Lafzullah

الوسيط في تفسير القرآن المجيد — الحديد 57:1 – الحشر 59:24

المؤلف / المصدر: أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري الشافعي (ت 468هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (book-293, 2026-09-02) · طبعة دار الكتب العلمية، بيروت 1415هـ

المحتويات
  1. الحديد 57:1
  2. الحديد 57:2
  3. الحديد 57:3
  4. الحديد 57:4
  5. الحديد 57:5
  6. الحديد 57:6
  7. الحديد 57:7
  8. الحديد 57:8
  9. الحديد 57:9
  10. الحديد 57:10
  11. الحديد 57:11
  12. الحديد 57:12
  13. الحديد 57:13
  14. الحديد 57:14
  15. الحديد 57:15
  16. الحديد 57:16
  17. الحديد 57:17
  18. الحديد 57:18
  19. الحديد 57:19
  20. الحديد 57:20
  21. الحديد 57:21
  22. الحديد 57:22
  23. الحديد 57:23
  24. الحديد 57:24
  25. الحديد 57:25
  26. الحديد 57:26
  27. الحديد 57:27
  28. الحديد 57:28
  29. الحديد 57:29
  30. المجادلة 58:1
  31. المجادلة 58:2
  32. المجادلة 58:3
  33. المجادلة 58:4
  34. المجادلة 58:5
  35. المجادلة 58:6
  36. المجادلة 58:7
  37. المجادلة 58:8
  38. المجادلة 58:9
  39. المجادلة 58:10
  40. المجادلة 58:11
  41. المجادلة 58:12
  42. المجادلة 58:13
  43. المجادلة 58:14
  44. المجادلة 58:15
  45. المجادلة 58:16
  46. المجادلة 58:17
  47. المجادلة 58:18
  48. المجادلة 58:19
  49. المجادلة 58:20
  50. المجادلة 58:21
  51. المجادلة 58:22
  52. الحشر 59:1
  53. الحشر 59:2
  54. الحشر 59:3
  55. الحشر 59:4
  56. الحشر 59:5
  57. الحشر 59:6
  58. الحشر 59:7
  59. الحشر 59:8
  60. الحشر 59:9
  61. الحشر 59:10
  62. الحشر 59:11
  63. الحشر 59:12
  64. الحشر 59:13
  65. الحشر 59:14
  66. الحشر 59:15
  67. الحشر 59:16
  68. الحشر 59:17
  69. الحشر 59:18
  70. الحشر 59:19
  71. الحشر 59:20
  72. الحشر 59:21
  73. الحشر 59:22
  74. الحشر 59:23
  75. الحشر 59:24

الحديد 57:1

تفسير سورة الحديد وهي عشرون وتسع آيات، مدنية. ١١٦٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْحَدِيدِ كُتِبَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ». بسم الله الرحمن الرحيم سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {١ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٢ هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٣ } [الحديد: ١-٣]. سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الحديد: ١] قال المقاتلان: يعني: كل شيء من ذي الروح وغيره، وكل خلق فيهما، ولكن لا تفقهون تسبيحهم. وقد تقدم الكلام في تسبيح الجماد، في قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: ٤٤] وفي مواضع. يحيي الموات للبعث، ويميت الأحياء في الدنيا. قبل كل شيء كان هو ولا شيء موجود، فهو الأول بلا ابتداء، والآخر بعد كل شيء بلا انتهاء، يفني الأشياء ويبقي آخرًا، كما كان أولًا، والظاهر الغالب العالي على كل شيء، ويجوز أن يكون معناه: الظاهر بالأدلة والشواهد، والباطن العالم بما بطن، من قولهم: فلان يبطن أمر فلان. أي: يعلم دخله أمره، ويجوز أن يكون معنى الباطن: أنه محتجب عن الأبصار.

الحديد 57:2

تفسير سورة الحديد وهي عشرون وتسع آيات، مدنية. ١١٦٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْحَدِيدِ كُتِبَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ». بسم الله الرحمن الرحيم سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {١ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٢ هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٣ } [الحديد: ١-٣]. سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الحديد: ١] قال المقاتلان: يعني: كل شيء من ذي الروح وغيره، وكل خلق فيهما، ولكن لا تفقهون تسبيحهم. وقد تقدم الكلام في تسبيح الجماد، في قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: ٤٤] وفي مواضع. يحيي الموات للبعث، ويميت الأحياء في الدنيا. قبل كل شيء كان هو ولا شيء موجود، فهو الأول بلا ابتداء، والآخر بعد كل شيء بلا انتهاء، يفني الأشياء ويبقي آخرًا، كما كان أولًا، والظاهر الغالب العالي على كل شيء، ويجوز أن يكون معناه: الظاهر بالأدلة والشواهد، والباطن العالم بما بطن، من قولهم: فلان يبطن أمر فلان. أي: يعلم دخله أمره، ويجوز أن يكون معنى الباطن: أنه محتجب عن الأبصار.

الحديد 57:3

تفسير سورة الحديد وهي عشرون وتسع آيات، مدنية. ١١٦٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْحَدِيدِ كُتِبَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ». بسم الله الرحمن الرحيم سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {١ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٢ هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٣ } [الحديد: ١-٣]. سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الحديد: ١] قال المقاتلان: يعني: كل شيء من ذي الروح وغيره، وكل خلق فيهما، ولكن لا تفقهون تسبيحهم. وقد تقدم الكلام في تسبيح الجماد، في قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: ٤٤] وفي مواضع. يحيي الموات للبعث، ويميت الأحياء في الدنيا. قبل كل شيء كان هو ولا شيء موجود، فهو الأول بلا ابتداء، والآخر بعد كل شيء بلا انتهاء، يفني الأشياء ويبقي آخرًا، كما كان أولًا، والظاهر الغالب العالي على كل شيء، ويجوز أن يكون معناه: الظاهر بالأدلة والشواهد، والباطن العالم بما بطن، من قولهم: فلان يبطن أمر فلان. أي: يعلم دخله أمره، ويجوز أن يكون معنى الباطن: أنه محتجب عن الأبصار.

الحديد 57:4

هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {٤ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ٥ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ٦ } [الحديد: ٤-٦].

الحديد 57:5

هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {٤ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ٥ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ٦ } [الحديد: ٤-٦].

الحديد 57:6

هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {٤ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ٥ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ٦ } [الحديد: ٤-٦].

الحديد 57:7

هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [الحديد: ٤] مفسر في { [الأعراف، إلى قوله:] يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ} [سورة الحديد: ٤] وهو مفسر في [سبأ، إلى قوله:] وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [سورة الحديد: ٤] يعني: بالعلم والقدرة، فليس يخلو أحد من تعلق علم الله، وقدرته به، أين ما كان من أرض، وسماء، وبر، وبحر، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ {٧ وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٨ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ٩ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ١٠ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ١١ } [الحديد: ٧-١١]. آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحديد: ٧] يخاطب كفار قريش، وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد: ٧] يعني: المال الذي كان بيد غيرهم، فأهلكهم الله، وأعطى قريشًا ذلك المال، وكانوا فيه خلفاء عمن مضوا، ثم ذكر ثواب من أنفق في سبيل الله، بقوله: فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ [الحديد: ٧]. وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [الحديد: ٨] هذا استفهام إنكار، أي: أي شيء لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا بالله؟ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ [الحديد: ٨] حين أخرجكم من ظهر آدم، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد: ٨] بالحجة والدليل، فقد بان وظهر على يد محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببعثه، وإنزال القرآن عليه، ويدل على هذا قوله: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ [الحديد: ٩] محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، آيات بينات يعني: القرآن، ليخرجكم من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحديد: ٩] حين بعث الرسول، ونصب الأدلة. ثم حثهم على الإنفاق، فقال: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الحديد: ١٠] يقول: أي شيء لكم في ترك الإنفاق فيما يقرب من الله تعالى، وأنتم ميتون تاركون أموالكم، ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله، فقال: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد: ١٠] يعني: فتح مكة، قال مقاتل: لا يستوي في الفضل من أنفق ماله، وقاتل العدو من قبل فتح مكة، مع من أنفق من بعد وقاتل. قال الكلبي، في رواية محمد بن فضيل: نزلت في أبي بكر رضوان الله عليه، يدل على هذا أنه كان أول من أنفق المال على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سبيل الله، وأول من قاتل على الإسلام. قال ابن مسعود: أول من أظهر إسلامه بسيفه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر رضي الله عنه، وقد شهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإنفاق ماله قبل الفتح. ١١٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، نا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّلِيطِيُّ إِمْلاءً، نا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمٍ الْبَغْدَادِيُّ الْمُقْرِي، نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُحْرِمِيُّ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الشَّيْبَانِيُّ، نا الْعَلاءُ بْنُ عَمْرٍو أَبُو عَمْرٍو، نا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا عَلَى صَدْرِهِ بِخِلالٍ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأَقْرَأَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ السَّلامَ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا لِي أَرَى أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا عَلَى صَدْرِهِ بِخِلالٍ؟ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ أَنْفَقَ مَالَهُ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ عَلَيَّ، قَالَ: فَأَقْرِئْهُ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى السَّلامَ وَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ؟ فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ السَّلامَ، وَيَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ، قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: عَلَى رَبِّي أَغْضَبُ أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ، أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ وقوله: أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا [الحديد: ١٠] قال عطاء: درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها. قال الزجاج: لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم، وكانت بصائرهم أيضا أنفذ. وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠] كلا الفريقين وعد الله الحسنى الجنة، وقرأ ابن عامر: وكل بالرفع على لغة من يقول: زيد ضربت. قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [الحديد: ١١] قال مقاتل: طيبة به نفسه. وقد تقدم تفسيرة في { [البقرة، قال أهل العلم: القرض الحسن أن يجمع عشرة أوصاف: أن يكون من الحلال، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «إن الله طيب، لا يقبل إلا الطيب». وقد قال أيضًا: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول». وأن يكون من أكرم ما يملك، دون أن يقصد الرديء بالإنفاق، لقوله تعالى:] وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [سورة البقرة: ٢٦٧]، وأن يتصدق وهو يحب المال ويرجو الحياة، لما روي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن أفضل الصدقة، فقال: " أن تعطيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر، ولا تمهل، حتى إذا بلغت التراقي، قلت: لفلان كذا ولفلان كذا ".

الحديد 57:8

هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [الحديد: ٤] مفسر في { [الأعراف، إلى قوله:] يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ} [سورة الحديد: ٤] وهو مفسر في [سبأ، إلى قوله:] وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [سورة الحديد: ٤] يعني: بالعلم والقدرة، فليس يخلو أحد من تعلق علم الله، وقدرته به، أين ما كان من أرض، وسماء، وبر، وبحر، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ {٧ وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٨ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ٩ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ١٠ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ١١ } [الحديد: ٧-١١]. آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحديد: ٧] يخاطب كفار قريش، وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد: ٧] يعني: المال الذي كان بيد غيرهم، فأهلكهم الله، وأعطى قريشًا ذلك المال، وكانوا فيه خلفاء عمن مضوا، ثم ذكر ثواب من أنفق في سبيل الله، بقوله: فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ [الحديد: ٧]. وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [الحديد: ٨] هذا استفهام إنكار، أي: أي شيء لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا بالله؟ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ [الحديد: ٨] حين أخرجكم من ظهر آدم، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد: ٨] بالحجة والدليل، فقد بان وظهر على يد محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببعثه، وإنزال القرآن عليه، ويدل على هذا قوله: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ [الحديد: ٩] محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، آيات بينات يعني: القرآن، ليخرجكم من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحديد: ٩] حين بعث الرسول، ونصب الأدلة. ثم حثهم على الإنفاق، فقال: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الحديد: ١٠] يقول: أي شيء لكم في ترك الإنفاق فيما يقرب من الله تعالى، وأنتم ميتون تاركون أموالكم، ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله، فقال: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد: ١٠] يعني: فتح مكة، قال مقاتل: لا يستوي في الفضل من أنفق ماله، وقاتل العدو من قبل فتح مكة، مع من أنفق من بعد وقاتل. قال الكلبي، في رواية محمد بن فضيل: نزلت في أبي بكر رضوان الله عليه، يدل على هذا أنه كان أول من أنفق المال على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سبيل الله، وأول من قاتل على الإسلام. قال ابن مسعود: أول من أظهر إسلامه بسيفه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر رضي الله عنه، وقد شهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإنفاق ماله قبل الفتح. ١١٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، نا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّلِيطِيُّ إِمْلاءً، نا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمٍ الْبَغْدَادِيُّ الْمُقْرِي، نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُحْرِمِيُّ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الشَّيْبَانِيُّ، نا الْعَلاءُ بْنُ عَمْرٍو أَبُو عَمْرٍو، نا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا عَلَى صَدْرِهِ بِخِلالٍ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأَقْرَأَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ السَّلامَ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا لِي أَرَى أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا عَلَى صَدْرِهِ بِخِلالٍ؟ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ أَنْفَقَ مَالَهُ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ عَلَيَّ، قَالَ: فَأَقْرِئْهُ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى السَّلامَ وَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ؟ فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ السَّلامَ، وَيَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ، قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: عَلَى رَبِّي أَغْضَبُ أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ، أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ وقوله: أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا [الحديد: ١٠] قال عطاء: درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها. قال الزجاج: لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم، وكانت بصائرهم أيضا أنفذ. وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠] كلا الفريقين وعد الله الحسنى الجنة، وقرأ ابن عامر: وكل بالرفع على لغة من يقول: زيد ضربت. قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [الحديد: ١١] قال مقاتل: طيبة به نفسه. وقد تقدم تفسيرة في { [البقرة، قال أهل العلم: القرض الحسن أن يجمع عشرة أوصاف: أن يكون من الحلال، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «إن الله طيب، لا يقبل إلا الطيب». وقد قال أيضًا: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول». وأن يكون من أكرم ما يملك، دون أن يقصد الرديء بالإنفاق، لقوله تعالى:] وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [سورة البقرة: ٢٦٧]، وأن يتصدق وهو يحب المال ويرجو الحياة، لما روي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن أفضل الصدقة، فقال: " أن تعطيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر، ولا تمهل، حتى إذا بلغت التراقي، قلت: لفلان كذا ولفلان كذا ".

الحديد 57:9

هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [الحديد: ٤] مفسر في { [الأعراف، إلى قوله:] يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ} [سورة الحديد: ٤] وهو مفسر في [سبأ، إلى قوله:] وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [سورة الحديد: ٤] يعني: بالعلم والقدرة، فليس يخلو أحد من تعلق علم الله، وقدرته به، أين ما كان من أرض، وسماء، وبر، وبحر، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ {٧ وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٨ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ٩ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ١٠ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ١١ } [الحديد: ٧-١١]. آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحديد: ٧] يخاطب كفار قريش، وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد: ٧] يعني: المال الذي كان بيد غيرهم، فأهلكهم الله، وأعطى قريشًا ذلك المال، وكانوا فيه خلفاء عمن مضوا، ثم ذكر ثواب من أنفق في سبيل الله، بقوله: فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ [الحديد: ٧]. وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [الحديد: ٨] هذا استفهام إنكار، أي: أي شيء لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا بالله؟ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ [الحديد: ٨] حين أخرجكم من ظهر آدم، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد: ٨] بالحجة والدليل، فقد بان وظهر على يد محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببعثه، وإنزال القرآن عليه، ويدل على هذا قوله: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ [الحديد: ٩] محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، آيات بينات يعني: القرآن، ليخرجكم من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحديد: ٩] حين بعث الرسول، ونصب الأدلة. ثم حثهم على الإنفاق، فقال: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الحديد: ١٠] يقول: أي شيء لكم في ترك الإنفاق فيما يقرب من الله تعالى، وأنتم ميتون تاركون أموالكم، ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله، فقال: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد: ١٠] يعني: فتح مكة، قال مقاتل: لا يستوي في الفضل من أنفق ماله، وقاتل العدو من قبل فتح مكة، مع من أنفق من بعد وقاتل. قال الكلبي، في رواية محمد بن فضيل: نزلت في أبي بكر رضوان الله عليه، يدل على هذا أنه كان أول من أنفق المال على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سبيل الله، وأول من قاتل على الإسلام. قال ابن مسعود: أول من أظهر إسلامه بسيفه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر رضي الله عنه، وقد شهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإنفاق ماله قبل الفتح. ١١٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، نا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّلِيطِيُّ إِمْلاءً، نا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمٍ الْبَغْدَادِيُّ الْمُقْرِي، نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُحْرِمِيُّ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الشَّيْبَانِيُّ، نا الْعَلاءُ بْنُ عَمْرٍو أَبُو عَمْرٍو، نا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا عَلَى صَدْرِهِ بِخِلالٍ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأَقْرَأَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ السَّلامَ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا لِي أَرَى أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا عَلَى صَدْرِهِ بِخِلالٍ؟ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ أَنْفَقَ مَالَهُ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ عَلَيَّ، قَالَ: فَأَقْرِئْهُ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى السَّلامَ وَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ؟ فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ السَّلامَ، وَيَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ، قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: عَلَى رَبِّي أَغْضَبُ أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ، أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ وقوله: أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا [الحديد: ١٠] قال عطاء: درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها. قال الزجاج: لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم، وكانت بصائرهم أيضا أنفذ. وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠] كلا الفريقين وعد الله الحسنى الجنة، وقرأ ابن عامر: وكل بالرفع على لغة من يقول: زيد ضربت. قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [الحديد: ١١] قال مقاتل: طيبة به نفسه. وقد تقدم تفسيرة في { [البقرة، قال أهل العلم: القرض الحسن أن يجمع عشرة أوصاف: أن يكون من الحلال، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «إن الله طيب، لا يقبل إلا الطيب». وقد قال أيضًا: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول». وأن يكون من أكرم ما يملك، دون أن يقصد الرديء بالإنفاق، لقوله تعالى:] وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [سورة البقرة: ٢٦٧]، وأن يتصدق وهو يحب المال ويرجو الحياة، لما روي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن أفضل الصدقة، فقال: " أن تعطيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر، ولا تمهل، حتى إذا بلغت التراقي، قلت: لفلان كذا ولفلان كذا ".

الحديد 57:10

هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [الحديد: ٤] مفسر في { [الأعراف، إلى قوله:] يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ} [سورة الحديد: ٤] وهو مفسر في [سبأ، إلى قوله:] وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [سورة الحديد: ٤] يعني: بالعلم والقدرة، فليس يخلو أحد من تعلق علم الله، وقدرته به، أين ما كان من أرض، وسماء، وبر، وبحر، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ {٧ وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٨ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ٩ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ١٠ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ١١ } [الحديد: ٧-١١]. آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحديد: ٧] يخاطب كفار قريش، وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد: ٧] يعني: المال الذي كان بيد غيرهم، فأهلكهم الله، وأعطى قريشًا ذلك المال، وكانوا فيه خلفاء عمن مضوا، ثم ذكر ثواب من أنفق في سبيل الله، بقوله: فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ [الحديد: ٧]. وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [الحديد: ٨] هذا استفهام إنكار، أي: أي شيء لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا بالله؟ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ [الحديد: ٨] حين أخرجكم من ظهر آدم، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد: ٨] بالحجة والدليل، فقد بان وظهر على يد محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببعثه، وإنزال القرآن عليه، ويدل على هذا قوله: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ [الحديد: ٩] محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، آيات بينات يعني: القرآن، ليخرجكم من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحديد: ٩] حين بعث الرسول، ونصب الأدلة. ثم حثهم على الإنفاق، فقال: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الحديد: ١٠] يقول: أي شيء لكم في ترك الإنفاق فيما يقرب من الله تعالى، وأنتم ميتون تاركون أموالكم، ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله، فقال: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد: ١٠] يعني: فتح مكة، قال مقاتل: لا يستوي في الفضل من أنفق ماله، وقاتل العدو من قبل فتح مكة، مع من أنفق من بعد وقاتل. قال الكلبي، في رواية محمد بن فضيل: نزلت في أبي بكر رضوان الله عليه، يدل على هذا أنه كان أول من أنفق المال على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سبيل الله، وأول من قاتل على الإسلام. قال ابن مسعود: أول من أظهر إسلامه بسيفه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر رضي الله عنه، وقد شهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإنفاق ماله قبل الفتح. ١١٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، نا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّلِيطِيُّ إِمْلاءً، نا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمٍ الْبَغْدَادِيُّ الْمُقْرِي، نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُحْرِمِيُّ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الشَّيْبَانِيُّ، نا الْعَلاءُ بْنُ عَمْرٍو أَبُو عَمْرٍو، نا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا عَلَى صَدْرِهِ بِخِلالٍ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأَقْرَأَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ السَّلامَ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا لِي أَرَى أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا عَلَى صَدْرِهِ بِخِلالٍ؟ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ أَنْفَقَ مَالَهُ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ عَلَيَّ، قَالَ: فَأَقْرِئْهُ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى السَّلامَ وَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ؟ فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ السَّلامَ، وَيَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ، قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: عَلَى رَبِّي أَغْضَبُ أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ، أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ وقوله: أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا [الحديد: ١٠] قال عطاء: درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها. قال الزجاج: لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم، وكانت بصائرهم أيضا أنفذ. وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠] كلا الفريقين وعد الله الحسنى الجنة، وقرأ ابن عامر: وكل بالرفع على لغة من يقول: زيد ضربت. قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [الحديد: ١١] قال مقاتل: طيبة به نفسه. وقد تقدم تفسيرة في { [البقرة، قال أهل العلم: القرض الحسن أن يجمع عشرة أوصاف: أن يكون من الحلال، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «إن الله طيب، لا يقبل إلا الطيب». وقد قال أيضًا: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول». وأن يكون من أكرم ما يملك، دون أن يقصد الرديء بالإنفاق، لقوله تعالى:] وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [سورة البقرة: ٢٦٧]، وأن يتصدق وهو يحب المال ويرجو الحياة، لما روي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن أفضل الصدقة، فقال: " أن تعطيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر، ولا تمهل، حتى إذا بلغت التراقي، قلت: لفلان كذا ولفلان كذا ".

الحديد 57:11

هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [الحديد: ٤] مفسر في { [الأعراف، إلى قوله:] يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ} [سورة الحديد: ٤] وهو مفسر في [سبأ، إلى قوله:] وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [سورة الحديد: ٤] يعني: بالعلم والقدرة، فليس يخلو أحد من تعلق علم الله، وقدرته به، أين ما كان من أرض، وسماء، وبر، وبحر، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ {٧ وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٨ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ٩ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ١٠ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ١١ } [الحديد: ٧-١١]. آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحديد: ٧] يخاطب كفار قريش، وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد: ٧] يعني: المال الذي كان بيد غيرهم، فأهلكهم الله، وأعطى قريشًا ذلك المال، وكانوا فيه خلفاء عمن مضوا، ثم ذكر ثواب من أنفق في سبيل الله، بقوله: فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ [الحديد: ٧]. وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [الحديد: ٨] هذا استفهام إنكار، أي: أي شيء لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا بالله؟ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ [الحديد: ٨] حين أخرجكم من ظهر آدم، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد: ٨] بالحجة والدليل، فقد بان وظهر على يد محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببعثه، وإنزال القرآن عليه، ويدل على هذا قوله: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ [الحديد: ٩] محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، آيات بينات يعني: القرآن، ليخرجكم من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحديد: ٩] حين بعث الرسول، ونصب الأدلة. ثم حثهم على الإنفاق، فقال: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الحديد: ١٠] يقول: أي شيء لكم في ترك الإنفاق فيما يقرب من الله تعالى، وأنتم ميتون تاركون أموالكم، ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله، فقال: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد: ١٠] يعني: فتح مكة، قال مقاتل: لا يستوي في الفضل من أنفق ماله، وقاتل العدو من قبل فتح مكة، مع من أنفق من بعد وقاتل. قال الكلبي، في رواية محمد بن فضيل: نزلت في أبي بكر رضوان الله عليه، يدل على هذا أنه كان أول من أنفق المال على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سبيل الله، وأول من قاتل على الإسلام. قال ابن مسعود: أول من أظهر إسلامه بسيفه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر رضي الله عنه، وقد شهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإنفاق ماله قبل الفتح. ١١٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، نا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّلِيطِيُّ إِمْلاءً، نا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمٍ الْبَغْدَادِيُّ الْمُقْرِي، نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُحْرِمِيُّ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الشَّيْبَانِيُّ، نا الْعَلاءُ بْنُ عَمْرٍو أَبُو عَمْرٍو، نا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا عَلَى صَدْرِهِ بِخِلالٍ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأَقْرَأَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ السَّلامَ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا لِي أَرَى أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا عَلَى صَدْرِهِ بِخِلالٍ؟ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ أَنْفَقَ مَالَهُ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ عَلَيَّ، قَالَ: فَأَقْرِئْهُ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى السَّلامَ وَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ؟ فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ السَّلامَ، وَيَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ، قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: عَلَى رَبِّي أَغْضَبُ أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ، أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ وقوله: أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا [الحديد: ١٠] قال عطاء: درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها. قال الزجاج: لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم، وكانت بصائرهم أيضا أنفذ. وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠] كلا الفريقين وعد الله الحسنى الجنة، وقرأ ابن عامر: وكل بالرفع على لغة من يقول: زيد ضربت. قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [الحديد: ١١] قال مقاتل: طيبة به نفسه. وقد تقدم تفسيرة في { [البقرة، قال أهل العلم: القرض الحسن أن يجمع عشرة أوصاف: أن يكون من الحلال، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «إن الله طيب، لا يقبل إلا الطيب». وقد قال أيضًا: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول». وأن يكون من أكرم ما يملك، دون أن يقصد الرديء بالإنفاق، لقوله تعالى:] وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [سورة البقرة: ٢٦٧]، وأن يتصدق وهو يحب المال ويرجو الحياة، لما روي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن أفضل الصدقة، فقال: " أن تعطيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر، ولا تمهل، حتى إذا بلغت التراقي، قلت: لفلان كذا ولفلان كذا ".

