَا "
قوله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا [إبراهيم: ١٣] أي: ولا نساكنكم على مخالفتكم ديننا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [إبراهيم: ١٣] ذكرنا معناه في قصة شعيب في [الأعراف،] فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ [سورة إبراهيم: ١٣] يعني الذين كفروا بالرسل، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم: ١٤] لنعطينكم سكناها بعد هلاكهم، ذَلِكَ الإسكان، لِمَنْ خَافَ مَقَامِي [إبراهيم: ١٤].
قال ابن عباس: خاف مقامه بين يدي.
وقال الكلبي: مقامه بين يدي رب العالمين.
وهذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول، كما تقول: ندمت على ضربك، وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم: ١٤] قال ابن عباس: خاف مما أوعدت من العذاب.
يعني أن العاقبة بالنصر تكون لمن خاف الله.
واستفتحوا يعني: الرسل، استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما يئسوا من إيمانهم، وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ [إبراهيم: ١٥] متكبر عن طاعة الله، عنيد قال قتادة: العنيد المعرض عن طاعة الله.
وقال مجاهد: هو المجانب للحق.
وقال الزجاج: الذي يعدل عن القصد، والمعنى: فاز الرسل بالنصرة، وخاب كل من كفر.
مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦] قال ابن عباس، والمفسرون: يريد أمامه جهنم، فهي بين يديه.
يعني: أنه يردها ويدخلها، ووراء، يكون لخلف وقدام، ومنه قوله: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم.
وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم: ١٦] الصديد: ماء الجرح المختلط بالدم والقيح.
قال المفسرون: يريد صديد القيح والدم الذي يخرج من فروج الزناة.
٤٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَلِيمٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدَانُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ {١٦ يَتَجَرَّعُهُ} [إبراهيم: ١٦-١٧] قَالَ: يُقَرَّبُ إِلَيْهِ، فَيَتَكَرَّهُهُ فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ هَوَى وَجْهُهُ، وَوَقَعَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإِذَا شَرِبَ؛ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ، يَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: ١٥]، وَيَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ [الكهف: ٢٩].
قَوْلُهُ: يَتَجَرَّعُهُ [إبراهيم: ١٧] التَّجَرُّعُ: تَنَاوُلُ الشَّرَابِ جَرْعَةً جَرْعَةً
قال ابن عباس: يريد بالكره.
وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم: ١٧] يقال: ساغ الشراب في الحلق سوغا وأساغه الله، قال المفسرون: يتحساه ويشربه بالجرع، لا بمرة واحدة، لمرارته، ولا يسيغه إلا بعد إبطاء، لكراهته للذلك الشراب.
وقوله: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ [إبراهيم: ١٧] أي: همُّ الموت، وألمه، وكربه، مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [إبراهيم: ١٧] قال ابن عباس: من كل شعرة في جسده.
وقال الثوري: من كل عرق في جسده.
وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم: ١٧] موتا تنقطع معه الحياة، ومن ورائه ومن بعد هذا العذاب، وقال الكلبي: ومن بعد هذا الصديد.
عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] متصل الآلام، وقال إبراهيم التيمي: يعني الخلود في النار.
إبراهيم 14:18
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [إبراهيم: ١٨] قوله: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ [إبراهيم: ١٨] قال الفراء: تقدير الآية مثل أعمال الذين كفروا بربهم، فحذف المضاف اعتمادا على ذكره بعد المضاف إليه.
وقوله: كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ [إبراهيم: ١٨] أراد عاصف الريح، فحذف الريح لأنها ذكرت في أول الكلام، ويقال: عصفت الريح عصوفا إذا اشتد هبوبها.
ومعنى الآية أن كل ما تقرب به الذين كفروا إلى الله، فمحبط غير منتفع به، لأنهم أشركوا فيها غير الله، كالرماد الذي ذّرَّتْهُ الريح وصار هباء لا ينتفع به، وذلك قوله: لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا [إبراهيم: ١٨] أي في الدنيا، على شيء
في الآخرة، قال ابن عباس: لا يجدون ثواب ما عملوا.
ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [إبراهيم: ١٨] يعني: ضلال أعمالهم وذهابها كذهاب الرماد في عصوف الريح.
إبراهيم 14:19
قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ {١٩ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ٢٠ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ٢١ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٢٢ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ ٢٣ } [إبراهيم: ١٩-٢٣] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [إبراهيم: ١٩] معنى ألم تر ههنا التنبيه على خلق السموات والأرض، وقرأ حمزة والكسائي خالق السموات على فاعل، كقوله: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [إبراهيم: ١٠] ومعنى قوله: بالحق كقوله: مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ [يونس: ٥] وقد تقدم، وقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [إبراهيم: ١٩] قال ابن عباس: يريد أميتكم يا معشر الكفار، وأخلق قوما غيركم خيرا منكم وأطوع.
وهذا خطاب لأهل مكة وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم: ٢٠] قال ابن عباس: لا يعز على الله شيء يريده.
وقال الكلبي: ليس يعز على الله شيء أن يميتكم ويأتي بغيركم.
قوله: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا [إبراهيم: ٢١] خرجوا من قبورهم للبعث، قال الزجاج: جمعهم الله في حشرهم فاجتمع التابع والمتبوع.
فقال الضعفاء وهم الأتباع، لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا [إبراهيم: ٢١] والأكابر هم الذين استكبروا عن عبادة الله، إنا كنا في الدنيا، لكم تبعا جمع تابع، مثل خادم وخدم، فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ [إبراهيم: ٢١] فهل أنتم دافعون عنا من عذاب الله؟ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ [إبراهيم: ٢١] لو أرشدنا الله لأرشدناكم، يريدون أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله تعالى أضلهم ولم يهدهم، فدعوا أتباعهم إلى ما كانوا عليه من الضلال، ولو هداهم الله لدعوهم إلى الهدى.
سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا [إبراهيم: ٢١] قال زيد بن أسلم: جزعوا مائة سنة، وصبروا مائة سنة، فلم ينفعهم أحدهم، فقالوا هذا.
وقوله: مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم: ٢١] أي: معدل عن العذاب.
قوله: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ [إبراهيم: ٢٢] أي: فرغ منه، وقضى الله بين العباد، قال المفسرون: إذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في
النار، اجتمع أهل النار على إبليس، فيقوم فيما بينهم خطيبا، ويقول: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [إبراهيم: ٢٢] أي: كون هذا اليوم، فصدقكم وعده، ووعدتكم أنه لا جنة ولا نار، ولا بعث ولا حساب، فأخلفتكم الوعد، وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إبراهيم: ٢٢] ما أظهرت لكم حجة أحتج بها عليكم، إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ [إبراهيم: ٢٢] هذا من الاستثناء المنقطع، أي: لكن دعوتكم فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: ٢٢] فصدقتموني وقبلتم مقالتي، فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إبراهيم: ٢٢] حيث أجبتموني وصدقتموني من غير برهان، مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ [إبراهيم: ٢٢] بمغيثكم، وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم: ٢٢] بمغيثين لي، أي: لا أنجيكم مما أنتم فيه، ولا تنجوني مما أنا فيه، قال الحسن: إذا كان يوم القيامة، قام إبليس خطيبا على منبر من نار، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [إبراهيم: ٢٢] الآية.
والقراءة الصحيحة فتح الياء في مصرخي، وهو الأصل، لأن ياء الإضافة إذا كان قبلها ساكن، حركت إلى الفتح لا غير، نحو هداي وعصاي، وقرأ حمزة بكسر الياء، قال الزجاج: هذه القراءة عند جميع النحويين رديئة مرذولة، لا وجه لها إلا وجه ضعيف، وهو ما أجازه الفراء من الكسر على أصل التقاء الساكنين، وأنشد:
قلت لها هل لك يَا تَا فيَّ
قالت لنا ما أنت بالمرضي
وزعم قطرب أن هذه لغة في بني يربوع، يزيدون على ياء الإضافة ياء، نحو هل لك يا تافي؟ وكان الأصل مصرخي، ثم حذفت الياء الزائدة، وأقرت الكسرة على ما كانت عليه، وقوله: إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم: ٢٢] أي: كفرت بإشراككم إياي مع الله في الطاعة، والمعنى: جحدت أن أكون شريكا لله فيما أشركتموني، إن الظالمين يريد المشركين، لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم: ٢٢]، وقوله: تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [إبراهيم: ٢٣] ذكرنا تفسيره في [يونس.
إبراهيم 14:20
قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ {١٩ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ٢٠ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ٢١ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٢٢ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ ٢٣ } [إبراهيم: ١٩-٢٣] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [إبراهيم: ١٩] معنى ألم تر ههنا التنبيه على خلق السموات والأرض، وقرأ حمزة والكسائي خالق السموات على فاعل، كقوله: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [إبراهيم: ١٠] ومعنى قوله: بالحق كقوله: مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ [يونس: ٥] وقد تقدم، وقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [إبراهيم: ١٩] قال ابن عباس: يريد أميتكم يا معشر الكفار، وأخلق قوما غيركم خيرا منكم وأطوع.
وهذا خطاب لأهل مكة وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم: ٢٠] قال ابن عباس: لا يعز على الله شيء يريده.
وقال الكلبي: ليس يعز على الله شيء أن يميتكم ويأتي بغيركم.
قوله: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا [إبراهيم: ٢١] خرجوا من قبورهم للبعث، قال الزجاج: جمعهم الله في حشرهم فاجتمع التابع والمتبوع.
فقال الضعفاء وهم الأتباع، لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا [إبراهيم: ٢١] والأكابر هم الذين استكبروا عن عبادة الله، إنا كنا في الدنيا، لكم تبعا جمع تابع، مثل خادم وخدم، فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ [إبراهيم: ٢١] فهل أنتم دافعون عنا من عذاب الله؟ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ [إبراهيم: ٢١] لو أرشدنا الله لأرشدناكم، يريدون أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله تعالى أضلهم ولم يهدهم، فدعوا أتباعهم إلى ما كانوا عليه من الضلال، ولو هداهم الله لدعوهم إلى الهدى.
سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا [إبراهيم: ٢١] قال زيد بن أسلم: جزعوا مائة سنة، وصبروا مائة سنة، فلم ينفعهم أحدهم، فقالوا هذا.
