Lafzullah

الوسيط في تفسير القرآن المجيد — الكهف 18:67 – الكهف 18:110

المؤلف / المصدر: أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري الشافعي (ت 468هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (book-293, 2026-09-02) · طبعة دار الكتب العلمية، بيروت 1415هـ

المحتويات
  1. الكهف 18:67
  2. الكهف 18:68
  3. الكهف 18:69
  4. الكهف 18:70
  5. الكهف 18:71
  6. الكهف 18:72
  7. الكهف 18:73
  8. الكهف 18:74
  9. الكهف 18:75
  10. الكهف 18:76
  11. الكهف 18:77
  12. الكهف 18:78
  13. الكهف 18:79
  14. الكهف 18:80
  15. الكهف 18:81
  16. الكهف 18:82
  17. الكهف 18:83
  18. الكهف 18:84
  19. الكهف 18:85
  20. الكهف 18:86
  21. الكهف 18:87
  22. الكهف 18:88
  23. الكهف 18:89
  24. الكهف 18:90
  25. الكهف 18:91
  26. الكهف 18:92
  27. الكهف 18:93
  28. الكهف 18:94
  29. الكهف 18:95
  30. الكهف 18:96
  31. الكهف 18:97
  32. الكهف 18:98
  33. الكهف 18:99
  34. الكهف 18:100
  35. الكهف 18:101
  36. الكهف 18:102
  37. الكهف 18:103
  38. الكهف 18:104
  39. الكهف 18:105
  40. الكهف 18:106
  41. الكهف 18:107
  42. الكهف 18:108
  43. الكهف 18:109
  44. الكهف 18:110

الكهف 18:67

قوله: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا {٦٠ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ٦١ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ٦٢ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ٦٣ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ٦٤ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ٦٥ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ٦٦ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ٦٧ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ٦٨ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ٦٩ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ٧٠ } [الكهف: ٦٠-٧٠] وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ [الكهف: ٦٠] الآية. ٥٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأُمَوِيُّ، أنا الرَّبِيعُ، أنا الشَّافِعِيُّ، أنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبَكَّالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، فَكَيْفَ لِي بِهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا، فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ، فَهُوَ ثَمَّ، فَأَخَذَ حُوتًا، فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ ثُمَّ انْطَلَقَ، وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ، وَضَعَا رُءُوسَهُمَا فَنَامَا وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنْهُ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ، فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطَّاقِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صَاحِبَهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالْحُوتِ فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ، قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا، قَالَ: وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ، حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقَالَ فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحَرِ عَجَبًا، قَالَ: فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرِبًا، وَلِمُوسَى وَلِفَتَاهُ عَجَبًا، فَقَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، قَالَ: رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنِّي بِأَرْضِكَ السَّلامُ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، تَعَالَى، لا تَعْلَمُه، عَلَّمَنِيهِ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَ لا أَعْلَمُهُ، فَقَالَ مُوسَى: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ قَوْلٍ، فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ، لَمْ يُفَاجَأْ إِلا وَالْخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالْقَدُومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ قَدْ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ، فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ؟ قَالَ: لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيت وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نُقْرَةً، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلا مِثْلُ مَا نَقَرَ هَذَا الْعُصْفُورِ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ، ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذْ أَبْصَرَ الْخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَاقْتَلَعَهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الأُولَى، قَالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ فَلا إِلَى قَوْلِهِ: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، قَالَ: مَائِلا، فَقَامَ الْخَضِرُ فَأَقَامَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا، وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ الآيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ، حَتَّى يَقُصَّ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا، وَكَانَ يَقْرَأُ: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ كِلاهُمَا، عَنْ سُفْيَانَ وقوله: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ [الكهف: ٦٠] معناه: واذكر ذلك، لما فِي تلك القصة من العبرة، قوله: لفتاه أجمعوا على أنه يوشع بن نون، قال الفراء: إنما سمي فتى موسى، لأنه كان ملازما له، يأخذ عنه العلم ويخدمه. لا أبرح لا أزال، ومنه قوله: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ [طه: ٩١] والمعنى: لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، قال قتادة: يعني بحر فارس وبحر الروم، وكان ذلك الموضع الذي وعد موسى للقاء الخضر. وقوله: أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا [الكهف: ٦٠] أي: أسير حقبا، قال الوالبي: دهرا. والحقب عند أهل اللغة ثمانون سنة، والمعنى: لا أزال أسير، وإن احتجت إلى أن أسير حقبا، حتى أبلغ مجمع البحرين. فَلَمَّا بَلَغَا [الكهف: ٦١] يعني موسى وصاحبه، مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا [الكهف: ٦١] بين البحرين، وهو حيث وعد للقاء الخضر، وقوله: نَسِيَا حُوتَهُمَا [الكهف: ٦١] قال المفسرين: كانا فيما تزودا حوت مملح فِي زبيل، فكانا يصيبان منه الغداء والعشاء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر، وضع فتاه المكتل، فأصاب الحوت ندى البحر، فتحرك فِي المكتل، فانسرب فِي البحر، وقد كان قيل لموسى: تزود معك حوتا مالحا، فحيث تفقد الحوت ثم تجد الرجل العالم، فلما انتهيا إلى الصخرة، قال لفتاه: امكث حتى آتيك، وانطلق موسى لحاجته، فجرى الحوت حتى وقع فِي البحر، فقال قتادة: إذا جاء نبي الله حدثته، فأنساه الشيطان، فذلك قوله: نَسِيَا حُوتَهُمَا [الكهف: ٦١] وإنما نسيه يوشع أن يذكر قصته لموسى، فأضيف النسيان إليهما توسعا، لأنهما جميعا تزودانه، فصار كما يقال: نسي القوم زادهم، وإنما نسيه أحدهم. وقوله: فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا [الكهف: ٦١] قال قتادة: جعل لا يسلك طريقا إلا صار الماء جامدا. وقال الربيع بن أنس: انجاب الماء عن مسلك الحوت، فصار كوة لم يلتئم. والسرب معناه فِي اللغة المحفور فِي الأرض، لا نفاذ له، شبه مسلك الحوت فِي الماء، والماء منجاب عنه بالسرب، كما قال الفراء: لما وقع فِي الماء جمد مذهبه فِي البحر، فكان كالسرب. فَلَمَّا جَاوَزَا [الكهف: ٦٢] ذلك المكان الذي كانت عنده الصخرة، وذهب الحوت، انطلقا، فأصابهما ما يصيب المسافر من النصب والكلال، ولم يجد موسى النصب حتى جاوز الموضع الذي يريده، فدعا بالطعام ليأكل، وهو قوله: آتِنَا غَدَاءَنَا [الكهف: ٦٢] وهو الطعام الذي يؤكل بالغداء، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا [الكهف: ٦٢] وهو الإعياء من العناء، والفعل نصب ينصب. فلما قال له موسى ذلك، تذكر قصة الحوت، فقال لموسى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ [الكهف: ٦٣] يعني: حين نزلا هناك، فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ [الكهف: ٦٣] أن أحدثكه، ثم اعتذر فقال: وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [الكهف: ٦٣] وذلك أنه لو ذكر لموسى قصة الحوت عند الصخرة، ما جاوزها موسى، وما ناله النصب الذي اشتكاه، واتخذ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا [الكهف: ٦٣] أي: سبيلا عجبا، وهو أن الماء انجاب عنه، وبقي كالكوة لم يلتئم، فلما قال هذا يوشع، ذكر موسى ما كان عهد إليه أنه يدلك عليه بعض زادك. قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ [الكهف: ٦٤] أي: نطلب ونريد من العلامة، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا [الكهف: ٦٤] رجعا وعادا عودهما على بدئهما فِي الطريق الذي جاءا منه، قصصا يقصان آثارهما قصصا، والقصص اتباع الأثر، ومنه قوله: قُصِّيهِ [القصص: ١١]. قوله: فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا [الكهف: ٦٥] أي: أدركا الخضر، واسمه بليا بن ملكان، وإنما سمي الخضر لأنه إذا صلى فِي مكان اخضر ما حوله، آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا [الكهف: ٦٥] يعني نبوة، وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف: ٦٥] قال ابن عباس رضي الله عنهما: أعطيناه علما من علم الغيب. فقال: لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف: ٦٦] أي: علما ذا رشد، والرشد والرشد لغتان كالنخل والنخل، قال قتادة: لو كان أحد مكتفيا من العلم لاكتفى نجي الله موسى، ولكنه قال: هَلْ أَتَّبِعُكَ [الكهف: ٦٦] الآية. وقال الزجاج: وفيما فعل موسى، وهو من جلة الأنبياء من طلب العلم، والرحلة فِي ذلك، ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه. فقال له الخضر: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف: ٦٧] قال ابن عباس: لن تصبر على صنيعي، لأني علمت غيب علم ربي. ثم أعلمه العلة فِي ترك الصبر فقال: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا [الكهف: ٦٨] أي: لم تعلمه، والخبر علمك بالشيء، يقول: كيف تصبر على أمر ظاهره منكر، وأنت لا تعلم باطنه؟ قال له موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا [الكهف: ٦٩] أصبر على ما أرى منك، وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [الكهف: ٦٩] لا أخالفك فِي شيء. قال له الخضر: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي [الكهف: ٧٠] أي: صحبتني، فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ [الكهف: ٧٠] مما أفعل مما تنكره، حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف: ٧٠] حتى أكون أنا الذي أفسره لك، لأنه قد غاب علمه عنك.

الكهف 18:68

قوله: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا {٦٠ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ٦١ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ٦٢ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ٦٣ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ٦٤ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ٦٥ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ٦٦ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ٦٧ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ٦٨ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ٦٩ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ٧٠ } [الكهف: ٦٠-٧٠] وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ [الكهف: ٦٠] الآية. ٥٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأُمَوِيُّ، أنا الرَّبِيعُ، أنا الشَّافِعِيُّ، أنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبَكَّالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، فَكَيْفَ لِي بِهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا، فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ، فَهُوَ ثَمَّ، فَأَخَذَ حُوتًا، فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ ثُمَّ انْطَلَقَ، وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ، وَضَعَا رُءُوسَهُمَا فَنَامَا وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنْهُ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ، فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطَّاقِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صَاحِبَهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالْحُوتِ فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ، قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا، قَالَ: وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ، حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقَالَ فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحَرِ عَجَبًا، قَالَ: فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرِبًا، وَلِمُوسَى وَلِفَتَاهُ عَجَبًا، فَقَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، قَالَ: رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنِّي بِأَرْضِكَ السَّلامُ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، تَعَالَى، لا تَعْلَمُه، عَلَّمَنِيهِ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَ لا أَعْلَمُهُ، فَقَالَ مُوسَى: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ قَوْلٍ، فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ، لَمْ يُفَاجَأْ إِلا وَالْخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالْقَدُومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ قَدْ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ، فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ؟ قَالَ: لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيت وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نُقْرَةً، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلا مِثْلُ مَا نَقَرَ هَذَا الْعُصْفُورِ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ، ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذْ أَبْصَرَ الْخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَاقْتَلَعَهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الأُولَى، قَالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ فَلا إِلَى قَوْلِهِ: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، قَالَ: مَائِلا، فَقَامَ الْخَضِرُ فَأَقَامَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا، وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ الآيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ، حَتَّى يَقُصَّ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا، وَكَانَ يَقْرَأُ: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ كِلاهُمَا، عَنْ سُفْيَانَ وقوله: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ [الكهف: ٦٠] معناه: واذكر ذلك، لما فِي تلك القصة من العبرة، قوله: لفتاه أجمعوا على أنه يوشع بن نون، قال الفراء: إنما سمي فتى موسى، لأنه كان ملازما له، يأخذ عنه العلم ويخدمه. لا أبرح لا أزال، ومنه قوله: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ [طه: ٩١] والمعنى: لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، قال قتادة: يعني بحر فارس وبحر الروم، وكان ذلك الموضع الذي وعد موسى للقاء الخضر. وقوله: أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا [الكهف: ٦٠] أي: أسير حقبا، قال الوالبي: دهرا. والحقب عند أهل اللغة ثمانون سنة، والمعنى: لا أزال أسير، وإن احتجت إلى أن أسير حقبا، حتى أبلغ مجمع البحرين. فَلَمَّا بَلَغَا [الكهف: ٦١] يعني موسى وصاحبه، مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا [الكهف: ٦١] بين البحرين، وهو حيث وعد للقاء الخضر، وقوله: نَسِيَا حُوتَهُمَا [الكهف: ٦١] قال المفسرين: كانا فيما تزودا حوت مملح فِي زبيل، فكانا يصيبان منه الغداء والعشاء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر، وضع فتاه المكتل، فأصاب الحوت ندى البحر، فتحرك فِي المكتل، فانسرب فِي البحر، وقد كان قيل لموسى: تزود معك حوتا مالحا، فحيث تفقد الحوت ثم تجد الرجل العالم، فلما انتهيا إلى الصخرة، قال لفتاه: امكث حتى آتيك، وانطلق موسى لحاجته، فجرى الحوت حتى وقع فِي البحر، فقال قتادة: إذا جاء نبي الله حدثته، فأنساه الشيطان، فذلك قوله: نَسِيَا حُوتَهُمَا [الكهف: ٦١] وإنما نسيه يوشع أن يذكر قصته لموسى، فأضيف النسيان إليهما توسعا، لأنهما جميعا تزودانه، فصار كما يقال: نسي القوم زادهم، وإنما نسيه أحدهم. وقوله: فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا [الكهف: ٦١] قال قتادة: جعل لا يسلك طريقا إلا صار الماء جامدا. وقال الربيع بن أنس: انجاب الماء عن مسلك الحوت، فصار كوة لم يلتئم. والسرب معناه فِي اللغة المحفور فِي الأرض، لا نفاذ له، شبه مسلك الحوت فِي الماء، والماء منجاب عنه بالسرب، كما قال الفراء: لما وقع فِي الماء جمد مذهبه فِي البحر، فكان كالسرب. فَلَمَّا جَاوَزَا [الكهف: ٦٢] ذلك المكان الذي كانت عنده الصخرة، وذهب الحوت، انطلقا، فأصابهما ما يصيب المسافر من النصب والكلال، ولم يجد موسى النصب حتى جاوز الموضع الذي يريده، فدعا بالطعام ليأكل، وهو قوله: آتِنَا غَدَاءَنَا [الكهف: ٦٢] وهو الطعام الذي يؤكل بالغداء، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا [الكهف: ٦٢] وهو الإعياء من العناء، والفعل نصب ينصب. فلما قال له موسى ذلك، تذكر قصة الحوت، فقال لموسى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ [الكهف: ٦٣] يعني: حين نزلا هناك، فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ [الكهف: ٦٣] أن أحدثكه، ثم اعتذر فقال: وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [الكهف: ٦٣] وذلك أنه لو ذكر لموسى قصة الحوت عند الصخرة، ما جاوزها موسى، وما ناله النصب الذي اشتكاه، واتخذ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا [الكهف: ٦٣] أي: سبيلا عجبا، وهو أن الماء انجاب عنه، وبقي كالكوة لم يلتئم، فلما قال هذا يوشع، ذكر موسى ما كان عهد إليه أنه يدلك عليه بعض زادك. قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ [الكهف: ٦٤] أي: نطلب ونريد من العلامة، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا [الكهف: ٦٤] رجعا وعادا عودهما على بدئهما فِي الطريق الذي جاءا منه، قصصا يقصان آثارهما قصصا، والقصص اتباع الأثر، ومنه قوله: قُصِّيهِ [القصص: ١١]. قوله: فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا [الكهف: ٦٥] أي: أدركا الخضر، واسمه بليا بن ملكان، وإنما سمي الخضر لأنه إذا صلى فِي مكان اخضر ما حوله، آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا [الكهف: ٦٥] يعني نبوة، وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف: ٦٥] قال ابن عباس رضي الله عنهما: أعطيناه علما من علم الغيب. فقال: لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف: ٦٦] أي: علما ذا رشد، والرشد والرشد لغتان كالنخل والنخل، قال قتادة: لو كان أحد مكتفيا من العلم لاكتفى نجي الله موسى، ولكنه قال: هَلْ أَتَّبِعُكَ [الكهف: ٦٦] الآية. وقال الزجاج: وفيما فعل موسى، وهو من جلة الأنبياء من طلب العلم، والرحلة فِي ذلك، ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه. فقال له الخضر: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف: ٦٧] قال ابن عباس: لن تصبر على صنيعي، لأني علمت غيب علم ربي. ثم أعلمه العلة فِي ترك الصبر فقال: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا [الكهف: ٦٨] أي: لم تعلمه، والخبر علمك بالشيء، يقول: كيف تصبر على أمر ظاهره منكر، وأنت لا تعلم باطنه؟ قال له موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا [الكهف: ٦٩] أصبر على ما أرى منك، وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [الكهف: ٦٩] لا أخالفك فِي شيء. قال له الخضر: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي [الكهف: ٧٠] أي: صحبتني، فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ [الكهف: ٧٠] مما أفعل مما تنكره، حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف: ٧٠] حتى أكون أنا الذي أفسره لك، لأنه قد غاب علمه عنك.

الكهف 18:69

قوله: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا {٦٠ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ٦١ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ٦٢ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ٦٣ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ٦٤ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ٦٥ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ٦٦ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ٦٧ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ٦٨ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ٦٩ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ٧٠ } [الكهف: ٦٠-٧٠] وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ [الكهف: ٦٠] الآية. ٥٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأُمَوِيُّ، أنا الرَّبِيعُ، أنا الشَّافِعِيُّ، أنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبَكَّالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، فَكَيْفَ لِي بِهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا، فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ، فَهُوَ ثَمَّ، فَأَخَذَ حُوتًا، فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ ثُمَّ انْطَلَقَ، وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ، وَضَعَا رُءُوسَهُمَا فَنَامَا وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنْهُ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ، فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطَّاقِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صَاحِبَهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالْحُوتِ فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ، قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا، قَالَ: وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ، حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقَالَ فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحَرِ عَجَبًا، قَالَ: فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرِبًا، وَلِمُوسَى وَلِفَتَاهُ عَجَبًا، فَقَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، قَالَ: رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنِّي بِأَرْضِكَ السَّلامُ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، تَعَالَى، لا تَعْلَمُه، عَلَّمَنِيهِ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَ لا أَعْلَمُهُ، فَقَالَ مُوسَى: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ قَوْلٍ، فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ، لَمْ يُفَاجَأْ إِلا وَالْخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالْقَدُومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ قَدْ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ، فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ؟ قَالَ: لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيت وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نُقْرَةً، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلا مِثْلُ مَا نَقَرَ هَذَا الْعُصْفُورِ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ، ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذْ أَبْصَرَ الْخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَاقْتَلَعَهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الأُولَى، قَالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ فَلا إِلَى قَوْلِهِ: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، قَالَ: مَائِلا، فَقَامَ الْخَضِرُ فَأَقَامَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا، وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ الآيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ، حَتَّى يَقُصَّ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا، وَكَانَ يَقْرَأُ: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ كِلاهُمَا، عَنْ سُفْيَانَ وقوله: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ [الكهف: ٦٠] معناه: واذكر ذلك، لما فِي تلك القصة من العبرة، قوله: لفتاه أجمعوا على أنه يوشع بن نون، قال الفراء: إنما سمي فتى موسى، لأنه كان ملازما له، يأخذ عنه العلم ويخدمه. لا أبرح لا أزال، ومنه قوله: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ [طه: ٩١] والمعنى: لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، قال قتادة: يعني بحر فارس وبحر الروم، وكان ذلك الموضع الذي وعد موسى للقاء الخضر. وقوله: أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا [الكهف: ٦٠] أي: أسير حقبا، قال الوالبي: دهرا. والحقب عند أهل اللغة ثمانون سنة، والمعنى: لا أزال أسير، وإن احتجت إلى أن أسير حقبا، حتى أبلغ مجمع البحرين. فَلَمَّا بَلَغَا [الكهف: ٦١] يعني موسى وصاحبه، مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا [الكهف: ٦١] بين البحرين، وهو حيث وعد للقاء الخضر، وقوله: نَسِيَا حُوتَهُمَا [الكهف: ٦١] قال المفسرين: كانا فيما تزودا حوت مملح فِي زبيل، فكانا يصيبان منه الغداء والعشاء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر، وضع فتاه المكتل، فأصاب الحوت ندى البحر، فتحرك فِي المكتل، فانسرب فِي البحر، وقد كان قيل لموسى: تزود معك حوتا مالحا، فحيث تفقد الحوت ثم تجد الرجل العالم، فلما انتهيا إلى الصخرة، قال لفتاه: امكث حتى آتيك، وانطلق موسى لحاجته، فجرى الحوت حتى وقع فِي البحر، فقال قتادة: إذا جاء نبي الله حدثته، فأنساه الشيطان، فذلك قوله: نَسِيَا حُوتَهُمَا [الكهف: ٦١] وإنما نسيه يوشع أن يذكر قصته لموسى، فأضيف النسيان إليهما توسعا، لأنهما جميعا تزودانه، فصار كما يقال: نسي القوم زادهم، وإنما نسيه أحدهم. وقوله: فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا [الكهف: ٦١] قال قتادة: جعل لا يسلك طريقا إلا صار الماء جامدا. وقال الربيع بن أنس: انجاب الماء عن مسلك الحوت، فصار كوة لم يلتئم. والسرب معناه فِي اللغة المحفور فِي الأرض، لا نفاذ له، شبه مسلك الحوت فِي الماء، والماء منجاب عنه بالسرب، كما قال الفراء: لما وقع فِي الماء جمد مذهبه فِي البحر، فكان كالسرب. فَلَمَّا جَاوَزَا [الكهف: ٦٢] ذلك المكان الذي كانت عنده الصخرة، وذهب الحوت، انطلقا، فأصابهما ما يصيب المسافر من النصب والكلال، ولم يجد موسى النصب حتى جاوز الموضع الذي يريده، فدعا بالطعام ليأكل، وهو قوله: آتِنَا غَدَاءَنَا [الكهف: ٦٢] وهو الطعام الذي يؤكل بالغداء، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا [الكهف: ٦٢] وهو الإعياء من العناء، والفعل نصب ينصب. فلما قال له موسى ذلك، تذكر قصة الحوت، فقال لموسى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ [الكهف: ٦٣] يعني: حين نزلا هناك، فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ [الكهف: ٦٣] أن أحدثكه، ثم اعتذر فقال: وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [الكهف: ٦٣] وذلك أنه لو ذكر لموسى قصة الحوت عند الصخرة، ما جاوزها موسى، وما ناله النصب الذي اشتكاه، واتخذ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا [الكهف: ٦٣] أي: سبيلا عجبا، وهو أن الماء انجاب عنه، وبقي كالكوة لم يلتئم، فلما قال هذا يوشع، ذكر موسى ما كان عهد إليه أنه يدلك عليه بعض زادك. قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ [الكهف: ٦٤] أي: نطلب ونريد من العلامة، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا [الكهف: ٦٤] رجعا وعادا عودهما على بدئهما فِي الطريق الذي جاءا منه، قصصا يقصان آثارهما قصصا، والقصص اتباع الأثر، ومنه قوله: قُصِّيهِ [القصص: ١١]. قوله: فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا [الكهف: ٦٥] أي: أدركا الخضر، واسمه بليا بن ملكان، وإنما سمي الخضر لأنه إذا صلى فِي مكان اخضر ما حوله، آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا [الكهف: ٦٥] يعني نبوة، وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف: ٦٥] قال ابن عباس رضي الله عنهما: أعطيناه علما من علم الغيب. فقال: لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف: ٦٦] أي: علما ذا رشد، والرشد والرشد لغتان كالنخل والنخل، قال قتادة: لو كان أحد مكتفيا من العلم لاكتفى نجي الله موسى، ولكنه قال: هَلْ أَتَّبِعُكَ [الكهف: ٦٦] الآية. وقال الزجاج: وفيما فعل موسى، وهو من جلة الأنبياء من طلب العلم، والرحلة فِي ذلك، ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه. فقال له الخضر: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف: ٦٧] قال ابن عباس: لن تصبر على صنيعي، لأني علمت غيب علم ربي. ثم أعلمه العلة فِي ترك الصبر فقال: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا [الكهف: ٦٨] أي: لم تعلمه، والخبر علمك بالشيء، يقول: كيف تصبر على أمر ظاهره منكر، وأنت لا تعلم باطنه؟ قال له موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا [الكهف: ٦٩] أصبر على ما أرى منك، وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [الكهف: ٦٩] لا أخالفك فِي شيء. قال له الخضر: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي [الكهف: ٧٠] أي: صحبتني، فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ [الكهف: ٧٠] مما أفعل مما تنكره، حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف: ٧٠] حتى أكون أنا الذي أفسره لك، لأنه قد غاب علمه عنك.

الكهف 18:70

قوله: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا {٦٠ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ٦١ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ٦٢ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ٦٣ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ٦٤ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ٦٥ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ٦٦ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ٦٧ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ٦٨ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ٦٩ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ٧٠ } [الكهف: ٦٠-٧٠] وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ [الكهف: ٦٠] الآية. ٥٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأُمَوِيُّ، أنا الرَّبِيعُ، أنا الشَّافِعِيُّ، أنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبَكَّالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، فَكَيْفَ لِي بِهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا، فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ، فَهُوَ ثَمَّ، فَأَخَذَ حُوتًا، فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ ثُمَّ انْطَلَقَ، وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ، وَضَعَا رُءُوسَهُمَا فَنَامَا وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنْهُ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ، فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطَّاقِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صَاحِبَهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالْحُوتِ فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ، قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا، قَالَ: وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ، حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقَالَ فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحَرِ عَجَبًا، قَالَ: فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرِبًا، وَلِمُوسَى وَلِفَتَاهُ عَجَبًا، فَقَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، قَالَ: رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنِّي بِأَرْضِكَ السَّلامُ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، تَعَالَى، لا تَعْلَمُه، عَلَّمَنِيهِ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَ لا أَعْلَمُهُ، فَقَالَ مُوسَى: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ قَوْلٍ، فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ، لَمْ يُفَاجَأْ إِلا وَالْخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالْقَدُومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ قَدْ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ، فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ؟ قَالَ: لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيت وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نُقْرَةً، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلا مِثْلُ مَا نَقَرَ هَذَا الْعُصْفُورِ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ، ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذْ أَبْصَرَ الْخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَاقْتَلَعَهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الأُولَى، قَالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ فَلا إِلَى قَوْلِهِ: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، قَالَ: مَائِلا، فَقَامَ الْخَضِرُ فَأَقَامَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا، وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ الآيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ، حَتَّى يَقُصَّ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا، وَكَانَ يَقْرَأُ: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ كِلاهُمَا، عَنْ سُفْيَانَ وقوله: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ [الكهف: ٦٠] معناه: واذكر ذلك، لما فِي تلك القصة من العبرة، قوله: لفتاه أجمعوا على أنه يوشع بن نون، قال الفراء: إنما سمي فتى موسى، لأنه كان ملازما له، يأخذ عنه العلم ويخدمه. لا أبرح لا أزال، ومنه قوله: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ [طه: ٩١] والمعنى: لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، قال قتادة: يعني بحر فارس وبحر الروم، وكان ذلك الموضع الذي وعد موسى للقاء الخضر. وقوله: أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا [الكهف: ٦٠] أي: أسير حقبا، قال الوالبي: دهرا. والحقب عند أهل اللغة ثمانون سنة، والمعنى: لا أزال أسير، وإن احتجت إلى أن أسير حقبا، حتى أبلغ مجمع البحرين. فَلَمَّا بَلَغَا [الكهف: ٦١] يعني موسى وصاحبه، مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا [الكهف: ٦١] بين البحرين، وهو حيث وعد للقاء الخضر، وقوله: نَسِيَا حُوتَهُمَا [الكهف: ٦١] قال المفسرين: كانا فيما تزودا حوت مملح فِي زبيل، فكانا يصيبان منه الغداء والعشاء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر، وضع فتاه المكتل، فأصاب الحوت ندى البحر، فتحرك فِي المكتل، فانسرب فِي البحر، وقد كان قيل لموسى: تزود معك حوتا مالحا، فحيث تفقد الحوت ثم تجد الرجل العالم، فلما انتهيا إلى الصخرة، قال لفتاه: امكث حتى آتيك، وانطلق موسى لحاجته، فجرى الحوت حتى وقع فِي البحر، فقال قتادة: إذا جاء نبي الله حدثته، فأنساه الشيطان، فذلك قوله: نَسِيَا حُوتَهُمَا [الكهف: ٦١] وإنما نسيه يوشع أن يذكر قصته لموسى، فأضيف النسيان إليهما توسعا، لأنهما جميعا تزودانه، فصار كما يقال: نسي القوم زادهم، وإنما نسيه أحدهم. وقوله: فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا [الكهف: ٦١] قال قتادة: جعل لا يسلك طريقا إلا صار الماء جامدا. وقال الربيع بن أنس: انجاب الماء عن مسلك الحوت، فصار كوة لم يلتئم. والسرب معناه فِي اللغة المحفور فِي الأرض، لا نفاذ له، شبه مسلك الحوت فِي الماء، والماء منجاب عنه بالسرب، كما قال الفراء: لما وقع فِي الماء جمد مذهبه فِي البحر، فكان كالسرب. فَلَمَّا جَاوَزَا [الكهف: ٦٢] ذلك المكان الذي كانت عنده الصخرة، وذهب الحوت، انطلقا، فأصابهما ما يصيب المسافر من النصب والكلال، ولم يجد موسى النصب حتى جاوز الموضع الذي يريده، فدعا بالطعام ليأكل، وهو قوله: آتِنَا غَدَاءَنَا [الكهف: ٦٢] وهو الطعام الذي يؤكل بالغداء، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا [الكهف: ٦٢] وهو الإعياء من العناء، والفعل نصب ينصب. فلما قال له موسى ذلك، تذكر قصة الحوت، فقال لموسى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ [الكهف: ٦٣] يعني: حين نزلا هناك، فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ [الكهف: ٦٣] أن أحدثكه، ثم اعتذر فقال: وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [الكهف: ٦٣] وذلك أنه لو ذكر لموسى قصة الحوت عند الصخرة، ما جاوزها موسى، وما ناله النصب الذي اشتكاه، واتخذ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا [الكهف: ٦٣] أي: سبيلا عجبا، وهو أن الماء انجاب عنه، وبقي كالكوة لم يلتئم، فلما قال هذا يوشع، ذكر موسى ما كان عهد إليه أنه يدلك عليه بعض زادك. قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ [الكهف: ٦٤] أي: نطلب ونريد من العلامة، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا [الكهف: ٦٤] رجعا وعادا عودهما على بدئهما فِي الطريق الذي جاءا منه، قصصا يقصان آثارهما قصصا، والقصص اتباع الأثر، ومنه قوله: قُصِّيهِ [القصص: ١١]. قوله: فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا [الكهف: ٦٥] أي: أدركا الخضر، واسمه بليا بن ملكان، وإنما سمي الخضر لأنه إذا صلى فِي مكان اخضر ما حوله، آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا [الكهف: ٦٥] يعني نبوة، وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف: ٦٥] قال ابن عباس رضي الله عنهما: أعطيناه علما من علم الغيب. فقال: لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف: ٦٦] أي: علما ذا رشد، والرشد والرشد لغتان كالنخل والنخل، قال قتادة: لو كان أحد مكتفيا من العلم لاكتفى نجي الله موسى، ولكنه قال: هَلْ أَتَّبِعُكَ [الكهف: ٦٦] الآية. وقال الزجاج: وفيما فعل موسى، وهو من جلة الأنبياء من طلب العلم، والرحلة فِي ذلك، ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه. فقال له الخضر: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف: ٦٧] قال ابن عباس: لن تصبر على صنيعي، لأني علمت غيب علم ربي. ثم أعلمه العلة فِي ترك الصبر فقال: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا [الكهف: ٦٨] أي: لم تعلمه، والخبر علمك بالشيء، يقول: كيف تصبر على أمر ظاهره منكر، وأنت لا تعلم باطنه؟ قال له موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا [الكهف: ٦٩] أصبر على ما أرى منك، وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [الكهف: ٦٩] لا أخالفك فِي شيء. قال له الخضر: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي [الكهف: ٧٠] أي: صحبتني، فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ [الكهف: ٧٠] مما أفعل مما تنكره، حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف: ٧٠] حتى أكون أنا الذي أفسره لك، لأنه قد غاب علمه عنك.