الحديد 57:12

وأن تضعه في الأحق الأحوج الأولى بأخذه، ولذلك خص الله تعالى أقوامًا بأخذ الصدقات وهم أهل السهمان، وأن يكتمه ما أمكن، لقوله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٧١]، وأن لا تتبعه المن والأذى، لقوله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة: ٢٦٤]، وأن يقصد به وجه الله تعالى، ولا يرائي بذلك، لأن المرائي مذموم على لسان الشرع، وأن يستحقر ما يعطي وإن كثر، لأن الدنيا كلها قليلة، لقوله تعالى: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ [النساء: ٧٧]، وأن تكون من أحب ماله، لقوله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢] فهذه أوصاف عشرة، إذا استكملتها الصدقة كانت قرضًا حسنًا إن شاء لله تعالى عز وجل، وقوله: وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد: ١١] يعني: الجنة. يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ {١٢ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ١٣ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ١٤ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ١٥ } [الحديد: ١٢-١٥]. يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [الحديد: ١٢] يعني: على الصراط يوم القيامة، وهو دليلهم إلى الجنة، قال قتادة: إن المؤمن يضيء له نوره، كما بين عدن إلى صنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدميه. وقال ابن مسعود: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، منهم من نوره مثل الجبل، وأدناهم نورًا نوره على إبهامه يطفئ مرة، ويوقد أخرى. وقوله: وَبِأَيْمَانِهِمْ [الحديد: ١٢] قال الضحاك، ومقاتل: وبأيمانهم كتبهم التي أعطوها، فكتبهم بأيمانهم، ونورهم بين أيديهم. وتقول لهم الملائكة: بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ [الحديد: ١٢] الآية. ثم ذكر حال المنافقين في ذلك اليوم، فقال: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ [الحديد: ١٣] الآية، قال أبو أمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة شديدة، ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نورًا، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا. فيمضي المؤمنون، ويقول المنافقون: لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: ١٣] قال الكلبي: يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور، فإذا سبقهم المؤمنون، قال: انظرونا نقتبس من نوركم، أي: انتظرونا، ونظر بمعنى: انتظر، كثير في التنزيل. وقرأ حمزة: انظرونا بقطع الألف من الإنظار، قال الزجاج: معناه: انتظرونا أيضًا، وأنشد بيت عمرو بن كلثوم:أبا هند فلا تعجل علينا وانظرنا نخبرك اليقينا قوله: قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ [الحديد: ١٣] قال ابن عباس: يقول المؤمنون لهم. وقال مقاتل: قالت لهم الملائكة: ارجعوا وراءكم، من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا نورًا. فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور، فلا يجدون شيئًا، فينصرفون إليهم ليلحقوهم، فيميز بينهم وبين المؤمنين، وهو قوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ [الحديد: ١٣] أي: بين المؤمنين والمنافقين، بِسُورٍ [الحديد: ١٣] وهو الحائط، له لذلك السور، بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ [الحديد: ١٣] في باطن ذلك السور الرحمة، وهي: الجنة التي فيها المؤمنين، وظاهره وخارج السور، مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد: ١٣] أي: من قبله يأتيهم العذاب، يعني: جهنم والنار، قال قتادة: هو حائط بين الجنة والنور. والمعنى: أن المؤمنين يسبقونهم فيدخلون الجنة، والمنافقون يحصلون في العذاب والنار، وبينهم السور الذي ذكره الله تعالى. يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [الحديد: ١٤] وهو أن المؤمنين إذا فاتوا المنافقين ينادونهم من وراء السور، أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [الحديد: ١٤] نصلي بصلاتكم في مساجدكم، قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ [الحديد: ١٤] استعملتموها في الكفر، والمعاصي، والشهوات، وكلها فتنة، وَتَرَبَّصْتُمْ [الحديد: ١٤] بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الموت، وقلتم: يوشك أن يموت، فنستريح منه، وَارْتَبْتُمْ [الحديد: ١٤] شككتم في نبوته، وفيما أوعدكم، وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ [الحديد: ١٤] يعني: ما كانوا يتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين، حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ [الحديد: ١٤] يعني: الموت، قال قتادة: ما زالوا في خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار. وهو قوله: وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد: ١٤] أي: وغركم الشيطان بحلم الله، وإمهاله. فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ [الحديد: ١٥] بدل بأن تفدوا أنفسكم من العذاب، مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ [الحديد: ١٥] هي أولى بكم لما أسلفتم من الذنوب والمعاصي، والمعنى: أنها هي التي تلي عليكم، لأنها قد ملكت أمركم، فهي أولى بكم من كل شيء.

الحديد 57:13

وأن تضعه في الأحق الأحوج الأولى بأخذه، ولذلك خص الله تعالى أقوامًا بأخذ الصدقات وهم أهل السهمان، وأن يكتمه ما أمكن، لقوله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٧١]، وأن لا تتبعه المن والأذى، لقوله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة: ٢٦٤]، وأن يقصد به وجه الله تعالى، ولا يرائي بذلك، لأن المرائي مذموم على لسان الشرع، وأن يستحقر ما يعطي وإن كثر، لأن الدنيا كلها قليلة، لقوله تعالى: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ [النساء: ٧٧]، وأن تكون من أحب ماله، لقوله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢] فهذه أوصاف عشرة، إذا استكملتها الصدقة كانت قرضًا حسنًا إن شاء لله تعالى عز وجل، وقوله: وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد: ١١] يعني: الجنة. يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ {١٢ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ١٣ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ١٤ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ١٥ } [الحديد: ١٢-١٥]. يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [الحديد: ١٢] يعني: على الصراط يوم القيامة، وهو دليلهم إلى الجنة، قال قتادة: إن المؤمن يضيء له نوره، كما بين عدن إلى صنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدميه. وقال ابن مسعود: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، منهم من نوره مثل الجبل، وأدناهم نورًا نوره على إبهامه يطفئ مرة، ويوقد أخرى. وقوله: وَبِأَيْمَانِهِمْ [الحديد: ١٢] قال الضحاك، ومقاتل: وبأيمانهم كتبهم التي أعطوها، فكتبهم بأيمانهم، ونورهم بين أيديهم. وتقول لهم الملائكة: بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ [الحديد: ١٢] الآية. ثم ذكر حال المنافقين في ذلك اليوم، فقال: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ [الحديد: ١٣] الآية، قال أبو أمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة شديدة، ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نورًا، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا. فيمضي المؤمنون، ويقول المنافقون: لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: ١٣] قال الكلبي: يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور، فإذا سبقهم المؤمنون، قال: انظرونا نقتبس من نوركم، أي: انتظرونا، ونظر بمعنى: انتظر، كثير في التنزيل. وقرأ حمزة: انظرونا بقطع الألف من الإنظار، قال الزجاج: معناه: انتظرونا أيضًا، وأنشد بيت عمرو بن كلثوم:أبا هند فلا تعجل علينا وانظرنا نخبرك اليقينا قوله: قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ [الحديد: ١٣] قال ابن عباس: يقول المؤمنون لهم. وقال مقاتل: قالت لهم الملائكة: ارجعوا وراءكم، من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا نورًا. فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور، فلا يجدون شيئًا، فينصرفون إليهم ليلحقوهم، فيميز بينهم وبين المؤمنين، وهو قوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ [الحديد: ١٣] أي: بين المؤمنين والمنافقين، بِسُورٍ [الحديد: ١٣] وهو الحائط، له لذلك السور، بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ [الحديد: ١٣] في باطن ذلك السور الرحمة، وهي: الجنة التي فيها المؤمنين، وظاهره وخارج السور، مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد: ١٣] أي: من قبله يأتيهم العذاب، يعني: جهنم والنار، قال قتادة: هو حائط بين الجنة والنور. والمعنى: أن المؤمنين يسبقونهم فيدخلون الجنة، والمنافقون يحصلون في العذاب والنار، وبينهم السور الذي ذكره الله تعالى. يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [الحديد: ١٤] وهو أن المؤمنين إذا فاتوا المنافقين ينادونهم من وراء السور، أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [الحديد: ١٤] نصلي بصلاتكم في مساجدكم، قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ [الحديد: ١٤] استعملتموها في الكفر، والمعاصي، والشهوات، وكلها فتنة، وَتَرَبَّصْتُمْ [الحديد: ١٤] بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الموت، وقلتم: يوشك أن يموت، فنستريح منه، وَارْتَبْتُمْ [الحديد: ١٤] شككتم في نبوته، وفيما أوعدكم، وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ [الحديد: ١٤] يعني: ما كانوا يتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين، حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ [الحديد: ١٤] يعني: الموت، قال قتادة: ما زالوا في خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار. وهو قوله: وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد: ١٤] أي: وغركم الشيطان بحلم الله، وإمهاله. فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ [الحديد: ١٥] بدل بأن تفدوا أنفسكم من العذاب، مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ [الحديد: ١٥] هي أولى بكم لما أسلفتم من الذنوب والمعاصي، والمعنى: أنها هي التي تلي عليكم، لأنها قد ملكت أمركم، فهي أولى بكم من كل شيء.

الحديد 57:14

وأن تضعه في الأحق الأحوج الأولى بأخذه، ولذلك خص الله تعالى أقوامًا بأخذ الصدقات وهم أهل السهمان، وأن يكتمه ما أمكن، لقوله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٧١]، وأن لا تتبعه المن والأذى، لقوله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة: ٢٦٤]، وأن يقصد به وجه الله تعالى، ولا يرائي بذلك، لأن المرائي مذموم على لسان الشرع، وأن يستحقر ما يعطي وإن كثر، لأن الدنيا كلها قليلة، لقوله تعالى: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ [النساء: ٧٧]، وأن تكون من أحب ماله، لقوله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢] فهذه أوصاف عشرة، إذا استكملتها الصدقة كانت قرضًا حسنًا إن شاء لله تعالى عز وجل، وقوله: وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد: ١١] يعني: الجنة. يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ {١٢ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ١٣ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ١٤ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ١٥ } [الحديد: ١٢-١٥]. يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [الحديد: ١٢] يعني: على الصراط يوم القيامة، وهو دليلهم إلى الجنة، قال قتادة: إن المؤمن يضيء له نوره، كما بين عدن إلى صنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدميه. وقال ابن مسعود: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، منهم من نوره مثل الجبل، وأدناهم نورًا نوره على إبهامه يطفئ مرة، ويوقد أخرى. وقوله: وَبِأَيْمَانِهِمْ [الحديد: ١٢] قال الضحاك، ومقاتل: وبأيمانهم كتبهم التي أعطوها، فكتبهم بأيمانهم، ونورهم بين أيديهم. وتقول لهم الملائكة: بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ [الحديد: ١٢] الآية. ثم ذكر حال المنافقين في ذلك اليوم، فقال: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ [الحديد: ١٣] الآية، قال أبو أمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة شديدة، ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نورًا، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا. فيمضي المؤمنون، ويقول المنافقون: لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: ١٣] قال الكلبي: يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور، فإذا سبقهم المؤمنون، قال: انظرونا نقتبس من نوركم، أي: انتظرونا، ونظر بمعنى: انتظر، كثير في التنزيل. وقرأ حمزة: انظرونا بقطع الألف من الإنظار، قال الزجاج: معناه: انتظرونا أيضًا، وأنشد بيت عمرو بن كلثوم:أبا هند فلا تعجل علينا وانظرنا نخبرك اليقينا قوله: قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ [الحديد: ١٣] قال ابن عباس: يقول المؤمنون لهم. وقال مقاتل: قالت لهم الملائكة: ارجعوا وراءكم، من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا نورًا. فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور، فلا يجدون شيئًا، فينصرفون إليهم ليلحقوهم، فيميز بينهم وبين المؤمنين، وهو قوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ [الحديد: ١٣] أي: بين المؤمنين والمنافقين، بِسُورٍ [الحديد: ١٣] وهو الحائط، له لذلك السور، بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ [الحديد: ١٣] في باطن ذلك السور الرحمة، وهي: الجنة التي فيها المؤمنين، وظاهره وخارج السور، مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد: ١٣] أي: من قبله يأتيهم العذاب، يعني: جهنم والنار، قال قتادة: هو حائط بين الجنة والنور. والمعنى: أن المؤمنين يسبقونهم فيدخلون الجنة، والمنافقون يحصلون في العذاب والنار، وبينهم السور الذي ذكره الله تعالى. يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [الحديد: ١٤] وهو أن المؤمنين إذا فاتوا المنافقين ينادونهم من وراء السور، أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [الحديد: ١٤] نصلي بصلاتكم في مساجدكم، قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ [الحديد: ١٤] استعملتموها في الكفر، والمعاصي، والشهوات، وكلها فتنة، وَتَرَبَّصْتُمْ [الحديد: ١٤] بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الموت، وقلتم: يوشك أن يموت، فنستريح منه، وَارْتَبْتُمْ [الحديد: ١٤] شككتم في نبوته، وفيما أوعدكم، وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ [الحديد: ١٤] يعني: ما كانوا يتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين، حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ [الحديد: ١٤] يعني: الموت، قال قتادة: ما زالوا في خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار. وهو قوله: وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد: ١٤] أي: وغركم الشيطان بحلم الله، وإمهاله. فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ [الحديد: ١٥] بدل بأن تفدوا أنفسكم من العذاب، مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ [الحديد: ١٥] هي أولى بكم لما أسلفتم من الذنوب والمعاصي، والمعنى: أنها هي التي تلي عليكم، لأنها قد ملكت أمركم، فهي أولى بكم من كل شيء.

الحديد 57:15

وأن تضعه في الأحق الأحوج الأولى بأخذه، ولذلك خص الله تعالى أقوامًا بأخذ الصدقات وهم أهل السهمان، وأن يكتمه ما أمكن، لقوله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٧١]، وأن لا تتبعه المن والأذى، لقوله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة: ٢٦٤]، وأن يقصد به وجه الله تعالى، ولا يرائي بذلك، لأن المرائي مذموم على لسان الشرع، وأن يستحقر ما يعطي وإن كثر، لأن الدنيا كلها قليلة، لقوله تعالى: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ [النساء: ٧٧]، وأن تكون من أحب ماله، لقوله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢] فهذه أوصاف عشرة، إذا استكملتها الصدقة كانت قرضًا حسنًا إن شاء لله تعالى عز وجل، وقوله: وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد: ١١] يعني: الجنة. يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ {١٢ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ١٣ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ١٤ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ١٥ } [الحديد: ١٢-١٥]. يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [الحديد: ١٢] يعني: على الصراط يوم القيامة، وهو دليلهم إلى الجنة، قال قتادة: إن المؤمن يضيء له نوره، كما بين عدن إلى صنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدميه. وقال ابن مسعود: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، منهم من نوره مثل الجبل، وأدناهم نورًا نوره على إبهامه يطفئ مرة، ويوقد أخرى. وقوله: وَبِأَيْمَانِهِمْ [الحديد: ١٢] قال الضحاك، ومقاتل: وبأيمانهم كتبهم التي أعطوها، فكتبهم بأيمانهم، ونورهم بين أيديهم. وتقول لهم الملائكة: بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ [الحديد: ١٢] الآية. ثم ذكر حال المنافقين في ذلك اليوم، فقال: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ [الحديد: ١٣] الآية، قال أبو أمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة شديدة، ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نورًا، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا. فيمضي المؤمنون، ويقول المنافقون: لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: ١٣] قال الكلبي: يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور، فإذا سبقهم المؤمنون، قال: انظرونا نقتبس من نوركم، أي: انتظرونا، ونظر بمعنى: انتظر، كثير في التنزيل. وقرأ حمزة: انظرونا بقطع الألف من الإنظار، قال الزجاج: معناه: انتظرونا أيضًا، وأنشد بيت عمرو بن كلثوم:أبا هند فلا تعجل علينا وانظرنا نخبرك اليقينا قوله: قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ [الحديد: ١٣] قال ابن عباس: يقول المؤمنون لهم. وقال مقاتل: قالت لهم الملائكة: ارجعوا وراءكم، من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا نورًا. فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور، فلا يجدون شيئًا، فينصرفون إليهم ليلحقوهم، فيميز بينهم وبين المؤمنين، وهو قوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ [الحديد: ١٣] أي: بين المؤمنين والمنافقين، بِسُورٍ [الحديد: ١٣] وهو الحائط، له لذلك السور، بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ [الحديد: ١٣] في باطن ذلك السور الرحمة، وهي: الجنة التي فيها المؤمنين، وظاهره وخارج السور، مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد: ١٣] أي: من قبله يأتيهم العذاب، يعني: جهنم والنار، قال قتادة: هو حائط بين الجنة والنور. والمعنى: أن المؤمنين يسبقونهم فيدخلون الجنة، والمنافقون يحصلون في العذاب والنار، وبينهم السور الذي ذكره الله تعالى. يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [الحديد: ١٤] وهو أن المؤمنين إذا فاتوا المنافقين ينادونهم من وراء السور، أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [الحديد: ١٤] نصلي بصلاتكم في مساجدكم، قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ [الحديد: ١٤] استعملتموها في الكفر، والمعاصي، والشهوات، وكلها فتنة، وَتَرَبَّصْتُمْ [الحديد: ١٤] بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الموت، وقلتم: يوشك أن يموت، فنستريح منه، وَارْتَبْتُمْ [الحديد: ١٤] شككتم في نبوته، وفيما أوعدكم، وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ [الحديد: ١٤] يعني: ما كانوا يتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين، حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ [الحديد: ١٤] يعني: الموت، قال قتادة: ما زالوا في خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار. وهو قوله: وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد: ١٤] أي: وغركم الشيطان بحلم الله، وإمهاله. فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ [الحديد: ١٥] بدل بأن تفدوا أنفسكم من العذاب، مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ [الحديد: ١٥] هي أولى بكم لما أسلفتم من الذنوب والمعاصي، والمعنى: أنها هي التي تلي عليكم، لأنها قد ملكت أمركم، فهي أولى بكم من كل شيء.

الحديد 57:16

قوله: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ {١٦ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ١٧ } [الحديد: ١٦-١٧]. أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحديد: ١٦] يقال: أني لك يأني إنى إذا حان، يقول: أما حان للمؤمنين، أَنْ تَخْشَعَ [الحديد: ١٦] ترق، وتلين قلوبهم، لذكر الله أي: يجب أن يورثهم الذكر خشوعًا، وَلا يَكُونُوا [الحديد: ١٦] كمن يذكره بالغفلة فلا يخشع قلبه للذكر. قال ابن مسعود: لم يكن بين إسلامهم وبين أن أعلمهم الله بهذه الآية إلا أربع سنين. وقال الزجاج: نزلت في طائفة من المؤمنين، حثوا على الرقة والخشوع، فأما من وصفهم الله تعالى بالرقة والخشوع فطبقة من المؤمنين فوق هؤلاء. وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد: ١٦] يعني: القرآن، ومن قرأ بالتخفيف فالمعنى فيهما واحد، لأنه لا ينزل إلا بأن ينزله الله تعالى، وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ [الحديد: ١٦] يعني: اليهود والنصارى، فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ [الحديد: ١٦] الزمان بينهم وبين أنبيائهم، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الحديد: ١٦] قال ابن عباس: مالوا إلى الدنيا، وأعرضوا عن مواعظ الله. والمعنى: أنه ينهى المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود والنصارى، الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر، ولهذا قال القرظي: يجب أن يزداد المؤمن إيمانًا، ويقينًا، وإخلاصًا في طول صحبة الكتاب. ١١٦٧ - أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ الصُّوفِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو الْوَلِيدِ، نا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَ أَبُو مُوسَى إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثَلاثُ مِائَةِ رَجُلٍ قَدْ قَرَأُوا الْقُرْآنَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ، فَاتْلُوهُ وَلا يَطُولَنَّ الأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ كَمَا قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: ١٦] يعني: الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد عليهما السلام.

الحديد 57:17

قوله: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ {١٦ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ١٧ } [الحديد: ١٦-١٧]. أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحديد: ١٦] يقال: أني لك يأني إنى إذا حان، يقول: أما حان للمؤمنين، أَنْ تَخْشَعَ [الحديد: ١٦] ترق، وتلين قلوبهم، لذكر الله أي: يجب أن يورثهم الذكر خشوعًا، وَلا يَكُونُوا [الحديد: ١٦] كمن يذكره بالغفلة فلا يخشع قلبه للذكر. قال ابن مسعود: لم يكن بين إسلامهم وبين أن أعلمهم الله بهذه الآية إلا أربع سنين. وقال الزجاج: نزلت في طائفة من المؤمنين، حثوا على الرقة والخشوع، فأما من وصفهم الله تعالى بالرقة والخشوع فطبقة من المؤمنين فوق هؤلاء. وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد: ١٦] يعني: القرآن، ومن قرأ بالتخفيف فالمعنى فيهما واحد، لأنه لا ينزل إلا بأن ينزله الله تعالى، وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ [الحديد: ١٦] يعني: اليهود والنصارى، فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ [الحديد: ١٦] الزمان بينهم وبين أنبيائهم، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الحديد: ١٦] قال ابن عباس: مالوا إلى الدنيا، وأعرضوا عن مواعظ الله. والمعنى: أنه ينهى المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود والنصارى، الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر، ولهذا قال القرظي: يجب أن يزداد المؤمن إيمانًا، ويقينًا، وإخلاصًا في طول صحبة الكتاب. ١١٦٧ - أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ الصُّوفِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو الْوَلِيدِ، نا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَ أَبُو مُوسَى إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثَلاثُ مِائَةِ رَجُلٍ قَدْ قَرَأُوا الْقُرْآنَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ، فَاتْلُوهُ وَلا يَطُولَنَّ الأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ كَمَا قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: ١٦] يعني: الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد عليهما السلام.

الحديد 57:18

إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ {١٨ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ١٩ } [الحديد: ١٨-١٩]. إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ [الحديد: ١٨] قرأه العامة بتشديد الصاد، على معنى: المتصدقين، فأدغمت التاء في الصاد، ومن قرأ بالتخفيف فهو من التصديق الذي هو بمعنى: الإيمان، ومعناه: إن المؤمنين والمؤمنات، وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [الحديد: ١٨] تقدم تفسيره، يضاعف لهم ذلك القرض الحسن، بأن أثبت لهم أضعافه، وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد: ١٨] ثواب حسن. وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ [الحديد: ١٩] قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله فهو صديقه ثم قرأ هذه الآية. وقال المقاتلان: هم الذين لم يشكوا في الرسل حين أخبروهم، ولم يكذبوهم ساعة. وقال الضحاك: وهم ثمانية نفر من هذه الأمة، سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام: أبو بكر، وعلي، وزيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وحمزة، وتاسعهم عمر ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته. وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الحديد: ١٩] يعني: أولئك هم الشهداء عند ربهم، وقال مسروق: هذه الآية للشهداء خاصة، وهم الأنبياء الذين يشهدون للأمم وعليهم. وهذا قول مقاتل بن حيان، واختيار الفراء، والزجاج، وقال مقاتل بن سليمان، وابن جرير يعني: الذين استشهدوا في سبيل الله.

الحديد 57:19

إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ {١٨ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ١٩ } [الحديد: ١٨-١٩]. إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ [الحديد: ١٨] قرأه العامة بتشديد الصاد، على معنى: المتصدقين، فأدغمت التاء في الصاد، ومن قرأ بالتخفيف فهو من التصديق الذي هو بمعنى: الإيمان، ومعناه: إن المؤمنين والمؤمنات، وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [الحديد: ١٨] تقدم تفسيره، يضاعف لهم ذلك القرض الحسن، بأن أثبت لهم أضعافه، وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد: ١٨] ثواب حسن. وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ [الحديد: ١٩] قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله فهو صديقه ثم قرأ هذه الآية. وقال المقاتلان: هم الذين لم يشكوا في الرسل حين أخبروهم، ولم يكذبوهم ساعة. وقال الضحاك: وهم ثمانية نفر من هذه الأمة، سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام: أبو بكر، وعلي، وزيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وحمزة، وتاسعهم عمر ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته. وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الحديد: ١٩] يعني: أولئك هم الشهداء عند ربهم، وقال مسروق: هذه الآية للشهداء خاصة، وهم الأنبياء الذين يشهدون للأمم وعليهم. وهذا قول مقاتل بن حيان، واختيار الفراء، والزجاج، وقال مقاتل بن سليمان، وابن جرير يعني: الذين استشهدوا في سبيل الله.

الحديد 57:20

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ {٢٠ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ٢١ } [الحديد: ٢٠-٢١]. وقوله: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [الحديد: ٢٠] يعني: الحياة في هذه الدار، لَعِبٌ وَلَهْوٌ [الحديد: ٢٠] يعني: حياة الكافر تكون باطلًا وغرورًا، لأنها في غير طاعة الله تعالى، وهي تنقضي عن قريب، وَزِينَةٌ [الحديد: ٢٠] يعني: أن الكافر يشتغل في جميع حياته بالتزين للدنيا، دون العمل للآخرة، وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ [الحديد: ٢٠] قال ابن عباس: يفاخر الرجل قريبه وجاره. وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ [الحديد: ٢٠] قال: يجمع ما لا يحل له تكاثرًا به، ويتطاول على أولياء الله بماله، وخدمه، وولده. والمعنى: أنه يفني عمره في هذه الأشياء، ثم بين أن لهذه الحياة الدنيا شبها، فقال: كَمَثَلِ غَيْثٍ [الحديد: ٢٠] يعني: مطرًا، أَعْجَبَ الْكُفَّارَ [الحديد: ٢٠] الزراع، نَبَاتُهُ [الحديد: ٢٠] ما ينبت من ذلك الغيث، ثُمَّ يَهِيجُ [الحديد: ٢٠] ييبس، فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا [الحديد: ٢٠] بعد خضرته وريه، ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا [الحديد: ٢٠] يتحطم، وينكسر بعد يبسه، وشرح هذا المثل للحياة الدنيا قد تقدم في قوله: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ [الكهف: ٤٥] الآية، وفي [يونس أيضًا،] وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ [سورة الحديد: ٢٠] قال مقاتل: لأعداء الله. وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ [الحديد: ٢٠] لأولياه، وأهل طاعته، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد: ٢٠] لمن اغتر بها، ولم يعمل لآخرته، قال سعيد بن جبير: متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة، ومن اشغل بطلبها فله متاع بلاغ إلى ما هو خير منه. قوله: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد: ٢١] الآية تقدم تفسيرها في [آل عمران، وقوله:] أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [سورة الحديد: ٢١] في هذا أعظم رجاء، إذ ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن، ولم يذكر مع الإيمان شيئًا آخر، ثم قال: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [الحديد: ٢١] فبين أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله.

الحديد 57:21

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ {٢٠ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ٢١ } [الحديد: ٢٠-٢١]. وقوله: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [الحديد: ٢٠] يعني: الحياة في هذه الدار، لَعِبٌ وَلَهْوٌ [الحديد: ٢٠] يعني: حياة الكافر تكون باطلًا وغرورًا، لأنها في غير طاعة الله تعالى، وهي تنقضي عن قريب، وَزِينَةٌ [الحديد: ٢٠] يعني: أن الكافر يشتغل في جميع حياته بالتزين للدنيا، دون العمل للآخرة، وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ [الحديد: ٢٠] قال ابن عباس: يفاخر الرجل قريبه وجاره. وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ [الحديد: ٢٠] قال: يجمع ما لا يحل له تكاثرًا به، ويتطاول على أولياء الله بماله، وخدمه، وولده. والمعنى: أنه يفني عمره في هذه الأشياء، ثم بين أن لهذه الحياة الدنيا شبها، فقال: كَمَثَلِ غَيْثٍ [الحديد: ٢٠] يعني: مطرًا، أَعْجَبَ الْكُفَّارَ [الحديد: ٢٠] الزراع، نَبَاتُهُ [الحديد: ٢٠] ما ينبت من ذلك الغيث، ثُمَّ يَهِيجُ [الحديد: ٢٠] ييبس، فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا [الحديد: ٢٠] بعد خضرته وريه، ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا [الحديد: ٢٠] يتحطم، وينكسر بعد يبسه، وشرح هذا المثل للحياة الدنيا قد تقدم في قوله: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ [الكهف: ٤٥] الآية، وفي [يونس أيضًا،] وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ [سورة الحديد: ٢٠] قال مقاتل: لأعداء الله. وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ [الحديد: ٢٠] لأولياه، وأهل طاعته، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد: ٢٠] لمن اغتر بها، ولم يعمل لآخرته، قال سعيد بن جبير: متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة، ومن اشغل بطلبها فله متاع بلاغ إلى ما هو خير منه. قوله: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد: ٢١] الآية تقدم تفسيرها في [آل عمران، وقوله:] أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [سورة الحديد: ٢١] في هذا أعظم رجاء، إذ ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن، ولم يذكر مع الإيمان شيئًا آخر، ثم قال: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [الحديد: ٢١] فبين أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله.