وقوله: مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم: ٢١] أي: معدل عن العذاب.
قوله: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ [إبراهيم: ٢٢] أي: فرغ منه، وقضى الله بين العباد، قال المفسرون: إذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في
النار، اجتمع أهل النار على إبليس، فيقوم فيما بينهم خطيبا، ويقول: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [إبراهيم: ٢٢] أي: كون هذا اليوم، فصدقكم وعده، ووعدتكم أنه لا جنة ولا نار، ولا بعث ولا حساب، فأخلفتكم الوعد، وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إبراهيم: ٢٢] ما أظهرت لكم حجة أحتج بها عليكم، إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ [إبراهيم: ٢٢] هذا من الاستثناء المنقطع، أي: لكن دعوتكم فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: ٢٢] فصدقتموني وقبلتم مقالتي، فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إبراهيم: ٢٢] حيث أجبتموني وصدقتموني من غير برهان، مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ [إبراهيم: ٢٢] بمغيثكم، وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم: ٢٢] بمغيثين لي، أي: لا أنجيكم مما أنتم فيه، ولا تنجوني مما أنا فيه، قال الحسن: إذا كان يوم القيامة، قام إبليس خطيبا على منبر من نار، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [إبراهيم: ٢٢] الآية.
والقراءة الصحيحة فتح الياء في مصرخي، وهو الأصل، لأن ياء الإضافة إذا كان قبلها ساكن، حركت إلى الفتح لا غير، نحو هداي وعصاي، وقرأ حمزة بكسر الياء، قال الزجاج: هذه القراءة عند جميع النحويين رديئة مرذولة، لا وجه لها إلا وجه ضعيف، وهو ما أجازه الفراء من الكسر على أصل التقاء الساكنين، وأنشد:
قلت لها هل لك يَا تَا فيَّ
قالت لنا ما أنت بالمرضي
وزعم قطرب أن هذه لغة في بني يربوع، يزيدون على ياء الإضافة ياء، نحو هل لك يا تافي؟ وكان الأصل مصرخي، ثم حذفت الياء الزائدة، وأقرت الكسرة على ما كانت عليه، وقوله: إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم: ٢٢] أي: كفرت بإشراككم إياي مع الله في الطاعة، والمعنى: جحدت أن أكون شريكا لله فيما أشركتموني، إن الظالمين يريد المشركين، لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم: ٢٢]، وقوله: تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [إبراهيم: ٢٣] ذكرنا تفسيره في [يونس.
إبراهيم 14:21
قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ {١٩ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ٢٠ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ٢١ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٢٢ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ ٢٣ } [إبراهيم: ١٩-٢٣] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [إبراهيم: ١٩] معنى ألم تر ههنا التنبيه على خلق السموات والأرض، وقرأ حمزة والكسائي خالق السموات على فاعل، كقوله: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [إبراهيم: ١٠] ومعنى قوله: بالحق كقوله: مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ [يونس: ٥] وقد تقدم، وقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [إبراهيم: ١٩] قال ابن عباس: يريد أميتكم يا معشر الكفار، وأخلق قوما غيركم خيرا منكم وأطوع.
وهذا خطاب لأهل مكة وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم: ٢٠] قال ابن عباس: لا يعز على الله شيء يريده.
وقال الكلبي: ليس يعز على الله شيء أن يميتكم ويأتي بغيركم.
قوله: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا [إبراهيم: ٢١] خرجوا من قبورهم للبعث، قال الزجاج: جمعهم الله في حشرهم فاجتمع التابع والمتبوع.
فقال الضعفاء وهم الأتباع، لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا [إبراهيم: ٢١] والأكابر هم الذين استكبروا عن عبادة الله، إنا كنا في الدنيا، لكم تبعا جمع تابع، مثل خادم وخدم، فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ [إبراهيم: ٢١] فهل أنتم دافعون عنا من عذاب الله؟ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ [إبراهيم: ٢١] لو أرشدنا الله لأرشدناكم، يريدون أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله تعالى أضلهم ولم يهدهم، فدعوا أتباعهم إلى ما كانوا عليه من الضلال، ولو هداهم الله لدعوهم إلى الهدى.
سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا [إبراهيم: ٢١] قال زيد بن أسلم: جزعوا مائة سنة، وصبروا مائة سنة، فلم ينفعهم أحدهم، فقالوا هذا.
وقوله: مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم: ٢١] أي: معدل عن العذاب.
قوله: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ [إبراهيم: ٢٢] أي: فرغ منه، وقضى الله بين العباد، قال المفسرون: إذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في
النار، اجتمع أهل النار على إبليس، فيقوم فيما بينهم خطيبا، ويقول: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [إبراهيم: ٢٢] أي: كون هذا اليوم، فصدقكم وعده، ووعدتكم أنه لا جنة ولا نار، ولا بعث ولا حساب، فأخلفتكم الوعد، وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إبراهيم: ٢٢] ما أظهرت لكم حجة أحتج بها عليكم، إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ [إبراهيم: ٢٢] هذا من الاستثناء المنقطع، أي: لكن دعوتكم فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: ٢٢] فصدقتموني وقبلتم مقالتي، فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إبراهيم: ٢٢] حيث أجبتموني وصدقتموني من غير برهان، مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ [إبراهيم: ٢٢] بمغيثكم، وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم: ٢٢] بمغيثين لي، أي: لا أنجيكم مما أنتم فيه، ولا تنجوني مما أنا فيه، قال الحسن: إذا كان يوم القيامة، قام إبليس خطيبا على منبر من نار، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [إبراهيم: ٢٢] الآية.
والقراءة الصحيحة فتح الياء في مصرخي، وهو الأصل، لأن ياء الإضافة إذا كان قبلها ساكن، حركت إلى الفتح لا غير، نحو هداي وعصاي، وقرأ حمزة بكسر الياء، قال الزجاج: هذه القراءة عند جميع النحويين رديئة مرذولة، لا وجه لها إلا وجه ضعيف، وهو ما أجازه الفراء من الكسر على أصل التقاء الساكنين، وأنشد:
قلت لها هل لك يَا تَا فيَّ
قالت لنا ما أنت بالمرضي
وزعم قطرب أن هذه لغة في بني يربوع، يزيدون على ياء الإضافة ياء، نحو هل لك يا تافي؟ وكان الأصل مصرخي، ثم حذفت الياء الزائدة، وأقرت الكسرة على ما كانت عليه، وقوله: إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم: ٢٢] أي: كفرت بإشراككم إياي مع الله في الطاعة، والمعنى: جحدت أن أكون شريكا لله فيما أشركتموني، إن الظالمين يريد المشركين، لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم: ٢٢]، وقوله: تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [إبراهيم: ٢٣] ذكرنا تفسيره في [يونس.
إبراهيم 14:22
قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ {١٩ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ٢٠ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ٢١ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٢٢ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ ٢٣ } [إبراهيم: ١٩-٢٣] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [إبراهيم: ١٩] معنى ألم تر ههنا التنبيه على خلق السموات والأرض، وقرأ حمزة والكسائي خالق السموات على فاعل، كقوله: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [إبراهيم: ١٠] ومعنى قوله: بالحق كقوله: مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ [يونس: ٥] وقد تقدم، وقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [إبراهيم: ١٩] قال ابن عباس: يريد أميتكم يا معشر الكفار، وأخلق قوما غيركم خيرا منكم وأطوع.
وهذا خطاب لأهل مكة وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم: ٢٠] قال ابن عباس: لا يعز على الله شيء يريده.
وقال الكلبي: ليس يعز على الله شيء أن يميتكم ويأتي بغيركم.
قوله: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا [إبراهيم: ٢١] خرجوا من قبورهم للبعث، قال الزجاج: جمعهم الله في حشرهم فاجتمع التابع والمتبوع.
فقال الضعفاء وهم الأتباع، لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا [إبراهيم: ٢١] والأكابر هم الذين استكبروا عن عبادة الله، إنا كنا في الدنيا، لكم تبعا جمع تابع، مثل خادم وخدم، فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ [إبراهيم: ٢١] فهل أنتم دافعون عنا من عذاب الله؟ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ [إبراهيم: ٢١] لو أرشدنا الله لأرشدناكم، يريدون أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله تعالى أضلهم ولم يهدهم، فدعوا أتباعهم إلى ما كانوا عليه من الضلال، ولو هداهم الله لدعوهم إلى الهدى.
سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا [إبراهيم: ٢١] قال زيد بن أسلم: جزعوا مائة سنة، وصبروا مائة سنة، فلم ينفعهم أحدهم، فقالوا هذا.
وقوله: مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم: ٢١] أي: معدل عن العذاب.
قوله: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ [إبراهيم: ٢٢] أي: فرغ منه، وقضى الله بين العباد، قال المفسرون: إذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في
النار، اجتمع أهل النار على إبليس، فيقوم فيما بينهم خطيبا، ويقول: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [إبراهيم: ٢٢] أي: كون هذا اليوم، فصدقكم وعده، ووعدتكم أنه لا جنة ولا نار، ولا بعث ولا حساب، فأخلفتكم الوعد، وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إبراهيم: ٢٢] ما أظهرت لكم حجة أحتج بها عليكم، إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ [إبراهيم: ٢٢] هذا من الاستثناء المنقطع، أي: لكن دعوتكم فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: ٢٢] فصدقتموني وقبلتم مقالتي، فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إبراهيم: ٢٢] حيث أجبتموني وصدقتموني من غير برهان، مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ [إبراهيم: ٢٢] بمغيثكم، وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم: ٢٢] بمغيثين لي، أي: لا أنجيكم مما أنتم فيه، ولا تنجوني مما أنا فيه، قال الحسن: إذا كان يوم القيامة، قام إبليس خطيبا على منبر من نار، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [إبراهيم: ٢٢] الآية.