الكهف 18:71

فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فحملوهما بغير أجرة، فذلك قوله: فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا {٧١ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ٧٢ قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ٧٣ } [الكهف: ٧١-٧٣] فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا [الكهف: ٧١] أي: شقها، قيل: إنه قلع لوحين مما يلي الماء، فحشاها موسى بثوبه، وقال منكرا عليه: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا [الكهف: ٧١] منكرا عظيما، ويقال: أمر الأمر إذا كبر إمرا، والإمر: الاسم منه. فقال له الخضر: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ٧٢ قَالَ} [الكهف: ٧٢-٧٣] موسى: لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ [الكهف: ٧٣] أي: عقلت عن التسليم لك، وترك الإنكار عليك، ونسيت ذلك. وقال الكلبي: يقول: بما تركت من وصيتك، وعلى هذا القول النسيان بمعنى الترك لا بمعنى الغفلة. وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا [الكهف: ٧٣] لا تكلفني مشقة، قال أبو زيد: أرهقته عسرا إذا كلفته ذلك. والمعنى: عاملني باليسر لا بالعسر، ولا تضيق علي الأمر فِي صحبتي إياك.

الكهف 18:72

فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فحملوهما بغير أجرة، فذلك قوله: فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا {٧١ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ٧٢ قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ٧٣ } [الكهف: ٧١-٧٣] فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا [الكهف: ٧١] أي: شقها، قيل: إنه قلع لوحين مما يلي الماء، فحشاها موسى بثوبه، وقال منكرا عليه: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا [الكهف: ٧١] منكرا عظيما، ويقال: أمر الأمر إذا كبر إمرا، والإمر: الاسم منه. فقال له الخضر: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ٧٢ قَالَ} [الكهف: ٧٢-٧٣] موسى: لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ [الكهف: ٧٣] أي: عقلت عن التسليم لك، وترك الإنكار عليك، ونسيت ذلك. وقال الكلبي: يقول: بما تركت من وصيتك، وعلى هذا القول النسيان بمعنى الترك لا بمعنى الغفلة. وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا [الكهف: ٧٣] لا تكلفني مشقة، قال أبو زيد: أرهقته عسرا إذا كلفته ذلك. والمعنى: عاملني باليسر لا بالعسر، ولا تضيق علي الأمر فِي صحبتي إياك.

الكهف 18:73

فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فحملوهما بغير أجرة، فذلك قوله: فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا {٧١ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ٧٢ قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ٧٣ } [الكهف: ٧١-٧٣] فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا [الكهف: ٧١] أي: شقها، قيل: إنه قلع لوحين مما يلي الماء، فحشاها موسى بثوبه، وقال منكرا عليه: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا [الكهف: ٧١] منكرا عظيما، ويقال: أمر الأمر إذا كبر إمرا، والإمر: الاسم منه. فقال له الخضر: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ٧٢ قَالَ} [الكهف: ٧٢-٧٣] موسى: لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ [الكهف: ٧٣] أي: عقلت عن التسليم لك، وترك الإنكار عليك، ونسيت ذلك. وقال الكلبي: يقول: بما تركت من وصيتك، وعلى هذا القول النسيان بمعنى الترك لا بمعنى الغفلة. وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا [الكهف: ٧٣] لا تكلفني مشقة، قال أبو زيد: أرهقته عسرا إذا كلفته ذلك. والمعنى: عاملني باليسر لا بالعسر، ولا تضيق علي الأمر فِي صحبتي إياك.

الكهف 18:74

قوله: فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا {٧٤ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ٧٥ قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ٧٦ } [الكهف: ٧٤-٧٦] فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ [الكهف: ٧٤] روي فِي حديث أبي بن كعب، أنهما خرجا، حتى لقيا غلاما يلعب مع الصبيان، فقال به هكذا، كأنه اجتذب رأسه، فقلعه، وأشار عبد الرزاق حين روى هذا الحديث بأصابعه الثلاثة: السبابة، والوسطى، والإبهام وفتحها. وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن ذلك الغلام كان من أحسن أولئك الغلمان وأصحهم. قال موسى حين رأى ذلك: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً [الكهف: ٧٤] قال ابن عباس، ومجاهد: لم يبلغ الحلم. ومعنى الزكية الطاهرة من الذنوب، وذلك لأنه كان صغيرا لم يبلغ حد التكليف، وقرئ زاكية وهي البريئة من الذنوب، قال الفراء: الزاكية والزكية مثل القاسية والقسية. وقوله: بِغَيْرِ نَفْسٍ [الكهف: ٧٤] يعني: بغير قتل نفس، يعني القود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا [الكهف: ٧٤] فظيعا منكرا، لا يعرف فِي شرع. فقال الخضر: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف: ٧٥]. قال موسى: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ [الكهف: ٧٦] يعني: سؤال توبيخ وإنكار، بعدها بعد النفس المقتولة، فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا [الكهف: ٧٦] قال ابن عباس: يريد أنك قد أعذرت فيما بيني وبينك، وقد أخبرتني أني لا أستطيع معك صبرا، وهذا إقرار من موسى بأن الخضر قد قدم إليه ما يوجب العذر عنده فلا يلزمه ما انكره. وروي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلا هذه الآية، فقال: «لقد استحى نبي الله موسى عندها، ولو صبر، لرأى ألفا من العجائب». وقراءة العامة بتشديد النون من لدن والأصل لدن، ثم يزاد مع الياء، نحو مني، وعني، ثم يدغم النون الساكنة فِي التي تزاد مع الضمير فيصير لدني مشددا، ومن خفف فإنه لم يلحق النون التي تلحق علامة الضمير فِي نحو ضربني، وقد جمع الشاعر بين اللغتين فِي قوله: قدني من نثر الخبيبين قدني

الكهف 18:75

قوله: فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا {٧٤ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ٧٥ قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ٧٦ } [الكهف: ٧٤-٧٦] فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ [الكهف: ٧٤] روي فِي حديث أبي بن كعب، أنهما خرجا، حتى لقيا غلاما يلعب مع الصبيان، فقال به هكذا، كأنه اجتذب رأسه، فقلعه، وأشار عبد الرزاق حين روى هذا الحديث بأصابعه الثلاثة: السبابة، والوسطى، والإبهام وفتحها. وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن ذلك الغلام كان من أحسن أولئك الغلمان وأصحهم. قال موسى حين رأى ذلك: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً [الكهف: ٧٤] قال ابن عباس، ومجاهد: لم يبلغ الحلم. ومعنى الزكية الطاهرة من الذنوب، وذلك لأنه كان صغيرا لم يبلغ حد التكليف، وقرئ زاكية وهي البريئة من الذنوب، قال الفراء: الزاكية والزكية مثل القاسية والقسية. وقوله: بِغَيْرِ نَفْسٍ [الكهف: ٧٤] يعني: بغير قتل نفس، يعني القود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا [الكهف: ٧٤] فظيعا منكرا، لا يعرف فِي شرع. فقال الخضر: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف: ٧٥]. قال موسى: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ [الكهف: ٧٦] يعني: سؤال توبيخ وإنكار، بعدها بعد النفس المقتولة، فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا [الكهف: ٧٦] قال ابن عباس: يريد أنك قد أعذرت فيما بيني وبينك، وقد أخبرتني أني لا أستطيع معك صبرا، وهذا إقرار من موسى بأن الخضر قد قدم إليه ما يوجب العذر عنده فلا يلزمه ما انكره. وروي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلا هذه الآية، فقال: «لقد استحى نبي الله موسى عندها، ولو صبر، لرأى ألفا من العجائب». وقراءة العامة بتشديد النون من لدن والأصل لدن، ثم يزاد مع الياء، نحو مني، وعني، ثم يدغم النون الساكنة فِي التي تزاد مع الضمير فيصير لدني مشددا، ومن خفف فإنه لم يلحق النون التي تلحق علامة الضمير فِي نحو ضربني، وقد جمع الشاعر بين اللغتين فِي قوله: قدني من نثر الخبيبين قدني

الكهف 18:76

قوله: فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا {٧٤ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ٧٥ قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ٧٦ } [الكهف: ٧٤-٧٦] فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ [الكهف: ٧٤] روي فِي حديث أبي بن كعب، أنهما خرجا، حتى لقيا غلاما يلعب مع الصبيان، فقال به هكذا، كأنه اجتذب رأسه، فقلعه، وأشار عبد الرزاق حين روى هذا الحديث بأصابعه الثلاثة: السبابة، والوسطى، والإبهام وفتحها. وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن ذلك الغلام كان من أحسن أولئك الغلمان وأصحهم. قال موسى حين رأى ذلك: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً [الكهف: ٧٤] قال ابن عباس، ومجاهد: لم يبلغ الحلم. ومعنى الزكية الطاهرة من الذنوب، وذلك لأنه كان صغيرا لم يبلغ حد التكليف، وقرئ زاكية وهي البريئة من الذنوب، قال الفراء: الزاكية والزكية مثل القاسية والقسية. وقوله: بِغَيْرِ نَفْسٍ [الكهف: ٧٤] يعني: بغير قتل نفس، يعني القود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا [الكهف: ٧٤] فظيعا منكرا، لا يعرف فِي شرع. فقال الخضر: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف: ٧٥]. قال موسى: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ [الكهف: ٧٦] يعني: سؤال توبيخ وإنكار، بعدها بعد النفس المقتولة، فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا [الكهف: ٧٦] قال ابن عباس: يريد أنك قد أعذرت فيما بيني وبينك، وقد أخبرتني أني لا أستطيع معك صبرا، وهذا إقرار من موسى بأن الخضر قد قدم إليه ما يوجب العذر عنده فلا يلزمه ما انكره. وروي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلا هذه الآية، فقال: «لقد استحى نبي الله موسى عندها، ولو صبر، لرأى ألفا من العجائب». وقراءة العامة بتشديد النون من لدن والأصل لدن، ثم يزاد مع الياء، نحو مني، وعني، ثم يدغم النون الساكنة فِي التي تزاد مع الضمير فيصير لدني مشددا، ومن خفف فإنه لم يلحق النون التي تلحق علامة الضمير فِي نحو ضربني، وقد جمع الشاعر بين اللغتين فِي قوله: قدني من نثر الخبيبين قدني

الكهف 18:77

فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا {٧٧ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ٧٨ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ٧٩ وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ٨٠ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ٨١ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ٨٢ } [الكهف: ٧٧-٨٢] قوله: فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ [الكهف: ٧٧] قال ابن عباس: هي انطاكية. وقال ابن سيرين: الأبلة. استطعما أهلها سألاهم الطعام، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا [الكهف: ٧٧] روى أبي بن كعب، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «كانوا أهل قرية لئاما». والتضييف والإضافة بمعنى واحد، فوجدا فيها فِي تلك القرية، جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: ٧٧] الإرادة فِي صفة الجدار مجاز، ومعناه: قرب أن ينقض، وذلك على التشبيه بحال من يريد أن يفعل، قال الزجاج: والجدار لا يريد إرادة حقيقية إلا أن هيئته فِي التهيؤ للسقوط قد ظهرت كما تظهر أفعال المريدين القاصدين. فوصف الإرادة إذ كانت الصورتان واحدة، وأنشد الراعي يصف إبلا:فِي مهمه فلقت به هاماتها فلق الفئوس إذا أردن نصولا ومعنى الانقضاض السقوط بسرعة، يقال: انقض الحائط إذا وقع، وانقض الطائر إذا هوى من طيرانه فسقط على شيء، وقوله: فَأَقَامَهُ [الكهف: ٧٧] أي سواه، لأنه وجده مائلا، وفي حديث أبي بن كعب: انتهيا إلى جدار مائل، فدفعه بيده فقام، فقال موسى: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ [الكهف: ٧٧] أي: على إقامته وإصلاحه، أجرا قال الفراء: لو شئت لم تقمه حتى يقرونا، فهو الأجر. وقرأ أبو عمرو لتخذت يقال: تخذ فلان، يتخذ تخذا مثل اتخذ، ألزمت التاء الحرف كأنها أصلية، لما رأوا التاء فِي اتخذ ظنوها أصلية، فقالوا فِي الثلاثي تخذ، كما قالوا: تقي من اتقى. قال الخضر: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف: ٧٨] أي: هذا الكلام والإنكاء علي بترك الأجر، هو المفرق بيننا، قال الزجاج: المعنى هذا فراق بيننا، أي هذا فراق اتصالنا، وكرر بين تأكيدا. ولما قال الخضر هذا، أخذ موسى بطرف ثوبه، فقال: حدثني بتأويل ما صنعت. فقال: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا {٧٨ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: ٧٨-٧٩] يعني أن أصحابها كانوا مساكين، لم يكن لهم مال غير تلك السفينة، فكانوا يعملون عليها، يأخذون أجرتها، فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف: ٧٩] أجعلها ذات عيب، قال مجاهد: أخرقها. وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] قال المفسرون: يعني أمامهم، وراء يكون بمعنى أمام، كقوله: مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦]، وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] قال عباد بن صهيب: قدمت الكوفة لأسمع من إسماعيل بن أبي خالد، فمررت بشيخ جالس، فقلت: يا شيخ، كيف أمر إلى منزل إسماعيل بن أبي خالد؟ فقال لي: وراءك. فقلت: أرجع؟ قال: أقول وراءك وترجع؟ فقلت: أليس ورائي خلفي؟ قال: لا. ثم قال: حدثني عكرمة، عن ابن عباس وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف: ٧٩] قال: لو كان وراءهم لكانوا قد جاوزوه، ولكن كان بين أيديهم. والمعنى: كل سفينة صالحة، وكذا كان يقرأ ابن عباس، وأبي، وحذفت للعلم بها، قال الخضر: إنما خرقتها، لأن الملك إذا رآها متخرقة تركها، ورقعها أهلها بقطعة خشب فانتفعوا بها. وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ [الكهف: ٨٠] وابن عباس، وأبي كانا يقرآن: وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين، فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا [الكهف: ٨٠] أي: يرهق الغلام أبويه، طُغْيَانًا وَكُفْرًا [الكهف: ٨٠] لذلك قتلناه، قال المفسرون: خشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه ويدينا بدينه. ٥٧٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَنِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الزَّجَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، نا الْقَعْنَبِيُّ، نا الْمُعْتِمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَقَبَةَ بْنِ مَصْقَلَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الْغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ، طُبِعَ كَافِرًا وَلَوْ عَاشَ لأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي (الصَّحِيحِ)، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ مُطَرِّفٌ: أَيْمُ اللَّهِ، إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّهُمَا فَرِحَا بِهِ يَوْمَ وَلَدَاهُ، وَحَزِنَا عَلَيْهِ يَوْمَ قُتِلَ، وَلَوْ عَاشَ كَانَ فِيهِ مَهْلَكَتُهُمَا، فَالْمُؤْمِنُ حَقِيقٌ أَنْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، فَإِنَّ قَضَاءَ اللَّهِ، تَعَالَى، لِلْمُؤْمِنِ، خَيْرٌ مِنْ قَضَائِهِ لِنَفْسِهِ، وَمَا قُضِيَ لَكَ، يَابْنَ آدَمَ، فِيمَا تَكْرَهُ خَيْرٌ مِمَّا قُضِيَ لَكَ فِيمَا تُحِبُّ، فَاسْتَخِرِ اللَّهَ، تَعَالَى، وَارْضَ بِقَضَائِهِ وقوله: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً [الكهف: ٨١] يعطيهما الله ولدا بدلا منه، خيرا منه دينا، قاله سعيد بن جبير، وقتادة: وقال الكلبي: خيرا منه صلاحا. والزكاة الصلاح، والزاكي الصالح، وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف: ٨١] الرحم والرحم العطف والرحمة، قال ابن عباس، وقتادة: وأوصل للرحم، وأبر بوالديه. قال عطاء، عن ابن عباس: أبدلهما به جارية ولدت سبعين نبيا. وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ [الكهف: ٨٢] يعني القرية المذكورة فِي قوله: أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ [الكهف: ٧٧]، وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا [الكهف: ٨٢] قال قتادة: كان ذهبا وفضة. وهو تفسير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما: ٥٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ الطَّرَائِفِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، نا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ الدِّمَشْقِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا يَزِيدُ بْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ، عَزَّ وَجَلَّ: وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا، قَالَ: كَانَ ذَهَبًا وَفِضَّةً، رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي (صَحِيحِهِ)، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الْفَقِيهِ، عَنْ حُسَامِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ صَفْوَانَ وقال ابن عباس فِي رواية عطاء: كان لوحا من ذهب فِيهِ مكتوبا: عجبا لمن أيقن بالقدر! ثم ينصب عجبا لمن أيقن بالنار! ثم يضحك عجبا لمن يؤمن بالموت! كيف يفرح؟ عجبا لمن يوقن بالرزق! كيف يتعب؟ عجبا لمن يؤمن بالحساب! كيف يغفل؟ عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها! كيف يطمئن إليها؟ أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي، وفي الشق الآخر: أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي، وفي الشق الآخر، أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه. وهو قول أكثر أهل التفسير. ٥٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ النَّصْرُوِيُّ، أنا أَبُو الْعَلاءِ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودٍ الأَهْوَازِيُّ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ، نا ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، نا أَبَانٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قَوْلِهِ، عَزَّ وَجَلَّ: وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا، قَالَ: لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ، مَكْتُوبٌ فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِالْمَوْتِ، ثُمَّ كَيْفَ يَفْرَحُ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِزَوَالِ الدُّنْيَا، وَتَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا، ثُمَّ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا قال الزجاج: المعروف فِي اللغة أن الكنز إذا أفرد، فمعناه المال المدفون، فإذا لم يكن المال، قيل: عنده كنز علم، وله كنز فهم، والكنز ههنا بالمال أشبه، قال: وجائز أن يكون الكنز مالا، مكتوب فِيهِ علم على ما روي، فهو مال وعلم عظيم من توحيد الله تعالى، وإعلام أن محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مبعوث. وقوله: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف: ٨٢] قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاحا. وقال جعفر بن محمد: كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة آباء. أخبرنا عمرو بن أحمد بن عمر الزاهد، أنا عبد الرحمن بن أحمد بن حمدويه، نا زنجويه بن محمد، نا إسحاق بن منصور المروزي، نا الحسين بن علي، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، قال: إن الله عز وجل ليحفظ بصلاح العبد ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، وأهل دويرات حوله، فما يزالون فِي حفظ الله تعالى ما دام فيهم. وقوله: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا [الكهف: ٨٢] قال ابن عباس: أن يكبرا ويعقلا. وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا [الكهف: ٨٢] وذلك أن الخضر لو لم يقم الجدار لكان ينقض، ويؤخذ ذلك الكنز الذي تحته قبل بلوغ الغلامين الأشد، فأمر الخضر، حتى أقام الجدار، وهو قوله: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الكهف: ٨٢] أي: رحمهما الله بذلك رحمة، وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف: ٨٢] قال ابن عباس: انكشف لي من الله تعالى علم، فعلمت به. ذَلِكَ تَأْوِيلُ [الكهف: ٨٢] قال: يريد هذا تفسير مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف: ٨٢].

الكهف 18:78

فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا {٧٧ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ٧٨ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ٧٩ وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ٨٠ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ٨١ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ٨٢ } [الكهف: ٧٧-٨٢] قوله: فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ [الكهف: ٧٧] قال ابن عباس: هي انطاكية. وقال ابن سيرين: الأبلة. استطعما أهلها سألاهم الطعام، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا [الكهف: ٧٧] روى أبي بن كعب، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «كانوا أهل قرية لئاما». والتضييف والإضافة بمعنى واحد، فوجدا فيها فِي تلك القرية، جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: ٧٧] الإرادة فِي صفة الجدار مجاز، ومعناه: قرب أن ينقض، وذلك على التشبيه بحال من يريد أن يفعل، قال الزجاج: والجدار لا يريد إرادة حقيقية إلا أن هيئته فِي التهيؤ للسقوط قد ظهرت كما تظهر أفعال المريدين القاصدين. فوصف الإرادة إذ كانت الصورتان واحدة، وأنشد الراعي يصف إبلا:فِي مهمه فلقت به هاماتها فلق الفئوس إذا أردن نصولا ومعنى الانقضاض السقوط بسرعة، يقال: انقض الحائط إذا وقع، وانقض الطائر إذا هوى من طيرانه فسقط على شيء، وقوله: فَأَقَامَهُ [الكهف: ٧٧] أي سواه، لأنه وجده مائلا، وفي حديث أبي بن كعب: انتهيا إلى جدار مائل، فدفعه بيده فقام، فقال موسى: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ [الكهف: ٧٧] أي: على إقامته وإصلاحه، أجرا قال الفراء: لو شئت لم تقمه حتى يقرونا، فهو الأجر. وقرأ أبو عمرو لتخذت يقال: تخذ فلان، يتخذ تخذا مثل اتخذ، ألزمت التاء الحرف كأنها أصلية، لما رأوا التاء فِي اتخذ ظنوها أصلية، فقالوا فِي الثلاثي تخذ، كما قالوا: تقي من اتقى. قال الخضر: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف: ٧٨] أي: هذا الكلام والإنكاء علي بترك الأجر، هو المفرق بيننا، قال الزجاج: المعنى هذا فراق بيننا، أي هذا فراق اتصالنا، وكرر بين تأكيدا. ولما قال الخضر هذا، أخذ موسى بطرف ثوبه، فقال: حدثني بتأويل ما صنعت. فقال: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا {٧٨ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: ٧٨-٧٩] يعني أن أصحابها كانوا مساكين، لم يكن لهم مال غير تلك السفينة، فكانوا يعملون عليها، يأخذون أجرتها، فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف: ٧٩] أجعلها ذات عيب، قال مجاهد: أخرقها. وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] قال المفسرون: يعني أمامهم، وراء يكون بمعنى أمام، كقوله: مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦]، وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] قال عباد بن صهيب: قدمت الكوفة لأسمع من إسماعيل بن أبي خالد، فمررت بشيخ جالس، فقلت: يا شيخ، كيف أمر إلى منزل إسماعيل بن أبي خالد؟ فقال لي: وراءك. فقلت: أرجع؟ قال: أقول وراءك وترجع؟ فقلت: أليس ورائي خلفي؟ قال: لا. ثم قال: حدثني عكرمة، عن ابن عباس وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف: ٧٩] قال: لو كان وراءهم لكانوا قد جاوزوه، ولكن كان بين أيديهم. والمعنى: كل سفينة صالحة، وكذا كان يقرأ ابن عباس، وأبي، وحذفت للعلم بها، قال الخضر: إنما خرقتها، لأن الملك إذا رآها متخرقة تركها، ورقعها أهلها بقطعة خشب فانتفعوا بها. وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ [الكهف: ٨٠] وابن عباس، وأبي كانا يقرآن: وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين، فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا [الكهف: ٨٠] أي: يرهق الغلام أبويه، طُغْيَانًا وَكُفْرًا [الكهف: ٨٠] لذلك قتلناه، قال المفسرون: خشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه ويدينا بدينه. ٥٧٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَنِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الزَّجَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، نا الْقَعْنَبِيُّ، نا الْمُعْتِمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَقَبَةَ بْنِ مَصْقَلَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الْغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ، طُبِعَ كَافِرًا وَلَوْ عَاشَ لأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي (الصَّحِيحِ)، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ مُطَرِّفٌ: أَيْمُ اللَّهِ، إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّهُمَا فَرِحَا بِهِ يَوْمَ وَلَدَاهُ، وَحَزِنَا عَلَيْهِ يَوْمَ قُتِلَ، وَلَوْ عَاشَ كَانَ فِيهِ مَهْلَكَتُهُمَا، فَالْمُؤْمِنُ حَقِيقٌ أَنْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، فَإِنَّ قَضَاءَ اللَّهِ، تَعَالَى، لِلْمُؤْمِنِ، خَيْرٌ مِنْ قَضَائِهِ لِنَفْسِهِ، وَمَا قُضِيَ لَكَ، يَابْنَ آدَمَ، فِيمَا تَكْرَهُ خَيْرٌ مِمَّا قُضِيَ لَكَ فِيمَا تُحِبُّ، فَاسْتَخِرِ اللَّهَ، تَعَالَى، وَارْضَ بِقَضَائِهِ وقوله: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً [الكهف: ٨١] يعطيهما الله ولدا بدلا منه، خيرا منه دينا، قاله سعيد بن جبير، وقتادة: وقال الكلبي: خيرا منه صلاحا. والزكاة الصلاح، والزاكي الصالح، وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف: ٨١] الرحم والرحم العطف والرحمة، قال ابن عباس، وقتادة: وأوصل للرحم، وأبر بوالديه. قال عطاء، عن ابن عباس: أبدلهما به جارية ولدت سبعين نبيا. وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ [الكهف: ٨٢] يعني القرية المذكورة فِي قوله: أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ [الكهف: ٧٧]، وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا [الكهف: ٨٢] قال قتادة: كان ذهبا وفضة. وهو تفسير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما: ٥٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ الطَّرَائِفِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، نا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ الدِّمَشْقِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا يَزِيدُ بْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ، عَزَّ وَجَلَّ: وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا، قَالَ: كَانَ ذَهَبًا وَفِضَّةً، رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي (صَحِيحِهِ)، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الْفَقِيهِ، عَنْ حُسَامِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ صَفْوَانَ وقال ابن عباس فِي رواية عطاء: كان لوحا من ذهب فِيهِ مكتوبا: عجبا لمن أيقن بالقدر! ثم ينصب عجبا لمن أيقن بالنار! ثم يضحك عجبا لمن يؤمن بالموت! كيف يفرح؟ عجبا لمن يوقن بالرزق! كيف يتعب؟ عجبا لمن يؤمن بالحساب! كيف يغفل؟ عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها! كيف يطمئن إليها؟ أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي، وفي الشق الآخر: أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي، وفي الشق الآخر، أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه. وهو قول أكثر أهل التفسير. ٥٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ النَّصْرُوِيُّ، أنا أَبُو الْعَلاءِ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودٍ الأَهْوَازِيُّ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ، نا ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، نا أَبَانٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قَوْلِهِ، عَزَّ وَجَلَّ: وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا، قَالَ: لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ، مَكْتُوبٌ فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِالْمَوْتِ، ثُمَّ كَيْفَ يَفْرَحُ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِزَوَالِ الدُّنْيَا، وَتَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا، ثُمَّ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا قال الزجاج: المعروف فِي اللغة أن الكنز إذا أفرد، فمعناه المال المدفون، فإذا لم يكن المال، قيل: عنده كنز علم، وله كنز فهم، والكنز ههنا بالمال أشبه، قال: وجائز أن يكون الكنز مالا، مكتوب فِيهِ علم على ما روي، فهو مال وعلم عظيم من توحيد الله تعالى، وإعلام أن محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مبعوث. وقوله: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف: ٨٢] قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاحا. وقال جعفر بن محمد: كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة آباء. أخبرنا عمرو بن أحمد بن عمر الزاهد، أنا عبد الرحمن بن أحمد بن حمدويه، نا زنجويه بن محمد، نا إسحاق بن منصور المروزي، نا الحسين بن علي، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، قال: إن الله عز وجل ليحفظ بصلاح العبد ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، وأهل دويرات حوله، فما يزالون فِي حفظ الله تعالى ما دام فيهم. وقوله: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا [الكهف: ٨٢] قال ابن عباس: أن يكبرا ويعقلا. وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا [الكهف: ٨٢] وذلك أن الخضر لو لم يقم الجدار لكان ينقض، ويؤخذ ذلك الكنز الذي تحته قبل بلوغ الغلامين الأشد، فأمر الخضر، حتى أقام الجدار، وهو قوله: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الكهف: ٨٢] أي: رحمهما الله بذلك رحمة، وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف: ٨٢] قال ابن عباس: انكشف لي من الله تعالى علم، فعلمت به. ذَلِكَ تَأْوِيلُ [الكهف: ٨٢] قال: يريد هذا تفسير مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف: ٨٢].