الحديد 57:22

مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ {٢٢ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ٢٣ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ٢٤ } [الحديد: ٢٢-٢٤]. مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ [الحديد: ٢٢] يعني: قحط المطر، وقلة النبات، ونقص الثمار، وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ [الحديد: ٢٢] يعني: الأمراض، وفقد الأولاد، إِلا فِي كِتَابٍ [الحديد: ٢٢] يعني: اللوح المحفوظ، مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد: ٢٢] بخلق الأنفس، يعني: أنه أثبتها في اللوح المحفوظ، وقدرها قبل خلق الأنفس، إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: ٢٢] يعني: إثبات ذلك على كثرته هين على الله. لِكَيْلا تَأْسَوْا [الحديد: ٢٣] تحزنوا، عَلَى مَا فَاتَكُمْ [الحديد: ٢٣] من الدنيا، وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد: ٢٣] بما أعطاكم الله منها، والذي يوجب نفي الأسى والفرح من هذا أن الإنسان إذا علم أن ما قضي عليه من مفرح أو محزن سيصيبه لا محالة، قل فرحه وحزنه لعلمه بذلك قبل وقوعه، وقرأ أبو عمرو بما أتاكم مقصورًا، من الإتيان عادل به، فاتكم ونقيض الفوت الإتيان، قال ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا للمصيبة صبرًا، وللخير شكرًا. وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: ٢٣] ذم للفرح الذي يختال فيه صاحبه، ويبطر. الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [الحديد: ٢٤] مفسر في [النساء، ومن يتول أي: عن الإيمان، فإن الله غني عن عبادته، حميد إلى أوليائه، وقرأه العامة:] فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ [سورة الحديد: ٢٤] وقرأ ابن عامر فإن الله الغني، فمن أثبت هو كان فصلًا ولم يكن مبتدأ، ومن حذف قال: فلأن الفصل حذفه سهل، ألا ترى أنه لا موضع للفصل من الإعراب، فحذفه لا يخل بالمعنى.

الحديد 57:23

مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ {٢٢ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ٢٣ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ٢٤ } [الحديد: ٢٢-٢٤]. مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ [الحديد: ٢٢] يعني: قحط المطر، وقلة النبات، ونقص الثمار، وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ [الحديد: ٢٢] يعني: الأمراض، وفقد الأولاد، إِلا فِي كِتَابٍ [الحديد: ٢٢] يعني: اللوح المحفوظ، مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد: ٢٢] بخلق الأنفس، يعني: أنه أثبتها في اللوح المحفوظ، وقدرها قبل خلق الأنفس، إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: ٢٢] يعني: إثبات ذلك على كثرته هين على الله. لِكَيْلا تَأْسَوْا [الحديد: ٢٣] تحزنوا، عَلَى مَا فَاتَكُمْ [الحديد: ٢٣] من الدنيا، وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد: ٢٣] بما أعطاكم الله منها، والذي يوجب نفي الأسى والفرح من هذا أن الإنسان إذا علم أن ما قضي عليه من مفرح أو محزن سيصيبه لا محالة، قل فرحه وحزنه لعلمه بذلك قبل وقوعه، وقرأ أبو عمرو بما أتاكم مقصورًا، من الإتيان عادل به، فاتكم ونقيض الفوت الإتيان، قال ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا للمصيبة صبرًا، وللخير شكرًا. وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: ٢٣] ذم للفرح الذي يختال فيه صاحبه، ويبطر. الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [الحديد: ٢٤] مفسر في [النساء، ومن يتول أي: عن الإيمان، فإن الله غني عن عبادته، حميد إلى أوليائه، وقرأه العامة:] فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ [سورة الحديد: ٢٤] وقرأ ابن عامر فإن الله الغني، فمن أثبت هو كان فصلًا ولم يكن مبتدأ، ومن حذف قال: فلأن الفصل حذفه سهل، ألا ترى أنه لا موضع للفصل من الإعراب، فحذفه لا يخل بالمعنى.

الحديد 57:24

مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ {٢٢ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ٢٣ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ٢٤ } [الحديد: ٢٢-٢٤]. مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ [الحديد: ٢٢] يعني: قحط المطر، وقلة النبات، ونقص الثمار، وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ [الحديد: ٢٢] يعني: الأمراض، وفقد الأولاد، إِلا فِي كِتَابٍ [الحديد: ٢٢] يعني: اللوح المحفوظ، مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد: ٢٢] بخلق الأنفس، يعني: أنه أثبتها في اللوح المحفوظ، وقدرها قبل خلق الأنفس، إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: ٢٢] يعني: إثبات ذلك على كثرته هين على الله. لِكَيْلا تَأْسَوْا [الحديد: ٢٣] تحزنوا، عَلَى مَا فَاتَكُمْ [الحديد: ٢٣] من الدنيا، وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد: ٢٣] بما أعطاكم الله منها، والذي يوجب نفي الأسى والفرح من هذا أن الإنسان إذا علم أن ما قضي عليه من مفرح أو محزن سيصيبه لا محالة، قل فرحه وحزنه لعلمه بذلك قبل وقوعه، وقرأ أبو عمرو بما أتاكم مقصورًا، من الإتيان عادل به، فاتكم ونقيض الفوت الإتيان، قال ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا للمصيبة صبرًا، وللخير شكرًا. وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: ٢٣] ذم للفرح الذي يختال فيه صاحبه، ويبطر. الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [الحديد: ٢٤] مفسر في [النساء، ومن يتول أي: عن الإيمان، فإن الله غني عن عبادته، حميد إلى أوليائه، وقرأه العامة:] فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ [سورة الحديد: ٢٤] وقرأ ابن عامر فإن الله الغني، فمن أثبت هو كان فصلًا ولم يكن مبتدأ، ومن حذف قال: فلأن الفصل حذفه سهل، ألا ترى أنه لا موضع للفصل من الإعراب، فحذفه لا يخل بالمعنى.

الحديد 57:25

قوله: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد: ٢٥]. لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ [الحديد: ٢٥] بالآيات والحجج، وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ [الحديد: ٢٥] الذي يتضمن الأحكام، والميزان قال قتادة، ومقاتل بن حيان: الميزان العدل. ويكون المعنى: وأمرنا بالعدل، وهذا كقوله: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ [الشورى: ١٧] وقال مقاتل بن سليمان: هو ما يوزن به. ويكون المعنى على هذا القول: ووضعنا الميزان، أي: أمرنا به، كقوله: وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ [الرحمن: ٧]، لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: ٢٥] ليتبعوا ما أمروا به من العدل، فيعاملوا بينهم بالنصفة، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد: ٢٥] روى ابن عمر، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «إن الله عز وجل أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض، أنزل الحديد، والنار، والماء، والملح». وقال أهل المعاني: معنى وأنزلنا الحديد: أنشأناه وأحدثناه، كقوله تعالى: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر: ٦]. وهذا معنى قول مقاتل: بأمرنا كان الحديد. وقال قطرب: معنى أنزلنا ههنا: هيأنا، وخلقنا من النزل، وهو ما يهيأ للضيف. والمعنى: أنعمنا بالحديد، وجعلناه مهيأ لكم، فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: ٢٥] قال الزجاج: يمتنع به ويحارب. والمعنى أنه يتخذ منه آلتان للحرب، آلة الدفع، وآلة الضرب، كما قال مجاهد: فيه جنة وسلاح. ومنافع للناس ما ينتفعون به في معاشهم مثل السكين، والفأس، والإبرة، وليعلم الله معطوف على قوله: ليقوم الناس أي: ليعامل بالعدل، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحديد: ٢٥] وذلك أن الله تعالى أمر في الكتاب الذي أنزل بنصرة دينه ورسله، فمن نصر دينه ورسله علمه ناصرًا، ومن عصى علمه بخلاف ذلك، وقوله: بالغيب أي: ولم ير الله، ولا أحكام الآخرة، وإنما يحمد ويثاب إذا أطاع بالغيب، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ [الحديد: ٢٥] في أمره، عزيز في ملكه.

الحديد 57:26

وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ {٢٦ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ٢٧ } [الحديد: ٢٦-٢٧]. وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [الحديد: ٢٧] يعني: الحواريين، وأتباعهم اتبعوا عيسى، رأفة ورحمة يعني: المودة، كانوا متوادين بعضهم لبعض، كما وصف الله تعالى أصحاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: رحماء بينهم، وقوله: ورهبانية ليس بعطف على ما قبله، وانتصابه بفعل مضمر يدل عليه ما بعده، كأنه قال: وابتدعوا رهبانية، أي: جاءوا بها من قبل أنفسهم، وهو قوله: مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد: ٢٧] قال ابن عباس: ما فرضناها عليهم. وتلك الرهبانية: غلوهم في العبادة، من حمل المشاق على أنفسهم في الامتناع عن المطعم، والمشرب، والملبس، والنكاح، والتعبد في الجبال، فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [الحديد: ٢٧] حين ضيعوها وكفروا بدين عيسى، حتى أدركوا محمدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فآمنوا به، وهو قوله: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: ٢٧] الذين تهودوا، وتنصروا. ١١٦٨ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، نا شَيْبَانُ، نا الصَّعْقُ بْنُ حَزْنٍ، نا عَقِيلُ بْنُ يَحْيَى الْجَعْدِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا ابْنَ مَسْعُودٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: اخْتَلَفَ مَنْ كَانَ قَبْلِي عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً نَجَا مِنْهَا ثَلاثٌ وَهَلَكَ سَائِرُهُمْ، فِرْقَةٌ وَازَتِ الْمُلُوكَ وَقَاتَلُوهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَدِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ اتَّخَذُوهُمْ فَقَتَلُوهُمْ وَقَطَّعُوهُمْ بِالْمَنَاشِيرِ، وَفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طَاقَةٌ بِمُوَازَاةِ الْمُلُوكِ، وَلا بِأَنْ يُقِيمُوا بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ، فَيَدْعُونَهُمْ إِلَى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ عِيسَى فَسَاحُوا فِي الْبِلادِ وَتَرَهَّبُوا وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد: ٢٧] الآية فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي وَاتَّبَعَنِي، فَقَدْ رَعَاهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا، وَمَنْ لَمْ يَتَّبِعْنِي فَأُولَئِكَ هُمُ الْهَالِكُونَ». رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ هَانِئٍ، عَنْ يَحْيَى الشَّهِيدِ، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الصَّعْقِ. ١١٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الزَّاهِدُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْمِصْرِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي أُمَامَةَ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ دَخَلَ هُوَ وَأَبُوهُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: " لا تَشِدُّوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد: ٢٧] ". ١١٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: دَخَلَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَهِيَ بَاذَّةُ الْهَيْئَةِ، فَسَأَلَتْهَا: مَا شَأْنُكِ، فَقَالَتْ: زَوْجِي يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ النَّهَارَ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ لَهُ فَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ، فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ «إِنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا فَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ، فَوَاللَّهِ إِنَّ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَحْفَظُكُمْ لِحُدُودِهِ لَأَنَا». ١١٧١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا يَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ الْقَاضِي، نا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، نا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ أَبِي إِيَاسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَهْبَانِيَّةً وَرَهْبَانِيَّةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

الحديد 57:27

وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ {٢٦ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ٢٧ } [الحديد: ٢٦-٢٧]. وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [الحديد: ٢٧] يعني: الحواريين، وأتباعهم اتبعوا عيسى، رأفة ورحمة يعني: المودة، كانوا متوادين بعضهم لبعض، كما وصف الله تعالى أصحاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: رحماء بينهم، وقوله: ورهبانية ليس بعطف على ما قبله، وانتصابه بفعل مضمر يدل عليه ما بعده، كأنه قال: وابتدعوا رهبانية، أي: جاءوا بها من قبل أنفسهم، وهو قوله: مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد: ٢٧] قال ابن عباس: ما فرضناها عليهم. وتلك الرهبانية: غلوهم في العبادة، من حمل المشاق على أنفسهم في الامتناع عن المطعم، والمشرب، والملبس، والنكاح، والتعبد في الجبال، فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [الحديد: ٢٧] حين ضيعوها وكفروا بدين عيسى، حتى أدركوا محمدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فآمنوا به، وهو قوله: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: ٢٧] الذين تهودوا، وتنصروا. ١١٦٨ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، نا شَيْبَانُ، نا الصَّعْقُ بْنُ حَزْنٍ، نا عَقِيلُ بْنُ يَحْيَى الْجَعْدِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا ابْنَ مَسْعُودٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: اخْتَلَفَ مَنْ كَانَ قَبْلِي عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً نَجَا مِنْهَا ثَلاثٌ وَهَلَكَ سَائِرُهُمْ، فِرْقَةٌ وَازَتِ الْمُلُوكَ وَقَاتَلُوهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَدِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ اتَّخَذُوهُمْ فَقَتَلُوهُمْ وَقَطَّعُوهُمْ بِالْمَنَاشِيرِ، وَفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طَاقَةٌ بِمُوَازَاةِ الْمُلُوكِ، وَلا بِأَنْ يُقِيمُوا بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ، فَيَدْعُونَهُمْ إِلَى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ عِيسَى فَسَاحُوا فِي الْبِلادِ وَتَرَهَّبُوا وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد: ٢٧] الآية فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي وَاتَّبَعَنِي، فَقَدْ رَعَاهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا، وَمَنْ لَمْ يَتَّبِعْنِي فَأُولَئِكَ هُمُ الْهَالِكُونَ». رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ هَانِئٍ، عَنْ يَحْيَى الشَّهِيدِ، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الصَّعْقِ. ١١٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الزَّاهِدُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْمِصْرِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي أُمَامَةَ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ دَخَلَ هُوَ وَأَبُوهُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: " لا تَشِدُّوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد: ٢٧] ". ١١٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: دَخَلَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَهِيَ بَاذَّةُ الْهَيْئَةِ، فَسَأَلَتْهَا: مَا شَأْنُكِ، فَقَالَتْ: زَوْجِي يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ النَّهَارَ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ لَهُ فَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ، فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ «إِنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا فَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ، فَوَاللَّهِ إِنَّ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَحْفَظُكُمْ لِحُدُودِهِ لَأَنَا». ١١٧١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا يَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ الْقَاضِي، نا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، نا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ أَبِي إِيَاسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَهْبَانِيَّةً وَرَهْبَانِيَّةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

الحديد 57:28

يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ {٢٨ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ٢٩ } [الحديد: ٢٨-٢٩]. يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [الحديد: ٢٨] الخطاب لأهل الكتابين من اليهود والنصارى، يقول: يأيها الذين آمنوا بموسى وعيسى، اتقوا الله في محمد، وآمنوا به يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ [الحديد: ٢٨] ضعفين، وأجرين، ونصيبين، من رحمته وذكرنا تفسير الكفل في [النساء،] وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ [سورة الحديد: ٢٨] يعني: الصراط، كما قال: نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [التحريم: ٨] فهذا علامة المؤمنين في القيامة، وهذا قول ابن عباس، ومقاتل، ويجوز أن يكون المعنى: ويجعل لكم سبيلًا واضحًا في الدين تهتدون به، وهذا معنى قول مجاهد: يعني: الهدى والبيان. وعد الله تعالى لمن آمن من أهل الكتاب أجرين اثنين: أجرًا لإيمانهم بالنبي الأول والكتاب الأول، وأجرًا لإيمانهم بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكتابه، كما قال في موضوع آخر: أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ [القصص: ٥٤]. ١١٧٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الصُّوفِيُّ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ، فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا وَعَلَّمَهَا، فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَأَيُّمَا مَمْلُوكٍ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، فَلَهُ أَجْرَانِ، قَالَ عَبْدَةُ: قَالَ صَالِحٌ: قَالَ لِي الشَّعْبِيُّ: أَعْطَيْتُكُمَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ الرَّاكِبُ لَيَرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِد. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَة، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَان كُلُّهُمْ عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ. ولما نزلت هذه الآية، وآمن من آمن من أهل الكتاب، حسدهم الذين لم يؤمنوا، فأنزل الله تعالى قوله: لِئَلَّا يَعْلَمَ [الحديد: ٢٩] أي: لأن يعلم، ولا صلة، أهل الكتاب يعني: الذين لم يؤمنوا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحسدوا المؤمنين منهم، أَلا يَقْدِرُونَ [الحديد: ٢٩] أنهم لا يقدرون، عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الحديد: ٢٩] والمعنى: جعلنا الأجرين لمن آمن بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ليعلم الذين لم يؤمنوا أنهم لا أجر لهم، ولا نصيب لهم في فضل الله، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [الحديد: ٢٩] فآتى المؤمنين منهم أجرين، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: ٢٩] يتفضل على من يشاء من عباده المؤمنين، وهذه الآية مشكلة ليس للمفسرين، ولا لأهل المعاني فيها بيان ينتهي إليه، ويلقى به بين هذه الآية والتي قبلها، وأقوالهم مختلفة متدافعة، وقد بان واتضح المعنى فيما ذكرنا، والله المحمود.

الحديد 57:29

يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ {٢٨ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ٢٩ } [الحديد: ٢٨-٢٩]. يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [الحديد: ٢٨] الخطاب لأهل الكتابين من اليهود والنصارى، يقول: يأيها الذين آمنوا بموسى وعيسى، اتقوا الله في محمد، وآمنوا به يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ [الحديد: ٢٨] ضعفين، وأجرين، ونصيبين، من رحمته وذكرنا تفسير الكفل في [النساء،] وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ [سورة الحديد: ٢٨] يعني: الصراط، كما قال: نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [التحريم: ٨] فهذا علامة المؤمنين في القيامة، وهذا قول ابن عباس، ومقاتل، ويجوز أن يكون المعنى: ويجعل لكم سبيلًا واضحًا في الدين تهتدون به، وهذا معنى قول مجاهد: يعني: الهدى والبيان. وعد الله تعالى لمن آمن من أهل الكتاب أجرين اثنين: أجرًا لإيمانهم بالنبي الأول والكتاب الأول، وأجرًا لإيمانهم بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكتابه، كما قال في موضوع آخر: أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ [القصص: ٥٤]. ١١٧٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الصُّوفِيُّ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ، فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا وَعَلَّمَهَا، فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَأَيُّمَا مَمْلُوكٍ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، فَلَهُ أَجْرَانِ، قَالَ عَبْدَةُ: قَالَ صَالِحٌ: قَالَ لِي الشَّعْبِيُّ: أَعْطَيْتُكُمَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ الرَّاكِبُ لَيَرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِد. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَة، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَان كُلُّهُمْ عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ. ولما نزلت هذه الآية، وآمن من آمن من أهل الكتاب، حسدهم الذين لم يؤمنوا، فأنزل الله تعالى قوله: لِئَلَّا يَعْلَمَ [الحديد: ٢٩] أي: لأن يعلم، ولا صلة، أهل الكتاب يعني: الذين لم يؤمنوا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحسدوا المؤمنين منهم، أَلا يَقْدِرُونَ [الحديد: ٢٩] أنهم لا يقدرون، عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الحديد: ٢٩] والمعنى: جعلنا الأجرين لمن آمن بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ليعلم الذين لم يؤمنوا أنهم لا أجر لهم، ولا نصيب لهم في فضل الله، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [الحديد: ٢٩] فآتى المؤمنين منهم أجرين، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: ٢٩] يتفضل على من يشاء من عباده المؤمنين، وهذه الآية مشكلة ليس للمفسرين، ولا لأهل المعاني فيها بيان ينتهي إليه، ويلقى به بين هذه الآية والتي قبلها، وأقوالهم مختلفة متدافعة، وقد بان واتضح المعنى فيما ذكرنا، والله المحمود.

المجادلة 58:1

تفسير سورة المجادلة عشرون وآيتان، مدنية. ١١٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْخَفَّافُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْمُجَادَلَةِ كُتِبَ مِنْ حِزْبِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». بسم الله الرحمن الرحيم قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ {١ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ٢ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ٣ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤ } [المجادلة: ١-٤]. قَدْ سَمِعَ اللَّهُ [المجادلة: ١] الآيات، قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت، وكان به لمم، فاشتد به لممه ذات يوم، فظاهر منها، ثم ندم على ذلك، وكان الظهار طلاقًا في الجاهلية، فقال لها: ما أراك إلا وقد حرمت عليّ. فقالت: والله ما ذكرت طلاقًا، ثم أتت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالت: يا رسول الله أوس بن الصامت أبو ولدي وابن عمي، وأحب الناس إليّ، ظاهر مني، والله ما ذكر طلاقًا. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما أراك إلا قد حرمت عليه». فهتفت، وشكت، وبكت، وجعلت تراجع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فبينا هي في ذلك، إذ تربد وجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للوحي، ونزل عليه قوله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ [المجادلة: ١] الآيات، قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى على بعضه، وهي تحاور رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات. قوله: قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة: ١] أي: في قول زوجها، وهو أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلما قال لها: «حرمت عليه»، قالت: والله ما ذكر طلاقًا. فكان هذا جدالها، وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [المجادلة: ١] وهو قولها: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، وإن لي صبية صغارًا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلىّ جاعوا. وجعلت ترفع رأسها إلى السماء، وتقول: اللهم إني أشكو إليك. وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: ١] تخاطبكما، ومراجعتكما الكلام، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ [المجادلة: ١] لمن يناجيه، ويتضرع إليه، بصير لمن يشكو إليه. ثم ذم الظهار والمظاهر، فقال: الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة: ٢] أي: يقولون لهن: أنتن كظهور أمهاتنا. وذكرنا القرآن واللغات في ابتداء { [الأحزاب، ماهن أمهاتهم ما اللواتي تجعلونهن من الزوجات كالأمهات بأمهات، وقراءة العامة بكسر التاء، وهي في موضع نصب على خبر ما، المعنى: ليس هن بأمهاتهم، وقرأ عاصم في بعض الروايات برفع التاء. قال الفراء: وهي لغة أهل نجد، وأنشد على لغتهم: ويزعم حسل أنه فرع قومه وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل ] إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} [سورة المجادلة: ٢] ما أمهاتهم إلا الوالدات، وإنهم يعني: المظاهرين، لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ [المجادلة: ٢] لا يعرف في شرع، وزورًا كذبًا، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [المجادلة: ٢] عفا عنهم، وغفر لهم بإيجاب الكفارة عليهم. وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة: ٣] يمتنعون منهن، أي: من جماعهن بهذا اللفظ، ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [المجادلة: ٣] كثر الاختلاف في معنى العود ههنا من المفسرين والفقهاء، والذي ذهب إليه الشافعي رضي الله عنه: أن معنى العود لما قالوا: السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانًا، يمكنه أن يطلق فيه. وذلك أنه إذا ظاهر فقد قصد التحريم، فإن وصل ذلك بالطلاق فقد جرى على ما ابتدأه ولا كفارة، وإذا سكت عن الطلاق، فذلك للندم منه على ما أبتدأ به، فهو عود منه إلى ما كان عليه، فحينئذ تجب الكفارة، ويدل على هذا أن ابن عباس فسر العود في هذه الآية: بالندم، فقال: يندمون فيرجعون إلى الألفة. قال الفراء: يعودون لما قالوا إلى ما قالوا، وفيما قالوا، معناه: يرجعون عما قالوا، يقال: عاد لما فعل، أي: نقض ما فعل. وهذا الذي ذكره الفراء يبين لك صحة ما ذهب إليه الشافعي رضي الله عنه، وقال أهل العراق: معنى العود: العزم على الوطء، فإذا عزم على وطئها كان عودًا، ويلزمها الكفارة. وقال مقاتل، والحسن، وطاوس، والزهري: العود لما قالوا هو: الوطء. وهو مذهب مالك، قال: إن وطئها كان عودًا، وإن لم يطأها لم يكن عودا. قال أصحابنا: العود المذكور ههنا: صالح للجماع كما قال مالك، وللعزم على الجماع كما قال أهل العراق، ولترك الطلاق كما قال الشافعي، وهو أول ما ينطلق عليه اسم العود، فوجب تعلق الحكم به، لأنه الظاهر، وما زاد عليه يعرف بدليل آخر. وقال أبو العالية: إذا كرر اللفظ بالظهار كان عودًا، وإن لم يكرر لم يكن عودًا. وإلى هذا ذهب أهل الظاهر: فجعلوا العود تكرير لفظ الظهار، واحتجوا بأن ظاهر قوله: ثم يعودون يدل على تكرير اللفظ، وقال أبو علي الفارسي: ليس في هذا ظاهر كما ادعوا، لأن العود قد يكون إلى شيء لم يكن عليه قبل، وسميت الآخرة المعاد، ولم يكن فيها أحد ثم صار إليها. وقال الأخفش: تقدير الآية: والذين يظاهرون من نسائهم، فتحرير رقبة لما قالوا، ثم يعودون إلى نسائهم، أي: فعليهم تحرير رقبة لما نطقوا به من ذلك التحريم، والتقديم والتأخير كثير في التنزيل. وقال ابن قتيبة: أجمع الناس على أن الظهار يقع بلفظ واحد، وتأويل قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [المجادلة: ٣] هو: أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار، فجعل الله حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في الجاهلية، فقال: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة: ٣] يريد: في الجاهلية، ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [المجادلة: ٣] في الإسلام. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة: ٣] أي: يجامعا، ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ [المجادلة: ٣] قال الزجاج: ذلكم: التغليظ في الكفارة. توعظون به أي: أن غلظ الكفارة وعظ لكم، حتى تتركوا الظهار. ثم ذكر حكم العاجز عن الرقبة، فقال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [المجادلة: ٤] أي: الرقبة، فصيام شهرين فعليه صيام شهرين، مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ [المجادلة: ٤] الصيام، فكفارته فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ [المجادلة: ٤] أي: الغرض من ذلك الذي وصفنا، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [المجادلة: ٤] لتصدقوا بما أتى به الرسول، وتصدقوا أن الله أمر به، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [المجادلة: ٤] يعني: ما وصف من الكفارة في الظهار، وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المجادلة: ٤] قال ابن عباس: لمن جحد هذا، وكذب به. ١١٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهُ، نا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، وَكَانَتْ عِنْدَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ، فَكَلَّمَنِي بِشَيْءٍ وَهُوَ فِيهِ كَالضَّجَرِ فَرَادَدْتُهُ فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ فِي نَادِي قَوْمِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَأَرَادَنِي عَلَى نَفْسِي، فَامْتَنَعْتُ، فَشَادَّنِي فَشَادَدْتُهُ فَغَلَبْتُهُ بِمَا تَغْلِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ الضَّعِيفَ، فَقُلْتُ: كَلا وَالَّذِي نَفْسُ خَوْلَةَ بِيَدِهِ لا تَصِلُ إِلَيَّ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ فِيَّ وَفِيكَ بِحُكْمِهِ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْكُو مَا لَقِيتُ، فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة: ١] إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١] حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْكَفَّارَةِ ثُمَّ قَالَ: مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا عِنْدَهُ رَقَبَةً يَعْتِقُهَا، قَالَ: مُرِيهِ فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا عِنْدَهُ مَا يُطْعِمُ، فَقَالَ: بَلَى سَنُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ مَكِيلٍ يَسَعُ ثَلاثِينَ صَاعًا، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ.