والقراءة الصحيحة فتح الياء في مصرخي، وهو الأصل، لأن ياء الإضافة إذا كان قبلها ساكن، حركت إلى الفتح لا غير، نحو هداي وعصاي، وقرأ حمزة بكسر الياء، قال الزجاج: هذه القراءة عند جميع النحويين رديئة مرذولة، لا وجه لها إلا وجه ضعيف، وهو ما أجازه الفراء من الكسر على أصل التقاء الساكنين، وأنشد:
قلت لها هل لك يَا تَا فيَّ
قالت لنا ما أنت بالمرضي
وزعم قطرب أن هذه لغة في بني يربوع، يزيدون على ياء الإضافة ياء، نحو هل لك يا تافي؟ وكان الأصل مصرخي، ثم حذفت الياء الزائدة، وأقرت الكسرة على ما كانت عليه، وقوله: إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم: ٢٢] أي: كفرت بإشراككم إياي مع الله في الطاعة، والمعنى: جحدت أن أكون شريكا لله فيما أشركتموني، إن الظالمين يريد المشركين، لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم: ٢٢]، وقوله: تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [إبراهيم: ٢٣] ذكرنا تفسيره في [يونس.
إبراهيم 14:23
قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ {١٩ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ٢٠ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ٢١ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٢٢ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ ٢٣ } [إبراهيم: ١٩-٢٣] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [إبراهيم: ١٩] معنى ألم تر ههنا التنبيه على خلق السموات والأرض، وقرأ حمزة والكسائي خالق السموات على فاعل، كقوله: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [إبراهيم: ١٠] ومعنى قوله: بالحق كقوله: مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ [يونس: ٥] وقد تقدم، وقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [إبراهيم: ١٩] قال ابن عباس: يريد أميتكم يا معشر الكفار، وأخلق قوما غيركم خيرا منكم وأطوع.
وهذا خطاب لأهل مكة وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم: ٢٠] قال ابن عباس: لا يعز على الله شيء يريده.
وقال الكلبي: ليس يعز على الله شيء أن يميتكم ويأتي بغيركم.
قوله: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا [إبراهيم: ٢١] خرجوا من قبورهم للبعث، قال الزجاج: جمعهم الله في حشرهم فاجتمع التابع والمتبوع.
فقال الضعفاء وهم الأتباع، لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا [إبراهيم: ٢١] والأكابر هم الذين استكبروا عن عبادة الله، إنا كنا في الدنيا، لكم تبعا جمع تابع، مثل خادم وخدم، فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ [إبراهيم: ٢١] فهل أنتم دافعون عنا من عذاب الله؟ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ [إبراهيم: ٢١] لو أرشدنا الله لأرشدناكم، يريدون أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله تعالى أضلهم ولم يهدهم، فدعوا أتباعهم إلى ما كانوا عليه من الضلال، ولو هداهم الله لدعوهم إلى الهدى.
سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا [إبراهيم: ٢١] قال زيد بن أسلم: جزعوا مائة سنة، وصبروا مائة سنة، فلم ينفعهم أحدهم، فقالوا هذا.
وقوله: مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم: ٢١] أي: معدل عن العذاب.
قوله: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ [إبراهيم: ٢٢] أي: فرغ منه، وقضى الله بين العباد، قال المفسرون: إذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في
النار، اجتمع أهل النار على إبليس، فيقوم فيما بينهم خطيبا، ويقول: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [إبراهيم: ٢٢] أي: كون هذا اليوم، فصدقكم وعده، ووعدتكم أنه لا جنة ولا نار، ولا بعث ولا حساب، فأخلفتكم الوعد، وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إبراهيم: ٢٢] ما أظهرت لكم حجة أحتج بها عليكم، إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ [إبراهيم: ٢٢] هذا من الاستثناء المنقطع، أي: لكن دعوتكم فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: ٢٢] فصدقتموني وقبلتم مقالتي، فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إبراهيم: ٢٢] حيث أجبتموني وصدقتموني من غير برهان، مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ [إبراهيم: ٢٢] بمغيثكم، وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم: ٢٢] بمغيثين لي، أي: لا أنجيكم مما أنتم فيه، ولا تنجوني مما أنا فيه، قال الحسن: إذا كان يوم القيامة، قام إبليس خطيبا على منبر من نار، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [إبراهيم: ٢٢] الآية.
والقراءة الصحيحة فتح الياء في مصرخي، وهو الأصل، لأن ياء الإضافة إذا كان قبلها ساكن، حركت إلى الفتح لا غير، نحو هداي وعصاي، وقرأ حمزة بكسر الياء، قال الزجاج: هذه القراءة عند جميع النحويين رديئة مرذولة، لا وجه لها إلا وجه ضعيف، وهو ما أجازه الفراء من الكسر على أصل التقاء الساكنين، وأنشد:
قلت لها هل لك يَا تَا فيَّ
قالت لنا ما أنت بالمرضي
وزعم قطرب أن هذه لغة في بني يربوع، يزيدون على ياء الإضافة ياء، نحو هل لك يا تافي؟ وكان الأصل مصرخي، ثم حذفت الياء الزائدة، وأقرت الكسرة على ما كانت عليه، وقوله: إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم: ٢٢] أي: كفرت بإشراككم إياي مع الله في الطاعة، والمعنى: جحدت أن أكون شريكا لله فيما أشركتموني، إن الظالمين يريد المشركين، لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم: ٢٢]، وقوله: تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [إبراهيم: ٢٣] ذكرنا تفسيره في [يونس.
إبراهيم 14:24
قوله:] أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ {٢٤ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٢٥ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ٢٦ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ٢٧ } [سورة إبراهيم: ٢٤-٢٧] أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا [إبراهيم: ٢٤] بين الله شبها، ثم فسر ذلك المثل، فقال: كلمة طيبة قال ابن عباس: يريد لا إله إلا الله، وهو قول الجميع.
كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [إبراهيم: ٢٤] قالوا: يريد النخلة.
والمعنى: كشجرة طيبة الثمرة.
أصلها أي:
أصل هذه الشجرة، ثابت في الثرى، وفرعها أعلاها عال، فِي السَّمَاءِ {٢٤ تُؤْتِي} [إبراهيم: ٢٤-٢٥] تعطي هذه الشجرة، أكلها ثمرها وما يؤكل منها، كل حين قال ابن عباس: يريد ستة أشهر.
وهو قول سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن، قالوا: ما بين صرامها إلى حملها ستة أشهر.
وقال مجاهد، وابن زيد، وعكرمة: كل سنة.
شبه الله تعالى الإيمان بالنخلة، لثبات الإيمان في قلب المؤمن، كثبات النخلة في منبتها، وشبه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة، وشبه ما اكتسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت وزمان، بما ينال من ثمر النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والتمر، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ [إبراهيم: ٢٥] قال ابن عباس: يريد أهل مكة.
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم: ٢٥] لكي يتعظوا.
وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ [إبراهيم: ٢٦] يعني الشرك بالله، كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ [إبراهيم: ٢٦] قال ابن عباس: يريد الثوم.
وقال الضحاك عنه: هي الكشوث.
وقال أنس بن مالك: هي الحنظل.
فكما أنها أخبث الأشجار، فكذلك الشرك أخبث الكلمات، اجتثت انتزعت واقتلعت، مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ [إبراهيم: ٢٦] قال ابن عباس: يريد ليس لها أصل تام، فهي فوق الأرض، لم تضرب فيها بعرق.
وهو قوله: مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ [إبراهيم: ٢٦] من أصل في الأرض، وكما أنها أخبث الأشجار، كذلك الشرك بالله أخبث الكلمات، ليس لها حجة ولا ثبات ولا شيء.
قوله يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [إبراهيم: ٢٧] الذين صدقوا محمدا، بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم: ٢٧] وهو لا إله إلا الله، فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [إبراهيم: ٢٧] يثبتهم بها على الحق، وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم: ٢٧] يعني في القبر، قال المفسرون: هذه الآية وردت في فتنة القبر، وسؤال الملكين، وتلقين الله المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال، وتثبيته إياه بها على الحق.
٤٩٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا سُئِلَ فِي قَبْرِهِ؛ قَالَ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم: ٢٧].
٥٠٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ شَاذَانَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي
أَبِي، أنا أَبُو عَامِرٍ، نا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جِنَازَةً، فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَإِذَا الإِنْسَانُ دُفِنَ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، جَاءَهُ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِطْرَاقٌ، فَأَقْعَدَهُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا؛ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ فَيَقُولُ: هَذَا كَانَ مَنْزِلُكَ لَوْ كَفَرْتَ بِرَبِّكَ، فَأَمَّا إِذْ آمَنْتَ، فَهَذَا مَنْزِلُكَ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيُرِيدُ أَنْ يَنْهَضَ إِلَيْهِ فَيُقَالُ لَهُ: اسْكُنْ، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، أَوْ مُنَافِقًا، يَقُولُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا، فَقُلْتُ، فَيُقَالُ: لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ وَلا هُدِيتَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ: هَذَا لَكَ لَوْ آمَنْتَ، فَأَمَّا إِذْ كَفَرْتَ، فَإِنَّ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، أَبْدَلَكَ بِهِ هَذَا، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ، ثُمَّ يُقْمِعُهُ بِالْمِطْرَاقِ قَمْعَةً، يَسْمَعُهَا خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَحَدٌ يَقُومُ عَلَيْهِ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مَطْرَقَةٌ، إِلا هِيلَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ»
وقوله: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [إبراهيم: ٢٧] يعني: لا يلقن الله المشركين والكافرين حتى إذا سئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري.
قال الفراء: يضلهم عن هذه الكلمة.
وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: ٢٧] من تثبيت المؤمن وتلقينه الصواب، وإضلال الكافر، قال الفراء: أي لا تكون له قدرة، ولا يسأل عما يفعل.
إبراهيم 14:25
قوله:] أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ {٢٤ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٢٥ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ٢٦ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ٢٧ } [سورة إبراهيم: ٢٤-٢٧] أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا [إبراهيم: ٢٤] بين الله شبها، ثم فسر ذلك المثل، فقال: كلمة طيبة قال ابن عباس: يريد لا إله إلا الله، وهو قول الجميع.
كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [إبراهيم: ٢٤] قالوا: يريد النخلة.
والمعنى: كشجرة طيبة الثمرة.