الكهف 18:79

فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا {٧٧ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ٧٨ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ٧٩ وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ٨٠ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ٨١ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ٨٢ } [الكهف: ٧٧-٨٢] قوله: فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ [الكهف: ٧٧] قال ابن عباس: هي انطاكية. وقال ابن سيرين: الأبلة. استطعما أهلها سألاهم الطعام، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا [الكهف: ٧٧] روى أبي بن كعب، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «كانوا أهل قرية لئاما». والتضييف والإضافة بمعنى واحد، فوجدا فيها فِي تلك القرية، جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: ٧٧] الإرادة فِي صفة الجدار مجاز، ومعناه: قرب أن ينقض، وذلك على التشبيه بحال من يريد أن يفعل، قال الزجاج: والجدار لا يريد إرادة حقيقية إلا أن هيئته فِي التهيؤ للسقوط قد ظهرت كما تظهر أفعال المريدين القاصدين. فوصف الإرادة إذ كانت الصورتان واحدة، وأنشد الراعي يصف إبلا:فِي مهمه فلقت به هاماتها فلق الفئوس إذا أردن نصولا ومعنى الانقضاض السقوط بسرعة، يقال: انقض الحائط إذا وقع، وانقض الطائر إذا هوى من طيرانه فسقط على شيء، وقوله: فَأَقَامَهُ [الكهف: ٧٧] أي سواه، لأنه وجده مائلا، وفي حديث أبي بن كعب: انتهيا إلى جدار مائل، فدفعه بيده فقام، فقال موسى: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ [الكهف: ٧٧] أي: على إقامته وإصلاحه، أجرا قال الفراء: لو شئت لم تقمه حتى يقرونا، فهو الأجر. وقرأ أبو عمرو لتخذت يقال: تخذ فلان، يتخذ تخذا مثل اتخذ، ألزمت التاء الحرف كأنها أصلية، لما رأوا التاء فِي اتخذ ظنوها أصلية، فقالوا فِي الثلاثي تخذ، كما قالوا: تقي من اتقى. قال الخضر: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف: ٧٨] أي: هذا الكلام والإنكاء علي بترك الأجر، هو المفرق بيننا، قال الزجاج: المعنى هذا فراق بيننا، أي هذا فراق اتصالنا، وكرر بين تأكيدا. ولما قال الخضر هذا، أخذ موسى بطرف ثوبه، فقال: حدثني بتأويل ما صنعت. فقال: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا {٧٨ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: ٧٨-٧٩] يعني أن أصحابها كانوا مساكين، لم يكن لهم مال غير تلك السفينة، فكانوا يعملون عليها، يأخذون أجرتها، فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف: ٧٩] أجعلها ذات عيب، قال مجاهد: أخرقها. وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] قال المفسرون: يعني أمامهم، وراء يكون بمعنى أمام، كقوله: مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦]، وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] قال عباد بن صهيب: قدمت الكوفة لأسمع من إسماعيل بن أبي خالد، فمررت بشيخ جالس، فقلت: يا شيخ، كيف أمر إلى منزل إسماعيل بن أبي خالد؟ فقال لي: وراءك. فقلت: أرجع؟ قال: أقول وراءك وترجع؟ فقلت: أليس ورائي خلفي؟ قال: لا. ثم قال: حدثني عكرمة، عن ابن عباس وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف: ٧٩] قال: لو كان وراءهم لكانوا قد جاوزوه، ولكن كان بين أيديهم. والمعنى: كل سفينة صالحة، وكذا كان يقرأ ابن عباس، وأبي، وحذفت للعلم بها، قال الخضر: إنما خرقتها، لأن الملك إذا رآها متخرقة تركها، ورقعها أهلها بقطعة خشب فانتفعوا بها. وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ [الكهف: ٨٠] وابن عباس، وأبي كانا يقرآن: وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين، فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا [الكهف: ٨٠] أي: يرهق الغلام أبويه، طُغْيَانًا وَكُفْرًا [الكهف: ٨٠] لذلك قتلناه، قال المفسرون: خشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه ويدينا بدينه. ٥٧٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَنِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الزَّجَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، نا الْقَعْنَبِيُّ، نا الْمُعْتِمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَقَبَةَ بْنِ مَصْقَلَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الْغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ، طُبِعَ كَافِرًا وَلَوْ عَاشَ لأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي (الصَّحِيحِ)، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ مُطَرِّفٌ: أَيْمُ اللَّهِ، إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّهُمَا فَرِحَا بِهِ يَوْمَ وَلَدَاهُ، وَحَزِنَا عَلَيْهِ يَوْمَ قُتِلَ، وَلَوْ عَاشَ كَانَ فِيهِ مَهْلَكَتُهُمَا، فَالْمُؤْمِنُ حَقِيقٌ أَنْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، فَإِنَّ قَضَاءَ اللَّهِ، تَعَالَى، لِلْمُؤْمِنِ، خَيْرٌ مِنْ قَضَائِهِ لِنَفْسِهِ، وَمَا قُضِيَ لَكَ، يَابْنَ آدَمَ، فِيمَا تَكْرَهُ خَيْرٌ مِمَّا قُضِيَ لَكَ فِيمَا تُحِبُّ، فَاسْتَخِرِ اللَّهَ، تَعَالَى، وَارْضَ بِقَضَائِهِ وقوله: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً [الكهف: ٨١] يعطيهما الله ولدا بدلا منه، خيرا منه دينا، قاله سعيد بن جبير، وقتادة: وقال الكلبي: خيرا منه صلاحا. والزكاة الصلاح، والزاكي الصالح، وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف: ٨١] الرحم والرحم العطف والرحمة، قال ابن عباس، وقتادة: وأوصل للرحم، وأبر بوالديه. قال عطاء، عن ابن عباس: أبدلهما به جارية ولدت سبعين نبيا. وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ [الكهف: ٨٢] يعني القرية المذكورة فِي قوله: أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ [الكهف: ٧٧]، وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا [الكهف: ٨٢] قال قتادة: كان ذهبا وفضة. وهو تفسير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما: ٥٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ الطَّرَائِفِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، نا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ الدِّمَشْقِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا يَزِيدُ بْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ، عَزَّ وَجَلَّ: وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا، قَالَ: كَانَ ذَهَبًا وَفِضَّةً، رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي (صَحِيحِهِ)، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الْفَقِيهِ، عَنْ حُسَامِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ صَفْوَانَ وقال ابن عباس فِي رواية عطاء: كان لوحا من ذهب فِيهِ مكتوبا: عجبا لمن أيقن بالقدر! ثم ينصب عجبا لمن أيقن بالنار! ثم يضحك عجبا لمن يؤمن بالموت! كيف يفرح؟ عجبا لمن يوقن بالرزق! كيف يتعب؟ عجبا لمن يؤمن بالحساب! كيف يغفل؟ عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها! كيف يطمئن إليها؟ أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي، وفي الشق الآخر: أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي، وفي الشق الآخر، أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه. وهو قول أكثر أهل التفسير. ٥٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ النَّصْرُوِيُّ، أنا أَبُو الْعَلاءِ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودٍ الأَهْوَازِيُّ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ، نا ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، نا أَبَانٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قَوْلِهِ، عَزَّ وَجَلَّ: وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا، قَالَ: لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ، مَكْتُوبٌ فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِالْمَوْتِ، ثُمَّ كَيْفَ يَفْرَحُ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِزَوَالِ الدُّنْيَا، وَتَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا، ثُمَّ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا قال الزجاج: المعروف فِي اللغة أن الكنز إذا أفرد، فمعناه المال المدفون، فإذا لم يكن المال، قيل: عنده كنز علم، وله كنز فهم، والكنز ههنا بالمال أشبه، قال: وجائز أن يكون الكنز مالا، مكتوب فِيهِ علم على ما روي، فهو مال وعلم عظيم من توحيد الله تعالى، وإعلام أن محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مبعوث. وقوله: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف: ٨٢] قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاحا. وقال جعفر بن محمد: كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة آباء. أخبرنا عمرو بن أحمد بن عمر الزاهد، أنا عبد الرحمن بن أحمد بن حمدويه، نا زنجويه بن محمد، نا إسحاق بن منصور المروزي، نا الحسين بن علي، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، قال: إن الله عز وجل ليحفظ بصلاح العبد ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، وأهل دويرات حوله، فما يزالون فِي حفظ الله تعالى ما دام فيهم. وقوله: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا [الكهف: ٨٢] قال ابن عباس: أن يكبرا ويعقلا. وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا [الكهف: ٨٢] وذلك أن الخضر لو لم يقم الجدار لكان ينقض، ويؤخذ ذلك الكنز الذي تحته قبل بلوغ الغلامين الأشد، فأمر الخضر، حتى أقام الجدار، وهو قوله: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الكهف: ٨٢] أي: رحمهما الله بذلك رحمة، وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف: ٨٢] قال ابن عباس: انكشف لي من الله تعالى علم، فعلمت به. ذَلِكَ تَأْوِيلُ [الكهف: ٨٢] قال: يريد هذا تفسير مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف: ٨٢].

الكهف 18:80

فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا {٧٧ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ٧٨ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ٧٩ وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ٨٠ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ٨١ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ٨٢ } [الكهف: ٧٧-٨٢] قوله: فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ [الكهف: ٧٧] قال ابن عباس: هي انطاكية. وقال ابن سيرين: الأبلة. استطعما أهلها سألاهم الطعام، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا [الكهف: ٧٧] روى أبي بن كعب، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «كانوا أهل قرية لئاما». والتضييف والإضافة بمعنى واحد، فوجدا فيها فِي تلك القرية، جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: ٧٧] الإرادة فِي صفة الجدار مجاز، ومعناه: قرب أن ينقض، وذلك على التشبيه بحال من يريد أن يفعل، قال الزجاج: والجدار لا يريد إرادة حقيقية إلا أن هيئته فِي التهيؤ للسقوط قد ظهرت كما تظهر أفعال المريدين القاصدين. فوصف الإرادة إذ كانت الصورتان واحدة، وأنشد الراعي يصف إبلا:فِي مهمه فلقت به هاماتها فلق الفئوس إذا أردن نصولا ومعنى الانقضاض السقوط بسرعة، يقال: انقض الحائط إذا وقع، وانقض الطائر إذا هوى من طيرانه فسقط على شيء، وقوله: فَأَقَامَهُ [الكهف: ٧٧] أي سواه، لأنه وجده مائلا، وفي حديث أبي بن كعب: انتهيا إلى جدار مائل، فدفعه بيده فقام، فقال موسى: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ [الكهف: ٧٧] أي: على إقامته وإصلاحه، أجرا قال الفراء: لو شئت لم تقمه حتى يقرونا، فهو الأجر. وقرأ أبو عمرو لتخذت يقال: تخذ فلان، يتخذ تخذا مثل اتخذ، ألزمت التاء الحرف كأنها أصلية، لما رأوا التاء فِي اتخذ ظنوها أصلية، فقالوا فِي الثلاثي تخذ، كما قالوا: تقي من اتقى. قال الخضر: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف: ٧٨] أي: هذا الكلام والإنكاء علي بترك الأجر، هو المفرق بيننا، قال الزجاج: المعنى هذا فراق بيننا، أي هذا فراق اتصالنا، وكرر بين تأكيدا. ولما قال الخضر هذا، أخذ موسى بطرف ثوبه، فقال: حدثني بتأويل ما صنعت. فقال: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا {٧٨ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: ٧٨-٧٩] يعني أن أصحابها كانوا مساكين، لم يكن لهم مال غير تلك السفينة، فكانوا يعملون عليها، يأخذون أجرتها، فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف: ٧٩] أجعلها ذات عيب، قال مجاهد: أخرقها. وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] قال المفسرون: يعني أمامهم، وراء يكون بمعنى أمام، كقوله: مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦]، وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] قال عباد بن صهيب: قدمت الكوفة لأسمع من إسماعيل بن أبي خالد، فمررت بشيخ جالس، فقلت: يا شيخ، كيف أمر إلى منزل إسماعيل بن أبي خالد؟ فقال لي: وراءك. فقلت: أرجع؟ قال: أقول وراءك وترجع؟ فقلت: أليس ورائي خلفي؟ قال: لا. ثم قال: حدثني عكرمة، عن ابن عباس وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف: ٧٩] قال: لو كان وراءهم لكانوا قد جاوزوه، ولكن كان بين أيديهم. والمعنى: كل سفينة صالحة، وكذا كان يقرأ ابن عباس، وأبي، وحذفت للعلم بها، قال الخضر: إنما خرقتها، لأن الملك إذا رآها متخرقة تركها، ورقعها أهلها بقطعة خشب فانتفعوا بها. وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ [الكهف: ٨٠] وابن عباس، وأبي كانا يقرآن: وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين، فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا [الكهف: ٨٠] أي: يرهق الغلام أبويه، طُغْيَانًا وَكُفْرًا [الكهف: ٨٠] لذلك قتلناه، قال المفسرون: خشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه ويدينا بدينه. ٥٧٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَنِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الزَّجَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، نا الْقَعْنَبِيُّ، نا الْمُعْتِمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَقَبَةَ بْنِ مَصْقَلَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الْغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ، طُبِعَ كَافِرًا وَلَوْ عَاشَ لأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي (الصَّحِيحِ)، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ مُطَرِّفٌ: أَيْمُ اللَّهِ، إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّهُمَا فَرِحَا بِهِ يَوْمَ وَلَدَاهُ، وَحَزِنَا عَلَيْهِ يَوْمَ قُتِلَ، وَلَوْ عَاشَ كَانَ فِيهِ مَهْلَكَتُهُمَا، فَالْمُؤْمِنُ حَقِيقٌ أَنْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، فَإِنَّ قَضَاءَ اللَّهِ، تَعَالَى، لِلْمُؤْمِنِ، خَيْرٌ مِنْ قَضَائِهِ لِنَفْسِهِ، وَمَا قُضِيَ لَكَ، يَابْنَ آدَمَ، فِيمَا تَكْرَهُ خَيْرٌ مِمَّا قُضِيَ لَكَ فِيمَا تُحِبُّ، فَاسْتَخِرِ اللَّهَ، تَعَالَى، وَارْضَ بِقَضَائِهِ وقوله: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً [الكهف: ٨١] يعطيهما الله ولدا بدلا منه، خيرا منه دينا، قاله سعيد بن جبير، وقتادة: وقال الكلبي: خيرا منه صلاحا. والزكاة الصلاح، والزاكي الصالح، وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف: ٨١] الرحم والرحم العطف والرحمة، قال ابن عباس، وقتادة: وأوصل للرحم، وأبر بوالديه. قال عطاء، عن ابن عباس: أبدلهما به جارية ولدت سبعين نبيا. وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ [الكهف: ٨٢] يعني القرية المذكورة فِي قوله: أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ [الكهف: ٧٧]، وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا [الكهف: ٨٢] قال قتادة: كان ذهبا وفضة. وهو تفسير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما: ٥٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ الطَّرَائِفِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، نا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ الدِّمَشْقِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا يَزِيدُ بْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ، عَزَّ وَجَلَّ: وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا، قَالَ: كَانَ ذَهَبًا وَفِضَّةً، رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي (صَحِيحِهِ)، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الْفَقِيهِ، عَنْ حُسَامِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ صَفْوَانَ وقال ابن عباس فِي رواية عطاء: كان لوحا من ذهب فِيهِ مكتوبا: عجبا لمن أيقن بالقدر! ثم ينصب عجبا لمن أيقن بالنار! ثم يضحك عجبا لمن يؤمن بالموت! كيف يفرح؟ عجبا لمن يوقن بالرزق! كيف يتعب؟ عجبا لمن يؤمن بالحساب! كيف يغفل؟ عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها! كيف يطمئن إليها؟ أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي، وفي الشق الآخر: أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي، وفي الشق الآخر، أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه. وهو قول أكثر أهل التفسير. ٥٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ النَّصْرُوِيُّ، أنا أَبُو الْعَلاءِ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودٍ الأَهْوَازِيُّ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ، نا ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، نا أَبَانٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قَوْلِهِ، عَزَّ وَجَلَّ: وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا، قَالَ: لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ، مَكْتُوبٌ فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِالْمَوْتِ، ثُمَّ كَيْفَ يَفْرَحُ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِزَوَالِ الدُّنْيَا، وَتَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا، ثُمَّ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا قال الزجاج: المعروف فِي اللغة أن الكنز إذا أفرد، فمعناه المال المدفون، فإذا لم يكن المال، قيل: عنده كنز علم، وله كنز فهم، والكنز ههنا بالمال أشبه، قال: وجائز أن يكون الكنز مالا، مكتوب فِيهِ علم على ما روي، فهو مال وعلم عظيم من توحيد الله تعالى، وإعلام أن محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مبعوث. وقوله: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف: ٨٢] قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاحا. وقال جعفر بن محمد: كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة آباء. أخبرنا عمرو بن أحمد بن عمر الزاهد، أنا عبد الرحمن بن أحمد بن حمدويه، نا زنجويه بن محمد، نا إسحاق بن منصور المروزي، نا الحسين بن علي، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، قال: إن الله عز وجل ليحفظ بصلاح العبد ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، وأهل دويرات حوله، فما يزالون فِي حفظ الله تعالى ما دام فيهم. وقوله: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا [الكهف: ٨٢] قال ابن عباس: أن يكبرا ويعقلا. وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا [الكهف: ٨٢] وذلك أن الخضر لو لم يقم الجدار لكان ينقض، ويؤخذ ذلك الكنز الذي تحته قبل بلوغ الغلامين الأشد، فأمر الخضر، حتى أقام الجدار، وهو قوله: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الكهف: ٨٢] أي: رحمهما الله بذلك رحمة، وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف: ٨٢] قال ابن عباس: انكشف لي من الله تعالى علم، فعلمت به. ذَلِكَ تَأْوِيلُ [الكهف: ٨٢] قال: يريد هذا تفسير مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف: ٨٢].

الكهف 18:81

فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا {٧٧ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ٧٨ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ٧٩ وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ٨٠ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ٨١ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ٨٢ } [الكهف: ٧٧-٨٢] قوله: فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ [الكهف: ٧٧] قال ابن عباس: هي انطاكية. وقال ابن سيرين: الأبلة. استطعما أهلها سألاهم الطعام، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا [الكهف: ٧٧] روى أبي بن كعب، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «كانوا أهل قرية لئاما». والتضييف والإضافة بمعنى واحد، فوجدا فيها فِي تلك القرية، جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: ٧٧] الإرادة فِي صفة الجدار مجاز، ومعناه: قرب أن ينقض، وذلك على التشبيه بحال من يريد أن يفعل، قال الزجاج: والجدار لا يريد إرادة حقيقية إلا أن هيئته فِي التهيؤ للسقوط قد ظهرت كما تظهر أفعال المريدين القاصدين. فوصف الإرادة إذ كانت الصورتان واحدة، وأنشد الراعي يصف إبلا:فِي مهمه فلقت به هاماتها فلق الفئوس إذا أردن نصولا ومعنى الانقضاض السقوط بسرعة، يقال: انقض الحائط إذا وقع، وانقض الطائر إذا هوى من طيرانه فسقط على شيء، وقوله: فَأَقَامَهُ [الكهف: ٧٧] أي سواه، لأنه وجده مائلا، وفي حديث أبي بن كعب: انتهيا إلى جدار مائل، فدفعه بيده فقام، فقال موسى: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ [الكهف: ٧٧] أي: على إقامته وإصلاحه، أجرا قال الفراء: لو شئت لم تقمه حتى يقرونا، فهو الأجر. وقرأ أبو عمرو لتخذت يقال: تخذ فلان، يتخذ تخذا مثل اتخذ، ألزمت التاء الحرف كأنها أصلية، لما رأوا التاء فِي اتخذ ظنوها أصلية، فقالوا فِي الثلاثي تخذ، كما قالوا: تقي من اتقى. قال الخضر: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف: ٧٨] أي: هذا الكلام والإنكاء علي بترك الأجر، هو المفرق بيننا، قال الزجاج: المعنى هذا فراق بيننا، أي هذا فراق اتصالنا، وكرر بين تأكيدا. ولما قال الخضر هذا، أخذ موسى بطرف ثوبه، فقال: حدثني بتأويل ما صنعت. فقال: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا {٧٨ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: ٧٨-٧٩] يعني أن أصحابها كانوا مساكين، لم يكن لهم مال غير تلك السفينة، فكانوا يعملون عليها، يأخذون أجرتها، فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف: ٧٩] أجعلها ذات عيب، قال مجاهد: أخرقها. وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] قال المفسرون: يعني أمامهم، وراء يكون بمعنى أمام، كقوله: مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦]، وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] قال عباد بن صهيب: قدمت الكوفة لأسمع من إسماعيل بن أبي خالد، فمررت بشيخ جالس، فقلت: يا شيخ، كيف أمر إلى منزل إسماعيل بن أبي خالد؟ فقال لي: وراءك. فقلت: أرجع؟ قال: أقول وراءك وترجع؟ فقلت: أليس ورائي خلفي؟ قال: لا. ثم قال: حدثني عكرمة، عن ابن عباس وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف: ٧٩] قال: لو كان وراءهم لكانوا قد جاوزوه، ولكن كان بين أيديهم. والمعنى: كل سفينة صالحة، وكذا كان يقرأ ابن عباس، وأبي، وحذفت للعلم بها، قال الخضر: إنما خرقتها، لأن الملك إذا رآها متخرقة تركها، ورقعها أهلها بقطعة خشب فانتفعوا بها. وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ [الكهف: ٨٠] وابن عباس، وأبي كانا يقرآن: وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين، فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا [الكهف: ٨٠] أي: يرهق الغلام أبويه، طُغْيَانًا وَكُفْرًا [الكهف: ٨٠] لذلك قتلناه، قال المفسرون: خشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه ويدينا بدينه. ٥٧٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَنِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الزَّجَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، نا الْقَعْنَبِيُّ، نا الْمُعْتِمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَقَبَةَ بْنِ مَصْقَلَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الْغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ، طُبِعَ كَافِرًا وَلَوْ عَاشَ لأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي (الصَّحِيحِ)، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ مُطَرِّفٌ: أَيْمُ اللَّهِ، إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّهُمَا فَرِحَا بِهِ يَوْمَ وَلَدَاهُ، وَحَزِنَا عَلَيْهِ يَوْمَ قُتِلَ، وَلَوْ عَاشَ كَانَ فِيهِ مَهْلَكَتُهُمَا، فَالْمُؤْمِنُ حَقِيقٌ أَنْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، فَإِنَّ قَضَاءَ اللَّهِ، تَعَالَى، لِلْمُؤْمِنِ، خَيْرٌ مِنْ قَضَائِهِ لِنَفْسِهِ، وَمَا قُضِيَ لَكَ، يَابْنَ آدَمَ، فِيمَا تَكْرَهُ خَيْرٌ مِمَّا قُضِيَ لَكَ فِيمَا تُحِبُّ، فَاسْتَخِرِ اللَّهَ، تَعَالَى، وَارْضَ بِقَضَائِهِ وقوله: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً [الكهف: ٨١] يعطيهما الله ولدا بدلا منه، خيرا منه دينا، قاله سعيد بن جبير، وقتادة: وقال الكلبي: خيرا منه صلاحا. والزكاة الصلاح، والزاكي الصالح، وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف: ٨١] الرحم والرحم العطف والرحمة، قال ابن عباس، وقتادة: وأوصل للرحم، وأبر بوالديه. قال عطاء، عن ابن عباس: أبدلهما به جارية ولدت سبعين نبيا. وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ [الكهف: ٨٢] يعني القرية المذكورة فِي قوله: أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ [الكهف: ٧٧]، وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا [الكهف: ٨٢] قال قتادة: كان ذهبا وفضة. وهو تفسير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما: ٥٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ الطَّرَائِفِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، نا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ الدِّمَشْقِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا يَزِيدُ بْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ، عَزَّ وَجَلَّ: وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا، قَالَ: كَانَ ذَهَبًا وَفِضَّةً، رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي (صَحِيحِهِ)، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الْفَقِيهِ، عَنْ حُسَامِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ صَفْوَانَ وقال ابن عباس فِي رواية عطاء: كان لوحا من ذهب فِيهِ مكتوبا: عجبا لمن أيقن بالقدر! ثم ينصب عجبا لمن أيقن بالنار! ثم يضحك عجبا لمن يؤمن بالموت! كيف يفرح؟ عجبا لمن يوقن بالرزق! كيف يتعب؟ عجبا لمن يؤمن بالحساب! كيف يغفل؟ عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها! كيف يطمئن إليها؟ أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي، وفي الشق الآخر: أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي، وفي الشق الآخر، أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه. وهو قول أكثر أهل التفسير. ٥٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ النَّصْرُوِيُّ، أنا أَبُو الْعَلاءِ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودٍ الأَهْوَازِيُّ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ، نا ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، نا أَبَانٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قَوْلِهِ، عَزَّ وَجَلَّ: وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا، قَالَ: لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ، مَكْتُوبٌ فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِالْمَوْتِ، ثُمَّ كَيْفَ يَفْرَحُ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِزَوَالِ الدُّنْيَا، وَتَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا، ثُمَّ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا قال الزجاج: المعروف فِي اللغة أن الكنز إذا أفرد، فمعناه المال المدفون، فإذا لم يكن المال، قيل: عنده كنز علم، وله كنز فهم، والكنز ههنا بالمال أشبه، قال: وجائز أن يكون الكنز مالا، مكتوب فِيهِ علم على ما روي، فهو مال وعلم عظيم من توحيد الله تعالى، وإعلام أن محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مبعوث. وقوله: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف: ٨٢] قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاحا. وقال جعفر بن محمد: كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة آباء. أخبرنا عمرو بن أحمد بن عمر الزاهد، أنا عبد الرحمن بن أحمد بن حمدويه، نا زنجويه بن محمد، نا إسحاق بن منصور المروزي، نا الحسين بن علي، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، قال: إن الله عز وجل ليحفظ بصلاح العبد ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، وأهل دويرات حوله، فما يزالون فِي حفظ الله تعالى ما دام فيهم. وقوله: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا [الكهف: ٨٢] قال ابن عباس: أن يكبرا ويعقلا. وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا [الكهف: ٨٢] وذلك أن الخضر لو لم يقم الجدار لكان ينقض، ويؤخذ ذلك الكنز الذي تحته قبل بلوغ الغلامين الأشد، فأمر الخضر، حتى أقام الجدار، وهو قوله: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الكهف: ٨٢] أي: رحمهما الله بذلك رحمة، وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف: ٨٢] قال ابن عباس: انكشف لي من الله تعالى علم، فعلمت به. ذَلِكَ تَأْوِيلُ [الكهف: ٨٢] قال: يريد هذا تفسير مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف: ٨٢].