المجادلة 58:2

تفسير سورة المجادلة عشرون وآيتان، مدنية. ١١٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْخَفَّافُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْمُجَادَلَةِ كُتِبَ مِنْ حِزْبِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». بسم الله الرحمن الرحيم قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ {١ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ٢ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ٣ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤ } [المجادلة: ١-٤]. قَدْ سَمِعَ اللَّهُ [المجادلة: ١] الآيات، قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت، وكان به لمم، فاشتد به لممه ذات يوم، فظاهر منها، ثم ندم على ذلك، وكان الظهار طلاقًا في الجاهلية، فقال لها: ما أراك إلا وقد حرمت عليّ. فقالت: والله ما ذكرت طلاقًا، ثم أتت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالت: يا رسول الله أوس بن الصامت أبو ولدي وابن عمي، وأحب الناس إليّ، ظاهر مني، والله ما ذكر طلاقًا. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما أراك إلا قد حرمت عليه». فهتفت، وشكت، وبكت، وجعلت تراجع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فبينا هي في ذلك، إذ تربد وجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للوحي، ونزل عليه قوله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ [المجادلة: ١] الآيات، قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى على بعضه، وهي تحاور رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات. قوله: قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة: ١] أي: في قول زوجها، وهو أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلما قال لها: «حرمت عليه»، قالت: والله ما ذكر طلاقًا. فكان هذا جدالها، وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [المجادلة: ١] وهو قولها: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، وإن لي صبية صغارًا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلىّ جاعوا. وجعلت ترفع رأسها إلى السماء، وتقول: اللهم إني أشكو إليك. وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: ١] تخاطبكما، ومراجعتكما الكلام، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ [المجادلة: ١] لمن يناجيه، ويتضرع إليه، بصير لمن يشكو إليه. ثم ذم الظهار والمظاهر، فقال: الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة: ٢] أي: يقولون لهن: أنتن كظهور أمهاتنا. وذكرنا القرآن واللغات في ابتداء { [الأحزاب، ماهن أمهاتهم ما اللواتي تجعلونهن من الزوجات كالأمهات بأمهات، وقراءة العامة بكسر التاء، وهي في موضع نصب على خبر ما، المعنى: ليس هن بأمهاتهم، وقرأ عاصم في بعض الروايات برفع التاء. قال الفراء: وهي لغة أهل نجد، وأنشد على لغتهم: ويزعم حسل أنه فرع قومه وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل ] إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} [سورة المجادلة: ٢] ما أمهاتهم إلا الوالدات، وإنهم يعني: المظاهرين، لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ [المجادلة: ٢] لا يعرف في شرع، وزورًا كذبًا، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [المجادلة: ٢] عفا عنهم، وغفر لهم بإيجاب الكفارة عليهم. وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة: ٣] يمتنعون منهن، أي: من جماعهن بهذا اللفظ، ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [المجادلة: ٣] كثر الاختلاف في معنى العود ههنا من المفسرين والفقهاء، والذي ذهب إليه الشافعي رضي الله عنه: أن معنى العود لما قالوا: السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانًا، يمكنه أن يطلق فيه. وذلك أنه إذا ظاهر فقد قصد التحريم، فإن وصل ذلك بالطلاق فقد جرى على ما ابتدأه ولا كفارة، وإذا سكت عن الطلاق، فذلك للندم منه على ما أبتدأ به، فهو عود منه إلى ما كان عليه، فحينئذ تجب الكفارة، ويدل على هذا أن ابن عباس فسر العود في هذه الآية: بالندم، فقال: يندمون فيرجعون إلى الألفة. قال الفراء: يعودون لما قالوا إلى ما قالوا، وفيما قالوا، معناه: يرجعون عما قالوا، يقال: عاد لما فعل، أي: نقض ما فعل. وهذا الذي ذكره الفراء يبين لك صحة ما ذهب إليه الشافعي رضي الله عنه، وقال أهل العراق: معنى العود: العزم على الوطء، فإذا عزم على وطئها كان عودًا، ويلزمها الكفارة. وقال مقاتل، والحسن، وطاوس، والزهري: العود لما قالوا هو: الوطء. وهو مذهب مالك، قال: إن وطئها كان عودًا، وإن لم يطأها لم يكن عودا. قال أصحابنا: العود المذكور ههنا: صالح للجماع كما قال مالك، وللعزم على الجماع كما قال أهل العراق، ولترك الطلاق كما قال الشافعي، وهو أول ما ينطلق عليه اسم العود، فوجب تعلق الحكم به، لأنه الظاهر، وما زاد عليه يعرف بدليل آخر. وقال أبو العالية: إذا كرر اللفظ بالظهار كان عودًا، وإن لم يكرر لم يكن عودًا. وإلى هذا ذهب أهل الظاهر: فجعلوا العود تكرير لفظ الظهار، واحتجوا بأن ظاهر قوله: ثم يعودون يدل على تكرير اللفظ، وقال أبو علي الفارسي: ليس في هذا ظاهر كما ادعوا، لأن العود قد يكون إلى شيء لم يكن عليه قبل، وسميت الآخرة المعاد، ولم يكن فيها أحد ثم صار إليها. وقال الأخفش: تقدير الآية: والذين يظاهرون من نسائهم، فتحرير رقبة لما قالوا، ثم يعودون إلى نسائهم، أي: فعليهم تحرير رقبة لما نطقوا به من ذلك التحريم، والتقديم والتأخير كثير في التنزيل. وقال ابن قتيبة: أجمع الناس على أن الظهار يقع بلفظ واحد، وتأويل قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [المجادلة: ٣] هو: أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار، فجعل الله حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في الجاهلية، فقال: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة: ٣] يريد: في الجاهلية، ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [المجادلة: ٣] في الإسلام. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة: ٣] أي: يجامعا، ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ [المجادلة: ٣] قال الزجاج: ذلكم: التغليظ في الكفارة. توعظون به أي: أن غلظ الكفارة وعظ لكم، حتى تتركوا الظهار. ثم ذكر حكم العاجز عن الرقبة، فقال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [المجادلة: ٤] أي: الرقبة، فصيام شهرين فعليه صيام شهرين، مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ [المجادلة: ٤] الصيام، فكفارته فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ [المجادلة: ٤] أي: الغرض من ذلك الذي وصفنا، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [المجادلة: ٤] لتصدقوا بما أتى به الرسول، وتصدقوا أن الله أمر به، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [المجادلة: ٤] يعني: ما وصف من الكفارة في الظهار، وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المجادلة: ٤] قال ابن عباس: لمن جحد هذا، وكذب به. ١١٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهُ، نا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، وَكَانَتْ عِنْدَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ، فَكَلَّمَنِي بِشَيْءٍ وَهُوَ فِيهِ كَالضَّجَرِ فَرَادَدْتُهُ فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ فِي نَادِي قَوْمِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَأَرَادَنِي عَلَى نَفْسِي، فَامْتَنَعْتُ، فَشَادَّنِي فَشَادَدْتُهُ فَغَلَبْتُهُ بِمَا تَغْلِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ الضَّعِيفَ، فَقُلْتُ: كَلا وَالَّذِي نَفْسُ خَوْلَةَ بِيَدِهِ لا تَصِلُ إِلَيَّ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ فِيَّ وَفِيكَ بِحُكْمِهِ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْكُو مَا لَقِيتُ، فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة: ١] إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١] حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْكَفَّارَةِ ثُمَّ قَالَ: مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا عِنْدَهُ رَقَبَةً يَعْتِقُهَا، قَالَ: مُرِيهِ فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا عِنْدَهُ مَا يُطْعِمُ، فَقَالَ: بَلَى سَنُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ مَكِيلٍ يَسَعُ ثَلاثِينَ صَاعًا، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ.

المجادلة 58:3

تفسير سورة المجادلة عشرون وآيتان، مدنية. ١١٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْخَفَّافُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْمُجَادَلَةِ كُتِبَ مِنْ حِزْبِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». بسم الله الرحمن الرحيم قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ {١ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ٢ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ٣ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤ } [المجادلة: ١-٤]. قَدْ سَمِعَ اللَّهُ [المجادلة: ١] الآيات، قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت، وكان به لمم، فاشتد به لممه ذات يوم، فظاهر منها، ثم ندم على ذلك، وكان الظهار طلاقًا في الجاهلية، فقال لها: ما أراك إلا وقد حرمت عليّ. فقالت: والله ما ذكرت طلاقًا، ثم أتت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالت: يا رسول الله أوس بن الصامت أبو ولدي وابن عمي، وأحب الناس إليّ، ظاهر مني، والله ما ذكر طلاقًا. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما أراك إلا قد حرمت عليه». فهتفت، وشكت، وبكت، وجعلت تراجع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فبينا هي في ذلك، إذ تربد وجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للوحي، ونزل عليه قوله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ [المجادلة: ١] الآيات، قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى على بعضه، وهي تحاور رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات. قوله: قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة: ١] أي: في قول زوجها، وهو أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلما قال لها: «حرمت عليه»، قالت: والله ما ذكر طلاقًا. فكان هذا جدالها، وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [المجادلة: ١] وهو قولها: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، وإن لي صبية صغارًا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلىّ جاعوا. وجعلت ترفع رأسها إلى السماء، وتقول: اللهم إني أشكو إليك. وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: ١] تخاطبكما، ومراجعتكما الكلام، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ [المجادلة: ١] لمن يناجيه، ويتضرع إليه، بصير لمن يشكو إليه. ثم ذم الظهار والمظاهر، فقال: الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة: ٢] أي: يقولون لهن: أنتن كظهور أمهاتنا. وذكرنا القرآن واللغات في ابتداء { [الأحزاب، ماهن أمهاتهم ما اللواتي تجعلونهن من الزوجات كالأمهات بأمهات، وقراءة العامة بكسر التاء، وهي في موضع نصب على خبر ما، المعنى: ليس هن بأمهاتهم، وقرأ عاصم في بعض الروايات برفع التاء. قال الفراء: وهي لغة أهل نجد، وأنشد على لغتهم: ويزعم حسل أنه فرع قومه وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل ] إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} [سورة المجادلة: ٢] ما أمهاتهم إلا الوالدات، وإنهم يعني: المظاهرين، لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ [المجادلة: ٢] لا يعرف في شرع، وزورًا كذبًا، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [المجادلة: ٢] عفا عنهم، وغفر لهم بإيجاب الكفارة عليهم. وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة: ٣] يمتنعون منهن، أي: من جماعهن بهذا اللفظ، ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [المجادلة: ٣] كثر الاختلاف في معنى العود ههنا من المفسرين والفقهاء، والذي ذهب إليه الشافعي رضي الله عنه: أن معنى العود لما قالوا: السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانًا، يمكنه أن يطلق فيه. وذلك أنه إذا ظاهر فقد قصد التحريم، فإن وصل ذلك بالطلاق فقد جرى على ما ابتدأه ولا كفارة، وإذا سكت عن الطلاق، فذلك للندم منه على ما أبتدأ به، فهو عود منه إلى ما كان عليه، فحينئذ تجب الكفارة، ويدل على هذا أن ابن عباس فسر العود في هذه الآية: بالندم، فقال: يندمون فيرجعون إلى الألفة. قال الفراء: يعودون لما قالوا إلى ما قالوا، وفيما قالوا، معناه: يرجعون عما قالوا، يقال: عاد لما فعل، أي: نقض ما فعل. وهذا الذي ذكره الفراء يبين لك صحة ما ذهب إليه الشافعي رضي الله عنه، وقال أهل العراق: معنى العود: العزم على الوطء، فإذا عزم على وطئها كان عودًا، ويلزمها الكفارة. وقال مقاتل، والحسن، وطاوس، والزهري: العود لما قالوا هو: الوطء. وهو مذهب مالك، قال: إن وطئها كان عودًا، وإن لم يطأها لم يكن عودا. قال أصحابنا: العود المذكور ههنا: صالح للجماع كما قال مالك، وللعزم على الجماع كما قال أهل العراق، ولترك الطلاق كما قال الشافعي، وهو أول ما ينطلق عليه اسم العود، فوجب تعلق الحكم به، لأنه الظاهر، وما زاد عليه يعرف بدليل آخر. وقال أبو العالية: إذا كرر اللفظ بالظهار كان عودًا، وإن لم يكرر لم يكن عودًا. وإلى هذا ذهب أهل الظاهر: فجعلوا العود تكرير لفظ الظهار، واحتجوا بأن ظاهر قوله: ثم يعودون يدل على تكرير اللفظ، وقال أبو علي الفارسي: ليس في هذا ظاهر كما ادعوا، لأن العود قد يكون إلى شيء لم يكن عليه قبل، وسميت الآخرة المعاد، ولم يكن فيها أحد ثم صار إليها. وقال الأخفش: تقدير الآية: والذين يظاهرون من نسائهم، فتحرير رقبة لما قالوا، ثم يعودون إلى نسائهم، أي: فعليهم تحرير رقبة لما نطقوا به من ذلك التحريم، والتقديم والتأخير كثير في التنزيل. وقال ابن قتيبة: أجمع الناس على أن الظهار يقع بلفظ واحد، وتأويل قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [المجادلة: ٣] هو: أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار، فجعل الله حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في الجاهلية، فقال: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة: ٣] يريد: في الجاهلية، ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [المجادلة: ٣] في الإسلام. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة: ٣] أي: يجامعا، ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ [المجادلة: ٣] قال الزجاج: ذلكم: التغليظ في الكفارة. توعظون به أي: أن غلظ الكفارة وعظ لكم، حتى تتركوا الظهار. ثم ذكر حكم العاجز عن الرقبة، فقال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [المجادلة: ٤] أي: الرقبة، فصيام شهرين فعليه صيام شهرين، مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ [المجادلة: ٤] الصيام، فكفارته فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ [المجادلة: ٤] أي: الغرض من ذلك الذي وصفنا، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [المجادلة: ٤] لتصدقوا بما أتى به الرسول، وتصدقوا أن الله أمر به، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [المجادلة: ٤] يعني: ما وصف من الكفارة في الظهار، وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المجادلة: ٤] قال ابن عباس: لمن جحد هذا، وكذب به. ١١٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهُ، نا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، وَكَانَتْ عِنْدَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ، فَكَلَّمَنِي بِشَيْءٍ وَهُوَ فِيهِ كَالضَّجَرِ فَرَادَدْتُهُ فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ فِي نَادِي قَوْمِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَأَرَادَنِي عَلَى نَفْسِي، فَامْتَنَعْتُ، فَشَادَّنِي فَشَادَدْتُهُ فَغَلَبْتُهُ بِمَا تَغْلِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ الضَّعِيفَ، فَقُلْتُ: كَلا وَالَّذِي نَفْسُ خَوْلَةَ بِيَدِهِ لا تَصِلُ إِلَيَّ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ فِيَّ وَفِيكَ بِحُكْمِهِ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْكُو مَا لَقِيتُ، فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة: ١] إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١] حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْكَفَّارَةِ ثُمَّ قَالَ: مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا عِنْدَهُ رَقَبَةً يَعْتِقُهَا، قَالَ: مُرِيهِ فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا عِنْدَهُ مَا يُطْعِمُ، فَقَالَ: بَلَى سَنُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ مَكِيلٍ يَسَعُ ثَلاثِينَ صَاعًا، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ.

المجادلة 58:4

تفسير سورة المجادلة عشرون وآيتان، مدنية. ١١٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْخَفَّافُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْمُجَادَلَةِ كُتِبَ مِنْ حِزْبِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». بسم الله الرحمن الرحيم قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ {١ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ٢ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ٣ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤ } [المجادلة: ١-٤]. قَدْ سَمِعَ اللَّهُ [المجادلة: ١] الآيات، قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت، وكان به لمم، فاشتد به لممه ذات يوم، فظاهر منها، ثم ندم على ذلك، وكان الظهار طلاقًا في الجاهلية، فقال لها: ما أراك إلا وقد حرمت عليّ. فقالت: والله ما ذكرت طلاقًا، ثم أتت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالت: يا رسول الله أوس بن الصامت أبو ولدي وابن عمي، وأحب الناس إليّ، ظاهر مني، والله ما ذكر طلاقًا. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما أراك إلا قد حرمت عليه». فهتفت، وشكت، وبكت، وجعلت تراجع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فبينا هي في ذلك، إذ تربد وجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للوحي، ونزل عليه قوله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ [المجادلة: ١] الآيات، قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى على بعضه، وهي تحاور رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات. قوله: قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة: ١] أي: في قول زوجها، وهو أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلما قال لها: «حرمت عليه»، قالت: والله ما ذكر طلاقًا. فكان هذا جدالها، وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [المجادلة: ١] وهو قولها: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، وإن لي صبية صغارًا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلىّ جاعوا. وجعلت ترفع رأسها إلى السماء، وتقول: اللهم إني أشكو إليك. وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: ١] تخاطبكما، ومراجعتكما الكلام، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ [المجادلة: ١] لمن يناجيه، ويتضرع إليه، بصير لمن يشكو إليه. ثم ذم الظهار والمظاهر، فقال: الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة: ٢] أي: يقولون لهن: أنتن كظهور أمهاتنا. وذكرنا القرآن واللغات في ابتداء { [الأحزاب، ماهن أمهاتهم ما اللواتي تجعلونهن من الزوجات كالأمهات بأمهات، وقراءة العامة بكسر التاء، وهي في موضع نصب على خبر ما، المعنى: ليس هن بأمهاتهم، وقرأ عاصم في بعض الروايات برفع التاء. قال الفراء: وهي لغة أهل نجد، وأنشد على لغتهم: ويزعم حسل أنه فرع قومه وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل ] إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} [سورة المجادلة: ٢] ما أمهاتهم إلا الوالدات، وإنهم يعني: المظاهرين، لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ [المجادلة: ٢] لا يعرف في شرع، وزورًا كذبًا، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [المجادلة: ٢] عفا عنهم، وغفر لهم بإيجاب الكفارة عليهم. وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة: ٣] يمتنعون منهن، أي: من جماعهن بهذا اللفظ، ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [المجادلة: ٣] كثر الاختلاف في معنى العود ههنا من المفسرين والفقهاء، والذي ذهب إليه الشافعي رضي الله عنه: أن معنى العود لما قالوا: السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانًا، يمكنه أن يطلق فيه. وذلك أنه إذا ظاهر فقد قصد التحريم، فإن وصل ذلك بالطلاق فقد جرى على ما ابتدأه ولا كفارة، وإذا سكت عن الطلاق، فذلك للندم منه على ما أبتدأ به، فهو عود منه إلى ما كان عليه، فحينئذ تجب الكفارة، ويدل على هذا أن ابن عباس فسر العود في هذه الآية: بالندم، فقال: يندمون فيرجعون إلى الألفة. قال الفراء: يعودون لما قالوا إلى ما قالوا، وفيما قالوا، معناه: يرجعون عما قالوا، يقال: عاد لما فعل، أي: نقض ما فعل. وهذا الذي ذكره الفراء يبين لك صحة ما ذهب إليه الشافعي رضي الله عنه، وقال أهل العراق: معنى العود: العزم على الوطء، فإذا عزم على وطئها كان عودًا، ويلزمها الكفارة. وقال مقاتل، والحسن، وطاوس، والزهري: العود لما قالوا هو: الوطء. وهو مذهب مالك، قال: إن وطئها كان عودًا، وإن لم يطأها لم يكن عودا. قال أصحابنا: العود المذكور ههنا: صالح للجماع كما قال مالك، وللعزم على الجماع كما قال أهل العراق، ولترك الطلاق كما قال الشافعي، وهو أول ما ينطلق عليه اسم العود، فوجب تعلق الحكم به، لأنه الظاهر، وما زاد عليه يعرف بدليل آخر. وقال أبو العالية: إذا كرر اللفظ بالظهار كان عودًا، وإن لم يكرر لم يكن عودًا. وإلى هذا ذهب أهل الظاهر: فجعلوا العود تكرير لفظ الظهار، واحتجوا بأن ظاهر قوله: ثم يعودون يدل على تكرير اللفظ، وقال أبو علي الفارسي: ليس في هذا ظاهر كما ادعوا، لأن العود قد يكون إلى شيء لم يكن عليه قبل، وسميت الآخرة المعاد، ولم يكن فيها أحد ثم صار إليها. وقال الأخفش: تقدير الآية: والذين يظاهرون من نسائهم، فتحرير رقبة لما قالوا، ثم يعودون إلى نسائهم، أي: فعليهم تحرير رقبة لما نطقوا به من ذلك التحريم، والتقديم والتأخير كثير في التنزيل. وقال ابن قتيبة: أجمع الناس على أن الظهار يقع بلفظ واحد، وتأويل قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [المجادلة: ٣] هو: أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار، فجعل الله حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في الجاهلية، فقال: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة: ٣] يريد: في الجاهلية، ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [المجادلة: ٣] في الإسلام. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة: ٣] أي: يجامعا، ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ [المجادلة: ٣] قال الزجاج: ذلكم: التغليظ في الكفارة. توعظون به أي: أن غلظ الكفارة وعظ لكم، حتى تتركوا الظهار. ثم ذكر حكم العاجز عن الرقبة، فقال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [المجادلة: ٤] أي: الرقبة، فصيام شهرين فعليه صيام شهرين، مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ [المجادلة: ٤] الصيام، فكفارته فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ [المجادلة: ٤] أي: الغرض من ذلك الذي وصفنا، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [المجادلة: ٤] لتصدقوا بما أتى به الرسول، وتصدقوا أن الله أمر به، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [المجادلة: ٤] يعني: ما وصف من الكفارة في الظهار، وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المجادلة: ٤] قال ابن عباس: لمن جحد هذا، وكذب به. ١١٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهُ، نا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، وَكَانَتْ عِنْدَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ، فَكَلَّمَنِي بِشَيْءٍ وَهُوَ فِيهِ كَالضَّجَرِ فَرَادَدْتُهُ فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ فِي نَادِي قَوْمِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَأَرَادَنِي عَلَى نَفْسِي، فَامْتَنَعْتُ، فَشَادَّنِي فَشَادَدْتُهُ فَغَلَبْتُهُ بِمَا تَغْلِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ الضَّعِيفَ، فَقُلْتُ: كَلا وَالَّذِي نَفْسُ خَوْلَةَ بِيَدِهِ لا تَصِلُ إِلَيَّ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ فِيَّ وَفِيكَ بِحُكْمِهِ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْكُو مَا لَقِيتُ، فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة: ١] إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١] حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْكَفَّارَةِ ثُمَّ قَالَ: مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا عِنْدَهُ رَقَبَةً يَعْتِقُهَا، قَالَ: مُرِيهِ فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا عِنْدَهُ مَا يُطْعِمُ، فَقَالَ: بَلَى سَنُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ مَكِيلٍ يَسَعُ ثَلاثِينَ صَاعًا، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ.

المجادلة 58:5

إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ {٥ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ٦ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٧ } [المجادلة: ٥-٧]. إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٥] يعادونهما، ويخالفون أمرهما، كبتوا أذلوا وأخزوا، يقال: كبت الله فلانًا إذا أذله، والمردود بالذي يقال له: مكبوت، قال المقاتلان: أخزوا كما أخزي من قبلهم من أهل الشرك. وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [المجادلة: ٥] قال ابن عباس: فرائض قيمة معروفة. وللكافرين لمن لم يعمل، ولم يصدق بها، عذاب مهين. ثم بين وقت ذلك العذاب، فقال: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ [المجادلة: ٦] حفظ الله أعمالهم، ونسوه. ثم أخبر أنه يعلم ما يجري وما يكون، فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ [المجادلة: ٧] أي: من سرار ثلاثة، قال ابن عباس: ما من شيء تناجي به صاحبيك إلا هو رابعهم بالعلم.

المجادلة 58:6

إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ {٥ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ٦ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٧ } [المجادلة: ٥-٧]. إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٥] يعادونهما، ويخالفون أمرهما، كبتوا أذلوا وأخزوا، يقال: كبت الله فلانًا إذا أذله، والمردود بالذي يقال له: مكبوت، قال المقاتلان: أخزوا كما أخزي من قبلهم من أهل الشرك. وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [المجادلة: ٥] قال ابن عباس: فرائض قيمة معروفة. وللكافرين لمن لم يعمل، ولم يصدق بها، عذاب مهين. ثم بين وقت ذلك العذاب، فقال: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ [المجادلة: ٦] حفظ الله أعمالهم، ونسوه. ثم أخبر أنه يعلم ما يجري وما يكون، فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ [المجادلة: ٧] أي: من سرار ثلاثة، قال ابن عباس: ما من شيء تناجي به صاحبيك إلا هو رابعهم بالعلم.

المجادلة 58:7

إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ {٥ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ٦ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٧ } [المجادلة: ٥-٧]. إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٥] يعادونهما، ويخالفون أمرهما، كبتوا أذلوا وأخزوا، يقال: كبت الله فلانًا إذا أذله، والمردود بالذي يقال له: مكبوت، قال المقاتلان: أخزوا كما أخزي من قبلهم من أهل الشرك. وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [المجادلة: ٥] قال ابن عباس: فرائض قيمة معروفة. وللكافرين لمن لم يعمل، ولم يصدق بها، عذاب مهين. ثم بين وقت ذلك العذاب، فقال: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ [المجادلة: ٦] حفظ الله أعمالهم، ونسوه. ثم أخبر أنه يعلم ما يجري وما يكون، فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ [المجادلة: ٧] أي: من سرار ثلاثة، قال ابن عباس: ما من شيء تناجي به صاحبيك إلا هو رابعهم بالعلم.

المجادلة 58:8

يعني: أن نجواهم معلومة عنده، كما تكون معلومة عند الرابع الذي هو معهم، وباقي الآية ظاهر التفسير إلى قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ {٨ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٩ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ١٠ } [المجادلة: ٨-١٠]. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى [المجادلة: ٨] الآية، قال المفسرون: إن المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم، ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم، فيحزنون لذلك، فلما طال ذلك وكثر، شكوا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأمرهم ألا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك، وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقوله: وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المجادلة: ٨] يعني: في مخالفة الرسول في النهي عن النجوى، وهو قوله: ومعصيت الرسول وذلك: أنه نهاهم عن النجوى، فعصوه، ويجوز أن يكون الإثم والعدوان ذلك السر الذي يجري بينهم، لأنه شيء يسوء المسلمين، ويوصي بعضهم بعضًا بمعصية الرسول، وترك أمره، وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [المجادلة: ٨] وذلك أن اليهود كانوا يأتون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيقولون: السام عليك. والسام: الموت، وهم يوهمونه أنهم يقولون: السلام عليك، وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة: ٨] وذلك: أنهم قالوا: لو كان محمد نبيًا، لعذبنا الله بما نقول. قال الله تعالى: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة: ٨]. ١١٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الزَّاهِدُ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْفَهَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، نا قُتَيْبَةُ، نا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقُلْتُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ وَفَعَلَ اللَّهُ بِكُمْ وَفَعَلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَهْ يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلا التَّفَحُّشَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْتَ تَرَى مَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: أَلَسْتِ تَرَيْنَ أَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَا يَقُولُونَ؟ أَقُولُ: وَعَلَيْكُمْ، قَالَتْ: وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة: ٨] قَالَتْ: بِمَا يَقُولُونَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ [المجادلة: ٨] الآية ثم نهى المنافقين عن التناجي، فقال: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ [المجادلة: ٩] قال مقاتل: يعني: المنافقين. وقال عطاء: يريد: آمنوا بزعمهم. فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ [المجادلة: ٩] تقدم تفسيره، وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المجادلة: ٩] بالطاعة، وترك المعصية، ثم خوفهم، فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المجادلة: ٩] فيجزيكم بأعمالكم، وذكر أن هذه الآية خطاب للمؤمنين، وأنهم نهوا أن يفعلوا كفعل المنافقين واليهود، وهو اختيار الزجاج. ثم ذكر أن ما يفعله اليهود والمنافقون من جهة الشيطان، وأن ذلك لا يضر المؤمنين، فقال: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ [المجادلة: ١٠] أي: من تزيين الشيطان، لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المجادلة: ١٠] أي: إنما يزين لهم ذلك، ليحزن المؤمنين، وذلك: أن المؤمنين إذا رأوهم متناجين، قالوا: لعلهم يتناجون بما بلغهم عن إخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل، أو موت، أو هزيمة، قال الله تعالى: وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا [المجادلة: ١٠] وليس الشيطان بضارهم شيئًا، إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ [المجادلة: ١٠] إلا ما أراد الله ذلك، قال مقاتل: يقول: إلا بإذن الله في الضرر. وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المجادلة: ١٠] أي: يكلون أمورهم على الله.