أصلها أي:
أصل هذه الشجرة، ثابت في الثرى، وفرعها أعلاها عال، فِي السَّمَاءِ {٢٤ تُؤْتِي} [إبراهيم: ٢٤-٢٥] تعطي هذه الشجرة، أكلها ثمرها وما يؤكل منها، كل حين قال ابن عباس: يريد ستة أشهر.
وهو قول سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن، قالوا: ما بين صرامها إلى حملها ستة أشهر.
وقال مجاهد، وابن زيد، وعكرمة: كل سنة.
شبه الله تعالى الإيمان بالنخلة، لثبات الإيمان في قلب المؤمن، كثبات النخلة في منبتها، وشبه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة، وشبه ما اكتسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت وزمان، بما ينال من ثمر النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والتمر، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ [إبراهيم: ٢٥] قال ابن عباس: يريد أهل مكة.
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم: ٢٥] لكي يتعظوا.
وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ [إبراهيم: ٢٦] يعني الشرك بالله، كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ [إبراهيم: ٢٦] قال ابن عباس: يريد الثوم.
وقال الضحاك عنه: هي الكشوث.
وقال أنس بن مالك: هي الحنظل.
فكما أنها أخبث الأشجار، فكذلك الشرك أخبث الكلمات، اجتثت انتزعت واقتلعت، مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ [إبراهيم: ٢٦] قال ابن عباس: يريد ليس لها أصل تام، فهي فوق الأرض، لم تضرب فيها بعرق.
وهو قوله: مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ [إبراهيم: ٢٦] من أصل في الأرض، وكما أنها أخبث الأشجار، كذلك الشرك بالله أخبث الكلمات، ليس لها حجة ولا ثبات ولا شيء.
قوله يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [إبراهيم: ٢٧] الذين صدقوا محمدا، بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم: ٢٧] وهو لا إله إلا الله، فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [إبراهيم: ٢٧] يثبتهم بها على الحق، وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم: ٢٧] يعني في القبر، قال المفسرون: هذه الآية وردت في فتنة القبر، وسؤال الملكين، وتلقين الله المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال، وتثبيته إياه بها على الحق.
٤٩٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا سُئِلَ فِي قَبْرِهِ؛ قَالَ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم: ٢٧].
٥٠٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ شَاذَانَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي
أَبِي، أنا أَبُو عَامِرٍ، نا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جِنَازَةً، فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَإِذَا الإِنْسَانُ دُفِنَ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، جَاءَهُ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِطْرَاقٌ، فَأَقْعَدَهُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا؛ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ فَيَقُولُ: هَذَا كَانَ مَنْزِلُكَ لَوْ كَفَرْتَ بِرَبِّكَ، فَأَمَّا إِذْ آمَنْتَ، فَهَذَا مَنْزِلُكَ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيُرِيدُ أَنْ يَنْهَضَ إِلَيْهِ فَيُقَالُ لَهُ: اسْكُنْ، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، أَوْ مُنَافِقًا، يَقُولُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا، فَقُلْتُ، فَيُقَالُ: لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ وَلا هُدِيتَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ: هَذَا لَكَ لَوْ آمَنْتَ، فَأَمَّا إِذْ كَفَرْتَ، فَإِنَّ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، أَبْدَلَكَ بِهِ هَذَا، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ، ثُمَّ يُقْمِعُهُ بِالْمِطْرَاقِ قَمْعَةً، يَسْمَعُهَا خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَحَدٌ يَقُومُ عَلَيْهِ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مَطْرَقَةٌ، إِلا هِيلَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ»
وقوله: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [إبراهيم: ٢٧] يعني: لا يلقن الله المشركين والكافرين حتى إذا سئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري.
قال الفراء: يضلهم عن هذه الكلمة.
وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: ٢٧] من تثبيت المؤمن وتلقينه الصواب، وإضلال الكافر، قال الفراء: أي لا تكون له قدرة، ولا يسأل عما يفعل.
إبراهيم 14:26
قوله:] أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ {٢٤ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٢٥ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ٢٦ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ٢٧ } [سورة إبراهيم: ٢٤-٢٧] أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا [إبراهيم: ٢٤] بين الله شبها، ثم فسر ذلك المثل، فقال: كلمة طيبة قال ابن عباس: يريد لا إله إلا الله، وهو قول الجميع.
كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [إبراهيم: ٢٤] قالوا: يريد النخلة.
والمعنى: كشجرة طيبة الثمرة.
أصلها أي:
أصل هذه الشجرة، ثابت في الثرى، وفرعها أعلاها عال، فِي السَّمَاءِ {٢٤ تُؤْتِي} [إبراهيم: ٢٤-٢٥] تعطي هذه الشجرة، أكلها ثمرها وما يؤكل منها، كل حين قال ابن عباس: يريد ستة أشهر.
وهو قول سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن، قالوا: ما بين صرامها إلى حملها ستة أشهر.
وقال مجاهد، وابن زيد، وعكرمة: كل سنة.
شبه الله تعالى الإيمان بالنخلة، لثبات الإيمان في قلب المؤمن، كثبات النخلة في منبتها، وشبه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة، وشبه ما اكتسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت وزمان، بما ينال من ثمر النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والتمر، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ [إبراهيم: ٢٥] قال ابن عباس: يريد أهل مكة.
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم: ٢٥] لكي يتعظوا.
وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ [إبراهيم: ٢٦] يعني الشرك بالله، كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ [إبراهيم: ٢٦] قال ابن عباس: يريد الثوم.
وقال الضحاك عنه: هي الكشوث.
وقال أنس بن مالك: هي الحنظل.
فكما أنها أخبث الأشجار، فكذلك الشرك أخبث الكلمات، اجتثت انتزعت واقتلعت، مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ [إبراهيم: ٢٦] قال ابن عباس: يريد ليس لها أصل تام، فهي فوق الأرض، لم تضرب فيها بعرق.
وهو قوله: مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ [إبراهيم: ٢٦] من أصل في الأرض، وكما أنها أخبث الأشجار، كذلك الشرك بالله أخبث الكلمات، ليس لها حجة ولا ثبات ولا شيء.
قوله يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [إبراهيم: ٢٧] الذين صدقوا محمدا، بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم: ٢٧] وهو لا إله إلا الله، فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [إبراهيم: ٢٧] يثبتهم بها على الحق، وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم: ٢٧] يعني في القبر، قال المفسرون: هذه الآية وردت في فتنة القبر، وسؤال الملكين، وتلقين الله المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال، وتثبيته إياه بها على الحق.
٤٩٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا سُئِلَ فِي قَبْرِهِ؛ قَالَ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم: ٢٧].
٥٠٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ شَاذَانَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي
أَبِي، أنا أَبُو عَامِرٍ، نا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جِنَازَةً، فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَإِذَا الإِنْسَانُ دُفِنَ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، جَاءَهُ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِطْرَاقٌ، فَأَقْعَدَهُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا؛ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ فَيَقُولُ: هَذَا كَانَ مَنْزِلُكَ لَوْ كَفَرْتَ بِرَبِّكَ، فَأَمَّا إِذْ آمَنْتَ، فَهَذَا مَنْزِلُكَ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيُرِيدُ أَنْ يَنْهَضَ إِلَيْهِ فَيُقَالُ لَهُ: اسْكُنْ، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، أَوْ مُنَافِقًا، يَقُولُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا، فَقُلْتُ، فَيُقَالُ: لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ وَلا هُدِيتَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ: هَذَا لَكَ لَوْ آمَنْتَ، فَأَمَّا إِذْ كَفَرْتَ، فَإِنَّ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، أَبْدَلَكَ بِهِ هَذَا، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ، ثُمَّ يُقْمِعُهُ بِالْمِطْرَاقِ قَمْعَةً، يَسْمَعُهَا خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَحَدٌ يَقُومُ عَلَيْهِ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مَطْرَقَةٌ، إِلا هِيلَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ»
وقوله: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [إبراهيم: ٢٧] يعني: لا يلقن الله المشركين والكافرين حتى إذا سئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري.
قال الفراء: يضلهم عن هذه الكلمة.
وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: ٢٧] من تثبيت المؤمن وتلقينه الصواب، وإضلال الكافر، قال الفراء: أي لا تكون له قدرة، ولا يسأل عما يفعل.
إبراهيم 14:27
قوله:] أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ {٢٤ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٢٥ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ٢٦ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ٢٧ } [سورة إبراهيم: ٢٤-٢٧] أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا [إبراهيم: ٢٤] بين الله شبها، ثم فسر ذلك المثل، فقال: كلمة طيبة قال ابن عباس: يريد لا إله إلا الله، وهو قول الجميع.
كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [إبراهيم: ٢٤] قالوا: يريد النخلة.
والمعنى: كشجرة طيبة الثمرة.
أصلها أي:
أصل هذه الشجرة، ثابت في الثرى، وفرعها أعلاها عال، فِي السَّمَاءِ {٢٤ تُؤْتِي} [إبراهيم: ٢٤-٢٥] تعطي هذه الشجرة، أكلها ثمرها وما يؤكل منها، كل حين قال ابن عباس: يريد ستة أشهر.
وهو قول سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن، قالوا: ما بين صرامها إلى حملها ستة أشهر.
وقال مجاهد، وابن زيد، وعكرمة: كل سنة.
شبه الله تعالى الإيمان بالنخلة، لثبات الإيمان في قلب المؤمن، كثبات النخلة في منبتها، وشبه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة، وشبه ما اكتسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت وزمان، بما ينال من ثمر النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والتمر، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ [إبراهيم: ٢٥] قال ابن عباس: يريد أهل مكة.
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم: ٢٥] لكي يتعظوا.
وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ [إبراهيم: ٢٦] يعني الشرك بالله، كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ [إبراهيم: ٢٦] قال ابن عباس: يريد الثوم.
وقال الضحاك عنه: هي الكشوث.
وقال أنس بن مالك: هي الحنظل.
فكما أنها أخبث الأشجار، فكذلك الشرك أخبث الكلمات، اجتثت انتزعت واقتلعت، مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ [إبراهيم: ٢٦] قال ابن عباس: يريد ليس لها أصل تام، فهي فوق الأرض، لم تضرب فيها بعرق.