الكهف 18:82

فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا {٧٧ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ٧٨ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ٧٩ وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ٨٠ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ٨١ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ٨٢ } [الكهف: ٧٧-٨٢] قوله: فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ [الكهف: ٧٧] قال ابن عباس: هي انطاكية. وقال ابن سيرين: الأبلة. استطعما أهلها سألاهم الطعام، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا [الكهف: ٧٧] روى أبي بن كعب، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «كانوا أهل قرية لئاما». والتضييف والإضافة بمعنى واحد، فوجدا فيها فِي تلك القرية، جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: ٧٧] الإرادة فِي صفة الجدار مجاز، ومعناه: قرب أن ينقض، وذلك على التشبيه بحال من يريد أن يفعل، قال الزجاج: والجدار لا يريد إرادة حقيقية إلا أن هيئته فِي التهيؤ للسقوط قد ظهرت كما تظهر أفعال المريدين القاصدين. فوصف الإرادة إذ كانت الصورتان واحدة، وأنشد الراعي يصف إبلا:فِي مهمه فلقت به هاماتها فلق الفئوس إذا أردن نصولا ومعنى الانقضاض السقوط بسرعة، يقال: انقض الحائط إذا وقع، وانقض الطائر إذا هوى من طيرانه فسقط على شيء، وقوله: فَأَقَامَهُ [الكهف: ٧٧] أي سواه، لأنه وجده مائلا، وفي حديث أبي بن كعب: انتهيا إلى جدار مائل، فدفعه بيده فقام، فقال موسى: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ [الكهف: ٧٧] أي: على إقامته وإصلاحه، أجرا قال الفراء: لو شئت لم تقمه حتى يقرونا، فهو الأجر. وقرأ أبو عمرو لتخذت يقال: تخذ فلان، يتخذ تخذا مثل اتخذ، ألزمت التاء الحرف كأنها أصلية، لما رأوا التاء فِي اتخذ ظنوها أصلية، فقالوا فِي الثلاثي تخذ، كما قالوا: تقي من اتقى. قال الخضر: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف: ٧٨] أي: هذا الكلام والإنكاء علي بترك الأجر، هو المفرق بيننا، قال الزجاج: المعنى هذا فراق بيننا، أي هذا فراق اتصالنا، وكرر بين تأكيدا. ولما قال الخضر هذا، أخذ موسى بطرف ثوبه، فقال: حدثني بتأويل ما صنعت. فقال: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا {٧٨ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: ٧٨-٧٩] يعني أن أصحابها كانوا مساكين، لم يكن لهم مال غير تلك السفينة، فكانوا يعملون عليها، يأخذون أجرتها، فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف: ٧٩] أجعلها ذات عيب، قال مجاهد: أخرقها. وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] قال المفسرون: يعني أمامهم، وراء يكون بمعنى أمام، كقوله: مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦]، وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] قال عباد بن صهيب: قدمت الكوفة لأسمع من إسماعيل بن أبي خالد، فمررت بشيخ جالس، فقلت: يا شيخ، كيف أمر إلى منزل إسماعيل بن أبي خالد؟ فقال لي: وراءك. فقلت: أرجع؟ قال: أقول وراءك وترجع؟ فقلت: أليس ورائي خلفي؟ قال: لا. ثم قال: حدثني عكرمة، عن ابن عباس وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف: ٧٩] قال: لو كان وراءهم لكانوا قد جاوزوه، ولكن كان بين أيديهم. والمعنى: كل سفينة صالحة، وكذا كان يقرأ ابن عباس، وأبي، وحذفت للعلم بها، قال الخضر: إنما خرقتها، لأن الملك إذا رآها متخرقة تركها، ورقعها أهلها بقطعة خشب فانتفعوا بها. وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ [الكهف: ٨٠] وابن عباس، وأبي كانا يقرآن: وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين، فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا [الكهف: ٨٠] أي: يرهق الغلام أبويه، طُغْيَانًا وَكُفْرًا [الكهف: ٨٠] لذلك قتلناه، قال المفسرون: خشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه ويدينا بدينه. ٥٧٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَنِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الزَّجَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، نا الْقَعْنَبِيُّ، نا الْمُعْتِمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَقَبَةَ بْنِ مَصْقَلَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الْغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ، طُبِعَ كَافِرًا وَلَوْ عَاشَ لأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي (الصَّحِيحِ)، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ مُطَرِّفٌ: أَيْمُ اللَّهِ، إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّهُمَا فَرِحَا بِهِ يَوْمَ وَلَدَاهُ، وَحَزِنَا عَلَيْهِ يَوْمَ قُتِلَ، وَلَوْ عَاشَ كَانَ فِيهِ مَهْلَكَتُهُمَا، فَالْمُؤْمِنُ حَقِيقٌ أَنْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، فَإِنَّ قَضَاءَ اللَّهِ، تَعَالَى، لِلْمُؤْمِنِ، خَيْرٌ مِنْ قَضَائِهِ لِنَفْسِهِ، وَمَا قُضِيَ لَكَ، يَابْنَ آدَمَ، فِيمَا تَكْرَهُ خَيْرٌ مِمَّا قُضِيَ لَكَ فِيمَا تُحِبُّ، فَاسْتَخِرِ اللَّهَ، تَعَالَى، وَارْضَ بِقَضَائِهِ وقوله: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً [الكهف: ٨١] يعطيهما الله ولدا بدلا منه، خيرا منه دينا، قاله سعيد بن جبير، وقتادة: وقال الكلبي: خيرا منه صلاحا. والزكاة الصلاح، والزاكي الصالح، وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف: ٨١] الرحم والرحم العطف والرحمة، قال ابن عباس، وقتادة: وأوصل للرحم، وأبر بوالديه. قال عطاء، عن ابن عباس: أبدلهما به جارية ولدت سبعين نبيا. وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ [الكهف: ٨٢] يعني القرية المذكورة فِي قوله: أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ [الكهف: ٧٧]، وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا [الكهف: ٨٢] قال قتادة: كان ذهبا وفضة. وهو تفسير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما: ٥٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ الطَّرَائِفِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، نا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ الدِّمَشْقِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا يَزِيدُ بْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ، عَزَّ وَجَلَّ: وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا، قَالَ: كَانَ ذَهَبًا وَفِضَّةً، رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي (صَحِيحِهِ)، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الْفَقِيهِ، عَنْ حُسَامِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ صَفْوَانَ وقال ابن عباس فِي رواية عطاء: كان لوحا من ذهب فِيهِ مكتوبا: عجبا لمن أيقن بالقدر! ثم ينصب عجبا لمن أيقن بالنار! ثم يضحك عجبا لمن يؤمن بالموت! كيف يفرح؟ عجبا لمن يوقن بالرزق! كيف يتعب؟ عجبا لمن يؤمن بالحساب! كيف يغفل؟ عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها! كيف يطمئن إليها؟ أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي، وفي الشق الآخر: أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي، وفي الشق الآخر، أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه. وهو قول أكثر أهل التفسير. ٥٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ النَّصْرُوِيُّ، أنا أَبُو الْعَلاءِ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودٍ الأَهْوَازِيُّ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ، نا ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، نا أَبَانٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قَوْلِهِ، عَزَّ وَجَلَّ: وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا، قَالَ: لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ، مَكْتُوبٌ فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِالْمَوْتِ، ثُمَّ كَيْفَ يَفْرَحُ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِزَوَالِ الدُّنْيَا، وَتَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا، ثُمَّ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا قال الزجاج: المعروف فِي اللغة أن الكنز إذا أفرد، فمعناه المال المدفون، فإذا لم يكن المال، قيل: عنده كنز علم، وله كنز فهم، والكنز ههنا بالمال أشبه، قال: وجائز أن يكون الكنز مالا، مكتوب فِيهِ علم على ما روي، فهو مال وعلم عظيم من توحيد الله تعالى، وإعلام أن محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مبعوث. وقوله: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف: ٨٢] قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاحا. وقال جعفر بن محمد: كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة آباء. أخبرنا عمرو بن أحمد بن عمر الزاهد، أنا عبد الرحمن بن أحمد بن حمدويه، نا زنجويه بن محمد، نا إسحاق بن منصور المروزي، نا الحسين بن علي، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، قال: إن الله عز وجل ليحفظ بصلاح العبد ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، وأهل دويرات حوله، فما يزالون فِي حفظ الله تعالى ما دام فيهم. وقوله: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا [الكهف: ٨٢] قال ابن عباس: أن يكبرا ويعقلا. وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا [الكهف: ٨٢] وذلك أن الخضر لو لم يقم الجدار لكان ينقض، ويؤخذ ذلك الكنز الذي تحته قبل بلوغ الغلامين الأشد، فأمر الخضر، حتى أقام الجدار، وهو قوله: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الكهف: ٨٢] أي: رحمهما الله بذلك رحمة، وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف: ٨٢] قال ابن عباس: انكشف لي من الله تعالى علم، فعلمت به. ذَلِكَ تَأْوِيلُ [الكهف: ٨٢] قال: يريد هذا تفسير مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف: ٨٢].

الكهف 18:83

قوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا {٨٣ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ٨٤ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ٨٥ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ٨٦ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ٨٧ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ٨٨ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ٨٩ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ٩٠ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ٩١ } [الكهف: ٨٣-٩١] وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٣] الآية، ذكرنا أن اليهود سألت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن رجل طواف، بلغ شرق الأرض وغربها، هذه الآية من جوابهم، واختلفوا فِي ذي القرنين، فقال: مجاهد: كان نبيا. وهو قول عبد الله بن عمرو، وقال علي رضي الله عنه: كان عبدا صالحا، أحب الله، فأحبه الله تعالى، وناصح الله تعالى، فنصحه الله تعالى. وروي ذلك مرفوعا: أنه كان غلاما من الروم، أعطي ملكا، قال الزهري: وإنما سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها، وقرنها من مطلعها. واختار الزجاج هذا القول، فقال: يجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قطري الأرض، مشرق الأرض ومغربها. وقال أبو الطفيل: أمر قومه بتقوى الله تعالى، فضربوه على قرنه فمات، فبعثه الله، ثم أمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الآخر فمات، ثم بعثه الله تعالى، فسمي ذا القرنين. وهذا القول يرويه أبو الطفيل، عن علي رضي الله عنه. وقوله: قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف: ٨٣] أي: خبرا يتضمن ذكره. قوله: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ [الكهف: ٨٤] قال علي: سخر الله له السحاب، فحمله عليها، ومد له فِي الأسباب، وبسط النور له، فكان الليل والنهار عليه سواء. وهذا معنى تمكينه فِي الأرض، وهو أنه سهل عليه المسير فِيها، وذلل له طرقها وحزونها، حتى تمكن منها إن شاء، وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [الكهف: ٨٤] قال قتادة، والوالبي، عن ابن عباس: علما يتسبب به إلى ما يريد. وكل ما وصل شيئا إلى شيء فهو سبب. وقوله: فَأَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٨٥] قال المفسرون: طريقا. والمعنى: طريقا يؤديه إلى مغرب الشمس، وقال الزجاج: فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي، وذلك أنه أوتي من كل شيء سببا، فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي سببا فِي المسير إلى المغرب. والقراءة الجيدة فاتبع وقرئ فأتبع بقطع الألف، ومعناه لحق، كقوله: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ [الأعراف: ١٧٥]. قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: ٨٦] أي: ذات حمأة، وهو الطين الأسود المنتن، وهذه قراءة ابن عباس، وقراءة ابن الزبير، وابن مسعود حامية من غير همز، وهي فاعلة من حميت، فهي حامية، أي حارة. ٥٧٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَادِيُّ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ الْعَطَّارُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، نا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سَعْدٍ، سَمِعَ ابْنَ حَاضِرٍ يَقُولُ: اخْتَلَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وَقَالَ عَمْرٌو: فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ، فَسَأَلُوا كَعْبًا فَقَالَ: إِنِّي أَجِدُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: تَغْرُبُ فِي طِينَةٍ سَوْدَاءَ فَقَالَ: رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَلا أُعِينُكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: قَالَ تُبَّعٌ:قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَمْرٌو مُسْلِمًا مَلِكًا تَدِينُ لَهُ الْمُلُوكُ وَتَسْجُدُبَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدِ فَرَأَى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ مَغِيبِهَا فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدِ قوله: وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا [الكهف: ٨٦] أي: عند العين، قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٦] قال ابن الأنباري: إن كان ذو القرنين نبيا، فإن الله قال له كما يقول للأنبياء إما بتكليم أو بوحي، ومن قال: لم يكن نبيا، قال: معنى قلنا ألهمنا، لأن الإلهام ينوب عن الوحي كقوله: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى [القصص: ٧] أي ألهمناها. وقوله: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ [الكهف: ٨٦] الآية، قال المفسرون: يريد إما أن تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه، وإما أن تأسرهم، فتعلمهم الهدي، وتبصرهم الرشاد. قال قتادة: قضى فيهم بقضاء الله، وكان عالما بالسياسة. فقال: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ [الكهف: ٨٧] قال ابن عباس: أشرك. فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ [الكهف: ٨٧] نقتله إذا لم يرجع عن الشرك، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ [الكهف: ٨٧] بعد قتلي إياه، فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا [الكهف: ٨٧] يعني فِي النار. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى [الكهف: ٨٨] قال الفراء: الحسنى الجنة. وأضيف الجزاء إليها، وهي الجزاء، كما يقال: حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: ٩٥]، وَلَدَارُ الآخِرَةِ [يوسف: ١٠٩] وقرأ أهل الكوفة فله جزاء نصبا، وهو مصدر وقع موقع الحال، المعنى: فله الحسنى جزاء مجزيا بها، وقال ابن الأنباري: جزاء نصب على المصدر. المعنى: فيجزى الحسنى جزاء، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف: ٨٨] قولا جميلا.

الكهف 18:84

قوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا {٨٣ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ٨٤ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ٨٥ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ٨٦ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ٨٧ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ٨٨ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ٨٩ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ٩٠ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ٩١ } [الكهف: ٨٣-٩١] وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٣] الآية، ذكرنا أن اليهود سألت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن رجل طواف، بلغ شرق الأرض وغربها، هذه الآية من جوابهم، واختلفوا فِي ذي القرنين، فقال: مجاهد: كان نبيا. وهو قول عبد الله بن عمرو، وقال علي رضي الله عنه: كان عبدا صالحا، أحب الله، فأحبه الله تعالى، وناصح الله تعالى، فنصحه الله تعالى. وروي ذلك مرفوعا: أنه كان غلاما من الروم، أعطي ملكا، قال الزهري: وإنما سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها، وقرنها من مطلعها. واختار الزجاج هذا القول، فقال: يجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قطري الأرض، مشرق الأرض ومغربها. وقال أبو الطفيل: أمر قومه بتقوى الله تعالى، فضربوه على قرنه فمات، فبعثه الله، ثم أمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الآخر فمات، ثم بعثه الله تعالى، فسمي ذا القرنين. وهذا القول يرويه أبو الطفيل، عن علي رضي الله عنه. وقوله: قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف: ٨٣] أي: خبرا يتضمن ذكره. قوله: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ [الكهف: ٨٤] قال علي: سخر الله له السحاب، فحمله عليها، ومد له فِي الأسباب، وبسط النور له، فكان الليل والنهار عليه سواء. وهذا معنى تمكينه فِي الأرض، وهو أنه سهل عليه المسير فِيها، وذلل له طرقها وحزونها، حتى تمكن منها إن شاء، وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [الكهف: ٨٤] قال قتادة، والوالبي، عن ابن عباس: علما يتسبب به إلى ما يريد. وكل ما وصل شيئا إلى شيء فهو سبب. وقوله: فَأَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٨٥] قال المفسرون: طريقا. والمعنى: طريقا يؤديه إلى مغرب الشمس، وقال الزجاج: فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي، وذلك أنه أوتي من كل شيء سببا، فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي سببا فِي المسير إلى المغرب. والقراءة الجيدة فاتبع وقرئ فأتبع بقطع الألف، ومعناه لحق، كقوله: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ [الأعراف: ١٧٥]. قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: ٨٦] أي: ذات حمأة، وهو الطين الأسود المنتن، وهذه قراءة ابن عباس، وقراءة ابن الزبير، وابن مسعود حامية من غير همز، وهي فاعلة من حميت، فهي حامية، أي حارة. ٥٧٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَادِيُّ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ الْعَطَّارُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، نا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سَعْدٍ، سَمِعَ ابْنَ حَاضِرٍ يَقُولُ: اخْتَلَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وَقَالَ عَمْرٌو: فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ، فَسَأَلُوا كَعْبًا فَقَالَ: إِنِّي أَجِدُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: تَغْرُبُ فِي طِينَةٍ سَوْدَاءَ فَقَالَ: رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَلا أُعِينُكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: قَالَ تُبَّعٌ:قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَمْرٌو مُسْلِمًا مَلِكًا تَدِينُ لَهُ الْمُلُوكُ وَتَسْجُدُبَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدِ فَرَأَى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ مَغِيبِهَا فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدِ قوله: وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا [الكهف: ٨٦] أي: عند العين، قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٦] قال ابن الأنباري: إن كان ذو القرنين نبيا، فإن الله قال له كما يقول للأنبياء إما بتكليم أو بوحي، ومن قال: لم يكن نبيا، قال: معنى قلنا ألهمنا، لأن الإلهام ينوب عن الوحي كقوله: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى [القصص: ٧] أي ألهمناها. وقوله: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ [الكهف: ٨٦] الآية، قال المفسرون: يريد إما أن تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه، وإما أن تأسرهم، فتعلمهم الهدي، وتبصرهم الرشاد. قال قتادة: قضى فيهم بقضاء الله، وكان عالما بالسياسة. فقال: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ [الكهف: ٨٧] قال ابن عباس: أشرك. فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ [الكهف: ٨٧] نقتله إذا لم يرجع عن الشرك، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ [الكهف: ٨٧] بعد قتلي إياه، فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا [الكهف: ٨٧] يعني فِي النار. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى [الكهف: ٨٨] قال الفراء: الحسنى الجنة. وأضيف الجزاء إليها، وهي الجزاء، كما يقال: حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: ٩٥]، وَلَدَارُ الآخِرَةِ [يوسف: ١٠٩] وقرأ أهل الكوفة فله جزاء نصبا، وهو مصدر وقع موقع الحال، المعنى: فله الحسنى جزاء مجزيا بها، وقال ابن الأنباري: جزاء نصب على المصدر. المعنى: فيجزى الحسنى جزاء، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف: ٨٨] قولا جميلا.

الكهف 18:85

قوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا {٨٣ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ٨٤ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ٨٥ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ٨٦ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ٨٧ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ٨٨ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ٨٩ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ٩٠ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ٩١ } [الكهف: ٨٣-٩١] وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٣] الآية، ذكرنا أن اليهود سألت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن رجل طواف، بلغ شرق الأرض وغربها، هذه الآية من جوابهم، واختلفوا فِي ذي القرنين، فقال: مجاهد: كان نبيا. وهو قول عبد الله بن عمرو، وقال علي رضي الله عنه: كان عبدا صالحا، أحب الله، فأحبه الله تعالى، وناصح الله تعالى، فنصحه الله تعالى. وروي ذلك مرفوعا: أنه كان غلاما من الروم، أعطي ملكا، قال الزهري: وإنما سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها، وقرنها من مطلعها. واختار الزجاج هذا القول، فقال: يجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قطري الأرض، مشرق الأرض ومغربها. وقال أبو الطفيل: أمر قومه بتقوى الله تعالى، فضربوه على قرنه فمات، فبعثه الله، ثم أمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الآخر فمات، ثم بعثه الله تعالى، فسمي ذا القرنين. وهذا القول يرويه أبو الطفيل، عن علي رضي الله عنه. وقوله: قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف: ٨٣] أي: خبرا يتضمن ذكره. قوله: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ [الكهف: ٨٤] قال علي: سخر الله له السحاب، فحمله عليها، ومد له فِي الأسباب، وبسط النور له، فكان الليل والنهار عليه سواء. وهذا معنى تمكينه فِي الأرض، وهو أنه سهل عليه المسير فِيها، وذلل له طرقها وحزونها، حتى تمكن منها إن شاء، وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [الكهف: ٨٤] قال قتادة، والوالبي، عن ابن عباس: علما يتسبب به إلى ما يريد. وكل ما وصل شيئا إلى شيء فهو سبب. وقوله: فَأَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٨٥] قال المفسرون: طريقا. والمعنى: طريقا يؤديه إلى مغرب الشمس، وقال الزجاج: فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي، وذلك أنه أوتي من كل شيء سببا، فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي سببا فِي المسير إلى المغرب. والقراءة الجيدة فاتبع وقرئ فأتبع بقطع الألف، ومعناه لحق، كقوله: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ [الأعراف: ١٧٥]. قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: ٨٦] أي: ذات حمأة، وهو الطين الأسود المنتن، وهذه قراءة ابن عباس، وقراءة ابن الزبير، وابن مسعود حامية من غير همز، وهي فاعلة من حميت، فهي حامية، أي حارة. ٥٧٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَادِيُّ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ الْعَطَّارُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، نا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سَعْدٍ، سَمِعَ ابْنَ حَاضِرٍ يَقُولُ: اخْتَلَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وَقَالَ عَمْرٌو: فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ، فَسَأَلُوا كَعْبًا فَقَالَ: إِنِّي أَجِدُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: تَغْرُبُ فِي طِينَةٍ سَوْدَاءَ فَقَالَ: رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَلا أُعِينُكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: قَالَ تُبَّعٌ:قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَمْرٌو مُسْلِمًا مَلِكًا تَدِينُ لَهُ الْمُلُوكُ وَتَسْجُدُبَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدِ فَرَأَى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ مَغِيبِهَا فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدِ قوله: وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا [الكهف: ٨٦] أي: عند العين، قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٦] قال ابن الأنباري: إن كان ذو القرنين نبيا، فإن الله قال له كما يقول للأنبياء إما بتكليم أو بوحي، ومن قال: لم يكن نبيا، قال: معنى قلنا ألهمنا، لأن الإلهام ينوب عن الوحي كقوله: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى [القصص: ٧] أي ألهمناها. وقوله: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ [الكهف: ٨٦] الآية، قال المفسرون: يريد إما أن تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه، وإما أن تأسرهم، فتعلمهم الهدي، وتبصرهم الرشاد. قال قتادة: قضى فيهم بقضاء الله، وكان عالما بالسياسة. فقال: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ [الكهف: ٨٧] قال ابن عباس: أشرك. فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ [الكهف: ٨٧] نقتله إذا لم يرجع عن الشرك، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ [الكهف: ٨٧] بعد قتلي إياه، فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا [الكهف: ٨٧] يعني فِي النار. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى [الكهف: ٨٨] قال الفراء: الحسنى الجنة. وأضيف الجزاء إليها، وهي الجزاء، كما يقال: حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: ٩٥]، وَلَدَارُ الآخِرَةِ [يوسف: ١٠٩] وقرأ أهل الكوفة فله جزاء نصبا، وهو مصدر وقع موقع الحال، المعنى: فله الحسنى جزاء مجزيا بها، وقال ابن الأنباري: جزاء نصب على المصدر. المعنى: فيجزى الحسنى جزاء، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف: ٨٨] قولا جميلا.

الكهف 18:86

قوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا {٨٣ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ٨٤ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ٨٥ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ٨٦ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ٨٧ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ٨٨ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ٨٩ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ٩٠ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ٩١ } [الكهف: ٨٣-٩١] وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٣] الآية، ذكرنا أن اليهود سألت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن رجل طواف، بلغ شرق الأرض وغربها، هذه الآية من جوابهم، واختلفوا فِي ذي القرنين، فقال: مجاهد: كان نبيا. وهو قول عبد الله بن عمرو، وقال علي رضي الله عنه: كان عبدا صالحا، أحب الله، فأحبه الله تعالى، وناصح الله تعالى، فنصحه الله تعالى. وروي ذلك مرفوعا: أنه كان غلاما من الروم، أعطي ملكا، قال الزهري: وإنما سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها، وقرنها من مطلعها. واختار الزجاج هذا القول، فقال: يجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قطري الأرض، مشرق الأرض ومغربها. وقال أبو الطفيل: أمر قومه بتقوى الله تعالى، فضربوه على قرنه فمات، فبعثه الله، ثم أمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الآخر فمات، ثم بعثه الله تعالى، فسمي ذا القرنين. وهذا القول يرويه أبو الطفيل، عن علي رضي الله عنه. وقوله: قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف: ٨٣] أي: خبرا يتضمن ذكره. قوله: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ [الكهف: ٨٤] قال علي: سخر الله له السحاب، فحمله عليها، ومد له فِي الأسباب، وبسط النور له، فكان الليل والنهار عليه سواء. وهذا معنى تمكينه فِي الأرض، وهو أنه سهل عليه المسير فِيها، وذلل له طرقها وحزونها، حتى تمكن منها إن شاء، وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [الكهف: ٨٤] قال قتادة، والوالبي، عن ابن عباس: علما يتسبب به إلى ما يريد. وكل ما وصل شيئا إلى شيء فهو سبب. وقوله: فَأَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٨٥] قال المفسرون: طريقا. والمعنى: طريقا يؤديه إلى مغرب الشمس، وقال الزجاج: فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي، وذلك أنه أوتي من كل شيء سببا، فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي سببا فِي المسير إلى المغرب. والقراءة الجيدة فاتبع وقرئ فأتبع بقطع الألف، ومعناه لحق، كقوله: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ [الأعراف: ١٧٥]. قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: ٨٦] أي: ذات حمأة، وهو الطين الأسود المنتن، وهذه قراءة ابن عباس، وقراءة ابن الزبير، وابن مسعود حامية من غير همز، وهي فاعلة من حميت، فهي حامية، أي حارة. ٥٧٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَادِيُّ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ الْعَطَّارُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، نا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سَعْدٍ، سَمِعَ ابْنَ حَاضِرٍ يَقُولُ: اخْتَلَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وَقَالَ عَمْرٌو: فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ، فَسَأَلُوا كَعْبًا فَقَالَ: إِنِّي أَجِدُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: تَغْرُبُ فِي طِينَةٍ سَوْدَاءَ فَقَالَ: رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَلا أُعِينُكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: قَالَ تُبَّعٌ:قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَمْرٌو مُسْلِمًا مَلِكًا تَدِينُ لَهُ الْمُلُوكُ وَتَسْجُدُبَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدِ فَرَأَى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ مَغِيبِهَا فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدِ قوله: وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا [الكهف: ٨٦] أي: عند العين، قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٦] قال ابن الأنباري: إن كان ذو القرنين نبيا، فإن الله قال له كما يقول للأنبياء إما بتكليم أو بوحي، ومن قال: لم يكن نبيا، قال: معنى قلنا ألهمنا، لأن الإلهام ينوب عن الوحي كقوله: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى [القصص: ٧] أي ألهمناها. وقوله: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ [الكهف: ٨٦] الآية، قال المفسرون: يريد إما أن تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه، وإما أن تأسرهم، فتعلمهم الهدي، وتبصرهم الرشاد. قال قتادة: قضى فيهم بقضاء الله، وكان عالما بالسياسة. فقال: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ [الكهف: ٨٧] قال ابن عباس: أشرك. فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ [الكهف: ٨٧] نقتله إذا لم يرجع عن الشرك، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ [الكهف: ٨٧] بعد قتلي إياه، فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا [الكهف: ٨٧] يعني فِي النار. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى [الكهف: ٨٨] قال الفراء: الحسنى الجنة. وأضيف الجزاء إليها، وهي الجزاء، كما يقال: حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: ٩٥]، وَلَدَارُ الآخِرَةِ [يوسف: ١٠٩] وقرأ أهل الكوفة فله جزاء نصبا، وهو مصدر وقع موقع الحال، المعنى: فله الحسنى جزاء مجزيا بها، وقال ابن الأنباري: جزاء نصب على المصدر. المعنى: فيجزى الحسنى جزاء، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف: ٨٨] قولا جميلا.

الكهف 18:87

قوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا {٨٣ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ٨٤ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ٨٥ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ٨٦ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ٨٧ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ٨٨ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ٨٩ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ٩٠ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ٩١ } [الكهف: ٨٣-٩١] وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٣] الآية، ذكرنا أن اليهود سألت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن رجل طواف، بلغ شرق الأرض وغربها، هذه الآية من جوابهم، واختلفوا فِي ذي القرنين، فقال: مجاهد: كان نبيا. وهو قول عبد الله بن عمرو، وقال علي رضي الله عنه: كان عبدا صالحا، أحب الله، فأحبه الله تعالى، وناصح الله تعالى، فنصحه الله تعالى. وروي ذلك مرفوعا: أنه كان غلاما من الروم، أعطي ملكا، قال الزهري: وإنما سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها، وقرنها من مطلعها. واختار الزجاج هذا القول، فقال: يجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قطري الأرض، مشرق الأرض ومغربها. وقال أبو الطفيل: أمر قومه بتقوى الله تعالى، فضربوه على قرنه فمات، فبعثه الله، ثم أمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الآخر فمات، ثم بعثه الله تعالى، فسمي ذا القرنين. وهذا القول يرويه أبو الطفيل، عن علي رضي الله عنه. وقوله: قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف: ٨٣] أي: خبرا يتضمن ذكره. قوله: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ [الكهف: ٨٤] قال علي: سخر الله له السحاب، فحمله عليها، ومد له فِي الأسباب، وبسط النور له، فكان الليل والنهار عليه سواء. وهذا معنى تمكينه فِي الأرض، وهو أنه سهل عليه المسير فِيها، وذلل له طرقها وحزونها، حتى تمكن منها إن شاء، وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [الكهف: ٨٤] قال قتادة، والوالبي، عن ابن عباس: علما يتسبب به إلى ما يريد. وكل ما وصل شيئا إلى شيء فهو سبب. وقوله: فَأَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٨٥] قال المفسرون: طريقا. والمعنى: طريقا يؤديه إلى مغرب الشمس، وقال الزجاج: فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي، وذلك أنه أوتي من كل شيء سببا، فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي سببا فِي المسير إلى المغرب. والقراءة الجيدة فاتبع وقرئ فأتبع بقطع الألف، ومعناه لحق، كقوله: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ [الأعراف: ١٧٥]. قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: ٨٦] أي: ذات حمأة، وهو الطين الأسود المنتن، وهذه قراءة ابن عباس، وقراءة ابن الزبير، وابن مسعود حامية من غير همز، وهي فاعلة من حميت، فهي حامية، أي حارة. ٥٧٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَادِيُّ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ الْعَطَّارُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، نا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سَعْدٍ، سَمِعَ ابْنَ حَاضِرٍ يَقُولُ: اخْتَلَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وَقَالَ عَمْرٌو: فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ، فَسَأَلُوا كَعْبًا فَقَالَ: إِنِّي أَجِدُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: تَغْرُبُ فِي طِينَةٍ سَوْدَاءَ فَقَالَ: رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَلا أُعِينُكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: قَالَ تُبَّعٌ:قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَمْرٌو مُسْلِمًا مَلِكًا تَدِينُ لَهُ الْمُلُوكُ وَتَسْجُدُبَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدِ فَرَأَى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ مَغِيبِهَا فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدِ قوله: وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا [الكهف: ٨٦] أي: عند العين، قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٦] قال ابن الأنباري: إن كان ذو القرنين نبيا، فإن الله قال له كما يقول للأنبياء إما بتكليم أو بوحي، ومن قال: لم يكن نبيا، قال: معنى قلنا ألهمنا، لأن الإلهام ينوب عن الوحي كقوله: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى [القصص: ٧] أي ألهمناها. وقوله: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ [الكهف: ٨٦] الآية، قال المفسرون: يريد إما أن تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه، وإما أن تأسرهم، فتعلمهم الهدي، وتبصرهم الرشاد. قال قتادة: قضى فيهم بقضاء الله، وكان عالما بالسياسة. فقال: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ [الكهف: ٨٧] قال ابن عباس: أشرك. فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ [الكهف: ٨٧] نقتله إذا لم يرجع عن الشرك، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ [الكهف: ٨٧] بعد قتلي إياه، فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا [الكهف: ٨٧] يعني فِي النار. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى [الكهف: ٨٨] قال الفراء: الحسنى الجنة. وأضيف الجزاء إليها، وهي الجزاء، كما يقال: حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: ٩٥]، وَلَدَارُ الآخِرَةِ [يوسف: ١٠٩] وقرأ أهل الكوفة فله جزاء نصبا، وهو مصدر وقع موقع الحال، المعنى: فله الحسنى جزاء مجزيا بها، وقال ابن الأنباري: جزاء نصب على المصدر. المعنى: فيجزى الحسنى جزاء، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف: ٨٨] قولا جميلا.