المجادلة 58:9

يعني: أن نجواهم معلومة عنده، كما تكون معلومة عند الرابع الذي هو معهم، وباقي الآية ظاهر التفسير إلى قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ {٨ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٩ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ١٠ } [المجادلة: ٨-١٠]. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى [المجادلة: ٨] الآية، قال المفسرون: إن المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم، ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم، فيحزنون لذلك، فلما طال ذلك وكثر، شكوا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأمرهم ألا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك، وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقوله: وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المجادلة: ٨] يعني: في مخالفة الرسول في النهي عن النجوى، وهو قوله: ومعصيت الرسول وذلك: أنه نهاهم عن النجوى، فعصوه، ويجوز أن يكون الإثم والعدوان ذلك السر الذي يجري بينهم، لأنه شيء يسوء المسلمين، ويوصي بعضهم بعضًا بمعصية الرسول، وترك أمره، وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [المجادلة: ٨] وذلك أن اليهود كانوا يأتون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيقولون: السام عليك. والسام: الموت، وهم يوهمونه أنهم يقولون: السلام عليك، وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة: ٨] وذلك: أنهم قالوا: لو كان محمد نبيًا، لعذبنا الله بما نقول. قال الله تعالى: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة: ٨]. ١١٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الزَّاهِدُ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْفَهَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، نا قُتَيْبَةُ، نا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقُلْتُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ وَفَعَلَ اللَّهُ بِكُمْ وَفَعَلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَهْ يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلا التَّفَحُّشَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْتَ تَرَى مَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: أَلَسْتِ تَرَيْنَ أَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَا يَقُولُونَ؟ أَقُولُ: وَعَلَيْكُمْ، قَالَتْ: وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة: ٨] قَالَتْ: بِمَا يَقُولُونَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ [المجادلة: ٨] الآية ثم نهى المنافقين عن التناجي، فقال: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ [المجادلة: ٩] قال مقاتل: يعني: المنافقين. وقال عطاء: يريد: آمنوا بزعمهم. فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ [المجادلة: ٩] تقدم تفسيره، وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المجادلة: ٩] بالطاعة، وترك المعصية، ثم خوفهم، فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المجادلة: ٩] فيجزيكم بأعمالكم، وذكر أن هذه الآية خطاب للمؤمنين، وأنهم نهوا أن يفعلوا كفعل المنافقين واليهود، وهو اختيار الزجاج. ثم ذكر أن ما يفعله اليهود والمنافقون من جهة الشيطان، وأن ذلك لا يضر المؤمنين، فقال: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ [المجادلة: ١٠] أي: من تزيين الشيطان، لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المجادلة: ١٠] أي: إنما يزين لهم ذلك، ليحزن المؤمنين، وذلك: أن المؤمنين إذا رأوهم متناجين، قالوا: لعلهم يتناجون بما بلغهم عن إخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل، أو موت، أو هزيمة، قال الله تعالى: وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا [المجادلة: ١٠] وليس الشيطان بضارهم شيئًا، إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ [المجادلة: ١٠] إلا ما أراد الله ذلك، قال مقاتل: يقول: إلا بإذن الله في الضرر. وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المجادلة: ١٠] أي: يكلون أمورهم على الله.

المجادلة 58:10

يعني: أن نجواهم معلومة عنده، كما تكون معلومة عند الرابع الذي هو معهم، وباقي الآية ظاهر التفسير إلى قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ {٨ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٩ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ١٠ } [المجادلة: ٨-١٠]. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى [المجادلة: ٨] الآية، قال المفسرون: إن المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم، ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم، فيحزنون لذلك، فلما طال ذلك وكثر، شكوا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأمرهم ألا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك، وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقوله: وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المجادلة: ٨] يعني: في مخالفة الرسول في النهي عن النجوى، وهو قوله: ومعصيت الرسول وذلك: أنه نهاهم عن النجوى، فعصوه، ويجوز أن يكون الإثم والعدوان ذلك السر الذي يجري بينهم، لأنه شيء يسوء المسلمين، ويوصي بعضهم بعضًا بمعصية الرسول، وترك أمره، وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [المجادلة: ٨] وذلك أن اليهود كانوا يأتون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيقولون: السام عليك. والسام: الموت، وهم يوهمونه أنهم يقولون: السلام عليك، وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة: ٨] وذلك: أنهم قالوا: لو كان محمد نبيًا، لعذبنا الله بما نقول. قال الله تعالى: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة: ٨]. ١١٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الزَّاهِدُ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْفَهَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، نا قُتَيْبَةُ، نا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقُلْتُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ وَفَعَلَ اللَّهُ بِكُمْ وَفَعَلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَهْ يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلا التَّفَحُّشَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْتَ تَرَى مَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: أَلَسْتِ تَرَيْنَ أَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَا يَقُولُونَ؟ أَقُولُ: وَعَلَيْكُمْ، قَالَتْ: وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة: ٨] قَالَتْ: بِمَا يَقُولُونَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ [المجادلة: ٨] الآية ثم نهى المنافقين عن التناجي، فقال: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ [المجادلة: ٩] قال مقاتل: يعني: المنافقين. وقال عطاء: يريد: آمنوا بزعمهم. فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ [المجادلة: ٩] تقدم تفسيره، وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المجادلة: ٩] بالطاعة، وترك المعصية، ثم خوفهم، فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المجادلة: ٩] فيجزيكم بأعمالكم، وذكر أن هذه الآية خطاب للمؤمنين، وأنهم نهوا أن يفعلوا كفعل المنافقين واليهود، وهو اختيار الزجاج. ثم ذكر أن ما يفعله اليهود والمنافقون من جهة الشيطان، وأن ذلك لا يضر المؤمنين، فقال: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ [المجادلة: ١٠] أي: من تزيين الشيطان، لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المجادلة: ١٠] أي: إنما يزين لهم ذلك، ليحزن المؤمنين، وذلك: أن المؤمنين إذا رأوهم متناجين، قالوا: لعلهم يتناجون بما بلغهم عن إخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل، أو موت، أو هزيمة، قال الله تعالى: وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا [المجادلة: ١٠] وليس الشيطان بضارهم شيئًا، إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ [المجادلة: ١٠] إلا ما أراد الله ذلك، قال مقاتل: يقول: إلا بإذن الله في الضرر. وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المجادلة: ١٠] أي: يكلون أمورهم على الله.

المجادلة 58:11

قوله: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة: ١١]. يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا [المجادلة: ١١] الآية، قال مقاتل بن حيان: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكرم أهل بدر، فجاء ناس منهم يومًا وقد سبقوا إلى المجلس، فقاموا حيال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينتظرون أن يوسع لهم، فلم يوسع، فشق ذلك على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال لمن حوله: قم يا فلان، قم يا فلان. وشق ذلك على من أقيم من مجلسه، فأنزل الله تعالى الآية. ومعنى: تفسحوا توسعوا، وذلك: أنهم كانوا قد جلسوا متضايقين حول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منضمين إليه، فلم يجد غيرهم مجلسًا عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأمروا أن يتنحوا عنه في الجلوس ويتوسعوا، ليجد غيرهم مكانًا يجلس فيه، ليتساوى الناس في الأخذ بالحظ منه، وتظهر فضيلة أهل بدر بالجلوس قرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقرئ: في المجالس لأن لكل جالس مجلسًا، ومعناه: ليتفسح كل رجل منكم في مجلسه، والوجه التوحيد، لأنه يعنى به مجلس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقوله: فافسحوا أي: فأوسعوا، يقال: فسح يفسح فسحًا، إذا وسع في المجلس، يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ [المجادلة: ١١] يوسع الله لكم في الجنة، والمجالس فيها، وقوله: وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا [المجادلة: ١١] قال عكرمة، والضحاك: كان رجال يتثاقلون عن الصلاة، فقيل لهم: إذا نودي للصلاة، فانهضوا. وقال مجاهد: إلى كل خير من قتال عدو، وأمر بمعروف، أو حق ما كان.

المجادلة 58:12

يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: ١١] قال ابن عباس: يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين، على الذين لم يؤتوا العلم درجات. قوله: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ {١٢ ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٣ } [المجادلة: ١٢-١٣]. يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً [المجادلة: ١٢] قال ابن عباس في رواية الوالبي: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى شقوا عليه، وأراد الله أن يخفف عن نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلما نزلت ضن كثير من الناس، فكفوا عن المسألة. قال المفسرون: إنهم نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا، فلم يناجه أحد إلا علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، تصدق بدينار. ١١٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، نا أَبُو يَحْيَى، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو قَبِيصَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا أَحَدٌ قَبْلِي، وَلَنْ يَعْمَلَ بِهَا أَحَدٌ بَعْدِي، آيَةُ النَّجْوَى: كَانَ لِي دِينَارٌ فَبِعْتُهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَكُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أُنَاجِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّمْتُ دِرْهَمًا فَنُسِخَتْ بِالآيَةِ الأُخْرَى ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ [المجادلة: ١٣] الآية. وقوله: ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ [المجادلة: ١٢] يعني: تقديم الصدقة على المناجاة خير لكم، لما فيه من طاعة الله، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المجادلة: ١٢] يعني: الفقراء الذين لا مال لهم، فمن لم يجد ما يتصدق به كان معفوا عنه. ءَأَشْفَقْتُمْ [المجادلة: ١٣] قال ابن عباس: أبخلتم. والمعنى: أخفتم العيلة إن قدمتم، بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ [المجادلة: ١٣] فإذا لم تفعلوا ما أمرتم به، وتاب الله عليكم بعفوه، إياكم عن هذه الصدقة، فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [المجادلة: ١٣] المفروضة، وَآتُوا الزَّكَاةَ [المجادلة: ١٣] الواجبة.

المجادلة 58:13

يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: ١١] قال ابن عباس: يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين، على الذين لم يؤتوا العلم درجات. قوله: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ {١٢ ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٣ } [المجادلة: ١٢-١٣]. يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً [المجادلة: ١٢] قال ابن عباس في رواية الوالبي: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى شقوا عليه، وأراد الله أن يخفف عن نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلما نزلت ضن كثير من الناس، فكفوا عن المسألة. قال المفسرون: إنهم نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا، فلم يناجه أحد إلا علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، تصدق بدينار. ١١٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، نا أَبُو يَحْيَى، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو قَبِيصَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا أَحَدٌ قَبْلِي، وَلَنْ يَعْمَلَ بِهَا أَحَدٌ بَعْدِي، آيَةُ النَّجْوَى: كَانَ لِي دِينَارٌ فَبِعْتُهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَكُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أُنَاجِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّمْتُ دِرْهَمًا فَنُسِخَتْ بِالآيَةِ الأُخْرَى ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ [المجادلة: ١٣] الآية. وقوله: ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ [المجادلة: ١٢] يعني: تقديم الصدقة على المناجاة خير لكم، لما فيه من طاعة الله، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المجادلة: ١٢] يعني: الفقراء الذين لا مال لهم، فمن لم يجد ما يتصدق به كان معفوا عنه. ءَأَشْفَقْتُمْ [المجادلة: ١٣] قال ابن عباس: أبخلتم. والمعنى: أخفتم العيلة إن قدمتم، بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ [المجادلة: ١٣] فإذا لم تفعلوا ما أمرتم به، وتاب الله عليكم بعفوه، إياكم عن هذه الصدقة، فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [المجادلة: ١٣] المفروضة، وَآتُوا الزَّكَاةَ [المجادلة: ١٣] الواجبة.

المجادلة 58:14

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {١٤ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ١٥ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ١٦ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ١٧ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ١٨ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ١٩ } [المجادلة: ١٤-١٩]. قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا [المجادلة: ١٤] الآية نزلت في المنافقين، تولوا اليهود، ونقلوا إليهم أسرار المسلمين، وأراد بقوله: قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [المجادلة: ١٤] اليهود، مَا هُمْ مِنْكُمْ [المجادلة: ١٤] يعني: المنافقين ليسوا من المؤمنين في الدين والولاية، ولا من اليهود، وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ [المجادلة: ١٤] وذلك: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعبد الله بن نبتل المنافق: على ماذا تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلفوا أنهم لم يفعلوا، ولم يوالوا اليهود، فذلك قوله: وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [المجادلة: ١٤] أنهم كذبة. اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة: ١٦] يتوقون بها من القتل، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [المجادلة: ١٦] صدوا المؤمنين عن جهادهم، وأخذ مالهم. يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ [المجادلة: ١٨] قال مقاتل، وقتادة: يحلفون لله في الآخرة أنهم كانوا مؤمنين، كما حلفوا لأوليائه في الدنيا. وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ [المجادلة: ١٨] من أيمانهم الكاذبة، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ [المجادلة: ١٨] في قولهم وأيمانهم. اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ [المجادلة: ١٩] غلب واستولى، قال المبرد: استحوذ على الشيء: حواه وأحاط به، ومعناه: استدار عليهم الشيطان وأحاط بهم.

المجادلة 58:15

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {١٤ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ١٥ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ١٦ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ١٧ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ١٨ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ١٩ } [المجادلة: ١٤-١٩]. قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا [المجادلة: ١٤] الآية نزلت في المنافقين، تولوا اليهود، ونقلوا إليهم أسرار المسلمين، وأراد بقوله: قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [المجادلة: ١٤] اليهود، مَا هُمْ مِنْكُمْ [المجادلة: ١٤] يعني: المنافقين ليسوا من المؤمنين في الدين والولاية، ولا من اليهود، وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ [المجادلة: ١٤] وذلك: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعبد الله بن نبتل المنافق: على ماذا تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلفوا أنهم لم يفعلوا، ولم يوالوا اليهود، فذلك قوله: وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [المجادلة: ١٤] أنهم كذبة. اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة: ١٦] يتوقون بها من القتل، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [المجادلة: ١٦] صدوا المؤمنين عن جهادهم، وأخذ مالهم. يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ [المجادلة: ١٨] قال مقاتل، وقتادة: يحلفون لله في الآخرة أنهم كانوا مؤمنين، كما حلفوا لأوليائه في الدنيا. وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ [المجادلة: ١٨] من أيمانهم الكاذبة، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ [المجادلة: ١٨] في قولهم وأيمانهم. اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ [المجادلة: ١٩] غلب واستولى، قال المبرد: استحوذ على الشيء: حواه وأحاط به، ومعناه: استدار عليهم الشيطان وأحاط بهم.

المجادلة 58:16

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {١٤ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ١٥ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ١٦ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ١٧ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ١٨ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ١٩ } [المجادلة: ١٤-١٩]. قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا [المجادلة: ١٤] الآية نزلت في المنافقين، تولوا اليهود، ونقلوا إليهم أسرار المسلمين، وأراد بقوله: قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [المجادلة: ١٤] اليهود، مَا هُمْ مِنْكُمْ [المجادلة: ١٤] يعني: المنافقين ليسوا من المؤمنين في الدين والولاية، ولا من اليهود، وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ [المجادلة: ١٤] وذلك: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعبد الله بن نبتل المنافق: على ماذا تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلفوا أنهم لم يفعلوا، ولم يوالوا اليهود، فذلك قوله: وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [المجادلة: ١٤] أنهم كذبة. اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة: ١٦] يتوقون بها من القتل، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [المجادلة: ١٦] صدوا المؤمنين عن جهادهم، وأخذ مالهم. يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ [المجادلة: ١٨] قال مقاتل، وقتادة: يحلفون لله في الآخرة أنهم كانوا مؤمنين، كما حلفوا لأوليائه في الدنيا. وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ [المجادلة: ١٨] من أيمانهم الكاذبة، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ [المجادلة: ١٨] في قولهم وأيمانهم. اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ [المجادلة: ١٩] غلب واستولى، قال المبرد: استحوذ على الشيء: حواه وأحاط به، ومعناه: استدار عليهم الشيطان وأحاط بهم.

المجادلة 58:17

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {١٤ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ١٥ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ١٦ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ١٧ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ١٨ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ١٩ } [المجادلة: ١٤-١٩]. قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا [المجادلة: ١٤] الآية نزلت في المنافقين، تولوا اليهود، ونقلوا إليهم أسرار المسلمين، وأراد بقوله: قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [المجادلة: ١٤] اليهود، مَا هُمْ مِنْكُمْ [المجادلة: ١٤] يعني: المنافقين ليسوا من المؤمنين في الدين والولاية، ولا من اليهود، وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ [المجادلة: ١٤] وذلك: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعبد الله بن نبتل المنافق: على ماذا تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلفوا أنهم لم يفعلوا، ولم يوالوا اليهود، فذلك قوله: وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [المجادلة: ١٤] أنهم كذبة. اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة: ١٦] يتوقون بها من القتل، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [المجادلة: ١٦] صدوا المؤمنين عن جهادهم، وأخذ مالهم. يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ [المجادلة: ١٨] قال مقاتل، وقتادة: يحلفون لله في الآخرة أنهم كانوا مؤمنين، كما حلفوا لأوليائه في الدنيا. وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ [المجادلة: ١٨] من أيمانهم الكاذبة، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ [المجادلة: ١٨] في قولهم وأيمانهم. اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ [المجادلة: ١٩] غلب واستولى، قال المبرد: استحوذ على الشيء: حواه وأحاط به، ومعناه: استدار عليهم الشيطان وأحاط بهم.

المجادلة 58:18

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {١٤ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ١٥ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ١٦ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ١٧ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ١٨ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ١٩ } [المجادلة: ١٤-١٩]. قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا [المجادلة: ١٤] الآية نزلت في المنافقين، تولوا اليهود، ونقلوا إليهم أسرار المسلمين، وأراد بقوله: قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [المجادلة: ١٤] اليهود، مَا هُمْ مِنْكُمْ [المجادلة: ١٤] يعني: المنافقين ليسوا من المؤمنين في الدين والولاية، ولا من اليهود، وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ [المجادلة: ١٤] وذلك: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعبد الله بن نبتل المنافق: على ماذا تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلفوا أنهم لم يفعلوا، ولم يوالوا اليهود، فذلك قوله: وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [المجادلة: ١٤] أنهم كذبة. اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة: ١٦] يتوقون بها من القتل، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [المجادلة: ١٦] صدوا المؤمنين عن جهادهم، وأخذ مالهم. يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ [المجادلة: ١٨] قال مقاتل، وقتادة: يحلفون لله في الآخرة أنهم كانوا مؤمنين، كما حلفوا لأوليائه في الدنيا. وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ [المجادلة: ١٨] من أيمانهم الكاذبة، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ [المجادلة: ١٨] في قولهم وأيمانهم. اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ [المجادلة: ١٩] غلب واستولى، قال المبرد: استحوذ على الشيء: حواه وأحاط به، ومعناه: استدار عليهم الشيطان وأحاط بهم.

المجادلة 58:19

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {١٤ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ١٥ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ١٦ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ١٧ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ١٨ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ١٩ } [المجادلة: ١٤-١٩]. قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا [المجادلة: ١٤] الآية نزلت في المنافقين، تولوا اليهود، ونقلوا إليهم أسرار المسلمين، وأراد بقوله: قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [المجادلة: ١٤] اليهود، مَا هُمْ مِنْكُمْ [المجادلة: ١٤] يعني: المنافقين ليسوا من المؤمنين في الدين والولاية، ولا من اليهود، وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ [المجادلة: ١٤] وذلك: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعبد الله بن نبتل المنافق: على ماذا تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلفوا أنهم لم يفعلوا، ولم يوالوا اليهود، فذلك قوله: وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [المجادلة: ١٤] أنهم كذبة. اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة: ١٦] يتوقون بها من القتل، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [المجادلة: ١٦] صدوا المؤمنين عن جهادهم، وأخذ مالهم. يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ [المجادلة: ١٨] قال مقاتل، وقتادة: يحلفون لله في الآخرة أنهم كانوا مؤمنين، كما حلفوا لأوليائه في الدنيا. وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ [المجادلة: ١٨] من أيمانهم الكاذبة، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ [المجادلة: ١٨] في قولهم وأيمانهم. اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ [المجادلة: ١٩] غلب واستولى، قال المبرد: استحوذ على الشيء: حواه وأحاط به، ومعناه: استدار عليهم الشيطان وأحاط بهم.

المجادلة 58:20

وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ {٢٠ كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ٢١ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٢٢ } [المجادلة: ٢٠-٢٢]. أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ [المجادلة: ٢٠] قال عطاء: يريد الذل في الدنيا، والخزي في الآخرة، أي: هم في جملة من يلحقهم الذل في الدنيا والآخرة. كتب الله قضى الله قضاء ثابتًا، لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: ٢١] قال الزجاج: معنى غلبة الرسل على نوعين: من بعث منهم بالحرب، فهو غالب في الحرب، ومن بعث منهم بغير حرب، فهو غالب الحجة. قوله: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ [المجادلة: ٢٢] الآية، أخبر الله: أن إيمان المؤمنين يفسد بمودة الكفار، وإن من كان مؤمنًا لا يوالي من كفر، وإن كان أباه، أو ابنه، أو أخاه، أو واحدًا من عشيرته، نزلت في الذين عادوا عشائرهم الكفار وقاتلوهم، غضبًا لله ولدينه، قال الله: أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ [المجادلة: ٢٢] أثبت التصديق في قلوبهم، ومعناه: جمع الله في قلوبهم الإيمان حتى استكملوه، وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة: ٢٢] قال ابن عباس: قواهم بنصر منه في الدنيا على عدوهم. وهو قول الحسن، سمى نره إياهم روحًا، لأن به يحيا أمرهم، وما بعد هذا إلى آخر السورة ظاهر.

المجادلة 58:21

وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ {٢٠ كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ٢١ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٢٢ } [المجادلة: ٢٠-٢٢]. أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ [المجادلة: ٢٠] قال عطاء: يريد الذل في الدنيا، والخزي في الآخرة، أي: هم في جملة من يلحقهم الذل في الدنيا والآخرة. كتب الله قضى الله قضاء ثابتًا، لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: ٢١] قال الزجاج: معنى غلبة الرسل على نوعين: من بعث منهم بالحرب، فهو غالب في الحرب، ومن بعث منهم بغير حرب، فهو غالب الحجة. قوله: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ [المجادلة: ٢٢] الآية، أخبر الله: أن إيمان المؤمنين يفسد بمودة الكفار، وإن من كان مؤمنًا لا يوالي من كفر، وإن كان أباه، أو ابنه، أو أخاه، أو واحدًا من عشيرته، نزلت في الذين عادوا عشائرهم الكفار وقاتلوهم، غضبًا لله ولدينه، قال الله: أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ [المجادلة: ٢٢] أثبت التصديق في قلوبهم، ومعناه: جمع الله في قلوبهم الإيمان حتى استكملوه، وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة: ٢٢] قال ابن عباس: قواهم بنصر منه في الدنيا على عدوهم. وهو قول الحسن، سمى نره إياهم روحًا، لأن به يحيا أمرهم، وما بعد هذا إلى آخر السورة ظاهر.

المجادلة 58:22

وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ {٢٠ كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ٢١ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٢٢ } [المجادلة: ٢٠-٢٢]. أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ [المجادلة: ٢٠] قال عطاء: يريد الذل في الدنيا، والخزي في الآخرة، أي: هم في جملة من يلحقهم الذل في الدنيا والآخرة. كتب الله قضى الله قضاء ثابتًا، لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: ٢١] قال الزجاج: معنى غلبة الرسل على نوعين: من بعث منهم بالحرب، فهو غالب في الحرب، ومن بعث منهم بغير حرب، فهو غالب الحجة. قوله: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ [المجادلة: ٢٢] الآية، أخبر الله: أن إيمان المؤمنين يفسد بمودة الكفار، وإن من كان مؤمنًا لا يوالي من كفر، وإن كان أباه، أو ابنه، أو أخاه، أو واحدًا من عشيرته، نزلت في الذين عادوا عشائرهم الكفار وقاتلوهم، غضبًا لله ولدينه، قال الله: أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ [المجادلة: ٢٢] أثبت التصديق في قلوبهم، ومعناه: جمع الله في قلوبهم الإيمان حتى استكملوه، وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة: ٢٢] قال ابن عباس: قواهم بنصر منه في الدنيا على عدوهم. وهو قول الحسن، سمى نره إياهم روحًا، لأن به يحيا أمرهم، وما بعد هذا إلى آخر السورة ظاهر.

الحشر 59:1

تفسير سورة الحشر عشرون وأربع آيات، مدنية. ١١٧٧ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْنَا، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْحَشْرِ لَمْ تَبْقَ جَنَّةٌ وَلا نَارٌ وَلا عَرْشٌ وَلا الْكُرْسِيُّ، وَالْحُجُبُ وَالسَّمَواتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ، وَالْهَوَامُّ وَالرِّيَاحُ، وَالطَّيْرُ وَالْجِبَالُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ، وَالشَّمْسُ وَالْمَلائِكَةُ، إِلا صَلَّوْا عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرُوا لَهُ، فَإِنْ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ لَيْلَتِهِ كَانَ شَهِيدًا». بسم الله الرحمن الرحيم سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {١ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ ٢ وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ٣ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ٤ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ٥ } [الحشر: ١-٥]. سبح لله الآية تقدم تفسيرها. هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [الحشر: ٢] يعني: يهود بني النضير، غدروا بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن عاهدوه، وصاروا عليه مع المشركين يدًا واحدة، فحاصرهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى رضوا بالجلاء، وذكر الله تلك القصة في هذه ال { [، وكان ابن عباس يسمي هذه السورة سورة بني النضير،] لأَوَّلِ الْحَشْرِ} [سورة الحشر: ٢] كان جلاؤهم ذلك أول حشر إلى الشام، ثم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لهم: «اخرجوا». قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر». وقال الكلبي: إنهم كانوا أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب، ثم أجلي آخرهم زمن عمر رضي الله عنه، فكان جلاؤهم أول حشر من المدينة. ما ظننتم أيها المؤمنون، أن يخرجوا من ديارهم، لعزهم، ومنعتهم، وذلك أنهم كانوا أهل حصون، وعقار، ونخيل كثيرة، وحلقة، وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم وذلك قوله: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ [الحشر: ٢] أي: من سلطان الله، فأتاهم الله أي: أمر الله وعذابه، مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: ٢] وهو أنه أمر نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتالهم، وإجلائهم، وكانوا لا يظنون أن ذلك يكون، ولا يحتسبونه، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [الحشر: ٢] بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ [الحشر: ٢] وذلك: أنهم لما أيقنوا بالجلاء، حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم، فجعلوا يخربونها من داخل، والمسلمون من خارج، قال الزجاج: ومعنى تخريبها بأيدي المؤمنين: أنهم عرضوها لذلك. وقرأه العامة: يخربون من الإخراب، وقرأ أبو عمرو مشددًا من التخريب، وهما واحد مثل فرحته وأفرحته، فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر: ٢] معنى الاعتبار: النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها، والمعنى: تدبروا وانظروا فيما نزل بهم يا أهل اللب، والعقل، والبصائر. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ [الحشر: ٣] قضى عليهم أنهم يخرجون من أوطانهم إلى الشام وخيبر، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا [الحشر: ٣] بالقتل، والسبي كما فعل بقريظة، وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ [الحشر: ٣] مع ما حل بهم في الدنيا، ذلك الذي لحقهم، بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الحشر: ٤] خالفوهما ولم يطيعوهما، والآية مفسرة في الأنفال. قوله: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ [الحشر: ٥] وهي النخل كله ما خلا البرني والعجوة، وجمعها ليان، قال مجاهد: إن بعض المهاجرين وقعوا في قطع النخيل، ونهاهم بعضهم، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين. وقال الذين قطعوا: بل هو غيظ للعدو. ونزل القرآن بتصديق من نهى عن القطع، وتحليل من قطعه من الإثم، فقال: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا [الحشر: ٥] الآية. ١١٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَمْرُو بْنُ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ [الحشر: ٥] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ قال الزجاج: وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ [الحشر: ٥] بأن يريهم أموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا من قطع، وترك. والتقدير: وليخزي الفاسقين إذن في ذلك، ودل على هذا المحذوف قوله: فبإذن الله.