وهو قوله: مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ [إبراهيم: ٢٦] من أصل في الأرض، وكما أنها أخبث الأشجار، كذلك الشرك بالله أخبث الكلمات، ليس لها حجة ولا ثبات ولا شيء.
قوله يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [إبراهيم: ٢٧] الذين صدقوا محمدا، بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم: ٢٧] وهو لا إله إلا الله، فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [إبراهيم: ٢٧] يثبتهم بها على الحق، وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم: ٢٧] يعني في القبر، قال المفسرون: هذه الآية وردت في فتنة القبر، وسؤال الملكين، وتلقين الله المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال، وتثبيته إياه بها على الحق.
٤٩٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا سُئِلَ فِي قَبْرِهِ؛ قَالَ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم: ٢٧].
٥٠٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ شَاذَانَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي
أَبِي، أنا أَبُو عَامِرٍ، نا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جِنَازَةً، فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَإِذَا الإِنْسَانُ دُفِنَ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، جَاءَهُ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِطْرَاقٌ، فَأَقْعَدَهُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا؛ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ فَيَقُولُ: هَذَا كَانَ مَنْزِلُكَ لَوْ كَفَرْتَ بِرَبِّكَ، فَأَمَّا إِذْ آمَنْتَ، فَهَذَا مَنْزِلُكَ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيُرِيدُ أَنْ يَنْهَضَ إِلَيْهِ فَيُقَالُ لَهُ: اسْكُنْ، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، أَوْ مُنَافِقًا، يَقُولُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا، فَقُلْتُ، فَيُقَالُ: لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ وَلا هُدِيتَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ: هَذَا لَكَ لَوْ آمَنْتَ، فَأَمَّا إِذْ كَفَرْتَ، فَإِنَّ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، أَبْدَلَكَ بِهِ هَذَا، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ، ثُمَّ يُقْمِعُهُ بِالْمِطْرَاقِ قَمْعَةً، يَسْمَعُهَا خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَحَدٌ يَقُومُ عَلَيْهِ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مَطْرَقَةٌ، إِلا هِيلَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ»
وقوله: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [إبراهيم: ٢٧] يعني: لا يلقن الله المشركين والكافرين حتى إذا سئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري.
قال الفراء: يضلهم عن هذه الكلمة.
وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: ٢٧] من تثبيت المؤمن وتلقينه الصواب، وإضلال الكافر، قال الفراء: أي لا تكون له قدرة، ولا يسأل عما يفعل.
إبراهيم 14:28
قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ {٢٨ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ٢٩ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ٣٠ } [إبراهيم: ٢٨-٣٠] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا [إبراهيم: ٢٨] قال جماعة المفسرين: هم مشركو مكة كفار قريش، أنعم الله عليهم بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكفروا به، ودعوا قومهم إلى الكفر به، وذلك قوله: وأحلوا قومهم يعني الذين اتبعوهم، دَارَ الْبَوَارِ [إبراهيم: ٢٨] أي الهلاك، يعني جهنم، ألا ترى أنه فسرها، فقال: جهنم يصلونها يقاسون حرها، وبئس القرار بئس المقر هي.
٥٠١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا أَبُو مَالِكٍ الْجَنْبِيُّ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، عَنِ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا؛ قَالَ: هُمُ الأَفْجَرَانِ مِنْ قُرَيْشٍ، بَنُو الْمُغِيرَةِ، وَبَنُو أُمَيَّةَ؛ فَأَمَّا بَنُو الْمُغِيرَةِ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمَّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إِلَى حِينٍ
وقوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [إبراهيم: ٣٠] قال ابن عباس:
من الحجارة والخشب وغير ذلك، ليضلوا الناس عن دين الله، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بفتح الياء، والمعنى أنهم لم ينتفعوا بما اتخذوا من الأنداد، ولم يتخذوها إلا ليزيغوا عن الطريق المستقيم، وهذه لام العاقبة، ثم أوعدهم، فقال: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [إبراهيم: ٣٠] قال ابن عباس في هذه الآية: لو صار الكافر مريضا سقيما لا ينام ليلا ولا نهارا، جائعا لا يجد ما يأكل ويشرب، لكان هذا كله نعيما يتمتع به القياس إلى ما يصير إليه من شدة العذاب، ولو كان المؤمن في الدنيا في أنعم عيشه، لكان بؤسا عندما يصير إليه من نعيم الآخرة.
إبراهيم 14:29
قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ {٢٨ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ٢٩ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ٣٠ } [إبراهيم: ٢٨-٣٠] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا [إبراهيم: ٢٨] قال جماعة المفسرين: هم مشركو مكة كفار قريش، أنعم الله عليهم بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكفروا به، ودعوا قومهم إلى الكفر به، وذلك قوله: وأحلوا قومهم يعني الذين اتبعوهم، دَارَ الْبَوَارِ [إبراهيم: ٢٨] أي الهلاك، يعني جهنم، ألا ترى أنه فسرها، فقال: جهنم يصلونها يقاسون حرها، وبئس القرار بئس المقر هي.
٥٠١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا أَبُو مَالِكٍ الْجَنْبِيُّ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، عَنِ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا؛ قَالَ: هُمُ الأَفْجَرَانِ مِنْ قُرَيْشٍ، بَنُو الْمُغِيرَةِ، وَبَنُو أُمَيَّةَ؛ فَأَمَّا بَنُو الْمُغِيرَةِ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمَّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إِلَى حِينٍ
وقوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [إبراهيم: ٣٠] قال ابن عباس:
من الحجارة والخشب وغير ذلك، ليضلوا الناس عن دين الله، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بفتح الياء، والمعنى أنهم لم ينتفعوا بما اتخذوا من الأنداد، ولم يتخذوها إلا ليزيغوا عن الطريق المستقيم، وهذه لام العاقبة، ثم أوعدهم، فقال: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [إبراهيم: ٣٠] قال ابن عباس في هذه الآية: لو صار الكافر مريضا سقيما لا ينام ليلا ولا نهارا، جائعا لا يجد ما يأكل ويشرب، لكان هذا كله نعيما يتمتع به القياس إلى ما يصير إليه من شدة العذاب، ولو كان المؤمن في الدنيا في أنعم عيشه، لكان بؤسا عندما يصير إليه من نعيم الآخرة.
إبراهيم 14:30
قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ {٢٨ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ٢٩ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ٣٠ } [إبراهيم: ٢٨-٣٠] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا [إبراهيم: ٢٨] قال جماعة المفسرين: هم مشركو مكة كفار قريش، أنعم الله عليهم بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكفروا به، ودعوا قومهم إلى الكفر به، وذلك قوله: وأحلوا قومهم يعني الذين اتبعوهم، دَارَ الْبَوَارِ [إبراهيم: ٢٨] أي الهلاك، يعني جهنم، ألا ترى أنه فسرها، فقال: جهنم يصلونها يقاسون حرها، وبئس القرار بئس المقر هي.
٥٠١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا أَبُو مَالِكٍ الْجَنْبِيُّ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، عَنِ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا؛ قَالَ: هُمُ الأَفْجَرَانِ مِنْ قُرَيْشٍ، بَنُو الْمُغِيرَةِ، وَبَنُو أُمَيَّةَ؛ فَأَمَّا بَنُو الْمُغِيرَةِ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمَّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إِلَى حِينٍ
وقوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [إبراهيم: ٣٠] قال ابن عباس:
من الحجارة والخشب وغير ذلك، ليضلوا الناس عن دين الله، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بفتح الياء، والمعنى أنهم لم ينتفعوا بما اتخذوا من الأنداد، ولم يتخذوها إلا ليزيغوا عن الطريق المستقيم، وهذه لام العاقبة، ثم أوعدهم، فقال: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [إبراهيم: ٣٠] قال ابن عباس في هذه الآية: لو صار الكافر مريضا سقيما لا ينام ليلا ولا نهارا، جائعا لا يجد ما يأكل ويشرب، لكان هذا كله نعيما يتمتع به القياس إلى ما يصير إليه من شدة العذاب، ولو كان المؤمن في الدنيا في أنعم عيشه، لكان بؤسا عندما يصير إليه من نعيم الآخرة.
إبراهيم 14:31
قوله: قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ [إبراهيم: ٣١] قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ [إبراهيم: ٣١] معناه: قل لهم أقيموا الصلاة، فصرف عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر، وجعل كالجواب للأمر، وهذه الآية أمر للمؤمنين بعبادة الله من الصلاة والإنفاق في وجوه البر قبل يوم القيامة، وهو قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ [إبراهيم: ٣١] قال أبو عبيدة: البيع ههنا الفداء، والخلال: المخالة.
قال مقاتل: ذلك يوم لا بيع فيه ولا شراء ولا مخالة ولا قرابة، إنما هي أعمال، يثاب بها قوم، ويعاقب عليها آخرون.
والخلال: فعال من المخالة، وهو مصدر الخليل، هذا قول جميع أهل اللغة.
وقال أبو علي الفارسي: ويجوز أن يكون جمع خلة، مثل برمة وبرام، وعلبة وعلاب.
إبراهيم 14:32
وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ {٣٢ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ٣٣ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ٣٤ } [إبراهيم: ٣٢-٣٤] وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ [إبراهيم: ٣٢] أي: ذللها لكم بالركوب والإجراء إلى حيث تريدون.
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [إبراهيم: ٣٣] لتنتفعوا بهما، وتستضيئوا بضوئهما، دَائِبَيْنِ [إبراهيم: ٣٣] في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، لا يفتران، ومعنى الدءوب مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ [إبراهيم: ٣٣] لتسكنوا فيه، راحة لأبدانكم، والنهار لتبتغوا فيه من فضله.
وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ [إبراهيم: ٣٤] مفعول الإيتاء محذزف بتقدير من كل ما سألتموه مسئولا أو شيئا، ويجوز أن يكون من زيادة، والمعنى: وآتاكم كل ما سألتموه، وقال ابن الأنباري: تقدير الآية وأتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه، لأنا لم نسأله شمسا ولا قمرا، ولا كثير من نعمة التي ابتدأنا بها.