الكهف 18:88

قوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا {٨٣ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ٨٤ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ٨٥ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ٨٦ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ٨٧ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ٨٨ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ٨٩ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ٩٠ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ٩١ } [الكهف: ٨٣-٩١] وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٣] الآية، ذكرنا أن اليهود سألت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن رجل طواف، بلغ شرق الأرض وغربها، هذه الآية من جوابهم، واختلفوا فِي ذي القرنين، فقال: مجاهد: كان نبيا. وهو قول عبد الله بن عمرو، وقال علي رضي الله عنه: كان عبدا صالحا، أحب الله، فأحبه الله تعالى، وناصح الله تعالى، فنصحه الله تعالى. وروي ذلك مرفوعا: أنه كان غلاما من الروم، أعطي ملكا، قال الزهري: وإنما سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها، وقرنها من مطلعها. واختار الزجاج هذا القول، فقال: يجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قطري الأرض، مشرق الأرض ومغربها. وقال أبو الطفيل: أمر قومه بتقوى الله تعالى، فضربوه على قرنه فمات، فبعثه الله، ثم أمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الآخر فمات، ثم بعثه الله تعالى، فسمي ذا القرنين. وهذا القول يرويه أبو الطفيل، عن علي رضي الله عنه. وقوله: قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف: ٨٣] أي: خبرا يتضمن ذكره. قوله: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ [الكهف: ٨٤] قال علي: سخر الله له السحاب، فحمله عليها، ومد له فِي الأسباب، وبسط النور له، فكان الليل والنهار عليه سواء. وهذا معنى تمكينه فِي الأرض، وهو أنه سهل عليه المسير فِيها، وذلل له طرقها وحزونها، حتى تمكن منها إن شاء، وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [الكهف: ٨٤] قال قتادة، والوالبي، عن ابن عباس: علما يتسبب به إلى ما يريد. وكل ما وصل شيئا إلى شيء فهو سبب. وقوله: فَأَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٨٥] قال المفسرون: طريقا. والمعنى: طريقا يؤديه إلى مغرب الشمس، وقال الزجاج: فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي، وذلك أنه أوتي من كل شيء سببا، فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي سببا فِي المسير إلى المغرب. والقراءة الجيدة فاتبع وقرئ فأتبع بقطع الألف، ومعناه لحق، كقوله: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ [الأعراف: ١٧٥]. قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: ٨٦] أي: ذات حمأة، وهو الطين الأسود المنتن، وهذه قراءة ابن عباس، وقراءة ابن الزبير، وابن مسعود حامية من غير همز، وهي فاعلة من حميت، فهي حامية، أي حارة. ٥٧٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَادِيُّ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ الْعَطَّارُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، نا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سَعْدٍ، سَمِعَ ابْنَ حَاضِرٍ يَقُولُ: اخْتَلَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وَقَالَ عَمْرٌو: فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ، فَسَأَلُوا كَعْبًا فَقَالَ: إِنِّي أَجِدُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: تَغْرُبُ فِي طِينَةٍ سَوْدَاءَ فَقَالَ: رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَلا أُعِينُكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: قَالَ تُبَّعٌ:قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَمْرٌو مُسْلِمًا مَلِكًا تَدِينُ لَهُ الْمُلُوكُ وَتَسْجُدُبَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدِ فَرَأَى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ مَغِيبِهَا فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدِ قوله: وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا [الكهف: ٨٦] أي: عند العين، قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٦] قال ابن الأنباري: إن كان ذو القرنين نبيا، فإن الله قال له كما يقول للأنبياء إما بتكليم أو بوحي، ومن قال: لم يكن نبيا، قال: معنى قلنا ألهمنا، لأن الإلهام ينوب عن الوحي كقوله: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى [القصص: ٧] أي ألهمناها. وقوله: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ [الكهف: ٨٦] الآية، قال المفسرون: يريد إما أن تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه، وإما أن تأسرهم، فتعلمهم الهدي، وتبصرهم الرشاد. قال قتادة: قضى فيهم بقضاء الله، وكان عالما بالسياسة. فقال: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ [الكهف: ٨٧] قال ابن عباس: أشرك. فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ [الكهف: ٨٧] نقتله إذا لم يرجع عن الشرك، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ [الكهف: ٨٧] بعد قتلي إياه، فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا [الكهف: ٨٧] يعني فِي النار. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى [الكهف: ٨٨] قال الفراء: الحسنى الجنة. وأضيف الجزاء إليها، وهي الجزاء، كما يقال: حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: ٩٥]، وَلَدَارُ الآخِرَةِ [يوسف: ١٠٩] وقرأ أهل الكوفة فله جزاء نصبا، وهو مصدر وقع موقع الحال، المعنى: فله الحسنى جزاء مجزيا بها، وقال ابن الأنباري: جزاء نصب على المصدر. المعنى: فيجزى الحسنى جزاء، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف: ٨٨] قولا جميلا.

الكهف 18:89

قوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا {٨٣ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ٨٤ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ٨٥ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ٨٦ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ٨٧ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ٨٨ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ٨٩ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ٩٠ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ٩١ } [الكهف: ٨٣-٩١] وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٣] الآية، ذكرنا أن اليهود سألت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن رجل طواف، بلغ شرق الأرض وغربها، هذه الآية من جوابهم، واختلفوا فِي ذي القرنين، فقال: مجاهد: كان نبيا. وهو قول عبد الله بن عمرو، وقال علي رضي الله عنه: كان عبدا صالحا، أحب الله، فأحبه الله تعالى، وناصح الله تعالى، فنصحه الله تعالى. وروي ذلك مرفوعا: أنه كان غلاما من الروم، أعطي ملكا، قال الزهري: وإنما سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها، وقرنها من مطلعها. واختار الزجاج هذا القول، فقال: يجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قطري الأرض، مشرق الأرض ومغربها. وقال أبو الطفيل: أمر قومه بتقوى الله تعالى، فضربوه على قرنه فمات، فبعثه الله، ثم أمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الآخر فمات، ثم بعثه الله تعالى، فسمي ذا القرنين. وهذا القول يرويه أبو الطفيل، عن علي رضي الله عنه. وقوله: قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف: ٨٣] أي: خبرا يتضمن ذكره. قوله: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ [الكهف: ٨٤] قال علي: سخر الله له السحاب، فحمله عليها، ومد له فِي الأسباب، وبسط النور له، فكان الليل والنهار عليه سواء. وهذا معنى تمكينه فِي الأرض، وهو أنه سهل عليه المسير فِيها، وذلل له طرقها وحزونها، حتى تمكن منها إن شاء، وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [الكهف: ٨٤] قال قتادة، والوالبي، عن ابن عباس: علما يتسبب به إلى ما يريد. وكل ما وصل شيئا إلى شيء فهو سبب. وقوله: فَأَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٨٥] قال المفسرون: طريقا. والمعنى: طريقا يؤديه إلى مغرب الشمس، وقال الزجاج: فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي، وذلك أنه أوتي من كل شيء سببا، فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي سببا فِي المسير إلى المغرب. والقراءة الجيدة فاتبع وقرئ فأتبع بقطع الألف، ومعناه لحق، كقوله: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ [الأعراف: ١٧٥]. قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: ٨٦] أي: ذات حمأة، وهو الطين الأسود المنتن، وهذه قراءة ابن عباس، وقراءة ابن الزبير، وابن مسعود حامية من غير همز، وهي فاعلة من حميت، فهي حامية، أي حارة. ٥٧٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَادِيُّ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ الْعَطَّارُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، نا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سَعْدٍ، سَمِعَ ابْنَ حَاضِرٍ يَقُولُ: اخْتَلَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وَقَالَ عَمْرٌو: فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ، فَسَأَلُوا كَعْبًا فَقَالَ: إِنِّي أَجِدُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: تَغْرُبُ فِي طِينَةٍ سَوْدَاءَ فَقَالَ: رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَلا أُعِينُكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: قَالَ تُبَّعٌ:قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَمْرٌو مُسْلِمًا مَلِكًا تَدِينُ لَهُ الْمُلُوكُ وَتَسْجُدُبَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدِ فَرَأَى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ مَغِيبِهَا فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدِ قوله: وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا [الكهف: ٨٦] أي: عند العين، قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٦] قال ابن الأنباري: إن كان ذو القرنين نبيا، فإن الله قال له كما يقول للأنبياء إما بتكليم أو بوحي، ومن قال: لم يكن نبيا، قال: معنى قلنا ألهمنا، لأن الإلهام ينوب عن الوحي كقوله: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى [القصص: ٧] أي ألهمناها. وقوله: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ [الكهف: ٨٦] الآية، قال المفسرون: يريد إما أن تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه، وإما أن تأسرهم، فتعلمهم الهدي، وتبصرهم الرشاد. قال قتادة: قضى فيهم بقضاء الله، وكان عالما بالسياسة. فقال: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ [الكهف: ٨٧] قال ابن عباس: أشرك. فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ [الكهف: ٨٧] نقتله إذا لم يرجع عن الشرك، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ [الكهف: ٨٧] بعد قتلي إياه، فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا [الكهف: ٨٧] يعني فِي النار. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى [الكهف: ٨٨] قال الفراء: الحسنى الجنة. وأضيف الجزاء إليها، وهي الجزاء، كما يقال: حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: ٩٥]، وَلَدَارُ الآخِرَةِ [يوسف: ١٠٩] وقرأ أهل الكوفة فله جزاء نصبا، وهو مصدر وقع موقع الحال، المعنى: فله الحسنى جزاء مجزيا بها، وقال ابن الأنباري: جزاء نصب على المصدر. المعنى: فيجزى الحسنى جزاء، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف: ٨٨] قولا جميلا.

الكهف 18:90

قوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا {٨٣ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ٨٤ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ٨٥ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ٨٦ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ٨٧ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ٨٨ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ٨٩ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ٩٠ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ٩١ } [الكهف: ٨٣-٩١] وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٣] الآية، ذكرنا أن اليهود سألت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن رجل طواف، بلغ شرق الأرض وغربها، هذه الآية من جوابهم، واختلفوا فِي ذي القرنين، فقال: مجاهد: كان نبيا. وهو قول عبد الله بن عمرو، وقال علي رضي الله عنه: كان عبدا صالحا، أحب الله، فأحبه الله تعالى، وناصح الله تعالى، فنصحه الله تعالى. وروي ذلك مرفوعا: أنه كان غلاما من الروم، أعطي ملكا، قال الزهري: وإنما سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها، وقرنها من مطلعها. واختار الزجاج هذا القول، فقال: يجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قطري الأرض، مشرق الأرض ومغربها. وقال أبو الطفيل: أمر قومه بتقوى الله تعالى، فضربوه على قرنه فمات، فبعثه الله، ثم أمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الآخر فمات، ثم بعثه الله تعالى، فسمي ذا القرنين. وهذا القول يرويه أبو الطفيل، عن علي رضي الله عنه. وقوله: قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف: ٨٣] أي: خبرا يتضمن ذكره. قوله: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ [الكهف: ٨٤] قال علي: سخر الله له السحاب، فحمله عليها، ومد له فِي الأسباب، وبسط النور له، فكان الليل والنهار عليه سواء. وهذا معنى تمكينه فِي الأرض، وهو أنه سهل عليه المسير فِيها، وذلل له طرقها وحزونها، حتى تمكن منها إن شاء، وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [الكهف: ٨٤] قال قتادة، والوالبي، عن ابن عباس: علما يتسبب به إلى ما يريد. وكل ما وصل شيئا إلى شيء فهو سبب. وقوله: فَأَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٨٥] قال المفسرون: طريقا. والمعنى: طريقا يؤديه إلى مغرب الشمس، وقال الزجاج: فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي، وذلك أنه أوتي من كل شيء سببا، فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي سببا فِي المسير إلى المغرب. والقراءة الجيدة فاتبع وقرئ فأتبع بقطع الألف، ومعناه لحق، كقوله: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ [الأعراف: ١٧٥]. قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: ٨٦] أي: ذات حمأة، وهو الطين الأسود المنتن، وهذه قراءة ابن عباس، وقراءة ابن الزبير، وابن مسعود حامية من غير همز، وهي فاعلة من حميت، فهي حامية، أي حارة. ٥٧٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَادِيُّ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ الْعَطَّارُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، نا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سَعْدٍ، سَمِعَ ابْنَ حَاضِرٍ يَقُولُ: اخْتَلَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وَقَالَ عَمْرٌو: فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ، فَسَأَلُوا كَعْبًا فَقَالَ: إِنِّي أَجِدُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: تَغْرُبُ فِي طِينَةٍ سَوْدَاءَ فَقَالَ: رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَلا أُعِينُكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: قَالَ تُبَّعٌ:قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَمْرٌو مُسْلِمًا مَلِكًا تَدِينُ لَهُ الْمُلُوكُ وَتَسْجُدُبَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدِ فَرَأَى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ مَغِيبِهَا فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدِ قوله: وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا [الكهف: ٨٦] أي: عند العين، قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٦] قال ابن الأنباري: إن كان ذو القرنين نبيا، فإن الله قال له كما يقول للأنبياء إما بتكليم أو بوحي، ومن قال: لم يكن نبيا، قال: معنى قلنا ألهمنا، لأن الإلهام ينوب عن الوحي كقوله: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى [القصص: ٧] أي ألهمناها. وقوله: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ [الكهف: ٨٦] الآية، قال المفسرون: يريد إما أن تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه، وإما أن تأسرهم، فتعلمهم الهدي، وتبصرهم الرشاد. قال قتادة: قضى فيهم بقضاء الله، وكان عالما بالسياسة. فقال: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ [الكهف: ٨٧] قال ابن عباس: أشرك. فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ [الكهف: ٨٧] نقتله إذا لم يرجع عن الشرك، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ [الكهف: ٨٧] بعد قتلي إياه، فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا [الكهف: ٨٧] يعني فِي النار. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى [الكهف: ٨٨] قال الفراء: الحسنى الجنة. وأضيف الجزاء إليها، وهي الجزاء، كما يقال: حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: ٩٥]، وَلَدَارُ الآخِرَةِ [يوسف: ١٠٩] وقرأ أهل الكوفة فله جزاء نصبا، وهو مصدر وقع موقع الحال، المعنى: فله الحسنى جزاء مجزيا بها، وقال ابن الأنباري: جزاء نصب على المصدر. المعنى: فيجزى الحسنى جزاء، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف: ٨٨] قولا جميلا.

الكهف 18:91

قوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا {٨٣ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ٨٤ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ٨٥ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ٨٦ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ٨٧ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ٨٨ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ٨٩ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ٩٠ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ٩١ } [الكهف: ٨٣-٩١] وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٣] الآية، ذكرنا أن اليهود سألت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن رجل طواف، بلغ شرق الأرض وغربها، هذه الآية من جوابهم، واختلفوا فِي ذي القرنين، فقال: مجاهد: كان نبيا. وهو قول عبد الله بن عمرو، وقال علي رضي الله عنه: كان عبدا صالحا، أحب الله، فأحبه الله تعالى، وناصح الله تعالى، فنصحه الله تعالى. وروي ذلك مرفوعا: أنه كان غلاما من الروم، أعطي ملكا، قال الزهري: وإنما سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها، وقرنها من مطلعها. واختار الزجاج هذا القول، فقال: يجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قطري الأرض، مشرق الأرض ومغربها. وقال أبو الطفيل: أمر قومه بتقوى الله تعالى، فضربوه على قرنه فمات، فبعثه الله، ثم أمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الآخر فمات، ثم بعثه الله تعالى، فسمي ذا القرنين. وهذا القول يرويه أبو الطفيل، عن علي رضي الله عنه. وقوله: قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف: ٨٣] أي: خبرا يتضمن ذكره. قوله: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ [الكهف: ٨٤] قال علي: سخر الله له السحاب، فحمله عليها، ومد له فِي الأسباب، وبسط النور له، فكان الليل والنهار عليه سواء. وهذا معنى تمكينه فِي الأرض، وهو أنه سهل عليه المسير فِيها، وذلل له طرقها وحزونها، حتى تمكن منها إن شاء، وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [الكهف: ٨٤] قال قتادة، والوالبي، عن ابن عباس: علما يتسبب به إلى ما يريد. وكل ما وصل شيئا إلى شيء فهو سبب. وقوله: فَأَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٨٥] قال المفسرون: طريقا. والمعنى: طريقا يؤديه إلى مغرب الشمس، وقال الزجاج: فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي، وذلك أنه أوتي من كل شيء سببا، فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي سببا فِي المسير إلى المغرب. والقراءة الجيدة فاتبع وقرئ فأتبع بقطع الألف، ومعناه لحق، كقوله: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ [الأعراف: ١٧٥]. قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: ٨٦] أي: ذات حمأة، وهو الطين الأسود المنتن، وهذه قراءة ابن عباس، وقراءة ابن الزبير، وابن مسعود حامية من غير همز، وهي فاعلة من حميت، فهي حامية، أي حارة. ٥٧٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَادِيُّ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ الْعَطَّارُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، نا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سَعْدٍ، سَمِعَ ابْنَ حَاضِرٍ يَقُولُ: اخْتَلَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وَقَالَ عَمْرٌو: فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ، فَسَأَلُوا كَعْبًا فَقَالَ: إِنِّي أَجِدُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: تَغْرُبُ فِي طِينَةٍ سَوْدَاءَ فَقَالَ: رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَلا أُعِينُكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: قَالَ تُبَّعٌ:قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَمْرٌو مُسْلِمًا مَلِكًا تَدِينُ لَهُ الْمُلُوكُ وَتَسْجُدُبَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدِ فَرَأَى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ مَغِيبِهَا فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدِ قوله: وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا [الكهف: ٨٦] أي: عند العين، قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٦] قال ابن الأنباري: إن كان ذو القرنين نبيا، فإن الله قال له كما يقول للأنبياء إما بتكليم أو بوحي، ومن قال: لم يكن نبيا، قال: معنى قلنا ألهمنا، لأن الإلهام ينوب عن الوحي كقوله: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى [القصص: ٧] أي ألهمناها. وقوله: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ [الكهف: ٨٦] الآية، قال المفسرون: يريد إما أن تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه، وإما أن تأسرهم، فتعلمهم الهدي، وتبصرهم الرشاد. قال قتادة: قضى فيهم بقضاء الله، وكان عالما بالسياسة. فقال: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ [الكهف: ٨٧] قال ابن عباس: أشرك. فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ [الكهف: ٨٧] نقتله إذا لم يرجع عن الشرك، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ [الكهف: ٨٧] بعد قتلي إياه، فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا [الكهف: ٨٧] يعني فِي النار. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى [الكهف: ٨٨] قال الفراء: الحسنى الجنة. وأضيف الجزاء إليها، وهي الجزاء، كما يقال: حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: ٩٥]، وَلَدَارُ الآخِرَةِ [يوسف: ١٠٩] وقرأ أهل الكوفة فله جزاء نصبا، وهو مصدر وقع موقع الحال، المعنى: فله الحسنى جزاء مجزيا بها، وقال ابن الأنباري: جزاء نصب على المصدر. المعنى: فيجزى الحسنى جزاء، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف: ٨٨] قولا جميلا.

الكهف 18:92

قوله: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا {٩٢ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا ٩٣ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ٩٤ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ٩٥ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ٩٦ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ٩٧ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ٩٨ } [الكهف: ٩٢-٩٨] ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٨٩] إخبار عن ذي القرنين أنه سلك طريقا يوصله إلى المشرق. حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا [الكهف: ٩٠] قال الحسن، وقتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، لأنهم كانوا فِي مكان لا يستقر عليه البناء. وقال الكلبي: كانوا حفاة عراة، يفرش أحدهم أذنه، ويلبس الأخرى. وقوله: كَذَلِكَ أي: وجد قوما كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس، وأن حكمهم حكم أولئك، وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا [الكهف: ٩١] علمنا ما كان عنده من الجيوش والعدة. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٩٢] ثالثا مما يبلغه قطرا من أقطار الأرض. وهو قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السّدينِ وقرئ بفتح السين، قال ابن الأعرابي: كل ما قبلك فسد ما وراءه فهو سد وسد، نحو الضعف والضعف، والفقر والفقر. قال ابن عباس: وهما جبلان، سد ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن سواهم. وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا [الكهف: ٩٣] يعني: أمام السدين، قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا [الكهف: ٩٣] لا يعلمونه، لأنهم لا يعرفون غير لغتهم، وقرئ بضم الياء، والمعنى: لا يكادون يفقهون أحدا قولا، فحذف أحد المفعولين، قال ابن عباس: لا يفهمون كلام أحد، ولا يفهم الناس كلامهم. قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ [الكهف: ٩٤] أكثر أهل العلم على أن هذين اسمان أعجميان، مثل: طالوت وجالوت، وهاروت وماروت، لا ينصرفان للتعريف والعجمة، والقراءة فِيهمَا بترك الهمز وقرأ عاصم بالهمز، قال الليث: الهمز لغة رديئة. وقال ابن الأنباري: وجه همزه، وإن لم يعرف له أصل، أن العرب قد همزت حروفا لا يعرف للهمز فِيها أصل، مثل: لبأت ورثأت، واسنشأت الريح، وإذا كان هذا معروفا فِي أبنية العرب، كان مقبولا فِي الألفاظ التي أصلها للعجم. ٥٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، نا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ الْمُسْتَفَاضِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، قَالَ: يَأْجُوجُ أُمَّةٌ، وَمَأْجُوجُ أُمَّةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أَرْبَعُ مِائَةِ أُمَّةٍ، لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ، حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَلْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ صُلْبِهِ، كُلٌّ قَدْ حَمَلَ السِّلاحَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: هُمْ ثَلاثُ أَصْنَافٍ، صِنْفٌ مِنْهُمْ أَمْثَالُ الأَرُزِّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الأَرُزُّ؟ قَالَ: شَجَرٌ بِالشَّامِ، طُولُ الشَّجَرَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ فِي السَّمَاءِ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ طُولُهُ وَعَرْضُهُ سَوَاءٌ؛ عِشْرُونَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَقُومُ لَهُمْ جَبَلٌ، وَلا حَدِيدٌ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ يَفْتَرِشُ أَحَدُهُمْ أُذُنَهُ وَيَلْتَحِفُ بِالأُخْرَى، وَلا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ وَلا وَحْشٍ وَلا جَمَلٍ وَلا خِنْزِيرٍ إِلا أَكَلُوهُ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أَكَلُوهُ، مُقَدَّمِتَهُمْ بِالشَّامِ، وَسَاقَتُهُمْ بِخُرَاسَانَ، يَشْرَبُونَ أَنْهَارَ الْمَشْرِقِ، وَبُحَيرة طَبَرِيَّةَ وروي عن علي رضي الله عنه، أنه قال: منهم من طوله شبر، ومنهم من طوله مفرط فِي الطول، ولهم مخالب فِي الأظفار من أيدينا، وأنياب كأنياب السباع، ولهم هلب من الشعر فِي أجسادهم، يواريهم من الحر والبرد. وقال وهب: هم من ولد يافث بن نوح أبو الترك. وقال السدي: الترك سرية من يأجوج ومأجوج، خرجت تغير، فجاء ذو القرنين، فضرب السد فبقيت خارجه. وقال قتادة: إن ذو القرنين بنى السد على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السد، فهم الترك. وقال كعب: هم نادرة فِي ولد آدم، وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم. وقال ابن عباس رضي الله عنه فِي رواية عطاء: هم عشرة أجزاء، وولد آدم كلهم جزء. قوله: مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ [الكهف: ٩٤] قال قتادة: هما حيان حياة سوء، كانا أهل بغي وظلم على من جاورهما. وقال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء الذين شكوهم إلى ذي القرنين أيام الربيع، فلا يدعون فِيها شيئا أخضر إلا أكلوه. فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا [الكهف: ٩٤] وقرئ خراجا قال ابن عباس: يريد جعلا. قال الليث: الخرج والخراج واحد، وهو شيء يخرجه القوم من مالهم بقدر معلوم. والمعنى: هل نخرج إليك من أموالنا شيئا كالجعل لك؟ عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا {٩٤ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [الكهف: ٩٤-٩٥] قراءة العامة بنون واحدة مشددة، فأدغموا الأولى فِي الثانية لاجتماعهما كقوله: لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ [يوسف: ١١] وقرأ ابن كثير بنونين من غير ادغام، لأنهما من كلمتين، والنون الثانية غير لازمة، لأنك تقول: مكنتك، والمعنى أن ذا القرنين قال: ما مكني الله فِيهِ من الاتساع فِي الدنيا، خير من خرجكم الذي تبذلونه لي، قال ابن عباس: يريد ما أعطاني وملكني أفضل من عطيتكم. وقوله: فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ [الكهف: ٩٥] قال: يريد بقوة الأبدان. قال الزجاج: بعمل تعملونه معي. أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا [الكهف: ٩٥] سدا وحاجزا، والردم سد الباب والثلمة. آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] قال ابن عباس: احملوها إليّ. وقال الفراء: معناه إيتوني بها، فلما ألقيت الياء زيدت ألف. زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] قطعة واحدتها زبرة، قال ابن عباس: وهي قطع على قدر الحجارة التي يبنى بها. ومعنى الآية أنه يأمرهم أن ينقلوا إليه زبر الحديد ليعمل بها الردم فِي وجوه يأجوج ومأجوج، فأتوه بها، فبناه، حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ [الكهف: ٩٦] سوى بينهما بأن وضع بعضها على بعض، والصدفان جانبا الجبل، قال الأزهري: يقال لجانبي الجبل صدفان إذا تحاذيا لتصادفهما، أي تلاقيهما. وقرئ الصدفين بفتح الصاد والدال، والصُدْفين بضم الصاد وسكون الدال، وكلها لغات فِي هذه الكلمة فاشية، وقوله: قَالَ انْفُخُوا [الكهف: ٩٦] قال ابن عباس: على زبر الحديد بالكير. حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا [الكهف: ٩٦] حتى إذا صارت النار، والحديد إذا حمي بالفحم والمنافخ، صار كالنار، قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا [الكهف: ٩٦] قال المفسرون: أذاب النحاس، ثم أفرغه على زبر الحديد، فاختلط، ولصق بعضه ببعض، حتى صار جبلا صلدا من حديد والنحاس. قال قتادة: هو كالبرد الحبير: طريقة سوداء، وطريقة حمراء. والقطر النحاس الذائب، والإفراغ الصب، ومنه قوله تعالى: أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا [البقرة: ٢٥٠]. قوله: فَمَا اسْطَاعُوا [الكهف: ٩٧] أصله استطاعوا، فلما اجتمع المتقاربان، وهما التاء والطاء، أحبوا التخفيف بالحذف، قال ابن السكيت: يقال: ما استطيع، وما أسطيع، وما استتيع، وما استيع أربع لغات. وقرأ حمزة فما اسطاعوا مشددة الطاء، أدغم تاء الافتعال فِي الطاء، وقوله: أَنْ يَظْهَرُوهُ [الكهف: ٩٧] أي: يصعدوه ويعلوه، يقال: ظهرت السطح إذا صرت فوقه. وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف: ٩٧] يقال: نقبت الحائط إذا خرقت فِيهِ خرقا يخلص إلى ما وراءه. قال الزجاج: ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وانملاسه، وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله، لشدته وصلابته. ٥٧٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، فِي كِتَابِهِ، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا أَبُو زَيْدٍ الْخَالِدِيُّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ؛ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيُعِيدُهُ اللَّهُ، تَعَالَى، كَمَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ، حَفَرُوا حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ؛ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاسْتَثْنَى، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ، حِينَ تَرَكُوهُ بِالأَمْسِ، فَيَحْفِرُونَهُ فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ، فَيُنَشِّفُونَ الْمِيَاهَ، وَتَتَحَصَّنُ النَّاسَ فِي حُصُونِهِمْ مِنْهُمْ فَيَرْمُونَ سِهَامَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَرْجِعُ وَفِيهَا كَهَيْئَةِ الدِّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: قَدْ قَهَرْنَا أَهْلَ الأَرْضِ وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَهْلِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ دَوَابَّ الأَرْضِ لَتُسَمَّنُ، وَتَشْكُرُ مِنْ لُحُومِهِمْ شُكْرًا، وَلَمَّا فَرَغَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ بِنَائِهِ قَالَ هَذَا أَيْ: هَذَا التَّمْكِينُ الَّذِي أَدْرَكْتُ بِهِ السَّدَّ رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي [الكهف: ٩٨] قال ابن عباس: معونة من ربي، حيث ألهمني وقواني، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي [الكهف: ٩٨] يعني: القيامة، وقال الكلبي: أجل ربي أن يخرجوا منه. جعله دكا أي: دكه دكا، ومن قرأه دكاء كان التقدير: جعله مثل دكاء، وهي الناقة التي لا سنام لها، وتقدم الكلام فِي هذا فِي [الأعراف،] وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا [سورة الكهف: ٩٨] يعني بالثواب والعقاب فِي القيامة، وقال الكلبي: وكان أجل ربي بخروجهم حقا كائنا.