الحشر 59:2

تفسير سورة الحشر عشرون وأربع آيات، مدنية. ١١٧٧ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْنَا، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْحَشْرِ لَمْ تَبْقَ جَنَّةٌ وَلا نَارٌ وَلا عَرْشٌ وَلا الْكُرْسِيُّ، وَالْحُجُبُ وَالسَّمَواتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ، وَالْهَوَامُّ وَالرِّيَاحُ، وَالطَّيْرُ وَالْجِبَالُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ، وَالشَّمْسُ وَالْمَلائِكَةُ، إِلا صَلَّوْا عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرُوا لَهُ، فَإِنْ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ لَيْلَتِهِ كَانَ شَهِيدًا». بسم الله الرحمن الرحيم سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {١ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ ٢ وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ٣ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ٤ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ٥ } [الحشر: ١-٥]. سبح لله الآية تقدم تفسيرها. هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [الحشر: ٢] يعني: يهود بني النضير، غدروا بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن عاهدوه، وصاروا عليه مع المشركين يدًا واحدة، فحاصرهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى رضوا بالجلاء، وذكر الله تلك القصة في هذه ال { [، وكان ابن عباس يسمي هذه السورة سورة بني النضير،] لأَوَّلِ الْحَشْرِ} [سورة الحشر: ٢] كان جلاؤهم ذلك أول حشر إلى الشام، ثم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لهم: «اخرجوا». قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر». وقال الكلبي: إنهم كانوا أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب، ثم أجلي آخرهم زمن عمر رضي الله عنه، فكان جلاؤهم أول حشر من المدينة. ما ظننتم أيها المؤمنون، أن يخرجوا من ديارهم، لعزهم، ومنعتهم، وذلك أنهم كانوا أهل حصون، وعقار، ونخيل كثيرة، وحلقة، وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم وذلك قوله: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ [الحشر: ٢] أي: من سلطان الله، فأتاهم الله أي: أمر الله وعذابه، مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: ٢] وهو أنه أمر نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتالهم، وإجلائهم، وكانوا لا يظنون أن ذلك يكون، ولا يحتسبونه، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [الحشر: ٢] بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ [الحشر: ٢] وذلك: أنهم لما أيقنوا بالجلاء، حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم، فجعلوا يخربونها من داخل، والمسلمون من خارج، قال الزجاج: ومعنى تخريبها بأيدي المؤمنين: أنهم عرضوها لذلك. وقرأه العامة: يخربون من الإخراب، وقرأ أبو عمرو مشددًا من التخريب، وهما واحد مثل فرحته وأفرحته، فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر: ٢] معنى الاعتبار: النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها، والمعنى: تدبروا وانظروا فيما نزل بهم يا أهل اللب، والعقل، والبصائر. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ [الحشر: ٣] قضى عليهم أنهم يخرجون من أوطانهم إلى الشام وخيبر، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا [الحشر: ٣] بالقتل، والسبي كما فعل بقريظة، وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ [الحشر: ٣] مع ما حل بهم في الدنيا، ذلك الذي لحقهم، بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الحشر: ٤] خالفوهما ولم يطيعوهما، والآية مفسرة في الأنفال. قوله: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ [الحشر: ٥] وهي النخل كله ما خلا البرني والعجوة، وجمعها ليان، قال مجاهد: إن بعض المهاجرين وقعوا في قطع النخيل، ونهاهم بعضهم، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين. وقال الذين قطعوا: بل هو غيظ للعدو. ونزل القرآن بتصديق من نهى عن القطع، وتحليل من قطعه من الإثم، فقال: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا [الحشر: ٥] الآية. ١١٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَمْرُو بْنُ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ [الحشر: ٥] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ قال الزجاج: وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ [الحشر: ٥] بأن يريهم أموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا من قطع، وترك. والتقدير: وليخزي الفاسقين إذن في ذلك، ودل على هذا المحذوف قوله: فبإذن الله.

الحشر 59:3

تفسير سورة الحشر عشرون وأربع آيات، مدنية. ١١٧٧ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْنَا، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْحَشْرِ لَمْ تَبْقَ جَنَّةٌ وَلا نَارٌ وَلا عَرْشٌ وَلا الْكُرْسِيُّ، وَالْحُجُبُ وَالسَّمَواتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ، وَالْهَوَامُّ وَالرِّيَاحُ، وَالطَّيْرُ وَالْجِبَالُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ، وَالشَّمْسُ وَالْمَلائِكَةُ، إِلا صَلَّوْا عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرُوا لَهُ، فَإِنْ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ لَيْلَتِهِ كَانَ شَهِيدًا». بسم الله الرحمن الرحيم سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {١ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ ٢ وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ٣ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ٤ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ٥ } [الحشر: ١-٥]. سبح لله الآية تقدم تفسيرها. هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [الحشر: ٢] يعني: يهود بني النضير، غدروا بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن عاهدوه، وصاروا عليه مع المشركين يدًا واحدة، فحاصرهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى رضوا بالجلاء، وذكر الله تلك القصة في هذه ال { [، وكان ابن عباس يسمي هذه السورة سورة بني النضير،] لأَوَّلِ الْحَشْرِ} [سورة الحشر: ٢] كان جلاؤهم ذلك أول حشر إلى الشام، ثم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لهم: «اخرجوا». قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر». وقال الكلبي: إنهم كانوا أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب، ثم أجلي آخرهم زمن عمر رضي الله عنه، فكان جلاؤهم أول حشر من المدينة. ما ظننتم أيها المؤمنون، أن يخرجوا من ديارهم، لعزهم، ومنعتهم، وذلك أنهم كانوا أهل حصون، وعقار، ونخيل كثيرة، وحلقة، وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم وذلك قوله: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ [الحشر: ٢] أي: من سلطان الله، فأتاهم الله أي: أمر الله وعذابه، مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: ٢] وهو أنه أمر نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتالهم، وإجلائهم، وكانوا لا يظنون أن ذلك يكون، ولا يحتسبونه، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [الحشر: ٢] بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ [الحشر: ٢] وذلك: أنهم لما أيقنوا بالجلاء، حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم، فجعلوا يخربونها من داخل، والمسلمون من خارج، قال الزجاج: ومعنى تخريبها بأيدي المؤمنين: أنهم عرضوها لذلك. وقرأه العامة: يخربون من الإخراب، وقرأ أبو عمرو مشددًا من التخريب، وهما واحد مثل فرحته وأفرحته، فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر: ٢] معنى الاعتبار: النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها، والمعنى: تدبروا وانظروا فيما نزل بهم يا أهل اللب، والعقل، والبصائر. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ [الحشر: ٣] قضى عليهم أنهم يخرجون من أوطانهم إلى الشام وخيبر، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا [الحشر: ٣] بالقتل، والسبي كما فعل بقريظة، وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ [الحشر: ٣] مع ما حل بهم في الدنيا، ذلك الذي لحقهم، بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الحشر: ٤] خالفوهما ولم يطيعوهما، والآية مفسرة في الأنفال. قوله: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ [الحشر: ٥] وهي النخل كله ما خلا البرني والعجوة، وجمعها ليان، قال مجاهد: إن بعض المهاجرين وقعوا في قطع النخيل، ونهاهم بعضهم، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين. وقال الذين قطعوا: بل هو غيظ للعدو. ونزل القرآن بتصديق من نهى عن القطع، وتحليل من قطعه من الإثم، فقال: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا [الحشر: ٥] الآية. ١١٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَمْرُو بْنُ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ [الحشر: ٥] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ قال الزجاج: وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ [الحشر: ٥] بأن يريهم أموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا من قطع، وترك. والتقدير: وليخزي الفاسقين إذن في ذلك، ودل على هذا المحذوف قوله: فبإذن الله.

الحشر 59:4

تفسير سورة الحشر عشرون وأربع آيات، مدنية. ١١٧٧ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْنَا، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْحَشْرِ لَمْ تَبْقَ جَنَّةٌ وَلا نَارٌ وَلا عَرْشٌ وَلا الْكُرْسِيُّ، وَالْحُجُبُ وَالسَّمَواتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ، وَالْهَوَامُّ وَالرِّيَاحُ، وَالطَّيْرُ وَالْجِبَالُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ، وَالشَّمْسُ وَالْمَلائِكَةُ، إِلا صَلَّوْا عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرُوا لَهُ، فَإِنْ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ لَيْلَتِهِ كَانَ شَهِيدًا». بسم الله الرحمن الرحيم سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {١ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ ٢ وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ٣ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ٤ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ٥ } [الحشر: ١-٥]. سبح لله الآية تقدم تفسيرها. هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [الحشر: ٢] يعني: يهود بني النضير، غدروا بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن عاهدوه، وصاروا عليه مع المشركين يدًا واحدة، فحاصرهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى رضوا بالجلاء، وذكر الله تلك القصة في هذه ال { [، وكان ابن عباس يسمي هذه السورة سورة بني النضير،] لأَوَّلِ الْحَشْرِ} [سورة الحشر: ٢] كان جلاؤهم ذلك أول حشر إلى الشام، ثم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لهم: «اخرجوا». قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر». وقال الكلبي: إنهم كانوا أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب، ثم أجلي آخرهم زمن عمر رضي الله عنه، فكان جلاؤهم أول حشر من المدينة. ما ظننتم أيها المؤمنون، أن يخرجوا من ديارهم، لعزهم، ومنعتهم، وذلك أنهم كانوا أهل حصون، وعقار، ونخيل كثيرة، وحلقة، وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم وذلك قوله: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ [الحشر: ٢] أي: من سلطان الله، فأتاهم الله أي: أمر الله وعذابه، مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: ٢] وهو أنه أمر نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتالهم، وإجلائهم، وكانوا لا يظنون أن ذلك يكون، ولا يحتسبونه، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [الحشر: ٢] بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ [الحشر: ٢] وذلك: أنهم لما أيقنوا بالجلاء، حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم، فجعلوا يخربونها من داخل، والمسلمون من خارج، قال الزجاج: ومعنى تخريبها بأيدي المؤمنين: أنهم عرضوها لذلك. وقرأه العامة: يخربون من الإخراب، وقرأ أبو عمرو مشددًا من التخريب، وهما واحد مثل فرحته وأفرحته، فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر: ٢] معنى الاعتبار: النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها، والمعنى: تدبروا وانظروا فيما نزل بهم يا أهل اللب، والعقل، والبصائر. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ [الحشر: ٣] قضى عليهم أنهم يخرجون من أوطانهم إلى الشام وخيبر، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا [الحشر: ٣] بالقتل، والسبي كما فعل بقريظة، وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ [الحشر: ٣] مع ما حل بهم في الدنيا، ذلك الذي لحقهم، بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الحشر: ٤] خالفوهما ولم يطيعوهما، والآية مفسرة في الأنفال. قوله: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ [الحشر: ٥] وهي النخل كله ما خلا البرني والعجوة، وجمعها ليان، قال مجاهد: إن بعض المهاجرين وقعوا في قطع النخيل، ونهاهم بعضهم، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين. وقال الذين قطعوا: بل هو غيظ للعدو. ونزل القرآن بتصديق من نهى عن القطع، وتحليل من قطعه من الإثم، فقال: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا [الحشر: ٥] الآية. ١١٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَمْرُو بْنُ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ [الحشر: ٥] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ قال الزجاج: وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ [الحشر: ٥] بأن يريهم أموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا من قطع، وترك. والتقدير: وليخزي الفاسقين إذن في ذلك، ودل على هذا المحذوف قوله: فبإذن الله.

الحشر 59:5

تفسير سورة الحشر عشرون وأربع آيات، مدنية. ١١٧٧ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْنَا، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْحَشْرِ لَمْ تَبْقَ جَنَّةٌ وَلا نَارٌ وَلا عَرْشٌ وَلا الْكُرْسِيُّ، وَالْحُجُبُ وَالسَّمَواتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ، وَالْهَوَامُّ وَالرِّيَاحُ، وَالطَّيْرُ وَالْجِبَالُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ، وَالشَّمْسُ وَالْمَلائِكَةُ، إِلا صَلَّوْا عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرُوا لَهُ، فَإِنْ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ لَيْلَتِهِ كَانَ شَهِيدًا». بسم الله الرحمن الرحيم سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {١ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ ٢ وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ٣ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ٤ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ٥ } [الحشر: ١-٥]. سبح لله الآية تقدم تفسيرها. هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [الحشر: ٢] يعني: يهود بني النضير، غدروا بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن عاهدوه، وصاروا عليه مع المشركين يدًا واحدة، فحاصرهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى رضوا بالجلاء، وذكر الله تلك القصة في هذه ال { [، وكان ابن عباس يسمي هذه السورة سورة بني النضير،] لأَوَّلِ الْحَشْرِ} [سورة الحشر: ٢] كان جلاؤهم ذلك أول حشر إلى الشام، ثم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لهم: «اخرجوا». قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر». وقال الكلبي: إنهم كانوا أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب، ثم أجلي آخرهم زمن عمر رضي الله عنه، فكان جلاؤهم أول حشر من المدينة. ما ظننتم أيها المؤمنون، أن يخرجوا من ديارهم، لعزهم، ومنعتهم، وذلك أنهم كانوا أهل حصون، وعقار، ونخيل كثيرة، وحلقة، وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم وذلك قوله: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ [الحشر: ٢] أي: من سلطان الله، فأتاهم الله أي: أمر الله وعذابه، مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: ٢] وهو أنه أمر نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتالهم، وإجلائهم، وكانوا لا يظنون أن ذلك يكون، ولا يحتسبونه، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [الحشر: ٢] بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ [الحشر: ٢] وذلك: أنهم لما أيقنوا بالجلاء، حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم، فجعلوا يخربونها من داخل، والمسلمون من خارج، قال الزجاج: ومعنى تخريبها بأيدي المؤمنين: أنهم عرضوها لذلك. وقرأه العامة: يخربون من الإخراب، وقرأ أبو عمرو مشددًا من التخريب، وهما واحد مثل فرحته وأفرحته، فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر: ٢] معنى الاعتبار: النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها، والمعنى: تدبروا وانظروا فيما نزل بهم يا أهل اللب، والعقل، والبصائر. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ [الحشر: ٣] قضى عليهم أنهم يخرجون من أوطانهم إلى الشام وخيبر، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا [الحشر: ٣] بالقتل، والسبي كما فعل بقريظة، وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ [الحشر: ٣] مع ما حل بهم في الدنيا، ذلك الذي لحقهم، بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الحشر: ٤] خالفوهما ولم يطيعوهما، والآية مفسرة في الأنفال. قوله: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ [الحشر: ٥] وهي النخل كله ما خلا البرني والعجوة، وجمعها ليان، قال مجاهد: إن بعض المهاجرين وقعوا في قطع النخيل، ونهاهم بعضهم، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين. وقال الذين قطعوا: بل هو غيظ للعدو. ونزل القرآن بتصديق من نهى عن القطع، وتحليل من قطعه من الإثم، فقال: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا [الحشر: ٥] الآية. ١١٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَمْرُو بْنُ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ [الحشر: ٥] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ قال الزجاج: وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ [الحشر: ٥] بأن يريهم أموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا من قطع، وترك. والتقدير: وليخزي الفاسقين إذن في ذلك، ودل على هذا المحذوف قوله: فبإذن الله.

الحشر 59:6

قوله: وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {٦ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ٧ } [الحشر: ٦-٧]. وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ [الحشر: ٦] أي: رده عليه من مال الكفار، يقال: فاء يفيء إذا رجع، وأفاءه الله منهم من يهود بني النضير، فَمَا أَوْجَفْتُمْ [الحشر: ٦] يقال: وجف الفرس والبعير يجف وجيفًا وهو: سرعة السير، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير السريع، وقوله: عليه أي: على ما أفاء الله من: خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ [الحشر: ٦] وهي الإبل التي تحمل القوم، واحدتها راحلة، قال المفسرون: إن بني النضير لما جلوا عن أوطانهم، وتركوا رباعهم وضياعهم، طلب المسلمون من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يخمسها بينهم، كما فعل بغنائم بدر، فأنزل الله تعالى هذه الآية، يبين أنها في إذا لم يوجف المسلمون عليه خيلا ولا ركابًا، ولم يقطعوا إليه مسافة، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ [الحشر: ٦] فجعل الله تعالى أموال بني النضير لرسوله خاصة، يفعل فيها ما يشاء، فقسمها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار شيئا منها، إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم: أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة. ثم ذكر حكم الفيء، فقال: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [الحشر: ٧] الآية، من أموال كفار أهل القرى، فلله يأمركم فيه بما أحب، ولرسوله بتمليك الله إياه، ولذي القربى يعني: بني هاشم وبني المطلب، لأنهم قد منعوا الصدقة، فجعل لهم حق في الفيء، وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الحشر: ٧] أربعة أخماسه لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والباقي لهؤلاء الذي ذكرهم الله تعالى، كَيْ لا يَكُونَ [الحشر: ٧] الفيء، دُولَةً وهي: اسم للشيء يتداوله القوم بينهم، يكون لهذا مرة، ولهذا مرة، بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ [الحشر: ٧] يعني: الرؤساء يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية، قال مقاتل: يغلب الأغنياء الفقراء، فيقسمونه بينهم. ثم قال للرؤساء: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ [الحشر: ٧] من الفيء، فخذوه فهو لكم حلال، وما نهاكم عن أخذه، فانتهوا وهذا نازل في أمر الفيء، ثم هو عام في كل ما أمر به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونهى عنه، واتقوا الله في أمر الفيء، إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: ٧].

الحشر 59:7

قوله: وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {٦ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ٧ } [الحشر: ٦-٧]. وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ [الحشر: ٦] أي: رده عليه من مال الكفار، يقال: فاء يفيء إذا رجع، وأفاءه الله منهم من يهود بني النضير، فَمَا أَوْجَفْتُمْ [الحشر: ٦] يقال: وجف الفرس والبعير يجف وجيفًا وهو: سرعة السير، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير السريع، وقوله: عليه أي: على ما أفاء الله من: خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ [الحشر: ٦] وهي الإبل التي تحمل القوم، واحدتها راحلة، قال المفسرون: إن بني النضير لما جلوا عن أوطانهم، وتركوا رباعهم وضياعهم، طلب المسلمون من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يخمسها بينهم، كما فعل بغنائم بدر، فأنزل الله تعالى هذه الآية، يبين أنها في إذا لم يوجف المسلمون عليه خيلا ولا ركابًا، ولم يقطعوا إليه مسافة، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ [الحشر: ٦] فجعل الله تعالى أموال بني النضير لرسوله خاصة، يفعل فيها ما يشاء، فقسمها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار شيئا منها، إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم: أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة. ثم ذكر حكم الفيء، فقال: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [الحشر: ٧] الآية، من أموال كفار أهل القرى، فلله يأمركم فيه بما أحب، ولرسوله بتمليك الله إياه، ولذي القربى يعني: بني هاشم وبني المطلب، لأنهم قد منعوا الصدقة، فجعل لهم حق في الفيء، وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الحشر: ٧] أربعة أخماسه لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والباقي لهؤلاء الذي ذكرهم الله تعالى، كَيْ لا يَكُونَ [الحشر: ٧] الفيء، دُولَةً وهي: اسم للشيء يتداوله القوم بينهم، يكون لهذا مرة، ولهذا مرة، بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ [الحشر: ٧] يعني: الرؤساء يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية، قال مقاتل: يغلب الأغنياء الفقراء، فيقسمونه بينهم. ثم قال للرؤساء: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ [الحشر: ٧] من الفيء، فخذوه فهو لكم حلال، وما نهاكم عن أخذه، فانتهوا وهذا نازل في أمر الفيء، ثم هو عام في كل ما أمر به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونهى عنه، واتقوا الله في أمر الفيء، إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: ٧].

الحشر 59:8

ثم بين من المساكين الذين لهم الحق، بقوله: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ {٨ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٩ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ١٠ } [الحشر: ٨-١٠]. لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ [الحشر: ٨] يعني: أن كفار مكة أخرجوهم، يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ [الحشر: ٨] رزقًا يأتيهم، ورضوانًا رضا ربهم حين خرجوا إلى دار الهجرة، أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر: ٨] في إيمانهم. ثم مدح الأنصار حين طابت أنفسهم عن الفيء، فقال: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ [الحشر: ٩] يعني: المدينة، وهي دار الهجرة، تبوأها الأنصار قبل المهاجرين، وتقدير الآية: والذين تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان، لأن الأنصار لم يؤمنوا قبل المهاجرين، وعطف الإيمان على الدار في الظاهر لا في المعنى، لأن الإيمان ليس بمكان يتبوأ، والتقدير: وآثروا الإيمان، أو اعتقدوا الإيمان، يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ [الحشر: ٩] لأنهم أحسنوا إلى المهاجرين، وأشركوهم في أموالهم ومساكنهم، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا [الحشر: ٩] أي: حسدًا، وحزازة مما أوتي المهاجرين دونهم، ويؤثرون المهاجرين، على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر: ٩] فقر وحاجة، بين الله تعالى أن إيثارهم لم يكن عن غنى وعن مال، ولكن كان حاجة، وكان ذلك أعظم لأجرهم. ١١٧٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أنا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا أَخَذْتُ بِيَدِي مِيزَانًا قَطُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، نا الْفُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ أَصَابَهُ الْجَهْدُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَزْوَاجِهِ، هَلْ عِنْدَكُنَّ شَيْءٌ، فَكُلُّهُنَّ قُلْنَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدَنَا إِلا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَا يُطْعِمُكَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يُضِيفُ هَذَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَتَى بِهِ مَنْزِلَهُ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: هَذَا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأكْرِمِيهِ وَلا تَدَّخِرِي عَنْهُ شَيْئًا، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلا قُوتُ الصِّبْيَةِ، فَقَالَ: قُومِي فَعَلِّلِيهِمْ عَنْ قُوتِهِمْ حَتَّى يَنَامُوا وَلا يَطْعَمُوا شَيْئًا، ثُمَّ أَسْرِجِي وَابْرُزِي، فَإِذَا أَخَذَ الضَّيْفُ لِيَأْكُلَ قُومِي كَأَنَّكَ تُصْلِحِينَ السِّرَاجَ، فَأَطْفِئِيهِ وَتَعَالَيْ نَمْضُغُ أَلْسِنَتَنَا لِضَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَشْبَعَ، فَقَامَتْ إِلَى الصِّبْيَةِ فَعَلَّلَتْهُمْ حَتَّى نَامُوا عَنْ قُوتِهِمْ، ثُمَّ قَامَتْ وَخَرَجَتْ، فَلَمَّا أَخَذَ الضَّيْفُ لِيَأْكُلَ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ السِّرَاجَ، فَأَطْفَأَتْهُ وَجَعَلا يَمْضُغَانِ أَلْسِنَتَهُمَا، فَظَنَّ الضَّيْفُ أَنَّهُمَا يَأْكُلانِ مَعَهُ حَتَّى شَبِعَ، وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَا غَدَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمَا تَبَسَّمَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ فُلانٍ وَفُلانَةٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر: ٩] " وقال داود بن أبي هند: كان أنس بن مالك يحلف بالله عز وجل: ما في الأنصار بخيل، ويقرأ هذه الآية: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر: ٩]. وقوله: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ [الحشر: ٩] قال مقاتل: حرص نفسه. وقال أبو زيد: من لم يأخذ شيئًا نهاه الله عنه، ولم يمنع شيئًا أمره الله بأدائه، فقد وقي شح نفسه. وقال سعيد بن جبير: شح النفس هو أخذ الحرام، ومنع الزكاة. وجاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال: لقد خفت ألا تصيبني هذه الآية: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩] والله أقدر أن أعطي شيئًا أطيق منعه. فقال عبد الله: إنما ذلك البخل، وبئس الشيء البخل، ولكن الشح أن تأخذ مال أخيك بغير حقه. ١١٨٠ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ، نا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ اللَّجْلاجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَلا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ». ١١٨١ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، نا الْحَوْضِيُّ، نا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُحْشَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الْفَاحِشَ، وَإِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا». قال المفسرون: يعني: أن الأنصار ممن وقي الشح، حين طابت أنفسهم عن الفيء. قوله: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ [الحشر: ١٠] يعني: التابعين، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم، ولمن سبقهم بالإيمان بالمغفرة، بقوله: يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر: ١٠] أي: غشًا وحسدًا وبغضًا، فكل من لم يترحم على جميع أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان في قلبه غل على أحد منهم، فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية، لأن الله تعالى رتب المؤمنين على ثلاث منازل: المهاجرين، والأنصار، والتابعين الموصوفين بما ذكر، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة، كان خارجًا عن أقسام المؤمنين. ١١٨٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ أَبُو دَاوُدَ، نا أَبُو عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلًا يَنَالُ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ أَنْتَ؟ قَالَ: لا، قَالَ: أَمِنَ الْأَنْصَارِ أَنْتَ؟، قَالَ: لا، قَالَ: فَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ لَسْتَ مِنَ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ.