وكان قتادة يقرأ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ [إبراهيم: ٣٤] قال: لم تسألوه كل الذي آتاكم.
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ [إبراهيم: ٣٤] أي: إنعامه، والنعمة ههنا
اسم أقيم مقام المصدر، ولذلك لم يجمع، لا تحصوها أي: لا تأتوا على جميعها بالعدد لكثرتها، قال الكلبي: لا تحفظوها.
وقال أبو العالية: لا تطيقون عدها.
إن الإنسان قال ابن عباس: يريد أبا جهل.
لظلوم لنفسه، كفار بنعمة ربه، قال الزجاج: الإنسان اسم الجنس، يقصد به الكافر خاصة.
كما قال: إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: ٢] ومعنى ظلوم: شاكر غير من أنعم عليه، كفار جحود لنعم الله.
إبراهيم 14:33
وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ {٣٢ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ٣٣ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ٣٤ } [إبراهيم: ٣٢-٣٤] وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ [إبراهيم: ٣٢] أي: ذللها لكم بالركوب والإجراء إلى حيث تريدون.
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [إبراهيم: ٣٣] لتنتفعوا بهما، وتستضيئوا بضوئهما، دَائِبَيْنِ [إبراهيم: ٣٣] في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، لا يفتران، ومعنى الدءوب مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ [إبراهيم: ٣٣] لتسكنوا فيه، راحة لأبدانكم، والنهار لتبتغوا فيه من فضله.
وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ [إبراهيم: ٣٤] مفعول الإيتاء محذزف بتقدير من كل ما سألتموه مسئولا أو شيئا، ويجوز أن يكون من زيادة، والمعنى: وآتاكم كل ما سألتموه، وقال ابن الأنباري: تقدير الآية وأتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه، لأنا لم نسأله شمسا ولا قمرا، ولا كثير من نعمة التي ابتدأنا بها.
وكان قتادة يقرأ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ [إبراهيم: ٣٤] قال: لم تسألوه كل الذي آتاكم.
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ [إبراهيم: ٣٤] أي: إنعامه، والنعمة ههنا
اسم أقيم مقام المصدر، ولذلك لم يجمع، لا تحصوها أي: لا تأتوا على جميعها بالعدد لكثرتها، قال الكلبي: لا تحفظوها.
وقال أبو العالية: لا تطيقون عدها.
إن الإنسان قال ابن عباس: يريد أبا جهل.
لظلوم لنفسه، كفار بنعمة ربه، قال الزجاج: الإنسان اسم الجنس، يقصد به الكافر خاصة.
كما قال: إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: ٢] ومعنى ظلوم: شاكر غير من أنعم عليه، كفار جحود لنعم الله.
إبراهيم 14:34
وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ {٣٢ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ٣٣ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ٣٤ } [إبراهيم: ٣٢-٣٤] وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ [إبراهيم: ٣٢] أي: ذللها لكم بالركوب والإجراء إلى حيث تريدون.
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [إبراهيم: ٣٣] لتنتفعوا بهما، وتستضيئوا بضوئهما، دَائِبَيْنِ [إبراهيم: ٣٣] في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، لا يفتران، ومعنى الدءوب مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ [إبراهيم: ٣٣] لتسكنوا فيه، راحة لأبدانكم، والنهار لتبتغوا فيه من فضله.
وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ [إبراهيم: ٣٤] مفعول الإيتاء محذزف بتقدير من كل ما سألتموه مسئولا أو شيئا، ويجوز أن يكون من زيادة، والمعنى: وآتاكم كل ما سألتموه، وقال ابن الأنباري: تقدير الآية وأتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه، لأنا لم نسأله شمسا ولا قمرا، ولا كثير من نعمة التي ابتدأنا بها.
وكان قتادة يقرأ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ [إبراهيم: ٣٤] قال: لم تسألوه كل الذي آتاكم.
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ [إبراهيم: ٣٤] أي: إنعامه، والنعمة ههنا
اسم أقيم مقام المصدر، ولذلك لم يجمع، لا تحصوها أي: لا تأتوا على جميعها بالعدد لكثرتها، قال الكلبي: لا تحفظوها.
وقال أبو العالية: لا تطيقون عدها.
إن الإنسان قال ابن عباس: يريد أبا جهل.
لظلوم لنفسه، كفار بنعمة ربه، قال الزجاج: الإنسان اسم الجنس، يقصد به الكافر خاصة.
كما قال: إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: ٢] ومعنى ظلوم: شاكر غير من أنعم عليه، كفار جحود لنعم الله.
إبراهيم 14:35
قوله: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ {٣٥ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٣٦ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ٣٧ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ٣٨ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ٣٩ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ٤٠ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ٤١ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ٤٢ } [إبراهيم: ٣٥-٤٢] وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا [إبراهيم: ٣٥] سبق تفسيره في [البقرة، وقوله:] وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [سورة إبراهيم: ٣٥] يقال: جنبته كذا، وأجنبته وجنبته، أي: باعدته عنه، وجعلته ناحية منه، والمعنى: ثبتني على اجتناب عبادتها، لأنه غير عابد لها، وهذه الدعوة مخصوصة بأبنائه من صلبه، فقد كان من نسله من عبد الصنم، وكان إبراهيم التيمي يقص ويقول: من يأمن البلاء بعد إبراهيم خليل الرحمن؟ يقرأ هذه الآية رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ [إبراهيم: ٣٦] أي: ضلوا بسببها، لأن الأصنام لا تفعل شيئا، ولكن لما ضلوا بسببها صارت كأنها أضلتهم، فمن تبعني على ديني بالتوحيد، فإنه مني أي من المتدينين بديني، وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم: ٣٦] قال السدي: معناه من عصاني ثم تاب فإنك غفور رحيم.
وقال مقاتل: ومن عصاني فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم، قال ابن الأنباري: ويحتمل أن هذا كان قبل أن يعلمه الله أنه لا يغفر الشرك كما استغفر لأبيه.
قوله: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم: ٣٧] قال ابن الأنباري: من دخلت للتوكيد، والمعنى: أسكنت ذريتي.
وعند الفراء: دخلت من التبعيض.
أي: أسكنت بعض ذريتي، وذلك أنه أنزل إسماعيل وأمه بمكة، وإسماعيل بعض ذرية إبراهيم، يدل على هذا قول ابن عباس في هذه الآية يريد إسماعيل، بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [إبراهيم: ٣٧] قال: يريد واد من مكة، ومكة كلها واد.
أخبرنا أبو حسان محمد بن أحمد بن جعفر، أنا هارون بن محمد بن هارون، أنا إسحاق بن أحمد الخزاعي، أنا أبو الوليد الأزرقي، حدثني جدي، نا سعيد بن سالم القداح، عن عثمان بن ساج، أخبرني محمد بن إسحاق، أنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أن إبراهيم خرج من الشام، وخرج معه ابنه إسماعيل وأمه هاجر، وإسماعيل طفل يرضع، وحملوا على البراق ومعه جبريل حتى قدم مكة، وكانت هي إذ ذاك عضاه من سلم وسمر، وبها ناس يقال لهم العماليق، خارجا من مكة، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم لجبريل عليهما السلام: أههنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم.
فعمد بهما إلى موضع الحجر، فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا، ثم قال: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم: ٣٧] الآية.
والمعنى: عند بيتك المحرم الذي يحدث في هذا الوادي، لأن إسكان الخليل إسماعيل مكة كان قبل بنائهما البيت، رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ [إبراهيم: ٣٧] قال ابن عباس: ليعبدوك.
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم: ٣٧] تريدهم وتسرع إليهم، قال عطاء: تحن إليهم.
وقال قتادة: تنزع إليهم.
وقال مجاهد: لو قال أفئدة الناس، لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند.
وقال سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس، لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: أفئدة من الناس.
فهم المسلمون.
قال عكرمة: هو أنهم يحجون إلى مكة.
وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ [إبراهيم: ٣٧] هذا كقوله في [البقرة:] وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ [سورة البقرة: ١٢٦].
لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم: ٣٧] قال ابن عباس: كي يوحدوك ويعظموك.
قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [إبراهيم: ٣٩] قال ابن عباس: ولد إسماعيل لإبراهيم، وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد إسحاق، وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة.
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم: ٤٠] قال الزجاج: أي اجعل من ذريتي من يقيم الصلاة.
رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ [إبراهيم: ٤٠] قال ابن عباس: يريد عبادتي.
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ [إبراهيم: ٤١] قال ابن الأنباري: استغفر
لأبويه وهما حيان طمعا في أن يهديا إلى الإسلام، ويسعدا بالدين.
وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء.
وَلِلْمُؤْمِنِينَ [إبراهيم: ٤١] قال ابن عباس: يريد من لقيك مؤمنا مصدقا فتجاوز عنه.
يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم: ٤١] يظهر الجزاء على الأعمال.
قوله: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ٤٢].
٥٠٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ حَبَشٍ الدِّينَوَرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الدِّينَوَرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ الْمِصِّيصِيُّ، نا أَبُو الْمَلِيحِ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ٤٢]، قَالَ: وَعِيدٌ لِلظَّالِمِ، وَتَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ، وَقَوْلُهُ: إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ [إبراهيم: ٤٢] أَيْ: يُؤَخِّرُ جَزَاءَهُمْ وَلا يَأْخُذُهُمْ بِظُلْمِهِمْ، لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ [إبراهيم: ٤٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَشْخَصُ فِيهِ أَبْصَارُ الْخَلائِقِ إِلَى الْهَوَاءِ؛ لِعَجَائِبِ مَا يَرَوْنَ، وَلِشِدَّةِ الْحِيرَةِ وَالدَّهْشَةِ لا يُغْمِضُونَ
إبراهيم 14:36
قوله: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ {٣٥ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٣٦ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ٣٧ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ٣٨ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ٣٩ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ٤٠ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ٤١ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ٤٢ } [إبراهيم: ٣٥-٤٢] وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا [إبراهيم: ٣٥] سبق تفسيره في [البقرة، وقوله:] وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [سورة إبراهيم: ٣٥] يقال: جنبته كذا، وأجنبته وجنبته، أي: باعدته عنه، وجعلته ناحية منه، والمعنى: ثبتني على اجتناب عبادتها، لأنه غير عابد لها، وهذه الدعوة مخصوصة بأبنائه من صلبه، فقد كان من نسله من عبد الصنم، وكان إبراهيم التيمي يقص ويقول: من يأمن البلاء بعد إبراهيم خليل الرحمن؟ يقرأ هذه الآية رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ [إبراهيم: ٣٦] أي: ضلوا بسببها، لأن الأصنام لا تفعل شيئا، ولكن لما ضلوا بسببها صارت كأنها أضلتهم، فمن تبعني على ديني بالتوحيد، فإنه مني أي من المتدينين بديني، وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم: ٣٦] قال السدي: معناه من عصاني ثم تاب فإنك غفور رحيم.