الكهف 18:93

قوله: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا {٩٢ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا ٩٣ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ٩٤ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ٩٥ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ٩٦ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ٩٧ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ٩٨ } [الكهف: ٩٢-٩٨] ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٨٩] إخبار عن ذي القرنين أنه سلك طريقا يوصله إلى المشرق. حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا [الكهف: ٩٠] قال الحسن، وقتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، لأنهم كانوا فِي مكان لا يستقر عليه البناء. وقال الكلبي: كانوا حفاة عراة، يفرش أحدهم أذنه، ويلبس الأخرى. وقوله: كَذَلِكَ أي: وجد قوما كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس، وأن حكمهم حكم أولئك، وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا [الكهف: ٩١] علمنا ما كان عنده من الجيوش والعدة. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٩٢] ثالثا مما يبلغه قطرا من أقطار الأرض. وهو قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السّدينِ وقرئ بفتح السين، قال ابن الأعرابي: كل ما قبلك فسد ما وراءه فهو سد وسد، نحو الضعف والضعف، والفقر والفقر. قال ابن عباس: وهما جبلان، سد ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن سواهم. وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا [الكهف: ٩٣] يعني: أمام السدين، قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا [الكهف: ٩٣] لا يعلمونه، لأنهم لا يعرفون غير لغتهم، وقرئ بضم الياء، والمعنى: لا يكادون يفقهون أحدا قولا، فحذف أحد المفعولين، قال ابن عباس: لا يفهمون كلام أحد، ولا يفهم الناس كلامهم. قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ [الكهف: ٩٤] أكثر أهل العلم على أن هذين اسمان أعجميان، مثل: طالوت وجالوت، وهاروت وماروت، لا ينصرفان للتعريف والعجمة، والقراءة فِيهمَا بترك الهمز وقرأ عاصم بالهمز، قال الليث: الهمز لغة رديئة. وقال ابن الأنباري: وجه همزه، وإن لم يعرف له أصل، أن العرب قد همزت حروفا لا يعرف للهمز فِيها أصل، مثل: لبأت ورثأت، واسنشأت الريح، وإذا كان هذا معروفا فِي أبنية العرب، كان مقبولا فِي الألفاظ التي أصلها للعجم. ٥٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، نا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ الْمُسْتَفَاضِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، قَالَ: يَأْجُوجُ أُمَّةٌ، وَمَأْجُوجُ أُمَّةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أَرْبَعُ مِائَةِ أُمَّةٍ، لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ، حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَلْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ صُلْبِهِ، كُلٌّ قَدْ حَمَلَ السِّلاحَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: هُمْ ثَلاثُ أَصْنَافٍ، صِنْفٌ مِنْهُمْ أَمْثَالُ الأَرُزِّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الأَرُزُّ؟ قَالَ: شَجَرٌ بِالشَّامِ، طُولُ الشَّجَرَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ فِي السَّمَاءِ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ طُولُهُ وَعَرْضُهُ سَوَاءٌ؛ عِشْرُونَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَقُومُ لَهُمْ جَبَلٌ، وَلا حَدِيدٌ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ يَفْتَرِشُ أَحَدُهُمْ أُذُنَهُ وَيَلْتَحِفُ بِالأُخْرَى، وَلا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ وَلا وَحْشٍ وَلا جَمَلٍ وَلا خِنْزِيرٍ إِلا أَكَلُوهُ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أَكَلُوهُ، مُقَدَّمِتَهُمْ بِالشَّامِ، وَسَاقَتُهُمْ بِخُرَاسَانَ، يَشْرَبُونَ أَنْهَارَ الْمَشْرِقِ، وَبُحَيرة طَبَرِيَّةَ وروي عن علي رضي الله عنه، أنه قال: منهم من طوله شبر، ومنهم من طوله مفرط فِي الطول، ولهم مخالب فِي الأظفار من أيدينا، وأنياب كأنياب السباع، ولهم هلب من الشعر فِي أجسادهم، يواريهم من الحر والبرد. وقال وهب: هم من ولد يافث بن نوح أبو الترك. وقال السدي: الترك سرية من يأجوج ومأجوج، خرجت تغير، فجاء ذو القرنين، فضرب السد فبقيت خارجه. وقال قتادة: إن ذو القرنين بنى السد على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السد، فهم الترك. وقال كعب: هم نادرة فِي ولد آدم، وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم. وقال ابن عباس رضي الله عنه فِي رواية عطاء: هم عشرة أجزاء، وولد آدم كلهم جزء. قوله: مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ [الكهف: ٩٤] قال قتادة: هما حيان حياة سوء، كانا أهل بغي وظلم على من جاورهما. وقال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء الذين شكوهم إلى ذي القرنين أيام الربيع، فلا يدعون فِيها شيئا أخضر إلا أكلوه. فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا [الكهف: ٩٤] وقرئ خراجا قال ابن عباس: يريد جعلا. قال الليث: الخرج والخراج واحد، وهو شيء يخرجه القوم من مالهم بقدر معلوم. والمعنى: هل نخرج إليك من أموالنا شيئا كالجعل لك؟ عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا {٩٤ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [الكهف: ٩٤-٩٥] قراءة العامة بنون واحدة مشددة، فأدغموا الأولى فِي الثانية لاجتماعهما كقوله: لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ [يوسف: ١١] وقرأ ابن كثير بنونين من غير ادغام، لأنهما من كلمتين، والنون الثانية غير لازمة، لأنك تقول: مكنتك، والمعنى أن ذا القرنين قال: ما مكني الله فِيهِ من الاتساع فِي الدنيا، خير من خرجكم الذي تبذلونه لي، قال ابن عباس: يريد ما أعطاني وملكني أفضل من عطيتكم. وقوله: فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ [الكهف: ٩٥] قال: يريد بقوة الأبدان. قال الزجاج: بعمل تعملونه معي. أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا [الكهف: ٩٥] سدا وحاجزا، والردم سد الباب والثلمة. آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] قال ابن عباس: احملوها إليّ. وقال الفراء: معناه إيتوني بها، فلما ألقيت الياء زيدت ألف. زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] قطعة واحدتها زبرة، قال ابن عباس: وهي قطع على قدر الحجارة التي يبنى بها. ومعنى الآية أنه يأمرهم أن ينقلوا إليه زبر الحديد ليعمل بها الردم فِي وجوه يأجوج ومأجوج، فأتوه بها، فبناه، حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ [الكهف: ٩٦] سوى بينهما بأن وضع بعضها على بعض، والصدفان جانبا الجبل، قال الأزهري: يقال لجانبي الجبل صدفان إذا تحاذيا لتصادفهما، أي تلاقيهما. وقرئ الصدفين بفتح الصاد والدال، والصُدْفين بضم الصاد وسكون الدال، وكلها لغات فِي هذه الكلمة فاشية، وقوله: قَالَ انْفُخُوا [الكهف: ٩٦] قال ابن عباس: على زبر الحديد بالكير. حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا [الكهف: ٩٦] حتى إذا صارت النار، والحديد إذا حمي بالفحم والمنافخ، صار كالنار، قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا [الكهف: ٩٦] قال المفسرون: أذاب النحاس، ثم أفرغه على زبر الحديد، فاختلط، ولصق بعضه ببعض، حتى صار جبلا صلدا من حديد والنحاس. قال قتادة: هو كالبرد الحبير: طريقة سوداء، وطريقة حمراء. والقطر النحاس الذائب، والإفراغ الصب، ومنه قوله تعالى: أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا [البقرة: ٢٥٠]. قوله: فَمَا اسْطَاعُوا [الكهف: ٩٧] أصله استطاعوا، فلما اجتمع المتقاربان، وهما التاء والطاء، أحبوا التخفيف بالحذف، قال ابن السكيت: يقال: ما استطيع، وما أسطيع، وما استتيع، وما استيع أربع لغات. وقرأ حمزة فما اسطاعوا مشددة الطاء، أدغم تاء الافتعال فِي الطاء، وقوله: أَنْ يَظْهَرُوهُ [الكهف: ٩٧] أي: يصعدوه ويعلوه، يقال: ظهرت السطح إذا صرت فوقه. وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف: ٩٧] يقال: نقبت الحائط إذا خرقت فِيهِ خرقا يخلص إلى ما وراءه. قال الزجاج: ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وانملاسه، وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله، لشدته وصلابته. ٥٧٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، فِي كِتَابِهِ، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا أَبُو زَيْدٍ الْخَالِدِيُّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ؛ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيُعِيدُهُ اللَّهُ، تَعَالَى، كَمَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ، حَفَرُوا حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ؛ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاسْتَثْنَى، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ، حِينَ تَرَكُوهُ بِالأَمْسِ، فَيَحْفِرُونَهُ فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ، فَيُنَشِّفُونَ الْمِيَاهَ، وَتَتَحَصَّنُ النَّاسَ فِي حُصُونِهِمْ مِنْهُمْ فَيَرْمُونَ سِهَامَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَرْجِعُ وَفِيهَا كَهَيْئَةِ الدِّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: قَدْ قَهَرْنَا أَهْلَ الأَرْضِ وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَهْلِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ دَوَابَّ الأَرْضِ لَتُسَمَّنُ، وَتَشْكُرُ مِنْ لُحُومِهِمْ شُكْرًا، وَلَمَّا فَرَغَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ بِنَائِهِ قَالَ هَذَا أَيْ: هَذَا التَّمْكِينُ الَّذِي أَدْرَكْتُ بِهِ السَّدَّ رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي [الكهف: ٩٨] قال ابن عباس: معونة من ربي، حيث ألهمني وقواني، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي [الكهف: ٩٨] يعني: القيامة، وقال الكلبي: أجل ربي أن يخرجوا منه. جعله دكا أي: دكه دكا، ومن قرأه دكاء كان التقدير: جعله مثل دكاء، وهي الناقة التي لا سنام لها، وتقدم الكلام فِي هذا فِي [الأعراف،] وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا [سورة الكهف: ٩٨] يعني بالثواب والعقاب فِي القيامة، وقال الكلبي: وكان أجل ربي بخروجهم حقا كائنا.

الكهف 18:94

قوله: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا {٩٢ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا ٩٣ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ٩٤ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ٩٥ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ٩٦ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ٩٧ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ٩٨ } [الكهف: ٩٢-٩٨] ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٨٩] إخبار عن ذي القرنين أنه سلك طريقا يوصله إلى المشرق. حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا [الكهف: ٩٠] قال الحسن، وقتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، لأنهم كانوا فِي مكان لا يستقر عليه البناء. وقال الكلبي: كانوا حفاة عراة، يفرش أحدهم أذنه، ويلبس الأخرى. وقوله: كَذَلِكَ أي: وجد قوما كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس، وأن حكمهم حكم أولئك، وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا [الكهف: ٩١] علمنا ما كان عنده من الجيوش والعدة. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٩٢] ثالثا مما يبلغه قطرا من أقطار الأرض. وهو قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السّدينِ وقرئ بفتح السين، قال ابن الأعرابي: كل ما قبلك فسد ما وراءه فهو سد وسد، نحو الضعف والضعف، والفقر والفقر. قال ابن عباس: وهما جبلان، سد ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن سواهم. وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا [الكهف: ٩٣] يعني: أمام السدين، قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا [الكهف: ٩٣] لا يعلمونه، لأنهم لا يعرفون غير لغتهم، وقرئ بضم الياء، والمعنى: لا يكادون يفقهون أحدا قولا، فحذف أحد المفعولين، قال ابن عباس: لا يفهمون كلام أحد، ولا يفهم الناس كلامهم. قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ [الكهف: ٩٤] أكثر أهل العلم على أن هذين اسمان أعجميان، مثل: طالوت وجالوت، وهاروت وماروت، لا ينصرفان للتعريف والعجمة، والقراءة فِيهمَا بترك الهمز وقرأ عاصم بالهمز، قال الليث: الهمز لغة رديئة. وقال ابن الأنباري: وجه همزه، وإن لم يعرف له أصل، أن العرب قد همزت حروفا لا يعرف للهمز فِيها أصل، مثل: لبأت ورثأت، واسنشأت الريح، وإذا كان هذا معروفا فِي أبنية العرب، كان مقبولا فِي الألفاظ التي أصلها للعجم. ٥٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، نا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ الْمُسْتَفَاضِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، قَالَ: يَأْجُوجُ أُمَّةٌ، وَمَأْجُوجُ أُمَّةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أَرْبَعُ مِائَةِ أُمَّةٍ، لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ، حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَلْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ صُلْبِهِ، كُلٌّ قَدْ حَمَلَ السِّلاحَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: هُمْ ثَلاثُ أَصْنَافٍ، صِنْفٌ مِنْهُمْ أَمْثَالُ الأَرُزِّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الأَرُزُّ؟ قَالَ: شَجَرٌ بِالشَّامِ، طُولُ الشَّجَرَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ فِي السَّمَاءِ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ طُولُهُ وَعَرْضُهُ سَوَاءٌ؛ عِشْرُونَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَقُومُ لَهُمْ جَبَلٌ، وَلا حَدِيدٌ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ يَفْتَرِشُ أَحَدُهُمْ أُذُنَهُ وَيَلْتَحِفُ بِالأُخْرَى، وَلا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ وَلا وَحْشٍ وَلا جَمَلٍ وَلا خِنْزِيرٍ إِلا أَكَلُوهُ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أَكَلُوهُ، مُقَدَّمِتَهُمْ بِالشَّامِ، وَسَاقَتُهُمْ بِخُرَاسَانَ، يَشْرَبُونَ أَنْهَارَ الْمَشْرِقِ، وَبُحَيرة طَبَرِيَّةَ وروي عن علي رضي الله عنه، أنه قال: منهم من طوله شبر، ومنهم من طوله مفرط فِي الطول، ولهم مخالب فِي الأظفار من أيدينا، وأنياب كأنياب السباع، ولهم هلب من الشعر فِي أجسادهم، يواريهم من الحر والبرد. وقال وهب: هم من ولد يافث بن نوح أبو الترك. وقال السدي: الترك سرية من يأجوج ومأجوج، خرجت تغير، فجاء ذو القرنين، فضرب السد فبقيت خارجه. وقال قتادة: إن ذو القرنين بنى السد على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السد، فهم الترك. وقال كعب: هم نادرة فِي ولد آدم، وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم. وقال ابن عباس رضي الله عنه فِي رواية عطاء: هم عشرة أجزاء، وولد آدم كلهم جزء. قوله: مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ [الكهف: ٩٤] قال قتادة: هما حيان حياة سوء، كانا أهل بغي وظلم على من جاورهما. وقال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء الذين شكوهم إلى ذي القرنين أيام الربيع، فلا يدعون فِيها شيئا أخضر إلا أكلوه. فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا [الكهف: ٩٤] وقرئ خراجا قال ابن عباس: يريد جعلا. قال الليث: الخرج والخراج واحد، وهو شيء يخرجه القوم من مالهم بقدر معلوم. والمعنى: هل نخرج إليك من أموالنا شيئا كالجعل لك؟ عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا {٩٤ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [الكهف: ٩٤-٩٥] قراءة العامة بنون واحدة مشددة، فأدغموا الأولى فِي الثانية لاجتماعهما كقوله: لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ [يوسف: ١١] وقرأ ابن كثير بنونين من غير ادغام، لأنهما من كلمتين، والنون الثانية غير لازمة، لأنك تقول: مكنتك، والمعنى أن ذا القرنين قال: ما مكني الله فِيهِ من الاتساع فِي الدنيا، خير من خرجكم الذي تبذلونه لي، قال ابن عباس: يريد ما أعطاني وملكني أفضل من عطيتكم. وقوله: فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ [الكهف: ٩٥] قال: يريد بقوة الأبدان. قال الزجاج: بعمل تعملونه معي. أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا [الكهف: ٩٥] سدا وحاجزا، والردم سد الباب والثلمة. آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] قال ابن عباس: احملوها إليّ. وقال الفراء: معناه إيتوني بها، فلما ألقيت الياء زيدت ألف. زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] قطعة واحدتها زبرة، قال ابن عباس: وهي قطع على قدر الحجارة التي يبنى بها. ومعنى الآية أنه يأمرهم أن ينقلوا إليه زبر الحديد ليعمل بها الردم فِي وجوه يأجوج ومأجوج، فأتوه بها، فبناه، حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ [الكهف: ٩٦] سوى بينهما بأن وضع بعضها على بعض، والصدفان جانبا الجبل، قال الأزهري: يقال لجانبي الجبل صدفان إذا تحاذيا لتصادفهما، أي تلاقيهما. وقرئ الصدفين بفتح الصاد والدال، والصُدْفين بضم الصاد وسكون الدال، وكلها لغات فِي هذه الكلمة فاشية، وقوله: قَالَ انْفُخُوا [الكهف: ٩٦] قال ابن عباس: على زبر الحديد بالكير. حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا [الكهف: ٩٦] حتى إذا صارت النار، والحديد إذا حمي بالفحم والمنافخ، صار كالنار، قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا [الكهف: ٩٦] قال المفسرون: أذاب النحاس، ثم أفرغه على زبر الحديد، فاختلط، ولصق بعضه ببعض، حتى صار جبلا صلدا من حديد والنحاس. قال قتادة: هو كالبرد الحبير: طريقة سوداء، وطريقة حمراء. والقطر النحاس الذائب، والإفراغ الصب، ومنه قوله تعالى: أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا [البقرة: ٢٥٠]. قوله: فَمَا اسْطَاعُوا [الكهف: ٩٧] أصله استطاعوا، فلما اجتمع المتقاربان، وهما التاء والطاء، أحبوا التخفيف بالحذف، قال ابن السكيت: يقال: ما استطيع، وما أسطيع، وما استتيع، وما استيع أربع لغات. وقرأ حمزة فما اسطاعوا مشددة الطاء، أدغم تاء الافتعال فِي الطاء، وقوله: أَنْ يَظْهَرُوهُ [الكهف: ٩٧] أي: يصعدوه ويعلوه، يقال: ظهرت السطح إذا صرت فوقه. وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف: ٩٧] يقال: نقبت الحائط إذا خرقت فِيهِ خرقا يخلص إلى ما وراءه. قال الزجاج: ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وانملاسه، وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله، لشدته وصلابته. ٥٧٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، فِي كِتَابِهِ، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا أَبُو زَيْدٍ الْخَالِدِيُّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ؛ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيُعِيدُهُ اللَّهُ، تَعَالَى، كَمَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ، حَفَرُوا حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ؛ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاسْتَثْنَى، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ، حِينَ تَرَكُوهُ بِالأَمْسِ، فَيَحْفِرُونَهُ فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ، فَيُنَشِّفُونَ الْمِيَاهَ، وَتَتَحَصَّنُ النَّاسَ فِي حُصُونِهِمْ مِنْهُمْ فَيَرْمُونَ سِهَامَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَرْجِعُ وَفِيهَا كَهَيْئَةِ الدِّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: قَدْ قَهَرْنَا أَهْلَ الأَرْضِ وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَهْلِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ دَوَابَّ الأَرْضِ لَتُسَمَّنُ، وَتَشْكُرُ مِنْ لُحُومِهِمْ شُكْرًا، وَلَمَّا فَرَغَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ بِنَائِهِ قَالَ هَذَا أَيْ: هَذَا التَّمْكِينُ الَّذِي أَدْرَكْتُ بِهِ السَّدَّ رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي [الكهف: ٩٨] قال ابن عباس: معونة من ربي، حيث ألهمني وقواني، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي [الكهف: ٩٨] يعني: القيامة، وقال الكلبي: أجل ربي أن يخرجوا منه. جعله دكا أي: دكه دكا، ومن قرأه دكاء كان التقدير: جعله مثل دكاء، وهي الناقة التي لا سنام لها، وتقدم الكلام فِي هذا فِي [الأعراف،] وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا [سورة الكهف: ٩٨] يعني بالثواب والعقاب فِي القيامة، وقال الكلبي: وكان أجل ربي بخروجهم حقا كائنا.

الكهف 18:95

قوله: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا {٩٢ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا ٩٣ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ٩٤ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ٩٥ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ٩٦ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ٩٧ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ٩٨ } [الكهف: ٩٢-٩٨] ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٨٩] إخبار عن ذي القرنين أنه سلك طريقا يوصله إلى المشرق. حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا [الكهف: ٩٠] قال الحسن، وقتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، لأنهم كانوا فِي مكان لا يستقر عليه البناء. وقال الكلبي: كانوا حفاة عراة، يفرش أحدهم أذنه، ويلبس الأخرى. وقوله: كَذَلِكَ أي: وجد قوما كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس، وأن حكمهم حكم أولئك، وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا [الكهف: ٩١] علمنا ما كان عنده من الجيوش والعدة. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٩٢] ثالثا مما يبلغه قطرا من أقطار الأرض. وهو قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السّدينِ وقرئ بفتح السين، قال ابن الأعرابي: كل ما قبلك فسد ما وراءه فهو سد وسد، نحو الضعف والضعف، والفقر والفقر. قال ابن عباس: وهما جبلان، سد ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن سواهم. وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا [الكهف: ٩٣] يعني: أمام السدين، قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا [الكهف: ٩٣] لا يعلمونه، لأنهم لا يعرفون غير لغتهم، وقرئ بضم الياء، والمعنى: لا يكادون يفقهون أحدا قولا، فحذف أحد المفعولين، قال ابن عباس: لا يفهمون كلام أحد، ولا يفهم الناس كلامهم. قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ [الكهف: ٩٤] أكثر أهل العلم على أن هذين اسمان أعجميان، مثل: طالوت وجالوت، وهاروت وماروت، لا ينصرفان للتعريف والعجمة، والقراءة فِيهمَا بترك الهمز وقرأ عاصم بالهمز، قال الليث: الهمز لغة رديئة. وقال ابن الأنباري: وجه همزه، وإن لم يعرف له أصل، أن العرب قد همزت حروفا لا يعرف للهمز فِيها أصل، مثل: لبأت ورثأت، واسنشأت الريح، وإذا كان هذا معروفا فِي أبنية العرب، كان مقبولا فِي الألفاظ التي أصلها للعجم. ٥٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، نا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ الْمُسْتَفَاضِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، قَالَ: يَأْجُوجُ أُمَّةٌ، وَمَأْجُوجُ أُمَّةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أَرْبَعُ مِائَةِ أُمَّةٍ، لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ، حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَلْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ صُلْبِهِ، كُلٌّ قَدْ حَمَلَ السِّلاحَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: هُمْ ثَلاثُ أَصْنَافٍ، صِنْفٌ مِنْهُمْ أَمْثَالُ الأَرُزِّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الأَرُزُّ؟ قَالَ: شَجَرٌ بِالشَّامِ، طُولُ الشَّجَرَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ فِي السَّمَاءِ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ طُولُهُ وَعَرْضُهُ سَوَاءٌ؛ عِشْرُونَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَقُومُ لَهُمْ جَبَلٌ، وَلا حَدِيدٌ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ يَفْتَرِشُ أَحَدُهُمْ أُذُنَهُ وَيَلْتَحِفُ بِالأُخْرَى، وَلا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ وَلا وَحْشٍ وَلا جَمَلٍ وَلا خِنْزِيرٍ إِلا أَكَلُوهُ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أَكَلُوهُ، مُقَدَّمِتَهُمْ بِالشَّامِ، وَسَاقَتُهُمْ بِخُرَاسَانَ، يَشْرَبُونَ أَنْهَارَ الْمَشْرِقِ، وَبُحَيرة طَبَرِيَّةَ وروي عن علي رضي الله عنه، أنه قال: منهم من طوله شبر، ومنهم من طوله مفرط فِي الطول، ولهم مخالب فِي الأظفار من أيدينا، وأنياب كأنياب السباع، ولهم هلب من الشعر فِي أجسادهم، يواريهم من الحر والبرد. وقال وهب: هم من ولد يافث بن نوح أبو الترك. وقال السدي: الترك سرية من يأجوج ومأجوج، خرجت تغير، فجاء ذو القرنين، فضرب السد فبقيت خارجه. وقال قتادة: إن ذو القرنين بنى السد على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السد، فهم الترك. وقال كعب: هم نادرة فِي ولد آدم، وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم. وقال ابن عباس رضي الله عنه فِي رواية عطاء: هم عشرة أجزاء، وولد آدم كلهم جزء. قوله: مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ [الكهف: ٩٤] قال قتادة: هما حيان حياة سوء، كانا أهل بغي وظلم على من جاورهما. وقال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء الذين شكوهم إلى ذي القرنين أيام الربيع، فلا يدعون فِيها شيئا أخضر إلا أكلوه. فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا [الكهف: ٩٤] وقرئ خراجا قال ابن عباس: يريد جعلا. قال الليث: الخرج والخراج واحد، وهو شيء يخرجه القوم من مالهم بقدر معلوم. والمعنى: هل نخرج إليك من أموالنا شيئا كالجعل لك؟ عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا {٩٤ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [الكهف: ٩٤-٩٥] قراءة العامة بنون واحدة مشددة، فأدغموا الأولى فِي الثانية لاجتماعهما كقوله: لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ [يوسف: ١١] وقرأ ابن كثير بنونين من غير ادغام، لأنهما من كلمتين، والنون الثانية غير لازمة، لأنك تقول: مكنتك، والمعنى أن ذا القرنين قال: ما مكني الله فِيهِ من الاتساع فِي الدنيا، خير من خرجكم الذي تبذلونه لي، قال ابن عباس: يريد ما أعطاني وملكني أفضل من عطيتكم. وقوله: فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ [الكهف: ٩٥] قال: يريد بقوة الأبدان. قال الزجاج: بعمل تعملونه معي. أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا [الكهف: ٩٥] سدا وحاجزا، والردم سد الباب والثلمة. آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] قال ابن عباس: احملوها إليّ. وقال الفراء: معناه إيتوني بها، فلما ألقيت الياء زيدت ألف. زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] قطعة واحدتها زبرة، قال ابن عباس: وهي قطع على قدر الحجارة التي يبنى بها. ومعنى الآية أنه يأمرهم أن ينقلوا إليه زبر الحديد ليعمل بها الردم فِي وجوه يأجوج ومأجوج، فأتوه بها، فبناه، حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ [الكهف: ٩٦] سوى بينهما بأن وضع بعضها على بعض، والصدفان جانبا الجبل، قال الأزهري: يقال لجانبي الجبل صدفان إذا تحاذيا لتصادفهما، أي تلاقيهما. وقرئ الصدفين بفتح الصاد والدال، والصُدْفين بضم الصاد وسكون الدال، وكلها لغات فِي هذه الكلمة فاشية، وقوله: قَالَ انْفُخُوا [الكهف: ٩٦] قال ابن عباس: على زبر الحديد بالكير. حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا [الكهف: ٩٦] حتى إذا صارت النار، والحديد إذا حمي بالفحم والمنافخ، صار كالنار، قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا [الكهف: ٩٦] قال المفسرون: أذاب النحاس، ثم أفرغه على زبر الحديد، فاختلط، ولصق بعضه ببعض، حتى صار جبلا صلدا من حديد والنحاس. قال قتادة: هو كالبرد الحبير: طريقة سوداء، وطريقة حمراء. والقطر النحاس الذائب، والإفراغ الصب، ومنه قوله تعالى: أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا [البقرة: ٢٥٠]. قوله: فَمَا اسْطَاعُوا [الكهف: ٩٧] أصله استطاعوا، فلما اجتمع المتقاربان، وهما التاء والطاء، أحبوا التخفيف بالحذف، قال ابن السكيت: يقال: ما استطيع، وما أسطيع، وما استتيع، وما استيع أربع لغات. وقرأ حمزة فما اسطاعوا مشددة الطاء، أدغم تاء الافتعال فِي الطاء، وقوله: أَنْ يَظْهَرُوهُ [الكهف: ٩٧] أي: يصعدوه ويعلوه، يقال: ظهرت السطح إذا صرت فوقه. وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف: ٩٧] يقال: نقبت الحائط إذا خرقت فِيهِ خرقا يخلص إلى ما وراءه. قال الزجاج: ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وانملاسه، وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله، لشدته وصلابته. ٥٧٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، فِي كِتَابِهِ، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا أَبُو زَيْدٍ الْخَالِدِيُّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ؛ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيُعِيدُهُ اللَّهُ، تَعَالَى، كَمَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ، حَفَرُوا حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ؛ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاسْتَثْنَى، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ، حِينَ تَرَكُوهُ بِالأَمْسِ، فَيَحْفِرُونَهُ فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ، فَيُنَشِّفُونَ الْمِيَاهَ، وَتَتَحَصَّنُ النَّاسَ فِي حُصُونِهِمْ مِنْهُمْ فَيَرْمُونَ سِهَامَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَرْجِعُ وَفِيهَا كَهَيْئَةِ الدِّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: قَدْ قَهَرْنَا أَهْلَ الأَرْضِ وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَهْلِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ دَوَابَّ الأَرْضِ لَتُسَمَّنُ، وَتَشْكُرُ مِنْ لُحُومِهِمْ شُكْرًا، وَلَمَّا فَرَغَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ بِنَائِهِ قَالَ هَذَا أَيْ: هَذَا التَّمْكِينُ الَّذِي أَدْرَكْتُ بِهِ السَّدَّ رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي [الكهف: ٩٨] قال ابن عباس: معونة من ربي، حيث ألهمني وقواني، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي [الكهف: ٩٨] يعني: القيامة، وقال الكلبي: أجل ربي أن يخرجوا منه. جعله دكا أي: دكه دكا، ومن قرأه دكاء كان التقدير: جعله مثل دكاء، وهي الناقة التي لا سنام لها، وتقدم الكلام فِي هذا فِي [الأعراف،] وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا [سورة الكهف: ٩٨] يعني بالثواب والعقاب فِي القيامة، وقال الكلبي: وكان أجل ربي بخروجهم حقا كائنا.