الحشر 59:9

ثم بين من المساكين الذين لهم الحق، بقوله: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ {٨ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٩ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ١٠ } [الحشر: ٨-١٠]. لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ [الحشر: ٨] يعني: أن كفار مكة أخرجوهم، يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ [الحشر: ٨] رزقًا يأتيهم، ورضوانًا رضا ربهم حين خرجوا إلى دار الهجرة، أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر: ٨] في إيمانهم. ثم مدح الأنصار حين طابت أنفسهم عن الفيء، فقال: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ [الحشر: ٩] يعني: المدينة، وهي دار الهجرة، تبوأها الأنصار قبل المهاجرين، وتقدير الآية: والذين تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان، لأن الأنصار لم يؤمنوا قبل المهاجرين، وعطف الإيمان على الدار في الظاهر لا في المعنى، لأن الإيمان ليس بمكان يتبوأ، والتقدير: وآثروا الإيمان، أو اعتقدوا الإيمان، يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ [الحشر: ٩] لأنهم أحسنوا إلى المهاجرين، وأشركوهم في أموالهم ومساكنهم، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا [الحشر: ٩] أي: حسدًا، وحزازة مما أوتي المهاجرين دونهم، ويؤثرون المهاجرين، على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر: ٩] فقر وحاجة، بين الله تعالى أن إيثارهم لم يكن عن غنى وعن مال، ولكن كان حاجة، وكان ذلك أعظم لأجرهم. ١١٧٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أنا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا أَخَذْتُ بِيَدِي مِيزَانًا قَطُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، نا الْفُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ أَصَابَهُ الْجَهْدُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَزْوَاجِهِ، هَلْ عِنْدَكُنَّ شَيْءٌ، فَكُلُّهُنَّ قُلْنَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدَنَا إِلا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَا يُطْعِمُكَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يُضِيفُ هَذَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَتَى بِهِ مَنْزِلَهُ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: هَذَا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأكْرِمِيهِ وَلا تَدَّخِرِي عَنْهُ شَيْئًا، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلا قُوتُ الصِّبْيَةِ، فَقَالَ: قُومِي فَعَلِّلِيهِمْ عَنْ قُوتِهِمْ حَتَّى يَنَامُوا وَلا يَطْعَمُوا شَيْئًا، ثُمَّ أَسْرِجِي وَابْرُزِي، فَإِذَا أَخَذَ الضَّيْفُ لِيَأْكُلَ قُومِي كَأَنَّكَ تُصْلِحِينَ السِّرَاجَ، فَأَطْفِئِيهِ وَتَعَالَيْ نَمْضُغُ أَلْسِنَتَنَا لِضَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَشْبَعَ، فَقَامَتْ إِلَى الصِّبْيَةِ فَعَلَّلَتْهُمْ حَتَّى نَامُوا عَنْ قُوتِهِمْ، ثُمَّ قَامَتْ وَخَرَجَتْ، فَلَمَّا أَخَذَ الضَّيْفُ لِيَأْكُلَ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ السِّرَاجَ، فَأَطْفَأَتْهُ وَجَعَلا يَمْضُغَانِ أَلْسِنَتَهُمَا، فَظَنَّ الضَّيْفُ أَنَّهُمَا يَأْكُلانِ مَعَهُ حَتَّى شَبِعَ، وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَا غَدَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمَا تَبَسَّمَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ فُلانٍ وَفُلانَةٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر: ٩] " وقال داود بن أبي هند: كان أنس بن مالك يحلف بالله عز وجل: ما في الأنصار بخيل، ويقرأ هذه الآية: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر: ٩]. وقوله: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ [الحشر: ٩] قال مقاتل: حرص نفسه. وقال أبو زيد: من لم يأخذ شيئًا نهاه الله عنه، ولم يمنع شيئًا أمره الله بأدائه، فقد وقي شح نفسه. وقال سعيد بن جبير: شح النفس هو أخذ الحرام، ومنع الزكاة. وجاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال: لقد خفت ألا تصيبني هذه الآية: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩] والله أقدر أن أعطي شيئًا أطيق منعه. فقال عبد الله: إنما ذلك البخل، وبئس الشيء البخل، ولكن الشح أن تأخذ مال أخيك بغير حقه. ١١٨٠ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ، نا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ اللَّجْلاجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَلا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ». ١١٨١ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، نا الْحَوْضِيُّ، نا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُحْشَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الْفَاحِشَ، وَإِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا». قال المفسرون: يعني: أن الأنصار ممن وقي الشح، حين طابت أنفسهم عن الفيء. قوله: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ [الحشر: ١٠] يعني: التابعين، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم، ولمن سبقهم بالإيمان بالمغفرة، بقوله: يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر: ١٠] أي: غشًا وحسدًا وبغضًا، فكل من لم يترحم على جميع أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان في قلبه غل على أحد منهم، فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية، لأن الله تعالى رتب المؤمنين على ثلاث منازل: المهاجرين، والأنصار، والتابعين الموصوفين بما ذكر، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة، كان خارجًا عن أقسام المؤمنين. ١١٨٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ أَبُو دَاوُدَ، نا أَبُو عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلًا يَنَالُ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ أَنْتَ؟ قَالَ: لا، قَالَ: أَمِنَ الْأَنْصَارِ أَنْتَ؟، قَالَ: لا، قَالَ: فَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ لَسْتَ مِنَ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ.

الحشر 59:10

ثم بين من المساكين الذين لهم الحق، بقوله: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ {٨ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٩ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ١٠ } [الحشر: ٨-١٠]. لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ [الحشر: ٨] يعني: أن كفار مكة أخرجوهم، يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ [الحشر: ٨] رزقًا يأتيهم، ورضوانًا رضا ربهم حين خرجوا إلى دار الهجرة، أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر: ٨] في إيمانهم. ثم مدح الأنصار حين طابت أنفسهم عن الفيء، فقال: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ [الحشر: ٩] يعني: المدينة، وهي دار الهجرة، تبوأها الأنصار قبل المهاجرين، وتقدير الآية: والذين تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان، لأن الأنصار لم يؤمنوا قبل المهاجرين، وعطف الإيمان على الدار في الظاهر لا في المعنى، لأن الإيمان ليس بمكان يتبوأ، والتقدير: وآثروا الإيمان، أو اعتقدوا الإيمان، يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ [الحشر: ٩] لأنهم أحسنوا إلى المهاجرين، وأشركوهم في أموالهم ومساكنهم، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا [الحشر: ٩] أي: حسدًا، وحزازة مما أوتي المهاجرين دونهم، ويؤثرون المهاجرين، على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر: ٩] فقر وحاجة، بين الله تعالى أن إيثارهم لم يكن عن غنى وعن مال، ولكن كان حاجة، وكان ذلك أعظم لأجرهم. ١١٧٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أنا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا أَخَذْتُ بِيَدِي مِيزَانًا قَطُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، نا الْفُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ أَصَابَهُ الْجَهْدُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَزْوَاجِهِ، هَلْ عِنْدَكُنَّ شَيْءٌ، فَكُلُّهُنَّ قُلْنَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدَنَا إِلا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَا يُطْعِمُكَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يُضِيفُ هَذَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَتَى بِهِ مَنْزِلَهُ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: هَذَا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأكْرِمِيهِ وَلا تَدَّخِرِي عَنْهُ شَيْئًا، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلا قُوتُ الصِّبْيَةِ، فَقَالَ: قُومِي فَعَلِّلِيهِمْ عَنْ قُوتِهِمْ حَتَّى يَنَامُوا وَلا يَطْعَمُوا شَيْئًا، ثُمَّ أَسْرِجِي وَابْرُزِي، فَإِذَا أَخَذَ الضَّيْفُ لِيَأْكُلَ قُومِي كَأَنَّكَ تُصْلِحِينَ السِّرَاجَ، فَأَطْفِئِيهِ وَتَعَالَيْ نَمْضُغُ أَلْسِنَتَنَا لِضَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَشْبَعَ، فَقَامَتْ إِلَى الصِّبْيَةِ فَعَلَّلَتْهُمْ حَتَّى نَامُوا عَنْ قُوتِهِمْ، ثُمَّ قَامَتْ وَخَرَجَتْ، فَلَمَّا أَخَذَ الضَّيْفُ لِيَأْكُلَ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ السِّرَاجَ، فَأَطْفَأَتْهُ وَجَعَلا يَمْضُغَانِ أَلْسِنَتَهُمَا، فَظَنَّ الضَّيْفُ أَنَّهُمَا يَأْكُلانِ مَعَهُ حَتَّى شَبِعَ، وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَا غَدَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمَا تَبَسَّمَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ فُلانٍ وَفُلانَةٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر: ٩] " وقال داود بن أبي هند: كان أنس بن مالك يحلف بالله عز وجل: ما في الأنصار بخيل، ويقرأ هذه الآية: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر: ٩]. وقوله: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ [الحشر: ٩] قال مقاتل: حرص نفسه. وقال أبو زيد: من لم يأخذ شيئًا نهاه الله عنه، ولم يمنع شيئًا أمره الله بأدائه، فقد وقي شح نفسه. وقال سعيد بن جبير: شح النفس هو أخذ الحرام، ومنع الزكاة. وجاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال: لقد خفت ألا تصيبني هذه الآية: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩] والله أقدر أن أعطي شيئًا أطيق منعه. فقال عبد الله: إنما ذلك البخل، وبئس الشيء البخل، ولكن الشح أن تأخذ مال أخيك بغير حقه. ١١٨٠ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ، نا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ اللَّجْلاجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَلا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ». ١١٨١ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، نا الْحَوْضِيُّ، نا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُحْشَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الْفَاحِشَ، وَإِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا». قال المفسرون: يعني: أن الأنصار ممن وقي الشح، حين طابت أنفسهم عن الفيء. قوله: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ [الحشر: ١٠] يعني: التابعين، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم، ولمن سبقهم بالإيمان بالمغفرة، بقوله: يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر: ١٠] أي: غشًا وحسدًا وبغضًا، فكل من لم يترحم على جميع أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان في قلبه غل على أحد منهم، فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية، لأن الله تعالى رتب المؤمنين على ثلاث منازل: المهاجرين، والأنصار، والتابعين الموصوفين بما ذكر، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة، كان خارجًا عن أقسام المؤمنين. ١١٨٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ أَبُو دَاوُدَ، نا أَبُو عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلًا يَنَالُ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ أَنْتَ؟ قَالَ: لا، قَالَ: أَمِنَ الْأَنْصَارِ أَنْتَ؟، قَالَ: لا، قَالَ: فَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ لَسْتَ مِنَ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ.

الحشر 59:11

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ {١١ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ١٢ لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ١٣ لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ١٤ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٥ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ١٦ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ١٧ } [الحشر: ١١-١٧]. قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا [الحشر: ١١] يعني: عبد الله بن أبيّ وأصحابه، يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ [الحشر: ١١] أي: في الدين، لأنهم كفار مثلهم، وهم اليهود، وهو قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ [الحشر: ١١] أي: من المدينة، لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ [الحشر: ١١] في خذلانكم، أحدًا أبدًا ووعدوهم النصر، بقولهم: وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ [الحشر: ١١] وكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الحشر: ١١]. ثم ذكر أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر، بقوله: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ [الحشر: ١٢] فكان الأمر على ما ذكره الله تعالى، لأنهم أخرجوا من ديارهم، فلم يخرج معهم المنافقون، وقوتلوا فلم ينصروهم، أظهر الله كذبهم، وبان صدق ما قال الله، وقوله: وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ [الحشر: ١٢] معناه: ولئن قدر وجود نصرهم، لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده، قال الزجاج: معناه: لو قصدوا نصر اليهود، لولوا الأدبار منهزمين، ثم لا ينصرون. يعني: ابن النضير لا يصيرون منصورين، إذا انهزموا ناصروهم. لأنتم أيها المؤمنون، أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ [الحشر: ١٣] قال ابن عباس: هم منكم أشد خوفًا منهم من الله. ذلك الخوف الذي لهم منكم من أجل، بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الحشر: ١٣] عظمة الله. ثم أخبر عن اليهود، فقال: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ [الحشر: ١٤] أي: لا يبرزون لحربكم، إنما يقاتلون متحصنين بالقرى والجدران، وهو قوله: أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [الحشر: ١٤] ومن قرأ جدار فالمراد بالإفراد الجمع أيضًا، لأنه يعلم أنهم لا يقاتلونهم من وراء جدار واحد، بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ [الحشر: ١٤] بعضهم فظ على بعض، وبينهم مخالفة وعداوة، وهو قوله: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر: ١٤] أي: أنهم مختلفون، لا تستوي قلوبهم ونياتهم، لأن الله خذلهم، ذلك أي: ذلك الاختلاف، بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ [الحشر: ١٤] ما فيه الحظ لهم. ثم ضرب لليهود مثلًا، فقال: كمثل الذين أي: مثلهم، كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا [الحشر: ١٥] يعني: مشركي مكة، ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ [الحشر: ١٥] يعني: القتل ببدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الحشر: ١٥] في الآخرة. ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلًا، فقال: كمثل الشيطان أي: مثل المنافقين في غرورهم بني النضير وخذلانهم، كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ [الحشر: ١٦] وهو عابد في بني إسرائيل ذكر ابن عباس قصته، فقال: كان في بني إسرائيل عابد، عَبَدَ الله زمانًا من الدهر، حتى كان يؤتي بالمجانين يداويهم، ويعودهم فيبرأون على يده، وإنه أتى بامرأة في شرف قد جنت، وكان لها إخوة فأتوه بها، فكانت عنده، فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها، فحملت، فلما استبان حملها، قتلها ودفنها، فلما فعل ذلك ذهب الشيطان حتى لقي أحد إخوتها، فأخبره بالذي فعل الراهب، وأنه دفنها في مكان كذا وكذا، ثم أتى بقية إخوانها رجلًا رجلًا، فذكر ذلك فجعل الرجل يلقى أخاه، فيقول: والله لقد أتاني آت ذكر لي شيئًا يكبر عليّ ذكره. فذكر بعضهم لبعض حتى بلغ ذلك ملكهم، فسار الملك والناس فاستنزلوه، فأقر لهم بالذي فعل، فأمر به فصلب، فلما رفع على خشبة، تمثل له الشيطان، فقال: أنا الذي زينت لك هذه الفتنة، وألقيتك فيها، وهل أنت مطيعي فيما أقول لك أخلصك مما أنت فيه؟ قال: نعم. قال: اسجد لي سجدة واحدة. قال: فسجد له وقتل الرجل. فهو قوله: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ [الحشر: ١٦] تبرأ منه الشيطان، وهو قوله: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر: ١٦] ذكرنا تفسيره في [الأنفال، ضرب الله هذه القصة مثلًا لبني النضير، حين اغتروا بالمنافقين، ثم تبرءوا منهم عند الشدة، وأسلموهم. ثم ذكر أنهما صارا إلى النار، بقوله: فكان عاقبتهما أي: عاقبة الشيطان وذلك الإنسان،] أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [سورة الحشر: ١٧] قال مقاتل: يعني: فكان عاقبة المنافقين واليهود أن صاروا إلى النار، وذلك جزاؤهم.

الحشر 59:12

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ {١١ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ١٢ لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ١٣ لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ١٤ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٥ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ١٦ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ١٧ } [الحشر: ١١-١٧]. قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا [الحشر: ١١] يعني: عبد الله بن أبيّ وأصحابه، يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ [الحشر: ١١] أي: في الدين، لأنهم كفار مثلهم، وهم اليهود، وهو قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ [الحشر: ١١] أي: من المدينة، لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ [الحشر: ١١] في خذلانكم، أحدًا أبدًا ووعدوهم النصر، بقولهم: وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ [الحشر: ١١] وكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الحشر: ١١]. ثم ذكر أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر، بقوله: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ [الحشر: ١٢] فكان الأمر على ما ذكره الله تعالى، لأنهم أخرجوا من ديارهم، فلم يخرج معهم المنافقون، وقوتلوا فلم ينصروهم، أظهر الله كذبهم، وبان صدق ما قال الله، وقوله: وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ [الحشر: ١٢] معناه: ولئن قدر وجود نصرهم، لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده، قال الزجاج: معناه: لو قصدوا نصر اليهود، لولوا الأدبار منهزمين، ثم لا ينصرون. يعني: ابن النضير لا يصيرون منصورين، إذا انهزموا ناصروهم. لأنتم أيها المؤمنون، أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ [الحشر: ١٣] قال ابن عباس: هم منكم أشد خوفًا منهم من الله. ذلك الخوف الذي لهم منكم من أجل، بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الحشر: ١٣] عظمة الله. ثم أخبر عن اليهود، فقال: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ [الحشر: ١٤] أي: لا يبرزون لحربكم، إنما يقاتلون متحصنين بالقرى والجدران، وهو قوله: أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [الحشر: ١٤] ومن قرأ جدار فالمراد بالإفراد الجمع أيضًا، لأنه يعلم أنهم لا يقاتلونهم من وراء جدار واحد، بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ [الحشر: ١٤] بعضهم فظ على بعض، وبينهم مخالفة وعداوة، وهو قوله: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر: ١٤] أي: أنهم مختلفون، لا تستوي قلوبهم ونياتهم، لأن الله خذلهم، ذلك أي: ذلك الاختلاف، بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ [الحشر: ١٤] ما فيه الحظ لهم. ثم ضرب لليهود مثلًا، فقال: كمثل الذين أي: مثلهم، كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا [الحشر: ١٥] يعني: مشركي مكة، ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ [الحشر: ١٥] يعني: القتل ببدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الحشر: ١٥] في الآخرة. ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلًا، فقال: كمثل الشيطان أي: مثل المنافقين في غرورهم بني النضير وخذلانهم، كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ [الحشر: ١٦] وهو عابد في بني إسرائيل ذكر ابن عباس قصته، فقال: كان في بني إسرائيل عابد، عَبَدَ الله زمانًا من الدهر، حتى كان يؤتي بالمجانين يداويهم، ويعودهم فيبرأون على يده، وإنه أتى بامرأة في شرف قد جنت، وكان لها إخوة فأتوه بها، فكانت عنده، فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها، فحملت، فلما استبان حملها، قتلها ودفنها، فلما فعل ذلك ذهب الشيطان حتى لقي أحد إخوتها، فأخبره بالذي فعل الراهب، وأنه دفنها في مكان كذا وكذا، ثم أتى بقية إخوانها رجلًا رجلًا، فذكر ذلك فجعل الرجل يلقى أخاه، فيقول: والله لقد أتاني آت ذكر لي شيئًا يكبر عليّ ذكره. فذكر بعضهم لبعض حتى بلغ ذلك ملكهم، فسار الملك والناس فاستنزلوه، فأقر لهم بالذي فعل، فأمر به فصلب، فلما رفع على خشبة، تمثل له الشيطان، فقال: أنا الذي زينت لك هذه الفتنة، وألقيتك فيها، وهل أنت مطيعي فيما أقول لك أخلصك مما أنت فيه؟ قال: نعم. قال: اسجد لي سجدة واحدة. قال: فسجد له وقتل الرجل. فهو قوله: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ [الحشر: ١٦] تبرأ منه الشيطان، وهو قوله: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر: ١٦] ذكرنا تفسيره في [الأنفال، ضرب الله هذه القصة مثلًا لبني النضير، حين اغتروا بالمنافقين، ثم تبرءوا منهم عند الشدة، وأسلموهم. ثم ذكر أنهما صارا إلى النار، بقوله: فكان عاقبتهما أي: عاقبة الشيطان وذلك الإنسان،] أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [سورة الحشر: ١٧] قال مقاتل: يعني: فكان عاقبة المنافقين واليهود أن صاروا إلى النار، وذلك جزاؤهم.

الحشر 59:13

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ {١١ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ١٢ لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ١٣ لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ١٤ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٥ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ١٦ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ١٧ } [الحشر: ١١-١٧]. قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا [الحشر: ١١] يعني: عبد الله بن أبيّ وأصحابه، يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ [الحشر: ١١] أي: في الدين، لأنهم كفار مثلهم، وهم اليهود، وهو قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ [الحشر: ١١] أي: من المدينة، لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ [الحشر: ١١] في خذلانكم، أحدًا أبدًا ووعدوهم النصر، بقولهم: وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ [الحشر: ١١] وكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الحشر: ١١]. ثم ذكر أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر، بقوله: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ [الحشر: ١٢] فكان الأمر على ما ذكره الله تعالى، لأنهم أخرجوا من ديارهم، فلم يخرج معهم المنافقون، وقوتلوا فلم ينصروهم، أظهر الله كذبهم، وبان صدق ما قال الله، وقوله: وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ [الحشر: ١٢] معناه: ولئن قدر وجود نصرهم، لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده، قال الزجاج: معناه: لو قصدوا نصر اليهود، لولوا الأدبار منهزمين، ثم لا ينصرون. يعني: ابن النضير لا يصيرون منصورين، إذا انهزموا ناصروهم. لأنتم أيها المؤمنون، أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ [الحشر: ١٣] قال ابن عباس: هم منكم أشد خوفًا منهم من الله. ذلك الخوف الذي لهم منكم من أجل، بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الحشر: ١٣] عظمة الله. ثم أخبر عن اليهود، فقال: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ [الحشر: ١٤] أي: لا يبرزون لحربكم، إنما يقاتلون متحصنين بالقرى والجدران، وهو قوله: أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [الحشر: ١٤] ومن قرأ جدار فالمراد بالإفراد الجمع أيضًا، لأنه يعلم أنهم لا يقاتلونهم من وراء جدار واحد، بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ [الحشر: ١٤] بعضهم فظ على بعض، وبينهم مخالفة وعداوة، وهو قوله: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر: ١٤] أي: أنهم مختلفون، لا تستوي قلوبهم ونياتهم، لأن الله خذلهم، ذلك أي: ذلك الاختلاف، بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ [الحشر: ١٤] ما فيه الحظ لهم. ثم ضرب لليهود مثلًا، فقال: كمثل الذين أي: مثلهم، كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا [الحشر: ١٥] يعني: مشركي مكة، ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ [الحشر: ١٥] يعني: القتل ببدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الحشر: ١٥] في الآخرة. ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلًا، فقال: كمثل الشيطان أي: مثل المنافقين في غرورهم بني النضير وخذلانهم، كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ [الحشر: ١٦] وهو عابد في بني إسرائيل ذكر ابن عباس قصته، فقال: كان في بني إسرائيل عابد، عَبَدَ الله زمانًا من الدهر، حتى كان يؤتي بالمجانين يداويهم، ويعودهم فيبرأون على يده، وإنه أتى بامرأة في شرف قد جنت، وكان لها إخوة فأتوه بها، فكانت عنده، فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها، فحملت، فلما استبان حملها، قتلها ودفنها، فلما فعل ذلك ذهب الشيطان حتى لقي أحد إخوتها، فأخبره بالذي فعل الراهب، وأنه دفنها في مكان كذا وكذا، ثم أتى بقية إخوانها رجلًا رجلًا، فذكر ذلك فجعل الرجل يلقى أخاه، فيقول: والله لقد أتاني آت ذكر لي شيئًا يكبر عليّ ذكره. فذكر بعضهم لبعض حتى بلغ ذلك ملكهم، فسار الملك والناس فاستنزلوه، فأقر لهم بالذي فعل، فأمر به فصلب، فلما رفع على خشبة، تمثل له الشيطان، فقال: أنا الذي زينت لك هذه الفتنة، وألقيتك فيها، وهل أنت مطيعي فيما أقول لك أخلصك مما أنت فيه؟ قال: نعم. قال: اسجد لي سجدة واحدة. قال: فسجد له وقتل الرجل. فهو قوله: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ [الحشر: ١٦] تبرأ منه الشيطان، وهو قوله: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر: ١٦] ذكرنا تفسيره في [الأنفال، ضرب الله هذه القصة مثلًا لبني النضير، حين اغتروا بالمنافقين، ثم تبرءوا منهم عند الشدة، وأسلموهم. ثم ذكر أنهما صارا إلى النار، بقوله: فكان عاقبتهما أي: عاقبة الشيطان وذلك الإنسان،] أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [سورة الحشر: ١٧] قال مقاتل: يعني: فكان عاقبة المنافقين واليهود أن صاروا إلى النار، وذلك جزاؤهم.

الحشر 59:14

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ {١١ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ١٢ لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ١٣ لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ١٤ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٥ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ١٦ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ١٧ } [الحشر: ١١-١٧]. قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا [الحشر: ١١] يعني: عبد الله بن أبيّ وأصحابه، يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ [الحشر: ١١] أي: في الدين، لأنهم كفار مثلهم، وهم اليهود، وهو قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ [الحشر: ١١] أي: من المدينة، لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ [الحشر: ١١] في خذلانكم، أحدًا أبدًا ووعدوهم النصر، بقولهم: وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ [الحشر: ١١] وكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الحشر: ١١]. ثم ذكر أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر، بقوله: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ [الحشر: ١٢] فكان الأمر على ما ذكره الله تعالى، لأنهم أخرجوا من ديارهم، فلم يخرج معهم المنافقون، وقوتلوا فلم ينصروهم، أظهر الله كذبهم، وبان صدق ما قال الله، وقوله: وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ [الحشر: ١٢] معناه: ولئن قدر وجود نصرهم، لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده، قال الزجاج: معناه: لو قصدوا نصر اليهود، لولوا الأدبار منهزمين، ثم لا ينصرون. يعني: ابن النضير لا يصيرون منصورين، إذا انهزموا ناصروهم. لأنتم أيها المؤمنون، أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ [الحشر: ١٣] قال ابن عباس: هم منكم أشد خوفًا منهم من الله. ذلك الخوف الذي لهم منكم من أجل، بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الحشر: ١٣] عظمة الله. ثم أخبر عن اليهود، فقال: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ [الحشر: ١٤] أي: لا يبرزون لحربكم، إنما يقاتلون متحصنين بالقرى والجدران، وهو قوله: أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [الحشر: ١٤] ومن قرأ جدار فالمراد بالإفراد الجمع أيضًا، لأنه يعلم أنهم لا يقاتلونهم من وراء جدار واحد، بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ [الحشر: ١٤] بعضهم فظ على بعض، وبينهم مخالفة وعداوة، وهو قوله: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر: ١٤] أي: أنهم مختلفون، لا تستوي قلوبهم ونياتهم، لأن الله خذلهم، ذلك أي: ذلك الاختلاف، بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ [الحشر: ١٤] ما فيه الحظ لهم. ثم ضرب لليهود مثلًا، فقال: كمثل الذين أي: مثلهم، كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا [الحشر: ١٥] يعني: مشركي مكة، ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ [الحشر: ١٥] يعني: القتل ببدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الحشر: ١٥] في الآخرة. ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلًا، فقال: كمثل الشيطان أي: مثل المنافقين في غرورهم بني النضير وخذلانهم، كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ [الحشر: ١٦] وهو عابد في بني إسرائيل ذكر ابن عباس قصته، فقال: كان في بني إسرائيل عابد، عَبَدَ الله زمانًا من الدهر، حتى كان يؤتي بالمجانين يداويهم، ويعودهم فيبرأون على يده، وإنه أتى بامرأة في شرف قد جنت، وكان لها إخوة فأتوه بها، فكانت عنده، فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها، فحملت، فلما استبان حملها، قتلها ودفنها، فلما فعل ذلك ذهب الشيطان حتى لقي أحد إخوتها، فأخبره بالذي فعل الراهب، وأنه دفنها في مكان كذا وكذا، ثم أتى بقية إخوانها رجلًا رجلًا، فذكر ذلك فجعل الرجل يلقى أخاه، فيقول: والله لقد أتاني آت ذكر لي شيئًا يكبر عليّ ذكره. فذكر بعضهم لبعض حتى بلغ ذلك ملكهم، فسار الملك والناس فاستنزلوه، فأقر لهم بالذي فعل، فأمر به فصلب، فلما رفع على خشبة، تمثل له الشيطان، فقال: أنا الذي زينت لك هذه الفتنة، وألقيتك فيها، وهل أنت مطيعي فيما أقول لك أخلصك مما أنت فيه؟ قال: نعم. قال: اسجد لي سجدة واحدة. قال: فسجد له وقتل الرجل. فهو قوله: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ [الحشر: ١٦] تبرأ منه الشيطان، وهو قوله: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر: ١٦] ذكرنا تفسيره في [الأنفال، ضرب الله هذه القصة مثلًا لبني النضير، حين اغتروا بالمنافقين، ثم تبرءوا منهم عند الشدة، وأسلموهم. ثم ذكر أنهما صارا إلى النار، بقوله: فكان عاقبتهما أي: عاقبة الشيطان وذلك الإنسان،] أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [سورة الحشر: ١٧] قال مقاتل: يعني: فكان عاقبة المنافقين واليهود أن صاروا إلى النار، وذلك جزاؤهم.