وقال مقاتل: ومن عصاني فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم، قال ابن الأنباري: ويحتمل أن هذا كان قبل أن يعلمه الله أنه لا يغفر الشرك كما استغفر لأبيه.
قوله: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم: ٣٧] قال ابن الأنباري: من دخلت للتوكيد، والمعنى: أسكنت ذريتي.
وعند الفراء: دخلت من التبعيض.
أي: أسكنت بعض ذريتي، وذلك أنه أنزل إسماعيل وأمه بمكة، وإسماعيل بعض ذرية إبراهيم، يدل على هذا قول ابن عباس في هذه الآية يريد إسماعيل، بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [إبراهيم: ٣٧] قال: يريد واد من مكة، ومكة كلها واد.
أخبرنا أبو حسان محمد بن أحمد بن جعفر، أنا هارون بن محمد بن هارون، أنا إسحاق بن أحمد الخزاعي، أنا أبو الوليد الأزرقي، حدثني جدي، نا سعيد بن سالم القداح، عن عثمان بن ساج، أخبرني محمد بن إسحاق، أنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أن إبراهيم خرج من الشام، وخرج معه ابنه إسماعيل وأمه هاجر، وإسماعيل طفل يرضع، وحملوا على البراق ومعه جبريل حتى قدم مكة، وكانت هي إذ ذاك عضاه من سلم وسمر، وبها ناس يقال لهم العماليق، خارجا من مكة، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم لجبريل عليهما السلام: أههنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم.
فعمد بهما إلى موضع الحجر، فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا، ثم قال: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم: ٣٧] الآية.
والمعنى: عند بيتك المحرم الذي يحدث في هذا الوادي، لأن إسكان الخليل إسماعيل مكة كان قبل بنائهما البيت، رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ [إبراهيم: ٣٧] قال ابن عباس: ليعبدوك.
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم: ٣٧] تريدهم وتسرع إليهم، قال عطاء: تحن إليهم.
وقال قتادة: تنزع إليهم.
وقال مجاهد: لو قال أفئدة الناس، لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند.
وقال سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس، لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: أفئدة من الناس.
فهم المسلمون.
قال عكرمة: هو أنهم يحجون إلى مكة.
وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ [إبراهيم: ٣٧] هذا كقوله في [البقرة:] وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ [سورة البقرة: ١٢٦].
لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم: ٣٧] قال ابن عباس: كي يوحدوك ويعظموك.
قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [إبراهيم: ٣٩] قال ابن عباس: ولد إسماعيل لإبراهيم، وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد إسحاق، وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة.
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم: ٤٠] قال الزجاج: أي اجعل من ذريتي من يقيم الصلاة.
رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ [إبراهيم: ٤٠] قال ابن عباس: يريد عبادتي.
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ [إبراهيم: ٤١] قال ابن الأنباري: استغفر
لأبويه وهما حيان طمعا في أن يهديا إلى الإسلام، ويسعدا بالدين.
وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء.
وَلِلْمُؤْمِنِينَ [إبراهيم: ٤١] قال ابن عباس: يريد من لقيك مؤمنا مصدقا فتجاوز عنه.
يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم: ٤١] يظهر الجزاء على الأعمال.
قوله: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ٤٢].
٥٠٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ حَبَشٍ الدِّينَوَرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الدِّينَوَرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ الْمِصِّيصِيُّ، نا أَبُو الْمَلِيحِ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ٤٢]، قَالَ: وَعِيدٌ لِلظَّالِمِ، وَتَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ، وَقَوْلُهُ: إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ [إبراهيم: ٤٢] أَيْ: يُؤَخِّرُ جَزَاءَهُمْ وَلا يَأْخُذُهُمْ بِظُلْمِهِمْ، لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ [إبراهيم: ٤٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَشْخَصُ فِيهِ أَبْصَارُ الْخَلائِقِ إِلَى الْهَوَاءِ؛ لِعَجَائِبِ مَا يَرَوْنَ، وَلِشِدَّةِ الْحِيرَةِ وَالدَّهْشَةِ لا يُغْمِضُونَ
إبراهيم 14:37
قوله: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ {٣٥ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٣٦ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ٣٧ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ٣٨ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ٣٩ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ٤٠ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ٤١ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ٤٢ } [إبراهيم: ٣٥-٤٢] وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا [إبراهيم: ٣٥] سبق تفسيره في [البقرة، وقوله:] وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [سورة إبراهيم: ٣٥] يقال: جنبته كذا، وأجنبته وجنبته، أي: باعدته عنه، وجعلته ناحية منه، والمعنى: ثبتني على اجتناب عبادتها، لأنه غير عابد لها، وهذه الدعوة مخصوصة بأبنائه من صلبه، فقد كان من نسله من عبد الصنم، وكان إبراهيم التيمي يقص ويقول: من يأمن البلاء بعد إبراهيم خليل الرحمن؟ يقرأ هذه الآية رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ [إبراهيم: ٣٦] أي: ضلوا بسببها، لأن الأصنام لا تفعل شيئا، ولكن لما ضلوا بسببها صارت كأنها أضلتهم، فمن تبعني على ديني بالتوحيد، فإنه مني أي من المتدينين بديني، وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم: ٣٦] قال السدي: معناه من عصاني ثم تاب فإنك غفور رحيم.
وقال مقاتل: ومن عصاني فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم، قال ابن الأنباري: ويحتمل أن هذا كان قبل أن يعلمه الله أنه لا يغفر الشرك كما استغفر لأبيه.
قوله: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم: ٣٧] قال ابن الأنباري: من دخلت للتوكيد، والمعنى: أسكنت ذريتي.
وعند الفراء: دخلت من التبعيض.
أي: أسكنت بعض ذريتي، وذلك أنه أنزل إسماعيل وأمه بمكة، وإسماعيل بعض ذرية إبراهيم، يدل على هذا قول ابن عباس في هذه الآية يريد إسماعيل، بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [إبراهيم: ٣٧] قال: يريد واد من مكة، ومكة كلها واد.
أخبرنا أبو حسان محمد بن أحمد بن جعفر، أنا هارون بن محمد بن هارون، أنا إسحاق بن أحمد الخزاعي، أنا أبو الوليد الأزرقي، حدثني جدي، نا سعيد بن سالم القداح، عن عثمان بن ساج، أخبرني محمد بن إسحاق، أنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أن إبراهيم خرج من الشام، وخرج معه ابنه إسماعيل وأمه هاجر، وإسماعيل طفل يرضع، وحملوا على البراق ومعه جبريل حتى قدم مكة، وكانت هي إذ ذاك عضاه من سلم وسمر، وبها ناس يقال لهم العماليق، خارجا من مكة، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم لجبريل عليهما السلام: أههنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم.
فعمد بهما إلى موضع الحجر، فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا، ثم قال: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم: ٣٧] الآية.
والمعنى: عند بيتك المحرم الذي يحدث في هذا الوادي، لأن إسكان الخليل إسماعيل مكة كان قبل بنائهما البيت، رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ [إبراهيم: ٣٧] قال ابن عباس: ليعبدوك.
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم: ٣٧] تريدهم وتسرع إليهم، قال عطاء: تحن إليهم.
وقال قتادة: تنزع إليهم.
وقال مجاهد: لو قال أفئدة الناس، لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند.
وقال سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس، لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: أفئدة من الناس.
فهم المسلمون.
قال عكرمة: هو أنهم يحجون إلى مكة.
وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ [إبراهيم: ٣٧] هذا كقوله في [البقرة:] وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ [سورة البقرة: ١٢٦].
لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم: ٣٧] قال ابن عباس: كي يوحدوك ويعظموك.
قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [إبراهيم: ٣٩] قال ابن عباس: ولد إسماعيل لإبراهيم، وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد إسحاق، وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة.
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم: ٤٠] قال الزجاج: أي اجعل من ذريتي من يقيم الصلاة.
رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ [إبراهيم: ٤٠] قال ابن عباس: يريد عبادتي.
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ [إبراهيم: ٤١] قال ابن الأنباري: استغفر
لأبويه وهما حيان طمعا في أن يهديا إلى الإسلام، ويسعدا بالدين.
وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء.
وَلِلْمُؤْمِنِينَ [إبراهيم: ٤١] قال ابن عباس: يريد من لقيك مؤمنا مصدقا فتجاوز عنه.
يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم: ٤١] يظهر الجزاء على الأعمال.
قوله: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ٤٢].
٥٠٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ حَبَشٍ الدِّينَوَرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الدِّينَوَرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ الْمِصِّيصِيُّ، نا أَبُو الْمَلِيحِ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ٤٢]، قَالَ: وَعِيدٌ لِلظَّالِمِ، وَتَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ، وَقَوْلُهُ: إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ [إبراهيم: ٤٢] أَيْ: يُؤَخِّرُ جَزَاءَهُمْ وَلا يَأْخُذُهُمْ بِظُلْمِهِمْ، لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ [إبراهيم: ٤٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَشْخَصُ فِيهِ أَبْصَارُ الْخَلائِقِ إِلَى الْهَوَاءِ؛ لِعَجَائِبِ مَا يَرَوْنَ، وَلِشِدَّةِ الْحِيرَةِ وَالدَّهْشَةِ لا يُغْمِضُونَ
إبراهيم 14:38
قوله: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ {٣٥ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٣٦ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ٣٧ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ٣٨ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ٣٩ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ٤٠ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ٤١ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ٤٢ } [إبراهيم: ٣٥-٤٢] وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا [إبراهيم: ٣٥] سبق تفسيره في [البقرة، وقوله:] وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [سورة إبراهيم: ٣٥] يقال: جنبته كذا، وأجنبته وجنبته، أي: باعدته عنه، وجعلته ناحية منه، والمعنى: ثبتني على اجتناب عبادتها، لأنه غير عابد لها، وهذه الدعوة مخصوصة بأبنائه من صلبه، فقد كان من نسله من عبد الصنم، وكان إبراهيم التيمي يقص ويقول: من يأمن البلاء بعد إبراهيم خليل الرحمن؟ يقرأ هذه الآية رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ [إبراهيم: ٣٦] أي: ضلوا بسببها، لأن الأصنام لا تفعل شيئا، ولكن لما ضلوا بسببها صارت كأنها أضلتهم، فمن تبعني على ديني بالتوحيد، فإنه مني أي من المتدينين بديني، وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم: ٣٦] قال السدي: معناه من عصاني ثم تاب فإنك غفور رحيم.
وقال مقاتل: ومن عصاني فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم، قال ابن الأنباري: ويحتمل أن هذا كان قبل أن يعلمه الله أنه لا يغفر الشرك كما استغفر لأبيه.
قوله: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم: ٣٧] قال ابن الأنباري: من دخلت للتوكيد، والمعنى: أسكنت ذريتي.
وعند الفراء: دخلت من التبعيض.
أي: أسكنت بعض ذريتي، وذلك أنه أنزل إسماعيل وأمه بمكة، وإسماعيل بعض ذرية إبراهيم، يدل على هذا قول ابن عباس في هذه الآية يريد إسماعيل، بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [إبراهيم: ٣٧] قال: يريد واد من مكة، ومكة كلها واد.
أخبرنا أبو حسان محمد بن أحمد بن جعفر، أنا هارون بن محمد بن هارون، أنا إسحاق بن أحمد الخزاعي، أنا أبو الوليد الأزرقي، حدثني جدي، نا سعيد بن سالم القداح، عن عثمان بن ساج، أخبرني محمد بن إسحاق، أنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أن إبراهيم خرج من الشام، وخرج معه ابنه إسماعيل وأمه هاجر، وإسماعيل طفل يرضع، وحملوا على البراق ومعه جبريل حتى قدم مكة، وكانت هي إذ ذاك عضاه من سلم وسمر، وبها ناس يقال لهم العماليق، خارجا من مكة، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم لجبريل عليهما السلام: أههنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم.
فعمد بهما إلى موضع الحجر، فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا، ثم قال: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم: ٣٧] الآية.
والمعنى: عند بيتك المحرم الذي يحدث في هذا الوادي، لأن إسكان الخليل إسماعيل مكة كان قبل بنائهما البيت، رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ [إبراهيم: ٣٧] قال ابن عباس: ليعبدوك.
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم: ٣٧] تريدهم وتسرع إليهم، قال عطاء: تحن إليهم.
وقال قتادة: تنزع إليهم.
وقال مجاهد: لو قال أفئدة الناس، لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند.
وقال سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس، لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: أفئدة من الناس.
فهم المسلمون.
قال عكرمة: هو أنهم يحجون إلى مكة.
وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ [إبراهيم: ٣٧] هذا كقوله في [البقرة:] وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ [سورة البقرة: ١٢٦].
لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم: ٣٧] قال ابن عباس: كي يوحدوك ويعظموك.
قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [إبراهيم: ٣٩] قال ابن عباس: ولد إسماعيل لإبراهيم، وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد إسحاق، وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة.
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم: ٤٠] قال الزجاج: أي اجعل من ذريتي من يقيم الصلاة.
رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ [إبراهيم: ٤٠] قال ابن عباس: يريد عبادتي.
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ [إبراهيم: ٤١] قال ابن الأنباري: استغفر
لأبويه وهما حيان طمعا في أن يهديا إلى الإسلام، ويسعدا بالدين.
وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء.
وَلِلْمُؤْمِنِينَ [إبراهيم: ٤١] قال ابن عباس: يريد من لقيك مؤمنا مصدقا فتجاوز عنه.
يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم: ٤١] يظهر الجزاء على الأعمال.
قوله: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ٤٢].
٥٠٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ حَبَشٍ الدِّينَوَرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الدِّينَوَرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ الْمِصِّيصِيُّ، نا أَبُو الْمَلِيحِ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ٤٢]، قَالَ: وَعِيدٌ لِلظَّالِمِ، وَتَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ، وَقَوْلُهُ: إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ [إبراهيم: ٤٢] أَيْ: يُؤَخِّرُ جَزَاءَهُمْ وَلا يَأْخُذُهُمْ بِظُلْمِهِمْ، لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ [إبراهيم: ٤٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَشْخَصُ فِيهِ أَبْصَارُ الْخَلائِقِ إِلَى الْهَوَاءِ؛ لِعَجَائِبِ مَا يَرَوْنَ، وَلِشِدَّةِ الْحِيرَةِ وَالدَّهْشَةِ لا يُغْمِضُونَ
إبراهيم 14:39
قوله: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ {٣٥ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٣٦ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ٣٧ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ٣٨ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ٣٩ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ٤٠ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ٤١ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ٤٢ } [إبراهيم: ٣٥-٤٢] وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا [إبراهيم: ٣٥] سبق تفسيره في [البقرة، وقوله:] وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [سورة إبراهيم: ٣٥] يقال: جنبته كذا، وأجنبته وجنبته، أي: باعدته عنه، وجعلته ناحية منه، والمعنى: ثبتني على اجتناب عبادتها، لأنه غير عابد لها، وهذه الدعوة مخصوصة بأبنائه من صلبه، فقد كان من نسله من عبد الصنم، وكان إبراهيم التيمي يقص ويقول: من يأمن البلاء بعد إبراهيم خليل الرحمن؟ يقرأ هذه الآية رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ [إبراهيم: ٣٦] أي: ضلوا بسببها، لأن الأصنام لا تفعل شيئا، ولكن لما ضلوا بسببها صارت كأنها أضلتهم، فمن تبعني على ديني بالتوحيد، فإنه مني أي من المتدينين بديني، وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم: ٣٦] قال السدي: معناه من عصاني ثم تاب فإنك غفور رحيم.
وقال مقاتل: ومن عصاني فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم، قال ابن الأنباري: ويحتمل أن هذا كان قبل أن يعلمه الله أنه لا يغفر الشرك كما استغفر لأبيه.
قوله: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم: ٣٧] قال ابن الأنباري: من دخلت للتوكيد، والمعنى: أسكنت ذريتي.
وعند الفراء: دخلت من التبعيض.
أي: أسكنت بعض ذريتي، وذلك أنه أنزل إسماعيل وأمه بمكة، وإسماعيل بعض ذرية إبراهيم، يدل على هذا قول ابن عباس في هذه الآية يريد إسماعيل، بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [إبراهيم: ٣٧] قال: يريد واد من مكة، ومكة كلها واد.
أخبرنا أبو حسان محمد بن أحمد بن جعفر، أنا هارون بن محمد بن هارون، أنا إسحاق بن أحمد الخزاعي، أنا أبو الوليد الأزرقي، حدثني جدي، نا سعيد بن سالم القداح، عن عثمان بن ساج، أخبرني محمد بن إسحاق، أنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أن إبراهيم خرج من الشام، وخرج معه ابنه إسماعيل وأمه هاجر، وإسماعيل طفل يرضع، وحملوا على البراق ومعه جبريل حتى قدم مكة، وكانت هي إذ ذاك عضاه من سلم وسمر، وبها ناس يقال لهم العماليق، خارجا من مكة، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم لجبريل عليهما السلام: أههنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم.
فعمد بهما إلى موضع الحجر، فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا، ثم قال: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم: ٣٧] الآية.
والمعنى: عند بيتك المحرم الذي يحدث في هذا الوادي، لأن إسكان الخليل إسماعيل مكة كان قبل بنائهما البيت، رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ [إبراهيم: ٣٧] قال ابن عباس: ليعبدوك.
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم: ٣٧] تريدهم وتسرع إليهم، قال عطاء: تحن إليهم.
وقال قتادة: تنزع إليهم.
وقال مجاهد: لو قال أفئدة الناس، لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند.
وقال سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس، لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: أفئدة من الناس.
فهم المسلمون.
قال عكرمة: هو أنهم يحجون إلى مكة.
وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ [إبراهيم: ٣٧] هذا كقوله في [البقرة:] وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ [سورة البقرة: ١٢٦].
لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم: ٣٧] قال ابن عباس: كي يوحدوك ويعظموك.
قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [إبراهيم: ٣٩] قال ابن عباس: ولد إسماعيل لإبراهيم، وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد إسحاق، وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة.
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم: ٤٠] قال الزجاج: أي اجعل من ذريتي من يقيم الصلاة.
رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ [إبراهيم: ٤٠] قال ابن عباس: يريد عبادتي.
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ [إبراهيم: ٤١] قال ابن الأنباري: استغفر
لأبويه وهما حيان طمعا في أن يهديا إلى الإسلام، ويسعدا بالدين.
وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء.
وَلِلْمُؤْمِنِينَ [إبراهيم: ٤١] قال ابن عباس: يريد من لقيك مؤمنا مصدقا فتجاوز عنه.
يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم: ٤١] يظهر الجزاء على الأعمال.
قوله: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ٤٢].
٥٠٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ حَبَشٍ الدِّينَوَرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الدِّينَوَرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ الْمِصِّيصِيُّ، نا أَبُو الْمَلِيحِ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ٤٢]، قَالَ: وَعِيدٌ لِلظَّالِمِ، وَتَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ، وَقَوْلُهُ: إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ [إبراهيم: ٤٢] أَيْ: يُؤَخِّرُ جَزَاءَهُمْ وَلا يَأْخُذُهُمْ بِظُلْمِهِمْ، لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ [إبراهيم: ٤٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَشْخَصُ فِيهِ أَبْصَارُ الْخَلائِقِ إِلَى الْهَوَاءِ؛ لِعَجَائِبِ مَا يَرَوْنَ، وَلِشِدَّةِ الْحِيرَةِ وَالدَّهْشَةِ لا يُغْمِضُونَ