الكهف 18:96

قوله: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا {٩٢ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا ٩٣ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ٩٤ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ٩٥ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ٩٦ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ٩٧ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ٩٨ } [الكهف: ٩٢-٩٨] ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٨٩] إخبار عن ذي القرنين أنه سلك طريقا يوصله إلى المشرق. حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا [الكهف: ٩٠] قال الحسن، وقتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، لأنهم كانوا فِي مكان لا يستقر عليه البناء. وقال الكلبي: كانوا حفاة عراة، يفرش أحدهم أذنه، ويلبس الأخرى. وقوله: كَذَلِكَ أي: وجد قوما كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس، وأن حكمهم حكم أولئك، وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا [الكهف: ٩١] علمنا ما كان عنده من الجيوش والعدة. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٩٢] ثالثا مما يبلغه قطرا من أقطار الأرض. وهو قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السّدينِ وقرئ بفتح السين، قال ابن الأعرابي: كل ما قبلك فسد ما وراءه فهو سد وسد، نحو الضعف والضعف، والفقر والفقر. قال ابن عباس: وهما جبلان، سد ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن سواهم. وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا [الكهف: ٩٣] يعني: أمام السدين، قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا [الكهف: ٩٣] لا يعلمونه، لأنهم لا يعرفون غير لغتهم، وقرئ بضم الياء، والمعنى: لا يكادون يفقهون أحدا قولا، فحذف أحد المفعولين، قال ابن عباس: لا يفهمون كلام أحد، ولا يفهم الناس كلامهم. قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ [الكهف: ٩٤] أكثر أهل العلم على أن هذين اسمان أعجميان، مثل: طالوت وجالوت، وهاروت وماروت، لا ينصرفان للتعريف والعجمة، والقراءة فِيهمَا بترك الهمز وقرأ عاصم بالهمز، قال الليث: الهمز لغة رديئة. وقال ابن الأنباري: وجه همزه، وإن لم يعرف له أصل، أن العرب قد همزت حروفا لا يعرف للهمز فِيها أصل، مثل: لبأت ورثأت، واسنشأت الريح، وإذا كان هذا معروفا فِي أبنية العرب، كان مقبولا فِي الألفاظ التي أصلها للعجم. ٥٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، نا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ الْمُسْتَفَاضِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، قَالَ: يَأْجُوجُ أُمَّةٌ، وَمَأْجُوجُ أُمَّةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أَرْبَعُ مِائَةِ أُمَّةٍ، لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ، حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَلْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ صُلْبِهِ، كُلٌّ قَدْ حَمَلَ السِّلاحَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: هُمْ ثَلاثُ أَصْنَافٍ، صِنْفٌ مِنْهُمْ أَمْثَالُ الأَرُزِّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الأَرُزُّ؟ قَالَ: شَجَرٌ بِالشَّامِ، طُولُ الشَّجَرَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ فِي السَّمَاءِ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ طُولُهُ وَعَرْضُهُ سَوَاءٌ؛ عِشْرُونَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَقُومُ لَهُمْ جَبَلٌ، وَلا حَدِيدٌ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ يَفْتَرِشُ أَحَدُهُمْ أُذُنَهُ وَيَلْتَحِفُ بِالأُخْرَى، وَلا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ وَلا وَحْشٍ وَلا جَمَلٍ وَلا خِنْزِيرٍ إِلا أَكَلُوهُ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أَكَلُوهُ، مُقَدَّمِتَهُمْ بِالشَّامِ، وَسَاقَتُهُمْ بِخُرَاسَانَ، يَشْرَبُونَ أَنْهَارَ الْمَشْرِقِ، وَبُحَيرة طَبَرِيَّةَ وروي عن علي رضي الله عنه، أنه قال: منهم من طوله شبر، ومنهم من طوله مفرط فِي الطول، ولهم مخالب فِي الأظفار من أيدينا، وأنياب كأنياب السباع، ولهم هلب من الشعر فِي أجسادهم، يواريهم من الحر والبرد. وقال وهب: هم من ولد يافث بن نوح أبو الترك. وقال السدي: الترك سرية من يأجوج ومأجوج، خرجت تغير، فجاء ذو القرنين، فضرب السد فبقيت خارجه. وقال قتادة: إن ذو القرنين بنى السد على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السد، فهم الترك. وقال كعب: هم نادرة فِي ولد آدم، وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم. وقال ابن عباس رضي الله عنه فِي رواية عطاء: هم عشرة أجزاء، وولد آدم كلهم جزء. قوله: مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ [الكهف: ٩٤] قال قتادة: هما حيان حياة سوء، كانا أهل بغي وظلم على من جاورهما. وقال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء الذين شكوهم إلى ذي القرنين أيام الربيع، فلا يدعون فِيها شيئا أخضر إلا أكلوه. فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا [الكهف: ٩٤] وقرئ خراجا قال ابن عباس: يريد جعلا. قال الليث: الخرج والخراج واحد، وهو شيء يخرجه القوم من مالهم بقدر معلوم. والمعنى: هل نخرج إليك من أموالنا شيئا كالجعل لك؟ عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا {٩٤ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [الكهف: ٩٤-٩٥] قراءة العامة بنون واحدة مشددة، فأدغموا الأولى فِي الثانية لاجتماعهما كقوله: لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ [يوسف: ١١] وقرأ ابن كثير بنونين من غير ادغام، لأنهما من كلمتين، والنون الثانية غير لازمة، لأنك تقول: مكنتك، والمعنى أن ذا القرنين قال: ما مكني الله فِيهِ من الاتساع فِي الدنيا، خير من خرجكم الذي تبذلونه لي، قال ابن عباس: يريد ما أعطاني وملكني أفضل من عطيتكم. وقوله: فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ [الكهف: ٩٥] قال: يريد بقوة الأبدان. قال الزجاج: بعمل تعملونه معي. أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا [الكهف: ٩٥] سدا وحاجزا، والردم سد الباب والثلمة. آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] قال ابن عباس: احملوها إليّ. وقال الفراء: معناه إيتوني بها، فلما ألقيت الياء زيدت ألف. زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] قطعة واحدتها زبرة، قال ابن عباس: وهي قطع على قدر الحجارة التي يبنى بها. ومعنى الآية أنه يأمرهم أن ينقلوا إليه زبر الحديد ليعمل بها الردم فِي وجوه يأجوج ومأجوج، فأتوه بها، فبناه، حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ [الكهف: ٩٦] سوى بينهما بأن وضع بعضها على بعض، والصدفان جانبا الجبل، قال الأزهري: يقال لجانبي الجبل صدفان إذا تحاذيا لتصادفهما، أي تلاقيهما. وقرئ الصدفين بفتح الصاد والدال، والصُدْفين بضم الصاد وسكون الدال، وكلها لغات فِي هذه الكلمة فاشية، وقوله: قَالَ انْفُخُوا [الكهف: ٩٦] قال ابن عباس: على زبر الحديد بالكير. حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا [الكهف: ٩٦] حتى إذا صارت النار، والحديد إذا حمي بالفحم والمنافخ، صار كالنار، قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا [الكهف: ٩٦] قال المفسرون: أذاب النحاس، ثم أفرغه على زبر الحديد، فاختلط، ولصق بعضه ببعض، حتى صار جبلا صلدا من حديد والنحاس. قال قتادة: هو كالبرد الحبير: طريقة سوداء، وطريقة حمراء. والقطر النحاس الذائب، والإفراغ الصب، ومنه قوله تعالى: أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا [البقرة: ٢٥٠]. قوله: فَمَا اسْطَاعُوا [الكهف: ٩٧] أصله استطاعوا، فلما اجتمع المتقاربان، وهما التاء والطاء، أحبوا التخفيف بالحذف، قال ابن السكيت: يقال: ما استطيع، وما أسطيع، وما استتيع، وما استيع أربع لغات. وقرأ حمزة فما اسطاعوا مشددة الطاء، أدغم تاء الافتعال فِي الطاء، وقوله: أَنْ يَظْهَرُوهُ [الكهف: ٩٧] أي: يصعدوه ويعلوه، يقال: ظهرت السطح إذا صرت فوقه. وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف: ٩٧] يقال: نقبت الحائط إذا خرقت فِيهِ خرقا يخلص إلى ما وراءه. قال الزجاج: ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وانملاسه، وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله، لشدته وصلابته. ٥٧٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، فِي كِتَابِهِ، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا أَبُو زَيْدٍ الْخَالِدِيُّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ؛ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيُعِيدُهُ اللَّهُ، تَعَالَى، كَمَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ، حَفَرُوا حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ؛ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاسْتَثْنَى، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ، حِينَ تَرَكُوهُ بِالأَمْسِ، فَيَحْفِرُونَهُ فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ، فَيُنَشِّفُونَ الْمِيَاهَ، وَتَتَحَصَّنُ النَّاسَ فِي حُصُونِهِمْ مِنْهُمْ فَيَرْمُونَ سِهَامَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَرْجِعُ وَفِيهَا كَهَيْئَةِ الدِّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: قَدْ قَهَرْنَا أَهْلَ الأَرْضِ وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَهْلِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ دَوَابَّ الأَرْضِ لَتُسَمَّنُ، وَتَشْكُرُ مِنْ لُحُومِهِمْ شُكْرًا، وَلَمَّا فَرَغَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ بِنَائِهِ قَالَ هَذَا أَيْ: هَذَا التَّمْكِينُ الَّذِي أَدْرَكْتُ بِهِ السَّدَّ رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي [الكهف: ٩٨] قال ابن عباس: معونة من ربي، حيث ألهمني وقواني، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي [الكهف: ٩٨] يعني: القيامة، وقال الكلبي: أجل ربي أن يخرجوا منه. جعله دكا أي: دكه دكا، ومن قرأه دكاء كان التقدير: جعله مثل دكاء، وهي الناقة التي لا سنام لها، وتقدم الكلام فِي هذا فِي [الأعراف،] وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا [سورة الكهف: ٩٨] يعني بالثواب والعقاب فِي القيامة، وقال الكلبي: وكان أجل ربي بخروجهم حقا كائنا.

الكهف 18:97

قوله: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا {٩٢ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا ٩٣ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ٩٤ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ٩٥ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ٩٦ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ٩٧ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ٩٨ } [الكهف: ٩٢-٩٨] ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٨٩] إخبار عن ذي القرنين أنه سلك طريقا يوصله إلى المشرق. حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا [الكهف: ٩٠] قال الحسن، وقتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، لأنهم كانوا فِي مكان لا يستقر عليه البناء. وقال الكلبي: كانوا حفاة عراة، يفرش أحدهم أذنه، ويلبس الأخرى. وقوله: كَذَلِكَ أي: وجد قوما كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس، وأن حكمهم حكم أولئك، وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا [الكهف: ٩١] علمنا ما كان عنده من الجيوش والعدة. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٩٢] ثالثا مما يبلغه قطرا من أقطار الأرض. وهو قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السّدينِ وقرئ بفتح السين، قال ابن الأعرابي: كل ما قبلك فسد ما وراءه فهو سد وسد، نحو الضعف والضعف، والفقر والفقر. قال ابن عباس: وهما جبلان، سد ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن سواهم. وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا [الكهف: ٩٣] يعني: أمام السدين، قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا [الكهف: ٩٣] لا يعلمونه، لأنهم لا يعرفون غير لغتهم، وقرئ بضم الياء، والمعنى: لا يكادون يفقهون أحدا قولا، فحذف أحد المفعولين، قال ابن عباس: لا يفهمون كلام أحد، ولا يفهم الناس كلامهم. قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ [الكهف: ٩٤] أكثر أهل العلم على أن هذين اسمان أعجميان، مثل: طالوت وجالوت، وهاروت وماروت، لا ينصرفان للتعريف والعجمة، والقراءة فِيهمَا بترك الهمز وقرأ عاصم بالهمز، قال الليث: الهمز لغة رديئة. وقال ابن الأنباري: وجه همزه، وإن لم يعرف له أصل، أن العرب قد همزت حروفا لا يعرف للهمز فِيها أصل، مثل: لبأت ورثأت، واسنشأت الريح، وإذا كان هذا معروفا فِي أبنية العرب، كان مقبولا فِي الألفاظ التي أصلها للعجم. ٥٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، نا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ الْمُسْتَفَاضِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، قَالَ: يَأْجُوجُ أُمَّةٌ، وَمَأْجُوجُ أُمَّةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أَرْبَعُ مِائَةِ أُمَّةٍ، لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ، حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَلْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ صُلْبِهِ، كُلٌّ قَدْ حَمَلَ السِّلاحَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: هُمْ ثَلاثُ أَصْنَافٍ، صِنْفٌ مِنْهُمْ أَمْثَالُ الأَرُزِّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الأَرُزُّ؟ قَالَ: شَجَرٌ بِالشَّامِ، طُولُ الشَّجَرَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ فِي السَّمَاءِ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ طُولُهُ وَعَرْضُهُ سَوَاءٌ؛ عِشْرُونَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَقُومُ لَهُمْ جَبَلٌ، وَلا حَدِيدٌ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ يَفْتَرِشُ أَحَدُهُمْ أُذُنَهُ وَيَلْتَحِفُ بِالأُخْرَى، وَلا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ وَلا وَحْشٍ وَلا جَمَلٍ وَلا خِنْزِيرٍ إِلا أَكَلُوهُ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أَكَلُوهُ، مُقَدَّمِتَهُمْ بِالشَّامِ، وَسَاقَتُهُمْ بِخُرَاسَانَ، يَشْرَبُونَ أَنْهَارَ الْمَشْرِقِ، وَبُحَيرة طَبَرِيَّةَ وروي عن علي رضي الله عنه، أنه قال: منهم من طوله شبر، ومنهم من طوله مفرط فِي الطول، ولهم مخالب فِي الأظفار من أيدينا، وأنياب كأنياب السباع، ولهم هلب من الشعر فِي أجسادهم، يواريهم من الحر والبرد. وقال وهب: هم من ولد يافث بن نوح أبو الترك. وقال السدي: الترك سرية من يأجوج ومأجوج، خرجت تغير، فجاء ذو القرنين، فضرب السد فبقيت خارجه. وقال قتادة: إن ذو القرنين بنى السد على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السد، فهم الترك. وقال كعب: هم نادرة فِي ولد آدم، وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم. وقال ابن عباس رضي الله عنه فِي رواية عطاء: هم عشرة أجزاء، وولد آدم كلهم جزء. قوله: مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ [الكهف: ٩٤] قال قتادة: هما حيان حياة سوء، كانا أهل بغي وظلم على من جاورهما. وقال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء الذين شكوهم إلى ذي القرنين أيام الربيع، فلا يدعون فِيها شيئا أخضر إلا أكلوه. فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا [الكهف: ٩٤] وقرئ خراجا قال ابن عباس: يريد جعلا. قال الليث: الخرج والخراج واحد، وهو شيء يخرجه القوم من مالهم بقدر معلوم. والمعنى: هل نخرج إليك من أموالنا شيئا كالجعل لك؟ عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا {٩٤ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [الكهف: ٩٤-٩٥] قراءة العامة بنون واحدة مشددة، فأدغموا الأولى فِي الثانية لاجتماعهما كقوله: لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ [يوسف: ١١] وقرأ ابن كثير بنونين من غير ادغام، لأنهما من كلمتين، والنون الثانية غير لازمة، لأنك تقول: مكنتك، والمعنى أن ذا القرنين قال: ما مكني الله فِيهِ من الاتساع فِي الدنيا، خير من خرجكم الذي تبذلونه لي، قال ابن عباس: يريد ما أعطاني وملكني أفضل من عطيتكم. وقوله: فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ [الكهف: ٩٥] قال: يريد بقوة الأبدان. قال الزجاج: بعمل تعملونه معي. أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا [الكهف: ٩٥] سدا وحاجزا، والردم سد الباب والثلمة. آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] قال ابن عباس: احملوها إليّ. وقال الفراء: معناه إيتوني بها، فلما ألقيت الياء زيدت ألف. زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] قطعة واحدتها زبرة، قال ابن عباس: وهي قطع على قدر الحجارة التي يبنى بها. ومعنى الآية أنه يأمرهم أن ينقلوا إليه زبر الحديد ليعمل بها الردم فِي وجوه يأجوج ومأجوج، فأتوه بها، فبناه، حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ [الكهف: ٩٦] سوى بينهما بأن وضع بعضها على بعض، والصدفان جانبا الجبل، قال الأزهري: يقال لجانبي الجبل صدفان إذا تحاذيا لتصادفهما، أي تلاقيهما. وقرئ الصدفين بفتح الصاد والدال، والصُدْفين بضم الصاد وسكون الدال، وكلها لغات فِي هذه الكلمة فاشية، وقوله: قَالَ انْفُخُوا [الكهف: ٩٦] قال ابن عباس: على زبر الحديد بالكير. حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا [الكهف: ٩٦] حتى إذا صارت النار، والحديد إذا حمي بالفحم والمنافخ، صار كالنار، قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا [الكهف: ٩٦] قال المفسرون: أذاب النحاس، ثم أفرغه على زبر الحديد، فاختلط، ولصق بعضه ببعض، حتى صار جبلا صلدا من حديد والنحاس. قال قتادة: هو كالبرد الحبير: طريقة سوداء، وطريقة حمراء. والقطر النحاس الذائب، والإفراغ الصب، ومنه قوله تعالى: أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا [البقرة: ٢٥٠]. قوله: فَمَا اسْطَاعُوا [الكهف: ٩٧] أصله استطاعوا، فلما اجتمع المتقاربان، وهما التاء والطاء، أحبوا التخفيف بالحذف، قال ابن السكيت: يقال: ما استطيع، وما أسطيع، وما استتيع، وما استيع أربع لغات. وقرأ حمزة فما اسطاعوا مشددة الطاء، أدغم تاء الافتعال فِي الطاء، وقوله: أَنْ يَظْهَرُوهُ [الكهف: ٩٧] أي: يصعدوه ويعلوه، يقال: ظهرت السطح إذا صرت فوقه. وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف: ٩٧] يقال: نقبت الحائط إذا خرقت فِيهِ خرقا يخلص إلى ما وراءه. قال الزجاج: ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وانملاسه، وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله، لشدته وصلابته. ٥٧٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، فِي كِتَابِهِ، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا أَبُو زَيْدٍ الْخَالِدِيُّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ؛ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيُعِيدُهُ اللَّهُ، تَعَالَى، كَمَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ، حَفَرُوا حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ؛ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاسْتَثْنَى، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ، حِينَ تَرَكُوهُ بِالأَمْسِ، فَيَحْفِرُونَهُ فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ، فَيُنَشِّفُونَ الْمِيَاهَ، وَتَتَحَصَّنُ النَّاسَ فِي حُصُونِهِمْ مِنْهُمْ فَيَرْمُونَ سِهَامَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَرْجِعُ وَفِيهَا كَهَيْئَةِ الدِّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: قَدْ قَهَرْنَا أَهْلَ الأَرْضِ وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَهْلِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ دَوَابَّ الأَرْضِ لَتُسَمَّنُ، وَتَشْكُرُ مِنْ لُحُومِهِمْ شُكْرًا، وَلَمَّا فَرَغَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ بِنَائِهِ قَالَ هَذَا أَيْ: هَذَا التَّمْكِينُ الَّذِي أَدْرَكْتُ بِهِ السَّدَّ رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي [الكهف: ٩٨] قال ابن عباس: معونة من ربي، حيث ألهمني وقواني، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي [الكهف: ٩٨] يعني: القيامة، وقال الكلبي: أجل ربي أن يخرجوا منه. جعله دكا أي: دكه دكا، ومن قرأه دكاء كان التقدير: جعله مثل دكاء، وهي الناقة التي لا سنام لها، وتقدم الكلام فِي هذا فِي [الأعراف،] وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا [سورة الكهف: ٩٨] يعني بالثواب والعقاب فِي القيامة، وقال الكلبي: وكان أجل ربي بخروجهم حقا كائنا.

الكهف 18:98

قوله: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا {٩٢ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا ٩٣ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ٩٤ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ٩٥ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ٩٦ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ٩٧ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ٩٨ } [الكهف: ٩٢-٩٨] ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٨٩] إخبار عن ذي القرنين أنه سلك طريقا يوصله إلى المشرق. حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا [الكهف: ٩٠] قال الحسن، وقتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، لأنهم كانوا فِي مكان لا يستقر عليه البناء. وقال الكلبي: كانوا حفاة عراة، يفرش أحدهم أذنه، ويلبس الأخرى. وقوله: كَذَلِكَ أي: وجد قوما كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس، وأن حكمهم حكم أولئك، وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا [الكهف: ٩١] علمنا ما كان عنده من الجيوش والعدة. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: ٩٢] ثالثا مما يبلغه قطرا من أقطار الأرض. وهو قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السّدينِ وقرئ بفتح السين، قال ابن الأعرابي: كل ما قبلك فسد ما وراءه فهو سد وسد، نحو الضعف والضعف، والفقر والفقر. قال ابن عباس: وهما جبلان، سد ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن سواهم. وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا [الكهف: ٩٣] يعني: أمام السدين، قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا [الكهف: ٩٣] لا يعلمونه، لأنهم لا يعرفون غير لغتهم، وقرئ بضم الياء، والمعنى: لا يكادون يفقهون أحدا قولا، فحذف أحد المفعولين، قال ابن عباس: لا يفهمون كلام أحد، ولا يفهم الناس كلامهم. قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ [الكهف: ٩٤] أكثر أهل العلم على أن هذين اسمان أعجميان، مثل: طالوت وجالوت، وهاروت وماروت، لا ينصرفان للتعريف والعجمة، والقراءة فِيهمَا بترك الهمز وقرأ عاصم بالهمز، قال الليث: الهمز لغة رديئة. وقال ابن الأنباري: وجه همزه، وإن لم يعرف له أصل، أن العرب قد همزت حروفا لا يعرف للهمز فِيها أصل، مثل: لبأت ورثأت، واسنشأت الريح، وإذا كان هذا معروفا فِي أبنية العرب، كان مقبولا فِي الألفاظ التي أصلها للعجم. ٥٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، نا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ الْمُسْتَفَاضِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، قَالَ: يَأْجُوجُ أُمَّةٌ، وَمَأْجُوجُ أُمَّةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أَرْبَعُ مِائَةِ أُمَّةٍ، لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ، حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَلْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ صُلْبِهِ، كُلٌّ قَدْ حَمَلَ السِّلاحَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: هُمْ ثَلاثُ أَصْنَافٍ، صِنْفٌ مِنْهُمْ أَمْثَالُ الأَرُزِّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الأَرُزُّ؟ قَالَ: شَجَرٌ بِالشَّامِ، طُولُ الشَّجَرَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ فِي السَّمَاءِ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ طُولُهُ وَعَرْضُهُ سَوَاءٌ؛ عِشْرُونَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَقُومُ لَهُمْ جَبَلٌ، وَلا حَدِيدٌ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ يَفْتَرِشُ أَحَدُهُمْ أُذُنَهُ وَيَلْتَحِفُ بِالأُخْرَى، وَلا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ وَلا وَحْشٍ وَلا جَمَلٍ وَلا خِنْزِيرٍ إِلا أَكَلُوهُ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أَكَلُوهُ، مُقَدَّمِتَهُمْ بِالشَّامِ، وَسَاقَتُهُمْ بِخُرَاسَانَ، يَشْرَبُونَ أَنْهَارَ الْمَشْرِقِ، وَبُحَيرة طَبَرِيَّةَ وروي عن علي رضي الله عنه، أنه قال: منهم من طوله شبر، ومنهم من طوله مفرط فِي الطول، ولهم مخالب فِي الأظفار من أيدينا، وأنياب كأنياب السباع، ولهم هلب من الشعر فِي أجسادهم، يواريهم من الحر والبرد. وقال وهب: هم من ولد يافث بن نوح أبو الترك. وقال السدي: الترك سرية من يأجوج ومأجوج، خرجت تغير، فجاء ذو القرنين، فضرب السد فبقيت خارجه. وقال قتادة: إن ذو القرنين بنى السد على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السد، فهم الترك. وقال كعب: هم نادرة فِي ولد آدم، وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم. وقال ابن عباس رضي الله عنه فِي رواية عطاء: هم عشرة أجزاء، وولد آدم كلهم جزء. قوله: مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ [الكهف: ٩٤] قال قتادة: هما حيان حياة سوء، كانا أهل بغي وظلم على من جاورهما. وقال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء الذين شكوهم إلى ذي القرنين أيام الربيع، فلا يدعون فِيها شيئا أخضر إلا أكلوه. فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا [الكهف: ٩٤] وقرئ خراجا قال ابن عباس: يريد جعلا. قال الليث: الخرج والخراج واحد، وهو شيء يخرجه القوم من مالهم بقدر معلوم. والمعنى: هل نخرج إليك من أموالنا شيئا كالجعل لك؟ عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا {٩٤ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [الكهف: ٩٤-٩٥] قراءة العامة بنون واحدة مشددة، فأدغموا الأولى فِي الثانية لاجتماعهما كقوله: لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ [يوسف: ١١] وقرأ ابن كثير بنونين من غير ادغام، لأنهما من كلمتين، والنون الثانية غير لازمة، لأنك تقول: مكنتك، والمعنى أن ذا القرنين قال: ما مكني الله فِيهِ من الاتساع فِي الدنيا، خير من خرجكم الذي تبذلونه لي، قال ابن عباس: يريد ما أعطاني وملكني أفضل من عطيتكم. وقوله: فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ [الكهف: ٩٥] قال: يريد بقوة الأبدان. قال الزجاج: بعمل تعملونه معي. أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا [الكهف: ٩٥] سدا وحاجزا، والردم سد الباب والثلمة. آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] قال ابن عباس: احملوها إليّ. وقال الفراء: معناه إيتوني بها، فلما ألقيت الياء زيدت ألف. زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] قطعة واحدتها زبرة، قال ابن عباس: وهي قطع على قدر الحجارة التي يبنى بها. ومعنى الآية أنه يأمرهم أن ينقلوا إليه زبر الحديد ليعمل بها الردم فِي وجوه يأجوج ومأجوج، فأتوه بها، فبناه، حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ [الكهف: ٩٦] سوى بينهما بأن وضع بعضها على بعض، والصدفان جانبا الجبل، قال الأزهري: يقال لجانبي الجبل صدفان إذا تحاذيا لتصادفهما، أي تلاقيهما. وقرئ الصدفين بفتح الصاد والدال، والصُدْفين بضم الصاد وسكون الدال، وكلها لغات فِي هذه الكلمة فاشية، وقوله: قَالَ انْفُخُوا [الكهف: ٩٦] قال ابن عباس: على زبر الحديد بالكير. حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا [الكهف: ٩٦] حتى إذا صارت النار، والحديد إذا حمي بالفحم والمنافخ، صار كالنار، قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا [الكهف: ٩٦] قال المفسرون: أذاب النحاس، ثم أفرغه على زبر الحديد، فاختلط، ولصق بعضه ببعض، حتى صار جبلا صلدا من حديد والنحاس. قال قتادة: هو كالبرد الحبير: طريقة سوداء، وطريقة حمراء. والقطر النحاس الذائب، والإفراغ الصب، ومنه قوله تعالى: أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا [البقرة: ٢٥٠]. قوله: فَمَا اسْطَاعُوا [الكهف: ٩٧] أصله استطاعوا، فلما اجتمع المتقاربان، وهما التاء والطاء، أحبوا التخفيف بالحذف، قال ابن السكيت: يقال: ما استطيع، وما أسطيع، وما استتيع، وما استيع أربع لغات. وقرأ حمزة فما اسطاعوا مشددة الطاء، أدغم تاء الافتعال فِي الطاء، وقوله: أَنْ يَظْهَرُوهُ [الكهف: ٩٧] أي: يصعدوه ويعلوه، يقال: ظهرت السطح إذا صرت فوقه. وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف: ٩٧] يقال: نقبت الحائط إذا خرقت فِيهِ خرقا يخلص إلى ما وراءه. قال الزجاج: ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وانملاسه، وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله، لشدته وصلابته. ٥٧٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، فِي كِتَابِهِ، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا أَبُو زَيْدٍ الْخَالِدِيُّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ؛ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيُعِيدُهُ اللَّهُ، تَعَالَى، كَمَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ، حَفَرُوا حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ؛ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاسْتَثْنَى، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ، حِينَ تَرَكُوهُ بِالأَمْسِ، فَيَحْفِرُونَهُ فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ، فَيُنَشِّفُونَ الْمِيَاهَ، وَتَتَحَصَّنُ النَّاسَ فِي حُصُونِهِمْ مِنْهُمْ فَيَرْمُونَ سِهَامَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَرْجِعُ وَفِيهَا كَهَيْئَةِ الدِّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: قَدْ قَهَرْنَا أَهْلَ الأَرْضِ وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَهْلِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ دَوَابَّ الأَرْضِ لَتُسَمَّنُ، وَتَشْكُرُ مِنْ لُحُومِهِمْ شُكْرًا، وَلَمَّا فَرَغَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ بِنَائِهِ قَالَ هَذَا أَيْ: هَذَا التَّمْكِينُ الَّذِي أَدْرَكْتُ بِهِ السَّدَّ رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي [الكهف: ٩٨] قال ابن عباس: معونة من ربي، حيث ألهمني وقواني، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي [الكهف: ٩٨] يعني: القيامة، وقال الكلبي: أجل ربي أن يخرجوا منه. جعله دكا أي: دكه دكا، ومن قرأه دكاء كان التقدير: جعله مثل دكاء، وهي الناقة التي لا سنام لها، وتقدم الكلام فِي هذا فِي [الأعراف،] وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا [سورة الكهف: ٩٨] يعني بالثواب والعقاب فِي القيامة، وقال الكلبي: وكان أجل ربي بخروجهم حقا كائنا.

الكهف 18:99

وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا {٩٩ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ١٠٠ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ١٠١ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا ١٠٢ } [الكهف: ٩٩-١٠٢] وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [الكهف: ٩٩] يقول: تركنا يأجوج ومأجوج يوم انقضاء أمر السد يموجون فِي الدنيا مختلطين لكثرتهم. يقال: ماج الناس إذا دخل بعضهم فِي بعض حيارى كموج الماء. ثم ذكر نفخ الصور، فقال: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [الكهف: ٩٩] لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة، فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا [الكهف: ٩٩] حشرنا الخلق كلهم. وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا [الكهف: ١٠٠] أظهرنا لهم جهنم، حتى شاهدوها. الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي [الكهف: ١٠١] الغطاء ما غطى الشيء وستره، وهذا كقوله: وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة: ٧] وصف الله الكفار بأنهم عمي عن آيات الله تعالى، وأدلة توحيده، لما سبق لهم من الشقاوة. وقوله: عَنْ ذِكْرِي [الكهف: ١٠١] قال ابن عباس: عما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من البينات والهدى. وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا [الكهف: ١٠١] لعداوتهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كانوا لا يقدرون أن يسمعوا ما يتلوه عليهم، كما تقول للكاره لقولك: ما تقدر أن تسمع كلامي. قوله: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ [الكهف: ١٠٢] يقول: أفظنوا أنهم يتخذونهم أربابا من دوني؟ وعني بالعباد المسيح والملائكة، وقال ابن عباس: يعني الشياطين، تولوهم، وأطاعوهم من دون الله تعالى. وقال مقاتل: يعني الأصنام، سماها عبادا، كما قال: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ [الأعراف: ١٩٤]. وجواب هذا الاستفهام محذوف، قال ابن عباس: يريد أني لا أغضب لنفسي. والمعنى: أفحسبوا أن تتخذوهم أولياء فلا أغضب لنفسي ولا أعاقبهم؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا [الكهف: ١٠٢] قال الزجاج: يعني منزلا. وهو معنى قول ابن عباس: يرد هي مثواهم ومصيرهم. وقال غيره: النزل ما يهيأ للضيف إذا نزل.

الكهف 18:100

وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا {٩٩ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ١٠٠ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ١٠١ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا ١٠٢ } [الكهف: ٩٩-١٠٢] وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [الكهف: ٩٩] يقول: تركنا يأجوج ومأجوج يوم انقضاء أمر السد يموجون فِي الدنيا مختلطين لكثرتهم. يقال: ماج الناس إذا دخل بعضهم فِي بعض حيارى كموج الماء. ثم ذكر نفخ الصور، فقال: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [الكهف: ٩٩] لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة، فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا [الكهف: ٩٩] حشرنا الخلق كلهم. وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا [الكهف: ١٠٠] أظهرنا لهم جهنم، حتى شاهدوها. الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي [الكهف: ١٠١] الغطاء ما غطى الشيء وستره، وهذا كقوله: وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة: ٧] وصف الله الكفار بأنهم عمي عن آيات الله تعالى، وأدلة توحيده، لما سبق لهم من الشقاوة. وقوله: عَنْ ذِكْرِي [الكهف: ١٠١] قال ابن عباس: عما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من البينات والهدى. وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا [الكهف: ١٠١] لعداوتهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كانوا لا يقدرون أن يسمعوا ما يتلوه عليهم، كما تقول للكاره لقولك: ما تقدر أن تسمع كلامي. قوله: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ [الكهف: ١٠٢] يقول: أفظنوا أنهم يتخذونهم أربابا من دوني؟ وعني بالعباد المسيح والملائكة، وقال ابن عباس: يعني الشياطين، تولوهم، وأطاعوهم من دون الله تعالى. وقال مقاتل: يعني الأصنام، سماها عبادا، كما قال: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ [الأعراف: ١٩٤]. وجواب هذا الاستفهام محذوف، قال ابن عباس: يريد أني لا أغضب لنفسي. والمعنى: أفحسبوا أن تتخذوهم أولياء فلا أغضب لنفسي ولا أعاقبهم؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا [الكهف: ١٠٢] قال الزجاج: يعني منزلا. وهو معنى قول ابن عباس: يرد هي مثواهم ومصيرهم. وقال غيره: النزل ما يهيأ للضيف إذا نزل.

الكهف 18:101

وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا {٩٩ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ١٠٠ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ١٠١ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا ١٠٢ } [الكهف: ٩٩-١٠٢] وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [الكهف: ٩٩] يقول: تركنا يأجوج ومأجوج يوم انقضاء أمر السد يموجون فِي الدنيا مختلطين لكثرتهم. يقال: ماج الناس إذا دخل بعضهم فِي بعض حيارى كموج الماء. ثم ذكر نفخ الصور، فقال: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [الكهف: ٩٩] لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة، فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا [الكهف: ٩٩] حشرنا الخلق كلهم. وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا [الكهف: ١٠٠] أظهرنا لهم جهنم، حتى شاهدوها. الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي [الكهف: ١٠١] الغطاء ما غطى الشيء وستره، وهذا كقوله: وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة: ٧] وصف الله الكفار بأنهم عمي عن آيات الله تعالى، وأدلة توحيده، لما سبق لهم من الشقاوة. وقوله: عَنْ ذِكْرِي [الكهف: ١٠١] قال ابن عباس: عما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من البينات والهدى. وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا [الكهف: ١٠١] لعداوتهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كانوا لا يقدرون أن يسمعوا ما يتلوه عليهم، كما تقول للكاره لقولك: ما تقدر أن تسمع كلامي. قوله: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ [الكهف: ١٠٢] يقول: أفظنوا أنهم يتخذونهم أربابا من دوني؟ وعني بالعباد المسيح والملائكة، وقال ابن عباس: يعني الشياطين، تولوهم، وأطاعوهم من دون الله تعالى. وقال مقاتل: يعني الأصنام، سماها عبادا، كما قال: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ [الأعراف: ١٩٤]. وجواب هذا الاستفهام محذوف، قال ابن عباس: يريد أني لا أغضب لنفسي. والمعنى: أفحسبوا أن تتخذوهم أولياء فلا أغضب لنفسي ولا أعاقبهم؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا [الكهف: ١٠٢] قال الزجاج: يعني منزلا. وهو معنى قول ابن عباس: يرد هي مثواهم ومصيرهم. وقال غيره: النزل ما يهيأ للضيف إذا نزل.

الكهف 18:102

وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا {٩٩ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ١٠٠ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ١٠١ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا ١٠٢ } [الكهف: ٩٩-١٠٢] وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [الكهف: ٩٩] يقول: تركنا يأجوج ومأجوج يوم انقضاء أمر السد يموجون فِي الدنيا مختلطين لكثرتهم. يقال: ماج الناس إذا دخل بعضهم فِي بعض حيارى كموج الماء. ثم ذكر نفخ الصور، فقال: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [الكهف: ٩٩] لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة، فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا [الكهف: ٩٩] حشرنا الخلق كلهم. وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا [الكهف: ١٠٠] أظهرنا لهم جهنم، حتى شاهدوها. الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي [الكهف: ١٠١] الغطاء ما غطى الشيء وستره، وهذا كقوله: وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة: ٧] وصف الله الكفار بأنهم عمي عن آيات الله تعالى، وأدلة توحيده، لما سبق لهم من الشقاوة. وقوله: عَنْ ذِكْرِي [الكهف: ١٠١] قال ابن عباس: عما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من البينات والهدى. وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا [الكهف: ١٠١] لعداوتهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كانوا لا يقدرون أن يسمعوا ما يتلوه عليهم، كما تقول للكاره لقولك: ما تقدر أن تسمع كلامي. قوله: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ [الكهف: ١٠٢] يقول: أفظنوا أنهم يتخذونهم أربابا من دوني؟ وعني بالعباد المسيح والملائكة، وقال ابن عباس: يعني الشياطين، تولوهم، وأطاعوهم من دون الله تعالى. وقال مقاتل: يعني الأصنام، سماها عبادا، كما قال: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ [الأعراف: ١٩٤]. وجواب هذا الاستفهام محذوف، قال ابن عباس: يريد أني لا أغضب لنفسي. والمعنى: أفحسبوا أن تتخذوهم أولياء فلا أغضب لنفسي ولا أعاقبهم؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا [الكهف: ١٠٢] قال الزجاج: يعني منزلا. وهو معنى قول ابن عباس: يرد هي مثواهم ومصيرهم. وقال غيره: النزل ما يهيأ للضيف إذا نزل.

الكهف 18:103

والمعنى أن جهنم معدة لهم عندنا، كما يهيأ النزل للضيف. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا {١٠٣ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ١٠٤ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ١٠٥ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا ١٠٧ خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا ١٠٨ } [الكهف: ١٠٣-١٠٨] قوله: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا [الكهف: ١٠٣] يعني بالقوم الذين هم أخسر الخلق فيما عملوا، وهم كفار أهل الكتاب: اليهود والنصارى. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ [الكهف: ١٠٤] بطل عملهم واجتهادهم فِي الدنيا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: ١٠٤] يظنون أنهم بفعلهم محسنون. أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ [الكهف: ١٠٥] جحدوا دلائل توحيده وقدرته، وَلِقَائِهِ [الكهف: ١٠٥] وكفروا بالبعث والثواب والعقاب، وذلك أنهم بكفرهم بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبالقرآن، صاروا كافرين بهذه الأشياء، وقوله: فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ [الكهف: ١٠٥] أي: بطل اجتهادهم، فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥] قال ابن الأعرابي فِي هذه الآية: العرب تقول: ما لفلان وزن عندنا، أي: قدر لخسته، ويوصف الجاهل بأنه لا وزن له، لخفته، وسرعة طيشه، وقلة تثبته. والمعنى على هذا أنهم لا يعتد بهم ولا يكون لهم عند الله تعالى قدر ولا منزلة. ٥٧٨ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَد بْنِ جَعْفَرٍ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَرَشِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، نا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ كِلاهُمَا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ٥٧٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ، نا أَبُو زُرْعَةَ، نا أَبُو الْوَلِيدِ، أنا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ صَالِحٍ، مَوْلَى التَّوْءَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الطَّوِيلِ الأَكُولِ الشَّرُوبِ فَلا يَزِنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥] ". وقوله: ذَلِكَ أي: الأمر ذلك الذي ذكرت من حبوط أعمالهم، وخسة قدرهم، ثم ابتدأ فقال: جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا [الكهف: ١٠٦] أي: بكفرهم واتخاذهم، آيَاتِي يعني القرآن، هُزُوًا [الكهف: ١٠٦] مهزوا به. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا [الكهف: ١٠٧] أي منزلا، ويجوز أن يراد بالنزل ما يقام للنازل، ويقدر المضاف على معنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس، أو نعيمهما نزلا، ومعنى كانت لهم قال ابن الأنباري: أي فِي علم الله تعالى قبل أن يخلقوا. والفردوس فِي اللغة جنة ذات كروم، قال المبرد: الفردوس فيما سمعت من كلام العرب الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. واختاره الزجاج، فقال: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية. ٥٨٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الزَّاهِدُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، نا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، الْفِرْدَوْسُ أَعْلاهَا دَرَجَةً، مِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ الأَرْبَعَةُ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، تَعَالَى، فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ» ٥٨١ - وَأَخْبَرَنَا عَمْرٌو، أنا عَبْدُ اللَّهِ، أنا مُحَمَّدٌ، أنا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا أَبُو قُدَامَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ أَرْبَعٌ؛ اثْنَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، حُلِيُّهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَثِنْتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، حُلِيُّهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةٍ عَدْنٍ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قوله: خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا [الكهف: ١٠٨] والحول اسم بمعنى التحويل، يقوم مقام المصدر، يقال: حولوا عنه تحويلا وحولا. قال ذلك الليث، وابن الأعرابي، وابن قتيبة، والأزهري. وقال أبو عبيدة: حولا تحولا. وهو قول الفراء، وقال ابن عباس: لا يريدون أن يتحولوا عنها، كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى، والجنة ليست هكذا. قوله: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ [الكهف: ١٠٩] الآية. روى عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزل قوله: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا [الإسراء: ٨٥] قالت اليهود: أوتينا علما كثيرا، وأتينا التوراة، وفيها علم كل شيء.

الكهف 18:104

والمعنى أن جهنم معدة لهم عندنا، كما يهيأ النزل للضيف. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا {١٠٣ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ١٠٤ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ١٠٥ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا ١٠٧ خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا ١٠٨ } [الكهف: ١٠٣-١٠٨] قوله: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا [الكهف: ١٠٣] يعني بالقوم الذين هم أخسر الخلق فيما عملوا، وهم كفار أهل الكتاب: اليهود والنصارى. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ [الكهف: ١٠٤] بطل عملهم واجتهادهم فِي الدنيا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: ١٠٤] يظنون أنهم بفعلهم محسنون. أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ [الكهف: ١٠٥] جحدوا دلائل توحيده وقدرته، وَلِقَائِهِ [الكهف: ١٠٥] وكفروا بالبعث والثواب والعقاب، وذلك أنهم بكفرهم بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبالقرآن، صاروا كافرين بهذه الأشياء، وقوله: فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ [الكهف: ١٠٥] أي: بطل اجتهادهم، فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥] قال ابن الأعرابي فِي هذه الآية: العرب تقول: ما لفلان وزن عندنا، أي: قدر لخسته، ويوصف الجاهل بأنه لا وزن له، لخفته، وسرعة طيشه، وقلة تثبته. والمعنى على هذا أنهم لا يعتد بهم ولا يكون لهم عند الله تعالى قدر ولا منزلة. ٥٧٨ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَد بْنِ جَعْفَرٍ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَرَشِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، نا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ كِلاهُمَا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ٥٧٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ، نا أَبُو زُرْعَةَ، نا أَبُو الْوَلِيدِ، أنا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ صَالِحٍ، مَوْلَى التَّوْءَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الطَّوِيلِ الأَكُولِ الشَّرُوبِ فَلا يَزِنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥] ". وقوله: ذَلِكَ أي: الأمر ذلك الذي ذكرت من حبوط أعمالهم، وخسة قدرهم، ثم ابتدأ فقال: جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا [الكهف: ١٠٦] أي: بكفرهم واتخاذهم، آيَاتِي يعني القرآن، هُزُوًا [الكهف: ١٠٦] مهزوا به. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا [الكهف: ١٠٧] أي منزلا، ويجوز أن يراد بالنزل ما يقام للنازل، ويقدر المضاف على معنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس، أو نعيمهما نزلا، ومعنى كانت لهم قال ابن الأنباري: أي فِي علم الله تعالى قبل أن يخلقوا. والفردوس فِي اللغة جنة ذات كروم، قال المبرد: الفردوس فيما سمعت من كلام العرب الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. واختاره الزجاج، فقال: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية. ٥٨٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الزَّاهِدُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، نا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، الْفِرْدَوْسُ أَعْلاهَا دَرَجَةً، مِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ الأَرْبَعَةُ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، تَعَالَى، فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ» ٥٨١ - وَأَخْبَرَنَا عَمْرٌو، أنا عَبْدُ اللَّهِ، أنا مُحَمَّدٌ، أنا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا أَبُو قُدَامَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ أَرْبَعٌ؛ اثْنَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، حُلِيُّهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَثِنْتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، حُلِيُّهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةٍ عَدْنٍ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قوله: خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا [الكهف: ١٠٨] والحول اسم بمعنى التحويل، يقوم مقام المصدر، يقال: حولوا عنه تحويلا وحولا. قال ذلك الليث، وابن الأعرابي، وابن قتيبة، والأزهري. وقال أبو عبيدة: حولا تحولا. وهو قول الفراء، وقال ابن عباس: لا يريدون أن يتحولوا عنها، كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى، والجنة ليست هكذا. قوله: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ [الكهف: ١٠٩] الآية. روى عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزل قوله: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا [الإسراء: ٨٥] قالت اليهود: أوتينا علما كثيرا، وأتينا التوراة، وفيها علم كل شيء.

الكهف 18:105

والمعنى أن جهنم معدة لهم عندنا، كما يهيأ النزل للضيف. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا {١٠٣ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ١٠٤ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ١٠٥ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا ١٠٧ خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا ١٠٨ } [الكهف: ١٠٣-١٠٨] قوله: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا [الكهف: ١٠٣] يعني بالقوم الذين هم أخسر الخلق فيما عملوا، وهم كفار أهل الكتاب: اليهود والنصارى. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ [الكهف: ١٠٤] بطل عملهم واجتهادهم فِي الدنيا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: ١٠٤] يظنون أنهم بفعلهم محسنون. أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ [الكهف: ١٠٥] جحدوا دلائل توحيده وقدرته، وَلِقَائِهِ [الكهف: ١٠٥] وكفروا بالبعث والثواب والعقاب، وذلك أنهم بكفرهم بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبالقرآن، صاروا كافرين بهذه الأشياء، وقوله: فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ [الكهف: ١٠٥] أي: بطل اجتهادهم، فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥] قال ابن الأعرابي فِي هذه الآية: العرب تقول: ما لفلان وزن عندنا، أي: قدر لخسته، ويوصف الجاهل بأنه لا وزن له، لخفته، وسرعة طيشه، وقلة تثبته. والمعنى على هذا أنهم لا يعتد بهم ولا يكون لهم عند الله تعالى قدر ولا منزلة. ٥٧٨ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَد بْنِ جَعْفَرٍ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَرَشِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، نا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ كِلاهُمَا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ٥٧٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ، نا أَبُو زُرْعَةَ، نا أَبُو الْوَلِيدِ، أنا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ صَالِحٍ، مَوْلَى التَّوْءَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الطَّوِيلِ الأَكُولِ الشَّرُوبِ فَلا يَزِنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥] ". وقوله: ذَلِكَ أي: الأمر ذلك الذي ذكرت من حبوط أعمالهم، وخسة قدرهم، ثم ابتدأ فقال: جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا [الكهف: ١٠٦] أي: بكفرهم واتخاذهم، آيَاتِي يعني القرآن، هُزُوًا [الكهف: ١٠٦] مهزوا به. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا [الكهف: ١٠٧] أي منزلا، ويجوز أن يراد بالنزل ما يقام للنازل، ويقدر المضاف على معنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس، أو نعيمهما نزلا، ومعنى كانت لهم قال ابن الأنباري: أي فِي علم الله تعالى قبل أن يخلقوا. والفردوس فِي اللغة جنة ذات كروم، قال المبرد: الفردوس فيما سمعت من كلام العرب الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. واختاره الزجاج، فقال: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية. ٥٨٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الزَّاهِدُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، نا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، الْفِرْدَوْسُ أَعْلاهَا دَرَجَةً، مِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ الأَرْبَعَةُ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، تَعَالَى، فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ» ٥٨١ - وَأَخْبَرَنَا عَمْرٌو، أنا عَبْدُ اللَّهِ، أنا مُحَمَّدٌ، أنا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا أَبُو قُدَامَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ أَرْبَعٌ؛ اثْنَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، حُلِيُّهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَثِنْتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، حُلِيُّهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةٍ عَدْنٍ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قوله: خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا [الكهف: ١٠٨] والحول اسم بمعنى التحويل، يقوم مقام المصدر، يقال: حولوا عنه تحويلا وحولا. قال ذلك الليث، وابن الأعرابي، وابن قتيبة، والأزهري. وقال أبو عبيدة: حولا تحولا. وهو قول الفراء، وقال ابن عباس: لا يريدون أن يتحولوا عنها، كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى، والجنة ليست هكذا. قوله: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ [الكهف: ١٠٩] الآية. روى عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزل قوله: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا [الإسراء: ٨٥] قالت اليهود: أوتينا علما كثيرا، وأتينا التوراة، وفيها علم كل شيء.

الكهف 18:106

والمعنى أن جهنم معدة لهم عندنا، كما يهيأ النزل للضيف. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا {١٠٣ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ١٠٤ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ١٠٥ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا ١٠٧ خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا ١٠٨ } [الكهف: ١٠٣-١٠٨] قوله: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا [الكهف: ١٠٣] يعني بالقوم الذين هم أخسر الخلق فيما عملوا، وهم كفار أهل الكتاب: اليهود والنصارى. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ [الكهف: ١٠٤] بطل عملهم واجتهادهم فِي الدنيا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: ١٠٤] يظنون أنهم بفعلهم محسنون. أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ [الكهف: ١٠٥] جحدوا دلائل توحيده وقدرته، وَلِقَائِهِ [الكهف: ١٠٥] وكفروا بالبعث والثواب والعقاب، وذلك أنهم بكفرهم بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبالقرآن، صاروا كافرين بهذه الأشياء، وقوله: فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ [الكهف: ١٠٥] أي: بطل اجتهادهم، فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥] قال ابن الأعرابي فِي هذه الآية: العرب تقول: ما لفلان وزن عندنا، أي: قدر لخسته، ويوصف الجاهل بأنه لا وزن له، لخفته، وسرعة طيشه، وقلة تثبته. والمعنى على هذا أنهم لا يعتد بهم ولا يكون لهم عند الله تعالى قدر ولا منزلة. ٥٧٨ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَد بْنِ جَعْفَرٍ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَرَشِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، نا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ كِلاهُمَا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ٥٧٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ، نا أَبُو زُرْعَةَ، نا أَبُو الْوَلِيدِ، أنا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ صَالِحٍ، مَوْلَى التَّوْءَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الطَّوِيلِ الأَكُولِ الشَّرُوبِ فَلا يَزِنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥] ". وقوله: ذَلِكَ أي: الأمر ذلك الذي ذكرت من حبوط أعمالهم، وخسة قدرهم، ثم ابتدأ فقال: جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا [الكهف: ١٠٦] أي: بكفرهم واتخاذهم، آيَاتِي يعني القرآن، هُزُوًا [الكهف: ١٠٦] مهزوا به. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا [الكهف: ١٠٧] أي منزلا، ويجوز أن يراد بالنزل ما يقام للنازل، ويقدر المضاف على معنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس، أو نعيمهما نزلا، ومعنى كانت لهم قال ابن الأنباري: أي فِي علم الله تعالى قبل أن يخلقوا. والفردوس فِي اللغة جنة ذات كروم، قال المبرد: الفردوس فيما سمعت من كلام العرب الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. واختاره الزجاج، فقال: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية. ٥٨٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الزَّاهِدُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، نا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، الْفِرْدَوْسُ أَعْلاهَا دَرَجَةً، مِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ الأَرْبَعَةُ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، تَعَالَى، فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ» ٥٨١ - وَأَخْبَرَنَا عَمْرٌو، أنا عَبْدُ اللَّهِ، أنا مُحَمَّدٌ، أنا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا أَبُو قُدَامَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ أَرْبَعٌ؛ اثْنَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، حُلِيُّهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَثِنْتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، حُلِيُّهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةٍ عَدْنٍ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قوله: خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا [الكهف: ١٠٨] والحول اسم بمعنى التحويل، يقوم مقام المصدر، يقال: حولوا عنه تحويلا وحولا. قال ذلك الليث، وابن الأعرابي، وابن قتيبة، والأزهري. وقال أبو عبيدة: حولا تحولا. وهو قول الفراء، وقال ابن عباس: لا يريدون أن يتحولوا عنها، كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى، والجنة ليست هكذا. قوله: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ [الكهف: ١٠٩] الآية. روى عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزل قوله: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا [الإسراء: ٨٥] قالت اليهود: أوتينا علما كثيرا، وأتينا التوراة، وفيها علم كل شيء.

الكهف 18:107

والمعنى أن جهنم معدة لهم عندنا، كما يهيأ النزل للضيف. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا {١٠٣ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ١٠٤ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ١٠٥ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا ١٠٧ خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا ١٠٨ } [الكهف: ١٠٣-١٠٨] قوله: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا [الكهف: ١٠٣] يعني بالقوم الذين هم أخسر الخلق فيما عملوا، وهم كفار أهل الكتاب: اليهود والنصارى. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ [الكهف: ١٠٤] بطل عملهم واجتهادهم فِي الدنيا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: ١٠٤] يظنون أنهم بفعلهم محسنون. أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ [الكهف: ١٠٥] جحدوا دلائل توحيده وقدرته، وَلِقَائِهِ [الكهف: ١٠٥] وكفروا بالبعث والثواب والعقاب، وذلك أنهم بكفرهم بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبالقرآن، صاروا كافرين بهذه الأشياء، وقوله: فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ [الكهف: ١٠٥] أي: بطل اجتهادهم، فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥] قال ابن الأعرابي فِي هذه الآية: العرب تقول: ما لفلان وزن عندنا، أي: قدر لخسته، ويوصف الجاهل بأنه لا وزن له، لخفته، وسرعة طيشه، وقلة تثبته. والمعنى على هذا أنهم لا يعتد بهم ولا يكون لهم عند الله تعالى قدر ولا منزلة. ٥٧٨ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَد بْنِ جَعْفَرٍ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَرَشِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، نا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ كِلاهُمَا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ٥٧٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ، نا أَبُو زُرْعَةَ، نا أَبُو الْوَلِيدِ، أنا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ صَالِحٍ، مَوْلَى التَّوْءَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الطَّوِيلِ الأَكُولِ الشَّرُوبِ فَلا يَزِنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥] ". وقوله: ذَلِكَ أي: الأمر ذلك الذي ذكرت من حبوط أعمالهم، وخسة قدرهم، ثم ابتدأ فقال: جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا [الكهف: ١٠٦] أي: بكفرهم واتخاذهم، آيَاتِي يعني القرآن، هُزُوًا [الكهف: ١٠٦] مهزوا به. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا [الكهف: ١٠٧] أي منزلا، ويجوز أن يراد بالنزل ما يقام للنازل، ويقدر المضاف على معنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس، أو نعيمهما نزلا، ومعنى كانت لهم قال ابن الأنباري: أي فِي علم الله تعالى قبل أن يخلقوا. والفردوس فِي اللغة جنة ذات كروم، قال المبرد: الفردوس فيما سمعت من كلام العرب الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. واختاره الزجاج، فقال: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية. ٥٨٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الزَّاهِدُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، نا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، الْفِرْدَوْسُ أَعْلاهَا دَرَجَةً، مِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ الأَرْبَعَةُ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، تَعَالَى، فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ» ٥٨١ - وَأَخْبَرَنَا عَمْرٌو، أنا عَبْدُ اللَّهِ، أنا مُحَمَّدٌ، أنا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا أَبُو قُدَامَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ أَرْبَعٌ؛ اثْنَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، حُلِيُّهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَثِنْتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، حُلِيُّهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةٍ عَدْنٍ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قوله: خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا [الكهف: ١٠٨] والحول اسم بمعنى التحويل، يقوم مقام المصدر، يقال: حولوا عنه تحويلا وحولا. قال ذلك الليث، وابن الأعرابي، وابن قتيبة، والأزهري. وقال أبو عبيدة: حولا تحولا. وهو قول الفراء، وقال ابن عباس: لا يريدون أن يتحولوا عنها، كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى، والجنة ليست هكذا. قوله: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ [الكهف: ١٠٩] الآية. روى عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزل قوله: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا [الإسراء: ٨٥] قالت اليهود: أوتينا علما كثيرا، وأتينا التوراة، وفيها علم كل شيء.

الكهف 18:108

والمعنى أن جهنم معدة لهم عندنا، كما يهيأ النزل للضيف. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا {١٠٣ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ١٠٤ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ١٠٥ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا ١٠٧ خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا ١٠٨ } [الكهف: ١٠٣-١٠٨] قوله: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا [الكهف: ١٠٣] يعني بالقوم الذين هم أخسر الخلق فيما عملوا، وهم كفار أهل الكتاب: اليهود والنصارى. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ [الكهف: ١٠٤] بطل عملهم واجتهادهم فِي الدنيا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: ١٠٤] يظنون أنهم بفعلهم محسنون. أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ [الكهف: ١٠٥] جحدوا دلائل توحيده وقدرته، وَلِقَائِهِ [الكهف: ١٠٥] وكفروا بالبعث والثواب والعقاب، وذلك أنهم بكفرهم بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبالقرآن، صاروا كافرين بهذه الأشياء، وقوله: فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ [الكهف: ١٠٥] أي: بطل اجتهادهم، فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥] قال ابن الأعرابي فِي هذه الآية: العرب تقول: ما لفلان وزن عندنا، أي: قدر لخسته، ويوصف الجاهل بأنه لا وزن له، لخفته، وسرعة طيشه، وقلة تثبته. والمعنى على هذا أنهم لا يعتد بهم ولا يكون لهم عند الله تعالى قدر ولا منزلة. ٥٧٨ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَد بْنِ جَعْفَرٍ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَرَشِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، نا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ كِلاهُمَا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ٥٧٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ، نا أَبُو زُرْعَةَ، نا أَبُو الْوَلِيدِ، أنا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ صَالِحٍ، مَوْلَى التَّوْءَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الطَّوِيلِ الأَكُولِ الشَّرُوبِ فَلا يَزِنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥] ". وقوله: ذَلِكَ أي: الأمر ذلك الذي ذكرت من حبوط أعمالهم، وخسة قدرهم، ثم ابتدأ فقال: جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا [الكهف: ١٠٦] أي: بكفرهم واتخاذهم، آيَاتِي يعني القرآن، هُزُوًا [الكهف: ١٠٦] مهزوا به. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا [الكهف: ١٠٧] أي منزلا، ويجوز أن يراد بالنزل ما يقام للنازل، ويقدر المضاف على معنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس، أو نعيمهما نزلا، ومعنى كانت لهم قال ابن الأنباري: أي فِي علم الله تعالى قبل أن يخلقوا. والفردوس فِي اللغة جنة ذات كروم، قال المبرد: الفردوس فيما سمعت من كلام العرب الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. واختاره الزجاج، فقال: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية. ٥٨٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الزَّاهِدُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، نا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، الْفِرْدَوْسُ أَعْلاهَا دَرَجَةً، مِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ الأَرْبَعَةُ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، تَعَالَى، فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ» ٥٨١ - وَأَخْبَرَنَا عَمْرٌو، أنا عَبْدُ اللَّهِ، أنا مُحَمَّدٌ، أنا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا أَبُو قُدَامَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ أَرْبَعٌ؛ اثْنَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، حُلِيُّهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَثِنْتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، حُلِيُّهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةٍ عَدْنٍ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قوله: خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا [الكهف: ١٠٨] والحول اسم بمعنى التحويل، يقوم مقام المصدر، يقال: حولوا عنه تحويلا وحولا. قال ذلك الليث، وابن الأعرابي، وابن قتيبة، والأزهري. وقال أبو عبيدة: حولا تحولا. وهو قول الفراء، وقال ابن عباس: لا يريدون أن يتحولوا عنها، كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى، والجنة ليست هكذا. قوله: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ [الكهف: ١٠٩] الآية. روى عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزل قوله: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا [الإسراء: ٨٥] قالت اليهود: أوتينا علما كثيرا، وأتينا التوراة، وفيها علم كل شيء.

الكهف 18:109

فأنزل الله تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف: ١٠٩]. قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي [الكهف: ١٠٩] قال ابن الأنباري: سمي المداد مدادا لإمداده الكاتب، وأصله من الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء، ويقال للزيت الذي يوقد به السراج مداد، وقال مجاهد: لو كان البحر مدادا للقلم، والقلم يكتب، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي. وقال ابن عباس: يريد أن كلماته أعظم من أن يكون لها أمد. وكلام القديم سبحانه وتعالى صفة من صفات ذاته، فلا يجوز أن يكون لكلامه غاية ومنتهى، كما ليس له غياية وحد، وأوصاف ذاته غير محدودة أيضا، وهذا رد على اليهود حين ادعوا أنهم أوتوا العلم الكثير، وكأنه قيل لهم: أي شيء الذي أوتيتم فِي علم الله تعالى، وكلماته التي لا تنفذ لو كتبت بماء البحر. وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ [الكهف: ١٠٩] بمثل البحر فِي كثرة مائه، مددا زيادة له، والمدد كل شيء زاد فِي شيء.

الكهف 18:110

قوله: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠] قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الكهف: ١١٠] قال ابن عباس: عَلَّمَ اللهُ تعالى رسولَه التواضع لئلا يزهى على خلقه، فأمره بأن يقر على نفسه بأنه آدمي كغيره إلا أنه أكرم بالوحي، وهو قوله: يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف: ١١٠] لا شريك له، وقوله: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ [الكهف: ١١٠] قال مجاهد: جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: إني أتصدق وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله، فيذكر ذلك مني، وأحمد عليه، فيسرني ذلك، وأعجب به. فسكت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يقل شيئا، فأنزل الله تعالى فيه فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ [الكهف: ١١٠] يخاف البعث والمصير إلى الله تعالى، فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا [الكهف: ١١٠] خالصا لا يرائي به، وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠] قال سعيد بن جبير: لا يرائي. قال عطاء، عن ابن عباس: قال الله تعالى: وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ [الكهف: ١١٠] ولم يقل: ولا يشرك به، لأنه أراد العمل الذي يعمل لله ويحب أن يحمد عليه. قال: ولذلك يستحب للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسمها كي لا يعظمه من يصله بها. وقال الحسن: هذا فيمن أشرك بعمله يريد الله به والناس. ٥٨٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَارِثُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا زِيَادٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ شَهْرٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالا: سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " مَنْ صَلَّى صَلاةً يُرَائِي بِهَا فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ صَامَ صَوْمًا يُرَائِي بِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ٥٨٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ، نا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " قَالَ اللَّهُ، تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي، فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ بْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ رَوْحٍ ٥٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَنِيعِيُّ، حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ، نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ زِيَادِ بْنِ مِينَا، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ الأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ؛ نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمَلَهُ لِلَّهِ أَحَدًا فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَ عَمَلِهِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ، تَعَالَى، أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