الحشر 59:15

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ {١١ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ١٢ لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ١٣ لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ١٤ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٥ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ١٦ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ١٧ } [الحشر: ١١-١٧]. قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا [الحشر: ١١] يعني: عبد الله بن أبيّ وأصحابه، يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ [الحشر: ١١] أي: في الدين، لأنهم كفار مثلهم، وهم اليهود، وهو قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ [الحشر: ١١] أي: من المدينة، لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ [الحشر: ١١] في خذلانكم، أحدًا أبدًا ووعدوهم النصر، بقولهم: وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ [الحشر: ١١] وكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الحشر: ١١]. ثم ذكر أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر، بقوله: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ [الحشر: ١٢] فكان الأمر على ما ذكره الله تعالى، لأنهم أخرجوا من ديارهم، فلم يخرج معهم المنافقون، وقوتلوا فلم ينصروهم، أظهر الله كذبهم، وبان صدق ما قال الله، وقوله: وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ [الحشر: ١٢] معناه: ولئن قدر وجود نصرهم، لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده، قال الزجاج: معناه: لو قصدوا نصر اليهود، لولوا الأدبار منهزمين، ثم لا ينصرون. يعني: ابن النضير لا يصيرون منصورين، إذا انهزموا ناصروهم. لأنتم أيها المؤمنون، أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ [الحشر: ١٣] قال ابن عباس: هم منكم أشد خوفًا منهم من الله. ذلك الخوف الذي لهم منكم من أجل، بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الحشر: ١٣] عظمة الله. ثم أخبر عن اليهود، فقال: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ [الحشر: ١٤] أي: لا يبرزون لحربكم، إنما يقاتلون متحصنين بالقرى والجدران، وهو قوله: أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [الحشر: ١٤] ومن قرأ جدار فالمراد بالإفراد الجمع أيضًا، لأنه يعلم أنهم لا يقاتلونهم من وراء جدار واحد، بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ [الحشر: ١٤] بعضهم فظ على بعض، وبينهم مخالفة وعداوة، وهو قوله: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر: ١٤] أي: أنهم مختلفون، لا تستوي قلوبهم ونياتهم، لأن الله خذلهم، ذلك أي: ذلك الاختلاف، بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ [الحشر: ١٤] ما فيه الحظ لهم. ثم ضرب لليهود مثلًا، فقال: كمثل الذين أي: مثلهم، كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا [الحشر: ١٥] يعني: مشركي مكة، ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ [الحشر: ١٥] يعني: القتل ببدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الحشر: ١٥] في الآخرة. ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلًا، فقال: كمثل الشيطان أي: مثل المنافقين في غرورهم بني النضير وخذلانهم، كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ [الحشر: ١٦] وهو عابد في بني إسرائيل ذكر ابن عباس قصته، فقال: كان في بني إسرائيل عابد، عَبَدَ الله زمانًا من الدهر، حتى كان يؤتي بالمجانين يداويهم، ويعودهم فيبرأون على يده، وإنه أتى بامرأة في شرف قد جنت، وكان لها إخوة فأتوه بها، فكانت عنده، فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها، فحملت، فلما استبان حملها، قتلها ودفنها، فلما فعل ذلك ذهب الشيطان حتى لقي أحد إخوتها، فأخبره بالذي فعل الراهب، وأنه دفنها في مكان كذا وكذا، ثم أتى بقية إخوانها رجلًا رجلًا، فذكر ذلك فجعل الرجل يلقى أخاه، فيقول: والله لقد أتاني آت ذكر لي شيئًا يكبر عليّ ذكره. فذكر بعضهم لبعض حتى بلغ ذلك ملكهم، فسار الملك والناس فاستنزلوه، فأقر لهم بالذي فعل، فأمر به فصلب، فلما رفع على خشبة، تمثل له الشيطان، فقال: أنا الذي زينت لك هذه الفتنة، وألقيتك فيها، وهل أنت مطيعي فيما أقول لك أخلصك مما أنت فيه؟ قال: نعم. قال: اسجد لي سجدة واحدة. قال: فسجد له وقتل الرجل. فهو قوله: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ [الحشر: ١٦] تبرأ منه الشيطان، وهو قوله: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر: ١٦] ذكرنا تفسيره في [الأنفال، ضرب الله هذه القصة مثلًا لبني النضير، حين اغتروا بالمنافقين، ثم تبرءوا منهم عند الشدة، وأسلموهم. ثم ذكر أنهما صارا إلى النار، بقوله: فكان عاقبتهما أي: عاقبة الشيطان وذلك الإنسان،] أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [سورة الحشر: ١٧] قال مقاتل: يعني: فكان عاقبة المنافقين واليهود أن صاروا إلى النار، وذلك جزاؤهم.

الحشر 59:16

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ {١١ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ١٢ لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ١٣ لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ١٤ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٥ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ١٦ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ١٧ } [الحشر: ١١-١٧]. قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا [الحشر: ١١] يعني: عبد الله بن أبيّ وأصحابه، يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ [الحشر: ١١] أي: في الدين، لأنهم كفار مثلهم، وهم اليهود، وهو قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ [الحشر: ١١] أي: من المدينة، لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ [الحشر: ١١] في خذلانكم، أحدًا أبدًا ووعدوهم النصر، بقولهم: وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ [الحشر: ١١] وكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الحشر: ١١]. ثم ذكر أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر، بقوله: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ [الحشر: ١٢] فكان الأمر على ما ذكره الله تعالى، لأنهم أخرجوا من ديارهم، فلم يخرج معهم المنافقون، وقوتلوا فلم ينصروهم، أظهر الله كذبهم، وبان صدق ما قال الله، وقوله: وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ [الحشر: ١٢] معناه: ولئن قدر وجود نصرهم، لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده، قال الزجاج: معناه: لو قصدوا نصر اليهود، لولوا الأدبار منهزمين، ثم لا ينصرون. يعني: ابن النضير لا يصيرون منصورين، إذا انهزموا ناصروهم. لأنتم أيها المؤمنون، أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ [الحشر: ١٣] قال ابن عباس: هم منكم أشد خوفًا منهم من الله. ذلك الخوف الذي لهم منكم من أجل، بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الحشر: ١٣] عظمة الله. ثم أخبر عن اليهود، فقال: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ [الحشر: ١٤] أي: لا يبرزون لحربكم، إنما يقاتلون متحصنين بالقرى والجدران، وهو قوله: أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [الحشر: ١٤] ومن قرأ جدار فالمراد بالإفراد الجمع أيضًا، لأنه يعلم أنهم لا يقاتلونهم من وراء جدار واحد، بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ [الحشر: ١٤] بعضهم فظ على بعض، وبينهم مخالفة وعداوة، وهو قوله: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر: ١٤] أي: أنهم مختلفون، لا تستوي قلوبهم ونياتهم، لأن الله خذلهم، ذلك أي: ذلك الاختلاف، بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ [الحشر: ١٤] ما فيه الحظ لهم. ثم ضرب لليهود مثلًا، فقال: كمثل الذين أي: مثلهم، كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا [الحشر: ١٥] يعني: مشركي مكة، ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ [الحشر: ١٥] يعني: القتل ببدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الحشر: ١٥] في الآخرة. ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلًا، فقال: كمثل الشيطان أي: مثل المنافقين في غرورهم بني النضير وخذلانهم، كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ [الحشر: ١٦] وهو عابد في بني إسرائيل ذكر ابن عباس قصته، فقال: كان في بني إسرائيل عابد، عَبَدَ الله زمانًا من الدهر، حتى كان يؤتي بالمجانين يداويهم، ويعودهم فيبرأون على يده، وإنه أتى بامرأة في شرف قد جنت، وكان لها إخوة فأتوه بها، فكانت عنده، فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها، فحملت، فلما استبان حملها، قتلها ودفنها، فلما فعل ذلك ذهب الشيطان حتى لقي أحد إخوتها، فأخبره بالذي فعل الراهب، وأنه دفنها في مكان كذا وكذا، ثم أتى بقية إخوانها رجلًا رجلًا، فذكر ذلك فجعل الرجل يلقى أخاه، فيقول: والله لقد أتاني آت ذكر لي شيئًا يكبر عليّ ذكره. فذكر بعضهم لبعض حتى بلغ ذلك ملكهم، فسار الملك والناس فاستنزلوه، فأقر لهم بالذي فعل، فأمر به فصلب، فلما رفع على خشبة، تمثل له الشيطان، فقال: أنا الذي زينت لك هذه الفتنة، وألقيتك فيها، وهل أنت مطيعي فيما أقول لك أخلصك مما أنت فيه؟ قال: نعم. قال: اسجد لي سجدة واحدة. قال: فسجد له وقتل الرجل. فهو قوله: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ [الحشر: ١٦] تبرأ منه الشيطان، وهو قوله: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر: ١٦] ذكرنا تفسيره في [الأنفال، ضرب الله هذه القصة مثلًا لبني النضير، حين اغتروا بالمنافقين، ثم تبرءوا منهم عند الشدة، وأسلموهم. ثم ذكر أنهما صارا إلى النار، بقوله: فكان عاقبتهما أي: عاقبة الشيطان وذلك الإنسان،] أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [سورة الحشر: ١٧] قال مقاتل: يعني: فكان عاقبة المنافقين واليهود أن صاروا إلى النار، وذلك جزاؤهم.

الحشر 59:17

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ {١١ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ١٢ لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ١٣ لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ١٤ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٥ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ١٦ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ١٧ } [الحشر: ١١-١٧]. قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا [الحشر: ١١] يعني: عبد الله بن أبيّ وأصحابه، يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ [الحشر: ١١] أي: في الدين، لأنهم كفار مثلهم، وهم اليهود، وهو قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ [الحشر: ١١] أي: من المدينة، لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ [الحشر: ١١] في خذلانكم، أحدًا أبدًا ووعدوهم النصر، بقولهم: وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ [الحشر: ١١] وكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الحشر: ١١]. ثم ذكر أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر، بقوله: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ [الحشر: ١٢] فكان الأمر على ما ذكره الله تعالى، لأنهم أخرجوا من ديارهم، فلم يخرج معهم المنافقون، وقوتلوا فلم ينصروهم، أظهر الله كذبهم، وبان صدق ما قال الله، وقوله: وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ [الحشر: ١٢] معناه: ولئن قدر وجود نصرهم، لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده، قال الزجاج: معناه: لو قصدوا نصر اليهود، لولوا الأدبار منهزمين، ثم لا ينصرون. يعني: ابن النضير لا يصيرون منصورين، إذا انهزموا ناصروهم. لأنتم أيها المؤمنون، أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ [الحشر: ١٣] قال ابن عباس: هم منكم أشد خوفًا منهم من الله. ذلك الخوف الذي لهم منكم من أجل، بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الحشر: ١٣] عظمة الله. ثم أخبر عن اليهود، فقال: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ [الحشر: ١٤] أي: لا يبرزون لحربكم، إنما يقاتلون متحصنين بالقرى والجدران، وهو قوله: أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [الحشر: ١٤] ومن قرأ جدار فالمراد بالإفراد الجمع أيضًا، لأنه يعلم أنهم لا يقاتلونهم من وراء جدار واحد، بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ [الحشر: ١٤] بعضهم فظ على بعض، وبينهم مخالفة وعداوة، وهو قوله: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر: ١٤] أي: أنهم مختلفون، لا تستوي قلوبهم ونياتهم، لأن الله خذلهم، ذلك أي: ذلك الاختلاف، بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ [الحشر: ١٤] ما فيه الحظ لهم. ثم ضرب لليهود مثلًا، فقال: كمثل الذين أي: مثلهم، كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا [الحشر: ١٥] يعني: مشركي مكة، ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ [الحشر: ١٥] يعني: القتل ببدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الحشر: ١٥] في الآخرة. ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلًا، فقال: كمثل الشيطان أي: مثل المنافقين في غرورهم بني النضير وخذلانهم، كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ [الحشر: ١٦] وهو عابد في بني إسرائيل ذكر ابن عباس قصته، فقال: كان في بني إسرائيل عابد، عَبَدَ الله زمانًا من الدهر، حتى كان يؤتي بالمجانين يداويهم، ويعودهم فيبرأون على يده، وإنه أتى بامرأة في شرف قد جنت، وكان لها إخوة فأتوه بها، فكانت عنده، فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها، فحملت، فلما استبان حملها، قتلها ودفنها، فلما فعل ذلك ذهب الشيطان حتى لقي أحد إخوتها، فأخبره بالذي فعل الراهب، وأنه دفنها في مكان كذا وكذا، ثم أتى بقية إخوانها رجلًا رجلًا، فذكر ذلك فجعل الرجل يلقى أخاه، فيقول: والله لقد أتاني آت ذكر لي شيئًا يكبر عليّ ذكره. فذكر بعضهم لبعض حتى بلغ ذلك ملكهم، فسار الملك والناس فاستنزلوه، فأقر لهم بالذي فعل، فأمر به فصلب، فلما رفع على خشبة، تمثل له الشيطان، فقال: أنا الذي زينت لك هذه الفتنة، وألقيتك فيها، وهل أنت مطيعي فيما أقول لك أخلصك مما أنت فيه؟ قال: نعم. قال: اسجد لي سجدة واحدة. قال: فسجد له وقتل الرجل. فهو قوله: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ [الحشر: ١٦] تبرأ منه الشيطان، وهو قوله: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر: ١٦] ذكرنا تفسيره في [الأنفال، ضرب الله هذه القصة مثلًا لبني النضير، حين اغتروا بالمنافقين، ثم تبرءوا منهم عند الشدة، وأسلموهم. ثم ذكر أنهما صارا إلى النار، بقوله: فكان عاقبتهما أي: عاقبة الشيطان وذلك الإنسان،] أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [سورة الحشر: ١٧] قال مقاتل: يعني: فكان عاقبة المنافقين واليهود أن صاروا إلى النار، وذلك جزاؤهم.

الحشر 59:18

ثم رجع إلى موعظة المؤمنين، فقال: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ {١٨ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ١٩ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ٢٠ } [الحشر: ١٨-٢٠]. يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر: ١٨] يعني: ليوم القيامة، والمعنى: ينظر أحدكم أيش قدم ليوم القيامة لنفسه أعملًا صالحًا ينجيه؟ أم سيئًا يوبقه؟ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ [الحشر: ١٩] تركوا أمر الله، فأنساهم أنفسهم حظوظ أنفسهم، حتى لم يعملوا بطاعة الله، ولم يقدموا كذلك خيرًا، قال ابن عباس: يريد: قريظة، والنضير، وبني قينقاع. وهو قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر: ١٩]. ثم ذكر فضيلة أصحاب الجنة بالآية التي بعد هذه.

الحشر 59:19

ثم رجع إلى موعظة المؤمنين، فقال: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ {١٨ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ١٩ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ٢٠ } [الحشر: ١٨-٢٠]. يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر: ١٨] يعني: ليوم القيامة، والمعنى: ينظر أحدكم أيش قدم ليوم القيامة لنفسه أعملًا صالحًا ينجيه؟ أم سيئًا يوبقه؟ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ [الحشر: ١٩] تركوا أمر الله، فأنساهم أنفسهم حظوظ أنفسهم، حتى لم يعملوا بطاعة الله، ولم يقدموا كذلك خيرًا، قال ابن عباس: يريد: قريظة، والنضير، وبني قينقاع. وهو قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر: ١٩]. ثم ذكر فضيلة أصحاب الجنة بالآية التي بعد هذه.

الحشر 59:20

ثم رجع إلى موعظة المؤمنين، فقال: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ {١٨ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ١٩ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ٢٠ } [الحشر: ١٨-٢٠]. يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر: ١٨] يعني: ليوم القيامة، والمعنى: ينظر أحدكم أيش قدم ليوم القيامة لنفسه أعملًا صالحًا ينجيه؟ أم سيئًا يوبقه؟ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ [الحشر: ١٩] تركوا أمر الله، فأنساهم أنفسهم حظوظ أنفسهم، حتى لم يعملوا بطاعة الله، ولم يقدموا كذلك خيرًا، قال ابن عباس: يريد: قريظة، والنضير، وبني قينقاع. وهو قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر: ١٩]. ثم ذكر فضيلة أصحاب الجنة بالآية التي بعد هذه.

الحشر 59:21

لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {٢١ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ٢٢ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٢٣ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٢٤ } [الحشر: ٢١-٢٤]. قوله: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ [الحشر: ٢١] الآية، أخبر الله تعالى أن من شأن القرآن وعظمته وبيانه، أنه لو جعل في الجبل تمييز، وأنزل عليه القرآن، لخشع وتشقق من خشية الله، والمعنى: أن الجبل على قساوته وصلابته، يتشقق من خشية الله، وحذرًا من أن لا يؤدي حق الله في تعظيم القرآن، والكافر مستخف بحقه، معرض عما فيه من العبر كأن لم يسمعها، وهذا وصف للكافر بالقسوة، حيث لم يلن قلبه لمواعظ القرآن، الذي لو نزل على جبل لخشع، وهذا تمثيل يدل على ذلك قوله: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: ٢١]. ثم أخبر بربوبيته وعظمته، فقال: هو الله وتفسير هذا سبق فيما تقدم، إلى قوله: القدوس وهو الطاهر من كل عيب، المنزه عما لا يليق به، السلام الذي سلم من النقص والعيب، المؤمن الذي أمن أولياءه عذابه، المهيمن الشهيد على عباده بأعمالهم، وهو قول قتادة، ومجاهد، ومقاتل، يقال: هيمن يهيمن فهو مهيمن. إذا كان رقيبًا على الشيء، وذهب كثير من المفسرين إلى أنه: مؤيمن على الأصل من آمن يؤمن، فيكون بمعنى: المؤمن، وذكرنا هذا فيما تقدم، الجبار العظيم، وجبروت الله عظمته، والعرب تسمى الملك: الجبار العظيم، ويجوز أن يكون فعالًا من جبر، إذا أغنى الفقير، وأصلح الكسير، يجوز أن يكون من جبره على كذا، إذا أكرهه على ما أراد، وهو قول السدي، ومقاتل، قالا: هو الذي يقهر الناس، ويجبرهم على ما أراد. وهو اختيار الزجاج، الْمُتَكَبِّرُ [الحشر: ٢٣] قال قتادة: الذي تكبر على كل سوء. وقال ابن الأنباري: المتكبر: ذو الكبرياء وهو الملك. وقال أهل المعاني: المتكبر في صفة الله تعالى الكبير. والعرب تضع تفعل في موضوع فعل، مثل: تظلم بمعنى ظلم، وتشتم بمعنى: شتم، والباقي إلى آخر السورة تقدم تفسيره فيما سبق. ١١٨٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَهْدِيٍّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ صَالِحٍ الأَنْطَاكِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، نا أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ، نا يَحْيَى بْنُ ثَعْلَبَةَ، حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمِ فِي سِتِّ آيَاتٍ فِي آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ».

الحشر 59:22

لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {٢١ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ٢٢ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٢٣ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٢٤ } [الحشر: ٢١-٢٤]. قوله: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ [الحشر: ٢١] الآية، أخبر الله تعالى أن من شأن القرآن وعظمته وبيانه، أنه لو جعل في الجبل تمييز، وأنزل عليه القرآن، لخشع وتشقق من خشية الله، والمعنى: أن الجبل على قساوته وصلابته، يتشقق من خشية الله، وحذرًا من أن لا يؤدي حق الله في تعظيم القرآن، والكافر مستخف بحقه، معرض عما فيه من العبر كأن لم يسمعها، وهذا وصف للكافر بالقسوة، حيث لم يلن قلبه لمواعظ القرآن، الذي لو نزل على جبل لخشع، وهذا تمثيل يدل على ذلك قوله: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: ٢١]. ثم أخبر بربوبيته وعظمته، فقال: هو الله وتفسير هذا سبق فيما تقدم، إلى قوله: القدوس وهو الطاهر من كل عيب، المنزه عما لا يليق به، السلام الذي سلم من النقص والعيب، المؤمن الذي أمن أولياءه عذابه، المهيمن الشهيد على عباده بأعمالهم، وهو قول قتادة، ومجاهد، ومقاتل، يقال: هيمن يهيمن فهو مهيمن. إذا كان رقيبًا على الشيء، وذهب كثير من المفسرين إلى أنه: مؤيمن على الأصل من آمن يؤمن، فيكون بمعنى: المؤمن، وذكرنا هذا فيما تقدم، الجبار العظيم، وجبروت الله عظمته، والعرب تسمى الملك: الجبار العظيم، ويجوز أن يكون فعالًا من جبر، إذا أغنى الفقير، وأصلح الكسير، يجوز أن يكون من جبره على كذا، إذا أكرهه على ما أراد، وهو قول السدي، ومقاتل، قالا: هو الذي يقهر الناس، ويجبرهم على ما أراد. وهو اختيار الزجاج، الْمُتَكَبِّرُ [الحشر: ٢٣] قال قتادة: الذي تكبر على كل سوء. وقال ابن الأنباري: المتكبر: ذو الكبرياء وهو الملك. وقال أهل المعاني: المتكبر في صفة الله تعالى الكبير. والعرب تضع تفعل في موضوع فعل، مثل: تظلم بمعنى ظلم، وتشتم بمعنى: شتم، والباقي إلى آخر السورة تقدم تفسيره فيما سبق. ١١٨٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَهْدِيٍّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ صَالِحٍ الأَنْطَاكِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، نا أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ، نا يَحْيَى بْنُ ثَعْلَبَةَ، حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمِ فِي سِتِّ آيَاتٍ فِي آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ».

الحشر 59:23

لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {٢١ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ٢٢ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٢٣ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٢٤ } [الحشر: ٢١-٢٤]. قوله: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ [الحشر: ٢١] الآية، أخبر الله تعالى أن من شأن القرآن وعظمته وبيانه، أنه لو جعل في الجبل تمييز، وأنزل عليه القرآن، لخشع وتشقق من خشية الله، والمعنى: أن الجبل على قساوته وصلابته، يتشقق من خشية الله، وحذرًا من أن لا يؤدي حق الله في تعظيم القرآن، والكافر مستخف بحقه، معرض عما فيه من العبر كأن لم يسمعها، وهذا وصف للكافر بالقسوة، حيث لم يلن قلبه لمواعظ القرآن، الذي لو نزل على جبل لخشع، وهذا تمثيل يدل على ذلك قوله: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: ٢١]. ثم أخبر بربوبيته وعظمته، فقال: هو الله وتفسير هذا سبق فيما تقدم، إلى قوله: القدوس وهو الطاهر من كل عيب، المنزه عما لا يليق به، السلام الذي سلم من النقص والعيب، المؤمن الذي أمن أولياءه عذابه، المهيمن الشهيد على عباده بأعمالهم، وهو قول قتادة، ومجاهد، ومقاتل، يقال: هيمن يهيمن فهو مهيمن. إذا كان رقيبًا على الشيء، وذهب كثير من المفسرين إلى أنه: مؤيمن على الأصل من آمن يؤمن، فيكون بمعنى: المؤمن، وذكرنا هذا فيما تقدم، الجبار العظيم، وجبروت الله عظمته، والعرب تسمى الملك: الجبار العظيم، ويجوز أن يكون فعالًا من جبر، إذا أغنى الفقير، وأصلح الكسير، يجوز أن يكون من جبره على كذا، إذا أكرهه على ما أراد، وهو قول السدي، ومقاتل، قالا: هو الذي يقهر الناس، ويجبرهم على ما أراد. وهو اختيار الزجاج، الْمُتَكَبِّرُ [الحشر: ٢٣] قال قتادة: الذي تكبر على كل سوء. وقال ابن الأنباري: المتكبر: ذو الكبرياء وهو الملك. وقال أهل المعاني: المتكبر في صفة الله تعالى الكبير. والعرب تضع تفعل في موضوع فعل، مثل: تظلم بمعنى ظلم، وتشتم بمعنى: شتم، والباقي إلى آخر السورة تقدم تفسيره فيما سبق. ١١٨٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَهْدِيٍّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ صَالِحٍ الأَنْطَاكِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، نا أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ، نا يَحْيَى بْنُ ثَعْلَبَةَ، حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمِ فِي سِتِّ آيَاتٍ فِي آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ».

الحشر 59:24

لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {٢١ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ٢٢ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٢٣ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٢٤ } [الحشر: ٢١-٢٤]. قوله: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ [الحشر: ٢١] الآية، أخبر الله تعالى أن من شأن القرآن وعظمته وبيانه، أنه لو جعل في الجبل تمييز، وأنزل عليه القرآن، لخشع وتشقق من خشية الله، والمعنى: أن الجبل على قساوته وصلابته، يتشقق من خشية الله، وحذرًا من أن لا يؤدي حق الله في تعظيم القرآن، والكافر مستخف بحقه، معرض عما فيه من العبر كأن لم يسمعها، وهذا وصف للكافر بالقسوة، حيث لم يلن قلبه لمواعظ القرآن، الذي لو نزل على جبل لخشع، وهذا تمثيل يدل على ذلك قوله: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: ٢١]. ثم أخبر بربوبيته وعظمته، فقال: هو الله وتفسير هذا سبق فيما تقدم، إلى قوله: القدوس وهو الطاهر من كل عيب، المنزه عما لا يليق به، السلام الذي سلم من النقص والعيب، المؤمن الذي أمن أولياءه عذابه، المهيمن الشهيد على عباده بأعمالهم، وهو قول قتادة، ومجاهد، ومقاتل، يقال: هيمن يهيمن فهو مهيمن. إذا كان رقيبًا على الشيء، وذهب كثير من المفسرين إلى أنه: مؤيمن على الأصل من آمن يؤمن، فيكون بمعنى: المؤمن، وذكرنا هذا فيما تقدم، الجبار العظيم، وجبروت الله عظمته، والعرب تسمى الملك: الجبار العظيم، ويجوز أن يكون فعالًا من جبر، إذا أغنى الفقير، وأصلح الكسير، يجوز أن يكون من جبره على كذا، إذا أكرهه على ما أراد، وهو قول السدي، ومقاتل، قالا: هو الذي يقهر الناس، ويجبرهم على ما أراد. وهو اختيار الزجاج، الْمُتَكَبِّرُ [الحشر: ٢٣] قال قتادة: الذي تكبر على كل سوء. وقال ابن الأنباري: المتكبر: ذو الكبرياء وهو الملك. وقال أهل المعاني: المتكبر في صفة الله تعالى الكبير. والعرب تضع تفعل في موضوع فعل، مثل: تظلم بمعنى ظلم، وتشتم بمعنى: شتم، والباقي إلى آخر السورة تقدم تفسيره فيما سبق. ١١٨٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَهْدِيٍّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ صَالِحٍ الأَنْطَاكِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، نا أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ، نا يَحْيَى بْنُ ثَعْلَبَةَ، حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمِ فِي سِتِّ آيَاتٍ فِي آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ».